welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 4*
نویسنده :الشيخ حسن محمد مكي العاملي*

الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 4

       محاضرات

الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني

الإلهيات
على هدى الكتاب والسُّنة والعقل

الجزء الرابع

بقلم

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


(2)

منشورات المركز العالمي للدراسات الإسلامية
قم ـ ايران

اسم الكتاب:    الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل / ج 4

المحاضر:    الاستاذ آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم:    الشيخ حسن محمّد مكي العاملي

الناشر:    المركز العالمي للدراسات الإسلامية

الطبعة:    الثالثة

المطبعة:    مطبعة القدس

تاريخ الطبع:    1412 هـ . ق

النسخة:    3000

السعر:    2500 ريال

حقوق الطبع محفوظة للناشر


(3)


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم


(5)

الفصل التّاسع
الإمامة والخلافة

* مقدّمات

1 ـ تعريف الإمامة.

2 ـ هل الإمامة من الأصول أو الفروع؟.

3 ـ ماهيةُ الإمامة عند أهل السُّنة .

4 ـ مؤهلات الإمام عند أهل السُّنَّة.

5 ـ بماذا تنعقد الإمامة عند أهل السُّنَّة؟.

6 ـ ماهية الإمامةِ عند الشيعة الإمامية.

7 ـ المصالحُ العامة وصيغةُ الحكومة بعد النبيّ.

8 ـ هل الشورى أساسٌ للحكم والخلافة؟

9 ـ هل البَيْعة أساس للحكم والخلافة ؟

10 ـ تصوُّر النبيِّ الأكرم للقيادة بعدَه.

11 ـ تصوُّرُ الصحابة للخلافة بعد النَّبي.

12 ـ صيغةُ القيادةِ في الشرائع السابقة.

* البحثُ الأول: السُّنَّة النبوية وتنصيبُ علي للإمامة.

* البحث الثاني: السُّنَّة النبويةُ والأئمة الإثنا عشر.

* البحث الثالث: عصمةُ الإمام في القرآن.

* البحث الرابع: الإمام المُنتظرُ في الكتاب والسُّنَّة .

ـ أسئلةٌ مهمةٌ حول المهدي عجَّل الله فرجه .


(6)


(7)

الفصل التاسع
الامامة والخلافة

المقصود من الإمامة، إمامةُ الأُمّة جمعاء. خلافةً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وقبل الخوض في أصل المقصود، نقدّم أموراً:


(8)

الأمر الأول

في تعريف الإمامة

عُرّفت الإمامة بوجوه:

1 - الإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا(1) .

2 ـ الإمامة خلافة الرسول في إقامة الدين، بحيث يجب اتّباعه على كافة الأُمة (2).

3 ـ الإمامة نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا (3).

4 ـ الإمامة خلافة عن الرسول في إقامة الدين وحفظ المِلَّةِ بحيث يجب اتِّباعه على كافة الأُمة (4).

والتعريف الأول أَلْيق على مذهب الإمامية، والبقية ألصق بمذهب أهل السنّة في الإمامة.

والأولى أن تُعَرَّف الإمامة بأنّها رئاسة عامة إلهية. وعلى كل تقدير، فالمهم هو تحليل ماهية هذه الخلافة، وتحديدها، وأنّه ماذا يراد من الإمامة في مصطلح المتكلمين.


1 - المواقف، ص 345، وقال فيه: «ونُقِضَ بالنبوة». وسيوافيك أنّ النقض غير وارد.
2 - المصدر السابق نفسه .
3 - مقدمة إبن خلدون، ص 191 .
4 - دلائل الصدق، ج 2، ص 4. والتعريف للفضل بن روزبهان الأشعري.


(9)

الأمر الثاني

هل الإمامة من الأصول أو الفروع ؟

اتّفقت كلمة أهل السنة، أو أكثرهم، على أنّ الإمامة من فروع الدين.

قال الغزالي: «إعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات، وليس أيضاً من فنّ المعقولات، بل من الفقهيات، ثم إنّها مثار للتعصبات، والمُعْرِض عن الخوض فيها، أسلم من الخائض ، بل وإن أصاب، فكيف اذا أخطأ؟ ولكن إذا جرى الرسم باختتام المعتقدات بها، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد، فإنّ فطام القلوب عن المنهج، المخالف للمألوف(1)، شديد النِّفار» (2).

وقال الآمدي: «واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها، بل لَعَمري إنّ المعرض عنها لأَرجى من الواغل فيها، فإنّها قَلّما تنفك عن التعصّب، والأهواء، وإثارة الفتن والشحناء، والرجم بالغيب في حق الأئمة والسَّلَف، بالإزراء، وهذا مع كون الخائض فيها سالكاً سبيل التحقيق، فكيف اذا كان خارجاً عن سواء الطريق. لكن لمَّا جرت العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلمين، والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنفات الأُصوليين، لم نَرَ من الصواب


1 - كذا في المصدر، والظاهر أنّ «المخالف» صفة «الفطام»، أو أنّ «المخالف» زائد .
2 - الإقتصاد في الإعتقاد، ص 234 .


(10)

خَرْق العادة بِتَرْك ذكرِها في هذا الكتاب» (1).

وقال الإيجي: «وهي عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا» (2).

وقال التفتازاني: «لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة، بعلم الفروع أَليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة، ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة، من فروض الكفايات، وهي أُمور كليّة تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها، فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد. ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الإعتقادية» (3) .

هذا ما لدى أهل السُّنة، وأمّا الشِّيعة، فالإعتقاد بالإمامة عندهم أصل من أُصول الدين، وسيظهر وجهه في الأبحاث التالية.

وها هنا سؤال يطرح نفسه، وهو أنّه اذا كانت الإمامة من الفروع، فأي معنى لسلّ السيف على هذا الحكم الفرعي، حتى قال الشهرستاني: «وأعظم خلاف بين الأُمة، خلافُ الإمامة، إذْ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلّ على الإمامة في كلّ زمان»(4).

فإذا كان الإعتقاد بإمامة شخص، تَوَلّى الخلافة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، من الأحكام الفرعية، فإنّ المخالفة فيه لا تستلزم تكفير المخالف أو تفسيقه، إذا كان للمخالف حجة شرعية، كمخالفة المجتهد للمجتهد.

مثلاً: إنّ المسح على الخُفَّيْن، أو جواز العمل بالقياس، من مسائل الفروع الخلافية، فهل ترى من نفسك تجويز تكفير المخالف، أو تفسيقه؟، أو


1 - غاية المرام في علم الكلام، ص 363، لسيف الدين الآمدي، (551 ـ 631 هـ ).
2 - المواقف، ص 395 .
3 - شرح المقاصد، ج 2، ص 271 .
4 - الملل والنحل، للشهرستاني، ج 1، ص 24 .


(11)

إنّ لكلٍّ حُجَّته ودليله، وإنّ للمصيب أَجْرَيْن وللمخطئ أجراً واحداً، فما هذه الدمدمة والهمهمة حول الإمامة؟

وإذا كانت الإمامة، بعامَّة أبحاثها من الفروع، فما وجه إقحام ذلك في عِداد المسائل الأُصولية، كما ارتكبه إمام الحنابلة، وقال: «خير هذه الامة بعد نبيّنا، أبو بكر، وخيرُهُم بعد أبي بكر، عُمَر، وخيرهم بعدَ عُمَر عُثْمان; وخيرهم بعد عثمان، عَليّ; رضوان الله عليهم، خلفاء راشدون مهديُّون» (1).

ومثلُه، أبو جعفر الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية، المسماة بـ«بيان عقيدة السنّة والجماعة»، حيث قال: «وتثبت الخلافة بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأبي بكر الصِّدِّيق، تفضيلاً، وتقديماً على جميع الأُمّة، ثم لِعُمَرَ بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفّان، ثم لعليّ بن أبي طالب»(2).

وقد اقتفى أثرهما الشيخ أبو الحسن الأشعري، عند بيان عقيدة أهل الحديث وأهل السُّنة، والشيخ عبد القاهر البغدادي في بيان الأُصول الّتي اجتمع عليها أهل السنّة (3).

وهذا الصراع بين القولين، أراق الدماء الطاهرة، وجرّ على الأُمّة الويلَ والثُبُور، وعظائم الأُمور، فما معنى إقحام الإعتقاد بالأحكام الفرعية في قائمة العقائد؟ وإِنْ هذا إلاّ زَلَةٌ لا تُستقال.

نعم، أَوَّلُ من لبّس الأمر، وجعل الإعتقاد بها من صميم الإيمان على


1 - كتاب السنة ص 49، المطبوع ضمن رسائل بإشراف حامد محمد فقي. وهذا الكتاب ألف لبيان مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السُّنة، وَوَصَفَ مَنْ خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها أو عاب قائلها، بأنّه مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة وسبيل الحق.
2 - شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي، ص 471، وأخذنا العبارة من المتن. وتوفي الطحاوي عام 321 هجري.
3 - لاحظ «الإبانة عن أُصول الديانة»، الباب 16، ص 190 و «الفَرْق بين الفِرَق» ص 350. ولاحظ «لُمَع الأَدلة» للإمام الأشعري، ص 114، و «العقائد النَّسَفية» ص 177 .


(12)

مسلك أهل السنة، هو عَمْرو بن العاص، عندما اجتمع مع أبي موسى الأشعري، في دومة الجندل. وما جَعَلَ الإعتقاد بخلافة الخليفتين الأَوَّلَينْ، إلاّ للازدراء بعليّ ـ عليه السَّلام ـ وشيعته (1).

***


1 - لاحظ مروج الذهب للمسعودي، ج 2، ص 397. ولاحظ «بحوث في الملل والنحل»، لشيخنا الأستاذ ـ دام ظلّه ـ ج 1، ص 265 ـ 272 .


(13)

الأمر الثالث

ماهية الإمامة عند أهل السنّة

إنّ اتّفاق مشايخ المتكلمين من أهل النسّة على كون الإمامة من الفروع الّتي يبحث عنها في الكتب الفقهية، واتّفاق الشيعة الإمامية على أنّها من الأصول، ينشآن من أصل آخر، وهو أنّ حقيقة الإمامة تختلف عند السنّة، عمّا هي عند الشيعة، فالسُّنة ينظرون إلى الإمام كرئيس دولة، ينتخبه الشعب أو نوّاب الأُمّة، أو يتسلّط عليها بانقلاب عسكري، وما شابه ذلك، فإنّ مثل هذا لا يشترط فيه سوى بعض المواصفات المعروفة، ومن المعلوم أنّ الإعتقاد برئاسة رئيس جمهورية، أو رئيس وُزَراء، ليس من الأصول، بحيث يُفَسَّق من لم يعتقد بإمامته ورئاسته وولايته. وهذه هي البلاد الإسلامية لمّا تزل يسيطر عليها رئيس بعد آخر، رغبة أو رهبة، ولم يَرَ أحَدٌ الإعتقادَ بإمامته من الأُصول، ولم يَجْعَل فِسْقَه موجباً لخَلْعِه، وإلاّ لما استقرّ حجر على حجر.

وأمّا الشيعة الإمامية، فينظرون إلى الإمامة بأنّها استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة، فإنّ الرسالة والنبوة مختومتان بالتحاق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى) ، ومن المعلوم أنّ ممارسة هذا المقام، يتوقف على توفر صلاحيات عالية، لا ينالها الفرد، إلاّ إذا وقع تحت عناية إلهية ربّانية خاصة، فيخلُف النبيَّ في علمه بالأصول والفروع، وفي عدالته وعصمته، وقيادته الحكيمة، وغير ذلك من الشؤون.

وممّا يعرب عن أنّ الإمامة عند أهل السنّة أشبه بسياسة وقتية زَمَنِيّة، يشغلها


(14)

فرد من الأُمّة بأحد الطرق، ما اشترطوه من الشروط، وذكروه من الأوصاف في حق الإمام، وستوافيك فيما يأتي. ولأجل إيقاف الباحث على صحّة هذا التحليل نشير إلى بعض كلماتهم.

قال الباقلاني: «لا ينخلع الإمام بفسقه وظُلْمِهِ بغصب الأموال، وضَرْب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله» (1).

وقال الطحاوي: «ولا نرى الخروج على أئمتنا ووُلاة أُمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزوجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة» (2). وقال: «والحج والجهاد ماضيان مع أُولي الأمر من المسلمين، بَرِّهِم وفاجِرِهِم، إلى قيام الساعة، ولا يبطلهما شيء ولا يَنْقُضهما»(3).

قال التفتازاني: «ولا يَنْعَزِلُ الإمام بالفسق، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى، والجور (أي الظلم على عباد الله)، لأنّه قد ظهر الفسق، وانتشر الجور من الأئمة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجُمَع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم». ونَقَل عن كتب الشافعية أنّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام، والفرق أن في انعزاله ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة، لما له من الشوكة، بخلاف القاضي (4) .

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي ذكروها في وجوب إطاعة السلطان الجائر، وحرمة الخروج عليه (5) . فإنّ هذه الكلمات تبين لنا موقع منصب الإمامة عند أهل


1 - التمهيد، للقاضي أبي بكر الباقلاني، ص 181. توفي القاضي عام 403 هـ .
2 - متن شرح العقيدة الطحاوية، ص 379، ولاحظ ما ذكره في شرحه.
3 - المصدر السابق، ص 387 .
4 - شرح العقائد النسفيّة، المتن لأبي حفص عمر بن محمد النَّسفي (م 537 هـ )، والشرح لسعد الدين التفتازاني (م 791 هـ ) ص 185 ـ 186، ط إسطنبول .
5 - لاحظ مقالات الإسلاميين، للأشعري، ص 323، وأصول الدين، لمحمد بن عبد الكريم البزدوي (إمام الماتريدية)، ص 190 .


(15)

الحديث والأشاعرة، وكلّها تعرب عن أنّهم ينظرون إلى الإمامة كسياسة وقتية زمنية، وإلى الإمام كسائس عاديّ يقود أُمّته في حياتهم الدنيوية. ولأجل ذلك لا يكون الفسق والجور، وهتك الأستار، قادحاً في إمامتهم، كما أنّ التسلط على الرقاب بالقهر والإستيلاء، والنار والحرب، أحد الطُرق المسوغة للتربع على منصّة الإمامة.

فإذا كانت هذه هي حقيقة الإمامة، وكان هذا هو الإمام، فلا غرابة حينئذ في جعلها من الأحكام الفرعية.

***


(16)

الأمر الرابع

مؤهلات الإمام عند أهل السنّة

إنطلاقاً من البحث السابق في تبيين ماهية الإمامة، عند أهل السنّة لم يشترطوا في الإمام سوى عدّء صلاحيات، تشترط في عامة الرؤساء، وإليك نصوصهم:

1 ـ قال الباقلاني (م 403 هـ ): «يشترط :

ـ أن يكون قُرَشِيّاً من صميم.

ـ وأن يكون في العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضياً من قُضاة المسلمين.

ـ وأن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب، وتدبير الجيوش والسرايا، وسدّ الثغور، وحماية البيضة، وحفظ الأُمّة، والإنتقام من ظالمها، والأخذ لمظلومها» (1).

2 ـ وقال عبد القاهر البغدادي (م 429 هـ ): «قال أصحابنا إنّ الّذي يصلح للإمامة ينبغي أن يكون فيه أربعة أوصاف :

ـ أحدها: العلم. وأقل ما يكفيه منه، أن يبلغ فيه مبلغ المجتهدين في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام.


1 - التمهيد، ص 181 .


(17)

ـ الثاني: العدالة والورع. وأقلّ ما يجب له من هذه الخصلة، أن يكون ممن يجوز قبول شهادته تَحَمُّلاً وأداءً .

ـ والثالث: الإهتداء إلى وجوه السياسة وحُسْنِ التدبير، وأن يعرف مراتب الناس، فيحفظهم عليها، ولا يستعين على الأعمال الكبار، بالعُمَّال الصغار، ويكون عارفاً بتدبير الحروب.

ـ الرابع: النَّسَب من قُرَيْش» (1) .

3 ـ وقال أبو الحسن البغدادي الماوردي (م 450 هـ): «الشروط المعتبرة في الإمامة سبعة:

أحدها: العدالة على شروطها الجامعة. الثاني: العلم المؤدّي إلى الإجتهاد في النوازل والأحكام. الثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان. الرابع: سلامةُ الأعضاء. الخامس: الرأي المُفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. السادس: الشجاعة والنجدة. السابع: النَّسب، وهو أن يكون من قريش» (2) .

4 ـ وقال ابن حزم (م 456 هـ): «يشترط فيه أمور :

1 ـ أن يكون صلبه من قريش، 2 ـ أن يكون بالغاً مميزاً، 3 ـ أن يكون رجلاً، 4 ـ أن يكون مسلماً، 5 ـ أن يكون متقدِّماً لأمره، 6 ـ عالماً بما يلزمه من فرائض الدين، 7 ـ متَّقياً لله بالجملة، غير معلن الفساد في الأرض. 8 ـ أن لا يكون مولّىً عليه» (3) .

5 ـ وقال القاضي سراج الدين الأرْمَوي (م 689 هـ) : «صفات الأئمة تسع :

1 ـ أن يكون مجتهداً في أُصول الدين وفروعه، 2 ـ أن يكون ذا رأي


1 - أصول الدين، لأبي منصور البغدادي، م 429 هـ، ص 277. ط دار الكتب العلمية ـ بيروت .
2 - الأحكام السلطانية، ص 6 .
3 - الفِصَل، ج 4، ص 186 .


(18)

وتدبير، 3 ـ أن يكون شجاعاً، 4 ـ أن يكون عدلاً، 5 ـ أن يكون عاقلاً، 6 ـ أن يكون بالغاً، 7 ـ أن يكون مُذَكَّراً، 8 ـ أن يكون حُرّاً، 9 ـ أن يكون قُرَشيّاً »(1).

6 ـ وقال التفتازاني (م 791 هـ): «قد ذكرنا في كتبنا الفقهية أنّه لا بدّ للأُمّة من إمام يحيي الشريعة، ويُقيم السنّة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها، ويشترط أن يكون مكلَّفاً، مسلماً، عدلاً، حُرّاً، ذَكَراً مجتهداً، شجاعاً، ذا رأي وكفاية، سميعاً بصيراً، ناطقاً، قريشياً، فإن لم يوجد من قريش من يستجمع هذه الصفات المعتبرة، وُلِّي كِنانيّ، فإن لم يوجد فَرَجلٌ من ولد اسماعيل، فإن لم يوجد فَزَجُلٌ من العجم» (2).

7 ـ وقال الفضل بن روزبهان: «وشروط الإمام أن يكون مجتهداً في الأُصول والفروع ليقوم بأمر الدين، ذا رأي وبصارة بتدبير الحرب، وترتيب الجيوش، شجاعاً، قويَّ القلب لِيَقْوَى على الذَّبِّ عن الحوزة» (3).

ويلاحظ على هذه الشروط

أَوّلاً: إنّ اختلافهم في عدد الشرائط قلّة وكثرة، ناشئ من افتقادهم النصّ الشرعي في مجال الإمامة واعتقادهم أنّ منصب الإمامة، ـ مع عظمته ـ لم تنبس فيه النبي الأكرم ببنت شفة، وإنّما الموجود عندهم نصوص كلية لا تتكفل بتعيين هذه الشروط، ولا تتكفل بتبيين صيغة الحكومة الإسلامية بعد النبي، والمصدر لهذه الشروط عندهم هو الإستحسان، والإعتبارات العُقَلائية، وملاحظة الأهداف الّتي يمارسها الإمام والخليفة بعد النبي الأكرم.

وهذا مما يقضي منه العَجَب، وهو أنّ النبي كَيْفَ ترك بيان هذا الأمر


1 - مطالع الأنوار، ص 470 .
2 - شرح المقاصد، ج 2، ص 271 .
3 - دلائل الصدق، ج 2، ص 4 .


(19)

المُهِمّ، شرطاً وصفةً، مع أنّه بَيَّن أبسط الأشياء وأدناها، من المكروهات والمستحبات.

وثانياً: إنّ اعتبار العدالة لا ينسجم مع ما ذهبوا إليه من أنّ الإمام لا ينخلع بفسقه وظلمه، وغيره ممّا نقلناه عنهم.

كما أنّهم جعلوا القَهْرَ والإستيلاء، أحد الأُمور الّتي تنعقد بها الإمامة ـ كما سيأتي ـ وتجعل المستولي والقاهر ولي أَمر، يشمله قوله سبحانه: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ)(1). ومن المعلوم أنّ القاهر والمستولي بالحرب والنّار، لا يهمه إلاّ السلطة وإعمال القدرة، سواءٌ أَجْتَمَعَت فيه هذه الشروط أَوْ لا. أفهل يجب إطاعة مثل هذا؟

حيث أنّ وجوب طاعته لا ينسجم مع اعتبار هذه الشروط ; وعدم وجوب طاعته لا ينسجم مع كون القهر والغلبة من الأُمور الّتي تنعقد بها الإمامة.

وثالثاً: إنّ التاريخ الإسلامي يشهد بأنّ الخلَفاء بعد عليّ ـ عليه السَّلام ـ ، كانوا يفقدون أكثر هذه الصلاحيات ومع ذلك يمارسون الخلافة.

فهذه صحائف تاريخهم، من لدن تَسَنُّمِ معاوية عرش الخلافة، إلى آخر خلفاء بني مروان، خضبوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا الصحابة والتابعين، ونهبوا الديار والأموال، وقد بلغ جورهم وظلمهم الذروة، حتى ثارت عليهم الأُمّة، وقتلت صغيرهم وكبيرهم، فلم يبق منهم إلاّ مَنْ فرَّ إلى الأندلس. وبَعْدَهم تسلّط العباسيون، باسم حماية أهل البيت، ولكن حدث ما حدث، ولم تكن سيرتهم أَحسن حالاً من سيرة الأمويين، حتى قال القائل :

يا لَيْتَ جَوْرَ بني مَرْوانَ دام لنا * ولَيْتَ عَدْلَ بني العبّاسِ في النارِ

***


1 - سورة النساء: الآية 59 .


(20)

الأمر الخامس

بماذا تنعقد الإمامة عند أهل السنّة ؟

قد تعرّفت على عقيدة أهل السنّة في باب الإمامة، وأنّها عندهم أشبه بسياسة وقتية زمنية، يقودها الحاكم العادي مع كفاءات ومؤهلات، تطابق شأنه.

وعلى ذلك يرجع تعيين الإمام إلى نفس الأُمّة، لا إلى الله سبحانه ولا إلى رسوله، وهم قد اختلفوا فيما تنعقد به الإمامة على اقوال شتّى نأتي ببعضها:

1 ـ قال الإسفرائيني: ( 344 ـ 406 هـ) في كتاب الجنايات: «وتنعقد الإمامة بالقهر والإستيلاء، ولو كان فاسقاً أو جاهلاً أو عجمياً» (1).

2 ـ قال الماوردي (م 450 هـ): «إختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم، على مذاهب شتّى. فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كل بلد، ليكون الرضا به عامّاً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة أخرى: أقلُّ ما تنعقد به منهم الإمامة، خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، استدلالاً بأمرين: أحدهما: أنّ بَيْعة


1 - إحقاق الحق، للسيد التُّسْتَري، ج 2، ص 317 .


(21)

أبي بكر إنعقدت بخمسة إجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب، وأبو عُبّيدة بن الجراح، وأُسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حُذيفة.

والثاني: أنّ عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة.

وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.

وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الإثنين، ليكونوا حاكماً وشاهدَيْن، كما يصحّ عقد النكاح بِوَلي وشاهدين.

وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لأَنَّ العباس قال لعلي: امدُدْ يَدَكَ أُبايعك، فيقول النَّاس عمّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بايعَ ابن عمّه، فلا يختلف عليك اثنان. ولأنّه حُكْمٌ، وحكمُ واحد نافذٌ» (1).

3 ـ قال إمام الحرمين الجويني (م 478 هـ): «إعلموا أنّه لا يُشترط في عقد الإمامة الإجماع، بل تنعقد الإمامة، وإن لم تُجْمع الأُمّة على عَقْدها. والدليل عليه أَنَّ الإمامة لمّا عُقدت لأبي بكر، إبتدر لإمضاء أحكام المسلمين ولم يتأنّ لانتشار الأخبار إلى مَنْ نأى من الصحابة في الأقطار، ولم يُنكر عليه مُنْكِر. فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يَثْبت عدد معدود، ولا حدٌّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الإمامة تنعقد بعقدِ واحد من أهل الحَلّ والعقد» (2).

4 ـ قال القُرْطُبي: (م 671 هـ): «فإنْ عَقَدها واحدٌ من أهل الحلّ والعقد، فذلك ثابت، ويلزم الغير فعله، خلافاً لبعض الناس، حيث قال: لا تنعقد إلاّ بجماعة من أهل الحلّ والعقد، ودليلنا: أنّ عُمَر عقد البيعة لأبي بكر، ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك(3). ولأنّه عَقْدٌ، فوجب أن لا يفتقر إلى عدد


1 - الأحاكم السلطانية، ص 6 ـ 7، ط الحلبي بمصر.
2 - الإرشاد، 424 .
3 - ولعل القرطبي لم يقرأ مأساة السقيفة بين المهاجرين والأنصار، وإلاّ فالإعتراض والنزاع كان قائماً على قدم وساق ويكفي في ذلك مراجعة كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة، وتاريخ الطبري، وسيرة إبن هشام، وكتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري المتوفّى عام 280 هـ . وفيما يأتي من المباحث نشير إلى بعض تلك الوقائع .


(22)

يعقدونه كسائر العقود» (1).

5 ـ وقال القاضي عضد الدين الإيجي (م 757 هـ): «المقصد الثالث فيما تثبت به الإمامة، وأنّها تثبت بالنّصّ من الرسول، ومن الإمام السابق، بالإجماع، وتثبت ببَيْعَة أهل الحلّ والعقد. لنا، ثبوت إمامة أبي بكر بالبَيْعة».

وقال: «وإذا ثبت حصول الإمام بالإختيار والبَيْعة، فاعلم أنّ ذلك لا يفتقر إلى الإجماع، اذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والإثنان من أهل الحلّ والعقد، كاف، لعِلْمِنا أنّ الصحابة، مع صلابتهم في الدين، اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعَقْد عبد الرحمن بن عوف لعُثْمان، ولم يشترطوا اجتماع مَنْ في المدينة، فضلاً عن إجماعهم هذا، ولم ينكر عليه أحد، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا هذا»(2).

6 ـ وعلى ذلك مضى شارح المواقف السيد شريف الجرجاني (م 816 هـ) (3) .

7 ـ وقال التفتازاني (م 791 هـ): «وتنعقد الإمامة بطرق :

أحدها: بيعة أهل الحلّ والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه النّاس الذين يتيسر حضورهم من غير اشتراط عدد، ولا اتّفاق مَنْ في سائر البلاد، بل لو تعلّق الحّلُّ والعَقْدُ بواحد مطاع كفت بيعته.

الثاني: إستخلاف الإمام وعهده، وجعله الأمر شورى بمنزلة الإستخلاف، إلاّ أنّ المستخلَف عليه غير متعين فيتشاورون، ويتفقون على أحدهم، وإذا خَلَع الإمام نَفْسَه كان كموته، فينتقل الأمر إلى ولي العهد.

الثالث: القَهْرُ والإستيلاء، فاذا مات الإمام وتصدّى للإمامة


1 - تفسير القرطبي، ج 1، ص 260 .
2 - المواقف، صفحة 399 ـ 400، ط عالم الكتب .
3 - شرح المواقف، ج 8، ص 351 ـ 353 .


(23)

من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف، وقَهَرَ الناس بشوكته، انعقدت الخلافة له وكذا إذا كان فاسقاً أو جاهلاً على الأظهر» (1).

يلاحظ على هذه الأقوال والنظريات

أولاً: إنّ موقف أصحاب هذه الأقوال في المسألة، موقفُ من اعتقد بصحة خلافة الخلفاء، فاستدلّ به على ما يرتئيه من الرأي، من انعقادها بواحد أو اثنين، أو اتّفاق من تيسّر حضوره، دون النائين من الصحابة، وغير ذلك.

وهذا النَّمَط من الإستدلال، إستدلال بالمُدّعى على نفس المُدّعى، وهو دور واضح. والعجب من هؤلاء الأعلام كيف سكتوا عن الإعتراضات الهائلة الّتي توجهت من نفس الصحابة من الأنصار والمهاجرين على خلافة الخلفاء، الذين تمّت بَيْعتهم، بِبَيْعة الخمسة في السقيفة، أو بَيْعة أبي بكر لعمر، أو بشورى السِّتَّة، فإنّ من كان مُلِمّاً بالتاريخ ومهتماً به، يرى كيف كانت عقيرة كثير من الصحابة مرتفعة بالإعتراض. حتى أنّ الزُبير وقف في السقيفة أمام المبايعين، وقد اخترط سيفه، وهو يقول: «لا أُغمده حتى يبايَعَ عليٌّ». فقال عمر: «عليكم الكلب»!. فأخذ سيفه من يده، وضرب به الحجر، وكُسِرَ(2).

ويكفي في ذلك قول الطبري أنّه قام الحباب بن المنذر ـ وانتضى سيفه ـ وقال: «أَنا جُذَيْلُها المُحَكَكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّب، أنا أبو شبل، في عرينة الأسد، يعزى إليّ الأَسد، فحامله عمر، فضرب يده، فندر السيف، فأَخذه، ثم وثب على سعد (بن عبادة) ووثبوا على سعد وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية، قام أبو بكر دونها، وقال قائل حين أُوطيء سعد: قتلتم سعداً. فقال عمر: قتله الله، إنّه منافق. واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه (3).


1 - الإمامة والسياسة ج 1، ص 11 .
2 - شرح المقاصد، ج 2، ص 272، ط اسطنبول .
3 - تاريخ الطبري، حوادث عام 11، ج 2، ص 459. وفي رواية أخرى للطبري أنّ عمر قام على رأس سعد، وقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك. فأخذ سعد بلحية عمر، وقال: والله لو حصحصت منه شعرة ما رَجِعْتَ وفيك واضَحة، أما والله لو أنّ بي قوة ما أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يُجْحِرك وأصحابك (أي يلزمهم دخول الجحر، وهو كناية عن شدّة التضييق)، أما والله، إذاً لألحقنّك بقوم كُنْتَ فيهم تابعاً غير متبوع، احملوني من هذا المكان». فحملوه، فأدخلوه في داره. وتُرك إياماً، ثم بعث إليه أن أَقْبل، فبايع، فقد بايع الناس، وبايَعَ قومُك. فقال: أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي وأُخَضِّب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما مَلِكَتْهُ يدي، وأُقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، فلا أفعل. وأَيْمُ الله، لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أُعرَضَ على ربّي، وأعلم ما حسابي». فكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يُجْمع معهم، ولا يفيض معهم إفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر. (المصدر نفسه). وسعد بن عبادة سيد الخزرجيين.


(24)

هذه نبذة يسيرة من الأصوات المُدَوّية الّتي عارضت الخلافة والخليفة المنتخب، وكم لها من نظير في السقيفة والشورى وغيرهما ضربنا عنه صفحاً.

أفيصح بعد ذلك قول القرطبي: «ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك»، وكأَن الحباب، وسعداً، وابنه قيس، وعامة الخزرجيين، وبني هاشم، والزبير، لم يكونوا من الصحابة؟!.

وثانياً: إنّ هذا الإختلاف الفاحش في كيفية عقد الإمامة، يعرب عن بطلان نفس الأصل لأنّه إذا كانت الإمامة مفوضة إلى الأُمّة، كان على النبي الأكرم بيان تفاصيلها وخصوصياتها وخطوطها العريضة، وأنّه هل تنعقد بواحد أو إثنين من الصحابة؟ أو تنعقد بأهل الحلّ والعقد منهم؟ أو بالصحابة الحضور عند رحلة النبي أو رحلة الإمام السابق؟ أو باتّفاق جميع المسلمين بأنفسهم، أو بممثليهم ؟

وليس عقد الإمامة لرجل، أقلّ من عقد النكاح بين الزوجين الّذي اهتمّ القرآن والسنّة ببيانه وتحديده، كما اهتمت السنّة على الخصوص بشؤونه وأحكامه.

والعجب أنّ عقد الإمامة الّذي تتوقف عليه حياة الأُمّة، لم يطرح في النصوص، لا كتاباً ولا سنّة ـ على زعم القوم ـ ولم تُبَيَّن حدوده ولا شرائطه، ولا سائر مسائله الّتي كان يواجهها المسلمون بعد وفاة النبي الأكرم مباشرة!!


(25)

وجملة القول، إنّ اختلافهم في شرائط الإمام وطرق تنصيبه، جعل الخلافة وبالاً على المسلمين، حتى أخذت لنفسها شكلاً يختلف كلّ الإختلاف عن الشكل الّذي ينبغي أن تكون عليه. فقد أصبحت الخلافة الإسلامية، إمبراطورية، وملكاً عضوضاً، يتناقلها رجال العَيْث والفساد، من يد فاسق، إلى آخر فاجر غارق في الهوى، إلى ثالث سفّاك متعصّب. وقد أعانهم في تسنم ذورة تلك العروش، مرتزقة من رجال متظاهرين باسم الدين، فبرروا أفعالهم، ووجّهوا أعمالهم توجيهاً ملائماً للظروف السائدة، وصحّحوا إتجاهاتهم السياسية الخاصة، فخلقوا في ذلك أحاديث وسنن مفتعلة على صاحب الرسالة، واصطنعوا لهذا وذاك فضائل، لتدعيم مراكزهم السياسية، ويكفيك النموذج التالي، لتقف على حقيقة تلك الأحاديث المفتراة.

رووا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهُدايَ، ولا يَسْتَنّون بسُنَّتي وسيقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال الراوي: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضَرَبَ ظهرَك، وأَخَذَ مالَك، فاسمع وأَطع» (1).

***


1 - صحيح مسلم، ج 6، باب الأمر بلزوم الجماعة، وباب حكم من فَرَّق أمر المسلمين، ص 20 ـ 24، وفي البابين نظائر كثيرة لهذا الحديث .

Website Security Test