welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام صلاة الجماعة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

أحكام صلاة الجماعة

صفحه 1
   
    أحكام صلاة الجماعة
أحكام
صلاة الجماعة

صفحه 2

صفحه 3
أحكام
صلاة الجماعة

صفحه 4
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ـ
      أحكام صلاة الجماعة / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1432 ق . = 1390 .
      624 ص .    ISBN: 978 - 964 - 357 - 470 - 3
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . صلاة الجماعة . الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. عنوان.
3الف 2س/ 187 BP    353 / 297
اسم الكتاب:   … أحكام صلاة الجماعة
المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1432 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد الصفحات:   …624
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?7745457 ; 09121519271
تسلسل النشر: 640   تسلسل الطبعة الأُولى: 376
http://www.imamsadiq.org
www.Tohid www.shia.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، القادة الميامين، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد; فقد نزلنا عند رغبة جمع من حضّار بحوثنا الفقهية في دراسة أحكام صلاة الجماعة وقد توخّينا فيها ما هو المهمّ للدراسة، وتركنا بسط الكلام في الآداب والمستحبات، ورائدنا في تنظيم المسائل كتاب «العروة الوثقى» لفقيه الطائفة السيد محمد كاظم اليزدي ، وقد رتّب (قدس سره)مسائل هذا الباب في فصول خمسة:
الأوّل: في تبيين ما لصلاة الجماعة من الأهمية وكونها سنّة مؤكّدة، وربّما تجب في بعض الصلوات، وما يليه من مسائل لها صلة بالنيّة وغيرها.
الثاني: في الشرائط الأربعة لصلاة الجماعة.
الثالث: في أحكام صلاة الجماعة.
الرابع: في شرائط إمام الجماعة.
الخامس: في مستحبات الجماعة ومكروهاتها.

صفحه 8
وبهذا الفصل الأخير أتمّ مباحث هذا الباب، ثم دخل في فصل الخلل الواقع في الصلاة.
ونحن ندرس هذه الفصول والمسائل الواردة فيها تباعاً. راجين من الله سبحانه إصابة الحق والاجتناب عن الزلل، وأن ينتفع به طلاب الحق وروّاد الفقاهة، آمين.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدّسة

صفحه 9
في أنّها سنّة مؤكّدة   
الفصل الأوّل
في
أنّها سنّة مؤكّدة

صفحه 10

صفحه 11
قال المصنّف (رحمه الله):
وهي من المستحبات الأكيدة في جميع الفرائض، خصوصاً اليومية منها، وخصوصاً في الأدائية، ولا سيّما في الصبح والعشائين، وخصوصاً لجيران المسجد أو مَن يسمع النداء. وقد ورد في فضلها وذمّ تاركها من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات.
ففي الصحيح: «الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ ـ أي الفرد ـ بأربع وعشرين درجة».
وفي رواية زرارة: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): ما يروي الناس أنّ الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين؟ فقال (عليه السلام): «صدقوا» فقلت: الرجلان يكونان جماعة؟ قال (عليه السلام): «نعم، ويقوم الرجل عن يمين الإمام».
وفي رواية محمد بن عمارة: قال: أرسلت إلى الرضا (عليه السلام)أسأله عن الرجل يصلّي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل، أو صلاته مع جماعة؟ فقال (عليه السلام): «الصلاة في جماعة أفضل»، مع أنّه ورد: «إنّ الصلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة». وفي بعض الأخبار «ألفين».

صفحه 12
في أنّ صلاة الجماعة سنّة مؤكّدة   
بل في خبر: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أتاني جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر فقال: يا محمد إنّ ربك يقرئك السلام وأهدى إليك هديتين . قلت: ما تلك الهديتان؟ قال: الوتر ثلاث ركعات، والصلاة الخمس في جماعة. قلت: يا جبرئيل، ما لأُمّتي في الجماعة؟ قال: يا محمد، إذا كانا اثنين كتب الله تعالى لكلّ واحد بكلّ ركعة مائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا ثلاثة كتب الله تعالى لكلّ واحد بكلّ ركعة ستمائة صلاة، وإذا كانوا أربعة كتب الله تعالى لكلّ واحد ألفاً ومائتي صلاة، وإذا كانوا خمسة كتب الله لكلّ واحد بكل ركعة ألفين وأربعمائة صلاة، وإذا كانوا ستة كتب الله لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة أربعة آلاف وثمانمائة صلاة، وإذا كانوا سبعة كتب الله لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة آلاف وستمائة صلاة، وإذا كانوا ثمانية كتب الله لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة عشر ألفاً ومائتي صلاة، وإذا كانوا تسعة كتب الله لكل واحد منهم بكلّ ركعة ستة وثلاثين ألفاً وأربعمائة صلاة، وإذا كانوا عشرة كتب الله تعالى لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة سبعين ألفاً وألفين وثمانمائة صلاة. فإن زادوا على العشرة، فلو صارت السماوات كلّها قرطاساً والبحار مداداً كلّها والأشجار أقلاماً والثقلان مع الملائكة كتاباً لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة. يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)تكبيرة يدركها المؤمن مع الإمام خير من ستين ألف حجّة وعمرة، وخير من الدنيا وما فيها بسبعين ألف مرة. وركعة يصلّيها المؤمن مع الإمام خير من مائة ألف دينار يتصدّق بها على المساكين. وسجدة يسجدها المؤمن مع الإمام في جماعة خير من عتق مائة رقبة».

صفحه 13
وعن الصادق (عليه السلام): «الصلاة خلف العالم بألف ركعة، وخلف القرشي بمائة».(1)
ولا يخفى أنّه إذا تعدّد جهات الفضل تضاعف الأجر، فإذا كانت في مسجد السوق الّذي تكون الصلاة فيه باثنتي عشرة صلاة يتضاعف بمقداره، وإذا كانت في مسجد القبيلة الّذي تكون الصلاة فيه بخمسة وعشرين فكذلك، وإذا كانت في المسجد الجامع الّذي تكون الصلاة فيه بمائة يتضاعف بقدره، وكذا إذا كانت في مسجد الكوفة الّذي بألف، أو كانت عند علي (عليه السلام)الّذي فيه بمائتي ألف، وإذا كانت خلف العالم أو السيد فأفضل، وإن كانت خلف العالم السيد فأفضل، وكلّما كان الإمام أوثق وأورع وأفضل فأفضل، وإذا كان المأمومون ذوي فضل فتكون أفضل، وكلّما كان المأمومون أكثر كان الأجر أزيد.
ولا يجوز تركها رغبة عنها أو استخفافاً بها، ففي الخبر: «لا صلاة لمن لا يصلّي في مسجد إلاّ من علّة، ولا غيبة لمن صلّى في بيته ورغب عن جماعتنا. ومَن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبتُه، وسقطت بينهم عدالتُه، ووجب هجرانه. وإذا دُفع إلى إمام

1 . هذه الرواية نقلها المحدث النوري في المستدرك: 6 / 442 عن الشهيد الثاني في روض الجنان، نقلاً عن كتاب الإمام والمأموم للشيخ أبي محمد جعفر بن محمد القمّي بإسناده المتصل إلى أبي سعيد الخدري. ورواها أيضاً الشيخ الصدوق ـ مرسلةً ـ في جامع الأخبار: 193، عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مع اختلاف يسير بين النقلين، وعلى كلّ فهي خبر لم تحرز صحّة سنده، مع ما في المتن من الغرابة.

صفحه 14
المسلمين أنذره وحذّره، فإن حضر جماعة المسلمين وإلاّ أحرق عليه بيته» .
وفي آخر: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)بلغه إنّ قوماً لا يحضرون الصلاة في المسجد، فخطب فقال: «إنّ قوماً لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا، فلا يُؤاكلونا، ولا يشاربونا، ولا يشاورونا ولا يناكحونا، أو يحضروا
معنا صلاتنا جماعة. وإنّي لأُوشك بنار تشعل في دورهم فأحرقها
عليهم أو ينتهون». قال: فامتنع المسلمون من مواكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتّى حضروا لجماعة المسلمين . إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة .
فمقتضى الإيمان عدم الترك من غير عذر، لاسيّما مع الاستمرار عليه، فإنّه ـ كما ورد ـ لا يمنع الشيطان من شيء من العبادات منعها، ويعرض عليهم الشبهات من جهة العدالة ونحوها حيث لا يمكنهم إنكارها، لأنّ فضلها من ضروريات الدين .(1)*
* أقول: إنّ صلاة الجماعة من أفضل الصلوات حسبما عرفت من الروايات، ولفظها يحكي عن معناها، وهي تقابل صلاة الفرادى، وتفترق عنها أنّ صلاة الفرادى إذا كانت متعدّدة تكون كلّ صلاة بحيالها ولا رابطة بينها; وأمّا صلاة الجماعة فكأنّ الجميع صلاة واحدة يكبر المأموم إذا كبر الإمام،   2

1 . العروة الوثقى: 1 / 762 ـ 763، فصل في صلاة الجماعة، المكتبة العلمية، طهران ـ 1399 هـ .

صفحه 15
ويركع إذا ركع، ويسجد إذا سجد، ويتبعه إلى نهاية الصلاة، فصلاة كلّ من المأمومين كأنّها جزء من الكلّ، ولذلك تعتبر فيها الوحدة الزمانية والمكانية، واغتفرت زيادة الركن إذا صدر عن المأموم، فلا تبطل بخلاف صلاة الفرادى.
والظاهر أنّ الصلوات المفروضة شرعت في أوّل يومها بالجماعة، وإن سُمح بإقامتها فرادى، وأيضاً يدلّ على ذلك ما رواه ابن أثير الجزري (المتوفّى سنة 602 هـ) في ترجمة عفيف الكندي نقلاً عنه أنّه قال: جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا أُريد أن أبتاع لأهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العباس بن عبدالمطلب وكان رجلاً تاجراً فأنا عنده جالس حيث أنظر إلى الكعبة وقد حلقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت، إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم قام مستقبلَ الكعبة، ثم لم ألبث إلاّ يسيراً حتّى جاء غلام فقام على يمينه، ثم لم ألبث إلاّ يسيراً حتّى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة.
فقلت: ياعباس أمر عظيم!! قال العباس: أمر عظيم! تدري من هذا الشاب؟! قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبدالله ابن أخي، أتدري مَن هذا الغلام؟! هذا علي بن أخي، أتدري من هذه المرأة؟! هذه خديجة بنت خويلد زوجته، إنّ ابن أخي هذا أخبرني أنّ ربّه ربّ السماء والأرض أمره بهذا الدين الّذي هو عليه، ولا والله ما على الأرض كلّها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.(1)   2

1 . أُسد الغابة: 3 / 414 ـ 415 .

صفحه 16
أقول: يستفاد من الرواية أمران:
1. أنّ أوّل من آمن من الرجال هوعلي (عليه السلام)، ومن النساء زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خديجة (عليها السلام)، وأنّهما كانا يصلّيان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يخيّم الإسلام على أحد غيرهما.
2. أنّ الصلوات المفروضة الخمس إنّما وجبت أوّل يومها بصورة الجماعة، وأنّ المسلمين كانوا يصلّون جماعة لا فرادى وإن ورد الترخيص رفعاً للحرج. إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يقع الكلام في الأُمور التالية:
أقول: هنا أُمور:
الأوّل: مشروعيتها في عامّة الفرائض.
الثاني: أنّها سنّة مؤكّدة وليست بواجبة.
الثالث: تأكّد استحبابها في صلاة الصبح والعشائين، وجيران المسجد، ومَن يسمع النداء.
فلندرس هذه الأُمور واحداً تلو الآخر.

الأوّل: مشروعيتها في عامّة الفرائض

مشروعية صلاة الجماعة في عامة الفرائض   
ويدلّ على مشروعيتها في عامّة الفرائض: الكتاب والسيرة والسنّة.
أمّا الكتاب: فقوله سبحانه: (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)(1)، وما ورد من الآيات حول صلاة الخوف (2) .   2

1 . البقرة: 43.   2 . النساء: 102 ـ 103 .

صفحه 17
وأمّا السيرة: فقد جرت سيرة المسلمين من عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا على إقامتها جماعة، وهذا أمر لا يشكّ فيه من له إلمام بتاريخ المسلمين.
وأمّا السنّة: فحدّث عنها ولا حرج، فالروايات في مشروعيّتها كثيرة نذكر منها ما يلي:
1. ما دلّ على وجوب العدول من اللاحقة إلى السابقة، إذا ذكرها أثناء الصلاة، إداءً وقضاءً، جماعة ومنفردة; وقد أورد الحرّ العاملي في المقام ما يناهز ستّ روايات، نقتصر بذكر واحدة منها:
روى الشيخ الطوسي عن الحلبي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أمّ قوماً في العصر وذكر ـ وهو يصلّي بهم ـ أنّه لم يكن صلّى الأُولى؟ قال: «فليجعلها الأُولى الّتي فاتته، ولسيتأنف العصر، وقد قضى القوم صلاتهم» (1).
2. ما دلّ على جواز إقامة مطلق الفائتة جماعة. نظير ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): تقام الصلاة وقد صلّيت؟ قال: «صلّ واجعلها لما فات» (2) .
ورواه الصدوق أيضاً بإسناده عن إسحاق بن عمّار; وفي السند سلمة صاحب السابري، وكفى في وثاقته كونه من مشايخ ابن أبي عمير،   2

1 . الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 3.
2 . الوسائل: 5، الباب 55 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 18
وأمّا الاعتماد على وثاقته بوروده في إسناد كامل الزيارات، فقد ذكرنا عدم صحّة ذلك في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».(1)
فإذا جازت الجماعة في الصلوات الفائتة، فالأداء أولى بها.
3. ما دلّ على جواز إقامة فائتة الصبح جماعة. نظير ما رواه الكليني عن سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس؟ قال: «يصلّيها حين يذكرها، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رقد عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس، ثمّ صلاّها حين استيقظ، ولكنّه تنحّى عن مكانه ذلك ثم صلّى» (2) .
والرواية وإن اشتملت على ما لا ينطبق مع أُصولنا، ولكن يمكن توجيهها بوجود مصلحة في الرقود أو غيره، فإذا كان قضاء الصبح مشروعاً فالأداء أولى به.
وخرج عن الضابطة، ركعتا الطواف والاحتياط، للشكّ في إرادتهما من إطلاق أدلّة المقام، إن لم يكن ظاهرها العدم، خصوصاً الأخيرة لتردّدها بين الفرض والنفل.
   
وأمّا المنذورة، فهي داخلة تحت النوافل، لأنّها بالنذر لا تصير واجبة. نعم يجب الوفاء بها، بإتيان صلاة مستحبة وفاء للنذر، فالواجب هو الوفاء بالنذر بإقامة صلاة مستحبة، وقد أوضحنا حالها في محلّها.   2

1 . راجع: كليات في علم الرجال: 321 وما بعدها.
2 . الوسائل: 5، الباب 5 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1; ولاحظ أيضاً ج 3، الباب 61 من أبواب المواقيت.

صفحه 19
ويدلّ على المشروعية صحيحة زرارة والفضيل الّتي ستوافيك في الفرع اللاحق.
إلى هنا تمّ بيان الأمر الأوّل، وإليك دراسة الأمر الثاني .

الأمر الثاني: إقامة الصلاة جماعة ليست بواجبة

قال الشيخ في «الخلاف» في المسألة أقوال ثلاثة:
1. الجماعة في خمس صلوات سنّة مؤكّدة ولست واجبة ولا فرضاً، لا من فروض الأعيان، ولا من فروض الكفايات; وهو المختار في مذهب الشافعي عند أصحابه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي ومالك.
2. عن أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق: هي من فرائض الكفايات كصلاة الجنازة، وعن داود وأهل الظاهر أنّها من فروض الأعيان، ولكن ليست شرطاً لصحّة الصلاة .
3. عن قوم من أصحاب الحديث أنّها شرط لصحّة الصلاة، فإن صلّى فرادى لم تصحّ صلاته. ثم استدلّ الشيخ على كونها سنّة بحديث نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة» .
والمفاضلة دليل على صحّة كلتا الصلاتين (1).   2

1 . الخلاف: 1 / 543، المسألة 279 .

صفحه 20
وقال العلاّمة في «المنتهى»: قال علماؤنا: الجماعة مستحبة في الفرائض، وأشدّها تأكيداً في الخمس، وليست واجبة إلاّ في الجمعة والعيدين مع الشرائط السابقة، لا على الأعيان، ولا على الكفاية; وهو مذهب مالك والثوري وأبي حنيفة وبعض الشافعية. ثم نقل القولين الآخرين، غير أنّه خالف الشيخ في أنّ الشافعي قال بأنّها فرض على الكفاية في الخمس .(1)
ثم إنّ المراد من وجوبها كفاية، لزوم وجود صلاة جماعة في قرية أو بلد، كما نقل العلاّمة عن الشافعي بأنّها فرض كفاية; لقوله (عليه السلام): «مامن ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيهم الصلاة إلاّ استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنّ الذئب يأخذ القاصية ».(2)
وعلى كلّ تقدير فقد روى الشيخ بإسناده عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة والفضيل قالا: قلنا له: الصلاة في جماعة، فريضة هي؟ فقال: «الصلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، ولكنها سُنّة، مَن تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له» (3).
لو كان المراد من حمّاد هو حمّاد بن عثمان، فطريق الشيخ إليه في الفهرست صحيح; ولو كان المراد حمّاد بن عيسى، فطريق الطوسي إليه في الفهرست غير صحيح، لكن طريق الفقيه إليه صحيح. ويكفي في صحّة الحديث صحّة طريق الشيخ إلى جميع كتب الصدوق وما يرويه. وعلى   2

1 . منتهى المطلب : 6 / 164 ـ 165 .
2 . تذكرة الفقهاء: 4/228 ـ 229 .   3. الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 21
كلّ تقدير فالرواية معتبرة، وأمّا كيفية الدلالة فلا تحتاج إلى بيان لوضوح قوله: «وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها» في الدلالة على عدم مفروضية الجماعة في كلّ الصلوات.
ثم إنّ الرواية صالحة للاستدلال على الأمر الأوّل أيضاً، وهي مشروعية الجماعة في عامّة الصلوات كما في صريح قوله : «ولكنّها سنّة»: أي سنّة في كلّ الصلوات بقرينة الفقرة المتقدّمة: «وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها».
بقي هنا سؤال: كيف يمكن أن يقال بمسنونية الجماعة، رغم استفاضة الروايات الّتي اشتملت على التوعّد لتاركها، كما ذكره المصنّف في المتن؟
والجواب: أنّ التهديد في هذه الأخبار متوجّه إلى المنافقين الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وكان عدم حضورهم في الصلوات دليلاً على رغبتهم عن الإسلام وانفصالهم عن المسلمين، ومن أمعن النظر في مجموع هذه الروايات يذعن بذلك.
نعم لا شكّ في أنّ سيرة المسلمين في عامّة القرون إقامة الصلاة جماعة. فعلى المؤمنين عامّة المشاركة في الجماعة والتحرّز عن الصلاة فرادى، إلاّ في مواقع خاصّة لا يتمكّن منها، أو يكون فيها حرج.   2

صفحه 22

الأمر الثالث: القول باستحبابها في موارد خاصّة

دلّت الروايات على تأكّد استحباب صلاة الجماعة في الموارد التالية:
1. الصبح: فيدل عليه صحيحة عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الفجر، فأقبل بوجهه على أصحابه فسأل عن أُناس يسمّيهم بأسمائهم فقال: هل حضروا الصلاة؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال: أغيّب هم؟ قالوا: لا، فقال: أما إنّه ليس من صلاة أشدّ على المنافقين من هذه الصلاة والعشاء، ولو علموا أيّ فضل فيهما لأتوهما حبواً».(1)
2. العشاءان: فيكفي فيه الصحيحة السابقة; وما رواه أبوبصير عن الصادق (عليه السلام)عن آبائه(عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن صلّى المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة في المسجد جماعة فكأنّما أحيا الليل كلّه» .(2)
3. جيران المسجد: فقد روى الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «لا صلاة لمن لا يشهد الصلاة من جيران المسجد، إلاّ مريض أو مشغول» .(3)
4. من سمع النداء: فلصحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ سمع النداء فلم يجبه من غير علّة، فلا صلاة له» .(4)

1 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. يقال: حبا يحبو، حبواً: دنا والمراد زحفاً على الركب، يقال: حبى الصبي: إذا مشى على أربع، واللفظ كناية عن التسرّع .
2 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.
4 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 23
المسألة 1: تجب الجماعة في الجمعة، وتشترط في صحّتها; وكذا العيدين مع اجتماع شرائط الوجوب، وكذا إذا ضاق الوقت عن تعلّم القراءة لمن لا يُحسنها مع قدرته على التعلّم، وأمّا إذا كان عاجزاً عنه أصلاً فلا يجب عليه حضور الجماعة وإن كان أحوط; وقد تجب بالنذر والعهد واليمين ولكن لو خالف صحّت الصلاة وإن كان متعمداً، ووجبت حينئذ عليه الكفّارة; والظاهر وجوبها أيضاً إذا كان ترك الوسواس موقوفاً عليها، وكذا إذا ضاق الوقت عن إدراك الركعة بأن كان هناك إمام في حال الركوع، بل وكذا إذا كان بطيئاً في القراءة في ضيق الوقت، بل لا يبعد وجوبها بأمر أحد الوالدين.*

* في الموارد الّتي تجب فيها صلاة الجماعة

في المسألة فروع تسعة:
1. وجوب الجماعة في صلاة الجمعة.
2. وجوب الجماعة في صلاة العيدين.
3. إذا كان عاجزاً عن تعلّم القراءة.(1)
4. إذا ضاق الوقت عن تعلّم القراءة لمن لا يُحسنها قادراً على التعلّم لا عاجزاً.
5. إذا نذر أو عهد أو حلف على إتيان الفريضة بالجماعة.
6. إذا توقّف ترك الوسواس عليها.
7. إذا ضاق الوقت عن إدراك الركعة، وكان هناك إمامٌ في حال الركوع.   2

1 . هذا هو الفرع الرابع في كلام المصنّف لكن قدّمناه لتسهيل البحث .

صفحه 24
8 . إذا كان بطيئاً في القراءة في ضيق الوقت.
9. إذا أمر أحد الوالدين بإتيان الفريضة جماعة.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
***

الفرع الأوّل: وجوب الجماعة في صلاة الجمعة

وجوب الجماعة في صلاة الجمعة من ضروريات الفقه، مضافاً إلى صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع إليها فريضة مع الإمام...» (1).

الفرع الثاني: وجوب الجماعة في صلاة العيدين

إنّ وجوب الاجتماع في صلاة العيدين مثل الاجتماع في صلاة الجمعة من ضروريات الفقه; مضافاً إلى صحيح زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «من لم يصلّ مع الإمام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له، ولاقضاء عليه»(2).
نعم هذا إذا كانت الشرائط مجتمعة، ومع فقدها تصلّى فرادى.
وعلى ذلك يحمل ما رواه سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «لا صلاة في العيدين إلاّ مع الإمام، فإن صلّيت وحدك فلا بأس».(3)   2

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 8 .
2 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب صلاة العيد، الحديث 3.
3 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب صلاة العيد، الحديث 5 .

صفحه 25
والتفصيل موكول إلى محلّه.

الفرع الثالث: وجوب الجماعة إذا كان عاجزاً عن تعلّم القراءة(1)

إذا أسلم وعجز عن التعلّم فمقتضى القاعدة الأُولى هو اختيار الفرد الأكمل، أي: الإئتمام، وترك الفرد الناقص أي الصلاة بلا قراءة. وليس التخيير بين الصلاة فرادى، والصلاة جماعة من قبيل التخيير الشرعي، حيث إذا تعذّر أحد البدلين يتعيّن البدل الآخر، كما هو الحال في خصال الكفّارة، قال سبحانه:
(لاَيُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(2) ; بل التخيير بينهما تخيير عقلي.
والفرق بين التخييرين هو أنّ الأمر في الشرعي يتعلّق بذات الأبدال كما
في الآية المباركة، فيكون كلّ عدل واجباً شرعياً بالوجوب التخييري
بخلاف التخيير العقلي، فالأمر يتعلّق بالمفهوم الكلّي كالصلاة، غاية الأمر
لها فردان عرضيان فرادى وجماعة، فإذا تعذر أحد الفردين، يتعيّن الفرد
الآخر .
وبعبارة أُخرى: أمام المكلّف العاجز فردان عرضيان: الإتيان   2

1 . هذا هو الفرع الرابع في كلام المصنّف، ومقتضى طبيعة البحث تقديمه وتأخير الأمر الثالث كما فعلناه.
2 . المائدة: 89 .

صفحه 26
بالصلاة فرادى، والإتيان بها جماعة، والفرد الأوّل ناقص بخلاف الفرد الثاني، فهو كامل، وإذا دار الأمر بين الفردين فالمرجع هو الفرد الكامل حسب قضاء العقل.
هذا هو مقتضى القاعدة الأُولى، ولكن النصّ على خلافها; ففي صحيح عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إنّ الله فرض من الصلاة الركوع والسجود، ألا ترى لو أنّ رجلاً دخل الإسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن، أجزأه أن يكبّر ويسبّح ويصلّي» (1).
ولعلّ المراد من قوله: «ويصلّي» بقرينة الصدر، هو أن يأتي بالركوع والسجود. وبذلك يعلم أنّه لا وجه لاحتياط المصنّف مع وجود النص، اللّهم إلاّ إذا كان نظره إلى مقتضى القاعدة.

الفرع الرابع: إذا ضاق الوقت عن تعلّم القراءة لمن لا يُحسنها مع قدرته على التعلّم

إذا كان قادراً على التعلّم ولكن تساهل حتّى ضاق الوقت، فما هو حكمه؟ أفتى المصنّف (رحمه الله)بوجوب الإئتمام، والمراد من الوجوب هو الوجوب الشرطي بمعنى أنّه لا تصحّ صلاته إلاّ بالإئتمام، لا الوجوب التكليفي، بمعنى ثبوت العقاب مع صحّة العمل. إنّما الكلام في وجوب الإئتمام عليه، ويمكن تقريبه بالنحو التالي:   2

1 . الوسائل: 4، الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 27

دليل القول بوجوب الإئتمام

إنّ صحيحة عبدالله بن سنان منصرفة إلى العاجز ولا تشمل من أعجز نفسه، فيكون المرجع مقتضى القاعدة الأُولى، وهي أنّ من تمكّن من الصلاة التامّة من حيث الأجزاء والشرائط، لا يسوغ له الاكتفاء بالصلاة الناقصة الفاقدة للقراءة، ولذلك يجب عليه الإئتمام.
هذا وقد مرّ أنّ التخيير بين الإئتمام والصلاة فرادى ليس من باب التخيير الشرعي حتّى يكون الإتيان بأحد البدلين ـ أي الإئتمام ـ مسقطاً لها، بل التخيير بينهما عقلي، وهو محدّد بما إذا كان كلّ من الفردين فردين كاملين، لا في مثل المقام فإنّ الفرد الأوّل فرد ناقص والثاني فرد كامل فيجب انتخابه حسب قضاء العقل.

دليل القول بعدم وجوب الإئتمام

وربّما يتمسّك ـ لنفي وجوب الإئتمام ـ بإطلاق صحيحة زرارة والفضيل المتقدّمة حيث سألا أبا جعفر (عليه السلام): الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: «الصلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، ولكنّها سنّة» (1)، فإنّ إطلاق هذه الرواية، يعمّ مَن كان قادراً، ثم أعجز نفسه بالمساهلة، فلا يجب عليه الإئتمام.
يلاحظ عليه: أنّ منصرف الرواية إلى مَنْ يكون قادراً على إتيان   2

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 28
الصلاة تامّة فرادى أو جماعة، ففي هذه الحالة يقول الإمام (عليه السلام): «الاجتماع ليس بمفروض»، وأين هذا من مسألتنا الّتي يعجز فيها المكلّف إلاّ عن فرد واحد وهو الإئتمام.
ويمكن أن يقال بعدم وجوب الإئتمام والاكتفاء بالتكبير والتسبيح تمسّكاً بملاك صحيحة ابن سنان، فإنّ المورد وإن كان هو العاجز بالذات لا العاجز بالعرض لكن ملاك الحكم يعمّ كلتا الصورتين.
ونظير هذا كثير في الفقه، فإن دليل التيمّم وارد في العاجز بالذات، ولكن يعمّ العاجز بالعرض لابلفظه بل بملاكه، فمن أهدر ماءه، فلا يصح له ترك الصلاة بل يتيمّم، ونظيره قاعدة الميسور فإنّ القدر المتيقّن هو العاجز بالذات، ولكن يعمّ العاجز بالفرض بالملاك.
وتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ مقتضى القاعدة هو الإئتمام، ومع ذلك يحتمل كون المرجع هو صحيحة عبدالله بن سنان في الاقتصار بالتكبير والتسبيح، أخذاً بالملاك لا بإطلاق اللفظ. ولكنّ الأحوط هو الوجه الأوّل .

الفرع الخامس: إذا نذر إتيان الفريضة جماعة

يظهر من المصنّف (رحمه الله) أنّ الوجوب هنا تكليفي لوخالف لا يترتّب عليه إلاّ العقاب ، وليس شرطياً حتّى تبطل الصلاة بتركه، ولذلك قال: ولو خالف صحّت الصلاة.   2

صفحه 29

دليل صحّة صلاته فرادى

وجهه: أنّ في المقام وجوبين: أحدهما تعلّق بإيقاع صلاة الظهر، لقوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)(1)، والآخر تعلّق بالوفاء بالنذر، قال سبحانه: (وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)(2); غير أنّ امتثال الأمر الثاني يتحقّق بإيقاع الصلاة جماعة، ومع ذلك فالأمر الثاني لا يقيّد موضوع الأمر الأوّل، فالأمران مستقلان لكل موضوع خاص، من دون أن يؤثر أحد الأمرين في موضوع الأمر الآخر، غاية الأمر أنّ امتثال الأمر الثاني يتوقّف على امتثال الأمر الأوّل جماعة، وهذا غير كون الموضوع مقيّداً ومحدّداً بالجماعة، ولذلك لو صلّى فرادى صحّت صلاته، غاية الأمر تجب عليه الكفّارة لحنث النذر، كما عليه المصنّف في المتن، لأنّ المفروض سقوط الأمر المتعلّق بصلاة الظهر ولايمكن امتثاله جماعة.
والمصنّف وإن عدّ في أوّل كتاب الصلاة، الملتزم بنذر أو عهد أو يمين من الصلوات الواجبة.(3) ولكن قلنا في تعليقتنا عليها، أنّ النافلة مهما تعلّق بها النذر، لا تكون واجبة، فصلاة الليل مستحبة ولا تخرج عن الاستحباب بالنذر، غاية الأمر إذا صارت منذورة، يتعلّق الوجوب بالوفاء بالنذر، ولا يسري الأمر الثاني عن متعلّقه إلى متعلقّ الأمر الأوّل.   2

1 . الإسراء: 78 .
2 . الحجّ: 29 .
3 . مستمسك العروة الوثقى: 2 / 244 .

صفحه 30

دليل القول بالبطلان

ويمكن أن يقال: ببطلان صلاته; لأنّ إتيانها فرادى صحيحة، مفوّت لامتثال الأمر النذري، فلا يكون مثل هذا الامتثال مقرّباً، فلو قلنا ببطلان صلاته لا تتعلّق به الكفّارة، إذ في وسعه بعدئذ أن يصلّيها جماعة ولا يتحقّق الحنث. وعلى هذا فوجه البطلان ما ذكر.
وربما يقال في وجه البطلان: إنّ مفاد قول الناذر: لله عليّ أن أفعل كذا، جعل حق وضعي له سبحانه، لأنّ الظاهر من «اللام» كونها للملك، ومن الظرف كونه مستقراً، نظير قولك: لزيد عليّ مال.
فمقتضى أدلّة نفوذ النذر وصحّته هو ثبوت مضمونه، فيكون الفعل المنذور ملكاً له سبحانه، نظير ملك المستأجر لفعل الأجير، ومقتضى عموم قاعدة السلطنة في الأموال والحقوق قصور سلطنة الناذر عن كلّ ما ينافي المنذور، وإذا لم يكن للناذر سلطنة على الصلاة فرادى ـ لمنافاتها للصلاة جماعة ـ كانت الصلاة فرادى محرّمة فتبطل. ولأجل ذلك نقول ببطلان بيع منذور الصدقة، لمنافاة بيعه للصدقة المنذورة.(1)
أقول: إنّ ما احتمل من المعنى بعيد جداً ، إذ ليس اللام في قوله: «لله عليّ» إلاّ مثل قوله تعالى: (للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)(2)، ومرجع الجميع هو   2

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 165، وقد أجاب عنه (قدس سره)بنحو آخر.
2 . آل عمران: 97 .

صفحه 31
جعل إلزام شيء على نفسه، غير أنّ السبب في الحجّ هو الله سبحانه، وفي المقام هو نفس المكلّف، وعلى ما ذكرنا فلو باع المنذور، صحّ بيعه، إذ ليس البيع من الأُمور التعبّدّية حتّى تتوقّف صحّته على قصد التقرّب.
ومع ذلك يمكن تصحيح الصلاة بالأمر الترتبيّ كما لا يخفى بالنحو التالي: صلّ جماعة وإن عصيت صلّ فرادى .

الفرع السادس: إذا توقّف ترك الوسواس على الجماعة

إذا توقّف ترك الوسواس على إقامة الصلاة جماعة، فلو قلنا: إنّ عمله ليس بحرام، فلا وجه لإيجاب الجماعة عليه لا تكليفاً ولا وضعاً، وأمّا لو قلنا بحرمته، كما إذا استلزم التكرار خروج عمله عن الحالة الصلاتية، أو الزيادة في الصلاة، أو قلنا بحرمة إتعاب النفس والبدن إتعاباً لا يتحمّل عادة، فتجب الجماعة عقلاً للتحرّز عن الحرام، ولكن لو ترك الجماعة تتوقّف صحّة عمله على كونه جامعاً للشرائط وخالياً عن الموانع، فلا يكون عمله حينئذ مفوّتاً للصلاة الصحيحة، بل مخالفاً لإرشاد العقل.
وبذلك ظهر الفرق بين هذا الفرع والفرع السابق، اللّهم إلاّ أن يقال: إذا كان عمله حرجّياً يكون منهيّاً عنه، لقوله تعالى: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )(1)، وظاهره نفي التشريع والجعل لمثل هذا .   2

1 . الحجّ: 78 .

صفحه 32

الفرع السابع: إذا ضاق الوقت عن إدراك الركعة

إذا ضاق الوقت عن إدراك الركعة وكان هناك إمام في حال الركوع، فالعقل يحكم بالاقتداء لتوقّف الخروج عن عهدة فريضة الوقت عليه، إذ لو أدرك ركعة فكأنّما أدرك الوقت جميعاً، وعلى هذا يكون الوجوب عقليّاً لا شرعيّاً. وإن شئت قلت : تكليفيّاً لا وضعيّاً، فلو تَرَكَ أثم، ولكن صحّت الصلاة; لنفس ما ذكرناه في الفرع السابق.

الفرع الثامن: إذا كان بطيئاً في القراءة في ضيق الوقت

إذا كان بطيئاً في القراءة في ضيق الوقت، فلو صلّى فرادى يقع شيء من صلاته خارج الوقت بخلاف ما إذا اقتدى بإمام، فحكمه حكم الفرع السابق من حكم العمل بالإئتمام، ويكون الوجوب تكليفياً محضاً، لاوضعيّاً، فلو تخلّف صحّت صلاته; لأنّ حكم العقل بإقامتها جماعة، لا يوجب تقيّد المأمور به بها; وعلى هذا فلو لم يقتد وأدرك من الوقت ركعة، يشمله قوله: «مَن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»(1)، لكن لا بلفظه، بل بملاكه لما قلنا من اختصاصه بالعاجز بالذات لا لمن أعجز نفسه، كما مرّ.   2

1 . الوسائل: 3، الباب 30 من المواقيت، الحديث 4. ونقل المحقّق في «المعتبر» من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت جميعاً.

صفحه 33

الفرع التاسع: وجوب الجماعة إذا أمر أحد الوالدين بها

هل الواجب في مورد الوالدين إطاعتهما، فيما يأمران به، إذا لم يأمرا بالمعصية، أو الواجب حسن المعاشرة والمصاحبة، أو لا هذا ولا ذاك بل يحرم العقوق؟ فعلى الأوّل، تجب الإطاعة دون الجماعة; لأنّ الأمر متعلّق بها، لا بالجماعة، نعم تتوقّف إطاعتهما، بإتيان الصلاة جماعة فيكون الوجوب عقليّاً لا شرعيّاً، لما مرّ من أنّ الحكم الشرعي لا يتجاوز عن أحد العنوانين إلى العنوان الآخر الملازم، فلو خالف تكون الصلاة صحيحة.
وأمّا على الأخيرين، فلا وجوب عقلاً ولا شرعاً، والظاهر من الوجوه الثلاثة هو الثاني; لقوله سبحانه: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)(1)، والتفصيل في محله (2).

1 . لقمان: 15 .
2 . لاحظ: كتاب الصوم: 2 / 345 ـ 347 .

صفحه 34
المسألة 2: لا تشرع الجماعة في شيء من النوافل الأصليّة وإن وجبت بالعارض بنذر أو نحوه حتّى صلاة الغدير على الأقوى إلاّ في صلاة الاستسقاء، نعم لا بأس بها فيما صار نفلاً بالعارض، كصلاة العيدين مع عدم اجتماع شرائط الوجوب، والصلاة المعادة جماعة، والفريضة المتبرع بها عن الغير، والمأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي.*
* في المسألة فروع:
1. لا تشرع الجماعة في النوافل المنذورة حتّى صلاة الغدير .
2. جواز الجماعة في صلاة الاستسقاء استثناءً.
3. جواز الجماعة في الفريضة إذا صارت نفلاً، كالموارد التالية:
   ألف. كصلاة العيدين عند عدم اجتماع شرائط الوجوب.
   ب. الصلاة المعادة جماعة.
   ج. الفريضة المتبرّع بها عن الغير.
   د. المأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الأوّل: لا تشرع الجماعة في النوافل حتّى صلاة الغدير

اتّفقت كلمة الأصحاب ـ إلاّ مَن شذّ ـ على عدم مشروعية الجماعة في النوافل.   2

صفحه 35
قال العلاّمة: ولا جماعة في النوافل إلاّ ما استثني. ذهب إليه علماؤنا أجمع، خلافاً لأحمد وبعض الجمهور. لنا: ما رواه الجمهور عن زيد بن ثابت قال: جاء رجال يصلّون بصلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج مغضباً وأمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم; ورووا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة .(1)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: ومحلّ الجماعة، الفرض، إلاّ في الاستسقاء والعيدين مع اختلاف بعض الشرائط عند علمائنا، خلافاً للجمهور; لأنّ زيد ابن ثابت قال: جاء رجال يصلّون صلاة رسول الله، فخرج مغضباً فأمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم... ـ إلى أن قال: ـ عن طريق الخاصّة، قول الصادق والرضا (عليهما السلام)لمّا دخل رمضان اصطف الناس خلف رسول الله فقال: «أيّها الناس هذه نافلة فليصلّ كلّ منكم وحده، وليعمل ما علّمه الله في كتابه، واعلموا أنّه لا جماعة في نافلة» فتفرّق الناس .(2)
الظاهر أنّ المسألة مورد اتّفاق عندنا ولم يخالف إلاّ القليل كما سيوافيك.
ولذلك قال المحقّق النراقي: لا تجوز الجماعة في غير ما ثبت استثناؤه من النوافل بالإجماع المحقّق والمحكيّ عن المنتهى والتذكرة وكنز العرفان. (2) وإليك ما يدلّ عليه من الأخبار:   2

1 . منتهى المطلب : 6 / 171 .   2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 235.
2 . قد تقدّم كلام منتهى المطلب وتذكرة الفقهاء ولاحظ كنز العرفان: 194 .

صفحه 36
1. ما رواه الفضلاء: زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل أنّهم سألوا أبا جعفر الباقر (عليه السلام)وأبا عبدالله الصادق (عليه السلام)في الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل في جماعة؟ فقالا: «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي، فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي، فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة، بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلّوا صلاة الضحى، فإنّ تلك معصية، ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار، ثم نزل وهو يقول: قليل في سنّة خير من كثير في بدعة».(1)
وربّما يقال باختصاص الرواية بنوافل شهر رمضان ولا تعمّ مطلق النافلة، لكن الظاهر خلافه لظهور قوله: «إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة»، بمنزلة صغرى وكبرى; فالصغرى قوله: «الصلاة بالليل في شهر رمضان من ] أقسام [ النافلة في جماعة»، وقوله «بدعة»، كبرى أي النافلة في جماعة بدعة.
2. ما رواه عمّار، عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: سألته عن الصلاة في رمضان في المساجد؟ فقال: «لمّا قدم أمير المؤمنين الكوفة أمر الحسن بن علي   2

1 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 1 .

صفحه 37
أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن علي بما أمره به أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن علي (عليهما السلام)صاحوا: وا عمراه! وا عمراه! فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين. قال له: ما هذا الصوت؟ قال: يا أمير المؤمنين! الناس يصيحون: وا عمراه! وا عمراه! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): قل لهم: صلّوا».(1)
3. ما رواه أبو العباس البقباق وعبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يزيد في صلاته في شهر رمضان إذا صلّى العتمة صلّى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم، ثم يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه، فيدعهم ويدخل مراراً...» الحديث .(2)
4. ما رواه سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)إلى أن قال: «والله لقد أمرت الناس ألاّ يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة، وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غُيّرت سنّةُ عمر، نهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً، وقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري...» الحديث.(3)
إنّ قوله: «إنّ اجتماعهم في النّوافل بدعة»: ضابطة كلية تعمّ نوافل شهر رمضان وغيرها.   2

1 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 3.
3 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 4 .

صفحه 38
5. ما رواه ابن إدريس في آخر «السرائر» من كتاب أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبي جعفر وأبي عبدالله(عليهما السلام): قالا: «لمّا كان أمير المؤمنين (عليه السلام)بالكوفة أتاه الناس فقالوا: اجعل لنا إماماً يؤمّنا في رمضان، فقال لهم: لا، ونهاهم أن يجتمعوا فيه، فلمّا أمسوا جعلوا يقولون: ابكوا رمضان! وارمضاناه! فأتى الحارث الأعور في أُناس فقال: يا أمير المؤمنين ضجَّ الناس وكرهوا قولك. قال: فقال عند ذلك: دعوهم وما يريدون، وليصلّ بهم مَن شاؤوا».(1)
6. ما رواه في «تحف العقول» عن الرضا (عليه السلام)في حديث: «ولا تجوز التراويح في جماعة» .(2)
وهذه الروايات الستّ وردت في نوافل شهر رمضان، إلاّ أنّ الروايتين الأُولى والرابعة ظاهرتان في مطلق النوافل وإن كان المورد شهر رمضان.
7. روى الصدوق في «الخصال» بإسناده عن الأعمش، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)ـ في حديث شرائع الدين ـ قال: «ولا يصلّي التطوع في جماعة; لأنّ ذلك بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار».(3)
8. روى الصدوق في «عيون الاخبار» بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام)في كتابه إلى المأمون، قال: «لا يجوز أن يصلّى تطوّع في جماعة;   2

1 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 5. ولاحظ الباب 2 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 1 و 3 والباب 7 من تلك الأبواب، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 5، الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .

صفحه 39
لأنّ ذلك بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار».(1)
وهذه الأحاديث الثمانية، تكفي في استنباط الحكم الكلّي في مورد النوافل .
ومع ذلك فقد حكي الخلاف عن بعضهم فجوّزوها في النافلة مطلقاً، وربّما استفيد وجود القول به عن الشرائع، بل الذكرى; وصريح الذخيرة، وظاهر المدارك، التوقّف.(2) وقد ورد الجواز في روايات:
1. ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبدالرحمن بن أبي عبدالله، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «صلّ بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة، فإنّي أفعله» .(3)
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الرواية اختصاص الجواز بنوافل شهر رمضان، وهو معرض عنه; لاشتهار الفتوى عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على عدم الجواز، وأنّها من البدعة الواضحة، فلا يحتج بمثل هذا الحديث.
ويحتمل أن يكون الأمر بالصلاة فريضة ونافلة مع الأهل لأجل الفرار عن إقامة التراويح في المسجد جماعة، وهذا هو الهدف الأصلي من الأمر، وأمّا كيفية إقامة الفريضة والنافلة فليس الإمام بصدد بيانها، وبما أنّ الراوي ـ أعني: عبدالرحمن بن أبي عبدالله ـ كان من فقهاء الإمامية في البصرة ـ فكان   2

1 . الوسائل: 5، الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6 .
2 . مستند الشيعة: 8 / 16 .
3 . الوسائل: 5 ، الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 13. وقد سقط الحديث في طبعة آل البيت، لاحظ ج8 ،ص 336ـ 337 .

صفحه 40
أعرف بحكمهما .
2. عن هشام بن سالم أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ فقال: «تؤمّهنّ في النافلة، فأمّا في المكتوبة فلا».(1)
ويمكن أن يقال: المكتوبة والنافلة وصفان للجماعة لا للصلاة، والمراد بالجماعة الواجبة، الجمعة والعيدين، حيث لا تجوز إمامة المرأة فيها اتّفاقاً نصاً وفتوىً; والمراد بالجماعة النافلة أي المستحبّة، كالصلاة اليوميّة لاستحباب الجماعة فيها.(2)
ولا فرق في عدم الجواز بين النافلة المنذورة وغيرها فلو قال: لله عليّ نافلة الليل، فلا يجوز له إقامتها مع الجماعة بحجّة أنّها صارت فريضة، فالفرض لما عرفت من أنّ النذر لا يخرج الصلاة عن كونها نفلاً ومستحباً بالذات، وإنّما الواجب هو الوفاء بالنذر، ولا يمكن الوفاء إلاّ بإتيان نافلة مستحبة .
جواز الجماعة في الاستسقاء وفي الفريضة إذا صارت نفلاً   
ثمّ إنّ جماعة استثنوا صلاة الغدير، كأبي الصلاح في الكافي، والشهيد في اللمعة، ونقل عن المحقّق الثاني وغيرهم; إلاّ أنّ الخروج عن ظواهر الأخبار الدالّة على التحريم بمثل ذلك لا يخلو عن مجازفة، والتحريم أقوى.(3)
نعم يظهر من المفيد وجود الرواية في صلاة يوم الغدير حيث   2

1 . الوسائل: 5، الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الحدائق الناظرة: 11 / 187 .   3 . مدارك الأحكام:4/316.

صفحه 41
أمر رسول الله أن ينادي الصلاة جامعة، فاجتمعوا وصلّوا ركعتين، ثم رقى المنبر.(1)
ولعلّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى صلاة الظهر ركعتين صلاة المسافر، وعلى كلّ تقدير فالخروج عن الروايات الماضية أمر مشكل، فالتحريم أقوى.

الفرع الثاني: جواز الجماعة في الاستسقاء استثناءً

قد استثني من عمومات المنع صلاة الاستسقاء حيث يجوز إقامتها جماعة، وهو من ضروريات الفقه، وقد تضافرت الروايات عليه.
روى هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله قال: سألته عن صلاة الاستسقاء؟ فقال:«مثل صلاة العيدين يقرأ فيها ويكبّر فيها كما يقرأ ويكبّر فيها، يخرج الإمام فيبرز إلى مكان نظيف في سكينة ووقار...».(2)

الفرع الثالث: جواز الجماعة في الفريضة إذا صارت نفلاً، ولها موارد:

1. جواز الجماعة في العيدين إذا صارتا نفلاً

هذا استثناء من عموم المنع في النافلة، نظير استثناء صلاة الاستسقاء.
قال المحقّق: عدا الاستسقاء والعيدين مع اختلال شرائط الوجوب.(3)   2

1 . المقنعة: 204 .
2 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة الاستسقاء، الحديث 1 .
3 . شرائع الإسلام: 1 / 122. أقول نسبة الاستثناء إلى المحقّق صحيح لقوله: «عدا» وأمّا نسبته إلى المصنّف فغير ظاهر، لأنّه قال: «نعم لا بأس بها فيما صار نفلاً بالعرض» فلاحظ، ولم يقل: «عدا» أو «إلاّ».

صفحه 42
ولكن الظاهر أنّ الاستثناء في غير محلّه، لأنّ المراد من العمومات السابقة هو النوافل بالذات، لا ما كان فرضاً سابقاً وصار نفلاً لعدم اجتماع الشرائط، وإلى هذا يشير الحلّي عندما نقل عن بعض المتفقّهة عدم جواز الجماعة فيها معلّلاً له بأنّها نافلة ولا يجوز الجمع فيها، فقال في نقده: هذا قلّة تأمّل من قائله، بل مقصود أصحابنا على الانفراد ما ذكرناه من انفرادها عن الشرائط، فأمّا تعلّقه بأنّ النوافل الّتي لا يجوز الجمع فيها، فتلك النافلة الّتي لم تكن على وجه من الوجوه، ولا في وقت من الأوقات واجبة ما خلا صلاة الاستسقاء، وهذه الصلاة أصلها الوجوب، وإنّما سقط عند عدم الشرائط، وبقي جميع أفعالها وكيفيّاتها على ما كانت عليه من قبل.(1)
أضف إلى ذلك: أنّ طبيعة صلاة العيدين كصلاة الجمعة، لا يؤتى بها إلاّ جماعة، سواء أكانت واجبة أم مستحبّة. ففي صحيحة زرارة بن أعين، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لا صلاة يوم الفطر والأضحى إلاّ مع إمام». وعلى ذلك جرت سيرة المسلمين. نعم روى عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَن لم يشهد جماعة الناس في العيدين، فليغتسل وليتطيّب بما وجد، وليصل في بيته وحده كما يصلّي في جماعة».(2)
في جواز صلاة الجماعة في الصلاة المعادة والفريضة المتبرّع بها عن الغير   
وبالجملة ما كانت طبيعته مقتضية لإقامتها جماعة، فلا معنى لاستثنائها من النوافل; أضف إلى ذلك: أنّ المراد من النوافل الممنوعة إقامتها جماعة من كان نفلاً بالذات كالنوافل اليومية، لا ما كان فرضاً بالذات وصار نفلاً   2

1 . السرائر: 1 / 316 .   2 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب صلاة العيد، الحديث 1 .

صفحه 43
لعدم اجتماع الشرائط، فعمومات المنع غير شاملة له.

2. الصلاة المعادة جماعة

دلّت الروايات على استحباب إعادة المنفرد صلاته إذا وجد جماعة إماماً كان أو مأموماً; فقد روى هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثم يجد جماعة؟ قال: «يصلّي معهم، ويجعلها الفريضة إن شاء».(1)
والكلام في هذا الاستثناء نفس ماقلناه في صلاة العيدين، فإنّ عمومات المنع ناظرة للنافلة بالذات، والمفروض أنّ الصلاة المعادة فريضة بالذات وإنّما تعاد استحباباً.

3. الفريضة المتبرّع بها عن الغير

دلّت الروايات على استحباب التطوّع بالصلاة والصوم والحج وجميع العبادات عن الميّت.
روى علي بن جعفر في كتاب مسائله عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام). قال: سألت أبي جعفر بن محمد (عليهما السلام)عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي أو يصوم عن بعض موتاه؟ قال: «نعم، فليصلّ على ما أحبّ، ويجعل تلك للميت، فهو للميّت إذا جعل ذلك له» .(2)   2

1 . الوسائل: 5، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. ولاحظ: بقية روايات الباب.
2 . الوسائل: 5، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 2. ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 44
إذا عرفت ذلك فنقول: يجوز إقامة تلك الصلوات بالجماعة، والكلام في هذا الاستثناء كالسابق، فإنّ المتبرّع يقصد امتثال الأمر الوجوبي المتوجّه إلى الميت فهو بالذات فريضة لا نافلة. نعم يقع الكلام في مشروعيتها جماعة من جهة أُخرى وهو وجود إطلاق في أدلّة الجماعة يشمل مثل هذه الفريضة. ولعلّ إطلاق قول الإمام في صحيحة زرارة والفضيل كاف في المقام حيث قال (عليه السلام): «الصلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ولكنّها سنّة» (1) أي سنّة في كلّ الصلوات.

4. المأتيّ بها من جهة الاحتياط الاستحبابي

إذا أعاد الرجل بعض ما صلّى فيجوز إعادتها بالجماعة، والكلام فيه كالسابق، فليس الاستثناء صحيحاً لأنّ المصلّي يقصد الأمر الوجوبي المحتمل، نعم يقع الكلام في ناحية أُخرى من شمول إطلاق أدلّة الجماعة لهذا المورد.
في جواز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليومية بمن يصلّي الأُخرى   

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 45
المسألة 3: يجوز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليوميّة بمن يصلّي الأُخرى أيّاً ما كانت، وإن اختلفا في الجهر والإخفات، والأداء والقضاء والقصر والتمام، بل والوجوب والندب، فيجوز اقتداء مصلّي الصبح أو المغرب أو العشاء بمصلّي الظهر أو العصر، وكذا العكس، ويجوز اقتداء المؤدّي بالقاضي والعكس، والمسافر بالحاضر والعكس، والمعيد صلاته بمن لم يصلّ والعكس، والّذي يعيد صلاته احتياطاً ـ استحبابياً أو وجوبياً ـ بمن يصلّي وجوباً. نعم يشكل اقتداء من يصلّي وجوباً بمن يعيد احتياطاً ولو كان وجوبيّاً، بل يشكل اقتداء المحتاط بالمحتاط، إلاّ إذا كان احتياطهما من جهة واحدة.*
* في المسألة فروع:
1. جواز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليوميّة بمن يصلّي الأُخرى في عامّة الحالات، اتّحدا في الجهر والإخفات أم اختلفا.
2. اقتداء القاضي بالمؤدّي وبالعكس .
3. اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس.
4. اقتداء المعيد صلاته بمن لم يصلّ والعكس.
5. اقتداء المعيد صلاته احتياطاً ـ استحبابياً أو وجوبياً ـ بمن يصلّي وجوباً.
6. اقتداء مَن يصلّي وجوباً بمن يعيد احتياطاً ولو كان وجوبياً.
7. اقتداء المحتاط بالمحتاط.   2

صفحه 46
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: جواز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليومية بمن يصلّي الأُخرى

وهذا هو مورد اتّفاق في الجملة.
قال العلاّمة: وليس تساوي الفرضين في الجهر والإخفات شرطاً ، فلو صلّى ظهراً مع مَن يصلّي العصر صحّ. ذهب إليه علماؤنا أجمع، وبه قال عطاء وطاووس والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وسليمان بن حرب وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين (1) .
وقال في «التذكرة»: لا يشترط اتّحاد الصلاتين نوعاً ولا صنفاً، فللمفترض أن يصلّي خلف المتنفّل وبالعكس، ومَن يصلّي الظهر خلف مَن يصلّي البواقي وبالعكس، سواء اختلف العدد أو اتّفق ـ ثم ذكر من وافقنا من الجمهور، نحو ما ذكره في المنتهى ـ ثم قال: وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأُخرى: لا يصلّي مفترض خلف متنفّل، ولا مفترض في غير فرض الإمام، ويصلّي المتنفّل خلف المفترض . وبه قال الزهري وربيعة; لقوله (عليه السلام): إنّما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه. وأجاب عن الاستدلال بالحديث بأنّ المراد، الأفعال الظاهرة، أي لا تختلفوا عليه في الأفعال، ويدلّ عليه قوله: فإذا ركع فاركعوا، فإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا إلاّ في النيّة، ولذا يصح ائتمام المتنفّل خلف المفترض .(2)   2

1 . منتهى المطلب: 6 / 189 .
2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 273 ـ 274 .

صفحه 47
والمسألة ـ كما قلنا ـ مورد اتفاق، إلاّ من الصدوق في موردين:
أ. لا يصلّي العصر خلف مَن يصلّي الظهر إلاّ أن يظنّها العصر.
ب. يشترط في الصحّة اتّحاد الكمّية (1)، ولكن النسبة غير ثابتة كما صرّح البحراني .(2)
ويدلّ على الجواز إجمالاً:
1. صحيحة حمّاد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل إمام قوم فصلّى العصر وهي لهم الظهر؟ قال: «أجزأت عنه وأجزأت عنهم»(3).
2. صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتمّ صلاته ركعتين ويسلّم، وإن صلّى معهم الظهر فليجعل الأُولتين الظهر والأخيرتين العصر» .(4) والشاهد في الفقرة الأخيرة. وأمّا الفقرة الأُولى فهي شاهدة لاقتداء المسافر بالحاضر الّذي سيوافيك.
3. ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل دخل مع قوم ولم يكن صلّى هو الظهر والقوم يصلّون العصر يصلّي معهم؟ قال:«يجعل صلاته الّتي صلّى معهم الظهر (و ـ خ) يصلّي هو بعد العصر».(5)
4. وروى أيضاً عن أبي بصير قال: سألته عن رجل صلّى مع قوم وهو يرى أنّها الأُولى وكانت العصر؟ قال: «فليجعلها الأُولى   2

1 . ذكرى الشيعة: 266 ; روض الجنان : 376. فلا يصح اقتداء الحاضر بالمسافر وبالعكس.
2 . الحدائق الناظرة: 11 / 149 .
3 . الوسائل: 5، الباب 53 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
4 . الوسائل: 5، الباب 18 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
5 . جامع أحاديث الشيعة: 7، الباب 51 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 48
وليصلّ العصر». (1)
وهذه الروايات الأربع تدلّ بوضوح على جواز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليوميّة، بمن يصلّي الأُخرى، من غير فرق بين الظهرين والعشائين، ومن غير فرق بين المتّفقات في الجهر والإخفات والمختلفات.
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في أبواب مختلفة. وأمّا ما نسب إلى الصدوق فقد ذكر المحقق البحراني في «الحدائق» أنّه من المحتمل قريباً عدم ثبوت النقل المذكور عنه، فإنّي لم أقف عليه في كتاب الفقيه; ويؤيده أيضاً ما في الذخيرة قال: «وحكى عنه الشارح الفاضل اشتراط اتحاد الكمّية مع أنّه صرّح في الفقيه بجواز اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس» وأضاف صاحب الحدائق قائلاً: لم أقف عليه في الكتاب المذكور بهذا النقل، وإنّما روى فيه حديث داود بن الحصين المشتمل على جواز ذلك على كراهية . (2)
وفي «المدارك» (3) استدلّ له بصحيحة علي بن جعفر أنّه سأل اخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)عن إمام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلّي معه وهي تحسب أنّها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ وما حال المرأة في صلاتها معها وقد كانت صلّت الظهر؟ قال: «لا يفسد ذلك على القوم وتعيد المرأة صلاتها».(3)
في جواز اقتداء القاضي بالمؤدّي وبالعكس   
قال في «الحدائق»: قد قدّمنا في المقدّمة السادسة في المكان من   2

1 . جامع أحاديث الشيعة: 7، الباب 51 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.
2 . الحدائق الناظرة: 11 / 149 .   3 . مدارك الأحكام: 4 / 327 .
3 . الوسائل: 5، الباب 53 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 49
مقدّمات هذا الكتاب أنّ الحكم بإعادة المرأة صلاتها إنّما هو لمحاذاة المرأة للإمام وتقدّمها على الرجال مع تحريم ذلك كما أوضحناه ثمة.(1)
إلى هنا ظهر دليل ما في المتن من قوله: «يجوز الاقتداء في كلّ الصلوات ـ إلى قوله: ـ وإن اختلفا في الجهر والإخفات» ، وسيأتي في الفصل الخامس في ذكر مكروهات الجماعة، كراهة اقتداء الحاضر بالمسافر وبالعكس فانتظر، وإليك دراسة ما بقي.

الفرع الثاني: اقتداء القاضي بالمؤدّي وبالعكس

يجوز اقتداء القاضي بالمؤدّي وبالعكس. ويدلّ على الأصل ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله، قال: سألت أبا عبدالله عن رجل نسي صلاة حتّى دخل وقت صلاة أُخرى؟ فقال:«إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها، فإذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي، وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثم صلى المغرب...».(2) والظاهر أنّ المنسي كان صلاة العصر، فلذلك أمره الإمام بإتمام الصلاة بركعة أُخرى. والحديث دليل على جواز اقتداء القاضي بالمؤدّي، وأمّا العكس فلم نعثر فيه على رواية، ويكفي
في جوازه التسالم عند الأصحاب، والمفاد خصوصية الموارد المنصوصة عليها.   2

1 . الحدائق الناظرة : 11 / 149 .
2 . الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

صفحه 50

الفرع الثالث: اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس

يجوز اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس مع كراهة; ففي صحيحة الفضل بن عبدالملك، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ولا يؤمّ الحضري المسافر، ولا المسافر الحضري، فان ابتلى بشيء من ذلك فأمّ قوماً حضريين، فإذا أتمّ الركعتين سلّم، ثم أخذ بيد بعضهم فقدّمّه فأمّهم; وإذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتم صلاته ركعتين ويسلّم، وإن صلّى معهم الظهر فليجعل الأُولتين الظهر والأخيرتين العصر». (1) والذيل قرينة على أنّ النهي في الصدر للكراهة.
ويدلّ على خصوص اقتداء المسافر بالحاضر ما مرّ في رواية محمد بن مسلم .(2)

الفرع الرابع: اقتداء المعيد صلاته بمن لم يصل والعكس

إذا صلّى فرادى ثم يجد جماعة، فله أن يعيد صلاته جماعة. ويدلّ عليه صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: « في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال يصلّي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء».(3)
في جواز اقتداء المعيد احتياطاً بالمصلّي وجوباً وبالعكس   
ويدلّ على العكس صحيحة ابن بزيع قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام)إنّي أحضر المساجد، مع جيرتي وغيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم وقد صلّيت   2

1 . الوسائل: 5، الباب 18 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 5، الباب 18 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 5 ، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. ولاحظ حديث إسحاق بن عمار، في الباب 55، الحديث 1 .

صفحه 51
قبل أن آتيهم، وربّما صلّى خلفي مَن يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل، فأكره أن أتقدّم وقد صلّيت لحال مَن يصلّي بصلاتي ممّن سميت ذلك، فمرني في ذلك بأمرك انتهي إليه وأعمل به إن شاء الله؟ فكتب (عليه السلام):«صلّ بهم».(1)

الفرع الخامس: اقتداء المعيد احتياطاً ـ استحبابياً أو وجوبياً ـ بالمصلّي وجوباً

يجوز اقتداء المعيد صلاته ـ استحبابياً أو وجوبياً ـ بالمصلّي وجوباً، وذلك لأنّ الصلاة الأُولى لو كانت فاسدة انعقدت الجماعة صحيحة، وإن كانت صحيحة جازت الإعادة جماعة.

الفرع السادس: اقتداء المصلّي وجوباً بالمعيد احتياطاً ولو كان وجوبيا

إذا أعاد صلاته وجوبياً أو استحبابياً فهل يجوز لمن لم يصلّ أن يقتدي به.
قد أشكل المصنّف فيه ولعلّ وجهه، أنّه من المحتمل كون صلاته الأُولى صحيحة، فتكون صلاته عارية عن الأمر، ولكن يمكن تصوير الأمر، إذ لو كانت صلاته الأُولى فاسدة تكون الصلاة المعادة جماعة إماماً، مأموراً بها بالأمر الأولى الواقعي وإن كانت صحيحة، تصح إعادتها جماعة إماماً لما مرّ من استحباب إعادة من صلّى فرادى، بالجماعة.   2

1 . الوسائل: 5، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5. قوله: «وقد صليت»: أي منفرداً، وقوله: «لحال» متعلّق لقوله:«فأكره»: أي أكره أن أكون إماماً ويصلّي بصلاتي هؤلاء.

صفحه 52

الفرع السابع: اقتداء المحتاط بالمحتاط

إذا احتمل كل من الإمام بطلان صلاته من جهة، والمأموم من جهة أُخرى كما إذ توضأ الإمام بماء، شكّ بعد الفراغ في طهارته، وصلّى المأموم إلى جهة شكّ أنّها القبلة، ففي هذه الصورة، افتى المصنّف بعدم جواز الاقتداء، لاحتمال صحة صلاة الإمام وبطلان صلاة المأموم، فتكون صلاة الإمام فاقدة للأمر.
والظاهر صحة الاقتداء لوجود الأمر بها، أمّا وجوباً إذا كانت باطلة، أو استحباباً ـ إذا كانت صحيحة ـ حيث تستحب اعادة الصلاة بالجماعة إذا صلّى وحده.
ومنه يظهر حال الصورة الأُخرى أعني إذا كانت جهة الشبهة واحدة، كما إذا توضأ بماء معيّن، شكّ في طهارته بعد الصلاة.
هل يجوز الاقتداء في اليومية بصلاة الطواف وبالعكس؟   

صفحه 53
المسألة 4: يجوز الاقتداء في اليومية أيّاً منها كانت أداءً أو قضاء بصلاة الطواف كما يجوز العكس.*

* هل يجوز الاقتداء في اليومية بصلاة الطواف وبالعكس ؟

قال الشهيد في «البيان»: يجوز الإئتمام في ركعتي الطواف باليومية.(1)وما ذكره في المتن من جواز الاقتداء في اليومية بصلاة الطواف وبالعكس مشكل جدّاً، باعتبار توقيفية العبادة وقصور الإطلاقات على تناول مثله، والإجمال في معقد الإجماع في كلمات الأصحاب، لأنّ أوضح دليل على مشروعية الجماعة في الصلوات اليومية هو صحيح زرارة والفضيل قالا: قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: «الصلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ولكنّها سنّة»(2) ولكنّه منصرف عن الأصل والعكس; لأنّ قوله في الصدر: «الصلاة فريضة» قرينة على أنّ المراد من الذيل ـ أعني: «ولكنّها سنّة» ـ هو الصلوات اليومية الّتي سأل عنها زرارة والفُضيل، فوجوب الجماعة في صلاة الجمعة صار سبباً للسؤال عن وجوبها في سائر الصلوات اليومية فلا صلة للحديث بغيرها، وعليه أكثر مشايخنا المعلّقين على العروة.
وأمّا القول بإطلاق الرواية ولكن ترفع اليد عنه لعدم معهودية ذلك بين المسلمين، فتبعيد للمسافة، والظاهر انصرافه إلى ما هو المعهود.

1 . البيان :231.
2 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 54
هل يجوز الاقتداء في اليومية بصلاة الاحتياط وبالعكس؟   
المسألة 5: لا يجوز الاقتداء في اليومية بصلاة الاحتياط في الشكوك. والأحوط ترك العكس ـ أيضاً ـ وإن كان لا يبعد الجواز. بل الأحوط ترك الاقتداء فيها ولو بمثلها من صلاة الاحتياط، حتّى إذا كان جهة الاحتياط متّحدة، وإن كان لا يبعد الجواز في خصوص صورة الاتّحاد، كما إذا كان الشك الموجب للاحتياط مشتركاً بين الإمام والمأموم.*

* هل يجوز الاقتداء في اليومية بصلاة الاحتياط وبالعكس ؟

في المسألة فروع:
1. الاقتداء في اليومية بصلاة الاحتياط في الشكوك.
2. الاقتداء في صلاة الاحتياط بالصلاة اليومية.
3. الاقتداء في صلاة الاحتياط بمثلها.
أمّا الفرع الأوّل: فلا يجوز الاقتداء في الصلاة اليومية بصلاة الاحتياط في الشكوك; لأنّها على فرض النقص فريضة يجوز الاقتداء فيها، وعلى فرض الكمال نافلة ـ كما في الرواية ـ ولا يجوز الاقتداء فيها فلم يحرز ما هو الشرط لجواز الاقتداء، أعني: وهو كون صلاة الإمام فريضة..
وأمّا الفرع الثاني: ـ أي الاقتداء في صلاة الاحتياط بالفريضة ـ كما إذا شك المنفرد بين الثلاث والأربع، فبنى على الأربع، وحينما فرغ من الصلاة، انعقدت جماعة، فهل يجوز الاقتداء فيها بها؟ لم يستبعد المصنّف الجواز، لإحراز كون صلاة الإمام فريضة وإن كانت صلاة المأموم مردّدة بين الفريضة والنافلة، فإن كانت فريضة، يجوز الإئتمام فيها; وإن كانت نافلة، تكون لغواً.   2

صفحه 55
يلاحظ عليه: بأنّه لا يجوز الإئتمام على كلا الفرضين، أمّا إذا كانت فريضة فلعدم صحّة الاقتداء في الأثناء، وأمّا إذا كانت نافلة فلعدم مشروعية الجماعة فيها.(1)
وأمّا الفرع الثالث: ـ أعني: الاقتداء في صلاة الاحتياط بمثلها ـ فله صور:
1. إذا صلّى كل منفرداً، فشكّ كلّ منهما بين الثلاث والأربع، فقاما بإتيان صلاة الاحتياط، فهل يجوز اقتداء أحدهما بالآخر؟ الظاهر لا، لنفس ما ذكر في الفرع الثاني، لأنّه على فرض النقص، لم يخرج بعدُ عن الصلاة، ولا يجوز الاقتداء في أثنائها، وعلى فرض الكمال تكون نافلة، لا يجوز فيها الإئتمام.
2. إذا صلّيا جماعة فشكّا بين الثلاث والأربع ولم يذكر أحدهما: فقاما بإتيان صلاة الاحتياط، فالظاهر جواز الاقتداء، إذ ليس الاقتداء عندئذ اقتداء في الأثناء، إذ على فرض النقص، فهما بعد في أثناء الصلاة، وعلى فرض الكمال، تكون الصلاتان لغواً.
وما ربّما يقال، من أنّ المفهوم من موثّقة عمّار أنّ شرط الجبر ـ على فرض النقص ـ عبارة عن صحّة صلاة الاحتياط على كلا التقديرين (النقص والكمال) والمفروض أنّه على تقدير الكمال ليست بصحيحة لبطلان الإئتمام في النافلة (2)، غير تام; لأنّ مورد الحديثين هو صورة الانفراد، ففيه تكون صلاة الاحتياط صحيحة ـ على كلا التقديرين ـ دون صورة الإتيان بالجماعة، والحديث غير ناظر إلى الصورة الثانية.
***

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 54 .   2 . مستند العروة الوثقى: 5 / 56 .

صفحه 56
المسألة 6: لا يجوز اقتداء مصلّي اليومية أو الطواف بمصلّي الآيات أو العيدين أو صلاة الأموات وكذا لا يجوز العكس، كما أنّه لا يجوز اقتداء كلّ من الثلاثة بالآخر.*
المسألة 7: الأحوط عدم اقتداء مصلّي العيدين بمصلّي الاستسقاء، وكذا العكس، وإن اتّفقا في النظم.**

* في اقتداء مصلّي اليومية أو الطواف بمصلّي الآيات والعيدين

أمّا صلاة الطواف فقد مرّ الكلام فيها في المسألة الرابعة، وأمّا صلاة الأموات فهي ليست بصلاة حقيقة، بل هي دعاء في حقّهم .
وأمّا الوجه في غيرها فلقصور المقتضي وعدم وجود إطلاق يدلّ على جواز الاقتداء في مثل هذه الموارد حتّى ما مرّ من صحيحة زرارة من قوله: «الصلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ولكنّها سنّة، من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له» (1) فإنّها بصدد نفي كون الجماعة فريضة بل سنّة، وأمّا أنّها سنّة في عامّة الصلوات المفروضة حتّى فيما إذا لم يتفقا في النظم، كما في صلاة الآيات الّتي تشمل على عشر ركوعات وصلاة العيدين الّتي تشمل على تسع قنوتات فلا; وذيل الحديث يدلّ على الموضوع، وهو الصلوات الخمس، لا غير .
   
** الوجه في ذلك هو القصور في المقتضي وأنّ القدر المتيقن، هو الاقتداء بالمثل لا بالمباين .

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

صفحه 57
مسألة 8: أقل عدد تنعقد به الجماعة ـ في غير الجمعة والعيدين ـ اثنان، أحدهما الإمام، سواء كان المأموم رجلاً أو امرأة، بل وصبيّاً مميزاً، على الأقوى. وأمّا في الجمعة والعيدين فلا تنعقد إلاّ بخمسة أحدهم الإمام.*

* في العدد الّذي تنعقد به الجماعة

أقل عدد تنعقد به الجماعة ـ في غير الجمعة والعيدين ـ اثنان أحدهما الإمام، وقد افترض المصنّف كون الإمام رجلاً، وعندئذ تكون الصور ثلاثة: لأنّه إذا كان الإمام رجلاً، فالمأموم إمّا رجل واحد، أو امرأة واحدة، أو صبي كذلك فيقع الكلام في انعقاد الجماعة في هذه الصور، أو لا؟ وأمّا الكلام في انعقاد الجماعة في غير هذه الصور، كما إذا كان الإمام امرأة والمأموم رجلاً واحداً أو امرأة مثلها، أو كان الإمام صبيّاً بالغاً والمأموم رجلاً أو امرأة أو صبياً فانعقاد الجماعة فيها خارج عن محطّ كلام المصنّف; لأنّه افترض كون الإمام رجلاً، فصارت الصور ثلاثاً، وسيوافيك البحث فيها عند دراسة الشروط اللازمة في الإمام.
أقول: الجماعة في اللغة: عدد كلّ شيء وكثرته(1) .
ولكن انعقد الإجماع على انعقادها باثنين وعلى ذلك، فالجماعة شرعاً غير الجماعة لغةً.
قال العلاّمة في التذكرة: وأقلّه اثنان أحدهما الإمام في كلّ ما يجمع   2

1 . لسان العرب: 8 / 54 .

صفحه 58
فيه إلاّ الجمعة والعيدين مع الشرائط، بالإجماع.
ولقوله (عليه السلام): «الاثنان فما فوقهما جماعة» (1); ولأنّها مأخوذة من الاجتماع وهو موجود هنا.
لا يقال: أقل الجمع ثلاثة عندكم، فكيف تذهبون إلى ذلك؟!
لأنّا نقول: ليس بينهما تناف، لتغايرهما; لأنّ المراد هنا أنّ فضيلة الجماعة تحصل بين الاثنين، والمراد هنا صيغة الجمع كـ «رجال» لا يطلق حقيقة على أقل من الثلاثة .(2)
وقال في «المنتهى»: وتنعقد الجماعة باثنين وهو قول فقهاء الامصار .
روى الجمهور عن أبي موسى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة»(3) وأمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حذيفة مرة، وابن مسعود أُخرى، وابن عباس مرة .(4)
ومن طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه» .(5) إذا علمت هذا .   2

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 312 برقم 972 ; سنن الدارقطني: 1 / 280 برقم 1 ; المستدرك للحاكم: 4 / 334; وعيون اخبار الرضا (عليه السلام): 2 / 61 برقم 248 .
2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 236 .
3 . مرّ مصدره.
4 . المغني: 2 / 5 ; الشرح الكبير بهامش المغني: 2 / 4. لاحظ منتهى المطلب: 6 / 172 .
5 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 59
أمّا الصورة الأُولى: أي إمامة الرجل للرجل فيكفي في ذلك ـ مضافاً إلى ما مرّ من صحيح محمد بن مسلم ـ صحيحة زرارة في حديث قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الرجلان يكونان جماعة؟ فقال: «نعم ويقوم الرجل عن يمين الإمام».(1)
وأمّا الصورة الثانية: فيدلّ عليها صحيحة الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «المرأة تصلّي خلف زوجها الفريضة والتطوع وتأمّ به في الصلاة» .(2)
وروى الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أُصلّي المكتوبة بأُمّ علي؟ قال: «نعم تكون عن يمينك، يكون سجودها بحذاء قدميك».(3)
ويؤيد ذلك خبر الصيقل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته كم أقل ما تكون الجماعة؟ قال: «رجل وامرأة».(4)
وأمّا الصورة الثالثة: أعني: إمامة الرجل للصبي فيدلّ عليها ما رواه إبراهيم بن ميمون، عن الصادق (عليه السلام)في الرجل يؤمّ النساء ليس معهن رجل في الفريضة؟ قال: «نعم، وإن كان معه صبي فليقم إلى جانبه» .(5)
وأمّا الجمعة والعيدين فهل تنعقد بخمسة أو سبعة، فالكلام فيهما في محلّه.

1 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 5، الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
4 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7; ولاحظ الحديث 2 من هذا الباب.
5 . الوسائل: 5، الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6 .

صفحه 60
مسألة 9: لا يشترط في انعقاد الجماعة ـ في غير الجمعة والعيدين ـ نيّة الإمام الجماعةَ والإمامةَ، فلو لم ينوها مع اقتداء غيره به تحقّقت الجماعة، سواء كان الإمام ملتفتاً لاقتداء الغير به أم لا. نعم حصول الثواب في حقّه موقوف على نيّة الإمامة. وأمّا المأموم فلابد له من نيّة الإئتمام فلو لم ينوه لم تتحقق الجماعة في حقّه، وإن تابعه في الأقوال والأفعال. وحينئذ فإن أتى بجميع ما يجب على المنفرد صحت صلاته، وإلاّ فلا. وكذا يجب وحدة الإمام، فلو نوى الاقتداء باثنين ولو كانا متقارنين في الأقوال والأفعال لم تصحّ جماعة، وتصحّ فرادى إن أتى بما يجب على المنفرد، ولم يقصد التشريع.
ويجب عليه تعيين الإمام بالاسم، أو الوصف، أو الإشارة الذهنية، أو الخارجية، فيكفي التعيين الإجمالي، كنيّة الاقتداء بهذا الحاضر، أو بمن يجهر في صلاته ـ مثلاً ـ من الأئمة الموجودين أو نحو ذلك. ولو نوى الاقتداء بأحد هذين أو أحد هذه الجماعة لم تصحّ جماعة، وإن كان من قصده تعيين أحدهما بعد ذلك، في الأثناء أو بعد الفراغ.*
* في المسألة فروع
1. لا يشترط في انعقاد الجماعة، نيّة الإمامِ الجماعةَ غير الجمعة والعيدين .
2. يجب على المأموم نيّة الإئتمام.
3. يشترط في انعقاد الجماعة وحدة الإمام.   2

صفحه 61
4. وجوب تعيين الإمام بأحد الوجوه الأربعة ولو إجمالاً.
5. لو نوى الاقتداء بأحد الإمامين أو أحد هذه الجماعة.

الفرع الأوّل: في عدم اشتراط نيّة الإمام الجماعةَ

لا يشترط في انعقاد الإمامة، نيّة الإمام الجماعة، إلاّ إذا كانت ماهيّة الصلاة تقتضي الجماعة، كما في الجمعة والعيدين، وذلك لأنّ واقع الإمامة عبارة عن اتخاذ شخص آخراً بعنوان الأُسوة، فهو قائم بالمأموم لا بالإمام.
قال العلاّمة: لا تشترط نيّة الإمامة، فلو صلّى منفرداً فدخل قوم وصلّوا بنية الاقتداء به، صحّت صلاتهم وإن لم يجدد نيّة الإمامة .
وكذا لو صلّى بنيّة الانفراد مع علمه بأنّ مَنْ خلفه يأتم به، عند علمائنا; وبه قال الشافعي ومالك والأوزاعي، واختاره ابن المنذر .
ويؤيد ذلك أنّ أفعال الإمام تساوي أفعال المنفرد، فلا تعتبر نيّة الإمامة لعدم الاختلاف في الهيئات والأحكام; خلافاً لأبي حنيفة فإنّه اشترط نيّة الإمامة إذا أمّ النساء، وخلافاً للثوري وأحمد وإسحاق فقالوا: تشترط نيّة الإمامة، وإن لم ينو الإمام الإمامة بطلت صلاة المأمومين، واستدلّوا بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأئمة ضمناء» ولا يضمن إلاّ بعد العلم .(1)
ولا يخفى عدم دلالة الرواية على المدّعى; ولأنّ معنى الرواية أنَّ قراءة الإمام تكفي عن قراءة المأموم، من غير فرق بين نيّة الإمام الإمامة وعدمها.
نعم تظهر الثمرة في حصول الثواب في حقّه، فإنّه موقوف على   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 265 ـ 266 .

صفحه 62
نيّة الإمامة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الأعمال بالنيات».

الفرع الثاني: تجب على المأموم نيّة الإئتمام

قال العلاّمة: الشرط السادس: نيّة الاقتداء بإجماع العلماء، إذ ليس للمرء من عمله إلاّ ما نوى، ولا تكفي نيّة الجماعة لاشتراكها بين الإمام والمأموم فليس في نيّة الجماعة المطلقة نيّة الاقتداء، وربط الفعل بفعل الغير، فإن لم ينو الاقتداء انعقدت صلاته منفرداً، فإن ترك القراءة بطلت صلاته، وإن قرأ معتقداً عدم الوجوب فكذلك، وإلاّ صحّت سواء تابعه في صلاته أو لا.(1)
أقول: أمّا لزوم نيّة الاقتداء بالمأموم فليس المراد مجرد المتابعة والمقارنة في الأفعال كحفظ عدد الركعات فراراً من الوسوسة، أو غير ذلك من الدواعي حيث لا يصدق على ذلك عنوان الاقتداء، بل المراد أخذه إماماً ليتحمّل عنه القراءة، ويقتدي به في عدد الركعات إذا شك فيه، إلى غير ذلك من أحكام الجماعة، فهذا عمل قربي يتوقّف على النية .
وان شئت قلت: إنّ الإئتمام من العناوين القصديّة الّتي لا تتحقّق إلاّ بالقصد والنيّة. وقد عرفت ما هي الغاية من الإئتمام.
في وجوب وحدة الإمام   
نعم لو لم ينو الاقتداء، ولكن تابعه في الأفعال والأقوال لغرض من الأغراض، فصحّة عمله فرع كونه جامعاً للشرائط والأجزاء، اللّهم إلاّ أن يستلزم منافياً، كسكوت طويل ونحوه، كما إذا كان الإمام بطيئاً في قراءته والمأموم سريعاً فيها.   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 264 .

صفحه 63

الفرع الثالث: وجوب وحدة الإمام

فلو نوى الاقتداء باثنين، ولو كانا متقارنين في الأقوال والأفعال، بطلت جماعته .
وتدلّ عليه السيرة المستمرة حيث لم يعهد تعدّد الإمام في عرض واحد في صلاة من الصلوات.
قال النراقي: ويجب أن يكون المنويّ كونه إماماً، واحداً بالإجماع; ولأنّه المتبادر من الأخبار والمعهود من الشرع، واحتمال المخالفة.(1)
وعلى هذا فلو اقتدى باثنين، لم تصحّ جماعته; فإن أتى بالأفعال والأقوال كوظيفة المنفرد، صحّت صلاته. وقد استثنى المصنّف من الصحّة إذا قصد التشريع.
أقول: لو نوى الإئتمام بالاثنين معتقداً عدم مشروعيته، فبطلان الصلاة لأجل انطباق عنوان مبغوض على العمل وهو التشريع. وأمّا لو أتمّ باثنين معتقداً مشروعيته جهلاً أو تقليداً لمن يجوزه، فالظاهر صحّة الصلاة وإن بطلت الجماعة، إن قصد بأصل الصلاة القربة.

الفرع الرابع: تعيين الإمام بأحد الوجوه الأربعة

يجب تعيين الإمام بأحد الوجوه الأربعة التالية:بالاسم، أو الوصف،   2

1 . مستند الشيعة: 8 / 27 .

صفحه 64
أو الاشارة الذهنية، أو الخارجية. قال العلاّمة: يجب تعيين الإمام في نيّته إمّا باسمه أو بوصفه، ولو بكونه الإمام الحاضر ليُمكن متابعته.(1)
وجهه: أنّ لازم الإئتمام التبعية لمن يأتمّ به في الأفعال والأقوال، وهذا فرع تعيّنه من غير فرق بين أن يعيّن تفصيلاً، كما إذا عرفه باسمه ووصفه; أو إجمالاً، كما إذا اقتدى بالإمام الحاضر أو لمن يجهر بصلاته على نحو يتمكّن المأموم من التبعية.
ثم إن لزوم التعيين اسماً ووصفاً إنّما هو فيما إذا لم يتعيّن في الذهن أو الخارج، وإلاّ فلو أمكن بأحد الأمرين، فلا يلزم التعيين بالاسم أو الوصف .

الفرع الخامس: لو نوى الاقتداء بأحد الإمامين

لو اقتدى بأحد الإمامين، كما إذا اقتدى بأحد هذين لم تصحّ جماعته، لما مرّ من أنّ اللازم تمكّن المأموم من المتابعة، وهو غير حاصل، ومنه يظهر بطلان جماعته فيما إذا كان من قصده تعيين أحدهما بعد ذلك في الأثناء أو بعد الفراغ، لاشتراك الجميع في عدم التمكّن من المتابعة.
   

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 264، المسألة 554 .

صفحه 65
المسألة 10: لا يجوز الاقتداء بالمأموم، فيشترط أن لا يكون إمامه مأموماً لغيره.*

* في عدم جواز الاقتداء بالمأموم

قال في التذكرة: ولو نوى الإمام الإئتمام بغيره لم تصح، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وذلك لجريان السيرة على وحدة الإمام، وقصور الإطلاقات عن الفرض; وأمّا من صحّح فلرواية تدلّ على أنّ أبا بكر اقتدى بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والناس بأبي بكر.(1)
يشير إلى ما رواه البيهقي وغيره أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وجد في نفسه خُفة، فخرج بين رجلين أحدهما العباس (2) لصلاة الظهر وأبو بكر يصلّي في الناس فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر فأومى إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا يتأخّر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فجعل أبو بكر يصلّي بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو قائم والناس يصلّون بصلاة أبي بكر ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قاعد.(3)
والرواية في هذا المورد مختلفة والتفصيل في محلّه، فلا يمكن الاعتماد على مثل هذه الرواية.

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 269 بتصرّف .
2 . ولم يذكر الآخر.
3 . سنن البيهقي: 3 / 80 .

صفحه 66
المسألة 11: لو شكّ في أنّه نوى الإئتمام أم لا، بنى على العدم وأتمّ منفرداً، وإن علم أنّه قام بنيّة الدخول في الجماعة. نعم لو ظهر عليه أحوال الإئتمام ـ كالإنصات ونحوه ـ فالأقوى عدم الالتفات ولحوق أحكام الجماعة، وإن كان الأحوط الإتمام منفرداً .
وأمّا إذا كان ناوياً للجماعة ورأى نفسه مقتديّاً وشكّ في أنّه من أوّل الصلاة نوى الانفراد أو الجماعة فالأمر أسهل.*
* في المسألة فروع:
1. لو شك في أنّه نوى الإئتمام أو لا؟
2. لو علم أنّه قام بنيّة الدخول في الجماعة، فهل يبني على ما قام إليه أو لا؟
3. تلك الصورة ولكن ظهرت عليه أحوال الإئتمام.
4. إذا كان ناوياً للجماعة، ورأى نفسه مقتدياً وشك في أنّه هل نوى الانفراد من أوّل الصلاة أو نوى الجماعة؟
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: لو شكّ في أصل الإئتمام

لو شكّ في أنّه نوى الإئتمام أو لا فهو محكوم بحكمين:
أ. بنى على العدم.
ب. أتمّ منفرداً.   2

صفحه 67
قال النراقي: ولو شكّ في أنّه نوى الانفراد أو الجماعة بعد التكبيرة، بنى على ما قام إليه ان علمه ـ إلى أن قال: ـ وإن لم يعلمه بنى على الانفراد، للأُصول المذكورة مع أصالة عدم نية الإئتمام. (1)
توضيحه: أنّ مقتضى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» هو وجوبها على المنفرد والمأموم، خرج منه من إئتم بصلاة الغير وصلّى جماعة، والأصل عدم هذا العنوان الوجودي .
وبعبارة أُخرى: مقتضى الإطلاق في دليل القراءة هو وجوب الفاتحة في كلّ صلاة خرج منها صلاة الجماعة وبقي ما عداها تحت العموم، فتكون النتيجة وجوب القراءة في كلّ صلاة لم تكن جماعة، لا ما كانت موصوفة بكونها فرادى لعدم تعنون العام بعد التخصيص إلاّ بعدم العنوان الخاص، كما هو المقرر في علم الأُصول، فبالأصل (أصالة عدم الإئتمام) ينقح موضوع العام لا محالة، ويثبت أن هذه صلاة بغير جماعة، ويشملها حكم الصلاة في غير جماعة من وجوب القراءة والاعتناء بالشكّ.(2)
يلاحظ عليه: أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» وإن لم يكن معنوناً بعنوان الانفراد لكنّه بعد التخصيص معنون بقوله: «لم تكن جماعة» فالموضوع عبارة عن «كلّ صلاة لم تكن جماعة»، ومن المعلوم أنّ الجزء الثاني (لم تكن جماعة) وصف للصلاة، فيكون بحكم القضية المعدولة،   2

1 . مستند الشيعة: 8 / 20. وقد تضمّنّ كلام النراقي كلا الحكمين: بنى على العدم، وأتمّ منفرداً.
2 . مستند العروة الوثقى: 5 / 67 ـ 68 .

صفحه 68
ومن المعلوم أنّه أمر وجودي فاقد للحالة السابقة .
وبعبارة أُخرى: ليس الموضوع شيئين غير مرتبطين، أعني:
1. الصلاة.
2. لم تكن جماعة.
من دون أن يكون بينهما ربط وصلة، فإنّ وحدة الحكم تقتضي وحدة الموضوع لا كثرته، ووحدة الموضوع رهن وجود الارتباط بينهما. فالأصل الجاري لا يثبت عنوان الدليل العام بعد التخصّص .
وإذا أبطل التمسّك بالأصل كان المرجع هو العمل بالاحتياط والخروج عنه على القدر المستطاع، وعلى ذلك فالظاهر التفصيل، فتارة يتم منفرداً، وأُخرى يجمع بين وظيفة الانفراد الإئتمام.
أمّا الأوّل: ففيما إذا كانت الصلاة ممّا لا يجوز القراءة للمأموم كالصلاة الجهرية إذا سمع صوت الإمام فيعدل من الإئتمام ـ على فرض وجوده واقعاً ـ إلى الانفراد ويتمّ منفرداً.
أمّا الثاني: فكما إذا كانت الصلاة ممّا يجوز للمأموم القراءة فيها كالصلاة الإخفاتية ـ على القول به ـ فيجمع بين وظيفة الإئتمام من المتابعة للإمام في الأذكار والأفعال وظيفة المنفرد كالقراءة، والله العالم.

الفرع الثاني: لو علم قيامه بنيّة الدخول في الجماعة

لو علم أنّه قام بنيّة الدخول في الجماعة، فقد حكم فيه المصنّف بأنّه   2

صفحه 69
يبني على العدم، ويتمّ منفرداً .
وعن «الذكرى» أنّه يمكن بناؤه على ما قام عليه، وأورد عليه في المستمسك بأنّ مورد نصوص البناء على ما قام عليه غير ما نحن فيه، وظاهرها وجوب البناء على ما افتتح الصلاة عليه (1)، وهو في المقام مشكوك.(2)
وأمّا استصحاب نيّة الجماعة فلا يُثبت انعقاد الصلاة جماعةً لأنّه مثبت، وفيه تأمّل.
وجهه: أنّه لو قلنا بمثبتية هذا العنوان من الاستصحاب فاللازم القول بها في استصحاب الليل والنهار عند الشك أو استصحاب الطهارة عنده أيضاً، وذلك لأنّ استصحاب الأوّلين لا يُثبت وقوع الصلاة في الليل أو النهار أو وقوع الصلاة مع الطهارة، فالأَولى القول بالتفصيل المذكور في الفرع السابق .

الفرع الثالث: لو شكّ في الأثناء مع ظهور أحوال الإئتمام عليه

لو شكّ في الأثناء لكن ظهرت عليه أحوال الإئتمام ـ كالإنصات ونحوه ـ فقد أفتى المصنّف بعدم الالتفات إلى الشكّ، وترتيب أحكام الجماعة، ثم احتاط استحباباً بالإتمام منفرداً .
قال الشيخ الأنصاري: ثم لو شكّ أنّه هل نوى الإئتمام أو لا؟ بنى على العدم إلاّ أن يكون مشغولاً بأفعال الجماعة مثل التسبيح في الإخفاتية،   2

1 . الوسائل : 6، الباب 2 من أبواب النيّة، الحديث 2 .
2 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 182 .

صفحه 70
بل والاستماع في الجهرية، أو القنوت في الركعة الثانية للإمام، فإنّ الظاهر أنّه لا يلتفت لتجاوز محله (1)، إلاّ أنّ الكلام في حجيّة هذا النوع من الظن في إثبات عنوان الجماعة.

الفرع الرابع: لو كان ناوياً للجماعة وشكّ في نيته من أوّل الصلاة

إذا كان ناوياً للجماعة، ورأى نفسه مقتدياً وشكّ في أنّه من أوّل الصلاة نوى الجماعة أو لا، فالأمر سهل، فيبني على الجماعة، وذلك أخذاً بقاعدة التجاوز; لأنّه يشكّ في ترك نيّة الجماعة في أوّل الصلاة مع أنّه على نيّة الجماعة في ظرف الشكّ فيحكم بحكم الأذكرية حين العمل على أنّه دخل الصلاة جماعةً.
هذا فيما إذا قام للصلاة بنيّة الجماعة، ولكنّه يحتمل طروء الغفلة عليه، فتركها عند الشروع غفلة، وأمّا إذا احتمل أنّه انصرف عن الجماعة عن علم والتفات، فلا موضوع لقاعدة التجاوز.
لو نوى الاقتداء بزيد فبان أنّه عمرو   

1 . كتاب الصلاة: 2 / 398 .

صفحه 71
المسألة 12: إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان أنّه عمرو، فإن لم يكن عمرو عادلاً بطلت جماعته وصلاته أيضاً إذا ترك القراءة أو أتى بما يخالف صلاة المنفرد، وإلاّ صحّت على الأقوى وإن التفت في الأثناء ولم يقع منه ما ينافي صلاة المنفرد أتمّ منفرداً .
وإن كان عمرو ـ أيضاً ـ عادلاً ففي المسألة صورتان:
إحداهما: أن يكون قصده الاقتداء بزيد وتخيّل أنّ الحاضر هو زيد، وفي هذه الصورة تبطل جماعته وصلاته ـ أيضاً ـ إن خالفت صلاة المنفرد.
الثانية: أن يكون قصده الاقتداء بهذا الحاضر، ولكن تخيّل أنّه زيد فبان أنّه عمرو، وفي هذه الصورة الأقوى صحة جماعته وصلاته، فالمناط ما قصده لا ما تخيّله من باب الاشتباه في التطبيق.*
* في المسألة فروع:
1. إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان أنّه عمرو، وكان غير عادل.
2. وإن كان عمرو عادلاً فإن اقتدى به بما أنّه زيد ومعنون به، وتخيّل أنّ الحاضر هو زيد فبان أنّه عمرو العادل.
3. وإن اقتدى بهذا الحاضر، وتخيّل أنّ الحاضر زيد فبان أنّه عمرو.
والفرق بين الفرعين واضح وهو أنّ المقتدى به في الأوّل هو زيد بما هو هو، وأنّ عنوان الحاضر مشيرٌ إلى زيد دون أن يكون أصيلاً في النيّة;   2

صفحه 72
   
بخلاف الثاني فإنّ المقتدى به هو الحاضر بما هو هو، وهو الأصيل في النيّة، وكونه زيد مشيرٌ إلى الحاضر.
وإن شئت قلت: إنّ الداعي للاقتداء في الصورة الأُولى كون الإمام زيداً ولو علم أنّ الحاضر في المحراب غير زيد ربّما لا يقتدي به، فالأصالة هنا كون الإمام زيداً لا كونه حاضراً في المحراب; بخلاف الثاني فإنّ الداعي للاقتداء هو حضور إمام عادل في المحراب أيّ فرد كان غير أنّه تخيّل كونه زيداً لكونه الإمام غالباً في المسجد، فالأصالة هنا للإمام الحاضر في المحراب لكن تخيل أنّه زيد، ولم يكن لتخيّله أي تأثير في نيته حتّى لو تبين قبل الصلاة أنّ الإمام غير زيد لما انصرف عن الاقتداء.
فإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: لو نوى الاقتداء بزيد فبان أنّه عمرو الفاسق

إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان أنّه عمرو الفاسق، فيقع الكلام في بطلان جماعته أوّلاً، وفساد صلاته ثانياً.
أمّا الأوّل: أي فساد الجماعة فقالوا: إنّه لو صحّت، إمّا تصحّ بإمامة زيد والمفروض عدمها، أو بإمامة عمرو والمفروض فسقه.
يلاحظ عليه: أنّه تصحّ بإمامة الإمام الحاضر أي من كان، وكون الحاضر فاسقاً لا يلازم فساد الجماعة إذا كان شرط الصحّة للجماعة، إحراز العدالة، لا العدالة الواقعية. والشرط في جواز الإئتمام الوثوق بعدالته لا نفس العدالة الواقعية لقوله (عليه السلام): «لا تصل إلاّ خلف مَن تثق بدينه وأمانته » (1).   2

1 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 73
وما ربما يقال: من أنّ الوثوق أُخذ طريقاً إلى الواقع لا موضوعاً للحكم، لا دليل عليه بل هو خلاف الظاهر.
نعم يمكن أن يقال: إنّه كان واثقاً بعدالة زيد، لا بعدالة عمرو فما كان مسوغاً للائتمام كان منتفياً في الواقع فتبطل جماعته. وربّما يستدلّ بالاجماع على فساد الجماعة، كما هو الظاهر من السيد الخوئي (قدس سره)حيث قال: بلا خلاف لفقد شرط الصحة وهو عدالة الإمام .(1) والأولى ما قدّمناه.
وأمّا الثاني: أي فساد صلاته أو صحّتها فقد علّله في الجواهر بوجهين:
1. عدم وقوع ما نواه وعدم نيّة ما وقع منه .
2. لأنّ فائدة التعيين، التوصّل به إلى الواقع لا أنّه يكفي وإن خالف الواقع.
ثم حكى البطلان عن التذكرة، والذكرى، والروض، ونهاية الأحكام، والروضة، وإرشاد الجعفرية، من غير فرق بين ظهور ذلك له بعد الفراغ، أو في الأثناء إذ نية الانفراد هنا كعدمها .(2)
ولا يخفى ضعف الدليلين.
أمّا الأوّل: فلأنّ صلاة الجماعة وصلاة الفرادى مصداقان لطبيعة واحدة، بشهادة أنّ المنفرد والمقتدي يقصدان امتثال أمر واحد، وهو قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)(3)، فالاختلاف في العوارض كالجماعة والانفراد لا يجعلهما أمرين متباينين حتّى يقال: ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد .   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 278 .         2 . جواهر الكلام: 13 / 234 .   3 . الإسراء: 78 .

صفحه 74
نعم ما قصد من الجماعة لم يقع وهوغير مضر بصحّة الصلاة.
وأمّا الثاني: فلو تمّ فإنّما يتمّ في بطلان الجماعة لا بطلان الصلاة. مع أنّه غير تام فيهما أيضاً; لأنّ الدليل على تعيين الإمام ـ فيما إذا كان أمامه إمامان يصلّيان ـ هو التمكّن من المتابعة في الأفعال والأذكار ـ والمفروض أنّه حاصل وإن كان هنا تخلّف في الموصوف. والحاصل لا وجه لبطلان صلاته ـ بعد بطلان جماعته ـ وقد دخل في الصلاة بنيّة صحيحة إذا لم يأت بما ينافي صلاة المنفرد .
نعم إنّ المصنّف قال ببطلان جماعته، لكن قال بصحة صلاته إلاّ في صورتين :
1. إذا ترك القراءة .
2. أو أتى بما يخالف صلاة المنفرد.
أمّا الأوّل: فلإطلاق قوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» إذ مقتضاه وجوبها على المقتدي والمنفرد، خرج الأوّل بالدليل، والمفروض عدم صحّة الاقتداء، فصارت وظيفته هي القراءة والمفروض أنّه ترك.
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود» (1)، صحّة صلاته وعدم إعادتها، والخارج منها هوالعامد بلا عذر، وأمّا الناسي أو التارك العامد عن عذر فهو باق تحت إطلاق الحديث، فلا وجه لبطلان صلاته، وقد أفتى المشهور بصحّة الصلاة في   2

1 . الوسائل: 4، الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 5 .

صفحه 75
نظائر المقام، أي الترك عن عمد لكن مع العذر، مثلاً لو صلّى خلف إمام جازماً بإسلامه فبان كفره. روى ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام)في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال فكان يؤمّهم رجل فلمّا صاروا إلى الكوفة، علموا أنّه يهودي، قال (عليه السلام): «لا يعيدون» .(1)
ونظيره صحيح الحلبي: «مَن صلى بقوم وهو جنب، أو على غير وضوء فعليه الاعادة، وليس عليهم ان يعيدوا، وليس عليه أن يعلمهم ».(2)
نعم من خصّ قاعدة «لا تعاد» بالناسي، فلا مناص له من القول ببطلان الصلاة.
وأمّا الثاني: أعني ما إذا أتى بما يخالف صلاة المنفرد، وذلك نظير ما إذا زاد ركناً كركوع أو سجدتين، فإنّ زيادة الركن معفو عنه في الجماعة لا في الانفراد، والمفروض بطلان الجماعة، فظهر ممّا ذكرناه بطلان جماعته، لانتفاء الشرط المسوِّغ للجماعة، وصحّة صلاته مطلقاً إلاّ إذا زاد ركناً فقد اتفقنا مع المصنّف في هذا الفرع، إلاّ في مورد وهو أنّه لو ترك القراءة لقال ببطلان صلاته، ونحن قلنا بصحّتها فلاحظ .

الفرع الثاني: لو نوى الاقتداء بزيد وتخيّل أنّه الحاضر فبان عمرو العادل

قد تقدّم من المصنّف أنّ له صورتين، وقد عرفت الفرق بينهما، ولكنّ المسألة معنونة بين الفقهاء بالنحو التالي: قالوا: لو اقتدى بهذا الحاضر على أنّه زيد، فظهر أنّه عمرو، ففي صحّة صلاته ترجيحاً للإشارة على الاسم، وبطلانها ترجيحاً للاسم على الإشارة، وجهان .(3)   2

1 . الوسائل: 5، الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .   3 . مدارك الأحكام: 4 / 333 .

صفحه 76
ولعلّ بين العنوانين فرقاً، فاللائح من كلام المصنّف أنّه يركّز على ما هي نيّة المقتدي ثبوتاً، بخلاف الآخرين فالتركيز في كلامهم على الاستظهار عرفاً، أنّه هل يقدّم الاسم أو الإشارة، وإن كان ذلك لاستكشاف ما هو المنويّ. وعلى كلّ تقدير فلندرس الفرعين:
أمّا الصورة الأُولى: فقد أفتى المصنّف ببطلان جماعته على الإطلاق وصحّة صلاته، إلاّ إذا خالفت وظيفة المنفرد، كما إذا ترك القراءة أو زاد ركوعاً أو سجدتين في ركعة واحدة، فإنّ ترك القراءة أو زيادة الركن مبطل لصلاة المنفرد دون المقتدي، وبما أنّ جماعته صارت باطلة، وصار منفرداً تبطل صلاته إذا خالف صلاة المنفرد.
وأمّا وجه بطلان جماعته: فلأجل عدم الإمام الّذي نوى الإئتمام به لانتفاء المقيّد بانتفاء قيده ومحط الكلام فيما إذا كان نوى الاقتداء بزيد على نحو لو كان الإمام غيره لما اقتدى به، فلمّا انتفى القيد انتفى المقيّد.
نعم ربّما يحتمل في المقام تعدّد المطلوب بأن كان له داعيان: أحدهما يدعو للإئتمام بزيد، والآخر يدعو إلى الإئتمام بالحاضر وإن كان عمراً، ولما اعتقد انطباق زيد على الحاضر، أثّر الداعيان أثرهما فانبعث قصد واحد إلى الإئتمام بالحاضر مقيّداً بأنّه زيد، إلاّ أنّه صالح للتحليل إلى قصدين: أحدهما: قائم بالمقيّد بما هو، والآخر قائم بذات المقيد مطلقاً، فلا وجه للبطلان لتحقّق القصد إلى الإئتمام بالحاضر ولو كان عمراً. وبالجملة: ينبغي إجراء ما ذكروه في الإنشائيات المتقوّمة بالقصد ـ من العقود والإيقاعات الواردة على المقيّدات في المقام، إذ الجميع من باب واحد (1).   2

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 185 .

صفحه 77
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلف الفرض، بل هو قسم ثالث متوسط بين الأوّل والثالث .
ثم إنّ السيد الخوئي ذهب إلى امتناع فرض هذا القسم فقال: إنّ الفعل التكويني الخارجي جزئي حقيقي غير قابل للتقسيم والتنويع حتّى يعقل فيه التقييد والتعليق، وعليه فالإئتمام ـ في مفروض الكلام ـ فعل خارجي، وهو عبارة عن متابعة الإمام بجعل نفسه تبعاً لفعل الإمام، فيقوم حيث يقوم الإمام، ويركع حيث يركع، وهكذا ـ غير قابل للتعليق والتقييد، فلو ضرب زيداً بما أنّه فاسق فبان عادلاً فلا يُسلب عنه صدور الضرب بحجّة عدم وجود المعلّق عليه، وذلك لأنّ الضرب الشخصي لا يقبل التعليق ـ  فالمتعيّن في مثل المقام صحّة الجماعة فضلاً عن صحّة أصل الصلاة، وجعل المقام من قبيل تخلّف الداعي لا العنوان حيث نوى الاقتداء بشخص صالح لذلك غايته أنّه زيدٌ العادل بحيث لو علم أنّه عمرو العادل لم يكن يأتم به، لغرض ما، لا يضر بعدالته. (1)
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الإئتمام هو القيام والقعود مع الإمام وهو فعل خارجي تكويني، لا يقبل التقييد; وأمّا لو كان الإئتمام هو العزم على الاقتداء بأن يسايره في الأفعال والأذكار، فقابلة للتقييد بأن يكون قصده مقيّداً بكون الإمام زيداً على نحو لولاه لما كان قاصداً وعازماً، ولذلك لو وقف على خطئه قبل الصلاة لترك الإئتمام لا لإشكال في عدالة الإمام بل لغرض آخر.
وعلى هذا يكون المقام من قبيل تخلّف العنوان، لا من قبيل تخلّف الداعي، فقد ثبت في محلّه أنّ التخلّف في الأوّل يوجب البطلان دون   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 78 .

صفحه 78
الثاني، فلو اشترى الحيوان الموجود أمامه بما هو فرس فبان حماراً، بطل البيع، لفقد العنوان; ولو اشترى عبداً كاتباً فبان أُميّاً، صحّ البيع وللمشتري خيار تخلّف الوصف; والمقام من قبيل الأوّل، لأنّه إئتم بالإمام الحاضر بما أنّه زيد ومرجعه في الأحكام الشرعية على نحو لولاه، لانصرف عنه، فلايصح جعله من قبيل تخلّف الداعي، لأنّه إنّما قطع مسافة، ليأتمّ بإمامه ومرجعه ، ومع ذلك كيف يمكن عدّه من تخلّف الداعي؟!
نعم تصحّ صلاته إذا لم يأت بما ينافي صلاة المنفرد .
أمّا الصورة الثانية: فتصح جماعته وصلاته معاً; لأنّ المقتدى هو الإمام الحاضر المعيّن الّذي أحرزت عدالته، غير أنّ وصفه بكونه زيداً لأجل كونه إمام المسجد غالباً، فوقع الاشتباه في التطبيق .
وإن شئت قلت: إنّه من قبل المقارنات للمنويّ، أو الداعي إلى الصلاة خلفه، لكن في الدرجة الثانية والداعي الأوّل، هو حضور رجل عادل في المحراب أيّاً كان، وهو الداعي الحقيقي إلى الاقتداء حتّى لو تبين أنّه غير زيد، لما أثّر في داعويته.
وبعبارة أُخرى: اقتدى بالإمام الحاضر بنيّة قاطعة وقصد جازم من دون تردّد وشك، فصحّت جماعته وصلاته وإن لم يعمل بوظيفة المنفرد، بل ليس له العمل بها لافتراض صحة جماعته.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. أنّه تبطل جماعته وتصحّ صلاته في القسم الأوّل.
2. تبطل جماعته وتصحّ صلاته في الصورة الأُولى.
3. تصحّ جماعته وصلاته في الصورة الثانية.

صفحه 79
المسألة 13: إذا صلى اثنان وبعد الفراغ علم أنّ نيّة كلّ منهما الإمامة للآخر صحّت صلاتهما، أمّا لو علم أنّ نيّة كلّ منهما الإئتمام بالآخر استأنف كلّ منهما الصلاة إذا كانت مخالفة لصلاة المنفرد، ولو شكّا فيما أضمراه فالأحوط الاستئناف، وإن كان الأقوى، الصحّة إذا كان الشك بعد الفراغ، أو قبله مع نيّة الانفراد بعد الشكّ.*
* في المسألة فروع:
1. إذا صلى اثنان وعلم بعد الفراغ أنّ نيّة كلّ منهما الإمامة للآخر.
2. إذا صلى اثنان وعلم بعد الفراغ أنّ نيّة كلّ منهما الإئتمام بالآخر.
3. إذا صلى اثنان وبعد الفراغ شكّا فيما اضمراه.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: إذا صلى اثنان وعلم بعد الفراغ أنّ نيّة كلّ منهما الإمامة للآخر

قال العلاّمة في «المنتهى»: لو نوى كلّ واحد منهما أنّه إمام لصاحبه، صحّت صلاته. ذهب إليه علماءنا أجمع، وهو قول الشافعي خلافاً لأحمد.
ثم استدلّ بقوله: إنّ نيّة الإمامة لا تؤثّر تركاً في شيء من الواجبات، فيكون كلّ منهما قد احتاط لنفسه، فصحّت صلاتهما. ولما رواه الشيخ عن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، عن أبيه، عن ابائه، عن علي (عليه السلام); ورواه ابن بابويه عن علي (عليه السلام).(1)   2

1 . منتهى المطلب: 6 / 182 .

صفحه 80
وقال المحقّق: لو صلى اثنان فقال كلّ منهما: كنت إماماً، صحّت صلاتهما بلا خلاف أجده فيه .(1)
وعلّله في «الجواهر» بقوله : لمساواة صلاة الإمام صلاة المنفرد من كلّ وجه في القراءة وغيرها، ونيّة الإمامة ليست منوعّة بل هي كنيّة المسجدية، بخلاف نية المأمومية لاختصاصها بأحكام كثيرة (2).
وحاصله: أنّ نيّة الإمامة ليست موضوعة للحكم، بخلاف نية المأمومية فهي موضوعة لأحكام كثيرة، فلا تضر عدم نيّة الإمامة، فإنّ الملاك كون صلاة كلّ جامعاً للأجزاء والشرائط، وهو محرز.
ويدل عليه خبر الكليني بسند صحيح عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)في رجلين اختلفا فقال أحدهما: كنت إمامك، وقال الآخر: أنا كنت إمامك، فقال: «صلاتهما تامّة».
قلت: فإن قال كلّ واحد منهما: كنت أأتمّ بك، قال: «صلاتهما فاسدة وليستأنفا».(2)
والنوفلي لم يوثّق، والسكوني وثّقه الشيخ في العدّة، ومع ذلك فالأصحاب عملوا برواياتهما، فصلاة كلّ منهما صحيحة، لاشتمال كلّ على وظيفة المنفرد، للخبر الماضي .
أقول: يدلّ على الصحّة مطلقاً من دون تقييدها بموافقة صلاته   2

1 . شرائع الإسلام: 1 / 93 .   2 . جواهر الكلام: 13 / 237 .
2 . الوسائل: 5 ، الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 81
لصلاة المنفرد، وجهان:
الأوّل: إطلاق معتبر السكوني الّذي وثقه الشيخ في العدّة، وعمل الأصحاب برواياته الّتي ينقلها عنه النوفلي وإن لم يوثّق الأخير.
الثاني: أنّ الغالب على الإمام موافقة صلاته لصلاة المنفرد حيث إنّه يأتي بما هو وظيفته سواء اقتدى به شخص أو لا؟ فتكون صحّة صلاة كلٍّ على القاعدة، ولذلك لم يقيّدها المصنّف بموافقة صلاته صلاة المنفرد لأنّها أشبه بتحصيل حاصل.
نعم لو زاد ركناً أو سجدتين في ركعة واحدة، بطلت صلاته إذ لم تحرز إمامته، لافتراض أنّ الشخص الآخر أيضاً ادّعى الإمامة دون المأمومية، ولكن هذا الفرض نادر جدّاً، كما أنّ أصل المسألة نادر.

الفرع الثاني: لو صلى اثنان وكانت نيّة كلّ منهما الإئتمام بالآخر

إذا علم أنّ نيّة كل الإئتمام بالآخر، فقد مرّ في رواية السكوني: أنّ صلاتهما فاسدة، وقد أفتى به المصنّف لكن قيّده بما إذا كانت مخالفة لصلاة المنفرد، كما إذا ترك القراءة .
فإن قلت: إنّ خبر السكوني مطلق في كلا الجانبين، أي جانبي الصحة والبطلان، فما هو وجه الإطلاق؟مع أنّ المصنّف أطلق الشقّ الأوّل، وقيّد الشقّ الثاني.
قلتُ: وجه الإطلاق في الخبر، هو الأخذ بالغالب في كلّ من الطرفين، فإنّ الغالب في جانب الإمام، هو العمل بوظيفة المنفرد، لأنّ الإمامة لا   2

صفحه 82
تُكلّفه بشيء أزيد من وظيفة المنفرد، ولذلك تصحّ صلاته غالباً; بخلاف جانب المأموم، فإنّ الغالب فيه عدم العمل بوظيفة المنفرد، حيث يترك القراءة بحجّة أنّ الإمام ضامن له، فيكون الغالب هو البطلان، فلأجل كون الصحة هو الغالب في الأوّل، والبطلان هو الغالب في الثاني، ترك التقييد في كلا الجانبين حملاً لكلّ شقّ على ما هو الغالب فيه.
وأمّا المصنّف، فكان عليه أن يقتفي النصّ، ويترك التقييد في الشقّ الثاني، كما تركه في الشقّ الأوّل; لأنّ القيد حاصل في أغلب الموارد، وهو مخالفته لصلاة المنفرد.
ثم إنّه يَرد على تقييد المصنّف الشق الثاني، بالمخالفة لصلاة المنفرد، إشكال آخر، وهو أنّه إن أراد بالمخالفة زيادة الركن، فهو متين، لأن زيادة الركن يوجب فساد الصلاة; وأمّا إنْ أراد ترك القراءة فالحكم بالبطلان غير وجيه لعموم: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» وترك القراءة داخل في المستثنى منه لا المستثنى، وتخصيص القاعدة بإطلاق خبر السكوني أمر مشكل، اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ القاعدة مع أنّ لسانها لسان الحصر قد ورد عليها التخصيص غير مرّة:
منها ترك التكبيرة.
ومنها ترك القيام المتصل بالركوع.
فليكن هذا المورد، هو المورد الثالث .
لو صلّى اثنان وشكّا فيما أضمراه من الإمامة والإئتمام   
وحصيلة الكلام: أنّ الأمر يدور ـ فيما إذا ترك القراءة ـ بين الأخذ   2

صفحه 83
بإطلاق الخبر وتخصيص القاعدة أو الأخذ بإطلاق القاعدة وعدم العمل بالخبر في الصورة الثانية، ولعلّ الأوّل أهون، لما عرفت من ورود التخصيص عليها، والّذي يسهّل الخطب أنّ فرض المسألة من النوادر جدّاً، إذ كيف يمكن أن يصلّي اثنان وكانت نيّة كل الإئتمام بالآخر فإنّ لازم الإمامة تبعية كلّ للآخر في الأقوال والأفعال، فكيف يكون كلّ تابعاً ومتبوعاً؟

الفرع الثالث: لو شكّا فيما أضمراه من الإمامة، والإئتمام

فهنا أقوال:
1. القول بالبطلان. وهو خيرة صاحب المدارك معلّلاً بأنّ الشك إن كان في أثناء الصلاة لم يمكنهما المضيّ على الإئتمام، وهو ظاهر، ولا على الانفراد أو الإمامة لجواز أن يكون كلٍّ منهما قد نوى الإئتمام بصاحبه فتبطل النيّة من رأس، ويمتنع العدول، وإن كان بعد الفراغ لم يحصل منهما اليقين بالإتيان بأفعال الصلاة.(1)   2

1 . مدارك الأحكام : 4 / 334. قد ذكر صاحب المدارك لإمكان المضيّ في الصلاة وجوهاً ثلاثة، ولم يرتضِ أي واحد منها:
1. المضيّ في الصلاة بصورة الإئتمام، وناقشه باحتمال أنّه نوى الإمامة، فكيف يمضي بصورة الإئتمام؟!
2. المضيّ في الصلاة بنيّة الانفراد، ولم يذكر لمنعه وجهاً. ولعلّ وجهه احتمال أنّه نوى الإمامة، فكيف ينفرد، وهو تحصيل حاصل؟
3. المضيّ في الصلاة بنيّة الإمامة، وردّه باحتمال أنّه قصد الإئتمام. فقوله (لجواز...) تعليل للثالث، لا له ولا للثاني معاً. فلاحظ .

صفحه 84
2. القول بالصحّة إذا لم يخلّ بالواجب. وهو خيرة الشهيد في «الذكرى» قال: إن كان الشك في الأثناء وهو في محلّ القراءة لم يمض ما فيه إخلال بالصحّة فينوي الإفراد وصحّت الصلاة; لأنّه إن كان قد نوى الإمامة فهي نية الانفراد، وإن كان قد نوى الإئتمام فالعدول عنه جائز، وإن كان بعد مضيّ محلّ القراءة، فإن علم أنّه قرأ بنيّة الوجوب، أو علم القراءة ولم يعلم نيّة الندب انفرد أيضاً لحصول الواجب عليه، وإن علم ترك القراءة أو القراءة بنيّة الندب أمكن البطلان للإخلال بالواجب (1).
3. التفصيل بين عروض الشك في الأثناء فتبطل، وعروضه بعد الفراغ فتصحّ ، وهو خيرة العلاّمة في «التذكرة» قال: لو شكّا في أثناء الصلاة أيّهما الإمام بطلت صلاتهما; لأنّهما لا يمكنهما المضيّ في الصلاة وأن يقتدي أحدهما بالآخر .(2)
4. الصحّة إذا كان الشكّ بعد الفراغ أو قبل الفراغ مع نيّة الانفراد بعد الشك، وهو خيرة المصنّف، وقد وافق العلاّمة في الشق الأوّل وخالفه في الشق الثاني.
أقول: الشكّ يطرأ تارة بعد الفراغ، وأُخرى قبله. أمّا الأوّل فله صور ثلاث:
الأُولى: أن يشكّ في نيّة نفسه مع العلم بنيّة صاحبه .   2

1 . ذكرى الشيعة: 4 / 425 .
2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 267 .

صفحه 85
الثانية: أن يعلم نيّة نفسه للإمامة ويشكّ في نيّة صاحبه .
الثالثة: أن يشكّ في نيّة كلّ.
وقد أفتى المصنّف بالصحّة في عامّة الصور لأجل قاعدة الفراغ، وسوف يوافيك بيانها:
الصورة الأُولى: إذا شكّ في نيّة نفسه وعلم نيّة صاحبه، فهنا فرضان:
1. لو علم أنّ صاحبه نوى الإمامة، فصلاته صحيحة، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون إماماً أيضاً، أو مأموماً. فعلى الأوّل قام بوظيفة المنفرد، وعلى الثاني تحمّل صاحبه وظيفة القراءة .
2. لو علم أنّ صاحبه نوى الاقتداء، فيحكم على صلاته بالبطلان إذا لم تُحرز صحّة صلاته، لافتراض أنّ الصاحب لأجل اقتدائه ترك القراءة، ومن المحتمل أن يكون هو أيضاً قصد الاقتداء وترك القراءة. وأمّا قاعدة الفراغ فلا تجري في المقام، وسيوافيك بيانها في نهاية الصورة الثانية.
الصورة الثانية: إذا علم نيّة نفسه وشكّ في نيّة صاحبه، وهنا أيضاً فرضان:
1. إذا علم أنّه دخل الصلاة بنيّة الإمامة مع الشكّ في نيّة صاحبه، صحّت صلاته; لأنّه بحكم كونه إماماً قام بوظيفة المنفرد أيضاً.
2. إذا علم أنّه دخل الصلاة مقتدياً، ويُحكم على صلاته بالبطلان لعدم إحراز صحّة صلاته، لا من جانب نفسه لأجل كونه مقتدياً قطعاً، ولا من جانب صاحبه لاحتمال كونه مقتدياً أيضاً .   2

صفحه 86
فإن قلت: لماذا لا تجري قاعدة التجاوز في المقام، أي فيما أُحرز نيّة المأموميّة لصاحبه وشكّ هو في نيته، أو عِلَم نيّةَ نفسه بالمأمومية وشك في نية صاحبه .
قلت: عدم الجريان لما ذكر في محلّه من أنّه يشترط أن يكون المصلّي حين العمل أذكر حين يشكّ، ولا مجال لكونه أذكر في عمل غيره ونيّته، ولكن الظاهر من المصنّف هو جريان قاعدة الفراغ إذا كان الشكّ بعده.
الصورة الثالثة: أن يشكّ في نيّة نفسه ونيّة صاحبه
فمقتضى القاعدة هو البطلان; لعدم إحراز القيام بوظيفة المنفرد على فرض كون كليهما مأموماً، أو كون صاحبه مأموماً قطعاً، وأمّا قاعدة الفراغ فقد عرفت الإشكال فيها.
هذا كلّه إذا كان الشكّ بعد الفراغ .
وأمّا إذا كان الشكّ في الأثناء فإن كان الشكّ في الركعة الأُولى وعدم مضيّ محل القراءة حسب تعبير الشهيد، فينوي الانفراد ويقرأ ويتم، لأنّه لو كان منفرداً فنيّة العدول أمر زائد ولو كان مقتدياً فيعدل إلى الانفراد.
وأمّا إذا كان في سائر الركعات فالعدول غير نافع، لعدم إحراز القراءة في الركعة الأُولى، إلاّ على القول بجريان قاعدة الفراغ في الأثناء كما عليه المصنّف.
في نقل النيّة من إمام إلى إمام آخر اختياراً   
***

صفحه 87
مسألة 14: الأقوى والأحوط عدم نقل نيته من إمام إلى إمام آخر اختياراً، وإن كان الآخر أفضل وأرجح. نعم لو عرض للإمام ما يمنعه من إتمام صلاته من موت أو جنون أو إغماء أو صدور حدث، بل ولو لتذكّر حدث سابق جاز للمأمومين تقديم إمام آخر وإتمام الصلاة معه، بل الأقوى ذلك لو عرض له ما يمنعه من إتمامها مختاراً، كما لو صار فرضه الجلوس حيث لا يجوز البقاء على الاقتداء به، لما يأتي من عدم جواز إئتمام القائم بالقاعد.*
* في المسألة فروع:
1. نقل النيّة من إمام إلى إمام آخر اختياراً.
2. لو عرض للإمام من غير اختيار ما يمنعه من إتمام صلاته.
3. لا فرق بين السبب السابق المانع من الاستمرار، أو اللاحق المانع منه.
4. حكم الاستنابة وجوباً أو استحباباً.
5. هل الاستنابة وظيفة الإمام أو المأمومين؟
6. لو عرض له ما يمنعه من إتمامها مختاراً.

الفرع الأوّل: هل يجوز نقل النيّة من إمام إلى إمام آخر أو لا؟

قال العلاّمة: لو نوى الإمامة بشخص وصلّى معه بعض الصلاة ثم نقلها إلى غيره، لم تجز إلاّ في موضع واحد وهي صورة الاستخلاف .(1)   2

1 . منتهى المطلب: 6 / 183 .

صفحه 88
   
قوله: «إلاّ في صورة الاستخلاف» مشير إلى الفرع الثاني.
ووجه عدم الجواز عدم وجود دليل على ذلك، وإطلاقات الجماعة لا تعمّ مثل ذلك.
أقول: أمّا ما ورد في جواز الاستخلاف، فإنّما هو في ما إذا منع مانع عن استمرار الإمامة للشخص الّذي إئتم به، وأين هذا من العدول من إمام إلى إمام آخر اختياراً؟!
فإن قلت: إنّ المأموم في أوّل الصلاة كان له الإئتمام بالشخص الآخر قبل إئتمامه بغيره، والأصل بقاؤه.
قلت: الاستصحاب في المقام أشبه بنقل حكم من موضوع إلى موضوع آخر. فإنّ جواز الاقتداء بالشخص الثاني كان ثابتاً قبل إئتمامه بالشخص الأوّل، وأين هذا من الجواز بعد الإئتمام؟!

الفرع الثاني: لو عرض للإمام من غير اختيار ما يمنعه من إتمام صلاته

لو عرض للإمام ما يمنعه من إتمام صلاته، فهل يجوز قيام شخص آخر مكانه لإتمام الصلاة أو لا؟ الظاهر من الأصحاب ـ وفاقاً للروايات ـ جواز النيابة.
قال العلاّمة: لو أحدث الإمام أو أُغمي عليه أو مات أو مرض، قدّم هو أو المأمومون مَن يتمّ بهم الصلاة استحباباً لا وجوباً عند علمائنا أجمع، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشافعي في الجديد.
إلى أن قال: وقال الشافعي في القديم: لا يجوز .(1)   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 320، المسألة 593 .

صفحه 89
وقال أيضاً في صلاة الجمعة: لو أحدث الإمام في صلاة الجمعة أو غيرها أو خرج بسبب آخر، جاز أن يستخلف غيره ليتمّ بهم الصلاة عند علمائنا أجمع.(1)
وقال المحقّق: وإذا مات الإمام أو أُغمي عليه في الأثناء استنيب مَن يتم الصلاة بهم .
وقال صاحب الجواهر: في شرح العبارة: بلا خلاف معتدّ به .(2)
إنّما الكلام في اختصاص الحكم بالمنصوص، أو عموم الحكم لكلّ عذر مانع من استمرار الإمامة.
أمّا المنصوص فهو عبارة عن الأُمور التالية:

1. الموت

أ. روى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه سئل عن رجل أمّ قوماً فصلّى بهم ركعة ثم مات؟ قال: «يقدّمون رجلاً آخر يعتدّ بالركعة ويطرحون الميّت خلفهم، ويغتسل مَن مسّه» (2).
ب. ما رواه في «الاحتجاج» قال: ممّا خرج عن صاحب الزمان(عليه السلام) إلى محمد ابن عبدالله بن جعفر الحميري حيث كتب إليه: روي لنا عن العالم(عليه السلام)   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 28، المسألة 391 .   2 . جواهر الكلام: 13 / 368 .
2 . الوسائل: 5، الباب 43 من أبواب صلاة الجماعة. وسيوافيك في الحديث التالي عدم وجوب الغُسْل لمن مسّه.

صفحه 90
أنّه سئل عن إمام قوم صلّى بهم بعض صلاتهم، وحدثت عليه حادثة كيف يعمل مَن خلفه؟ فقال: «يؤخّر ويتقدّم بعضهم ويتمّ صلاتهم ويغتسل مَن مسّه».(1)
ج. وفي التوقيع: «ليس على مَن مسّه إلاّ غسل اليد» .(2)
وبما أنّه روى عن العالم الغُسل على مَن مسّه، يستكشف أنّ المراد من الحادثة هو موت الإمام.

2. الحدث المبطل للوضوء

أ. روى علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)عن الإمام أحدث فانصرف ولم يُقدّم أحداً، ما حال القوم؟ قال: «لا صلاة لهم إلاّ بإمام، فليُقدّم بعضهم فليُتمّ بهم ما بقي منها وقد تمّت صلاتهم».(2)
ب. روى سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل يؤمّ القوم فيُحدث ويُقدّم رجلاً قد سبق بركعة، كيف يصنع؟ قال: «لا يقدّم رجلاً قد سبق بركعة، ولكن يأخذ بيد غيره فيقدّمه» .(3)
ج. ما رواه معاوية بن شريح قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «إذا أحدث الإمام وهو في الصلاة لم ينبغ أن يقدّم إلاّ من شهد الإقامة» .(4)   2

1 و 2 . الوسائل: 2، الباب3 من أبواب غسل المس، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 5، الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 5، الباب 41 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. والمراد قد سبقه الإمام بركعة لاحظ الحديث 3 من الباب 40 وقد جاء فيه: وقد سبقه الإمام بركعة.
4 . الوسائل: 5، الباب 41 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 91
د . ما رواه معاوية بن ميسرة عن الصادق (عليه السلام)قال: «لا ينبغي للإمام إذا أحدث أن يقدّم إلاّ من أدرك الإقامة».(1) وسيوافيك البحث في ما تضمّنته هذه الروايات في الفرع الثاني (وجوب الاستنابة) والفرع الرابع (استنابة الأجنبيّ).
والروايات في مورد الحدث كثيرة اختصرناها (2).

3 ـ 6 . الرعاف والأذى في البطن والقيء والدم

أ. روى الصدوق مرسلاً قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):«ما كان من إمام تقدّم في الصلاة وهو جنب ناسياً أو أحدث حدثاً أو رعف رعافاً أو أذى في بطنه، فليجعل ثوبه على أنفه ثم لينصرف، وليأخذ بيد رجل فليصل مكانه، ثم ليتوضّأ وليتم ما سبقه من الصلاة، فإن كان جنباً فليغتسل فليصل الصلاة كلّها».(3)
ب. ما روي عن سلمة عن أبي حفص عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ علياً كان يقول: لا يقطع الصلاة الرعاف ولا القيء ولا الدم، فمن وجد أذى فليأخذ بيد رجل من القوم من الصف فليقدّمه ـ يعني إذا كان إماماًـ ».(4)
ج. ما رواه طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل   2

1 . الوسائل: 5، الباب 41 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .
2 . لاحظ الوسائل: 5، الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2; والباب 39 ، الحديث 1; والباب 40، الحديث 2، 4; والباب 72 ، الحديث 1.
3 . الوسائل: 5، الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
4 . الوسائل: 4، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 8 .

صفحه 92
أمّ قوماً فأصابه رعاف بعد ما صلّى ركعة أو ركعتين فقدّم رجلاً ممّن قد فاته ركعة أو ركعتان؟ قال: «يتمّ بهم الصلاة، ثم يقدّم رجلاً فيسلم بهم، ويقوم هو فيتم بقية صلاته».(1)

7 . اقتداء الحاضر بالمسافر

روى أبو العباس عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «المسافر إذا أمّ قوماً حاضرين فإذا أتم الركعتين سلّم، ثم أخذ بيد رجل منهم فقدمه فأمّهم» .(2)

8 . اعتلال الإمام

روى معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة، وقد سبقه الإمام بركعة أو أكثر، فيعتلّ الإمام فيأخذ بيده ويكون أدنى القوم إليه فيقدّمه؟ فقال: «يتمّ صلاة القوم، ثم يجلس، حتّى إذا فرغوا من التشهّد أومأ إليهم بيده عن اليمين والشمال، وكان الّذي أومأ إليهم بيده التسليم وانقضاء صلاتهم، وأتمّ هو ما كان فاته أو بقى عليه» .(3)
ولعلّ العرف يساعد استفادة الحكم لكلّ عذر مانع للإمام من إتمام الصلاة، كالإغماء والجنون أو الاستدبار إلى غير ذلك من الموانع العائقة، يقول صاحب الجواهر: إنّ ظاهر الأصحاب عدم التوقّف فيه وفي كلّ عذر مساو   2

1 . الوسائل: 5، الباب 40 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 5، الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 5، الباب 40 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .

صفحه 93
للموت من جنون ونحوه، وإن كان لا تصريح في النصوص إلاّ بالموت،
إلاّ أنّ الظاهر إلغاء الخصوصية ولو بمعونة الاتّفاق المزبور، ونقلوا الإجماع عليه.
قال في «المدارك» ـ بعد قول المصنّف: وإذا مات الإمام أو أُغمي عليه استنيب من يتمّ بهم الصلاة ـ : قد أجمع الأصحاب على أنّ الإمام إذا مات أو أُغمي عليه يستحبّ للمأمومين استنابة مَن يتم بهم الصلاة كما نقله جماعة، منهم: العلاّمة في التذكرة، وتدلّ عليه روايات... (1) ثمّ أورد الخبر الأوّل .
وقال في «الحدائق»: والظاهر أنّهم بنوا على أنّ الإغماء في تلك الحال في حكم الموت، وظاهر كلام جملة منهم عروض المانع للإمام بقول مطلق. وهو جيد من حيث الاعتبار; لأنّه بالنسبة إلى عدم النص عليه لا يخلو من شوب الإشكال.(2)
ولا يخفى ضعف الإشكال، لما عرفت من المتفاهم عرفاً هو الغاء الخصوصية، وأنّ الموضوع عروض المانع للإمام. ويشهد عليه ما في «الاحتجاج» أنّه روى عن العالم أنّه سئل عن إمام قوم صلّى بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال (عليه السلام): «يؤخّر ويتقدّم بعضهم ويتمّ صلاتهم ويغتسل» .(2) حيث علّق الحكم على حدوث حادث مانع عن استمرار الصلاة وأنّها الضابطة وإن طبّقه في الذيل على موت الإمام.   2

1 . مدارك الأحكام : 4 / 362 .   2 . الحدائق الناظرة: 11 / 217 .
2 . مر مصدره وما في ذيله من التوقيع المصدّق لما روي عن العالم (عليه السلام)، غير أنّه قال: ليس على من نحّاه إلاّ غسل اليد .

صفحه 94

الفرع الثالث: لا فرق بين السبب السابق واللاحق المانع من الاستمرار

لا فرق بين الحدث الصادر في الأثناء أو الحدث السابق قبل الصلاة إذا دخل فيها ناسياً.
ففي صحيحة جميل، عن الصادق (عليه السلام)في رجل أمّ قوماً على غير وضوء فانصرف وقدّم رجلاً ولم يدر المقدّم ما صلّى قبله؟ قال: «يذكّره مَن خلفه».(1)
ونظيره رواية جميل عن زرارة ولعلّ الروايتين رواية واحدة سقط ذكر الراوي (زرارة) عن سند الحديث الأوّل.

الفرع الرابع: هل الاستنابة واجبة؟

هل يجب على المأمومين إتمام الصلاة بإمام منهم أو من غيرهم؟ الظاهر لا، والاستنابة مستحبة لصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)قال: سألته عن رجل صلّى بقوم ركعتين، ثم أخبرهم أنّه ليس على وضوء؟ قال: «يتمّ القوم صلاتهم فإنّه ليس على الإمام ضمان».
نعم يظهر من «المدارك» وجوب الاستنابة قال: ومقتضى الرواية وجوب الاستنابة إلاّ أنّ العلاّمة في «التذكرة» نقل اجماع علمائنا على انتفاء الوجوب .(2)
فإن قلت: يظهر من صحيحة علي بن جعفر وجوب الاستنابة حيث سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)عن الإمام أحدث فانصرف ولم يقدّم أحداً ما   2

1 . الوسائل: 5، الباب 40 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2. ويحتمل اتّحاده مع الحديث 4 من نفس الباب .
2 . مدارك الأحكام: 4 / 363 .

صفحه 95
حال القوم؟ قال: «لا صلاة لهم إلاّ بإمام فليقدّم بعضهم فليتمّ بهم ما بقي منها وقد تمّت صلاتهم» .(1)
قلت: إنّ الرواية محمولة على الكمال والفضيلة لا الصحّة بقرينة الاتّفاق على عدم وجوب الجماعة.

الفرع الخامس: هل الاستنابة وظيفة الإمام أو المأموم؟

الظاهر أنّ الاستنابة أوّلاً وبالذات وظيفة الإمام.
روى أبو العباس الفضل بن عبدالملك، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال:«لا يؤمّ الحضري المسافر، ولا المسافر الحضري; فإن ابتلى بشيء من ذلك فأمّ قوماً حاضرين فإذا أتمّ الركعتين سلّم، ثم أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم» .(2)
نعم لو مات الإمام ينحصر أمر النيابة بالمأمومين .
روى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أمّ قوماً فصلى بهم ركعةً ثم مات قال: «يقدّمون رجلاً آخر...» .(3)
ونظيره ما لم يستنب الإمام فترك الجماعة، فيتوجّه أمر النيابة إلى المأمومين، كما في رواية علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)عن الإمام أحدث فانصرف ولم يقدّم أحداً، ما حال القوم؟ قال: «لا صلاة لهم إلاّ   2

1 . الوسائل: 5، الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 18 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 2، الباب 1 من أبواب غسل المسّ، الحديث 9.

صفحه 96
بإمام فليقدّم بعضهم».(1)

جواز استنابة الأجنبي

هل يكون النائب أحد المأمومين أو يجوز استنابة الأجنبي؟
ففي «الحدائق»: وقد صرّح الأصحاب هنا بجواز استنابة من لم يكن من المأمومين. قال العلاّمة في المنتهى: لو استناب مَن جاء بعد حدث الإمام، فالوجه الجواز بناءً على الأصل; ولأنّه لو جاز استنابة التابع فغيره أولى... ثم قال : وكأنّهم غفلوا عن الأخبار الواردة من هذا القبيل .(2) وكأنّه يشير إلى ما رواه جميل بن درّاج، عن الصادق (عليه السلام)في رجل أمّ قوماً على غير وضوء فانصرف وقدّم رجلاً ولم يدر المقدَّم ما صلّى الإمام قبله؟ قال: «يذكرّه مَن خلفه» .(3)
وما رواه جميل عن زرارة قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن إمام أمّ قوماً فذكر أنّه لم يكن على وضوء، فانصرف وأخذ بيد رجل وأدخله فقدمه، ولم يعلم الّذي قُدّم ما صلّى القوم؟ فقال: «يصلّي بهم فإن أخطأ سبّح القوم به وبنى على صلاة الّذي كان قبله» .(4) ومن المحتمل وحدة الروايتين وسقوط لفظ زرارة عن الحديث الأوّل، كما تقدّم.    2

1 . الوسائل: 5، الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الحدائق الناظرة: 11 / 218 .
3 . الوسائل: 5، الباب 40 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.
4 . الوسائل: 5، الباب 40 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .

صفحه 97
وعلى كلّ تقدير فالإفتاء بمضمونه مشكل لما في الحدائق. فإنّ معنى ذلك أنّ الإمام غير المأموم يصلّي بهم ذلك القدر الناقص خاصّة، وهو حكم غريب لم يوجد له في الأحكام نظير، ففي الحقيقة إنّ الإمام يؤمّهم في مجرد الأذكار وإن اشتملت على ركوع وسجود وإلاّ فإنّها ليست بصلاة حقيقة.(1)
ولذلك فالعمل بالقول الأوّل ـ أي كون الإمام من المأمومين ـ أقوى وأفضل، مضافاً إلى رواية لمعاوية بن شريح ومعاوية بن ميسرة المتقدّمتين تحت عنوان: «الحدث المبطل» حيث جاء فيهما التصريح بأنّه يقوم مَن شهد الإقامة، فلاحظ.

الفرع السادس: لو عرض له ما يمنعه من إتمامها اختياراً

لو صار فرض الإمام الجلوس حيث لا يجوز للمأموم البقاء على الاقتداء لما سيوافيك من أنّه لا يأتم القائم بالقاعد، لما عرفت من أنّ المفهوم من الروايات هو طروء عذر للإمام يمنعه عن الاستمرار بالإمامة والضابطة شاملة لهذا الفرض أيضاً. وإن لم يكن منصوصاً.
ثم إنّ المتبادر من روايات الاستخلاف بقاء المأمومين على وصف الجماعة فيما إذا حدث حادث أثناء الصلاة وأنّ الفاصل الزماني بين الإمامين لا يضرّ ببقاء القدوة.
***

1 . الحدائق الناظرة: 11 / 218 .

صفحه 98
المسألة 15: لا يجوز للمنفرد العدول إلى الإئتمام في الأثناء.*

* في عدم جواز العدول من الانفراد إلى الإئتمام في الأثناء

إنّ محط البحث هو الانفراد غير المسبوق بالإئتمام، فهل يجوز أن يعدل منه إلى الإئتمام أو لا؟ فخرج ما ورد في المسألة السابقة من استنابة إمام مكان إمام آخر بوجهين مختلفين:
1. إنّ المأمومين بعد انفصال الإمام الأوّل عن الجماعة وقبل الإئتمام بالإمام الثاني، وإن صاروا منفردين ثم ائتموا بالإمام الثاني، لكن انفرادهم كان مسبوقاً بالإئتمام بخلاف هذا الفرض.
2. ما تقدّم من بقاء القدوة في الفاصل الزماني بين القدوتين على ما تقدّم استظهاره من الروايات، فظهر الفرق بين المسألة السابقة وهذه المسألة.
نعم يمكن الاستدلال على الجواز بصحيحة جميل المتقدّمة في رجل أمّ قوماً على غير وضوء فانصرف وقدّم رجلاً ولم يدر المقدَّم ما صلى الإمام قبله، قال: «يذكّره مَن خلفه» .(1)
فتقريب الاستدلال بوجود الفرق بين الحدث في أثناء الصلاة وبين دخول الإمام في الصلاة بغير وضوء; فالمأمومون في الصورة الأُولى كانوا على جماعة، وأمّا الثانية كما هو مورد الرواية فالجماعة باطلة، إذ الإمام لم يكن على وضوء من أوّل الأمر، فيكون المأمومون منفردين ثم يأتمون بالإمام الجديد.   2

1 . الوسائل: 5، الباب 40 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2.

صفحه 99
يلاحظ عليه: ما ذكرنا سابقاً من أنّ الحديث لا يخلو من شذوذ(1) كما مرّ، أضف إلى ذلك: أنّ المأموم نوى الإئتمام من أوّل الأمر، بخلاف ما نحن فيه فإنّه نوى الانفراد من أوّل الأمر.
على انّ إطلاقات الجماعة منصرفة عن مثل هذه الصورة.

1 . لاحظ كلام الحدائق الناظرة في المسألة السابقة.

صفحه 100
في العدول من الجماعة إلى الانفراد   
المسألة 16: يجوز العدول من الإئتمام إلى الانفراد ولو اختياراً في جميع أحوال الصلاة على الأقوى، وإن كان ذلك من نيّته في أوّل الصلاة، لكن الأحوط عدم العدول إلاّ لضرورة ولو دنيوية، خصوصاً في الصورة الثانية.*

* العدول من الجماعة إلى الانفراد

العدول من الجماعة إلى الانفراد من المسائل التفريعية وليس من الفقه المنصوص، ولذا لم يرد فيه نصٌّ، ولم يذكره القدماء في الكتب المختصّة لبيان ما هو المنصوص من المسائل، كالمقنع والهداية للصدوق، والمقنعة للشيخ المفيد، والنهاية للشيخ الطوسي.
ومع ذلك فقد عنونه الشيخ الطوسي في كتابيه الخلاف والمبسوط، غير أنّ نمط التأليف فيهما يغاير نمط النهاية، فقد ألّف الكتابين لاستخراج أحكام المسائل الفرعية من غير فرق بين المنصوص وغير المنصوص، بخلاف النهاية، فقد جرّد المتون عن الأسانيد وأفتى بها.
والأقوال في المسألة ثلاثة:
1. الجواز مطلقاً; وهو مختار الشيخ في «الخلاف» قال:يجوز نقل نيّة الجماعة إلى حال الانفراد قبل أن يتمم المأموم، وتنتقل الصلاة من حال الجماعة إلى حال الانفراد. وبه قال الشافعي، وقال أبوحنيفة:تبطل صلاته.(1)   2

1 . الخلاف:1/552، المسألة 293.

صفحه 101
وقال المحقّق في «الشرائع»: لا يجوز للمأموم مفارقة الإمام لغير عذر، فإن نوى الانفراد جاز.(1)
يريد أنّه لا يجوز للمأموم مفارقة الإمام في الأفعال بدون نية الانفراد لغير عذر، نعم إذا كان معذوراً يفارقه بلا نيّة، كما في ائتمام المسبوق حيث يكون تشهّده في غير موضع تشهّد الإمام فإنّه يفارقه ويتشهّد ثم يلحق به. هذا كلّه في المفارقة بلا نيّة، وأمّا المفارقة مع نيّة العدول فهو جائز.
وقال العلاّمة: يجوز للمأموم أن ينقل نيته من الإئتمام إلى الانفراد، لعذر كان أو غيره عند علمائنا.(2) وقريب منه ما في المنتهى(2)، ونقل العلاّمة في النهاية الإجماع على الجواز(4).
2. القول بعدم الجواز، إلاّ بعذر. وهو خيرة الشيخ الطوسي في المبسوط (3)، وهو الظاهر من صاحب المدارك.(4)
3. التفصيل بين ما إذا دخل في الصلاة ناوياً العدول في أثنائها، وبين ما إذا دخل فيها بنية الجماعة، ثم بدا له العدول فلا يجوز في الأوّل، دون الثاني. وهو خيرة شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في كتاب الصلاة، قال: فالأولى أن   2

1 . شرائع الإسلام:1/126.   2 . تذكرة الفقهاء:4/269.
2 . منتهى المطلب:9/301ـ 302.   4 . نهاية الأحكام:2/128.
3 . المبسوط:1/157. قال: مَن فارق الإمام لغير عذر بطلت صلاته، وإن فارقه لعذر وتممّ صلاته صحّت صلاته ولا يجب عليه إعادتها.
4 . مدارك الأحكام:4/370.

صفحه 102
يقال: إنّه تارة يبدو له العدول في الأثناء بعد ما كان عازماً على الإئتمام إلى آخر صلاة الإمام، وأُخرى يكون عازماً من أوّل الأمر على الإئتمام في بعض الصلاة. فيجوز العدول في الأوّل دون الثاني.(1) وهو أيضاً خيرة السيد الخوئي في شرح العروة.(2)
وبنى سيد مشايخنا المحقّق البروجردي القول بالجواز وعدمه على أساس آخر، وهو هل الجماعة وصفٌ للصلاة بأجمعها من أوّلها إلى آخرها لا لأبعاضها فلا يجوز العدول مطلقاً، سواء نوى الانفراد في بدء العمل، أو بدا له في أثنائه، أو هي وصف لكلّ جزء من أجزائها؟ مثلاً توصف الركعة الأُولى بالجماعة، فإذا نوى الانفراد توصف الركعة الثانية بالانفراد، فعليه يجوز العدول مطلقاً، وعندئذ لا وجه للتفصيل بين كونه ناوياً في بدء العمل أو أثنائه، قال: فمن يريد تحقيق المسألة فليدخل من هذا الباب.
وقبل دراسة الأقوال نذكر أُموراً:

1. ما هو المراد من الجواز وعدمه في المقام؟

يمكن أن يراد من جواز العدول من الجماعة إلى الانفراد وعدم جوازه أحد أمرين:
1. الجواز والعدم التكليفيان، وأنّه هل يباح له هذا العمل أو يحرم   2

1 . الصلاة:312، الطبعة الحجرية، والمطبوع:455.
2 . مستند العروة الوثقى: كتاب الصلاة:5 ق2/110.

صفحه 103
من دون نظر إلى صحّة الجماعة والصلاة وفسادهما.
2. الجواز والحرمة الوضعيتان، أي صحّة الجماعة والصلاة عند العدول أو فسادهما بأن يكون بقاء المصلّي على نيّة الجماعة شرطاً لصحّتها، وصحّة الصلاة، أو يكون العدول وقطع النيّة مانعاً عن صحّتهما، أو لا هذا ولا ذاك، أي ليس هذا شرطاً ولا ذاك مانعاً.
والظاهر أنّ هذا هو المراد دون الأوّل، ومثله في البعد لو خُصّص احتمال الشرطيّة أو المانعيّة بالنسبة إلى صحّة الجماعة وعدمها دون الصلاة، فإنّ ذاك الاحتمال بعيد عن أدلّة القائلين بعدم الجواز حيث يتمسّكون بعدم مشروعية الصلاة الملفّقة من الجماعة والانفراد.

2. ما هو الأصل العملي في المقام؟

لو كان الشكّ في صحّة الصلاة الملفّقة من الجماعة والانفراد ناشئاً من اشتراط البقاء على الجماعة واستمرار النيّة عليها، فالأصل عدم الشرطية، كما أنّه لو كان نابعاً من احتمال مانعيّة العدول وترك البقاء على الجماعة، فالأصل أيضاً عدمها مع ذلك .
ولكن هنا شكّ آخر لا يمكن علاجه بالأصل، وهو: أنّ الجماعة هل هي وصف للصلاة أجمع، على نحو يكون الموصوف والوصف أمراً واحداً، أو هو وصف لكلّ جزء من أجزاء الصلاة وكلّ بعض من أبعاضها، على نحو يكون الموصوف والوصف متعدّداً؟ فعلى الأوّل، لا يصحّ العدول من   2

صفحه 104
الجماعة إلى الفرادى، لأنّها غير مشروعة; بخلاف الثاني. وليس أصلاً عملياً يعيّن أحد الطرفين.
نعم لو شكّ في «أصل المشروعيّة» فالأصل عدم الجواز; وذلك لأنّ الصلاة عبادة توقيفيّة فكيفية الإتيان رهن دليل شرعي، وقد قام الدليل الشرعي على جواز إتيانها جماعة بعامّتها وفرادى كذلك، وأمّا الصلاة الملفّقة من الجماعة والفرادى فالتشريع مورد شكّ وترديد، وليس في روايات باب الجماعة إطلاق يصحّح كلّ الأقسام، وقد ورد في صحيحة زرارة والفضيل:«وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، ولكنّها سنّة».(1) ومن المعلوم أنّها منصرفة إلى استحباب الجماعة في الصلاة كلّها، وأمّا استحبابها في بعض الركعات دون البعض الآخر، فالرواية منصرفة عنه.
وأمّا ما رواه أهل السنّة عن النبي(صلى الله عليه وآله) من أنّه جُعل الإمام ليُؤتّم به فلا تختلفوا عليه»،(2) فإنّما هو بصدد بيان متابعة الإمام في الأفعال، ولا إطلاق له من غير هذه الجهة.
إذا عرفت ذلك، فلنركّز على الأمر الأخير، هل هناك دليل على كون الجماعة وصفاً لكلّ فرد من الركعات لا لمجموع الصلاة، فلو وجدنا دليلاً على إمكان إتيان بعض الركعات جماعة والبعض الآخر فرادى نستكشف أنّها وصف للأبعاض لا لمجموع الصلاة.
في أدلّة المجوّزين للعدول في الأثناء   
وقد استدلّ المجوّزون والمانعون بأدلّة نذكرها تباعاً.   2

1 . الوسائل: 5، الباب1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2.
2 . سنن البيهقي:3/79.

صفحه 105

أدلّة المجوزين

استدلّ العلاّمة وغيره على جواز نيّة العدول في الأثناء مطلقاً بوجوه:

1. إنّ الجماعة ليست واجبة ابتداءً فكذا استدامة

الجماعة أمر مستحب فكيف يكون الاستمرار عليها فريضة في الأثناء؟
يلاحظ عليه: بأنّه لا ملازمة بين العدمين، فاستصحاب الجواز عندئذ أشبه بالقياس، إذ يمكن أن تكون الجماعة مستحبّة قبل الدخول، وأمّا إذا دخل فتصير واجبة كالحجّ الاستحبابي، إذ لا يخرج عن الإحرام إلاّ بالعمل بفرائضه.

2. العدول ترك للفضيلة

ائتمام المأموم بصلاة الإمام فضيلة لصلاته، فيترك بالخروج الفضيلة دون الصحّة.(1)
يلاحظ عليه: أنّه من الجائز أن يكون ترك الإئتمام مفوّتاً للفضيلة ابتداءً ومفوّتاً لصحّة الصلاة في الأثناء، وذلك لأنّه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، والإمام وإن تحمّل عنه القراءة، لكنّه من المحتمل اشتراط التحمّل ببقائه على وصف الجماعة دون ما إذا عدل، فإنّ صلاته حينئذ تصبح بلا قراءة.
وإن شئت قلت: إنّ مقتضى قوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» هو لزوم القراءة في عامّة الحالات، خرج منها نيّة الجماعة في عامّة الصلاة دون ما إذا   2

1 . تذكرة الفقهاء:4/270.

صفحه 106
عدل في أثنائها،فحينئذ إطلاق الحديث حاكم; ومثله إذا زاد ركناً في الصلاة فإنّه مبطل مطلقاً، خرج منه ما إذا نوى الجماعة في جميع الصلاة دون ما إذا عدل في الأثناء، فمقتضى إطلاق الدليل بطلان صلاته إذا زاد ركناً.

3. الاستدلال بالإجماع

استدلّ الشيخ على الصحّة في «الخلاف» بالإجماع، وقد ذكرنا في محلّه أنّه لا يعتدّ بإجماعات الشيخ في «الخلاف»، لأنّ ادّعاءه عليه مبنىّ على وجود الخبر في المقام، والشاهد عليه أنّه قال: «دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير» ومن المعلوم أنّه لم يرد نصّ في المسألة، وإنّما استأنس لحكم المسألة بروايات الاستخلاف، فيما إذا حدث حادث للإمام ـ وقد تقدّمت ـ وقلنا بأنّه من المحتمل بقاء الإئتمام عند حدوث حادث للإمام إلى أن يخلفه آخر وعدم صيرورة صلاة المأمومين فرادى. فلو كان هناك إجماع لما استدلّ عليه بالأخبار، ولما استدلّ بعدم المانع حيث قال: ولا مانع يمنع عنه، فمن ادّعى المنع فعليه الدلالة.

4. الجماعة ليست دخيلة في الصحّة

الجماعة خارجة عن ماهية الصلاة، وإلاّ كانت معتبرة في صحّتها.(1)
يلاحظ عليه: بأنّها وإن كانت خارجة عن ماهيّة الصلاة ولكن يحتمل   2

1 . جواهر الكلام:14/25.

صفحه 107
أن يكون الاستمرار شرطاً لمشروعية إقامة الصلاة بالجماعة. إلى غير ذلك من الأدلّة الّتي لجأ إليها القائلون بجواز العدول، ولقد أصرّ على الجواز صاحب الجواهر، والأولى عطف عنان الكلام على الروايات، واستنباط موقف الجماعة من الصلاة، وأنّها هل هي وصف للجميع أو وصف لكلّ بعض منها وركعة؟ ولو ثبت الأمر الثاني جاز العدول، إمّا مطلقاً، سواء كان هناك عذر أو لا، وسواء كان ناوياً له في بدء العمل أو بدا له العدول; أو يختص بمورد خاص إذا لم يكن الإطلاق مساعداً.

5. الجماعة وصف لأبعاض الصلاة

تدلّ الروايات التالية على أنّ الجماعة وصف لكلّ بعض من أبعاض الصلاة أو لكلّ ركعة من ركعاتها، وإليك ما وقفنا عليه:
1. ما رواه جابر قال: كان معاذ يصلّي مع النبي(صلى الله عليه وآله) ثم يرجع فيؤمُّنا، قال مرة: ثم يرجع فيُصلّي بقومه، فأخّر النبي(صلى الله عليه وآله) ليلة الصلاة ـ وقال مرة: العشاء ـ فصلّى معاذ مع النبي(صلى الله عليه وآله) ثم جاء يؤمّ قومه فقرأ البقرة، فاعتزل رجل من القوم فصلّى، فقيل: نافقت يا فلان، فقال: ما نافقت، فأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: إنّ معاذاً يُصلّي معك ثم يرجع فيؤمّنا يا رسول الله، وإنّما نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا، وأنّه جاء يؤمّنا فقرأ بسورة البقرة فقال: يا معاذ أفَتّان أنت، أفَتّان أنت؟ اقرأ بكذا، اقرأ بكذا. قال أبو الزبير: سبّح اسم ربّك الأعلى، واللّيل إذا يغشى; فذكرنا لعمرو، فقال: أراه قد ذكره؟(1)   2

1 . سنن البيهقي:2/392ـ 393. نافق، منافقة ونفاقاً اليربوعُ: دخل في نافقائه. والنافقاء: أحد2
حجرة اليربوع، إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه. النهاية لابن الأثير: 5 / 98، مادة «نفق».

صفحه 108
رواه الصدوق في «الفقيه» بالنحو التالي قال: وكان معاذ يؤمّ في مسجد على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)ويطيل القراءة، وأنّه مر به رجلٌ فافتتح سورة طويلة فقرأ الرجل لنفسه وصلّى، ثم ركب راحلته، فبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله)فبعث إلى معاذ فقال: «يا معاذ إياك أن تكون فتّاناً، عليك بـ «الشمس وضحاها» وذواتها».(1)والحديث يدلّ على أنّ الرجل قصد الانفراد وأتم صلاته.
يلاحظ عليه: مع ضعف السند أنّ قوله: «فاعتزل رجل من القوم فصلّى» مردّد بين كونه نوى الانفراد وأتمّ صلاته، أو انفصل عنه بقطع الصلاة وبدأ بالصلاة من أوّلها. والظاهر هو الثاني بقرينة قوله: «فصلّى»، نعم ما نقله الصدوق ظاهر في أنّه أتمّ الصلاة بالقراءة لنفسه .
2. ما ورد من جواز التسليم في التشهّد قبل الإمام نظير ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون خلف الإمام، فيطيل الإمام التشهّد؟ قال: «يسلم من خلفه ويمضي لحاجته إن أحب».(2)
ونظيره ما رواه أبو المعزا عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يصلّي خلف إمام فسلّم قبل الإمام، قال:«ليس بذلك بأس».(3) والرواية مطلقة وغير مقيّدة بالحاجة أو الضرورة.   2

1 . الوسائل:5، الباب69 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث4.
2 . الوسائل:5، الباب64 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.
3 . الوسائل:5، الباب64 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث4.

صفحه 109
3. ما يدلّ على جواز التشهّد قبل تشهّد الإمام. روى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطوّل الإمام بالتشهد فيأخذ الرجل البول أو يتخوّف على شيء يفوت، أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: «يتشهد هو و ينصرف ويدع الإمام».(1)
يلاحظ على الاستدلال ـ مضافاً إلى اختصاصها بما إذا بدت له نيّة الانفراد، لا ما إذا نواه بدء العمل ـ : أنّ المتيقّن من الرواية وجود العذر، وهو البول أو التخوّف على شيء يفوت كما في رواية علي بن جعفر، أو الحاجة كما في رواية الحلبي، فالقدر المتيقّن هو ما إذا بدا له العدول مع العذر المجوّز للانفصال عن الإمام.

6. العدول فيما إذا لا يمكن الاستمرار كما في الصلوات الآتية

أ. اقتداء الحاضر بالمسافر أو بالعكس .
ب. الاقتداء في الرباعيّة بثلاثية الإمام أو ثنائيته أو بالعكس.
ج. المأموم المسبوق، كما إذا لحق بالإمام وهو في الركعة الثانية من صلاة الظهر حيث إنّ الإمام يخرج من الصلاة والمأموم يستمر في صلاته فرادى.
يلاحظ عليه: أنّ الانفراد في هذه الموارد قهري ولا يتمكّن المأموم من الاستمرار، إنّما الكلام فيما إذا أمكنه الاستمرار، ولكنّه عدل عن اختيار وبلا عذر.   2

1 . الوسائل: 5، الباب64 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2.

صفحه 110

7. الاستدلال بصلاة ذات الرقاع(1)

ويمكن أن يستدلّ على جواز العدول من الجماعة مطلقاً حتى فيما إذا كان قصد المصلّي العدول من بدء العمل، بصلاة ذات الرقاع: وقد ورد الأمر بها في الكتاب والسنّة. أمّا الكتاب فقوله سبحانه:(وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فأقْمتَ لَهُمُ الصَّلوةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأخُذوا أسْلِحَتَهُمْ فإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأتِ طائِفَةٌ أُخرى لَمْ يُصَلُّوافَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَليأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الذين كَفَروا لَوْ تَغفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكُمْ وَأمْتِعَتِكُمْ فَيَميلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحدةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إنْ كانَ بِكُمْ أذَىً مِنْ مَطَر أوْ كُنْتُمْ مَرضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إنَّ اللهَ أعدّ لِلْكافِرينَ عَذاباً مُهيناً).(2)
أمّا توضيح الآية فكالتالي: إذا أردت يا رسول الله الصلاة جماعة بالمقاتلين فاجعلهم طائفتين: واحدة تصلّي معك، وهي حاملة السلاح، والثانية تقف بإزاء العدوّ للحراسة، (فإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ) أي إذا سجد من يصلي مع الرسول(صلى الله عليه وآله) فلتقف الطائفة الحارسة خلف المصلّين. (وَلْتَأتِ طائِفَةٌ أُخرى لَمْ يُصَلُّوافَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَليأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأسْلِحَتَهُمْ)أي بعد أن تنتهي الأُولى من الصلاة تأخذ الثانية مكان الأُولى في الصلاة،   2

1 . اختلف في سبب التسمية بذلك فقيل: لأنّ القتال كان في سفح جبل فيه جدد حمر وصفر كالرقاع، وقيل: كانت الصحابة حفاة فلفّوا على أرجلهم الجلود والخرق لئلاّ تحترق، وقيل: سمّيت برقاع كانت في ألويتهم، وقيل: الرقاع اسم شجرة في موضع الغزوة، وقيل: مر بذلك الموضع ثمانية حفاة فنقبت أرجلهم وتساقطت أظافرهم فكانوا يلفّون عليها الخرق. والرقعة ـ بالضم ـ : الخرقة الّتي يرقع فيها الثوب. راجع: ذكرى الشيعة: 4 / 341 ; مجمع البحرين: 2 / 210، مادة «رقع».
2 . النساء:102.

صفحه 111
وتأخذ الأُولى مكان الثانية في الحراسة (وَدَّ الذين كَفَروا لَوْ تَغفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكُمْ وَأمْتِعَتِكُمْ فَيَميلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحدةً)، هذا بيان للحكمة التي استدعت تشريع الصلاة في هذه الحال بهذا الشكل، وهي أن لا يغتنم العدو فرصة اشتغال المسلمين المقاتلين بالصلاة فيباغتهم وينال منهم ما يريد.(1)
والآية كماترى غير متعرّضة لكيفية صلاة الطائفتين مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمتيقّن أنّهما يصليان مع النبيّ، وأمّا كيفية الصلاة فالظاهر أنّها بالنحو التالي: إنّ الطائفة الأُولى إذا رفعت رؤوسهم من السجود وفرغت من الركعة يصلّون ركعة أُخرى بأنفسهم ويتشهدون ويسلّمون، والإمام قائم في الثانية، ثم ينصرفون إلى مواقف أصحابهم.
ويجيء الآخرون فيستفتحون الصلاة، ويصلّي بهم الإمام الركعة الثانية، حسب، ويطيل تشهده حتى يقوموا فيصلّوا بقية صلاتهم، ثم يسلم بهم الإمام فتكون للطائفة الأُولى تكبيرةُ الإحرام، وللثانية التسليمُ. وهذا مذهب أصحابنا ومذهب الشافعي.(2)
وأمّا الروايات فقسم منها ظاهر في ما ذكرنا. روى الصدوق باسناده، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «صلّى النبي(صلى الله عليه وآله) بأصحابه في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف ففرّق أصحابه فرقتين، فأقام فرقة بازاء العدوّ وفرقة خلفه، فكبّر وكبرّوا فقرأ وأنصتوا، وركع وركعوا، وسجد وسجدوا، ثم استمرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قائماً وصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلّم   2

1 . تفسير الكاشف:2/425.   2 . مجمع البيان:2/102.

صفحه 112
بعضهم على بعض، ثم خرجوا إلى أصحابهم فقاموا بإزاء العدو وجاء أصحابهم، فقاموا خلف رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكبّر وكبّروا وقرأ فأنصتوا، وركع فركعوا، وسجد فسجدوا، ثم جلس رسول الله فتشهد ثم سلّم عليهم فقاموا ثم قضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلم بعضهم على بعض، وقد قال الله لنبيّه(صلى الله عليه وآله):(وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فأقْمتَ لَهُمُ الصَّلوةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ... ) وذكر الآية فهذه صلاة الخوف التي أمر الله بها نبيّه(صلى الله عليه وآله)وقال: مَن صلّى المغرب في خوف بالقوم صلّى بالطائفة الأُولى ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين».(1)
فإنّ مضمون الرواية وغيرها ممّا أشرنا إليه في الهامش أنّ كلّ طائفة تصلّي مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ركعة جماعة ثمّ تصلّي بنفسها ركعة فرادى، إذا كانت الصلاة ثنائيّة، وهذا دليل على أنّ الجماعة وصف لكلّ جزء من أجزاء الصلاة وأنّه يجوز الدخول في الصلاة مع نيّة العدول في بدء العمل.
ولكن هنا ملاحظة خاصّة: أنّ المتيقّن من الروايات الواردة في صلاة الخوف هو وجود الاضطرار إلى العدول، لأنّ المسلمين كانوا ملتزمين بإقامة الصلاة جماعة وكانت الصلاة بصورة الفرادى نادرة، وفي هذا الظرف جاءت الرخصة في المشاركة في الجماعة مع ركعة من ركعاتهم دون الأُخرى، فهل يكون هذا دليلاً على العدول ونيّة الفرادى مطلقاً ولو لم تكن هناك ضرورة واضطرار؟   2

1 . الوسائل: 5، الباب2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث1. ولاحظ أيضاً الحديث الثاني والثامن من الباب نفسه فإنّ مضمون الجميع واحد.

صفحه 113
وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّه يجوز العدول مطلقاً من نيّة الجماعة إلى الانفراد فيما إذا كانت هناك ضرورة واضطرار أو حاجة مهمّة من غير فرق بين أن يكون ناوياً للعدول من بدء العمل أو في أثنائه، وبذلك يعلم أنّ التفصيل بين بدء العمل والبداء في أثناء العمل ليس له دليل يركن إليه.
نعم استدلّ على التفصيل المحقّق الحائري بما هذا لفظه:
أمّا القسم الأوّل (من دخل بنيّة الجماعة فبدا له)فتشمله أدلّة الإئتمام فيصير الدخول بذلك مشروعاً فتلحقه أحكام الإئتمام من سقوط القراءة وغيره، فما مضى من صلاته كذلك محكوم بالصحّة، وبعد العدول إلى الانفراد يأتي بما بقي من الصلاة تامّاً، فلا وجه لاحتمال البطلان إلاّ احتمال كون قصد الإئتمام منوّعاً وكون صلاة الجماعة حقيقة أُخرى غير حقيقة صلاة الفرادى، وظاهر الأدلّة يدفعه.
وأمّا القسم الثاني فشمول أدلّة الجماعة له محلّ تأمّل، فالأحوط عدم الدخول في الجماعة كذلك، ولو دخل فيها فالأحوط إعادة الصلاة لو خالفت صلاة المنفرد للشك في سقوط القراءة واغتفار تعدّد الركن في مثل هذه الجماعة.(1)
وحاصل كلامه: أنّه إذا نوى الفرادى في بدء العمل لا توصف الصلاة بالجماعة حتى تشملها الإطلاقات، بخلاف ما إذا قصد الجماعة والتبعية في بدء العمل فتوصف بمجرد الشروع بالجماعة فتشملها الإطلاقات،   2

1 . الصلاة، للمحقق الحائري: 312.

صفحه 114
والعدول في الأثناء لا يقلب ما مضى من وصف الجماعة إلى غيره.
يلاحظ عليه أولاً: أنّ التفصيل لا ينسجم مع ما ورد في صلاة الخوف، حيث إنّ نيّة العدول فيها كان من بدء العمل.
وثانياً: ليس في المقام إطلاقات تشمل الثانية دون الأُولى وإنّما الوارد فيها إنّما هو بصدد بيان الفضيلة للجماعة مثل قوله: «الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاةً».(1)، حتى أنّ النبوي ـ أعني قوله(صلى الله عليه وآله):«إنّما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» ـ (2) إنّما هو بصدد لزوم المتابعة في الأفعال فقط.
فعلى هذا فالتفريق بين الصورتين لا وجه له، وعندئذ تصل النوبة إلى أمر آخر، وهو أنّه إذا كانت الجماعة وصفاً لمجموع الصلاة فلا تجوز نيّة العدول مطلقاً، وإن كانت وصفاً لأبعاضها فتجوز مطلقاً، نوى في بدء العمل أو بداله في أثنائه.
لو نوى الانفراد قبل الدخول في الركوع وبعده   
وبما ذكرنا يظهر أنّ ما استدلّ به السيد الخوئي (قدس سره)على الجواز في خصوص ما إذا بدا له العدول، بوجود النص في موارد نظير العدول قبل التسليم، أو قبل التشهّد على ما مرّ ليس بتام، لما عرفت من جواز العدول أيضاً في صلاة الخوف مع نيّة العدول في بدء العمل، فالأقوى جواز العدول مطلقاً نوى بدء العمل أو لم ينو بشرط العذر والحاجة الشديدة على ما هو ظاهر الروايات.

1 . الوسائل: 5، الباب1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.
2 . سنن البيهقي:3/79.

صفحه 115
المسألة 17: إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام قبل الدخول في الركوع لا يجب عليه القراءة، بل لو كان في أثناء القراءة يكفيه بعد نية الانفراد قراءة ما بقي منهما، وإن كان الاحتياط استينافها خصوصاً إذا كان في الأثناء.*
* في المسألة فروع:
1. لو نوى الانفراد بعد الدخول في الركوع.
2. لو نوى الانفراد بعد إتمام الإمام القراءة قبل الدخول في الركوع.
3. إذا نوى العدول في أثناء القراءة.
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: لو نوى الانفراد بعد الدخول في الركوع

إذا عدل بعد الدخول في الركوع، فلو قلنا بصحّة العدول فالقراءة عن المأموم ساقطة، لأنّ الإمام ضامن عن المأموم القراءة; ففي رواية الحسين بن كثير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سأله رجلٌ عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: «لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة، وليس يضمن الإمام صلاة الذين هم من خلفه، إنّما يضمن القراءة».(1)

الفرع الثاني: لو نوى الانفراد بعد إتمام الإمام القراءة وقبل الركوع

إذا نوى الانفراد بعد إتمام القراءة وقبل الدخول في الركوع، فيقع الكلام في كفاية قراءة الإمام عن قراءة المأموم أو يجب عليه إعادتها، مقتضى   2

1 . الوسائل: 5، الباب30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1. و لاحظ الحديث3 و 4.

صفحه 116
اطلاق ما ذكرنا من أنّ الإمام ضامن للقراءة هو عدم إعادتها، لافتراض أنّ الإمام قرأ وهو مؤتم، ولمّا انتهى من القراءة قصد الانفراد فقد ضمن عنه القراءة، قال العلاّمة: ولو كان الإمام قد قرأ وفرغ، ركع ولم يقرأ.(1)
فإن قلت: الضمان والإجزاء حال الإئتمام لا يقتضي ثبوتهما حال الانفراد، وحيث لا دليل على ذلك يكون عموم دليل وجوب القراءة محكّماً بعد الانفراد.(2)
وبعبارة أُخرى: إنّ موضوع نصوص الضمان هو عنوان الإئتمام، فما دام المصلّي يصدق عليه العنوان المذكور ويكون موصوفاً بالمأمومية، يضمن الإمام لقراءته. نعم بعد خروجه عن العنوان المذكور، لعدوله ـ أي الانفراد ـ فيلحقه عنوان المنفرد.(2)
قلت: الموضوع لسقوط القراءة كون المأموم خلف الإمام; ففي موثقة سماعة، عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه سأله رجلٌ عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: «لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة، وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه إنّما يضمن القراءة».(3)
   
والمفروض أنّ المأموم كان خلف الإمام أي كان مؤتماً به فسقط وجوب القراءة عنه حينئذ، فإيجاب إعادة الحمد يحتاج إلى الدليل، وتقييد الإجزاء ببقائه على وصف المأمومية خلاف ما هو الموضوع للضمان وهو    2

1 . تذكرة الفقهاء:4/271.   2. مستمسك العروة الوثقى:7/195.
2 . مستند العروة الوثقى:5/308.
3 . الوسائل: 5، الباب30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.

صفحه 117
كون المأموم خلف الإمام حال القراءة، والتمسّك بإطلاق «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» في غير محلّه، لافتراض خروج قراءة الإمام عن تحته.

الفرع الثالث: لو نوى العدول في أثناء القراءة

إذا عدل في أثناء القراءة فهل يكفي قراءة ما بقي منها أو اللازم استئنافها؟
قال العلامة: ولو كان قد فرغ من قراءة الفاتحة، فالوجه الاجتزاء بها عنها فيقرأ السورة، ولو كان في أثناء الحمد فالوجه الابتداء بها مع احتمال القراءة من موضع المفارقة، وكذا لو كان في أثناء السورة.(1)
ونظيره ما في المدارك، قال: وإن كان في أثنائها قرأ من موضع القطع، ونقل عن الشهيد الثاني أنّه يبتدئ من أوّل السورة التي حصل القطع في أثنائها.(2)
والظاهر هو عدم الكفاية لانصراف أدلّة الضمان عن هذه الصورة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه لو عدل بعد الركوع تسقط القراءة قطعاً، بل الإعادة تبطل الصلاة، ولو عدل بعد إتمام القراءة وقبل الركوع تجزيه قراءة الإمام، وأمّا لو عدل في أثناء القراءة يستأنف السورة التي عدل في أثناء قراءتها. كلّ ذلك على فرض جواز العدول مطلقاً أو مشروطاً لوجود العذر كما هو المختار.
***

1 . تذكرة الفقهاء:4/271.
2 . مدارك الأحكام:4/379.

صفحه 118
المسألة18: إذا أدرك الإمام راكعاً يجوز له الإئتمام والركوع معه ثم العدول إلى الانفراد اختياراً، وإن كان الأحوط ترك العدول حينئذ خصوصاً إذا كان ذلك من نيّته أوّلاً.*

* لو أدرك الإمام راكعاً يجوز له الإئتمام ثم العدول

إذا أدرك الإمام راكعاً وائتمّ به، فهل يجوز له العدول بعد الركوع اختياراً أو لا؟ الظاهر ذلك، لأنّ الإمام ضَمِنَ قراءته بإدراكه في الركوع والمفروض أنّه يجوز العدول، سواء نوى العدول في بدء العمل، أو بدا له، غير أنّ المصنّف احتاط بترك العدول إذا كان ذلك من نيّته أوّلاً.
أمّا كون ترك العدول مطلقاً هو الأحوط فواضح، إمّا لعدم جواز قصد الانفراد، أو لإطلاق قوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» خرج منه ما إذا استمر في الإئتمام وبقي غيره تحت الإطلاق حيث يصدق على صلاة المأموم أنّها صلاة بلا فاتحة الكتاب، إذ لم يكن مؤتمّاً عند قراءة الإمام، ولذلك قلنا بالاحتياط وعدم جواز الإئتمام في الركعة الثالثة عند ركوع الإمام; لأنّ المأموم صلّى بلا فاتحة الكتاب، أمّا مباشرة فواضح، وأمّا ضماناً فإنّ المفروض أنّ الإمام قرأ التسبيحات الأربع، فلاحظ.
وأمّا كونه أحوط في خصوص ما إذا كان ذلك من نيّته أوّلاً، إذ لا خصوصية له في هذه المسألة، وإن كانت له خصوصية في أصل المسألة.

صفحه 119
المسألة19: إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام وأتمّ صلاته، فنوى الاقتداء به في صلاة أُخرى قبل أن يركع الإمام في تلك الركعة، أو حال كونه في الركوع من تلك الركعة جاز، ولكنّه خلاف الاحتياط.*

* لو أراد المأموم أن يصلّي صلاتين بإمام واحد وركعة واحدة

حاصل المسألة: أنّ المأموم يريد أن يصلّي صلاتين بإمام واحد وركعة واحدة، ولها صورتان:
الأُولى: إذا اقتدى بإمام وهو مشغول بالقراءة فلمّا أنهى قراءته، نوى المأموم الانفراد وأتمّ صلاته، ووجد الإمام بعد قائماً في نفس الركعة مشتغلاً بالدعاء، فاقتدى به في صلاة أُخرى، وهذه الصورة هي التي أشار إليها بقوله:«قبل أن يركع الإمام في تلك الركعة».
الثانية: نفس الصورة، لكن وجد الإمام في حال الركوع من تلك الركعة.
ومقتضى القواعد صحّة الاقتداء في كلتا الصورتين، إمّا مطلقاً، أو في صورة العذر كما قلنا.
أمّا كونه على خلاف الاحتياط وهو استلزامه ضمان الإمام بقراءة واحدة عن قراءتي المأموم، ولعلّ مثله غير مشمول لدليل ضمان الإمام قراءة المأموم.

صفحه 120
المسألة20: لو نوى الانفراد في الأثناء لا يجوز له العود إلى الإئتمام. نعم لو تردّد في الانفراد وعدمه ثم عزم على عدم الانفراد صح، بل لا يبعد جواز العود إذا كان بعد نيّة الانفراد بلا فصل، وإن كان الأحوط عدم العود مطلقاً.*

* لو نوى الانفراد في الأثناء وأراد العود إلى الإئتمام

في المسألة صور:
1. لو نوى الانفراد في الأثناء هل يجوز له العود إلى الإئتمام ؟
2. لو تردّد في الانفراد وعدمه، فهل له العزم على عدم الانفراد؟
3. إذا نوى الانفراد، ثم ـ بلا فصل ـ نوى العود إلى الإئتمام.
أمّا الصورة الأُولى: فلما عرفت من أنّ الأصل هو كون الجماعة وصفاً للصلاة كلّها، وأمّا كونها وصفاً لبعض منها، فهو على خلاف الأصل، خرج من الضابطة العدول من الجماعة إلى الانفراد بالروايات التي عرفت مفادها. وأمّا الإئتمام بعد الانفراد فهو على خلاف الأصل.
وأمّا الصورة الثانية: فلأنّ الترديد يخرج الإنسان عن نيّة الإئتمام، فيدخل تحت الضابطة الممنوعة.
وأمّا الصورة الثالثة: أعني: إذا كان في أثناء الصلاة وقصد الانفراد، ثم نوى العود إلى الإئتمام، فحكمه حكم الصورة الثانية. نعم الأمر في الصورة الثالثة أهون من الصورة الثانية، لأنّه تردّد فيها، بخلاف المقام نوى الانفراد ثم قصد الإئتمام.

صفحه 121
المسألة 21: لو شكّ في أنّه عدل إلى الانفراد أم لا، بنى على عدمه.*
المسألة 22: لا يعتبر في صحّة الجماعة قصد القربة من حيث الجماعة، بل يكفي قصد القربة في أصل الصلاة. فلو كان قصد الإمام من الجماعة الجاه أو مطلب آخر دنيوي، ولكن كان قاصداً للقربة في أصل الصلاة صحّ. وكذا إذا كان قصد المأموم من الجماعة سهولة الأمر عليه، أو الفرار من الوسوسة، أو الشك، أو من تعب تعلّم القراءة أو نحو ذلك من الأغراض الدنيوية صحّت صلاته، مع كونه قاصداً للقربة فيها. نعم لا يترتّب ثواب الجماعة إلاّ بقصد القربة فيها.**

* لو شك في الأثناء أنّه عدل إلى الانفراد

إذا دخل في الصلاة بنيّة الجماعة لكن شك في أثنائها في عدوله إلى الانفراد لا يعتد بشكّه; لأنّ الأصل بقاؤه على ما كان عليه.
وإن شئت قلت: الأصل عدم المانع أو عدم العدول.
** في المسألة فروع:
1. شرطية وجوب قصد القربة على الإمام في صحّة الجماعة.
2. إذا قصد الإمام من الجماعة الجاه أو مطلباً دنيوياً.
3. وجوب قصد القربة للمأموم في صحّة الجماعة .
4. إذا قصد المأموم من الجماعة سهولة الأمر عليه ونحو ذلك.   2

صفحه 122
5. ترتّب ثواب الجماعة رهن قصد القربة.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر:
في شرطية وجوب قصد القربة على الإمام في صحّة الجماعة   

الفرع الأوّل: شرطية وجوب قصد القربة على الإمام في صحّة الجماعة

لا شك ولا خلاف في أُمور ثلاثة:
1. يعتبر في صحّة الصلاة قصد القربة من الإمام والمأموم، وهذا ممّا لا ريب فيه.
2. لا يجب على الإمام قصد الجماعة; لأنّ وظيفة الإمام هي وظيفة المنفرد، فإذا عمل بوظيفته صحّت صلاته من دون قصد الجماعة، ولذلك لو صلّى الإمام ولم يكن معه أحد ثم لحقته جماعة أُخرى وائتموا به صحّت جماعته، وما هذا إلاّ لأجل عدم اعتبار قصد الجماعة منه.
3. يجب على المأموم قصد الجماعة; لأنّ وظيفته أقلّ من وظيفة المنفرد، حيث إنّ الإمام يضمن عنه القراءة، وربما لا تضرّه زيادة الركن في الجماعة، فترتّب هذه الآثار رهن قصد الجماعة له.
إذا علمت هذه الأُمور الثلاثة فنقول: هل يعتبر في الإمام وراء قصد القربة في أصل الصلاة، قصد القربة في إقامة الصلاة جماعة أو لا؟
الظاهر هو الثاني; لأنّه إذا لم يكن قصد الجماعة واجباً عليه، فكيف يجب عليه قصد القربة فيها؟!
نعم، بشرط أن لا يكون مرائياً بها، لأنّه عندئذ اختار من مصاديق الطبيعة الفرد المحرّم، فيكون منهيّاً عنه خارجاً عن محطّ تعلّق الأمر .   2

صفحه 123

في أحكام الضمائم

توضيحه: أنّه لا يعتبر في صحّة الصلاة قصد القربة في عامّة الخصوصيات المعتبرة فيها، بل يكفي قصد القربة في أصل الصلاة، لكنّ إيجادها مع بعض الخصوصيات والضمائم يُتصوَّر على وجهين:
1. ما يكون محلّلاً غير محرّم غير أنّ المكلّف يختار ما هو أوفق بحاله وأحبّ إليه، وهذا كالأمر بالوضوء فإنّ الواجب هو التوضّؤ، والخصوصيات مخوّلة إلى المكلّف، فله أن يتوضّأ بالماء البارد أو يتوضّأ بالماء الحار، لكنّه ينتخب الحار في فصل الشتاء والبارد في الصيف، كلّ ذلك لأنّه أحبّ إليه وأوفق بحاله.
وهذا النوع من دخالة الرغبة النفسانية في أمر العبادة غير مضرّ; لأنّ المفروض أنّ الشرع فوّض الأمر إلى المكلّف وجعله مخيّراً في انتخاب الخصوصية، ولكنّه يختار ما هو أحبّ إليه .
2. ما يكون محرّماً ومبغوضاً لدى الشارع فليس له إيجاد الطبيعة في ضمن الفرد المحرّم، كما إذا صلّى الجماعة رياءً وإن كان قاصداً لامتثال أمر المولى في إيجاد الطبيعة ولكنّه أوجد الطبيعة في ضمن خصوصية محرّمة، فلا تكون الطبيعة لأجل اتحادها بالخصوصية المبغوضية متعلّقاً للأمر.
يقول الشيخ الأنصاري: إنّ الأمر بالكلّي إنّما يلزم منه التخيير في الأفراد المباحة دون مطلق الأفراد حتّى المحرّمة، مع أنّه يصدق عليه أنّه عمل   2

صفحه 124
هذا العمل الخاص لغير الله .(1)
فظهر من ذلك أنّ إيجاد الطبيعة في ضمن الجماعة صحيح وإن لم يقصد القربة في الخصوصية إلى الجماعة، كعدم قصده في التوضّؤ بالماء البارد أو الحار.
   

الفرع الثاني: لو قصد الإمام من الجماعة الجاه والأُمور الدنيوية

إذا قصد الإمام من الجماعة الجاه وأشباهه فهل تبطل جماعته؟ والفرق بين الفرعين واضح، فإنّ الفرع الأوّل يركّز على عدم اعتبار قصد القربة للإمام في انعقاد الجماعة، ولكن الفرع الثاني يركّز على أنّ قصد الجاه والدواعي الدنيوية هل يضر بالجماعة أو لا؟ فالمصنّف وبعض المعلّقين على العروة أفتوا بالصحّة .
والجاه في اللغة: القدر والشرف وعلوّ المنزلة، ولكنّ المراد به هو طلب المنزلة عند الناس، ومدحهم له (2) وإظهار مكانته بين الناس، وأنّ له منزلة عالية مقبولة، وعلى هذا فهو يقصد القربة في أصل الصلاة، والأغراض الدنيوية، بالجماعة، فهل تصحّ صلاته وجماعته أو لا؟
ذهب المصنّف إلى الصحّة، قائلاً بأنّه إذا لم يكن قصد الجماعة واجباً عليه فلا يضرّه قصد الدواعي الدنيوية في هذا الأمر، لأنّ غاية الأمر أنّه لا يترتّب على جماعته ثوابها، وتبعه المحقّق الحائري (قدس سره)، وقال: إذا كان إيجاد أصل العمل المأمور به مستنداً إلى القربة من دون شركة داع آخر ولو   2

1 . كتاب الطهارة: 104، البحث عن أعمال المرائي.
2 . كتاب الصلاة، للعلاّمة الحائري: 316، الطبعة الحجرية .

صفحه 125
تأكيداً، وكان إيجاد الخصوصية الّتي لا يقتضيها أمر الآمر لا وجوداً ولا عدماً مستنداً إلى داع مباح، وهو طلب المنزلة عند الناس ومدحهم له، فلا يُفهم من الروايات.
وحصيلة الكلام: أنّ المفهوم من الروايات الواردة في «الرياء» أنّ عنوان المأمور به إن كان خالصاً لله عزّوجلّ يُقبل، وإن كان غير خالص لا يُقبل، وأمّا الخصوصيات الخارجة المنضمّة إلى المأمور به بواسطة ترجيح فرد من بين الأفراد لداع مباح، فليس مورداً للقبول وعدمه.
روى علي بن سالم، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)، يقول:«قال الله عزوجل: أنا خير شريك، فمن أشرك معي غيري في عمل لم أقبله، إلاّ ما كان لي خالصاً».(1)
أقول: ما ذكره جميل لو كان انتخاب هذا الفرد من الطبيعة أمراً مباحاً، كالتوضّؤ بالماء الحار والبارد، ولكنّ الجاه على قسمين:
قسم محبوب، يُعدّ من المحاسن والفضائل ، كما إذا كان الجاه والمنزلة وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر الأُمور الشرعية; وقسم منه مبغوض، يُعدّ من الرذائل كما في المقام، ولا يُعالج إلاّ بالمجاهدة والرياضة، وعندئذ لا فرق بينه وبين الرياء من هذه الجهة، وذلك لأنّ الرياء وإنْ كان محرّماً، والجاه غير محرّم، لكنّهما يشتركان في عدم الخلوص في العمل،   2

1 . الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 9. ولاحظ كتاب الصلاة للعلاّمة الحائري: 316 .

صفحه 126
فيصدق عليه قول أبي جعفر (عليه السلام)لزرارة وحُمران:«لو أنّ عبداً عمل عملاً يطلب به وجه الله والدار الآخرة، وأدخل فيه رضا أحد من الناس، كان مشركاً».(1)
فظهر ممّا ذكرنا أنّ الضمائم على أقسام ثلاثة:
1. ما لا يكون لها أي تأثير في الدعوة إلى إيجاد الطبيعة، والإتيان بالخصوصيات من لوازم امتثال العمل.
2. ما تكون الضميمة أمراً محرّماً، كما إذا كان مرائياً بإقامة الصلاة جماعة، وإنْ لم يكن مرائياً بأصل إتيان الصلاة، لأنّ العمل الواحد يكون مبغوضاً، لا مقرّباً .
3. ما يكون أمراً مباحاً ولكن يُعدّ من الرذائل، لا من المحاسن، بحيث يكون له تأثير في إيجاد طبيعة الصلاة ضمن هذا الفرد، كإقامة الصلاة جماعة للجاه وإظهار المنزلة .
وبذلك يظهر أنّ ما علّقه بعض المعلّقين على قول الماتن: «صحّ» بقوله: (هذا ممّا تزلّ فيه أقدام الرجال)، لا يخلو من إتقان .
ولذلك استشكل سيد مشايخنا البروجردي (رحمه الله) في تعليقته على «العروة الوثقى»، وقال: هذا في غاية الإشكال.

الفرع الثالث: وجوب قصد القربة للمأموم في الجماعة

قد عرفت أنّه يجب على المأموم قصد الجماعة حتى يترتّب عليه   2

1 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11 .

صفحه 127
أثره فيترتّب عليه قصد القربة في تحقّق صحّة الجماعة، فلو كان مرائياً ودخل في الجماعة رياءً أو سمعةً تبطل جماعته، وبالتالي تبطل صلاته إذا لم يعمل بوظيفة المنفرد. والغالب عدم العمل بوظيفة المنفرد.

الفرع الرابع: لو قصد من الجماعة سهولة الأمر عليه

إذا قصد المأموم من إقامة الصلاة جماعة أُموراً نظير سهولة الأمر عليه، أو الفرار من الوسوسة أو الشكّ أو من تعب تعلّم القراءة، صحّت صلاته وجماعته; لأنّ هذه الأُمور لا تنافي قصد القربة، بل هي من قبيل الدواعي الطولية لقصد القربة في الجماعة; بخلاف ما إذا دخل رياءً وسمعة، فإنّهما لا ينسجمان مع قصد القربة في انعقاد الصلاة جماعة.
وبعبارة أُخرى: أنّ الداعي في الموارد المذكورة إلى إتيان الصلاة جماعة هو أمر المولى، بحيث لولا أمره لترك الصلاة بتاتاً، ولكن لمّا أمر المولى ولم يكن له بد من الامتثال اختار الفرد الأسهل.

الفرع الخامس: ترتّب ثواب الجماعة رهن قصد القربة

كلُّ مورد يترتّب عليه بطلان الجماعة، لا يترتّب على العمل ثوابها; لأنّ ترتّب الثواب فرع قصد القربة وصحّة الجماعة.

صفحه 128
المسألة 23: إذا نوى الاقتداء بمن يصلّي صلاة لا يجوز الاقتداء فيها سهواً أو جهلاً، كما إذا كانت نافلة، أو صلاة الآيات مثلاً، فإن تذكّر قبل الإتيان بما ينافي صلاة المنفرد عدل إلى الانفراد، وصحّت; وكذا تصحّ إذا تذكّر بعد الفراغ، ولم تخالف صلاة المنفرد، وإلاّ بطلت.*
لو نوى الاقتداء بصلاة لا يجوز الاقتداء فيها وتذكّر في الأثناء أو بعد الفراغ منها   

* لو نوى الاقتداء بصلاة لا يجوز الاقتداء فيها وتذكّر في الأثناء أو بعد الفراغ منها

في المسألة فرعان:
1. إذا نوى الاقتداء بصلاة لا يجوز الاقتداء فيها لكونها نافلة مثلاً وتذكّر في الأثناء.
2. إذا تذكّر بعد الفراغ عن الصلاة.
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: لو ائتم بمن يصلّي نافلة الفجر بتخيّل أنّه يصلّي فريضة الصبح وانكشف له الحال في الأثناء قبل الإتيان بما ينافي صلاة المنفرد، صحّت صلاته منفرداً من بدء الأمر ـ وجه الصحة ـ لتعدّد المطلوب بتعدد النيّة، فقد نوى صلاة الفجر كما نوى إتيانها بالجماعة، فإذا لغت النيّة الثانية لعدم الموضوع، بقي الأوّل من دون حاجة إلى قصد العدول; لأنّ صلاته انعقدت من بدء العمل منفرداً، غير أنّه كان يتخيّل أنّه يقيمها جماعة.
ثم لو تذكّر قبل الركوع فعليه القراءة، ولو تذكّر بعده سقطت القراءة لقاعدة: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة» وقد مرّ أنّها تشمل التارك العامد عن   2

صفحه 129
عذر كما في المقام. نعم صحّة صلاته متوقّفة على عدم الإتيان بما ينافي صحّة صلاة المنفرد.
وبذلك يظهر بطلان الصلاة في موارد:
1. لو تذكّر وهو قائم ولكن ترك القراءة.
2. إذا زاد ركناً قبل التذكّر; لأنّ الزيادة يغفر عنها في الجماعة لا في الانفراد.
3. لو عرض له الشكّ ـ قبل التذكّر ـ بين الواحد والاثنين فرجع إلى الإمام اعتقاداً بصحّة الإئتمام، فلمّا تبيّن فساد الجماعة تبيّن فساد الرجوع وبقاء الشكّ بين الواحد والاثنين.
الفرع الثاني: لو تذكّر بعد الفراغ صحّت صلاته أيضاً وإن ترك القراءة لقاعدة: «لا تعاد» الشاملة للتارك عمداً لكن عن عذر، ولكن الصحّة في هذا الفرض كالفرع السابق متوقّفة على عدم الإتيان بما يخالف صلاة المنفرد وتتحقق المخالفة بالموردين: الثاني والثالث أعني: زيادة الركن أو الشكّ بين الواحد والاثنين.

صفحه 130
المسألة24: إذا لم يدرك الإمام إلاّ في الركوع، أو أدركه في أوّل الركعة أو في أثنائها أو قبل الركوع فلم يدخل في الصلاة إلى أن ركع، جاز له الدخول معه، وتحسب له ركعة، وهو منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة على الأقوى، بشرط أن يصل إلى حدّ الركوع قبل رفع الإمام رأسه، وإن كان بعد فراغه من الذكر على الأقوى فلا يدركها إذا أدركه بعد رفع رأسه، بل وكذا لو وصل المأموم إلى الركوع بعد شروع الإمام في رفع الرأس، وإن لم يخرج بعد عن حدّه على الأحوط.
وبالجملة: إدراك الركعة ـ في ابتداء الجماعة ـ يتوقّف على إدراك ركوع الإمام قبل الشروع في رفع رأسه.
وأمّا في الركعات الأُخر فلا يضر عدم إدراك الركوع مع الإمام بأن ركع بعد رفع رأسه، بل بعد دخوله في السجود أيضاً.
هذا إذا دخل في الجماعة بعد ركوع الإمام، وأمّا إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثنائها واتّفق أنّه تأخّر عن الإمام في الركوع، فالظاهر صحّة صلاته وجماعته، فما هو المشهور ـ من أنّه لابدّ من إدراك ركوع الإمام في الركعة الأُولى للمأموم في ابتداء الجماعة وإلاّ لم تحسب له ركعة ـ مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام أو قبله بعد تمام القراءة، لا فيما إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثنائها، وإن صرّح بعضهم بالتعميم، ولكن الأحوط الإتمام ـ حينئذ ـ والإعادة.*
   
* في المسألة فروع:   2

صفحه 131
1. منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة.
2. حكم الركعات الأُخر إذا أدركه في الركعة الأُولى صحيحاً.
3. حكم ما إذا دخل في الصلاة من أوّل الركعة أو أثنائها واتّفق تأخّره عن الإمام في ركوع الركعة الأُولى.
أقول: الوضع الطبيعي للفروع يقتضي تأخير الثاني وتقديم الثالث; لأنّ الأخير من متمّمات الفرع الأوّل، وما يستدلّ به على الفرع الثاني، إنّما ورد في الفرع الثالث، ويُستدل به عليه بإلغاء الخصوصية، ولكنّا جرينا حسب سياق المتن.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الأوّل: في منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة

هل يكفي إدراك الإمام في الركوع، أو لا يتحقق إلاّ بإدراك تكبيرة الركوع للإمام؟
والأوّل هو المشهور أو الأشهر، قال الشيخ في «الخلاف»: من لحق الإمام وقد ركع وجب عليه أن يكبر تكبيرة الافتتاح ثم يكبر تكبيرة الركوع، فإن لم يتمكّن اقتصر على تكبيرة الإحرام .
وقال الشافعي: لابدّ من التكبيرتين على كلّ حال في الفرائض. ثم استدلّ الشيخ على مختاره بالإجماع.(1)   2

1 . الخلاف:1/314، المسألة63.

صفحه 132
وقال المحقق: تدرك الصلاة جماعة بإدراك الركوع، وبإدراك الإمام راكعاً على الأشبه.(1)
وقال في «التذكرة»: يدرك المأموم الركعة بإدراكها من أوّلها جماعة وبإدراك تكبيرة الركوع أيضاً; لأنّه أدرك معظم الركعة، والقراءة ليست ركناً وهل يدركها بإدراك الإمام راكعاً؟ الوجه ذلك، خلافاً للشيخ وقد مضى البحث في ذلك في باب الجمعة.(2)
وقد وصف صاحب الجواهر هذا القول بالأشهر وقال: الأشهر بل لا أجد فيه خلافاً بين المتأخّرين، كما اعترف به في الذكرى، والرياض فنسبا فيهما إلى المتأخّرين من الأصحاب نفي الخلاف عنه مطلقاً.(3)
وذهب الشيخ في «النهاية» إلى أنّ الإدراك بإدراك تكبيرة الركوع، قال: ومَن لحق تكبيرة الركوع (للإمام) فقد أدرك تلك الركعة، فمن لم يلحقها فقد فاتت.(4) وتبعه القاضي في «المهذب» قال: ومن أدرك تكبيرة الركوع فقد أدرك تلك الركعة، وإن لم يدركها فقد فاتته.(4) ونسبه في الجواهر(5) إلى المفيد، ولم نعثر عليه في المقنعة، بل لم يعقد فصلاً خاصّاً بصلاة الجماعة.   2

1 . شرائع الإسلام:1/122.
2 . تذكرة الفقهاء:4/325. وما نسبه إلى الشيخ راجع إلى «النهاية»، وإلاّ فقد وافق المشهور في «الخلاف».
3 . جواهر الكلام:13/146.   4 . النهاية: 114.
4 . المهذب:1/82.
5 . جواهر الكلام:13/147.

صفحه 133
ويدلّ على القول الأوّل روايات صحاح :
1. صحيحة سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: في الرجل إذا أدرك الإمام وهو راكع وكبّر الرجل، وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة.(1)
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال: «إذا أدركتَ الإمامَ وقد ركع فكبّرتَ وركعتَ قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركتَ الركعةَ، وإن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة».(2)
3. صحيحة أبي أُسامة ـ زيد الشحّام ـ أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل انتهى إلى الإمام وهو راكع؟ قال: «إذا كبّر وأقام صلبه ثم ركع فقد أدرك».(3)
4. وخبر معاوية بن ميسرة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «إذا جاء الرجل مبادراً والإمام راكع، أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع ».(4)
5. وخبر عبيد الله بن معاوية بن شريح، عن أبيه، عن أبي عبد الله(عليه السلام)مثله.(5)
6. كتب محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان(عليه السلام)   2

1 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
2 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.
3 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.
4 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث4.
5 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة في ذيل الحديث4.

صفحه 134
يسأله عن الرجل يلحق الإمام وهو راكع فيركع معه ويُحتسب بتلك الركعة، فإنّ بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع ] للإمام [فليس له أن يعتدّ بتلك الركعة؟ فأجاب(عليه السلام): «إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة، وإن لم يسمع تكبيرة الركوع».(1)
ويدلّ الخبر على أنّ المسألة في عصر الإمام كان مختلفاً فيها، وأنّ بعض أصحابنا قالوا: بالقول الآخر.
7. صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) ـ في حديث ـ أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يقول:«إنّ أوّل صلاة أحدكم، الركوع».(2)
8. صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «إذا دخلت المسجد والإمام راكع فظننت إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه، فكبّر واركع، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فإذا قام فالحق بالصف، فإذا جلس فأجلس مكانك، فإذا قام فألحق بالصف».(3)
9. خبر مروك بن عبيد، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: إنّي إمام مسجد الحىّ فأركع بهم فأسمع خفقان نعالهم وأنا راكع، فقال: «اصبر ركوعك ومثل ركوعك، فإن انقطع وإلاّ فانتصب قائماً».(4)   2

1 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث5.
2 . الوسائل: 4، الباب9 من أبواب الركوع، الحديث6.
3 . الوسائل: 5، الباب46 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3. ولاحظ بقية أحاديث ذلك الباب.
4 . الوسائل: 5، الباب50 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2. ولاحظ الرواية الأُولى من هذا الباب. قوله: ومثل ركوعك، أي اركع ضعف ركوعك فإن انقطع خفقان النعال فهو، وإلاّ فلا تعتدّ به وارفع رأسك لئلاّ يكون من خلفك على حرج .

صفحه 135
وهذه الروايات المتضافرة مع عمل المشهور بها حجّة، لا يمكن العدول عنها.
ويدلّ على الخلاف صحيحة محمد بن مسلم تارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، المرويّة بطرق ثلاثة، وأُخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام)المروية بطريق واحد.
أمّا الأُولى:
1. عن أبي جعفر (عليه السلام): قال:«إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة».(1) ودلالتها على المنع بالمفهوم لا بالمنطوق.
2. عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال لي: «إذا لم تدرك القومَ قبل أن يكبّر الإمام للركعة، فلا تدخل معهم في تلك الركعة».(2)
3. عن أبي جعفر(عليه السلام): «لا تعتد بالركعة الّتي لم تشهد تكبيرها مع الإمام».(3) ودلالة الأخيرتين على المنع بالمنطوق .
4. عن أبي عبدالله(عليه السلام): «إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة» .(4) وألفاظها قريبة من الرواية الثانية. فيكون المخالف، روايتين صحيحتين.
وقد عرفت أنّ خبر الاحتجاج دلّ على وجود الخلاف بين الأصحاب، وأنّ الإمام قدّم القول المشهور، وعلى ذلك يمكن حمل رواية محمد بن   2

1 . الوسائل: 5، الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 5، الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.
4 . الوسائل: 5، الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.

صفحه 136
مسلم على الأولويّة، أي أولويّة التأخير للركعة اللاحقة.
بقيت هنا رواية واحدة وهي صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة؟ قال: «يصلّي ركعتين، فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعاً ـ وقال: ـ إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، وإن أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع».(1)
فإنّ ظاهر الفقرة الأُولى يوافق قول الشيخ في «النهاية» من لزوم إدراك الإمام قبل أن يركع حيث قال: «إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة». مع أنّ ظاهر الروايات السابقة كفاية الدرك بعد الركوع.
ويمكن أن يقال بالفرق بين إدراك الجمعة وإدراك الجماعة، إذ يَحتمل أن يكون إدراك الأُولى متوقّفاً على إدراك الإمام قبل أن يركع، وامّا إدراك الجماعة فيكفي إدراكه بعد الركوع، فلا منافاة بينها و بين ما سبق، وأمّا جعلها في الرواية، أُولى ركعات الظهر حيث قال: «وإن أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر» فلأجل عدم كفاية إدراك الركوع في صلاة الجمعة تعيّن كونها ظهراً.
فعلى هذا فيشترط في صحّة المأموم أن يصل إلى حدّ الركوع قبل رفع الإمام رأسه، وإن كان بعد فراغه من الذكر، وأمّا ما في مكاتبة الحميري حيث جاء في الجواب: «إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة»، فلعله لأجل الاطمئنان بدرك الإمام قبل رفع رأسه، وليس للتسبيحة خصوصية، فلا يناهض تقييد سائر الروايات. فالميزان في الصحّة هو دخول المأموم   2

1 . الوسائل: 5، الباب26 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 3.

صفحه 137
حدّ الركوع حال كون الإمام في الركوع.
***
ولو ركع مقارناً مع شروع الإمام في رفع الرأس، وله صورتان:
1. إذا اجتمعا في قدر الإجزاء من الركوع، كما إذا رفع الإمام رأسه ولم يجاوز حدّ الركوع الجائز ـ وهو بلوغ أُصول أصابعه إلى ركبتيه ـ فأدركه المأموم في ذلك، وهذا كما إذا انحنى الإمام كثيراً فوق حدّ الإجزاء، إذ عندئذ يكون بين الشروع في الرفع والخروج عن الحدّ الجائز، فاصلاً زمانياً، فقد صرّح العلاّمة بالصحّة ودرك الركعة في كتاب «التذكرة».(1) خلافاً للمصنّف حيث لم يفرّق بين هذه الصورة وما سيوافيك من الصورة الثانية، ولعلّ مصدر التسوية إطلاق صحيح الحلبي من قوله:«وإن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة».(2)
ومع ذلك يحتمل أن يكون الرفع فيها كناية عن التجاوز عن حدّ الركوع الجائز لا الشروع في الرفع، والمفروض أنّ المأموم أدركه والإمام في حدّ الركوع.
2. إذا أدركه في الركوع فقد تجاوز الإمام حدّ الإجزاء، فلا إشكال في فوت الركعة.   2

1 . تذكرة الفقهاء:4/325.
2 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

صفحه 138
في حكم الركعات الأُخر إذا أدركه في الأُولى صحيحاً   

الفرع الثاني: حكم الركعات الأُخر إذا أدركه في الأُولى صحيحاً

هل الركعات الأُخرى كالركعة الأُولى من لزوم درك الإمام في الركوع في صحّة الركعة، أو أنّها تختلف عنها في ذلك؟ فالمصنّف على الثاني قال: فإذا أدركه في الركعة الأُولى صحيحاً فلا يضر عدم إدراك الركوع مع الإمام في بقية الركعات بأن ركع بعد رفع رأسه، أو بعد دخوله في السجود. وعلى ضوء ما ذكره إذا انعقدت الجماعة صحيحاً في الركعة الأُولى فلا يضر التخلّف عن الإمام في ركوع سائر الركعات وسجودها، كما إذا منعه مانع عن الاتباع فرفع الإمام رأسه عن الركوع أو دخل في السجود وهو قائم. واستدلّ عليه بما يلي: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن(عليه السلام) في رجل صلّى في جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الإمام ألجأه الناس إلى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على أن يركع ثم يقوم في الصف ولا يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم، أيركع ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم أم كيف يصنع؟ قال: «يركع ويسجد لا بأس بذلك».(1)
والسند في الفقيه، والتهذيب علي بن إسماعيل المشترك بين الموثّق وغيره، ومورد الرواية هو صلاة الجمعة، والتخلّف في ركوع الركعة الأُولى عن عذر; وذلك لأنّ صلاة الجمعة لا تتجاوز ركعتين وكان الزحام في الركعة الأُولى بقرينة قوله: «وقد قام القوم» فقال بصحّة صلاته وإن لم يدرك ركوع الركعة بعد أن أدرك تكبيرة الإمام أو قراءته. وأمّا الاستدلال على المقام ـ    2

1 . الوسائل: 5، الباب17 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1.

صفحه 139
أي حكم الركعة الأُخرى ـ فبعدم الفرق أيضاً بين صلاة الجمعة وغيرها أوّلاً، وبين الركعة الأُولى وسائر الركعات ثانياً، غاية الأمر يختصّ الجواز بصورة العجز عن المتابعة لا التخلّف عن اختيار.
2. ما رواه أيضاً عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون في المسجد إمّا في يوم الجمعة، وإمّا في غير ذلك من الأيام فيزحمه الناس إمّا إلى حائط وإمّا إلى اسطوانة، فلا يقدر على أن يركع ولا يسجد حتى رفع الناس رؤوسهم فهل يجوز له أن يركع ويسجد وحده ثم يستوي مع الناس في الصف؟ فقال: «نعم لا بأس بذلك».(1)
والسند ضعيف بمحمد بن سليمان، قال الطوسي: له كتاب، يرمى بالغلو، من رجال الإمام الكاظم(عليه السلام). وقال في رجال الرضا(عليه السلام): بصري ضعيف. وقال النجاشي: ضعيف جداً لا يعول عليه بشيء. وعلى القول بالاعتبار ففي السؤال تصريح على التعميم بين صلاة الجمعة وغيرها، فلا حاجة لإلغاء الخصوصية من الجهتين المذكورتين .
3. ما رواه عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يصلّي مع إمام يقتدي به فركع الإمام وسها الرجل وهو خلفه لم يركع حتى رفع الإمام رأسه وانحط للسجود، أيركع ثم يلحق بالإمام والقوم في سجودهم، أم كيف يصنع؟ قال: «يركع ثم ينحط ويتمّ صلاته معهم ولا شيء عليه».(2)   2

1 . الوسائل: 5، الباب17 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث3.
2 . الوسائل: 5 ، الباب17 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث4.

صفحه 140
ويحتمل وحدة الأُولى مع الثالثة، لأنّ المسؤول فيهما هو الإمام أبو عبدالله (عليه السلام)، ومع ذلك يحتمل تعدّدهما، لأنّ مورد الأُولى هو صلاة الجمعة ومورد الثالثة مطلق، ولذلك لا يحتاج إلى إلغاء الخصوصية من الجانبين .
والقدر المتيقّن هو جواز التخلّف إلى حد رفع السجود عن عذر فقط، وإلاّ فلو تأخّر عن القيام أيضاً حتّى ركع الإمام للركعة التالية فجماعته باطلة، لأنّ الجماعة أمر عرفي بمعنى المتابعة، وقد ورد: إنّما جعل الإمام ليؤتم به، والفاصل الزماني إلى هذا الحدّ يغاير المتابعة، فيخرج من الجماعة وينفرد.
لو دخل في الجماعة من أوّل الركعة، واتّفق التأخّر   

الفرع الثالث: إذا دخل في الجماعة من أوّل الركعة، واتّفق التأخّر

إذا دخل في الجماعة من أوّل الركعة أو أثنائها، واتّفق أنّه تأخّر عن الإمام في الركوع، فهل تبطل جماعته أو صلاته؟ مثلما إذا دخل في الجماعة بعد رفع الإمام رأسه من الركوع ، أو تصحّ صلاته وجماعته بعد إدراك الإمام في الركعة الأُولى في الابتداء أو الأثناء، والمصنّف على الثاني قائلاً: بأنّ قولهم لابدّ من إدراك ركوع الإمام في الركعة الأُولى للمأموم مختصّ بما إذا دخل الجماعة حال ركوع الإمام أو قبله بعد تمام القراءة، لا فيما إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثنائها.
وحاصل كلامه: أنّ صحّة درك الركعة الأُولى رهن أحد أمرين:
أمّا درك الإمام في الركوع فقط، أو إدراك الإمام في أوّل الركعة أو أثنائها.
والقدر المتيقّن هو التأخّر لعذر لا ما إذا كان عن عمد.   2

صفحه 141
قال النراقي : لو تأخّر المأموم سهواً أو عمداً عن الإمام بقدر فعل أو أكثر، ركن أو غيره ـ إلى أن قال:ـ كأن يبقى قائماً حتى يرفع الإمام رأسه من الركوع، أو راكعاً حتى يسجد، أو ساجداً حتى يتشهّد، صحّت صلاته واقتداؤه; كما صرّح به الشهيد في «الذكرى»، والمحقق الثاني في «الجعفرية»، وظاهر الأوّل اتفاقنا عليه. وعن «التذكرة» التوقّف وان يظهر الميل إلى الصحّة أيضاً.(1)
واستظهر الشيخ الأنصاري من المحكىّ عن «كشف اللثام» خلاف ما ذكره النراقي: أنّ ما ذكره المشهور في الركعة الأُولى لا اختصاص له بها، بل إدراك أىّ ركعة كانت لا يتحقّق إلاّ بإدراك الركوع، قال في مسألة ما لو زوحم المأموم في صلاة الجمعة عن السجود في الركعة الأُولى ـ عند شرح قول الماتن في القواعد: إنّه «لو سجد ولحق الإمام قبل الركوع تابعه»(2) ـ ما هذا لفظه:وقد أدرك الركعتين اتّفاقاً في الأُولى، وعلى خلاف يأتي في الجماعة في الثانية(3). انتهى.
وقرّره على ذلك في «مفتاح الكرامة»، لكنّه قال: إنّ ذلك الخلاف ضعيف، كما بيّن في محلّه.(4)
ويدلّ على مختار المصنّف أُمور:
1. أنّ الروايات المانعة عن الاحتساب عند عدم إدراك الركوع   2

1 . مستند الشيعة:8/107.
2 . القواعد:1/288.
3 . كشف اللثام:4/295.
4 . مفتاح الكرامة:3/160. ولاحظ الصلاة للشيخ الأنصاري:2/432.

صفحه 142
تختصّ بما إذا كان الالتحاق بالجماعة حال ركوع الإمام، دون ما إذا كان الدخول فيها قبل ذلك في ابتداء الركعة أو أثنائها، فإذا كانت الجماعة منعقدة، والإمام ضمن قراءته صحّت صلاته وجماعته.
2. أنّ ما سبق من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن الكاظم(عليه السلام) ناظر إلى ما إذا دخل الرجل في الجماعة ابتداءً غير أنّ المانع منعه من الركوع والسجود مع الإمام، فقال الإمام (عليه السلام): «يركع ويسجد ولا بأس بذلك».(1)
3. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة».(2) فإنّ ظاهرها أنّ إدراك التكبيرة الّذي يلازم إدراك الإمام قائماً يكفي في إدراك الجماعة، والمفروض أنّ المأموم أدرك تكبيرة الإمام في ركوع الركعة الأُولى وإن لم يركع معه. إلا أن يقال: إنّ الصحيحة بصدد بيان عدم الحاجة إلى إدراك ما قبل تكبيرة الركوع، وأمّا عدم الحاجة إلى إدراك الإمام في الركوع فليست بصدد بيانه.
نعم قد سبق أنّ الأصحاب قد أعرضوا عن هذه الصحيحة لا في منطوقها، بل في مفهومها كما مرّ.
وعلى كلّ تقدير فقد احتاط المصنّف بالإتمام أوّلاً مع الجماعة والإعادة، ولعلّ الإعادة للخروج عن شبهة الخلاف.
لو ركع بتخيّل إدراك الإمام ولم يدركه   
***

1 . الوسائل: 5، الباب17 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1.
2 . الوسائل: 5، الباب44 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.

صفحه 143
المسألة 25: لو ركع بتخيّل إدراك الإمام راكعاً ولم يدرك بطلت صلاته، بل وكذا لو شكّ في إدراكه وعدمه، والأحوط في صورة الشكّ الإتمام والإعادة، أو العدول إلى النافلة والإتمام، ثم اللحوق في الركعة الأُخرى.*
* في المسألة فرعان:
1. إذا ركع بتخيّل إدراك الإمام راكعاً ولم يدركه قطعاً.
2. تلك الصورة ولكن شكّ في أنّه أدرك أو لم يدرك.
وقبل الشروع في دراسة الفرعين، نعطف نظر القارئ إلى أمر وهو أنّ المصنف تعرض هنا لمسائل خمس متقاربة يليق بالقارئ أن يكون على استحضار منها، وإليك عناوينها:
1. لو ركع بتخيّل إدراك الإمام راكعاً ولم يدرك أو شكّ في الإدراك (المسألة 25).
2. لو نوى وكبر ولكن رفع الإمام رأسه قبل أن يركع أو يصل إلى حد الركوع (المسألة 27).
3. إذا أدرك الإمام في التشهّد الأخير (المسألة 28).
4. إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة (المسألة 29).
5. إذا حضر المأموم الجماعة والإمام راكع وخاف أن يرفع الإمام   2

صفحه 144
رأسه إن التحق بالصف. (المسألة30)
إذا علمت ذلك فلندرس حكم الفرع الأوّل.

الفرع الأوّل: إذا ركع بتخيّل إدراك الإمام راكعاً ولم يدركه

فهنا احتمالات ثلاثة:
أ. صحّتها فرادى واحتسابها ركعة، لأنّ الإخلال بالقراءة لا يضر إذا كان الترك عن عذر فيحسبها ركعة ويهوي إلى السجود ويقوم للركعة الثانية.
يلاحظ عليه: كيف يحسبها ركعة وقد مرّ في صحيحة الحلبي:«وإن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة»(1) ومعناه أنّه لا يعتدّ بها وتوهم أنّ المراد فوت الركعة بوصف الجماعة خلاف الإطلاق، وظاهره أنّ هذه الركعة كـ «لا ركعة».
وإن شئت قلت: إنّ المتبادر من الفقرة المذكورة عدم دخوله في الصلاة فكيف تصح فرادى؟
ب. صحّتها جماعة لا باحتسابه ركعة، بل يقوم منتصباً وينتظر الإمام فيلحق به في الركعة التالية وتعدّ هذه ركعة أُولى، فإذا فرغ الإمام يقوم المأموم بإكمال صلاته.
لو شكّ في الإدراك وعدمه    
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ هذا القول وإن كان لا تنافيه الصحيحة لكن   2

1 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

صفحه 145
لازم ذلك، الإئتمام في الأثناء حيث إنّه لم يدخل في الجماعة وإنّما يدخل إذا قام الإمام للقراءة، وعندئذ يلتحق المأموم به وهذا هو الإئتمام في الأثناء، وتوهّم أنّه دخل في الجماعة عندما كبّر مع فوت الركعة بعيد جداً.
وثانياً: أنّ لازم الصحّة جماعة، زيادة الركوع في الصلاة، فإطلاق قوله:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة» الوقت والقبلة والركوع محكّم هنا، وإنّما يغتفر زيادة الركن في الجماعة والمفروض أنّه لم يدخل بها.
ج. البطلان وهذا هو الظاهر من مجموع روايات الباب وملاحظة ما يترتّب على القولين من التوالي، غاية الأمر من أراد الاحتياط فليعدل إلى النافلة، إذ على القول بصحّتها فرادى يجوز الانتقال إلى النافلة ثم يتمّها، والرجوع إلى الإتمام مرّة أُخرى.

الفرع الثاني: إذا شكّ في الإدراك وعدمه

ومعنى ذلك أنّه يحتمل الصحّة جماعة إذا أدركه والبطلان إذا لم يدركه، والموضوع للصحّة في صحيحة الحلبي :«فكبّرتَ وركعتَ قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركتَ» هو «الركوع قبل الرفع» واللازم إحراز هذا العنوان وهل يمكن إحرازه بالأصل أو لا؟ هنا صور:
1. إذا كان كلّ من رفع الإمام وركوع المأموم مجهولي الزمان فيتعارض الأصلان، أعني:
أ. أصالة بقاء الإمام إلى زمان ركوع المأموم، فالجماعة صحيحة.   2

صفحه 146
ب. أصالة عدم ركوع المأموم إلى زمان رفع الإمام رأسه من الركوع فتبطل الجماعة، ومع التعارض لا يجوز الموضوع .
أقول: قد عرفت أنّ الموضوع للصحّة في لسان الدليل، هو «ركوع المأموم قبل رفع الإمام رأسه»، ومن المعلوم أنّه فاقد للحالة السابقة، وأمّا استصحاب بقاء الإمام في الركوع إلى زمان ركوع المأموم فهو ليس موضوعاً للصحة. نعم هو يلازم عقلاً الموضوع شرعاً، أعني: كون ركوع المأموم قبل رفع الإمام رأسه .
2. إذا كان ركوع المأموم زمانه معلوم ورفع الرأس مجهوله، فيجري الأصل في الثاني دون الأوّل، والأصل الجاري فيه عبارة عن أصالة بقاء الإمام في الركوع إلى زمان ركوع المأموم فيحكم بالصحّة.
يلاحظ عليه: بما أنّك قد عرفت أنّ ما هو الموضوع في لسان الدليل فاقد للحالة السابقة، وأمّا البقاء فقد مرّ أنّه ليس موضوعاً للحكم الشرعي، ومع ذلك يحكم عليه بالبطلان مع عدم جريان الأصلين; لأنّ الشكّ في الصحة، كاف في الحكم بالبطلان.
3. إذا كان ركوع المأموم زمانه مجهول ورفع الإمام معلومه، فمورد الأصل هو المجهول لا المعلوم. والأصل الجاري فيه عبارة عن أصالة عدم ركوع المأموم في حالة ركوع الإمام أو إلى زمان رفع رأسه عن الركوع ويترتّب عليه البطلان، فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ حكم المسألة عند الشكّ هو   2

صفحه 147
البطلان في عامّة الصور.
ثمّ إنّ المصنِّف احتاط في صور الشكّ بوجهين:
1. الإتمام والإعادة.
2. العدول إلى النافلة والإتمام، ثم اللحوق في الركعة الأُخرى.
أمّا الأوّل: فهو وجيه،وحيث أخذ بطرفي الشك فلو كانت صحيحة أتمّها، ولو كانت باطلة أعادها.
وأمّا الثاني: فلا يخلو من إشكال; لأنّه إنّما يصحّ العدول إلى النافلة والإتمام لو كانت صحيحة، وأمّا لو كانت باطلة فلا وجه للعدول.

صفحه 148
المسألة 26: الأحوط عدم الدخول إلاّ مع الاطمئنان بإدراك ركوع الإمام، وإن كان الأقوى جوازه مع الاحتمال، وحينئذ فإن أدرك صحت وإلاّ بطلت.*
   

* الأحوط عدم الدخول في الجماعة إلاّ مع الاطمئنان بإدراك ركوع الإمام

في المسألة فروع:
1. الدخول في الصلاة مع الاطمئنان بإدراك ركوع الإمام.
2. الدخول في الصلاة مع احتمال الإدراك.
3. إذا ركع ولم يدرك الإمام في الركوع في كلتا الصورتين.
أمّا الفرع الأوّل: فلا غبار عليه، إذ يكفي في الجزم بالنيّة ـ على القول به ـ في صحّة العبادة، العلم أو الاطمئنان الذي يُعدّ علماً عند العرف.
وأمّا الفرع الثاني: فمبني على عدم اعتباره وأنّه يكفي في صحّة العبادة الإتيان بها لله سبحانه وتقرّباً منه، ويكفي في ذلك احتمال إمكان امتثال أمره سبحانه، وقد حُقّقتْ المسألة في الفقه في باب النيّة.
وأمّا الفرع الثالث: فقد أفتى المصنّف بالبطلان لزيادة الركن غير المغتفر لعدم إدراك الجماعة، حتى تكون الزيادة مغتفرة. وقال السيد الحكيم بأنّه تصحّ صلاته فرادى، ولا يضرّه فوت القراءة; لأنّه مع العلم أو الاطمئنان بالإدراك معذور في ترك القراءة، لحجيّتهما فيشمله حديث: «لا تعاد...»، بل الحكم كذلك في صورة الاحتمال لجريان السيرة على جواز الركوع بمجرد   2

صفحه 149
Eاحتمال إدراك الإمام راكعاً، احتمالاً معتدّاً به فضلاً عن الظنّ به.(1)
يلاحظ عليه: أنّ القول بالصحّة مناف لقوله: «وإن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة»; (2) لأنّ المتبادر أنّه فاتته الركعة جماعة وفرادى لا جماعة فقط، وفوت الركعة كذلك يلازم البطلان.

1 . مستمسك العروة الوثقى:7/206.
2 . الوسائل: 5، الباب45 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2.

صفحه 150
المسألة 27: لو نوى وكبّر فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع أو قبل أن يصل إلى حد الركوع لزمه الانفراد، أو انتظار الإمام قائماً إلى الركعة الأُخرى فيجعلها الأُولى له، إلاّ إذا ابطأ الإمام بحيث يلزم الخروج عن صدق الاقتداء. ولو علم قبل أن يكبّر للإحرام عدم إدراك ركوع الإمام، لا يبعد جواز دخوله وانتظاره إلى قيام الإمام للركعة الثانية، مع عدم فصل يوجب فوات صدق القدوة، وإن كان الأحوط عدمه.*
* في المسألة فرعان:
1. لو رفع الإمام رأسه قبل أن يركع أو يصل إلى حدّ الركوع.
2. لو علم عدم إدراك ركوع الإمام فهل له أن يدخل في الصلاة ويعمل مثل ما عمل به في الفرع السابق؟
وإليك دراسة الفرعين واحداً تلو الآخر.

الفرع الأوّل: لو رفع الإمام رأسه قبل أن يركع

لو نوى وكبّر فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع أو قبل أن يصل إلى حدّ الركوع، ففيه وجوه ثلاثة:
1. الانفراد
2. انتظار الإمام إلى الركعة الأُخرى فيجعلها الأُولى له، إلاّ إذا أبطأ الإمام بحيث يلزم الخروج عن صدق الاقتداء.   2

صفحه 151
3. التكبير والسجود معه; ولم يذكره المصنّف وإنّما ذكره المحقّق، قال: إذا أدرك الإمام بعد رفعه من الأخيرة(1) كبّر وسجد معه، فإذا سلّم قام فاستأنف بتكبير مستأنف، وقيل بنى على التكبير الأوّل، والأوّل أشبه.(2)
قال في «المدارك»: إذا أدركه بعد رفع رأسه من الركوع فلا خلاف في فوات الركعة، لكن استحبّ أكثر علماؤنا للمأموم التكبير ومتابعة الإمام في السجدتين ولم يعتدّ بهما; واختلفوا في وجوب استئناف النيّة وتكبيرة الإحرام بعد ذلك، ويظهر من العلاّمة في «المختلف» التوقّف في هذا الحكم من أصله.(3)
وقال في «المستند»: يستحب له التكبير والدخول مع الإمام بالسجدتين بغير ركوع.(4)
وإلى هذا الوجه أشار في المستمسك وقال: كان على المصنّف(رحمه الله) أن يضم عدلاً آخر وهو السجود مع الإمام كما صنعه غيره.(5)
وإليك دراسة الوجوه الثلاثة:
أمّا الوجه الأوّل: ـ أي الانفراد ـ فلأجل عدم انعقاد الجماعة،   2

1 . علّق عليه في جواهر الكلام بقوله: أو غيرها.
2 . شرائع الإسلام: 1/126.
3 . مدارك الأحكام :4/385.
4 . مستند الشيعة:8/155.
5 . مستمسك العروة الوثقى:7/208.

صفحه 152
فيكون منفرداً من أوّل الأمر، ولا يقدح فيه مجرّد نيّة الإئتمام بلا انعقاد له، فيتمّ صلاته، وعلى هذا فالقول بالانفراد قهراً مطابق للقاعدة، ولعلّ هذا الوجه أقوى .
وأمّا الوجه الثاني: ـ أي الانتظار ـ فيدلّ عليه موثّق عمّار قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل أدرك الإمام وهو جالس بعد الركعتين؟ قال: «يفتتح الصلاة ولا يقعد مع الإمام حتى يقوم».(1) والاستدلال به فرع إلغاء الخصوصية بين المقام الذي كبّر ولم يدرك الإمام في الركوع، ومورد الحديث الذي أدرك الإمام وهو جالس بعد الركعتين.
وربّما يؤيّد بخبر عبد الرحمن، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «إذا وجدت الإمام ساجداً فأثبت مكانك حتى يرفع رأسه، وإن كان قاعداً قعدت، وإن كان قائماً قمت».(2) بناءً على أنّ المراد من الثبوت في المكان هو التكبير والدخول في الصلاة، بقرينة متابعة الإمام في القعود والقيام.
يلاحظ عليه: بالضعف في السند، والدلالة.
أمّا السند: فقد ورد فيه عبدالله بن محمد وهو أخو أحمد بن محمد بن عيسى رئيس القميّين في عصره، والأخ لم يوثّق.
أمّا الدلالة: فلأنّ المدّعى التكبير ثم انتظار الإمام قائماً إلى   2

1 . الوسائل: 5، الباب49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث4.
2 . الوسائل: 5، الباب49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث5.

صفحه 153
الركعة الأُخرى، وأين هو من الرواية التي تدلّ على متابعة الإمام قعوداً وقياماً.
أضف إلى ذلك: أنّه يحتمل أن يكون المراد من الثبات في المكان انتظار الإمام بلا تكبير بأنْ يتابعه في الأفعال، فإذا قام الإمام قام المأموم ويكبّر.
وأمّا الوجه الثالث: ـ أي السجود مع الإمام ـ فقد استدلّ عليه بروايتين:
1. ما رواه المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتدّ بها».(1) فإنّ قوله:«فأدركته وقد رفع رأسه» يشمل المقام أعني: رفع الإمام رأسه قبل أن يركع المأموم .
يلاحظ عليه بوجهين:
الأول: السند لا يخلو عن ضعف فإنّ المعلّى موضع بحث بين الرجاليين.
الثاني: أنّ موضع البحث هو أنّ المأموم ـ بعدما يكبّر ـ ولم يدرك الإمام في الركوع، يسجد معه، وليس في الرواية ما يدلّ على التكبير قبل السجود.
2. خبر معاوية بن شريح، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال ـ في حديث ـ:«ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبّر وسجد معه ولم يعتدّ بها».(2)
يلاحظ عليه: أنّ المقام هو إدراك الإمام حال رفع الرأس من الركوع ـ   2

1 . الوسائل: 5، الباب49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2.
2 . الوسائل: 5، الباب49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6.

صفحه 154
أي قائماً ـ ولكن الوارد في الحديث هو إدراك الإمام وهو ساجد.
نعم يجمع الصورتين عدم إدراك الإمام راكعاً، إمّا قائماً بعد الركوع كما في المقام أو ساجداً.
وأمّا المناقشة في السند ـ بأنّ معاوية بن شريح لم يوثّق ـ فغير تامّة; لأنّه من مشايخ ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى، وقد قلنا في محله بأنّ الرجلين خصوصاً الأوّل منهما لا يرويان إلاّ عن ثقة، وبذلك ظهر ما يمكن به الاستدلال على الوجوه الثلاثة: الانفراد، الانتظار، متابعة الإمام في السجود، وإن كان الأوّل أقوى .

الفرع الثاني: لو علم عدم إدراك ركوع الإمام

إذا علم ـ قبل أن يكبّر للإحرام ـ عدم إدراك ركوع الإمام، لم يستبعد المصنّف دخوله وانتظاره إلى قيام الإمام للركعة الثانية، ولو جاز الانتظار لجازت المتابعة أيضاً، ولكن الأحوط عدم الدخول; لانصراف ما دلّ على الانتظار أو المتابعة إذا اطمأن أو احتمل الادراك، لا ما إذا قطع بالخلاف .

صفحه 155
المسألة 28: إذا أدرك الإمام وهو في التشهّد الأخير يجوز له الدخول معه، بأن ينوي ويكبّر ثم يجلس معه ويتشهّد، فإذا سلّم الإمام يقوم فيصلّي، من غير استئناف للنيّة والتكبير، ويحصل له بذلك فضل الجماعة وإن لم يحصل له ركعة.*

* لو أدرك الإمام وهو في التشهّد الأخير

و تحقيق المسألة رهن بيان أمرين:

الأوّل: مسألة واحدة أو مسألتان

عنون المحقّق المسألة بقوله: ولو أدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة كبّر وجلس معه، فإذا سلم، قام فاستقبل ولا يحتاج إلى استئناف تكبير.(1)
وعبّر المصنّف بما في المتن أعني: «إذا أدرك الإمام وهو في التشهّد الأخير»، والظاهر أنّ التعبيرين إشارة إلى مسألة واحدة، وهو إدراك الإمام بعد السجدة الأخيرة الذي يلازم غالباً قراءة التشهّد، ولكن الظاهر من العلاّمة تعدّد المسألة واختلاف حكمهما.
قال في «التذكرة»: ولو أدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة جاز أن يكبّر ويجلس معه في تشهّده يتشهّد، وإن شاء سكت، فإذا سلّم الإمام قام وبنى على تلك التكبيرة إن كان قد نوى للافتتاح، وليس ذلك فعلاً كثيراً مبطلاً،    2

1 . شرائع الإسلام:1/126.

صفحه 156
لأنّه من أفعال الصلاة لتحصيل فضيلة الجماعة.(1)
ثمّ إنّه عنون مسألة أُخرى وقال: لو أدرك الإمام في التشهّد الأخير، كبّر وجلس بغير تكبير. فإذا سلّم الإمام قام بغير تكبير، لأنّه قد كبّر في ابتداء هذه الركعة. وهل يتشهّد مع الإمام؟ يحتمل ذلك، لأنّه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده متابعة للإمام، جاز أن يتبعه في التشهّد، وليس واجباً عليه، لأنّ المتابعة تجب في الأفعال لا في الأذكار، ويحتمل العدم لأنّه ليس بموضع للتشهّد.(2)
ولم يعلم وجه عنوان المسألة تارة باللفظ الأوّل (الإدراك بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة، وأُخرى بالإدراك في التشهّد الأخير).
والعجب أنّه فعل كذلك في «المنتهى».(3)

الثاني: دليل المسألة

وقد استدلّ على المسألة بمرويّات ثلاث: اثنتان منها يرويهما عمّار بن موسى الساباطي الفطحي الثقة المعروف، وثالثتها يذكرها منصور بن حازم من دون أن يسندها إلى الإمام المعصوم. ويجب إمعان النظر في مضامين الثلاثة حول الأُمور التالية:   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 326 .
2 . تذكرة الفقهاء:4/326.
3 . منتهى المطلب:6/300 و 301.

صفحه 157
1. إذا كبّر عند الدخول هل يكبّر ثانياً بعد تسليم الإمام أو لا؟
2. هل يقعد بعد التكبير أو يقوم حتّى يتمّ الإمام صلاته ؟
3. هل يتشهّد عند القعود أو يسكت؟
وإليك هذه الروايات مع الاختلاف في هذه الأُمور:
1. ما رواه عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يدرك الإمام وهو قاعد يتشهد وليس خلفه إلاّ رجل واحد عن يمينه؟ قال: «لا يتقدّم الإمام ولا يتأخّر الرجل، ولكن يقعد الذي يدخل معه خلف الإمام، فإذا سلّم الإمام قام الرجل فأتمّ صلاته».(1)
ويستفاد من الموثّقة أنّه يكبّر عند الدخول وأنّه يكتفي بالتكبيرة الأُولى حيث قال: «فإذا سلّم الإمام قام الرجل فأتمّ صلاته»، فإنّ إتمام الصلاة دليل على أنّه في أثنائها وهو يلازم أنّه كبّر وكفاه التكبيرة الأُولى.
وليس فيها إلاّ القعود خلف الإمام دون التصريح بقراءة التشهّد، فلو قرأ فإنّما يقرأ رجاء بقصد الذكر المطلق، وموردها هي التشهّد الأخير بشهادة أنّه قال: «فإذا سلّم الإمام» حيث إنّ التسليم دليل على أنّ التشهّد كان منتهياً إلى التسليم.
وحاصل الكلام: أنّه يكبّر ويقعد مع الإمام ويعتدّ بذلك التكبير .
2. وما رواه عمّار ـ أيضاً ـ قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل أدرك   2

1 . الوسائل: 5، الباب49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.

صفحه 158
الإمام وهو جالس بعد الركعتين؟ قال: «يفتتح الصلاة ولا يقعد مع الإمام حتى يقوم».(1)
والتعارض يكمن في الأمر بالقعود في الأُولى والنهي عنه في الثانية. ولكن الظاهر عدم التعارض بينهما; لأنّ الثانية ناظرة إلى التشهّد الأوّل بشهادة أنّه يقول: «ولا يقعد مع الإمام حتى يقوم الإمام». وقيام الإمام دليل على أنّه في أثناء صلاته، ولا منافاة بين القعود في التشهّد الأخير وعدمه في التشهّد الأوّل، ولكنّهما يشتركان في كفاية التكبيرة الأُولى، وعدم الحاجة إلى الاستئناف.
3. ما رواه الصدوق في «الفقيه» عن عبد الله بن المغيرة، قال: كان منصور بن حازم يقول: إذا أتيت الإمام وهو جالس قد صلّى ركعتين، فكبّر ثم اجلس فإذا قمت فكبّر.(2) حيث دلّت الرواية على تجديد التكبير، وقد اعتمد عليه صاحب الحدائق وقال: والرواية وإن كانت غير مستندة إلى إمام، إلاّ أنّ الظاهر من حال القائل المذكور، لكونه من أجلاّء ثقات الأصحاب، أنّه لا يقوله إلاّ عن ثبت وسماع من الإمام، ويؤيّده إيراد الصدوق لها في كتابه.(3)
يلاحظ عليه: أنّه لا يبعد أن يكون ما ورد في الرواية من فتاوى الرجل، لا سماعه عن المعصوم، فكم لأصحاب الأئمة فتاوى مبثوثة في كتب الحديث خصوصاً في كتب الميراث، إذ فيها فتاوى لزرارة بن أعين، وغيره، وعلى كلّ تقدير لا يمكن رفع اليد بالمرسل عن المسند.

1 . الوسائل: 5، الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.
2 . الفقيه:1/260.   3 . الحدائق الناظرة:12/255.

صفحه 159
المسألة29. إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة، وأراد إدراك فضل الجماعة نوى وكبّر وسجد معه السجدة أو السجدتين وتشهّد، ثم يقوم بعد تسليم الإمام ويستأنف الصلاة ولا يكتفي بتلك النيّة والتكبير، ولكن الأحوط إتمام الأُولى بالتكبير الأوّل ثم الاستئناف بالإعادة.*

* لو أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة

يقع الكلام في مقامين:
1. إدراك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة.
2. إدراك الإمام في السجود في سائر الركعات.
وعلى كلّ تقدير فهل يدخل الصلاة مع التكبير، أو يتابع الإمام بلا تكبير؟ وعلى الأوّل فإذا سلّم الإمام وقام المأموم للصلاة فرادى فهل يكبر ثانياً أو يكتفي بالتكبير الأوّل؟
فلو شُكّ في جميع ذلك فما هو الطريق في الاحتياط؟
إذا عرفت ذلك فلنبحث في كلٍّ من المقامين.
وقد تعرّض المصنّف للأوّل دون الثاني.
أمّا المقام الأوّل، فالنصّ الوارد مختص بالسجدة الأخيرة لا الأُولى منها; ففي صحيح محمد بن مسلم قلت له: متى يكون يدرك الصلاة مع الإمام؟ قال: «إذا أدرك الإمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإمام».(1)   2

1 . الوسائل: 5، الباب49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1. وفي السند عاصم بن حميد فهو كوفي حناط ثقة.

صفحه 160
فهل المراد مشاهدة الإمام في السجدة حتى يكون مدركاً لفضل الصلاة؟ أو المراد الدخول معه في الصلاة وأن يكون حاكياً لأفعاله من السجود والقعود للتشهّد؟ الظاهر هو الثاني، لدلالة قوله: «إذا أدرك الإمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته» على الدرك الحقيقي وهو الدخول في الصلاة بالتكبير، وعلى ذلك يقوم بعد تسليم الإمام لأداء الصلاة. وسيوافيك أيضاً توضيحه.
والرواية خاصّة بالسجدة الأخيرة، ولا تعمّ السجدة الأُولى من الأخيرة.
وأمّا المقام الثاني: أعني: حكم ما عدا السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، فقد استدلّ على جواز الدخول بروايات:
1. ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن صفوان، عن أبي عثمان، عن المعلّى ابن خنيس، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه، فاسجد معه ولا تعتدّ بها».(1)
فقوله: «إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه» عن الركوع، دليل على أنّه ناظر إلى السجدة الأُولى من الركعة الأُولى.
أمّا السند فالكلام فيه في موضعين:
أحدهما: أبو عثمان فلو أُريد به أبو عثمان الأحول: معلّى بن عثمان الأحول، فيصفه النجاشي بقوله: كوفي ثقة روى عن أبي عبد الله (عليه السلام); ولو   2

1 . الوسائل: 5، الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2. وفي السند عباس بن معروف فهو قمّي ثقة.

صفحه 161
أُريد به أبو عثمان العبدي أو أبو عثمان القابوسي فهما مهملان، إلاّ أن يقال: إنّ الناقل عنه هو صفوان بن يحيى وهو لا يروي إلاّ عن ثقة.
والثاني: المعلّى بن خنيس فهو مختلف فيه، قال النجاشي: كوفي بزّاز ضعيف جدّاً، لا يعوّل عليه. والرجل قتله داود بن علي فلمّا سمع الإمام الصادق(عليه السلام) دعا على من أمر بقتله واقتصّ من قاتله.
2. ما رواه عبدالرحمن عن أبي عبد الله(عليه السلام): «إذا وجدت الإمام ساجداً فاثبت مكانك حتى يرفع رأسه، وإن كان قاعداً قعدت وإن كان قائماً قمت».(1)ولكن الدلالة ضعيفة فقوله: «فاثبت مكانك» لا يدلّ على الدخول في الصلاة، فيكون القعود والقيام نحو محاكاة لصورة الجماعة لإدراك فضلها.
3. ما رواه الصدوق باسناده عن معاوية بن شريح، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إذا جاء الرجل مبادراً والإمام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع; ومن أدرك الإمام وهو ساجد، كبّر وسجد معه ولم يعتدّ بها».(2)
والرواية ضعيفة بمعاوية بن شريح حيث لم يوثّق.
4. ما رواه الصدوق في المجالس عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن في السجود فاسجدوا ولا تعدّوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة».(3)   2

1 . الوسائل: ج 5، الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث5. وفي السند عبد الله بن محمد وهو مجهول.
2 . الوسائل: 5، الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6.
3 . الوسائل: 5، الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث7.

صفحه 162
والرواية ضعيفة، والأولى الاقتصار على السجدة الأخيرة من الركعة الأخيرة، وأمّا سائر الركعات فينتظر فيها حتى يدخل مع الإمام في الركعة التالية، فلو كبّر وسجد فالأحوط ـ عند المصنّف حتّى في المقام الأوّل ـ إتمام الصلاة بالتكبير الأوّل ثمّ الإعادة.
***
ثم إنّه يقع الكلام في وجوب التكبير عند متابعة الإمام:
ففي رواية معاوية بن شريح تصريح به حيث قال: «ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبّر وسجد معه ».
وأمّا سائر الروايات فالوارد فيها هو التعبيرات التالية: ففي صحيحة محمد بن مسلم: «إذا أدرك الإمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته» .
وفي رواية المعلّى بن خنيس: «إذا سبقك الإمام بركعة وأدركته»، فالظاهر من الإدراك هو الإدراك الحقيقي بمعنى الدخول في الصلاة بالتكبير لا الإدراك الصوري بمعنى السجود معه والقعود للتشهّد فقط.
وعلى هذا فيمكن أن يقال بوجوب التكبير مطلقاً، سواء أكان في السجدة الأخيرة من الركعة الأخيرة أو سائر السجدات من سائر الركعات على القول بحجّية الطائفة الثانية .
وعلى كلّ تقدير فهل يكتفي بالتكبير الأوّل أو يجدّده؟ وجهان مبنيان على تعيين مرجع الضمير في روايتي المعلّى بن خنيس ومعاوية بن شريح، فقد اختلفوا في تعيين المرجع، فهل يرجع إلى التكبيرة أو إلى الصلاة، أو إلى السجدة المفهومة من لفظ السجود، وجوه.
وإليك نقل الروايات من جديد حتّى يمعن الناظر في تعيين المرجع.   2

صفحه 163
ففي رواية المعلّى بن خنيس: «إذا سبقك الإمام بركعة وأدركته وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بها».
وفي رواية معاوية بن شريح: «إذا جاء الرجل مبادراً والإمام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع، ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبّر وسجد معه ولم يعتدّ بها».
أقول: أمّا الرواية الأُولى فهو إمّا يرجع إلى السجود المفهوم من قوله: «فاسجد معه ولا تعتدّ بها»، أو يرجع إلى الركعة في قوله: «سبقك الإمام بركعة» واحتمال رجوعه إلى التكبير احتمال ساقط.
وأمّا الرواية الثانية فالظاهر أنّه يرجع إلى السجدة المفهومة من قوله: «سجد»، أي لا يحسبها مخلّة للصلاة لأنها بإذن الشارع ورجوعه إلى التكبير المستفاد من قوله «كبّر»، بعيد.
وبذلك ظهر أنّ الأقوى الاكتفاء بالتكبيرة الأُولى.
هذا كلّه إذا قلنا بدلالة الروايات على الاكتفاء بالتكبيرة الأُولى .
وأمّا إذا لم يتحقّق ذلك عندنا فما هو الوجه في كيفية الاحتياط، وهناك وجهان:
1. ما ذكره المصنّف: إتمام الأُولى بالتكبير الأوّل ثم الاستئناف بالإعادة. ولا يخفى أنّه تبعيد للمسافة.
2. أن يكبّر بنيّة متابعة الإمام فيما بقي من أفعال صلاته رجاءً لدرك فضيلة الجماعة بلا قصد افتتاح الصلاة ثم يستأنف الصلاة بالتكبير بعد تسليم الإمام بلا حاجة إلى إتمام الأُولى على ما في المتن.

صفحه 164
المسألة30: إذا حضر المأموم الجماعة فرأى الإمام راكعاً وخاف أن يرفع الإمام رأسه إن التحق بالصف، نوى وكبّر في موضعه وركع، ثم مشى في ركوعه، أو بعده أو في سجوده، أو بعده، أو بين السجدتين أو بعدهما، أو حال القيام للثانية إلى الصف، سواء كان لطلب المكان الأفضل، أو للفرار عن كراهة الوقوف في صف وحده، أو لغير ذلك. وسواء كان المشي إلى الأمام، أو الخلف أو أحد الجانبين، بشرط أن لا يستلزم الانحراف عن القبلة، وأن لا يكون هناك مانع آخر، من حائل أو علو أو نحو ذلك. نعم لا يضر البعد الّذي لا يغتفر حال الاختيار على الأقوى، إذا صدق معه القدوة، وإن كان الأحوط اعتبار عدمه أيضاً .
والأقوى عدم وجوب جر الرجلين حال المشي، بل له المشي متخطياً على وجه لا تنمحي صورة الصلاة. والأحوط ترك الاشتغال بالقراءة والذكر الواجب أو غيره، ممّا يعتبر فيه الطمأنينة حاله. ولا فرق في ذلك بين المسجد وغيره. *
* في المسألة فروع:
1. إذا حضر المأموم الجماعة فرأى الإمام راكعاً، وخاف أن يرفع الإمام رأسه إذا أراد الالتحاق بالصف، نوى وكبّر في موضعه .
2. ما هو موضع المشي، هل هو حالة الركوع أو بعده أو في سجوده أو بعده و... ؟
3. هل الالتحاق لأجل رفع الابتعاد المخلّ في حال الاختيار، المجاز   2

صفحه 165
في هذه الحالة، أو يعمّ سائر الأغراض كالمشي لطلب المكان الأفضل أو للفرار عن كراهة الوقوف في صف وحده؟
4. هل يختص المشي إلى الأمام أو الخلف، أو يعمّ الخلف أو أحد الجانبين؟
5. هل يجوز التكبير بنيّة الالتحاق مع وجود حائل أو علو أو نحو ذلك؟
6. هل يجب في الالتحاق بالإمام جرّ الرجلين حال المشي؟ أو يجوز له المشي متخطّياً على وجه لا تنمحي صورة الصلاة ؟
7. هل يجوز له القراءة وأمثالها في حال الحركة أو لا يجوز؟
8. هل يختصّ الحكم بالمسجد أو يعمّ غيره؟
وإليك دراسة هذه الفروع واحداً بعد الآخر.

الأوّل: لو دخل والإمام راكع وخاف فوت الركوع

إذا دخل والإمام راكع وخاف فوت الركوع، ركع، ثم يمشي حتى يلحق بالصف، وهذا مورد اتّفاق.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا دخل المسجد وقد ركع الإمام وخاف أن تفوته تلك الركعة جاز أن يحرم ويركع ويمشي في ركوعه حتى يلحق بالصف، إن لم يجئ مأموم آخر، فإن جاء مأموم آخر وقف موضعه. وبه قال أحمد وإسحاق.   2

صفحه 166
وقال الشافعي: إن وجد فرجة في الصف دخل فيه وإلاّ جذب واحداً إلى خلفه ووقف معه، وإن لم يفعل وأحرم وحده كره له ذلك وانعقدت صلاته. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه، وقال النخعي وداود وابن أبي ليلى: إنّ صلاته لا تنعقد.(1)
وقال المحقّق: إذا دخل والإمام راكع، وخاف فوت الركوع ركع، ويجوز أن يمشي في ركوعه حتى يلحق بالصف.(2)
وقال العلاّمة: لو دخل المسجد فركع الإمام، فخاف فوت الركوع جاز أن يكبر ويركع ويمشي راكعاً حتى يلتحق بالصف قبل رفع رأس الإمام أو يأتي آخر فيقف معه تحصيلاً لفضيلة الجماعة.(3)
وفي الجواهر بعد عبارة المحقّق: بلا خلاف صريح أجده في شيء من ذلك، كما اعترف به غير واحد.(4)
والمسألة منصوصة والفتاوى مأخوذة منها، وإليك ما روي عنهم(عليهم السلام).
1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) أنّه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة فقال: «يركع قبل أن يبلغ القوم، ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم».(5) والرواية صحيحة وموضع المشي   2

1 . الخلاف:1/555، المسألة298.
2 . شرائع الإسلام:1/125.
3 . تذكرة الفقهاء:4/330، وقد ذكر للمسألة فروعاً تحتاج إلى التأمّل والدقّة.
4 . جواهر الكلام:14/12.
5 . الوسائل: 5، الباب46 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.

صفحه 167
هو الركوع. ولم يذكر التكبير، لوضوحه وقد ورد في غيره، ووجه التشريع في الدخول خوف الفوت، لأجل الفاصل المكاني فقط.
2. صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «إذا دخلت المسجد والإمام راكع فظننت أنّك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبّر واركع، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فإذا قام فالحق بالصف، فإذا جلس فاجلس مكانك، فإذا قام فالحق بالصف».(1) والرواية صحيحة وموضع المشي هو بعد ما قام. وجه تكرار قوله :«فإذا قام فالحق بالصف» هو أنّ القيام الأوّل بعد السجدة والقيام الثاني بعد التشهّد، ووجه التشريع لأجل البعد المكاني.
3. موثّقة إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) :أدخل المسجد وقد ركع الإمام فاركع بركوعه، وأنا وحدي واسجد فإذا رفعت رأسي، أي شيء أصنع؟ قال: «قم فاذهب إليهم، وإن كانوا قياماً فقم معهم، وإن كانوا جلوساً فاجلس معهم».(2)

الفرع الثاني: في موضع المشي

مرّ أنّ موضع المشي عند المحقّق هو الركوع، وأمّا المصنّف فقد عمّمه إلى الركوع وبعد الركوع وبعد السجود وبين السجدتين وبعدهما أو حال   2

1 . الوسائل: 5، الباب46 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.
2 . الوسائل: 5، الباب46 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6.

صفحه 168
القيام للثانية.
وأمّا المنصوص فهو عبارة عن الموارد التالية:
أ. المشي راكعاً كما في صحيحة محمد بن مسلم .
ب. بعد السجدتين كما في موثّقة إسحاق بن عمّار قال: وأسجد
فإذا رفعت رأسي أي شيء أصنع؟ قال(عليه السلام): «قم واذهب إليهم فإن كانوا قياماً فقم ...».
ج. حال القيام للثانية كما في صحيحة عبد الرحمن:«قال فكبر واركع، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فإذا قام فألحق بالصف». وهو معتمد مع الثاني; لأنّ المشي بعد القيام عبارة أُخرى عن المشي بعد السجدتين .
والجمع بين الروايات هو الحمل على التخيير وجواز الالتحاق في المواضع الثلاثة، ولعلّ العرف يساعد على جواز الالتحاق فيما بين السجدتين بأي وجه كان كما لا يخفى.

الفرع الثالث: هل الالتحاق لأجل رفع الابتعاد المخل، أو يعمّ سائر الأغراض؟

هل الالتحاق لغاية رفع الابتعاد غير المعفوّ في حال الاختيار، أو أنّ الالتحاق لغاية أُخرى كطلب المكان الأفضل أو الفرار عن كراهة الوقوف في صف وحده؟
وبعبارة أُخرى: هل الالتحاق لأجل وجود مسافة بينه وبين الصف   2

صفحه 169
الآخر أزيد ممّا يتخطّى فيمشي ليكون الحد الفاصل على حد جائز، أو أنّ الالتحاق لغاية سد خلل الصفوف، أو لضيق مكان المصلّي، أو لطلب مكان أفضل أو للفرار عن الوقوف في صف واحد.
الظاهر هو الأوّل دون الثاني والروايات منصبّة عليه دون الآخر، ومضافاً إلى أنّ المسألة معنونة في فقه أهل السنّة. ورواياتنا ناظرة إلى المسائل الواردة في فقه أهل السنّة وهو كالقرينة لتفسير أحاديثنا .
قال القرطبي: ذهب مالك، وكثير من العلماء إلى أنّ الداخل وراء الإمام إذا خاف فوات الركعة له أن يركع دون الصف ثم يدبّ راكعاً، وكره ذلك الشافعي، وفرّق أبو حنيفة بين الواحد فيكره وبين الجماعة فيجوز لهم.(1)
وقال ابن قدامة: ممّن رخّص في ركوع الرجل ثم يدبّ راكعاً حتى يدخل في الصف: زيد بن ثابت، وفعله ابن مسعود وزيد بن وهب و أبوبكر بن عبدالرحمن وعروة وسعيد بن جبير وابن جريج، وجوّزه الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي إذا كان قريباً من الصف.(2)
وقد مرّ في عبارة الشيخ في «الخلاف» قوله: وخاف أن تفوته تلك الركعة. وعلى ذلك فالروايات تركّز على موضوع الخوف من فوت الركعة، وأمّا المشي للغايات الأُخرى مع كون الفاصل المكاني أمراً جائزاً فالروايات غير ناظرة إليه.   2

1 . بداية المجتهد:1/137.
2 . المغني:2/234.

صفحه 170
نعم يمكن أن يستدلّ عليه بما رواه محمد بن مسلم قال: قلت له الرجل يتأخّر وهو]الإمام[ في الصلاة قال: «لا» قلت: فيتقدّم؟ قال: «نعم ماشياً إلى القبلة».(1) وإطلاقه يعمّ ما إذا كانت الغاية، أحد الأُمور الماضية، على تأمّل في وجود الإطلاق .

الفرع الرابع: هل يختصّ المشي إلى الأمام أو يعمّ الخلف والجانبين؟

هل يختص المشي إلى الأمام، أو يعمّ الخلف أو أحد الجانبين، بشرط عدم استلزامه الانحراف عن القبلة؟
مقتضى الإطلاق هو الأعمّ بشرط عدم الانحراف، وإن كان الغالب هو الأمام أو أحد الجانبين.

الفرع الخامس: لو أراد الالتحاق مع وجود حائل أو علوّ

هل يختص الحكم بما إذا كان المانع هو البعد المكاني، أو يعم ما إذا كان المانع غير ذلك من حائل أو علوّ على نحو لو أراد أن يدرك برفع الحائل أو غيره لرفع الإمام رأسه؟
الظاهر هو الأوّل واختصاص النصوص والفتاوى فيما إذا كان المانع هو الفاصل المكاني فقط فأدلّة سائر الموانع للصلاة والجماعة محكمة.   2

1 . الوسائل: 5، الباب46 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث5.

صفحه 171

الفرع السادس: في كيفية الالتحاق إذا أراد الالتحاق بصلاة الجماعة

فهل عليه جرّ الرجلين حال المشي، أو يجوز له المشي متخطّياً على وجه لا تنمحي صورة الصلاة؟
الظاهر هو الثاني عملاً بإطلاق النصوص حيث لم يقيّد المشي بجر الرجلين، نعم روى الصدوق في مرسله قال: وروي أنّه يمشي في الصلاة يجر رجليه ولا يتخطى.(1) وبما أنّه لم ينسبه إلى الإمام كما في سائر مراسيله التي يقول فيها: قال الصادق(عليه السلام)، لا يكون حجّةً، غاية الأمر يحمل على الاستحباب.

الفرع السابع: هل يجوز له القراءة والذكر الواجب في حال المشي أو لا؟

قال في الحدائق: وقد رخّص في الخبر أن يمشي في حال ركوعه ويلتحق بالصف، وفيه دليل على اغتفار وجوب الطمأنينة وأنّها لا تبطل الصلاة بتركها في هذه الصورة.(2) ويؤيده صحيحة محمد بن مسلم ففيها يمشي وهو راكع بناءً على أنّ الركوع لا يخلو عن الذكر ، فتأمّل. والاحتياط ترك الاشتغال بالذكر حال المشي.

الفرع الثامن: هل يختصّ الحكم بالمسجد أو يعمّ غيره؟

مقتضى إطلاق الروايات عدم اختصاص الحكم بالمسجد.
***   2

1 . الوسائل: 5، الباب46 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث4.
2 . الحدائق الناظرة:11/267.

صفحه 172
واعلم أنّ المصنّف ذكر في الفصل التالي لصحة الجماعة الشروط التالية:
الأوّل: أن لا يكون بين الإمام والمأموم حائل.
الثاني: أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين.
الثالث: أن لا يتباعد المأموم عن الإمام بما يكون كثيراً في العادة.
الرابع: أن لا يتقدّم المأموم على الإمام.
وبعد ما أنهى الكلام عن بيان نفس الشروط ذكر أربعة وعشرين فرعاً يرجع الكل إلى الشروط الأربعة، وكان الأنسب أن يذكر فروع كلّ شرط بعده بلا فصل، كما هو دأبه في سائر المقامات.

صفحه 173
الفصل الثاني
في الشرائط الأربعة
لصلاة الجماعة

صفحه 174

صفحه 175
في أحكام الجماعة   
يشترط في الجماعة ـ مضافاً إلى ما مرّ في المسائل المتقدّمة ـ أُمور:
أحدها: أن لا يكون بين الإمام والمأموم حائل يمنع عن مشاهدته، وكذا بين بعض المأمومين مع الآخر ممّن يكون واسطة في اتّصاله بالإمام، كمن في صفّه من طرف الإمام أو قدّامه إذا لم يكن في صفه من يتّصل بالإمام، فلو كان حائل ولو في بعض أحوال الصلاة ـ من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود ـ بطلت الجماعة، من غير فرق في الحائل بين كونه جداراً أو غيره، ولو شخص إنسان لم يكن مأموماً.
نعم إنّما يعتبر ذلك إذا كان المأموم رجلاً. أمّا المرأة فلا بأس بالحائل بينها وبين الإمام أو غيره من المأمومين مع كون الإمام رجلاً، بشرط أن تتمكّن من المتابعة، بأن تكون عالمة بأحوال الإمام، من القيام والركوع والسجود ونحوها، مع أنّ الأحوط فيها أيضاً عدم الحائل هذا، وأمّا إذا كان الإمام امرأة أيضاً فالحكم كما في الرجل.*
* يشترط في الجماعة شروط:   2

صفحه 176

الشرط الأوّل: عدم الحائل

في المقام فروع:
1. شرطية عدم الحائل المانع عن المشاهدة بين الإمام والمأموم.
2. شرطية عدم الحائل بين بعض المأمومين مع الآخر ممّن يكون واسطة في اتّصاله بالإمام.
3. إذا كان الحائل مانعاً في بعض أحوال الصلاة دون بعض.
4. حكم الحائل إذا كان شخصَ إنسان ولم يكن مأموماً.
5. حكم الحائل إذا كان الإمام رجلاً والمأموم امرأة.
6. إذا كان كلٌّ من الإمام والمأموم امرأة.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: شرطية عدم الحائل

من شرائط الجماعة: عدم الحائل    
يشترط عدم وجود الحائل بين الإمام والمأموم، والمسألة مورد اتّفاق بين الأصحاب، خلافاً لغيرهم. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا صلّى في مسجد جماعةً وحال بينه وبين الإمام والصفوف حائلٌ، لا تصحّ صلاته.
وقال الشافعي: إن كان في مسجد واحد صحّ، وإن حال حائل.
دليلنا: إجماع الفرقة، وما رووه من أنّ مَن صلّى وراء المقاصير لا صلاة له.(1)   2

1 . الخلاف:1/556، المسألة 300.

صفحه 177
وقال أيضاً في مسألة أُخرى: إذا كان بين المأموم والصفوف حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم تصحّ صلاته; سواء كان الحائل حائط المسجد، أو حائط دار، أو مشتركاً بين الدار والمسجد. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: كلّ هذا ليس بحائل فإن صلّى في داره بصلاة الإمام في المسجد صحّت صلاته إذا علم صلاة الإمام.(1)
وقال العلاّمة: الشرط الرابع: عدم الحيلولة بين الإمام والمأموم الذكر بما يمنع المشاهدة للإمام أو المأموم، سواء أكان من جدران المسجد أو لا، وكانا في المسجد أو لا، عند علمائنا لتعذّر الاقتداء.
ولأنّ المانع من المشاهدة مانع من اتّصال الصفوف، بل هو في ذلك أبلغ من البعد ـ إلى أن قال: ـ وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقاً لأنّه يمكنه الاقتداء بالإمام فصحّ اقتداؤه به من غير مشاهدة كالأعمى.
وقال الشافعي: إن صلّيا في المسجد صحّت صلاة المأموم إذا علم بصلاة الإمام، سواء أكان بينهما جدارٌ حائل من مشاهدة الإمام ومشاهدة مَن يشاهده، أو لا، لأنّ المسجد كلّه متّصل حكماً وإن انفصل إلى بيوت ومساكن، وإن صلّى المأموم خارج المسجد وحال بينهما حائطه فقولان، أصحّهما عنده المنع من الإئتمام.(2)
وعلى هذا فأبوحنيفة لا يرى الحائل بين الإمام والمأموم مانعاً   2

1 . الخلاف:1/557، المسألة 303.
2 . تذكرة الفقهاء:4/256.

صفحه 178
مطلقاً; وفصّل الشافعي في نفس المسألة بين المسجد وخارج المسجد فجوّز في الأوّل، وقال في الثاني بالقولين.
فإذا تبيّن ذلك فلنذكر دليل المسألة.
الدليل على ذلك الصحيحة التي رواها المشايخ الثلاثة، لكن باختلاف في التقديم والتأخير والإضافة، والنقص، ولنذكرها حسب التسلسل التاريخي للمشايخ:
1. روى الكليني عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إن صلّى قومٌ وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى، فليس ذلك الإمام، لهم بإمام .
وأىُّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصفِّ الّذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى، فليس تلك لهم بصلاة.(1)
فإن(2) كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة، إلاّ من كان حيال الباب».(3)
قال: وقال: «هذه المقاصير لم تكن في زمان أحد من الناس، وإنّما   2

1 . والفرق بين الفقرتين هو أنّ الحدّ الفاصل في الأُولى بين الإمام والمأموم، وفي الثانية بين المأمومين بناءً على حمل الفقرة الثانية على الحدّ الفاصل .
2 . كذا، أي «فإن» مكان «وإن» في المطبوع من الكافي وبعض النسخ المخطوطة، وأمّا الفقيه ففيه «وإن»، كما سيوافيك والفقرتان المتقدمتان راجعتان إلى الحدّ الفاصل وهذه الفقرة إلى الحائل، وعليه فالأَولى أن يقول: «وإن» لا «فإن»، إذ على الثانية تكون الجملة متمّمة للفقرة السابقة، وتوجب أن تكون السابقة أيضاً ناظرة إلى الحائل لا الحدّ الفاصل .
3 . الاستثناء منقطع، لأنّ من صلّى بحيال الباب يرى الإمام أو المأموم، دون مَن كان بجانبيه وسيأتي شرح معنى الاستثناء في المسألة الثامنة بعد الفراغ من الشروط الأربعة فلا تغفل .

صفحه 179
أحدثها الجبّارون ليست لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة من فيها، صلاة».
قال: وقال أبوجعفر(عليه السلام): «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض لا يكون بين صفّين ما لا يتخطّى يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان».(1)
2. روى الصدوق في «الفقيه» وقال: روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال: «ينبغي للصفوف أن تكون تامّة متواصلة بعضها إلى بعض، ولا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان، إذا سجد».
وقال أبو جعفر(عليه السلام): «إن صلّى قوم بينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصفّ الّذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة، وإن كان ستراً أو جداراً فليس تلك لهم بصلاة إلاّ من كان حيال الباب».
قال: وقال: «هذه المقاصير إنّما أحدثها الجبّارون وليس لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة من فيها صلاة».
قال: وقال: «أيّما امرأة صلّت خلف إمام وبينها وبينه ما لا يتخطّى فليس لها تلك بصلاة».
قال: قلت: فإن جاء إنسان يريد أن يصلّي كيف يصنع وهي إلى جانب الرجل؟ قال: «يدخل بينها و بين الرَّجل وتنحدر هي شيئاً».(2)
3. روى الشيخ في «التهذيب» عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إن   2

1 . الكافي:3/385، الحديث4. والجزء 6 / 356 من الطبعة المحقّقة في دار الحديث، برقم 5300 .
2 . من لا يحضره الفقيه:1/386.

صفحه 180
صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الّذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس ذلك لهم بصلاة إلاّ من كان بحيال الباب».
قال: وقال: «هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس وإنّما أحدثها الجبارون، وليس لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة مَن فيها صلاة.
قال: وقال أبو جعفر(عليه السلام): «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض ولا يكون بين الصفين ما لا يتخطّى يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان».(1)
4. نقل صاحب الوسائل عن المشايخ الثلاثة قبل قولهم(عليهم السلام) العبارة التالية:«إن صلّى قوم بينهم وبين الإمام سترة أو جدار...».(2) وهي غير موجودة في النصوص المتقدّمة، كيف وهي مخلّة بالمقصود حيث تخصّ المانع، بما إذا كان بين الإمام والمأموم ولا تعمّ المأمومين.
ويستدل بهذه الرواية في موارد ثلاثة:
1. عدم الحائل. 2. عدم البعد. 3. حكم الواقف بحيال الباب الّذي يأتي بيانه في المسألة الثامنة .
فعلى القارئ، أن يحفظ الرواية ويعيّن موضع الاستدلال في كلّ مورد .
***   2

1 . التهذيب:3/52.
2 . الوسائل: 5، الباب59 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.

صفحه 181
إذا وقفت على نصّ الحديث من كتب المشايخ الثلاثة، فاعلم أنّ فيها اختلافاً في النقل، وبما أنّ الشيخ نقله عن الكافي، فالاختلاف بينهما بسيط غير مهم، وإنّما المهم الاختلاف بين نقل الكافي والفقيه، وربّما يؤثر بعضه في فهم الحديث. وإليك تلك الموارد:
1. صدّر الكليني الحديث بقوله: إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى، وذيّله بقوله: وقال أبو جعفر(عليه السلام): ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة; ولكنّ الفقيه عكس فقدّم ما نقله الكليني في آخر الحديث، وأخّر ما نقله الكليني في صدره ، وصدّر ما ذيّله، كما هو معلوم.
2. في الكافي:«فإن كان بينهم سترة أو جدار»، بالفاء. وعندئذ تكون الجملة متمّمة للفقرة السابقة .
وفي الفقيه: «وإن كان ستراً أو جداراً»، بالواو. وعندئذ تكون الجملة، مستقلة لا صلة لها بالسابقة.
3. في الكافي: «بينهم وبين الصف الذي يتقدّمهم قدر ما لايتخطى»، (بلفظ قدر) .
وفي الفقيه: «بينهم وبين الصف الذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى».
هذا ما يرجع إلى اختلاف الكافي والفقيه، وأمّا صاحب الوسائل فقد نقل قبل قولهم(عليهم السلام): وهذه المقاصير العبارة التالية: «إن صلّى قوم بينهم وبين الإمام سترة أو جدار. ونسبها إلى الكتب الثلاثة مع أنّ الموجود هكذا: «فإن كان بينهم سترة أو جدار...»، والفرق بين العبارتين واضح لاختصاص الأُولى بالإمام والمأموم، والثانية تعمّ الستر بين المأمومين، كما مرّ.
إذا وقفت على ما ذكرنا فلندرس فقه الحديث:   2

صفحه 182

فقه الحديث

أ. قوله:«ما لا يتخطّى» أي ما لا يُمشى، يقال: فلان يتخطّى النار مثلاً أي يخطو ويمشي فيها خطوة خطوة، والخطوة بُعد ما بين القدمين.(1)
ثمّ المراد من عدم التخطّي يحتمل أمرين:
1. عدم التخطّي بواسطة التباعد.
2. عدم التخطّي باعتبار الحائل.
والمراد هو الأوّل بقرينة قوله ـ فيما بعد: «قدر ما لا يتخطّى» وهذا دليل على أنّ الإمام في هذه الفقرة بصدد بيان حكم التباعد بين الإمام والمأموم، الّذي سيوافيك بيانه في الشرط الثالث، فانتظر .
وأمّا الثاني فقد بيّنه بقوله:«فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس ذلك لهم بصلاة إلاّ من كان بحيال الباب» وفي الوافي عن الفقيه: «فإن كان بينهم ستر» والمراد بها الساتر المانع عن المشاهدة، والظاهر إنّ عطف الجدار على السترة لأجل بيان عدم الفرق بين كون الساتر متحركاً قابلاً للرفع، أو غير قابل له كالجدار.
ب. قوله: «وهذه المقاصير»، المقاصير جمع المقصورة وهي الدار الواسعة المُحصّنة، أو هي أصغر من الدار ولا يدخلها إلاّ صاحبها،   2

1 . انظر: النهاية:2/51، ولسان العرب:14/232، مادة خطى.

صفحه 183
ومقصورة المسجد مقام الإمام أي ما يحجز له، ولا يدخله غيره.(1) وهذه الفقرة ناظرة إلى أصل الشرط الأوّل، أعني: عدم الحائل .
ج. قوله: ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض، ولا يكون بين الصفين ما لا يتخطى، يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان.]إذا سجد[ كما في الفقيه.
وهل المراد من الصفّين موقف اللاحق وموقف السابق؟ وعندئذ تكون غاية التباعد بين الموقفين مسقط جسد الإنسان إذا سجد ويكون الزائد عليه غير جائز.
أو أنّ المراد موقف الصف السابق ومسجد الصف اللاحق، وسيوافيك توضيحه عند دراسة الشرط الثالث، أعني: عدم التباعد.
وتبين ممّا ذكرنا أنّ قسماً من الفقرات راجع إلى الشرط الثالث، أعني: عدم البعد; والقسم الآخر راجع إلى الشرط الأوّل، أعني: عدم الحائل .
إذا علمت ذلك فقد تبيّن دليل الفرع الأوّل، أعني: بطلان الجماعة بالحائل بين الإمام والمأموم، وذلك بأمرين:
1. قوله ـ على ما في الكافي ـ:«فإن كان بينهم سترة أو جدار،... الخ» فهو عامّ يشمل وجود الحائل بين الإمام والمأموم، وبين المأمومين.
2. قوله: «وهذه المقاصير لم تكن في زمان أحد من الناس» فإنّها تمنع رؤية الإمام مطلقاً أو غير من كان بحيال الباب.   2

1 . لاحظ : القاموس المحيط:1/644، مادة قصر، والوافي:8/1191.

صفحه 184

الفرع الثاني: حكم الحائل بين بعض المأمومين والبعض الآخر ممّن يكون واسطة في اتّصاله بالإمام

وقد أوضحه المصنّف بقوله: «كمن كان في صفه من طرف الإمام أو قدّامه إذا لم يكن في صفه مَن يتّصل بالإمام».
والدليل على العموم لفظة «بينهم» في نقل الكافي حيث قال:«فإن كان بينهم سترة» وقوله: «أو جدار فليس ذلك لهم بصلاة إلاّ من كان من حيال الباب».
نعم، ما نقله في الوسائل ناسباً لها ـ أي إلى الكتب الثلاثة ـ يختصّ بمانعية الحائل بين الإمام والمأموم حيث نقل هكذا:«إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام سترة» فقد عرفت خلو الكتب الثلاثة، عن هذه الفقرة.
وربما تعارض الصحيحة بموثّقة الحسن بن جهم قال: سألت الرضا(عليه السلام)عن الرجل يصلّي بالقوم في مكان ضيّق ويكون بينهم وبينه ستر، أيجوز أن يصلّي بهم؟ قال: «نعم».(1)
وحمله في الوسائل على ستر لا يمنع المشاهدة أو الأساطين أو على التقية، لما عرفت من أنّ أبا حنيفة والشافعي لا يرى الحائل مانعاً.
قلت: في التهذيب المطبوع هو «ستر» وفي الوافي «شبرٌ» مكان ستر ناقلاً عن التهذيب.   2

1 . الوسائل: 5، الباب59 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.

صفحه 185
وأضاف الفيض: في بعض النسخ «ستر» ويشبه أن يكون مصحفاً.(1)
وجه التصحيف عدم وجود المناسبة بين ضيق المكان، ووجود الستر بخلاف الشبر، حيث يسأل الإمام عن الفاصل بين الصفين على حد الشبر لأجل ضيق المكان، ولو صحّ ما ذكرنا فهو، وإلاّ يحمل على التقيّة لما عرفت من حكمهم بالصحّة.

الفرع الثالث: حكم الحائل إذا كان مانعاً في بعض أحوال الصلاة دون بعض

ربّما يكون الحائل مستمراً من ابتداء الصلاة إلى انتهائها، وأُخرى يكون حائلاً في الركعة الأُولى أو الثانية دون الركعات الأُخر، وأيضاً قد يكون حائلاً عند الركوع والسجود ولا يكون حائلاً عند القيام. والمصنّف أفتى ببطلان الجماعة في كلتا الصورتين.
أمّا الحالة الأُولى: فواضحة، لأنّ مقتضى الإطلاق أنّ الستر بما هوهو يبطل الصلاة ولا يشترط استمراره.
وأمّا الحالة الثانية: ففيه التفصيل بين كونه شبراً أو شبرين بحيث لا يصلح للمانعية في حالة القيام والركوع، وأمّا في حالة السجود فالإمام غير مرئي، سواء أكان ذلك الحائل موجوداً أو لا; لأنّ الوارد فيه هو الستر أو السترة أو الجدار، والجميع لا يصدق على الحائل القصير فهو ليس بستر ولا جدار. نعم لو كان الحائل طويلاً مانعاً في بعض أحوال الصلاة كالركوع والهوي   2

1 . الوافي:8/1192.

صفحه 186
فهو مبطل.
وربما يفصّل بين الحائل الذي يتخطّى وبين ما لا يتخطّى قائلاً: بأنّ الرواية وردت في الفقيه هكذا: يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الّذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى، فليس تلك لهم بصلاة وإن كان ستراً أو جداراً، حيث إنّ «ستراً وجداراً» خبر مقدّم، والضمير المستتر في «كان» اسم له عائد إلى الموصول، فلا جرم يكون مفادها اختصاص الساتر الممنوع بالمقدار الذي لا يتخطّى.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الكافي ضبط النص فيه هكذا: «فإن كان بينهم سترة أو جدار» وعلى هذا فاسم «كان» هو السترة والجدارلا«ما لا يتخطّى» ـ كما زعم ـ ، وتذكير الفعل لوجود الفصل بينه وبين الفعل .
والأقوى ما ذكرنا أنّه إذا كان وجود الحائل غير مؤثّر في عدم الرؤية في حال السجود فلا بأس به، وأمّا المؤثّر في سائر الحالات فهو مبطل للجماعة.
وهل الرواية تشمل الجدار إذا كان الجدار من زجاج أو كان شبّاكاً؟ الظاهر عدمه لعدم مانعيتهما عن رؤية الإمام أو المأموم، هذا إذا قلنا:إنّ الميزان هو الرؤية وعدمها، كما هو المعروف من الكلمات، وأمّا إذا كان الميزان هو وحدة المكان، فالظاهر المانعية; لأنّ المفروضين يؤثران في تعدّد المكان، خصوصاً إطلاق لفظ الجدار فإنّه يشمل الجدار المشبّك، المبني بالكاشي أو الرخام.   2

1 . مستند العروة الوثقى:5/171.

صفحه 187

الفرع الرابع: حكم الحائل إذا كان شخص إنسان ولم يكن مأموماً

إذا كان الإنسان حائلاً ولم يكن مأموماً فهل هو مبطل للجماعة؟
الظاهر ذلك، لإطلاق السترة عليه، خصوصاً إذا كان متعدّداً فهو يشكل جداراً لحميّاً.

الفرع الخامس: حكم الحائل إذا كان الإمام رجلاً والمأموم امرأة

استثناء المرأة من هذا الشرط أمر مشهور بين الفقهاء .
قال في «التذكرة»: يجوز أن تصلّي المرأة من وراء الجدار مقتدية بالإمام وإن لم تشاهده ولا من يشاهده عند علمائنا. ثم استدلّ بحديث عمّار الذي سيوافيك. إلى أن قال: ولم يفرّق الجمهور بين الرجال والنساء في المنع والجواز.(1)
ونسبه في «الحدائق» إلى الأشهر: وقال الأشهر الأظهر عدم اشتراط هذا الشرط في حق المرأة فيجوز لها الاقتداء مع الحائل ـ إلى أن قال: وقال ابن إدريس في سرائره: وقد وردت رخصة للنساء أن يصلّين وبينهن وبين الإمام حائط، والأوّل أظهر وأصحّ. ومراده بالأوّل مساواة النساء للرجال في هذا الشرط، وهو جيّد على أصله غير الأصيل.(2)
وفي «الجواهر»: لو ائتمّت المرأة بالرجل اغتفر الحائل كما   2

1 . تذكرة الفقهاء:4/259.   2 . الحدائق الناظرة:11/100.

صفحه 188
ذكره المصنّف مستثنياً له من الحكم بعدم الصحّة مع السابق ] كذا [ فقال: «إلاّ أن يكون المأموم إمرأة». فيصحّ ولو مع الحائل من جدار وغيره، بل لا أجد فيه خلافاً بينهم، كما اعترف به بعضهم، إلاّ من الحلّي.(1)
وبهذا يعلم أنّ ما في «الحدائق» من وصفه بالأشهر ليس بصحيح، بل الصحيح أنّه المشهور.
وعلى كلّ تقدير فتدل عليه موثّقة عمار ـ وفي السند فطحيون ـ قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يصلّي بالقوم وخلفه دار وفيها نساء، هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: «نعم إن كان الإمام أسفل منهن»، قلت: فإنّ بينهن وبينه حائطاً أو طريقاً؟ فقال: «لا بأس».(2)
وعلى هذا فالحديث يُخصّص ما دلّ عليه صحيح زرارة من مبطلية الحائل مطلقاً بلا فرق بين الرجل والمرأة.
كلّ ذلك بشرط أن تتمكّن من المتابعة، وأن تكون عالمة بأحوال الإمام من القيام والركوع والسجود ونحوها،وذلك لأنّ الجماعة تتقوّم بالمتابعة، وهي رهن العلم بأحوال الإمام.
هذا والظاهر من كلام المصنّف حيث يقول: «فلا بأس بالحائل بينها وبين الإمام أو ] بينها وبين [غيره من المأمومين مع كون الإمام رجلاً» عدم الفرق بين كون المأمومين رجالاً أو نساءً، أمّا الأوّل فصحيح داخل في الموثّقة،   2

1 . جواهر الكلام:13/164ـ 165. ولعلّ الصحيح الحائل مكان السابق.
2 . الوسائل: 5، الباب60 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.

صفحه 189
وأمّا الثاني ـ أي إذا كنّ نساءً ـ فالحائل بينهنّ مبطل خارج عن مضمون الموثّقة، لأنّ المفروض فيها كون الرجال في مكان والنساء في الدار، والحائل بين الرجال والنساء، لا بين النساء، ففي الأخير يكون المرجع إطلاق صحيح زرارة، فكان على المصنّف أن يقول:أو غيره من المأمومين الرجال.

الفرع السادس: لو كان كلٌّ من الإمام والمأموم امرأة

إذا أُقيمت الجماعة والإمام والمأموم كلّهم من النساء، فالحكم كما في الرجل حيث يكون الحائل مطلقاً مبطلاً للجماعة. ووجهه اختصاص المخصّص ـ أعني: موثّقة عمّار ـ بما إذا كان الإمام رجلاً، فيرجع فيما عدا ذلك إلى إطلاق صحيحة زرارة الماضية.
فإن قلت: كيف يكون المرجع صحيحة زرارة مع أنّ الوارد فيها لفظةُ: قومٌ حيث قال: «إن صلّى قوم بينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى... الخ» .والقوم في مصطلح العرب هم الرجال، قال سبحانه:(لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِساءٌ مِنْ نِساء عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ).(1)
وقال الشاعر:
وما أدري وسوف إخال أدري *** أقوم آل حصن أم نساء(2)2

1 . الحجرات:11.
2 . البيت لزهير بن أبي سلمى من قصيدة طويلة يهجو فيها قوم من بني غليب، يقول: سأبحث عن حقيقة أمر هؤلاء الناس أرجال هم أم نساء؟! وهذا هزء بهم وتوعّد لهم. راجع: ديوان زهير بن أبي سلمى:7; شرح ديوان زهير:97.

صفحه 190
وعلى هذا فالموضوع فيها إمامة الرجل، وإمامة المرأة خارجة عنها، فكيف يتمسك بإطلاقها؟!
يلاحظ عليه: لم يثبت أنّه مصطلح عام في عامّة الأقوام، وعلى فرض الثبوت فالعرف لا يرى خصوصية بين الرجل والمرأة، وعلى كلّ تقدير فلو قصرت اليد عن الإطلاق فالاحتياط هو المحكّم، لأنّ مرجع الشك هو مشروعية الجماعة مع وجود الحائل وليست الجماعة في الصلاة أمراً عرفياً (وإن كانت نفس الجماعة أمراً عرفيّاً) يرجع إليه، بل هو أمرٌ عبادي توقيفي لم تثبت مشروعيتها مع الحائل إذا كان الإمام امرأة، فالمرجع هو الاحتياط.
من شرائط صلاة الجماعة: عدم علوّ موقف الإمام   

صفحه 191
الشرط الثاني: أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين، علوّاً معتدّاً به، دفعياً كالأبنية ونحوها لا انحدارياً على الأصح، من غير فرق بين المأموم الأعمى والبصير والرجل والمرأة. ولا بأس بغير المعتدّ به ممّا هو دون الشبر ولا بالعلو الانحداري، حيث يكون العلو فيه تدريجياً على وجه لا ينافي صدق انبساط الأرض، وأمّا إذا كان مثل الجبل فالأحوط ملاحظة قدر الشبر فيه ولا بأس بعلو المأموم على الإمام ولو بكثير.*

* الشرط الثاني: عدم علوّ موقف الإمام

وفي المقام فروع:
1. لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين علوّاً معتدّاً به.
2. لا فرق بين المأموم الأعمى والبصير.
3. لا فرق بين الرجل والمرأة.
4. حكم العلو الانحداري الذي يكون العلو فيه تدريجياً.
5. حكم إقامة الجماعة على الأراضي الجبلية التي يكون العلو فيها دفعياً.
6. علو المأموم على الإمام كثيراً.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

الفرع الأوّل: لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين علوّاً معتداً به

تبطل الجماعة ولا تنعقد إن كان الإمام أعلى من المأموم علوّاً معتداً   2

صفحه 192
به. وهذا هو المشهور، ولكن الظاهر من الشيخ في «الخلاف» الكراهة قال: يكره أن يكون الإمام أعلى من المأموم على مثل سطح ودكّان وما أشبه ذلك. وبه قال أبوحنيفة، والذي نصّ عليه الشافعي أنّه لا بأس به، وحكى الطبري أنّه الأفضل. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وقد ذكرناها.(1)
وتردّد المحقّق في «الشرائع» وقال: ولا تنعقد والإمام أعلى من المأموم بما يعتدّ به، كالأبنية على تردّد.(2)
قال العلاّمة: الشرط الخامس: عدم علو الإمام على موضع المأموم بالمعتدّ به. فلو صلّى الإمام على موضع أرفع من موضع المأموم بما يعتدّ به بطلت صلاة المأموم، عند علمائنا، سواء أراد تعليمهم أو لا; لما رواه الجمهور أنّ عمار بن ياسر كان بالمدائن، فأُقيمت الصلاة، فتقدّم عمّار، فقام على دكّان والناس أسفل منه، فتقدّم حذيفة فأخذ بيده حتى أنزله، فلمّا فرغ من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول:«إذا أمّ الرجل القوم فلا يقومنّ في مكان أرفع من مقامهم».
قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي.(3)
وأمّ حذيفة بالمدائن على دكّان، فأخذ عبد الله بن مسعود بقميصه فجبذه(4)، فلمّا فرغ من صلاته، قال: ألم تعلم أنّهم كانوا ينهون عن ذلك   2

1 . الخلاف:1/506، المسألة 301.
2 . شرائع الإسلام:1/123.
3 . سنن أبي داود:1/163; سنن البيهقي:3/109.
4 . الجبذ لغة من الجذب. النهاية لابن الأثير:1/235، مادة «جبذ».

صفحه 193
قال: بلى ذكرت حين جبذتني (1).(2)
ويدلّ عليه موثقّة عمّار عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلّي بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه ] الإمام [ الذي يصلّي فيه؟ فقال: «إن كان الإمام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم». (3)
ثم إنّ الفقرات الأُخرى تحتاج إلى التوضيح، ونحن ننقل البقيّة من «الكافي».
فإن كان أرفع منهم بقدر اصبع أو أكثر أو أقل .
إذا كان الارتفاع ببطن مسيل.
فإذا كان أرضاً مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع وقام من خلفه أسفل منه، والأرض مبسوطة إلاّ أنّهم في موضع منحدر قال: «لا بأس».
وسئل فإن قام الإمام أسفل من موضع من يصلّي خلفه، قال: لا بأس. وقال: «إن كان رجل فوق بيت أو غير ذلك ـ دكّاناً كان أو غيره ـ وكان الإمام يصلّي على الأرض أسفل منه، جاز للرجل أن يصلّي خلفه، ويقتدي بصلاته، وإن كان أرفع منه بشيء كثير» .(4)
وإليك توضيح هذه الفقرات.   2

1 . سنن أبي داود:1/163، 597; سنن البيهقي:3/108، وانظر المغني:2/41ـ42.
2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 260 .
3 . الوسائل: 5، الباب 63 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.   4. الكافي: 6 / 357 ـ 359 .

صفحه 194

1. فإن كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل

الظاهر أنّ الجملة شرطية، والجزاء محذوف وتقديره «فلا بأس» سواء أكانت النسخة «فإن كان» كما في الكافي أو «وإن كان» على ما في الفقيه والتهذيب والوافي; وذلك لأنّه لو كانت وصلية لفسد المعنى، إذ يكون المعنى عندئذ «لم تجز صلاتهم وإن كان أرفع منهم بقدر اصبع أو أكثر أو أقل» ومن المعلوم أنّ الرفع بقدر الاصبع أو أقل ليس بمبطل أبداً عند الجميع، فتعيّن أنّ الجملة شرطية، والجزاء محذوف.

2. إذا كان الارتفاع ببطن مسيل

3. فإذا كان أرضاً مبسوطة

أقول: إنّ الإمام في هاتين الفقرتين يشير إلى حكم نوعين من الارتفاع.
1. الارتفاع الدفعي
2. الانحدار التدريجي
أمّا الأوّل: فيشير إليه بقوله:«إن كان الارتفاع ببطن مسيل».
وهذه الفقرة نقلت بصور مختلفة بعضها مصحّف قطعاً، وبعضها محتمل الصحّة.
أمّا الأوّل فهو عبارة عن 1. ببطن مسيل، 2. يقطع مسيلاً 3. يقطع مسيل، 4. يقطع سبيلاً، 5. يقطع سيل، 6. يقطع سبيل، وهذه النسخ الست لا تمسّ مفاد الرواية.   2

صفحه 195
وأمّا التالي هو الذي يناسب ما جاء في بعض النسخ.
7. بقدر يسير، 8. بقدر شبر، 9. بقدر اصبع إلى شبر، والأخير هو المنقول من الذكرى والتنقيح ولم نعثر على مصدره، وأمّا الباقي فالجميع مذكور في الجواهر وفي هامش نسخة الكافي المطبوعة المحقّقة .(1)
والمناسب للمقام هذه الصور الثلاثة، ولكن لا يمكن الاعتماد على واحدة منها، لعدم ثبوت النسخة والذي يمكن أن يقال: إنّ الفقرة المتقدّمة دلّت على صحّة الجماعة إذا كان الرفع بقدر اصبع أو أقل أو أكثر، وهذا يدلّ على أنّ المقدار المجاز في الارتفاع الدفعي هو أحد هذه المقادير، وعلى ذلك فيجوز الصلاة خلف إمام مرتفع مكانه بقدر يسير أو بما في المتن«بغير المعتدّ به ممّا هو دون الشبر». وعلى ما ذكر يكون قوله: «إذا كان الارتفاع بقدر يسير أو بقدر شبر» متمّماً للفقرة السابقة، أعني: «فإن كان أرفع منهم بقدر اصبع...»، وقد مرّ أنّ الجزاء محذوف أي فلا بأس .
والأولى أن يقال: لا بأس بما لا يعد أرفع عند العرف، على نحو يتسامح العرف ولا يعد مقدار الرفع ارتفاعاً.
وأمّا الثاني: أي الرفع التدريجي، فقد أشار إليه الإمام بالفقرة التالية:فإن كان أرضاً مبسوطة أو (2) كان في موضع منها ارتفاع، فقام الإمام في الموضع المرتفع، وقام من خلفه أسفل منه والأرض مبسوطة إلاّ أنّهم في   2

1 . الكافي: 6 / 358; جواهر الكلام: 13 / 167 .
2 . في الوافي والفقيه والتهذيب«وكان» وهو أنسب.

صفحه 196
موضع منحدرة قال: لا بأس.
وهذه الفقرة ناظرة إلى الأراضي المبسوطة، أي الأراضي التي ليس فيها ارتفاع ولا انخفاض في بدء النظر، ولكن بما أنّها أراضي منحدرة تكون بعض أجزائها فوق بعض حسب الدقة، فلو قام الإمام في الجزء المرتفع والمأمومون في الجزء المنخفض صحّت الجماعة، وإن كان الارتفاع بحسب الدقة أزيد من شبر، خصوصاً إذا طالت الصفوف، فالواقف في الصف الأخير ينخفض عن موقف الإمام أزيد من شبر.
ثمّ إنّه(عليه السلام) ذكر أيضاً فرعاً آخر، وهو إذا قام الإمام على أرض أسفل، والمأموم على السطح فقال: لا بأس. وإليك نص الحديث:
«إن كان رجل فوق بيت أو غير ذلك دكاناً كان أو غيره، وكان الإمام يصلّي على الأرض أسفل منه، جاز للرجل أن يصلّي خلفه، ويقتدي بصلاته، وإن كان أرفع منه بشيء كثير».
إلى هنا اتّضح أنّ الموثقة واضحة الدلالة إلاّ في فقرة تحمل حكم الرفع الدفعي، وقد عرفت علاج الإجمال. وإنّ المحتمل هو «قدر يسير» أو «قدر شبر»، وكلّ من النسختين تناسب ما سبق في تصحيح الجماعة إذا كان الارتفاع قدر إصبع أو أكثر.

الفرع الثاني: لا فرق بين المأموم الأعمى والبصير

لا فرق بين المأموم الأعمى والبصير، خلافاً لابن جنيد حيث قال: لا يكون الإمام أعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله إلاّ   2

صفحه 197
أن يكون المأمومون أضراراً .(1) والإطلاق على خلافه.
الفرع الثالث: عدم الفرق بين الرجل والمرأة، للإطلاق أوّلاً، وموثّقة عمار ثانياً.
قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الرجل يصلّي بالقوم وخلفه دار، وفيها نساء هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: «نعم إن كان الإمام أسفل منهن».(2)
وكون الإمام أسفل منهن إشارة إلى عدم علوّه عليهن; لأنّ التساوي ليس شرطاً في الصحّة.
نعم ورد في رواية محمد بن عبدالله، عن الرضا(عليه السلام) اشتراط التسوية قال: سألته عن الإمام يصلّي في موضع، والذين خلفه يصلّون في موضع أسفل منه؟ أو يصلّي في موضع والذين خلفه في موضع أرفع منه؟ فقال: «يكون مكانهم مستوياً».(3) ولعلّه لردّ الشق الأوّل، أعني: الذين خلف الإمام في موضع أسفل لا لشرطية التسوية، فلاحظ .
الفرع الرابع: إذا كانت الأرض منحدرة، فقد مرّ الحكم فيه بأنّ العلو إذا كان تدريجياً على وجه لا ينافي صدق انبساط الأرض تجوز الصلاة، وإن كان الرفع في النهاية أزيد من شبر.   2

1 . مختلف الشيعة: 3 / 90 .
2 . الوسائل: 5، الباب60 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
3 . الوسائل: 5، الباب63 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.

صفحه 198
الفرع الخامس: الأراضي الجبلية هي الأراضي التي يكون فيها العلو دفعياً، فقد مرّ حكمه من جواز العلو بقدر يسير أو أقل من شبر أو بغير المعتدّ به، أو لا يكون أرفع في نظر العرف.
الفرع السادس: إذا كان موقف المأموم أعلى من موقف الإمام فقد مرّ حكمه في آخر الموثقة.
نعم يشترط أن لا يكون العلو مفرطاً كما في الأبنية الشاهقة.
من شرائط الجماعة: عدم التباعد الكثير بين الإمام والمأموم   

صفحه 199
الشرط الثالث: أن لا يتباعد المأموم عن الإمام بما يكون كثيراً في العادة إلاّ إذا كان في صف متّصل بعضه ببعض حتى ينتهي إلى القريب. أو كان في صف بينه وبين الصف المتقدّم البعد المزبور وهكذا حتى ينتهي إلى القريب، والأحوط احتياطاً لا يترك أن لا يكون بين موقف الإمام ومسجد المأموم، أو بين موقف السابق ومسجد اللاحق أزيد من مقدار الخطوة التي تملأ الفرج، وأحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة، والأفضل بل الأحوط أيضاً أن لا يكون بين الموقفين أزيد من مقدار جسد الإنسان إذا سجد، بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل.*

* الشرط الثالث: عدم التباعد الكثير بين الإمام والمأموم

في المقام فرعان:
1. أن لا يتباعد المأموم عن الإمام بما يكون كثيراً في العادة.
2. البعد المجاز بين المأموم والإمام أو المأمومين بعضهم من بعض، وإليك دراسة الفرعين:

الفرع الأوّل: في حكم التباعد الكثير بين الإمام والمأموم

التباعد الكثير بين الإمام والمأموم مخلّ بالجماعة عند أكثر الفقهاء، قال الشيخ: مَن صلّى خارج المسجد وليس بينه وبين الإمام حائل، وهو قريب من الإمام أو الصفوف المتّصلة به صحّت صلاته، وإن كان على بعد لم تصحّ   2

صفحه 200
صلاته وإن علم بصلاة الإمام. وبه قال جميع الفقهاء إلاّ عطاء فإنّه قال: إن كان عالماً بصلاته صحّت صلاته، وادّعاؤه ليس عليه دليل، وأيضاً قوله سبحانه:(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ)(1) فأمرنا بالسعي، وعلى قول عطاء يسقط وجوب السعي ويقتصر الناس على الصلاة في بيوتهم ومنازلهم.(2)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: لا يجوز تباعد المأموم عن الإمام بما لا تجري العادة به، ويسمى كثيراً إلاّ مع اتصال الصفوف به عند علمائنا، وهو قول أكثر العلماء، سواء علم بصلاة الإمام أو لا; لقوله(عليه السلام): «لو صلّيتم في بيوتكم لضللتم» وهو يدلّ على أنّ من علم بصلاة الإمام، وهو في داره فلا يجوز له أن يصلّي بصلاته.(2)
واستثني ما إذا كان في صف متّصل بعضه ببعض حتى ينتهي إلى القريب، أو كان في صف ليس بينه وبين الصف المتقدّم البعد المذكور، حتى ينتهي إلى القريب.
والدليل على ذلك هو ما يأتي في الفرع التالي من تحديد البعد المجاز.

الفرع الثاني: البعد المجاز بين الصفين

حدّد المصنّف البعد المجاز بوجوه ثلاثة:
1. أن لا يكون بين موقف السابق ومسجد اللاحق أزيد من   2

1 . الجمعة: 9.   2 . الخلاف:1/556، المسألة 302.
2 . تذكرة الفقهاء:4/251.

صفحه 201
مقدار الخطوة التي تملأ الفُرَج.
2. مراعاة الخطوة المتعارفة; وذلك لأنّ الخطوة التي تملأ الفرج أزيد من الخطوة المتعارفة.
3. أن لا يكون بين الموقفين أزيد من مقدار جسد الإنسان إذا سجد، بأن يكون مسجد اللاحق وراء مسجد السابق بلا فصل. وهذا يختلف حسبَ اختلاف طول القامة وقصرها.
هذا ما يرجع إلى توضيح المتن، إنّما الكلام فيما هو المستفاد من صحيحة زرارة، فلا شك أنّ المستفاد منها جواز الفصل بما يتخطّى، وعدمه، بما لا يتخطّى، ولكن هل الحد الفاصل يلاحظ بين مسجد اللاحق وموقف السابق أو يلاحظ بين الموقفين؟ وهذا هو المهم وإلاّ فمقدار الحد المجاز هو ما يتخطّى الذي يعبر عنه بالخطوة المردّدة بين الخطوة التي تملأ الفُرَج أو الخطوة المتعارفة، ولا شك أنّه إذا أُطلقت الخطوة أو ما يتخطّى يكون المتبادر الخطوة المتعارفة، ولذلك يجب صرف الكلام إلى بيان ما يستفاد منها:
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الدليل على الشرط الثالث هو نفس الصحيحة الّتي تقدّم نقلها عند دراسة الشرط الأوّل، وهي صحيحة زرارة حيث إنّها تضمّنت بيان شرطين:
1. عدم الحائل.
2. عدم البعد غير المجاز.
وبما أنّا فرغنا من توضيح الصحيحة فيما يرجع إلى الشرط   2

صفحه 202
الأوّل فلنرجع إلى توضيحها فيما يرجع إلى الشرط الثالث ونقتفي هنا ما نقله الصدوق حيث قدّم ما أخرّه الكليني وجعله ذيلاً، ولكن الأنسب ما صنعه الفقيه كما سيظهر.
قال (قدس سره)في الفقيه: روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال:
1. ينبغي للصفوف أن تكون تامّة متواصلة بعضها إلى بعض، ولا يكون بين الصفين ما لايتخطّى يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان إذا سجد.
وقال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ صلّى قوم بينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى، فليس ذلك الإمام لهم بإمام.
وأي صفّ كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصفّ الّذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى، فليس تلك لهم بصلاة (1) .
وقد تركنا بقية الحديث لعدم صلته بهذا الشرط. بل يرجع إلى الشرط الأوّل، أعني: عدم الحائل.
وإليك فقه الحديث :
الفقرة الأُولى:
1. قوله «ينبغي أن تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها إلى بعض» دليل على أنّ ما يأتي بعده من الحد أمر مستحب وليس بواجب، وإلاّ لما عبّر بقوله ينبغي.   2

1 . الفقيه: 1 / 386 .

صفحه 203
2. قوله :«ولا يكون بين الصفين ما لا يتخطّى يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان إذا سجد».
فالمراد من قوله «ما لا يتخطّى» أي ما لا يمكن طيّه بالخطوة الواحدة.
3. يكون «قدر ذلك مسقط جسد إنسان » .
فما هو المشار إليه بقوله :«قدر ذلك» يحتمل أُموراً ثلاثة:
1. أن يكون المرجع لفظة «بين الصفين» فيكون المعنى القدر الفاصل بين الصفين مسقط جسد الإنسان إذا سجد.
2. أن يكون المرجع هو التخطّي المستفاد من قوله: «ما لا يتخطّى» فيكون المعنى قدر ذلك التخطّي مسقط جسد الإنسان .
وكلا الاحتمالين يرجع إلى معنى واحد.
3. أن يكون المشار إليه هو الموصول ـ أعني: «ما لا يتخطّى» ـ وهو غير صحيح; لأنّه لا ينسجم مع قوله: «مسقط جسد إنسان» فلو كان مسقط جسد الإنسان ممّا لا يتخطّى لزم التكليف بالمحال، فإنّ الإنسان إذا سجد لا يمكن أن يكون الحدّ الفاصل بين الصفين أقلّ من مسقط جسد إنسان .
إذا تقرّر ذلك فاعلم أنّ المستفاد من هذه الفقرة أنّه يستحب أن لا يكون بين الصفين ما لا يتخطّى، بل يكون القدر الفاصل بين الصفين بمقدار مسقط جسد الإنسان، والدليل على استحباب أن لا يكون بين الصفين ما لا يتخطّى، عطف قوله: «ولا يكون بين الصفين...» على قوله: «أن تكون الصفوف متواصلة» والعامل في المعطوف والمعطوف عليه قوله: «ينبغي» الدالّ على الاستحباب فيهما.    2

صفحه 204
الفقرة الثانية:
فإن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام، لهم بإمام.
قد علمت أنّ مسقط جسد الإنسان إذا سجد أمر يتخطّى، فيكون «ما لايتخطّى» أي الأزيد من مسقط جسد الإنسان مانعاً عن انعقاد الجماعة، لا عن صحّة الصلاة; لقوله: «فليس ذلك الإمام لهم بإمام» ولا يقول تلك الصلاة ليس لهم بصلاة كما يأتي في الفقرة الثالثة.
وهذه الفقرة تخالف الفقرة الأُولى حيث إنّ الأُولى دلّت على استحباب عدم ما لا يتخطّى وجواز الفصل بما لا يتخطّى، وهذه الفقرة بما أنّها تنهى عن ما لا يتخطّى، يكون الفصل بما لا يتخطّى مخلاًّ بانعقاد الجماعة، وبالتالي تكون مراعاة القدر المتخطّى أمراً واجباً، وأمّا كيفية الجمع فستوافيك.
الفقرة الثالثة:
وأي صف كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الّذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة.
وهذه الفقرة آكد من الفقرة الثانية حيث تنفي صحّة الصلاة إذا كان الحدّ الفاصل أزيد ممّا يتخطّى ويقول: «فليس تلك لهم بصلاة» .
وعندئذ يقع التعارض بين الفقرات الثلاثة، فالزائد على قدر مسقط جسد إنسان غير ضائر على الفقرة الأُولى، ومخلّ للجماعة على الفقرة الثانية ومبطل للصلاة على الفقرة الثالثة .
وأمّا كيفية الجمع فبأحد الوجهين:   2

صفحه 205
الأوّل: حمل الفقرة الثانية والثالثة على تأكّد الاستحباب حيث إنّ الفقرة الأُولى تدلّ على استحباب عدم الفصل بما لا يتخطّى، وتدلّ الثانية والثالثة على تأكده.
الثاني: حمل الفقرة الأُولى الدالّ على الاستحباب على الحدّ الفاصل بين موقف الصفّ المتأخّر مع موقف الصف المتقدّم فيستحب أن لا يكون بين الموقفين ما لا يتخطّى، بل يكون الحدّ الفاصل على قدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد، ومع ذلك يجوز أن يكون أزيد منه; وحمل الفقرة الثانية والثالثة الدالّتين على الوجوب، على الحد الفاصل بين مسجد الصف المتأخّر وموقف الصف المتقدّم فالحد الفاصل بما لا يتخطّى مخلّ، فلو زاد إمّا أن تبطل جماعته أو صلاته .
وبعبارة أُخرى: أنّ الفصل بما لا يتخطّى غير مخلّ تارة ومخل أُخرى .
أمّا الأوّل ففي الحد الفاصل بين الموقفين، فيستحب أن لا يكون الحد الفاصل أزيد ممّا يتخطّى، ولو زاد لا يكون مخلاًّ .
وأمّا الثاني ففي الحدّ الفاصل بين مسجد اللاحق وموقف السابق فيجب أن لا يكون أزيد ممّا يتخطّى، فلو زاد تبطل جماعته أو صلاته .
فما دلّ على الاستحباب وعدم الإخلال راجع إلى الأمر الأوّل (الموقفين) وما دلّ على الوجوب والإخلال ناظر إلى الأمر الثاني، أي بين المسجد اللاحق وموقف السابق، أي بين مسجد الصف المتأخّر، وموقف الصف المتقدّم .
فلو صحّ ما ذكرنا من الجمع فهو وإلاّ تكون الصحيحة مجملة، ولابدّ   2

صفحه 206
في تحديد الحدّ من التماس دليل آخر كالتالي:
1. موثّقة عمّار قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يصلّي بالقوم وخلفه دارٌ وفيها نساء هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: «نعم إن كان الإمام أسفل منهن»، قلت: فإنّ بينهن وبينه حائطاً أو طريقاً، فقال: «لا بأس».(1)
والموثّقة تدلّ على صحّة الجمع الثاني.
وجه الدلالة: أنّ الطريق بين الموقفين أكثر ممّا لا يتخطّى غالباً، فلو كان المنع عمّا لا يتخطّى راجعاً إلى ما بين الموقفين ، يلزم منه بطلان الجماعة فيما إذا كان بينهما الطريق; بخلاف ما إذا كان المنع راجعاً إلى مسجد اللاحق وموقف السابق، فلا يكون الطريق مانعاً. فإنّ قسماً من الطريق يقع بين موقف اللاحق ومسجده، وقسماً آخر يقع بين مسجده وموقف السابق، ولا يكون الفاصل بين المسجد والموقف بما لا يتخطّى، بل قابلاً له .
2. باسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أقل ما يكون بينك وبين القبلة مربض عَنْز، وأكثر ما يكون مربض فرس».(2)
من شرائط الجماعة: عدم تقدّم المأموم على الإمام    
أمّا الحدّ الأوّل ـ أي مربض العنز ـ فهو ينطبق على مسقط جسد الإنسان إذا سجد، فلو فرضنا أنّه قابل للتخطّي، لكن الحدّ الثاني مربض فرس غير قابل للتخطّي، فلو جاز فلأجل أنّ قسماً من هذا الحد يقع بين موقف المأموم ومسجده، فقد عرفت أنّ عدم التخطّي فيه مستحب والقسم الباقي بين مسجده وموقف الإمام وقد مر أنّ عدم التخطّي فيه واجب، وعندئذ يكون ما بين مسجد المأموم وموقف الإمام قابلاً للتخطّي.

1 . الوسائل: 5، الباب60 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
2 . الوسائل: 5 ، الباب62 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.

صفحه 207
الرابع: أن لا يتقدّم المأموم على الإمام في الموقف، فلو تقدّم في الابتداء أو الأثناء بطلت صلاته إن بقي على نية الإئتمام، والأحوط تأخّره عنه، وإن كان الأقوى جواز المساواة، ولا بأس بعد تقدّم الإمام في الموقف أو المساواة معه بزيادة المأموم على الإمام في ركوعه وسجوده لطول قامته ونحوه، وإن كان الأحوط مراعاة عدم التقدّم في جميع الأحوال حتّى في الركوع والسجود والجلوس والمدار على الصدق العرفي.*

* الشرط الرابع: عدم تقدّم المأموم على الإمام

في المقام فروع:
1. اشتراط عدم تقدّم المأموم على الإمام في الموقف.
2. حكم ما إذا تقدّم في الابتداء أو الأثناء.
3. جواز المساواة أو وجوب التأخّر.
4. كفاية عدم التقدّم أو التأخّر في الموقف.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: اشتراط عدم تقدّم المأموم على الإمام في الموقف

يشترط في المأموم أن لا يتقدم على الإمام في الموقف إجماعاً، قال الشيخ: إذا وقف المأموم قُدّام الإمام لم تصح صلاته، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد وهو الصحيح عند أصحابه، وقال في القديم   2

صفحه 208
تصحّ صلاته، دليلنا أنّه لا خلاف]في[ أنّه إذا صلّى خلفه أو عن يمينه وشماله، أنَّ صلاته صحيحة ولا دليل على صحّتها إذا صلّى قدّامه.(1)
قال العلاّمة: الشرط الثاني: عدم تقدّم المأموم في الموقف على الإمام، فإن صلّى قدّامه، بطلت صلاته، سواء أكان متقدّماً عند التحريم، أو تقدّم في خلالها عند علمائنا أجمع ـ وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في الجديد ـ لقوله(عليه السلام): «إنّما جُعل الإمام إماماً ليؤتمّ به».(2)
والظاهر أنّ المسألة من القضايا التي قياساتها معها فإنّ التقدّم مأخوذ في مفهوم الإمامة، كما أنّ التأخّر مأخوذ في مفهوم المأموم مضافاً إلى جريان السيرة في عامّة العصور، ويفهم أيضاً من روايات منها: «أنّه إذا حدث للإمام حدث يقدّم أحد المأمومين» على ما مرّ في مبحث الاستخلاف.

الفرع الثاني: إذا تقدّم المأموم على الإمام في الابتداء أو الأثناء

وفيه وجوه:
1. تبطل صلاته.
2. تصحّ صلاته وتبطل جماعته.
3. تبطل صلاته إن بقي على نيّة الإئتمام وإلاّ تبطل جماعته لا صلاته.
4. تصحّ صلاته مطلقاً، سواء بقي على نية الإئتمام أم لا، بشرط أن لا   2

1 . الخلاف:1/556، المسألة 299.
2 . تذكرة الفقهاء:4/239 ، الطبعة المحقّقة.

صفحه 209
يخل بوظيفة المنفرد، أو لم يأت بما يوجب البطلان ولو سهواً، كما لو زاد ركناً لأجل التبعية.
في الوجوه الثلاثة الأخيرة محاولة لتصحيح أصل الصلاة بنحو من الأنحاء دون الجماعة.
أمّا الوجه الأوّل: فهو ظاهر التذكرة حيث قال: فإن صلّى قدّامه بطلت صلاته. وتبعه الشهيد في الذكرى قال: فلو تقدّمت بطلت لقوله: إنّما جُعل الإمام إماماً ليؤتمّ به. (1)
يلاحظ عليه: بأنّه إنّما يتمّ لو كان وجوب الإئتمام الّذي لازمه عدم التقدّم حكماً وضعياً شرطاً لصحّة الصلاة أو لصحّة الجزء المتخلّف فيه الشرط، وإلاّ فلو كان حكماً تكليفياً لما استلزم بطلان الجماعة فضلاً عن بطلان الصلاة، وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّه شرط للجماعة، ولو تخلّف بطلت جماعته.
وأمّا الوجه الثاني: فهو خيرة الشيخ الأنصاري، واستدلّ على الصحّة بوجوه:
1. الأصل الصحّة وعدم المخرج من الصلاة .
فإن قيل: تضافر الإجماع المنقول على بطلان صلاة المأموم، ومعه كيف يحكم بصحّة صلاته؟!
قلنا: معقد الإجماع بطلان صلاته جماعة لا بطلان أصل الصلاة.
2. أنّ النبوي المتقدّم ظاهر في كونه شرطاً للجماعة لا للصلاة .   2

1 . ذكرى الشيعة: 4 / 488 .

صفحه 210
3. عموم قوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة» والمورد داخل في المستثنى منه، وعموم قوله: «ولا يقطع الصلاة شيء».(1)
وأمّا الوجه الثالث وهو خيرة المصنّف، وحاصله بطلان الجماعة فقط إذا تقدّم ولم ينو الإئتمام، وإلاّ بطلت صلاته أيضاً .
أمّا بطلان جماعته فواضح، لأنّها متقوّمة بالإئتمام والمفروض أنّه بالتقدّم خرج عن الجماعة. وأمّا بطلان صلاته إذا بقي على نيّة الإئتمام فلأجل أنّ البناء على نيّة الإئتمام تشريع قبيح يسري قبحه إلى الصلاة أيضاً .
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من بطلان جماعته بالتقدّم صحيح، لأنّه خرج به عن حالة الإئتمام وأمّا ما ذكره من بطلان صلاته مع قصد الإئتمام لأجل التشريع، فغير تام، لأنّ التشريع قائم بالضمير ولا يسري قبحه إلى الفعل .
نعم لو كان التشريع بنفس الفعل كما هو الحال في البدعة، يكون العمل محرماً مبغوضاً غير قابل للتقرّب، ولذلك قلنا في محله: إنّ البدعة ليس عملاً قلبياً، بل عمل قائم بالفعل.
فإن قلت: إذا كان قبح ما في الضمير غير سار إلى الفعل فلماذا تبطل العبادة بالرياء، وهو قائم بالضمير؟
قلت: إنّ المرائي فاقد لقصد القربة، فبطلان عمله لأجل كونه فاقداً لروح العبادة، بخلاف المقام.   2

1 . الصلاة للشيخ الأنصاري:352، الطبعة المحقّقة.

صفحه 211
وأمّا الوجه الرابع فهو مقتضى القواعد.
أمّا بطلان جماعته فقد ظهر ممّا مرّ. لما عرفت من أن تقدّم الإمام أو عدم تقدّم المأموم مأخوذ في صدق الإئتمام .
وأمّا صحّة صلاته إذا قام بوظيفة المنفرد ـ كما إذا قرأ في الركعتين الأُوليين بزعم صحّة القراءة أو اقتدى في الركعة الثالثة أو الرابعة وأتى بالقراءة، ولم يزد شيئاً يوجب البطلان ـ فلأجل عدم وجود سبب يوجب بطلانها، مضافاً إلى قاعدة: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة».
***

الفرع الثالث: جواز المساواة أو وجوب التأخّر

كان البحث في الفرع السابق مركّزاً على شرطية عدم التقدّم، والبحث هنا مركّز على شرطية التأخّر وعدمها .
والظاهر من المحقّق في الشرائع والعلاّمة في التذكرة كفاية عدم التقدّم.
قال المحقّق: ولا يجوز أن يقف المأموم قدّام الإمام.(1)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: الشرط الثاني: عدم تقدّم المأموم في الموقف على الإمام.(2)
وقال في «المدارك» ـ بعد قول المحقّق: هذا قول علمائنا أجمع ـ :   2

1 . شرائع الإسلام:1/122.   2 . تذكرة الفقهاء:4/239.

صفحه 212
ومقتضى العبارة جواز المساواة بينهما في الموقف، وبه قطع الأصحاب.(1)
قال المحدث البحراني: إنّ ظاهر كلام أكثر الأصحاب «رضوان الله عليهم» أنّه يجوز المساواة مع تعدّد المأمومين، وإنّ الممنوع منه إنّما هو التقدّم على الإمام، ونقل عن ابن إدريس هنا أنّه اعتبر تأخّر المأموم، ولم يكتف بالتساوي.(2)
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه يدلّ على لزوم التأخّر، ما روي صحيحاً عن محمد بن مسلم بطريقين صحيحين:
1. عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فإن كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه».(2) حيث يدلّ على وجوب التأخّر إذا كان المأموم أكثر وعلى المساواة إذا كان واحداً، وسيأتي الكلام في الأخير .
2. عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل يؤمّ الرجلين؟ قال: «يتقدّمهما ولا يقوم بينهما».(3)
وربّما يوصف الحديث الثاني بالضعف; لأنّ في طريق الفقيه إلى محمد بن مسلم: علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبدالله (محمد) البرقي، وأبوه، وهما مهملان.
يلاحظ عليه: بما ذكرناه في محله أنّ الصدوق صرّح في صدر كتابه   2

1 . مدارك الأحكام:4/330.   2 . الحدائق الناظرة:11/117.
2 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
3 . الوسائل: 5، الباب23 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث7.

صفحه 213
بأنّه أخذ الروايات من كتب مشهورة إسنادها إلى أصحابها، ومعنى ذلك عدم الحاجة إلى ذكر السند إلى الكتاب ومؤلّفه، وإنّما ذكر في المشيخة تيمّناً وتبرّكاً لإخراج الحديث عن صورة الإرسال إلى الإسناد. فدليل القول بلزوم التأخّر أظهر.
إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلّة القائلين بجواز المساواة، واستدلّ عليه في «المدارك» بالأُمور التالية:
1. الأصل السالم من المعارض.
2. الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فإن كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه.(1)
3. صحيح زرارة في حديث: الرجلان يكونان جماعة، فقال: نعم ويقوم الرجل عن يمين الإمام.(2)
دلت الروايتان على استحباب وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام أو وجوبه، ولو وجب التأخّر لذكره إذ المقام مقام البيان.(3)
يلاحظ عليه: بما مرّ غير مرة أنّ الجماعة أمر تعبدي ليست أمراً عرفياً وإنّما الشك في انعقاد الجماعة عند المساواة فالمرجع عندئذ هو الاحتياط، وأمّا الروايتان فقاصرتان عن إثبات المدّعى لاختصاصهما بما إذا كان   2

1 . الوسائل: 5، الباب23 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
2 . الوسائل: 5، الباب4 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
3 . مدارك الأحكام:4/331.

صفحه 214
المأموم واحداً. ولا منع عن القول بكفاية المساواة فيه .
3. الصحيحة الواردة في اختلاف المصلّين في الإمامية والمأمومية التي تقدّمت سابقاً، فإنّ فرض الاختلاف والتداعي لا يمكن إلاّ بناء على جواز المساواة.
يلاحظ عليه: أنّ السؤال في الحديث عن حيثية الاختلاف، والجواب يكون عنها لا غير، مضافاً إلى إمكان تصوير الفرض حتى مع اشتراط التقدّم، كما إذا كان المكان مظلماً، أو أحدهما أعمى فربّما يتصوّر كلٌّ متقدماً على الآخر، على أنّ الكلام في أكثر من مأموم واحد، دون الواحد.
4. مكاتبة الحميري قال: كتبت إلى الفقيه(عليه السلام) أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمّة، هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ وهل يجوز لمن صلّى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة، ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدّم القبر ويصلّي ويجعله خلفه أم لا؟ فأجاب، وقرأت التوقيع، ومنه نسخت: «وأمّا السجود على القبر فلا يجوز في نافلة، ولا فريضة، ولا زيارة، بل يضع خدّه الأيمن على القبر، وأمّا الصلاة فإنّها خلفه ويجعله الأمام، ولا يجوز أن يصلّي بين يديه، لأنّ الإمام لا يتقدّم، ويصلّي عن يمينه وشماله».(1)
يلاحظ عليه: أنّ المراد من قوله: «إنّ الإمام لا يتقدم ويصلّي عن   2

1 . الوسائل: 3، الباب26 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1. رواه محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري الثقة وهو من مشايخ الكليني. والرواية نقلها الشيخ في التهذيب باسناده عن محمد بن أحمد بن داود، عن أبيه، عن محمد بن عبدالله الحميري.

صفحه 215
يمينه وشماله» بمعنى أنّه يتأخر عنه ويقوم إمّا عن يمينه أو شماله، وليس بمعنى أنّه لا يتقدّم أي يتساوى أو يتأخّر، ويشهد على ذلك أنّ الاحتجاج نقل المكاتبة وفيها أنّ الإمام لا يتقدّم عليه ولا يساوى.(1)
5. ما رواه علي بن إبراهيم الهاشمي رفعه قال: رأيت أبا عبد الله(عليه السلام) يصلّي بقوم وهو إلى زاوية في بيته بقرب الحائط وكلهم عن يمينه وليس على يساره أحد.(2)
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى ضعف السند لأجل الرفع ـ : أنّ المراد من قوله «كلّهم عن يمينه» عبارة أُخرى عن أنّه ليس على يساره أحد لا أنّ الجميع متساوون مع الإمام.

الفرع الرابع: كفاية التأخّر في الموقف

هل يعتبر التأخّر في جميع الحالات، أو يكفي التأخّر في الموقف
وإن زاد المأموم على الإمام في ركوعه أو سجوده لطول قامته، أو لقصر قامة الإمام؟
اختار المصنّف القول الثاني، وإن احتاط في المراعاة في جميع الأحوال.
وهناك احتمال ثالث وهو كفاية التأخّر بين المنكبين، ولعلّه يرجع إلى الاختلاف في الموقفين; روى في «دعائم الإسلام» عن رسول (صلى الله عليه وآله) قال:   2

1 . الوسائل: 3، الباب26 من أبواب مكان المصلي، الحديث2.
2 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث6.

صفحه 216
«سوّوا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، ولا تخالفوا بينها فتختلفوا ويتخلّلكم الشيطان».(1) فالحديث يرتّب اعتدال الصفوف واستقامتها على محاذاة المناكب، فالتأخّر فيها عن الإمام كاف من دون الحاجة إلى الحوالة إلى العرف كما ذكره المصنّف.
ويمكن أن يقال: لزوم التأخّر قدر شبر; كما في صحيحة معاوية بن وهب، أنّه سأله عن الرجل والمرأة يصلّيان في بيت واحد؟ فقال: «إذا كان بينهما قدر شبر صلّت بحذائه وحدها، وهو وحده لا بأس». والمراد تقدّم الرجل بشبر، وهذا يدلّ على أنّ التقدّم يحصل بالشبر .
وهناك ما يدلّ على وجوب التأخّر بقدر عظم الذراع أو قدر ما يتخطّى.
روى الصدوق باسناده، عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا كان بينها وبينه ما لا يتخطّى أو قدر عظم الذراع فصاعداً، فلا بأس».(2)
ويمكن الجمع بين الحدود بالحمل على بيان حصول التقدّم بأحد هذه الوجوه; ولعلّ بعضها أفضل من الآخر.
في الحائل القصير   

1 . مستدرك الوسائل: 6 ، الباب54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 3، الباب5 من أبواب مكان المصلّي، الحديث8.

صفحه 217
مسائل:
المسألة 1: لا بأس بالحائل القصير الذي لا يمنع من المشاهدة في أحوال الصلاة وإن كان مانعاً منها حال السجود كمقدار الشبر، بل أزيد أيضاً. نعم إذا كان مانعاً حال الجلوس فيه إشكال، لا يترك معه الاحتياط.*

* في الحائل القصير

ذكر المصنّف أنّ الحائل على قسمين: حائل قصير يمنع عن المشاهدة حال السجود فقط، كما إذا كان الحائل مقدار شبر; وحائل غير قصير يمنع حال الجلوس، كما إذا كان أزيد منه بكثير، فقال: بعدم البأس بالأوّل واستشكل في الثاني.
أمّا القسم الأوّل: فالظاهر أنّ الأدلّة منصرفة عنه، سواء أقلنا إنّ الموضوع هو الحائل كما عليه المصنّف ; أو السترة أو الجدار، كما في الرواية; وذلك لأنّ المراد ما يكون المحل قابلاً للرؤية وصالحاً للمشاهدة، لولا الحائل أو لولا السترة والجدار; وأمّا ما كان غير قابل لها، سواء أكان حائل هناك أم لا، كالإمام حال السجدة فيكون الستر بمقدار شبر خارجاً عن مصبّ النصوص; لأنّ وجود الساتر وعدمه سيان في عدم مشاهدة الإمام.
وأمّا القسم الثاني: فبما أنّ الموضوع هو السترة والجدار فالظاهر صدقهما إذا كانا مانعين عن المشاهدة حال الركوع والجلوس، مضافاً إلى   2

صفحه 218
ما عرفت سابقاً من احتمال أنّ الموضوع هو شرطية وحدة المكان للإمام والمأموم، فإذا كان الحائل مانعاً عن المشاهدة حال الركوع والجلوس اختلف مكان الإمام والمأموم عرفاً.
وفي «الجواهر»: نعم قد يتوقّف فيما لو منعها حال الجلوس مثلاً دون القيام لقِصَرِه كما عن المصابيح، لصدق السترة والجدار، وتوقيفية الجماعة، مع أنّ الذي صرح به الفاضل والشهيدان والكركي وولده وأبو العباس والمقداد والخراساني، وعن غيرهم عدم قدحه أيضاً، بل لا أجد فيه خلافاً ولا إشكالاً ممّن عدا من عرفت بينهم، ولعلّه كذلك، لعدم الشك في شموله إطلاق الجماعة له، وعدم إرادة ما يشمله من السترة والجدار.(1) وفيما ذكره من عدم الشمول تأمّل واضح.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الحائل عن المشاهدة حال السجود غير مخل، والحائل في حالتي الركوع والجلوس مخل .
   

1 . جواهر الكلام:13/155.

صفحه 219
المسألة 2: إذا كان الحائل ممّا يتحقّق معه المشاهدة حال الركوع ـ لثقب في وسطه مثلاً ـ أو حال القيام ـ لثقب في أعلاه ـ أو حال الهوي إلى السجود ـ لثقب في أسفله ـ فالأحوط والأقوى فيه عدم الجواز، بل وكذا لو كان في الجميع، لصدق الحائل معه أيضاً.*

* لو كان الحائل غير مانع من المشاهدة

إذا كان الحائل غير مانع من المشاهدة حال القيام فقط أو حال الركوع كذلك أو حال الهوي، فلا يجوز; وذلك لأنّ وجود المشاهدة في حالة دون الحالات الأُخرى لا يخرجه عن كونه سترة.
وأمّا إذا كان الثقب في أسفله ووسطه، و أعلاه، استقوى المصنّف عدم الجواز أيضاً مستدلاًّ بصدق الحائل.
والأولى أن يقال: لا يجوز لصدق السترة أو الجدار، واحتمال شرطية وحدة مكان الإمام والمأموم، وربّما يخرج عن الوحدة عندئذ.

صفحه 220
المسألة 3: إذا كان الحائل زجاجاً يحكي من ورائه فالأقوى عدم جوازه للصدق.*
المسألة 4: لا بأس بالظلمة والغبار ونحوهما ولا تعدّ من الحائل، وكذا النهر والطريق إذا لم يكن فيهما بُعْد ممنوع في الجماعة.**

* لو كان الحائل زجاجاً

ومراده من الصدق صدق الحائل، والأولى أن يقال: لصدق السترة، واحتمال شرطية وحدة المكان، ومع الحائل الزجاجي يصدق تعدّد المكان.

** لو كان الحائل ظلمة أو غباراً

أمّا الظلمة والغبار فلعل عدم مانعيتهما من الضروريات، وأمّا النهر والطريق فلا يصدق عليهما السترة والجدار إلاّ إذا استلزما بعداً مانعاً عن الاقتداء. فيدخل عندئذ في الشرط الثالث، أعني: عدم التباعد الكثير.

صفحه 221
المسألة 5: الشباك لا يعد من الحائل، وإن كان الأحوط الاجتناب معه خصوصاً مع ضيق الثقب، بل المنع في هذه الصورة لا يخلو عن قوة لصدق الحائل معه.*

* هل يعدّ الشباك من الحائل ؟

قال في الجواهر: قد يقوى في النظر عدم قدحه لو كان شباكاً مانعاً للاستطراق دون المشاهدة، وفاقاً للسرائر والذكرى والدروس والبيان والموجز والمسالك، بل هو المشهور كما في الذخيرة والكفاية والرياض، بل لم أجد فيه خلافاً إلاّ من الشيخ في الخلاف فلم يجوّزه.(1)
أقول: لو كان الميزان هو المشاهدة لصحّ القول بالجواز، وأمّا لو كان الميزان هو الحائل فلا شك أنّ الشباك حائل بين المأموم والإمام، وأمّا لو كان الميزان هو السترة والجدار فالشباك أشبه بالجدار، ومقتضى الاحتياط، القول بالمنع.

1 . جواهر الكلام:13/155.

صفحه 222
المسألة 6: لا يقدح حيلولة المأمومين بعضهم لبعض وإن كان أهل الصف المتقدّم الحائل لم يدخلوا في الصلاة إذا كانوا متهيئين لها.*

* في حيلولة المأمومين بعضهم لبعض

أمّا عدم حيلولة المأمومين بعضهم لبعض فهو أمر ضروري، وأمّا عدم اشتراط الترتيب بين الصفوف في الاقتداء، فالدليل عليه هي السيرة بين المسلمين فإنّ الانتظار لتوالي الافتتاح ربما لا يسع الزمان لدخول الجميع في الصلاة; لأنّ الإمام ربّما ينتهي من القراءة ويركع والصفوف المتأخّرة بعد غير داخلين في الصلاة، ولذلك قالوا بكفاية تهيّؤ المصلّين في الصفوف المتقدّمة لاقتداء مَن في الصفوف اللاحقة، والأولى أن يقال: كفاية إشرافهم على الإحرام.

صفحه 223
المسألة 7: لا يقدح عدم مشاهدة بعض أهل الصف الأوّل ـ أو أكثره ـ للإمام إذا كان ذلك من جهة استطالة الصف، ولا أطولية الصف الثاني ـ مثلاً ـ من الأوّل.*

* في عدم مشاهدة بعض أهل الصف الأوّل للإمام

المسألة واضحة لا تحتاج إلى الدليل، ولذا وصفها السيد الحكيم بأنّها من القطعيات، وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والوصي (عليه السلام)يقيمون الصلاة وفي خلفهما آلاف من المصلّين، وطبيعة الحال تقتضي أن تكون الصفوف مستطالة إلى حد لا يشاهد الواقع في آخر الصف، الإمام إلاّ إذا التفت إليه بانحناء الرأس.
ومن هنا يعلم أنّه يشترط في صحّة المصلّين في الصف الأوّل إمكان رؤية الإمام إمّا بالفعل أو بالإمكان ـ كما إذا التفت إلى جانب الإمام ـ وأمّا إذا انتفى إمكان الرؤية مطلقاً، فصلاتهم لا تخلو من إشكال، ولا يكفي مجرد الاتصال بالواقف في أحد جانبيه، لأنّه إنّما يكفي إذا لم يكن واقفاً في الصف الأوّل. اللّهم إلاّ أن يستأنس للصحّة بما يأتي في الفرع الآتي من صحّة صلاة من وقف على أحد جانبي الواقف بحيال باب المسجد كما سيوافيك.

صفحه 224
المسألة 8 : لو كان الإمام في محراب داخل في جدار ونحوه لا يصحّ اقتداء من على اليمين أو اليسار ممّن يحول الحائط بينه وبين الإمام، ويصحّ اقتداء من يكون مقابلاً للباب، لعدم الحائل بالنسبة إليه، بل وكذا من على جانبيه ممّن لا يرى الإمام، لكن مع اتصال الصف على الأقوى، وإن كان الأحوط العدم، وكذا الحال إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى من في خارج المسجد مقابلاً للباب ووقف الصف من جانبيه، فإنّ الأقوى صحّة صلاة الجميع وإن كان الاحوط العدم بالنسبة إلى الجانبين. *
* في المسألة فروع:
1. إذا كان الإمام في محراب داخل في الجدار على نحو لا يشاهده من يقف على يمينه أو يساره لحيلولة الحائط بينه وبين الإمام.
2. إذا وقف المأموم حيال باب المحراب المفتوح، ووقف الآخرون على جانبيه ممّن لا يرون الإمام، ولكن الاتّصال حاصل بواسطة الواقف بحيال الباب.
3. إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى الواقف أمام الباب، ووقف الآخرون على جانبيه.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: لو كان الإمام في محراب داخل في جدار
إنّ حكم الواقفين على يمين المحراب أو يساره، يختلف حسب   2

صفحه 225
اختلاف بناء المحراب، فالمحاريب الموجودة في بلادنا ليست على نحو تمنع عن مشاهدة الإمام للواقف على اليمين واليسار، ولذلك تصحّ صلاته .
ولكن كلام المصنّف في المحاريب المبنية بصورة المقصورة، وهي بناء خاص داخل جدار المحراب ذات سعة، على نحو لو دخله الإمام، لغاب عن أعين الواقف على يمينه ويساره، وعندئذ تبطل صلاته بلا إشكال; لعدم وجود اتصال بين الإمام والواقف على جانبي المحراب، والمفروض عدم وجود شخص ثالث بين الجانبين، وإلاّ يدخل في الفرع التالي .
وقد ابتدعت المقاصير في عصر معاوية بعد اغتيال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)في محرابه، وابتدعوها ليصان الإمام عن الاغتيال، وبذلك ظهر معنى قول المصنّف: «لا يصحّ اقتداء من على اليمين واليسار ممّن يحول الحائط بينه وبين الإمام».

الفرع الثاني(1): لو كان الواقف على يمين المحراب أو يساره لا يشاهد الإمام

لو فرضنا أنّ الواقف على يمين المحراب أو يساره لا يشاهد الإمام، لكن الواقف بحيال الباب يشاهده، فلا شك في صحّة صلاته، وصحّة صلاة الصف المنعقد وراءه، إنّما الكلام في صحّة صلاة من وقف على أحد جانبي الواقف حيال الباب من اليمين أو اليسار الّذي لا يشاهد الإمام، وإنّما يشاهد   2

1 . وليعلم أنّ المفروض في هذا الفرع ،كون المراد من الباب في صحيحة زرارة باب المقصورة، لا باب المسجد، بخلاف الفرع الآتي فلا تغفل .

صفحه 226
من يشاهده، إمّا مطلقاً في عامّة الحالات كالواقف في جنب الواقف أمام الباب، أو إذا التفت إليه كما إذا كان الصف على أحد الجانبين، طويلاً.
والمسألة مبنية على تعيين ما هو المعتبر في صحّة الجماعة، فهل المعتبر مشاهدة المأموم المتقدّم المشاهدِ للإمام ، أو يكفي مشاهدة المأموم المشاهد ـ وإن لم يكن متقدّماً ـ بل كان مع غير المشاهد في صف واحد. مثلا لو وقف بعض المأمومين بحذاء باب ـ يشاهد الإمام ـ فوقف على جانبيه جماعة، فهل تبطل صلاة هؤلاء لأنّهم لا يشاهدون من قدامهم أحداً من الإمام أو المأمومين؟ أو يصحّ لأنّهم يشاهدون من أحد جانبيهم، المأموم الواقف بحذاء الباب قولان .(1)
يظهر من المحقّق في الشرائع، والعلاّمة في القواعد اختصاص الصحّة بالواقف وراء الباب.
قال المحقّق: إذا وقف الإمام في محراب داخل فصلاة من يقابله ماضية دون صلاة من على جانبيه إذا لم يشاهدوه .(2)
وقال العلاّمة في القواعد: ولو صلّى الإمام في محراب داخل صحّت صلاةَ من يشاهده .(3)
ووصف الشيخ الأعظم البطلان أقوى القولين مستدلاًّ بقوله (عليه السلام)   2

1 . كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: 339 .
2 . شرائع الإسلام: 1 / 126.
3 . القواعد: 1 / 315 .

صفحه 227
في صحيحة زرارة: «فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلاّ من كان بحيال الباب» فإنّ الظاهر أنّ الموصول مستثنى من الصف اللاحق يعني أنّ صلاة جميعهم (1) فاسدة إلاّ من كان منهم بحيال الباب فصلاته صحيحة، لعدم تحقّق المانع بالنسبة إليه.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الحصر في قوله «إلاّ من كان بحيال الباب» ليس حصراً حقيقياً حتّى يدلّ على بطلان صلاة الواقفين في يمين الواقف حيال الباب أو يساره وذلك بدليلين :
1. اتّفاقهم على صحّة صلاة الصفّ المتأخّر عن الواقف أو الواقفين بحيال الباب بالاتّفاق ـ إذا كان الباب وسيعاً يقف أمامه أشخاص ـ ، لأنّهم يشاهدون الصف المتقدّم المشاهد .
2. أنّ الحصر ناظر إلى بطلان صلاة الواقفين في جناحي المقصورة لانقطاعهم عن الإمام رأساً، لا إلى الواقف أو الواقفين في جانبي الواقف حيال الباب والشاهد على هذا قوله بعد هذه الفقرة المشتملة على الحصر حيث قال: «هذه المقاصير لم تكن في زمان أحد من الناس وإنّما أحدثها الجبارون ليست لمن صلّى خلفها ـ مقتدياً بصلاة من فيها ـ صلاةً» فإنّ قوله: «لمن صلّى خلفها» دليل ظاهر على أنّ الفقرة ناظرة لمن صلّى خلف المقصورة، الّذي هو عبارة عن يمينها ويسارها لا من صلّى في يمين الواقف أمام الباب المفتوح أو   2

1 . أي جميع الواقفين في يمين الواقف أو الواقفين أمام الباب، أو يساره ويسارهم .
2 . كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: 339.

صفحه 228
يساره حيث يشاهدون من يشاهد الإمام.
وعلى هذا فلو وقف المصلّي أمام الباب مشاهداً الإمام فالواقفون عن يمينه ويساره لا إشكال في صلاتهم لاتّصالهم بالإمام بالواقف أو الواقفين أمام المقصورة.
وأمّا الصفّ المتأخّر عن الواقف أمام باب المقصورة ـ إذا كان مفتوحاً ـ فصحّة صلاتهم أمر لا سترة عليه; لأنّ حكمهم حكم الصفوف المتأخّرة في داخل المسجد فهم لا يشاهدون الإمام ولكن يشاهدون من يشاهد الإمام ولو بوسائط. وهذا المورد ليس محلّ بحث ونقاش .
وحصيلة الكلام: أنّ هنا صوراً ثلاثاً:
1. صلاة الواقفين في جناحي المقصورة .
2. صلاة الواقف حيال الباب .
3. صلاة الواقفين على يمينه ويساره.
4. صلاة الواقفين وراءه، ولا شك في بطلانها في الصورة الأُولى، وصحّة الصورة الثانية والرابعة، ولكن البحث والإشكال مركزٌ على الواقفين على يسار أو يمين الواقف أو الواقفين أمام الباب .
لو زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى الواقف أمام الباب ووقف الآخرون على جانبيه   
إلى هنا جرينا في تفسير قوله (عليه السلام):«إلاّ من كان بحيال الباب» على نسق المتن حيث إنّه حمل الباب في الرواية على باب المقصورة، فظهر أنّ المراد من المنطوق عبارة عن الواقفين أمام الباب والواقفين عن يمين الواقف أو يساره.   2

صفحه 229
وأمّا المفهوم فناظر إلى الواقفين في جناحي المقصورة، فظهر أنّ صلاة الواقف على جناح المقصورة باطلة دون الواقف على حيال الباب ومن حوله، ولكن هنا احتمالاً آخر وهو أن يراد من الباب باب المسجد لا باب المقصورة، وهو الظاهر من عبارة الشيخ في المبسوط كما سيوافيك، وسيوافيك بيانه في الفرع الثالث .

الفرع الثالث: لو زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى الواقف أمام الباب ووقف الآخرون على جانبيه

إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى الواقف أمام الباب ووقف الصف من جانبيه هل تصحّ صلاة الواقفين أو لا؟
أقول: هذا الفرع نفس الفرع السابق بتفاوت أنّ الواقف في الفرع السابق يقف أمام المحراب ويشاهد الإمام ولا يشاهده من يقف على جانبي المحراب. وأمّا المقام فالواقف يقف أمام باب المسجد فيشاهد المأمومين دون من يقف على جانبيه، فالفرع موضوعاً وحكماً ودليلاً كالفرع السابق بلا تفاوت.
قال العلاّمة: لو وقف المأموم خارج المسجد بحذاء الباب وهو مفتوح يشاهد المأمومين في المسجد صحّت صلاته، ولو صلّى قوم على يمينه أو شماله أو ورائه صحّت صلاتهم، لأنّهم يرون مَن يرى الإمام .(1)
أقول: إذا كان للمسجد باب مفتوح عن يمين المصلّين أو يسارهم فإذا امتلأ المسجد بالمأمومين وأتى مَن تأخّر، فلا محالة يقف بحيال الباب   2

1 . منتهى المطلب: 6 / 177 .

صفحه 230
الواقع عن يمين المصلّين إذا كان الباب على يمينهم، أو يسار المصلّين إذا كان الباب على يسارهم، فينعقد عندئذ صفّ بحيال الباب، وصفّ أو صفوف متلاحقة وراءهم فمنطوق الجملة ـ أعني قوله: «إلاّ من كان بحيال الباب» ـ ناظر إلى الصفّ المنعقد بحيال الباب والصفوف المنعقدة وراءه، فتصحّ صلاة الجميع لوجود الاتصال بالمصلّين بالمسجد .
وأمّا مفهومها ـ أي من لم يكن بحيال الباب ـ فهو ناظر إلى الصف المنعقد قدّام الصفّ المنعقد بحيال الباب، فصلاته غير صحيحة لفقدان الاتصال، إذ لا يشاهدون الإمام، ولا المأمومين المشاهدين له، ولا مشاهدي المشاهدين.
وهذا هو الظاهر من الشيخ الطوسي فإنّه طرح المسألة في «المبسوط» وجاء بعبارة كأنّها ناظرة إلى تفسير الرواية قال: إذا كانت دار بجنب المسجد كان من يصلّي فيها لا يخلو من أن يشاهد من في المسجد الصفوف، أو لا يشاهد، فإن شاهد مَن هو داخل المسجد، صحّت صلاته; وإن لم يشاهد غير أنّه اتّصلت الصفوف من داخل المسجد إلى خارج المسجد واتّصلت به(1)صحّت صلاته أيضاً، وإلاّ لم تصح.
وإن كان باب الدار بحذاء باب المسجد وباب المسجد عن يمينه أو عن يساره واتّصلت الصفوف من المسجد إلى داره، صحّت صلاتهم; فإن كان قدّام هذا الصفّ في داره صفّ، لم تصحّ صلاة مَن كان قدّامه(2). ومن صلّى    2

1 . الضمير يرجع إلى داخل المسجد.   2 . أي قدّام الصف بحذاء الباب.

صفحه 231
خلفهم (1) صحّت صلاته، سواء كان على الأرض أو في غرفة منها; لأنّهم مشاهدون الصفّ المتّصل بالإمام، والصفّ الّذي قدّامه(2) لا يشاهدون الصفّ المتّصل بالإمام .(3)
وبما ذكرنا تنحل مشكلة المصلّين بحذاء الباب والصفوف المتلاحقة. وإليك صورها:
1. لو انعقد صف بين يدي الواقفين بحيال الباب فصلاتهم باطلة.
2. إذا وقف على أحد جانبي الواقف أو الواقفين بحيال الباب فصلاتهم صحيحة لكفاية الاتّصال بمشاهدة الإمام أو من يشاهده ولو بواسطة.
3. الصف المتأخّر عن الواقفين بحيال الباب فصلاتهم صحيحة .
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يشترط في صحّة الجماعة اتّصال المأمومين بالإمام إمّا مباشرة أو عن طريق مَن يتّصل به فالصفوف المتأخّرة تتّصل كلّ بالصف المتقدّم، كما أنّ جماعة الصف المنعقد على جانبي الواقفين بحيال الباب صحيحة لاتّصالهم بالإمام بواسطة هؤلاء الواقفين بحيال الباب.
ونظيره الصف المنعقد متأخّراً عن الواقفين بحيال الباب، وإنّما تبطل كلّ مَن انقطعت صلته بالإمام، كالصف المنعقد أمام الصف الواقع بحيال الباب .

1 . الضمير يرجع إلى قوله: «من كان قدامه». وجه الصحة أنّهم متّصلون إلى داخل المسجد عن طريق الواقف حيال الباب، كما لا يخفى .
2 . قدّام الصف بحذاء الباب .
3 . المبسوط: 1 / 156 ـ 157 .

صفحه 232
المسألة 9 : لا يصحّ اقتداء من بين الاسطوانات مع وجود الحائل بينه وبين من تقدّمه، إلاّ إذا كان متصلاً بمن لم تحل الاسطوانة بينهم. كما أنّه يصحّ إذا لم يتصل بمن لا حائل له، لكن لم يكن بينه وبين من تقدّمه حائل مانع. *

* في اقتداء مَن بين الاسطوانات مع وجود الحائل

أمّا بطلان الصلاة بين الاسطوانات فذلك فيما إذا صلّى وراءها منفردة ولم يكن على جنبيه فصل، إذ عندئذ يفقد الاتصال، وإلى هذا أشار بقوله: لا يصحّ اقتداء ـ إلى قوله: ـ وبين مَن تقدّمه .
ثم استثنى صورتين:
1. إذا اتّصل بالإمام أو الصفوف المتقدّمة، بمن يصلّي على أحد جنبيه وإلى هذا أشار بقوله: إلاّ إذا كان ـ إلى قوله: ـ بينهم.
2. إذا لم يتصل بمن في أحد جنبيه ولكن اتّصل بمن تقدّم، وذلك فيما إذا صلّى جنب الاسطوانة واتّصل بمن صلّى قدّامه. ولا يخفى وجود التعقيد في العبارة .
   

صفحه 233
المسألة10 : لو تجدّد الحائل في الأثناء، فالأقوى بطلان الجماعة، ويصير منفرداً.*

* لو تجدّد الحائل في الأثناء

لإطلاق النص الشامل للابتداء والأثناء، والظاهر من الشيخ الحائري (قدس سره)اختصاصه بالابتداء. حيث قال: إنّ ظاهر الرواية في بادئ النظر، وإن كان هو اشتراط عدم الحائل في الابتداء والاستدامة إلاّ أنّ قليلاً من التأمّل يشهد بعدم دلالتها على اعتباره استمراراً; لأنّ قوله:«فليس تلك لهم بصلاة» إشارة إلى الصلاة التي صلّيت مع الستر والحائل، وهي ظاهرة في المجموع، والحكم ببطلان الصلاة التي صلّيت بتمامها مع الحائل لا يستلزم الحكم ببطلان أبعاضها إن أُوقعت كذلك (مع الستر)، أو ببطلان الحكم إذا رفع (1) البعض كذلك.
يلاحظ عليه: بأنّ لفظ «تلك» وإن كان إشارة إلى الصلاة التي صلّيت بتمامها مع الستر والحائل لكن لا لخصوصية فيه، بل لأجل أنّ المفروض وجود الحائل من بدء الصلاة إلى نهايتها، لا أنّ المانعية مختصّة بهذه الصورة، ولذلك احتمل الشيخ البطلان في آخر كلامه وقال: إلاّ أن يقال: إنّ الحكم ببطلان المجموع، إنّما علّق على مجرد وجود الحائل والستر، ولو في بعض أوقات الصلاة.(2)

1 . أي رفع الحائل عن البعض، والفرق بينه والمعطوف عليه، هو تحقّق الستر فيه في الأثناء وفي المعطوف وجوده في الابتداء ورفعه في الأثناء .
2 . كتاب الصلاة: 360، الطبعة المحققة.

صفحه 234
المسألة 11: لو دخل في الصلاة مع وجود الحائل جاهلاً به ـ لعمى أو نحوه ـ لم تصحّ جماعة. فإن التفت قبل أن يعمل ما ينافي صلاة المنفرد، أتمّ منفرداً وإلاّ بطلت.*

* لو دخل في الصلاة مع وجود الحائل جاهلاً به

أقول: إذا كان الحائل أو الستر والجدار، مانعاً واقعياً لا يفرق فيه بين الجاهل والعالم، لكن إنْ التفت بعد الفراغ فصلاته صحيحة لقاعدة: «لا تعاد» إنّما الكلام إذا التفت إلى المانع في الأثناء، فعندئذ تبطل جماعته قطعاً.
وأمّا صحّة صلاته، فالظاهر من المصنّف القول بالصحّة إن التفت قبل أن يعمل ما ينافي صلاة المنفرد، وإلاّ فالبطلان.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الضابطة ليس كلّياً; لأنّه ربما يصدر منه ما ينافي صلاة المنفرد، مع أنّها تصحّ كما إذا التفت في حالة الركوع إلى وجود الحائل وقد ترك القراءة الّذي ينافي صلاة المنفرد، فصلاته صحيحة، لقاعدة:«لا تعاد» مع أنّه صدر منه ما ينافي صلاة المنفرد، ولذلك علّق السيد الأُستاذ على قول المصنّف «بطلت»: بل صحّت إذا لم يتردد ركنا.
فالأولى أن يقال: إنّه إن التفت وكان وقت التدارك باقياً، فيتدارك فتصحّ صلاته وإلاّ فلا، كما إذا التفت في الركوع، فتصحّ أيضاً إلاّ إذا صدر منه ما يوجب البطلان، جاهلاً كان أو عالماً، كزيادة الركن أو نقصانه.
في الحائل الغير المستقر، لو شك في حدوث الحائل في الأثناء   
فظهر أنّ الالتفات إلى مجرد صدور ما ينافي صلاة المنفرد ليس بمبطل، إلاّ إذا لم يتدارك أو صدر منه ما يوجب البطلان في عامّة الحالات.

صفحه 235
المسألة 12: لا بأس بالحائل الغير المستقر كمرور شخص من إنسان أو حيوان أو غير ذلك، نعم إذا اتّصلت المارة لا يجوز وإن كانوا غير مستقرين لاستقرار المنع حينئذ.*
المسألة 13: لو شك في حدوث الحائل في الأثناء بنى على عدمه، وكذا لو شك قبل الدخول في الصلاة في حدوثه بعد سبق عدمه، وأمّا لو شك في وجوده وعدمه مع عدم سبق العدم فالظاهر عدم جواز الدخول إلاّ مع الاطمئنان بعدمه.**

* لو كان الحائل غير مستقر

إذا كان المانع هو الستر والجدار فلا شك أنّه لا يشمل مرور إنسان أو حيوان لعدم صدقهما عليه، إلاّ إذا كان المرور مستمراً على نحو يقال: حيل بين المأموم وبين الإمام، أو صار المرور على نحو لا يشاهد الإمام أو المأموم أو الصفّ المتقدّم مدة مديدة، فلا يبعد بطلان الجماعة إذا صدق الستر; لما عرفت من أنّ المانع هو الستر، لا الحائل.

** لو شك في حدوث الحائل في الأثناء

في المسألة فروع:
1. لو شك في حدوث الحائل في الأثناء.
2. لو شك في حدوث الحائل قبل الدخول بعد سبق عدمه.
3. لو شك في وجوده وعدمه قبل الدخول مع عدم سبق العدم .
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.   2

صفحه 236
الفرع الأوّل: لو شك في حدوث الحائل في الأثناء مع سبق عدمه بنى على العدم أخذاً بالاستصحاب.
لو شك في حدوث الحائل في الأثناء   
الفرع الثاني: لو شك في حدوثه قبل الدخول في الصلاة مع سبق عدمه بنى على العدم، لنفس الدليل.
الفرع الثالث: لو شك في وجوده وعدمه مع الجهل بالحالة السابقة، فلو كان هناك اطمئنان بعدم وجوده يدخل في الصلاة; لأنّه حجة عقلائية، وإنّ لم يكن فلا يدخل للزوم إحراز وجود الشرط وعدم المانع عند الدخول في الصلاة ولو بالأصل وأصالة عدم المانع ليست أصلاً مستقلاً، بل يرجع إلى الاستصحاب، والمفروض الجهل بالحالة السابقة .
واستظهر السيد الخوئي جواز الدخول تمسّكاً بأصالة البراءة على المانعية وقال: إنّ تقريرها يتوقّف على أمرين، ـ والمهم منهما هو الثاني ـ وحاصله:
البراءة تجري عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر، من غير فرق بين الشبهة الحكمية ـ المقررة في محلّها ـ والشبهة الموضوعية; كما إذا شك في لباس أنّه من الحرير أو من غيره بشبهة موضوعية، فكما تجري أصالة البراءة عن الحرمة النفسية فيجوز لُبسه، كذلك تجري البراءة في تقيّد الصلاة بعدم الوقوع في هذا المشكوك.
وبعبارة أُخرى: تقيّد الصلاة بعدم الاقتران مع الأفراد المتيقّنة من الحرير، معلوم; وتقيدها بالفرد المشكوك، مشكوك من أوّل الأمر، فتجري البراءة عن هذا التقيّد عن حدّ جريانها عن التكليف النفسي، فتجوز الصلاة فيه كما يجوز لُبسه .   2

صفحه 237
وعلى ضوء هذا البيان تجري البراءة في المقام وإن كانت الشبهة موضوعية، فإنّ عدل الواجب التخييري ـ أعني: الجماعة ـ مقيد بعدم الاشتمال على الحائل، وحيث إنّ هذا الحكم كغيره من سائر الأحكام انحلالي فينحل إلى تقيّدات عديدة حسب أفراد الحائل، فكلّ فرد علم بحيلولته نعلم بثبوت التقيد بالإضافة إليه، وأمّا الفرد المشكوك فيشك في أصل التقيد بالنسبة إليه، ومقتضى الأصل البراءة عنه، فالأقوى جواز الدخول في الجماعة لدى الشك في تحقّق الحائل وإن لم يطمئن بعدمه استناداً إلى البراءة وإن لم يجر الاستصحاب على خلاف ما أفاده الماتن (قدس سره).(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ما استأنسه من المقايسة إنّما يتمّ في مثل الحرير الّذي يحرم لُبسه تكليفاً، فإذا شك في كون شيء من الحرير تجري البراءة عن تقيّد الصلاة بعدم الوقوع في هذا المشكوك قياساً بجريانها في الحرمة النفسية، ولكن الاستئناس لا يتم في مثل ما لا يؤكل لحمه، إذ ليس لُبسه حراماً نفسياً حتّى يأتي فيه الكلام المذكور، ومثله المقام ـ أعني: الشك في وجود الحائل ـ إذ ليس الدخول معه في الصلاة حراماً نفسياً فضلاً عن المشكوك ويختص ما ذكره بما إذا كان هناك حرمةٌ نفسية لا غير.
وثانياً: أنّ مصب البراءة ـ عقلية كانت أو شرعية حكمية كانت أو موضوعية، حتّى الغاية من البراءة ـ هو احتمال العقاب وتحصيل المؤمِّن من مؤاخذة المولى، ومن المعلوم القطع حاصل فيما إذا صلّى مع الحائل فضلاً   2

1 . مستند العروة الوثقى : 5 / 213 .

صفحه 238
عن الصلاة مع الشك فيه. غاية الأمر تبطل صلاته مع الحائل، فلو أعاد الصلاة لم يكن عليه شيء; ولو لم يُعِدْ لعوقب على ترك امتثال أمر المولى بالصلاة، لا على الصلاة مع الحائل .
اللّهم إلاّ أن يعاقب إذا صار عمله بدعةً بين الناس وهو أمر آخر. وقد أوضحنا حال جريان البراءة في الثوب المشكوك في رسالتنا حول اللباس المشكوك .(1)
فإن قلت: لو صحّ ما ذكر، لما صحّ إجراء البراءة عند الشك في الشرطية والجزئية; لأنّ وجوبهما وجوب غيري والوجوب الغيري لا يترتّب عليه العقاب مع أنّ المشهور هو جريان البراءة النقلية، بل العقلية عند الشك فيهما.
قلت: إنّ الجزء والشرط واجبان بنفس الوجوب المتعلّق بالعنوان، لا بوجوب غيري، فعنوان الصلاة عبارة عن نفس الأجزاء والشرائط، فإذا تعلّق الوجوب بنفس العنوان يكون كلّ جزء وشرط واجباً بنفس الوجوب النفسي لا بوجوب غيري، ولذلك قلنا: إنّه لو أمر المولى عبده ببناء المسجد فاشتغل العبد ببنائه، فكلّ ما يقوم به من عمل فإنّما يمتثل الأمر النفسي لا الأمر الغيري وإن كان امتثاله رهن مضي زمان.
   
وعلى ذلك فالجزء المحتمل أو الشرط المحتمل على فرض جزئيتهما وشرطيتهما واجبان بنفس الوجوب النفسي، وكأنّ الأمر ينبسط على الأجزاء. ومن المعلوم أنّ محتمل الجزئية على فرض وجوبه يكون وجوبه نفسياً مترتّباً عليه العقاب.

1 . لاحظ رسالتنا في اللباس المشكوك : 44 ـ 49 .

صفحه 239
المسألة 14: إذا كان الحائل ممّا لا يمنع عن المشاهدة حال القيام، ولكن يمنع عنها حال الركوع أو حال الجلوس والمفروض زواله حال الركوع أو الجلوس، هل يجوز معه الدخول في الصلاة؟ فيه وجهان. والأحوط كونه مانعاً من الأوّل، وكذا العكس، لصدق وجود الحائل بينه وبين الإمام. *

* لو كان الحائل لا يمنع المشاهدة حال القيام

إذا كان الحائل ممّا يمنع المشاهدة في بعض الاحوال دون الأُخرى مثلاً يمنع عن المشاهدة حال القيام لا حال الركوع أو الجلوس حيث يزول عندهما، وهكذا العكس.
فإن قلنا: إنّ الميزان هو المشاهدة فيجوز الدخول لوجود الشرط وعدم المانع من المشاهدة. وإن قلنا: إنّ الميزان وجود الحائل، أو أنّ الميزان وحدة المكان، فالمنع وجيه .

صفحه 240
المسألة 15: إذا تمّت صلاة الصفّ المتقدّم وكانوا جالسين في مكانهم أشكل بالنسبة إلى الصف المتأخّر، لكونهم حينئذ حائلين غير مصلّين. نعم إذا قاموا بعد الإتمام بلا فصل ودخلوا مع الإمام في صلاة أُخرى، لا يبعد بقاء قدوة المتأخّرين. *

* لو تمّت صلاة الصف المتقدّم وكانوا جالسين

هذه المسألة نفس المسألة التاسعة عشرة، غير أنّ البحث هنا من جهة حيلولة الصف المتقدّم ـ إذا جلسوا في مكانهم بعد إتمام صلاتهم ـ والصف المتأخّر بعدُ في حال الصلاة، ولكن البحث في المسألة الآتية من جهة حدوث البعد غير المجاز بين الإمام والصف المتأخّر، ونحن ندرس المسألة من الجهة الأُولى ونحيل البحث عن الجهة الثانية إلى محلّه، وكان الأنسب عقد مسألة واحدة من جهتين.
أقول: إذا تمّت صلاة الصف المتقدّم وجلسوا في مكانهم، أشكل بالنسبة إلى الصف المتأخّر لكونهم حينئذ حائلين غير مصلّين، وقد مرّ أنّه لا فرق بين الحيلولة بين الإنسان وغيره، أو لا فرق بين صدق السترة وغيرها.
في الثوب الرقيق الّذي يرى الشبح من ورائه، لو كان أهل الصفوف اللاحقة متفرّقين   
هذا إذا أتمّوا صلاتهم وجلسوا، وأمّا إذا قاموا بعد الإتمام بلا فصل، واقتدوا بالإمام في صلاة أُخرى قضائية كانت أو أدائية لم يستبعد المصنّف بقاء قدوة المتأخّرين; وذلك لأنّ الموضوع عندئذ يدخل في الحائل غير المستقّر، وقد مضى أنّه غير مخلّ وأنّ القدر المتيقّن من السترة هي الثابتة، والمستقرّ في مكانه دون ما لا استقرار له. نعم لو أطالوا الجلوس ولم يدخلوا في الصلاة إلاّ بعد ركعة تبطل جماعة المتأخّرين، وتصحّ صلاتهم منفردين إذا عملوا بوظيفة المنفرد .

صفحه 241
المسألة 16: الثوب الرقيق الّذي يرى الشبح من ورائه حائل لا يجوز معه الاقتداء.*
المسألة 17: إذا كان أهل الصفوف اللاحقة غير الصف الأوّل متفرّقين بأن كان بين بعضهم مع البعض فصل أزيد من الخطوة الّتي تملأ الفرج فإن لم يكن قدّامهم من ليس بينهم وبينه، البعد المانع، ولم يكن إلى جانبهم أيضاً متّصلاً بهم من ليس بينه وبين مَن تقدّمه البعد المانع، لم يصحّ اقتداؤهم وإلاّ صحّ، وأمّا الصف الأوّل فلا بد فيه من عدم الفصل بين أهله فمعه لا يصح اقتداء من بعد عن الإمام أو عن المأموم من طرف الإمام بالبعد المانع.**

* في الثوب الرقيق الّذي يرى الشبح من ورائه

لو كان الميزان هو عدم المشاهدة فلا يكون الستر الرقيق مانعاً لافتراض إمكان المشاهدة، وأمّا لو كان الميزان هو صدق السترة أو تعدّد مكان الإمام والمصلين، فالمانع موجود .

** لو كان أهل الصفوف اللاحقة متفرّقين

لمّا فرغ المصنّف من المسائل الراجعة إلى الشرط الأوّل ـ أعني: الحائل ـ ولم يذكر شيئاً ممّا يرجع إلى الشرط الثاني ـ أعني: عدم كون موقف الإمام أعلى من موقف المأموم ـ بدأ بطرح ما يرجع إلى البعد الفاصل. ويقع   2

صفحه 242
الكلام تارة بين أهل الصفوف اللاحقة، وأُخرى في الصف الأوّل:
أمّا الأوّل: إذا كان بين أهل الصفوف اللاحقة فصل أزيد من الخطوة الّتي تملأ الفرج، وبأن لم يكن قدّامهم من ليس بينهم وبينه البعد المانع، ولم يكن إلى جانبهم أيضاً من ليس بينه وبين من تقدّمه البعد المانع، لم يصح اقتداؤهم لافتراض عدم الاتّصال لا من القدّام ولا من أحد الجانبين، وإلاّ صحّ لكفاية الاتّصال من إحدى الجهات ولو بتوسط المأمومين.
وأمّا الثاني ـ أعني: الصف الأوّل ـ فيختلف حكمه عن الصفوف اللاحقة، لما عرفت أنّه يكفي فيها أحد الاتصالين، امّا من جانب القدّام أو من أحد الجانبين; وأمّا الصف الأوّل فلابد فيه إمّا الاتصال من جانب القدّام بأن لا يكون بينه وبين الإمام، البعد المانع، أو من جانب المأموم المتصل بالإمام لا من الطرف الآخر، فلو كان في جانب يسار الإمام يجب أن يكون الاتّصال من جانب يمين المأموم، وإن كان في جانب يمين الإمام فالاتصال من جانب يسار المأموم.
   

صفحه 243
المسألة 18: لو تجدّد البعد في أثناء الصلاة بطلت الجماعة وصار منفرداً وإن لم يلتفت وبقى على نيّة الاقتداء، فإن أتى بما ينافي صلاة المنفرد من زيادة ركوع مثلاً للمتابعة أو نحو ذلك، بطلت صلاته وإلاّ صحّت.*
المسألة 19: إذا انتهت صلاة الصف المتقدّم من جهة كونهم مقصّرين أو عدلوا إلى الانفراد، فالأقوى بطلان اقتداء المتأخّر للبعد، إلاّ إذا عاد المتقدّم إلى الجماعة بلا فصل، كما أنّ الأمر كذلك من جهة الحيلولة أيضاً على ما مرّ.**

* لو تجدّد البعد في أثناء الصلاة

لو تجدّد البعد في أثناء الصلاة بطلت الجماعة، لإطلاق الدليل الشامل لإخلال البعد ابتداء أو أثناءً، فاللازم على المأموم الاستمرار في الصلاة منفرداً، هذا كلّه إذا التفت إلى حدوث البعد المخلّ; وأمّا إذا لم يلتفت وبقي على نية الاقتداء إلى نهاية الصلاة، فصلاته في الحقيقة صلاة فرادى وإن زعم أنّها صلاة جماعة، وعلى هذا فإن لم يأت بما ينافي صلاة المنفرد صحّت صلاته، وإلاّ فلو زاد ركناً تبطل صلاته; لأنّ زيادة الركن لا تضرّ في الجماعة لا في صلاة المنفرد; ولو فرضنا أنّه ترك القراءة بزعم صحّة الجماعة، صحّت صلاته أيضاً لقاعدة: «لا تعاد»; لأنّ المفروض التفاته بعد الفراغ من الصلاة أو بعد مضّي محل التدارك.

** لو انتهت صلاة الصف المتقدّم للتقصير أو للعدول إلى الانفراد

إنّ هذه المسألة نفس ما عنونه المصنّف في «المسألة 15» غير   2

صفحه 244
أنّ البحث هناك كان مركّزاً على الحيلولة، وفي المقام على البعد، وقد مرّ أنّ جلوس الصف المتقدّم إذا كان قليلاً بحيث دخلوا في الصلاة أيضاً بلا فصل غير مناف لبقاء القدوة، لأنّه من مصاديق الحائل غير المستقرّ، وأمّا المقام فقد أفتى المصنّف هنا أيضاً بنفس ما مرّ في المسألة السابقة، وأنّه إذا عاد المتقدّم إلى الجماعة بلا فصل صحّت صلاة المتأخّرين، فالبعد في زمان قليل كالحيلولة فيه، غير مخلّ، ولو شككنا في الإخلال فاستصحاب الإمامة محكّم، فيحكم ببقاء الجماعة. وعليه جرى سيد مشايخنا البروجردي في تعليقته وقال: حكمه حكم تجدّد الحائل; ولكن الظاهر من السيد الخوئي التفريق بين المسألتين حيث قال: بأنّه لا يمكن المساعدة عليه لاختلاف الملاك فإنّا إنّما التزمنا بالاستثناء من الناحية الأُولى من أجل قصور المقتضي، واختصاص دليل المنع بالحائل المستقرّ، وعدم الدليل على التعدي عنه، إلى غير المستقرّ الّذي ينصرف النص عنه.
وأمّا في المقام فلا قصور في الإطلاق، وليس هنا مثل ذلك الانصراف، فلا فرق في البعد المانع بين ما كان من أوّل الصلاة أو تجدّد في الأثناء .
وحاصل الكلام: أنّ البعد الناتج مخل قادح، سواء كان في زمان قليل أو في زمان كثير.

صفحه 245
المسألة 20: الفصل لعدم دخول الصف المتقدّم في الصلاة لا يضرّ بعد كونهم متهيّئين للجماعة، فيجوز لأهل الصف المتأخّر، الإحرام قبل إحرام المتقدّم، وإن كان الأحوط خلافه، كما أنّ الأمر كذلك من حيث الحيلولة على ما سبق.*

* في إحرام الصف المتأخّر قبل المتقدّم إذا كانوا متهيّئين للجماعة

هذه المسألة نفس ما مرّ في المسألة السادسة غير أنّ البحث هناك كان مركزاً على حيلولة المأمومين بعضهم لبعض، وأمّا المقام فالبحث مركّز على عدم إخلال البعد إذا أحرم الصف المتأخّر، ولم يحرم المتقدّم بعد، فاستقوى المصنّف صحة الإمامة إذا كانوا متهيّئين للجماعة، وقد قلنا في المسألة السادسة على الإحرام، وأمّا وجه عدم الإخلال فوجود السيرة خصوصاً إذا كانت الصفوف حاشدة، فلو توقّف صحّة إحرام المتأخّر على إحرام المتقدّم لفاتت الجماعة عن كثير من الصفوف، والإمام يدخل في الركوع ثم في السجود، والمأمومون بعد في حالة الانتظار.

صفحه 246
المسألة 21: إذا علم بطلان صلاة الصف المتقدّم تبطل جماعة المتأخّر من جهة الفصل أو الحيلولة، وإن كانوا غير ملتفتين للبطلان. نعم مع الجهل بحالهم تحمل على الصحّة ولا يضرّ، كما لا يضرّ فصلهم إذا كانت صلاتهم صحيحة بحسب تقليدهم، وإن كانت باطلة بحسب تقليد الصف المتأخّر.*

* لو علم بطلان صلاة الصف المتقدّم

إذا علم بطلان صلاة الصف المتقدّم فهو على قسمين: تارة يكون فساد الصلاة أمراً متّفقاً عليه بين أهل الصف اللاحق والمتقدّم، وأُخرى تكون فاسدة حسب تقليد الصف المتأخّر، وصحيحة عند أهل الصف المتقدّم.
أمّا الأوّل: فلا شك في بطلان الجماعة بوجهين: من جهة الفصل، ومن جهة الحيلولة، فإنّ الصف المتقدّم حائل بين الإمام والمأموم وقادح من جهة البعد إلاّ إذا كانوا مصلّين، فعندئذ لا حيلولة ولا بعد، والمفروض بطلان صلاتهم فيكونون كغير المصلّين، فتبطل صلاة المتأخّر بوجهين. نعم لو احتمل بطلان صلاتهم يحمل على الصحّة.
وأمّا الثاني: فكما إذا اختلفا في الصحّة والفساد اجتهاداً أو تقليداً، كما إذا كان المتقدّم يصلّي بلا سورة والمتأخّر قائل بعدم صحّة صلاته.
وقد عرفت أنّ الصلاة الصحيحة غير حائل ولا قادح، فيقع الكلام هل الموضوع صحّة الصلاة في نظر الصف المتأخّر أو في نظر الصف   2

صفحه 247
المتقدّم؟ فالمصنّف على الأوّل لقصور صحيحة زرارة عن هذا المورد، فإنّ القدر المتيقّن هو وجود السترة بغير المصلّين أو قادحية البعد بغيرهم، وأمّا إذا كانوا مصلّين حسب اجتهادهم أو تقليدهم وكانت صلاتهم مجزية عند الله عن الإعادة والقضاء، وإن كانت باطلة لدى أهل الصف المتأخّر اجتهاداً أو تقليداً، فمثل هذا غيرداخل في الصحيحة. أضف إلى ذلك: أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)كان يصلّي ووراؤه صفوف حاشدة لم يكن الجميع على نسق واحد في رعاية الاجزاء والشروط والموانع.

صفحه 248
المسألة 22: لا يضرّ الفصل بالصبي المميّز ما لم يعلم بطلان صلاته.*
المسألة 23: إذا شك في حدوث البعد في الأثناء، بنى على عدمه وإن شك في تحقّقه من الأوّل وجب إحراز عدمه إلاّ أن يكون مسبوقاً بالقرب، كما إذا كان قريباً من الإمام الّذي يريد أن يأتم به، فشك في أنّه تقدّم عن مكانه أم لا؟**

* الفصل بالصبي المميّز

الكلام في المقام مبنيّ على كون عبادة الصبيّ شرعية أمر بها الشارع أمراً استحبابياً، أو أنّها تمرينية لإيجاد التهيّؤ في نفس الصبي إذا بلغ. والمختار عندنا هو الأوّل، فقد أوضحنا حاله في كتاب الصيام وعلى فرض كونها تمرينيّة فإذا توسط الصبي بين المأمومين الذين يتصل الثاني بالإمام عن طريق المأموم الآخر فالإشكال من جهة البعد لا من جهة الحيلولة، بشرط أن يشغل مقدار ما لا يتخطّى. وأمّا إذا كان في الصف المقدّم فالإشكال من الجهتين: الحيلولة حيث لا يرى الإمام أو المأموم، والبعد .

** لو شك في حدوث البعد في الأثناء

هذه المسألة نفس ما مرّ في «المسألة 13» غير أنّ البحث هناك كان مركّزاً على حدوث الحائل في الأثناء، وفي المقام على حدوث البعد في الأثناء والمسألتان ترتضعان من لبن واحد، وهنا صور أربع:   2

صفحه 249
1. إذا كانت الحالة السابقة عدم الحيلولة والبعد يستصحب عدمهما.
2. إذا كانت الحالة السابقة الحيلولة والبعد فكذلك.
3. إن شك في حدوثهما في الأثناء فكذلك، فالأصل عدم حدوثهما .
4. إن شك في وجود الحائل والبعد وعدمهما من الأوّل، ولم يكن مسبوقاً بأحد الأمرين يجب عليه إحرازه، وقد مرّ قول المصنّف في «المسألة 13»: «فالظاهر عدم جواز الدخول إلاّ مع الاطمئنان بعدمه» ونظيره في المقام حيث قال: «وإن شكّ في تحقّقه من الأوّل وجب إحرازه من غير فرق بين كون الاتصال شرطاً أو كون ما لا يتخطّى مانعاً». أمّا على الأوّل فلأنّ الاتّصال أمر وجودي يجب إحرازه، ففي صحيحة زرارة «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة»، وأمّا على القول بأنّ البعد القادح مانع فهذا لا يمكن استصحابه للشكّ في وجوده وعدمه.
نعم أعاد السيد الخوئي في المقام ما ذكره في المسألة 13 من إجراء البراءة عن المانعية، قائلاً بأنّ المانعية انحلالية فتقيد الجماعة بعدم وقوعها مع هذه المسافة الّتي يشك في بلوغها ما لا يتخطّى، والأصل البراءة. أي أصالة البراءة من تقيّد الصلاة بهذا المقدار المشكوك .(1)
وقد ناقشنا نظريته في نفس المسألة فلاحظ.

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 224 .

صفحه 250
المسألة 24: إذا تقدّم المأموم على الإمام في أثناء الصلاة ـ سهواً أو جهلاً أو اضطراراً ـ صار منفرداً ولا يجوز له تجديد الاقتداء. نعم لو عاد بلا فصل لا يبعد بقاء قدوته.*
المسألة 25: ـ يجوز على الأقوى ـ الجماعة بالاستدارة حول الكعبة، والأحوط عدم تقدّم المأموم على الإمام بحسب الدائرة، وأحوط منه عدم أقربيته مع ذلك إلى الكعبة، وأحوط من ذلك تقدّم الإمام بحسب الدائرة وأقربيته مع ذلك إلى الكعبة.**

* لو تقدم المأموم على الإمام في أثناء الصلاة

لمّا فرغ من التعرض لما يرجع إلى البعد الفاصل، ركّز على ما يرجع إلى الشرط الرابع ـ أعني: شرطية عدم التقدّم ـ نقول: إذا كانت شرطية التأخّر أو التساوي شرطاً واقعياً لا علمياً، تبطل الجماعة بالإخلال بالشرط ومقتضى إطلاق الدليل عدم الفرق بين الابتداء والأثناء، ولكن المصنّف اكتفى بالتدارك إذا عاد إلى مكانه بلا فصل .
ولكنّه لا يخلو من تأمّل، لأنّ التقدّم ليس كالحيلولة حتّى يكون الدليل منصرفاً عن غير المستقرّ، بل الدليل في مورد انحلال التقدّم مطلق يعمّ كلتا الحالتين، سواء تدارك أو لا.

** الصلاة جماعة بالاستدارة حول الكعبة

الصلاة جماعة بالاستدارة حول الكعبة إنّما حدثت في عصر عبدالملك بن مروان الّذي تولّى الخلافة عام 65 هـ بعد وفاة أبيه مروان بن الحكم   2

صفحه 251
وتوفّي عام 86 هـ ، وذلك عند إمارة خالد بن عبدالله القسري حيث يظهر من الأزرقي في تاريخ مكة المكرمة أنّ أوّل من أدار الصفوف حول الكعبة هو خالد بن عبدالله القسري يقول: كان الناس يقومون قيام شهر رمضان في أعلى المسجد الحرام تُركّز حربة خلف المقام بربوة، فيصلّي الإمام خلف الحربة، والناس وراءه فمن أراد صلّى مع الإمام ومن أراد طاف بالبيت وركع خلف المقام، فلمّا ولي خالد بن عبدالله القسري مكة وحضر شهر رمضان أمر خالد القرّاء أن يتقدّموا فيصلّوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الكعبة، وذلك أنّ الناس ضاق عليهم أعلى المسجد فأدارهم حول الكعبة.
فقيل له: تقطع الطواف بغير المكتوبة قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كلّ ترويحتين سبعاً، فأمرهم ففصلوا بين كلّ ترويحتين بطواف سبع ـ إلى أنّ قال: ـ وكان عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار ونظائرهما من العلماء يرون ذلك ولا ينكرونه.
ويظهر من كلامهِ أنّ الدافع إلى الصلاة حول الكعبة استدارة هو ضيق المكان في صلاة التراويح، ولم يكن قبله أي سابقة لها .(1)

أوّل من تعرض للمسألة من الأصحاب

لم نجد عنواناً لهذه المسألة عند أصحابنا قبل ابن الجنيد فهو أوّل من تعرض لها حسب اطّلاعنا وقد نقله العلاّمة عنه وسيوافيك نصّه، كما   2

1 . تاريخ مكة للأزرقي: 2 / 65 ـ 66 .

صفحه 252
تعرض لها العلاّمة في المنتهى (1) والتذكرة (2) ثم إنّ السبب لعنوان هذه المسألة ـ مع أنّ الكعبة وعامّة جوانبها وأضلاعها قبلةً للمصلّي، ومع ذلك ركّزوا على هذه المسألة ـ هو وجود إشكالات تصدّ الفقيه عن الإفتاء بجواز الصلاة جماعة بالاستدارة التامة، وإليك هذه الإشكالات :

الإشكال الأوّل: أقربية المأموم إلى الكعبة عن الإمام

يظهر من كلمات غير واحد من الأصحاب أنّ المشكلة هي أقربية المأموم من الكعبة من الإمام إليها في بعض المواضع. مثلاً: إذا كان الإمام واقفاً في مقام إبراهيم متوجّهاً إلى الكعبة، فالفاصل المكاني بينه وبين الكعبة حوالي 12 متراً تقريباً، فيجب أن يكون هذا المقدار سائداً على عامّة المأمومين، أي يكون الفاصل المكاني بين كل مأموم والكعبة بهذا المقدار إذا قلنا بكفاية التساوي، أو أزيد بقليل إذا قلنا بوجوب التأخّر مع أنّ ذلك غير محقّق في جميع الدائرة; وذلك لأنّ الكعبة المشرّفة مربعة مستطيلة، فإذا رسمنا حولها دائرة موهومة يكون مركزها وسط الكعبة فالخطوط الخارجة منها إلى الكعبة، ليست متساوية، بل الخارج منها إلى الزوايا أقصر ممّا يخرج منها إلى الأضلاع طبعاً، لافتراض كون الكعبة على شكل مربع، فلو ابتدأنا برسم الدائرة من مقام إبراهيم وانتهينا ـ بعد الرسم على جميع الجوانب ـ إليه، فالخط الخارج من مقام إبراهيم إليها أبعد من الخطوط الخارجة من نفس الدائرة إلى الزوايا الأربع، فإذا فرضنا وقوف الإمام على رأس الدائرة المارّة على مقام إبراهيم ووقف   2

1 . منتهى المطلب: 6 / 257 .   2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 241 .

صفحه 253
المأموم على نفس الخط لكن بحذاء إحدى الزوايا الأربع يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام، فلا محيص من ترسيم دائرة أُخرى حتّى يقف المأموم عليها على نحو يكون الفاصل المكاني بينه وبين الكعبة كنفس الفاصل المكاني بين الإمام وبين الكعبة أو أزيد.
وهذا الإشكال هو الّذي ركّز عليه لفيف من العلماء منهم:
1. ابن الجنيد قال: الإمام إذا صلّى في المسجد الحرام أحاط المصلّون حول البيت من حيث لا يكون أحدهم أقرب إلى جدار البيت منه. ولم يذكر علماؤنا ذلك، والأقرب الوقوف خلف الإمام للعموم .(1)
وقال العلاّمة: قال الشافعي: يُستحب أن يقفوا مستديرين بالبيت، وقد بيّنا التردّد في جواز ذلك، فإن كان متوجّهاً إلى الجهة الّتي توجّه إليها الإمام بطلت صلاته; لأنّه قد تقدّم إمامه. (2)
2. قال الشهيد في «البيان»: ولو صلّوا جماعة فلهم الاستدارة حولها، وينبغي أن لا يكون المأموم إليها أقرب من الإمام .(3)
3. وقال في «الدروس»: أن لا يتقدّم المأموم على الإمام بعقبه ولا عبرة بمسجده، إلاّ في المستديرين حول الكعبة بحيث لا يكون المأموم أقرب إليها (4) .   2

1 . مختلف الشيعة: 3 / 90 .
2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 241. قوله: «فإن كان متوجّهاً...» ناظر إلى إشكال ثان سيوافيك بيانه.
3 . البيان: 115، الطبعة المحقّقة في مركز إحياء التراث الإسلامي.
4 . الدروس: 1 / 220; ولاحظ أيضاً ذكرى الشيعة: 3 / 161. الضمير في «بعقبه» يرجع إلى المأموم، والضمير في «إليها» يرجع إلى الكعبة، فتكون العبارة ناظرة إلى الإشكال الأوّل.

صفحه 254
4. وقال الشهيد الثاني: يجوز تقدّم رأس المأموم ويستثنى منه لو كانت الصلاة حول الكعبة فإنّه لا يجوز أن يكون مسجد المأموم أقرب إليها.(1)
5. وقال الشيخ كاشف الغطاء: وحول الكعبة يصحّ الدوران في الصف ومقابلة الوجوه الوجه بشرط أن تكون الفاصلة من جانب المأمومين أوسع .(2)
ثم إنّ هذا الإشكال مبنيٌ على جعل الميزان في التأخّر والتساوي نفس الكعبة، وأمّا لو جعلنا الميزان فيها نفس الدائرة تصح صلاة المأموم إذا وقف على نفس الدائرة بناءً على كفاية التساوي، أو وقف متأخّراً بقليل إذا قلنا باشتراط التأخّر.
وأمّا المصنّف فقد احتاط فقال برعاية كلا الأمرين، أعني: عدم تقدّم المأموم على الإمام بحسب الدائرة، وعدم أقربيته مع ذلك إلى الكعبة.

الإشكال الثاني: مواجهة المأموم للإمام

إنّ في الصلاة جماعة بالاستدارة حول الكعبة إشكالاً آخر، وهو مواجهة المأموم للإمام في النصف الثاني من الدائرة، فإذا كان الإمام واقفاً أمام مقام إبراهيم فهو يواجه الضلع الّذي فيه الباب، والمصلّون في النصف الثاني من الدائرة يواجهون الضلع المقابل للضلع الأوّل، فيكون المأموم مواجهاً للإمام. وقد التفت إلى هذا الإشكال بعض الأصحاب .   2

1 . مسالك الاَّفهام: 1 / 308 .
2 . كشف الغطاء: 1 / 265 .

صفحه 255
1. قال العلاّمة: لو صلّى الإمام في المسجد الحرام إلى ناحية من نواحي الكعبة واستدار المأمومون حولها، صحّت صلاة من خلف الإمام خاصة، سواء أكان بعد المأمومين في الجهة الأُخرى عنها أكثر من بعد الإمام، أو لا; خلافاً للشافعي وأبي حنيفة.
لنا: أنّ موقف المأموم خلف الإمام أو إلى جانبه وهو إنّما يحصل إذا صلّوا في جهة واحدة، فصلاة من غايرها باطلة; ولأنهم وقفوا بين يدي الإمام فتبطل صلاتهم.(1)
2. وقد أشار صاحب المدارك إلى الإشكال الثاني وقال: لم أقف في ذلك على رواية من طرف الأصحاب، والمسألة محل تردّد ولا ريب ـ أي الوقوف ـ في جهة الإمام أولى وأحوط .(2)

الإشكال الثالث: وجود الحائل بين الإمام والمأموم

من شروط صحّة الجماعة أن لا يكون بين الإمام والمأموم حائل يمنع عن مشاهدته .
قال المحقّق: لا تصحّ مع حائل بين الإمام والمأموم يمنع المشاهدة، وقال صاحب الجواهر : الظاهر أنّه إجماعي ـ كما في الذخيرة ـ بل هو كذلك في صريح الخلاف والمنتهى والمدارك.   2

1 . منتهى المطلب: 6 / 257 .
2 . مدارك الأحكام: 4 / 332 .

صفحه 256
ويدلّ عليه صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام): «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الّذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة، إلاّ من كان من حيال الباب.
ولاشك أنّ الكعبة ـ في الصلاة استدارة ـ تحول بين المأموم والإمام إذا وقف المأموم في النصف الثاني من الدائرة، خصوصاً إذا وقف في مقابل الضلع الّذي يواجه الإمام .
ثم إنّ صاحب الجواهر أجاب عن الإشكال وقال: إنّ الواقف في النصف الثاني من الدائرة، فهو وإن كان لا يشاهد الإمام، لأنّ الكعبة المشرّفة تحول بينهما، إلاّ أنّه يشاهد الإمام بوسائط.
وقد مرّ أنّ صلاة الواقفين في جانبي الواقف أمام الباب صحيحة، مع أنّه ربّما يحول الجدار بينهم وبين المأمومين في المسجد، وعلى هذا فالمهم هو الإشكال الثاني أي المواجهة.

ما هو الأصل في المسألة؟

هذا كلّه حسب الدليل الاجتهادي، فإن شككنا في الصحّة والفساد فما هو الأصل في المسألة؟
نقول: إنّ الأصل في المقام هو الفساد إلاّ أن يدل دليل على خلافه;   2

صفحه 257
وذلك لأنّ العبادات أُمور توقيفية لا دور للعقلاء فيها، فإذا شك في امتثال الأمر بالفرد الخاص، فالأصل هو الفساد.
وإن شئت قلت: إنّ مشروعية العبادات أمر توقيفي فما علم كونه مشروعاً فهو مشروع، وما شُك في مشروعيته فهو ممنوع وإن كان في الواقع مشروعاً، وهذا كإتيان الصلاة مع قبض اليد اليسرى في اليمنى، حيث إنّ للصلاة فردين ومصداقين: أحدهما إتيان الصلاة بالسدل والآخر بالقبض، فالشك في جواز القبض كاف في كونه بدعة مبطلة للصلاة; وهذا هو الأصل في المقام.
وإلى هذا إشار السيد الحكيم (قدس سره)بتعبير آخر فقال: تارة يكون الشك في صحّة الجماعة حدوثاً، وأُخرى يكون بقاءً; فإن كان الأوّل فالمرجع أصالة عدم انعقاد الجماعة ; لأنّ انعقادها إنّما يكون بجعل الإمامة للإمام من المأموم في ظرف اجتماع الشرائط، فإذا شك في شرطية شيء مفقود أو مانعية شيء موجود ـ للإمام أو المأموم أو الإئتمام ـ فقد شك في الانعقاد الملازم للشك في حصول الإمامة للإمام والمأمومية للمأموم، والأصل العدم في جميع ذلك; وبعبارة أُخرى: الشك في المقام في ترتّب الأثر على الجعل المذكور ومقتضى الأصل عدمه.(1)
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الصلاة جماعةً بالاستدارة حول الكعبة صحيحة في بعض الأحايين، وهو أنّه لو كان الملاك في التقدّم والتأخّر   2

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 217 .

صفحه 258
هو عدم أقربية المأموم من الكعبة من الإمام، فلازم ذلك صحّة الصلاة استدارةً، بشرط أن تكون الدائرة الّتي وقف عليها الإمام في غير الدائرة الّتي يقف عليها المأموم، وتكون الدائرة الثانية أبعد من الدائرة الأُولى حتّى تكون المسافة بين المأموم والكعبة أكثر من المسافة بين الإمام والكعبة في عامّة الحالات حتّى فيما إذا وقف أمام الزوايا.
وأمّا لو كان الميزان في التقدّم نفس موقف الإمام مع قطع النظر عن الأقربية والأبعدية بالنسبة إلى الكعبة، فالصلاة بالاستدارة صحيحة مطلقاً إذا وقف المأمومون على نفس الدائرة الّتي وقف عليها الإمام لسبق عدم التقدّم أو التأخّر إذا وقفوا متأخّرين بشيء قليل .
ولعلّ الشق الثاني هو الأوفق حيث إنّ المتبادر من معاقد الإجماعات والإشارات الواردة في الروايات أنّ الميزان عدم تقدّم المأموم على موقف الإمام من دون لحاظ الجهة الّتي يتّجهون إليها.
وبعبارة أُخرى: الملاك في تحقّق هذا الشرط موقف كلّ من الإمام والمأموم في غير المسجد الحرام باتّفاق الفقهاء، فلابد أن يكون هو أيضاً نفس الملاك في المسجد الحرام أيضاً، وإلاّ يجب أن يلتزم بأحد أمرين:
1. أن يكون الملاك في غير المسجد الحرام هو موقف الإمام والمأموم، وأمّا في المسجد الحرام فالملاك هو الكعبة، بأن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام.
2. مراعاة كلا الأمرين.   2

صفحه 259
الأوّل أمر غريب، لعدم الدليل على التفريق بين مسجد الحرام وسائر الأمكنة; والثاني موافق للاحتياط ولكن ليس لاعتبار الجمع دليل صالح.
وبذلك ظهر أنّ مشكلة تقدّم المأموم على الإمام في الصلاة الاستدارية غير متحقّقة مطلقاً، إذا قلنا بأنّ الميزان هو موقف الإمام .
وأمّا غير متحقّقة في بعض الدوائر إذا كانت الدائرة للمأمومين أوسع ومتحقّقة في البعض الآخر، كما إذا وقف المأموم في النصف الثاني من الدائرة الأُولى أمام الزوايا.
وأمّا مشكلة المواجهة: فقد عرفت أنّه قوي يستحق التأمّل وما دلّ على جواز إقامة الصلاة جماعةً منصرف إلى الفرد الشائع، وأمّا هذا الفرد النادر فالأدلّة عنه منصرفة. وما تقدّم من الجواهر من أنّ الواقف في النصف الثاني يشاهد الإمام بوسائط لا يدفع مشكلة المواجهة وإن كان يدفع مشكلة الحيلولة.
وأمّا الإشكال الثالث: مشكلة الحيلولة فقد عرفت أنّه يكفي في الصحّة الاتصال بالإمام ولو بوسائط.
ثم إنّه ربّما يستدلّ بعض الأعلام على الصحّة بالسيرة، منهم: الشهيد في «الذكرى» حيث قال: ولو استداروا صحّ; للإجماع عليه عملاً في كلّ الأعصار السالفة .(1)
وقد أيدت السيرة بأنّ أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في عام الفتح بلغوا   2

1 . ذكرى الشيعة: 162 .

صفحه 260
عشرة آلاف أو أكثر، فكيف يمكن لهم الصلاة فيه بنحو الخط المستقيم؟ بل بلغ عدد المرافقين في حجة الوداع إلى مائة ألف.
وهذه السيرة الّتي لم يعترض عليها أئمة الشيعة(عليهم السلام)خير دليل على كونها أمراً مقبولاً عندهم .(1)
يلاحظ عليه: أنّ كلّ ما ذكروه حول هذه السيرة نابع عن عدم الوقوف على وقت بدء الصلاة بهذه الكيفية، وقد عرفت أنّ أوّل من أدار هو خالد بن عبدالله القسري، وأنّ السبب للاستدارة هو ضيق المكان على الناس في صلاة التراويح، وإن لم يكن هذا الملاك موجوداً في الصلوات اليومية.
وأمّا عدم سعة المسجد الحرام للآلاف المؤلّفة فهو أمر صحيح; لكنّه ليس دليلاً على إقامة الصلاة في المسجد الحرام، بل ربّما أقامها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خارج المسجد، خصوصاً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أقام خارج مكة وقد سُئل عن السبب؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لم يترك عقيل لنا بيتاً في مكة. اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ الصلاة استدارة كانت بمرأى ومسمع من أئمة أهل البيت كالسجاد والباقر والصادق(عليهم السلام)ولم ينقل منهم شيء يدلّ على استنكارهم، فلعلّه كاف في حجيّة السيرة، فلاحظ.
إلى هنا ظهر أنّ الأحوط عدم الوقوف في النصف الثاني من الدائرة الّتي تسبب مواجهة المأموم للإمام ولو غضّ النظر عن هذا. فالإشكال الأوّل والثالث قابلان للذب.

1 . صلاة الجماعة، للمحقّق الاصفهاني: 136 .

صفحه 261
في أحكام الجماعة   
الفصل الثالث
في
أحكام الجماعة

صفحه 262

صفحه 263
المسألة 1: الأحوط ترك المأموم القراءة في الركعتين الأُوليين من الإخفاتية إذا كان فيهما مع الإمام، وإن كان الأقوى الجواز مع الكراهة ويستحب مع الترك أن يشتغل بالتسبيح والتحميد والصلاة على محمد وآله.
وأمّا في الأُوليين من الجهرية فإن سمع صوت الإمام ولو همهمة وجب عليه ترك القراءة، بل الأحوط والأولى الإنصات وإن كان الأقوى جواز الاشتغال بالذكر ونحوه، وأمّا إذا لم يسمع حتّى الهمهمة جاز له القراءة، بل الاستحباب قوى، لكن الأحوط القراءة بقصد القربة المطلقة لا بنية الجزئية، وإن كان الأقوى الجواز بقصد الجزئية أيضاً.
وأمّا في الأخيرتين من الإخفاتية أو الجهرية فهو كالمنفرد في وجوب القراءة أو التسبيحات مخيراً بينهما، سواء قرأ الإمام فيهما أو أتى بالتسبيحات، سمع قراءته أو لم يسمع. *
* في المسألة فروع:
1. قراءة المأموم في الركعتين الأُوليين من الإخفاتية إذا كان فيهما   2

صفحه 264
مع الإمام.
2. قراءة المأموم في الأُوليين من الجهرية إذا سمع صوته ولو همهمة.
3. جواز الاشتغال بالذكر ونحوه في الأُوليين من الجهرية.
4. جواز القراءة إذا لم يسمع حتّى الهمهمة.
5. قراءة المأموم في الأخيرتين في الجهرية والإخفاتية.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.
في قراءة المأموم خلف الإمام في الأُوليين من الإخفاتية   

الفرع الأوّل: قراءة المأموم خلف الإمام في الأُوليين من الإخفاتية

اختلفت أقوال الأصحاب في هذا الفرع :
قال الشهيد الثاني في «روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان»: هذه المسألة من المشكلات بسبب اختلاف الأخبار وأقوال الأصحاب للجمع بينها. ثم ذكر صور المسألة وأقوال الأصحاب. (1)
وقال المحقّق في الشرائع :
ويُكره أن يقرأ المأموم خلف الإمام إلاّ إذا كانت الصلاة جهرية ثم لا يسمع ولا همهمة.
وقيل: يحرم.
وقيل: يستحب أن يقرأ الحمد فيما لا يجهر فيه، والأوّل أشبه .(2)    2

1 . روض الجنان: 2 / 992، الطبعة المحقّقة.
2 . شرائع الإسلام: 1 / 123 .

صفحه 265
فقد نقل المحقّق أقوالاً ثلاثة:
1. كراهة القراءة. 2. حرمة القراءة. 3. استحباب القراءة.
أمّا الكراهة: فقد حكاه صاحب الجواهر عن النافع، والمعتبر والتلخيص، والدروس، والبيان، والموجز، وكشف الالتباس، والجعفرية وغيرها.(1)
وأمّا الحرمة: وهو خيرة الصدوق والمرتضى وأبي الصلاح والشيخ الطوسي، ومن المتأخّرين صاحبي المدارك والحدائق.
قال الصدوق: واعلم أنّ على القوم في الركعتين الأُوليين أن يستمعوا إلى قراءة الإمام، وإن كان في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة سبّحوا موضع القراءة .(2)
وقال المرتضى: لا يقرأ المأموم خلف الموثوق به في الأُوليين في جميع الصلوات من ذوات الجهر والإخفات، إلاّ إذا كانت صلاةَ جهر لا يَسمع فيها المأمومُ قراءةَ الإمام فيقرأ كل واحد لنفسه .(2)
وقال أبو الصلاح: لا يُقرأ خلفه في الأُوليين من كلّ صلاة ولا غداة إلاّ أن يكون بحيث لا تُسْمَع قراءته ولا صوتُه فيما يُجهر به فيقرأ .(4)
وقال الشيخ: فإذا تقدّم من هو بشرائط الإمامة فلا تقرأنّ خلفه، سواء أكانت الصلاة ممّا يجهر فيها بالقراءة أو لا يجهر، بل تسبح مع نفسك   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 181.   2 . المقنع: 36 .
2 . جمل العلم والعمل: 75 ـ 76 .   4 . الكافي: 144 .

صفحه 266
وتحمد الله تعالى، وإن كانت الصلاة ممّا يجهر فيها فأنصت للقراءة، فإن خفي عليك قراءة الإمام قرأت أنت لنفسك.(1)
وقال صاحب المدارك: والأصحّ تحريم القراءة على المأموم مطلقاً، إلاّ إذا كانت الصلاة جهرية ولم يسمع ولا همهمة فإنّه تستحب له القراءة حينئذ.(2)
وقال صاحب الحدائق : والّذي ظهر لي من الأخبار هو تحريم القراءة خلف الإمام في الأُوليين جهرية كانت أو إخفاتية إلاّ إذا كانت صلاةً جهرية ولم يسمع المأموم قراءة الإمام ولو همهمةً فإنّه يستحب له القراءة في هذه الحال.(2)
وأمّا الاستحباب: وهو خيرة ابن البراج في «المهذب» قال: ومتى أمّ من يصح تقدّمه بغيره في صلاة جهر وقرأ فلا يقرأ المأموم بل يسمع قراءته، وإن كان لا يسمع قراءته كان مخيراً بين القراءة وتركها، وإن كانت صلاة إخفات استحب للمأموم أن يقرأ فاتحة الكتاب وحدها ويجوز أن يسبح الله وحده .(4)

دليل القول بالتحريم

لاشك أنّ مقتضى النهي في غير واحد من الروايات التحريم اللّهم إلاّ أن يقوم دليل على صرفها عن ظهورها إلى الكراهة.   2

1 . النهاية: 113 .   2 . مدارك الأحكام: 4 / 323 .
2 . الحدائق الناظرة: 11 / 126 .                              4 . المهذب: 1 / 108 .

صفحه 267
1. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: إذا صلّيت خلف إمام تأتم به فلا تقرأ خلفه، سمعت قراءته أم لم تسمع، إلاّ أن تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرأ .(1)
والرواية ظاهرة في التحريم بشهادة التفصيل حيث تمنع عن القراءة في الإخفاتية وتجيز في الجهرية إذا لم تسمع صوت الإمام.
2. صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن الصلاة خلف الإمام، أقرأ خلفه؟ فقال: «أمّا الصلاة الّتي لا تجهر فيها بالقراءة فإنّ ذلك جعل إليه فلا تقرأ خلفه، وأمّا الصلاة الّتي يجهر فيها فإنّما أُمر بالجهر لينصت من خلفه، فإن سمعت فأنصت، وإن لم تسمع فأقرأ ».(2)
3. صحيحة عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتّى يفرغ وكان الرجل مأموناً على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأُولتين، وقال: «يجزيك التسبيح في الأخيرتين»، قلت: أي شيء تقول أنت؟ قال: «أقرأ فاتحة الكتاب».(3)
4. ما رواه في «قرب الاسناد» عن علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل يصلّي خلف إمام يقتدى به في الظهر والعصر، يقرأ؟ قال: «لا ولكن يسبح ويحمد ربه ويصلّي على نبيه».(4) والحديث يدلّ على أنّ السيرة    2

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5. والضمير في «إليه» يرجع إلى الإمام.
3 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 9.
4 . الوسائل: 5، الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .

صفحه 268
كانت فيما لا يجهر هو السكوت.
5. ما رواه بكر بن محمد الأزدي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «إنّي أكره للمرء أن يصلّي خلف الإمام صلاةً لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنّه حمار» قال: قلت: جعلت فداك فيصنع ماذا؟ قال: «يسّبح» .(1)
وهذه الأحاديث الخمسة ظاهرة في التحريم لا يمكن رفع اليد عن الظهور إلاّ بدليل حتّى يحمل على الكراهة .

دليل القول بالكراهة

وفي المقام روايات تستظهر منها كراهة القراءة ندرسها تالياً :
1. روى الشيخ باسناد صحيح عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أيقرأ الرجل في الأُولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنّه يقرأ؟ فقال: «لا ينبغي له أن يقرأ، يكله إلى الإمام» .(2)
وجه الاستدلال: أنّ قوله «أيقرأ الرجل في الأُولى» ظاهر في الظهر بقرينة قوله بعده: «والعصر» كما أنّ المراد من قوله: «وهو لا يعلم أنّه يقرأ» هو عدم السماع، فإنّ المأموم ربما يسمع قراءة الإمام في الصلاة الإخفاتية إذا كان قريباً منه، وحمل قوله: «وهو لا يعلم أنّه يقرأ» على ظاهره ينافي الوثوق بدين الإمام. إذا علمت ذلك فقوله: «لا ينبغي» آية الكراهة.   2

1 . الوسائل: 5، الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 8 .

صفحه 269
يلاحظ عليه: أنّ جميع ما ذكره صحيح إلاّ قوله أخيراً فإنّ لفظة: «لا ينبغي» في القرآن الشريف بمعنى لا يمكن، لا بالمعنى المعروف بين المتأخّرين المرادف للكراهة. وتدلّ على ما ذكرنا الآيات التالية:
1. (وَ مَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)(1) .
2. (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ)(2).
3. (لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ الْلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ)(2).
إلى غير ذلك من الآيات الّتي وردت تلك اللفظة فيها، فلو عدّت هذه الرواية في عداد ما دلّ على التحريم لكان أولى من عدها ممّا يستظهر منها الكراهة، فلو تمّ ما ذكرنا فهو، وإلاّ تكون الرواية مجملةً لا يحتج بها على واحد من القولين.
2. ما رواه إبراهيم بن علي المرافقي وعمرو بن الربيع البصري عن جعفر بن محمد (عليه السلام)أنّه سئل عن القراءة خلف الإمام فقال: «إذا كنت خلف إمام تتولاّه وتثق به فإنّه يجزيك قراءته، وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه، فإذا جهر فأنصت، قال الله تعالى: (وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(3)» .(4)
يلاحظ عليه: أنّ السند ضعيف، وإليك دراسة مَن جاء في السند:   2

1 . مريم: 92 .   2 . الفرقان: 18 .
2 . يس: 40 .
3 . الأعراف: 204 .
4 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 15 .

صفحه 270
أ. أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، زيدي ثقة.
ب . أحمد بن محمد بن يحيى الحازمي أو الخازمي، مهمل لم يوثّق، له رواية في التهذيب.
جـ . الحسن بن الحسين مشترك لا يعلم المراد منه.
د . إبراهيم بن علي المرافقي مجهول .
هـ . عمرو بن ربيع لم يوثّق، وفي بعض النسخ عمر بن الربيع وهو ثقة. ومثل هذا السند لا يمكن الاحتجاج به .
3. صحيحة علي بن يقطين. قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام، أيقرأ فيهما بالحمد، وهو إمام يقتدى به؟ فقال: «إن قرأت فلا بأس، وإن سكتّ فلا بأس ».(1)
والمراد من الصمت هو الإخفات كما ذكره في الوسائل، ولا يمكن حمله على ظاهره بمعنى السكوت، لأنّ الإمام لا يسكت مطلقاً .
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ المهم هو تبيين قوله: «الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام» فهل المراد هو الأُوليان من الصلوات الإخفاتية كما عليه أساس الاستدلال، أو المراد الركعتان الأخيرتان من الصلوات الجهرية؟ والظاهر هو الثاني، وذلك أنّه لو كان المراد هو الأُوليان من الإخفاتية فالإمام فيها يخافت في عامة الركعات لا في خصوص الركعتين فقط، مع أنّ الراوي يسأل عن الركعتين اللتين يخافت فيهما الإمام وهذا دليل على أنّ المراد، الصلوات الجهرية   2

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 13.

صفحه 271
الّتي يُخافت في بعض ركعاتها، أعني: الأخيرتين .
وبذلك يظهر أنّ المراد من السكوت في قوله: «إن قرأت فلا بأس، وإن سكت فلا بأس» هو السكوت الإضافي بمعنى ترك الحمد لا السكوت المطلق، إذ يجب على المأموم أحد الأمرين: الحمد، أو التسبيح .
وعلى كل تقدير فلا يمكن أن يحتج بهذه الرواية الّتي تشتمل على الشذوذ في اللفظ في موردين (1) ـ كما مرّ ـ على الكراهة.
وأمّا القول باستحباب القراءة الّذي اختاره ابن البراج فلم نجد له دليلاً صالحاً.
نعم يستحب له التسبيح، بل يكره له السكوت للصحيح عن الصادق (عليه السلام): «إنّي أكره للمرء أن يصلّي خلف الإمام صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنّه حمار» قال: قلت: جعلت فداك فيصنع ماذا؟ قال: «يسبّح».(2)
والرواية تحكي عن أنّ السيرة الجارية يومذاك هو السكوت في الأُوليين من الإخفاتية، وأنّ الإمام (عليه السلام)ندد بذلك، بل حثّ على أن لا يسكت في كلامه هذا، ولكن خصّ نقض السكوت بالتسبيح، فلو جازت القراءة لأشار إليه.
إلى هنا تم الكلام في الفرع الأوّل. وظهر أنّ الأقوى حرمة القراءة   2

1 . أحدهما: الصمت الظاهر في السكوت وأُوِّلَ بالمخافتة. ثانيهما: «إن سكت» المحمول على السكوت الإضافي أي ترك الحمد .
2 . الوسائل: 5، الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 272
في الركعتين الأُوليين من الصلوات الإخفاتية.
في قراءة المأموم في الأُوليين من الجهرية   

الفرع الثاني: قراءة المأموم في الأُوليين من الجهرية

أمّا القراءة في الأُوليين من الجهرية فهنا صورتان:
الأُولى: إذا سمع صوت الإمام ولو همهمةً.
الثانية: إذا لم يسمع حتّى الهمهمة.
أمّا الصورة الأُولى: فلا خلاف في المرجوحية كما هي الظاهرة من كلماتهم الآتية إنّما الكلام في الحرمة فقد ذهب عدّة من القدماء إلى التحريم منهم الصدوق قال: واعلم أنّ على القوم في الركعتين الأُوليين أن يستمعوا إلى قراءة الإمام .(1)
وقال المرتضى: لا يقرأ المأموم خلف الموثوق به في الأُوليين في جميع الصلوات من ذوات الجهر والإخفات .(2)
وقال أبو الصلاح: لا يقرأ خلفه في الأُوليين من كل صلاة ولا غداة .(2)
وقال الشيخ: لا تقرأن خلفه، سواء أكانت الصلاة ممّا يجهر فيها بالقراءة أو لا يجهر .(4)
ويظهر من العلاّمة نفي الاستحباب في «التذكرة» حيث قال: لا تجب على المأموم القراءة، سواء أكانت الصلاة جهريةً أو إخفاتية، وسواء أسمع   2

1 . المقنع: 36 .   2 . جمل العلم والعمل: 75 ـ 76 .
2 . الكافي: 144.   4 . النهاية: 113 .

صفحه 273
قراءة الإمام أو لا، ولا تستحب في الجهرية مع السماع، عند علمائنا أجمع. وبه قال علي (عليه السلام)، وسعيد بن المسيب وعروة وأبو سلمة بن عبدالرحمن وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب الزهري والنخعي والثوري وابن عيينة ومالك وابن مبارك وإسحاق وأحمد وأصحاب الرأي، وكثير من السلف ; لقوله تعالى: (وَإِذَا قُرئ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(1) نزلت في شأن الصلاة .
قال زيد بن أسلم وأبو العالية: كانوا يقرأون خلف الإمام، فنزلت: (وَإِذَا قُرئ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وقال (عليه السلام): «إنّما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا»(2).
ومن المتأخّرين من وافق القدماء في التحريم قال في «المدارك»: والأصحّ تحريم القراءة على المأموم مطلقاً إلاّ إذا كانت الصلاة جهريةً ولا يسمع ولو همهمة.(2) فصارت المسألة ذات أقوال ثلاثة: الحرمة، والكراهة، ونفي الاستحباب ولعلّه راجع إلى الثاني.

الاستدلال على الحرمة

واستدلّ على التحريم بما يلي:
1. قوله سبحانه: (وَإِذَا قُرئ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا   2

1 . الأعراف: 204 .   2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 339 ـ 340، المسألة 602 .
2 . مدارك الأحكام: 4 / 323 .

صفحه 274
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وإطلاق الآية يعمّ حالة الصلاة خرج عن الإطلاق ما خرج.
2. صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قال أبو جعفر (عليه السلام): كان أمير المؤمنين (عليه السلام)يقول: «مَن قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة».(1)
3. عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: إن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئاً في الأُولتين وانصت لقراءته، ولا تقرأن شيئاً في الأخيرتين، فإنّ الله عزوجل يقول للمؤمنين: (وَإِذَا قُرئ الْقُرْآنُ ـ يعني في الفريضة خلف الإمام ـ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فالأخيرتان تبعاً للأُولتين .(2)
4. صحيح علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)قال: سألت عن الرجل يكون خلف الإمام يجهر بالقراءة وهو يقتدي به هل له أن يقرأ من خلفه؟ قال: «لا، ولكن يقتدي به». وفي الوسائل: ورواه علي بن جعفر في كتابه إلاّ أنّه قال: لا ولكن لينصت للقرآن .(3)
5. ما رواه قتيبة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلم تسمع قراءته، فاقرأ أنت لنفسك; وإن كنت تسمع الهمهمة، فلا تقرأ ».(4)   2

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.
2 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 16 .
4 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7 .

صفحه 275
والنواهي الواردة في هذه الروايات ظاهرة في الحرمة، لا يعدل عنها إلاّ بدليل .

الاستدلال على الكراهة

وربّما يستدل على صرف النهي من الحرمة إلى الكراهة بالروايات التالية:
الأُولى: صحيحة زرارة المتقدّمة عن أبي جعفر (عليه السلام): «إن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئاً في الأُولتين وأنصت لقراءته ولاتقرأنّ شيئاً في الأخيرتين، فإنّ الله عزوجل يقول للمؤمنين: (وَإِذَا قُرئ الْقُرْآنُ ـ يعني في الفريضة خلف الإمام ـ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فالأخيرتان تبعاً للأُولتين (1) .
وأمّا استفادة الكراهة فبوجهين:
1. قوله: «ولا تقرأن شيئاً في الأخيرتين» فإنّ النهي عن القراءة في الأخيرتين، تنزيهي ; لأنّ المأموم مخير بين القراءة والتسبيح، والتسبيح أفضل، فلو كان النهي فيهما تنزيهياً فهكذا في الأوّل .
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما استند إليه القائل هو وحدة السياق حيث إنّ القراءة في الأخيرتين ليست بمحرمة فمقتضى السياق كونها كذلك في الأُوليين، ولكن إنّما يحتج بالسياق إذا لم يكن دليل قاطع على كون النهي في الأُولى تحريمي.   2

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .

صفحه 276
أضف إلى ذلك: وجود الفرق بين أن يقول: فلا تقرأن في الأُولتين والأخيرتين، فيكون التفكيك بعيداً بخلاف ما لو ذكر كلاًّ في جملة مستقلة كما في الرواية حيث قال: فلا تقرأنّ شيئاً في الأُولتين وانصت، ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين .
على أنّ كراهة القراءة في الأخيرتين غير ظاهر، فلو ثبت التخيير بين القراءة والتسبيح، فإنّما هو في المنفرد أو المأموم في الصلوات الإخفاتية، وإمّا جواز القراءة في الأخيرتين بالنسبة إلى المأموم في الصلوات الجهرية فهو أمر يحتاج إلى المراجعة، وإن كان الظاهر من المصنّف في فصل القراءة وجود التخيير في الموارد الثلاثة فلاحظ .
2. قوله: «وأنصت لقراءته» حيث إنّه تعليل للنهي ـ أعني: فلا تقرأن شيئاً في الأُوليين ـ وبما أنّ الإنصات مستحبّ فيكون قرينة على أنّ النهي أيضاً غير إلزامي لعدم صحّة تعليل الحكم الإلزامي بالحكم الاستحبابي.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الإنصات بمعنى السكوت فهو غير واجب، لما سيأتي من جواز التسبيح في الأُوليين في الصلوات الجهرية، وأمّا إذا كان بمعنى الاستماع فلا دليل على عدم وجوبه والإنصات لا ينافي التسبيح، وقد فسّر اللغويون اللفظ بكلا الوجهين، فنقل في مجمع البحرين عن بعض الأفاضل أنّه لم يجد أحداً من المفسرين من فرق بين الاستماع والإنصات، وعلى ذلك فلا مانع من القول بوجوب الاستماع، فالدليل (الإنصات) والمدلول (ترك القراءة) كلاهما إلزاميان .   2

صفحه 277
وممّا يدلّ على وجوب الإنصات بمعنى الاستماع لا السكوت صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج المتقدّمة، إذ جاء فيها: أمّا الصلاة الّتي يجهر فيها فإنّما أمر بالجهر لينصت من خلفه، فإن سمعت فأنصت وإن لم تسمع فاقرأ.(1)
فقد علّل وجوب الجهر للإمام بإنصات المأموم الّذي خلفه، فوجوب الجهر دليل على وجوب الإنصات.
الثانية: موثّقة سماعة ـ في حديث ـ قال: سألته عن الرجل يؤمّ الناس فيسمعون صوته ولا يفقهون ما يقول. فقال: إذا سمع صوته فهو يجزي، وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه .(2)
وجه الدلالة على الكراهة هو أنّ ظاهر العبارة أنّ السماع يجزي عن قراءة المأموم، ومعناه جواز القراءة عند السماع لكن قراءة الإمام مجزية.
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى المقابلة بين هذه الجملة «إذا سمع فهو يجزي» وما يليها أعني: «وإذا لم يسمع قرأ لنفسه» هو أنّ القراءة عند عدم السماع جائزة وهي عند السماع غير جائزة، فلو تم ما ذكرنا فهو، وإلاّ فهو إشعار، لا يمكن رفع اليد عن النواهي الصريحة عنها، خصوصاً بالنظر إلى ما روى زرارة ومحمد بن مسلم أنّهما رويا عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: كان أمير المؤمنين يقول: «مَن قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة».(3)    2

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 10 .
3 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.

صفحه 278
ولعلّ المقصود من الموت على غير الفطرة هو أنّ مقتضى الأدب هو الاستماع لما يقرأه الإمام، فالقراءة لنفسه مع سماع كلامه، نوع خروج عن الأدب .

لا فرق بين سماع كلامه وسماع همهمته

ثم إنّه لا فرق بين سماع كلامه المفهوم وبين سماع الهمهمة، وذلك لأمرين:
1. ما رواه عبيد بن زرارة عنه (عليه السلام)أنّه إن سمع الهمهمة فلا يقرأ.(1)
وفي السند الحكم بن مسكين وهو من رجال ابن أبي عمير بسند صحيح، فالحديث موثّق.
2. ما رواه قتيبة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فأقرأ أنت لنفسك، وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ ».(2)
والمراد من قتيبة، قتيبة بن محمد الأعشى المؤدّب. قال النجاشي: عين ثقة، روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، له كتاب. وعدّه المفيد من الفقهاء الأعلام .   2
في جواز الاشتغال بالذكر والتسبيح عند السماع   

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.
2 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7 .

صفحه 279

الفرع الثالث: جواز الاشتغال بالذكر والتسبيح عند السماع

قد تقدّمت حرمة القراءة في الأُوليين من الجهرية عند السماع ولو همهمةً، ومع ذلك يجوز له التسبيح لما يلي:
1. في صحيحة أبي المغرا حميد بن المثنى قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام)فسأله حفص الكلبي فقال: أكون خلف الإمام وهو يجهر بالقراءة فأدعو وأتعوّذ؟ قال: «نعم، فادع».(1)
وربّما يحمل الحديث على صورة عدم سماع المأموم القراءة كما في الوسائل، ولكنّه بعيد عن ظاهر السؤال حيث قال: «وهو يجهر بالقراءة» الظاهر سماعه له، نعم يمكن أن يقال: المراد التعوّذ والدعاء قبل الدخول في الصلاة.
وربّما تضعّف الرواية بأنّ في طريق الصدوق إلى أبي المغرا، عثمان بن عيسى، وقد توقّف فيه العلاّمة في رجاله.(2)
قال الصدوق في المشيخة: وما فيه عن أبي المغرا حميد بن المثنى العجلي، فقد رويته عن: أبي رحمه الله، عن سعد بن عبدالله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عثمان بن عيسى، عن أبي المغرا حميد بن المثنى العجلي وهو عربي كوفي ثقة له كتاب.(3)
لكن الكلام في تضعيف عثمان بن عيسى الّذي له 746 رواية في   2

1 . الوسائل: 5، الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
2 . مستند العروة الوثقى: 5 / 247 .
3 . الفقيه: 4 / 466، تصحيح الغفاري.

صفحه 280
الكتب الأربعة، وهذا يدلّ على أنّ الطائفة عملوا برواياته، قال الشيخ الطوسي في العدّة: عملت الطائفة برواياته لأجل كونه موثوقاً ومتحرّزاً عن الكذب، وعدّه ابن شهرآشوب من ثقات أبي الحسن (عليه السلام)، وعدّه الكشي من أصحاب الإجماع الثالث، وحكى عن نصر بن صباح توبته ورجوعه عن الوقف، فالرواية معتبرة.
2. ما رواه زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): قال: «إذا كنت خلف إمام تأتمّ به فأنصت وسبّح في نفسك».(1)
وقوله: «أنصت» دليل على سماع صوت الإمام.
لو لم يسمع صوت الإمام ولو همهمة   

الفرع الرابع: إذا لم يسمع صوت الإمام ولو همهمة

إذا إئتمّ بإمام يجهر فيها بالقراءة ولكن لا يسمع صوته ولا همهمته، فالمشهور جواز القراءة، ووصفه في الجواهر بقوله: بلا خلاف أجده بين الأصحاب، بل ولا حكي (المنع) عن أحد منهم، عدا الحلّي ولا صراحة في عبارته في السرائر في الموضوع . ومع ذلك اختلفت كلمات الأصحاب في نوع الجواز:
1. ما عليه الشيخ في «النهاية» من وجوب القراءة. قال: وإن كانت الصلاة ممّا يجهر فيها بالقراءة فأنصت للقراءة; وإن خفى عليك قراءة الإمام، قرأت أنت لنفسك .(2)   2

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.
2 . النهاية: 113 .

صفحه 281
2. والظاهر من العلاّمة في «التذكرة» الاستحباب، قال: ولو لم يسمع القراءة في الجهرية ولا همهمة، فالأفضل القراءة لا واجباً .(1)
3. وظاهر المحقّق هو عدم الكراهة، قال: ويكره أن يقرأ المأموم خلف الإمام إلاّ إذا كانت الصلاة جهرية، ثم لا يسمع ولا همهمة.(2)
4. وظاهر المراسم لسلار الكراهة .(3)
وهذه هي الأقوال ولندرس دليلها:
أمّا الوجه الأوّل: فهو خيرة المحقّق النراقي في «مستند الشيعة» فقال: والحق هو الأوّل لصريح الأمر به في الصحاح.
ومراده من الصحاح، صحيح الحلبي (4)، وصحيح ابن الحجّاج (5)، وموثّق سماعة .(6)
ولكن الاستدلال بها على الوجوب ضعيف، لورود الأمر في محل توهم الحظر، لأنّ كثرة السؤال تحكي عن وجود الشك في جواز القراءة وعدمه خلف الإمام في مختلف الحالات، وأورد عليه النراقي في المستند   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 341 .
2 . شرائع الإسلام: 1 / 123 .
3 . المراسم: 78 .
4 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. حيث ورد فيها قوله: «إلاّ أن تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرأ» .
5 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .
6 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 10. حيث ورد فيها قوله: «قرأ لنفسه».

صفحه 282
بأنّه موقوف على ثبوت تقدّم المطلقات المانعة من القراءة خلف
الإمام بدون القرينة المفيدة على صدور الأخبار المفصّلة، ومن أين علم ذلك؟(1)
يلاحظ عليه: أنّه يكفي توهّم الحظر في ذهن السائل، ولا يتوقّف توهّمه الحظرَ على ثبوت تقدّم المطلقات المانعة عن القراءة خلف الإمام .
أمّا الوجه الثاني: أعني: الاستحباب، فهو مقتضى الجمع بين ما اشتمل على الأمر كما سبق، وبين ما دلّ على جواز الفعل والترك، كصحيح علي بن يقطين: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام)عن الرجل يصلّي خلف إمام يقتدى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلا يسمع القراءة. قال: «لا بأس إن صمت وإن قرأ».(2) ويؤيد ذلك ما دلّ على ضمان الإمام القراءة. وهذا هو المختار.
وأمّا الوجه الثالث: ـ أعني: عدم الكراهة ـ فإن أراد به الإباحة، فهذا لا يتصوّر في العبادة، فإنّ مقتضى العبادية هو راجحية الفعل ومرجوحية الترك، سواء قرأ بقصد القربة المطلقة أو نية الجزئية، فكيف يوصف بالإباحة؟! وإن أراد الاستحباب فهو المطلوب.
وأمّا الوجه الرابع: ـ أعني: القول بالكراهة ـ فيدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إذا صلّيت خلف إمام تأتمّ به فلا تقرأ خلفه، سمعت قراءته أم لم تسمع، إلاّ أن تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة، ولم تسمع   2

1 . مستند الشيعة: 8 / 84 .
2 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 11 .

صفحه 283
فاقرأ».(1) والذيل قرينة على حمل الصدر على الصلاة الإخفاتيّة، وبهذا ظهرت قوة القول بالاستحباب كما ذهب إليه المصنّف. وجعل الأحوط القراءة بقصد القربة المطلقة، لا بنية الجزئيّة، ولكن جعل الأقوى الجواز بقصد الجزئية، لكن جزء للفرد لا للطبيعة .
وقد استشكل في قراءتها بنيّة قصد الجزئيّة السيد الخوئي في كلام مبسوط، وأنكر فيه اتّصاف الجزء بالاستحباب قائلاً: إنّ مقتضى الجزئية، الدخل في الطبيعة وتقوّمها به; ومقتضى الاستحباب، جواز الترك المساوق لعدم الدخل، فكيف يجتمعان؟
وبعبارة أُخرى: الفرد لا يوصف بكونه فرداً للطبيعة إلاّ إذا أُضيف إليها، ولا تكاد تتحقّق الإضافة، إلاّ إذا كان مصداقاً للطبيعة بانطباقها بشراشر أجزائها عليه ومطابقتها معه، فلا يزيد الفرد على الطبيعة بشيء; فكلّ ما هو جزءٌ للفرد، جزء للطبيعة; وما ليس جزءاً لها، لم يكن جزءاً للفرد أيضاً، وإن اقترن معه خارجاً أيضاً، فجزء الفرد من الطبيعة لا يكون إلاّ جزءاً، لنفس الطبيعة، وبما أنّه ليس جزءاً للطبيعة، فلا يكون جزءاً للفرد أيضاً .
إلى أن قال: حيث قد عرفت المنافاة بين الجزئية والاستحباب، فلا مناص من الالتزام بكونه مأموراً به بأمر استحبابي استقلالي، غاية الأمر أنّ موطنه وظرفه الصلاة، كما في القنوت، وكذا القراءة ـ في المقام ـ   2

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 284
والأذكار المستحبة في الركوع والسجود، وبذلك تمتاز هذه الأُمور عن مثل التصدّق في الصلاة فإنّه وإن كان مستحباً أيضاً، لكنّه لا يختصّ بالصلاة.
وحصيلة الكلام: أنّ الجزئية والاستحباب لا يجتمعان، سواء أكان جزء الطبيعة أو جزء الفرد .(1)
يلاحظ عليه: بأنّ كون شيء جزءاً للفرد لا للطبيعة أمر متصوّر في المركبات الخارجية، فكيف الأُمور الاعتباريّة؟! فإذا لاحظنا الإنسان فكونه حيواناً أو ناطقاً من أجزاء الطبيعة، ولكن الطول والقصر واللون من العوارض الفردية، ومن أجزاء الفرد، فلذلك يحلّله العقل إلى أُمور مربوطة بجوهره وماهيته، وأُمور مربوطة بعوارضه وخصوصياته الفردية، فظهر أنّه لا ملازمة بين كون شيء جزءاً للفرد وكونه جزءاً للطبيعة في الأُمور الخارجية.
وأمّا الأُمور الاعتبارية فتصوير الجزء للفرد دون الطبيعة أمر سهل، فيمكن أن تسمّى ماله مدخلية في أصل الغرض بجزء الماهية وشرطها، وماله مدخلية في كمال الغرض فهو جزء الفرد أو شرطه.
إن ذلك التقسيم بكلا شقيه نظير ما نشاهده في التكوين كالدار فهناك ماهو دخيل في أصل المطلوب على وجه لولاه لما يتحقق الغرض كالغرف، وهناك ما يعد كمالاً للدار كالإيوان والسرداب، فلو وجدا كانا جزءاً من الدار، وإلاّ لم يضر.
في قراءة المأموم في الأخيرتين من الجهرية والإخفاتية   
ومع ذلك كلّه فالأولى القراءة لا بنيّة الجزئية لما تضافر من الروايات   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 250 ـ 253 .

صفحه 285
من أنّ الإمام ضامن للقراءة .(1) ومعه كيف يقرأ بنيّة الجزئية، إذ لا يتصوّر قراءتان لركعة واحدة.

الفرع الخامس: قراءة المأموم في الأخيرتين من الجهرية والإخفاتيّة

هذا هو الفرع الخامس فقال المصنّف: إنّ المأموم كالمنفرد في كونه مخيّراً بين القراءة والتسبيحات في عامّة الحالات، سواء قرأ الإمام فيهما أو أتى بالتسبيحات، سمع قراءته أو لم يسمع .
أقول: ما ذكره من التخيير صحيح في الصلوات الإخفاتيّة، وأمّا الصلوات الجهرية فقد ورد فيه النهي عن القراءة ; وهي صحيحة زرارة قال: «إن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئاً في الأُولتين وأنصت لقراءته، ولا تقرأن شيئاً في الأخيرتين». (2) فالأحوط الاكتفاء بالتسبيحات .

1 . الوسائل: 5، الباب 30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 و 3 وغيرهما.
2 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .

صفحه 286
المسألة 2: لا فرق في عدم السماع بين أن يكون من جهة البعد، أو من جهة كون المأموم أصم، أو من جهة كثرة الأصوات أو نحو ذلك.*
المسألة 3: إذا سمع بعض قراءة الإمام فالأحوط الترك مطلقاً.**
   

* إذا لم يسمع بسبب البعد أو الضجيج أو كونه أصم

إنّ الموضوع في الرواية لجواز القراءة هو قوله: «لم تسمع».(1)
الظاهر أنّه لا فرق في أسباب عدم السماع بين أن يكون السبب راجعاً إلى الإمام كضعف صوته أو عامل خارجي كالبعد عن الإمام; لما عرفت من أنّ الموضوع لجواز القراءة قوله: «لا تسمع» وهو صادق في عامّة الحالات، إلاّ أنّه منصرف عمّا إذا كان المانع راجعاً إلى شخص المأموم فلا يسمع للصمم مع سماع الآخرين المصلّين معه فليلحق بالأغلب ولا يقرأ.
قال في الجواهر: ويقوى في النظر أيضاً جريان حكم السماع في الجهرية على من كان سمعه خارقاً للعادة، فيسمع ما لا يسمعه غيره، بل وجريان حكم السامع على من كان ذلك بعرض كصمم ونحوه، لظهور الأخبار أنّ السماع وعدمه في الجهرية هو المدار، والله العالم .(2)

** إذا سمع بعض قراءة الإمام فهل يجوز له القراءة ؟

ففي الجواهر ولو كان يسمع بعض القراءة في الجهرية دون البعض   2

1 . الوسائل: 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 و 5 و 7 إلى غير ذلك .
2 . جواهر الكلام: 13 / 195. أي وجود السماع في المسجد ولو لغير من له الصمم .

صفحه 287
ففي إلحاقه بالمسموع تماماً أو عدمه كذلك أو كلّ منهما بكلّ منهما، وجوه لا يخلو أخيرها من قوة .(1) ولكن الأقوى هو الأوّل ويدلّ عليه عدم جواز القراءة عند سماع الهمهمة ; وذلك لأنّ الهمهمة في ركعة واحدة قد تختلف، فربّما تسمع وربّما تخفى ومع ذلك حكم على سامعها بعدم القراءة، فيكون سماع بعض القراءة دون البعض متّحداً مع سماع الهمهمة في الحكم. والله العالم.

1 . جواهر الكلام: 13 / 195 .

صفحه 288
المسألة 4: إذا قرأ بتخيّل أنّ المسموع غير صوت الإمام ثم تبين أنّه صوته لا تبطل صلاته، وكذا إذا قرأ سهواً في الجهرية. *
المسألة 5: إذا شك في السماع وعدمه، أو أنّ المسموع صوت الإمام أو غيره، فالأحوط الترك، وإن كان الأقوى الجواز. **

* لو قرأ بتخيّل أنّ المسموع غير صوت الإمام

في المسألة فرعان:
1. إذا قرأ بتخيّل أن المسموع ليس صوت الإمام ثم تبيّن خلافه.
2. إذا قرأ في الجهرية مع السماع سهواً.
أمّا الأوّل: فتصحّ صلاته ولا تبطلها الزيادة العمدية ; وذلك لأنّ منشأ العمد هو الاشتباه بتخيّل أنّ الصوت غير صوت الإمام، فلا يشملها قوله: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة»، بل تعمّه قاعدة: «لا تعاد» ; لما مرّ من كلّ زيادة عمدية إذا كان لها سبب غير عمدي فهي بمنزلة الزيادة السهوية.
وأمّا الثاني: فالقراءة بذاتها سهوية داخلة تحت قوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس».

** لو شك في السماع وعدمه

لوجود المقتضي وهو كون الصلاة جهرية والشك في وجود المانع وهو سماع صوت الإمام، وهو مسبوق بالعدم حيث لم يكن سامعاً عند الاقتداء، فالأصل بقاؤه.

صفحه 289
المسألة 6: لا يجب على المأموم الطمأنينة حال قراءة الإمام وإن كان الأحوط ذلك ، وكذا لا تجب المبادرة إلى القيام حال قراءته فيجوز أن يطيل سجوده ويقوم بعد أن يقرأ الإمام في الركعة الثانية بعض الحمد.*

* هل تجب الطمأنينة على المأموم حال قراءة الإمام

في المسألة فرعان:
1. وجوب الطمأنينة على المأموم حال قراءة الإمام وعدمها.
2. وجوب المبادرة إلى القيام حال قراءته وعدمها.
أمّا الفرع الأوّل: فلأنّ ما دلّ على الطمأنينة حال القراءة فإنّما دلّ إذا كان المصلّي هو القارئ، وأمّا إذا كان القارئ هو الإمام فلا دليل على وجوب طمأنينته كما لا دليل على تنزيل قراءة الإمام منزلة قراءة نفسه. وإن شئت قلت: دليل وجوب الطمأنينة ليس يقتصر على الموضع المتّفق وهو الإمام القارئ لا المأموم السامع.
وأمّا الفرع الثاني: ـ أي المبادرة إلى القيام حال قراءة الإمام ـ فالظاهر عدم وجوبها، فإنّ القيام واجب في حال القراءة أو شرط في صحّتها ; وعلى كلا التقديرين فإنّما يجب للقارئ لا لغيره. نعم يجب أن لا يتأخّر عن الإمام على نحو يخلّ بالمتابعة، كما إذا أطال السجود حتّى أشرف الإمام على الركوع. والأُولى أن يصبر الإمام حتّى يقوم المأموم ويلحق به، لأنّه ضامن لقراءته .
أضف إلى ذلك : أنّ الهدف من الجماعة أخذها مثالاً يقتدى به في الركوع والسجود، وهو يلازم المتابعة العرفية، لا الانفصال الكثير الماحي لصورة المتابعة.

صفحه 290
المسألة 7: لا يجوز أن يتقدّم المأموم على الإمام في الأفعال بل يجب متابعته بمعنى مقارنته أو تأخّره عنه تأخّراً غير فاحش ولا يجوز التأخير الفاحش. *

* في تقدّم المأموم على الإمام في الأفعال

هنا أُمور:
1. وجوب متابعة المأموم للإمام، وما هو الدليل عليه ؟
2. ما هو المقصود من المتابعة؟ هل هو بمعنى مقارنة المأموم مع الإمام في الأفعال، أو تأخّره عنه تأخّراً غير فاحش ؟
3. إذا وجبت المتابعة فهل الوجوب تكليفي بمعنى أنّه إذا خالف أثم؟ أو وجوب وضعي بمعنى أنّها إمّا شرط لصحّة الصلاة فلو أخلّ بالمتابعة بطلت صلاته، أو شرط لصحّة الجماعة فلو أخلّ تبطل الجماعة وتنقلب إلى فرادى؟
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأمرين الأوّلين طرحهما المصنّف في هذه المسألة، وأمّا الأمر الثالث فطرحه في «المسألة 8» فلنذكر دليل وجوب المتابعة، ثم نعرّج على معناها.
ما يدلّ على وجوب متابعة المأموم للإمام في الأفعال   
أمّا الأوّل فلا خلاف بين الأصحاب في وجوبها ويدلّ عليه كلماتهم.
قال المحقّق في «المعتبر»: تجب متابعة الإمام في أفعال الصلاة، وعليه اتّفاق العلماء ; ولقوله (عليه السلام): «إنّما جعل الإمام ليؤتم به فلو رفع رأسه قبل الإمام ناسياً عاد معه، ولو كان عامداً أو خلْف من لا يقتدى به استمرّ». وبه قال الشيخ (رحمه الله) (1).   2

1 . المعتبر: 2 / 427 .

صفحه 291
وقال العلاّمة في «التذكرة»: يجب أن يُتابع إمامَه في أفعال الصلاة ; لقوله: «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به»; وروي عنه (عليه السلام): «أما يخشى الله الّذي يرفع رأسه والإمام ساجد أن يحوّل الله رأسه رأس حمار» ; ولأنّه تابع له فلا يسبقه. وبه قال الشافعي.(1)
وقال في «المنتهى»: متابعة الإمام واجبة، وهو قول أهل العلم قال (عليه السلام): «إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا» .
فلو رفع رأسه قبل الإمام ناسياً إمّا من الركوع أو من السجود، عاد إلى حالته، ثم رفع مع الإمام; لأنّ النسيان يسقط معه اعتبار الزيادة، ولأنّه تابع لغيره، فلا يحصل التعدّد في الأركان.
يقول المحدّث البحراني بعد نقل كلام المحقّق في المعتبر والعلاّمة في المنتهى: وظاهر كلاهما ـ طاب ثراهما ـ أنّه لا دليل لهما على هذا الحكم بعد دعوى الإجماع إلاّ هذا الخبر ] النبوي[، والظاهر أنّه عامّي، فإنّا لم نقف عليه بعد التتبع في أخبارنا، وإلى ذلك أيضاً أشار في الذخيرة .(2)

ما يدلّ على وجوب المتابعة

ولعلّه (قدس سره)لم يمعن النظر في ذيل كلام العلاّمة في «المنتهى» فإنّه استدلّ بروايتين تاليتين:
1. ما رواه محمد بن سهل الأشعري عن أبيه، عن أبي الحسن (عليه السلام)   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 344.   2 . الحدائق الناظرة: 11 / 138 .

صفحه 292
قال: سألته عمّن ركع مع إمام يُقتدى به ثم رفع رأسه قبل الإمام؟ قال: «يعيد ركوعه معه» (1).
2. ما رواه الفضيل بن يسار أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل صلّى مع إمام يأتمّ به ثم رفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود؟ قال: «فليسجد»(2).
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الرواية الّتي وصفها صاحب الحدائق بكونها عامية، صحيح; ولكنّ الرواية مطابقة للقواعد، ويلوح عليها آثار الصدق وإتقان التعبير، وهذا دليل على صدورها عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد رواها غير واحد من أصحاب الصحاح والسنن، وإليك نصّها عن صحيح البخاري :
عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، فإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعين، وأقيموا الصف في الصلاة، فإنّ إقامة الصف من حسن الصلاة .(3)
ويدلّ على وجوب المتابعة مضافاً إلى ما ذكره العلاّمة، من الروايتين، ما يلي:   2

1 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. ورواه الشيخ عن ربعي بن عبدالله والفضيل بن يسار .
3 . صحيح البخاري: برقم 722 و 733 و 734. قوله: «إذا صلّى جلوساً» محمول على التشهّد، وإلاّ فهو مخالف لما عليه الإماميّة من عدم جواز إئتمام القائم بالقاعد كما سيوافيك.

صفحه 293
3. ما رواه محمد بن علي بن فضال، عن أبي الحسن (عليه السلام)قلت له: أسجد مع الإمام فأرفع رأسي قبله أُعيد؟ قال: «أعد واسجد ».(1)
4. ما رواه الحسن بن فضّال قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)في الرجل كان خلف إمام يأتم به فيركع قبل أن يركع الإمام، وهو يظن أنّ الإمام قد ركع، فلمّا رآه لم يركع، رفع رأسه، ثم أعاد الركوع مع الإمام، أيفسد ذلك عليه صلاته، أم تجوز تلك الركعة، فكتب (عليه السلام): «تتم صلاته ولاتفسد صلاته بما صنع » (2).
5. ما رواه الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه، عن أبيه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الرجل يركع مع الإمام يقتدي به ثم يرفع رأسه قبل الإمام؟ قال: «يعيد بركوعه معه» (3).
نعم روى غياث بن إبراهيم العامّي قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام أيعود فيركع إذا أبطأ الإمام ويرفع رأسه معه؟ قال: «لا».(4)
والرواية لا تدلّ على عدم وجوب المتابعة، وإنّما تدلّ على أنّه لو خالفها لما وجب عليه الرجوع، والرواية غير معمول بها، وحملها الشيخ   2

1 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5. والظاهر أنّ المراد هو أبو الحسن الثالث بقرينة كون الراوي محمد بن علي بن فضّال .
2 . الوسائل: 5، الباب 48، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 5، الباب 48، الحديث 3 .
4 . الوسائل: 5، الباب 48، الحديث 6 .

صفحه 294
   
الطوسي على من تعمّد. وقد مرّ أنّ مَن تعمّد في الرفع استمرّ .
ثم إنّ ما عدا الرواية الثالثة وردت في مَن رفع رأسه من الركوع والسجود قبل رفع الإمام رأسه، وأمّا الرواية الثالثة، فقد وردت في مَن ركع قبل أن يركع الإمام، والجميع حاك عن وجوب المتابعة.
وهذه الروايات وإن وردت في موارد خاصّة، لكنّها كافيةٌ في إثبات وجوب المتابعة مطلقاً، وإن ذكر الركوع والسجود لكونهما من الموارد الغالبة لعدم المتابعة سهواً أو عمداً.

ما هو المراد من المتابعة؟

هل المراد منها عدم تقدّم المأموم على الإمام وعلى هذا تكفي المساواة في تحقّق المتابعة، أو أنّه بمعنى التأخّر؟
والأوّل أي كفاية المساواة خيرة المدارك قال: وفسّرت المتابعة هنا بعدم تقدّم المأموم على الإمام، بل إمّا أن يتأخّر عنه أو يقارنه، وهو جيد لأصالة عدم وجوب التأخّر السالم من المعارض .(1)
ويظهر من الحدائق أنّ المراد هو التأخّر قال: لم نجد على التفسير الأوّل دليلاً ـ إلى أن قال: ـ إنّ ظاهر كلام الصدوق المنقول هنا يقتضي الصحّة في صورة المساواة حيث قال: إنّ من المأمومين مَن لا صلاة له وهو الّذي يسبق الإمام في ركوعه وسجوده ورفعه، ومنهم من له صلاة واحدة وهو المقارن   2

1 . مدارك الأحكام: 4 / 326.

صفحه 295
له في ذلك، ومنهم من له أربع وعشرون ركعة وهوالّذي يتبع الإمام في كلِّ شيء ويركع بعده ويسجد بعده ويرفع منهما بعده. وحيث كان ] الصدوق [من أرباب النصوص، فالظاهر أنّه لا يقوله إلاّ مع وصول نص إليه بذلك .(1)
استدلّ على لزوم التأخّر بالنبوي المتقدّم حيث إنّ قوله: «إذا كبّر فكبّروا» يقتضي التأخير بملاحظة تخلّل الفاء بين فعل الماضي والأمر، وحمله على التأخّر الرتبي خلاف الظاهر.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الحديث هو نفي التقدّم لا وجوب التأخّر، فالمقصود أنّه «إذا كبّر فكبّروا» ولا تكبّروا قبل تكبيره، وهكذا سائر الجمل .
وبعبارة أُخرى: بما أنّ الإمام مثال للمأمومين في أعماله وأذكاره فعليهم أن لا يتقدّموا عليه بمقتضى الإمامة، فإنّ التقدم ينافيها، بخلاف المساواة فلا تنافيها إذا كان هناك اتفاق في الأفعال والأذكار.
ربمّا يؤيّد المقارنة بما رواه في «الحدائق»، عن «قرب الإسناد»، قال: روى الحميري في كتاب قرب الإسناد في سنده، عن علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يصلّي، له أن يكبّر قبل الإمام؟ قال: «لا يكبر إلاّ مع الإمام، فإن كبّر قبله أعاد التكبير» .
فإنّ ظاهرها جواز المقارنة، وقوّاه شيخنا المجلسي في كتاب البحار للخبر المذكور.(2)   2

1 . الحدائق الناظرة: 11 / 138 ـ 139 .
2 . الحدائق الناظرة: 11 / 139 .

صفحه 296
يلاحظ عليه: أنّ الرواية لا صلة لها بصلاة الجماعة; وذلك لأنّه رواها في «قرب الإسناد» في باب صلاة الجنائز (1)، فلو كفت المساواة فيها فلا تكون دليلاً على جوازها في غيرها.
ثم إنّ مفهوم الجماعة كما مرّ أمر عرفي وليس أمراً شرعياً، ولا شك أنّها تتحقّق في كلتا الصورتين: المساواة والتأخّر، فلو كان هناك أُستاذ يقرأ القرآن الكريم والآخرون يتابعونه في القراءة بلا تقدّم ولا تأخّر، يصدق تبعيتهم له في أمر القراءة .
إلى هنا تبين وجوب التبعية، وكفاية المساواة فضلاً عن التأخّر.
وأمّا اختصاص التبعية بالأفعال أو عمومها للأذكار فيسوافيك بيانها في المسألة 13 .
نعم يضرّ التأخّر إذا كان فاحشاً بحيث يخرجه عن مفهوم المتابعة، كما أشار إليه الماتن .
***

1 . قرب الإسناد: 99 .

صفحه 297
المسألة 8: وجوب المتابعة تعبّدي وليس شرطاً في الصحّة، فلو تقدّم أو تأخّر فاحشاً عمداً أثم ولكن صلاته صحيحة، وإن كان الأحوط الإتمام والإعادة خصوصاً إذا كان التخلّف في ركنين، بل في ركن. نعم لو تقدّم أو تأخّر على وجه تذهب به هيئة الجماعة، بطلت جماعته.*

* وجوب المتابعة هل هو أمر تعبّدي أو أمر وضعي؟

بعد ما ثبت وجوب المتابعة لأجل الروايات الّتي عرفتها، يقع الكلام في كيفية هذا الوجوب، فهل هو تعبّدي بمعنى أنّه تكليف شرعي من دون مدخليتها في صحّة الصلاة أو صحّة جزئها، أو أمر وضعي؟
فقد نسب الأوّل في الجواهر إلى المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً وقال: بل عليه عامّة المتأخّرين ; كما اعترف به في الذكرى وعن إيضاح النافع والنجيبية، بل في المدارك نسبته إلى الأصحاب مشعراً بدعوى الإجماع عليه، كظاهر التذكرة، وعن نهاية الأحكام ومجمع البرهان وإرشاد الجعفرية وغيرها، ولعلّه كذلك ; لاتّفاق ما وصل إلينا من فتاوى أساطين الأصحاب عليه من غير خلاف أجده فيه بينهم، وإن حكاه بعضهم عن ظاهر قول الصدوق: «لا صلاة له» وظاهر قوله في المبسوط: «من فارق الإمام لغير عذر بطلت صلاته» لكن فيه أنّ الظاهر إرادة الأوّل فوات فضيلة صلاة الجماعة رأساً، ومن الثاني عن مفارقة الانفرادية .(1)
فلو كان وجوبها تكليفيّاً فالغرض منه حفظ نظام الإمامة وصيانة   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 210 ـ 211.

صفحه 298
نظام الجماعة على نحو يكون المجموع عملاً واحداً. هذا وقد أنكر المحقّق الهمداني كون وجوب المتابعة تعبّدياً، وقال: ولم نجد في كلمات المشهور إشعاراً بوجوبها تعبّداً، فكانت نسبة القول به إليهم كما في كلمات غير واحد من المتأخّرين نشأ من زعمهم الملازمة بين القول بصحّة الجماعة مع الإثم وبين كونه واجباً تعبّدياً ولكن الملازمة ممنوعة .(1)
ثم إنّ وجوب المتابعة وضعياً يتصوّر على وجوه:
الأوّل: أنّ التبعية في كلّ جزء من أفعال الصلاة شرط لصحّتها على نحو لو تخلّف في جزء من أجزاء الصلاة بطلت صلاته.
الثاني: أنّ التبعية شرط لجزئية الفعل الّذي يتابع به، للصلاة بمعنى أنّ الركوع إنّما يعد جزء لصلاة المصلي إذا تابع فيه الإمام فلو تخلّف خلت، صلاة المأموم عن الجزء فلو لم يُعد بطلت صلاته ولذلك يجب عليه العود .
الثالث: التبعية في كلّ جزء شرط لاتّصاف مجموع الصلاة بالجماعة، لو تخلّف في جزء تبطل الجماعة من أصلها، أي ممّا تقدّمها وتأخّرها.
الرابع: التبعية شرط لاتصاف الجزء بالجماعة، فلو تخلّف يفقد الجزء وصف الجماعة; وهو خيرة المحقّق الهمداني حيث قال: إنّ الإخلال بالمتابعة في جزء موجب لبطلان قدوته في خصوص ذلك الجزء دون غيره من الأجزاء السابقة واللاحقة الّتي أتى بها مقتدياً بإمامه فتصحّ الجماعة فيما عداه   2

1 . مصباح الفقيه: 648، الطبعة الحجرية .

صفحه 299
من الأجزاء، إذ لا دليل على اشتراط صحّة الجماعة في كلّ جزء بصحّتها في سابقه ولاحقه، بل الأدلّة قاضية بخلافه.(1)
هذه هي الأقوال والاحتمالات التي بلغت إلى خمسة ـ أعني: التعبدي والوضعي بوجوه أربعة ـ والمهم تعيين ما هو المفهوم من الأدلّة.
وقد مرّ أنّ النبوي ـ أعني: «إنّما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبّر كبّروا، وإذا ركع اركعوا» ـ أحد أدلّة وجوب المتابعة، فهل المتبادر منه وجوب التبعية لحفظ نظام الجماعة حتّى يكون مجموع الصلوات صلاةً واحدة، أو يستفاد منه الشرطية بأحد الاحتمالات الأربعة؟ استظهر سيّد مشايخنا البروجردي القول الأوّل، أي كونه تكليفياً; وذلك لأنّ الرواية لم تصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الفترة الّتي وجبت الصلاة وقام النبي بتعليمها للأصحاب، وإنّما صدرت عنه في الربع الأخير من العشرة الهجريّة، بقرينة أنّ الراوي هو أبوهريرة وقد أدرك من عصر الرسالة السنين الأخيرة الّتي لا تتجاوز أربعة، وكان الصحابة يصلّون مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)طوال سنين ولم يقرع سماعهم بهذا الحديث أو مضمونه، ولو كانت المتابعة شرطاً بأحد المعاني يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وبطلان صلاة قسم منهم، أو بطلان جماعتهم، وهذا يدلّ على أنّ الوجوب وجوب إرشاديّ إلى صيانة نظام الجماعة وصيرورتها عملاً واحداً، والظاهر أنّ بعض المصلّين كانوا غير مراعين لهذا التكليف، فنبّههم بوظائفهم بقوله: «إنّما جعل الإمام ليؤتم به» ; فلو كانت التبعية شرطاً لصحّة الصلاة أو لصحّة الجزء    2

1 . مصباح الفقيه: 648، الطبعة الحجرية .

صفحه 300
أو شرطاً لاتّصاف الكلّ أو الجزء بالجماعة، لزم التنبيه به منذ ورد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة المنورة وأقام صلاة الجماعة فيها .
ثم إنّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري (قدس سره)اختار كون المتابعة شرطاً وضعياً وقال: وهل المتابعة شرط في صحة الجماعة، أو واجبة لا تفسد الجماعة بالإخلال بها؟ ظاهر النبوي المتقدّم الأوّل فإنّ الأمر بالأفعال المذكورة وإن كان يمكن أن يكون نفسيّاً، لكن الظاهر من الأوامر المتعلّقة بأجزاء المركب أو قيوده أن تكون لبيان الجزئية، فمثل قول الشارع: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ...) (1) لا يفهم العرف منه إلاّ اشتراط الوضوء للصلاة وإن كان من الممكن وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولو قطعنا النظر عن النبوي المتقدّم والنبوي الآخر «أما يخشى الّذي يرفع رأسه والإمام ساجد أن يحوّل الله رأسه رأس حمار» لم يكن لنا دليل على أصل الوجوب(2).
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الدليل ليس منحصراً بالنبويّين ; لما عرفت من إمكان اصطياد قاعدة كلّية من الأوامر الدالّة على وجوب الرجوع إلى الركوع إذا رفع رأسه قبل الإمام وغيره.
وثانياً: وجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإنّ الثاني يشتمل على أمرين وهو إيجاب الوضوء مقدّمة لإقامة الصلاة، فيتبادر منه شرطية الوضوء للصلاة ; بخلاف المقام فإنّ هنا أمراً واحداً وهو إيجاب التكبير بعد تكبير   2

1 . المائدة: 6 .
2 . كتاب الصلاة: 335، الطبعة الحجرية.

صفحه 301
الإمام والركوع بعد ركوعه في الإئتمام، فليس هنا شرط ومشروط، بل أمر واحد، وهو حفظ المتابعة في الإئتمام .
ولو صحّ القول بكون الوجوب وضعياً فالصحيح جعل المتابعة شرطاً لاتّصاف الجزء بالجماعة ; وذلك لأنّ مقتضى الإئتمام جعل الإمام قدوة ومثالاً يضع المأموم فعله مكان فعله، فإذا تخلّف يفقد الجزء وصف الجماعة دون أن تفقد الصلاة عنوان الجماعة، إذ لا دليل على أنّ الإخلال في جزء موجب لإخلالها في الأجزاء السابقة واللاحقة; ومع ذلك كلّه فجعلها شرطاً لاتّصاف الجزء بالجماعة بعيد أيضاً ; وذلك لأنّ المتبادر هو أنّ الأمر بالمتابعة إرشاد إلى حفظ عنوان الجماعة مهما أمكن، إذ ليس هنا جماعات متعدّدة حسب تعدّد الأجزاء والشرائط، بل جماعة واحدة، فلو تخلّف في جزء فإمّا أن يكون سبباً للتخلّف في الكلّ وتصير الصلاة فرادى ولا يلتزم به أحد، أو يبقى وصف الجماعة على حالها ; لأنّ المتابعة في معظم الأجزاء كافية في تحقّق المتابعة، والعرف يساعد الثاني، ولذلك ورد الأمر بالمتابعة حتّى يكون عنوان الجماعة محفوظاً، وأمّا ترتّب العقاب على الترك فغير معلوم، لأنّ الأمر بالعود إرشادي إلى حفظ عنوان الجماعة مهما أمكن .
نعم قال المحقّق الهمداني بأنّ المتابعة شرط لاتّصاف الجزء بالجماعة ثم صار بتوجيه العقاب عند التخلّف ـ مع أنّه لا وجه له بعد كونه أمراً إرشادياً لتحقّق وصف الجزء ـ بأنّ الإثم على التشريع لأجل أنّ مَن نوى الإئتمام بشخص في صلاته، مقتضاه أن يتابعه في جميع الهيئات الصادرة منه من   2

صفحه 302
القيام والقعود والركوع والسجود، فلو خالفه في شيء منها وهو على هذا العزم فقد تعدّى عمّا هي وظيفته من المتابعة فهو آثم لكونه مشرعاً، ولكن لا تبطل قدوته بذلك ما لم يكن التخلّف بمقدار ينقطع به علاقة الإئتمام عرفاً .(1)
يلاحظ عليه: أنّ التشريع إنّما يتصوّر إذا كان المصلّي عالماً بالحكم الشرعي وحاول المخالفة، ومن المعلوم أنّ كثيراً من المتخلّفين غير قاصدين ذلك، بل التخلّف رهن دواع أُخرى من الاستعجال وغيره.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ الحق كون الأمر بالمتابعة إرشاد لحفظ عنوان الجماعة مهما أمكن من دون أن يترتّب على مخالفتها العقاب.
***
ثم إنّ المصنّف احتاط ـ فيما إذا تقدّم أو تأخّر فاحشاً عمداً ـ بالإتمام والإعادة خصوصاً إذا كان التخلّف في ركنين، بل في ركن .
ولعلّ وجهه احتمال كون المتابعة شرطاً لصحّة الصلاة، أو شرطاً لصحّة الجزء الّذي لم يُتابع فيه، وإلاّ فلو كان شرطاً لاتّصاف الجزء بالجماعة، أو اتّصاف المجموع بها، تنقلب الصلاة فرادى من دون حاجة إلى الإعادة.
وأمّا وجه شدة الاحتياط فيما إذا كان تخلّف في ركنين أو في ركن، هو احتمال كون المتابعة شرطاً في صحّة الركن، فتبطل الصلاة ببطلان الركن وتجب الإعادة، هذا على مبنى القوم .   2

1 . مصباح الفقيه : 648، الطبعة الحجرية.

صفحه 303
وأمّا على ما اخترناه من كونها لحفظ الجماعة مهما أمكن فتصحّ صلاته وجماعته، إلاّ إذا كان التخلّف ماحياً لصورة الجماعة فتبطل جماعته دون صلاته.
ويمكن الاستئناس للمقام بما ورد في صلاة الجمعة في حال الزحام، روى عبدالرحمن، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يصلّي مع إمام يقتدى فركع الإمام وسها الرجل وهو خلفه لم يركع حتّى رفع الإمام رأسه وانحط للسجود، أيركع ثم يلحق بالإمام والقوم في سجودهم أم كيف يصنع؟ قال: «يركع ثم ينحط، ويتم صلاته معهم ولا شيء عليه» .(1)

1 . الوسائل: 5، الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 4 .

صفحه 304
المسألة 9: إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام سهواً، أو لزعم رفع الإمام رأسه، وجب عليه العود والمتابعة، ولا يضر زيادة الركن حينئذ، لأنّها مغتفرة في الجماعة في نحو ذلك، وإن لم يعد أثم وصحت صلاته، لكن الأحوط إعادتها بعد الإتمام، بل لا يترك الاحتياط إذا رفع رأسه قبل الذكر الواجب ولم يتابع، مع الفرصة لها، ولو ترك المتابعة حينئذ سهواً أو لزعم عدم الفرصة لا يجب الإعادة وإن كان الرفع قبل الذكر.
هذا ولو رفع رأسه عامداً لم يجز له المتابعة، وإن تابع عمداً بطلت صلاته للزيادة العمدية، ولو تابع سهواً فكذلك إذا كان ركوعاً، أو في كلّ من السجدتين وأمّا في السجدة الواحدة فلا. *
* في المسألة فروع:
1. إذا رفع رأسه قبل الإمام سهواً أو لزعم رفع الإمام رأسه وعاد.
2. تلك الصورة ولكنّه لم يعد.
3. إذا رفع رأسه ـ سهواً أو لزعم رفع الإمام رأسه ـ قبل الذكر الواجب ولم يتابع عمداً مع الفرصة لها.
4. تلك الصورة لكن ترك المتابعة سهواً أو لزعم عدم الفرصة.
5. لو رفع رأسه عامداً ولم يتابع.
6. لو رفع رأسه عامداً وتابع عمداً.
7. تلك الصورة ولكن تابع سهواً.   2

صفحه 305

الفرع الأوّل: لو رفع رأسه قبل الإمام سهواً أو لزعم رفع الإمام رأسه

إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام سهواً أو لزعم رفع الإمام رأسه، وجب عليه العَوْد والمتابعة .
قال العلاّمة: فلو رفع رأسه من ركوع أو سجود قبل الإمام ناسياً عاد معه. (1)
وقال في «المنتهى»: فلو رفع رأسه قبل الإمام ناسياً إمّا من الركوع أو من السجود عاد إلى حالته الأُولى، ثم رفع مع الإمام، لأنّ النسيان يسقط فيه اعتبار الزيادة; ولأنّه تابع لغيره فلا يحصل التعدّد في الأركان. (2) ويدلّ عليه ما ورد من الروايات الدالّة على الرجوع، نذكر منها ما يلي:
1. روى الصدوق باسناده عن الفُضيل بن يسار، أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل صلّى مع إمام يأتمّ به، ثم رفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود؟ قال: «فليسجد» (2) .
2. ما رواه علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الرجل يركع مع الإمام يُقتدى به، ثم يرفع رأسه قبل الإمام؟ قال: «يُعيد ركوعه معه ».(3)
3. ما رواه محمد بن علي بن فضال، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: قلت له: أسجد مع الإمام فأرفع رأسي قبله، أُعيد؟ قال: «أعد واسجد» .(4)   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 345 .   2 . منتهى المطلب: 6 / 266 .
2 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .
4 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5; ولاحظ الحديث 2 .

صفحه 306
وهذه الروايات تدلّ على وجوب المتابعة، وقد مرّ أن الوجوب إرشاديّ لحفظ الجماعة مهما أمكن. وأمّا ما دلّ على عدم المتابعة من حديث غياث، فسيوافيك توضحيه في الفرع الخامس.
ثم إنّ ما هو الركن هو الركوع الأوّل، وأمّا الأمر بالمتابعة فهو لحفظ صورة الجماعة، ولذلك لو لم يتابع لا تبطل صلاته .
ولا تضرّ زيادة الركوع حينئذ، لأنّها مغتفرة في الجماعة، كما سيوافيك .
هذا على المختار من أنّ إيجاب المتابعة تعبّدي إرشادي لحفظ عنوان الجماعة، وأمّا على القول بكونه وجوباً شرطياً، فلو كان شرطاً لجماعة الجزء أو لجماعة الكلّ، تنقلب الصلاة فرادى.
وأمّا لو كان شرطاً لصحّة الجزء أو الصلاة، بطلت. والأخير بكلا شَقيه ضعيف جداً لا يُعتدّ به كما مرّ. ومن الغرائب ما في «التذكرة» قوله: وهل العود واجب؟ الأقرب المنع، ولعلّه راجع إلى صورة العمد، أو ما إذا كان الإمام لا يقتدى به فلأنّه كالمنفرد. (1)

الفرع الثاني: من رفع رأسه قبل الإمام سهواً

تلك الصورة، ولكنّه لم يَعُد. قال المصنّف : أثِمَ وصحّت صلاته. أمّا الإثم فهو مبنيّ على أنّ الأمر بالمتابعة، أمر تكليفيّ مولويّ، فإذا خالف يُعاقَب; وأمّا صحّة صلاته، فلأنّها جامعة للشرائط وفاقدة للموانع .
ثم إنّ المصنّف احتاط في هذا الفرع، قائلاً بأنّ الأحوط إعادتها   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 345 .

صفحه 307
بعد الإتمام. ولعلّ الوجه كون المتابعة شرطاً لصحّة الصلاة، لصحّة الجزء والفرض أنّه لم يتابع، أو أنّ عدم المتابعة موجب للانفراد، ولا تجوز نيّة الانفراد أثناء الصلاة. والوجهان ضعيفان.
فإن قلت: إذا كان ترك المتابعة أمراً محرماً ومتّحداً مع القيام المستمرّ يصير استمرار القيام مبغوضاً للمولى ومعه كيف يكون مقرّباً؟
قلت: ما هو الواجب من القيام بعد الركوع هو طبيعة القيام المتحقّقة بالجزء الأوّل، وهو غير منهيّ عنه; لأنّه رفع رأسه وقام بزعم أنّ الإمام رفع رأسه وما زاد عليها من الاستمرار فهو ليس جزءاً للصلاة، فصارت النتيجة أنّ ما هو الجزء ليس بمنهي عنه، وما هو المنهي ليس بجزء، على أنّه يمكن تصحيح الصلاة حتّى على القول بأنّ المتابعة شرط لصحّة الجزء أو الصلاة، وذلك بالبيان التالي:
إنّ القدر المتيقّن من أدلّة وجوب المتابعة هو لزومها في أجزاء الصلاة، وأمّا المقدّمات كالرفع والهويّ ونحوهما فليست المتابعة فيهما شرطاً لصحّة الصلاة، والمفروض أنّ المأموم ركع بعد ركوعه وقد تخلّف في الرفع منه، وهو ليس جزءاً للصلاة والقيام بعد الرفع الّذي هوجزء للصلاة فقد تابعه، فلم يلزم صيرورة المبغوض مقرّباً .

الفرع الثالث: لو رفع رأسه سهواً قبل الذكر الواجب ولم يتابع عمداً

إذا رفع رأسه سهواً قبل الذكر الواجب، ولم يتابع ـ عمداً ـ مع الفرصة لها، وقد احتاط المصنّف في هذا الفرع بإعادتها بعد الإتمام، لأنّه قد أخلّ   2

صفحه 308
بالذكر الواجب مع إمكان التدارك بالعَود إلى الركوع تبعاً، وإتيانه فيه، فلو لم يعد، فقد ترك جزءاً من أجزاء الصلاة عامداً، وتلزمه الإعادة.
يلاحظ عليه: بأنّ محلّ الذكر الواجب، هو الركوع الأوّل وقد تحقّق، فلمّا رفع رأسه عن الركوع سهواً، امتنع التدارك، سواء عاد إلى الركوع أم لم يَعُد، إذ ليس الركوع الثاني محلاًّ للذكر، وإنّما هو لحفظ المتابعة مهما أمكن.

الفرع الرابع: لو رفع رأسه سهواً قبل الذكر الواجب ولم يتابع سهواً

لو رفع رأسه سهواً قبل الذكر الواجب، ولكنْ ترك المتابعة سهواً أو لزعم عدم الفرصة فقد أفتى المصنّف بعدم وجوب الإعادة وإنْ كان الرفع قبل الذكر; وذلك لأنّ المصلّي عندئذ ناس، تصحّ صلاته لقاعدة: «لا تُعاد الصلاة».

الفرع الخامس: لو رفع رأسه عامداً ولم يتابع

لو رفع رأسه عامداً لايتابع. قال المحقّق الحلّي: وتجب متابعة الإمام، فلو رفع المأموم رأسه عامداً، استمرّ .(1)
ونسبه في الجواهر إلى «المبسوط» و «السرائر» و «النافع» و «التحرير» و «الذكرى» إلى غير ذلك من الكتب.(2)
وقال في «المدارك»: إطلاق عبارة المحقّق يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الرفع من الركوع والسجود، والحُكم بوجوب الاستمرار مع العمد   2

1 . شرائع الإسلام: 1 / 127 .
2 . جواهر الكلام: 13 / 212; ولاحظ أيضاً تذكرة الفقهاء: 4 / 345 ; ومنتهى المطلب: 6 / 267 .

صفحه 309
مذهب الأصحاب، لا أعلم فيه مخالفاً، واحتجّ القائلون بوجوب الاستمرار بما رواه الشيخ في الموثق، عن غياث بن إبراهيم، قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام، أيعود فيركع إذا أبطأ الإمام ويرفع رأسه معه؟ قال: «لا» (1). (2) وحمله الشيخ الطوسي وغيره على مَن تعمّد ذلك. وأورد على الاستدلال:
أوّلاً: بضعف الرواية من حيث السند، لأنّ غياث بن إبراهيم فاسد المذهب بتريّ.
وثانياً: عدم دلالتها على أنّ الرفع وقع على سبيل العمد، بل هي نظير ما تقدّم من الروايات المحمولة على السهو. فتكون معارضة لما تضافر من وجوب العَود عند السهو.
يلاحظ على الأوّل: بأنّ فساد المذهب لا يمنع من قبول الرواية .
قال النجاشي: غياث بن إبراهيم التميمي الأسدي، بصري، سكن الكوفة، ثقة، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهما السلام). له كتاب يرويه جماعة. نعم ذكره الطوسي بلا توثيق. ومن المعلوم أنّ رجال النجاشي، كالمستدرك على ما ذكره الطوسي، حيث أشار بتوثيقه إلى فوته عن الشيخ.
وأمّا الدلالة، فهذا هو المهم، فإنّ حملها على العمد ـ كما قيل ـ يحتاج إلى شاهد، وإلاّ يكون الحمل تبرعيّاً، فلو حملت على صورة السهو يقع التعارض بينها، وبين ما تقدّم من الأمر، بالمتابعة.    2

1 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6 .
2 . مدارك الأحكام: 4 / 327 ـ 328 .

صفحه 310
وحصيلة الكلام: أنّ حمل رواية غياث على صورة العمد يحتاج إلى شاهد، وحملها على صورة السهو يورث التعارض بينها وبين ما مرّ من الروايات، وعلى أي حال فقد عولج الإشكال بوجهين :
1. حمل ما دلّ على المتابعة في صورة السهو على الاستحباب، مع جواز الاستمرار على الحالة الّتي هو عليها. كما هو مفاد هذه الرواية.
يلاحظ عليه: أنّ الجمع بين ما دلّ على الوجوب وما دلّ على عدمها، بالحمل على الاستحباب، إنّما يصحّ إذا كان بالشكل التالي: كما إذا قال: افعل، وفي دليل آخر: لا بأس بتركه، فيكون الثاني قرينة على حمل الأمر
على الاستحباب، دون المقام لوجود المنافاة التامة بين الأمر والنهي، فأين قوله (عليه السلام)في صحيحة ابن يقطين: «يعيد ركوعه معه» ، وقوله في رواية غياث: «لا يعود».
2. تقييد إطلاق موثّقة غياث بن إبراهيم الشامل للعمد والسهو بموثّقة ابن فضّال. قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)في الرجل كان خلف إمام يأتمّ به، فيركع قبل أن يركع الإمام، وهو يظنّ أنّ الإمام قد ركع، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد الركوع مع الإمام، أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب (عليه السلام): «تتمّ صلاته، ولا تفسد صلاتُه بما صنع» .(1) وجه الجمع، هو أنّ موثّقة غياث مطلقة من حيث العمد والسهو، ولا تختصّ بالسهو وموثقة ابن فضال صريحة في وجوب الرجوع في صورة الظنّ، فتكون أخصّ من   2

1 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .

صفحه 311
رواية غياث، فتُخصَّص بها وبما أنّ المراد من الظنّ في رواية ابن فضّال، هو مجرد احتمال أنّ الإمام قد ركع، احتمالاً راجحاً يتساوى مع الشك في الحكم، فتكون قرينة على حمل الروايات الأمر بالعود على صورة السهو، والرواية الآمرة بالاستمرار على صورة العمد.
فإن قلت: إنّ الموضوع من رواية غياث هو رفع الرأس عن الركوع، والموضوع في رواية ابن فضال، هو الهُويّ إلى الركوع، فكيف تكون الثانية مخصصة للأُولى ؟
قلت: الظاهر أنّ الموضوع فيهما ترك المتابعة من غير فرق بين الرفع والهوي، فالحكم في الأُولى على أعم من الرفع يشمل الهوي، كما أنّ الحكم في الثانية على أعم من الهوي حتّى يشمل الرفع .
وعلى هذا تكون النسبة بين الروايات الواردة الّتي منها موثقة ابن فضال في المسألتين (الركوع قبل الإمام أو الرفع قبله) وبين رواية غياث بن إبراهيم عموماً وخصوصاً مطلقاً، فيقيد إطلاق الثانية، بما ورد في المسألتين من الرجوع في خصوص صورة السهو، كما أفاده بعض الأعلام (1).

الفرع السادس: مَن رفع رأسه عامداً وتابع عمداً

تلك الصورة، ولكن تابع عمداً، فقد حكم المصنّف ببطلان صلاته، للزيادة العمدية; وذلك لأنّ الاغتفار ـ عند زيادة الركوع ـ إنّما ثبت فيما إذا   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 274 .

صفحه 312
رفع رأسه سهواً، فيعود وزيادة الركن مغتفرة، لا ما إذا رفع رأسه عمداً، إذ يجب عليه الاستمرار، فيكون الرجوع زيادة في الركن.

الفرع السابع: مَن رفع رأسه عامداً وتابع سهواً

تلك الصورة، ولكن تابع سهواً، فتبطل أيضاً; لأنّ الزيادة السهوية غير مبطلة في غير الأركان، وأمّا الزيادة السهوية في الأركان كالركوع أو السجدتين، فهي داخلة في الاستثناء، لا في المستثنى منه، حيث قال: لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود .
لو عاد إلى الركوع للمتابعة ورفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى حد الركوع   

صفحه 313
المسألة 10: لو رفع رأسه من الركوع قبل الإمام سهواً ثم عاد إليه للمتابعة فرفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى حد الركوع فالظاهر بطلان الصلاة لزيادة الركن من غير أن يكون للمتابعة واغتفار مثله غير معلوم ; وأمّا في السجدة الواحدة إذا عاد إليها ورفع الإمام رأسه قبله، فلا بطلان; لعدم كونه زيادة ركن ولا عمدية، لكن الأحوط الإعادة بعد الإتمام. *
* في المسألة فرعان:
1. لو عاد إلى الركوع للمتابعة، لكن رفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى حدّ الركوع .
2. لو عاد إلى السجود للمتابعة لكن رفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى السجدة.
وإليك دراسة الفرعين:

الفرع الأوّل: لو عاد إلى الركوع للمتابعة ورفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى حد الركوع

لو رفع رأسه من الركوع قبل الإمام سهواً، ثم عاد إليه للمتابعة، لكنْ رفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى حدّ الركوع، استظهر المصنّف بطلان الصلاة، مستدلاًّ بأنّه من زيادة الركن، من غير فرق بين أن تكون الزيادة للمتابعة أو لا ; أضف إلى ذلك أنّ اغتفار مثله غير معلوم .
أقول: أمّا كونه من زيادة الركن، فلإطلاق المستثنى في قوله (عليه السلام): «لا   2

صفحه 314
تُعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود» .(1)
وأما عدم كون مثله مغتفراً، فلأنّ مصبّ ما يدلّ على الاغتفار، ما إذا ركع وأدرك الإمام في الركوع ورفع رأسه قبل الإمام .(2) وأمّا إذا ركع وقد رفع الإمام رأسه، فهو خارج عنها.
فإن قلت: القدر المتيقّن من المستثنى، ما إذا ركع بقصد الجزئية، لا بعنوان المتابعة كما في المقام، فليس كلّ ركوع زائد لم يُقصد به الجزئية، بمبطل.
قلت: يدفع ذلك الاحتمال، إطلاق المستثنى، مضافاً إلى ما دلّ على المنع عن قراءة سور العزائم، معلّلاً بأن السجود زيادة في المكتوبة (3)، فإنّ السجود عند سماع آية السجدة لا يؤتى بقصد الجزئية، ومع ذلك وصفه الإمام بالزيادة المبطلة.
لو عاد للسجود للمتابعة لكن رفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى السجدة   

الفرع الثاني: لو عاد للسجود للمتابعة لكن رفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى السجدة

لو عاد إلى السجود للمتابعة، ولكنْ رفع الإمام رأسه قبله، صحّت صلاته، لعدم كونه زيادة ركن أوّلاً، ولا زيادة عمدية ثانياً.   2

1 . الوسائل: 4، الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 وغيره .
3 . الوسائل: 4، الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 315
أمّا الأوّل: فلأنّ الركن هو السجدتان، ولذا لو نسي سجدة واحدة، صحّت صلاته، وقضاها بعد الصلاة.
وأمّا الثاني ـ أي عدم كونها عمدية ـ فلعل المراد بها، هو العمد بلا عذر، والمفروض أنّه زاد مع العذر، وقد تقدّم مراراً أنّ القاعدة لا تشمل العامد المعذور.
ومع ذلك احتاط المصنّف بالإتمام والإعادة، وعلّق عليه السيد الحكيم (قدس سره)بأنّه لم تظهر خصوصية في المقام تقتضي الاحتياط المذكور.(1)لكن ذكر السيد الخوئي (قدس سره)(2) الوجه التالي: إنّ ما دلّ على عدم قدح زيادة السجدة الواحدة مختص بما إذا لم يلتفت إلى الزيادة، كما لو سجد بنيّة أنّها الثانية فانكشف أنّها الثالثة، وأمّا المقام فقد سجد عالماً بالزيادة وملتفتاً إليها، فلا يشمل مثل هذا قولُه (عليه السلام)في صحيح منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام): سألته عن رجل صلّى، فذكر أنّه زاد سجدة قال: «لا يعيد صلاة من سجدة، ويعيدها من ركعة» .(3)

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 273 .
2 . المستند: 5 / 279.
3 . الوسائل: 4، الباب 14 من أبواب الركوع، الحديث 2 .

صفحه 316
المسألة 11: لو رفع رأسه من السجود، فرأى الإمام في السجدة فتخيّل أنّها الأُولى، فعاد إليها بقصد المتابعة، فبان كونها الثانية، حسبت ثانية. وإن تخيّل أنّها الثانية، فسجد أُخرى بقصد الثانية، فبان أنّها الأُولى، حسبت متابعة، والأحوط إعادة الصلاة في الصورتين بعد الإتمام.*
* في المسألة فرعان:
1. لو رفع رأسه من السجدة وزعم أنّ الإمام في السجدة الأُولى، فعاد وبانَ أنّها السجدة الثانية.
2. لو رفع رأسه من السجدة وزعم أنّ الإمام في السجدة الثانية، فعاد فبانَ أنّها هي الأُولى .
وإليك دراسة الفرعين واحداً بعد الآخر:

الفرع الأوّل: لو رفع رأسه من السجود ثم عاد للمتابعة متخيّلاً أنّها الأُولى

لو رفع رأسه من السجود، فرأى أنّ الإمام في السجدة الأُولى، فعاد إليها بقصد المتابعة، فبان أنّها الثانية. قال المصنّف: حُسبت ثانية.
   
وجهه أنّه لا يعتبر في صحّة العبادة سوى الإتيان بالأجزاء مع القربة ولا يشترط في صحّة السجدة نية كونها الأُولى أم الثانية، ولو افترضنا أنّه نوى الأُولى ثم بان خلافها، يكون التخلّف في الدواعي الّتي لا تضرّ التقرّب فيها. وحصيلة الكلام: أنّ ما هو الواجب الإتيان بالسجدتين تقرّباً إلى الله سبحانه، وقد تحقّق، وإنّما التخلّف في الدواعي، حيث حسب أنّ السجدة للمتابعة،   2

صفحه 317
مع أنّها كانت لامتثال السجدة الواجبة.

الفرع الثاني: لو رفع رأسه من السجود ثم عاد للمتابعة متخيّلاً أنّها الثانية

إذا تخيّل أنّها الثانية، فسجد أُخرى بقصد الثانية، فبان أنّها الأُولى.
قال المصنّف: (حُسبت متابعة)، لما عرفت من أنّ الميزان في صحّة العبادة وإجزائها، الإتيان بها بقصد القربة، وقد تحقّق .
وأما نيّة كون الجزء، جزءاً أصيلاً، أو لأجل المتابعة، فليس شيء منها معتبراً في الصلاة، وإنّما طرأ التخلّف في الداعي. وعلى ما ذكرنا فالاحتياط في المتن استحبابي.

صفحه 318
المسألة 12: إذا ركع أو سجد قبل الإمام عمداً لا يجوز له المتابعة، لاستلزامه الزيادة العمدية. وأمّا إذا كانت سهواً وجبت المتابعة، بالعود إلى القيام أو الجلوس، ثم الركوع أو السجود معه.
والأحوط الإتيان بالذكر في كلّ من الركوعين أو السجودين، بأنْ يأتي بالذكر ثم يتابع، وبعد المتابعة ـ أيضاً ـ يأتي به .
ولو ترك المتابعة عمداً أو سهواً لا تبطل صلاته، وإن أثم في صورة العمد. نعم، لو كان ركوعه ]سهواً [قبل الإمام في حال قراءته فالأحوط البطلان، مع ترك المتابعة. كما أنّه الأقوى إذا كان ركوعه قبل الإمام عمداً في حال قراءته، لكن البطلان حينئذ إنّما هو من جهة ترك القراءة، وترك بدلها، وهو قراءة الإمام. كما أنّه لو رفع رأسه عامداً قبل الإمام، وقبل الذكر الواجب بطلت صلاته، من جهة ترك الذكر.
* في المسألة فروع:
1. إذا ركع أو سجد قبل الإمام عمداً.
2. إذا ركع أو سجد قبل الإمام سهواً.
3. لزوم الإتيان بالذكر في الركوع والسجود الثانيين.
4. إذا ركع أو سجد قبل الإمام سهواً، لكنْ ترك المتابعة عمداً، أو سهواً.
5. لو ركع قبل الإمام سهواً، وهو في حال القراءة مع ترك المتابعة .
6. إذا ركع قبل الإمام عمداً، وهو في حال القراءة.   2

صفحه 319
7. لو رفع رأسه من الركوع عامداً قبل الإمام، وقبل الذكر الواجب.
أقول: الفرق بين هذه المسألة وما تقدّم، هو أنّ محور البحث في السابق، كان رفع الرأس من الركوع والسجود قبل الإمام، وأمّا المقام فالبحث مركّز على الهويّ إلى الركوع والسجود قبل الإمام. فيقع الكلام تارة فيما لو فعله عامداً، وأُخرى ساهياً.
وقد أشار المحقّق إلى كلا البحثين بعبارة مختصرة.
أمّا الأوّل: فقال: وتجب متابعة الإمام، فلو رفع المأموم رأسه عامداً، استمرّ، وإن كان ناسياً، أعاد.
أمّا الثاني: فقد أشار إليه بقوله: وكذا لو هوى إلى سجود أو ركوع.(1)
إذا عرفت ذلك، فلندرس الفروع واحداً بعد الآخر:

الفرع الأوّل: لو ركع أو سجد قبل الإمام عمداً

إذا ركع أو سجد قبل الإمام عمداً، يستمر على الحالة الّتي كان عليها، وذلك لوجوه:
1. استنباط حكم الهوي إلى الركوع عمداً أو سهواً من حكم رفع الرأس من الركوع، فقد مرّ أنّه يتابع في السهو ويستمر في العمد وهكذا المقام. وهذا هو الظاهر من المحقّق كما مرّ وصاحب الوسائل حيث عنون الباب 48 «برفع الرأس عن الركوع والسجود ـ إلى أن قال: ـ وكذا من ركع أو سجد قبل   2

1 . شرائع الإسلام: 1 / 123 .

صفحه 320
الإمام».
2. إنّه لو تابع لزمت الزيادة العمدية وهي مبطلة ركناً كانت أو غير ركن، وما دلّ على اغتفار الركوع في الجماعة مختص بما إذا ركع سهواً عن عذر لا عن عمد.
3. موثّقة غياث بن إبراهيم قال: سُئل أبوعبدالله (عليه السلام)عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام، أيعود فيركع إذا أبطأ الإمام ويرفع رأسه معه؟ قال: «لا» .(1) وقد تقدّم أنّ الموضوع في الواقع هو خلاف المتابعة فيعم الهويّ أيضاً.
وقد حمله الشيخ على من تعمّد ذلك وقد مرّ اختصاصها بالعمد بعد تقييد إطلاقها بموثّقة ابن فضال على ما مرّ في المسألة التاسعة.
هذا ولو قلنا بحجية رواية غياث بن إبراهيم، فالحكم هو صحّة الصلاة، وإلاّ فلو قلنا بعدم حجّيتها لإعراض الأصحاب عنها لعدم عنوان المسألة في كتب القوم قبل المحقّق مع وجود الرواية في التهذيب، وبالتالي عدم الإفتاء بمضمون الرواية، كان المرجع هو القاعدة العقلية وهو أنّ الركوع يُعدّ مصداقاً لعصيان الأمر بالمتابعة عرفاً، ومعه كيف يمكن أن يكون المبغوض محبوباً ومقرباً خصوصاً إذا قلنا بأنّ وجوب المتابعة وجوب تكليفي، وليست المسألة مبنية على أنّ الأمر بالشيء (المتابعة) يقتضي النهي عن ضدّه الخاص، وهو الركوع قبل الإمام حتّى يُقال بعدم الاقتضاء وبطلان القاعدة، بل هي مبنية على أنّ الركوع قبل الإمام يُعدّ عصياناً لوجوب المتابعة، مثلاً لو قال الآمر: تابع   2

1 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6 .

صفحه 321
الإمام ولكنّه هو ركع قبل الإمام يقال: عصى أمر المولى، سواء أكانت الضابطة صحيحة أو لا. نعم لو قلنا بأنّ وجوب المتابعة إرشاديّ لحفظ صورة الجماعة على نحو لو تخلّف كثيراً تصير صلاته فرادى لكان للقول بالصحّة مجال.
ثم إنّ القول بالصحّة إنّما يتم لو كان الهويّ إلى الركوع بعد فراغ الإمام من القراءة، كما إذا كان الإمام في حال القنوت أو التسبيح في الأخيرتين فتصحّ صلاته وجماعته. إذا لم يتابع، لما ورد في الموثّقة من وجوب الاستمرار.
وأمّا لو كان الهويّ قبل فراغ الإمام من القراءة، بطلت صلاته لأجل الإخلال بالقراءة عمداً. وسيأتي الكلام في الفرع السادس .

الفرع الثاني: لو ركع أو سجد قبل الإمام سهواً

إذا ركع أو سجد قبل الإمام سهواً، وجبت المتابعة بالعَود إلى القيام (إذا ركع قبل الإمام)، ثم يتابع بالركوع والسجود معه.
ويدلّ عليه موثقة ابن فضال، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)في الرجل كان خلف إمام يأتمّ به، فيركع قبل أن يركع الإمام، وهو يظن أنّ الإمام قد ركع، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد الركوع مع الإمام، أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب (عليه السلام): «تتم صلاته، ولا تفسد صلاته بما صنع».(1)
ومورد الرواية، وإن كان هو الظنّ بأنّ الإمام قد ركع فتعمّ القاطع   2

1 . الوسائل: 5، الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .

صفحه 322
بأنّ الإمام قد ركع، كما هو مفروض مسألتنا; وذلك لأنّ ذكر الظنّ لأجل بيان سبب ركوعه قبل الإمام.
نعم، الرواية تدلّ على جواز العَود، لا على وجوبه، وإنّما يستفاد الوجوب ممّا تقدّم من الروايات، مع إلغاء الخصوصية، كلّ ذلك لحفظ هيئة الجماعة مهما أمكن .

الفرع الثالث: هل يجب الإتيان بالذكر في الركوع والسجود الثانيين؟

هل الذكر الواجب يختصّ بالركوع والسجود الأوَّلْين، أو يعمّ الأخيرين؟
أمّا المصنّف، فقد احتاط بالإتيان بالذكر في كلا الركوعين والسجودين وقال: بأن يأتي بالذكر ثم يتابع وبعد المتابعة ـ أيضاً ـ يأتي به ، لكنّ الظاهر هو الأوّل، إذ ليس في الصلاة إلاّ ركوع أو سجود واحد، يجب فيه الذكر، والمفروض أنّه أتى بالواجب، وأمّا الأمر بالعود، فكأنّه لحفظ هيئة الجماعة مهما أمكن، أو متمّم لما تقدّم من الركوع والسجود، والمجموع ركوع واحد، وسجود فارد.

الفرع الرابع: لو ركع أو سجد قبل الإمام سهواً وترك المتابعة سهواً أو عمداً

إذا ركع أو سجد قبل الإمام سهواً، وكان عليه المتابعة، لكن تركها سهواً أو عمداً. قال المصنّف: (لا تبطل صلاته، وإنّ أثم في صورة العمد)، وذلك لما عرفت من أنّ وجوب العود وجوب تكليفيّ، لا وضعيّ، وليس شرطاً   2

صفحه 323
لصحّة الصلاة، أو لصحّة الجزء، فلو خالف سهواً، فلا إثم ولا عقاب، ولو خالف عمداً، فلو قلنا بأنّ التكليف مولويّ، ثبت العقاب، ولو قلنا بأنّه إرشاديّ، فلا.

الفرع الخامس: لو ركع قبل الإمام سهواً وهو في حال القراءة وترك المتابعة

لو ركع قبل الإمام سهواً، وهو في حال القراءة، مع ترك المتابعة، فقد احتاط المصنّف بالحكم بالبطلان; لأنّه ترك القراءة، لإمكان تداركها بالمتابعة، وعندئذ فقد أخلّ بالقراءة نهاية، بترك المتابعة عمداً، وربّما يقال بصحّة الصلاة، قائلاً: بأنّ المحلّ الشرعي للقراءة، هو ما قبل الركوع، على نحو صرف الوجود، المنطبق على الوجود الأوّل، وقد فات هذا المحلّ بالإتيان بذات الركوع، المحكوم بالصحّة في نفسه حسب الفرض، فلا يمكن التدارك .(1)

الفرع السادس: لو ركع قبل الإمام عمداً وهو في حال القراءة

إذا ركع قبل الإمام عمداً في حال القراءة، بطلت صلاته، لأجل أنّه ترك القراءة، وترك بدلها، وهو قراءة الإمام عمداً.

الفرع السابع: لو رفع رأسه من الركوع عامداً قبل الإمام وقبل الذكر

لو رفع رأسه عامداً قبل الإمام، وقبل الذكر الواجب، بطلت صلاته، لأجل ترك الذكر الواجب.

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 286 .

صفحه 324
المسألة 13: لا يجب تأخّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في الأقوال، فلا تجب فيها المتابعة، سواء الواجب منها والمندوب، والمسموع منها من الإمام وغير المسموع، وإن كان الأحوط التأخّر، خصوصاً مع السماع، وخصوصاً في التسليم. وعلى أي حال لو تعمّد فسلّم قبل الإمام لم تبطل صلاته، ولو كان سهواً لا تجب إعادته بعد تسليم الإمام .
هذا كلّه في غير تكبيرة الإحرام، وأمّا فيها فلا يجوز التقدّم على الإمام، بل الأحوط تأخّره عنه بمعنى أن لا يشرع فيها إلاّ بعد فراغ الإمام منها، وإن كان في وجوبه تأمّل.*
* في المسألة فروع:
1. تأخُّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في الأقوال.
2. تأخُّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في التسليم.
3. تأخُّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في تكبيرة الإحرام.
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: في تأخّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في الأقوال

هل تجب المتابعة في الأقوال بأن يتأخّر المأموم فيها عن الإمام، ولا يقارنه، ولا يتقدّم عليه؟   2

صفحه 325
والمسألة غير معنونة في كتب القدماء. وعن الفاضل الشيخ إبراهيم البحراني في «إيضاح النافع»: إني لم أقف فيه على نصٍّ ولا فتوى من القدماء، بل يمكن إرادة ما يعمّ الأقوال من الأفعال المذكورة فيها المتابعة في كلام الأصحاب.(1)
ويؤيّده أنّ المحقّق أطلق المتابعة، ولم يقيّدها بالأفعال، حتّى يُراد بها الأعمّ، حيث قال: وتجب متابعة الإمام .(2)
نعم، ذكر بعده تخلّف المأموم عن الإمام في الأفعال، كالركوع والسجود، ولعلّه يصير قرينة على اختصاص المتابعة بالأفعال.
ولكنّ الشهيد ذكر المتابعة في الأقوال بصراحة في «الدروس» و «البيان».(3)
وقال في «المدارك»: إنّها أحوط، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما جُعل الإمام ليؤتمّ به.(4)
وقال المحدث البحراني: في غير تكبيرة الإحرام قولان: الوجوب، اختاره الشهيد في بعض كتبه، والعدم، اختاره العلاّمة وجملة ممّن تأخّر عنه، والظاهر أنّه المشهور .(5)
أقول: استدُلّ بعدم وجوب المتابعة بوجوه:   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 208 .
2 . شرائع الإسلام: 1 / 123 .
3 . الدروس: 55 ; البيان: 138 .
4 . مدارك الأحكام: 4 / 327 .
5 . الحدائق الناظرة: 11 / 140 .

صفحه 326
1. لو وجبت المتابعة في الأقوال، لوجب على الإمام الجهرُ بها، ليتمكن المأموم من متابعته، والتالي مُنتف بالإجماع، والمقدّم مثله .
2. تكليف المأموم بتأخير الذكر إلى أن يُعلَم وقوعه من الإمام بعيد جداً، بل ربّما كان مُفوِّتاً للقدرة .(1)
يلاحظ عليهما: أن مصبّ النزاع فيما إذا يسمع أقوال الإمام، وأمّا الصلوات الإخفاتية، أو الجهرية الّتي لا يسمع المأموم فيها أقوال الإمام، فخارج عن محلّ النزاع، فلا أظنّ أحداً يُلزم المتابعة فيهما.
وبعبارة أُخرى: إنّ مورد النزاع في المتابعة في الأقوال مشروط بشرطين:
أ. اتحاد أقوال الإمام والمأموم كما في أذكار الركوع والسجود والتشهد، دونما إذا اختلفا كما إذا إئتمّ في الأخيرتين، فالإمام ربّما يسبّح والمأموم يقرأ.
ب. كون المأموم يسمع أذكار الإمام، خرجت الصلوات الإخفاتية، والجهرية فيما إذا لم يسمع المأموم أقواله.

الاستدلال لوجوب المتابعة

ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: إنّما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا... .(2)   2

1 . مدارك الأحكام: 4 / 326 .
2 . صحيح البخاري: برقم 722 و 733 و 734 .

صفحه 327
يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر منه، هو المتابعة في الأفعال، ولذلك ذكر الركوع والسجود والجلوس، وأمّا ذكر التكبيرة، فلخصوصية فيها، كما سيوافيك بيانها. على أنّه من المحتمل أن يكون الحديث بصدد نفي التقدّم، لا نفي المقارنة، وذلك لأجل اقتضاء الإمامة ذلك، فإنّ من سبق الإمام، فلا يوصف بالمأمومية.
إنّ الصلاة مركبة من مجموع الأقوال والأفعال، والدليل الدالّ على المتابعة في الأفعال يقتضي المتابعة في الأقوال أيضاً بمناط واحد .(1)
يلاحظ عليه: أنّ المستند لوجوب المتابعة في الأفعال ينحصر بالنبوي الماضي أوّلاً، وما دلّ على وجوب العَود إذا رفع رأسه من الركوع والسجود ثانياً، فليس فيهما ما يُستدلّ به على وجوب المتابعة في الأقوال.
دلّ غير واحد من الروايات أنّ المأموم إذا فرغ من القراءة قبل الإمام، استُحبّ له ذكر الله إلى أن يفرغ، أو يُبقي آية ويذكر الله، فإذا فرغ قرأها ثم ركع; نظير ما رواه زرارة، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أكون مع الإمام فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ قال: «أبقِ آية ومجدّ الله واثنِ عليه، فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع». (2)
يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر أنّ المورد فيها ما إذا كان الإمام لا يُقتدى به، وقد جاء هذا القيد في رواية إسحاق بن عمار، وصفوان الجمّال، ففي الأُولى روى إسحاق بن عمار عمّن سأل أبا عبدالله (عليه السلام)، قال: أُصلّي خلف من لا أقتدي   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 294 .
2 . الوسائل: 5، الباب 35، من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1; ولاحظ الحديث 3 .

صفحه 328
به، فإذا فرغت من قراءتي ولم يفرغ هو؟ قال: فسبّح حتّى يفرغ .(1)
ونظيره ما رواه صفوان الجمّال، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّ عندنا مصلّى لا نصلّي فيه، وأهله نصّاب وإمامهم مخالف، فأئتمّ به؟ قال: «لا». قلت: إن قرأ أقرأ خلفه؟ قال: «نعم». قلت: فإن نفدت السورة قبل أن يفرغ؟ قال: «سبِّح وكبِّر، إنّما هو بمنزلة القنوت، وكبرّ وهلّل».(2)
إذاً عرفت أدلّة القولين، والحق هو القول الأوّل ويدلّ عليه مضافاً إلى ما مرّ السيرة المستمرّة بين المسلمين، فإنّ الدارج بينهم، عدم الالتزام بالمتابعة. يقول السيد الخوئي (قدس سره): إنّ المتابعة لو كانت واجبة في مثل صلاة الجماعة، الّتي هي محلّ الابتلاء في كلّ يوم عدّة مرات، وتنعقد في أغلب بلاد المسلمين، لظهر وشاع وذاع، وعرفه أغلب المكلّفين ـ إلى أن قال: ـ ولم يذهب أحد إلى الوجوب ما عدا الشهيد وبعض من تبعه، فلو كان واجباً، لكان من الواضحات، فكيف خفيَ على هؤلاء الأعلام؟!(3)

الفرع الثاني: في تأخّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في التسليم

هل تجب المتابعة في التسليم بخصوصه، حتّى لو قلنا بعدم وجوبها في الأقوال لأجل عدم جواز خروج المأموم من الصلاة قبل خروج الإمام، أو لا؟ ويؤيد لزوم المتابعة في التسليم، تقييد جماعة جواز التسليم قبله بالعذر،   2

1 . الوسائل: 5، الباب 35 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
2 . الوسائل : 5، الباب 35 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4; ولاحظ الباب 33، الحديث 2 .
3 . مستند العروة الوثقى: 5 / 295 .

صفحه 329
أو بقصد الانفراد.
وعلى كلّ تقدير ظاهر الروايات عدم وجوب المتابعة.
1. ما رواه عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهّد؟ فقال: «يسلّم من خلفه ويمضي لحاجته إن أحب».
2. ما رواه أبو المغرا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يصلّي خلف إمام فسلّم قبل الإمام، قال: «ليس بذلك بأس».
3. ما رواه أبو المغرا أيضاً، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يكون خلف الإمام فيسهو فيسلّم قبل أن يسلّم الإمام؟ قال: «لا بأس» .(1)
وعلى هذا، فلا إشكال في المسألة، والظاهر أنّه بالتسليم ينفرد، فتزول الجماعة بقاءً ويحصل الانفراد. ومع ذلك كلّه، فبما أنّ الانفراد بلا عذر لا يخلو عندنا عن شوب شبهة، فليقتصر على ما في النصّ من وجود الحاجة أو العذر أو غير ذلك. وتقييد الأخيرتين من الروايات الثلاث بالأُولى من لزوم وجود الحاجة.

الفرع الثالث: في تأخّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في تكبيرة الإحرام

تجب المتابعة في التكبير، بمعنى أن لا يتقدّم عليه، إنّما الكلام هل تجوز المقارنة مع الإمام أو لا؟ قال العلاّمة: يصحّ أن يُكبّر المأموم بعد تكبير   2

1 . الوسائل : 5، الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة، الأحاديث 3 و 4 و 5 .

صفحه 330
الإمام، وهل يصحّ معه؟ إشكال ينشأ من تحقّق المتابعة معه، أو لا. أمّا لو كبّر قبله فإنّه لا يصحّ قطعاً. ولا بأس بالمسابقة في غير التكبير من الأفعال.(1)
وفي «الجواهر»: لا خلاف على الظاهر في وجوبها في تكبيرة الإحرام، كما اعترف بها في الذخيرة، والكفاية، بل في الروض، والحدائق، والرياض، الإجماع عليه .(2)
واستُدلّ بالنبويّ المتقدّم، وبما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «إذا قمتم إلى الصلاة، فاعدلوا صفوفكم وأقيموها، وسوّوا الفُرَج، فإذا قال إمامكم: الله أكبر، فقولوا: الله أكبر».(3)
يلاحظ على الاستدلال بهما، ما تقدّم من أنّ الحديث بصدد نفي التقدّم، لا نفي المعيّة.
واستدلّ في الجواهر، بمنع صدق الاقتداء، بالمصلّي عُرفاً قبل الإتمام، وإنْ صدق عليه أنّه شرع في الصلاة بمجرد الشروع فيه .(4)
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع بجواز الاقتداء، هو الصلاة خلف مَن تثق بدينه، لا خلف المصلّي عرفاً، وإنّما هو عنوان انتزاعيّ.
وعلى ذلك، فلا دليل على وجوب تأخّر التكبيرة عن تكبيرة الإمام،   2

1 . تذكرة الفقهاء: 4 / 347، رقم المسألة 606 .
2 . جواهر الكلام: 13 / 207 .
3 . الوسائل : 5، الباب 70 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6 .
4 . جواهر الكلام: 13 / 208 .

صفحه 331
ومع ذلك فالمقارنة الحقيقية العقلية، غير ممكنة عادةً، فإنّ المأموم يكبّر بعد سماع أوّل جزء من تكبير الإمام، فتكون المقارنة عرفية، لا عقلية.
ومع ذلك كلّه، فالسيرة في المقام على عكس سائر الأقوال، ولذلك احتاط في الجواهر، وقال: إنّ الأحوط، بل الأقوى وجوب المتابعة فيها، بمعنى عدم شروع المأموم فيها، إلاّ بعد فراغ الإمام منها.(1)
فإن قلت: ما رواه علي بن جعفر عن أخيه يدلّ على جواز المقارنة قال: سألته عن الرجل يصلّي، له أن يكبر قبل الإمام؟ قال: «لا يكبر إلاّ مع الإمام، فإن كبّر قبله، أعاد التكبير» .(2)
قلت: إنّ عبدالله بن جعفر الحميري أورده في باب صلاة الجنائز، فلو جازت المقارنة، فإنّما يقتصر عليها، لا الصلوات اليومية، ولا دليل على إلغاء الخصوصية بعد اختلافهما في الماهيّة، فإنّ صلاة الجنائز أشبه بالدعاء تفقد الركوع والسجود والتشهّد. فالمقيس والمقيس عليه مختلفان لا يصلح قياس الأوّل بالثاني.

1 . جواهر الكلام: 13 / 208 .
2 . الوسائل : 2، الباب 16 من أبواب صلاة الجنائز، الحديث 1 .

صفحه 332
المسألة 14: لو أحرم قبل الإمام سهواً أو بزعم أنّه كبّر، كان منفرداً، فإنْ أراد الجماعة عدل إلى النافلة وأتمّها أو قطعها.*

* لو أحرم قبل الإمام سهواً

لو أحرم قبل الإمام، فلا إشكال في عدم انعقاد الجماعة، إذ لا إمام قبل التكبير حتّى يقتدي به، فلا محالة تنقلب الصلاة فرادى، واحتمال بطلانها، لأجل أنّه قصد إقامة الصلاة جماعة، لا إقامتها فرادى، ومع اختلاف الموضوعين، يختلف أمرهما، فيكون ما قصد ممّا لم يقع، وما وقع ممّا لم يُقصد; مدفوع بأنّ هنا أمراً واحداً إلى الصلاة، والصلاة جماعة وفرادى من مصاديق قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)(1)، والمهمّ هو قصد الأمر المتوجّه إلى الجامع. نعم، لو أراد الجماعة، قال المصنّف: عدل إلى النافلة وأتمّها، أو قطعها.
أقول: أمّا العدول من الفريضة إلى النافلة وإتمامها فسيوافيك بيانه في المسألة (27) .
وأمّا العدول إلى النافلة وقطعها، فلاتّفاقهم على جواز قطعها اختياراً .

1 . الإسراء: 78 .

صفحه 333
المسألة 15: يجوز للمأموم أن يأتي بذكر الركوع والسجود أزيد من الإمام، وكذا إذا ترك بعض الأذكار المستحبّة يجوز له الإتيان بها مثل تكبير الركوع والسجود، وبحول الله وقوته، ونحو ذلك.*

* هل يجوز للمأموم أن يأتي بذكر الركوع والسجود أزيد من الإمام؟

قد عرفت أنّه لا تجب المتابعة في الأقوال سوى تكبيرة الإحرام ; فإذا جازت المخالفة فيها، جازت في الكيفية إذا سبح الإمام في الركوع مثلاً بالتسبيحة الكبرى، والمأموم بالصغرى; وفي الكمية، كما إذا سبحا بالكبرى ولكن المأموم يسبح بزيادة فإطلاق ما دلّ على مشروعية الكم والكيف محكمة بشرط أن لا تخلّ المتابعة في الأفعال.

صفحه 334
المسألة 16: إذا ترك الإمام جلسة الاستراحة لعدم كونها واجبة عنده لا يجوز للمأموم الّذي يقلّد من يوجبها أو يقول بالاحتياط الوجوبي أن يتركها، وكذا إذا اقتصر في التسبيحات على مرة مع كون المأموم مقلّداً لمن يوجب الثلاث وهكذا.*
لو ترك الإمام جلسة الاستراحة لعدم وجوبها عنده فهل يجوز للمأموم الاقتداء به؟   

* لو ترك الإمام جلسة الاستراحة لعدم وجوبها عنده فهل يجوز للمأموم الاقتداء به؟

في المسألة أمران ذكر أحدهما المصنّف دون الآخر .
أمّا الأوّل: فهو أنّه لو ترك الإمام ما لا يراه واجباً كجلسة الاستراحة أو اقتصر من التسبيحات على مرة مع كون المأموم يرى وجوب الجلسة أو الثلاث منها اجتهاداً أو تقليداً، فلا يجوز للمأموم ترك ما يراه واجباً، لعدم الدليل على التبعية في ذلك، بل لو ترك تبطل صلاته فضلاً عن جماعته لعدم مطابقة المأتي به للمأمور به.
وأمّا الثاني: فهو هل أنّه يجوز للمأموم، الاقتداء من الأوّل بمثل هذا الإمام، مع أنّه يرى فساد صلاته بترك ما يعتقده جزءاً أو شرطاً للصلاة، وهذا ما يطرحه المصنّف في المستقبل ضمن مسائل ثلاث (31، 32، 33) على وجه التفصيل. والّذي يمكن أن يقال في المقام على وجه الإجمال، والتفصيل في محلّه، هو: عدم الملازمة بين علم المأموم بوجوب شيء كجلسة الاستراحة، والعلم ببطلان صلاة تاركه لعذر عند المأموم أيضاً. بل يجب التفصيل   2

صفحه 335
بين الأركان الواردة في قاعدة: «لا تُعاد» وغيرها، فلو ترك شيئاً من الخمسة فتبطل صلاته واقعاً من غير فرق بين العالم والجاهل، والمعذور وغير المعذور، كما لو توضّأ بماء مضاف، أو تيمّم مكان الوضوء، ففي مثل ذلك لا يجوز الاقتداء به لوجود الملازمة بين العلم بالوجوب، والعلم بالفساد واقعاً عند المأموم، إذ لا يصح تصحيح صلاته بوجه.
وأمّا لو ترك ما هو داخل في المستثنى منه، الّذي يُعذر التارك فيه إذا كان ناسياً، أو جاهلاً قاصراً، أو عامداً معذوراً، كما إذا ترك جلسة الاستراحة، أو اقتصر على التسبيحة الواحدة، أو نسي السورة أو التشهد أو السجدة الواحدة، أو صلّى فيما لا يؤكل لحمه جاهلاً، ففي هذه الصور لا ملازمة بين علم المأموم بالوجوب، وعلمه بفساد صلاة الإمام; وذلك لأنّ التارك لها جهلاً، أو عمداً عن عذر، معذور عند الشارع، وصلاته محكومة بالصحّة حتّى عند المأموم، لقوله (عليه السلام): «لا تُعاد الصلاة إلاّ من خمسة» .
ومن المعلوم أنّ الشرط، لجواز الاقتداء هو كون الصلاة محكومة بالصحّة ، وهي حاصلة، لا كونها جامعة للأجزاء والشرائط الواقعية.

صفحه 336
المسألة 17: إذا ركع المأموم ثم رأى الإمام يقنت في ركعة لا قنوت فيها، يجب عليه العَود إلى القيام لكن يترك القنوت، وكذا لو رآه جالساً يتشهّد في غير محلّه وجب عليه الجلوس معه، لكن لا يتشهّد معه، وهكذا في نظائر ذلك.*

* في اقتداء المأموم بالإمام في موارد السهو

هنا أمران:
1. إذا ركع المأموم ثم رأى أنّ الإمام يقنت في غير محلّه، يجب عليه العَوْد إلى القيام، لأجل المتابعة، أو رآه جالساً يتشهّد في غير محلّه، وجب عليه الجلوس معه، لحفظ المتابعة.
2. أنّ المأموم يتابع الإمام في الأجزاء اللازمة، دون الأُمور الزائدة، وإنْ كان الإمام معذوراً، فلا يجوز له القنوت في الأوّل، ولا التشهد في الثاني، لقصور أدلّة وجوب المتابعة عن إثبات ذلك، فالجمع بين الدليلين هو ما ذكرنا.
فيما يتحمّله الإمام عن المأموم   

صفحه 337
المسألة 18: لا يتحمّل الإمام عن المأموم شيئاً من أفعال الصلاة غير القراءة في الأُولتين إذا ائتمّ به فيهما، وأمّا في الأخيرتين فلا يتحمّل عنه، بل يجب عليه بنفسه أن يقرأ الحمد أو يأتي بالتسبيحات، وإنْ قرأ الإمام فيهما وسمع قراءته.
وإذا لم يدرك الأُولتين مع الإمام وجب عليه القراءة فيهما، لأنّهما أوّلتا صلاته.
وإنْ لم يمهله الإمام لإتمامها اقتصر على الحمد وترك السورة وركع معه، وأمّا إذا أعجله عن الحمد أيضاً، فالأحوط إتمامها واللحوق به في السجود، أو قصد الانفراد، ويجوز له قطع الحمد والركوع معه، لكنْ في هذه لا يترك الاحتياط بإعادة الصلاة.*
* في المسألة فروع :
1. لو أدرك تمام الصلاة فالإمام لا يتحمّل شيئاً من أفعال الصلاة إلاّ القراءة في الأوّلتين ولا يتحمّل في الأخيرتين.
2. إذا لم يدرك الأوّلتين مع الإمام، وجب عليه القراءة فيهما.
3. إذا لم يمهله الإمام لإتمامها، اقتصر على الحمد.
4. إذا أعجله عن الحمد، فهو مخيّر بين أُمور ثلاثة.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر:   2

صفحه 338
   

الفرع الأوّل: ما يتحمّله الإمام عن المأموم لو أدرك الصلاة كاملة

يجب على المأموم كلّ ما وجب على المنفرد، إلاّ القراءة في الأوّلتين، فإنّ الإمام يتحمّلهما عنه فقط، وأمّا الركعتان الأخيرتان، فيجب أن يعمل فيهما بوظيفة المنفرد، فهو مخيّر بين الحمد والتسبيحات، حتّى لو أنّ الإمام قرأ فيهما الحمد، ولا يسقط عنه أحد التكليفين: الحمد، أو التسبيحات .
وقد مرّ الكلام فيه في المسألة (1) من هذا الفصل عند قول المصنّف: «وأمّا ما في الأخيرتين من الإخفاتية أو الجهرية، فهو كالمنفرد في وجوب القراءة أو التسبيحات مخيّراً بينهما، سواء قرأ الإمام فيهما، أو أتى بالتسبيحات، سمع قراءته أو لم يسمع»، وذكرنا دليل المسألة هناك، فراجع.

الفرع الثاني: لو لم يدرك الأوّلتين مع الإمام وجب عليه القراءة فيهما

إذا لم يدرك الأوّلتين مع الإمام، وجب عليه القراءة فيهما، لأنّهما أوّلتا صلاته.
قال الشيخ الطوسي: ومن فاتته ركعة مع الإمام أو ركعتان، فليجعل ما يلحق معه أوّل صلاته.(1)
وقال في «المبسوط»: من صلّى مع الإمام الظهر أو العصر وفاتته ركعتان، قرأ في الركعتين معه: الحمد، والسورة إنْ تمكّن، فإن لم يُمكن، اقتصر على الحمد وحدها، ثم صلّى بعد تسليم الإمام ركعتين، يقرأ فيهما الحمد وحدها أو يسبّح .(2)   2

1 . النهاية: 115 .   2 . المبسوط: 1 / 195 .

صفحه 339
وقال المحقّق الحلّيّ: إذا فاته مع الإمام شيء، صلّى ما يدركه وجعله أوّل صلاته وأتمّ ما بقي عليه، ولو أدركه في الرابعة، دخل معه، فإذا سلّم، قام فصلّى ما بقي.(1)
وقال في «المدارك» بعد عبارة الشرائع: هذا مذهب علمائنا كافة، قاله في المعتبر .(2)
وتدلّ عليه ـ مضافاً إلى إطلاقات الأمر بالقراءة نظير: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، ومن المعلوم أنّ محلّها هو الركعتان الأُوليان ومحلّ الكلام هو الركعتان الأُوليان للمأموم ـ روايات، نذكر منها ما يلي:
1. روى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال «إذا فاتك شيء مع الإمام فاجعل أوّل صلاتك ما استقبلت منها، ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها ».(2)
2. روى الشيخ بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا أدرك الرجل بعض الصلاة وفاته بعض خلف إمام يحتسب بالصلاة خلفه، جعل أوّل ما أدرك، أوّل صلاته، إن أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان، قرأ في كل ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة، فإنْ لم يدرك السورة تامّة أجزأته أُمّ الكتاب، فإذا سلّم الإمام قام فصلّى ركعتين لا يقرأ فيهما، لأنّ الصلاة إنّما يقرأ فيها في الأوّلتين في كل ركعة بأُمّ الكتاب وسورة، وفي الأخيرتين لا يقرأ فيهما، إنّما هو تسبيح وتكبير   2

1 . شرائع الإسلام: 1 / 126 .   2 . مدارك الأحكام: 4 / 382 .
2 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.

صفحه 340
وتهليل ودعاء ليس فيهما قراءة; وإنْ أدرك ركعة قرأ فيها خلف الإمام، فإذا سلّم الإمام قام فقرأ بأُمّ الكتاب وسورة ثم قعد فتشهّد، ثم قام فصلّى ركعتين ليس فيهما قراءة» .(1)
ولعلّ المراد من القراءة في نفسه، هو المخافتة وعدم الجهر، كما أنّ النهي عن القراءة في الأخيرتين وتعيّن التسبيح محمول على الأفضليّة، فلا يعدّان شذوذاً بعد ما ذكرنا .
3. وروى عبدالرحمن بن أبي عبدالله، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إذا سبقك الإمام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته وهي ثنتان لك، وإنْ لم تدرك معه إلاّ ركعة واحدة قرأت فيها وفي الّتي تليها، وإن سبقك بركعة جلست في الثانية لك والثالثة له حتّى تعتدل الصفوف قياماً ».(2)
وفي «المدارك»: ومقتضى الروايتين أنّ المأموم يقرأ خلف الإمام إذا أدركه في الركعتين الأخيرتين، وكلام أكثر الأصحاب خال من التعرض لذلك.(3)
أقول: إنّ محط الكلام فيما إذا اختار الإمام القراءة، فهل تجب على المأموم أيضاً أو لا ؟
أقول: المخالف هو العلاّمة في «المنتهى»، حيث قال: الأقرب عندي   2

1 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .
2 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .
3 . مدارك الأحكام: 4 / 383 .

صفحه 341
أنّ القراءة مستحبة، ونُقل عن بعض فقهائنا الوجوب، لئلاّ تخلو الصلاة عن قراءة، إذ هو مخيّر في التسبيح في الأخيرتين، وليس بشيء. فإن احتجّ بحديث زرارة وعبدالرحمن، حملنا الأمر فيهما على الندب، لما ثبت من عدم وجوب القراءة على المأموم. أمّا ما ينفرد به المأموم عن الإمام ممّا تجب فيه القراءة، فإنّه تجب عليه القراءة، كما لو أدركه في آخر ركعة.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ الجملة الخبرية في صحيحة زرارة ـ أعني قوله: «قرأ في كل ركعة ممّا أدرك خلف الإمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة» ـ آكد في إفادة الوجوب فلا يجوز الحمل على الندب بلا دليل; أضف إلى ذلك: التعليل الوارد في صحيحة الحلبيّ قوله: «ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها»، فإنّه يدلّ على عدم جواز التسبيحة فيهما وإلاّ يصير أوّل صلاته كآخرها، فإذا لم تجز التسبيحة يتعيّن الفرد الآخر، أعني: القراءة .
فإن قلت: إنّ إطلاق روايات ضمان الإمام عن المأموم يكفي في سقوط القراءة عن المأموم في المقام نظير: ما رواه الحسين بن كثير عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: «لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة، وليس يضمن الإمام صلاة الذين هم من خلفه، إنّما يضمن القراءة» (2)، والمفروض أنّ الإمام اختار القراءة .
قلت: المتبادر من هذه الروايات اختصاص الضمان بما تتعيّن فيه   2

1 . منتهى المطلب: 6 / 298 .
2 . الوسائل : 5، الباب 30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1; ولاحظ: الحديث 3.

صفحه 342
القراءة على الإمام، كما في الركعتين الأُولتين، دون ما كان مخيّراً بين القراءة والتسبيح، فلو اختار الإمام القراءة يجب على المأموم الإتيان بالقراءة أيضاً .

الفرع الثالث: إذا لم يمهله الإمام لإتمام السورة اقتصر على الحمد

إذا لم يُمهله الإمام لإتمام الحمد والسورة، اقتصر على الحمد وترك السورة. ويدلّ عليه صحيحة زرارة المتقدّمة، حيث قال: «وإن لم يدرك السورة تامّة أجزأته أُمّ الكتاب» .(1)

الفرع الرابع: إذا أعجله عن الحمد

إذا أعجله عن الحمد أيضاً ولم يتمكّن من إكمالها، فقد ذكر المصنّف وجوهاً ثلاثة:
1. إتمامها، واللحوق به في السجود.
2. قصد الانفراد وإتمام الصلاة منفرداً.
3. قطع الحمد واللحوق بالإمام في الركوع. ولكن احتاط في الأمر الثالث.
أمّا الوجه الأوّل ـ أعني: إتمام السورة واللحوق بالإمام في السجود ـ : فلأجل تقديم دليل جزئيّة السورة على دليل المتابعة خصوصاً فاتحة الكتاب، لقوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»، والمفروض أنّ الإمام لم يتحمّلها عن المأموم لدخوله في الصلاة في ثالثة الإمام أو رابعته، مضافاً إلى ما مرّ من   2

1 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .

صفحه 343
أنّ المتابعة في معظم الأجزاء تكفي في تحقّقها. وهذا الوجه هو الأقوى عندي.
وأمّا الوجه الثاني: فلأنّ امتناع الإتمام جماعة، موجب للانفراد قهراً، وعلى هذا تصير صلاته فرادى من دون حاجة إلى قصد الانفراد، وهذا هو الّذي استقواه السيد الخوئي.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره فرع عدم كفاية المتابعة في معظم الأجزاء في تحقّقها، فلا يكون التخلّف في جزء قليل موجباً للانفراد قهراً. ويمكن الاستئناس لما ذكرنا بما ورد في حكم المأموم إذا منعه الزحام عن الركوع والسجود في صلاة الجمعة.
روى عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن (عليه السلام)في رجل صلّى في جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الإمام ألجأه الناس إلى جدار أو أُسطوانة فلم يقدر على أن يركع ثم يقوم في الصف ولا يسجد حتّى رفع القوم رؤوسهم، أيركع ثم يسجد ويلحق بالصفّ وقد قام القوم، أم كيف يصنع؟ قال: «يركع ويسجد لا بأس بذلك».(1)
فلو كان التخلّف عن الركوع والسجود ماحياً لهيئة الجماعة، فلا يكون فرق بين الزحام وغيره، ولا بين صلاة الجمعة وغيرها.
وأمّا الوجه الثالث ـ أعني: الإتيان بالمقدار الممكن من الحمد ثم قطعها والركوع مع الإمام ـ : فلتقديم دليل المتابعة على دليل القراءة، وهذا هو   2

1 . الوسائل : 5، الباب 17 من كتاب صلاة الجمعة، الحديث 1 .

صفحه 344
الّذي قوّاه صاحب الجواهر، فقال: بل في بعضها الإيماء إلى ترجيح مراعاة المتابعة على إتمام الفاتحة وإنْ كانت هي بالنسبة إلى ترك السورة أصرح، ففي صحيح معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام، وهي أوّل صلاة الرجل فلا يمهله حتّى يقرأ، فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال: «نعم» .(1)
ثم قال: ومن ذلك ينقدح لك قوة القول بمراعاة وجوب المتابعة وترجيحها على وجوب القراءة وإنْ كانت الفاتحة، وإلاّ فالسورة لا إشكال في تقديم المتابعة عليها، إذ هي وإنْ أُطلق الأمر بها في بعض النصوص، لكنْ في آخر منها التصريح بسقوطها إذا لم يمهله الإمام كصحيح زرارة المتقدّم.(2)
أقول: الاستدلال مبنيّ على أنّ المفروض في الرواية إدراك الإمام قائماً، فيكون المراد من قوله: «آخر صلاة الإمام»، الركعة الأخيرة، بقرينة قوله: «وهو أوّل صلاة الرجل»، فإنّ ما هو أوّل صلاة الرجل، هو نفس آخر صلاة الإمام. ومن المعلوم أنّ أوّل صلاة المأموم هو الركعة الأُولى، فيكون المراد من آخر صلاة الإمام، الركعة الأخيرة، فدلّت على تقدّم المتابعة، على إتمام الفاتحة.
وأورد السيد الخوئي على الاستدلال بأنّ المراد مردّد بين كون إدراكه في الركعة الأخيرة من صلاته في حال القيام، وبين إدراكه في حال الركوع، والظاهر هو الثاني، فإنّ «آخر ما يدركه من صلاة الإمام» هو الركوع في الركعة الأخيرة، الّذي هو الجزء الأخير، وآخر ما يُدرك من صلاة الإمام، كما نطقت به   2

1 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .
2 . جواهر الكلام: 14 / 47 ـ 48 .

صفحه 345
الروايات، وليس إدراكه قائماً، هو آخر ما يُدرك من صلاته، وعليه فالصحيحة غير مرتبطة بمحلّ الكلام، إذ لم يكن المأموم مكلَّفاً حينئذ بالقراءة، حتّى لا يُمهله الإمام عنها بركوعه، بل يكبّر ويركع معه .(1)
يلاحظ عليه بوجهين:
1. أنّ الوارد في الرواية «يدرك آخر صلاة الإمام»، في مقابل «آخر صلاة المأموم»، فالمراد بالأوّل بحكم المقابل، هو الركعة، لا الركوع، وعليه يكون الإدراك حال القيام، لا حال الركوع، وليس في الرواية «آخر ما يُدرك من صلاة الإمام»، حتّى ينطبق على الركوع.
2. لو أنّ المأموم أدرك الإمامَ في الركوع، فالقراءة ساقطة قطعاً، فلا معنى للسؤال عن الإمهال وغيره، وإنّما يناسب السؤال عن الإمهال إذا أدركه قائماً، لا راكعاً.
ومع ذلك كلّه، فالاعتماد على الرواية في قطع فاتحة الكتاب، مشكل، مع قوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب». ومن المحتمل أن يكون المراد، هو عدم الإمهال لقراءة السورة بعد فاتحة الكتاب، وقد اعترف بذلك صاحب الجواهر، وقال: وإن كانت بالنسبة إلى ترك السورة أصرح. فيكون دليلاً على تقدّم المتابعة على قراءة السورة.
ولذلك احتاط المصنّف عند القطع بإعادة الصلاة.
***

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 316 .

صفحه 346
المسألة 19: إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية، تحمّل عنه القراءة فيها، ووجب عليه القراءة في ثالثة الإمام، الثانية له، ويتابعه في القنوت في الأُولى منه، وفي التشهّد، والأحوط التجافي فيه، كما أنّ الأحوط التسبيح عوض التشهّد، وإن كان الأقوى جواز التشهّد، بل استحبابه أيضاً.*

* إذا أدرك الإمامَ في الركعة الثانية

فهنا فروع:
1. ما هو حكم القراءة في ثانية الإمام؟
2. ما هو حكم القنوت والتشهّد في أُولى المأموم وثانية الإمام؟
3. ما هو حكم القراءة في ثالثة الإمام وثانية المأموم؟
أقول: الترتيب الطبيعي للفروع ما ذكرنا، خلافاً للمصنّف ، حيث أخّر الفرع الثاني وقدّم الفرع الثالث.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: ما هو حكم القراءة في ثانية الإمام؟

لا شك في سقوط القراءة في ثانية الإمام عن المأموم ; لأنّ الإمام يتحمّلها عنه، وقد مرّ أنّ الإمام يضمن القراءة عن المأموم، فإطلاقُه يشمل ما ذكرنا، أي إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية.(1)   2

1 . الوسائل : 5، الباب 30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 347

الفرع الثاني: ما هو حكم القنوت والتشهّد في أُولى المأموم وثانية الإمام؟

إذا قنت الإمام في الركعة الثانية، وهي للمأموم الركعة الأُولى، يقنت مع الإمام ; لموثقة عبدالرحمن بن أبي عبدالله، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يدخل الركعة الأخيرة من الغداة مع الإمام، فقنت الإمام، أيقنت معه؟ قال: «نعم، ويجزيه من القنوت لنفسه ».(1)
والقنوت وإنْ كان مستحبّاً بالذات، ولكنْ يحتمل الوجوب في المقام لحفظ المتابعة; ومع ذلك كلّه، فاحتمال الوجوب ضعيف ; لأنّ قوله: «نعم» في موضع توهّم الحظر فلا يستفاد منه إلاّ الجواز لا الوجوب، مضافاً إلى أنّ المتابعة تجب في الأُمور الّتي يشترك فيها الإمام والمأموم، دون ما يختصّ بالإمام، وعلى هذا فإيجاب ما هو مستحبّ بالذات يحتاج إلى دليل قاطع.
وأمّا التشهّد، فقد تضافرت الروايات على قراءته استحباباً، ففي رواية إسحاق بن يزيد، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): جُعلتُ فداك، يسبقني الإمام بالركعة، فتكون لي واحدة وله ثنتان، فأتشهّد كلّما قعدتُ؟ قال: «نعم، فإنّما التشهد بركة».(2)
واستدلّ العلاّمة عليه بما روى الشيخ عن الحسين بن المختار، وداود بن الحصين، قال: سئل عن رجل فاتته ركعة من المغرب مع الإمام وأدرك   2

1 . الوسائل : 4، الباب 17 من أبواب القنوت، الحديث 1 .
2 . الوسائل : 5، الباب 66 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2. ولاحظ بقية روايات الباب .

صفحه 348
الثنتين، فهي الأُولى له فالثانية للقوم، يتشهدّ فيها؟ قال: «نعم». قلت: والثانية أيضاً؟ قال: «نعم». قلت: كلّهنّ؟ قال: «نعم، وإنّما هي بركة». وللشافعيّ وجهان: أحدهما: يتشهّد مستحبّاً. والثاني: لا يتشهّد .(1) وبما أنّ الأمر بالتشهّد ورد موضع توهّم الحظر فلا يستفاد منه إلاّ الجواز.
وقال في «الحدائق»: وكذا ينبغي المتابعة له في التشهّد، وإن لم يكن موضع تشهّد للمأموم، ثم نقل ما رواه إسحاق بن يزيد، والحسين بن المختار وداود بن الحصين، وقال: وبذلك يظهر أنّ ما نقله في «الذكرى» عن أبي الصلاح من أنّه يجلس مستوفزاً ولا يتشهّد، قال: وتبعه ابن زُهرة وابن حمزة غفلة عن ملاحظة هذه الأخبار وعدم الوقوف عليها.(2)
والعجب أنّ الشيخ أفتى بذلك، وقال: وليجلس مع الإمام في التشهّد الأوّل ولا يتشهّد، بل يحمد الله تعالى ويسبّحه.(3) ولعلّ نظره إلى نفي الوجوب.
والأَولى كما في «الجواهر» الإتيان بالتشهّد بقصد القربة المطلقة .
بقي الكلام في كيفية الجلوس، يظهر من صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج أنّ المتابعة تتحقّق بصورة التجافي، قال: سألت أباعبدالله (عليه السلام)عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الإمام، وهي له الأُولى، كيف   2

1 . منتهى المطلب: 6 / 299 .
2 . الحدائق الناظرة: 11 / 250: استوفز: قعد غير مطمئن وكأنّه يتهيّأ للوثوب.
3 . النهاية: 115.

صفحه 349
يصنع إذا جلس الإمام؟ قال: «يتجافى ولا يتمكّن من القعود» .(1)
روى الصدوق بإسناده عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث، قال: «ومَن أجلسه الإمام من موضع يجب أن يقوم فيه، يتجافي وأقعى إقعاءً ولم يجلس متمكّناً ».(2)
ولكن يعارضهما ما مرّ من أنّه يتشهّد (وإنّما هي بركة)، فإنّ المتبادر منه، التشهّد على نحو الركعات السابقة، وقد مرّ في رواية الحسين بن المختار وداود بن الحصين، قال: سُئل عن رجل فاتته صلاة ركعة من المغرب مع الإمام، فأدرك الثنتين، فهي الأُولى له والثانية للقوم، يتشهّد فيها؟ قال: «نعم». قلت: والثانية أيضاً؟ قال: «نعم». قلت: كلّهنَ؟ قال: «نعم، وإنّما هي بركة»(3). وظاهر الرواية أنّ القعود على النحو المتعارف كسائر المأمومين من غير إقعاء ولا تجاف، فالجمع يحصل بحمل التجافي على الاستحباب.
وأمّا المصنّف فقد احتاط بالتجافي في التشهّد، لورود الأمر به.

الفرع الثالث: ما هو حكم القراءة في ثالثة الإمام وثانية المأموم ؟

القراءة في الركعة الثانية للمأموم، وهي ثالثة الإمام، فيدلّ عليه قوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»، وليس هناك ما يضمن القراءة عن المأموم،   2

1 . الوسائل : 5، الباب 67 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل : 5، الباب 67 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
3 . الوسائل : 5، الباب 66 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 350
فيكون العموم هو المرجع، مضافاً إلى ورود النصّ به، ففي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج. قال: وسألته عن الرجل الّذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة، كيف يصنع بالقراءة؟ فقال: «اقرأ فيهما، فإنّهما لك الأوّلتان، ولاتجعل أوّل صلاتك آخرها».(1)
وفي صحيحة زرارة...: إنْ أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان، قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة.(2)
وقد مرّ أن المراد بقوله في نفسه، كناية عن عدم الجهر .
في إمهال الإمام في الثانية له   

1 . الوسائل : 5،الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
2 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.

صفحه 351
وإذا أمهله الإمام في الثانية له، للفاتحة والسورة والقنوت، أتى بها وإن لم يمهله ترك القنوت. وإن لم يمهله للسورة تركها. وإن لم يمهله لإتمام الفاتحة أيضاً، فالحال كالمسألة المتقدّمة من أنّه يتمّها ويلحق الإمام في السجدة أو ينوي الانفراد أو يقطعها ويركع مع الإمام ويتمّ الصلاة ويعيدها.*
* ثم إنّ المصنّف ذيّل المسألة بأُمور اتّضح وجهها ممّا ذكرنا وهي:
1. وإذا أمهله الإمام في الثانية له، للفاتحة والسورة والقنوت، أتى بها.
ووجهه واضح، إذ لا يزاحم المتابعة.
2. وإن لم يمهله ترك القنوت.
ووجهه كونه مستحبّاً، والمتابعة واجبة.
3. وإن لم يمهله للسورة، تركها، واقتصر على الفاتحة.
ويدلّ عليه صحيحة زرارة، قال: فإن لم يدرك السورة تامّة، أجزأتْه أُمُّ الكتاب .(1)
4. وإن لم يمهله لإتمام الفاتحة أيضاً، فالحال كالمسألة المتقدّمة.
أي فيه الوجوه الثلاثة من الإتمام، واللحوق بالإمام في السجدة أو نيّة الانفراد، أو القطع والركوع مع الإمام وإتمام الصلاة وإعادتها. وقد مرّ الكلام في هذه الأُمور الثلاثة، وقلنا: إنّ الأقوى فيها الإتمام واللحوق بالإمام ولا تضر عدم المتابعة في زمان قصير.

1 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .

صفحه 352
   
المسألة 20: المراد بعدم إمهال الإمام ـ المجوز لترك السورة ـ ركوعه قبل شروع ا لمأموم فيها، أو قبل إتمامها، وإن أمكنه إتمامها قبل رفع رأسه من الركوع، فيجوز تركها بمجرد دخوله في الركوع ولا يجب الصبر إلى أواخره وإنْ كان الأحوط قراءتها مالم يخف فوت اللحوق في الركوع، فمع الاطمئنان بعدم رفع رأسه قبل إتمامها لا يتركها ولا يقطعها.*

* ما هو المراد بعدم إمهال الإمام للمأموم؟

قد مرّ أنّه إذا لم يُمهله الإمام لإتمام أُمّ الكتاب، يختار أحد الأُمور الثلاثة، وأمّا إذا لم يُمهله لقراءة السورة، فقط تركها واقتصر بأُمّ الكتاب ; وفي صحيح زرارة: «فإن لم يدرك السورة تامة، أجزأته أُمّ الكتاب».(1)
وهذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في تفسيرعدم الإمهال المجوّز لترك السورة، فهنا احتمالان:
1. ركوع الإمام قبل شروع المأموم في السورة أو قبل إتمامها حتّى وإنْ أمكنه إتمامها قبل رفع رأسه من الركوع، فيجوز له الترك.
2. رفع رأسه من الركوع قبل أن يشرع، أو قبل أن يفرغ. وقد اختار المصنّف الوجه الأوّل، ويدلّ عليه صحيحتان:
الأُولى: ما في صحيحة زرارة، حيث قال: «إنْ أدرك من الظهر أو   2

1 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .

صفحه 353
من العصر أو من العشاء ركعتين، وفاتته ركعتان، قرأ في كل ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة، فإنْ لم يُدرك السورة تامة، أجزأته أُمُّ الكتاب».(1)
فإن قوله: «فإن لم يدرك السورة تامّة، أجزأته أُمّ الكتاب» بمنزلة قوله: «فإن لم يدرك السورة تامة» ـ خلف الإمام ـ ففيه دلالة واضحة في أنّ الإئتمام كان حال القيام كي يصدق القراءة خلف الإمام، فإنّ هذا العنوان لا يصدق إلاّ فيما إذا كان الإمام أيضاً متشاغلاً بالقراءة أو التسبيح، وحينئذ فقوله: فإنّ لم يدرك السورة تامة أنّه لم يدرك السورة خلف الإمام تامّة، وهذا يتحقّق بمجرد ركوع الإمام الموجب لسلب عنوان القراءة خلفه، وقد حكم (عليه السلام)عندئذ بجواز ترك السورة وكفاية أُمّ الكتاب .(2)
وإنْ شئت قلت: إنّ مورد الرواية ما إذا أدرك الإمام قائماً في الركعة الثالثة للإمام، فابتدأ بقراءة أُمّ الكتاب، فإذا بالإمام قد ركع، فله أن يقتصر بأُمّ الكتاب، ولا يجب الصبر إلى أواخر الركوع.
الثانية: صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)، عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام، وهو أوّل صلاة الرجل فلا يمهله حتّى يقرأ، فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال (عليه السلام): «نعم».(3)   2

1 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .
2 . مستند العروة الوثقى: 5 / 318 .
3 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .

صفحه 354
فإنّ الظاهر من عدم إمهاله حتّى يقرأ، ركوعه قبل أن يقرأ ـ بناءً على أنّ المراد قراءة السورة ـ وقد مرّ أنّ مورد الرواية إدراك الإمام، وهو قائم.
فإذن جاز له ترك السورة بمجرد دخول الإمام في الركوع.
وهل له إذا لم يخف فوت اللحوق في الركوع، قراءة السورة أو إكمالها؟ الظاهر ذلك عملاً بدليل وجوب السورة حسب الإمكان، خصوصاً إذا قلنا بأنّ المراد من عدم الإمهال، هو الاحتمال الثاني، أي رفع الرأس من الركوع، والمفروض أنّه بعدُ لم يرفع; وعلى ما ذكرنا، فالقراءة حينئذ تكون أقوى لا أحوط كما عليه المصنّف.
ثم إنّ بعض المعلّقين على العروة، قيّد إطلاق المصنِّف بعدم لزوم التأخّر الفاحش المضرّ للمتابعة، فعندئذ يكون الاحتياط في ترك السورة، أو ترك إكمالها.

صفحه 355
المسألة 21: إذا اعتقد المأموم إمهال الإمام له في قراءته فقرأها ولم يدرك ركوعه لا تبطل صلاته، بل الظاهر عدم البطلان إذا تعمّد ذلك، بل إذا تعمّد الإتيان بالقنوت مع علمه بعدم درك ركوع الإمام، فالظاهر عدم البطلان.*
* في المسألة فروع:
1. إذا اعتقد المأموم إمهال الإمام له في قراءته، فقرأها ولم يدرك ركوعه.
2. إذا اعتقد المأموم عدم إمهال الإمام له في قراءته، فقرأها ولم يدرك ركوعه.
3. إذا تعمّد الإتيان بالقنوت، مع علمه بعدم درك ركوع الإمام .

الفرع الأوّل: لو اعتقد المأموم إمهال الإمام له في القراءة

إذا اعتقد المأموم إمهال الإمام في قراءته، فقرأها ولم يدرك ركوعه، لا تبطل صلاته، إمّا لأجل أنّ المتابعة حكم تكليفيّ، وليس شرطاً لصحّة الجزء، ولا لاتّصافه بالجماعة; أو لأنّ المتابعة أمر عُرفيّ، وليست أمراً عقلياً، فترك المتابعة في جزء من أجزاء الصلاة، لا يُخلّ بها، وأنّ المتابعة في معظم الأجزاء كافية في صدقها; أو لأنّ المتابعة واجبة فيما يعتقد المأموم أنّه لا يتخلّف إذا قرأ السورة والمفروض وجود ذلك الاعتقاد، ولذلك تصحّ الصلاة لو نهى وتخلّف في بعض الأفعال.   2

صفحه 356

الفرع الثاني: لو اعتقد المأموم عدم إمهال الإمام له في قراءته

نفس الصورة ولكن مع العلم بعدم الإدراك فتصحّ صلاته; لأنّ الأمر بالمتابعة أمرٌ إرشاديّ، لحفظ وصف الجماعة مهما أمكن وبصورة كاملة، فالتخلّف في جزء لا يُخلّ بها.

الفرع الثالث: لو تعمد الإتيان بالقنوت مع علمه بعدم إدراك ركوع الإمام

يعلم حكم هذا الفرع ممّا تقدّم. نعم، لو كان الفاصل الزماني كثيراً على نحو يخلّ بالمتابعة ويضرّ بها حتّى عرفاً، فتنقلب صلاته فرادى، على القول بجوازها اختياراً. ويمكن القول بالتفصيل بين الحمد، والسورة والقنوت فلا تبطل في الأوّل للتصريح به في صحيح زرارة حيث قال: «فإن لم يدرك السورة تامّة أجزأته أُمّ الكتاب» (1)، وتنقلب فرادى في الأخيرتين .

1 . الوسائل: ج 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .

صفحه 357
المسألة 22: يجب الإخفات في القراءة خلف الإمام وإن كانت الصلاة جهرية، سواء كان في القراءة الاستحبابية، كما في الأوّلتين مع عدم سماع صوت الإمام، أو الوجوبية، كما إذا كان مسبوقاً بركعة أو ركعتين، ولو جهر جاهلاً أو ناسياً، لم تبطل صلاته. نعم لا يبعد استحباب الجهر بالبسملة، كما في سائر موارد وجوب الإخفات.*

* في وجوب الإخفات في القراءة خلف الإمام وإن كانت الصلاة جهرية

في المسألة فروع:
1. إذا كانت الصلاة جهرية، وكانت القراءة خلف الإمام استحبابية، كالركعتين الأُوليين فهل يجب الإخفات، أو يجوز الجهر أيضاً ؟
2. تلك الصورة، ولكنْ كانت القراءة واجبة، كما إذا كان مسبوقاً بركعة أو ركعتين.
3. لو قلنا بوجوب الإخفات، فجهر جاهلاً، أو ناسياً.
4. ما حكم البسملة في القراءة الواجبة.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: إذا كانت الصلاة جهرية، (فقد تقدّم استحباب القراءة للمأموم مع عدم سماع صوت الإمام أو همهمته)، يجب عليه الإخفات.
ففي صحيحة قتيبة عن أبي عبدالله (عليه السلام): «إذا كنت خلف إمام ترتضي   2

صفحه 358
به في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلم تسمع قراءته، فاقرأ أنت لنفسك ».(1)
وقوله: «فاقرأ أنت لنفسك» كناية عن القراءة .
الفرع الثاني: إذا كانت الصلاة جهرية ودخل الجماعة في ثالثة الإمام أو رابعته، تجب عليه القراءة كما تقدّم، ولكن يقرأ إخفاتاً، لما في صحيحة زرارة: «إنْ أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين، وفاتته ركعتان، قرأ في كل ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة» .(2)
الفرع الثالث: لو جهر جاهلاً أو ناسياً، صحّت صلاته; ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى قاعدة «لا تعاد» ـ صحيح زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: «أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري، فلا شيء عليه، وقد تمّت صلاته» .(3)
الفرع الرابع: في حكم الجهر بالبسملة، فيما إذا كانت القراءة واجبة فهل يجوز الجهر نظير ما إذا كان منفرداً، أو لا؟
الظاهر عدم الجواز، لعدم وجود إطلاق في روايات الباب (باب استحباب الجهر بالبسملة) حتّى يشمل هذه الصورة، أعني: إذا كان المأموم مسبوقاً بركعة أو ركعتين، فتجب عليه القراءة دون الإمام. فلاحظ    2

1 . الوسائل : 5، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7 .
2 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .
3 . الوسائل : 4، الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 359
روايات الباب في الوسائل، فالجميع إمّا ناظر إلى الإمام أو من إذا صلّى منفرداً.(1)
وقال السيد الخوئي: بل تُشكل مشروعيته أيضاً بعد ورود الأمر بإخفات القراءة في صحيحتي زرارة وقتيبة المتقدّمتين، الظاهرتين في تمام القراءة بأجزائها الّتي منها البسملة، فالإخفات فيها لو لم يكن أقوى، فلا ريب في أنّه أحوط. (2)

1 . الوسائل : 4، الباب 21 من أبواب القراءة في الصلاة .
2 . مستند العروة الوثقى : 5 / 324 .

صفحه 360
المسألة 23: المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهّد في الثانية منه، الثالثة للإمام، فيتخلّف عن الإمام ويتشهّد ثم يلحقه في القيام، أو في الركوع، إذا لم يمهله للتسبيحات، فيأتي بها ـ ويكتفي بالمرّة ـ ويلحقه في الركوع أو السجود، وكذا يجب عليه التخلّف عنه في كلّ فعل وجب عليه دون الإمام ـ من ركوع أو سجود أو نحوهما ـ فيفعله ثم يلحقه، إلاّ ما عرفت من القراءة في الأُوليين.*

* المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهد في الثانية ثم يلتحق بالجماعة

عُلم حكم ما ذكره المصنّف من الفروع، ممّا سبق من المسائل، فإنّ المأموم المسبوق بركعة، لا يطابق عمله عمل الإمام، فربما يجب عليه التشهّد دون الإمام، فعليه أن يأتي بكلّ ما تخلّف عن الإمام، ونحن نذكر حسب ما ذكره المصنّف في المتن:
1. المأموم المسبوق بركعة، تكون ثانيتهُ، ثالثةَ الإمام، فيتخلَّف عن الإمام ويتشهّد، ثم يلحقه في القيام. وتدلّ عليه روايات. منها: صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أباعبدالله (عليه السلام)عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الإمام، وهي له الأُولى، كيف يصنع إذا جلس الإمام؟ قال: «يتجافى، ولا يتمكّن من القعود، فإذا كانت الثالثة للإمام، وهي له الثانية، فليلبث قليلاً إذا قام الإمام بقدر ما يتشهّد، ثم يلحق بالإمام».(1)   2

1 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 361
2. إذا لم يُمهله الإمام لأن يقوم إلى التسبيحات بأن ركع قبل أن يقوم المأموم، فعندئذ يأتي بها مرّة واحدة ويلحقه بالركوع أو السجود.
فلو قلنا بكفاية التسبيحة الواحدة للمنفرد، فلا إشكال; وأمّا لو قلنا بوجوب الثلاث منها، فتقع المزاحمة بين التسبيحة الكاملة، ودليل المتابعة، وبما أنّا قلنا إنّ المتابعة أمر عرفيّ، فالتخلّف بالقدر اليسير، غير مُضرّ، فيثلث التسبيحة فلو أدركه في الركوع، فهو، وإلاّ يكفي اللحوق في السجود، وقد مرّ ما يؤيد ذلك في صلاة الجمعة إذا تأخّر المأموم عن الركوع والسجود.
نعم، لو قلنا بجواز الانفراد، فالانفراد أحوط.
3. يجب عليه التخلّف عنه في كلّ فعل وجب عليه دون الإمام، من ركوع أو سجود أو نحوهما، فيفعله ثم يلحقه; وذلك لأنّ الإمام لا يتحمّل عن المأموم شيئاً من أفعال الصلاة غير القراءة في الأُوليين إذا إئتمّ فيهما به.
هذا على وفق عبارة المصنّف والأولى أن يقال: «من قراءة أو تشهد» مكان «من ركوع أو سجود» ; لأنّ الإمام والمأموم فيهما سيان لا يختلفان، وإنّما يطرأ الاختلاف في المسبوق بركنه فيجب عليه القراءة أو التشهد دون الإمام.

صفحه 362
المسألة 24: إذا أدرك المأمومُ الإمامَ في الأخيرتين فدخل في الصلاة معه قبل ركوعه، وجب عليه قراءة الفاتحة والسورة إذا أمهله لهما، وإلاّ كفته الفاتحة على ما مرّ. ولو علم أنّه لو دخل معه لم يمهله لإتمام الفاتحة أيضاً، فالأحوط عدم الإحرام، إلاّ بعد ركوعه، فيحرم حينئذ ويركع معه، وليس عليه الفاتحة حينئذ.*
* في المسألة فرعان:
1. إذا أدرك المأمومُ الإمامَ في الأخيرتين قبل ركوعه، وأمهله الإمام.
2. لو علم أنّه لو دخل معه، لم يُمهله لإتمام الفاتحة.
وإليك دراسة الفرعين:

الفرع الأوّل: لو أدرك المأموم الإمام في الأخيرتين قبل ركوعه وأمهله الإمام

إذا أدرك المأموم الإمام في الأخيرتين، فدخل في الصلاة معه قبل ركوعه، وجب عليه قراءة الفاتحة والسورة إذا أمهله لهما، وإلاّ كفته الفاتحة.
ويدلّ على ذلك ما مرّ من صحيحة زرارة(1).
وذيل رواية عبد الرحمن بن الحجاج وهو: سألته عن الرجل الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال: «اقرأ فيهما فإنّهما لك الأُولتان، ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها».(2)   2

1 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.
2 . الوسائل : 5، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2 .

صفحه 363
نعم خلا الذيل عن بيان حكم عدم الإمهال بقراءة السورة، وكفى في ذلك صحيحة زرارة، فلاحظ.

الفرع الثاني: لو أدرك المأموم الإمام في الأخيرتين قبل ركوعه ولم يمهله

لو أدرك المأموم الإمام في الأخيرتين، وعلم أنّه لو دخل معه لا يُمهله الإمام لإتمام الفاتحة أيضاً، فهل يجوز الدخول، أو لا؟
احتاط المصنّف بعدم الدخول ; لدوران الأمر بين حفظ إطلاق قوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» وترك المتابعة، أو العكس ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، ولأجل ذلك فالأحوط كما في المتن، عدم الدخول إلاّ بعد ركوعه، وليس عليه حينئذ الفاتحة.

صفحه 364
المسألة 25: إذا حضر المأموم الجماعة، ولم يدرِ أنّ الإمام في الأُوليين أو الأخيرتين، قرأ الحمد والسورة بقصد القربة، فإنْ تبيّن كونه في الأخيرتين وقعت في محلّها، وإنْ تبيّن كونه في الأُوليين لا يضرّه ذلك.*

* لو لم يدر المأموم أنّ الإمام في الأُوليين أو الأخيرتين

إذا كان موضوع المسألة، الصلوات الجهرية، فالظاهر أنّه غير متحقّق في الخارج; لأنّ المأموم بينما يسمع صوت الإمام، فيقف على أنّه في الأُوليين أو في الأخيرتين، أو لا يسمع فيمكن له تحقيق الحال عن طريق المأمومين فهم بين سكوت غالباً، يكشف كونه في الأُوليين أو تلاوة التسبيحة فيعلم أنّه في الأخيرتين.
وإذا كان الموضوع الصلوات الإخفاتية، فيرد عليه ـ مضافاً إلى ما ذكرناه في الصلاة الجهريّة وأنّ تحقّق الموضوع نادر جداً ـ أنّ قسماً من الفقهاء على حرمة القراءة في الركعتين الأُوليين منها، فلو قلنا بذلك فلا يصحّ قول المصنّف: «فإنّ تبيّن كونه في الأخيرتين وقعت في محلّها، وإن تبيّن كونه في الأُوليين لا يضرّه ذلك»، إذ لو كان في الأُوليين لضرّه ذلك.
وبعبارة أُخرى: على القول بحرمة القراءة في الأُوليين في الصلوات الإخفاتية، الأمر يدور بين المحذورين، إذ لو كان في الأُوليين تحرُم القراءة، ولو كان في الأخيرتين تجب القراءة، فعلى ذلك يجب أن لا يدخل في   2

صفحه 365
الصلاة حتّى يتبيّن الحال، من تلاوة المأمومين أو سكوتهم.
نعم، على القول بالكراهة، كما هو خيرة المصنّف فيما مضى(1)، يصح عنوان المسألة في خصوص الإخفاتية، فإذا قرأ الحمد لا يضرّه، بل ربّما ينفعه، إذ لو كان في الأُوليين لما ضرّه، ولو كان في الأخيرتين، لوقع في محلّه .
ولو فرضنا بقاء المكلّف في الشكّ، وحاول أن لا يعمل بمقتضى الاحتياط، فهل هناك أصل مُحرز أنّ الإمام في الركعتين الأوّليين؟
ذهب السيد الحكيم والسيد الخوئي ـ قدس الله سرهما ـ إلى وجود الأصل، وتقريبه حسب ما أفاده السيد الخوئي، هو: أنّ الموضوع لسقوط القراءة عن المأموم «اقتداؤه خلف إمام يكون هو في إحدى الأوّلتين» على ما يظهر من الروايات. وهذا الموضوع محقَّق في المقام بضمّ الوجدان إلى الأصل، فإنّ «الاقتداء خلف الإمام» محرز بالوجدان، «وكون الإمام في الأوّلتين» محرز بالأصل حيث إنّه كان في زمان في الركعتين الأوّلتين يقيناً ونشكّ في انقلابه كما هو عليه بالدخول في الأخيرتين، ومقتضى الاستصحاب بقاؤه على ما كان، ونتيجة ذلك سقوط القراءة عن المأموم.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ الموضوع عبارة عن «الاقتداء خلف إمام ـ يكون موصوفاً بكونه ـ في إحدى الأُوليين»; وذلك لأنّ وحدة الحكم ـ أعني: سقوط القراءة ـ يقتضي وحدة الموضوع، فلا بدّ أن يكون الموضوع أمراً موحّداً   2

1 . لاحظ نفس هذا الفصل المسألة 1 .
2 . مستند العروة الوثقى: 5 / 338 .

صفحه 366
حتّى يصلح لأن يقع موضوعاً لحكم واحد، لكنّه غير محرز، إذ المحرز أمران مستقلاّن، لا صلة بينهما، وهما:
1. الاقتداء خلف إمام.
2. كان في زمان في الركعتين الأُوليين.
وأمّا تقيّد الأوّل بالثاني، وأنّ الاقتداء خلف إمام، كان في زمان من الأزمنة في الركعتين فهو غير محرز، إذ لم يتحقّق في زمان، كان المأموم خلف الإمام، وكان الإمام في الركعتين الأُوليين; فظهر أنّ الموضوع لم يكن متحقّقاً في زمان حتّى يُستصحب .

صفحه 367
المسألة 26: إذا تخيّل أنّ الإمام في الأُوليين فترك القراءة ثم تبيّن أنّه في الأخيرتين، فإنْ كان التبيّن قبل الركوع، قرأ ولو الحمد فقط ولحقه، وإنْ كان بعده صحّت صلاته; وإذا تخيّل أنّه في إحدى الأخيرتين فقرأ، ثم تبيّن كونه في الأُوليين فلا بأس، ولو تبيّن في أثنائها لا يجب إتمامها.*
* في المسألة فرعان:
1. تخيّل أنّ الإمام في الأُوليين فترك القراءة، ثم تبيّن الخلاف.
2. تخيّل أنّ الإمام في إحدى الأخيرتين، فقرأ ثم تبيّن الخلاف .
وإليك دراسة الفرعين.

الفرع الأوّل: لو تخيّل أنّ الإمام في الأُوليين فترك القراءة ثم بان الخلاف

إذا تخيّل أنّ الإمام في الأُوليين، فترك القراءة، ثم تبيّن أنّه في الأخيرتين، فهنا صورتان:
أ. إن كان التبيّن قبل الركوع، قرأ ـ ولو الحمد فقط ـ لبقاء المحلّ، وإمكان التدارك، فإنْ أمهله الإمام لها، قرأها، وإنْ لم يُمهله يأتي فيه الاحتمالات الثلاثة الماضية:
1. ترك الفاتحة والالتحاق بالإمام في الركوع.
2. ترك المتابعة والالتحاق في السجود.
3. العدول إلى الانفراد.
وبما أنّ المتابعة أمر عرفي فالأقوى هو الوجه الثاني، لعدم   2

صفحه 368
فوتها بالتأخير القليل .
ب. وإنْ كان التبيّن بعد الركوع، صحّت صلاته، لعدم قدح نقص القراءة سهواً، لقاعدة: «لا تُعاد».

الفرع الثاني: لو تخيّل أنّ الإمام في إحدى الأخيرتين ثم بان الخلاف

لو تخيّل أنّه في إحدى الأخيرتين، فقرأ، ثم تبيّن كونه في الأُوليين، صحّت صلاته; لعدم قدح الزيادة السهوية في غير الأركان. نعم، لو تبيّن في أثناء القراءة، لا يجوز له الإتمام بعنوان الوجوب.
لو كان مشتغلاً بالنافلة فأُقيمت الجماعة   

صفحه 369
المسألة 27: (1) إذا كان مشتغلاً بالنافلة، فأُقيمت الجماعة وخاف من إتمامها عدمَ إدراك الجماعة ولو كان بفوت الركعة الأُولى منها، جاز له قطعها، بل استُحبّ له ذلك ولو قبل إحرام الإمام للصلاة.
(2) ولو كان مشتغلاً بالفريضة منفرداً وخاف من إتمامها فوت الجماعة، استُحبّ له العدول بها إلى النافلة وإتمامها ركعتين. إذا لم يتجاوز محلّ العدول بأن دخل في ركوع الثالثة.
(3) بل الأحوط عدم العدول إذا قام إلى الثالثة وإن لم يدخل في ركوعها.
(4) ولو خاف من إتمامها ركعتين فوت الجماعة ولو الركعة الأُولى منها جاز له القطع بعد العدول إلى النافلة على الأقوى، وإنْ كان الأحوط عدم قطعها، بل إتمامها ركعتين وإنِ استلزم ذلك عدم إدراك الجماعة في ركعة أو ركعتين.
(5) بل لو علم عدم إدراكها أصلاً إذا عدل إلى النافلة وأتمّها، فالأولى والأحوط عدم العدول، وإتمام الفريضة ثم إعادتها جماعة إن أراد وأمكن.*
* في المسألة فروع:
1. إذا كان مشتغلاً بالنافلة فأُقيمت الجماعة وخاف من إتمامها عدمَ إدراك الجماعة ولو بفوت ركعة منها.   2

صفحه 370
2. لو كان مشتغلاً بالفريضة منفرداً وأُقيمت الجماعة وخاف من إتمامها فوت الجماعة، وهو بعدُ لم يدخل في ركوع الركعة الثالثة.
3. تلك الصورة، ولكنْ دخل في ركوع الركعة الثالثة أو قيامها.
4. لو خاف بعد العدول إلى النافلة وإتمام الصلاة ركعتين، من فوتِ الجماعة ولو الركعة الأُولى منها، هل له القطع بعد العدول إلى النافلة؟
5. لو علم عدم إدراك الجماعة أصلاً إذا عدل إلى النافلة وأتمّها ركعتين.
وإليك بيان الفروع بوجه واضح:
1. إذا صار إتمام النافلة مانعاً من إدراك الجماعة.
2. إذا كان إتمام الفريضة مانعاً من إدراك الجماعة.
3. إذا كان إتمام الفريضة مانعاً من إدراك الجماعة وقد قام إلى الركعة الثالثة أو دخل في ركوعها.
4. إذا عدل من الفريضة إلى النافلة. وأتمّها ركعتين، خاف فوت الجماعة ولو الركعة الأُولى.
5. نفس الصورة ولكن علم فوت الجماعة أصلاً.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر:

الفرع الأوّل: لو كان مشتغلاً بالنافلة فأُقيمت الجماعة

لو شرع المأموم في النافلة، وأحرم الإمام أو دخل في الصلاة وخاف من إتمامها عدم إدراك الجماعة ولو كان بفوت الركعة الأُولى منها، جاز له   2

صفحه 371
قطعها استحباباً، لا الجواز في مقابل الحرمة، وسيوافيك دليل استحبابه.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا ابتدأ الإنسان بصلاة نافلة ثم أحرم الإمام بالفرض نُظر فإن عُلِم أنّه لا يفوته الفرض معه أتمّ نافلته، وإن علم أنّه تفوته الجماعة قطعها ودخل في الفرض معه .(1)
وقال المحقّق : إذا شرع المأموم في نافلة، فأحرم الإمام، قَطَعها، واستأنف إذا خشي الفوات، وإلاّ أتمّ ركعتين استحباباً .(2)
وقال العلاّمة: إذا شرع في نافلة فأحرم الإمام، قطعها إن خشي الفوات، تحصيلاً لفضيلة الجماعة، سواء أخاف فوت النافلة، أو لا، ولو لم يخف الفوات، أتمّ النافلة، ثم دخل في الفريضة.(2)
ونقلها في «جواهر الكلام» عن «النافع» و «المنتهى» و «الدروس» و «البيان» و «اللمعة» وغيرها.(4)
وفي «الحدائق»: الظاهر من الجميع أنّه يقطعها إنْ خشي بإتمامها، الفوات، وأمّا لو لم يخش الفوات، فإنّه يتمّها جمعاً بين الوظيفتين، وتحصيلاً للفضيلتين، والظاهر أنّ المراد بالفوات، فوات الركعة، واحتمال فوات الصلاة كملاً، بعيد. ثم أضاف بأنّ الأصحاب لم ينقلوا مستنداً لما ذكروه في هذا الموضع، سوى ما عرفت من التعليل الاعتباري، الّذي نقلناه عنهم.(3)   2

1 . الخلاف: 1 / 565، المسألة 318 .   2 . شرائع الإسلام: 1 / 126 .
2 . تذكرة الفقهاء: 4 / 336 .   4. جواهر الكلام: 14 / 34 .
3 . الحدائق الناظرة: 11 / 258 .

صفحه 372
واستدلّ عليه في «الحدائق» وتبعه في «الجواهر» بما يلي:
1. الرضوي: وإنْ كنت في صلاة النافلة وأُقيمت الصلاة، فاقطعْها وصلّ الفريضة مع الإمام.(1)
وهل إطلاقه يشمل ما لو خاف فوات ركعة أو أنّها منصرفة إلى صورة خوف فوات الجميع وجهان. وهنا احتمال ثالث وهو جواز قطع الصلاة وإن لم يكن هنا فوت الركعة تكريماً للجماعة.
2. صحيحة عمر بن يزيد أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرواية الّتي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة ما حدّ هذا الوقت؟ قال: إذا أخذ المقيم في الإقامة، فقال له: إنّ الناس يختلفون في الإقامة، فقال: المقيم الّذي تصلّي معه.(2)
والاستدلال مبنيّ على إرادة عدم الفرق بين الابتداء والاستدامة، قال في «الحدائق»: تقريب الاستدلال، أنّ الخبر دلّ على أنّه إذا أخذ المقيم في الإقامة، فلا ينبغي التطوع، وهو أعمّ من أن يبتدئ بالتطوّع بعد أخذ المقيم في الإقامة، أو يحصل الأخذ في الإقامة بعد دخوله في النافلة .(3)
لو كان مشتغلاً بالفريضة منفرداً وأُقيمت الجماعة قبل ركوع الركعة الثالثة   
وناقش صاحب الجواهر في دلالة الرواية على المقام، لظهور الصحيح في إرادة الابتداء، ولذا خصّ الأصحاب الاستدلال به على كراهة الشروع في النافلة بعد الإقامة، وإنْ كان فيه، مع ذلك، إيماء في الجملة إلى رجحان   2

1 . المستدرك: 7، الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل : 4، الباب 44 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 1 .
3 . الحدائق الناظرة: 11 / 258 .

صفحه 373
مراعاة الجماعة على النافلة.(1)
ثم إنّ الدليل على استحباب القطع في هذا الفرع هو أنّ أمره يدور بين الوجوب والإباحة. أمّا الأوّل فغير صحيح جداً ; لأنّ الجماعة من المسنونات فكيف تكون مقدّمته واجبة؟! والثاني مثله; لأنّ الأمر بالقطع الخالي عن الرجحان لا معنى له، فتعيّن كونه مستحباً .

الفرع الثاني: لو كان مشتغلاً بالفريضة منفرداً وأُقيمت الجماعة قبل ركوع الركعة الثالثة

لو كان مشتغلاً بالفريضة منفرداً وهو بعد لم يدخل في ركوع الركعة الثالثة بل ولا قيامها وخاف من إتمامها فوت الجماعة، فيختلف حكمه مع الفرع السابق حيث يجوز فيه القطع دون المقام، بل استُحبّ له العدول هنا إلى النافلة وإتمامها ركعتين.
قال المحقّق الحلّي: وإن كانت فريضة، نقل نيّته إلى النَّفْل على الأفضل، وأتمّ ركعتين.(2)
وقال العلاّمة الحلي: ولو كان في فريضة، استُحبّ له أن ينقل النيّة إلى النَّفْل ويتمّها اثنتين استحباباً، ثم يدخل معه في الصلاة عند علمائنا. وهو أحد قولي الشافعي، للحاجة إلى فضل الجماعة.(3)
ويدلّ عليه صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)   2

1 . جواهر الكلام : 14 / 35 .   2. شرائع الإسلام: 1 / 126 .   3 . تذكرة الفقهاء: 4 / 336 .

صفحه 374
عن رجل دخل المسجد، فافتتح الصلاة، فبينما هو قائم يصلّي إذ أذّن المؤذّن وأقام الصلاة؟ قال: «فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الإمام، ولتكن الركعتان تطوّعاً ».(1)
وموثّقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: «إن كان إماماً عدلاً فليصلّ أُخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو».(2)
ودلالة الروايتين على الاستحباب على غرار ما سبق في الفرع الأوّل فإنّ قوله: «فليصل ركعتين» في صحيحة سليمان، أو قوله «فليصلّ أُخرى» في الموثقة أمر لا يخلو من احتمالات ثلاثة: الوجوب، الإباحة، والاستحباب ; فلا مورد للوجوب كما هو واضح، ولا للإباحة بلا رجحان، فتعيّن الاستحباب.
لو كان مشتغلاً بالفريضة منفرداً فأُقيمت الجماعة وقد دخل في ركوع الركعة الثالثة   

إذا دخل في قيام الثالثة

ثم إنّ مورد الروايتين، هو ما إذا صلّى ركعة فقط كموثّقة سماعة، أو ركعتين كصحيحة سليمان بن خالد، وأمّا إذا قام إلى الثالثة ولم يدخل في ركوعها، فقد احتاط المصنّف بعدم العدول والاستمرار على الفريضة; مضافاً إلى أنّ العدول إلى النافلة مع هدم الركعة وإتمامها ركعتين يوجب زيادة في الصلاة.
وحصيلة الكلام: أنّ في المقام احتمالات:   2

1 . الوسائل : 5، الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . الوسائل : 5، الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 375
1. الاستمرار في العمل وعدم قطع الفريضة لحرمتها. وهو خيرة المصنّف.
2. العدول إلى النفل ثم قطعها لإدراك فضيلة الجماعة. لم نعثر على قائل به.
3. العدول إلى النافلة مع هدم الركعة وإتمامها ركعتين.
والأحوط هو الأوّل، والثاني لا يخلو من إشكال لاحتمال اختصاص العدول من الفريضة إلى النفل ثم القطع بما إذا بدا له القطع بعد النقل إلى النفل، لا النقل إليه لغاية القطع.
وأمّا الثالث: فهو يستلزم الزيادة القادحة .
نعم أجاب السيد الخوئي عن الزيادة بأنّ الزيادة القادحة غير شاملة للمقام، لاختصاصها بما إذا أوجد الزائد ابتداءً، لا ما إذا أُعطي وصف الزيادة لما كان، كما هو الحال في غير المقام (1).
وسيوافيك الكلام فيه، في الفرع الآتي فانتظر.

الفرع الثالث: لو كان مشتغلاً بالفريضة فأُقيمت الجماعة وقد دخل في ركوع الركعة الثالثة

إذا كان مشتغلاً بالفريضة فأُقيمت الجماعة وقد دخل في ركوع   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 337.

صفحه 376
الركعة الثالثة منها فليس له العدول إلى النافلة للتجاوز عن محله، والعدول إلى النافلة يوجب زيادة الركن فيها، وهي مبطلة من غير فرق بين الفريضة والنافلة.
ثم إنّ السيد الخوئي ـ مع أنّه خصّ الزيادة المبطلة في الفرع الثالث بما إذا أُوجد زائداً لا ما طرأت عليه الزيادة ـ قال بالبطلان في المقام، قائلاً: بأنّ الركوع المزبور وإنْ لم يكن مشمولاً لأدلة الزيادة القادحة، إلاّ أنّه موجب لبطلان النافلة المعدول إليها، لكونه زيادة في الركن ولو بقاءً، سواء أكانت بإحداث الزائد ابتداءً أو بإعطاء وصف الزيادة لما كان، لاندراجها في عقد الاستثناء في حديث «لا تُعاد»، بناءً على ما هو الصحيح من شمول الحديث مطلق الخلل، نقصاً وزيادة.(1)
   
يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين زيادة الركوع وزيادة غيره بلا وجه، إذ لقائل أن يقول: إنّ عقد الاستثناء وإن كان شاملاً لمطلق الخلل، الّذي منها الزيادة، لكنّه لا يشمل إلاّ ما حدث زائداً لا ما وُجد غير زائد، ثم طرأت عليه الزيادة، وكون الركوع ركناً، لا يوجب التفريق، بعد اختصاص المبطل بما وجد زائداً لا ما طرأت عليه الزيادة، فما هو المختار في تفسير قوله: «من زاد في صلاته، فعليه الإعادة»، هو المختار في قوله: «لاتعاد الصلاة إلاّ من خمسة... الركوع والسجود»، وعدم ورود لفظ الزيادة في عقد الاستثناء، لا يكون موجباً للتفريق، لأنّ المفروض شموله لها، والمقدّر كالمذكور.   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 338 .

صفحه 377

الفرع الرابع: لو خاف بعد العدول إلى النافلة وإتمام الصلاة من فوت الجماعة

قد مرّ في الفرع الثاني أنّه لو كان مشتغلاً بالفريضة منفرداً، وخاف من إتمامها فوت الجماعة كلاًّ أو بعضاً، استُحبّ له العدول بها إلى النافلة، وإتمامها ر