welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام الإرث *
نویسنده :السيد رضا پيغمبر پور الكاشاني*

نظام الإرث

صفحه 1
الأحوال الشخصية
نظام الإرث
في الشريعة الإسلامية الغرّاء
تقريراً لبحث شيخنا
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
ـ دام ظلّه ـ
تأليف
السيد رضا پيغمبر پور الكاشاني

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب: نظام الإرث في الشريعة الإسلامية الغرّاء
الموضوع: الأحوال الشخصية: الإرث
المحاضر: الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
المؤلّف: السيّد رضا پيغمبر پور الكاشاني
الطبعة: الأُولى
المطبعة: اعتماد ـ قم
التاريخ: 1415 هـ
الكمية: 2000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 3

كلمة شيخنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ :

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله المتفرّد بالبقاء، المتوحّد بالكبرياء، وارث الأرض والسماء، الّذي لا تنقص بالعطاء خزائنه، ولا ينضب بالحباء معين عوائده.
والصلاة والسلام على أشرف وأفضل بريته، مبيّن السنن والفرائض، محمّد وآله، حملة علومه وناقلي سننه وأحاديثه، صلاة دائمة، ما لاح بدر في السماء، ونجم في الدجى.
أمّا بعد: فانّ العلم بالفرائض والمواريث من أهم الأبواب الفقهية، وقد أُلُّفت فيه قديماً وحديثاً كتب ورسائل أدّي فيها حق الكلام والمقال، وقد طلب مني حضّار بحوثي الفقهية إلقاء محاضرات في هذا المضمار علماً منهم بمشاكلها ومعضلاتها حيث إنّه روي انّ الفرائض نصف العلم، وورد الحث الأكيد على تعلّمها وتعليمها للناس، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «تعلموا الفرائض وعلِّموها الناس».
فلأجل هذه الأهمية الكبيرة نزلت عند رغبتهم، فألقيت محاضرات عليهم في هذا المجال، وجعلت المتن كتاب الشرائع للمحقّق الحلي (رحمه الله) مقتصراً على أهم المسائل، وموضحاً لمشاكلها، بعبارات سهلة وبيانات شافية عسى أن يكون مصباحاً للطالب ومشكاةً للسائر. وقد قام بتحرير ما ألقيت ثلّة من الأفاضل، منهم: العلم العلام، فخر الفضلاء، حجة الإسلام السيد رضا «پيغمبر پور» الكاشاني ـ دامت افاضاته ـ فضبط ما ألقيته بتحرير رائق، لا بإيجاز مخلّ، ولا باطناب مملّ، ولقد أعجبتني إحاطته بالمعادلات الرياضية، وسعة باله في قوانينها، وبفضل براعته فيها قام بتصوير المسائل رياضياً، وقد أضفى بذلك للكتاب ثوباً جديداً.
وأرجو من الله سبحانه أن يجعله نبراساً للمشتغلين، ومن أصحاب الفتيا ومراجع الأحكام في المستقبل ان شاء الله تعالى.
جعفر السبحاني
28 رجب المرجب 1415 هـ

صفحه 4

كلمة المؤلِّف:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله الّذي له البقاء، وله العظمة والكبرياء، والجلال والبهاء، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه، وأفضل سفرائه محمّد وأهل بيته، ورثة علومه، وخلفائه في أُمّته.
أمّا بعد: فقد كان بي ظمأ شديد، وشغف زائد لمعرفة الأحوال الشخصية وما لها من الأحكام في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء، وكنت أنتهز الفرص لسبر أغوارها، علماً مني بأنها تشكل جزءاً كبيراً من الفقه الإسلامي، ولا تختص بباب النكاح والظهار والايلاء واللعان، والطلاق بأقسامه المختلفة من الخلع والمباراة والميراث، بل تعم أبواباً أُخر كالوصية والحجر، وغيرهما، إلى أن حالفني التوفيق بقيام شيخنا العلاّمة الحجة آية الله الشيخ جعفر السبحاني، بدراسة هذه الأبواب دراسة معمقة دورة بعد دورة، فقمت بكتابة أكثر هذه المحاضرات، وها أنا أقدم لطلاب الفقه باقة أزاهير عطرة من كتاب المواريث والفرائض حتّى يكون باكورة خير لنشر ما كتبته من دروس شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ طيلة سنوات حضرت فيها دروسه وأندية بحثه.
فحيّاه الله من رجل علم وفقاهة، وتقى وصلاح، وتربية وتوعية، وتأليف وتصنيف إلى غير ذلك من فضائل ومآثر، وزاده توفيقاً وسداداً في هذا المضمار.
قم ـ الحوزة العلمية
السيد رضا پيغمبر پور
الكاشاني
20 رجب الأصب 1415 هـ

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
قال شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ :
«لمواريث»: جمع الميراث الذي هو اسم بمعنى المصدر أعني «لإرث» وعرّف باستحقاق إنسان بموت آخر بنسب أو سبب شيئاً بالأصالة، أو بمعنى اسم المفعول أي الموروث ويعرّف بأنّه مايستحقّه إنسان بموت آخر الخ ويستعمل غالباً في المعنى الثاني.
و «لفرائض»: جمع الفريضة، بمعنى التقدير، ومنه قوله سبحانه: (لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا تَركَ الوالدان والأقرَبُونَ ممّا قَلَّ مِنْهُ أوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (1) أي مقدّراً، ويمكن أن يراد منه العطيّة باعتبار كون الارث عطية من اللّه تبارك وتعالى، أو يراد منه القطع يقال: فرضت الثوب، أي قطعته فكأنّ التركة تتقطّع بين الورّاث، وعلى أيّ حال فإن أُريد منه السهام المفصلة المقدرة في الكتاب فهو أخصّ من المواريث، وإن أُريد مطلق السهام المقدرة في السنّة أو الحاصلة من آية (أُولُوا الأرْحامِ) (2) فهما متساويان.

(1) النساء/7.
(2) الأحزاب/6.

صفحه 6

العناية بتعلّم الفرائض:

وقد استفاضت الأخبار على لزوم تعلّم الفرائض وتعليمها:
1ـ عن النبي الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «إنّما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة وما خلاهنّ فهو فضل». (1) بناء على أنّ المراد من «فريضة عادلة» هو الفرائض والمواريث.
2ـ روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «تعلّموا القرآن وعلّموه الناس وتعلّموا العلم وعلّموه الناس وتعلّموا الفرائض وعلّموه الناس فإنّ العلم سينقضي، وتظهر الفتن حتّى يختلف الاثنان في الفريضة فلايجدان من يفصل بينهما». (2)
3ـ روى أبو هريرة: أنّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: «تعلّموا الفرائض وعلّموه الناس فإنّه نصف العلم وهو ينسى وهو أوّل شيء ينتزع من أُمّتي». (3)
4ـ روى الترمذي والحاكم: «تعلّموا القرآن والفرائض وعلّموا الناس فإنّي مقبوض». (4)
5ـ عن عليّ (عليه السلام) في بيان الناسخ والمنسوخ، قال: «إنّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لما هاجر إلى المدينة آخى بين أصحابه المهاجرين والأنصار وجعل المواريث على الإخوة في الدين، لا في ميراث الأرحام وذلك قوله: (الّذينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وَ أنْفُسِهِمْ في سَبيلِ اللّهِ والّذينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ

(1) الكليني: الكافي: 1/32 باب صفة العلم، والسنن الكبرى للبيهقي: 6/208 كتاب الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض.
(2) السنن الكبرى: 6/209.
(3) المصدر نفسه.
(4) التاج الجامع للأُصول: 2/250، كتاب الفرائض.

صفحه 7
بَعْض وَ الّذينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتّى يُهاجِرُوا) فأخرج الأقارب من الميراث وأثبته لأهل الهجرة وأهل الدين خاصة فلمّـا قوى الإسلام أنزل اللّه: (النَّبِيُّ أولى بِالمُؤمِنينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَ أزْواجُهُ أُمَّهاتُـهُمْ وَأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أولى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُهاجِرينَ إلاّ أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكُمْ مَعْرُوفاً) . (1)
وللبحث عن صحّة ما تضمّنته الرواية مجال آخر فإنّ في وجود النسخ في القرآن كله وفي خصوص هذه الآية كلاماً نرجئه إلى محلّه.
6ـ عن عبد اللّه بن مسعـود: من تعلّم القرآن فليتعلّم الفرائض ولايكن كرجل لقيه أعرابي فقال له: يا عبد اللّه أعرابي أم مهاجر؟ فإن قال: مهاجر، قال: إنسان من أهلي مات فكيف نقسّم ميراثه، فإن علم كان خيراً أعطاه اللّه إيّاه، وإن قال: لاأدري، قال: فما فضلكم علينا إنّكم تقرأون القرآن ولاتعلمون الفرائض. (2)
7ـ وعنه أيضاً: تعلّموا الفرائض والحج والطلاق فانّه من دينكم. (3)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على تعلّمها وقد اختلفت كلماتهم في تفسير كون الفرائض نصف العلم ذكرها وأنهاها المحقّق العلياري (4) إلى أربعة عشر وجهاً والأولى، حملها على المبالغة في كثرة شُعبها وتشتتها وشدة الحاجة إليها مع ما كانت العرب على التسامح في ميراث البنات والنساء فجاء الإسلام بنظام خاص في تقسيم الميراث يبهر العقول ومن وقف على عادات العرب في تقسيمها يقدّر نظام الميراث في الإسلام بأكمل تقدير، وإليك بعض ماروي عن دأبهم وعادتهم في الميراث.

(1) الوسائل: 17، الباب الأوّل من أبواب موجبات الإرث، ح4. والآيتان من سورة الأنفال/72 والأحزاب/6.
(2) السنن الكبرى: 6/ 209.
(3) السنن الكبرى: 6/ 209.
(4) إيضاح الغوامض: 8.

صفحه 8

نظام الارث في العهد الجاهلي:

1ـ جاءَت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أُحد شهيداً وأنّ عمّهما أخذ مالهما ولايُنكحان إلاّ ولهما مال قال: فنزلت آية الميراث فأرسل رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى عمّهما فقال: «أعطِ ابنتي سعد الثلثين وأُمّهما الثمن وما بقي فهو لك». (1)
وذيل الرواية مخالف لما اتفقت عليه الإمامية من عدم توريث العمّ مع الولد للميّت.
2ـ لما مات أوس الأنصاري عن زوجة وولد وبنات، عمد أبناء عمّه وأخذوا المال فشكت زوجته إلى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فدعاهم فقالوا: يا رسول اللّه إنّ ولدها لايركب ولاينكأ عدواً فأنزل اللّه: (للرِّجالِ نَصِيبٌ) إلى آخرها ثمّ أنزل: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أولادِكُمْ) إلى آخرها. (2)

اختلاف الصحابة في الفرائض:

1ـ عن سماك عن عبيدة السلماني قال: كان علي (عليه السلام) على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة، فقال (عليه السلام): «صار ثمن المرأة تسعاً»، قال سماك: فقلت لعبيدة: وكيف ذلك؟ قال: إنّ عمربن الخطاب وقعت في أمارته هذه الفريضة فلم يدر ما يصنع وقال: للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، قال: هذا الثمن باقياً بعد الأبوين

(1) المغني: 6/ 224.
(2) الدر المنثور: 2/ 122، لاينكأ أي لايقتل عدواً.

صفحه 9
والبنتين؟ فقال له أصحاب محمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: أعط هؤلاء فريضتهم، للأبوين السدسان، وللزوجة الثمن وللبنتين ما يبقى، فقال: فأين فريضتهما الثلثان؟ فقال له علي (عليه السلام): «لهما ما يبقى»، فأبى ذلك عليه عمر وابن مسعود، فقال علي (عليه السلام) على ما رأى عمر، قال عبيدة: وأخبرني جماعة من أصحاب علي (عليه السلام) بعد ذلك في مثلها: أنّه أعطى الزوج الربع مع الابنتين وللأبوين السدسين والباقي ردّ على البنتين، وذلك هو الحقّ وإن أباه قومنا. (1)
2ـ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : الحمد للّه الّذي لا مقدّم لما أخّر، ولا مؤخّر لما قدّم، ثمّ ضرب بإحدى يديه على الأُخرى، ثمّ قال: يا أيتها الأُمّة المتحيرة بعد نبيّها لو كنتم قدّمتم من قدّم اللّه، وأخّرتم من أخّر اللّه، وجعلتم الولاية والوراثة لمن جعلها اللّه ما عال ولي اللّه، ولاطاش سهم من فرائض اللّه، ولااختلف اثنان في حكم اللّه، ولاتنازعت الأُمّة في شيء من أمر اللّه ألاوعند عليّ علمه من كتاب اللّه، فذوقوا وبال أمركم وما فرّطتم فبما قدمت أيديكم وما اللّه بظلاّم للعبيد». (2)
3ـ عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال: جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض في المواريث، فقال ابن عباس: سبحان اللّه العظيم أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟فقال له زفر بن أوس البصري: ]يا أبا العباس[ فمن أوّل من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب لمّا التفّت الفرائض عنده ودفع بعضها بعضاً فقال: واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه وأيّكم أخّر وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أُقسّم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كل ذي سهم حقّ ما

(1) الوسائل: 17، الباب 7من أبواب موجبات الإرث، ح14.
(2) المصدر نفسه: ح5.

صفحه 10
دخل عليه من عول الفرائض، وأيم اللّه لو قدّم من قدّم اللّه وأخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيّها قدّم وأيّها أخّر؟
فقال: كل فريضة لم يهبطها اللّه عن فريضة إلاّ إلى فريضة فهذا ما قدّم اللّه، وأمّا ما أخّر: فلكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلاّ ما بقي فتلك التي أخّر. فأمّا الذي قدّم: فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأُمّ لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه، وأمّا التي أخّر: ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلاّ ما بقي فتلك التي أخّر، فإذا اجتمع ما قدّم اللّه وما أخّر بُدِئ بما قدّم اللّه فأُعطي حقّه كاملاً، فإن بقي شيء كان لمن أخّر وإن لم يبق شيء فلاشيء له. (1)
4ـ عن هذيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان ابن ربيعة الباهلي فسألهما عن رجل ترك ابنته وابنة ابنه؟ فقالا: للابنة النصف، وليس لابنة الابن شيء وائت ابن مسعود! فإنّه سيتابعنا قال: فجاء الرجل إلى عبد اللّه بن مسعود فأخبره بما قالا، قال: (قَدْ ضَلَلْتُ إذاً وَما أنَا مِنَ المُهْتَدينَ) ولكن سأقضي فيها بقضاء رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قضى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في رجل ترك ابنته وابنة ابنه وأُخته، فجعل للابنة النصف ولابنة الابن السدس وما بقي للأُخت. (2)
5ـ عن الشعبي قال: اختلف علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان وابن عباس في جدّ وأُمّ وأُخت لأب وأُمّ، فقال علي: «للأُخت النصف، وللأُمّ الثلث، وللجدّ السدس»، وقال ابن مسعود: للأُخت النصف وللأُمّ السدس،

(1) الوسائل: 17، الباب 7من أبواب موجبات الإرث، ح6.
(2) المتقي الهندي: كنز العمال: 11/45.

صفحه 11
وللجدّ الثلث، وقال عثمان: للأُمّ الثلث، وللأُختِ الثلث، وللجد الثلث، وقال زيد: هي على تسعة أسهم: للأُمّ الثلث ثلاثة، ومابقي فثلثان للجد والثلث للأُخت، وقال ابن عباس: للأُمّ الثلث وما بقي فللجدّ وليس للأُخت شيء. (1)
6ـ عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين؟ فقال: للزوج النصف وللأُمّ الثلث ممّا بقي وللأب الفضل، فقال ابن عباس: أفي كتاب اللّه وجدتَه أم رأي تراه؟ قال: رأي أراه، لاأرى أن أُفضِّل أُمّاً على أب، وكان ابن عباس يجعل لها الثلث من جميع المال. (2)
هذه نماذج من مناظرات الصحابة بعضهم مع بعض و اختلافهم في الفرائض وقد تركنا الكثير وربما يمرّ عليك بعضها، كل ذلك يعرب عن عدم وقوفهم على الفرائض التي جاء بها الإسلام، وقوفاً كاملاً مغنياًعن أيّ تشريع بشريّ.
نعم من رجع إلى أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه، يقف على أنّه كان عندهم النظام الدقيق للمواريث، الذي ورثوه عن رسول الإسلام صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وراثة إلهيّة لاتعليمية بشرية.

هل كان زيد بن ثابت «أفرض» الصحابة؟

ورد عن طريق أهل السنّة أنّ زيد بن ثابت أفرضهم (3)، ولكن بكير بن أعين قال: دخل رجل على أبي جعفر (عليه السلام)فسأله عن امرأة تركت زوجها وإخوتها لأُمّها واُختاً لأب؟ قال: «للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللإخوة من الأُمّ الثلث

(1) المتقي الهندي: كنز العمال: 11/68.
(2) المصدر نفسه: 43.
(3) السنن الكبرى: 6/210.

صفحه 12
سهمان، وللأُخت للأب سهم»، فقال له الرجل. فإنّ فرائض زيد وابن مسعود وفرائض العامّة والقضاة على غير ذا يا أبا جعفر! يقولون:
للأب والأُمّ ثلاثة أسهم نصيب من ستّة يعول إلى ثمانية.فقال أبو جعفر (عليه السلام): «ولم قالوا ذلك؟» قال: لأنّ اللّه قال: (ولَهُ أُختٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَك)فقال أبو جعفر: «فما لكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجّون بأمر اللّه فإنّ اللّه سمّى لها النصف وانّ اللّه سمّى للأخ الكل، فالكل أكثر من النصف فانّه قال: (فلها النصف) وقال للأخ: (وهو يرثها)يعني جميع المال إن لم يكن لها ولد، فلاتعطون الذي جعل له الجميع في بعض فرائضكم شيئاً وتعطون الذي جعل اللّه له النصف تامّاً». (1)
ثمّ إنّ أصل الميراث ممّا وقع عليه إجماع المسلمين، بل يعد من ضروريات الدين أو الكتاب والسنّة.
فمن الكتاب قوله تعالى: (وَلِكُلّ جَعَلْنا مَواليَ ممّا تَرَكَ الوالِدانِ

(1) البحار: 101، الباب 5 من أبواب الميراث، ح25.

صفحه 13
وَالأقْرَبُونَ وَالّذينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنّ اللّهَ كانَ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيداً) . (1)
والمعنى: (ولكل) الناس جعلنا من هو أولى بالارث يرثونه (ممّا ترك) وهم (الوالدان والأقربون و الذين عقدت أيمانكم) كضامن الجريرة كما عليه المشهور من المفسرين، ويمكن أن يكون المراد منه الزوجة، والأولى، أن يراد الأعم وعليه تكون الآية متعرّضة لكافّة أسباب الارث من نسب أو سبب. وقوله سبحانه: (لِلرّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَ الأقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) . (2)
وقوله سبحانه: (وَ أُولُوا الأرحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ مِنَ المُؤمِنينَ وَ المُهاجِرينَ إلاّ أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكُمْ مَعْروفاً) . (3)
وقوله سبحانه: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) . (4)
وغير ذلك من الآيات التي ستمر عليك في ثنايا البحث.

(1) النساء/33، وعلى ما ذكرنا يكون الموصول مقطوعاً عن ما قبله فإنّ الوالدين في الآية ممّن يورثون والحال انّ الموصول وصلته من الوارثين ولأجل ذلك قال: (فآتُوهُمْ نَصيبهم...) وفي تفسير قوله سبحانه: (والذين عقدت) وجوه اُخر، لاحظ مجمع البيان: 2/ 42.
(2) النساء/7.
(3) الأحزاب/5.
(4) النساء/11.

صفحه 14

صفحه 15

في موجبات الارث

إنّ مجموع ما يبحث عنه في كتاب «لميراث» لايتجاوز عن أُمور ستة:
1ـ موجبات الإرث وأسبابه.
2ـ موانع الإرث وحواجبه.
3ـ مقادير سهام الورّاث.
4ـ رتبة الورّاث في الاستحقاق.
5ـ تفصيل أحكامهم مع الانفراد والاجتماع.
6ـ كيفية القسمة عليهم.
فكان اللازم تقديم تفصيل الموجب على المانع إلاّ أنّ المحقق عكس ذلك، فقدّم تفصيل الموانع على الموجبات، فنحن نتّبعه. غير أنّا نقدّم كلاماً موجزاً في الموجبات ونترك التفصيل لما يأتي فنقول:
أمّا الموجبات، فله سببان: النسب، والسبب، كما قيل:
«لارث في الشرع بأمرين وجب *** بالنسب الثابـت شرعاً وسبب»
والمراد من النسب: هو الاتصال بالولادة بانتهاء أحدهما إلى الآخر كالأب

صفحه 16
والابن غايةُ الأمر أنّ اتصال الأب إلى الابن نزولاً وانتهاء الابن إلى الأب صعوداً، أو بانتهائهما إلى ثالث كالإخوة والأخوات.
وأمّا مراتب النسب فثلاث، لا يرث واحد من المرتبة التالية مع المرتبة السابقة إذا كانت خالية من الموانع.
الأُولى: وهي تنحصر في صنفين:
1ـ الآباء فقط دون آبائهم، فإنّ آباء الآباء يرثون في المرتبة الثانية كما سيجيئ.
2ـ الأولاد وإن نزلوا، فانّهم يرثون مطلقاً سواء كان للميّت أب أو لا، نعم ذهب الصدوق ـ رحمه اللّه ـ إلى اشتراط توريث أولاد الأولاد بعدم وجود الآباء حيث قال: فإن ترك ابن ابن وأبوين فللأُمّ الثلث وللأب الثلثان وسقط ابن الابن(1) وسيوافيك ضعفه.
ثمّ إنّ الميزان في الأولاد في المقام، وهكذا فيما سيوافيك من أولاد الإخوة والعمومة والخؤولة هو المساواة في التعزّي إلى الميّت، فالواحد من بطن أعلى وإن كان أُنثى يمنع جميع مَنْ في بطن أسفل منه.
الثانية: الجدّ والجدة والإخوة والأخوات وأولادهم، وإنّما أفردنا الأولاد من الإخوة والأخوات بالذكر في هذا القسم لعدم صدق هذه العناوين على أولادهم، فلايصحّ إذا قيل: وإن نزلوا، لأنّ ابن الأخ لايكون أخاً وهذا بخلاف الأولاد والأجداد.
الثالثة: الأعمام والأخوال للأبوين أو أحدهما فصاعداً كأعمام الأب والأُمّ، وأعمام الأجداد، وأخوال الأب والأُمّ، وأخوال الأجداد، ويقوم مقامهم أولادهم

(1) المقنع والهداية، باب المواريث: 169.

صفحه 17
فيترتبون على درجات:
الأُولى: أعمام الميت وعماته وأخواله وخالاته، ويقوم أولادهم مقامهم مع موتهم إلاّ ما قام عليه الإجماع من تقديم ابن العم من الأبوين على العمّ من الأب فقط.
الثانية: عمومة أبويه وخؤولتهما وأولادهم بعدهم.
الثالثة: عمومة أجداده وجداته وخؤولتهما وأولادهم بعدهم.
الواحد من كل درجة وإن كان أُنثى يمنع من وراءه من الدرجات. كلّ ذلك يدلّ عليه الكتاب والسنّة أعني قوله تعالى: (وَ أُولُوا الأرحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْض)ويكفيك ذلك في رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «بنك أولى بك من ابن ابنك، وابن ابنك أولى بك من أخيك قال: وأخوك لأبيك وأُمك، أولى بك من أخيك لأبيك، وأخوك لأبيك، أولى بك من أخيك لأُمّكَ قال: وابن أخيك لأبيك وأُمّك، أولى بك من ابن أخيك لأبيك قال: وابن أخيك من أبيك، أولى بك من عمّك قال: وعمّك أخو أبيك من أبيه وأُمّه، أولى بك من عمّك أخي أبيك من أبيه قال: وعمك أخو أبيك من أبيه، أولى بك من عمّك أخي أبيك لأُمّه، قال: وابن عمّك أخي أبيك من أبيه وأُمّه، أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأبيه، قال: وابن عمّك أخي أبيك من أبيه، أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأُمّه». (1)
والسند صحيح إلى هشام بن سالم وأمّا يزيد الكناسي الواقع في آخر السند، فهو لم يوثَّق واختلف في ضبطه بين يزيد وبريد، غير أنّ شيخنا الشوشتري رجح

(1) الوسائل: 17، الباب 1من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2.
والرواية وإن جعل المتقرّب بالأب وحده أولى من المتقرب بالأُمّ وحدها من الإخوة والأعمام وأولادهم، لكنّ المراد منه هنا هو زيادة الميراث وفي غيرهم بمعنى الحجب كما سيوافيك.

صفحه 18
كونه يزيد لكون كنيته أبو خالد وهي كنية غالب من سمي يزيداً.
فتلخّص أنّ للنسب طبقات ثلاث ولكل طبقة درجات:
1ـ الطبقة الأُولى: الأبوان والأولاد مرتبة واحدة، والأولاد ذوو درجات.
2ـ الطبقة الثانية: الجدّ و الجدّة والإخوة والأخوات وللكل مراتب، فللجد والجدّة صعود، كالجد وجد الأب وجدّ جده، وللإخوة والأخوات نزول مثل أولادهما وأولاد أولادهما.
3ـ الطبقة الثالثة: أعني طبقة العمومة والخؤولة فلها درجات متصاعدة ودرجات متنازلة، والمتصاعدة كعم الميت وعمّته، وخاله وخالته، ثمّ عمّ الأب وعمّته، وخاله وخالته، ومثله عمّ الأُمّ وعمّتها، وخالها وخالتها.
ولكلّ درجة مراتب متنازلة كأولاد عم الميت وعمّته، وخاله وخالته، وأولاد أولادهم، متنازلين كأولاد عمّ أب الميّت وعمّته، وخاله وخالته، وأولاد عمّ أُمّ الميّت وعمتها وخالها وخالتها وأولادهم متنازلين.
إنّ واحداً من كل درجة ولو كان أُنثى يمنع من وراءه من الدرجات وليعلم أنّ المتقرب من الجانبين (الأب والأُمّ) يمنع المتقرب بالأب عن الفرض والرد معاً في الجملة، وأمّا المتقرب بالأُمّ فإنّما يمنعه من الردّ لامن الفرض.
والمتقرب من الجهتين لايمنع المتقرب من جهة واحدة، نعم يرث من الجهتين كزوج هو ابن عم.
وأمّا الكلام في السبب: فهو ينحصر في الزوجية والولاء وعرّف بالاتصال بهما، أو الاتصال بغير الولادة.
أمّا الأوّل: فيشترط فيها الدوام أو تأجيله مع اشتراط الإرث على القول بصحة الاشتراط فيه.

صفحه 19
وأمّا الثاني: أعني الولاء (بالكسر) وهو أحد الأسباب الموجبة للارث فهو على ثلاثة أقسام، ولاء العتق، و ولاء ضمان الجريرة، وولاء الإمامة. وزاد الشيخ الطوسي (1) ولاء من أسلم على يده كافر وولاء مستحق الزكاة إذا اشتريت الرقبة منها وأُعتقت وسيوافيك ضعفه. أمّا ولاء العتق، فيشترط فيها أُمور ثلاثة:
1ـ أن لايكون للمعتَق (بالفتح) قريب من النسب من الطبقات الثلاثة، ويدلّ عليه ما في الصحيح: أنّه قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الآية: (وَ أُولُوا الأرحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْض) (2) ودفع الميراث إلى الخالة ولم يعط المولى. (3)
2ـ أن لايتبرأ المعتِق عن جريرة المعتَق.
3ـ أن يعتقه تبرّعاً وإنعاماً عليه، فلو أعتقه في واجب الكفارة فلا.
وأمّا ولاء ضمان الجريرة وهي الجناية فهو من العقود المعتبرة التي يعتبر فيها الإيجاب والقبول وصورته أن يقول: عاقدتك على أن تنصرني وتدفع عني وتعقِل عنّي وترثني ويقبل الآخر.
وأمّا ولاء الإمامة، فلا إشكال في أنّه مع عدم وجود الوارث، المال للإمام (عليه السلام) وأمّا في زمن غيبته فالمشهور أنه يصرف إلى الفقراء، هذا هو إجمال الكلام في موجبات الإرث وسيوافيك تفصيله مع الأدلّة وبيان محلّ الخلاف.
***

(1) الوسائل: 17، الباب 1، أبواب ميراث ولاء العتق، الحديث 3.
(2) الأحزاب/6.
(3) النهاية ونكتها: 1، كتاب الزكاة، ص438 والمبسوط: 6، كتاب العتق، ص70.

صفحه 20

صفحه 21

الكلام في موانع الارث

قد تعرفت على موجبات الإرث على وجه الإجمال بقي البحث عن موانع الإرث، فالمعروف أنّها ثلاثة:
1ـ الكفر.
2ـ القتل.
3ـ الرقّ.

الأوّل: الكفر:

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: الكفر بعامة أقسامه يمنع عن الارث:

فلا يرث الكافر، المسلم مطلقاً إجماعاً محققاً بين المسلمين كما سيوافيك النصّ بذلك عن الفقهاء. وقد تضافرت الروايات أيضاً ونأتي بها في المسألة التالية.

صفحه 22

المسألة الثانية: المسلم يرث الكافر:

يرث المسلم الكافر أصلياً كان أم مرتداً إجماعاً محقّقاً منّا (1) مع تضافر الروايات عليه من أئمَّة أهل البيت. وأمّا الصحابة والتابعون وسائر الفقهاء، فقد اختلفت كلمتهم، فقد روى الشيخ في الخلاف: أنّه قد قال بمقالتنا علي (عليه السلام)ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة. ومسروق وسعيد وعبد اللّه بن معقل ومحمد ابن الحنفية ومحمد بن علي الباقر (عليهما السلام) وإسحاق بن راهويه من التابعين.
وقال الشافعي: لايرث المسلمُ الكافرَ، وحكوا ذلك عن علي (عليه السلام) وعمر، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس، وزيد بن ثابت والفقهاء كلهم.(2)
وقال ابن قُدامة: أجمع أهل العلم على أنّ الكافر لايرث المسلم، وقال جمهور الصحابة والفقهاء: لايرث المسلم الكافر، يروى هذا عن أبي بكر وعمر وعثمان، وعلي، واُسامة بن زيد، وجابربن عبد اللّه.وبه قال عمرو بن عثمان، وعروة، والزهري، وعطاء، وطاووس، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والشافعي وعامة الفقهاء وعليه العمل.
وروي عن عمر و معاذ ومعاوية، أنّهم وَرّثوا المسلمَ من الكافر ولم يُورِّثوا الكافر من المسلم، وحكي ذلك عن محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، وسعيد ابن المسيب، ومسروق، وعبد اللّه بن معقل، والشعبي، والنخعي، ويحيى بن يعمر، وإسحاق وليس بموثوق به عنهم، فإنّ أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أنّ المسلم لايرث الكافر (3).

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 16.
(2) الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 16.
(3) ابن قدامة: المغني: 6/340.

صفحه 23
دليلنا: إطلاقات الكتاب وعموماته مثل قوله: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) وقوله سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أْزواجكم)وقوله تعالى: (لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأقْرَبُونَ...) فإنّها تعمّ ما إذا كان الموِّرث كافراً والوارث مسلماً وأمّا عكس المسألة فقد خرج بالدليل.
أضف إلى ذلك: ما تضافر من الروايات ـ عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الـصريحة في التوريث:
منها: صحيحة أبي ولاّد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لمسلم يرث امرأته الذمية، وهي لاترثه». (1)
منها: موثقة سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المسلم هل يرث المشرك؟قال: «نعم فأمّا المشرك فلايرث المسلم». (2)
وقد علّل في بعض الروايات حكم التوريث بقولهم: «نحن نرثهم ولايرثونا إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً». (3) وفي رواية أُخرى قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «نرثهم ولا يرثونا إنّ الإسلام لم يزده في ميراثه إلاّ شدة». (4)
وقد فهم معاذ بن جبل عن قول النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : «لإسلام يزيد ولاينقص»، حكم المسألة فورّث المسلمَ من أخيه اليهودي. (5)
نعم استدل المخالف بأُمور:
1ـ رواية أُسامة بن زيد عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «لايرث الكافر المسلم، ولاالمسلم الكافر». وقال ابن قُدامة: متفق عليه. (6)

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 1و5، ولاحظ 6، 7، 8، 14، 17 و19 من ذلك الباب.
(2) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 1و5، ولاحظ 6، 7، 8، 14، 17 و19 من ذلك الباب.
(3) لاحظ الروايات 6، 17و 8 من ذلك الباب.
(4) لاحظ الروايات 6، 17و 8 من ذلك الباب.
(5) لاحظ الروايات 6، 17و 8 من ذلك الباب.
(6) المغني: 6/341.

صفحه 24
يلاحظ عليه: أنّها رواية واحدة لا تقابل إطلاق الكتاب وعمومه، وقد قلنا في البحوث الأُصولية: أنّه لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد وأنّ موقِفَ الكتاب أرقى من أن يخصصَ بالظن وقد قال به أيضاً المحقق الحلّي في المعارج.
2ـ رُوِي عن عمر أنّه قال: لانرث أهل الملل ولايرثوننا (1) لكنّه خبر موقوف لم يسنده إلى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فهو كسائر موقوفات الصحابة ليس حجة، كما حققناه في «أُصول الحديث وأحكامه».
3ـ ما رواه الفريقان عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «لايتوارث أهل ملتين». لكنّه غير دالّ، إذ الحديث بصدد نفي التوارث، لا الإرث من جانب واحد، أي وراثة الكافر عن المسلم فقط لاالعكس وقد تضافرت الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) على هذا التفسير: روى عبد الرحمان بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لايتوارث أهل ملّتين، نحن نرثهم ولا يرثونا، إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً». (2)
وفي صحيحة جميل وهشام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «فيما روى الناس عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «لايتوارث أهل ملتين» ـ قال: ـ نرثهم ولايرثونا إنّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة». (3)
وروى أبو العباس، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لايتوارث أهل ملتين يرث هذا هذا، ويرث هذا هذا، إلاّ أنّ المسلم يرث الكافر والكافر لايرث المسلم» (4) إلى غير ذلك من الروايات المفسّرة للنبوي والرادة على فتوى الفقهاء المشهور في عصرهم (عليهم السلام).

(1) المغني: 6/341.
(2) الوسائل: 17 الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 6، 14، 15.
(3) الوسائل: 17 الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 6، 14، 15.
(4) الوسائل: 17 الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 6، 14، 15.

صفحه 25
نعم، هناك روايات متعارضة، لابدّ من علاجها:
1ـ رواية الصدوق، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل النصراني تكون عنده المرأة النصرانية فتسلم أو يسلم ثم يموت أحدهما؟ قال: «ليس بينهما ميراث». (1)
2ـ رواية سُدير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته: يتوارثان أهل ملتين؟ قال: «لا». (2)
3ـ رواية جميل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الزوج المسلم واليهودية، والنصرانية؟ قال: «لا يتوارثان». (3)
4ـ رواية عبد الملك بن عمير القبطي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال للنصراني الذي أسلمت زوجته: «بضعها في يدك ولا ميراث بينكما». (4)
إنّ الصالح للاستدلال دلالة هو الأُولى والرابعة، وإلاّ فمدلول الثانية والثالثة، هو ما ذكرناه فيما روي عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من أنّه «لايتوارث أهل ملتين»، فهما ينفيان التوارث، لاالارث.
وأمّا الأُولى فمرسلة، والرابعة ضعيفة جداً مع أنّ مفاد هاتين الروايتين كمفاد النبوي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من أنّه لا يتوارث أهل ملتين، ولو سلمنا أنّهما صالحتان للاحتجاج لكنّهما موافقتان للعامة ومخالفتان لإطلاق الكتاب خرج عنه ارث الكافر المسلم، ومخالفتان للسنة فانّ الإسلام يزيد ولاينقص، ويعلو ولا يعلى عليه، ومخالفتان للمتفق عليه عندنا خصوصاً أنّ ما يدلّ على الوراثة أكثر عدداً ومقترن بالدليل، والاحتجاج، بخلاف المخالف.هذا كلّه حول المسألتين.

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث12، 20، 21و22.
(2) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث12، 20، 21و22.
(3) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث12، 20، 21و22.
(4) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث12، 20، 21و22.

صفحه 26

المسألة الثالثة: في حجب المسلم الكافر:

المسلم يحجب الوارث الكافر، فلو مات كافر وله ورثة كفّار ووارث مسلم غير الإمام، يرثه المسلم دون الكافر، قال العلاّمة: ولو خلّف الكافر ورثةً كفّاراً وَرثوه، وإن كان معهم مسلم كان الميراث كلّه له سواء قرب أو بعد حتّى أنّ مولى النعمة بل ضامن الجريرة المسلم يمنع الولَد الكافر من ميراثه من أبيه الكافر.
وقد ادّعى العلاّمة عليه الإجماع في التحرير، والشهيد في المسالك، والأردبيلي في المجمع وغيرهم، وتوقف الشهيد الثاني في الحكم لضعف الرواية في المقام وتبعه صاحب الكفاية لكنّه قال بانجبار ضعفها بعمل المشهور كما في مفتاح الكرامة.(1)
وأمّا رأي غيرنا في المسألة فيعرف ممّا ذكرنا في المسألة السابقة، فقد قالوا بحرمان المسلم من الارث إذا كان المورِّث كافراً، فكيف يكون حاجباً عن ارث الكافر.ومحل الكلام في الحجب: إذا كان المورّث غير مسلم وإلاّ فالكافر محروم من الارث سواء كان في طبقته وارث مسلم أم لا.

دليل القول بالحجب:

استدل على القول بالحجب بروايات:
1ـ حسنة الحسن بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لمسلم يحجب الكافر ويرثه والكافر لا يحجب المسلم ولايرثه». (2)
ودلالة الرواية واضحة والسند نقيّ غير أنّ الحسن بن صالح لم يرد فيه توثيق

(1) السيد جواد العاملي: مفتاح الكرامة: 8/19ـ20.
(2) الوسائل : 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 2.

صفحه 27
لافي رجال النجاشي ولافي فهرست الشيخ، قال الثاني: له أصل رويناه بالاسناد عن ابن محبوب وإليه تنسب الفرقة الصالحيّة.وقال في التهذيب: هو زيدي بتريّ متروك العمل بما يختص بروايته (1) ولأجل ذلك توقف الشهيد الثاني وقال: إثبات الحكم برواية الحسن غير حسن. نعم رواية الحسن بن محبوب عنه، يجعله من الممدوحين ولكنّها بوحدتها لاتصلح لاثبات الحكم المخالف لإطلاق الكتاب.
2ـ رواية عبد الملك بن أعين ومالك بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن نصرانيّ مات وله ابن أخ مسلم وابن أُخت مسلم وله أولاد وزوجة نصارى؟ فقال: «أرى أن يُعطى ابنَ أخيه المسلم ثلثي ماتركه، ويعطى ابن اخته المسلم ثلث ماترك إن لم يكن له ولد صغار، فإن كان له ولد صغار فإنّ على الوارثين أن ينفقا على الصغار مما ورثا عن أبيهم حتى يُدركوا» قيل له: كيف ينفقان على الصغار؟ فقال: «يُخْرج وارثُ الثلثين ثلثي النفقة، ويخرج وارث الثلث ثلث النفقة فإذا أدركوا قطعوا النفقة عنهم». الحديث. (2)
ودلالة الرواية واضحة وللبحث عن سندها وما اشتمل عليه من حكم شاذ عن القواعد مجال آخر وسيوافيك عند البحث فيمن أسلم قبل القسمة أو بعدها.
3ـ رواية الميثمي، عن أخيه، أحمـد بن الحسن، عن أبيـه، عن جعفر بن محمد، عن ابن رباط رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو أنّ رجلاً ذمياً أسلم وأبوه حيّ ولأبيه ولد غيره ثمّ مات الأب ورثه المسلم جميع ما له ولم يرثه ولده ولاامرأته مع المسلم شيئاً». (3)
هذه الروايات الثلاث لو تمّ اسنادها لا غبار على دلالتها. وربما يستدل

(1) التهذيب: 1، باب المياه وأحكامها، الحديث 1282.
(2) الوسائل: 17، الباب 2، من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
(3) المصدر نفسه: الباب5 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.

صفحه 28
بروايات قاصرة الدلالة:
1ـ ماتقدم مستفيضاً في المسألة الثانية من أنّ المسلم يرث الكافر وهو لايرثه وإنّا نرثهم ولايرثوننا.وقد جاء في بعضها: «إنّ اللّه عزّوجلّ، لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً فنحن نرثهم وهم لايرثونا». (1) وفي بعضها الآخر: «نرثهم ولايرثونا إنّ الإسلام لم يزده في ميراثه إلاّ شدّة». (2)
يلاحظ عليه: بعدم الدلالة فإنّها بصدد بيان ميراث المسلم عن الكافر لاحجبه ميراث الكافر.
2ـ ما ورد من الروايات في الإسلام قبل القسمة وبعده، وإنّ الكافر إذا أسلم قبل القسمة شارك إن كان مساوياً واختصّ به إن كان أولى، وإن أسلم بعد القسمة لم يرث، وفيه روايات خمس:
منها: صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «من أسلم على ميراث قبل أن يُقَسَّم فله ميراثه، وإن أسلم وقد قُسِّم فلاميراث له». (3)
ومحل الاحتجاج هو قوله: «وإن أسلم بعد القسمة...» احتجّ به صاحب الجواهر قائلاً بأنّها تعم الارث من المسلم والكافر مع المسلم وبدونه، خرج الأخير بالإجماع فيبقى غيره. (4)
يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من روايات الباب، ورودها فيما إذا كان المورِّث مسلماً ولأجله فرّق بين كون الإسلام قبل القسمة أو بعدها، لا ما إذا كان المورّث كافراً.

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 4و 17.
(2) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 4و 17.
(3) المصدر نفسه: الباب 3، من أبواب موانع الإرث، الحديث2، ولاحظ أحاديث الباب.
(4) الجواهر 39/16.

صفحه 29

ما يدلّ على عدم الحجب:

هذا وأنّ في المقام روايات ربما توهم الخلاف وعدم الحجب وإليك البيان:
1ـ صحيحة ابن أبي نجران عن غير واحـد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في يهودي أو نصراني يموت وله أولاد مسلمون و أولاد غير مسلمين، فقال: «هم على مواريثهم». (1)
ظاهر الرواية أنّهم جميعاً يشتركون في الميراث ولما كان ظاهره ينافي ما عليه الأصحاب صار الشيخ الطوسي إلى تأويله ونقله صاحب الوسائل في ذيل الحديث بقوله: معنى قوله(عليه السلام) «هم على مواريثهم» أي على ما يستحقّونه من ميراثهم، وقد بيّنا أنّ المسلمين إذا اجتمعوا مع الكفّار كان الميراث للمسلمين دونهم قال: ولو حملنا الخبر على ظاهره لكان محمولاً على ضرب من التقية.
يلاحظ عليه: أنّه خلاف ظاهرها، ويتوقف على كون السائل واقفاً على الحكم المسلم بين الأصحاب وأبعد منه حمله على التقية، لماعرفت أنّ القول المعروف بينهم هوحرمان المسلم عن الارث إذا كان المورث كافراً لا اشتراكه مع الآخرين.
وقال الحرّ العاملي: ويحتمل أن يكون الواو في قوله: وأولاد غير مسلمين بمعنى أو، يعني أنّ الكافر يرثه أولاده، مسلمين كانوا، أو كفّاراً لما مرّ، لا في صورة كون بعضهم مسلمين وبعضهم كفّاراً. (2) وهو كما ترى.

(1) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2 وابن أبي نجران هو عبد الرحمان بن عمرو بن مسلم التميمي الذي وصفه النجاشي بقوله: ثقة ثقة.
(2) المصدر نفسه.

صفحه 30
2ـ صحيحــة ابن أبي عمير عن غير واحـد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في يهودي أو نصراني يموت وله أولاد غير مسلمين ؟فقال: «هم على مواريثهم». (1)
فلو كان مفاد الرواية أنّ له أولاداً كفّاراً وأولاداً غير مسلمين، كان شاهداً لعدم الحجب، ولو كان مفادها انحصار أولاده في غير المسلمين، فلايصلح للاستدلال لعدم الوارث المسلم، حتى يحجب الكافر.
فانحصر المخالف برواية ابن أبي نجران، فلو دار الأمر بين الصنفين فالترجيح مع الأوّل للصراحة فيه والكثرة، بخلاف الثاني لانحصاره في واحد، مع عدم الصراحة الحاسمة.
غير أنّ الذي يصدّ الإنسان عن الافتاء بالحجب، هو عموم الكتاب وإطلاقه الحاكمان على التشريك في الارث، خرج منه ما إذا كان المورث مسلماً وبقي ما كان كافراً تحت الإطلاقات، فهل يمكن تخصيص عمومه وتقييد إطلاقه بما مرّ من الروايات الثلاثة منضمة إلى الشهرة الفتوائية إلى عصر الشهيد الثاني (909ـ966) أو لا؟فالظاهر هو الأوّل خصوصاً بعدما علمنا مذاق الشارع في حقّ الكافر، وحرمانه في بعض الصور.
فعلى القول بالحجب فهل الوارث المسلم يحجب جميع الطبقات وإن كان متأخّراً في الدرجة، فالأخ المسلم يحجب الولد الكافر، والعم المسلم يحجب الولد والأخ الكافرين حتّى أنّ ضامن الجريرة المسلم، يحجب سائر الطبقات، أولا؟ الظاهر هو الأوّل، لما عرفت في رواية ابني أعين من أنّ ابن الأخ والأُخت المسلمين يحجبان الولد الكافر، وهو مقتضى إطلاق رواية الحسن بن صالح. نعم مورد رواية الميثمي هو حجب من في طبقته، وليس له إطلاق بالنسبة إلى غيرهم.
***

(1) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، وفي السند يعقوب بن يزيد.

صفحه 31

بقي هنا فروع:

1ـ على القول بالحجب: فلا يحجب الإمام، الوارثَ الكافر، لما سيوافيك وإلاّ يلزم حرمان الكافر من الإرث مطلقاً لوجود الإمام في جميع الأعصار.
2ـ لو لم يكـن للميّـت الكافـر إلاّ وارث كافر: يرثه إجمالاً بلا كلام، لإطلاقات الكتاب وعموماته وسيوافيك تفصيله.
3ـ حكم المورّث المرتد: اتفقت كلمة الأصحاب على أنّ المرتد مطلقاً أو خصوص الفطري بحكم المسلم، فلا يرثه الكافر، لتحرّمه بالإسلام.
قال العلاّمة في القواعد: ولو كان الميّت مرتداً، فإن كان له وارث مسلم ورثه، وإلاّ كان ميراثه للإمام. ولاشيء لأولاده الكفّار سواء كانت ردّته عن فطرة أو عن غيرها. ولا تجد من الأصحاب مخالفاً فكل من تعرّض للمسألة حكم بعدم إرث الكافر من المرتد، إلاّ أنّ جماعة منهم لم يتعرّضوا لها، مثل مؤلّفي النكت واللمعة والروضة والإيضاح وكنز الفرائد. ولعلّ ذلك لوضوحه. (1)
وأمّا المرتد الفطري فربما عرف: إذا كان أحد أبويه مسلماً وقت انعقاد نطفته وإن صار أحد الأبوين بعد ذلك كافراً.
وربما يقال: إنّ مرادهم من بقي على الإسلام من حين العلوق إلى بلوغ الإسلام، وتحقيق الكلام في حدّه موكول إلى محله. هذا كلّه في الفطري.
وعلى ضوء ما ذكره فالمرتد الفطري بمنزلة المسلم، لايرثه الكافر أصلاً ولو لم يكن له وارث في جميع الطبقات، يرثه الإمام.

(1) السيد جواد العاملي: مفتاح الكرامة: 8/23.

صفحه 32
وأمّا الملّي، فأكثر الأصحاب يتعاملون معه معاملة المسلم، فيرثه المسلم دون الكافر مطلقاً ولو لم يكن له وارث مسلم حتى مثل ضامن الجريرة يرثه الإمام ويكون من بيت المال.
غير أنّ الصدوق في المقنع، والشيخ في التهذيب والاستبصار قال بخلاف ذلك، ففي المقنع: والنصراني إذا أسلم، ثمّ رجع إلى النصرانية ثمّ مات فميراثه لولده النصراني، وإذا تنصّر مسلم ثمّ مات فميراثه لولده المسلمين. (1)
ولابدّ من تقييد كلامه في المرتد الملّي بعدم وجود وارث مسلم وإلاّ فهو يحجب الكافر: ولأجل ذلك قال الشيخ في التهذيب ـ بعد نقل مرسلة «إبراهيم بن عبد الحميد»: الوجه في هذا الخبر أنّ ميراث النصراني إنّما يكون لولدهِ النصارى إذا لم يكن له ولد مسلمون، وميراث المسلم يكون لولده المسلمين إذا كانوا حاصلين(2) ولكنّه ـ قدّس سرّه ـ ذهب في النهاية والمبسوط ما ذهب إليه المشهور وقال في الأوّل: ومن كان كافراً فأسلم ثم ارتد ـ إلى أن قال: ـ فإن مات على كفره وله أولاد كفّار ولم يخلف وارثاً مسلماً كان ميراثه لبيت المال، وقد روى أنّه يكون ميراثه لورثته الكفّار وذلك محمول على ضرب من التقية لأنّها مذهب العامّة (3) .
وقال في الثاني: المرتد إذا ارتد وقتل أو مات فماله لمن تقرّب إليه من المسلمين كان قريباً أو بعيداً، فإن لم يكن له أحد من المسلمين كان للإمام ولايرثه كافر على حال. (4)
هذا ما لدى الشيعة في كلا المقامين وأمّا سائر المذاهب فإليك آراءهم الأربعة:

(1) الصدوق: المقنع: 179.
(2) الطوسي: التهذيب: 9/ 372، الحديث 1328.
(3) الطوسي: النهاية: 666.
(4) الطوسي: المبسوط: 4، كتاب الفرائض والمواريث، ص112.

صفحه 33
1ـ يكون فيئاً في بيت مال المسلمين، وهو قول ابن عباس وربيعة ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وابن المنذر.
2ـ يكون لورثته من المسلمين، وروي ذلك عن أبي بكر، وعلي وابن مسعود، وبه قال ابن المسيب وجابر بن زيد، والحسن وعمر بن عبد العزيز وعطاء والشعبي والحكم، والأوزاعي والثوري وابن شبرمة وأهل العراق وإسحاق. و«عليه فقهاء الإمامية».
3ـ ويحكى عن الثوري وأبو حنيفة واللؤلؤي وإسحاق: أنّ ما اكتسبه في ردّته يكون فيئاً فيكون قولاً بالتفصيل بين تلاد ماله فيكون ميراثاً، وطارفه فيكون فيئاً.
4ـ وروي عن أحمد: أنّ ماله لأهل دينه الذي اختاره إن كان منه من يرثه وإلاّ فهو فيئ وبه قال داود، وروى عن علقمة وسعيد بن أبي عروة لأنّه كافر فورثه أهل دينه كالحربي وسائر الكفّار.والمشهور عندهم هو القول الأوّل (1)ولايخفى أنّ تطبيق هذه الآراء على القواعد مشكل.
أمّا الأوّل فلم يدل عليه دليل وقياسه بمال الذمي الذي لم يخلف وارثاً، قياس مع الفارق لأنّ المفروض وجود الوارث.
والقول الثاني هو الموافق للأُصول، ولاينافيه قوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لايرث المسلم الكافر» لأنّ المتبادر منه ـ على فرض صدوره ـ هو الكافر الأصلي، لا المرتد المتمسّك بالإسلام فإلحاقه بالمسلم، أولى من إلحاقه بالكافر، ولأجل ذلك لايسترقّ ولايجوز له نكاح الكافر.
والتفريق بين تلاد المال وطارفه مبني على أنّ المرتد لايملك بعد الارتداد، وأسوأ من ذلك، ما عزي إلى أحمد من إلحاقه بأهل دينه لو كان وارث من أهله وإلاّ

(1) ابن قدامة: المغني : 6/ 346.

صفحه 34
فهو فيئ.
دليلنا في كلتا المسألتين الاتفاق الكاشف عن وجود النص وقد عرفت نصّ النهاية فإنّ متنه مستخرج من الفقه المنصوص بإلغاء الاسناد مع ملاحظة أنّ الإسلام يتعامل مع المرتدّ معاملة المسلم في غير واحد من مسائله.
وربما يؤيّد حرمان الكافر عن إرث المرتدّ أُمور:
1ـ مرسلة أبان بن عثمان عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل يموت مرتداً عن الإسلام وله أولاد؟ فقال: «ماله لِولده المسلمين». (1)
يلاحظ عليه: أنّها تدلّ على حصر الوارث بالمسلم، سواء أكان منفرداً أممجتمعاً مع الكافر، وأمّا أنّه لا يرثه الكافر عند عدم الوارث المسلم، فلا يدلّ عليه.
2ـ حسنة الحسن بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لمسلم يحجب الكافر ويرثه» (2) والمرتد أحد أقسام الكافر، فيشمله قوله «ويرثه» ولو قيل: إنّ الكافر منصرف إلى الأصلي فلا يضر بالمقال، لأنّه إذا ورث الكافر الأصلي فيرث المرتد بوجه أولى فثبت أنّ الوارث المسلم يحجب الكافر سواء كان الموّرث كافراً أصلياً أو مرتداً.
نعم هنا لايثبت تمام المدعى، لانصراف المسلم إلى الرعية لا الإمام وإن كان من أعالي أفراده ومصاديقه، فيدل على الحجب في جميع الطبقات إذا كان بين الورّاث مسلم، وأمّا إذا لم يكن وارث مسلم وكان الوارث منحصراً بالكافر، فلاتدلّ على حرمان الكافر وانتقال المال إلى الإمام.والحاصل أنّه لايستفاد من الروايتين تنزيل المرتد منزلة المسلم.

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 6.
(2) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2.

صفحه 35
3ـ الاستصحاب التعليقي: إنّ الكافر كان محروماً من الإرث قبل ارتداد المورث، والأصل بقاؤه بعد الارتداد والممات، وهو مبني على حجّية الاستصحاب في الأحكام الشرعية الكلية خصوصاً القسم التعليقي منه.

أدلة المخالف في المرتد الملّي:

قد عرفت أنّ الحكم في المرتد الفطري مورد اتّفاق.إنّما الكلام في الملّي. فقد قيل بأنّه يرثه ولده الكافر واستدل عليه بأُمور:
1ـ رواية إبراهيم بن عبد الحميد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : نصراني أسلم ثمّ رجع إلى النصرانية ثمّ مات؟ قال: «ميراثه لولده النصارى»، ومسلم تنصَّر ثم مات؟ قال: «ميراثه لولده المسلمين» (1) فالحديث يتعامل مع المرتدّ الفطريّ معاملة المسلم، دون المرتد الملّي.
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الحديث اختصاص ما تركه لولده النصارى مطلقاً وإن كان معه أولاد مسلمون وهو على خلاف الإجماع. ولما عمل به الشيخ في التهذيب حمله على ما إذا لم يكن معه أولاد مسلمون وإلاّ فالتركة لهم... ولعلّه حمله على ذلك بقرينة ما مرّ من حجب المسلم، الكافر فلا يكون الحمل تبرّعياً.
وحمله في النهاية على التقية، وهو فرع كون القول به مشهوراً عندهم، وقد عرفت أنّ المشهور عندهم إمّا كونه فيئاً، أو كونه لأولادهم المسلمين.
2ـ صحيحة أبي ولاّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل ارتدّ عن الإسلام لمن يكون ميراثه ؟فقال: «يقسّم ميراثه على ورثته على كتاب اللّه». (2)

(1) الوسائل: 17، الباب 6من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.رواه الشيخ عن كتاب ابن أبي عمير وسنده إليه ضعيف وإلاّ فإبراهيم بن عبد الحميد ثقة.والحديث3.
(2) الوسائل: 17، الباب 6من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.رواه الشيخ عن كتاب ابن أبي عمير وسنده إليه ضعيف وإلاّ فإبراهيم بن عبد الحميد ثقة.والحديث3.

صفحه 36
وجه الاستدلال هو إطلاق الجواب الشامل لما إذا كان أولاده مختلفين في الكفر والإسلام.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر، كونه مرتداً فطرياً والغالب في مورده كون أولاده مسلمين.
ويمكن الجواب عنه بوجه آخر، وهو أنّ الرواية ناظرة إلى ردّ قول العامّة بأنّه فيئ أو لبيت مال المسلمين من دون أن يكون له إطلاق شامل لما إذا كان للمرتد أولاد مختلفين من حيث الكفر والإيمان.
3ـ عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرتد؟ فقال: «من رغب عن الإسلام وكفر بما أنزل اللّه على محمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعد إسلامه، فلاتوبة له وقد وجب قتله وبانت امرأته منه فليقسّم ما ترك على ولده». (1)
يلاحظ عليه: أنّ الغالب في المرتدّ الفطري كون أهل البيت والعشيرة مسلمين، فتحمل على كون الورثة مسلمة.
4ـ ما رواه في قرب الاسناد عن علي (عليه السلام) قال: « ميراث المرتد لولده» ويظهر (2)حالها ممّا ذكرناه في السابقتين من انصرافهما إلى المرتد الفطري والغالب فيه كون الورثة مسلمين، فلم يبق ما يدلّ على هذا القول إلاّ رواية إبراهيم. وهي وإن كانت موافقة للكتاب، لكن الشهرة الفتوائية على القول الأوّل، وكفى بها مخصّصة لعمومه ومقيّدة لإطلاقه.وقد عرفت أنّ الإسلام يتعامل مع المرتد، معاملة المسلم.

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 5و7.
(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 5و7.

صفحه 37

لو أسلم الكافر قبل القسمة أو بعدها:

قد عرفت أنّ الكافر لا يرث المسلمَ ولا الكافرَ إذا كان بين الورثة مسلم وإن كان في طبقة متأخّرة غير الإمام، لكن هذا فيما إذا بقي الوارث على كفره، وأمّا لو أسلم فالمشهور عند الإمامية أنّه إن أسلم بعد القسمة فلاشيء له، وإن أسلم قبل القسمة شارك أهل الميراث في ميراثهم وانفرد به إن كان أولى، نصّاً وفتوى.
قال الشيخ في الخلاف: إذا أسلم الكافر قبل قسمة الميراث شارك أهلَ الميراث في ميراثهم، وإن كان بعد قسمته لم يكن له شيء. وبه قال عمر وعثمان والحسن، وقتادة وجابر بن زيد، وعكرمة وأحمد وإسحاق.
وقالوا: كان علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يُورِّث مَنْ أسْلَم على ميراث، وبه قال ابن المسيب وعطاء وطاووس وأهل العراق ومالك والشافعي. (1)
وقال ابن قدامة: روي نحو هذا عن عمر، وعثمان والحسن بن علي وابن مسعود، وبه قال جابر بن زيد، والحسن ومكحول، وقتادة وحميد وأياس بن معاوية وإسحاق، فعلى هذا إن أسلم قبل قسم (2) بعض المال ورث ممّا بقي.
ونقل أبو طالب فيمن أسلَم بعد الموت لايرث، قد وجبت المواريث لأهلها وهذا هو المشهور عن علي ـ رضي اللّه عنه ـ وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء وطاووس، والزهري وسليمان بن يسار والنخعي والحكم وأبو الزناد، وأبو حنيفة ومالك والشافعي وعامة الفقهاء، لقول النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لايرث الكافر المسلم»، ولأنّ الملك قد انتقل بالموت إلى المسلمين، فلم يشاركهم من أسلم كما لو اقتسموا. ولأنّ المانع من الإرث متحقّق حال وجود الموت فلم يرث، كما لو كان رقيقاً

(1) الطوسي: الخلاف: 2 كتاب الفرائض، المسألة 18.
(2) كذا في المطبوع والأولى «تقسيم».

صفحه 38
فاُعتق، أو كما لو بقي على كفره (1) .
إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أنّه يبدو أنّ الأصحاب اتفقوا على أُمور:
1ـ التفريق بين إسلام الوارث قبل القسمة أو بعدها.
2ـ إذا كان الإسلام قبلها يشارك الباقين إن كان مساوياً وينفرد به إن كان أولى بالميراث.
3ـ إنّ اتحاد الوارث بمنزلة القسمة، فإذا أسلم وكان الوارث واحداً، فلانصيب له.
4ـ إلاّ إذا كان الوارث الواحد إماماً أو أحد الزوجين.
فنقول: أمّا الأوّل أي التفريق بين كون إسلام الوارث قبل القسمة أو بعدها فقد تضافرت عليه الروايات.
ففي صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله ميراثه وإن أسلم وقد قسّم فلا ميراث له». (2)
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يسلم على الميراث، قال: «إن كان قسم فلاحقّ له، وإن كان لم يقسّم فله الميراث». (3)
وأمّا الثاني أي الاشتراك في التساوي والاختصاص عند الأولويّة: فإنّ لسان الروايات الواردة في المقام على قسمين:
قسم يفيد الاشتراك حيث قال: «فله ميراثه» (4) وكأنّه ورد فيما إذا كان من

(1) ابن قدامة: المغني: 6/344.
(2) الوسائل: 17، الباب 3من أبواب موانع الإرث، الحديث 2و4 وفي سند الحديث الثاني أبان بن عثمان قال الكشي في حقّه: وكان يسكن الكوفة وكان من الناووسية واحتمل المحقّقون أنّ الناووسية بدل «لقادسية» وعلى كلّ حال فهو من أصحاب الإجماع والصدوق نقل الحديث عن كتاب ابن أبي عمير وسنده إليه صحيح. ولاحظ الحديث الأوّل والثالث من ذلك الباب.
(3) الوسائل: 17، الباب 3من أبواب موانع الإرث، الحديث 2و4 وفي سند الحديث الثاني أبان بن عثمان قال الكشي في حقّه: وكان يسكن الكوفة وكان من الناووسية واحتمل المحقّقون أنّ الناووسية بدل «لقادسية» وعلى كلّ حال فهو من أصحاب الإجماع والصدوق نقل الحديث عن كتاب ابن أبي عمير وسنده إليه صحيح. ولاحظ الحديث الأوّل والثالث من ذلك الباب.
(4) المصدر نفسه: الحديث 2 من الباب 3 من أبواب موانع الإرث.

صفحه 39
أسلم في طبقة الوارث حين الموت.
وقسم يفيد الانحصار كما في أكثر روايات الباب حيث قال: «فهو له» كما في موردين (1) أو «فلها الميراث» (2)أو «فله الميراث». (3)
ويمكن الاستدلال بوجه آخر، وهو أنّ الشارع نزّل «من أسلم قبل القسمة» منزلة «من كان مسلماً قبل الموت» فيترتّب على الأوّل حكم الثاني من الاشتراك تارة، والانفراد أُخرى.
وأمّا الثالث أي إنّ اتّحاد الوارث بمنزلة القسمة وأنّه لو أسلم والحال هذه لا يكون له نصيب: فالدليل عليه هو أنّ الأصل فيمن أسلم بعد الموت، عدم الإرث خرج عنه من أسلم قبل القسمة وهو غير صادق مع الوحدة ولم ينقل الخلاف إلاّ عن ابن الجنيد فورث من أسلم مادامت التركة باقية.
قال العلاّمة في المختلف: المشهور أنّ الوارث المسلم إذا كان واحداً فأسلم نظيره لم يشارك الكافر إذا أسلم، ولم يفصّل علماؤنا بين كون التركة باقية أو تالفة، بل أطلقوا القول في ذلك. وقال ابن الجنيد: إن كان الوارث واحداً فأسلم نظيره أو الذي يحجبه عن الميراث وكانت التركة باقية في يد الوارث الأوّل شاركه إن كان نظيره، أو جازه دونه إن كان حاجباً. (4)
نعم يظهر من الشيخ الحرّ العاملي عدم الفرق بين اتّحاد الوارث وتعدّده

(1) الوسائل: 17، الباب 3من أبواب موانع الإرث، الحديث 3و5، والبقباق هو الفضل بن عبد الملك، وتوصيفه بالموثقة لوقوع الحسن بن محمّد بن سماعة في سنده والميثمي في السند هو أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم، ويعبّر عن أحمد بالميثمي نسبة إلى جدّه.
(2) لاحظ الحديث 3 من الباب.
(3) لاحظ ذيل الحديث 4 من الباب.
(4) العلاّمة: المختلف، كتاب الفرائض: 199.

صفحه 40
وقال: «وإلحاق اتّحاد الوارث بصورة عدم القسمة قريب جدّاً وذلك بوجهين:
1ـ وجود النص الخاص بالإمام وهو من أفراد المسألة وهم يكتفون بمثله غالباً.
2ـ ولصدق عدم القسمة قطعاً بطريق الحقيقة لاالمجاز وهو مناط الحكم الشرعي بالنص المتواتر، وعدم صدق تحقّق القسمة حقيقة ولامجازاً». (1)
يلاحظ عليه: بأنّ إلغاء الخصوصية بين الإمام وغيره فرع عدم وجود خصوصية في الإمام غير موجودة في غيره، وهي أنّ الإمام ليس وارثاً لاحقيقة ولامجازاً، بل له ميراث من لاوارث له. وهو شأن كل مال ليس له مالك شخصي.
وأمّا ما ذكره أخيراً فهو غريب، لأنّ بين القسمة واللاقسمة تقابل العدم والملكة كالعمى والبصر ولايصدقان إثباتاً ولانفياً إلاّ إذا كان المحل قابلاً لها. وهو مع اتحاد الوارث غير قابل للانقسام فلا يصدق القسمة ولا اللاقسمة.
وأمّا الرابع أي استثناء موردين من الضابطة، فهما:

الاستثناء الأوّل: إذا كان الوارث الواحد إماماً:

إذا أسلم الوارث ولم يكن للميت وارث سوى الإمام، فهو أولى بالميراث من الإمام وهو خيرة المحقق في الشرائع والشهيد الثاني في المسالك.
وهناك قولان آخران:
1ـ لايرث من أسلم بعد الموت، لأنّ الإمام كالوارث الواحد وهو بمنزلة القسمة، وهو للشيخ في النهاية وابن ادريس وغيرهما.
2ـ إن أسلم قبل النقـل إلى بيت المال فهو أولى وإلاّ فللإمام، وهو خيرة المبسوط والإرشاد والوسيلة وغيرها، ويظهر من العلاّمة التوقف في القواعد. (2)

(1) الوسائل: 17، تعليقة الحرّ على الرواية الأُولى من روايات الباب الثالث من أبواب موانع الإرث.
(2) العاملي: مفتاح الكرامة : 8/ 28ـ29 والجواهر : 39/20ـ21.

صفحه 41
استدل للقول الأوّل بصحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مسلم مات وله أُمّ نصرانيّة وله زوجة وولد مسلمون؟ فقال: «إن أسلمت أُمه قبل أن يقسم ميراثه أُعطيت السدس».قلت: فإن لم يكن له امرأة ولا ولد ولاوارث له سهم في الكتاب مسلمين وله قرابة نصارى ممّن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين لمن يكون ميراثه؟قال: «إن أسلمت أُمّه فإنّ ميراثه لها، وإن لم تسلم أُمّه وأسلم بعض قرابته ممّن له سهم في الكتاب فانّ ميراثه له، فإن لم يسلم أحد من قرابته فانّ ميراثه للإمام». (1)
وصحيحة أبي ولاّد الحناط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مسلم قتل رجلاً مسلماً، فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلاّ أولياء من أهل الذمة من قرابته؟ فقال: « على الإمام أن يعرض على قرابته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليّه، يُدفع القاتل إليه، فإن شاء قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية، فإن لم يسلم أحد كان الإمام وليّ أمره، فإن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين». (2)
ولعلّ الفرق بين الإمام وسائر الورثة، هو أنّ الإمام ليس وارثاً حقيقة ولاكالوارث الحقيقي، بل له ميراث من لاوارث له، فيصرفه في مصالح المسلمين.بخلاف غيره فانّهم ورّاث حقيقة كما مرّ.
وربما يُعْترض بأنّه إذا كان إسلام أحد الأقرباء مانعاً عن تملّك الإمام يلزم عليه أن يحبس المال ولايتصرف فيه الإمام إلى أن ينقرض جميع الورثة ولايبقى وارث أصلاً وهو كما ترى.
وإن كان العرض شرطاً فمع أنّه لم يقل به أحد، قد يتعذّر لغيبة أو جنون أو

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
(2) المصدر نفسه: 19، الباب 60 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1، وأبو ولاّد الحناط هو حفص بن سالم وثّقه النجاشي والشيخ.

صفحه 42
صغر كما إذا كان الميت مرتدّاً. (1)
يلاحظ عليه: أنّ التكاليف المحوّلة إلى الحاكم مثل حبس المديون، وحدّ الزاني، وقطع يد السارق، وإن كانت لاتشترط فيها، الفورية العقلية أو العرفية ولكن لا يجوز فيها التساهل والتسامح على وجه ينتزع منه تعطيل الأحكام والحقوق، وعلى هذا فلو أسلم أحد من الورثة في هذه الفترة، يختص بالتركة، وبما أنّ تحديد تلك الفترة أمر مشكل كفى في حرمانه، حكم الحاكم بضبطها لبيت المال، أو تصرّفه فيها بنفسه أو وكيله وإن لم ينقل، وعندئذ لاينفع إسلام من أسلم من الورثة.
وبذلك ظهر ضعف القول الثالث من اشتراط النقل اللّهمّ إلاّ أن يكون النقل كناية عن التصرف.
وأمّا القول الثاني من تنزيل الإمام منزلة الوارث الواحد، فقد ظهر ضعفه، وأنّه ليس وارثاًحقيقةً ولامجازاً، بل له ميراث من لاوارث له، وذلك لأنّه المسؤول عن كلّ حادثة لم يُعَيَّن عليها في الشرع مسؤول، وهو بما أنّه قائد الأُمّة والمسؤول عنها، يعالج تلك المشاكل حسب ما يراه مصلحة.كما هو الحال في سائر الأموال من الأخماس والزكوات والأنفال، والمجهولة مالكها وليس وارثاً، كسائر الأفراد حتى يجري في حقّه حكم سائر الورّاث.

الاستثناء الثاني: إذا كان الوارث الواحد زوجاً أو زوجة:

لا شك أنّ الزوج يرث النصف فرضاً وبالأصالة إذا لم يكن لها ولد، كما أنّ الزوجة ترث الربع أصالة وفرضاً، فإن قلنا بأنّهما يرثان الفاضل عن النصف والربع، رداً، فيكون كل واحد من الزوجين كالوارث الواحد لايصدق في حقهما: أسلم قبل القسمة، لأنّ كلاً من الزوجين يرث التركة بالفرض والرد. وأمّا إذا قلنا

(1) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/28.

صفحه 43
بأنّهما يرثان النصف أو الربع، ويرد الباقي إلى الإمام فإذا أسلم قبل القسمة اندرج تحت النصوص ويصير الفاضل للوارث الجديد.
ولكن المشهور هو التفصيل بين الزوج والزوجة فيردّ الفاضل إلى الزوج دون الزوجة، فيشارك الزوجة دون الزوج.وعلى هذا لاينفع إسلام مَن أسلم إذا كان الوارث، الزوج، وإنّما ينفع إذا كان الزوجة، وهو خيرة السيد الأُستاذ ـ قدّس سرّه ـ نعم لو كان الواحد زوجة ينفع إسلام من أسلم قبل قسمة التركة بينهما وبين الإمام (عليه السلام) أو نائبه. (1)
ثمّ إنّ هنا إشكالاً طرحه صاحب الجواهر وحاصله: أنّه لو قلنا بالتفصيل فلو كان من أسلم أخاً للميت، فهو يرث ما يردّ إلى الإمام، ولايتغير مع إسلامه، سهم الزوجة، فانّ سهمها مع عدم الولد للزوج هو الربع، وأمّا لو كان الوارث الجديد هو ولد الميت الكافر، فلو قلنا بأنّه يرث فإمّا أن ترث معه الزوجة، الربع وهو خلاف فرضها مع الولد الوارث، أو الثمن فيلزم حجب المسلم، بالكافر وهو باطل، بالنصّ والإجماع. (2)
والحاصل: أنّ مشاركته مع الزوجة إن كانت فيما يرد إلى الإمام، أعني: الأرباع الثلاثة، يلزم أن ترث خلاف فرضها مع الولد الوارث، وإن كانت فيما عدا الثمن، يلزم حجب المسلم بالكافر.
ولكن الإجابة سهلة و هي أنّه إذا نزل الشارع إسلام الولد قبل القسمة كإسلامه قبل موت المورث، كان فرضها في الواقع هو الثمن من أوّل الأمر قد كشف عنه إسلام الولد، ولايعنى هذا، حجب المسلم بالكافر، بل يكشف عن أنّ التصور الأوّل بأن سهمها في المقام الربع كان خطأ.
***

(1) تحرير الوسيلة: 2/ 364.
(2) الجواهر: 39/ 22.

صفحه 44

لو أسلم بعد قسمة بعض التركة:

لو أسلم بعد قسمة بعض المال ورث ممّا بقي، وبه قال الحسن (1). والمشهور عند الشيعة أنّه يشارك الباقي مع المساواة، أو ما يختص به مع الانفراد، ودليله واضح لأنّه أسلم على الباقي من قبل أن يقسم وربما يحتمل الحرمان لصدق القسمة، كما ربما يحتمل إرثه لما قسم أيضاً، لأنّ الميراث وهو المجموع لم يقسّم.
والأقوى هو الأوّل، لأنّ وحدة التركة وحدة اعتبارية، وإلاّ فكل واحد من آحادها، تركة مستقلّة وميراث مستقل ولكلّ حكمه.
فلو ترك الميت إخوة للأب، وإخوة للأُمّ (2) ، قسّم المال بينهم بالثلثين للأُولى والثلث للثانية. ولو أسلم أخ قبل اقتسام كل من الفريقين، الثلثينَ أو الثلثَ، فلو كان للأبوين اختصّ بالثلثين وإن كان لأحدهما يشارك نظيره.
بقي هنا بحث وهو هل الإسلام كاشف عن انتقال سهمه من التركة إليه من بدء الموت، أو ناقل؟ تظهر الثمرة في النماءات المتخلّلة، فعلى الكشف يتبع الأصل، وعلى النقل هو لباقي الورثة فنقول: هناك احتمالات:
1ـ إنّ سهمه من المال المورث، ينتقل إليه بموت المورِّث، ويكون إسلامه كاشفاً عن الانتقال.
2ـ إنّ سهمه يبقى في ملك المورث، وليس هذا أمراً بعيداً وله نظائر في الفقه كما إذا أحاط الدينُ بالتركة، أو أوصى بمال معيّن أن يصرف في عمل خير أو أصاب جسد الميت سهم فيملك ديته، أو وقع السمك في شبكته.
3ـ أو يدخل في ملك اللّه سبحانه.

(1) ابن قدامة: المغني: 6/ 344.
(2) وفي الجواهر: ص24: «أو إخوة للأُمّ» ولكنّه مصحّف والصحيح ما أثبتناه.

صفحه 45
وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون النما ء المتخلّل بين الموت والإسلام، للجميع.
4ـ أو ينتقل إلى الموجودين المسلمين انتقالاً متزلزلاً.
لاريب في ضعف الثاني لأنّ بقاء التركة في ملك الميت أو مالكيته أمر لايساعده العرف ولو دلّ عليه دليل يؤخذ به في مورده مع أنّ بعض الأمثلة ليست مورداً للاتفاق ومثله كونه ملكاً للّه.
والظاهر هو الأوّل لظهور الأدلة في انتقال التركة إلى الوارث، غاية الأمر أنّ الكفر مانع عن تأثير المقتضي، وأمّا الرابع فلازمه، إرث الوارث من الورّاث الأحياء مع أنّ الارث، هو انتقال المال من الميّت إلى الحيّ.
أضف إلى ذلك: أنّ الفرع يتبع الأصل فإذا كان الأصل محكوماً بالانتقال، فالتفكيك بينه وبين الفرع يحتاج إلى الدليل.نعم لو دلّ الدليل يؤخذ به كما في النماء المتخلّل بين البيع وفسخه فهو للمشتري.
لو خلّف مالاً ينقسم قبل التراضي عليه فأسلم وارث له، ورث لبقاء التركة على الإشاعة وإنّما تخرج عنها، إذا رضوا.
ولو اختلفوا في تحقّق القسمة، فالقول، قول منكرها بيمينه، لا لأجل استصحاب عدم القسمة، بل لأجل كون مدّعي القسمة مدعياً في العرف وليست الموافقة والمخالفة للأصل ملاكاً لتمييز المدعي عن المنكر.
ولإيضاح الحال نقدم بياناً في أحكام التنازع:

صفحه 46

أحكام التنازع:

ولو اختلفا في تحقّق القسمة، فالقول، قول منكرها بيمينه. وبما أنّ المدّعي والمنكر من المفاهيم العرفية، يرجع في تعيينه إلى العرف وهو في المقام منكر القسمة.
وأمّا إذا كان الملاك في تعيينه هو ما وافق قوله الأصل، فالأصل يوافق قول منكرها لأصالة عدم القسمة.لكنّك قد عرفت أنّ المقياس هو الرجوع إلى العرف والمقياس عندهم في تشخيص المدّعي والمنكر، هو أنّ الأوّل من لو ترك، تُرِك، بخلاف المنكر.فلايترك النزاع لو ترك.
وأمّا الأُصول العملية الجارية في المسألة، فهي حجّة للشاك، لافي مقام التنازع فانّ المخالف يدّعي العلم بالخلاف، والقاضي مخاطب، بطلب البيّنة عن المدّعي، وإلاّ فاليمين عن المنكر.وفي هذا المجال يجب عليه التحرّي في تشخيص المدّعي عن المنكر، كسائر المفاهيم العرفية الواقعة موضوعاً للحكم، لاالمراجعة إلى الأصل الذي جعله الشارع حجة للشاك إذا لم ينازعه أحد.
وبذلك يظهر حال الفروع الثلاثة:
1ـ إذا اتفقا على زمان الإسلام واختلفا في زمان القسمة.
2ـ إذا صار الأمر على العكس، أي: اتّفقا على زمان القسمة واختلفا في زمان الإسلام.
3ـ إذا لم يتفقا على شيء في الأمرين.
ترى أنّ الفقهاء يعتمدون في تشخيص المدّعي عن المنكر، بتصحيح الأصل الجاري في المورد، أورده ونقده بالمثبتية وغيرها.وأمّا نحن ففي غنى عن هذه

صفحه 47
المباحث، فالمرجع في مقام القضاء في تشخيص المدّعي والمنكر، هو العرف، لاالمطابقة للأصل، والأصل حجة في مقام الشك في غير مقام التخاصم والتنازع.
وبذلك يظهر عدم الحاجة إلى تصحيح الأُصول أو نقدها في المقام.
أمّا الصورة الأُولى فيقال: إنّ الأصل في المقام هو أصالة عدم القسمة إلى زمان الإسلام، ويشكل عليه بأنّ الموضوع للأثر، تقدّم الإسلام على القسمة كما هو ظاهر قوله (عليه السلام) «من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فهو له» (1) وهو لايثبت بالأصل.
وأمّا الصورة الثانية: فالأصل عدم تقدّم الإسلام على زمان القسمة ويشكل عليه، بأنّ الموضوع للحرمان هو تأخر الإسلام عن القسمة كما هو ظاهر قوله: «وإن أسلم وقد قسّم فلاميراث له». (2)
ومنه يظهر حال الصورة الثالثة.
نعم على القول بكون العرف هو المرجع في التشخيص، هل الملاك في تشخيصه هو مصب الدعوى، أو نتيجتها؟ ففيه كلام ذكرناه في محله ولانعود إليه.

مسألة: في توارث الفرق بعضهم من بعض:

اشتهر بين الأصحاب ضابطتان:
1ـ المسلمون يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب.
2ـ الكفّار يتوارثون وإن اختلفوا في الملل.
أمّا الضابطة الأُولى فقد نصّ عليها غير واحد:

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، الحديث 5.
(2) المصدر نفسه: الحديث 2.

صفحه 48
1ـ قال القاضي: والمسلمون يرث بعضهم بعضاً وإن اختلفوا في المذاهب والآراء، لأنّ الموارثة تثبت بإظهار الشهادتين، والإقرار بأركان الشريعة من صلاة، وصيام وزكاة وحج دون الإيمان الذي يستحق به الثواب.(1)
2ـ وقال المحقّق: المسلمون يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب.(2)
3ـ وقال ابن سعيد: والمسلمون يتوارثون وإن اختلفوا في الآراء.(3)
وقال العلاّمة في القواعد بمثل هذه العبارات.والمسألة مشهورة، لايظهر الخلاف إلاّ من المفيد.فحكى عن بعض نسخ المقنعة: يرث المؤمن أهل البدع من المعتزلة والمرجئة والخوارج والحشوية ولاترث هذه الفرق مؤمناً. ونقل العلاّمة في مختلف الشيعة انّ في بعض نسخها ما يخالف ذلك وجاء فيه: «والمسلمون يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب».(4)
كما يظهر الخلاف من أبي الصلاح في كافيه، حيث جعل جحد النبوّة والإمامة في صفّ واحد. (5) وما عليه المشهور هو الذي يدلّ عليه إطلاق الكتاب أوّلاً خرج إرث الكافر عن المسلم، لاالمخالف عنه، والسنّة ثانياً فقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ الإسلام يحقن به الدم وتؤدّى به الأمانة وتستحل به الفروج، وعليه تجري المناكح والمواريث والثواب على الإيمان. (6)
وهذه الروايات، تدلّ على أنّ ملاك التوراث هو كون المتوارثين مسلمين،

(1) ابن البراج: المهذب: 2/160.
(2) جواهر الكلام: 39/31، قسم المتن.
(3) يحيى بن سعيد: الجامع للشرائع: 502.
(4) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/34.
(5) أبو الصلاح: الكافي: 374 ـ 375.
(6) الكليني: الكافي: 2، باب الاسلام يحقن به الدم، الحديث 1و2 وباب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1، 2و5.

صفحه 49
لامتفقين في جميع الأُصول والآراء.
وأمّا الإسلام، فقد روى الفريقان روايات تدلّ على كفاية الشهادتين وما في بعضها من الإشارة إلى بعض الأعمال، فلعلّها ترمي إلى المرتبة العالية.
أمّا ما يدلّ على الأمر الأوّل وهو أنّ الموارثة والمناكحة وحقن الدم، وحل الذبيحة تدور مدار الإسلام، فإليك بعض ما ورد من الروايات:
1ـ روى سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ أنّه بعد ما فسر الإسلام ـ قال: «به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس».
2ـ روى (1)فضيـل بن يســار قـال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء». (2)
3ـ روى حمران بن أعين عن أبي جعفـر (عليه السلام) قــال: سمعتـه يقول: «والإسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج، فخرجوا بذلك من الكفر». (3)
4ـ روى شريك المفضّل قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لإسلام يحقن به الدم، وتؤدّى به الأمانة، وتستحلّ به الفروج، والثواب على الإيمان». (4)
5ـ روى المحدثون عن علي (عليه السلام) أنّه قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه، فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماؤهم وأموالهم». (5)
6ـ وروى أهل السنّة روايات تقارب ما نقلناه عن أئمة أهل البيت: رووا

(1) الكليني: الكافي: 2، باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1، 3و5.
(2) الكليني: الكافي: 2، باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1، 3و5.
(3) الكليني: الكافي: 2، باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1، 3و5.
(4) الكليني: الكافي: 2، باب أنّ الإسلام يحقن به الدم، الحديث 1و6 وهما حديث واحد، وعدم ورود المواريث في الأخير لايضر بالاستدلال لاشتراكه مع غيرها في الحكم كما في سائر الروايات.
(5) المجلسي: البحار : 68/242 ط طهران.

صفحه 50
عن عمر بن الخطاب أنّ النبي قال لعلي ـ يوم خيبر ـ: «إمش ولا تلتفت حتى يفتح اللّه عليك» فسار عليّ شيئاً ثمّ وقف ولم يلتفت وصرخ: «يا رسول اللّه على ماذا أُقاتل؟ قال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه». (1)
إلى هنا تبيّن أنّ الملاك في المواريث هو الإسلام. وأمّا ما هو الإسلام ؟ فيكفي في ذلك ما نتلوه عليك من الروايات:
1ـ روى سماعـة: قلت لأبي عـبد اللّه(عليه السلام): إنّ الإيمان يشـارك الإسلام والإسلام يشارك الإيمان فقلت: فصفهما لي، فقال: «لإسلام شهادة أن لاإله إلاّاللّه والتصديق برسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم». (2)
2ـ روى سفيان بن السمط أنّه لقي أبا عبد اللّه (عليه السلام) فسأله عن الإسلام والإيمان، ما الفرق بينهما؟ فقال: «لإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لاشريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصيام شهر رمضان». (3)
وذكره الأعمال بعد الشهادتين للإشارة إلى المرتبة العليا من الإسلام وإلاّ فتكفي في تحقّقه الشهادتان وبه تفسير الرواية الآتية.
3ـ روى البخـاري عن عبد اللّه بن عمر، قال: قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لاإله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان». (4)

(1) البخاري: الصحيح 2 باب مناقب علي، وصحيح مسلم باب فضائل علي (عليه السلام).
(2) الكليني: 2 باب أنّ الإيمان شارك الإسلام، الحديث 1.
(3) المصدر نفسه: باب أنّ الإسلام يحقن به الدم، الحديث 4.
(4) البخاري: الصحيح: 1/14، كتاب الإيمان.

صفحه 51
وقد مرّ أنّ ذكر الأعمال في حدّ الإسلام لأجل الإشارة إلى درجته العالية قال سبحانه: (قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّايَدْخُلِ الإيمَـانُ في قُلُوبِكُمْ وإنْ تُطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ لايَلِتْكُمْ مِنْ أعْمالِكُمْ شَيْئاً)(الحجرات/14)
فعلى ضوء هذين الأمرين يرث المسلم من المسلم وإن اختلفا في الأُصول والآراء إلاّ من حكم بكفره كالنصيرية من الغلات، والدروز من الباطنية وبالكفر كالمجسّمة والمجبرة.
وأمّا الضابطة الثانية: أعني كون الكفر بأقسامه ملّة واحدة، يرث بعضهم بعضاً كاليهود من النصارى وبالعكس، فهي مثل الضابطة السابقة، نالت من الشهرة مثل ما نالت الأُولى منها.
قال الشيخ: الكفر ملّة واحدة، فالذمي يرث من الذمي، كما أنّ المسلم يرث من المسلم، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وأصحاب أبي حنيفة.وذهب قوم إلى أنّ الكفر ملل ولايرث الذمي من الذمي، وبه قال شريح والزهري وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وروى أُسامة بن زيد أنّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: «لايرث المسلم الكافر، ولاالكافر المسلم فجعل الكفر ملّة واحدة». (1)
قال ابن قدامة ـ بعد ما ذكر أنّ الكفّار يتوارثون إذا كان دينهم واحداً: فإن اختلفت أديانهم فاختلف عن أحمد فروى عنه: أنّ الكفر كلّه ملّة واحدة يرث بعضهم بعضاً. رواه عنه حرب واختاره الخلال، وبه قال حماد وابن شبرمة وأبو حنيفة والشافعي وداود، لأنّ توريث الآباء من الأبناء، والأبناء من الآباء مذكور في كتاب اللّه ذكراً عاماً فلا يترك إلاّ فيما استثناه، ومالم يستثنه الشرع يبقى على العموم ولأنّ قول اللّه تعالى: (وَ الّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُم أولياءُ بَعْض) عام في جميعهم. وروي

(1) الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 17.

صفحه 52
عن أحمد أنّ الكفر ملل مختلفة لايرث بعضهم بعضاً، اختاره أبو بكر وهو قول كثير من أهل العلم. (1)
هذه هي الآراء بين الفقهاء.
ومع ذلك فقد خالف «سلار» في مراسمه فقال بأنّ الحربي لايرث الذمي ويكون ميراثه للإمام. (2)
وخالف الحلبي أيضاً فيمن حكم بكفره من المسلمين فقال: ما عدا كفّار ملّتنا فإنّهم يرثون غيرهم من الكفّار، ولايرثونهم. (3)
وأراد بكفّار ملّتنا: أمثال الغلاة والخوارج والمجسّمة، ولعلّ مستنده قوله: «نحن نرثهم ولايرثونا» (4) بناء على اندراجهم تحت لفظ المسلمين.
وعلى كل تقدير فإرث كل كافر، عن كافر سواء اتّحدا في الشريعة أم اختلفا، هو مفاد إطلاقات الكتاب، فقوله سبحانه: (لِلرِّجالِ نَصيبٌ ممّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأقربونَ...) (النساء/7) يدلّ على أنّ ملاك الوراثة هو الولادة والتلاحم، كما عليه العرف، ولامدخلية لوحدة المذهب فيه، خرج ما نص عليه الشارع من عدم إرث الكافر عن المسلم وبقي الباقي تحت الاطلاق.أضف إليه الشهرة الفتوائية بين الأصحاب.
وفي الجواهر: لعموم الأدلّة، وخصوص النصوص والإجماع بقسميه لأنّ الكفر ملّة واحدة، ونفي التوارث بين الملّتين مفسّـر في النصوص بالإسلام والكفر.(5)

(1) ابن قدامة: المغني: 6/ 341ـ342.
(2) سلار الديلمي: المراسم: 140.
(3) الحلبي: الكافي: 375.
(4) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 4و6.
(5) النجفي: الجواهر: 39/32.

صفحه 53
ولقد أجاد في تأدية المطلب مع الإيجاز لكن لم نجد نصوصاً بالخصوص فإن أراد ما ورد في الباب الرابع من أبواب موانع الارث، فليس فيه ما هو صريح.أو له إطلاق في مقام البيان.وأوضح ما ورد فيه، رواية يونس قال: إنّ أهل الكتاب والمجوس يرثون ويورثون ميراثَ الإسلام. (1)
والرواية في مقام بيان كيفية الميراث، لا في مقام بيان أنّهم يرثون ويورثون مطلقاً، سواء اختلفوا في الديانة أم لا.

(1) الوسائل: 17، الباب 4، من أبواب موانع الأرث، الحديث 3.

صفحه 54

الثاني: القتل:

من موانع الارث، القتل وهو تأديب سياسي، والغاية من الحرمان عصمة الدماء من معاجلة الورثة فيجزى بنقيض مطلوبه من القتل.وأصل الحرمان موضع اتّفاق بين المسلمين وإنّما الخلاف في فروعه.
قال الشيخ: القاتل إذا كان عمداً في معصية فانّه لايرث المقتول بلاخلاف. وإن كان عمداً في طاعة فانّه يرثه عندنا وفيه خلاف. وإن كان خطأ فانّه لا يرث من ديته ويرث ما سواها وفيه خلاف.
وروي مثل مذهبنا عن عمر ووافقنا عليه جماعة من الفقهاء: عطاء وسعيد ابن المسيب ومالك والأوزاعي. وذهب قوم إلى أنّه يرث من ماله وديته. وقال الشافعي: القاتل لايرث سواء كان صغيراً أو كبيراً مجنوناً أو عاقلاً، عمداً كان أو خطأ، لمصلحة أو لغير مصلحة، مثل أن يسقيه دواء أو يطلي جراحه فمات، وسواء كان قتل مباشرة أو بسبب، جنايةً أو غير جناية، وسواء كان حاكماً تشهد عنده بالقتل أو بالزنا وكان محصناً، أو اعترف فقتله، أو باغياً فرماه وقتله في المعركة، وبه قال في الصحابة عليّ (عليه السلام) على مارواه عنه عبد اللّه بن عباس، وفي التابعينعمر بن عبد العزيز، وفي الفقهاء أحمد أطلقوا بأنّ القاتل لايرث بحال.... (1)
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ قاتل العمد لايرث من المقتول شيئاً إلاّ ما حكي عن سعيد بن المسيب وابن جبير أنّهما ورّثاه وهو رأي الخوارج، لأنّ آية الميراث تتناوله بعمومها، فيجب العمل بها فيه... وروى ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من قتل قتيلاً فانّه لايرثه وإن لم يكن له وارث غيره، وإن كان

(1) الطوسي: الخلاف: 2/ 26، المسألة 22، لاحظ ذيل كلامه.

صفحه 55
والده أو ولده فليس لقاتل ميراث».
وأمّا القتل خطأ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنّه لايرث أيضاً نص عليه أحمد، ويروى ذلك عن عمر وعلي وزيد وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عباس... وورّثه قوم من المال دون الدية، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب وعطاء والحسن وغيرهم، لأنّ ميراثه ثابت بالكتاب والسنّة، تخصص قاتل العمد بالإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. (1)
أقول: أمّا العمد فالمشهور هو التفريق بين كونه ظلماً أو حقّاً، فلايرث في الأوّل دون الثاني ولافرق في القتل عن حقّ، بين جواز تركه للقاتل كالقصاص أو لا، كرجم المحصن وقتل المحارب ولاخلاف بيننا وإنّما الخلاف بين أهل السنّة وهم بين مفرِط ومفرِّط، فالأوّل كالخوارج ومن نسب إليهم ابن قدامة كسعيد بن المسيب وابن جبير أخذوا باطلاق أدلّة المواريث وحكموا بعدم الحرمان، والثاني كالشافعي حيث قال: فالحرمان في العمد، من غير فرق بين كونه عن حقّ أو ظلم وروي عن أحمد أيضاً.
تدل على ما ذكرناه ـ مضافاً إلى الشهرة الفتوائية ـ الروايات الواردة في المقام وهي على أصناف: صنف يدل باطلاقه على حرمان القاتل مطلقاً، عامداً كان أو خاطئاً وفي صورة العمد كان القتل بحقّ أو غيره، وصنف يخصّص الحكم بالعامد، من غير تقييد بكونه بظلم. وصنف يدلّ على القيد، وانّ الحرمان في العمد فيما إذا كان بظلم، لا غير.
فمن الصنف الأوّل صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : «لا ميراث للقاتل». (2)

(1) ابن قدامة: المغني: 6/ 337ـ 338.
(2) الوسائل: 17، الباب 7، من أبواب موانع الإرث، الحديث 1، ولاحظ الحديث 3، 5و6.

صفحه 56
ومن الصنف الثاني صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا قتل الرجل أباه قتل به، وإن قتله أبوه لم يقتل به ولم يرثه». (1)
ومن الصنف الثالث وإن كان منحصراً برواية واحدة ما يفرّق بين القتلين في صورة العمد وهو معتبرة سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث قال: سألت جعفر بن محمد (عليهم السلام) عن طائفتين من المؤمنين إحداهما باغية والأُخرى عادلة، اقتتلوا فقتل رجل من أهل العراق أباه أو ابنه، أو أخاه أو حميمه وهو من أهل البغي وهو وارثه أيرثه؟ قال: «نعم لأنّه قتله بحق». (2)
مقتضى إطلاق الكتاب وإن كان وراثة القاتل إلاّ أنّه خصص بالروايات المتضافرة واتّفاق الأُمّة (غير الخوارج ونفرين أشارإليهما ابن قدامة) ، إنّما الكلام في إطلاق الصنفين بالنسبة إلى القاتل بحق.فلو كان هناك إطلاق فيقيّد بمعتبرة المنقري، أضف إليه أنّه من المحتمل انصراف الروايات عن تلك الصورة، والمتبادر منها هو القتل بظلم.
وهناك أمر آخر يؤيّد الانصراف وهو أنّه إذاكان القتل بحقّ يكون طاعة لأمر اللّه سبحانه، فكيف توجب الحرمان، فلو لم تجلب نفعاً لاتجلب شرّاً، فالأمر بالقتال مع الباغين لو لم يترتب عليه الأجر الدنيوي لايترتب عليه الحرمان، وإلاّ يعد تناقضاً في التشريع ولو كان كذلك في الواقع لوجب التصريح به وإلاّ لاينتقل العرف من الإطلاقات إلى هذه الصورة.
هذا كلّه حول القتل عن عمد وسيأتي ما يتعلّق به بعد الفراغ عن أحكام القتل عن خطاء.

(1) الوسائل: 17، الباب 7، من أبواب موانع الأرث الحديث 4، ولاحظ الحديث 2و7.
(2) المصدر نفسه: الباب13، من أبواب موانع الأرث الحديث 1.والمنقري ثقة وسند الصدوق إليه صحيح تفرّد بتصحيحه العلاّمة. وحفص بن غياث عامي عمل الأصحاب بروايته كما ذكره الشيخ في العدّة، وهو ولي القضاء أيّام الرشيد، في بغداد والكوفة توفي عام 196 وروى عن الصادق 175 حديثاً.

صفحه 57

القتل عن خطاء:

إذا قتل الوارث المورِّث عن خطاء فقد عرفت عن الشيخ أنّ قوماً من غير الشيعة قالوا بالارث من التركة والدية، وذهب الشافعي إلى أنّه لايرث مطلقاً، وأفتى الشيخ بالتفصيل بين الدية فلا يرث منها، وغيرها فيرث منها.
ونرى نفس هذه التفاصيل من أصحابنا من عصر المفيد (336ـ413هـ) إلى عصر الشهيد الثاني (911ـ966هـ) .
فذهب ابن البراج في المهذب (1) و المحقّق في الشرائع والنافع (2) وابن سعيد في الجامع (3) والشهيد في مسالكه (4) إلى القول الأوّل.كما نقل القول الثاني، عن الفضل بن شاذان (260هـ) والحسن بن أبي عقيل، ولم يوافقهما عليه أحد من الأصحاب، سوى ظاهر ثقة الإسلام فإنّه نقله عن الفضل بن شاذان ساكتاً عليه(5) وأمّا الثالث فهو خيرة الكاتب والقاضي (6) وابن زهرة في الغنية (7) وابن حمزة في الوسيلة (8) والحلّي في السرائر(9) ونقله المحقّق عن المفيد في الشرائع ووصفه بالحسن، كما وصفه العلاّمة بالجودة. (10)

(1) المهذب: 2/163.
(2) جواهر الكلام: 39/38.
(3) الجامع للشرائع: 504.
(4) الشهيد الثاني: المسالك: 2، ط حجر.
(5) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/42.
(6) القاضي: المهذب: 2/162.
(7) الينابيع الفقهية: 22/ 263.
(8) ابن حمزة: الوسيلة: 391.
(9) الحلي: السرائر: 3/274.
(10) مفتاح الكرامة: 8/ 42.

صفحه 58
وعلى أيّ تقدير فالمسألة ذات أقوال ثلاثة ترجع إلى الروايات وكيفية الجمع بينهما.

دليل القول الأوّل:

احتج القائلون بالوراثة مطلقاً بوجوه:
1ـ إنّ الوراثة مقتضى إطلاق الكتاب والسنّة، خرج منه العامد الظالم وبقي الآخرون.
2ـ صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل أُمّه أيرثها؟ قال: «إن كان خطأ ورثها، وإن كان عمداً لم يرثها» (1)
3ـ صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا قتل الرجل أُمّه خطأ ورثها، وإن قتلها متعمّداً فلا يرثها». (2)
4ـ حديث الرفع، فانّ حرمان القاتل رتب على القاتل على وجه الإطلاق فيكون مرفوعاً عند الخطأ وليس الحرمان كالدية مترتبة على عنوان القتل الخطئي، حتى لايكون قابلاً للرفع.
وبذلك يظهر، إمكان تقييد الإطلاقات (3) بالصحيحين لو لم نقل بانصرافها إلى العمد.

دليل القول الثاني:

استدلّ القائل بعدم الوراثة بخبرين لاينهضان دليلاً على المنع:
1ـ خـبر فضيـل بن يسـار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يقتل الرجل بولده إذا قتله، ويقتل الولد بوالده إذا قتل والده، ولايرث الرجل أباه، إذا قتله وإن

(1) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2و1.
(2) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2و1.
(3) مثل قوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لا ميراث للقاتل» المصدر نفسه: الباب7، الحديث1.

صفحه 59
كان خطأ». (1)
والدلالة واضحة، والسند مخدوش بـ «معلّى بن محمد البصري» الذي يصفه النجاشي بقوله: مضطرب الحديث والمذهب، أضف إليه أنّ في سنده إرسالاً حيث رواه عن بعض أصحابه.
2ـ خبر العلا بن الفضيـل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حـديث قـال: «ولايرث الرجل الرجل إذا قتله وإن كان خطأ». (2) والسند مخدوش بمحمد بن سنان الذي قال في حقّه النجاشي نقلاً عن ابن عقدة: ضعيف جداً، لايعوّل عليه ولايلتفت إلى ما تفرّد به. وقال الفضل بن شاذان: لا أُحِلّ لكم أن ترووا أحاديث محمّد بن سنان. (3)
وأضعف منهما الاحتجاج بمرسل: «من قتل أخاً له عمداً أو خطأ لم يرثه»(4) فاتضح أنّ هذا القول ـ مضافاً إلى اشتهاره بين العامة عصر صدور الروايات كما يستفاد من كلام ابن قدامة السابق ـ ليس له سند صالح يعتمد عليه، فليس له أي تكافؤ مع القول الأوّل ولاالقول الثالث الّذي سيوافيك حتّى نتحرى بالجمع بينه وبين القولين.

دليل القول الثالث:

وهذا القول هو المحكيّ عن المفيد وتبعه غيره كما عرّفناك ويدلّ عليه أُمور:
1ـ ما ذكره الشيخ من رواية عبد اللّه بن عمر في حديث«وإن قتله خطأ ورث من ماله ولايرث من ديته». (5)

(1) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3و4.
(2) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3و4.
(3) النجاشي: الرجال: 208برقم 889.
(4) المستدرك: الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث3.
(5) الطوسي: الخلاف: 2/262، لاحظ سنن البيهقي: 6/221.

صفحه 60
2ـ صحيحة محمد بن قيس: «إذا كان خطأ فإن ّ له نصيبه من ميراثها، وإن كان قتلها متعمّداً فلا يرث منها شيئاً» (1)وجه الدلالة انّه خصّ إرثه بـ«نصيبه من الميراث» والميراث غير الدية، وقال في القتل العمدي: «فلايرث منها شيئاً» الموهم أنّ الخاطئ يرث شيئاً لاكل شيء، وهو ليس إلاّ التركة.
3ـ صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لمرأة ترث من دية زوجها ويرث من ديتها مالم يقتل أحدهما صاحبه» (2) وإطلاقها يعم الخطأ.
4ـ خبر عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : هل للمرأة من دية زوجها وهل للرجل من دية امرأته شيء ؟قال: «نعم مالم يقتل أحدهما الآخر» (3) وإطلاقها يعم الخطأ، وبهذه الأُمور يخصّص ما دلّ على إرث القاتل عن خطأ كما مرّ (4) .
5ـ موثقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر في حديث: «وإن قتلت (الزوجة) ورث من ديتها، وإن قتل ورثت هي من ديته مالم يقتل أحدهما صاحبه». (5)
6ـ ما ورد في امرأة شربت دواءً وهي حامل ولم يعلم بذلك زوجها فألقت ولدها ـ إلى أن قال:ـ فهي لا ترث ولدها من ديته مع أبيه؟ قال: «لا لأنّها قتلته فلاترثه» (6) . وفي الجميع نظر.
أمّا الأوّل فضعفه واضح، وأمّا الثاني فمضافاً إلى أنّه لايخلو عن إشعار لايقاوم إطلاق أدلّة الوراثة، أنّه مضطرب المتن، لأنّها صورة أُخرى عن رواية واحدة والصادرة عن الإمام، مردّدة بين صورتين إحداهما دالّة على المقصود دون

(1) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، ذيل الحديث 1.
(2) المصدر نفسه: الباب 8 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2و3.
(3) المصدر نفسه: الباب 8 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2و3.
(4) المصدر نفسه: الباب 9، الحديث 1 و 2.
(5) المصدر نفسه: الباب 8، الحديث 4و1.
(6) المصدر نفسه: الباب 8، الحديث 4و1.

صفحه 61
الأُخرى فلاحظ الوسائل.
وأمّا الثالث والرابع والخامس، فلايبعد انصرافها إلى العمد.ولو فرض إطلاقها فالنسبة بين ما دلّ على إرث القاتل عن خطأ مطلقاً، وبين هذه الروايات عموم وخصوص من وجه، فالقسم الأوّل، عام يعمّ الدية وغيرها، خاص لاختصاصه بالخاطئ، والقسم الثاني عامّ يعمّ العامد والخاطئ خاص لاختصاصه بالدية، فتتعارضان في إرث الخاطئ في الدية التي تدفعها العاقلة في الخطاء المحض، ونفسه في شبه العمد.ولاترجيح لأحدهما على الآخر، والمرجع بعد السقوط هو إطلاق أدلّة المواريث لاأدلّة حرمان القاتل عن الميراث.
وأمّا السادس فمورده العمد كما يظهر من قوله: «ولم يعلم بذلك زوجها».
ثمّ إنّ صاحب الجواهر رجّح الأخذ بإطلاق الروايتين في مورد الدية، وقيّد به ما دلّ على إرث الخاطئ مطلقاً من التركة والدية بوجوه:
1ـ كون الحرمان من الدية هو المشهور.
2ـ عموم منع القاتل من الميراث. (وهوا لمرجع بعد التساقط) .
3ـ وبُعْد استحقاقه لما ثبت بجنايته.
4ـ خروج الدية عن حقيقة الارث.
5ـ حصول الجمع به بين إطلاق ما دلّ على إرث القاتل خطأ، ومنعه منه كذلك، بحمل الثاني على خصوص الدية.
والجميع كما ترى.
فيرد على الأوّل، ما عرفت من أنّ الأقوال متضاربة ليس فيها شهرة إلاّ في أنّ الخاطئ يرث، وأمّا التفصيل بين الدية وغيرها، فالأقوال متضاربة.
وعلى الثاني، ما عرفت من أنّ عموم المنع خاص بالعامد ولا يعم الخاطئ.

صفحه 62
وعلى الثالث، إنّ عمل الخاطئ ليس بجناية، بل فعل صدر منه خطأ. وهو مرتفع.
وعلى الرابع، أنّه لايقاوم إطلاق أدلّة الميراث في الخاطئ.
وعلى الخامس، أنّه لاحاجة إلى الجمع بين الطائفتين لما عرفت من سقوط الثانية عن الحجية لإرسال في السند أو ضعف فيه.
فالقول بالارث مطلقاً هو الأقوى وأشبه بعمومات المواريث كتاباً وسنّة.
ثمّ إنّي بعد ما حررت ذلك وقفت على كلام السيّد الورع أحمد الخونساري وإليك نصّه:
«لرواية النبوية ضعيفة من جهة السند، وتقييد عموم ما دلّ على الارث بالحسن المذكور ليس بأولى م(1)ن العكس إلاّ أن يقال: النبويّة معتبرة من جهة عمل الاعلام، لكن مع هذا حمل ما دلّ على إرث القاتل خطأ على غير الدية خصوصاً مع ملاحظة قضاء أمير المؤمنين في رواية محمّد بن قيس المذكورة، فانّ القضاء في مورد خاص ليس بمنزلة المطلق القابل للتقييد، والإنصاف أنّ المسألة مشكلة». (2)

شبه العمد ملحق بالخطأ أو بالعمد:

هذا كلّه إذا قتله خطأ محضاً كما إذا رمى طائراً فأخطأ فأصاب مورثه، وأمّا إذا كان القتل بصورة شبه العمد وهو ما إذا كان قاصداً لإيقاع الفعل على المقتول غير قاصد للقتل، وكان الفعل ممّا لايترتب عليه القتل في العادة كما إذا ضربه

(1) يريد صحيحة محمّد بن قيس: الحديث 2 من الباب 8 والتعبير بالحسن، لعدم ورود توثيق صريح في إبراهيم بن هاشم. وقد أوضحنا حاله في كتاب «كليات في علم الرجال».
(2) جامع المدارك: 5/294.

صفحه 63
ضرباً خفيفاً للتأديب فأدّى إلى قتله، فهل هو كالعمد المحض حتّى يكون مانعاً من الارث، أو كالخطأ المحض فيرث مطلقاً أو من غير الدية على التفصيل الماضي؟
لسان النصوص: ما عرفت: «إذا قتل الرجل أُمّه خطأ ورثها وإن قتلها متعمّداً فلايرثها». (1) أو «إن كان خطأ ورثها، وإن كان عمداً لم يرثها». (2)
ظاهر كل من قابل العمد بالخطأ، أنّه أراد من الخطأ الأعم كالشيخ في الخلاف(3) والمحقق في الشرائع (4)وهناك من صرّح به كالعلاّمة في المختلف. (5)
وهو الأولى لو لم نقل إنّه المتبادر من قوله في صحيحة محمد بن قيس: «متعمّداً».
وأمّا ترجيح القول الثاني استدلالاً بعموم حجب القاتل، فهو ممنوع لأنّ المورد من الشبهة المصداقية (بعد خروج القاتل المخطئ عنه) لأجل تردّد المخصص مفهوماً بين الأقلّ والأكثر.
وأمّا ترجيحه بأنّه طريق الجمع بين الصحيحتين (6) والخبرين (7) بحمل الأُوليين على المخطئ المحض والأخيرين على شبه العمد، فقد عرفت عدم التكافؤ فلاتصل النوبة إلى الجمع.

(1) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1و2.
(2) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1و2.
(3) الخلاف 2: كتاب الفرائض، المسألة22.
(4) الجواهر: 39/36.
(5) المختلف: 4/270.
(6) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1و2.
(7) المصدر نفسه: الحديث 3و4.

صفحه 64

التسبيب كالمباشرة :

حكم السبب في باب القصاص غير حكم المباشرة، فالثاني يقتل، والأوّل يحبس، وعلى ضوء ذلك فهل هنا فرق بين السبب والمباشر في الحرمان، أو لا ؟ التحقيق: لا، لأنّ التفريق هناك ثبت بالنص، والحكم في المقام دائر مدار صدق العنوان وهو كما يصدق على المباشر، يصدق على السبب أيضاً، كما إذا ألقى المورث في المسبعة فافترسه السبع، أو حبسه في مكان فمات جوعاً أو عطشاً، أو أطعمه طعاماً مسموماً بدون علم منه إلى ذلك من الأسباب التي لا يُشَك معها في صدق العنوان، ومثله إذا شهد شهادة الزور مع جماعة على صدور عمل منه يستحق معه القتل، فقتل، فانّ القاضي والجلاّد، يتلقيان كالآلة بخلاف الشاهد.

فروع:

1ـ القتل مانع مطلقاً من غير فرق بين ذوي الأنساب والأسباب، لعموم الأدلّة، ومن غير فرق بين ما يوجب القصاص كقتل الولد والده، أو لا، كما في العكس لإطلاق الأدلّة أوّلاً، وللروايات الخاصة (1) . وما نُسب إلى بعض العامة (2) من التفصيل لايعبأ به.
2ـ السبب المؤدِّي إلى الجرح قد يكون سائغاً كضرب الوالد ابنه للتأديب، أو شقّ الجراح، أو القرح للإصلاح. وقد يكون ممنوعاً كضرب غير المستحق المؤدِّي إلى القتل، فعن السيوري: التوريث في الأوّل دون الثاني وهو مردود بإطلاق الأدلّة، وربما يتخيل عدم الدية في الأوّل لوجود الإذن في الفعل ووجوبه لكنّه غير تامّ، لأنّ

(1) الوسائل: 17، الباب 7، من أبواب موانع الإرث، الحديث 3و4و 7.
(2) نقله في مفتاح الكرامة: 8/ 46 عن تنوير السراج لأحمد بن محمود الساماني.

صفحه 65
الاذن يرفع الحكم التكليفي دون الوضعي كما في جواز سدّ الجوع في عام المخمصة وليس المأذون بأقل من الخطأ المحض.
3ـ عمد الصبي والمجنون خطأ، لقول علي (عليه السلام) في المجنون والمعتوه الذي لايفيق والصبيّ الذي لم يبلغ: «عمدهما خطاء تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم».(1) فيرثان من التركة والدية، فما نقل من كشف اللثام من كون الصبي والمجنون عامداً كما ترى.
4ـ إذا سقط النــائم على آخر فقتلــه، أو سقط الأعلـى على الأسـفل، فلاقصاص ولا دية وورد به النص (2)فلاحرمان بطريق أولى.
إنّما الكلام إذا رفس الدابة ووطأت دابته مَن يرثه وقتله، أو رفس القائد أو السائق فقتلت من يرثاه فلو صحّت نسبة القتل إليهم، فهو أشبه بالخطأ المحض فلا يمنع من الإرث.
5ـ إذا أخرج كنيفاً أو حفر بئراً في غير حقّه ووقع فيه المورِّث فقتل أو أسّسَ مظلّة فأصابته فقتلته فعليه الضمان أو الدية فهو كشبه العمد، وورد به النص، وإن كان في حقّه فلاشيء عليه.(3)
6ـ إذا شارك في القتل فلا يرث لصدق القاتل، والحكم في الارث يدور مدار صدق العنوان، وأمّا القصاص أو الدية فليطلب حكمه من محلّه.
7ـ هل يشترط استقرار الحياة بأن يكون ممّا يبقى يوماً أو يومين أو أقلّ أولا؟ فالظاهر لا، إذ الحكم يدور مدار صدق العنوان فلو كان محتضراً، فذبحه، يمنع من الارث لصدق كونه قاتلاً.

(1) الوسائل: 19، الباب36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.
(2) المصدر نفسه: الباب20 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1ـ4.
(3) المصدر نفسه: الباب20 من أبواب موجبات الضمان، الحديث8.

صفحه 66
نعم لو أُصيب بجراحة مخّية، والموت بقدميه، فأخرج الوارث قلبه، أو كليته، فالظاهر عدم صدق العنوان.
8ـ لو كان للقاتل ولد، لم تمنع جناية الأب عن إرث الولد، لقوله سبحانه: (ألاّ تزرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى) (1) وورد به النص (2).
9ـ ولو كان للوارث، ولد كافر منعا، للقتل والكفر، نعم لو أسلم قبل الاقتسام يرث.
***

مسألة: إذا لم يكن للمقتول وارث سوى الإمام:

إذا لم يكن للمقتول وارث سوى القاتل والكافر.يترتب عليه أحكام، يظهر من الأصحاب اتّفاق الأكثر عليه:
1ـ يلزم على الإمام أن يعرض على قرابته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليّه يدفع إليه القاتل فإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية.
2ـ لو أسلم بعد نقل التركة إلى بيت المال، ولكن لم تؤخذ الدية من القاتل ولم يقتص منه فهو أولى بالقاتل من الإمام.
3ـ لو لم يُسلم أحد منهم، كان الإمام وليَّ أمره، فإن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدية.
4ـ إنّ الدية لإمام المسلمين.
وهذه الأحكام الأربعة تستفاد ممّا رواه أبو ولاّد الحناط قال: سألت أبا عبد

(1) النجم/38.
(2) الوسائل: 17، الباب12، من أبواب موانع الإرث.

صفحه 67
اللّه (عليه السلام) عن رجل مسلم قتل رجلاً مسلماً (عمداً) فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلاّ أولياء من أهل الذمة من قرابته؟ فقال: «على الإمام أن يعرض على قرابته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليّه يدفع القاتل إليه، فإن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية، فإن لم يسلم أحد كان الإمام وليَّ أمره، فإن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدية فجعله في بيت مال المسلمين، لأنّ جناية المقتول كانت على الإمام فكذلك تكون ديته لإمام المسلمين» قلت: فإن عفا عنه الإمام؟قال: فقال: «إنّما هو حقّ جميع المسلمين وإنّما على الإمام أن يقتل أو يأخذ الدية وليس له أن يعفو». (1)
ورواه في التهذيب أيضاً بنفس النص. ورواه في العلل إلاّ أنّه أسقط حكم العفو من الإمام. (2)
وروى الشيخ أيضاً عنه قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يقتل وليس له ولي إلاّ الإمام: «إنّه ليس للإمام أن يعفو، وله أن يقتل أو يأخذ الدية فيجعلها في بيت مال المسلمين، لأنّ جناية المقتول كانت على الإمام وكذلك تكون ديته لإمام المسلمين». (3)
وروى الصدوق بسند صحيح عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل مسلم قتل وله أب نصرانيّ لمن تكون ديته؟قال: «تؤخذ فتجعل في بيت مال المسلمين، لأنّ جنايته على بيت مال المسلمين» (4) .

(1) الوسائل: 19، الباب60 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1، وأبو ولاّد، هو حفص بن سالم المدعو بابن يونس أيضاً. ورواه الكليني بطريقين صحيحين، وتوصيفها بالحسن على أحد الطريقين كما في الجواهر لأجل وقوع إبراهيم بن هاشم فيه وهو عند القوم ممدوح. ولكنّه عندنا فوق الثقة.
(2) الوسائل: 19، الباب60 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1، وأبو ولاّد، هو حفص بن سالم المدعو بابن يونس أيضاً. ورواه الكليني بطريقين صحيحين، وتوصيفها بالحسن على أحد الطريقين كما في الجواهر لأجل وقوع إبراهيم بن هاشم فيه وهو عند القوم ممدوح. ولكنّه عندنا فوق الثقة.
(3) المصدر نفسه: الحديث 2.
(4) المصدر نفسه: الحديث 3. والجزء 17، الباب7 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، الحديث1.

صفحه 68
ورواة السند ثقات بالاتفاق وأمّا سليمان بن خالد فهو مردّد بين الهلالي والنخعي والأوّل وثّقه المفيد والعلاّمة، وأمّا الثاني فوثّقه الكشي (1)، ولعلّ الرجلين واحد، وعلى أيّ حال فالرواية معتبرة لعدم الاعتماد على تضعيف الغضائري.
ودلالة الروايات على ما اشتهر بين الأصحاب واضحة جداً.
أمّا مسألة العرض فلعلّ وجوبه لأجل احتمال أن يكون الوارث جاهلاً بالمسألة حتّى لايضيع منه حقّ، وإلاّ فلو كان عارفاً بالحكم فالوجوب ساقط.
وأمّا أولويته بالقاتل من الإمام بعد نقل التركة وقبل أخذ الدية، فلأنّه من مصاديق ما سبق: إذا أسلم أثناء القسمة، فقد قلنا: إنّه يشارك سائر الورثة، أو يختص بالباقي، فإذا أسلم قبل أخذ الدية والاقتصاص فهو كما إذا أسلم أثناء القسمة.
أمّا تخيير الإمام بين الأمرين وتخيير الوارث بين أُمور ثلاثة فهو يستفاد ممّا رواه الكليني والشيخ ولكنّه سقط عمّا رواه الصدوق في العلل ونسبه في مفتاح الكرامة إلى الشهرة وقال: وشهرته تغنني عن تعيين مواضع نقلها فالحكم ممّا لاريب فيه وخالف ابن إدريس ونقل عن الشيخ الرجوع عمّا ذكر ولم يثبت الثاني، والأوّل اجتهاد في مقابل النص وربما يقال: إنّ جواز العفو وعدمه مبنيان على كون الدية للمسلمين أجمعين أو الإمام وحده فلا يجوز العفو على الأوّل دون الثاني وهو غير تام، بل لايجوز له العفو على كلا التقديرين للنص، والحكمة واضحة لأنّ في عفو الإمام من هدر الدماء المخل للغرض من تشريع القصاص وقال (عليه السلام): «لايبطل دم امرئ مسلم»وأمّا وجه الفرق بين الوارث والإمام حيث يجوز العفو للأوّل دون الثاني، فلأجل أنّ القصاص حقّ للميّت إلاّ أنّ للولي استيفاؤه وليس الإمام كالوارث، لأنّ الوارث لايبتلى به إلاّ مرّة واحدة في عمره فلايكون في عفوه أيّ

(1) معجم الثقات: 61 برقم 396، 397.

صفحه 69
مفسدة، بخلاف عفو الإمام فانّه يبتلى بالقضية طيلة إمامته كراراً فعفوه يورث الجرأة.
وأمّا حكم الدية فقد اختلفت عبارات الأصحاب في تأديته، فعبّـروا عنه تارة بأنّه للإمام، وأُخرى لبيت المال وثالثة لبيت مال المسلمين، ونرى نفس الاختلاف في لسان الروايات، بل في رواية واحدة مثل أبي ولاّد.
فتارة يقول: فيجعلها في بيت مال المسلمين، وأُخرى يقول: كذلك تكون ديته لإمام المسلمين، وثالثة: هو حقّ جميع المسلمين، وفي الوقت نفسه يعلّل كونه لإمام المسلمين بأنّ جنايته كانت على الإمام فتكون ديته له.
وتراه فيما رواه الشيخ يقول: فيجعلها في بيت مال المسلمين، وفي الوقت يقول: لأنّ جناية المقتول كانت على الإمام وكذلك تكون ديته لإمام المسلمين.
وفي رواية سليمان بن خالد«ويجعلها في بيت مال المسلمين لأنّ جنايته على بيت مال المسلمين».
والجميع يهدف إلى أمر واحد وهو أنّه للإمام لا لشخصه، بل لشخصيته وإمامته، وهو يتولّى أموالاً لها مصارف مختلفة فهو يتولّى الأنفال والأخماس والزكوات والكفّارات، فالكل يتولاّه الإمام.فاختلاف الرواية لايسقطها عن الحجية كما يظـهر من صاحب الجواهر.
وأمّا كون جناية المقتول على الإمام فلأجل أنّ من لا عاقلة له فعاقلته الإمام.(1)

(1) الوسائل: 19، الباب6 من أبواب ديات العاقلة، الحديث1.

صفحه 70

الدية في حكم مال المقتول:

تتعلق الدية بمال المقتول ويترتب عليه أنّه يقضى منها ديته، ويخرج منها وصاياه.
قال الشيخ في الخلاف: يقضى من الدية، الدين والوصايا وبه قال عامة الفقهاء إلاّ أبا ثور فانّه قال: لايقضى منها الدين ولاالوصية (1) وقد ادّعى ابن فهد عليه الإجماع، وفي الكفاية لاأعرف فيه خلافاً، وفي مجمع الفائدة نسبه إلى الأصحاب والأخبار.خلافاً لمن يذهب إلى أنّ الدية لايصرف منها في الدين شيء لتأخّر استحقاقها عن الحياة. (2)
والظاهر استناد الفتاوى إلى ما نتلوه من الأخبار:
1ـ معتبرة إسحاق بن عمّار عن جعفر أنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: «إذا قبلت ديةُ العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال». (3)
2ـ صحيحة يحيى الأزرق عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالاً فأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أن يقضوا دينه؟ قال: « نعم». قلت: وهو لم يترك شيئاً؟ قال: «إنّما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه». ووصفه في الجواهر بالخبر، مع أنّه صحيحة ورجال السند كلّهم معروفون إلاّ يحيى الأزرق وهو من أصحاب الإمام الكاظم وثّقه النجاشي. على أنّ الرواية رويت بطرق شتى. (4)

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 114.وسيوافيك مذهب أهل السنّة في المقام عند البحث عن ارث الدية.
(2) مفتاح الكرامة: 8/51.
(3) وإنّما قلنا معتبرة، لأنّ رواة السند ثقات إلاّ غياث بن كلوب، قال الشيخ في العدة: إنّ الأصحاب عملوا برواياته.
(4) الوسائل: 13، الباب 24من أبواب الدين والقرض.

صفحه 71
ويدل عليه أيضاً، ما دلّ على أنّ الرجل لو أوصى بثلث ماله، فهو يعمّ ديته أيضاً، لو قتل.
3ـ ففي صحيحة محمد بن قيس قال: قلت له: رجل أوصى لرجل يوصيه من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ يعني الموصي؟ فقال: «يجاز لهذا الوصية من ماله ومن ديته». (1)
والمسألة واضحة بعد تضافر النصوص، و إطلاقها يعم العمد والخطأ خصوصاً أنّ رواية إسحاق بن عمّار واردة في العمد فما روي عن ابن إدريس في باب قضاء الدين عن الميت من التفريق بينهما في غير محلّه.
وأمّا توجيهه بأنّ القصاص حقّ الولي لمكان التشفّي فكانت الدية عوضاً عن حقّه، فمحجوج بما قيل: إنّ القصاص عوض عن نفس المقتول وهو يجتمع مع التشفّي فإذا تراضوا على الدية كانت أيضاً عوضاً عن نفسه وكان أحقَّ بها من غيره.
وفي الجواهر: إنّ الميّت يستحق القصاص عند إزهاق روحه قال سبحانه: (النفس بالنفس)فهو من قبيل ضمان الشيء بمثله، فإذا صالح الوارث على الدية كان كدفع العوض عن المثل المستحق.
***

مسألة: في من يرث الدية:

اختلفت كلمات الفقهاء في من يرث الدية، أمّا الشيعة فقد اختلفوا إلى أقوال أربعة:

(1) الوسائل: 13، الباب 14، من أبواب الوصايا، الحديث 1، ولاحظ الحديث 2و3 من نفس الباب.

صفحه 72
1ـ يرثها جميع الورثة.
2ـ يرثها كل مناسب ومسابب سواء كانت دية عمد أو خطأ إلاّ الإخوة والأخوات من الأُمّ.
3ـ يرث الدية كل مناسب ومسابب عدا من يتقرب بالأُمّ ـ وبه عبَّر المحقّق في الشرائع والعلاّمة في القواعد ـ.
4ـ يرثها كل مناسب ومسابب دون الإخوة والأخوات من قبل الأُمّ ودون الأخوات من قبل الأب وحده، فإن لم يكن واحد من أولئك وكان هناك مولى كانت الدية له وإلاّ فللإمام.
أمّا القول الأوّل: فهو خيرة الشيخ في فرائض الخلاف قال: يرث الدية جميع الورثة سواء كانوا مناسبين أو غير مناسبين من الزوج و الزوجة، وبه قال جميع الفقهاء وعن علي (عليه السلام): روايتان: إحداهما كما قلناه وهو الصحيح، والثانية: إنّ الدية للعصبة، ولايرث من لايعقل عنه العقل مثل الأُخت والزوج والزوجة، واستدل بإجماع الفرقة وأيّده بما روي عن عمر بن الخطاب قال: لاترث الزوجة من دية زوجها، حتى سأل الصحابة، فقال له سفيان بن الضحاك: إنّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كتب إلينا كتاباً بأن نورث امرأة ابن أشيم الضبابي من دية زوجها فورّثناها فرجع عمر عن ذلك وورّثها. (1)
وأمّا القول الثاني: فهو المشهور(2) مقتصراً بما ورد في النصوص أي الإخوة والأخوات من الأُم.
وأمّا القول الثالث: فهو رأي المحقّق والعلاّمة، ونسبه العاملي إلى النهاية والمقنعة والكافي والرسالة النصيرية وتعليق النافع والمسالك والتنقيح وظاهر

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 127.
(2) النجفي: الجواهر : 39/ 46.

صفحه 73
النكت والسرائر في الميراث. (1)
وأمّا القول الرابع: فهو خيرة الشيخ أيضاً في جنايات الخلاف قال: الدية يرثها الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً للذكر مثل حظّ الأُنثيين، وكذلك الوالدان ولايرث الإخوة والأخوات من قبل الأُمّ منها شيئاً، ولاالأخوات من قبل الأب، وإنّما يرثها بعد الوالدين والأولاد: الإخوة من الأب والأُمّ، أو الأب، أو العمومة، فإن لم يكن واحد منهم (أي واحد من الطبقات الثلاث) وكان هناك مولى كانت الدية له، فإن لم يكن هناك مولى كان ميراثه للإمام.
والزوج والزوجة يرثان من الدية وكل من يرث الدية يرث القصاص إلاّ الزوج والزوجة فإنّه ليس لهما من القصاص شيء على حال. (2)
ووصفه في مفتاح الكرامة بالشذوذ ولم يذكره المحقّق والعلاّمة والشهيدان.
وأمّا أهل السنّة، فقد اضطرب كلام الشيخ في نقل آرائهم، فقد نقل في كتاب الفرائض عنهم قولاً واحداً وهو وراثة الجميع بلا استثناء، كما عرفت. ونقل في كتاب جنايات الخلاف (3) أقوالاً:
1ـ قال الشافعي: الدية يرثها جميع ورثته وكل من ورث تركته من المال يرث الدية الذكور والإناث، وسواء كان الميراث بنسب أو سبب، هو الزوجية أو ولاء، والعقل موروث كالمال، فكل من يرث الدية، يرث القصاص، وكل من يرث القصاص يرث الدية، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
2ـ قال مالك: يرثه العصبات من الرجال دون النساء، فإن عفوا على مال كان المال لمن يرث الدية من الرجال.

(1) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/49.
(2) الخلاف: 3، كتاب الجنايات، المسألة 41.
(3) الخلاف: 3، كتاب الجنايات، المسألة 41.

صفحه 74
ومراده من تخصيص الدية بالعصبات من الرجال، هو إخراج العصبات من النساء، كبنت العم، وليس ناظراً إلى إخراج الأولاد بزعم أنّهم ليسوا بعصبة.
3ـ وقال ابن أبي ليلى: يرثه ذو الأنساب من الرجال والنساء ولايرثه ذو سبب وهو الزوجية قال: لأنّ الزوجية تزول بالوفاة، وهذا يورَثُ للتشفّي.
وهو يخرج الوارث بالسبب ويبقي الوارث بالنسب]ويخصه بالرجال ويخرج النساء[ هذا حسب ما نقله الشيخ عنهم وإليك ذكر مانقله ابن قدامة:
قال: ودية المقتول موروثة عنه كسائر أمواله، إلاّ أنّه اختلف فيه عن علي فروي عنه مثل قول الجماعة. وعنه لايرثها إلاّ عصابة الذين يعقلون عنه، وكان عمر يذهب إلى هذا ثمّ رجع عنه لما بلغه عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم توريث المرأة من دية زوجهاـ ثمّ نقل رواية توريث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. وانّ الترمذي قال: هذا حديث صحيح ـ وقال: روى الإمام أحمد: انّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قضى أنّ العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم، وباسناده عن ابن عباس: انّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: «لمرأة ترث من مال زوجها وعقلها ويرث هو من مالها وعقلها، مالم يقتل واحد منهما صاحبه» إلاّ أنّ في إسناده رجلاً مجهولاً.
وقال إبراهيم: قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لدية على الميراث والعقل على العصبة».وقال أبو ثور: هي على الميراث ولاتقضى منها ديونه ولاتنفذ منها وصاياه، وعن أحمد نحو من هذا. (1)
أقول: أمّا البحث عن كونه مال الميت يقضى منها ديونه ووصاياه فقد تقدّم الكلام فيه فلانعيد. والبحث في المقام مركَّز على كيفية توريث الدية، وهل يرثها جميع الورّاث أو بعضها؟ وإليك دراسة أقوال الشيعة أوّلاً، ثمّ دراسة آراء الآخرين:

(1) المغني: 6/364.

صفحه 75
أمّا القول الأوّل: فهو خيرة الشافعي أيضاً، ولادليل عليه سوى العمومات والإطلاقات الواردة في الكتاب والسنّة، ولكنّها قابلة للتخصيص والتقييد إذا كان المخصّص والمقيّد على حدّ صالحين لتضييق عموم الكتاب وإطلاقه. وسيوافيك ما هو صالح لهما.وربما يستدل عليه بروايات:
1ـ موثق إسحاق بن عمّار عن جعفر (عليه السلام) : إنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: «إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال»(1) والظاهر أنّ تقييد الدية بالعمد، مع أنّ دية الخطأ أيضاً مثله تورثان، قرينة على أنّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في مقام بيان أنّ الدية ليس كالجناية على الميت التي يختص الميت بديتها، بل هي كسائر أمواله التي تورث، وليس بصدد بيان كيفية التقسيم حتّى يؤخذ بإطلاق كلامه. ولو سلم فأقصى ما فيها الإطلاق القابل للتقييد.
2ـ مارواه سوار عن الحسن (عليه السلام) في حديث طويل: «إنّ عليّاً (عليه السلام) لما هزم طلحة والزبير، أقبل الناس منهزمين فمرّوا بامرأة حامل على الطريق، ففزعت منهم فطرحت ما في بطنها حيّاً، فاضطرب حتّى مات ثمّ ماتت أُمّه من بعده، فمرّ بها عليّ (عليه السلام) وأصحابه وهي مطروحة على الطريق وولدها على الطريق، فسألهم عن أمرها؟ فقالوا: إنّها كانت حبلى ففزعت حين رأت القتال والهزيمة، قال: فسألهم أيّهما مات قبل صاحبه؟ فقيل: إنّ ابنها مات قبلها، قال: فدعا بزوجها أبي الغلام الميت فورثه ثلثي الدية، وورث أُمّه ثلث الدية، ثمّ ورث الزوج من المرأة الميتة نصف ثلث الدية التي ورثتها من ابنها وورث قرابة المرأة الميتة الباقي الخ». (2)

(1) الوسائل: 17، الباب 14 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1، وفي طريقه يعقوب بن يزيد الأنباري الكاتب الثقة وغياث بن كلوب الذي قال الشيخ: الأصحاب عملوا برواياته.
(2) المصدر نفسه: الباب 10، الحديث 3 والحديث ضعيف، وسوار مهمل في الرجال.

صفحه 76
يلاحظ عليه: أنّها قضية خارجية ولعلّ قرابة المرأة كانت أباها وأُمّها أو إخوتها وأخواتها من الأب والأُمّ.ومعه لاتصلح للاستدلال.
وأمّا القول الثاني: فهو المشهور، واختاره بنفس النص السبزواري في كفايته ومال إليه في المسالك والمجمع وهو مؤيّد بروايات صحيحة وموثقة.
1ـ صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الدية يرثها الورثة إلاّ الإخوة والأخوات من الأُمّ فإنّهم لايرثون من الدية شيئاً». (1)
2ـ صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قضى عليّ (عليه السلام) في دية المقتول أنّه يرثها الورثة على كتاب اللّه وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين، إلاّ الإخوة والأخوات من الأُمّ، فإنّهم لايرثون من ديته شيئاً». (2)
نعم اقتصر في صحيحة محمد بن قيس (3) ، وصحيحة أبي العباس (4) ، وخبر عبيد بن زرارة (5) بالإخوة من الأُمّ وهو جري على العادة من شمول الإخوة للأخوات.
وهذه الروايات المفصلة تصلح لتخصيص عموم الكتاب وتقييد إطلاقه.
وأمّا القول الثالث: أي مطلق من يتقرّب بالأُمّ كالأخوال والخالات: فالدليل عليه هو إلغاء الخصوصية للقطع بالمساواة كما في الأخوال والخالات، والأولوية كما في أولاد الإخـوة والأخـوات من الأُمّ، فإذا كان الأصل محروماً فالفرع أولى به.

(1) الوسائل: 17، الباب 10، من أبواب موانع الإرث، الحديث 2و1 وفي طريق الحديث الثاني: أبو أيوب، والمراد أبو أيوب الخزاز: إبراهيم بن عيسى وثّقه النجاشي والكشي، رواه عن سليمان بن خالد النخعي الذي ضعّفه ابن الغضائري ووثّقه الكشي والمفيد والعلاّمة. ولا عبرة بتضعيف ابن الغضائري.
(2) الوسائل: 17، الباب 10، من أبواب موانع الإرث، الحديث 2و1 وفي طريق الحديث الثاني: أبو أيوب، والمراد أبو أيوب الخزاز: إبراهيم بن عيسى وثّقه النجاشي والكشي، رواه عن سليمان بن خالد النخعي الذي ضعّفه ابن الغضائري ووثّقه الكشي والمفيد والعلاّمة. ولا عبرة بتضعيف ابن الغضائري.
(3) المصدر نفسه: الحديث 4 وفي طريق الصحيحة الأُولى محمد بن عيسى العبيدي وهو ثقة على الصحيح وعاصم بن حميد الحنفي الحناط الذي هو ثقة، والحديث 5و6.
(4) المصدر نفسه: الحديث 4 وفي طريق الصحيحة الأُولى محمد بن عيسى العبيدي وهو ثقة على الصحيح وعاصم بن حميد الحنفي الحناط الذي هو ثقة، والحديث 5و6.
(5) المصدر نفسه: الحديث 4 وفي طريق الصحيحة الأُولى محمد بن عيسى العبيدي وهو ثقة على الصحيح وعاصم بن حميد الحنفي الحناط الذي هو ثقة، والحديث 5و6.

صفحه 77
وإن كان الأولى الاقتصار بالمنصوص والتصالح في غيره مثل الخال والخالة اقتصاراً في مورد خلاف القاعدة على موضع النص.
وأمّا القول الرابع: أي إضافة الأخوات من الأب وحده، إلى الإخوة من الأُمّ فلم نجد له دليلاً صالحاً وهو خيرة الشيخ في جنايات الخلاف على ما عرفت، والاستدلال عليه بما في رواية البقباق من أنّه ليس للنساء عفو ولاقود (1)كما ترى، لأنّ الكلام في وراثة الدية، لا العفو والقود.
وأمّا دراسة أقوال أهل السنّة فالقول الأوّل معه إطلاق الكتاب لولا وجود المخصّص في كلمات أئمة أهل البيت، وأمّا الثاني أي تخصيص إرث الدية بالرجال من العصبات فيرثه العم دون العمّة فيرده إطلاق الكتاب بلادليل على التقييد، وأضعف منه القول الثالث من حرمان النساء مطلقاً وهو محجوج بالكتاب والسنّة.
ثمّ إنّه إذا لم يكن للمقتول وارث سوى الإخوة والأخوات من جانب الأُمّ، فقد عرفت أنّ الشيخ الطوسي قال: التركة للولاء فإن لم يكن فهو للإمام (2) ويظهر من العاملي أنّه قد تسالم الناس على أنّ الإخوة للأُمّ إذا انفردوا ورثوا الدية (3) والأخير هو الأقرب لقوله سبحانه: (وَأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى)(الأنفال/75) .
فإنّ معناه: أنّ من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث. (4) خرجت هؤلاء عند الاجتماع مع من في طبقتهم أو الأعم منه ومن هو في الطبقة المتأخّرة، وأمّا وراء ذلك، فهو باق تحت الإطلاقات والعمومات.

(1) الوسائل: 19، الباب 56 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(2) الخلاف، كتاب الجنايات، المسألة 41.
(3) مفتاح الكرامة: 8/50.
(4) مجمع البيان: 2/563، ط صيدا.

صفحه 78
وأمّا الزوج والزوجة فالمشهور عندنا هو التفصيل بين عدم إرثهما القصاص وإرثهما الدية قال الشيخ: لا ترث الزوجة من القصاص شيئاً وإنّما القصاص يرثه الأولياء فإن قبلوا الدية كان لها نصيبها منها، وقال الشافعي: لها نصبيها من القصاص. (1)
قال المحقّق: ولا يرث أحد الزوجين القصاص ولو وقع التراضي بالدية ورثا نصيبها منها.
قال العاملي: أمّا عدم إرثه القصاص فكاد أن يكون ضرورياً، وأمّا إرثه من الدية فيدل عليه الإجماع كما في المبسوط والمسالك وهو ظاهر المجمع والكفاية وقد حكاه فيها، وبالجملة لم أجد مخالفاً في ذلك من أصحابنا. (2)
أمّا إرثهما دية الآخر فهو الموافق للقاعدة مضافاً إلى النصوص المؤيدة لها(3) ولايعارضه خبر السكوني من أنّ عليّاً كان لايورث المرأة من دية زوجها ولايورث الرجل من دية امرأته شيئاً (4) وحمله القائلون بالوراثة على ما إذا قتل أحدهما الآخر وهو بعيد، والحق أنّه ليس بحجة في مقابل الضرورة المدعاة أو الشهرة المحقّقة.
وما ربما يقال من أنّ الدية عوض حقّ القصاص الذي هو لغيرهما فلاوجه لإرثهما من عوض ما ليس للميت ولا لهما. فكأنّه اجتهاد في مقابل النص على أنّه يمنع عدم كون الحقّ للميت فانّ إزهاق النفس عوض نفس الميت، فهو شيء يستحقّه الميّت بالذات.
وأمّا ما ذكره ابن أبي ليلى أنّه لايرث الدية ذو سبب لأنّ الزوجية تزول بالوفاة

(1) الطوسي: الخلاف: 3، كتاب الجنايات، المسألة 11.
(2) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/51.
(3) الوسائل: 17، الباب 11، من أبواب موانع الإرث، الحديث 1ـ2.
(4) المصدر نفسه: الحديث 4.

صفحه 79
وهذا توريث للتشفّي ولاتشفّيَ بعد زوال الزوجية، ضعيف، حيث يمنع زوال الزوجية والدليل عليه جواز غسله لها بعد الموت، ولو سلّمنا، لكن التشفّي لايدور مدار بقاء علقة الزوجية، بل يدور مدار بقاء العاطفة بينهما، وأمّا حكم إرث القصاص فهو موكول إلى محلّه.
***

الثالث: الرّق:

وعدم الابتلاء به أغنانا عن البحث عنه.

صفحه 80

في لواحق أسباب المنع

وهي أربعة:

الأوّل: اللعان:

إنّ اللعان يقطع النكاح، ولأجل ذلك لايرث المتلاعنان عن الآخر وإن وقع اللعان في المرض، ويكون فراقهما أشبه بطلاق المختلعة والمباراة (1) وأمّا ولد الملاعنة، فيلحق بالأُمّ يرثها وترثه، وأمّا الأب فلاتراث بينهما.ولو أقرّ الأب ورجع عن الإنكار، يرثه الولد ولايرثه الأب، لأنّ إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ لالأنفسهم، وسيأتي البحث عن ميراث ولد الملاعنة وولد الزنا في محلّه فنكتف بذلك وقد ذكرناه تبعاً للمحقّق في المقام.
إلاّ أنّ عدّ اللعان من الموانع، لايخلو عن مسامحة لأنّ المقصود منها المنع بعد ثبوت النسب كالكفر والقتل، وأمّا المورد فالنسب مشكوك واقعاً، ومنتف ظاهراً حسب حكم الشرع.

(1) الوسائل: 17، الباب 15، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

صفحه 81

الثاني: الغائب غيبة منقطعة أخباره وآثاره:

وهذا يختلف باعتبار نباهة الشأن، وخمود الذكر، وبعد البلاد، وقلّة المترددين وكثرتهم، والعنوان كما يشمل لمن لم يُعرف مكانه، كذلك يشمل الأسير المعلوم مكانه في معسكر الأعداء وكل من عبّر بالمفقود، ذكر الأسير مستقلاً كالشيخ في الخلاف (1) وابن زهرة في الغنية حيث قال: ويوقف نصيب الأسير في بلاد الكفر حتى يجيئ أو يصحّ موته فإن لم يعلم مكانه فهو مفقود (2) ويظهر من الروايات اختصاص المفقود بمن لايعلم مكانه، ففي رواية معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل كان له على رجل حقّ، ففقده ولايدري أين يطلبه... (3) وقد ورد في غير واحد من الروايات لفظ «غاب» (4) ويتضح أنّ المناط هو عدم العلم بموته وحياته، من غير فرق بين الأسير وغيره بين معلوم المكان ومجهوله.
وقبل دراسة الروايات نذكر الأقوال، وهي عند الشيعة أربعة:
1ـ الغائب غيبة منقطعة بحيث لايعلم خبره، لايُورَّث حتى يعلم موته إمّا بالبيّنة أو بمضي مدّة لايمكن أن يعيش مثله إليها عادة، فيحكم لورثته الموجودين في وقت الحكم أخذاً بأصالة بقاء الحياة والتركة على ملكه من غير معارض وهذا خيرة الشيخ في الخلاف (5) والمحقّق في الشرائع (6) والقاضي في المهذّب (7) والعلاّمة

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، ا لمسألة 135ـ 136.
(2) الينابيع الفقهية: 22/285، نقلاً عن كتاب الغنية لابن زهرة.
(3) الوسائل: 17، الباب6 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه، الحديث 2.
(4) المصدر نفسه: الحديث 6، 7 و8.
(5) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 136.
(6) الجواهر: 39/63.
(7) المهذب: 2/166.

صفحه 82
في القواعد. (1)
2ـ يحبس المال بقدر ما يطلب في الأربعة جوانب أربع سنين، ونسبه في المفتاح إلى الصدوق والسيد المرتضى وأبي الصلاح وأبي المكارم وتبعهم بعض المتأخّرين.
3ـ التفصيل بين من فقد في عسكر قد شهدت هزيمته وقتل من كان فيه أو أكثرهم ففيه الصبر أربع سنين، ومن لا يعرف مكانه في غيبة ولا خبر له، ففيه عشر سنين والمأسور في قيد العدو يوقف ماله ماجاء خبره ثمّ إلى عشر سنين.
4ـ يدفع إلى وارثه الملي. (2)
وأمّا عند أهل السنّة فقد ذكر الشيخ أقوالهم في الخلاف ما هذا خلاصته: قال الشافعي ومحمد بن الحسن الشيباني بالقول الأوّل، وقال بعض أصحاب مالك: يضرب للمفقود سبعين سنة مع سنة يومَ فُقد، فإن علمت حياته وإلاّ قسِّم ماله، وقال بعض أصحابه: يضرب له مدة تسعين سنة، وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي: إذا مضى على المفقود من السنين، ما يكون مع سنة يومَ فقد، مائة وعشرون سنة قسّم ماله بين الأحياء من ورثته وبه قال أبو يوسف. (3)
وقال ابن قدامة: المفقود على نوعين:
أحدهما: الغالب من حاله الهلاك وهو من يفقد في مهلكة كالذي يفقد بين الصفّين وقد هلك جماعة، أو في مركب انكسر فغرق بعض أهله أو في مفازة يهلك فيها الناس...فهذا ينتظر أربع سنين فإن لم يظهر له خبر قسّم ماله واعتدت امرأته.

(1) مفتاح الكرامة: 8/92.
(2) أخذنا الأقوال من مفتاح الكرامة والجواهر وراجعنا بعض المصادر.
(3) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 136.

صفحه 83
وثانيهما: من ليس الغالب هلاكه كالمسافر لتجارة أو طلب علم أو سياحة ونحو ذلك ولم يعلم خبره ففيه روايتان: إحداهما: لا يقسّم ماله ولاتُزوَّج امرأته حتى يتيقّن موته أو يمضي عليه مدّة لايعيش في مثلها، وذلك مردود إلى اجتهاد الحاكم وهذا قول الشافعي ومحمد بن الحسن وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف. والرواية الثانية: أنّه ينتظر به تمام تسعين سنة مع سنة يوم فقد، وهذا قول عبد الملك بن الماجشون لأنّ الغالب أنّه لايعيش أكثر من هذا ولعلّه يحتج بقول النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : «أعمار أُمّتي ما بين السبعين والستين» أو كما قال: ولأنّ الغالب أنّه لايعيش أكثر من هذا فأشبه التسعين، وقال الحسن بن زياد: ينتظر به تمام مائة وعشرين سنة. (1)
هذه هي الأقوال وإليك دراستها:
أمّا القول الأوّل، فاستدل عليه بوجهين:
1ـ أنّه مقتضى الأصل الجاري في حياة الغائب وماله، وعليه يجب الانتظار إلى أن يعلم أو يثبت شرعاً موته.وهو جيّد إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي على خلافه من كفاية الانتظار أربع سنين أو عشر أو غير ذلك.
2ـ الاستدلال بما ورد حول مال فُقِدَ صاحبه ولايعرف له وارث.
الف: روى هشام بن سالم قال: سأل خطاب الأعور أبا إبراهيم (عليه السلام) وأنا جالس، فقال: إنّه كان عند أبي، أجير يعمل عنده بالأُجرة ففقدناه وبقي من أجره شيء ولايعرف له وارث قال: «فاطلبوه»، قال: قد طلبناه فلم نجده، قال: فقال: «مساكين» ـ وحرّك يده ـ قال: فأعاد عليه، قال: «طلب واجهد فإن قدرت عليه وإلاّ فهو كسبيل مالك حتى يجيئ له طالب، فإن حدث بك حدث فأوص

(1) المغني: 6/365.

صفحه 84
به إن جاء لها طالب أن يدفع إليه». (1)
ب: ما رواه يونس (2) عن ابن أبي ثابت (3) ، عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل كان له على رجل حقّ، ففقده ولايدري أين يطلبه، ولايدري أحيٌّ هو أم ميِّت، ولايعرف له وارثاً ولانسباً ولاولداً، قال: « اطلب»، قال: فإنّ ذلك قد طال فأتصدق به؟ قال: «طلبه». (4)
وهناك روايات أُخرى بهذا المضمون. (5)
والعمل بهذه الروايات مشكل من جهتين:
أوّلاً: إنّ الموضوع فيها، أشبه بمجهول المالك حيث فقد المالك ولايعرف له وارث، وهذا بخلاف المقام، فإنّ المالك معلوم أمّا الغائب أو وارثه المعروف، فقياس أحد الموردين على الآخر مشكل وإلغاء الخصوصية يحتاج إلى عدم وجود فرق جوهري بين المقامين، وهو بعد مورد تأمّل فانّ المرجع في مجهول المالك هو الإمام، فله أن يتقلّب فيه بما شاء فلأجل ذلك أمر فيما مضى بالصبر والانتظار وفي غيره بالتصدق قليلاًقليلاً. (6)
وثانياً: إنّ صيانة مجهول المالك أمر سهل، لأنّه لايتجاوز عن النقود، وهذا بخلاف الغائب فانّه يترك البناء والأثاث وغيرهما من الأموال التي يتسرّب إليها الفساد لو تركت بحالها.وقيام الحاكم أو العدول بإصلاحها أمر شاقّ وحرجيّ جدّاً خصوصاً في هذه الأيّام. وبذلك يظهر النظر في ما أفاده المحقّق من كونه موافقاً

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 1.
(2) يونس بن يعقوب كما في جامع الرواة.
(3) هو محمد بن أبي حمزة ثابت بن أبي صفة الثمالي وثّقه الكشي.
(4) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 2.
(5) لاحظ الحديث 4و10.
(6) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/96، لاحظ الحديث 3من الباب.

صفحه 85
للاحتياط، بل ربمايكون الاحتياط في خلافه.
وأمّا القول الثاني: أي يحبس المال بقدر ما يطلب في الأربعة جوانب أربع سنين، فهو خيرة الصدوق والمرتضى وأبو الصلاح وأبو المكارم وتبعهم على ذلك من متأخّري المتأخّرين صاحب المفاتيح والكفاية (1)واستدلوا على ذلك بأُمور:
1ـ موثقة إسحاق بن عمّار قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام) : «لمفقود يتربّص بماله أربع سنين ثمّ يقسّم». (2)
2ـ موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لمفقود يحبس ماله على الورثة قدر ما يطلب في الأرض أربع سنين فإن لم يقدر عليه قسِّم ماله بين الورثة...». (3)
وربما نقل الإجماع عليه، وأيّد بموافقة الاعتبار بالقياس على الزوجة.
أقول: المهم هو الروايتان، وأمّا ادّعاء الإجماع مع وجود المخالف كالمفيد، والشيخ الطوسي فلا قيمة له، وأظهر منه تأييده بالاعتبار. والوارد في إحدى الروايتين، التربّص وفي الأُخرى الطلب، وتحمل الأُولى على الثانية.
وربما يورد عليهما باعراض المشهور عنهما أوّلاً، وبمعارضتهما بالصحيح(4) والموثق الآخر (5) ثانياً.
أقول: أمّا الاعراض، فلم يثبت وعدم إفتاء الشيخ والمفيد بمفادهما لايكون دليلاً على الاعراض، وقد كان الشيخ كثير ا لعمل، وقليل الوقت بالنسبة إلى

(1) الجواهر: 39/66.
(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 5و9.
(3) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 5و9.
(4) يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.
(5) يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.

صفحه 86
الأعمال التي قام بها، وربما لم يرجع إلى جميع الروايات، وأمّا معارضتهما للموثق الآخر فسيوافيك الجمع بينهما. وأمّا الصحيح فهو معرض عنه كما سيأتي.
وأمّا القول الثالث: فاستدل عليه بمعتبرة (1) علي بن مهزيار قال: سألت أباجعفر الثاني (عليه السلام) عن دار كانت لامرأة وكان لها ابن وابنة، فغاب الابن في البحر، وماتت المرأة، فادّعت ابنتها أنّ أُمّها كانت صيرت هذه الدار لها، وباعت أشقاصاً منها، وبقيت في الدار قطعة إلى جنب دار رجل من أصحابنا وهو يكره أن يشتريها لغيبة الابن، وما يتخوف أن لا يحل شراؤها، وليس يعرف للابن خبر، فقال لي: «ومنذ كم غاب؟» قلت: منذ سنين كثيرة، قال: « ينتظر به غيبة عشر سنين ثمّ يشتري» فقلت: إذا انتظر به غيبة عشر سنين يحل شراؤها؟ قال: «نعم».(2)
وأورد على الاستدلال بوجهين:
1ـ أنّ جواز الشراء لأجل كون البنت ذات اليد.
2ـ أنّ الإذن في الشراء كان لأجل مصلحة مال الغائب.
يلاحظ على الأوّل: أنّه لو كانت اليد معتبرة في المقام لما كانت هناك حاجة إلى الانتظار مع أنّ الإمام قيّد جواز الشراء بمرور عشر سنين.
وعلى الثاني أنّه خلاف المتبادر، وأنّ جواز الشراء حكم واقعي لالصيانة مال الغائب.
نعم ضعّفه المحقّق بأنّه قضية في واقعة.
والأولى أن يضعّف بإعراض الأصحاب عنها، بحيث لاتجد عاملاً له سوى المفيد في مورد العقار (3) .

(1) ولا يضر وجود سهل في السند لأنّ الأمر فيه سهل.
(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث7.
(3) المقنعة: 6.

صفحه 87
وأمّا القول الرابع: أي الدفع إلى وارثه المليئ، فقد عمل به المفيد في غير العقار بعد تطاول المدّة قال: وإذا مات الإنسان وله ولد مفقود لايعرف له موت ولاحياة، عزل ميراثه حتّى يعرف خبره، فإن تطاولت المدة في ذلك، وكان للميت ورثة ـ سوى الولد ـ ملاء بحقه لم يكن بأس باقتسامه وهم ضامنون له إن عرف للولد خبر بعد ذلك. (1)
وتدل عليه مضمرة إسحاق بن عمّـار: سألته عن رجل كان له ولد فغاب بعض ولده فلم يدر أين هو ومات الرجل فكيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: «يعزل حتى يجئ» قلت: فقد الرجل ولم يجيئ، قال: «إن كان ورثة الرجل ملاء بماله اقتسموه بينهم، فإن هو جاء ردّوه عليه» (2) والحديث لاغبار عليه من حيث السند، وإن وصفه المحقّق بأنّه فيه ضعفاً (3) فانّ الكليني نقله بسند صحيح ينتهي إلى إسحاق بن عمّـار الذي هو ثقة.
ورواه أيضاً بسند آخر عن إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: سألته عن رجل كان له ولد فغاب بعض ولده، فلم يدر أين هو، ومات الرجل فأيّ شيء يصنع بميراث الرجل الغائب من أبيه؟ قال: « يعزل» ـ إلى أن قال: ـ فُقد الرجل فلم يجئ، قال: « إن كان ورثة الرجل ملاء بماله اقتسموه بينهم فإذا هو جاء ردّوه عليه».
الظاهر أنّ الفرق بين الشقين، هو وجود الرجاء القويّ في الأوّل بالمجيئ وعدمه في الثاني، ففي الأوّل يعزل حتى يجيئ وفي الثاني يقسمونه بينهم.
وحاصل الروايتين: أنّ في مظنة الرجاء يعزل حتى يجيئ وإلاّ فيقسّم بشرط

(1) المقنعة: 6.
(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث6و8.
(3) المختصر النافع: 274.

صفحه 88
الملاءة والتضمين.
ومقتضى الصناعة الفقهية هو تقييد هاتين الروايتين بما رواه إسحاق بن عمّار نفسه في الطلب أو التربّص أربع سنين. (1)
ويكون مقتضى الجمع بين الموثقتين الدالّتين على لزوم تربّص أربع سنين، وهذه الرواية المفصّلة بين الرجاء وعدمه، هو التقسيم بشرط الملاءة والتضمين، والفحص والطلب أربع سنين ثمّ التقسيم إن لم يكونوا كذلك، وهناك احتمال آخر وهو التخيير بين التقسيم والطلب أربع سنين إذا كانوا ملاء وتعيّـن الفحص والطلب إذا لم يكونوا كذلك. وعلى كل تقدير، فما ذكرناه ممّا ذهب إليه السيد الإصفهاني (2) وتبعه بعض المشايخ من لزوم الطلب والفحص أربع سنين والتقسيم بعد انقضائها إذ على هذا تطرح الموثقة الأخيرة الدالّة على القول الرابع، وهذا بخلاف ما ذكرناه إذ فيه جمع بين الروايات.

الثالث: الحمل:

الكلام في الحمل يقع في مقامين:
1ـ الحمل حاجب لاوارث مادام في البطن.
2ـ الحمل وارث إذا سقط حيّاً لا ميّتاً.
وقد عنون المحقق المسألة في موردين: أحدهما في المقام والآخر في ضمن المسائل الثمان (المسألة الثالثة) بعد الفراغ عن إرث الخنثى وتبعه العلاّمة في القواعد ونحن نبحث عن الجميع في مقام واحد.

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 5و9.
(2) وسيلة النجاة، كتاب الميراث، المسألة 28.

صفحه 89

الأوّل: الحمل حاجب لا وارث ما دام في البطن:

الحمل ما دام حملاً لا يرث ولكن يحجب من كان متأخّراً عنه في المرتبة أو في الطبقة. وإليك بعض الكلمات:
قال الشيخ: إذا مات ميّت وخلف ورثة وامرأة حاملاً فانّه يوقف ميراث ابنين ويقسّم الباقي وبه قال محمد بن الحسن ويؤخذ منهم ضمناء، وقال الشافعي ومالك: لا يقسَّم الميراث حتى تضع إلاّ أن يكون الحمل لا يُدْخل نقصاً على بعض الورثة فيدفع إلى ذلك الوارث حقّه معجّلاً ويوقف الباقي. (1) وكان أبو يوسف يقسّم الميراث ويوقف نصيب واحد ويأخذ من الورثة ضمَناء، وهذا أيضاًجيد يجوز لنا أن نعتمده، وكان شريك يوقف نصيب أربعة ... وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة نحوه، وروى اللؤلؤي عن أبي حنيفة أنّه يوقف المال كلّه حتى تضع الحمل.
ثمّ استدل بأنّ العادة جرت بأنّ أكثر ما تلده المرأة ابنان وما زاد عليه شاذ خارج عن العادة ولتجويز ذلك أخذنا الضمناء وزيادة ما جرت به العادة، ووجوب إيقافه يحتاج إلى دليل. (2)
وقال ابن قدامة ما هذا حاصله: إذا طالب الورثة بالقسمة لم يُعطَوا كل المال، بغير خلاف إلاّ ما حكي عن داود.ولكن يدفع إلى من لاينقصه الحمل كمالَ ميراثه، وإلى من ينقصه أقلّ ما يصيبه (3) ولايدفع إلى من يسقطه شيء. (4) وأمّا من

(1) ذلك كالأبوين إذا كان للميت ولد آخر فإنّ لكلّ منهما السدس سواء أكان للميت ولد ثان (كالحمل) أم لا، وكالزوجة في هذا الفرض.
(2) الطوسي: الخلاف 2، كتاب الفرائض، المسألة 125.
(3) كالأُمّ ترث الثلث إلاّ إذا كان للميت إخوة فترث السدس.
(4) كالإخوة مع كون زوجة الميت حاملاً.

صفحه 90
يشارك فأكثر أهل العلم قالوا: يوقف للحمل شيء ويدفع إلى شركائه الباقي.
واختلف القائلون بالوقف فيما يوقف فروي عن أحمد أنّه يوقف نصيب ذكرين، وقال شريك: يوقف نصيب أربعة، وقال الليث وأبو يوسف: يوقف نصيب غلام ويؤخذ ضمين من الورثة. (1)
والمسألة غير منصوصة وإنّما حكم بالحجب لصيانة نصيب الحمل فلو كان أصل التقسيم، أو تقسيم جميع المال مخالفاً لها، فيمنع حسب ما يقتضيه الاحتياط إمّا أصله وإمّا جميعه، ولأجل ذلك لو طلب الورّاث التقسيم، يجب على الحاكم العمل بالتفصيل الآتي ولو صبروا حتى يتبيّن الحال فلا ملزم له.
1ـ فلو كان الوارث الفعلي متأخّراً عن الحمل في المرتبة وإن كان متحداً معه في الطبقة أو متأخّراً في الطبقة، فيمنع عن أصل التقسيم، والأوّل كالأحفاد فإنّ أولاد الأولاد، ، تتحد طبقتهم مع الأولاد، لكن تتأخّر رتبتهم عنهم، والثاني كالإخوة فلو مات عن وارث حفيد، أو أخ، وزوجة حاملة فيمنع أصل التقسيم لاحتمال سقوطه حيّاً ومعه لا يرث الأحفاد ولا الإخوة.وأمّا الزوجة فبما أنّ فرضها مع سقوطه حياً وميّتاً، متغيّـر، فلايمنع عن الفرض القطعي أعني الثمن، وأمّا الفرض الآخر أعني الربع فتنتظر حتى تتبيّن الحال.
وربما يكون مقتضى الاحتياط، هو المنع عن تقسيم جميع المال، لاالمقدار المتيقّن، وهذاكما في الأمثلة التالية.
2ـ ما إذا كان سقوط الحمل ميّتاً أوحيّاً غير مؤثّر في فرض بعض الورثة وإن كان مؤثّراً في بعض آخر فلا يمنع عن الأوّل، وهذا كما إذا مات عن زوجة وأبوين وولد آخر غير الحمل فإنّ نصيب الأوّلين أعني الزوجة والأبوبين، لا يتغيّـر مع

(1) ابن قدامة: المغني: 6/358ـ 359.

صفحه 91
وجود الولد الآخر، سواء سقط الحمل حياً أو ميتاً، فيدفع إلى الزوجة الثُّمن وإلى كل واحد من الوالدين السدس إذا طلبوا ميراثهم إذ لاتعود للانتظار هنا فائدة، لأنّهما أصبحا محرومين من الفرض العالي أي الربع والثلث مع وجود الولد الآخر.
3ـ تلك الصورة ولكن لم يكن للميت ولد آخر وعندئذ يكون لسقوط الولد حياً أو ميتاً تأثير في ارتفاع الفرض وانخفاضه فلو صبرا، وإلاّ يدفع إليهما الفرض الداني إلى أن يتبيّـن الحال.
4ـ مات عن أبوين وأخ ولو سقط الحمل حيّاً يكون للميت أخوين وهما وإن لم يرثا مع الوالدين لكنّهما يمنعان الأُمّ عن الثلث، قال سبحانه: (فَإنْ لَـمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) . (1)
5ـ ولو كان للميت وارث آخر في مرتبة الحمل وطبقته ـ كما إذا كان له أولاد وأبوان ـ يعزل للحمل نصيب ذكرين ويُعطى الباقي للباقين.ثمّ بعد تبيّن الحالإنسقط ميّتاً يعطى ما عزله للوارث الآخر، ولو تعدد وزّع بينهم على ما فرض اللّه.
وعلى ذلك لو كان للميت ابن واحد، يعطي الثلث، ويُعْزل للحمل الثلثان. ولو كانت له بنت واحدة أُعطيت الخمس، وعزل للحمل أربعة أخماس.ولو كان له ابن وبنت تقسَّم التركة سبعَ حصص تعطى البنت حصة، ويعطى الابن حصتين، وتعزل للحمل أربع حصص نصيب ذكرين.
وقد تبيّن بذلك أنّ الحمل تارة يمنع أصل الاقتسام كما في الصورة الأُولى (بالنسبة إلى غير الزوجة) وأُخرى يمنع عن اقتسام الجميع عن أصله كما في الصور الأربعة الأخيرة.

(1) النساء/11.

صفحه 92

الثاني: الحمل وارث إذا سقط حيّاً لا ميّتاً:

قد عرفت أنّ الحمل ما دام كونه حملاً، يحجب، ولكنّه إذا انفصل حيّاً يرث إجماعاً ونصاً.ولكن بشرطين:
الأوّل: أن يعلم أنّه كان موجوداً حال الموت ويُعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستّة أشهر من حين موته، مدّة يمكن تولّده منه فيها، أو لأقصى الحمل وهي عندنا تسعة أشهر وقيل: سنة وعند أهل السنّة أربع سنين أو سنتان (1) فلو دلّت المحاسبة على أنّه لم يكن موجوداً عند الموت لايرث ـ ومع ذلك ـ لاترمى الزوجة بالزنا لاحتمال الشبهة وهي تدرأ الحدود.
الثاني: أن تضعه حيّاً فإن وضعته ميّتاً لم يرث بالاتفاق.إنّما الكلام فيما تثبت به الحياة فالأكثر لولا الكل على أنّه إن تحرك حركة تدل على الحياة ورث وإلاّ فلا كالتقلّص الذي يحصل طبعاً لا اختياراً.ولايشترط الاستهلال، وأمّا أهل السنّة فقالوا: إذا استهلّ صارخاً ورث و وُرِّث، وقد روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «إذا استهلّ المولود ورث»، وأمّا فيما سوى الاستهلال فقالت طائفة: لايرث حتى يستهل ولايقوم غيره مقامه، وذلك لأنّ الاستهلال لايكون إلاّ من حيّ والحركة تكون من غير حيّ فإنّ اللحم يختلج سيّما إذا أُخرج من مكان ضيق فتضامت أجزاؤه ثمّ خرج إلى مكان فسيح فإنّه يتحرك من غير حياة فيه، حتّى أنّ لحم الحيوان بعد الذبح الكامل وشق بدنه وسلخ جلده ربما يتحرك لحمه مع أنّه ميت. (2)
دلّت النصوص عندنا على كفاية التحرّك البيّن وأنّه لايشترط الاستهلال وإليك نقلها:

(1) المغني : 6/360، والجواهر: 39/39.
(2) المغني: 6/ 360ـ361.

صفحه 93
1ـ روى الفضيـل قال: سـأل الحكم بن عتيبة أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يسقط من أُمّه غير مستهلّ أيورّث؟ فأعرض عنه فأعاد عليه، فقال: «إذا تحرّك تحرّكاً بيّناً ورث فإنّه ربما كان أخرس». (1)
2ـ روى ربعي بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول في المنفوس إذا تحرّك ورث، أنّه ربما كان أخرس (2) وروى حماد بن عيسى عن ربعي مثله. (3)
3ـ روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قال أبي (عليه السلام) : «إذا تحرّك المولود تحرّكاً بيّناً فإنّه يرث ويورث، فإنّه ربما كان أخرس». (4)
وهذه الروايات صريحة في مضمونها، معلّلة لحكمها. نعم هناك روايات ظاهرة في اشتراط الاستهلال وهي على قسمين: ما يدلّ على اشتراطه في مطلق الوراثة، وما يستظهر منه اشتراطه في إرث الدية.
أمّا الأوّل كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لايصلّى على المنفوس وهو المولود الذي لم يستهل ولم يصح، ولم يورث من الدية ولامن غيرها، فإذا استهلّ فصلّ عليه وورّثه». (5)
والظاهر وحدته مع ما رواه في الوسائل بعده (6) لوحدة السند والمتن، لأنّ الراوي في كليهما هو ابن أبي عمير عن عبد اللّه بن سنان وبذلك يرتفع الإجمال في متن النقل الثاني حيث جاءت الكلمة مردّدة بين «والديه» و«لدية»: والظاهر هو الأوّل أخذاً بوحدة الروايتين، وإنّما طرأ التعدد لأجل النقل بالمعنى.ويدلّ على الاشتراط على وجه الإطلاق حديث العلا بن الفضيل عن أبي عبد للّه (عليه السلام) قال: «ولايرث إلاّ من أذن بالصراخ». (7)

(1) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 8، 3، 4، 7، 5، 6 و 11.5ـ يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.
(2) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 8، 3، 4، 7، 5، 6 و 11.5ـ يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.
(3) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 8، 3، 4، 7، 5، 6 و 11.5ـ يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.
(4) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 8، 3، 4، 7، 5، 6 و 11.5ـ يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.
(5) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 8، 3، 4، 7، 5، 6 و 11.5ـ يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.
(6) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 8، 3، 4، 7، 5، 6 و 11.5ـ يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.
(7) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 8، 3، 4، 7، 5، 6 و 11.5ـ يريد من الصحيح رواية علي بن مهزيار الدالّة على وجوب الانتظار عشر سنين: الحديث 7، ويريد من الموثق ما رواه أيضاً إسحاق بن عمّار من الاقتسام إذا كانت الورثة ملاء: الحديث 6و8 وكلاهما من إسحاق بن عمّار.

صفحه 94
وأمّا الثاني ففي موثقة عبد اللّه بن سنان في ميراث المنفوس من الدية قال: «لايرث شيئاً حتى يصيح ويسمع صوته». (1)
وفي مرسلة ابن عون: عن بعضهم (عليهم السلام) قال: سمعته يقول: «إنّ المنفوس لايرث من الدية شيئاً حتى يستهل ويسمع صوته». (2)
ولاشكّ في تقدّم النافي على المثبت لصراحته وتعليله، أوّلاً، واحتمال كون ذكره من باب إحدى الطرق الواضحة لاالطريق المنحصر، ثانياً، واحتمال التقية فيه ثالثاً، كما دلّ عليه سؤال الحكم وإعراض أبي جعفر وإصراره على السؤال، وماتقدّم من رواية أبي هريرة وكلام ابن قدامة.
واحتمال اختصاص الاستهلال بالدية ضعيف لورودها في كلام الراوي في موثقة عبد اللّه بن سنان، نعم وردت في مرسلة ابن عون في كلام الإمام.
وهل يشترط استقرار الحياة، التحقيق لا، لإطلاق النصوص وكفاية الحركة البيّنة الدالّة على أنّه سقط حيّاً. ولو خرج نصفه وتحرّك واستهلّ ثمّ سقط ميّتاً استوجه في الجواهر وراثته. (3)
وتبعه السيد الإصفهاني في وسيلته وقال: لافرق في وارثية الحمل أو مورثيته بعد انفصاله حيّاً بين تمام ولادته وعدمه.والأولى التصالح.
نعم لافرق بين سقوطه بنفسه أو بجناية جان لإطلاق الدليل.
ثمّ نصيب الحمل، ملك مسدود، شرعاً حتى يتبيّـن مالكه الواقعي، ولأجل ذلك ليس ملكاً للحمل ولاللميّت ولا لسائر الورثة. وما عن بعضهم من بقائه على ملك الميّت فليس بسديد.

(1) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث1ـ2.
(2) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث1ـ2.
(3) الجواهر: 39/73.

صفحه 95

الرابع: الدين المستغرق:

قال المحقّق: إذا مات وعليه دين يستوعب التركة لم ينتقل إلى الوارث وكانت على حكم مال الميت، وإن لم يكن مستوعباً انتقل إلى الورثة ما فضل وما قابل الدين باق على مال الميت. وعليه يكون من الموانع.
وهنا قول آخر ولعلّه الأشهر، وهو أنّه ينتقل إلى الورثة مستوعباً كان أو غير مستوعب ويكون متعلّقاً لدين الدائن كتعلّق حقّ الرهانة بالعين المرهونة وعلى ذلك لايكون الدين من الموانع. استدل على القول الأوّل بوجوه:
1ـ قوله سبحانه: (فإن كان له إخوة فلأُمّه السُّدس من بعد وصية يوصي بها أو دين)(النساء/11) . وقد تكرر مضمون الآية في آية الميراث فيستظهر منه أنّ اللام في (فلأُمّه السدس) هو لام التمليك بمعنى: تملكه الأُمّ بعد إخراج الدين والوصية.
يلاحظ عليه: أنّه يحتمل أن يكون اللام مفيداً لاستقرار الملكية أي لاتستقر الملكيّة لها إلاّ بعد إخراج الدين والوصية.
2ـ سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قضى عليّ (عليه السلام) في دية المقتول أنّه يرثها الورثة على كتاب اللّه وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين....» (1)
يلاحظ عليه: بنفس ما لوحظ على الاستدلال بالآية، إذ من المتحمل أن يكون التعليق لأجل استقرار الملكية، لا أصلها.
3ـ صحيح عباد بن صهيب عن أبي عبـد اللّه (عليه السلام) في رجل فرّط في

(1) الوسائل: 17، الباب 10، من أبواب موانع الارث، الحديث1.

صفحه 96
إخراج زكاته في حياته، فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرّط فيه ممّا لزمه من الزكاة، ثمّ أوصى أن يخرج ذلك فيدفع إلى من يجب له، قال: فقال (عليه السلام) : «جائز، يخرج ذلك من جميع المال إنّما هو بمنزلة الدَّين لو كان عليه ليس للورثة شيء حتى يؤدّى ما أوصى به من الزكاة...». (1)
يلاحظ عليه: بمثل ما لوحظ على الدليلين الأوّلين. والظاهر أنّ هذه التعابير تهدف إلى ما ورد في إخراج الكفن أوّلاً والدين ثانياً و... والمراد أنّهما مقدّمان على التقسيم بين الورثة، لاأنّه لايملك إلاّ بعد إخراجهما. (2)
والأقوى هو القول الثاني مضافاً إلى أنّه الموافق للسيرة بين العقلاء.
تمّ الكلام في الموانع وحان حين البحث عن الحجب.
***

(1) الوسائل: 13، الباب 40 من أبواب الوصايا، الحديث1.
(2) هذا وقدتكلّم صاحب الجواهر حول المسألة مفصلاً، فلاحظ الجزء 26 ص90ـ93.

صفحه 97

الكلام في الحجب

الحجب: هو المنع، ومنه الحجاب لأنّه يمنع عن النظر إليها. والمقصود في المقام هو منع شخص معيّن عن الميراث، فتارة يمنع عن أصل الارث كحجب الطبقة الأُولى، الطبقة الثانية، وأُخرى عن بعضه كإخوة الميت حيث يمنعون الأُمّ عن الثلث. ويسمّى الأوّل: حجب حرمان، والثاني: حجب نقصان.
والفرق بين هذا البحث وما تقدّم من الموانع، واضح وهو أنّ البحث في السابق مركّز على أنّ خصوصية من الخصوصيات مانعة عن الوراثة فتمنع إمّا نفسَ من فيه الخصوصية كالكفر والقتل والرقّية واللعان، أو غيره، كالغيبة والحمل ـ من غير نظر إلى وحدة الطبقة والدرجة وعدمهماـ.
وهذا بخلاف البحث في الحجب فيه فالبحث مركّز إلى أنّ الأقرب يمنع الأبعد، سواء كانت الأقربية معلومة عرفاً أو بالنص.وبعبارة أُخرى الطبقة الأُولى تحجب الثانية وهكذا، والمتقدم في الرتبة من كل طبقة يحجب المتأخّر عنها وإن كانا متحدين في الطبقة ولأجله صار البحثان مختلفين.
الميزان في الحجب هو الأقربيّة المعلومة، أو ما كشف الشارع عنها وإن لم نكن نعرفها، قال سبحانه: (وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ إنَّ

صفحه 98
اللّهَ بِكُلِّ شَيْء عَليم)(الأنفال75) وقال سبحانه: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُهاجِرينَ إلاّ أنْ تَفْعَلُوا إلى أَوْليائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ في الْكِتابِ مَسْطُوراً)(الأحزاب/6) وملاك الأولوية هي الأقربية، ومن كان أقرب إلى الميّت في النسب كان أولى بالميراث سواء كان ذي سهم أو غير ذي سهم أو عصبة أو غير ذي عصبة. (1)
وتدلّ بعض الآيات على أنّ نظام الميراث في الإسلام مبني على أساس واقعي وهو تقديم الأنفع بحال الميّت على غيره، وانّ الإنسان جاهل بعرفان وارث نافع لحاله، واللّه سبحانه هو العالم له، ففرض الفرائض على هذا الأساس، فجعل سهم الأولاد أكثر من سهام الأبوين، لعلمه بأنّه أنفع بحاله من الآخرين.قال سبحانه: (فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِـي بِها أوْ دَيْن آباؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ لاتَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ إنَّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكيماً)(النساء/11) : أي لاتدرون أيّ هؤلاء أنفع لكم في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق، ولكن اللّه فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة. (2)
ثمّ إنّ الكلام في الحجب يقع في مقامين: الحجب عن أصل الإرث، والحجب عن بعض الفرض، وإن شئت قلت: حجب الحرمان، وحجب النقصان وإليك الكلام فيهما:

الأوّل: حجب الحرمان:

1ـ إنّ الولد ـ ذكراً كان أو أُنثى ـ يحجب من يتقرّب به، ما دام موجوداً،

(1) مجمع البيان : 2/15.
(2) المصدر نفسه: 3/26.

صفحه 99
فلا يرث ولد الولد، حفيداً كان أو سبطاً، والكل وإن كانوا أولاداً يشملهم قوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيينِ) (النساء /11) لكن الولد يتقرّب إلى الميت بلاواسطة، وولد الولد يتقرب بواسطة الولد، فيكون الأوّل أولى وأقرب إليه، ولأجله تشترط في الوراثة، مضافاً إلى وحدة الطبقة، وحدة الدرجة والرتبة.
2ـ إنّ الولد وإن نزل وكان أُنثى يمنع من يتقرّب إلى الميت بالوالدين أعني الإخوة والأجداد ولأجل ذلك عدّوا من الطبقة الثانية.
3ـ إنّ الولد وإن نزل يمنع من يتقرّب إلى الميّت بالجد، كالأعمام والأخوال فلايرث مع الولد، سوى الوالدين والزوج والزوجة.
وقد تبيّـن بذلك سرّ تقسيـم طبقـات الإرث في النسب إلى ثلاثـة، فالطبقة الأُولى: من يتقرّب إلى الميّت بلا واسطة كالولد، والوالدين، والطبقة الثانية: من يتقرّب إلى الميّت بواسطة واحدة أي الوالدين كالإخوة والأجداد، والطبقة الثالثة: من يتقرّب إلى الميّت بواسطتين، أعني الأجداد ثمّ الآباء، كالأعمام والأخوال، فإنّ العم ابن الجد الذي هو أب الميت، والخال ابن الجدة التي هي أُمّ والدة الميّت.
نعم هناك أقوال شاذة انعقد الإجماع على خلافها رويت عن يونس بن عبد الرحمان، والصدوق، وابن الجنيد، كما رويت روايات شاذة مثل ما رواه سعد بن أبي خلف(1) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سألته عن بنات الابنة وجد؟ فقال: «للجد السدس، والباقي لبنات الابنة» (2) وتحمل على استحباب الطعمة، كما سيوافيك.

(1) المعروف بـ «لزامّ» وثّقه النجاشي في رجاله: 1/405 رقم 467.
(2) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب إرث الأولاد، الحديث10.

صفحه 100
4ـ إنّ الوالدين لا يمنعان ولد الولـد وإن نـزل، لما سيوافيـك أنّ الأولاد يقومون موضع الآباء عند الفقدان فلا يصح أن يقال: إنّ الأب والأُمّ أقرب من الأسباط والأحفاد وإن نزلوا.
5ـ فإذا عدم الآباء والأولاد وإن نزلوا فالأقـرب إلى الميّت ـ كما عرفتـ الإخوة والأجداد فيجري فيهم ما يجري في الأولاد حرفاً بحرف، فهؤلاء يمنعون من يتقرّب إلى الميّت بهم أعني الأعمام والعمّـات والأخوال والخالات، فالعمّ يتقرّب إلى الميّت بالجد، والخال يتقرّب إلى الميّت بالجدة، فتكون النتيجة تقدمهم على الطبقة الثالثة.
6ـ فكما أنّ الولد، يمنع ولد الولد، فهكذا الإخوة والأجداد يمنعون من يتقرّب بهم أعني أولادهم، فيمنع الأخ ولد الأخ، والجد أباه فتكون النتيجة: لو اجتمع أولاد الإخوة بطوناً متنازلة فالأقرب أولى من الأبعد، ولو اجتمع الأجداد بطوناً متصاعدة فالأدنى إلى الميّت أولى من الأبعد.
7ـ إنّ الأولاد تنزل منزلة الآباء مع فقدهم، والآباء تنزل منزلة الأولاد مع فقدهم.
ويترتّب على الأوّل أنّ الجد لايحجب أولادَ الإخوة وإن نزلوا، لأنّهم بمنزلة آبائهم الذين في طبقة الأجداد.
ويترتّب على الثاني أنّ الإخوة لاتحجب أب الجدّ عند فقده، لأنّ الجد وإن علا، جدّ، فأب الجدّ بمنزلة نفس الجدّ الّذي هو في درجة الإخوة، وبعبارة أُخرى الإخوة وأولادهم لايمنعون آباء الأجداد فإنّ الجدّ وإن علا جدّ، كما أنّهم لايمنعون أولاد الإخوة وإن نزلوا أخذاً للقاعدة.
8 ـ فإذا عـدمت الإخــوة والأجـداد، فيرث الأعمام والعمّـات والأخوال والخالات وأولادهم فالأعمام والأخوال يحجبون أولادهم مثل ما سبق في الطبقتين

صفحه 101
الماضيتين كما تحجبون أعمام الأب وأخواله، وهؤلاء وأولادهم يحجبون أعمام الجد وأخواله، على التفصيل وذلك يفصّل تنزيل الأولاد منزلة الآباء عند فقدهم.
9ـ وعلى ضوء هذا يظهر وجه تقدّم من يتقرّب بالأب والأُمّ على المتقرّب من جانب الأب وحده وإن كانا في درجة واحدة فالعم من الأبوين، مقدّم على العم من الأب وحده كما في الرواية. (1)
10ـ والمناسب يمنع مولى النعمة لآية أُولي الأرحام (2) والسنّة إذ كان عليّ يعطي أُولي الأرحام دون الموالي (3)، و وليّ النعمة يمنع ضامن الجريرة وهو يمنع الإمام.

الثاني: حجب النقصان:

المراد من حجب النقصان، هو الحجب عن بعض الفرض وهو يتحقق بشخصين: 1ـ الولد. 2ـ الإخوة.

الأوّل: الولد:

فتارة يحجب الأبوين أو أحدهما، وأُخرى الزوجين وإليك بيان الأوّل:
1ـ إذا مات عن ولد ذكر وأبوين أو أحدهما، فهو يمنع الأبوين عمّا زاد عن السدس، كما يمنع أحدهما. وذلك لأنّ الولد الذكر ليس من ذوي الفروض، بخلاف الأبوين فهما من ذويها قال سبحانه: (وَ لأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ)(النساء/11) فإذا أخذ صاحب الفرض، (الوالدان أو

(1) الوسائل: 17، الباب1، من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2.
(2) الأنفال/75، والأحزاب/6.
(3) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث ولاء العتق.

صفحه 102
أحدهما) سهمه، يعطى الباقي لغيره لعدم كون سهمه محدوداً بشيء وهذا بخلاف ما إذا كان الولد من أصحاب الفروض فالزائد على سهمه وسهم الأبوين أو أحدهما، يرد إليهما وذلك لأنّه لابدّ من مستحق ولاأقرب من هؤلاء وليس بعض هؤلاء أقرب من بعض فتعيّن أن يرد بنسبة سهامهم، وإليك بيان هذا القسم: (1)
2ـ إذا مات عن بنت وأبوين.
3ـ إذا مات عن بنت وأحدهما.
4ـ إذا مات عن بنتين مع أبوين.
5ـ إذا مات عن بنتين مع أحدهما.
إنّ سهم البنت الواحدة هو النصف كما أنّ سهم البنتين هو الثلثان، وسهم كل من الأبوين هو السدس فإن زاد يردّ عليهم بنسبة سهامهم.
ففي الصورة الأُولى تكون الفريضة من ستة: ثلاثة للبنت، واثنان للأبوين والزائد وهو السدس يرد عليهم بقدر سهامهم، فيرد أخماساً، ثلاثة أخماس للبنت وخمسان للأبوين. (2)
وفي الصورة الثانية أيضاً تكون الفريضة من ستة: ثلاثة أسداس (النصف) للبنت، وسدس لأحدهما والباقي (السدسان) يرد عليهما أرباعاً، ثلاثة أرباع

(1) مضافاً إلى القسم الذي لايبقي للرد موضوع.
(2) وبعبارة أُخرى: الزائد يقسم إلى ثلاثين سهماً، لأنّ مجموع الفروض خمسة، والخمسة والستة متخالفان يضرب أحدهما في الآخر فيقسّم الزائد بقدر سهامهم، فللبنت ثمانية عشر سهماً، وللوالدين اثنا عشر سهماً ويكون المجموع ثلاثين سهماً وإليك الصورة العملية الحسابية.
مجموع الفروض 3+2 =5
مجموع السهام 6×5 = 30
سهام البنت 3×6 = 18 سهام الوالدين 2×6 =12
3000 5 = 6.

صفحه 103
للبنت وربع لأحدهما. (1)
وفي الصورة الثالثة تكون التركة بقدر السهام لأنّه تكون الفريضة من ستة: ثلثان للبنتين وثلث لهما وليس في التركة أزيد من ثلاثة أثلاث.
وفي الصورة الرابعة يبقى سدس بعد أخذ البنتين، الثلثين (أربعة أسداس) وأحد الأبوين السدس، فيرد الباقي بنسبة سهامهم أي أخماساً، أربعة لهما، وواحد له. (2)
وأمّا المورد الثاني: أعني إذا لوحظ مع الزوجين فلاشكّ أنّ الولد وإن نزل يحجب الزوج والزوجة عن النصيب الأعلى وهو النصف للزوج، والربع للزوجة بنصّ الكتاب قال سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بعْدِ وَصِيَّة يُوصينَ بِها أوْ دَيْن وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فإنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أوْ دَيْن)(النساء/12) .
إنّ حكم الزوج والزوجة فيما إذا لم يكن للمورِّث منهما ولد وكان له وارث آخر من نسب أو سبب واضح.

(1) وبعبارة أُخرى: الباقي يقسّم إلى اثني عشر سهماً، لأنّ مجموع الفروض أربعة، والأربعة والستة، متوافقان فيضرب أحدهما في النّصف الآخر فيصير اثنا عشر وإليك الصورة العملية الحسابية:
مجموع الفروض 3+1 = 4
مجموع السهام (4/2×6) أو (6/2×4) = 12
سهم البنت 3×3 = 9 سهم أحدهما 1×3 = 3
12 : 4 = 3.
(2) وبعبارة أُخرى: الباقي يقسّم إلى ثلاثين سهماً، لأنّ مجموع الفروض خمسة والخمسة والستة متخالفان، فيضرب أحدهما في الآخر فيصير ثلاثين سهماً، وإليك الصورة العملية الحسابية:
مجموع الفروض 4+1 = 5
مجموع السهام 6×5 = 30
سهام البنتين 4×6 = 24 سهم أحدهما 1×6 = 6 30005 = 6.

صفحه 104
إنّما الكلام في صورتين:
الأُولى: إذا ماتت الزوجة ولم يكن لها أيّ وارث مناسب أو مسابب سوى الزوج.
الثانية: عكس هذه الصورة: إذا مات الزوج ولم يترك وارثاً إلاّ الزوجة.
فما حكم النصف الباقي في الأُولى أو الأرباع الثلاثة الباقية في الثانية؟ فهل يُردُّ عليهما مطلقاً أو يرد على الإمام كذلك أو يرد على الزوج في الأُولى دون الزوجة في الثانية؟ قال الشيخ: إذا خلّفت المرأة زوجها ولاوارث لها سواه فالنصف له بالفرض والباقي يعطى إيّاه. وفي الزوجة الربع لها بلا خلاف، والباقي لأصحابنا فيه روايتان: إحداهما مثل الزوج يرد عليها، والأُخرى الباقي لبيت المال، وخالف جميع الفقهاء في المسألتين معاً وقالوا: الباقي لبيت المال. (1)
وحكم المسألة في الصورة الأُولى إجماعي كما ذكره الشيخ ونسب الخلاف إلى سلاّر الديلمي ولا يظهر منه الخلاف بل غايته التوقّف قال: وفي أصحابنا من قال: إذا ماتت المرأة ولم تخلّف غير زوجها فالمال كلّه له بالتسمية والردّ، فأمّا الزوجة فلاردّ لها بل ما يفضل من سهمها لبيت المال. وروى أنّه يرد عليها كما يرد على الزوج. (2)
وعلى كل تقدير فلا إشكال في لزوم الردّ على الزوج لتضافر الروايات (3) عليه التي يناهز عددها العشر. ومعه لايبقى شك.
والاستدلال على خلافه بالأصل، أو بظاهر الكتاب من عدم تجاوز سهمه عن النصف كما ترى لأنّ الأوّل مردود بالأمارة، وإطلاق الكتاب أي الثاني مقيّد

(1) الطوسي: الخلاف2، كتاب الفرائض، المسألة130.
(2) سلار: المراسم: 222.
(3) الوسائل: 17، الباب 3من أبواب ميراث الأزواج.

صفحه 105
بالروايات، على أنّ ظاهر الكتاب منصرف إلى غير هذه الصورة، من وجود وارث آخر.
نعم ورد في حديث العبدي عن علي (عليه السلام) قال: «لا يزاد الزوج على النصف ولا ينقص عن الربع» (1) لكنّه محمول على ما إذا كان له هناك وارث آخر. هذا كلّه حـول الصورة الأُولى إنّما الكلام في الصورة الثانية، أعني: ما إذا انعكست، ومات الزوج ولم يكن له وارث سوى الزوجة ففيها أقوال ثلاثة:
1ـ الزائد للإمام. وهو المشهور.
2ـ يرد عليها الزائد.
3ـ التفصيل بين حضور الإمام وغيبته فيرد في الأوّل دون الثاني. وقد حكى الأقوال الثلاثة: المحقّق في الشرائع والعلاّمة في القواعد وغيرهما وإليك دراسة الأقوال:
أمّا القول الأوّل فليس بإجماعي لكنّه مشهور، نقل عن والد الصدوق وابنه في المقنع (2) والمفيد في الاعلام، والسيد في الانتصار والشيخ في الإيجاز (3)والمبسوط والنهاية (4) إلى غير ذلك من الأعلام المتقدّمين والمتأخّرين.
وأمّا الروايات فقد تضافرت عليه، ورواه علي بن مهزيار عن مكاتبة محمّد ابن حمزة (5) ومحمد بن نعيـم الصـحـاف (6) ومحمد بن مسلم (7) ومحمد بن مروان (8)

(1) الوسائل: 17، الباب 3من أبواب ميراث الأزواج، الحديث9.
(2) هكذا في مفتاح الكرامة لكن الموجود في المقنع المطبوع ص171 خلافه قال: فإن لم يكن لها أحد فالنصف يرد على الزوج، وقد روى أنّه إذا مات الرجل وترك إمرأة فالمال كلّه لها.
(3) وفي الايجاز: 16: فإذا انفردوا كان لهم سهم المسمّى، إن كان زوجاً، النصف، والربع إن كانت زوجة والباقي لبيت المال. وقال أصحابنا: إنّ الزوج وحده يرد عليه الباقي بإجماع الفرقة على ذلك.
(4) مفتاح الكرامة: 8/181.
(5) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1، 2، 5، 7.
(6) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1، 2، 5، 7.
(7) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1، 2، 5، 7.
(8) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1، 2، 5، 7.

صفحه 106
وأبو بصير وروى عنه بطرق ثلاثة (1) وغالب الروايات وإن كانت غير نقيّة السند، لكن البعض يعاضد البعض، واحتمال صدور الجميع تقية لموافقتها لفتوى المخالف بعيد جدّاً، مع أنّ الظاهر من بعض روايات أبي بصير أنّ أبا جعفر قرأ كتاب فرائض عليّ وقال به، ولو كان الحكم للتقية لما كانت له حاجة ولامنافاة بين الحكم بالتصدّق كما في المكاتبة والرد إليهم لماستعرف من ورود الأمر بالتصدّق في ميراث من لاوارث له. (2)
وأمّا القول الثاني فهو خيرة المفيد في المقنعة قال: «وإذا لم يوجد مع الأزواج قريب أو بعيد ولانسيب للميّت، رد باقي التركة على الأزواج» (3) والمراد من الأزواج هو الأعم من الزوج والزوجة يعلم ذلك من ملاحظة سياق كلامه، فاحتمال كون المراد منه هو خصوص الأزواج لاالزوجات كما في مفتاح الكرامة ليس بصحيح وقد عرفت أنّه خيرة الصدوق في المقنع.
ويدلّ عليه ما روي أيضاً عن أبي بصير بطريقين (4) وعند التعارض فالترجيح من حيث العدد وعمل المشهور مع الأوّل، مع أنّ المنقول عن المفيد في الأعلام هو خلاف ما في المقنعة وما اختاره الصدوق في المقنع يخالف ما اختاره في الفقيه كما سيوافيك.
وأمّا القول الثالث فهو خيرة الصدوق في الفقيه حيث قال ـ بعد نقل رواية أبي بصير الدالّة على الرد على الإمام: ـ هذا في حال ظهور الإمام وأمّا في حال غيبته فمن مات وترك امرأة ولاوارث له غيرها فالمال لها. (5)

(1) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 8.
(2) المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة.
(3) المقنعة: 691.
(4) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6ـ9.
(5) الفقيه : 4/262، الحديث 5612.

صفحه 107
ولكنّه جمع تبرّعي أوّلاً، ومخالف لنفس الروايات الدالّة على الردّ إليها ثانياً، لأنّها وردت في عصر الظهور لاالغيبة فعن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في امرأة ماتت وتركت زوجها قال: «لمال له» قلت: فالرجل يموت ويترك امرأته؟ قال: «لمال لها» (1) وتوهّم أنّ قوله «يموت» إشارة إلى أنّه يموت في المستقبل أي عصر الغيبة كما ترى، والحق أنّ الأفعال في أمثال هذه الموارد، منسلخة عن الزمان.

الثاني: الإخوة:

قد عرفت أنّ الحجب تارة بالولد وأُخرى بالإخوة، وقد مضى الكلام في الأوّل، وحان الكلام في الثاني.
ثمّ إنّ الكلام في حجب الإخوة يقع في مقامات ثلاثة:
1ـ ما هو المراد من الإخوة؟
2ـ ما هو المانع عن الحجب؟
3ـ ما هي شرائط الحجب؟

المقام الأوّل: ما هو المراد من الإخوة؟

إنّ للأُمّ سهمين: أحدهما السدس، والآخر الثلث، قال سبحانه: (وَلأبَويْهِ لِكُلّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبواهُ فلأُمِّهِ الثُّلُثُ فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِـي بِها أو دين)(النساء/11) .
والجمود على ظاهر الآية يقتضي أنّ الحجب يتحقق بالإخوة دون الأخوات، ومن الإخوة بأقلّ الجمع أعني الثلاثة لا الاثنين ومع ذلك فالفتوى على أوسع ممّا

(1) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6.

صفحه 108
يفيده ظاهرها أمّا السنّة فقد قالُوا بحجب الأخوين أو الأُختين، قال ابن قدامة: «وللأُمّ الثلث إذا لم يكن إلاّ أخ واحد، أو أُخت واحدة ولم يكن له ولد ولا ولد الابن، فإن كان له ولد، أو أخوان أو أُختان فليس له إلاّ السدس». (1)
وأمّا الشيعة فقالوا، بحجب الأخوين أو أخ وأُختين، أو أخوات أربعة.نعم، تفرّد ابن عباس بالعمل بظاهر الآية، قال الشيخ الطوسي: لا تحجب الأُمّ عن الثلث إلاّ بأخوين أو بأخ وأُختين أو أربع أخوات ولا تحجب بأُختين، وقال جميع الفقهاء: إنّها تحجب بأُختين أيضاً، وقال ابن عباس: لاتحجب بأقلّ من ثلاثة إخوة، وهذه من جملة الخمس مسائل التي انفرد بها (2) و قال: دليلنا إجماع الفرقة.ولأنّ ما ذكرناه مجمع على وقوع الحجب به إلاّ قول ابن عباس ووقوع الحجب بأُختين ليس عليه دليل فأمّا قوله تعالى: (فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ) وإن كان لفظه بلفظ الجمع فنحن نحمله على الاثنين بدلالة الإجماع من الفرقة على أنّ في الناس من قال: الجمع اثنان فعلى هذا قد وفى الظاهر حقَّه. (3)
لا شكّ أنّ الإخوة، جمع الأخ وهو حقيقة في الثلاثة وما فوقها فحجب الاثنين يحتاج إلى الدليل الموسّع، كما أنّ حجب الأُخت ولو تنزيل الاثنتين منزلة الواحد يحتاج إلى الدليل، فضلاً عن عدم التنزيل والاكتفاء بالاثنتين منها كما عليه أهل السنّة، ولأجل ذلك قال ابن عباس لعثمان: ليس الاخوان إخوة في لسان قومك فلم تحجب بهما الأُم ؟فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد شيئاً كان قبلي، قال ابن قدامة ـبعد نقل هذا ـ: ومضى في البلدان وتوارث الناس به. (4)

(1) المغني: 6/233.
(2) ذكر الشيخ بعض هذه المسائل في المسألة 152، والوارد فيها: الثلاث، نعم اختص ابن مسعود بخمس مسائل.
(3) الطوسي: الخلاف 2، كتاب الفرائض، المسألة 31.
(4) ابن قدامة: المغني: 6/234.

صفحه 109
وهذا يعرب عن كون الحكم السائد قبل زمن عثمان هو حجب الأخوين أي يتعاملون مع التثنية معاملة الجمع وإطلاق الإخوة وإرادة الاثنين منها أوّلاً، وإرادة الأعمّ من الذكر والأُنثى وارد في الذكر الحكيم ثانياً، وهو يرفع الاستبعاد قال سبحانه في حكم الكلالة (الأُخت والأخ من الأب والأُم أو الأب): (فَإنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَ إنْ كانُوا إخْوَةً رِجالاً وَ نِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(النساء/176) وقد فسَّره سبحانه: بالرجال والنساء، والحكم ثابت في الأخ والأُخت كما سيوافيك.
نعم في السنّة ما يدلّ على الأعمّ ممّا يفيده ظاهر الآية وهي على أقسام:
1ـ ما يـدلّ على حجـب الأخويـن وأربع أخـوات، ففي صحيحـة أبي العباس(1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا ترك الميّت أخوين فهم إخوة مع الميّت حجبا الأُمّ عن الثلث، وإن كان واحداً لم يحجب الأُمّ.وقال إذا كنّ أربع أخوات حجبن الأُمّ عن الثلث لأنّهنّ بمنزلة الأخوين وإن كنّ ثلاثاً لم يحجبن».(2)
والتعليل الوارد فيها كاف في استنباط ما يحجب عمّا لايحجب من الصورة، فيحجب أربع أخوات كما تحجب الأخ والأُختان مضافاً إلى النصوص الأُخر.
2ـ ما يدلّ على حجب أربع أخوات فعن فضل أبي العباس البقباق قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوين وأُختين لأب وأُمّ هل يحجبان الأُمّ عن الثلث؟ قال: «لا» قلت: فثلاث؟قال: «لا» قلت: فأربع؟ قال: «نعم». (3)
3ـ ما يـدلّ على حجب الأخ والأُختين ـ مضـافاً إلى الأخوين ـ فعن أبي

(1) وهو «لفضل بن عبد الملك البقباق» و «لفضل أبي العباس» و «فضل أبي العباس» كما جاء في التراجم، وهو ثقة عين من أصحاب الصادقين (عليهما السلام) ، وله في هذا الباب ست روايات.
(2) الوسائل:17، الباب11، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد،الحديث1، وبهذا المعنى الحديث3،4.
(3) المصدر نفسه: الحديث 2.

صفحه 110
العباس قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «لايحجب عن الثلث، الأخ والأُخت حتّى يكونا أخوين أو أخاً وأُختين فإنّ اللّه يقول: (فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فلأُمِّهِ السُّدُس).(1)
ربما يظهر من بعض ما روي عن طريق أبي العباس البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه لايحجب الأُخت أبداً (2)لكنّه معرض عنه أوّلاً و محمول على عدم بلوغها النصاب أي الأربعة ثانياً.

المقام الثاني: ما هو المانع عن الحجب؟

إنّ موانع الحجب ثلاثة: الكفر، والرقية، والقتل. ويظهر من الشيخ الطوسي أنّ عليه إجماع الأُمّة وإنّ المخالف الوحيد هو ابن مسعود قال: القاتل والمملوك والكافر لا يحجبون، وبه قال جميع الفقهاء وجميع الصحابة إلاّ عبد اللّه بن مسعود فانّه انفرد بخمس مسائل هذه أوّلها فإنّه قال: القاتل والمملوك والكافر يحجبون حجباً مقيّداً، والمقيّد يحجب من فرض إلى فرض، وقال: دليلنا إجماع الفرقة بل إجماع الأُمّة وابن مسعود قد انقرض خلافه. (3)
وقال في موضع آخر: انفرد ابن مسعود بخمس مسائل كان يحجب الزوج والزوجة والأُمّ بالكفّار والعبيد والقاتلين. (4)
أقول: أمّا الأوّل والثاني فمنصوص في أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قال: سألت أبـا عـبد اللّه(عليه السلام)عن المملوك والمشرك يحجبــان إذا لم يرثا؟

(1) الوسائل: 17، الباب 11، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث7.
(2) المصدر نفسه: الحديث 5ـ 6 حيث لم ير الأخوات حاجبة فكيف الأُخت.
(3) الخلاف 2، كتاب الفرائض، المسألة 24و152.
(4) الخلاف 2، كتاب الفرائض، المسألة 24و152.

صفحه 111
قال: «لا» (1) وحملها على خصوص حجب الحرمان خلاف الظاهر خصوصاً بالنسبة إلى ذيله، إنّما الكلام في مانعية القتل عن الحجب، فقد عرفت أنّ الشيخ ادّعى الإجماع عليها، ووافقه المفيد في المقنعة قال: ولايحجب عن الميراث من لايستحقّه لرق أو كفر أو قتل على حال (2) وهو المنقول عن الحسن بن عقيل والفضل بن شاذان، نعم خالف والد الصدوق ونفسه إلى أن صارت المسألة ذات قولين حتّى تردّد المحقق في الشرائع.
واستدلّ على المانعية بالإجماع الوارد في كلام الخلاف أوّلاً وظهور مساواته للمملوك والكافر في عدم الإرث وعدم الحجب الذي يمكن أن يستأنس من سؤال محمّد بن مسلم في الرواية السابقة حيث قال: عن المملوك والمشرك يحجبان إذا لم يرثا؟ قال: «لا».وكان الميزان هو عدم الوراثة الثابت في القتل.
والوجه الثاني ضعيف جدّاً، لأنّه لم يرد إلاّ في كلام السائل لاالإمام ولم يظهر إمضاء الإمام له. والإجماع الذي حكاه في الخلاف قال: وعليه الأُمّة، قابل للاعتماد، سوى أنّ الصدوق ووالده خالفاه.
وقد عرفت تردّد المحقّق.والذي يقوي عدم الحجب هو أنّ حجبه في حجب الحرمان، لأجل الإرغام ولاإرغام في المقام، لأنّ المفروض أنّه لايرث مطلقاً سواء كان سهم الأُمّ السدس أو الثلث، وإن كان يعارض ذلك بأنّ «علّة حجب الإخوة الأُم عمّا زاد من السدس، بأنّهم صاروا سبباً لزيادة سهم أبيهم لكونهم عياله ونفقتهم عليه دون الأُمّ، ضرورة عدم سقوط نفقته بقتله»، لكن لو اعتمدنا على الشهرة الفتوائية كما هو الحق إذا قلنا بعدم الاعتداد بخلاف ابن شاذان وابن أبي

(1) الوسائل: 17، الباب 14 من أبــواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1، ولاحظ الباب 13، الباب 1 من أبواب الموانع.
(2) المقنعة: 704.

صفحه 112
عقيل والصدوقين في المقام، وإلاّ فعلى الطرفين التصالح ـ والسدس مردد بين الأب والأُم.

المقام الثالث: ما هي شرائط الحجب؟

وهي أمران:
1ـ يشترط أن يكون الأب حيّاً وعليه ظهور الآية حيث قال: (وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلاُِمِّهِ السُّدُسُ)(النساء/11) ، وفي خبر ابن بكير: «لأُمّ لاتنقص عن الثلث أبداً إلاّ مع الولد والإخوة إذا كان الأبّ حيّاً» (1) .
فلو مات بلا ولد، مع الأبوين، فلو كان للميّت إخوة ترث الأُمّ السدس فقط والباقي للأب، وأمّا إذا لم يكن له إخوة فللأُمّ الثلث، والباقي للأب، لأنّ الأُمّ ممّن له فرضان، فترث الفرض الأعلى وهو الثلث، والباقي لمن ليس له إلاّ فرض واحد وهو الأب وكما هو يرث الباقي وهو أزيد من فرض الأُمّ، كذلك يرد عليه النقص إذا عالت الفريضة ولايرد على سهم الأُمّ.وبذلك يتجلّى قول القائل: من له الغنم فعليه الغرم.
2ـ أن يكونوا للأب والأُمّ أو للأب فلا يحجب الإخوة للأُمّ خاصة نصّاً وفتوى. (2)
وهل يكفي الحمل كما إذا كانت هناك أخوات ثلاث، مع الحمل سواء كان ذكراً أو أُنثى؟ ربما يقال بعدمه لا نصراف الآية إلى الإخوة المنفصلين وخصوص

(1) الوسائل: 17: الباب 12، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1.
(2) المصدر نفسه: الباب 10، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

صفحه 113
قول الصادق (عليه السلام) : «إنّ الطفل والوليد لا يحجبك ولا يرث إلاّ من أذّن بالصراخ». (1)
يلاحظ على الأوّل بالولد، في قوله: (وَلأبَويْهِ لِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَد) فلا شكّ أنّه حاجب وإن كان حملاً. وكون الحمل وارثاً بخلاف الأخ في المقام غير مؤثر في الاشكال.
وعلى الثاني أنّه ناظر إلى أنّ الحاجب هو ما سقط حيّاً، لاميتاً فهو على عكس المقصود أدلّ، فالأقوى كونه حاجباً.
ولا يحجبها أولاد الإخوة لعدم صدق الإخوة عليها.
ولا يحجب الأُمّ من الخناثي المشكلة أقلّ من أربعة لاحتمال أن يكونوا إناثاً.
تمّ الكلام في الحجب و بقي الكلام في مقادير السهام وكيفية اجتماعها.
***

(1) الوسائل: 17: الباب 13، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1. نعم في سند الحديث محمد بن سنان والمشهور أنّ فيه ضعفاً، والأولى عندئذ التصالح.

صفحه 114

صفحه 115

في

مقادير السهام وكيفية اجتماعها

السهام المنصوصة في كتاب اللّه ستة:

الأوّل: النصف: وله موارد ثلاثة:

1ـ الزوج إذا لم يكن للزوجة ولد، قال سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ)(النساء/12) .
2ـ البنت الواحدة، قال سبحانه: (وَ إنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)(النساء/11) ويرد الباقي إليها، قرابة لا فرضاً عندنا. كما سيوافيك.
3ـ سهم الأُخت للأب والأُمّ أو الأُخت للأب إذا تفرّدتا عن ذكر مساو في القرب وإلاّ فللذكر مثل حظّ الأُنثيين، قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ)(النساء/176) .
وتقييد الأُخت بالأب والأُمّ أو بالأب، إحترازاً عن الاُخت للأُمّ فقط فإنّ سهمها هو السدس كما سيوافيك، وكلا القسمين يسمى كلالة لكنّ الأُولى كلالة،من الجانبين أو من جانب الأب، والأُخرى كلالة من جانب الأُمّ فقط. كما سيوافيك.

صفحه 116

الثاني: الربع: وله موردان:

1ـ الزوج إذا كان للزوجة ولد، يقول سبحانه: (فَإنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِها أوْ دَيْن)(النساء/12) .
2ـ الزوجة إذا لم يكن للزوج ولد قال سبحانه: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا ترَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ)(النساء/12) فتعامل الإسلام مع الزوج والزوجة معاملة الذكر والأُنثى، فله ضعف ما للأُنثى في حالتي وجود الولد وعدمه.

الثالث: الثمن: وله مورد واحد:

وهو الزوجة إذا كان للزوج ولد، قال سبحانه: (فَإنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أوْ دَيْن)(النساء /12) .

الرابـع: الثلثان: وله موضعان:

1ـ البنتان فصاعداً، قال سبحانه: (فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ)(النساء/11) والموضوع في الآية هو ما زاد عن اثنتين، لكنّ الإجماع والسنة دلاّ على ثبوته لبنتين أيضاً.
وربما تفسّر الآية بأنّ المراد: فإن كنّ اثنتين وما فوقهما، وأمّا تعليق الحكم على فوق الاثنتين، لتفهيم أنّه إذا كانت الفريضة لفوق اثنتين هي الثلثان فأولى أن لايزيد عليهما إذا كانت اثنتين.ولكنّه مفيد في نفي احتمال الزيادة لا احتمال النقيصة.
وربما يؤيد ذلك بأنّه إذا كانت البنت مع الابن ترث الثلث بحكم (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) ، فأولى أن يكون كذلك إذا كانت مع مثلها.فتأمّل. (1)

(1) وجه التأمل: أنّ كون نصيب البنت هو الثلث عند الاجتماع مع الابن، لا يكون دليلاً على كونه كذلك إذا اجتمع مع مثلها. فلاحظ.

صفحه 117
2ـ الأُختان فصاعداً للأب والأُمّ أو للأب، قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلالَةِ ... فَإنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ)(النساء/176) والآية واردة في الاثنتين وأمّا حكم الفوق فيعلم من السنّة والإجماع كما سيوافيك.

الخامس: الثلث: وله موردان:

1ـ الأُمّ إذا لم يكن للميّت ولد، مع عدم الحاجب من الإخوة على الشرائط الماضية، قال سبحانه: (فإنْ لَم ْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ)(النساء/11) والثلثان للأب قرابة لا فرضاً .
2ـ سهم الاثنين فصاعداً من ولد الأُمّ، قال سبحانه: (وَ إنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَاَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ... فَإنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ في الثُّلُثِ)(النساء/12) . والآية وإن كانت خالية عن القيد بكونهم من الأُمّ لكن يكفي في حملنا عليها، أنّه سبحانه أثبت لبعض (1) ما يعمّه ظاهر الآية (أكثر من ذلك) أي الأُختين، الثلثين في ما سبق أي قوله: (فَإنْ كانَتَا اثْنَتَيْـنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ) فلامحيص عن حمل ما ورد في المقام على أولاد الأُمّ، والآخر، على الأُختين من الأب والأُمّ أو الأب وحده، أضف إلى ذلك ما ورد عن ابن مسعود حيث فسّرها وله أخ أو أُخت من أُمّ.

السادس: السدس: وله موارد ثلاثة:

1ـ كلّ واحد من الأب والأُمّ إذا كان للميت ولد، قال سبحانه: (ولأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ)(النساء/11) .
2ـ الأُمّ في هذه الصورة ولكن كان لها حاجب من الإخوة للميت وقال سبحانه: (فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِـي بِها أوْ دَيْن)(النساء/11)

(1) النسبة بين الآيتين هي العموم والخصوص المطلق مع ذلك لم يعامل معهما معاملتهما، فدلّ ذلك على أنّ الثلثين للأُختين على ما إذا كانتا من أب وأُمّ أو من الأب وحده.

صفحه 118
والأسداس الخمسة للأب قرابة لا فرضاً.
3ـ سهم الواحد من ولد الأُمّ ذكراً كان أو أُنثى، قال سبحانه: (وَ إنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ)(النساء/12) وأمّا الأسداس الخمسة فيرد إليه قرابة لا فرضاً ـ كما سيوافيك ـ إذا تفرّد، أو تفرّدت.
هذه هي الفروض الستة وهذه مواضعها وهنا أُمور:
الأوّل: إذا كانت السهام، هي النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس، كان الفرض الأوّل هو النصف، ثمّ نصفه (الربع) ثمّ نصفه أي الثمن، كما أنّ الفرض الثاني، الثلثان ثمّ نصفه (الثلث) ثمّ نصفه (السدس) .
الثاني: انّ الصور المتصورة هي ست وثلاثون حاصلة من ضرب الستة في مثلها غير أنّ خمس عشرة صورة منها مكررة والسالمة عن التكرار هي إحدى وعشرين صورة، ثمانية منها ممتنعة إمّا للعول بمعنى زيادة الفرائض عن سهام التركة أو لأجل أنّه لا يتصوّر اجتماعها فيكون الباقي ثلاث عشرة صورة.
الثالث: في بيان الصور الممتنعة إمّا للعول أو لعدم إمكان اجتماعها (1) وهي ثمانية أمّا العول ففي صورتين وأمّا الثاني ففي الصور الباقية وإليك البيان:
1ـ النصف مع الثلثين، فاجتماعهما ممكن في ذاته لكن لايصح للعول أي زيادة الفرائض على سهام التركة، كما إذا ماتت الزوجة ولم يكن له ولد وتركت زوجاً وأُختين فللزوج النصف، وللأُختين الثلثان فزادت الفرائض على سهام التركة.
2ـ الثلثـان مـع الثلثـين، وهو يستلـزم العـول، مضافـاً إلى عدم تصوّر اجتماعهما، لأنّهما للبنتين، والأُختين.وهما في طبقتين.

(1) المراد من عدم اجتماعها تسمية وفرضا، وإن كان الاجتماع حيث القرابة ممكنة.

صفحه 119
3ـ الربع مع الربع، فإنّ الربع سهم الزوج عند موت الزوجة مع الولد لها، وهو سهم الزوجة عند موت الزوج مع عدم الولد له، ولايتصوّر فرض موت الزوجين مع فرض توريث أحدهما من الآخر.نعم إذا مات عن ابن وبنتين، فللإبن النصف، ولكل من البنتين: الربع، ولكنّه بالقرابة لابالفرض.
4ـ الثمن مع الربع، فالأوّل سهم الزوجة عند الولد للزوج، والثاني سهمها عند عدم الولد له، فكيف يتصوّر اجتماعهما.وأمّا الزوج فله الربع وليس له الثمن.
وأمّا إذا ماتت عن زوج وثلاث بنين وبنت فللزوج الربع ولكلّ واحد من البنين الربع، وللبنت الثمن لكن الثمن هنا بالقرابة لا بالفرض.
5ـ الثمن مع الثمن، إذ ليس للثمن مورد سوى الزوجة وليس للزوجات إلاّ الثمن الواحد.
6ـ الثمن مع الثلث، فإنّ الثمن سهم الزوجـة عند وجـود الولد للزوج والثلث إمّا سهم الأُمّ إذا لم يكن للمورث (الزوج) ولد، وإمّا سهم أولاد الأُمّ إذا لم يكن للمورث ولد، فكيف يجتمعان.
7ـ الثلث مع الثلث، فإنّه سهم الأُمّ عند عدم الأولاد، وليس معها في تلك الرتبة من يرث الثلث، وأمّا أولاد الأُمّ فإنّما يرثون إذا لم يكن وارث في الطبقة الأُولى وإلى ذلك يشير في الجواهر لعدم تعدّد مستحقِّه في مرتبته.
8ـ الثلث مع السدس، لأنّ الأُمّ ترث الثلث عند عدم الولد، وليس هنا من يرث السدس.وأمّا أنّه إذا ماتت عن زوج وأبوين مع عدم الولد والحاجب فللزوج النصف، وللأُمّ الثلث والباقي هو السدس ولكنّه بالقرابة لا بالفرض والتسمية.
هذه هي الصور الممتنعة وأمّا الصور الجائزة فهي ثلاث عشرة صورة:
1ـ النصف مع النصف، كزوج وأُخت واحدة.
2ـ النصف مع الربع، كبنت واحدة و زوج .

صفحه 120
3ـ النصف مع الثمن، كبنت واحدة و زوجة.
4ـ النصف مع الثلث، كزوج وأُمّ مع عدم الحاجب.
5ـ النصف مع السدس، كزوج وواحد من كلالة الأُمّ.
6ـ الربع مع الثلثين، كزوج وبنتين.
7ـ الربع مع الثلث، كزوجة والمتعدد من كلالة الأُمّ.
8ـ الربع مع السدس، كزوجة وواحدة من كلالة أُمّ.
9ـ الثمن مع الثلثين، كزوجة وبنتين.
10ـ الثمن مع السدس، كزوجة و أحد الأبوين مع الولد.
11ـ الثلثان مع الثلث في أُختين فصاعداً، مع كلالة الأُمّ المتعددة.
12ـ الثلثان مع السدس، كبنتين و أحد الأبوين.
13ـ السدس مع السدس، كالأبوين مع الولد.
هذه هي الصور الجائزة.
بقيت هنا مسألتان:
الأُولى: إذا نقصت الفرائض عن استيعاب سهام التركة كما إذا ماتت عن زوج وبنت، فللأوّل الربع، وللثانية النصف، فيبقى الربع، فإلى من يرد الباقي ؟!
الثانية: إذا زادت الفريضة على سهام التركة كما إذا ماتت عن زوج وبنتين، أو أُختين، فللأوّل النصف، وللآخرين الثلثان، مع أنّه ليس في التركة نصف وثلثان حيث يزيد عن سهام التركة سدساً فكيف تحل مشكلة زيادة الفرائض وعولها على سهام التركة؟! وتعالج المسألة الأُولى تحت عنوان التعصيب والثانية تحت عنوان العول.

صفحه 121

التوريث بالعصبة

اتّفقت الإمامية على أنّ ما فضُلَ عن السهام يردُّ على أصحاب السهام بخلاف سائر الفقهاء. ولأجل إيضاح محل الخلاف بين الإمامية وسائر الفقهاء نذكر أُموراً:
الأوّل: إذا بقي من سهام التركة شيء ـ بعد إخراج الفريضة ـ فله صور:
الصورة الأُولى: إنّ الميّتَ إذا لم يخلُف وارثاً إلاّ ذوي فروض ولايستوعب المال كالبنات وليس معهنّ أحد، أو الأخوات كذلك، فإنّ الفاضل عن ذوي الفروض يرد عليهم على قدر فروضهم إلاّ الزوج والزوجة (1).
الصورة الثانيــة: أن يكون بين أصحاب الفروض مساو لا فرض له، وبعبارة أُخرى أن يجتمع من لا فرض له مع أصحاب الفرض، ففيها يرد الفاضل، على المساوي الذي ليس له سهم خاص في الكتاب وإليك بعض الأمثلة:
1ـ إذا ماتت عن أبوين وزوج.
2ـ إذا مات عن أبوين وزوجة.

(1) المغني: 6/256 ونقل عن ابن سراقة أنّه قال: أنّ عليه العمل اليوم في الأمصار.

صفحه 122
فالزوج في الأوّل، والزوجة في الثاني، والأُم في كليهما من أصحاب الفروض دون الأب فما فضل بعد أخذهم، فهو لمن لا فرض له، أي الأب، فللزوج والزوجة نصيبهما الأعلى وللا ُم الثلث، والباقي للأب وهو السدس في الصورة الأُولى، ونصف خمسة أسداس في الصورة الثانية لأنّه لا فرض له، نعم الأب من أصحاب الفروض إذا كان للميّت ولد قال سبحانه: (ولأبَويهِ لِكُلِّ واحِد منهُما السُّدُسُ إنْ كانَ لَهُ وَلَد)(النساء/11) بخلاف الأُمّ فهي مطلقاً من ذوات الفروض.
قال الخرقي في متن المغني: «وإذا كان زوج وأبوان، أُعطي الزوج النصف والأُم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب، وإذا كانت زوجة أُعطيت الزوجة الربع، والأُمّ ثلث ما بقي، وما بقي للأب.
قال ابن قدامة: هاتان المسألتان تسمّيان العمريتين لأنّ عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قضى فيهما بهذا القضاء، فتبعه على ذلك عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود، وروي ذلك عن علي، وبه قال الحسن والثوري ومالك والشافعي ـ رضي اللّه عنهمـ وأصحاب الرأي، وجعل ابن عباس ثلث المال كلّه للا ُمّ في المسألتين، ويروى ذلك عن علي» (1).
3ـ ذلك الفرض ولكن كان للا ُمّ حاجب، فللزوج والزوجة نصيبهما الأعلى وللا ُمّ السدس، والكل من أصحاب الفرض، والباقي للأب الذي لا فرض له، وهو الثلث في الصورة الأُولى،والنصف ونصف السدس في الثانية.
4ـ إذا مات عن أبوين وابن وزوج أو زوجة، فلهما نصيبهما الأدنى ـ لأجل الولد ـ وللوالدين السدسان والباقي (أي نصف خمسة أسداس في الصورة الأُولى،

(1) المغني : 6/ 237. وهذا ونظائره الكثيرة في الفرائض يعرب عن عدم وجود نظام محدّد في الفرائض في متناول الصحابة، ومع أنّهم يروون عن النبي أنّ أعلم الصحابة بالفرائض هو زيد بن ثابت وأنّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: «أفرضهم زيد، وأقرأهم أُبيّ». لكنّه تبع قضاء عمر ولم يكن عنده شيء في المسألة التي يكثر الابتلاء بها.

صفحه 123
والثمن ونصف خمسة أسداس في الثانية) للابن الذي لا فرض له.
5ـ إذا مات عن زوج أو زوجة وإخوة من الأُمّ، وإخوة من الأبوين أو من الأب، فللزوج النصف أو للزوجة الربع، وللإخوة من الأُم الثلث، والباقي (أي السدس في الأُولى، ونصف خمسة أسداس في الثانية) لمن لا فرض له أي الإخوة من الأبوين أو الذين يتقرّبون بالأب.
ففي هذه الصورة فالزائد بعد إخراج الفرائض للمساوي في الطبقة الذي لا فرض له. ولعلّ هذه الصورة موضع اتّفاق بين الفقهاء: السنّة والشيعة.
الصورة الثالثة: إذا لم يكن هناك قريب مساو لا فرض له وزادت سهام التركة عن الفروض فهناك رأيان مختلفان بين الفقهاء: الشيعة والسنّة.
1ـ الشيعة كلّهم على أنّ الزائد يرد إلى أصحاب الفرائض عدا الزوج والزوجة(1) بنسبة سهامهم، فإذا مات عن أبوين وبنت وليس في طبقتهم من ينتمي إلى الميّت بلا واسطة سواهم، يرد الفاضل ـ أي السدس ـ عليهم بنسبة سهامهم، (فيرد السدس عليهم أخماساً فللأبوين: الخمسان من السدس، وللبنت ثلاثة أخماس منه) (2)، ولا تخرج التركة عن هذه الطبقة أبداً.
2ـ أهل السنّة يرون أنّه يرد إلى أقرباء الميّت من جانب الأب والابن وهم العصبة.

(1) اتّفقت عليه المذاهب كلّها قال ابن قدامة: «فأمّا الزوجان فلا يرد عليهما، باتّفاق أهل العلم» المغني: 6/257.
(2) الفاضل وهو السدس يقسّم إلى ثلاثين سهماً، لأنّ السهام خمسة، فتضرب في الستة فيصير ثلاثين فلكل واحد من الأبوين ستة أسهم، وللبنت الواحدة ثمانية عشر سهماً. وإليك الصورة العملية الحسابية:
مجموع السهام 6 × 5 = 30 مجموع الفروض 3 + 2 = 5
سهام الأبوين 2 × 6 = 12 سهام البنت 3 × 6 = 18
30 00 5 = 6.

صفحه 124

الأمر الثاني: ما هو المراد من العصبة لغة واصطلاحاً؟

قال ابن منظور: العصبة والعصابة: جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين. وفي التنزيل: (وَنَحنُ عُصْبة) (1).
قال الأخفش: والعصبة والعصابة: جماعة ليس لها واحد.
وقال الراغب: العصَب: اطناب المفاصل، ثم يقال: لكل شدّ عصب، والعصبة: جماعة متعصّبة متعاضدة. قال تعالى: (لَتَنُوأُ بِالعُصْـبَةِ) (2). والعصابة: ما يعصب بها الرأس والعمامة.
وقال في النهاية: العصبة: الأقارب من جهة الأب لأنّهم يعصبونه ويعتصب بهم أي يحيطون به ويشتد بهم.
وقال الطريحي: عَصَبة الرجل، جمع «عاصب» ككفرة جمع كافر، وهم بنوه وقرابته، والجمع: العصاب، قال الجوهري: وانّما سمُّوا عصبة، لأنّهم عصبوا به أي: أحاطوا به فالأب طرف، والابن طرف، والأخ طرف، والعم طرف... وكلامه توضيح لما أجمله ابن الأثير.
وقد سبق الطريحي، ابن فارس في مقاييسه فقال: له أصل واحد يدل على ربط شيء بشيء ثم يفرع ذلك فروعاً وتطلق على أطناب المفاصل التي تلائم بينها، وعلى العشرة من الرجال لأنّها قد عصبت كأنّها ربط بعضها ببعض.
وعلى كل تقدير فهو في الأصل بمعنى الربط والإحاطة وكأنّ الإنسان يحاط بالعصبة ويرتبط بها مع غيرهم.

(1) يوسف : الآية 8.
(2) القصص: الآية 76.

صفحه 125
وأمّا في اصطلاح الفقهاء فهو لا يتجاوز عمّـا ذكره الطريحي في كلامه، وأحسن التعاريف ما ذكره صاحب الجواهر حيث قال: العصبة: الابن والأب ومن تدلّى بهما، وهو يشمل الأخ والعم وغيرهما.
وقال ابن قدامة: هو الوارث بغير تقدير، وإذا كان معه ذو فرض أخذ ما فضل عنه، قلّ أو كثر، وإن انفرد أخذ الكل، وإن استغرقت الفروض المال سقط(1).
وما ذكره أشبه ببيان حكم العصبة من حيث الحكم الشرعي وليس تفسيراً لمادة العصبة.
ثمّ إنّ العصبة عندهم تنقسم إلى العصبة بالنفس، وإلى العصبة بالغير والأوّل أقرب العصبات، كالابن ، ابن الابن، الأب، الجد لأب وإن علا، الأخ لأبوين، ابن الأخ لأبوين، أو أب، العم لأبوين أو لأب، ابن العم لأبوين أولأب.
وأمّا الثاني فينحصر في الإناث كالبنت، وبنت ابن وأُخت لأبوين، أو لأب.
لأنّ العصبة من تدلّى إلى الميّت من جانب الأب وهو يعم الجميع ولا يختص بالذكور، نعم توارثهم بالعصبة على نظام خاص مذكور في كتبهم (2).
قال الخرقي: «وابن الأخ للأب والأم، أولى من ابن الأخ للأب. وابن الأخ للأب، أولى من ابن ابن الأخ للأب والأُم. وابن الأخ وإن سفل إذا كان للأب(3)،

(1) المغني: 6/226.
(2) لاحظ المغني: 6/236 عند قول الماتن: وابن الأخ للأب أولى من ابن ابن الأخ للأب.
(3) في المصدر: «لأب» والصحيح ما أثبتناه.

صفحه 126
أولى من العم. وابن العم للأب، أولى من ابن ابن العم للأب والأُم. وابن العم وإن سفل، أولى من عم الأب» (1).

الأمر الثالث: في تبيين ملاك الوراثة عند الطائفتين:

إنّ الضابط لتقديم بعض الأقرباء السببيين على البعض الآخر عندنا أحد الأمرين:
1ـ كونه صاحب فريضة في الكتاب قال سبحانه: (آباؤكُمْ وأبناؤكُمْ لا تَدرونَ أيُّهم أقربُ لكُمْ نَفْعاً فَريضةً مِنَ اللّهِ إنّ اللّهَ كانَ عَليماً حَكيماً) (النساء/11).
2ـ القربى إذا لم يكن صاحب فريضة فالأقرب إلى الميّت، هو الوارث للكلّ أو لما فضل عن التركة قال سبحانه: (وأُولُوا الأرحامِ بَعضهُم أوْلى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلِّ شيء عليم).
وأمّا عند أهل السنّة فالملاك بعد الفرض، هو التعصيب ـ بالمعنى الذي عرفت بعد أصحاب الفرض ـ وإن بعد عنهم، كالأخ عندما مات، عن أُخت أوأُختين فيرث الأخ، أو العم، الفاضل من التركة، بما أنّهما عصبة ويرد عندنا إلى أصحاب الفروض وربّما لا يترتّب على الخلاف ثمرة كما في الموردين التاليين:
كما لو اجتمع الأب مع الابن، فالأب يأخذ فرضه وهو السدس، وما بقي يأخذه الابن بالاتّفاق لكن عندنا بالقرابة وعند أهل السنّة بالعصبة.

(1) المغني: 6/236.

صفحه 127
ومثله لو اجتمع الأب مع ابن الابن فبما أنّ الأولاد تنزل منزلة الآباء فللأبالسدس والباقي لابن الابن عندنا بالقرابة وعندهم بالتعصيب. لكنتظهر الثمرة في موارد أُخر. كما إذا كانت العصبة بعيداً عن ذي فرض كالأخفيما إذا ترك بنتاً أو بنات، ولم يكن له ولد ذكر، أو العم فيما إذا ترك أُختاً أو أخوات ولم يكن له أخ، فعلى مذهب الإمامية لا يرد إلى البعيد أبداً، سواءكانأخاً أو عمّـاً، لأنّ الضابط في التقديم والتأخير هو الفرض والقرابة والأخوالعمبعيدان عن الميّت مع وجود البنت أو الأُخت، فيرد عليهما الفاضل،فالبنتترث النصف فرضاً والنصف الآخر قرابة، وهكذا الصور الأُخرى.
وأمّا على مذاهب أهل السنّة، فبما أنّه حكموا بتوريث العصبة مع ذي فرض قريب يردون الفاضل إلى الأخ في الأوّل، والعم في الثاني.
قال الشيخ الطوسي: القول بالعصبة باطل عندنا ولا يورث بها في موضع من المواضع، وإنّما يورث بالفرض المسمّى أو القربى، أو الأسباب التي يورث بها من الزوجية والولاء. وروي ذلك عن ابن عباس لأنّه قال فيمن خلف بنتاً وأُختاً: إنّ المال كلّه للبنت دون الأُخت، ووافقه جابر بن عبد اللّه في ذلك.
وروى موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي، روى عنه الأعمش ولم يجعل داود الأخوات مع البنات عصبة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك فأثبتوا العصبات من جهة الأب والابن (1).
إذا عرفت ذلك فلنأخذ بدراسة أدلّة نفاة العصبة فنقول:

(1) الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 80.

صفحه 128

دراسة أدلّة نفاة العصبة:

احتجّت الإماميّة على نفي التعصيب وأنّه مع وجود الأقرب وإن كان ذا فرض لا يرد الباقي إلى البعيد وإن كان ذكراً، بوجوه:
الأوّل: قوله سبحانه: (للرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالدانِ والأقربونَ وللنساءِ نَصيبٌ مِمّا تَركَ الوالدانِ والأقربونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أو كَثُرَ نَصيباً مَفْروضاً)(النساء/6).
وجه الاستدلال: أنّه أوجب توريث جميع النساء والأقربين ودلّت على المساواة بين الذكور والإناث في استحقاق الارث، لأنّها حكمت بأنّ للنساء نصيباً كما حكمت بأنّ للرجال نصيباً، مع أنّ القائل بالتعصيب عليه توريث البعض دون البعض مع كونهما في رتبة واحدة وذلك في الصور التالية:
1ـ لو مات وترك بنتاً، وأخاً وأُختاً، فالفاضل عن فريضة البنت يرد إلى الأخ، ويحكم على الأُخت بالحرمان.
2ـ لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وابن أُخت، فالقائل بالتعصيب يعطي النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا شيء لابن أُخته مع أنّهما في درجة واحدة.
3ـ لو مات وترك أُختاً، وعمّـاً، وعمّة، فالفاضل عن فريضة الأُخت يرد إلى العم، لا العمّة.
4ـ لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وبنت أخ، فإنّهم يعطون النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا يعطون شيئاً لبنت الأخ مع كونهما في درجة واحدة.

صفحه 129
فالآية تحكم على وراثة الرجال والنساء معاً وبوراثة الجميع، والقائل بالتعصيب يورّث الرجال دون النساء والحكم به أشبه بحكم الجاهلية المبنية على هضم حقوق النساء كما سيوافيك بيانه.
وحمل الآية في مشاركة الرجال والنساء، على خصوص الميراث المفروض، لاالميراث لأجل التعصيب كما ترى، والحاصل أنّ نتيجة القول بالتعصيب هو توريث الرجال وإهمال النساء على ما كانت الجاهلية عليه.
قال السيد المرتضى: توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القربيوالدرجة، من أحكام الجاهلية، وقد نسخ اللّه بشريعة نبيّنا محمد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أحكام الجاهلية، وذمّ من أقام عليها واستمرّ على العمل بها بقوله: (أَفَحُكْمَ الجاهليّة يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكماً)(المائدة/50) وليس لهم أن يقولوا إنّنانخصّص الآية التي ذكرتموها بالسنّة، وذلك أنّ السنّة التي لا تقتضي العلمالقاطع لا يُخصَّص بها القرآن، كما لم ينسخ بها، وإنّما يجوز بالسنّة أن يخصّص وينسخ إذا كانت تقتضي العلم واليقين، ولا خلاف في أنّ الأخبار المروية في توريث العصبة أخبارآحاد لا توجب علماً، وأكثر ما يقتضيه غلبة الظن، على أنّ أخبار التعصيبمعارضة بأخبار كثيرة ترويها الشيعة من طرق مختلفة في إبطالأن يكونالميراث بالعصبة، وأنّه بالقربى والرحم، وإذا تعارضت الأخبار رجعنا إلى ظاهر الكتاب (1).
الثاني: قوله سبحانه: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى بِبعض في كِتابِ اللّهِ إنَّ اللّهَ بِكُلِّ شيء عليم) (الأنفال/75).

(1) الانتصار: 278.

صفحه 130
وجه الاستدلال: أنّ المراد من الأولويّة هو الأقربية أي الأقرب فالأقرب، وعلى ذلك فكيف يرث الأخ أو العم مع وجود الأقرب أعني البنت أو الأُخت، وهما أقرب إلى الميّت من الأخ والعم،لأنّ البنت تتقرّب إلى الميّت بنفسها، والأخيتقرّب إليه بالأب، والأُخت تتقرّب إلى الميّت بالأب، والعمّ يتقرّب إليه بواسطة الجد، والأُخت تتقرّب بواسطة، والعم يتقرّب بواسطتين، وأولاده بوسائط.
والعجب أنّهم يراعون هذا الملاك في ميراث العصبة حيث يقدّمون الأخ لأبوين، على الأخ لأب.وابن الأخ لأبوين، على ابن الأخ لأب، كما أنّ العم لأبوين يقدّمونه على العم لأب، وابن العم لأبوين على ابن العم لأب. هذا في العصبة بالنفس ومثلها العصبة بالغير.
وممّا يدل على أنّ الآية في بيان تقديم الأقرب فالأقرب ـ مضافاً إلى ما ورد من أنّها وردت ناسخة للتوارث بمعاقدة الإيمان والتوارث بالمهاجرة اللَّذين كانا ثابتين في صدر الإسلامـ (1) أنّ عليّاً كان لا يعطي الموالي شيئاً مع ذي رحم، سمّيت له فريضة أم لم تسم له فريضة وكان يقول:
(وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّهِ إنّ اللّهَ بكلِّ شيء عليم)قد علم مكانهم فلم يجعل لهم مع أُولي الأرحام (2).
وروى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّهِ) : إنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض لأنّ أقربهم إليه رحماً أولى به، ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) : أيّهم أولى بالميت وأقربهم إليه؟ أُمّه؟ أو

(1) مجمع البيان: 2/563 طبع صيدا.
(2) الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث الحديث 10 .

صفحه 131
أخوه؟ أليس الأُمّ أقرب إلى الميّت من إخوته وأخواته؟ (1).
وروي عن زيد بن ثابت أنّه قال : من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء .(2)
قال العلاّمة الصافي في تفسير قوله سبحانه: (للرِّجالِ نصيبٌ مِمّا تَركَ الوالِدانِ والأقربونَ...)قد أبطل اللّه بهذه الآية النظام الجاهلي المبنيّ على توريث الرجال دون النساء، مثل توريث الابن دون البنت، وتوريث الأخ دون الأُخت، وتوريث العم دون العمّة، وابن العم دون بنته، فقرّر بها مشاركة النساء مع الرجال في الارث، إذا كنّ معهم في القرابة في مرتبة واحدة، كالابن والبنت، والأخ والأُخت، وابن الابن وبنته، والعم والعمّة وغيرهم، فلا يوجد في الشرع مورد تكون المرأة مع المرء في درجة واحدة إلاّ وهي ترث من الميت بحكم الآية ... فكما أنّ القول بحرمان الرجال الذين هم من طبقة واحدة نقض لهذه الضابطة المحكمة الشريفة، كذلك القول بحرمان النساء أيضاً ... ومثل هذا النظام ـ الذي تجلّى فيه اعتناء الإسلام بشأن المرأة ورفع مستواها في الحقوق المالية كسائر حقوقها ـ يقتضي أن يكون عامّاً لا يقبل التخصيص والاستثناء (3).
ويظهر من السيد في الانتصار أنّ القائلين بالتعصيب ربّما يعترضون على الإمامية بأنّ الحرمان موجود في فقههم، كما إذا مات الرجل عن بنت وعم أو ابن عم، فإنّ التركة كلّها للبنت عندهم ولا حظّ لهما. وهو حرمان الرجال دون النساء عكس القول بالتعصيب، ويشتركان في الحرمان ومخالفة الذكر الحكيم.
والجواب: أنّ الحرمان في المثال لأجل عدم الاستواء في القرابة ألا ترى أنّ

(1) الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 11 و 2.
(2) الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 11 و 2.
(3) مع الشيخ جاد الحق، شيخ الأزهر: 15ـ 16.

صفحه 132
ولد الولد (ذكوراً كانوا أو إناثاً) لا يرث مع الولد، لعدم التساوي في الدرجة والقرابة، وإن كانوا يدخلون تحت التسمية بالرجال والنساء، وإذا كانت القرابة والدرجة مراعاة بين العم وابنه، فلا يساوي العم البنت في القربى والدرجة وهو أبعد منها كثيراً.
وليس كذلك العمومة والعمّـات وبنات العم وبنو العم، لأنّ درجة هؤلاء واحدة وقرباهم متساوية والمخالف يورث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجّة عليه وفعله مخالف لها، وليس كذلك قولنا في المسائل التي وقعت الإشارة إليها وهذا واضح فليتأمّل (1).
الثالث: قوله سبحانه: (إنِ امْرؤٌا هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ ...)(النساء/176) والآية ظاهرة في أنّ توريث الأُخت من الأخ مشروط بعدم وجود الولد له، مع أنّه يلزم في بعض صور التعصيب توريث الأُخت مع وجود الولد (البنت) للميّت وذلك فيما إذا كان التعصيب بالغير كأُخت أو أخوات لأبوين، أو أُخت وأخوات لأب، فإنّهنّ عصبة بالغير من جانب الأب فلو مات عن بنت وأُخت لأبوين أو لأب، فالنصف للبنت، والنصف الآخر للعصبة وهي الأُخت أو الأخوات مع أنّ وراثة الأُخت مشروطة بعدم الولد في صريح الآية. قال الخرقي: والأخوات مع البنات عصبة، لهنّ ما فضل، وليس لهنّ معهنّ فريضة مسمّـاة.
وقال ابن قدامة في شرحه: والمراد بالأخوات هاهنا، الأخوات من الأبوين، أو من الأب وإليه ذهب عامّة الفقهاء إلاّ ابن عباس ومن تابعه، فإنّه يروى عنه أنّه كان لا يجعل الأخوات مع البنات عصبة فقال في بنت وأخت: للبنت النصف

(1) الانتصار: 283.

صفحه 133
ولاشيء للأخت. فقال ابن عباس: أنتم أعلم أم اللّه، يريد قول اللّه سبحانه: (إنِ امْرؤا هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ ...)فإنّما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد.
ثمّ إنّ ابن قدامة ردّ على الاستدلال بقوله: إنّ الآية تدل على أنّ الأُخت لايفرض لها النصف مع الولد، ونحن نقول به، فإنّ ما تأخذه مع البنت ليس بفرض، وإنّما هو بالتعصيب كميراث الأخ، وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث الأخ مع الولد مع قول اللّه تعالى: (وهو يرثها إنْ لم يَكُنْ لَها ولَد) وعلى قياس قوله «ينبغي أن يسقط الأخ لاشتراطه في توريثه منها عدم ولدها» (1).
حاصل كلامه: أنّ الأُخت ترث من الأخ النصف في حالتي وجود الولد وعدمه، غاية الأمر عند عدم الولد ترث فرضاً، وعند وجوده ترثه عصبة.
يلاحظ عليه: أنّ المهم عند المخاطبين هو أصل الوراثة، لا التسمية فإذا كان الولد وعدمه غير مؤثّر فيها، كان التقييد لغواً، وما ذكره من أنّها ترث النصف عند الولد تعصيباً لا فرضاً أشبه بالتلاعب بالألفاظ، والمخاطب بالآية هو العرف العام وهو لا يفهم من الآية سوى حرمان الأُخت عند الولد وتوريثها معه باسم آخر، يراه مناقضاً.
وما نسبه إلى ابن عباس من أنّه كان يرى ميراث الأخ مع الولد، غير ثابت وعلى فرض تسليمه فهو ليس بحجة.
الرابع: الروايات المروية في الصحاح والمسانيد وفي جوامعنا، ننقل منها ما يلي:

(1) ابن قدامة: المغني: 6/227.

صفحه 134
1ـ روى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: مرضت بمكّة مرضاً فأشفيت(1) منه على الموت فأتاني النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يعودني فقلت: يا رسول اللّه: إنّ لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلاّ ابنتي أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشَّطرُ؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنّك إن تركت ولدك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم عالةً يتكفّفون الناس (2).
وفي لفظ مسلم في باب الوصية بالثلث : «ولا يرثني إلاّ ابنة لي واحدة». والرواية صريحة في أنّه كان يدور في خلد سعد، أنّها الوارثة المتفرّدة والنبيّ سمع كلامه وأقرّه عليه ولم يرد عليه بشيء وقد كان السؤال والجواب بعد نزول آيات الفرائض.
2ـ روى البيهقي عن سويد بن غفلة في ابنة وامرأة ومولى قال: كان علي (عليه السلام) يعطي الابنة النصف والمرأة الثمن ويرد ما بقي على الابنة (3).
3ـ روى: من ترك مالاً فلأهله (4).
4ـ وربّما يستدل بما روي عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : والمرأة تحوز ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي تلاعن عليه (5).
وجه الاستدلال: أنّ سهم الأُم هو السدس أو الثلث وقد حكم على

(1) أي فأشرفت وقاربت.
(2) صحيح البخاري: 8/150، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات.
(3) السنن الكبرى: 6/242 باب الميراث بالولاء.
(4) صحيح البخاري: 8/150 كتاب الفرائض باب قول النبي: من ترك مالاً فلأهله، وكنز العمال: 11/7 الحديث 30388، وجامع الأُصول: 9/631 قال: رواه الترمذي.
(5) المسند: 3/490، وسنن ابن ماجة: 2/916 باب ما تحوزه المرأة، ثلاث مواريث رقم 2742، وفي جامع الأُصول: 9/614، برقم 7401 ... ولدها الذي لاعنت عنه. أخرجه أبو داود والترمذي.

صفحه 135
الفاضل عن التركة بالرد عليها دون العصبة. إلاّ أن يقال: إنّ عدم الرد لعدم وجودالعصبة (بحكم اللعان) فلا يصحّ الاستدلال به على ما إذا كانت هناك عصبة.
الخامس: إنّ القول بالتعصيب يقتضي كون توريث الوارث مشروطاً بوجود وارث آخر وهو مخالف لما علم الاتّفاق عليه لأنّه إمّا أن يتساوى الوارث الآخر فيرثان، وإلاّ فيمنع وذلك في المثال الآتي:
إذا خلف الميّت بنتين، وابنة ابن، وعم. فبما أنّ العمّ من العصبة بالنفسوالابنة عصبة بالغير يرد الفاضل إلى العم. ولا شيء لبنت الابن. ولكنّه لو كان معها أخ أي ابن الابن، فهي تتعصّب به، وبما أنّه أولى ذكر بالميّت يكون مقدماً على العم ويكون الفاضل بينهما أثلاثاً، للاجماع على المشاركة، لقوله سبحانه: (يُوصيكُمُ اللّهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حظِّ الأُنثيين)(النساء/11) وهذا هو ما قلناه من أنّه يلزم أن يكون توريث الابنة مشروطاً بالأخ وإلاّ فيرث العم.
قال الخرقي في متن المغني: «فإن كنّ بنات، وبنات ابن، فللبنات الثلثان وليس لبنات الابن شيء إلاّ أن يكون معهنّ ذكر فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظّ الأُنثيين».
وقال ابن قدامة: «فإن كان مع بنات الابن، ابن في درجتهنّ كأخيهنّ أو ابن عمّهنّ، أو أنزل منهنّ كابن أخيهنّ أو ابن ابن عمّهنّ أو ابن ابن ابن عمّهن، عصبهنّ في الباقي فجعل بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين» (1).
السادس: لقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ الفاضل عن

(1) المغني: 6/229.

صفحه 136
الفروض للأقرب، وهي متضافرة لو لم نقل أنّها متواترة ولعل الشهيد الثاني لم يتفحّص في أبواب الارث فقال: يرجع الإمامية إلى خبر واحد(1) ويظـهر من الروايات أنّه كان مكتوباً في كتاب الفرائض لعليّ (عليه السلام) .
1ـ روى حماد بن عثمان قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل ترك أُمّه وأخاه؟ قال: يا شيخ تريد على الكتاب؟ قال، قلت: نعم. قال: كان علي (عليه السلام) يعطي المال الأقرب، فالأقرب. قال، قلت: فالأخ لا يرث شيئاً؟ قال: قد أخبرتك أنّ علياً (عليه السلام) كان يعطي المال الأقرب فالأقرب (2).
2ـ روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل مات وترك ابنته وأُخته لأبيه وأُمّه؟ فقال: المال كلّه للابنة وليس للأُخت من الأب والأُمّ شيء (3).
3ـ روى عبد اللّه بن خداش المنقري أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات وترك ابنته وأخاه؟ فقال: المال للابنة (4).
4ـ عن بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: رجل مات وترك ابنته وعمّه؟ فقال: المال للابنة وليس للعم شيء، أو قال: ليس للعم مع الابنة شيء .(5)
ويظهر من مناظرة الرشيد مع الإمام أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) أنّ توريث العم مع الأبناء كان مؤامرة سرّيـة لإقصاء عليّ عن حقّه، بتقديم العم على ابنة رسول اللّه(6).

(1) المسالك، كتاب الفرائض عند شرح قول المحقق: ولا يثبت الميراث عندنا بالتعصيب.
(2) الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث: 6 و 1 .
(3) الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث: 6 و 1 .
(4) المصدر نفسه: الحديث 2 و 3 و 14 ولاحظ الحديث4و 5 و7 ـ 13، من ذلك الباب.
(5) المصدر نفسه: الحديث 2 و 3 و 14 ولاحظ الحديث4و 5 و7 ـ 13، من ذلك الباب.
(6) المصدر نفسه: الحديث 2 و 3 و 14 ولاحظ الحديث4و 5 و7 ـ 13، من ذلك الباب.

صفحه 137
5ـ ما رواه حســين الـرزاز قال: أمرت من يسـأل أبا عبـد اللّه (عليه السلام) الماللمن هو؟ للأقرب أو العصبة؟ فقال: المال للأقرب والعصبة في فيه التراب(1).
6ـ ما رواه العياشي في تفسيره عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: اختلف عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وعثمان في الرجل يموت وليس له عصبة يرثونه وله ذو قرابة لا يرثونه، ليس لهم سهم مفروض، فقال عليّ: ميراثه لذوي قرابته لأنّ اللّه تعالى يقول: (وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه) وقال عثمان: اجعل ماله في بيت مال المسلمين (2).

دراسة أدلّة المخالف:

لقد اتّضح الحق وتجلّى بأجلى مظاهره، بقي الكلام في دراسة أدلّة المخالف فقد استدلّ بوجوه:
الأوّل: لو أراد سبحانه توريث البنات ونحوهنّ أكثر ممّا فرض لهنّ لفعل ذلك والتالي باطل، فإنّه تعالى نصّ على توريثهنّ مفصّلاً ولم يذكر زيادة على النصيب.
بيان الملازمة أنّه تعالى لما ورّث الابن الجميع لم يفرض له فرضاً، وكذا الأخ للأب والأُم وأشباههم، فلولا قصر ذوي الفروض على فرضهم لم يكن في

(1) الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الارث، الحديث 1، وفي السند «صالح بن السعدي» وهو ممدوح، و «لحسين الرزاز» مجهول، وفي التهذيب: 9/267 رقم 972 «لبزاز» وهو أيضاً مجهول.
(2) المصدر نفسه: الحديث 9.

صفحه 138
التنصيص على المقدار فائدة.
وحاصله: أنّ كل من له فرض لا يزاد عنه وكل من لم يفرض له يعطى الجميع.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بالنقض بورود النقيصة على ذوات الفروض عند أهل السنّة إذا عالت الفرائض على السهام، كما سيوافيك شرحه فإنّهم يدخلون النقص على الجميع مثل باب الديون، فربّما يكون سهم البنت والأُخت أقل من النصف، فإذا جاز النقص فما المانع من الزيادة، بل الأمر في النقصان أولى لأنّ النقصان ينافي الفرض بخلاف الزيادة عليه بدليل آخر، فإنّ فيه أعمال الدليلين والأخذ بمفادهما.
وثانياً: بالحلّ إنّ تحديد الفرض بالنصف إنّما يكون لغواً إذا لم تترتّب عليه فائدة مطلقاً، ، ولكنّه ليس كذلك لترتّب الثمرة عليه فيما إذا كان معه وارث ذو فرض كالأُم ، فإنّ كيفية الرد على الوارثين لا تعلم إلاّ بملاحظة فرضهما ثم الرد عليهما بحسب تلك النسبة، فلو لم يكن سهم البنت و البنتين منصوصاً في الذكر الحكيم لما علمت كيفيّة الرد.
وبالجملة: أنّه وإن كان لا تظهر للقيد ثمرة إذا كان الوارث هو البنت أوالأُخت وحدها ، ولكنّه ليس كذلك إذا كان معه وارث آخر وهو ذوفرضمثلها كالأُمّ، فإنّ الرد عليهما يتوقّف على ملاحظة فرضهما ثمّ الرد بتلك النسبة.
وثالثاً: أنّ التصريح بالفرض لأجل التنبيه على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف أو الثلثان، بخلاف الأخ وإنّما تأخذ الزائد بعنوان آخر وهو أنّه ليس معه وارث مساو بخلاف الابن أو الأخ، فإنّ كلاّ ً يستحق المال كلّه بالذات.

صفحه 139
ورابعاً: إنّ المفهوم في المقام أشبه بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة فيه.
الثاني: قوله سبحانه: (إنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ وهوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَد)(النساء/176).
وجه الاستدلال: أنّه سبحانه حكم بتوريث الأُخت، نصف ميراث أخيها مع عدم الولد وحكم بتوريث الأخ ميراثها أجمع بدليل قوله تعالى: (وهو يرثها) فلو ورثت الأُخت الجميع كما هو مذهبكم لن تبقى للفرق بين الأخ والأُخت ثمرة أصلاً.
الجواب: أنّ التقييد بالنصف مع أنّها ربّما ترث الكلّ لأجل التنبيه، على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف وأنّ الأصل القرآني هو استحقاق الذكر ضعف سهم الأُنثى وهو النصف، وأنّها إن ورثت المال كله فإنّما هو لأجل طارئة خاصة، على أنّ التصريح بالفرض لأجل تبيين ما يتوقّف عليه تقسيم الفاضل، بينها وبين من يشاركه في الطبقة كالإخوة أو الأخوات من الأُمّ، فإنّ الباقي يردّ عليهما بنسبة سهامهما إلاّ ما خرج بالدليل فلو لم يكن هناك تحديد بالنصف فمن أين تعلم كيفيّة الرد.
الثالث: قوله تعالى: (وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا) (مريم 5ـ 6).
وجه الاستدلال: أنّ زكريا (عليه السلام) لمّا خاف أن ترثه العصبة، سأل اللّه سبحانه أن يهبه وليّاً حتى يرث المال كلّه، لا وليّةً حتى ترث المال نصفه ويرث الموالي الفاضل، ولولا ذلك لما أكّد على كون الولد الموهوب من اللّه ذكراً، في قوله سبحانه: (وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً * يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا).

صفحه 140
يلاحظ عليه: أنّ المقصود من «وليّاً» هو مطلق الأولاد ذكراً كان أو أُنثى، وذلك على مساق إطلاق المذكّر وإرادة الجنس وهو شائع في القرآن الكريم.
مثل قوله سبحانه: (إلاّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) بشهادة قوله تعالى في آية أُخرى: (هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لي مِن لَدُنكَ ذُرِّيّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاء) (آل عمران/38).
بل يمكن أن يقال إنّه طلب ذرّية مثل مريم لقوله سبحانه قبل هذه الآية: (كُلَّما دََخَلَ عَلَيها زَكريّا المحرابَ وَجدَ عِندها رِزْقاً قالَ يا مَريمُ أنّى لَكِ هذا قالَت هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيرِ حِساب *هنالِكَ دَعا ... )أي في هذه الحال التي رأى فيها في مريم من الكرامة سأل اللّه سبحانه أن يرزقه ذريّة طيّبة (مثل مريم) فلو لم نقل إنّه سأل أُنثى مثل مريم، ليس لنا أن نقول إنّه طلب الذكر.
ولو سلمنا أنّه طلب الذكر لكنّه لم يطلب لأجل أنّه لو رزق الأُنثى ترثه العصبة وإنّما سأله الذكر لمحبّة كثيرة له، أو لأنّه أولى بالإدارة من الأُنثى كما لا يخفى.
الرابع: الروايات والآثار الواردة في هذا المجال ولعلّها أهم المدارك والمصادر لهذه الفتيا.

الرواية الأُولى:

رواية عبد اللّه بن طاووس بن كيسان اليماني (المتوفّى عام 132) رواها الشيخان في غير مورد.
روى البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب عن ابن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس: قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى

صفحه 141
رجل ذكر» (1).
يلاحظ عليه: أوّلاً: الروايات تنتهي إلى عبد اللّه بن طاووس بن كيسان اليماني وقد وثّقه علماء الرجال (2) لكن يعارض توثيقهم مع ما ذكره أبو طالب الأنباري (3) في حقّ هذه الرواية قال: حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن قاربة بن مضرب قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: يا بن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك وطاووس مولاك يرويه: إنّ ما أبقت الفرائض فلأوْلَى عصبة ذكر؟ قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك أنّي أقول: إنّ قول اللّه عزّ وجلّ: (آباؤكُم وأبناؤكُم لا تدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفعاً

(1) صحيح البخاري: 8/151 باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، وص 152، باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، ورواها عن سليمان بن حرب (مكان مسلم بن إبراهيم) ورجال السند في غيرهما، واحد و باب ابني عم أحدهما أخ والآخر زوج ص 153، رواهـا عـن أُمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع عن روح عن عبد اللّه بن طاووس.
وصحيح مسلم: 5/59 باب ألحقوا الفرائض بأهلها عن ابن طاووس عن ابن عباس رقم1615.
وصحيح الترمذي في الفرائض باب ميراث العصبة رقم 2099.
وسنن أبي داود في الفرائض باب ميراث العصبة رقم 2898.
ولاحظ السنن الكبرى: 6/238 باب العصبة، وجامع الأُصول: 9/6104 رقم 7421.
(2) تهذيب التهذيب: 5/268 رقم 458 سير أعلام النبلاء، حوادث عام 132 وغيرهما.
(3) هو عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الأنباري: قال النجاشي: شيخ من أصحابنا «أبو طالب» ثقة في الحديث، عالم به، كان قديماً من الواقفة توفّـي عام 356 (رجال النجاشي برقم 615 طبع بيروت).
وأمّا رجال السند ففي تعليقة الخلاف أنّه لم يتعرّف على البربريّ، وأمّا بشر بن هارون لعلّه تصحيف بشر بن موسى إذ هو الراوي عن الحميدي على ما في تاريخ البغدادي: 86. والحميدي هو عبد اللّه بن الزبير القرشي توفّي بمكة 219 كما في تذكرة الحفّاظ : 2/413، وسفيان هو سفيان بن عيينة، وأبو إسحاق هو: عمرو بن عبد اللّه بن عبيد السبيعي.

صفحه 142
فريضة مِنَ اللّه) وقوله: (أُولُوا الأرحام بَعضُهم أولى بِبَعض في كتابِ اللّه) وهل هذه إلاّ فريضتان وهل أبقتا شيئاً ، ما قلت هذا، ولا طاووس يرويه عليّ، قال قاربة بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا واللّه ما رويت هذا على ابن عباس قط وإنّما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان: أراه من قبل ابنه عبد اللّه بن طاووس فإنّه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك (1) وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً ـ أي بني هاشم ـ (2).
إنّ سليمان بن عبد الملك الأموي المرواني هو الذي قتل أبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن علي الحنفية بالسم ظلماً وخداعاً، فكيف يكون حال من يواليهم.
وثانياً: أنّ نسبة الآيات المتقدمة إلى هذه الرواية وإن كان نسبة الإطلاق إلى التقييد، ولكن الاعتماد على هذه الرواية في تقييد الذكر الحكيم، ممّا لا يجترئ عليه الفقيه الواعي.
إنّ وراثة العصبة ليست من المسائل التي يقل الابتلاء بها، بل هي ممّا تعمّ البلوى بها في عصر النبيّ وعصور الخلفاء، فلو كان هناك تشريع على مضمون هذه الرواية لما خفي على غيره ونقله الآخرون، وقد عرفت أنّ الأسناد تنتهي إلى عبد اللّه ابن طاووس.
وثالثاً: أنّ فقهاء المذاهب أفتوا في موارد على خلاف مضمون هذا الخبر، وقد أشار إليها فقيه الطائفة الطوسي، نذكر قسماً منها.
1ـ لو مات وخلّف بنتـاً وأخـاً وأُختـاً، فقد ذهبوا إلى أنّ للبنت النصف

(1) سليمان بن عبد الملك بن مروان سابع خلفاء بني أُمية بويع سنة 96 وتوفّي سنة 98 وهو ابن خمس وأربعين سنة و كان خاتمه بيده يختم رسائله بخاتمه صيانة عن التزوير.
(2) التهذيب: لشيخ الطائفة: 9/262. الخلاف:2، المسألة 80.

صفحه 143
والنصف الآخر للأخ والأُخت (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين) مع أنّ مقتضى خبر ابن طاووس أنّ النصف للبنت أخذاً بقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : «ألحقوا الفرائض بأهلها» والنصف الآخر للأخ لأنّه «أولى رجل ذكر».
2ـ لو أنّ رجلاً مات وترك بنتاً، وابنة ابن، وعمّـاً ، فقد ذهبوا إلى أنّ النصف للبنت والنصف الآخر لابنة الابن والعم، مع أنّ مقتضى الخبر أن يكون النصف الآخر للعم وحده لأنّه أولى ذكر (1).
قال السيد المرتضى: وفيهم من يذهب فيها إلى أنّ المراد بها قرابة الميّت من الرجال الذين اتّصلت قرابتهم به من جهة الرجال كالأخ والعم، دون الأُخت والعمّة، ولا يجعل للرجال الذين اتّصلت قرابتهم من جهة النساء عصبة كإخوة الميّت لأُمّه، وفيهم من جعل العصبة مأخوذة من التعصّب والرايات والديوان والنصرة. ومع هذا الاختلاف لا إجماع يستقرّ على معناها، على أنّهم يخالفون لفظ هذا الحديث الذي يروونه لأنّهم يعطون الأُخت مع البنت بالتعصيب وليست برجل ولا ذكر كما تضمّنه لفظ الحديث (2).
إلى غير ذلك من الأحكام التي اتّفقوا عليها وهي على طرف النقيض من الخبر.
فإن قلت: فماذا تصنع بالخبر، مع أنّ الشيخين نقلاه بل نقله غيرهما على ما عرفت؟
قلت: يمكن حمل الخبر على ما لا يخالف إطلاق الكتاب ولا ما أطبق المسلمون عليه وهو أنّه وارد في مجالات خاصّة: مثلاً:

(1) الخلاف: 2/278، المسألة 80 والتهذيب للشيخ الطوسي: 9/262.
(2) الانتصار: 279.

صفحه 144
1ـ رجل مات وخلّف أُختين من قبـل الأُمّ، وابن أخ، وابنة أخ لأب وأُمّ، وأخاً لأب، فالأُختان من أصحاب الفرائض، كلالة الأُمّ، يعطى لهما الثلث والباقي لأولى ذكر، وهو الأخ لأب.
2ـ رجل مات وخلّف زوجة وخالاً وخالة، وعمّـاً وعمّة، وابن أخ، فالزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع والباقي يدفع إلى أولى ذكر، وهو ابن الأخ.
3ـ رجل مات وخلّف زوجة، وأُختاً لأب، وأخاً لأب وأُمّ، فإنّ الزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع والباقي للأخ للأب والأُم، ولا ترث الأُخت لأب معه.
4ـ امرأة ماتت وخلّفت زوجاً، وعمّـاً من قبل الأب والأُم، وعمّة من قبل الأب، فللزوج النصف سهمه المسمّى وما بقي للعم للأب والأُمّ، ولا يكون للعمّة من قبل الأب شيء.
إلى غير ذلك من الصور التي يمكن أن ينطبق عليها الخبر.
قال السيد المرتضى: ولا عتب إذا قلنا: إنّ الرواية وردت في من خلّف أُختين لأُمّ، وابن أخ، وبنت أخ لأب وأُمّ، وأخاً لأب فإنّ الأُختين من الأُمّ فرضهنّ الثلث وما بقي فلأولى ذكر أقرب وهو الأخ من الأب وسقط ابن الأخ وبنت الأخ، لأنّ الأخ أقرب منهما. وفي موضع آخر وهو أن يخلف الميّت امرأة وعمّـاً وعمّةً، وخالاً وخالة، وابن أخ، فللمرأة الربع وما بقي فلأولى ذكر وهو ابن الأخ وسقط الباقون. والعجب أنّهم ورثوا الأُخت مع البنت عصبة، فان قالوا: من حيث عصَّبها أخوها، قلنا: فألاّ جعلتم البنت عصبة عند عدم البنين ويكون أبوها هو الذي يعصِّبها.

صفحه 145
وكذلك يلزمهم أن يجعلوا العمّة عند عدم العم عصبة في ما توجّه لإنجازه وفعله، فإن قالوا: البنت لا تعقل عن أبيها، قلنا: والأُخت أيضاً لا تعقل عن أخيها فلا تجعلوها عصبة مع البنات (1).

الرواية الثانية:

ما أخرجه الترمذي، وابن ماجة، وأبو داود، وأحمد عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد اللّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع، بابنتيها من سعد إلى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحد شهيداً، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدَع لهما مالاً، ولا تُنكحانإلاّولهما مال، قال: يقضي اللّه في ذلك، فنزلت آية الميراث فبعث رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إليعمّهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أُمّهما الثمن وما بقي فهولك(2).
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ جابر بن عبد اللّه نقل نزول الآية في واقعة أُخرى قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، من طرق عن جابر بن عبد اللّه قال: عادني رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لا أعقل شيئاً فدعا بماء فتوضّأ منه ثم رشّ عليّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول اللّه؟ فنزلت : (يُوصيكُمُ اللّهُ فِـي أولادِكُم

(1) الانتصار: 280.
(2) سنن الترمذي: 4 باب ما جاء في ميراث البنات رقم 2092، سنن ابن ماجة: 2/908 باب فرائض الصلب رقم 272، سنن أبي داود: 3/121، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2891.

صفحه 146
لِلذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيين)واحتمال نزول الا(1)ية مرّتين، أو كون سبب النزول متعدّداً كما ترى.
وثانياً: أنّ الرواية نقلت بصورة أُخرى وهي أنّ الوافدة إلى النبيّ كانت زوجة ثابت بن قيس بن شماس لا زوجة سعد بن الربيع (2).
وثالثاً: أنّ في سند الرواية من لا يصحّ الاحتجاج به وإليك البيان:
1ـ عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، والأسانيد في سنن الترمذي وابن ماجة وابن داود، تنتهي إليه.
ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة وقال: كان منكر الحديث، لا يحتجّون بحديثه وكان كثير العلم، وقال بشر بن عمر: كان مالك لا يروي عنه، وقال يعقوب بن أبي شيبة عن ابن المديني: لم يدخله مالك في كتبه، قال يعقوب: وابن عقيل: صدوق وفي حديثه ضعف شديد جداً، وكان ابن عيينه يقول: أربعة من قريش يترك حديثهم فذكره فيهم، وقال ابن المديني عن ابن عيينة: رأيته يحدّث نفسه فحملته على أنّه قد تغيّـر، إلى غير ذلك من الكلمات الجارحة التي تسلب ثقة الفقيه بحديثه (3).
2ـ الراوي عنه في سنن الترمذي هو عبيد بن عمرو البصري الذي ضعّفه الأزدي وأورد له ابن عدي حديثين منكرين وضعّفه الدارقطني ووثّقه

(1) الدر المنثور: 2/124.
(2) البيهقي: السنن الكبرى ص 69 باب فرض الابنتين، وقد أخطأ البيهقي كون الابنتين لقيس وقال: إنّهما كانتا بنتي سعد، وقال أبو داود: 3/121 رقم 2891: أخطأ بشر فيه إنّما هما ابنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة.
(3) ابن حجر: تهذيب التهذيب: 6/140 لاحظ بقيّة كلامه.

صفحه 147
ابن حبَّان(1).
3ـ الراوي عنه في سنن أبي داود: بشر بن المفضّل، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عثمانياً (2).
إلى غير ذلك من رجال في الأسانيد، مرميين بأُمور لا يحتج معها.

الرواية الثالثة:

روى الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلّماً وأميراً، فسألناه عن رجل توفّي وترك ابنة وأُختاً؟ فقضى: أنّ للابنة النصف، وللأُخت النصف . ورسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حي (3).
وفي لفظ أبي داود : أنّ معاذ بن جبل ورث أُختاً وابنة، جعل لكلّ واحدة منهما النصف، وهو باليمن، ونبيّ اللّه يومئذ حي (4).
والأثر يتضمّن عمل الصحابة وهو ليس بحجّة إلاّ إذا أُسند إلى المعصوم.
والرجوع إلى الآثار الواردة عن الصحابة في مجال الفرائض يعرب عن أنّه لم يكن عندهم إحاطة بأحكام الفرائض، بل كل كان يفتي حسب معايير ومقاييس يتخيّلها صحيحة. ويكفي في ذلك اختلاف أبي موسى الأشعري مع ابن مسعود في رجل ترك بنتاً وأُختاً وابنة ابن.

(1) ابن حجر: تهذيب التهذيب: 4/121.
(2) المصدر نفسه: 1/459.
(3) البخاري: الصحيح: 8/150 في الفرائض باب ميراث البنات، وباب ميراث الأخوات مع البنات عصبة.
(4) صحيح أبي داود في الفرائض: باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2893. ولاحظ جامع الأُصول: 9/610 رقم 7394.

صفحه 148
روى البخاري : سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، وأُخت؟ فقال: للابنة النصف، وللا ُخت النصف وأْت ابن مسعود فسيتابعني، قال: سئل ابن مسعود وأُُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : للابنة النصف، ولابنة ابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأُخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (1).

مضاعفات القول بالتعصيب:

ثمّ إنّه يلزم على القول بالتعصيب أُمور يأباها الطبع ولا تصدّقها روح الشريعة نأتي بنموذج واحد:
لو كان للميّت عشر بنات وابن، يأخذ الابن السدس، وتأخذ البنات خمسة أسداس، وذلك أخذاً بقوله سبحانه: (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين) .
لو كان له مكان الابن، ابن عم للميّت، فللبنات فريضتها وهي الثلثان، والباقي أي الثلث لابن العم. فيكون الابن أسوأ من ابن العم.
قال السيد المرتضى: فإذا تبيّـن بطلان القول بالتعصيب يظهر حكم كثير من المسائل، فمن هذه المسائل أن يخلف الرجل بنتاً وعمّـاً فعند المخالف أنّ للبنت النصف والباقي للعم بالعصبة، وعندنا أنّه لا حظّ للعم والمال كلّه للبنت بالفرض والرد، وكذلك لو كان مكان العم ابن عم، وكذلك لو كان مكان البنت ابنتان، ولو خلف الميت عمومة وعمّـات أو بني عم وبنات عم فمخالفنا يورّث

(1) البخاري: الصحيح: 8/151، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة، وسنن الترمذي: 4/415 باب ما جاء في ميراث ابنة الابن مع ابنة الصلب رقم 2093، وسنن أبي داود: 3/120، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2890.

صفحه 149
الذكور من هؤلاء دون الإناث لأجل التعصيب، ونحن نورث الذكور والإناث. ومسائل التعصيب لا تحصى كثرة (1).
يقول المحقّق محمد جواد مغنية: إنّ الإنسان أرأف بولده منه بإخوته، وهو يرى أنّ وجود ولده ذكراً أو أُنثى امتداد لوجوده، ومن هنا رأينا الكثير من أفراد الأُسر اللبنانية الذين لهم بنات فقط يبدلون مذهبهم من التسنّن إلى التشيّع، لا لشيء إلاّ خوفاً أن يشترك مع أولادهم الإخوان أو الأعمام.
ويفكر الآن، الكثير من رجال السنّة بالعدول عن القول بالتعصيب، والأخذ بقول الإمامية من ميراث البنت تماماً كما عدلوا عن القول بعدم صحّة الوصيّة للوارث، وقالوا بصحّتها كما تقول الإمامية، على الرغم من اتّفاق المذاهب على عدم الصحّة (2).

(1) الانتصار: 282.
(2) الفقه على المذاهب الخمسة: 517ـ 518.

صفحه 150

صفحه 151

حكم الفرائض إذا عالت

إذا كانت الوراثة بالتعصيب، تجري عند نقص الفرائض عن استيعاب التركة، فالعول يعني زيادة الفرائض عليها وهو مأخوذ من «عال يعول عولاً»: إذا زادت، أو من العول بمعنى الميل، ومنه قوله سبحانه: (ذلكَ أنْ لا تَعُولُوا)(النساء/3). وكأنَّ الفريضة عايلة لميلها بالجور على أهل السهام بايراد النقص عليهم، أو من العول بمعنى الارتفاع يقال: عالت الناقة ذنبها: إذا رفعته، لارتفاع الفريضة بزيادة السهام. وعلى كل تقدير فمورد العول على طرف النقيض من مورد التعصيب.
إنّ مسألة العول أي زيادة الفرائض على سهام التركة، من المسائل المستحدثة التي لم يرد فيها نصّ عن رسول اللّه، وقد ابتلي بها عمر بن الخطاب عندما ماتت امرأة في عهده وكان لها زوج وأُختان فجمع الصحابة فقال لهم: فرض اللّه تعـالى للـزوج النصـف، وللا ُختين الثلثـين، فإن بـدأتُ للـــزوج لم يبق للا ُختين حقّهما، وإن بدأتُ للا ُختين لم يبق للزوج حقُّه فأشــيروا عليَّ، فاتّفق رأي أكثرهم (1)على العول أي إيراد النقص على الجميع من دون تقديم ذي فرض على

(1) وعلى ما نقله أبو طالب الأنباري اتّفق عليه اثنان: عمر، وعبد اللّه بن مسعود، وكانت الصحابة وفي مقدمهم الإمام علي (عليه السلام) على خلاف هذا القول ولكن القوّة التنفيذية حالت بينهم وبين رأيهم.

صفحه 152
آخر، وخالف ابن عباس وقال: إنّ الزوجين يأخذان تمام حقّهما ويدخل النقص على البنات.
ومن ذلك العصر صار الفقهاء على فرقتين، فالمذاهب الأربعة وما تقدّمها من سائر المذاهب الفقهية قالوا بالعول، والشيعة الإمامية، تبعاً للإمام علي (عليه السلام) وتلميذه ابن عباس على خلافه، فهم على إيراد النقص على البعض دون بعض من دون أن يكون عملهم ترجيحاً بلا مرجّح.
وخلاصة مذهب الشيعة الإمامية: أنَّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قُدِّم ذوو السهام المؤكدة المذكورة من الأبوين والزوجين على البنات، والأخوات من الأُم على الأخوات من الأب والأُم أو من الأب، وجعل الفاضل عن سهامهم لهنّ، وذهب ابن عباس ـ رحمة اللّه عليه ـ إلى مثل ذلك، وقال به أيضاً عطاء بن أبي رياح.
وحكى فقهاء السنّة هذا المذهب عن محمد بن علي بن الحسين الباقر ـصلوات اللّه عليهمـ ومحمـد بن الحنفية ـ رضي اللّه عنه ـ وهو مذهب داود بن علي الاصبهاني، وقال باقي الفقهاء: إنّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قُسّم بينهم على قدر سهامهم، كما يفعل ذلك في الديون والوصايا إذا ضاقت التركة عنها، والذي يدل على صحّة ما نذهب إليه إجماع الطائفة عليه، فإنّهم لا يختلفون فيه، وقد بيّنا أنّ إجماعهم حجّة (1).
قال الشيخ الطوسي:
«لعول عندنا باطل فكلّ مسألة تعول على مذهب المخالفين فالقول عندنا فيها بخلاف ما قالوه.

(1) الانتصار: 284.

صفحه 153
وبه قال ابن عباس وأُدخل النقص على البنات، وبنات الابن، والأخوات للأب والأُم، أو للأب.
وبه قال محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وداود بن علي. وأعالها جميع الفقهاء» (1).
ولأجل إيضاح مذهب العول، لا بأس بالإشارة إلى مسألة من مسائل العول المعروفة بأُمّ الفروخ (2) ونكتفي بعناوين الوارثين روماً للاختصار:
1ـ زوج وأُختان: للزوج النصف أي ثلاثة من ستة، وللا ُختين الثلثان أي أربعة منها. ومن المعلوم أنّ المال ليس فيه نصف وثلثان فلو أُخذ من الست، النصف، لا يفي الباقي بالثلثين وهكذا العكس فتعول السهام إلى السبعة (3+4=7).
فالقائل بالعول يقسّم التركة إلى سبعة سهام، مكان الستة فيعطي للزوج ثلاثة سهام، وللا ُختين أربعة سهام لكن من السبعة، وبذلك يُدخل النقص على الجميع، فلا الزوج ورث النصف الحقيقي ولا الأُختان، الثلثين، بل أخذ كل أقل من سهمه المقرر.
2ـ تلك الصورة ومعهما أُخت واحدة من الأُم: فلها فريضتها السدس، ومن المعلوم أنّ التركة لا تفي بالنصف والثلثين والسدس، فتعول التركة إلى ثمانية سهام وذلك (3+4+1=8). ولازم الأخذ بالعول زيادة السهام بمقدار السدسين.
فالقائل بالعول يورد النقص على الجميع، فيقسّم المال إلى ثمانية سهام،

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض: المسألة 81.
(2) وما ذكرناه قريب من أُم الفروخ المذكورة في الخلاف فلاحظ.

صفحه 154
فيعطي للزوج ثلاثة. وللا ُختين أربعة، وللا ُخت من الأُم واحداً، ولكن الكل من ثمانية أجزاء، فلا الزوج نال النصف، ولا الأُختان الثلثين، ولا الأُخت من الأُم السدس.
3ـ تلك الصورة ومعهم أخ من أُم وفريضتهما الثلث فتعول الفريضة إلى تسعة وذلك (3+4+2=9).
فيعطى للزوج ثلاثة، وللا ُختين أربعة، ولكلّ من الأُخت والأخ من الأُم واحد لكن من تسعة أسهم، لا من ستة سهام، ولا يُمتَّع الزوج بالنصف، ولا الأُختان بالثلثين، ولا الأُخت والأخ من الأُم بالثلث إلاّ لفظاً.
وإنّما سمّيت أُمّ الفروخ لأنّها تعول بوتر، وتعول بالشفع أيضاً.
وهناك مسألة أُخرى معروفة باسم المسألة المنبرية، وهي التي سُئل عنها الإمام عليّ (عليه السلام) وهو على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة؟ فقال الإمام (عليه السلام) : صار ثمن المرأة تسعاً، ومراده: أنّه على الرأي الرائج، صار سهمها تسعاً.
وذلك لأنّ المخرج المشترك للثلثين والسدس والثمن هو عدد (24) فثلثاه (16) وسدساه (8) وثمنه (3) وعند ذلك تعول الفريضة إلى (27) سهماً، وذلك مثل (16+8+3=27).
فالقائل بالعول، يورد النقص على جميع أصحاب الفروض، فيعطي لأصحاب الثلثين (16) سهماً وللأبوين (8) سهام، وللزوجة (3) سهام، من (27)، بدل إعطائهم بهذا المقدار من (24) سهماً، والزوجة وإن أخذت (3) سهام، لكن لا من (24) سهماً حتى يكون ثمناً واقعياً، بل من (27) وهو تسع

صفحه 155
التركة التي هي (24) سهماً في الواقع (1).
هذه هي نظرية العول وبيانها بوجه سهل غير مبتن على المحاسبات الدقيقة وإن كان بيانه على ضوئها أتقن وأدق، فلنذكر أدلّة (2) القائلين به.
ويظهر من السيد المرتضى أنّ القائلين بالعول ربّما يوافقون الإمامية في بعض الصور، كامرأة ماتت وخلّفت بنتين وأبوين وزوجاً، والمال يضيق عن الثلثين والسدسين والربع فنحن بين أُمور: إمّا أن ندخل النقص على كل واحد من هذه السهام أو ندخله على بعضها، وقد أجمعت الأُمّة على أنّ البنتين هاهنا منقوصتان بلا خلاف، فيجب أن نعطي الأبوين السدس والزوج الربع، ويجعل ما بقي للابنتين، ونخصّهما بالنقص لأنّهما منقوصتان بالإجماع (3).

أدلّة القائلين بالعول:

استدلّ القائلون بالعول بوجوه:
1ـ إنّ الدُّيّان يقتسمون المال على تقدير قصوره عن دينهم بالحصص، وكذلك الورّاث، والجامع الاستحقاق للمال.
يلاحظ عليه: أنّه قياس مع الفارق فانّ الدين يتعلّق بالذمة، والتركة كالرهن عند الدائن، وبعبارة أُخرى: تعلّق الدين بعين المال تعلّق استحقاق لا تعلّق

(1) سهم الزوجة 273 = 91 مجموع السهام 16+8+3=27.
(2) أخذنا الدلائل الثلاثة الأُول من المغني: 6/242 مع تفصيل منّا.
(3) الانتصار: 284.

صفحه 156
انحصار، فلو لم يؤدّوا حقّ الغرماء فلهم مصادرة التركة واستيفاء طلبهم من باب التقاص، ولو قاموا بالتأدية من غير التركة فليس لهم أيّ اعتراض ولأجل ذلك ليس بمحال أن يكون لرجل على رجل ألف، ولآخر ألفان، ولثالث عشرة آلاف وإن صار الدَّين أضعاف التركة، لأنّ المديون أتلف مال الغير بالاستقراض والصرف، فصار مديوناً بما أتلف، كان بمقدار ماله أو أزيد أو أنقص فلا إشكال في تعلّق أضعاف التركة بالذمة لأنّها تَسَع أكثر من ذلك.
وأمّا سهام الارث فانّها انّما تتعلّق بالتركة والأعيان الموروثة، ومن المحال أن يكون للمال نصف، ونصف وثلث، فامتلاك الورثة من التركة بقدر هذه الفروض أمر غير معقول، فلابدّ أن يكون تعلّقها بشكل آخر تسعها التركة. بأن لا يكون لبعض أدلّة الفروض إطلاق يعمّ حالي الانفراد والاجتماع حتى لا يستلزم المحال،وسيوافيك بيان ماله إطلاق لحال الاجتماع مع سائر الفروض وما ليس له إطلاق.
وقد فصّل أصحابنا في نقد هذا الدليل وجوهاً وما ذكرناه أتقن.
قال المرتضى: ما يقولونه في العول أنّ الديون إذا كانت على الميّت ولم تف تركته بالوفاء بها، فإنّ الواجب القسمة للمال على أصحاب الديون بحسب ديونهم من غير إدخال النقص على بعضهم، وذلك أنّ أصحاب الديون مستوون في وجوب استيفاء أموالهم من تركة الميّت، وليس لأحد مزية على الآخر في ذلك، فإن اتّسع المال لحقوقهم استوفوها، فإن ضاق تساهموه وليس كذلك مسائل العول، لأنّا قد بيّنّا أنّ بعض الورثة أولى بالنقص من بعض، وأنّهم غير مستويين كاستواء أصحاب الديون فافترق الأمران (1).

(1) الانتصار: 285.

صفحه 157
2ـ إنّ التقسيط مع القصور واجب في الوصية للجماعة فالميراث كذلك، والجامع بينهما استحقاق الجميع التركة، فلو أوصى لزيد بألف، ولعمرو بعشرة آلاف، ولبكر بعشرين ألفاً، وضاق ثلثه عن القيام بالجميع يُورد النقص على الجميع حسب سهامهم.
يلاحظ عليه: أنّ الحكم ليس بمسلّم في المقيس عليه حتى يستظهر حال المقيس منها. بل الحكم فيه أنّه يعطى الأوّل فالأوّل إلى أن يبقى من المال شيء ويسقط من لم يسعه الثلث، لأنّه أوصى بشيء لم يملكه فتكون وصيّته باطلة.
نعم لو ذكر جماعة ثمّ سمّى، كما إذا قال: زيد وعمرو وبكر لكل واحد ألف، فعجز عنه مقدار ما ترك، فلا شك أنّه يدخل النقص على الجميع والفارق بينه وبين المقام هو تصريح الموصي بالعول،ولو ورد التصريح به في الشريعة ـ وأغضينا عمّـا سيوافيك ـ يجب اتباعه فكيف يقاس، مالم يرد فيه التصريح بما ورد.
3ـ إنّ النقص لابدّ من دخوله على الورثة على تقدير زيادة السهام أمّا عند العائل فعلى الجميع وأمّا عند غيره فعلى البعض لكن هذا ترجيح من دون مرجّح.
يلاحظ عليه: أنّ رفع الأمر المحال بايراد النقص على الجميع فرع إحراز صحّة أصل تشريعه، وأنّه يصحّ أن يتملّك شخص نصف المال، وآخر نصفه الآخر، وثالث ثلثه، وقد عرفت أنّه غير صحيح وأنّ المال لا يتحمّل تلك الفروض، ومع عدم صحّة تشريعه لا تصل النوبة إلى احتمال ورود النقص على الجميع، وتصويره بصورة العول، وإيراد النقص على الجميع رجوع عن الفرض،واعتراف بأنّه ليس فيه نصفان وثلث. كما سيظهر عند بيان أدلّة القائلين ببطلانه.
أضف إلى ذلك وجود المرجّح الذي أشار إليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتلميذه ابن عباس وسيأتي كلامهما. وكلام العترة الطاهرة.

صفحه 158
4ـ ما رواه أبو طالب الأنباري (1) باسناده عن سماك عن عبيدة السلماني، قال: كان علي (عليه السلام) على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه، وأبويه وزوجة؟ فقال علي (عليه السلام) : صار ثمن المرأة تسعاً. قالوا: إنّ هذا صريح في العول لأنّكم قد قلتم إنّها لا تنقص عن الثمن وقد جعل (عليه السلام) ثمنها تسعاً (2).
وذيله دال على أنّ الإمام ذكره مجاراةً للرأي السائد في ذلك العصر وإلاّ فمن يجهل بأنّ الإمام وعترته الطاهرة وخريجي منهجهم ينكرون العول بحماس. وإليك الذيل:
قلت لعبيدة: وكيف ذلك؟ قال: إنّ عمر بن الخطاب وقعت في امارته هذه الفريضة فلم يدر ما يصنع وقال: للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وللزوجة الثمن. قال: هذا الثمن باقياً بعد الأبوين والبنتين؟ فقال له أصحاب محمد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : اعط هؤلاء فريضتهم، للأبوين السدس، وللزوجة الثمن، وللبنتين ما يبقى، فقال: فأين فريضتهما الثلثان؟ فقال له علي (عليه السلام) : لهما ما يبقى. فأبى ذلك عليه عمر وابن مسعود فقال علي (عليه السلام) : على ما رأى عمر. قال عبيدة: وأخبرني جماعة من أصحاب علي (عليه السلام) بعد ذلك في مثلها: أنّه أعطى الزوج الربع، معالابنتين، وللأبوين السدسين والباقي ردّ على البنتين وذلك هو الحق وإن

(1) هو عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الأنباري شيخ من أصحابنا، ثقة في الحديث عالم به، كان قديماً من الواقفة توفّي عام 356، اقرأ ترجمته في رجال النجاشي: 2/41 رقم 615، وتنقيح المقال وغيره وهو الذي روى خبر تكذيب ابن عباس رواية التعصيب. وقد تقدّمت الإشارة إليه أيضـاً.
(2) سهم الزوجة 273 = 91 مجموع السهام 16+8+3=27.

صفحه 159
أباه قومـنا (1).
ويستفاد من الحديث أوّلاً: أنّ عليّاً وأصحاب النبيّ إلاّ شخصين كانوا يرون خلاف العول، وأنّ انتشاره لكون الخليفة يدعم ذلك آنذاك.
وثانياً: أنّ الإمام عمل في واقعة برأيه وأورد النقص على البنتين فقط، وعلى ذلك يكون المراد من قوله ، فقال علي(عليه السلام) : «على ما رأى عمر»، هو المجاراة والمماشاة، وإلاّ يصير ذيل الحديث مناقضاً له.
إلى هنا تمت دراسة أدلّة القائلين بالعول. فلنذكر أدلّة المنكرين.

أدلّة القائلين ببطلان العول:

استدل القائلون ببطلان العول بوجوه:
1ـ يستحيل أن يجعل اللّه تعالى في المال نصفين وثلثاً، أو ثلثين ونصفاً ونحو ذلك ممّا لا يفي به وإلاّ كان جاهلاً أو عابثاً تعالى اللّه عن ذلك.
2ـ أنّ القول بالعول يؤدّي إلى التناقض والاغراء بالجهل، أمّا التناقض فقد بيّنا عند تفصيل القول بالعول أنّه إذا مات وترك أبوين وبنتين وزوجاً، وقلنا: إنّ فريضتهم من اثني عشر، فمعنى ذلك أنّ للأوّلين أربعة من اثني عشر، وللثانيتين، ثمانية من اثني عشر، وللزوج ثلاثة من اثني عشر، فإذا أعلناها إلى خمسة عشر فأعطينا الأبوين أربعة من خمسة عشر وللبنتين ثمانية من خمسة عشر، وللزوج ثلاثة من خمسة عشر، فقد دفعنا للأبوين (مكان الثلث) خمساً وثلُثه، وإلى الزوج

(1) الوسائل: 17، الباب 7، من أبواب موجبات الإرث، الحديث 14، ولاحظ التهذيب لشيخ الطائفة: 9/259 رقم 971.

صفحه 160
(مكان الربع) خُمساً، وإلى الابنتين (مكان الثلثين) ثلثاً وخمساً وذلك نفس التناقض.
وأمّا الاغراء بالجهل، فقد سمّى اللّه سبحانه، الخمس وثلثه باسم الثلث، والخُمس باسم الربع، وثلثاً وخمساً باسم الثلثين (1).
والأولى أن يقرّر الدليلان بصورة دليل واحد، مؤلّف من قضية حقيقية بأن يقال: إذا جعل اللّه سبحانه في المال نصفين وثلثاً، فأمّا أن يجعلها بلا ضم حلول ـ مثل العول ـ إليه، فيلزم كونه سبحانه جاهلاً أو عابثاً تعالى عن ذلك، وأمّا أن يجعل مع النظر إلى حلول مثل العول، فيلزم التناقض بين القول والعمل والاغراء مع كونه قبيحاً.
3ـ أنّه يلزم على القول بالعول تفضيل النساء على الرجال في موارد ومن المعلوم أنّه يخالف الشريعة الإسلامية، منها ما يلي:
1ـ إذا خلّفت زوجاً وأبوين وابنا.
2ـ إذا خلّفت زوجاً وأُختين لأُم، وأخاً لأب.
بيان الملازمة: أنّه لو خلّفت المرأة زوجاً وأبوين، فعلى ظاهر النصوص، يدفع إلى الزوج النصف أي ثلاثة من ستة، وللأُم اثنان من ستة، والباقي وهو الواحد للأب، ولكن المذاهب لم تعمل بظاهر النصوص لاستلزامه تفضيل النساء على الرجال.

(1) سهــام الأبـوين 51×31 + 51 = 151 + 153 = 154
للبنتين 31 + 51 = 155 + 153 = 158 . سهم الزوج 153 = 51
مجموع السهـام 8+3+2+2=15.

صفحه 161
ولكنّه يلزمهم التفضيل في الموردين المتقدّمين على القول بالعول بالبيان التالي:
إنّهم التزموا في المورد الأوّل بدفع الربع إلى الزوج والسدسين للأبوين والباقي (وهو خمسة أسهم من اثني عشر) للابن.
وفي المورد الثاني يدفع إلى الزوج النصف وإلى الأُختين الثلث، والباقي وهو الواحد إلى الأخ لأب بلا عول.
ولكن: لو كان بدل الابن بنتاً وبدل الأخ أُختاً لأب فهما تأخذان أكثر من الذكر.
وذلك لاستلزامهما العول في كلتا الصورتين و ورود النقص على الجميع، وإن شئت التوضيح فلاحظ التعليقة (1).

ما هي الحلول لهذه المشكلة؟

كان الإمام عليّ يُندِّد القول بالعول ويقول: «إنّ الذي أحصى رمل عالج يعلم أنّ السهام لا تعول على ستة لو يبصرون وجهها لم تجز ستّة» (2). وقد تضافر

(1) لو كان ابناً 12-7=5. 3+2+2=7.
فلو كان مكان الابن بنتاً يلزم أن يكون نصيبها أكثر من الابن 125 >136 للبنت 122 = 61
لو كان الوارث أخاً لأب 6-5=1 3 +2=5
ولو كان مكان الأخ أُختاً لأب فسهمها 83 وسهم الأخ 61 3+2+3=8 61 >83
(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موجبات الارث، الحديث 7 و 9 و 14.

صفحه 162
القول «لسهام لا تعول» عن أئمّة أهل البيت(1).
وقد جاء تفصيل تاريخ العول في رواية ابن عباس وبيان الحلول التي لجأ إليها تلميذ الإمام في رواية عبيد اللّه بن عبد اللّه وإليك نصَّها:
«جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض في المواريث فقال ابن عباس: سبحان اللّه العظيم أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟
فقال له زفر بن أوس البصري: فَمَن أوّل من أعال الفرائض؟
فقال: عمر بن الخطاب لما التفَّت الفرائض عنده ودفع بعضها بعضاً فقال:واللّه ما أدري أيّكم قدم اللّه وأيّكم أخّر وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أُقسِّمعليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كل ذي سهم ما دخل عليه من عولالفرائض، و أيم اللّه لو قدّم مَن قدّم اللّه وأخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة.
فقال له زفر: وأيّها قدّم وأيّها أخّر؟
فقال: كل فريضة لم يهبطها اللّه عن فريضة إلاّ إلى فريضة فهذا ما قدّم اللّه. وأمّا ما أخّر: فلكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلاّ ما بقى، فتلك التي أخّر. فأمّا الذي قدَّم: فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارتإلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأُم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موجبات الارث، الحديث 1&2 &3 &5 &7 &8 &10 &11 &12 &15 &16.

صفحه 163
السدس، ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه. وأمّا التي أخّر: ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلاّ ما بقى، فتلك التي أخّر، فإذا اجتمع ما قدّم اللّه وما أخّر بدئ بما قدّم اللّه فأُعطي حقّه كاملاً، فإن بقى شيء كان لمن أخّر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له» (1).
فقد جاء في كلام ابن عباس ذكر الطوائف الذين لا يدخل بهم النقص وهم عبارة عن:
1ـ الـزوج. 2ـ الزوجـة. 3ـ الأُم، وهـؤلاء يشاركون في أنّهم لا يهبطون عن فريضة إلاّ إلى فريضة أُخرى وهذا آية أنّ سهامهم محدودة لا تنقص.
وكان عليه أن يذكر الأخ والأُخت من أُمّ، لأنّهم أيضاً لا يهبطون من سهم (الثلث) إلاّ إلى سهم آخر (السدس). وقد جاء الجميع في كلام الإمام أمير المؤمنين . روى أبو عمر العبدي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه كان يقول: الفرائض من ستة أسهم: الثلثان أربعة أسهم، والنصف ثلاثة أسهم، والثلث سهمان، والربع سهم ونصف، والثمن ثلاثة أرباع سهم، ولا يرث مع الولد إلاّ الأبوان والزوج والمرأة، ولا يحجب الأُم عن الثلث إلاّ

(1) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 6، لاحظ المستدرك للحاكم: 4/340كتاب الفرائض، والحديث صحيح على شرط مسلم، وأورده الذهبي في تلخيصه إذعاناً بصحته.

صفحه 164
الولد والإخوة، ولا يزاد الزوج عن النصف ولا ينقص من الربع، ولا تزاد المرأة على الربع ولا تنقص عن الثمن، وإن كنّ أربعاً أو دون ذلك فهنّ فيه سواء، ولا تزاد الإخوة من الأُم على الثلث ولا ينقصون من السدس وهم فيه سواء الذكر والأُنثى، ولا يحجبهم عن الثلث إلاّ الولد، والوالد، والدّية تقسم على من أحرز الميراث (1).
نعم روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أربعة لا يدخل عليهم ضرر في الميراث: الوالدان، والزوج، والمرأة (2). وبما أنّ المراد من المرأة هي الزوجة فلابدّ من تقييد الرواية بكلالة الأُم. فإذا كان هؤلاء من قدّمهم اللّه ولا يزيد عليهم النقص، فيكون من أخّره اللّه عبارة عن البنت أو البنتين أو من يتقرّب بالأب والأُم أو بالأب من الأُخت أو الأخوات.
روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ما تقول في امرأة تركت زوجها وإخوتها لأُمّها وإخوة وأخوات لأبيها؟ قال: للزوج النصف ثلاثة أسهم، ولإخوتها من أُمّها الثلث سهمان الذكر والأُنثى فيه سواء، وما بقي سهم للإخوة والأخوات من الأب: (للذكر مثل حظ الأُنثيين) لأنّ السهام لا تعول ولأنّ الزوج لا ينقص من النصف، ولا الإخوة من الأُم من ثلثهم (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث) (3).
وورد تعبير لطيف في رواية الصدوق في عيون الأخبار: عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون وهو أنّه «وذو السهم أحقّ ممّن لا سهم له» (4).

ما الفرق بين البنت وكلالة الأُم؟

بقي الكلام في عدّ البنت والبنات والأُخت والأخوات، ممّن يدخل عليهم النقص دون الأُخت والأخ من الأُم، مع أنّ الطوائف الثلاث على وتيرة واحدة.
فللبنت والبنات: النصف والثلثان، وللا ُخت والأخوات: النصف والثلثان،

(1) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 12، 3 و 17 و 15.
(2) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 12، 3 و 17 و 15.
(3) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 12، 3 و 17 و 15.
(4) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 12، 3 و 17 و 15.

صفحه 165
ولكلالة الأُم: الثلث والسدس. فما هو الفارق بين الطائفة الثالثة والأُوليين؟
يتّضح الجواب ببيان أمر: وهو دخول الأخ في كلالة الأُم، لا يخرجها عن كونها وارثة بالفرض، فالواحد منها سواء كان ذكراً أم أُنثى له السدس، وغيرالواحد، سواء كانوا ذكراً أم أُنثى، أو ذكراً وأُنثى لهم الثلث يقتسمون بالمناصفة.
وهذا بخلاف الطائفتين الأُوليين فللبنت والأُخت المنفردتين النصف، ولأزيد من الواحدة الثلثان، ولو انضمّ إليهما الابن والأخ فللذكر مثل حظّ الأُنثيين في الطائفتين، أي لا يرثن بالفرض بل بالقرابة.
وعلى ذلك كلالة الأُم مطلقاً وارثة بالفرض لا ترث إلاّ به، بخلاف البنت وأزيد، أو الأُخت وأزيد، فربّما يرثن بالقرابة وذلك فيما إذا انضمّ إليهنّ الابن أو الأخ.
إذا عرفت ما ذكرنا فنقول:
إنّ كلالة الأُم، ترث بالفرض مطلقاً كان معهم ذكر أو لا، تفرّدت من الطبقة بالارث أو لا، فلو لم يكن وارث سواها ترث الثلث فرضاً والباقي ردّاً. ولا ينقص حظّهم في صورة من الصور لو لم يزد عند الرد، وهذا آية عدم ورود النقص عند التزاحم.
وبالجملة: لا نرى فيهم أيّ ازالة من الفرض في حال من الحالات ولا ورود نقص عليهم عند تطوّر الأحوال. وهذا بخلاف البنت والأُخت فلو دخل فيهم: الابن والأخ، يتغيـّر الفرض من النصف أو الثلثين، إلى مجموع ما ترك بعد دفع سهام الآخرين كالوالدين، أو كلالة الأُم، ثم يقتسمون بالتثليث وتنقص حظوظ البنت أو البنات والأُخت أو الأخوات عن النصف والثلثين بكثير، وهذا آية جواز دخول النقص عليهم عند التزاحم.

صفحه 166
وبعبارة أُخرى: أنّ كلالة الأُم ترث دائماً بالفرض حتى فيما إذا تفرّدت، وأمّا الطائفتان الأُوليان فإنّما ترثان بالفرض تارة كما إذا لم يكن بينهم أخ، وأُخرى بالقرابة فقط كما إذا انضمّ الأخ إليهنّ. وأيضاً: كلالة الأُم لا يرد عليها النقص ولا ينقص حظهم عن الثلث والسدس، بخلاف الأخيرتين فينقص حظّهما عن النصف والثلثين.
ولعلّه إلى ما ذكرنا من التوضيح يشير صاحب الجواهر بقوله: «دون من يتقرّب بالأُم الذي لا يرث إلاّ بالفرض، بخلاف غيره فإنّه يرث به تارة وبالقرابة أُخرى كالبنت والبنتين، اللَّتين ينقصن إذا اجتمعن مع البنين عن النصف أو الثلثين بنصّ الآية لأنّ للذكر حينئذ مثل حظّ الأُنثيين» (1).
وقال العاملي: «ويدخل النقص على البنت والبنات لأنّهنّ إذا اجتمعن مع البنين ربّما نقصن عن العشر أو نصفه لنصّ الآية (للذكر مثل حظّ الأُنثيين)وكذا الحال في الإخوة والأخوات من قبل الأب أو من قبلهما» (2).
قال المحقّق: يكون النقص داخلاً على الأب أو البنت أو البنتين أو من يتقرّب بالأب والأُم أو بالأب من الأُخت والأخوات دون من يتقرّب بالأُم، ولم يذكر العلاّمة في القواعد (3) «لأب» وهو الصحيح لأنّ الكلام في المقام هو زيادة الفروض على التركة، فيقع الكلام في تقديم بعض أصحاب الفروض على بعض، وأمّا الوارث الذي ليس بصاحب فرض وإن كان في جنب ذيه فهو خارج عن محل البحث، والأب كذلك لأنّه مع الولد للميّت لا ينقص فرضه عن

(1) الجواهر: 39/110. وحاشية جمال الدين على الروضة البهية: 2/297 في هامش الكتاب.
(2) مفتاح الكرامة: 8/120.
(3) مفتاح الكرامة: 8/120.

صفحه 167
السدس(1)، ومع عدمه ليس ذا فرض بخلاف الأُم فإنّها من ذوات الفروض مطلقاً.
وليعلم أنّ عامل العول هو الزوج أو الزوجة إذا اجتمع أحدهما مع البنت أو البنات، أو مع الأُخت أو الأخوات من قبل الأبوين أو لأب، وإلاّ لما يلزم العول.
وعلى ذلك:
1ـ فلو خلفت زوجـاً وأبوين وبنتـاً، يختصّ النقص بالبنت بعد الربع والسدسين.
2ـ لو خلفت زوجاً وأحد الأبوين وبنتين، يختصّ النقص بهما بعد الربع والسدس.
3ـ لو خلـف زوجـة وأبويـن وبنتين، يختـصّ النقـص بهما بعد الثـمن والسدسين.
4ـ لو خلفـت زوجـاً مع كلالة الأُم وأُختاً أو أخوات لأب وأُم أو لأب، يدخل النقص بالأُخت أو الأخوات بعد النصف والسدس إن كانت الكلالة واحدة أو الثلث إن كانت متعدّدة.

بقيت هنا نكات نذكرها:

1ـ إنّ الآثار المروية عن ابن عباس تشهد على أنّ حبر الأُمّة كان قاطعاً ببطلان العول على حد كان مستعدّاً للمباهلة. قال ابن قدامة: روي عن ابن

(1) الوسائل: 17 ، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2و 4 و 10.

صفحه 168
عباس أنه قال في زوج وأُخت وأُم: من شاء باهلته أنّ المسائل لا تعول، إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً، أعدل من أن يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فسُمِّيت هذه المسألة، مسألة المباهلة لذلك(1).
2ـ إنّ فقيه المدينة: الزهري كان يستحسن فتوى ابن عباس ويقول: إنّها الحجّة لولا أنّه تقدّم عليه عمر بن الخطاب.
روى الشيخ في الخلاف عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وزفر بن أوس البصري أنّهما سألا ابن عباس: من أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب، قيل له: هلا أشرت به عليه؟ قال: هبته وكان أمره مهيباً، قال الزهري: لولا أنّه تقدّم ابن عباس، امام عدل وحكم به وأمضاه وتابعه الناس على ذلك لما اختلف على ابن عباس اثنان (2).
3ـ إنّ موسى جار اللّه قد أطنب الكلام في مسألة «لعول» إلى حدّ مملّ جداً وأخذ يجترّ كلاماً واحداً، وحصيلة كلامه: يغلب على ظنّي أنّ القول بأنّ لا عول عند الشيعة، قول ظاهري فإنّ العول هو النقص فإن كان النقص في جميع السهام بنسبة متناسبة، فهو العول العادل أخذت به الأُمة وقد حافظت على نصوص الكتاب، وإن كان النقص في سهم المؤخّر، فهو العول الجائر أخذت به الشيعة وخالفت به نصوص الكتاب (3).

(1) المغني: 6/241 ونقله عن ابن عباس أكثر من تعرّض للمسألة.
(2) الخلاف: 2/282، المسألة 81 وغيره.
(3) الوشيعة في نقض عقائد الشيعة، وقد نقلنا كلامه مجرّداً عن الطعن بأئمّة أهل البيت.

صفحه 169
يلاحظ عليه:
1ـ أنّ المعنى المناسب للعـول في المقام هو الارتفـاع أو الميـل إلى الجور، وتفسيره بالنقص ـ لو افترضنا صحّة استعماله فيه ـ غير مناسب جداً، لظهور ارتفاع الفرائض عن سهام التركة، وارتفاعها وإن كان ملازماً لنقص التركة عن الإجابة لجميع الفروض، لكن ينظر إلى المسألة من زاوية ارتفاع الفرائض دون نقصان سهام التركة ولأجل ذلك يقول ابن عباس: «وأيم اللّه لو قدّموا من قدّم اللّه، وأخّروا من أخّر اللّه ما عالت فريضة» ومن المعلوم عدم صحّة تفسيره بـ «وما نقصت الفريضة».
2ـ سلّمنا أنّ العول بمعنى النقص لكن رمي الشيعة بأنّهم يقولون به حيث إنّهم يوردون النقص على المؤخّر، غفلة من نظرهم، فانّ النقص إنّما يتصوّر إذا كان المؤخّر ذا فرض، ولكنّه عندهم ليس بذي فرض بل يرث بالقرابة كسائر من يرثون بها وعندئذ لا يصدق النقص أبداً في هذه الحالة.
يشهد بذلك كلام ابن عباس حيث يفسّـر المقدّم بأنّه ممّن له فرضان، والمؤخّر بأنّه ممّن ليس له إلاّ فرض واحد وهو في غير هذا المورد: حيث قال في جواب «زفر» الذي سأله عمّن قدّمه ومن أخّره؟ فقال: والذي أهبطه من فرض إلى فرض فذلك الذي قدّمه، والذي أهبطه من فرض إلى ما بقى فذلك الذي أخّره اللّه(1) وبعبارة أُخرى: إنّ الذي أخّره اللّه لم يجعل له حقّاً مفروضاً في حالة التزاحم والاجتماع فيرث ما بقى، وليس هو بذي فرض في هذا الفرض لكونه وارثاً بالقرابة. وبذلك تبيّـن أنّه لا عول عند الشيعة بالمعنى المصطلح عند الفقهاء.

(1) لاحظ الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الارث، الحديث 6.

صفحه 170
3ـ ما ذكره من أنّ السنّة حافظت على نصوص الكتـاب ولكن الشيعـة بادخال النقص على المؤخّر خالفت نصوصه، من أعاجيب الكلام، فإذا كان في دخول النقص على المؤخّر (على وجه المسامحة) مخالفة لظاهر الكتاب ففي دخولها على الجميع مخالفة مضاعفة، فقد عرفت في ما سبق أنّ من فرض اللّه له النصف أعطوه أقلّ منه، ومن فرض له الثلثان أعطوه أقلّ منهما. فكيف لا يكون فيه مخالفة(1).
إنّ المحقّق بعد ما فرغ من المقدّمات جعل مقاصد الكتاب ثلاثة:
الأوّل: ميراث الأنساب.
الثـاني: الميراث بالسبب.
الثالث: الميراث بالولاء.
وها نحن نشرع في المقصد الأوّل ونقول:

(1) وقد كفانا في نقد ما اختلقه من الشبهات أو أخذها ممّن تقدم عليه: العلمان الجليلان: السيد عبد الحسين العاملي في كتابه «أجوبة موسى جار اللّه». والسيد محسن العاملي في «نقض الوشيعة» ـقدّس اللّه أسرارهما ـ.

صفحه 171

المقصد الأوّل:

ميراث الأنساب

إنّ لميراث الأنساب مراتب ثلاث:
الأُولــى : الأبوان والأولاد.
الثانية : الإخوة والأجداد.
الثالثة : الأعمام والأخوال.
ويبحث عن الكلّ في هذا المقصد. ولنأخذ البحث على الترتيب.
***

صفحه 172

المرتبة الأُولى: الأبوان والأولاد:

لايتقدّم على الأبوين والأولاد أحد من الأرحام كتاباً وسنّةً وإجماعاً ولايرث معهم أحد إلاّ الزوج والزوجة. ولأجل إيضاح الحال نذكر الصور المختلفة ولايخلو البحث عن نوع تطبيق وتمرين:
1ـ إذا انفرد الأب عمّن في درجته يرث الكل، لعدم فرض له، يرثه قرابة لأنّه أولى بالميت «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض».
2ـ إذا انفردت الأُم، ترث الثلث فرضاً والثلثين ردّاً، ولاترث العصبة. لكونها أقرب.
3ـ لو اجتمع الأبوان فللأُمّ الثلث فرضاً، والباقي كلّه للأب، لعدم فرض له في هذه الحالة فيرث الكل.
4ـ تلك الصورة لكن كان هناك إخوة حاجبون، كان لها السدس والباقي للأب وحده لعدم الفرض له، والإخوة لا يرثون شيئاً لبطلان التعصيب.
5ـ لو انفرد الابن فالمال كلّه له قرابة لعدم الفرض له.
6ـ ولو كانوا أكثر من إبن واحد فهم فيه سواء لعدم الترجيح.
7ـ ولو انفردت البنت، فالنصف لها فرضاً والباقي رداً، ولاترث العصبة. لمامرّ.
8ـ ولو كانت بنتان فصاعداً فلهما أو لهن، الثلثان فرضاً والباقي أيضاً ردّاً، والعصبة بفيها التراب.
9ـ وإذا اجتمع الذكور والإناث فالمال لهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين كتاباً وسنّة.

صفحه 173
10ـ ولو اجتمع الأبوان أو أحدهما مع الأولاد، فلكل واحد من الأبوين السدس، والباقي للأولاد يقسّم بالسوية إذا كانوا ذكوراً، أو إناثاً. وإن كانوا ذكوراً و إناثاً، فللذكر مثل حظّ الأُنثيين.
11ـ تلك الصـورة وكان معهم زوج أو زوجــة، أخـذ كل منهما نصيبهما الأدنى، أعني: الربع أو الثمن، ويأخذ كل من الأبوين السدس، والباقي للأولاد.
12ـ ولو اجتمع الأبوان مع البنت الواحدة فبما أنّ الجميع من أصحاب الفروض يأخذ كل فرضه: السدسين والنصف، ويرد الباقي عليهما أخماساً حسب سهامهما، فللأبوين سهمان، ولها ثلاثة سهام.
13ـ تلك الصورة وكان هناك إخوة للميت، صالحة للحجب وقد عرفت أنّها كما تحجب عن الثلث، كذلك تحجب عن الرد، وعلى ضوء ذلك يرد الباقي على الأب والبنت أرباعاً، لأنّ الأُمّ خرجت عن الرد عليها. والدليل على سعة الحجب هو الاتفاق فيكون مخصِّصاً لأدلة الردّ على أصحاب الفروض. (1)
14ـ لو كان مع الأبوين والبنت، زوج فتعول الفرائض حسب الظاهر فيقدّم من قدّمه اللّه، فيأخذ كل من الأبوين السدسَ، والزوج الربعَ، والباقي للبنت وذلك لأنّ المخرج المشترك للسدس والربع والنصف هو الاثنا عشر مع أنّ السهام تبلغ إلى ثلاثة عشر سهماً، فتحل المشكلة بما عرفت 6+3+4=13.

(1) فيلزم أن يقسم الباقي إلى (12) سهماً فللبنت الواحدة تسعة سهام وللأب ثلاثة أسهم، وإليك الصورة العملية الحسابية:
مجموع الفروض 3+1 = 4
12 00 4 = 3
سهام البنت 3×3 = 9
سهام الأب 1×3 = 3

صفحه 174
15ـ ولو كانت مكانه: الزوجة، فلا تعول الفريضة، بل يبقى شيء وهو ربع السدس فيأخذ كل ذي فرض فرضه، والباقي يرد إلى الأبوين والبنت أخماساً، ولايرد على الزوجة كما عرفت. (1)
16ـ تلك الصورة وكان للميت إخوة حاجبون، يرد الباقي إلى الأب والبنت أرباعاً. (2)
17ـ لو انفرد أحد الأبوين مع البنت، يرث كل ذي فرض، فرضه، ويرد الباقي عليهما أرباعاً أو كان المال بينهما أرباعاً من دون حاجة إلى تقسيم المال في مرحلتين: الفرض ثمّ الردّ.
18ـ ولو كان مع البنت وأحد الأبوين، زوج أو زوجة، يرث كل ذي فرض، فرضه والباقي يرد على البنت وأحد الأبوين أرباعاً ولايرد على الزوج أو الزوجة. نعم يرد على الزوج منفرداً إذا لم يكن أيّ وارث، لامجتمعاً مع وارث آخر، وأمّا الزوجة فلايرد عليها أبداً.

(1) فيقسم الباقي إلى عشرين ومائة سهم لأنّ (5) و(24) متخالفان وإليك الصورة العملية الحسابية:
81+ 21 + 61 + 61 = 2423
الباقي 1 - 2423 = 241
5 × 24 = 120 مجموع السهام 2+3=5
سهام الأبوين 2×24 = 48
سهام البنت 3×24 = 72
(2) الوسائل: 17، الباب 17، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1.
والتقسيم يتحقّق تارة في مرحلتين كما في المتن: يرث فرضه ، ثم يرث الباقي بالرد، وأُخرى في مرحلة واحدة كما في الرواية كما كان هو الحال في الفرع السابعة عشر والنتيجة واحدة.

صفحه 175
19ـ ولو كان مع الأبوين بنتان، يأخذ كل فرضه ولايبقى شيء.
20ـ تلك الصـورة وكان معهما زوج أو زوجــة فتعـول الفريضـة، وتحل المشكلة بأخذ كل ذي فرض فرضه إلاّ البنتان فانّهما ترثان الباقي ـ حسب الضابطة المتقدمة ـ.
21ـ لو كان أحد الأبوين، مع البنتين، كان له السدس ولهما الثلثان ويرد الباقي ـ وهو السدس ـ عليهما أخماساً (1) لصحيح محمد بن مسلم في حديث ... رجل ترك ابنته وأُمّه، للابنة النصف ثلاثة أسهم، وللأُمّ السدس سهم يقسّم المال على أربعة أسهم، فما أصاب ثلاثة أسهم فللابنة وما أصاب سهماً فللأُمّ (2) ومورده البنت الواحدة، ولكن المناط فيها والبنتين واحد.
ولخبر بكير عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل ترك ابنته وأُمّه: «أنّ الفريضة من أربعة، لأنّ للبنت ثلاثة أسهم وللأُمّ السدس سهم، وما بقي سهمان فهما أحقّ بهما من العم ومن الأخ ومن العصبة، لأنّ اللّه تعالى سمّى لهما ومن سُمّي لهما فيرد عليهما بقدر سهامهما». (3)
نعم نقل الخلاف عن الاسكافي أنّه خصّ الرد بهنّ لورود النقص عليهنّ بدخول الزوجين فيكون الفاضل لهن. والتعليل غير تام، إذ أقصى ما دلّ عليه الدليل أنّ من يرد عليه النقص يردّ عليه وأمّا أنّ من لا يرد النقص عليه فلا يرد عليه، فلم يدل عليه دليل، لو لم يدل على الخلاف.
وربما يؤيد بما في موثقة الحسن بن محمد بن سماعة: رجل مات وترك ابنتيه وأباه، قال: للأب السدس وللابنتين الباقي (4) وقال الحرّ العاملي: وإنّما لم يذكر

(1) يقسم الباقي إلى ثلاثين سهماً فللبنتين (24) سهماً ولأحد الأبوين ستة أسهم.
(2) الوسائل : الباب 17، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1و6و 7.
(3) الوسائل : الباب 17، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1و6و 7.
(4) الوسائل : الباب 17، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1و6و 7.

صفحه 176
الرد اعتماداً على غيره. وهو كما ترى، واحتمل في الجواهر أن يكون «لابنتين» مصحف الابنين (1) وعلى كل تقدير فهو مهجور.
22ـ تلك الصـورة ومعهما زوج فتعول الفرائـض، لأنّ التركـة لاتحتمـل السدس (لأحد الأبوين) والثلثين (للبنتين) والربع للزوج، فيأخذ كل ذي فرض، فرضه، ويرد النقص على البنتين.
23ـ ولو ترك أبوين وزوجاً، فيأخذ كل ذي فرض فرضه، فللزوج النصف وللأُمّ بلا حاجب الثلث، ومعه السدس والباقي للأب لعدم فرض له مع عدم الولد.
وبذلك اتّضحت الأُمور التالية:
الف ـ الأب له حالتان فمع الولد ذو فرض، ومع عدمه ليس له فرض.
ب ـ الأُمّ فهي من ذوات الفروض في حالتي وجود الولد وعدمه.
ج ـ البنت الواحدة من ذوات الفروض إذا لم يكن هناك ابن، ومعه لافرض لهما.
د ـ البنتان من ذوات الفروض إذا لم يكن هناك ابن ومعه لافرض لهما وترثان للقرابة.
و ـ بذلك تستطيع إخراج حكم كثير من الصور المختلفة التي جاء قسم كبير منها في قواعد العلاّمة وشرحها «مفتاح الكرامة» (2) والجواهر وغيرهما.

(1) الجواهر: 39/115.
(2) مفتاح الكرامة: 8/121ـ 124.

صفحه 177

مسائل:

المسألة الأُولى:

في أولاد الأولاد

قال المحقّق: أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم، وقال العلاّمة: ولد الولد وإن نزل يقوم مقام الولد مع عدم أبيه، ومن هو في طبقته. والأولى أن يقول: «ومع عدم أبيه وأُمّه» . وعلى كل تقدير فعبارة القواعد أجمع.
والحاصل: أنّه يعامل مع ولد الولد، معاملة الولد الصلبي، بشرطين:
1ـ أن لاتكون الحلقة التي اتّصل بها إلى الميت من الأب والأُمّ، موجوداً وإلاّ فهما أولى منه. وبعبارة أُخرى يترتبون: الأقرب فالأقرب، فلايرث بطن مع من هو أقرب منه إلى الميّت.
2ـ أن لايكون من في طبقة أبيه وأُمّه من الإخوة والأخوات وإلاّ فهم أولى. هذا ممّا لاشكّ فيه.
ويقع الكلام ـ بعد ثبوت الحكم إجمالاً ـ في مقامات:
1ـ هل ولد الولد يقوم مقام الولد مطلقاً، أو عند عدم الوالدين؟
2ـ هل يرث كل واحد منهم نصيب من يتقرّب به فيرث ولد البنت نصيب أُمّه وإن كان ذكراً وولد الابن يرث نصيب أبيه وإن كان أُنثى، أو يرثون من غير ملاحظة من يتقرّبون به كأولاد الصلب؟
3ـ وعلى القول بأنّ كلاً يرث إرث من يتقرّب به، هل أولاد البنت يقتسمون مثل أولاد الابن «للذكر مثل حـظ الأُنثيين» أو أولاد البنت يقتسمون بالسوية، دون أولاد الابن؟

صفحه 178
هذه هي وجوه البحث في هذه المسألة وإليك البحث عنها واحداً بعد الآخر :

المقام الأوّل:

هل ولد الولد يقوم مقام الولد، مطلقاً أو مشروطاً بعدم الوالدين؟

إتّفقت الإمامية على الأوّل ولايوجد بينهم مخالف إلاّ الصدوق في المقنع والفقيه.
قال الشيخ: «ولد الولد يقوم مقام الولد، ويأخذ كلّ واحد نصيب من يتقرّب به، فولد البنت يقوم مقام البنت ذكراً كان أو أُنثى، وولد الابن يقوم مقام الابن ذكراً كان أو أُنثى» . (1)
وعلى هذا، فهم يرثون سواء كان الوالدان موجودين أو لا.
وأمّا أهل السنّة، فالعبرة عندهم بولد الابن سواء كان ذكراً أو أُنثى فهو يشارك الأبوين في الوراثة، دون ولد البنت فلايرث مع الوالدين ذكراً كان أو أُنثى.
قال الخرقي في متن المغني: «وليس للأب مع الولد الذكر أو ولد الابن إلاّ السدس» وقال أيضاً: «وللأُمّ الثلث إذا لم يكن ولد ولا ولد ابن، فإن كان له ولد...فليس له إلاّ السدس» . (2)
ويؤيد ذلك: أنّ الشيخ ينقل عنهم ويقول: فولد البنت لا يرث على مذهب الشافعي. (3)

(1) الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 57، وللعبارة ذيل نأتي به في المقام الثاني.
(2) المغني: 6/233ـ 234.
(3) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 57.

صفحه 179
وقال الشيخ محمد جواد مغنية: «فما اتفق عليه الفقهاء شيعة وسنّة إذا كان مع الأب ابن أو بنون وبنات، أو ابن ابن وإن نزل يأخذ السدس.
وقال: إذا كان مع الأب ابن بنت (1) يأخذ الأب كلّ التركة ولاشيء لابن البنت عند الأربعة لأنّه من ذوي الأرحام.
وقال: إذا كان مع الأُمّ ابن أو بنون، أو بنون وبنات، أو ابن ابن وإن نزل تأخذ السدس والباقي للآخر أو للآخرين» . (2)
فقد تبيّن في ذلك أنّ الآراء لاتتجاوز عن ثلاثة:
1ـ ولد الولد، مطلقاً، كولد الصلب، و هو المشهور عند الإمامية يشارك الأبوين مثل ولد الصلب.
2ـ ولد الابن، مطلقاً، كولد الصلب، وهو يشارك الأبوين في الميراث ويحجبهما عمّا زاد على السدس لا ولد البنت. وهذا خيرة أهل السنة.
3ـ ولد الولد، لايشارك الأبوين مطلقاً وإنّما يرث إذا لم يكونا موجودين.
والعجب أنّ ابن قدامة يستدل على التفصيل بين ولد الابن وولد البنت بشعر جاهلي شطب على مضمونه الإسلام وهو: بنونـــا بنـو أبنائنــا وبناتنــا *** بنوهنّ أبناء الرجـــال الأباعـد
وأظن أنّ التفصيل بين ولد الابن وولد البنت، يستمدّ من فكرة سياسية وهو إبعاد بني الزهراء عن منصَّة الخلافة، بحجّة أنّهم ليسوا أولاد النبي لأنّهم أولاد البنت لا أولاد الابن.
وعلى كل تقدير فالدليل هو المتبع.

(1) وبنت البنت أولى عندئذ بالحرمان ـ وإن لم يذكره.
(2) الفقه على المذاهب الخمسة: 533ـ 537.

صفحه 180

حجة القول الأوّل:

استدل للقول الأوّل بأمرين:
1ـ آية الأولاد: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أَولاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) وقوله سبحانه: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ)(النساء/11) والاستدلال بهما يتوقف على كون لفظ الولد حقيقة في مطلق الولد سواء كان بلا واسطة أو معها والاستعمال في المطلق ليس آية الحقيقة، لكونه أعمّ منها. وربما يبدو كونها حقيقة في الأوّل، فيصحّ أن يقول الإنسان في حقّ سبطه وحفيده انّه ليس بولدي بل ولد ولدي.
2ـ الاستدلال بالروايات المتضافرة عن أئمة أهل البيت:
1ـ صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «بنات الابنة يرثن إذا لم يكن بنات كنّ مكان البنات» . (1)
2ـ صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «بن الابن إذا لم يكن من صلب الرجل أحد قام مقام الابن، قال: وابنة البنت إذا لم يكن من صلب الرجل أحد قامت مقام البنت» . (2)
3ـ خبر إسحاق بن عمّـار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «بن الابن يقوم مقام أبيه»(3) إلى غير ذلك من الروايات.
أضف إلى ذلك أنّ الزوج والزوجين يرثان نصيبهما الأدنى مع ولد الولد، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّه بحكم الولد، يشارك من يشاركه. ويمنع من يمنعه.
وهناك روايات ربما توهم خلاف ما ذكرنا من لزوم رعاية الترتيب في البطون، وعدم الفرق بين ولد الولد ووالده.

(1) الوسائل ج 17: الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1، 5، 2.
(2) الوسائل ج 17: الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1، 5، 2.
(3) الوسائل ج 17: الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1، 5، 2.

صفحه 181
1ـ خبر عبد الرحمان بن الحجاج قال: «بنات الابن يرثن مع البنات» . (1) أي لا تجب رعاية الترتيب.
2ـ عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «بنت الابن أقرب من ابنة البنت». (2)
3ـ حديث أبي نصر قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن ابن بنت وبنت ابن؟ قال: «إنّ عليّاً ـ عليه السّلام ـ كان لا يألو أن يعطي الميراث للأقرب». قال قلت: فأيّهما أقرب؟ قال: «بنة الابن». (3)
4ـ صحيحة البزنطي عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) قال: سألته عن بنات الابنة و جدّ؟ فقال: «للجدّ السدس والباقي لبنات الابنة» . (4)
يلاحظ على الأوّل: أنّه غير منسوب إلى الإمام، وعلى الثاني والثالث بأنّ المقصود أقوائية الواسطة، والسبب، ولأجل ذلك يرث كلٌّ إرث من يتقرّب به، وعلى الرابع أنّه محمول على الاستحباب كما سيوافيك في محله فإنّه يستحب هبة الجدّ السدس وإن لم يكن في مرتبة الوارث.
استدل لقول الصدوق بأُمور:
الأوّل: صحيحة سعد بن خلف عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: «بنات الابنة يقمن مقام البنات إذا لم يكن للميت بنات ولاوارث غيرهن. وبنات الابن

(1) الوسائل ج17: الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث6، 8، 9، 10.
(2) الوسائل ج17: الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث6، 8، 9، 10.
(3) الوسائل ج17: الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث6، 8، 9، 10.
(4) الوسائل ج17: الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث6، 8، 9، 10.

صفحه 182
يقمن مقام الابن إذا لم يكن للميّت أولاد ولاوارث غيرهن» (1) استدلال الصدوق بقوله: «ولاوارث غيرهن» وأنّ المراد منه هو الوالدان.
وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «بنات الابنة يقمن مقام الابنة إذا لم يكن للميّت بنات ولا وارث غيرهنّ، وبنات الابن يقمن مقام الابن إذا لم يكن للميت ولد ولا وارث غيرهن» (2) وكيفيّة الاستدلال فيهما واحدة.
يلاحظ على الاستدلال بهما: أنّه (عليه السلام) أراد من قوله: «ولاوارث غيرهن» لاوارث غيره من أولاد الصلب.
توضيح ذلك: أنّه يشترط في وراثة الأسباط والأحفاد ـ مضافاً إلى عدم من يتقرّبون به من الأُمّهات والآباء ـ عدم ولد صلبي للميت، وإلاّ فلو كان له بنت أو ابن، فهما، يمنعان السبط والحفيد عن الوراثة.
وعلى ذلك فقوله: في رواية سعد: «إذا لم يكن للميّت بنات ولا وارث غيرهن»، بمنزلة قوله: إذا لم يكن له بنات ولاأبناء حتّى تصحّ المقابلة، فإنّ مقابل «لبنات» هو الأبناء «لاوارث غيرهن» بمفهومه العام.
وأمّا الفقرة الثانية فيها، أعني: «إذا لم يكن للميّت أولاد ولاوارث غيرهنّ» بمنزلة قوله: إذا لم يكن له أبناء ولابنات. فالمراد من «لأولاد» فيها بقرينة الفقرة الأُولى هو الأبناء بحكم المقابلة، ويكون المراد من قوله «ولاوارث غيرهن» هو البنات. وإن استعصى عليك الأمر فاجعل احدى الفقرتين تحت الأُخرى فاستوضح معناهما.
وبذلك يظهر مفاد رواية عبد الرحمان بن الحجاج لوحدتهما في اللفظ إلاّ في التعبير بالجمع في الأُولى (الأولاد) والمفرد في الثانية (ولد) .
ويؤيد ما ذكر من المراد، صحيحة أُخرى لعبد الرحمان بن الحجاج حيث أقام مكان الفقرتين لفظاً بسيطاً أعني «أحد» وهو شامل لمن في طبقة الولد من الأبناء والبنات، فروى أبي عبد اللّه(عليه السلام) : «بن الابن إذا لم يكن من صلب الرجل أحد قام مقام الابن، قال: وابنة البنت إذا لم يكن من صلب الرجل أحد قامت مقام البنت» (3).

(1) المصدر نفسه: الحديث 3.
(2) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4، 5.
(3) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4، 5.

صفحه 183
وأمّا حمله على التقيّة كما نقله صاحب الوسائل عن الشيخ الكليني، فهو في غير موضعه، لأنّهم يفصلون بين ولد الابن وولد البنت، فولد الابن مطلقاً يشارك، كما أنّ ولد البنت مطلقاً لايشارك وهذا المذهب، لايوافق مذهب الصدوق ـ كما هو واضح ـ ولاظاهر الرواية، ولو قلنا بمفهوم اللقب في الرواية يلزم تفصيل آخر، وهو التفصيل بين بنات الابنة والابن، فهؤلاء لايشاركن الوالدين، بخلاف أبناء الابنة والابن، فهؤلاء يشاركون معهما.
الثاني: إنّ الأبوين مساويان للأولاد، والأولاد يحجبون أولادهم فكذا من ساواهم.
يلاحظ عليه: أنّه أشبه بالاستدلال بقياس المساواة، وهو لو صحّ فإنّما يصحّ في المسائل الهندسيّة فقط لا في الأحكام الفلسفية ولاالشرعيّة، ولأجل ذلك لايصحّ القول بأنّ ملازم المعلول متأخر عن علّته بحجة أنّه مساو للمعلول وهو متأخر عن علّته، فهو أيضاً متأخّر عن علّة ذاك المعلول.
ومثله الأحكام الشرعية. والعجب أنّ الصدوق شنَّع على الفضل بن شاذان بأنّه زلّ قدمه عن الطريق المستقيم وهذا سبيل من يقيس ـ ومع ذلك ـ كيف يُستدلُّ للصدوق بالقياس.
الثالث: كون الأبوين أقرب إلى الميّت من ولد الولد لمساواتهما للأولاد الذين هم أقرب من أولادهم، والأقرب يمنع الأبعد.
يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقن من مورد القاعدة هو وحدة الصنف، ولأجل ذلك قلنا: الولد مقدم على ولده، وأمّا إذا اختلفا في الصنف كما في المقام فالأقرب من أحد الصنفين (الوالدان) لايمنع الأبعد من الصنف الآخر (أولاد) أضف إلى ذلك أنّه أصل كلّي يعدل عنه بالنص.
هذا كلّه في المقام الأوّل، وإليك البحث في الثاني منه.
***

صفحه 184

المقام الثاني:

كيفيّة وراثة ولد الولد:

ذهب المشهور من الإماميّة إلى أنّ كلاّ ً من الحفيد والسبط يرث نصيبَ من يتقرّب به، فيفترض من يتقرب به حيّاً، «فيرث نفس ما كان يرثه لو كان حيّاً» مثلاً.
1ـ يرث ولد الابن نصيب أبيه ذكراً كان أو أُنثى، وهوجميع المال إن انفرد، ويرث ما فضُل عن حصص الفريضة إن كان معه وارث كالأبوين أو أحدهما، أو الزوج والزوجة.
2ـ يرث ولد البنت، نصيب أُمّه ذكراً كان أو أُنثى وهو النصف إن انفرد، ويردّ إليه النصف الباقي، وإن لم ينفرد وكان معه الأبوان أو أحدهما، يرد الفاضل بعد إخراج الفرضين (النصف والسدسين أو السدس) إليهم أخماساً أو أرباعاً.
3ـ لو اجتمع أولاد الابن، وأولاد البنت كان لأولاد الابن الثلثان اللذان هما نصيب أبيهم، ولأولاد البنت الثلث الذي هو نصيب أبيهم.
4ـ ولو كان زوج أو زوجة، كان له، أو لها نصيبه الأدنى ـ وهو الربع أوالثمنـ تنزيلاً لأولاد الأولاد، مكان الأولاد فيمنعونهما عن نصيبهما الأعلى كالولد الصلبي ثمّ الباقي يقسم بينهم، لأولاد البنت الثلث، ولأولاد الابن الثلثان، وما فضل يرد عليهم قرابة أثلاثاً دون الزوجة والزوج وقد تقدّم أنّ الزوجة لا يرد عليها، والزوج يرد عليه منفرداً لا مجتمعاً مع سائر الورثة.
هذا هو المشهور بين الإمامية وخالفهم المرتضى والعماني وقالا: إنّ أولاد

صفحه 185
الأولاد يتقاسمون المال بينهم تقاسم الأولاد من غير ملاحظة لمن يتقربون به، لأنّهم أولاد حقيقة. ومال إليه صاحب الكفاية والمفاتيح وصاحب الكشف كما في مفتاح الكرامة. (1)
ويدل على القول المشهور: ما دلّ على قيام أولاد البنين مقامهم، وأولاد البنات مقامهنّ الظاهرة في التنزيل في أصل الارث والكيفية، وإلاّ لاكتفى بجملة موجزة من أنّ أولاد الأولاد يرثون كما يرث الأولاد من دون حاجة إلى التفصيل الوارد في الروايات فترى أنّه:
تارة يخص الكلام ببنات الابنة ويقول «بنات الابنة يرثن» على وجه الإجمال(2) ، وأُخرى ينزل ابن الابن مقام أبيه (3) ، وثالثة ينزل بنات الابنة مقام البنات، وبنات الابن مقام الابن (4) ، ورابعة يصرّح بالتنزيل في الكيفية ويقول: «وكان ولد الولد ذكوراً أو إناثاً فانّهم بمنزلة الولد، وولد البنين بمنزلة البنين يرثون ميراث البنين، وولد البنات بمنزلة البنات يرثون ميراث البنات». (5)
وبالجملة: هذا التفصيل لايليق إلاّ إذا كان الهدف التنزيل في أصل الارث والكفية معاً.
ويؤيد ذلك: ما روي عن كتاب على(عليه السلام) : «إنّ كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به إلاّ أن يكون وارث أقرب إلى الميت منه فيحجبه». (6)
وما في مرسل يونس: «إذا التفّت القرابات فالسابق أحقّ بميراث قريبه فإن

(1) مفتاح الكرامة: 8/129.
(2) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الابن والأولاد، الحديث 1، 2، 3.
(3) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الابن والأولاد، الحديث 1، 2، 3.
(4) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الابن والأولاد، الحديث 1، 2، 3.
(5) المصدر نفسه: الباب 18 من ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3.
(6) المصدر نفسه: الباب 2 من أبواب موجبات الإرث، الحديث1.

صفحه 186
استوت قام كل واحد منهم مقام قريبه»(1) ، وعلى ذلك يحمل أقربية بنت الابن من ابنة البنت (2)والمراد أقوى سبباً وأكثر جرّاً.
استدل السيد المرتضى على قسمة الميراث بينهم كأولاد الصلب من غير ملاحظة لمن يتقربون به بأنّهم أولاد حقيقة فتشملهم الآية (3) ، ولو لا قاعدة الأقرب لشاركوا آباءهم في الارث.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ دلالة الآية على حكم غير الولد الصلبي محلّ تأمّل كما مرّ.
وثانياً: أنّ دلالة الآية قابلة للتقييد والجميع وإن كانوا يشاركون في الوراثة، لكن كيفيّة ارث ولد الولد، يفارق كيفية ارث الولد الصلبي.
والذي يضعف مذهب السيد أمران:
1ـ إنّ بعض الروايات ينزل المتعدّد من ولد الولد، مكان الواحد، ويقول: «وبنات الابن يقمن مقام الابن» (4)ويقول: «بنات الابنة يقمن مقام الابنة» (5) فلو كان الحكم هو تقاسم الجميع، فأيّ نكتة في تنزيل الجميع منزلة الواحد.
2ـ إنّ استعمال لفظ «لقيام» مكرراً في غير واحد من الروايات ناظر إليذلك وإلاّ لما كانت هناك حاجة إليه ويكفي هناك أن يقول: لهم نصيب آبائهم.
***

(1) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب موجبات الإرث، الحديث3.
(2) المصدر نفسه: الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث8.
(3) النساء /11: (يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظّ الأُنثيين) .
(4) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3و4.
(5) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3و4.

صفحه 187

المقام الثالث:

في كيفية تقسيم أولاد الابن، والبنت الميراث بينهم:

لاشكّ أنّ أولاد الابن يقتسمون الميراث بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين، كما هو الضابطة في كلّ مورد يكون التقرّب بالذكر.
وأمّا أولاد البنت فالمشهور أنّهم يقتسمون مثل أولاد الابن.
واستدل له: بآية الأولاد، والاستدلال بها في المورد يتوقف على شمولها، لأولاد الأولاد، وضعاً، وهو غير ثابت إلاّ أن يدلّ دليل على أنّها استعملت فيها في الأعمّ وإن لم يكن كذلك لغة.
وليس هنا شيء يصلح لقول المشهور إلاّ الشهرة الفتوائية مثل المسائل الكثيرة التي ليس لها أيّ دليل سوى الشهرة، نعم إنّ الضابطة الغالبية فيمن يتقرب إلى الميت بالأُنثى، هو التقسيم بالسوية، ولأجل ذلك حكاه الشيخ في النهاية (1) قولاً، ورجّحه ابن البراج ولكنّه ضابطة غالبيّة لا كلّية، ولأجلها تقتسم أولاد الأُخت، للأب أو الأبوين أثلاثاً مع أنّ أولاد الأُخت يتقربون إلى الميّت (الخال) بالأُنثى.
***

(1) النهاية: 3/199،كتاب المواريث.

صفحه 188

المسألة الثانية:

في الحبــوة

وممّا انفردت به الإمامية، القول بأنّ الولد الأكبر يفضّل دون سائر الورثة بسيف أبيه، وخاتمه، ومصحفه وثياب بدنه، وخالف في ذلك جميع الفقهاء ولأجل ذلك عدّه المرتضى والشيخ من متفرّدات الإمامية. (1)
وقال المفيد: «إذا ترك الإنسان ابنين: أحدهما أكبر من صاحبه أو أولاداً ذكوراً فيهم واحد هو أكبرهم سنّاً حبا الأكبر من تركته بثياب بدنه وخاتمه الذي كان يلبسه وبسيفه ومصحفه» (2) ترى نظير هذه الجمل في غير واحد من الكتب المؤلّفة في الفرائض وليس بيننا أي خلاف في أصل الحكم، ولو كان خلاف فإنّما هو في فروعه. وتحقيق الكلام يتوقّف على البحث في جهات:
1ـ ما هي الأشياء التي فضّل بها الابن الأكبر ؟
2ـ هل هذا على سبيل الوجوب أو الندب؟
3ـ هل هذا التخصيص بالاحتساب عليه أو بالمجان؟
4ـ هل المحبو لولد الذكر أو أكبر الذكور؟
5ـ ما هي شرائط التخصيص؟
وهناك فروع جزئية ندرجها في الجهات الآنفة.

(1) السيد المرتضى: الانتصار: 299، الطوسي: الخلاف2، كتاب الفرائض: المسألة 129.
(2) المفيد: المقنعة: 684باب ميراث الوالدين مع الأخوين.

صفحه 189

الجهة الأُولى: ما هو المحبوّ به؟

اختلفت كلماتهم كالنصوص في تعيين المحبوّ به، فجاء في كلام الشيخ المفيد الماضي الأشياء الأربعة، وجاء في كلام السيد المرتضى: السيف والخاتم والمصحف دون الثياب، على خلاف ما جاء في كلام الشيخ في الخلاف فذكر الثياب دون الخاتم، نعم جاءت الأربعة في كلام لفيف من المتأخّرين عنهم كابن البراج في المهذب (1) ، وابن سعيد في الجامع (2) ، والمحقّق في الشرائع (3) ، والعلاّمة في القواعد (4) ونقلها في مفتاح الكرامة عن النهاية والمبسوط والوسيلة والسرائر(5) ويظهر من هذه الكلمات انّها مورد اتّفاق، وقال العلاّمة في المختلف انّها المشهور فيقع ال(6)كلام في مصدرها مع أنّ الوارد في الروايات بعد حذف المكرّرات، عشـرة أعنـي بها: 1ـ السيــف 2ـ المصحــف 3ـ الخاتـم 4ـ الكتـب 5ـالرََّحْل 6ـ الراحلة 7ـ الكسوة 8ـ الدرع 9ـ السلاح 10ـ ثياب جلده. (7)
وجاء السيف في سبع، والرَّحْل في أربع والمصحف والخاتم، والثياب والسلاح والكتب في ثلاث، والدرع في اثنتين، والكسوة والراحلة في واحدة. ومع هذا الاختلاف اتّفقت كلمتهم على أربع أو اشتهرت الأربع دون غيرها وإن قال الشهيد الثاني: إنّ الاقتصار عليها تحكم، ومن زعم أنّ مستند التخصيص هو الإجماع غير صحيح، لأنّه لابدّ له من مستند، وهو غير ظاهر. (8)
ولعلّ المصدر ما يلي من الروايات:

(1) المهذّب: 2/132.
(2) الجامع للشرائع:509.
(3) الجواهر: 39/127، قسم المتن.
(4) مفتاح الكرامة: 8/134.
(5) المصدر نفسه.
(6) المختلف، كتاب الفرائض: 181.
(7) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1ـ 10.
(8) المسالك: 2، ط حجر غير مرقّم.

صفحه 190
1ـ صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا هلك الرجل وترك ابنين فللأكبر، السيف والدرع والخاتم والمصحف، فإن حدث به حدث فللأكبر منهم» . (1)
2ـ صحيحة ربعي بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) : «إذا مات الرجل فللأكبر من ولده سيفه، ومصحفه وخاتمه، ودرعه» . (2)
ورجال السند فيهما ثقات وأمّا «ربعي بن عبد اللّه فهو كوفي وثّقه النجاشي وصدر سند الرواية الثانية به محمد بن إسماعيل راويه الفضل بن شاذان، هو النيسابوري البندقي، ومن مشايخ الكليني وكفى هذا في وثاقته» (3)وسيوافيك انّ الدرع هو القميص، فصارت الأربعة مجتمعة فيهما.
وعلى هذا يبقى الكلام فيما لم يرد فيهما:
1ـ الكسوة: لكنّها عبارة أُخرى عن الثياب، وبما أنّ الثياب مقيّدة بثياب جلده، تحمل عليها.
2ـ السلاح: وقد ورد في رواية ابن أُذينة عن أحدهما بطريقين (4) فتارة عطف بالواو وأُخرى بلفظ «أو» وعلى كلا التقديرين فالمراد منه «لسيف» لأنّه أحد مستعملاته.
قال في اللسان: السلاح اسم جامع لآلة الحرب، وربما خصّ به السيف. قال الأزهري: السيف وحده يسمّى سلاحاً، ثمّ استشهد بشعر الأعشى. وعلى ذلك يكون مؤكداً للسيف.
3ـ الرَّحْل وهو مشترك بين الجهاز الموضوع على ظهر الناقة، وما يَصحبه

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3و2.
(2) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3و2.
(3) لاحظ كلّيات في علم الرجال :456ـ 458.
(4) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 5و6.

صفحه 191
الإنسان من الأثاث في السفر.
قال في اللسان: الرحل ما يصحبه الإنسان من الأثاث، والمرحل ضروب من برود اليمن.
وقد روى الديار بكري في تاريخه: انّ النبي لما نزل «يثرب» ، أخذ الناس يسألونه أن ينزل عليهم فلمّا أكثروا عليه، قال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «أين الرَّحْل» ؟فقال: إنّ أُمّ أيوب قد أدخلته في بيتها، فقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لمرء مع رحله» (1) وقد كان مع النبي الأكرم ثيابه التي أخذت بها أُمّ أبي أيّوب، وعند ذلك تتحد الألفاظ الثلاثة في المقصود: «ثياب جلده، والدرع والرحل» نعم يبعده أنّه ورد الرحل في غير واحد من الروايات مع الثياب . (2)
4ـ الدرع والمتبادر منه هو لبوس الحديد، ومع ذلك فقد جاء في اللسان: درع المرأة: قميصها، وهو أيضاً الثوب الصغير تلبسه الجارية الصغيرة في بيتها. وفي التهذيب: الدرع ثوب تجوب المرأة وسطه وتجعل له يدين وتخيط فرجيه ـ إلى أن قال: ـ والدُّرّاعة والمدرع ضرب من الثياب التي تلبس، وقيل: جبّة مشقوقة المقدم، والمدرعة ضرب آخر ولاتكون إلاّ من الصوف، وعلى ذلك يتحد مع الثياب والكسوة.
5ـ الراحلة وهي مذكورة في رواية الكليني (3) عن ربعي بن عبد اللّه لا في رواية الصدوق في الفقيه (4) ولأجل ذلك يقل الاعتماد عليه وإن كان الكليني أضبط.

(1) تاريخ الخميس: 1/341.
(2) لاحظ الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين الحديث 5، 7، 10.
(3) الكليني: الكافي: باب ما يرث الكبير من الولد، الحديث 4، الفقيه 4: باب نوادر المواريث، الحديث 1.
(4) الكليني: الكافي: باب ما يرث الكبير من الولد، الحديث 4، الفقيه 4: باب نوادر المواريث، الحديث 1.

صفحه 192
6ـ الكتب: جاء في روايتهما عن ربعي بن عبد اللّه، وفي رواية أبي بصير وعلي ابن أسباط (1) لكن مضمون الأخيرين يخالف ظاهر القرآن، لأنّه صريح أنّ الكنز كان لهما (2) وهما يخصّانه للذكر الأكبر. وبذلك تبيّن أنّ الاختلاف ليس على حدّ يوجب الحمل على الندب أو غيره.

الجهة الثانية: في أنّ الحباء على سبيل الوجوب أو الندب:

والمراد من هذا التعبير، أنّ الأشياء المحبوّة هل هي ملك للابن الأكبر ولاصلة لها بسائر الورثة، فيجب عليهم ترتيب آثار ملكيتها له، أو أنّها ملك لجميع الورثة مشاعاً غير أنّه يستحب لهم رفع اليد عنها ودفعها إليه؟ والمشهور هو الأوّل، وذهب لفيف من الفقهاء إلى الثاني، منهم: ابن الجنيد في المختصر الأحمدي، وأبو الصلاح في الكافي، وأبو المكارم في الغنية، والمحقّق الطوسي في الرسالة، والعلاّمة في المختلف. قال العلاّمة فيه: نصّ السيد المرتضى وابن الجنيد وهو ظاهر كلام أبي الصلاح على الاستحباب وكلام الشيخين يوهم الوجوب، ونص ابن إدريس على الوجوب. ألفاظ الحديث محتملة والأقوى الاستحباب للأصل (3)وقال في المسالك: الاستحباب أنسب لاختلاف الأخبار، وأمّا غيرهم فهم على الوجوب وهو الأقوى.
والدليل هو لسان الروايات، فانّ اللام في قوله: «فللأكبر من الذكور» إمّا للتمليك أو الاستحقاق أو الاختصاص والحكم على الأوّلين واضح وعلى الثالث ينصرف إلى الفرد الأكمل وهو الوجوب أو الملكية مثل قوله: «من أحيا أرضاً فهي

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1و8و9.
(2) الكهف/82.
(3) المختلف: كتاب الفرائض 181.

صفحه 193
له» ، فحملها على غيرهما يحتاج إلى الدليل. وأيّ فرق بين قوله: «فللأكبر من الذكور» ، وقوله سبحانه: (فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) أو قوله تعالى: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُون).
استدل الشهيد على الاستحباب بأُمور:
1ـ لأنّه حكم مخالف للأصل.
2ـ ولعموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)وغيرهما من آيات الارث فانّها تقتضي اشتراك الورثة في جميع ما يخلفه فيقتصر فيما خالفه على موضع اليقين وهو ما إذا وقَّع باقي الورثة ذلك إليه على وجه التراضي.
3ـ ويؤيد الاستحباب اختلاف الروايات في مقدار ما يحبى به.
4ـ ودلالة أخبار صحيحة على إعطائه زيادة على الأربعة ممّا يوجب العمل بظاهر الإجحاف بالورثة. (1)
والجميع غير تام، لأنّ الأصل مدفوع بالدليل، وعموم الكتاب قابل للتخصيص. واختلاف الروايات ليس على حد يوجب حملها على الاستحباب، وقد عرفت كيفية الجمع. وهذا بخلاف الاختلاف المشاهد في باب منزوحات البئر، أو باب الإقامة، والإجحاف والإصرار، لايقاوم حكم الشرع على أنّ المقام من باب عدم النفع والحمل على الاستحباب إنّما يتجه إذا قيل به، في غير مورد الأربعة والقائلون بالندب لم يزيدوا عليها، ولو كان الحمل على الندب، موجهاً للاختلاف، يجب أن يحفظ في جميعها.
وعلى ذلك فالحبوة، ملك للمحبوّ له شاء أم لم يشأ وامتناعه من الأخذ

(1) المسالك، كتاب الفرائض: 2/ 359.

صفحه 194
لايخرجه عن ملكيته، ولايحتاج إلى القبول وقياسه بباب الوصية حيث إنّ الموصى به لايصير ملكاً للموصى له إلاّ بالقبول قياس مع الفارق، لأنّ قول الموصى: هذا لزيد بعد وفاتي، إيجاب لايفيد الملكية إلاّ بضمّ القبول وهذا بخلاف المقام بأنّه تشريع من اللّه سبحانه، مثل قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْـن) . وعلى هذا لو حالوا بينه وبين الحبوة، فتلفت، ضمنوا.
نعم لو قلنا بالاستحباب، لايضمنون سوى سهم الابن الأكبر.

الجهة الثالثة: هل الإعطاء بالقيمة والاحتساب أو مجاناً؟

ذهب السيد المرتضى إلى الأوّل، وجعل القول به وجهاً جامعاً بين العمل بالأخبار وظواهر الكتاب وقال: «وإذا خصصناه بذلك اتّباعاً لهذه الأخبار، واحتسبنا بالقيمة عليه، فقد سلمت ظواهر الكتاب، مع العمل بما أجمعت عليه الطائفة من التخصيص بهذه الأشياء» (1) وأيّده العلاّمة بقوله: «ولولا الاحتساب بالقيمة لزم الإجحاف على الورثة» (2)وتبعه الشهيد في المسالك.
يلاحظ عليه: أنّ المتبع هو النص وهو ظاهر في الملكية أو الاستحقاق حتّى ولو قلنا بظهوره في الاختصاص، ولو كان التشريع على أساس الاعطاء بالقيمة لزم ذكره ولو في مورد من هذه الروايات. وأمّا من مسألة الإجحاف فهو غير مسموع بعد حكم الشرع. على أنّك عرفت أنّه بعد عدم النفع لا الضرر والإجحاف. أضف إلى ذلك أنّه يتحمل بذلك، قضاء صلاة الأب وليس مجموع هذه الأُمور الأربعة أمراً مهماً غالباً. ففي مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق ـعليه السّلام ـ في الرجل يموت وعليه صلاة أو صوم، قال: «يقضيه أولى الناس به» . (3)

(1) الانتصار: 300.
(2) المختلف: كتاب الفرائض 181.
(3) الوسائل : 5، الباب 12، من أبواب قضاء الصلوات ،الحديث6.

صفحه 195
وفي رواية أُخرى عنه، عن حفص بن البختري، قال: «يقضيه عنه أولى الناس بميراثه»، قلت: وإن كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: «لا إلاّ الرجال» (1) .
وفي مكاتبة صفار: ...فوقّع (عليه السلام) : «يقضي عنه أكبر وليّيه» (2) على إشكال في كون هذه الروايات، ناظرة إلى الحبوة كما سيوافيك.

الجهة الرابعة: في شروطها:

قد ذكر القوم في انتقال الحبوة إلى الولد الأكبر شروطاً ليس منها في السنّة أثر، وإنّما اقتنصوها من هنا وهناك، ولو قلنا بعدم دليل واضح عليها، لما كنّا مجازفين في الكلام وإليك دراستها:

1ـ انتفاء فساد العقل والرأي:

وهل هو شرط واحد كما يظهر من الشيخ المفيد حيث قال: أن لايكون فاسد العقل أو سفيهاً (3) أو شرطان كما هو الظاهر من الشيخ في النهاية قال: أن لا يكون سفيهاً فاسد الرأي (4) وبه عبَّر المحقّق في الشرائع (5) وقال ابن سعيد: غير السفيه والفاسد الرأي (6) والمراد من الرأي هو المذهب، ولذا قال العلاّمة: إذا لم يكن سفيهاً ولافاسد المذهب. (7)
أمّا اشتراط العقل فقد استظهروا شرطيته من كونه كالعوض عمّا يؤدّيه من

(1) الوسائل: 7، الباب 33 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5و3، ولاحظ روايات الباب.
(2) الوسائل: 7، الباب 33 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5و3، ولاحظ روايات الباب.
(3) المقنعة:684.
(4) النهاية:3/198.
(5) الجواهر: 39/133.
(6) الجامع للشرائع: 509.
(7) مفتاح الكرامة: 8/137.

صفحه 196
الصلاة والصوم ولايتحمل إلاّ العاقل ففي صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «...يقضي عنه أولى الناس بميراثه» قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: «لا إلاّ الرجال» . (1)
يلاحظ عليه: أنّ الرواية ليس بصريحة في الحبوة، بل المتبادر منها أنّ الأولى بالميراث من الذكور، يقضيها، وبعبارة أُخرى: المراد من الأولوية هو الأقربية، لاالأكثرية حظاً وسهماً. سلمنا، لكن هذه التعليلات من قبيل الحِكَم، ولأجل ذلك يرثها من لايتحمّل لعدم صوم وصلاة على الأب.
أمّا صحّة المذهب وأنّه يجوز حرمان الفاقد فقد علّل بإلزامه بمعتقده كما هو الحال في غير الإرث من الأحكام. وقد اشتهر عنهم: «ألزموهم بما ألزموا أنفسهم».(2)
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكر لزم القول به في باب العول والتعصيب إذا كان الأخذ بهما لصالح الشيعة، ولم نر أحداً أفتى بذلك فيهما، على أنّ القدر المتيقّن من روايات الإلزام من باب الميراث هو أنّه لو قسّموا المال على سنتهم وأحكامهم وأعطوا للشيعي ما لايستحقه حسبَ مذهبه يجوز له التصرّف فيما أخذ، وأمّا أنّه يجوز له القيام بذلك ابتداءً ومباشرةً فلا، ففي رواية عبد اللّه بن محرز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن ترك بنتاً وأُختاً مؤمنة وعارفة؟ قال: «فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنّتهم وقضاياهم» (3) وقريب منه رواية محمّد بن إسماعيل بن بزيع (4)والمتبادر من قوله: «ألزموهم بما ألزموا أنفسهم» هو كون المال أوّلا وبالذات للوارث المخالف، لكن يجوز الاستيلاء على ماله، بعنوان الإلزام وتقابلاً لما يأخذون منّا ما لا يستحقون كالعمّ يرث مع وجود البنت. وعلى أيّ حال

(1) الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5، ولاحظ سائر روايات الباب.
(2) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 5، 1، 6.
(3) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 5، 1، 6.
(4) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 5، 1، 6.

صفحه 197
فالحكم الواقعي عموميّة حكم الحبوة للعارف وغيره لكن يجوز الاستيلاء على ما يستحقه غير العارف، تقابلاً وإلزاماً إذا قام المخالف بالتقسيم وأعطى له ما لايستحقه بزعم الاستحقاق والقول بانصراف إطلاق الحبوة عن المخالف كما ترى.

2ـ أن يخلِّف مالاً غيرها:

أن يخلف الميت مالاً غير الحبوة فلو لم يخلف مالاً سوى الحبا لم يخص بشيء. نقله في مفتاح الكرامة عن الشيخين ومن بعده واستدل عليه تارة بالإجماع، وأُخرى بانصراف الأخبار إلى الغالب، وهو وجود تركة معتد بها في الجملة، واستدل عليه في المسالك بلزوم الإجحاف والاضرار لو ترك شيئاً يسيراً.
والجميع عليل، إذ لو كان هنا إجماع فإنّما هو مستند إلى ما ذكر من الدليلين المذكورين بعده، ومثله ليس بحجة إذ لايكشف عن الدليل، والانصراف إنّما يكون حجة إذا استند إلى كثرة الاستعمال وقلّته لاإلى كثرة الوجود وندرته، والاجحاف غير مسموع في مقابل إطلاق الدليل.
وربما يستدل عليه بما في مضمرة سماعة: الرجل يموت، ما له من متاع البيت؟ قال: «لسيف والسلاح...».
والظاهر: وجود متاع البيت له، غير ما استثنى، ولكنّه محمول على الغالب، والقيد وارد في كلام الراوي لا الإمام.

3ـ خلو الميت من دين مستغرق للتركة:

وللمسألة صور:
1ـ أن يستغرق الدين للتركة حتى الأعيان المحبوّة.

صفحه 198
2ـ أن يستغرق الدين للتركة وبعض الأعيان المحبوّة.
3ـ أن يستغرق الدين للتركة ما عدا أعيان المحبوّة من التركة.
4ـ أن يستغرق الدين بعض التركة.
أمّا الأوّلان: فالمشهور هو تقديم الدين على الحبوة سواء قلنا بأنّ التركة مع الدين لاتنتقل إلى الورثة على قول ضعيف، أو قلنا بأنّه تنتقل ولكن للديّان حقّ الاستيفاء كحق الرهانة، فليس للراهن نقلها قبل فكّها من الرهن، وعلى كلّ تقدير فالحبوة من الأعيان الموروثة، حكمها كحكم سائر التركة فيشمله قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أو دَيْن). (النساء /12) .
ومع ذلك كلّه فالحكم بتقدّم الدين على الحباء قابل للتأمّل، وذلك لأنّه تعلّق على الأعيان الشخصية فحباه سبحانه للولد الأكبر، لحكمة خاصة، فيقع في عداد الديون فالديان يطلبون الدين، والولد الأكبر يطلب الحبوة. نعم لو كان انتقالها بعنوان الميراث لكان للتمسّك بالآية وجه وأمّا لو كان استثناء من الميراث وتخصيصاً منه سبحانه لأحد الورثة بشيء خاصّ فيقع في عداد سائر ما يُخْرَج من التركة، كالكفن والتجهيز أوّلاً، والدين والحبوة ثانياً.
ويؤيد ذلك: أنّ الأصحاب عبّروا في المقام بلفظ الحبوة وإن لم يرد في النصوص، فكأنّهم فهموا من روايات الباب أنّه عطاء من اللّه سبحانه بالمجّان للولد الأكبر.
وبذلك يظهر حال الصورة الثالثة، أعني استغراق الدين جميع التركة سوى الحبوة، فإن قلنا باعتبار تخلّف مال غير الحبوة، فلايستحق الأكبر من الأعيان المحبوّة شيئاً ضرورة أنّ المراد تخلّف مال منتقل إلى سائر الورثة، وتخلّف مال في مقابل دين مستغرق كالعدم، وأمّا إذا لم نقل بذلك ـ كما قدّمناه ـ فهناك قولان:
1ـ توزيع الدين على سائر التركة والأعيان المحبوة، فلو كانت الحبوة في

صفحه 199
التقويم، عشرَ التركة، فيخرج عشر الدين منها والباقي من التركة، وما بقي من العشر يقسم بين الورثة.
والدليل عليه: أنّ الدين والوصية والكفن تخرج من أصل التركة ونسبة الورثة إليه سواء.
2ـ أنّه لو وجب التوزيع في الدين المستغرق للتركة سوى الحبوة، يجب التوزيع في الصورة الرابعة أي غير المستغرق لها بنفس الحجة، بل يجب التوزيع في الكفن ومؤنة التجهيز لاشتراك الجميع في الإخراج عن التركة.
أقول: إنّ منزلة الحبوة في المقام، هو منزلة الإيصاء بمال من الأموال مع استغراق الدين للتركة، سوى المال الموصى به فلاأظنّ أحداً يفتي بمزاحمة الدين، الوصية، بل يخرج الدين من غيره.

خاتمة المطاف:

هل المحبو هو الولد الأكبر، أو أكبر الذكور أو الولد الذكر إذا كان منفرداً وأكبر البنين إذا كانوا متعدّدين؟ لاطريق إلى الأوّل وإن ورد في صحيح ربعي بن عبد اللّه «فللأكبر من ولده» الشامل للذكر والأُنثى (1) ولكن تقيده روايته الأُخرى التي ورد فيها «فللأكبر من الذكور» (2) وهذا وإن كان ظاهراً في اعتبار الأكبرية وهي لاتصدق إلاّ بالتعدد، لكن صحيحة ابن أُذينة صريحة في عدم اعتبارها، فعن أحدهما (عليهما السلام) «إنّ الرجل إذا ترك سيفاً أو سلاحاً فهو لابنه، فإن كانوا اثنين فهو لأكبرهما». (3)
ولا دليل على اعتبار البلوغ وعلى فرض كونه في مقابل ما يتحمل قضاء صلاته وصومه، إذ لامانع من تملّك المحبوّ به بعد الموت، وتوجّه الحكم التكليفي

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث2ـ1ـ6.
(2) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث2ـ1ـ6.
(3) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث2ـ1ـ6.

صفحه 200
عليه بعد البلوغ، ومعنى هذا، التفكيك بين الحكم الوضعي والتكليفي. ولاإشكال فيه. بقيت مسائل جزئية قليلة البلوى. يعلم حكمها ممّا ذكرنا.
1ـ لو أوصى بعين من أعيان الحبوة لغير المحبوّ، تنفذ الوصية من الثلث لإطلاق ما دلّ على أنّ للميّت الإيصاء في جميع ماله على حدّ الثلث، والحباء يتعلّق بمال لم يخرج عن ملك الميت، وهو أخرجه عن ملكه قبل موته.
2ـ لو أوصى بثلث ماله يخرج من أعيان الحبوة وغيرها، لأنّ الحبا إنّما يزاحم الوارث لاالوصية.
وتصوّر أنّ في الإيصاء بعين من أعيان الحبوة معينة، أو شمول إطلاق الوصية لها مخالفة للسنّة، كما ترى، لأنّ الحبا حكم شرعي على أعيان بشرط كونها باقية على ملك الميت بأن يموت الإنسان وهو مالك لها. والإيصاء إخراج لها، والوصية تمليك عين أو منفعة بعد الوفاة، والإنشاء والمنشأ كلاهما فعليان، أمّا الإنشاء فواضح، والمنشأ: إيجاد الملكية في المستقبل بحيث لاتحتاج بعد الوفاة إلى إنشاء آخر، ولايحتاج إلى ضمّ قبول، بل يكفي عدم الرد، فلو ردّ يبطل، لا أنّ القبول شرط.
3ـ فهل القلنسوة من الثياب ومثلها اللبد أو جلد الفراء أو لا ؟ الظاهر هو الأوّل وإن كان لا يكفي في الكفارة.
4ـ إذا كانت الأعيان المحبوة متعددة، فهل الجميع للولد الأكبر أو واحد منها، أو يفصل بين ما أتى بلفظ الجمع كالثياب وما أتى بلفظ المفرد؟ والأقوى هو الأوّل والأحوط هو الثاني.
5ـ حلية السيف وجفنه وبيت المصحف داخلة فيها تبعاً.
6ـ وهل يدخل ما أعدّه ولم يلبسه أو أعدّه لنفسه للتبرّك كالمصحف أو لا؟وجهان.

صفحه 201

المسألة الثالثة:

حكم اجتماع الجد أو الجدّة مع الوالدين

لا يرث الجدّ ولا الجدة لأب كان أم لأُمّ، مع أحد الأبوين على المشهور بين علمائنا شهرة عظيمة، وهو من متفردات مذهبنا.
قال السيد المرتضى: وممّا انفردت به الإمامية: أنّه لايرث مع الوالدين ولامع أحدهما أحد سوى الولد والزوج والزوجة. (1)
وقال الشيخ الطوسي: لاترث واحدة من الجدّات مع أولاده، وقال جميع الفقهاء: للجدّة السدس مع الولد. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وقوله تعالى: (وَأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْض).
وقال أيضاً: تسقط أُمّ الأُمّ بالأب، وعند الفقهاء أنّها لاتسقط لأنّها تدلى بالأُمّ لابالأب. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً فإنّ الأب أقرب بدرجة واحدة، وإنلمتدل بالأب، وأدلت بالأُمّ فقد بعدت بدرجة فوجب أن لاترث، لقوله: (وَأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْض).
وقال أيضاً: «أُمّ الأب لاترث مع الأب» ، وبه قال في الصحابة: علي (عليه السلام) وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وفي الفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك وذهب قوم إلى أنّها ترث مع الأب وهو قول أبي بكر وعمر وعبد اللّه بن مسعود وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين، وشريح والشعبي وأحمد وإسحاق ومحمّد بن جرير الطبري.

(1) الانتصار: 299.

صفحه 202
وقال أصحابنا: إذا خلف أبوين وجدّة أُمّ أبيه، فللأُمّ (أُمّ الميّت) الثلث وللأب الثلثان، ويؤخذ السدس من نصيب الأب ويعطى الجدّة التي هي أُمّه على وجه الطعمة لا الميراث. (1)
ولعلّ الفرق بين أُمّ الأُمّ، وأُمّ الأب، حيث اتفق فقهاء أهل السنّة على إرث الأُولى مع وجود الأب دون الثانية، أنّ أُمّ الأُمّ ليست محجوبة بالأب لأنّها أدلت إلى الميت بالأُمّ، لابالأب حتّى يحجبها دون أُمّ الأب فانّها أدلت بالأب المتقدّم عليها.
وقال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في توريث جدّتين: أُمّ الأُمّ وأُمّ الأب. (2)
إلى هنا تبيّـن حكم الجدّة أي أُمّ الأُمّ وأُمّ الأب، عند أهل السنّة، وأمّا حكم الجدّ أي أبو الأب، وأبو الأُمّ، فيظهر حكمه عندهم ممّا يلي.
قال ابن قدامة: روي عن عمران بن الحصين: أنّ رجلاً أتى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقال: إنّ ابن ابني مات فمالي من ميراثه؟قال: «لك السدس» ، فلمّا أدبر دعاه فقال: «إنّ لك سدساً آخر» ، فلما أدبر دعاه فقال: «إنّ لك السدس الآخر طعمة...» .
ولم ينقل ال(3)خلاف من فقهاء الإمامية إلاّ من ثلاثة: الكليني والصدوق، وابن الجنيد لكن خلاف الكليني والصدوق يغاير خلاف ابن الجنيد، فلو قلنا بخلاف الأوّلين فهما يخالفان المشهور في حكم السدس للجد، فالمشهور أنّه يستحب للوالدين أن يطعم الجد بالسدس والظاهر من بدء عبارتهما أنّه يجب ميراثاً، نعم

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض: المسألة 72ـ 28ـ29 ،ولاحظ أيضاً المسألة 79.
(2) المغني: 6/266.
(3) المصدر نفسه: 268.

صفحه 203
ذيل كلامهما، ظاهر في خلاف هذا الاستظهار. (1)
وأمّا ابن الجنيد فقد نقل عنه العلاّمة العبارتين التاليتين بعد ما ذكر عنوان المسألة وقال:
المشهور أنّه لاميراث للأجداد مع الأبوين والبنت، بل يكون الفاضل رداً على البنت والأبوين أو أحدهما، لأنّ هؤلاء أقرب فيكونون أولى. وقال ابن الجنيد: فإن حضر جميع الأبوين أو أحدهما مع الجدّ أو الجدّة مع الولد للميت، من لايستوعب بما سمّى له وللوالدين، جميع المال كابنة وأبوين وجد كان ما يبقى بعد حقّ الأبوين والابنة ميراثاً لمن حضر هذا، الجدين أو الجدتين لمشاركتهم أحد الأبوين في التسمية التي أخذوا بها الميراث الذي عيّن لهم، هذا هو الخلاف الأوّل وإليك الخلاف الثاني:
إنّ الطعمة هي السدس من أصل المال وقال ابن الجنيد: وإن كان ما يأخذه ولد الحاضر ـ يعني من الأجداد ـ من الميراث بالتسمية ما يتجاوز السدس، وكان السدس للحاضر طعمة من سهم ولده الذي يقرب إلى الميت به لا من أصل المال.(2) وسيوافيك الكلام في أنّ السدس من أصل المال لاسهم الولد الذي يتقرّب به.

(1) الكافي: 7/115. والفقيه4: باب ميراث الأجداد والجدّات: 199.وإليك عبارتهما:
قال الكليني: إجماع العصابة أنّ منزلة الجدّ منزلة الأخ من الأب يرث ميراث الأخ وإذا كانت منزلة الجدّ منزلة الأخ من الأب يرث ما يرث الأخ يجوز أن تكون هذه أخبار خاصة، إلاّ أنّه أخبرني بعض أصحابنا أنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أطعم الجدّ السدس مع الأب ولم يطعمه مع الولد.
وقال الصدوق مستشكلاً على الفضل بن شاذان:الجدّ يرث مع ولد الولد ولايرث معه الأخ ويرث الجدّ من قبل الأب مع الأب والجدّ من قبل الأُمّ مع الأُم ولايرث الأخ مع الأب والأُمّ فكيف يكون الجدّ بمنزلة الأخ أبداً.
(2) المختلـف: كتاب الفرائض 119، والعبارة الأُولى نصّ في المقام، والثانية وردت لبيان المقدار المطعوم ولا يصح الاستشهاد بها على الخلاف.

صفحه 204
وعلى أيّ تقدير فقد دلّ الكتاب والسنّة على حرمان الجدّ والجدّة مع وجود الوالدين، ويمكن الاستدلال عليه من الكتاب بوجهين:
1ـ إنّ الكتاب عندما يذكر إرث الوالدين يفرض له حالتين: حالة وجود الولد للميت، وعدمه فقط، ولايفرض له حالة ثالثة وهو وجود الجد أو الجدّة للميت وعدمه وهذا دليل على تأخّرهما عن الوالدين قال سبحانه: (ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ). (النساء/11)
2ـ ما دلّ من الآيات على تقدّم الأقرب على الأبعد كقوله سبحانه: (وَأُولُوا الأرْْحامِ بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْض)(الأنفال/75) وملاك الأولوية، هو الأقربية، وقال سبحانه: (وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقربُونَ والّذينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصيبَهُمْ إنّ اللّهَ كانَ على كُلِّ شَيء شَهيداً). (النساء/33)
أي جعلنا لكل واحد من الرجال والنساء ورثة هم أولى بميراثه، والدليل على أنّ المراد هو الأولوية بالميراث قوله سبحانه: (فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَليّاً يَرِثُني) (مريم/5) فجعل الولد المطلوب مولى لما يرث، ووليّاً له، لما كان أولى من غيره . (1)وتفسير «لموالي» بالعصبة كما في الجلالين وغيره، لا شاهد له.
3ـ ما ورد في السنّة من تقديم الأقرب على الأبعد، ففي كتاب عليّ (عليه السلام) «إنّ كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يُجَرّ به إلاّ أن يكون وارث أقرب إلى الميت منه فيحجبه».(2)

(1) مجمع البيان: 2/42.
(2) كابن الابن يقوم مقام الابن، ويرث الجدّ إن لم يكن ابن للميت، سواء كان أباه أو عمّه، فلاحظ في الوقوف على هذه العمومات الوسائل الباب 1و2 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 1و2 من الباب الأوّل و1و3 من الثاني.

صفحه 205
4ـ النصوص المتضافرة في مورد المسألة، ففي صحيح الحميري: أنّه كتب إلى العسكرى(عليه السلام) : امرأة ماتت وتركت زوجها وأبويها وجدّها وجدّتها كيف يُقّسم ميراثها؟ فوقّع: «للزوج النصف ومابقي للأبوين». (1)
5ـ ما يجعل الجدّ في مرتبة الأخ وربما يقول إنّه كواحد من الإخوة، ومن المعلوم تأخّر رتبة الإخوة، ففي صحيحة ابن سنان: عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن أخ لأب وجدّ؟قال: «لمال بينهما سواء». وفي أُخرى له: عنه(عليه السلام): «لجدّ كواحد من الإخوة المال بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين». (2)
ثمّ إنّ الثمرة بيننا وبين الكليني والصدوق تظهر في السدس الذي يقول به كل من الموافق والمخالف ولكن القائل بالوراثة يقول، ميراثاً، وانّ الدفع واجب، ونافي الوراثة يقول به ندباً وطعمة. كما سيتضح في البحث الآتي. نعم قد عرفت أنّ خلاف ابن الجنيد يرجع إلى أمر آخر.

دليل القول بمشاركة الجدّ مع الأبوين:

وربما يستدل للقول الآخر من وجوب السدس للجدّ والجدّة ميراثاً بوجهين:
1ـ مشاركة الأجداد للأبوين في التسمية التي استحقّا بها الميراث وهي الأُبوّة.
يلاحظ عليه: أنّ التسمية على سبيل المجاز وعلى فرض كونهما بالحقيقة، لاينافي الترتيب كما هو الحال في أولاد الأولاد.

(1) الوسائل: 17، الباب 19، من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4ـ3ـ2 إلى غير ذلك.
(2) المصدر نفسه: الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، 1و2 وغيرهما.

صفحه 206
2ـ أنّ هناك روايات ربما يستشم منها قول الصدوق، ففي رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في أبوين وجدّة لأُمّ؟ قال: «للأُمّ السدس وللجدّة السدس ومابقي وهو الثلثان للأب». وبهذا المضمون غيرها (1) فإنّ ظاهرها كون السدس ميراثاً، فينطبق على المنسوب إلى الصدوق.
ولكنّها محمولة على استحباب الطعمة بالسدس على ما تضافرت عليه الروايات التي ستمرّ عليك في البحث الآتي.

طعمة الجد والجدّة:

إنّ الأجداد وإن كانوا لايرثون مع الوالدين ولكنّ مقتضى سيادتهم على الوالدين تشريع إعطاء شيء لهم. وهذا هو الذي طلبه النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من اللّه سبحانه واستجيبت دعوته، فعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إنّ اللّه فرض الفرائض ولم يقسم للجدّ شيئاً، وإنّ رسول اللّه أطعمه السدس فأجاز اللّه جلّ ذكره له ذلك».(2)
ولأجل ذلك اتفقت كلمة الأصحاب على الطعمة إلاّ من عرفت وبما أنّ الطعمة من المفاهيم ذات الإضافة فلها إضافة إلى المطعِم، والمطعوم له، والمطعوم، ثمّ حكمها وشرطها، فيلزم البحث في أُمور:

1ـ ما هي الطعمة لغة ؟

فسّرت الطعمة بالأكل والتذوق، ومن الأوّل قولهم: جعل سلطان ناحية كذا طعمة لفلان، أي مأكلة له، ومنه ما في التاريخ: أنّ معاوية أعطى مصرَ عمرو بن

(1) الوسائل: 17، الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 10، ولاحظ الحديث 11ـ 12 ـ 13ـ 15ـ 18.
(2) الكافي: 1/267، باب التفويض، لاحظ روايات الباب.

صفحه 207
العاص طعمة، أي مأكلة. ومن الثاني قوله سبحانه: (فَمَنْ شَرِبَ فَلَيْسَ مِنِّي ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنّهُ مِنِّي) (البقرة/249) أي من لم يذقه. وبما أنّ السدس ليس شيئاً كثيراً، فالمناسب هو المعنى الثاني وكان الأبوان يذوقان الجدّ شيئاً. وربما تفسّر بمعنى الهبة لكنّه من لوازم المعنى، لانفسه كالاستضافة فإنّها من لوازم المعنى، قال سبحانه: (حَتّى إذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَة استَطْعَما أهْلَها فَأَبَوْْا أنْ يُضَيِّفُوهُما)(الكهف/77) .

2ـ المطعِم:

المشهور أنّه الأبوان، فالأب يطعم أباه وأُمّه، والأُمّ تطعم أباها وأُمّها، وبما أنّ أبا الصلاح وغيره خصّوا المطعوم له، بالجدّ والجدة للأب، دون أجداد الأُمّ، يكون المطعِم هو الأب، وحده. وبما أنّ قولهم محجوج بالروايات، فلا عبرة بالنتيجة أي كون المطعِم هو الأب. ويمكن استظهار ذلك من اشتراط استحباب الطعمة بحياة الأب أو الأُمّ كما سيوافيك بيانه عند البحث عن شروطها، ولكن كونهما حيّين شرطا لأصل الاستحباب لا لمرتبة آكد، محل تأمّل كما سيجيئ.

3ـ المطعوم له:

المشهور هو الأجداد والجدات من الأب والأُمّ، وخالف أبو الصلاح في الكافي فخصّ الحكم بالجدّ والجدّة لأب، دون أجداد الأُمّ، واختاره أبو المكارم وتبعه تلميذه المحقّق الطوسي (1) وتوقّف في المجمع والكفاية والمفاتيح.

(1) كذا ذكره العاملي في مفتاح الكرامة: 8/132 ولم أتعرّف عليه فلو أراد نصير الدين الطوسي فهو من أعيان القرن السابـع ( 597 ـ 672هـ)، وأبـو المكـارم: حمزة بن علي بن زهـرة من أعيان القرن السادس (511ـ585هـ)، فكيف يمكن أن يكون تلميذاً له؟!

صفحه 208
أقول: إنّ الروايات الحاكية لفعل النبي الأكرم على أقسام:
1ـ ما هو صريح في أنّ مورده أُمّ الأُمّ، فعن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أطعم الجدة أُمّ الأُمّ السدس وابنتها حية». (1)
2ـ ما هو صريح في أنّ موردها أُمّ الأب مضافاً إلى الأُولى، فعن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّ رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أطعم الجدة أُمّ الأب السدس وابنها حيّ، وأطعم الجدة أُمّ الأُمّ السدس وابنتها حية» (2)وهل هما روايتان أو رواية واحدة، نقلت الأُولى ناقصة؟
3ـ ما يحكى أنّه أطعم الجدة من دون تفسيره بأُمّ الأُمّ أو بأُمّ الأب: روى زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «إنّ رسول اللّه أطعم الجدّة السدس طعمة» (3) . ولعلها، إجمال ما رواه جميل في الروايتين المتقدمتين.
وعن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) : «إنّ رسول اللّه أطعم الجدّة السدس ولم يفرض لها شيئاً». (4)
4ـ ما يدل على أنّه أعطى الجدّ إمّا بلفظ الطعمة أو بجعل السهم (5) وتصوّر أنّ الجدّ، مصحف الجدّة في سائر الروايات بعيد جدّاً إذ ليس هنا حديث واحد، بل أحاديث متعددة ومن البعيد أن يتطرق التصحيف إلى الجميع.
وأمّا ما ورد عن أئمة أهل البيت فهي بين أُمّ الأب (6) وأُمّ الأُم (7) أو كلتا الجدّتين (8)ولعلّ الإمعان في الجميع يشرف الفقيه على القطع بعمومته الحكم لمطلق الجدّة، من دون اختصاص الجدّ أو الجدّة لأب.

(1) الوسائل: 17، الباب20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد ،الحديث 1و9.
(2) الوسائل: 17، الباب20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد ،الحديث 1و9.
(3) المصدر نفسه: الحديث: 4و3.
(4) المصدر نفسه: الحديث: 4و3.
(5) المصدر نفسه: الحديث 5، 8، 13، 16، 17، 18.
(6) المصدر نفسه: الحديث 6، 10، 9.
(7) المصدر نفسه: الحديث 6، 10، 9.
(8) المصدر نفسه: الحديث 6، 10، 9.

صفحه 209

4ـ ما هو المطعوم؟

المطعوم: هو سدس الأصل، كما هو الظاهر من الروايات الحاكية لفعل النبي الأكرم، وغيره، فهل هو مستحب مطلقاً وإن كان سهم الوالد أو الأُمّ، نفسَ السدس، أو إذا زاد سهمهما عن السدس، فيكفي مطلق الزيادة، في استحباب الطعمة بالسدس، وإن كان سهم المطعِم أقل من السدس بعد الدفع. أو زاد بقدر السدس أو أكثر ؟ هذا هو الذي نبحث عنه في الشروط.

5ـ ما هو حكمه؟

المعروف بين الأصحاب أنّ حكمه الاستحباب، وليس في الروايات ما يدل على استحبابها حتى مثل قوله: «إنّ اللّه فرض الفرائض فلم يقسم للجدّ شيئاً وانّ رسول اللّه أطعمه السدس فأجاز اللّه ذلك» (1) إذ لامانع من أنّه سبحانه أجازه على وصف الوجوب. ولكن لما ثبت عدم مشاركة الجد، مع الوالدين، وإيجاب الطعمة له أو لها، نوع مشاركة عند العرف، تكون النتيجة هو الاستحباب كما فهمه المشهور.

6ـ ما هي الشروط؟

قد ذكر في كلامهم شرطان:
الف ـ إذا زاد سهم الأبوين عن السدس فعندئذ يستحب لهما الطعمة وإليك التفصيل:

(1) الوسائل: 17، الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 17و18.

صفحه 210
1ـ يستحب للوالدين أو أحدهما أن يطعم سدس الأصل للجدّ أو الجدّة من قبله إذا زاد نصيبه عن السدس بمقداره. وهذا كما في الأُمّ بلاحاجب. ولو لم يحصل لأحد الأبوين سوى السدس كالأُمّ مع الحاجب، أو الأب مع الزوج (1) لم يستحب له الطعمة.
2ـ ولو زاد نصيب أحدهما دون الآخر اختصت الطعمة به لوجود الشرط فيه دون الآخر.
3ـ ولو زاد نصيب أحد الأبوين عن السدس ولكن لو أطعم الجدّ، يبقى له أقل من السدس كما لو كان الوارث بنتاً وأبوين، أو بنتين وأحدهما، ففي الأوّل للبنت النصف (ثلاثة أسداس) ولكل واحد من الأبوين السدس يصير ا لمجموع خمسة أسداس، فيبقى السدس الواحد يرد على الجميع أخماساً فيكون الزائد، لكلّ منهما خمس السدس. فلو دفع الأبوان نصيبهما للجد، يبقى لكلّ منهما خمس السدس، فمقتضى الإطلاق هو إعطاء السدس.
وقال العلاّمة في القواعد: أقلّ الأمرين مع زيادة نصيب المطعم عن السدس، فإن كانت الزيادة سدساً أو أكثر فالمستحب إطعام السدس وإلاّ فالأقلّ وتطبيقه على الروايات مشكل.
ب ـ يعتبر فيه حياة من يتقرّب به فلا يطعم الجدّ للأب ولا الجدّة له إلاّ مع وجوده، ولاالجدّة للأُمّ إلاّ مع وجودها. وهو القدر المتيقّن من الأدلة. ويدل عليه الأُمور التالية:
1ـ أنّ الخطاب للوالدين وهو فرع وجودهما.

(1) كما إذا ماتت البنت عن أُمّ وأب وزوج فللأُمّ، الثلث (السدسان) وللزوج النصف (ثلاثة أسداس) فلايبقى إلاّ السدس.

صفحه 211
2ـ أنّ مورد صحيحة جميـل ذلك، إذ فيها «أنّ رسول اللّه أطعم الجدة: أُمّ الأب السدس، وابنها حيّ» . (1)
3ـ أنّ ظاهر مرفوعة ابن رباط هو التقييد وفيها «لجدة لها السدس مع ابنها ومع ابنتها» . (2)
والجميع كما ترى إذ ليس في الروايات ما يدل على أنّ الخطاب للوالدين، وكون المورد في الصحيحة وجود الأب لايكون دليلاً على التقييد، والمرفوعة ليست بحجة، على أنّ كثيراً من روايات الباب مطلقة، ورواية سعد بن أبي خلف واردة في غير مورد الاشتراط قال: سألت أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن بنات بنت وجدّ؟ قال: «للجدّ السدس، والباقي لبنات البنت». فلو كان المراد جدّ الميت فقد أطعم بالسدس مع عدم ولده (والد الميت) ، بشهادة أنّ المال قسم بين الجدّ وبنات البنت، إلاّ أنّ الذي يسهل الخطب أنّ الحكم استحبابي ولامانع من القول به مع فقد الوالدين وإن كان الاستحباب معهما آكد وللاستحباب مراتب.
***

(1) الوسائل:17، الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 9ـ11.
(2) الوسائل:17، الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 9ـ11.

صفحه 212

المرتبة الثانية: الإخوة والأجداد:

قد عرفت على أنّ لميراث الأنساب، طبقات ومراتب وأنّه لاتصل النوبة إلى المرتبة المتأخرة، مع وجود واحد من الطبقة المتقدمة، والطبقة الأُولى: الوالدان وأولاد الميّت وأولادهم، فإذا فقدوا ترث الإخوة والأجداد، على تفصيل سيوافيك.
ولنقدّم الكلام في الإخوة والأخوات على الأجداد والجدّات فنقول:
قد عرفت أنّ الإخوة والأخوات من الطبقة الثانية، فلا وراثة إلاّ بعد فقد المرتبة الأُولى بجميع أفرادها.
وأمّا أهل السنّة: فلأجل تشريك العصبة في الميراث والاعتقاد بأنّها من عوامل الوراثة، فقد خلطوا بين الطبقات وجعلوا المتأخر في رتبة المتقدّم ولأجل ذلك ترى أنّهم يقولون:
«إذا فقد الابن والأب، ترث الإخوة والأخوات، مع الأُمّ والبنت» أمّا وجه تقدّم الابن والأب، على الإخوة مع كون الجميع عصبة، فلأجل كون الأوّلين أولى ذكر بالميّت، فلاتصل النوبة إلى الأبعد، وأمّا مع فقدهما، فيرث الإخوة، مع الأُمّ والبنت، فالأُمّ والبنت ترثان فرضاً، والإخوة عصبة.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الكلالة (الإخوة والأخوات) على أقسام:
1ـ كلالة الأب والأُمّ.
2ـ كلالة الأب.
3ـ كلالة الأُمّ.
فلنأخذ بالبحث عن كل واحد بعد الآخر. فإليك الكلام في كلالة الأب والأُمّ.

صفحه 213
1ـ إذا انفرد الأخ للأب والأُمّ عمّن يرث معه من أهل طبقته فالمال له قرابة، قال سبحانه: (إنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُختٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ). (النساء/176)
ومورد الآية: وراثة الأخ عن الأُخت، فيرث كل المال، وأمّا وراثة الأخ عن الأخ فيدلّ عليه صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل مات وترك أخاه ولم يترك وارثاً غيره؟ قال: «لمال له». (1) ومنصرفه هو الأخ للأب والأُمّ على أنّ الحكم كذلك إذا كان أخاً للأُمّ.
2ـ إن كان معه أخ أو إخوة فالمال بينهم بالسوية لاتّحاد سبب الوراثة وعدم الخصوصية لأحدهم.
3ـ لو كان معه أو معهم أُنثى أو إناث: فللذكر مثل حظّ الأُنثيين، كتاباً وسنّة(2)، قال سبحانه: (وَإِنْ كانُوا إخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(النساء/176).
4ـ ولو كان المنفرد أُختاً لهما كان لها النصف فرضاً في كتاب اللّه والباقي يرد عليها عندنا قرابة، لآية أولي الأرحام وغيرها. (3)
5ـ ولو كان أُختان فصاعداً كان لهما أو لهنّ الثلثان فرضاً في كتاب اللّه والباقي يرد عليهما قرابة. (4)

كلالة الأب:

تقوم كلالة الأب، مقام كلالة الأب والأُمّ، ويكون حكم كلالة الأب في

(1) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب ميراث الاخوة والأجداد، الحديث 1و 5.
(2) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب ميراث الاخوة والأجداد، الحديث 1و 5.
(3) المصدر نفسه: الحديث 5.
(4) المصدر نفسه: الحديث 5.

صفحه 214
الانفراد والاجتماع حكم كلالة الأب والأُمّ حرفاً بحرف، في الصور الخمسة، لأنّ الآية المتضمنة لبيان أحكام الكلالة في سورة النساء الآية (175) نزلت في مقابله كلالة الأُمّ، التي تعرضت لحكمها الآية (12) في تلك السورة، ولأجل ذلك تشارك كلالة الأب، مع كلالة الأب والأُمّ في جميع الصور إلاّ أنّها متأخرة عن تلك، وإليك البحث في دليل التقدّم.

كلالة الأب والأُمّ متقدّمة على كلالة الأب:

اتّفقت كلمتهم على تقدّم كلالة الأب والأُمّ على كلالة الأب وحده، قال الشيخ: أُخت من أب وأُمّ، وأخوات من أب وعصبة: للأخت من الأب والأُمّ النصف بلا خلاف والباقي عندنا ردّ عليها ـ وعند الفقهاء للأخوات من الأب السدس، تكملة الثلثين والباقي للعصبة.
وقال أيضاً: أُختان من أب وأُمّ، وأُخت من أب، وابن أخ من أب، للأُختين الثلثان بلا خلاف والباقي عندنا رد عليهما ويسقط الباقون، وقال جميع الفقهاء: الباقي لابن الأخ من الأب لأنّه عصبة ولاشيء للأُخت من الأب.
وقال أيضاً: أُختان من أُمّ وأب، وأُخت وأخ من أب: للأُختين الثلثان بلاخلاف والباقي عندنا ردّ عليهما، وقال جميع الفقهاء: الباقي للأخ والأُخت من الأب وأسقط ابن مسعود الأُخت للأب. (1)
ويدلّ على تقدّم رتبتها على كلالة الأب ما يلي:
1ـ آية «أولوا الأحارم» وقد مرّ مراراً أنّ ملاك الأولوية هي الأقربية، ومن اجتمع فيه سببان يكون أولى وأقرب ممّن فيه سبب واحد. إلاّ ما خرج بالدليل.

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 60ـ61ـ 62. وجه الاسقاط بعد كونها في درجة واحدة.

صفحه 215
2ـ ما رواه يزيد الكناسي(1) في رواية مفصّلة وجاء فيها قوله: «أخوك لأبيك وأُمّك، أولى بك من أخيك لأبيك، وابن أخيك لأبيك وأُمّك، أولى بك من ابن أخيك لأبيك». (2)
3ـ وفي النبوي والعلـوي: «أعيان بني الأُمّ أحـقّ بالميراث من بني العلات».(3)
وفسّره ابن الأثير في النهاية وقال: الأعيان: الإخوة لأب واحد، وأُمّ واحدة مأخوذ من عين الشيء وهو النفيس، والعلاّت: الإخوة لأب واحد وأُمّهات شتى، وفي الجواهر: سموا بذلك لأنّ شرب الإبل الماء أوّلاً نهل، والثاني علّ بعد نهل، فكان من تزوّج بأُمّهم بعد الأولى نهل أوّلاً بالأولى ثمّ علّ بالثانية.

كلالة الأُمّ (أولاد الأُمّ) :

كلالة الأُمّ هي أولاد الأُمّ، أي من ينتمي إلى الميت عن طريقها. فلها صور:
1ـ لو انفرد الواحد من ولد الأُمّ خاصة عمن يرث معه، كان له السدس فرضاً، والباقي يرد عليه قرابة ذكراً كان أو أُنثى.
2ـ للاثنين من ولد الأُمّ فصاعداً، الثلث بينهم فرضاً بالسوية، والباقي يرد عليهم قرابة ذكراناً كانوا أو إناثاً، أو ذكراناً وإناثا.
ويدلّ على حكم الصورتين قوله سبحانه: (وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالةً أوِ امْرَأةٌ وَ لَهُ أخٌ أو أُختٌ فَلِكُلِّ واحِد مِنْهُمَـا السُّدُسُ فإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ

(1) الوسائل: 17، الباب 13، من أبواب ميراث الإخوة والأجداد ، الحديث 1، وفي الوسائل المطبوعة يزيد كما في الباب 1 من أبواب موجبات الإرث وأُخرى بريد كما في المقام، وقد تقدّم أنّ الصحيح يزيد، بقرينة أنّ كنيته أبو خالد وأكثر من يكنّى به، هو يزيد.
(2) المصدر نفسه: الحديث 2ـ 4.
(3) المصدر نفسه: الحديث 2ـ 4.

صفحه 216
شُُركاءُ في الثُّلُث) (النساء/12)
والضابطة الأغلبية في المنتمين إلى الميّت بالأب، هو التقسيم بين الذكر والأُنثى أثلاثاً، والمنتمين إليه بالأُمّ هو التقسيم بالسوية. وأمّا حكم الردّ فلأجل عدم وارث قريب. وسيوافيك أنّه إذا اجتمعت الكلالتان فلايرد الفاضل إلى كلالة الأُمّ، بل إلى كلالة الأب، وإنّما يرد إذا انفرد بالارث.

اجتماع الكلالتين:

ولو كان الإخوة الوارثون متفرقين فبعضهم للأُمّ فقط وبعضهم للأب والأُمّ، أو للأب عند فقدان الأخ والأُخت للأب والأُمّ؟ فهنا صور: لأنّ المتقرب بالأُمّ تارة يكون واحداً وأُخرى متعدداً، ثمّ المتقرب بالأُمّ على أقسام:
1ـ أن يكون أخاً أو إخوة.
2ـ أن يكون أخاً وأُختاً، أو إخوة وأخوات.
3ـ أن يكون أُختاً واحدة.
4ـ أن يكون أكثر من أُخت واحدة. (1)
فيضرب صورتا كلالة الأُمّ (كونه واحداً ومتعدداً) في هذه الصور الستّ فتكون النتيجة اثنتي عشرة صورة، غاية الأمر يقوم المتقرب بالأب مكان المتقرب بالأب والأُمّ عند عدمهم، ولأجل ذلك لاتذكر من الأقسام إلاّ الصورة السادسة، لاشتراكهما في الأحكام إلاّ في مورد واحد على قول سيوافيك بيانه، ولنفترض أنّ المتقرّب بالأُمّ واحد وهو يرث السدس وعندئذ فالمتقرّب بالأب إمّا أن يكون:
الف ـ أخاً أو إخوة، وبما أنّ الإخوة ـ واحداً كان أو متعدّداً ـ ليسوا من

(1) والصور في الحقيقة ستة تعرف بالإمعان.

صفحه 217
أصحاب الفروض، فالتعبير الصحيح في حقّهم أن يقال: يرثون الباقي قرابة وليس الباقي بعدَ إخراج سهم المتقرب بالأُمّ الواحد، إلاّ خمسة أسداس فلو اتّحد يأخذ الجميع وإن تعدد يقتسمون بالسوية. ولايصحّ استعمال الردّ في المقام، إذ ليس الوارث صاحب فرض، حتّى يرث الفاضل عن سهمه بالرد.
ب ـ «أخاً وأُختاً» أو «إخوة وأخوات»، والكلام في المختلط من الأخ والأُخت كالكلام في الإخوة المتعددة يرثون الباقي قرابة، وليس الباقي إلاّ خمسة أسداس كما ذكرنا ولايصح التعبير بالرد في المقام كما تقدّم.
ج ـ أن يكون أُختاً واحدة، وبما أنّ الطرفين من أصحاب الفروض، فالأُخت للأُم ترث السدس، والأُخت للأب ترث النصف، ويبقى السدسان، فيرد إلى كلالة الأب فهي ترث النصف فرضاً، والسدسين قرابة. وسيوافيك دليل الردّ على كلالة الأب دون كلالة الأُمّ فانتظر.
د ـ أن يكون أكثر من أُخت واحدة، فيرث كلالة الأُمّ السدس، وكلالة الأب الثلثين بالفرض، والسدس الفاضل بعد إخراج الفرضين، يرد إلى كلالة الأب. وسيوافيك دليل الردّ إلى خصوص كلالة الأب.

وينبغي التنبيه على أمرين:

1ـ إنّ الردّ ـ بعد إخراج سهم كلالة الأُمّ ـ لايتصور، في الصورتين الأُوليين بحالاتهما المختلفة سواء كان المتقرّب بالأب، أخاً فقط، أو إخوة فقط، أو أخاً وأُختاً، أو إخوة وأخوات، لأنّهم ليسوا من أصحاب الفروض فهؤلاء في جميع الحالات يرثن الباقي.
وإنّما يتصور في الصورتين الأخيرتين فيما إذا كان المتقرب بالأب، أُختاً، أو أكثر من أُخت. غاية الأمر يختلف الباقي حسب اختلاف الحالات.

صفحه 218
فلو كان المتقرب بالأُمّ واحداً، والمتقرب بالأب كذلك، يبقى سدسان:
ولو كان كلاهما متعدداً، لايبقى شيء.
ولو كان الأوّل واحداً والثاني متعدداً يبقى السدس.
ولو انعكس، يكون كذلك أيضاً.
2ـ إنّ الفاضل بعد إخراج سهم كلالة الأُمّ (الأخ أو الأُخت للأُمّ) وكلالة الأب (لأُخت لأب وأُمّ أو لأب فقط) ، يرد إلى الأُخت من الأبوين أو الأُخت للأب إذا لم تكن الأُخت منهما.
أمّا الردّ على الأُخت من الأبوين فقد قال العلاّمة في المختلف: المشهور بين علمائنا أنّ للأُخت من الأبوين، الباقي بعد سدس الأُخت أو الأخ، وثلث الإخوة من قبل الأُمّ وادّعى أكثر علمائنا عليه الإجماع لأنّها تجمع السببين فتكون أولى، وقال ابن أبي عقيل قولاً غريباً أنّ الفاضل يقسم عليهما بالنسبة فيكون المال أرباعاً بين الأُخت من الأُمّ مع الأُخت بالأبوين، أو أخماساً بين الأُخت من الأُم مع الأُختين من قبلهما والمشهور الأوّل (1) ويظهر ممّا نقله عن الصدوق أنّ مختار الفضل نفس ما اختاره ابن أبي عقيل. (2)
ويدل على القول المشهور أمور:
1ـ ما ذكر من اجتماع السببين.
2ـ ما في رواية بكير بن أعين ومحمّد بن مسلم «فهم الذين يزادون وينقصون» .
(3)أي يرد النقص على كلالة الأب، فترد الزيادة عليهم فمن عليه الخسران، فله الجبران، كما إذا تركت زوجاً وإخوة للأُمّ وأُختين للأُمّ والأب، فسهم الأُختين

(1) المختلف، كتاب الفرائض: 186 تحت عنوان «تذنيب».
(2) الوسائل : 17، الباب 3 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2و3.
(3) الوسائل : 17، الباب 3 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2و3.

صفحه 219
للأب في الكتاب، الثلثان لكنّهما ترثان في المقام السدس الباقي بعد سهم الزوج وكلالة الأُمّ المتعددة، فلو كان الخسران عليهم، فلتكن الزيادة لهم.
3ـ ما رواه موسى بن بكر قال: قلت لزرارة: إنّ بكيراً حدّثني عن أبي جعفر (عليه السلام) إنّ الإخوة للأب والأخوات للأب والأُمّ يزادون وينقصون ـ إلى أن قال: ـ فقال زرارة: وهذا قائم عند أصحابنا لايختلفون فيه. (1)
وأمّا الردّ على الأُخت من الأب وحده فهو الأقوى وأن لايبلغ في الشهرة درجة الصورة السابقة.
قال العلاّمة في المختلف: لو خلّف أُختاً لأُمّ أو أخاً، أو أُختاً وأخاً، أو اخوة وأخوات ـ مع أُخت لأب ـ لا غير، قال الشيخ في النهاية: كان للأخ أو الأُخت، أو الأُخت والأخ، أو الإخوة والأخوات من قبل الأُمّ السدس والثلث، والباقي للأُخت للأب، وهو اختيار الصدوق في الفقيه، وبه قال ابن البراج، ويظهر أيضاً من المفيد في المقنعة وأبي الصلاح. وقال ابن أبي عقيل: يرد عليهما على النسبة وبه قال ابن الجنيد واختاره ابن إدريس (2) وجعله المحقّق في الشرائع أولى. (3)
ولكلّ من القولين دليل وإن كان الأقوى الأوّل.
وذلك لما سبق أنّ الأخوات من الأب دون الأخوات من الأُمّ، يزادون وينقصون، ومن عليه الغرم فله الغنم.
أضف إلى ذلك ما رواه محمّد بن مسلم في ابن أُخت لأب، وابن أُخت لأُمّ، قال: لابن الأُخت للأُم السدس ولابن الأُخت للأب الباقي. (4)

(1) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2.
(2) المختلف: 186.
(3) الجواهر : 39/161.
(4) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد ، الحديث 1.

صفحه 220
قال العلاّمة في المختلف: إنّ هذا الخبر يدل (بالملازمة) على أنّه إذا اجتمع أُخت من أُم، وأُخت من أب، أن تعطى الأُخت من الأُمّ، السدس بالتسمية والأُخت من الأب الباقي: النصف بالتسمية والباقي يرد عليها، لأنّّ بنتها إنّما تأخذ ما كانت تأخذ هي لو كانت حية، لأنّها تتقرب بها وتأخذ نصيب من يتقرب به وذلك خلاف ما يذهب إليه قوم من أصحابنا من وجوب الردّ عليهما، لأنّ ذلك خطأ على موجب هذا النص.
نعم جعل المحقّق القول الثاني أولى وعلّله بالتساوي في الدرجة، وأن سبب الوصلة من كلّ من الطرفين واحد.
يلاحظ عليه: أنّ المرجح هو النص أوّلاً، والضابطة المستفادة من رواية بكير، من أنّ الأصل أن من عليه الخسران فله الجبران إلاّ ما قام الدليل على خلافه. وقد جاء في رواية يزيد الكناسي: قوله: «وأخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأُمّك» (1)بناء على أنّ المراد من الأولوية هي الأقربية، فتكون الأُخت من الأب أولى من الأُخت للأُم.

روايتان فيهما نكات:

إنّ هنا روايتين رويتا عن الصادق والباقر (عليهما السلام) رواهما بكير بن أعين غير أنّ السائل في الأُولى هو نفسه، وفي الآخر غيره وفيهما نكات ننقلهما مع توضيح، وقد أجاب الإمام في الرواية الأُولى عن فرعين:

الفرع الأوّل:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : امرأة تركت زوجها، وإخوتها وأخواتها لأُمّها،

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2.

صفحه 221
وإخوتها وأخواتها لأبيها.
قال: «للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللإخوة من الأُمّ الثلث، الذكر والأُنثى فيه سواء، وبقى سهم فهو للإخوة والأخوات من الأب للذكر مثل حظّ الأُنثيين، لأنّ السهام لاتعول ولاينقص الزوج من النصف، ولا الإخوة من الأُمّ من ثلثهم، لأنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ في الثُّلُثِ) (وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا السُّدُسُ)والذي عنى اللّه تبارك وتعالى في قوله: (وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورثُ كَلالَة أوِ امْرَأة وَ لَهُ أخٌ أو أُختٌ فَلِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ في الثُّلُثِ)إنّما عنى بذلك الإخوة والأخوات من الأُمّ خاصة، وقال في آخر سورة النساء: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخت)يعني أُختاً لأب وأُمّ، أو أُختاً لأب (فَلَها نِصْفُ ما تََرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ... وإن كانُوا إخْوَةً رجالاً ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيين) فهم الذين يزادون وينقصون وكذلك أولادهم الذين يزادون وينقصون» .

الفرع الثاني:

«ولو أنّ امرأة تركت زوجها، وإخوتها لأُمّها، وأُختيها لأبيها كان للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللإخوة من الأُمّ سهمان، وبقي سهم فهو للأُختين للأب، وإن كانت واحدة فهو لها، لأنّ الأُختين لأب إذا كانتا أخوين لأب لم يزادا على ما بقي، ولو كانت واحدة أو كان مكان الواحدة أخ لم يزد على ما بقي ولاتزاد أُنثى من الأخوات ولا من الولد على ما لو كان ذكراً لم يزد عليه» . (1)

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد ، الحديث 2 ورواه الصدوق باسناده عن محمّد بن أبي عمير مثله إلى قوله: والأخوات من الأب للذكر مثل حظّ الأُنثيين.

صفحه 222

توضيح مفاد الرواية:

الرواية تشتمل على مسألتين:
1ـ امرأة تركت زوجها، وإخوتها وأخواتها لأُمّها، وإخوتها وأخواتها لأبيها. فحاصل الجواب أنّ الزوج والإخوة والأخوات للأُمّ، من ذوات الفروض، فلهم فروضهم بلانقص، بخلاف الإخوة والأخوات للأب، فليسوا من ذوات الفروض، فلأجل ذلك يرث الزوج النصيب الأعلى، والطائفة الثانية لأجل التعدّد، الثلث، والباقي أي السدس وإن قلّ فهو للطائفة الثالثة، أعني: كلالة الأب.
نعم الأُخت الواحدة أو الأُختان للأب من ذوات الفروض، لكن إذا لم يكن بينهم أخ وأمّا إذا اجتمع الإخوة مع الأخوات، فليس لهم فرض، بل يرثن ما بقي للذكر مثل حظّ الأُنثيين، ويظهر ذلك من الإمعان في الذكر الحكيم حيث يقول في الأُخت والأُختان لأب:
(إنِ امْرُؤٌا هلَكَ ليسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُختٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ... فَإِنْ كانَتا اثْنَتَينِ فلَهما الثُّلُثَانِ مِمّا تَرَك ).
ويقول في الإخوة والأخوات للأب مجتمعين.
(وإِن كانُوا إِخْوَةً رِجَالاً ونِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيين).
ثمّ إنّ الإمام، فسّـر الآيات الواردة في حقّ الكلالة في أوّل سورة النساء، وآخرها. وربما يتخيّل في بادئ النظر نوع اختلاف في المضمون، فقال: إنّ ما ورد في هذه السورة (الآية 12) من فرض السدس للأُخت الواحدة والثلث لأكثر من ذلك لكلالة الأُمّ وأمّا ما ورد في آخر السورة من فرض النصف للأُخت الواحدة والثلثين للاثنين وأكثر لكلالة الأب.

صفحه 223
هذا كلّه حول الفرع الأوّل وإليك الكلام في الفرع الثاني.
2ـ امرأة تركت زوجها، وإخوتها لأُمّها، وأُختيها لأبيها.
وهذا الفرع يفارق الفرع السابق فإنّ المفروض في الفرع كون المنتمي إلى الأب إخوة وأخوات وهؤلاء ليسوا من أصحاب الفروض، ولأجل ذلك يرثون الباقي ولاتتأتى شبهة العول، بخلاف هذا الفرع فانّ المنتمي إليه أخوات فقط وهو من أصحاب الفروض، إذ لهما الثلثان فتعود شبهة العول، ولاتسع التركة للنصف، والثلث، والثلثين، فلابدّ من إدخال النقص على طائفة واحدة عندنا، أو تقسيم النقص على الجميع عند أهل السنة، وقال الإمام بأنّ النقص يدخل على الأُختين للأب، وعلّله الإمام بالوجه التالي:
إذا كان مكان الأُختين، أخوين للأب ورثا الباقي، أعني: السدس إذ ليسا من أصحاب الفروض.
أو كان مكان الأُخت أخ لم يزد على ما بقي ويرث بعد إخراج النصف للزوج، والثلث للإخوة للأُمّ، (السدس الباقي) فهكذا الأُختان للأب، ولاتزاد أُنثى من الأخوات ولا من الولد على ما لو كان ذكراً لم يزد عليه.
وهذا ويمكن تحليل الرواية على ضوء الضابطة السابقة في حلّ مشكلة العول، وهو أنّ الإخوة من الأُمّ من ذوي الفروض مطلقاً واحداً كان أو كثيراً، أُنثى كان أو ذكراً، متجانساً كان أو غير متجانس، ففي جميع الصور، السدس للواحد، والثلث للمتعدد بالسوية، فلايهبطون من فرض إلاّ إلى فرض آخر.
وهذا بخلاف الأُخت أو الأُختان للأب، فإنّ للأُولى النصف وللثانية الثلثان، لكن إذا انضمّ إليه أو إليهما أخ فليس لهم أي فرض، بل يرثون الباقي، فلأجل ذلك يدخل النقـص عليهم دون الإخوة للأُم، فلايصدق في حقّهم أنّهم لايهبطون من فرض إلاّ إلى فرض آخر.

صفحه 224

الرواية الثانية لبكير وفيها فرعان:

ثمّ إنّ لبكير رواية أُخرى عن أبي جعفر، يطيب لي نقلها مع دراستها بما فيها من الفائدة يقول:
جاء رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) فسأله عن:
1ـ امرأة تركت زوجها وإخوتها لأُمّها وأُختاً لأبيها؟ فقال: «للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللإخوة للأُمّ الثلث سهمان، وللأُخت من الأب السدس سهم» فقال له الرجل: فإنّ فرائض زيد وفرائض العامة والقضاة على غير ذلك يا أبا جعفر يقولون: للأُخت من الأب ثلاثة أسهم تصير من ستة تعول إلى ثمانية؟ فقال أبوجعفر (عليه السلام) : «ولم قالوا ذلك؟» قال: لأنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (ولَهُ أُخت فَلَها نِصفُ ما تَرك) فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «فإن كانت الأُخت أخاً؟» ، قال: فليس له إلاّ السدس، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «فما لكم نقصتم الأخ، إن كنتم تحتجّون للأُخت النصفَ بأنّ اللّه سمّى لها النصف، فإنّ اللّه قد سمّى للأخ الكل والكلّ أكثر من النصف لأنّه قال: (فلها النصف) وقال للأخ: (وهو يرثها)، يعني: جميع مالها إن لم يكن لها ولد، فلاتعطون الذي جعل اللّه له الجميع في بعض فرائضكم شيئاً وتعطون الذي جعل اللّه له النصف تاماً» فقال له الرجل: وكيف تُعطى الأُخت النصف ولايعطى الذكر لو كانت هي ذكراً شيئاً؟. (1)
2ـ قال (2) : «يقولون في أُمّ، وزوج، وإخوة لأُم، واُخت لأب فيعطون الزوج النصف، والأُمّ السدس، والإخوة من الأُمّ الثلث، والأخت من الأب النصف،

(1) هذه العبارة من السامع تصديق مع الإعجاب لكلام الإمام.
(2) الظاهر أنّ ضمير الفاعل يرجع إلى الإمام وهو استعرض هذا الفرع للنقد وإثبات أنّ القول بالعول ينتهي إلى تسهيم الأُنثى أكثر من الذكر.

صفحه 225
فيجعلونها من تسعة وهي من ستة فترتفع إلى تسعة» قال: كذلك يقولون، قال: (1) «فإن كانت الأُخت ذكراً أخاً لأب؟» قال: ليس له شيء (2) فقال الرجل لأبي جعفر (عليه السلام) : فما تقول أنت جعلت فداك؟ فقال: «ليس للإخوة من الأب والأُمّ ولا الإخوة من الأُمّ ولا الإخوة من الأب شيء مع الأُمّ» قال عمر بن أُذينة: وسمعته من محمد بن مسلم يرويه مثل ما ذكر بكير المعنى سواء ولست أحفظ حروفه إلاّ معناه، فذكرته لزرارة فقال: صدق، هو واللّه الحق (3).
والرواية مشتملة على فرعين:

الفرع الأوّل: امرأة تركت زوجها، وإخوتها لأُمّها وأُختاً لأبيها:

والأخذ بظواهر الفروض يوجب عولها، لأنّ للزوج النصف، وللإخوة من الأُمّ الثلث، وللأُخت النصف، فتعول الفريضة من الستة إلى ثمانية 3+2+3 = 8.
فالقائل بالعول، يدفع للزوج ثلاثة أسهم، وللإخوة من الأُمّ سهمين، وللأُخت للأب ثلاثة أسهم لكن من ثمانية أسهم، ويُدخِلُ النقص على الجميع وأمّا على الضابطة المقرّرة عندنا يدخل النقص على من له فرض واحد، وهو الأُخت للأب.
ولمّا ذكر السائل بأنّ فرائض زيد (ابن ثابت) وفرائض العامة والقضاة يخالفون ذلك، ويقولون بأنّ القرآن فرض للأُخت للأب النصف، وقال: (وله أُخت فلها نصف ما ترك) فكيف تعطون لها، السدس؟ فأجابه الإمام بأنّه لو كان

(1) الضمير يرجع إلى الإمام.
(2) لأنّ التركة تنتهي بفرض السدس على الأُمّ (لوجود الإخوة للميت) والثلث لكلالة الأُمّ، والنصف للزوج. فلا يبقى لكلالة الأب شيء.
(3) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 3.

صفحه 226
مكان الأُخت، الأخ كم تعطون له؟ فقال السدس لأنّه ليس بذي الفرض فيرث ما بقي بعد اخراج أصحاب الفروض، فقال الإمام (عليه السلام) : «إنّ اللّه قد سمّى للأخ الكل، والكلّ أكثر من النصف لأنّه قال في حقّ الأُخت: (فلها النصف) وقال في حقّ الأخ: (وهو يرثها) يعني جميع المال إن لم يكن لها ولد، فلاتعطون الذي جعل اللّه له الجميع في بعض فرائضكم شيئاً وتعطون الذي جعل اللّه له النصف تماماً» .
وبعبارة أُخرى، لو كان مكان الأُخت للأب، أخاً للأب، لا يدفع له إلاّ السدس، فكيف يدفع للأُنثى أزيد منه، ولاتزاد أُنثى من الأخوات على ما لو كان ذكراً لم يزد عليه.
الفرع الثاني: امرأة تركت أُمّا وزوجاً وإخوة لأُمّ، وأُختاً لأب:
الأخد بظواهر الفرائض يوجب العول: إذ للأُمّ، السدس وللزوج النصف، وللإخوة للأُمّ، الثلث، وللأُخت للأب النصف فتعول الفريضة من ستة إلى تسعة. 3+2+3+1 = 9.
فيعطى للزوج ثلاثة أسهم وللإخوة للأُمّ، سهمان وللأُخت للأب ثلاثة أسهم، كلّها من تسعة أسهم. فردّه الإمام بوجهين:
لو كان مكان الأُخت للأب، أخ للأب كم يعطون له؟ فقال: ليس له شيء. وهذا من العجب الأُخت ترث ولو كانت ذكراً لاترث!
ثمّ طلب السائل رأي الإمام فقال: المال للطبقة الأُولى، أعني: الأُمّ وليس معها شيء للإخوة مطلقاً.
***

صفحه 227

في ميراث الأجداد

1ـ للجدّ المنفرد، المال، لأُمّ كان أو لأب.
2ـ للجدّة المنفردة، المال، لأُمّ كانت أو لأب.
3ـ لو اجتمـع الجـدّ والجـدّة لأُمّ ـ ولم يكن وارث غيرهما ـ يرثان الجميع ويقتسمان بالسوية.
4ـ لو اجتمـع الجــدّ والجـدّة لأب ـ ولم يكن وارث غيرهما ـ يرثان الجميـع ويقتسمان أثلاثاً.
5ـ لو اجتمع الجدّ أو الجدّة أو كلاهما لأُمّ، مع الجدّ أو الجدّة أو كلاهما لأب، فللأوّل الثلث واحداً كان أو أكثر بالسوية، والثاني واحداً كان أو أكثر الثلثان، أثلاثاً.
قال الشيخ الطوسي: للجدّة من قبل الأُمّ، نصيب الأُمّ إذا لم يكن غيرها، الثلث المسمّى للأُمّ. والباقي يرد عليها كما يرد على الأُمّ. وإن اجتمعت جدّتان: جدة أُمّ، وجدّة أب، كان للجدّة من قبل الأُمّ الثلث، وللجدّة من قبل الأب الثلثان، كلّ واحدة تأخذ نصيب من يتقرّب به، وقال ابن عباس: جدّة الأُمّ لها الثلث، نصيب الأُمّ كما قلناه.
وقال الفقهاء كلّهم: فلها السدس فإن اجتمعتا كان السدس بينهما نصفين.(1)

(1) الخلاف: 2 كتاب الفرائض، المسألة 73.

صفحه 228

هنا دعويان:

الأُولى: إنّ التقسيم عند اجتماع الصنفين من الأجداد بالثلث والثلثين، حتى مع الأُنوثة والاتحاد في الجدّ للأب، كما إذا مات وترك جدّاً وجدّة لأُمّ، وجدّة لأب، فللأوّل الثلث مع كثرته، وللثاني الثلثان مع قلّته.
الثانية: إنّ التقسيم بين جدودة الأُمّ بالسوية، وجدودة الأب أثلاثاً.
ولنأخذ كلّ واحد من الأمرين بالبحث، أمّا الأوّل فيدل عليه أُمور:
1ـ ما يدل على أنّ إرث كلّ قريـب نصيـب ما يتقرّب به (1) وعلى ذلك فجدودة الأُمّ ترث نصيب الأُمّ، وهو الثلث، وجدودة الأب ترث نصيب الأب وهو الثلثان.
فإن قلت: على هذا يجب أن ترث الأُخت الواحدة للأُمّ، الثلث، مع أنّها ترث السدس. والأخ للأب والأُخت له، الثلثين مع أنّ الأوّل يرث السدس والثانية النصف.
قلت: إنّ ذلك خرج بالنص في الذكر الحكيم.
فإن قلت: إنّ فريضة الأُمّ هي السدس.
قلت: لا بل فريضتها الثلث، وإنّما الإخوة والولد، حاجبان من فريضتها الأصلية فتنقل إلى السدس.
2ـ موثق محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : «إذا لم يترك الميت إلاّ جدّه أبا أبيه وجدّته أُمّ أُمّه، فإنّ للجدّة الثلث، وللجدّ الباقي ـ قال:ـ وإذا ترك جدّه من قبل أبيه وجدّ أبيه وجدّته من قبل أُمّه وجدّة أُمّه، كان للجدّة من قبل الأُمّ الثلث وسقط جدّة الأُمّ، والباقي للجدّ من قبل الأب وسقط جدّ الأب». (2)

(1) الوسائل : 17، الباب 1، من أبواب موجبات الإرث ،الحديث 1.
(2) المصدر نفسه: الباب 9من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2، وفي السند علي بن الحسن ابن فضال وهو فطحي ثقة، وعمرو بن عثمان الثقفي الخزار قال النجاشي: ثقة.

صفحه 229
وفي سند الرواية علي بن الحسن بن فضال والأصحاب عملوا بروايته فلاإشكال من هذه الجهة.
وهناك أقوال أُخر:
1ـ ما نسب إلى العماني: انّه يعامل مع الجدّتين: أُمّ الأُمّ، وأُمّ الأب معاملة الأُختين من صنفـين أي من أُمّ، ومن أب وأُمّ أو أب، فللأُولى عنــده السدس وللثانية النصف. فقد خالف القول المشهور في كلا الجانبين حيث إنّ المشهور: الثلث للأُولى، والثلثان للأُخرى.
2ـ ما نسب إلى الصدوق ينزل الجدّين: أبا الأُمّ وأبا الأب، منزلة الأخوين من صنفين، فللأول السدس كالأخ من أُمّ، وللآخر الكلّ، كالأخ من أب وأُمّ، أو أب.
فقد خالف القول المشهور في الجانبين أيضاً فهو يدفع لأبي الأُمّ السدس مكان الثلث، ولأبي الأب خمسة أسداس (حيث قال: وللآخر الكل) وعلى المشهور، له الثلثان فصارت المخالفة في أبي الأُمّ، سبباً للمخالفة في ناحية أبي الأب أيضاً.
3ـ ما نسب إلى أبي الصلاح وابن زهرة والكيدري من أنّ للمتحد من قبل الأُمّ السدس ذكراً كان أم أُنثى وللمتعدّد: الثلث فقد خالفوا القول المشهور في المتحد دون المتعدّد كما هو واضح.
واستدل لها بأمرين:
الف: حديث زرارة قال: أقرأني أبو جعفر (عليه السلام) صحيفة الفرائض فإذا فيها: لا ينقص الجدّ من السدس شيئاً، ورأيت سهم الجدّ فيها مثبتاً. (1)

(1) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 7.

صفحه 230
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّه أعمّ ممّا قالوا ـ: أنّه يستشم منه التقية حيث يثبت للجدّ السدس بصورة الفرض وهو يخالف ما اجتمعت الطائفة عليه ويوافق رأي المخالفين.
ب: ما سيأتي من تنزيل الجدّ منزلة الأخ والجدّة منزلة الأُخت. (1)
يلاحظ عليه: أنّ التنزيل خاص بما إذا اجتمع الجدّ، أو الجدّة مع الأخ أو الأُخت أو الإخوة والأخوات، لاأنّ الجدّ أخ مطلقاً والجدّة أُخت كذلك. ذكره صاحب الجواهر في المقام ولكنّه خالفه في المقام الآتي فانتظر.
الدعوى الثانية: وهي أنّ جدودة الأُمّ يقتسمون بالسوية وجدودة الأب يقتسمون أثلاثاً. فهي من المسائل المسلّمة بين الأصحاب، مع عدم وجود دليل صالح.
قال العاملي: «وما وجدنا في الأخبار ما يدلّ صريحاً على أنّ الجدّ والجدّة للأب يتفاوتان أو يتساويان، إذا لم يكن معهم غيرهم من إخوة، هل عندكم من دليل فتخرجوه لنا غير ما ذكرنا أو تقولوا فيما نحن فيه بالتفاوت بالقياس على الأولاد، ولا يمكن القول بالتسوية لعدم الدليل. فلابدّ من الاهمال أو ترك الجدال واتباع الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ وبهذا التقريب بعينه (2) يستدل على أنّ للجدّ أو الجدّة أو لهما لأُمّ، الثلث، وما بقي فللمتقرّب بالأب. (3)
هذا نظر العاملي في المسألة ولكن صاحب الجواهر يدّعي عدم الإشكا ل في الحكم يقول: فلا إشكال في الحكم حينئذ بحمد اللّه وإن وسوس فيه بعض متأخّري المتأخّرين. (4)

(1) الوسائل: 17، الباب 6من أبواب ميراث الإخوة والأجداد.
(2) قد عرفت الدليل الوافي للتفريق بين الأجداد لأُمّ، والأجداد لأب، فلا يحسن عطف هذا على الآخر.
(3) مفتاح الكرامة: 8/147.
(4) الجواهر: 39/155.

صفحه 231
والحقّ أنّه ليس في المسألة دليل صالح للافتاء سوى الاتّفاق لأنّهم استدلوا:
أوّلاً: بمرسل مجمع البيان (1) الذي نقله صاحب الوسائل بصورة الرواية وليس هو سوى أنّه حكم استنبطه الطبرسي باجتهاده من الأخبار وكيف يكون حجّة.
وثانياً: بما في الفقه الرضوي (2) ومن المعلوم أنّه ليس تأليف الإمام، بل هو نفس كتاب التكليف للشلمغاني، أو رسالة علي بن بابويه التي ألّفها لولده الصدوق ولكلّ من القولين شواهد وقرائن.
وثالثاً: بما دلّ على أنّه إذا اجتمع مع الإخوة للأُمّ، جدّ وجدّة، أو أحدهما من قبلها، كان الجدّ كالأخ منها، والجدّة، كالأُخت منها، وأنّه إذا اجتمع مع الأُخت أو الأُختين فصاعداً للأب والأُمّ، أو للأب، جدّ وجدّة، أو أحدهما من قبله كان الجدّ كالأخ من قبل الأب، والجدّة كالأُخت، فتكون النتيجة، أنّ الجدّ والجدّة للأُمّ، حكم الأخ والأُخت للأُمّ، وحكمهما التقسيم بالسوية، والجدّ والجدّة للأب، حكم الأخ والأُخت للأب وحكمهما، التقسيم أثلاثاً وسيوافيك روايات الباب في الفرع الآتي.
يلاحظ عليه: بما ذكره نفس صاحب الجواهر ردّاً على الأقوال الشاذة في المسألة السابقة حيث ذهب العماني إلى أنّه يعامل مع الجدّتين: أُمّ الأُمّ، وأُمّ الأب معاملة الأُختين من صنفين، لأجل أنّ الروايات نزّلت الجدّة منزلة الأُخت، فردّ عليه صاحب الجواهر بأنّ التنزيل المذكور إنّما هو في حال اجتماع الجدّ أو الجدّة، مع الأخ أو الأُخت. أو الإخوة أو الأخوات لامطلقاً كما لايخفى على من لاحظ النصوص المتضمّنة لذلك. (3)

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موجبات الإرث ، الحديث 5.
(2) المستدرك: الباب 8 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 9.
(3) الجواهر : 39/153.

صفحه 232
ورابعاً: بما دلّ في قسمة الجدّ من قبل الأب مع الأُخت له أو لهما بالتفاوت فالجدّة المنزلة منزلتها كذلك ففي صحيحة الفضلاء قلت: رجل ترك جدّه وأُخته، فقال: «للذكر مثل حظّ الأُنثيين» (1) ، فإذا كان التقسيم بين الجدّ والأُخت كذلك، كان بين الجد، والجدّة المنزلة مكان الأُخت كذلك أيضاً.
يلاحظ عليه بمثل ما سبق.
إلى غير ذلك من الوجوه التي ساقها صاحب الجواهر لإثبات القول المشهور والحق، مع سيّد الكرامة لكن لا محيص عن اختيار ما عليه الأصحاب والمقام من المسائل الكثيرة التي ليس لها دليل سوى الشهرة وقد كان سيّد الأساتيذ، المحقّق البروجردي أنهى هذا الصنف من المسائل إلى أربعمائة.

في اجتماع الإخوة مع الأجداد:

1ـ إذا اجتمع مع الإخوة للأُمّ، جدّ وجدّة، أو أحدهما من قبلها، كان الجدّ كالأخ منها، والجدّة كالأُخت منها، وكان الثلث بينهم بالسوية.
2ـ إذا اجتمع مع الأُخت أو مع الأُختين فصاعداً للأب والأُمّ أو للأب، جدّ وجدّة، أو أحدهما من قبله كان الجدّ كالأخ من قبله والجدّة كالأُخت وينقسم الباقي بعد كلالة الأُمّ ـ إن كانت ـ بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين. وقد قورن في عنوان المسألة الجد في كلالة الأُمّ، إلى الإخوة، وفي كلالة الأب إلى الأُخت والأُختين وما هذا إلاّ لأنّ كلالة الأُمّ من أصحاب الفروض مطلقاً ذكراً كان أو أُنثى، واحداً كان أو أكثر، فلأجل ذلك قال: الجدّ بمنزلة الأخ، إذا اجتمع مع الإخوة للأُمّ،والمراد من الإخوة المعنى الوسيع أي الأعم من الإخوة والأخوات، والواحد والكثير.

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد ، الحديث 9.

صفحه 233
وأمّا كلالة الأب فهي من أصحاب الفروض تارة إذا كانت أُختاً واحدة، أو أكثر، ولم يضم إليهما أخ وإلاّ فيصير من أصحاب الوراثة بالقرابة ويقتسمون على التثليث، فذكر الجدّ، مع الأُخت أو الأُختين لبيان أمرين:
1ـ انّه يرث ميراث الأخ.
2ـ انّه يقلب المنضم إليه من كونه ذا فرض، إلى الوراثة بالقرابة، كما إذا انضمّ إليهما أخ حقيقة.
قد عرفت فيما سبق أحكام الإخوة والأخوات للأب والأُمّ، أو للأب، أو للأُمّ إذا انفردوا عن الأجداد والجدّات.
كما عرفت حكم الأجداد والجدّات للأب والأُمّ، إذا انفردوا عن الإخوة والأخوات.
بقي الكلام فيما إذا اجتمعت الإخوة مع الأجداد بنحو من الأنحاء، والعبارة المتقدّمة كافلة لبيان حكم الاجتماع وقبل الخوض في بيان أحكام المسألة، نذكر صورها:
1ـ إذا انحصر الوارث في جدّ أو جدّة، أو أحدهما من قبل الأُم، مع أخ أو أُخت أو إخوة وأخوات من قبل الأُمّ، ولم يكن من جانب الأب، أيّ وارث في هذه الطبقة.
2ـ إذا انحصر الوارث في جدّ أو جدّة أو هما لأب، مع أخ أو أُخت أو إخوة أو أخوات للأبوين أو للأب، ولم يكن من جانب الأُمّ أيّ وارث في هذه الطبقة.
3ـ إذا اجتمـع الإخوة المتفرقون، مع الأجـداد المتفرّقين مثلاً إذا ترك من جانب، جدّاً، أو جدّة للأُمّ وأخاً أو أُختاً لها، ومن جانب آخر ترك جدّاً أو جدّةً للأب، وأخاً أو أُختاً له. أي يكون في كلّ من الطرفين، صنفان، أي من الإخوة والجدودة. سواء كان واحداً (كالأخ أو الأُخت أو الجدّ، أو الجدّة) أو كثيراً (كالإخوة، الأخوات، الجد والجدّة) .

صفحه 234
4ـ أن يكون في جانب الوارث عن أُمّ، واحـد من الصنفـين إمّا الإخـوة والأخوات فقط أو الجدّ والجدّة فقط، مع صورهما المختلفة غير المؤثّرة في الحكم. ويكون في جانب الوارث عن أب كلا الصنفين الإخوة والأخوات والجدّ والجدة، بصورهما المختلفة.
5ـ أن يكـون على العكس فيكون الـوارث في جـانـب الأُمّ مختلطـين من الصنفين، دون جانب الأب.
6ـ أن يكون في كلّ جانب، صنف واحد. أمّا الأخ والأُخت، أو الجدّ والجدّة فلو كان الوارث عن أُمّ، أخاً أو أُختاً، يكون الوارث عن أب، جدّاً أو جدّة، ولو كان الوارث عن أب، أخاً أو أُختاً يكون الوارث عن أُمّ جدّاً أو جدّة وهذه صور المسألة وإليك بيان حكمها.

أحكام الصور:

إنّ العلم بأحكام الصور يتوقّف على العلم بصغرى تكفّلت لبيانها السنّة، وكبرى تكفّل لبيانها الذكر الحكيم.
أمّا الصغرى فالمحصّل منها بعد ضم بعضها إلى بعض، أنّ كلاً من الجدّ والجدّة في كلّ من الطرفين، عند الاجتماع مع الإخوة والأخوات يُنزّل منزلة الأخ أو الأُخت، فلو كان للميّت أخ أو أُخت للأُمّ وكان معهما جدّ أو جدّة، فكأنّه مات عن أخوين أو أُختين، فيعامل معهما معاملة الأخ والأُخت الواقعيين، ومثله ما إذا مات إنسان عن أخ أو أُخت للأب والأُمّ، أو الأب، مع جدّ أو جدّّة، فكأنّه مات عن أخوين أو أُختين، فيكون حكمهما حكم الأخ والأُخت الحقيقيين.
إنّ روايات التنزيل يجب أن تكون كافلة لتنزيلات أربعة، الجدّ والجدّة لأب، منزلة الأخ والأُخت له، والجدّ والجدّة لأُمّ منزلة الأخ والاُخت لها ولاتوجد رواية صريحة جامعة لها ولو كانت، فهي من قبيل الإطلاق.

صفحه 235

1ـ ما هو ظاهر في تنزيل الجدّ للأب منزلة الأخ:

عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل ترك إخوة وأخوات لأب وأُمّ، وجدّاً؟ قال: «لجدّ كواحد من الإخوة، المال بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين» . (1)
ولعلّ لفظة «لأب» قرينة أو تصلح للقرينية على أنّ المراد من الجدّ، هو الجدّ لأب، لا الأعم منه ولا للأُمّ.
روى أبو الربيع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) يورث الأخ من الأب مع الجدّ ينزله بمنزلته» (2)والحديث الأوّل كافل للتنزيل وكيفية التقسيم والثاني كافل لأصل التنزيل.
وربما يستفاد من الحكم، وجود التنزيل بعد الوقوف على التنزيل في سائر الأحاديث فعن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن أخ لأب وجدّ؟ قال: «لمال بينهم سواء» . (3)

2ـ ما هو ظاهر في تنزيل مطلق الجدّ منزلة الأخ:

روى حمّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ الجدّ شريك الإخوة وحظّه مثل حظّ أحدهم ما بلغوا، كثروا أو أقلّوا» . (4)
عن إسماعيل الجعفي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لجدّ يقاسم الإخوة ولو كانوا مائة الف» . (5)

(1) الوسائـل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2و3و1 وبهذا المضمون الحديث: 4(الجدة في نسخة الوسائل مصحف الجد) 10، 11، 12، 13.
(2) الوسائـل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2و3و1 وبهذا المضمون الحديث: 4(الجدة في نسخة الوسائل مصحف الجد) 10، 11، 12، 13.
(3) الوسائـل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2و3و1 وبهذا المضمون الحديث: 4(الجدة في نسخة الوسائل مصحف الجد) 10، 11، 12، 13.
(4) المصدر نفسه: الحديث 5، 6، ولاحظ 7، 8، 14، 15، 16و19.
(5) المصدر نفسه: الحديث 5، 6، ولاحظ 7، 8، 14، 15، 16و19.

صفحه 236

3ـ ما هو صريح في تنزيل الجدّ والجدّة :

روى الحسن بن أبي عقيل: إنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أملى على أمير المؤمنين (عليه السلام) في صحيفة الفرائض أنّ الجدّة مع الإخوة يرث حيث ترث الإخوة، ويسقط حيث تسقط، وكذلك الجدّة أُخت مع الأخوات، ترث حيث يرثن وتسقط حيث يسقطن(1) ولعلّ إطلاق الحديث كافل للتنزيلات الأربعة.
والناظر في الروايات لايشكّ في التنزيل ولو كانت الروايات في تنزيل الجدّ تامّة تدل بالملازمة أيضاً على تنزيله الجدّة منزلة الأُخت. مضافاً إلى ما عرفت من وجود التنزيل في خصوص الجدّة.
نعم تعارض الجميع روايتا الحلبي، وأبي بصير، ولم يعمل المشهور بهما وليستا بحجة. (2)
هذا كلّه حول الصغرى وأمّا الكبرى، فيكفي في ذلك ما ورد حول كلالة الأُمّ من التقسيم بالسوية مطلقاً وكلالة الأب من التقسيم أثلاثاً بين الذكر والأُنثى. وفي الحقيقة يكون ما ورد في السنّة من جعل الجدّ والجدّة بمنزلة الأخ والأُخت، دليلاً حاكماً على آيات الكلالة، ومتصرّفاً في عقد وضعهما بجعل المصداق لهما ـ كما لايخفى.
واعطف نظرك على الصور التي ذكرناها في صدر البحث ولعلّ حكمها واضح. ولكن تأكيداً للبيان السابق نقول:
أمّا الأُولى: فيرثون الثلث بالسوية فرضاً، والباقي ردّاً وقرابة.

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 22.
(2) المصدر نفسه: الحديث 17و18.

صفحه 237
وأمّا الثانية: فيرثون و يقتسمون أثلاثاً.
وأمّا الثالثة: فلمن يرث لأُمّ، الثلث بالسوية ولمن يرث لأب، الثلثان أثلاثاً وينزل الجدّ والجدّة في كلا الطرفين منزلة الأخ والأُخت غير أنّهما في الوارث لأُمّ يرثون بالسوية، وفي الآخر، للذكر مثل حظّ الأُنثيين، وهكذا في الصور الأُخرى.
وأمّا الرابعة: فلمن يرث لأُمّ، الثلث وإن كانوا من صنف واحد، ولمن يرث لأب، الثلثان وإن كانوا من صنفين، والتقسم والتنزيل كما مرّ، ومنه يعلم حكم الصورة الخامسة فإنّها عكس الرابعة.
وأمّا السادسة: فللوارث لأُمّ، الثلث بالسوية، وللوارث لأب الثلثان والتقسيم والتنزيل كما مرّ، ولايؤثّر اشتمال كلّ طرف على صنف، فالملاك وجود من يرث لأُمّ، أو لأب، واحداً كان أو كثيراً، من صنف كان أو من صنفين.

صفحه 238

إرث الزوج والزوجة مع الإخوة والأجداد

إنّ الزوج والزوجة يجتمعان مع جميع الطبقات والمراتب ولاينقص نصيبهما المقدّر لهما، مع الولد وعدمه ولا بحال من الأحوال.
ففي مرسلة أبي المعزا (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «إنّ اللّه أدخل الزوج والزوجة على جميع أهل المواريث فلم ينقصهما من الربع والثمن». (2)
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يرث مع الأُمّ، ولا مع الأب، ولا مع الابن ولا مع الابنة إلاّ الزوج والزوجة وانّ الزوج لاينقص من النصف شيئاً إذا لم يكن ولد، والزوجة لاتنقص من الربع شيئاً إذا لم يكن ولد، فإذا كان معهما ولد فللزوج الربع وللمرأة الثمن». (3)
وعلى ذلك فلهما النصيب الأعلى مع الأجداد والإخوة، سواء اتفقت وصلتهم بأن كانوا جميعاً لأب وأُمّ، أو أب أو أُمّ، أو اختلفت بأن كان بعضهم كذلك وبعضهم لأُمّ، وإليك بعض صور المسألة:
1ـ لو اجتمع الزوج مثلاً مع كلالة الأُمّ، وكلالة الأب والأُمّ، وكلالة الأب، فالأخيرة لا ترث مع وجود كلالة الأب والأُمّ، فتبقى ثلاثة أصناف، ولو كان الصنف الثالث، إخوة يرث ما بقي بعد إخراج فرضي الزوج وكلالة الأُم. لعدم

(1) أبو المعزا ـ بكسر الميم والزاء المعجمة ـ هو حميد بن المثنى، قال النجاشي: ثقة ثقة. وفي السند «درست بن أبي منصور الواقفي، وحديثه قوي روى عن المشايخ».
(2) الوسائل : 17، الباب 1، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2و1.
(3) الوسائل : 17، الباب 1، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2و1.

صفحه 239
كونه ذا فرض، بل يرث قرابة ورحماً فيخرج النصف للزوج، ولكلالة الأُمّ السدس، إذا كان واحداً والثلث إذاكان متعدداً، فما بقي بعد النصف والسدس أو الثلث، فلكلالة الأب والأُمّ.
2ـ وأمّا إن كان الصنف الثالث (كلالة الأب والأُم) أُختاً واحدة أو أُختين، يلزم العول إذا أخذنا بظاهر الفروض فتتجاوز السهام من ستة إلى ثمانية إذا كانت أُختاً، وإلى تسعة إذا كانت أُختين، مع فرض تعدّد كلالة الأُمّ، وإن كانت واحدة تتنزّل إلى سبعة أو ثمانية.
وبما أنّ العول عندنا باطل، يرد النقص على كلالة الأب والأُمّ، وترث الباقي لأنّها في هذه الصورة ليست من أصحاب الفروض وأنّ استعمال النقص في حقّها نوع مسامحة.
وأمّا القائل بالعول، فهو يجمع السهام إلى تسعة أو ثمانية ويعطي ثلاثة أسهم للزوج من تسعة سهام، لا من ستة سهام، وهكذا، كلالة الأب و الأُمّ، وقد مرّ ما هو الحق.
وبما أنّ من عليه الغرم، فله الغنم، فلو بقي شيء بعد إخراج الفرائض يرد على كلالة الأب والأُمّ وذلك مثل الصورة التالية.
3ـ إذا مات الرجل عن زوجة وواحد من كلالة الأُمّ، وأُخت لأب وأُمّ، فللأُولى الربع، وللثانية السدس، وللثالثة النصف (ثلاثة أسداس) والباقي نصف السدس لها، وقد عرفت سابقاً قول الصادقين «فهم الذين يزادون وينقصون» . (1)
وقد أشبعنا الكلام فيما سبق عند البحث عن اجتماع كلالتي الأُمّ، مع كلالة الأب والأُمّ، أو الأب فقط والمخالف في الأوّل هو الفضل والعماني، وفي الثاني كثير مثل الصدوقين والشيخين وأتباعها حتى جعله المحقّق أولى فلا نعيد.

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد ، الحديث 2.

صفحه 240

مسائل ثلاث

المسألة الأُولى:

في اجتماع الجدّ الأعلى والأدنى مع الإخوة

لو اجتمع الجدّ الأعلى والأدنى، مع الإخوة شاركهم الأدنى دون الأعلى، لكون الأوّل أقرب سواء اتحدت جهتهما أم تعدّدت، فلايرث الأعلى للأب، ولو كان ذكراً مع وجود الأدنى للأُمّ ولو كان أُنثى.
نعم عند عدم وجود الأدنى، يشارك الأعلى مع الإخوة، وإن كانت الإخوة أقرب، لما ذكر سابقاً من أنّ الأقربية تمنع الأبعد في الصنف الواحد، لاالأبعد من الصنف الآخر، ولأجل ذلك يقاسم أولاد الأولاد عند عدم الأولاد، الأبوين للميت وإن كان الأخير ينتمي بواسطة، وأولاد الأولاد بواسطتين.
روى أبو بصير: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لجدّ يقاسم الإخوة حتّى يكون السُّبع خيراً له». (1)
والمسألة مورد اتّفاق والدليل هو صدق الجدّ عليه كصدقه على الأدنى.
نعم يترتب على ذلك ما كان يترتب على الأدنى.
إنّ الجدّ لأب كالأخ من قبله أو من قبل الأبوين، والجدّة كالأُخت، والجدّ لأُمّ كالأخ من قبلها وكذا الجدّة عند وجود الإخوة والأخوات، فلاحظ.

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 19.

صفحه 241

المسألة الثانية:

في إرث الأجداد الثمانية

للإنسان أب وأُم، وهما الواقعان في الدرجة الأُولى من درجات الأُصول.
ثمّ لأبيه أب وأُمّ، وكذلك لأُمّه أب وأُمّ، وهم الواقعون في الدرجة الثانية من درجات الأُصول.
ثمّ الأُصول في الدرجة الثالثة ثمانية، لأنّ لكلّ واحد من الأربعة أباً وأُمّاً فتضرب الأربعة في الاثنين فيكون مساوياً لثمانية، وفي الدرجة الرابعة ستة عشر بضرب الاثنين في ثمانية وهكذا. ولأجل أن تجسّد الأجداد الثمانية نقول:
إنّ الأُصول الأربعة عبارة عن:
1ـ أبي الأب
2ـ أُمّ الأب
3ـ أبي الأُمّ
4ـ أُمّ الأُمّ
ولكلّ من الأطراف الأربعة والدان، فإذا اجتمعوا يكونون ثمانية وإن شئت الترسيم فلاحظ الرسم التالي:
الوالدان الوالدان الوالدان الوالدان
لأبي الأب لأُمّ الأب لأبي الأُمّ لأُمّ الأُمّ

صفحه 242
ومن المعلوم: أنّ هؤلاء إنّما يرثون مع فقد الأجداد الدنيا الأربعة أخذاً بالضابطة المحقّقة في باب الارث من أنّه لايرث الأبعد إلاّ مع فقد الأدنى ذكراً كان أو أُنثى، لأب كان أو لأُمّ. فإذا فقد الأدنى من الأجداد يرث الأبعد منهم أي الأجداد الثمانية. وأمّا كيفية إرثهم، فلأجداد الأُمّ الأربعة، الثلث بالسوية ولأجداد الأب ثلثان، ثلثاهما للجدّين من قبل أبيه أي الوالدين لأبي الأب، أثلاثاً، والثلث للجدّين من قبل أُمّه، أي والدي أُمّ الأب أثلاثاً أيضاً. فهناك أحكام ثلاثة:
1ـ الثلثان لأجداد الأب والثلث لأجداد الأُمّ.
2ـ ثلثا الثلثين للجدّين من قبل أبيه، وثلث الثلثين للجدّين من قبل أُمّه.
3ـ انّ أجداد الأُمّ الأربعة يقتسمون بالسوية، وأجداد الأب، سواء كان والدي أبيه، أم والدي أُمّه يقتسمون أثلاثاً، والصنف الأوّل يقتسم الثلثين، والصنف الثاني يقتسم الثلث للذكر مثل حظّ الأُنثيين.
وإليك دراسة هذه الأحكام الثلاثة:
أمّا الحكم الأوّل: أي كون الثلثين لأجداد الأب، والثلث لأجداد الأُمّ فيمكن تقريبه بوجهين:
1ـ ما رواه أبو أيوب الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ في كتاب علي (عليه السلام) أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يُجر به، إلاّ أن يكون وارث أقرب إلى الميت منه فيحجبه» (1) إنّ المتبادر من «لرحم» ، هو الرحم الذي يتصل بالميت بلا واسطة، لا الرحم الذي يتصل به إلى الميّت ولو بواسطة أو بوسائط. وعلى ضوء ذلك فأجداد الأب، كلّهم يتصلون بالميت بالأب، وأجداد الأُمّ، كلّهم يتقرّبون إلى الميّت بالأُمّ وكلّ يرث، إرث من يتقرّب به فللأُمّ الثلث، يرثه أجداد الأُمّ، وللأب الباقي أي الثلثان يرثه أجداد الأب.

(1) الوسائل: 17، الباب 2من أبواب موجبات الإرث، الحديث1.

صفحه 243
نعم لو فسّرنا الرحم، بمن يتقرّب به إلى الميت ولو بوسائط يكون والد أُمّ الأب، بمنزلة الأُمّ (التي تجرّ بها إلى الأب الذي يجر به إلى الميّت) لا بمنزلة الأب، ولكنّه خلاف الظاهر، والمتبادر تنزيل الجميع منزلة الرحم الذي يتصل به بالميت بلا واسطة أي الحلقة المتصلة بالميت.
والحاصل: أنّ مقتضى الحديث كون أجداد الأب الأربعة، بمنزلته، وأجداد الأُمّ الأربعة بمنزلتها والكلّ يرث، إرث من يتقرّب به. حتّى انّ والدي أُمّ الأب يقومون مقام الأب لامقام الأُمّ.
2ـ ما ذكره العاملي في مفتاح الكرامة، وتبعه صاحب الجواهر من تنزيل أجداد الأب، منزلة كلالة الأب وأجداد الأُمّ، منزلة كلالة الأُمّ، فعند الاجتماع للأُولى الثلثان، وللثانية الثلث حسب تنصيص الذكر الحكيم. (1)
لكنّه قاصر في المقام، لأنّ التنزيل ـ كما مرّ ـ مختص بما إذا اجتمع الأجداد، مع الأخ والأُخت، فيكون الجدّ والجدّة من قبل الأُمّ، كالإخوة للأُم. ومثله الجدّ والجدّة من قبل الأب يكون بمنزلة الإخوة للأب، وأمّا الأجداد المجرّدة من الأخ والإخوة، فالتنزيل غير ثابت حتّى أنّ صاحب الجواهر اعترف بذلك في محلّه (2) وإن عدل عنه في محلّ آخر.
وأمّا الحكم الثاني: وهو التفريق بين أجداد الأب الأربعة، فالثلثان لجد الأب وجدّته من جانب أبيه، والثلث لجدّ الأب وجدّته من جانب أُمّه. فقد ذكره الشيخ وجماعة وادّعى عليه الشهرة وإن خالفه بعضهم كما سيجيئ.
لكن تطبيقه على القواعد المستنبطة من الروايات مشكل، فإذا كان كلّ رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به، فالكلّ منزّل منزلة الأب الذي هو الحلقة الأخيرة بين الأجداد الأربعة للأب، والميت، لاالمتوسط بين الأب والأجداد، أعني: أجداد

(1) الجواهر: 39/163 وسيجيئ نص المفتاح عند البحث عن الحكم الثالث.
(2) المصدر نفسه: 153.

صفحه 244
نفس الميت وعلى ذلك لا دليل للتفريق بين الأربعة بدفع الثلثين إلى الجدّين للأب من جانب الأب، والثلث إلى الجدّين للأب من جانب الأُمّ. بل المناسب لحاظ الأربعة مجموعة واحدة للذكر مثل حظّ الأُنثيين.
وإن شئت قلت: إنّ الأربعة ترث إرث من يتقرّبون به، وهو الأب، ونسبته إلى الأربعة على وجه مساو، فلاوجه للتفريق.
والضابطة الغالبية من أنّ من يتقرّب إلى الميت بالأب يقتسم فيه الذكر والأُنثى بالتفاوت، ومن يتقرب إليه بالأُمّ يقتسمان بالسوية، غير مضر في المقام فانّ المفروض أنّ الأجداد الأربعة للأب يتقرّبون كلّهم إلى الميّت بالأب، ولأجل عدم دليل كاف يقول صاحب الجواهر: إنّ الاحتياط ولو بالصلح وغيره لاينبغي تركه ـويردفه بقوله: ـ ولقد كفانا مؤنة ذلك ندرة وقوع الفرض. (1)
وأمّا الحكم الثالث فهو مقتضى القاعدة السابقة خصوصاً إذا قلنا بأنّ أجداد الأب، بحكم كلالة الأب، وأجداد الأُمّ بحكم كلالة الأُمّ، والحكم في الأُولى هو التقسيم على التفاوت، وفي الثانية هو التقسيم بالسوية.
يقول العاملي: قد دلّت الروايات على أنّ الإخوة والأجداد على نمط واحد فلأجداد الأُمّ، الثلث لأنّهم كلالة أُمّ فهم بمنزلة الإخوة والأخوات فيقتسمون بالسوية، وكذا أجداد الأب كالإخوة والأخوات من قبل الأب فالذكر بمنزلة الأخ والأُنثى بمنزلة الأُخت فتقسم حصّتهم للذكر مثل ضعف الأُنثى. (2)
هذا هو المشهور بين الفقهاء، وقد نقل الخلاف عن الشيخ معين الدّين المصري، والشيخ زين الدين البرزهي ونقلهما الشهيد الثاني في الروضة والمسالك، فلاحظ.

(1) الجواهر: 39/165.
(2) مفتاح الكرامة: 8/150.

صفحه 245

أمّا كيفية التقسيم:

فتوضيحه: أنّ المخرج هو الثلاث، والنصيب في جانب أقرباء الأُمّ هوالواحد والنصيب في جانب أقرباء الأب اثنان أخذاً بتقسيم التركة عليهم أثلاثاً.
ومن المعلوم أنّ كلّ واحد من النصيبين لايقبل الاقتسام على سهامهم، فلابدّ من تبديل النصيبين إلى مخرج قابل للتقسيم على جميع السهام وهو يتحصل بالنحو الآتي:
1ـ إنّ سهام أقرباء الأُمّ أربعة بحكم أنّهم يقتسمون بالسوية.
2ـ وسهام أقرباء الأب تسعة مع أنّ نصيبهم اثنان، وذلك لأنّ والدي أبي الأب ووالدي أُمّ الأب يقتسمان الثلثين أثلاثاً فيجب أن يكون هناك مخرج، له أيضاً ثلثان وثلث، ولثلثه أيضاً ثلث وهو ليس إلاّ عدد التسعة ويحصل ذلك بالنحو التالي: بضرب النصيب الثاني لوالدي أبي الأب وهو اثنان في ثلاثة بحكم أنّهم يقتسمون أثلاثاً فيكون ستة، وضرب النصيب الثاني لوالدي أُمّ الأب وهو واحد في ثلاثة بحكم أنّهم أيضاً يقتسمون أثلاثاً فيصير ثلاثة فيجمع الثلاثة والستة فيصير تسعة.
فيكون الحاصل أنّ سهام أقرباء الأُمّ هو أربعة حسب رؤوسهم.
وسهام أقرباء الأب تسعة مع أنّ نصيب الأوّل هو واحد ونصيب الثاني، هو اثنان وبما أنّ السهام تنوب عن النصيب فيحذف وتبقى السهام.
ثمّ إنّه يضرب الأربعة في تسعة وذلك للقاعدة المقررة في الرياضيات أنّه إذا

صفحه 246
كانت بين السهام مباينة يضرب واحد في الأُخرى ليحصل مخرج أرفع يشتمل على جميع الأسهم فيصير 36.
إلى هنا تمّ العمل الأوّل أي تبديل النصيبين إلى مخرج قابل للاقتسام على السهام وبقي بعده عمل آخر وهو تبديل أصل التركة إلى مخرج قابل للاقتسام على جميع السهام وبين العملين فرق واضح، فالعمل السابق مركز على تبديل النصيبين على السهام وهذا العمل مركّز على تبديل أصل التركة على السهام فلابدّ من رفعالمخرج إلى مخرج آخر بضرب أصل التركة وهو ثلاثة في هذا المخرج فيصير108.
إلى هنا تمّت كيفية العمل وأمّا صورته:
3 * 36 = 108
وبما أنّ أصل الفريضة هو الثلثان لأقرباء الأب والثلث لأقرباء الأُمّ يقسم المرتفع على الثلاث.
سهام أقرباء الأب 2 * 36 = 72
سهام أقرباء الأُمّ 1 * 36 = 36 108 : 3 = 36
فيقسم سهام أقرباء الأُمّ على أربعة، لأنّهم يرثون بالسوية:
فسهام كلّ من أقرباء الأُمّ تسعة 36 : 4 = 9
ويقسم سهام أقرباء الأب أثلاثاً:
فالحاصل: 72 : 3 = 24

صفحه 247
سهام والدي أبي الأب 2 × 24 = 48 سهام والدي أُمّ الأب 1×24 = 24
48 00 3 = 16 24 00 3 = 8
سهام أُمّ أبي الأب 1 × 16= 16 سهام أُمّ أُمّ الأب 1 × 8 = 8
سهام أبي أبي الأب 2 × 16 = 32 سهام أبي أُمّ الأب 2 × 8 = 16
ما ترك
32          31
جدودة الأب      جدودة الأُم
                     فلهم أربعة أسهم
32      31
والدا أبي الأب      والدا أُمّ الأب
فلهم ستة أسهم      فلهم ثلاثة أسهم

صفحه 248

المسألة الثالثة:

اجتماع أخ من أُمّ، مع ابن الأخ

قال المحقّق في الشرائع: «لو اجتمع أخ من أُمّ، مع ابن أخ لأب وأُمّ فالميراث كلّه للأخ لأنّه أقرب، ونقل عن ابن شاذان أنّه قال: له السدس، والباقي لابن الأخ والأُمّ لأنّه يجمع السببين. ثمّ ردّ عليه: بأنّه ضعيف لأنّ كثرة الأسباب، أثرها مع التساوي في الدرجة لا مع التفاوت.
توضيحه: أنّ حكم الإخوة حكم الأولاد والأجداد، فكما أنّ الأولاد في المرتبة الأُولى وإن كانت أُنثى، يمنعون عن أولاد الأولاد وإن كان ابن ابن. وهكذا الأجداد، فالأقرب إلى الميت وإن كان جدّة لأُمّ، يمنع الأبعد وإن كان جدّاً لأب. فهكذا الإخوة فهم صنف واحد سواء كانوا لأب وأُمّ أو لأحدهما أم متفرّقين. وعلى ضوء ذلك فالأخ من الأُمّ أقرب درجة من ابن الأخ للأبوين فيكون الميراث كلّه له: السدس بالفرض والباقي بالردّ، وعلى ذلك فما نقل عن ابن شاذان من أنّه قدّم ابن الأخ لأب وأُمّ، على الأخ من أُمّ، لكونه يجمع السببين إنّما يتم لو كان الوارثان في درجة واحدة كالأخ من أب وأُمّ، لا في درجتين كما هو واضح.
هذا حسب ما نقله المحقّق عنه، لكن الذي نقله عنه الكليني في الكافي (1) غير ذلك. والظاهر من كلامه أنّه جعل الإخوة صنفين:
1ـ إخوة الأُمّ 2ـ إخوة الأب والأُمّ أو الأب، فالأقرب من كلّ صنف يمنع

(1) الكليني: الكافي: 7/107.

صفحه 249
الأبعد، فالإخوة من أُمّ، مع الإخوة من الأب والأُمّ أو الأب عنده كالإخوة والأجداد أي صنفان مثلهما فكما لايمنع الجدّ الداني، ابن الأخ وإن كان أبعد بالنسبة إليه لكون الأوّل يتصل بالميت بواسطة، والثاني بواسطتين، فهكذا الأخ من أُمّ، لايمنع ابن الأخ من أب وأُم وإن كانت الواسطة في الثاني أكثر. والحاصل أنّ القرب بالأمومة، غيره بالأُبوة فهما حينئذ كالصنفين اللذين لايمنع القريب من أحدهما البعيدَ من الآخر، كالأب مع ولد الولد.
وعلى ذلك فإذا اجتمع الأخ للأُم، مع ابن الأخ للأب والأُم أو للأب، يأخذ الأوّل سدسه، لأنّه كلالة الأُم والثاني الجميع، لأنّه كلالة الأب. ولايحجب الأوّل، إرثَ الثاني لكونهما عن صنفين، بخلاف ما لو كان الأخ، للأب، وابن الأخ لأب وأُم، فانّ المال كلّه هنا للأخ من الأب، لأنّه أقرب ببطن، وقرابتهما من جهة واحدة، وهي الأب، والقرابة من أُمّ لاتأثير لها إذا كانت هناك قرابة من أب.
وبذلك تبيّن أنّه لا يعتمد ابن شاذان على ما ذكره المحقّق من تقديم من يجمع بين السببين، على من يجمع سبباً واحداً، بل يعتمد على أنّ الإخوة من أُمّ تغاير هنا مع الإخوة من أب، فالأقرب، من صنف لايمنع الأبعد من صنف آخر، ولأجل ذلك لو كانا من صنف واحد، لقدِّم الأقرب وإن كان ذا سبب واحد، كالأخ من أب، على من يجمع السببين من ذلك الصنف كابن الأخ من أُمّ وأب. لأنّ المناط هو الأب، وبما يشتركان فيه. والأقرب يمنع الأبعد.
وبذلك يظهر وجه ما نقله الكليني في الكافي عنه من تقديم غيره على كلالة الأُم إذا اختلفا في الجهة قال ما هذا توضيحه:
إذا اجتمع الأخ من أُمّ، مع ابن الأخ لأب أو بنته.
إذا اجتمع الأخ من أُمّ، مع ابن الأخ لأب أو لهما فنازلاً.
إذا اجتمع الأُخت من أُمّ مع ابن الأُخت وابن الأخوات لهما.

صفحه 250
فللأخ أو الأُخت من أُمّ، السدس والباقي لغيره لاختلاف جهة القرابة.
نعم يرد عليه: أنّه لا فرق بين الإخوة، والأجداد، والأولاد، فلماذا، جعل الإخوة من أُمّ، غير الإخوة من أب، صنفاً ولم يجعل الأجداد لأب، والأجداد لأُمّ، صنفين ومثله، ولد الابن مع ولد البنت، ولو كان السبب اختلاف سهم الإخوة لأُمّ مع الإخوة لأب، حيث إنّ للأُولى السدس أو الثلث، وللثانية الثلثين، أو خمسة أسداس فالأجداد والأولاد أيضاً كذلك. فانّ سهام الأجداد لأب يغاير سهام الأجداد لأُمّ، وهكذا أولاد الابن، مع أولاد البنت.

صفحه 251

خاتمة:

في أولاد الإخوة والأخوات

أولاد الإخوة و الأخوات من الأبوين أو من أحدهما يقومون مقام آبائهم عند عدمهم بلا خلاف نصاً وفتوى ويرث كلّ واحد منهم نصيب من يتقرّب به لقيامه مقامه وتنزيله منزلته. وتدل عليه:
1ـ صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ابن أُخت لأب، وابن أُخت لأُمّ ؟ قال: «لابن الأُخت من الأُم السدس، ولابن الأُخت من الأب، الباقي» . (1)
2ـ وخبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن ابن أخ الأب، وابن أخ لأُمّ ؟ قال: «لابن الأخ من الأُم، السدس، وما بقي فلابن الأخ من الأب» . (2)
ترى أنّ كلّ واحد يرث إرث من يتقرّب به، فلابن الأُخت للأُمّ، السدس، مثل الأُخت للأُمّ، ولابن الأُخت للأب، الباقي، مثل الأُخت للأب. ومثله ابن أخ لأب، وابن أخ لأُمّ.
3ـ معتبرة مالك بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تعطى ابن أخيه المسلم ثلثي ما تركه، وتعطى ابن أُخته المسلم ثلث ما ترك إن لم يكن له ولد». (3)

(1) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 11ـ ، في السند عمرو بن عثمان وهو ثقة يروي عنه ابن عقدة وهو يروي ـ حسب هذا السند ـ عن الحسن بن محبوب وعلى هذا هو من الطبقة السابعة لا من السادسة، كما في معجم الثقات، والحديث 12 ، وفي سنده محمدبن عبد اللّه بن هلال وهو لم يوثق، ولذلك وصفناه بالخبر، والحديث 15، ولاحظ الباب 2 من أبواب موانع الإرث والسند لا بأس به.
(2) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 11ـ ، في السند عمرو بن عثمان وهو ثقة يروي عنه ابن عقدة وهو يروي ـ حسب هذا السند ـ عن الحسن بن محبوب وعلى هذا هو من الطبقة السابعة لا من السادسة، كما في معجم الثقات، والحديث 12 ، وفي سنده محمدبن عبد اللّه بن هلال وهو لم يوثق، ولذلك وصفناه بالخبر، والحديث 15، ولاحظ الباب 2 من أبواب موانع الإرث والسند لا بأس به.
(3) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 11ـ ، في السند عمرو بن عثمان وهو ثقة يروي عنه ابن عقدة وهو يروي ـ حسب هذا السند ـ عن الحسن بن محبوب وعلى هذا هو من الطبقة السابعة لا من السادسة، كما في معجم الثقات، والحديث 12 ، وفي سنده محمدبن عبد اللّه بن هلال وهو لم يوثق، ولذلك وصفناه بالخبر، والحديث 15، ولاحظ الباب 2 من أبواب موانع الإرث والسند لا بأس به.

صفحه 252
ويعارضها رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: بنات أخ وابن أخ؟ قال: «لمال لابن الأخ» قلت: قرابتهم واحدة، قال: «لعاقلة والدية عليهم، وليس على النساء شيء» . (1)
والرواية متروكة وأشبه بقول المخالفين ويمكن حمله على ابن الأخ من الأبوين، وبنات أخ من الأب وحده، ومن المعلوم أنّ الأخ للأب لا ميراث له مع وجود الأخ للأبوين فكذا أولادهما.
هذا مجمل الأمر وإليك تفصيل صوره:

الف ـ حكم أولاد الإخوة للأبوين أو للأب: (2)

1ـ إن كان الوارث واحداً منهم، كانت التركة له.
2ـ وإن كانوا جماعة ذكراناً أو إناثاً يقتسمون بالسوية.
3ـ وإن اجتمعوا وكانوا ذكراناً وإناثاً فللذكر مثل حظّ الأُنثيين.

ب ـ حكم أولاد الإخوة من الأُمّ:

1ـ فإن كان واحداً فالتركة له.
2ـ وإن كانوا أكثر من واحد فيرثون الثلث بالفرض والباقي بالقرابة.
3ـ وإن كان مع الإخوة للأب والأُمّ، أو للأب، فله السدس إن كان واحداً أو الثلث إن كان أكثر، والباقي لأولاد الإخوة للأب والأُمّ، أو للأب عند فقدانهم.

(1) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 13.
(2) كل ما نذكره من الحكم للإخوة للأبوين، يجري في أولاد الإخوة للأب، عند عدم الصنف الأوّل كما سيوافيك التصريح به في المتن، فلاحظ.

صفحه 253
وأولاد كلالة الأُمّ يقتسمون كنفس كلالة الأُمّ بالسوية. كما إذا كانوا كلّهم أولاد أخ للأُمّ، أو أولاد أُخت للأُمّ أمّا لو كان واحد من أخ واثنان من أخ آخر فللأوّل تمام السدس (نصف الثلث) ولكل واحد من الآخرين نصف السدس (نصف نصف الثلث) لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد يرث من يتقرّب به.

ج ـ حكم أولاد الأُخت للأب والأُمّ أو للأب:

1ـ أولاد الأُخت، يرثون نصيب من يتقرّبون به، فالأُخت الواحدة إذا انحصر الوارث بها يأخذ النصف فرضاً والنصف الآخر قرابة، فهكذا أولادها إذا لم يكن وارث غيرهم من غير فرق بين الواحد والكثير.
2ـ إذا كان معهـم أولاد أخ أو أولاد الإخـوة للأُم، فلأولاد الأخ السدس، ولأولاد الإخوة السدسان (الثلث) لأنّهم يرثون إرث من يتقرّبون به، والأخ الواحد يرث السدس فهكذا أولاده، والأكثر يرث الثلث فهكذا أولادهم، والباقي لأولاد الإخوة للأب والأُمّ، أو للأب عند عدمهم.
3ـ أولاد الأُختين يرثون إرث من يتقرّبون به فالثلثـان لهم فرضاً والثلث الآخر، رداً إن لم يكن وارث آخر وإن كان معه أولاد أخ واحد، أو أُخت واحدة للأُمّ فالسدس لهم، ويرد السدس الباقي من الثلث، إلى أولاد الأُختين من أب وأُمّ أو من أب. وإن كان معهم زوج أو زوجة، يدخل النقص عليهم فللزوج أو الزوجة النصف أو الربع، ولأولاد الأخ أو الإخوة للأُم، السدس أو الثلث والباقي الذي هو أقلّ من الثلثين لهم، كما لو كان من يتقرب به حيّاً. حرفاً بحرف.
4ـ إذا لم يكن أولاد كلالة الأب والأُم، قام مقامهم، أولاد كلالة الأب في جميع ما ذكرنا ـ لما سبق غير مرّة ـ وفي صدر البحث أنّه لايرث أحد منهم مع وجود المتقرب بالأبوين لقول الصادق (عليه السلام) «وابن أخيك لأبيك وأُمّك أولى

صفحه 254
بك من ابن أخيك لأبيك» . (1)
5ـ وإن اجتمع ابن ابنة أخ لأب أو لهما ـ مع ـ ابنة ابن أخ كذلك، وكلاهما ينتهيان إلى أخ واحد قال صاحب الجواهر: كان للابنة ضعف سهم الذكر، وذلك:
لأنّ كلاً من الحفيد والسبط يرثان إرث من يتقرّب بهما. والسبط وإن كان ابناً يرث إرث أُمّه، والحفيد وإن كان بنتاً، يرث إرث أبيه. والأُمّ والأب يرثان الأخ أثلاثاً، لأنّه والدهما وهما أولادهما، فيرث أولادهما، إرثَ من يتقرّب بهما.
يلاحظ عليه: أنّه مخالف لما اختاره سابقاً من أنّ الملاك هو الحلقة الأخيرة التي بها يتصل الوارث بالميت وهو هنا «لأخ» لا ابنته ولا ابنه وعلى ذلك يحسب أن يقتسما أثلاثاً: الثلثان للذكور وإن كان ابن الابنة، والثلث للابنة وإن كانت ابنة الابن كما لا يخفى.
6ـ ولو كان الابن والابنة تنتهيان إلى أخوين، فلا يكون الأُمّ والأب ولدين لأب واحد حتّى يقتسما أثلاثاً، فكلّ واحد يرث إرث أبيه وهو النصف.
7ـ وإن اجتمع ابن ابنة أخ لأب أو لهما. وابنة ابنة أخ كذلك واتحدت أُمّهما بمعنى أنّه كان للأخ سبطان من بنت واحد أحدهما ذكر والآخر أُنثى كان الارث بينهما أثلاثاً، لأنّهما معاً يرثان إرث أُمّهما وأولاد الأُمّ الواحدة يقتسمان، ـ مع وحدة الأب ـ أثلاثاً، نعم لو لم يتحد، فإن كان للأخ، سبطان، من بنتين، كان المال بالسوية، لأنّ كلاً يرث إرث أُمّه، سواء كان الوارث ذكراً أو لا. (2)

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موجبات الارث، الحديث 2.
(2) وفي النفس من التفريق بين الصورتين شيء لأنّ الكل يتصل بالميت بالأخ ولازم ذلك هو التقسيم أثلاثاً فيهما، لأنّهم يرثون إرث أبيهم . وهم يرثون إرث الأب أثلاثاً مطلقاً، فلاحظ ذلك المطلب في بعض فروع الباب.

صفحه 255
8ـ لو اجتمع أولاد الكلالات الثلاثة، كان لأولاد كلالة الأُمّ الثلث، ولأولاد كلالة الأب والأُم الثلثان وسقط أولاد كلالة الأب بأولاد كلالة الأبوين كمن تقرّبوا به.
9ـ ولو اجتمع مع أولاد الإخوة، الأجداد قاسموهم كما يقاسموهم الإخوة، فأولاد الإخوة يقومون مقام آبائهم. وقد تضافرت النصوص على إرثهم مع الأجداد، ففي صحيح محمّد بن مسلم قال: نشر أبو جعفر (عليه السلام) صحيفة فأوّل ما تلقاني فيها: «بن أخ وجدّ، المال بينهما نصفان» فقلت: جعلت فداك إنّ القضاة عندنا لا يقضون لابن الأخ مع الجد بشيء؟ فقال: «إنّ هذا الكتاب بخطّ عليّ (عليه السلام) وإملاء رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم». (1)
10ـ وأمّا كيفية مقاسمة الإخوة مع الأجداد فقد مضى بيانه.
لايقال: إنّ تنزيل الجدّ منزلة الإخوة، يوجب حجب الجدّ أولاد الإخوة ومقاسمتهم معه كما هو الحال في الأخ الحقيقي حيث يمنع عن مشاركة أولاد الأخ معه.
لأنّا نقول: التنزيل سيق لبيان كيفية التقسيم ولا عموم فيه حتى يشمل الحجب، وبعبارة أُخرى التنزيل في الحكم لا الموضوع.
***

(1) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الإخوة و الأجداد، الحديث 1.

صفحه 256

المرتبة الثالثة: الأعمام والأخوال:

إنّ الوراثة في المذهب الإماميّ مبنيّ على قاعدة الأقرب فالأقرب أخذاً بقولهسبحانه: (وَ أُولُوا الأرْْحامِ بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ)(1) وهذه القاعدة محفوظة في جميع الطبقات الثلاث سواء شكّل الوارث عمود النسب أو حاشيته، فالوارث هو الأولى والأقرب إلى الميت، ولانخرج عن ذلك الأصل إلاّ بدليل.
ويظهر ذلك ببيان أمرين:
1ـ انّ الوارث تارة يشكل عمود النسب وهو الأبوان والأجداد، من جانب الفوق، والأولاد وإن نزلوا من جانب السفل، فلو افترضنا الميت محوراً، يكون من ولّده وإن علا، ومن هو ولّده وإن نزل من عمود النسب.
وأُخرى يكون من حواشيه كالإخوة والأخوات، والنابتة من جانب الأب والأُمّ، أو الأعمام والأخوال النابتة من جانب الأجداد، فالوارث تارة يشكل، العمود الفقري للولادة والنسب، وأُخرى، حواشيه ولو أحقه كما عرفت.
2ـ انّ للنسب طبقات ثلاث:
1ـ الأبوان من غير ارتفاع والولد وإن نزل.
2ـ الإخوة وأولادهم وإن نزلوا، والأجداد وإن علوا.
3ـ الأعمام والأخوال وأولادهم.

(1) الأنفال/75.

صفحه 257
والمقياس في ترتيب الطبقات هوالأقربية إلى الميت وإليك بيانها:
فالوالدان والأولاد في طبقة واحدة، لأنّ الأوّلين ولّدا الميت كما أنّ الميّت ولّد الثانية، فلأجل انتساب الأبوين من فوق، والأولاد من تحت إلى الميّت بسمة الولادة، صارا في طبقة واحدة.
والطبقة الثانية، أعني: الإخوة والأجداد لايتصلان بالميت بلاواسطة، فالأجداد ينتمون إلى الميت عن طريق الأبوين كما إنّ الإخوة ينتمون إلى الميت عن طريق الأب والأُمّ، فلأجل ذلك عدّ الجميع في طبقة ثانية.
وأمّا الطبقة الثالثة، فالأعمام والعمّات ينتمون إلى الميت بسببين: الأجداد والآباء كما انّ الأخوال والخالات ينتمون إلى الميت بسببين، الجدّات والأُمّهات وهذا هو الباعث إلى جعل طبقات الإرث ثلاثة وجعل الميت محوراً وتقديم الأقرب على الأبعد.
ومن هنا يعلم أنّ المقياس ليس هو قلّة الوسائط وكثرتها، وإلاّ لاختلّ النظام ويلزم أن يرث الأخ مع ابن الابن، لكونهما يتصلان بالميت بواسطة، أو يرث العمُّ مع ابنِ ابنِ الابنِ، لأنّ الكلّ ينتميان بواسطتين مع أنّه باطل بضرورة المذهب. بل المقياس، الأقربية والأبعدية، فربما يكون كثير الوسائط أقرب إلى الميت وإن كان قليلها، فابن ابن الابن يرث من دون الأخ للميّت مع أنّ الأخ ينتمي إلى الميت بواسطة الأب والأُمّ وهي واسطة واحدة، والنجل المذكور ينتمي بواسطتين. وما هذا إلاّ لأنّ النجل ينتمي إلى الميت عن طريق الولادة بلاواسطة عنوان آخر، فيصير هو في النتيجة ولد الميت، وأمّا الأخ فإنّما ينتمي إلى الميت بواسطة عنوان مغاير معه وهو الأب أو الأُمّ، فلولاهما لما ورث الأخ من الميت، فلايكون الأخ من أولاد الميت، بل من أولاد الأب والأُم، ومن المعلوم أنّ أولاد الميت مقدّم على أولاد

صفحه 258
الأب والأُم. (1)
ومن هنا يعلم أنّ ابن الابن أحقّ من ابن الأخ، وإن كان الواسطة متساوية، لأنّ ابن الابن يتصل بالميت بواسطة أبيه أي ابن الميت، والأخ يتصل بالميت بواسطة أبيه وأُمّه، ومع ذلك فابن الابن من الطبقة الأُولى دون ابن الأخ وذلك لأنّ ابن الابن من ولد الميت، والأخ من ولد الأب، وولد الميت أحقّ من ولد الأب، وإن كانت الوسائط متساوية.
كما انّ ابن الابن أحقّ من نفس الأخ أيضاً، لأنّ الأوّل من ولد الميت والأخ ليس من ولد الميت، بل من ولد الأب.
ومن ذلك يعلم أيضاً وجه تقدّم ابن الأخ على العمّ، لأنّ ولد الأخ ولد الأب، والعم ولد الجد، والأوّل أحقّ. وبذلك يعلم أنّ عمّ الميّت وخاله أولى من عمّ أبيه وخاله، لأنّ الأوّل من أولاد الجدّ، بخلاف عمّ أبيه وخاله فانّهما من أولاد أبي الجدّ، وكما انّ الجدّ الأدنى أولى من الجدّ الأبعد، فولده مقدّم على ولد الثاني.
إذا عرفت تلك المقدمة فلندخل في صلب البحث فنقول:
تضافر النصّ على أنّ الأعمام والأخوال إنّما يرثون إذا لم يوجد أحد من

(1) فان قلت: على هذا يجب أن يرث الجد والجدة مع ابن الابن فضلاً عن ابن ابن الابن، لأنّ النجل يرث عن طريق الولادة من الميّت بلا توسط عنوان، والجدّ يرث الميّت عن طريق الولادة لكن بما أنّه مولد له، مع أنّ المتفق عليه حرمان الأجداد مع وجود الأبناء وإن نزلوا.
قلت: الفرق بينهما مضافاً إلى النص الوارد في رواية يزيد الكناسي (الباب الأوّل من أبواب موجبات الارث، الحديث 2) هو أنّ النجل وإن سفل يرث سهم أبيه ويقوم مقامه، وهذا بخلاف الجد فانّه لا يرث سهم الأب والأُم، فانّ الأب والأُمّ يرثان السدس والثلث وهذا بخلاف الجد، فلهما ميراث كالإخوة والأخوات مستقل لا يتابِع ميراثَ ولديه: الأب والأُم. فلم ينزل الجد والجدة منزلة الأب والأُم بخلاف أولاد الأولاد، فقد نزلت منزله الأب والأُم يرثون إرثهم فلأجل ذلك صار الجد والجدة من الطبقة الثانية دون أولاد الأولاد.

صفحه 259
الطبقة السابقة. ففي صحيحة يزيد الكناسي: «وابن أخيك من أبيك، أولى بك من عمّك» وفي صحيحة أبي (1)بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لخالوالخالة يرثان إذا لم يكن معهما أحد يرث غيرهم إنّ اللّه تبـارك وتعالى يقول: (وَ أُولُوا الأرْْحامِ بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ)» . (2)
وبالبيان السابق علم ضعف القولين التاليين:
1ـ ما نسب إلى الفضل بن شاذان: انّه شرّك بين الخال والجدّة للأُمّ وقال: إنّ المال بينهما نصفان... وجه الضعف أنّ الجدّة تنتمي إلى الميت بواسطة الأب، والخال ينتمي إلى الميت بواسطة الجدّة لأنّها بنت الجدّة، والمنتمي للميت من جانب الأب مقدّم على المنتمي له من جانب الجدّ، فكما انّ الأبّ متقدّم على الجدّ فكذا المنتمي له على غيره.
نعم أنكر الشهيد النسبة وانّه قال في كتابه: «لو ترك جدّته وعمّته وخالته فالمال للجدّة» .
2ـ ما نسب إلى يونس حيث شرّك بين العمة والخالة وأُمّ الأب. مع أنّ الجدّة (أُمّ الأب) متقدمة على الأوّلين، لأنّها تنتمي إلى الميّت بواسطة أبيه أو أُمّه، بخلاف العمّة والخالة فإنّهما تنتميان إلى الميّت بواسطة الجدّ والجدّة، لأنّ العمّة بنت الجدّ، والخالة بنت الجدّة، فإذا كان الأب متقدماً على الجدّ، يكون المنتمي به متقدّماً على المنتمي بالثاني.
3ـ شرّك أيضاً بين العمّ وابن الأخ مع أنّ الثاني أقرب من الأوّل، لأنّ ابن الأخ من أولاد أبي الميت والعمّ من أولاد جدّه، فكما أنّ الأب مقدّم على الجدّ فهكذا أولاده. وعلى كلّ تقدير، فطبقة العمومة والخؤلة متأخّرة عن الإخوة والأخوات كما

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موجبات الارث، الحديث 2.
(2) المصدر نفسه: الباب1، من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 1.

صفحه 260
صرّح به الإمام في رواية يزيد الكناسي حيث قال (عليه السلام) :
«وابن أخيك من أبيك أولى بك من عمّك. قال: وعمّك أخو أبيك من أبيه وأُمّه أولى بك من عمّك أخي أبيك من أبيه. قال: وعمّك أخو أبيك من أبيه أولى بك من عمّك أخي أبيك لأُمّه. قال: وابن عمّك أخي أبيك من أبيه وأُمّه أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأُمّه» . (1)

أحكام إرث العمّ والعمّة:

إنّ لإرث العمومة صوراً نذكرها:
الصورة الأُولى: إذا انفرد العمّ يرث المال كلّه وكذا العمّان والأعمام يقتسمون المال بالسوية.
الصورة الثانيـة: إذا انحصر الوارث في العمّة واحدة كانت أو أكثر، فالمال لها، أو لهنّ يقتسمن بالسوية.
الصورة الثالثـة: إذا اجتمع العمّ والعمّة وتساووا في جهة القرابة بأن كان الوارث:
الف: عمّاً وعمّةً بالأب والأُمّ معاً فقط.
ب: عمّاً وعمّةً للأب وحده فقط.
ج: عمّاً وعمّة للأُمّ وحدها فقط.
أما الصنف الأوّل والثاني فيقتسمان بالتفاوت لوجهين:
الأوّل: الأصل في الشركة وإن كان هو التساوي لكن ذلك الأصل انقلب في

(1) الوسائل: 17، الباب1، من أبواب موجبات الارث ، الحديث 2.

صفحه 261
باب الارث في المتقرّبين إلى الميّت بالأب إلى التفاضل، وإن بقي على حاله في المتقربين إلى الميت بالأُمّ بين الرجل والمرأة، ودلّ عليه الكتاب والسنّة. أمّا الكتاب ففي موردين: الأولاد، (1) والإخوة والأخوات (2) .
وأمّا السنّة فقد تضافرت على أنّ المرأة ليس عليها جهاد ولانفقة ولامعقلة وإنّما ذلك على الرجال، فلذلك جعل للمرأة سهماً واحداً وللرجل سهمين. (3)
الثاني: خبر سلمة بن محرز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال في عمّ وعمّة، قال: «للعمّ الثلثان، وللعمّة الثلث» (4).
هذا كلّه حول الصنف الأوّل والثاني.
بقي الكلام في الصنف الثالث، أعني: إذا كان الوارث عمّاًً وعمّة لأُمّ، فالظاهر من المحقّق حيث أطلق ولم يفرّق بين الأصناف الثلاثة، وقال: فللذكر مثل حظّ الأُنثيين، هو التقسيم بالتفاوت.
ولكن صريح العلاّمة في القواعد هو التقسيم بالسوية. قال: ولو اجتمعوا فللذكر نصـف الأُنثى إن كانوا من الأبوين أو من الأب وإلاّ بالسوية... مع تساوي الدرج.
أقول: إنّ لكلّ من القولين دليلاً.
أمّا ما يدل على قول المحقّق فلما عرفت من أنّ الأصل الثانوي في الميراث في المتقرّبين إلى الميّت بالأب التفاوت مضافاً إلى إطلاق خبر سلمة بن محرز حيث لم يفرّّق بين كونهما لأبوين أو لأب أو لأُمّ، وقد حكى هذا القول عن الفضل والصدوق والمفيد وابن زهرة.

(1) النساء/11ـ أعني قوله سبحانه:(يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأُنثيين) .
(2) النساء/176 ـ أعني قوله سبحانه:(وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظّ الأُنثيين).
(3) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب ميراث الأولاد، الحديث 1ـ 5.
(4) المصدر نفسه: الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 9.

صفحه 262
وأمّا ما يدل على قول العلاّمة في القواعد فأُمور:
1ـ آية الكلالة، حيث يقول سبحانه: (فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ في الثُّلث) (1) بادّعاء أنّ المراد من الكلالة ما كان من الأقارب على حواشي النسب دون عموده، وإن ذكر الأخ والأُخت على سبيل المثال فتعمّ الأعمام والعمّات.
2ـ إنّ المتبادر من العمّ والعمّة في خبر سلمة بن محرز، هو العم للأبوين أو الأب لمكان الغلبة، فانّ العمّ من طرف الأُمّ قليل جدّاً بالنسبة إلى العمّ للأبوين والعمّ للأب، بل هو أيضاً قليل بالنسبة إلى العمّ للأبوين، فيحمل المطلق على المتبادر الشائع وكذا العمّة.
3ـ إنّ كون السدس نصيب من يتقرّب بالأُمّ إذا اجتمع المتفرّقون (الصورة الرابعة الآتية) أقوى شاهد على أنّ القسمة بينهم بالسوية، إلاّ أن يتأمل في هذا أيضاً كما يلوح من عبارة المجمع (2) .
يلاحظ على الأوّل: بأنّ الإطلاق الشائع في الكلالة هو الأخ والأُخت، وإطلاقه على مطلق من يقع في حواشي النسب إمّا غير ثابت أو إطلاق نادر، فلايمكن الاستدلال بشيء لم يثبت.
ويلاحظ على الثاني: بأنّ ما يوجب الانصراف هو الغلبة في الاستعمال لاالوجود، كما هو محـرز في الأُصول.
وأمّا على الثالث: فسيوافيك أنّ الحقّ فيه أيضاً التفاوت، وذلك لأنّ الذي يربطه إلى الميّت كونه أخاً لأبي الميّت، فحلقة الاتصال بين العمّ والميّت هو أبو الميّت والأصل في الوراثة من جانب الأب، هو التفاوت.

(1) النساء/12.
(2) مفتاح الكرامة: 8/163.

صفحه 263
وأمّا وحدتهما في الأب والأُمّ، أو في الأُمّ إنّما يؤثِّر في قوة الصلة بين العمّ والأب، لافي صلة العمّ بالميّت فصلة الميت بالعم لأجل كونه أخاً لأبي الميّت وهو محفوظ في الأصناف الثلاثة، وعلى ذلك، يجب أن تكون القسمة بالتفاوت في الأصناف الثلاثة، فالأعمام بأصنافهم من أقرباء الأب لامن أقرباء أُمّ الميّت، ولأجل ذلك احتاط بالتصالح الاُستاذ في العمّ لأُمّ في غالب الموارد، قال: وقال: لو كان الوارث منحصراً بالعمومة من قبل الأُمّ فالتركة لهم ومع التعدد واتحاد الجنس يقسم بالسوية ومع الاختلاف لايترك الاحتياط بالتصالح والتراضي. (1)
فالقول بالتقسيم بالتفاوت أقوى من القول بالتقسيم بالسوية، وإن كان التصالح أحوط.
الصورة الرابعة: إذا اجتمع العمّ والعمّة وكانوا متفرّقين من جهة القرابة بأن كان بعضهم للأبوين والبعض الآخر للأب والبعض الثالث للأُمّ، وبعبارة أُخرى اجتمعت العمومة من قبل الأبوين، مع العمومة من قبل الأب، والعمومة من قبل الأُمّ. وعلى أُصول أهل السنّة فيقدّم العمّ للأبوين على الصنفين الآخرين لأجل العصبة حتى العمّة للأبوين، لأنّه أولى ذكر منهم يظهر ذلك من كلام ابن قدامة في فرع آخر وهو «نّه إذا مات عن ثلاث بنات عمومة مفترقين، قال الخرقي في المتن: المال لبنت العمّ من الأب والأُمّ لأنّهنّ أقمن مقام آبائهنّ، وفسّره ابن قدامة بقوله: ولو كان آباؤهنّ أحياء لكان المال للعمّ من الأبوين ولما كان هنا توهم أنّه يجب على هذا، أن لايرث بنت الأخ من أُمّ مع بنت الأخ للأبوين أجاب عنه بقوله: وفارق بنات الإخوة لأنّ آبائهن يكون المال بينهم على ستة ويرث الأخ من الأُمّ مع الأخ من الأبوين بخلاف العمومة. (2)

(1) تحرير الوسيلة : كتاب المواريث المرتبة الثالثة الأعمام والأخوال، المسألة 2ص389.
(2) المغني: 6/297.

صفحه 264
وأمّا معاشر أصحابنا الإمامية فقد اتّفقوا على الأُمور الأربعة التالية:
1ـ إنّ العمّ والعمّة للأبوين يحجبان العمّ والعمّة للأب كما هو الحال في الإخوة على ما مرّ.
2ـ إذا فقد العمّ والعمّة للأبوين ينوب مكانهما العمّ والعمّة للأب.
3ـ إنّ للعمّ والعمّة للأبوين الثلثين من التركة والثلث الآخر للعمّ للأُمّ، وإن انحصر الوارث من الأُمّ بواحد فله السدس، والباقي للآخرين.
4ـ إنّ العمّ والعمّة للأبوين يقتسمان الثلثين أو بإضافة السدس أثلاثاً فللذكر مثل حظّ الأُنثيين نحو كلالة الأبوين، وأمّا العمّ والعمّة للأُمّ فيقتسمان الثلث بالسوية نحو كلالة الأُمّ.
هذا ما اتفقت عليه كلمتهم وادّعى الإجماع على كل واحد فلنبحث عن مداركها ومصادرها.
أمّا الأوّل: أي حجب العمّ والعمّة للأبوين الأُخر فيدل عليه قوله (عليه السلام) في صحيح الكناسي: «وعمّك أخو أبيك من أبيه وأُمّه، أولى بك من عمّك أخي أبيك من أبيه».
فإن قلت: إنّ هذه العبارة بنفسها وردت في العمّ للأب بالنسبة إلى العمّ للأُمّ. قال (عليه السلام) : «وعمّك أخو أبيك من أبيه، أولى بك من عمّك أخي أبيك لأُمّه» مع أنّ الأصحاب لايقولون فيه بالحجب بمعنى الحرمان، بل بالحجب على نحو الزيادة أي يكون ميراث العمّ للأب أزيد من ميراث العمّ للأُمّ، فلماذا فسرت هذه الأولوية في جانب العمّ للأبوين بالنسبة إلى العمّ للأب بالحجب بمعنى الحرمان.
قلت: إنّ الداعي إلى ذلك التفسير هو الإجماع، وذلك لأنّ الأصل في

صفحه 265
الحجب هو الحرمان إلاّ ما دلّ الدليل على كون الحجب بمعنى الزيادة وذلك في موردين:
1ـ الأخ والأُخت للأب بالنسبة إلى الأخ والأُخت للأُم.
2ـ العمّ والعمّة للأب بالنسبة إلى العمّ والعمّة للأُمّ.
وأمّا الثاني: أي قيام العمّ للأب مكان العمّ للأب والأُمّ فيمكن الاستدلال عليه بأمرين:
1ـ استفادة حكمه من قوله (عليه السلام) في مورد ابن الابن، فقد ورد فيه: «بنك أولى من ابن ابنك»، ومن المعلوم أنّ ابن الابن يقوم مقام الابن عند عدمه، فليكن كذلك في العمّ للأبوين بالنسبة إلى العمّ للأب لوحدة التعبير في المقيس والمقيس عليه في صحيحة الكناسي.
2ـ إنّ المقتضي للوراثة هو العمومة للميت والإخوة لأبي الميت والصلة بالأب من جانب الجدّ، والمانع هو أولوية المتقرب للأب والأُمّ منه، فهو يتصل بالميت عن طريق الأب والأُمّ بخلاف الآخر فانّه يتصل بالأب فقط، فإذا فقد المانع يؤثر المقتضي أثره.
وأمّا الثالث: أي كون الثلثين للعمّ والعمّة للأبوين، والثلث للعمّ والعمّة للأُمّ، والسدس إذا انحصر بواحد منهما، فيمكن الاستدلال عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ العمّ والعمّة يتلقيان الارث من أبي الميت، لا من الميت نفسه وذلك لأنّ العمّ والعمّة إخوة لأبي الميت، فكأنّهما يتلقيان الارث عن الأب المفروض فوته، فبما أنّ العمّ والعمّة للأبوين وللأُم إخوة وأخوات للأب يكون الكل بحكم الكلالة، ومن المعلوم أنّ كلالة الأب لها الثلثان، وكلالة الأُمّ له الثلث.

صفحه 266
وبعبارة أُخرى: أنّ العمّ والعمّة ليسا إخوة للميت حتى يكونا كلالة حقيقة، بل إخوة أو أخوات لأبي الميت، فلو فرضنا أنّهما يتلقيان الارث ممن به يتصلان بالميت وهو الأب، يصير المورِّث الحقيقي بعد الميت هو الأب، فبما أنّ العمّ والعمّة في الدرجة الثانية إخوة للمورِّث الاعتباري وهو الأب، يجري عليهما أحكام الإخوة المختلفة من حيث الاتصال بالأبوين، أو بالأُمّ. هذا هو البيان الذي أشار إليه صاحب الجواهر بكلمة قصيرة وقال: ولعلّ الوجه في ذلك أنّه لما كان تقربهم إلى الميّت بالإخوة قاموا مقام كلالة الميّت التي قد عرفت أنّ ارثها كذلك. (1)
الثاني: وهو أنّ العمّ والعمّة يرثان إرث من يتقربون إلى الميّت، وليس هو الأب كما في البيان السابق، بل الذي ربطه بالميت هو الجدّ والجدّة فإنّ العمّ والعمّة للأُمّ من أبناء الجدّة للميّت كما أنّ العمّ والعمّة للأب والأُمّ من أبناء الجدّ للميت، وهما مطلقاً يرثان إرث من يتقرّبون به والمتقرّب به في العمّ والعمّة للأُمّ هو الجدّة. وفي العمّ والعمّة للأبوين هو الجدّ والجدّة فكأنّ الميّت مات وترك جدّة وجدّاً، ومن المعلوم أنّ للجدّة الثلث، وللجدّ الثلثين، والثلث ينتقل لأبناء الجدّة وهو العمّ والعمّة للأُمّ، والثلثان ينتقل إلى العمّ والعمّة للأبوين، وإلى ذلك يشير قوله (عليه السلام) في صحيحة الخزاز: «إنّ في كتاب علي (عليه السلام) : إنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يُجرَّ به إلاّ أن يكون وارث أقرب إلى الميّت منه فيحجبه». (2)
وبذلك يعلم حكم الأمر الرابع وهو تقسيم العمّ والعمّة للأبوين أثلاثاً كما هو الحال في المنسوبين إلى الميّت بواسطة الأب والجدّ، أو للأب، وتقسيم العمّ والعمّة للأُمّ بالسوية كما هو الحال في المنسوبين إليه بالأُمّ والجدّة. وبهذا ظهر كون الأُمور الأربعة موافقة للقاعدة مضافاً إلى الإجماع المدعى.

(1) الجواهر: 39/176.
(2) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب موجبات الإرث، الحديث1.

صفحه 267
يلاحظ عليه: أنّ الميزان في تطبيق القاعدة هو الفرد الذي به يتحقق أصل الاتصال بالميت وهو الأب، لاالجدّ والجدّة اللذان يتصلان بالميت بواسطة الأب، فلو كان المورد من مصاديق القاعدة، فيجب أن يرث العمّان، إرثَ الأب وينزّلا منزلته إذ هو الرحم الذي يجرّان به لاالجدّ أو الجدّة.
ويبدو أنّ جميع جوانب المسألة لم تكن واضحة لدى السيد الاُستاذ فاحتاط بالتصالح في بعض جوانبها قال: لو اجتمع العمومة من قبل الأبوين، أو من قبل الأب، مع العمومة من قبل الأُمّ فالسدس لعمومة الأُمّ مع الانفراد والثلث مع التعدد، يقسم بالسوية مع وحدة الجنس ويحتاط بالصلح مع الاختلاف، والباقي للعمومة من قبل الأبوين أو الأب للذكر ضعف الأُنثى مع الاختلاف. (1)

مسألة: ابن عمّ مع عمّ، ابن خال مع خال:

قد عرفت سابقاً أنّ المتقدم رتبة، متقدّم على المتأخر رتبة وإن كانا من طبقة واحدة ولأجل ذلك لايرث ابن الابن مع الابن، ولاابن الأخ مع وجود الأخ، ولاالجدّ الأعلى مع الجدّ الأدنى فالتقدّم الرتبي مع الوحدة في الطبقة حاجب للمتأخر حجب حرمان، وعلى ذلك فلا يرث:
1ـ ابن عمّ مع عم.
2ـ ولا ابن خال مع خال.
3ـ ولا ابن عمّ مع خال.
4ـ ولا ابن خال مع عمّ.
والضابطة الكلية أنّه لايرث الأبعد مع وجود الأقرب.
نعم اتّفقت كلمتهم على استثناء مورد واحد وهو أنّ ابن عمّ لأب وأُمّ، مقدّم على العمّ لأب.

(1) تحرير الوسيلة: 2/389، المسألة الثالثة من مسائل ميراث الأعمام والأخوال.

صفحه 268
وفقهاؤنا على طائفتين; منهم من جعل الاستثناء على وفاق القاعدة وأنّ ابن العمّ لأب وأُمّ، أقرب من العمّ لأب، فيكون الاستثناء منقطعاً. ومنهم من جعله على خلافها وأنّ الحكم تعبّدي. فمن الطائفة الأُولى الصدوق والمفيد، قال الأوّل: فإن ترك عمّاً لأب وابن عمّ لأب وأُمّ، فالمال كلّه لابن العمّ للأب والأُمّ لأنّه قد جمع بينالكلالتين كلالة الأب وكلالة الأُمّ وذلك بالخبر الصحيح المأثور عن الأئمة.(1)
وقال المفيد: «ولايرث ابن العمّ مع العمّ ولا ابن الخال مع الخال، إلاّ أن يختلف أسبابهما في النسب فيكون العمّ لأب وابن العمّ لأب وأُمّ، فإن كانا كذلك، كان ابنُ العمّ لأب وأُمّ، أحقّ بالميراث من العمّ للأب لأنّ ابن العمّ يتقرّب إلى الميّت بسببين والعمّ بسبب واحد (ولما رأى أنّ ذلك ينتقض في مورد ابن الأخ لأب وأُمّ، مع الأخ لأب، حاول أن يرد النقض بقوله) وليس كذلك حكم الأخ للأب، وابن الأخ للأب والأُمّ، لأنّ الأخ وارث بالتسمية الصريحة وابن الأخ وارث بالرحم دون التسمية، ومن ورث بالتسمية حجب من يستحق الميراث بالرحم دون التسمية، والعمّ وابن العمّ فإنّما يرثان بالقربى دون التسمية فمن تقرب بسببين منهما كان أحقّ ممّن تقرب بسبب واحد على ما بيّنا، لقول اللّه عزّ وجلّ: (وَ أولوا الأرحام) (2) والعمّ وإن ارتفع على ابن العمّ فقد لحقه ابن العمّ في رتبته للسببيّة من الأُم، وحصل له من كلالة الأب والأُمّ ما يحجب به الأخ، أخاه من الأب من القوّة على ما قدّمناه. (3)
ولأجل كون الاستثناء على وفاق القاعدة نسب العاملي إلى الصدوق والمفيد

(1) الفقيه: 4/212.
(2) الأحزاب/6.
(3) المقنعة: 692ـ693.

صفحه 269
أنّ ابن الخال للأبوين يحجب الخال للأب (1) لما عرفت من قضية التعليل الذي استندوا إليه. (2)
ومن الطائفة الثانية ابن إدريس الحلّـي فقصر الحكم على خصوص هذه المسألة وعيّنها وشخّصها كما هو الشأن في كلّ ما خرج عن القاعدة قال: انّهم إنّما أجمعوا على العين والصورة والصيغة (3) وقال ابن حمزة في الوسيلة. (4)
وسيوافيك أنّ الحقّ ـ على فرض ثبوت الحكم ـ أنّ كلّ موضع تحقّق ما ورد في النص من الموضوع، يسري الحكم إليه فيسري إلى ما إذا تعدد ابن العمّ، للأب والأُمّ أو تعدد العمّ للأب أو كان هناك زوج وزوجة.
ويدل على الحكم ـ وراء الإجماع المسلّم ـ ما يلي:
روى الشيخ في التهذيب باسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن محمّد ابن بكر عن صفوان بن خالد، عن إبراهيم بن محمّد بن مهاجر عن الحسن بن عمارة، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أيّما أقرب، ابن عمّ لأب وأُمّ، أو عمّ لأب؟» قال: قلت: حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه كان يقول: «أعيان بني الأُمّ أقرب من بني العلات»، قال: فاستوى جالساً ثمّ قال: «جئت بها من عين صافية إنّ عبد اللّه أبا رسول اللّه، أخو أبي طالب لأبيه وأُمّه». (5)

(1) وهو مخالف لإطلاق رواية سلمة بن محرز، الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام، الحديث 5. ببيان أنّه إذا كان ابن العمّ لايحجب ابن خالة بل يكون المال بينهما كما في الحديث فكيف يحجب الخال. اللّهمّ إلاّ أن ينكر الإطلاق ويحمل عدم الحجب للخال للأب والأُمّ، لاالخال للأب بل كان هو خارجاً عن نصب الرواية.
(2) مفتاح الكرامة: 8/ 165 وليس في المقنعة منه أثر.
(3) السرائر : 3/241.
(4) الينابيع الفقهية: 22/280 نقلاً عن الوسيلة.
(5) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 2.

صفحه 270
وإليك دراسة السند:
1ـ الحسن بن محمّد بن سماعة الصيرفي من شيوخ الواقفة كثير الحديث فقيه ثقة وكان يعاند في الوقف يتعصب، كما ذكره النجاشي.
2ـ محمّد بن بكر بن جناح ثقة توفي عام 263 وصلّى عليه تلميذه الحسن بن محمّد بن سماعة.
3ـ صفوان بن خالد.
4ـ إبراهيم بن محمّد بن مهاجر: لم يعنونا في رجالنا.
5ـ الحسن بن عمارة: عنونه الشيخ في رجاله وقال: إنّه عامي من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام). وعنونه الذهبي في ميزان الاعتدال وقال: كان من كبار الفقهاء في زمانه وليّ قضاء بغداد (1) وما هذا حاله فكيف يعتمد عليه، إلاّ أن يؤيد بإتقان المتن. وعلى تقدير الحجية فالرواية تهدف إلى أنّ عليّاً أولى بالوراثة من العباس عمّ النبيّ لأنّ الأوّل ابن عمّ النبيّ أباً وأخاً، والثاني، عمّه أباً.
وقوله: «من عين صافية»، يقابله ما ربما يقال: «من جراب النّورة» ويستعمل فيما إذا صدر عن تقية وتخالفة: مكاتبة محمّد بن يحيى الخراساني: أوصى إلى رجل ولم يخلف إلاّ بني عمّ وبنات عمّ وعمّ أب وعمين لمن الميراث؟ فكتب: «أهل العصبة وبنو العمّ» (2) يريد من العصبة العمّ وبما أنّه شرّك العمّ مع ابن العمّ حمله الشيخ على التقية، وعلى كلّ تقدير فالرواية معرض عنها والمسألة إجماعية.

إذا تغيّرت الصورة فهل يتغير الحكم أو لا ؟

إنّ مورد النصّ هو ما إذا اجتمع ابن العمّ للأب والأُمّ مع العمّ للأب، مع

(1) قاموس الرجال: 3/335ـ336.
(2) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 3.

صفحه 271
انحصار الوارث فيهما، وعندئذ يقع الكلام في اختصاص الحكم بنفس هذه الصورة أو عموميته لما سواها.
أقول: إنّ التغير على قسمين:
1ـ أن يتغير الشكل والصورة ولايتغير جوهرها في نظر العرف بحيث يكون العرف مساعداً لإسراء الحكم من المنصوص إلى غيره، كما إذا تعدّد ابن العمّ للأب والأُمّ مكان الواحد أو تعدد العمّ للأب أو ينضم إليهما مثل الزوج أو الزوجة اللذين يجتمعان مع جميع الطبقات حتّى ضامن الجريرة.
2ـ أن يتغيّر جوهر المسألة فيكون مع ابن العمّ للأبوين والعمّ للأب، وارث في درجة العمّ مقدّم على ابن العمّ عند ما كانا مجردين عن العمّ للأب، كالخال أو الخالة. فإنّ الخال أو الخالة متقدّم رتبة على ابن العم للأبوين فيما إذا كانا وحدهما فهل هو كذلك عند ما كان معهما عمّ للأب؟ وإليك دراسة حكم الصورتين:
أمّا الصورة الأُولى: فقد جعل العلاّمة فيها الإشكال أشدّ من الصورة الثانية، ووجّهه صاحب مفتاح الكرامة بقوله: إذ قد يدعى أنّ معقد الإجماع ظاهر في الاتحاد. (1)
وما ذكره من الوجه مشترك بين الصورتين فإنّ معقد الإجماع فيما إذا كان ابن العمّ والعمّ وحدهما ولايكون معهما غيرهما، وعندئذ لايكون الحكم في الأُولى أقوى إشكالاً من الثانية، والحقّ أنّ العرف يساعد مع إلغاء الخصوصية، ولأجل ذلك ذهب الشهيدان والعلاّمة في التحرير في الصورة الأُولى إلى ثبوت الحجب لابن العمّ أيضاً بالنسبة إلى العمّ، ونسبه في المسالك إلى جماعة واحتجّ له بوجود المقتضي وعدم المانع وذلك لصدق ابن العمّ على كلّ واحد منهما، كذا العمّ على المتعدد

(1) مفتاح الكرامة: 8/166.

صفحه 272
منه، فإذا منع ابنُ العمّ مع وحدته، فمع تعدده مثل صورة الوحدة أولى وأقوى، وسبب إرث العمين إنّما هو العمومة، وابن العمّ مانع لهذا السبب، وأمّا إذا انضمّ إليهما الزوج والزوجة فقد عرفت اجتماعهما مع جميع الطبقات فليس لواحد من الزوج والزوجة حجب حرمان بالنسبة إلى واحد من الطبقات.
إنّما الكلام في الصورة الثانية أعني ما إذا دخل فيهما من ليس من جنس المانع ولا الممنوع نظير الخال والخالة والعمّ للأُمّ كما:
1ـ إذا اجتمع مع العمّ وابن العمّ خال أو خالة.
2ـ إذا اجتمع مع العمّ وابن العمّ عمّ للأُمّ فهناك أقوال يتولد من احتمال وراثة الخال وحده، أو ابن العم وحده، أو الخال مع العمّ أو الخال مع ابن العمّ، وما سوى ذلك فلم يحتمله أحد، وإليك الأقوال:
1ـ المال للخال والعمّ.
2ـ المال للخال وحده.
3ـ المال لابن العمّ وحدة.
4ـ المال للخال وابن العمّ.
وإليك دراسة دليل الأقوال:
أمّا الأوّل: أعني كون المال للخال والعمّ، فقد اختاره المحقّق في الشرائع والعلاّمة في القواعد، قال المحقّق: فلو انضمّ إليهما ولو خال، تغيّر الحكم وسقط ابن العمّ. وقال العلاّمة: ولو اجتمع مع العمّ وابن العمّ خال أو خالة فالأجود حرمان ابن العمّ ومقاسمة الخال والعمّ، وهو خيرة أكثر الأصحاب. (1)
ويستدلّ عليه بالأُمور التالية:
1ـ إطلاق خبر سلمة بن محرز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال في

(1) مفتاح الكرامة : 8/165.

صفحه 273
ابن عمّ وخالة قال: «لمال للخالة»، وقال في ابن عمّ وخال، قال: «لمال للخال»، وقال في ابن عمّ وابن خالة، قال: «للذكر مثلُ حظّ الأُنثيين». (1)
وإنّما وصفناه بالخبر لأنّ في سنده عمران بن موسى، وهو لم يوثَّق، والحسن ابن ظريف وهو أيضاً لم يوثق وإن كان أبوه ثقة في الحديث، صدوقاً فيه كما في رجال النجاشي، وفي سنده أيضاً محمّد بن زياد العطار وثّقه أبو داود، نقلاً عن رجال الكشي، ورجال الكشي خال عن ذلك المطلب ويحتمل أن تكون نسخة الكشي الموجودة ناقصاً، ويحتمل كونه متحداً مع محمّد بن الحسن بن زياد الثقة بسقوط الحسن عن السند. وفي سنده أيضاً سلمة بن محرز وهو أيضاً لم يوثق، ولأجل ذلك وصفناه بالخبر، لكن الدلالة كاملة لإطلاقه. فحكم بتقديم الخال أو الخالة على ابن العمّ مطلقاً، سواء كان معهما العمّ للأب أو لا.
2ـ إنّ ابن العمّ إنّما يحجب العمّ إذا ورث والمفروض في المقام حرمانه، ومعه كيف يحجب العمّ وليس حجبه مثل القاتل فإنّه لايرث ولكنّه يحجب بل الغاية من الحجب وراثته والمفروض عدمه.
3ـ إنّ إطلاق روايات الباب (2) الدالة على شركة العمّ والخال في جميع الحالات محكّمة هنا، خرج ما خرج بالدليل.
هذا كلّه حول القول الأوّل وأمّا القول الثاني، أعني: كون المال للخال وحده فليس له دليل ظاهر إلاّ حجب العمّ بابن العمّ، وحجب ابن العمّ بالخال ونسب هذا القول إلى سديد الدين الحمصي المتوفّى سنة 600 هـ.
يلاحظ عليه: بما ذكرناه في تحليل القول الأوّل فإنّ حجب العمّ بابن العمّ لغاية إرث ابن العمّ لالأجل أن يكون مقدّمة لإرث الخال، فالحاجب بما هو وارث

(1) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 4.
(2) المصدر نفسه: أكثر روايات الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال.

صفحه 274
حاجب، وليس كالقاتل أو كالأخ للأُمّ حيث يحجب وإن لم يكن وارثاً.
أضف إليه أنّه إذا كان ابن العمّ محجوباً بالخال فلازم ذلك مشاركة الخال والعمّ لوجود المقتضي وفقد المانع.
أمّا القول الثالث كون المال لابن العمّ فقط لأجل أنّ العمّ إذا كان محجوباً بابن العمّ يكون الخال أيضاً محجوباً مثل العمّ لتساويهما في الدرجة.
يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على قانون المساواة وليس أصلاً يُتَّبع إلاّ في المسائل الهندسية لافي المسائل الفقهية ولاالفلسفية إذ يمكن أن يكون المساوي مع الشيء محكوماً بحكم، ولايكون مساويه محكوماً بمثله.
أضف إلى ذلك أنّه لا دليل على حجب ابن العمّ الخالَ بل الدليل على خلافه كما في خبر سلمة بن محرز حيث قال: في ابن عمّ وخال، «لمال للخال».
وأمّا القول الرابع أعني كون المال للخال مع ابن العمّ، فقد نسب إلى الشيخ سالم الدين المصريّ وابن الراوندي وقوّاه صاحب الجواهر وإن اعترف بقلّة القائل(1) واستدل له بأنّ المقتضي لحرمان العمّ موجود والمانع عن الحرمان مفقود وليس المقتضي إلاّ ابن العمّ هذا من جانب.
والمقتضي لحرمان الخال أو ابن العمّ منتف فإنّ العمّ لايحجب الخالَ فابن العمّ أولى. والخال إنّما يحجب ابن العمّ إذا لم يكن أولى من العمّ، فإذا لم يحجب العمّ فأولى أن لايحجب من هو أدنى منه.
يلاحظ عليه: أنّه يلزم أن يكون ابن العمّ أقرب وأبعد:
ففيما يحجب العمّ، يكون أقرب منه، وفيما لايحجب الخال ـ بحجة أنّ العمّ لايحجبه ـ فابن العمّ أولى فيكون أبعد من العمّ وإلاّ فلامعنى للأولوية كما هو واضح.

(1) الجواهر: 39/179.

صفحه 275

في ميراث الأخوال

والأخوال هم الذين يتقرّبون إلى الميّت من جانب أُمّه. ولميراثهم صور:
الصورة الأُولى: إذا مات عن خال أو خالين أو أخوال فالمال له أو لهما أو لهم بالسوية.
الصورة الثانية: إذا مات عن خالة أو خالتين أو خالات فالحكم كما سبق.
الصورة الثالثة: إذا اجتمع الخال والخالة وكانت قرابتهم من جهة واحدة كما إذا:
الف: مات عن خال وخالة لأب وأُمّ فقط.
ب: مات عن خال وخالة لأب فقط.
ج: مات عن خال وخالة لأُمّ فقط.
فقد اتفقت كلمتهم على أنّ سهم الذكر والأُنثى سواء. قال في الجواهر: بلاخلاف أجده، وذلك لأنّ حلقة الاتصال بالميّت هو الأُمّ، وتقرّبهم إليه بالإخوَّة بالأُمّ وذلك للأصل المقرّر في الميراث في كون التقسيم بين المتقرّبين إلى الميّت بالأُمّ هو التسوية، وبين المتقرّبين إليه بالأب، هو التفاضل والتفاوت استلهاماً من حكم كلالة الأب وكلالة الأُمّ في الكتاب. فالأولى هم الإخوة والأخوات المتقرّبون إلى الميّت بالأب، والثانية هم الإخوة والأخوات المتقرّبون إلى الميّت من جانب الأُمّ،

صفحه 276
وقد نصّ الذكر الحكيم على التفاضل في الأُولى وعلى التسوية في الثانية قال سبحانه: (وَإنْ كانُوا إخْوَةٌ رجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيينِ)(النساء/176) وقال سبحانه: (فَهُمْ شَُُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصي بِها أو دَيْن)(النساء/12) .
وهذه الضابطة لاتعدل عنها إلاّ بدليل وعلى ضوء ذلك فالحكم هو التقسيم بالسوية في الأصناف جميعاً.
وبذلك تقف على وجه الفرق بين هذه الصورة في جانب الأخوال والخالات، والصورة المتقدمة في جانب الأعمام والعمّات فإنّ الصورتين متحدتان صورة، مختلفتان في الوارث بالعمومة والخؤولة.
والمفروض في كلّ واحد، وجود واحد من الأصناف من العمومة والخؤولة، لاكلّها (وإلاّ فيرجع الفرض إلى الصورة الرابعة في كلا الطرفين) فقد تقدم أنّه لو انحصر الوارث في العمومة للأب والأُمّ، أو في الأُمّ، أو في الأب فالمال يقسّم بين أفراد كلّ صنف إذا كان فيهم ذكر وأُنثى بالتفاضل، بخلاف المقام فإنّ المال يقسّم بين أفراد كل صنف بالسوية، وجه الفرق بين الصورتين هو أنّ العمومة تتقرّب إلى الميّت من جانب الأخ وهو أبو الميّت والارث بين المتقرّبين بالأب على التفاضل إذا كان بينهم ذكر وأُنثى، بخلاف المقام فالخؤولة في كلّ صنف تتقرّب بأُمّ الميّت والأصل في المتقرب بالأُمّ هو التسوية وعليك بإمعان النظر، حتى لايختلط عليك أحكام الصور.
قال السيد الأُستاذ ـ قدّس سرّه ـ: لو كان الوارث منحصراً بالخؤولة من قبل الأبوين أو بالأب فالتركة لهم، ومع التعدد تقسَّم بالسوية وكذا الخؤولة من قبل الأُمّ (1).

(1) تحرير الوسيلة: 2/390، المسألة الرابعة من مسائل ميراث الأعمام.

صفحه 277
الصورة الرابعة: إذا اجتمع الخال والخالة وكانوا متقرّبين من جهة القرابة بأن كان بعضهم للأبوين، والبعض الآخر للأب، والبعض الثالث للأُمّ، وبعبارة أُخرى اجتمعت الخؤولة من قبل الأبوين، مع الخؤولة من قبل الأب، والخؤولة من قبل الأُمّ، مثلاً:
1ـ إذا كان فيهم خال وخالة للأبوين أي كانا أخاً وأُختاً لأُمّ الميّت من جانب الأب والأُمّ.
2ـ إذا كان فيهم خال وخالة للأب، أي كانا أخاً أو أُختاً لأُمّ الميّت من جانب الأب فقط.
3ـ إذا كان فيهم خال وخالة للأُمّ أي كانا أخاً أو أُختاً لأُمّ الميّت من جانب الأُمّ نظير ما مرّ في العمومة فهناك أُمور:
1ـ الخال والخالة للأبوين يحجبان الخال والخالة للأب.
2ـ تقوم الثانية مقام الأُولى عند عدمها.
3ـ تقسّم التركـة أثلاثاً فللخال والخالة للأب والأُمّ، أو الأب عند عدم الأوّل، الثلثان، والثلث للخال والخالة للأُمّ عند التعدد وإلاّ فالسدس ويرد السدس الباقي إلى الخال والخالة للأبوين أو الأب.
4ـ التقسيم بين أفراد الأصناف الثلاثة بالسوية.
قال المحقّق: ولو افترقوا، كان لمن يتقرّب بالأُمّ السدس، إن كان واحداً، والثلث إن كان أكثر، الذكر والأُنثى فيه سواء والباقي للخؤولة من قبل الأب والأُمّ بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثى، وعلّله صاحب الجواهر بأصالة التسوية والتقرّب بالأُمّ.
وقال العلاّمة في القواعد: والخال والخالة أو هما من الأبوين يمنع المتقرّب

صفحه 278
بالأب خاصة اتحد أو تعدد، ولايمنع المتقرّبَ، بالأُمّ بل يأخذ المتقرّب بالأُمّ السدس إن كان واحداً، والثلثَ إن كان أكثر بالسوية والباقي للمتقرّب بالأبوين ذكوراً كانوا أو إناثاً أو هما بالسوية، ويقوم المتقرب بالأب مقام المتقرّب بالأبوين عند عدمه....
وهو خيرة السيد الأُستاذ قال: «ولو اجتمع الخؤولة من قبل الأب والأُمّ أو الأب مع الخؤولة من قبل الأُمّ، فالسدس للأُمّي مع الانفراد، والثلث مع التعدد، يقسّم بالسوية مطلقاً، والباقي للخؤولة من قبل الأب والأُمّ ومع فقدهم للخؤولة من قبل الأب، ومع التعدّد يقسّم بالسوية مطلقاً». (1)
أقول: إنّ الحكم الأوّل والثاني، أطبقوا عليهما وليس فيهما ما يزاحم الضوابط. وتؤيده رواية الحسن بن عمارة من أنّ أعيان بني الأُمّ أقرب من بني العلات، مضافاً إلى ما ذكره المفيد، من وجود السببين في الأوّل دون الثاني.
وأمّا الحكم الثالث أي تقسيم المال أثلاثاً الثلثان لخؤولة الأب، والثلث أو السدس لخؤولة الأُمّ فهو موافق للقاعدة وذلك بوجهين:
1ـ إنّ الجميع يتقرّبون إلى الميّت، عن طريق الأُمّ، لأنّهم إخوته أو أخواته، لكن شدّة ارتباط الخؤولة للأبوين مع الأُمّ وضعفه في الخؤولة للأُمّ معها، أوجب تقسيم التركة أثلاثاً.
2ـ إنّ وارث الميّت أوّلاً وبالذات هو الأُمّ بالأصالة، والخؤولة يتلقّون عنها فكأنّ الوارث الحقيقي هو الأُمّ وهؤلاء ورثتها وعندئذ تصبح الخؤولة للأبوين أو للأُمّ كلالة لأُمّ الميّت أي إخوة لها، ومن المعلوم أنّ نصيب كلالة الأب، هو الثلثان، ونصيب كلالة الأُمّ هو الثلث أو السدس.

(1) تحرير الوسيلة: 2/390، المسألة الخامسة من مسائل ميراث الأعمام.

صفحه 279
وإلى ذلك الوجه يشير صاحب الجواهر أنّ مقتضى قوله (عليه السلام) : «يرثون نصيب من يتقرّبون به» معاملتهم معاملة الوارث له، ولاريب في كون قسمتهم ذلك لو كانوا هم الورثة. (1)
وبذلك يظهر الحكم الرابع أنّ كون التقسيم في جميع الصور بالسوية لأنّهم يتقرّبون إلى الميّت بأُمّه والحكم في المتقرّب بالأُمّ هو التقسيم بالسوية. لكن في المقام إشكال ذكرناه في الدورة الأُولى ونذكره في هذه الدورة أيضاً.
وفي المقام إشكال وهو: أنّ الجمع بين التقسيم ثلاثياً بين الخؤولة للأب والأُمّ، والخؤولة للأُمّ وبين تقسيم كل صنف ما ورث بالسوية، جمع بين أمرين مختلفين، لأنّ التقسيم بالتفاضل بين الصنفين يعرب عن كونهما من قبيل كلالة الأب والأُمّ، وقد عرفت في البيان الثاني أنّ الخؤولة يرثون أُمّ الميّت واقعاً بما أنّهم إخوتها وأخواتها، والحكم في إخوة الأب، وإخوة الأُمّ وإن كان هو الثلثان والثلث، لكن التقسيم في الأُولى، على التفاضل وفي الثانية على السوية، والمشهور يدفع إلى الخؤولة للأب والأُمّ، أي إخوة الميّت للجانبين الثلثين وهو مطابق للقاعدة، ولكن يقسم بينهم بالسوية. وهو مخالف لها.
والحاصل أنّ كون سهم الخؤولة للأُم هو الثلث أو السدس والتقسيم بينهم بالسوية مطابق للقاعدة، لكن كون سهم الخؤولة للأب والأُمّ الثلثين، لايجتمع مع كون التقسيم بينهم بالسوية، مع أنّه سبحانه يقول في كلالة الأب: (وَإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(النساء/175) .
فتبيّـن أنّ مجموع ما ذكروه في الأحكام الأربعة مطابقة للقاعدة حتّى التقسيم أثلاثاً، إلاّ كون التقسيم بين أعضاء خؤولة الأب والأُمّ أو الأب بالسوية.

(1) جواهر الكلام: 39/181.

صفحه 280
وتنبّه صاحب الجواهر بالاشكال وحاول أن يدفعه وقال: نعم كان قرابة الأب بالتفاوت لكن يمكن هنا ترجيح أصالة التسوية وقرابة الأُمّ على خصوص ذلك. (1)
يلاحظ عليه: أنّه لو قلناه بأنّ التسوية بين الخؤولة للأب والأُمّ لأجل قرابة الأُمّ، يلزم إشكال آخر، وهو تقسيم المال كلّه بالسوية بين عامّة أفراد الخؤولة لاالتقسيم أثلاثاً. مع أنّه لم يقل به أحد.
***

عند اجتماع العمومة والخؤولة:

إلى هنا تبيّن حكم كل من العمومة والخؤولة إذا كانوا غير مجتمعين، وأمّا إذا كانوا مجتمعين فالمشهور بين الأصحاب اعتماداً على النصوص:
إنّ للعمومة الثلثين واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أو أُنثى، وللخؤولة الثلث واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أو أُنثى، وبالجملة إذا اجتمعت العمومة والخؤولة، فللأُولى الثلثان في جميع صورها، وللثانية الثلث في جميع أحوالها، ويدل عليه خبر أبي أيوب: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ في كتاب عليّ (عليه السلام) أنّ العمّة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأُمّ. قال: وبنت الأخ بمنزلة الأخ وكل ذي رحم فهو بمنزلة الرحم الذي يجرّ به إلاّ أن يكون وارث أقرب إلى الميّت منه فيحجبه».(2)
ومعنى ذلك أنّ العمومة تنزل منزل الأب، والخؤولة منزلة الأُمّ ويفرض أنّه مات عن أب وأُمّ، فكما أنّه يقسّم المال حينئذ أثلاثاً فهكذا إذا مات عمّن هما

(1) الجواهر: 39/118.
(2) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 6.

صفحه 281
بمنزلتهما أعني العمّ والخال.
وبعبارة أُخرى: ترث كل طائفة إرث من يتقرّب به فالعمومة تتقرّب بالأب، فترث إرثه، والخؤولة تتقرّب بالأُمّ فترث إرثها.
ولصاحب الجواهر هنا بيان آخر: وهو أنّ جهة القرب الإخوة، فالعمّ أخو أبي الميّت، والخال أخو أُمّ الميّت، فتنزل الأبوان منزلة الأخ والأُخت ونصيبهما الثلثان والثلث، فكذا من يتقرّب بهما.
ولا يخفى بعده عن مفاد الحديث، لأنّ مفاده أنّ المتقرِّب يرث نصيب من يتقرّب به، فيفترض أنّ المتقرّب به حيّ وارث، فالمتقرّب يأخذ نصيبه، وأمّا تبديل رابطة المتقرّب به مع الميّت إلى الرابطة الموجودة بينه وبين المتقرِّب فهو أمر بعيد عن أذهان العرف كما لا يخفى.
***
هذا كلّه في تقسيم التركة بين العمومة والخؤولة، وأمّا تقسيمها بين أنفسهم إذا كانوا مجتمعين فنقول: فلكل من العمومة والخؤولة صورتين فلنقدم البحث عن العمومة فنقول:
1ـ أن يكونوا عمّـاً و عمّة من جهة واحدة.
2ـ أن يكونوا عمّـاً وعمّة لا من جهة واحدة.
وحكمهما عند الاجتماع مع الخؤولة نفس حكمهما عند الانفراد عن الخؤولة ولأجل الايضاح نأت بإجمال ما تقدّم.
الف: إذاكانت العمومة من جهة واحدة، فانحصرت العمومة في الأب والأُمّ، أو الأب أو الأُمّ، فقد عرفت أنّ المحقّق حكم في الجميع بالتفاضل بين العمّ

صفحه 282
والعمّة، بخلاف العلاّمة فقد قال بالسوية في الثالث، وقد تقدّم أنّ الحقّ مع الأوّل، لأنّهم يتقرّبون بالأب والحكم فيه هو التفاضل. نعم قوّى صاحب الجواهر في المتقرّب بالأُمّ التسوية بأصالة التسوية في الشركة، المقتصر في الخروج منها على المتقرّب بالأب والأُمّ أو الأب وقوّة ملاحظة جانب الأُمومة. (1)
وما ذكره صاحب الجواهر «من قوّة ملاحظة جانب الأُمومة» غير مفيد في المقام، لأنّ الذي يربط العمّ بالميّت إنّما هو أبو الميّت، فالأعمام والعمّات جميعاً يتقرّبون به إلى الميّت، وأمّا اتّحاد العمّ للأُمّ مع الأب في خصوص الأُم، فلا يجعل مثله ممن يتقرّب إلى الميّت بالأُمّ، بل هو متقرّب بالأب الذي هو أخوه وإن كان وجه الارتباط بينهما هو الأُمّ، والحاصل العمّ على وجه الإطلاق يتقرّب بالأب، نعم الأب والعمّ، تارة يتحدان في الأب والأُمّ، وأُخرى في الأب فقط وثالثة في الأُمّ، وهو أمر خارج عن ماهية التقرّب بالميّت بالأب.
ب: وإن كانت جهة القرب مختلفة فلمن تقرّب منهم بالأُمّ، السدس إن كان واحداً أو الثلث إن كان أكثر والباقي أي خمسة أسداس أو الثلثان للمتقرّب بالأبوين أو بالأب عند عدمه.
والتقسيم بين المتقرّبين بالأُمّ بالسوية، وبين المتقرّبين بالأب أثلاثاً.
قال المحقّق: ولو كانوا متفرقين فلمن تقرّب منهم بالأُمّ السدس إن كان واحداً والثلث إن كانوا أكثر بينهم بالسوية والباقي للأعمام من قبل الأب والأُمّ بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين.
فهناك حكمان:
1ـ التقسيم بين الطائفتين أثلاثاً.
2ـ التقسيم بين الأُولى بالسوية وبين الثانية بالتفاضل.

(1) جواهر الكلام: 39/175، ذكره عند البحث عن حكمهم مع الانفراد عن الخؤولة.

صفحه 283
أمّا الأوّل فقد تبيّـن حكمه عند البحث عن حكم العمومة المختلفة مجردة عن الخؤولة، وقلنا إنّ الأعمام والعمّات مطلقاً، يتلقّون الإرث من أب الميّت وكان الابن مات وورثه أبوه، وعنه ينتقل المال إلى العمومة، وبما أنّ الأعمام إخوة للأب، يرثوا إرث الكلالة فللأعمام للأب والأُم، الثلثان، وللأعمام للأُمّ الثلث إن كانوا متعددين أو السدس إن كان واحداً.
وإن شئت قلت: إنّ شدّة ارتباط الأعمام لأبي الميّت وضعفه يوجب تقسيم المال، أثلاثاً بين من يرتبط إلى الميت بقوّة ومن يرتبط إليه بضعف. وهذا لاغبار فيه.
وأمّا تقسيم الأعمام للأب والأُمّ أو الأب بالتفاضل، وتقسيم الأعمام للأُمّ بالسوية فقد تبيّن حكمه، لأنّه يجري على الأوّل حكم كلالة الأب وعلى الثاني حكم كلالة الأُمّ. وبهذا يفارق الخؤولة فيجري عليها حكم الكلالة للأُمّ ولذلك كان التقسيم على أساس التسوية. نعم تقدّم الإشكال في الحكم بالتسوية في الخؤولة للأب والأُمّ.
هذا كله في العمومة.
وأمّا الخؤولة فالكلام فيها من حيث الصورة كالكلام في العمومة، فلها صورتان مثل ما إذا انفردت عن العمومة:
1ـ اتحدت جهة القرابة، كأن يكون الجميع لأب وأُمّ، أو لأب أو لأُمّ، فالمال بينهم بالسوية.
2ـ لو اختلفت جهة القرابة فلمن تقرّب بالأُمّ السدس، إن كان واحداً، والثلث إن كانوا متعددين ويقسّم المال بالسوية، والباقي لمن يتقرّب بالأب والأُمّ أو بالأب، يقسّم أيضاً بالسوية وشذ من قال بالتقسيم بالتفاوت بين المتقرّب

صفحه 284
بالأب والأُمّ أو بالأب.
ويرد عليه، ما ذكرته آنفاً فإنّ الخؤولة كلّهم يتقرّبون من جانب الأُمّ فكأنّهم يرثون أُمّ الميت وهي أُختهم، ومن المعلوم أنّ الإخوة، والأخوات، إذا اختلفت جهة قرابتهم كان لمن يتقرّب بالأب والأُمّ الثلثان، ولمن يتقرّب بالأُمّ الثلث إن كانوا متعددين أو السدس إن كان واحداً.
لكن مقتضى ذلك تقسيم الطائفة الأُولى بالتفاوت، لابالسوية كما عليه المشهور، والحقّ هو التقسيم بالتفاوت كما عليه القاضي قال:
فإن خلف خالاً أو خالة أو أكثر من قبل الأب أو من قبل الأب والأُمّ مع خالة من قبل الأُمّ كان للخالة من قبل الأُمّ السدس، والباقي للخال والخالة أو الخؤولة والخالات من قبل الأب أو من قبل الأب والأُمّ للذكر مثل حظّ الأُنثيين.(1)هذا ما ذكره فيما كانت الخؤولة منفردة في الوراثة، وقال فيما إذا كانت مجتمعة مع العمومة كان لمن يتقرّب بالأب، من العمومة والعمّات، الثلثان يقسّم بينهم على ما تقدّم بيانه والثلث لمن يتقرّب بالأُمّ واحداً كان أو أكثر يقسّم بينهم أيضاً.
والمراد من المتقرّب بالأُمّ، الخؤولة، و قد عرفت في كلامه الأوّل أنّ الخؤولة للأب والأُمّ، يقتسمون بالتفاوت وغيره بالسوية.

مسألة: في اجتماع الأعمام والأخوال الثمانية:

لو اجتمع عمّ الأب وعمّته وخاله وخالته، مع عمّ الأُمّ وعمّتها، وخالها وخالتها. فالمشهور أنّ لمن يتقرّب بالأب الثلثين وللمتقرّب بالأُمّ الثلث.
ثمّ إنّ صنف المتقرّب بالأب، يقسّم الثلثين أثلاثاً فثلث الثلثين لخال الأب

(1) المهذّب: 2/148.

صفحه 285
وخالته بالسوية والثلثان لعمّ الأب وعمّته أثلاثاً. والمتقرّب بالأُمّ يقسّم الثلث بالسوية.
قال الشيخ في النهاية: فإذا اجتمع عمّ أب وعمّته وخاله وخالته وعمّ الأُمّ وعمّتها وخالها وخالتها، كان لعمّ الأب وعمّته وخاله وخالته الثلثان، منها ثلثا الثلثين لعمّه وعمّته للذكر مثل حظّ الأُنثيين، وثلث الثلثين لخاله وخالته بينهما بالسوية، والثلث الباقي من أصل المال يكون لعمّ الأُمّ وعمّتها وخالها وخالتها، منها لعمّها (1)النصف في ذلك وهو السدس من أصل المال الذكر والأُنثى فيه سواء،والنصف الآخر وهو السدس من أصل المال لخالها وخالتها بينهما بالسوية.(2)
وتبعه القاضي في المهذّب (3).
وبما أنّ الشيخ التزم في النهاية أن يأتي بالفقه المنصوص والفتاوى المتلقاة عن الأئمة يظن أنّه كان هناك نص بهذا المضمون وـ مع ذلك ـ ليس ما بأيدينا من الأخبار أثر جامع لهذه الأحكام ولعلّه بما أنّ مبادئ المسألة موجودة في النصوص ذكره الشيخ في النهاية كأنّه الفقه المنصوص.
فنقول: أمّا تقسيم التركة بين المتقرّبين بالأب، والأُمّ أثلاثاً فلأنّه مقتضى إرث كلّ من الطائفتين نصيب من يتقرّب به، فالمتقرّبون بالأب، يرث نصيبه وهو الثلثان، والمتقرّبون بالأُمّ يرث نصيبها، وهو الثلث لأنّه إذا مات إنسان وله أب وأُمّ وليس له ولد، يقسّم المال بينهما أثلاثاً.

(1) الظاهر سقوط كلمة «وعمتها» .
(2) النهاية: 657.
(3) المهذّب: 2/150.

صفحه 286
وعلى ذلك الأساس ورد في كتاب علي (عليه السلام) : «إنّ العمّة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأُمّ، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، قال: وكل ذي رحم فهو بمنزلة الرحم الذي يجرّ به إلاّ أن يكون وارث أقرب منه فيحجبه». (1)
والرواية وإن كانت ظاهرة في عمّة الميّت وخاله، لكن ظاهر بدئي، والمقصود إعطاء الضابطة مطلقاً ـ بقرينة الذيل ـ وأنّ نصيب المتقرّب بالأب الثلثان سواء تقرّب إليه به بواسطة جدّ الميّت كعمّ الميّت، أو بواسطة جدّ أبيه كعمّ الأب ومثله جانب الأُمّ، وللمتقرّب بها الثلث مطلقاً كذلك.
وأمّا تقسيم نصيب المتقرّب بالأب، أعني: الثلثين، أثلاثاً فثلث الثلثين لخال الأب وخالته يقسم بينهما بالسوية وثلثاهما، لعمّ الأب وعمّته يقسم بالتفاوت فلإطلاقِ ما ورد في ميراث العمّ، والخال من أنّ للعمّ الثلثين، وللخال الثلث ففي كتاب عليّ (عليه السلام) : رجل مات وترك عمّه وخاله، فقال: «للعمّ الثلثان وللخال الثلث»(2) وعن أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) في عمّة وخالة، قال: «لثلث والثلثان» يعني للعمّة الثلثان وللخالة الثلث. إلى غير ذلك. (3) وإطلاق الروايات كما يعم خال الميّت وخالته من جانب أُمّه، كذلك يعم خاله وخالته من جانب أبيه أي يكون خال الأب وخالته، وأيّ إطلاق أوضح من قوله: رجل ترك عمّـاً وخالاً، فأجاب الثلثان للعمّ والثلث للخال، وإطلاقه يعمّ عمّ الأب وخاله وإن لم يكن عمّ الميّت وخاله.
إنّما الكلام في تقسيم العمّ والعمّة للأب ثلثي الثلثين أثلاثاً، وتقسيم الخال والخالة له ثلث الثلثين بالسوية، والظاهر أنّه على خلاف الضابطة فإنّها في

(1) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام و الأخوال، الحديث6.
(2) المصدر نفسه: الحديث1ـ2 ولاحظ الحديث 4، 5، 8، 9 من ذلك الباب.
(3) المصدر نفسه: الحديث1ـ2 ولاحظ الحديث 4، 5، 8، 9 من ذلك الباب.

صفحه 287
المتقرّبين بالأب، هو التقسيم بالتفاوت فإنّ الذي يربط الخال والخالة للأب، وإن كان هو أُمّ الأب حيث إنّ الخال أخوها والخالة أُختها، لكن الذي يربطهما إلى الميت هو أبو الميت وهو الحلقة المتوسطة بين الخال والخالة والميت لا أُمّ الميت والضابطة في المتقرّب بالأب هو التقسيم أثلاثاً.
نعم يمكن أن يوجّه بأنّ العم والعمّة أو الخال والخالة لايتلقون التركة من الميت، وإنّما يتلقونها من الأب، وكأنّه مات الأب وترك عمّاً وعمّة وخالاً وخالة، فلاشكّ أنّ التقسيم بين الأوّلين بالتفاوت، دون الثاني لأنّه من المتقرّبين إلى الميت (الأب) بالأُمّ لأنّهما أخو أُمّ الأب أو أُختها.
هذا كلّه حول تقسيم الأربعة الأُول، أي عمّ الأب وعمّته وخاله وخالته، وأمّا الأربعة الثانية وهي، عمّ الأُمّ، وعمّتها وخالها وخالتها، فالتقسيم على السوية، لأنّهم يتقرّبون بالميت بالأُمّ وهي الحلقة الواسطة بين الميت وهؤلاء، والحكم في المتقرّب بالأُمّ، هو التسوية.
لكن لو قلنا بصحّة التوجيه الماضي، يلزم أن يكون التقسيم بين العمّ والعمّة بالتفاوت وبين الخال والخالة بالسوية، وذلك لأنّهم لايتلقّون الإرث من الأُمّ وكأنّها ماتت وتركت هؤلاء الأربعة والأوّلان يتقرّبون إلى الأُمّ من ناحية الأب، لأنّهما أخوا أبيها أو أُختها، والآخران يتقرّبون إليها من جانب أُمّها.
ولأجل ذلك لو قلنا بالتفاوت بين المتقرّبين بالأب مطلقاً، عمّـاً وعمّة كان، أو خالاً وخالة والتسوية بين المتقرّبين بالأُمّ كان سالماً عن الإشكال. والإشكال نشأ من التفريق بين المتقرّبين بالأب، فحكم على العمّ والعمّة للأب بالتفاوت، وعلى الخال والخالة له، بالتسوية مع أنّ الجميع من أغصان شجر واحد.

صفحه 288

مسائل:

الأُولى: عمومة الميّت وأولادهم ـ وإن نزلوا ـ وخؤولته وأولادهم ـ وإن نزلوا ـ أحقّ بالميراث من عمومة الأب وخؤولته، وأحقّ من عمومة الأُمّ وخؤولتها، لأنّ عمومة الميت وخؤولته أقرب إليه وكلّ أقرب أولى من الأبعد كتاباً وسنّة وإجماعاً.
وأمّا الكتاب، فقوله سبحانه: (وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ ). (الأنفال /75)
وأمّا السنّة، ففي رواية الخزاز : «إنّ كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به إلاّ أن يكون وارث أقرب إلى الميت منه فيحجبه». (1)
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) : «إذا كان وارث ممّن له فريضة فهو أحقّ بالمال» . (2)
وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا التفّت القرابات فالسابق أحقّ بميراث قريبه، فإن استوت قام كل واحد منهم مقام قريبه» . (3)
وبالنظر إلى هذه الروايات انتزع الفقهاء قاعدة كلية، وهي: «أنّ كل ذي رحم يرث نصيب من يتقرّب به إلى الميت» ، وسيوافيك تطبيقها على الصغريات في هذا البحث، وتقدّم بعض الكلام فيها.
وكما أنّ هذه الأربعة متقدّمة على الثمانية، فهكذا أولاد الأربعة أي أولاد عمّ الميت وعمّته وخاله وخالاته متقدّمة على ما للأب من العمّ والعمّة والخال والخالة، وما للأُمّ من العمّ والعمّة والخال والخالة، وذلك لأنّ أولاد الأربعة أقرب إلى الميت من هؤلاء الثمانية، مثلاً نفترض إذا مات الرجل عن ابنة الخالة، وعمّة الأُمّ، فالأولى

(1) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 1ـ3.
(2) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 1ـ3.
(3) الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 1ـ3.

صفحه 289
من ولد جدّة الميت، والثانية من أولاد جدّة أُمّ الميت وولد جدة الميت أولى بالميراث من ولد جدّة أُمّ الميت، نعم إذا عدمت عمومة الميت وخؤولته وأولادهم وإن نزلوا، قام مقامهم هؤلاء الثمانية وعند فقدهم أولادهم. أي قام مقامهم عمومة الأب، وخؤولته، وعمومة أُمّه وخؤولتها عند فقدهم وأولادهم، وإن نزلوا.
الثانية: أولاد العمومة يقومون مقام آبائهم عند عدمهم، وعدم من هو في درجتهم من الأخوال فلايرث ابن عمّ مع خال وإن تقرّب بسببين والخال بسبب واحد، ولاابن خال مع عمّ وإن تقرب بهما، إلاّ في مورد خاص كما مرّ وهو ابن عمّ للأبوين مع العمّ للأب.
فما ربّما يظهر من ابن الجنيد أنّه إذا اجتمع مع العمّ ابن الخال فللأوّل الثلث، والثاني الثلثان على خلاف الضابطة المستفادة من الكتاب والسنّة، ولعلّه يجعل العمومة والخؤولة صنفين، ولكنّه مردود بأنّهما بمنزلة الإخوة والأخوات أو البنين والبنات، فكما أنّ الأوّلين والأخيرين صنف واحد فهكذا الأعمام والأخوال، فمع وجود واحد من العمومة والخؤولة في الرتبة المتقدمة لاتصل النوبة إلى أولادهم، وإن كان الباقي هو الخال والأولاد هو ابن العمّ.
وعلى ضوء هذا تبيّنت عدّة مسائل:
1ـ أولاد العمومة المتفرّقين يأخذون نصيب آبائهم، فلو مات عن بني العمّ أو العمّة للأُم، وبني العمّ أو العمّة للأب والأُم، فأولاد كلّ واحد يرث نصيب آبائه، فبنو العمّ أو العمّة للأُم يرثون السدس إن كان العمّ (أو العمّة) واحداً أو الثلث إن كان متعدّداً، وبنو العمّ أو العمّة للأب والأُمّ يرثون الثلثين سواء كان العمّ واحداً أو متعدّداً، وذلك لأنّ نصيب من يتقرّب به في الأوّل هو السدس أو الثلث ونصيب من يتقرّب به هو الثلثان، فتعدد العمّ أو العمّة في المتقرّب بالأُمّ
يؤثر في ارتفاع النصيب وانخفاضه بخلاف تعدّد العمّ أو العمّة للأب والأُمّ فهو غير مؤثر، فبنو العمّ للأُمّ وإن كانوا عشرة يكون لهم السدس لكون المورث واحداً وهو العمّ للأُم، أمّا بنو العمّ للأب والأُمّ يرثون الثلثين وإن كانت واحدة كالبنت.
2ـ إنّ بني العمّ للأُمّ يقتسمون بالسوية وبنو العمّ للأب والأُمّ يقتسمون بالتفاوت. نعم، قد تقدّم أنّ الحقّ في الجميع هو التوارث بالتفاضل حتّى بني العمّ للأُمّ.
3ـ ولو مات عن بني عمّة للأب والأُمّ وبني عمّ كذلك، فللأُولى الثلث، وإن كان الوارث متعدّداً وللآخرين الثلثان، وإن كان واحداً، وذلك لأنّ نصيب المتقرّب به في الأوّل هو الثلث وفي الثاني هو الثلثان، لأنّ العمّة والعمّ، تربطهما الاخوة، والحكم فيها هو التقسيم أثلاثاً.
4ـ ولو اجتمع أولاد العمّ وأولاد الخال، فلأولاد الخال الثلث لواحد كانوا أو أكثر، والباقي لأولاد العمّ، لواحد كانوا أو أكثر، كما إذا اجتمع الأخوال والأعمام، ثمّ إن اتفقوا في الجهة تساووا في القسمة وإلاّ كان المنتسب إلى الأُمّ بالنسبة إلى المنتسب إلى الأب أو الأبوين، مثل كلالة الأُمّ بالنسبة إلى كلالة الأب أو الأبوين.
ففي المثال حينئذ سدس الثلث لأولاد الخال أو الخالة للأُمّ بالسوية إن اتحد الخال أو الخالة، وثلثه لأولاد المتعدّد، لكلّ قبيل نصيب من يتقرّب به بالسوية، وباقي الثلث لولد الخال أو الخالة إتحد أو تعدّد للأبوين أو للأب، لكلّ نصيب من يتقرّب به بالسوية، وسدس الثلثين لأولاد العمّ أو العمّة للأُمّ، للذكر مثل الأُنثى إن اتحد من تقرّبوا به، وثلثهما لأولاد المتعدّد، ولكلّ نصيب من يتقرّب به للذكر مثل الأُنثى، والباقي لأولاد العمّ أو العمّة أو لهما للأبوين أو للأب، لكلّ نصيب من يتقرّب به، للذكر ضعف الأُنثى. (1)

(1) الجواهر : 39/190 بقيت هنا مسائل ثلاث تركناها لحضّار البحث.

صفحه 290

صفحه 291

المقصد الثاني:

الميراث بالسبب

قد تقدم أن المحقّق جعل مقاصد الكتاب بعد الفراغ من المقدّمات ثلاثة: الأوّل: الميراث بالأنساب. الثاني: الميراث بالسبب. الثالث: الميراث بالولاء. وقد فرغنا من البحث عن الميراث بالأنساب، فحان حين البحث عن الميراث بالسبب، والمقصود منه هنا هو الزواج وإليك بيان أحكامه:

المسألة الأُولى: في إرث الزوجين:

1ـ أنّ الزوجة ترث مادامت في حبال الزوج وإن لم يدخل بها. والزوج يرثها وإن لم يدخل بها.
والدليل، إطلاق الكتاب في كلا الطرفين قال سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فإنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِـها أو دَيْن وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْْ وَلَدٌ فإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أو دَيْن). (النساء/12)

صفحه 292
والمسألة مورد اتّفاق تضافرت فيها النصوص من السنّة، أمّا ميراث الزوجة، ففي صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة ثمّ يموت قبل أن يدخل بها ؟ فقال: «لها الميراث وعليها العدّة أربعة أشهر وعشر». ومثله غيرها. (1)
وأمّا في ميراث الزوجة، فلم نجد فيه إلاّ رواية واحدة وهي رواية عبد الرحمان ابن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة ولم يفرض لها صداقاً، فمات عنها أو طلّقها قبل أن يدخل بها، مالها عليه؟ فقال: «ليس لها صداق وهي ترثه ويرثها» . (2)
وقد روى بسندين، وفي الأوّل الحسين بن محمّد وهو يروي عن اثنين: معلّى ابن محمّد وهو لم يوثّق، وعن الحسين بن محمّد بن عمران الأشعري وهو ثقة ومن مشايخ الكليني، وفي الثاني علي بن الحكم وهو مشترك بين الثقة وغيره.
ومع ذلك فالكتاب كاف، وإذا ورثته الزوجة قبل الدخول فالزوج أولى بالميراث منها.
2ـ ولو تزوّج المريض ومات في مرضـه ورثت إن دخل وإلاّ بطل العقد ولاميراث لها، وسيوافيك بيانه ودليله في المستقبل ولم يذكره المحقّق في المقام.
3ـ لو طلّقت رجعيّة توارثا إذا مات أحدهما في العدّة بلا خلاف، وتدل عليه روايات الباب 13، من أبواب ميراث الأزواج، ففي صحيح زرارة عن أحدهما ـعليهما السلام ـ قال: «فإنّ المطلّقة ترث وتورث حتى ترى الدم الثالث فإذا رأته

(1) الوسـائـل:17، البــاب12، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1، ويدل عليه أيضاً الحديث 2،3،4، ولاحظ الجزء15، الباب 59 من أبواب المهور، الحديث 2، 3، 4، 5 والباب 35 من أبواب العدد، الحديث 1ـ3.
(2) المصدر نفسه: الحديث 4.

صفحه 293
فقد انقطع»(1) وما في صحيح عبد الرحمان ابن أبي نجران الثقة، عن عاصم بن حُمَيد الثقة، عن محمّد بن قيس: «فإنّها ترثه ويرثها مادامت في الدم من حيضتها الثانية من التطليقتين الأولتين» (2) فالمراد منه الدم الثاني مع الطهر المتصل إلى الدم الثالث بقرينة رواية زرارة.
4ـ لاترث المطلّقة البائـن ولاتورث كالمطلقة ثالثة، وغير المدخول بها، واليائسة وليس في سنّها من تحيض والمختلعة والمباراة.
ويدل عليه روايات الباب 13 في ميراث الأزواج كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا طلّـق الرجـل وهو صحيح لارجعة له عليها، لم يرثها»(3) وموثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يطلق المرأة ؟ فقال: «يرثها وترثه مادام له عليها رجعة» . (4)
5ـ و لو طلّقها مريضاً طلاقاً بائناً أو رجعيّاً ومات في ذلك المرض ولم تتزوّج ورثته، هي دونه مابين الطلاق وفوته في ذلك المرض إلى سنة ولم يذكره المحقّق، لما تقدّم منه في كتاب الطلاق، وقد عقد الحرّ العاملي باباً له في كتاب الميراث (5) ويظهر من الروايات أنّ الميراث عقوبة، ولافرق فيه بين الرجعية والبائنة.
6ـ إذا رجعت المختلعة في البذل في العدّة قال العلاّمة في القواعد: توارثا ـعلى إشكال ـ إذا كان يمكنه الرجوع (6) كما إذا لم يزوّج أُختها في عدّتها البائن.
أقول: هناك وجهان مبنيان على تفسير الرجعي والخلعي:
فإن فسّر الأوّل بما يملك الرجل الرجعة، والخلعي بما لايملكها فالطلاق

(1) الوسائل: 17، الباب 13، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3 و 1.
(2) الوسائل: 17، الباب 13، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3 و 1.
(3) المصدر نفسه: الحديث2ـ4.
(4) المصدر نفسه: الحديث2ـ4.
(5) المصدر نفسه: الباب 14 من أبواب ميراث الأزواج.
(6) مفتاح الكرامة: 8/184.

صفحه 294
بعد رجوعها إلى بذلها، ينقلب رجعياً.
وإن فسّـر بانقطاع العصمة، وعدمها الذي يترتب على الأوّل عدم جواز الرجوع وعدم وجوب النفقة، والسكنى وجواز العقد على الأُخت كما يترتب على الثاني خلاف هذه الأُمور، فالطلاق بعدُ خلعيّ لانقطاع العصمة، غاية الأمر بعد رجوع المرأة إلى بذلها جاز له الرجوع مع بقاء سائر الأحكام على حالها، غاية الأمر ورود التخصيص على واحد من الأحكام وانقلاب عدم جواز الرجوع إلى جواز الرجوع من دون أن تنقلب الماهية. هذان هما الوجهان اللذان يصحّ أن يقعا دليلاً على القولين.
ويمكن أن يقال: إنّ أظهر الخواص للطلاق الرجعي هو جواز الرجوع، وأظهره للخلعي هو عدم جواز الرجوع، فإذا ارتفع أظهر الخواص يستكشف كونه منزلاً منزلة الرجعي، فالتعبّد بكونه خلعياً مع جواز الرجوع أشبه في نظر العرف بالجمع بين المختلفين، فلأجل ذلك فالظاهر انقلابه إلى الرجعي، ويؤيد ذلك قوله: «لأنّ العصمة قد انقطعت فيما بينهنّ وبين أزواجهنّ من ساعتهنّ فلا رجعة لأزواجهنّ ولا ميراث بينهنّ» (1) فكان عدم جواز الرجوع رمز انقطاع العصمة وينعكس إلى بقاء العصمة أو عودها إذا جاز الرجوع.
نعم لو كانت الأدلّة الاجتهادية قاصرة فاستصحاب كون الطلاق خلعياً أو المرأة مختلعة يلحقها بالخلعي، ولكن الظاهر عدم قصورها، وقد استوفينا حقّ المسألة في كتاب الطلاق، فلاحظ.
***

(1) الوسائل: 17، الباب 13، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6.

صفحه 295

المسألة الثانية: في نصيب الزوجة:

للزوجة مع عدم الولد للزوج منها ومن غيرها، الربع، ولو كنّ أكثر من واحد كنّ شركاء فيه بالسوية لأصالتها في الشركة، ولو كان للزوج ولد منها أو من غيرها كان لهنّ الثمن بالسوية وكذا لو كانت واحدة، ولايردّ على الزوجة كما سبق، وإن كان الردّ على الزوج محتملاً كما سيوافيك، والعجب من المحقّق النراقي في كتاب الميراث حيث يتبادر من عبارته أنّ لكلّ واحد من الأزواج الثمن مستقلاً وهو أمر عجيب. (1)
لو طلّق المريض أربعاً وخرجن من العدّة ثمّ تزوّج أربعاً ومات قبل بلوغ السنة، يرثن الثمن أو الربع بالسوية إذا مات في ذلك المرض من غير برء ويمكن تصوير الزوجات أكثر من ذلك.

المسألة الثالثة: إذا اشتبهت المطلّقة بالزوجة:

كما إذا طلّق واحدة من أربع وخرجت من العدّة، ثمّ تزوّج أُخرى ثمّ مات واشتبهت المطلقـة في الزوجـات الأُولى فلاشك أنّ للأخيرة ربع الثمن مع الولد أو ربع الربع مع عدم الولد للزوج، إنّما الكلام في الأربع إذ الفرض أنّ واحدة منها مطلّقة غير وارثة فاشتبهت غير الوارثة بين الثلاثة الوارثة فما هو الحكم؟
فعن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج أربع نسوة في عقدة واحدة أو قال: في مجلس واحد ومهورهن مختلفة؟ قال: «جائز له ولهنّ»، قلت: أرأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان فطلّق واحدة من الأربع وأشهد على

(1) مستند الشيعة: 2، ط حجر غير مرقّم.

صفحه 296
طلاقها قوماً من أهل تلك البلاد، وهم لايعرفون المرأة، ثمّ تزوّج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدّة تلك المطلّقة ثمّ مات بعد ما دخل بها كيف يقسّم ميراثه؟
فقال: «إن كان له ولد فإنّ للمرأة التي تزوّجها أخيراً من أهل تلك البلاد ربع ثمن ما ترك، وإن عرفت التي طلّقت من الأربع بعينها ونسبها فلا شيء لها من الميراث (وليس) عليها العدّة، قال: ويقتسمن الثلاثة النسوة، ثلاثة أرباع ثمن ماترك وعليهنّ العدّة، وإن لم تعرف التي طلّقت من الأربع قسمن النسوة ثلاثة أرباع ثمن ماترك بينهنّ جميعاً وعليهنّ جميعاً العدّة». (1)
وأمّا فقه الحديث فنتكلّم عنه في المباحث التالية:
1ـ إنّ الطلاق كان طلاقاً رجعياً لا خلعياً بقرينة أنّه طلّق زوجته في الغربة لغاية التزويج بالخامسة ومثله يكون رجعياً.
2ـ إنّه تزوّج بالخامسة بعد خروج المطلّقة عن العدّة، وإلاّ لم يجز له التزويج بها.
3ـ ثمّ إنّه إن عرفت المطلّقة من بين الزوجات الأربع لم يكن لها شيء من الميراث ولا عليها العدّة لموت الزوج المطلّق. أمّا عدم الميراث فلأجل أنّه مات بعد خروجها عن عدّة الطلاق والمطلّقة رجعياً إنّما ترث إذا مات الزوج وهي في العدّة، والمفروض أنّه مات بعدها كما أنّ المفروض أنّه طلّق وهو مصحح ولم يكن مريضاً، حتّى ترثه بين الطلاق والسّنة إذا مات فيها.
وأمّا أنّه ليس عليها العدة لخروجها عن العدّة بشهادة تزويج الخامسة، ومن هنا يعلم أنّ الصحيح «وليس عليها العدّة» لا «وعليها العدّة» كما في الجواهر،

(1) الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

صفحه 297
ولأجل ذلك اشتبه عليه الأمر، وقال: بل المتجه حينئذ سقوط الاعتداد عنها لأنّ الفرض تزويجه بالخامسة بعد خروج المطلّقة من العدة وقال: وهو جيد بناء على كون الحكم كذلك مع قطع النظر عن الصحيح المذكور (1) ولعلّ نسخته كانت فاقدة للفظ «ليس» كما يظهر من نقله الحديث بدونه.
4ـ أمّا الخامسة فهي ترث ربع الثمن إذا لم يكن له ولد فلأنّها زوجة مات عنها زوجها قطعاً فيرث حسب نصيبها، وأمّا الأربعة الباقية التي نعلم بطلاق واحدة منها غير معيّنة فيحكم عليهنّ بحكمين:
1ـ اقتسامهنّ ثلاثة أرباع ثمن ماترك بالسوية 2ـ وعليهنّ جميعاً العدّة.
أمّا الثاني فواضح، لأنّ كل واحدة منهنّ زوجة بحكم الاستصحاب وكلّ زوجة محكومة بالاعتداد إذا توفّي عنها زوجها، والعلم بانتقاض الحالة السابقة في واحدة منهنّ لايضر به لخروج الأطراف عن محلّ الابتلاء، فإنّ كلّ واحدة مكلّفة مستقلاً فهي تستصحب زوجيتها وإن علم بأنّها أو إحدى ضرّتيها مطلّقة، ولكن ذلك العلم غير منجز لعدم كون الطرف المقابل محلاً للابتلاء للزوجة المستصحبة.
وأمّا الأوّل فلأنّه مقتضى قاعدة العدل والإنصاف، فالمقام أشبه بودعي أودع عنده ديناران لواحد ودينار لواحد آخر، فامتزجت الدنانير بلاتقصير، فسرق واحد منها، فالباقيان إمّا للمودع الأوّل أو واحد منهما للأوّل والآخر للثاني، فلامحيص في رفع الخصومة عن تخصيص الواحد بالمودِع الأوّل وتقسيم الثاني بينهما كما ورد به الخبر. (2) وفي المقام يتعارض الاحتمال في كل منهما، فهو أشبه بما إذا تداعيا اثنان خارجان مع تعارض بيّنتهما فالصلح خير.

(1) جواهر الكلام: 39/200.
(2) الوسائل: 13 كتاب الصلح، الباب 9، الحديث1.

صفحه 298
نعم إنّ ابن إدريس طرح الخبر وقال بالقرعة وانّه تُستخرج المطلّقة بها، وبما أنّ أدلّة القرعة عندنا مختصّة بصورة التخاصم، لامجرى لها في المقام، إذ لاتخاصم في المقام بل التحيّر والجهل سائدان عليه، إلاّ أن نقول بكفاية التخاصم بالقوّة وإن لم يكن بالفعل وعلى تسليم صحّته فلاتعادل أدلّة القرعة النص الوارد بالخصوص.
وهناك احتمال آخر وهو تخيير الحاكم بين القرعة والصلح بما في الرواية وإن كان العمل بالرواية أولى وأحوط.
ومنه يظهر أنّ الحكم لايختص بمورد النص بل يعمّ ما إذا اشتبهت المطلّقة في اثنتين أو في جملة الخمس، سواء كان الاشتباه بواحدة أو أكثر، بل يمكن فرضه بما إذا طلّق الأربع وتزوّج الأربع بعد خروجهنّ من العدّة واشتبهن، والظاهر التعدية من مورد الحكم إلى غيره، وليس إلغاء الخصوصية عملاً بالقياس بل هو من المداليل العرفية.

المسألة الرابعة: في ميراث الصبية عن زوجها:

1ـ إذا زوّج الولي مثل الأب والجدّ له الصبية بالكفو المدرِك بمهر المثل وتوفّي الزوج ترثه الزوجة مطلقاً، سواء مات قبل إدراكها أو بعد إدراكها.
2ـ إذا زوّج الوليّ الصغيرين بالكفو بمهر المثل توارثا كذلك.
3ـ إذا زوّج الولي الصبية بالكفو بدون مهر المثل توارثا أيضاً كذلك وإن كان لها الخيار ـ لو بلغت ـ لكن الخيار في المهر لا في العقد.
4ـ لو زوّجها بغير الكفو بدون مهر المثل فهو عقد فضولي يلحقه أحكامه.
أمّا الصورة الأُولى: فيقع الكلام فيها وفيما بعدها في جهتين: جهة وجود الخيار للمعقود له بعد الإدراك والبلوغ، وجهة ميراث أحد الزوجين عن الآخر إذا

صفحه 299
قلنا بأنّ العقد لازم أو قلنا بأنّه جائز ولكن لم يصدر أيّ فسخ، والجهة الأُولى راجعة إلى كتاب النكاح، فقد قلنا هناك بأنّ العقد لازم إذا كان العاقد وليّاً، والجهة الثانية راجعة إلى المقام، وحكم المسألة مشهور بين الفقهاء، حتى أنّ من قال بالخيار، قال بالميراث إذا لم يفسخ، لأنّ تزلزل عقد الصبية ليس بأشدّ من تزلزل المطلّقة الرجعية مع أنّها ترث إذا مات الزوج في العدّة، وتدل على ذلك صحيحة الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الغلام له عشر سنين، فيزوّجه أبوه في صغره، أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين ؟ قال: فقال: «أمّا تزويجه فهو صحيح، وأمّا طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته، حتى يدرك فيعلم أنّه كان قد طلّق فإن أقرّ بذلك وأمضاه، فهي واحدة بائنة وهو خاطب من الخطاب، وإن أنكر ذلك وأبى أن يمضيه فهي امرأته»، قلت: فإن ماتت أو مات؟ قال: «يوقف الميراث حتى يدرك أيّهما بقى، ثم يحلف باللّه، ما دعاه إلى أخذ الميراث إلاّ الرضا بالنكاح، ويدفع إليه الميراث». (1)
أمّا فقه الحديث، فالطلاق كان من الصبي فضوليّاً بمعنى غير جامع الشرائط وهو البلوغ، ولأجل ذلك يكفي رضاه بعد البلوغ.
وأمّا حلفه باللّه ما دعاه إلى أخذ الميراث إلاّ الرضا بالنكاح، فهو من أدلّة كون العقد خيارياً، ومن قال بعدم الخيار له فهو لايعمل بالذيل. وعلى كلّ تقدير فهو نصّ في المورد.
نعم روى عباد بن كثير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قال: سألته عن رجل زوّج ابناً له مدركاً من يتيمة في حجره؟ قال: «ترثه إن مات ولا يرثها، لأنّ لها الخيار، ولا خيار عليها». (2) إنّ عدم إرث الزوج لأجل كون العقد من جانب

(1) الوسائل: 17، الباب 11، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 4ـ2، صدر الحديث الأوّل مطلق، وذيله ظاهر فيما إذا كان الزوجان صغيرين، لا أحدهما صغيراً والآخر كبيراً، فربما يصلح لأن يكون دليلاً للصورة الثانية.
(2) الوسائل: 17، الباب 11، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 4ـ2، صدر الحديث الأوّل مطلق، وذيله ظاهر فيما إذا كان الزوجان صغيرين، لا أحدهما صغيراً والآخر كبيراً، فربما يصلح لأن يكون دليلاً للصورة الثانية.

صفحه 300
اليتيمة فضولياً ولم يكن الرجل وليّاً لها، بل مربياً لها ولعلّ الرجل تزوّج بأُمّ معها بنتها، فزوّجها بلا ولاية، بابنه الصغير، وبما أنّ العقد كان من جانب الصغير تامّاً ترثه الزوجة إن أمضت، ولايرثها الابن إذا ماتت قبل الإمضاء، وفي السند نعيم بن إبراهيم وعباد بن كثير وكلاهما لم يوثقا.
هذا ويمكن استنباط حكم هذه الصورة ممّا ورد في الصورة الثانية لأنّه إذا جاز وورث فيما إذا كان الطرفان غير مدركين لجاز وورث فيما إذا كان أحدهما غير مدرك بطريق أولى.
وأمّا الصورة الثانية: أعني: ما إذا زوّج الوليّ الصغيرين، فيدل عليه مضافاً إلى الإطلاقات:
1ـ صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصبي يتزوّج الصبية يتوارثان ؟! فقال: «إذا كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم»، قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟ قال: «لا». (1)
2ـ ما رواه صفوان عن محمد عن أحدهما (عليهما السلام) قلت: الصبي يتزوّج الصبية هل يتوارثان؟ قال: «إن كان أبواهما زوّجاهما فنعم»، قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟قال: «لا». (2)
3ـ خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الصبيّ يزوّج الصبية هل يتوارثان؟قال: «إن كان أبواهما، هما اللذان زوجاهما فنعم». قلنا: يجوز طلاق الأب؟قال: «لا». (3) ورواه الشيخ والصدوق بسندين آخرين وإن كان بين الاسناد اشتراك في بعض الأسماء. وفي سند الحديث الذي نقله الكليني

(1) الوسائل: 14، الباب 12، من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.
(2) مستدرك الوسائل: 14، الباب 5 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.
(3) الوسائل: 17، الباب 11، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.

صفحه 301
القاسم بن عروة وهو لم يوثق، لكنّه وقع في أسانيد ابن أبي عمير.
وأمّا الصورة الثالثة: أعني ما إذا زوّج الولي الصبي بالكفو بدون مهر المثل توارثا أيضاً للإطلاقات وإن كان لها الخيار ـ لو بلغت ـ في المهر لكن الخيار في المهر غير الخيار في العقد، والمستفاد ممّا سبق أنّه إذا صدر العقد من أهله ووقع في محلّه يتّصف الطرفان بالزوجية ويترتّب عليه ما للزوجية من الآثار.
إنّما الكلام في الصورة الرابعة وهو ما إذا زوّجها بغير الكفو سواء كان بمهر المثل أو بأقلّ منه. فهل العقد لازم أو أنّه فضولي، جائز يتوقّف على رضى المولّى عليه بعد البلوغ، والظاهر أنّ العقد فضولي مع فقد المصلحة وإن لم تكن المفسدة، اللّهمّ إلاّ أن يقال بكفاية عدم المفسدة، ولا يحتاج إلى وجود المصلحة فيصح في قسم خاص وهو إذا لم يقترن بالمفسدة.
هذا كلّه إذاكان العاقد وليّاً وأمّا إذا زوّجه غير الولي فيكون العقد موقوفاً على رضاهما فله صور:
1ـ إذا رضيا به بعد البلوغ والرشد.
2ـ إذا ردّاه بعد البلوغ.
3ـ لو بلغ أحدهما وردّ ولم يبلغ الآخر بعد.
4ـ لو ماتا قبل البلوغ.
5ـ لو بلغ أحدهما ورضى لكن مات الآخر قبل الرضا.
6ـ عكس هذه الصورة، بلغ أحدهما ورضى ومات هو.
هذه هي الصور الست وأحكامها واضحة فيتوارثان في الأوّل دون الثاني والثالث والرابع والخامس إنّما الكلام في الصورة السادسة، ففيها يعزل نصيب الآخر من تركة الميّت وتربّص بالحي. فإن بلغ وأنكر العقد و ردّه ولم يرض به فقد

صفحه 302
بطل العقد ولاميراث، وإن أجاز صحّ وأُحْلِف أنّه لم يدعه إلى الرضا الرغبة في الميراث. والمسألة مشهورة ورد فيها صحيحة أبي عبيدة والأسئلة الواردة فيها التي لها صلة بالميراث لا تتجاوز عن خمسة وإليك الإشارة إلى مواضعها. قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام وجارية زوّجهما وليّان لهما وهما غير مدركين؟ قال: فقال: «لنكاح جائز أيّهما أدرك كان له الخيار.
1ـ فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر.
2ـ إلاّ أن يكونا قد أدركا ورضيا». قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: «يجوز ذلك عليه إن هو رضى».
3ـ قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية: ورضى النكاح، ثم مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه حتى تدرك، وتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر».
4ـ قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟قال: «لالأنّ لها الخيار إذا أدركت».
5ـ قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: «يجوز عليها تزويج الأب ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية». (1)
أمّا فقه الحديث، فقد ورد فيها أحكام لصور مختلفة وذيل الحديث دليل على أنّ العاقدين لم يكونا وليّين شرعيّين، بل كانا وليّين عرفيّين، ولذلك فرض في الصورة الخامسة كون العاقد أباً للجارية أو للغلام، وإليك البيان:
1ـ لو زوّجهما الوليّان العرفيّان، وماتا قبل أن يدركا فلا ميراث ولا مهر لكون العقد فضولياً وعدم التنفيذ من جانب الزوجين، وإليه أشار بقوله: «فإن

(1) الوسائل: 17، الباب 11، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

صفحه 303
ماتا قبل أن يدركا فلاميراث بينهما ولا مهر» .
2ـ تلك الصورة ولكن أدركا ورضيا ومات واحد من الزوجين وبقي الآخر، فيرثه الباقي، وإليه أشار بقوله: «إلاّ أن يكونا قد أدركا ورضيا» .
3ـ تلك الصورة ولكن أدرك الزوج ورضى ومات قبل الآخر، والعقد يجوز عليه، وأمّا الآخر فلنفترض أنّه الجارية فيعزل ميراثها منه حتّى تدرك وتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليه الميراث ونصف المهر، وإليه أشار بقوله: وإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضى بالنكاح ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه» إلى آخر العبارة.
4ـ تلك الصورة، ولكن نفترض أنّ الجارية ماتت قبل الإدراك وبقي الزوج وأدرك ورضى، فلايرث، وذلك لأنّ العقد وإن كان تامّاً من جانب الزوج لكنّه غير تام من قبل الزوجة لأنّها ماتت قبل الإدراك، أو بعد الإدراك وقبل الرضا، وإن كان فرض الرواية هو الأولى، وإليه أشار بقوله:
فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟ قال: «لا، لأنّ لها الخيار إذا أدركت» .
5ـ إذا كان العاقد هو الولي الشرعي من أب للجارية وللغلام، فلاشكّ أنّ العقد نافذ، والمهر على الأب إذا لم يكن للغلام مال كما حقّق في محلّه، وإليه أشار بقوله: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: «يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية» .
إلى هنا وقفت على الصور الموجودة في الرواية، وكلّ ما ورد فيها موافق للقاعدة إلاّ ما ورد في الصورة الثالثة، فربما يستظهر أنّ بعض ما فيها أو كلّه مخالف للقاعدة، وإليك بيانه:

صفحه 304
أ: إنّ الواجب دفع جميع المهر لانصفه، لأنّ الموت ليس بمنصِّف مع أنّ الوارد فيها هو نصف المهر.
ويمكن دفعه بأنّ الرواية وردت في ظروف كان الرائج فيها دفع نصف المهر حين العقد، والنصف الآخر حين الزفاف، وبهذا الاحتمال يندفع الإشكال.
ب: طلب اليمين من المجيز وهو مصدق فيما لايعلم إلاّ من قبله، على أنّه يكفي في الوراثة الرضا بالعقد، وإن كان الذي دعاه إليه هو الطمع في ماله.
ويمكن دفعه بأنّ الرضا بالعقد في حال حياة الزوج كاف سواء كان الدافع إلى الرضا جماله أو ماله أو دينه، فمطلق الرضا بالعقد بأيّ داع كان هو الشرط اللازم.
ولكن إحراز هذا الشرط في الظرف الذي مات الزوج، وترك مالاً وبقيت الزوجة أمر مشكل لأنّا نحتمل أنّه لو كان الزوج حيّاً مع كونه ذا مال فربما لم ترضَ به الزوجة، فلأجل دفع هذا الاحتمال وانّه لو كان حيّاً لكانت راضية به لأيّ داع كان، نستحلفها على أن تحلف بأنّ الذي دعاها إلى الميراث ليس إلاّ رضاها بالتزويج، لا المال الموجود.
فانّ استحلافها لايدلّ على أنّ الرضا بالعقد لأجل المال غير كاف، بل لاشكّ أنّه كاف مطلقاً، ولكن إحراز ذلك في الظرف الذي مات الزوج لايعلم إلاّ بالحلف على أنّ رضاها بالزواج ليس إلاّ لأجل كون الزوج مطلوباً لها لا غير وليس الداعي لرضاها التركة الموجودة، فلاحظ فانّه دقيق.
ج: إنّ تصحيح العقد إذا مات أحد المعقود عليهما بعد إجازته وقبل إجازة الآخر أمر غير تامّ، وذلك لأنّ الإجازة إمّا ناقلة أو كاشفة، أمّا على الأوّل، فالمفروض أنّ الزوجة ماتت قبل تمام السبب الناقل، ومن المعلوم أنّ مثل ذلك النكاح باطل كما لو مات أحدهما قبل تمام الأمر.

صفحه 305
ولايقاس النكاح بباب البيع، فانّ موت الموجب قبل قبول القابل لايبطل العقد، بخلاف موت أحد الزوجين قبل إكمال العقد، وذلك لأنّ البيع ربط بين المالين وليس بقاء البائع والمشتري من الأركان وهذا بخلاف النكاح، فانّه ربط بين الزوجين فبقاؤهما من الأركان.
وأمّا على الثاني فلأنّ لزوم الاستحلاف دالّ على أنّ الإجازة وحدها لاتكفي ثبوت هذا العقد بل لابدّ معها من اليمين، وبالتالي حصل الموت قبل تمام السبب.
وبالجملة الإجازة إنّما تكون كاشفة في مورد تمّ السبب، والاستحلاف دليل على عدم تماميته.
يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الثاني، ولكن الحلف كالرضا كلاهما بالانضمام، كاشفان عن تمامية السبب وليس الحلف جزء للسبب.
وبذلك تقف على أنّ بعض ما ذكره الشهيد في المسالك غير تامّ، كما يظهر أنّه يمكن إلحاق بعض مالم يذكر في الرواية بما ورد فيها:
1ـ كما لو كانا كاملين مدركين، وزوجهما الفضولي.
2ـ لو كان أحدهما كاملاً والآخر صغيراً.
3ـ أو كان العاقد وليّ أحد الصغيرين، والعاقد للآخر فضولياً، فالحكم في الجميع على وفق ما ورد في الرواية.
بقي هناك أمر ربما يصدّنا عن إلحاق مالم يذكر بما ورد، وهو أنّ الزوجية علقة بين الجنسين المختلفين، لأجل الاستمتاع أوّلاً، وتشكيل الأُسرة ثانياً، واعتبار هذه العلقة بين الحيّ والميّت لأجل خصوص التوارث ممّا ليس منه بين العقلاء عين ولاأثر. فما ورد في الرواية تعبّد من الشارع وعند ذلك، فالتجاوز عن مورد

صفحه 306
الرواية إلى غيره يكون أمراً مشكلاً، ولو أغمضنا عن ذلك، فلاشكّ أنّه إذا صحّ العقد مع كون الزوجين صغيرين، صحّ في الكاملين والكامل والفضولي بطريق أولى، إلاّ أن يقال: إنّ طبيعة الشرع هو تفريق المجتمعات وجمع المفترقات ومعه لاقطع بالمناط.
ثمّ لو نكلت الزوجة عن اليمين سقط الإرث، ولو منعها عن اليمين مانع انتظر إلى أن يرتفع المانع، وهل اليمين واجب في خصوص مورد التهمة فلا يجب مع ارتفاعها، أو هو واجب مطلقاً والتهمة حِكمة؟ والظاهر هو الثاني، كما لايخفى على المتدبّر في الرواية.

المسألة الخامسة: في حرمان الزوجة عن بعض التركة:

وتحقيق المسألة يتوقف على بيان أُمور:

1ـ المسألة من خصائص الفقه الإمامي:

لاخلاف بين المسلمين في أنّ الزوج يرث من جميع ما تركته زوجته من أرض وبناء وغيرهما، ولايحرم من شيء ممّا تركته. كما لا خلاف بين أهل السنّة في أنّ الزوجة أيضاً ترث من جميع ما تركه الزوج بلااستثناء مثل الزوج. (1)
ولاخلاف أيضاً بين الشيعة في أنّ غير ذات الولد من الزوجة لاترث من عراص الرباع والدور والمساكن وإنّما ترث من أعيانها الخارجيّة من الأخشاب والأبواب والآلات بالتقويم فهذه الأُمور الثلاثة ممّا اتّفقوا عليه.
وإنّما الخلاف بين الشيعة في غير ذات الولد وغير الدور والمساكن، فمنهم

(1) المغني: 6/237.

صفحه 307
من يخص الحرمان بغير ذات الولد ومنهم يعمّمه إليها وإلى غيرها، وعلى كلا القولين فمنهم من يقول بحرمانها من الدور والمساكن، ومنهم من يقول بحرمانها من مطلق الأراضي. وعلى كل تقدير فالحرمان بوجه الإجمال ممّا اتّفقت عليه الشيعة الإمامية وإن كان التفصيل مورد الخلاف ولنكتف في المقام بكلام السيد في الانتصار، والشيخ في الخلاف.
قال المرتضى في الانتصار: وممّا انفردت به الإمامية القول بأنّ الزوجة لاترث من رباع المتوفى شيئاً، بل تعطى بقيمة حقّها من البناء والآلات دون قيمة العراص. (1)
وقال الشيخ في الخلاف: لاترث المرأة من الرباع والدور والأرضين شيئاً، بل يقوّم الطوب والخشب فتعطى حقّها منه، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: لها الميراث من جميع ذلك. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم. (2)

2ـ هل هناك من ردّ أصل الحرمان؟

ربما يقال بأنّ أصل الحرمان بوجه الإجمال مورد الخلاف واستظهر الخلاف من ابن الجنيد حسب مانقل عبارته العلاّمة في المختلف وإليك نصّها:
قال ابن الجنيد: إذا دخل الزوج أو الزوجة على الولد والأبوين كان للزوج الربع، وللزوجة الثمن، من جميع التركة عقاراً وأثاثاً وصامتاً ورقيقاً، وغير ذلك وكذا إن كنّ أربع زوجات، ولمن حضر من الأبوين السدس، وإن حضرا جميعاً السدسان وما بقي للولد. (3)

(1) الانتصار: 31.
(2) الخلاف: 2 كتاب الفرائض، المسألة 131.
(3) مختلف الشيعة، كتاب الفرائض: 4/235، الطبعة الحديثة.

صفحه 308
ولايخفى أنّ كلام ابن الجنيد يحتمل وجهين:
1ـ المقصود من دخول الزوجة على الولد والأبوين، كونها ذات ولد من الزوج الميت. ففي مثله ترث من كل ما تركه الزوج أعياناً وعراصاً ويكون بالنتيجة موافقاً للمفصِلين بين ذات الولد وغيرها ويقع قوله: «على الولد» في جانب الزوجة، مقدّمة لقوله: «من جميع التركة عقاراً وأثاثاً» فإنّ ميراثها من الجميع فرع كونها داخلة على الولد من نفسها، ويدل بالمفهوم على الحرمان إذا لم يكن ذات الولد من الزوج الميت.
2ـ إنّ المراد هو كون الزوج الميت ذا ولـد، سواء كان منها أو من غيرها ويكون ذكر الولد لأجل تعيين مقدار سهمها وهو الثمن ويكون قوله: «من جميع التركة عقاراً وأثاثاً» راجعاً إلى بيان عدم محروميتها مطلقاً. حتّى العقار وعلى هذا يكون ابن الجنيد من المخالفين لما اتّفقت عليه كلمة الأصحاب وتضافرت عليه النصوص.
و ربّما يتوهم المخالفة من بعض الأصحاب كالصدوق في المقنع والمراسم لسلاّر والإيجاز والتبيان للشيخ الطوسي، ومجمع البيان وجوامع الجامع للطبرسي، والفرائض النصيرية للمحقّق الطوسي.
ولكن الصدوق وإن لم يذكره في المقنع، لكنّه ذكره في الفقيه، والشيخ وإن لم يذكره في الإيجاز، فقد ذكره في النهاية والمبسوط والاستبصار والخلاف، وليس بناء المفسّـر، التعرّض للجزئيات إذ الفرق الواضح بين كتاب التفسير والفقه، وعلى كلّ تقدير، لايمكن الاستدلال بعدم الذكر على المخالفة.
نعم تظهر المخالفة من دعائم الإسلام وهو فقيه شيعي إسماعيلي، أوّل الروايات بالأراضي المفتوحة عنوة وبالأوقاف التي ليس للنساء فيها حظ. (1)

(1) دعائم الإسلام: 2/395.

صفحه 309

3ـ مواضع البحث في المسألة :

إنّ مواضع البحث لاتتجاوز عن ثلاثة:
1ـ معرفة الزوجة الممنوعة وهل هي خصوص غير ذات الولد من الزوج أو الأعمّ منها ومن ذات الولد ؟
2ـ معرفة ما تحرم منها وهل هو مختص بأراضي الرباع والدور والمساكن أو يعمّ مطلق الأرضين؟
3ـ ثمّ على القول بحرمانها من عراص الرباع أو مطلق الأراضي، فكيف ترث من أعيان الدار وكيف يقوّم؟ وإليك البحث عن الكل، واحداً تلو الآخر.

الموضع الأوّل: تعيين المرأة الممنوعة:

اختلفت كلمات الفقهاء في تعيين المرأة الممنوعة، فمنهم من خصّها بغير ذات الولد، ومنهم من عمّمها إليها وإلى غيرها، أمّا الطائفة الأُولى فإليك نقل كلماتهم:
1ـ قال الصدوق ـ بعد نقل رواية ابن أبي يعفور الدالة على مشاركة الزوج والزوجة في الميراث ـ هذا إذا كان لها منه ولد، فإذا لم يكن لها ولد فلاترث من الأُصول إلاّ قيمتها. (1)
وقال الشيخ الطوسي بعد نقل تلك الرواية: وكان أبو جعفر محمّد بن علي ابن الحسين بن بابويه ـ رحمه اللّه ـ يؤوّل هذا الخبر ويقول: ليس لهن مع عدم الأولاد من هذه الأشياء المذكورة، فإذا كان هناك ولد فإنّها ترث من كلّ شيء. (2)

(1) الفقيه: باب نوادر الميراث: 4/252ح8.
(2) الاستبصار: 4/155.

صفحه 310
2ـ قال الشيخ في النهاية: المرأة لاترث من زوجها من الأرضين والقرى والرباع من الدور و المنازل، بل يقوّم الطوب والخشب، وغير ذلك من الآلات وتعطى حصتها منه، ولاتعطى من نفس الأرضين شيئاً، وقال بعض أصحابنا: إنّ هذا الحكم مخصوص بالدور والمنازل دون الأرضين والبساتين، والأوّل أكثر في الروايات وأظهر في المذاهب. وهذا الحكم الذي ذكرناه إنّما يكون إذا لم يكن للمرأة ولد من الميت فإن كان لها منه ولد اُعطيت حقّها من جميع ما ذكره من الضياع، والعقار والدور والمساكن. (1)
3ـ قال الشيخ في المبسوط: والمرأة لاترث من زوجها من الأرضين والقرى والرباع والدور والمنازل، بل يقوّم الطوب والخشب وغير ذلك من الآلات وتعطى حقها ولاتعطى من نفس الأرض شيئاً.
وقال بعض أصحابنا: إنّ هذا مخصوص بالدور والمنازل دون الأرضين والبساتين، والأوّل أظهر، هذا إذا لم يكن لها منه ولد، فأمّا إذا كان لها ولد فإنّها تعطى حقّها من جميع ذلك. (2)
4ـ وقال ابن البراج: والمرأة إذا لم يكن لها ولد من زوجها ومات عنها، لم يورث من الأرضين والرباع والدور والمنازل والقرى شيئاً، بل يقوّم الأخشاب والطوب، وجميع آلات ذلك، ويدفع إليها حقّها منها. ولا يدفع إليها من نفس ذلك شيء، وذهب بعض أصحابنا إلى أنّ ذلك يختص بالمنازل والدور دون الأراضي و غيرها، والظاهر الأوّل، فإن كان لها منه ولد، دفع إليها حقّها من نفس ذلك، ولم يمنع من شيء منه. (3)

(1) النهاية: 642.
(2) المبسوط: 4/126.
(3) المهذب: 2/140، باب ميراث الأزواج والزوجات.

صفحه 311
5ـ وقال ابن حمزة: فإن كانت الزوجة ذات ولد من زوجها المتوفى عنها لزم ميراثها في جميع تركاته وإن لم تكن ذات ولد منه لم يكن لها حقّ في الأرضين والقرى والمنازل والدور، والرباع. (1)
6ـ وقال المحقّق في الشرائع: «إذا كان للزوجة من الميت ولد ورثت من جميع ما ترك. ولو لم يكن، لم ترث من الأرض شيئاً، وأُعطيت حصّتها من قيمة الآلات والأبنية، وقيل: لا تمنع إلاّ من الدور، والمساكن. وخرّج المرتضى ـ رحمه اللّهـ قولاً ثالثاً: وهو تقويم الأرض، وتسليم حصّتها من القيمة، والقول الأوّل أظهر.(2)
7ـ وقال ابن سعيد الحلّي: ويرث كل وارث من جميع تركة الموروث إلاّ زوجة لاولدَ لها منه فإنّها لاترث من الأرض وترثه فيما عداها. ويعطى قيمة حصّتها من الحيطان، والنخل، والشجر والسقوف، فإن كان لها منه ولد ورثت كغيرها. (3)
8 ـ وقال العلاّمة في القواعد: والزوج يرث من جميع ما تخلفه المرأة سواء دخل أو لا، إذا كان العقد في غير مرض الموت، أمّا الزوجة فإن كان لها ولد من الميت فكذلك، وإن لم يكن لها ولد فالمشهور أنّها لاترث من رقبة الأرض شيئاً، وتعطى حصّتها من قيمة الآلات والأبنية. (4)
9ـ قال في التحرير: الزوجة إن كان لها من الميت ولد ذكراً أو أُنثى ورثت الثمن من جميع ما تركه الرجل، ولو لم يكن لها ولد منها لم ترث من الأرض شيئاً. (5)
10ـ وقال في الإرشاد: وذات الولد من زوجها ترث منه من جميع تركته، فإن

(1) الينابيع الفقهية: 22/279، نقلاً عن الوسيلة.
(2) شرائع الإسلام: 4/34.
(3) الجامع للشرائع: 508.
(4) قواعد الأحكام: 2/178.
(5) التحرير: 2/168.

صفحه 312
لم يكن لها منه ولد لم ترث رقبة الأرض شيئاً وأُعطيت حصّتها من قيمة الآلات والأبنية والنخل والشجر على رأي(1). هؤلاء، هم الذين خصّوا الحرمان بغير ذات الولد وقد اكتفينا بهم من المتقدّمين، وإليك من قال بعمومية الحكم.

من قال بعمومية الحكم لذات الولد وغيرها:

1ـ قال المفيد: «ولاترث الزوجة ممّا يخلفه الزوج من الرباع وتعطى قيمة الخشب والطوب والبناء والآلات فيه، وهذا هو منصوص عليه عن نبيّ الهدى ـعليه وآله السلام ـ وعن الأئمّة من عترته (عليهم السلام) والرباع هي الدور والمساكن دون البساتين والضياع. (2)
2ـ وقال أيضاً في الأعلام: اتفقت الإمامية على أنّ الزوجة لاترث من الرباع شيئاً ولكن تعطى بقيمة حقّها من البناء والطوب والآلات. (3)
3ـ وقال السيد المرتضى في الانتصار: وممّا انفردت به الإمامية القول بأنّ الزوجة لاترث من رباع المتوفى شيئاً...إلى آخر ما عرفت. (4)
4ـ وقال أبو الصلاح: ولاترث الزوجة من رقاب الرباع والأرضين شيئاً وترث من قيمة آلات الرباع من خشب وآجر كسائر الارث. (5)
5ـ قال ابن إدريس: هذا (الحرمان) إذا لم يكن لها ولد من الميت، فأمّا إذا كان لها منه ولد، اُعطيت سهمها من نفس جميع ذلك، على قول بعض أصحابنا،

(1) إرشاد الأذهان: 2/125.
(2) المقنعة: 687.
(3) الأعلام: 56.
(4) الانتصار : 301.
(5) الكافي: 374.

صفحه 313
وهو اختيار محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه تمسّكاً منه برواية شاذة وخبر واحد لايوجب علماً ولا عملاً. وإلى هذا القول ذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته إلاّ أنّه رجع عنه في استبصاره، وهو الذي يقوى عندي، أعني: ما اختاره في استبصاره، لأنّ التخصيص يحتاج إلى أدلّة قويّة وأحكام شرعية، والإجماع على أنّها لاترث من نفس تربة الرباع والمنازل شيئاً سواء كان لها ولد أو لم يكن وهو ظاهر قول شيخنا في مقنعته والسيد المرتضى في انتصاره. (1)
6ـ قال المحقّق في مختصر الشرائع ـ الذي ألّفه بعد الشرائع ـ: ويرث الزوج من جميع ما تركته المرأة، وكذا المرأة عدا العقار. (2)
7ـ قال الفاضل المقداد ـ بعد نقل صحيحة الفضلاءـ: إنّ حكم المرأة ذات الولد حكمها كذلك لقوله: «ثمنها...» . (3)
قد تعرّفت على القائلين بالقولين، وإنّهما من قبيل الأشهر والمشهور لاالنادر والمشهور وإن ّ في كل من القائلين أساتذة الفقه ولكلّ دليله.

دليل من قال بعمومية الحكم لذات الولد:

استدل من قال بعمومية الحكم لذات الولد وغيرها، بالإطلاقات الواردة من حرمان الزوج عن العقار والأراضي أو الدور والمساكن، ولم يرد فيها تخصيص بذات الولد مع استفاضتها، فلو كان هناك فرق بينهما لأُشير إليه في واحد منها مع عدم إشعار شيء منها بهذا التفصيل، وظاهر الجميع التعبير بالزوجة الشاملة لهما،

(1) السرائر: 3/259.
(2) المختصر النافع: 272.
(3) التنقيح الرائع: 4/191.

صفحه 314
ونحن نعلم من طريقتهم عدم الإيكال إلى علم السامع ونحوه. (1)
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى الكتاب هو إرثها من كلّ ما تركه الزوج، فإطلاق الكتاب محكّم حتّى يرد دليل على تخصيصه أو تقييده.
وما استفاض من الإطلاقات في السنّة الدالّة على الحرمان، مفسّر أو مقيّد بما رواه ابن أُذينة: «في النساء إذا كان لهنّ ولد أُعطين من الرباع» رواه الشيخ باسناد صحيح عن ابن أُذينة مقطوعاً، ورواه الصدوق باسناده عن محمّد بن أبي عمير عن عمر بن أُذينة، وفي السند محمّد بن أحمد بن يحيى الثقة، عن يعقوب بن يزيد بن حمادة الأنباري الكاتب الثقة، عن ابن أبي عمير الثقة، عن ابن أُذينة (2) وهو محمّد بن عمر بن أُذينة الذي غلب عليه اسم أبيه وهو أيضاً ثقة ويعد من الطبقة الخامسة في عداد تلاميذ زرارة ومحمّد بن مسلم، وفي طبقة جميل بن دراج وحمّاد بن عيسى المتوفّى عام 209 هـ وحمّاد بن عثمان المتوفى عام 212 هـ.
قال النجاشي: شيخ أصحابنا البصريين ووجههم روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمكاتبه. له كتاب الفرائض. ثمّ ذكر سنده إلى الكتاب، وأوصله إلى محمّدبن أبي عمير عن عمر بن أُذينة، (3) وما نقله ابن أبي عمير كان جزءاً من كتابه في الفرائض، نقل موضع الحاجة وترك غيره.
وأورد عليه أنّها مقطوعة وشأنها أقلّ من مرسلة، فإنّ المرسلة تسند إلى المعصوم دون المقطوعة، ويجبر ضعف الأُولى بالعمل دون الثانية.
وما ذكر من الفرق، وإن كان صحيحاً، لكنّه يرجع إلى مقطوعات الصحابة والتابعين، لاإلى أمثال عمر بن أُذينة الذين عرفوا بأنّهم لايصدرون إلاّ عن قول

(1) جواهر الكلام: 39/210ـ211.
(2) الوسائل: 17، الباب 7من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2.
(3) النجاشي: الرجال: 2/126، برقم 750.

صفحه 315
أئمّتهم، ولايفتون إلاّ بسماع منهم، فلأجل ذلك لا فرق بين مراسيل ابن أبي عمير ومقطوعات ابن أُذينة.
والذي يؤيده أنّه كان صاحب كتاب في الفرائض، والافتاء في ذلك العصر كان بالسماع عن المعصوم، ونقله إمّا بالسند كما هو الغالب، أو بإسقاطه كما هو النادر.
كل ذلك يورث الوثوق بصدوره عن الإمام.
فإن قلت: إنّ الاعتماد بمقطوعة ابن أُذينة يوجب تخصيص عموم الأخبار الدالّة على الحرمان تخصيصاً مستهجناً لاستلزامه خروج الأكثر وهو ذات الولد، وبقاء الأقل وهو غير ذات الولد.
قلت: إنّ صحّة التخصيص واستهجانه لايناط بقلّة الأفراد وكثرتها، بل يناط بكونه مقبولاً عند العقلاء وعدمه، فإذا كانت النساء ذات نوعين، فإخراج نوع وإن كان أكثر أفراداً، وإبقاء نوع آخر تحت العموم وإن كان أقل أفراداً، ولكن ليس في حدّ نفسها أقل ونادراً، صحيح عند العقلاء.
والحاصل أنّه إذا بقي تحت العام أفراد كثيرة وإن كانت أقلّ بالنسبة إلى الخارج فلا يعد مستهجناً.
فإن قلت: ما تقول في رواية الفضلاء؟ فإنّه نقل بالنحو التالي: «إنّ المرأة لاترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض إلاّ أن يقوّم الطوب والخشب قيمة، فتعطى ربعها أو ثمنها (إن كان لها ولد) من قيمة الطوب والجذوع والخشب». (1)
قلت: إنّ الحديث نقل مضطرباً، فنقل في الكافي المطبوع على النحو الذي عرفت، ونقله الشيـخ في التهذيب بالنحو التالي: فتعطى ربعها أو ثمنهـا ـ إن

(1) الكافي: 7/ 128، باب انّ النساء لايرثن من العقار.

صفحه 316
كان ـ من قيمة الطوب والخشب (1) ونقله في الاستبصار: «إن كانت» مكان إن كان. (2)
ونقله في الوافي: عن الكافي والتهذيب بحذف تمام الجملة: «فيعطى ربعها أو ثمنها إن كان لها ولد» (3) وقال في مفتاح الكرامة: الذي وجدته في الكافي في نسخة مضبوطة صحيحة، فتعطى ربعها أو ثمنهـا وليس فيها زيادة على ذلك أصـلاً. (4)
والظاهر وجود قوله: «فيعطى ربعها أو ثمنها» وعدم وجود الزائد عليها، أعني: إن كان لها ولداً، بقرينة رواية أُخرى لزرارة، ومحمّد بن مسلم التي ليس فيها عن تلك الزيادة عين ولا أثر، أعني: الرواية السابعة في الوسائل في الباب السادس، من قوله: «لاترث النساء من عقار الدور شيئاً ولكن يقوّم البناء والطوب وتعطى ثمنها أو ربعها» . وعلى فرض وجودها فهو قيد لإعطاء الثمن، ولاصلة له بالصدر أي «نّه لاترث النساء من تركة زوجها من تربه دار أو أرض...» فيكون الحاصل انّ المرأة ترث من قيمة الطوب والخشب ربعاً إن لم يكن للزوج ولد، أو ثمناً إن كان له ولد، وعلى ذلك فلايصح الاعتماد على تلك الزيادة في مقام الافتاء.
فإن قلت: العلّة المذكورة في الروايات لهذا الحرمان، جار في ذات الولد وغيرها، فقد روى ميسر بياع الزطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «لأنّ المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنّما هي دخيل عليهم. إنّما صار هذا كذا لئلاّ تتزوج المرأة

(1) التهذيب: 9/298 ح 24، الباب 97 من أبواب ميراث الأزواج.
(2) الاستبصار: 4/151ح1، الباب 94.
(3) الوافي: 3/123: باب انّ النساء لايرثن من العقار. ومع ذلك انّ صاحب مفتاح الكرامة نقل عنه وجود «إن كان له ولد» .
(4) مفتاح الكرامة: 8/193.

صفحه 317
فيجيئ زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم» . (1)
وفي مكاتبة محمّد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) : «والمرأة قد يجوز أن ينقطع ما بينها وبينه من العصمة ويجوز تغييرها وتبديلها» (2) فإذا كان علّة الحرمان هو احتمال دخول الغير في عقار قوم آخرين، فهذا جار في ذات الولد أيضاً إذا تزوّجت بعد موت زوجها برجل آخر، بل هو جار في عكس المسألة أي وراثة الرجل من الأراضي الموروثة عن زوجته لأنّه ربما يتزوّج ـ بعد موت زوجته ـ بزوجة أُخرى ويكون له منها الولد يزاحم القوم في عقارهم.
قلت: إنّ ما ذكر حكمة لا علّة، والغالب في ذات الولد عدم الزواج لصيانة أولادها الذين فقدوا أباهم بخلاف غير ذات الولد، فانّها لتجرّدها أرغب إلى الزواج وأقرب فالعلّة غالبية كما لايخفى.
وأمّا النقض في جانب الزوج فلعلّ عدم حرمانه من الأراضي الموروثة من زوجته لأجل حكمة غير معلومة لنا، فتحصل أنّ المقطوعة لايمكن رفع اليد عنها ببعض الاحتمالات خصوصاً انّها موافقة للقرآن الكريم، وأمّا خلو سبعة عشر حديثاً من هذا القيد فسيوافيك أنّ أرقام الروايات أقلّ من ذلك أوّلاً، وانّه يمكن تقييد المطلقات بالرواية إذا حصل الاطمئنان بصدورها ومن البعيد جدّاً أن يصدر الفقهاء العظام، الذين تعرفت عليهم عمّا ليس بحجة.
نعم استقر رأي مراجع العصر ومشاهير الوقت على عمومية المنع:
قال السيد الخوئي: وترث الزوجة ممّا تركه الزوج من المنقولات والسفن والحيوانات ولاترث من الأرض لاعيناً ولاقيمة وترث ممّا ثبت فيها من بناء وأشجار وآلات وأخشاب ونحو ذلك، ولافرق في الأرض بين الخالية والمشغولة بغرس أو

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.
(2) المصدر نفسه، الحديث 14.

صفحه 318
بناء أو زرع أو غيرها. (1)
قال الإمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ: وترث الزوجة من المنقولات مطلقاً ولاترث من الأرض مطلقاً لا عيناً ولاقيمة سواء كانت مشغولة بالزرع والشجر والبناء وغيرها أم لا، وترث القيمة خاصّة من آلات البناء كالجذوع والخشب والطوب ونحوها، وكذا قيمة الشجر والنخل من غير فرق بين أقسام البناء كالرحى والحمام والدكان والاصطبل وغيرها، وفي الأشجار بين الصغيرة والكبيرة واليابسة التي معدّة للقطع ولم تقطع والأغصان اليابسة، والسعف كذلك مع اتصالها بالشجر. (2)

الموضع الثاني: تحديد ما لا ترثه الزوجة:

قد عرفت أنّ حرمان الزوجة عن بعض التركة أمر مسلّم في الفقه الإمامي، ولو أغمضنا النظر عمّا نقل عن ابن الجنيد ـ وقد تعرفت على عبارته، وانّه يحتمل وجهين ـ فالأقوال لاتتجاوز عن ثلاثة:
1ـ ما ذكره السيد المرتضى انّه تحرم من عين الرباع، لا من قيمتها، وانّ الرباع وإن لم تسلم إلى الزوجات ولكن قيمتها محسوبة. (3)
2ـ حرمانها من أراضي الدور والمساكن خاصّة عيناً وقيمة دون سائر الأراضي من المزارع والبساتين وحرمانها من عين الآلات والأبنية لاقيمتها، وهذا القول هو القول المعروف قبل الشيخ الطوسي، وإن قلّ القائل به بعد إفتائه بالعموم، وسيوافيك أسماء من يقول به.
3ـ حرمانها من مطلق الأراضي من غير فرق بين أرض عليها بناء وغيره من

(1) منهاج الصالحين: المسألة 1788، كتاب الإرث.
(2) تحرير الوسيلة: 2/397 ، المسألة 5، في فضل الميراث بسبب الزوجية.
(3) الانتصار: 31.

صفحه 319
المزارع والحدائق والأراضي البائرة، وهذا هو المعروف بعد الشيخ الطوسي، والقائل به أكثر من القول الثاني ولأجل ذلك يكون القول الثالث أشهر، والثاني هو المشهور من الثلاثة:
أمّا القول الأوّل: فليس له دليل صالح إلاّ الجمع بين المطلقات والمقيّدات حيث إنّ مقتضى المطلقات توريثها من جميع ما ترك، ومقتضى الأدلة الخاصة الدالة على الحرمان عدم توريثها من الأراضي عموماً أو خصوصاً، فجمع السيد بين الطائفتين بحمل الأُولى على القيمة والثاني على العين، هو جمع تبرعي لاشاهد له، مع أنّه مانع من تقييد المطلقات، بالمقيّدات، والعمومات بالمخصصات من دون حاجة إلى ارتكاب هذا التكلّف، نعم ظاهر الصدوق، وما اختاره السيد حيث قال ـ بعد نقل رواية ابن أبي يعفور الدالّة على عدم الحرمان مطلقاً ـ ما هذا لفظه: هذا إذا كان لها منه ولد، فإذا لم يكن لها منه ولد، فلاترث الأُصول إلاّ قيمتها. (1)
وأمّا القول الثاني: فهو المعروف قبل الشيخ الطوسي، وإليك بعض من قال به قبله وبعده:
1ـ يظـهر من الكليني أنّه خصّ الحرمان بالعقار دون سائر الأراضي، وذكر روايات الباب تحت عنوان «لاترث النساء من العقار» وهو يعرب عن أنّه حمل روايات الحرمان على خصوص العقار وسيوافيك معناه وأنّه بمعنى المنزِل والمحلّة.
2ـ قال المفيد: ولاترث الزوجة شيئاً ممّا يخلفه الزوج من الرباع، وتعطى قيمة الخشب والطوب والبناء والآلات. (2)

(1) الفقيه: 4/252ح8، باب نوادر المواريث.
(2) المقنعة: 687.

صفحه 320
3ـ وقال السيد: تحرم من عين الرباع لا من قيمتها. (1) فجعل محور البحث هو الرباع.
4ـ قال ابن إدريس: الإجماع على أنّها لاترث من نفس تربة الرباع والمنازل شيئاً. (2)
5ـ قال المحقق في مختصر الشرائع: ويرث الزوج من جميع ما تركته المرأة وكذا المرأة. ما عدا العقار. (3)
6ـ قال الفاضل المقداد: والفتوى على قول المفيد وابن إدريس وهو المنع من رقبة الأرض وإعطاء قيمة الآلات والأشجار والعروش. (4)
7ـ قال الأردبيلي في شرح الإرشاد: ومن ينظر إلى عدم الخروج عن الكتاب والسنّة والإجماع إلاّ بدليل ولا يخصصها إلاّ بخبر صحيح صريح خال عن القصور، بل معتضد بالعمل ويكون دلالته على محلّ التخصيص أظهر من دلالة تلك العمومات اليقينية كما هو الحقّ فعليه بمذهب الشيخ المفيد ومن تابعه فذلك غير بعيد. (5)
إلى غير ذلك من القائلين بالقول الثاني وإن كان الثالث أشهر.
وأمّا القول الثالث: فهو خيرة الشيخ في النهاية، والقاضي في المهذّب، وابن حمزة في الوسيلة، والمحقق في الشرائع. (6)

(1) الانتصار: 31.
(2) السرائر: 3 /259.
(3) المختصر النافع: 272، ط القاهرة.
(4) التنقيح الرائع: 4/292، وبما أنّه اختار مذهب المفيد وابن إدريس يكون المراد من الأرض، هو أرض الدار.
(5) مجمع الفائدة، آخر الفصل الرابع في ميراث الزوجين.
(6) انظر إلى كلماتهم في الموضوع الأوّل من البحث ولاحاجة إلى التكرار.

صفحه 321
وقال الفخر بعد نقل استدلال الشيخ على العموم:لايقال تبقى رواية وردت في صورة خاصة، فلايتعدى لأنّا نقول: لا نسلّم عدم التعدي إذا لم يدل دليل على اختصاصها. ثمّ نقل رواية محمّد بن مسلم وفيها: «من تربه دار أو أرض» . (1)
وقال الشهيد في الدروس: لو خلف الزوجة عن ولد لم ترث من رقبة الأرض شيئاً وتعطى قيمة الآلات والأبنية والشجر. (2)
والقول الثالث هو المشهور بين المتأخرين وعليه أكثر مراجع العصر ممّن عاصرناه، نعم اختار السيد المحقّق البروجردي القول الثاني، وبذلك ألفَتَ، أنظار المحققين إلى ذلك القول من جديد، ولعلّه الأقوى حسب الأدلّة وإليك دراسة الروايات حتّى يستظهر أحد القولين منها، فنقول: إنّ العناوين الواردة في المسألة عشرة:

العنوان الأوّل: الرباع، وقد ورد فيه حديثان:

1ـ حديث علاء عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «ترث المرأة من الطوب ولاترث من الرباع شيئاً» . (3)
2ـ حديث يزيد الصائغ، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنّ النساء لايرثن من رباع الأرض شيئاً، ولكن لهنّ قيمة الطوب والخشب» . (4)
وأمّا معنى الرباع فقد قال في «مختار الصحاح»: الرَّبع: الدار بعينها، وجمعها رباع، ربوع وأرباع، والربع: المحلة، والمربَعْ: منزل القوم في الربيع خاصة.

(1) الايضاح: 4/241.
(2) الدروس: 2/358.
(3) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2و11 وليزيد الصائغ حديث آخر سيوافيك تحت عنوان: «لأرض» .
(4) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2و11 وليزيد الصائغ حديث آخر سيوافيك تحت عنوان: «لأرض» .

صفحه 322
وقال في القاموس: الربع: الدار بعينها حيث كانت، والجمع رباع، وربوع، والمحلة والمنزل، والموضع الذي يتربّعون في الربيع.
وقال الطريحي في المجمع: الربع كسهم: الدار نفسها، ففي الحديث: لايرثن النساء من الرباع شيئاً أي من الدور.
وقد استعمل كلمة الربع وما اشتقّ منه في الأدب العربي في البيت والدار كثيراً يقول الحميري:
لأُمّ عمرو باللّوى مَرْبعُ *** طامسةٌ أعلامُها بَلْقَعُ
وقال الآخر:
ربعٌ عفاها الدارُ طولاً فانمحى *** قد كاد من طول البِلى أن يَمْسَحا

العنوان الثاني: العقار ، وفيه ثلاثة أحاديث:

1ـ ما رواه محمّد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) حيث كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: علّة المرأة أنّها لاترث من العقار شيئاً إلاّ قيمة الطوب والنقض، لأنّ العقار لايمكن تغييره وقلبه، والمرأة قد يجوز أن ينقطع ما بينها وبينه من العصمة الخ. (1)
2ـ حديث الحسن بن محبوب، عن الأحول، والمراد به محمّد بن علي بن النعمان البجلي الأحول (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «لايرثن

(1) الوسائل: 17، الباب 6، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 14.
(2) الملقب بمؤمن الطاق في مقابل تلقيب المخالفين له بشيطان الطاق، يروي عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهم السلام) وله كتاب «فعل لاتفعل» ومن المحتمل أنّ السند مرسل، لأنّ الحسن بن محبوب ولد عام 150، ومات سنة 224 ومن البعيد أن يروي عنه إلاّ أن يكون مؤمن الطاق من المعمّرين.

صفحه 323
النساء من العقار شيئاً ولهنّ قيمة البناء والشجر والنخل» (يعني من البناء الدور، وإنّما عنى من النساء الزوجة) . (1)
ومن المحتمل جدّاً أن يكون المراد من الشجر والنخل هما الموجودان في صحن البناء لاالحدائق والبساتين. لاقترانهما بالبناء في الحديث.
3ـ حديث عبد الملك قال: دعا أبو جعفر (عليه السلام) بكتاب عليّ (عليه السلام) ، فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطوياً، فإذا فيه: «إنّ النساء ليس لهنّ من عقار الرجل إذا توفّي عنهنّ شيء» فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «هذا واللّه خطّ علي (عليه السلام) بيده وإملاء رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم» . (2)
وأمّا العقار، ففي مختار الصحاح: العقار ـ بالفتح مخففاً ـ: الأرض والضياع والنخل، ويقال: في البيت عقار حسن أي متاع وأداة.
وقال ابن فارس: العقر له أصلان: فالأوّل: الجرح أو ما يشبه الجرح، من الهَزْم في الشيء والثاني دالّ على ثبات ودوام، فالأوّل قول الخليل: العقر كالجرح، وأمّا الأصل الثاني، فالعقر: القصر الذي يكون معتمداً لأهل القرية، قال الخليل: عقر الدار: محلّة القوم، بين الدار والحوض، كان هناك بناء أو لم يكن (3).
قال في القاموس: العقر ـ بالفتح ـ: فرج ما بين كل شيئين، ما بين قوائم المارة، والمنزل، كالعقار والقصر هذا.
وقال في المنجد: العقر: وسط الدار، محلة القوم، البناء المرتفع، المنزل، فرج ما بين كل شيئين، العقر: صداق المرأة، محلة القوم، مؤخر الحوض أو مقام الشارب منه، وسط الدار، أحسن موضع في الدار، خيار الكلاء، أحسن أبيات القصيدة.

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 16.
(2) المصدر نفسه: الحديث 17.
(3) ابن فارس: مقاييس اللغة: مادة «عقر».

صفحه 324

العنوان الثالث: عقار الأرض، فيه حديث واحد:

حديث جميل عن زرارة عن أبي جعفر، ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:(1) «لاترث النساء من عقار الأرض شيئاً» ولعلّ المراد: أرض العقار.

العنوان الرابع: عقار الدار، فيه حديث واحد:

حديث زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : «لاترث النساء من عقار الدور شيئاً،(2) ولكن يقوّم البناء والطوب وتعطى ثمنها أو ربعها قال: وإنّما ذلك لئلاّ يتزوّجن فيفسدن على أهل المواريث مواريثهم» ولعلّ الإضافة بيانية أي العقار التي هي الدور ويحتمل بعيداً أن تكون الإضافة لامية أي العقار للدار، وفي الذيل إشارة إلى اختصاص الحرمان بالدور والمساكن.

العنوان الخامس: القرى والدور، فيه حديثان:

1ـ حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «إنّ المرأة لاترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاً وترث من المال والرقيق، والثياب، ومتاع البيت ممّا ترك، ويقوّم النقض والجذوع والقصب فتعطى حقّها منه» . (3)
2ـ حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «إنّ المرأة لاترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاً وترث من المال والفرش والثياب، ومتاع البيت ممّا ترك، ويقوّم النقض والأبواب والجذوع والقصب فتعطى حقّها منه» . (4)
والروايتان متّحدتان، والراوي عن زرارة في كليهما علي بن رئاب والإمام

(1) الوسائل: 17، الباب 6من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6ـ7.
(2) الوسائل: 17، الباب 6من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6ـ7.
(3) المصدر نفسه: الحديث 12و 1.
(4) المصدر نفسه: الحديث 12و 1.

صفحه 325
المروي عنه فيهما أبو جعفر والمتن أيضاً واحد لايختلف إلاّ جزئياً. أضف إلى ذلك أنّ الروايتين تشتملان على ما نقول به من حرمان الزوجة من السلاح والدواب، وحملهما على السلاح الخاص والدابة المخصوصة بالرجل اللذين ربما يعدان من الحبوة خلاف الظاهر خصوصاً بعد الإتيان بصيغة الجمع (الدواب) .
وعلى كل تقدير، فيحتمل أن يكون المراد من القرى: المدن والمساكن التي يعبّر عنها في مصطلح اليوم بالمجمّع الكبير أو الصغير. قال الخليل في العين في تفسير قوله: (وتِلك القرى أهلكناهم ) أي الكور والأمصار والمدائن، وقال سبحانه عن مصر الفراعنة: (وَسْئَلِ القَرْيَةَ التي كُنّا فيها وَالعِيرَ الّتي أقْبَلْنا فِيها) (يوسف/82) فحملها على المجتمعات الصغيرة التي تبنى لأجل الأراضي الزراعية يحتاج إلى دليل، قال في تاج العروس: القرية كلّ ما اتصلت فيها الأبنية واتخذ فيهما قراراً وتقع على المدن وغيرها.

العنوان السادس: الأرض، فيه حديث واحد:

حديث يزيد الصائغ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : سألته عن النساء هل يرثن من الأرض؟فقال: «لا، ولكن يرثن قيمة البناء» قال: قلت: إنّ الناس لايرضون بذا، قال: «إذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط، فإن لم يستقيموا ضربناهم بالسيف» . (1)
ويحتمل أن يراد من الأرض: الأرض المشتملة على البناء بقرينة قوله: «ولكن يرثن قيمة البناء». أضف إلى ذلك أنّه يحتمل اتحاده مع روايته الأُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) . يقول: «إنّ النساء لايرثن من رباع الأرض شيئاً...». (2)لوحدتهما في التعبير، ولأجل ذلك يحتمل جدّاً أنّه سمع الرواية من إمام واحد فنسبه تارة إلى

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 8و11.
(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 8و11.

صفحه 326
أبي عبد اللّه وأُخرى إلى أبي جعفر، والتعبير في أحدهما بالرباع وفي الآخر بالأرض والصادر من الإمام أحد التعبيرين، فلايمكن الاعتماد على التعبير العام (الأرض).

العنوان السابع: الأرض والعقار، فيه حديثان:

1ـ عن ميسر بياع الزطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن النساء ما لهنّ من الميراث؟قال: «لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فأمّا الأرض والعقارات فلا ميراث لهنّ فيه» . (1)
يحتمل أن يكون العقار من قبيل ذكر الخاص بعد العام لكثرة الابتلاء به، ويحتمل أن يكون المراد من الأرض العقار، ولكن الذيل قرينة على أنّ المراد من الأرض هو العقار أي الدور والمساكن لأنّه يعلّل الحرمان لقوله: «لأنّ المرأة ليس لها نسب ترث به وإنّما هي دخيل عليهم. إنّما صار هذا كذا لئلاّ تتزوّج المرأة فيجيئ زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم» وهذا دليل على أنّ المراد من الأرض هو العقار، وذلك لأجل الاكتفاء في ذيل الرواية بقوله: «في عقارهم» ولم يقل: وفي أرضهم وعقارهم. أضف إلى ذلك أنّ التزاحم يتأتى في الدور والمساكن التي لاتقبل القسمة غالباً لا في مثل الأراضي الزراعية والحدائق فإنّ أمر القسمة فيه سهل والمزاحمة قليلة، فما عن السيّد المحقّق البروجردي من وجود العلّة في جميع الأراضي كأنّه في غير محلّه.
2ـ عن زرارة وعن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لنساء لايرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً» (2)والرواية ظاهرة في كون موضوع الحكم

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.
(2) المصدر نفسه: الحديث 6.

صفحه 327
أوسع من الدور والمساكن، وأنّ المراد من الأرض هو الأعمّ من العقار، بشهادة توسط «لا» النافية بين المعطوف والمعطوف عليه.

العنوان الثامن: الدور والعقار، فيه حديث واحد:

وهو حديث عبد الملك بن أعين عن أحدهما (عليهما السلام) : «ليس للنساء من الدور والعقار شيء» . (1) ولا دلالة فيه على كون الحكم أوسع من الدور، وقد عرفت أنّ العقار ظاهر في المساكن ويحتمل اتحاده مع ما مرّ في عنوان عقار الرجل، الذي رواه أيضاً عبد الملك.

العنوان التاسع: الدور والضياع، فيه حديث واحد:

حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «إنّ النساء لايرثن من الدور، ولامن الضياع شيئاً، إلاّ أن يكون أحدث بناء فيرثن ذلك البناء» . والرواية ظاهرة في كون الموضوع أوسع من الدار بشهادة قوله: «ولامن الضياع» عطفاً على الدور. (2)

العنوان العاشر: تربة دار أو أرض، فيه حديثان:

1ـ حديث الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) ، منهم من رواه عن أبي جعفر ومنهم من رواه عن أبي عبد اللّه، ومنهم من رواه عن أحدهما: «إنّ المرأة لاترث من تركة زوجها من تربة دار

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث10، 13، 5.
(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث10، 13، 5.

صفحه 328
أو أرض إلاّ أن يقوّم الطوب والخشب قيمة فتعطى ربعها أو ثمنها» . (1)
2ـ حديث موسى بن بكر الواسطي، قال: قلت لزرارة: إنّ بكيراً حدثني عن أبي جعفر (عليه السلام) : «نّ النساء لا ترث امرأة ممّا ترك زوجها من تربة دار ولاأرض إلاّ أن يقوّم البناء والجذوع والخشب، فتعطى نصيبها من قيمة البناء، فأمّا التربة فلاتعطى شيئاً من الأرض ولاتربة دار» ، قال زرارة: هذا لاشك فيه. (2)
هذه مجموع الروايات الواردة في الباب وقد عرفت أنّ أكثرها قاصرة الدلالة على عمومية الحكم وسعته لجميع الأراضي. بل الأكثر خاصة بالدور والمساكن وإن كان لايدل على النفي عن غيرها، لأنّ السكوت أعمّ من الدلالة على النفي، وعلى ذلك يجب الأخذ بما يدل على كون الموضوع أوسع من الدار، وهي روايات أربع كلّها منقولة عن طريق زرارة وإليك الإشارة إليها:
1ـ زرارة، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) : «لنساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً» الحديث الرابع في الوسائل.
2ـ زرارة ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) : «إنّ النساء لايرثن من الدور ولا من الضياع شيئاً» الحديث الثالث عشر.
3ـ حديث الفضلاء على النحو الذي عرفت: «لمرأة لاترث من تركة زوجها من تربة دار، أو أرض» الحديث الخامس.
4ـ موسى بن بكـر ، عن بكيـر وزرارة: «...فلا تعطى شيئـاً من الأرض ولا تربة دار» . الحديث الخامس عشر.
إلى هنا وقفت على حال ستة عشر حديثاً وتعرفت على الدال منها وأنّها، أربعة وسيوافيك حقّ المقال فيها.
بقي حديث واحد وهو حديث حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّما جعل للمرأة قيمة الخشب والطوب لئلاّ يتزوّجن، فيدخل عليهم، يعني: أهل المواريث، من يفسد مواريثهم» . (3)

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث10، 13، 5.
(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث15.
(3) المصدر نفسه: الحديث 9.

صفحه 329
والظاهر أنّه جزء من حديث ويحتمل وحدته، مع الرواية السابقة: أي ما روي عن حماد عن زرارة، ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «لاترث النساء من عقار الدور شيئاً ـ إلى أن قال: ـ وإنّما ذلك لئلاّ يتزوّجن فيفسدن على أهل المواريث مواريثهم» ، وعلى كلّ حال لا دلالة له على أزيد من الحرمان من أرض فيه البناء، إذ لايزيد شأنه على الأحاديث الساكتة عن الزائد، فنقول: لايمكن الاعتماد على هذه الأحاديث الأربعة المروية عن طريق زرارة وذلك لأُمور:
الأوّل: أنّ لزرارة في الباب ثمانية أحاديث وهي المروية في الباب السادس تحت أرقام: 1، 4، 5، 6، 7، 12، 13، 15.
الثاني: انفرد بنقل واحد منها وهو المروي في الباب برقم 1 وهو مروي عن أبي جعفر (عليه السلام) .
الثالث: وشارك في نقل سبعة منها، أعني:
1ـ الحديث 4: نُقل عنه وعن محمّد بن مسلم.
2ـ الحديث 5: نقل عنه وعن بكير وفضيل وبريد ومحمّد بن مسلم، منهم من نقله عن أبي جعفر (عليه السلام) ومنهم من نقله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ومنهم نقله عن أحدهما. ومن المحتمل أنّ زرارة نقله عن أبي جعفر (عليه السلام) .
3ـ الحديث 6: نقل عنه وعن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) .
4ـ الحديث 7: نقل عنه وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) .
5ـ الحديث 12: نقل عنه وعن مجهول: طربال بن رجاء عن أبي جعفر (عليه السلام) .
6ـ الحديث 13: نقل عنه وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) .

صفحه 330
7ـ الحديث 15: نقل عنه وعن بكير، كلاهما عن أبي جعفر (عليه السلام) نقل عنهما موسى بن بكر.
الرابع: أنّ هذه الأحاديث الثمانية ترجع إلى حديث واحد، إذ من الممكن أنّ الإمام حدّث وفي المجلس زرارة ومحمّد بن مسلم وبكير وغيرهم فرووا نصّه وكلامه لتلاميذهم ونسب كل منهم الحديث لأُستاذه وبالتالي: عرض التعدّد على رواية واحدة.
وكما تحتمل جداً وحدة هذه الأحاديث الثمانية تحتمل وحدة غيرها.
الف ـ ما تفرّد بنقله محمّد بن مسلم برقم 2، هو نفس ما روي عنه وعن زرارة كما عرفت.
ب ـ ما رواه حماد بن عثمان عن زرارة ومحمّد بن مسلم برقم 7، وهو نفس ما رواه هو بلا واسطة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)برقم 9، ومن المحتمل سقوط الواسطة في الثاني.
ج ـ ما رواه عبد الملك بن أعين عن أحدهما (عليهما السلام) ، برقم 10، هو نفس ما روي عنه برقم 17 وانّ التعدّد عرض لأجل تقطيع الحديث ونقله بالمعنى.
د ـ انّ ما نقله يزيد الصائغ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) برقم 8، وهو نفس ما رواه عن أبي جعفر (عليه السلام) ، برقم 11، ولعلّه سمع من أحدهما (عليهما السلام) فتارة أسند إلى أبي عبد اللّه وأُخرى إلى أبي جعفر.
وبذلك ينخفض عدد روايات الباب من ستة عشر إلى خمسة. ولو أُضيف إليه حديث محمّد بن سنان الذي لم يتعرض بسعة الحكم ولابضيقه، بل تعرض بحكمة الحكم، مع أخذ الموضوع «لعقار» ، بلغ عدد الروايات إلى ستة. لاإلى سبعة عشر كما ربما يقال. إذا وقفت على ذلك فنقول:

صفحه 331
إنّ الاعتماد على الأحاديث الأربعة التي رويت عن زرارة في مجال تعميم الحكم إلى جميع الأراضي مشكل جدّاً، وذلك لما عرفت من احتمال وحدة الروايات المروية عنه وقد عرض لها التعدّد.
وكما روي عنه العناوين التالية:
1ـ من تربة دار أو أرض برقم 5 و15.
2ـ من الدور ولا من الضياع برقم 13.
3ـ من الأرض ولا من العقار برقم 4.
روي عنه أيضاً العناوين التالية الأُخرى:
1ـ القرى والدور برقم 1و12.
2ـ من عقار الأرض برقم 6.
3ـ من عقار الدور برقم 7.
ومع هذا الاضطراب فكيف يمكن الاعتماد على هذا الحديث، أين هذه العناوين الثلاثة: «من تربة دار أو أرض، أو من الدور ولا من الضياع، أو من الأرض ولا من العقار»، من العناوين الثلاثة المتأخّرة، ومع هذا الاضطراب لايبقى الاعتماد على إطلاق الثلاثة الأُول، فإذا كان لسان المخصص مضطرباً غير قابل للاحتجاج فيرجع في مورد الشك إلى إطلاق الكتاب الحاكم بإرثها من كلّ شيء كما هو مقتضى إطلاق الموصول في قوله: (ممّا تَرَكْتُمْ) فالأولى والأحوط، التصالح مع الزوجة إن أمكن، وإلا فإطلاق الكتاب محكّم مالم يثبت المخصص القطعي، فقد ثبت في مورد الدور والمساكن، لا في غيرها. كما عرفت.

صفحه 332

الاستدلال على القول الأشهر :

هذا كلّه حول القول المشهور، وأمّا القول الآخر أي الأشهر، فقد استدل عليه صاحب الجواهر بوجوه بعضها قاصر جدّاً، ونشير إلى الجميع:
1ـ رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «إنّ المرأة لاترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاً» (1) بحجة أنّ الدور عطف على القرى وهي أعم.
يلاحظ عليه: أنّ الحديث مشتمل على ما لايقول به أحد من الحرمان عن الدوابّ، نعم حرمانها من السلاح لا إشكال، لأنّه حبوة.
2ـ ما في حديث ميسر بياع الزطي: «فأمّا الأرض والعقارات فلا ميراث لهنّ فيه» (2) بحجة أنّه من قبيل عطف الخاص على العام.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الأرض هي العقارات بشهادة قوله في آخر الحديث: «فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم» ولم يقل في «أرضهم وعقارهم» .
3ـ حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «لنساء لا يرثن من الأرض ولامن العقار» . (3)
4ـ حديث الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) : «إنّ المرأة لاترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض» . (4)
يلاحظ على الثالث: بأنّه حديث زرارة وقد عرفت أنّه روي بصور مختلفة، وعلى الرابع بأنّ الاستدلال مبني على عدم كون الترديد من الراوي، بل من الإمام،

(1) الوسائل :17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1و12.
(2) المصدر نفسه: الحديث3.
(3) المصدر نفسه: الحديث4.
(4) المصدر نفسه: الحديث 5.

صفحه 333
ويؤيد الثاني ما ورد في رواية أُخرى لزرارة بصورة «من تربة دار ولاأرض» . (1)
5ـ حديث حسن بن محبـوب، عن الأحـول عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «لايرثن النساء من العقار شيئاً ولهنّ قيمة البناء والشجر والنخل» (2) بحجة أنّ المراد من الشجر والنخل: المغروسين في الدار وغيرها.
يلاحظ عليه: أنّ الحديث مرسل، حيث إنّ الحسن بن محبوب المولود عام 150هـ والمتوفى عام 224 هـ يبعد أن يروي عن الأحول الذي كان من أصحاب الصادق الكبار، وكان يناظر أبا حنيفة المتوفى عام 150هـ إلاّ أن يكون طويل العمر.
بقي الكلام في رواية ابن أبي يعفور الدالّة على أنّ المرأة ترث الزوج مثلما يرثها. قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً، أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة، فلايرث من ذلك شيئاً؟ فقال: «يرثها وترثه من كلّ شيء ترك وتركت» . (3)

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث15.
(2) المصدر نفسه: الحديث16.
(3) المصدر نفسه: الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

صفحه 334
والجواب وإن كان ظاهراً في خلاف ما اتفقت عليه الإمامية، ولكن السؤال حاك عن أنّ حرمان المرأة كان أمراً مسلّماً بين أصحاب الأئمّة، منهم الفضل بن عبد الملك وابن أبي يعفور، ولم يكن فيه أيّ شكّ وإنّما الشك كان متوجّهاً إلى جانب الزوج وأنّه هل هو مثل الزوجة أو لا؟ فمع هذا التسليم أجاب الإمام بالتسوية وأنّه لا فرق بينها في الإرث، ومن المعلوم أنّ شهرة الحكم بين الأصحاب لايمكن أن يكون بلا سبب صحيح، فلابدّ من حمل الجواب على التقية أو على ما اخترناه من أنّ الحرمان مخصوص بغير ذات الولد، وأمّا ذات الولد، فالحكم ما قاله الإمام: «يرثها وترثه من كلّ شيء ترك وتركت» .
هذا كلّه حول القولين، وأمّا قول المرتضى وهو حرمانها من عين الأرض دون قيمتها، فما لاشاهد له بل الشاهد على خلافه، وذلك لأنّه ذكر التقويم في غير مورد من الروايات للنقض والجذوع والخشب والبناء والطوب ولم يذكر للأرض، فلو لم نقل بالأشهر والمشهور، فقول ابن الجنيد أقوى من قول المرتضى كما صرّح به صاحب الجواهر.
ثمّ إنّ إرث الزوجة من القيمة يختص بالآلات والأبنية لاالظروف والأواني والسجاجيد المنقولة، وذلك لأنّ ما ورد في حرمانها من العين دون القيمة كلّها واردة في غير المنقول كما هو واضح لمن لاحظه، وليس فيها إلماع إلى المنقول، وعلى ذلك فيختص الميراث عن القيمة بغير المنقول، وهناك رواية صريحة في إرثها من المنقول عيناً، وهو رواية زرارة حيث قال: «وترث من المال والرقيق والثياب ومتاع البيت ممّا ترك، ويقوّم النقض والجذوع والقصب فتعطى حقّها منه» (1) فقد خصّ التقويم بغير المنقول وحكم بالميراث عن المنقول.
هذا كلّه حول الموضعين السابقين بقى البحث عن الموضع الثالث وهو:

الموضع الثالث: في كيفية التقويم:

إنّ للتقويم طرقاً:
1ـ أن تقوّم الآلات والشجر و... باقية في الأرض مجاناً، لأنّها كانت فيها كذلك بحقّ، وتعطى حصتها من ذلك، وهذا هو الطريق المألوف، وذلك لأنّ المرأة ورثت ما هو الموجود في زمن حياة الزوج، والبناء في زمن حياته كان فيها بلاأُجرة (لأنّه كان مالكاً للأرض أيضاً) فالبناء بهذا الوصف انتقل إلى الورثة ومنهم الزوجة، فيقوم بذلك الوصف.

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 12.

صفحه 335
2ـ أن تقوّم باقية فيها بأُجرة بناء على أنّها لاترث من الأرض، فتكون في غير ملكها. فتكون بأُجرة جمعاً بين الحقّين.
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر النصوص غير ذلك، فانّ قولهم: «فيقوّم ذلك البناء» أو «و لهنّ قيمة البناء»، ظاهر في أنّ لهنّ قيمة البناء بلا شرط وقيد، وقد عرفت أنّ المتبادر أنّ البناء بالوصف الموجود في زمان حياة الزوج ينتقل إلى الورثة، وكان الوصف الموجود هو عدم الأُجرة على البناء في الأرض.
3ـ أن تقوّم آلات البناء والأشجار من دون ملاحظة الهيئة البنائيّة التي لها قيمة في نظر العرف. فإنّ مواد البناء شيء، والتركيب الحاصل بفعل العمال شيء آخر، ولكلّ قيمة خاصّة.
يلاحظ عليه: أنّه وإن وردت قيمة الآلات في مثل قوله: «ولكن لهنّ قيمة الطوب والخشب» ولكن ورد أيضاً قيمة البناء، ولا وجه لعدم ملاحظة الهيئة التركيبية.
ثمّ إنّه هل ترث الزوجة من البناء أعيانها غير أنّ للوارث نقل حصتها من العين إلى القيمة، أو أنّها ترث القيمة ابتداءً، ولايصح أن تجبر على الرضا بالعين. الظاهر هو الثاني لظهور الروايات في كون الميراث هو القيمة أوّل الأمر، ففي رواية حماد بن عثمان: «إنّما جعل للمرأة قيمة الخشب»، وفي رواية يزيد الصائغ: «ولكن لهنّ قيمة الطوب والخشب» وفي رواية بكير: «إلاّ أن يقوّم البناء والجذوع والخشب، فتعطى نصيبها من قيمة البناء» إلى غير ذلك من الروايات.
ومع ذلك كلّه ليس للوارث بيع الدار والبناء قبل دفع نصيبها أو كسب رضاها. فما في الجواهر من «ثبوت نصيبه في ذمة الوارث من غير فرق بين بذل الوارث العين وعدمه ولابين امتناعه من القيمة وعدمه وإن كان مع الامتناع يبقى في ذمته إلى أن يتمكن الحاكم من إجباره» غير تام (1) فإنّ الظاهر أنّه يرث قيمة

(1) الجواهر: 39/217.

صفحه 336
البناء الخارجي، فعلاً لم تسلم إليها، فالبناء أشبه بالعين المرهونة عند المرتهن، فلايجوز للراهن بيعها قبل تحرير رقبتها من الرهن، وعلى ما ذكره يكون الميراث في ذمّة الوارث بعد الموت وهو خلاف ظاهر الأدلة، فالمقام أشبه بالخمس والزكاة المتعلّقة بالأعيان فأصحاب الخمس والزكاة وإن لم يكونوا مشاركين للمالك في العين، لكن لايحلّ للمالك التصرف فيها إلاّ بتحرير الرقبة من ذلك الحق، أو بإذن وليّهما.
ثمّ لاشك أنّها ترث من قيمة كلّ منصوب في البيوت وغيرها، فترث من قيمة الدولاب والعريش الذي عليه أقسام الكرم، والرحى والحمام، ومعصرة الزيت والسمسم والعنب والاصطبل والمراحيض، حتى القدور المنصوبة التي يطبخ فيها الكراع والهريس. نعم الأشجار المعدّة للقطع أو المشرفة على السقوط، فلايبعد إرثها من عينها، ومثلها أغصان الشجرة اليابسة، وعلى كلّ تقدير ففي موارد الشكّ الأولى هو التصالح.
إنّما الكلام في القنوات والعيون والآبار والأنهار، فلاشكّ انّها ترث من قيمة الآلات الكائنة فيها، ومن عين الماء الموجود حال الموت. إنّما الكلام في الماء المتجدد، فالظاهر أنّها بحكم الأرض لأنّ الماء يترشّح من الأرض شيئاً فشيئاً فيجتمع فيصير ماءً كثيراً.
وهناك فروع مختلفة يعلم حالها ممّا ذكرنا.
والظاهر أنّ الدين يقسّط على الأرض، والتركة لظاهر قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصي بِها أوْ دَيْن) (النساء/11) فكأنّ معادل الدين والوصية غير موروث فعند ذلك فمجموع التركة شيء والخارج منها شيء آخر، فنسبة الخارج إلى كلّ جزء من أجزاء التركة متساوية فلامعنى لتخصيصها ببعض التركة دون بعض.

صفحه 337

في نكاح المريض

قال المحقّق: نكاح المريض مشروط بالدخول أو البراءة من ذلك المرض، فإن مات في مرضه ولم يدخل بطل العقد ولا مهر لها ولاميراث. (1)
وقال العلاّمة: 1ـ لو تزوّج المريض ومات في مرضه ورثت إن دخل وإلاّ بطل العقد، ولاميراث لها ولامهر.
2ـ ولو ماتت من قبل الدخول ففي توريثه منها نظر، ولو برأ ثم مات توارثا مطلقاً.
3ـ ولو كان المريض الزوجة فكالصحيحة. (2)
والمسألة من المسائل المطروحة في عصر الأئمّة بين فقهاء العامّةوإليك آراؤهم:
قال الشيخ: إذا تزوّج رجل في حال مرضه، ودخل بها ثمّ مات ورثته، وإن لم يدخل بها لم ترثه.
وقال أبو حنيفة، وأهل العراق والبصرة، والشافعي: إنّها ترثه ولم يفصّلوا.
وقال مالك، وأهل المدينة: لاترثه ولم يفصّلوا أيضاً.

(1) الجواهر: 39/220.
(2) مفتاح الكرامة: 8/186، قسم المتن.

صفحه 338
دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم. (1)
وقال ابن قدامة: حكم النكاح في المرض والصحّة سواء في صحة العقد وتوريث كلّ واحد من صاحبه في قول الجمهور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: أيّ الزوجين كان مريضاً مرضاً مخوفاً حال عقد النكاح فالنكاح فاسد، لايتوارثان به، إلاّ أن يصيبها فيكون لها المسمّى في ثلاثة (2) مقدّماً على الوصية، وعن الزهري ويحيى بن سعيد مثله. (3)
وما جاء في كلام الشيخ والمحقّق هو المعروف بين الأصحاب ووصفه في الدروس (4): بأنّه مشهور، وفي المسالك (5) : جزم به الأكثر، وفي مفتاح الكرامة(6): إنّي لم أجد مخالفاً. نعم في الطبقات للمحقّق الطوسي ما نصه: قال بعض أصحابنا: بطل العقد ولم ترثه المرأة، وعليه كلام، وهذه العبارة ربّما أشعرت بالمخالفة أو التوقّف. (7)
وقبل الخوض في الاستدلال على المسألة نذكر حكم القاعدة الأُولى فنقول:
إنّ مقتضى القاعدة هو صحّة عقد المريض والمريضة وإن ماتا بذلك المرض قبل البرء، وذلك كبيع المريض وشرائه إذا لم يكن فيه محاباة، وأيّ فرق بين تزويجه وسائر تصرفاته المنجزة حيث لايحكم عليه بالبطلان، غاية الأمر يدور الأمر بين كونه من الثلث أو من الأصل، فالحكم بالبطلان في خصوص موت الزوج قبل

(1) الخلاف: 2/ المسألة 132، كتاب الميراث.
(2) لو أراد من الاصابة، الدخول يكون موافقاً لقول الإمامية، ثمّ لم يتبيّـن معي قوله «في ثلاثة» .
(3) المغني: 6/369.
(4) الدروس: 2/358.
(5) المسالك: 2/369.
(6) مفتاح الكرامة: 8/186.
(7) مفتاح الكرامة: 8/186.

صفحه 339
الدخول، أو الأعمّ منه ومن موت الزوجة قبله، مخالف لمقتضى القاعدة المستفادة من الكتاب والسنّة أي ما يأمر بالنكاح والزواج مطلقاً، أضف إلى ذلك أنّ الزوج المريض ربّما يحتاج إلى الممرضة فيتزوّج لتلك الغاية الصحيحة لابقصد الاضرار. فالحكم بالبطلان لتلك الغاية الصحيحة يحتاج إلى دليل، فلو قام الدليل في مورد على البطلان نأخذ به وإلاّ فالمحكّم هو القاعدة الأُولى.
إذا وقفت على ما ذكرنا، فلنذكر ما هو مصدر الحكم من الروايات:
1ـ صحيحة أبي ولاّد الحنّاط (حفص بن سالم الثقة)قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج في مرضه؟ فقال: «إذا دخل بها فمات في مرضه ورثته، وإن لم يدخل بها لم ترثه ونكاحه باطل» . (1)
2ـ موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المريض أله أن يطلّق؟ قال: «لاولكن له أن يتزوّج إن شاء فإن دخل بها ورثته وإن لم يدخل بها فنكاحه باطل» . (2)
3ـ صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «ليس للمريض أن يطلّق وله أن يتزوّج، فإن هو تزوّج ودخل بها فهو جائز، وإن لم يدخل بها حتى مات في مرضه فنكاحه باطل ولا مهر لها ولا ميراث» . (3)
4ـ وعن أبي المعزا ... قال: سألته عن الرجل يحضره الموت فيبعث إلى جاره فيزوّجه ابنته على ألف درهم أيجوز نكاحه؟ فقال: «نعم» . (4)
والتفصيل الوارد في كلام الأصحاب يستمد من هذه الروايات، وتحقيق الحال في ضمن أُمور:

(1) الوسائل: 17، الباب 18، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1ـ3.
(2) الوسائل: 17، الباب 18، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1ـ3.
(3) الوسائل: 17، الباب 18، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1ـ3.
(4) الوسائل: 14، الباب 43 من أبواب المصاهرة، الحديث 2.

صفحه 340
الأوّل: هل الدخول شرط اللزوم أو شرط الصحّة؟ ذهب الشهيد الثاني والمقدّس الأردبيلي والسبزواري إلى الأوّل وأنّ العقد صحيح والدخول شرط اللزوم، ولو كان شرطاً للصحّة يلزم أُمور لايمكن الالتزام بها:
1ـ لزمت حرمة الدخول في حال كونها مريضة لأنّ المفروض أنّ النكاح باطل، والدخول في نكاح باطل حرام.
2ـ لزم تجديد العقد بعد البرء.
3ـ لزم الدور لأنّ الصحّة متوقفة على الدخول، مع أنّه بالإجماع متوقف على صحّة العقد.
وعلى ضوء ذلك فيكون أشبه بعقد القرض الذي يملك بالتصرف لابالقبض ولايكون مثل الفضولي الذي لاتحصل الملكية فيه إلاّ بالإجازة.
وهناك وجه آخر، وهو أن يكون العقد صحيحاً والدخول كاشفاً عنها، وعدمه كاشفاً عن البطلان مثل الاجازة في الفضولي.
وأمّا الإشكالات الثلاثة فترتفع بأنّ الشرط للصحّة ليس نفس الدخول بوجوده الخارجي. بل هو كاشف عن تحقّق الشرط حين العقد وهو وصف التعقّب بالاجازة، فكان العقد واجداً لهذا الوصف غير مكشوف لنا إلاّ بالدخول، وعلى ذلك فالدخول شرط الصحّة بمعنى أنّها كاشفة عن تحقّق الشرط ضمن العقد، فعند ذلك ترتفع جميع الإشكالات الواردة في كلام المشايخ الثلاثة، ولا نطيل الكلام بدفعها.
2ـ ولو ماتت هي قبل الدخول، ومات هو بعدها في مرضه. قال العلاّمة في القواعد: ففي توريثه منها نظر. وجه الحرمان هو انكشاف فساد العقد بعدم الدخول والموت في المرض،وبعبارة أُخرى يصدق أنّه مات في مرضه قبل الدخول.

صفحه 341
يلاحظ عليه: بأنّ الموضوع هو موته في مرضه مع بقاء زوجته، لا موته في مرضه مع انعدام الموضوع (الزوجة) قبل موته، وبذلك يظهر وجه عدم الحرمان، وذلك لأنّ الحكم على خلاف الأُصول فيقتصر فيه على مورده وهو موته قبل الدخول على نحو السالبة بانتفاء المحمول لا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع.
هذان هما الوجهان اللّذان يمكن أن يقعا علّة لكلا الحكمين، والحقّ التفصيل بين كون الدخول شرط اللزوم أو شرط الصحّة، فعلى الأوّل كان العقد صحيحاً وماتت الزوجة عن عقد متزلزل، والارث ليس من عوارض العقد اللازم بشهادة أنّ الزوج يرث من زوجته البرصاء والقرناء وغيرهما مع أنّه يكون له عليها حقّ الفسخ.
غاية الأمر إذا مات تنقلب الصحّة إلى البطلان ولايصل إلى مرتبة اللزوم، وبما أنّ النص وارد في موت الزوج في مرضه قبل الدخول في حياة الزوجة نكتفي به ويكون المرجع في غيره مقتضى القواعد الأوّلية وقد علمت أنّ مقتضاها هو الإرث، وإذا ماتت يبقى العقد على صحّته ويرثها الزوج لعدم الدليل على انقلابه إلى البطلان.
وأمّا لو قلنا بأنّ الدخول شرط الصحّة سواء كان بنفسه أو بكشفه عن حصول عنوان التعقيب للعقد فموت واحد من الزوجين كاشف عن عدم تحقّق شرط الصحّة، فيكون العقد باطلاً، وموت الزوج عن عقد باطل لايوجب الإرث.
وربما تؤيّد الصحّة بأنّ المنع عن الإرث لأجل مقابلة المريض بضدّ قصده من الإضرار بالورثة، بإدخال الزوجة عليهم وهو مختصّ بصورة موت الزوج لاالزوجة.
ولكنّه لم يثبت بعد، بل ربّما يكون تزويج المريض لأجل التمريض.

صفحه 342
3ـ لو تزوجت هي مريضة وماتت قبل الدخول، فالظاهر انّ الزوج يرثها لحرمة القياس أوّلاً، وعدم العلم بالمناط ثانياً وإلاّ لكان مثل تزويج الزوج وموته قبل الدخول موجباً للحرمان.
4ـ ولو برئ ثمّ مات توارثا مطلقاً أخذاً بحكم القاعدة الأُولى.
5ـ المراد من الدخول معناه المعروف لامجرّد المعاشرة والخلوة لقوله سبحانه: (وَرَبائِبكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بهِنَّ). (النساء/23)
6ـ إن مات المريض بعد برئه بمرض آخر، فالحكم هو مقتضى القواعد.
7ـ لو مات بمرض آخر قبل البرء أو اغتيل قبل الدخول والبرء، فوجهان ناشئان من كون «في» في قوله «فمات في مرضه» للظرفية أو للسببية، والثاني مثل ما روي عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها...» والظرفية أقرب والحرمان أشبه.
8ـ ولو امتدّ مرضه بحيث عاش سنين، فلعلّ الروايات منصرفة عن هذه الصورة.
9ـ لو مات بعد الدخول ورث بلا كلام.
10ـ وأمّا رواية أبي المعزا حيث صرّح فيها بجواز النكاح، فهي محمولة على التقية لما عرفت من اتّفاق فقهاء العراق على صحّة النكاح والميراث، وعدم ذكر الميراث فيه لايضر لكونه معلوماً بالقرينة، لأنّ تزويجه إيّاها في حال الاحتضار لغاية الميراث.
وأمّا حمله على الموت بعد الدخول فيبعده قوله: «يحضره الموت» .

صفحه 343

المقصد الثالث:

الميراث بالولاء

كانت المقدّمة حول أسباب الإرث وموانعه، وكان المقصد الأوّل في الإرث بالأنساب، والثاني في الإرث بالسبب، وهذا هو المقصد الثالث في الميراث بالولاء وأقسامه ثلاثة مترتبة:
الأوّل : ولاء العتق.
الثـاني: ولاء الضمان.
الثالث: ولاء الإمامة.
والمقصود من الولاء هنا هو القرب والدنو، أي قرب أحد الشخصين فصاعداً إلى آخر على وجه يوجب الإرث بغير نسب ولاسبب زوجية، ومبدؤه الإنعام: إمّا إنعاماً خاصّاً من جانب واحد وهو ولاء العتق، فالمعتق أولى بميراث المعتَقِ إذا أعتقه في سبيل اللّه أو من جانبين وهو ولاء الضمان فيلتزم كلٌّ، ضمان جريرته وجنايته. أو إنعام عام وهو ولاء الإمامة.
وإليك البحث عن كل واحد:

صفحه 344

الأوّل: ولاء العتق:

للإرث بولاء العتق شروط ثلاثة:
1ـ إذا لم يكن هنا نسب، باتفاق منّا، خلافاً لغيرنا، قال الشيخ الطوسي: لايرث المولى مع ذي رحم قريباً كان أو بعيداً، وبه قال عليّ (عليه السلام) وعمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو الدرداء، ومعاذ، وعلقمة، والأسود، وعبيدة، والشعبي، وشريح ومجاهد.
وكان زيد يورِّث ذا السهم سهمه، ويجعل الباقي للمولى، ويورّثه دون ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم، وإليه ذهب الحسن البصري، والأوزاعي، ومالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأهل العراق. (1)
وفي صحيح محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في خالة جاءت تخاصم في مولى رجل فقرأ هذه الآية: (وَ أُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ) فدفع الميراث إلى الخالة ولم يعط المولى».(2)
أمّا لو كان له وارث سببي كزوج أو زوجة، لم يمنع المنعم، بل يخرج سهم زوجه أو زوجته من النصف الربع والباقي للمنعم أو من يقوم مقامه مع عدمه.
2ـ إذا أعتقه متبرّعاً بالعتق، ولو أعتق في واجب كالكفّارة والنذور لم يثبت للمنعم ميراث.

(1) الخلاف،: 2، كتاب الفرائض، المسألة 12.
(2) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب ميراث ولاء العتق، الحديث 3.

صفحه 345
3ـ إذا أعتقه متبرّعاً ولم يشترط سقوط ضمان جريرته وإلاّ لايرث، وفي صحيح أبي الربيع قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)من السائبة؟ فقال: «لرجل يعتق غلامه ويقول له: إذهب حيث شئت ليس لي من ميراثك شيء ولاعليّ من جريرتك شيء ويشهد على ذلك شاهدين» . (1)
ولو عدم المنعِم: يكون الولاء للأولاد مطلقاً: ذكوراً أو إناثاً كما عليه الصدوق، أو لأولاد الذكور دون الإناث رجلاً كان المنعم أو امرأة كما عليه المفيد في المقنعة، أو يفصل بين كون المنعِم رجلاً، فللذكور من الأولاد، أو امرأة فلعصبتها كما عليه الشيخ في النهاية، فيه خلاف بين الأصحاب.

الثاني: ولاء ضمان الجريرة:

قال العلاّمة: من توالى إلى أحد يضمن جريرته ويكون ولاؤه له، صحّ وثبت به الميراث لكن مع فقد كل مناسب ومعتِق، ويرث مع الزوج والزوجة فلهما نصيبهما الأعلى والباقي للضامن. وهو أولى من الإمام.
وقد اختلفت عبارتهم في كيفية هذا العقد، ولعلّ الجميع يشير إلى معنى واحد نظير: عاقدتك على أن تنصرني وتمنع عنّي وتعقل عنّي وترثني، ويقول الآخر: قبلت. ولو كان الولاء من الطرفين، يجب على الآخر، أن يقول مثل ما قال الأوّل ويقبله.
وربّما تكفي صيغة واحدة كما إذا قال: دمك دمي، وثارك ثاري، وحربك حربي، وسلمك سلمي، وترثني وأرثك، فيقول الآخر: قبلت. (2)

(1) الوسائل: 16، الباب 43 من أبواب كتاب العتق، الحديث 2 ورواه أيضاً في الباب 36 من تلك الأبواب برقم 2.
(2) مفتاح الكرامة: 8/204.

صفحه 346
وكانوا يتوارثون به في الجاهلية فأقرّه اللّه تعالى في صدر الإسلام ثمّ نسخ بالإسلام، والهجرة، ثمّ نسخ بالتوارث بالرحم، ثمّ أُقرّ في هذا الموضع الخاص، وعلى ذلك، فيصح هذا النوع من العقد في موارد:
1ـ حرّ مات، ولاوارث له، وإلاّ فلا يرث، ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا ولي الرجل الرجل فله ميراثه وعليه معقلته» . (1)
2ـ العبد المعتَق مع التبرّي عن جريرته أي السائبة، روى محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال: سألته عن السائبة والذي كان من أهل الذمة، إذا والى أحداً من المسلمين على أن يعقل عنه، فيكون ميراثه له، أيجوز ذلك؟قال: «نعم» . (2)
ولذلك قال العلاّمة في القواعد: ولا يضمن إلاّ سائبة لا ولاء عليه، كالمعتق في الكفّارات أو النذور، أو من لاوارث له.
3ـ الذمّي إذا والى مسلماً فيرثه المسلم دون أرحامه الأقارب، نعم يفترق هذا الولاء مع ولاء العتق أنّه لو مات الضامن أوّلاً لم يرثه أولاده.
4ـ ولاء الموالاة وهو من جزئيات ولاء ضمان الجريرة أشار إليه الشيخ في الخلاف ويقول: ولاء الموالاة جائز عندنا، ومعناه أن يسلم رجل على يد رجل فيواليه، فيصير مولاه، وبه قال علي (عليه السلام) وعمر. وروي أنّهما ورثا به، وبه قال ابن المسيب وعطاء والزهري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه، وكان زيد لايجعل الولاء إلاّ للمعتق وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى. (3) وفيه روايات (4) .
ولعلّ في هذا المقدار غنى وكفاية فمن أراد الوقوف على تفصيل الولاء شرطاً ومنعاً فعليه الرجوع إلى المطوّلات.

(1) الوسائل:17، الباب1، من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، الحديث2،والباب2 الحديث1.
(2) الوسائل:17، الباب1، من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، الحديث2،والباب2 الحديث1.
(3) الخلاف: 2 ، كتاب الفرائض، المسألة 137.
(4) الكافي: 7/171، ح 3، والتهذيب: 9/394، 396، ح 1407ـ1413ـ 1414.

صفحه 347

الثالث: ولاء الإمام:

إذا عدم كل وارث من مناسب ومسابب حتى الولاء ورّث الإمام.
والكلام فيه يقع في ضمن أُمور:
الأوّل: إذا كان معه الزوجان: فهل يرث الإمام معهما مطلقاً؟ أو لايرث كذلك؟ أو يفصل بين الزوجة فلا يرد إليها فاضل التركة فيرثه الإمام، وبين الزوج فيرد عليه فاضلها؟ أقوال. تقدّم الكلام عن ذلك عند البحث عن موانع الإرث فلا نعود إليه.
الثاني: إذا لم يكن له وارث مناسب ولا مسابب: فهل يرثه الإمام أو يرثه المسلمون؟ وبعبارة أُخرى فهل التركة من الأنفال التي هي للّه ولرسوله وللإمام بعده أو من بيت المال الذي هو ملك للمسلمين ويشرف عليه الإمام ؟ فيه خلاف، فالشيعة على الأوّل والسنّة على الثاني، وإليك نقل الأقوال:
1ـ قال المفيد: فإن مات إنسان لايعرف له قرابة من العصبة، ولامن الموالي، ولا ذوي الأرحام، كان ميراثه لإمام المسلمين خاصة يضعه فيهم حيث يرى، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعطي تركة من لاوارث له ـ من قريب ولانسيب ولامولى ـ فقراء أهل بلده، وضعفاء جيرانه وخلطائه تبرّعاً عليهم بما يستحقّه من ذلك، واستصلاحاً للرعية حسب ما كان يراه في الحال من صواب الرأي لأنّه من الأنفال كما قدّمناه في ذكر ما يستحقّه الإمام من الأموال وله إنفاقه فيما يشاء ووضعه حيث يشاء، ولااعتراض للأُمّة عليه في ذلك بحال. (1)
2ـ قال الشيخ في النهاية: «إذا مات المعتَق...فإن لم يخلف أحداً من ذوي

(1) المقنعة: 705.

صفحه 348
أرحامه فهو على ضربين: فإن كان سائبة، وهو الذي أُعتق في الواجبات من النذور والأيمان والكفّارات، أو يكون قد أعتقه مولاه وتبرّأ من ضمان جريرته، وأشهد على ذلك، كان ميراث هؤلاء كلّهم لإمام المسلمين إذا لم يكونوا توالوا إلى أحد يضمن عنهم جريرتهم وحدثهم، لأنّه من الأنفال.
وقال في موضع آخر: وإن مات (رجل) ولا يعرف له وارث ولايكون توالي إلى أحد كان ميراثه للإمام، وهو القسم الثالث من أقسام الموالي وهو ميراث من لاوارث له، وذلك خاص له، لأنّه من الأنفال على ما بيّناه، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعطي ميراثه من لاوارث له، فقراء أهل بلده وضعفائهم وذلك على سبيل التبرّع منه (عليه السلام) . (1)
وقد تبيّـن من كلامه أنّ الإمام يرث في الموارد التالية:
أـ إذا مات المعتَق وكان سائبة أي تبرّأ معتقه من جريرته وفي الوقت نفسه لم يوال إلى أحد، يرثه الإمام.
بـ إذا مات المسلم غير المعتَق أي من كان حرّاً ومات ولم يوال إلى أحد فيرثه الإمام.
جـ إذا مات الذمي ولم يكن له وارث. وسيأتي في كلام الشيخ الآتي.
وقال الشيخ في الخلاف: ميراث من لاوارث له لاينقل (2) إلى بيت المال وهو للإمام خاصة، وعند جميع الفقهاء، ينقل إلى بيت المال، ويكون للمسلمين. وعند الشافعي يرثه المسلمون بالتعصيب. وعند أبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأُخرى، بالموالاة دون التعصيب. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم.

(1) النهاية: 669ـ671.
(2) وفي الجواهر: 39/260، «ينقل» وما أثبتناه هو الصحيح المطابق للمطبوع المحقَّق من الخلاف أخيراً.

صفحه 349
وأيضاً فلا خلاف أنّ للإمام أن يخص به قوماً دون قوم فلولا أنّه له، لم يجز ذلك، ولأنّه لو كان ميراثاً لكان للذكر مثل حظّ الأُنثيين كالميراث، فلما لم يفضَّل ذكر على أُنثى، دلّ على أنّه ليس بميراث، فأمّا الذمي إذا مات ولاوارث له فإنّ ماله لبيت المال فيئاً، بلا خلاف بينهم، وعندنا أنّه للإمام مثل الذي للمسلم سواء. (1)
3ـ وقال المحقق: فإن عدم الضامن كان للإمام (عليه السلام) وارث من لاوارث له. (2)
وقال ابن سعيد: ومن لاوارث له، ومن أسلم على يد غيره، ومجهول النسب إلى أحد ولم يخلف وارثاً فإرثه من الأنفال. (3)
4ـ وقـال العاملي: دليلـه الإجماع المنقـول في الخـلاف، والغنيـة والمسالك وغيرها، والأخبار الصحيحة المستفيضة (4) بل الحقّ أنّ الدليل هو الأخبار والإجماع تابع منها.
هذا كلّه من فقهاء الشيعة، وأمّا السنّة فقد عرفت ما ذكره الشيخ عنهم وقال ابن قدامة: ومتى مات الذمي، ومن لاوارث له، كان ماله فيئاً وكذلك ما فضل من ماله عن وارثه كمن ليس له وارث إلاّ أحد الزوجين فإنّ الفاضل عن ميراثه يكون له فيئاً، لأنّه مال ليس له مستحق معيّن فكان فيئاً كمال الميت المسلم الذي لاوارث له (5).

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 14.
(2) الجواهر: 39/260.
(3) الجامع للشرائع: 508.
(4) مفتاح الكرامة: 8 /205.
(5) المغني: 6/348.

صفحه 350
إلى هنا تبيّـن موقف الشيعة والسنّة من المسألة فالأُولى يراها عن الأنفال والثانية يراها من الفيئ الذي يقسّم بين المسلمين بإشراف الإمام.
أمّا الدليل على أنّه من الفيئ عن طريقنا، فتدلّ عليه روايات بعناوين مختلفة مشيرة إلى أمر واحد:

العنوان الأوّل: أنّه من الأنفال:

قد ورد في غير واحد من الروايات أنّ ميراث من لاوارث له، من الأنفال. ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من مات وليس له وارث من قرابته ولامولى عتاقه قد ضمن جريرته فماله من الأنفال». (1)

العنوان الثاني: الإمام وارث من لاوارث له:

من مرسل حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) ، قال: «لإمام وارث من لا وارث له». (2)

العنوان الثالث: هو لإمام المسلمين:

ففي رواية حمزة بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: « ...وإن كان الميت لم يتوال إلى أحد حتى مات فإنّ ميراثه لإمام المسلمين». فقلت له: فما حال الغاصب فيما بينه وبين اللّه تعالى؟فقال: «إذا هو أوصل المال إلى إمام المسلمين فقد سلم». (3)

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، الحديث 1 وبهذا المضمون الحديث 3 ، 4 و 8.
(2) المصدر نفسه : الحديث 5.
(3) المصدر نفسه: الحديث 11، وبهذا المضمون الحديث 12.

صفحه 351

العنوان الرابع: إرثه لمن عليه جريرته:

وقد ورد في غير واحد هذا العنوان ويحاول الإمام بهذا التعبير أن يستدل على أنّ الميراث للإمام لأنّه المؤدّي لجريرته فيكون هو الوارث، فمن عليه الغرم، فله الغنم، ففي رواية عمّار بن أبي الأحوص قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن السائبة، فقال: «نظروا في القرآن، فما كان فيه (فتحرير رقبة ) فتلك يا عمّار: السائبة التي لا ولاء لأحد عليها إلاّ اللّه، فما كان ولاؤه للّه فهو لرسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ، وما كان ولاؤه لرسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فإنّ ولاءه للإمام وجنايته على الإمام وميراثه له» (1) وفي رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: مكاتب اشترى نفسه وخلّف مالاً قيمته مائة ألف، ولاوارث له؟ قال: «يرثه من يلي جريرته»، قال: قلت: من الضامن لجريرته؟قال: «لضامن لجرائر المسلمين». (2)
وهذه الروايات المتضافرة تدل على ما يقول به علماؤنا. نعم هناك روايات ربّما توهم خلاف ما ذكرنا. وإليك بيانها:
1ـ روى معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: من أعتق سائبة فليتوال (3) من شاء، وعلى من والى جريرته وله ميراثه، فإن سكت (أي لم يتوال أحداً) حتى يموت أُخذ ميراثه فجعل في بيت مال المسلمين إذا لم يكن له ولي. (4)
أقول: لعلّ الداعي إلى هذا النوع من التعبير ـ مع أنّه مـال الإمــام ـ هو

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، الحديث 6و7.
(2) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، الحديث 6و7.
(3) الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى السائبة لا إلى الموصول، لأنّ السائبة ممّن برأ المعتِق عن جريرته، وعند ذلك للسائبة أن يتوالى من شاء.
(4) المصدر نفسه : الحـديث 9 وبهذا المضمون، الحـديث 5، 8و9 من البـاب 4 من أبواب ضمان الجريرة والإمامة.

صفحه 352
الإشعار بأنّ المأخوذ بحقّ الإمامة ليس مالاً شخصياً له بل يتعلّق بشخصية الإمام المتمثّلة في تدبير أُمور المسلمين ولأجل ذلك نرى أنّ ابن زهرة وابن إدريس قالا: إذا مات الإمام انتقل الميراث إلى الإمام لاإلى غيره من ورثته.
وعلى كل تقدير فالعمل على الأكثر عدداً والأوضح دلالة والمتفق عليه بين الأصحاب من الروايات وهي الطائفة الأُولى.
الثالث: ما هو مصرفه مع حضور الإمام :
قد عرفت أنّ المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية قالا بأنّ الإمام علي (عليه السلام) صرفه في موارد خاصّة، وقد اعتمدا في ذلك على الروايات التالية:
مارواه خلاد السندي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) يقول في الرجل يموت، ويترك مالاً وليس له أحد: اعط المال همشاريجه». (1)
والمراد من هذا اللفظ «همشاريج» إمّا الأخ من الرضاعة أو الأُخت منها أو أهل بلده والثاني أقرب واللفظ معرّب «همشهري» ويقصد المواطنون، ففي بعض الروايات، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «تدفع إلى المساكين». (2)
إذا كان المال للإمام فله الخيار يصرفه حيث يرى فيه مصلحة، ولعلّ المصلحة كانت يومذاك في الدفع إلى الرضيع أو المواطن، أو بشرط الفقر كما في عبارة المقنعة ـ وسيوافيك الكلام في هذه الروايات ـ هذا كلّه مع حضور الإمام، وأمّا الكلام في عصر الغيبة فهذا الذي نبحثه فيما يلي.

(1) الوسائل: 17، الباب 4، من أبواب ولاء ضمان الجـريـرة، الحديث 1 وبهذا المضمون الحديـث 2و3و4، والباب 5 الحديث 2.
(2) المصدر نفسه، الباب 4، الحديث 7.

صفحه 353

الرابع: مصرفه مع غيبة الإمام:

إذا مات من لاوارث له، وكان الإمام غائباً، فالشيعة على أقوال، وأمّا السنّة فسيوافيك رأيهم.
1ـ الحفظ، وهو خيرة الشيـخ في الخلاف، قـال: كلّ موضع وجب المال لبيت المال عند الفقهاء وعندنا للإمام إن وجد الإمام العادل سلّم إليه بلا خلاف، وإن لم يوجد وجب حفظه له عندنا كما يحفظ سائر أمواله التي يستحقّها. (1)
2ـ التخـيير بين الحفـظ والصرف في المحاويـج، وهذا خيـرة العلاّمة في القواعد، قال: وإن كان غائباً حفظ له أو صرف في المحاويج. (2)
3ـ الصرف في المحاويـج، وهو خيرة المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية، قال المفيد: ومن مات وخلف تركة في يد إنسان لايعرف له وارثاً جعلها في الفقراء والمساكين، ولم يدفعها إلى سلطان الجور والظلم من الولاة. (3)
وقال الشيخ: ومتى خلّف إنسان مالاً وليس له وارث ولم يتمكّن من إيصاله إلى سلطان الحقّ قسم ذلك في الفقراء والمساكين ولا يُعطى سلطان الجور شيئاً على حال، إلاّ أن يتغلب عليه أو يخاف سطوته، ويجوز حينئذ تسليمه إليه لتقية أو لخوف. (4)
وأمّا السنّة، فقد قال الشيخ في الخلاف:
واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال: إذا فقد الإمام العادل يسلّم

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 15.
(2) مفتاح الكرامة: 8/206، قسم المتن.
(3) المقنعة : 206.
(4) النهاية: 671.

صفحه 354
إلى ذوي الأرحام، لأنّ هذه مسألة اجتهادية، فإذا بطلت إحدى الجهتين ثبتت الأُخرى.
ومنهم من قال: هذا لايجوز لأنّه حقّ لجميع المسلمين، فلايجوز دفعه إلى ذوي الأرحام، لكن يفعل به ما يفعل بزكاة الأموال الظاهرة، والإنسان بالخيار بين أن يسلّمه إلى الإمام الجائر، وبين أن يضعه في مصالح المسلمين، وبين أن يحفظه حتى يظهر إمام عادل كذلك هاهنا. (1)
أمّا القول الأوّل فقد استدل عليه في الخلاف بأنّه كسائر أمواله التي يستحقّها، ولكنّه غير واضح، فإن أراد به أنّه كأمواله الشخصية التي يستحصلها عن طريق الكسب فهو قياس مع الفارق لأنّ المفروض أنّ الأنفال ليس من أموالها الشخصية المتعلّقة به بما هو إنسان، وإنّما هو من أمواله بما أنّه إمام كما ورد في بعض الروايات: روى أبو علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام) : إنّا نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام) عندنا فكيف نصنع ؟ فقال: «ما كان لأبي(عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وماكان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه وسنّة نبيّه» . (2) فعلى ذلك فيجب ردّه إلى من يقوم بأمر الإمامة أو من يحمل مسؤولية الإمام في عصر الغيبة وليس هو إلاّ الفقيه الجامع للشرائط.
وبذلك يظهر ضعف التخيير الموجود في كلام العلاّمة وانحصر الطريق في صرفه في موارد حسب ما يرشدنا إليه الدليل، أضف إلى ذلك أنّ الحفظ مع طول الغيبة وهجوم الفتن في كلّ زمان أمر صعب بل محال، ومثل هذه النظرية كنظرية الالقاء في البحر أو الدفن في التراب، ليست في شأن الفقيه الواعي كالشيخ

(1) الخلاف:2، كتاب الفرائض، المسألة 15. ماذا يريد الشافعي من ذوي الأرحام بعد كون المفروض انّه لاوارث له؟
(2) الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

صفحه 355
الطوسي.
ثمّ إنّه روى أنّ عليّاً (عليه السلام) أمر بدفع المال إلى «همشاريجه» (1) وربّما حكى أنّ الإمام دفعه إليهم.
إنّ هذه الروايات ضعيفة من حيث السند أوّلاً، مضطربة من حيث المعنى ثانياً، فربما يحتمل أن يراد منها مواطنو الميت كما يحتمل أن يكون الرضيع، وهو الأقرب فيما إذا عبّر بلفظ مفرد (همشهريجه). (2) بشهادة خبر مروك بن عبيد الثقة عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: ما تقول في رجل مات وليس له وارث إلاّ أخاً له من الرضاعة يرثه ؟قال: «نعم» . (3)
ولأجل ذلك لايمكن أن يكون معياراً للفتوى، قال الشيخ في الاستبصار: هاتان الروايتان (4) شاذّتان وما هذا حكمه لايعارض به الأخبار المستندة المجمع على صحّتها مع عدم منافاتها لما تقدّم، لأنّه (عليه السلام) فعل ذلك تبرّعاً.
وعلى كلّ تقدير يمكن الجمع بينها وبين ما دلّ على أنّه من الأنفال بأنّ المدفوع إليهم في زمن الإمام كانوا فقراء ومن مصارف الأنفال.
وبعبارة أُخرى فإذا ثبت أنّه من الأنفال يكون محكوماً بحكمها، وأمّا عمل الإمام فإنّما يكون دليلاً على التسويغ لا على الانحصار، فما هو مصرف الأنفال فهو مصرف وارث من لاوارث له.

(1) الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ولاءضمان الجريرة، الحديث 1ـ2.
(2) المصدر نفسه: الباب 4، الحديث 3.
(3) المصدر نفسه: الباب 5 من أبــواب ولاء ضمان الجريـرة، الحـديث 1، وتقدّم الإيعـاز إلى مظان الروايات.
(4) المراد الحديث 2و3 من الباب 4، أعني رواية السري يرفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ورواية داود عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

صفحه 356

في ميراث ولد الملاعنة

قال الشيخ: إذا مات ولد الملاعنة وخلّف أُمّاً وأخوين منها، فللأُمّ الثلث بالتسمية والباقي يرد عليها ويسقط الأخوان معها.
وقال الشافعي: وللأُمّ السدس وللأخوين الثلث، والباقي لمولى الأُمّ، فإن لم يكن فلبيت المال، وبه قال زيد بن ثابت.
وقال أبو حنيفة: لها السدس ولهما الثلث، والباقي يرد عليهم.
وقال عبد اللّه بن مسعود: المال كلّه للأُمّ لأنّها عصبة.
وقال عبد اللّه بن عمر وابن أبي ليلى: الباقي من فرض الأُمّ والإخوة فلعصبة الأُمّ. (1)
وقال: قد بيّنا أنّ ميراث ولد الملاعنة لأُمّه إذا كانت حيّة فإن لم تكن حيّة فلمن يتقرّب بها إليه من الإخوة والأخوات، والخؤولة والخالات، والجدّة للأُمّ يقدّم الأولى فالأولى، والأقرب فالأقرب، كما نقول في الولد الصحيح. روى ذلك عن علي (عليه السلام) وذهب إليه أهل العراق، والبصرة. (2)
وقال في المغني قسم المتن: وابن الملاعنة ترثه أُمّه وعصبته فإن خلّف أُمّاً وخالاً فلأُمّه الثلث، وما بقي للخال. وقال في الشرح: وجملته أنّ الرجل إذا لاعن امرأته ونفى ولدها وفرّق الحاكم بينهما انتفى ولدها عنه، وانقطع تعصيبه من جهة

(1) الخلاف: 2، كتا