welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 16*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 16

صفحه 1
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 16
 
(16)

صفحه 2

صفحه 3
16   
 
 
الجزء السادس عشر ويشتمل على تفسير السور التالية:
النحل، والإسراء
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1396 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 609 - 7 (VOL.16)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6 ( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1396
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 16
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1396 هـ ش / 1439 هـ . ق / 2018 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 988    تسلسل الطبعة الأُولى: 470
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 16
نحمده سبحانه ونشكره ـ ونصلّي على خاتم رسله وخلفائه ـ ونشكره على تحرير الجزء السادس عشر من موسوعة «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» وتقديمه للقرّاء الكرام والجزء يحتوي على تفسير سورتي «النحل» و «الإسراء» والسورة الثانية تحكي لنا معجزة كبرى للنبيّ الخاتم ألا وهي معجزة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والعروج منه إلى السماوات العلى ثم إلى سدرة المنتهى، ولا أعجاز كونّي أفضل وأعلى منه. نعم هذه المعجزة ليست المعجزة الوحيدة للنبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل صدرت منه (صلى الله عليه وآله وسلم)معاجز كثيرة احتفلت ببيانها كتب السيرة حتّى قام غير واحد من علماء الفريقين على جمع معاجزه وكراماته، وأخصّ هنا بالذكر كتابين قيّمين جميلين: أحدهما لعالم شيعي والآخر لعالم سنّي:
1. «إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات»: تأليف العالم النحرير والمحدّث القدير محمد بن حسن الحر العاملي (المتوفّى سنة 1104 هـ) فقد خصّ الباب الثامن لمعجزات نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث أورد فيه 720 حديثاً من كتب الفريقين في معجزاته في سبع وخمسين فصلاً ثم ذكر في الفصل الثامن والخمسين أشعاراً تتضمّن بيان معاجزه بالنظم.
2. «حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين»: للشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني رئيس محكمة الحقوق في بيروت. جزاهما الله خير الجزاء. ثم إنّ قساوسة العصر يبذلون جهوداً لينكروا أي إعجاز للنبيّ غير القرآن الكريم حتّى أن القسّيس فندر الألماني يقول: من شرائط النبوة ظهور المعجزة ولم يكن لمحمد أي معجزة. ثم يستدلّ على ذلك ببعض

صفحه 8
الآيات.(1) نعم استدلّ بما ورد في سورة الأنعام من الآية 90 ـ 93 وقد أوضحنا حالها في ما مضى، كما استدلّ بما ورد في سورة الإسراء من الآية 89 ـ 93 فقد أوضحنا حالها في هذا الجزء وأنّها لا صلة لها بما يتبنّونه.
ثم إنّ القرآن الكريم يدلّ على بعض معاجزه الكونية :
1. شق القمر: (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)(2) وقد أوضحنا دلالة الآيات في محلها على أن شقّ القمر ناظر إلى حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لا إلى يوم القيامة.
2. إسراء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والّذي ستقرأ تفصيله في هذا الجزء.
3. المباهلة مع المسيحيّين: فقد دعا النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كبار نصارى نجران للمباهلة فقال: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(3) غير أنّ القوم امتنعوا عن قبول المباهلة. لما علموا أنّ فيها هلاكهم ثم إنّ قسماً من الآيات يحكي عن مشاهدة المنكرين بعض معجزات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال سبحانه: (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)(4)، ثم إنّا قد بسطنا الكلام حول الموضوع في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» الجزء الرابع. ومن أراد التفصيل فليرجع إليه. وصلّى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
23 من صفر المظفر ـ 1439 هـ

1 . لاحظ : أنيس الاعلام: 5 / 349 ; وميزان الحق: 227 .
2 . القمر: 1 ـ 2 .      3 . آل عمران: 61 .   4 . الصافات: 14 ـ 15 .

صفحه 9

سورة النحل

(أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ

صفحه 10
 
لاَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ *وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَيَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ * قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ

صفحه 11
 
وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوء بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ *إِنْ

صفحه 12
 
تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلاََجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّة وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

صفحه 13
 
وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ * تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ

صفحه 14
 
مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْث وَدَم لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْم شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ

صفحه 15
 
أَيْنَ مَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْر هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَات فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ * وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ * وَإذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاَءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذ السَّلَمَ

صفحه 16
 
وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ * وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّة إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاق وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ

صفحه 17
 
حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ * وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبيٌّ مُبِينٌ *إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ * مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ * ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَا

صفحه 18
 
عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَة ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لاَِنْعُمِهِ اِجْتَبَاهُ وَهَداهُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

صفحه 19
 
فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ).

صفحه 20
سورة النحل: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «النحل» لورود لفظه في هذه السورة فقط، وربّما تُسمّى بسورة النِّعم، لما عدّد الله فيها من النِّعم على عباده.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها مئة وثمان وعشرون آية ليس فيه خلاف. والرّاجح أن قسماً من آياتها مكّيّ وآخر مدنيّ. ولا شكّ في أنّ الآيات في صدر السورة مكّية، ولعلّها نزلت قبيل الهجرة، إلى قوله سبحانه:(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(1). كما أنّ قوله تعالى:(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ)(2)... إلى آخر السورة، يشبه أن يكون مدنيّاً، نزل بعد الهجرة بزمن يسير.
سورة النحل: الآيتان 1 و 2    
ومع ذلك ففي ثنايا القسم الثاني ما يرجّح أن يكون مكيّاً مثل قوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ)(3)، ومثله قوله تعالى:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ)(4).

1 . النحل:40.
2 . النحل: 41.
3 . النحل:58.
4 . النحل:73.

صفحه 21
وعلى كلّ تقدير، فالسورة مؤلَّفة من آيات مكيّة ومدنيّة يجمعها قرب زمان النزول، أي قبيل الهجرة وما بعدها بقليل.

أغراض السورة

تركّز السورة على المحاور الثلاثة التي تشكّل الأُسس الرئيسة للإيمان، وهي: التوحيد، والوحي، والبعث والنشور. وقد أكّدت على المحور الأوّل (التوحيد) من خلال الحثّ على التأمّل في النِّعم التي تفضّل الله سبحانه بها على عباده والتي بها قوام حياتهم، إذ بالتأمُّل في ذلك، يقرّ الإنسان بأنّه لا معبود سواه، فإنّ العبادة نوع شكر للمنعم، والمفروض أنّه لا منعم سواه، فينتج أنّه لا معبود سواه.
وتناولت السورة المحور الثاني، أعني: الوحي، الذي كان يكذّب به المشركون، وفنّدت ما كانوا يزعمونه من أنّ بعض البشر كان يعلّم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وينسب ما يتعلّمه منه إلى الله زوراً.
وأمّا المحور الثالث (البعث والنشور)، فعالجته السورة في جملة من آياتها من خلال الحديث عن يوم القيامة، وبيان القدرة الإلهية على إعادة الخلق من جديد، ومن خلال عرض بعض مشاهد القيامة، حيث يلاقي الجميع جزاءهم، كلٌّ بما كسب.

الآيتان: الأُولى والثانية

(أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ

صفحه 22
أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ).

المفردات

أتى: فعل ماض ربّما يستعمل في القرب والدنوّ، يقال: أتى الأمير وهو بعدُ لم يأت، ولكنْ قرُب مجيئه.
أمر الله: ما أمر به سبحانه. وسيوافيك توضيحه في التفسير.
بالروح: أُريد به هنا الوحي، فشُبّه بالروح كما يشبّه العلم بالحياة، والجهل بالموت، قال سبحانه:(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)(1)، وسيوافيك أنّ في الوحي حياة القلوب والعقول ومن ثمّ المجتمع.
من أمره: الظاهر أنّ «من» بمعنى الباء أي بأمره، كقوله سبحانه:(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ)(2) أي بأمر الله.

التفسير

1. (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ):
في الآية أُمور بحاجة إلى بيان :
1. قوله:(أَتَى). لماذا عبّر بصيغة الماضي ولم يقل«يأتي»؟
2. قوله:(أَمْرُ اللهِ). ما هو المقصود من الأمر المضاف إلى الله؟

1 . الأنعام:122.
2 . الرعد:11.

صفحه 23
3. ما هو مرجع الضمير في قوله:(فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ)؟
4. ما هي الصلة بين الفقرة المتقدّمة وقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)؟
ومن خلال توضيح هذه الأُمور الأربعة يتبيّن ما هو المقصود من الآية.
أمّا الأوّل، فقد أتى بلفظ الماضي لكونه محقّق الوقوع، كما هو دأب القرآن الكريم في هذه المواضع. ويمكن أن يقال: بأنّه لمّا دنا أمر الله وقرُب، عبّر عنه بالماضي، كما إذا قرُب مجيء الأمير يقولون: جاء الأمير.
وأمّا الثاني، فإنّ صياغة الكلام ـ أعني: (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ)ـ يعرب عن أنّ المأتيَّ شيء فيه وعيد وإنذار، وهنا احتمالان:
1. أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يوعدهم بنزول العذاب، وهم كانوا يستعجلونه، كما يدلّ عليه قوله تعالى: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلاْنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)(1) فإنّ المتبادر من قوله: (بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا) هو العذاب الدنيويّ المعبّر عنه بعذاب الاستئصال، وعلى هذا فيكون المأتيّ هو الاستئصال الذي عمَّ صناديد قريش ومترَفيهم ومعانديهم في غزوة بدر الكبرى.
2. المراد هو العذاب الأُخرويّ الذي كان المشركون يستعجلونه، ويدلّ عليه قوله سبحانه:(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2)، فيكون المراد: قرُبت الساعة.

1 . يونس:50ـ 51.
2 . يس:48.

صفحه 24
ولكن الأوفق لمضامين السورة هو الاحتمال الثاني.
وهناك احتمال ثالث دون الاحتمالين المتقدّمين، وهو انتشار الإسلام في ربوع الحجاز ونجد، اللّذين كانا معقلين للوثنية كما يشير إليه قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(1).
وأمّا الثالث، فالضمير في قوله: (فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ)يرجع إلى أمر الله، والمراد: لا تطلبوا حصوله قبل حضور الوقت.
وأمّا الرابع: أعني ما هي الصلة بين الفقرة السابقة وقوله:(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)؟ فيحتمل أنّه ردّ لما يلوكه بعض المشركين من أنّه إذا نزل العذاب لَلَجأنا إلى أصنامنا فهي تشفع لنا، وعندها نتخلّص من العذاب بسبب شفاعة هذه الأصنام، فالله تعالى يردّ على هذه الفكرة بقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)إذ ليس له شريك في أمر الشفاعة والحُكم والتدبير، فالحكم كلّه بيده.
2. (يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ):
وهذه الآية الثانية نظير الأُولى، فيها نقاط تحتاج إلى التبيين:
1. قوله:(يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ) لأيّ شيء يُنزّلهم سبحانه؟ وما هي الغاية من تنزيلهم؟

1 . التوبة:33.

صفحه 25
2. ما هو المراد من الملائكة؟ هل المراد هو جبريل(عليه السلام) أو جمع منهم؟
3. ما هو المراد من الرُّوح؟
4. ما هو المقصود من قوله: (مِنْ أَمْرِهِ)؟
5. ماذا أراد من قوله:(عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)؟
6. بماذا يتعلق قوله:(أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) ؟
وببيان هذه الجهات يتبيّن معنى الآية:
أمّا الأُولى، فالغاية من التنزيل هي الإنذار كما قال:(أَنْ أَنْذِرُوا)والتقدير: ينزّل الملائكة للإنذار.
وأمّا الثانية، فيحتمل أنّ المراد بالملائكة الواحد منهم، وهو جبرئيل(عليه السلام)، لأنّه هو حامل الوحي من الله سبحانه إلى رسله أو إلى خصوص النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال:(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)(1) أو أنّ المراد جبرئيل مع جمع من الملائكة لصيانة الوحي من أن يلتبس بباطل في نزوله على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي تلقّيه وإبلاغه إلى الناس، كما يدلّ عليه قوله في سورة الجنّ:(إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا).(2)
وأمّا الثالثة، أعني الروح، فأُريد به الوحي وهو هنا القرآن الكريم، بقرينة إنزال الملائكة، وقد أُطلق الرُّوح على الوحي في مواضع أُخرى، قال سبحانه: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)(2)، وقوله

1 . الشعراء: 193ـ 194.   2 . الجنّ: 27.
2 . غافر:15.

صفحه 26
سبحانه:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ)(1).
وأمّا تفسيره بالروح الإنسانية وغير ذلك، فيردّه ظاهر السياق .
وأمّا الرابعة، أي قوله: (مِنْ أَمْرِهِ) فالظاهر أنّ «مِنْ» بمعنى الباء أي بأمره.
وعلى هذا فالباء للسببية، نظير قوله:(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ)(2) أي بأمر الله، ومن ثمّ تدلّ الآية على أنّ نزول الملائكة تابع لأمر الله سبحانه.
وأمّا الخامسة، أي المراد من قوله:(عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) فلعلّ الفقرة ردٌّ على بعض اقتراحات الوثنيّين من لزوم كون النبي رجلاً ثريّاً عظيم الجاه الدنيويّ، كما يدلّ عليه قوله حاكياً عنهم:(لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم)(3)، أو قوله: (مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ)(4)، والله سبحانه يردّ عليهم بأنّه ينزِّل الوحيَ (عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) لا على من تشاءُون، وفي آية أُخرى:(اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(5).
ثمّ إنّ قوله سبحانه: (عَلَى مَنْ يَشَاءُ) لا يدلّ على أنّ اختيار الرسول والنبيّ فاقد لأيّ ضابطة، بل الآية بصدد الردّ على ما زعموه من الضابطة، وأمّا أنّ مشيئة الله فاقدة للضابطة فليست الآية بصدد بيانها. ومن المعلوم أنّ كلّ إنسان لا يصلح لتحمّل الوحي ورؤية الملائكة وإبلاغه للناس والمصابرة

1 . الشورى:52.
2 . الرعد:11.
3 . الزخرف:31.
4 . الفرقان:7.
5 . الأنعام:124.

صفحه 27
في طريق إبلاغه، إلاّ من اجتمعت فيه المواهب الإلهية، والاستعداد التام لتلقّي الوحي وإبلاغه.
وأمّا السادسة، أعني قوله:(أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) فهو متعلّق بقوله:(يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ) فيكون بياناً لما يُنذر به، والتقدير: أنذِروا بأنّه (لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ)، وهذه الفقرة شاملة لمحتوى الرسالة الخاتمة، فقوله:(لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)إشارة إلى جانب العقائد، وقوله: (فَاتَّقُونِ) إشارة إلى جانب العمل بالأحكام.
بقي كلام في إطلاق الروح على الوحي، وهو أمر و اضح لا يحتاج إلى بيان زائد، وذلك لأنّ حياة الشيء إنّما هي بروحه، فلو فَقَد الرُّوحَ صار جماداً ميّتاً، وعلى هذا فالوحي المتضمِّن لبيان العقائد والسلوكيات، يُعدّ روحاً للفرد والمجتمع، ولو فقد ذلك النظام لأصبح متوحِّشاً يفترس بعضه بعضاً، ويتّخذ من دون الله أرباباً شتّى، ولذلك نرى أنّه سبحانه يطلق الروح على الوحي كما في الآيات التي مرّ بيانها.
قال الشريف الرضيّ حول الآية: وهذه إستعارة لأنّ المراد بالروح هاهنا الوحي الذي يتضمّن إحياء الخلق، والبيان عن الحقّ، ومثل ذلك قوله سبحانه:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)(1)، ومثله قوله تعالى في المسيح(عليه السلام):(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)(2) فسمّاه الله تعالى روحاً على هذا المعنى، لأنّ به حياة أُمّته وبقاء شريعته.(3)

1 . الشورى:52.
2 . النساء:171.
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:90.

صفحه 28
سورة النحل: الآيات 3 ـ 9    

الآيات: الثالثة إلى التاسعة

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).

المفردات

بالحق: الباء للملابسة، أي مصحوباً بالحقّ وبعيداً عن الباطل.
نطفة: النطفة: الماء الصافي، وأُريد به هنا مادة التلقيح.
خصيم: منطيق مجادل عن نفسه.
الأنعام: جمع نَعَم، وهي الإبل والبقر والغنم والمعز.
دفء: الدِّفء خلاف البرد، وأُريد به هنا ما يُستدفَأ به من الألبسة والخيام.
جمال: زينة في أعين الناس وعظمة لديهم.

صفحه 29
تُريحون: الإراحة ردّ الماشية بالعشيّ من مراعيها إلى مَباركها، والمكان الذي تُراح فيه (مُراح).
تَسرحون: السُّروح خروج الماشية إلى المرعى في الغداة.
أثقالكم: الأثقال: جمع الثِّقْل وهو المتاع الذي يثقل حمله.
بِشِقّ الأنفس: الكلفة والمشقّة التي تلحق الإنسان عند حمل المتاع الثقيل، وربّما يقال: إنّ الشِّقّ معناه الشَّطر والنِّصف، فيكون المراد: إلاّ أن يذهب شطر قوّتكم، أي نصف قوّة الأنفس.(1)
قصد السبيل: سلوك الطريق الحقّ.
جائر: مائل عن طريق الحقّ.

التفسير

3. (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ):
شرع سبحانه ببيان النِّعم التي تشهد بوحدانيّته وطلاقة قدرته فبدأ بذكر أنّه: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ) لا عبثاً، قال سبحانه:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)(2)، فقوله: (بِالحَقّ): أي مصحوباً بالحقّ ومُبرَّأً من العبث. وهذه الفقرة من الآية تشمل صحيفة الكون المادّي الزاخرة بالعجائب وتشمل ما بينهما، فإذا كان هو الخالق فهو إذاً المدبِّر، ومن

1 . مجمع البيان:6/161.
2 . المؤمنون:115.

صفحه 30
ثم هو الإله الذي يجب أن يُعبَد، فصحّ أن يُعظَّم هو سبحانه ويُنزَّه عن كلّ شريك (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ): أي تقدّس مقامه عمّا يشركون به من أجسام خالية من الرُّوح تعجز عن خلق بعوضة أو ما دونها.
وممّا يثير العجب أنّهم يوحِّدون الله في الخلق ولكن يعتقدون بشركاء له في التدبير، مع أنّ التدبير في صحيفة الكون لا ينفكّ عن خلقه.
4. (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ):
إنّ قوله سبحانه:(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ) وإنْ كان يشمل خلق الإنسان وما دونه، ولكن لأجل تبيين النِّعم بشكل تفصيلي، ذكر عدداً منها، وأوّلها خلق الإنسان، فبدأ ببيان أنّ الإنسان خُلق من نطفة وهي شيء دنيّ خسيس، ولكنّها برعاية الله تعالى وتقديره تصير إنساناً منطيقاً مدافعاً عن نفسه، فأين هذا الموجود من النطفة القذرة؟! كما يقول سبحانه: (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا) وقد جاء بإذا الدالّة على المفاجأة لأنّه لم يُترقَّب من ذلك الماء الدنيّ المَهين أن يصل إلى درجة يصير فيها كائناً مفكّراً منطيقاً مجادلاً عن نفسه، كما يقول سبحانه:(فإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)، والخصيم وإن يُستعمل فيمن يخاصم ويعاند، كما في قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)(1): أي مجادل بالباطل، ظاهر الخصومة، لكنّ هذا المعنى لا يناسب المقام، إذ هو بصدد بيان عَظَمة الخلقة، فيصار إلى أنّه صار خصيماً متكلماً بليغاً.
ولقد أنصف الجرّاح وعالم الأحياء الفرنسيّ ألكسيس كاريل(المتوفّى

1 . يس:77.

صفحه 31
1944م) حين سمّى كتابه «الإنسان ذلك المجهول»، فإنّ الجهود لم تزل تُبذل منذ بدء الخلقة إلى يومنا هذا لمعرفة الإنسان من جوانب شتى، ومع ذلك فقسم من وجوده بقي مجهولاً، ورَكْبُ العلم ما زال سائراً.
قد عرفت أنّ السورة سُمّيت أيضاً بسورة النِّعم والغاية من ذكرها هو الاحتجاج على الوثنية التي تقول بالتوحيد في الخالقية وأنّه لا خالق في صحيفة الكون إلاّ الله سبحانه، لكنّها تقول بالشرك في الربوبية وأنّ تدبير كلّ جزء من أجزاء العالم فُوِّض إلى إله مخلوق لله، يدبِّر ما فُوِّض إليه تدبيره، ولذلك استنكروا دعوة الرسول الأعظم إلى الإله الواحد قائلين: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).(1)
***
هذا بالنظر إلى مجموع هذه الآيات، وأمّا بالنظر إلى قسم منها فإنّ الله عزّ وجلّ أقام براهين ثلاثة ـ من قوله: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) إلى قوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) ـ (2) تدلّ على توحيده في مجال الخلق والتدبير والعبادة وغير ذلك.
فالبرهان الأوّل يدور حول التأمُّل في خلق الأنعام والدوابّ ونزول الماء من السماء الذي يكون منه شراب الإنسان وحياة النبات والحيوان، ويُتمّ بيانه بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)(3).
وأمّا البرهان الثاني، فيدور حول تسخير الليل والنهار والشمس

1 . ص:5.
2 . النحل:6ـ 13.
3 . النحل:11.

صفحه 32
والقمر والنجوم لخدمة الإنسان، وأتمّها بقوله:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(1)
وأمّا البرهان الثالث فيدور حول وحدة مادة العالم مع أنّه ينتج ألواناً مختلفة من النِّعم، وختمها بقوله:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).(2)
ولنبدأ ببيان هذه البراهين من خلال تفسير آياتها:

البرهان الأوّل

5. (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ):

الأنعام ومنافعها الخمسة

لمّا أشار سبحانه إلى النعمة الكبرى وهي التي تعمّ صحيفة الوجود، أعني: خلق السماوات والأرض، وإلى نعمة صيرورة الإنسان منطيقاً مجادلاً، أخذ في عرض بعض النّعم التي ينتفع بها الإنسان في حياته الأرضية، ومنها الأنعام وتشمل الإبل والبقر والمعز والغنم، وذكر لها في هذه الآية منافع ثلاثة:
الأُولى:(وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) الدِّفء ـ بكسر الدال ـ ما يُتدفَّأ به، وذلك باستخدام جلودها وأصوافها وأوبارها في صنع الملابس والأغطية التي تحمي الإنسان من البرد.
الثانية: (وَمَنَافِعُ)، وهي من عطف العام على الخاص. وللأنعام منافع

1 . النحل:12.
2 . النحل:13.

صفحه 33
كثيرة، فالأغنام مثلاً، توفّر ـ في العصر الحاضر ـ الخامات الأوّلية للعديد من المنتجات الثانوية، مثل الغِراء، والدهن، والشحم، والصابون، وموادّ التجميل، وغير ذلك.(1)
الثالثة:(وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) خصّ الأكل بالذكر لأنّ قوام الحياة بأكل اللحوم. وقد أخّر ذكرها لاحتمال رعاية فواصل الآيات.(2)
6. (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ):
كانت الآية السابقة تركّز على منافع الأنعام من الجانب المادي، وأمّا هذه الآية فتشير إلى منفعة رابعة ناظرة إلى المنافع النفسية والمعنوية فإنّ في حركة الأنعام الجماعية حين تسرح إلى مراعيها وتعود إلى مُراحها جمالاً وزينة تورث الانشراح في نفس مالكها، وهذا الأمر يحسّ به من مارس تربية الأنعام، فكأنّ مالكها مَلِك وهؤلاء جيشه، يسرحون ويمرحون.
والآية إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ الدين الإسلامي يولي أهمية للجمال وما يُدخل الفرح والسرور على روح الإنسان المسلم، ولذلك يقول:
(وَلَكُمْ فِيهَا): أي وراء ما فيها من دفء ومنافع وأكل (جَمَالٌ): أي زينة

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:2/327.
2. تتجلّى أهمية أحد أصناف الأنعام الّتي تمدّ الإنسان بالغذاء والكساء، أعني: الأغنام، حين نقف على عدد رؤوس الأغنام في أهمّ الدول المنتجة لها عام (2014م): الصين (187مليون)، الهند(75مليون)، أستراليا(7/74مليون)، السودان(5/52مليون)، إيران(75/48مليون). موقع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة(فاو).

صفحه 34
وبهجة (حِينَ تُرِيحُونَ)ولعلّ تقديم الإراحة على التسريح لأجل أنّ الارتياح عندها أكثر وأقوى من الثانية، لأنّ الأنعام تعود إلى مُراحها وكروشها مليئة، بخلاف الحالة الأُخرى وهي (وَحِينَ تَسْرَحُونَ) فعند السروح تكون الضروع خالية من اللبن، والبطون فارغة من العلف.
7. (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ):
الآية تشير إلى فائدة خامسة وهي خاصّة للإبل (والبقر أحياناً) من الأنعام، وهي حمل الأثقال من بلد إلى بلد، وقد كانت لأهل مكة رحلتان تجاريتان: إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء، والذي كان يحمل أثقالهم من بلدهم إلى البلاد النائية وبالعكس، هو سفن الصحراء التي هي الإبل، كما يقول:(وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ): أي تحمل الأنعام أثقالكم (إِلَى بَلَد) ناء (لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ) لولا الأنعام (إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ): أي بمشقّة بالغة وبكلفة تلحق أنفسكم. وربما يقال بأنّ المراد هو: إلاّ بذهاب شطر قوتكم من التعب، أي نصف قوة الأنفس. والأفضل هو المعنى الأوّل.
ثمّ عقّب ذكر هذه الفوائد بقوله:(إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ولعلّ هذه الفقرة تعليل لخلق الأنعام، ويدلّ على أنّ خَلقها نابع عن رأفة الربّ ورحمته بعباده، إذ هو يعلم بحاجاتهم، وأنّها لا تُقضى إلاّ بوجود هذه الأنعام التي ينتفعون بها.
إنّ الحضارة الحديثة مع أنّها أوجدت وسائل نقل سريعة إلاّ أنّ هناك الملايين من الناس في آسيا وأفريقيا لا يزالون يعتمدون على الجمال في

صفحه 35
قضاء معظم حاجاتهم اليومية، ومنها حمل الغِلال للأسواق، ونقل الأطعمة والملابس، وغيرها.
8 . (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ):

الدوابّ ومنافعها

قوله:(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ) منصوب لأنّه معطوف على الأنعام، أي: خلق الخيل والبغال والحمير، وذكر لها منفعتان:
1. (لِتَرْكَبُوهَا): أي خلقها الله سبحانه للركوب والانتقال من بلد إلى بلد.
2. (وَزِينَةً): أي زينة وجمالاً، يبعث الارتياح في النفوس، فإنّ لها أثراً على ظاهر الحياة الاجتماعية.
وما زال الكثير من الناس يستخدمون الخيل للترويح والرياضة بالرغم من أنّها لم تعُد وسيلة نقل مهمّة في الوقت الراهن. وممّا يثير البهجة في نفوسهم عروض الخيل في الاحتفالات الكبيرة وغيرها.
وحاصل الكلام: إنّه سبحانه خلق الخيل، وما عطف عليها، تقطع المسافات أوّلاً، وثانيها أنّ وجود الخيل مورث للنشاط والارتياح. فهذه الآية أيضاً دليل على أنّ الإسلام لم يهمل ما يُعد نعمة للنفس والروح حيث إنّها تلتذّ بمشاهدة الخيل والبغال والحمير إذا كانت مجتمعة، راجعة إلى معاطنها، أو خروجها منها إلى المراعي أو مقاصد السفر.

صفحه 36
ثمّ إنّه سبحانه لم يذكر الأكل في المقام، مع أنّه ذكره في الأنعام، وذلك لكراهة أكل هذه الأصناف الثلاثة، فهي لم تُعدّ للأكل. كما أنّه تعالى قد عطف على هذه المخلوقات قوله:(وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)فلو كان الخطاب مختصّاً بمشركي مكة وما حولها، فيكون المراد من خلق ما لا يعلمون هو ما خلقه سبحانه في البلاد النائية والقارات البعيدة من المخلوقات التي تخلو منها الجزيرة العربية، إذ كانت مجهولة للناس في وقت نزول القرآن، غير أنّ المعاصرين من المفسّرين زعموا أنّ قوله سبحانه: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)إشارة إلى المخترعات الحديثة كالسيارة والطيارة، ونسبة خلقها إلى الله سبحانه باعتبار خلق موادّها، وخلق الإنسان الذي اخترعها، حيث إنّه مخلوق لله تعالى، ولو أُريد هذا المعنى فيكون من الأخبار الغيبية للقرآن،... ويؤيّده قوله:(يَخْلُقُ) بصيغة المضارع فيصلح أن يكون إشارة إلى المراكب التي أحدثتها الحضارة في القرون الأخيرة ولم يكن لها أثر حين نزول الآية، فالله سبحانه هو الذي ألهم الإنسان كيفية إيجاد هذه المخترعات.
9. (وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ):

النِّعمة المعنوية

انتقل البيان القرآني من ذكر النِّعم المادية والجسمانية إلى نعمة معنوية، وهي بيان السبيل الموصل إلى السعادة والمقاصد الروحانية، وذلك بإعطاء الإنسان العقل الحصيف والفطرة السليمة وبعث الأنبياء بكتبهم وبياناتهم التي تُرشد إلى السبيل الموصل إلى السعادة، وهذا أمر فرضه

صفحه 37
سبحانه على نفسه لأنّه خلق كلّ شيء لغاية خاصّة فاقتضت الحكمة أن يزوّده بما يتوقّف عليه، قال سبحانه:(الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(1)، وقال: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ)(2)، وقال هنا:(وَعَلَى اللهِ) كما اقتضت حكمته تعالى (قَصْدُ السَّبِيلِ): أي السبيل القاصد، فالمصدر بمعنى الفاعل أُضيف إلى موصوفه، والمعنى: وعلى الله سبحانه تبيين السبيل القاصد والمستقيم الذي يوصل الإنسان إلى مقاصده، لكن ليس كلّ سبيل سبيلاً قاصداً مستقيماً، فإنّ بعضها مائل عن الحقّ، حائد عن الاستقامة، كما يقول:(وَمِنْهَا جَائِرٌ) فلا يوصل إلى المقصود، قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(3).
ولمّا كانت هنا مظنّة سؤال، وهو أنّه سبحانه بيّن السبيل المستقيم والطريق الهادي إلى السعادة ولكن نرى الكثير من الناس لم يسلكوه، وبذلك صار سبحانه مغلوباً على تدبيره وربوبيته، فأجاب عنه بقوله:(وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ): أي إنّ عدم اهتداء الجميع ليس لعجز منه سبحانه أو غلبة لهم على مراده، وإلاّ لو شاء لم تسعهم المخالفة ويكون الجميع مهتدين، ولكنّه سبحانه لم يجبرهم على سلوك هذا الطريق، لأنّ الطريق المسلوك جبراً لا قيمة له، والإيمان الذي يختاره المؤمن عن ضرورة زمانية لا يُكال بصاع، وإنّما القيمة للإيمان النابع عن اختيار الإنسان.

1 . طه:50.
2 . الروم:30.
3 . الأنعام:153.

صفحه 38
وهنا نكتة، وهي أنّ الله سبحانه نسب قصد السبيل إلى نفسه عزّ وجلّ، ولكنّه لما وصل الكلام إلى السبل الجائرة غيّر أسلوب الكلام، وقال:(وَمِنْهَا جَائِرٌ) دون أن يقول: وعليها جائرها، والسبب في ذلك ـ كما
ذكر الزمخشريّ ـ ليعلم ما يجوز اضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز،
ولو كان الأمر كما زعم المجبّرة، لقيل: وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها.(1)
وربما يقال بأنّ الطريق المجعول هو الطريق القاصد، وأمّا الطريق الجائر فليس بسبيل حقيقة ; بل حقيقته عدم سلوك سبيل الهدى، كما أنّ الضلال عدم الهدى، فليس مثل هذا الطريق بأمر موجود حتى ينسب خلقه وإيجاده إليه تعالى، وإنّما ينسب الضلال إليه تعالى فيما ينسب بمعنى عدم هدايته الضالّ، أي عدم إيجاده الهدى في نفسه.(2)
سورة النحل: الآيات 10 ـ 13    
ولا يخفى أنّ ما ذكره خلاف ظاهر سائر الآيات، وقد مرّ أنّه سبحانه يقول:(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)(3).
نعم، الفرق بين السبيلين أنّ السبيل الأوّل مجعول لله سبحانه مباشرة، وقد بيّن تعالى هذا السبيل بياناً تكوينياً بإرشاد العقل والفطرة وبيان الأنبياء، وأمّا سائر السبل المعوجّة وغير الموصلة فكلّها مجعولة بجعل العباد الضالّين والمضلّين، ونسبته إلى الله لا تُجاوز نسبة أعمالهم إلى الله سبحانه، فكما أنّ نسبة ما في الكون إلى الله سبحانه ونسبة أفعال العباد إليه تعالى لا

1 . تفسير الكشّاف:2/199.
2 . الميزان في تفسير القرآن:12/214.
3 . الأنعام:153.

صفحه 39
تورث الجبر، فهكذا نسبة السبيل الجائر إليه سبحانه، فإنّ الجميع من باب واحد.
ثمّ إنّ في قوله سبحانه:(وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) دليل على ما يقوله العدلية من المتكلِّمين من أنّه يجب على الله تعالى كذا وكذا من اللطف، وعندئذ يثور عليهم الأشاعرة من أنّ عباد الله أقلّ من أن يكلِّفوا الله سبحانه، إذ أين التراب وربّ الأرباب؟
غير أنّ هؤلاء غفلوا عن أنّ المراد من الإيجاب على الله تعالى، هو كشفه من خلال صفاته سبحانه وكلماته، فإنّ الذي خلق كلّ موجود لغاية وحكمة، تقتضي حكمته أن يرشده إلى أسباب الهداية، وهذا ليس من مقولة حكم العبد على الله سبحانه، بل يأتي في إطار كشف حكمه من خلال صفاته.

الآيات: العاشرة إلى الثالثة عشرة

(هُوَ الذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ).

صفحه 40

المفردات

تُسيمون: تَرعَون، يقال: أسأم الماشية وسوّمها جعلها ترعى.
زرع: قال ابن منظور: قد غلب على البُرّ والشعير، وجمعه زروع، وقيل: الزرع نبات كلّ شيء يحرث.(1)
ذَرَأ: خَلَق.
ألوانه: أصنافه.

التفسير

10. (هُوَ الذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ):

عَصَب الحياة

لمّا فرغ سبحانه من بيان بعض النِّعم الأرضية انتقل لبيان نعمة سماوية، وهي الماء النازل من السماء، أعني: المطر الذي هو المبدأ لوجود النباتات المختلفة التي بها تقوم حياة الإنسان والحيوان، ولولا المطر لصار وجه الأرض جدباً لا ينبت فيه شيء، ولذلك يقول سبحانه: (هُوَ الذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ)قسم (مِنْهُ شَرَابٌ) للإنسان والحيوان، ويشمل أيضاً ما يُشرب منه بواسطة العيون والآبار، لأنّ قسماً من ماء المطر يتسرّب في داخل

1 . لسان العرب:8/141، مادة «زرع».

صفحه 41
الأرض ليصبح جزءاً من المياه الجوفية، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ)(1)، وقال: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ).(2)
والقسم الثاني من المياه النازلة، ما يجعله الله سبحانه لتكوين النبات كما يقول:(وَمِنْهُ شَجَرٌ): أي ومن ماء المطر يحصل شجر(فِيهِ تُسِيمُونَ): أي ترعَون فيه أنعامكم، فإنّ الأنعام ترعى أوراق الأشجار. ويحتمل أن يراد من الشجر مطلق الكلأ والعشب، وعن الزجّاج: كلّ ما نبت على الأرض فهو شجر، وأنشد:
نُطعمها اللَّحم إذا عزّ الشجر(3)
يريد من اللحم اللَّبن، أي أنّهم يسقون الخيل اللَّبن إذا أجدبت الأرض من النبات.(4)
وحمل الشجر على مطلق ما ينبت على الأرض أفضل، لوجهين:
1. الأنعام ترعى الكلأ والحشيش أكثر من رعيها أوراق الأشجار، فحملها على الأعمّ أفضل.

1 . المؤمنون:18.
2 . الزُّمر:21.
3 . تمام البيت:
نطعمها اللحم إذا عزّ الشجر         والخيل في إطعامها اللحم عسر
والبيت للشاعر النمر بن تولب العكلي ضمن قصيدة في مدح الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عند وفوده عليه مسلماً. راجع: الاستيعاب: 4 / 1531 برقم 2663 ; والأغاني: 22 / 458 .
4 . لاحظ : تفسير الرازي: 9 / 233 .

صفحه 42
2. أنّ الآية التالية تبيّن غذاء الإنسان، فلابدّ من حمل آيتنا هذه على مطلق ما ترعاه الأنعام.
11. (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ):
الآية تشير إلى فائدة ثالثة لماء السماء وراء الفائدتين المتقدّمتين: الشراب منه، وإنبات الشجر، وهي أنّه تَنبت به الأُمور التالية:
1. (الزَّرْعَ) وأُريد به الحبوب.
2. الفواكه، ومنها (الزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ) فالأوّل فاكهة من وجه وأدام من وجه آخر، وفيه منافع أُخرى (وَالنَّخِيلَ) جمع نخلة، وهي شجرة التمر، (وَالأَعْنَابَ) جمع العنبة، يطلق على الشجرة نفسها وعلى الثمرة.
ولمّا كانت الفواكه وصفاتها ومنافعها كثيرة جدّاً غير ما أشير إليه، قال سبحانه:(وَمِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ)وهو متعلّق بقوله: (يُنْبِتُ لَكُمْ) في صدر الآية، أي: ينبت من كلّ الثمرات.
ولمّا كان الغرض النهائي هو إرشاد الإنسان إلى التوحيد، وتحرير الوثنيين من عبادة الأوثان إلى عبادة الله تبارك وتعالى وحده، أمر بالتفكّر فيما سبق ذكره، وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي في خلق الأنعام والدوابّ وما يترتّب على نزول ماء السماء (لاَيَةً) على توحيده سبحانه(لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)، والذي يجمع هذه الأُمور الثلاثة كون الجميع في خدمة الإنسان، فالتفكّر في عظيم الخلقة وآثارها يدلّ على أنّ الجميع أثر الإله الذي هو الخالق، ومن ثم هو المدبِّر والمعبود.

صفحه 43
إلى هنا تمّ البرهان الأوّل الذي يدور حول التأمُّل في خلق الأنعام والدوابّ ونزول الماء من السماء الذي منه شرب الإنسان والحيوان وإنبات الزرع والنخيل والأعناب وسائر الثمرات.
وسنشير بعون الله ومشيئته إلى بعض ما في الزيتون والنخيل والأعناب من فوائد عند تفسير الآيتين:(19 و20) من سورة «المؤمنون»، فانتظر.
ولله درّ القائل في موشّحته (من مناظر الجمال):
حول الحقول الزّاهراتْ *** وحول أزهار النباتْ
فتّشْ تجدْ سرَّ الجما *** لِ يشعُّ فوق الكائناتْ
***
وَسْطَ الحقول وفي الرُّبى *** وعلى ضفافِ الجدولِ
وعلى الغصونِ المائسا *** تِ وفي مهبِّ الشَّمألِ
وعلى الثغور الباسما *** تِ وفي غناء البُلبلِ
وعلى الفضاء، على السَّما *** ءِ وفي النجومِ الزاهياتْ
جلّتْ يدٌ هيَ صوَّرَتْ *** فينا جمالَ الكائناتْ(1)
***
12. (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ):

1 . للأديب الشاعر الشيخ عبد الحميد الخاقاني، الشهير بالصغير. شعراء الغري:5/350.

صفحه 44

البرهان الثاني

لمّا تمّ البرهان الأوّل على توحيده في الربوبية الذي هو مورد إنكار الوثنيين، بدأ ببيان برهان ثان على توحيده في الربوبية وأنّه ليس لصحيفة الوجود إلاّ ربٌّ واحد يدبِّر أمرها، وهذا البرهان يدور على التّفكُّر في أُمور ثلاثة:
1. تسخير الليل والنهار، كما قال:(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) فإنّ تسخيرهما أفضل دليل على دقّة الصنع وسعة العلم، حيث امتنّ على الإنسان بهاتين الظاهرتين، التي لكلٍّ منهما دور في حياة الإنسان، وقد أشار الذكر الحكيم في غير واحدة من الآيات إلى وجه انتفاع الإنسان بهما وقال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)(1)، وقال تعالى:(أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)(2).
ومن مِنَنه سبحانه أنّه جعلهما خِلفة، أي يأتي كلٌّ خلف الآخر، كما يقول:(وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ)(3).
ومن المعلوم أنّه لو دامت إحدى الظاهرتين (الليل والنهار) لَما وُجد على صحيفة الكون أثر للحياة، إمّا للبرودة الشديدة أو الحرارة الحارقة.
2.تسخير الشمس والقمر، كما قال: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) عطفهما على الليل والنهار لوجود المشابهة التامّة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهي

1 . النبأ:10ـ 11.
2 . النمل:86.
3 . الفرقان:62.

صفحه 45
أنّ التسخير في هذه الأُمور الأربعة واضح لكلّ من فتح عينيه على الأرض والسماء، فإنّ شروق الشمس من المشرق وغروبها في المغرب على نمط خاص أفضل دليل على أنّها مسخَّرة لقدرة عالية تقودها، وهكذا القمر حيث يبدو هلالاً ثمّ ينزل في منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل كلّ يوم وليلة منزلة منها، لا يختلف حاله في ذلك إلى أن ينهي السَّير في آخر الشهر، حيث يصير كالعرجون القديم (عِذْقِ النخلة) في دقّته وتقوّسه.(1)
وأيّ دليل أوضح من كونه مسخَّراً عبر عصور لا يعلم مداها إلاّ الله سبحانه.
3. تسخير النجوم، كما قال: (وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ) فصل سبحانه تسخير النجوم عمّا قبلها دون أن يعطف، ولذلك يُقرأ بالرفع. وقد خصّها بالذِّكر ; لأنّ تسخير النجوم أمر خفيّ يقف عليه من يرقب النجوم وحركاتها، ولا يُعنى بذلك إلاّ القليل، بخلاف الأوَّلَين(الشمس والقمر أو الليل والنهار).
وذكر في ختام الآية أنّ في تسخير هذه الموجودات السماوية دليلاً على ربوبيّته لمن عقلَه، كما قال:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ). وسيوافيك وجه جمع «الآيات»هنا، على خلاف الآية السابقة واللاّحقة.
13.(وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ):

1 . انظر: الآية 39 من سورة «يس».

صفحه 46

البرهان الثالث

لما أتمّ سبحانه الكلام في البرهان الثاني الذي كان يدور على الأُمور السماوية، بدأ ببيان البرهان الثالث وهو ابتداع ما ذرأه سبحانه في الأرض من اختلاف ألوان النباتات والفواكه بل اختلاف ألوان المعادن وسائر المركبات العنصرية التي ينتفع بها الإنسان في معاشه، مع أنّ المادة الأُولى واحدة، ولكن انتهت إلى أنواع مختلفة في عالم النباتات والمعادن. ولعلّ الآية تشير إلى ما ذكره سبحانه في سورة الرّعد، قال سبحانه:(وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)(1)فترى في كلّ حقل وبستان أنواعاً من الأزهار والنباتات وأصنافاً من الفواكه والخضروات مع أنّ التراب واحد والماء واحد، وضوء الشمس واحد، والهواء واحد، فمن أين هذا الاختلاف؟
لا شكّ في أنّ لهذا الاختلاف أسباباً في نفس الطبيعة من حيث تركيب العناصر وذرّاتها وجزئيّات المركّبات، إلاّ أنّ الكلام هو في مَن أوجد هذا النَّظم في صميم الطبيعة حتى ظهرت بصورة جنائن غنّاء وزروع ذات بهجة، ولذلك يقول سبحانه:(وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ) الظاهر أنّ الموصول عطف على الليل والنهار، والعامل في الجميع واحد، أي وسخّر لكم(مَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ)وخلق لكم فيها (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ)منصوب على الحالية (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ).

1 . الرعد:4.

صفحه 47
إلى هنا تمّت البراهين الثلاثة الدالّة على التوحيد في الربوبيّة، الذي هو محلّ النزاع بين الرسول والمشركين.
بقي هنا سؤالان :
السؤال الأوّل: جعل الأمر الأوّل آية لقوم يتفكّرون، والثاني لقوم يعقلون، والثالث لقوم يذّكّرون، فما هو الوجه في هذا الاختلاف من التعبير؟
ذكر السيد الطباطبائي ما يمكن أن يكون وجهاً لهذا الاختلاف، وقال: إنّ الحجّة الأولى مؤلَّفة من مقدِّمات ساذجة يكفي في إنتاجها مطلق التفكّر، والثانية مؤلَّفة من مقدِّمات علمية لا يتيسَّر فهمها إلاّ لمن غار في أوضاع الأجرام العُلوية والسُّفلية وعقل آثار حركاتها وانتقالاتها، والثالثة مؤلَّفة من مقدِّمات كلِّية فلسفية، إنّما ينالها الإنسان بتذكّر ما للوجود من الأحكام العامة الكلِّية كاحتياج هذه النشأة المتغيّرة إلى المادّة، وكون المادّة العامّة واحدة متشابهة الأمر، ووجوب انتهاء هذه الاختلافات الخفيّة إلى أمر آخر وراء المادة الواحدة المتشابهة.(1)
السؤال الثاني: ما هووجه إفراد لفظ «آية» في البرهانين الأوّل والثالث، وجمعه «آيات» في البرهان الثاني؟ حكي عن الرازي أنّه قال: بأن ما ذُكر في البرهان الأوّل والثالث يرجع إلى ما نجم من الأرض، وجميعه آية واحدة تابعة لخلق الأرض وما تحتويه، وأمّا ما ذُكر في البرهان الثاني فإنّه راجع إلى اختلاف أحوال الشمس والقمر والكواكب، وفي كلّ واحد منها نظام يخصّه ودلائل تخالف دلائل غيره، فكان ما ذُكر في ذلك مجموع آيات.(2)

1 . الميزان في تفسير القرآن:12/216.
2 . حكاه ابن عاشور عن «درّة التنزيل» للرّازيّ. لاحظ : التحرير والتنوير:13/93.

صفحه 48
سورة النحل: الآيات 14 ـ 16    

الآيات: الرابعة عشرة إلى السادسة عشرة

(وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ).

المفردات

طريّاً: غضّاً جديداً، من الطراء والطراوة.
مواخر: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة البحر إذا شقّته بجؤجئها مستقبلة له.
رواسي: جمع راسية، يقال: رسا الشيء، أي ثبت، والمراد بها الجبال.
تميد: تتحرّك وتضطرب.
علامات: جمع علامة، والعلم هو الأثر الذي يُعلم به الشيء، كعلم الطريق. وعلى هذا فالعلامة هي ما يُعلم به الشيء.
النَّجم: يطلق ويراد به النجوم أحياناً.

صفحه 49
التفسير
يشير سبحانه في هذه الآيات إلى عدد من النّعم الإلهية التي تفضّل بها الله سبحانه على الإنسان، والكلام هنا يدور على محاور :
1. البحر وما فيه من منافع.
2. الجبال الراسيات التي تصون الأرض عن الاضطراب.
3. الأنهار الطبيعية أو الصناعية التي تسقي الزرع والأشجار. وذكر الأنهار بعد الجبال لأجل أنّ مبدأها هو الجبال.
4. وجود السُّبل في المناطق الجبلية، وقلّما يتّفق جبل يقطع الطريق بين الطرفين.
5. علامات ومميّزات شاخصة تستهدي بها المارّة.
6. النجوم يهتدي بها المسافر ليلاً، وهي الوسيلة الوحيدة للقوافل في الصحاري وركّاب السُّفن. وإليك تفسير الآيات.
14. (وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):

البحر ومنافعه

ركّز سبحانه في هذه الآية على تسخير البحر للإنسان لأجل الانتفاع به

صفحه 50
بوجوه عديدة، أمّا تسخيره فقد خلق الماء على نحو: تسير فيه الفلك وتطفو على وجهه دون أن ترسب في الماء وتنزل إلى قعره. وأمّا المنافع التي ينتفع بها الإنسان فهي عبارة عن الأُمور التالية:
1. تسخير البحر لغاية الانتفاع من لحوم أسماكه حيث إنّ الصائدين يتمكّنون من صيدها بسهولة لغاية أكلها، كما يقول:(لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا): أي غضّاً جديداً. والآية تدلّ على أنّ أفضل صور الانتفاع من اللحوم هو في حالة كونها طرية جديدة، غير متأخّرة ولا قديمة، نحو القَديد، وهو اللَّحم المجفَّف.
يُذكر أنّ العلماء قاموا بتسمية ووصف (22) ألف نوع من الأسماك، ولا زالوا كلّ عام يكتشفون أنواعاً جديدة!!(1) فما أعظم هذه المنّة على البشر!
2. استخراج ما يُتزيّن به ويُتجمّل من البحر، مثل اللؤلؤ والمرجان، كما قال :(وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا)، والعرب تستعمل اللبس في الانتفاع بها، فيقال: لبس الخاتم أو لبس القلنسوة.
نعم، المستفيد من حِلية البحر غالباً هنّ النساء، وقليل من الرِّجال.
3. شقّ السفن البحار، كما يقول:(وَتَرى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ): أي في البحر، وقوله:(تَرى) خطاب عام لا يراد به صنف دون صنف، وأُريد هنا به التعجيب. والآية تعطف نظر الإنسان إلى أمر عجيب وهو شقّ السفن بصدورها أمواج البحر، وهو نعمة عظيمة منّ بها سبحانه على عباده، حيث

1 . لاحظ : الموسوعة العربية العالمية: 2/81 .

صفحه 51
تحمل البضائع وينتقل بها الإنسان مع أثقاله وحمولته من نقطة إلى نقطة بعيدة، ومع أنّ الحضارة أحدثت وسائل جديدة للنقل والانتقال لكنّ السفن بقيت على حالتها الأُولى من أنّها الوسيلة الكبرى لنقل الأمتعة والركّاب إلى نقاط نائية.
قوله:(وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) عطف على قوله:(وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً)وصدّر بلام التعليل لأجل وجود جملة معترضة وهي:(وَتَرى الْفُلْكَ) بينها وبين المعطوف عليه.
والمراد من ابتغاء الفضل هو التجارة، قال سبحانه:(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ).(1)
ثمّ إنّ الغاية من جعل هذه المواهب والنِّعم تحت يد الإنسان هو معرفة الباري وشكره على ما أنعم به عليه وعلى ما سخّره له، ولذلك يقول:(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) لأنّ شكر المنعم أمر يستقلّ به العقل إذ هو يكشف عن كمال عقل المنعَم عليه، حيث عرف المنعِم وشكره، وصار عمله هذا سبباً لزيادة النِّعم، لأنّ المعروف على قدر المعرفة.
15. (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ):

1. الجبال ومنافعها

انتقل البيان القرآني من ذكر الامتنان بالبحر وما فيه إلى بيان ما على

1 . الجمعة:10.

صفحه 52
سطح الأرض من الجبال والأنهار والسُّبُل، وقال: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ): أي جبالاً،كراهة (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) أو لئلاّ تميد وتضطرب بكم، وهذا النوع من التعبير في القرآن رائج كما في قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(1).
ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى دور الجبال في حفظ الأرض من الاضطراب في غير واحدة من السور والآيات، قال سبحانه:(وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة)(2)، إلى غير ذلك من الآيات.
وأمّا ما هو دور الجبال في حفظ الأرض من الاضطراب، فيمكن بيانه بوجوه:
1. إنّ الغازات الكامنة في باطن الأرض تهدّد كلّ لحظة بالخروج وعند ذاك تفكّك أجزاء الأرض كالقنبلة التي إذا انفجرت تفكّك كل ما قرب منها، لكنّ الجبال الراسيات التي لها جذور تحت الأرض تمنعها من الخروج.
ولذلك أثبت العلم أنّ مركز الزلزال كلّما كان بعيداً عن سطح الأرض يكون تخريبه أقلّ، بخلاف ما لو كان مركزه أقرب إلى سطح الأرض فيكون خرابه أكثر.
2. إنّ جاذبية القمر تسبب مدّ القشرة الأرضية كما هو الحال في البحار، غير أنّ الجبال تقلّل من أثرها إلى حدٍّ كبير.
3. إنّ الرياح العاتية لا يقف بوجهها إلاّ الجبال، ولولاها لصار سطح

1 . النساء:146.
2 . لقمان:10.

صفحه 53
الأرض عرضة لها. وسنتعرّض لهذا الموضوع عند تفسير الآيات التي تتضمّن ذكر الرواسي.(1)

2. الأنهار وفوائدها

قوله تعالى:(وَأَنْهَارًا) ولعلّ الآية تشير إلى الأنهار الطبيعية الكبيرة، وذكرها بعد ذكر الجبال هو للإشارة إلى الثلوج التي تتجمّع على الجبال ثم تذوب وتتجمّع في الوديان وتشكّل الأنهار، كما هو الحال في دجلة والفرات والنيل وسيحان وجيحان وغيرها.
وفي بعض الآيات إشارة إلى علاقة الجبال بالأنهار كما في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَات وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا)(2)، فإنّ ذكر (أَسْقَيْنَاكُمْ)بعد «الرواسي» إشارة إلى أنّ الجبال هي المبدأ لوجود الماء الفرات.

3. السُّبُل

جاء قوله تعالى: (وَسُبُلاً) بعد ذكر الرواسي، لدفع توهُّم أنّ الجبال قد تقطع الطرق وتكون حاجزاً بين المنطقتين، وأشار إلى أنّ وجودها لا يوجِد مانعاً من وجود الطرق الملتوية التي تربط بين المنطقتين.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) تعليل لوجود السُّبُل. وهل الفقرة إشارة إلى الاهتداء بالسُّبُل إلى المقاصد الحيوية من الأسفار؟ أو هي إشارة للاهتداء إلى الدين الحقّ وهو دين التوحيد؟
الظاهر هو الأوّل لأنّه سبحانه في مقام بيان مِنَنه على العباد، وأمّا ما هو

1 . مثل الآية (31) من سورة الأنبياء، والآية (10) من سورة لقمان، وغيرهما.
2 . المرسلات:27.

صفحه 54
مقتضى هذه المنن، فيأتي بيانه في الآية الثانية والعشرين، أعني قوله: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
16. (وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ):
قوله: (وَعَلاَمَات) منصوب لكونه عطفاً على قوله:(وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً): أي جعل في الأرض علامات يهتدون بها. وأمّا ما هي العلامات؟ فمنها ما هو طبيعي كالجبال والسُّبُل واختلاف ألوان الأرض، ومنها ما هو صناعي يوضع في الطرق لبيان المسافات والمسالك.
قال الوزير المغربيّ في تفسيره: (وَعَلاَمَات) كالرَّوابي والثنايا وألوان الأرض وألوان الحصى والحجارة.(1)
قوله تعالى: (وَبِالنَّجْمِ) فصل النجم عمّا سبق، أي(وَعَلاَمَات)، لعلّه لأجل اختصاص الاهتداء بها بالليل بخلاف ما تقدّم من قوله:(وَعَلاَمَات)فهي وسيلة الاهتداء بالنّهار. والمراد من النَّجم جنسه.
سورة النحل: الآيات 17 ـ 21    
قوله تعالى:(هُمْ يَهْتَدُونَ) يتعلّق به كلّ من العلامات والنّجم، أي يهتدون بالعلامات وبالنّجم. وكان العرب في عصر الرسالة ينتفعون بالنجوم في أسفارهم برّاً وبحراً. ولا زالت النجوم تساعد صانعي الخرائط والطيّارين والبحّارة في تحديد الاتّجاهات والمواقع، فالنجم الشمالي مثلاً، يستخدم موجّهاً للاتِّجاه الشمالي، لأنّه يظهر دائماً في المكان نفسه فوق القطب الشمالي. ويقيس الطيّارون والملاّحون مواقعهم بالملاحة الفلكية. وهذه

1 . المصابيح في تفسير القرآن:637.

صفحه 55
الطريقة تقوم على فكرة أنّ النّجم يكون تماماً فوق موقع أرضيّ عند وقت معيّن.(1)
ثمّ إنّ الاهتداء في قوله سبحانه:(هُمْ يَهْتَدُونَ): أي بالعلامات والنَّجم غير الاهتداء الوارد في قوله سبحانه:(وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)(2) وذلك لأنّه أُريد من الاهتداء الأوّل الهداية التكوينية، أي ما يرجع إلى حياة الإنسان في الدنيا من ضروريات حياته أو كمالاتها، وأمّا الاهتداء في المورد الثاني فينظر إلى الهداية التشريعية إلى العقائد الحقّة والمُثُل العليا في الأخلاق والتكاليف الشرعية، وهذا يدلّ على أنّ للإسلام عناية بكلتا الهدايتين الدنيوية والأُخروية، المادية والمعنوية.
هذا، ويلاحظ أنّه سبحانه عدل عن الخطاب في الآية (15)، أعني قوله:(لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)إلى الغائب في الآية (16) وقال:(لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)، وربّما يكون السبب هو للتحرّز من التكرار.
إلى هنا تمّ ما ذكره سبحانه من المِنَن التي منحها لعباده، وبقي ما هو المراد من سرد هذه المنن؟ وهذا هو الذي يستعرضه القرآن الكريم في الآيات التالية.

الآيات: السابعة عشرة إلى الحادية والعشرين

(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا

1 . الموسوعة العربية العالمية:25/232.
2 . النحل:9.

صفحه 56
تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).

التفسير

اللائق للعبادة من تجتمع فيه صفات أربع

بعد أن ذكر سبحانه السماوات والأرض وما فيهما من مشاهد تتجلّى فيها طلاقة القدرة وجلالة النِّعم المفاضة على الإنسان، حان وقت الاستنتاج من ذكر ذلك، وهو ليس إلاّ التركيز على التوحيد في الربوبية الذي يلازمه التوحيد في العبادة، وذلك لأنّ اللائق بالعبادة تشترط فيه أُمور أربعة:
1. أن يكون خالقاً للعابد وموجداً له، من دون استعانة.
2. أن يكون مدبّراً لحياته، وإن كان تدبيره أيضاً في الحقيقة نوع خلق بعد خلق.
3. أن يكون عالماً بما خلق وما دبّر، وإلاّ تكون العبادة واللاّعبادة أمامه سواء.
4. أن يكون عالماً بنوايا العابد وما يُكنّ ضميره.
وهذه الأُمور الأربعة هي التي تتكفّل ببيانها الآيات التالية:
17. (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ):
أي لا يستوي من يخلق ذلك الخلق كلّه مع من لا يخلق شيئاً.

صفحه 57
والاستفهام إنكاري، فبطل جعل الأصنام شركاء لله سبحانه مع وجود الفارق الشاسع بينهما، إذ لا يستطيعون خلق بعوضة، أو قلامة ظفر.ثمّ عقّب سبحانه على ذلك بقوله: (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) لتنبيه العقول التي أصابتها الغفلة، فإنّ مجرّد التذكّر يذهب تلك الغفلة، ومن ثمّ تعرفون فساد عقيدتكم، وترعوون عن جهلكم.
18. (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ):
هذه الآية عطف على الآية السابقة وكأنّها كالتكملة لما قبلها، وهي تدلّ على أنّ ما ذُكر من النِّعم في الآيات السابقة شيء جزئي من نعم الله سبحانه، وإنّ الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة لا يستطيع إحصاء آلاء الله، كما يقول:(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا) إذ العالم كلّه نعمة، إمّا مباشرة للإنسان أو للنظام الكلّي الذي هو في خدمة الإنسان، وبهذا يظهر عدم إمكان إحصائها لأنّ نِعَم الله هي كلمات الله التي يصفها الذكر الحكيم بقوله:(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(1).
فإذا لم يتمكّن الإنسان من عدّ النِّعم، فأَولى أن لا يتمكّن من أداء شكرها، ولذلك يقول سبحانه:(إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة ولا يقطعها عنكم لتفريطكم، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.
ثمّ إنّ مضمون هذه الآية جاء في سورة إبراهيم، قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا

1 . لقمان:27.

صفحه 58
نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)(1)، والفرق بين الآيتين في ختام الفواصل.
وجه الاختلاف أنّ سياق الآيات في سورتنا هذه هو في مقام بيان النِّعم والدعوة إلى الشكر والتوحيد فيناسب السياق الاسمين وهما «الغفور الرحيم»، وأمّا في سورة إبراهيم فالسياق هو التوعّد والتهديد، فناسب تغليظ التهديد بقوله: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
19. (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ):
لمّا أشار سبحانه في الآيات السابقة إلى الرُّكنين الرَّكينين لاستحقاق الشكر والعبادة، وهما أنّه يخلق وغيره لا يخلق، وأنّه هو الذي امتنّ على الإنسان بالنّعم الوافرة فهو المدبِّر له عبر حياته، أشار في هذه الآية إلى الركنين الآخرين:
الأوّل: أنّه عالم بما في الكون، فلا تكون العبادة و اللاّعبادة عنده تعالى سواء.
الثاني: أنّه عالم بالسرّ والعلَن، بالجوارح والجوانح ونوايا الإنسان وما في ضميره، فاستحقّ الشكر والعبادة بذلك.
20. (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ):

1 . إبراهيم:34.

صفحه 59

الآلهة المكذوبة فاقدة لملاكات العبادة

كانت الآيات السابقة تهتمّ بالجانب الإيجابيّ وهو إثبات خالقيته وربوبيته، وقد قلنا إنّ الخالقية لا تنفكّ عن الربوبية، ولكنّ العناية في هذه الآية وما بعدها مركّزة على الجانب السلبيّ وهو أنّ الأصنام التي يعبدونها من دون الله تفقد ما يُعدّ شرطاً للعبادة والشكر، وذلك:
أوّلاً: أنّهم مخلوقون غير خالقين، ومقتضى ذلك قيامهم بشكر خالقهم وعبادته، ولا معنى لتوجيه العبادة لهم، وقد مرّ أنّ أساس العبادة والشكر كون المعبود خالقاً ومدبِّراً، وهؤلاء يفقدون هذين الرُّكنين .
وثانياً:
21. (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ):
أي كون الأصنام أمواتاً غير أحياء يسبّب فقدان الرُّكن الثالث والرابع، لأنّ الموت يلازم الجهل وعدم العلم، فتكون العبادة وعدم العبادة بالنسبة إليهم سواء، وإليه يشير بقوله:(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء).
وأمّا قوله:(وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) ففيه احتمالات ثلاثة:
1. أنّ ضمير الفعل في (يَشْعُرُونَ) يعود إلى المشركين الذين عكفوا على عبادتهم.
ويكون المعنى: لا تدري الأصنام متى يبعث عبّادهم، حتى يُعينوهم ويجازوهم. وهذا هو الظاهر من الآية.
2. أنّ الضميرين عائدان إلى الكفّار، والمقصود من نفي شعورهم

صفحه 60
بالبعث، تهديدهم بأنّ البعث الذي أنكروه واقع بهم لا محالة، وأنّهم لا يدرون متى يقع.
يلاحظ عليه: بأنّ المضمون وإن كان صحيحاً، ولكن لا صلة له بسياق الآيات لأنّها بصدد حصر الربوبية بالله تعالى ونفيها عن الأصنام، وأمّا أنّ الكفّار لا يعلمون متى يُبعثون، وإن كان صحيحاً ولكنّه غريب عن سياق الآيات.
3. أنّ الضميرين عائدان إلى الأصنام، يعني أنّ الأصنام غير عالمة بوقت بعثها.
وهذا القول بعيد جدّاً، لأنّ العلم بالبعث مختصٌّ بالله سبحانه، ولا يختصّ الجهل به بالأصنام.
سورة النحل: الآيات 22 ـ 25    

الآيات: الثانية والعشرون إلى الخامسة والعشرين

(إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ *وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ).

المفردات

منكرة: جاحدة للحقّ.

صفحه 61
لاجَرَم: اختلفت كلمة المفسّرين في تركيبها وتفسيرها، والذي يحصل من كلماتهم: إنّها بمعنى «لا محالة» أو «لابدّ»، ثمّ يجيء بعدها «إنّ» الاسمية مع اسمها وخبرها، ويقدّر قبل الاسم لفظ من، أي: لا جرم مِن، ولابدّ مِن.
وربّما تعامل معاملة القسم، يقال: لا جرم لاَفعلنّ. هذه هي النتيجة، وأمّا كيفية التركيب فقد ذكرها الطبرسي في تفسيره.(1)
مستكبرون: غير خاضعين ولا منقادين للحقّ. والاستكبار طلب الترفّع بترك الإذعان للحقّ.
أساطير: جمع أسطورة، مأخوذ من سطر الكتاب، وربّما يقال: أساطير جمع لا واحد له. وأُريد به هنا أحاديث الأوّلين التي كانوا يسطرونها ولا حقيقة لها.
أوزارهم: الأوزار جمع وِزر، وهو الثِّقل. وأُريد بها هنا ذنوبهم .
يزرون: يحملون من الآثام.

التفسير

صفات المشركين الّتي تمنعهم من الإيمان

تفترق هذه المجموعة عن سابقتها بأنّ محور البحث هناك هو بيان عقائد المشركين وآرائهم في أمر التدبير، بينما المحور في هذه المجموعة

1 . لاحظ: مجمع البيان:5/281 و 285، ولاحظ: التحرير والتنوير:11/233.

صفحه 62
هو صفاتهم كاستكبارهم على الله واستهزائهم بآياته الذي سبّب جحدهم الحقائق الناصعة، ولذلك بدأ في هذه المجموعة بأوضح الأُمور وأنصع الحقائق وهو توحيد الإله الذي أنكروه بسبب استكبارهم . وتعبّر الآية عن المشركين ببعض أوصافهم وهي إنكار البعث والآخرة، وتقول:
22. (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ):
قوله:(إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) خطاب للمشركين، بمعنى أنّ البراهين السابقة أثبتت تلك الحقيقة الناصعة، ففي قاموس الإنصاف أن تُرفض الآلهة المكذوبة ويعبدوا إلهاً واحداً، ولكنّهم ـ يا للأسف ـ لم يعدلوا عمّا كانوا عليه من الشِّرك، إذن فما هو السبب؟ الفقرة التالية تذكر السبب، وتقول: (فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) عبّر عن الموضوع ـ أي المشركين ـ بوصفهم وهو عدم إيمانهم بالآخرة، نظير قوله سبحانه:(وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ)(1)، ولعلّ عدم إيمانهم بالآخرة جرّهم إلى ردّ دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولذلك وصفهم بهذا الوصف، فهؤلاء (قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ)جاحدة للحقّ، فصار الإنكار سجيّة لهم(وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ): أي أصحاب استعلاء على الحقّ، ومن المعلوم أنّ الكبْر يحول بين أصحابه وبين الحقيقة، حيث يتصوّرون أنّهم أعلى من أن يُصغوا إلى هذه الحقيقة التي كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يدعوهم إليها، وصار هذا سبباً لرفضهم الإذعان لها والبقاء على الشرك، وقد أُشير في غير واحدة من الروايات إلى كون الكبر مانعاً عن درك الحقيقة،

1 . الفرقان:21.

صفحه 63
وهذا هو الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)يصف إبليس بأنّه سلَف المستكبرين،(1)لأنّه وضع حجر الأساس للاستكبار وزعم أنّه أعلى مقاماً من آدم(عليه السلام).
وعلى هذا فكلّ مَن رفض هذه الحقيقة، أعني: التوحيد، فهو مستكبر من غير فرق بين الغنيّ والفقير، وإن كان الاستكبار والترفّع عن قبول الحقّ في الأغنياء أكثر لكون الغنى أحد أسبابه، يقول سبحانه: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى).(2)
23.(لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ):
تقدّم مضمون الآية في قوله سبحانه:(وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)(3) ولكن الغاية هنا نفي ربوبية الأصنام، فإنّ الربّ هو الذي يعرف المربوب وحاجاته والله سبحانه يعلم السرّ والعلن، وأمّا المقام فالغاية هنا تهديد المشركين بعلمه الوسيع قائلاً:(لاَ جَرَمَ): أي لا محالة ولابدّ من (أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ): أي ما يُظهرون من الأعمال وما يُخفونه، ومن أعمالهم الإخفائية هو استكبارهم وعدم خضوعهم للحقّ. وهذه الفقرة، أي قوله:(لاَ جَرَمَ) جملة معترضة بين قوله:(قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ)وقوله: (إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)، ومن آيات استكبارهم ما يذكره في الآية التالية:

1 . نهج البلاغة:الخطبة192(تسمّى القاصعة).
2 . العلق:6ـ7.
3 . النحل:19.

صفحه 64
24. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ):
تصوّر لنا الآية كيفية استكبارهم وعدم خضوعهم للحقّ، وذلك بالبيان التالي: وهو أنّ السائل من المشركين يسأل آخرين بفرض أنّهم مسلمون، ويقول لهم:(مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ)وفي هذا إيحاء بأنّ مستوى تفكيره أرقى ممّا أنزل الله، وأنّ ربّه غير ربّ هؤلاء، ثم يجيبه الآخرون بقولهم: (قَالُوا): أي أجابوا بأنّه أُنزل (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): أي أكاذيب خرافية قالها الأوّلون وتركوها لمن خلفهم، وهذا النبيّ صاغها في قوالب جديدة وعبارات جميلة ليموّه على الآخرين ويُخيَّل إليهم أنّها أمر جديد. وفي الإجابة أيضاً إيحاء باستكبارهم، حيث يصفون القرآن الكريم بأنّه أساطير الأوّلين، وأنّه ليس فيه شيء جديد.
ما ذكرنا من التفسير هو ما يتبادر من ظاهر الآية، وأمّا بالنظر لما ورد في بعض الأحاديث فيكون للآية معنى آخر، روى السيوطي، قال: أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: اجتمعت قريش فقالوا: إنّ محمّداً رجل حلو اللسان إذا كلّمه الرجل ذهب بعقله فانظروا أُناساً من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم فابعثوهم في كلّ طريق من طرق مكّة على رأس كلّ ليلة أو ليلتين، فمن جاء يُريده فردّوه عنه.
فخرج ناس منهم في كلّ طريق فكان إذا أقبل الرجل وافداً لقومه ينظر ما يقول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فينزل بهم قالوا له: أنا فلان بن فلان، فيعرّفه بنسبه ويقول: أنا أُخبرك عن محمد، فلا يريد أن يعني إليه، هو رجل كذّاب لم يتبعه على أمره إلاّ السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه، وأمّا شيوخ قومه وخيارهم

صفحه 65
فمفارقون له، فيرجع أحدهم.(1) ولو صحّت الرواية فكأنّ السائل يتحرّى الحقيقة، فلو أضاف الربّ إلى المخاطب:(مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ)فبتصوّر أنّه من أصحاب محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم، المخاطب يخون ويكذب عندما يقول:(قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ).

التاريخ يعيد نفسه

نرى أنّ التاريخ أعاد نفسه في القرن العشرين وأنّ المادّيين وهم المستكبرون الذين لم يدرسوا أدلّة الإلهيّين على أنّ للدين جذوراً في فطرة الإنسان، أخذوا يفسّرون الظاهرة الدينية بأنّها أثر جهل الإنسان بالعلل الطبيعية، ولذلك أكّدوا على علّة واحدة قائمة مكان العلل الطبيعية، ولو كانوا واقفين على علل الآثار الطبيعية لما أنكروا ما وراء الطبيعة.
وربّما فسّروا اعتقاد الإنسان بالإله الواجب الوجود بوجه آخر، وهو الخوف من شرور الطبيعة وأضرارها كالرَّعد والبرق والسَّيل والطوفان، فالتزموا بوجود الإله حتى يلتجئوا إليه عند ظهور البلايا والمصائب.
إلى غير ذلك من الفروض الباطلة الخاوية من الاستدلال، والبرهنة القاصرة عن تفسير ذلك الاعتقاد الضارب في أعماق التاريخ، وكأنّهم تصوّروا أنّ البشر قبل القرن العشرين كانوا ضاربين في الجهل غير عارفين بالعلل الطبيعية، ولذلك صاروا معتقدين بالعلّة الواحدة القائمة مكان العلل الطبيعية.
ومثلها النظرية الثانية، وهي الخوف من أضرار الطبيعة وتبعاتها.

1 . الدر المنثور:5/125.

صفحه 66
وكأنّهم زعموا أنّ مَن عاشوا في القرون الماضية كانوا أُناساً مجرّدين عن العلم والفكر، أو كانوا متخلّفين علمياً وعقلياً، مع أنّ بينهم قادة العلم والفلسفة وكشّافي العلوم وقواعدها، فهل يصحّ توصيفهم بأنّهم اعتقدوا بما وراء الطبيعة خوفاً من شر الطبيعة؟!
25. (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ):

تأثير القادة في الأتباع هداية وضلالاً

إنّ لرأي الرؤساء والقادة أثراً في الأتباع، فهو ضالّون وفي نفس الوقت مضلّون، أي يُضلّون الأتباع، ولذلك استحقّ هؤلاء عقابين:
الأوّل: عقاب على ضلالهم وكفرهم وتمرّدهم على الحقّ.
الثاني: عقاب على إضلالهم، فيكون لهم مثل عقاب الأتباع لضلالتهم، وإلى ذلك يشير ما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«أي داع دعا إلى الهدى فاتُّبع، كان له مثل أجر مَن اتّبعه لا ينقص من أُجورهم شيء، وأيّما داع دعا إلى ضلالة فاتُّبع، كان عليه مثل وزر مَن اتَّبعه لا ينقص من آثامهم شيء».(1)
والرواية صريحة في أنّ القائد يتحمّل، وراء العقاب على ضلاله، مثل عقاب مَن يضلّه، لا عقابه، لقوله سبحانه:(أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(2)، فتكون النتيجة أنّ من سنّ سنّة سيئة فله عقابان: عقاب التسنين، وعقاب

1 . مسند أحمد:2/520.
2 . النجم:38.

صفحه 67
الإضلال، لا بمعنى أنّه يحمل عمّن أضلّه عقابَه وإنّما يُحكَم عليه بمثل عقابه.
وبذلك يظهر أنّ اللاّم في قوله سبحانه: (لِيَحْمِلُوا) هي لام العاقبة، لأنّهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأوّلين لحمل الأوزار، بل ترتّب عليه وصار سبباً لذلك وعاقبة له، وهي مثل اللاّم في قوله سبحانه:(رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)(1).
قوله:(أَوْزَارَهُمْ): أي أوزار قادة الضلال أنفسهم (كَامِلَةً): أي لا يخفّف من عذابهم شيئاً (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، مضافاً إلى عقاب آخر يشير إليه بقوله:(وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) الظاهر أنّ (مِنْ)للتبيين، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع، الذين عطّلوا عقولهم، واتّبعوا رؤساءهم (بِغَيْرِ عِلْم)فضلّوا باتّباعهم تقليداً، ومن دون تأمّل منهم ولا نظر. ويُحتمل أنّ قوله: (بِغَيْرِ عِلْم) يعود إلى المضلِّين، والمعنى: أنّ ما يدعوا إليه هؤلاء المضلُّون ويُضَلّ به الآخرون، لا يستند إلى علم، ولا يقوم على دليل وبرهان.
ثمّ إنّه سبحانه يصف ذلك الحمل ويقول: (أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ): أي بئس شيئاً يَزرونه ويحملونه، فعلُهم هذا.
وقد أُشير إلى تلك الحقيقة، أي سنّة التسنين هداية أو ضلالة في بعض الآيات، قال سبحانه:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)(2)، ومورد الآية من سنّ سنة حسنة. وحاصل الآية: إنّه سبحانه يمنّ على المؤمنين بأنّه يلحق بهم

1 . يونس:88.
2 . الطور:21.

صفحه 68
أولادهم إذا كانوا مؤمنين ـ ولو بدرجة سافلة ـ ولكن لا يوجب النقص في جانب الآباء لكونه على خلاف الامتنان، فمعنى قوله: (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)الضميران يرجعان إلى الآباء وأُريد من الإلحاق الإثابة الكاملة مثل إثابة الآباء، دون أن ينقص من ثواب الآباء شيء.
سورة النحل: الآيات 26 ـ 29    

الآيات: السادسة والعشرون إلى التاسعة والعشرين

(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ *ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوء بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ).

المفردات

فأتى الله بُنيانَهم: أهلكه وأفناه، يقال: أتى عليه الدهر.
القواعد: الدعائم والعُمُد، واحدها قاعدة.
خرّ: سقط.

صفحه 69
يُخزيهم: الخِزْي: الهَوان الذي يُستحيا منه، خوفاً من الفضيحة.
تُشاقّون: أي تُخاصمون وتُنازعون. وأُطلق الشِّقّ على التخاصم لأنّ أحد المتخاصمين من حيث الفكر والنظر في شِقّ، والآخر في شِقّ آخر.
السُّوء: العذاب الذي يسوء الجاحدين لنِعَم الله.
فألقَوا السلم: استسلموا للحقّ وانقادوا.
مَثوى: منزل، مُقام.

التفسير

26.(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ):

مكر القادة بأتباعهم ونتيجته

إذا كان معنى المكر هو إلحاق الضَّرر بالغير بصورة النُّصح، فقادة المشركين مكروا بأتباعهم، حيث موّهوا عليهم بأنّ ما يلقون إليهم هو الحقّ الصُّراح، ولذلك وصفهم سبحانه بالمكر معرباً بأنّ هذه السيرة، أي سيرة مكر الرؤساء بالمرؤوسين كانت سائدة في القرون السابقة أيضاً، والله سبحانه دمّر بنيانهم من القواعد، كما قال:(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): أي قبل كفّار قريش (فَأَتَى اللهُ)كناية عن إتيان العذاب (بُنْيَانَهُمْ) والبنيان مصدر

صفحه 70
بمعنى المبنى، فهَدْم البناء تارة يبدأ من السقف على رؤوس الساكنين فيه، وأُخرى هَدْمه (مِنَ الْقَوَاعِدِ): أي من الأُسس والأساطين التي يكون السقف مبنيّاً عليها، فبينما يكون الساكن ناظراً إلى السقف حتى لا يقع على رأسه، فالله سبحانه يستأصل المبنى من الأساس دون أن ينتبه إليه القاطن فيه، ولذلك يقول:(فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ)الذي بنَوه من جانب قواعده فهدمها (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ)، وأكّده بقوله: (وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ)حيث كانوا يتوقّعون العذاب يأتي من فوق رؤوسهم، لكن أتاهم العذاب من تحت المبنى ومن ثمّ انهدم السقف وهم غافلون.
هذا هو تفسير الآية بلفظها، وفيها نكتتان:
1. أنّ تهديم المبنى من القواعد يحتمل وجهين:
الأوّل: الحمل على المعنى اللُّغَوي كما عليه المفسّرون، فعن ابن عباس: أنّه سبحانه يعني نمرود بن كنعان، بنى صرحاً طويلاً ورامَ منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها بزعمه، فأرسل الله ريحاً فألقت رأس الصَّرح في البحر، وخرّ عليهم الباقي.(1)
الثاني: أنّ الآية كناية عن إبطال كيدهم وإفساد مكرهم من حيث لا يشعرون، كحال من يقطن بيتاً فينهدم عليه السقف لا بهادم يهدمه من فوقه، بل بانهدام القواعد، فصارت النتيجة: إنّ الله سبحانه بدَّد شملهم وقلع جذور تجمعاتهم وأحزابهم، فاستأصلهم من حيث لا يشعرون.
قال الشريف الرضيّ حول هذه الفقرة:(فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ):

1 . مجمع البيان:6/173.

صفحه 71
وهذه استعارة، لأنّ الإتيان هاهنا ليس يُراد به الحضور عن غيبة، والقرب بعد تباعد مسافة، وإنّما ذلك كقول القائل: أُتيتُ من جهة فلان، أي جاءني المكروه من قِبَله، وأُتي فلان من مأمنه، أي ورد عليه الخوف من طريق الأمن، والضُّرّ من مكان النَّفع.(1)
وقد أرشدَنا التاريخ إلى أقوام طغاة جمعوا العُدّة والعدد لمعاندة الحقّ، فشتّت الله عزّ وجلّ جمعهم وحزبهم وعادوا خائبين. وفي الآية تهديد لقريش أنّه قد تشملهم سنّة الله في حقّ الماكرين، فعليهم أن يعتبروا بأصحاب الفيل، الذين حشدوا قواهم وجمعوا جيشهم لتهديم بناء التوحيد(الكعبة المشرّفة)، فعندما وصلوا إلى مشارف مكّة، أتى الله سبحانه بنيانهم من القواعد، فخرّوا على الأرض وتبدّدت أشلاؤهم في البقاع، ولم يبق منهم أثر.
هذا هو عقاب المكر في الدنيا، وأمّا في الآخرة فتتحدّث عنه الآية التالية.
27.(ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ):
قوله:(ثُمَّ) لبيان الترتيب، أي ثمّ يأتي (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ) وأُريد بالضمير هنا المشركون الذين تحدَّث عنهم سبحانه في الآيات السابقة،

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:123.

صفحه 72
وأُريد من خزي الآخرة إهانتهم بالنحو التالي:(وَيَقُولُ)سبحانه لهم (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ): أي تُخاصمون وتُنازعون فيهم أنبيائي ورسلي، إذ ظهر لهم أن مشاقّتهم في الخصومة كانت على شفا جرف هار.. استحوذ عليهم الشيطان فزعموا السراب ماءً، فلم يكن نصيبهم إلاّ الخزي، ولهذا عادت طبقة مؤمنة عالمة مجيبة لسؤال الله سبحانه، كما يقول: (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) لا مجرّد العلم بل العلم المقرون بالإيمان، قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ)(1)، فهؤلاء هم الذين رُزقوا علماً جمّاً ووقفوا على حقيقة الأمر، وأنّه لا ربَّ إلاّ هو، وعلى رأسهم الأنبياء والأئمة والأولياء والمؤمنون، فيقومون بالتنديد بالمشركين والحكم عليهم بقولهم:(إِنَّ الْخِزْيَ) الهَوان والذلّة (وَالسُّوءَ)العذاب الأليم (عَلَى الْكَافِرِينَ). وفي تفسير علي بن إبراهيم:(الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ): «الأئمة(عليهم السلام)يقولون لأعدائهم: أين شركاؤكم ومن أطعتموهم في الدنيا».(2)
28. (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوء بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):

إنكار المجرمين أعمالهم الإجرامية يوم القيامة

لم يُذكر في الآية السابقة جواب المشركين عندما يُسألون عن

1 . الروم:56.
2 . تفسير نور الثقلين: 3/50، والتفسير من باب تطبيق الآية على أحد مصاديقها.

صفحه 73
الشركاء، ولكن يظهر من قولهم في هذه الآية: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوء)أنّهم أجابوا بالتبرّؤ من الشّرك وكلّ عمل إجرامي، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على صلافتهم ووقاحتهم. وليس هذا أوّل مورد ينكر فيه المشركون شركهم لمّا رأوا العذاب، فقد حكى سبحانه عنهم ذلك الإنكار في موضع آخر:(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ).(1) إذا تبيّن هذا فلنفسِّر الآية.
يقول سبحانه: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ) الموصول وصلته خبر لمبتدأ محذوف، أي هم الذين تتوفّاهم الملائكة، والجملة وصف للكافرين المذكورين في الآية السابقة. ونسبة التوفّي إلى الملائكة لا ينافي نسبته إلى الله سبحانه، قال تعالى:(اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)،(2) وذلك لأنّ الملائكة جند من جنود الله سبحانه، فيصحّ نسبة الفعل إلى الآمر والمأمور، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن الكريم.
نعم، الملائكة يقبضون أرواحهم في حالة كونهم:(ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)وأيّ ظلم للنفس أشدّ من الكفر، الذي صار سبباً لحرمانهم من الجنّة واستحقاقهم النار؟! ثمّ إنّ هؤلاء لمّا رأوا العذاب استسلموا وانقادوا، كما يقول: (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ): أي خضعوا للحقّ. ولمّا خُيِّل إليهم أنّ إنكارهم لأعمالهم الإجرامية يحفظهم من عذاب الله، أخذوا يخاطبون الملائكة بقول كذب: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوء) فتجيبهم الملائكة بقولهم:(بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا

1 . الأنعام:22ـ23.
2 . الزمر:42.

صفحه 74
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وبما أنّه عالم بشركهم فتكذيبهم كذب آخر وراء الكذب الذي كانوا يمارسونه في الحياة الدنيا.
قال الشريف الرضيّ حول هذه الجملة:(فَأَلْقَوُا السَّلَمَ): و هذه استعارة، وليس هناك شيء يُلقى على الحقيقة وإنّما المراد بذلك طلب المسالمة عن ذلّ واستكانة والتماس وشفاعة; لأنّ من كلامهم أن يقول القائل: ألقى إليّ فلان بيده، أي خضع لي وسلّم لأمري. وقد يجوز أيضاً أن يكون معنى(فَأَلْقَوُا السَّلَمَ): أي استسلموا وسلَّموا، فكانوا كمن طرح آلة المقارعة ونزع شِكّة المحاربة، وفي معنى ذلك قوله سبحانه:(وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ): أي لا تستسلموا لها وتُوقِعوا نفوسكم فيها.(1)
29. (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ):
سورة النحل: الآيات 30 ـ 32    
لمّا علم الملائكة أنّ تكذيبهم خال عن الحقيقة، أمروهم بقولهم: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ): أي كلٌّ من باب يناسب عمله وموقفه من الكفر، لا أن يدخل كلّ واحد منهم جميع الأبواب. والشاهد على ما ذكرنا قوله تعالى:(لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَاب لِكُلِّ بَاب مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)(2). (خَالِدِينَ فِيهَا)الجملة حالية يفسّرها قوله سبحانه: (لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا)(3). (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ): أي بئس المُقام، دار الذل والهوان لمن

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:123ـ124.
2 . الحجر:44.
3 . فاطر:36.

صفحه 75
كان متكبِّراً عن اتّباع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والاهتداء بهديه.

الآيات: الثلاثون إلى الثانية والثلاثين

(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

المفردات

عَدْن: استقرار وثبات، يقال: عَدَن بمكان كذا أي استقرّ، ومنه المعدِن لمستقرّ الجواهر.
طيِّبين: قال الراغب: الطيِّب من الإنسان: مَن تعرّى من نجاسة الجهل والفسق، وقبائح الأعمال، وتحلّى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال.(1)
ويؤيّد ذلك أنّه يقابل الظالمين في الآية المتقدّمة، حيث قال:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ).(2)

1 . المفردات للراغب: 431، مادة «طيب».
2 . النحل:28.

صفحه 76
التفسير
هذه المجموعة من الآيات تبحث عن رأي المتّقين فيما أُنزل وما يترتّب عليه من الآثار في الدنيا والآخرة، وهي تقابل المجموعة السابقة التي تتحدّث عن الظالمين ورأيهم فيما أُنزل وما يترتّب عليه من الخزي والسوء، فالمجموعتان تختلفان موضوعاً ومحمولاً وآثاراً وعاقبة. وسيأتي شرح التقابل بعد الفراغ من التفسير.
30. (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ):

رأي المتّقين فيما أُنزل إليهم

افتُتحت المجموعة بقوله: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) ولا شكّ في أنّه أُريد من المتّقين الذين تلبّسوا بالتقوى واستقاموا عليها عبر حياتهم بشهادة ذكر المتّقين مرّتين في هذه الآية والآية التالية، إنّما الكلام فيما هو الوجه في افتتاح المجموعة السابقة بجملة شرطية، أعني قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) دون المَقام.
ويمكن أن يكون الوجه أنّ قولهم: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) لمّا كان كذباً اختلقوه، كانت هناك مظنّة أن يرجع عنه قائله، ويعتقد بالحقّ، ولذلك قُرن

صفحه 77
بأداة الشرط للدلالة على التكرار، ووجود احتمال أن يكون الجواب في بعض الصور غيره في غيرها، بخلاف المَقام، فإنّهم لمّا كانوا متلبّسين بالتقوى ملتزمين بها حقّ الالتزام، يكون الجواب عندهم مطلقاً أمراً واحداً لا يختلف مهما تكرّر السؤال.
وعلى أيّ حال، فإذا سئل المتّقون: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) في القرآن الكريم (قَالُوا): أي أجابوا (خَيْرًا): أي أنزل خيراً، ولم يقل: «خير» بالرفع خبراً للمبتدأ أي هو خير، وفي الكشّاف، قال: فصلاً بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، يعني أنّ هؤلاء لمّا سُئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بيّناً مكشوفاً مفعولاً للإنزال فقالوا: (خَيْرًا) أي: أنزل خيراً، وأُولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأوّلين، وليس من الإنزال شيء.(1)
وحاصله: إنّهم لو قالوا: «خير» بالرفع لم يصرّحوا بالإنزال بل كانت غاية كلامهم أنّه خيرٌ لنا في حياتنا، وأمّا أنّه منزل من الله سبحانه فلا يستفاد من قولهم: خير، وهذا بخلاف قولهم: (خَيْرًا): أي أنزل خيراً، إذ هو صريح أنّ الخير منزل من الله سبحانه.

الآية تشرح الخير الوارد فيها

إلى هنا تمّ جواب المتّقين. ثمّ إنّه سبحانه يشرح هذا الخير بقوله:(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا): أي عملوا بما أنزل الله إليهم في كتابه، فيُجزَون في الدنيا والآخرة، أمّا الدنيا فلهم (فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) مكافأة في الدنيا لإحسانهم، وأمّا ما هي الحسنة في هذه الدنيا فيحتمل أن يكون المراد أنّ

1 . تفسير الكشّاف:2/202.

صفحه 78
العاملين بالقرآن يقيمون مجتمعاً يغمره العدل والإحسان وينعم أهله بالعيشة الطيبة، وأمّا جزاؤهم في الآخرة كما يقول: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ) لأنّ جزاء الدنيا نعمة يلحقها الفناء، وأمّا جزاء الآخرة فهو نعمة دائمة لا تفنى.
ثمّ إنّه سبحانه يمدح دار الآخرة بقوله: (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) إذ كيف لا تكون نعم الدار، وقد وصفها سبحانه في الآية التالية ما يوضح ذلك.
31. (جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ):
قوله:(جَنَّاتُ عَدْن) خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي(جَنَّاتُ عَدْن) بها إقامة دائمة (يَدْخُلُونَهَا): أي المتّقون(تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ): أي من تحت قصورها (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ) من النّعم وغيرها (كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ): أي كهذا الجزاء الكريم يجزي الله المتّقين دائماً.
32. (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):

التقابل بين الظالمين والمتّقين في استقبال الملائكة يوم القيامة

الآية بصدد بيان التقابل بين الظالمين والمتّقين يوم القيامة في استقبال الملائكة، فالظالمون يُستقبلون بقول الملائكة لهم: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ)كما مرّ، وأمّا المتّقون فيُستقبلون بكلمة طيِّبة لقوم طيِّبين، كما يقول:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ)حال كونهم (طَيِّبِينَ): أي منزّهين من الشرك، مقابل

صفحه 79
الظالمين الذين تمادَوا في الشرك وبذلك ظلموا أنفسهم. وعبّر سبحانه عن صفاء فكرتهم وعدم اختلاطها بشيء من الشرك بكلمة الطيِّب التي تشير إلى خلوص الشيء ومُحوضته، والذي لم يخلتط بشيء يكدّره (يَقُولُونَ): أي الملائكة لهم (سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وهذا النوع من السلام سلام تكريم حين اللِّقاء بهم، وقولهم:(بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) دليل على أنّ دخول الجنة لأجل عملهم: العمل في سبيل الخير طاعةً لله تعالى، كما أنّ دخول الآخرين جهنم بسبب أعمالهم القبيحة كذلك، كما يقول:(إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ).(1)
إلى هنا فرغنا من تفسير المجموعة، بقي الكلام في بيان الجهات المختلفة من المقابلة في المجموعتين، وإليك البيان:

التقابل بين المجموعتين

يمكن تصوير التقابل في هذه الآيات بالنحو التالي:
الموضوع                  المجموعة الأُولى               المجموعة الثانية
المسؤول            (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(2)   (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا)(3)
السؤال               (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ)(4)   (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ)(5)

1 . النحل:28ـ29.
2 . النحل:22.
3 . النحل:30.
4 . النحل:24.
5 . النحل:30.

صفحه 80
الجواب                (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)(1)   أنزل (خَيْرًا)(2)
الآثار                  (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ)(2)         (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ)(4)
جزاء الأعمال         (أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ)(3)   (كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ)(4)
حالهم حين قبض أرواحهم      (ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)(5)   (طَيِّبِينَ)(6)
كيفية استقبال الملائكة لهم(فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ)(7)   (سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ)(8)
المأوى            (جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)(9)   (جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا)(10)
سورة النحل: الآيتان 33 ـ 34    
إنّ هذا التقابل الرائع في هذه الموارد الثمانية أدلّ دليل على أنّ القرآن الكريم هو وحي نازل من السماء على قلب سيد المرسلين، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقرأ ولم يكتب ولم يحضر للدرس عند أحد، وقد بلّغ هذه الآيات دون أن يفكّر أو يتدبّر في نظمها وتركيبها وتقابلها، بل تلاها عقب تلاوة الروح الأمين عليه.

1 . النحل:24.   2 . النحل:30.
2 . النحل:25.   4 . النحل:30.
3 . النحل:25.
4 . النحل:31.
5 . النحل:28.
6 . النحل:32.
7 . النحل:29.
8 . النحل:32.
9 . النحل:29.
10 . النحل:31.

صفحه 81

الآيتان: الثالثة والثلاثون والرابعة والثلاثون

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).

المفردات

ينظرون: ينتظرون.
أمر ربّك: كناية عن عذاب الاستئصال.
حاق بهم: أحاط بهم، ويستعمل كثيراً في إحاطة الشرّ.

التفسير

هاتان الآيتان تشتملان على بيان جديد لحال المستكبرين الذين أعرضوا عن دعوة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وجعلوا أنفسهم في موقع أرقى ممّا دعاهم إليه، فصاروا في مظنّة أنّهم ينتظرون أحد أمرين، كما في الآية التالية:
33. (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ):

صفحه 82

انتظار أحد الأمرين

أشار سبحانه إلى أنّهم ينتظرون ـ حسب اقتضاء حالهم ـ أحد أمرين كما يقول:(هَلْ يَنْظُرُونَ): أي ينتظرون، والاستفهام هنا للإنكار (إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ) لقبض أرواحهم، بشهادة ما تقدّم من قوله تعالى:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)(1)، (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ): أي عذاب الاستئصال بشهادة قوله فيما تقدّم: (فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ)(2)، فكلّ من الأمرين إذا واجهوه، فيه عذاب أليم.
وربّما يقال: إنّ المراد بإتيان الملائكة هو نزولهم لعذاب الاستئصال، وينطبق على مثل قوله: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ)(3)، والمراد بإتيان أمر الربّ قيام الساعة وفصل القضاء والانتقام الإلهي منهم، وإضافة الربّ إلى النبيّ في قوله:(أَمْرُ رَبِّكَ) ولم يقل أمر الله أو أمر ربّهم، ليدلّ به على أنّ فيه انتصاراً له (صلى الله عليه وآله وسلم)وقضاء له عليهم.(4)
سورة النحل: الآيات 35 ـ 37    
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى أنّ معاندة الحقّ لا تختصّ بمشركي عصر الرسالة، كما قال: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): أي سلكوا مسلك هؤلاء في الكفر وفي نسبته إلى الله تعالى، ولكنّهم بعملهم هذا الذي استحقّوا به العقاب قد ظلموا أنفسهم، كما قال: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، وأيّ ظلم أوضح من هذا الظلم للنفس، حيث صار عنادهم وتمرّدهم على الحقّ

1 . النحل:28.
2 . النحل:26.
3 . الحجر:8.
4 . الميزان في تفسير القرآن:12/237.

صفحه 83
الذي دعا إليه الرُّسل سبباً للبعد عن رحمة الله؟
34. (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّهم ظلموا أنفسهم، جاء البيان القرآني لبيان نتيجة ظلمهم على أنفسهم، كما قال: (فَأَصَابَهُمْ) جزاء (سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ): أي أحاط (بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ)بسببه (يَسْتَهْزِئُونَ).
ويمكن أن يقال: إنّ الفقرة الأخيرة من أدلّة تجسّم الأعمال، فهي تصرّح بأنّه يحيط بالمشركين يوم القيامة ما يستهزئون به، ومعنى ذلك أنّ الاستهزاء بالأنبياء وبما ينذرون به، والذي يتمثّل في السبّ والشتم والأذى وغير ذلك، يتجسّم في الآخرة بلباس آخر ويحيط بالمشركين إحاطة عذاب، وعلى هذا فلا حاجة لتقدير لفظة «جزاء».

الآيات: الخامسة والثلاثين إلى السابعة والثلاثين

(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * إِنْ تَحْرِصْ عَلَى

صفحه 84
هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).

المفردات

الطاغوت: قال الراغب: الطاغوت عبارة عن كلّ مُتَعدٍّ وكلّ معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع.(1) ويظهر من قوله سبحانه:(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ)(2) أنّ الطاغوت هو الذي يطغى ويتزعّم ويعبده الناس ويطيعونه من دون الله تعالى. وقد ورد الطاغوت في القرآن بمعنى المعبودين أو المطاعين من دون الله تعالى، أو من دون أنبيائه وأوصيائه(عليهم السلام).
حقّت: وجبت وثبتت.

التفسير

لمّا كان الصادع بالحقّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى المشركين عن عبادة الطاغوت (الأصنام والأوثان)، ويكذّبهم فيما ينسبون إلى الله سبحانه من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما من الأشياء التي جاء ذكرها في قوله تعالى:(مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة وَلاَ سَائِبَة وَلاَ وَصِيلَة وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)(3) حاول هؤلاء المشركون مخاصمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وإفحامه بأنّك تقول إنّ الله يعلم ما نسرّ وما نعلن، فلو شاء الله أن لا نعبد من دونه شيئاً ما عبدناه ولما تمكنّا من عبادته، ولا حرّمنا ما حرّمنا.

1 . المفردات في غريب القرآن:304، مادّة «طغى».
2 . البقرة:256.
3 . المائدة:103.

صفحه 85
35. (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ):

اتّخاذ كلٍّ من المجبّرة والمفوّضة الآية سنداً لعقيدتهما

اتّخذ كلٌّ من المجبّرة والمفوّضة من هذه الآية (وكذلك من الآيتين اللّتين بعدها) دليلاً على منهجهم، فصاحب الكشّاف اتّخذها سنداً لبطلان الجبر، أمّا الرازي فخرّجها بشكل ينسجم مع منهجه في الجبر، وسيوافيك كلامهما، وسترى أنّ الآيات بعيدة عن موقف كلا المدرستين، فلنُشر إلى خصوصيات آيتنا هذه، قال سبحانه:(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) صرّح باسم أصحاب الشبهة، وقال:(الَّذِينَ أَشْرَكُوا)، ولم يقل«قالوا» حتى يكون تلميحاً لصاحب الشبهة، وأمّا ما هي الشبهة؟ فهي قوله سبحانه:(لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء)قوله:(شَاءَ اللهُ) فعلٌ حُذف مفعوله، والتقدير:]لو شاء الله أن نعبد من دونه شيئاً[(مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء).
ثمّ إنّ لفظة (مِنْ) في قوله: (مِنْ دُونِهِ) للابتداء، أمّا في قوله:(مِنْ شَيْء)فزائدة لتأكيد الجنس، كما أنّ (وَلاَ آبَاؤُنَا) في قوله: (نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا)عطف على الضمير في قوله:(مَا عَبَدْنَا)، وجيء بضمير الفصل (نَحْنُ)لتصحيح العطف على ضمير الرفع المتّصل.
إذا تبيّنت هذه الأُمور، فنقول:
أصل الشبهة لمنكري النبوّة، حيث إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمرهم بقوله: لا

صفحه 86
تشركوا بالله ولا تعبدوا غير الله ولا تحرّموا ما أحلّ الله، ردّ المشركون على النواهي بقولهم:
(لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء).
وحقيقة الشبهة هي أنّه لم تتعلّق مشيئته على أن لا نعبد غيره، وألاّ نحرّم ما حرّمنا، ولو تعلّقت بترك ما عبدناه أو تحريم ما حرّمناه، لَمَا عبدناه ولا حرّمناه.
وبما أنّك عرفت أنّ النبيّ كان يخاطبهم بأن لا تشركوا ولا تحرّموا، صاروا بصدد الردّ على كلامه بأنّ مشيئته لم تتعلّق بـ«ألاّ تشركوا ولا تحرّموا».
ثمّ إنّه ربّما أُشكل على ذلك بأنّ العدم لا يحتاج إلى المشيئة كما يُنبئ عنه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن» حيث لم يقل(صلى الله عليه وآله وسلم): ما شاء تعالى كان وما شاء عدم كونه لم يكن، بل يكفي فيه عدم مشيئة الوجود، وهو معنى قولهم: علّة العدم عدم علّة الوجود.(1)

صحّة تعلّق المشيئة بالأمر العدمي

وأجاب عن ذلك السيد الطباطبائي قائلاً: بأنّ ما ذكره حقّ بالنظر إلى حقيقة الأمر، إلاّ أنّ العنايات اللفظية والتوسّعات الكلامية، لا تدور دائماً مدار الحقائق الكونية والأنظار الفلسفية، وأنّ الأفهام البسيطة ـ ولم تكن أفهام أُولئك الوثنيين بأرقى منها ـ كما تجيز ترتّب الفعل الوجودي على المشيّة،

1 . روح المعاني:14/135.

صفحه 87
تجيز تعلّق عدمه لها، وفي كلامه(صلى الله عليه وآله وسلم) جرياً على هذه العناية الظاهرية:«اللهم إن شئت أن لا تُعبَد لم تُعبَد».(1)
وبما ذكرنا ظهر أنّ مصبّ ادّعاء المشركين، هو عدم تعلّق مشيئته بترك عبادة الأصنام أو ترك تحريم ما حرّموا، ولا يظهر منهم أنّهم ادّعوا تعلّق مشيئته بعبادة الأصنام وتحريم ما حرّموا، لِما عرفت من أنّ مفعول قوله: (شاءَ) هو: «أن لا نعبد من دونه شيئاً، أو ألاّ نحرّم ممّا حرّمناه شيئاً»، ومع هذا كيف يمكن أن يستفاد من الآية كونهم مدّعين بتعلّق مشيئته بعبادة الأصنام وتحريم ما حرّموا؟
وحاصل كلامهم: إنّ إرادته التكوينية الملجئة إلى ترك عبادة الأصنام وتحريم ما حرّموا لم تتحقّق، وإلاّ لَمَا كان في استطاعتهم عبادة غيره وتحريم ما حرّموا. وأين ذلك من تعلّق مشيئته بعبادة الأصنام وتحريم ما حرّموا؟
وبذلك يُعلم وجود الخلل في كلام كلّ من صاحب الكشّاف وصاحب التفسير الكبير، حيث زعما أنّ متعلّق المشيئة هو عبادة الأصنام، ففرّع عليه صاحب الكشّاف قوله: فهل على الرُّسل إلاّ أن يبلِّغوا الحقّ وأنّ الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان، ويطّلعوا على بطلان الشرك وقبحه وبراءة الله تعالى من أفعال العباد وأنّهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، والله تعالى باعثهم على جميلها وموقفهم له، وزاجرهم عن قبيحها ومُوعدهم عليه، ولقد أمدّ الله إبطال قدر السوء ومشيئة الشرّ بأنّه ما

1 . الميزان في تفسير القرآن:12/238.

صفحه 88
من أُمّة إلاّ وقد بعث فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله، وباجتناب الشرّ الذي هو طاعة الطاغوت.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ المشركين في قولهم هذا كانوا بصدد بيان سبب تركهم قول النبيّ: ألاّ تشركوا ولا تحرّموا مدّعين بأنّه لم يتعلّق أمره بترك عبادة غيره، دون أن يدّعوا تعلّق مشيئة الله بعبادة الأصنام وتحريم ما حرّموا، حتى يحكم عليهم بالقول بالجبر، ويكون سنداً لبطلانه.
أضف إلى ذلك: أنّ المشركين كانوا بصدد مدح منهجهم وأنّهم على الهدى والحق، فلو علّلوا منهجهم بالجبر والإلجاء، يكون اعترافاً منهم على بطلان عملهم واعتذاراً منهم على اعتقادهم. ويشهد لما ذكرنا قولهم:(إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).(2)
ثمّ إنّ الرازي لمّا فسّر الآية بأنّ المشركين بصدد بيان كونهم مُلجَئين إلى عبادة الغير من جانب الله سبحانه وأنّ مشيئته تعلّقت بعبادتهم، أجاب عن الشبهة بأنّ هذا القول جار مجرى طلب العلّة في أحكام الله تعالى وأفعاله، وذلك باطل، بل لله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد، ولا يجوز أن يقال له: لِمَ فعلتَ هذا ولِمَ لم تفعل ذلك.(3)
وحاصل كلامه: إنّ لله سبحانه أن يفعل في ملكه مطلقاً، سواء أكان على وفق العدل أم لا، وسواء أكان التكليف على قدر الطاعة أم لا، وليس للمشركين أن يعتذروا بهذا العذر.

1 . تفسير الكشّاف:2/203.
2 . الزخرف:22.
3 . تفسير الرازي:2/45.

صفحه 89

نقد كلام الرازي القائل بالجبر

وهذا الكلام، كلام مَن أنكر الفطرة، وقضاء العدل، والآيات الكثيرة على أنّ التكليف فرع الاختيار.
إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى تفسير بقية الآية التي فيها الإجابة عن شبهتهم، قال سبحانه:(كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): أي سلكوا مسلك مشركي قريش، فعبدوا غير الله وحرّموا ما لم يحرّم الله، ولكن (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) وأنت يا رسول الله قمت بهذه الوظيفة، وبلّغت رسالة الله بلاغاً مبيناً رافعاً للشكّ والشبهة.
وهنا يثار سؤال، وهو: كيف صارت الفقرة الأخيرة ردّاً لشبهتهم؟
والجواب: إنّ ارادته التشريعية تعلّقت بترك عبادة الآلهة المكذوبة وترك ما حرّموا، فكيف تقولون: لم تتعلّق مشيئته بترك عبادة غيره، مع أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كان ينادي كلّ يوم على رؤوس الأشهاد:(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)(1)؟ وعليه فقد بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ما أراده سبحانه بلاغاً مبيناً.
وأمّا إرادته التكوينية فلم تتعلّق بترك عبادة غيره، إذ لو تعلّقت تكون عبادتهم أمراً ممتنعاً خارجاً عن اختيار الإنسان، وعندئذ لا يُعدّ ترك الشرك والإنابة إلى التوحيد فضيلةً، لافتراض امتناع الشِّقّ الآخر.

1 . الأنعام:151.

صفحه 90

التفريق بين الإرادتين التكوينية والتشريعية

وحاصل الجواب: إنّهم خلطوا بين الإرادة التشريعية وقد تعلّقت به ولكن لا توجب الإلزام، ولا تجعل الإنسان مكتوف اليدين في اختيار أحد الطرفين، وأمّا الإرادة التكوينية فلم تتعلّق به، لأنّها تخالف ما هو الشرط الأصيل في التكليف، إذ يخرج عندئذ الإنسان عن كونه مختاراً بين الفعل والترك، ويصبح مُلجَأً إلى الترك.
36. (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ):

بعث الرُّسل في الأُمم السابقة جميعاً

هذه الآية توضيح للجواب السابق قائلة بأنّ بعث الرسل سنّة إلهية قد جَرَت في الأُمم السابقة، وأنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن بِدْعاً من الرُّسل، كما قال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً) وهذه الفقرة تدلّ على وجود الرُّسل في عامّة الأُمم على اختلاف أجناسها والأقطار التي كانت تسكنها، ولا ينافي ذلك أنّ المنطقة التي بُعث فيها الرُّسل والأنبياء الوارد ذكرهم في القرآن الكريم، تشكّل الآن معظم بلدان ما سُمّي بالشرق الأوسط، ولا تشمل سائر المناطق في كوكب الأرض، لأنّ القرآن الكريم لم يذكر لنا من أسماء الرُّسل إلاّ عدداً قليلاً، وهناك آيات تؤكِّد على بعث رسل لم يشأ سبحانه أن يذكر قصصهم وأسماءهم، مثل قوله سبحانه:(وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ

صفحه 91
نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ )(1)، وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)(2). هذا، وليس هناك ما يمنع من أن يكون الرجال العظام الذين تُنسب إليهم الشرائع والأديان والكتب المتنوّعة التي فيها أحكام وتعاليم ووصايا اجتماعية وأخلاقية في بلاد الهند والصين وجاوا والفرس واليابان وغيرها منهم أيضاً.(3)
ومهما يكن، فإنّ إرسال الرُّسل نعمة من الله وسبب لبلوغ الإنسان الغاية التي خُلق لها، فلو كان للإنسان الغابر استعداد لبلوغ الكمال لكان على الله سبحانه بعث الرُّسل لإيصاله إلى تلك الغاية، وقد نبّه سبحانه ـ كما قلنا ـ على وجود رسل لم تذكر أسماؤهم في القرآن الكريم.
ثمّ إنّ منطق الجميع قوله سبحانه:(أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)ومعناه أنّه سبحانه أظهر مشيئته على ترك طاعة الطاغوت وعبادته، فإنّ الطاغوت عبارة عن كلّ متعدّ يُعبد.
نعم، إنّ وظيفة الرسل هي الإرشاد وإبلاغ رسالات الله للجميع، غاية الأمر أنّ الناس أمام هذه الهداية العامّة على صنفين:
1. (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ).
2. (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ).
عبّر سبحانه عن حال الطائفة الأُولى بقوله: (هَدَى اللهُ)، وعن الطائفة

1 . النساء:164.
2 . غافر:78.
3 . التفسير الحديث:4/400.

صفحه 92
الثانية بقوله:(مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ) ولم يقل: ومنهم من أضلّ الله، ووجه ذلك أنّ الهداية العامّة تشمل المهتدي والضالّ، فإنّ أسبابها هي الفطرة والعقل الحصيف، ودعوة الأنبياء والأوصياء، والعلماء، وهذا يشترك فيه المهتدي والضالّ.
وإنّما نسب الهداية إلى نفسه لأنّ الهداية من الله سبحانه ولا تنسب إلى أحد من دونه إلاّ بالتَّبع، كما قال:(إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(1).
نعم حصر الهداية بالله سبحانه لا يلازم كون الهداية أمراً اضطرارياً لِما عرفت من أنّ للإنسان دوراً في الاستضاءة بهداية الله تعالى.
وأمّا الفقرة الثانية، فالله سبحانه لم يقل:«ومنهم مَن أضلّ الله» على خلاف الفقرة الأُولى، وما ذلك إلاّ لأنّ إضلاله سبحانه مسبوق بما تصبو إليه نفس العبد، ولذلك عُلِّق إضلال الله سبحانه في غير واحدة من الآيات، على أفعال العباد، قال سبحانه:(وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ)(2) ،وقال: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)(3)، وقال:(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)(4)، إلى غير ذلك من الآيات التي تعلّق إضلال الله بصدور أفعال أو وجود حالات تحول بينه وبين هداية الله، وبذلك يظهر أنّ لله سبحانه هدايتين: عامّة (غير مشروطة بشرط) وهداية خاصة مشروطة بشروط، أهمّها عدم حيلولة أفعال العبد وصفاته

1 . القصص:56.
2 . إبراهيم:27.
3 . البقرة:26.
4 . الصف:5.

صفحه 93
بينها وبين العبد. ومن حال بينه وبين هدايتها، يُحرم من فيض الهداية الثانية، الذي يعبّر عنه في بعض الآيات بالإضلال.
وبما أنّه سبحانه أخبر عن سنّة إلهية عامّة، وأنّ الناس أمام الهداية على صنفين، حثّ على الاعتبار بالأُمم الغابرة، بالنظر إلى النهاية التي انتهى إليها أمرهم بسبب تكذيبهم بآيات الله ورسالاته، كما قال: (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ): أي مَن حقّت عليهم الضلالة، فإنّ الله تعالى تركهم صرعى معفَّرة أُنوفُهم.
37. (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ):

حرص الرسول على هداية قومه جميعاً

كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حريصاً على هداية قومه ومن أُرسل إليهم، جادّاً في إرشادهم إلى سواء السبيل، وقد تجلّى ذلك فيما وصفه تعالى به:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(1)، فخاطبه سبحانه في هذه الآية، على سبيل تطييب نفسه وتسليته عمّا يلاقيه من تكذيب وعناد، خاطبه بقوله:(إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) لم ينفعهم حرصك، فإنّ هدايته سبحانه تشمل مَن كان فيه استعداد لقبول الحقّ، والأخذ بأسباب الهداية، ومن أعرض عن الهداية الأُولى (فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ)ولا يكتب التوفيق والسداد لمَن عزف عن الهداية الأُولى ولم يستضئ

1 . التوبة:128.

صفحه 94
بأنوارها (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)ينصرونهم من دون الله، ويدفعون عنهم العذاب الذي سيلاقونه جزاءً على كفرهم وضلالهم.
سورة النحل: الآيات 38 ـ 40    

الآيات: الثامنة والثلاثون إلى الأربعين

(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

المفردات

جَهْد: قال الراغب(1): الجَهد والجُهد: الطاقة والمشقّة، وأُريد هنا الطاقة والوُسع.
بلى: كلمة جواب كنعم، ولا تقع إلاّ بعد النفي، فتثبت ما بعده.
وعْداً عليه: مفعول مطلق حُذف فعله، أي وَعَد ذلك وَعْداً عليه.
حقّاً: ثابتاً متحقّقاً.

1 . المفردات للراغب: 101، مادة «جهد».

صفحه 95
التفسير
38. (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ):
عاد البيان القرآني هنا ليعرض مقالة أُخرى من شنيع مقالاتهم بعد ما فنّد مقالتهم حول الشرك في المجموعة السابقة، وهذه المقالة تدور على إنكارهم البعث والحياة الأُخرى، كما يقول سبحانه:(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ): أي بلغوا في القسم كلّ مبلغ، كما إذا أقسم أحدهم وقال: والله، وبالله، وتالله، مرّة بعد أُخرى، يقال: أقسم فلان جهد أيمانه. وأمّا المقسم عليه فهو قولهم:(لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ) أتى بصيغة المضارع دون الماضي ليعمّ المستقبل. ولمّا كانت مقالتهم هذه مجرّد دعوى، نفاها سبحانه بقوله:(بَلَى)، وقد مرّ أنّها تُستعمل في إبطال ما قبلها، فيكون معناه: بلى يبعث الله (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) فكلُّ من لفظة (عَلَيْهِ)و (حَقًّا)وصف لـ (وَعْدًا)وتقدير الكلام: وعداً حقّاً عليه، والضمير في(عَلَيْهِ) يرجع إلى الله سبحانه، أي عليه إنجازه وتحقيقه من حيث الحكمة، وذلك الوعد وعد حقّ ليس فيه خُلف، إذ لولا البعث ما حصل التكليف (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ)لجهلهم وغفلتهم (لاَ يَعْلَمُونَ)أنّ البعث من بعد الموت، هو من الوعد الذي لابدّ منه، والقضاء الذي لا يتغيّر. ويحتمل أن يراد أنّهم لا يعرفون ما لله تعالى من قدرة مطلقة غير متناهية، وأنّه قادر على بعثهم وإحيائهم.

صفحه 96
39. (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ):

ما هو الغرض من بعث الناس يوم القيامة؟

الآية بصدد بيان الغاية من بعث من يموت، وقد ذكرت له غايتين:
1. (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ).
2. (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ).
أمّا الأُولى، فأُريد من الاختلاف في قوله: (يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) اختلافهم مع الأنبياء في أمر البعث، حيث إنّ الأنبياء على خطّ الدعوة إلى الحياة الأُخروية، ولكن المشركين على خطّ الإنكار، ففي يوم القيامة تظهر البواطن وترتفع الحُجب، وتنكشف الحقائق، ويتبيّن للجميع ما هو الحقّ، ويرون بأُمّ أعينهم أنّ البعث والحياة الأُخروية حقّ لا مرية فيها. وبذلك يظهر أنّ الغاية الثانية هي من لوازم الغاية الأُولى، وذلك لأنّ علم الكافرين بكذبهم من لوازم تبيّن ما يختلفون فيه، وليس شيئاً جديداً،يقول سبحانه:(لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(1). ثمّ إنّ التعبير بقولهم: (كَانُوا كَاذِبِينَ) يدلّ على استمرارهم في تكذيب البعث.
40. (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ):
لمّا كان إنكار المشركين أمر البعث ناشئاً عن جهلهم بقدرة الله تعالى ولذلك استبعدوا إعادة الحياة إلى أجسادهم البالية (وَقَالُوا أَإذَا كُنَّا عِظَامًا

1 . ق:22.

صفحه 97
وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)(1)، جاء البيان القرآني لتخطئتهم في هذا التصوّر، وأنّه ليس بين الله وبين الموجود الإمكاني أي واسطة سوى تعلّق إرادته بإيجاده، فلو تعلّقت يتحقّق بلا امتناع ولا فاصل زماني، يقول سبحانه:(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ)الظاهر أنّ المراد من القول هو الأمر (أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ): أي نأمره بالوجود (فَيَكُونُ)فيتحقّق. والآية جرت على وفق الأذهان العامّة، فكما أنّ قول ] أمر [العالي للسافل بإنجاز شيء يكون سبباً لتحقّقه، فهكذا قوله وأمره للشيء غير الموجود بأن يوجد، فيتحقّق بلا تريّث. وأُريد من أمره إرادته لتحقُّق الشيء.
ثمّ إنّ لله سبحانه إرادتين: إرادة تكوينية إذا تعلّقت بشيء يتحقّق فوراً، ولا يكون بين الشيء وإرادته أي فاصل زماني، والآية إشارة إلى هذا القسم من الإرادة التي لا ينفكّ فيها مراده عن الإرادة، وهناك إرادة تشريعية وهي جعل الداعي للمكلّف لأن يمتثل من دون إلجاء واضطرار.
وممّا ذكرنا يُعلم أنّ تعبيره سبحانه عن إرادته بـ (كُنْ) جرى على وفق أذهاننا، وإلاّ فالبارئ سبحانه ليس بحاجة إلى توسّط شيء حتى لو كان لفظة(كُنْ)، وهذا هو الذي فسّر به الإمام علي(عليه السلام) الآية وقال: «يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ:(كُنْ فَيَكُونُ)، لاَ بِصَوْت يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاء يُسْمَعُ; وِإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ».(2)
وأمّا كيفية إرادته سبحانه، فقد روى الشيخ الصدوق بإسناده إلى

1 . الإسراء:49.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 186.

صفحه 98
صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن]الرِّضا[(عليه السلام): أخبرني عن الإرادة من الله عزّ وجلّ ومن الخلق؟ فقال: «الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله عزّ وجلّ، فإرادته إحداثه الفعل لا غير ذلك، لأنّه لا يروي ولا يهم ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفيّة عنه وهي من صفات الخلق، فإرادة الله تعالى هي الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف كذلك، كما أنّه بلا كيف».(1)

ما هي الغاية من تفسير إرادته سبحانه بالفعل؟

ومن المعلوم أنّ الإمام(عليه السلام) إنّما نفى الإرادة الزائدة على الذات، وأمّا الإرادة الذاتية المجهول كنهُها فهي غير منفيّة، إذ لا يمكن إخلاء الذات من الإرادة التي هي ملاك كون الفاعل مختاراً، إذ عندئذ يصبح الواجب تبارك وتعالى فاعلاً مضطرّاً. نعم، ليس لنا طريق إلى فهم كنهها.
وحاصل الكلام: إنّ الإرادة في مصطلحنا هي الإرادة الحادثة في صقع النفس بعد تصوّر المراد والتصديق بفائدته، ومن المعلوم أنّ الإرادة بهذا المعنى أمر محال في حقّه سبحانه، لاستلزامه كون الذات محلاًّ للحوادث، وهو يلازم حدوث الذات المنافي لكونه واجب الوجود.
سورة النحل: الآيتان 41 ـ 42    
وأمّا الإرادة المجرّدة عن الحدوث التي هي ملاك كون الفاعل مختاراً لا مضطرّاً، فلا يمكن سلبها عن الله سبحانه; لاستلزامه أن يكون سبحانه فاعلاً مضطرّاً مؤثِّراً كتأثير النار، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فالله سبحانه موصوف بالإرادة بهذا المعنى وإن لم نقف على كنهها.

1 . عيون أخبار الرضا: 1/109، برقم 11 .

صفحه 99
نعم فسّر الإمام (عليه السلام)إرادة الله سبحانه بفعله رعاية لحال السائل حتى لا يعتقد بالإرادة الحادثة في حقّه سبحانه، ولم تكن الغاية من التفسير نفي أصل الإرادة الذاتية المنزّهة عن وصمة الحدوث التي لا يعلم كنهها إلاّ هو.

الآيتان: الحادية والأربعون والثانية والأربعون

(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلاََجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).

المفردات

لنبوئنّهم: قال الجوهري: تبوّأت منزلاً: أي نزلته، وبوّأت للرجل منزلاً وبوّأته منزلاً: أي هيّأته ومكّنت له فيه.(1) وأُريد في الآية: الجزاء، أي لنجزينّهم عن الدنيا حسنة. وقال الوزير المغربي: أصل التبوئة: الإحلال، وهو هاهنا الرِّزق.(2)
يتوكّلون: يفوّضون أمرهم إلى ربّهم.

1 . صحاح الجوهري: 1 / 378، مادة «بوّأ».
2 . المصابيح في تفسير القرآن : 639.

صفحه 100

التفسير

41. (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلاََجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ):

ما وعد الله سبحانه به المهاجرين

يظهر من كتب السيرة أنّه كانت للمسلمين في الفترة المكيّة هجرتان:
الأُولى: هجرة فريق منهم إلى أرض الحبشة للحفاظ على عقيدتهم والتخلّص من أذى قريش، فغادروا أوطانهم ونزلوا أرض الحبشة بإرشاد من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال للمضطهدين في مكة بسبب عقيدتهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً ممّا أنتم فيه. وقد شدّوا رحالهم وغادروا مكة ليلاً في غفلة من الأعداء مشاة وركباناً، متّجهين إلى جدّة للسفر عبر مينائها إلى أرض الحبشة .(1)
الثانية: هجرة فريق من المسلمين من مكّة المكرمة إلى يثرب قبل هجرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك بعد ما أسلم «أسعد بن زرارة» على يد النبيّ، وكان قد سمع من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الآيات الثلاث من سورة الأنعام:(151ـ 153) فلمّا سمعها قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله، يا رسول الله بأبي أنت وأُمّي، فطلب من النبي أن يبعث إلى يثرب من يُرشد أشرافها وسادتها إلى

1 . لاحظ في تفصيل تلك الهجرة التي تكرّرت مرّة بعد أُخرى: السيرة النبوية:1/321; تاريخ الطبري: 2/70 ; وبحار الأنوار:18/412.

صفحه 101
الإسلام، فبعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مصعب بن عُمَير يقرئهم ويفقّههم وكان لرحلته ـ وجمع بعده ـ إلى يثرب أثر بالغ في دخول الأوس والخزرج في دين الله وانتشاره فيها.
فهل الآية ناظرة إلى الهجرة الأُولى، أو إلى الثانية؟ الظاهر هو الثانية لأنّ الفريق الأوّل، التحق بالنبيّ في السنة السابعة بعد الهجرة، فتفسير الآية المكّية بها بعيد.
وبما أنّ للهجرة في انتشار الاسلام، دوراً كبيراً في تبليغ الإسلام، كما أنّ ترك الأوطان والعشيرة والارتحال إلى أرض الغربة لا ينفكّ عن التعب والوَصَب، فالله سبحانه يَعِدهم في الدنيا والآخرة بعدما يصفهم بوصفين:
1. (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ) ابتغاء مرضاة الله ورسوله وصيانة لدينهم ودفاعاً عنه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمَن كانت هجرته إلى دنياً يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».(1)
2. (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) بالتعذيب والإيذاء، فأبلوا بلاءً حسناً وفارقوا الديار وأهلها.وهؤلاء المهاجرون لأجل الله يَعِدهم سبحانه بوجهين:
1. (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً): أي تبوئة حسنة. ولقد صدقهم سبحانه وعده فقد عوّضهم في الدنيا خيراً ممّا كانوا فيه مأوىً ورزقاً وعيشاً حسناً في مجتمع ساد فيه العدل والإحسان، فلينظر ناظر «كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا....

1 . صحيح البخاري: الحديث1.

صفحه 102
قَدْ تَرَبَّعَتِ الاُْمُورُ بِهِمْ، فِي ظِلِّ سُلْطَان قَاهِر، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِب، وَتَعَطَّفَتِ الاُْمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْك ثَابِت. فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الاَْرَضِينَ. يَمْلِكُونَ الاُْمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَيُمْضُونَ الاَْحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ!».(1)
2. (وَلاََجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ): أي أفضل من أجر الدنيا (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ما أعدّ الله لهم فيها من النُّزل و النِّعم، ففيها سعادة من غير شقاء، وخلود من غير فناء، ولذّة غير مشوبة بالإثم.
42. (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ):
ثمّ إنّ الآية تصفهم بوصفين آخرين:
1. (الَّذِينَ صَبَرُوا) على تحمّل الأذى والمشاقّ في أيام إقامتهم بمكّة.
2. (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)توكّلوا على الله وفوّضوا أمرهم إلى ربّهم الذي بيده مصائر الكون والعباد.
ثمّ إنّه سبحانه قدّم الصبر على التوكّل في آيتنا هذه، كما أنّه قدّم الصبر على الصلاة في قوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ).(2)
لأنّه بمنزلة الرأس من الإيمان، فمَن لا صبر له لا إيمان له، والقيام بالتكاليف والوظائف الدينية فرع الصبر والمصابرة في صميم النفس.
إنّه سبحانه عبّر عن الصبر بصيغة الماضي، وعن التوكّل بصيغة

1 . نهج البلاغة: الخطبة 192(وتسمّى القاصعة)، فقرة: النعمة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . البقرة: 45 .

صفحه 103
المضارع، وما ذلك إلاّ لأنّ الصبر على أذى المشركين قد انتهى وانقضى زمانه بهجرتهم من مكة المكرمة إلى يثرب التي يعمّها الأمن والأمان للمسلمين.
وأمّا التوكّل فلم ينقضِ وقتُه، فما دام الإنسان يعيش على البسيطة فعليه التوكّل على الله وتفويض الأمر إليه مع السعي الجاد في الطريق الذي رسمه الإسلام.

هجرة المستضعفين

يظهر من أقوال فقهاء الإسلام وجوب هجرة المستضعفين ـ الذين صادر الظالمون حرّيتهم ومنعوهم من إقامة شعائر دينهم ـ إلى بلاد يتمكّنون فيه من إقامة الفرائض وتحريم الحرام، لأنّ بقاءهم في بيئة الشرك سيؤثر على أولادهم، لو لم نقل بتأثيره عليهم هم أنفسهم أيضاً.
قال الشيخ محمد رشيد رضا(المتوفّى 1354هـ): أوجب الله تعالى الهجرة على مَن يُستضعَف في أرض وطنه فيمنع من إقامة دينه فيها... إلى أن قال: رُبَّ أُناس عزّ عليهم ترك وطنهم وظلّوا يُسرّون المحافظة على الإسلام في خاصّة أنفسهم، ولكنّهم لم يتمكّنوا من تلقينه لأولادهم وتربيتهم عليه، فارتدّت ذريتهم عنه في زمنهم أو من بعدهم، كما وقع لبعض مسلمي الأندلس بعد ثلِّ الأسبانيين لعرش دولتهم العربية وإكراههم على التنصّر أو الخروج من البلاد فخرج بعض وبقي آخرون.(1)
وقال المحقّق جعفر بن الحسن الحلّي(المتوفّى 676هـ): ويجب

1 . تفسير المنار:9/14.

صفحه 104
المهاجرة عن بلد الشرك على مَن يضعف عن إظهار شعائر الإسلام مع المُكنة، والهجرة باقية مادام الكفر باقياً.(1)
ويدلّ على ذلك قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فيِمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).(2)
ثمّ إنّه سبحانه يحثّ في بعض الآيات على الهجرة ويُطمئنُ المسلمين بأنّهم إذا هاجروا في سبيل الله فسيجدون في الأرض مضطرَباً ومتجوَّلاً كثيراً وسعة في الرّزق، كما يقول:(وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً)(3)، ويقول في آية أُخرى:(يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)(4)، وعلى هذا فيجب على كلّ مسلم لا يتمكّن من إقامة الدين في البيئة التي هو فيها، أن يترك هذا المكان وينتقل إلى مكان يتمكّن فيه من ذلك.
روى الصدوق بإسناده عن محمد بن سنان أنّ أبا الحسن الرضا(عليه السلام)كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله:«وحرّم التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك الموازرة للأنبياء والحُجج(عليهم السلام)، وما في ذلك من الفساد وإبطال حقّ كلّ ذي حقّ لعلّة سكنى البدو، ولذلك لو عرف الرجل الدين كاملاً لم يجز له مساكنة أهل الجهل والخوف عليه، لأنّه لا يؤمن أن يقع منه

1 . شرائع الإسلام:1/308، كتاب الجهاد، طبعة دار الأضواء، بيروت.
2 . النساء:97.
3 . النساء:100.
4 . العنكبوت:56.

صفحه 105
ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك».(1)

الهجرة من المعصية

كان الحديث في السابق عن الهجرة من أرض إلى أُخرى لأجل حفظ الدين، وهناك هجرة أُخرى يعبَّر عنها بالهجرة من المعصية إلى الطاعة، وقد روي عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«أن تهجر ما ترك ربُّك».(2)
وقال الإمام علي(عليه السلام): «يقول الرجل هاجرت ولم يهاجر، إنّما المهاجرون الذين يهجرون السيئات ولم يأتوا بها».(3)
ونقل الطريحي في موسوعته الجمل التالية: والمهاجر من هاجر ما حرّم الله عليه، والمهاجر من ترك الباطل إلى الحق، وفي الحديث: ومَن دخل إلى الإسلام طوعاً فهو مهاجر.(4)
فإذا كانت الهجرة في سبيل الله عبارة عن ترك موطن يُسلَّط فيه الأذى والظلم على المؤمن، ونزول موطن آخر يتحرّر فيه من تلك الضغوط، فالإنسان العاصي الذي يعيش أيضاً تحت مطرقة نفسه الأمارة بالسُّوء، وفي أسر أهوائها، إذا ترك نفسه الأمّارة بالسوء، وتحرّر من ضغط أهوائها، فسوف يعيش حالة الاطمئنان النفسي من خلال الالتزام بطاعة الله تعالى.

1 . الوسائل:11، الباب 26 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث28.
2 . جامع الأصول:12/262.
3 . سفينة البحار:2/697.
4 . مجمع البحرين: 3 / 516، مادة (هجر).

صفحه 106
سورة النحل: الآيتان 43 ـ 44    

الآيتان: الثالثة والأربعون والرابعة والأربعون

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

المفردات

الذِّكر: الكلام الذي من شأنه أن يُذكر ويُتلى ويكرّر، ولو فسّر بالتوراة أو بالقرآن فإنّه من قبيل تطبيق الكلّي على أحد مفرداته.
بالبيِّنات: البيِّنات: الحُجج والدلائل، أو المعجزات.
الزُّبُر: الكتب. قال الراغب: زَبَرتُ الكتابَ: كتبته كتابة غليظة، وكلّ كتاب غليظ الكتابة يقال له زبور.(1)

التفسير

43. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ):

إبطال لزوم كون الرسول مَلَكاً

الظاهر أنّ الآية بصدد الإجابة عن شبهة أُخرى للمشركين حول رسالة

1 . المفردات للراغب: 211 ، مادة «زبر».

صفحه 107
النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي توهّم أنّ البشر لا يليق به أن يكون سفيراً بين الله والناس، وقد جاء ذكر هذه الشبهة في آية أُخرى، قال سبحانه حاكياً عنهم قولهم:(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولاً).(1)
وممّا يؤيّد أنّ الآية بصدد إبطال هذه الشبهة، هو ما ورد في صدر السورة، أعني قوله تعالى:(يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)(2)، كما مرّ قولهم في نفس هذه السورة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)(3).
والله سبحانه يفنّد الشبهة بإرجاعهم إلى الأمر الملموس لمشركي مكّة، وهو أنّه سبحانه بعث في القرون السابقة نوحاً وإبراهيم بالرسالة والدعوة إلى التوحيد وهما ليسا بملَكين، بل من البشر، كما يقول:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) فالتعبير بـ(رِجَالاً) بصدد نفي كون المرسَل مَلَكاً، وبذلك يُعلم أنّ الآية ليست بصدد نفي رسالة المرأة أو الصبيّ حتى يقال أنّه سبحانه حكى عن المسيح قوله: (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا) (4)وهو في المهد. ثمّ إنّه سبحانه أرشدهم إلى تحقيق الحال بسؤال أهل الذكر فقال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) والفقرة هذه بصدد الإرشاد إلى ضابطة رائجة بين العقلاء، وهي رجوع الجاهل إلى العالم،

1 . الإسراء:94.
2 . النحل:1.
3 . النحل:24.
4 . مريم: 30.

صفحه 108
أو رجوع غير المطَّلع إلى المطَّلع، والفقرة إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على لزوم الرجوع إلى أهل الاختصاص، في المسائل التي يُبتلى بها عامّة الناس وليس لهم المقدرة على استنباط الأحكام فيها.
إنّما الكلام فيما هو المراد من الذِّكر، فقد ورد هذا اللَّفظ في عدّة آيات، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)(1)، وقال تعالى: (وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)(2)، وقال تعالى: (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً)(3)، فمن الواجب تفسير هذا اللَّفظ بوجه لا تخرج عن نطاقه كافّة هذه الموارد، ولكن يجدر أن نذكر، قبل ذلك، ما قيل في المراد بأهل الذِّكر:
1. هم أهل التوراة، والذِّكر هو التوراة، والدليل عليه قوله تعالى:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)(4)يعني التوراة.
2. هم أهل الكتاب الذين يعرفون معاني كتاب الله تعالى، فإنّهم يعرفون أنّ الأنبياء كلَّهم بشر.
3. هم أهل العلم بأخبار الماضين، إذ العالم بالشيء يكون ذاكراً له.
4. هم كلّ من يُذكر بعلم وتحقيق.(5)

للذكْر معنى واحد والمصاديق مختلفة

أمّا لفظ الذِّكر في هذه الآيات من حيث المعنى، فالظاهر أنّه عبارة عمّا

1 . الحجر:6.
2 . الزخرف:44.
3 . الطلاق:10ـ11.
4 . الأنبياء:105.
5 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:6/284; تفسير الرازي:20/36.

صفحه 109
يذكِّر الإنسان، وهذا يختلف بحسب متعلِّقه، فتارة يذكِّر ما فُطر عليه الإنسان من الميل إلى الفضائل والابتعاد عن الرذائل، وأُخرى يذكِّر ما أُنزل إلى الإنسان من الوحي الإلهي الذي يذكر أسماءه تعالى وصفاته وقدرته، وإضافة إلى التعاليم التي يجب أن يبلّغها إلى الإنسان.
إذا علمت ذلك، فيكون قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) ضابطة كلّية، تنطبق في مورد الآية على اليهود أصحاب التوراة، لأنّهم يذكرون ما أنزله الله إلى نبيّهم موسى(عليه السلام) والمشركون كانوا يقرّون بأنّ اليهود أعلم منهم وأعرف بتاريخ الأديان والرُّسل بحكم ما لديهم من كتاب، فأمرهم الله بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبيّنوا لهم أنّه سبحانه قد بعث إلى الأُمم السابقة رسلاً من جنس البشر.
وعلى ما ذكرنا يتّضح ما ورد من الروايات حول هذه الفقرة.
روي عن أبي جعفر ] الباقر[(عليه السلام) في تفسير هذه الفقرة من الآية:«الذكر القرآن، وآل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أهل الذكر وهم المسؤولون».(1)
وفي رواية أُخرى عن حمزة بن الطيّار أنّه عرض على أبي عبد الله ] الصادق[(عليه السلام) بعض خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعاً منها قال له: كُفَّ واسكت، ثم قال أبو عبد الله(عليه السلام): «لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلاّ الكفّ عنه والتثبّت والردّ إلى أئمّة الهدى، حتى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى، ويعرّفوكم فيه الحقّ، قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(2).

1 . بصائر الدرجات: 62، الحديث 23، الباب 19 (في أئمة آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّهم أهل الذكر).
2 . الكافي:1/50، كتاب فضل العلم، باب النوادر، برقم10; نور الثقلين:3/55.

صفحه 110
وحصيلة الكلام: إنّ الذِّكر بمعنى ما يذكّر، ويرفع الجهل عن الإنسان، وله معنى وسيع، وفي كلّ مورد له مصداق، ومصداقه في المقام اليهود.
ثمّ إنّ قوله:(إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) فيه إشارة إلى أنّهم يعلمون،ولكنّهم يتجاهلون، وعلى فرض جهلهم بالواقع فعليهم أن يسألوا أهل الخبرة والاطّلاع.
44.(بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ):

ما هو المراد من البيّنات والزبر؟

أُريد بالبيّنات: الدّلائل الواضحة أو المعاجز الدالّة على صدق رسالتهم، وبالزّبر: الكتب السماوية، والظرف متعلّق بفعل مقدَّر أي: أرسلنا الرسل مصحوبين بالدلائل (أو المعاجز) والكتب، فالنبيّ موسى(عليه السلام)، مثلاً، قد أُوتي البيّنات والكتاب (التوراة)، وكذلك النبيّ عيسى(عليه السلام)، وأمّا النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)فكتابه هو المعجز الذي أدهش العقول وأبهر الأبصار، ولذلك يقول سبحانه:(وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)(1).
ولمّا أخبر سبحانه عن أنّه أرسل الرُّسل بالبيّنات والزبر وقد اجتمع الأمران في القرآن الكريم، أعقب تلك الفقرة بقوله:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ)

1 . العنكبوت:50ـ 51.

صفحه 111
الجامع للمنقبتين (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).
فإن قلت: لماذا قال:(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، ولم يقل أنزلنا إليك الذكر لتبيّنه للناس؟
قلت: لوجود الفرق بين الإنزالين، فالإنزال على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنزال مباشر، وإنزاله إلى الناس بواسطة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
بل يمكن أن يقال: إنّ إنزاله على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالإجمال تارة والتفصيل أُخرى، بناءً على نزول القرآن على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مرّتين، ونزوله إلى الناس على وجه التفصيل.
ثمّ إنّ قوله سبحانه:(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) دليل على أنّ القرآن بحاجة إلى بيان وتوضيح من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ولا ينافي ذلك كون القرآن نازلاً: (بِلِسَان عَرَبيٍّ مُبِين)(1)، وذلك لأنّ المراد بالأخير هو أنّه ليس مثل كلام الكهنة!! الّذي
لا يفهمه إلاّ هم أنفسهم، أو غيرهم بتعب كبير، بل أنّ القرآن تعبير رصين
عن مفاهيم عالية، ومع ذلك لا ينافي وجود الحاجة في شرح مفاهيمه وتوضيح معانيه في بعض الموارد، إلى مبيِّن يفصِّل إجماله ويرفع الستر عن متشابهه بإرجاعه إلى محكمه، كما هو الحال في كثير من العلوم، فتكتب الكتب بلسان الدارسين ولكنّها بحاجة إلى أُستاذ يشرح ومعلّم يبيّن حقائقها.
وأمّا قوله:(وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فيدلّ على أنّ وظيفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هي تبيين ما نُزِّل إلينا، كما أنّ وظيفة الناس هي التفكّر فيما أُنزل إليهم، فإنّ المفاهيم

1 . الشعراء:195.

صفحه 112
السامية الواردة في القرآن الكريم لا تنعكس(لا تدخل) على النفس إلاّ بالتأمّل والدقّة.
سورة النحل: الآيات 45 ـ 47    

الآيات: الخامسة والأربعون إلى السابعة والأربعين

(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).

المفردات

مكروا السيئات: عملوا، بتضمين (المكر) مفاد العمل، بشهادة قوله سبحانه:(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)(1).
يخسف: الخَسْف: انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها، ويقال: خسف الله به الأرض خسفاً: غيّبه فيها.
تقلُّبهم: أسفارهم وتجاراتهم.
تَخوُّف: تَنقُّص.

1 . النساء:18.

صفحه 113
التفسير
45. (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ):
قوله:(أَفَأَمِنَ) أي: أنّه سبحانه أوعَد(الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ): أي يعملون السيئات مكراً وحيلة، أعني الذين دبّروا التدابير السيئة في توهين أمر النبيّ وإطفاء نور الدين وإيذاء المؤمنين ـ كما عليه الطبرسي ـ .(1)ويحتمل أن يراد ما مكروا من الحيل من تشويش الأذهان حول القرآن والنبيّ من أنّه أساطير الأوّلين، أو استبعاد أن يبعث الله من يموت، أو أنّ الله سبحانه لا يبعث بشراً برسالته، إلى غير ذلك من ألوان المكر والخداع التي تجوز على العوام السذّج، فيَضلُّون ويُضلُّون، فالله سبحانه أوعدهم بأُمور أربعة:

تهديد عاملي السيئات بأُمور أربعة:

الأوّل: (أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ): أي نجعل الأرض خاسفة بهم، فيكونوا غائبين تحت الأرض.
الثاني: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ): أي بغتة ومن دون أن يشعروا أنّ الآتي عذاب، بل قد يتصوّرون أنّه رحمة كما قال:(فَلَمَّا رَأَوْهُ

1 . لاحظ : مجمع البيان: 6/187.

صفحه 114
عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)(1).
46. (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ):
الثالث:(أَوْ يَأْخُذَهُمْ) بالعذاب ويهلكهم وهم (فِي تَقَلُّبِهِمْ): أي تصرّفهم وتحرّكهم في أعمالهم من تجارة أو سفر . (فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ): أي بفائتين الله تعالى، حتى يعجز عن أخذهم بالعذاب.
وبما أنّه جاء بعد قوله:(مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ)فلابدّ أنّ الأخذ والإهلاك في حالة الشعور والعلم به.
47. (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ):
الرابع:(أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف) فلو كان التخوّف من الخوف لا يظهر للآية معنى واضح، ولذلك ذكر الطبرسي أنّ أكثر المفسّرين قالوا إنّ معناه «على تنقّص» أي ينقص من أطرافهم ونواحيهم فيأخذ منهم الأوّل فالأوّل، حتى يأتي على جميعهم، أي يهلكهم شيئاً فشيئاً.(2)
وذكر الزمخشريّ لهذه الفقرة معنيين:
سورة النحل: الآيات 48 ـ 50    
الأوّل: قال:(عَلَى تَخَوُّف): أي متخوّفين، وهو أن يهلك قوماً
قبلهم فيتخوّفوا، فيأخذهم بالعذاب وهم متخوّفون متوقّعون، وهو
خلاف قوله: (مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ).وعلى هذا فالفعل متضمِّن

1 . الأحقاف:24.
2 . مجمع البيان:6/187.

صفحه 115
معنى الخوف، غير مجرّد عنه.
الثاني: قال: هو من قولك تخوّفته إذا تنقّصته، قال زهير:
تخوّف الرحل منها تامكاً قَرِداً *** كما تخوّف عود النبعة السّفَن
أي يأخذهم على أن يتنقّصهم شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا.(1)
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ). قد يتبادر إلى الذهن أنّ إكمال الآية بهذين الوصفين لا ينسجم مع ما تقدّم من الأخذ والإهلاك، فإنّ المقام مقام إظهار القدرة والتعزيز، لا الرأفة والرحمة، إلاّ أنّه لو تدبّر الإنسان في ذلك كثيراً لوجد أنّ لذكر هذين الوصفين كمال الانسجام مع ما تقدّم، وهو أنّه سبحانه مع كونه قادراً على أن يهلكهم بأحد هذه الوجوه، لكنّه برأفته ورحمته يمهلهم ولا يعجل بإهلاكهم، لعلّهم يرجعون عن مكرهم وأعمالهم السيّئة. وما أروع ما يدعو به الإمام عليّ بن الحسين، زين العابدين، حينما يقول:«سبحانك ما أعجَبَ ما أشهَدُ به على نفسي، وأُعدّده من مكتوم أمري، وأعجَب من ذلك أناتُكَ عنّي، وإبطاؤك عن معاجلتي، وليس ذلك من كَرَمي عليك، بل تأنيّاً منك بي، وتفضّلاً منك عليَّ لأن أرتدعُ عن معصيتك المُسخِطة، وأُقلعَ عن سيّئاتي المُخلِقَة».(2)

الآيات: الثامنة والأربعون إلى الخمسين

(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ

1 . تفسير الكشّاف:2/205.
2 . الصحفية السجّادية الكاملة:80، من دعائه(عليه السلام) في الاستقالة.

صفحه 116
وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّة وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).

المفردات

يتفيّؤا: الفيء: كلّما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء، مشتقّ من قولهم: فاء، يفيء، أي رجع يرجع.
ظلاله: الظلّ: هو عبارة عمّا لم تنسخه الشمس كما هو الحال في أوّل النهار، وربّما يقال: إنّ الظلَّ أعمّ، أي: كلّ ظلام يسبّبه جسم ما عندما يحجب الضوءَ من الوصول إلى سطح ما.
داخرون: خاضعون لعظمة الله.

التفسير

خضوع الظِّلال والدوابّ والملائكة أمام عظمة الله

الظاهر أنّ هذه المجموعة بصدد بيان خضوع الظِّلال والدوابّ والملائكة في قبال عظمة الله وكبريائه، فبدأ سبحانه في الآية الأُولى بذكر خضوع ظلال الأجسام قبال عظمته وكبريائه، وفي الآية الثانية انتقل إلى خضوع كلّ ما يدبّ على الأرض مضافاً إلى الملائكة، ويستنتج من هذا الخضوع أنّه إذا كان النظام الكونيّ خاضعاً لله تعالى، فليقتدِ به الإنسان

صفحه 117
بالسجود لله تبارك وتعالى، مكان السجود للأصنام.
نعم، إنّ انتقال الظلّ بالنحو المذكور تابع للنظام الحاكم على منظومتنا الشمسية، حيث إنّ حركة الشمس في الظاهر أو حركة الأرض في الحقيقة تسبب ذلك النظام الموحّد في الظلال، وهو إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ للعالم مدبِّراً واحداً، قائم به ذلك النظام، ولو تعدّد لتسرّب إليه الفساد.
إذا علمت ذلك، فلندخل إلى تفسير الآيات:
48. (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ):
قوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء): أي من شيء له ظلّ، جماداً كان أم حيواناً أم نباتاً (يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ): أي ظلال الشيء (عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ)، وليست الآية بصدد بيان أنّ لكلّ شيء ظلاًّ، بل بصدد أنّ كلّ شيء فُرض له ظلّ، تنتقل ظلاله من اليمين والشمال، فالظلال بانتقالها من جانب إلى آخر خاضعة لله تعالى. وأمّا كيفية انتقال الظلال من اليمين إلى الشمال، فبيانه: إنّ الشمس إذا طلعت وأنت متوجّه إلى القبلة كان الظلال قدّامك، وإذا ارتفعت كان عن يمينك، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان عن يسارك.(1)
فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ذكر اليمين والشمائل دون الخلف والأمام؟

1 . مجمع البيان:6/187ـ188.

صفحه 118
والجواب: السبب في ذلك هو الاختصار في الكلام، وإلاّ فدوران الظلّ حول الأمام والخلف مع اليمين والشمال، أمر ملموس. ولك أن تقول بوجه أقصر :إنّ الإنسان إذا وقف متوجّهاً إلى القبلة بعد طلوع الشمس يرى شروق الشمس على الجانب الأيسر فيقع ظلال الشيء على يمينه(جهة الغرب)، ويستمرّ هذا الأمر حتى تقترب الظلال نحو الجهة اليمنى لحين وقت الظهر وعندها ستتحول الظلال إلى الجهة اليسرى، وتستمرّ في ذلك حتى غروب الشمس وتنعدم عند غروبها. وعلى هذا يتّضح وجه الاقتصار على ذكر اليمين والشمائل .نعم ما ذكرناه حسب الرؤية الحسِّية وأمّا ما هو الواقع فالحقيقة الظلال لا تتفيّأ ولا تنتقل وإنّما ترد الشمس عليها، ثم ترجع إلى ما كانت عليه بعد أن تزول الشمس عنها، فالشمس هي المنتقلة عليها والظلال قائمة بحالها(1) كما مرّ.

الإجابة عن سؤالين

بقي هنا سؤالان:
1. ما هو السبب لجمع الظلّ وإضافته إلى الضمير المفرد، كما قال: (يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ)ومقتضى القاعدة أن يقول: يتفيأُ ظله.
2. لماذا أفرد اليمين وجمع الشمائل؟
أمّا السؤال الأوّل، فجوابه: إنّ إفراد الضمير باعتبار مرجعه حيث يرجع إلى «شيء» وهو مفرد.
وأمّا السؤال الثاني، فإنّ اليمين يطلق على المفرد والجمع، ويُحتمل أنّ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:92.

صفحه 119
جمع الشمائل باعتبار تعدّد جنس جهة الشمال بتعدّد أصحابها أي الأجسام، ولمّا كان هذا الوجه موجوداً في جانب اليمين أيضاً، أُجيب بأنّ المخالفة بالإفراد والجمع، تفنّن.(1)
والأَولى أن يقال: إنّ من أساليب البلاغة عند العرب أنّهم إذا ذكروا معنيين للجمع أن يعبِّروا عن أحد المعنيين بلفظ المفرد، وعن المعنى الآخر بلفظ الجمع، كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، وقوله تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ)(2).
كلّ ما ذكرنا من حركة الظلال منذ طلوع الشمس إلى غروبها على نسق واحد رمز سجودهم لله كما يقول: (سُجَّدًا للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ): أي خاضعون لعظمة الله تبارك وتعالى. وقد تقدّم الكلام عن سجود ظلال كلّ من السماوات والأرض في تفسيرنا لسورة الرعد.(3)
ثمّ إنّ للظلّ دوراً في الحياة، أمّا أوّلاً فلأنّه لو دام سقوط أشعة الشمس على الأشياء لارتفعت حرارة الأرض إلى درجة كبيرة تحرق كلّ ذي حياة. وأمّا ثانياً فلأنّه لولا الظلّ لامتنعت رؤية الأجسام،فإنّ النور إذا انعكس على الشيء على وجه الاستمرار لا يمكن رؤية ذلك الجسم الغارق في النور إلاّ بدخول شيء من الظلّ فيه.
وسيوافيك أنّه سبحانه ينسب خلق النور والظلّ إلى نفسه ويقول: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)،(4) وما هذا إلاّ لأنّ للظلمات دوراً في الحياة.

1 . التحرير والتنوير:13/136.
2 . التفسير الكاشف:4/518.
3 . لاحظ: الرعد:15.
4 . الأنعام:1.

صفحه 120
49. (وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّة وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ):

سجود ما في السماوات والأرض لله

تحدّث الذكر الحكيم عن سجود الظلال وخضوعها لخالقها وهو معنى مشهود فيها، ثم عاد إلى بيان سجود ما في السماوات والأرض من دابّة، ويقول: (وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّة)والدابّة عبارة عن كلّ ما يدبّ ويتحرّك من مخلوقات من مكان إلى مكان، والظاهر أنّ قوله:(مِنْ دَابَّة)يرجع إلى السماوات والأرض، ويدلّ على وجود ما يدبّ في السماوات والأرض كليهما، واحتمال كونه قيداً لما في الأرض، ضعيف.
وعلى هذا فالإنس والجنّ داخلان في عموم الدابّة.
ثمّ إنّ سجود ما في السماوات وما في الأرض من مخلوقات حيّة هو سجود تكويني، بحكم خضوعها للنواميس الإلهية، وإن شئت قلت: سجود قسري، كسجود ظلال كلّ شيء وخضوع الجميع أمام عظمة الله، وحدوثهم وبقائهم بيد الله وإرادته.
ثمّ إنّه سبحانه أفرد الملائكة وقال:(وَالْمَلاَئِكَةُ) ولعلّه لخروجهم عن عنوان الدابّة، لأنّ حركة الملائكة تفترق عن حركة الآخرين ودبيبهم.
ثمّ إنّه سبحانه وصف الملائكة بأوصاف ثلاثة:

الوصف الأوّل:

(وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) فعدم استكبارهم ذاتاً ووجوداً هو سجود قسري،

صفحه 121
وأمّا عدم استكبارهم في مقام الفعل ـ كما يشير إليه في الآية التالية ـ فهو سجود اختياري.
ثمّ إنّ الفرق بين المتكبّر والاستكبار هو أنّ الأوّل يومئ لمَن له الكبرياء بالحقّ، وهو يختصّ بالله سبحانه، ولذا يوصف بالمتكبّر، وأمّا الاستكبار فيومئ إلى مَن يترفّع على غيره دون أن يكون له كبرياء، فيوصف بالمستكبر، فالله سبحانه هو المتكبّر لا المستكبر، وأمّا غيره إنْ ترفّع على غيره فهو مستكبر لا متكبّر.
50. (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ):

الوصف الثاني:

الوصف الثاني للملائكة هو قوله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ)وأُريد من الفوق، المعنوي منه، بمعنى كونه متعالياً بالنسبة إليهم. وبهذا يظهر أنّ فوقهم يرجع إلى تعاليه عليهم فيكون الخوف أمراً ذاتياً لا خوفاً من عذابه، فإنّ الصغير إذا نظر إلى ما فوقه يستولي عليه الخوف بالذات. وقال الوزير المغربيّ:(يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) إخبار بعلوّ القهر والاقتدار لا برفعة المكان كما قال: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)(1).(2)

الوصف الثالث:

قوله تعالى: (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وهذا هو الدليل على عدم

1 . الفتح:10.
2 . المصابيح في تفسير القرآن: 641.

صفحه 122
استكبارهم في مقام الفعل. وفي الفقرات إشارة إلى أنّ الملائكة معصومون من الذنب والخطأ، فلا يشغلهم عن الله شاغل، وإنّما خصّ سبحانه الملائكة بالذِّكر وهو أنّهم يسجدون لله تعالى، تنبيهاً على غفلة المشركين وتنديداً بعقيدتهم، حيث إنّ قسماً من الوثنيين اتّخذوا الملائكة آلهة، إذ لكلّ ظاهرة عندهم ربٌّ من الملائكة.
وقد جاء التصريح بعصمتهم في آية أُخرى، وهو قوله: (لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(1).
ثمّ إنّ الوصفين الأخيرين وقعا بعد قوله: (لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) فيمكن أن يقال: إنّ نتيجة عدم الاستكبار الأمران التاليان:
1. إحاطة الخوف بهم من الله تعالى، شعوراً منهم بعظمته المطلقة.
2. الإطاعة المطلقة لكلّ ما يأمر به تعالى.
سورة النحل: الآيات 51 ـ 55    

الآيات: الحادية والخمسون إلى الخامسة والخمسين

(وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ).

1 . التحريم:6.

صفحه 123

المفردات

فارهبونِ: الرَّهْبة والرَّهْب: مخافة مع تحرّز واضطراب.
الدين: يطلق على معان، منها الطاعة، وهو المراد هنا.
واصباً: قال الراغب: الواصب: الدائم، أي حقُّ الإنسان أن يطيعه دائماً في جميع أحواله.(1)
تجأرون: ترفعون أصواتكم مستغيثين.
الضُرّ: سوء الحال.

التفسير

51. (وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ):

النهي عن اتّخاذ الشريك على وجه الإطلاق

لمّا تحدّثت الآيات السابقة عن سجود ما في الكون لله سبحانه قسراً واختياراً، جاء البيان القرآني لإبطال الشِّرك باتّخاذ إلهين اثنين(وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)، فهل الآية ناظرة إلى إبطال ما عليه المجوس من أنّ إله الخير غير إله الشرّ، وأنّ إله الأوّل هو النور، وإله الثاني هو الظلمة؟ باحتمال أنّ الآية ردّ لما اعتقدته قبائل العرب المجاورة لبلاد فارس، مثل بني بكر بن

1 . المفردات للراغب: 524، مادة «وصب».

صفحه 124
وائل وبني تميم، فقد شاع بينهم عبادة إله الخير المسمّى بـ(يزدان)، والتجنّب عن إله الشر المسمّى بـ(أهرمن).
يقول الحكيم السبزواري في بيان عقيدتهم:
والشّرُّ إعدام فكم قد ضلّ مَنْ *** يقول باليزدانِ ثمّ الأَهْرِمَنْ
أو أنّ الآية ناظرة إلى مطلق المشركين، والتركيز على الاثنين آية التعدّد، فإنّ مَن اتّخذ آلهة ثلاثة أو أربعة فقد اتّخذ الاثنين. وهذا الوجه هو الظاهر، فإنّ الاثنين كناية عن التعدّد بشهادة قوله سبحانه:(إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
والحصر في قوله:(إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) قصر قلب، أي اعبدوا الله وحده لا غيره، وليس قصر إفراد ; لأنّ المشركين لم يقرنوا عبادة الله مع عبادة آلهتهم حتى يكون القصر قصر إفراد، وإنّما اقتصروا على عبادة آلهتهم المزعومة.
قوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) التفات من الغيبة إلى الخطاب وذلك أبلغ في الرَّهبة. وهو أيضاً قصر قلب لا إفراد لأنّ المشركين كانوا يرهبون الأصنام دون الله، فردّ عليهم في عقيدتهم، وأمرهم بقصر الرَّهبة على الله، والمراد من الرَّهبة هو الحالة الحاصلة من إحساس تعاليه سبحانه وجلاله ومهابته، لا الرَّهبة من مؤاخذته وعذابه، فإنّ الرَّهبة من الجهة الأُولى متقدّمة على الثانية.
52. (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ):

إبطال الشرك ببراهين ثلاثة

لمّا نهى سبحانه عن اتّخاذ غيره إلهاً سواء أكان اثنين أو ما فوقهما، جاء

صفحه 125
البيان القرآني للبرهنة على ذلك النفي، وهو أنّ ما يتصوّرونه إلهاً مدبِّراً للعالَم، هو مخلوق لله كما يقول:(وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي هو المالك وما سواه مملوك له، وملكيته لما سواه نابعة من خالقيته، فبما أنّه خالق فهو مالك، فالعالَم مخلوق لله وما كان كذلك فهو قائم به قيام المعنى الحرفيّ بالمعنى الاسميّ، فلو صار إلهاً مدبِّراً للعالَم فمعنى ذلك انقلابه ممّا عليه من التعلّق إلى الاستقلال، وهذا أمر غير ممكن.
ثمّ إنّه سبحانه لما أبطل أُلوهية غيره، قال: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا): أي وله الطاعة دائماً لأنّه الإله دون غيره، والطاعة من خصائص الأُلوهية.
ولك أن تفسّر الدين بالشريعة، وهو أيضاً من خصائص الربوبية، فليس لأحد حقٌّ في أن يشرّع لعباد الله، فإذا كان كذلك (أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ)، وهو توبيخ على خوفهم من غير الله سبحانه.
53. (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ):
لمّا أبطل أُلوهية غيره بوجهين:
1. كونه سبحانه مالكاً لِما في الكون ومن ثمّ للآلهة المزعومة.
2. له حقّ الطاعة أو حقّ التشريع دائماً.
برهن ببيان ثالث على إبطال ربوبية غيره وقال: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ) فإنّ كلّ ما يملك الإنسان من نِعَم فهو مخلوق لله فيكون جميعه من الله، ومع ذلك كيف تتركون عبادة الله صاحب النّعمة، وتعبدون غيره؟!

صفحه 126
وبعد ذلك جاء ببيان رابع للتوحيد، وهو أنّكم إذا أصابكم سوء الحال تنسون الآلهة المكذوبة، وتلجأون إلى الله، كما يقول: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ): أي تتضرّعون وتستغيثون به، وأصله من الجؤار وهو الصياح. قال الطبري: أصله من جؤار الثور إذا رفع صوتاً شديداً من جوع أو غيره.(1)
54. (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ):
الآية تدلّ على رسوخ الشرك في أذهانهم، ففي ساعة العسرة يتضرّعون إليه وحده سبحانه، وفي ساعة الميسرة ينسونه ويرجعون إلى آلهتهم المزعومة، كما يقول: (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ)وصرتم في أمن وأمان (إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)فعند إصابة الضُّرّ يرجع الإنسان بحكم الفطرة إلى كاشف الضُّر حقّاً، وعندما يكشف عنه الضُّرّ، يَنسى حكم الفطرة ويرجع المشرك إلى ما كان يعتقده. وقد أشار سبحانه إلى تذبذب المشركين في السرّاء والضرّاء، في قسم من الآيات، قال سبحانه:(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيح طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ).(2)

1 . تفسير الطبري:14/121.
2 . يونس:22ـ23.

صفحه 127
55. (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ):
قوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا) اللاّم فيه للعاقبة، كما في قولهم: «لدُوا للموتِ وابنوا للخراب»، أي صارت عاقبة هؤلاء الذين رجعوا في العسر إلى الله وفي اليسر إلى أصنامهم، الكفرَ:(بِمَا آتَيْنَاهُمْ)من النِّعم (فَتَمَتَّعُوا)الأمر هنا للتهديد (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) عاقبتكم الوخيمة، وتندمون حيث لا ينفع الندم.

زلّة للآلوسي

إنّ للسيد الآلوسي كلاماً في هذا المقام، قال فيه: إنّ بعض المتشيّخين قال لي وأنا صغير: إيّاك ثم إيّاك أن تستغيث بالله تعالى إذا خَطْب دهاك، فإنّ الله تعالى لا يعجّل في إغاثتك، ولا يهمُّه سوء حالتك، وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين، فإنّهم يعجّلون في تفريج كربك، ويهمّهم سوء ما حلّ بك، فَمَجّ ذلك سمعي، وهمى دمعي، وسألت الله تعالى أن يعصمني والمسلمين من أمثال هذا الضلال المبين، ولكثير من المتشيّخين اليوم كلمات مثل ذلك.(1)
أقول: لا شكّ أنّ ما نقله عن بعض المتشيّخين كلام باطل وواه لا يعتدّ به، ولكن التوسّل بالأنبياء والأولياء وبدعائهم من الوسائل التي دعا الله سبحانه إلى التمسّك بها، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ).(2)
وللوسيلة مصاديق وافرة، من الاستغفار، وأداء الفرائض والنوافل، غير

1 . روح المعاني:14/166.
2 . المائدة:35.

صفحه 128
أنّ منها التوسّل بالأنبياء والأولياء وبدعائهم الذي يستجاب ولا يُردّ، وقد أمر به سبحانه في غير واحدة من الآيات وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيمًا)(1) حتى أنّه سبحانه ذمّ المنافقين لأجل إعراضهم عن طلب الدعاء من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لغفران ذنوبهم، قال سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(2).
ويظهر من قوله سبحانه حاكياًعن أبناء يعقوب حيث قالوا: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) وأجابهم أبوهم بقوله: (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(3) أنّ التوسّل بدعاء المقرّبين أمر فطريّ كان سائداً في الأُمم السابقة.
سورة النحل: الآيات 56 ـ 60    
ولو قال قائل: إنّ الآيات تختصّ بالرجوع إلى الأولياء في حال حياتهم، قلنا مع أنّه ممنوع جدّاً، إذ لا فرق بين الرجوع إلى الحيّ أو الميّت، فإنّ ثمة روايات تؤكّد صحّة الأمرين، منها رواية الصحابيّ عثمان بن حُنيف الأنصاري التي تُثبت أنّ النبيّ علّم ضريراً بأن يتوسّل في دعائه بشخصه(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة...»(4)، ثمّ إنّ ابن حُنيف علّم هذا الدعاء لشخص آخر في عهد عثمان بن عفّان، لتُقضى

1 . النساء:64.
2 . المنافقون:5.
3 . يوسف:97ـ98.
4 . مسند أحمد:4/138; سنن ابن ماجة:326ـ 327، برقم 1385(وفيه: قال ابن إسحاق: هذا حديث صحيح).

صفحه 129
حاجته(1)، فبأيّ معيار يصف السيد الآلوسي التوسّل بالأولياء بالضلال المبين؟! وسيأتي مزيد بحث حول هذا الموضوع عند تفسير الآية(6) من سورة «المنافقون» فانتظر.

الآيات: السادسة والخمسون إلى الستين

(وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

المفردات

تفتَرون: تكذبون على الله وتنسبون عملكم إليه.
بُشّر: يقال للخبر السارّ: البشارة والبشرى. ولعلّه لأجل كونه مؤثّراً في بشَرة الوجه. والقرآن الكريم يستعمل الكلمة أيضاً في الخبر المؤلم، كما في قوله تعالى:(وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم).(2)

1 . لاحظ : المعجم الكبير للطّبراني: 9 / 30 ـ 31 برقم 8311 .
2 . التوبة:3.

صفحه 130
ظلّ: صار.
كظيم: ممتلئ غمّاً وحزناً.
يتوارى: يستخفي.
أيُمسكه: أيُبقيه ويتركه عنده؟
مَثَل السَّوء: وصف السوء.
المثَل الأعلى: الوصف الأعلى.

التفسير

56. (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ):
أشار سبحانه في هذه المجموعة إلى أعمالهم السيّئة مضافاً إلى ما تقدّم من عقائدهم الفاسدة، وقد أُشير هنا إلى أُمور ثلاثة كلّها سيّئة.

الأوّل: تقسيم نِعم الله بينه وبين أصنامهم

إنّهم كانوا يزرعون لله زرعاً وللأصنام زرعاً، وهذا ما أُشير إليه في المقام في قوله تعالى:(وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ)، مع أنّ الجميع لله سبحانه، لقوله سبحانه: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ)(1) فالنِّعَم التي كلّها من الله يقسّمونها بين الله وبين أصنامهم. هذا ويظهر ممّا ورد في سورة

1 . النحل:53.

صفحه 131
الأنعام أنّهم كانوا يزرعون لله زرعاً وللأصنام زرعاً فكان إذا زكا الزَّرع الذي زرعوه لله ولم يزكُ الزَّرع الذي زرعوه للأصنام، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها، ويقولون: إنّ الله غنيّ والأصنام أحوج، وإن زكا الزَّرع الذي جعلوه للأصنام ولم يزكُ الزَّرع الذي جعلوه لله، لم يجعلوا منه شيئاً لله، وقالوا: هو غنيّ، وإليه يشير سبحانه في قوله:(وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)(1).
ثمّ إنّ قوله سبحانه:(لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ) يحتمل أمرين:
1. أنّ ضمير الجمع(الواو) في قوله: (لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ) يرجع إلى الموصول «ما» في قوله: (لِمَا)، ومفعول الفعل محذوف، أي يجعلون نصيباً للأصنام التي لا تدرك شيئاً. وفي وجه التصريح بعدم علمهم نوع تصريح بسخافة آرائهم، إذ يجعلون نصيباً في أموالهم للجمادات التي لا تشعر بما أعطيت.
2. أنّ ضمير الجمع يرجع إلى المشركين، ومفعول (لاَ يَعْلَمُونَ)محذوف، والمعنى: ويجعل المشركون لآلهتهم التي لا يعلمون من حالها أنّها لا تضرّ ولا تنفع، نصيباً ممّا رزقناهم.
وعلى هذا، فالمشركون هم الموصوفون بعدم العلم بأحوال أصنامهم كأنّها تضرّ وتنفع، ومع ذلك يجعلون نصيباً من أموالهم لها. ويؤيّد هذا الوجه أنّ إرجاع ضمير الجمع في (مَا لاَ يَعْلَمُونَ)إلى الأصنام على خلاف القاعدة، لأنّها موجودات غير شاعرة، ومثل هذا الضمير يرجع إلى

1 . الأنعام:136. راجع: مجمع البيان:4/188، ط. مصر.

صفحه 132
الموجودات العاقلة، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه استعمل للأصنام ضمير العقلاء، لأنّها كذلك في عقيدتهم.
وعلى كلّ تقدير، ففي التصريح بـ : (مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) نوع تقريع لهم بأنّهم يجعلون رزق الله وما له لغيره، ثمّ يُقسم سبحانه ويقول: (تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) والإقسام بحرف «التاء» يختصّ بمورد التعجّب، قال سبحانه حكاية عن أولاد يعقوب(عليه السلام):(قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ)(1)، وقال أيضاً حاكياً عنهم:(قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ).(2)
ثمّ إنّ التعبير عن افترائهم بصيغة المضارع للدلالة على كونهم مستمرّين في هذا الأمر الفظيع، أي تخصيص شيء ممّا رزقهم الله تعالى لأصنامهم، وأنّهم مسؤولون عن هذا الافتراء والكذب المتعمّد، إذ أشركوا وجعلوا لما لا يعلمون له حقيقة، نصيباً من رزقه سبحانه.
57. (وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ):

الثاني: تخصيص البنات لله والبنين لأنفسهم

تتضمّن الآية إشارة إلى تصوّر ثان للمشركين سيّئ، وهو تخصيص البنات لله سبحانه كما قال: (وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ)وأُريد بالبنات الملائكة، كما قال سبحانه حاكياً عنهم: (وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا)(3)،

1 . يوسف:73.
2 . يوسف:91.
3 . الزخرف:19.

صفحه 133
وسمَّوها بنات لاستتارها عن العيون كالنساء، كما أنّهم أطلقوا التأنيث على الشمس لاستتار قرصها بضوئها الباهر، عن العيون، فأطلقوا عليها لفظ التأنيث، وهذا ما يغلب على الظنّ في سبب إصرارهم على هذا القول الفاسد، والمذهب الباطل.(1)
ثمّ إنّهم بعد ما تخيّلوا أُنوثة الملائكة، تخيّلوا أمراً ثانياً، وهو أنّهم جعلوها بنات لله، كما يقول:(أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ)(2). وبعد أن نزّه سبحانه ذاته المقدّسة عن نسبة الولد إليه، بقوله: (سُبْحَانَهُ)، أنكر عليهم هذا التقسيم قائلاً بأنّهم اختاروا لأنفسهم ما هو مُحبَّب إليها، كما قال:(وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)وما يشتهونه وتشتدّ رغبتهم فيه أعربت عنه آيات أُخرى، كقوله سبحانه: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ)(3).
58. (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ):

الثالث : كراهة الأُنثى

تتحدّث الآية عن تصوّر ثالث لهم سيّئ يفضي إلى فعل منكر، وهو أنّ أحدهم كان إذا ظهرت آثار الطَّلْق على زوجته جلس ينتظر ليقف على جنس الوليد، فإذا علم أنّه بنت، كما يقول تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى)التي يكرهها لِما تلحقه به ـ حسب تصوّره السقيم ـ من عار في حالة وقوعها في الأسر، ظهر أثر الكراهة في وجهه و(ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا): أي صار متغيّراً تَغيُّر

1 . انظر: تفسير الرازي:20/54.
2 . الطور:39.
3 . الزخرف:16.

صفحه 134
مغتمٍّ كَمِد (وَهُوَ كَظِيمٌ): أي ممتلئاً غمّاً وحزناً.
ثمّ إنّ اسوداد الوجه يلازم الغمّ الشديد في داخل النفس ويكون أثره هو تغيّر لون الوجه إلى السواد، فإنّ للظواهر النفسية أثراً محسوساً على وجه الإنسان .
59. (يَتَوَارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ):
مرّ أنّ الرجل كان في الجاهلية إذا ظهرت آثار الطَّلْق على امرأته جلس ينتظر إلى أن يعلم ما يولد له، فإن كان ذكراً ابتهج به، وإن كان أُنثى حزن وامتلأ صدره غيظاً، وهنا ترسم لنا الآية سلوكه بعد التبشير بها:(يَتَوَارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ): أي يختفي ويستتر منهم مدّة يدبّر فيها ماذا يصنع بهذه الأُنثى (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون): أي أيُبقيه ويتركه عنده على ذلّة وهوان (أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ)ويخفيه فيه، ثم إنّ تذكير الضمير في قوله:(أَيُمْسِكُهُ) وفي قوله:(يَدُسُّهُ) لأجل كونه عائداً إلى الموصول (مَا)في قوله:(مَا بُشِّرَ بِهِ). وسيوافيك شيء من قصصهم حول وأد البنات، عن قريب.
قوله تعالى: (أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ): أي ما أسوأ حكمهم هذا إذ بلغوا في الاستنكاف من البنات إلى أفظع الحدود، وهو وأدهنّ ودفنهنّ تحت التراب وهنّ على قيد الحياة!!
60. (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):

صفحه 135
يوبّخ الله سبحانه في هذه الآية المشركين على هذه الفعلة الشنيعة التي لا تقوم بها حتى الوحوش لأولادها، ويعبّر عن القائمين بهذه الأعمال بقوله: (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) وكأنّ عدم إيمانهم بيوم الجزاء هو السبب لارتكاب هذه الأعمال السيّئة، ولأجل ذلك يوبّخهم بقوله: (مَثَلُ السَّوْءِ): أي الوصف السيّئ، أو وصف السوء، حيث يكرهون الإناث لتجنّب العار. ولما أثبت لهم(مَثَلُ السَّوْءِ) وصف نفسه بقوله: (وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى): أي الوصف الأعلى، أو الصفة العالية المقدّسة، لكونه منزّهاً عن اتّخاذ الولد فضلاً عن اتّخاذ ما يكرهونه وإنْ كان الجميع عند الله سواء (وَهُوَ الْعَزِيزُ)في ملكه، فلا يحتاج إلى اتّخاذ الولد (الْحَكِيمُ) في صُنعه، فلا يفعل إلاّ ما تقتضيه الحكمة البالغة.

كلام في منشأ وأد البنات

لا شكّ أنّ وأد البنات أمر فظيع ترفضه الفطرة السليمة، فكلّ إنسان يحب أولاده ذكراناً كانوا أم أُناثاً، وربّما يضحّي بنفسه وبنفيسه لأجلهم، ولكن السؤال الذي يثار هنا: كيف ظهر هذا الشذوذ في الفطرة عند بعض العرب؟
قال الميداني: وكان السبب في ذلك أنّ بني تميم منعوا الملك ضربة الإتاوة التي كانت عليهم فجرّد إليهم النعمان أخاه الريّان مع دَوْسر «ودوسر إحدى كتائبه» وكان أكثر رجالها من بكر بن وائل فاستاق نَعَمهم وسبى ذراريهم. وفي ذلك يقول أبو المُشَمْرَخ اليشكريّ:
لما رأوا رايةَ النعمان مُقبِلة *** قالوا: ألا ليتَ أدنى دارِنا عَدَنُ

صفحه 136
يا ليتَ أُمَّ تميم لم تكن عَرَفَتْ *** مُرّاً وكانت كمن أَودى به الزَّمنُ
إن تقتلونا فأعيارُ مُجَدَّعَةٌ *** أو تُنعموا فقديماً منكم المِنَنُ
فوفدت وفود بني تميم على النعمان بن المنذر وكلّموه في الذراري فحكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء، فأيّة امرأة اختارت زوجها رُدّت عليه، فاختلَفْنَ في الخيار، وكانت فيهنّ بنت لقيس بن عاصم فاختارت سابيها على زوجها، فنذر قيس بن عاصم أن يدسّ كلّ بنت تولد له في التراب فوأد بضع عشرة بنتاً، وبصنيع قيس بن عاصم وإحيائه هذه السنّة نزل القرآن في ذمّ وأد البنات.
وروي أنّ أوّل قبيلة وأدت من العرب ربيعة، وذلك أنّهم أُغير عليهم فنهبت بنت بنت لأمير لهم فاستردّها بعد الصلح فخيّرت رضى منه بين أبيها ومن هي عنده، فاختارت من هي عنده وآثرته على أبيها، فغضب وسنّ لقومه الوأد ففعلوه غَيرة منهم ومخافة أن يقع لهم بعد مثل ما وقع وشاع في العرب غيرهم. وغالب قبائل العرب كان غرضهم من الوأد ما ذُكر.

كيفية الوأد

ذكر غير واحد أنّ الرجل منهم كان إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبّة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأُمّها طيّبيها وزيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: أنظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض. وروي عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنه) أنّه قال: كانت الحامل إذا قربت ولادتها

صفحه 137
حفرت حفرة فمخضت على رأس تلك الحفرة، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإذا ولدت ولداً حبسته.(1)

قصة مأساوية

لمّا وفد قيس بن عاصم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سأله بعض الأنصار عمّا يتحدّث به في الموءُودات، فأخبر أنّه ما ولدت له بنت إلاّ وأدها، قال: كنت أخاف العار وما رحمتُ منهن إلاّ بُنيّة كانت ولدتها أُمّها وأنا في سفر، فدفعتها إلى أخواتها، وقدمت أنا من سفري فسألتها عن الحمل، فأخبرت أنّها ولدت ولداً ميّتاً، وكتمتْ حالها، حتى مضت على ذلك سنونٌ، وكبرت الصبيّة، وينَعت، فزارت أُمّها ذات يوم، فدخلتُ فرأيتها وقد ضفرت شعرها وجعلت في قرونها جداداً ونظمت عليها ودعاً، وألبستها قلادة من جزع، فقلت لها: من هذه الصبية؟ وقد أعجبني جمالها، فبكت أُمّها، وقالت: هذه ابنتك، فأمسكتُ عنها حتى غفلتْ أُمّها، ثم أخرجتها يوماً فحفرتُ لها حفرة وجعلتها فيها، وهي تقول: يا أبت ما تصنع؟ أخبرني بحقك!! وجعلتُ أُقلّب عليها التراب، وهي تقول: أنت مغطّ عليَّ بهذا التراب؟ أنت تاركي وحدي، ومنصرفٌ عنّي؟ وجعلتُ أقذفُ عليها حتى واريتها، وانقطع صوتُها، فتلك حسرتها في قلبي، فدمعتْ عينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال:«إنّ هذه لقسوة، ومن لا يَرحَم لا يُرحَم».(2)
وقد ذكر ابن الاثير في كتابه «أُسد الغابة» في مادة: قيس: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب: 3/ 42 ـ 43.
2 . حياة محمّد، تأليف محمد علي سالمين: 24 و 25.

صفحه 138
سأل قيساً عن عدد البنات اللاتي وأدهنّ في الجاهلية: فأجاب قيسٌ بأنّه وأد اثنتي عشرة بنتاً له.(1)

تفدية الموءُودة

كان عدّة من الرجال من أصحاب المروءة يسعون للحدّ من ظاهرة وأد البنات، ومنهم صعصعة بن ناجية المجاشعي، جدّ الفرزدق الشاعر لأبيه، وكان قد أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه أنقذ(360) بنتاً من الوأد، وفي خبر آخر(280) بنتاً، وقد افتخر الفرزدق بجدّه هذا في كثير من شعره، منه قوله:
ومنّا الذي منع الوائدات *** وأحيا الوئيد فلم يُوأدِ(2)
وسيأتي مزيد كلام عند تفسير قوله تعالى:(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ).(3)
سورة النحل: الآيات 61 ـ 64    

الآيات: الحادية والستون إلى الرابعة والستين

(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ

1 . راجع: أُسد الغابة:4/220، وجاء في «بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب»: 3/43 أنّه وأد بضع عشرة بنتاً.
2 . استفدنا في جمع هذه الموارد من كتاب: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب للآلوسي:3/43ـ 46.
3 . التكوير:8.

صفحه 139
مُفْرَطُونَ *تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).

المفردات

دابّة: أُريد به الإنسان على وجه، ومطلق ما يدبّ على وجه آخر.
يجعلون: ينسبون.
لا جَرَمَ: لا محالة، أو حقّاً.
مُفرَطون: مقدَّمون ومعجَّلون إلى النار، من أفرطته إلى كذا أي قدّمته.
وليّهم: ناصرهم ومساعدهم.
اليوم: أُريد به هنا يوم نزول الآيات، كما يحتمل أن يراد يوم القيامة.

التفسير

61. (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ):
في الآية سؤالان:

صفحه 140
1. هل أُريد من الناس المشركون، ومن الظلم الشرك لقوله تعالى:(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)،(1) أو أُريد الإنسان كلّه، ومن الظلم مطلق العصيان والتمرّد؟
2. هل أُريد من قوله: (مِنْ دَابَّة) الإنسان بما أنّه يدبّ على الأرض بشهادة قوله سبحانه: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ)،(2) أو أُريد المعنى الأعمّ، الذي يشمل الإنسان والحيوان؟

تفسير شمول العذاب لكلّ دابّة

يظهر من السيد الطباطبائي أنّه فسّر الناس بجُلّهم، والدابّة بالإنسان، قال: ولا يبعد أن يُدّعى أنّ السياق يدلّ على كون المراد بالدابّة الإنسان فقط من جهة كونه يدبّ ويتحرّك، والمعنى: ولو أخذ الله الناس بظلمهم مستمراً على المؤاخذة ما ترك على الأرض من إنسان يدبّ ويتحرّك، أمّا جُلّ الناس فإنّهم يهلكون بظلمهم، وأمّا الأشذّ الأندر وهم الأنبياء والأئمّة المعصومون من الظلم فهم لا يوجدون لهلاك آبائهم وأُمّهاتهم من قبل.(3)
ومعنى الآية: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ) جميعهم (بِظُلْمِهِمْ) لله أو لأنفسهم (مَا تَرَكَ عَلَيْهَا) الضمير يرجع إلى الأرض، وهو مفهوم من الآية وربّما يُحذف ما هو المعلوم كما في قوله:(حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)(4)، يعني الشمس، (مِنْ دَابَّة) فيهلك الناس كلّهم بظلمهم، وأمّا الأنبياء والأوصياء فبما

1 . لقمان:13.
2 . النمل:82.
3 . الميزان في تفسير القرآن:12/280.
4 . ص:32.

صفحه 141
أنّهم يولدون منهم، فلا يوجدون.
ويظهر من أكثر المفسّرين أنّهم قد أخذوا بإطلاق الدابّة وعندئذ يوجّه إليهم هذا الإشكال: إنّ الإهلاك نتيجة الظلم، والدوابّ غير مكلّفة حتى تكون ظالمة، فأجابوا بأنّها تهلك بشؤم ظلم الظالمين.(1) وفي الكلام إجمال، وإنّما أراد بأنّه إذا هلك الناس وبطل النسل، هلكت الدوابّ من الحيوانات لأنّها مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم، كما يُشعر به قوله تعالى:(خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)(2). وفي «المصابيح»: عنى بهلاك الدوابّ أنّه إذا أهلك الناس لم يبق لحياة الدوابّ معنى.(3)
وإن شئت قلت: إنّ إهلاك الظالمين لا يحصل إلاّ بحوادث عظيمة لا تحدد بمساحة ديارهم لأنّ أسباب الإهلاك لا تتحدّد في عادة نظام هذا العالم، فلذلك يتناول الإهلاك الناس ويتناول دوابّهم.
وعلى كلّ تقدير، فالآية لا تشمل الأنبياء لعصمتهم، ومنه يظهر عدم صحّة ما أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ولو أنّ الله يؤاخذني وعيسى بن مريم بذنوبنا، ـ وفي لفظ: بما جنت هاتان (الإبهام والتي تليها) ـ لعذّبَنا ما يظلمنا شيئاً»(4)، لمخالفته للكتاب وأنّ خاتم الأنبياء والنبي عيسى(عليهما السلام)معصومان من ارتكاب الذّنوب، مصونان عن الخطأ والزّلل.

1 . تفسير الكشّاف:2/207.
2 . البقرة:29.
3 . المصابيح في تفسير القرآن: 644.
4 . تفسير الدر المنثور:5/140.

صفحه 142

إشارة الآية إلى إحدى السنن الإلهية

هذا، ويمكن فهم الآية في إطار السُّنن الإلهية التي تحكم التاريخ، والتي أشارت إليها آيات عديدة، منها قوله تعالى:(سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)(1)، فالناس إذا عمّهم الظلم، استحقّوا الهلاك الذي لا ينجو منه أحد، وهذا لا يعني أنّ كلّ فرد منهم ظالم، وإنّما شملهم جميعاً لأنّه يأتي وفق سنّة من السُّنن الإلهية في الساحة التاريخية، والتي كشف عنها سبحانه بقوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)(2)، فالبلاء عندما يحلّ يعمّ المجتمع كلّه ولا يختصّ بالظالمين فيه.(3) وسيأتي الكلام في ذلك أيضاً عند تفسير الآية(45) من سورة فاطر، فانتظر.
وعلى كلّ تقدير، فالله سبحانه بما أنّه أرحم الراحمين، لا يهلك الناس بظلمهم فوراً وبلا تريّث، وإنّما يمهلهم عسى أن يثوب الظالمون إلى رشدهم ويتوبوا، كما قال: (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى)لعلّهم يرجعون عن ظلمهم، وربّما يخرج من أصلابهم أُناس مؤمنون يعمرون الأرض.
والمراد بالأجل المسمّى أي المدّة المعيّنة وهي منتهى العمر،
فإنّ الظالمين يؤخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من
الدنيا. (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ): أي الموت (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)، وفي موضع آخر يقول سبحانه:(وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ

1 . الفتح:23.
2 . الأنفال:25.
3 . انظر: السنن التاريخية في القرآن الكريم للسيد الشهيد محمد باقر الصدر:54ـ55.

صفحه 143
سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(1).
وما في الفقرة شاهد على أنّ المراد من (أَجَل مُسَمًّى) هو المدّة المعيّنة لحياة الإنسان على البسيطة.
قال الإمام علي(عليه السلام):«فَإِنَّ أَجَلَهُ ] الإنسان [ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، وَ يُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا، إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا».(2)
62. (وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ):
الآية تتحدّث عن أُمور:
الأوّل:(وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ): أي يجعلون لله البنات التي يكرهونها لأنفسهم، والمراد من الجعل هو الوصف، أو الحكم، وقد تقدّمت الإشارة إليه في قوله تعالى:(وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)(3)، والتكرار لغاية التصريح بأمر آخر، وهو أنّهم يصفون الله بما يكرهونه لأنفسهم، وهذا في غاية الظلم، كيف يصفون الربَّ الجليل الذي هو خالقهم باتّخاذ ما يكرهون، وباتّخاذهم ما يحبّون؟
الثاني:(وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) فقوله:(أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) بدل عن(الْكَذِبَ)، وتقدير الكلام: وتصف ألسنتهم أنّ لهم

1 . الأعراف:34.
2 . نهج البلاغة: الخطبة64.
3 . النحل:57.

صفحه 144
الحسنى، وهذا يدلّ على غرورهم وكبرهم. وأمّا ما هو المراد من الحسنى ففيه وجهان:
1. البنوّة، وتقدّم قوله:(وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) فوصفوا الله بما يكرهونه ووصفوا أنفسهم بما يستحسنون.
ويحتمل أن يُراد بالحسنى الفوز برضوان الله، بمعنى أنّهم قالوا: إن كان محمد صادقاً في قوله بالبعث والنشور، فإنّ لنا ـ على فرض الصدق ـ الجنّة والثواب بسبب الدين الحقّ. ويؤيّد المعنى الثاني قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى)(1).
الثالث: (لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ): أي كيف يزعمون:(أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى)، بل لهم النار الّتي سوف يدخلونها.
الرابع: (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) هو توكيد لدخولهم النّار، فليست لهم الحسنى كما يزعمون، بل لهم النّار (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ): أي مقدّمون إلى النار سابقون إليها، فهم فَرَط للذين يدخلون بعدهم.
63. (تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):

تزيين الشيطان أعمال أوليائه

لمّا تقدّم بيان عقائد القوم وأفعالهم المشينة، عاد البيان القرآني إلى

1 . السجدة:50.

صفحه 145
تسلية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب نفسه بأنّ تلك الجهالات كانت رائجة في القرون السابقة، حيث إنّهم استرسلوا مع أهوائهم وشهواتهم، فزيّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة وحسنّها في أعينهم كما يقول: (تَاللهِ) القسم بالتاء يختصّ بالموارد التي يتعجّب فيها المتكلّم (لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ): أي الأُمم السابقة (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)فحلّ الشرك محلّ التوحيد، والظلم والاعتداء محلّ العدل والإنصاف والسِّلم.
إلى هنا تبيّن معنى الآية، بقي الكلام في قوله: (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ)، الظاهر أنّ الضمير في قولهم:(وَلِيُّهُمُ)يرجع إلى أُمم، وأُريد من(الْيَوْمَ) يوم نزول الوحي، فتنطبق الآية على أهل الضلال في وقت نزول الآية كاليهود والنصارى والمجوس، والمعنى: إنّ الشيطان وليّ هؤلاء الموجودين في عصر الرسالة، مضافاً إلى أنّ لهم عذاباً مؤلماً يوم القيامة كما يقول: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) جزاءً على تنكّبهم عن سواء السبيل.
ويُفهم من تنزيل مشركي عصر الرسالة منزلة الموجودين من أهل الضلال، أنّ الشيطان أيضاً وليّهم يتولّى أُمورهم ويديرها، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
ومن هنا يظهر ضعف ما جاء في «الكشّاف» حيث احتمل أنّ الضمير في (وَلِيُّهُمُ) يرجع إلى مشركي قريش، حيث قال: «ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش وأنّه زيّن للكفّار قبلهم أعمالهم، فهو وليّ هؤلاء لأنّه منهم»(1)، إذ لازم ذلك التفكيك بين ما أُريد من المرجع، وما أُريد من الضمير.

1 . تفسير الكشّاف:2/208.

صفحه 146
وهناك احتمال آخر، وهو أن يُراد من الأُمم، الأُمم الغابرة الذين هلكوا وليس لهم أثر في الوجود، وعندئذ تكون ولاية الشيطان لهم ولاية في البرزخ ولهم هناك عذاب أليم.
وعلى كلا الاحتمالين، فالآية تطييب لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ السيرة جرت على تزيين الشيطان أعمال الكافرين، من غير فرق بين الأُمّة الحاضرة والأُمّة الغابرة.
64. (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ):

القرآن الكريم يبيّن ما هو الحق في مواضع اختلافهم

لمّا تقدّم في الآيات السابقة ذكر عقائدهم الفاسدة ومقولاتهم الباطلة، ذكر هنا أنّ الغاية من إنزال الكتاب، وهي القضاء بالحقّ بين المختلفين من غير فرق بين اختلاف المشركين أو اختلاف اليهود والنصارى، كما قال: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) أمّا المشركون فقد اختلفوا في الآلهة المكذوبة، فلكلِّ قبيلة صنم أو أكثر، كما أنّ بعض القبائل صاروا من عبدة الشمس والقمر، وأمّا اختلاف أهل الكتاب فواضح، فاليهود قد انقسموا إلى طوائف وفرق اختلفت فيما بينها حول المعتقدات والشعائر التعبّدية، وأمّا النصارى فانحرفوا عن خطّ التوحيد إلى خط التثليث، فالله سبحانه بإنزال القرآن بيّن ما هو موقفه من كلّ ما اختلفوا فيه من العقائد والأحكام، وبهذا المضمون قوله سبحانه:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي

صفحه 147
إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(1). وختم الآية بقوله: (وَهُدًى وَرَحْمَةً)فالله سبحانه هو الهادي وفي كتابه الهداية، كما أنّه الرحيم ففي كتابه الرحمة لكن (لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)الذين دخل الإيمان في صميم قلوبهم.
أقول: تيسّر لي اجتماع مع رئيس رابطة العالم الإسلامي في مكّة المكرّمة عام 1424 هـ ، فدار الحديث بيننا، وقال: إنّ الكتب السماوية المعروفة بالعهدين فيها أغلاط وأكاذيب، فلو أراد علماء أهل الكتاب تصحيح العهدين فعليهم أن يصحّحوهما على وفق ما جاء في الكتاب العزيز.
وقد أضفت إليه: أنّ ما ذكرتموه حقّ لا إشكال فيه، والقرآن الكريم يصرّح بذلك، ويقول:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)(2)، فوصف القرآن بوصفين:
1. (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)، فهو يؤيّد نبوّة موسى والمسيح(عليهما السلام) ويصرّح بنزول الكتاب عليهما من الله سبحانه.
2. (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ): أي مراقباً وحافظاً وشاهداً، مشتقّ من هيمن الرجل إذا ارتقب وحفظ وشهد، والقرآن الكريم مع أنّه مصدّق لما نزل قبله من الكتب فهو مهيمن وحاكم ومراقب لما فيها.
نعم، القرآن هدى ورحمة لكلّ إنسان، لكن لا ينتفع به إلاّ مَن يؤمن به ويهتدي بهديه، ونظير ذلك قوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا)(3) مع أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . النمل:76.
2 . المائدة:48.
3 . النازعات:45.

صفحه 148
منذرٌ للكلّ، مَن خشي منهم الساعة ومَن لم يخشها.
سورة النحل: الآيات 65 ـ 69    

الآيات: الخامسة والستون إلى التاسعة والستين

(وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْث وَدَم لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).

المفردات

لَعِبرة: العِبرة: العِظة.
فرث: ما يبقى في الكرش بعد الهضم، ويسمّى الثُّفل، وما يدفع إلى الخارج يسمّى الرَّوث.
سائغاً: السائغ ما سهل مروره في الحلق.
سَكَراً: أُريد به الخمر.

صفحه 149
أوحى: قال الراغب: الوحي: الإشارة السريعة، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، أو بصوت مجرّد عن التركيب، أو بإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة، ثمّ استدل بقوله تعالى:(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)(1)، فقد قيل: رمز، وقيل: أشار، وقيل: كتب. (2) وسيوافيك ما هو الحقّ عند التفسير.
يعرشون: يرفعون من الكروم والسُّقوف.
ذُلُلاً: جمع ذَلول، وهو الطائع المنقاد.

التفسير

سبق أن ذكرنا أنّ هذه السورة تُسمّى بـ«سورة النِّعَم» وقد تقدّم ذكر قسم من آلائه سبحانه من قوله تعالى: (هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) إلى قوله:(وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)(3)، وفي هذه المجموعة أشار سبحانه إلى قسم آخر من النِّعم، والغاية من ذلك تنبيه المشركين على أنّ خالق النِّعم وواهبها لهم، هو وحده المستحقّ للشكر والعبادة. وأمّا أُصول النّعم التي جاءت في هذه المجموعة فهي تدور على الأُمور التالية:
1. إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بالإنبات بعد موتها نتيجة اليبس.

1 . مريم:11.
2 . المفردات للراغب: 515، مادة «وحى».
3 . النحل:10ـ 16.

صفحه 150
2. إخراج اللّبن الخالص السائغ من بطون الأنعام.
3. ما يُتّخذ من ثمرات النخيل والأعناب سكراً ورزقاً حسناً.
4. الإيحاء إلى النحل أن تأكل من كلّ الثمرات حتى يخرج من بطونها العسل.
ويجمع هذه الآيات أنّها تشير إلى نِعَم الله التي هي على شكل سائل كما هو واضح في الماء، واللَّبن، والعسل، وما يستخرج من الأعناب.
ثم جعل سبحانه في هذه النِّعم آية لقوم يسمعون، أو يعقلون، أو يتفكّرون، كما ترى. فلنبدأ بالنّعمة الأُولى، قال تعالى:
65. (وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَسْمَعُونَ):

تصريح الآية بوجود التأثير بين الموجودات الطبيعية

جاء مضمون هذه الآية في عدّة مواضع من القرآن الكريم، والتكرار لأجل مناسبات اقتضت بيانها، فقال: (وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) وهو ماء الحياة، (فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ) الباء في(بِهِ) للسببية، وهذا يدلّ على أنّ للموجودات الطبيعية خاصّية التأثير في شيء، وأنّ للماء أثراً في إحياء الأرض وإنبات النبات، خلافاً للأشاعرة حيث نفَوا التأثيرات الطبيعية بين الموجودات وقالوا بعلّة واحدة وهو الله سبحانه، ولكن القرآن المجيد يثبت، في عدد من الآيات وجود التأثير بين الموجودات الطبيعية في علاقاتها بعضها مع بعض، ولكن هذا التأثير قائم بإذن من الله سبحانه.

صفحه 151
وعلى أيّ حال، فالمراد من الإحياء هو الإحياء بالإنبات، ومن الموت يبس الأرض، ثم عقّب ذكر هذه النعمة بقوله:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَسْمَعُونَ): أي يعقلون، إذ المراد من السماع هو السماع عن تدبّر وتعقّل.
وأنت ترى الأرض أيام الشتاء جرداء يابسة وكأنّ عليها ملامح الغضب، ولكنّها في أيام الربيع تزهو بالخضرة والأزهار، وتدخل على الناظر إليها البهجة والسرور، وما ذلك إلاّ بسبب نزول المطر الذي يحرك الأرض ويثير فيها الحياة ويهزها لتخرج خيراتها بالإنبات، يتكرّر، ذلك كلّ سنة، فهذا النظام السائد عبر العصور أفضل دليل على أنّ لها خالقاً ومدبّراً، والغاية منه انتفاع الإنسان بها، فكما أنّ ماء المطر تحيا به الأرض، فكذلك القلوب تحيا بالقرآن الكريم، بشرط أن تتوفّر له أسماع واعية.
66. (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْث وَدَم لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ):

إنتاج اللبن من بين فرث ودم

جعل سبحانه الأنعام معبَراً من الجهل إلى العلم، فلو تدبّر الإنسان في خلق الأنعام وفي كيفيّة إنتاجها اللَّبن الذي يعدّ من أكثر المواد الغذائية فائدة له، لنبذ الشرك ودان بالتوحيد وخضع للخالق القادر الحكيم، حيث إنّ ما تشربه الأنعام وما تأكل سيتبدّل بعد زمان إلى لبن صاف نقيّ لذيذ للإنسان كما يقول:(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ) يعني الإبل والبقر والغنم، (لَعِبْرَةً)اعتباراً ودلالة على قدرة الخالق.

صفحه 152
قوله:(نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) والضمير في بطونه يرجع إلى الأنعام، والجمع، يذكّر ويؤنث، وجاء هنا على لغة من يذكّر، وجاء في سورة «المؤمنون» على لغة من يؤنث قال سبحانه:(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا).(1)
قوله تعالى: (مِنْ بَيْنِ فَرْث وَدَم لَبَنًا)، ظاهر قوله:(مِنْ بَيْنِ) أنّ اللبن يقع بين فرث ودم، حتى أنّ الطبرسي نقل عن ابن عبّاس قوله: «إذا استقرّ العلف في الكرش، صار أسفله فرثاً، وأعلاه دماً، ووسطه لبناً»(2)، وليس كذلك بل أُريد من كلمة (بَيْنِ)التوسّط بالمعنى المجازي، وبالبيان التالي:
إنّ الأنعام تتغذى على النباتات، فإذا صارت في المعدة مهضومةً، فما يبقى في المعدة مقوِّماً لحياتها يسمّى فرثاً، وما يُدفع إلى الخارج يسمّى روثاً، والفرث بعد مدّة يقضيها في الكرش ويتمّ هضمه فيها ينتقل إلى الأمعاء، ويقوم جدار الأمعاء بامتصاص المواد الغذائية من الفرث، وحينما يصل الدم إلى ضرع الحيوان تقوم هذه الغدد بعملية معقّدة في استخلاص المواد الغذائية من الدم ومزجها مع المياه، وهذه تتجمّع في الضّرع تنتظر وليد الحيوان أن يرضعها أو أن يحلبها صاحب الحيوانات بيده أو بالأجهزة الحديثة، وتصل إلى الإنسان لبناً خالصاً عجزت المختبرات الحديثة عن تركيب سائل مثله. فكأنّ الصانع الحكيم جعل الضَّرع مصنعاً لتحويل الدم إلى اللَّبن، وهكذا توجد غدد أُخرى تحوّل الدم إلى مادة منويّة، أو مادة لعابيّة، أو دموع، وغير ذلك.

1 . المؤمنون:21.
2 . مجمع البيان:6/201.

صفحه 153
وبما ذكرنا ظهر معنى قوله سبحانه:(مِنْ بَيْنِ فَرْث وَدَم) حيث إنّ الغذاء يتحوّل إلى فرث، وعصارته تتحوّل إلى الدم الذي يذهب إلى كلّ خلية في الجسم فيتحوّل في عروق الضَّرع إلى لبن خالص سائغ للشاربين.
وبهذا يتبيّن لنا أنّ كلمة (بَيْنِ) استعملت في مكان مجازي، وهي كثيراً ما تستعمل في إرادة الوسط بين مرتبتين كقولهم: الشجاعة صفة بين التهوّر والجبن، فمن بلاغة القرآن هذا التعبير القريب للأفهام لكلّ طبقة من الناس، بحسب مبالغ علمهم مع كونه موافقاً للحقيقة.(1)
ثمّ إنّه سبحانه وصف اللَّبن بوصفين:
1. (لَبَنًا خَالِصًا) لا يشوبه شيء، لا من الفرث ولا من الدم.
2. (سائِغاً لِلشَّارِبينَ): أي لا يغصّ الشارب به. وقد حكي أنّه لم يغصّ باللبن أحد قط.(2) وربّما يكون الماء غير سائغ «روى السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ليس أحد يغصّ بشرب اللّبن لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:(سائِغاً لِلشَّارِبينَ). (3)
67. (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ):
هذا هو المحور الثالث لبيان النِّعم التي أنعم الله بها سبحانه، وهي عبارة عن أمرين:

1 . انظر: التحرير والتنوير:13/160; روح المعاني:20/178.
2 . تفسير الطبري:14/133.
3 . تفسير نور الثقلين:3/62.

صفحه 154
1. ثمرات النخيل، حلالها وحرامها.
2. الأعناب، حلالها وحرامها.
قال سبحانه: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ)شيء(تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) فقوله: (مِنْهُ) يدلّ على مرجع محذوف، وتقدير الآية هكذا: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتّخذون منه سَكَراً ورزقاً حسناً.
والظاهر أنّ كلاًّ من القسمين: السَّكَر والرِّزق الحسن، يرجع إلى كلا الصنفين، أعني: ثمرات النخيل والأعناب.
إذا وقفت على ذلك، فهناك بحث، وهو أنّه سبحانه بصدد بيان ما أنعم به على العباد، فكيف يمكن أن يُعد السَّكَر نعمة وإن لم يكن رزقاً حسناً؟
والذي يمكن أن يقال: إنّ الآية تخاطب المشركين، وأنّهم يتّخذون من هذه الثمرات سَكَراً ورزقاً حسناً، وليس بصدد بيان كون السكر حلالاً، ويشهد لذلك أنّه سبحانه حرّم الخمر في قوله تعالى:(إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(1). وقد نزلت سورة الأعراف قبل سورة النحل، كما سيوافيك.
فإن قلت: كيف يمكن أن يقال: إنّه سبحانه حرّم الخمر في الفترة المكيّة مع أنّ بعض المسلمين كانوا يشربون الخمر في الفترة المدنية كما يدلّ عليه قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ

1 . الأعراف:33.

صفحه 155
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)(1) حيث يدلّ على أنّ المسلمين كانوا يشربون الخمر، فهل يمكن مع تحريمه أن يشربوه؟
قلت: بما أنّ شرب الخمر كان من عاداتهم الراسخة فلم يثبت عن بعضهم الانتهاء عنه حتى نزلت هذه الآية التي تضمّنت تشديد الحرمة وزجر بعض المسلمين، والشاهد على ذلك ما جاء في آخر الآية الثانية، أعني قوله:(فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فيدلّ على أنّهم لم يكونوا منتهين مع كونه حراماً.
وحصيلة البحث: إنّه سبحانه يخاطب المشركين بأنّهم يتّخذون من ثمرات النخيل والأعناب (سَكَرًا): أي شراباً مُسكراً دون أن يصفه بالحلال والحرام، لولا أنّه أشار إلى التحريم بفصله عن الرّزق الحسن.
وعلى أيّ حال، فالرزق السيّئ هو المسكر، والرِّزق الحسن هو التَّمر والزَّبيب وغيرهما، ولكنّ الوزير المغربي قال في معنى (سَكَرًا): غذاءً وطَعُماً.(2)
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ).
هذا هو المختار في تفسير الآية وعليه السيد الطباطبائي وبعض المعاصرين، غير أنّ قسماً من المفسّرين قالوا: المراد بالسَّكَر الخمر، والآية نزلت في مكة والخمر إذ كانت حلالاً يشربها البرّ والفاجر، وتحريمها إنّما كان في المدينة واختلفوا في أنّه قبل أُحد أو بعدها، والآية المحرّمة قوله

1 . المائدة:90 و 91.
2 . المصابيح: 646.

صفحه 156
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1)، وعلى هذا فما هنا، منسوخ بها.(2)
وقد عرفت ضعف ذلك، وأنّ الخمر حرّمت في سورة الأعراف والتي نزلت قبل النَّحل، فقد نزلت سورة النَّحل بعد ثلاث وثلاثين سورة من نزول سورة الأعراف.(3)
ولمّا كان القول بحلّيّة الخمر في الشريعة الإسلامية أمراً غير مقبول ذهب بعضهم إلى ما روي عن ابن عباس من أنّ السَّكر هو الخلّ بلغة الحبشة، وهو كماترى، فإنّ الخلّ من أفضل الأطعمة وقد ورد الحثّ على تناوله في غير واحدة من الروايات. وعلى كلّ تقدير، فهذان الرأيان لا يعتمد عليهما.
وآخر كلمة في المقام: أنّ الأحناف تخلّصوا من الإشكال بالقول بأنّ المراد بالسَّكَر هو ما لا يُسكر من الأنبذة، واستدلّوا عليه بأنّ الله تعالى امتنّ على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلاّ بمحلَّل، فيكون ذلك دليلاً على شرب ما دون المُسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى السُّكر لم يجز.(4)
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه يعدّ من النِّعم ثمرات النخيل والأعناب لا كلّ ما يعملونه منها من حلال وحرام، ولو كان سبحانه في بيان الامتنان لم يقابله بالرزق الحسن، على أنّ حمل السَّكَر على ما لا يُسكر على خلاف اللغة، فإنّ السَّكَر عبارة عن الشَّراب المُسكر.

1 . المائدة:90.
2 . روح المعاني:14/180.
3 . لاحظ: الإتقان للسيوطي: 1/81 .
4 . روح المعاني:14/180.

صفحه 157
68.(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ):

الوحي وموارد استعماله في القرآن الكريم

قوله تعالى:(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)يدلّ على أنّه سبحانه أوحى إليه، فما هو معنى الوحي إليه؟ إذ ربّما يتبادر إلى الذهن أنّ الموحى إليه يجب أن يكون ذا عقل، ولكن ليس للنحل عقل، بل غريزة وطبيعة تدفعه إلى الأعمال التي تذكرها هذه الآية والآية التالية.
وللإجابة عن ذلك، ينبغي أن نقف على موارد استعمال لفظ الوحي في القرآن الكريم، وهي:
1. الإيحاء إلى أُمّ موسى(عليه السلام) قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى)(1).
2. إيحاء زكريا إلى قومه، كما قال: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)(2).
3. الإيحاء إلى الأنبياء وحياً تشريعياً، كما في قوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا)(3).
4. وحي الجنّ بعضهم إلى بعض، قال تعالى:(وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)(4).

1 . القصص:7.
2 . مريم:11.
3 . الشورى:51.
4 . الأنعام:112.

صفحه 158
5. وحيه سبحانه إلى كلّ سماء أمرها، قال تعالى : (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا).(1)
6. وحيه تعالى إلى الأرض بالتحدّث عن أخبارها، قال تعالى:(يَوْمَئِذ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)(2).
7. وحيه سبحانه إلى النّحل للقيام بأُمور.
فتحصّل ممّا ذكرنا من موارد استعمال الوحي أنّ الموحى إليه تارة يكون نبيّاً، وأُخرى إنساناً عاقلاً، وثالثة حيواناً، ورابعة جنّاً، وخامسة جماداً كالسماوات والأرض.
وعلى هذا، فمن البعيد أن يكون لفظ الوحي مشتركاً لفظياً بين تلك الموارد، بل هو موضوع لمعنى جامع بين هذه الموارد، والذي يمكن أن يقال: إنّه عبارة عن إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قُصد إفهامه. وقد يُلقى المعنى في نفوس غير الأنبياء، كما حصل لأُمّ موسى(عليه السلام)، ويُطلق على هذا النوع من الوحي أيضاً الإلهام، وهو لا يختصّ ـ كما رأيت ـ بالأنبياء، وإنّما المختصّ بهم، الوحي التشريعي.
فالأنبياء يُلقَى المعنى ـ أو هو مع اللفظ ـ في نفوسهم مباشرة بحيث لا يفهمه غيرهم.
وأمّا الحيوانات فالمراد بالوحي إليها، التعليم الغريزيّ.
وأمّا السماوات فالمراد بالوحي إليها إطلاق القوانين والسُّنن فيها على

1 . فصلت:12.
2 . الزلزال:4ـ5.

صفحه 159
نحو تقوم بالأُمور الموضوعة لها.
ومن هذا يُعلم أنّ الوحي على ثلاثة أقسام:
1. الوحي التشريعي، كما في الوحي إلى الأنبياء.
2. إلقاء المعنى إلى الموحى إليه، كما في الوحي إلى أُمّ موسى.
3. الوحي التكويني، كما في الوحي إلى الحيوانات والجمادات.
والجميع يقع تحت عنوان واحد، وهو تفهيم ما هو المقصود الى الموحى إليه على نحو خفيّ لا يدركه غيره. وسيأتي تفصيل أكثر عند تفسير الآية (52) من سورة الشورى، بإذن الله تعالى.
***
تقدّم أنّه سبحانه ذكر في هذه المجموعة جملة من النِّعم، وقد مرّت الأُمور الثلاثة التي هي من أكبر النِّعم، أعني: إنزال الماء من السماء، وخلق اللَّبن في بطون الأنعام، وانتفاع الناس من ثمرات النخيل والأعناب، بقي الكلام في العطيّة الرابعة، وهي عطيّة العسل التي هي عطيّة ربّانية فيها غذاء ودواء، وسمّي النحل نحلاً لأنّه عطية على سبيل التبرّع. وهذه الحشرة مع صغرها تتميز بأُمور عجيبة، وقد كُتب حول خلقتها وحياتها ووظائف كلّ نوع منها مقالات ورسائل كثيرة، وها نحن نذكر شيئاً يسيراً من ذلك حسب اقتضاء المقام .

النَّحل وبناء البيت السُّداسيّ

النحلة: حشرة تعيش في جميع أنحاء العالم ماعدا المناطق القريبة من

صفحه 160
القطبين الشمالي والجنوبي. ويُعدّ النَّحل من أكثر الحشرات فائدة وينتج النَّحل العسل الذي يستعمله الناس غذاء، كما ينتج شمع العسل الذي يستعمل في منتجات عديدة. وهناك نحو عشرين ألف نوع من النَّحل، لكن النوع المعروف بنحل العسل هو النوع الوحيد الذي يصنع العسل والشمع بكميات كبيرة تكفي الناس.
ثمّ إنّه سبحانه أشار في هذه الآية إلى الأعمال التي تقوم بها النَّحلة، ولأجل عظمة أعمالها وبديع أمرها وجّه الخطاب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) وقد عرفت معنى الوحي في هذه الآية وأمثالها، وأوّل عملية يقوم بها النحل هو بناء البيوت.

خلايا النَّحل(1)

إنّ النحل تتّخذ بيوتاً في أحد أماكن ثلاثة:
الأوّل والثاني: الجبال والغياض(2)، وهذه تعيش بشكل طبيعي إذ لا يتعهَّد بها أحد من الناس إلاّ قليلاً منهم، وأشار إلى ذلك تعالى بقوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ)، والتعبير بـ : (مِنَ الْجِبَالِ) بدل(في الجبال) لأنّها لا تبني بيوتها في كلّ جبل وشجر بل في مساكن توافق مصالحها وتليق بها.

1 . يعيش النحل في قفائر أو (خلايا نحل)، والقفير مكان تخزين يشبه شجرة جوفاء أو صندوقاً يحتوي على قرص العسل، الذي هو كتلة من الحجيرات السداسية الشكل تُدعى الخلايا.الموسوعة العربية العالمية:25/269.
2 . مجتمع الأشجار، الأَجَمة.

صفحه 161
الثالث:(وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ): أي فيما يعرش الناس ويرفعون من السقوف والكروم ونحوها.
وأمّا البيت فيتشكّل من خلايا سداسية الشكل تصنعها العاملات (الشغّالات) من الشمع الذي تفرزه أجسامها.
ينطلق النَّحل في المزارع يمصّ رحيق الأزهار ويجمع حبوب اللقاح الصغيرة، ثم يعود إلى الخلية فيصنع عسلاً من الرحيق يتغذّى به سكّان الخلية صغاراً وكباراً، وتفرز الشمع الذي تبني به بيوتاً سداسية الشكل تخزن في بعضها العسل وفي بعض آخر منها تربّي صغار النِّحل، ولا يمكن للمهندس الحاذق أن يبني مثل هذه البيوت حتى يستعين بالآلات كالمسطرة والفرجار.
وقد ألهمها الله أن تبني بيوتها على شكل سداسيّ حتى لا يحصل فيه خلل ولا فرجة ضائعة، كما عليها أن تنظف الخلية وتخفق بأجنحتها لتساعد على تهويتها.
إلى هنا تمّ العمل الأوّل وهو بناء البيوت (الخلايا). ثم أشار سبحانه في الآية التالية إلى الأعمال الأُخرى للنَّحل، فقال:
69. (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ):

صفحه 162

امتصاص رحيق الأزهار

لفظة(ثُمَّ) للترتيب الرُّتبي لأنّ مجموع العمليات نابع عن الغريزة التي تدفعها إلى تلك العمليات، فبما أنّ اتّخاذ البيوت متقدّم زماناً على أكل الثمرات، جاء الثاني مقروناً بلفظ (ثُمَّ)، والنَّحل يمصّ الرحيق من الأزهار قبل أن تصير ثمرات، فما في الآية من أكل الثمرات مجاز بعلاقة الأُول، فإنّ الأزهار تصير في المستقبل ثمرات.

البحث عن الأزهار

إذا لم تجد النَّحلة زهرة انتقلت من مكان إلى آخر ومن روضة إلى أُخرى، وهذا ما أُشير إليه في قوله تعالى: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً): أي ذُلِّلت لك المسالك فاسلكيها. وبعد أن تمتلأ بطنها بالرحيق ترجع إلى خلاياها تصنع العسل منه، كما أسلفنا.

كيف يتكوّن العسل

تمتصّ العاملات(1) من النَّحل رحيق الأزهار، فينزل ويجتمع في كيس في بطنها، وهناك يمتزج بعصارة خاصّة فيتحوّل إلى عسل، ثم تعود النَّحلة إلى الخلية فتفرز العسل من فمها في البيوت الشمعية التي خصِّصت لتخزين العسل، وكلّما امتلأ بيت منها غطّته بطبقة من الشمع وانتقلت إلى بيت آخر. وإلى هذا أشار سبحانه بقوله:(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ) حيث إنّ

1 . تتألّف مستعمرة نحل العسل النموذجية من ملكة واحدة، وآلاف العاملات (الشغّالات)، وبضع مئات من الذكور.

صفحه 163
للنّحل معدة خاصّة تسمّى معدة العسل، وفيها تخزن العاملات الرَّحيق الذي تصنع منه العسل.

أوصاف الشراب

يتأثّر لون العسل بأنواع الأزهار مصدر الرحيق. ويتراوح لونه بين الأبيض والأصفر الدّاكن، ولذلك وصفه سبحانه بقوله:(مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ).

فوائد العسل

قال تعالى في ذكر فوائد العسل: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)، ففي العسل خواص مختلفة ذكرها الأخصّائيون في كتبهم، ولكنّه سبحانه نكّر الشفاء، حتى لا يُتخيَّل أنّ العسل يشفي كلّ مرض. وليس المقام يسع للتفصيل فيما للعسل من فوائد في علاج الأمراض، فلنشر إليها إجمالاً:
1. العسل سريع الامتصاص من قِبَل الدم، ولهذا فهو غذاء مقوٍّ ومؤثّر جدّاً في تكوين الدم.
2. يقي المعدة والأمعاء من العفونة، وهو رافع لليبوسة.
3. ينفع الذين لا يستطيعون النوم بسرعة (على أن لا يُتناول الكثير منه، لأنّ الإكثار منه يقلِّل النوم).
4. له أثر مهم في رفع التعب وتشنّج العضلات.
5. يقوّي الشبكة العصبية للأطفال (إذا ما تناولته الأُم أثناء الحمل).
6. يرفع نسبة الكالسيوم في الدم.
7. هو نافع لضعف الجهار الهضمي (وبالخصوص لمن أُبتلي بنفخ البطن).

صفحه 164
8. لسرعة دخول العسل في مرحلة الاحتراق وبناء البدن، فهو يعمل على توليد الطاقة بسرعة فائقة بالإضافة لترميمه للقوى.
9. هو مقوٍّ للقلب، ومساعد في علاج أمراض الرئة، ونافع للإسهال لخاصيّته في قتل المكروبات.
10. يعتبر العسل عاملاً مهماً من عوامل معالجة قرحة المعدة والإثنى عشري.
11. هو دواء نافع لعلاج الروماتيزم، ونقصان قوّة نموّ العضلات، ورفع الآلام العصبية.
12. هو نافع في رفع السعال وعامل مهم لتصفية الصوت.
ثمّ إنّ خواصّ العسل العلاجية أكثر من أن يحيط بها هذا المختصر.
ومع ذلك كلّه فإنّه يدخل في صناعة الأدوية لتلطيف الجلد وللتجميل، ولعلاج ورم الفم واللسان والعين، ويستعمل أيضاً لمعالجة الإرهاق، وتشقّق الجلد، وما شابه ذلك.
أمّا المواد والفتيامينات الموجودة في العسل فكثيرة جداً. وفيه من المواد المعدنية: الحديد، الفسفور، البوتاسيوم، اليود، المغنيسيوم، الرصاص، النحاس، السلفور، النيكل، الصوديوم وغيرها.(1)

أثر العسل في الروايات

تناولت الروايات الشريفة العسل وذكر أثره ودوره في شفاء الكثير من

1 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 8 / 221، تلخيصاً من كتاب «النحل» تأليف: مترلنگ.

صفحه 165
العلل والأمراض، وها نحن نذكر شيئاً يسيراً منها.
عن أبي سعيد الخدري: أنّ رجلاً أتى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه عسلاً. ثمّ أتى الثانية، فقال: اسقه عسلاً. ثم أتاه فقال: فعلت. فقال: صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلاً. فسقاه فبرَأ.(1)
روى الصَّدوق بإسناده عن الإمام عليّ الرضا(عليه السلام): قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إن يكن في شيء شفاء، ففي شُرطة الحجّام، أو في شربة عسل».(2)
وروى عنه أيضاً: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تردّوا شربة عسل من آتاكم بها».(3)
وروى عنه أيضاً عن الإمام علي(عليه السلام):«ثلاثة يزدن في الحفظ ويذهبن بالبلغم: قراءة القرآن، والعسل، واللّبان».(4)
بقي هنا شيء وهو ما ذكره الزّمخشري في تفسيره، قال: ومن بدع تأويلات الرافضة أنّ المراد بالنَّحل عليٌّ وقومه. (5)
والعجيب أنّ ابن عاشور نقل ما في «الكشّاف» وعدّه من لطيف النّوادر!!(6)
أقول: هل يمكن مؤاخذة ربع المسلمين أو ثلثهم بقول واحد منهم، لو

1 . صحيح البخاري:4/15، كتاب الطبّ، باب الدواء بالعسل، برقم 5684.
2 . عيون أخبار الرضا:2/39، باب 31، برقم 83.(وشُرطة الحجّام: الآلة التي يحجم بها).
3 . نفس المصدر: رقم الرواية 84 .
4 . عيون أخبار الرّضا:2/42، برقم 111.
5 . تفسير الكشّاف:2/210.
6 . لاحظ : التحرير والتنوير: 13/169.

صفحه 166
ثبت أنّه قال ذلك؟ على أنّ التعبير عن شيعة أهل البيت(عليهم السلام) بالروافض أو الرافضة سوء أدب، وخلاف منطوق قوله تعالى:(بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ).(1)
إنّ الّذي ورد عن الإمام عليّ، هو قوله:«أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ»(2)، واليعسوب أمير النّحل وكبيرهم وسيّدهم تُضرب به الأمثال لأنّه إذا خرج من كوره تبعه النّحل بأجمعه.(3) قال الشريف الرضيّ: ومعنى ذلك أنّ المؤمنين يتّبعوني، والفجّار يتّبعون المال، كما تتّبع النّحل يعسوبها، وهو رئيسها.(4) وأضاف ابن أبي الحديد: هذه كلمة قالها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)]لعليّ [بلفظين مختلفين، تارة: «أنت يعسوب الدين»، وتارة:«أنت يعسوب المؤمنين»، والكلّ راجع إلى معنى واحد، كأنّه جعله رئيس المؤمنين وسيّدهم، أو جعل الدّين يتّبعه ويقفو أثره حيث سلك، كما يتّبع النّحل اليعسوب، وهذا نحو قوله:«وأدِر الحقَّ مَعهُ كَيف دار».(5)
هذا غيض من فيض ممّا يتعلق بحياة النّحل وخلاياها وفوائد عسلها، ومن أراد المزيد فليرجع إلى المقالات والرسائل المخصّصة لذلك.
سورة النحل: الآيات 70 ـ 74    
قوله تعالى:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).
بدأ سبحانه ببيان نعمه فختم إحياء الأرض بعد موتها بقوله:(لِقَوْم

1 . الحجرات:11.
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 316.
3 . مجمع البحرين: 2 / 121، مادّة «عسب».
4 . نهج البلاغة: 530، قصار الحكم، برقم 316 .
5 . شرح نهج البلاغة:19/224.

صفحه 167
يَسْمَعُونَ)، وختم ما أنعم به على الناس من ثمرات النخيل والأعناب بقوله: (لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)، فما هو الوجه في ذلك؟
والجواب: عن ذلك ـ كما يقول السيد الطباطبائي ـ : ولعلّ الوجه في ذلك أنّ النظر في أمر الموت والحياة بحسب طبعه من العبرة والموعظة، وهي بالسمع أنسب، والنظر في الثمرات من حيث ما ينفع الإنسان في وجوده عن السير البرهاني من مسلك اتّصال التدبير وارتباط الأنظمة الجزئية ورجوعها إلى نظام عام واحد لا يقوم إلاّ بمدبر واحد وهو للعقل أنسب، وأمر النحل في حياتها يتضمّن دقائق عجيبة لا تنكشف للإنسان إلاّ بالإمعان في التفكّر فهو آية للمتفكّرين.(1)

الآيات: السبعون إلى الرابعة والسبعين

(وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْم شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ

1 . الميزان في تفسير القرآن:12/293.

صفحه 168
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).

المفردات

يتوفّاكم: من التوفّي بمعنى الأخذ وقَبض الشيء على وجه الإيفاء والإتمام.
أرذل: الأرذل: أفعل تفضيل من الرَّذالة، وهي الرداءة في صفات الأشياء.
العمر: مدّة بقاء الإنسان في الحياة. وإضافة الأرذل إلى العمر من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي(العمر الأرذل).
بِرادّي: الرادّ هو المعطي.
أَيمانهم: أُريد اليد اليمنى في مقابل اليسرى، ونسبة الملك إلى الأيمان مجاز، فإنّ سبب الملك أحد أُمور إمّا القتال بالسيف الذي تأخذه اليد اليمنى أو البيع والشراء أو الميراث.
من أنفسكم: من جنس أنفسكم، نظير قوله سبحانه:(ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ)(1) وبه يفسّر قوله سبحانه:(فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)(2) أي على الذين يسكنون البيوت.
حَفَدة: جمع الحافد والحفيد، وهو ابن الابن، والسبط ابن البنت.

1 . البقرة:85.
2 . النور:61.

صفحه 169
التفسير
إنّ الله سبحانه بدأ الآيات الثلاث الأُولى من هذه المجموعة بلفظ الجلالة، فقال: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ)، وقال:(وَاللهُ فَضَّلَ)، وقال: (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ)، والوجه في ذلك هو إفادة التخصيص، أي أنّه سبحانه هو المبدأ لهذه النعمة ولا شريك له في ذلك، ولذلك قدّم الإظهار على الإضمار ليكون أبلغ في بيان التخصيص.
70.(وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْم شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ):

الإحياء وتقدير الأعمار والإماتة بيد الله

قد تقدّم في صدر السورة أنّ الغرض من بيان النِّعم التي أنعم بها الله سبحانه على عباده، هو الدعوة إلى توحيده في الربوبية الذي يستلزم توحيدَه في العبادة، وجاءت الآيات السابقة مبيّنة أنّه القادر المتصرّف في الكون، وهنا، في هذه الآية، أخذ يذكر دلالة أُخرى على عظيم قدرته، وهي الإحياء والإماتة وتقدير الأعمار، والجميع بيد الله تبارك وتعالى، وليس لأحد التصرّف في ذلك، وقال: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ): أي يأخذ أرواحكم، ونسبة التوفّي إلى الله لا تنافي نسبته إلى الملائكة كما في قوله سبحانه:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)(1)، لأنّهم من جند الله،

1 . النحل:28، ولاحظ: الآية 32.

صفحه 170
فتصحّ نسبة فعل الجند إلى الآمر.
ثمّ إنّ عمر الإنسان يمتدّ ما بين الطفولة إلى أرذل العمر، وأمّا ما هو المراد من أرذل العمر، فهو ما يصفه سبحانه بقوله: (لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْم شَيْئًا) واللاّم في (لِكَيْ) للعاقبة، أي تكون عاقبته نسيان كلّ ما اختزنه عقله من معلومات، وفقدان القدرة على استحضارها، والجميع بيد الله تعالى، وليس للإنسان فيه دخل ولا تأثير، ويشهد لذلك قوله في ذيل الآية: (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)فليس حياتكم ولا موتكم ولا بقاؤكم إلى أرذل العمر بيدكم، بل كلّ ذلك بيد الله سبحانه.
ثمّ إنّ رذالة العمر رهن ضعف عضو من الأعضاء أو حاسّة من الحواسّ على وجه لا يرجى عودتها إلى الحالة السابقة، بل تزداد ضعفاً ووهناً مع الأيام وبالخصوص الذاكرة، حيث يفقدها تماماً الطاعن كثيراً في السنّ، ولكن هنا نكتة وهي أنّ الآية ناظرة إلى أغلب الأفراد لا جميعهم، أي ليس كلّ معمّر عاش مئة سنة أو مئتين أو أكثر، فقد كافّة حواسّه، بشهادة أنّ بعض الأنبياء والأولياء امتدّ بهم العمر طويلاً ولم يصابوا في حواسّهم، فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً.(1)، وهذا هو وليّ الله الأعظم آخر الأوصياء الإمام المهدي(عج) حيّ يرزق وقد مضى عليه من العمر إلى زماننا هذا ألف ومئة وثلاثة وثمانون عاماً، وذلك لأنّهما (عليهما السلام) بعين الله ورعايته وحفظه... .
نعم حياة الإنسان في تلك الفترة هي أسوأ حياة وربّما تصل الحالة إلى حدّ يتمنّى الوارث أن يرزق الله والده أو والدته أحد الشفاءين إمّا الصحّة أو الموت، لأنّ الإنسان عند ذاك يصير كَلاًّ على الأهل والأولاد في عامّة

1 . لاحظ: العنكبوت:14.

صفحه 171
الحالات، ومن المعلوم أنّ لهم طاقة محدودة فربّما لا يتحمّلون ما تستتبعه رذالة العمر، ولذلك نرى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتعوّذ بالله من أرذل العمر، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: كان دعاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أعوذ بالله من دعاء لا يُسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الجوع فإنّه بئس الضجيع، ومن الخيانة فإنّها بئست البطانة، وأعوذ بك من الكسل والهرم والبخل والجبن، وأعوذ بك أن أُردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدجّال وعذاب القبر».(1)
ثمّ إنّه ليس لأرذل العمر حدّاً معيّناً حتى يقال: إنّه يبدأ من السنة الخامسة والسبعين بل يختلف حسب اختلاف الأمزجة والبلاد.
71.(وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ):

تفضيل بعض على بعض في الرّزق

بيّن سبحانه في الآيات السابقة أنّ الإحياء والإماتة وما بينهما من هرم من صنع الله، ثم انتقل إلى الاستدلال بالرِّزق، فالله سبحانه هو الذي يفرّق رزقه بين عباده ويجعل نصيب بعضهم أكثر من الآخر كما يقول:(وَ اللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض فِي الرِّزْقِ)، وفرّع على ذلك قوله: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ): أي ما هم بمعطين فضل رزقهم (عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ): أي على

1 . تفسير الدر المنثور: 5/147.

صفحه 172
عبيدهم وإمائهم (فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)قيد للمنفيّ، أي(بِرَادِّي رِزْقِهِمْ): أي حتى يكونوا في الرِّزق سواء، فلا يقوم أصحاب الثروات بإعطاء ما فَضَل من الرزق إلى مماليكهم حتى يكون الجميع على درجة واحدة، ومع ذلك فهم يقومون بنفس ذلك العمل في حقّه سبحانه حيث يسوّون بعض المخلوقات بالخالق ويشركون الجميع في الإلهية!! حتى أنّهم جعلوا ذلك شعاراً في حَجِّهم عند التلبية، فكانوا يقولون:«لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك» فعلى عقيدتهم فالله سبحانه قسّم الأُلوهية بينه وبين مخلوقاته، فعملهم هذا أشبه بعملهم في جعل البنات لله سبحانه، حيث يصفون الله تعالى بما لا يصفون به أنفسهم، وقد أُشير إلى هذا المعنى في سورة الروم، قال تعالى:(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)(1) فحصيلة الآية أنّها ردّ على عبدة الأوثان والأصنام، كأنّه قيل: إنّه تعالى فضّل المُلاّك على مماليكهم في الرّزق، وهم لا يرضَون أن يجعلوا عبيدهم المماليك شركاء لهم في الرّزق، فيكونوا هم وإيّاهم سواء فيه، فكيف يرضَون أن يجعلوا هذه الجمادات معه تعالى سواء في المعبودية؟ إن هو إلاّ قسمة ضيزى.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية مخاطباً المشركين بقوله:(أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ) حيث أسندوا بعض النِّعم إلى غيره سبحانه مع أنّ كلّ النّعم من الله سبحانه. وهذا هو الجهل، والدليل على ذلك الإسناد عبادتُهم الأصنام، فمَن أثبت لله شريكاً وعبده فقد أسند بعض الخيرات إليه.
إلى هنا تمّ تفسير الآية، بقي هنا كلام حول التفاوت في الرِّزق.

1 . الروم:28.

صفحه 173
أقول: إنّ التفاوت في الرِّزق لا يُعدّ جوراً ولا ظلماً من الله سبحانه على المفضول (المفضّل عليه)، وما ذلك إلاّ لأنّ الرِّزق يخضع لعوامل منها الاستعدادات الذاتية والسعي والنشاط واستثمار الفُرص. ومن المعلوم أنّ الاختلاف في الرّزق فيه قوام المجتمع، لأنّ الناس لو كانوا على مستوى واحد من الاستعدادات لتعرقلت عجلة المجتمع عن التقدّم والتطوّر. وسيوافيك تفسير ذلك في قوله سبحانه:(نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا)(1) ومعنى قوله: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا): أي لتسخِّر كل فئة الأُخرى، إذ أنّ في كلِّ من المسخَّر والمسخِّر كمالاً يفقده الآخر.
نعم الطبقية (بمعنى وجود طبقة بيدها الثروات وطبقة أُخرى يعاني أفرادها من الجوع والعري) أمر يرفضه العقل والفطرة والشرائع السماوية. وسيوافيك تفصيل ذلك في سورة الزخرف.
72. (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ):

النِّعم الثلاث من الله سبحانه

بدأ سبحانه هذه الآية بلفظ الجلالة لإبداء التخصيص وأنّه تعالى هو القائم ببديع الصنع في خلق النَّسل واستمراره، وذكر من بديع الصنع أمرين:

1 . الزخرف:32.

صفحه 174
1. خلق الأزواج للناس من نوعهم وذات أنفسهم.
2. استمرار النَّسل بالبنين والحفدة.
3. توفير الرِّزق للناس بما فيه بقاء النّسل.
أمّا الأوّل، فيشير إليه بقوله:(وَاللهُ جَعَلَ): أي خلق (لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)من جنس أنفسكم (أَزْوَاجًا)، والغاية من خلق الأزواج ما ذكره في سورة الروم، أعني قوله:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)(1) ففي ظلّ العلاقة الزوجية المتينة يتحقّق السكن والاطمئنان والاستقرار، وتفيض مشاعر الحب وأحاسيس العطف والرأفة.
وأمّا الثاني، فقد أشار إليه بقوله:(وَ جَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) فالأولاد وأولاد الأولاد يعينون الآباء أيام عجزهم وهرمهم، وهذه من نِعَم الله سبحانه على عباده.
وأمّا الثالث، أي إمداد الأُسرة برزقها، فقد أشار إليه بقوله:(وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) فإنّ العيش الهانئ وبقاء النّسل مرتهنان بوجود الرّزق، والله سبحانه أتمّ النعمة بأن منّ على البشر بالطيبات من الرّزق وجنّبهم الخبائث. والظاهر أنّ المراد بالطيبات هو كلّ ما تطيب به النفس من النِّعم التي بها قوام الحياة.
ومع ذلك كلّه يجحد المشرك هذه النِّعم الجمّة، بشهادة أنّه يؤمن بالباطل ويعبد الأصنام كما يقول:(أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ): أي من ليس له أيّ نعمة عليكم (وَ بِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)، وبما أنّ كفران النعمة كان مستمرّاً، جاء

1 . الروم:21.

صفحه 175
بالفعل المضارع: (يَكْفُرُونَ).
73. (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ):
تقدّم في الآية السابقة توبيخ المشركين بقوله:(أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)وعطف عليه قوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) ثم وصف معبوداتهم المزعومة بوصفين:
1. (مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا)، وقوله:(شَيْئًا)يفيد العموم لوقوعه في حيّز النفي، فالآلهة المزعومة لا يملكون أي شيء حتى يعطوه لعبّادهم.
2. (وَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ) ـ على فرض التملّك ـ لأنّ الأُمور كلّها بيد الله سبحانه.
74. (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ):

النهي عن ضرب المثَل والمثْل لله سبحانه

بدأ هذه الآية بفاء النتيجة وكأنّه استنتاج ممّا أقامه من الدلائل على التوحيد، فقال: (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ) فلو كان لفظ (الأَمْثَالَ) جمع مَثَل فيكون المراد المنع من إجراء أوصاف الممكن على الواجب بضرب من التشبيه كجعل البنات له، وأنّ بينه وبين الجِنّة نسباً وصهراً، وأنّه كيف يحيي العظام وهي رميم، فهؤلاء المشركون يصرّون على إجراء صفات الممكن

صفحه 176
على الواجب، وقد مرّ ذلك في تفسير قوله سبحانه:(لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ).(1)
وأمّا لو كان لفظ (الأَمْثَالَ) جمع مِثل بمعنى الندّ، فالمراد: لا تجعلوا لله ندّاً في التدبير والعبادة، وأُشير إليه في قوله سبحانه: (فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا)(2)فليس لله مِثل ولا مثال ولا مَثَل يمثّل ذاته أو صفاته أو أفعاله بصورة ذات الممكن وصفاته وأفعاله.
سورة النحل: الآيات 75 ـ 77    

الآيات: الخامسة والسبعون إلى السابعة والسبعين

(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَ مَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْر هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).

المفردات

أبكم: الذي يُولَد أخرس لا يمكنه أن يتكلّم.

1 . النحل:60.
2 . البقرة:22.

صفحه 177
الكَلّ: الثقيل، يقال: كَلَّ عن الأمر يكِلّ كَلاًّ إذا ثقل عليه، وكلّت السكين كلولاً إذا غلُظت شفرتها، وكَلَّ لسانُه، أي لا ينبعث في القول لغلظه وذهاب حدّه.
يوجّهه: الإرسال في وجه من الطريق، يقال: وجّهته إلى موضع كذا فتوجّه إليه.
أمر: شأن، يطلق الأمر ويراد به الشأن المهمّ، قال تعالى:(أَتَى أَمْرُ اللهِ)(1).
الساعة: القيامة، صار علماً عليها.
كلمح: اللَّمح: النظرة أو النظر، لأنّ النظر أيسر شيء للباصرة، تقوم به بسهولة وسرعة.

التفسير

75. (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ):

عدم التسوية بين مَن يملك ومَن لا يملك

ندّد سبحانه بعمل المشركين الذين يعبدون غير الله سبحانه، بأنّ معبوداتهم لا تملك لهم رزقاً ولا نفعاً ولا ضرّاً، فكيف يعبدونها مع أنّها

1 . النحل:1.

صفحه 178
جمادات لا يُرجى منها خير ولا تنفع في دفع شرّ، وإنّما العبادة للإله الرازق المعطي المجيب للدعوة؟ وهذا المفهوم من قوله سبحانه:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا).(1)
ثمّ إنّه سبحانه يصف معبود المشركين والمعبود الحقّ، بالتمثيل التالي:
افرض مملوكاً لا يقدر على شيء ولا يملك شيئاً حتى نفسه، فهو بتمام معنى الكلمة مَظهر الفقر والحاجة، ومالكاً يملك الرزق ويقدر على التصرّف فيه، فيتصرّف في ماله كيف شاء وينعم كيف شاء فهل هذان متساويان؟ كلاّ.
وعلى ضوء ذلك مثل معبودهم المزعوم مثَلُ العبد الرَّقيق المملوك غير المالك لشيء، ومثلُه سبحانه مثل المالك للنعمة الباذل لها المتصرّف فيها كيف شاء.
وذلك لأنّ صفة الوجود الإمكاني ـ أي ما سوى الله ـ نفس الفقر والحاجة، لا يملك شيئاً ولا يستطيع على شيء إلاّ بفضل من الله سبحانه.
وأمّا سبحانه فهو المحمود بكلّ حمد والمنعم لكلّ شيء، فهو المالك للخلق والرِّزق والرَّحمة والمغفرة و الإحسان والإنعام، فله كلّ ثناء جميل، فهو الربّ ودونه هو المربوب، فأيّهما يصلح للخضوع والعبادة؟
إذا عرفت ذلك فلنفسّر الآية:
قوله تعالى:(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) قد تقدّم أنّ ضرب المثل عبارة عن بيان الحال (عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء) فهو مسلوب القدرة، فلا يملك البيع

1 . النحل:73.

صفحه 179
والشراء والهبة وغير ذلك (وَ مَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا): أي طيّباً (فَهُوَ)يتصرّف في ماله بالانتفاع لنفسه والهبة لغيره، كما يقول:(يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا)والقيدان كناية عن استقلاله في التصرّف، فعندئذ يُسأل عن حالهما ويقال: (هَلْ يَسْتَوُونَ) وصيغة الجمع ـ مع أنّ مقتضى الحال أن يقول: هل يستويان ـ باعتبار أنّ الطرف المقابل للمولى هو العبد وهو كناية عن الأصنام والأوثان المتعدّدة.
ثمّ إنّه سبحانه حصر الحمد لنفسه وقال: (الْحَمْدُ للهِ) وهو صحيح وإن جاز حمد الآخرين بأفعالهم المحمودة، لكن حمد هؤلاء مجازيّ، لأنّ ما بذله المنعم لم يكن مالكاً له وإنّما يملكه سبحانه، فهو الذي أقدَرَ المنعم على الإنعام، فحمد هؤلاء يرجع إلى حمده وثنائه سبحانه، ولذلك صحّ أن يقول: (الْحَمْدُ للهِ): أي الحمد منحصر بالله وليس لغيره سهم فيه (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) أسند نفي العلم إلى أكثرهم لأنّ منهم مَن يعلم الحقّ ويكابر، وقد جاء مضمون الآية في سورة أُخرى، قال تعالى:(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(1).
76. (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَ مَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْر هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):

1 . الزمر:29.

صفحه 180

تمثيل لبيان الفرق بين معبود المشركين ومعبود الموحّدين

هذا تمثيل آخر لبيان الفرق بين الآلهة المدّعاة والله الواحد الأحد، بالبيان التالي: نفترض رجلين أحدهما تجتمع فيه كلّ النقائص ورجل آخر يتمتّع بكلّ الكمالات.
فيصف الأوّل بصفات أربع:
1. (أَبْكَمُ): أي أخرس من أصل الخلقة أي وقت الولادة لا يَفهم ولا يُفهِم.
2. (لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء) فهو عاجز لأنّه زَمِن.
3. (وَ هُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ) لا يدبّر أُموره وإنّما يدبّرها مولاه الذي يلي أمره.
4. (أَيْنَ مَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْر): أي أينما يرسله مولاه لا يهتدي إلى ما وجّه إليه.
فمَن وجدت فيه هذه الصفات يكون مَجمعاً للسّلب المطلق (سلبيّ بكلّ المعنى).
هذا من جانب، ومن جانب آخر ثَمّ رجل وصفه سبحانه بوصفين:
1. (يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) وهذا يدلّ على اعتداله في مقام الذات، ثمّ يظهر أثره على أعماله، فيتجنّب الإفراط والتفريط.
2. (وَ هُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم): أي السبيل الواضح، فيظهر أثره في الشرائع التي بعث بها أنبياءه، فتكون كذلك بعيدة عن الإفراط والتفريط،

صفحه 181
وعندئذ يسأل، (هَلْ يَسْتَوِي) هذا وذاك؟ والجواب: لا.
هذا هو تفسير ظاهر الآية، وأمّا ما هو المراد فالظاهر أنّ هذا التمثيل بقرينة التمثيل السابق ناظر إلى بيان الفرق بين الآلهة المزعومة والإله الواقعي الجامع لصفات الجمال والكمال، الحاكم بالعدل، الهادي إلى الصراط المستقيم.
فأين الأصنام الجامدة التي هي أرذل حتى من الأبكم والأصمّ والأعمى، من الله سبحانه الجامع لصفات الجمال والكمال، القادر على كلّ شيء، والعالم به؟
وهناك وجه آخر في تفسير الآية، يمكن تلخيصه فيما يلي:
كان التمثيل السابق يبيّن موقف الآلهة المزعومة بالنسبة إلى العبادة والخضوع وموقفه سبحانه تبارك وتعالى حيالها، ولكن هذا التمثيل جاء لبيان موقف عبدة الأصنام والمشركين، وموقف المؤمنين والصادقين، فيشبّه الأوّل بالرجل الأبكم العاجز الفاقد للمواهب التي تمكّنه من جلب الخير لوليّه الذي يتولّى أمره، ويشبّه الآخر برجل حرّ عامل بالخير وداع إليه، متمتّع بسيرة صالحة ودين قويم.
فهذا المثل يبين موقف المؤمن الموحّد، وموقف الكافر المشرك، من الهداية الإلهية، وقد أشار سبحانه إلى مغزى هذا التمثيل في آية أُخرى، وقال: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(1)، ولكنّ التفسير الأوّل أظهر.

1 . يونس:35.

صفحه 182
77.(وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):

مسألة البعث كلمح البصر

قد تقدّم أنّ مشكلة المشركين مع النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت في أمرين:
1. مسألة التوحيد، وأنّه سبحانه لا شريك له في الألوهية والربوبية، غير أنّ قريشاً على طرف النقيض من ذلك، فقد جعلوا له شركاء يعبدونهم من دونه، والتمثيلان السابقان كانا بصدد الردّ على تلك المزعمة ببيان الفرق بينه سبحانه وبين الأصنام.
2. مسألة البعث والنشور، فكانوا يثيرون حول الحياة الأُخروية أسئلة ويصوّرونها شيئاً محالاً. قال تعالى على لسانهم:(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ)(1) ; فجاء البيان القرآني لردّ تلك المزعمة ببيان أنّه سبحانه يملك غيب السماوات والأرض كما يقول:(وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وبما أنّ الغيب والشهادة أمران إضافيان، فالأمر الواحد غيب وغائب بالنسبة إلى شيء، وشهادة ومشهود بالنسبة لشيء آخر، فغيب السماوات والأرض غيب بالنسبة إلينا، ولكنّه شهود بالنسبة إليه تعالى، وقد جاء في الدعاء المأثور: «كلّ سرّ عنده تعالى علانية، وكلّ غيب عنده شهادة».(2) فتكون النتيجة: إنّ الله يملك السماوات والأرض بأجمعها ملكية نابعة عن خالقيته لهما، ومَن كان يملك ذلك فهو قادر على إحياء الموتى كما

1 . النحل:38.
2 . بحار الأنوار:92/418، دعاء الإخلاص.

صفحه 183
يقول:(وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ)، فبما أنّ اللَّمح، وهو مدّ البصر، أخفُّ الأشياء عند الإنسان وأقصرها زماناً، شبّه سبحانه قيامه بهذا العمل بلمح الإنسان بصره، بل عقّبه بقوله: (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ):أي بل أمرها أقرب منه من حيث الخفّة والسهولة. وما ذكر في الآية تعبير ثان عن قوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(1)
ثمّ ختم الآية بما يؤكّد مضمونها بقوله:(إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).
إنّ تشبيه يوم القيامة بلمح البصر ثم العدول عنه بما هو أقرب، كلّ ذلك تشبيه حسب فهم السامع وإلاّ فنسبة الجميع إلى الله سبحانه على حدّ سواء، فالشدّة والسهولة إنّما هما بالنسبة إلينا، فالله سبحانه إذا أراد، يتحقّق المراد بلا فصل كما قال سبحانه:(إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(2)
فإن قلت: لازم ذلك ـ أي وقوع الشيء بعد الإرادة بلا فصل ـ حذف الأسباب والشروط والموانع بينه سبحانه وبين الأشياء، مع أنّا نرى أنّ الأُمور الطبيعية تتحقّق ضمن شروط خاصّة.
قلت: إنّ إرادته سبحانه تعلّقت بوقوع الطبيعة غبّ هذه الشروط، فلو تحقّقت مجرّدة عنها، يلزم تخلّف المراد عن الإرادة.
وإن شئت قلت: إنّ هذه الأسباب وعدم الموانع شرط لوقوع الفعل، وليست شرطاً لإرادته سبحانه.
ثمّ إنّ تحقّق الفعل غبّ إرادته أمر لازم لا يتخلّف، وذلك لأنّ قدرته

1 . يس:82.
2 . مريم:35.

صفحه 184
عين ذاته، وذاته واجبة الوجود من جميع الجهات، فلازم القدرة الواجبة وجود الفعل وعدم تخلّفه عن إرادته.
سورة النحل: الآيات 78 ـ 83    

الآيات: الثامنة والسبعون إلى الثالثة والثمانين

(وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَات فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًاتَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ).

المفردات

الأفئدة: جمع فؤاد نحو: أغربة جمع غراب. ونُقل عن الزجّاج أنّه قال: ولم يجمع فؤاد على جمع الكثرة ولم يُقل فيه: فؤدان كما قيل: غراب، غربان،

صفحه 185
قال الرازي: لعل وجه فؤاد على جمع القلّة تنبيهاً أنّ ما يدرك بالسمع والبصر أُمور كثيرة وأنّ ما يدرك بالفؤاد قليل ; لأنّه إنّما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم العقلية، وأكثر الخلق ليسوا كذلك بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية فكأنّ فؤادهم ليس بفؤاد.(1)
وما ذكره مورد تأمل لأنّ معناه أنّ الواضع كان فيلسوفاً، واقفاً على ذلك التفصيل، ولذا لم يجمعه جمع كثرة.
مسخَّرات: التسخير: التذليل للعمل، والمراد مسخّرات بأمره سبحانه.
يُمسكهنّ: أي من السقوط إلى الأرض.
سَكَناً: موضعاً تسكنون فيه.
تستخفّونها: يخفّ عليكم حملها.
ظعنكم: الظَّعْن: الارتحال من مكان إلى مكان.
إقامتكم: الموضع الذي تقيمون فيه.
أصوافها: الصوف للغنم.
أوبارها: الأوبار للإبل.
أشعارها: الشعر للمعز.
أثاثاً: الأثاث: اسم جمع للأشياء التي تفرش في البيوت من وسائد وبُسُط وكلّ ما يُنسج أو يُحشّى بالأصواف والأوبار والأشعار.
متاعاً: ما يتمتّع وينتفع به وهو أعمّ من أثاث البيت كالأواني والرحائل.

1 . تفسير الرازي:20/90.

صفحه 186
أكناناً: الأكنان جمع كِنّ، وهو ما يُحفَظ فيه الشيء، والمراد بها هنا الغيران والكهوف.
سرابيل: جمع سربال، وهو القميص أو كلّ ما يُلبَس. والسرابيل التي تقي البأس هي دروع الحديد.
بأسكم: البأس: الشدّة في الحرب.

التفسير

هذه المجموعة من الآيات سيقت لبيان نعم أُخرى على الإنسان، يُستدلّ بها على أنّ التدبير والتصرّف فيها له سبحانه ومن ثمّ وجوب الشكر والعبادة له وحده، فالجميع سيق لبيان النعم إلاّ قوله سبحانه:(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطيْرِ)(1). نعم يجمع الكلّ ما ذكرنا، وهو الاستدلال على توحيده في التدبير.
78. (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):

الإنسان يخرج من بطن أُمّه مجرّداً عن كلّ علم

تحدّثت الآية عن أنّ الإنسان يخرج من بطن أُمّه مجرّداً عن كلّ علم كما يقول:(وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ): أي أولدكم (مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) في حال أنّكم (لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا) الجملة حال من الضمير في(أُمَّهَاتِكُمْ)وهذه الحالة أمر

1 . النحل:79.

صفحه 187
ملموس، فإنّ الوليد لا يعرف شيئاً إلاّ الأعمال الغريزية كمصّ الثدي، والبكاء عند الألم.
ثمّ إنّ الإنسان بعدما يبلغ مبلغاً يستعين لمعرفة الكون بثلاث أدوات، ولكلّ منها مجال وعمل خاص، وهي:
1. السَّمع، ويستعين به على سماع الأصوات.
2. البصر، ويستعين به على رؤية المبصرات.
وقد اقتصر سبحانه على ذكرهما مع أنّ الحواسّ الظاهرية خمسة، وهي بالإضافة للسمع والبصر: الذوق، والشَّمّ، واللَّمس، لأنّهما يُعَدّان من أقوى الوسائل لإدراك العلوم الضرورية.
3. العقل، وهو الذي يكتشف الحقيقة في مجالات خاصّة، بالاستناد إلى أُصول مبادئ خاصّة، كما قال سبحانه:(وَ جَعَلَ): أي خلق (لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ) والمراد بالأفئدة العقول، التي تُعين على التفكير، وتكتسب النظريات عن طريق البديهيات.
ولقد أجاد أبو الطيّب المتنبّيّ في قوله:
لـولا العقول لكان أدنى ضيغـم *** أدنى إلى شرف من الإنسانِ
ولَمَا تفاضلَت النّفوسُ ودبّرتْ *** أيدي الكُماة عَواليَ المُرّانِ(1)

1 . ديوان المتنبّيّ:326. أدنى ضَيغم: أخسّ أسد. والكماة: جمع كميّ، وهو البطل عليه السلاح. العَوالي: جمع العالية، وهي صدر الرُّمح. والمُرّان: الرّماح اللَّيّنة.

صفحه 188
ثمّ إنّ الغاية من خلق السمع والبصر والفؤاد ما يدلّ عليه قوله:(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) والرجاء المستفاد من لفظ «لعلّ» كناية عن الأمر، وهو دالّ على كونه مرغوباً عند الله سبحانه. ثمّ إنّ من مظاهر الشكر هو استعمال كلّ عضو في محلّه.
ثمّ إنّ لكشف الحقائق طريقاً آخر، وهو الوحي النازل على الأنبياء والرُّسل، يقول سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).(1)
نعم مجال الوحي أوسع نطاقاً وأكثر شمولية لأنّه يتّصل بما وراء الطبيعة التي لا مجال للعقل والحسّ إليها.
بقي هنا شيء، وهو أنّ ظاهر الآية أنّ الإنسان يخرج من بطن أُمّه مجرَّداً عن كلّ علم مع أنّا نرى أنّ للإنسان علوماً ضرورية بالذات لم يكتسبها عن طريق الأدوات الحسّيّة والعقلية، نظير:
1. امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما.
2. العلم بذاته.
3. كون الممكن في ذاته بحاجة إلى علّة، وما أشبه ذلك، فإنّ هذه العلوم غير مستحصلة عن طريق الحواسّ إذ ليس لها مصاديق في الخارج، ولم يستحصلها عن طريق العقل لاستغنائها عن البرهان والتفكّر في نسبة المحمول إلى الموضوع.
قال الفيلسوف صدر المتألهين: وأحقّ الأقاويل ما كان صدقه دائماً،

1 . النّحل:43.

صفحه 189
وأحقّ من ذلك ما كان صدقه أوّليّاً، وأوّل الأقاويل الحقّة الأوّلية التي إنكاره مبنى كلِّ سفسطة، هو القول بأنّه لا واسطة بين الإيجاب والسَّلب.(1)
فعلى ما ذكر، فالنفس تستحصل هذا النوع من العلوم بلا حاجة إلى أدوات الحسّ ولا إعمال الفكر لاقتناص النتيجة من مقدّماتها البديهية.

عدم المنافاة بين مفاد الآية والإدراكات الفطرية

والجواب: إنّ الآية الكريمة ترمي إلى نفي كلّ معرفة فعلية للإنسان حين ولادته ومجيئه إلى الدنيا، وهذا لا ينافي وجود معلومات فطرية مختمرة في النفس الإنسانية، لكن تظهر وتتفتّح شيئاً فشيئاً مع مرور الزمان، واحتكاك الإنسان بالوقائع الخارجية، فإنّ مثل هذه ليست علوماً فعلية وإدراكات حاضرة حتى تكون منفيّة بقوله تعالى:(لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، فسلسلة المعلومات والإدراكات الفطرية المودعة في النفس، حاصلة فيها بالقوّة منذ ولادة الإنسان، ثم تخرج إلى الفعلية، وتتكامل بتكامل وجوده، وتتفتّح تدريجياً باتّصاله بالخارج عبر أدوات المعرفة.
وبعبارة أُخرى: الآية ناظرة إلى العلوم الحصولية التي تنقسم إلى البديهية والنظرية، لا إلى العلوم الحضورية بذاتها مثل علم النفس، ولا إلى العلوم الفطرية التي ليست لها إلاّ قوّة العلم، وإنّما تتفتّح إذا خرج الإنسان إلى هذا العالم وأعمل حواسّه، ولامسَ الحقيقة الخارجية، فعند ذاك ينقلب ما هو علم بالقوّة إلى علم بالفعل.
وصفوة القول: إنّ هناك في النفس البشرية سلسلة من المعلومات على

1 . الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة:1/89ـ90.

صفحه 190
صورة خمائر تتجلّى وتظهر وتتفتّح شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن ومع احتكاك الإنسان بالوقائع الخارجية، ولا يُسمّى هذا علماً فعلياً وإدراكاً حاضراً، والآية ناظرة إلى ذلك المعنى، أعني أنّ الإنسان منذ يخرج من بطن أُمّه ليس فيه علم فعليّ، ولا ينافي وجود ما يشبه خمائر العلوم التي تحتاج إلى أرضية للتفتّح والظهور.(1)
79.(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَات فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ):

إمساك الطير في الجوّ من مظاهر التدبير

بدأ سبحانه الآية السابقة باسم الجلالة وقال:(وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) كما بدأ الآية اللاحقة بنفس الاسم وقال:(وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ)، وأمّا هذه الآية فقد عدل إلى أُسلوب آخر وهو البدء بالاستفهام فقال:(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَات) وما هذا إلاّ لأنّ موقف هذه الآية غير موقف الآيتين: السابقة واللاّحقة، لأنّه سبحانه هنا بصدد الاستدلال على قدرته وبديع صنعه من دون إشارة إلى النِّعم التي أنعم بها على عباده، بخلاف الآيتين فإنّ الموقف فيهما بيان نعمه، حيث أشار في الأُولى إلى أنّ النفس الإنسانية كانت يوم ولادتها كصحيفة بيضاء لم ينتقش فيها شيء، ولكنّه سبحانه جهّزها بأدوات يتوصّل بها الإنسان إلى إدراك المعلومات الحسّية والعقلية، كما أنّه سبحانه في الآية اللاحقة بصدد بيان نعمة التفكير التي أنعم

1 . راجع: مفاهيم القرآن:1/72ـ73.

صفحه 191
الله بها على الإنسان ليستخدم الطبيعة وخيراتها في طريق تأمين مصلحته من بناء البيوت من طين وحجر أو من منتجات الحيوانات التي حوله.
وعلى كلّ تقدير، فالآية تشير إلى أنّ الطيور في السماء (مُسَخَّرَات): أي مذلّلات للطيران في الهواء بأجنحتها، فتطير من غير أن تعتمد على شيء (مَا يُمْسِكُهُنَّ) من السقوط على الأرض من السماء (إِلاَّ اللهُ)، وعلى هذا فالتدبّر في طيران الطير في جو السماء يثبت أنّ لها مسخِّراً ومدبِّراً، وأنّ للمدبّر قدرة فائقة.
ثمّ إنّ نسبة الإمساك إلى الله لا تنافي أنّه سبحانه خلق أجسامها بشكل يمكّنها من السباحة في الهواء كما يسبح السمك في الماء، حيث جعل لها أجنحة قابلة للبسط عند الطيران والقبض عند النزول إلى الأرض، وجعل هيكلها العظمي وريشها وأعضاءها الداخليّة كلّها خفيفة، ومع ذلك فحركة جسم صغير على خلاف قانون الجاذبية من دون أية صعوبة، وارتفاعها بسرعة حيث تغيب عن أعيننا بعد لحظات، يدلّ على أنّ هنا خالقاً مدبّراً خلق الطير على وزن خاص وزوّده بأفضل الأجهزة والقدرات للتحليق والهبوط، كلّ ذلك بصنع من الله سبحانه، فصحّ قوله سبحانه:(مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ). ثمّ ختم الآية بقوله:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) وقد خصّ فيها الاعتبار بقوم يؤمنون، لأنّ غيرهم لا يتدبّرون في ذلك حتى ينتفعوا.
ولكي نتعرّف أكثر على عظمة القدرة الإلهية، نذكر بعض الحقائق المهمّة في هذا المجال، أعني: تذليلها للطيران:
1. تطير بعض أنواع الطيور، وتشمل العديد من طيور السواحل والإوزّ، على علوّ يزيد على (6000)م.

صفحه 192
2. تمّ قياس سرعة صقر البحر عند التحليق، فبلغت (129) كم/الساعة.
3. تم قياس سرعة الصقر الشاهين عند الانقضاض على طريدته، فبلغت (290)كم / الساعة.
4. يقطع الخطّاف القطبيّ، عندما يهاجر من موطنه الشتوي في القطب الجنوبي إلى مناطق تكاثره في القطب الشمالي، يقطع مسافة تقدّر بنحو (18000)كم ذهاباً وإياباً.(1)
هذا كلّه في صنع الله سبحانه، وهكذا الحال فيما يصنعه البشر من الطائرات التي تحلّق في السماء على ارتفاع كبير، فيصحّ فيها قوله تعالى: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ)، وذلك لأنّ هذه الصنائع نتيجة العقل والفكر الذي وهبه الله تعالى للإنسان الذي صنع هذه المخترعات الحديثة.
ثمّ إنّ التأكيد على أنّ الإمساك إنّما هو بيد الله تعالى مع أنّه سبحانه يمسكها عن طريق العلل الطبيعية لأجل التأكيد على أنّ كلّ ما في الكون من العلل قائم بالله، وهو جند من جنوده تعالى، والغاية هي إلفات نظر المشركين إلى التوحيد في التدبير، وحاشى أن يكون القرآن نافياً لوجود النظام الذي يؤثّر في الإمساك والطيران والهبوط.
80. (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًاتَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين):

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:15/355.

صفحه 193
بدأ سبحانه هذه الآية بالإشارة إلى بيان قسم من النِّعم التي يستفيد منها الإنسان، وتتلخّص في الأُمور التالية:
1. البيوت الثابتة، وإليها يشير سبحانه بقوله:(وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا): أي مقرّاً تسكنون فيه وهي الّتي يبنيها الإنسان من الحجر والطين وغيرهما من المواد الطبيعية.
2. البيوت المتنقّلة التي تصنع من جلود الأنعام ويستفاد منها في السفر والحضر كما يقول:(وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا): أي فساطيط (تَسْتَخِفُّونَهَا) تجدونها خفيفة للحمل (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ): أي وقت ارتحالكم وسفركم (وَ يَوْمَ إِقَامَتِكُمْ): أي وقت نزولكم موضعاً تقيمون فيه. وعلى كلّ حال فهذا النوع من البيوت لا يثقل حمله في الحالتين: السفر والإقامة.
وعلى هذا، فالبيوت في صدر الآية يُراد بها ما يُبنى في المدن ويسكن فيها أهلها، فهم ليس لهم ظعن ولا ترحال.
وأمّا البيوت المصنوعة من الجلود، فهي البيوت التي يستخدمها الرُّحّل الذين يتنقّلون أغلب حياتهم في البوادي، يقتفون أثر الماء والكلأ.
3. استخدام الصوف والوبر والشعر لصنع الأثاث إمّا بالنسج وإمّا بالحشو، لصنع الوسائد والأغطية وفُرش النوم.
4. بما أنّ الإنسان يستفيد في حياته من هذه الأشياء بغير ما ذُكر بصور مختلفة، أشار سبحانه إلى تلك النِّعم بقوله:(وَمَتَاعًا): أي يتمتّعون متاعاً (إِلَى حِين): أي ما دامت النِّعم باقية، أو ما داموا هم على قيد الحياة.
وعلى كلّ تقدير، فالله سبحانه أنعم على الإنسان بالعقل والفكر، وإنّه

صفحه 194
في ظلِّ هذه النعمة يستطيع تسخير المواد الأرضية أو الحيوانية لعيشه ورفاهيته.
81 . (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ):

النِّعم الأربع

اشتملت هذه الآية على ذكر نِعَم أربع:
1. الظِّلال، وأشار إليها بقوله: (وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً) فلو أُريد بـ (مِمَّا خَلَقَ) ما خلق طبيعياً فهو يختصّ بالأشجار، والجبال، وإلاّ فيعمّ الأبنية. ونسبة جعل الظِّلال إلى الله سبحانه لأنّه خلق طبائع الأشياء بشكل معيّن وعلى نظام خاصّ، بحيث تكون لها ظلال.
2. مواضع السكن في الجبال، وأشار إليها بقوله:(وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا): أي مواضع تسكنون فيها من كهوف ومغارات تأوون إليها.
وإنّما يقدّر هذه النعمة من يعيشون في المناطق الجبلية، إذ يأوون إليها عند الشدائد كالمطر والبرد والرّيح القويّة.
3. السرابيل، التي تُنسج من القطن والكتّان والصوف ويتّقي بها
الناس لفحَ الحرّ، وقد أشار سبحانه إليها بقوله:(وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ)وإنّما خصّ الحرّ بذلك لأنّ المخاطبين كانت حاجتهم إلى ما يقيهم
من الحرّ أكثر من حاجتهم إلى ما يقيهم من البرد. ويُحتمل أنّه لم

صفحه 195
يقل: «والبرد» للاستغناء عنه بما ذُكر.
4. الدروع، التي تقي الإنسان عند احتدام القتال، وأشار إليها بقوله:(وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ): أي تحميكم من شدّة الطّعن والضرب في الحرب.
ولا شكّ في أنّ للإنسان دخلاً في هذه الصناعات ولكن لمّا كانت موادّها مخلوقة من قبل الله تعالى، والإنسان إنّما يصل إلى هذه الصناعات بفكره الذي أعطاه له سبحانه، تصحّ نسبة هذه الأُمور إلى الله سبحانه، ولأجل ذلك ختم الآية بقوله: (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)فالغاية من إتمام النِّعم عليهم، هي أن ينقادوا لواهبها، ويمتثلوا أمره ونهيه.
82 . (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ):
لمّا بيّن سبحانه في الآية السابقة أنّ الغاية من إتمام النِّعم على الناس هي الانقياد له وامتثال أمره فيما يدعو إليه من الإيمان بوحدانيّته، وبرسوله ورسالاته، فرّع على ذلك بأنّهم لو أعرضوا عمّا يدعوهم إليه النبيّ من الإيمان بالله وحده وأن لا يشركوا به شيئاً، وأصرّوا على ما هم عليه من ضلال عناداً واستكباراً، فلا حرج عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ وظيفته التبليغ الواضح، وقد قام به على خير الوجوه، كما قال: (فَإِنْ تَوَلَّوْا)هؤلاء المشركون عن التوحيد (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) وليس عليك إجبارهم أو إكراههم، فإنّ الإيمان الحقّ ما كان عن تعقّل واختيار لا عن إلجاء واضطرار، فالآية نوع تسلية للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأن لا يتحرّج من إعراضهم.
83 . (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ):

صفحه 196

وصف المشركين بوصفين

يصف سبحانه، في هذه الآية، كلّ المشركين بوصفين:
1. عرفان نعمة الله تعالى.
2. إنكارها.
ثم يصف قسماً كثيراً منهم بأنّهم (هُمُ الْكَافِرُونَ).
وعندئذ يثار هذا السؤال: كيف يصف الأكثرية بالكفر مع أنّ جميعهم كافرون؟
والذي يمكن أن يقال: إنّ المراد بعرفان النعمة هو التمتّع بها، ومن إنكارها إسنادها إلى غير الله تعالى، لِما قلنا من أنّ المشركين كانوا مشركين في التدبير; فيتصوّرون أنّ هذه النِّعم من آلهتهم المزعومة.
ثمّ إنّ هؤلاء المنكرين على قسمين:
1. بسطاء العقول، بُعداء عن النظر، فهؤلاء يعتقدون جدّاً بأنّ هذه النِّعم من غير الله تعالى، وكان هذا بطن عقيدتهم.
2. عقلاؤهم وأهل النظر منهم، فهؤلاء يعلمون أنّ هذه النِّعم من الله سبحانه لكنّهم يجحدون بها عناداً بإسنادها إلى غيره جلّ شأنه. وعلى هذا فالجميع يشاركون في الإنكار أي الإسناد إلى غير الله من غير فرق بين السُّذّج وأهل النظر، غير أنّ كثيراً من أهل النظر منهم يكفرون بنعم الله تعالى عناداً وتمرّداً وينسبونها إلى غير الله، حفظاً لامتيازاتهم الزائفة من مال وجاه وسلطان، إذ لو ساد التوحيد لَفقدوا تلك الامتيازات والمكاسب الشخصية.
سورة النحل: الآيات 84 ـ 89    
وحصيلة الكلام: إنّ إنكار النِّعم يتساوى فيه جميع المشركين، بمعنى

صفحه 197
إسناد النّعم إلى غير الله وأنّها حصلت لهم بشفاعة هذه الأصنام، غير أنّ عقلاءهم اختصّوا بوصف ثالث وهو جحدهم وعنادهم لما يجدونه في أنفسهم من الدلائل الواضحة على أنّ النِّعم منه سبحانه، فأريد من الكفر هو الجحد والعناد.

الآيات: الرابعة والثمانون إلى التاسعة والثمانين

(وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ * وَإذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاَءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ * وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ).

المفردات

شهيداً: شاهداً، يشهد على الأعمال.

صفحه 198
يُستعتبون: من الاستعتاب بمعنى طلب العُتبى، وهي الرضا بعد الغضب، قال تعالى: (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ)(1).
يُنظَرون: يُمهَلون ويؤخَّرون.
السَّلَم: الاستسلام والانقياد.
ضلّ: ضاع وبطل.
تبياناً: بياناً لأُمور الدِّين.

التفسير

صلة هذه المجموعة بما قبلها تتضح بالبيان التالي:

تبيين مصير المشركين بوجوه عشرة

قوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ) عطف على قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)، فبما أنّ ظاهر الفقرة الأخيرة أنّ أمر الكافرين يتمّ عندئذ دون أن يكون لهم جزاء وعقاب، جاءت الآيات في هذه المجموعة تذكر مصيرهم السيِّئ في ضمن فقرات وتشير إلى أنّهم سيواجهون الأُمور التالية:
1. إحضار شهيد يشهد على حقائق أعمالهم يوم القيامة.
2. لا يؤذن لهؤلاء بالكلام يوم ذاك.
3. لا تقبل منهم العُتبى أي طلب الرضا.
4. لا يُخفّف عنهم العذاب.

1 . فصّلت:24.

صفحه 199
5. لا يُمهلون.
6. محاولة إلقاء مسؤولية شركهم على الآلهة.
7. دفاع الآلهة عن أنفسهم بتكذيب المشركين.
8. الاستسلام إلى الله يوم القيامة بعد كشف الحقائق.
9. بطلان أُمنياتهم الكاذبة من أنّ آلهتهم تشفع لهم.
10. مضاعفة العذاب لمن يصدّون الناس عن اتّباع الإسلام.
هذه هي الأُمور التي يواجه بها المشركون الجاحدون لنعم الله تعالى.
فنبدأ بتفسير آيات المجموعة.
84 . (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ):

أُمور ثلاثة يواجَه بها الكافرون

قوله:(وَيَوْمَ نَبْعَثُ) معطوف على قوله:(فَإِنْ تَوَلَّوْا) حيث أخذ سبحانه يبيّن مصير هؤلاء ويقول: (نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا) وهذا الشهيد إمّا أن يشهد على إيمان بعض النّاس أو على كفره وعصيانه.
ثمّ إنّ من يشهد عليه الشهداء بالكفر والتمرّد يحاول أن يدافع عن نفسه، فلا يُسمح له بذلك كما في قوله: (ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) بالدفاع عن أنفسهم لأنّ شهادة الشهيد أوضحت الحال وكشفت الحقائق فلم يبق هناك أيُّ إبهام في إثبات إجرام المجرم، وربّما يطلب المشهود عليهم تحصيل

صفحه 200
الرضا من الله فلا يُمكَّنون منه، كما يقول سبحانه: (وَ لاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ): أي لا يسمح لهم بتحصيل الرضا، لأنّ الموقف هناك موقف محاسبة وجزاء ولا مجال فيه للإرضاء، فيكونون عند ذاك مطرودين لا يُسمع منهم كلام ولا استعتاب.
ثمّ إنّ المراد من الشهيد، هو المطّلع على حقائق أعمال الأُمّة، وهو إمّا أن يكون نبيّاً كما في قوله سبحانه:(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا)(1)، أو غير نبيّ قد بلغ في الإيمان درجة كاملة حتى وقف على حقائق أعمال الغير كما يقول سبحانه:(وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ)(2).
إنّ الشهيد والشهداء في القرآن الكريم هم شهداء الأعمال وليس من قُتل في المعركة، وإن كان للكلّ مقام سام عند الله تبارك وتعالى.
ومن المعلوم أن تحمّل الشهادة وأداءها فرع الحياة والعلم والإحصاء والتسجيل حتى تكتمل شروط الشهادة.

كلام حول الشهادة

إنّ قوله سبحانه:(وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا) يدلّ على أنّ في كلّ جمع وقرن في الدنيا يوجد فيهم واحد شهيد عليهم. أمّا الشهيد على الذين كانوا في عصر الرسول فالشاهد عليهم هو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، بشهادة قوله:(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(3) وأمّا بعد الرسول فلابدّ في كلّ زمان

1 . النساء:41.
2 . الزمر:69.
3 . البقرة:143.

صفحه 201
بعد زمان الرسول من وجود الشهيد.
فتحصّل من هذا أنّ ما من عصر من العصور يخلو من شهيد على الناس، وذلك الشهيد لابدّ أن يكون غير جائز الخطأ وإلاّ لافتقر إلى شهيد آخر ويمتدّ ذلك إلى غير النهاية، وذلك باطل.
هذا ما ذكره الرازي(1)، ونعمَ ما ذكر، إنّما الكلام في التعرّف على ذلك الشهيد.
أقول: إنّ أدوات الشهادة في الدنيا هي الحواسّ الخمس، غير أنّ هذه الحواسّ لا تنفع في المقام لأنّ الشهداء إنّما يشهدون على واقع الأعمال، مثلاً هل عمله هو زواج أو سِفاح؟ بيع أو ربا؟ كذب أو صدق؟ حتّى يشهدون على المعاني النفسية من الكفر والإيمان، وهذه الأُمور ممّا لا يدركه الإنسان بالحواسّ الظاهرية وبواطنها، فليس هو إلاّ رجل في كلّ عصر يتولّى الله أمره ويرزقه قدرة علمية فائقة يصل بواسطتها إلى ما يشهد به.
وبذلك يُعلم أنّ ما ذكره الرازي بعد كلامه السابق من أنّ هذا الشهيد عبارة عن الإجماع حيث قال: (فثبت أنّه لابدّ في كلّ عصر من أقوام تقوم الحجّة بقولهم، وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأُمّة حجة)(2) لا صلة له بكلامه السابق، إذ ليس الكلام في وجود الحجّة وعدمها إنّما الكلام في الشهادة على الناس ولا يقوم به الإجماع; وإنّما يقوم به إنسان واقف بفضل الله على ما صدر من الناس من إيمان أو كفر، وطاعة أو عصيان، فكان على الرازي أن يستظهر من الآية وجود إمام معصوم في كلّ زمان يكون حجّة

1 . تفسير الرازي:20/98ـ 99.
2 . تفسير الرازي:20/99.

صفحه 202
أوّلاً، وشهيداً وشاهداً على الأعمال ثانياً. والآية تؤيّد ذلك، أعني وجود شاهد، حجّة، في كلّ عصر وزمان يتحمّل شهادة أعمال الأُمّة، وهذا ما عليه الإمامية من عدم خلوّ الأرض من حجّة.
85 . (وَإذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ):
أُريد بالذين ظلموا هنا المشركون، وكثيراً ما يطلق الظلم ويراد به الشرك. وهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالشرك ـ بعد ما حكم عليهم بالعذاب ـ يساقون إلى مقرّهم البئيس (جهنم) فإذا رأوا العذاب، فربما يتصوّرون أنّ الجزاء يوم القيامة كالجزاء في الدنيا يمكن أن يتغيّر باعتذار المجرم واستعتابه، فالله سبحانه يردّ هذا التصوّر بالفرق بين العذابين ويقول: (وَإذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا): أي أشرفوا على (الْعَذَابَ)وطلبوا التخفيف (فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ) العذاب إذا وقعوا فيه، لأنّه موافق لظلمهم (وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ): أي يُمهلون، إذ لا سبيل لتأخير العذاب وتأجيله.
86 . (وَإذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاَءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ):

إلقاء المسؤولية على الآلهة وتبرؤهم منها

قد يخطر ببال المشركين لو أنّهم ألقوا مسؤولية شركهم على عاتق

صفحه 203
آلهتهم ربما ينفعهم وتكتب لهم النجاة من العذاب، ولذلك يبدأون بالاعتذار عن هذا الطريق، قال سبحانه:(وَإذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ)أضاف الشركاء إلى المشركين لا إلى الله سبحانه تحقيراً لهم، إذ ليس لهم من الشركة إلاّ الاسم، كما قال سبحانه: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)(1).
فإذا أبصروا الشركاء: (قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاَءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا) نعبد (مِنْ دُونِكَ) يقولون ذلك طمعاً في توزيع العذاب بينهم وبين شركائهم أو إحالة الذنب عليهم، ولكن الآلهة المدّعاة تتبرّأ منهم كما يحكي ذلك عنهم سبحانه بقوله: (فَأَلْقَوْا): أي الآلهة (إِلَيْهِمُ): أي إلى المشركين (الْقَوْلَ): أي الجواب (إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ): أي كذبتم ولم تكن عبادتكم لنا بأمرنا.
ثمّ إنّ التعبير عن الآلهة بالضمير الراجع إلى العاقل أعني الواو في (فَأَلْقَوْا) من باب المشاكلة.
وليعلم أنّ صريح كلامهم هو الإعلام بأنّ هؤلاء شركاؤنا، وأمّا القاء المسؤولية عن عاتقهم فإنّما يفهم بالقرينة الحالية.
87 . (وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ):
الضمير في (وَأَلْقَوْا) يرجع إلى المشركين على خلاف السابق، فإنّ الضمير فيه يرجع إلى الآلهة كما مرّ: أي استسلم المشركون إلى أمر الله

1 . يوسف:40.

صفحه 204
وانقادوا إلى حكمه يومئذ. ويشهد لهذا المعنى ذيل الآية: (وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ): أي ضاع عنهم وغاب ما كانوا يفترون في الدنيا من أنّهم يسمعون ويشفعون.
ثمّ إنّ استسلام المشركين أمام المحكمة الإلهية ومصائرهم السيّئة، لأجل مكان عنادهم الذي كانوا عليه في الدنيا، حيث إنّهم كانوا يعاندون ولا يستسلمون كما قال سبحانه:(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)(1) أي إذا عاينوا العذاب بأُمّ أعينهم استسلم كل جزء من أجزاء أبدانهم لحكم الله تعالى، ولذلك يقول:(وَ أَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذ السَّلَمَ).
88 .(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ):

مضاعفة العذاب للصادّين عن سبيل الله

الآية تتعرّض لحال قسم من الكافرين الذين كانوا يصدّون الناس عن سبيل الله ويمنعونهم من الإيمان بالله، وهم قادة الكفر وأئمته، والله سبحانه يخبر بأنّ عذاب هؤلاء فوق عذاب الآخرين من الضالّين، فلهم عذابان:
1. عذاب الكفر بالله سبحانه.
2. عذاب صدّ الناس عن الإيمان.
قال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا); (وَ)الحال أنّهم (صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ)فجُوزوا بقوله: (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا)وصدّهم الناس عن الإيمان بالله وحده

1 . النمل:14.

صفحه 205
ورسالة نبيه فيعذّبون (فَوْقَ الْعَذَابِ)المقرّر للكفر، وسبب هذه الزيادة (بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ): أي بسبب إفسادهم وإغراء الناس بالكفر ورغبتهم عن الإسلام.
وإليك نموذجيين من رؤساء القبائل الذين صدّهم كبار المشركين عن الإسلام:

1. الأعشى

ذكر ابن هشام وغيره أنّ الأعشى الذي كان من شعراء الجاهلية وكانت قصائده تتناقلها مجالس السَّمر القرشية، بلغه نبأ ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من التوحيد، فوجد في نفسه هياجاً خاصّاً وحرّك مشاعره فأنشد قصيدة مطولة يمدّح فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتتضمن بعض تعاليم الإسلام، ثم خرج إلى مكّة ليهديها إليه، وهو في نفس الوقت يريد الإسلام.
ورغم أنّ تلكم القصيدة لا تتجاوز أبياتُها 24 بيتاً، ولكنّها تُعدّ من أفضل وأفصح ما قيل من الشعر في الإسلام وفي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في العهد النبوي، ويوجد نصّها الكامل في ديوانه، وممّا جاء فيها وهو يذكر بعض تعاليم الإسلام:
نَبيّاً يرى ما لا يَرون وذكرُه *** أغار لعَمري في البلاد وأنجدا
فإيّاك والميتات لا تقربنّها *** ولا تأخذَنْ سَهماً حديداً لتفصدا
وذا النُّصُب المنصوب لا تُنسكُنّه *** ولا تعبد الأوثان واللهَ فاعبُدا
ولا تقربنَّ حُرَّة كان سرُّها *** عليك حراماً فانكحن أو تأبّدا

صفحه 206
وذا الرَّحِم القربى فلا تقطعنَّه *** لعاقبة، ولا الأسير المقيَّدا
وسبِّح على حين العشيات والضُّحى *** ولا تحمَد الشيطان واللهَ فاحمدا
فلما كان بمكة أو قريباً منها اعترضه جواسيس قريش ورجالها فسألوه عن أمره وقصده، فأخبرهم بانّه جاء يريد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليسلم، وحيث إنّهم كانوا يعرفون بأنّ «الأعشى» رجل يحبّ النساء والخمر حبّاً كبيراً لذلك عمدوا إلى الضرب على هذا الوتر لينفّروه من الإسلام، فقالوا له: يا أبا بصير (وهي كنية الأعشى) إنّه يحرِّم الزنا.
فقال الأعشى: والله ذلك لأمرٌ مالي فيه من أَرَب.
فقالوا له: يا أبا بصير فإنّه يحرِّم الخمرَ.
فقال الأعشى ـ وقد صُدِمَ بهذا الخبر ـ أمّا هذه فوالله في النفس منها لعلالات، ولكني منصرفٌ فأتروّى منها عامي هذا، ثم آتيه فأُسلم!! فانصرفَ فمات في عامه ذلك، ولم يَعُدْ إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)

2. الطُفيل بن عَمرو الدَّوسيّ

وهو الشاعر العربي الحكيم العذب اللسان، صاحب النفوذ والكلمة المسموعة في قبيلته.
يُروى أنّه قدم «مكة» ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بها، وكانت قريش تخشى أن يتصل بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيُسلم.
ومن البديهي أنّ إسلام رجل مثله كان ممّا يشقّ على قريش جدّاً، ولهذا

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 386 ـ 388.

صفحه 207
مشى إليه رجالٌ منهم وقالوا له ـ محذِّرين إيّاه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ : يا طُفيل، إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وإنّما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنَّه، ولا تسمعنّ منه شيئاً، ففعلت تحذيرات قريش فعلتَها في نفس الطفيل وهم يكرّرونها عليه بقوّة وإصرار، حتى أنّه قرّر أن لا يسمع من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً، ولا يكلّمه، وحشّى أُذنه ـ حين غدا إلى المسجد للطواف ـ قُطناً، خوفاً من أن يبلغه شيء من قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو لا يريد أن يسمعه!!!
يقول الطفيل: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قائم يصلّي عند الكعبة، فقمتُ منه قريباً فسمعتُ كلاماً حسناً من غير اختيار منّي، فقلت في نفسي: واثكلَ أُمّي، والله إنّي لرجل لبيبٌ شاعرٌ ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلتُه، وإن كان قبيحاً تركتُه؟
فمكثتُ حتى انصرف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيته فاتّبعته حتى إذا دخل بيته دخلتُ عليه، فقلت: يا محمّد إنّ قومك قد قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوّفونني أمرك حتى سددت أُذني بكُرسُف لئلاّ أسمع قولك ثم أبى الله إلاّ أن يُسمعني قولك فسمعتهُ قولاً حسناً، فأعرضْ عليّ أمرك، فعرض عليّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحقّ.

صفحه 208
ثم قلت: يا نبيّ الله إنّي امرؤ مطاعٌ في قومي وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام.
قال ابن هشام: إنّ الطفيل لم يزل بأرض «دوس» يدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة، ومضى «بدر» و «أُحد» و «الخندق» فقدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمن أسلم معه من قومه وهم سبعون أو ثمانون بيتاً ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر، فلحقوا جميعاً برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بخيبر، وبقي مع النبيّ حتى قُبِض(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم سار مع المسلمين ـ في عهد أبي بكر ـ إلى «اليمامة» وشارك في معركتها وقُتل فيها.(1)
وبالتدبّر فيما ذكرنا يُعلم لماذا يزيد سبحانه على الصادّين عن سبيل الله عذاباً فوق عذابهم، فالصدّ عن إسلام مثل هؤلاء الرُّؤساء، هو صدٌّ عن إسلام جمع من الناس، فإنّ الأمر في الحياة العشائرية بيد رئيس العشيرة، فإذا أسلم أسلم كلّ أبناء عشيرته، فإذا صدّوا رئيس القبيلة عن اعتناق الإسلام، فقد صدّوا عنه أعداداً كبيرة من أبناء عشيرته.
89 . (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ):
كان سبحانه قد أشار في صدر الآية(84) إلى بعث شهيد من كلّ أُمّة، وإنّما كرّر ذلك هنا ليبني عليه ما يلي:

1 . السيرة النبوية:1/382ـ 385.

صفحه 209
1. أنّ شهيد كلّ أُمّة من أنفسهم، كما قال:(شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ).
2. كون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) شاهداً على أُمّته، كما يقول:(وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ) وأريد بهم المسلمون والمشركون الذين عاصروا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ إنّ الشهادة على المؤمن والكافر فرع الاحتجاج وإتمام الحجّة، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يستحقّ هذا المقام، أعني مقام الشهادة، وذلك لأنّ الله تعالى أنزل عليه الكتاب الذي تتمّ به الحجّة بما احتوى من آيات بيّنات تهدي إلى الحقّ وإلى صراط مستقيم، كما يقول سبحانه: (وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ): أي القرآن. ثمّ وصفه بأربعة أوصاف:
الأوّل: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء): أي تبياناً لكلّ ما يحتاج إليه الناس في معرفة الحلال والحرام ومعرفة الله سبحانه وأسمائه وصفاته، يقول السيد الطباطبائي: التبيان والبيان بمعنى واحد، وإذ كان كتاب هداية لعامّة الناس، وذلك شأنه، كان الظاهر أنّ المراد بكلّ شيء كلّ ما يرجع إلى أمر الهداية ممّا يحتاج إليه الناس في اهتدائهم من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدأ والمعاد، والأخلاق الفاضلة، والشرائع الإلهية، والقصص والمواعظ، فهو تبيان لذلك كلّه... إلى أن قال: لكن في الروايات ما يدلّ على أنّ القرآن فيه علم ما كان وعلم ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ولو صحّت الروايات لكان من اللازم أن يكون المراد بالتبيان أعمّ مما يكون من طريق الدلالة اللفظية، فلعلّ هناك إشارات من غير طريق الدلالة اللفظية تكشف عن أسرار وخبايا لا سبيل للفهم المتعارف إليها.(1)

1 . الميزان في تفسير القرآن:12/324ـ325.

صفحه 210
الثاني: (وَهُدًى) حيث تُرشد آياته التي تتضمّن الحكم والمواعظ والحجج الباهرة، إلى طريق الحقّ وسبيل النجاة.
الثالث: (وَ رَحْمَةً) لمن صدّق به.
الرابع: (وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ): أي بشارة بالثواب الدائم والنعيم المقيم، للذين استسلموا للحقّ وانقادوا إليه قولاً وعملاً.
سورة النحل: الآيات 90 ـ 97    

الآيات: التسعون إلى السابعة والتسعين

(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّة إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ

صفحه 211
اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاق وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

المفردات

بالعدل: فسّره الراغب بقوله: لفظ يقتضي لفظ المساواة، ثمّ قال: فالعدل هو التقسيط على سواء، وعلى هذا روي:«بالعدل قامت السماوات والأرض».(1)
وما ذكره ينطبق على المعنى اللغوي حيث يطلق العِدْل على ما تحمله الدابّة على جانبي ظهرها فيجب أن يكون متساوياً، ولكن الذي أريد به وضع الأشياء في مواضعها أو إعطاء كل شخص حقّه، وقد سئل الإمام عليّ(عليه السلام): أيهما أفضل، العدل، أو الجود؟ فقال(عليه السلام):«الْعَدْلُ يَضَعُ الاُْمُورَ مَوَاضِعَهَا، وَالْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ، وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا».(2)
الإحسان: الإحسان (إلى الآخرين): إيصال خير أو نفع إليهم لا على سبيل المجازاة والمقابلة، كأن يقابل الخير بأكثر منه، ويقابل الشرّ بالإغضاء والتسامح، أو يبادر إلى الخير ابتداءً.

1 . المفردات للراغب:501، مادة «عَدَل».
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 437.

صفحه 212
إيتاء ذي القربى: إعطاء الأقارب حقّهم من الصلة والبرّ، وأُريد في الآية القريب الخاص.
الفحشاء: ما قبح من القول والفعل، كالكذب والسرقة.
المنكر: ما تنكره العقول المستقيمة.
البغي: الظلم والتطاول.
يعظكم: الوعظ: النصح والإرشاد.
بعهد: العهد كلّ ما يلتزمه الإنسان باختياره من فعل أو ترك فهو عهد عند أهل العرف، ولا يكون عهداً يجب الوفاء به شرعاً إلاّ إذا كان مقروناً باسمه سبحانه، كقوله: عاهدت الله، وعليّ عهد الله.
لا تنقضوا الأيمان: نقض اليمين: الحنث بها.
كفيلاً: الكفيل: الضامن، والمراد هنا: شاهداً ورقيباً.
نقضت غزلها: نقض الغزل بمعنى حلّه.
أنكاثاً: جمع نِكْث، وهو نقض المفتول بعد غزله.
دَخَلاً: الدَّخَل: الفساد، الخديعة. وأصل الدَّخَل ما يدخل في الشيء تدريجاً وليس منه.
أربى: أكثر وأوفر عدداً.
تزلّ: تنقل الرجل من موضعها من دون إرادة صاحبها لخلل في الأرض، وزلل القدم يستعار لاختلال الحال.
تذوقوا: الذوق مستعار للإحساس القويّ.

صفحه 213
صددتم: منعتم الناس عن اتّباع دين الله.
ينفد: النفاد: الفناء، نَفِد الشيء إذا فني.

التفسير

لمّا وصف سبحانه القرآن بكونه تبياناً لكلّ ما يحتاجه الناس في حياتهم الدنيوية والأخروية، جاء البيان القرآني ليكشف عن أُصول الفضائل والأخلاق والآداب التي لو عملت بها الأمة الإسلامية أو الأُمم جميعاً لَصلح حالهم، ونَعِموا في ظلالها بتعايش سلميّ، وحياة رغيدة تشيع فيها روح التآخي والتآلف، ويسودها الرفق والأمن والسلام.
90.(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ):
ذكر سبحانه أُصولاً ثلاثة من أنواع الفضائل كما أردفها بأُصول ثلاثة من المساوئ.
روى الطبريّ والحاكم وغيرهما عن ابن مسعود قال: أعظم آية في كتاب الله: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)(1) وأجمع آية في كتاب الله للخير والشّرّ قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ...)(2).
وروى البيهقي عن الحسن ]البصري[: أنّه قرأ هذه الآية وقال: إنّ الله عزّ

1 . البقرة:265.
2 . انظر: تفسير الدر المنثور:5/160.

صفحه 214
وجلّ جمع لكم الخير كلّه والشّرّ كلّه في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئاً إلاّ جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله إلاّ جمعه.(1)
وروى الصّدوق عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، قال: «استعمال العدل والإحسان مؤذِن بدوام النِّعمة».(2)
ونقل الطبرسي أنّ عثمان بن مظعون قال: كنت أسلمت استحياء من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لكثرة ما كان يعرض عليّ الإسلام ولم يقرّ الإسلام في قلبي، فكنت ذات يوم عنده حال تأمُّله، فشخص بصره نحو السماء كأنّه يستفهم شيئاً، فلما سرّي عنه سألته عن حاله فقال: نعم، بينا أنا أحدِّثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء، فأتاني بهذه الآية: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)وقرأها إلى آخرها، فقرّ الإسلام في قلبي، وأتيت عمّه أبا طالب فأخبرته، فقال: يا آل قريش، اتّبعوا محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) تُرشدوا، فإنّه لا يأمركم إلاّ بمكارم الأخلاق، وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الآية فقال: إن كان محمد قاله فنعمَ ما قال، وإن قاله ربُّه فنعمَ ما قال، قال: فأنزل الله: (وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى)(3)يعني قوله: فنعم ما قال.(4)
إذا تبيّن ذلك فلندخل في تفسير الآية، فنقول: إنّه سبحانه ركّز على الأُصول الثلاثة: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وقال:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ

1 . انظر: تفسير الدرّ المنثور: 5/160.
2 . عيون أخبار الرضا: 2 / 26، الحديث 52 .
3 . النجم: 34 .
4 . مجمع البيان:6/220ـ 221.

صفحه 215
بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى).

العدل

أمّا العدل فقد مرّ أنّه عبارة عن وضع الأشياء في مواضعها أو إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وهو يشمل كافة شؤون الإنسان المادّية والمعنوية، وله حسب الموارد أبعاد:

1. عدل الحاكم

إذا تسنّم إنسان منصب الحكم ومَلَك القدرة بيده، فعليه الالتزام بالعدل في كلّ ما يتعلّق به، وإليه يشير سبحانه بقوله:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(1).
فالعدل يوجب على الحاكم أن يقيم الصلاة بدعوة الناس إليها مضافاً إلى فعلها، وأن يدفع خَلّة المحتاجين بإيتائهم الزكاة، مضافاً إلى إشاعة المعروف بين الناس ونشر المحاسن والزَّجر عن المنكرات، فإذا قام بذلك فقد قام بالعدل المطلوب في الحاكم.
وهناك من الحكّام مَنْ يُسيء استغلال منصبه، فيعمل على نشر الظلم والفساد والدّمار والخراب، كما يقول سبحانه:(وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ).(2)

1 . الحج:41.
2 . البقرة:205ـ 206.

صفحه 216

2. عدل المشرّع

وللعدل بُعدٌ ثان وهو رعاية العدل عند تدوين القوانين وتشريعها، فينظر المشرِّع إلى المجتمع بنظرة واحدة دون أن يسلِّط طائفة على طائفة فقد قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «الناس كأسنان المشط سواء».(1)

3. عدل القاضي

القضاء الصحيح الذي يقوم به المجتمع هو القضاء بالعدل، ولذلك يأمر سبحانه نبيّه داود بقوله:(يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ).(2)
وقد عقد المحدّثون لا سيما الحرّ العاملي(رحمه الله) باباً مفصّلاً حول آداب القاضي، نذكر بعض ما ورد فيه من الروايات ممّا يتّصل ببحثنا:
1. روى سلمة بن كهيل: سمعت عليّاً(عليه السلام) يقول لشريح:«واعلم أنّه لا يحمل الناس على الحق، إلاّ من وزَعَهم عن الباطل، ثم واسِ بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك، حتى لا يطمع قريبك في حَيفك، ولا ييأس عدوّك من عدلك، وردّ اليمين على المدّعي مع بيِّنته، فإنّ ذلك أجلى للعمى، وأثبت في القضاء.
واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض، إلاّ مجلود في حدّ لم يتب منه، أو معروف بشهادة زور، أو ظنين. وإيّاك والتضجّر والتأذّي في

1 . من لا يحضره الفقيه:4/379، برقم 5798.
2 . سورة ص:26.

صفحه 217
مجلس القضاء، الذي أوجب الله فيه الأجر، ويحسن فيه الذُّخر لمن قضى بالحقّ».(1)
2. روى الحلبي، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«قال أمير المؤمنين(عليه السلام) لعمر بن الخطاب: ثلاث إن حفظتهنّ، وعملت بهنّ كفتك ما سواهنّ، وإن تركتهنّ لم ينفعك شيء سواها، قال: وما هي يا أبا الحسن؟ قال: إقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود، قال عمر: لعمري لقد أوجزتَ و أبلغتَ».(2)

4. العدل الاقتصادي

لا شكّ أنّ أبناء المجتمع يتفاوتون فيما بينهم في الاستعداد والقابليات، فالتسوية ـ مثلاً ـ بين العامل الماهر والعامل غير الماهر على خلاف العدل، ومع ذلك كلّه فيجب على الحاكم أن يتجنب الطبقية الظالمة التي تنشأ تحت ظلها طبقة تملك كلّ شيء وطبقة أُخرى تفقد كلّ شيء، ولذا نهى الله عن ذلك وقال:(كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ).(3)
قال الإمام علي(عليه السلام): «وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الاَْطْعِمَةِ ـ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ الْيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبَيْتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

1 . الوسائل:19، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب آداب القاضي، الحديث2.
3 . الحشر:7.

صفحه 218
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَة *** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ!(1)

5. العدل الاجتماعي

وللعدل أيضاً بُعدٌ في الاجتماع، وهو أن يقوم كلّ فرد من أفراد المجتمع برعاية حقوق الآخرين، ولا يتجاوز عليها، ولذلك يقول سبحانه:(وَزِنُوا بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).(2)
وقد أكّد الأنبياء على إيفاء الكيل و الميزان بالقسط في غير واحدة من الآيات، قال تعالى:(وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)(3) .
وما أروع قول الإمام عليّ(عليه السلام)، وهو يرسم الخطوط العريضة للعدل الاجتماعي، قال(عليه السلام) لابنه الحسن(عليه السلام): «يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ».(4)
هذا كلّه حول العدل، وإليك الكلام في الإحسان.

الإحسان

وهو على قسمين:

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 45 (من رسالة الإمام(عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف).
2 . الإسراء:35.
3 . هود:85.
4 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 31.

صفحه 219
1. أن تُحسن إلى من أحسن إليك، يقول سبحانه:(هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)(1).
2. أن تحسن إلى من أساء إليك. وهذا من أفضل مراتب الإحسان.
روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته:«ألا أُخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟: العفوعمّن ظلمك، وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك».(2)
ومن الإحسان نشر الرحمة وإيجاد المحبّة في نفوس الآخرين، وكلّ شيء يستقلّ العقل بحسنه فهو داخل في الإحسان.
وما أجمل قول أحد المعاصرين:«لولا البرّ والإحسان لم تنبض عروق الأحقاب والأزمان»(3).

إيتاء ذي القربى

وأمّا إيتاء ذي القربى، أي الأقارب والأرحام، فبما أنّ المراد من الإيتاء هو إيتاء المال فيكون المراد إعطاء الخمس الذي فرضه الله سبحانه في قوله:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ)(4).

1 . الرحمن:60.
2 . الكافي:2/107، كتاب الإيمان والكفر، باب العفو، برقم 1.
3 . التعايش السلمي للدكتور محمود الموسوي:61.
4 . الأنفال:41.

صفحه 220
وربما يتصور أنّ المراد به ما في قوله سبحانه:(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا)(1).
وهو بعيد لأنّ السورة وآياتها مكّية وما ورد في النساء مدنيّ، مضافاً إلى الاختلاف في التعبير فقد جاء لفظ القربى هنا بصورة الإفراد وقال: (وَلِذِي الْقُرْبى) وفي سورة النساء بصيغة الجمع:(أُولُوا الْقُرْبى)وهذا دليل على أنّ المراد من ذي القربى في آيتنا هو نفس ما أريد به في سورة الأنفال.
وبعد أن أمر سبحانه بما يوشّج العلاقات بين أبناء المجتمع من أُصول الفضائل، نهى عما يفسد تلك العلاقات من رذائل، وقال:(وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ).
أمّا الفحشاء، فهي ما قبح من القول والفعل، وإن شئت قلت: اسم جامع لكلّ عمل أو قول تستفظعه النفوس، لأنّه إمّا يضرّ بحال الفاعل، أو بحال المجتمع.
وأمّا المنكر، فهو ما تنكره العقول والنفوس المعتدلة من فعل أو قول، وقد وصف سبحانه الظهار من مصاديق المنكر قال:(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا)(2)، كما وصف اللواط منكراً وقال: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)(3).
وأمّا البغي، فهو الاعتداء على حقوق الآخرين سواء أكان في غير المعاملة، كالغارة التي كانت إحدى المكاسب في الجاهلية، أو في المعاملة

1 . النساء:8.
2 . المجادلة:2.
3 . العنكبوت:29.

صفحه 221
كالتطفيف، يقول سبحانه: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ)(1).
وأتمّ سبحانه الآية بقوله: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وهذا يدلّ على أنّ حسن الفضائل وقبح الرذائل أمر فطريّ مخمور في النفوس، والله سبحانه يريد أن يذكّر بما تدعو إليه فطرتهم. وفي نهاية المطاف نذكر ما روى ابن ماجة عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قال:«أمر الله نبيّه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، فخرج، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة في الموسم. فدعاه إلى الإسلام وأن ينصروه، فقال مفروق بن عمرو منهم: إلاَمَ تدعونا أخا قريش، فتلا عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) الآية: فقال: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قومٌ كذّبوك وظاهروا عليك».(2)
***
لمّا رسا مركب القلم عند هذا الساحل خطر ببالي ما جادت به قريحة الشريف الرضيّ في قصيدته التي ذكر فيها عمر بن عبد العزيز بقوله:
يا ابن عبد العزيز لو بكت العيـ *** ـنُ فتىً من أميّة لَبكيتُكْ
أنت نزّهتنا عن السبّ والشتـ *** ـمِ فلو أمكن الجزاء جَزيتُك(3)
ومن المعلوم أنّ عمر بن عبد العزيز أمر بقراءة هذه الآية في خطبة

1 . الحج:60.
2 . التحرير والتنوير:13/208; شرح الأخبار:2/387.
3 . شرح نهج البلاغة:4/60.

صفحه 222
الجمعة، وأن تجعل تلاوتها عوضاً عما كانوا يذكرونه في خطبة الجمعة من سب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وقد أسّس هذا البناء الظالم معاوية بن أبي سفيان بعد أن ابتزّ الحُكم بالسُّفهاء عام 41هـ، فكتب إلى الأمصار يأمر بسبّ عليّ(عليه السلام)على منابر صلاة الجمعة، فصار ذلك سنّة، لُعن فيها أوّل المسلمين إسلاماً وأشدّهم جهاداً في سبيله، وأعبدهم عبادة، وأزهدهم عن حطام الدنيا، ولقد ولد في بيت الله الحرام واستشهد في بيت الله.
ومن عجيب الكلام ما ذكره ابن عاشور، حيث قال: ولم أقف
على تعيين الوقت الذي ابتدأ به هذا السبّ، ولكنّه لم يكن في خلافة معاوية.(1)
أقول: كأنّ الشيخ لم يقرأ سطراً من سطور التاريخ في مبدأ هذه السُّنّة، ولم تمر على ناظريه الرواية التالية التي ذكرها مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبّه، لاَن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليَّ من حُمر النَّعم... إلى آخر الرواية.(2)
وقد كتب كتاباً إلى الأمصار يأمرهم بذلك.(3)

1 . التحرير والتنوير:13/209.
2 . صحيح مسلم:1198، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، رقم الرواية 6114، دار الفكر، بيروت، 1424هـ، ولاحظ: مروج الذهب:3/24، البداية والنهاية:8/83، حوادث سنة 55 هـ .
3 . لاحظ: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:4/72.

صفحه 223
وجاء في الكشّاف: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، أُقيمت هذه الآية مقامها. ولعمري إنّها كانت فاحشة ومنكراً وبغياً، ضاعف الله لمن سنّها غضباً ونكالاً وخزياً إجابة لدعوة نبيّه و«عادِ من عاداه».(1)

كلام حول التحسين والتقبيح العقليين

اختلف المتكلّمون في هذا الأمر: هل أنّ العقل يدرك حُسن بعض الأفعال وقبحها، فيحثّ على الأوّل ويزجر عن الثاني أو لا؟
ذهبت العدلية إلى أنّ للعقل تلك المقدرة، فيدرك حسن فعل أو قبحه، أمّا الأشاعرة فقالت: إنّ الحسن والقبح شرعيّان، ولا يقضي العقل بحسن شيء ولا بقبحه، بل القاضي بذلك الشرع، فما حسّنه فهو حَسَن، وما قبّحه فهو قبيح.(2)
وللطائفتين دلائل لا نريد الدخول في نقلها ونقدها، لكن نشير في المقام إلى شيء له مساس بالآية، وهو أنّه سبحانه يأمر في هذه الآية بأُمور ثلاثة، ويزجر عن ثلاثة، ومعنى ذلك أنّ حسن الأُمور الثلاثة الأُولى كان أمراً مسلّماً في عهد الرسالة عند المخاطبين، كما أنّ قبح الثلاثة الأُخرى كان أمراً مفروغاً منه عندهم، ولذلك أمر بالأُمور الحسنة عندهم، ونهاههم عن الأُمور القبيحة، أي أنّهم كانوا على اطّلاع على الحَسَن والقبيح.

1 . تفسير الكشّاف:2/215.
أقول: ولو كانت لصاحب الكشّاف شجاعة أدبيّة لصرّح باسم من سنّ هذه الجريمة النكراء، ولكنّ الظروف لم تسمح له بالتصريح بالاسم.
2 . انظر: نهج الحق وكشف الصدق:83.

صفحه 224
وبعبارة أُخرى: إنّ الذكر الحكيم يستنطق فطرتهم، وبما أنّها قاضية على حُسن الأُولى وقُبح الأُخرى، أمر بالأُولى ونهى عن الثانية.
وبعبارة ثالثة: إنّه سبحانه أمر بالعدل بالمعنى الذي عند المخاطبين دون أن يشرح لهم معنى العدل والإحسان و... وهذا يدلّ على تسليم درك العقل واقع هذه المفاهيم التي تتردّد بين الحُسن والقُبح.
وليست هذه الآية الوحيدة في إثبات أنّ التحسين والتقبيح عقليان، بل هناك آيات أُخرى تدلّ على ذلك نأتي بها على وجه الإجمال:
1. قال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)(1).
2. قال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)(2).
3. قال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)(3).
ففي هذه الطائفة من الآيات يوكل الذكر الحكيم القضاء إلى وجدان الإنسان، وأنّه هل تصحّ التسوية بين المفسدين والمتقين، والمسلمين والمجرمين، كما يتّخذ من الوجدان قاضياً في قوله: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).
فخرجنا بالنتيجة التالية: وهي أنّ إدراك الحُسن والقُبح في قسم من الأفعال أمر يدركه العقل، وأنّ الشارع أخذ بما هو الحَسَن عندهم أو القبيح

1 . سورة ص:28.
2 . القلم:35.
3 . الرحمن:60.

صفحه 225
كذلك موضوعاً لحكمه، فأكّد على الأوّل وزجر عن الثاني من دون حاجة لأن يشرح لهم الموضوع ثم يذكر الحكم، وإن كنت في شكّ فاقرأ قوله تعالى:(يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ): أي ما عندهم من معروف (وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ)(1): أي ما عندهم من منكر.
ومن أراد التفصيل، فليرجع إلى كتابنا «التحسين والتقبيح العقليان».
***
91. (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ):

الأمر بالوفاء بالعهد والنهي عن نقضه

يأمر الله سبحانه في هذه الآية بشيء وينهى عن شيء آخر. أمّا الأوّل فيأمر بالوفاء بالعهد، وأمّا الثاني فينهى عن نقض الأَيمان بعد توكيدها. والعهد بين الإنسان وربّه هو أن يوجب الإنسان على نفسه التزاماً لله تعالى على أن يفعل أمراً معيّناً أو يتركه، كما لو قال:أعاهد الله أن أفعل كذا أو أترك كذا. وهذا هو العهد الصريح، وأمّا غير الصريح فهو أن يؤمن بالله تبارك وتعالى فإنّ الإيمان به إعطاء عهد له أن يكون عبداً مأموراً من جانبه فيمتثل أوامره ويجتنب نواهيه. ولا شكّ في أنّه يجب الوفاء بكلا العهدين، لكن الكلام فيما هو المقصود من الآية؟
الظاهر هو المعنى الثاني، لأنّ الآية مكّية، وهذه الفترة تناسب المعنى

1 . الأعراف:157.

صفحه 226
الثاني، حيث إنّ بعض المسلمين كانوا على مقربة من الرجوع من الإسلام إلى الشرك خوفاً من المشركين. ويؤيد ذلك ما رواه ابن جرير الطبري بسنده عن بُريدة في قوله تعالى:(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) قال: نزلت هذه الآية في بيعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كان من أسلم بايع على الإسلام فقال:(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)فلا تحملنكم قلّة محمد وأصحابه وكثرة المشركين ان تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام.(1)
وأمّا اليمين، فكما إذا قال: بالله لاَفعلنّ كذا، أو لاَتركنّ كذا.
فقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) إشارة إلى التعاهد مع الله، وأمّا قوله تعالى:(وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) فإشارة إلى الحلف بالله تعالى.
ثمّ إنّه سبحانه قيّد الأيمان بالتوكيد وقال: (وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)وربما يُتوهَّم منه أنّ اليمين الذي لاتشدّد فيه لا يجب الوفاء به، مع أنّ اليمين يجب الوفاء به مطلقاً سواء أتشدّد الحالف وأغلظ بيمينه أم لم يتشدّد ويغلظ.
وعلى هذا، فالمراد من التوكيد إحكام اليمين بالقصد والعزم وكونها لأمر راجح، بخلاف قولهم: لا والله، فإنّه من لغو الأيمان، فالتوكيد في هذه الآية يفيد ما يفيده التعقيد في قوله تعالى: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)(2).

1 . جامع البيان:14/201 برقم 21872; تفسير الدر المنثور:5/161(وفيه: مزيدة بن جابر، بدل بُريدة).
2 . المائدة:89.

صفحه 227
ثمّ إنّ الظاهر أنّ نقض اليمين أشنع من نقض العهد بشهادة قوله: (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً)والظاهر أنّ هذه الفقرة ترجع إلى الأيمان، ومعناها أنّ من حلف بالله فقد جعل الله كفيلاً وضامناً للوفاء بقوله، والكفيل هنا الرقيب والشاهد، فإن أخلف فقد خان الله بالذات واستحقّ العذاب والعقاب (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) من حفظ الأيمان ونكثها.
إنّ الوفاء بالعهد فرديّاً كان أم جماعيّاً أم دوليّاً، هو أمر فطريّ يحثّ عليه الإسلام، وأمّا نقض العهد فهو أمر تأباه الفطرة السليمة، وهو مذموم عند الناس، وكأنّ شخصية الإنسان تتجلّى في حفظ العهد ونقضه، ولذلك نرى أنّه سبحانه ينهى عن قتال المشركين مادام أنّهم استقاموا على عهدهم، قال سبحانه:(إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)(1)، كما أنّه سبحانه يحثّ على قتال الناكثين فيقول: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ)(2).
وهذا هو الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) يحثّ على الوفاء بالعهد ويقول:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفِ إذا وعد».(3)

من روائع قصص الوفاء بالعهد

من روائع قصص الوفاء بالعهد ما رواه ياقوت الحَمَويّ من أنّ المنذر بن امرئ القيس(4) كان قد سمّى أحد يوميه: يوم البؤس وهو اليوم

1 . التوبة:7.
2 . التوبة:13.
3 . الكافي:2/362.
4 . كذا في المصدر، والمشهور أنّ النعمان بن المنذر، هو صاحب يومي البؤس والنعيم.

صفحه 228
الذي يقتل فيه ما ظهر له من إنسان وغيره، وسمّى الآخر يوم النعيم يُحسن فيه إلى كلّ من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم.
ثم قال: فلم يزل على ذلك حتّى مرّ به في بعض أيام البؤس رجل من طيّ يقال له حنظلة فقُرّب ليُقتل فقال: أبيتَ اللعن! إنّي أتيتك زائراً، ولأهلي من بحرك مائراً، فلا تجعل ميرتهم ما تورده عليهم من قتلي، قال له المنذر: لابدّ من قتلك فسل حاجتك تُقض لك قبل موتك، فقال: تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي فأحكم فيهم بما أريد ثم أسير إليك فينفذ فيّ أمرك، فقال له المنذر: ومن يكفلك أنّك تعود؟ فنظر حنظلة في وجوه جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال:
يا شريكٌ يا ابن عمرو *** هل من الموت مَحالَه؟
يا شريكٌ يا ابن عمرو *** يا أخا من لا أخا لَهْ
يا أخا المنذر فُكّ الـ *** ـيوْمَ رَهْناً قد أتى لَهْ
يا أخا كلّ مضاف *** وأخا من لا أخا لَهْ
إنّ شيبان قبيلٌ *** أكرمَ الناسُ رجالَهْ
وأبو الخيرات عمرو *** وشراحيل الحَمالَهْ
رَقباك اليوم في المجـْ *** ـد وفي حسن المَقالَهْ
فوثب شريك وقال: أبيت اللعن! يدي بيده ودمي بدمه إن لم يَعُدْ إلى أجله، فأطلقه المنذر; فلما كان من القابل قعد المنذر في مجلسه في يوم بؤسه ينتظر حنظلة فأبطأ عليهم، فقُدِّم شريك ليُقتل فلم يشعر إلاّ وراكب قد طلع، فإذا هو حنظلة وقد تحنّط وتكفّن ومعه نادبته تندبه، فلما رأى المنذر

صفحه 229
ذلك عجب من وفائه وقال: ما حملك على قتل نفسك؟ فقال: أيها الملك إنّ لي ديناً يمنعني من الغدر، قال: وما دينك؟ قال: النصرانية، فاستحسن ذلك منه، وأطلقهما معاً، وأبطل تلك السنّة.(1)
وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على أنّ الدين السماوي يركز القيم الإنسانية في نفس معتنقيه، وهي من دعائم المجتمع، ويجعله موفياً لوعده حتى لو كان بقيمة دمه وحياته.
92. (وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّة إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ):
نقل المفسِّرون في صدد هذه الآية أنّ امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهنّ أن ينقضنَ ما غزلنَ، وما يزال ذلك دأبها، واسمها رَيطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة، وكانت تسمّى خرقاء مكّة.(2)
وبذلك يظهر معنى قوله سبحانه:(وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا) فعمل من يحلف ويُبرم عهده ثم ينقضه أشبه بعمل تلك المرأة التي تنقض غزلها وتحلّه أجزاءً وصوفاً متناثراً من بعد أن فتلتْه

1 . معجم البلدان:4/198ـ 199.
2 . تفسير الرازي: 20/108; تفسير القرطبي: 10/171.

صفحه 230
بإحكام، فعمله هذا كعملها بل أسوأ منه، حيث يدلّ على سقوط شخصيته وانحطاط منزلته.

دوافع نقض اليمين في مورد الآية

قال الزمخشري: كأنّ قوماً ممّن أسلم بمكة زيّن لهم الشيطان لجزعهم ممّا رأوا من غلَبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم ولِما كانوا يَعِدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فثبّتهم الله.(1)
وبما ذكر يظهر معنى قوله سبحانه:(تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ)فالدَّخَل هو الفساد، أي تجعلون أيمانكم التي حلفتموها فاسدة كاذبة.
ثمّ تصرّح الآية بعلّة نقض أيمانهم وتقول: تنقضون الأيمان بسبب (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ): أي قريش (هِيَ أَرْبى) أقوى وأكثر (مِنْ أُمَّة) أي النبيّ ومن تَبِعه. فكون قريش أقوى وأكثر عدداً صار سبباً لنقض الأيمان.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر في حقّ هؤلاء أمرين:
الأوّل: أنّه سبحانه يعاملهم، فيما يواجهون من أحداث، معاملة المختبر، فالله سبحانه يبلوهم هل هم يتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله، وهم يرون قلة المؤمنين وفقرهم، أو يغترّون بكثرة قريش وثروتهم؟ وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ)والضمير المجرور في (به)يرجع إلى كون أمّة أربى من أمّة.
الثاني: أنّه سبحانه يهدّدهم وينذرهم من مخالفة ملّة الإسلام ويقول:

1 . تفسير الكشّاف:2/216.

صفحه 231
(وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) فستعلمون أنّ الإسلام هو الحقّ المحض وأنّ الشرك هو الشرّ كلّه.
93. (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):

أساس السعادة الإيمان عن اختيار

لمّا أمر سبحانه المؤمنين بالوفاء بالعهد وحرّم نقض الأيمان وذكر آثاره السيّئة في الآخرة كانت هنا مظنّة سؤال، وهو أنّه سبحانه لماذا لم يجعل الجميع على خطّ واحد ويُلجئهم إلى حفظ الأيمان واجتناب نقضها؟ فأجاب سبحانه بقوله:(وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) لا اختلاف بينهم وحمَل الجميع على الإيمان، ولكن لم يفعل ذلك لأنّ أساس السعادة هو الإيمان والاستقامة على نهج الهدى عن اختيار لا عن إلجاء، فلذلك لم يُلجئ عباده إلى الإيمان بل فوّض الأمر إلى اختيارهم، فالإيمان كمال إذا وصل إليه الإنسان من خلال التفكير والتدبّر في الدلائل والبراهين لتمييز الحق من الباطل، ولو أودع الله الإيمانَ قلوب الناس قهراً عنهم لأصبح الإيمان كالثمرة على الشجرة.. لا إرادة ولا تعقّل ولا تدبّر، وعندئذ لا استحقاق لمدح أو ذم أو ثواب أو عقاب .
ولمّا كان اختيار الإيمان على الكفر والتوحيد على الشرك موقوفاً على تبيين الله تعالى حقيقة الأمرين المتضادَّين، جعل الإيمان بوحدانيّته سبحانه أمراً فطرياً جبلّيّاً لدى الإنسان، وأيّده ببعث الأنبياء وإرسال الرسل وقضاء العقل الحصيف، فمن استثمر هذه المبادئ، فالله سبحانه يمدّه بعنايته في

صفحه 232
المراحل الأُخرى، ومن أعرض عنها فيُحرم منها في بقية المراحل، وإلى ذينك الأمرين يشير قوله سبحانه:(وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ)بقطع عناياته وتوفيقاته عمن أعرض عن مبادئ الهداية ولم يستثمرها(وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)من خلال تيسير أسباب الوصول إلى قمة السعادة لمن استثمرها وانتفع بها، وفي نهاية الأمر (وَ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)من غير فرق بين المؤمن والكافر.
وبذلك ظهر أنّ الآية ليست دليلاً على القول بالجبر لو لم تكن دليلاً على الاختيار. وأمّا صلة قوله سبحانه:(وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) بما قبله، فقد ذكرها الطبرسي بقوله: إنّه أخبر في الآية المتقدّمة أنّه يبيّن لهم في الآخرة الحقّ من الباطل، والمحقّ من المبطل بيان ضرورة، فأخبر عقيب ذلك أنّه يقدر على ذلك أيضاً في الدنيا، ولكنّه لم يفعل ذلك ليستحقّ الناس الثواب بأعمالهم.(1)
94. (وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ):

النهي عن جعل الأيمان وسيلة للمكر

إنّ الله سبحانه نهى في هذه المجموعة التي تحدّثت حول الأيمان، عن شيئين:

1 . مجمع البيان:6/225.

صفحه 233
1. نهى عن نقض الأيمان بعد توكيدها وقال: (وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).(1)
2. نهى عن اتخاذ الأيمان دخلاً في البين وهو ما في قوله: (وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ)فيقع الكلام فيما هو الفرق بينهما؟
الظاهر أنّ الأوّل ناظر إلى من حلف ونقض من دون أن ينقض لغاية المكر، وأمّا الثاني فناظر إلى من يحلف وينقض ثانياً وثالثاً ورابعاً وجعل الحلف خدعة وخيانة ومكراً بعد مكر لا يبالي بما قال، وهذا هو الذي يشير إليه قوله سبحانه:(وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ).
ولذلك قال بعد النهي الأوّل: (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً): أي جعلوا الله ضامناً للوفاء بقولهم، فكأنّ المقسم به بما له من الكرامة والعزّة هو المسؤول عن قولهم، فعليهم ألا ينكثوا، ولكنّه علل الثاني بقوله:(فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا): أي فتضلّوا عن الرُّشد بعد أن تكونوا على هدى، إذ يقال: زلّت قدم فلان في أمر كذا، إذا عدل عن الصواب، فيكون الملاك للنهي الأوّل غيره في النهي الثاني، ولذلك نرى أنّ النهي فيه أشدّ، كما يفيد قوله سبحانه: (وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي تذوقوا العذاب عاجلاً بما منعتم الناس من اتّباع دين الله. وهذا يدلّ على أنّ هؤلاء بعد اتّخاذ أيمانهم دخلاً يضلّون ويمنعون الناس من الهداية.
ثمّ إنّ كثيراً من المفسّرين حملوا الأيمان في الآية على بيعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وفسّروا الصدّ عن سبيل الله بصدّ الناس عن الاعتقاد بالإسلام،

1 . النحل:91.

صفحه 234
وبذلك خصّصوا الآية بمورد محدّد، إلاّ أنّ السيد الطباطبائي جعل متعلق الأيمان أمراً مطلقاً من غير فرق بين بيعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرها، ثم فسّر الصدّ عن سبيل الله بالإعراض عن سبيل الله الذي هو التزام الفطرة والتحرُّز عن الغدر والخدعة والخيانة والدَّغَل، وبالجملة الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وذلك يجرّهم إلى أن يذوقوا السوء والشقاء في حياتهم الدنيا ولهم عذاب عظيم في الأُخرى.(1)
ثمّ الظاهر عن كثير من المفسرين أنّهم جعلوا النهيَ الثاني تأكيداً للنهي الأوّل والموضوع واحداً، يقول في الكشّاف: ثمّ كرّر النهيّ عن اتّخاذ الأيمان دخلاً بينهم تأكيداً عليهم وإظهاراً لعِظَمِ ما يركب منه (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا)فتزلّ أقدامكم عن محجّة الإسلام بعد ثبوتها عليها.(2)
95. (وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
لمّا كان بعض المستضعفين من المؤمنين في الفترة المكية يبايعون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن ربما ينقضون بيعته بعَرَض قليل من الدنيا ـ حيث إنّ قريشاً يَعِدونهم إن رجعوا ـ جاء البيان القرآني يندِّد بعملهم هذا بقوله: (وَ لاَ تَشْتَرُوا): أي لا تستبدلوا (بِعَهْدِ اللهِ) بيعة الرسول (ثَمَنًا قَلِيلاً) يصل إليكم من قريش، وذلك لـ (إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ) من الجزاء (هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
وتفسير العهد في الآية ببيعة الرسول إنّما هو حسب ما ورد من شأن

1 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:12/338.
2 . تفسير الكشّاف:2/216.

صفحه 235
نزول الآية، وأمّا حسب ما نقلناه عن «الميزان في تفسير القرآن» فالآية عامّة تعمّ موارد نقض الإيمان.
96. (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاق وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):

نعيم الدنيا يفنى ونعيم الآخرة يبقى

لمّا تحدثت الآية السابقة أنّ ما عند الله خير من عَرَض الدنيا، جاء البيان القرآني يعلّل ذلك ويقول: (مَا عِنْدَكُمْ): أي ما تتمتّعون به من نعيم الدنيا (يَنْفَدُ) يفنى وينقضي بانقضاء العمر، وهو أقصى مدّة له (وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاق)بقاء الجنّة ونعيمها الخالد. وبما أنّ حفظ الإيمان في الفترة المكية كان مقروناً بالأذى من قريش، أمر سبحانه هؤلاء المؤمنين بالصبر وقال: (وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا)على أذيّة المشركين وعلى تحمّل المشاقّ (أَجْرَهُمْ): أي لنكافئنّ الذين صبروا على الطاعات ثوابهم (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)فإنّ أعمالهم بين حسن وأحسن، فالله سبحانه يجزي الجميع بالأحسن.
97. (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):
يستفاد من الآية الأُمور التالية:
1. أنّ الجزاء إنّما هو للعمل الصالح، وله مفهوم وسيع يشمل جميع الأعمال الإيجابية المفيدة على كافة صُعُد الحياة، العلمية منها والثقافية

صفحه 236
والاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولا يختصّ بالعبادات بل يشمل العمل الصالح القليل كالمسح على رأس اليتيم، إلى العظيم كبناء مستشفى كبير، وما ربما يفسّر ببعض الأعمال فإنّما هو من باب التصريح ببعض المصاديق.
2. أنّ الفاعل يجب أن يكون مؤمناً حتى يكون عمله لله سبحانه وإلاّ فعمل الكافر يُحبَط لأجل كفره، قال سبحانه:(وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(1)، فالكافر إذا لم يعترف بالمُنْعِم الأكبر وجحد إنعامه فكيف يمكن أن يشكر عمله؟
3. لا فرق بين الذكر والأُنثى في القانون الإلهي، من حيث قبول الأعمال الحسنة والمكافأة عليها.
وهو يدل على مساواة الرجل والمرأة أمام الله سبحانه إذا قاما بواجبهما من الإيمان والعمل الصالح، فما ربما يجترّه بعض المنحرفين من كلام المستشرقين بأنّ الإسلام دين الرجال، أمر باطل تبطله هذه الآية إذ نرى أنّها تسوّي بينهما، فمن قام بعمل، ذكراً كان أم أُنثى، مع هذين الشّرطين، فالله سبحانه يبشّره بأمرين:
1. (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً).
2.(وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وإليك دراسة كلا الفقرتين.
أمّا الفقرة الأولى، فذكر المفسّرون أنّ الضمير في الفعل يرجع إلى الموصول في صدر الآية(مِنْ عَمَلِ)ومعنى (فَلَنُحْيِيَنَّهُ) هو إعطاء الحياة

1 . هود:16.

صفحه 237
وإفاضتها عليه، فالله سبحانه يفيض على هذا القائم بعمل صالح حياة طيّبة، ومقتضى التقابل بين الفقرتين أنّ إفاضة الحياة الطيِّبة إنّما تتحقّق في الدنيا، وأمّا الجزاء الأحسن ففي الآخرة.

الأقوال في تفسير الحياة الطيّبة

ثمّ إنّهم اختلفوا في واقع هذه الحياة الطيِّبة، وبما أنّها غير مدركة بالعيان حيث إنّ كثيراً من المؤمنين يعيشون حالة الفقر والفاقة فسّر شيخنا محمد جواد مغنية (رحمه الله) الحياة الطيّبة بالجنة، وقال: غريب أن يختلف المفسّرون في ذلك وهم يشاهدون بالحسّ والعيان أنّ الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن، ثمّ قال: فمن أجل ذلك نرجّح بأنّ المراد من الحياة الطيِّبة هنا الجنة، وأنّ قوله:(وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ)عطف تفسير على قوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ) وتأكيد له.(1)
وربما تفسّر الحياة الطيّبة بأنّ المجتمع سيعيش حينئذ حياة هادئة مطمئنة ملؤها الرفاه والسلم والمحبّة والتعاون بل وكلّ ما يرتبط بالمجتمع من المفاهيم الإنسانية وفي أمان من الآلام الناتجة عن الاستكبار والظلم والطغيان وعبادة الأهواء والأنانية التي تملأ الدنيا ظلاماً وظلامات .(2)
وما ذُكر صحيح في نفسه، ولكنّه لا مساس له بالآية لأنّها تثبت الحياة الطيِّبة للعامل بالعمل الصالح لا للمجتمع، فمن أطعم فقيراً يوماً واحداً أو سقى كلباً عطشاناً في الصحراء الحارقة، فالله سبحانه يَعِده بالحياة الطيِّبة

1 . التفسير الكاشف:4/551.
2 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:8/282.

صفحه 238
والجزاء الأحسن، وأين ذلك ممّا ذُكر؟
ولذلك نرى أنّ أكثر المفسّرين يفسّرون الحياة الطيِّبة بشكل فردي، وبالمعاني التالية:
1. الرِّزق الحلال. عن ابن عباس وغيره.
2. القناعة والرضا بما قسم الله. عن الحسن البصريّ.
3. رزق يوم بيوم.
4. حياة طيِّبة في القبر.
وهناك من يرجع الفقرتين إلى معنى واحد كالتأكيد.
وأمّا السيد الطباطبائي فقد فسّر الآية بشكل آخر لا يمتّ لما ذكره المفسّرون بصلة، وحاصل ما أفاد: أنّ المؤمن يعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو الحياة الدنيا بزخارفها الغارّة الفتّانة ويعتزّ بعزة الله فلا يستذلُّه الشيطان بوساوسه، ولا النفس بأهوائها وهَوَسها، ولا الدنيا بزهرتها لما يشاهد من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها. ويتعلّق قلبه بربّه الحقّ الذي هو يحقّ كلّ حقّ بكلماته فلا يريد إلاّ وجهه ولا يحبّ إلاّ قربه ولا يخاف إلاّ سخطه وبُعده، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة لا يدبِّر أمرَها إلاّ ربُّه الغفور الودود، ولا يواجهها في طول مسيرها إلاّ الحسن الجميل فقد أحسن كلّ شيء خلقه، ولا قبيح إلاّ ما قبّحه الله من معصيته.
فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء والكمال والقوة والعزّة واللّذّة والسرور ما لا يقدّر بقدر، وكيف لا؟ وهو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها، ونعمة باقية لا نفاد لها، ولا ألم فيها، ولا كدورة تكدّرها، وخير وسعادة لا

صفحه 239
شقاء معها. هذا ما يؤيده الاعتبار وتنطق به آيات كثيرة من القرآن لا حاجة إلى إيرادها على كثرتها.
فهذه آثار حيوية لا تترتب إلاّ على حياة حقيقية غير مجازية، وقد رتبها الله سبحانه على هذه الحياة التي يذكرها ويخصّها بالذين آمنوا وعملوا الصالحات في حياة حقيقية جديدة يفيضها الله سبحانه عليهم.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره جميل، ولكنّه يختصّ بالكُمّل من المؤمنين الذين يستمرّون على العمل الصالح طول حياتهم، فكلّ عمل صالح يوجِد أرضية صالحة لظهور الحياة المعنوية في نفس العامل ولكنّها لا تحصل في نفس العامل إلاّ بعد رياضات شرعية وفترات، والآية أعمّ من هذا فهي تشمل كلّ من عمل عملاً صالحاً ولو قليلاً ، كرفع الحجر عن طريق المارّة والمسح على رأس اليتيم، أو إطعام فقير مُعدِم، وبهذا أيضاً يكون من مصاديق الآية. ومن المعلوم أنّ هذا العمل الصالح القليل لا يؤدي إلى الحياة المعنوية التي أشار إليها السيد الطباطبائي في كلامه. إذ هي رهن القيام بأعمال صالحة كثيرة، فتدبّر.
ولذلك نرى أنّ الروايات تفسِّر الحياة الطيِّبة بأقلّ من ذلك، كما مرّ آنفاً.
وعندنا احتمال آخر في الآية، وهو أنّ الضمير في قوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ) لا يرجع إلى الموصول ; بل يرجع إلى العمل المفهوم من قوله:(فَلَنُحْيِيَنَّهُ)والمراد أنّ من عمل عملاً صالحاً فالله سبحانه يحيي ذلك العمل إمّا في الدنيا أو في الآخرة، فكأنّ العمل الصالح كالبذر في الأرض يبقى مدّة تحت التراب

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:12/342ـ 343.

صفحه 240
ولكنّه سينبت نباتاً زاهياً ويصبح شتلة صغيرة(1) ثم شجيرة، ثمّ تكون شجرة مثمرة إمّا في الحياة الدنيا أو في الآخرة، وهذا أمر مجرّب فربما يعمل الإنسان عملاً صالحاً ويغفل عنه، لكنّه بعد فترة يستثمر نتيجة ذلك العمل.ويؤيّد ما ذكرناه إفراد الضمير في قوله:(فَلَنُحْيِيَنَّهُ) وجمعه في قوله:(وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ)فلو كان الضمير عائداً إلى الموصول، لكان الصواب الوحدة في التعبير، إمّا الإفراد وإمّا الجمع.
سورة النحل: الآيات 98 ـ 105    

الآيات: الثامنة والتسعون إلى الخامسة بعد المئة

(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ * وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبيٌّ مُبِينٌ * إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ).

1 . الشتلة واحدة الشتل وهي ما قلع من النبات ليغرس في مكان آخر.

صفحه 241

المفردات

قرأت القرآن: أي إذا أردت قراءته، كما يقال: إذا أكلت فقل باسم الله، ونظير قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)(1)، وقوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)(2) .
فاستعذ: من العوذ وهو الالتجاء إلى الغير والتعلّق به، كقوله تعالى:(أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(3).
سلطان: تسلّط واستيلاء.
يتولَّونه: التولي: الطاعة، يقال: تولّيته أي أطعته، فإذا تعدّى بـ«عن» يكون بمعنى الإعراض، كقولك: تولَّيت عنه أي أعرضت.
بدّلنا: التبديل: جعل شيء مكان شيء آخر، كقوله سبحانه:(ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ)(4).
مُفتر: كاذب على الله. أصله مفتري، ولما كان خبراً لـ «أنت» وكان الأصل «مفتري» فبالإعلال صارت «مفتر».
روح القُدُس: جبريل أمين الوحي(عليه السلام).
يُلحدون: ينسبونه إليه ويميلون إليه. والإلحاد هو الميل عن الحق إلى الباطل.

1 . المائدة:6.
2 . الأنعام:152.
3 . البقرة:67.
4 . الأعراف:95.

صفحه 242
أعجميّ: هو الذي لا يُفصح وإن كان عربياً. والعَجَميّ هو المنسوب إلى العَجَم وإن كان فصيحاً.

التفسير

98. (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ):

وجه صلة الآية بما قبلها

ابتدأ سبحانه هذه الآية بالفاء، فهل هي لمجرّد وصل كلام بكلام آخر، أو أنّه أُوتي بها لنكتة؟ الظاهر هو الثاني، وهي أنّ الله وصف القرآن بقوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)(1) ثمّ أتى بجوامع الكلم ممّا فيه حياة المسلمين، أعني الأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، ثمّ أكّد على الوفاء بعهد الله، فأوجد بذلك أرضية صالحة لقراءة القرآن لِما فيه من هذه الجوامع، فأمر سبحانه القارئ أن يستعيذ عند القراءة وقال:(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ)في نفسك وروحك مادمت قارئاً، وهو أمر معنويّ نفسيّ يقوم به الإنسان بالتفكير والتدبّر. وأمّا قول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهو حاك عن الاستعاذة النفسانية، فعندئذ تحصل المطابقة بين الاستعاذة النفسانية واللَّفظية، وأمّا المستعاذ منه فهو الشيطان الرجيم أي المطرود عن رحمة الله.
ثمّ إنّ الصيغة المعروفة للاستعاذة هي ما ذكرنا، وقد ورد في الذكر

1 . النحل:89.

صفحه 243
الحكيم قوله:(وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ)(1). وروي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) في تفسير الآية أنّه قيل له: كيف أقول؟ قال: «تقول: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم».(2)
وعلى كلّ تقدير، فالاستعاذة اللَّفظية لا تنفع إلاّ إذا كانت مقرونة باستعاذة حقيقية في النفس، ففي مصباح الشريعة قال الإمام الصادق(عليه السلام) في كلام طويل:«فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب خاشع، وبدن فارغ، وموضع خال، فإذا خشع لله قلبُه فرّ منه الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)(3).
وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الاستعاذة عند التلاوة مستحبّة وغير واجبة، لا في الصلاة ولا في خارجها.(4)
99. (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ):
لمّا أمر في الآية السابقة بالاستعاذة، جاءت الآية تعليلاً لهذا الأمر، وهو (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ): أي قدرة وسلطة (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) بالله (وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). فأخرج من تسلّط الشيطان على العباد من حاز شرطين:
1. الإيمان بالله .

1 . المؤمنون:97.
2 . تفسير نور الثقلين:3/85.
3 . تفسير نور الثقلين:3/85ـ86.
4 . مجمع البيان:6/228.

صفحه 244
2. التوكّل عليه سبحانه.
وعلى هذا تكون استعاذة المؤمن بالله، هي نفس التوكّل عليه. ويظهر من قوله سبحانه:(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)(1)، أنّ عباد الله هم الذين آمنوا بالله وتوكّلوا عليه، فيحصل من ضمّ هذه الآيات الثلاث أنّ المستعيذ بالله سبحانه لا ينفكّ عن الإيمان والتوكّل، وأنّ من جمع هذه الصفات يكون داخلاً في عباد الله.
100. (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ):
لمّا أخبر سبحانه عن عدم تسلّط الشيطان على المؤمن المتوكّل على ربّه، تحدّث عمّن عليه سلطانه وهم الذين جمعوا بين أمرين، وكلاهما يقابلان الأمرين اللّذين يتحلّى بهما من ليس له سلطان عليه.
1. الذين اتّخذوه وليّاً لهم كما قال: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ)وتولّي الشيطان يقابل ما في الآية السابقة أعني قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) ووجه التقابل واضح، فمن تولّى الشيطان يكون مطيعاً، والشيطان مطاعاً، ومن آمن بالله واتّخذه ربّاً يكون مطيعاً، والله مطاعاً.
2. الذين يشركون بالشيطان كما قال: (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ): أي بالشيطان (مُشْرِكُونَ). والضمائر الثلاثة في قوله:(سُلْطَانُهُ) و (يَتَوَلَّوْنَهُ) و (بِهِ) ترجع إلى الشيطان، وجعل الشيطان شريكاً لله سبحانه يقابل التوكّل على الربّ، فإنّ

1 . الحجر:42.

صفحه 245
المتوكل يُسلِم أمره إلى الله سبحانه، وأمّا المشرك فينقاد إلى من جعله شريكاً. فسبحان الله كيف وصف الطائفتين بوصفين يقابل كلٌّ الوصف الآخر!! فهل يمكن لرجل أُمّيّ مع أنّ له هموماً كثيرة أن يأتي بهذه المعجزة؟
101. (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ):

ما هو المراد من تبديل آية مكان آية؟

تحدّث سبحانه عن القرآن وأمر بالاستعاذة عند قراءته، فصار ذلك سبباً لاستمرار الكلام حول القرآن، كيف؟ وقد جاء في بدء السورة قوله سبحانه:(يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)(1)، فذكر في هذه الآية واحدة من الذرائع التي تمسّك بها المشركون في نفي كونه كلام الله سبحانه، والنبيّ مرسلاً من لدنه تعالى، وهي مسألة نسخ آية بآية.
توضيحه: أنّ أحكامه سبحانه تابعة للمصالح، فربما تقتضي المصلحة إنشاء حُكم في فترة خاصّة إلى مدّة معينة عند الشارع وإن لم يذكر في اللفظ، فإذا تمّ أمد الحكم، وفقد الحُكم المشروعُ الملاكَ وترتّبت المصلحة على إنشاء حُكم آخر يقوم مكان الحكم الأوّل، لا محيص للمشرّع من التبديل وليس في ذلك أي إشكال، مثلاً: كانت المصلحة الملزمة الصلاة باتّجاه بيت المقدس، ولكن بعد فترة اقتضت المصلحة الصلاة شطر المسجد الحرام، فالذين أُوتوا الإيمان الكامل قالوا كلٌّ من عند الله، وأمّا الذين في قلوبهم زيغ

1 . النحل:2.

صفحه 246
فجعلوا ذلك ذريعة لإنكار الوحي وصلة الرسول بالسماء، ولذلك يقول سبحانه:(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً): أي وضعنا آية (مَكَانَ آيَة): أي رفعناها، ونسخنا آية مكان آية أُخرى، فليس هذا أمراً بديعاً (وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ): أي أعلم بمصالح الأُمّة، فينزل في كلّ وقت ما تقتضيه المصلحة، لكنّ المعاندين الذين يتشبّثون بكلّ قشّة في نقد الرسالة: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر)فخصّوا أمر النبيّ بالافتراء ووصفوه بأنّه مفتر، وكأنّه لا شأن له إلاّ هذا، فالله سبحانه يردّ عليهم بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ): أي لا يعلمون وجه التبديل ومصلحة النسخ والأسباب التي توجب التبديل، فأغلبهم غافلون عن حقيقة الأمر، وأنّ التبديل لا ينافي كون الآية من الله سبحانه، ولكنّ قليلاً منهم واقفون على حقيقته، ولكن يستكبرون في قبوله.
وهنا يثار سؤال، وهو كيف تتحدّث الآية عن النسخ مع أنّ الظروف المكّية(إذا قلنا بمكّية الآية) لم تشهد تشريع حكم حتى ينسخ ويقع موقع الاعتراض؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنّ الآية ناظرة إلى ما سيأتي في قوله سبحانه:(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ)(1) حيث إنّه سبحانه نسخ ما حرّم على بني إسرائيل، وحصر الحرمة في أُمور أربعة، فصار ذلك موضع اعتراض للمشركين ،والله العالم.
وربّما تفسّر الآية بالشريعة، فيكون المراد اِحلال الشريعة المحمّدية مكان الشريعة المتقدّمة. وليس ثمّة موضع للسؤال إذا قلنا بمدنيّة قسم من السورة، أعني من الآية (41) إلى آخر السورة، كما مرّ في فقرة (عدد آياتها ومحلّ نزولها).

1 . النحل:118.

صفحه 247
102. (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ):
لمّا وصفوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بكونه مفترياً والقرآن من افترائه، ردّ عليهم سبحانه في هذه الآية بأنّ القرآن منزل من ربّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نزّله من الله سبحانه روحُ القدس، كما قال:(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ): أي جبرئيل(عليه السلام)، فليس النبيّ مفترياً ولا القرآن من افترائه واختراعه، بل جاء به ملك ملؤه القدس والطُّهر كما قال: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ)، والجملة من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، فالرُّوح كلّه طُهر وفضل وجلالة، وأريد به جبرئيل، وقد أطلق عليه سبحانه لفظ الرُّوح في قوله: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا)(1) نزّله: (مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ): أي ملتبساً بالحقّ لا يشوبه الباطل.
وإضافة الربّ إلى المخاطب للدّلالة على كمال العناية والرحمة في حقّه.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر الغاية من تبديل آية مكان أُخرى، وهو تثبيت قلوب المؤمنين على الحقّ وأنّ المصالح تتغيّر، ويتبعها تبدُّل الأحكام كما يقول: (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) على الحقّ مضافاً إلى أنّه (وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) وقد تقدّم هذان الوصفان في قوله:(تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)(2).

1 . مريم:17.
2 . النحل:89.

صفحه 248
103. (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبيٌّ مُبِينٌ):
القرآن الكريم كان أقوى معجزة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث خضع أمام حلاوة كلماته وروعة آياته، أساتذة الفصاحة والبيان، واعترفوا برُمَّتهم بأنّ القرآن الذي جاء به محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعرف مثله البشر ولم يعهد له التاريخ الإنساني نظيراً، ومع ذلك نرى أنّ زعماء قريش المعاندين رمَوه بتُهم واهية، كقولهم: إنّه سحر يأخذ بقلوب الناس، كما نُقل عن الوليد بن المغيرة،(1) إلى غير ذلك من التُّهم، وأخيراً اتّهموا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه يتعلّم القرآن من غيره، وقد نُقل عن ابن عباس أنّ قريشاً قالت: إنّما يعلِّمه بلعام، وكان قَيناً بمكة رومياً نصرانياً، وإليه يشير قوله سبحانه:(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ). ثمّ إنّه سبحانه ألزمهم الحجة وأكذبهم بأن قال:(لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ): أي يضيفون إليه التعليم (أَعْجَمِيٌّ)وهو الذي لا يفصح وإن كان عربياً(وَ هَذَا) أي القرآن الكريم (لِسَانٌ عَرَبيٌّ مُبِينٌ)فكيف يأتي الأعجمي بمثله؟!
لنفترض ـ وفرض المحال ليس بمحال ـ أنّ النبيّ جلس يوماً أو يومين أو أياماً عند مَن أشاروا إليه، فغاية ما يمكن أن يأخذ منه بضعاً من الآيات، مع أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو القرآن منذ بعثته بمكّة إلى ما قُبيل رحيله بالمدينة المنورة ولم يكن معه، طول تلك الفترة التي استغرقت نحو (23) عاماً، ذلك الرجل المزعوم!! على أنّ هؤلاء الذين اتّهموا النبيّ بهذه التُّهمة الظالمة غفلوا عن أنّ القرآن يتضمّن تشريعاً وتقنيناً في مختلف المجالات، وقصصاً وعبَراً،

1 . إعلام الورى باعلام الهدى:41.

صفحه 249
وبراهين وحججاً في أمر التوحيد وغيره، فكيف يمكن لرجل روميّ مهنته الحدادة أن يأتي بكلّ ذلك؟! ولو كان هو صاحب هذا الكتاب وصانعه فأَولى به أن يدعو الناس إلى نفسه ويحتجّ به.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول هذه الآية: وهذه استعارة ; لأنّ المراد باللِّسان هاهنا جملة القرآن وطريقته، لا العضو المخصوص الذي يقع الكلام به، وذلك كما يقول العرب في القصيدة: هذه لسان فلان أي قوله، قال شاعرهم:
لسان السوء تهديها إلينا *** وحِنْتَ وما حسبتك أن تحينا(1)
أي مقالة السوء، ومثل ذلك قول الآخر:
ندمتُ على لسان كان منّي *** وددتُ بأنّه في جوف عِكْمِ
أي على قول سبق منّي لأنّ الندم إنّما يكون على الفعال والكلام لا على الأعضاء والأعيان، وإنما سمّى القول لساناً لأنّه إنّما يكون باللِّسان ويصدر عن اللِّسان.(2)
104. (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):

1 . قال محقّق الكتاب: روي هذا البيت هنا على هذه الصورة، وفي «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي:10/179 روي هكذا:
لسان الشرّ تهديها إلينا *** وخُنتَ وما حسبتك أن تخونا
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:196، تحقيق محمد عبد الغني حسن.

صفحه 250

الإخبار عن عدم إيمان جماعة من قريش

اشتهرت جماعة في الفترة المكّية بأنّهم كانوا من ألدّ أعداء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى رأسهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وأبو سفيان بن حرب، و عُتبة بن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، فكانوا يمنعون الناس عن اعتناق الإسلام ويؤذون مَن أسلم، وهم الذين كانوا يفترون على النبيّ، وكان من افتراءاتهم أنّ النبيّ أخذ القرآن من أعجميّ، فالله سبحانه يخبر عن أنّه يترك هؤلاء المشركين وأنفسَهم، حيث تمرّدوا على الله وواجهوا آياته بالتكذيب عناداً وتعنّتاً، ويقول:(إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللهُ)هداية توفيق ولطف منه تعالى، وإنّما يحجبها عنهم لعدم استنارتهم بهداية الدلالة والإرشاد. وهذا ما تنبّأ به القرآن الكريم ببقاء هؤلاء على كفرهم، وتحقّق النبأ كما أخبر. ثم إنّه سبحانه بعدما أخبر بعدم إيمانهم أوعدهم بعذاب أليم، وقال:(وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
غير أنّ ابن عاشور يستثني منهم أبا سفيان ويقول: وكان أبو سفيان مقتصراً على الانتصار لدينه ولقومه ودفْع المسلمين عن أن يغلبوهم، فحرَم الله أبا جهل الهداية فأهلكه كافراً، وهدى أبا سفيان فأصبح من خيرة المؤمنين وتشرّف بصهر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!(1)

نقد نظرية ابن عاشور حول أبي سفيان

أقول: نحن مع تقديرنا لابن عاشور، لكنْ يبدو أنّه قليل الاطّلاع عمّا جرى في صدر الإسلام من الحوادث المرّة، فإنّ أبا سفيان هو رئيس

1 . التحرير والتنوير:13/233.

صفحه 251
المشركين في أُحد والأحزاب، أمّا في غزوة أُحد فكان قائد المشركين، وقد قسّم الجند إلى ثلاثة أقسام: الرماة وجعلهم في الوسط، والميمنة وجعل عليهم خالد بن الوليد، والميسرة وجعل عليهم عكرمة بن أبي جهل. فكيف يكون شأنه هو ما ذكره ابن عاشور من الانتصار لدينه فقط؟! وأمّا غزوة الخندق فحدّث عنها ولا حرج، فقد حاصر المشركون مع قبائل أُخرى المدينة المنورة قرابة شهر ومكثوا حول الخندق إلى أن فرّقهم الإمداد الغيبيّ ـ بعد أن جندل الإمام عليّ فارسَ قريش عمرو بن عبدوَدّ العامريّ ـ حيث بعث الله عليهم فجأة الريح العاصف، واشتدّ البرد، وكان اشتداد الريح كبيراً بحيث أكفأ قدورهم، واقتلع خيامهم، وأطفأ أضواءهم وعند ذاك، لم يجد أبو سفيان بُدّاً إلاّ الارتحال، وقال: يا معشر قريش (خطاباً لقومه) إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطمئنّ لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا إنّي مرتحل.(1)
وأمّا أنّه أسلم بعد فتح مكّة فإنّما كان إسلامه لغاية ضعفه وسقوطه في أعين الناس، ولم يكن إسلامه هذا إلاّ إسلاماً لفظياً لا عن اعتقاد راسخ، بل كان باقياً على كفره بشهادة أنّه عندما تولّى عثمان بن عفان الأمر، اجتمع بنو أُمية في بيت عثمان وخطب بهم أبو سفيان قائلاً: يا بني عبد مناف تلقّفوها تلقُّف الكرة، فما هناك جنّة ولا نار.(2)
وأمّا أنّه تشرّف بصهر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد تزوّج ببنته أُمّ حبيبة (رَملة) سنة

1 . انظر:تاريخ الطبري:2/244، إمتاع الأسماع:1/239.
2 . انظر: تاريخ الطبري: 8/185.

صفحه 252
ستّ، وقيل: سبع، وأبو سفيان يومذاك كافر، وكانت قد هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي إلى الحبشة، فتنصّر بها، ومات نصرانياً، وثبتت هي على الإسلام، فتزوّجها رسول الله بعده.(1)
105. (إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ):
لمّا وصف المشركون النبيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم:(إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر) وقولهم الآخر: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) ونزّه القرآن من أن يكون أثراً لمن ينسبونه إليه، جاء البيان القرآني ردّاً على هؤلاء بأنّ الافتراء شأن من لا يؤمنون بآيات الله، حيث ينسبونها إلى بشر وقال:(إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ) عبّر عنهم بقوله:(لاَ يُؤْمِنُونَ) مكان ما آمنوا تلويحاً باستمرارهم في عدم الإيمان، ولم يُسمّ هؤلاء وإنّما عبّر عنهم بمضمون الصلة ليكون علماً وعلامة لهم. وبما أنّهم وصفوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم:(إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر)فجعلوا الرسول مقصوراً على كونه مفترياً، دَمَغهم الله سبحانه بالكذب، وقال: (وَ أُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ): أي لا غيرهم.
سورة النحل: الآيات 106 ـ 111    

الآيات: السادسة بعد المئة إلى الحادية عشرة بعد المئة

(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ

1 . تهذيب الكمال:35/175، برقم 7841.

صفحه 253
عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ * ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).

المفردات

أُكره: الإكراه هو الفعل أو القول الصادر بضغط من عامل خارجيّ، بخلاف الاضطرار فهو يشترك مع الإكراه لكن العامل الدافع أمر داخليّ كما إذا باع ما يعدّ من ضروريات حياته لأجل علاج الداء الذي ابتُلي به. وأُريد بالإكراه هنا التلفُّظ بكلمة ا لكفر بضغط ممّن بيده القوّة.
مطمئنّ: من الاطمئنان، وهو سكون النفس بعد انزعاجها. والمراد الثبات قلباً.
شَرَح بالكفر صدراً: اعتقده وطاب به نفساً.
استحبُّوا: مبالغة في «أحبّوا» أي فضّلوا الحياة الدنيوية على الأُخروية.
طَبَع: خَتَم.
لا جَرَم: لا محالة، ولا بدّ.

صفحه 254
فُتنوا: عُذِّبوا في الله.
كلّ نفس: أُريد به الإنسان الخارجيّ بما أنّه عند العرف مركَّب من بدن وروح.
تجادل: تدافع وتسعى في خلاصها.
عن نفسها: أي ذاتها وواقعها، التي يعبّر عنها بـ«أنا».
تُوفّى: تُعطى شيئاً وافياً.

التفسير

106. (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ):

تجويز التقية لدى الاضطرار

لمّا تقدّم التحذير من نقض عهد الله، انتقل إلى من أُكره على النقض بضغط من عامل خارجيّ فأظهر الكفر غير أنّ قلبه ممتلئ بالإيمان، فهذا لا بأس عليه. ويظهر مفاد الآية بما اتّفق عليه أكثر المفسّرين من نزول الآية في حقّ عمّار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليهما)، وقالوا: إنّ جماعة أُكرهوا، وهم عمّار وياسر أبوه وأُمّه سُمَيّة وصُهيب وبلال وخبّاب، عُذِّبوا وقُتل أبو عمّار وأُمّه، وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه، ثم أخبر سبحانه بذلك

صفحه 255
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال قوم: كفر عمّار، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): كلاّ، إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه. وجاء عمّار إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يبكي، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): ما وراءك؟ فقال: شرّ يا رسول الله، ما تُركتُ حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخير، فجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه، ويقول: إن عادوا لك فعُد لهم بما قلت، فنزلت الآية.(1)
وبعد هذه المقدّمة، فلندخل في تفسير الآية، فنقول:
قوله تعالى:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)(2) إخبار عمّن ارتدّ عن دينه. ثم إنّ الآية تصنّف هذه الطائفة إلى قسمين:
1. (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ): أي كفر لفظاً ولم يكفر قلباً وبقي على اعتقاده، وإنّما أجرى الكفر على لسانه إكراهاً للتخلّص من الأذى والعذاب، فهذا مستثنىً ممّا حُكم على الطائفة الثانية من غضب الله عليهم.
2. (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا): أي بسط صدره للكفر ورضيَه قلباً، وعدل عمّا كان يعتقد من التوحيد إلى الشرك، فهو محكوم بما سيأتي.
فقوله: (وَ لَكِنْ مَنْ شَرَحَ) وإن كان استدراكاً من الاستثناء أعني قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ) واحتراساً من أن يُفهم من الاستثناء أنّ المُكرَه مرخّص له في أن يسلخ الإيمانَ من قلبه، ولكنّه في الوقت نفسه توضيح وشرح للصدر، أعني قوله:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)، وبهذا يظهر أنّ قوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ)

1 . مجمع البيان:6/233ـ 234.
2 . الموصول مبتدأ، والخبر محذوف أي فعليهم غضب الله، يدلّ عليه خبر موصول آخر أعني: (مَنْ شَرَحَ بِالكُفْر) أعني قوله سبحانه: (فعليهم...)أو هو خبر لكلا الموصولين على ما اخترناه في المتن وما ذكرناه أوضح الوجوه التي ذكرها المفسّرون. لاحظ تفسير الرازي: 20 / 120.

صفحه 256
خبر عن الموصول والاستدراك معاً لِما عرفت من أنّ الاستدراك شرح للموصول الأوّل.
ثمّ إنّه سبحانه يتوعّد هذه الطائفة التي «كفرت بالله قلباً بعد إيمانها» وشرحت صدرها للكفر بأُمور:
أحدها: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) والغضب من الله هو إرادة العقاب بهم.
ثانيها: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) يوم القيامة.
وأمّا سائر الأُمور فستوافيك عند تفسير الآيات التي تتضمّن بيانها.
107. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ):
بعد أن ذكرت الآية السابقة وعيده سبحانه للمرتدّين، جاء البيان القرآني لتعليل ذلك ووصفهم بأُمور ثلاثة ـ وراء الأمرَين السابقَين(غضب الله، وعذابه) ـ وهذه الأُمور عبارة عن:
1. استحباب الدنيا وإيثارها على الآخرة.
2. الحرمان من هداية الله.
3. الطَّبع على القلوب والسمع والأبصار.
4. الغفلة التامّة. وسيأتي شرح هذه الأُمور في الآيات التالية:
(ذَلِكَ) كونهم مستحقّين للوعيد المتقدّم (بِأَنَّهُمُ):
1. (اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا): أي آثروا منافعها (عَلَى الآخِرَةِ) ونعيمها، فرجعوا عن الإيمان ورضيت نفوسهم بالكفر.

صفحه 257
2. (وَ أَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)فحُرموا من هداية الله، أي هداية التوفيق والعناية الخاصّة، لتولّيهم عن هداية الدلالة والبيان، وعزوفهم عن الاستضاءة بأنوارها.
108. (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ):
3. (أُولَئِكَ) الكافرون المؤثرون للحياة الدُّنيا، هم (الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)والمراد من الطبع هو الختم، فلو أراد شخص أن يغلق صندوقاً معيّناً بشكل محكم كي لا تصل إليه الأيدي يقوم بوضع ختم من الشمع على باب الصندوق للإطمئنان عليه من عبث العابثين، فالله سبحانه يختم على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم اللاّتي تُعدّ من أدوات المعرفة، فعندئذ لا تجد الهداية الإلهية منفذاً للدخول إلى قلوبهم. ومن المعلوم أنّ الطَّبع على أدوات المعرفة من الله تعالى، هو نتيجة عملهم حيث إنّهم فضّلوا الحياة الدنيا على الآخرة فغيّروا دينهم، فصاروا مستحقّين للطّبع. ويدلّ عليه عدد من الآيات الكريمة، قال تعالى:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ)(1) وتجد نظير هذه الآية في الختم على القلوب.
4.(وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) عن مصيرهم السيّئ.
109. (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ):

1 . المنافقون:3.

صفحه 258
4. (لاَ جَرَمَ): أي لا مَحالة (أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)لأنّهم ضيّعوا رأس مالهم في الدنيا، فبقوا لا زاد لهم في الحياة الأُخروية.
110. (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ):

شكوى المعذّبين إلى النبيّ

لمّا كان الموضوع في الآيات السابقة هو المعتنقين للإسلام المعذَّبين من القوى الكافرة، وقد مرّ أنّهم على قسمين: قسم أظهروا الكفر مع الحفاظ على العقيدة، وقسم أظهروا الكفر وفضّلوا الحياة الدنيا، فصار ذلك سبباً لذكر طائفة ثالثة، وهم الذين (فُتِنوا): أي عُذِّبوا من جانب المشركين فلم يجدوا محيصاً إلاّ المهاجرة إلى أرض بعيدة للحفاظ على عقيدتهم، وهؤلاء هم الذين هاجروا إلى الحبشة بإذن من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
روى أصحاب السير أنّ المعذَّبين شكوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبوا رأيه في ذلك فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكاً لا يظلم عنده أحدٌ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً ممّا أنتم فيه».(1)
لقد كان لكلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أثر قوي في نفوسهم فشدّوا رحالهم وغادروا مكّة ليلاً في غفلة من المشركين مشاة وركباناً، متّجهين نحو جدّة للسفر عبر مينائها إلى الحبشة، وكان هذا الفريق يتألّف من خمسة عشر شخصاً بينهم أربعة من النسوة المسلمات.(2)

1 . السيرة النبوية:1/321; تاريخ الطبري:2/70.
2 . تاريخ الطبري:2/70.

صفحه 259
ثمّ تلتها هجرة أُخرى وفي مقدّمة المهاجرين جعفر بن أبي طالب ابن عمّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وهؤلاء هاجروا اقتداءً بالنبيّ إبراهيم(عليه السلام) حيث قال:(إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي).(1)
وإلى هؤلاء يشير سبحانه بقوله:(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) إلى الحبشة (مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا): أي عُذِّبوا (ثُمَّ جَاهَدُوا): أي قاوموا ضغوط المشركين للرجوع إلى الشِّرك (وَصَبَرُوا) واستعانوا بالصبر كما يقول سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَُةِ)(2)، (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا): أي من الهجرة أو هي والفتنة والجهاد والصبر (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) جزاء على أعمالهم.
111. (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ):
لمّا تقدّم أنّ الذين آثروا الحياة الدنيا الفانية على الآخرة الباقية(هُمُ الْخَاسِرُونَ)(3) بدأ ببيان حال هؤلاء يوم القيامة. ويحتمل أن يكون ناظراً إلى ما تقدّم من قوله:(إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ).(4)
فعلى الأوّل تختصّ الآية بالخاسرين وهم المشركون، وعلى الثاني تشمل المشركين والكافرين. وعلى كلّ تقدير، فقوله: (يَوْمَ): أي يوم القيامة (تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا) وتسعى في خلاصها ولا يهمّها شأن غيرها

1 . العنكبوت:26.
2 . البقرة:45.
3 . النحل:109.
4 . النحل:110.

صفحه 260
من والد أو ولد، والله سبحانه يخبر بأنّ كلّ نفس تُجزى حسب ما عملت كما يقول: (وَتُوَفَّى): أي تُعطى على التّمام (كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ)من طاعة ومعصية فيُجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بما أسلف من إساءة (وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ): أي لا يُعتدى عليهم.
***
إلى هنا قمنا بتوضيح فقرات الآية، وعندئذ يقع الكلام في مقامين:
1. الارتداد جريمة خطيرة.
2. التقيّة وآثارها البنّاءة. وإليك الكلام فيهما.

الأوّل: الارتداد جريمة خطيرة

عُرّف الارتداد بالكفر بعد الإسلام.(1)
قال سبحانه:(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)(2).
والارتداد من أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكماً، وعليه يدلّ قوله تعالى:(حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ).

دواعي الارتداد

إنّ للارتداد دواعيَ مختلفة تختلف حسب الظروف، أهمّها ما يلي:

1 . لاحظ: شرائع الإسلام:4/183.
2 . البقرة:217.

صفحه 261

1. الإصرار على كبائر الذنوب ينتهي إلى الارتداد

إنّ الإصرار على الذُّنوب مرّة بعد أُخرى يؤثّر في تفكير الإنسان وقضائه على وجه لو توغّل الإنسان في التعدّي على حدود الله ربّما ينتهي به الأمر إلى إنكار ماوراء الطبيعة، ويشهد لذلك قوله سبحانه:(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)(1) فتقدير الآية: إنّ التكذيب بآيات الله والاستهزاء بها نتيجة الأعمال السيئة التي يقوم بها الإنسان، فيكون العمل بنّاءً للعقيدة وصانعاً لها، ولذا فإنّ كثيراً من المرتدّين إنّما يرتدّون على أعقابهم بسبب إيغالهم في المعاصي على نحو يؤثّر في زوال العقيدة.

2. الترغيب والترهيب

إنّ القوى الكافرة التي تملك القدرة والمال ربّما تصدّ المؤمنين الضعفاء عن اتّباع سبيل الله إمّا ترهيباً أو ترغيباً، كما كان هو الحال في صدر الإسلام، فقد جاء عن جابر بن زيد والضحّاك بن مزاحم أنّ جماعة ممّن آمن برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ارتدّوا ورجعوا إلى الشِّرك بعد أن لَحِقهم الأذى، ومن هؤلاء: الحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أُميّة بن خلف، والعاصي بن منبّه بن الحجاج، فأنزل الله فيهم
قوله سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ)(2). وعن الكلبيّ أنّها نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة

1 . الروم:10.
2 . العنكبوت: 10.

صفحه 262
المخزوميّ.(1) وأُريد من فتنة الناس عذابهم.
وربّما يُتصوَّر أنّ الحكم على المرتدّ بالقتل كما هو الحال في المرتدّ الفطريّ لا ينسجم مع الحرية، فإنّ للإنسان أن يختار أيَّ دين من الأديان السماوية، فلماذا لا يجوز أن يرتدّ المسلم إلى النصرانية مثلاً؟
والجواب: إنّ الحرية الدينية شيء وتجويز ارتداد الإنسان عن الإسلام شيء آخر، فللإنسان أن لا ينتحل ديناً، ويبلغ كافراً على أن لا يبادر إلى دعوة إنسان آخر إلى الكفر، أو يبقى على النصرانية واليهودية ويخلّي بين نفسه وما فيها، لكن إذا اختار الإسلام عن بصيرة ووعي، ثمّ عدل عن الإسلام وتظاهر بذلك فإنّه يوجب التزعزع في سائر المعتقدين بالإسلام، وينتهي إلى ما لا تحمد عقباه، ولذلك فالإسلام يحاربه بشدة وبلا هوادة، وذلك لأنّ عمله هذا يُعتبر نوع محاربة للدّين الإسلامي، إذ أنّ الارتداد والتظاهر به ليس أمراً فردياً يتسامح فيه، بل هو محاربة للدّين بنحو سرّيّ.
توضيح ذلك: أنّ الأنظمة على قسمين:
1. أنظمة قائمة على أُسس مادّية، وقوانين اجتماعية مستمدة منها، ولا علاقة لها بالدين، وماوراء الطبيعة، ومثالها الأنظمة السائدة في الغرب، فإنّ اللازم على كلّ مواطن في تلك البلدان، هو العمل على وفق القوانين السائدة فيها، من دون أن يكون للدين والعقيدة تأثير في تلك الأنظمة، وعلى هذا فلو تحوّل المواطن المسيحيّ إلى بوذيّ، أو تحوّل البوذيّ إلى مسيحيّ، لَما كان ذلك مؤثّراً في النظام ولا في استقرار المجتمع; لأنّ أعمدة النظام، هي تلك الأُسس المادّية الّتي يقوم عليها النظام، وهي معزولة عن أي فكر دينيّ أو عقيدة إلهية.

1 . لاحظ : تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 63 ; مجمع البيان: 8 / 9 .

صفحه 263
2. أنظمة قائمة على أُسس دينية وعقائد إلهية، مرتبطة بما وراء الطبيعة، ففي هذه الأنظمة يُعدّ اعتقاد المواطن بالدين وأحكامه، ركناً ركيناً في حفظ النظام، كما أنّ الخروج عن العقيدة، والتظاهر به، يعدّ خروجاً على أصل النظام، خصوصاً إذا أعلن المرتدّ عن فكرته، وفي المجتمع ضعفاء العقول سمّاعون لكلّ صوت، ففي هذه الحالة، يعدّ الشخص محارباً للنظام، داعياً إلى نقضه وهدمه.
فهل يُتصوّر أن يمهل مدير النظام ورئيسه مَن يحاول إلغاء وجوده وسلب أثره عن المجتمع؟ كلا، ولا، ولذلك لا تجد أيَّ مجتمع ـ وإن كان ينادي بالحرية ـ يسمح لأحد أفراده أن يعمد إلى خلخلة النظام، وتعكير أمن أفراده، والّذي يشهد لذلك أنّ الجاسوس في عامّة الأنظمة، يعاقَب بأشدّ العقوبات، وما ذلك إلاّ لأنّه يحارب النظام ويعاديه.
ولذلك نرى أنّه لما تأسّست الدولة الإسلامية في المدينة المنوّرة وضعفت سيطرة اليهود الاقتصادية، بدأوا يخطّطون لإضعاف البنية التحتية لدولة الإسلام الفتيّة بأساليب مختلفة، ومنها ما يذكره القرآن الكريم، حيث يقول:(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(1).
ويستفاد من الآية أنّهم كانوا يخطّطون لبذر ظاهرة الارتداد بين المسلمين، فإنّ الإيمان وجه النهار والارتداد آخره، يورث سريان الشكّ والترديد في نفوس المؤمنين.

1 . آل عمران:72.

صفحه 264
وبهذه المناسبة نقول:إنّ ارتداد سلمان رشدي، أو رافق تقي، أو شاهين نجفي ـ الذي تجرّأ على مقام الإمام الهادي(عليه السلام) ـ كلّها ارتدادات ذوات دوافع سياسية، تقف وراءها دول غربية، تدعمهم وتشجّعهم على ذلك حتّى يحقّق المستكبرون أهدافهم في زعزعة إيمان المسلمين بإسلامهم، وتتحقّق عند ذلك خططهم الشيطانية في السيطرة على بلاد الإسلام وخيراته.
هذا كلّه حول الارتداد على وجه الإجمال، وأمّا حكم الارتداد فطرياً وملّياً فتعرّضت له الكتب الفقهية، فليرجع إليها من أحبّ.(1)
***

الثاني: التقية وآثارها البنّاءة

هذا هو الأمر الثاني الذي تشير إليه الآية.
والتقيّة لغة اسم لاتّقى، يتّقي، والتاء في أوّلها بدل عن الواو، والأصل: وقي، فأُبدل الواو إلى التاء، فيقال: تقيّة، وكأنّ المتِّقي يجعل التقيّة وقاية لنفسه من العدوّ.
إنّ الأخذ بالتقيّة خوفاً من المخالف الغاشم أمر فطريّ، تأمر به فطرة الإنسان، فعندما يرى أنّ المخالف يصادر عامّة الحريات ويمارس سياسة القمع، لم يبق له محيص، من أجل حقن دمه أو تجنّب التعرّض للأذى الشديد، إلاّ مماشاة المخالف على نحو لولا الخوف لما أخفى عليه عقيدته وترك مخالفته.

1 . وقد أجبنا عن الشبهات المثارة حول الارتداد في كتابنا«شبهات و ردود»، فراجع.

صفحه 265
وفي الحقيقة أنّ التقيّة درع يحتمي به الضعيف من المتسلّط الظالم الذي لا يرحم مخالفه إلاّ باتّباعه وهو مجهّز بكلّ وسائل القوّة والبطش والظلم.
وسيوافيك، في تفسيرنا لسورة غافر، التي ورد فيها قوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)(1)، سيوافيك مزيد بيان حول التقيّة، وأنّها من المبادئ التي التزم بها المسلمون جميعاً، وليس الشيعة منهم فقط، كما يحاول أن يُصوِّر ذلك خصومهم ويغمزونهم بها، وإن كان الشيعة قد اضطرّوا إلى العمل بها أكثر من غيرهم بسبب قسوة الظروف التي عاشوها في عصور مختلفة.
ولقد صدق العلاّمة محمد حسين كاشف الغطاء حينما قال:«واللَّوم والتعيير بالتقيّة ـ إن كانت تستحقّ اللّوم والتعيير ـ ليس على الشيعة فحسب، بل على مَن سلبهم موهبة الحرية، وألجأهم إلى العمل بالتقية».(2)

سبب تأكيد الروايات على التقيّة

مَن سبر الروايات الكثيرة التي ذكرت التقيّة سيعرف أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يؤكّدون على التقيّة في القول والعمل، وهنا يطرح السؤال التالي: ما هو السبب لهذا التأكيد؟
والجواب: إنّ مَن قرأ تاريخ حياة الشيعة في العصور الماضية يرى أنّهم كانوا يُؤخذون بالظِنّة ويُقتلون وتُصادر أموالهم، وإن كنت في شكّ من ذلك

1 . غافر:28.
2 . أصل الشيعة وأُصولها:193.

صفحه 266
فأقرأ ما ذكره أبو الحسن علي بن محمد المدائني في كتاب «الأحداث».

كتابة معاوية إلى عمّاله في التشديد على الشيعة

قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة (1)، وعلى كلّ منبر، يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدَّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَن بها من شيعة علي(عليه السلام)فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام علي(عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أُخرى: مَن اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة، حتّى أنّ الرجل من شيعة علي(عليه السلام) ليأتيه مَن يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمنّ عليه.(2)

1 . الكورة: البقعة الّتي تجتمع فيها المساكن والقرى; المنجد: مادة «كور».
2 . شرح نهج البلاغة: 11 / 44 ـ 46 .

صفحه 267
فإذا كان حال الشيعة بهذا الشكل في عصر معاوية المعروف بالدهاء والمرونة ـ كما تعرّفه كتب التاريخ ـ فكيف حالهم في عصر المروانيّين الذي سلّطوا على شيعة الكوفة الحجّاج بن يوسف الثقفي فنكّل بهم وقتلهم قتلاً فظيعاً. ثم بعد أن دالت دولة الأمويّين جاء عصر بني العباس، ففاقوا أسلافهم في الظلم والقتل، كما قال الشاعر الفحل أبو فراس الحمدانيّ في قصيدته في أهل البيت(عليهم السلام):
ما نال منهم بنو حرب وإنْ عظُمت *** تلك الجرائر إلاّ دون نيلكُمُ
كم غدرة لكم في الدين واضحة *** وكم دم لرسول الله عندكمُ
أأنتم آلُه فيما ترون وفي *** أظفاركم من بنيه الطاهرين دمُ
وقال آخر:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا *** وأنّ عدل بني العباس في النارِ(1)ففي تلك الأيام العصيبة كان بسطاء الشيعة يتظاهرون بالمخالفة فيُسبِّبون فتنة كبيرة تنتهي إلى قتلهم وأخذ أصدقائهم وأعوانهم، فربّما ينتهي الأمر إلى قطع نسل الشيعة وتصفيتهم جسديّاً.
إنّ هدر الدم في سبيل الله تعالى من أفضل القربات، لكن بشرط أن تترتّب عليه نتيجة إيجابية، لا على عكس المقصود، كإبعاد الشيعة من أوطانهم، وإغلاق مساجدهم ودورهم العلمية والثقافية أو تهديمها، وإحراق كتبهم، ومحو آثارهم. ففي مثل هذه الظروف يؤكّد الإمام(عليه السلام) على التقيّة ويراها تسعة أعشار الدين مبالغة في المقصود ويرى المخالف ممّن لا دين

1 . البيت لأبي عطاء أفلح بن يسار السِّنديّ. المحاسن والمساوئ للبيهقي:246.

صفحه 268
له، أي لا يُحترم دمه وعرضه ودم سائر أبناء مذهبه.
إذا عدنا إلى تاريخ بغداد، مركز العلم والثقافة، نجد أنّ الشيعة والسنّة كانوا يعيشون فيها متسالمين، ثمّ اتّخذ غلاة الحنابلة العنف وسيلة في التعامل مع المخالفين لهم من المسلمين لا سيّما الشيعة منهم. ولمّا استولى السلاجقة على بغداد وأزالوا حكم البويهيّين أضرموا نار العداء بين هاتين الطائفتين السُّنيّة والشِّيعيّة، وسرت شرارتها إلى الكرخ فقُتل فيه عدد من الشيعة وهُدمت دورهم وأُحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وأخذوا يحرقون الكتب، ولم يجد الشيخ بدّاً من مغادرة بغداد مهاجراً إلى النجف الأشرف.(1)
ثم لماذا نتصفّح الأوراق التالدة للطائفتين، إذ يكفينا اليوم النظر إلى النار التي أجَّجها الاستكبار العالمي بين الطائفتين وتحمّل مسؤوليتها أُمراء المنطقة ووعّاظهم، فما زلنا نرى، عبر الفضائيات، عمليات القتل وسفك الدماء قائمة على قدم وساق، فما أن يدخل التكفيريون الوهابيون منطقة إلاّ ويتتبّعوا فيها الشيعة قتلاً وذبحاً ونهباً لأموالهم وهدماً لمساجدهم ومراكزهم العلمية والثقافية.
وبهذا وغيره تتجلّى لنا قيمة ما دعا إليه الأئمة(عليهم السلام) من وجوب الأخذ بالتقيّة.
وإلى الله المشتكى.
ولعلّ ما ذكرنا حول التقيّة كاف في المقام.
سورة النحل: الآيات 112 ـ 119    

1 . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير:9/637ـ 638(حوادث سنة 449هـ).

صفحه 269

الآيات: الثانية عشرة بعد المئة إلى التاسعة عشرة بعد المئة

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَة ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ).

المفردات

آمنة: الأمن: السلامة من تسلّط العدوّ.
مطمئنة: الاطمئنان: السُّكون والاستقرار وهدوء البال.

صفحه 270
رغداً: الرغد: الوافر الهنيء.
أذاقها: الإذاقة: إحساس اللِّسان بأحوال الطعام.
لباس: اللِّباس: ما يغشي الإنسان ويستره.
أُهلّ: الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال، وأُريد بقوله: (وَ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ): أي ذُكر عليه غير اسم الله، وهو ما كان يذبح لأجل الأصنام، فقد كان المشركون يرفعون أصواتهم عند الذّبح بذكر آلهتهم.
غيرَ باغ: غيرَ ظالم على مضطرّ آخر.
عاد: متجاوز قَدْر الضرورة.
بجهالة: الجهالة هي عدم العلم، وأُريد مَن لم ينكشف له الواقع، كما هو الحال فيمن يرتكب الحرام انطلاقاً من الأهواء النفسانية مع العلم بالحُكم، وأمّا تفسيرها بمن لا يعلم الحكم أصلاً فليس عمله معصية حتى يحتاج إلى المغفرة.

التفسير

112. (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ):
سبق أن ذكر سبحانه جماعة بأنّهم (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا)(1)،

1 . النحل:83.

صفحه 271
فجاءت هذه الآية تشرح حال هؤلاء وتقول: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً): أي وصَف الله حال بلدة (كَانَتْ) تتمتّع بثلاث نعم معنويّة وماديّة، وهي:
1. (آمِنَةً) من تسلّط العدوّ وغاراته.
2. (مُطْمَئِنَّةً): أي ساكنة مستقرّة.
وقدّم سبحانه الأوّل على الثاني لأنّ الثاني رهن الأوّل، فما لم تكن هناك سلامة من تسلّط العدوّ، لا يحصل الهدوء والسكون ولا يتحقّق الاطمئنان.
3.(يَأْتِيهَا رِزْقُهَا): أي أقواتها (رَغَدًا): أي وافراً(مِنْ كُلِّ مَكَان) . والمترقّب من أهل هذه القرية أن يشكروا الله سبحانه ويعبدوه، ولكنّهم جحدوا نعم الله عليهم وأخذوا يعبدون غيره، كما قال: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ)والمراد كُفر أهل القرية بالمُنعم، وإنّما أضاف الكفر إلى القرية مجازاً، فاستحقّوا الجزاء. وأمّا ما هو الجزاء فيبيّنه بقوله: (فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ): أي شملهم الجوع والخوف في كلّ جوانب حياتهم، كما يشمل اللباس البدن كلّه، ولم يكن ذلك عن ظلم من الله سبحانه بل شملهم بسبب أعمالهم السيّئة، كما قال:(بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
فتسلّط الجوع والخوف عليهم كان نتيجة أعمالهم، فبدّلوا الرزق الرغيد بالجوع، والأمن والاطمئنان بالخوف.

ما هو المراد من إلباس الجوع مكان إذاقته؟

بقيت هنا كلمة، وهي أنّه قد يتبادر إلى الذهن أنّ اللباس لا يذاق، بل يلبس فما هو الوجه في قوله تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ)؟ أليس من

صفحه 272
اللاّزم أن يقول: ألبسهم الله لباس الجوع والخوف، أو أذاقهم طعم الجوع والخوف؟
قال الشريف الرضيّ في بيان وجه استعمال الذوق في المقام: بأنّه قد عُرف في لسان العرب أن يقولوا لمن عوقب على جريمة، أو أُخذ بجريرة: ذق غِبَّ فِعلك، واجنِ ثمرة جهلك، وإن كانت عقوبته ليست من جنس ما يُحسُّ بالطَّعم ويُدرَك بالذوق، فكأنّه تعالى لمّا شملهم بالجوع والخوف على وجه العقوبة حَسُن أن يقول تعالى: (فَأَذَاقَهُمُ اللهُ) ذلك، أي أوجدهم مرارتَه، كما يجد الذائق مرارة الشيء المرير، ووخامة الطَّعم الكريه.(1)
هذا كلّه حول قوله: (فَأَذَاقَهُمُ).
وأمّا أنّه تعالى قال: (لِبَاسَ الْجُوعِ) ولم يقل: طعم الجوع، فيمكن أن يقال: إنّ ذلك الجوع كان شديداً كاملاً فصار كأنّه أحاط بهم من كلّ الجهات، فأشبه اللِّباس.
وإن شئت قلت: إنّه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق وحالة تشبه الملبوس، فاعتبر الله تعالى كلا الاعتبارين فقال:(فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ).(2)
113. (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ):
يشير سبحانه هنا إلى نعمة أُخرى حظيت بها القرية، وهي نعمة

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:95.
2 . تفسير الرازي:20/129.

صفحه 273
معنوية، أعني بعث الرسول من أنفسهم إليهم كما يقول:(وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ) فهؤلاء بدل أن يشكروا الله عليها حيث أكمل نعمه عليهم ظاهرة وباطنة، لكنّهم ـ يا للأسف ـ بدل أن يبادروا إلى تصديقه، وهو المعروف عندهم بنسبه وصدقه وأمانته، بادروا إلى تكذيبه، كما قال:(فَكَذَّبُوهُ): أي كذّبوا الرسول (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ): أي متعدّون على حقوق الله سبحانه حيث أشركوا غيره معه.
إلى هنا يتمّ تفسير الآيتين، لكن يقع الكلام في القرية التي ضرب الله بها المثل، هل هي قرية مفروضة فرضها الله سبحانه أو قرية معيّنة؟ وعلى الثاني فهل أُريد بها قرية في الأُمم السابقة اجتمعت فيها هذه الصفات أو أُريد بها مكّة المكرَّمة؟
لا سبيل إلى الاحتمال الأوّل لأنّه سبحانه يخبر عن وقوع العذاب، بقي الكلام بين كونها قرية في الأُمم السابقة أو أهل مكّة.
الظاهر هو الأوّل، والدليل عليه أنّ السورة مكّية والآية مكّية أيضاً، والمفروض أنّه لم ينزل العذاب على أهل مكّة والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها، مع أنّ ظاهر قوله: (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ): أي عذاب الاستئصال (وَ هُمْ ظَالِمُونَ)، نعم هو في الوقت نفسه تهديد لأهل مكة. ونِعمَ ما قال الوزير المغربيّ في مصابيحه: والقرية غير مكّة وإنّما ضُربت مثلاً لها وتخويفاً لأهلها(1).
وتوهُّم أنّ المراد من العذاب في قوله: (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)يوم بدر ـ كما عليه قسم من المفسّرين ـ ، بعيد لأنّ الآية مكّية.

1 . تفسير المصابيح:653، النسخة المحققة في السعودية.

صفحه 274
ويؤيّد ما ذكرنا ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
روى العياشي عن حفص بن سالم، عن أبي عبد الله ]الصادق[(عليه السلام)، قال: «إنّ قوماً في بني إسرائيل كان يُؤتى لهم من طعامهم حتى جعلوا منه تماثيل بمدن كانت في بلادهم يستنجون بها، فلم يزل الله بهم حتى اضطروا إلى التماثيل يبيعونها ويأكلونها، وهو قول الله:(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)».(1)
وفي رواية أُخرى عن زيد الشحّام، عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) قال: «كان أبي يكره أن يمسح يده في المنديل وفيه شيء من الطعام تعظيماً له إلاّ أن يمصّها، أو يكون إلى جانبه صبيّ فيمصّها، قال: فإنّي أجد اليسير يقع من الخُوان فأتفقّده فيضحك الخادم. ثم قال: إنّ أهل قرية ممّن كان قبلكم كان الله قد وسّع عليهم حتى طغَوا، فقال بعضهم لبعض: لو عمدنا إلى شيء من هذا النَّقي فجعلناه نستنجي به كان ألين علينا من الحجارة.
قال(عليه السلام): فلمّا فعلوا ذلك بعث الله على أرضهم دوابّاً أصغر من الجراد، فلم تدع لهم شيئاً خلقه الله إلاّ أكلته من شجر أو غيره، فبلغ بهم الجهد إلى أن أقبلوا على الذي كانوا يستنجون به، فأكلوه وهي القرية التي قال الله تعالى: (وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).(2)
***

1 . تفسير نور الثقلين:3/91.
2 . تفسير نور الثقلين:3/92.

صفحه 275

قول آخر في القرية التي ضُرب بها المثل

ذهب كثيرمن المفسّرين إلى أنّ المراد بالقرية هنا مكّة، لأنّ أهلها كانوا في أمن وطمأنينة ورفاه، ثمّ أنعم الله عليهم بنعمة عظيمة وهي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فكفروا به وبالغوا في إيذائه، فلا غَروَ إن سلّط عليهم البلاء.
قال المفسّرون: عذّبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجِيَف والعظام.
وأمّا الخوف، فهو أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبعث إليهم السرايا فيُغيرون عليهم.
ويؤيّد هذا القول، ما جاء من وصف أرض مكّة في قوله تعالى:(أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء)(1).
ومع ذلك كلّه، فتطبيق الآية على أهل مكّة لا يخلو من بُعد، للأسباب التالية:
أوّلاً: إنّ الآية استخدمت الأفعال الماضية ممّا يشير إلى وقوعها في الأزمنة الغابرة.
ثانياً: لم يثبت ـ تاريخياً ـ ابتلاء أهل مكة بالقحط والجوع على النحو الوارد في الآية الكريمة، وإن كان يذكره بعض المفسّرين.
ثالثاً: إنّ الآية بصدد تحذير المشركين من أهل مكّة من مغبّة تماديهم في كفرهم، والسورة مكّية إلاّ آيات قليلة، ونزولها فيها يقتضي أن يكون

1 . القصص:57.

صفحه 276
للمثل واقعية خارجية وراء تلك الظروف، لتكون أحوال تلك الأُمم عبرة للمشركين من أهل مكّة وما والاها.
وسيوافيك الكلام حول ذلك في تفسيرنا لقوله سبحانه:(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين)(1).
ورابعاً: إنّه سبحانه ابتدأ الآية التالية بالفاء، وهذا يؤيّد كون المراد من القرية غير مكّة.
114. (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ):

الارتزاق من نعم الحلال مقروناً بالشكر

ابتدأ سبحانه هذه الآية «بـالفاء»، فعلى هذا تكون الآية متفرعة على نتيجة التمثيل وصدّاً للمشركين عمّا يؤدي إلى مثل عاقبة تلك القرية، والمعنى: وإذ قد استبان لكم حال مَن كفر بأنعم الله تعالى وكذّب رسوله وما حلّ بهم بسبب ذلك من العذاب، فانتهوا عمّا أنتم عليه من كفران النعم وتكذيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كي لا يحلّ بكم ما حلّ بهم، واعرفوا حقّ نعَم الله (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا)واتركوا ما حرّم عليكم (وَ اشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ)واعرفوا حقّها (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)(2): أي إن كنتم لا تعبدون غير الله سبحانه، فتقديم الضمير يفيد التخصيص.

1 . الدخان:10.
2 . انظر: روح المعاني:14/245.

صفحه 277
وبما أنّه سبحانه ابتدأ هذه الآية بقوله:(فَكُلُوا) فهذا يؤيّد أنّ المراد من القرية غير مكّة، وإنّما ذكر التمثيل تهديداً لأهل مكّة، وكأنّه سبحانه يقول: إذا عرفتم نكال الله لمَن كفر بنعمة الله فاتركوا كفران النعمة وكلوا، فيكون الخطاب شاملاً للمؤمنين والمشركين جميعاً. وهذا هو خيرة صاحب «الميزان» حيث قال: لا سبيل إلى ما ذكره بعضهم من «أنّ المراد من قوله:(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) هو الغنائم، بناء على أنّ الآية نزلت بعد وقعة بدر، والمثل السابق مثل مضروب لأهل مكّة، والمراد بالرسول الذي كذّبوه هو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالعذاب الذي أخذهم هو القتل الذريع لصناديد يوم بدر».
وهذا كلّه ممّا لا دليل عليه من طريق لفظ الآيات.(1)
115. (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):

تحريم الأُمور الأربعة

لمّا أمر سبحانه بأن يأكلوا من رزقه الحلال الطيّب، اقتضى المقام أن يبيّن ما يتميّز به الطيِّب من الخبيث، فحصر سبحانه المحرّمات في أربعة مآكل وقال:(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) وهي ما مات حتف أنفه (وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ)والمراد بالدَّم المسفوح منه، لقوله في آية أُخرى: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)(2): أي مصبوباً.

1 . الميزان في تفسير القرآن:12/363ـ364.
2 . الأنعام:145.

صفحه 278
وهذه الثلاثة خبيثة بالذات، مولّدة للمضرّة، وأمّا الرابع فهو (وَ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ): أي ما ذُبح للنُّصب والأصنام، أي ما ذُكر اسم غير الله عليه وهو وإن لم يكن خبيثاً بالذات، ولكنّه خبيث فطرياً ; لأنّه شرك بالله سبحانه.
ثمّ إنّه تعالى استثنى من حرمة تناول تلك المآكل صورة الاضطرار وقال: (فَمَنِ اضْطُرَّ) فلا بأس عليه بشرط أن يكون (غَيْرَ بَاغ): أي ظالم بالاستئثار على مضطرّ آخر (وَ لاَ عَاد): أي متجاوز حدّ الضرورة ممّا يُسدّ به الجوع (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وربّما يقال: إنّه سبحانه حرّم غير هذه الأربعة حيث قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ)(1).
والجواب: إنّها كلّها داخلة في الميتة، إذ كلّ حيوان مات عن غير طريق الذّبح فهو ميتة.
ثمّ إنّه سبحانه حصر المحرّمات بهذه الأربعة ردّاً على ما حرّمه المشركون على أنفسهم من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام، ونسبوا حرمتها إلى الله سبحانه فردّ عليهم سبحانه في هذه الآية بالمفهوم، وفي سورة المائدة بالمنطوق وقال: (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة وَلاَ سَائِبَة وَلاَ وَصِيلَة وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)(2).
ثمّ إنّ الحصر في قوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ) حصرٌ إضافي في مقابل تحريم

1 . المائدة:3.
2 . المائدة:103.

صفحه 279
المشركين غير هذه الأشياء كما مرّ آنفاً. ولا ينافي ذلك وجود محرّمات في الحيوانات غير الخنزير، كالسِّباع، فقد علم ذلك بالسنّة. ثم إنّ التركيز على تحريم الأربعة لأجل أنّ المشركين كانوا ينتفعون بها.
وليُعلم أنّ تحريم هذه المآكل الثلاثة: الميتة والدَّم ولحم الخنزير، يخضع لحكمة ربّانية، وأنّها ـ كما يقول الأطباء ـ تضرّ بصحّة الإنسان البدنية والنفسيّة، فالإسلام دين الوسط، فلا يحرّم الانتفاع بالحيوان على وجه الإطلاق ولا يحلّله كذلك.
116. (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ):

تحريم الحلال نسبة إلى الله، تشريع وبدعة

في الآية تحذير من البدعة، وهي أن ينسب إلى الله تعالى ما لم يقله ولم يدلّ عليه دليل، فإنّ من مراتب التوحيد: التوحيد في التشريع والتقنين، فالتشريع منحصر بالله سبحانه لا يشاركه فيه غيره، قال سبحانه:(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)،(1)فالمراد من الحكم هو الحكم التشريعي لا التكويني بشهادة قوله: (أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) لكنّ المشركين كانوا يحلّلون أشياء ويحرّمون أُخرى وفق مشتهياتهم وأهوائهم، كما حكاه عنهم سبحانه في قوله:(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ

1 . يوسف:40.

صفحه 280
هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)(1).
فكان هؤلاء مشركين في العبادة والتشريع، والآية ناظرة إلى ابتداعهم.
إذا تبيّن ذلك، فلندخل في تفسير الآية.
الآية تنهى عن التشريع في دين الله وتنهى أيضاً عن أن تصف الألسن بكون شيء حلالاً وكون شيء حراماً من دون دليل من الشرع، فإنّه افتراء على المشرّع عزّ وجلّ. وكأنّ الآية ردّ على ما كان عليه المشركون في الحرث والأنعام على ما يحكيه الله سبحانه في قوله:(وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)(2) كما حكى عنهم أيضاً بقوله: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)(3).
فالله سبحانه يصف كلّ ذلك بأنّه افتراء عليه وأنّ المفترين لا يفلحون.
هذا كلّه حول مفاد الآية، وأمّا إعرابها فقد اختلف المفسّرون فيه،

1 . الأنعام:139ـ 140.ولاحظ الآية 137.
2 . الأنعام:136. راجع مجمع البيان:4/188، ط مصر.
3 . الأنعام:138ـ 139.

صفحه 281
والأقرب من بين الوجوه هو التالي:
قوله: (وَ لاَ تَقُولُوا) مقوله هو: (هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ) وكأنّه يقول: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام.
قوله: (لِتَفْتَرُوا) اللام للعاقبة، أي قولكم هذا عاقبته افتراؤكم على الله الكذب.
قوله: (لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ) الظاهر أنّ الفعل (تَصِفُ) بمعنى تذكر وتشرح ألسنتكم الكذب، وهو مفعول الفعل(تَصِفُ).
وأمّا قوله: (لِمَا) فاللاّم بمعنى «عن»: أي لا تقولوا عمّا (أي الأنعام) التي تشرح ألسنتكم الكذب فيه. ونظير هذه «اللاّم» هي ما في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا لاِِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)(1): أي قالوا عن إخوانهم أنّهم لو أطاعونا ما قتلوا. و «ما» موصولة كناية عن الأنعام والحرث، والمعنى: ولا تقولوا ـ عن الأنعام والحرث ـ التي تصف ألسنتكم فيه الكذب، هذا حلال وهذا حرام... الخ.
117. (مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):
هذه الآية في مقام التعليل لقوله: (لاَ يُفْلِحُونَ).
أي أنّ ما حرّمتم وحلّلتم بأنفسكم هو نفع مؤقّت زائل، بعده عذاب أليم.

1 . آل عمران:168.

صفحه 282
118. (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ):

تحريم أُمور على بني إسرائيل عقوبة

لمّا تقدّم أنّ المحرّمات منحصرة في الأشياء الأربعة، وهي: الميتة والدَّم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير الله به، وكأنّ ما وراءها حلالاً، كان هنا مظنّة سؤال وهو: ما هو الوجه لكون هذه الأُمور قد حرّمت على بني إسرائيل من قبل هذا، وليست هي من هذه المآكل الأربعة؟ فجاءت الآية لبيان وجه التحريم، وهو أنّ التحريم كان عقوبة لبني إسرائيل للجرائم التي ارتكبوها، ولولاها لم تكن محرّمة عليهم، وفي نفس الآيات التي حرّمت أشياء على بني إسرائيل شاهدٌ على أنّه من باب العقوبة.قال تعالى:(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْم ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)(1)، وأراد بـ (ذِي ظُفُر)الحيوانات ذات الظّفر الواحد كالخيل، وبـ(مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا)الشُّحوم التي في منطقة الظهر منها، وبـ (الْحَوَايَا)الشُّحوم التي على أطراف الأمعاء والخاصرتين.
فقوله سبحانه: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أفضل دليل على أنّ التحريم لم يكن تحريماً ذاتياً، بل كان من باب العقوبة على بغيهم.
وعلى ذلك فلا منافاة بين كون المحرّمات منحصرة في المآكل

1 . الأنعام:146.

صفحه 283
الأربعة، ومع ذلك حرّم على بني إسرائيل ماوراءها.
ولعلّ قوله سبحانه:(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة...)(1) ناظر إلى هذا الموضوع، حيث إنّه سبحانه حرّم على بني إسرائيل أشياء كثيرة ولكنّه لم يحرّمها على الأُمّة الإسلامية، فجعلت الآية الثانية مكان الآية الأُولى. كلّ ذلك لأجل مصالح تقتضي إبدال حُكم مكان حُكم آخر.
قوله: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ) بما حرّمنا عليهم (وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)بكفران النِّعمة، فحُرموا من نِعَم عظيمة.
119. (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَة ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ):

بشارة العفو لمن عمل السوء بجهالة ثم تاب

الظاهر أنّ الآية تطييب لنفوس المسلمين الذين شاركوا المشركين في الجاهلية في الافتراء على الله في التحليل والتحريم، فقال تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَة): أي عن جهل بما يترتّب على أعمالهم (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) أعمالهم وأقوالهم وأفكارهم (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا): أي بعد الجهالة (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). والآية وإن كانت واردة في مورد خاص لكنّها ضابطة كلّية لكلّ مَن عمل سوءاً بجهالة، إمّا جهلاً بالحكم أو جهلاً بما يترتّب عليه من العذاب، فإذا تاب وأصلح فكره وعمله فالله سبحانه يغفر ذنوبه لأنّه رحيم.

1 . النحل:101.

صفحه 284
ونظير ذلك قوله سبحانه: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).(1)
سورة النحل: الآيات 120 ـ 124    

الآيات: العشرون بعد المئة إلى الرابعة والعشرين بعدها

(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لاَِنْعُمِهِ اِجْتَبَاهُ وَهَداهُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

المفردات

أُمّة: الأُمّة: الطائفة العظيمة من الناس.
قانتاً: مطيعاً لله قائماً بأمره.
حنيفاً: الحَنَف: الميل عن الضلالة إلى الاستقامة، والحنيف هو المائل إلى ذلك. هذا ما في المفردات.(2) وقال الخليل: الحنيف في قول: المسلم الذي يستقبل قبلة البيت الحرام على ملّة إبراهيم(عليه السلام).(3)

1 . النساء:17.
2 . المفردات للراغب: 133، مادة «حنف».
3 . العين: 3/248، مادة «حنف».

صفحه 285
وقد كانت التسمية معروفة قبل الإسلام، وكان عبد المطّلب وأجداد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على حنفيّة إبراهيم الخليل لا يعبدون الأصنام.
اجتباه: اختاره واصطفاه.
جُعل: فُرض وعُيّن.
السَّبت: أصل السبت: القطع، ومنه: سَبَتَ السير أي قطعه.(1)
وفسّر الخليل السّبت بأنّه عيد عند اليهود، وأنّ معناه النوم،(2) وفسّره ابن فارس بالسكون والراحة،(3) قال تعالى واصفاً الليل:(وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً).(4)

التفسير

لمّا اشتملت الآيات السابقة على بيان نعم الله تعالى وحثِّ الناس على شكرها، كما قال: (وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)(5)، وندّد بالقرية التي (كَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ)(6)، صار ذلك سبباً لبيان نموذج من عباد الله، تجلّت فيه صفة الشكر لأنعم الله تعالى ـ مع صفات أُخرى ـ بأجلى مظاهرها، أعني: النبيّ إبراهيم(عليه السلام).

1 . المفردات للراغب: 220، مادة «سبت».
2 . العين: 7 / 238، مادة «سبت».
3 . معجم مقاييس اللغة: 3 / 124، مادة «سبت».
4 . النبأ: 9.
5 . النحل: 114.
6 . النحل: 112.

صفحه 286
120. (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ):

صفات سامية لإبراهيم الخليل(عليه السلام)

وصف سبحانه النبيّ إبراهيم بصفات سامية قلّما تتّفق لغيره، وقال:
1. (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً): أي قائماً مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم فلان في نفسه قبيلة، إذ يقوم بأُمور لا يقوم بها إلاّ جماعة، أو أنّه(عليه السلام)جمعَ من الفضائل والكمالات ما لا يوجد إلاّ في جماعة كلٌّ انفرد بكمال، وكأنّ أبا نؤاس يريد إبراهيم(عليه السلام) بقوله:
ليس من الله بمستنكر *** أن يجمع العالَم في واحدِ
وربّما يقال: أُريد به إمام هُدى. وربّما يفسّر بأنّه انفرد في دهره بالتوحيد فكان مؤمناً وحده والناس كفّاراً.(1) ويحتمل أن يقوم بطاعاته مكان أُمّة كاملة. وكان الحنيف في الجاهلية الذي يُختن ويحجّ ويغتسل من الجنابة ويغسِّل موتاه. والآية قابلة للتطبيق على الجميع.
2. (قَانِتًا للهِ) مطيعاً له دائماً منقاداً إليه، وكيف لا يكون كذلك وقد أمره سبحانه بذبح ولده فاستسلم لهذا الأمر.
3. (حَنِيفًا) مستقيماً، مجانباً للباطل ومائلاً إلى الحقّ الذي يلازم كونه موحّداً. والشاهد على ذلك الوصف التالي.
4. (وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) كيف؟ وهو الذي حطّم الوثنية ودمّرها،

1 . مجمع البيان:6/240.

صفحه 287
وخاطر من أجل ذلك بنفسه. ولعلّ فيه تعريضاً بمشركي قريش الذين كانوا يزعمون أنّهم على شريعة أبيهم إبراهيم(عليه السلام).
121. (شَاكِرًا لاَِنْعُمِهِ اِجْتَبَاهُ وَهَداهُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
الآية تتضمّن صفات أُخرى لنبيّ الله إبراهيم(عليه السلام) نأتي بها تباعاً:
5. (شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ) والشكر وضع النعمة في مكانها.
وما أجمل قول المعاصر:
ازددْ من الشكر تزدَدْ من سنا الكرم *** فالشكر دربٌ إلى الآلاء والنِّعمِ(1)
6. (اِجْتَبَاهُ): أي اختاره للنبوّة والرسالة، بل للإمامة أيضاً، كما قال: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)(2).
7. (وَهَداهُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) وهو صراط التوحيد والإسلام.
122. (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ):
وهذه الآية أيضاً تتضمّن بيان صفات وفضائل أُخرى لإبراهيم الخليل، وهي:
8. (وَ آتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً): أي أعطيناه معيشة حسنة فكان ذا مال

1 . القيم الإنسانية للدكتور محمود الموسوي:1/95.
2 . البقرة:124.

صفحه 288
وأولاد. وربّما تفسّر الحسنة بالذِّكر الطيِّب، فإنّه ليس من أهل دين إلاّ وهو يرضاه ويتولاّه.
9. (وَ إِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) و الآية إجابة لدعاء إبراهيم أن يجعله من الصالحين، حيث قال: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ)(1).
لقد كان إبراهيم رأس الصالحين ومع ذلك يطلب من ربّه أن يلحقه بهم، ولعلّ ذلك للإشارة إلى عظمة ذلك المقام حتى أنّ إبراهيم يطلبه، والله سبحانه يخبر عنه بأنّه من الصالحين الذين استقاموا على دين الحقّ ولم يزيغوا عنه حتى قيد شعرة.
والغاية من ذكر هذه الأوصاف هي الإشارة إلى أنّ ما ذُكر من آثار هذا الدين الحنيف، فإنْ آمن به الإنسان واتّبعه ساقه إلى ما ساق إليه إبراهيم(عليه السلام).
123. (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ):
ثمّ إنّه سبحانه ختم ما آتاه إبراهيم(عليه السلام) بهذه الآية بأن جعل شريعته شريعة عامّة لكلّ مَن يأتي بعده، فالأنبياء كموسى وعيسى(عليهما السلام) والنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أُمروا باتّباع شريعته، وقال: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)كلمة (ثُمَّ)للترتيب البياني (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) وهذا الأمر يكشف عن أفضل صفة وكرامة لإبراهيم(عليه السلام) حيث جعل النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) متّبعاً لشريعته، فشريعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وشريعة إبراهيم(عليه السلام) هما شيء واحد في الأُصول، والعمود القويّ

1 . الشعراء:83.

صفحه 289
الذي يجمع الشريعتين هو قوله: (حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) حيث كان النبيّ إبراهيم موحِّداً وما كان من المشركين، فالأنبياء بعده على هذا الخطّ.
وهنا سؤال طرحه الطبرسي في «مجمع البيان» وقال: إنّ نبينا أفضل من إبراهيم فكيف أُمر الفاضل باتّباع المفضول؟
وأجاب بقوله: إنّ إبراهيم(عليه السلام) سبق إلى اتّباع الحقّ ولا يكون في سبق المفضول إلى متابعة الحقّ زراية على الفاضل في اتّباعه.(1)
والأَولى أن يقال: إنّ المراد بالأمر بالاتّباع هو الردّ على المشركين الذين يعترفون بدين إبراهيم(عليه السلام)وينكرون دين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنّهما شيء واحد.(2)
وبعبارة واضحة: الآية بصدد توحيد الأديان والشرائع وأنّها من عهد إبراهيم إلى عهد النبيّ الأكرم واحدة، فجميع الأنبياء بعد إبراهيم هم من أتباع شريعته(عليه السلام).
إنّ الأمر باتّباع ملّة إبراهيم(عليه السلام) لأجل أنّ الشرائع السماوية لا تختلف في أُصولها ولبابها، بل كلّها تهدف إلى أمر واحد، وتسوق المجتمع إلى هدف مفرد، والاختلاف إنّما هو في الشريعة والمنهاج لا في المقاصد والغايات، كما قال تعالى: (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)(3)، وقال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)(4).

1 . مجمع البيان:6/240ـ 241.
2 . تفسير الكاشف:4/563.
3 . المائدة:48.
4 . الجاثية:18.

صفحه 290
وبذلك يُعلم أنّ الأمر باتّباع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ملّة إبراهيم(عليه السلام) لا ينافي
كون الرسالة المحمدية أتمّ الشرائع وأكملها، لِما عرفت من أنّ المراد
من الاتّباع هو الاتّباع في الأُصول أي التوحيد والمعارف الإلهية دون
غيرها.
ولذلك لمّا جاءت الرُّسل تترى، وتواصلت حلقات النبوّة في الأدوار الماضية إلى أن بعث الله آخر سفرائه فأتمّ نعمته وأكمل به دينه، فأصبح المجتمع البشري في ظلّ دينه الكامل، وكتابه الجامع، غنيّاً عن تواصل الرسالة وتعاقب النبوّة، وأصبح البشر غير محتاجين إلى إرسال أيّ رسول بعده، إذ جاء الرسول بأكمل الشرائع وأتقنها وأجمعها للحقوق وبكلّ ما يحتاج إليه البشر في أدوار حياتهم وأنواع تطوّراتهم، وفي الوقت نفسه امتازت بمرونة جعلتها تتمشّى مع جميع الأزمنة والأجيال من دون أن تمسّ جوهر الرسالة الأصلي بتحوير وتحريف.
124. (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ):
توضيح الآية رهن بيان أمرين:
1. ماهي صلة الآية بما سبقها من الآيات؟
2. ما هو الأمر الذي اختلف فيه اليهود؟
أمّا الأوّل فيمكن أن يقال: إنّ المفهوم من قوله سبحانه:(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومَن قبله كلّهم قد أُمروا باتّباع ملّة إبراهيم(عليه السلام) ومن المعلوم أنّ ملّته ملّة سهلة حنفية سمحاء، وعندئذ يُطرح هذا

صفحه 291
السؤال: ما هو الوجه في أنّه سبحانه فرض يوماً على اليهود يتركون فيه العمل؟
وقد أُجيب عن ذلك بأن جعل السبت وقطع العمل عليهم لم يكن إلاّ لابتلائهم وتمييز المطيع عن العاصي، نظير ما حرّم عليهم من اللُّحوم الذي أُشير إليه بقوله:(وَ عَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ).(1)
وأمّا الأمر الثاني أي ما هو الأمر الذي وقع فيه الاختلاف؟ فهو قطع العمل في نفس ذلك اليوم، فمنهم مَن قبله ومنهم مَن ردّه ومنهم مَن احتال فيه للعمل مع التظاهر في قبوله، وقد مرّ تفسير ذلك في سورة الأعراف أعني قوله سبحانه:(وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).(2)
فعلى ذلك يكون المراد من قوله: (اخْتَلَفُوا فِيهِ): أي اختلفوا في الأخذ به (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) فيجزي من امتثل جزاءً حسناً، ويجزي الرادّ والمحتال بالعقاب. وما ذكرناه هو مختار صاحب «الميزان» لكن بتفصيل خاص.(3)
نعم لغيره من المفسّرين رأي آخر معتمدين على ماروى عن ابن عباس من أنّه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال: تفرّغوا لله في كلّ سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة لا تعملوا فيه شيئاً من أعمالكم، فأبَوا أن يقبلوا

1 . النحل:118.
2 . الأعراف:163.
3 . لاحظ : الميزان في تفسير القرآن:12/369ـ 370.

صفحه 292
ذلك وقالوا لا نريد إلاّ اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السَّبت، فجعل الله تعالى السَّبت لهم وشدّد عليهم فيه، وهذا مفاد قوله سبحانه:(إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ)ولم يقل: «للذين» لأنّه تعالى جعل السبت لهم وشدّد عليهم فيه.
قوله تعالى:(اخْتَلَفُوا فِيهِ): أي على نبيّهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافاً على نبيّهم في ذلك اليوم.
ثمّ إنّ النصارى أيضاً تلوا تلوهم حيث إنّ عيسى أمر بالجمعة فقالت النصارى لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، واتّخذوا الأحد.(1)
أقول: سياق الآية لا يؤيّده.
سورة النحل: الآيات 125 ـ 128    

الآيات: الأربعة الأخيرة من السورة

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ).

1 . تفسير الرازي:20/137.

صفحه 293

المفردات

بالحكمة: الحكمة: المعرفة المحكمة الخالصة عن شوائب الأخطار.
الموعظة الحسنة: النصيحة التي تؤثّر في نفوس الناس بلين البيان ويرقّ لها القلب لما فيها من صلاح حال السامع.
جادلهم: الجدال: الحجّة التي تستعمل لإبطال دليل الخصم الذي هو يعتقد به ويسلّم به، وإن كان المستدلّ غير مسلّم. وأمّا وصف الموعظة بالحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فسيأتيك وجهه.
ضيق: الضِّيق: الغمّ وانقباض الصدر.

التفسير

125. (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ):
يظهر من الآية أنّ الدعوة تنحصر في وجهين: الحكمة، والموعظة الحسنة كما هو المتبادر من قوله:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ). وأمّا الجدل فليس من باب الدعوة بل الغرض منه إسكات الخصم وإفحامه بأمر مسلّم عنده وإن لم يكن مسلّماً عند الداعي.
ثمّ إنّ الحكمة للإنسان الكامل الذي يطلب المعارف بالدلائل القطعية،

صفحه 294
وأمّا الموعظة فهي للإنسان الذي لا يبلغ حدّ الكمال وفي الوقت نفسه ليس أهلاً للجدل والشغب، فيقبل الحقّ إذا وجده موافقاً للفطرة، وهم أكثر الناس.
وأمّا الجدل فقد علمت أنّه للمشاغبين المخاصمين الذين حُرموا من فهم الدلائل القطعية فانحصر طريق الدعوة بما هو المسلّم عندهم.
والله سبحانه أمر نبيّه بأن يرِدَ من كلّ باب حسب اختلاف استعداد المخاطب، فبما أنّ المخاطبين مختلفون في الاستعداد في فهم الحقائق كلٌّ حسب مستوى تفكيره ومبلغه من العلم والمعرفة وطبيعته النفسية، فهو يتكلّم مع كلّ من هؤلاء حسب ما يقتضيه الحال.
ولا يتوهّم أنّ أصحاب الكمالات العالية مستغنون عن الموعظة الحسنة إذ ربّما ينتفعون بالبراهين العقلية والمواعظ الحسنة التي تُستنطق فيها فطرةُ المخاطب.
ثمّ إنّه سبحانه وصف الموعظة بالحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ولعلّ وجهه أنّ الموعظة إذا كانت جامعة للشروط فالجميع حسن، وأمّا الجدال فهو ينقسم إلى حسن وأحسن، فإذا لم يحرّك عناد المخاطب فهو أحسن، وله مراتب. فكلّما ساد الجدالَ الرِّفقُ واللِّين من غير فظاظة ولا تعنيف يكون أحسن.
قوله تعالى:(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) وأعرضَ عن قبوله (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)ولذلك أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بسلوك سبيلين، والله سبحانه أعلم بمن يبقى على الضلال بعد إتمام الحجّة عليه، وأعلم بمن يهتدي، فيجازي كلاًّ منهما بما يستحقّه.

صفحه 295
126. (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ):
الآية تمثّل عدالة الإسلام عند امتلاك القدرة على العقاب، فإمّا أن يردّ المعتدى عليهم الاعتداء بمثله، كما يقول: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ): أي بمثله ولا تزيدوا عليه، أو أن يكظموا غيظهم ويبادروا إلى العفو عنهم، كما قال:(وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ): أي الصبر (خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ).
والظاهر أنّ المراد من الصبر الإعراض عن أذى المشركين والعفو عنه، لأنّه أجلب لقلوب الأعداء فهو خير من الأخذ بالعقوبة، وقد أمر تعالى بالعفو ومقابلة السيئة بالحسنة في غير واحدة من الآيات، قال تعالى:(وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)(1)، وقال تعالى: (ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(2) فالآية تنهى عن أمر وتأمر بأمرين.
أمّا النهي، فهو النهي عن الإفراط في العقوبة والتعدّي.
وأمّا الأمر فهو تجويز العقوبة بمثلها، والأمر الثاني هو العفو عن المجرم بعد الانتصار في الحرب، لأنّه أشدّ تأثيراً في استمالة قلوب أبناء نحلته.
قال معاوية لخالد بن معمر السَّدوسي: على ماذا أحببتَ عليّاً؟ قال: على ثلاث: حلمه إذا غضب، وصدقه إذا قال، ووفائه إذا وعد.(3)

1 . الشورى:40.
2 . فصلت:34.
3 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:18/111.

صفحه 296
ثمّ أكدّ سبحانه الأمر الثاني في الآية التالية:
127. (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ):
الآية تأمر بشيء، وتنهى عن شيئين:
1. قال تعالى:(وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ) وهي تأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر ويخصّه بالخطاب، ولذلك نرى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لقي من المشركين ما لاقاه ثم عفا عنهم بعد فتح مكة وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وبذلك جازاهم سبحانه خير الجزاء، لأنّ صبره كان بالله أي بإعانة من الله.
2. قال تعالى: (وَ لاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) وهذا أمر عجيب، فإنّ النبيّ كان يحزن على المشركين لشركهم وعدم إيمانهم إلى حدّ يصفه سبحانه بقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(1).
3. (وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ) حيث كانوا يتآمرون على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بين فترة وأُخرى، ويكيدون به، وهذا ممّا يوجب ضيقاً في الصدر وقلقاً في الروح، ولذلك خاطبه تعالى بقوله:(وَ لاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ).
128. (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ):
كأنّ الآية بمنزلة التعليل للأمر بالصبر وعدم الضيق بمكر المشركين، لماذا؟ لـ(إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا)وتجنّبوا الإفراط والتعدّي في العقوبة،

1 . الشعراء:3.

صفحه 297
ولذلك وصفهم سبحانه بالتقوى وقال:(إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا)وإذا صبروا على أذى المشركين وعفوا عنهم يكونون محسنين، والله سبحانه مع (الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ).
فالفقرة الأُولى، أعني: الأمر بالتقوى دليل على اجتناب التعدّي، كما أنّ الفقرة الثانية دليل على العفو.
***
تمّ تفسير سورة النحل

صفحه 298

صفحه 299

سورة الإسراء

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْس شَدِيد فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ

صفحه 300
 
الاْخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّة وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا * إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً * وَكُلَّ إِنْسَان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوح وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الاْخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا *

صفحه 301
 
كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَلَلاْخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً * لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً * وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلاَْوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُورًا * وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا * وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلاَ

صفحه 302
 
تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا * أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا * قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا * وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ

صفحه 303
 
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا * اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً * وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً * وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً * وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا * وَإِنْ مِنْ قَرْيَة إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا * وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالاْيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالاْيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا * وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ

صفحه 304
 
أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاََحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالاَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً * رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا * وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً * يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ

صفحه 305
 
كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الاْخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً * وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَريَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لاََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَ إِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَ يَلْبَثُونَ خَلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً * أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْق وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا * وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَآى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا * قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً * وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ

صفحه 306
 
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا * قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا * وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيل وَعِنَب فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولاً * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولاً * قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ

صفحه 307
 
لَهُمْ أَجَلاً لاَ رَيْبَ فِيهِ فَأَبى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا * قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لاََمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لاََظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاَءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإنِّي لاََظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الاْخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا * وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا * قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا).

صفحه 308
سورة الإسراء: خصائص السورة    
خصائص السورة

تسمية السورة

تُسمّى السورة تارة بسورة «الإسراء»، وأُخرى بسورة «أسرى» أخذاً بما جاء في صدر السورة، وثالثة بسورة «بني إسرائيل». روى البخاري عن ابن مسعود أنّه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنّهن من العِتاق الأُوَل وهنّ من تِلادي.(1)
قال ابن حجر في تفسير هذه الفقرة: أي من أوّل ما نزل من القرآن أو المراد بالعتيق الشريف.
وقال: قوله:«من تلادي» بكسر أوّله، أي من قديم ما قرأته، وتلاد المال: قديمه.(2)
وقال ابن عاشور: ووجه ذلك أنّها ذُكر فيها من أحوال بني إسرائيل ما لم يُذكر في غيرها، وهو استيلاء قوم أُولي بأس (الآشوريين) عليهم، ثم استيلاء قوم آخرين وهم (الروم) عليهم.(3) وسيوافيك ما هو الحقّ في المقام.

1 . صحيح البخاري: 3 / 221، كتاب تفسير القرآن الكريم، برقم 4708، دار الكتب العلمية، 1420 هـ / 1999م.
2 . مقدّمة فتح الباري:91.
3 . التحرير والتنوير:14/5.

صفحه 309

عدد آياتها ومحلّ نزولها

يبلغ عدد آيات السورة مئة وإحدى عشرة آية في عدّ الكوفي، ومئة وعشر آيات في عدّ الباقين.
والسورة مكّية. واستثنى بعضهم الآيات التالية:
1. قوله تعالى:(وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً).(1)
2. قوله تعالى:(وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ).(2)
3. قوله تعالى:(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ).(3)
4. قوله تعالى:(أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ).(4)
أمّا الآية الثالثة فلا وجه لعدّها مدنية بل هي مكّية يشهد
لذلك مضمونها، حيث إنّها ردّ لعبّاد الأصنام كما هو واضح، وأمّا سائر
الآيات فهي نظير ما ورد في هذه السورة من قوله سبحانه:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)(5) إلى قوله: (لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)(6)، فمضامين هذه الآيات أوفق بكونها مدنية، لأنّها تشتمل على أحكام تناسب حالة المسلمين في المدينة، ومع ذلك كلّه يمكن عدّها مكّية أيضاً، إذ كثر المسلمون والمعتنقون لرسالة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في أواخر الفترة المكّية واستعدّوا

1 . الإسراء:32.
2 . الإسراء:33.
3 . الإسراء:57.
4 . الإسراء:79.
5 . الإسراء:23.
6 . الإسراء:39.

صفحه 310
لتشريع بعض الأحكام لهم، فلا مانع من أن يكون الباعث لنزول هذه الآيات والأحكام كونهم مستعدّين للعمل بها حتى في موطنهم الذي كان معقل الشِّرك.
ولو قال أحدهم أنّ ما نزل في حقّ بني إسرائيل، أعني من قوله تعالى:(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ...)(1) إلى قوله: (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)(2) أوفق بأن يكون مدنياً، لم يبعُد، لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ابتُلي بهم في مهجره لا في موطنه. وعندئذ يحتمل نزول قسم من آيات السورة في المدينة.

أغراض السورة

المراد من الأغراض روح السورة التي تدور عليها سائر آياتها، وإلاّ فذكر فهرس الآيات ومضامينها من أوّل السورة إلى آخرها لا يُعدّ غرضاً للسورة، وبذلك يُعلم أنّ قسماً من المفسّرين خلطوا بين الغرض ومحتويات السورة من أوّلها إلى آخرها.
والذي يمكن أن يقال: إنّ غرض السورة هو التأكيد على توحيد الباري تعالى، ونفي الشرك، ولذلك نرى أنّه سبحانه يبدأ السورة بقوله: (سُبْحَانَ الذِي). وما يدلّ على ذلك أنّ قسماً من آيات هذه السورة يشتمل على التسبيح، كالآيات التالية:
سورة الإسراء: الآية 1    
1. (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ)(3).

1 . الإسراء:4.
2 . الإسراء:8.
3 . الإسراء:43.

صفحه 311
2. (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي).(1)
3. (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا).(2)
حتى أنّه سبحانه ختم السورة بقوله:(وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا).(3)
وفي ثنايا السورة آيات تدعو إلى التوحيد وتبطل الشرك، نحو قوله سبحانه: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً)(4)، وقد مرّ أنّ قوله سبحانه:(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) دليل على كونها مكّية.
وبذلك تبيّن أنّ غرض السورة وروحها التي تسري في آياتها، هما الدعوة إلى التوحيد ورفض الشرك بدلائل مختلفة، ومع ذلك قد مرّ أنّ البيئة المكّية كانت صالحة في أواخر أيام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لبيان بعض الأحكام.

الآية الأُولى

(سُبْحَانَ الذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

1 . الإسراء:93.
2 . الإسراء:108.
3 . الإسراء:111.
4 . الإسراء:42.

صفحه 312

المفردات

سبحان: مصدر سبّح سبحاناً، مثل رجح رجحاناً، وشكر شكراناً، والتسبيح هو التنزيه والتقديس، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره : أُسبِّح الله سبحاناً، أو سبّحت الله سبحاناً، فهو مفعول مطلق، ومعناه: ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص.
حكى الرازي عن صاحب «النظم» قوله: السَّبح في اللغة التباعد، يدلّ عليه قوله تعالى:(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا)(1) أي تباعداً، فمعنى: سبّح الله تعالى أيّ بعّده ونزّهه عمّا لا ينبغي.(2)
أسرى: لغة في (سرى) ـ وكلاهما فعل لازم ـ يراد بها السير في الليل ولولا قوله: (بِعَبْدِهِ)لكانت الهمزة للتعدية، لكنّ وجود الباء في (بِعَبْدِهِ)يأبى ذلك.
بعبده: الضمير يرجع إلى الله سبحانه.
ليلاً: لعلّه إشارة إلى أنّ السير كان في جزء من الليل، وبذلك يخرج عن كونه تأكيداً.
المسجد الحرام: هو الفِناء المحيط بالكعبة في مكّة المكرمة.
المسجد الأقصى: مكان عبادة الله في بيت المقدس(مدينة القدس)، ووصف بالأقصى لبُعده الشاسع عن المسجد الحرام في مكّة، ثمّ صار تعبير «المسجد الأقصى» علَماً على مسجد بيت المقدس اقتباساً من الوصف

1 . المزمّل:7.
2 . تفسير الرازي:20/ 145 ـ 146.

صفحه 313
القرآني. وكان قبل الإسلام مكان المعبد الذي بناه سليمان(عليه السلام).(1)
باركنا حوله: بمعنى كثرة الخير ووفرته.
آياتنا: الآيات الكونية.

التفسير

1. (سُبْحَانَ الذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ):
تدلّ هذه الآية والآيات الواردة في سورة النجم على أنّ للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)رحلتين:
1. رحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الواقع في بيت المقدس، وهو المسجد الذي بناه سليمان(عليه السلام)، وهذه الرحلة يطلق عليها كلمة الإسراء.
2. رحلة من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى، ويطلق عليها كلمة المعراج إشارة إلى الارتقاء والصعود، وآيتنا هذه تشير إلى الرحلة الأُولى أي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما يقول سبحانه: (سُبْحَانَ الذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى).

1 . التفسير الحديث:3/352.

صفحه 314
ثمّ إنّ المراد من التعبير (بِعَبْدِهِ) هو النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والضابطة في ذلك أنّ لفظ العبد إذا أضيف إلى الله سبحانه ولم يكن مقروناً باسم نبيّ خاصّ، يراد به النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، نظير قوله تعالى:(الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)(1)، إلى غير ذلك من الآيات التي أُضيف فيها لفظ «عبد» إلى الضمير العائد إلى الله وأُريد به شخص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم لو قُرن باسم نبيّ خاصّ يراد به ذلك النبيّ، كما في قوله تعالى: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)(2) وغيرها من الآيات.
ثمّ إنّ إضافة العبد إلى الله سبحانه إضافة تشريفية، وليست إضافة تعريفية، لأنّ وصف العبودية لله موجود في عامّة المخلوقات، فلا تفيد الإضافة تعريفاً، ومع ذلك فالتعبير عن النبيّ بالعبد، إشارة إلى أنّ عبوديته لله من أفضل مفاخره، قال الإمام علي(عليه السلام):«إلهي، كفاني فخراً أن تكون لي ربّاً، وكفاني عزّاً أن أكون لك عبداً».(3)
وفي قوله:(بِعَبْدِه) إشارة إلى أنّ الإسراء كان جسدياً وروحياً، وسيوافيك تفصيل ذلك بعد الفراغ عن تفسير الآية.
قوله تعالى:(مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): أي المكان المعدّ للسجود والصلاة، وهو الفِناء المحيط بالكعبة.
ومع ذلك يمكن أن يكون المسجد الحرام كناية عمّا حوله من البيوت،

1 . الكهف:2.
2 . مريم:2.
3 . شرح نهج البلاغة:20/255.

صفحه 315
بشهادة أنّه سبحانه يقول:(هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)(1)، مع أنّ الهَدْي لا يُذبح عند الكعبة بل يُساق إلى مكة المكرّمة.
والظاهر أنّ بناء المسجد يرجع إلى إبراهيم أو ابنه إسماعيل(عليهما السلام)بشهادة قوله سبحانه: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ)(2)، ومن المعلوم أنّ المراد إقامة الصلاة حول الكعبة لا داخل الكعبة نفسها. وفي التاريخ: أنّ قريشاً بنوا بيوتهم حول المسجد الحرام، وجعل قُصيّ(3) بقربه دار النّدوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة، فانحصر بما أحاطت به بيوت عشائر قريش. وكانت كلّ عشيرة تتّخذ بيوتاً متجاورة، ومجموع البيوت يُسمّى شِعباً ـ بكسر الشين ـ وكانت كلّ عشيرة تسلك إلى المسجد الحرام من منفذ دورها، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يُحفظ به.(4)
قوله تعالى: (إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) أُريد به ـ كما مرّ في المفردات ـ مكان عبادة الله في بيت المقدس، وقد وصف بالأقصى لبُعده عن المسجد الحرام في مكّة، ولم يكن حينئذ وراءه مسجد، فصار المسجد الأقصى نهاية الإسراء في هذه الرحلة.
ثمّ إنّ في ذكر المبدأ باسم (المسجد الحرام) والمنتهى باسم (المسجد

1 . المائدة:95.
2 . إبراهيم:37.
3 . هو من أجداد النبيّ محمد، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كِلاب.
4 . التحرير والتنوير:14/12.

صفحه 316
الأقصى) نكات نشير إليها،وهي:
1. أنّ قطع تلك المسافة في جزء من الليل كان كرامة من الله سبحانه للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وخرقاً للعادة إذ لا يمكن قطع تلك المسافة في هذا المقدار من الزمان حسب وسائل النقل المتوفّرة في ذلك العصر.
2. أنّ مبدأ الرحلة كان هو المسجد الحرام، لا البيوت، اللّهم إلاّ أن يطلق المسجد ويراد به البيوت المحيطة به، وقد مرّ كونه محتملاً.
روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عن صعصعة قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان... إلخ.(1)
وبذلك عُلم أنّ ما روي عن عائشة أنّ جسد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفارقها تلك الليلة يخالف القرآن الكريم، لأنّ معناه أنّه أُسري به من بيته لا من المسجد، مضافاً إلى أنّ عائشة لم تكن حين الإسراء الذي وقع في العشر الأُولى من البعثة زوجة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالرواية موضوعة مكذوبة.
قال السيد الآلوسي ـ بعد أن نقل ما روي عن عائشة ـ : ولعلّه لم يصحّ عنها، كما في البحر، وكانت صغيرة ولم تكن زوجته.(2)
3. بدأ رحلته(صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة المعظمة التي هي مكان الشريعة الإبراهيمية إلى المسجد الأقصى الذي هو موطن تفرّع الشريعة الإبراهيمية إلى شرائع، ثم عاد ـ بعد عروجه إلى السماء ـ إلى مكّة المكّرمة، وفيه إشارة إلى أنّ الشريعة المحمّدية جامعة لكلّ كمال في تلك الشرائع، حيث بدأ في

1 . صحيح البخاري:787، برقم:3207، كتاب بدء الخلق.
2 . روح المعاني:15/7.

صفحه 317
هذه الرحلة بالتعرّف على خصوصيّات الشرائع وجزئيّاتها.
قوله تعالى:(الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) والبركة هي الوفرة والكثرة، وتحتمل وجهين:
1. أُريد بها البركة المادية، وقد تجلّت في كثرة الخصب ووفرة الأنهار والأشجار والأثمار.
2. البركة المعنوية، حيث إنّ الأرض التي فيها المسجد الأقصى، هي مقرّ الأنبياء، ومهبط الملائكة، قال تعالى ممتنّاً على إبراهيم(عليه السلام):(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)(1)، وهي أرض فلسطين.
هذا، وقد يكون المراد كلا البركتين.
قوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنَا) بيان لغاية تلك الرحلة، وهو أنّه سبحانه أراه في تلك الرحلة آياته، وأشير إليها أيضاً في سورة النجم حيث قال:(لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)(2)، أمّا رؤية الآيات في الرحلة السماوية فواضح لأنّه عُرج به إلى السماوات العلى، ومنها إلى سدرة المنتهى، وكم من آية بين المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى، إنّما الكلام في آيات الرحلة الأرضية (الإسراء). وفي هذا المجال يمكن أن يقال إنّ رحلته تلك (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) في وقت قصير(جزء من الليل) تعدّ آية باهرة من آيات الله لأنّها تدلّ على عظمة قدرته جلّ وعلا، ومنها أيضاً ما رآه من آثار الأنبياء السابقين في تلك الأرض المقدّسة، وغير ذلك من أُمور غيبية

1 . الأنبياء:71.
2 . النجم:18.

صفحه 318
أطلعه الله سبحانه عليها.
قوله تعالى:(وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فالله سبحانه سميع لأقوال عباده في موضوع الإسراء، بصير بأفعالهم حيث إنّ قسماً من عباده سينكرونه، وقسم منهم سيقبلونه برحابة صدر.
ويمكن أن يقال: إنّ الصفتين إشارة إلى أنّ الله سبحانه لم يختر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لشرف الإسراء إلاّ بعد أن اختبر استعداده لهذا الشرف، فالله سبحانه وتعالى سمع قول رسوله ورأى عمله وسلوكه، فاصطفاه للمقام السامي الذي اختاره له في الإسراء والمعراج.
وهذا هو الظاهر من الرازي، حيث قال: إنّ الذي أسرى بعبده محمد هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء، مقرونة بالصدق والصفاء، فلهذا السبب خصّه الله تعالى بهذه الكرامات. ثم نقل الوجه الأوّل وقال: وقيل: المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر، بصير بما يعملون في هذه الواقعة.(1)
إلى هنا تم تفسير الآية، وهناك أسئلة تطرح في هذا الصدد.

أسئلة حول الإسراء والمعراج

السؤال الأوّل: هل أُسري برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بجسده وروحه، أو بروحه الشريف فقط؟

المشهور بين العلماء هو الأوّل، ويدلّ عليه:
أوّلاً: أنّ لفظ العبد إنّما يطلق على الروح والجسد معاً، ولو كان الإسراء

1 . تفسير الرازي:20/ 147.

صفحه 319
في المنام، لقال: أسرى بروح عبده.
ثانياً: لو كان الإسراء مجرّد رؤية صالحة لما أنكره مشركو قريش; لأنّ النائم قد يرى نفسه في السماء أو يذهب من المشرق إلى المغرب ولا يستبعده أحد، مع أنّ المشركين أنكروه أشدّ الإنكار.
نعم ربّما يقال: إنّ الإسراء قد كان بالروح فقط في عالم الرؤيا، ويحتجّون بما ورد عن عائشة إذ قالت: ما فقدت جسد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
يلاحظ عليه: أن الرواية تكذّب نفسها، لأنّ الإسراء وقع في العشر الأُولى من البعثة، ولم تكن عائشة آنذاك زوجة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تفقد جسده تلك الليلة، كما مرّ.

السؤال الثاني: ما هي الغاية من الإسراء والمعراج؟