welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 4*
نویسنده :الشيخ حسن محمد مكي العاملي*

الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 4

       محاضرات

الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني

الإلهيات
على هدى الكتاب والسُّنة والعقل

الجزء الرابع

بقلم

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


(2)

منشورات المركز العالمي للدراسات الإسلامية
قم ـ ايران

اسم الكتاب:    الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل / ج 4

المحاضر:    الاستاذ آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم:    الشيخ حسن محمّد مكي العاملي

الناشر:    المركز العالمي للدراسات الإسلامية

الطبعة:    الثالثة

المطبعة:    مطبعة القدس

تاريخ الطبع:    1412 هـ . ق

النسخة:    3000

السعر:    2500 ريال

حقوق الطبع محفوظة للناشر


(3)


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم


(5)

الفصل التّاسع
الإمامة والخلافة

* مقدّمات

1 ـ تعريف الإمامة.

2 ـ هل الإمامة من الأصول أو الفروع؟.

3 ـ ماهيةُ الإمامة عند أهل السُّنة .

4 ـ مؤهلات الإمام عند أهل السُّنَّة.

5 ـ بماذا تنعقد الإمامة عند أهل السُّنَّة؟.

6 ـ ماهية الإمامةِ عند الشيعة الإمامية.

7 ـ المصالحُ العامة وصيغةُ الحكومة بعد النبيّ.

8 ـ هل الشورى أساسٌ للحكم والخلافة؟

9 ـ هل البَيْعة أساس للحكم والخلافة ؟

10 ـ تصوُّر النبيِّ الأكرم للقيادة بعدَه.

11 ـ تصوُّرُ الصحابة للخلافة بعد النَّبي.

12 ـ صيغةُ القيادةِ في الشرائع السابقة.

* البحثُ الأول: السُّنَّة النبوية وتنصيبُ علي للإمامة.

* البحث الثاني: السُّنَّة النبويةُ والأئمة الإثنا عشر.

* البحث الثالث: عصمةُ الإمام في القرآن.

* البحث الرابع: الإمام المُنتظرُ في الكتاب والسُّنَّة .

ـ أسئلةٌ مهمةٌ حول المهدي عجَّل الله فرجه .


(6)


(7)

الفصل التاسع
الامامة والخلافة

المقصود من الإمامة، إمامةُ الأُمّة جمعاء. خلافةً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وقبل الخوض في أصل المقصود، نقدّم أموراً:


(8)

الأمر الأول

في تعريف الإمامة

عُرّفت الإمامة بوجوه:

1 - الإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا(1) .

2 ـ الإمامة خلافة الرسول في إقامة الدين، بحيث يجب اتّباعه على كافة الأُمة (2).

3 ـ الإمامة نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا (3).

4 ـ الإمامة خلافة عن الرسول في إقامة الدين وحفظ المِلَّةِ بحيث يجب اتِّباعه على كافة الأُمة (4).

والتعريف الأول أَلْيق على مذهب الإمامية، والبقية ألصق بمذهب أهل السنّة في الإمامة.

والأولى أن تُعَرَّف الإمامة بأنّها رئاسة عامة إلهية. وعلى كل تقدير، فالمهم هو تحليل ماهية هذه الخلافة، وتحديدها، وأنّه ماذا يراد من الإمامة في مصطلح المتكلمين.


1 - المواقف، ص 345، وقال فيه: «ونُقِضَ بالنبوة». وسيوافيك أنّ النقض غير وارد.
2 - المصدر السابق نفسه .
3 - مقدمة إبن خلدون، ص 191 .
4 - دلائل الصدق، ج 2، ص 4. والتعريف للفضل بن روزبهان الأشعري.


(9)

الأمر الثاني

هل الإمامة من الأصول أو الفروع ؟

اتّفقت كلمة أهل السنة، أو أكثرهم، على أنّ الإمامة من فروع الدين.

قال الغزالي: «إعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات، وليس أيضاً من فنّ المعقولات، بل من الفقهيات، ثم إنّها مثار للتعصبات، والمُعْرِض عن الخوض فيها، أسلم من الخائض ، بل وإن أصاب، فكيف اذا أخطأ؟ ولكن إذا جرى الرسم باختتام المعتقدات بها، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد، فإنّ فطام القلوب عن المنهج، المخالف للمألوف(1)، شديد النِّفار» (2).

وقال الآمدي: «واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها، بل لَعَمري إنّ المعرض عنها لأَرجى من الواغل فيها، فإنّها قَلّما تنفك عن التعصّب، والأهواء، وإثارة الفتن والشحناء، والرجم بالغيب في حق الأئمة والسَّلَف، بالإزراء، وهذا مع كون الخائض فيها سالكاً سبيل التحقيق، فكيف اذا كان خارجاً عن سواء الطريق. لكن لمَّا جرت العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلمين، والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنفات الأُصوليين، لم نَرَ من الصواب


1 - كذا في المصدر، والظاهر أنّ «المخالف» صفة «الفطام»، أو أنّ «المخالف» زائد .
2 - الإقتصاد في الإعتقاد، ص 234 .


(10)

خَرْق العادة بِتَرْك ذكرِها في هذا الكتاب» (1).

وقال الإيجي: «وهي عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا» (2).

وقال التفتازاني: «لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة، بعلم الفروع أَليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة، ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة، من فروض الكفايات، وهي أُمور كليّة تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها، فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد. ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الإعتقادية» (3) .

هذا ما لدى أهل السُّنة، وأمّا الشِّيعة، فالإعتقاد بالإمامة عندهم أصل من أُصول الدين، وسيظهر وجهه في الأبحاث التالية.

وها هنا سؤال يطرح نفسه، وهو أنّه اذا كانت الإمامة من الفروع، فأي معنى لسلّ السيف على هذا الحكم الفرعي، حتى قال الشهرستاني: «وأعظم خلاف بين الأُمة، خلافُ الإمامة، إذْ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلّ على الإمامة في كلّ زمان»(4).

فإذا كان الإعتقاد بإمامة شخص، تَوَلّى الخلافة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، من الأحكام الفرعية، فإنّ المخالفة فيه لا تستلزم تكفير المخالف أو تفسيقه، إذا كان للمخالف حجة شرعية، كمخالفة المجتهد للمجتهد.

مثلاً: إنّ المسح على الخُفَّيْن، أو جواز العمل بالقياس، من مسائل الفروع الخلافية، فهل ترى من نفسك تجويز تكفير المخالف، أو تفسيقه؟، أو


1 - غاية المرام في علم الكلام، ص 363، لسيف الدين الآمدي، (551 ـ 631 هـ ).
2 - المواقف، ص 395 .
3 - شرح المقاصد، ج 2، ص 271 .
4 - الملل والنحل، للشهرستاني، ج 1، ص 24 .


(11)

إنّ لكلٍّ حُجَّته ودليله، وإنّ للمصيب أَجْرَيْن وللمخطئ أجراً واحداً، فما هذه الدمدمة والهمهمة حول الإمامة؟

وإذا كانت الإمامة، بعامَّة أبحاثها من الفروع، فما وجه إقحام ذلك في عِداد المسائل الأُصولية، كما ارتكبه إمام الحنابلة، وقال: «خير هذه الامة بعد نبيّنا، أبو بكر، وخيرُهُم بعد أبي بكر، عُمَر، وخيرهم بعدَ عُمَر عُثْمان; وخيرهم بعد عثمان، عَليّ; رضوان الله عليهم، خلفاء راشدون مهديُّون» (1).

ومثلُه، أبو جعفر الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية، المسماة بـ«بيان عقيدة السنّة والجماعة»، حيث قال: «وتثبت الخلافة بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأبي بكر الصِّدِّيق، تفضيلاً، وتقديماً على جميع الأُمّة، ثم لِعُمَرَ بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفّان، ثم لعليّ بن أبي طالب»(2).

وقد اقتفى أثرهما الشيخ أبو الحسن الأشعري، عند بيان عقيدة أهل الحديث وأهل السُّنة، والشيخ عبد القاهر البغدادي في بيان الأُصول الّتي اجتمع عليها أهل السنّة (3).

وهذا الصراع بين القولين، أراق الدماء الطاهرة، وجرّ على الأُمّة الويلَ والثُبُور، وعظائم الأُمور، فما معنى إقحام الإعتقاد بالأحكام الفرعية في قائمة العقائد؟ وإِنْ هذا إلاّ زَلَةٌ لا تُستقال.

نعم، أَوَّلُ من لبّس الأمر، وجعل الإعتقاد بها من صميم الإيمان على


1 - كتاب السنة ص 49، المطبوع ضمن رسائل بإشراف حامد محمد فقي. وهذا الكتاب ألف لبيان مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السُّنة، وَوَصَفَ مَنْ خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها أو عاب قائلها، بأنّه مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة وسبيل الحق.
2 - شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي، ص 471، وأخذنا العبارة من المتن. وتوفي الطحاوي عام 321 هجري.
3 - لاحظ «الإبانة عن أُصول الديانة»، الباب 16، ص 190 و «الفَرْق بين الفِرَق» ص 350. ولاحظ «لُمَع الأَدلة» للإمام الأشعري، ص 114، و «العقائد النَّسَفية» ص 177 .


(12)

مسلك أهل السنة، هو عَمْرو بن العاص، عندما اجتمع مع أبي موسى الأشعري، في دومة الجندل. وما جَعَلَ الإعتقاد بخلافة الخليفتين الأَوَّلَينْ، إلاّ للازدراء بعليّ ـ عليه السَّلام ـ وشيعته (1).

***


1 - لاحظ مروج الذهب للمسعودي، ج 2، ص 397. ولاحظ «بحوث في الملل والنحل»، لشيخنا الأستاذ ـ دام ظلّه ـ ج 1، ص 265 ـ 272 .


(13)

الأمر الثالث

ماهية الإمامة عند أهل السنّة

إنّ اتّفاق مشايخ المتكلمين من أهل النسّة على كون الإمامة من الفروع الّتي يبحث عنها في الكتب الفقهية، واتّفاق الشيعة الإمامية على أنّها من الأصول، ينشآن من أصل آخر، وهو أنّ حقيقة الإمامة تختلف عند السنّة، عمّا هي عند الشيعة، فالسُّنة ينظرون إلى الإمام كرئيس دولة، ينتخبه الشعب أو نوّاب الأُمّة، أو يتسلّط عليها بانقلاب عسكري، وما شابه ذلك، فإنّ مثل هذا لا يشترط فيه سوى بعض المواصفات المعروفة، ومن المعلوم أنّ الإعتقاد برئاسة رئيس جمهورية، أو رئيس وُزَراء، ليس من الأصول، بحيث يُفَسَّق من لم يعتقد بإمامته ورئاسته وولايته. وهذه هي البلاد الإسلامية لمّا تزل يسيطر عليها رئيس بعد آخر، رغبة أو رهبة، ولم يَرَ أحَدٌ الإعتقادَ بإمامته من الأُصول، ولم يَجْعَل فِسْقَه موجباً لخَلْعِه، وإلاّ لما استقرّ حجر على حجر.

وأمّا الشيعة الإمامية، فينظرون إلى الإمامة بأنّها استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة، فإنّ الرسالة والنبوة مختومتان بالتحاق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى) ، ومن المعلوم أنّ ممارسة هذا المقام، يتوقف على توفر صلاحيات عالية، لا ينالها الفرد، إلاّ إذا وقع تحت عناية إلهية ربّانية خاصة، فيخلُف النبيَّ في علمه بالأصول والفروع، وفي عدالته وعصمته، وقيادته الحكيمة، وغير ذلك من الشؤون.

وممّا يعرب عن أنّ الإمامة عند أهل السنّة أشبه بسياسة وقتية زَمَنِيّة، يشغلها


(14)

فرد من الأُمّة بأحد الطرق، ما اشترطوه من الشروط، وذكروه من الأوصاف في حق الإمام، وستوافيك فيما يأتي. ولأجل إيقاف الباحث على صحّة هذا التحليل نشير إلى بعض كلماتهم.

قال الباقلاني: «لا ينخلع الإمام بفسقه وظُلْمِهِ بغصب الأموال، وضَرْب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله» (1).

وقال الطحاوي: «ولا نرى الخروج على أئمتنا ووُلاة أُمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزوجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة» (2). وقال: «والحج والجهاد ماضيان مع أُولي الأمر من المسلمين، بَرِّهِم وفاجِرِهِم، إلى قيام الساعة، ولا يبطلهما شيء ولا يَنْقُضهما»(3).

قال التفتازاني: «ولا يَنْعَزِلُ الإمام بالفسق، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى، والجور (أي الظلم على عباد الله)، لأنّه قد ظهر الفسق، وانتشر الجور من الأئمة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجُمَع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم». ونَقَل عن كتب الشافعية أنّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام، والفرق أن في انعزاله ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة، لما له من الشوكة، بخلاف القاضي (4) .

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي ذكروها في وجوب إطاعة السلطان الجائر، وحرمة الخروج عليه (5) . فإنّ هذه الكلمات تبين لنا موقع منصب الإمامة عند أهل


1 - التمهيد، للقاضي أبي بكر الباقلاني، ص 181. توفي القاضي عام 403 هـ .
2 - متن شرح العقيدة الطحاوية، ص 379، ولاحظ ما ذكره في شرحه.
3 - المصدر السابق، ص 387 .
4 - شرح العقائد النسفيّة، المتن لأبي حفص عمر بن محمد النَّسفي (م 537 هـ )، والشرح لسعد الدين التفتازاني (م 791 هـ ) ص 185 ـ 186، ط إسطنبول .
5 - لاحظ مقالات الإسلاميين، للأشعري، ص 323، وأصول الدين، لمحمد بن عبد الكريم البزدوي (إمام الماتريدية)، ص 190 .


(15)

الحديث والأشاعرة، وكلّها تعرب عن أنّهم ينظرون إلى الإمامة كسياسة وقتية زمنية، وإلى الإمام كسائس عاديّ يقود أُمّته في حياتهم الدنيوية. ولأجل ذلك لا يكون الفسق والجور، وهتك الأستار، قادحاً في إمامتهم، كما أنّ التسلط على الرقاب بالقهر والإستيلاء، والنار والحرب، أحد الطُرق المسوغة للتربع على منصّة الإمامة.

فإذا كانت هذه هي حقيقة الإمامة، وكان هذا هو الإمام، فلا غرابة حينئذ في جعلها من الأحكام الفرعية.

***


(16)

الأمر الرابع

مؤهلات الإمام عند أهل السنّة

إنطلاقاً من البحث السابق في تبيين ماهية الإمامة، عند أهل السنّة لم يشترطوا في الإمام سوى عدّء صلاحيات، تشترط في عامة الرؤساء، وإليك نصوصهم:

1 ـ قال الباقلاني (م 403 هـ ): «يشترط :

ـ أن يكون قُرَشِيّاً من صميم.

ـ وأن يكون في العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضياً من قُضاة المسلمين.

ـ وأن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب، وتدبير الجيوش والسرايا، وسدّ الثغور، وحماية البيضة، وحفظ الأُمّة، والإنتقام من ظالمها، والأخذ لمظلومها» (1).

2 ـ وقال عبد القاهر البغدادي (م 429 هـ ): «قال أصحابنا إنّ الّذي يصلح للإمامة ينبغي أن يكون فيه أربعة أوصاف :

ـ أحدها: العلم. وأقل ما يكفيه منه، أن يبلغ فيه مبلغ المجتهدين في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام.


1 - التمهيد، ص 181 .


(17)

ـ الثاني: العدالة والورع. وأقلّ ما يجب له من هذه الخصلة، أن يكون ممن يجوز قبول شهادته تَحَمُّلاً وأداءً .

ـ والثالث: الإهتداء إلى وجوه السياسة وحُسْنِ التدبير، وأن يعرف مراتب الناس، فيحفظهم عليها، ولا يستعين على الأعمال الكبار، بالعُمَّال الصغار، ويكون عارفاً بتدبير الحروب.

ـ الرابع: النَّسَب من قُرَيْش» (1) .

3 ـ وقال أبو الحسن البغدادي الماوردي (م 450 هـ): «الشروط المعتبرة في الإمامة سبعة:

أحدها: العدالة على شروطها الجامعة. الثاني: العلم المؤدّي إلى الإجتهاد في النوازل والأحكام. الثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان. الرابع: سلامةُ الأعضاء. الخامس: الرأي المُفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. السادس: الشجاعة والنجدة. السابع: النَّسب، وهو أن يكون من قريش» (2) .

4 ـ وقال ابن حزم (م 456 هـ): «يشترط فيه أمور :

1 ـ أن يكون صلبه من قريش، 2 ـ أن يكون بالغاً مميزاً، 3 ـ أن يكون رجلاً، 4 ـ أن يكون مسلماً، 5 ـ أن يكون متقدِّماً لأمره، 6 ـ عالماً بما يلزمه من فرائض الدين، 7 ـ متَّقياً لله بالجملة، غير معلن الفساد في الأرض. 8 ـ أن لا يكون مولّىً عليه» (3) .

5 ـ وقال القاضي سراج الدين الأرْمَوي (م 689 هـ) : «صفات الأئمة تسع :

1 ـ أن يكون مجتهداً في أُصول الدين وفروعه، 2 ـ أن يكون ذا رأي


1 - أصول الدين، لأبي منصور البغدادي، م 429 هـ، ص 277. ط دار الكتب العلمية ـ بيروت .
2 - الأحكام السلطانية، ص 6 .
3 - الفِصَل، ج 4، ص 186 .


(18)

وتدبير، 3 ـ أن يكون شجاعاً، 4 ـ أن يكون عدلاً، 5 ـ أن يكون عاقلاً، 6 ـ أن يكون بالغاً، 7 ـ أن يكون مُذَكَّراً، 8 ـ أن يكون حُرّاً، 9 ـ أن يكون قُرَشيّاً »(1).

6 ـ وقال التفتازاني (م 791 هـ): «قد ذكرنا في كتبنا الفقهية أنّه لا بدّ للأُمّة من إمام يحيي الشريعة، ويُقيم السنّة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها، ويشترط أن يكون مكلَّفاً، مسلماً، عدلاً، حُرّاً، ذَكَراً مجتهداً، شجاعاً، ذا رأي وكفاية، سميعاً بصيراً، ناطقاً، قريشياً، فإن لم يوجد من قريش من يستجمع هذه الصفات المعتبرة، وُلِّي كِنانيّ، فإن لم يوجد فَرَجلٌ من ولد اسماعيل، فإن لم يوجد فَزَجُلٌ من العجم» (2).

7 ـ وقال الفضل بن روزبهان: «وشروط الإمام أن يكون مجتهداً في الأُصول والفروع ليقوم بأمر الدين، ذا رأي وبصارة بتدبير الحرب، وترتيب الجيوش، شجاعاً، قويَّ القلب لِيَقْوَى على الذَّبِّ عن الحوزة» (3).

ويلاحظ على هذه الشروط

أَوّلاً: إنّ اختلافهم في عدد الشرائط قلّة وكثرة، ناشئ من افتقادهم النصّ الشرعي في مجال الإمامة واعتقادهم أنّ منصب الإمامة، ـ مع عظمته ـ لم تنبس فيه النبي الأكرم ببنت شفة، وإنّما الموجود عندهم نصوص كلية لا تتكفل بتعيين هذه الشروط، ولا تتكفل بتبيين صيغة الحكومة الإسلامية بعد النبي، والمصدر لهذه الشروط عندهم هو الإستحسان، والإعتبارات العُقَلائية، وملاحظة الأهداف الّتي يمارسها الإمام والخليفة بعد النبي الأكرم.

وهذا مما يقضي منه العَجَب، وهو أنّ النبي كَيْفَ ترك بيان هذا الأمر


1 - مطالع الأنوار، ص 470 .
2 - شرح المقاصد، ج 2، ص 271 .
3 - دلائل الصدق، ج 2، ص 4 .


(19)

المُهِمّ، شرطاً وصفةً، مع أنّه بَيَّن أبسط الأشياء وأدناها، من المكروهات والمستحبات.

وثانياً: إنّ اعتبار العدالة لا ينسجم مع ما ذهبوا إليه من أنّ الإمام لا ينخلع بفسقه وظلمه، وغيره ممّا نقلناه عنهم.

كما أنّهم جعلوا القَهْرَ والإستيلاء، أحد الأُمور الّتي تنعقد بها الإمامة ـ كما سيأتي ـ وتجعل المستولي والقاهر ولي أَمر، يشمله قوله سبحانه: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ)(1). ومن المعلوم أنّ القاهر والمستولي بالحرب والنّار، لا يهمه إلاّ السلطة وإعمال القدرة، سواءٌ أَجْتَمَعَت فيه هذه الشروط أَوْ لا. أفهل يجب إطاعة مثل هذا؟

حيث أنّ وجوب طاعته لا ينسجم مع اعتبار هذه الشروط ; وعدم وجوب طاعته لا ينسجم مع كون القهر والغلبة من الأُمور الّتي تنعقد بها الإمامة.

وثالثاً: إنّ التاريخ الإسلامي يشهد بأنّ الخلَفاء بعد عليّ ـ عليه السَّلام ـ ، كانوا يفقدون أكثر هذه الصلاحيات ومع ذلك يمارسون الخلافة.

فهذه صحائف تاريخهم، من لدن تَسَنُّمِ معاوية عرش الخلافة، إلى آخر خلفاء بني مروان، خضبوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا الصحابة والتابعين، ونهبوا الديار والأموال، وقد بلغ جورهم وظلمهم الذروة، حتى ثارت عليهم الأُمّة، وقتلت صغيرهم وكبيرهم، فلم يبق منهم إلاّ مَنْ فرَّ إلى الأندلس. وبَعْدَهم تسلّط العباسيون، باسم حماية أهل البيت، ولكن حدث ما حدث، ولم تكن سيرتهم أَحسن حالاً من سيرة الأمويين، حتى قال القائل :

يا لَيْتَ جَوْرَ بني مَرْوانَ دام لنا * ولَيْتَ عَدْلَ بني العبّاسِ في النارِ

***


1 - سورة النساء: الآية 59 .


(20)

الأمر الخامس

بماذا تنعقد الإمامة عند أهل السنّة ؟

قد تعرّفت على عقيدة أهل السنّة في باب الإمامة، وأنّها عندهم أشبه بسياسة وقتية زمنية، يقودها الحاكم العادي مع كفاءات ومؤهلات، تطابق شأنه.

وعلى ذلك يرجع تعيين الإمام إلى نفس الأُمّة، لا إلى الله سبحانه ولا إلى رسوله، وهم قد اختلفوا فيما تنعقد به الإمامة على اقوال شتّى نأتي ببعضها:

1 ـ قال الإسفرائيني: ( 344 ـ 406 هـ) في كتاب الجنايات: «وتنعقد الإمامة بالقهر والإستيلاء، ولو كان فاسقاً أو جاهلاً أو عجمياً» (1).

2 ـ قال الماوردي (م 450 هـ): «إختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم، على مذاهب شتّى. فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كل بلد، ليكون الرضا به عامّاً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة أخرى: أقلُّ ما تنعقد به منهم الإمامة، خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، استدلالاً بأمرين: أحدهما: أنّ بَيْعة


1 - إحقاق الحق، للسيد التُّسْتَري، ج 2، ص 317 .


(21)

أبي بكر إنعقدت بخمسة إجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب، وأبو عُبّيدة بن الجراح، وأُسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حُذيفة.

والثاني: أنّ عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة.

وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.

وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الإثنين، ليكونوا حاكماً وشاهدَيْن، كما يصحّ عقد النكاح بِوَلي وشاهدين.

وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لأَنَّ العباس قال لعلي: امدُدْ يَدَكَ أُبايعك، فيقول النَّاس عمّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بايعَ ابن عمّه، فلا يختلف عليك اثنان. ولأنّه حُكْمٌ، وحكمُ واحد نافذٌ» (1).

3 ـ قال إمام الحرمين الجويني (م 478 هـ): «إعلموا أنّه لا يُشترط في عقد الإمامة الإجماع، بل تنعقد الإمامة، وإن لم تُجْمع الأُمّة على عَقْدها. والدليل عليه أَنَّ الإمامة لمّا عُقدت لأبي بكر، إبتدر لإمضاء أحكام المسلمين ولم يتأنّ لانتشار الأخبار إلى مَنْ نأى من الصحابة في الأقطار، ولم يُنكر عليه مُنْكِر. فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يَثْبت عدد معدود، ولا حدٌّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الإمامة تنعقد بعقدِ واحد من أهل الحَلّ والعقد» (2).

4 ـ قال القُرْطُبي: (م 671 هـ): «فإنْ عَقَدها واحدٌ من أهل الحلّ والعقد، فذلك ثابت، ويلزم الغير فعله، خلافاً لبعض الناس، حيث قال: لا تنعقد إلاّ بجماعة من أهل الحلّ والعقد، ودليلنا: أنّ عُمَر عقد البيعة لأبي بكر، ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك(3). ولأنّه عَقْدٌ، فوجب أن لا يفتقر إلى عدد


1 - الأحاكم السلطانية، ص 6 ـ 7، ط الحلبي بمصر.
2 - الإرشاد، 424 .
3 - ولعل القرطبي لم يقرأ مأساة السقيفة بين المهاجرين والأنصار، وإلاّ فالإعتراض والنزاع كان قائماً على قدم وساق ويكفي في ذلك مراجعة كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة، وتاريخ الطبري، وسيرة إبن هشام، وكتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري المتوفّى عام 280 هـ . وفيما يأتي من المباحث نشير إلى بعض تلك الوقائع .


(22)

يعقدونه كسائر العقود» (1).

5 ـ وقال القاضي عضد الدين الإيجي (م 757 هـ): «المقصد الثالث فيما تثبت به الإمامة، وأنّها تثبت بالنّصّ من الرسول، ومن الإمام السابق، بالإجماع، وتثبت ببَيْعَة أهل الحلّ والعقد. لنا، ثبوت إمامة أبي بكر بالبَيْعة».

وقال: «وإذا ثبت حصول الإمام بالإختيار والبَيْعة، فاعلم أنّ ذلك لا يفتقر إلى الإجماع، اذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والإثنان من أهل الحلّ والعقد، كاف، لعِلْمِنا أنّ الصحابة، مع صلابتهم في الدين، اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعَقْد عبد الرحمن بن عوف لعُثْمان، ولم يشترطوا اجتماع مَنْ في المدينة، فضلاً عن إجماعهم هذا، ولم ينكر عليه أحد، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا هذا»(2).

6 ـ وعلى ذلك مضى شارح المواقف السيد شريف الجرجاني (م 816 هـ) (3) .

7 ـ وقال التفتازاني (م 791 هـ): «وتنعقد الإمامة بطرق :

أحدها: بيعة أهل الحلّ والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه النّاس الذين يتيسر حضورهم من غير اشتراط عدد، ولا اتّفاق مَنْ في سائر البلاد، بل لو تعلّق الحّلُّ والعَقْدُ بواحد مطاع كفت بيعته.

الثاني: إستخلاف الإمام وعهده، وجعله الأمر شورى بمنزلة الإستخلاف، إلاّ أنّ المستخلَف عليه غير متعين فيتشاورون، ويتفقون على أحدهم، وإذا خَلَع الإمام نَفْسَه كان كموته، فينتقل الأمر إلى ولي العهد.

الثالث: القَهْرُ والإستيلاء، فاذا مات الإمام وتصدّى للإمامة


1 - تفسير القرطبي، ج 1، ص 260 .
2 - المواقف، صفحة 399 ـ 400، ط عالم الكتب .
3 - شرح المواقف، ج 8، ص 351 ـ 353 .


(23)

من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف، وقَهَرَ الناس بشوكته، انعقدت الخلافة له وكذا إذا كان فاسقاً أو جاهلاً على الأظهر» (1).

يلاحظ على هذه الأقوال والنظريات

أولاً: إنّ موقف أصحاب هذه الأقوال في المسألة، موقفُ من اعتقد بصحة خلافة الخلفاء، فاستدلّ به على ما يرتئيه من الرأي، من انعقادها بواحد أو اثنين، أو اتّفاق من تيسّر حضوره، دون النائين من الصحابة، وغير ذلك.

وهذا النَّمَط من الإستدلال، إستدلال بالمُدّعى على نفس المُدّعى، وهو دور واضح. والعجب من هؤلاء الأعلام كيف سكتوا عن الإعتراضات الهائلة الّتي توجهت من نفس الصحابة من الأنصار والمهاجرين على خلافة الخلفاء، الذين تمّت بَيْعتهم، بِبَيْعة الخمسة في السقيفة، أو بَيْعة أبي بكر لعمر، أو بشورى السِّتَّة، فإنّ من كان مُلِمّاً بالتاريخ ومهتماً به، يرى كيف كانت عقيرة كثير من الصحابة مرتفعة بالإعتراض. حتى أنّ الزُبير وقف في السقيفة أمام المبايعين، وقد اخترط سيفه، وهو يقول: «لا أُغمده حتى يبايَعَ عليٌّ». فقال عمر: «عليكم الكلب»!. فأخذ سيفه من يده، وضرب به الحجر، وكُسِرَ(2).

ويكفي في ذلك قول الطبري أنّه قام الحباب بن المنذر ـ وانتضى سيفه ـ وقال: «أَنا جُذَيْلُها المُحَكَكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّب، أنا أبو شبل، في عرينة الأسد، يعزى إليّ الأَسد، فحامله عمر، فضرب يده، فندر السيف، فأَخذه، ثم وثب على سعد (بن عبادة) ووثبوا على سعد وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية، قام أبو بكر دونها، وقال قائل حين أُوطيء سعد: قتلتم سعداً. فقال عمر: قتله الله، إنّه منافق. واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه (3).


1 - الإمامة والسياسة ج 1، ص 11 .
2 - شرح المقاصد، ج 2، ص 272، ط اسطنبول .
3 - تاريخ الطبري، حوادث عام 11، ج 2، ص 459. وفي رواية أخرى للطبري أنّ عمر قام على رأس سعد، وقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك. فأخذ سعد بلحية عمر، وقال: والله لو حصحصت منه شعرة ما رَجِعْتَ وفيك واضَحة، أما والله لو أنّ بي قوة ما أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يُجْحِرك وأصحابك (أي يلزمهم دخول الجحر، وهو كناية عن شدّة التضييق)، أما والله، إذاً لألحقنّك بقوم كُنْتَ فيهم تابعاً غير متبوع، احملوني من هذا المكان». فحملوه، فأدخلوه في داره. وتُرك إياماً، ثم بعث إليه أن أَقْبل، فبايع، فقد بايع الناس، وبايَعَ قومُك. فقال: أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي وأُخَضِّب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما مَلِكَتْهُ يدي، وأُقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، فلا أفعل. وأَيْمُ الله، لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أُعرَضَ على ربّي، وأعلم ما حسابي». فكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يُجْمع معهم، ولا يفيض معهم إفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر. (المصدر نفسه). وسعد بن عبادة سيد الخزرجيين.


(24)

هذه نبذة يسيرة من الأصوات المُدَوّية الّتي عارضت الخلافة والخليفة المنتخب، وكم لها من نظير في السقيفة والشورى وغيرهما ضربنا عنه صفحاً.

أفيصح بعد ذلك قول القرطبي: «ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك»، وكأَن الحباب، وسعداً، وابنه قيس، وعامة الخزرجيين، وبني هاشم، والزبير، لم يكونوا من الصحابة؟!.

وثانياً: إنّ هذا الإختلاف الفاحش في كيفية عقد الإمامة، يعرب عن بطلان نفس الأصل لأنّه إذا كانت الإمامة مفوضة إلى الأُمّة، كان على النبي الأكرم بيان تفاصيلها وخصوصياتها وخطوطها العريضة، وأنّه هل تنعقد بواحد أو إثنين من الصحابة؟ أو تنعقد بأهل الحلّ والعقد منهم؟ أو بالصحابة الحضور عند رحلة النبي أو رحلة الإمام السابق؟ أو باتّفاق جميع المسلمين بأنفسهم، أو بممثليهم ؟

وليس عقد الإمامة لرجل، أقلّ من عقد النكاح بين الزوجين الّذي اهتمّ القرآن والسنّة ببيانه وتحديده، كما اهتمت السنّة على الخصوص بشؤونه وأحكامه.

والعجب أنّ عقد الإمامة الّذي تتوقف عليه حياة الأُمّة، لم يطرح في النصوص، لا كتاباً ولا سنّة ـ على زعم القوم ـ ولم تُبَيَّن حدوده ولا شرائطه، ولا سائر مسائله الّتي كان يواجهها المسلمون بعد وفاة النبي الأكرم مباشرة!!


(25)

وجملة القول، إنّ اختلافهم في شرائط الإمام وطرق تنصيبه، جعل الخلافة وبالاً على المسلمين، حتى أخذت لنفسها شكلاً يختلف كلّ الإختلاف عن الشكل الّذي ينبغي أن تكون عليه. فقد أصبحت الخلافة الإسلامية، إمبراطورية، وملكاً عضوضاً، يتناقلها رجال العَيْث والفساد، من يد فاسق، إلى آخر فاجر غارق في الهوى، إلى ثالث سفّاك متعصّب. وقد أعانهم في تسنم ذورة تلك العروش، مرتزقة من رجال متظاهرين باسم الدين، فبرروا أفعالهم، ووجّهوا أعمالهم توجيهاً ملائماً للظروف السائدة، وصحّحوا إتجاهاتهم السياسية الخاصة، فخلقوا في ذلك أحاديث وسنن مفتعلة على صاحب الرسالة، واصطنعوا لهذا وذاك فضائل، لتدعيم مراكزهم السياسية، ويكفيك النموذج التالي، لتقف على حقيقة تلك الأحاديث المفتراة.

رووا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهُدايَ، ولا يَسْتَنّون بسُنَّتي وسيقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال الراوي: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضَرَبَ ظهرَك، وأَخَذَ مالَك، فاسمع وأَطع» (1).

***


1 - صحيح مسلم، ج 6، باب الأمر بلزوم الجماعة، وباب حكم من فَرَّق أمر المسلمين، ص 20 ـ 24، وفي البابين نظائر كثيرة لهذا الحديث .


(26)

الأمر السادس

الإمامة عند الشيعة الإمامية

قد تعرفت على حقيقة الإمامة لدى أهل السنّة والجماعة، وعرفت أنّ ما يتبنونه لا يقتضي أزيد من الشرائط المتوفرة في رؤساء الدول غير أنّ الإمامة عند الشيعة تختلف في حقيقتها عمّا لدى إخوانهم، فهي إمرة إلهية، واستمرار لوظائف النبوة كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي. ومقتضى هذا، إتصاف الإمام بالشروط المُشْتَرَطة في النبي، سوى كونه طرفاً للوحي.

توضيح ذلك: إنّ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، كان يملأ فراغاً كبيراً وعظيماً في حياة الأُمّة الإسلامية، ولم تكن مسؤولياته وأعماله مقتصرة على تلقّي الوحي الإلهي، وتبليغه إلى الناس فحسب، بل كان يقوم بالأُمور التالية:

1 ـ يُفَسِّر الكتاب العزيز، ويشرح مقاصده وأَهدافه، ويكشف رموزه وأسراره.

2 ـ يُبَينِّ أحكام الموضوعات الّتي كانت تَحْدُثُ في زمن دعوته.

3 ـ يَرُدَ على الحملات التشكيكية، والتساؤلات العويصة المريبة الّتي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصارى .

4 ـ يصون الدين من التحريف والدسّ، ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أُصول وفروع، حتى لا تَزِلّ فيه أقدامهم.


(27)

وهذه الأُمور الأربعة كان النبي يمارسها ويملأ بشخصيته الرسالية ثغراتها. ولأجل جلاء الموقف نوضح كل واحد من هذه الأُمور.

أمّا الأمر الأوّل: فيكفي فيه قوله سبحانه: (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الّذِكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(1). فقد وُصف النبي في هذه الآية بأنّه مبيّن لما في الكتاب، لا مجرّد تال له فقط.

وقوله سبحانه: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَـهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(2) فكان النبي يتولى بيان مُجْمَلِهِ ومُطْلَقِهِ ومُقَيَّدِهِ، بقدر ما تتطلبه ظروفه .

والقرآن الكريم ليس كتاباً عادياً، على نسق واحد، حتى يستغني عن بيان النبي، بل فيه المُحْكَم والمتشابِه، والعام والخاص، والمُطْلَق والمُقَيَّد، والمنسوخ والناسِخ، يقول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ : «وخلّف (النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) فيكم ما خلّفت الأنبياءُ في أُمَمِها: كتاب ربّكم فيكم، مبيِّنا حلالَه وحرامَه، وفرائضَه وفضائلَه، وناسخَه ومنسوخَه، ورُخَصَه وعزائمه، وخاصّه وعامّه، وعِبَره وأمثاله، ومُرسَله ومحدوده، ومُحكَمه ومتشابهه، مفسراً مُجمله، ومبيِّناً غوامضه» (3).

وأمّا الأمر الثاني: فهو بغنىً عن التوضيح، فإنّ الأحكام الشرعية وصلت إلى الأمّة عن طريق النبي، سواء أكانت من جانب الكتاب أو من طريق السنّة .

وأمّا الأمر الثالث: فبيانه أنّ الإسلام قد تعرض، منذ ظهوره، لأعنف الحملات التشكيكية، وكانت تتناول توحيده ورسالته وإمكان المعاد، وحشر الإنسان، وغير ذلك. وهذا هو النبي الأكرم، عندما قدم عليه جماعة من كبار النصارى لمناظرته، استدلّوا لاعتقادهم بنبوة المسيح، بتولده من غير أب، فأجاب النبي بوحي من الله سبحانه، بأنّ أمر المسيح ليس أغرب من أمر آدم



1 - سورة النحل: الآية 44 .
2 - سورة القيامة: الآيات 16 ـ 19 .
3 - نهج البلاغة، الخطبة 1 .


(28)

حيث ولد من غير أب ولا أمّ قال سبحانه: (إِنَّ مَثَلِ عِيَسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(1).

وأنت إذا سبرت تفاسير القرآن الكريم، تقف على أنّ قسماً من الآيات نزلت في الإجابة عن التشكيكات المتوجهة إلى الإسلام من جانب أعدائه من مشركين ويهود ونصارى وسيوافيك في مباحث المعاد جملة كثيرة من الشبهات التي كانوا يعترضون بها على عقيدة المعاد، وجواب القرآن عليها.

وأمّا الأمر الرابع: فواضح لمن لاحظ سيرة النبي الأكرم، فقد كان هو القول الفصل وفصل الخطاب، إليه يفيء الغالي، ويلحق التالي، فلم يُرَ أبّان حياته مذهب في الأُصول والعقائد، ولا في التفسير والأحكام. وكان ـ بقيادته الحكيمة ـ يرفع الخصومات والإختلافات، سواء فيما يرجع إلى السياسة أو غيرها (2).

هذه هي الأُمور الّتي مارسها النبي الأكرم أيام حياته. ومن المعلوم أنّ رحلته وغيابه صلوات الله عليه، يخلّف فراغاً هائلاً وفي هذه المجالات الأربعة، فيكون التشريع الإسلامي حينئذ أمام محتملات ثلاثة:

الأول: أن لا يبدي الشارع إهتماماً بِسَدِّ هذه الفراغات الهائلة الّتي ستحدث بعد الرسول، ورأى تَرْكَ الأمور لتجري عى عَواهِنِها .

الثاني: أن تكون الأُمّة، قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة في إعدادها، حداً تقدر معه بنفسها على سدّ ذلك الفراغ.

الثالث: أن يستودع صاحب الدعوة، كلّ ما تلقاه من المعارف والأحكام


1 - سورة آل عمران: الآية 59. ولاحظ سورة الزخرف: الآيات 57 ـ 61 .
2 - يكفي في ذلك ملاحظة غزوة الحديبية، وكيف تغلّب بقيادته الحكيمة على الإختلاف الناجم، من عقد الصلح مع المشركين وما نجم في غزوة بني المصطلق من تمزيق وحدة الكلمة، أو ما ورد في حجة الوداع، حيث أمر من لم يَسُقْ هدياً. بالإحلال، ونجم الخلاف من بعض اصحابه، فحسمه بفصله القاطع .


(29)

بالوحي، وكلّ ما ستحتاج إليه الأُمّة بعده، يستودعه شخصية مثالية، لها كفاءة تَقَبُّلِ هذه المعارف والأحكام وَتَحَمُّلِها، فتقوم هي بسد هذا الفراغ بعد رحلته صلوات الله عليه .

أمّا الإحتمال الأول: فساقط جداً، لا يحتاج إلى البحث، فإنّه لا ينسجم مع غرض البعثة، فإنّ في ترك سدّ هذه الفراغات ضياعاً للدين والشريعة، وبالتالي قطع الطريق أمام رُقيّ الأُمّة وتكاملها.

فبقي الإحتمالان الأخيران، فلا بد ـ لتعيين واحد منهما ـ من دراستهما في ضوء العقل والتاريخ.

هل كانت الأُمّة مؤهلة لسدّ تلك الفراغات ؟

هذه هي النقطة الحساسة في تاريخ التشريع الإسلامي ومهمّتِه، فلَعَلَّ هناك من يزعم أنّ الأُمّة كانت قادرة على ملئ هذه الفراغات. غير أنّ التاريخ والمحاسبات الإجتماعية يبطلان هذه النظرة، ويضادّانِها، ويثبتان أنّه لم يُقَدَّر للأُمّة بلوغ تلك الذروة، لتقوم بسدّ هذه الثغرات الّتي خلّفها غياب النبي الأكرم، لافي جانب التفسير، ولا في جانب التشريع، ولا في جانب ردّ التشكيكات الهدّامة، ولا في جانب صيانة الدين عن الإنحراف، وإليك فيما يلي بيان فشل الأُمّة في سدّ هذه الثغرات، من دون أن نثبت للأُمّة تقصيراً، بل المقصود إستكشاف الحقيقة.

أمّا في جانب التفسير، فيكفي وجود الإختلاف الفاحش في تفسير آيات الذكر الحكيم، وقبل كل شيء نضع أمامك كتب التفسير، فلاترى آية ـ إلاّ ما شذّ ـ اتّفق في تفسيرها قول الأُمّة، حتى أنّ الآيات الّتي يرجع مفادها إلى عمل المسلمين يوماً وليلاً لم تُصَن عن الإختلاف، وإليك النماذج التالية .

أ ـ قال سبحانه: (فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(1).


1 - سورة المائدة: الآية 6 .


(30)

فقد تضاربت الآراء في فهم الآية، فمن قائل بعطف الأرجل على الرؤوس، ومن قائل بعطفها على الأيدي، فتمسح على الأوّل، وتُغْسَلُ على الثاني. فأيُّ الرأيين هو الصحيح؟ وأيُّ التفسيرين هو مراده سبحانه؟

ب ـ قال سبحانه: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) (1).

فاختلفت الأُمّة في موضع القطع، فمن قائل بأنّ القطع من أُصول الأصابع، وعليه الإمامية، ومن قائل بأنّ القطع من المفصل، بين الكفّ والذراع، وعليه الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. ومن قائل بأنّ القطع من المنكب، كما عليه الخوارج (2).

ج ـ قال سبحانه: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلـلَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِّنْهُمَا السُّدُسُ)(3).

وفي آية أُخرى يحكم سبحانه بإعطاء الكلالة، النصف أو الثُلُثَيْن، كما قال: (إِنِ امْرِؤٌاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهَا الثُّلثَانِ مِمَّا تَرَكَ)(4).

فما هو الحل، وكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟.

وأمّا الآيات المحتاجة إلى التفسير في مجال المعارف، فحدّث عنها ولا حرج، ويكفيك ملاحظة اختلاف الأُمّة في الصفات الخبرية، والعَدْل، والجَبْر والإختيار، والهداية والضلالة...

وكم، وكم من آيات في القرآن الكريم تضاربت الأفكار في تفسيرها، من غير فرق بين آيات الأحكام وغيرها.

وأمّا في مجال الإجابة على الموضوعات المستجدة، فيكفي في ذلك الوقوف


1 - سورة المائدة: الآية 38 .
2 - الخلاف، كتاب السرقة، ج 3، المسألة 31، ص 201 ـ 202 .
3 - سورة النساء: الآية 12 .
4 - سورة النساء: الآية 176 .


(31)

على أنّ التشريع الإسلامي كان يشق طريقه نحو التكامل بصورة تدريجية، لأنّ حدوث الوقائع والحاجات الإجتماعية، في عهد الرسول الأكرم، كان يثير أسئلة ويتطلب حلولاً، ومن المعلوم أنّ هذا النمط من الحاجة كان مستمراً بعد الرسول. غير أنّ ما ورثته المسلمون من النبي الأكرم لم يكن كافياً للإجابة عن جميع تلك الأسئلة.

أمّا الآيات القرآنية في مجال الأحكام، فهي لا تتجاوز ثلاثمائة آية. وأمّا الأحاديث ـ في هذا المجال ـ فالذي ورثه الأُمّة لا يتجاوز الخمسمائة حديث.

وهذا القَدَر من الأدلة غير واف بالإجابة على جميع الموضوعات المستجدة إجابة توافق حكم الله الواقعي، ولأجل إيقاف الباحث على نماذج من هذه القصورات، نذكر بعضها:

أ ـ رفع رجل إلى أبي بكر وَقَدْ شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فادّعى أنّه نشأ بين قوم يستحلّونها، ولم يعلم بتحريمها إلى الآن، فتحيّر أبو بكر في حكمه (1).

ب ـ مسألة العول شغلت بال الصحابة فترة من الزمن، وكانت من المسائل المستجدة الّتي واجهت جهاز الحكم بعد الرسول، وقد طرحت هذه المسألة أيام خلافة عمر بن الخطاب، فتحيّر، فأدخل النقص على الجميع استحساناً، وقال: «والله ما أدري أَيُّكم قدّم الله ولا أَيُّكم أَخَّر، ما أَجد شيئاً أوسع لي من أنْ أُقسّم المال عليكم بالحصص، وأُدخل على ذي حقّ ما أُدخل عليه من عول الفريضة» (2).

ج ـ سئل عمر بن الخطاب عن رجل طلّق امرأته في الجاهلية، تطليقتين،


1 - الكافي، ج 7، كتاب الحدود، ص 249، الحديث 4. الإرشاد للمفيد، ص 106، مناقب ابن شهر آشوب، ص 489 .
2 - أحكام القرآن، للجصاص، ج 2، ص 109، ومستدرك الحاكم، ج 4، ص 340. راجع في توضيح حقيقة العول المصدرين المذكورين والكتب الفقهية في الميراث .


(32)

وفي الإسلام تطليقة، فهل تضم التطليقتان إلى الثالثة، أو لا؟ فقال للسائل «لا آمرك ولا أَنهاك»(1) .

هذا، ولا نعني من ذلك أنّ الشريعة الإسلامية، ناقصة في إيفاء أغراضها التشريعية، وشمول المواضيع المستجدة، اوالمعاصرة لعهد الرسول، بل التشريع الإسلامي كان وافياً بالجميع ببيان سوف نشير إليه (2).

والّذي يكشف عمّا ذكرنا، أنّه اضطّر صحابة النبي منذ الأيام الأُولى من وفاته صلوات الله عليه وآله، إلى إعمال الرأي والإجتهاد في المسائل المستحدثة، وليس اللجوء إلى الإجتهاد بهذا الشكل، إلاّ تعبيراً واضحاً عن عدم استيعاب الكتاب والسنّة النبوية للوقائع المستحدثة، بالحكم والتشريع، ولا مجال للإجتهاد وإعمال الرأي فيما يشمله نصٌّ من الكتاب أو السنّة بحكم، ولذلك أحدثوا مقاييس للرأي، واصطنعوا معايير جديدة للإستنباط، وألواناً من الإجتهاد، منه الصحيح المتّفق عليه، يصيب الواقع حيناً، ويخطئه أحياناً، ومنه المُريب المختلف فيه. وكان القياس أوّل هذه المقاييس وأكثرها نصيباً من الخلاف، والمراد منه إلحاق أمر بآخر، في الحكم الثابت للمقيس عليه، لاشتراكهما في مناط الحكم المستنبط. وكان القياس بهذا المعنى (دون منصوص العلة) مثاراً للخلاف بين الصحابة، والعلماء فقد تبنّته جماعة من الصحابة والتابعين، وأنكرته جماعة أُخرى، وعارضوا الأخذ به، منهم الإمام علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأئمة أهل البيت، ثم اصطنعوا بعد ذلك معايير أخرى، منها المصالح المرسلة، وهي المصالح الّتي لم يُشَرّع الشارع حكماً بتحقيقها، ولم يدلّ دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها .

وهناك مقاييس أخرى، كسدّ الذرائع، والإستحسان، وقاعدة شَرْع من


1 - كنز العمال، ج 5، ص 116 .
2 - حاصله أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يراعي في إبلاغ الحكم حاجة الناس، ومقتضيات الظروف الزمنية، فلا بد ـ في إفياء غرض التشريع ـ أن يستودع أحكام الشريعة من يخلفه، ويقوم مقامه، لإيفاء أغراضه الّتي لم يقدّر له تحقيقها في حياته الكريمة.


(33)

قبلنا، وما إلى ذلك من القوانين والأُصول الفقهية، الّتي اضطرّ الفقهاء إلى اصطناعها عندما طرأت على المجتمع الإسلامي ألوان جديدة من الحياة لم يألفوها، ولم تكن النصوص الشرعية من الكتاب والسنّة لتشمل تلك المظاهر الإجتماعية المستحدثة بحكم، ولم يجد الفقهاء بدّاً من الإلتجاء إلى إعمال الرأي والإجتهاد في مثل هذه المسائل ممّا لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة، وتشعبت بذلك مدارس الفقه الإسلامي، وبَعُدَت الشُّقة بينها، وتبلورت تلك المعاني إثر التضارب الفكري الّذي حصل بين هذه المدارس، وصيغت الأفكار في صيغ علمية محددة، بعدما كان يغلب عليها طابع التذبذب والإرتباك.

وذلك كلّه يدلّ على عدم وفاء نصوص الكتاب والسنّة، بما استجدّ للمسلمين بعد عصر الرسالة، من مسائل، أو ما جدّ لهم من حاجة.

وهناك نكتة تاريخية توقفنا على سرّ عدم إيفاء الكتاب والسنّة بمهمة التشريع، وهي أنّ مدّة دعوته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا تتجاوز ثلاثاً وعشرين عاماً، قضى منها ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو المشركين فيها. ولكن عنادهم جعل نتائج الدعوة قليلة. فلأجل ذلك لم يتوفق لبيان حكم شرعي فرعي إلاّ ما ندر. ومن هنا نجد أنّ الآيات الّتي نزلت في مكة تدور في الأغلب حول قضايا التوحيد والمعاد، وإبطال الشرك ومقارعة الوثنية، وغيرها من القضايا الإعتقادية، حتى صار أكثر المفسّرين يميّزون الآيات المكيّة عن المدنية بهذا المعيار.

ولما انتهت دعوته إلى محاولة اغتياله، هاجر إلى يثرب، وأقام فيها العشرة المتبقية من دعوته تمكّن فيها من بيان قسم من الأحكام الشرعية لا كلّها، وذلك لوجوه:

1 ـ إنّ تلك الفترة كانت مليئة بالحوادث والحروب، لتآمر المشركين والكفّار، المتواصل على الإسلام وصاحب رسالته والمؤمنين به. فقد اشترك النبي في سبع عشرة غزوة كان بعضها يستغرق قرابة شهر، وبعث خمساً وخمسين سرية لقمع المؤامرات وإبطالها، وصدّ التحركات العُدْوانية.

2 ـ كانت إلى جانب هذه المشاكل، مشكلة داخلية يثيرها المنافقون الذين


(34)

كانوا بمنزلة الطابور الخامس، وكان لهم دور كبير في إثارة البلبلة في صفوف المسلمين، وخلق المتاعب للقيادة من الداخل. وكانوا بذلك يفوّتون الكثير من وقت النبي الذي كان يمكن أن يصرف في تربية المسلمين وإعدادهم وتعليمهم على حلّ ما قد يطرأ على حياتهم، أو يستجد في مستقبل الأيام.

3ـ إنّ مشكلة أهل الكتاب، خصوصاً اليهود، كانت مشكلة داخلية ثانية، بعد مشكلة المنافقين، فقد فوّتوا من وقته الكثير، بالمجادلات والمناظرات، وقد تعرّض الذكر الحكيم لناحية منها، وذُكر قسمٌ آخر منها في السيرة النبوية (1).

4ـ إنّ من الوظائف المهمة للنبي عقد الإتّفاقيات السياسية والمواثيق العسكرية الهامة التي يزخر بها تاريخ الدعوة الإسلامية (2).

إنّ هذه الأمور ونظائرها، عاقت النبي عن استيفاء مهمة التشريع.

على أنّه لو فرضنا تمكن النبي من بيان أحكام الموضوعات المستجدة، غير أنّ التحدّث عن الموضوعات التي لم يعرف المسلمون شيئاً فشيئاً، أمر صعب للغائة، ولم يكن في وسع المسلمين أن يدركواغ معناه.

فحاصل هذه الوجوه توقفنا على أمر محقق، وهو أنّه لم يقدر للنبي استيفاء مهمة التشريع، ولم يتسنّ للمسلمين أن يتعرّفوا على كل الأحكام الشرعية المتعلقة بالحوادث والموضوعات المتسجدة.

و أمّا في مجال ردّ الشبهات والتشكيكات وإجابة التساؤلات، فقد حصل فراغ هائل بعد رحلة النبي من هذه الناحية، فجاءت اليهود والنصارى تترى، يطرحون الأسئلة، ويشوِّشون بها أفكار الأمّة، ليخربوا عقائدها ومبادئها، ونذكر من ذلك:


1 - لاحظ السيرة النبوية، لابن هشام، ج 1، ص 530 ـ 588، ط الحلبي ـ مصر ـ 1375.
2 - لا حظ كتاب الوثاق السياسية لمحمد حميد الله، و «مكاتيب الرسول».


(35)

وفود أسقف نجران على عمر، وطرح بعض الأسئلة عليه (1).

وفود جماعة من اليهود على عمر، وطرح بعض الشبهات (2).

وفود جماعة من اليهود على عمر، وطرح بعض الأسئلة عليه (3).

سؤال عويص ورد من الروم على معاوية يلتمس الجواب عنه (4).

أسئلة وردت من جانب البلاط الروماني إلى معاوية (5).

و غير ذلك من الوفود والأسئلة التي لم يكن هدفها إلاّ التشكيك في الدين وإيجاد التزلزل في عقيدة المسلمين.

و أمّا في جانب صيانة المسلمين عن التفرقة والإختلاف، والدين عن الإنحراف، فقد كانت الأُمة الإسلامية في أشدّ الحاجة بعد النبي إلى من يصون دينها عن التحريف، وأبناءها عن الإختلاف، فإنّ التاريخ يشهد دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى ومؤبدي المجوس، ككعب الأحبار، وتميم الدّاري، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وبعدهم الزنادقة، والملاحدة، والشعوبيون، فراحوا يدسّون الأحاديث الإسرائيلية، والأساطير النصرانية، والخرافات المجوسية بينهم، وقد ظلّت هذه الأحاديث المدسوسة ، تُخيّم على أفكار المسلمين ردحاً طويلاً من الزمن، وتؤثّر في حياتهم العلمية، حتى نشأت فرق وطوائف في ظلّ هذه الأحاديث.

و ممّا يوضح عدم تمكّن الأمّة من صيانة الدين الحنيف عن التحريف وأبنائها عن التشتت، وجود الروايات الموضوعة والمجوعولات الهائلة. ويكفي في ذلك أنّ يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاقّ وأسفار في مختلف أقطار الدولة


1 - تذكرة الخواص، لابن الجوزي، المتوفى عام 656 هـ ، ص 144.
2 - قضاء أمير المؤمنين، ص 64.
3 - علي والخلفاء، ص 313.
4 - المصدر نفسه.
5 - قضاء أمير المؤمنين، ص 78 و 114.


(36)

الإسلامية، وما رواه بعد ذلك. فإنّه ألفى الأحاديث المتداولة بين المحدثين في الأقطار الإسلامية، تربو على ستمائة ألف حديث، لم يصحّ لديه منها أكثر من أربعة آلاف، ومعنى هذا أنّه لم يصحّ لديه لديه من كل مائة وخمسين حديثاً إلاّ حديث واحد، وأمّا أبو داود فلم يصحّ لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف وثمانمائة، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الحديث، وكثير من هذه الأحاديث التي صحّت عندهم، كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم (1).

قال العلامة المتتبع الأميني: ويُعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمة الحديث أخبار تآليفهم ـ الصحاح والمسانيد ـ من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن ذلك الهوش الهائش، فقد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث، وقال انتخبته من خمسمائة ألف حديث (2). ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار، ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثاً، إختاره من زهاء ستمائة ألف حديث (3). وفي صحيح مسلم أربعة الاف حديث أصول دون المكررات، صنفه من ثلاثمائة ألف (4). وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين آلف حديث، وقد انتخبه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث (5)، وكتب أحمد بن فرات، المتوفى عام 258، ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف التفسير والأحكام والفوائد وغيرها (6).

فهذه الموضوعات على لسان الوحي، تقلع الشريعة من رأس وتقلب


1 - لا حظ حياة محمد، لمحمد حسين هيكل، ص 49 ـ 50، الطبعة الثالثة عشر.
2 - طبقات الحفاظ، للذهبي ج 2، ص 154. تاريخ بغداد، ج 2 ص 57. المنتظم لابن الجوزي، ج 5، ص 97.
3 - إرشاد الساري، ج 1، ص 28. صفة الصفوة، ج 4، ص 143.
4 - المنتظم، لابن الجوزي ج 5، ص 32.طبقات الحفاظ، للذهبي، ج 2، ص 151. شرح صحيح مسلم للنووي، ج 1، ص 36.
5 - ترجمة أحمد، المنقولة من طبقات إبن السبكي، المطبوعة في آخر الجزء الأول من مسنده، طبقات الذهبي، ج 2، ص 17 .
6 - خلاصة التهذيب، ص 9. نقلناه برمّته متناً وهامشاً من الغدير، ج 5، ص 292 ـ 293.


(37)

الأصول، وتتلاعب بالأحكام، وتشوش التاريخ، أو ليس هذا دليلاً على عدم وفاء الأمّة بصيانة دينها عن التشويش والتحريف؟.

* * *

هذا البحث الضافي يثبت حقيقة ناصعة، وهي عدم تمكّن الأُمّة، مع مالها من الفضل، من القيام بسدّ الفراغات الهائلة خلّفتها رحلة النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلا مناص من تعيُن الإحتمال الثالث، وهو سدّ تلك الثغرات بفرد مثالي يمارس وظائف النبي في المجالات السابقة، بعلمه المستودع فيه، ويكون له من المؤهلات ما للنبي الأكرم، وسوى كونه طرفاً للوحي.

إنّ الغرض من إرسال الأنبياء هي الهداية لبني البشر، إلى الكمال في الجانبين المادي والروحي. ومن المعلوم أنّ هذه الغاية لا يحصل عليها الإنسان إلاّ بالدين المكتمل أصولاً وفروعاً، المصون من التحريف والدسّ. ومادام النبي حيّاً، بين ظهرانيّ الأُمّة، تتحقق تلك الغاية بنفسه الشريفة، وأمّا بعده فيلزم أن يخلفه إنسان مثله في الكفاءات والمؤهّلات، ليواصل دفع عجلة المجتمع الديني في طريق الكمال، كالنبي في المؤهلات، عارف بالشريعة و معارف الدين، ضمان لتكامل المجتمع، وخطوة ضرورية في سبيل ارتقائه الروحي والمعنوي. فهل يسوغ على الله سبحانه أن يهمل هذا العامل البنّاء، الهادي للبشرية إلى ذروة الكمال.

إنّ الله سبحانه جهّز الإنسان بأجهزة ضرورية، وأجهزة كمالية. حتى أنّه قد زوّده بالشعر على أشفار عينيه وحاجبيه، وقعر أخمص قدميه، كل ذلك لتكون حياته سهلة لذيذة غير متعبة، فهل ترى أنّ حاجته إلى الأُمور أشدّ من حاجته إلى خَلَف حامل لعلوم النبوة، قائم بوظائف الرسالة.

و ما أجمل ما قاله أئمة أهل البيت في فلسفة وجود هذا الخلف، ومدى تأثيره في تكامل الأمّة:


(38)

قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناتُه» (1).

قال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ: «إنّ الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لما يعرف الحق من الباطل» (2).

و قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ الأرض لا تخلو وفيها إمام، كيما زاد المؤمنون شيئاً ردّهم، وإذا نقصوا شيئاً أتمّه لهم» (3).

هذه المأثورات من أئمة أهل البيت، تعرب عن أنّ الغرض الداعي إلى بعثة النبي، داع إلى وجود إمام بخلف النبي في عامة سماته، سوى مادلّ القرآن على انحصاره به، ككونه نبيّاً رسولاً وصاحب شريعة.

نعم، إنّ كثيراً ممّن ليست لهم أقدام راسخة في أبواب المعارف، يصعب عليهم تصوّر إنسان مثالي يحمل علوم النبوة، وليس بنبي ; ويقوم بوظائفها الرسالية، وليس برسول ; يحيط بمعارف الشريعة وأحكامها، وليس طرفاً للوحي; ويصون الشريعة من التحريف والدسّ، ويردّ تشكيكات المبطلين، وليس له صلة بسماء الوحي. ولأجل ذلك يثيرون في وجهه إشكالين، لابدّ من ذكرهما، والإجابة عنهما.

الإشكال الأول

إنّ الفرد الجامع لهذه الخصائص، لا يفترق عن النبي، فتصبح الإمامة عندئذ، مرادفة للنبوّة، مع أنّ أدلّة الخاتمية قطعت طريق هذا الإحتمال(4).


1 - نهج البلاغة، قسم الحكم، الرقم 147.
2 - الكافي، ج 1، ص 178.
3 - الكافي، ج 1 ص 178.
4 - وقد عرفت عن صاحب الواقف أنّه اعترض على تعريف الإمامة بأنّها رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا، بالنقض بالنبوة، ص 345.


(39)

الجواب

إنّ الفرق بين النبوّة، واحتضان علوم النبي الأكرم، واضح، لا يحتاج إلى البيان، فإنّ مقوم النبوّة عبارة عن كون النبي طرفاً للوحي، يسمع كلام الله تعالى، ويرى رسوله، ويكون صاحب شريعة مستقلة، أو مروجاً لشريعة من قبله.

و أمّا الإمام فهو الخازن لعلوم النبوة في كل ما تحتاج إليه الأُمّة، من دون أن يكون طرفاً للوحي، أو سامعاً كلامه سبحانه، أو رائياً المَلَك الحامل له.

نعم، المهم هو الوقوف على أنّ في وسعه سبحانه أن يربي للأُمّة، في حضن النبي الأكرم، رجلاً مثالياً يأخذ علوم النبي بتعليم غيبي يفي بوظائف الرسالة بعد رحلته، حتى يسدّ الفراغات العلمية الحاصلة برحلته.

وبما أنّ المستشكل، ومن تبعه، بريئون من هذه المعارف، ويخصّون التعليم، بالوسائل العادية، يتعجبون من بلوغ إنسان ذلك الحدّ من الكمال والعلم، من دون أن يدخل مدرسة، أو يخضع أمام شيخ، إلاّ أن يكون نبيّاً.

و إنّ القرآن الكريم يحدّثنا عن أناس مثاليين نالوا الذروة من العلوم بتعليم غيبي، مع أنّهم لم يكونوا أنبياء، كمصاحب موسى ـ عليه السَّلام ـ الذي يقول سبحانه في شأنه: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(1).

ولم يكن المصاحب نبيّاً، بل كان وليّاً من أولياء الله سبحانه، بلغ الذّروة من العلم، حتى قال له موسى ـ وهو نبي مبعوث بشريعة: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)(2).

و جليس سليمان ـ عليه السَّلام ـ ، الّذي يقول سبحانه في شأنه: (قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَاَهُ مُسْتَقِرًّا


1 - سورة الكهف: الآية 65.
2 - سورة الكهف: الآية 66.


(40)

عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي...)(1).

و هذا الجليس لم يكن نبيّاً، ولكن كان صاحب علم من الكتاب، ومن المعلوم أنّ هذا العلم لم يحصل له من الطرق العادية التي يدرج عليها الأولاد و الشبّان في الكتاتيب والمدارس، وإنّما هو علم إلهي احتضنه بلياقته وكفاءته، ولأجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه ويقول: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي).

و الشاهد على رسالة النبي، إلى جانب شهادته سبحانه، الذي يقول سبحانه في شأنه: (وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)(2).

و السورة مكية على مايدلّ عليه سياق آياتها، ونقل عن الكلبي أنّه قال: «إنّها مكية إلاّ هذه الآية»، ويدفعه أنّها مختتم السورة، قوبل بها ما في مفتتحها، أعني قوله سبحانه: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ)(3)، فيبعد جداً يفرق أن بين المتقابلين بأعوام.

فعندئذ يجب الإمعان في هذا الشاهد الذي عطفه سبحانه على نفسه، وعدّه شاهداً على رسالة النبي كشهادة نفسه سبحانه. أفيصحّ أن يقال إنّ المراد، القوم الذين أسلموا في المدينة، كعبد الله بن سلام، وتميم الداري، وسلمان الفارسي، مع أنّ الآية نزلت في مكّة؟.

على أنّ عطف هؤلاء في الشهادة على الله سبحانه، لا يخلو من غموض وإبهام. فلابدّ أن يكون المراد من الشاهد هنا إنساناً مثالياً، كان موجوداً في مكة، وهو أعلم الناس بالكتاب، حتى يصحّ أن يجعل عدلاً آخر للشهادة، ولا يكون هذا الإنسان إلاّ من تربّى في حجر النبوة وحضنها، وتحمّل علومها، بتعليم غيبي إلهي، لا بتعليم بشري عادي.


1 - سورة النمل، الآية 40.
2 - سورة الرعد: الآية 43.
3 - سورة الرعد: الآية 1.


(41)

هذا وذاك، وغيرهما ممّا لم نذكره، وجاء في الحديث والتاريخ، يعرب عن أنّ التعليم الغيبي لا يختصّ بالأنبياء، وأنّ هناك رجالاً صالحين، يحملون علوم النبوة ويحتضنونها بفضل من الله سبحانه، لغاية قدسية هي إبلاغ الأُمّة إلى غاية من الكمال، وإيصاد الثغرات الهائلة التي تخلفها رحلة النبي.

الإشكال الثاني

إذا شهد التاريخ، والمحاسبات الإجتماعية، بعدم استيفاء، النبي لمهمة التشريع، فما معنى قوله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)(1)؟.

الجواب

إنّ السؤال مبني على تفسير الدين بالأحكام الشرعية، وحمل الإكمال على بيانها. وذلك غير صحيح لوجوه:

الأوّل ـ إنّ كثيراً من المفسّرين، فسّروا اليوم، بيوم عرفة، من عام حجة الوداع (2). ومن المعلوم أنّ هناك روايات كثيرة لا يستهان بها عدداً تدلّ على نزول أحكام وفرائض بعد ذلك اليوم، منها أحكام الكلالة، المذكورة في آخر سورة النساء(3)، ومنها آيات الربا (4)، حتى روي عن عمر أنّه قال في خطبة خطبها: «من آخر القرآن نزولاً آية الربا، وإنّه مات رسول الله ولم يبيّنه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم» (5). وروى البخاري في الصحيح، عن ابن عباس،


1 - سورة المائدة: الآية 3.
2 - لاحظ تفسير الطبري، ج 6، ص 54، تفسير الرازي، ج 3، ص 368.
3 - سورة النساء: الآية 176.
4 - سورة البقرة: الآيات 275 ـ 278.
5 - الدر المنثور، للسيوطي، ج 1، ص 365. ولاحظ تفسير الرازي، ج 2، ص 374، ط مصر في ثمانية أجزاء.


(42)

قال: «آخر آية أنزلها الله على رسول، آية الربا» (1)، وغير ذلك من الروايات.

الثاني ـ إنّ تفسير الدين بالأحكام، وإكمالها بالبيان وأنّه تحقق في يوم عرفة من عام حجّ الوداع، لا ينسجم مع سائر فقرات الآية، فإنّ الآية تخبر عن يوم تحققت فيه أمور ثلاثة: يأس الكفار من دين المسلمين، وإكمال الدين وإتمام النعمة.

توضيح ذلك إنّه أراد من الكفار، كفار العرب، القاطنين في الجزيرة، فالإسلام كان قد عمّهم يوم ذاك، ولم يكن فيهم من يتظاهر بغير الإسلام، فمن هؤلاء الكفار اليائسون؟ فإنّ سورة البراءة، وتلاوتها يوم عيد الأضحى، في العام التاسع للهجرة، صارت سبباً لنفوذ الإسلام في كل أصقاع الجزيرة، ورفض الشرك ونبذ عبادة الأوثان، رغبةً أو رهبة، ولم يبق مشرك إلاّ وقد كسر صنمه، ولا عابد وثن إلاّ وقد تحوّل إلى عبادة الله تعالى طمعاً أو خوفاً، فلم يبق هناك كافر يئس من دين المسلمين.

و إن أراد سائر الكفار من الأُمم، من العرب وغيرهم، فلم يكونوا يائسين يومئذ من الظهور على المسلمين.

فعلينا أن نتفحص عن يوم تتحقق فيه هذه الأُمور الثلاثة، كما سيبين.

الثالث ـ إنّ ما ذكر لاينسجم مع ما رواه عدّة من المحدثين من نزولها يوم الثامن عشر من ذي الحجة، في السنة العاشرة للهجرة، عندما نصب النبي عليّاً للولاية، وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» (2).

و يعرب عن صحة ذلك ما ذكره الرازي، قال: «قال أصحاب الآثار إنّه


1 - الدر المنثور للسيوطي، ج 1، ص 365.
2 - لاحظ في الوقوف على مصادر نزول الآية يوم الغدير، كتاب الغدير، ج 1، ص 230 ـ 238، وقد رواه عن ستة عشر محدثاً، منهم أبو جعفر الطبري، وابن مردويه الأصفهاني، وأبو نعيم الأصفهاني، والخطيب البغدادي، وأبوسعيد السجستاني، وأبو الحسن المغزلي، وأبو القاسم الحسكاني، وابن عساكر الدمشقي، وأخطب الخطباء الخوارزمي، وغيرهم من أعاظم المحدثين.


(43)

لمّا نزلت هذه الآية على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولم يعمّر بعد نزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً، ولم يحصل بعدها زيادة ولا نسخ وتبديل البتة. وكان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي عن قرب وفاته، وذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً» (1).

و ما ذكره يؤيّد كون النزول يوم الغدير، أعني يوم الثامن عشر من ذي الحجة، لأنّه لو فرض كون الشهور الثلاثة (ذي الحجة، ومحرم، وصفر) ناقصة، لكانت وفاته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد واحد وثمانين يوماً، ولو كان الشهران (محرم وصفر) ناقصان، لانطبق على الإثنين والثمانين يوماً، كل ذلك بملاحظة ما اتّفقت عليه كلمة الجمهور من أنّ النبي توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول.

و العجب أنّ الرازي غفل عن هذه الملازمة، وأنّه لم يجتمع مع نزولها يوم عرفة.

فعلى ذلك لا يصحّ تفسير الدين بالأحكام، ولا الإكمال بالبيان. وفي ضوء ذلك يمكن أن يقال إنّ المراد من الدين هو أصوله، والمراد من الإكمال ، تثبيت أركانه، وترسيخ قواعده، وذلك أنّ الكفار، خصوصاً المستسلمين منهم، كانوا يتربصون بالنبي الدوائر، فإنّهم كانوا ينظرون إلى دعوته بأنّها ملك في صورة النبوة، وسلطنة في ثوب الرسالة، فإن مات أو قتل، ينقطع أثره ويموت ذكره، كما هو المشهور عادة، من حال السلاطين، وكان الكفار يعيشون هذه الأحلام والأماني التي تعطيهم الرجاء في إطفاء نور الدين، وعفّ آثاره عبر الأيام.

غير أنّ ظهور الإسلام، تدريجياً، وغلبته على الكفار والمشركين، بدّد أحلامهم بالخيبة، فيئسوا من التغلّب على النبي ودعوته، فلم يبق له إلاّ حلم واحد، وهو أنّه لا عقب له يخلفه في أمره، فيموت دينه بموته. وكان هذا الحلم يتغلغل في أنفسهم، إلاّ أنّ الخيبة عمّتهم لما شاهدوا خروج الدين عن مرحلة


1 - تفسير الرازي، ج 3، ص 369.


(44)

القيام بشخص النبي الأكرم إلى مرحلة القيام بشخص آخر مثالي يقوم مقامه، فعند ذلك تحققت الأُمور الثلاثة: يئسوا من زوال الدين، بعد موته، وكمل الدين بتنصيب من يحمل وظائف النبي، وتمّت نعمة الهداية إلى أهداف الرسالة بالوصي القائم مقامه.

فالمراد من إكمال الدين، تحوّله من وصف الحدوث إلى وصف البقاء، وكان ذلك العلم، ردّاً لما يحكيه سبحانه عن الكفار بقوله: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ )(1).

و على ذلك، فتنسجم الجمل الثلاث، ويرتبط بعضها ببعض، فالدين الذي أكمله الله اليوم، والنعمة التي أتمّها الله اليوم، أمر واحدٌ بحسب الحقيقة، و هو الذي كان يطمع فيه الكفار، ويخشاهم فيه المؤمنون، فآيسهم الله منه، وأكمله وأتمّه، ونهاهم عن الخشية منهم، وقال: (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ)(2).

* * *

هذه هي حقيقة الإمامة، والإمام عند الشيعة، وبذلك يعلم اختلاف ما يتبنونه مع ما هو المعروف عند أهل السنّة، ومن المعلوم أنّ كلاًّ من المعنين يستدعي لنفسه شروطاً خاصّة، والشروط عند الشيعة الإمامية أكثر ممّا اتّفقت عليه كلمة أهل السنّة، أهمها إحاطته بأصول الشريعة وفروعها، والمعرفة التامّة بكتاب الله، وسنّة نبيّه، وقدرته على دفع الشبهات، وصيانة الدين، يكون كلامه هو القول الفصل بين الأُمّة، ولا تفترق هذه الشروط عن كونه معصوماً، لا يضلّ في تعليم الأُمّة.

قال الشيخ الرئيس ابن سينا في لزوم نصب الإمام من جانب النبي: «ثم إنّ هذا الشخص الذي هو النبي، ليس ممّا يتكرر وجود مثله في كل وقت، فإنّ


1 - سورة البقرة: الآية 109.
2 - سورة المائدة: الآية 3.


(45)

المادة التي تقبل كمال مثله تقع في قليل من الأمزجة، فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبّر لبقاء ما يسنّه ويشرّعه في أمور المصالح الإنسانية، تدبيراً عظيماً» (1).

* * *


1 - الشفاء، ج 2، الفن الثالث عشر في الإلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الثالث، ص 558.


(46)

الأمر السابع

المصالح العامة، وصيغة الحكومة بعد النبي

يسود بين المسلمين، في صيغة الحكومة وقيادة الأُمّة بعد النبي، رأيان واتجاهان:

الأوّل: أنّ صيغة الحكومة صيغة التنصيب، وأنّ الإمام بعد النبي يعين عن طريق الرسول بأمر من الله سبحانه.

الثاني: تفويض الأمر إلى اختيار الأُمّة، وانتخابها بشكل من الأشكال التي ستوافيك.

و البحث في المقام: يرجع إلى محاسبة مصالح الأُمّة الإسلامية آنذاك، فهل كانت تقتضي تحقيق النظرية الأُولى، وهي نظرية النصّ على شخص أو أشخاص معينين، أو تقتضي ترك مسألة الخلافة إلى رأي الأمّة؟.

و الحقُّ أنّ هنا أموراً تدلّ على أنّ مصلحة الأُمّة آنذاك، كانت تتطلب تنصيب الإمام والقائد الّذي يخلف النبي ، وتعيينه بلسانه في حياته، ووكان في ترك هذا رمي للاُمّة أمام أكبر المخاطر، وإليك بيان تلك الأُمور:

الأول: الأُمة الإسلامية والخطر الثلاثي

إنّ الدولة الإسلامية، التي أسسها النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، كانت


(47)

محاصرة حال وفاة النبي من جهتي الشمال والشرق، بأكبر امبراطوريتين عرفهما تاريخ تلك الفترة، وكانتا على جانب كبير من القوة والبأس، وهما الروم وإيران ; هذا من الخارج.

و أمّا من الداخل، فقد كان الإسلام والمسلمون يعانون من وطأة مؤامرات المنافقين الذين كانوا يشكّلون جبهة عدّوانية داخلية، أشبه بما يسمّى بالطابور الخامس.

و يكفي في خطورة إمبراطورية إيران أنّه كتب ملكها إلى عامله باليمن ـ بعد ما وصلت إليه رسالة النبي تدعوه إلى الإسلام والتسليم، ومزّقها ـ: «إبعث إلى هذا الرجل بالحجاز، رجلين من عندك، جلدين، فليأتياني به» (1).

و كفى في خطورة موقف الإمبراطورية البيزنطية، أنّه وقعت إشتباكات عديدة بينها وبين المسلمين في السنة الثامنة للهجرة، منها غزوة مؤتة التي قتل فيها قادة الجيش الإسلامي وهم جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبدالله بن رواحه، ورجع الجيش الإسلامي من تلك الواقعة منهزماً، وقد أثارت هزيمتهم في هذه المعركة، واستشهاد القادة الثلاثة، نقمة شديدة في نفوس المسلمين تجاه الروم، ولأجل ذلك توجّه الرسول الأكرم بنفسه على رأس الجيش الإسلامي إلى تبوك في السنة التاسعة لمقابلة الجيوش البيزنطية ولكنه لم يلق أحداً، فأقام في تبوك أياماً ثم رجع إلى المدينة، ولم يكتف بهذا بل جهّز جيشاً في أُخريات أَيّامه بقيادة أسامة بن زيد، لمواجهة جيوش الروم.

و أمّا خطر المنافقين، فحدّث عنه ولا حرج، هؤلاء أسلموا بألسنتهم دون قلوبهم، وأضمروا للمسلمين كلّ سوء، وكانوا يتحينون الفرص لإضعاف الدولة الإسلامية، بإثارة الفتن الداخلية، كما كانوا يتربصون الدوائر لاغتيال النبي وقتله (2).


1 - الكامل، للجزري، ج 2، ص 145.
2 - لاحظ التفاسير، في تفسير قوله سبحانه: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) (سورة التوبة: الآية 65)، وكان المنافقون قد حاولوا اغتيال النبي الأكرم في العقبة، عند عودته من تبوك.


(48)

و لقد انبرى القرآن الكريم لفضح المنافقين والتشهير بخططهم ضدّ الدين والنبي، في العديد من السور القرآنية مثل البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والعنكبوت، والأحزاب، والفتح، والمجادلة، والحديد، والحشر، وقد نزلت في حقّهم سورة خاصة باسم المنافقين.

إنّ اهتمام القرآن بالتعرّض للمنافقين المعاصرين للنبي، المتواجدين بين الصحابة، أدلّ دليل على أنّهم كانوا قوّة كبيرة ويشكلون جماعة وافرة، ويلعبون دوراً خبيثاً، خطيراً في تعكير الصف، وإفساح المجال لأعداء الإسلام، بحيث لولا قيادة النبي الحكيمة، لقضوا على كيان الدين، وأطاحوا بصرحه.

و يكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ)(1).

و قد كان محتملاً ومترقَّباً أن يتحد هذا المثلث الخطير (الفُرُس، الروم، المنافقون)، لاكتساح الإسلام واجتثاث جذوره، بعد وفاة النبي.

فمع هذا الخطر المحيق الداهم، ما هي وظيفة القائد الحكيم الذي أرسى قواعد دينه على تضحيات عظيمة، فهل المصلحة كانت تقتضي تنصيب قائد حكيم عارف بأحكام القيادة ووظائفها حتى يجتمع المسلمون تحت رايته، ويكونوا صفاً واحداً في مقابل ذاك الخطر، أو أنّ المصلحة العامة تقتضي تفويض الأمر إلى الأُمّة، حتى يختاروا لأنفسهم أميراً، مع أنّ من المعلوم أن ترك الأمر إلى الأُمّة في ذلك الوقت الحرج،، يلازم الشغب والإختلاف والتنافس الذي لم يكن لصالح الإسلام والمسلمين، في الوقت الذي يعانون فيه من وفاة النبي؟.

فأقضِ ما أنت قاض.


1 - سورة التوبة: الآية 48.


(49)

الثاني ـ الحياة القبلية تمنع من الإتفاق على قائد

من أبرز ما كان يتميز به المجتمع العربي في حياة النبي الأكرم، هو حياة النظام القبلي، والتقسيمات العشائرية التي كانت تحتل ـ في ذلك المجتمع ـ مكانة كبرى.

وقد كان للقبيلة أكبر الدور في الحياة العربية قبل الإسلام وبعده، وعلى أساسها كانت تدور المفاخرات، وتنشد القصائد، وتبنى الأمجاد، كما كانت هي منشأ أكثر الحروب وأغبل المنازعات.

إنّ التاريخ يشهد لنا كيف كاد التنازع القبلي في قضية بناء الكعبة المشرّفة، ووضع الحجر الأسود في موضعه أيام الجاهلية، أن يؤدي إلى الإختلاف، فالصراع الدموي، والإقتتال المرير، لولا تدخل النبي الأكرم (1).

و قد سعى النبي الأكرم، سعياً حثيثاً، لمحو الروح القبلية، واذابة الفوارق العشائرية، وجمع تلك المتشتتات في بوتقة الإيمان الموحّد، ولكن لم يكن من الممكن أن ينقلب النظام القبلي فخراً، سوى التعرّف والتعريف (2).

و الشواهد على تغلغل العصبيات القبلية في نفوس أكثر الصحابة، كثيرة، ويكفي في ذلك ما ورد في غزوة بني المصطلق، حيث تنازع مهاجري مع أنصاريٍّ، فصرخ الأنصاري: «يا معشر الأنصار»، وصرخ الآخر: «يا معشر المهاجرين». ولمّا سمع النبي هذه الكلمات قال: «دعوها فإنّها دعوىً منتنة».

ولو لا قيادته الحكيمة، لخضّب وجه الأرض بدماء المسلمين من المهاجرين والأنصار (3).

و ما نقله ابن هشام من أن شعث بن قيس، وكان شيخاً من اليهود، مرّ


1 - قد ذكر نا هذه القضية فيما تقدم.
2 - إشارة إلى قوله سبحانه: (وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (سورة الحجرات: الآية 13)
3 - صحيح البخاري، ج 5، ص 119، باب غزوة بني المصطلق.


(50)

ذات يوم على نفرً من أصحاب الرسول، من الأوس والخزرج، فرآهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم، فأمر فتى شاباً من اليهود، كان معهم، فقال له: إعمدا إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل الشاب ذلك، فأَثّر كيد ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، وقال: «يا معشر الملسلمين، الله، الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر»؟ (1).

و من ذلك الذي يدلّ على تعمّق رواسب القبيلة في النفوس، ماذكره الشيخ البخاري في صحيحه، في قصد الإفك، قال: «قال النبي وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، و ما يدخل على أهلي إلاّ معي».

قالت عائشة: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا.

قالت عائشة: فقام رجل من الخزرج، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج ـ قالت عائشة، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية ـ فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمرو الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل.

فقال أُسيد بن حضير، وهو ابن عمّ سعد بن معاذ، لسعد بن عبادة: كذبت لعمرو الله، لتقتلنّه، فانّك منافق تجادل عن المنافقين.


1 - السيرة النبوية، ج 1، ص 555.


(51)

قالت عائشة: فصار الحيّان (الأوس والخزرج) حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، قائم على المنبر، ولم يزل رسول الله، يخفضهم (أي يهدئهم) حتى سكتوا»(1).

و لا يقل شاهداً على وجود هذه الرواسب في نفوس الكثيرين منهم، ما ظهر منهم في يوم السقيفة من روح القبلية، ونزعة التعصّب، وتبودل بينهم من الشتم والضرب، وإليك نقل القصة عن لسان عمر، قال: «فقال ممثل الأنصار (سعد بن عبادة):

أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين، رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم (أي جاء جماعة ببطء) وإذا هم يريدون أن يختارونا (يدفعونا) من أصلنا، ويغصبونا الأمر.

فقال أبوبكر (2): أمّا ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أصل ولن تعرف العرب هذا الأمر، إلاّ لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً.

ثم قال قائل من الأنصار: «أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، منّا أمير ومنكم أمير، يا معشر قريش». قال عمر: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى تخوفت الإختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته: ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة» (3).

و لم يقتصر إختلاف الأمّة على ما جرى في السقيفة، بل جرت بين الأنصار والمهاجرين مشاجرات كلامية وشعرية وهجائية، هاجم كلٌّ الفريق الآخر، بأنواع الهجاء، نقلها المؤرخون ولا يعجبني نقل كلمهم (4).


1 - صحيح البخاري، ج 5، ص 119، بابب غزوة بني المصطلق.
2 - لم يكن يوم السقيفة من المهاجرين إلاّ خمسة، أشخاص، ولأجل ذلك لم نصف القائل بممثل المهاجرين.
3 - السيرة النبوية، ج 2، ص 659 ـ 660. وإنّما بايعه الأوس من الأنصار، وأما الخزرجيون، فقد خرجوا غير مبايعين لأحد .
4 - لاحظ شرح نهج البلاغة، لابن الحديد، ج 6، ص 17 ـ 38 ط مصر.


(52)

و ما ذكرناه غيض من فيض ممّا جرى بين الصحابة من المنازعات والخلافات الناشئة من روح القبلية، والتعصّب العشائري.

أفهل يجوز في منطق العقل ترك هذا المجتمع، الغارق في نزاعاته العصبية، دون نصب قائد، يكون نصبه قاطعاً لدابر الإختلاف، ومانعاً من مأساة التمزّق والتفرّق؟ فاقض ما أنت قاض.

وها هنا محاسبة ثالثة لاتقلّ عن العاملين السابقين في استلزامها كون المصلحة تقتضي نصب القائد، لا تفويض الأمر إلى المسلمين أنفسهم، وهي ما يلي:

الثالث ـ الصحابة ومدى الوعي الديني

إنّ الأُمّة الإسلامية ـ كما يدلّ عليه التاريخ ـ لم تبلغ في القدرة على تدبير أمورها، وإدارة شؤونها حدّ الإكتفاء الذاتي الذي لا تحتاج معه إلى نصب قائد لها من جانب الله سبحانه. وقد كان عدم بلوغهم هذا الحدّ أمراً طبيعياً لأنّه من غير الممكن تربية أمّة كانت متوغلة في العادات الوحشية، والعلاقات الجاهلية، والنهوض بها إلى حدٍّ تصير أمّة كاملة ترفع عن نفسها الرواسب، وتستغني عن نصب القائد المحنّك، والرئيس المدبّر، بل هي تقدر على تشخيص مصالحها في هذا المجال.

إنّ إعداد مثل هذه الجماعة، ومثل هذه الأُمّة، لا تتم في العادة إلاّ بعد انقضاء جيل أو جيلين، وبعد مرور زمن طويل يكفي لتغلغل التربية الإسلامية إلى أعماق تلك الأُمّة، بحيث تختلط مفاهيم الدين بدمها وعروقها، وتتمكن منها العقيدة إلى درجة تحفظها من التذبذب والتراجع إلى الوراء.

و يكفيك شاهداً على هذا، معركة أحد، فقد هرب المسلمون ـ إلاّ قليل ـ من ساحة المعركة عند ما أذيع نبأ قتل النبي من جانب الأعداء، ولاذ بعضهم بالجبل، بل فكّر بعضهم بالتفاوض مع المشركين، حتى أتاهم أحد المقاتلين ووبّخهم على فرارهم وتخاذلهم وترددهم قائلاً: «إن كان محمد قد مات، فربّ


(53)

محمد حي، قوموا ودافعوا عن دينه» (1) وفي هذا نزل قوله سبحانه: (وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) (2).

و يقول سبحانه في شأن من ذهبوا يفتشون عن ملجأ لهم فراراً من الموت: (وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيء)(3).

و لم تكن واقعة أحد وحيدة في نسجها، بل كانت غزوة حنين على منوالها في التقهقر والفرار عن ساحة الحرب، يقول ابن هشام عن جابر:

استقبلنا وادي حنين، وانحدرنا في واد من أودية تهامة، وكان العدو قد سبقونا إلى الوادي وكمنوا لنا في شعابه واحنائه، ومضائقه، وقد شدّوا علينا شدّة رجل واحد، وانهزم الناس راجعين لايلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله ذات اليمين، وهو يقول: أين، أيها الناس؟ هلموا إليّ أنا رسول الله. فانطلق الناس، إلاّ أنّ بقي مع رسول الله من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: «لا تنتهي هزيمتهم دون البحر»، وإنّ الأزلام لمعه في كنانته. وصرخ جبلة بن الحنبل: «ألا لَبَطل السِّحْر»(4).

و غير ذلك من الأحداث والوقائع التي كشفت عن عدم تغلغل الإيمان والعقيدة في قلوب الأكثرية منهم.

نعم كان بينهم رجال صالحون، يضحون في سبيل العقيدة، بأنفس النفائس، وأثمن الأموال، غير أنّ البحث مركز على دراسة وضع المجتمع


1 - سيرة ابن هشام: ج 2، ص 83.
2 - سورد آل عمران: الآية 144.
3 - سورة آل عمران: الآية 154.
4 - سيرة ابن هشام: ج 2، ص 448.


(54)

الإسلامي ككل، لا من حيث اشتماله على أفراد لا يدرك شأوهم في الفضيلة والصلاح.

و لعلّ الباحث يتخيل أنّهم انقلبوا بعد رحلة الرسول إلى مجتمع ديني لا يتخطون سبيل الدين قيد أنملة، ولكن ما ورد في الصحاح والمسانيد من ارتداد أمّة كبيرة من الصحابة، يؤيّد ما ذكرناه من عدم رسوخ العقيدة والإيمان في قلوبهم، ولا مجال لذكر جميع الروايات، إنّما نكتفي بواحدة منها ونحيل البقية إلى الباحث الكريم:

روى البخاري في تفسير قوله سبحانه: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) (1) قال: خطب رسول الله فقال: ألا وإنّه يجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول، يا رب أصحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ)فيقال إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم ما فارقتهم(2).

إنّ دراسة هذه الأمور الثلاثة، يرشدنا إلى أنّ القائد الحكيم، الذي مرّت عليه هذه الأوضاع والأحوال وعاينها عن كثب، عليه أن يستخلف قائداً للأمّة لما في هذا التنصيب من مصلحة، وقطع لدابر الإختلاف، وجمع لشمل الأمّة. وهذا بخلاف ما لو ترك الأمر إلى المسلمين أنفسهم، ففيه من الأخطار ما صوّرناه.

إنّ القائد الحكيم هو من يعتني بالأوضاع الإجتماعية لأمّته، ويلاحظ


1 - سورة المائدة: الآية 117.
2 - صحيح البخاري، ج 3، ص 85. وصحيح مسلم، كتاب الجنة ونعيمها، ومسند الإمام أحمد، ج 1، ص 235.
إنّ الروايات الدالّة على ارتداد الصحابة رحلة النبي الأكرم، كثيرة جداً، لا يمكن حملها على نفر أو اثنين منهم، بل لا يصحّ في تفسيرها إلاّ حملها على أمة كبيرة منهم، فلاحظ ماورد في هذا المجال: جامع الأصول لابن الأثير، ج 11، كتاب الحوض، الفرع الثاني في ورود الناس عليه، الأحاديث 7969 ـ 7980.


(55)

الظروف المحيطة بها، ويرسم على ضوئها ما يراه صالحاً لمستقبلها، وقد عرفت أنّ مقتضى هذه الظروف هو تعيين القائد والمدبّر، لا دفع الأمر إلى الأُمّة.

و إلى ما ذكرنا ينظر قول حكيم الإسلام الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا في حقّ الإمام:

«و الإستخلاف بالنصّ أصوب، فان ذلك لا يؤدّي إلى التشعب والتشاغب والإختلاف» (1).

* * *

و حصيلة الكلام أنّ النظر إلى لزوم ملأ الفراغات الهائلة التي تخلفها رحلة النبي الأكرم ومحاسبة مصالح الأمّة آنذاك، لا يدع شكّاً في أنّ صيغة التنصيب، لا ترك الأمر إلى الأُمّة واختيار الإمام بطريق من الطرق التي سنشير إليها.

هذا، مع قطع النظر عن النصوص التي تعيّن النظرية الأُولى بوضوح، وأنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، قد قام بنصب الوصي خضوعاً بمصالح الإسلام والمسلمين ثالثاً، فإلى الملتقى في مورد هذه النصوص.

* * *


1 - الشفاء، الفن الثالث عشر في الإلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الخامس، ص 564.


(56)

الأمر الثامن

هل الشورى أساس الحكم والخلافة؟

قد تعرفت على الكلمات السابقة التي تعرب عمّا تنعقد به الإمامة عند أهل السنّة، كما تعرفت على كيفية خلافة الخلفاء، وأنّ الأول منهم فاز بخمسة أصوات (1)، وأنّ الثاني أخذ بزمام الحكم بتعيين الخليفة الأول، وأنّ الثالث استتب له الأمر بشورى سداسية عيّنها نفس الخليفة الثاني. هذا هو واقع الأمر، ولم يكن في انتخاب هؤلاء ما يقتضيه طبع التشاور من عرض الموضوع على أهل المشورة، ومناقشة الآراء، وانتخاب واحد في ضوء الموازين العقلية والإجتماعية والشرعية. وأحسن كلمة تعبّر عن حقيقة هذا النوع من الانتخاب ما ذكره الخليفة الثاني بقوله: «إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة تمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك ولكن الله وقّى شرّها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو، ولا الذي بايعه، تغرّة أن يقتلا» (2).

و قد حاول المتجددون من متكلمي أهل السنّة، صبّ صيغة الحكومة الإسلامية على أساس المشورة بجعله بمنزلة الإستفتاء الشعبي، بملاحظة أنّه لم يكن


1 - لاحظ ما نقلناه من كلام الماوردي.
2 - صحيح البخاري، ج 8، رجم الحبلى من الزنا إذا احصنت، ص 168، وطالع بقية كلامه. ولاحظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج1، ص 123.و ج 2، ص 19.


(57)

من الممكن بعد وفاة النبي مراجعة كل الأفكار واستعلام جميع الآراء في الوطن الإسلامي، لقلّة وسائل المواصلات، وفقدان سبل الإتصال المتعارفة اليوم.

و لذلك يقول الشيخ عبد الكريم الخطيب: أنّ الذين بايعوا أوّل خليفة للمسلمين لم يتجاوزوا أهل المدينة، وربما كان بعض أهل مكة، وأمّا المسلمون ـ جميعاً ـ في الجزيرة العربية، فلم يشاركوا هذه البيعة، ولم يشهدوها، ولم يروا رأيهم، وإنّما ورد عليهم الخبر بموت النبي مع الخبر باستخلاف أبي بكر (1).

ثم إنّ من مظاهر الإختلاف الواقع في مسألة الشورى، أنّ القائلين بها اختلفوا على قولين: فمنهم من قال بأنّ انتخاب أهل الشورى مُلزِم للأُمّة، وهو خبرة الأكثرية، ومنهم من قال إنّه لا يزيد عن ترشيح له لمنصب الأُمّة، وللأُمّة اختياره أو رفضه(2).

و على كل تقدير، فما دليل هذه النظرية أي كون الشورى أساس الحكم، سواء في الفترة التي تلت رحلة النبي أو في زماننا الحاضر.

إستدلوا بآيتين:

الآية الأُولى: قوله سبحانه (وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ)(3) فالله سبحانه يأمر نبيّه بالمشاورة، تعليماً للأُمّة، حتى يتشاوروا في مهام الأُمور، ومنها الخلافة.

يلاحظ عليه: أوّلاً ـ إنّ الخطاب في الآية متوجّه إلى الحاكم الذي استقرّت حكومته، فيأمره سبحانه أن ينتفع من آراء رعيّته، فأقصى ما يمكن التجاوز به عن الآية، هو أنّ من وظائف كل الحكام التشاور مع الأُمّة، وأمّا أنّ الخلافة بنفس الشورى، فلا يمكن الإستدلال عليه بهذه الآية.

و الآية نظير قول علي ـ عليه السَّلام ـ : «من استبدّ برأيه هلك، ومن


1 - الإمامة والخلافة، ص 241.
2 - الشخصية والدولية، لمحمد كامل ياقوت، ص 463.
3 - سورة آل عمران: الآية 159.


(58)

شاور الرجال في أمورها، شاركها في عقولها» (1).

و ثانياً ـ إنّ المتبادر من الآية هو أنّ التشاور لا يوجب حكماً للحاكم، ولا يلزمه بشيء، بل هو يقلب وجوه الرأي ويستعرض الأفكار المختلفة، ثم يأخذ بما هو المفيد في نظره، وذلك لقوله سبحانه في نفس الآية: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )، المعرب عن أنّ العزم والتصميم والإستنتاج من الآراءالأخذ بما هو الأصلح راجع إلى نفس المشير، وهذا يتحقق في ظرف يكون هناك مسؤول تام الإختيار في استحصال الأفكار والعمل بالنافع منها، حتى يخاطب بقوله: (فَإِذَا عَزَمْتَ )، وأمّا إذا لم يكن ثمة رئيس، فلا تنطبق عليه الآية، إذ ليس في انتخاب الخليفة بين المشيرين من يقوم بدعوة الأفراد للمشورة، لغاية استعراض آرائهم، ثم تمحيص أفكارهم، والأخذ بالنافع منها، ثم العزم القاطع عليه.

و كل ذلك يعرب عن أنّ الاية ترجع إلى غير مسألة الحكومة وما شابهها. ولأجل ذلك لم نر أحداً من الحاضرين في السقيفة احتجّ بهذه الآية.

الآية الثانية: قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(2).

ببيان أنّ المصدر (أمر) أضيف إلى الضمير (هُم)، وهو يفيد العموم والشمول لكل أمر، ومنه الخلافة، فيعود معنى الآية أنّ شأن المؤمنين في كل مورد، شورى بينهم.

يلاحظ عليه: إنّ الآية تأمر بالمشورة في الأمر المضافة إلى المؤمنين، وأمّا أنّ تعيين الخليفة من الأمور المضافة إليهم، فهو أول الكلام، والتمسك بالآية في هذا المجال، تَمَسّك بالحكم في إثبات موضوعه.

و بعبارة أُخرى: إنّ الآية حثّت على الشورى فيما يمتّ إلى شؤون المؤمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن أمورهم، أمّا كون تعيين الإمام داخلاً في


1 - نهج البلاغة، قسم الحكم، الرقم 161.
2 - سورة الشورى: الآية 38.


(59)

أمورهم، فهو أول الكلام، إذ لا ندري هل هو من شؤونهم أو من شؤون الله سبحانه، ولا ندري، هل هي إمرة وولاية إلهية تتم بنصبه سبحانه تعيينه، أو إمرة وولاية شعبية، يجوز للناس التدخّل فيها. ومع هذا الترديد لا يصحّ التمسّك بالآية.

إجابة عن سؤال

لو لم تكن الشورى أساس الحكم، فلماذا استدلّ الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، على المخالف، بمبدأ الشورى، وقال: ـ مخاطباً معاوية ـ: «إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه إماماً، كان لله رضىً» (1).

و الجواب: إنّ ابن أبي الحديد المعتزلي هو أوّل من احتجّ بهذه الخطبة على أنّ صيغة الحكومة بعد وفاة النبي مستندة إلى الإختيار ونظام الشورى، وتبعه من تبعه، ولكنه غفل عن صدر الرسالة التي تعرب عن أنّ الإستدلال بالشورى من باب الجدل خضوعاً لقوله سبحانه: (وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)(2)، فإنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ بدأ رسالته بقوله: «أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر...»: ثم ختمها بقوله: «و إنّ طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردّهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون» (3).

فالإبتداء بالكلام بخلافة الشيخين يعرب عن أنّه في مقام إسكات معاوية


1 - نهج البلاغة: قسم الكتب، الرقم 6.
2 - سورة النحل: الآية 125.
3 - لاحظ وقعة صفين لنصر بن مزاحم (م 212 هـ)، ص 29، ص مصر. وقد حذف الرضي في نهج البلاغة من الرسالة مالايهمه، فإنّ عنايته كانت بالبلاغة فحسب.


(60)

الذي يعتبر البيعة وجهاً شرعياً للخلافة، ولولا هذا لما كان وجه لذكر خلافة الشيخين، بل لاستدلّ بنفس الشورى.

و لأجل ذلك يتمّ كلامه بقوله: «فإن اجتمعوا على رجل...»، احتجاجاً بمعتقد معاوية، عليه.

* * *

أسئلة حول مبدئية الشورى

من خلال التحليل المتقدم يمكن استخلاص أسئلة حول مبدئية الشورى للحكم، تزعزع كونها مبدء له، وهي:

1ـ لو كان أساس الحكم هو الشورى، لوجب على الرسول الأكرم التصريح به،

أوّلاً، وبيان حدوده وخصوصياته،

ثانياً. بأن يبيّن من هم الذين يشتركون في الشورى، هل هم القراء وحدهم، أو السياسيون، أو القادة العسكريون، أو الجميع، وما هي شرائط المنتخب، وأنّه لو حصل هناك اختلاف في الشورى، فما هو المرجّح، هل هو كمية الآراء وكثرتها، أو الرجحان بالكيفية، وخصوصيات المرشحين وملكاتهم النفسية والمعنوية.

فهل يصحّ سكوت النبي عن الإجابة على هذه الأسئلة التي تتصل بجوهر مسألة الشورى، وقد جعل الشورى طريقاً إلى تعيين الحاكم؟!.

2ـ إنّ القوم يعبّرون عن أعضاء الشورى، بأهل الحلّ والعقد، ولا يفسّرونه بما يرفع إجماله، فمن هم أهل الحلّ والعقد؟ وماذا يحلّون وما ذا يعقدون؟ أهم اصحاب الفقه والرأي الذين يرجع إليهم الناس في أحكام دينهم؟ وهل يشترط حينئذ درجة معينة من الفقه والعلم؟ وما هي تلك الدرجة؟بأي ميزان توزن؟ ومن إليه يرجع الأمر في تقديرها؟ أم غيرهم؟. فمن هم؟.

و ربما تجد من يبدل كلمة أهل الحلّ والعقد، بـ «الأفراد المسؤولين»، وما هو إلاّ وضع كلمة مجملة مكان كلمة مثلها.

3ـ وعلى فرض كون الشورى أساس الحكم، فهل يكون انتخاب أعضاء


(61)

الشورى ملزماً للأمّة، ليس لهم التخلّف عنه؟ أو يكون بمنزلة الترشيح، حتى تعطي الأمّة رأيها فيه؟ وما هو دليل كل منهما؟.

هذه الأسئلة كلّها، لا تجد لها جواباً في الكتاب والسنّة ولا في كتب المتكلمين، ولو كانت مبدءً للحكم لما كان السكوت عنها سائغاً، بل لكان على عاتق التشريع الإسلامي الإجابة عليها، وإضاءة طرقها (1).

* * *


1 - يقول طه حسين: «و لو قد كان للمسلمين هذا النظام المكتوب (نظام الشورى) لعرف المسلمون في أيام عثمان ما يأتون من ذلك وما يدعون، دون أن تكون بينهم فرقة أو اختلاف» (الخلافة والإمامة: ص 271).
و يقول الشيخ عبد الكريم الخطيب: «ينظر البعض إليه على أنّ تعيين الإمام بالشورى نواة صالحة لأول تجربة، وأنّ الأيّام كفيلة بأن تنميها، وتستكمل ما يبدو فيها من نقص، فلم تكن الأحوال التي تمّت فيها هذه التجربة تسمح بأكثر ممّا حدث.
و ينظر بعض آخر إلى هذا الأسلوب بأنه اسلوب بدائي عالج أهمّ مشكلة في الحياة ، وقد كان لهذا الأسلوب أثره في تعطيل القوى المفكرة للبحث عن أسلوب آخر من أساليب الحكم التي جربتها الأمم». (الخلافة والإمامة: ص 272).
و معنى ما ذكره الخطيب، أنّ قضية الشورى كانت مجرد تجربة، ولم تكن قانوناً إسلامياً أخذ به، وكانت في هذه القضية نقائص وعيوب، تركت آثاراً سيئة على الفكر الإسلامي.
و في المقام شبهة، يتشدق بها بعض المتعصبين، نذكرها ونجيب عليها في ملحق خاص آخر الكتاب، لاحظ الملحق رقم (1).


(62)

الأمر التاسع

هل البيعة أساس الحكم؟

البيعة مصدر بايع، لأنّ المبايع يجعل حياته وأمواله. بالبيعة، تحت اختيار من يبايعه، ويتعهد المبايع (بالفتح) ـ في المقابل ـ على أن يسعى في إصلاح حال المبايع (بالكسر) وتدبير شؤونه بصورة صحيحة، وكأنّهما يقومان بعملية تجارية، إذ يتعهد كل واحد منهما تجاه الآخر بعمل شيء للآخر، قال ابن خلدون: «إنّ البيعة هي العهد على الطاعة، كأنّ البايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أموره وأمور المسلمين، ويطيعه فيما يكلفه، وكانوا إذا بايعوا الأمير، جعلوا أيديهم في يده تأكيداً، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري.

البيعة قبل الإسلام وبعده

كانت البيعة من تقاليد العرب قبل الإسلام وسنتهم، وليس من مبتكراته، بل أمضاها وجعلها من العقود اللازمة التي يجب العمل بها، ويحرم نقضها. فقد بايع أهل المدينة النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السنة الحادية عشر، والثانية عشر من البعثة، في العقبة، بمنى (1)، بايعوه على عادتهم قبل الإسلام، حيث كانوا يبايعون زعماءهم.


1 - لاحظ سيرة ابن هشام، ج 1 ص 431و438.


(63)

و أمّا بعد الهجرة، فمرّة بايعه في غزوة الحديبية، وسميت بَيْعة الرضوان، لقوله سبحانه: (لَقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)(1).

و أخرى بايعته الصحابيات في مكة المكرمة بعد فتحها، وعنه يحكي قوله سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ)(2).

إذا عرفت ذلك فلنعطف نظر الباحث إلى نكات:

الأولى ـ إنّ بيعة المسلمين للنبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، لم تعن الإعتراف بزعامة الرسول ورئاسته، فضلاً عن نصبه وتعيينه، بل إنّ المبايعين، بعد أن آمنوا بنبوة النبي واعترفوا بقيادته وزعامته، وأرادوا أن يصبّوا ما يلازم ذلك الإيمان، من الإلتزام النفسي بأوامر النبي، بعد الإقرار بنبوته، وزعامته. فكأنّ النبي الأكرم يقول: «فإن آمنتم بي فبايعوني على أن تطيعوني، وتصلّوا وتزكّوا، وأن تدفعوا عني العدو حتى الموت، ولا تفروا من الحرب».

و الهدف عندئذ من البيعة لم يكن هو الإعتراف بمنصب المبايع، وانتخابه وتعيينه لمقام الحكومة والولاية، بل كانت لأجل التأكيد العملي على الالتزام بلوازم الإيمان السابق عليه، وهذا بارز في البيعة الثانية للانصار في منى، وبيعة الصحابة في غزوة الحديبية.

الثانية ـ إنّ البيعة ميثاق بين شخصين، تندرج تحت قوله سبحانه: (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)(3).

و عقد بين المبايعين، فتندرج تحت قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا


1 - سورة الفتح: الآية 18.
2 - سورة الممتحنة: الآية 12.
3 - سورة الإسراء، الآية 34.


(64)

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1).

يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، من الحث على البيعة: «و أمّا حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد، والمغيب،الإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم» (2).

الثالثة ـ إنّه ليس هناك دليل شرعي على أنّ مجرّد البيعة، بغضّ النظر عن المواصفات والضوابط الآتية، طريق إلى تعيين الخليفة والإمام، وإنّما يتعيّن بها، إذا كان المبايع، واجداً للصفات اللازمة في الامام.

الرابعة ـ الظاهر أنّ البيعة ليست طريقاً لتعيين الحاكم وانتخاب القائد، وإنّما يتعين الحاكم بالمقاولة وتصويت الجماعة الحاضرين، ثم يُصبّ ذلك الإنتخاب في قالب الحسّ بالبيعة والصفق، وكأنّ البيعة تأكيد لما التزموا، وتجسيد لما أضمروه أو تقاولوه. وعلى فرض كونها طريقاً لتعيين الحاكم، فهي إحدى الطرق لا الطريق الوحيد، فلو علم رضا الأمّة بحكومة فرد وزعامة شخص عن غير طريق البيعة، وأبرزت رضاها بطريق من الطرق، لكفى ذلك في كونه قائداً لازم الطاعة، لأنّه أشبه بالعقد والعهد.

الخامسة ـ إنّ التصويت الشعبي أو بيعة الجماعة الحاضرين إنّما يعدّ طريقاً لتعيين الحاكم إذا لم يكن هناك نصّ من الرسول على تنصيب شخص للزعامة، وإلاّ تكون البيعة رفضاً للنّص، واجتهاداً في مقابله.

السادسة ـ إنّ البَيْعة الكاملة من الصحابة الحاضرين في المدينة، لم تتحقق في واحد من الخلفاء الأربعة، إلاّ في علي، فقد بايعه المهاجرون الأنصار، إلاّ نفر قليل لا يتجاوز خمسة أشخاص، هم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وحسّان بن ثابت، وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة، والباقون أصفقوا


1 - سورة المائدة: الآية الأولى.
2 - نهج البلاغة، الخطبة 34.


(65)

على يده بالبيعة والطاعة، وإن نكث من نكث، ونقض من نقض، فيما بعد، وشقّ عصا الأمّة.

هذا وإنّ البيعة تحتاج إلى دراسة مبسوطة، موضوعاً وحكماً في ضوء الكتاب والسنّة، ومنهج الكتاب لا يقتضي التوسّع أزيد ممّا ذكرنا(1).

* * *


1 - لاحظ للتبسط: بحار الأنوار، ج 2، كتاب العلم، الباب 33. وأيضاً: ج 27، كتاب الإمامة، الباب 3.


(66)

الأمر العاشر

تصوّر النبي الأكرم للقيادة بعده

إنّ الكلمات المأثورة عن الرسول الأكرم، تدلّ على أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يعتبر أمر القيادة بعده، مسألة إلهية، وحقاً خاصّاً لله جلّ جلاله، فالله سبحانه هو الذي له أن يعين القائد، وينصب خليفة الرسول، ولا نجد في كل ما نقل عن النبي ما يدلّ على إرجاء الأمر إلى تشاور الأمّة، أو اختيار أهل الحلّ والعقد، أو بيعد الصحابة الحاضرين، أو غير ذلك ويكفي في ذلك الشاهدين التاليين:

1ـ لما دعا الرسول الأكرم بني عامر الإسلام وقد جاؤوا في موسم الحج إلى مكة، قال رئيسهم: «أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك»؟.

فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء» (1).

فلو كان أمر الخلافة بيد الأمّة، لكان على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يقول: الأمر إلى الأمّة، أو إلى أهل الحلّ والعقد، أو ما يشابه ذلك. فتفويض الأمر إلى الله سبحانه، ظاهر في كونها كالنبوة، يضعها سبحانه حيث يشاء، قال تعالى: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(2). فاللّسان في الموردين واحدٌ.


1 - السيرة النبوية، لابن هشام، ج 2، ص 424.
2 - سورة الأنعام، الآية 124.


(67)

2ـ بعث النبي الأكرم ( ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) سليط بن عمرو العامري إلى ملك اليمامة، «هوزه بن علي الحنفي»، الذي كان نصرانياً، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتاباً، فقدم على ملك اليمامة، فأنزله وحباه، كتب إلى النبي، يقول: «ما أحسن ما تدعو إليه، وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر، أتّبعك». فقدم سليط على النبي بكتابه، فلما قرأ عليه قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لو سألني سيابة من الأرض ما فعلته. بادَ، وبادَ ما في يده» (1)«أرسل هوزة إلى النبي وفداً يقول له، إن جعل له الأمر من بعده، أسلم، وصار إليه، ونصره، وإلاّ قصد حربه، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا، ولا كرامة، اللهم إكفنيه» (2).

فلو كانت القيادة بعد النبي، قيادة دستورية انتخابية، وكان للشعب الإسلامي منه حظ، لكان على النبي إجابة السائل بشكل آخر، وهو أنّ الأمر من بعدي، يرجع إلى أمّتي، والمؤمنين بي، ولكنك ترى أنّه وقف في وجهه بقسوة وشدّة كما هو ظاهر.


1 - الطبقات الكبرى، لابن سعد، ج 1، ص 262 .
2 - الكامل في التاريخ، لابن الأثير، ص 146.


(68)

الأمر الحادي عشر

تصوّر الصحابة للخلافة بعد النبي

إنّ المتتبع في تاريخ الخلفاء الذين تعاقبوا على مسند الحكومة، يرى بوضوح أنّهم كانوا يتّبعون الطريقة الأنتصابية لا الإنتخابية، بالتشاور أو البيعة، أو غير ذلك من المفاهيم التي حدثت في أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين، وإليك الشواهد.

1ـ إنّ خلافة عمر تمّت بتعيين من أبي بكر، وليس هذا خافياً على أحد. روى ابن قُتَيبة الدينوري، أنّ أبا بكر دعا عثمان بن عفان، فقال: أكتب عهدي، فكتب عثمان:

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قُحافة، آخر عهده في الدنيا، نازحاً عنها... إنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم، ظنّي به ورجائي فيه، وإن بدّل وغَيّر، فالخير أردت...» ثم ختم الكتاب ودفعه، ودخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنّه استخلف عُمَر (1).


1 - الإمامة والسياسة، ج 1، ص 18. ورواه ابن سعد في طبقاته الكبرى، ج 3، ص 200، وابن الأثير في تاريخه «الكامل»، ج 2، ص 292 باختلاف يسير وقد نقل موضوع استخلاف أبي بكر لعمر، عدّة من أعلام التاريخ والحديث، والكل يتحد جوهراً، وأنّ التنصيب صدر من الخليفة الأول.


(69)

2ـ إنّ استخلاف عثمان تَمَّ عن طريق شورى عين أعضاءها عمر بن الخطاب، يقول التاريخ: دعا عمر عليّاً، وعثمان وسعداً، وعبد الرحمن، والزبير، و طلحة، فقال: «إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها، واختاروا منكم رجلاً، فإذا متّ فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيباً، ولا يأتي اليوم الرابع إلاّ وعليكم أمير» (1).

فلو كانت صيغة الحكومة هي انتخاب القائد عن طريق المشورة باجتماع الامّة، أو بالبيعة، فما معنى انتخاب الخليفتين بهذين الطريقين؟.

3ـ لما اغتيل عمر بن الخطاب. وأحسّ بالموت ، أرسل ابنه عبد الله إلى عائشة، واستأذن منها أن يدفن في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر، فأتاها عبد الله، فأعلمها، فقالت، نعم، وكرامة. ثم قالت: يابني، أبلغ عمر سلامي وقل له، لا تدع أمّة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فانّي أخشى عليهم الفتنة، فأتاه، فأعلمه»(2).

4ـ إنّ عبد الله بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته، فقال: «إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا أنّك غير مستخلف، وأنّه لو كان ذلك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها، لرأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشد» (3).

5ـ قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة من أهلها لابنه يزيد، فاجتمع مع عدّة من الصحابة، وأرسل إلى عبد الله بن عمر، فأتاه، وخلا به، وكلّمه بكلام، و قال: إنّي كرهت أن أدع أمّة محمد بعدي كالضأن لاراعي لها» (4).

هذه النصوص التي حفظها التاريخ، صدفة ـ وكم لها من نظائر ـ تدلّ على أنّ انتخاب الخليفة عن طريق أهل الحلّ والعقد، والأنصار والمهاجرين، و أخيراً


1 - الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 35، أُنظر باقي الواقعة.
2 - الإمامة والسياسة، ج 1، 32.
3 - حلية الأولياء، ج1، ص 44.
4 - الإمامة والسياسة، ج 1 ص 168.


(70)

الإستفتاء الشيعي، لم يكن له أصل في منطق الصحابة، وإنّما اخترعت هذه الألفاظ في فترة خاصة، في مقابل خلافة الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ .

ثم إنّ ها هنا أمراً بديعاً يجب إلفات نظر الباحث إليه وهو إنّه إذا كان ترك الأمّة بلاراع، أمراً غير صحيح في منطق العقل، أو كان ترك تعيين القائد كترك الضأن بلا راع لها، فكيف يجوز لهؤلاء أن ينسبوا إلى النبي أنّه ترك الأمّة بلا راع، وودعهم بعده هملا، يخشى عليهم الفتنة. فكأنّ هؤلاء كانوا أعطف على الأمّة من النبي الأكرم، وأحنّ على مصالحها منه؟ إنّ هذاممّا يقضي منه العجب.

غير أنّ كلّ من كتب في الإمامة، وواجه هذا التاريخ المسلّم، حاول تصحيح هذه النتصيبات بأنّ تعيين القائد السابق، الإمام اللاحق، أحد طرق انعقاد الإمامة، ولكن هؤلاء قد جمعوا بين المختلفين، فتارة يعترفون بالتنصيب، وأخرى بالإنتخاب، وبعبارة أخرى: يعترفوان بكفاية رأي واحد من الأمّة تارة، ويشترطون تصويت الشعب، أو الصحابة، ثانياً.

* * *


(71)

الأمر الثاني عشر

صيغة القيادة في الشرائع السابقة

المتبع بين الأنبياء السالفين هو تسليم أمر من قامو ابهدايتهم، إلى خلفاء صالحين لائقين، ليتسنى لتلك الأُمم في ظل الرعاية والتربية الصحيحة، التي يتولاها الأوصياء، أن يستمروافي طريق التكامل والرشد.

نعم، كان كثير من الأوصياء أنبياء، ولكن بعضاً منهم كانوا أوصياء خاصين، وهذا يعرب عن أنّ مسألة القيادة والزعامة كانت من الأهمية والخطورة، إلى حدّ لم يترك أمرها إلى اختيار الناس ونظرهم، بل كانت تعهد على مدى التاريخ إلى رجال أكفاء، يعيّنون بالإسم والشخص، لأنّ تركه يؤدّي إلى الإختلاف والفرقة والفتنة، وكانت القيادة يتوارثها، فى الغالب أفراد من سلالة الأنبياء والرسل، خلفاً عن سلف، وإليك بعض الآيات المشعرة بذلك.

قال سبحانه مخاطباً إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ :(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )(1) وليس المراد من الإمامة هنا النبوة، كما زعمه بعض المفسّرين، لإنّه إنّما جعله إماماً بعدما كان نبيّاً ورسولاً، بشهادة أنّه يطلب هدا المقام لذرّيته، وإنّما صار ذا ذرّية، بعدما كبر وهرم، قال: (الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ)(2). وقد كان نبيّاً قبل


1 - سوة البقرة: الآية 124.
2 - سورة إبراهيم، الآية 39.


(72)

أن يرزق ولداً، بشهادة الملائكة عليه (1). بل المراد هو الإمامة المتمثلة في الحاكمية والقيادة، فدعا إبراهيم أن يجعل الله تعالى هذا المقام في ذرّيته، على النحو الذي فيه (بالتنصيب)، ولم يردّه سبحانه، وما أنكره عليه، بل أخبره بأنها لا تنال الظالمين منهم.

قال سبحانه ـ حاكياً عن موسى ـ عليه السَّلام ـ ـ:(وَ اجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي)(2). فيلب موسى ـ عليه السَّلام ـ أن يكون أخاه هارون مساعداً ومعينا ً له في القيادة، فقبله سبحانه، وأعطاه مصافاً إلى الوزارة، النبوة. ويؤيّد ذلك تاريخ الأنبياء، فقد كانوا ينصّون على الخلفاء من بعدهم بصورة الوصالية، وقد ذكر المؤرخون قائمة أو صيائهم، فراجع(3).

و يدلّ على ذلك بصراحة لا تقبل جدلاً، ماروي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:

هده هي الطريقة المألوفة في الشرائع السابقة، ولا دليل على الإنحراف عنها، ولا صارف عن الأخذ بها، بل نجد في السنّة ما يدلّ على أنّ كل ما جرى على الأُمم السابقة، يجري على هذه الأمّة إلاّ ما استثني (4).

و يدلّ على ذلك بصراحة لا تقبل جدلاً، ما روي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنّه لا نبي بعدي، وسيكون بعدي خلفاء يكثرون» (5).

و ظاهر الحديث أنّ استخلاف الخلفاءفي الأمّة الإسلامية، كاستخلاف


1 - لاحظ سورة الحجر: الآيات 51 ـ 60.
2 - سورة طه: الآيتان 29 و 30.
3 - لاحظ إثبات الوصية، للمسعودي، مؤلّف مروج الذهب (م 345).
4 - روى أحمد في مسنده، ج 3، ص 84، عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله 6 قال: «لتتبعنّ سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم». ورواه غيره من أصحاب الصحاح والسنن.
5 - جامع الأصول لابن أثير الجزري، الفصل الثاني، فيمن تصح إمامته وإمارته، ص 443، أخرجه البخاري ومسلم.


(73)

الأنبياء في الامم السالفة، ومن المعلوم أنّ الإستخلاف كان هناك بالتنصيص، فيجب أن يكون هنا بالتنصيص كذلك.

* * *

إذا تعرفت على هذه الأمور الإثني عشر، فاعلم أنّ هذه المقدمات تعرب عن كون صيعغة الحكومة بعد النبي هي صيغة التنصيص، والتنصيب، لاغير، لا بالطرق التي تقدمت عند البحث عمّا تنعقد به الإمامة عند أهل السنّة، وإليك البيان:

1ـ قد عرفت أنّ رحلة النبي الأكرم تترك فراغات هائلة في الأمّة، لا مناص عن سدّها بواحد من أبناء الأمّة، وأنّ هذه الفراغات لاتسدّ بفرد عادي، له من المؤهلات والكفاءات العلمية، ما لا يتجاوز عن حدود ما لغيره من أفراد الأمّة، بل يجب أن يكون له كفاءة وصلاحية توازن كفاءات النبي ومؤهلاته،يكون مستودعاً لعلوم النبي، واقعاً تحت عناية الله تبارك وتعالى وكفالته.

و من المعلوم أنّ التعرّف على هذا الفرد ليس ميسّراً من طريق الإنتخاب بالشورى أو بالبيعة، بل يُعرف يتعيين من الله سبحانه عن طريق النبي الأكرم، نظر أوصياء سائر الأنبياء.

2ـ كما عرفت أنّ الدولة الإسلامية الفتية كانت مهددة في أخريات أيام النبي، حال وفاته، بأعداء داخليين وخارجيين. أمّا الداخليون، فهم المنافقون الذين كانوا يتربصون بها الدوائر، وأمّا الخارجيون، فدولتا الروم والفرس، فمقتضى المصلحة العامة في تلك الظروف الحرجة، تعيين الإمام الخليفة بعده، لئلا تترك الدولة بعد وفاته عرضة للإختلاف، وبالتالي تمكّن أعدائها منها، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ حياة العرب حينذاك في نفوسهم،ترك الأمر إلى مجتمع هذا حاله، يؤدّي إلى التشاغب والإختلاف وبالتالي إلى القتل والدمار.

أضف إلى ذلك أنّ الوعي الديني لم يكن راسخاً في قلوب أكثر الصحابة، وإن كان القليل منهم قد بلغ القمة، وصاروا مثلاً عليا للفضل والفضيلة،قد


(74)

عرفت دليل قلّة الوعي الديني، بفرارهم في بعض الغزوات.

3ـ كما عرفت أنّه لو كان أساس الحكم على غير وجه التنصيب، لكان على النبي الأكرم بيان أسسه وأصوله وفروعه، وشرائط الإمام، وما تنعقد به الإمامة، مع أنّ النبي سكت عن ذلك ولم ينبس منه بكلمة، أفيصحّ لنا أن نتهم النبي بأنّه بلّغ أبسط الأمور وأيسرها، التي تقع في الدرجة الأخيرة من الأهمية في حياة الإنسان، وسكت عن عظائم الأمور ومهمّاتها التي تتوقف عليها حياة الأمّة.

كل ذلك يعرب عن أنّ سكوته لأجل أنّ أساس الحكم هو التنصيب، ونصب الإمام يغني عن البحث حول أساس الحكم وشروطه; «و كلّ الصّيد في جوف الفراء» (1).

4ـ كما عرفت أنّ تصوّر النبي للخلافة في عصره، هو إيكالها إلى الله سبحانه، وأنّه تعامل معاملة الرسالة، وأنّه عرّفها بنفس ما عرّف به الله سبحانه الرسالة، «يضعها حيث شاء».

5ـ كما عرفت أنّ تصوّر الصحابة، وسيرتهم في الخلافة هي سيرة التنصيب، وقد كان ترك التنصيب، في نظرهم، إهمالاً لأمر الأمّة، وتركاً لها بلا راع فريسة للذائاب، والأعداء، وبذلك استتبّ الأمر لعمر بيد أبي بكر، ولعثمان بيد عمر، وهكذا توالت السيرة في الامويين من الخلفاء، وشذّت عنها خلافة علي حيث استتبت له ببيعة المهاجرين والأنصار.

6ـ كما عرفت أنّ صيغة القيادة في الشرائع السابقة كانت هي التنصيب، وكان الأوصياء يُنصبون من طريق الأنبياء.

7ـ كما أنّك عرفت أنّه لا دليل على كون أساس الحكم هو الشورى والبيعة بألوانهما المختلفة.


1 - مثل يُضرب.


(75)

كل ذلك يعرب عن أنّ القائد الحكيم، بأمر من الله سبحانه، سلك مسلكاً، ونهج منهجاً، يطابق هذه الأصول والمقدمات، وما خالفها قدر شعرة،عيّن القائد بعده في حياته، وأعلنه للأمّة في موسم أو مواسم.

هذا ما يوصلنا إليه السبر والتقسيم والمحابة في الأمور الإجتماعية والسياسية، فيجب علينا عندئذ الرجوع إلى الكتاب والسنّة، لنقف ونتعرّف على ذلك القائد المنصوب، ونذعن ـ بالتالي ـ بأنّ عمل النبي كان موافقاً لهذه الأصول العقلائية التي تقدمت، وهذا ما يوافيك في البحوث التالية.

* * *


(76)

البحث الأول:

السنّة النبوية وتنصيب علي للإمامة

إنّ من أحاط علماً بسيرة النبي في تأسيس دولة الإسلام، وتشريع أحكامها وتمهيد قواعدها، يجد علي بن أبي طالب وزير رسول الله في أمره،ظهيره على عدوه، وعيبة علمه، ووارث حكمه، ووليّ عهده، وصاحب الأمر من بعده. ومن وقف على أقوال النبي وأفعاله في حلّه وترحاله، يجد نصوصه في ذلك متواترة متوالية، من مبدأ أمره إلى منتهى عمره، ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإليك البيان.

أ ـ حديث بدء الدعوة

أخرج الطبري وغيره، بسنده، عن علي بن أبي طالب، أنّه لما نزلت هذه الآية على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(1)دعاني رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقال لي: يا عليّ، إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر، أرى منهم ما أكره، فَصَمَدّتُ عليه حتى جاءني جبرئيل، فقال، يا محمد، إنّك إن لا تفعل ما تؤمر به، يعذّبك ربّك، فاصنع (ياعلي) لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، وأملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلّمهم وأبلّغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون


1 - سورة الشعراء: الآية 214.


(77)

رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه... إلى أن قال: فأكلوا حتى ما لهم بشي حاجة، ثم قال (النبي): أسقهم. فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثم تكلّم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقال: يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب، جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أو أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي، ثم قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوه.

و في رواية أخرى قال ذلك القول ثلاث مرات، كلّ ذلك أقوم إليه فيقول: إجلس(1).

و دلالة الحديث على الخلافة لعلي والوصاية له، لا تحتاج إلى بيان، وهذا إن


1 - تاريخ الطبري، ج 63 ـ 64. ورجال السند كلهم ثقات إلاّ أبو مريم عبد الغفار بن القاسم، فقد ضَعّفه القوم، ليس ذلك إلاّ لتشيعه، فقد أثنى عليه ابن عقدة وأطراه، وبالغ في مدحه، كما في لسان الميزان، ج 4، ص 43 وأسند إليه .
وأخرجه بهذا اللفظ أبو جعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي، في كتابه نقض العثمانية، على ما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 13، ص 244، وقال: «إنّه روي في الخبر الصحيح»، وابن الاثير في الكامل، ج 2، ص 24، وأبو الفداء عماد الدين الدمشقي، في تاريخه: ج 3، ص 40. والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره، ص 390. وغيرهم من الحفّاظ وأساتذة الحديث وأئمة الأثر، والمراجع في الجرح والتعديل، ولم يقذف أحد منهم الحديث بضعف أو غمز لمكان أبي مريم في أسناده.
على أنّه أخرجه الإمام أحمد في مسنده في غير مورد، فرواه في الجزء الأول، ص 159 عن عفان عن أبي عوانة عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجز، ورجال السند كلُّهم ثقات. كما أخرجه في الجزء الأول، ص 111، بسند رجاله كلُّهم من رجال الصحاح بلا كلام، وهم شريك، والعمش، والمنهال، وعباد.
وللحديث صور مختلفة رواها عدّة من الحفاظ، فمن أراد التوسع في ذلك فليرجع إلى المصادر التالية: الغدير، ج 2، ص 278 ـ 289. غاية المَرام، للسيد البحراني، المقصد الثاني، الباب 15 و16. وتعاليق إحقاق الحق، ج 4، ص 66 ـ 70. والمراجعات، المراجعة 20، والمراجعة 22، وقد تكلم في إسناد الحديث في المتن وتعاليقه بما لا يدع للمريب شكاً.


(78)

دَلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النبوة والإمامة كانتا متعاقدتين بعقد واحد، تتجليان معاً، ولا تتخلفان.

كتمان الحقائق

إنّ من العجب أنّ أناساً يدّعون أنّهم حفظة الحديث وعيبة آثار رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، كتموا الحقائق وارتكبوا جنايات في نقل الآثار، وإليك نبذة من هؤلاء.

1ـ رأينا أنّ الطّبري في تاريخه، نقل قول النبي على الوجه التالي:

ـ «فأيّكم يوازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم». كما نقل قوله الآخر:

ـ «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».

و لكنه في تفسيره، لم يعجبه نقل الحقيقة، لمخالفتها لما يبطنه من العقيدة، فقال مكان الجملتين: «فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي وكذا وكذا».

ـ «إنّ هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوه» (1).

2ـ إنّ الحافظ أبا الفداء ابن كثير (م 774 هـ)، ذكر الحديث في تاريخه، على منوال تاريخ الطبري، ولكن لم يعجبه نقله من تاريخه، واعتمد على التفسير الذي كنى عن نصّ رسول الله بالوصاية والخلافة لعلي (2).

3ـ إنّ محمد حسين هيكل، كتب ما هو خزاية فاضحة في مجال الحديث، فإنّه كتب الجملة الأولى أعني قول النبي الأكرم: «فأيكم يؤازرني على هذا الأمر


1 - تفسير الطبري، ج 19، ص 75.
2 - البداية والنهاية، الجزء الثالث من المجلد الثاني، ص 40.


(79)

و أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم». وترك من رأس الجملة الثانية التي قالها النبي لعلي.

و لكن هذا المقدار من الإعتراف بالحقيقة، لم يعجب القشريين من الأزهريين، فوقع موقع النقد منهم، وأسقط في الطبعة الثانية من الكتاب كلّ ما يرجع إلى عليّ ـ عليه السَّلام ـ ، دفعاً لأمواج اللوم والعتاب (1).

* * *

ب ـ حديث المنزلة

روى أهل السير والتاريخ أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، خلّف علي بن أبي طالب على أهله في المدينة، عند توجهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلّفه إلاّ استثقالاً له، وتخوّفاً منه، فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو نازل بالجرف (2)، فقال يا نبيّ الله، زعم المنافقون أنّك إنّما خلفتني أنّك استثقلتني، وتخفّت مني، فقال: كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني، في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي؟.

فرجع علي إلى المدينة، ومضى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على سفره (3).


1 - حياة محمد، الطبعة الثانية، سنة 1354، ص 139. وعلى هذه الطبعة جاءت الطبعات اللاحقة، ونسخت الطبعة الأولى وكأنّ الأستاذ لم يكتبها.
2 - الجرف، بالضم ثم السكون، موضع على بعد ثلفاثة أميال من المدينة.
3 - السيرة النبوية، لابن هشام، ج 2، ص 519 ـ 520: وقد نقله من أصحاب الصحاح: البخاري في غزوة تبوك، ج 6، ص 3، ط 1314. ومسلم في فضائل عليّ، ج 7، ص 120. وابن ماجة في فضائل أصحاب النبي، ج 1 ص 55، ط المطبعة التازية بمصر.
و الإمام أحمد في مسنده في غير مورد لاحظ ج 1، ص 173 و 175 و 177 و 179 و 182 و 185 و 330 وغيرهم من الأثبات الحفاظ، فلم يشك في صحة سند الحديث إلاّ الآمدي، و ليس هو من علم الحديث في حلّ ولا ترحال.

(إذا ما فُصِّلت عليا قريش * فلا في العير أنت ولا النفير)

و ما جرّه إلى التشكيك، غير كون الحديث نصاً صريحا ً في إمامة علي، فحاول التشكيك للتخلص من هذا الإرتباك.


(80)

و من عجيب القضايا ما رواه مسلم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، وقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب، قال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم. سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان. فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أمّا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّأنّه لا نبوة بعدي.

و سمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسلوه، ويحبّه الله ورسوله. قال: فتطاولنا لها، فقال: أدعولي عليّاً، فأتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.

و لما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)، دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللّهم هؤلاء أهلي» (1).

و أمّا دلالة الحديث على أنّ النبي أفاض على عليًّ ـ عليه السَّلام ـ ـ بإذن من الله سبحانه ـ الخلافة والوصاية، فيكفيك فيها أنّ كلمة «منزلة» إسم جنس أضيف إلى هارون، وهو يقتضي العموم، فيدلّ على أنّ كل مقام ومنصب كان ثابتا لهارون فهو أيضاً ثابت لعلي، إلاّ ما استثناه، وهو النبوّة.

على أنّ الإستثناء هو أيضاً دليل العموم، ولولاه لما كان وجه للإستثناء.

و أمّا ما جاء في صدر الحديث من أنّه خلّفه على أهله، فلا يكون دليلاً على الإختصاص، لبداهة أنّ المورد لا يكون مخصّصاً، وهو أحد القواعد المسلّمة في


1 - صحيح مسلم، ج 7، باب فضائل علي بن أبي طالب، ص 120 ـ 121.


(81)

علم الأصول، فلو رأيت الجنب يمسّ آية الكرسي، فقلت له، لا يمسّنّ آيات القرآن محدث، يكون دليلاً على أنّ الجنب يحرم عليه مسّ القرآن على الإطلاق.

و أمّا منزلة هارون من موسى، فيكفي في بيانها قوله سبحانه ـ حكاية عن موسى ـ: (وَ اجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اُشْدُدْ بِهِ أَزْري * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْري)(1) فجاء الجواب:

(قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (2).

إنّ من تتبّع سيرة النبي يجده يصوّر عليّاً وهارون كالفرقدين في السماء، والعينين في الوجه، لا يمتاز أحدهما في أُمّته عن الآخر في أمته بشي ما، و من ذلك:

أ ـ إنّ النبي سمّى أبناء علي كأسماء أبناء هارون، سمّاهم حسناً وحسيناً ومُحسناً، وقال: إنّما سمّيتهم بأسماء ولد هارون، «شُبَّر، وَشُبَيرْ وَمُشبر» (3).

ب ـ إنّ النبي اتّخذ عليّاً أخاه، وآثره بذلك على من سواه، تحقيقاً لعموم الشّبه بين منازل الهارونيّين من أخويهما، وحرصاً على أن لا يكون ثمة من فارق بينهما. وقد آخى بين أصحابه، فجاء عليّ ـ عليه السَّلام ـ وقال: آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أنت أخي في الدنياالآخرة (4).

ج ـ أمر بسد أبواب الصحابة من المسجد، تنزيهاً له عن الجنب والجنابة، لكنه أبقى باب علي ـ عليه السَّلام ـ ، وأباح له عن الله تعالى، أن يدخل المسجد جنباً كما كان مباحاً لهارون، فدلّل ذلك على عموم المشابهة بين الهارونيّين


1 - لاحظ سورة طه: الآيات 29 ـ 32 وقوله: (وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْري) يدل على اشتراك هارون مع موسى في النبوة كما يدل عليه قوله تعالى: (وَ وَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا)(سورة مريم: الآية 53)، ولأجل ذلك استثناها النبي من منزلة هارون من موسى.
2 - سورة طه: الآية 36.
3 - مستدرك الحاكم، ج 3، ص 165 و 168.
4 - سنن الترمذي، ج 5، ص 636، الحديث 3720. ومستدرك الحاكم، ج 3، ص 14.


(82)

ـ عليهما السَّلام ـ ، كما قال ابن عباس: «وسدّ رسول الله أبواب المسجد غير باب علي، فكان يدخل المسجد جنباً، وهو طريقه ليس له طريق غيره» (1).

* * *

ج ـ حديث «الغدير»

حديث الغدير، حديث الولاية الكبرى، حديث إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب تعالى. وهو حديث نزل به كتاب الله المبين، وتواترت به السنّة النبوية، وتواصلت حلقات أسانيده منذ عهد الصحابة والتابعين إلى اليوم الحاضر، وقد صبّ شعراء الإسلام واقعة الغدير، في قوالب الشعر، وهو من أحسن ما أثار قرائحهم الشعرية وإليك فيما يلي حاصل تلك الواقعة، وخطبة النبي الأكرم فيها:

أجمع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، الخروج إلى الحج في السنة العاشرة من الهجرة، وأذّن في الناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به حجته، تلك الحجة التي سميت بحجة الوداع، وحجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام (2)، ولم يحج غيرها منذ هاجر إلى أن توفّاه الله سبحانه.اشترك معه جموع لا يعلم عددها إلاّ الله، وأقلّ ما قيل إنّه خرج معه تسعون ألفاً، فلما فقضى مناسكه وانصرف، راجعاً إلى المدينة، ومعه والذين أتوا من اليمن. فلما قضى مناسكه وانصرف، راجعاً إلى المدينة، ومعه من كان من الجموع المذكورات، ووصل إلى الغدير «خم» من الجحفة، التي تتشعب فيها


1 - حديث «سدّ الأبواب كلّها إلاّ باب علي»، من الأخاديث المتضافرة المنقولة عن لفيف من الصحابة، منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، لاحظ مسند أحمد، ج 2، ص 26. ومنهم أبوه عمر بن الخطاب، لاحظ مستدرك الحاكم، ج 3، ص 125. ومن أراد التبسّط في أسانيده فعليه بالغدير، ج 3، ص 202 ـ 215. والمرجعات، المراجعة 34.
2 - تسميتها بالبلاغ وبالتمام والكمال، لنزول قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ). وقوله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) سورة المائدة: الآيتان 67 و 3 في ذلك الحج.


(83)

طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس، الثامن عشر من ذي الحجة، نزل جبرئيل الأمين عن الله تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ )(1)، وكان أوائل القوم قريبين من الجحفة، فأمر رسول الله أن يرد من تقدم منهم، ويحبس من تأخّر عنهم، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، نودي بالصلاة، صلاة الظهر، فصلّى بالناس، وكان يوماً حاراً، يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء، فلما انصرف من صلاته، قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل، وأسمع الجميع رافعاً عقيرته، فقال:

«الحمد لله، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ ولا مضلّ لمن هدى،أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وناره حق، وأنّ الموت حق، وأنّ الساعة آتية لاريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور»؟.

قالوا: «بلى نشهد بذلك».

قال: «اللّهم اشهد». ثم قال: «يا أيُّها الناس، ألا تسمعون؟».

قالوا: «نعم».

قال: فإنّي فرط على الحَوْض (2)، فانظروني كيف تَخْلُفوني في الثقلين».

فنادى مناد: «و ما الثّقلان يا رسول الله؟».


1 - سورة المائدة: الآية 67.
2 - أي متقدِّمكم إليه.


(84)

قال: «الثّقل الأكبر، كتاب الله، والآخر الأصغر، عترتي، وإنّ اللّطيفَ الخبيرَ نبّأني أنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تَقَدّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا».

ثم أخذ بيد علي فرفعها، حتى رؤي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: «أيّها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟».

فقالوا: «الله ورسوله أعلم».

قال: «إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم.

فمن كنت مولاه ـ يقولها ثلاث مرات ـ ثم قال: اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب».

ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) الآية، فقال رسول الله: «الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي،الولاية لعلي من بعدي».

ثم أخذ الناس يهنئون عليّاً، ومّمن هنّأه في مقدم الصحابة الشيخان أبوبكر وعمر، كل يقول: بخ بخ، لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي، ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

و قال حسان، أئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليٍّ أبياتاً، فقال: قل على بركة الله، فقام حساناً، فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم * بخُمّ واسمع بالرسول منادياً

فقال فمن مولاكم ونبيّكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التّعاميا

إلهك مولانا وأنت نبيّنا * و لم تلق منا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا عليّ فإنّني * رضيتك من بعدي إماماً وهاديا


(85)

فمن كنت مولاه فهذا وليّه * فكونوا له أتباع صدق مواِليا

هناك دعى اللّهم وال وليّه * و كن للذي عادى عليّا معاديا

فلمّا سمع النبي أبياته قال: «لا تزال ياحسّان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك» (1).

هذا مجمل الحديث، في واقعة الغدير، وقد أصفقت الأمّة على نقله، فلا نجد حديثاً يبلغ درجته في التواتر والتضافر، ولا في الإهتمام نظماً ونثراً.

و الإحتجاج به على إمامة عليٍّ ـ عليه السَّلام ـ يتحقق ببيان الأُمور التالية:

الأمر الأول: البلاغ الرسمي للولاية

إنّ النبي الأكرم أشاد بولاية علي ووصايته، في حديث يوم الدار، في مجتمع محدود، لا يربو عددهم الأربعين. كما أشاد بخلافته عند توجّهه إلى تبوك أمام جماعة من الصحابة والمهاجرين، وكان هذا وذاك، وغيرهما ممّا صدر منه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، في ظروف مختلفة، حول ولاية الإمام، تهيئة للأذهان، للإعلان الرسمي لهذه الولاية أمام الجموع الهائلة، ليقف عليها القريب والبعيد، والحاضر والبادي، فقام بإبلاغ ذلك في ذلك المحتشد العظيم، وأخذ منهم الإقرار والإعتراف، وهنّأ الصحابة عليّاً ـ عليه السَّلام ـ ، بهذه المكرمة الإلهية، فكان هذا إعلاناً رسمياً، للأمّة جمعاء، لا يصحّ لأحد إنكاره، والتغاضي عنه. وسيوافيك دلالة الحديث بوجه واضح لا يدع لقائل كلمة، ولا لمجادل شبهة.

* * *


1 - هذا من أعلام النبوة، فقد علم أنّه سوف ينحرف عن إمام الهدى في أخريات أيّامه، فعلق دعاءه على ظرف استمراره في نصرته. وقد نقل هذه الأبيات عن حسان بن ثابت عدّة من أعلام المؤرخين والمحدّثن، وإن حذف من ديوانه، فحرّفت الكلم عن مواضعها، ولعب بديوانه كما لعب بكثير من الدواوين، كديوان الفرزدق، وديوان كميت، وديوان أبي فراس، وديوان كشاجم، التي حذفت منها ما يرجع إلى مدح أهل البيت ورثائهم.
لاحظ الغدير، ج 2، ص 34 ـ 42.


(86)

الأمر الثاني: سند الحديث وتواتره

إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة من عصر الرسول الأكرم إلى يومنا هذا، يقف عليه من سبر كتب الحديث والتاريخ والسّير والكلام التفسير و غيرها. وما ربما يصدر من كلمات حول الحديث من أنّه من أحاديث الآحاد، فهو كلام صدر من المغرضين ورماة القول على عواهنه، من غير تدبّرتثبت.

إنّ كتب الإمامية في الحديث وغيره، مفعمة بإثبات قصة الغدير والإحتجاج بمؤداها. فمن مسانيد معنعنة إلى مُنْبَثَقِ أنوار النبوة، إلى مراسيل أرسلها المؤلفون إرسال المسلَّم، وحذفوا أسانيدها لتسالم الفريقين.

و أمّا المحدثون وغيرهم من أهل السنّة فلا يتأخرون عن الإمامية في نقل الحديث والبخوع لصحته، والركون إليه، والتصحيح له، والإذعان بتواتره إلا شُذّاذ تنكبوا عن الطريقة، وقد ألّف غيرواحد من علماء الإسلام كتباً مستقلة، فلم يقنعهم إخراجه بأسانيد مبثوثة في الكتب، فدوّنوا ما انتهى إليهم من أسانيده، وضبطوا ما صحّ لديهم من طرقه، كل ذلك حرصاً على كلاء متنه من الدثور، وعن تطرق يد التحريف إليه، منهم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ والتفسير المعروفين (ت 224 ـ م 310 هـ)، وأبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المعروف بابن عقدة (م 333 هـ)،أبو بكر محمد بن عمر محمد بن سالم التميمي البغدادي(م 355 هـ) وغيرهم (1).

و لأجل إيقاف القارئ على اهتمام الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، والعلماء، والأدباء، والفقهاء، بنقل الحديث وضبط أسانيده، نذكر عدد رواته في كل قرن على وجه الإجمال ونحيل التفصيل إلى الكتب المعدّة لذلك .

1ـ روى الحديث من الصحابة 110 صحابياً، وطَبْع الحال يستدعي أن يكون رواته أضعاف المذكورين، لأنّ السامعين الوعاة له كانوا مائة ألف، أو يزيدون.


1 - ذكر شيخنا الحجة العلامة الأميني، أسماء المؤلفين وخصوصيات كتبهم، في الجزء الأول، من غديره، ص 152 ـ 157.


(87)

2 ـ رواه من التابعين 84 تابعياً.

و أما عدّة الرواة من العلماء والمحدثين فنذكرها على ترتيب القرون.

3ـ عدد من رواه في القرن الثاني:    56 عالماً ومحدّثاً.

4ـ عدد من رواه في القرن الثالث:    92 عالماً ومحدّثاً .

5ـ عدد من رواه في القرن الرابع:    43 عالماً ومحدّثاً.

6ـ عدد من رواه في القرن الخامس:    24 عالماً ومحدّثا.

7ـ عدد من رواه في القرن السادس:    20 عالماً ومحدّثاً.

8ـ عدد من رواه في القرن السابع:    20 عالماً ومحدّثاً.

9ـ عدد من رواه في القرن الثامن:    19 عالماً ومحدّثاً.

10ـ عدد من رواه في القرن التاسع:    16 عالماً ومحدّثاً.

11ـ عدد من رواه في القرن العاشر:    14 عالماً ومحدّثاً.

12ـ عدد من رواه في القرن الحادي عشر:   12 عالماً ومحدّثاً.

13ـ عدد من رواه في القرن الثاني عشر:   13 عالماً ومحدثاً.

14ـ عدد من رواه في القرن الثالث عشر:    12 عالماً ومحدّثاً.

15ـ عدد من رواه في القرن الرابع عشر:    19 عالماً ومحدّثاً.

و قد أغنانا المؤلفون في الغدير عن إراءة مصادره ومراجعه، وكفاك في ذلك كتب لمّة كبيرة من أعلام الطائفة:

منهم العلاّمة السيد هاشم البحراني (م 1107) مؤلف عاية المرام.

و منهم السير مير حامد حسين الهندي اللكهنوئي (م 1306)، ذكر حديث الغدير، وطرقه، وتواتره، ومفاده في مجلدين ضخمين في ألف وثمان مائة صحيفة وهما من مجلدات كتابه الكبير «العبقات»، فقد أتمّ الله به الحجة، وأوضح المحجة، وكتابه العبقات كتاب جليل، فاح أريجه بين لابتي العالم، و طبق حديثه المشرق والمغرب.

و منهم العلامة المتتبع المحقق الفذّ الشيخ عبد الحسين النجفي (ت 1320 (م 1390) في كتابه الفريد «الغدير»، وبعين الله، إنّ كتابه هذا هو المعجز


(88)

المبين، ومن حسنات الدهر الخالدة، جزاه الله خيرا الجزاء (1).

* * *

الأمر الثالث ـ دلالة الحديث

إنّ دلالة الحديث على إمامة مولانا أمير المؤمنين، دلالة واضحة لم يشك فيها أي عربي صميم، عصر نزول الحديث وبعده إلى قرون، ولم يفهموا من لفظة المولى سوى معنى الإمامة، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء إلى أن ولّد الدهر إمام المشككين، فجاء بتشكيكات، كسائر تشكيكاته، التي تاب منها عند احتضاره (2).

و الدلالة مركزة على أن لفظ المولى نصّ فيما نثبته من الإمامة بالوضع اللغوي، أو بالقرائن المحتفة به. وعلى كلا التقديرين، يكون الحديث حجةً قاطعةً في الإمامة، ونحن نسلك كلا الطريقين.

الطريق الأول ـ الدلالة بالوضع اللغوي

إنّ «مفعل» ـ هنا ـ بمعنى «أفعل»، ولفظ «مولى» أريد منه هنا الأولى، سواء أقلنا إنّه المعنى الوحيد ـ كما سيوافيك ـ أو أحد معانيه، كما في قوله سبحانه: (فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(3).

و المفسّرون للآية على فريقين منهم من حصر التفسير بأنّها أولى بكم، ومنهم


1 - ومن أراد التبسط فعليه الرجوع إلى ما ذكرنا من المصادر، وإلى كتاب «المراجعات» لمصلح الدين، السيد شرف الدين العاملي ـ رحمه الله ـ.
2 - لاحظ دائرة المعارف، لفريد وجدي، ج 4، ص 149، وفيها أنّه قال: «و أمّا ما استكثرت من إيراد السؤالات، فإنّي ما أردت إلاّ تكثيرالبحث وتشحيذ الخاطر، والإعتماد في الكلّ على الله تعالى».
3 - سورة الحديد: الآية 15.


(89)

من جعله أحد المعاني، وهؤلاء أئمة العربية، عرفوا أنّ هذا المعنى من معاني اللفظ اللغوية، ولولاه لما صحّ لهم تفسيره به، يقول الخازن: «هي مولاكم، أي وليّكم، وقيل أولى بكم، لما أسلفتم من الذنوب، والمعنى: هي التي تلي عليكم، لأنّها ملكت أمركم وأسلمتم إليها، فهي أولى بكم من كل شيء» (1). وقد نقل كون المولى بمعنى الأول، الرازي في تفسيره عن الكلبي النّسابة (م 146) والفرّاء (م 207) (2) وأبو عبيدة معمّر بن المثنى البصري (م 210)، والأخفش الأوسط (م 218) (3)و نهاية العقول (4).

و استشهد أبو عبيدة ببيت لبيد:

فقدت كلا الفَرْجَيْن تَحْسَبُ أنّه * مولى المخافة خلفها وأمامها

حتى أنّ البخاري، صاحب الصحيح، في قسم التفسير منه، فسّره بـ «أولى» (5).

نعم هنا شبهة ذكرها الرازي في تفسيره، حسب أنّها تصادم دلالة الحديث على الولاية الكبرى للإمام عليٍّ ـ عليه السَّلام ـ ، فقال في تفسير قوله سبحانه: (هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )، «لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة، لصحّ استعمال كلّ واحد منهما في مكان الآخر، فيجب أن يقال: هذا مولى من فلان، ولمّا بطل ذلك، عَلِمنا أنّ الذي قالوه معنىً، وليس بتفسير».

و قال في نهاية العقول: «لو كان المولى يجيء بمعنى الأولى، لصحّ أن يقرن بأحدهما، كلّما يصحُّ قَرْنُه بالآخر، لكنه ليس كذلك، فامْتَنَع كون المولى بمعنى الأولى، مع أنّه لا يقال: هو مولى من فلان، ولا يصحّ أن يقال: «هو أولى» بدون من»


1 - تفسير الخازن، نقلاً عن الغدير، ج 1، ص 341.
2 - معاني القرآن، للفراء، ج 3 ص 134.
3 - لاحظ جميع ذلك في تفسير الرازي، ج 8، ص 93.
4 - نهاية العقول، للرازي، أيضاً.
5 - صحيح البخاري، ج 7، ص 240.


(90)

يلاحظ عليه: قد فات الرازي أنّ اتّحاد المعنى أو الترادف بين الألفاظ، إنّما يقع في جوهريات المعاني لا عوارضها الحادثة من أنحاء التركيب،تصاريف الألفاظ، وصيغها. مثلاً: الإختلاف الحاصل بين المولى والأولى، بلزوم مصاحبة الثاني بالباء (أولى به)، وتجرّد الأول منه، إنّما حصل من ناحية صيغة إفعل من هذه المادة، كما أنّ مصاحبة «من»، هي مقتضى تلك الصيغة مطلقاً، إذن مفاد «فلان أولى بفلان»، و«فلان مولى فلان»، واحد، حيث يراد به «الأولى به من غيره»، ويشهد لذلك أنّ «افعل» بنفسه، يستعمل مضافاً إلى المثنّى والجمع، أو ضميرهما بغير أداة، فيقال: زيد أفضل الرجلين، أو أفضلهما، وأفضل القوم وأفضلهم، ولا يستعمل كذلك إذا كان ما بعده مفرداً، فلا يقال: زيد أفضل عمرو، وإنّما يقال هو أفضل منه، ولا يرتاب عاقل في اتّحاد المعنى في الجميع.

قال الأزهري في باب التفضيل: «إنّ صحة وقوع المرادف موقع مرادفه، إنّما يكون إذا لم يمنع من ذلك مانع، وها هنا منع مامنع، وهو الإستعمال، فإنّ إسم التفضيل، لا يصاحب من حروف الجر إلاّ «من» خاصة، وقد تحذف مع مجرورها للعلم بها نحو: (وَ الآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)(1)(2)

ثمّ إنّ الرازي اختار أنّ المولى في الحديث بمعنى «الناصر»، مع أنّ ما أورده على القول بأنّه بمعنى «الأولى»، وارد عليه، فلايقال في اللغة العربية، «هو مولى دين الله»، مكان «ناصر»، ولا يصحّ تبديل قوله: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ)(3). إلى «من مواليّ الله»، أو تبديل الحواريين: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)(4)إلى «نحن موالي الله».

هذه الحالة مطّردة في كثير من المترادفات التي جمعها الرّماني (م 384) في تأليف مفرد، مع أنّ اختلاف الكيفية حاكم عليها أيضاً، مثلاً يقال: عندي


1 - سورة الأعلى: الآية 17.
2 - التصريح، لخالد بن عبد الله الأزهري، باب أفعل التفضيل.
3 - سورة آل عمران: الآية 52.
4 - الآية السابقة نفسها.


(91)

درهم غير جيد، ولا يصحّ أن يقال: عندي درهم إلاّ جيد، كما هو السائد في كلمة «هل» و «همزة الإستفهام»، فإنّهما بمعنى واحد، ولكن يفترقان بفروق ثلاثة، أو خمسة، أو ستة.

و لما كان الإشكال ضئيلاً، قال النيسابوري، في تفسيره ـ بعد نقل كلام الرازي، إلى قوله: وحينئذ يسقط الإستدلال به ـ: «قلت: وفي هذا الإسقاط بَحْثٌ لا يخفى» (1).

و لما وقف التفتازاني على تمامية دلالة الحديث على الإمامة، حاول رمي الحديث بعدم التواتر، قال ـ في دلالة الحديث ـ: «المولى» قد يراد به المعتق، والمعتق، والحليف، والجار، وابن العم، والناصر، والأولى بالتصرف، قال الله تعالى: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ)، أي أولى بكم، ذكره أبوعبيدة،قال النبي: «أيما إمرأة أنكحت نفسها بغير إذن مولاها»، أي الأولى بها، والمالك لتدبير أمرها، ومثله في الشعر كثير. وبالجملة استعمال المولى بمعنى المتولي، والمالك للأمر، والأولى بالتصرف، شائع في كلام العرب، منقول عن كثير من أئمة اللغة، والمراد أنّه اسم لهذا المعنى، لا صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأنّه ليس من صيغة اسم التفضيل، وأنّه لا يستعمل استعماله، وينبغي أن يكون المراد به في الحديث هو هذا المعنى، ليطابق صدر الحديث، ولأنّه لا وجه للخمسة الأول، وهو ظاهر، ولا للسادس لظهوره، وعدم احتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله». إلى أن قال: «و لا خفاء في أنّ الولاية بالناس، والتولّي، والمالكية لتدبير أمرهم، والتصرّف فيهم، بمنزلة النبي، وهو معنى الإمامة» (2).

هذا من غير فرق بين تفسير مَفّعَلْ بأَفْعَل، أي المولى بمعنى أَوْلى، أو تفسيره بفَعيل، أي الولي، وقد نصّ على ذلك أئمة العربية منهم الفراء في تفسيره، وأبو العباس المُبَرّد، قالا: «الولي والمولى، بمعنى في لغة العرب واحد»(3).


1 - تفسير النيسابوري، تفسير سورة الحديد.
2 - شرح المقاصد، ج 2، ص 290.
3 - لاحظ معاني القرآن للفراء، ج 3، ص 124، والغدير ج 1، ص361.


(92)

قال في الصحاح: والولي كل من ولي أمر واحد، فهو وليّه، وقول الشاعر:

هُمُ المَوْلى وإن جَنَفوا علينا * و إنّا من لقائهم لزورُ (1)

و قال في النهاية: «و كُلّ من ولي أمراً أو قام به فهو مولاه ووليه» (2).

و قال الفيروز آبادي، في قاموسه: «المَوْلى: المالِك، والعبد، والمعتق، والولي، والربّ» (3).

ليس للمولى إلاّ معنى واحد

إنّ السابر في كتب اللغة يرى أنّهم يذكرون في تفسير «المولى» أموراً، يبدو أنّها معان مختلفة له، مثلاً يقول صاحب القاموس: «المولى: المالك،العبد، والمعتق، والمعتَق، والصاحب، والقريب كابن العم ونحوه، والجار، والحليف، والإبن، والعمّ، والنّزيل، والشّريك، وابن الأُخت، والوَليّ،الربّ، والناصر، والمُنْعِم، والمنعَم عليه، والمحبّ، والتابع، والصِّهر» (4).

و الحق أنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأولى بالشيء، وتختلف هذه الأولوية بحسب الإستعمال في كل مورد من موارده، والإشتراك معنوي، وهو الأولى من الإشتراك اللفظي المستدعي لألفاظ كثيرة غير معلومة بنصّ ثابت والمنفية بالأصل المحكّم، وهذه النظرية أبدعها ابن البطريق الحلّي (ت 533 ـ


1 - الصحاح، ج 6، مادة «ولى»، ص 2529.
2 - النهاية لإبن الأثير، ج 5، ص 228.
3 - القاموس المحيط، مادة «ولى»، ج 4، ص 401.
4 - تاج العروس، ج 10، ص 399.


(93)

م 600) (1).

و هذا المعنى الواحد، وهو الأولى بالشيء جامع لهاتيك المعاني جمعاء، ومأخوذ في كلّ منها بنوع من العناية، ولم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلاّ بمناسبة لهذا المعنى:

1ـ فالمالك أولى بكلاءة مماليكه، وأمرهم، والتصرف فيهم.

2ـ والعبد أولى بالإنقياد لمولاه من غيره.

3ـ والمعتق (بالكسر) أولى بالتفضيل على من أعتقه من غيره.

4ـ والمعتق (بالفتح) أولى بأن يعرف جميل من أعتقه عليه ويشكره.

5ـ والصاحب، أولى بأن يؤدّي حقوق الصحبة من غيره.

6ـ والقريب، هو أولى بأمر القريبين منه، والدفاع عنهم، والسعي وراء صالحهم.

7ـ والجار، أولى بالقيام بحفظ حقوق الجوار كلّها من البعداء.

8ـ والحليف، أولى بالنهوض بحفظ مَنْ حالفه، ودفع عادية الجور عنه.

9ـ والإبن أولى الناس بالطاعة لأبيه والخضوع له.

10ـ والعم ّ، أولى بكلاءة إبن أخيه، والحنان عليه، وهو القائم مقام والده.

11ـ والنّزيل، أولى بتقدير من آوى إليهم ولجأ إلى ساحتهم، وأمن في جوارهم.

12ـ والشريك أولى برعاية حقوق الشركة وحفظ صاحبه عن الأضرار.

13ـ وابن الأُخت، أولى الناس بالخضوع لخاله الذي هو شقيق أُمه.

14ـ والولي، أولى بأن يراعي مصالح المُوَلّى عليه.

15ـ والناصر، أولى بالدفاع عمّن التزم بنصرته.

16ـ والربّ، أولى بخلقه من أي قاهر عليهم.


1 - عُمّدة عيون صحاح الأخبار، لابن البطريق، ص 114 ـ 115.


(94)

17ـ والمنعم (بالكسر) أولى بالفضل على من أنعم عليه، وأن يتبع الحسنة بالحسنة.

18ـ والمنعم عليه، أولى بشكر منعمه من غيره.

19ـ والمحب، أولى بالدفاع عمّن أحبّه.

20ـ والتابع، أولى بمناصرة متبوعه ممّن لا يتبعه.

21ـ والصهر، أولى بأن يرعى حقوق من صاهره، فشدّ بهم أزره، وقوي أمره.

إلى غير ذلك من المعاني التي هي أشبه بموارد الإستعمال. والأولوية مأخوذة فيها بنوع من العناية.

إلى هنا قد ظهر أنّ المولى في الحديث الشريف بمعنى الأولى، أو بمعنى الولي، وأنّ ما ذكر للمولى من المعاني المختلفة، فليس من قبيل المعاني المختلفة، حتى يحتاج تفسير المولى بالأولى إلى قرينة معيّنة، بل من قبيل المصاديق.

هذا كلّه في الطريق الأول.

الطريق الثاني ـ الدلالة بالقرائن

إنّ القرائن الحافة بالحديث تدلّ على أنّ المراد من المولى هو الأولى أو الولي، وهي على قسمين: قرائن حالية وقرائن مقالية:

و المراد من الأولى، ما احتف به الكلام الصادر من النبي الأكرم، من ظروف زمانية ومكانية. والمراد من الثانية ما يتصل بالكلام نفسه من الجمل العبارات.

أمّا القرائن الحالية، فبيانها بكلمة جامعة أنا لو فرضنا أنّ لفظ المولى مشترك بين المعاني التي تلوناها عليك، إلاّ أنَّه لا يمكن إرادة غيره في المقام، إمّا لاستلزامه الكفر، كما إذا أريد منه الرب.

أؤ الكذب، كما إذا أُريد منه العم، والإبن، وابن الأُخت، والمعتِق،


(95)

و المعتق، والعبد، والمالك، والتابع، والمُنْعَم عليه، والشَريك، والحليف، وهو واضح لمن تدبر فيه.

و أمّا الصاحب، والجار، والنزيل، والصّهر، والقريب، فلا يمكن إرادة شيء من هذه المعاني، لسخافته، لا سيما في هذا المحتشد الرهيب، وفي أثناء المسير، ورمضاء الهجير، وقد أمر ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحبس المتقدم في السير، ومنع التالي منه، في محلّ ليس صالحاً للنزول، غير أنّ الوحي الإلهي، حبسه هناك، فيكون ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد عقد هذا المحتفل، والناس قد أنهكتهم وعثاء السفر، وحرّ الهجير، وحراجة الموقف، حتى أنّ أحدهم ليضع طرفاً من ردائه تحت قدميه، وطرفاً فوق رأسه، فيرقى هنالك منبر الأهداج، ويُعْلِمُهم عن الله تعالى بأنّه من كان هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مصاحباً أو جاراً أو نزيلاً عنده، أو صحراً أو قريباً له، فعليّ كذلك!!.

و أمّا المنعم، فلا ملازمة بين أن يكون كلّ من أنعم عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فعليّ منعم عليه.

و أمّا الناصر والمحب، فسواء كان كلامه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، إخباراً أو إنشاء، فاحتمالان ساقطان، إذ ليسا بأمر مجهول عندهم، لم يسبقه التبليغ حتى يأمر به في تلك الساعة، ويحبس له الجماهير، ويعقد له ذلك المنتدى الرهيب، في موقف حرج، لا قرار فيه.

فلم يبق من المعاني إلاّ الولي، والأولى به، والمراد منه المتصرف في الأمر ومتوليه. ذكر الرازي في تفسير قوله تعالى: (وَ اعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ)(1)، قال: قال القفال: «هو مولاكم، سيّدكم والمتصرّف فيكم» (2).

فتعين أنّ المراد بالمولى: المتصرّف، الذي قيّضه الله سبحانه لان يُتَّبع، ويكون إماماً، فيهدي البشر إلى سنن النجاة فهو أولى من غيره بأنحاء التصرف


1 - سورة الحج: الآية 78.
2 - تفسر الرازي، ج 6، ص 21.


(96)

في المجتمع الإنساني، فليس هو إلا نبي مبعوث أو إمام مفترض الطاعة منصوص به من قبله تعالى، بأمر إلهي، لا يبارحه في أقواله وأفعاله: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)(1).

و أمّا القرائن المقالية: فمتعددة تثبت أيضاً أنّ المولى بمعنى الأولى بالشيء أو بمعنى الولي، إذا تنازلنا إلى أنّه أحد معانيه، وأنَّه من المشترك اللفظي، وأمّا على القول بأنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد، كما أوضحناه، فلا حاجة لذكر القرائن إلاّ تأكيداً.

القرينة الأولى: صدر الحديث، وهو قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ألست أَوْلى بِكُمِ من أَنفسكم»، أو ما يؤدّي مؤدّاه من ألفاظ متقاربة ثم فرّع على ذلك قوله: «فَمَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَعَليٌّ مولاه». وقد روى هذا الصدر من حفاظ أهل السنّة، ما يربو على أربع وستين عالماً (2).

فإنّ هذا الصدر يعيّن أنّ المراد من المولى هو الأولى، ولا وجه للتفكيك المخل.

القرينة الثانية: ذيل الحديث، وهو قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، وفي جملة من طرق الحديث قوله: وانصر من نصره،اخذل من خذله، أو ما يؤدّي مؤدّاه، فلو أريد منه غير الأولى بالتصرف، فما معنى هذا التطويل، فإنّه لا يلتئم ذكر هذا الدعاء إلاّ بتنصيب علي مقاماً شامخاً، يؤهله لهذا الدعاء.

القرينة الثالثة: أخذ الشهادة من الناس، حيث قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ حجته حقّ الخ». فإنّ وقوع قوله: «من كنت مولاه»، في سياق الشهادة بالتوحيد والرسالة، يحقق كون المراد، الإمامة، الملازمة للأولوية على الناس.


1 - سورة النجم: الآيتان 3و 4.
2 - لاحظ نقولهم، في كتاب الغدير، ج 1، موزعين حسب قرونهم.


(97)

القرينة الرابعة: التكبير على إكمال الدين، حيث لم يتفرقوا بعد كلامه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، حتى نزل أمين وحي الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(الآية)، فقال رسول الله: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي»، فأي معنى يكمل به الدين، وتتم به النعم، ويرضى به الربّ في عداد الرسالة، غير الإمامة التي بها تمام الرسالة، وكمال نشرها وتوطيد دعائمها.

القرينة الخامسة: نعيُ النبي وفاته إلى الناس، حيث قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «كأنّي دُعيت فأجبت». وفي نقل: «إنّه يوشك أن أدعى»، أو ما يقرر ذلك، وهذا يعطي أنّ النبي قد بقيت من تبلغيه مهمة، يحذر أن يدرِكَهُ الأجلُ قبل الإشادة بها، وهي تعرب عن كون ما أشار به في هذا المحتشد، تبليغ أمر مهم، يخاف فوته، وليس هو إلاّ الإمامة.

أضف إليه أنَّه يعرب بذلك عن أنَّه سوف يرحل من بين أظهرهم، فيحصل بعده فراغ هائل، وأنّه يُسَدُّ بتنصيب عليٍّ في المقام الولاية.

القرينة السادسة: التهنئة، جاء في ذيل الحديث، وأخرجه الطبري في كتاب «الولاية» عن زيد بن أرقم، أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، قال: «معاشر الناس، قولوا: أعطيناك على ذلك عهداً عن أنفسنا، وميثاقاً بألسنتنا، وصفقة بأيدينا، نؤدّيه إلى أولادنا وأهالينا، لا نبغي بذلك بدلاً، وأنت شهيد علينا، وكفى بالله شهيداً قولوا ما قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فإنّ الله يعلم كلّ صوت،خائنة كل نفس، فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، (وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً) قولوا ما يرضي الله عنكم، فإن تكفروا، فإنّ الله غنيّ عنكم».

القرينة السابعة: الأمر بإبلاغ الغائبين: وقد أمر ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في آخر خطبته بأن يبلّغ الشاهد الغائب، فما معنى هذا التأكيد، إذا لم يكن هناك مهمة لم تتح الفرص لتبليغها على نطاق واسع، ولا عرفته جماهير المسلمين، وما هي إلاّ الإمامة.


(98)

و غير ذلك من القرائن التي استقصاها شيخنا المتتبع في غديره (1).

حديث الغدير ورجلات الأدب

شاء المولى سبحانه أن يبقى حديث الغدير على مرّ العصور والأيام، حجةً على المسلمين في التعرّف على مستقرّ الولاية الكبرى بعد النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقيّض المولى سبحانه، رجالات الأدب، وأساتذة الشعر، فنظموا تلك المأثرة النبوية الخالدة، وصبّوها في قوالب أشعارهم، وقرائضهم، فترى أنّهم ـ وهم أساتذة اللغة وبواقع الأدب ـ يعبّرون عنه بكلمات صريحة في الإمامة، أو الخلافة. وقبل كل شاهد نذكر بيت الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ حيث قال:

و أوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يومَ غدير خمّ

ثم بعده حسان بن ثابت، الصحابي العظيم، يقول:

و عَليّ إمُامنا وإمامٌ * لسوانا أتى به التنزيل

يوم قال النبيُّ من كنتُ مولاه * فهذا مولاهُ خطب جليل

ومنهم داهية العرب، في قصيدته المعروفة بـ «الجلجلية»، يقول فيها معترضاً على معاوية:

وكم قد سمعنا من المصطفى * و صايا مخصصة في علي

و في يوم خمّ رقى منبراً * و بلّغ والصحب لم ترحل

فامنحه إمرة المؤمنين * من الله مستخلف المنحل

و غيرهم من الشعراء الذين يحتجّ بقولهم في الأدب واللغة، ككميت بن زيد الأسدي المتوفى عام 126 هـ ، والعبدي الكوفي من شعراء القرن الثاني، وشيخ


1 - لاحظ الغدير، ج 1، ص 370 ـ 383.


(99)

العربية أبي تمّام، وغيرهم ممّن يطول بذكرهم المقام (1).

إلى هنا تمّ الكلام حول الحديث متناً وسنداً، وهو يعرب عن حقيقة ناصعة من أجلى الحقائق الدينية، وهي ثبوت الولاية لعلي بعد النبي، ولا يرتاب فيها إلاّ مغرض لايرتاد الحقيقة، أو غافل عن مصادر الحديث (2).

ثم إنّ ها هنا سؤالين مهمّين، ربما يدفع البعض بهما حديث الغدير ودلالته، لا بدّ من ذكرهما، والإجابة عنهما:

* * *

السؤال الأول: لماذا أعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير؟

إنّ هاهنا اعتراضاً على تنصيب عليّ في مقام الولاية والخلافة، بأنّه لو كان الأمر كذلك، فلماذا يأخذه الصحابة مقياساً بعد النبي. وليس من الصحيح إجماع الصحابة، وجمهور الأمّة على ردّ ما بلّغه النبي في ذلك المحتشد العظيم.

و الجواب:

إنّ ذلك أقوى مستمسك لمن يريد التخلص من الإعتناق بالنصّ المتواتر الجلي في المقام، ولكنه لو رجع إلى تاريخ الصحابة، يرى لهذه الأمور نظائر كثيرة في حياتهم السياسية، وليكن ترك العمل بحديث الغدير من هذا القبيل. وفيما يلي نذكر نماذج من هذا الإجتهاد المرفوض قبال النصّ.

1ـ رزية يوم الخميس

كلّ من ألمّ بالحديث والتاريخ، يعرف حديث «رزية يوم الخميس»،


1 - من أراد الوقوف على أشعارهم، فليرجع إلى الغدير بأجزائه.
2 - لقد استندنا في هذا البحث الضافي إلى كتاب الغدير، فنقدر جهود شيخنا العلامة الأميني، المغفور له.


(100)

الذي رواه الشيخان وغيرهما، أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: لما حُضر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي: «هلمّ أكتب لكم كتاب لا تضلّوا بعده أبداً»، فقال عمر: «إنّ النبي قدغلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله». فاختلف أهل البيت، فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا، يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم يقول ما قال عمر. لما أكثروا اللغو والإختلاف عند النبي، قال لهم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : قوموا.

قال عبد الله بن مسعود: فكان ابن عباس يقول: «إنّ الرزية كلّ الرزية ماحال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم» (1).

2ـ سرية أسامة

قد اهتمّ النبي ببعث سرية أُسامة بن زيد اهتماماً عظيماً، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها، وحثّهم عليها، ثم عبّأهم بنفسه الزكية، إرهافاً لعزائمهم،استنهاضاً لهممهم، فلم يُبْق أحداً من وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر، وعُمَر، وأبي عبيدة، وسعد، وأمثالهم، إلاّ وقد عبّاه بالجيش، وكان ذلك لأربع ليال بقين من صفر، سنة إحدى عشرة للهجرة، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين، ووجدهم مُثّاقلين، خرج إليهم فحضّهم على السير، وعقد اللواء لأسامة بيده الشريفة، إرهافاً لعزيمتهم ثم قال: «أغز باسم الله، وفي سبيل


1 - أخرجه البخاري، في غير مورد، لاحظ ج 1، باب كتابة العلم، الحديث 3; و ج 4، ص 70; و ج 6، ص 10; من النسخة المطبوعة سنة1314. والإمام أحمد في مسنده ج 1، ص 355، وفيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم نظرت إلى دموعه على خدّيه تحدر كأنّها نظام اللؤلؤ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، إئتوني باللوح والدواة، أو الكتف، أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً. فقالوا: «رسول الله يَهْجُر»!!.


(101)

الله». فخرج بلوائه معقوداً، فدفعه إلى بريدة، وعسكر بالجزف.

ثم تثاقلوا هناك، فلم يبرحوا، مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب إسراعهم كقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «جهّزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عنه»، فقال قوم: «يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة»، وقال قوم: «قد اشتدّ مرض النبي، فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره»(1).

وقد أغضب النبيَّ تثاقُلُهم، حتّى قال: «جَهِّزوا جيش أُسامة، لَعَنَ الله من تخلّف عنه»، فقال قوم: «يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة»، وقال قوم: «قد اشتدّ مرض النبي، فلا تسع قلوبنا مفارقته، وحالة هذه، فنصبر حتّى نبصر أي شيء يكون من أمره» (2).

ثم إنّ مَنْ ذَكَرَ تخلُّفَ القومِ عن أسامة، حاول تعليل تخلّف الصحابة، فقال بأنّ الغرض منه إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين نائرة الفتنة والمؤثرة عند تقلّب القلوب (3).

فإذا صحّ هذا العذر، فليصحّ في حديث الغدير، فإنّ القوم ـ أكثرهم لا جميعهم ـ ثقل عليهم إمامة علي بن أبي طالب الذي قتل من أبناء القوم إخوانهم يوم بدر وحنين وغيرهما، ما قتل، فرجّحوا مخالفة الحديث حفظاً للوحدة، أو لغير ذلك من هذه المبررات ـ عند القوم ـ للإجتهاد تجاه النصّ.

كما أنّهم في نفس القضية، طعنوا في إمارة أسامة، طعناً عظيماً، وأقلّ ما قالوه، إنّ النبيّ قد أمّر شاباً غير مجرّب على شيوخ القوم وأكابرهم!!.

3ـ صُلح الحُديبيّة واعتراض القوم

إنّ النبي الأكرم صالح قريشاً في الحديبيّة لمصالح عالية، كشف المستقبل عنها بوضوح. ولما تمّ كتاب الصلح، اعترض عليه لفيف من الصحابة، حتى تصوّروا أنّه من باب إعطاء الدنيّة في طريق الدين.


1 - الملل والنحل، للهشرستاني، ج 1، ص 23.
2 - الملل والنحل، للشهرستاني، ج 1، ص 23 .
3 - المصدر سابق نفسه.


(102)

روى مسلم في باب صلح الحديبيّة أنّ عمر قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أو لسنا على الحق، وهم على الباطل؟ قال: «بلى». قال: «ففيهم نعطي الدّنية في ديننا، ونرجع وَلمّا يحكم الله بيننا وبينهم»؟. فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يا ابن الخطاب، إنّي رسولُ الله ، ولن يضيّعني أبداً» (1).

فانطلق عُمَر، ولم يصبر متغيظاً، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حقّ وهم على باطل، قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار. قال: بلى. قال: فعلى مَ نعطي الدنيّة في ديننا، ونرجع ولّما يحكم الله بيننا وبينهم. فقال: يا ابن الخطاب، إنّه رسول الله، ولن يُضَيِّعه الله أبداً.

فلما فرغ رسول الله من الكتاب قال لأصحابه،: قوموا فانحروا، ثم احلقوا. قال الرواي: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، دخل خباءه، ثم خرج فلم يكلم أحداً منهم بشيء، حتى نحر بدنه بيده، ودعا حالقه، فحلق رأسه. فلما رأى أصحابه ذلك قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعض (2).

ولسنا بصدد استقصاء مخالفات القوم لنصوص النبي وتعليماته، فإنّ المخالفة لا تقتصر عليما ذكرنا بل تربوا على نيف وسبعين مورداً، استقصاها بعض الأعلام (3).

وعلى ضوء ذلك، لا يكون ترك العمل بحديث الغدير، من أكثرية الصحابة دليلاً على عدم تواتره، أو عدم تمامية دلالته.

و المشكلة كلّها في هذا الباب، هي التعرّف على حكم الصحابة من حيث


1 - صحيح مسلم، باب صلح الحديبية، ج5، ص 175، والطبقات الكبرى لابن سعد، ج 2، ص 114 حيث استغفر للمحلقين ورأى بعضهم غير محلق.
2 - صحيح البخاري، ج 2، كتاب الشروط، ص 81.
3 - لاحظ كتاب النصّ والإجتهاد، للسيد الإمام شرف الدين، وهو كتاب ممتع مليء بالأحداث الّتي قُدّم فيها الإجتهاد الخاطيء ـ لا الصحيح فإنّه تبع النص ـ على النصّ النبوي الجليّ.


(103)

العدالة، فإنّ القوم ألبسوا مجموع الصحابة لباس العصمة، وحلّوهم أجمعين بحلية التقوى والعفاف، على وجه لا يكادون يخالفون الكتاب والسنّة قيد شعرة، فالصحابة بمجموعهم معصومون لا يخطئون. فمن كانت هذه عقيدته، فيشكل عليه القول بأن القوم خالفوا تنصيص النبي وتنصيبه لعلي ـ عليه السَّلام ـ .

و لكنها عقيدة تضاد كتاب الله وسنته، والتاريخ. فمن درس حياة الصحابة في ضوء الكتاب والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، يقف على أنّ فيهم صالحاً وطالحاً، كسائر أفراد المجتمعات البشرية، وليس السلف خيراً من الخلف، بل السلف والخلف على وتيرة واحدة، (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ)(1).

* * *

السؤال الثاني: ما فائدة البحث عن إمامة عليّ في هذه الأزمان؟

وها هنا سؤال آخر يطرحه لفيف من دعاة الوحدة، الذين لهم رغبة خاصة بتوحيد صفوف المسلمين وتقريب الخطى بينهم، وحاصله:

إنّ البحث عن صيغة الخلافة بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، يرجع لبّه إلى أمر تاريخي قد مضى زمنه وهو أنّ الخليفة بعد النبي هل هو الإمام أمير المؤمنين أو أبوبكر. وماذا يفيد المؤمنين البحث حول هذا الأمر الذي لا يرجع إليهم بشيء في حياتهم المعاصرة. أو ليس من الحريّ ترك هذا البحث حفظاً للوحدة.

والجواب

لاشك أنّ أعظم خلاف وقع بين الأمّة، اختلافهم في الإمامة، وما سلّ


1 - سورة فاطر: الآية 32، وقد أشبع الأستاذ دام حفظه، الكلام في حال الصحابة من حيث البرهان والعاطفة في بحوثه في الملل والنحل، فلاحظ: ج 1، ص 191 ـ 228.


(104)

سيف في الأسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة (1). فمن واجب المسلم الحرّ، الذي لا يتبنّى إلاّ مصلحة المسلمين، السعي وراء الوحدة، ولكن ليس معنى ذلك ترك البحث، وغلق ملف الدراسة، فإنّه إذا كان البحث نزيهاً موضوعياً يكون مؤثّراً في توحيد الصفوف وتقريب الخطى، إذ عندئذً تتعرف كل طائفة على ما لدى الأخرى، من العقائد والأصول، وبالتالي تكون الطائفتان متقاربتين. وهذا بخلاف ما إذا تركنا البحث مخافة الفرقة، فإنّه يثير سوء ظنّ كلّ طائفة بالنسبة إلى الأخرى في مجال العقائد والمعارف، فربما تتصورها طائفة أجنبياً عن الإسلام.

هذا أولاً.

و ثانياً: إنّ لمسألة البحث عن صيغة الإمامة بعد النبي بعدين أحدهما بعد تاريخي مضى عصره، والثاني بعد ديني باق أثره إلى يومنا هذا، ومن واجب كلّ مسلم الأخذ به، وهو أنّه إذا صحّ تنصيب عليّ لمقام الولاية والخلافة، بالمعنى الذي تتبناه الإمامية، يكون الإمام، وراء كونه زعيماً في ذلك العصر، مرجعاً في رفع المشاكل التي خلفتها رحلة النبي، ممّا قد مرّ عليك، فيجب على المسلمين الرجوع إليه في تفسير القرآن وتبيينه، وفي مجال الموضوعات المستجدة التي لم يرد فيها النصّ في الكتاب والسنّة، كما يكون مرجعاً في سائر الأمور.

و في ضوء هذا، فالبعد الذي مضى، ولا نعيد البحث فيه، هو كونه زعيماً في ذلك العصر، وقد مضى زمنه، ولكن الباقي زعامته الدينية، وقيادته في مجال المعارف والمسائل الشرعية، فهو بعد باق، فيجب على كل المسلمين الرجوع إلى الإمام أخذاً بهذا الأبعاد، لحديث الغدير وغيره. فليس البحث متلخصاً في البعد السياسي حتى نشطب عليه بدعوى أنّه مضى ما مضى، بل له كما عرفت مجال ومجالات باقية.

فإذا وصل البحث إلى هنا، يجب علينا التركيز على مسألة أخرى وهي أنّ النبي الأكرم، لم يزل يهيب في الجاهلين، ويصرخ في الغافلين، داعياً إلى التمسّك بالكتاب والعترة معاً، وهذا تصريح بأنّ لقيادة العترة الطاهرة وراء


1 - تقدمت منا هذه الكلمة نقلاً عن الشهرستاني في الملل والنحل.


(105)

الزعامة السياسية المحدودة بوقت خاص، وزمن حياتهم، بعداً خالداً إلى يوم القيامة، وهو لزوم الإنكباب عليهم فيما يطرء علينا من الحوادث الوقائع الدينية، وكل ما يمت إلى الدين عليهم فيما يطرء علينا من الحوادث والوقائع الدينية، وكل ما يمت إلى الدين بصلة، ونتطلب الجواب الإهتداء منهم، ولأجل ذلك يجب علينا التعرّف على هذا القسم من الأحاديث الّذي يركز على الجهات المعنوية أزيد من التركيز على الجهات السياسية.

1ـ حديث الثّقلين

روى أصحاب الصحاح والمسانيد عن النبي الأكرم أنّه قال: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي».

و قال في موضع آخر: «إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». وغير ذلك من النصوص المتقاربة.

و قد صدع بها في غير موقف، تارة بعد انصرافه من الطائف، وأخرى يوم عرفة في حجة الوداع، وثالثة يوم غدير خمّ، ورابعة على منبره في المدينة، وأخرى في حجرته المباركة في مرضه والحجرة غاصّة بأهله.

و لا يشك في صحّة الحديث إلاّ الجاهل به أو المعاند، فقد روي بطرق كثيرة عن نيف وعشرين صحابياً (1).

إنّ الإمعان في الحديث يعرب عن عصمة العترة الطاهرة، حيث قورنت


1 - وكفى في ذلك أن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية قامت بنشر رسالة جمعت فيها مصادر الحديث ونذكر من طرقه الكثيرة ما يلي:صحيح مسلم، ج 7، ص 122، سنن الترمذي، ج 2، ص 207، مسند أحمد، ج 3، ص 17 و 26 و 59. و ج 4، ص 366 و 371. و ج 5، ص 182 و 189.
و قد قام المحدث الكبير السيد حامد حسين الهندي بجمع طرق الحديث و نقل كلمات الأعاظم حوله و نشره في ستة أجزاء و هو من أجزاء كتابه الكبير العبقات.


(106)

بالقرآن الكريم، وأنّهما لا يفترقان، ومن المعلوم أنّ القرآن العظيم، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف يمكن أن يكون قرناءُ القرآن وأعدا له، خاطئين فيما يحكمون ويبرمون، أو يقولون ويحدّثون. فعدم الإفتراق إلى يوم القيامة، آية كونهم معصومين فيما يقولون ويروون.

أضف إلى ذلك أنّ الحديث، يعدّ المتمسّك بالعترة غير ضالّ، بقوله: «لن تضلّوا». فلو كانوا غير معصومين من الخلاف والخطأ، فكيف لا يضلّ المتمسك بهم؟.

نعم، ورد في بعض النصوص مكان كتاب الله وعترتي، كتاب الله وسنّتي (1). وهو على فرض صحته، حديث آخر لا يزاحمه، على أنّه حديث واحد، وهذا الحديث متواتر نقله أعلام الأئمة، وأساتذة الحديث والتاريخ والسيرة، ولا يعلم حقيقة ذلك إلاّ من راجع مصادر الحديث (2). فيقدّم عليه في كل حال.

من هم العترة وأهل البيت؟

لا أظن أنّ أحداً، قرأ الحديث والتاريخ، يشكّ في أنّ المراد من العترة وأهل البيت لفيف خاص من أهل بيته. ويكفي في ذلك مراجعة الأحاديث التي جمعها ابن الأثير في جامعه عن الصحاح، ونكتفي بالقليل من الكثير منها.

1ـ روى الترمذي عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا نزلت هذه الآية:(فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ...) الآية، دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليّاً، وفاطمةً، وحسناً، وحسيناً، فقال: «اللّهم هؤلاء أهلي».


1 - الصواعق المحرقة، ص 89.
2 - وراجع أيضاً في الوقوف على مصادر الحديث، غاية المرام للسيد البحراني، ص 417 ـ 434.
و المراجعات، المراجعة 8. وتعاليق إحقاق الحق، ج 9.


(107)

2ـ وروى أيضاً عن أمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ، قالت: إنّ هذه الآية نزلت في بيتي: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، قالت: وأنا جالسة عند الباب، فقلت: يارسول الله ألست من أهل البيت، فقال: إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول الله، قالت: وفي البيت رسول الله، وعليّ، وفاطمة، وحسن، وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً».

3ـ وروى أيضاً عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يمرّ بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريباً من ستة أشهر، يقول: «الصلاة أهل البيت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)».

4ـ وروى مسلم عن زيد بن أرقم قال: قال يزيد بن حيان: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمر بن مسلم، إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يازيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وسمعت حديثه، وغَزَوْتَ معه، وصَلَّيْتَ خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟.

قال: يا ابن أخي والله، لقد كَبُرت سني، وقدم عهدي، فما حدّثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلّفونيه. ثم قال: قام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر ثم قال: أما بعد، ألا أيّها الناس، إنّما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به. فحثّ على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بييتي».

فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟. قال: لا، وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدّهر، ثم يطلّقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهلُ بيتهِ،


(108)

أصلُهُ وعُصْبَتُهُ الذين حُرِموا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ (1).

2ـ حديث السفينة

روى المحدّثون عن النبي الأكرم أنّه قال: «مثل أهلُ بيتي في أُمَّتي، كَمَثَلِ سفينةِ نوح، من رَكِبَها نجا، ومَن تخلّف عنها غَرِقَ» (2).

فشبّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، أهل بيته بسفينة نوح في أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ أصوله وفروعه عنهم نجا من عذاب النّار، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطّوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذلك غرق في الماء وهذا في الحميم.

فإذا كانت هذه منزلة علماء أهل البيت، (فَأَنى تُصْرَفُونَ)؟.

يقول إبن حجر في صواعقه: «و وجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم، شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم، نجى من ظلمة المخالفات. ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النِّعم، وهلك في مفاوز الطغيان» (3).

* * *


1 - لاحظ فيما نقلناه من الأحاديث، جامع الأصول، ج 1، الفصل الثالث، من الباب الرابع، ص 100 ـ 103.
2 - مستدرك الحاكم، ج 2، ص 151. الخصائص الكبرى للسيوطي، ج 2، ص 266.
و للحديث طرق ومسانيد كثيرة، من أراد الوقوف عليها، فعليه بتعاليق إحقاق الحق، ج 9، ص 270 ـ 293.
3 - الصواعق، الباب 11، ص 191. ألا مسائل ابن حجر أنّه إذا كان هذا مقام أهل البيت، فلماذا لَمْ يأخذ هو بهدي أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده، ولا في شيء من علوم السنّة والكتاب، ولا في شيء من الأخلاق والسلوك والأدب؟ ولماذا تخلّف عنهم، فأغرق نفسه في بحار كفر النعم. وأهلكها في مفاوز الطغيان؟!.


(109)

البحث الثاني

السنّة النبوية والأئمة الإثنا عشر

إنّ النبي الأكرم لم يكتف بتنصيب عليّ منصب الإمامة والخلافة، كما لم يكتف بإرجاع الأمّة الإسلامية إلى أهل بيته وعترته الطاهرة، ولم يقتصر على تشبيههم بسفينة نوح، بل قام ببيان عدد الأئمة الذين يتولون الخلافة بعده، واحداً بعد واحد، حتى لا يبقى لمرتاب ريب، ولا لشاكّ شك، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد بصُوَر مختلفة نشير إليها.

1ـ كلهم من قريش

روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي يقول:

«يكون إثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلُّهم من قُرَيْش»(1).

2ـ لايزال الإسلام عزيزاً

روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول:


1 - صحيح البخاري، ج 9، باب الإستخلاف، ص 81. ورواه ناقصاً كما يظهر ممّا نقله مسلم وغيره، رواه أحمد في مسنده، ج 5، ص 90، وص 92، وص 95، وص 108.


(110)

«لايزال الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش» (1).

3ـ لا يزال الدين عزيزاً منيعاً

و روى أيضاً عن جابر سمرة قال، انطلقت إلى رسول الله ومعي أبي فسمعته يقول:

لايزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى إثني عشر خليفة، فقلا كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟. قال: كلّهم من قريش (2).

4ـ لايزال الدين قائماً

وروى أيضاً عنه، قال: سمعت رسول الله يوم جمعة عَشية رجم الأسلمي، يقول: لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش(3) .

5 ـ لا يزال الدين ظاهراً

روى أحمد في مسنده، عن جابر قال سمعت رسول الله يقول في حجة الوداع: إنّ هذا الدين لن ظاهراً على ناواه، لا يضرّه مخالف ولا مفارق حتى يمضي من أُمّتي إثنا عشر خليفة. ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما


1 - صحيح مسلم، ج 6، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش، ص 3. وروى هذا المضمون تارة عن سماك بن حزب عن جابر، وأخرى عن الشعبي عن جابر. ورواه أحمد في مسنده، ج 5، ص 90، و 98، وفيه فكبّر الناس وضجّوا.
2 - المصدر السابق من صحيح مسلم، ومسند أحمد، ج 5، ص 98. وفيه: «لايزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ينصرون على من ناواهم عليه».
3 - المصدر نفسه. ومسند أحمد، ج 5، ص 86، ص 89، وفي ص 92: «لا يزال الدين قائماً يقاتل عليه عصابة حتّى تقوم الساعة». وص 98، وفيها «عصابة من المسلمين».


(111)

قال: قال: كلهم من قريش (1).

6ـ لا يزال هذا الأمر صالحاً

روى أحمد في مسنده عن جابر عن سمرة قال: جئت أنا وأبي إلى النبي، وهو يقول: لا يزال هذا الأمر صالحاً، حتى يكون إثنا عشر أميراً، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي ما قال؟ قال: كلّهم من قريش (2).

7ـ لايزال الناس بخير

و روى أيضاً عنه قال: كنت مع أبي عند رسول الله، فقال رسول الله: لا يزال هذا الدين عزيزاً، أو قال: لايزال الناس بخير ـ شكّ أبو عبد الصمد ـ إلى إثني عشر خليفة، ثم قال كلمة خفيّة، فقلت لأبي، ما قال؟. قال: كلّهم من قريش (3).

فَهَلُمّ الآن إلى البحث عن هؤلاء الخلفاء الإثني عشر، حتى نعرف من هم وقد وقفت على أنّ الرسول الأكرم قد عرفهم بالخصوصيات التالية:

ـ لا يزلا الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة.

ـ لايزال الدين عزيزاً منيعاً إلى إثني عشر خليفة.

ـ لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة.

ـ لايزال الدين ظاهراً على من ناواه... حتى يمضي من أمتي إثنا عشر خليفة.

ـ لا يزال الدين هذا الأمر صالحاً حتى يكون إثنا عشر أميراً.

ـ لايزال الناس بخير إلى إثني عشر خليفة.


1 - مسنده أحمد، ج 5، ص 78 و ص 90. ولاحظ المستدرك، ج 3، ص 618 وفيه:
«لايزال أمر هذه الأمّة ظاهراً».
2 - مسند أحمد، ج 5، ص 97 و ص 107 ولاحظ المستدرك، ج 3، ص 618.
3 - مسند أحمد، ج 5، ص 98.


(112)

و قد اختلفت كلمة شراح الحديث في تعيين هؤلاء الأئمة، ولا تجد بينها كلمة تشفي العليل، وتروي الغليل، إلاّ ما نقله القندوزي عن بعض المحققين، قال:

«إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده إثني عشر، قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان، وتعريف الكون والمكان، علم أنّ مراد رسول الله من حديثه هذا، الأئمة الإثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يُحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأمويين لزيادتهم على الإثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونه غير بني هاشم لأنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: كلهم من بني هاشم، في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته في هذا القول يرجّح هذه الرواية، لأنّهم لا يُحَسِّنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسيين لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم قوله سبجانه: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)، وحديث الكساء، فلابدّ من أن يُحمل على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجَلِّهم، وأوُرَعَهم، وأتْقاهم، وأعلاهُم نَسَباً، وأفضَلَهم حَسَباً،أَكْرَمَهِم عند الله، وكانت عُلُومهم عن آبائهم متصلة بجدّهم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وبالوراثة اللَّدُنيَّة، كذا عَرَّفهم أهلُ العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.

و يؤيّد هذا المعنى، أي أن مراد النبي الأئمة الإثني عشر من أهل بيته، ويشهد عليه ويرجّحه حديث الثقلين والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها.

وأمّا قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : كلُّهم يجتمع عليه الأمّة، في رواية جابر بن سمرة، فمراده أنّ الأُمّة تجتمع على الإقرار بإمامة كلّهم وقت ظهور قائمهم المهدي» (1).

و العجب من بعض المتعصبين حُمْلَهُ على خلفاء بني أميّة من بعد الصحابة،


1 - ينابيع المودة، للشيخ سليمان المعروف بالبلخي القندوزي، ص 446، ط اسطنبول عام 1301.


(113)

قال: «و ليس الحديث وارداً على المدح، بل على استقامة السلطنة، وهم يزيد بن معاوية، وابنه معاوية، ولا يدخل عبد الله بن الزبير لأنّه من الصحابة، ولا مروان بن الحكم لكونه بويع بعد ابن الزبير، فكان غاصباً، ثم عبد الملك، ثم الوليد، إلى مروان بن محمد» (1).

و هذا لعمري رمي للقول على عواهنه، فمن أين علم أنّه إشارة إلى إمارة غير الصحابة، مع أنّه قال: يكون بعدي. ثم ما فائدة هذا الإخبار وما حاصله؟.

أضف إلى ذلك أنّ الرسول الأكرم أناط عزة الإسلام، ومنعته، وقوام الدين وصلاح الأمّة، بخلافة هؤلاء. وهل كان في خلافتهم هذه الآثار، أو الذي كان هو ما يضادّها؟ فكيف يمكن عمل هذه البشائر التي صدرت على سبيل المدح، على مثل يزيد بن معاوية قاتل الإمام الطاهر، والفاسق المعلن بالمنكرات والكفر، والمتمثل بأشعار ابن الزّبعرى المعروفة (2). وموبقات هذا الرجل من استباحة دم الصحابة، والتابعين ثلاثة أيام (3)، وغير ذلك، ممّا لا يحصى. وكيف يعدّ وليد بن يزيد بن عبد الملك من خلفاء رسول الله الذين يعتزّ بهم الدين؟.

فتح الوليد المصحف ذات يوم وقرأ قوله تعالى: (وَ اسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد)(4)، فدعى بالمصحف، فنصبه غرضاً للنشاب، وأقبل يرميه وهو يقول:

تهدّدني بجبار عنيد * فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر * فقل ياربّ مزّقني الوليد


1 - منتخب الأثر، ص 16، نقلاً عن حواشي صحيح الترمذي.
2 -

ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقع الخزرج من وقع الأسل

إلى آخر الأبيات وفيها:

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل

(البداية والنهاية، لابن الأثير، ج 8، ص 142. ط دار الفكر ـ بيروت، وتذكرة الخواص، لابن الجوزي، ص 235، ط بيروت 1401ـ 1981).
3 - لاحظ تاريخ الطبري، حوادث سنة 63، ص 370 ـ 381.
4 - سورة إبراهيم: الآيتان 15 و16.


(114)

و ذكر محمد بن يزيد المبرَّد النحوي أنّ الوليد ألحد في شعر له ذكر ليه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأنّ الوحي لم يأته من ربَّه. كذب أخزاه الله من ذلك الشعر:

تَلَعَّبَ بالخلافة هاشمي * بلاَ وحي أتاه ولا كتاب

فقل لله يمنعني طعامي * و قُلْ لله يمنعني شرابي

فلم يُمهل بعد قوله هذا إلاّ أياماً حتى قتل (1).

و الإنسان الحرّ الفارغ عن كل رأي مسبق، لو أمعن النظر في هذه الأحاديث وأمعن في تاريخ الأئمة الإثني عشر من ولد الرسول، يقف على أنّ هذه الأحاديث لا تروم غيرهم، فإنّ بعضها يدلّ على أنّ الإسلام لا ينقرض ولا ينقضي حتى يمضي في المسلمين إثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش، وبعضها يدلّ على أنّ عزّة الإسلام إنّما تكون إلى إثني عشر خليفة، وبعضها يدلّ على أنّ الدين قائم إلى قيام الساعة، وإلى ظهور إثني عشر خليفة، وغير ذلك من العناوين.

و هذه الخوصيات لا توجد في الأمّة الإسلامية إلاّ في الأئمة الإثني عشر المعروفين عند الفريقين، خصوصاً ما يدلّ على أن وجود الأئمة مستمر إلى آخر الدهر، ومن المعلوم أنّ آخر الأئمة هو المهدي المنتظر، الذي يعدّ ظهوره من أشراط الساعة.

و لو أضفنا إلى هذا، الروايات الكثيرة الواردة في الأئمة الإثني عشر، يقطع الإنسان بأنّه ليس المراد إلاّ هؤلاء الذين اعترف بفضلهم، وورعهم،تُقاهم، وعلمهم، ووعيهم، وحلمهم، وصبرهم، ودرايتهم، وكفايتهم، الداني والقاصي، والصديق والعدو، ألا وهم:

علي بن أبي طالب، فالحسن بن علي، فالحسين بن علي، فعلي بن الحسين، فمحمد بن علي، فجعفربن محمد، فموسى بن جعفر، فعلي بن موسى، فمحمد بن علي، فعلي بن محمد، فالحسن بن علي، فمحمد بن الحسن


1 - مروج الذهب، ج 3، ص 216.


(115)

العسكري، المهدي المنتظر الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً (1)، صلوات الله وتحايته وسلامه عليهم أجمعين.

و قد تضافرت النصوص في تنصيص الإمام السابق على الإمام اللاحق، فمن أراد الوقوف على هذه النصوص، فعليه الرجوع إلى الكتب المعدّة لإمامة الأئمة الإثني عشر(2).

* * *


1 - سيوافيك الكلام في الإمام المنتظر، وأحاديثه في السنّة النبوية، وطول عمره، وعلائم ظهوره، وغير ذلك مما يرجع إليه.
2 - لاحظ الكافي، ج 1، كتاب الحجة، وأجمع كتاب في هذا الموضوع هو كتاب «إثبات الهداة» للشيخ الحرّ العاملي وقد جمع فيه النصوص المتضافرة على إمامة كلّ واحد من الأئمة الإثني عشر.


(116)

البحث الثالث

عصمة الإمام في القرآن

قد عرفت في البحث عن شروط الإمامة، اختلاف أهل السنّة في عددها، وعلمت المتفقّ عليه، والمختلف عليه منها. وقد اتّفقوا وراء ذلك على أنّ العصمة ليست من الشرائط، أخذاً بمبادئهم حيث إنّ الخلفاء بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، لم يكونوا بمعصومين قطعاً، بل إنّ بعضهم لم يكن مجتهداً في الكتاب و السنّة.

و أمّا الشيعة الإمامية، فقد اتّفقت على هذا الشرط من بين الشروط، واستدلّوا عليه بأدلّة، نكتفي ببعضها:

1ـ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة

إنّ حقيقة الإمامة الذي تتبناه الشيعة الإمامية، هي القيام بوظائف الرسول بعد رحلته، وقد تعرفت على وظائفه الرسالية والفراغات الحاصلة بموته و التحاقه بالرفيق الأعلى. ومن المعلوم أنّ سدّ هذه الفراغات لا يتحقق إلاّ بأن يكون الإمام متمتعاً بما يتمتع به النبي الأكرم من الكفاءات والمؤهلات، فيكون عارفاً بالكتاب والسنّة على وفق الواقع، وعالماً بحكم الموضوعات المستجدة عرفاناً واقعياً، وذابّاً عن الدين شبهات المشككين، ومن المعلوم أنّ هذه الوظيفة تستدعي كون الإمام مصوناً من الخطأ. فما دلّ على أنّ النبيّ يجب أن يكون مصوناً في مقام إبلاغ


(117)

الرسالة، قائم في المقام بنفسه، فإنّ الإمام يقوم بنفس تلك الوظيفة، وإن لم يكن رسولاً ولا طرفاً للوحي، ولكنه يكون عيبةً لعلمه، وحاملاً لشرعه وأحكامه، فإذا لم نجوّز الخطأ على النبي في مقام الإبلاغ، فليكن الأمر كذلك في مقام القيام بتلك الوطيفة بلا منصب الرسالة والنبوة.

2ـ آية ابتلاء إبراهيم

قال سبحانه: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(1).

إنّ تفسير الآية كما هو حقّها يتوقف على البحث عن النقاط التالية:

أ ـ ما هو الهدف من الإبتلاء؟.

ب ـ ما هو المراد من الكلمات؟.

ج ـ ماذا يراد من الإتمام؟.

د ـ ما هو المقصود من الإمام (إماماً)؟.

هـ ـ كيف تكون الإمامة عهداً إلهياً (عهدي)؟.

و ـ ما هو المراد من الظالمين؟.

و لكنّ إفاضة الكلام في هذه الموضوعات، يحوجنا إلى تأليف رسالة مفردة فنكتفي بالتركيز على اثنين من هذه المو ضوعات(2).

الأول ـ ما هو المقصود من الإمامة التي أنعم الله سبحانه بها على نبيّه الخليل؟.

الثاني ـ ما هو المراد من الظالمين؟.

* * *


1 - سورة البقرة: الآية 124.
2 - وقد أشبع شيخنا الأستاذ، البحث عن هذه الموضوعات الستّة في موسوعته القرآنية «مفاهيم القرآن»، ج 5، ص 205 ـ 259.


(118)

الأول ـ ما هو المراد من الإمامة في الآية؟

ذهب عدّة من المفسّرين منهم الرازي في مفاتيحه، إلى أنّ المراد من الإمامة هنا، النبوة وأنّ ملاك إمامة الخليل، نبوّته، لأنّها تتضمن مشاقّاً عظيمة(1).

و قال الشيخ محمود عبده: «الإمامة هنا عبارة عن الرسالة، وهي لاتنال بكسب الكاسب» (2).

يلاحظ عليه: إنّ إبراهيم كان نبيّاً قبل الإبتلاء بالكلمات، وقبل تنصيبه إماماً، فكيف يصحّ أن تفسّر الإمامة بالنبوّة على ما في لفظ الرازي، أو بالرسالة، على ما في لفظ المنار؟ ودليلنا على ما ذكرنا، أمران:

1ـ إنّ نزول الوحي على إبراهيم، وجعله طرفاً للخطاب بقوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، أوضح دليل على أنّه كان نبيّاً متلقياً للوحي قبل نزول هذه الآية. وأسلوب الكلام يدلّ على أنّه لم يكن وحياً إبتدائياً، بل يعرب عن كونه استمراراً للوحي السابق، والمحاورة الموجودة بينه وبين الله تعالى، حيث طلب الإمامة لذريته، تناسب الوحي الإستمراري لا الوحي الإبتدائي. وإن كنت في شكّ، فلاحظ الوحي الإبتدائي، النازل على موسى في طور سيناء حيث خوطب بقوله:

(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(3).

2ـ إنّ الخليل طلب الإمامة لذرّيته، ومن المعلوم أنّ إبراهيم كان نبيّاً قبل أن يرزق أيّ ولد من ولديه إسماعيل وإسحاق، أمّا أوّلهما فقد رزقه بعد تحطيم الأصنام في بابل، وإعداد العدّة للخروج إلى فلسطين، حيث وافاه الوحي


1 - مفاتيح الغيب، للرازي، جح 1، ص 490.
2 - المنار، ج 1 ص 455.
3 - سورة القصص: الآية 3. ولاحظ سورة العلق: الآيات 1 ـ 5، فإنّها من الوحي الإبتدائي، وهي لاتشبه الخطاب الوارد في الآية الموجّه إلى الخليل.


(119)

و بشّره: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم )(1). وأمّا ثانيهما، فقد بشرته به الملائكة عندما دخلوا عليه ضيوفاً، فقالوا: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم عَلِيم)(2).

و على ذلك، يجب أن تكون الإمامة الموهوبة للخليل غير النبوة، وإلاّ كان أشبه بتحصيل الحاصل.

و الظاهر أنّ المراد من الإمامة، القيادة الإلهية للمجتمع، فإنّ هناك مقامات ثلاثة:

ـ مقام النبوة، وهو منصب تحمّل الوحي.

ـ مقام الرسالة، وهو منصب إبلاغه إلى الناس.

ـ مقام الإمامة، وهو منصب القيادة وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوة وقدرة.

و يعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث، قوله سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيًما)(3).

فالإمامة التي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته، هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية. وعلينا الفحص عن المراد من الملك العظيم، إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الإمامة، وراء النبوة والرسالة، وإنّما هو قيادة حكيمة، وحكومة إلهيّة، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة. والله سبحانه يوضح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية:

1ـ يقول سبحانه ـ حاكياً قول يوسف ـ عليه السَّلام ـ ـ: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ )(4).و من المعلوم أنّ الملك الذي منّ به


1 - لاحظ سورة الصافات، الآيات 91 ـ 102.
2 - لاحظ سورة الحجر: الآيات 51 ـ 55.
3 - سورة النساء: الآية 54.
4 - سورة يوسف: الآية 101.


(120)

سبحانه على عبده يوسف، ليس النبوة، بل الحاكمية، حيث صار أميناً مكيناً في الأرض. فقوله: (وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، إشارة إلى نبوته، والملك إشارة إلى سلطته وقدرته.

2ـ ويقول سبحانه في داود ـ عليه السَّلام ـ : (وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)(1). ويقول سبحانه: (وَ شَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) (2).

3ـ ويحكي الله تعالى عن سليمان أنّه قال: (وَ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) (3).

فملاحظة هذه الآيات يفسّر لنا حقيقة الإمامة، وذلك بفضل الأمور التالية:

أ ـ إنّ إبراهيم طلب الإمامة لذريته، وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم.

ب ـ إنّ مجموعةً من ذريته، كيوسف وداود وسليمان، نالوا ـ وراء النبوة والرسالة ـ منصب الحكومة والقيادة.

ج ـ إنّه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب، والحكمة، والملك العظيم.

فمن ضمّ هذه الأُمور بعضها إلى بعض، يخرج بهذه النتيجة: إنّ ملاك الإمامة في ذريّة إبراهيم، هو قيادتهم وحكمهم في المجتمع، وهذه هي حقيقة الإمامة، غير أنّها ربما تجتمع مع المقامين الآخرين، كما في الخليل، ويوسف، وداود، وسليمان، وغيرهم، وربما تنفصل عنهما، كما في قوله سبحانه: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ


1 - سورة البقرة الآية 251.
2 - سورة ص: الآية 20.
3 - سورة ص: الآية 35.


(121)

بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(1).

و الإمامة التي يتبناها المسلمون بعد رحلة النبي الأكرم، تتّحد واقعيتها مع هذه الإمامة.

* * *

الثاني ـ ما هو المراد من الظالمين؟

الظُلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه، ومجاوزة الحدّ الذي عيّنه العرف أو الشرع، فالمعصية، كبيرها وصغيرها، ظلم، لأنّ مقترفهما يتجاوز عن الحدّ الذي رسمه الشارع.

و الظلم له مراتب، والمجموع يشترك في كونه تجاوزاً عن الحدّ، ووضعاً للشيء في غير الذي موضعه.

و لما خلع سبحانه ثوب الإمامة على خليله، ونصبه إماماً للناس، ودعا إبراهيم أن يجعل من ذريته إماماً، أجيب بأنّ الإمامة وثيقة إلهية، لا تنال الظالمين، لإنّ الإمام هو المطاع بين الناس، المتصرف في الأموال والنفوس، وقائد المجتمع إلى السعادة، فيجب أن يكون على الصراط السويّ، حتى يكون أمره، ونهيه، وتصرّفه، وقيادته، نابعة منه. والظالم المتجاوز عن الحدّ، لا يصلح لهذا المنصب.

إنّ الظالم الناكث لعهد الله، والناقض لقوانينه وحدوده، على شفا جرف هار، لا يؤتمن عليه، ولا تلقى إليه مقاليد الخلافة، ولا مفاتيح القيادة، لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي، وعلى استعداد لأن يقع أداةً للجائرين، لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي، وعلى استعداد لأن يقع أداةً للجائرين، فكيف يصحّ في منطق العقل أن يكون إماماً مطاعاً نافذاً قوله، مشروعاً تصرّفه، إلى غير ذلك من لوازم الإمامة؟.

إنّ بعض المناصب والمقامات، تُعيَّن شروطُها بالنظر إلى ماهيتها وواقعيتها،


1 - سورة البقرة: الآية 247.


(122)

فمدير المستشفى مثلاً، له شروط تختلف عن شروط القائد. فالإمامة، التي لا تنفك عن التصرف في النفوس والأموال، وبها يناط حفظ القوانين، يجب أن يكون القائم بها إنساناً مثالياً، مالكاً لنفسه، ولغرائزه، حتى لا يتجاوز في حكمه عن الحدّ، وفي قضائه عن الحق.

الجمع المحلّى باللام العموم

الظاهر من صيغة الجمع المحلّي باللام، أنّ الظلم بكل ألوانه وصوره، مانعٌ عن نيل هذا المنصب الإلهي، فالإستغراق في جانب الأفراد، يستلزم الإستغراق في جانب الظلم، وتكون النتيجة ممنوعية كل فرد من أفراد الظلمة عن الارتقاء إلى منصب الإمامة سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثم تاب وصار غير ظالم، أو بقي على ظلمه. فالظالم عند ما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ). فصلاحيته بعد ارتفاع الظلم تحتاج إلى دليل.

و على ذلك، فكل من ارتكب ظلماً، وتجاوز حدّاً في يوم من أيام عمره، أو عبد صنماً، أو لاذ إلى وثن، وبالجملة: ارتكب ما هو حرام، فضلاً عمّا هو كفر، ينادى من فوق العرش: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )، أي أنتم الظلمة الكفرة المتجاوزون عن الحدّ، لستم قابلين لتحمل منصب الإمامة;من غير فرق بين أن يصلح حالهم بعد تلك الفترة، أو يبقوا على ما كانوا عليه.

و هذا يستلزم أن يكون المؤهّل للإمامة، طاهراً من الذنوب من لدن وضع عليه القلم، إلى أن أدرج في كفنه وأدخل في لحده، وهذا ما نسميه بالعصمة في مورد الإمامة.

سؤال وجوابه

السؤال

لسائل أن يسأل ويقول: إنّ الآية إنّما تشمل من كان مقيماً على الظلم، وأمّا التائب منه، فلا يتعلق به الحكم، لأنّ الحكم إذا كان معلقاً على صفة:


(123)

و زالت الصفة، زال الحكم. ألاترى أنّ قوله: (وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا )(1)، إنّما هو ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم، فقوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه، لأنّه في هذه الحالة، لايسمى ظالماً، كما لا يسمى من تاب من الكفر، كافراً.

و الجواب:

إنّ هذا الإعتراض ذكره الجصاص (م 370) في تفسيره على آيات الأحكام (2). ولكنه عزب عنه أنّ قوله: الحكم يدرو مدار وجود الموضع، ليس ضابطاً كلّياً، بل الأحكام على قسمين، قسم كذلك، وآخر يكفي فيه اتّصاف الموضوع بالوصف والعنوان آناً ما، ولحظةً خاصة، وإن انتفى بعد الإتصاف ، فقوله: «الخمر حرام»، أو: «في سائمة الغنم زكاة»، من قبيل القسم الأول، وأمّا قوله: «الزاني يحدّ»، و«السارق يقطع»، فالمراد منه أنّ الإنسان المتلبس بالزنا أو السرقة يكون محكوماً بهما وإن زال العنوان، وتاب السارق والزاني، ومثله: «المستطيع يجب عليه الحج»، فالحكم ثابت، وإن زالت عنه الإستطاعة تقصير لا عن قصور.

و على ذلك فالمدعى أنّ الظالمين في الآية المباركة كالسارق والسارقة (3)و الزاني والزانية (4)، والمستطيع (5)و أمهات نسائكم (6)في الآيات الراجعة إليهم.

نعم المهم في المقام إثبات أنّ الموضوع في الآية من قبيل القسم الثاني، وأنّ


1 - سورة هود: الآية 113.
2 - تفسير آيات الأحكام، ج 1، ص 72.
3 - سورة المائدة: الآية 38.
4 - سورة النور: الآية 2.
5 - سورة آل عمران: الآية 97.
6 - سورة النساء: الآية 23. فمن صدق عليها الأمومة للزوجة يحرم على الزوج تزوّجها، وإن طلق إبنتها.


(124)

التلبس بالظلم ولو آنا ما، وفترة يسيرة من عمره يسلب من الإنسان صلاحية الإمامة وإن تاب من ذنبه.

و يدلّ على ذلك أمران:

الأوّل: إنّ الهدف الأسمى من تنصيب كل إنسان على الإمامة، تجسيد الشريعة الإلهية في المجتمع، فإذا كان القائد رجلاً مثالياً نقي الثوب، مشرق الصحيفة لم ير منه عصيان ولا زَلّة، يتحقق الهدف من نصبه في ذلك المقام.

و أمّا إذا كان في فترة من عمره مقترفاً للمعاصي، ماجناً، مجترحاً للسيئات، فيكون غرضاً لسهام الناقدين، ومن البعيد أن ينفذ قوله، وتقبل قيادته بسهولة، بل ينادى عليه إنّه كان بالأمس، يقترف الذنوب، وأصبح اليوم آمراً بالحق ومميتاً للباطل!!

و لأجل تحقق الهدف يحكم العقل بلزوم نقاوة الإمام عن كل رذيلة ومعصية في جميع فترات عمره، وأنّ الإنابة لو كانت ناجعة في حياته الفردية فليست كذلك في حياته الاجتماعية، فلن تخضع له الأعناق، وتميل إليه القلوب.

الثاني: إنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة:

1ـ من كان طيلة عمره ظالماً.

2 ـ من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره .

3 ـ من كان ظالماً في بداية عمره، وتائباً في آخره.

4ـ من كان طاهراً في بداية عمره وظالماً في آخره.

عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ، الذي سأل الإمامة لبعض ذريته،أيّ قسم أراد منها ؟

حاش إبراهيم أن يسأل الإمامة للقسم الأول، والرابع من ذرّيته، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره، أو المتصف به أيام تصديه للإمامة لا يصلح لأن يؤتمن عليها.


(125)

فبقي القسمان الآخران: الثاني والثالث، وقد نصّ سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم، والظالم في هذه العبارة لا ينطبق إلاّ على القسم الثالث، أعني: من كان ظالماً في بداية عمره، وكان تائباً حين التصدي.

فإذا خرج هذا القسم، بقي القسم الثاني، وهو من كان نقي الصحيفة طيلة عمره، لم ير منه لا قبل التصدي ولا بعده أيّ انحراف عن جادّة الحق،مجاوزة للصراط السوي.

* * *

3ـ آية التطهير وعصمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

هناك آية أُخرى تدلّ على عصمة عدّة خاصة من أهل بيت النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

يقول سبحانه: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(1).

و أداء حقّ الآية في التفسير، يتوقف على البحث عن النقاط التالية:

1ـ ما هو المراد من الرّجس؟

2ـ هل الإرادة في الآية، إرادة تكوينية خاصة بأهل البيت، أو تشريعية تعمّ كلّ إنسان بالغ واقع في إطار التكليف؟

3ـ مَن المراد من أهل البيت؟

4ـ مشكلة السياق في الآية لو كان المراد منهم غير نسائه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

5ـ أهل البيت في حديث النبي، الذي يكون مفسّراً لإجمال الآية.


1 - سورة الأحزاب: الآية 33.


(126)

و البحث عن هذه الأُمور يحوجنا إلى تأليف مفرد، وهو خارج عن وضع كتابنا(1)، إلاّ أنّ المهم هنا هو التركيز على أنّ الإرادة في الآية تكوينية، خاصة بأهل البيت، وليست تشريعية، وأمّا المقصود من أهل البيت، فقد تقدّمت المأثورات فيهم عند البحث عن حديث الثقلين.

الإرادة تكوينية لاتشريعية

إنّ انقسام ارادته سبحانه إلى القسمين المذكورين، من الانقسامات الواضحة، ومجمل القول فيهما أنّه إذا تعلقت إرادته سبحانه على إيجاد شيءتكوينه في صحيفة الوجود، فالإرادة تكوينية لا تتخلف عن المراد.

قال سبحانه:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )(2).

و أما إذا تعلّقت بتشريع حكم وقانون، لفرض عمل المكلّف به، فالإرادة تشريعية، ومتعلّقها هو التشريع، وأمّا امتثال المكلف فهو من غايات التشريع، ربما يقع ويترتب عليه، وربما ينفك عنه.

و القرائن تدلّ على أنّ المراد هنا هو الأول من الإرادتين، بمعنى أنّ إرادته سبحانه، تعلّقت على إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهير هم من كل شيء يتنفر منه، على غرار تعلق إرادته بإيجاد الأشياء في صحيفة الوجود

و الذي يدلّ على ذلك أُمور:

1ـ إنّ الإرادة التشريعية لا تختص بطائفة دون طائفة، بل هي تعمّ المكلّفين عامة، يقول سبحانه، بعد أمره بالوضوء والتيمم عند فقدان الماء: (وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(3).


1 - قد أفاض الشيخ الأُستاذ الكلام في هذه المواضيع في موسوعته التفسيريّة، مفاهيم القرآن، ج 5، ص 215 ـ 322.
2 - سورة يس: الآية 82.
3 - سورة المائدة: الآية 6.


(127)

و لكنّه سبحانه خصّص إرادته في الآية المبحوث عنها، بجمع خاص، تجمعهم كلمة أهل البيت، وخصّهم بالخطاب وقال: (عَنْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ )، أي لا غيركم، فتخصيص الإرادة بجمع خاص على الوجه المذكور، يمنع من تفسيرها بالتشريعية.

2ـ إنّ العناية البارزة في الآية المباركة، أقوى شاهد على أنّ المقصود هو التكوينية، لوضوح أنّ تعلّق الإرادة التشريعية لا يحتاج إلى العنايات التالية:

أ ـ ابتداء سبحانه كلامه بلفظ الحصر، وقال: (إِنَّما)، ولا معنى للحصر إذا كانت تشريعية، لعمومها لكلّ مكلّف.

ب ـ عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص، فقال: (أَهْلَ الْبَيْتِ )، وهو منصوب على الاختصاص (1). أي أخصّكم أهل البيت.

ج ـ قد بيّن متعلق إرادته بالتأكيد، وقال بعد قوله: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ )، (لِيُطَهِّرَكُمْ).

د ـ قد أكّده بالإتيان بمصدره بعد الفعل، وقال: (و يطهّرهم تطهيراً)، ليكون أوفى في التأكيد.

هـ ـ إنّه سبحانه قد أتى بالمصدر نكرة، ليدلّ على الإكبار والإعجاب، أي تطهيراً عظيماً معجباً.

و ـ إنّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الإرادة تشريعية، لما ناسب الثناء والمدح.

و على الجملة: العناية البارزة في الآية، تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة في المقام تغاير الإرادة العامة المتعلقة بكلّ إنسان حاضر، أوباد. وللمحقّقين من الشيعة الإمامية كلمات وافية حول الآية تلاحظ في مواضعها (2).


1 - الاختصاص من أقسام المنادى، يقول ابن مالك:

الاختصاص كنداء دون يا * كأيّها الفتى بإثر ارجونيا

2 - تفسير التبيان، للشيخ الطوسي، (ت 383 ـ م 460)، ج 8، ص 340. ومجمع البيان، للشيخ الطبرسي، (ت 471 ـ م 548)، ج 4، ص 307. ورياض السالكين، للسيد علي المدني (م 1118)، الروضة 47،ص 497.


(128)

فالإرادة في الآية الشريفة، نظير الإرادة الواردة في الآيات التالية:

(وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ).(1)

(وَ يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) (2).

(وَ مَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(3).

و أمّا دلالتها على العصمة، فتظهر إذا اطّلعنا على أنّ المراد من الرجس هو القذارة المعنوية لا المادية. توضيح ذلك: إنّ الرجس في اللغة هو القذر (4)، وقد يعبّر به عن الحرام، والفعل القبيح، والعذاب، واللعن، والكفر، قال الزجاج: «الرّجس ـ في اللغة ـ كل ما استقذر من عمل، فبالغ الله في ذمّ أشياءسماها رجساً». وقال ابن الكلبي: «رجس من عمل الشيطان، أي مأثم» (5).

و المتفحص في كلمات أئمة أهل اللغة، والآيات الواردة فيها تلك اللفظة، يصل إلى أنّها موضوعة للقذارة التي تنفر منها النفوس، سواء أكانت مادية كما في قوله تعالى: (إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ)(6)، أو معنوية كما في الكافر وعابد الوثن، وصنمه، قال سبحانه: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) (7).


1 - سورة القصص: الآية 5.
2 - سورة الأنفال: الآية 7.
3 - سورة المائدة: الآية 41.
4 - مقاييس اللغة، ج 2، ص 490، ولسان العرب ج 6 ص 94.
5 - لسان العرب، ج 6، ص 94.
6 - سورة الأنعام: الآية 145.
7 - سورة الحج: الآية 30.


(129)

و قال سبحانه: (كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ)(1).

فلو وصف العمل القبيح بالرجس، فلأنّه عمل قذر، تتنفر منه الطباع السليمة.

و على ضوء هذا، فالمراد من الرّجس في الآية، كلّ عمل قبيح عرفاً أو شرعاً، لا تقبله الطباع، ولذلك قال سبحانه بعد تلك اللفظة: (وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فليس المراد من التطهير، إلاّ تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي تعدّ المعاصي والمآثم من أظهر مصاديقه.

و قد ورد نظير الآية في حق السيدة مريم قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (2).

و من المعلوم أنّ تعلّق الإرادة التكوينية على إذهاب كلّ رجس وقذارة، وكلّ عمل منفّر عرفاً أو شرعاً، يجعل من تعلّقت به الإرادة، إنساناً مثالياً، نزيهاً عن كل عيب وشين، ووصمة عار (3).

* * *

إلى هنا ظهر بوضوح أنّ العصمة شرط للإمام بالمعنى الذي يتبنّاه الإمامية في مجال الإمامة، والآيتان الأوليان تدلاّن على عصمة الإمام مطلقاً،الآية الثالثة تدلّ على عصمة أهل البيت الذين نزلت فيهم الآية وفسّرت في غير واحد من الروايات، وهم من كان إماماً وخليفةً للرسول كعلي الحسنين ـ عليهما السَّلام ـ، ومن كانت طاهرةً مطهّرةً كالسيدة فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ ، وإن لم تكن إماماً.

* * *

بقيت هنا أبحاث موجودة في كتب الإمامة للشيعة الإمامية، طوينا البحث


1 - سورة الأنعام: الآية 125.
2 - سورة آل عمران: الآية 42.
3 - وحول الآية أبحاث لطيفة، فمن أراد التبسّط فليرجع إلى المصدر الذي تقدّم الإيعاز إليه.


(130)

عنها، لعدم الحاجة إلى البحث فيها بعد انتشار هذه الكتب وذيوعها وهي عبارة عن الأبحاث التالية:

1ـ البحث عن الآيات الواردة في حق الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ .

2ـ البحث عن الفضائل والمناقب الواردة في حقّه على لسان النبي الأكرم، ونقلها أصحاب الصحاح والمسانيد.

3ـ نفسيات الإمام وفضائله الأخلاقية التي اعترف بها التاريخ.

4ـ كونه أعلم الصحابة وأوعاهم بالكتاب والسنّة، وقد كان الخلفاء يحتكمون إليه في مواضع لاتحصى.

5ـ احتجاجاته على كونه أحقّ بهذا الأمر (خلافة الرسول) ممّن تسنموا منصة الخلافة.

و من أراد التبسّط في هذه المواضيع، فعليه بالكتب المعدّة للإمامة (1).


1 - لاحظ الشافي للسيد المرتضى (م 436 هـ)، وتلخيصه لتلميذه الشيخ الطوسي (م 460 هـ)، ونهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي (م 726 هـ)، وإحقاق الحق للقاضي التستري (م 1019 هـ)، ودلائل الصدق للمظفر النجفي. وغيرها من مؤلفات كبار ورسائل صغار.


(131)

البحث الرابع

الإمام المنتظر في الكتاب والسنّة

قد تعرفت على عدد الأئمة وأسمائهم، غير أنّ إفاضة القول في خصوصياتهم، وعلومهم وفضائلهم، ونتائج جهودهم في مجال العلم والفقه الحديث، ومن ربّوه وأنتجوه من الرواة الوعاة، وما لاقوه من اضطهاد خلفاء عصرهم، يحتاج إلى تأليف حافل.

و لأجل ذلك طوينا الصفح عن هذه المباحث، إلاّ أنّ الاعتقاد بالإمام المنتظر، مهدي هذه الأُمّة، لمّا كان أصلاً رصيناً في أبحاث الإمامة للشيعة،كان الاعتقاد به أمراً مشتركاً بين طوائف المسلمين، رجّحنا إلقاء الضوء على هذا الأصل على وجه الإجمال، ولا طريق لإثبات وجوده، وولادته، وعمره،ظهوره، وآثاره، بعد الظهور، وأصحابه، إلاّ السمع، فنقول:

كلّ من كان له إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة، عن النبي وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم والجور، ونشر أعلام العلم، والعدل وإعلاء كلمة الحق، وإظهار الدين كلّه ولو كره المشركون، فهو بإذن الله تعالى ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير الله، ويلغي الأخلاق العادات الذميمة، ويبطل القوانين الكافرة التي سنتها الأهواء، ووضعتها يد بني البشر، ويقطع أواصر التعصبات القومية والعنصرية، والوطنية،يميت أسباب العداوة والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة


(132)

و افتراق الكلمة، واشتعال نيران الفتن والمنازعات، ويحقق الله سبحانه بظهوره، وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:

(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (1).

(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (2).

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (3).

و يأتي عصر ذهبي لايبقى فيه على الأرض بيت إلاّ دخلته كلمة الإسلام، ولا تبقى قرية إلاّ وينادى فيها بشهادة: «لا إله إلاّ الله»، بكرة وعشياً.

هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأول، والأزمنة المتلاحقة، ولأجل ذلك استغلّ بعض المتهوسين قضية الإمام المهدي، فادّعوا المهدويّة، و لم نعهد أحداً ردّه بإنكار أصل هذه البشائر، وإنّما ناقشوه في الخصوصيات وعدم انطباق البشائر عليه(4).


1 - سورة النور: الآية 55.
2 - سورة القصص: الآية 5.
3 - سورة الأنبياء: الآية 105.
4 - وقد ألّف غير واحد من أعلام السّنة كتباً حول الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ ، كالحافظ أبي نعيم الأصفهاني له كتاب: «صفة المهدي»، والكُنجي الشافعي له: «البيان في أخبار صاحب الزمان»، وملاّ علي المتقي له: «البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان»، وعباد بن يعقوب الرواجني له: «أخبار المهدي»، والسيوطي له: «العرف الوردي في أخبار المهدي»،ابن حجر له: «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر»، والشيخ جمال الدين الدمشقي له: «عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر»، وغيرهم قديماً وحديثاً.
و لم ير التضعيف لأخبار الإمام المهدي إلاّ من ابن خلدون في مقدمته، وقد فنّد مقاله الأستاذ أحمد محمد صديق برسالة أسماها: «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون»،أخيراً نشر شخص يدعى أحمد المصري رسالة أسماها: «المهدي والمهدوية»، قام ـ بزعمه ـ بردّ أحاديث المهدي، وأنكر تلك الأحاديث الهائلة البالغة فوق حدّ التواتر، جهلاً منه بالسنّة والحديث.


(133)

و قد تضافر مضمون قول الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج رجل من ولدي، فيملؤها عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً» (1).

و قد عرفت أنّ بحث المهدي بحث نقلي لا يمتّ إلى العقل بصلة، فعلى من يريد اعتناقه، أو ـ والعياذ بالله ـ ردّه ورفضه، الرجوع إلى الصحاح المسانيد، وكتب الحديث والتاريخ، حتى يقف على عدد الروايات الواردة حول المهدي ـ عليه السَّلام ـ ، في مجالات مختلفة، وها نحن نأتي في المقام بفهرس الروايات التي رواها السنّة والشيعة فنقول:.

1ـ الروايات التي تبشّر بظهوره.    657 رواية.

2ـ الروايات التي تصفه بأنّه من أهل بيت النبي الأكرم ـ عليه السَّلام ـ    389 رواية.

3ـ الروايات التي تدلّ على أنّه من أولاد الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ     214 رواية.

4ـ الروايات التي تدلّ على أنّه من أولاد فاطمة ـ عليها السَّلام ـ بنت النبي    192 رواية.

5ـ الروايات التي تدلّ على أنّه التاسع من أولاد الحسين ـ عليه السَّلام ـ    148 رواية.

6ـ الروايات التي تدلّ على أنّه من أولاد الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ    185 رواية.

7ـ الروايات التي تدلّ على أنّه من أولاد الإمام الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ     146 رواية.

8 ـ الروايات التي تبيّن آباء الإمام الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ    147 رواية.

9ـ الروايات التي تدلّ على أنّه يملأ العالم قسطاً وعدلاً.    132 رواية.


1 - لاحظ مسند أحمد، ج 1، ص 99. وج 3، ص 17 و 70.


(134)

10ـ الروايات التي تدل على أنّ للإمام المهدي غيبة طويلة.    91 رواية.

11ـ الروايات التي تدلّ على أنّه يعمّر عمراً طويلاً.    318 رواية.

12ـ الروايات التي تدلّ على أنّ الإسلام يعمّ العالم كلّه بعد ظهوره    47 رواية.

13ـ الروايات التي تدلّ على أنّه الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت    136 رواية.

14ـ الروايات الواردة حول ولادته.     214 رواية.

و لو وجد هنا خلاف بين أكثر السنّة والشيعة، فهو الاختلاف في ولادته، فإنّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، والشيعة بفضل هذه الروايات، تذهب إلى أنّه ولد في «سرّ من رأى»، عام 255، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده، عام 260، وهو يحيا حياة طبيعية كسائر الناس، غير أنّ الناس يرونه ولا يعرفونه (1)، وسوف يظهره سبحانه ليحقّق عدله.

و لأجل أن يقف الباحث على نماذج من أحاديث المهدي في الصحاح والمسانيد، نذكر بعضاً منها وهو نزر يسير من الأحاديث الكثيرة التي رواها المحدّثون والحفاظ في كتبهم:

1ـ روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً، كما ملئت جوراً» (2).

2ـ أخرج أبو داود، عن عبد الله بن مسعود قال: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «لا تذهب ـ أولا تنقضي ـ الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» (3).


1 - وأمّا ما يلهج به بعض النواصب الأعداء، من أنّ الشيعة تذهب إلى غيبته في السرداب في سامراء، فهو من الأكاذيب التي ليس لها أصل أبداً لا في الكتب، ولا في صدور العوام، و إنّما افتعلوه إزدراءً بالعقيدة.
2 - مسند أحمد، ج 1، ص 99، و ج 3، ص 17 و 70.
3 - جامع الأصول ج 11، ص 48، الرقم 7810.


(135)

3ـ أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ، قالت: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: المهديّ من عترتي من ولد فاطمة (1).

4ـ أخرج الترمذي عن ابن مسعود أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «يلي رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». قال: وقال أبو هريرة: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي» (2).

5ـ روى ابن ماجة في سننه عن أبي أُمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدّجال، وحذّرناه، فكان من قوله: إنّه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال...» إلى أن قال: «و إمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم ليصلّي بهم الصبح، اب نزل عليهم عيسى بن مريم، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى، ليقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدّم فصلّ، فإنّها لك أُقيمت. فيصلي بهم إمامهم...» (الحديث) (3).

و سيجيء ذكر ما رواه البخاري ومسلم فيما يأتي.

قال بعض المحقّقين المعاصرين من أهل السنّة: «لاأرى لزاماً علينا نحن المسلمين أن نربط ديننا بهما (صحيحي مسلم والبخاري)، فلنفرض أنّهما لم يكونا، فهل تشل حركتنا وتتوقف دورتنا؟. لا، فالأُمّة بخير والحمد لله، والذين جاءوا بعد البخاري ومسلم استدركوا عليهما، واستكملوا جهدهما،وزنوا عملهما، وكشفوا بعض الخلاف في صحيحهما، وما زال المحدّثون في تقدم علمي، وبحث وتحقيق، ودراسة وجمع، ومقارنة وتمحيص، حتى يغمر الضوء كل مجهول، ويظهر كلّ خفي.


1 - المصدر السابق، ص 49، الرقم 7812.
2 - المصدر السابق، ص 48، الرقم 7810.
3 - سنن ابن ماجة، ج 2، باب فتنة الدجال وخروج عيسى، ص 512 ـ 515، وكنز العمال، ج 14، ص 292 ـ 296، الرقم 38742.


(136)

و لماذا نردّ حديثنا لمجرد أن قيل في بعض رواته أنّه لين، أو ضعيف، أو منقطع، أو مرسل، أو...؟.

نعم، هذه علل، تثير الشك والتساؤل، وتدفع إلى زيادة البحث والتعمّق، ولكن ـ كما أعتقد ـ إنّ بعض علل الحديث لا تلزم بالرد لهذا الحديث، فكثيراً ما نجد في بعض الطرق ضعفاً، وفي بعضها قوّةً فهو صحيح من طريق، حسن أو ضعيف من أخرى، ومعنى هذا أنّ الراوي الذي حكم عليه مثلاً بأنّه ينسى، تبيّن أنّه في هذه الواقعة لم ينس، فجاءت روايته مؤيّدة بما جاء عن غيره.

و أحاديث المهدي ـ في نظري ـ من هذا النوع، ولو بعضها. رغم أنّ بعض المسلمين ـ كابن خلدون ـ قد بالغ وضعفّها كلّها، وردّها وحكم عليها حكماً قاسياً، واتّهم كل هؤلاء الرواة ومن رووا عنهم بما لا يليق أن يظنّ فيهم.

إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين، أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

فلماذا نردّ كلّ هذه الكمية؟ أكلّها فاسدة؟! لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ بالله ـ نتيجة تطرّق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ثم إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه، وإنّما الخلاف حول من هو، حسني أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن، خفي وسيظهر؟ ظهر أو سيظهر؟ ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين، فليس لهم اعتبار.

ثم إنّي لم أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث، والذي أجده إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند، واتّصاله أو عدم اتّصاله ، ودرجة رواته،من خرّجوه، ومن قالوا فيه.


(137)

و إذا نظرنا إلى ظهور المهدي، نظرة مجرّدة، فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها، أو على الأقل عدم رفضها.

فإذا ما تأيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة، والأحاديث المتعددة، ورواتها مسلمون مؤتمنون، والكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة، والترمذي من رجال التخريج والحكم،بالإضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصحّ أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم، كحديث جابر في مسلم الذي فيه: «فيقول أميرهم (أي لعيسى) تعال صل بنا».(1) وحديث أبي هريرة في البخاري، وفيه: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم منكم» (2)، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير، وهذا الإمام هو المهدي.

يضاف إلى هذا أنّ كثيراً من السلف ـ رضي الله عنهم ـ، لم يعارضوا هذا القول، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة عند المسلمين» (3).

* * *


1 - صحيح مسلم، ج 1، باب نزول عيسى، ص 95. وفيه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : لا تزال طائفة من أُمّتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أُمراء، تكرمة الله لهذه الأُمّة.
و لاحظ كنز العمال، ج 14، ص 334، الرقم 38846.
2 - صحيح البخاري ج 4، باب نزول عيسى بن مريم ـ عليه السَّلام ـ ، ص 168. وصحيح مسلم، ج 1، باب نزول عيسى، ص 94، وكنز العمال، ج 14، ص 334، الرقم 38845.
3 - بين يدي الساعة للدكتور عبد الباقي، ص 123 ـ 125.


(138)


(139)

أسئلة حول المهدي المنتظر ـ عليه السَّلام ـ

1ـ كيف يكون إماماً وهو غائب؟

2ـ لما ذا غاب المهدي ـ عليه السَّلام ـ ؟

3ـ الإمام المهدي وطول عمره.

4ـ علائم ظهوره، ما هي؟


(140)


(141)

أسئلة مهمة حول المهدي عجل الله تعالى فرجه

إنّ القول بأنّ الإمام المهدي لما يزال حي يرزق منذ ولادته عالم 255 هجرية إلى الآن، وأنّه غائب سوف يظهر بأمر من الله سبحانه، أثار أسئلة حول حياته وإمامته، نذكر رؤوسها:

1ـ كيف يكون إماماً وهو غائب، وما الفائدة المترقبة منه في غيبته؟

2ـ لماذا غاب؟

3ـ كيف يمكن أن يعيش وإنسان هذه المدة الطويلة؟

4ـ ما هي أشراط وعلائم ظهوره؟

هذه أسئلة أُثيرت حول الإمام المهدي منذ أن غاب، وكلّما طالت غيبته اشتدّ التركيز عليها، وقد قام المحقّقون من علماء الإمامية بالإجابة عليها في مؤلّفات مستقلة لا مجال لنقل معشار ما جاء فيها، غير أنّ الإحالة لما كانت عن المحذور غير خالية، نبحث عنها على وجه الإجمال، ونحيل من أراد التبسّط إلى المصادر المؤلّفة في هذا المجال.


(142)

السؤال الأول

كيف يكون إماماً وهو غائب؟ وما فائدته؟

إنّ القيادة والهداية والقيام بوظائف الإمامة، هو الغاية من تنصيب الإمام، أو اختياره، وهو يتوقف على كونه ظاهراً بين أبناء الأمّة، مشاهداً لهم، فكيف يكون إماماً قائداً، وهو غائب عنهم؟!

و الجواب: على وجهين نقضاً وحلاً.

أمّا النقض، فإنّ التركيز على هذا السؤال يعرب عن عدم التعرّف على أو لياء الله، وأنّهم بين ظاهر قائم بالأمور ومختف قائم بها من دون أن يعرفه الناس.

إنّ كتاب الله العزيز يعرّفنا على وجود نوعين من الأئمة والأولياء والقادة للأُمّة، وليّ غائب مستور، لا يعرفه حتى نبي زمانه، كما يخبر سبحانه عن مصاحب موسى ـ عليه السَّلام ـ بقوله: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) الآيات (1).

و ولي ظاهر باسط اليد، تعرفه الأُمّة وتقتدي به.

فالقرآن إذن يدلّ على أنّ الولي ربما يكون غائباً، ولكنه مع ذلك لا يعيش في


1 - سورة الكهف: الآيتان 65 و 66.


(143)

غفلة عن أُمّته، بل يتصرف في مصالحها ويرعى شؤونها، من دون أن يعرفه أبناء الأمّة.

فعلى ضوء الكتاب الكريم، يصحّ لنا أن نقول بأنّ الوليّ إما ولي حاضر مشاهد، أو غائب محجوب.

و إلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب في كلامه لكميل بن زياد النخعيّ، يقول كميل: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحر، تنفّس الصعداء، وكان مما قاله: «أللّهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، أوخائفاً مغموراً لئلاّ تبطل حجج الله وبيناته» (1).

و ليست غيبة الإمام المهدي، بدعاً في تاريخ الأولياء، فهذا موسى بن عمران، قد غاب عن قومه قرابة أربعين يوماً، وكان نبيّاً وليّاً، يقول سبحانه: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لاَْخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَتَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)(2).

وهذا يونس كان من أنبياء الله سبحانه، ومع ذلك فقد غاب في الظلمات كما يقول سبحانه: (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)(3).

أو لم يكن موسى، ويونس نبيّين من أنبياء الله سبحانه؟ وما فائدة نبي يغيب عن الأبصار، ويعيش بعيداً عن قومه؟

فالجواب في هذا المقام، هو الجواب في الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ ، وسيوافيك ما يفيدك، من الانتفاع بوجود الإمام الغائب في زمان غيبته في جواب السؤال التالي.


1 - نهج البلاغة بتعليقات عبده، ج 4، ص 37، قصار الحكم، الرقم 147.
2 - سورة الأعراف، الآية 142.
3 - سورة الأنبياء: الآيتان 87 ـ 88.


(144)

أمّا الحلّ فمن وجوه:

الأوّل ـ إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمان غيبته، لا يدلّ على عدم كونه مفيداً في زمن غيبته، فالسائل جعل عدم العلم، طريقاً إلى العلم بالعدم!! وكم لهذا السؤال من نظائر في التشريع الإسلامي، فيقيم البسطاء عدم العلم بالفائدة، مقام العلم بعدمها، وهذا من أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية، ولاشك أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الأُمور المهمّة في عالم التكوين والتشريع، بل لا يفهم مصلحة كثير من سننه، وإن كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، بل لا يفهم مصلحة كثير من سننه، ون إن كان فعله سبحانه منرّهاً عن العبث، بعيداً عن اللغو.

و على ذلك فيجب علينا التسليم أمام التشريع إذا وصل إلينا بصورة صحيحة، كما عرفت من تواتر الروايات على غيبته.

الثاني ـ إنّ الغيبة لا تلازم عدم التصرف في الأُمور، وعدم الاستفادة من وجوده، فهذا مصاحب موسى كان ولياً، لجأ إليه، أكبر أنبياء الله في عصره، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون، ليصونها عن غصب الملك، ولم يعلم أصحاب السفينة بتصرفه، وإلاّ لصدّوه عن الخرق، جهلاً منهم بغاية عمله. كما أنّه بنى الجدار، ليصون كنز اليتيمين، فأي مانع، حينئذ من أن يكون للإمام الغائب فيكل يوم وليلة تصرّفاً من هذا النمط من التصرفات.

و يؤيد ذلك ما دلّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج، ويحجّ ويصاحب الناس، ويحضر المجالس، كما دلّت على أنّه يغيث المضطرين، ويعود المرضى، وربما يتكفّل ـ بنفسه الشريفة ـ قضاء حوائجهم، وإن كان الناس لا يعرفونه.

الثالث ـ المسلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غيبته، وأمّا عدم وصول الخواص إليه، فليس بأمر مسلّم، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه، فالصلحاء من الأُمّة، الذين يستدرّ بهم الغمام، لهم التشرّف بلقائه، والاستفادة من نور وجوده، وبالتالي تستفيد الأُمّة بواسطتهم.

الرابع ـ لا يجب على الإمام أن يتولّى التصرّف في الأُمور الظاهرية بنفسه،


(145)

بل له تولية غيره على التصرف في الأُمور كما فعل الإمام المهدي، أرواحنا له الفداء، في غيبته. ففي الغيبة الصغري، كان له وكلاء أربعة، يقومون بحوائج الناس، وكانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بهم. وفي الغيبة الكبرى نصب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالأحكام، للقضاء وإجراء السياسيات، وإقامة الحدود، وجعلهم حجةً على الناس، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف، وبيان الأحكام، ودفع الشبهات، وبكل ما يتوقف عليه نظم أُمور الناس (1).

و إلى هذه الأجوبة أشار الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه، بقوله: «و أمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشّمس إذا غيّبها عن الأبصار، السحاب» (2).


1 - المراد من الغيبة الصغرى، غيبته ـ صلوات الله عليه ـ ، منذ وفاة والده عام 260 إلى عام 329، وقد كانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بواسطة وكلائه الأربعة: الشيخ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري، وولده الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان، والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت، والشيخ أبي الحسن علي بن محمد السّمري.
و المراد من الغيبة الكبرى، غيبته من تلك السنة إلى زماننا هذا، انقطعت فيها النيابة الخاصة عن طريق أشخاص معينين، وحلّ محلّها النيابة العامة بواسطة الفقهاء والعلماء العدول، كما جاء في توقيعه الشريف: «و أمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم». (كمال الدين، الباب 45، ص 484).
2 - كمال الدين، للصدوق، الباب 45، الحديث 4، ص 485. وقد ذكر العلامة المجلسي في وجه تشبيهه بالشمس إذا سترها السحاب، وجوهاً، راجعها في بحار الأنوار، ج 52، الباب 20، ص 93 ـ 94.


(146)

السؤال الثاني

لماذا غاب المهدي ـ عليه السَّلام ـ ؟

إنّ ظهور الإمام بين الناس، يترتّب عليه من الفائدة ما لا يترتب عليه في زمان الغيبة، فلماذا غاب عن الناس، حتى حرموا من الاستفادة من وجوده، و ما هي المصلحة التي أخفته عن أعين الناس؟

الجواب

إنّ هذا السؤال يجاب عليه بالنقض والحل:

أمّا النقض، فبما ذكرناه في الإجابة عن السؤال الأول، فإنّ قصور عقولنا عن إدراك أسباب غيبته، لا يجرنا إلى إنكار المتضافرات من الروايات، فالاعتراف بقصور أفهامنا أولى من ردّ الروايات المتواترة، بل هو المتعيّن.

و أمّا الحلّ، فإنّ أسباب غيبته، واضحة لمن أمعن فيما ورد حولها من الروايات، فإنّ الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ هو آخر الأئمة الاثني عشر الذين وعد بهم الرسول، وأناط عزة الإسلام بهم، ومن المعلوم أنّ الحكومات الإسلامية لم تقدّرهم، بل كانت لهم بالمرصاد، تلقيهم في السجون، وتريق دماءهم الطاهرة، بالسيف أو السم، فلو كان ظاهراً، لأقدموا على قتله، إطفاء لنوره، فلأجل ذلك اقتضت المصلحة أن يكون مستوراً عن أعين الناس، يراهم ويرونه لكن لا يعرفونه، إلى أن تقتضي مشيئة الله سبحانه ظهوره، بعد حصول استعداد


(147)

خاص في العالم لقبوله، والانضواء تحت لواء طاعته، حتى يحقّق الله تعالى به ما وعد به الأُمم جمعاء من توريث الأرض للمستضعفين.

و قد ورد في بعض الروايات إشارة هذه النكتة، روى زرارة قال: سمعت أباجعفر (الباقر ـ عليه السَّلام ـ )، يقول: إنّ للقائم غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت: ولم؟ قال: يخاف. قال زرارة: يعني القتل.

و في رواية أُخرى: يخاف على نفسه الذبح (1).

و سيوافيك ما يفيدك عند الكلام عن علائم ظهوره.

* * *


1 - لاحظ كمال الدين، الباب 44، الحديث 8 و 9 و 10، ص 281.


(148)

السؤال الثالث

الإمام المهدي وطول عمره

إنّ من الأسئلة المطروحة حول الإمام المهدي، طول عمره في فترة غيبته، فإنّه ولد عام 255، فيكون عمره إلى الأعصار الحاضرة أكثر من ألف مائة و خمسين عاماً، فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟

و الجواب

من وجهين، نقضاً وحلاً.

أمّا النقض، فقد دلّ الذكر الحكيم على أن شيخ الأنبياء عاش قرابة ألف سنة، قال تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا )(1).

و قد تضمنت التوراة أسماء جماعة كثيرة من المعمرين، وذكرت أحوالهم في سفرالتكوين (2).

و قد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمرين، ككتاب المعمرين لأبي حاتم السجستاني، كما ذكر الصدوق أسماء عدّة منهم. وفي كتاب كمال الدين (3)، والعلامة


1 - سورة العنكبوت: الآية 14.
2 - التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الجملة 5، وذكر هناك أعمار آدم، وشيث ونوح، وغيرهم.
3 - كمال الدين، ص 555.


(149)

الكراجكي في رسالته الخاصة، باسم «البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان» (1)، والعلامة المجلسي في البحار (2)، وغيرهم.

و أمّا الحلّ، فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر، يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة الله سبحانه: (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ )(3)، فإنّه إذا كانت حياته وغيبته وسائر شؤونه، برعاية الله سبحانه، فأي مشكلة في أن يمدّ الله سبحانه في عمره ما شاء، ويدفع عنه عوادي المرض ويرزقه عيش الهناء.

و بعبارة أُخرى، إنّ الحياة الطويلة، إمّا ممكنة في حدّ ذاتها أو ممتنعة، والثاني لم يقل به أحد، فتعين الأول، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر و ليّه، لتحقيق غرض من أغراض التشريع.

أضف إلى ذلك ما ثبت في علم الحياة، من إمكان طول عمر الإنسان إذا كان مراعياً لقواعد حفظ الصحة، وأنّ موت الإنسان في فترة متدنية، ليس لقصور الاقتضاء، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة، ولو أمكن تحصين الإنسان منها بالأدوية والمعالجات الخاصة لطال عمره ما شاء.

و هناك كلمات ضافية من مهرة علم الطب في إمكان إطالة العمر، وتمديد حياة البشر، نشرت في الكتب والمجلات العلمية المختلفة (4).

و بالجملة، اتّفقت كلمة الأطباء على أنّ رعاية أُصول حفظ الصحة، توجب طول العمر، فكلما كثرت العناية برعاية تلك الأُصول، طال العمر،لأجل ذلك، نرى أنّ الوفيات في هذا الزمان، في بعض الممالك، أقلّ من السابق، والمعمّرين فيها أكثر من ذي قبل، وما هو إلا لرعاية أُصول الصحة، و من هنا أسّست شركات تضمن حياة الإنسان إلى أمد معلوم تحت مقررات خاصة


1 - البرهان على طول عمر الإمام صاحب الزمان، للكراجكي، ملحق بـ«كنز الفوائد»، له أيضاً، الجزء الثاني. لاحظ في ذكر المعمرين ص 114 ـ 155، ط دار الأضواء، بيروت ـ 1405.
2 - بحار الأنوار، ج 51 الباب 14، ص 225 ـ 293.
3 - سورة الأنعام: الآية 91.
4 - لاحظ مجلة المقتطف، الجزء الثالث من السنة التاسعة والخمسين.


(150)

و حدود معينة، جارية على قوانين حفظ الصحة، فلو فرض في حياة شخص اجتماع موجبات الصحة من كل وجه، طال عمره إلى ما شاء الله.

و إذا قرأت ما تدوّنه أقلام الأطباء في هذه المجال، يتّضح لك معنى قوله سبحانه: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )(1).

فإذا كان عيش الإنسان في بطون الحيتان، في أعماق المحيطات، ممكناً إلى يوم البعث، فكيف لا يعيش إنسان، على اليابسة، في أجواء طبيعية، تحت رعاية الله وعنايته، إلى ماشاء؟!

* * *


1 - سورة الصافات: الآيتان 143 ـ 144.


(151)

السؤال الرابع

علائم ظهوره، ما هي؟

إذا كان للإمام الغائب، ظهوراً بعد غيبة طويلة، فلا بدّ من أن يكون لظهوره علائم وأشراط، تخبر عن ظهوره، فما هي هذه العلائم؟

الجواب: إنّ ما جاء في كتب الأحاديث من الحوادث والفتن الواقعة في آخر الزمان على قسمين:

قسم هو من أشراط الساعة وعلامات دنو القيامة.

و قسم هو ما يقع قبل ظهور المهدي المنتظر.

و ربما وقع الخلط بينهما في الكتب، ونحن نذكر القسم الثاني منهما، وهو عبارة عن أُمور عدّة، منها:

1ـ النداء في السماء.

2ـ الخسوف والكسوف في غير مواقعهما.

3ـ الشقاق والنفاق في المجتمع.

4ـ ذيوع الجور والظلم والهرج والمرج في الأُمّة.


(152)

5ـ ابتلاء الإنسان بالموت الأحمر والأبيض.

6ـ قتل النفس الزكية.

7ـ خروج الدجال.

8 ـ خروج السفياني.

و غير ذلك مما جاء في الأحاديث الإسلامية (1).

هذه هي علامات ظهوره، ولكن هناك أُموراً تمهّد لظهوره، وتسهّل تحقيق أهدافه نشير إلى أبرزها:

1ـ الاستعداد العالمي: والمراد منه أنّ المجتمع الإنساني ـ بسبب شيوع الفساد ـ يصل إلى حدّ، يقنط معه من تحقق الإصلاح بيد البشر، وعن طريق المنظمات العالمية التي تحمل عناوين مختلفة، وأنّ ضغط الظلم والجور على الإنسان يحمله على أن يذعن ويقرّ بأنّ الإصلاح لا يتحقق إلاّ بظهور إعجاز إلهي، وحضور قوة غيبية، تدمر كل تلك التكتلات البشرية الفاسدة، التي قيّدت بأسلاكها أعناق البشر.

2ـ تكامل العقول: إنّ الحكومة العالمية للإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ لا تتحقق بالحروب والنيران والتدمير الشامل للأعداء، وإنّما تتحقق برغبة الناس إليها، وتأييدهم لها، لتكامل عقولهم ومعرفتهم.

يقول الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ في حديث له يرشد فيه إلى أنّه إذا كان ذلك الظرف، تجتمع عقول البشر وتكتمل أحلامهم: «إذا قام قائمنا، وضع الله يده على رؤوس العباد، فيجمع بها عقولهم، تكتمل به أحلامهم» (2).

فقوله ـ عليه السَّلام ـ : يجمع بها عقولهم، بمعنى أنّ التكامل الاجتماعي يبلغ


1 - لاحظ في الوقوف على هذه العلائم: بحار الأنوار، ج 52، الباب 25، ص 181 ـ 308.
كتاب المهدي، للسيد صدر الدين الصدر (م 1373). ومنتخب الأثر، ص 424 ـ 462.
2 - منتخب الأثر، ص 483.


(153)

بالبشر إلى الحدّ الذي يقبل فيه تلك الموهبة الإلهية، ولن يترصد للثورة على الإمام والإنقلاب عليه، وقتله أو سجنه.

3ـ تكامل الصناعات: إنّ الحكومة العالمية الموحّدة لا تتحقق إلاّ بتكامل الصناعات البشرية، بحيث يسمع العالم كلّه صوته ونداءه، وتعاليمه قوانينه في يوم واحد وزمن واحد.

قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

: «إنّ المؤمن في زمان القائم، وهو بالمشرق، يرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق» (1).

4ـ الجيش الثوري العالمي، إنّ حكومة الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ : وإن كانت قائمة على تكامل العقول، ولكن الحكومة لا تستغني عن جيش فدائي ثائر وفعال، يمهّد الطريق للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، ويواكبه بعد الظهور إلى تحقق أهدافه وغاياته المتوخّاة.

إلى هنا تمّ البحث عن الإمامة، بالصورة التي تلائم العصر، وقد ركزنا على أهمّ الموضوعات، وتركنا البحث عن غيرها إلى الكتب المعدّة لها. ويقع البحث فيما يلي في المعاد، وحشر الإنسان في النشأة الأُخرى، وهو الأصل الأصيل في الشرائع السماوية (2).

* * *


1 - منتخب الأثر، ص 483.
2 - ومن حسن الختام، فراغنا من تدوين هذه المباحث ليلة الجمعة، الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، عشية ولادة الإمام الطاهر الحسن بن علي بن أبي طالب، أبي محمد المجتبى، من شهور عام 1309 للهجرة النبوية، أسأله تعالى إدامة توفيقه لإخراج جميع ما تبقّى من المباحث التي تدور حول معادل الإنسان.


(154)


(155)

الفصل العاشر
المعاد


* مباحث المعاد

1ـ المعاد في الملل والشرائع السابقة.

2ـ أدلّة وجوب المعاد وضرورته.

3ـ بواعث إنكار المعاد وشبهات المنكرين.

4ـ أدلّة العقل والنقل على تجرّد الروح.

5ـ نماذج من إحياء الموتى في الشرائع السابقة.

6 ـ الموت نافذة إلى حياة جديدة.

7ـ الحياة البرزخية وأدلّتها في الكتاب.

8 ـ أشراط الساعة.

9ـ مشاهد البعث والقيامة.

10ـ المعاد الجسماني والروحاني.

11ـ الرجعة.

12ـ التناسخ.

13ـ الإيمان وأحكامه.

14ـ التوبة وشرائطها.

15ـ الشفاعة.

16ـ الإحباط والتكفير.

17ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

* أسئلة حول المعاد


(156)


(157)

الفصل العاشر

المعاد

البحث عن المعاد وحشر الإنسان بعد الدنيا، إجابة عن أحد الأسئلة التي طالما كان الإنسان المفكّر يواجهها. فإنّه مذ فتح عينيه على الحياة، يسأل نفسه عن أُمور:

1ـ ما هو مبدأ العالم والإنسان؟

2ـ ما هو الهدف من وجود الإنسان؟

3ـ إلى أين المصير بعد الموت؟

فالبحث عن الصانع، إجابة عن السؤال الأول، كما أنّ البحث عن كونه سبحانه حكيماً، وأنّ فعله منزّه عن العبث، إجابة عن الثاني، وها هو حين البحث عن جواب السؤال الثالث، وإجماله:

إنّ الموت ليس نهاية الحياة، وإنّ الإنسان لا يفنى بموته، وإنّما الموت جسر لينتقل الإنسان عبره من نشأة إلى نشأة أُخرى أكمل من الأُولى، وإنّ الإنسان خلق للبقاء، لا للفناء، وإنّ النشأة الأخروية، منتهى السير وغاية الغايات.

و تفصيل ذلك يتمّ في ضمن المباحث التالية:


(158)

مباحث المعاد

(1)

«المعاد» في الملل والشرائع السابقة

الاعتقاد بالمعاد عنصر أساسي في كل شريعة لها صلة بالسماء، ويحتل في الأصالة والتأثير محلّ العمود الفقري في بدن الإنسان، وبدونه تصبح الشرائع مسالك بشرية مادية، لا تمت إلى الله سبحانه بصلة. فقوام الشريعة بالمبدأ والمعاد، ولأجل ذلك لاترى شريعة تتسم بأنّها شريعة إلهية ولو بعد تحريفها، خالية عن الدعوة إلى الحياة الأُخروية وحشر الإنسان بعد الموت، وإقامة الحساب والجزاء والثواب والعقاب. وسيوافيك نصوص العهدين في هذا المجال.

إنّ المحققين في التاريخ البشري يصرحون بأنّ المجتمع الإنساني لم يزل معتنقاً لهذا الأصل، وإن لم يعلم دينه ولا كتابه. وإليك التوضيح بوجوه:

1ـ إنّ البدو القاطنين في الصحاري والبراري، الذين يعدّون نموذجاً للمجتمع البدائي المنقرض، لهم طقوس خاصة في دفن الموتى تدلّ على اعتقادهم بعودة الأرواح إلى الأجسام المدفونة، ومن ذلك أنّهم يضعون حجارة كبيرة على صدور موتاهم، ويربطون أعضاءهم بحبال متينة، لئلا يتحركوا بعد عود الروح ويخرجوا من أماكنهم (1).

2ـ إنّ المصريين، ذوو الحضارة القديمة، كانوا يعتقدون أنّ الروح بعد


1 - جامع الأديان، تأليف جان ناس، ترجمة علي أصغر حكمت، ص 17.


(159)

خروجها من البدن، لها علاقة به، وسوف ترجع إليه، ولذلك كانوا يتركون في القبور منافذ ليسهل دخول الروح إليها، ويضعون بعض الطعام الشراب في جنب الميت. ولأجل صيانة الموتى عن أذى السباع، قام المتمكنون منهم ببناء الأهرامات العظيمة فوق قبورهم.

3ـ عند البراهمة تثليث تحيّلوه منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وأطرافه الثلاثة: براهما، وفيشنو، وسيفا. فبراهما هو الإله الخالق، وفيشنو الإله الحافظ، وسيفا الإله الهادم. والتناسخ احتلّ في الديانة البراهمية مكان الاعتقاد بالمعاد، ويراد منه رجوع الروح بعد انحلال جسدها إلى العامل الأرضي متلبسةً بجسد جديد، إنساني أو حيواني(1). فالاعتقاد بالتناسخ صورة منسوخة من العقيدة بالمعاد، وإرضاء لفطرة الإنسان في حب البقاء.

4ـ إنّ مسلك البوذية الذي أسسه بوذا، غير خال عن عود الأرواح إلى الأبدان عوداً تناسخياً، فإنّ لهذا المذهب، دعائم وأُسس منها: «الألم من لوازم الوجود»، ومنها: «الرجوع إلى هذه الدنيا بسبب الالتياث بالشهوات في حياة سابقة»، ومنها: «الخلاص من أثر الشهوات هو الوسيلة الوحيدة للنجاة من الحياة الأرضية بعد الموت، وتلك النجاة هي نجاة من الألم، وسبب للوصول إلى مكانة» (2).

5ـ وعند المجوس أيضاً فإنّ الاعتقاد ببقاء الروح بعد الموت ومجازاة الإنسان حسب أعماله، من الأُصول الأصيلة في ديانتهم، حتى أنّ بعض المرجفين في الكلام (3) تصوّر أنّ تعاليم التوراة والمسيح في المعاد مأخوذة من تلك الديانة، ولكن عزب عنه أنّ المجوسية، إن كانت شريعة سماوية، يجب أن تشترك مع سائر الشرائع في الأُصول، وليست وحدة الأُصول فيها، دليلاً على أخذ المتأخر من المتقدم، فإنّ الشريعة فيض سماوي، أُفيض من السماء إلى الإنسان الأرضي في


1 - دائرة المعارف لفريد وجدي ج 2، ص 388 .
2 - لاحظ دائرة المعارف لفريد وجدي، ج 2، ص 155 و161.
3 - الكاتب الفارسي حميد نير نوري في كتابه: «مساهمة الإيرانيين في الحضارة العالمية»، ص 228.


(160)

أزمنة خاصة حسب لياقته وكفاءته، فاشتركت كل الشرائع في الأُصول واختلفت في المنهاج.

هذا بعض ما يمكن أن نلفت النظر إليه في عمومية المعاد بين الأقوام والشعوب، وقد اختصرنا الكلام فيه، لأنّ الأولى عطف النظر إلى الكتب السماوية، المجموعة في العهدين وما ينقله القرآن الكريم لنرى تركيز الأنبياء في القرون السالفة على المعاد، ونقتصر في المقام على موارد خاصة.

المعاد في العهد القديم

إنّ من العجب أن التصريح بالحياة الأُخروية في العهد العتيق قليل، وأنّ أكثر الوعود الواردة فيها على امتثال فرائض الربّ، عائدة إلى رجوعهم إلى الأرض المقدسة، وأنّ فيها من النّعم والبركات ما لا يحصى، ولعلّ يد التحريف حذفت ما دلّ على الحياة الأُخروية وأنّ الإنسان يرى جزاء الأعمال امتثال الفرائض، وارتكاب المحرمات، في النشأة الأُخرى، وهذا هو الذي أضفى على مذهب اليهود صبغة مادية، قلّ التوجه فيها إلى الأمور المعنوية، ومع ذلك كلّه فقد بقي فيها جمل تصرّح بحشر الإنسان بعد الدنيا، وإن كانت قليلة، منها:

ـ «الربّ يميت ويحيي» (1).

ـ «تحيا أمواتك يوم تقوم الجثت، إستيقظوا ترنّموا يا سكّان التّراب» (2).

نعم لا ننكر أنّ في التوراة وغيرها جمل ربما تكون مشيرة إلى يوم البعث، ولكنها ليست صريحة في ذلك.

المعاد في العهد الجديد

بالرغم من قلة التصريح بالحياة الأُخروية في العهد العتيق، نجد التصريح بها


1 - صموئيل الأول: الأصحاح الثاني: الجملة 6، ط دار الكتاب المقدس.
2 - اشعيا: الأصحاح 26: الجملة 19، ط دار الكتاب المقدس.


(161)

بكل وضوح في الجديد، في موارد كثيرة منها ما يلي:

1 ـ «فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه، وملائكته، وحينئذ يجازي كلّ واحد حسب عمله» (1).

2 ـ «هكذا يكون في انقضاء العالم، يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين الأبرار، ويطرحونهم في أتون النار هناك يكون البكاء، وصرير الأسنان» (2).

3 ـ «في ذلك اليوم جاء إليه حدُقيون، الذين يقولون ليس قيامة، فسألوه * قائلين: يا معلم، قال موسى إن مات أحد وليس له أولاد، يتزوج أخوه بامرأته، ويقيم نسلاً لأخيه * فكان عندنا سبعة أخوة وتزوج الأول ومات، وإذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه، وكذلك الثاني والثالث إلى السبعة *آخر الكل ماتت المرأة أيضاً * ففي القيامة لمن من السبعة تكون الزوجة فإنّها كانت للجميع * فأجاب يسوع، وقال لهم: تضلّون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله * لأنّهم في القيامة، لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء» (3).

و هذا يعرب عن كون المعاد عند كاتب الإنجيل روحانياً ومحضاً، لا جسمانياً وروحانياً كما عليه الذكر الحكيم.

4 ـ «و إن أعثرتك رجلك، فاقطعها، خير لك أن تدخل الحياة أعرج، من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفأ * حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ * وإن أعثرتك عينك فاقلعها، خيرلك أن تدخل ملكوت الله أعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار * حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ» (4).

5 ـ «وهذه مشيئة الأب الذي أرسلني، إن كلّ ما أعطاني لا أتلف منه شيئاً


1 - إنجيل متّى: الأصحاح 16: الجملة 27، ط دار الكتاب المقدس.
2 - إنجيل متى: الأصحاح 13: الجملتان 49 و50. ط دار الكتاب المقدس.
3 - إنجيل متى: الأصحاح 22: الجملتان 23 ـ 31، دار الكتاب المقدس.
4 - إنجيل مرقس: الأصحاح 9: لاحظ الجملات 42 ـ 49، ط دار الكتاب المقدس.


(162)

بل أقيمه في اليوم الأخير * لأنّ هذه هي مشيئة الذي أرسلني إن كلّ من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير» (1).

هذا، وفي العهدين جمل أخر تصرّح أو تشير إلى يوم القيامة، وقد اقتصرنا على ما ذكرنا روماً للاختصار، والذ نلفت النظر إليه هو عدم اهتمام يهود اليوم، والأُمّة المسيحية، بالبعث ويوم القيامة وما فيها من الحساب والجزاء، وهذا هو الذي أجرأهم على المعاصي، والخلاعة، والإنحلال من كل القيم الأخلاقية، أعاذنا الله من ذلك، ولأجل عدم اهتمام البيع والكنائس باليوم الموعود، صارت تلكما الأُمّتين، يهوديّة ومسيحية بالهوية الدولية، لا أكثر.

القرآن والمعاد في الشرائع السماوية

قد بيّن الذكر الحكيم وجود تلك العقيدة في الشرائع السماوية من لدن آدم إلى المسيح، ولأجل أن يقف الباحث على نماذج من ذلك، نأتي ببعض الآيات الكريمات:

أ ـ إنّه سبحانه ـ بعدما اهبط آدم إلى الأرض ـ يخاطب الخليقة بخطابات عامّة، تعرب عن أنّ الهدف من إهباطه إليها هو استقرار الخليقة في الأرض استقراراً مؤقتاً محدوداً، ليعودوا بعد ذلك إلى النشأة الأُخرى وجاءت تلك الخطابات في آيات مختلفة، نذكر منها:

ـ (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين )(2).

ـ (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )(3).


1 - إنجيل يوحنا: الأصحاح 6: الجملتان 39 ـ 40، ط دار الكتاب المقدس.
2 - سورة الأعراف: الآية 24.
3 - سورة الأعراف: الآيتان 35 ـ 36.


(163)

و هذه الخطابات العامة لجميع الخلائق، تعرب عن أنّ المعاد هو الهدف الأصيل لخلق الإنسان في الأرض، وأنّ الله سبحانه أنزل آدم لهذه الغاية.

ب ـ نرى أنّ شيخ الأنبياء نوحاً، الذي جاء لهداية قومه بشريعة بسيطة، يخاطبهم بخطابات فيها الدعوة إلى تلك العقيدة، نذكر منها قوله:

ـ (وَاللهُ أَنبَتَكُم مِنَ الاَْرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً)(1).

فالدعوة إلى المعاد في هاتين الآيتين صريحة، كما أنّها في الآية التالية بالإشارة.

ـ (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْني أَكُن مِنَ الْخَاسِرِينَ)(2).

ج ـ وهذا إبراهيم بطل التوحيد، يذكر المعاد واليوم الآخر في غير واحد من كلماته، كما يحكيه عنه الذكر الحكيم:

ـ ( مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ)(3).

ـ (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)(4).

ـ (وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) (5).

ـ (وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (6).

و هو سلام الله عليه، لم يكتف بذلك، بل طلب من الله تعالى إحياءَ


1 - سورة نوح: الآيتان 17 ـ 18.
2 - سورة هود: الآية 47، وهذا التضرع صدر منه عندما علم بغرق ابنه في الماء، فالمراد من الخسران هو الخسران بعد الموت.
3 - سورة البقرة: الآية 126.
4 - سورة إبراهيم: الآية 41.
5 - سورة الشعراء: الآية 87.
6 - سورة العنكبوت: الآية 17.


(164)

الموتى، وحكاه الذكر الحكيم(1). وسيوافيك بيانه في المباحث الآتية.

د ـ وهذا موسى الكليم، خاطبه سبحانه عند التنديد بأعمال قومه بخطابات، فيها الوعد والوعيد.

ـ (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الاَْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ...ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2).

و نرى أنّ موسى عندما يدعو على طاغية عصره فرعون مصر، يطلب له العذاب الأليم ويقول:

(رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الاَْلِيمَ)(3).

كما أنّه ـ عليه السَّلام ـ ، يخاطب من يفسّر معاجزه بالسحر قائلاً:

(رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)(4).

و يقول تنديداً بفرعون وملائه:

(إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لاَ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) (5).

و إنّ بني إسرائيل لما كانوا أشدّ الناس لجاجاً وعناداً، قام موسى ـ بأمر منه سبحانه ـ بإحياء الميت في قضية البقرة (6)، وسيوافيك بيانه في المباحث الآتية.

نعم، كانت العقيدة بالمعاد، عقيدة واضحة بين الشرائع السماوية، حتى


1 - سورة البقرة: الآية 260.
2 - سورة الأعراف: الآيتان 146 ـ 147.
3 - سورة يونس: الآية 88.
4 - سورة القصص: الآية 37.
5 - سورة غافر: الآية 27.
6 - سورة البقرة: الآية 72.


(165)

أنّ مؤمن آل فرعون أخذ يعظ قومه بكلمات فيها إخافتهم من يوم القيامة، ويقول:

ـ (وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ)(1).

ـ (وَإِنَّ الاْخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) (2).

ـ (وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ)(3).

هـ ـ وهذا المسيح عيسى بن مريم، يخاطبه سبحانه بآيات فيها التذكير بيوم القيامة، يقول:

ـ (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِي مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(4).

المعاد في القرآن

إذا كان المعاد يحتل المكانة العليا في الشرائع السماوية، وكان القرآن خاتم الكتب، والمبعوث به خاتم الأنبياء، فيناسب أن يكون المعاد مطروحاً فيه، بشكل مستوف، مقترناً بالدلائل العقيلة المقنعة.

و قد صدّق الخُبْر الخَبَر، فالذكر الحكيم يعتني بالمعاد، ويهتم به اهتماماً بالغاً، يكشف عنه كثرة الآيات الواردة في مجال المعاد، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليه في القرآن فبلغ زهاء ألف وأربعمائة آية، وكان السيد العلامة الطباطبائي


1 - سورة غافر: الآية 32.
2 - سورة غافر: الآية 39.
3 - سورة غافر: الآية 43.
4 - سورة آل عمران: الآيات 55 ـ 57.


(166)

ـ رحمه الله ـ يقول بأنه ورد البحث عن المعاد في القرآن في آيات تربو على الألفين، ولعلّه ضمّ الإشارة إليه، إلى التصريح، به. وعلى كل تقدير، فهذه الآيات الهائلة، تعرب عن شدّة اهتمام القرآن به.

أسماء المعاد في القرآن

و يعرب عن هذا الاهتمام أنّه سبحانه يسمّيه بأسماء، ويصفه بصفات خاصة، فيسميه بـ :

1 ـ يوم القيامة، 2ـ يوم الدين، 3ـ اليوم الآخر، 4ـ يوم الحسرة، 5ـ يوم الوقت المعلوم، 6ـ يوم الحق، 7ـ يوم الفصل، 8 ـ يوم الحساب، 9ـ يوم التلاق، 10ـ يوم الأزفة، 11ـ يوم التناد، 12ـ يوم الوعيد، 13ـ يوم الخلود، 14ـ يوم الخروج، 15ـ يوم الجمع، 16ـ يوم التغابُن، 17ـ اليوم الموعود، 18ـ يوم البعث، 19ـ الساعة، 20ـ الحاقّة، 21ـ القارعة، 22ـ الطامّة الكبرى، 23ـ الصاخّة، 24ـ الميعاد، 25ـ الغاشية، 26ـ الآخرة.

و يصفه بأنّه: 1ـ يوم عظيم، 2ـ يوم كبير، 3ـ يوم محيط، 4ـ يوم عقيم، 5ـ يوم أليم، 6ـ يوم مشهود، 7ـ يوم عسير، 8 ـ يوم عبوس قمطرير، 9ـ يوم لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة، 10ـ يوم مجموع له الناس، 11ـ يوم تشخص فيه الأبصار، 12ـ يوم على الكافرين عسير، 13ـ يوم لا يجزي والد عن ولده، و لا مولود هو جاز عن والده شيئاً، 14ـ يوم يجعل الولدان شيباً، وغير ذلك من الأوصاف.

* * *


(167)

مباحث المعاد

(2)

أدلة وجوب المعاد وضرورته

قد تعرفت على أنّ الحياة الأُخروية للإنسان، أمر ممكن لا يمنع منه شي، وإنّما الكلام في وجوب وقوعها وضرورة وجودها. وفيما يلي نستدلّ على ضرورة وجود هذه النشأة بوجوه عقلية هدانا إليها القرآن الكريم.

الدليل الأول ـ صيانة الخلقة عن العبث

ذكرنا أنّ أحد الأسئلة التي تلاحق كلّ إنسان ويعاني منها، هو الوقوف على هدف الخلقة، وأنّه لماذا خلق، وما هو الغرض من خلق الإنسان،الإنسان الإلهي بما أنّه يصون فعل الحق عن العبث واللغو الا بمعنى أنّ هناك غرضاً للخالق يستكمل به، بل بمعنى أنّ فعله ليس بلاغاية)، يجيب بأنّه لم يخلق عبثاً و لا سدىً، بل خلق ليبلغ الكمال الذي يناله في النشأة الأُخروية، على وجه لولاها لأصبح خلقه وإيجاده لغواً وباطلاً.

ثم إنّ هذا الدليل، أي صيانة فعل الباري عن العبث، يمكن بيانه بوجوه، تتحد في الجوهر، وإنّما تختلف في التقرير وهي:

1ـ المعاد وغاية الخلقة.

2ـ المعاد والحقّ المطلق.


(168)

3ـ المعاد والنظم البديع.

فيستدلّ على المعاد تارة بأنّه هو غاية الخلقة، وأُخرى بأنّ الحقّ تعالى شأنه لا ينفك فعله عن غاية، وثالثةً بأنّ النّظم البديعة السائدة على العالم لا تنفك عن غرض وغاية، والكلّ صور مختلفة لاستدلال واحد، استوحيناه من الذكر الحكيم، فإليك بيانها:

1ـ المعاد غاية الخلقة

يستدلّ الذكر الحكيم على لزوم المعاد بأنّ الحياة الأُخروية هي الغاية من خلق الإنسان وإنزاله إلى هذه البسيطة، وأنّه لولاها لصارت حياته منحصرة في إطار الدنيا، ولأصبح إيجاده وخلقه ـ بالتالي ـ عبثاً وباطلاً، والله سبحانه منزّه عن الإيجاد بلا غرض، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)(1).

و من لطيف البيان في هذا المجال قوله سبحانه: (مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ)(2) فترى أنّه يذكر يوم الفصل بعد نفي كون الخلقة لعباً، وذلك يعرب عن أنّ النّشأة الأخروية تصون الخلقة عن اللغو واللعب، وبذلك تظهر صلة الآيات.

2ـ المعاد والحق المطق

و من لطائف البيان في القرآن الكريم أنّه تعالى يصف نفسه بالحق (المطلق) وأنّه الحقّ سواه، ثم يرتب على ذلك إحياء الموتى والنشأة الآخرة،ذلك لأنّ الحق المطلق عبارة عن الوجود الذي لا يتطرق البطلان إلى ذاته أوّلاً، وصفاته ثانياً، وأفعاله ثالثاً، ولو كان فعله بلا غاية ولا هدف، لما كان حقّاً مطلقاً،


1 - سورة المؤمنون: الآية 115، ولاحظ سورة ص: الآية 27.
2 - سورة الدخان: الآيات 38 ـ 40.


(169)

فيستدلّ بكونه حقّاً محضاً على لزوم الغاية التي تتمثل في الحياة الأخروية للإنسان، يقول سبحانه:

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (1).

و لعلّ من هذا الباب وصف سبحانه نفسه بالحق، ثم ذكر بعد ذلك آيات البعث والقيامة، فكأنّه يشير بذلك إلى أنّ كونه حقاً مطلقاً لا يعتريه الباطل، يلازم البعث، وإلاّ لا يكون حقّاً مطلقاً، نرى هذا البيان في قوله سبحانه:

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)(2).

ثم بعد ثلاث آيات يقول:

(وَ هُوَ الذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) (3).

و مثله قوله سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ) (4).

ثم بعد آيتين يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِى وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ...)(5).

3ـ المعاد والنظم البديع

و في الذكر الحكيم تلويح وإشارة إلى هذا النوع من الاستدلال، حيث نرى أنّه سبحانه يذكر النبأ العظيم واختلاف الناس فيه بين مثبت وناف، ثم يبيّن


1 - سورة الحج: الآيتان 6 ـ 7 .
2 - سورة الحج: الآية 62.
3 - سورة الحج: الآية 66.
4 - سورة لقمان: الآية 30.
5 - سورة لقمان: الآية 33.


(170)

النظام البديع السائد في الكون، ببيان رائق مبسوط، معرباً عن أنّه لولا النبأ العظيم، لأصبح خلق العالم بلاغاية.

يقول سبحانه: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ).

ثم يقول: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) إلى قوله: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا )(1).

و بذلك تقف على انسجام الآيات وصلة بعضها ببعض.

و في كلمات الإمام أمير المؤمنين إشارة إلى هذا النمط من الاستدلال، يقول ـ عليه السَّلام ـ :

«و إنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة، مرفلين في مضمارها إلى الغاية القصوى»(2).

و في خطبة أُخرى قال ـ عليه السَّلام ـ : «قد شخصوا من مستقر الأجداث وصاروا إلى مصائر الغايات» (3).

* * *

الدليل الثاني ـ المعاد مقتضى العدل الإلهي

لزوم العمل بالعدل، والاجتناب عن الظلم، من فروع التحسين والتقبيح العقليين، اللّذين هما من أحكام العقل العملي. فمن قال بلزوم فعل الحسن و اجتناب القبيح، يرى العمل بالعدل واجباً لكل فاعل مريد مختار، من غير فرق


1 - سورة النبأ: الآيات 1 ـ 17.
2 - نهج البلاغة،: الخطبة 156.
3 - نهج البلاغة، الخطبة 190. وفي رسالته إلى ابنه الحسن: «واعلم يا بنيّ أنّك خلقت للآخرة لا للدنيا الخ». (الكتاب 31).


(171)

بين أن يكون ممكناً، أو واجباً لأنّ الحسن حسن في كل حال، والقبيح قبيح كذلك.

و هناك جماعة من المتكلمين ـ كالأشاعرة ـ ينكرون التحسين والتقبيح العقليين، ويتركون المجال في القضاء بهما للوحي السماوي، وهم أيضاً يقولون بلزوم العمل بالعدل والاجتناب عن الظلم، بحكم أن الشرع قد أمر بهما، وأنّه سبحانه وصف نفسه بالقيام بالقسط (1)، فتكون النتيجة لزوم معاملة العباد بالعدل.

ثم إنّ إثابة المطيعين من باب التفضل منه سبحانه، لأنّهم يطيعونه تعالى لفضل ما أنعمه عليهم من النعم الوجودية، كما أنّ عقاب العصاة، حق محض له، فله أن يعفو عنهم (2).

هذا هو حكم العقل في كل واحد من القسمين: المطيع والعاصي، إذا لوحظا مستقلين.

و لكن هناك كلام آخر، وهو أنّه لو كان جميع العباد مطيعين سالكين نهج الإمتثال، فله التفضل بالثواب، كما له تركه. وكذلك لو كان جميع العباد، عصاة سالكين نهج المخالفة، فله سبحانه معاقبتهم أو العفو عنهم، ولكنّ العباد، ينقسمون إلى قسمين، فهم بين مطيع وعاص، والتسوية بينهم بصورها المختلفة، إلى قسمين، فهم بين مطيع وعاص، والتسوية بينهم بصورها المختلفة، خلاف العدل. فإنّه لو أثاب الجميع أو عاقب الجميع، أو تركهم سدىً من دون أن يحشروا في النشأة الأُخرى، كان ذلك كلّه على خلاف العدل، وخلاف ما يحكم به العقل من لزوم كون فعله تعالى حسناً، فهنا يستقل العقل بأنّه يجب التفريق بينهما من حيث المصير والثواب والعقاب، وبما أنّ هذا غير متحقق في النشأة الدنيوية، فيجب أن يكون هناك نشأة أُخرى يتحقق فيها ذلك الميز، ويفرّق فيه بين المطيعين والعاصين، وهو المعاد.

و هذا الدليل العقلي يشير إليه القرآن الكريم في لفيف من آياته، وهي على


1 - سورة آل عمران: الآية 18. وسورة يونس: الآية 44.
2 - كل ذلك مع قطع النظر عن وعده ووعيده.


(172)

قسمين: قسم يندد بالتسوية وينكرها، وقسم يصرّح بالفرق بين العاصي والمطيع في النشأة الآخرة.

فمن القسم الأوّل:

ـ قوله سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (1).

ـ قوله سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالُْمجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (2).

ـ قوله سبحانه: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)(3).

و من القسم الثاني:

ـ قوله سبحانه: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيم وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ )(4).

ـ قوله سبحانه: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرى الُْمجْرِمِينَ يَوْمَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْس مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (5).

ـ قوله سبحانه: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا


1 - سورة ص: الآية 28.
2 - سورة القلم: الآيتان 35 ـ 36.
3 - سورة الجاثية: الآية 21.
4 - سورة يونس: الآية 4.
5 - سورة إبراهيم: الآيات 48 ـ 51.


(173)

تَسْعَى )(1).

فقوله: (لِيَجْزِي اللهُ )و (لِتُجْزَى )، إشارة إلى أنّ قيام القيامة، تحقيق لمسألة الثواب والعقاب، اللذين هما مقتضى العدل الإلهي.

و في كلام الإمام علي إشارة إلى هذا البيان:

قال ـ عليه السَّلام ـ : «يوم يجمع الله فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحساب، وجزاء الأعمال» (2).

و قال ـ عليه السَّلام ـ : «فجدّدهم بعد إخلاقهم، وجمعهم بعد تفرّقهم، ثمّ ميّزهم لما يريده من مسألتهم عن خفايا الأعمال وخبايا الأفعال» (3).

* * *

الدليل الثالث: المعاد مجلى لتحقّق وعده ووعيده

و هناك دليل ثالث يضفي على المعاد الضرورة والقطعية، وهو مركب من مقدمة شرعية، وحكم عقلي، وذلك أنّه سبحانه قد وعد المطيعين بالثواب، والعاصين بالعقاب، وهذه صغرى البرهان أخبر عنها الشرع. وحكم العقل عندئذ واضح، وهو أنّ إنجاز الوعد حسن، والتخلّف عنه قبيح. نعم، تقدم في الدليل السابق أنّ العباد لا يستحقون الثواب بطاعتهم، وإنّما هو جود وتفضّل، لكن هذا بغضّ النظر عن الوعد به، وأمّا معه، فالوفاء به لازم.

و الآيات الواردة في هذا المجال على قسمين: قسم يذكر فيه وعده بالقيامة ووعده بالثواب ووعيده بالعقاب. وقسم يذكر أنّه ينجز وعده ولا يخلف.

أمّا القسم الأول: فما يدلّ عليه كثير، نذكر بعضه.

ـ أمّا ما يدلّ على الوعد بالقيامة، فمنه قوله تعالى:


1 - سورة طه: الآية 15. ولاحظ سورة سبأ الآيات 3 ـ 5، سورة الزلزلة: الآية 6.
2 - نهج البلاغة، الخطبة 102.
3 - نهج البلاغة، الخطبة 109.


(174)

(فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ )(1).

ـ وما يدل على الوعد بالثواب، فمنه قوله تعالى:

(وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد * هَذَا مَا تُوعَدُونَ )(2).

ـ وما يدلّ على الوعيد بالعقاب، فمنه قوله تعالى:

(وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ )(3).

(وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) (4).

و أمّا القسم الثاني: الذي يركّز على حكم العقل ويدعمه، وينفي الخلف عن وعده، فمنه قوله تعالى:

(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْم لاَ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ )(5).

(وَ لاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (6).

و على هذا الأساس يستدلّ المحقق الطوسي، على ضرورة المعاد، بقوله: «و وجوب إيفاء الوعد، يقتضي وجوب البعث» (7).

* * *


1 - سورة الزخرف: الآية 83. لاحظ الذاريات: 60، المعارج: 44، الأنبياء: 103.
2 - سورة ق: الآيتان 31 ـ 32.
3 - سورة الحجر: الآية 43.
4 - سورة هود: الآية 17.
5 - سورة آل عمران: الآية 9.
6 - سورة آل عمران: الآية 194.
7 - كشف المراد، المقصد السادس، المسألة الرابعة، ص 406.


(175)

الدليل الرابع: المعاد مجلى لرحمته سبحانه

و من لطائف الكلام في الذكر الحكيم أنّه عدّ المعاد فرعاً لرحمته، وجعله مجلىً لها، قال سبحانه: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ للهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ )(1).

فترى أنّه سبحانه يرتّب جمع الناس إلى يوم القيامة، على قوله: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ )، وذلك لأنّ هذا اليوم يوم الرحمة للمؤمن والكافر، غير أنّ الكافر، قد خسر نفسه باقتراف المعاصي وترك الفرائض في الدنيا، فلا يتوفق لنيل رحمته تعالى، ولعلّه سبحانه إلى ذلك يشير في الآية بقوله: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ).

و يعود معنى الآية إلى أنّ يوم القيامة أشبه بمائدة ممدودة، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، ولكن الانتفاع منها رهن قيود وشروط هي في وسع كل واحد من المكلّفين. فلو حرم الكافر من الرحمة، فهو بفعل نفسه وما جنته يداه لا من جانبه سبحانه، وهذا كابتلاء العباد وامتحانهم، فإنّه رحمة، لأنّ الهدف منه خروج الطاقات من القوة إلى الفعل، والكمالات من الخفاء إلى البروز، ولكن الكافر لا يخرج منه إلاّ راسباً غير مستفيد من أهداف الابتلاء، بل يخسر نفسه بفتور عزمه في مجال الطاعة.

و يمكن استفادة ذلك من الآية التالية، وهي قوله سبحانه:

(فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَُمحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ )(2). فللآية دلالتان:

المطابقية منهما تهدف إلى تشبيه بإحياء الموتى إحياء الأرض حتى يرجع المنكر عن إنكاره بمشاهدة إحياء محسوس، وهو إحياء الأرض.الالتزامية منهما تدلّ على أنّ


1 - سورة الأنعام،: الآية 12.
2 - سورة الروم: الآية 50.


(176)

إحياء الموتى يوم القيامة، رحمة من الله سبحانه لهم، كما أنّ إحياء الأرض رحمة من الله سبحانه لعباده.

* * *

الدليل الخامس: المعاد خاتمة المطاف في تكامل الإنسان

إنّ الحركة تتقوم بأُمور ستة، منها الغاية، كما حقق في محلّه. اعتبار الغاية في حقيقة الحركة ينشأ من تصوّر مفهومها، فإنّ الحركة جهد وسعي، يتطلب صاحبها غاية يفقدها، من غير بين أن تكون الغاية عقلائية، كحركة الطالب لتحصيل العلم، أو غير عقلائية، كاللعب بالسّبحة لترويح النفس.

و نرى أنّ الإنسان منذ تكونه نطفة فعلقة فمضغة، إلى أن يفتح عينه على الوجود، في حال حركة دائمة وسعي متواصل ليس له ثبات ولا قرار، وهو يطلب بحركته وسعيه شيئاً يفقده. فعلى ذلك لا بدّ من وجود يوم يزول فيه وصف اللاقرار، ويدخل منزلاً فيه القرار والثبات، يكون غاية المطاف.

و الحركة وإن كانت تتوقف بالموت ولا يرى بعدها في الإنسان سعي، لكنّ تفسير الموت ببطلان الإنسان وشخصيته الساعية، إبطال للغاية التي كان يتوخاها من حركته، فلابدّ أن يكون الموت وروداً إلى منزل آخر، يصل فيه إلى الغاية المتوخاة من سعيه وجهاده، وذلك المنزل هو النشأة الأخروية.

و لا يصح أن يقال إنّ الغاية من الحركة والسعي والكدح، هو نيل اللذائذ المادية والتجملات الظاهرية، لوضوح أنّ الإنسان مهما نال منها، لا يخمد عطشه، بل يستمر في سعيه وطلبه، وهذا يدلّ على أنّ له ضالة أُخرى يتوجّه نحوها، وإن لم يعرف حقيقتها، فهو يطلب الكمال اللائق بحاله، ويتصور أنّ ملاذّ الحياة غايته، ومنتهى سعيه، ولكنه سوف يرجع عن كل غاية يصل إليها ويعطف توجهه إلى شي آخر.

قال صدر المتألّهين: الآيات التي ذكرت فيها النطفة وأطوارها الكمالية،


(177)

و تقلّباتها من صورة النقص إلى صورة أكمل، ومن حال أدون إلى حال أعلى، فالغرض من ذكرها، إثبات أنّ لهذه الأطوار والتحولات غاية أخيرة، فللإنسان توجّه طبيعي نحو الكمال، ودين إلهي فطري في التقرّب إلى المبدأ الفعّال، والكمال اللائق بحال الإنسان المخلوق أوّلاً من هذه الطبيعة، وإلاّ كان لا يوجد في هذا العالم الأدنى، بل في عالم الآخرة التي إليها الرجعى، وفيها الغاية والمنتهى، فبالضرورة إذا استوفى الإنسان جميع المراتب الخلقية الواقعة في حدود حركته الجوهرية الفطرية، من الجمادية والنباتية، والحيوانية، وبلغ أشدّه الصوري، وتمّ وجوده الدنيوي الحيواني، فلابدّ أن يتوجه نحو النشأة الآخرة ويخرج من القوة إلى الفعل، ومن الدنيا إلى الأُخرى، ثم المولى، وهو غاية الغايات، ومنتهى الأشواق والحركات (1).

و في الآيات الكريمات إشارات إلى هذا البرهان، يفهمها الراسخون في الذكر الحكيم.

يقول سبحانه: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ )(2).

و أنت إذا لاحظت هذه الآيات وما تقدمها ممّا يتكفل ببيان خلقة الإنسان،ترى لها إنسجاماً وترابطاً خاصّاً، فالله سبحانه يصف الإنسان بأنّه كان نطفة فعلقة فمضمغة، إلى أن أنشأه خلقاً آخر، ثم يوافيه الموت، ثم يبعث يوم القيامة، فكأنّ الآية تبيّن تطور الإنسان تدريجاً من النقص إلى الكمال، ومن القوة إلى الفعل، وأنّه منذ تكوّن يسير في مدارج الكمال، إلى نهاية المطاف وهو البعث يوم القيامة، فهذا غاية الغايات، ومنتهى الكمال.

و يمكن استظهار ذلك من قوله سبحانه: (وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَة إِذَا تُمْنى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى ) (3)، بالبيان الماضي في الآية السابقة.


1 - الأسفار، ج 9، ص 159.
2 - سورة المؤمنون: الآيات 14 ـ 16.
3 - سورة النجم: الآيات 45 ـ 47.


(178)

و لعلّه لأجل ذلك يصف القرآن يوم البعث بـ«المساق»، و «الرّجعى»، و «دارالقرار» ويقول: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمَسَاقُ ) (1)، و (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى )(2)، و (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ )(3).

* * *

الدليل السادس ـ المعاد مقتضى الربوبية

إنّ الربّ في اللغة بمعنى الصاحب، يقال: ربّ الدّار، وربّ الضّيعة. فالربوبية تحكي عن مالكية الرّبّ، ومملوكية المربوب.

و العلاقة المتّسمة بالربوبية، تقتضي كون المربوب ذا مسؤولية أمام ربّه، وأنّ الربّ لا يتركه سدى، بل يحاسبه على أعماله ويجازيه بما أتى تجاهه، وبما أنّ هذه المحاسبة لا تتحقق في النشأة الدنيوية، فيجب أن يكون هناك نشأة أُخرى تتحقق فيها لوازم الربوبية، فلا معنى لربّ بلا مربوب، كما لا معنى لمربوب يترك سدى، ولا يحاسب على أعماله وأفعاله.

و لعله لهذا الوجه، يركّز القرآن على كلمة الرّبّ في قوله: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ ) (4).

و في قوله: (وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ )(5).

و هذه الآية الثانية، أصرح في المطلوب، وهو أنّ كفرانهم بربّهم جعلهم


1 - سورة القيامة: الآية 30.
2 - سورة العلق: الآية 8.
3 - سورة غافر: الآية 39.
4 - سورة الإنشقاق: الآية 6.
5 - سورة الرعد: الآية 5.


(179)

منكرين للمعاد، فلو عرفوا حقيقة الربوبية، وعرفوا ربّهم، لأذعنوا بأنّ مقتضى الربوبية، لزوم وجود يوم تطرح فيه أعمال العباد على طاولة الحساب.

* * *

و هذه البراهين الستة تضفي على المعاد ضرورة، وقطعيّة، ووجوباً، وحتميةً، وكلّها براهين عقلية أرشدنا إليها الذّكر الحكيم في محكم آياته.

* * *


(180)

مباحث المعاد

(3)

بواعث إنكار المعاد وشبهات المنكرين

الناس أمام دعوة الأنبياء إلى البعث في النشأة الأخرى كانوا على صنفين: معتنق يشكل الأقلّية في المجتمع الإنساني، ومنكر يشكل الأكثرية الساحقة فيه. وكان المشركون من العرب، المعاصرون للنبي، أكثر عناداً ولجاجاً في المعارف، خصوصاً مايرجع منها إلى البعث ويوم الحساب.

غير أنّه كانت لهم بواعث للإنكار، كما كانت لهم شبهات، ولم تكن شبهاتهم إلاّ واجهة لإنكارهم، فيبرروا بها جحودهم، ويعطوه صبغة الحجة،العذر.

و نحن نذكر بواعث الإنكار أوّلاً، ثم نردفها بالشّبهات ثانياً، ونعتمد في ذلك على الذكر الحكيم الذي ينقل ذلك عن المنكرين، سواء كانوا من الأُمم السالفة، أو من المعاصرين لنزول الرسالة.

بواعث إنكار المعاد

كثيراً ما نرى أُناساً يتبنّون شيئاً ويحتجون له بأدلّة واهية، وهم يعلمون بوهنها، وأنّ المخاطبين يقفون على سقمها، ومع ذلك، يصرّون على مواقفهم. وهذا من الأُمور التي تمكّن من استكشاف الباعث أو البواعث الواقعية لهذا التبني من خلال أفعالهم وسيرتهم ومعاشراتهم، والذكر الحكيم كشف عن تلك البواعث


(181)

التي كانت تدفع المشركين إلى إنكار المعاد، ثم التعلل له بحجج واهية، وإليك بيانها.

الباعث الأوّل ـ التحلل من القيود والحدود

إنّ الإيمان بالمبدأ والمعاد، لا يتلخص في الإقرار اللساني، بل المؤمن يحمل مسؤولية خاصة أمام الله سبحانه في الحياة الدنيوية، ولازم هذه المسؤولية، الالتزام بحدود وقيود تصُدُّه عن التحلل والإلفراط في الملاذ والشهوات والإنهماك في إشباع الغرائز الحيوانية. وقد كان الالتذاذ واتّباع الهوى، غاية المنى لأكثر المنكرين، وكان يسود عليهم سيادة الإله على خلقه، قال سبحانه: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً )(1).

و لمّا كان الاعتقاد بالمعاد، مناف لهذا المبدأ الحيواني، أنكروه بحجج واهية يأتي الإشارة إليها، ويشير الذكر الحكيم إلى هذا الباعث، بقوله:

(أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ)(2).

فالآية الأُولى تذكر معتقدهم وإنكارهم، والآية الثانية تذكر باعث إنكارهم، وأنّه ليس هو ما يتظاهرون به من عدم إمكان جمع العظام، وإنّما هو رغبتهم في أن يرفعوا كل عائق يحدّ من انغماسهم في الملذات، وكلّ رادع يصدّهم عن إرضاء الغرائز البهيميّة. وقوله: (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)، بمعنى ليشقّ أمامه، و لا يرتدع بشيء من القوانين والتشريعات.

الباعث الثاني ـ صيانة السلطة

إنّ السنّة السائدة عند أصحاب السلطة هي استعباد غيرهم واضطهاد حقوقهم، كما أنّ السنّة السائدة على المترفين في الحياة الدنيا، هي الانهماك في


1 - سورة الفرقان: الآية 43.
2 - سورة القيامة: الآيات 3 ـ 6.


(182)

اللذائذ، وكلاهما لا يتّفقان مع الاعتقاد بالمعاد ويوم الحساب، يقول سبحانه:

(وَ قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ )(1).

فالآية الأُولى تشير إلى باعثين من بواعث الإنكار، بينهما صلة قوية، ولذلك أدمجناهما وجعلناهما باعثاً واحداً، أحدهما باعث نفسي هو الإتراف و التّمتّع بأسباب الشهوات، والآخر باعث سياسي، هو ما كان للمنكرين من عِلية القوم وأشرافهم من تسلّط على أقوامهم فأنكروا المعاد لئلا تتزعزع عروش سلطتهم بانتشار هذه العقيدة بين أتباعهم ومرؤوسيهم، فكانوا يدعون الناس إلى إنكار المعاد ويقولون: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ).

الباعث الثالث ـ التكذيب بالحق

إنّ هناك آيات تعرب عن أنّ المنكرين، من أوّل يوم واجهوا فيه دعوة الرسل، أنكروها ولم يعتنقوها، فجرّهم ذلك إلى إنكار المعارف كلّهابالأخص المعاد، وحشر الإنسان في النشأة الأُخرى.

نعم، لا ينفك عنادهم أمام الأنبياء عن علّة نفسية أو اجتماعية أو سياسية، جرّتهم إلى اتّخاذ ذلك الموقف السلبي في بدء الدعوة في كلّ ما يقوله الأنبياء ويدعون إليه، وإن كان بعضه موافقاً لطبعهم وشعورهم والذكر الحكيم يشير إلى هذا الباعث بقوله حاكياً عنهم:

(أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْر مَرِيج )(2).


1 - سورة المؤمنون: الآيات 33 ـ 37.
2 - سورة ق: الآيات 3 ـ 5.


(183)

فيذكر في الآيتين الأوليين شبهتهم ـ التي سيأتي بيانها ـ إلاّ أنّه سرعان ما بين في الآية الثالثة أنّ هذه الشبهة واجهة وغطاء لها، وأنّ الباعث الواقعي هو تكذيبهم بالحق من أوّل الأمر، ولأجل ذلك هم في أمر مريج مضطرب.

* * *

هذه هي البواعث التي كانت تدفع إلى إنكار المعاد، ونحت الأعذار والشبهات في هذا المجال. وإليك فيما يلي بيان شبهاتهم أوّلاً، وأجوبتها ثانياً.

* * *

شبهات المنكرين للمعاد

الشبهات التي ينقلها الذكر الحكيم عنهم تبلغ عشر شبهات، غير أنّ كثيراً منها ضئيل، ليس له دليل سوى البواعث التي قدّمناها، ومع ذلك لم يتركها القرآن بلا جواب، إمّا مقارن لذكرها أو في مواضع أُخرى، وفيما يلي نذكر رؤوس الشبهات الواهية، ثم نتبعها بذكر الشبهات القابلة للبحث، فنطرحها ونناقشها.

1ـ لا دليل على المعاد

يقول سبحانه: (وَ إِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْري مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ )(1).

و قائل الشبهة يتظاهر بأنّه لا دليل على النّشأة الأُخرى وإحياء الموتى فيها، ولو كان لاتّبعه. ولم يتركه القرآن بلا جواب، فقد أقام براهين دامغة على إمكانه وضرورته كما سيوافيك.

ولأجل كون المعاد مقروناً بالبراهين، يتعجّب القرآن من إنكارهم ويقول: (وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)(2).


1 - سورة الجاثية: الآية 32.
2 - سورة الرعد: الآية 5.


(184)

2ـ المعاد من أساطير الأوّلين

يقول سبحانه: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ )(1).

و بما أن الشرائع السماوية، متّحدة في الأُصول، وإنّما اختلافها في الشرع والمنهاج (2)، كانت الدعوة إلى المعاد موجودة في الشرائع السالفة، فحسبها المشركون أسطورة من أساطير الأوّلين.

مع أنّ الدعوة إلى عقيدة قديمة لا يكون دليلاً على بطلانها، كما أنّ استحداث عقيدة لا يكون دليلاً على صحتها، وإنّما الضابط هو الدليل.

3ـ المعاد افتراء على الله أو جنون من القول

يقول سبحانه: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد * أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ )(3).

و المنكرون لأجل التظاهر بالحرية في القضاء، وابتعادهم عن العصبية، فسّروا الدعوة إلى المعاد بأنّ الداعي إمّا رجلٌ غير صالح، افترى على الله كذباً، أو أنّه معذور في هذا القول وقاصر، لأنّ به جنة، وهذا نوع من الخداع، إذ كيف صار «أمينهم» مفترياً على الله الكذب، ومتى كان الإنسان العاقل الذي أثبت الزمان عقله وذكاءه ودرايته وأمانته حتى قمع أُصول الشرك عن أديم الجزيرة، متى كان مجنوناً؟

4ـ إعادة الأموات سحر

يقول سبحانه: (وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ


1 - سورة المؤمنون: الآيتان 82 ـ 83.
2 - إشارة إلى قوله سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) (سورة المائدة: الآية 48).
3 - سورة سبأ: الآيتان 7 ـ 8 .


(185)

كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ) (1).

فقد بلغ عنادهم في إنكار الحقيقة مبلغاً لو قام النبي معه بإحياء الموتى أمامهم، ورأوه بأُمّ أعينهم، لقالوا إنّه سحر مبين، وإنّك سحرت أعيننا، ولا حقيقة لما فعلت.

5 ـ إذا كان المعاد حقّاً فأحيوا آباءنا

يقول سبحانه: (وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )(2).

غير أنّ طلبهم إحياء آبائهم لم يكن إلاّ تعلّلاً أمام دعوة النبي، فلو قام النبي بهذا العمل، لطلبت كل قبيلة، بل كلّ إنسان نفس ذلك العمل من النبي، حتى يؤمن به، فتنقلب الدعوة لعبة في أيديهم. ولأجل ذلك يضرب القرآن عن الجواب صفحاً، ويكتفي بقوله: (قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ )(3).

6ـ حشر الإنسان عسير

إنّ هذا الاعتراض وإن لم ينقل عنهم صريحاً ولكن يعلم من الآيات الواردة حول المعاد، أنّه كان أحد شبهاتهم.

يقول سبحانه في أمر المعاد: (ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ )(4) ويقول:( ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً)(5) ويقول: (وَ مَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ


1 - سورة هود: الآية 7.
2 - سورة الجاثية: الآية 25.
3 - سورة الجاثية: الآية 26.
4 - سورة ق: الآية 44.
5 - سورة التغابن: الآية 7.


(186)

أَقْرَبُ )(1)و يقول: (وَ هُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ )(2).

و هذه الشبهة صورة خفيفة للشبهة السابعة الآتية التي سيوافيك الجواب عنها تفصيلاً. والإجابة عن تلك يغني عن الإجابة عن هذه. قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «و ما الجليل واللّطيف، والثّقيل والخفيف، والقويّ والضّعيف في خلقه إلاّ سواء» (3).

هذه هي شبهاتهم الضئيلة الواهية التي لا يخفى بطلانها وكانت لهم معها شبهات أخرى أجدر بالبحث والتحليل، وهي أربع، نذكرها أوّلاً ثم نجيب عنها بالتفصيل.

7 ـ إحياء الموتى خارجٌ عن إطار القدرة

يظهر من الذكر الحكيم أنّهم كانوا يعتمدون على هذه الشبهة، ويحكيها سبحانه بقوله: (وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ )(4).

8 ـ التعرف على الأجزاء الرميمة غير ممكن

إنّ إعادة الموتى بأعيانهم يتوقف على التعرف على أجزاء أبدانهم الرميمة المبعثرة، على أديم الأرض وفي جوفها، وفي أعماق البحار، ليعاد جزء كل إنسان إلى بدنه، وهذا أمر محال.

وهذه الشبهة وإن لم يصرّح بها القرآن، ولكن يستنبط من إجابة القرآن عليها أنّهم كانوا يعتمدون عليها.


1 - سورة النحل: الآية 77.
2 - سورة الروم: الآية 27.
3 - نهج البلاغة، الخطبة 180.
4 - سورة يس: الآية 78.


(187)

يقول سبحانه: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين )(1).

فإنّ قوله: (عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ...) يكشف عن أنّ شبهتهم في إمكان المعاد، هي عدم إمكان التعرّف على أجزاء الموتى المبعثرة.

9ـ الموت بطلان للشخصية

و ممّا كانوا يعتمدون عليه في إنكارهم للمعاد، هو أنّ الموت وصيرورة الإنسان عظاماً ثم تراباً، يلازم بطلان شخصيته وانعدامها، والمعدم لا يعاد.

ولعلّه إلى تلك الشبهة يشير قوله تعالى:(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )(2) ويحتمل كونه إشارة إلى الشبهة التالية.

10ـ فقدان الصلة بين المبتدأ والمعاد

إذا كان الموت وصيرورة الإنسان تراباً، إعداماً للشخصية، فالشخصية المحياة في النشأة الأُخرى، لاتمت إلى الأُولى بصلة، فكيف تكون إحياء لها؟ فإنّ المقصود من المعاد، إحياء الناس لإثابتهم أو معاقبتهم، وهو فرع وحدة المعاد والمبتدأ، واتّحادهما، وهو منتف، ولعلّ الآية السابقة، تشير إلى هذه الشبهة.

هذه هي شبهاتهم التي تستحق البحث، وإليك فيما يلي مناقشتها:

الإجابة التفصيلية عن شبهاتهم

الاعتقاد بالمعاد اعتقاد بالغيب وإيمان به، وهو فرع معرفة الله سبحانه، ومعرفة أسمائه وصفاته، وأفعاله، ولولا تلك المعرفة، لما حصل الإيمان بشيء من


1 - سورة سبأ: الآية 3.
2 - سورة السجدة: الآية 10.


(188)

الأمور الغيبة، فالاعتقاد بمعاجز الأنبياء، وكراماتهم التي يحكيها لنا القرآن الكريم، قائم على معرفة الله سبحانه. ومعرفة شؤونه تبارك وتعالى.على هذا الأساس يبتني الجواب عن الشبهتين الأُوليين:

جواب الشبهة الأُولى ـ القدرة المطلقة وإحياء الموتى

إنّ تخيل استحالة المعاد، الناشىء من توهّم أنّ إحياء الموتى خارج عن إطار القدرة، جهل بالله سبحانه، وجهل بصفاته القدسية، فإنّ قدرته عامة تتعلق بكل أمر ممكن بالذات، ومن هنا نجد القرآن الكريم يندد بقصور المشركين وجهلهم في مجال المعرفة، ويقول: (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ )(1).و معنى عدم التقدير هنا، عدم تعرفهم على الله سبحانه حقّ التعرف، ولذلك يعقبه بقوله: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ )، معرباً عن أنّ إنكار المعاد ينشأ من هذا الباب.

و في آيات أُخرى تصريحات بعموم قدرته، كقوله: (أَيْنَماَ تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ )(2).

و قوله تعالى: (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ )(3).

و الآيات الواردة في هذا المجال كثيرة (4).

ثم إنّ القرآن يسلك طريقاً ثانياً في تقرير إمكان المعاد، وذلك عبر الإتيان بأُمور محسوسة أقرب إلى الإذعان والإيمان:


1 - سورة الزمر، الآية 67.
2 - سورة البقرة: الآية 148.
3 - سورة هود: الآية 4.
4 - لاحظ النحل: الآية 77، العنكبوت: الآية 20، الروم: الآية: 50، فصلت: الآية 39، الشورى: الآية 9 و 29، الأحقاف: الآية 23، الحديد: الآية 2.


(189)

أ ـ القادر على خلق السموات، قادر على إحياء الموتى

يقول سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِىَ الْمَوْتَى )(1).

و كيفية الاستدلال بها واضحة، فإنّ القادر على إبداع هذا النظم البديع، أقدر على إحياء الإنسان.

ب ـ القادر على المبتدأ قادر على المعاد

إنّ من الضوابط العقلية المحكمة أنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، وأنّ حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد، فلو كانت الإعادة أمراً محالاً، لكان ابتداء الخلقة مثله، لأنّهما يشتركان في كونهما إيجاداً للإنسان، وعلى ذلك قوله سبحانه: (وَ قَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة )(2).

وقوله سبحانه: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَني يُمْنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى )(3)

ج ـ القادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الإنسان بعد موته

و يري الذكر الحكيم في آياته إعادة الحياة إلى التراب بشكل ملموس، وذلك بصورتين:

أولاهما: أنّه إذا امتنع عود الحياة إلى التراب، فكيف صار التراب إنساناً في


1 - سورة الأحقاف: الآية: 33. ومثلها يس: الآية 81.
2 - سورة الإسراء: الآيات 49 ـ 51.
3 - سورة القيامة: الآيات: 36 40، وقد ورد في هذا المجال آيات أُخر، فلاحظ يس: الآية 79، سورة الطارق: الآية 5 ـ 8 .


(190)

بدء الخلقة، وفي ذلك يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ) (1).

و يقول: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى ) (2).

و ثانيتهما: إنّ الأرض الميتة تحيا كلّ سنة بنزول الماء عليها فتهتز وتربو بعد جفافها، وتنبت من كل زوج بهيج، يقول سبحانه: (وَ تَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ )(3).

و يقول سبحانه: (وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَد مَيِّت فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(4).

فليس إحياء الإنسان من التراب إلاّ كإحياء التراب الميت، باخضرار نباته، وازهرار أشجاره.

و بهذه النماذج المحسوسة يثبت القرآن عموم قدرته تعالى، مضافاً إلى البراهين العقلية على عموم قدرته تعالى شأنه.

جواب الشبهة الثانية ـ العلم المطلق والتعرف على الأجزاء المندثرة

إنّ هذه الشبهة وسابقتها، لهما منشأ واحد هو عدم التعرف على الله سبحانه، صفاته وأفعاله، وهنا يقولون إنّ الأجزاء المتلاشية المبعثرة في أكناف


1 - سورة الحج: الآية 5.
2 - سورة طه: الآية 55.
3 - سورة الحج: الآيات 5 ـ 7.
4 - سورة الأعراف: الآية 57. ولاحظ الزخرف: الآية 11، الروم: الآية 19، سورة فاطر: الآية 9، سورة ق: 9 ـ 11.


(191)

الأرض لا يمكن التعرف عليها ليعاد جمع أجزاء كل إنسان.

و الجواب عنه واضح بعد التعرف على علمه الوسيع، سبحانه، وأنّ الممكنات بعامة أجزائها حاضرة لديه غير غائبة عنه.

يقول سبحانه: بعد نقل شبهتهم (أئذا متنا وكنّا تراباً ذلك رجع بعيد).

(قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (1). فالتركيز في الجواب على علمه سبحانه بما تنقص الأرض منهم، وأنّ عنده كتاباً حفيظاً لكلّ شي، يعرب عن أنّ شبهتهم كانت ترجع إلى عدم إمكان التعرف على الأجزاء البالية، حتى يعاد جمعها.

و نظير ذلك قوله سبحانه: (ومَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْس وَاحِدَة إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(2). فالركيز على كونه سميعاً وبصيراً يعرب عن أنّ المقصود من صدر الآية هو نقل شبهتهم الراجعة إلى علمه سبحانه.

جواب الشبهة الثالثة ـ الموت ليس إبطالاً للشخصية

إنّ القائل بأنّ الموت إبطال للشخصية، حسب أنّ الإنسان موجود مادي محض، وليس هو إلاّ مجموعة خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلود، تعمل بانتظام، فإذا مات الإنسان صار تراباً، ولا يبقى من شخصيته شيء، فكيف يمكن أن يكون المعاد نفس الأوّل؟ ولعلّه إلى ذلك يشير قولهم: «أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد؟». بأن يكون المراد من الضلال في الأرض بطلان الهوية بطلاناً كاملاً لا يمكن أن تتسم معه بالإعادة، ويجيب القرآن عن هذه الشبهة بجوابين:

أوّلهما: قوله:(بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) (3).


1 - سورة ق: الآية 4.
2 - سورة لقمان: الآية 28.
3 - سورة السجدة: الآية 10.


(192)

و ثانيهما: قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(1).

و الجواب الأوّل راجع إلى بيان باعث الإنكار، وهو أنّ السبب الواقعي لإنكار المعاد، ليس ما يتقوّلونه بألسنتهم من الضلالة في الأرض، وإنّما هو ناشئ من تبنيّهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء الله، فصار ذلك مبدأً لطرح هذه الشبهات.

و الجواب الثاني جواب عقلي عن هذا السؤال، وتعلم حقيقته بالإمعان في معنى لفظ التوفي، فهو وإن كان يفسّر بالموت، ولكنّه تفسير باللازم، و المعنى الحقيقي له هو الأخذ تماماً، وقد نصّ على ذلك أئمة أهل اللغة، قال ابن منظور في اللسان: «توفّي فلان وتوفاه الله، إذا قبض نفسه، وتَوفَّيْت المال منه، واستوفيته، إذا أَخَذته كلّه. وتوفيت عدد القوم، إذا عددتهم كلهم. وأنشد أبو عبيدة:

إنّ بني الأدرد ليسوا من أحد * و لا توفّاهم قريش في العدد

أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم» (2).

و آيات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك، يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)(3). فإنّ لفظة «التي»، معطوفة على الأنفس، وتقدير الآية: يتوفى التي لم تمت في منامها. ولو كان التوفي بمعنى الإماتة، لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها حينئذ: الله يميت التي لم تَمُتْ في منامِها. وهل هذا إلاّ تناقض؟ فلا مناص من تفسير التوفّي بالأخذ، وله مصاديق تنطبق على الموت تارة، كما في الفقرة الأُولى،على الإنامة أُخرى، كما في الفقرة الثانية.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى قوله سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، فمعناه: يأخذكم ملك الموت الذي وكّل بكم ثم إنّكم إلى الله ترجعون. وهذا


1 - سورة السجدة: الآية 11.
2 - لسان العرب، ج 15، ص 400، مادة «وفى».
3 - سورة الزمر: الآية 42.


(193)

مآله إلى أنّ شخصيتكم الحقيقية لا تضل أبداً في الأرض، وما يرجع إليها يأخذه ويقبضه ملك الموت، وهو عندنا محفوظ لا يتغير ولا يتبدّل ولا يضلّ، وأمّا الضال، فهو البدن الذي هو بمنزلة اللباس لهذه الشخصية.

فينتج أنّ الضال لا يشكل شخصية الإنسان، وما يشكّلها ويقوّمها فهو محفوظ عند الله، الذي لا يضلّ عنده شيء.

و الآية تعرب عن بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادة وآثارها، وهذا الجواب هو الأساس لدفع أكثر الشبهات التي تطرأ على المعاد الجسماني العنصري.

و بما أنّ تجرد النفس، ممّا شغل بال المنكرين، واهتمّ به القرآن الكريم، عناية كاملة، فسنبحث عنه بعد الإجابة عن الشبهة الرابعة.

جواب الشبهة الرابعة ـ شخصية المعاد نفس شخصية المُبْتدأ

عرفت أنّهم قالوا: إذا كانت الغاية من المعاد، تحقيق العدل الإلهي، وإثابة المطيع، وعقاب العاصي، فيجب أن يكون المعاد نفس المبتدأ حتى لا يؤخذ البريء بجرم المتعدي، وهو يتوقف على وجود الصلة بين الشخصيتين، وليس هناك صلة بينهما.

و هذه الشبهة ناشئة من نفس ما نشأت الشبهة السابقة منه، وهو تخيّل أنّ شخصية الإنسان منحصرة في الإطار المادي، لا غير. ولعلّ قولهم: «أئذا ضللنا في الأرض»، يشير إلى هذه الشبهة.

و الجواب نفس الجواب السابق، وهو أنّ ما يرجع إلى حقيقة الإنسان محفوظ عند الله سبحانه، وهو الصّلة الوثيقة بين المبتدأ والمعاد، وهو الذي يجعل البدن الثاني، إعادة للشخص الأول، لأنّ شخصيته هي روحه ونفسه وهي محفوظة في كلتا الحالتين، وإنّما البدن أداة ولباس لها، وليس هذا بمعنى أنّ الروح تعاد ولا يعاد البدن، ولا أنّه لا يعاد نفس البدن الأول ، بل بمعنى أنّ المناط للشخصية الإنسانية، هو روحه ونفسه، والبدن غير مُهْتَم به، والغرض من حشره ببدنه، عدم إمكان تعذيب الروح أو تنعيمها إلاّ عن طريق البدن، فإذا كانت الشخصية


(194)

محفوظة، فلا تنقطع الصلة بين المبتدأ والمعاد، خصوصاً أنّ أجزاء البدن المبعثرة، معلومة لله سبحانه. فهو يركّب تلك الأجزاء المبعثرة، وتتعلق بها الروح، قال سبحانه: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ) (1). وقال سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)(2). فالتعبير بـ(خَلْق عَلِيمٌ)مكان «خلق قدير»، إشارة إلى علمه تعالى بأجزاء بدن كل إنسان.

إلى هنا فرغنا من الإجابة عن الشبهات المطروحة حول المعاد التي ذكرها القرآن، وبما أنّ الإجابة عن الشبهتين الأخيرتين مبني على تجرّد الروح بقائها بعد الموت، نفرده بالبحث ونثبت هذا التجرّد عقلاً ونقلاً، وهو من مهام البحوث في المعاد.

* * *


1 - سورة ق: الآية 4.
2 - سورة يس: الآية 79.


(195)

مباحث المعاد

(4)

تجرد الروح الإنسانية

لقد شغل أمر تجرد الروح بال المفكرين، واستدلوا عليه بوجوه عقلية عدة، كما اهتمّ القرآن الكريم ببيانه في لفيف من آياته، وفيما يلي نسلك في البحث عن تجرّد الروح هذين الطريقين: العقلي والنقلي.

1ـ البراهين العقلية على تجرد الروح

تدلّ براهين كثيرة على أنّ النفس مجرّدة غير مشوبة بالمادة وآثارها. وتجرّدها يعتبر من النوافذ إلى عالم الغيب ونكتفي فيما يلي بإيراد أبرز هذه البراهين وأوضحها، وإلاّ فهي كثيرة تتجاوز العشرة.

البرهان الأوّل ـ ثبات الشخصية الإنسانية في دوامة التغيّرات الجسدية

و هذا البرهان يتألّف من مقدّمتين:

الأُولى: أنّ هناك موجوداً تنسب إليه جميع الأفعال الصادرة عن الإنسان، ذهنية كانت أو بدنية.

و لهذا الموجود حقيقة، وواقعية يشار إليها بكلمة «أنا».

الثانية: أنّ هذه الحقيقة التي تعدّ مصدراً لأفعال الإنسان، ثابتة وباقية


(196)

و مستمرة في مهبّ التغيرات، وهذا آية التجرّد.

أمّا المقدمة الأُولى، فلا تحتاج إلى بحث كثير، لأنّ كل واحد ينسب أعضاءه إلى نفسه ويقول يدي، رجلي، عيني، أذني، قلبي،... كما ينسب أفعاله إليها، ويقول: قرأت، كتبت، أردت، أحببت، وهذا مما يتساوى فيه الإلهي والمادي ولا ينكره أحد، وهو بقوله «أنا» و «نفسي»، يحكي عن حقيقة من الحقائق الكونية، غير أنّ اشتغاله بالأعمال الجسمية، يصرفه عن التعمّق في أمر هذا المصدر والمبدأ، وربما يتخيل أنّه هو البدن، ولكنه سرعان ما يرجع عنه إذا أمعن قليلاً حتى أنّه ينسب مجموع بدنه إلى تلك النفس المعبّر عنها بـ «أنا».

و أمّا المقدمة الثانية، فكل واحد منا يحسّ بأنّ نفسه باقية ثابتة في دوامة التغيرات والتحوّلات التي تطرأ على جسمه، فمع أنّه يتصف تارة بالطفولة، وأُخرى بالصبا، وثالثة بالشباب، وأخيراً بالكهولة، فمع ذلك يبقى هناك شيء واحد تسند إليه جميع هذه الحالات، فيقول: أنا الذي كنت طفلاً ثم صرت صبياً، فشاباً، فكهلاً، وكل إنسان يحسّ بأنّ في ذاته حقيقة باقية وثابتة رغم تغير الأحوال وتصرم الأزمنة، فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمراً مادياً، مشمولاً لسنّة التغيّر، والتبدّل، لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد، حتى يقول: أنا الذي كتبت هذا الخط يوم كنت صبياً أو شاباً، فلولا وجود شيء ثابت ومستمر إلى زمان النطق، للزم كذب القضية، وعدم صحتها، لأنّ الشخصية التي كانت في أيام الصبا، قد زالت ـ على هذا الفرض ـ وحدثت بعدها شخصية أُخرى.

لقد أثبت العلم أنّ التغيّر والتحوّل من الآثار اللازمة للموجودات المادية، فلا تنفك الخلايا التي يتكون منها الجسم البشري، عن التغير والتبدّل، فهي كالنهر الجاري تخضع لعملية تغيير مستمر، ولا يمضي على الجسم زمن إلاّ وقد احتلّت الخلايا الجديدة مكان القديمة. وقد حسب العلماء معدل هذا التجدد، فظهر لهم أنّ التبدّل يحدث بصورة شاملة في البدن، مرة كل عشر سنين.

و على هذا، فعملية فناء الجسم المادي الظاهري مستمرة، ولكن


(197)

الإنسان، في الداخل (أنا)، لا يتغير. ولو كانت حقيقة الإنسان هي نفس هذه الخلايا لوجب أن يكون الإحساس بحضور «أنا» في جميع الحالات أمراً باطلاً، وإحساساً خاطئاً.

و حاصل هذا البرهان عبارة عن كلمتين: وحدة الموضوع لجميع المحمولات، وثباته في دوامة التحولات. وهذا على جانب النقيض من كونه مادياً.

البرهان الثاني ـ علم الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه (1)

إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كل شيء، عن بدنه وأعضائه، ولكن لا يغفل أبداً عن نفسه، سليماً كان أم سقيماً، وإذا أردت أن تجرب ذلك، فاستمع إلى البيان التالي:

إفرض نفسك في حديقة زاهرة غناء، وأنت مستلق لا تبصر أطرافك ولا تتنبّه إلى شيء، ولا تتلامس أعضاؤك، لئلا تحسّ بها، بل تكون منفرجة،مرتخية في هواء طلق، لا تحسّ فيه بكيفية غريبة من حرٍّ أو برد أو ما شابه، ممّا هو خارج عن بدنك. فإنّك في مثل هذه الحالة تغفل عن كل شيء حتى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلاّ عن ذاتك، فلو كانت الروح نفس بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، للزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.

و بكلمة مختصرة: «المغفول عنه، غير اللامغفول عنه ». وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أول الإدراكات وأوضحها.

البرهان الثالث ـ عدم الانقسام آية التجرّد

الانقسام والتجزّؤ من آثار المادة، غير المنفكة عنها، فكل موجود مادي


1 - هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات ج 2 ص 92. والشفاء قسم الطبيعيات في موردين ص 282 و 464.


(198)

خاضع لهما بالقوة، وإذا عجز الإنسان عن تقسيم ذلك الموجود، فلأجل فقدانه أدواته اللازمة. ولأجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه، بطلان الجزء الذي لا تتجزّأ. وما يسمّيه علم الفيزياء، جزءاً لايتجزأ، فإنّما هو غير متجزّئ بالحسّ، لعدم الأدوات اللازمة، وأمّا عقلاً فهو منقسم مهما تناهى الانقسام، لأنّه إذا لم يمكن الانقسام، وعجز الوهم عن استحضار ما يريد أن يقسّمه ـ حتى بالمكبرات ـ بسبب صغره، يفرض العقل فيه شيئاً غير شيء، فحكم بأنّ كل جزء منه يتجزّأ إلى غير النهاية، ومعنى عدم الوقوف أنّه لا ينتهي انقسامه إلى حدّ إلاّ ويتجاوز عنه (1).

و من جانب آخر، كلّ واحد منّا إذا رجع إلى ما يشاهده في صميم ذاته، ويعبّر عنه بـ«أنا»، وجده معنىً بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّي، فارتفاع أحكام المادة دليل، على أنّه ليس بمادي.

إنّ عدم الانقسام لا يختص بما يجده الإنسان في صميم ذاته ويعبّر عنه بـ«أنا»، بل هو سائد على وجدانياته أيضاً من حبّ، وبغض، وإرادة، وكراهة، و تصديق، وإذعان. وهذه الحالات النفسانية، تظهر فينا في ظروف خاصة ، ولا يتطرق إليها الانقسام الذي هو من أظهر خواص المادة.

إعطف نظرك إلى حبك لولدك، وبغضك لعدوك فهل تجد فيهما تركّباً؟ وهل ينقسمان إلى جزء فجزء؟ كلا، ولا.

فإذا كانت الذات والوجدانيات غير قابلة للانقسام، فلا تكون منتسبةً إلى المادة التي يعدّ الانقسام من أظهر خواصّها.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الروح وآثارها، والنفس والنفسانيات، كلّها موجودات واقعية خارجة عن إطار المادة، ومن المضحك قول المادي إنّ التفحص، و التفتيش العلمي في المختبرات لم يصل إلى موجود غير مادي، حتى نذعن بوجوده، فقد عزب عنه أنّ القضاء عن طريق المختبرات يختصّ بالأُمور المادية، وأمّا ما يكون


1 - لاحظ شرح المنظومة، للحكيم السبزواري، ص 206.


(199)

سنخ وجوده على طرف النقيض منها، فليست المختبرات محلاً وملاكاً للقضاء بوجوده وعدمه.

ثم إنّ البحث العقلي، في تجرّد الروح مترامي الأطراف مختلف البراهين، اكتفينا بهذا القدر منه، ومن أراد التبسّط فليرجع إلى الكتب المعدة لذلك (1).

* * *

2ـ القرآن وتجرّد النفس وخلودها

الآيات التي يستظهر منها خلود الروح وتجرّدها على قسمين: قسم يدلّ عليه بصراحة لا تقبل الإنكار، وقسم آخر يستظهر منه، وإن كان قابلاً للحمل على معنى آخر، وإليك نقل القسمين بإيضاح إجمالي:

القسم الأوّل من الآيات

(أ) ـ يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)(2).

و الدلالة مبنية على إمعان النظر في لفظة التوفّي، وقد عرفت أنّها بمعنى الأخذ والقبض، لا الإماتة. وعلى ذلك فالآية تدلّ على أنّ للإنسان وراء البدن شيئاً يأخذه الله سبحانه، حين الموت والنوم، فيمسكه إن كتب عليه الموت، ويرسله إن لم يكتب عليه ذلك إلى أجل مسمى، فلو كان الإنسان متمحضاً في المادة وآثارها، فلا معنى «للأخذ» و «الإمساك» و «الإرسال»، كما هو واضح.

(ب) ـ يقول سبحانه: (وَ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ


1 - لاحظ الإشارات للشيخ الرئيس ج 2، ص 368 ـ 371. والأسفار، ج 8 ص 38. وأصول الفلسفة للعلامة الطباطبائي ـ رحمه الله ـ وترجمة الأستاذ دام حفظه ج 1، المقالة الثالثة، ص 129 ـ 183. وفي هذا الأخير يجد المتتبع ضالته.
2 - سورة الزمر: الآية 42.


(200)

أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللهِ وَ فَضْل وَ أَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ )(1).

و صراحة الآية غير قابلة للإنكار، فأنّها تقول: إنّهم أحياء أوّلاً، و يرزقون ثانياً وانّ لهم آثاراً نفسانية يفرحون و يستبشرون، لا يخافون و لا يحزنون ثالثاً.

و نظيره قوله سبحانه: (وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ)(2).

و تفسير الحياة في الآيتين، بالحياة في شعور الناس و ضمائرهم، و قلوبهم، و في الأندية و المحافل و المناسبات الرسمية، تفسير مادي للآية، جرّت إليه النزعات الإلحادية، و لو كان المراد هو هذا النوع من الحياة، فما معنى قوله سبحانه: (يُرْزَقون)،(فرحين)،(يستبشرون)، وما معنى قوله: (ولكن لا تشعرون)، فإنّ الحياة بالمعنى الذي ذكروه يشعر بها كلّ الناس.

(ج) ـ يقول سبحانه: (وَ حَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )(3).

فترى أنّه سبحانه يحكم على آل فرعون بأنّهم يعرضون على النار، في كل يوم و ليلة، قبل يوم القيامة، بشهادة قوله بعده: (وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)، فإنّه دليلٌ على أنّ العرض على النار قبلها، فلو كان الموت بطلاناً للشخصية، و اندثاراً لها، فما معنى العرض على النار، صباحاً و مساءً؟!

(د) ـ يقول سبحانه: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا)(4).


1 - سورة آل عمران: الآيات 169ـ 171.
2 - سورة البقرة: الآية 154.
3 - سورة غافر: الآيتان 45 ـ 46.
4 - سورة نوح: الآية 25.


(201)

و دلالة الآية كدلالة سابقتها، و لا يمكن تفسير قوله: (فَأُدْخِلُوا نَارًا)، بنار القيامة، و ذلك لأنّ القيامة لم تقع بعد، و الآية تحكي عن الدخول أوّلاً، و كونه متصلاً بغرقهم لا منفصلاً عنه ثانياً، قضاءً بحكم الفاء في قوله: (فَأُدْخِلُوا).

(هـ) ـ يقول سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(1).

و قد تقدمت دلالة الآية فقلنا إنّ محور الدلالة هو الإمعان في معنى التوفّي.

(و) ـ يقول سبحانه: (وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ )(2).

و المراد من الأنفس، في الآية، هو عين ماورد في قوله سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)، و هي تحكي عن أنّ للظالمين أبداناً وأنفساً و الملائكة موكّلون بأخذ أنفسهم و ترك أبدانهم، و لو كان الإنسان موجوداً مادياً محضاً، فما معنى أخذ الأنفس، إذيكون الموت حينئذ خمود الحرارة الغريزية لا أكثر.

أضف إلى ذلك أنّ الآية تدلّ على أنّ الظالم يعذب يوم خروج نفسه بعذاب الهون، و هذا يدل على أنّ وراء البدن شي آخر يعذّب.

و تفسير عذاب الهون بشدة قبض الروح، تفسير على خلاف الظاهر.

(ز) ـ يقول سبحانه: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)(3).

يقول المفسرون: إنّ عيسى ـ عليه السَّلام ـ بعث رسولين من الحواريين إلى


1 - سورة السجدة: الآية 11.
2 - سورة الأنعام: الآية 93.
3 - سورة يس: الآيتان 26 ـ 27.


(202)

مدينة أنطاكية، فلقيا من أهلها عنفاً و ردّاً، غير أنّ واحداً من أهلها اسمه حبيب النجار، آمن بهما و أظهر إيمانه، و قال: (إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)، فلما سمع القوم إيمانه و طؤوه بأرجلهم حتى مات، فأدخله الله الجنة، و خوطب بقوله تعالى: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ ). ثم هو تمنّى أن يعلم قومه بما آتاه الله تعالى من المغفرة و جزيل الثواب، فقال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ ).

فالآية تدل على أنّ الموت ليس فناء للإنسان، بل هو بعد الموت يرزق في الجنة، ويتمنى أن يعلم قومه بما رزق من الكرامة.

أضف إلى ذلك أنّ قوله تعالى: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ )، لا يمكن أن يكون خطاباً للبدن لأنه يوارى تحت التراب، فالمخاطب به شيء آخر، و هو الروح، فتدخل الجنة و تتنعّم فيها، و كم فرق بين قوله: «ادخل الجنة» و قوله «أبشر بالجنة» فالثاني لا يدلّ على شيء مما ذكرنا بخلاف الأوّل.

(ح) ـ يقول سبحانه: (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )(1).

و أمّا دلالة الآية على أنّ الروح أمر غير مادي فيظهر بالإمعان فيها، و بيانه: أنّ الآية تبيّن تكامل خلقة الإنسان من مرحلة إلى مرحلة، و المراحل الموجودة بين السلالة، و قوله: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)، كلّها تكامل من صنف واحد، فمادة الإنسان لن تبرح تتكامل من السلالة إلى العظام المكسورة باللّحم.

و بعد ذلك نرى تغييراً في أسلوب بيان الآية، حيث يقول: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). فهو سبحانه:

أوّلاً: يعطف هذه المرحلة على المراحل السابقة، بلفظة ثمّ، بخلاف


1 - سورة المؤمنون: الآيات 12ـ 14.


(203)

المراحل السابقة، فيعطفها بالفاء، و يقول فخلقنا العلقة... فخلقنا المضّغة... فكسونا العظام... و هذا يدل على تغاير هائل بين هذه المرحلة و المراحل السابقة.

ثانياً: يستعمل في بيان خلقه هذه المرحلة لفظة الإنشاء، بمعنى الإبداع، و إنشاء شيء بلا مثال قبله، و هو أيضاً يدل على مغايرة هذه المرحلة لما سبقها من المراحل، مغايرةً جوهريّةً.

و ثالثاً: إنّه سبحانه بعدما يقرر خلقه هذه المرحلة، يثني على نفسه، مما يعرب عن اختلاف هذه المرحلة مع ما تقدمها، و امتيازها عنها امتيازاً جوهرياً.

و هذه الوجوه، تكفي في دلالة الآية على أنّ المنشأ في هذه المرحلة شيء لا يشبه المنشآت السابقة، و يختلف عنها جوهراً، و حيث إنّ المنشآت السابقة من سنخ تكامل المادة، فيكون المنشأ في هذه المرحلة، منشأ غير مادي، و هو تعلّق النفس المجردة بالبدن في تلك المرحلة.

إلى هنا تم إيراد الآيات الصريحة في المطلوب، و يقع الكلام بعده في القسم الثاني من الآيات، و هي التي يستظهر منها الدلالة على تجرد الروح، و إن كانت قابلة للحمل على معان أُخرى.

القسم الثاني من الآيات

أ ـ يقول سبحانه: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً )(1).

و تتضح الدلالة إذا أمعنّا أنّه سبحانه يخص النجاة ببدن فرعون، و يقول: (بِبَدَنِكَ)و هذا يعرب عن أنّ هناك شيء آخر لا يشمله النجاة، و يقع مورد العذاب.

أضف إلى ذلك خطابه سبحانه، أعني قوله: (نُنَجِّيك)، فإنه يدلّ على أنّ


1 - سورة يونس: الآية 92.


(204)

هناك واقعية، غير البدن، يكلمها و يخاطبها، و يعلّمها بأنّ النجاة تشمل بدنها لا غيره.

ب ـ يقول سبحانه: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ )(1).

فقوله تعالى: (فَتَولّى عنهم): بعد قوله:(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ )، يدل على أنّ توليه عنهم كان بعد هلاكهم، و يترتب على ذلك أنّ محاورتهم بقوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ)، كان محاورة بعد الدمار، فالآية تدل على أمرين; خلود الروح بعد الموت، و إمكان الاتّصال بالإرواح كما اتصل صالح بها فقال ما قال.

و نظير ذلك ما نقله عن شعيب، قال: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ )(2).و وجه الدلالة في المقامين واحدٌ خصوصاً إذا أمعنّا في «الفاء» في قوله، (فَتَولّى)، المعرب عن تأخّر التولّي و المحاورة عن الهلاك.

و إنّما جعلناهما من الآيات غير الصريحة، لاحتمال أن تكون المحاورة تأثّريّة، يتكلم بها الإنسان بلا اختيار عندما يواجه حادثة مؤلمة حلّت على إنسان عاصي لا يسمع كلام ناصحه، كالمجرم المصلوب فإنه يخاطب، بمثل ما خوطب به هؤلاء، و لكنّ ظاهر الآية هو الأوّل.

ج ـ يقول سبحانه: (وَ اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ )(3).

و الآية تأمر النبي أن يسأل المتقدمين من الرسل في شأن اختصاص العبادة


1 - سورة الأعراف: الآيات 77 ـ 79.
2 - سورة الأعراف: الآيتان 92 ـ 93.
3 - سورة الزخرف: الآية 45.


(205)

بالله سبحانه، الذي يحكي عنه قوله تعالى: (وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )(1).

و السؤال فرع وجود المسؤول أوّلاً، و إمكان الاتّصال ثانياً. فهي تدل على وجود أرواح الأنبياء، و إمكان اتصال النبي بها.

و مع ذلك يمكن أن يكون المراد هو سؤال علماء أهل الكتاب أو أتباعهم لقوله سبحانه: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ )(2).و الغاية من السؤال هو الاحتجاج، و مع ذلك فهذا الاحتمال على خلاف الظاهر.

و في الآيات (3) ما يدل على أنّ الآية تأمر النبي بالسؤال في ليلة المعراج، و لو تمت الروايات سنداً لما كانت مخالفة لما قلنا.

إلى هنا تم إيراد الآيات ـ بقسميها ـ الدالة على خلود الروح بعد الموت، و تجرّدها من آثار المادة، و إمكان الاتصال بها في هذه النشأة و بذلك ثبت بنحو قاطع، من طريقي العقل و النقل، وجود الروح و تجردها و خلودها (4)، الذي له دور عظيم في حلّ معضلات المعاد، و الإجابة على الأسئلة الواردة حوله.

* * *


1 - سورة النحل: الآية 36.
2 - سورة يونس: الآية 94.
3 - لاحظ مجمع البيان، 9 ـ 10 / 75 ـ 76 .
4 - لاحظ في تكلّم النبي مع أرواح المشركين في غزوة بدر، المصادر التالية: صحيح البخاري، غزوة بدر، ج 5، ص 97، 98، و 110. و صحيح مسلم ج 4، كتاب الجنة. و سنن النسائي، ج 4، ص 89 و 90. و مسند أحمد، ج 2 ص 131. و سيرة ابن هشام ج 1، ص 639، و مغازي الواقدي، ج1، غزوة بدر. و بحار الأنوار، ج 19، ص 364.
و تكلّم النبي مع أرواح المؤمنين المدفونين في البقيع: طبقات ابن سعد، ج 2، ص 204.
و السيرة النبوية، ج 2، ص 642. و إرشاد المفيد، ص 45.
و تكلّم أمير المؤمنين مع النبي عند تغسيله: نهج البلاغة، الخطبة 230.


(206)

مباحث المعاد

(5)

نماذج من إحياء الموتى في الشرائع السابقة

أثبت الحكماء لليقين مراتب ودرجات، ولكل منها عندهم اسم خاص، ولتبيين هذه الدرجات نأتى بمثال :

إذا سمع الإنسان اسم النار، ولم يرها، وقيل له إنّها موجود عنصرى لها هيئةٌ خاصةٌ، وأ ثر معيّن، في الأعضاء، وأذعن بذلك لكون المخبرين صادقين، فهذه مرتبة من اليقين .

ثم إذا شاهدها من بعيد، ولكن لم تمسّ حرارتها بدنه، وإنّما رأى هيئتها، والتهابها، بأُم عينه، فهذه مرتبة من اليقين أقوى من السابقة.

ولكن أين هذه المرتبة ممّا إذا شاهدها عن كثب ومسّته حرارتها، ففي هذه المرتبة يتكامل يقينه بها، ويبلغ الدرجة القصوى .

وإذا كان لليقين مراتب ودرجات، فلا لوم على الأنبياء والأولياء أن يطلبوا من الله سبحانه إحياء الموتى حتى يشاهدوه بأعينهم لإكمال مراتب يقينهم بالقيامة، وتبديل علم اليقين فيهم بعين اليقين(1) .


1 -اقتباس من قوله سبحانه. (كلاّ لَو تعلمُون عِلمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجحيم* ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَينَ اليقينِ)(التكاثر:الآيات5-7).


(207)

ومن هنا نرى أنّ الله سبحانه أحيا الموتى لإبراهيم الخليل، وعزير، وغيرهم كما سيأتي، والغاية كانت إكمال مراتب اليقين، أو إتمام الحجة على البعيدين عن هذه المعارف، كماهو الحال في إحياء عيسى الموتى لبني إسرائيل، وفيما يلي نورد هذه النماذج من القرآن الكريم.

1ـ إبراهيم وإحياء الموتى

ذكر المفسرون أنّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ رأى جيفة تمزقها السباع، فيأكل منها سباع البر، وسباع الهواء ودواب البحر، فسأل الله سبحانه وقال: ياربّ قد علمت أنّك تجمعها في بطون السباع والطير ودواب البحر، فأرني كيف تحييها لأُعاين ذلك؟

يقول سبحانه:(وإذقال إبراهيمُ ربِّ أرني كَيفَ تُحِي الموتى قالَ أَوَلَم تُؤمن قالَ بلى ولكن لِيَطمَئِنَّ قلبي، قال فخُذ أَربَعَةً من الطَّير فَصُرهُنّ إلَيكَ ثّم اجعَل على كلِّ جَبَل منهُنَّ جُزءاً ثَمَّ ادعُهُنَّ يأتينَكَ سَعياً واعلَم أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(1).

وما ذكرنا من سبب النزول يكشف عن أنّه لم يكن غرض إبراهيم إحياء نفس فقط، وإلاّ لكفى فيه إحياء طير واحد بعد إماتته، وإنما لكان الغرض مشاهدة إعادة أجزاء كلّ طير إليه بعد اختلاطها بأجزاء الطيور الأُخر، وهذا لا يتحقّق إلا بتعدد الطيور أوّلاً، واختلافها نوعاً، ثانياً، واختلاطها بعد ذبحها، ثالثاً، فلأجل ذلك ورد أنّه أخذ طيوراً مختلفة الأجناس، قيل إنّها: الطاووس، والديك، والحمام، والغراب، فقطّعها، وخلط ريشها بدمها، ثم فرّقهنّ على عشرة جبال، ثم أخذ بمناقيرهنّ، ودعاهنّ باسمه سبحانه، فأتته سعياً، فكانت تجتمع ويأتلف لحم كلّ واحد وعظمه إلى رأسه، حتى قامت أحياء بين يديه.

وبذلك كمل إيمانه، وتم إذعانه بأنّه سبحانه يمكن أن يعيد أجزاء بدن كل


1 - سورة البقرة: الآية 260 .


(208)

حيّ إليه، وأن اختلط بحىّ آخر، كما لو أكلت الإنسان الميتَ سباعُ البراري وجوارحُ الهواء، وحيتانُ البحار، فإنّ الاختلاط لايكون مانعاً عن الإحياء والإعادة، وقد تقدّم في بيان شبهاتهم أنّ المنكرين كانوا يركزون على «ضلالة الأجزاء» في الأرض، واختلاط أجزاء الموتى بعضها ببعض، وقد قال سبحانه في هذالمجال: (قَد عَلِمنَا ماتَنقُصُ الأرضُ مِنهُم وَعِندَنَاكِتَابٌ حفَيظٌ)(1).

والاستدلال بالآية يتوقف على الإمعان في أمرين :

الأوّل ـ إنّ مقتضى البلا غة مطا بقة الجـواب للسؤال، ولمّا كان سؤاله عن مشاهدة إحياء الموتى ـ واقتضى الحال الإجابة عنه ـ فيجب أن يكون ما يأمر به سبحانه محققاً لاحياء الموتى، وهو لا يتحقّق إلاّ بأن يقوم إبراهيم بتقطيعهنّ وخلط أجزائهنّ، وتفريقهنّ على الجبال .

الثاني: الإمعان في قوله: (فَصُرْهُنَّ)، والمصدر الّذي اشتُقّ منه، وفيه احتمالات:

1ـ مانقل عن ابن عباس من أنه قرأ«فَصَرَّهُنَّ»، بتشديد الراء، من باب صرَّ، يَصُرُّ، من التصرية، وهي الجمع والضم(2) ، وهذه القراءة غيرمعروفة، فهذا الاحتمال ساقط .

2ـ أن يكون مأخوذاً من الصّير، معتل العين، فيقال صار يصير صيراً،بمعنى انتهى إليه، مثل قوله:(إليه المصير). والأمر منه «صُر» ولعل مَن فَسَّره من أهل اللغة بمعنى المَيل أخذه من هذا.

3ـ أن يكون مأخوذاًمن «صري»، معتل اللام،ذكره الفراء في معاني القرآن، فقال إنها إن كانت بمعنى القطع، تكون من «صَرَيت، تصري»، واستشهد بقول الشاعر:


1 -سورة ق:الآية4.
2 -الكشاف، ج 1،ص 296.


(209)

صَرَت نظرة لو صادف جوز دارع * غداً والعواصي من دم الجوف تنعر(1)

فإن جعل من «صَير» يكون بمعنى «أمِلهُنَّ إليك»، ويجب عند ذلك تقدير كلمة اقطعهن، لدلالة ظاهرة الكلام عليه، فيكون معنى الآية. أملهنّ إليك ، فقطِّعهُنَّ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً، مثل قوله: (اضرِب بعصاكَ البَحرَ فَانفَلَقَ)(2)، أي فضرب فانفلق .

وإن جعل من«صري»، تكون الكلمة متضمنة معنى الميل بقرينة تعدّيها بـ «إلى»، فيكون المعنى: اقطعهنّ متمايلات إليك، كتمايل كل طير إلى صاحبه .

وعلى كل تقدير، فالآيه تدل على أنّ إبراهيم قطّعهنّ وخلط أجزاءهنّ، ثم فرقها على الجبال، ثم دعاهن، فأتَينه سعيا.

ومن غريب التفسير، ماذكره صاحب المنارفقال في معنى الآيه ماحاصله: خذ أربعة من الطّير فضمها إليك، وآنسها بك، حتى تستأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك إذا دعوتها، فإن الطيور من أشّد الحيوانات استعداداً لذلك، ثم اجعل كل واحد منها على جبل، ثم ادعها، فانها تسرع إليك من غير أن يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها، كذلك أمرربك إذا أراد إحياء الموتى، يدعوهم لكلمة التكوين: «كونوا أحياء»، فيكونون أحياء، كما كان شأنه في بدء الخلقه في بدء الخلقه، ذلك إذ قال للسموات والأرض:(ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)(3) قال: والدليل على ذلك من الآية قوله تعالى:(فَصُرْهنَّ)، فإن معناه «أملهن»، أي «أوجد ميلاً بها، وأُنسها بك ويشهد به تعديته بإلى، فإنّ صار إذاتعدى بإلى كان بمعنى الإمالة»(4).


1 -معاني القرآن :ج 1ص 174. الشعر: «صَرَت نَظَرة»: أي قطعت نظرة، أي فعلت ذلك، والجوز وسط الشيء والعواصي جمع العاصيوهوالعِرق، ويقال نعرالعِرق: فار منه الدم .
2 -سورة الشعراء:الآية 63.
3 -سورة فصلت الآيه11.
4 -لاحظ تفسير المنار، ج3، ص 55 ـ 58 : وذكر وجوهاً في دعم هذه النظرية التّي نقلها عن أبي مسلم، وقد استحسنها في آخر كلامه وقال: «ولله درّ أبي مسلم، ما أدقّ فهمه وأشدّ استقلاله فيه».


(210)

يلاحظ عليه: إنّ ماذكره خلاف نصوص الآيه، فأنّ إبراهيم طلب من الله سبحانه أن يريه كيف يحيي الموتى أوّلاً، وأراد سبحانه بقرينة تخلل الفاء في قوله: (فخذ)، إجراء ذلك بيد إبراهيم ثانياً، ثم أمره سبحانه أن يجعل كل جزء منهنّ على جبل، لا كل واحد منهن عليه ثالثاً.

وهذه الوجوه تدعم صحة النظرية المعروفة في تفسير الآية. وأماتعدية (صرْهُنّ) بـ (إليك)، فقد عرفت الكلام فيه، وأنّه إن كان بمعنى الميل فالأمر بالتقطيع مقدّر، وإن كان بمعنى القطع، فالكلمة متضمنة لمعنى الميل.

على أنّه لوكان المراد ما اختاره من المعنى، لما احتاج إلى هذا التفصيل، بل يكفي في المقام إحالة إبراهيم إلى لاعبي الطيور، الذين يربون الطيور، حتى إذا استأنسوا بأصحابهنّ، يفرقونهنّ للطيران، ثم يد عونهنّ بالصفير والعلامات الخاصة، فيأتين سعياً.

ولعمرى،إنّ هذا التفسير يحطّ من عظمة القرآن، وجلالته، ويفتح الباب للملحدين في تأويل مادلّ عليه القرآن من معاجز وكرامات الأنبياء والرسل، ولقد أعرب الكاتب عن باعثه في آخركلامه بقوله: «وأمّا المتأخرون فهمّهم أن يكون في الكلام خصائص للأنبياء، من الخوارق الكونية، وإن كان المقام، مقام العلم والبيان والإخراج من الظلمات إلى النور، وهو أكبر الآيات، الخ »(1) .

وهذا يعرب عن أن المعاجز بنظره، تضاد العلم ولا تصلح للإخراج من الظلمات إلى النور، مع أنّه سبحانه أسماها بالبينات، وقال:(وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات )(2).

* * *


1 -المصدرالسابق،ص58.
2 -سورة الإسراء:الآيه 101. ولقد خرجنا في تفسير الآية عمّا اتبعناه من الإيجاز إيعازاً للباحث بما في المنار وأمثاله من الدعوات التّي لا تتفق مع مبادئ الإسلام، وسيلاحظ نظيره في الآية التالية .


(211)

2ـ احياء عزير

يحكي الذكر الحكيم أنّ رجلاً صالحاً مرّ على قرية خربة، وقد سقطت سقوفها، فتساءل في نفسه، كيف يحيي الله أهلها بعدما ماتوا؟، ولم يقل ذلك إنكاراً ولا تعجّباً ولا ارتياباً، ولكنه أحبّ أن يريه الله إحياءها مشاهدة، مثل قول إبراهيم الّذي تقدم، فأماته الله مائة سنة ثم أحياه، فسمع نداءً من السماء: «كم لبثت؟»، فقال: «لبثت يوماً أو بعض يوم»، لأنّ الله أماته في أول النهار، وأحياه بعد مائة سنة في آخرالنهار، فقال: يوماً، ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم. فجاءه النداء بل لبثت مائة سنة، فانظر إلى طعامك وشرابك لم تغيّره السنون، وقيل كان زاده عصيراً، وتيناًوعنباً، وهذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيّراً وفساداً فوجد العصير حلواً، والتين والعنب جنيان لم يتغيّرا، ثم أُمر بأن ينظر إلى حماره كيف تفرقت أجزاؤه وتبدّدت عظامه، فجعل الله سبحانه إحياءه آية للناس وحجة في البعث. ثم جمع الله عظام حماره وكساها لحماً وأحياه .

يقول سبحانه:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَ هِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَ شَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(1).

والإمعان في قوله سبحانه:(فأماته الله مائة عام)، يفيد أنه أماته سبحانه، ثم أحياه بعد تلك المدة.

كما أنّ الإمعان في قوله:(وانْظُر إلى العِظام) ، سواء أُريد منه عظام حماره أو غيره، يفيد أنّه سبحانه كساها لحماً ثم أحياه، فكان هناك إحياءٌ لميّتين .

وقد سلك صاحب المنار في تفسير الآية نفس المسلك السابق، فحملها على


1 -سورة البقرة: الآية 259.


(212)

انّ المراد من الإماتة هنا السّبات، وهوالنوم المستغرق الذي سمّاه الله سبحانه: وفاة، واستعان في تقريبه بأنّه قد ثبت في هذا الزّمان أنّ من الناس من تحفظ حياته زمناً طويلاً يكون فيه فاقد الحس والشعور، فلبث الرجل الّذي ضرب على سمعه مائة سنة، غير محال في نظرالعقل(1).

يلا حظ عليه: إنّ تفسيرالموت بالسّبات يحتاج إلى دليل، والظاهرمنه هوالإماتة الحقيقية.

وقياس المقام بأصحاب الكهف، قياس مع الفارق، حيث إنه سبحانه يصرّح هناك بالسّبات، ويقول:(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا)(2) ويقول: (وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَ هُمْ رُقُودٌ)(3)، بخلاف المقام.

على أنه لا يتطّرق في العظام التّي أنشزها، ثم كساها لحماًوأحياها. فلا مصير لمفسّر كلام الله من الإذعان بالغيب، والقدرة المطلقة لله جلّ وعلا.و محاولة تفسيرالمعاجز بما ثبت في العلوم، نوع انسحاب في الصراع مع الماديين المنكرين لكلّ ما لايتّفق مع أصول العلم الحديث .

3ـ إحياء قوم من بنى إسرائيل

ذكر المفسرون أنّ قوماً من بني إسرائيل فروا من الطاعون أو من الجهاد، لمّا رأوا أنّ الموت كثر فيهم، فأماتهم الله جميعاً، وأمات دوابهم. ثمّ أحياهم لمصالح مذكورة في الآية التالية، قال سبحانه:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)(4).


1 -المنار،ج 3،ص 50 .
2 -سورة الكهف: الآيه 11.
3 - سورة الكهف: الآية18.
4 -سورة البقرة:الآية243.


(213)

والرؤية في الآية بمعنى العلم،أي «ألم تعلم»، وذكر المفسّرون حول فرارهم من الموت، وكيفية إحيائهم، أُموراً، يرجع إليها في محلّها(1).

والآية كماتثبت وقوع إحياء الموتى، بعد إمكانه، تثبت إمكان الرجعة إلى الدنيا، على ما يتبنّاه الشيعة الإمامية، كماهوالحال أيضاً في إحياء عزير، وسيوافيك الكلام فيها بعد الفراغ من المعاد.

ومما يثير العجب ماذكره صاحب المنار حيث قال: «الآية مسوقة سوق المثل، والمراد بهم قومٌ هجم عليهم أُولو القوة والقدرة من أعدائهم لاستذلالهم واستخدامهم وبسط السلطة عليهم، فلم يدافعوا عن استقلالهم، وخرجوا من ديارهم وهم ألوف، لهم كثرة وعزة، حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا موت الخزي والجهل، والخزي موتٌ والعلم وإباء الضيم حياة، فهؤلاء ماتوا بالخزي، وتمكّن الأعداءمنهم، وبقوا أمواتاً ثم أحياهم بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحق فيهم فقاموا بحقوق أنفسهمواستقلوا في ذلك »(2).

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ الظاهر أنّ الآية تبيّن قصةً واحدة، وهي فرار قوم من الموت، فأماتهم الله، ثم أحياهم، لا بيان قصتين. بمعنى تشبيه من لم يدافعوا عن عزتهم، وغلبوا، وبقوا كذلك حتى نفث في روعهم روح النهضة، فقاموا للدفاع، بقوم فروا من الموت الحقيقي، فأماتهم الله موتاً حقيقياً، ثم أحياهم، ولو كانت الآية جارية مجرى المثل لوجب أن يكون هناك مشبّه ومشبّه به، مع أنّ الآية لاتحتمل ذلك .

ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه عندما يريد التمثيل بمضمون آية يأتي بلفظ «مثل»، ويقول (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً )(3); و(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ)(4); و(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ


1 -لاحظ مجمع البيان،ج1ص346ـ347.وغيره.
2 -المنار،ج3،ص458ـ459.
3 -سورة البقرة:الآية 17.
4 -سورة يونس: الآية 24.


(214)

أَسْفَاراً)(1).

وثانياً: لوكان المراد من الموت، مو ت الخزي، ومن الحياة، روح النهضة، للزم على الله سبحانه مدحهم وذكرهم بالخير، مع أنّه يذمّهم في ذيل الآية، فإن فيها:(إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)(2).

ثم إنّ صاحب المنار استعان في ردّ نظرية الجمهور، بقوله سبحانه:(لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى)(3) فلا حياة في هذه الدنيا إلا حياة واحدة (4).

ولكن عزب عنه أنّ ماجاءفي الآية يدل على سنّة الله تعالى في عموم الناس، وهذا لا يخالف اقتضاء مصالح معيّنة، أن يذوق البعض النادر منهم حياتين، وقد وافاك الكلام في ذلك عند البحث في الحياة البرزخية .

4 ـ إحياء قتيل بني إسرائيل

روى المفسرون أنّ رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له غنياً، ليرثه وأخفى قتله له، ورغب اليهود في معرفة قاتله، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا بعض القتيل ببعض البقرة، ليحيا ويخبر عن قاتله، وقد قاموا بذبح هذه البقرة بعد تساؤلات بينهم وبين موسى تكشف عن لجاجهم وعنا دهم. ثم ضربوا بعض القتيل بها، فقام حيّاً وأوداجه تشخب دماً، وقال: «قتلني فلان ابن عمي»، ثم قبض. يقول سبحانه :

(وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * .... * وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَ اللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ


1 - سورة الجمعة: الآية 5.
2 -سورة النمل: الآية 73.
3 -سورة الدخان:الآية56.
4 -المنار،ج 2،ص459.


(215)

الْمَوْتَى وَ يُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(1).

إنّه سبحانه وإن كان قادراً على إحيائه من دون ذبح البقرة، ولكنه أمرهم بذلك لأنّهم سألوا موسى أن يبيّن لهم حال القتيل وهم كانوا يعدّون القربان من أعظم القربات.

فأمرهم الله بتقديم هذه القربة تعليماً منه لكلّ من صعب عليه أمرمن الأُمور، أن يقدّم نوعاً من القرب قبل أن يسأل الله تعالى كشف ذلك عنه، ليكون أقرب إلى الإجابة، وإنما أمرهم بضرب بعض القتيل، ببعض البقرة، بعد أن جعل اختيار وقت الإحياء إليهم، ليعلموا أنّ الله سبحانه وتعالى قادرٌعلى إحياء الموتى في كل وقت من الأوقات، ومعنى قوله:(إضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى)، إنهم ضربوه فأُحيي، مثل قوله سبحانه:(اضرب بعصاك البحر فانفلق)، أي فضربه فانفلق، وقوله (كذلك يحيي الله)، يرادمنه تفهيم قوم موسى بأنّهم إذ عاينوا إحياء الميت، فليعلموا أنّ الله قادرعلى إحياء الموتى للحساب والجزاء.

هذا ما ذهب إليه الجمهور في تفسير الآية، وهو المتبادرمنها، وقد اتخذ صاحب المنار في تفسيرالآية موقفه السلبي في باب المعاجز والكرامات، فقال بعد ماذكر نظرية جمهور المفسرين:«والظاهر مما قدمناه أنّ ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل، إذاوجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله، ليعرف الجاني من غيره، فمن غسل يده(2)وفعل مارسم لذلك في الشريعة، برئ من الدم، ومن لم يفعل، تثبت عليه الجناية. ومعنى إحياء الموتى على هذا، حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس، أي يحييها بمثل هذه الأحكام. وهذا الإحياء على حد قوله تعالى:


1 -لاحظ سورة البقرة: الآيات 67ـ 73.
2 - لاحظ في كفية ذلك، العهد القديم سفرالتثنية: الأصحاح 21،ص211، ط دارالكتاب المقدس، وحاصله أنّهم يغسلون أيديهم في دم عجلة ويقولون: أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر.


(216)

(وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )(1) وقوله:(وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )(2)»(3).

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ هذا التفسير لا ينطبق على قوله:(فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها)، فإنّ معناه:اضربوا بعض النّفس المقتولة ببعض جسم البقرة، وأين هذا من غسل أيدي المتهمين في دم العجلة المقتولة، فهل غسل الأيدي في دمها عبارة عن ضرب المقتول ببعض البقرة؟!

وثانياً: إنّه سبحانه يقول:(كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته)، فالقصة تتضمن آية من آيات الله، ومعجزة من المعاجز، فهل في غسل الأيدي بدم العجلة ودرء التهمة عن المتهم،إراءة للآيات الإلهية.

وثالثاً: إنّ تفسير الآية بالاستناد إلى الإسرائيليات والمسيحيات، مسلك ضال في تفسير كتاب الله العزير، وليس اللجوء إليها إلا لأجل ما اتخذه صاحب المنار من موقف مسبق تجاه المعاجز وخوارق العادات، وإصراره على إرجاع عالم الغيب إلى الشهادة.

5 ـ إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى

ذكر المفسرون أنّ موسى ـ عليه السَّلام ـ اختار من قومه سبعين رجلاً حين خرج من الميقات ليكلمه الله سبحانه بحضرتهم، فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل لعدم وثوقهم بأنّ الله سبحانه يكلّمه، فلما حضروا الميقات، وسمعوا كلامه تعالى سألوا الرؤية، فأصابتهم الصاعقة فماتوا، ثم أحياهم الله تعالى (4)، يقول سبحانه:

(وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ


1 -سورة المائدة: الآية 32.
2 -سورة البقرة: الآية 179.
3 -لا حظ المنارج1، ص 345ـ350.
4 - مجمع البيان، ج2،ص 484.


(217)

الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1).

ويقول سبحانه:(وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ)(2).

والمتبادر من الآية هو إحياؤهم بعد الموت، والخطاب لليهود والمعاصرين للنبي باعتبار أسلافهم، ولا يفهم أي عربي صميم من جملة:(ثمّ بعثناكم من بعد مو تكم):سوى الإحياء بعد الإما تة.

وقد اتخذ صاحب المنار في تفسير الآية موقفه المعلوم من المعاجز، فذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النّسل. أي إنّه بعد ما وقع فيهم الموت بالصاعقة، وظنّ أن سينقرضون، بارك الله في نسلهم، ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التّي تمتع بها الأباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها(3) .

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ الظاهرمن قول موسى:(لوشئت أهلكتهم من قبل)، أنّه سبحانه أجاب دعوته، وأحياهم حتى يدفع عنه عادية اعتراض القوم بأنّه ذهب بهم إلى الميعاد، فأنّه ذهب بهم إلى الميعاد، فأهلكهم. وهذا لا يتم إلا إذا كان المراد هو إحياؤهم حقيقة .

وثانياً: إنّ الرجفة لم تأخذ إلا سبعين رجلاً من قومه، فليس في إهلاكهم مظنة انقراض نسلهم .

وعلى كل تقدير فالباعث لصاحب المنار على تفسيره، هو جنوحه إلى إنكار المغيبات، وتطبيق ماورد في الذكر الحكيم على العالم الحسّي التجريبي.

6 ـ المسيح يحيي الموتى

إنّ الكتاب الحكيم يذكر في غيرمورد، إحياء المسيح للموتى. قال تعالى


1 -سورة البقرة: الآيتان 55 ـ 56.
2 - سورة الأعراف: الآية 155.
3 - تفسير المنار،ج1،ص 322.


(218)

حاكياً عنه (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَ أُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ وَ أُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ )(1).

وقال تعالى: (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ... وَ تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)(2).

وقد تضافر في التاريخ والإنجيل والحديث، قيام المسيح بإحياء الموتى مرات عديدة، بحيث صار المسيح علماً وسمة لإحياء الموتى، وعلاج الأمراض المستعصية .

7 ـ إيقاظ أصحاب الكهف

روى المفسرون أنّ فتيةً من قوم آمنوا بالله تعالى وكانوا يخفون إيمانهم خوفاً من ملكهم، الّذي كان يعبد الأصنام ويدعو إليها، ويقتل من خالفه، والفتية كانوا على دين المسيح، وكان كل واحد منهم يكتم إيمانه عن صاحبه. ثم اتفق أنّهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم لبعضهم، ولجأوا إلى كهف فضرب سبحانه على آذانهم، فناموا في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم. يقول سبحانه:

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَىِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا )(3).

والمراد من الضرب على الآذان هو إنامتهم، لا سلب حياتهم، كمايقول سبحانه:(وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَ هُمْ رُقُودٌ)(4).


1 -سورة آل عمران: الآية49.
2 -سورة المائدة :الآية110.
3 - سورة الكهف :الآيات 10ـ12.
4 -سورة الكهف :الآية 18.


(219)

فإنامة الله سبحانه هؤلاء الفتية هذه المدّة المديدة،ثم إيقاظهم، لا يقصر عن الإماتة والإحياء، والقادر عليه قادر على إحياء الموتى .

* * *

هذه النماذج المحسوسة من إحياء الموتى، إذا انضمت إلى البراهين الناصعة الدالة على إمكان إحياء الموتى، من طريق سعة قدرته سبحانه، توجب القطع بإمكان المعاد، وجمع العباد بعد موتهم، للحساب والجزاء .

* * *


(220)

مباحث المعاد

(6)

الموت نافذة إلى حياة جديدة

الموت آخر مرحلة من مراحل الحياة الدنيوية، وأوّل مرحلة من الحياة الأُخروية. ولأجل التعرف على ماورد حوله من الآيات، نبحث عن الأُمور التالية:

1ـ الموت في اللغة والقرآن .

2ـ هل الموت أمرٌ عدمي أو وجودي ؟

3ـ الموت سنّة من سنن الله العامة.

4ـ لماذا يستوحش الإنسان من الموت ؟

5ـ الموت وأقسامه في القرآن .

6 ـ الموت والأجل المسمّى .

7 ـ الإنابة حال الموت .

8 ـ الوصية عند الموت .

9 ـ جهل الناس بأوان موتهم .

10 ـ الموت والملائكة الموكّلون بقبض الأرواح .

وفيما يلي نبحث عن كل واحد منها.

* * *


(221)

الأمر الأوّل ـ «الموت» في اللغة والقرآن

قال في المقاييس: «الموت، أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه: الموت خلاف الحياة»(1) . وهذا هو الأصل في استعماله، فلو أطلق لفظ الموت على إطفاء النار، وخروج الأرض من قابلية الزرع والاستصلاح، أو على النوم، فالكل يرجع إلى ذلك الأصل.

قال في اللسان: «الموت يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة، فمنها ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات، كقوله تعالى: (يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)(2).

ومنها زوال القوة الحسّية، كقوله تعالى ـ حاكياً قول مريم ـ عليها السَّلام ـ (يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا)(3).

ومنها زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة، كقوله تعالى: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)(4)، و(إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى)(5).

ومنها الحزن والخوف المكدر للحياة، كقوله تعالى:(وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَ مَا هُوَ بِمَيِّت )(6).

وقد يستعارالموت للأحوال الشّاقة، كالفقر والذّلّ، والسؤال والهرم، والمعصية».(7) فالاستعمال في الجميع بأصل واحد.

وقد استعمل القرآن لفظ الموت ـ كما عرفت ـ في موارد، بهذا الملاك، مثلاً يقول:(وَ آيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ)(8). ويقول في الأصنام(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء )(9) ويطلقه على المراحل المتقدمة من خلق الإنسان، فيقول:(وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ)(10). فترى في الجميع نوع ذهاب وزوال، إمّا للطاقة كما في


1 -مقاييس اللغة، ج5،ص 283.
2 -سورة الروم: الآية 50.
3 -سورة مريم: الآية 23.
4 -سوة الأنعام: الآية 122.
5 -سوة النمل: الآية 80.
6 -سورة إبراهيم:الآية 17.
7 -لسان العرب، ج2،ص 92. لاحظ بقية كلامه .
8 -سورة يس:الآية33.
9 -سورة النحل:الآية 21.
10 -سورة البقرة: الآية 28.


(222)

الأرض، أو للقدرة على الحركة والتكلم، كما في الأصنام، وغيرذلك .

الأمر الثانى ـ هل الموت أمر عدمي؟

إن ملاحظة المعنى اللغوي، والاستعمال القرآني للفظ الموت، يفيد أنّ الموت أمرٌ عدمى، ولكنه من زاوية أُخرى، ليس أمراً عدمياً في موت الإنسان، وذلك لو فسّر الموت بقبض الملائكة الطاقات الحسية الموجودة في الإنسان، فإنّه أمرٌ وجوديٌ، وإن كانت النتيجة أمراً عدمياً.

ويمكن جعله أيضاً من الأمور الوجودية ـ في الإنسان، بمعنىً آخر، وهو أنّ الموت نافذة على الحياة الجديدة، وانتقال من منزل إلى منزل، وإلى ذلك لمحات في كلام الأئمة الأطهار من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله .

يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ: «أيّها الناس، إنّا خلقنا وإيّاكم للبقاء، لا للفناء لكنكم من دار إلى دار تنقلون (1).

ويقول سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ مخاطباً أنصاره يوم عاشوراء ـ : «صبراً بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء الى الجنان الواسعة، والنعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟»(2).

ويمكن جعله أمراً وجودياً أيضاً، ببيان ثالث، وهو أنّ الموت حّد الحياة الدنيوية، وجدارها الذي إليه تنتهي.

أضف إلى ذلك أنّ الموت ربما يوصف بكونه أمراً عدمياً اذا نسب إلى الجسم، وأمّا إذا نسب إلى الروح فلا يمكن تفسيره إلاّ بأمر وجودي، وهو انتقالها من مرحلة إلى مرحلة.


1 -الإرشاد، للشيخ المفيد،ص 127.
2 -معاني الأخبار، للصدوق، ص 289.


(223)

ولعلّه ـ لأحد هذه الوجوه ـ تعلق به الخلق في قوله سبحانه:(الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ)(1)؟.

والتقدير في قوله سبحانه ـ في تقدير حياة الإنسان ـ :(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)(2).

الأمر الثالث ـ الموت سنة عامة في الخلق

إن قوانين الديناميكا الحرارية تدلّ على أنّ مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً، وأنّها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة البالغة الانخفاض (3). فيومئذ تنعدم وتستحيل الحياة، وهذا ماكشف عنه العلم الحديث.

والقرآن يصف الموت سنة إلهية عامة، فيقول في الإنسان:(أَيْنَ مَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة)(4).

ويقول:(كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)(5) ويقول:(وَ مَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَئِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)(6).

ويقول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ: «ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلّماً، أو لدفع الموت سبيلاً، لكان ذلك سليمان بن داود ـ عليه السَّلام ـ، الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس»(7) .


1 -سورة الملك :الآية 2.
2 -سورة الواقعة :الآية60.
3 -وهي الصفر المطلق .
4 -سورة النساء:الآية 78.
5 -سورة آل عمران: الآية 185 .
6 -سورة الأنبياء :الآية34. ولاحظ الآيات التالية:آل عمران:الآية 15، الأحزاب:الآية60، الزمر: الآية16، الواقعة:الآية8، الجمعة: الآية 8، وغير ذلك.
7 -نهج البلاغة، الخطبة 182.


(224)

وهناك آيات تدلّ على أنّ انهدام النظام أمر حتمي يوم القيامة، وهو موته وسيجيء الكلام فيه في المباحث الآتية.

الأمر الرابع ـ لماذا يستوحش الإنسان من الموت؟

إنّ للإنسان علاقة شديدة بالبقاء، وهي ميل طبيعي يحسّه بفطرته. وبما أنّ الموت يضادّ تلك النغمة الفطرية، فيجزع الإنسان العادي غير العارف بحقيقة الموت .

وعلى كل تقدير، فالناس في الحياة الدنيا على قسمين: قسم يستوحش من الموت، ويتصوره شبحاً مخيفاً، يريد أن يقطع أنياط قلبه ويفترس حياته، وهؤلاء بين من يرى الموت آخر الحياة ونفادها، ويتخيّلون أنّ الموت إبطال لذواتهم وشخصياتهم، ومن يعتقد أنّ الموت نافذة للحياة الأُخرى، من دون أن يستعدوا لتلك المرحلة بصالح الأعمال، بل أثقلوا كواهلهم بالمعاصي والذنوب، فالموت عندهم سمّ يتجرعونه .

يقول سبحانه تنديداً باليهود:(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)(1).

وقسم آخر، يشتاقون إلى الموت ويتلقونه بصدور رحبة، ووجوه مشرقة، لأنّهم يرونه انتقالاً من حياة مرّة إلى حياة حلوة، وهؤلاء هم الأنبياء والأولياء.

يقول الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ: «ولولا الأجل الّذي كتب عليهم، لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب، وخوفاً من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم».


1 -سورة البقرة: الآيتان 94ـ95، ولاحظ الجمعة:الآيتان 7ـ8.


(225)

الأمر الخامس ـ الموت وأقسامه

ينقسم الموت إلى أقسام نأتي بها فيما يلي:

أـ الموت السهل والموت العسير

لا شكّ أنّ الإنتقال من مرحلة إلى مرحلة أُخرى، لا يخلو من مشقة، حتى أنّ الطفل عندما ينتقل من عالم الأجنّة إلى عالم الشهود، يتحمل جهداً ومشقة بالغين. وللإ نسان في إطار حياته في النشأتين مراحل حسّاسة تعدّ كلٌّ منها منعطفاً في مسيرته الوجودية، وهي: مرحلة التّولّد، ومرحلة الموت، ومرحلة البعث، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه:(وَ سَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)(1).

فالموت أحد هذه الحلقات الرئيسية في وجود الإنسان، فهو لا يخلو بطبعه من مشقة وعسر، ولكن لو غضّ البصر عنه، فالموت حسب القرآن ينقسم إلى موت سهل وموت عسير:

الأوّل لصلحاء المؤمنين، والثاني للعصاة والكافرين .

يقول سبحانه:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(2).

ويقول سبحانه:(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً)(3).

ويقول سبحانه في العصاة والظالمين: (وَ جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)(4).


1 -سورة مريم: الآية15، ولاحظ مريم: الآية 33.
2 -سورة النحل: الآية 32.
3 -سورة الفجر: الآيتان 27 ـ 28.
4 -سورةق :الآية 19.


(226)

ويقول سبحانه:(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبَارَهُمْ)(1).

وفي الروايات الإسلامية أخبار كثيرة فيما قدمنا(2).

ب ـ موت البدن وموت القلب

وهناك تقسيم آخر للموت حسب متعلقه، وهو أنّه تارة ينسب إلى الجسم والبدن، وأُخرى إلى القلب ومراكز الإدراك، والأول هو الموت الطبيعي، والثاني من شؤون بعض الأحياء، إذا حلّ الكفر محلّ الإيمان، والجهل مكان العلم في قلوبهم، فهؤلاء أموات بهذا النظر، وإن كانوا أحياء ماديين يأكلون ويشربون ويتحركون، يقول سبحانه:(إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَ لاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)(3) ويقول:(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا)(4).

ولا يختص الموت بهذه الطغمة الظالمة، بل يعمّ المتخاذلين المستبطئين في الدفاع عن عزّهم وكيانهم، ليعيشوا أياماً أو أعواماً صاغرين، فهؤلاء أموات في منطق الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ، كما أنّ المتفانين في حفظ عزّتهم وكرامتهم أحياء، وإن تضرّجوا بدمائهم في سوح الجهاد، يقول ـ عليه السَّلام ـ:«فالموت، في حياتكم مقهورين والحياة، في موتكم قاهرين »(5).

كما أنّ من لا يحسّ بالمسؤولية أمام المجتمع، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعامة مراتبهما، ميّت الأحياء، يقول علي ـ عليه السَّلام ـ: «ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه، وقلبه ويده، فذلك ميّت الأحياء»(6).


1 -سورة محمد: الآية 27.
2 -لاحظ بحارالأنوار،ج6 ص 122ـ154.
3 -سورة النمل :الآية 80.
4 -سورة الأنعام:الآية 122. ولاحظ الروم:الآية 51 ـ52.
5 -نهج البلاغة الخطبة51.
6 -نهج البلاغة، قسم الحكم، الرقم:374.


(227)

ج ـ موت الفرد والمجتمع

إنّ للفرد شؤوناً من أوج وحضيض، ورقىّ وهبوط، وموت وحياة، كما أنّ للمجتمع نفس تلك الشؤون، حرفاً بحرف .

مثلا :إنّ الثورة نواة تنبت وتشتد وتستوي وتأخذ لنفسها حالة الهجوم والاندفاع، ولا تبرح على تلك السّمة حتى تنتقل إلى حالة أُخرى، تأخذ لنفسها حالة الدفاع، وردّ السّهام الموجهة إليها. ولن تبرح على تلك الحالة حتى ينجرّ أمرها إلى الانكسار والإنقراض .

ونظير ذلك جميع الحضارات البشرية، والمناهج الاقتصادية والسياسية والإنسانية، فلكلٍّ منها حالات ثلاث :هجوم، دفاع، خمود.

فكما أنّ لكل فرد حياةً وموتاً وأجلاً حسب القرآن، كذلك إنّ للمجتمع حياةً وموتاً وأجلاً.

يقول سبحانه:(وَ لِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(1).

ويعود القرآن ليبين، عامل تدمير الحضارات والمجتمعات والأنظمة البشرية، ويركز منها على الظلم بالأخص، وعلى الإتراف ثانياً، فالظلم خروج عن الحدّ الوسط، والإتراف هو الانهماك في المعاصي، وكلاهما يعجل في هلاك المجتمع واندثاره .

يقول سبحانه:(وَ مَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)(2). ويقول أيضاً: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا (بالطاعة) فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)(3).

ويقول سبحانه:(وَ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوح وَ كَفَى بِرَبِّكَ


1 -سورة الأعراف: الآية 34. ولاحظ سورة يونس: الآية 49.
2 -سورة هود: الآية 117.
3 -سورة الإسراء:الآية 16.


(228)

بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)(1).

والإمعان في هذه الآية يفيد أنّ الظلم والفسق والذنوب، مدمرات للمجتمع (2).

د ـ موت العزّ وموت الهوان

ينقسم الموت إلى موت عزٍّ وموت هوان، فالفادون أنفسهم في طريق نشر القسط والعدل والعلم وسائر المبادئ الإلهية يموتون موت عزّ وشرف، والذين يقاتلون في سبيل الطاغوت ونشر الشّر والجهل والفساد، لغاية نيل أجور ضئيلة ومناصب مؤقتة، يموتون موت الهوان والذلّ والعار.

يقول سبحانه:(وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ)(3).

ويقول سبحانه فيمن خرج طالباً للعلم والإيمان:(وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ)(4).

الأمر السادس ـ الموتُ والأجل المُسَمّى:

يقسم القرآن الأجل، واجل مسمى، وبيانه :

إنّ لكل نوع من أنواع الموجودات الحيّة، بل مطلق الموجورات، قابلية خاصة لإدامة الحياة والوجود. ومن هذا، مايقال إنّ العمر الطبيعي للإنسان هو


1 -سورة الإسراء: الآية 17.
2 -وأما ما هي الصلة بين هذه العوامل وتدمير المجتمع وانحلاله، فهو يحتاج إلى بيان خارج عن موضوع الكتاب، غير أنّا نقول إجمالاً: إنّ بين هذه العوامل وإهلاك المجتمع، رابطة مادية وطبيعية، وفي الوقت نفسه رابطة إلهية، فالوقوف على العلل المادية لا يغني عن الإذعان بأنّ هناك رابطة غيبية بين هذه العلل ومعلولها.
3 -سورة البقرة:الآية 154. ولاحظ سورة آل عمران :الآية169.
4 -سورة النساء:الآية 100، ولاحظ سورة الحج الآية 58.


(229)

مائة وعشرون سنة، فالإنسان ـ بما هو إنسان - قابل لأن يعيش هذا المقدار من الزّمن. وفي ضوء ذلك، لكلّ إنسان «أجل»، بهذا المعنى، ولكنه ليس أجلاً حتمياً وقطعياً، بل قد ينقص عنه أويزيد عليه لعوامل خاصة في حياته، فربّ إنسان يموت في العقد الخامس أو السادس من عمره، وهو أجل حتمي ومسمّى له، مع أنّ الأجل المطلق كان أزيد منه. وربّ إنسان يعيش أزيد من هذا الحدّ الطبيعي، ويموت في العقد الخامس عشر من عمره، وهو أجل حتميٌّ ومسمّى له، وإن كان الأجل المطلق أنقص منه .

والأجل المطلق يعرفه غيره سبحانه، ولكنّ الأجل الحتمي عنده، فهو الّذي يعرف الحدّ الّذي تقف فيه حياة كل أنسان، ولا تتجاوزه قطعاً، يقول سبحانه:(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)(1).

الأمر السابع ـ الإنابة عند الموت

قد عرفت أنّ قسماً من النّاس يخافون من الموت لما علموا من أنّ كواهلهم مثقلة بعظائم الذنوب، أو لاعتقادهم بأنّه خاتمة المطاف في الحياة البشرية. والصنف الأوّل، إذا فوجئوا بالموت، يلجأون إلى التوبة والإنابة، ويندمون، ولكن لات حين مندم، فإنّهم قد ضيّعوا الفرص، والتوبة إنّما تقبل إذا كان الإنسان ذا مقدرة على الفعل والترك والطاعة والعصيان، فيرجّح باختياره الانقياد، على المخالفة، وهذا من تقبل توبته، لأنّ الإنابة في هذا المقام، تكشف عن تحول روحي، وثورة نفسانية على المعصية والتمرد والتجرّي، وأمّا إذا وصل الأنسان في مدارج حياته إلى نقطة ليس أمامه إلاّ طريق واحد، وهو ترك التمرّد،


1 - سورة الأنعام: الآية2 وبما أنّ الكلام فيه قد سبق في الجزء الثاني من هذا الكتاب «الإلهيات»،ص 242ـ246، فقد اكتفينا بهذا المقدار.


(230)

لفقدان القوة والطاقة، فلا تقبل التوبة عند ذاك، لأنّها لا تكشف عن انقلاب روحي نحو الكمال، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه:

(وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ)(1).

وقد ندم طاغية مصر، فرعون، عندما وافاه الغرق، وأحس بالعجز عن استمراره بالعصيان فأسلم، وقال:(آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(2).

وقد كان الطغاة من الأُمم السالفة على هذا النمط، فلا يلجأون إلى الإنابة إلاّ بعدما يروا بأس الله تعالى، يقول سبحانه:

(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)(3).

يقول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ:« فهو يعضّ يده ندامةً على ما أصحرله عند الموت من أمره »(4).

الأمر الثامن ـ الوصية عند الموت

لا ينبغي لا مرئ مسلم أنّ يبيت ليلةً إلاّ ووصيته تحت رأسه (5).

ومع ذلك ربما يترك الإنسان هذه الفريضة، فله الإيصاء حال الموت .

يقول سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا


1 -سورة النساء:الآية 18.
2 -سورة يونس :الآيتان 90 ـ 91.
3 -سورة غافر: الآيتان: 84 ـ 85.
4 -نهج البلاغة، الخطبة 109.
5 -وسائل الشيعة، ج13، كتاب الوصايا، الباب الأول، الحديث 7.


(231)

الْوَصِيَّةُ)(1) والمراد من الخير هوالمال .

ويقول سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ...)(2).

الأمرالتاسع ـ جهل الناس بأوان موتهم

اقتضت الحكمة الإلهية جهل الناس بزمان ومكان موتهم، وذلك لوجهين :

أ ـ لو علم الإنسان بزمن موته، فربما يفشل في العمل قبل أن يحلّ أجله، فأنّ العامل الباعث إلى العمل والنشاط في الحياة، هو الأمل، فالأمل رحمة، ولولاه لما أرضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجرة(3).

ب ـ إنّ لجهل الإنسان بأوان موته ومكانه، تأثيراً تربوياً، فإنّه لوعلم بأنّه سيموت بعد عام أو أشهر، فترك التمرّد والتجري، فلا يعد ذلك كمالاً روحياً وثورة للفضائل على الرذائل، وهذا بخلاف ما إذا سلك طريق الطاعة، وترك المعصية، وهو يرجو العيش أعواماً طويلة، فانّه يكشف عن كمال روحي، يدفعه نحو الفضائل، يقول سبحانه: (وَ مَا تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ)(4).

الأمرالعاشر ـ الملائكة الموكّلون بقبض الأرواح .

قد عرفت أنّ الخلق والتدبير من شؤونه سبحانه، فهوالقائل عزّ وجلّ:


1 -سورة البقرة: الآية 80 .
2 - سورة المائدة: الآية 106 .
3 - سفينة البحار، مادة:«أمل» .
4 - سورة لقمان، الآية34، وها هنا وجه ثالث وهوأنّ علم الإنسان بزمن موته يشجّعه على الفجور والعصيان متكلاً على التوبة والإنابة قبل مدّة من حلول أجله .


(232)

(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1). غير أنّ كونه مدبّراً لا ينافي أن يكون هناك أسبابٌ غيبيّة أو طبيعية لقبض الأرواح فأنّه أيضاً من شؤون التدبير. فتوفي الأنفس وأخذها، فعلٌ لله سبحانه، وفي الوقت نفسه فعلٌ لملائكته، يقول سبحانه:(اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(2).

وفي الوقت نفسه ينسبه إلى الملائكة، ويقول:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ)(3).

وفي موضع ثالث ينسبه إلى ملك الموت، ويقول (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ)(4).

والنّسب كلّها صحيحة، أخذاً بما ذكرناه في أقسام التوحيد من أنّ شيئاً واحداً يكون فعلاً لله سبحانه، وفي الوقت نفسه فعلاً لعباده، وقد تقدّم ذلك مفصّلاً.

* * *


1 -سورة الأعراف:الآية 54 .
2 - سورة الزمر: الآية 42 .
3 - سورة النحل الآية 28، والآية 32 منها .
4 - سورة السجدة: الآية 11 .


(233)

مباحث المعاد

(7)

الحياة البرزخية

البرزخ هو المنزل الأول للإنسان بعد مفارقة الدنيا بالموت، وتحقيق الحال يتوقف على تبيين معنى البرزخ، وإثبات الحياة في تلك النشأة التّي هي قبل البعث يوم القيامة.

قال ابن فارس في المقاييس: «البرزخ: الحائل بين الشيئين، كأنّ بينهما برازاً أي متسعاً من الأرض، ثم صاركل حائل برزخاً فالخاء زائدة لما ذكرنا»(1).

ويقول إبن منظورفي اللسان:« البرزخ :مابين شيئين. وفي الصحاح الحاجز بين شيئين. والبرزخ مابين الدنيا والآخرة: قبل الحشر من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البرزخ (2).

هذا معنى البرزخ وبه يفسرقوله سبحانه:(وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(3). والوراء في الآية بمعنى الأمام كمافي قوله سبحانه:(وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْباً)(4).


1 -المقاييس، ج 1، ص 333 .
2 - لسان العرب، ج3، مادة برزخ،ص 8.
3 -سورة المؤمنون :الآية 100 .
4 -سورة الكهف: الآية،79 .


(234)

والآية لا تفيد أزيد من وجود الفاصل، والحاجز بين الدنيا والقيامة، مثل قوله سبحانه:(بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ)(1). ولا تدل على وجود حياة في هذ الفصل .

نعم، هناك آيات يستفاد منها وجود حياة واقعية للإنسان في تلك النشأة، نذكرمنها مايلي:

1 ـ قال تعالى:(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل)(2)؟.

وهذه الآية تحكي عن تحقيق إحياءين وإماتتين إلى يوم البعث، وقد اختلف المفسّرون في تفسيرهما، والمروي عن ابن عباس أنّ الإماتة الأولى، حال كونهم نطفاً، فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة الثانية، ثم أحياهم للبعث، فهذان إحياءان وإماتتان ونظيره قوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(3).

يلاحظ عليه: إنّ الآية الثانية ليست نظير الآية الأُولى حتى تفسّر بها، فإنّ الآية الثانية، تصف الناس بكونهم أمواتاً، وهو ينطبق على الإماتة في حال كون الإنسان نطفة أوقبل ذلك، بخلاف الآية الأُولى فإنها تحكي عن إماتة الإنسان، والفرق بين الموت والإماتة واضح، فالأحوال المتقدمة على النطفة، ونفسها، توصف بالموت، دون الإماتة. فلأجل ذلك لا يصح تفسير الإماتة بماجاء في هذالقول.

والظاهر أنّ المراد هو مايلي:

الإماتة الأُولى هي الإماتة عن الحياة الدنيا.

والإحياء الأوّل هوالإحياء في البرزخ، وتستمر هذه الحياة إلى نفخ الصور الأوّل.


1 -سورة الرحمن: الآية 20.
2 -سورة غافر:الآية 11 .
3 - سورة البقرة: الآية 28.


(235)

والإماتة الثانية، عند نفخ الصور الأوّل يقول سبحانه:(وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ)(1).

والإحياء الثاني، عند نفخ الصور الثاني، يقول سبحانه:(وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)(2).

وتعدد نفخ الصور يستفاد من الآيتين، فيترتب على الأول هلاك من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاءالله، وعلى الثاني قيام الناس من أجداثهم، وفي أمر النفخ الثاني يقول سبحانه: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا)(3).

ويقول سبحانه:(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَ لاَ يَتَسَاءَلُونَ)(4). واختلاف الآثار يدل على تعدد النفخ .

وعلى ضوء هذا فللإنسان حياة بعد الإماتة من الحياة الدنيا، وهي حياة برزخية متوسطة بين النشأتين .

2ـ قوله سبحانه:(مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا)(5).

وهذه الآية تدل على أنهم دخلوا النار بعد الغرق بلا فصل للفاء في قوله:(فأدخلوا). ولو كان المراد هونار يوم القيامة لكان اللازم الإتيان بـ «ثم» أوّلاً، وارتكاب التأويل في قوله(فأدخلوا)، حيث وضع الماضي مكان المستقبل لأجل كونه محقّق الوقوع، وهو خلاف الظاهر، ثانياً.

3 ـ قوله سبحانه:(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ


1 -سورة الزمر:الآية 68 .
2 -سورة يس: الآية 51 .
3 -سورة الكهف:الآية99.
4 -سورة المؤمنون:الآية 101.
5 -سورة نوح: الآية 25.


(236)

السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)(1).

وهذه الآية تحكي عرض آل فرعون على النار صباحاً ومساءً، قبل يوم القيامة، بشهادة قوله بعد العرض:(ويوم تقوم السّاعة). ولأجل ذلك، عبّر عن العذاب الأول بالعرض على النار، وعن العذاب في الآخرة، بإدخال آل فرعون أشدّ العذاب، حاكياً عن كون العذاب في البرزخ، أخفّ وطأً من عذاب يوم الساعة.

نعم، هناك آيات تدلّ على حياة الإنسان في هذا الحدّ الفاصل بين الدنيا والبعث، حياة تناسب هذا الظرف، تقدّم ذكرها عند البحث عن تجرّد النفس، ونكتفي هنا بهذا المقدار، حذراً من الإطالة.

وأمّا من السنة، فنكتفي بماجاء عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ، عندما سئل عن أرواح المؤمنين؟ فقال: «في حجرات في الجنة، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون ربّنا أتمم لنا الساعة وأنجز ما وعدتنا».

وسئل عن أرواح المشركين، فقال:« في النار يعذّبون، يقولون لا تقم لنا الساعة، ولا تنجزلنا ماوعدتنا»(2).

السؤال في القبر وعذابه ونعيمه

إذاكانت الحياة البرزخية هي المرحلة الأُولى من الحياة بعد الدنيا، يظهر لنا أنّ ما اتّفق عليه المسلمون من سؤال الميت في قبره، وعذابه إن كان طالحاً وإنعامه إن كان مؤمناً صالحاً، صحيحٌ لا غبار عليه، وأنّ الإنسان الحي في البرزخ مسؤول عن أُمور، ثم معذّب أو منعّم .

قال الصدوق في عقائده: «اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حقّ لابدّ منها، ومن أجاب الصواب، فاز برَوح وريحان في قبره، وبجنة النعيم في الآخرة، ومن


1 -سورة غافر:الآية 46.
2 -البحار،ج6، باب أحوال البرزخ،ص169، الحديث 122، وص 270، الحديث 126.


(237)

لم يجب بالصواب، فله نزل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة»(1).

وقال الشيخ المفيد: «جاءت الآثار الصحيحة عن النبي أنّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم، وألفاظ الأخبار بذلك متقاربة، فمنها أنّ ملكين لله تعالى، يقال لهما ناكر ونكير، ينزلان على الميت فيسألانه عن ربّه ونبيّه ودينه وإمامه، فإن أجاب بالحق، سلّموه إلى ملائكة النعيم، وإن ارتج سلّموه إلى ملائكة العذاب. وفي بعض الروايات أن اسمي الملكين اللّذين ينزلان على الكافر، ناكر ونكير، واسمى الملكين الذين ينزلان على المؤمن مبشّر وبشير». إلى أن قال :

«وليس ينزل الملكان إلا على حي، ولا يسألان إلا من يفهم المساءلة ويعرف معناها، وهذا يدلّ على أن الله تعالى يحيي العبد بعد موته للمساءلة، ويديم حياته لنعيم إن كان يستحقه، أو لعذاب إن كان يستحقه (2).

وقال المحقق الطوسي، في التجريد «وعذاب القبر واقع، للإمكان، وتواترالسمع بوقوعه».

وقال العلامة الحلي في شرحه: «نقل عن ضرار أنّه أنكر عذاب القبر، والإجماع على خلافه »(3).

والظاهر اتّفاق المسلمين على ذلك، يقول أحمد بن حنبل: «وعذاب القبرحق، يسأل العبد عن دينه وعن ربه، ويرى مقعده من النار والجنة، ومنكر ونكير حق »(4).

وقد نسب إلى المعتزلة إنكار عذاب القبر، والنسبة في غير محلها، وإنّما المنكر واحدٌ منهم، هو ضرار بن عمرو، كماتقدم، وقد تاب عن الاعتزال ولحق بالمجبرة،قال القاضي عبد الجبار في فصل عذاب القبر: «وجملة ذلك أنه لا


1 - عقائد الصدوق،ص 81، من الطبعة الحجرية الملحقة بشرح الباب الحادي عشر.
2 - شرح عقائد الصدوق: ص 45 ـ 46 .
3 -كشف المراد،ص266،طـ صيدا، ولاحظ إرشاد الطالبين،ص 425.
4 -السنة، لأحمد بن حنبل، ص 47، ولاحظ الإبانة للأ شعري،ص 27.


(238)

خلاف فيه بين الأُمّة إلاّ شيء يحكى عن ضرار بن عمرو، وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة، ولا يقرّون به»، ثم استدلّ بآيات على حياة الإنسان في البرزخ. (1)

هذا كلّه ممّا لاريب فيه، إنّما الكلام فيما هو المراد هنا من القبر، والإمعان في الآيات الماضية التّي استدللنا بها على الحياة البرزخية، والروايات الواردة حول البرزخ، يعرب بوضوح عن أنّ المراد من القبر، ليس هو القبر المادي الّذي يدفن فيه الإنسان، ولا يتجاوز جثّته في السّعة، وإنّما المراد منه هو النشأة التّي يعيش فيها الإنسان، بعد الموت وقبل البعث، وإنّما كنّى بالقبر عنها، لأنّ النزول إلى القبر يلازم أو يكون بدءاً لوقوع الإنسان فيها.

والظاهر من الروايات تعلّق الروح بأبدان تماثل الأبدان الدنيوية، لكن بلطافة تناسب الحياة في تلك النشأة، وليس التعلق بها ملازماً لتجويز التناسخ، لأنّ المراد من التناسخ هو رجوع الشيء من الفعلية إلى القوة، أعني عودة الروح إلى الدنيا عن طريق النطفة فالعلقة، فالمضغة إلى أن تصير إنساناً كاملاً، وهذا منفى عقلاً وشرعاً، كما سيوافيك. ولا يلزم هذا في تعلّقها ببدن ألطف من البدن المادي، في النشأة الثانية .

قال الشيخ البهائي: « قد يتوهم أنّ القول بتعلق الأرواح، بعد مفارقة أبدانها العنصرية، بأشباح أُخر - كما دلّت عليه الأحاديث - قولٌ بالتناسخ، وهذا توهّمٌ سخيف، لأنّ التناسخ الّذي أطبق المسلمون على بطلانه، هو تعلّق الأرواح بعد خراب أجسادها، بأجسام أُخر في هذا العالم، وأمّا القول بتعلّقها في عالم آخر، بأبدان مثالية، مدّة البرزخ، إلى أن تقوم قيامتها الكبرى، فتعود إلى أبدانها الأولية بإذن مبدعها فليس من التناسخ في شيء»(2).

قال الرازي: «إنّ المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردّها إلى الأبدان،


1 - شرح الأُصول الخمسة، ص 730 .
2 -البحار،ج1،ص277.


(239)

لا في هذا العالم، والتناسخية يقولون بقدمها، وردّها إليها، في هذا العالم، وينكرون الآخرة والجنة والنار، وإنّما كفّروا من أجل هذا الإنكار»(1).

نَفْخُ الصّور

إنّ الإنسان الّذي يعيش في هذا الكوكب، بالنسبة إلى المعارف الغيبية، كالجنين في بطن أمّه، فلو قيل له إنّ وراء الرحم أنجماً وكواكب وشموساً وأقماراً، وبحاراً ومحيطات، لايفقه منها شيئاً، لأنّها حقائق خارجة عن عالمه الضيّق، والإنسان المادّي القاطن في هذا الكوكب لايفقه الحقائق الغيبية الموجودة وراء هذا العالم، فلأجل ذلك لا مناص له من الإيمان المجرّد من دون تعمق في حقيقتها، وهذا أصل مفيد جداً في باب المعاد، وعلى ذلك تبتني مسألة نفخ الصور، فماهوالمراد من الصور، أهو شيء يشابه البوق المتعارف، أو شيء غيره؟ وماهو المراد من النفخ؟ لامناص لنا من الاعتقاد بوجوده وتحققه، وإن لم نتمكن من التعرف على واقعيته ومع ذلك فلابّد أن تكون هناك حقيقة واقعية، لها صلة بين نفخ الصور في هذا العالم، ونفخه في النشأة الأُخرى .

تدلّ الآيات على أنّ الإنسان يعيش في البرزخ إلى أن يفاجئه نفخ الصور، فعند ذلك يهلك كل من في السموات والأرض إلاّ من شاء الله، يقول سبحانه :(وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)(2). ففي النفخ الأول موت كل ذي حياة في السّموات والأرض، كما أنّ في النّفخ الثاني، إحياءهم .

يقول سبحانه: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)(3).


1 - البحار، ج6،ص 278. نقلاًعن نهاية العقول للرازي .
2 - سورة الزمر:الآية 68.
3 -سورة يس: الآية 51. والآية ناظرة إلى النفخ الثاني .


(240)

ما ذكرناه في هذا البحث تصوير وترسيم للنشأة التي يمرّ بها الإنسان بعد موته إلى أن يقوم من جدثه، ويحشر إلى الله تعالى. وفي البحث القادم تصويرٌ لمشاهد القيامة، من بداية وقوعها إلى أن يحاسب الإنسان ويصير إلى مآله من الجنة أو النار.

* * *


(241)

مباحث المعاد

(8)

أشـراط السـاعة

الشَّرَط ـ بالتحريـك - :العلامة، والجمع أشراط، وأ شراط الساعة: أعلامها(1) .

والمراد من أشراط الساعة العلامات والآيات التي تخبرعن دنو القيامة، وقربها، وهي مأخوذة من الذكر الحكيم، قال سبحانه: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا )(2).

وهذه العلامات بعضها مذكور في الكتاب العزيز، وبعضها مذكور في السنّة فنبحث عن كلا القسمين على وجه الإجمال .

وأمّا مشاهد القيامة، فهي الحوادث الهائلة الّتي تقع في نفس قيام الساعة، التّي وردت في سور التكوير والانفطار والانشقاق وغيرها، كتكوير الشمس وانكدار النجوم وانفطارالسماء وانتثار الكواكب، وتسجير البحار وتفجيرها، وغير ذلك. فالكل من مشاهد القيامة التّي نأتي بها في بحث خاص، وإليك الكلام في أشراط الساعة الواردة في الكتاب.


1 -لسان العرب، ج7،ص 329، مادة شرط .
2 -سورة محمد:الآية18.


(242)

أشـراط الساعة في الكتاب

جاء في الذكر الحكيم أُمور يستظهر منها أنّها من أشراط الساعة، والآيات الواردة في هذا المجال بين واضحة الدلالة وغيرها.

أ- بعثة النبي الأكرم

يقول سبحانه: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ)(1).

إنّ هذه الآية تندد بالمشركين بأنّهم لا يؤمنون، ولا ينتظرون شيئاً إلاّ القيامة أن تأتيهم فجأة حتى يؤمنوا، ولكن لا يفيدهم عندها إيمانهم، ومن أين لهم التذكّر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة. ومع ذلك كله فليعلموا أنّ السّاعة، وإن لم تأتهم، ولكن قد جاءتهم أشراطها وعلاماتها، فعليهم أن يتّعظوا بذلك.

والآية غيرمتضمنة لتعيين ماجاء من الأشراط، لكن قال ابن عباس:« والنبىّ من أشراطها، ولقد قال بعثت أنا والساعة كها تين»(2).

وكون بعثة النبي من معالم الساعة، لا ينافي وجود هذه الفترة الطويلة بينه وبين القيامة، وذلك لأنّ مامضى من عمرالأرض والمجتمع الإنساني أزيد بكثير مما بقي منه، فيصحّ جعل ظهوره من معالم الساعة .

ويحتمل أن يكون المراد من أشراط الساعة التي جاءتهم إنشقاق القمر بيده، ونزول القرآن الذي هو آخر الكتب (3).

ب ـ اندكاك السدّ وخروج يأجوج ومأجوج

جاء في القكر الحكيم أنّ ذا القرنين وصل في مسيره إلى قوم طلبوا منه أن


1 -سورة محمد :الآية 18.
2 -مجمع البيان ،ج5،ص102.
3 -لاحظ المصدر السابق .


(243)

يبني لهم سدّاً يحجز عنهم يأجوج ومأجوج ويقيهم شرهما فقام ذوالقرنين بعملية كبيرة، حيث سدّ ما بين الجبلين - الّذي كان طريق نفوذهما- بزبر الحديد ثم أنجز عملية بناء السدّ بما يحكيه تعالى من قوله:(حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)(1).

فلما فرغ من بناء السدّ قال:

(هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً * وَ تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً)(2).

وقوله:(وَ تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض). يعرب عن كون اندكاك السَّدِّ من أشراط الساعة(3). والمراد أنّه بعد انقضاء أمر السّدّ يموج بعض الناس في بعض، فيرتفع من بينهم النّظم، ويحكم فيهم الهرج والمرج، ويظهر هذا أيضاً من آية أُخرى، أعني قوله تعالى:(حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ * وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ)(4).

فمفادها أنّه عندما ينفرج سدّ يأجوج ومأ جوج، يتفرق المحجوزون خلف السدّ، في الأرض، فلا ترى أكمةً إلاّ وقوم منهم يهبطون منها، وعند ذلك يقترب الوعد الحق، أي قيام الساعة. فيكون اندكاك السدّ وانتشار يأجوج ومأجوج في الأرض من أشراط الساعة، لحكايته عن اقتراب الوعد الحقّ، وهذا هو المراد من أشراط الساعة .

ج ـ إتيان السماء بدخان مبين

إنّ الصناعات البشرية أوجدت قلقاً في الحياة، ولوثت البيئة في الأرض


1 -سورة الكهف :الآية 96 .
2 -سورة الكهف :الآيتان 98و99.
3 - ويمكن جعله من أشراطها على حدة، فإنّها تحكي عن عموم حالة الفوضى والهرج والمرج في العالَم بأسره.
4 - سورة الأنبياء: الآيتان 96 ـ 97.


(244)

بالأدخنة المتصاعدة من معاملها، والإبخرة المتطايرة من موادها. ولكنها إلى اليوم ليست إلى الحدّ الّذي يزاحم الحياة، والله يعلم مآل الأُمور.

ولكنه تعالى يخبر عن حدوث دخان في السماء، يغشى الناس، ويكون عذاباً أليماً لهم، يقول تعالى:(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَ قَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ قَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)(1).

إنّ في تفسير الآية وجهين :

الوجه الأوّل - إن مجموع هذه الآيات راجعة إلى عصر النبي، وذلك أنّ رسول الله دعا على قومه لمّا كذّبوه، فقال: اللّهم سنينَ كسنىّ يوسف، فأجدبت الأرض وأصابت قريشاً المجاعة، وكان الرجل لما به من الجوع، يرى بينه وبين السماء كالدخان، فجاءوا إلى النبي وقالوا: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم وقومك قد هلكوا. فسأل الله تعالى لهم بالخصب والسعة، فكشف عنهم، ثم عادوا إلى الكفر(2).

يلا حظ على هذا الوجه: أوّلا: إنّ ظاهر الآية أنّ السماء تأتي بدخان مبين، وتحدثه، وهو غير تجلّي السماء بصورة الد خان في عين الجائع، الذي هو انخداع الحواس لغلبة الجوع، من دون أن يكون هناك دخان في الواقع .

وثانياً: إنّ أصحاب السّير النبوية لم يذكروا شيئاً عن هذا الجوع المدقع الّذي أحدق بقريش وأوجد فيهم سنين كسنّي يوسف.

وثالثاً: إنّ ماجاء في القصة، لا يناسب خلق النبىّ وعطفه على قومه، وكونه رحمة للعالمين، كيف وقد قال سبحانه (وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ


1 -سورة الدخان: الآيات 10ـ16.
2 -مجمع البيان، ج5، ص62، وتفسير الطبري،ج15،ص66. وبهذا المضمون روايات أُخر في المصدرين .


(245)

فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(1) وهو صلوات الله عليه وآله، لم يدع عليهم في غزوة أُحد، مع أنّهم شجّوا جبهته وكسروا أسنانه، وضرّجوا وجهه بالدماء.

فهذه الأُمور، توجب عدم الإطمئنان إلى هذا الوجه .

الوجه الثاني: إنّ مفاد الآية يرجع إلى أشراط الساعة، وأنه قبل قيام البعث يغشى الناس دخان مبين. ويؤيّد ذلك أنّ الآية تتضمن ذكر يومين:

1ـ يومٌ تأتي السماء فيه بدخان مبين .

2ـ ويوم يبطش فيه الرب تعالى البطشة الكبرى.

وبما أنّ البطشة الكبرى راجعة إلى يوم البعث الّذي يأخذ فيه الله تعالى الظالمين والكافرين بشدة وقدرة، يكون ذلك قرينة على أنّ ما يقع في اليوم الأول، من أشراط الساعة، فيومٌ تظهرفيه آية الساعة وعلامتها، ويوم تتحقق فيه نفس الساعة.

وأما على التفسيرالأوّل، فلا مناص، من جعل اليوم الأوّل يوم طروء الجوع في مكة، واليوم الثاني غلبة النبي على قريش في بدر، ولا يخفى أن تفسير اليومين بهذا النحو يحتاج إلى دليل .

ويؤيّد المعنى الثاني ماروي عن حذيفة بن اليمان، مرفوعاً: أوّل الآيات الدّجال ونزول عيسى، ونار تخرج من قعرعدن أبين تسوق الناس إلى المحشر. تُقيل معهم اذا قالوا، والدّخان. قال حذيفة: يارسول الله، وما الدّخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وآله الآية:(فارتقب يوم تأتى السّماء بدخان مبين...)، يملأ مابين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوماً وليلةً، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأمّا الكافر بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره (2).


1 -سورة الأنفال:الآية 33.
2 - تفسير الطبري، ج 25 ، ص 68. والدر المنثور، ج6 ، ص 29.


(246)

نعم بقي هنا شيء وهوأنّه لو كان صدر الآيات راجعاً إلى أشراط الساعة، فما معنى قوله سبحانه:(إنّاكاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدون). فإنّه بالمعنى الأوّل ألصق.

ولكن يمكن أن يقال: إنّ الجملة الخبرية متضمنة لقضية شرطية، وهي أنه حتّى لو كشفنا عنهم العذاب، لعادوا لما كانوا عليه من العصيان نظير قوله سبحانه: (وَ لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)(1).

د ـ نزول المسيح

يقول سبحانه:(وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَ قَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَ جَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَ اتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)(2).

روى المفسرون أنه لما نزل قوله سبحانه:(إِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)(3)، أحدثت قريش ضجة، وقاموا يجادلون النبي فقالوا: قد رضينا بأن تكون آلهتنا كذلك، حيث يكون عيسى أيضاً مثلهم، وقالوا ـ كما يحكيه سبحانه عنهم :- (ءآلهتنا خيرٌأم هو)، فليست آلهتنا خيراً من عيسى، فإن كان عيسى في النار، فكذلك آلهتنا.

فأجاب سبحانه بأنهم ماضربوا هذا المثل إلا للمجادلة والمخاصمة، وأنهم قوم خصمون لا يتطلبون الحق. ثم أخذ بتوصيف عيسى بن مريم وتبيين مقامه فقال:(وانّه لعلمٌ للسّاعة)، أي إنّ وجود عيسى في ظرف من الظروف، يعلم به قرب الساعة، فلا تكذبوا بها .


1 -سورة الأنعام :الآية 28.
2 - سورة الزخرف: الآيات 57 ـ 61.
3 - سورة الأنبياء: الآية 98.


(247)

فالآية تدل على أنّ وجود عيسى في ظرف من الظروف يعلم به دنوالسّاعة، وأما ظرفه، فالظاهرمن الروايات هو نزوله بعد خروج الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ(1).

وللآية تفسيرآخر، يطلب من مظانّه (2).

هـ - إخراج دابة من الأرض

قال تعالى: (وَ إِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ)(3).

وتوضيح الآية يتوقف على إيضاح أُمور:

1 ـ ماهو المراد من قوله:(وإذاوقع القول عليهم)؟.

2ـ ماهو المراد من الدا بة المخرجة من الأرض؟

3ـ بماذا تتكلم هذه الدابة، وماذا تقول؟

4ـ ماهو موضع قوله سبحانه في الآية: إنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون؟ فهل هو يحكي قول الدابة، أوهو تعليل لصدر الآية (وقوع القول عليهم) .

5 ـ ما هو المراد من الآيات ؟

6 ـ ما هو الهدف من إخراج الدابة؟

7 ـ ما هو زمان إخراجها؟

والحقّ أنّ هذه الآية، إحدى الآيات التّي يحيق بها الإبهام من جهة أوجهات، وليس لها في القرآن ما يشابهها في المضمون، حتى يستعان به على


1 -لاحظ ما أوردناه من الروايات في بحث الإمامة .
2 -لاحظ مجمع البيان،ج5،ص358.
3 - سورة النمل: الآية 82.


(248)

تفسيرها، فلا مناص من الإمعان فيها نفسها، أواللجوء إلى الروايات الواردة حولها، فنقول :

أما السؤال الأوّل: فالمراد من وقوع القول عليهم، هو استحقاقهم للعذاب، يظهر ذلك من قوله تعالى:(وَ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ)(1). وليس المراد من القول، القول اللفظي،بل القول التكويني المساوق لتحقّق العذاب، وحصوله في الخارج .وقد عرفت أنّ العالم فعل الله سبحانه، وفعله كلامه، والآيتان نظير قوله سبحانه: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)(2).

وأما الثاني: فالدابة في اللغة والقرآن تطلق على كل ما يدبّ على الأرض، يقول سبحانه:(وَ مَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا)(3). ولايظهر من نفس الآية أنّه من أي نوع من الدواب، أهوإنسان أو حيوان، فلا مناص من الرجوع إلى الروايات التي نشير إلى مصادرها آخر البحث.

غيرأنّه يمكن أن يقال إن «الدابة» استعملت في القرآن كثيراً في المعنى العام، فإطلا قها على نوع خاص منه كالإنسان، يحتاج إلى قرينة .

أضف إلى ذلك أنّه ربما استعمل في مقابل الإنسان، يقول سبحانه: (... وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)(4). وفي آية أُخرى:(وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَابِّ)(5). وهذا يدفعنا إلى القول بأنّ المراد من الدابة هو غيرالإنسان .

وأما الثالث: فلا يظهر من الآية شيء في جوابه إلاّ احتمال أن يكون مقول كلامها هو ما جاء في ذيل الآية من قوله:(إنّ النّاس كانوا بآياتنا لا يوقنون). وقد ورد في بعض الروايات مضمون كلامها الّذي تتكلم به .


1 -سورة النمل: الآية 85.
2 -سورة الزمر:الآية 19.
3 -سورة هود :الآية 6.
4سورة الحج :الآية 18.
5 -سورة فاطر:الآية 28.


(249)

وأما الرابع: فيحتمل أن يكون قوله:(إنّ النّاس) مقولاً لكلامها، كما يحتمل أن يكون تعليلاً لفرض العذاب عليهم، الّذي يدل عليه صدر الآية، فكأنه يقول :حق عليهم العذاب لأنهم كانوا بآياتنا لا يوقنون، ويؤيّد هذا الوجه قراءة(إنّ) بالكسر، التي تجعلها جملة مستأنفة، واقعة موقع التعليل.

وأما الخامس: فيحتمل أن يكون المراد من الآيات هو الآيات الكونية والأنفسية الواردة في قوله سبحانه:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ)(1).

كما يحتمل أن يكون المراد من الآيات، المعاجز وخوارق الآيات التي جاءت بها الأنبياء، وإطلاق الآية على المعجزة في القرآن، كثير.

ويحتمل أن يكون المراد، الكتب السماوية، فإنها آيات إلهية.

ولا يظهر من الآية شيء في تعيين أحد هذه الاحتمالات، إلاّ أنّه يمكن تأييد الاحتمال الثالث بقوله سبحانه في آية سابقة عليها:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(2).

وأما السادس: وهو الهدف من إخراج الدابة، فيمكن أن يكون إعلام دنوّ السّاعة، كما يمكن أن يكون لأجل تمييز المؤمن من الكافر، وغيرذلك من الأهداف التي وردت فيها الروايات .

وأما السابع: وهو زمان الإخراج فسياق الآيات يثبت أنّها تقع قبل يوم القيامة، عند دنوّها لقوله سبحانه بعدها:(وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(3). فبما أنّ الثانية تقع قبل القيامة، فسياق الكلام يقتضي كون الأُولى كذلك .

ويتحصّل من الإمعان في الآيات أنّه سبحانه يحكي في لفيف منها عن أُمور


1 -سورة فصلت:الآية 53.
2 - سورة النمل: الآية 76.
3 -سورة النمل :الآية 83.


(250)

ثلاثة، الأوّلين راجعان إلى ماقبل القيامة، ويعدّان من أشراطها، والثالث إلى نفس القيامة.

فالأول، هو وقوع القول على الكافرين وخروج الدابة.

والثاني، هو حشر فوج من كلّ أُمة.

والثالث، هو نفخ الصّور،أعني قوله سبحانه:(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ)(1).

وعلى ضوء ذلك يمكن عدّ الأوّل والثاني من أشراط الساعة (2).

و ـ مجيء بعض آيات الربّ تعالى

يقول سبحانه: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)(3).

الاستفهام في الآية إنكاري، وقع في مقام يعرب عن عدم نفع العظة ونجاح الدعوة، وأنّ المخاطبين كانوا في عناد ولجاج إزاء دعوة النبي الأكرم، كما هو الظاهر من الآيات المتقدمة عليها، فإنّه يقول :

(أن تقولوا إنّما أُنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا...).

(أوتقولوا لو أنّا أنزل علينا الكتاب، لكنّا أهدى منهم...).

ففي هذا السياق ورد قوله سبحانه:

(هل ينظرون)، أي هؤلاء لا ينتظرون إلا أموراً تترجح بين كونها موجبة لهلا كهم أو كونها أمراً محا لاً في نفسه، أوغيرناجعة في إيمانهم عند وقوعها .


1 -سورة النمل: الآية 87 .
2 - ومن أراد التبسط في الآية، فعليه الرجوع إلى المصادر التا لية: تفسير الطبري، ج 20، ص 10ـ12. الدر المنثور، ج 5، ص 116. تفسير البرهان، ج3، ص 209ـ211.
3 -سورة الأنعام:الآية158 .


(251)

فالأول، هو قوله تعالى:(ان تأتيهم الملائكة)، فإنّ نزول الملائكة عليهم يلازم هلاكهم. يقول سبحانه:(مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ مَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ)(1).

والثاني، هو مجيء الربّ ومشاهدته بأُمّ أعينهم، وهو أمر محال. وإن أريد منه يوم اللقاء، الّذي ينكشف منه الغطاء، ويتجلى سبحانه بأسمائه و صفاته، تجلّياً لا يبقى معه ريب ولا شك، فلا ينجع إيمانهم عند ذاك .

والثالث، وهو مجيء بعض آياته، فهو مردد بين أن يكون المراد منه الموت الّذي تتبدل فيه نشأة الحياة إلى نشأة أُخرى، أويكون المراد هو خروج الدابة عند دنو الساعة الذي مضى البحث عنه، وعند ذلك تكون الآية ناظرة إلى بعض أشراط الساعة.

وعلى كلا المرادين، لاينفع بعدهما الإيمان والاستغفار...

قال الطبرسي :«المراد الآيات التي تضطرهم إلى المعرفة، ويزول التكليف عندها (لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل) لأنّه ينسد باب التوبة بظهور آيات القيامة»(2).

روى العيّاشي عن أبي جعفروأبي عبدالله ـ عليهما السَّلام ـ، في تفسير الآية، قولهما:«طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة، والدخان، والّرجل يكون مصراً ولم يعمل على الإيمان ثم تجيء الآيات، فلا ينفعه إيمانه »(3).

هذا بعض الكلام حول أشراط الساعة الواردة في آيات الذكر الحكيم .

وأما الروايات، فنقتبس منها ما يلي:

1ـ روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أسيد الغفاري: اطّلع رسول الله صلى الله عليه وآله علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذكرون؟ قلنا: نذكر


1 -سورة الحجر: الآية 8 .
2 -مجمع البيان ،ج 2،ص388 .
3 -البحار،ج6،ص 312، الحديث 13.


(252)

الساعة، قال:إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر: الدّخان، والدجّال، والدابّة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تطرد النّاس إلى محشرهم (1).

2 ـ روى القمي في تفسيره عن عبدالله بن عباس، قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع، فأخذ باب الكعبة، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: ألا أخبركم بأشراط الساعة، وكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان ـ رضي الله عنه ـ، فقال: بلى يا رسول الله.

فقال: إنّ من أشراط القيامة، إضاعة الصلاة، واتباع الشهوات، والميل مع الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذاب قلب المؤمن وجوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره.... لاحظ بقية الحديث(2).

* * *


1 -جامع الأصول، ج11، ص 87، الحديث(7898). ورواه الصدوق في الأمالي، وقال في آخره: ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تنزل معهم إذا نزلوا، وتقبل معهم إذا اقبلوا (البحار، ج،6،ص 303).
2 - البحار،ج6، الحديث 6، ص 305- 309. وقدروى المجلسي في الجزء السادس من بحاره، في باب أشراط الساعة ص 303 ـ 306 ، اثنين وثلا ثين حديثاً. وما نقلناه نموذج من تلك الأحاديث، كما روى الجزري، في الجزء الحادي عشر من جامع الأصول، في الباب المعقود لبيان أشراط الساعة، ص 74 - 94، مائة وستة أحاديث.


(253)

مباحث المعاد

(9)

مشاهد البعث والقيامة

لقد تعرّفت على أشراط الساعة التّي تخبر عن دنوّها، كتاباً وسنةً، وهي غير نفس القيامة، فإنها الأمور الكونية التي تدبّرالنظام السائد، ليؤسس بعده نظام جديد لمحاسبة العباد، وجزائهم، وقد أكثر الذكر الحكيم من نقل وتصوير مشاهد القيامة في سوره القصار.

وبعد تلك الحوادث المريعة، تتلا حق مواقف العالم الأُخروي إلى أن يرد الخلق إلى مثواهم الأخير، وفيما يلي نستعرضها واحدةً بعد الأُخرى.

1 - انهدام النظام

تضافرت الآيات القرآنية على أن البعث لا يقوم على هذا النظام السائد، وإنما يقوم على نظام جديد، وهو لا يتحقق إ لا بتلاشي النظام الموجود وانهدامه .

والقرآن يخبر عن مشاهد ذاك الانهدام الكوني العام فيحدّث عن انشقاق السماء وانفطارها، وتكوير الشمس، وانكدار النجوم وتنا ثرها، وامتداد الأرض، وتفجير البحار وتسجيرها، وتسيير الجبال حتى تكون كالعهن المنفوش، وغير ذلك من المشاهد المروعة للقلوب (1).


1 -لاحظ سور التكوير، والانفطار، والإنشقاق والقارعة وغيرها.


(254)

2 ـ خروج الناس من القبور

ويستعقب ذلك مشهد آخر، ألا وهو خروج الناس من الأجداث .

يقول سبحانه:(وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)(1).

وبعد ذلك يد عى الناس إلى الحساب، وموقف العرض، وهو مشهد أشدّ في النفس هولاً مما سبق، لعظم الحسرة والخوف الحاكمين على القلوب آنئذ، يقول سبحانه :

(يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْء نُكُر * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ)(2).

(لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)(3).

* * *

3 ـ إعطاءالكتب

وبعد خروج الناس من القبور وإحضارهم إلى موقف المحاكمة، ووقوفهم على صعيد الحساب، تنشرالصحف ( وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَت)(4). فيأخذ كلّ إنسان كتابه الذي دوّن فيه ـ بيد الحفظة من الملائكة ـ ما عمله من صغير وكبير، فمنهم من يتلقاه بيمينه، ومنهم من يتلقاه بشماله.

يقول سبحانه:

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَ يَنْقَلِبُ إِلَى


1 - سورة يس: الآيتان: 51 ـ 52.
2 -سورة القمر: الآيتان 6 - 8.ولاحظ الزلزلة الآية 6.
3 -سورة عبس: الآية 37.
4 -سورة التكوير: الآية 10 .


(255)

أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَ أَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً)(1).

* * *

4 ـ الحساب والشهود

وبعد تناول الصحف يبدأ الحساب، وهو مشهد مروّعٌ للقلوب ومقطّعٌ للأرواح، إنّه مشهد القضاء على الناس بشهود لا يتطرق إلى شهادتهم ريب ولا يتّهمون بكذب. وهم بين شاهد خارجي كالله سبحانه، والأنبياء، والملائكة، والأرض، وداخلي كالأعضاء والجوارح حتى جلد البدن .

وهناك نوع آخر من الشهود لا يشابه القسمين، وهو تجسّم أعمال الإنسان بوجود يناسب تلك النشأة وهذا نظير عرض صور الجريمة ووقائعها التي التقطت عند ارتكاب المجرم لها، أوبثّ الشريط الّذي سجل فيه كلام المعتدي بالسبّ والوقيعة، وإن كان هناك فرق بين الممثّل والممثّل له .

وبذلك لا يجد المجرم لنفسه إلا الاعتراف بالذنب والتقصير والجرأة، لثبوت الجرم عليه بوجه لا يقبل الإنكار، و إليك عرض هؤلاء الشهود في ضوء آيات القرآن الكريم، مقدّمين الشهود الخارجيين على الداخلين .

الشاهد الأول : الله سبحانه

من عجيب الأمر أنّ الله سبحانه هو القاضي والحاكم بين العباد، وهو بنفسه أيضاً شاهد على أعمالهم، يقول سبحانه:(إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ)(2).

ويقول سبحانه (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ)(3).


1 - سورة الانشقاق: الآيات 7ـ11 وسيأتي بيان أوفى لإعطاء الكتب في الشهود.
2 - سورة الحج: الآية 17.
3 -سورة آل عمران: الآية 98.


(256)

الشاهد الثاني : نبىّ كلّ أمّة

يدل القرآن الكريم على أنّ لكلّ أُمّة شهيداً من أنفسهم، وقدجاء ذلك في عدة آيات منها قوله سبحانه:(وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)(1).

وقوله سبحانه:(وَ يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * وَ نَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا...)(2).

والظاهر أنّ هذا الشاهد من كل أُمّة هو نبيهم، وإن لم يصرح به في الآيات، وذلك للزوم كون الشهادة القائمة هناك مشتملة على حقائق لا سبيل للمناقشة فيها، فيجب أن يكون هذا الشاهد عالماً بحقائق الأعمال التي يشهد عليها، لا بظاهر صورها وهيئاتها المحسوسة لأنّ صورها مشتركة بين الطاعة والمعصية.

ولايكون هذا إلاّ بأن يستوي عنده الحاضروالغائب، ويعاين حقيقة ما انعقدت عليه القلوب فيتميز هذا الشاهد بخصوصيتين .

الأولى: أنّه محيط إحاطة علمية تامةً على حقائق الأعمال ومايجري في القلو، ويختلج في النفوس .

الثانية: أن يكون ذا عصمة إلهية ليمتنع عليه الخطأ والاشتباه عند تحمّل الشهادة، والكذب والخيانة عند أدائها .

ولا يتصور هذا المقام إلا لنبىّ كلّ أُمّة، وسيأتي تتميم لذلك في الشاهد الرابع .

الشاهد الثالث: نبيّ الإسلام

عدّ القرآن نبيّ الإسلام شاهد أُمّته، يقول سبحانه:(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ


1 -سورة النحل :الآية 89 .
2 - سورة القصص: الآيتان 74 ـ 75.


(257)

كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَ جِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا)(1).

ويقول سبحانه: (وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ..)(2).

وقد عرفت أنّ هذه الشهادة تستلزم من الكفاءات شيئاً عظيماً، وبهذا يظهر عظم مقام هذا الشاهد، لوقوفه على ضمائرالقلوب وأعمال الأُمّة، وإن كانوا بعيدين عنه. ومن كان له هذا المقام، فتعرّفه على الغيب من أهون الأُمور، ومع ذلك نرى بعض القشريين ينزعجون من إثبات علم الغيب للنبيّ، ويزعمون انّ نسبته إليه وإلى الله سبحانه يستلزم الشرك، ولكن عزب عنهم الفرق بين العلم الكسبي والذاتي، والمحدود واللامحدود، والقائم بالغير والقائم بالنفس .

الشاهد الرابع: بعض الأُمّة الاسلامية

يقوله سبحانه:(وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(3).

والخطاب في الآية للأُمّة الإسلامية، ولكن المراد قسم منها، نظير قوله سبحانه (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً)(4)، مخاطباً بني إسرائيل، والمراد بعضهم. فباعتبار وجود الصّلة القوية بين القبيلة وملوكها، نسب الملوكية إلى الجميع .

والدليل على أنّ المراد بعض الأُمّة، هو أنّ أكثر أبناء الأُمّة، مجهزون بحواس عادية لا تتحمل إلاّ صور الأفعال والأعمال إذا كانوا في محضر المشهود عليهم، وهولا يفي في مقام الشهادة، لأنّ المراد من الشهادة هوالشهادة على حقائق الأعمال، والمعاني النفسانية من الكفر والإيمان والفوز والخسران، وعلى كل خفي عن الحسّ، و مستبطن عن الإنسان، وعلى كل ما تكسبه القلوب، الذي يدور عليه حساب ربّ العالمين، يقول سبحانه:(وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ


1 -سورة النساء :الآية 41.
2 -سورة النحل :الآية 89. ولاحظ الحج :الآية 78.
3 -سورة البقرة:الآية 143.
4 - سورة المائدة :الآية 20 .


(258)

قُلُوبُكُمْ)(1).

وليس ذلك في وسع الإنسان العادي إذا كان حاضراً عند المشهود عليه، فضلاً عن كونه غائباً، وهذا يدلّنا على أنّ المراد رجال من الأُمّة لهم تلك القابلية، بعناية من الله تعالى، فيقفون على حقائق أعمال الناس من إخلاص ورياء، وانقياد وتمرد، ويؤدّون ذلك يوم القيامة. وهذه الكرامة ليس ينالها جميع الأُمّة، بل الأولياء الطاهرون منهم، لا المتوسطون في الإيمان، فضلاً عن الملوثين بالمعاصي والملطخين بالجرائم .

وقد التجأ بعضهم إلى جعل متعلق الشهادة كون الأمّة على دين جامع ووسط، وهو بمعزل عن التحقيق، إذ ليس ذلك شهادة بشيء، وقد وردت لفظة الشهادة بمعنى واحد في جميع القرآن، في آياته المختلفة.

وبذلك يظهر معنى قوله سبحانه:(وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)(2). فالخطاب متوجّه إلى الأُمّة، والمراد بعضهم ممن أُعطيت لهم هذه الكرامة.

وهناك وجه آخر لما ذكرنا، وهو أنّ أقلّ مايعتبر في الشهود هوالعدالة والتقوى، والصدق والأمانة، والأكثرية الساحقة من الأُمّة، يفقدون ذلك، وهم لا تقبل شهادتهم على صاع من تمر أو باقة من بقل، فكيف تقبل شهادتهم يوم القيامة؟!

وإلى هذا تشير رواية الزبيري عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال الله تعالى:(وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(3)، فإن ظننت بأنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية. كلا، لم يعن الله


1 -سورة البقرة :الآية 225.
2 - سورة الحج: الآية 78 .
3 -سورة البقرة :الآية :143 .


(259)

مثل هذا من خلقه »(1).

إلى هنا تمّ الكلام حول الشهود الخارجيين، وإليك الكلام في الشهود الداخليين، الذين لا ينفكون عن نفس المجرم .

الشاهدالخامس: الأعضاء والجوارح

من عجيب الأمر أن تشهد أعظاء الإنسان عليه: لسانه ويده ورجله، بأمر من الله سبحانه .

يقول سبحانه:(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2).

ويقول سبحانه:(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(3).

وأماكيفية الشهادة فهي من الأمور الغيبية نؤمن بها، وما إنطاقها عليه بعزيز، وقد وسعت قدرته تعالى كلّ شيء.

الشاهد السادس: الجلود

وتشهد على الناس جلودهم أيضاً.

يقول سبحانه:(حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصَارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَ قَالُوا لجُلُوِدِهمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء)(4).

وقوله:(أنطقنا الله الّذي أنطق كلّ شيء)، يشير إلى سعة قدرته سبحانه


1 - تفسير نور الثقلين، ج1،ص 113، الحديث 409.
2 - سورة النور: الآية 24 .
3 - سورة يس: الآية 65.

4 - سورة فصلت: الآيتان 20 ـ 21.


(260)

على إنطاق الجلود (1).

الشاهد السابع: الملائكة

إنّ للإنسان حفظة يصحبونه منذ بلوغه التكليف فيسجّلون إعماله خيرها وشرّها، وهذا قوله سبحانه:(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)(2).

وهذا الرقيب العتيد يشهد أعمال من وكّل به يوم القيامة، عندما يرد الإنسان صعيد الحساب مع سائقه، كما يقول سبحانه:(وَ جَاءَتْ كُلُّ نَفْس مَعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ)(3).

فأحد الملائكة يسوق الإنسان، وآخر يشهد على أعماله .

الشاهد الثامن: صحيفة الأعمال

هناك آيات تدلّ على وجود صحف تضبط فيها أعمال العباد خيرها وشرّها، وكتبة يمارسون كتابتها، ويوم الحساب تعرض على الإنسان، فيقرؤها، فيرى المجرم مشفقاً منها، يغلبه التعجب من إ حاطة الكتاب بدقيق أعماله وجليلها.

يقول سبحانه: (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ)(4).

ويقول سبحانه:(وَ كُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَ كُلُّ صَغِير وَ كَبِير مُسْتَطَرٌ)(5).


1 - ولا ينبغى التعجّب من ذلك، وقد توصّل الإنسان في هذه الدنيا إلى معرفة فاعل كل جريمة، ومرتكب كل جناية، بتشخيص بصمات أصابعه، ويكفي في إتمام الحجة عليه إظهار آثار جلد إصبعه وشهادتها عليه .
2 -سورة ق الآية 18 .
3 -سورة ق:الآية 21.
4 -سورة يونس :الآية21، وبهذا المضمون الزخرف :الآية0 8و89.
5 - سورة القمر: الآيتان 52 ـ 53.


(261)

ويقو ل سبحانه :(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ وَ كُلَّ شَىْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين)(1).

ويقول سبحانه مصوّراً حال المجرم عند الحساب وشهادة الكتاب عليه:(وَ وُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرى الُْمجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ)(2).

ويقول سبحانه حاكياً تعجّب المجرمين من إحاطته بعظائم الأعمال ودقائقها:(مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَ لاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا)(3).

وكفى في إذعان الإنسان بجرمه وعصيانه، كتابه، يقول سبحانه:(اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)(4).

الشاهد التاسع: الأرض

إنّ كلّ عمل طالحاً كان أو صالحاً، إذا كان بدنياً، يصدر من الإنسان في نقطة وبقعة من بقاع الأرض، وهي تشهد يوم القيامة على الحوادث التي وقعت فيها، يقول سبحانه:(يَوْمَئِذ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا )(5). وكيفية شهادتها من الأمور الغيبية، ولكن يمكن أن نستعين على تقريبها بالأمور المحسوسة ببيان أنّ المجرم والمحسن يتركان بعد العمل آثاراً يستدل ّبها على كيفية عمله .

هذا وإن الخبراء يستدلّون بالمستندات الحفرية، على كيفية حياة الماضين وحضارتهم وعلومهم، وسائر شؤون حياتهم، وقد ورد عن النبي أنّه لم يرتحل من منزل إلاّ صلى فيه ركعتين وقال: «حتى يشهد عليّ بالصلاة» (6).


1 - سورة يس : الآية 12. ولاحظ الجاثية : الآيتان 28 و 29. والإنفطار: الآيتان 10 و12.
2 - سورة الكهف: الآية 49.
3 -سورة الكهف: الآية 49.
4 - سورة الإسراء: الآية 14.
5 - سورة الزلزلة: الآيتان 4 ـ 5.
6 - نقلاً عن تفسير الميزان: ج6،ص337. وهناك روايات نقلها الشيخ الحّر العاملي في الوسائل، ج3، ص 474، كتاب الصلاة،أبواب مكان المصلّي، الباب42، الحديث 9، وفي الباب روايات أُخرى فلا حظها.


(262)

روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي ذرّعن النبي صلى الله عليه وآله، في وصيته له: «يا أباذرّ، مامن رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الأرض، إلاّ شهدت له بها يوم القيامة» (1).

الشاهد العاشر: تجسم العمل بهويّته الأُخروية

دلّ القرآن والأحاديث على انّ لكل عمل يرتكبه الإنسان في هذه النشأة، صورتين وظهورين وهويتين، يتمثل بإحداهما في هذه النشأة، وبالأخرى في النشأة الآخرة. فالصلاة في هذه الدنيا عبارة عن الأذكار والحركات، وهي هويتها الدنيوية، ولكنها لها في النشأة الأُخروية ظهوراآخر. ومثله الأعمال الإجرامية، فإنّ لكلّ منها صورتين، يتمثّل بإحداهما في الدنيا، وبالأُخرى في الآخرة.

يقول سبحانه:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ)(2)، وظاهرالآية هو مشاهدة نفس العمل. وتأويله بمشاهدة الجزاء، على خلاف الظاهر، والآيات الواردة في مجال تجسّم الأعمال كثيرة، نكتفي بواحدة منها :

يقول سبحانه: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنوبُهُم وَ ظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)(3).

والآية تعرب عن تجسم الذهب والفضة اللّذين كنزا بصورة النار المُحمّاة، بحيث يطلق عليها أنّها نفس ما كنزوه .

* * *


1 - المجالس والأخبار،ص216. نقله في الوسائل،ج4،ص474، الحديث9 .
2 - سورة الزلزلة: الآيتان 7 ـ 8.
3 - سورة التوبة: الآيتان 34 ـ 35.


(263)

5 ـ مشهد الميزان

إنّ هؤلاء الشهود الكثيرون يكفون في مقام القضاءوإتمام الحجة، غيرأنّه سبحانه، لا يكتفي بهم، كما لا يكتفي بصحائف الأعمال التي ضبطت فيهاجميع أفعال العبد جليلها، ودقيقها، بل يجسد وضع الإنسان بتوزين أعماله بالميزان الّذي يضعه يوم القيامة.

يقول سبحانه:(وَ نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَ إِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَ كَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)(1).

والناس بين ثقيل الميزان وخفيفه يقول سبحانه:(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)(2).

غير أنّ الكلام في تبيين حقيقة هذا الميزان الّذي توزن به الأعمال، فهل هو كهذه الموازين الحسية الموضوعة فوق مناضد البقالين والعطارين، أو شيء غيرها، فنقول:

لاشك أنّ النشأة الآخرة، أكمل من هذه النشأة ، وأنّه لا طريق لتفهيم الإنسان حقائق ذلك العالم وغيوبه المستورة عنّا، إلاّ باستخدام الألفاظ التي يستعملها الإنسان في الأُمور الحسية. وعلى ذلك، فلا وجه لحمل الميزان على الميزان المتعارف خصوصاً بعد استعمال الميزان في القرآن في غير هذا الميزان المحسوس.

الميزان في اللغة اسم آلة يوزن بها الشيء، يقول سبحانه:(وَ السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضَعَ الْمِيزَانَ)(3)، فالله سبحانه يخبر فيها عن رفع السماء وخلقها مرفوعة، كما يخبر عن أنّه وضع لكل شيء ميزاناً يقدّر به، من غير فرق بين أن يكون جسماً أو قولاً أو فعلاً أو عقيدة، فلكلّ شيء ميزانٌ يميّزبه الحقّ من


1 - سورة الأنبياء: الآية 47 .
2 - سورة الأعراف: الآيتان 8 ـ 9.
3 -سورة الرحمن:الآية 7.


(264)

الباطل، والصدق من الكذب، والعدل من الظلم، والرذيلة من الفضيلة. ولأجل هذه السّعة في معنى الميزان يقول سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(1)، فلا معنى لتخصيص الميزان هنابما توزن به الأثقال، مع أنّ الهدف من إرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان هو قيام الناس بالقسط في جميع شؤونهم العقيدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبذلك يعلم أنّ تفسير الميزان بالعدل، أوبالنبي، أو بالقرآن، كلّها تفاسير بالمصداق، فليس للميزان إلاّ معنى واحد هو: مايوزن به الشيء، وهو يختلف حسب اختلاف الموزون من كونه جسماً أو حرارة أو نوراً أو ضغطاً أو رطوبةً أو غير ذلك .

يقول صدرالمتألهين ـ رحمه الله ـ: «ولو تأملوا قليلاً في نفس معنى الميزان، وجرّدوا حقيقة معناه عن الزوائد والخصوصيات، لعلموا أنّ حقيقة الميزان ليس يجب أن يكون البتة مما له شكل مخصوص، أوصورة جسمانية، فإنّ حقيقة معناه وروحه وسّره، هو مايقاس ويوزن به الشيء، والشيء أعمّ من أن يكون جسمانياً أو غير جسماني، فكما أنّ القبّان، وذا الكفتين وغيرهما ميزان للأثقال، والاسطرلاب ميزان للارتفاعات والمواقيت، والشاقول ميزان لمعرفة الأعمدة، والمسطر ميزان لاستقامة الخطوط، فكذلك علم المنطق ميزان للفكر في العلوم النظرية، وعلم النحو ميزان للإعراب والبناء، والعروض ميزان للشعر، والحسّ ميزان لبعض المدركات، والعقل الكامل ميزان لجميع الأشياء، وبالجملة ميزان كل شيء يكون من جنسه، فالموازين مختلفة والميزان المذكور في القرآن ينبغي أن يحمل على أشرف الموازين وهو ميزان يوم الحساب، كما دلّ عليه قوله تعالى: (وَ نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(2) وهو ميزان العلوم وميزان الأعمال القلبية، الناشئة من الأعمال البدنية»(3).

ويؤيد ذلك أنّه سبحانه يصف الميزان بكونه منزلاً من جانبه سبحانه، كمافي الآية السابقة ويقول:(اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَق وَ الْمِيزَانَ وَ مَا يُدْرِيكَ


1 -سورة الحديد: الآية 25.
2 - سورة الأنبياء: الآية 47.
3 -الأسفار، ج9 ص 299.


(265)

لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)(1).

وبما أنّ توزين الأعمال بالموازين القسط، من الأُمور الغيبية الّتي لا يقف عليها الإنسان إلاّ بخرق الحجب وحضور ذلك المشهد، يعسّر تبيين حقيقته، والّذي يمكن أن يقال إنّه ليس من قبيل هذه الموازين الحسية التي توزن بها الأجسام الثقيلة وغيرها. وما ذكرله من التفاسير لا يتجاوز حدّ الاحتمال.

يقول صدرالمتألهين: «وأمّا القول في ميزان الأعمال، فاعلم أنّ لكل عمل من الأعمال البدنية، تأثيراً في النفس فإن كان من باب الحسنات والطاعات، كالصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد، وغيرها، فله تأثير في تنوير النفس وتخليصها من أسر الشهوات وجذبها من الدنيا إلى الأُخرى، ومن المنزل الأدنى إلى المحل الأعلى، وكذلك فلكل عمل حق مقدار معين من التأثير في التنوير والتهذيب .وإذا تضاعفت وتكثّرت الحسنات، فبقدر تكثرها وتضاعفها، يزداد مقدار التأثير والتنوير.

وكذلك لكل عمل من الأعمال السيئة قدراً معيناً من التأثير في إظلام جوهر النفس وتكديرها وتعليقها بالدنيا وشهواتها، فإذا تضاعفت المعاصي والسيئات، ازدادت الظلمة والتكثيف شدّة وقدراً، وكل ذلك محجوب عن مشاهدة الخلق في الدنيا. وعندقيام الساعة وارتفاع الحجب، ينكشف لهم حقيقة الأمر في ذلك، ويصادف كل أحد مقدار سعيه وعمله، ويرى رجحان إحدى كفتي ميزانه، وقوة مرتبة نور طاعته أو ظلمة كفرانه» (2).

وعلى هذه النظرية، فليس هنا ميزان وراء انكشاف السرائر والملكات الحسنة والسيئة، وغاية ما في الأمر أنّ الإنسان يقف بعد رفع الحجاب على قربه وبعده من الربّ، وتتجسد له مرتبة نور طاعته أو ظلمة كفرانه .

ويقرب منه ما ذكره صاحب المنار، قال: «إذا كان البشر قد اخترعوا موازين للأعراض كالحرّ والبرد، أفيعجز الخالق البارئ القادرعلى كل شيء،


1 - سورة الشورى :الآية 17.
2 - الأسفار، ج 9 ، ص 303 ـ304.


(266)

عن وضع ميزان للأعمال النفسانية والبد نية، المعبّر عنها بالحسنات والسيئات بما أحدثته في الأنفس من الأخلاق والصفات، والنقل والعقل متفقان على أنّ الجزاءإنّما يكون بصفات النفس الثابتة، لا بمجرد ماكان سبباً لهامن الحركات والأعراض الزائدة»(1).

وبما قدمنا يندفع عمدة ما أشكل على المتقدمين من المتكلمين في توزين الأعمال من أنّ العمل عرض غير باق، فكيف يمكن توزينه في الآخرة؟!

فبعد إمكان توزين الحرارة والبرودة، والضغط والرطوبة، وغيرها من الأعراض الزائلة، بل توزين الطاقة والحركة والعمل التي هي الوجه الآخر للمادة، إذ ليست هي إلاّ المادة المستهلكة، وهي توزن بالآلات وتقاس، فيقال إن لهذا المحرك جهد كذا من الأحصنة، وغير ذلك من الأقيسة، فبعد إمكان وزن الأعراض وعمل الآلات، ألا يمكن وزن عمل الإنسان في الآخرة بوجه من الوجوه؟!

هذا كله حول الميزان في النشأة الأُخرى، واعلم أنّه سبحانه لم يترك الإنسان سدى، بل جعل لتشخيص صحة عقائده وأخلاقه وأعماله، موازين كالكتاب والسنّة والعقل، قال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ لأحد أصحابه:« إعرض نفسك على ما في كتاب الله، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر، فإنّه لا يضرك ماقيل فيك، وإن كنت مبائناً للقرآن، فمإذا الّذي يغرّك من نفسك؟»(2).

وعلى ضوء هذا، فالقرآن ميزان، كما أنّ النبي ميزان، والإمام المعصوم ميزان، فلا غرو من أن نزور علياً ونقول:

«السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال، وسيف ذي الجلال»(3).


1 - المنار، ج 8، ص 323.
2 -البحار،ج78، باب وصايا الباقر ـ عليه السَّلام ـ ،ص 162.
3 -مستدرك الوسائل ،ج2،ص 197.


(267)

وفي الختام نشير إلى أمرين:

الأوّل: إنّ بعض السلف، اغتراراً بالظواهر، ذهب إلى أنّ الميزان له كفّتان ولسان وساقان. وهو تعبّد بالظاهر وتعطيل للتعقل والتدبّر في نفس القرآن الكريم. بل الأولى لهم ان يقولوا: الميزان عبارة عمّا يعرف به مقادير الأعمال وليس علينا البحث عن كيفيته بل نؤمن به ونفوض كيفيته إلى الله تعالى، كما قال المحقق الدواني (1).

الثانى: المنقول عن المعتزلة(2) أنّهم ينكرون الميزان قائلين بأنّ الأعمال أعراض وقد عدمت، فلا يمكن إعادتها. وعلى تقدير إعادتها، لا يمكن وزنها، وعلى تقدير أمكانه، مقاديرها معلومةٌ له تعالى فوزنها عبث .

يلاحظ عليه: لو صحّت النسبة، فانّما يرد لو كان المراد من الميزان هوما نقل عن بعض السلف. وأمّا على ما عرفت من التطور في الميزان فالشبهة مندفعة. وأمّا القول بأنّها معلومة، فالحكمة في التوزين مثل الحكمة في الحساب الذي لا شبهة فيه .

* * *

6 ـ الصراط

الصراط في اللغة هوالطريق، ويغلب استعماله على الطريق الذي يوصل


1 -شرح العقائد العضدية،ج2،ص 264.
2 - وهذه النسبة التي ذكرها المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية غير صحيحة. قال القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة: فإن قالوا: وأي فائدة في وضع الموازين التي أثبتموها، ومعلوم أنّه إنّما يوضع ليوزن به الشيء، ولا شيء هناك يدخله الوزن ويتأتى فيه، فانّ أعمال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم أعراض لا يتصور فيها الوزن. قيل له: ليس يمتنع أن يجعل الله تعالى النور علماً للطاعة، والظلم أمارة للمعصية. ثم يجعل النور في إحدى الكفتين، والظلم في الكفّة الأخرى، فإن ترجحت كفّة النور حكم لصاحبه بالثواب، وإن ترجحت الأخرى حكم له بالأُخرى... إلى آخر كلامه... (شرح الأصول الخمسة، ص 735) نعم، القاضي يتخيل أنّ المراد من الميزان هو المتعارف بيننا، وقد عرفت ما في ذلك .


(268)

الإنسان إلى الخير، بخلاف السبيل، فإنّه يطلق على كل سبيل يتوسل به خيراً كان أم شرّاً (1).

وإذا كان الصراط بمعنى الطريق، فلكل موجود من الموجودات الإمكانية طريق، لو سلكه، يصل إلى كماله الممكن من غير فرق بين الجماد والنبات والحيوان والإنسان .

وهذامايسمّى بالصراط التكويني، وهو مجموعة القوانين السائدة على الموجود الإمكاني، بأمر منه سبحانه، الّتي لو تخلّف عنها لهلك .

وهناك صراط آخر يختص بالإنسان وهو الصراط التشريعي، أعني القوانين والأحكام الشرعية التي قد فرضها سبحانه على عباده، وهداهم إليها، فهم بين شاكر وكفور، وقد نبّه القرآن إلى الصرا ط التشريعي في عدّة آيات، منها:

1ـ قوله تعالى:(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَ إِمَّا كَفُورًا)(2).

2 ـ قوله تعالى: (وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيًما فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)(3).

3ـ قوله تعالى:(وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)(4).

وفي مقابل هذا الصراط التشريعي، طريق آخر يباينه في المقصد والمآل، وقائده هوالشيطان ومن تبعه، يقول سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَ يَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)(5).

وفي ضوء هذا يتبين أنّ لله سبحانه في هذه النشأة الدنيوية، صراطين :


1 -ـ مفردات الراغب، مادة سبل.
2 -سورة الدهر:الآية 3.
3 -سورة الأنعام :الآية153.
4 -سورة الحج: الآية 24.
5 - سورة الحج: الآية 4.


(269)

أحدهما تكويني، في سلوكه كمال الموجود وبقاؤه، والآخر تشريعي يختصّ بالإنسان، فيه فوزهوسعادته .

نعم، يستظهر من الذكر الحكيم، ويدلّ عليه صريح الروايات، وجود صراط آخر، في النشأة الأخروية يسلكه كل مؤمن وكافر.

يقول سبحانه:(فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا... وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً)(1).

وقد اختلف المفسّرون في معنى الورود بين قائل بأنّ المراد منه هو الوصول إليها والإشراف عليها لا الدخول، وقائل بأنّ المراد دخولها. وعلى كل تقدير، فلا مناص للمسلم من الإعتقاد بوجود صراط في النشأة الأخروية، وهوطريق المؤمن إلى الجنة، والكافر إلى النار(2).

وقد وصف الصراط في الروايات بأنّه أدقّ من الشعر، وأحدّ من السيف. غير أن البحث يتركز على التعرّف على حقيقة هذا الصراط بالمقدار الممكن، وان كان الوقوف على حقيقته كما هي، غير ممكنة إلاّ بعد رفع الحجب .

فنقول: لا شك أنّ هناك صلة بين الصراطين الدنيوي والأُخروي من وجوه :

1ـ إنّ سالك الصراط الد نيوي بهداية. قيادة من النبي، يسلك الصراط الاخروي بنفس تلك الهداية ويجتازه بأمان إلى الجنة. وسالكه بهداية الشيطان وولايته، يسلك الصراط الأُخروي، بنفس تلك الهداية، فتزل قدمه ويهوي في عذاب السعير (3).

2ـ إنّ قيام الإنسان بالوظائف الإلهية، في مجالي العقيدة والعمل، أمر


1 -سورة مريم: الآيات 68 ـ 71.
2 - تفسير القمي، ج1، ص 29، وفي أُخرى بزيادة: «وأظلم من الليل» .
3 - قال سبحانه: (كتب عليه أنّه من تو لاّه فأنّه يضلّه ويهديه إلى عذاب السعير) (الحج: الآية 4).


(270)

صعب أشبه بسلوك طريق أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف. فالفائز من الناس، من كانت له قدم راسخة في مجال الإيمان والعقيدة، وتثبّتٌ في مقام العمل والطاعة، ومن المعلوم أنّ الفوز بهذه السعادة ليس أمراً سهلاً، فكم من إنسان ضلّ في طريق العقيدة، وعبد النفس والشيطان والهوى، مكان عبادة الله سبحانه، وكم من إنسان فشل في مقام الطاعة والعمل بالوظائف الإلهية.

فإذا كان هذا حال الصراط الدنيوي من حيث الصعوبة، والدقة، فهكذا حال الصراط الأُخروي، وإلى ذلك يشير الإمام الحسن بن علي العسكرى، في ـ عليهما السَّلام ـ حديثه عن علي بن أبي طالب، ـ عليه السَّلام ـ قال :

«والصّراط المستقيم، صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، أمّا الصراط المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو، وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل; وأمّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنة»(1).

فلو قال قائل بأنّ الصراط الأُخروي تمثّلٌ لذلك الصراط الدنيوي وتجسّد له، فلم يجازف .

3 ـ إنّ لصدر المتألهين كلاماً في تبيين المراد من كون الصراط أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف .

قال:«إنّ كمال الإنسان منوط باستعمال قوتيه، أمّا القوة النظرية فلإصابة الحق ونور اليقين في سلوك الأنظار الدقيقة التي هي في الدقة واللطافة أدقّ من الشعر-إذا تمثلت - بكثير. وأمّا القوة العملية، فبتعديل القوتين الشهوية والغضبية، لتحصل للنفس حالة اعتدالية متوسطة بين الاطراف غاية التوسط، لأنّ الأطراف كلّها مذمومة، والتوسط الحقيقي بين الأطراف المتضادة منشأ الخلاص عن الجحيم. وهوأحدّ من السيف، فإذاً الصراط له وجهان:

أحدهما أدقّ من الشعر، والآخر أ حدّ من السيف (2).


1 -معاني الأخبار، ص33.
2 -الأسفار،ج9،ص 285.


(271)

وعلى هذا البيان فالدقة راجعة إلى سلوك طريق إصلاح العقل النظري والحِدّة راجعة إلى سلوك طريق إصلاح العقل العملي. وما في الآخرة تجسد للصراط الدنيوي في الدقة والحدة، و لا حقيقة له إلاّ ما كان للإنسان في هذه الدنيا.

4ـ إنّ للإيمان واليقين درجات كما أنّ للقيام بالوظائف العملية مراتب، فللناس في سلوك الصرا ط منازل ودرجات. فهم بين مخلص لله سبحانه في دينه، لا يرى شيئاً إلاّ ويرى الله قبله، وبين مقصّر في إعمال القوى النظرية والعملية، كما أنّ بينهما مراتب متوسطة، فالكل يسلك الصراط في النشأة الأُخرى، في السرعة والبطء، حسب شدّة سلوكه للصراط الدنيوي ولأجل ذلك تضافرت روايات عن الفريقين باختلاف مرور الناس، حسب اختلافهم في سلوك صراط الدنيا، قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «النّاس يمرّون على الصراط طبقات، والصراط أدقّ من الشعر ومن حدّ السيف، فمنهم من يمرّ مثل البرق، ومنهم مثل عدو الفرس، ومنهم من يمرّ حبواً، ومنهم من يمرّ مشياً، ومنهم من يمرّ متعلّقاً قد تأخذ النار منه شيئاً وتترك شيئاً (1).

فبقدر الكمال الذي يكتسبه الإنسان في هذه النشأة، يتثبت في سلوك الصراط الأُخروي، ولاتزل قدمه، يقول سبحانه:(وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ)(2).

هذا ما يقتضيه التدبّر في الآيات والروايات الواردة حول الصراط، ومع ذلك كلّه ليس معنى كون الصراط الأُخروي تجسماً للصراط الدنيوي، أو سلوكه تمثّلاً لسلوكه، إنكار وجود صراط فوق الجحيم، لا محيص لكل إنسان عن سلوكه، بل مقتضي التعبد بظواهر القرآن والحديث وجود ذلك الصراط بمعناه الحقيقى، وإن لم نفهم حقيقته، ولا بأس بإتمام الكلام بحديث جابر، وهو ينقل عن النبي أنّه قال:


1 - أمالى الصدوق، المجلس 33، ص 107. لاحظ الدر المنثور، ج4، ص 291.
2 - سورة المؤمنون: الآيتان 73 ـ 74.


(272)

«لايبقى برّ ولا فاجر إلاّ دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، حتى أنّ للنار ضجيجاً من بردهم، ثم ينجّي الله الذين اتّقوا ويذر الظالمين فيها جثيّا»(1).

7ـ الأعراف

يقول سبحانه:(وَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَ عَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيَماهُمْ وَ نَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَ هُمْ يَطْمَعُونَ * وَ إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَ نَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيَماهُمْ قَالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ مَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ)(2).

الحجاب هو الستر المتخلل بين الشيئين يستر أحدهما من الآخر، والضمير في قوله:(بَيْنَهُما)، راجع إلى أصحاب الجنة والنار، المذكورين في الآية المتقدمة .

والأعراف أعالي الحجاب والتلال من الرمل، والعرف للديك، وللفرس، هو الشعر فوق رقبته، وأعلى كل شيء، ففيه معنى العلو، والآية تدلّ على أنّ في أعالي الحجاب الّذي بين الجنة والنار، رجال يعرفون أهل الجنة والنّار بعلائمهم وهم مشرفون على الجانبين، لا رتفاع موضعهم. وظاهر السياق أنّ هؤلاء الرجال منحازون عن الطائفتين متمايزون عن جماعتهم، فيكون بذلك أهل الجمع منقسمين إلى طوائف ثلاث: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب الأعراف .

ثم إنّه وقع الكلام في معرفة من هم هؤلاء الرجال (3)، والتدبّر في الآيات يعطي أنّهم جمع من عباد الله من غير الملائكة، هم أرفع مقاماً وأعلى منزلة من


1 - الدر المنثور، ج4، ص 280 .
2 -سورة الأعراف: الآيات 46ـ48.
3 - اختلف المفسرون في ذلك على اثني عشر قولاً.


(273)

سائر الجمع، يعرفون عامة الفريقين، لهم أن يتكلموا بالحق يوم القيامة ، ولهم أن يشهدوا، ولهم أن يشفعوا، ولهم أن يأمروا ويقضوا، كلّ ذلك بإذنه سبحانه .

وقد تضافرت الروايات على أنّ المراد من الرجال هم الأئمة من آل محمد صلوات الله عليهم .

قال الصدوق: «اعتقادنا في الأعراف أنّه سور بين الجنة والنار عليه رجال يعرفون كلاًّ بسيماهم، والرجال هم النبي وأوصياؤه»(1).

8 ـ لواء الحَمْد

إذا كان يوم القيامة، وحشرالناس على صعيد واحد، وتميّز الفريقان، يعطى النبي الأكرم لواء الحمد، ويتقدّم به ويأخذ مسيره ومن خلفه إلى الجنة، وفي روايات الإمامية أنّ النبي الأكرم يدفعه إلى وصيّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .

وقد ورد في غيرواحد من الروايات ذكر لواء الحمد، وأنّه مكتوب عليه: «المفلحون هم الفائزون بالجنة». وأنّه يمشي عليٌّ والقوم (أهل الجنة) تحت لوائه حتى يدخل الجنة»(2).

وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي نضرة قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:«إنّه لم يكن نبي إلاّ له دعوة قد تنجزها في الدنيا، وإنّي قد اختبأت دعوتي، شفاعة لأُمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي ولا فخر...»(3).


1 - لاحظ بحار الأنوار، ج 8، ص 329 ـ 340 وفي بعض الروايات:« يوقف كل نبي وكل خليفة نبي»، وعند ذلك يكون ذكر النبي والأئمة من باب تطبيق الكلي على المصاديق المثلى .
2 -لاحظ بحارالأنوار،ج8،باب 18، الأحاديث 1ـ12.
3 - مسند ابن حنبل ،ج1، ص 281، وص 295، وج3،ص 144.


(274)

9ـ الحوض

قال الصدوق:«اعتقادنا في الحوض أنّه حق وأنّ الوالي عليه يوم القيامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ يسقي منه أولياءه، ويذود عنه أعداءه. من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً»(1).

روى الفريقان روايات حول الحوض: روى أبوحازم عن سهل بن سعد، قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً. وليردنّ علىّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بينه وبينهم»(2).

روى الصدوق عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن آبائه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:« من أراد أن يتخلص من هول يوم القيامة فليتول وليّي، وليتّبع وصيي وخليفتي من بعدي علي بن أبي طالب، فانّه صاحب حوضي، يذود عنه أعداءه، ويسقي أولياءه. فمن لم يسق منه لم يزل عطشاناً ولم يرو أبداً. ومن سقي منه شربة، لم يشق ولم يظمأ»(3).

وقد تقدم قول رسول الله صلى الله عليه وآله - المنقول متواتراًـ في خطبته يوم الغدير حيث قال :

«فاني فرط على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين».

فنادى مناد: «وما الثّقلان يارسول الله»؟

قال: «الثّقل الأكبر: كتاب الله، والآخر الأصغر: عترتي، وإن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا».(4)


1 -عقائد الصدوق،ص 85.
2 -جامع الأصول، ص 119ـ121وقدنقل روايات كثيرة حول الحوض .
3 - بحارالأنوار، ج 8، ص 19، نقلاً عن أمالي الصدوق، ص 168.
4 - لاحظ في الوقوف على مصادره، ما دبّجه قلم المتتبع الكبير السيد مير حامد حسين الهندي، فقد جمع أسناده وبحث فيها وفي دلالته في ستة مجلدات من كتابه «العبقات». ولاحظ كتاب المراجعات، للإمام شرف الدين، المراجعة الثانية.


(275)

مباحث المعاد

(10)

المعاد الجسماني و الروحاني

قد تعرفت على الدلائل التي أفادت ضرورة وقوع المعاد، كما تعرفت على الآيات التي تشير إلى تلك الد لائل، لكن يقع الكلام في كيفية المعاد، وهل هو جسماني أو روحاني، أجسماني وروحاني معاً.وقبل بيان المراد من الجسمانية والروحانية، نشير إلى كلمات تذكر الأقوال والآراء الموجودة في الكيفية .

1 ـ قال الرازي: «اختلفت أقوال أهل العالم في أمر المعاد على وجوه :

(أ) ـ أنّ المعاد ليس إلا للنفس، وهو مذهب الجمهور من الفلا سفة .

(ب) ـ أن المعاد ليس إلا لهذا البدن، وهوقول نفاة النفس الناطقة، وهم أكثر أهل الإسلام .

(ج) ـ أنّ المعاد للأمرين، وهم طائفة كبيرة من المسلمين »(1).

2 ـ وقال العلامة الحلّي:« اتفق المسلمون على إعادة الأجسام خلافاً للفلاسفة»(2).

3ـ وقال الدواني: «المعاد الجسماني هو المتبادر من إطلاق أهل الشرع، إذ


1 -نهاية العقول. نقله المجلسي في البحار، لاحظ ج7،ص48.
2 -شرح الياقوت، ص 191.


(276)

هو الّذي يجب الاعتقاد به، ويكفر من أنكره، وهوحق، لشهادة نصوص القرآن في مواضع متعددة بحيث لا تقبل التأويل، كقوله تعالى:(أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ... إلى قوله: بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ )(1). قال المفسرون نزلت هذه الآية في أُبىّ بن كعب فإنه خاصم رسول الله وأتاه بعظم قد رمّ وبلى، ففتّه بيده وقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذه بعدما رمّت، قال: نعم، ويبعثك ويدخلك النار. «وهذا مما يقلع عرق التأويل بالكلية، ولذلك قال الإمام (الرازى): إنّه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي وإنكار الحشر الجسماني»(2).

4ـ قال صدر المتألهين: اتّفق المحققون من الفلا سفة والملّيين على أحقّية المعاد، وثبوت النشأة الباقية، لكنهم اختلفوا في كيفيته، فذهب جمهور الإسلاميين وعامة الفقهاء وأصحاب الحديث إلى أنه جسماني فقط، بناء على أنّ الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم، والماء في الورد، والزيت في الزيتونة، وذهب جمهور الفلا سفة وأتباع المشّائين إلى أنّه روحاني أي عقلي فقط لأنّ البدن ينعدم بصوره وأعراضه لقطع تعلق النفس بها، فلا يعاد بشخصه تارة أخرى، إذ المعدوم لا يعاد، والنفس جوهر باق لا سبيل للفناء إليه، فتعود إلى عالم المفارقات لقطع التعلقات بالموت الطبيعي.

وذهب كثير من أكابر الحكماء ومشايخ العرفاء وجماعة من المتكلمين كالغزالي والكعبي والحليمي والراغب الأصفهاني وكثيرمن أصحابنا الإمامية كالشيخ المفيد، وأبي جعفر الطوسي، والسيد المرتضى، والمحقق الطوسى، والعلامة الحلّي، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى القول بالمعادين، ذهاباً إلى أنّ النفس مجرّدة تعود إلى البدن(3).

قال العلامة المجلسي: «إعلم أنّ القول بالمعاد الجسماني ممّا اتفق عليه جميع المليين وهو من ضروريات الدين ومنكره خارج من عداد المسلمين، والآيات الكريمة على ذلك ناصّة لا يعقل تأويلها، والأخبارفيه متواترة لا يمكن ردّها ولا


1 -سورة يس :الآيات 77 ـ 79.
2 -شرح العقائد العضدية، ج2،ص 247.
3 -الأسفار،ج9،ص 165.


(277)

الطعن فيها»(1).

إن القضاء البات في هذه الآراء يتوقف على معرفة ملاك توصيف المعاد بالجسماني والروحاني، وإليك بيانه .

ملاك كون المعاد جسمانياً أوروحانياً

إن لتوصيف المعاد بالجسماني أو الروحاني، أوهما معاً، ملاكين، هما:

الملاك الأول: مايرجع إلى اتخاذ موقف حاسم في حقيقة الإنسان، وأنّها ما هي، فلو قلنا بأن الإنسان عبارة عن هذا الهيكل الجسماني، وليس للروح حقيقة وراء التفاعلات والانفعالات المادية الفيزيائية والكيميائية، وهي سارية في البدن سريان النار في الفحم، والماء في الورد ـ لوقلنا بهذا ـ فلا مناص للقائل بالمعاد من توصيفه بكونه جسمانياً فقط، إذ ليس هناك وراء الجسم، والتأثير الماديين، شيء آخر حتى يعاد.

وأما لوقلنا بأنّ وراء الجسم، ووراء التفاعلات المادية، جوهر حقيقي مدرك، له تعلق بالبدن، تعلّقاً تدبيرياً ما دامت العلقة باقية، فإذا زالت يكون له البقاء ولا يتطرق إليه الفناء. فلو قلنا بذلك، ثم قلنا بأنّه سبحانه يبعث الروح مع البدن، فالمعاد يكون جسمانياًمن جهة، وروحانياً من جهة أخرى، لكون المبعوث ممزوجاً من شيئين ومؤلّفاً من أمرين، ولكل معاد.

وأما لوقلنا بأنّ الروح ـ بعد مفارقتها البدن ـ لا ترجع إليه، لعلة ما، فعندئذ تبعث الروح وحدها من دون تعلّقها بالبدن، فيكون المعاد روحانياً فقط، وهذا الملاك هوالذي يلوح من كلام صدر المتألهين، وصهره عبد الرزّاق اللاهيجي(2).


1 - بحارالأنوار، ج 7، ص 46. ولاحظ حق اليقين، للسيد شبّر، ج2ص 52. ولا نطيل الكلام بنقل كلمات الآخرين .
2 - الأسفار ج 9، ص 165. و «دوهرمراد» المقالة الثالثة، الباب الرابع، ص 449. (فارسي).


(278)

الملاك الثاني: إنّ هناك ملاكاً آخر لكون المعاد جسمانياً، وروحانياً، يلوح ذلك من كلمات الشيخ الرئيس، وهو تقسيم المعاد إلى الجسماني والروحاني، حسب الثواب والعقاب الموعودين: فلو قلنا: إنّ العذاب والعقاب ينحصران بالجسماني منهما، كنعيم الجنّة وحرّ الجحيم، فيكون المعاد معاداً جسمانياً فقط، وأما لوقلنا بأنّ هناك - وراء ذلك - ثواباً وعقاباً عقليين لا يمتّان إلى البدن بصلة، بل يلتذ ويعاقب بهما الروح فقط، فيكون المعاد، وراء كونه جسمانياً، روحانياً أيضاً، وبعبارة أخرى: التذاذ النفس وتألّمها باللذات والآلام العقلية، فهذ املاك كون المعاد، روحانياً.

قال الشيخ الرئيس: «يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع، ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبرالنبوة، وهو الّذي للبدن عند البعث، وخيراته وشروره معلومٌ لا يحتاج إلى أن يعلم، وقد بسطت الشريعة الحقّة التّي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله، حال السعادة والشقاء التي بحسب البدن .

ومنه ماهو معلوم مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقته النبوة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس إلى نفس الأمر، وإن كانت الأوهام منّا تقصر عن تصورهما الآن. والحكماء الإلهيون، رغبتهم في إصابة هذه السعادة أكثر من رغبتهم في إصابة السعادة البدنية، بل كأنهم لا يتلفتون إلى تلك وإن أعطوها، فلا يستعظمونها في جنب السعادة التّي هي مقاربة الحق الأول»(1).


1 - النجاة،ص 291. والشفاء، قسم الإلهيات، المقالة التاسعة، الفصل 7. والظاهرمن كلام الشيخ الرئيس أنه لا سبيل إلى المعاد الجسماني إلا بالشريعة وتصديق خبر النبوة، وقد فسّر كلامه بأنه لا يمكن إثبات المعاد الجسماني وعود البدن مع الروح في النشأة الأخرى بالبرهان، وإنما الطريق إليه هو الشريعة. ولكنه تفسير خاطئ، كيف والأقلون من هذا الشيخ الإلهي مرتبة يثبتون ذلك بالبراهين الفلسفية، وإنما مراده من المعاد الجسماني هواللذات والآلام الجسمانية من الجنة ونعيمها والنار ولهيبها، فإن إثبات خصوص هذه اللذات يرجع إلى السمع وعالم الوحي، ولولا السمع لما قدرنا على الحكم بأنّ لله سبحانه في النشأة الأُخرى هذه النعم والنقم، بل أقصى ما يمكن إثباته هو أن حشر الأجساد يمتنع أن يكون بلا غاية وبلا جهة، أو بلا ثواب ولا عقاب، وأما أن الثواب هو نفس ما ورد في الكتاب من الحور العين والفواكه والثمار وغيرها، أو أنّ العقاب هو النار ولهيبها. فلا يثبته البرهان. ويؤيد ما ذكرنا أنّه يقول: «وهو الذي للبدن عند البعث وخيراته وشروره معلوم». فالشيخ الرئيس إنما رمي بذلك لعدم تفريقهم بين الملاكين في توصيف المعاد بالجسماني أو الروحاني، فزعموا أنّ الملاك عنده هو الأول منهما وغفلوا عن أنّ الملاك هو الثاني منهما كما يعلم من التأمل في كلامه .


(279)

وقال الإمام الرازي: «أمّا القائلون بالمعاد الروحاني والجسماني معاً… فقد أرادوا ان يجمعوا بين الحكمة والشريعة فقالوا: دلّ العقل على أنّ سعادة الأرواح بمعرفة الله تعالى ومحبّته، وأنّ سعادة الأجساد في إدراك المحسوسات، والجمع بين هاتين السعادتين في هذه الحياة غير ممكن، لأن الإنسان مع استغراقه في تجلّي أنوار عالم القدس، لا يمكنه أن يلتفت إلى شيء من اللذات الروحانية، وإنما تعذر هذا الجمع، لكون الأرواح البشرية ضعيفة في هذا العالم، فإذا فارقت بالموت، واستمدت من عالم القدس والطهارة،قويت وصارت قادرة على الجمع بين الأمرين، ولا شبهة في أنّ هذه الحالة هي الحالة القصوى من مراتب السعادات »(1).

وقال الحكيم السبزواري: «القول الفحل والرأي الجزل، هوالجمع بين المعادين لأن الإنسان بدن ونفس، وإن شئت قلت نفس وعقل، فللبدن كمال، ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة وكذا للنفس وقواها الجزئية كمالات وغايات تناسبها وللعقل والقوى الكلية كمال وغاية، ولأنّ أكثرالناس لا يناسبهم الغايات الروحانية العقلية، فيلزم التعطيل في حقهم في القول بالروحاني فقط، وفي القول بالجسماني فقط يلزم في الأقلين من الخواص والأخصّين »(2).

تحليل الملاكين في ضوء القرآن الكريم

اذاكان الملاك في توصيف المعاد بالجسماني أو الروحاني هو كون المحشور الجسم الحي وحده أوالروح وحدها … فالقرآن الكريم يصدّق الأول وينكر الثاني، وذلك أنّ من أمعن النظر في الآيات الواردة حو ل المعاد


1 - شرح العقائد العضدية للمحقق الدواني، ج 1، ص 262 ـ 263.
2 - الأسفار، ج 9 ص 165، تعليقة المحقق السبزواري.


(280)

يقف على أنّ المعاد الّذي يصر عليه القرآن هو عود البدن الذي كان الإنسان يعيش به في هذه الدنيا، ولا يصدّق عود الروح وحدها فقط. ويظهر ذلك من ملاحظة أصناف الآيات الواردة حول المعاد، ونحن نأتي فيما يلي بلفيف منها :

1ـ ماورد في قصة إبراهيم وبقرة بني إسرائيل وإحياء عزير، وأُمّة من بني إسرائيل وأصحاب الكهف (1).

2ـ الآيات التي تصرح بأنّ الإنسان خلق من الأرض وإليها يعاد، ومنها يخرج .

يقول سبحانه:(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَ فِيهَا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى)(2).

ويقول سبحانه: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا)(3).

ويقول سبحانه: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)(4).

ويقول سبحانه (قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَ فِيهَا تَمُوتُونَ وَ مِنْهَا تُخْرَجُونَ)(5).

3ـ الآيات التي تدل على أنّ الحشر عبارة عن الخروج من الأجداث والقبور، مثل قوله سبحانه: (فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)(6).

وقوله تعالى:(يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ)(7).

وقوله تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُب


1 - لاحظ البحث الخامس من مباحث المعاد، حيث ذكرنا نماذج من إحياء الموتى في الشرائع السابقة.
2 -سورة طه :الآية 55 .
3 -سورة نوح: الآية18.
4 -سورة الروم :الآية 25.
5 -سورة الأعراف: الآية 25 .
6 -سورة يس :الآية 51 .
7 - سورة القمر :الآية 7 .


(281)

يُوفِضُونَ)(1).

وقوله تعالى:(أَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)(2).

وقوله تعالى:(وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ)(3).

وقوله تعالى:(أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ)(4).

4 ـ ما يدل على شهادة الأعضاء، قال سبحانه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(5).

وقال تعالى:(وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(6).

وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصَارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ)(7).

5 ـ مايدل على تبديل الجلود بعد نضجها وتقطّع الأمعاء.

قال سبحانه:(كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)(8).

وقال سبحانه:(وَ سُقُوا مَاءً حَمِيًما فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)(9).

إلى غير ذلك من الآيات الواردة في مواقف القيامة، ومشاهدها، ونعيم الجنة وعذاب الججيم، التّي لا تدع لمريب ريباًفي أنّ الإنسان سوف يبعث بهذا


1 -سورة المعارج :الآية 43.
2 - سورة الحج: الآية 7.
3 -سورة الإنفطار:الآية 4.
4 -سورة العاديات: الآية 9.
5 -سورة النور :الآية24.
6 -سورة يس: الآية 65.
7 -سورة فصلت: الآية 41.
8 -سورة النساء:الآية 56 .
9 - سورة محمد: الآية 15 .


(282)

البدن العنصري الذي تكون له الحياة بالنحو الذي كانت له في الدنيا، وهذامما لا نشك فيه.

هذاكله حول الملاك الأوّل، وإليك البحث في الملاك الثاني الذي حاصله أنّ اتصاف المعاد بالجسماني أوالروحاني، يرجع إلى كون الثواب والعقاب جسمانيين فقط، أو أنّ هناك لذات وآلام روحية تلتذ بها النفس أوتتألّم، ولادخالة للجسم في حصول اللّذة والألم .

إن القرآن الكريم يصدّق كلا المعادين بهذا الملاك حيث يثبت اللذات والآلام الجسمانية والروحانية، ولا يخص الثواب والعقاب بما يعرض للنفس عن طريق البدن، وبواسطته. وإليك مايدل على ذلك:

أما ما يدل على الثواب والعقاب الجسمانيين، فحدّث عنه ولا حرج، فالجنة والنار ومافيهما من النعم والنقم يرجعان إلى اللذات والآلام الجسمانية. وإنما الكلام فيما يدل من الآيات على اللذات والآلام الروحية فقط، وفيما يلي نذكر بعضاً منها:

1ـ لذة رضاء المعبود

يقول سبحانه: (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ مَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(1).

فترى أنهّ سبحانه يجعل رضوان الله في مقابل سائر اللّذات الجسمانية، ويصفه بكونه أكبر من الأولى، وأنّه هو الفوز العظيم.

ومن المعلوم أنّ هذا النوع من اللذّة لا يرجع إلى الجسم، بل هي لذّة تدرك بالعقل، والروح في درجتها القصوى .

وهنا كلمة مروية عن الإمام الطاهر علي بن الحسين قال: إذا صار أهل


1 - سورة التوبة: الآية 72.


(283)

الجنة، ودخل ولىّ الله إلى جنانه ومساكنه، واتكأ كل مؤمن منهم على أريكته، حفته خدّامه وتهدلت عليه الثمار، وتفجرت حوله العيون، وجرت من تحته الأنهار، وبسطت له الزرابي، وصففت له النمارق، وأتته الخدام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك، قال :ويخرجون عليهم الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ماشاءالله.

ثم إنّ الجبار يشرف عليهم فيقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكان جنتي في جواري، هل أنبئكم بخير ممّا أنتم فيه، فيقولون ربنا وأي شيء خير مما نحن فيه، نحن فيما اشتهت أنفسنا، ولذّت أعيننا من النعم في جوار الكريم، قال فيعود عليهم بالقول، فيقولوا: ربّنا نعم، فائتنا بخير ممّا نحن فيه، فيقول لهم تبارك وتعالى: رضائي عنكم ومحبتي لكم خير وأعظم ممّا أنتم فيه، قال: فيقولون نعم ياربنا، رضاك عنا ومحبتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا. ثم قرأ علي بن الحسين هذه الآية:(وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ مَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(1).

2 ـ ألم الابتعاد عن رحمة الله

إذاكان إ دراك رضوان المعبود أعظم اللذات العقلية، فادراك الابتعاد عن رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، من أعظم الآلام العقلية. ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يوعد المنافقين والكفار بالنّار، ويعقبه بلعنهم. فكأنّ هناك أ لمينْ: جسمي هو التعذيب بالنار، وعقلي، و هو إدراكهم ألم الابتعاد عن رحمته.

يقول سبحانه: (وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ)(2).

و يظهر عظم هذا الألم، بوقوع هذه الآية قبل آية الرضوان فكأنّ الآيتين


1 - بحار الأنوار، ج 8، ص 140، كتاب العدل والمعاد، الحديث 57.
2 - سورة التوبة: الآية 68.


(284)

تُعْربان عن اللذات والآلام العقلية التّي تدركها الروح بلا حاجة إلى الجسم و البدن.

3 ـ الحسرة يوم القيامة

يقول سبحانه: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوْا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاَْسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَات عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)(1).

إن أصحاب الجحيم عندما يقفون على درجات الجنة ومقامات أصحابها، و ما حلّ بهم من السعادة و الكرامة و الراحة و الاستظلال برحمة اللّه تبارك و تعالى، و تفرغهم عن كل همّ و حزن، ثم ينظرون إلى ما حلّ بهم من عذاب أليم، و طعام من غسلين (2)، و ضريع (3)، و شراب من حميم(4)، يتحسرون على ما ضيّعوا من الفرض، و يندمون على ما فوّتوا في الدنيا و فرطوا في حياتهم، و لكنها الحسرة في وقت لا تنفع فيه.

و هذا النوع من العذاب ـ أعني: الحسرة ـ أشد على النفس مما يحل بها من عذاب البدن، و لأجل ذلك يسمى يوم القيامة بيوم الحسرة، قال سبحانه:(وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَة وَ هُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)(5).

روى أبوسعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إذا دخل أهل الجنة الجنة، و أهل النار النارَ: قيل يا أهل الجنة، فيشرئبون و ينظرون، و قيل يا أهل النار،، فيشرئبون و ينظرون، فيجاء بالموت، كأنّه كبش أمْلَح، فيقال لهم: تعرفون الموت، فيقولون: «هذا، هذا» و كلّ قد عرفه،


1 - سورة البقرة: الآيتان 166 ـ 167 .
2 - سورة الحاقة: الآية 36 .
3 - سورة الغاشية: الآية 6 .
4 - سورة الأنعام: الآية 70.
5 - سورة مريم: الآية 39 .


(285)

قال: فيقدم فيُذبَح، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلاموت، و يا أهل النار خلود فلا موت. قال: و ذلك قوله: (وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ).

و رُوي هذا الحديث عن الإمامين الصادقين ـ عليهما السَّلام ـ، بزيادة: «فيفْرحُ أهل الجنة فرحاً، لو كان أحد يومئذ ميتاً، لماتوا فرحاً، و يشهق أهل النار شهقة، لو كان أحد ميّتاً، لماتوا».(1)

4 ـ لقاء اللّه و مشاهدته العقلية

إن هناك لفيفاً من الآيات تعرب عن تمكن المؤمن من لقائه سبحانه يوم القيامة، يقول سبحانه:(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَ لاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(2).

و هذه الآيات الوافرة تشير إلى لقائه سبحانه. و لكن المفسرين ـ تنزيهاً له سبحانه عن الجسم و الجسمانيات ـ أوّلوها إلى لقاء جزائه سبحانه و ثوابه و عقابه، و رضاه و سخطه، و هذا المعنى مع صحته في نفسه، و مع التركيز على تنزيهه سبحانه عن المشاهدة بالعيون المادية، لا يمكن أن يكون معرباً عن كلّ ما تهدف إليه الآية، فإن لهذه الآيات معنى دقيقاً يدركه العارفون الراسخون في معرفته سبحانه، القائلين بأنّ المعرفة، بذر المشاهدة، لكن لا مشاهدة جسمانية، بل مشاهدة قلبية و عقلية، و لمّا كان بيان هذا النوع من اللّذة العقلية، خارجاً عن موضوع الكتاب نقتصر على هذا المقدار. و من أراد التفصيل فليرجع إلى محله (3).


1 - مجمع البيان، ج 3، ص 515 .
2 - سورة الكهف: الآية 110، ورد هذا المضمون في الذكر الحكيم في سور كثيرة منها: الأنعام: 31، و 154، يونس: 7 و 11 و 15 و 45، العنكبوت: 5 و 23، السجدة: 10 و 23، فصلت: الآية 54.
3 - ما ذكرناه نماذج من اللذات و الآلام الروحية الدالة على أن الثواب و العقاب ليسا محصورين في الجسماني منهما، و من أراد التوسع فليلاحظ كتاب «لقاء اللّه»، للعارف الكبير، الشيخ جواد الملكي، (م 1344 هـ ) و هناك روايات وردت حول الموضوع، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى توحيد الصدوق، و إلى الموسوعة القرآنية: «مفاهيم القرآن».


(286)

المعاد الروحاني عند الحكماء

قد وقفت على تضافر آيات الكتاب و أحاديث السنّة على عدم حصر المعاد في الجسماني، كما تعرفت على حكم العقل في ذلك المجال، و أنّ حصره في المعاد الجسماني يخالف رحمة اللّه الواسعة و حكمته البالغة، و على ذلك فالشرع و العقل متعاضدان على أنّ هناك معاداً غير المعاد الجسماني، و لكن يجب إلفات نظر الباحث في المقام إلى نكتة و هي انّ المعاد الروحاني في الكتاب و السنة يرجع الى اللذات و الآلام الروحية التّي تلتذ بها النفس أو تتألم من دون حاجة إلى آلة جسمانية. و قد عرفت ما هو الوارد في الكتاب في هذا المجال من رضوانه سبحانه و لقائه و الابتعاد عن رحمته و إحاطة الحسرة بالإنسان في تلك النشأة، فهذه هي حقيقة المعاد الروحاني التّي تتلخص في غير اللذات و الآلام الجسمانية، و على هذا فهو يعمّ جميع أهل الجنة و النار من غير فرق بين الكاملين و المتوسطين.

و على الجملة هناك لذّات روحية و آلام كذلك تحيط أهل الجنّة و النار من غير فرق بين طبقاتهم. و أمّا المعاد الروحاني عند الحكماء فهو يختلف عمّا وقفنا عليه في الكتاب بأمرين:

الأول: انّهم يخصّون المعاد الروحاني باللذات العقلية أي درك العقل الأمور الملائمة و المنافرة له، فإن اللذة عندهم على وجه الإطلاق تفسّر بإدراك الملائم من حيث هو ملائم، كالحلو من المذوقات. و الملائم للنفس الناطقة، إدراك المعقولات بأن تتمكن النفس من تصوّر ما يمكن أن يدرك من الحق تعالى، و أنه واجب الوجود، بريء عن النقائص والشرور و الآفات، منبع فيضان الخير على الوجه الأصوب، ثم إدراك ما يترتب بعده من العقول و النفوس المجرّدة و الأجرام السماوية و الكائنات العنصرية حتى تصير النفس بحيث ترتسم فيها صور جميع الموجودات على الترتيب الّذي هو لها.

و على هذا فإدراك الحس، الملائم للحس، معاد جسماني. و إدراك العقل، الملائم له، من الوجودات العالية، معاد روحاني.

و هذه العلوم و إن كانت حاصلة لبعض النفوس في هذه النشأة إلا أنّها معرفة


(287)

ناقصة تتجلى بعد الموت في النشأة الأُخرى بصورة كاملة برفع الموانع و الحجب، فكأنّ المعرفة العقلية بذر المشاهدة. فتلتذ النفوس في النشأة الأخرى بإدراك الأكمل فالأكمل.

و هذا كماترى غير ما أشار إليه القرآن من اللذات الروحية، نعم لا مانع من ثبوت كلا النوعين من المعاد الروحاني، و ليس الوارد في القرآن راداً لهذا القسم.

الثانى: إنّ المعاد الروحاني الوارد في القرآن الكريم يعمّ جميع النفوس، كاملة كانت أو متوسطة أو ناقصة. و لكن المعاد الروحاني الّذي عليه الحكماء يختص بصنف خاص، و هم الكاملون في المعرفة. و ذلك لأنّ المعاد الروحاني حسب الكتاب و السنة، يرجع إلى اللذائذ الروحية لا إلى اللّذة العقلية التّي تختص بالكاملين في المعرفة.

يقول صدر المتألهين: «و هذا النوع من اللذة و السعادة لا تنالها كل نفس و إنما ينالها من عرف العقليات في النشأة الأولى، لأن المعرفة بذر المشاهدة فمعرفة العقليات في النشأة الأولى منشأ الحضور في العقبى».(1)

إن النفوس مختلفة و منقسمة إلى كاملة و متوسطة و ناقصة، فلا شك أنّ حصر المعاد في الجسماني يخالف رحمته الواسعة و حكمته البالغة إذ النفوس الناقصة و المتوسطة، و إن كانت تلتذ بنعيم الجنة، و لكن النفوس الكاملة لا تلتفت إلى مثلها بل تطلب غاية أعلى منها، و لأجل ذلك يجب أن يكون هناك وراء هذه اللذات الحسية، لذة عقلية تتشوق إليها النفوس الكاملة و تصبو إليها، و ليست هي إلا نيل مقامات القرب من الحق تعالى.

يقول الحكيم السبزواري: «لو حصروا المعاد في الجسماني لكان قصوراً حيث عطّلوا النفوس الكاملة عن البلوغ إلى غاياتها، لأنها المستصغرة للغايات الجزئية، الطالبة للاتصال بالأرواح المرسلة، بل لمحض القرب من اللّه تعالى».


1 - الأسفار، ج 9، ص 123، و 129 .


(288)

و قال في موضع آخر «إنّ الخلق طبقات فالمجازات متفاوتة، فكل منها محبوب و مرغوب و جزاء يليق بحالها، و اللذائذ الحسية للكمّل في العلم و العمل، كالظلّ غير الملتفت إليه بالذات، و التفاتهم بباطن ذواتهم و ما فوقهم». (1)

ثم إن للحكماء المتألهين في تبيين السعادة و الشقاء الأُخرويين العقليين مباحث مهمة لا سيما في تبيين دور العقل النظري و العملي فيهما، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مظانها(2).

* * *


1 - لاحظ إلهيات الشفاء، و المبدأ و المعاد للشيخ الرئيس. و الأسفار الأربعة لصدر المتألهين، ج 9 و شرح المنظومة وأسرار الحكم، كلاهما للحكيم السبزواري، و غيرها من كتب الفلاسفة .
2 - شرح المنظومة للحكيم السبزواري، المقصد السادس، الفريدة الثانية.


(289)

مباحث المعاد

(11)

الرجعة

قضية الرجعة التّي تحدثت عنها بعض الآيات القرآنية و الأحاديث المروية عن أهل بيت الرسالة، مما تعتقد به الشيعة من بين الأُمة الإسلامية، و ليس هذا بمعنى أنّ مبدأ الرجعة يُعدّ واحداً من أصول الدين، و في مرتبة الاعتقاد باللّه و توحيده، و النبوة و المعاد بل إنها تُعدّ من المسلّمات القطعية، و شأنها في ذلك شأن كثير من القضايا الفقهية و التاريخية التّي لا سبيل إلى إنكارها. مثلا اتّفقت كلمة الفقهاء على حرمة مسّ النساء في المحيض، بنص الكتاب العزيز يقول تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَـحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَـحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)(1).

و دلّت الوثائق التاريخية على أنّ معركة بدر وقعت في السنة الثانية للهجرة. فالأُولى قطعية فقهية، و الثانية قطعية تاريخية، و لكن لا يعدان من أصول العقائد الإسلامية، و شأن الرجعة في هذا المجال شأنهما.

إذا عرفت ذلك نقول: الرجعة في اللّغة ترادف العودة، و تطلق اصطلاحاً على عودة الحياة إلى مجموعة من الأموات بعد النهضة العالمية للإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ و هذه العودة تتم بالطبع قبل حلول يوم القيامة. و طبقاً لهذا المبدأ، فالحديث عن العودة، يُعدّ من أشراط القيامة.


1 - سورة البقرة: الآية 222 .


(290)

و على ضوء ذلك، فظهور الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ شيءٌ، و عودة الحياة الى مجموعة من الأموات شيء آخر، كما أن البعث يوم القيامة أمر ثالث، فيجب تمييزها و عدم الخلط بينها.

قال الشيخ المفيد: «ان اللّه تعالى يحشر قوماً من أُمة محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، بعد موتهم، قبل يوم القيامة، و هذا مذهب يختص به آل محمد (صلوات اللّه عليه و عليهم)، و القرآن شاهد به». (1)

و قال المرتضى متحدثاً عن الرجعة عند الشيعة: «اعلم أنّ الّذي تذهب الشيعة الإمامية إليه، أنّ اللّه تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان، المهدى ـ عليه السَّلام ـ، قوماً ممن كان قد تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته و معونته، و مشاهدة دولته، و يعيد أيضاً من أعدائه لينتقم منهم، فيلتذوا بما يشاهدون من ظهور الحق و علو كلمة أهله».(2)

و قال العلامة المجلسي: «و الرجعة انما هي لممحضي الايمان من أهل الملّة، و ممحضي النفاق منهم، دون من سلف من الأُمم الخالية».(3)

فالاعتقاد بالرجعة من الأُمور القطعية المسلّم بها، و الروايات الكثيرة الواردة عن الأئمة المعصومين لا تُبقي أي مجال للشك في وقوعها.

يقول العلامة المجلسي: «كيف يشك مؤمن بحقيّة الأئمة الأطهار فيما تواتر عنهم فيما يقرب من مائتي حديث صريح، رواها نيّف و ثلاثون من الثقات العظام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم كثقة الإسلام الكليني و الصدوق و...».(4)

و قد وصف الشيخ الحرّ العاملي الروايات المتعلّقة بالرجعة بأنها أكثر من أن


1 - بحار الأنوار، ج 53، ص 136 ، نقلا عن المسائل السروية، للشيخ المفيد.
2 - المصدر السابق نفسه، نقلا عن رسالة كتبها السيد المرتضى جواباً على أسئلة أهل الريّ.
3 - المصدر السابق نفسه، و قد نقل أقوال علماء الشيعة ونصوصهم في هذا الجزء من بحاره فمن أراد زيادة الاطلاع فليرجع إليه ص 22 ـ 144 .
4 - المصدر السابق.


(291)

تعد و تحصى و أنّها متواترة معنى. (1)

هذه بعض كلمات كبار علماء الشيعة و محدثيهم حول الرجعة، و يقع الكلام في مقامين

الأول ـ إمكان الرجعة.

الثاني ـ الدليل على وقوعها في هذه الأُمة.

* * *

المقام الأول: إمكان الرجعة

يكفي في إمكان الرجعة، إمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة، فإنّ الرجعة و المعاد، ظاهرتان متماثلتان و من نوع واحد مع فارق أنّ الرجعة محدودة كيفاً و كمّاً، و تحدث قبل يوم القيامة، بينما يبعث جميع الناس يوم القيامة ليبدأوا حياتهم الخالدة.

و على ضوء ذلك، فالاعتراف بإمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة، ملازم للإعتراف بإمكان الرجعة في حياتنا الدنيوية. و حيث إنّ حديثنا مع المسلمين الذين يعتبرون الايمان بالمعاد من أصول شريعتهم، فلابد لهؤلاء اذن من الاعتراف بإمكانية الرجعة.

أضف إلى ذلك أنّه قد وقعت الرجعة في الأُمم السالفة كثيراً، و قد تحدثنا عنه عند ذكر شواهد من إحياء الموتى في الأمم السالفة نظير:

1 ـ إحياء جماعة من بني إسرائيل (2).

2 ـ إحياء قتيل بني إسرائيل(3).


1 - الإيقاظ من الهجعة، الباب الثاني، الدليل الثالث.
2 - سورة البقرة: الآيتان 55 ـ 56 .
3 - سورة ا لبقرة: الآيتان 72 ـ 73 .


(292)

3 ـ موت ألوف من الناس و بعثهم من جديد(1).

4 ـ بعث عُزَير بعد مائة عام من موته(2).

5 ـ إحياء الموتى على يد عيسى ـ عليه السَّلام ـ. (3)

و بعد وقوع الرجعة في الأمم السالفة، هل يبقى مجال للشك في إمكانها؟

و تصوّر أنّ الرجعة من قبيل التناسخ المحال عقلا، تصوّر باطلٌ، لأنّ التناسخ عبارة عن رجوع الفعلية إلى القوة، و رجوع الانسان إلى الدنيا عن طريق النطفة، و المرور بمراحل التكوّن البشري من جديد، ليصير إنساناً مرة أخرى، سواء أدَخَلَتْ روحُه في جسم انسان أم حيوان، و أين هذا من الرجعة و عود الروح إلى البدن المتكامل من جميع الجهات، من دون أن يكون هناك رجوع إلى القوة بعد الفعلية.

* * * *

المقام الثاني ـ أدلة وقوع الرجعة

يدل على وقوع الرجعة في هذه الأُمّة قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الاَْرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّة فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يوزَعُونَ)(4).

لا يوجد بين المفسرّين من يشك بأنّ الآية الأولى تتعلق بالحوادث التّي تقع قبل يوم القيامة و يدل عليه ما روى عن النبى الأكرم من أن خروج دابة الأرض من علامات يوم القيامة، إلاّ أنّ هناك خلافاً بين المفسرين حول المقصود من دابة الأرض ، و كيفيّة خروجها، و كيف تتحدث، و غير ذلك ممّا لا نرى حاجة لطرحه؟


1 - سورة البقرة: الآية 243 .
2 - سورة البقرة: الآية 259 .
3 - سورة آل عمران: الآية 49 .
4 - سورة النمل: الآيتان 82 ـ 83 .


(293)

روى مُسلم أنّه قال رسول اللّه: إنّ الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسفٌ بالمشرق، وَخَسْفٌ بالمغرب، و خسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجّال، ودابّة الأرض، و يأجوج و مأجوج، و طلوع الشمس من مغربها، و نارٌ تخرج من قعر عدن ترحل الناس»(1).

انما الكلام في الآية الثانية، و الحق أنّها ظاهرة في حوادث قبل يوم القيامة، و ذلك لأنّ الآية تركز على حشر فوج من كل جماعة بمعنى عدم حشر الناس جميعاً، و من المعلوم أنّ الحشر ليوم القيامة يتعلق بالجميع، لا بالبعض، يقول سبحانه: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الاَْرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(2).

أفَبَعْدَ هذا التصريح، يمكن تفسير ظرف الآية بيوم البعث و القيامة؟

و هناك قرينتان أُخريان، تحقّقان ظرفها لنا إن كنّا شاكين، و هما:

أوّلا: إنّ الآية المتقدمة عليها تذكر للناس علامة من علامات القيامة، و هي خروج دابة الأرض، و من الطبيعي، بعد ذلك أنّ حشر جماعة من الناس يرتبط بهذا الشأن.

ثانياً: ورد الحديث في تلك السورة عن القيامة في الآية السابعة و الثمانين، أي بعد ثلاث آيات، قال سبحانه: ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّموَاتِ وَمَن فِي الاَْرْضِ إِلاَّ مَن شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)(3).

و هذا يعرب عن أنّ ظرف ما تقدم عليها من الحوادث يتعلق بما قبل هذا اليوم، و يحقّق أنّ حشر فوج من الذين يكذبون بآيات اللّه يحدث حتماً قبل يوم القيامة، و هو من أشراط هذا اليوم، و سيقع في الوقت الّذي تخرج فيها دابة من الارض تكلم الناس.

و من العجب قول الرازى بأنّ حشر فوج كل من أمّة سيقع بعد قيام


1 -صحيح مسلم، ج 8، كتاب الفتن، و أشراط الساعة، باب في الآيات التّي تكون قبل الساعة، ص 179.
2 - سورة الكهف: الآية 47 .
3 - سورة النمل: الآية 87 .


(294)

الساعة(1). فإنّ هذا الكلام خاو لا يستند إلى أيّ أساس. و ترتيب الآيات و ارتباطها ببعضها، ينفيه، و يوكّد ما ذهب إليه الشيعة من أنّ الآية تشير الى حدث سيقع قبل يوم القيامة.

أضف إلى ذلك انّ تخصيص الحشر ببعض، لا يجتمع مع حشر جميع الناس يوم القيامة.

نعم، الآية قد تحدثت عن حشر المكذبين، و أما رجعة جماعة أخرى من الصالحين فهو على عاتق الروايات الواردة في الرجعة.

و أمّا كيفية وقوع الرجعة و خصوصياتها فلم يتحدث عنها القرآن، كما هو الحال في تحدثه عن البرزخ و الحياة البرزخية.

و يؤيد وقوع الرجعة في هذه الأمّة وقوعها في الأمم السالفة كما عرفت و قد روى أبو سعيد الخدري أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَتتَّبِعُنّ سُنَنَ من كان قبلكم، شبراً بشبر، و ذراعاً بذراع. حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموه. قلنا يا رسول اللّه: اليهود و النصارى؟ قال: فمن؟ (2).

و روى أبوهريرة أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «لا تقوم الساعة حتى تُؤخذ أُمّتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر، و ذراعاً بذراع، فقيل: يا رسول اللّه: كفارس و الروم؟ قال: و من الناس إلاّ اولئك؟» (3)

و روى الشيخ الصدوق ـ رحمه الله ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «كل ما كان في الأُمم السابقة فإنه يكون في هذه الأُمة مثله، حذو النعل بالنعل، و القذّة بالقذّة»(4).


1 - مفاتيح الغيب، ج 4، 218 .
2 - صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بقول النبي، ج 9، ص 112 .
3 - صحيح البخاري ج 9، ص 102. و كنز العمال، ج 11، ج 133 .
4 - كمال الدين، ص 576 .


(295)

و بما أن ّ الرجعة من الحوادث المهمة في الأمم السالفة، فيجب أن يقع نظيرها في هذه الأُمة أخذاً بالمماثلة، و التنزيل.

و قد سأل المأمون العباسي، الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن الرجعة فأجابه، بقوله: إنّها حق، قد كانت في الامم السالفة، و نطق بها القرآن، و قد قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأُمم السالفة حذو النعل بالنعل، و القذة بالقذة».(1)

هذه هي حقيقة الرجعة و دلائلها، و لا يدّعي المعتقدون بها أكثر من هذا، و حاصله عودة الحياة إلى طائفتين من الصالحين و الطالحين، بعد ظهور الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ، و قبل وقوع القيامة. و لا ينكرها إلاّ من لم يمعن النظر في أدلتها(2).

* * *

أسئلة و أجوبتها

السؤال الأول ـ كيف يجتمع إعادة الظالمين مع قوله سبحانه: ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَة أَهْلَكْنَاها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(3)، فإن هذه الآية تنفي رجوعهم بتاتاً، و حشر لفيف من الظالمين يخالفها؟


1 - بحار الانوار، ج 53، ص 59، الحديث 45.
2 - بقي هنا بحثان:
1 ـ من هم الراجعون.
2 ـ ما هو الهدف من إحيائهم؟
و اجمال الجواب عن الأول أن الراجعين لفيف من المؤمنين و لفيف من الظالمين.
و اجمال الجواب عن الثاني ما جاء في كلام السيد المرتضى المنقول آنفاً، حيث قال: «إن اللّه تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدى ـ عليه السَّلام ـ، قوماً ممن كان تقدم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته و معونته، و مشاهدة دولته، و يعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينقتم منهم...» إلى آخر كلامه.
لاحظ تفصيل جميع ذلك في البحار، ج 53 و الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، للشيخ الحر العاملي.
3 - سورة الأنبياء: الآية 95 .


(296)

و الجواب: إن هذه الآية مختصة بالظالمين الذين أهلكوا في هذه الدنيا و رأوا جزاء عملهم فيها، فهذه الطائفة لا ترجع. و أما الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة، فيرجع لفيف منهم ليروا جزاء عملهم فيها، ثم يُردّون إلى أشد العذاب في الآخرة أيضاً. فالآية لا تمت إلى مسألة الرجعة بصلة.

السؤال الثاني ـ إن الظاهر من قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(1)، نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجي الموت.

و الجواب: إنّ الآية تحكي عن قانون كلّي قابل للتخصيص في مورد دون مورد، و الدليل على ذلك ما عرفت من إحياء الموتى في الأمم السالفة، فلو كان الرجوع إلى هذه الدنيا سنة كليةً لا تتبعض و لا تتخصص، لكان عودها إلى الدنيا مناقضاً لعموم الآية.

و هذه الآية، كسائر السنن الإلهية الواردة في حق الإنسان، فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع، و هذا لا ينافي الرجوع في مورد أو موارد لمصالح عُليا.

السؤال الثالث ـ إنّ الاستدلال على الرجعة مبني على جعل قوله سبحانه: (و يَومَ نحْشُرُ مَنْ كُلّ أُمّة فْوجاً ممّن يُكذبُ بآياتنا فهُم يوزعون)، حاكياً عن حادثة تقع قبل القيامة، و لكن من الممكن جعلها حاكية عن الحادثة التّي تقع عند القيامة، غير أنّها تقدمت على قوله سبحانه: (و يَومَ يُنْفَخُ في الصوّر)، و كان طبع القضية تأخيرها عنه، و المراد من الفوج من كل أُمّة هو الملأ من الظالمين و رؤسائهم؟

و الجواب: أوّلا: إنّ تقديم قوله: (و يَوْمَ نَحْشُرُ...)، على فرض كونه حاكياً عن ظاهرة تقع يوم القيامة، على قوله: (و يَوْمَ يُنْفَخُ)، ليس إلاّ إخلال في الكلام، بلا مسوّغ .


1 - سورة المؤمنون: الآيتان 99 ـ 100.


(297)

و ثانياً: إن ظاهر الآيات أنّ هناك يومين، يومُ حشر فوج من كل أُمة، و يوم نفخ في الصور، و جعل الأول من متمّمات القيامة، يستلزم وحدة اليومين، و هو على خلاف الظاهر.(1)

* * *


1 - و إذا أحطت خُبراً بما ذكرناه، يتبين لك سقوط كثير ممّا ذكره الآلوسي في تفسيره عند البحث عن الآية. لاحظ تفسيره، ج 20، ص 26.


(298)

مباحث المعاد

(12)

التّناسخ و أقسامه و براهينُ بطلانه

التناسخ من النسخ بمعنى النقل (1)، أو بمعنى إزالة بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، و الشيب الشباب.(2)

فالنسخ يعرب عن خصوصيتين: النّقْل و التّحوّل. و سيوافيك أنّ كلتيهما مأخوذتان في التناسخ المصطلح، الّذي يعرب عن حالة نقل و تحوّل خاصة.

ثم إن للانتقال أقساماً نشير أليها.

أ ـ الانتقال من النشأة الدنيوية إلى النشأة الأُخروية الّذي نسمّيه بالمعاد.

ب ـ الانتقال من القوة إلى الفعل، كانتقال النفس في ظل الحركة الجوهرية إلى كمالها الممكن.

ج ـ انتقال النفس بالموت، من البدن المادي إلى بدن مثله في هذه النشأة و هذا النوع من الانتقال هو التناسخ المصطلح الّذي ذهب إليه بعض الفلاسفة من البراهمة و الهندوس و غيرهم.

و تبيين الحق يتوقف على بيان ما يتصور للتناسخ من الأقسام حتى يعلم أيُّ


1 - أقرب الموارد، ج 2، مادة نسخ.
2 - المفردات في غريب القرآن، مادة نسخ .


(299)

قسم منها يضاد المعاد و يخالفه، فنقول: إن للتناسخ المطروح من قبل أصحابه صوراً ثلاث:

الصورة الأولى: التناسخ المطلق

و هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر في هذه النشأة، فإذا مات البدن الثاني انتقلت إلى ثالث، و هكذا بلا توقف أبداً، و البدن المنتقل إليه قد يكون بدن إنسان أو حيوان أو نبات. و طريق الانتقال غالباً، هو التعلّق بجنين الإنسان أو الحيوان، أو بالخليّة النباتية. و قد نسب هذا القول إلى القدماء من الحكماء.

قال شارح حكمة الإشراق (1): «إن شرذمة قليلة من القُدماء ذهبوا إلى امتناع تجرّد شيء من النفوس بعد المفارقة لأنها جسمانية، دائمة الانتقال في الحيوانات و غيرها من الأجسام، و يعرفون بالتناسخية، و هم أقلّ الحكماء تحصيلا».(2)

الصورة الثانية: التناسخ المحدود (النزولي)

و هو أن يختص الانتقال ببعض النفوس دون بعض آخر، و هذا كما هو محدود من حيث الأفراد، محدود كذلك من حيث الزمان. و ذلك لأنّ الانتقال قد ينقطع، و لا ترجع النفس إلى النشأة الدنيوية، بل تلتحق بعالم النور و العقول.

و وجه المحدودية من حيث الأفراد، أن النفوس المفارقة للأبدان بعد الموت، على قسمين:

1 ـ نفوس كاملة في مجالي العلم و العمل، فهذه لا حاجة لها للانتقال إلى أبدان أُخرى، لأنها وصلت إلى كمالها الممكن، فلا تحتاج إلى الرجوع ثانية الى هذه النشأة.


1 - قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي، المتوفّى عام 710 أو 716 للهجرة.
2 - شرح حكمة الأشراق، المقالة الخامسة، الفصل الأول، ص 476.


(300)

2 ـ و نفوس ناقصة في كلا المجالين، فلا مناص لتكاملها من إرجاعها إلى هذه النشأة حتى تكتمل فيهما إلى أن تصير غنية عن الرجوع، فتلحق بعالم العقول.

و أما المحدودية من جانب الزمان، فوجهه أنّ الهدف من التناسخ و رجوع النفس الى البدن في هذه النشأة مجدداً، هو إكمالها في مجال العلم، و تهذيبها من الرذائل، و تجريدها من الكدورات. فاذا صارت منزهة عنها، فلا وجه لدوام هذا النقل و التحوّل، بل لا مناص من لحوقها بعد الاستكمال بعالم النور.

و يسمى التناسخ المحدود من حيث الأفراد و الأزمنة بـ «التناسخ النزولي».

يقول صدر المتألهين شارحاً هذه العقيدة «إن أول منزل للنفس الصّيصية الانسانية»(1) و يسمونها «باب الأبواب لحياة جميع الأبدان الحيوانية و النباتية» و هذا هو رأي يوذاسف التناسخي، قائلا بأن الكاملين من السعداء تتصل نفوسهم بعد المفارقة بالعالم العقلي والملأ الأعلى، و تنال من السعادة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر. و أما غير الكاملين من السُعداء كالمتوسطين منهم و الناقصين في الغاية و الأشقياء على طبقاتهم، فتنتقل نفوسهم من هذا البدن إلى تدبير بدن آخر من النوع الإنساني لا إلى غيره.

و بعضهم جوّز ذلك و لكن اشترط أنْ يكون إلى بدن حيواني. و بعضهم جوّز النقل من البدن الإنساني إلى البدن النباتي أيضاً، و بعضهم إلى الجامد أيضاً».(2)

الصورة الثالثة: التناسخ الصعودي

و هناك قسم ثالث من التناسخ يسمى بالصعودي، يغاير التناسخ النزولي، وحاصله أنّ الحياة انما تفاض على المستعد فالمستعد، و النبات ـ بزعمهم ـ أشدّ


1 - أي البدن والهيكل المادي الإنساني في اصطلاح شيخ الإشراق ومن تابعه.
2 - الأسفار، ج 9، الباب الثامن، الفصل 2، ص 8 ، ويسمى الأول نسخاً و الثاني مسخاً و الثالث فسخاً و الرابع رسخاً ، يقول الحكيم السبزواري:
نَسْخٌ و مَسْخٌ رَسْخٌ فسخ قُسما إنساناً و حيواناً جماداً نما


(301)

استعداداً و أولى بقبول الفيض الجديد من الحيوان و الإنسان، كما أنّ الإنسان يستدعي نفساً أشرف، و هي التّي جاوزت الدرجات النباتية و الحيوانية.

و في ضوء هذا، فالحياة تفاض على النبات أولا، ثم تنتقل منه إلى الحيوان، ثم إلى الانسان، و هذا النوع من التناسخ أشبه بالقول بالحركة الجوهرية، و أنّ الأشياء في ظلّها تخرج من القوة إلى الفعل، و من النقص إلى الكمال، و أنّ الموجود النباتي يتحول إلى الحيوان، ثم الإنسان، لكن الفرق بين القول بالتناسخ الصعودي و الحركة الجوهرية، هو أنّ التكامل في القول بالتناسخ على وجه الانفصال دون الاتّصال، فالنفس النباتية تنتقل من النبات الى البدن الحيواني، ثم منه الى البدن الانساني، و لكن التحول في الحركة الجوهرية، على وجه الاتّصال، و انّ النطفة الإنسانية تتحول و تتكامل من مرتبة ناقصة الى مرتبة كاملة حتى يصدق عليها قوله سبحانه: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(1).

فظهر أنّ في التناسخ أقوالا ثلاثة:

1 ـ التناسخ المطلق: و هو ما لا ينتهي النقل فيه و لا يتوقف و يعم الجميع.

2 ـ التناسخ النزولي: و هو ما لا يعم الجميع أولا، و يتوقف النقل فيه بعد التصفية و بلوغ مراتب الكمال، ثانياً.

3 ـ التناسخ الصعودي: و هو ما يحصل فيه انتقال النفس في جهة الصعود، من النبات الى الحيوان فالانسان. اذا تعرفت على المراد من هذه الأقسام، فإليك تحليلها، و بيان بطلانها:

العناية الالهية و التناسخ المطلق

إنّ التناسخ المطلق يعاند المعاد معاندة تامة، و القائل به ليس له التفوّه بعود


1 - سورة المؤمنون: الآية 14. و ما ذكرناه إجمال ما يرمي إليه أصحاب هذا القول، و التفصيل يطلب من محله، لا حظ في ذلك «أسرار الحكم» للحكيم السبزواري، ص 293 ـ 294 .


(302)

الأرواح إلى الأبدان في النشأة الأخرى، لأنّ المفروض ان الروح تنتقل الى الأبد من بدن إلى بدن، بلا توقف، فلا مجال للنفس لكي تبعث في النشأة الأُخرى. و لعل أصحاب هذه النظرية ـ لقلّة تدبّرهم ـ حسبوا هذا النوع من الانتقال للنفس معاداً لها، فالمعاد عندهم هو انتقال النفس من بدن الى بدن في هذه النشأة دون أن تكون هناك نشأة اخرى.

و يردّها ان النفس عند هؤلاء لا تخلو من إحدى حالتين: إما أن تكون منطبعة في البدن، انطباع الأعراض في الجواهر، و الصور الجوهرية في المادة، فهي ممتنعة الانتقال، اذ الانطباع ينافي الانتقال، والجمع بينهما جمع بين النقيضين، فانه يستلزم أن تكون النفس في حال الانفصال موجودة بلا موضوع، و متحققة بلا محل.

أو تكون مجرّدة تجرداً تاماً، و مع ذلك تكون دائمة الانتقال في الاجسام من غير لحوق بعالم النور و هو باطل أيضاً اذ العناية الالهية، تقتضي ايصال كل ذي كمال الى كماله، وكمال النفس العلمي يتحقق بصيرورتها عقلا مستفاداً(1)، فيه صور جميع الموجودات، و كمال العقل العملي يتحقق بالتخلية عن رذائل الأخلاق، و التحلية بمكارمها. فلو كانت دائمة الانتقال، كانت ممنوعة عن كما لها، أزلا و أبداً، و العناية الأزلية تأبى ذلك.(2)

و بعبارة أُخرى: إنّ النفس الانسانية مستعدة لافاضة الكمالات عليها، فحبسها في الصياصي البدنية في هذه النشأة، و ايقافها عن الصعود إلى النشأة الأُخرى، يخالف الحكمة الالهية المتعلقة بابلاغ كل ممكن الى غايته الممكنة.

* * *


1 - العقل المستفاد أحد مراتب العقل الأربعة المصطلح عليها في الحكمة النظرية: و هي عبارة عن: 1 ـ العقل الهيولاني، 2 ـ العقل بالملكة، 3 ـ العقل بالفعل، 4 ـ العقل المستفاد، راجع في توضيحها شرح المنظومة للحكيم السبزواري، قسم الطبيعيات، مباحث النفس، ص 306 ـ 307.
2 - شرح حكمة الإشراق المقالة الخامسة، الفصل الأول، ص 476، و الأسفار، ج 9 الباب الثامن، الفصل الثاني.


(303)

الحركة الرجعية و التناسخ النزولي

و الّذي يُبطل هذا النوع الثاني من التناسخ، استلزامه الحركة الرجعية للنفس من الأشد إلى الأنقص، و من الأقوى إلى الأضعف بحسب الذات، و هو أمر محال و توضيحه:

إن حقيقة التناسخ النزولي تتحقق بتعلق روح الإنسان بعد مفارقة البدن بالموت، بجنين إنسان أو حيوان أو خلية نباتية، و الكل دونها في الكمال. فأصحاب هذا القول يتصورون أن النفوس المتوسطة تنتقل بعد فناء أبدانها إلى أجنة الإنسان أو الحيوان، و تعود إلى الدنيا لمتابعة مسيرة الاستكمال، و الإرتقاء إلى درجة النفوس الكاملة.

و لكنه خيال باطل، لأن تعلق تلك النفوس بأجنة الإنسان أو الحيوان لا يخلو من صورتين:

الأُولى: أنْ تتعلق النفس بالجنين الإنساني أو الحيواني بما لها من الكمال المناسب لمقامه. و هذا غير ممكن عقلا، لأن النفس ما دامت في البدن تزداد في فعليتها شيئاً فشيئاً حتى تصير أقوى وجوداً و أشد تحصُلا. و مثل هذا لا يمكنه أن يتعلق بالموجود الأدنى منه، الّذي لا يتحمل ذلك الكمال و تلك الفعليّة، لعدم تحقق التعاضد و الانسجام بينهما.

و بعبارة أُخرى: إنّ واقعية النفس التّي عاشت مع البدن أربعين سنة مثلا، واقعية تفتّح القوى و بلوغها مقام الفعلية. و أما واقعية النفس التّي تتعلق بالأجنة، فهي فقدان كلّ فعلية، و انتسابها الى جميع الكمالات بالقوة، فحسب. فالقول بتعلق تلك الفعلية بالجنين، جمع بين النقيضين. لأنها ـ على الفرض ـ بما أنّها نفس إنسان مرّت عليه أربعون سنة، مستجمعة لجميع الكمالات بالفعل. و بما أنها تعلقت بالجنين، مستجمعة لها بالقوة فحسب. فتكون الكمالات في محل واحد و زمان واحد، بالفعل و بالقوة معاً، و هذا محال.

الثانية: أن تتعلق تلك النفوس بالأجنّة، لكن بعد تنزّلها عن فعليّاتها، و انسلاخها عن كمالاتها. و هذا النحو من التعلّق، و إن كان يوجد بين البدن


(304)

و النفس تعاضداً و انسجاماً، لكن ذاك الانسلاخ إما ناشيء من ذات النفس و نابع من صميمها، وإما قد حصل بقهر من اللّه سبحانه. و الأول لا يتصور، لأن الحركة الذاتية من الكمال إلى النقص غير معقولة، و الثاني ينافي الحكمة الإلهية التّي تقتضى بلوغ كل ممكن إلى كماله الممكن(1).

و بما أن القائلين بهذا النوع من التناسخ يخصّونه بالمتوسطين في الكمال و الناقصين فيه، دون الكاملين في مجالي العلم و العمل، فهو على طرف النقيض من المعاد في الصنفين الأوّلين، دون الصنف الثالث الذين لهم الحشر و الانتقال الى النشأة الأُخرى دون التناسخ.

نعم، المتوسطون و الناقصون ـ بعد انتهاء دورة التناسخ و زمنها ـ ينتقلون إلى عالم النور فيكون لهم من الحشر ما للكاملين من أفراد الإنسان.

* * *

التناسخ الصعودي و انتقال النفس

ذكرنا أنّ اصحاب التناسخ الصعودي يقولون بأنّ تكامل النفس من بدء حدوثها يتوقف على ظهور الحياة في النبات لتكون نفساًنباتية إلى أن تنتقل إلى بدن الحيوان فتصير نفساً حيوانية، ثم نفساً إنسانية، و عندئذ يقع السؤال في حقيقة هذه النفس، فنقول:

إن النفس الموجودة في الحيوان مثلا، إما منطبعة انطباع النقوش في الحجر، و الأعراض في موضوعاتها، و الصور في محالّها، فيكون انتقالها مستحيلا على ما مرّ، أعني استلزامه أن تكون في آن الانتقال بلا موضوع و محل.

و إمّا مجرّدة، لها من الخصوصيات ما للنفوس الحيوانية، فمن المعلوم أنّ النفس الحيوانية بما لها من الخصوصية يمتنع أن تتحول إلى النفس الإنسانية، فإنّ كمال النفس الأُولى عبارة عن القوة الشهوية و حسّ الانتقام، و هما يعدّان كمالا


1 - ما ذكرناه تقريراً واضح لما أفاده صدر المتألهين، في أسفاره. لاحظ الأسفار، ج 9، ص 16 .


(305)

لنفوس الدواب و الأنعام و أصلاً عظيماً للجسمانية و الاخلاد إلى الأجساد. فلو تعلقت هذه النفس ـ بهذه الخصوصية ـ بالانسان، لوجب أن تنحط درجة إلى نوع نازل من الحيوان المناسب لهذه السجايا و الغرائز. فاذا كان مقتضى الشهوة الغالبة أو الغضب الغالب، شقاء النفس و نزولها إلى مراتب الحيوانات الصامتة، التّي كمالها في كمال إحدى هاتين القوتين، فيمتنع أن يكون وجود هاتين القوتين و أفعالهما منشأ لارتفاع النفوس من درجتها البهيمية و السبعية إلى درجة الانسان الّذي كمال نفسه كسر هاتين القوتين. فتعلق النفس الحيوانية بما لها من الخصوصيات و الغرائز بالانسان، لا يرفعه بل ينزله إلى درجة تناسب درجة الحيوانات.(1)

و على الجملة فالنفس الحيوانية متشخصة بغرائز خاصة هي التمايلات الشهوية و السبعية و الاخلاد الى الأرض و المادة، فكيف يمكن أن تكون مثل هذه أساساً لتكامل الانسان و تعاليه، الّذي لا يتحقق له التكامل إلا بتحطيم هذه الغرائز و كسر ثورتها فإن هذا أشبه بجعل وجود الضد شرطاً لوجود ضد آخر.

نعم، هذا الاشكال انما يتصور في التكامل الصعودي المنفصل المراتب و الدرجات دون متصلها كما في تكامل الانسان في رحم أمه من الجمادية الى النفس الانسانية، في ظل صور متوالية متتالية دون أن يقع بينها انفصال.

و على كل تقدير فهذا القسم من التناسخ باطل في نفسه، و ان كان لا يصادم القول بالمعاد و حشر الانسان في النشأة الأُخرى، بخلاف القسمين السابقين، فان الاول منهما على طرف النقيض من المعاد مطلقاً و القسم الثاني على طرف النقيض منه في مورد غير الكاملين من النفوس الانسانية.

* * * * *

تحليل جامع للقول بالتناسخ

قد تعرفت على اقسام التناسخ و البراهين التّي تهدم أساس كل واحد منها،


1 - لاحظ الأسفار : ج 9، ص 23 .


(306)

و هناك برهانان آخران على بطلان التناسخ على وجه الإطلاق، من دون أن تختصا بقسم دون قسم، و اليك بيانهما:

الأول: اجتماع نفسين في بدن واحد

و هذا البرهان مبني على أمرين:

أ ـ إنّ كل جسم نباتاً كان أو حيواناً أو انساناً، اذا بلغ من الكمال إلى درجة يصير فيها صالحاً لتعلّق النفس به، تتعلق به. و بعبارة أخرى: متى حصل في البدن مزاج صالح لقبول تعلق النفس المدبرة به، فبالضرورة تفاض عليه من الواهب من غير مهلة و لا تراخ، و ذلك مقتضى الحكمة الإلهية التّي شاءت ابلاغ كل ممكن إلى كماله الممكن.

ب ـ ان القول بالتناسخ يستلزم تعلّق النفس المستنسخة المفارقة للبدن، ببدن نوع من الأنواع من نبات أو حيوان أو إنسان، بحيث يتقوّم ذلك البدن بالنفس المستنسخة المتعلقة به.

و لازم تسليم هذين الأمرين، تعلّق نفسين ببدن واحد: إحداهما النفس المفاضة على البدن لأجل صلاحيته للإفاضة، و ثانيتهما النفس المستنسخة المتعلقة بعد المفارقة بمثل هذا البدن.

و من المعلوم بطلانه و ذلك لأن تشخص كل فرد من الأنواع بنفسه و روحه، و فرض نفسين و روحين مساوق لفرض ذاتين و وجودين لوجود واحد و ذات واحدة.

أضف إلى ذلك: أنه ما من شخص إلا و يشعر بنفس و ذات واحدة. قال التفتازاني: انّ كل نفس تعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس أخرى تدبر أمره و أن ليس لها تدبير و تصرّف في بدن آخر، فالنفس مع البدن على التساوي، ليس لبدن واحد إلا نفس واحدة و لا تتعلق نفس واحدة إلا ببدن واحد(1).


1 - شرح المقاصد ، ج 2 ص 38 و لاحظ كشف المراد، ص 113، ط صيدا، و يضيف الأخير: انه لو تعلق نفس واحدة ببدنين لزم أن يكون معلوم أحدهما معلوماً للآخر و بالعكس، و كذا باقي الصفات النفسانية، و هو باطل بالضرورة.


(307)

سؤال و جواب:

أما السؤال فهو أنّ هذا انما يتم اذا كان هناك فصل زمني بين صلوح البدن لافاضة الحياة و تعلّق النفس المستنسخة. و أما اذا كان صلوحه و قابليته، مقارناً لتعلق النفس المستنسخة، فلا يلزم اجتماع نفسين في بدن واحد، لأنها تمنع عن أفاضة الحياة عليه، فلا تكون له نفسان و لا حياتان؟

و الجواب: ان كون النفس المستنسخة مانعة من حدوث النفس الأخرى ليس بأولى من منع الأخرى من التعلّق بالبدن.

أضف الى ذلك أنّ استعداد المادة البدنية لقبول النفس من الواهب للصور، يجري مجرى استعداد الجدار لقبول نور الشمس مباشرة أو انعكاساً اذا رفع الحجاب من أمامه. فإن كان عند ارتفاع الحجاب جسم ثقيل ينعكس فيه نور الشمس الواقع عليه إلى ذلك الجدار، أشرق عليه النوران الشمسيان المباشري و الانعكاسي، و لا يمنع من وقوع الانعكاسي، وقوع النور المباشري عليه. و مثل ذلك ما نحن فيه، غير أن اجتماع النفسين ممتنع، ومانعية أحداهما عن طروء الأُخرى غير صحيحية. فينتج أنّ التناسخ المبتني على أحد الأمرين (اجتماع نفسين أو مانعية إحداهما من طروء الأخرى) باطل.(1)

الثاني: عدم التناسخ بين النفس و البدن

قد ثبت في محله أنّ تركيب البدن و النفس، تركيب طبيعي اتحادي، لا تركيب انضمامي، فليس تركيبهما كتركيب السرير من الأخشاب و المسامير، و لا كتركيب العناصر الكيميائية و تأثير بعضها في بعض.

و النفس في أول حدوثها متسمة بالقوة، في كل ما لها من الأحوال، و كذا البدن، و لها في كل وقت شأن آخر من الشؤون الذاتية بازاء سن الطفولة و الصبا


1 - لاحظ الأسفار، ج 9، ص 10 . وهذا البرهان يختص بالمشائيين و قبله صدر المتألهين أيضاً.


(308)

و الشباب و الشيخوخة و الهرم. و هما معاً يخرجان من القوة الى الفعل، و درجات القوة و الفعل في كل نفس معينة بازاء درجات القوة و الفعل في بدنها الخاص بها ما دامت متعلقة به. فاذا صارت بالفعل في نوع من الأنواع استحال صيرورتها تارة اخرى في حد القوة المحضة، كما استحال صيرورة الحيوان بعد بلوغه تمام الخلقة، نطفة و علقة.

فلو تعلقت نفس منسلخة ببدن آخر عند كونه جنيناً أو غير ذلك يلزم كون أحدهما بالقوة و الآخر بالفعل، و ذلك ممتنع. لأن التركيب بينهما طبيعي اتحادي، و التركيب الطبيعي يستحيل بين أمرين، أحدهما بالفعل و الآخر بالقوة.(1)

نعم، هذا البرهان انما يتم لو تعلقت النفس ببدن أدون من حيث الدرجات الفعلية من النفس، كما اذا تعلقت بالجنين على مراتبه و أما لو تعلقت ببدن له من الفعلية ما للنفس منها، فالبرهان غير جار فيه.

و هذا البرهان يغاير البرهان الّذي ذكرناه ، عند ابطال التناسخ النزولي فان محور البرهان هنا لزوم التناسق بين البدن و النفس من حيث القوة و الفعل، و هذا الشرط مفقود في أكثر موارد التناسخ، كما اذا تعلقت بالجنين.

وأما ما ذكرناه في ابطال التناسخ النزولي فان محوره هو لزوم الحركة الرجعية في عالم الكون، و رجوع ما بالفعل الى ما بالقوة، فلا يختلط عليك الأمران.

* * * *

سؤالان و جوابان

قد فرغنا من أقسام التناسخ و أنواعه و ما يمكن أن يستدل به على ابطالها.و بقى هنا سؤالان يجب طرحهما والإجابة عنهما.


1 - الاسفار، ج 9، ص 2 ـ 3 .


(309)

السؤال الأول: التناسخ و وقوع المسخ في الأُمم السالفة

لو كان تعلق النفس الإنسانية ببدن الحيوان بعد مفارقة البدن الإنساني تناسخاً ممتنعاً، فكيف وقع المسخ في الأُمم السالفة، حيث مسخوا الى القردة و الخنازير كما يقول سبحانه: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِن ذلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ)(1).

و يقول سبحانه: ( فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)(2).

فان صريح هذه الآيات تحول جماعة من البشر الى قردة و خنازير، و هو لا ينفك عن تعلق نفوسهم البشرية بأبدان الحيوانات. فما هو الفرق بينه و القول بالتناسخ؟

الجواب: ان مقوم التناسخ أمران:

1 ـ تعدد البدن، فان في التناسخ بدنين: احدهما البدن الّذي تنسلخ عنه الروح و الثاني: البدن الّذي تتعلق به ثانياً بعد المفارقة سواء كان نباتاً أو حيواناً أو جنيناً.

2 ـ تراجع النفس الانسانية من كمالها الى الحد الّذي يناسب بدنها المتعلقة به من نبات أو حيوان أو جنين أو انسان.

وكلا الشرطين مفقود في المقام فان الأُمة الملعونة و المغضوب عليها مسخت الى القردة و الخنازير بنفس أبدانها الأولية، فخرجت عن الصورة الانسانية إلى الصورة القردية و الخنزيرية من دون أن يكون هناك بدنان. كما أن نفوسها السابقة بقيت


1 - سورة المائدة: الآية 60.
2 - سورة الأعراف: الآية 166. و الاستدلال مبني على أن المراد من النكالة هو العقوبة كما أن المراد من الموصول في «لما بين يديها و ما خلفها»، الذنوب المتقدمة على الاصطياد و المتأخرة عنه. فتكون اللام في قوله: «لما» سببيّة. (لاحظ مجمع البيان، ج 1، ص 130) .


(310)

على الحد الّذي كانت عليه، و ذلك لتنظر إلى الصورة الجديدة التّي عرضت عليها، فتعاقب و تنزجر. وإلا لو انقلبت نفوسها من الحد الّذي كانت عليه إلى حد النفس الحيوانية، فلا شك أنّها ستكون قردة بالحقيقة، و عندئذ لا يترتب عليه عقاب و لا يصدق عليه النكال مع أنه سبحانه يصفه نكالا، و يقول: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)(1).

و هذان الأمران يفصلان المسخ في الأُمم السالفة عن القول بالتناسخ.

و بالجملة: فقد تجلت الروحيات الخبيثة التّي كانت عليها تلك الأُمّة، على ظواهر أبدانها، فلبست لباس الخنازير و القردة المعروفة بالحرص الشديد، و مثل هذا ـ مع وحدة البدن و عدم نزول النفس عن درجتها السابقة ـ لا يعدّ تناسخاً.

قال التفتازاني: «ان المتنازع هو أن النفوس بعد مفارقتها الأبدان، تتعلق في ا لدنيا بأبدان أُخر للتدبير و التصرف و الاكتساب، لا أن تتبدل صور الأبدان كما في المسخ. أو أن تجتمع أجزاؤها الأصلية بعد التفرق، فتردّ إليها النفوس، كما في المعاد على الاطلاق، و كما في إحياء عيسى بعض الأشخاص». (2)

و قال العلامة المجلسي: «إن امتياز نوع الإنسان، اذا كان بهذا الهيكل المخصوص، فلا يكون إنساناً بل قرداً. و إن كان امتيازه بالروح المجردة، كانت الإنسانية باقية غير ذاهبة، و كان انساناً في صورة حيوان، و لم يخرج من نوع الإنسان و لم يدخل في نوع آخر»(3).

يقول العلامة الطباطبائي: لو فرضنا إنساناً تغيّرت صورته إلى صورة نوع آخر من أنواع الحيوان كالقرد و الخنزير، فانما هي صورة على صورة ، فهو إنسان خنزيرٌ أو إنسان قردُ لا إنسان بطلت انسانيته و حلّت الصورة الخنزيرية أو القردية محلها، فالإنسان اذا اكتسب صورة من صور الملكات، تصورت نفسه


1 - سورة البقرة: الآية 66 .
2 - شرح المقاصد، ج 2، ص 39 .
3 - البحار، ج 58، طبعة بيروت، ص 113 .


(311)

بها، و لا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حد ما ستظهر في الآخرة بعد الموت.

فالممسوخ من الإنسان، إنسان ٌ ممسوخ، لا انّه ممسوخٌ فاقد للإنسانية.

و بذلك يظهر الفرق بين المقام و التناسخ، فإن التناسخ هو تعلق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن، ببدن آخر، بخلاف المقام(1).

السؤال الثاني: التناسخ و الر جعة

ما هو الفرق بين التناسخ الباطل بالأدلة السابقة، و القول بالرجعة على ما عليه الإمامية، فان رجوع بعض النفوس بعد مفارقتها أبدانها، إليها في هذه النشأة، أشبه بالتناسخ.

و الجواب: قد عرفت عند البحث عن المسخ، أن مجوز التناسخ أمران: تعدد البدن و تراجع النفس عن الحد الّذي كانت عليه، وكلاهما مفقودان في الرجعة، فإن النفس ترجع الى البدن الّذي فارقته من دون أن تمس كمال النفس، و تحطها من مقامها، بل هي على ما هي عليه من الكمال عند المفارقة، فتتعلق أخرى بالبدن الّذي فارقته.

و من هنا يظهر أن القول بالحشر في النشأة الأُخرى على طرف النقيض من التناسخ.

خاتمة المطاف

إن الذكر الحكيم ينصّ على عدم رجوع نفس الإنسان إلى هذه الدنيا بعد مفارقتها البدن (خرج ما خرج بالدليل كما في احياء الأموات بيد الأنبياء العظام و غيره) يقول سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ


1 - الميزان، ج 1، ص 210 بتلخيص .


(312)

يُبْعَثُونَ)(1).

إن قوله سبحانه (كلاّ)، ردع لطلب الرجوع إلى الدنيا، فيفيد أنه على خلاف السنة الإلهية، و مع ذلك فهو كسائر السنن التّي ربما يخرج عنها بدليل.و بذلك تعرف قيمة كلمة أحمد أمين المصري ذلك الكاتب المستهتر حيث يقول: «وتحت التشيّع ظهر القول بتناسخ الأرواح».(2) و المسكين لا يفرق بين المسخ و التناسخ، كما لا يفرق بين التناسخ و الرجعة، بل بين التناسخ و المعاد.

* * *


1 - سورة المؤمنون: الآيتان 99 ـ 100 .
2 - فجر الاسلام، ص 277. و قد افترى على الشيعة في كتابه هذا ما افترى، و ندم عليه في أُخريات عمره حيث لا ينفع الندم.


(313)

مباحث المعاد

(13)

الإيمان و أحكامه

الإيمان، من الأمن، و له في اللغة معنيان متقاربان، أحدهما: الأمانة، التّي هي ضدّ الخيانة، و معناها سكون القلب. و الآخر: التصديق، و المعنيان متدانيان.(1)

و المراد هنا هو المعنى الثاني، فيقال: آمن به، إذا أذعن به و سكنت نفسه و اطمأنّت بقوله، و هو تارة يتعدى بالباء كما في قوله تعالى: (آمنّا بما انْزلْتَ)(2)، وأُخرى باللام، كما في قوله تعالى: (و ما أنْتَ بمؤمن لنا)(3)و قوله تعالى: (فآمن له لوط)(4).

و هذه الآيات تدل على أنّ الإيمان هو التصديق القلبي، و يؤكّده قوله سبحانه (أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهُِم الإيمان)(5)، و قوله سبحانه: (وَ لمّا يدْخل الإيمان في قُلوبِكُمْ)(6)، و قوله سبحانه: (وَ قَلْبُهُ مُطمَئنّ بالإيمان)(7).


1 - مقاييس اللغة، ج 1، ص 133. و لو جعل سكون القلب تفسيراً للمعنى الثاني أي التصديق لكان أحسن.
2 - سورة آل عمران: الآية 53 .
3 - سورة يوسف: الآية 17.
4 - سورة العنكبوت: الآية 26 .
5 - سورة المجادلة: الآية 22 .
6 - سورة الحجرات: الآية 14 .
7 - سورة النحل: الآية 106 .


(314)

و تؤكّده آيات الطبع و الختم، فانها تعرب عن كون محل الإيمان هو القلب، كما يقول سبحانه: ( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)(1) و يقول سبحانه (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)(2). و الختم على السمع و البصر لأجل كونهما من أدوات المعرفة التّي يستخدمها القلب.

و المآل هو القلب. فالامعان في هذه الآيات يثبت أنّ الايمان هو التصديق القلبي، و أما أنّ هذا المقدار من الايمان يكفي في نجاة الانسان أو لا، فهو بحث آخر، إذ من الممكن أن يكون للإيمان في مجال النجاة شروط أُخر.

* سؤال:

لو كان الإذعان القلبي كافياً في صدق الإيمان، فلماذا يندد سبحانه بجماعة من الكفار بأنّهم جحدوا الحقيقة بألسنتهم و إن استيقنوها بقلوبهم، مع أنّهم على التعريف الّذي ذكرناه، مؤمنين. يقول سبحانه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(3)، و يقول سبحانه: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)(4)، و يقول سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(5). فهذه الآيات تدلّ على عدم كفاية التصديق القلبي في صدق الايمان.

جوابه:

إنّ الايمان هو التصديق، و أما التنديد، فلأنّ ظاهرهم كان مخالفاً لباطنهم، فكانوا يتظاهرون بالنفاق، ولولا التظاهر بالخلاف، بأن لا يجحدوا بعد


1 - سورة النحل: الآية 108 .
2 - سورة الجاثية: الآية 23.
3 - سورة النمل: الآية 14 .
4 - سورة البقرة: الآية 89 .
5 - سورة البقرة: الآية 146 .


(315)

الاستيقان، و لا يكفروا باللسان ما عرفوه قبلا، لكانوا مؤمنين حقاً.

نعم، لا يمكن الحكم بإيمانهم في مجال الإثبات إلا إذا دلّ الدليل على إذعانهم قلباً، و هذا خارج عن موضوع البحث.

* سؤال:

ما هو الأثر المترتب على التصديق القلبي؟

جوابه:

الإيمان بهذا المعنى، موضوع للأثر في الدنيا و الآخرة. أما في الدنيا، فحرمة دمه و عرضه و ماله، إلا أن يرتكب قتلا أو يأتي بفاحشة.

و أما في الآخرة، فصحة أعماله، و استحقاق الثواب عليها، و عدم الخلود في النار، و استحقاق العفو و الشفاعة في بعض المراحل.

* سؤال:

إن التصديق اللساني، أيضاً له أثره الدنيوى من حرمة الدم و العرض و المال؟

جوابه:

إن التصديق اللساني بما أنّه كاشف عن التصديق القلبي، يترتب عليه ذلك الأثر فالأثر للمكشوف عنه لا للكاشف، و إلا فلو تبين نفاقه، و أنّه يتظاهر بما ليس في القلب، فلا حرمة لدمه و ماله و عرضه في الواقع.

نعم، يجب علينا مجازاته حسب إقراره و اعترافه إلا إذا كشف بقوله و إقراره عن سريرته، هذا.

و إن السعادة الأُخروية رهن العمل، لا يشك فيه من له إلمام بالشريعة


(316)

و الآيات و الروايات الواردة حول العمل، و التصديق القلبي إذا لم يقترن بالعمل، لا ينجو الإنسان من عذاب الآخرة.

* * *

هذا هو الحق في الإيمان، وها هنا أقوال أخر، نشير إليها:

الأول: إن الايمان هو التصديق بالقلب و اللسان معاً، و لا يكفي التصديق القلبى وحده، و هذا القول للمحقق الطوسي مستدلا بما مضى من قوله سبحانه: (وَ جَحدوا بها واسْتَيْقَنَتها أنفسهم)(1).

يلاحظ عليه: إنّ التنديد بهم سببه نفاقهم، و عدم مطابقة لسانهم لما في قلوبهم. فلو كانوا مستيقنين غير منكرين بألسنتهم لكانوا مستحقين للثناء.

الثاني: إنّ الإيمان هو الاقرار باللسان. و استدل القائل به بأنّ من أعلن بلسانه شهادة الإسلام فهو مسلم محكوم له بحكم الإسلام.

أضف إليه قول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السوداء: «اعتقها فإنها مؤمنة».(2)

يلاحظ عليه: إنّ الحكم لهم بالإسلام أو بالإيمان انما هو بحسب الظاهر، و ليس هو حكماً بحسب الواقع، ففي هذا المقام يجعل الاعتراف اللساني طريقاً إلى التصديق الجناني، و لو علم خلافه، لحكم بالنفاق. قال سبحانه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الاْخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)(3).

فانّ الرسول و أصحابه كانوا مكلفين بالحكم حسب المعايير الظاهرية التّي تكشف عادة عن الإيمان القلبي، قال رسول اللّه: أُمرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه، و يومنوا بما أُرسلْت به، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني


1 - كشف المراد، ص 270، ط صيدا.
2 - الفِصَل، ج 3، ص 206 .
3 - سورة البقرة: الآية 8 .


(317)

دماءهم و أموالهم إلاّ بحقها، و حسابهم على اللّه»(1).

و بذلك يظهر وجه حكمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السوداء بأنها مؤمنة. روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال : رُب رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «إنّي لم أُبْعَثُ لأشُقّ عن قلوب الناس». (2)

و كيف يكتفي القائل بالتصديق اللساني، مع أنّ صريح الكتاب على خلافه، قال سبحانه: (قَالَتِ الاَْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِْيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(3) والأعراب صدّقوا بألسنتهم، و أنكروا بقلوبهم فرد اللّه عليهم بأنّكم لستم مؤمنين لأنّكم مصدّقون بألسنتكم لا بقلوبكم.

الثالث: إنّ الإيمان هو التصديق بالقلب و اللسان مع العمل، فالعمل عنصر حقيقي مقوّم للإيمان، و الفاقد له ليس بمؤمن بتاتاً، و القائلون بهذا هم الخوارج و المعتزله(4)، غير أنّ بينهما فرقاً في المقام.

فالخوارج يرون العمل مقوّماً للإيمان، فالمقرّ قلباً و لساناً إذا فقد العمل، ارتكب الكبيرة، فقد صار كافراً، و لأجل ذلك يُكفّرون مرتكب الكبيرة، و يحكمون عليه بالخلود في النار، اذا لم يتب.

و المعتزلة، مع أنّهم يرون العمل مقوّماً للإيمان، غير أنّهم لا يُكَفّرون تارك العمل، و مرتكب الكبيرة، بل يجعلونه في منزلة بين الإيمان و الكفر، و المكلف عندهم على ثلاث حالات:

إيمان، اذا قام بالتصديقين، و عمل بالوظائف.

و كُفْر، إذا فقد التصديق القلبي، أو هو واللساني .

و منزلة بين المنزلتين إذا قام بالتصديقين، و لكن فقد العمل.


1 - الفصل، ج 3، ص 206 .
2 - المصدر السابق نفسه.
3 - سورة الحجرات: الآية 14 .
4 - شرح الأصول الخمسة، ص 139 .


(318)

و الكلام مع هؤلاء في مقامين:

1 ـ نقد هذا المذهب عن طريق الكتاب و السنة.

2 ـ تحليل ما تمسكوا به في اثبات عقيدتهم.

أما الأوّل، فالآيات الدالة على أنّ العمل ليس عنصراً مقوّماً للإيمان (و إن كان مؤثراً في النجاة) كثيرة نشير إلى بعضها.

قوله تعالى: (إنّ الذين آمنوا و عَملوا الصالحات)، فالعطف يقتضي المغايرة، و لو كان العمل داخلا في الايمان للزم التكرار. و احتمال كون المقام من قبيل ذكر الخاص بعد العام، يحتاج إلى نكتة و مسوغ له.

قوله تعالى: ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ )(1) فالجملة حالية، المقصود منها: (من عمل حال كونه مؤمناً)، و هذا يقتضي المغايرة.

قوله تعالى: ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ)(2).

فأطلق المؤمن على الطائفة العاصية، و قال ما هذا معناه: فإن بغت إحدى الطائفتين من المؤمنين على الطائفة الاخرى منهم).

نعم، يحتمل أن يكون إطلاق المؤمن عليهم باعتبار حال التلبس، أي باعتبار كونهم مؤمنين قبل القتال، لا بلحاظ حال صدور الحكم.

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(3).

فأمر الموصوفين بالايمان، بتقوى اللّه، و هو الإتيان بالطاعات و الاجتناب عن المحرمات، فدلّ على أنّ الإيمان يجتمع مع عدم التقوى، و إلا كان الأمر به لغواً و تحصيلا للحاصل.


1 - سورة طه: الآية 112 .
2 - سورة الحجرات: الآية 9 .
3 - سورة التوبة: الآية 119 .


(319)

و احتمال أنّ الآية أمرٌ على الاستدامة، خلاف الظاهر.

هذا حسب الآيات، و أمّا السنة فهناك روايات تدل على أنّ الاقرار المقترن بالعرفان ايمان، منها ما رواه الصدوق بسند صحيح عن جعفر الكناسي قال: قلت لأبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ: ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً، قال:يشهد أن لا إله إللّه و أنّ محمداً عبده و رسوله، و يقرّ بالطاعة، و يعرف إمام زمانه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن». (1)

و أما الثاني: و هو تحليل ما استدلوا به على أنّ العمل عنصر مقوم للإيمان بحيث لولاه فهو إما كافر أو في منزلة بين المنزلتين. فقد استدلوا بآيات:

1 ـ قوله سبحانه: ( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ)(2)، فلو كان الايمان هو التصديق، لما قبل الزيادة و النقيصة، لأن التصديق أمره دائر بين الوجود و العدم، و هذا بخلاف ما لو كان العمل جزءاً من الايمان، فإنه عندئذ يزيد و ينقص حسب زيادة العمل و نقيصته، و الزيادة لا تكون إلا في كمية عدد لا فيما سواها، و لا عدد في الاعتقاد(3).

يلاحظ عليه: إنّ الايمان ـ بمعنى الاذعان ـ أمرٌ مقول بالتشكيك، و لليقين مراتب بشهادة أنّ يقين الانسان بأنّ الاثنين نصف الأربعة، يفارق يقينه في الشدة و الظهور بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس، كما أنّ يقينه الثاني يفارق يقينه بأن كل ممكن فهو زوج تركيبي من ماهية و وجود، و هكذا يتنزل اليقين من القوة إلى الضعف إلى أن يصل إلى أضعف المراتب التّي لو تجاوز عنها لزال وصف اليقين و انقلب إلى الظن أو الشك. فمن ادّعى بأنّ أمر الايمان ـ بمعنى التصديق و الاذعان ـ دائر بين الوجود و العدم، فقد غفل عن حقيقته و مراتبه، فهل يصح لنا أن ندّعي أنّ ايمان الأنبياء، كإيمان سائر الناس، كلا، لأنّ الأنبياء معصومون، و عصمتهم ناشئة من يقينهم بآثار المعاصي، الّذي يصدهم عن


1 - البحار، ج 66، ص 16، نقلا عن معاني الأخبار للصدوق .
2 - سورة الفتح: الآية 4 .
3 - الفصل، لابن حزم الظاهري ج 3، ص 194 .


(320)

اقترافها، فلو كان اذعانهم كإذعان سائر الناس، لما امتازوا عنهم بالعصمة عن المعصية.

و ما ذكروه من أنّ الزيادة تستعمل في الكمية العددية، فهو منقوض بآيات كثيرة استعملت فيها الزيادة في غيرها، قال سبحانه: (وَيَخِرُّونَ لِلاَْذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً)(1)، و قال سبحانه: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذَا الْقُرْآنِ لَيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً)(2)و المراد شدة خشوعهم، و شدة نفورهم، لا كثرة عددهما. و غير ذلك من الآيات التّي استعمل فيها ذلك اللفظ فيما ير جع إلى الكيفية لا الكمية.

2 ـ قوله سبحانه: ( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)(3). و المراد من الايمان، صلاتهم الى بيت المقدس قبل أن ينسخ بالأمر باستقبال الكعبة(4).

يلاحظ عليه: إنه لو أخذ بظاهر الآية، فيجب أن يكون الايمان نفس العمل، و هو مجمع على خلافه. أضف إلى ذلك أنّه استعمل الايمان و أريد منه العمل في المقام، و الاستعمال أعم من الحقيقة، و لا شك أنّ العمل أثر الايمان ورد فعل له، فمن الشائع إطلاق السبب و ارادة المسبب .

3 ـ قوله سبحانه ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(5).

أقسم سبحانه بنفسه أنّهم لا يُؤمنون إلا بتحكيم النبي و التسليم بحكمه، و عدم وجدان الحرج في قضائه. و التحكيم غير التصديق، بل هو عمل خارجي(6).


1 - سورة الاسراء: الآية 109 .
2 - سورة الاسراء: الآية 41.
3 - سورة البقرة: الآية 143 .
4 - البحار، ج 66، ص 18 .
5 - سورة النساء: الآية 65 .
6 -الفصل، ج 3، ص 195 .


(321)

يلاحظ عليه: إنّ الآية وردت في شأن المنافقين، فانهم كانوا يتركون النبي ويرجعون في دعاويهم إلى الأحبار، و هم مع ذلك يدّعون الايمان و الاذعان و التسليم للنبي. فنزلت الآية بأنه لا يقبل منهم ذلك الادّعاء حتى يرى أثر الايمان في حياتهم، و هو تحكيم النبي في المرافعات، و التسليم العملي أمام قضائه، و عدم إحساسهم بالحرج، و هذا هو الظاهر من الآية، لا أنّ التحكيم بما أنّه عمل، جزء من الايمان. و هذا نظير ما إذا ادّعى إنسان حبّاً لرجل فيقال له: ان كنت صادقاً فيجب انْ يُرى أثر الحب في حياتك فاعمل له كذا و كذا.

4 ـ قوله سبحانه: (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(1) فسمى سبحانه تارك الحج كافرا(2).

يلاحظ عليه: إنّ المراد كفران النعمة، حيث إن ترك فريضة الحج مع الاستطاعة، كفران لنعمته سبحانه، و قد استعمل الكفر في مقابل شكر النعم، قال سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(3).

كما ربما يكون المراد من الكفر جحد وجوب الحج. و غير ذلك مما استدلوا به من الآيات. و أنت اذا احطت بما ذكرنا، تقدر على الاجابة عن استدلالهم بها(4).

نعم، هناك روايات عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ تعرب عن كون العمل جزءاً من الايمان، نظير قول الصادق ـ عليه السَّلام ـ: «ملعونٌ، ملعونٌ من


1 - سورة آل عمران: الآية 97 .
2 - البحار، ج 66، ص 19 .
3 - سورة إبراهيم: الآية 7 .
4 - مثل قوله سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(البينة 5) مستدلين بأنّ المشار اليه بلفظة «ذلك»، جميع ما ورد بعد الأمر، من عبادة اللّه سبحانه بالاخلاص و إقامة الصلاة و ايتاء الزكاة، استدل به ابن حزم في الفصل، ج 3 ص 194 و قد أجاب عنه الأستاذ دام ظله في الجزء الثالث من بحوثه في الملل و النحل، فلاحظ.


(322)

قال: الايمان قول بلا عمل» (1) و الظاهر أنّ هذه الروايات وردت لرد المرجئة التّي تكتفي في الحياة الدينية بالقول و المعرفة، و تؤخر العمل، و ترجو رحمته و غفرانه، مع عدم القيام بالوظائف. و قد تضافرت عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لعن المرجئة(2).

سؤال:

لو كان الايمان هو التصديق، فهل هو يزيد و ينقص.

الجواب:

قد علم هذا مما ذكرنا من كون الايمان ذا مراتب، و أن نفس الاذعان، له درجات. و ليس القول بزيادة الايمان و نقصانه مختصاً بمن جعل العمل عنصراً مقوّماً للايمان، بل هو يتحقق أيضاً عند من يقول بأنّ الايمان هو التصديق القلبي، و ليس العمل جزءاً منه. إلى هنا تبيّنت حقيقة الأقوال الأربعة في بيان حقيقة الايمان، و قد عرفت أنّ الصواب هو الأول منها، و هو التصديق القلبي(3).

* * *


1 - البحار، ج 66، باب أنّ الايمان مبثوث على الجوارح، الحديث 1، ص 19، و لا حظ سائر الروايات في هذا الكتاب.
2 - لاحظ الوافي، للفيض الكاشاني، ج 3، أبواب الكفر، و الشرك، باب أصناف الناس، ص 46.
3 - بقي هنا المرجئة، و هو لا يفترق كثيراً عن القول الثالث من الاكتفاء بالتصديق اللساني، و من أراد التفصيل فليرجع إلى الجزء الثالث من أبحاث الشيخ الاستاذ حفظه اللّه في الملل و النحل.


(323)

مباحث المعاد

(14)

التوبة وشرائطها

إنّ التوبة من المكفّرات التّي نص الكتاب و الحديث على تكفير الذنوب بها، تحت شرائط خاصة و اشباع الكلام فيها يتم بالبحث في أُمور:

الأمر الأول ـ فلسفة التوبة

ربما يتوّهم أنّ في تشريع التوبة و الدعوة إليها إغراءً بالمعصية و تحريضاً على ترك الطاعة، بدعوى أنّ الانسان اذا أيقن أنّه سبحانه يقبل توبته رغم اقترافه المعاصي، تزيد جرأته على هتك الحرمات، والانهماك في الذنوب، فيدق باب كل قبيح، معتمداً على التوبة.

و لكنه توهم ساقط من أصله، فانه لو كان باب التوبة موصداً في وجه العصاة، و اعتقد المجرم بأنّ العصيان مرّة واحدة يدخله في عذاب اللّه، فلا شكّ أنّه سيتمادى في اقتراف السيئات و ارتكاب الذنوب، معتقداً بأنه لو غيّر حاله إلى الأحسن، لما كان له تأثير في تغيير مصيره، فلأي وجه يترك لذات المحرمات في ما يأتي من ايام عمره. و هذا بخلاف ما لو اعتقد بأنّ الطريق مفتوح و النوافذ مشرعة، و أنّه لو تاب توبة نصوحاً ينقذ من عذابه سبحانه، فهذا يعطيه الأمل برحمة اللّه تعالى و يترك العصيان في مستقبل أيامه. و كم و كم من الشباب عادوا الى الصلاح بعد الفساد في ظل الاعتقاد بالتوبة، بحيث لو لا ذلك الاعتقاد لأسهروا لياليهم في المعاصي، بدل الطاعات.


(324)

و لأجل ذلك نرى في التشريعات الجنائية العالمية قوانين للعفوعن السجناء المؤبّدين، اذا شوهدت منهم الندامة و التوبة، و تغيير السلوك، فتشريع هذا القانون يكون موجباً لإصلاح السجناء، لا تقوية روح الطغيان فيهم. فالانسان حي برجائه، و لو ساد عليه اليأس و القنوط من عفوه و رحمته سبحانه، لزاد في طغيانه في عامة أدوار عمره.

الأمر الثاني ـ حقيقة التوبة

إن التوبة كما يستفاد من الآيات و الروايات حالة نفسانية مؤثّرة في النفس فتصلحها و تعدها للصلاح الّذي فيه سعادة الدنيا و الآخرة. و من المعلوم أنّ هذه الغاية لا تحصل إلا بتحقق أمرين:

1 ـ الندم على ما مضى.

2 ـ العزم على عدم العودة إليه اذا قدر.

فلو انتفى الأمران أو أحدهما لما حصلت تلك الحالة المؤثرة في صلاح النفس وإعدادها لكمالات أُخرى، فيلزم في التوبة وجود هذين الأمرين، سواء أقلنا، انّ التوبة مركبة منهما و أنّ كل واحد منهما جزء لها، كما نقل عن أبي هاشم الجبائي، أو قلنا: إن التوبة أمر بسيط هو الندم على ما مضى، و أما العزم فهو من شروطها و لوازمها، كما عليه الشيخ المفيد(1) فإن هذا نزاع لفظي لا ثمرة له إلا في موارد نادرة، كما اذا ندم على ما سلف من القبيح و منع من العزم، فعلى القول الأوّل لم تتحقق التوبة دون الثاني.

وهناك كلام للإمام أمير المؤمنين حول التوبة، و قد سمع من بحضرته يقول: أستغفر اللّه، فقال: «أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العلّيّين و هو اسم واقع على ستة معان:

أوّلها: الندم على ما مضى.


1 - اوائل المقالات، ص 61 .


(325)

و الثاني: العزم على ترك العود أليه أبداً.

و الثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّه أملس ليست عليك تبعة.

والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة ضيّعتها فتؤدّي حقها.

و الخامس: أن تعمد إلى اللحم الّذي نبت على السحت (1) فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد.

و السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية. فعند ذلك تقول: أستغفر اللّه».(2)

و بالجملة: إنّ التوبة لغاية ازالة السيئات النفسانية التّي تجر الى الانسان كل شقاء في حياته الأُولى و الأُخرى و تمنعه من الاستقرار على أريكة السعادة و هذه الغاية لا تحصل إلاّ بحصول أمرين: الندم و العزم. و أما باقي الأمور الأربعة الواردة في كلام الامام ـ عليه السَّلام ـ، فسيوافيك الكلام فيها.

الأمر الثالث ـ وجوب التوبة

اتفقت العدلية على وجوب التوبة و استدلوا على ذلك بأمرين:

أ ـ انها دافعة للضرر الّذي هو العقاب، و دفع الضرر الاخروى واجب عقلا.

ب ـ إن العزم على ارتكاب القبائح و ترك الفرائض قبيح عقلا فيجب اجتنابه، و هو لا يحصل إلا بالتوبة.


1 - السحت: المال من كسب حرام .
2 - نهج البلاغة: قسم الحكم، الرقم 417، و سنرجع الى هذا الحديث عند استعراض أحكام التوبة، و انما أوردناه هنا جملة واحدة ليسهل الرجوع اليه.


(326)

و الدليل الثاني لا يفيد إلا وجوب العزم و هو أحد جزئي التوبة أو شرطها. و كيف كان، فكل من قال بالحسن و القبح العقليين، لا مناص له عن القول بوجوب التوبة وجوباً عقلياً، و ما جاء من طريق السمع يكون مرشداً إلى هذا الحكم العقلي.

و أما المنكرون لهما، فيذهبون الى وجوبها شرعاً، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً)(1).

الأمر الرابع ـ هل تجب التوبة من الصغائر؟

إنّ ارتكاب أي معصية، صغيرة كانت أو كبيرة، جرأة على اللّه و خروج عن رسم العبودية وزيّ الرّقية، و هي تترك أثراً سيئاً في النفس بلا ريب، فيجب التوبة منها لإزالة أثرها من النفس. و اليه ذهب أبو علي الجبائي، من المعتزلة، و لكن الظاهر من ابنه أبي هاشم، عدم وجوب التوبة من الصغائر إلاّ سمعاً، و اختاره القاضي عبد الجبار، قائلا بأنّ التوبة انّما تجب لدفع الضرر عن النفس، و لا ضرر في ا لمعصية، فلا تجب التوبة منها، غاية الأمر انّ للصغيرة تأثيراً في تقليل الثواب، و لا ضرر في ذلك(2).

يلاحظ عليه: انّ ما ذكر مبني على أمرين غير ثابتين:

أـ أنّ المعاصي بالذات تنقسم الى صغائر و كبائر، و أنّ صغر المعاصي و كبرها ليس من الأُمور الاضافية النسبية، بل هناك صنفان من المعاصي لا يتداخل أحدهما في الآخر.

ب ـ انّ المعاصي الصغيرة لا يعاقب عليها ما لم يكن عليها إصرار.

وكل ذلك مورد تأمّل و تردد.


1 - سورة التحريم: الآية 8 .
2 - شرح الأُصول الخمسة، ص 789 .


(327)

أضف إلى ذلك: أنّ وجه تشريع التوبة ليس منحصراً بالاجتناب عن العذاب حتى يقال: انه لا عقاب على الصغيرة، بل قد عرفت أنّ الوجه فيها ـ مضافاً الى الخلاص من العذاب ـ حسن الندم على كل قبيح أو إخلال بالواجب، و قبح العزم على الاستدامة، و هذا مشترك بين الصغيرة و الكبيرة. و بذلك يظهر الجواب عما ربّما يقال من أنّ عقاب الصغيرة مكفّر باجتناب الكبيرة اذا لم يصر عليها، لقوله سبحانه:

(إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم)(1).

و عندئذ، لا يحتاج الى التوبة منها، لما عرفت من انّ وجه التوبة لا ينحصر بالخلاص من العذاب.

الأمر الخامس ـ التوبة واجب فوري

يحكم العقل بوجوب التوبة فوراً، لأنها اجتناب عن القبيح بقاء، و ترك للعدوان استدامة، و مثل ذلك لا يصح فيه التأخير و التراخي. أضف إلى ذلك أنّ العقل يُحرض على التوبة فوراً، لئلا يفوت أوانها و يكون ممّن لا تقبل توبته قال سبحانه: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ اعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)(2).

و ما ذكرناه هو خيرة المعتزلة أيضاً حيث قالوا بفورية الوجوب و أنّه يلزم بتأخيرها ساعة اثم آخر يجب التوبة منه أيضاً، حتى أن من أخّر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة، فقد فعل كبيرتين، و ساعتين أربع كبائر، الاوليان، و ترك التوبة


1 - سورة النساء: الآية 31. و قد نقله العلامة المجلسي عن الشيخ البهائي، لاحظ البحار، ج 6، ص 48.
2 - سورة النساء: الآية 18.


(328)

عن كل منهما، و ثلاث ساعات، ثمان و هكذا(1).

و لكن لا دليل على هذا التفصيل.

الأمر السادس ـ أثر التوبة

إن أثر التوبة هو ازالة السيئات النفسانية التّي تجر إلى الانسان كل شقاء في حياته الأُولى و الأُخري، فيرجع التائب بعد ندمه و عزمه على الترك في المستقبل، أبيض السريرة، كيوم ولدته أُمّهُ، و بالتالي يسقط عنه العقاب.

و أما الأحكام الشرعية المترتبة على الأعمال السابقة فتبقى على حالها، اذ ليس للتوبة تأثير الا في إصلاح النفس و اعدادها للسعادة الأُخروية و لذلك يجب الخروج عن مظالم العباد أوّلا، و تدارك ما فات من الفرائض ثانياً، فأنّ السيئة العارضة على النفس بسبب هضم حقوق الناس لا ترتفع إلا برضاهم، لأنّه سبحانه احترم حقوقهم في أموالهم و أعراضهم و نفوسهم، وعدّ التعدي على واحد منها ظلماً وعدواناً، و حاشاه أن يسلبهم شيئاً مما جعله لهم من غير جرم صدر منهم و قد قال عز من قائل: (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً)(2).

قال المفيد ـ رحمه الله ـ: «انّ من شرط التوبة الى الله سبحانه من مظالم العباد الخروج الى المظلومين من حقوقهم بأدائها اليهم أو باستحلالهم منها على طيبة النفس بذلك، و الاختيار له، فمن عدم منهم صاحب المظلمة و فقده خرج الى أوليائه من ظلامته أو استحلهم منها». (3)

و لأجل ذلك قال الامام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ: «و الثالث: أن تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّه أملس ليس عليك تبعة، و الرابع: أن تعمد الى كل فريضة ضيّعتها فتؤدّي حقها»(4).


1 - شرح المقاصد، ج 2، ص 242 .
2 - سورة يونس: الآية 44 .
3 - اوائل المقالات، ص 62 .
4 - نهج البلاغه، قسم الحكم، الرقم 417 .


(329)

هذا، و انّ المتبادر من الآيات و الروايات أنّ التوبة بنفسها مسقطة للعقاب، يقول سبحانه: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَة ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(1) فان ّ الظاهر منه أن نفس التوبة تجرّ الغفران، و غير ذلك من الآيات، و هذا الأمر من المسائل القرآنية الواضحة.

و أما حقوق اللّه، فيتبع هناك لسان الدليل الشرعي، فربما تكون التوبة مسقطة للحدّ كما في قوله سبحانه:

( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَْرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلاَف أَوْ يُنفَوْا مِنَ الاَْرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(2) فالاستثناء صريح في أنّ التوبة تُسقط الحدّ الوارد في الآية.

قال المحقّق الحلّي: «انّ شارب الخمر اذا تاب قبل قيام البينة، يسقط الحد، وإن تاب بعدها لم يسقط»(3) و قال: «اذا تاب اللائط قبل قيام البيّنة سقط الحدّ و لو تاب بعده لم يسقط»(4).

الأمر السابع ـ قبول التوبة واجب على اللّه أو لا ؟

لا شكّ أنّ التوبة تسقط العقاب، و هو مما أجمع عليه أهل الاسلام. و انما الخلاف في أنّه هل يجب على اللّه قبولها بحيث لو عاقب بعد التوبة كان ظالماً أو هو تفضل منه سبحانه، و كرم ورحمة منه بعباده؟


1 - سورة الانعام: الآية 54 .
2 - سورة المائدة: الآيتان 33 ـ 34 .
3 - شرائع الاسلام، كتاب الحدود، الباب الرابع في حدّ المسكر.
4 - المصدر السابق، الباب الثاني، في أحكام اللواط.


(330)

فالمعتزلة على الأوّل ، و الأشاعرة و الإمامية على الثاني.

استدل المعتزلة بوجهين:

1 ـ انّ العاصى قد بذل وسعه في التلافي، فيسقط عقابه، كمن بالغ في الاعتذار الى من أساء أليه، فانه يسقط ذمه بالضرورة.(1)

و بعبارة أُخرى: ان من أساء الى غيره و اعتذر إليه بأنواع الاعتذارات، و عرف منه الاقلاع عن تلك الاساءة بالكلية فالعقلاء يذمون المظلوم، اذا ذمّه بعد ذلك. (2)

2 ـ لو لم يجب اسقاط العقاب لم يحسن تكليف العاصي، و التالي باطل اجماعاً فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: ان التكليف انما يحسن للتعريض للنفع. وبوجوب العقاب قطعاً لا يحصل الثواب، و بغير التوبة لا يسقط العقاب، فلا يبقى للعاصي طريق الى إسقاط العقاب عنه، و يستحيل اجتماع الثواب و العقاب فيكون التكليف قبيحاً.(3)

يلاحظ على الأوّل، بأنه لا يجب في منطق العقل قبول المعذرة، بل المظلوم في خيرة بين القبول و الصفح، و ليس رفض المعذرة مخالفاً للحكمة و العدل حتى يجب على اللّه سبحانه.

و أما الثاني، فيلاحظ عليه أنه مبنيٌ على الأصل الّذي اختاره المعتزلة من أنّ مرتكب الكبيرة مخلدٌ في النار، و هو لا يجتمع مع الثواب المترتب على التكليف، فاستدلوا بأنّه لو لم تقبل توبته لوجب أن يخلد في النار (ولو بمعصية واحدة) و هو لا يجتمع مع الثواب، فيلزم سقوط تكليف العاصي. و لكن الأصل مردود لما قلنا من


1 - شرح المقاصد، ج 2 ص 242.
2 - كشف المراد، ص 268. و لا حظ شرح الأُصول الخمسة، ص 798.
3 - كشف المراد، ص 268 ط صيدا. و لا حظ شرح المقاصد، ج 2 ص 242 .


(331)

انّ المؤمن لا يخلد في النار و إنما كتب الخلود على الكافر، فلا مانع من أنّ يعاقب مدّة ثم يخرج فيثاب.و على هذا فلا دليل على وجوب قبول التوبة على اللّه سبحانه، بل قبولها تفضّل و كرم منه سبحانه.

قال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(1) قال: «ووصفه بالرحيم عقيب التوّاب يدل على أنّ اسقاط العقاب بعد التوبة تفضل منه سبحانه و رحمة من جهته، على ما قاله أصحابنا، و انّه غير واجب عقلا على خلاف ما ذهب إليه المعتزلة».(2)

نعم، هذا اذا لوحظ قبول التوبة من حيث هو هو، و أما اذا لوحظ بعدما وعده سبحانه بقبول توبة التائب، فالوجوب لا محيص عنه، لأنّ خلف الوعد قبيح، من غير فرق بين الواجب و الممكن، و قد أوضحنا لك معنى كون شيء واجباً على اللّه سبحانه، و انّه لا يراد منه تكليف اللّه سبحانه، بل أنّ العقل يكشف حكماً عاماً سائداً على الواجب و الممكن، و هو أنّ الحكيم لا يفعل القبيح لما فيه من المبادئ الرافضة لارتكابه فيكون وجوب قبول التوبة سمعياً لا عقلياً.

الأمر الثامن ـ هل يجب في التوبة، الندم على القبيح؟

الظاهر من غير واحد من المحققين أنّ التوبة تتقوم بالندم على القبيح لقبحه، و الا فلو ندم لأجل اضرارها بالبدن أو إخلالها بعرضه أو ماله أو لغرض آخر، لا يكون تائباً. و هذا كلام متين، فان التوبة عبارة عن رجوع العبد الى اللّه سبحانه، و هذا لا يتحقق إلا بأن يكون رجوعه لاستشعاره قُبح عمله، و انّه كان عدواناً على اللّه


1 - سورة البقرة: الآية 160 .
2 - مجمع البيان، ج 1، ص 242.


(332)

و جرأة على المولى، و أما من ترك شرب الخمر لا بهذا الاعتقاد بل لأجل صيانة بدنه عن مضارها، فلا تكون توبة منه الى اللّه. انما الكلام اذا تاب عن عمله لأجل الخوف من عقابه سبحانه، فقد ذهب المحقق الطوسى و تبعه العلامة الحلّي، الى انّه لو كانت الغاية من التوبة هي الخوف من النار بحيث لو لا خوف النار لم يتب، فلا يصدق عليها أنّها توبة. قال العلامة الحلي: «فان كانت التوبة خوفاً من النار أو من فوات الجنة ـ لم تصح توبته، و هذا نظير ما لو اعتذر المسيء الى المظلوم لا لأجل إساءته بل لخوفه من عقوبة السلطان، فان العقلاء لا يقبلون عذره». (1)

يلاحظ عليه: انّ التكاليف الإلهية متوجهة الى عموم الناس، من غير فرق بين التكليف بالصلاة و الصوم أو التكليف بالتوبة أ و من المعلوم أنّ الاكثرية الساحقة لا يقومون بالفعل لحسنه بالذات. و لا يتركونه لكونه قبيحاً كذلك، بل الفعل و الترك يقومان على أساس الرغب والرهب، و الطمع بالجنّة و الخوف من النار. و على ذلك فالآيات الواردة حول التوبة المقترنة بالثواب تارة و الخلاص من النار أخرى، تعرب عن أنّ التوبة اذا حصلت لاحدى هاتين الغايتين، كفى ذلك في سقوط العقاب، يقول سبحانه ـ حاكياً قول هود ـ عليه السَّلام ـ ـ : (وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُم مِدْرَاراً)(2).

و يقول تعالى: ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَتاعاً حَسَناً إِلَى أَجَل مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير)(3).

و في الدعاء الّذي علمه علي ـ عليه السَّلام ـ كميل بن زياد إيعاز إلى ذلك: يقول: «اللّهم اغفر لي الذنوب التّي تهتك العصم، اللّهم اغفر لي


1 - كشف المراد، ص 246، ط صيدا، بتصرف.
2 - سورة هود: الآية 52.
3 - سورة هود: الآية 3 .


(333)

الذنوب التّي تُنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التّي تُغير النّعم، اللهم اغفر لي الذنوب التّي تُنزل البلاء».

و انْ شئت قلت: ان التوبة خوفاً من النار، لا تنفك عن الاعتقاد بكون ما فعل أمراً قبيحاً شرعاً. و بالجملة، فالآيات و الروايات الواردة حول التوبة مطلقة، تعم كل توبة يصدق عليها أنها رجوع إلى اللّه. و في حديث يبين علي ـ عليه السَّلام ـ موقف العباد في عبادة اللّه تعالى، و يقسمهم إلى ثلاثة أقسام، يقول: «ان قوماً عبدوا اللّه رغبةً، فتلك عبادة التجار، و انّ قوماً عبدوا اللّه رهبة، فتلك عبادة العبيد، و إن قوماً عبدوا اللّه شكراً، فتلك عبادة الأحرار»(1)و حينئذ، فكما أنّه تقبل عبادة العباد، رغبة و رهبة، تقبل توبتهم أيضاً اذا كانت كذلك. و لا معنى للتفكيك بين قبول عبادتهم و قبول توبتهم، و لا أجد فقيهاً يفتي ببطلان عبادة من عبده سبحانه لإحدى الغايتين، أو كليهما. كيف و هو سبحانه يصف أنبياءه العظام بقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)(2).

و أما الاستدلال على أنّ المسقط ليس هو نفس التوبة، بل كثرة الثواب بعدها بأنها لو أسقطت العقاب بذاتها، لأسقطته في حال المعاينة، و في الدار الآخرة(3); فيلاحظ عليه أنّ التوبة انما تقبل لأنها تؤثر في النفس الانسانية، فتصلحها، أو تعدّها للصلاح، و هذا انما يتصور فيما اذا كان الانسان قادراً على الفعل و الترك و أما في حال المعاينة أو دار الآخرة، فالقدرة مسلوبة عن الانسان هذا.


1 - نهج البلاغه: قسم الحكم، الرقم 237.
2 - سورة الأنبياء: الآية 90.
3 - كشف المراد، ص 268.


(334)

مع انّك قد عرفت عند البحث عن أثر التوبة أنّ التوبة بنفسها هي المسقطة للعقاب، فلاحظ.

الأمر التاسع ـ هل تصحّ التوبة من قبيح دون قبيح؟

اختلفت كلمتهم في أنه هل يصح الندم من قبيح دون قبيح؟ فقال أبو علي: إنّه تصح ما لم يصر على شيء من ذلك الجنس، فلو انّه تاب من شرب الخمر و أصرّ على الزنا كانت توبته عن الأول توبة نصوحاً صحيحة، و أما اذا أصرّ على شيء من ذلك الجنس لم تصح توبته. و ذلك كما أنّه لو تاب عن شرب هذا القدح من الخمر مع اصراره على شرب قدح آخر، فلا إشكال في أن لا تصح توبته هذه.(1)

و قال أبوهاشم: انّه لا تصح التوبة عن بعض القبائح مع الإصرار على بعض، و اختاره القاضي عبد الجبار، و استدل عليه بأنّ التوبة عن القبيح يجب أنّ يكون ندماً عليه لقبحه، و عزماً على أن لا يعود إلى أمثاله في القبح. و إذا كان هذا كذلك، فليس تصح توبته عن بعض القبائح مع الاصرار على البعض، إذ ليس يصح أن يترك أحدنا بعض الأفعال لوجه، ثم لا يترك ما سواه في ذلك الوجه، ألاترى أنّه لا يصح أن يتجنّب سلوك طريق لأن فيها سبعاً، ثم لا يتجنب سلوك طريق أُخرى فيها سبع. و كذلك لا يصح أن لا يتناول طعاماً لأنّ فيه سماً، ثم يتناول طعاماً آخر مع أنّ فيه سماً.(2)

يلاحظ عليه: إنّ الأفعال القبيحة تختلف شدة و ضعفاً، و ان كانت تشترك في كونها عدواناً على اللّه و خرقاً لحدوده، و لكنها مع ذلك تختلف في جهات القبح، و على ذلك فربما يوجد داع إلى الندم في بعض القبائح دون الأُخرى، و ذلك بأن يقترن ببعض القبائح قرائن زائدة كعظم الذنب، أو كثرة الزواجر عنه، أو الشناعة على فعله عند العقلاء، دون قبائح أُخرى، فعندئذ ربما يرجح الندم


1 - شرح الأُصول الخمسة، ص 795.
2 - شرح الأُصول الخمسة، ص 795 .


(335)

على القبائح المحتفة بما يوجد الندم في النفس دون الأُخرى. ولو اشتركت جميع القبائح في قوة الدواعي اشتركت في وقوع الندم عليها جميعاً، و لم يصح الندم على البعض دون الآخر.(1)

و هذا يلمسه الانسان في حياة المجرمين، فربما يحضر عاص أندية الوعظ والارشاد، فيستمع إلى الخطيب، يندد ببعض المعاصي كشرب الخمر، و أكل الربا، و يذكر قبحهما وشناعتهما، و ما يترتب عليهما من إشاعة البغضاء في المجتمع، فيحصل في نفسه داع قوي يدفعه إلى ترك هذين القبيحين، و في الوقت نفسه قد لا يجد داعياً لترك غيرهما من المعاصي التّي اعتاد عليها، كالغيبة لا لأنه لا يراها قبيحة، بل لأنها لم تحتف بما يوجد داعي الندم في نفسه، بخلاف الأولين، فجميعها، اذن تشترك في القبح و الشناعة، غير أنّ الأوّلين يتميزان بوجود الداعي إلى التوبة عنهما فتاب، دون الآخر.و بذلك يظهر الجواب عما ذكره أبوهاشم من أنّه إذا كانت توبته عن بعض القبائح لأجل قبحها، فهو موجود في البعض الآخر أيضاً، فلم تاب عن الأُولى دون الأُخرى؟ وجه الجواب أنّ الكل يشترك في القبح، لكن ترك البعض دون الآخر، لا لأجل اعتقاده أنّ واحداً قبيح دون الآخر، بل إنه يعتقد بقبحهما، و لكن الداعي للتوبة موجود في أحدهما دون الآخر. و لقد أحسن المحقق الطوسي، حيث قال: التحقيق أنّ ترجيح الداعي إلى الندم على البعض يبعث عليه خاصة، و ان اشترك الداعي في الندم على القبيح لقبحه، كما في الدواعي إلى الفعل. و لو اشترك الترجيح، اشترك وقوع الندم، فلا يصح الندم(2)و مما يوضح ذلك أنّه لو أسلم يهودي و رجع عن كفره، نادماً على ما مضى من عمره، و لكنه بقي مصراً على صغيرة من الصغائر، فلو قلنا بأنّ التوبة من


1 - لاحظ كشف المراد، ص 265 ـ 266 ط صيدا.
2 - كشف المراد، ص 260، ط صيدا.


(336)

القبائح لا تتبعض لزم أنّ لا تكون توبته مقبولة ، و هو خرق للاجماع و إلى هذا ينظر قول المحقق الطوسى، «و إلا لولا التبعيض، لزم الحكم ببقاء الكفر على التائب منه المقيم على صغيرة».(1)

و العجب أنّ القاضي عبد الجبار استحسن قول أبي هاشم و أراد التخلص من هذا الأشكال فقال: إنّه لا يسقط من عقوبته شيء لأنه لم يأت بما يسقط العقوبة عامة، فبقيت عقوبته كما كانت، نعم، لا يجري عليه أحكام اليهود(2).

كيف يقول لا يسقط من عقوبته شيء مع أنّه كان كافراً فصار مؤمناً، و الايمان يكفر الشرك و عقوبته باتفاق المسلمين، فالقول ببقاء عقوبة الشرك مع أنّه صار مؤمناً بحجة أنّه لم يزل يرتكب صغيرة، مخالف لنص الآيات و اتفاق المسلمين، و معاملة النبي للمشركين الذين آمنوا، و لو كان رفع العقوبة مقيّداً بعدم الاصرار على صغيرة، من الذنوب التّي كان يرتكبها المشرك، لأصحر به النبى و بيّنه.

بقي هنا أبحاث طفيفة في التوبة، يظهر حالها مما أوضحناه(3). نسألة سبحانه أن يتوب علينا، و يكتب الغفران في صحائف أعمالنا، بفضله و كرمه.

* * *


1 - المصدر السابق نفسه.
2 - شرح الأُصول الخمسة، ص 797.
3 - مثل ما إذا اغتاب انسان رجلا، فهل يجب عليه الاعتذار منه، خاصة إذا بلغته الغيبة أو لا؟ و هذه مسألة فقهية.
و إذا كان التائب عالماً بذنوبه على التفصيل فهل يجب التوبة عن كل واحدة منها، أو تكفي التوبة عنها اجمالا؟
وهل يجب تجديد التوبة، كلما تذكر التائب، معصيته السابقة؟
وغير ذلك مما ذكره المتكلمون، لاحظ التجريد و شروحه، في التوبة، المسألة الحادية عشرة.


(337)

مباحث المعاد

(15)

الشفاعة

الشفاعة في الآخرة بصيص من الرجاء و نافذة من الامل فتحتها الشريعة الاسلامية في وجه العصاة حتى لا ييأسوا من روح الله و رحمته و لا يغلبهم الشعور بالحرمان من عفوه فيتمادوا في العصيان فالسبب في تشريع الشفاعة هو عينه السبب في تشريع التوبة في الحياة الدنيوية وجلاء الحقيقة في الشفاعة يتم بالبحث في الأُمور التالية:

1 ـ تصنيف آيات الشفاعة و إرجاعها الى معنى واحد .

2 ـ نقل نماذج مماورد من السنة عن النبي والعترة الطاهرة.

3 ـ تبيين معنى الشفاعة و أقسامها.

4 ـ مبررات تشريع الشفاعة.

5 ـ شرائط شمول والشفاعة.

6 ـ أثر الشفاعة و انه حط الذنوب لا رفع الدرجة.

7 ـ تحليل الاشكالات المثارة حول الشفاعة و هي خمسة.

8 ـ جواز طلب الشفاعة من الأولياء.


(338)

و فيما يلي البحث في كل واحدة منها(1).

* * * *

الأمر الأوّل: آيات الشفاعة و تصنيفها

قد ورد ذكر الشفاعة في الكتاب الحكيم في سور مختلفة لمناسبات شتى.

و لا يظهر المراد من المجموع الا بعرض بعضها على بعض و تفسير الكل بالكل و الآيات الواردة في الشفاعة تندرج تحت الأصناف التالية:

الصنف الأوّل: ما ينفي الشفاعة في بادئ الأمر.

يقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاَ خُلَّةٌ وَ لاَ شَفَاعَةٌ وَ الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(2).

و هذا الصنف من الآيات هو المستمسك لمن اعتقد بأنّ الشفاعة عقيدة اختلقها الكهان (3)و سيوافيك ان المنفي قسم خاص منها لا جميع اقسامها بقرينة ان المنفي قسم من أواصر الخلة لا جميعها، بشهادة قوله سبحانه: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)(4).

الصنف الثاني: ما يرد الشفاعة المزعومة لليهود.

يقول سبحانه: (وَ اتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئًا وَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَ لاَ هُمْ يُنْصَرُونَ)(5).

والآية خطاب لليهود، وهي تهدف إلى نفي الشفاعة المزعومة عندهم، حيث كانوا يقولون نحن أولاد الأنبياء وآباؤنا يشفعون لنا، فصار ذلك ذريعة


1 - التفصيل في هذ الأُمور يحوجنا الى تأليف مفرد و لذا اقتصرنا في البحث على ما يناسب وضع الكتاب.
2 - سورة البقرة: الآية 254 .
3 - لا حظ دائرة معارف القرن الرابع عشر، ص 402، مادة شفع.
4 - سورة الزخرف: الآية 67 .
5 - سورة البقرة: الآية 48.


(339)

لارتكاب الموبقات وترك الفرائض، فآيسهم الله من ذلك.

الصنف الثالث: ما ينفي شمول الشفاعة للكفار.

يقول سبحانه ـ حاكياً عن الكفّار - : (وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(1).

و هذ الصنف ناظر إلى نفي وجود شفيع - يوم القيامة - للكفار الذين انقطعت علاقتهم بالله لكفرهم به و برسله وكتبه كما انقطعت علاقتهم الروحية بالشفعاء الصالحين فلم يبق بينهم و بين الشفاعة أية صلة وعلاقة.

الصنف الرابع: ما ينفي صلاحية الاصنام للشفاعة

يقول سبحانه:(وَ مَا نَرى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)(2).

و هذا الصنف يرمي إلى نفي صلاحية الأصنام للشفاعة، وذلك لأنّ العرب الجاهليين كانوا يعبدون الأصنام لاعتقادهم بشفاعتهم عند الله.

الصنف الخامس: ما يخصُّ الشفاعة بالله سبحانه.

يقول سبحانه:(وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(3).

و كون الشفاعة مختصة بالله لا ينافي ثبوتها لغيره بإذنه كما يعرب عنه آيات الصنف السادس .

الصنف السادس: ما يثبت الشفاعة لغيره بإذنه سبحانه.

يقول سبحانه:(يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً)(4).


1 - سورة المدثر: الآيات 46 - 48 .
2 - سورة الأنعام: الآية 94: ولاخط يونس: 18، الروم: 13، الزمر :43، يس: 23.
3 - سورة الأنعام: الآية 51، ولاحظ الأنعام: الآية 7، السجدة: 4، الزمر: 44 .
4 - سورة طه:الآية 109.


(340)

ويقول سبحانه:(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(1).

والجمع بين هذا الصنف وما سبقه واضح، و قد قلنا انّ مقتضى التوحيد في الخالقية أنه لا مؤثر في الكون الا اللّه، و أن تأثير سائر العلل انما هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه.

الصنف السابع: ما يسمي مَن تقبل شفاعته.

و يتضمن هذا الصنف أسماء بعض من تقبل شفاعتهم يوم القيامة.

يقوله سبحانه: (وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)(2). فصرح بأن الملائكة و حملة العرش تقبل شفاعتهم.

و يتحصل من جمع الآيات أن الشفاعة تنقسم الى شفاعة مرفوضة، كالشفاعة التّي يعتقد بها اليهود، و شفاعة الأصنام، والشفاعة في حق الكفار; و الى مقبولة وهي شفاعة الله سبحانه، و شفاعة من أذن له، و شفاعة الملائكة و حملة العرش، وبالاحاطة بالأصناف السبعة،تقدر على تمييز المرفوضة عن المقبولة.

و ليست آيات الشفاعة مختصة بالأصناف التّي ذكرناها، فان هناك آيات تخرج عن إطارها مثل قوله سبحانه:(وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُودًا)(3) و قد أطبق المفسرون على أن المراد من المقام المحمود، هو مقام الشفاعة(4).

* * *


1 - سوره البقرة، الآية 255، و لاحظ يونس: 3، مريم: 87، سبأ: 23، الزخرف: 86.
2 - سورة الأنبياء: الآيات 26-28. ولاحظ النجم: 26، غافر: 7.
3 - سورة الاسراء:الآية 79.
4 - لاحظ مجمع البيان: ج 3، ص 435.


(341)

الأمرالثاني: الشفاعة في السّنة.

لقد اهتم الحديث النبوي، و حديث العترة الطاهرة بأمر الشفاعة وحدودها و شرائطها و أسبابها و موانعها، واهتماماً بالغاً لا يوجد له مثيل الا في موضوعات خاصة تتمتع بالأهمية القصوى. وإذا لاخط المتتبع، الصحاح والمسانيد و الجوامع الحديثية فانه يقف على جمهرة كبيرة من الأحاديث الواردة في الشفاعة،تدفع به الى الإذعان بأنها من الأُصول المسلّمة في الشريعة الاسلامية، ونحن نذكر النذر اليسير منها.

1- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «لكل نبي دعوة مستجابة. فتعجل كل نبى دعوته، و إني اختبأت دعوتي، شفاعة لأُمتي، و هي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئا».(1)

2 - و قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «أُعطيت خمساً، و أعطيت الشفاعة، فادخرتها لأُمتي، فهي لمن لا يشرك بالله».(2)

3 - و قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي».(3)

4 - و قال علي ـ عليه السَّلام ـ: «ثلاثة يشفعون إلى الله عز وجل فيشفعون: الأنبياء ثم العلماء،ثم الشهداء»(4).

5 - و قال الامام زين العابدين علي بن الحسين ـ عليهما السَّلام ـ في كلام له:

«اللهم صلّ على محمد و آل محمد، و شرّف بنيانه، و عظّم برهانه، و ثقّل ميزانه و تقبّل شفاعته»(5).


1 - صحيح مسلم،ج 1،ص 130.و صحيح البخاري: ج 8 ،ص 33، وج 9، ص 170. وغير ذلك من المصادر.
2 - صحيح البخاري: ج 1، ص 42، و ص 119. و مسند أحمد: ج 1، ص 301.
3 - من لا يحضره الفقية للصدوق: ج 3، ص 376 .
4 - « الخصال»،للصدوق، ص 142.
5 - الصحيفة السجادية، الدعاء الثاني والأربعون. ومن أراد التبسط فعليه الرجوع الى المصادر التالية:
كنز العمال، ج 4، ص 638 ـ 640. التاج الجامع للأُصول، ج 5، ص 348 ـ 360. بحار الأنوار، ج 8، 29 ـ 63، وقد أورد أحاديث الشفاعة في غير هذا الجزاء أيضاً. وقد جمع الأستاذ دام ظله القسط الأوفر من أحاديث الشفاعة في موسوعته القرآنية: «مفاهيم القرآن» ج 4، ص 287 ـ 311 .


(342)

الأمر الثالث:حقيقة الشفاعة و أقسامها

للشفاعة أصل واحد يدل على مقارنة الشيئين، من ذلك الشفع، خلاف الوتر، تقول كان فردا فشفّعته. (1)

فإذا كان مقوم الشفاعة، انضمام شيء إلى شيء في مقام التأثير، فهي تنقسم الى الأقسام التالية:

شفاعة تكوينية،شفاعة قيادية، و شفاعة مصطلحة بين الناس.

1 - الشفاعة التكوينية

قد عرفت في مباحث التوحيد أن المظاهر الكونية،بحكم أنّها ممكنة الوجود،غير مستقلة في ذاتها، و لكنها مع ذلك قائمة على أساس علل و معاليل سائدة فيها.

و على ضوء ذلك فتأثير كل ظاهرة كونية في أثرها، و معلولها،بإذنه سبحانه، ولا يتحقق إلا مقترناً به، ولأجل ذلك سمّى سبحانه السبب الكوني، شفيعاً، لأنّ تأثيره مشروط بأن يكون إذنه سبحانه منضماً إليه، فيؤثران معا.

يقوله سبحانه:(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَ الأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)(2) والمراد من الشفيع هو الأسباب والعلل المادية الواقعة في طريق وجود الأشياء و تحققها.و إنما سميت العلة شفيعاً، لأجل أنّ تأثيرها يتوقف على إذنه سبحانه، فهي مشفوعة إلى إذنه، حتى تؤثر و تعطي ما تعطي .


1 - المقاييس،ج 3،ص 201 .
2 - سورة يونس :الآية 3.


(343)

فالآية خارجة عن الشفاعة المصطلحة بين علماء الكلام، والقرائن الموجودة في نفس الآية تصدّنا عن حملها إلا على هذا القسم من الشفاعة، و قد عرفت أنّ الشفاعة خلاف الوتر، و أنّه يصحّ في صدقها، انضمام شيء إلى شيء.

2 - الشفاعة القيادية

والمراد من هذا الصنف هو قيام الأنبياء والأولياء والأئمة والعلماء، والكتب السماوية مقام الشفيع، و الشفاعة للبشر لتخليصهم من عواقب أعمالهم و سيئات أفعالهم.

و الفرق بين هذه الشفاعة والشفاعة المصطلحة أنّ الثانية توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له، و هذه توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة، حتى يستحق العقاب. فالأُولى من قبيل الرفع، والثانية من قبيل الدفع.وعلى ذلك فقيادة الأنبياء والأئمة،تقوم مقام الشفيع والشفاعة في تجنيب العبد من الوقوع في المعاصى والمهالك.

فالشفاعة بهذا المعنى، مثلها مثل الوقاية في الطبابة، كما أنّ الشفاعة المصطلحة مثلها مثل المداواة بعد إصابة المرض.

و ليس إطلاق الشفاعة بهذا المعنى إطلاقاً مجازياً، كيف وقد شهد بذلك القرآن والأخبار.

قال سبحانه:(وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(1).

والضميرالمجرور في (به) يرجع إلى القرآن، و من المعلوم أنّ ظرف شفاعة القرآن، هو الحياة الدنيوية. فإن هدايته تتحقق فيها، و إن كانت نتائجها تظهر في الحياة الأُخروية، فمن عمل بالقرآن قاده إلى الجنة.


1 - سورة الأنعام:الآية 51.


(344)

يقول صلى الله عليه آله:« إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفّع».(1) فالشفاعة هنا بنفس معناها اللغوي، وذلك أن المكلّف يضم هداية القرآن و توجيهات الأنبياء والأئمة،إلى إرادته وسعيه، فيفوز بالسعادة الأُخروية.

و هذا غير الشفاعة المصطلحة فإنّ ظرفها هو الحياة الأُخروية، فبين الشفاعتين بون بعيد.

3 - الشفاعة المصطلحة

حقيقة هذه الشفاعة لا تعني إلا أن تصل رحمته سبحانه و مغفرته و فيضه إلى عباده عن طريق أوليائه و صفوة عباده، و ليس هذا بأمر غريب فكما أنّ الهداية الإلهية التّي هي من فيوضه سبحانه،تصل إلى عباده في هذه الدنيا عن طريق أنبيائه و كتبه، فهكذا تصل مغفرته سبحانه: إلى المذنبين والعصاة من عباده، يوم القيامة، عن ذلك الطريق ولا بُعْد في أن يصل غفرانه سبحانه إلى عباده يوم القيامة عن طريق عباده، فإنه سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سبباً لذلك وقال:

(وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)(2).

و تتضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق، و بخاصة دعاء الصالحين، من المؤثرات الواقعة في سلسلة نظام العلة والمعلول، ولا تنحصر العلة في المحسوس منها، فإن في الكون مؤثرات خارجة عن إحساسنا و حواسنا، بل قد تكون بعيدة عن تفكيرنا، و إليه يشير قوله سبحانه:(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)(3).


1 - الكافي، ج 2 ص 238.
2 - سورة النساء: الآية 64 و. لاحظ يوسف: الآية 97 و 98، التوبة: الآية 103.
3 - سورة النازعات: الآية 5 .


(345)

و بالإمعان فيما ذكرنا من وقوع الدعاء في سلسلة العلل،تقدرعلى إرجاع الشفاعة المصطلحة إلى قسم من الشفاعة التكوينية بمعنى تأثير دعاء النبي في جلب المغفرة.

* * *

الأمر الرابع: مبررات الشفاعة

ربما يقال: إذا كان المنقذ الوحيد للإنسان يوم القيامة، هو عمله الصالح، كما هو صريح قوله سبحانه: (وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى)(1) فلماذا جعلت الشفاعة وسيلة للمغفرة؟.

والجواب عن ذلك:إنّ لتشريع الشفاعة مبررات عدة،نذكر منها اثنتين:

الأول - الحاجة إلى رحمة الله الواسعة حتى مع العمل

إن الفوز بالسعادة و إن كان يعتمد على العمل أشد الاعتماد، غير أنّ صريح الآيات هو أنّ العمل ما لم تنضم إليه رحمة اللّه الواسعة،غير كاف في إنقاد الإنسان من تبعات تقصيره.

قال سبحانه:(وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة وَ لَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى)(2).

و قال سبحانه:(وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة)(3).


1 - سورة الكهف: الآية 88 .
2 - سورة النحل: الآية 61.
3 - سورة فاطر: الآية 45.


(346)

الثاني - الآثار التربوية للشفاعة

بالرغم مما اعترض على الشفاعة من كونها توجب الجرأة، و تحيي روح التمرد في العصاة والمجرمين، فإنّ الشفاعة تتسبب في إصلاح سلوك المجرم و إنابته والتخلّي عن التمادي في الطغيان. و تظهر حقيقة الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة التّي اتفقت الأمة على صحتها، فإنه لو كان باب التوبة موصداً في وجه العصاة والمذنبين، واعتقد المجرم بأنّ عصيانه مرة واحدة يخلّده في عذاب الله، فلا شكّ أنّه يتمادى في اقتراف السيئات باعتقاد أنّ تغييره للوضع الّذي هو عليه لن يكون مفيداً في إنقاذه من عذاب الله، فلا وجه لأن يترك لذات المعاصي. و هذا بخلاف ما إذا وجد الجو مشرقاً، والطريق مفتوحاً، و أيقن أنّ رجوعه يغير مصيره في الآخرة، فيترك العصيان و يرجع إلى الطاعة.

و مثل التوبة الاعتقاد بالشفاعة المحدودة (أي مع شروط خاصة في المشفوع له) فإذا اعتقد العاصي بأن أولياء اللّه قد يشفعون في حقه إذا لم يهتك الستر، ولم يبلغ إلى الحد الّذي لا تكون فيه الشفاعة نافعة، فعند ذلك،ربما يعيد النظر في مسيره، و يحاول تطبيق حياته على شرائط الشفاعة، حتى لا يحرمها.

نعم، الاعتقاد بالشفاعة المطلقة المحررة من كل قيد، مرفوض في منطق العقل والقرآن. والمراد من المطلقة هو أنّ الأنبياء يشفعون للإنسان يوم القيامة، و إن فعل ما فعل، إذا عند ذلك يستمر و يتمادى في أعماله الإجرامية. و أما الشفاعة المحدودة بشرائط في المشفوع له و الشافع، فلا توجب ذلك.

و مجمل هذه الشروط أن لا يقطع الإنسان جميع علاقاته العبودية مع الله، و وشائجه الروحية مع الشافعين، ولا يصل تمرده إلى حد نسف جسور الارتباط بهم.

* * *

الأمر الخامس : شرائط شمول الشفاعة

قد تعرفت على أنّ الشفاعة المشروعة، هي الشفاعة المحدودة بحدود،


(347)

و ليس أمر الشفاعة فوضى بلا قيد و شرط، و نحن نذكر بعض شرائطها كما وردت في الروايات.

1 - عدم الشرك بالله شيئاً

قال رسول الله صلى الله عليه آله: «شفاعتي نائلة إن شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئا».(1)

2 - شهادة الشهادتين بإخلاص

قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا اللّه، مخلصاً، يصدق قلبه لسانه، و لسانه قلبه».(2)

3 - عدم الغشّ

قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «من غشّ العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي»(3).

4 - عدم نصب العداء لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ:«إنّ المؤمن ليشفع لحميمه، إلا أن يكون ناصباً، ولو أنّ ناصباً شفع له كل نبي مرسل وملك مقرب ما شفعوا»(4).


1 - مسند أحمد:ج 2،ص 426.
2 - مسند أحمد، ج 2، ص 307، و 518، ولاحظ صحيح البخاري، ج 1، ص 36.
3 - مسند أحمد،ج 1،ص 72، المراد من العرب المسلمون، لأن المسلمين يوم ذاك كانوا منحصرين في العرب.
4 - ثواب الأعمال، للصدوق، ص 251.


(348)

5 - عدم الاستحفاف بالصلاة

قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم ـ عليه السَّلام ـ: «لما حضر أبي (الإمام الصادق) قال لي: يا بني، إنه لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة».(1)

6- عدم التكذيب بشفاعة رسول الله

قال علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ: «قال أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ: من كذّب بشفاعة رسول اللّه لم تنله».(2)

و غير ذلك من الشرائط التّي يجدها المتتبع في أحاديث الشفاعة من الفريقين.

الأمر السادس: ما هو أثر الشفاعة: إسقاط العقاب أو زياده الثواب؟

لم تكن مسألة الشفاعة فكرة جديدة ابتكرها الإسلام وانفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين أمم العالم من قبل، و خاصة بين الوثنيين واليهود.

نعم، هذّبها الإسلام من الخرافات، و قررها على اصول توافق أُصول العدل والعقل، و صحّحها تحت شرائط في الشافع والمشفوع له، تجر العصاة إلى الطهارة من الذنوب، ولا توجب فيهم جرأة و جسارة. و غير خفي على من وقف على آراء اليهود والوثنيين في أمر الشفاعة، و أنّ الشفاعة بينهم كانت رجاء في حط الذنوب و غفران الآثام، و لأجل ذلك كانوا يقترفون الكبائر، تعويلاً على ذلك الرجاء. وجاء القرآن يرد تلك العقيدة الباعثة إلى الجرأة، فقال إنه لا يشفع إنسان إلا بإذنه تعالى و في حق من ارتضاه سبحانه، فليس لكم أن تقترفوا الذنوب تعويلاً على شفاعة الشفيع، لأن الأمرليس في أيديهم بل في ملكه سبحانه و قدرته.


1 - الكافي، ج 3 ص، 270، و ج 6 ص 401. والتهذيب، للطوسي ،ج 9، ص 107.
2 - عيون أخبار الرضا،ج 2،ص 66.


(349)

وعلى ضوء هذا، إن الشفاعة عند الأمم، مرفوضها ومقبولها، يراد منها حط الذنوب، و رفع العقاب، و هي كذلك في الإسلام، بلا فرق، كما يوضحه قوله صلى الله عليه آله:« ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي».(1)

و في المقابل ذهبت المعتزلة إلى تخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة، دون العصاة، و أن اثرها ينحصر في رفع الدرجة و زيادة الثواب. و ما هذا التأويل في آيات الشفاعة إلا لأجل موقف مسبق لهم في مرتكب الكبيرة، حيث حكموا بخلوه في النار إذا مات بلا توبة، فلما رأوا أن القول بالشفاعة التّي أثرها هو إسقاط العقاب، ينافي ذلك المبنى، أوّلوا آيات الله، فقالوا إنّ أثر الشفاعة إنما هو زيادة الثواب، ورفع الدرجة. و هذا المقام أحد المقامات التّي يؤخذ المعتزلة فيها بالعتاب، حيث قدّموا النهج على النقل الصريح، وخالفوا في ذلك جميع المسلمين.

قال القاضي عبد الجبار، منكراً شمول الشفاعة للعصاة: «إنّ شفاعة الفساق الذين ماتوا على الفسوق و لم يتوبوا تتنزل منزلة الشفاعة لمن قتل و لد الغير وترصد للآخر حتى يقتله، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك ها هنا.(2)

وما ذكره القاضي غفلة منه عن شروط الشفاعة فان بعض الذنوب الكبيرة تقطع العلائق الايمانية بالله سبحانه كما تقطع الاواصر الروحية مع النبي الأكرم فأمثال هؤلاء العصاة لا تشملهم الشفاعة وقد تقدم ذكر النصوص الدالة على حرمان طوائف منها.

و العجب ان القاضي استدل على ان الفاسق لا يخرج من النار بشفاعة النبي بقوله تعالى: (وَ اتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً)(3). و قوله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ )(4).


1 - سنن أبي داود، ج 2، ص 537، و صحيح الترمذي، ج 4، ص 45، صحيح ابن ماجه، ج 2، ص 1441. مسند أحمد، ج 3، ص 213.
2 - شرح الأُصول الخمسة، ص 688 .
3 - سورة البقره: الآية 48 .
4 - سورة غافر: الآية 18 .


(350)

فيلاحظ عليه : انّ الآيتين راجعتان الى الكفار فالآية الأُولى ناظرة إلى نفي الشفاعة التّي كان اليهود يتبنونها كما هو صريح سياقها و الآية الثانية ناظرة الى نفي الشفاعة الّتي كان المشركون يرجونها من معبوداتهم يقول سبحانه: (قَالُوا وَ هُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَ مَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَ لاَ صَدِيق حَمِيم)(1).

و قال سبحانه ـ حاكياً قول المجرمين في سقر - : (وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(2).

* * *

الأمر السابع : الإشكالات المثارة حول الشفاعة

هناك إشكالات مثارة حول الشفاعة ناشئة من قياس الشفاعة الواردة في الشريعة الاسلامية بالشفاعة الرائجة بين الناس و لو عرف المستشكلون الاختلاف الماهوي بين الشفاعتين، لما اجترأوا على إلقاء هذه الشبهات.

* الاشكال الأوّل:

إنّ جميع المعاصي تشترك في هدم الحدود والجرأة على المولى فأي معنى لشمول الشفاعة لبعض ألوان الجرائم و المعاصي دون البعض الآخر؟

و الجواب:

إنّ للجرم مراتب، كما ان المجرمين على درجات من النفسانيات و الروحيات فلا يستوي من أحرق منديل أحد عدواناً بمن أحرق مصنعاً كبيراً له و فرق بين شاب ينظر الى المرأة الأجنبية نظراً ممزوجاً بالسوء، و آخر يعتدي


1 - سورة الشعراء: الآيات 96 - 101 .
2 - سورة المدثر: الآيات 46 - 48 .


(351)

عليها بالعنف، فإذا اختلف الجرمان اختلف المجرمان من حيث النفسانيات و الروحيات و هناك مجرم قد حافظ على روابطه الايمانية مع الله و على علاقاته الروحية مع الشفيع بحيث لا يعد المجرم غريباً عن كلا المقامين و مجرم قد قطع كلتا العلاقتين و صار أجنبياً عنهما فتشريع الشفاعة في حق الأوّل دون الثاني لا يعد تفريقاً في القانون.

و الّذي يوضح ذلك ان الله سبحانه فرق بين الذنوب، فقال بان الشرك لا يغفر الا مع التوبة و اما غيره فيغفر و ان لم تقع التوبة.

قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً)(1).

و أنت إذا أحطت بما ورد حول الذنوب من العقوبات المختلفة و تقسيمها الى كبائر و صغائر تقف على ان قبول الشفاعة في حق بعض دون بعض، ليس ترجيحاً بلا مرجح.

* الاشكال الثاني:

ان تشريع الشفاعة يجر إلى التمادي في العصيان، و استمرار المجرم في عدوانه رجاء غفران ذنوبه بالشفاعة. (2)

و الجواب اما نقضا:

فبالوعد مع التوبة بل حتى مع عدمها، قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) فلو كانت الشفاعة موجبة للتمادي، فليكن الوعد بالمغفرة مع التوبة بل مع عدمها في غير الشرك موجبة للتمادي أيضاً فالجواب هنا هو الجواب هناك.


1 - سورة النساء: الآية 48 .
2 - دائرة المعارف لفريد وجدي ج 5، ص 402 .


(352)

و اما حلاً:

فالاشكال ينبع من تصور خاطئ و هو اعتقاد كون الشفاعة مطلقة غير مشروطة بشيء فيكون للانسان عند ذاك ان يفعل ما يريد تعويلاً عليها و لكنك عرفت ان الشفاعة محدودة، وتشمل بعض العباد وهم الذين لم تنقطع علاقتهم بالله سبحانه و باوليائه ومثل هذه الشفاعة لا تبعث على الجرأة بل تبعث أملاً في نفس العاصي وتدفعه الى الاحتفاظ بعلاقته و لا ينسفها من رأس .

ان الشفاعة التّي نطق بها القرآن ليست أمراً مطلقاً من كل قيد و شرط فان الشفاعة مقيدة بإذنه سبحانه أوّلاً و كون المشفوع له مرضياً عند الله ثانياً و ليس من الممكن ان يذعن المجرم بانه ممن يشمله اذنه سبحانه و رضاه.

قال سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(1).

و قال سبحانه: (وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى)(2).

فليس في وسع أحد أن يدّعي انه من العباد المرضيين، ثم يعتمد على ادعائه و يتمادى في العصيان.

و هناك وجه آخر لكون الشفاعة محدودة، و هو ابهامها من حيث الجرم، فلا يعلم أي جرم تشمله الشفاعة و أيّه لا تشمله. كما أنها مبهمة من حيث وقت القيامة فللعصاة و الطغاة مواقف مختلفة و هي مواقف رهيبة ومخيفة تهز القلوب و لم يعين وقت الشفاعة.

و هذه الابهامات الثلاثة تصد المجرم عن الاعتماد على الشفاعة ليتمادى في المعصية و غاية ما يمكن ان يقال في الشفاعة أنها بصيص من الرجاء و نافذة من الامل فتحها القرآن في وجه العص