welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : العوالم الغيبية في القرآن الكريم*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العوالم الغيبية في القرآن الكريم

صفحه 1
   
   العوالم الغيبية في القرآن الكريم
العوالم الغيبية
فى
القرآن الكريم

صفحه 2

صفحه 3
العوالم الغيبية
في
القرآن الكريم
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة ـ إيران

صفحه 4

صفحه 5

صفحه 6
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1308 ـ .
      العوالم الغيبية في القرآن الكريم / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1428 ق . = 1385 .
304 ص .
ISBN 964 - 357 - 263 - 3
      كتابنامه به صورت زيرنويس .
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      1 . غيب گويى (اسلام) ـ ـ جنبه هاى قرآنى. 2. قرآن ـ ـ اعجاز 3. پيامبران ـ ـ معجزات. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
9ع2س/ 2/86 BP    158 / 297
         1385
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   العوالم الغيبية في القرآن الكريم
المؤلــف:   آية الله جعفر السبحاني
المطبعـة:    مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الطبعــة:   الأُولى
تاريخ الطبع:   1428 هـ
الكمّيّـة:    2000 نسخة
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
عدد الصفحات:     304 صفحة
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف: القرآن والعوالم الغيبية   

مقدّمة المؤلّف

القرآن والعوالم الغيبية

من قرأ القرآن الكريم بإمعان، وخالطت مفاهيمه ومعانيه روحَه وفكرَه يقف على أنّ القرآن يعترف بوجود عوالم غيبيّة وراء عالم الحسّ والمادّة، ويذمّ من أخلد إلى الأرض فلم ير لغير المادة واقعاً ووجوداً في هذا العالم الفسيح.
والقرآن الكريم يعترف بعالم الغيب وراء عالم الشهادة، ويعدّ الإيمان به ـ وإن لم يُرَ ولم يُمسّ ـ من خصال المتّقين ويقول: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )(1).
كما أنّه يعترف بحياة وراء الحياة الدنيوية ويصفها بأنّها هي الحياة

1 . البقرة: 1 ـ 3 .

صفحه 8
الحقيقية دون الحياة المادية كما يقول: (وَ إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )(1).
ولذلك يعرّف الحياة الدنيوية بأنّها حياة ظاهرية وأنّ وراءها حياة أُخرى فيقول: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)(2).
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تدلّ على أنّ وراء عالم المادة عالماً آخر يكون مقرّاً أبدياً للإنسان في نهاية المطاف.
والقرآن الكريم يعترف أيضاً بحقائق غير مادية لا تدرك بالحسّ، كالروح والملك والجن والبرزخ والأعراف إلى غير ذلك من الحقائق الغيبية الّتي حالت الحياة المادية بيننا وبينهم، فإذا أُزيلت الحواجز تنكشف لنا هذه الحقائق الغيبية الّتي كانت مستورة عنّا، قال سبحانه: (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(2).
نعم ربما يرى الإنسان الّذي يتمتّع بدرجة عالية من الإيمان والعرفان بعض العوالم الغيبية وهو في عالم المادة ، كما يقول سبحانه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)(4)، أي لتروّن الجحيم وأنتم في الحياة الدنيا.
إذن العوالم الغيبية حقيقة ساطعة لا يمكن إنكارها، وعلى الاعتراف

1 . العنكبوت: 64.   2 . الروم: 7 .
2 . ق: 22 .   4 . التكاثر: 5 ـ 6 .

صفحه 9
بتلك العوالم قام صرح الشرائع السماوية في الأرض، فلا تجد إنساناً مؤمناً بأحد هذه الشرائع إلاّ وهو معترف بتلك العوالم الغيبية، ومؤمن بها .
ومن الشواهد على ذلك إنّ الله سبحانه يثبت للملائكة أقوالاً وأفعالاً وربما يُكلِّفهم بأُمور كلّها تدلّ على أنّ لهم وجوداً واقعياً وراء عالم الحس، وإليك بعض ما يقومون به من الأفعال وما يتحلّون به من الأوصاف:

1. قبض الأرواح

قال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ )(1) .
ويقول أيضاً: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)(2).
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تَنْسِب التوفّي إلى الملائكة.

2. حمل الوحي إلى الأنبياء

الملائكة حَملة الوحي من الله سبحانه إلى أنبيائه والمصطفين من عباده، قال تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ)(3)، والمراد من الروح هو الوحي بقرينة

1 . النحل: 32 .
2 . محمد: 27 .
3 . النحل: 2 .

صفحه 10
قوله: (أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) .
ويقول سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)(1).
وقد تحمل الملائكة بلاغاً أو بشرى من الله سبحانه إلى الصالحين والصالحات من عباده، يقول سبحانه: (وَ إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)(2).
وقال سبحانه: (وَ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْل حَنِيذ )(3).

3. إعانة المجاهدين في الحرب

إنّ الملائكة هم جنود الله في المعارك والحروب وفي إنزال البلاء على القوم الظالمين، قال سبحانه: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ)(4).
وقال: (وَ لَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَ ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَ قَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)(5).

1 . الشعراء: 193 ـ 194 .
2 . آل عمران: 42 .
3 . هود: 69 .
4 . آل عمران: 124 .
5 . هود: 77 .

صفحه 11
4. خزنة جهنّم
يذكر الله سبحانه أنّ الملائكة هم الموكّلون بالجحيم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ)(1).

5. تحلّيهم بالعصمة

وقد وصف الله سبحانه الملائكة بالعصمة وعدم الخروج عن طاعته، قال سبحانه: ( لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(2).
إلى غير ذلك من الأفعال والصفات الّتي تدلّ على أنّ الملائكة موجودات علوية لها قدرات غيبية يعدّون جنوداً لله سبحانه، وكأنّهم هم المقصودون من قوله: (وَ للهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَ كَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً)(2) .
وقال: (وَ أَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا)(3) .
والغريب بعد كلّ هذه الآيات الصريحة يأتي من يفسّر الملائكة بالقوى الكامنة في البذرة والحيوان والإنسان، كما نقله الشيخ محمد عبده عن بعض المفسّرين وقال: وذهب بعض المفسّرين مذهباً آخر في فهم

1 . التحريم: 6 .   2 . التحريم: 6 .
2 . الفتح: 4 .
3 . التوبة: 26 .

صفحه 12
معنى الملائكة وهو أنّ مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكّلين بالأعمال من إنماء نبات، وخلقة حيوان، وحفظ إنسان، وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أنّ هذا النمو في النبات لم يكن إلاّ بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكلّ أمر كلّي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنّما قوامه بروح إلهي سُمّي في لسان الشرع مَلكاً .(1)
ومن الشواهد أيضاً ـ علاوة على الملائكة ـ ، ظاهرة الجنّ في القرآن الكريم، فإذا قرأت سورة الجن تجد انّه سبحانه يذكر بأنّ منهم صالحين وغير صالحين، مسلمين وقاسطين، ويذكر استعدادهم للخير والشر كالإنسان، إلاّ من تمحّض للشر منهم وهو إبليس وقبيله.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ للجنّ وجوداً واقعياً غيبياً ولهم شؤون وتكاليف، وهذه المفاهيم السامية تصدّ المفسّر عن تأويل النصوص الواردة في القرآن حول الملك والجنّ بقوى مادّية، وإنّما يقوم بذلك من يفسّر القرآن بأفكار مسبقة تجرّه إلى إنكار هذه الحقائق الواردة في القرآن الكريم وتأويلها.
وهذا النوع من التفسير خاطئ جداً، لأنّه يجب أن يَعرضَ المفسِّرُ فكره على القرآن الكريم لا أن يعرض القرآن على فكره.

1 . تفسير المنار: 1 / 257.

صفحه 13
وهناك كلمة قيّمة لسيد قطب ـ وان كان هو قد خالف كلمته في بعض المواضع ـ قال: إنّ الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره، وفي التصور الإسلامي وتكوينه.. أن ينفض الإنسان من ذهنه كلّ تصور سابق، وأن يواجه القرآن بغير مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة، وأن يبني مقرراته كلّها حسبما يصور القرآنُ والحديثُ حقائقَ هذا الوجود. ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن. ولا ينفي شيئاً يثبته القرآن ولا يؤوّله! ولا يثبت شيئاً ينفيه القرآن أو يبطله. وما عدا المثبت والمنفي في القرآن، فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته .(1)
للأسف أنّ سيد قطب نفسه قد خالف تلك الضابطة في تفسيره وجنح إلى التفاسير المادية للأُمور الغيبية في بعض الموارد، وقد اعترف بذلك في تفسير سورة الجن وقال: وما أُبرئ نفسي أنّني فيما سبق من مؤلّفاتي وفي الأجزاء الأُولى من هذا «الظلال» قد انسقت إلى شيء من هذا، وأرجو أن أتداركه في الطبعة التالية إذا وفق الله... وما أقرره هنا هو ما أعتقده الحق بهداية من الله .(2)

النهضة العلمية الغربية

في الوقت الّذي كان رجال الدين في الغرب يفسّرون الكون بما ورثوه من الأغارقة ويجعلونه جزءاً من الدين ـ في هذا الوقت ـ قامت

1 . في ظلال القرآن: 28 / 326 .
2 . نفس المصدر .

صفحه 14
النهضة العلمية الحديثة فأبطلت أكثر الفروض العلمية الموروثة من اليونان في الفلكيات والطبيعيات، وقد قام صرح النهضة في تفسير الظواهر الفلكية على نظريات رجال أربعة:
1. أبطل «كوبرنيكوس» البولوني أنّ الأرض مركز العالم على خلاف الهيئة البطليموسية، بل هي سيّارة تدور حول الشمس.
2. كما أثبت «كوبلر» الألماني بأنّ السيّارات ومنها الأرض تدور حول الشمس على مدار بيضي.
3. اخترع «غاليلو» الإيطالي تلسكوباً كشف به عن كواكب غير مرئية كثيرة.
4. أثبت «نيوتن» قانون الجاذبية العامّة، وأنّ الكواكب كلّها معلّقات في الفضاء، والّذي يحفظها في مكانها هو أنّها خاضعة لقوتين هما: قوة الجذب باتجاه الشمس، وقوة الطرد المركزي الناتج من دورانها حول الشمس، خلافاً للهيئة البطليموسية القائلة بأنّ الكواكب كلّها مثبتات في الفلك الثامن ليس لها حركة ولا انتقال وانّما الحركة هي للفلك الحامل لها.
وقام رجال آخرون بالتحقيق حول العناصر الأولية الّتي تتكون منها المواد الطبيعية فكشفوا عن عناصر أوّلية تجاوزت المائة، وبذلك أبطلوا كون الماء والهواء والتراب والنار عناصر أوّلية.
وهذه النظريات أبطلت الأفكار الّتي تلقّاها رجال الكنيسة كأنّها حقائق راهنة.

صفحه 15
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ رجال الدين قاموا بمواجهة المكتشفين والعلماء والمخترعين والتصدّي لهم بقوة وعنف، فمنهم من قتل، ومنهم من حرق، ومنهم من سجن حتّى صار هذا التعامل القاسي وغير المنطقي، سبباً لابتعاد الناس عن الدين والاعتقاد بالغيب، وبالتالي ولّد الشك والترديد في كلّ العقائد الموروثة .
فالناس بين منكر لها، إلى شاك فيها، إلى مكِّب على الدين غير معتدٍّ بهذه الأفكار الحديثة.

حصر أدوات المعرفة بالتجربة

ثم إنّه كان هناك عاملٌ آخر لطروء البلبلة والشك في العوالم الغيبية وهو حصر أدوات المعرفة بالتجربة، وأنّ كلّ ما أثبتته التجربة ودعمته فهو حق يُتبع، وأمّا الخارج عن ذلك فلا يُعتدّ به.
وقد كانت أدوات المعرفة قبل النهضة العلمية غير منحصرة بالتجربة بل كان العقل القاطع أحد أدواتها، كما كان الإلهام والوحي أداة أُخرى لها، غير أنّ انتفاع الناس بالاكتشافات والاختراعات الّتي كانت نتيجة التجربة صار سبباً للانكباب على التجربة والصفح عن غيرها من الأدوات، ومن المعلوم أنّ التجربة إنّما تصلح للحكم في موضوعها وموردها ـ وهي المادة والطاقة ـ وأمّا الأُمور الخارجة عن موردها فلا حكم لها فيها، وليس لها حق القضاء فيها بالنفي والإثبات، حتّى أنّ حصر أدوات المعرفة بالتجربة لم يثبت أيضاً بالتجربة.

صفحه 16
وهذا هو السبب الثاني لانحسار الدين عن الأوساط العلمية، بل حتّى الشعبية .
ooo
قد تعرفت على ما هو السائد في البيئات الغربية وأنّ البلبلة في التفكير والشك والترديد في المقدّسات صار ظاهرة رائجة تدرّس في الجامعات والمعاهد العلمية إلى آواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .
ولما كانت مصر العزيزة بوابّة للغرب فقد انتقلت تلك الأفكار الإلحادية إليها قبل غيرها من حواضر العالم الإسلامي، وبسرعة ملحوظة، ولمّا كان علماء الإسلام في الأزهر وغيره هم حرّاس الشريعة، تولّدت عند بعضهم ـ لا كلّهم ـ فكرة الجمع والتلفيق بين نتائج العلم والحقائق الغيبية الّتي أكد عليها القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وصارت نتيجة هذا الجمع هو تنزيل كثيراً من الحقائق الغيبية على الأُصول والسنن الماديّة، إلى أن صاروا يؤوّلون كثيراً من المعاجز الواردة في القرآن الكريم على وفق السنن الطبيعية، حتّى لا يستغرب المثقف المتوغل في العلوم المادية حينما يطّلع على الحقائق الدينية. وإليك بعض كلماتهم :
1. هذا هو شيخ الأزهر محمد عبده (المتوفّى 1323 هـ) قد خدم الأزهر بفكره وجهاده ومع ذلك أوّل الآيات الواردة في سورة البقرة الّتي تذكر معجزة إحياء الموتى، تأويلاً يناسب روح الفكر المادي(1).

1 . وسيوافيك تأويلاته في هذه السورة في مواضع مختلفة ممّا سندرسه.

صفحه 17
ولأجل الغاية نفسها فسّر قوله سبحانه: (مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)(1) بالنمامين المقطّعين لروابط الإلفة المحرّقين لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم، فأراد سبحانه أن يشبههم بأُولئك السحرة المشعوذين الذين إذا أرادوا أن يحلّوا عقدة المحبّة بين المرء وزوجه مثالاً ـ فيما يوهمون به العامّة ـ عقدوا عقدة ثم نفثوا فيها وحلّوها، ليكون ذلك حلاًّ للعقدة الّتي بين الزوجين .(2)
هذا ما يذكره الشيخ الأُستاذ محمد عبده مع أنّ الآية بصدد بيان التعوّذ من شر النفاثات في العقد لا من أصحاب النمائم .
وبعبارة أُخرى: تشير إلى التعوّذ من المشعوذين أنفسهم الذين يعقدون ويحلّون لا من النمامين المشبّه لهم.
ولمّا كان المعنى الواقعي أمراً غريباً في نظره أوّل الآية بالشكل الّذي عرفت .
2. وقد تأثر بهذا المنهج تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا فعاد ينكر أن يكون للنبي معجزة غير القرآن الكريم، فقال في جواب المحتجّين بانشقاق القمر: قد بيّنّا أنّ ما تدلّ عليه الآيات القرآنية المؤيدة بحديث الصحيحين الصريح في حصر معجزة نبوته في القرآن، هو الحق الّذي لا ينهض لمعارضته شيء .(2)

1 . الفلق: 4 .   2 . تفسير جزء عم: 185 .
2 . تفسير المنار: 11 / 333; الوحي المحمدي: 69 .

صفحه 18
3. وهذا هو «فريد وجدي» صاحب دائرة معارف القرن العشرين تجده يرقص لإفلات الحكومات من سلطان رجال الدين، ويمدح ثمرات العلوم مغمزاً بثمرات الدين يقول: «تقدم الزمانُ وأفلتت الحكومات من سلطان رجال الدين، واقتصر سلاح الدين على ما كان لديه من قوة الإقناع، ففي هذه الأثناء كان العلم يؤتي ثمرات من استكشاف المجهولات، وتخفيف الويلات، وترفيه الصناعات، وابتكار الأدوات والآلات، ويعمل على تجديد الحياة البشرية تجديداً رفعها عن المستوى، فشعر الناس بفارق جسيم، بين ما انتهوا إليه في عهد الحياة الحرة وتحت سلطان العلوم المادية، وبين ما كانوا عليه أيام خضوعهم لحفظة العقائد. (1)
وليس هذا الداء مخصوصاً به، بل هناك أُناس وافقوه في الاستسلام للتفكير المادي.
4. فهذا هو الأُستاذ الأكبر الشيخ المراغي يرى أنّ التشريع الإسلامي غير صالح للتطبيق في هذه الظروف، وأنّه يختص بالعصور الغابرة يقول: إنّ من ينظر في كتب الشريعة الأصيلة بعين البصيرة والحذق، يجد أنّه من غير المعقول أن تضع قانوناً أو كتباً أو مبدأ في القرن الثاني من الهجرة ثم يجيء بعد ذلك، فتطبق هذا القانون في 1354 هجرية .(2)
إنّ المؤلّفات الفقهية والقانونية في القرن الهجري الثاني إذا

1 . مجلة الأزهر، المجلد 2، الجزء 9، لاحظ: موقف العقل والعلم والعالم 1 / 57 .
2 . مجلة الأهرام 28 فبراير عام 1936 م، لاحظ موقف العقل والعلم والعالم تأليف مصطفى صبري: 1 / 32 .

صفحه 19
كانت مستمدة من القرآن والسنّة الشريفة فالإطاحة بها إطاحة بهما، غير أنّ الشيخ لم يصرح بمراده الواقعي وإنّما أخذ المؤلفات الفقهية ذريعة للنقد والرد .
5. وهذا أحمد أمين المصري الطائر الصيت، يقول في كتابه: «إن قانون التناقض الّذي يقول به المنطق الشكلي القديم والّذي يقرر أنّ الشيء يستحيل أن يكون وأن لا يكون في آن واحد، يجب عليه الآن أنْ يزول من أجل حقيقة «هيجل» العليا الّتي تنسجم فيها المتناقضات والّتي تذهب إلى أنّ كل شيء يكون موجوداً وغير موجود»(1).
وقد عزب عنه أنّ ما يدّعيه «هيجل» من الجمع بين النقيضين لا يمتّ إلى النقيضين المبحوث عنهما في المنطق الشكلي، بصلة. وإنّما هو عبارة عن العناصر المتضادة في الطبيعة الّتي يحصل من تفاعلها شيء ثالث، ولو أردنا أن نعبر عنه باصطلاح صحيح، فيجب أن نقول: يريد المتضادين في مصطلح الفلسفة، لا النقيضين، ولا الضدين في مصطلح المنطق.
ثم نسأل الأُستاذ، إذا كان أَبده القضايا، أعني: امتناع اجتماع النقيضين، واقعاً في إطار الشك والترديد، بل الردّ والإنكار، فأنّى له أن يثبت قضية يقينية طاردة للشك واليقين، إذ المفروض عنده أنّ النقيضين يجتمعان، وأنّه لا مانع من أن تصدق قضية «قرأ أرسطو على أفلاطون» ونقيضها «لم يقرأ أرسطو على أفلاطون».

1 . قصة الفلسفة الحديثة، كما في: موقف العقل والعلم والعالم: 1 / 130.

صفحه 20
وأسوأ من ذلك قوله الآخر، مندداً بعلم الكلام الّذي نرى جذوره في القرآن والسنّة، ثم العقل: «أمّا علم التوحيد فبرهان لمن يعتقد، لا لمن لا يعتقد، برهان لصاحب الدين، لا لمخالفه، ولهذا لم نر في التاريخ أنّ علم الكلام كان سبباً في إيمان من لم يؤمن، أو إسلام من لم يسلم إلاّ نادراً، وإنّما كان سبباً في إيمان الكثير وإسلام الجم الغفير، الدعوة من طريق القلب لا من طريق المنطق» (1)
يلاحظ عليه : أنّه إذا لم يكن علم الكلام سبباً لإيمان من لم يؤمن، فما معنى هذه البراهين الّتي يسوقها القرآن حول دحض الشرك ودعم التوحيد؟! وإذا كان العقل غير مفيد في الهداية، بل المفيد هو الكشف والشهود، الّذي يعبر عنه بطريق القلب، فما معنى دعوة الوحي إلى التعقّل والتدبّر؟!
والعجب أنّ كلّ ما يقوله ، هو نوع برهنة واستدلال بالعقل، وهو يريد أن يرد العقل بالعقل، فما هذا التناقض؟! اللهم إلاّ أن يلتجئ الأُستاذ إلى فرضية «هيجل» الّتي نسبها إليه وأنّه يصح الجمع بين النقيضين!!.
ooo
وقد عمّت هذه الموجة البلاد الإسلامية جميعاً وبلغت إيران في ستينات القرن العشرين، فترى الفكر الالتقاطي بارزاً في كتب المتسمّين «بمجاهدي الشعب»، فقد أطلوا كتبهم ورسائلهم بالآيات والروايات لكنّهم

1 . موقف العقل والعلم والعالم: 1 / 257 ـ 258 .

صفحه 21
اتخذوها غطاءً لما يتبنّونه من الأفكار المادية والإلحادية. أعاذنا الله من الزلل في القول والعمل.
إنّ بقاء آثار هذه الموجة الإلحادية إلى الوقت الحاضر في بعض الجامعات وبين بعض الأساتذة، صار سبباً للقيام بدراسة العوالم الغيبية الواردة في القرآن الكريم بصورة موضوعية هادفة حتّى يقف المؤمن بأنّ الدعوة القرآنية قائمة على وجود عوالم غيبية وراء الحس والطبيعة، وأنّ المعاجز الّتي جاء بها الأنبياء دليلاً على صدق دعوتهم، حقائق واقعية وليست من مقولة الرموز أو من مقولة الأُمور العادية حتّى يتجسد في عقله وروحه قولُه تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )(1).
ثمّ إنّ الأُمور الخارقة للعادة والسنن المألوفة على قسمين، تارة تكون مقرونة بدعوى مقام إلهي، ومنصب سماوي، كالنبوة أو الإمامة التنصيبية من الله سبحانه فيوصف فعله بالمعجزة: أي أيّة معجزة; وأُخرى تكون مجردة عن الدعوى غير أنّه سبحانه أكرم عبده بهذا الفعل، الخارج عن حدود الأسباب العادية، فيوصف عندئذ بالكرامة.
وقد قمنا بدراسة المعاجز والكرامات حسب تسلسلها التاريخي، وربّما سيرد في ثنايا الكتاب ماله صلة بهذين الأمرين ممّا يتعلق بمن لا يعتبر نبياً ولا ولياً.
هذا وقبل الخوض في المقصود نمهّد بذكر أُمور لها دور في تبيين

1 . البقرة: 3 .

صفحه 22
حقيقة الإعجاز وتبيين ماهيته، وما يلحق به من الكرامات وخوارق العادات.
والله هو الموفق للخيرات
جعفر السبحاني
12 شعبان المعظم 1427 هـ

صفحه 23

مقدمات تمهيدية:

1. تقسيم الكون إلى عالم الغيب والشهادة
2. نوافذ على عالم الغيب
3. معاجز الأنبياء
4. تعريف الإعجاز
5. ما هي علة المعجزة؟
6. الإعجاز ودلالته على صدق المدّعي
7. ما هو الفرق بين المعجزة والسحر ؟
8. شبهات حول معاجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
9. معاجزه (صلى الله عليه وآله وسلم)في القرآن والسنة
10. هل حرم الخلف من المعاجز والكرامات؟

صفحه 24

صفحه 25
 
1

تقسيم الكون

إلى

عالم الغيب والشهادة

تقسيم الكون إلى عالم الغيب والشهادة   
اتفقت الشرائع السماوية على انقسام الكون إلى عالمي الغيب والشهود، وهذا هو الأساس لعامة المناهج الدينية، فأي مسلك ينكر ما وراء الحس والطبيعة لا يُعدّ ديناً، بل هو مسلك بشريّ والآتي به داعية وليس بنبيّ، ولذلك نرى أنّه سبحانه يركّز في غير واحد من الآيات على ذلك
التقسيم ويقول: (وَ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ)(1)، وفي آية أُخرى: (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(2)، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في ذلك المضمار.
إنّ الذكر الحكيم يعدّ الإيمان بالغيب من صفات المتقين ويقول:

1 . الأنعام: 73 .   2 . التوبة: 94.

صفحه 26
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(1).
وأمّا ما هو المراد من الغيب في مقابل الشهادة، وما هو الدليل على وجود ذلك التقسيم؟ فهذا ما سنتناوله ضمن الأُمور التالية:

1. الآراء المطروحة حول الكون

ينقسم الكون ـ عند الإلهيّين ـ إلى عالم الشهادة وعالم الغيب، أي عالمي المادة والتجرد خلافاً للمادّيين والشكّاكين، والآراء المطروحة لا تخرج عن ثلاثة:
1. القول بوجود العالمين بقوة وحماس وانّ الكون لا ينحصر بالمادة بل يعمّ المجرد عنها.
2. القول بنفي ذلك التقسيم وأنّه ليس وراء المادة وعالم الشهادة خبر ولا أثر .
3. الشك والتحيّر وهو موقف اللاأدريين والمشكّكين الذين لا يثبتون شيئاً ولا ينكرونه.
وممّا أُلفت نظر القارئ إليه أنّه ليس للماديين أيّ دليل على نفي ذلك التقسيم وإلى نفي وجود عالم سوى عالم الشهود، ولكن يتصوّرون أنّهم في غنى عن إقامة الدليل على النفي والعدم، وإنّما المحتاج إلى ذلك هو الإلهي المثبت.

1 . البقرة: 3 .

صفحه 27
ولكن ذلك تفكير زائف، فإن الإنكار كالإثبات، وكلّ يشكل أحد طرفي القضية، فكيف يكون أحد طرفيه بحاجة إلى الدليل دون الطرف الآخر؟! ولذلك يجب عدُّ الماديين في عداد المشكّكين واللاّأدريين وإن كانوا يتظاهرون بالعلم بالعدم والنفي. وسيوافيك كلامهم في مساواة الوجود مع ما يدركه الحس وتثبته التجربة.

2. المراد من الغيب

الغيب هو كلّ ما غاب عن الحسّ. وهو على قسمين: غيب مطلق، وغيب نسبي ; ويراد بالأوّل الخارج عن إدراك الحواس الخمس من غير فرق بين إنسان وآخر، ولا ظرف دون ظرف، فالروح والجن والملك وسائر العوالم العلوية كلها تدخل في هذا القسم، وهذا هو الغيب المطلق. ويقابله النسبي، وهو ما يكون غيباً بالنسبة إلى شخص دون شخص آخر أو إلى حاسّة دون أُخرى. مثلاً: انّ الدار ومن فيها، من الشهادة لمن فيها ومن قبيل الغيب لمن هو في خارجها، وكذا الأضواء والألوان المحسوسة بحاسة البصر من الشهادة بالنسبة إلى حاسة البصر ومن الغيب بالنسبة إلى حاسة السمع. والمسموعات الّتي ينالها السمع، شهادة بالنسبة إليه وغيب بالنسبة إلى البصر، وفي الوقت نفسه ما يدرك بهما كلّه بالنسبة إلى الإنسان الذي يملكهما من الشهادة، ومن الغيب لغير ذلك الإنسان (1) .
ثم إنّ تقسيم الوجود إلى الشهادة والغيب إنّما هو بالنسبة إلى الإنسان

1 . تفسير الميزان: 7 / 126 .

صفحه 28
المحدود، وأمّا بالنسبة إلى الله سبحانه المحيط بالكون كلّه، فالكل شهودٌ له ولا يغيب عن وجوده شيءٌ: (وَإِنَّهُ بِكُلِّ شَيء مُحِيطٌ) .(1)

3. أدوات المعرفة أوسع من الحسّ والتجربة

قد عرفت أنّه ليس للمادّيين دليل ولا برهان على مساواة الكون مع المادة، ولذلك قلنا: إنّ الأليق إلحاقهم بالمشكّكين واللاأدريين، ومع ذلك كلّه فهم يتظاهرون بالعلم بعدم سعة الوجود إلى ماديّ ومجرّد، والدليل القابل للذكر لهم هو ما سنذكره لاحقاً.
وحاصل الدليل: حصر أدوات المعرفة بالحس والتجربة، فأي موضوع وقع تحت دائرة الحس أو كان خاضعاً للتجربة فهو من أجزاء الكون ويوصف بأنّه موجود، والخارج عن ذينك الإطارين فهو محكوم بالعدم لا يركن إليه .
يلاحظ على ذلك الاستدلال :
أوّلاً: أنّ ما ذكر من الدليل ينقض مدعاه ويبطل دعواه، وذلك لأنّ قوله: «ما لم يقع في إطار الحسّ أو لم تؤيّده التجربة فهو ليس بموجود» ليس أمراً محسوساً ولا خاضعاً للتجربة، بل هو قضية عقلية تبنّاها المادّي من دون أن يُحسّها أو تدعمها التجربة، فما بال دعوى يبطلها برهانها.
ثانياً: أنّ للتجربة حق الإثبات وليس لها حق النفي، وبعبارة أُخرى: التجربة تتعلق بالأُمور المادية حتّى يركن إليها في ثبوتها وعدمها. ولأجل

1 . فصلت: 54 .

صفحه 29
إيضاح الموضوع نأتي بمثال: لو أدخلنا قطعة من «المغناطيس» تحت التراب ثم أخرجناها وقد علقت بها ذرات من الحديد فإنّ هذه العملية تخبرنا عن وجود الحديد في هذه النقطة من الأرض أو عدمه ولا يمكنها نفي وجود غير الحديد من المعادن كالكبريت والفحم وغيرهما، لأنّ لاكتشاف كل شيء أداته المناسبة، ولمّا كان الحديد دون غيره هو الّذي يعلق بحجر المغناطيس، فإنّ هذا الحجر أداة لمعرفة وجود الحديد وعدمه خاصة. وكذلك التجربة الحسيّة فإنّها وسيلة لمعرفة وجود وخصائص كل ما هو ماديّ فحسب، ولا يمكن التعرّف بها على ما هو ليس بماديّ.
وعلى ذلك فكون الموجود غير الطبيعي خارجاً عن إطار التجربة لا يكون دليلاً على أنّ الأصالة للمادة وأنّه لا خبر ولا أثر عن غيرها ولا وجود له أبداً.
ثالثاً: كيف يمكن حصر أدوات المعرفة بالحس والتجربة مع أنّ عقلاء العالم وحتّى الماديين منهم يعتمدون في علومهم وتصديقاتهم على عشرات القضايا العقلية الّتي لا تثبت إلاّ بالدليل، نظير:
1. الحكم بامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما.
2. الحكم بامتناع اجتماع الضدين بالمعنى الصحيح.
3. الحكم بامتناع الدور بأن تفرض أن ظاهرة باسم (أ) علة موجدة لظاهرة ثانية باسم (ب)، ثم إنّ تلك الظاهرة الثانية سبب موجد للظاهرة الأُولى .

صفحه 30
4. امتناع التسلسل وهو افتراض قضايا غير متناهية، كل يوصف بوصفين: علة لما بعده وموجد له، وفي الوقت نفسه معلول لما قبله ومتحقق بسببه، لكن دون أن تنتهي تلك السلسلة إلى مبدأ يكون علة لا معلولاً، موجوداً لا موجَداً، هذه هي حقيقة التسلسل ولا تعرف تلك القضايا وأمثالها إلاّ بالعقل .

العقل ودوره في العلوم

إنّ حصر أدوات المعرفة بالحس والتجربة اغترار بهما، فإنّ للعقل دوراً بارزاً في العلوم الطبيعية والرياضيات والإلهيات، وسنذكر شيئاً من دوره فيها:

أ. عملية الاستنتاج

إن للعقل دوراً في عملية الاستنتاج ولولاه لما قام للبرهان في عامة الأُمور دعامة، والمراد من الاستنتاج استخراج حكم موضوع مشخّص، من حكم كلّي مستنبط، وهذا من أسمى عمليات العقل في مجال المعارف، وهو ما يسمّى بالقياس البرهاني في اصطلاح المنطقيين. ولنأتِ بمثال:
إذا استخرج عن طريق البرهان الفلسفي أنّ التغيّر يلازم الحدوث، أي الوجود بعد العدم، فيستنبط حكماً كلّياً من البرهان، وهو أنّ كل متغيّر حادث. وفي ضوء هذا الحكم الكلّي، كلما عُرض عليه جزء من هذا العالم المتغيّر، سماؤه وأرضه، ذرته ومجرته، يحكم عليه بأنّه حادث. وقس على

صفحه 31
ذلك جميع البراهين العقلية في مجال الرياضيات والفلسفة والاجتماع، فالعقل يُحْضر الحكم الكلّي عن طريق البرهان ثم يطبقه على الموارد المعروضة عليه.

ب. دور العقل في إدراك المفاهيم الكلية

من العمليات الّتي يقوم بها العقل، درك المفاهيم الكلّية الّتي لا تأبى الصدق والانطباق على أزيد من فرد واحد. وأين الكلية والسعة من الحسّ والتجربة؟ والضيق الموجود في المفاهيم الجزئية المحسوسة منتف عنها. فالأعلام لا تصدق إلاّ على من سُمّيت به، بخلاف «الإنسان»، فهو ينطبق على أفراد كثيرين، فالإنسان بمفهومه الوسيع غير محسوس.

ج. تصنيف الموجودات

إنّ من أعمال العقل تصنيف الموجودات وتأليف المختلفات تحت مفهوم واحد، فيُدخل الأنواع الكثيرة تحت الجوهر، وعدّة من الأعراض تحت الكيف، وأُخرى تحت الكم. وهكذا.(1)

د. التجزئة والتحليل

إن من عمليات العقل، تجزئة مفهوم واحد إلى مفاهيم كثيرة، كتحليل الإنسان إلى الحيوان الناطق، وتحليل الحيوان إلى الجسم المتحرك بالإرادة،

1 . شرح المنظومة: 131 .

صفحه 32
وتحليل الجسم إلى ماله أبعاد ثلاثة، وغير ذلك من التحليلات الجسمانية والنفسانية.
والفرق بين التصنيف والتجزئة واضح جدّاً، فإن عمليتي التصنيف والتحليل أشبه ببناء المخروط. فالتصنيف يشرع من قاعدة المخروط حتّى يصل إلى رأسه، فيجمع المختلفات تحت مفهوم واحد. والتحليل يشرع من رأس المخروط، ثم يحلل شيئاً فشيئاً حتّى ينتهي إلى قاعدته.

هـ . التركيب والتلفيق

من عمليات العقل، التلفيق والتركيب. أمّا التلفيق فيكون في مجال التصور، حيث يقوم العقل بالجمع بين بسيطين، وإبداع شيء ثالث منهما في صقع الذهن، كتصور فرس بجناحين.
وأما التركيب فيكون في مجال التصديق، حيث يقوم العقل بتركيب قضيتين ويستنتج منهما نتيجة قاطعة.
وقد اعتنت الفلسفة الغربية بهذا القسم من عمليات العقل، وركز عليهما الفيلسوف الطائر الصيت «جان لوك» وبعده «كانت» فجاءا بمفاهيم جديدة في الفلسفة.

و . درك المفاهيم الإبداعية

ومن عمليات العقل صنع مفاهيم ليس لها في الخارج مصداق تنطبق عليه، وإن كان العقل لا يستغني من لحاظ الخارج في صنعها. وبعبارة

صفحه 33
أُخرى: ليس لها مصداق في الخارج، وإن كان لها منشأ انتزاع.
وهذا كمفهومي الإمكان والامتناع، فليس في الخارج شيء نسمّيه بالإمكان أو نسمّيه بالامتناع، بل هما من المفاهيم الإبداعية للنفس بعد قياس الماهية إلى الخارج. فإذا لاحظ العقل مفهوم «الإنسان» ورأى أنّ نسبة الوجود والعدم إليه في الخارج سواء، يصفه بأنّه ممكن الوجود، ويبدع مفهوم الإمكان وليس له مصداق في الخارج، إذ ليست التسوية أمراً متحقّقاً فيه حتّى تقع مصداقاً للإمكان، ومثله الامتناع، كما إذا لاحظ مفهوم اجتماع النقيضين ورأى أنّ اتّصافه بالوجود في الخارج غير قابل للتحقّق، فيصفه بأنّه ممتنع الوجود، فيبدع مفهوم الامتناع، وليس للامتناع مصداق في الخارج.
هذه الأعمال الستة تدلّ على أنّ للعقل دوراً كبيراً في مجال المعرفة وليس الحسّ والتجربة أداة منحصرة في مجالها.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ أدوات المعرفة أوسع من الحسّ والتجربة.

صفحه 34
   
 
2

نوافذ على عالم الغيب

إنّ عالم الغيب وإن كان خارجاً عن إطار الحسّ والتجربة، ولكن في حياتنا المادّية، توجد نوافذ على ذلك العالم فللباحث أن يرى ذلك العالم الفسيح بعين القلب، وبذلك تتمّ الحجّة على المادّي المكبّ على الحسّ والمحسوسات، والتجربة والمجربات.
وسنذكر فيما يلي شيئاً ممّا يمكن الاطّلاع من خلاله إلى عالم الغيب ويتمثّل في الأُمور التالية:
1. تجرّد النفس الإنسانية.
2. تجرّد المعرفة والصور الذهنية العلمية.
3. الإلهامات القلبية.
4. الفراسة وقراءة الضمائر.
5. رؤية الحوادث من بعيد.
6. خوارق العادات للعرفاء والمرتاضين.
7. الرؤية الصادقة.

صفحه 35
8. التنويم المغناطيسي.
هذه الأُمور الثمانية نوافذ على الغيب، وبإيضاحها على نحو يناسب كتابنا يظهر أمران:
الأوّل: أنّ أدوات المعرفة ليست منحصرة بالحسّ والتجربة، بل هي أعم، فإنّ الإنسان في هذه الموارد الثمانية يكشف آفاقاً دون أن يتوسّل بالحسّ أو التجربة.
الثاني: انّ الكون فسيح ولا ينحصر بالمادة وآثارها وهناك آفاق وسيعة تُنال بالعقل والقلب وليست من مقولة المادة وآثارها.
وها نحن نشرح هذه الأُمور الثمانية بوجه موجز، ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى محالها.

1. تجرّد النفس الإنسانيّة

يُستدلّ على وجود عالم وراء المادة، تارة بتجرّد النفس، وأُخرى بتجرّد معلوماتها.
أمّا الأوّل، فقد أقاموا عليه براهين كثيرة، وهي بين فلسفي وتجريبي، ونحن نكتفي بالثاني، لأنّه أقرب إلى منطق المادي.
ترى الإنسان يغفل في ظروف خاصة عن كل شيء حتى عن بدنه وأعضائه، لكنّه لا يغفل عن نفسه ، وهذا برهان تجريبي يمكن لكلّ منّا القيام به ، وبذلك يصحّ القول بأنّ للإنسان وراء جسمه الماديّ حقيقة أُخرى ،

صفحه 36
حيث إنّه يغفل عن بدنه وأعضائه ولا يغفل عن نفسه، وبتعبير علمي: المغفول، غير المغفول عنه، وإليك توضيح ذلك:
إنّ إدراك هذه الحقيقة: «الإنسان يغفل عن كلّ شيء حتى جسمه ولا يغفل عن نفسه»، يتوقّف على شروط وظروف خاصة هي :
1 ـ أن يكون في جوّ لا يشغله فيه شاغل ولا يلفت نظره لافت .
2 ـ أن يتصوّر أنّه وجد في تلك اللحظة بالذات وأنّه كان قبل ذلك عدماً ، وما هذا إلاّ ليقطع صلته بماضيه وخواطره قطعاً كاملا .
3 ـ أن يكون صحيح العقل سليم الإدراك ، في تلك اللحظة .
4 ـ أن لا يكون مريضاً لكي لا يلفت المرض انتباهه إليه .
5 ـ أن يستلقي على قفاه ويفرّج بين أعضائه وأصابع يديه ورجليه حتى لا تتلامس فتجلب انتباهه إليها .
6 ـ أن يكون في هواء طلق معتدل لا حار ولا بارد، ويكون كأنّه معلّق في الفضاء حتى لا يشغله وضع المناخ ، أو يلفته المكان الذي يستند إليه .
ففي هذه الحالة التي يقطع الإنسان كلّ صلاته بالعالم الخارجي عن نفسه تماماً ويتجاهل حتى أعضاءه الداخلية والخارجية ويجعل نفسه في فراغ من كل شيء، وعندئذ يستشعر بذاته ، أي سيدرك شيئاً غير جسمه وأعضائه وأفكاره وبيئته التي أحاطت به ، وتلك هي «الذات الإنسانية» أي الروح أو النفس الإنسانية التي لا يمكن أن تفسّر بشيء من الأعضاء والحواس والقوى .

صفحه 37
وهذه البينونة أظهر دليل على أنّ للإنسان وراء جسمه وأعضائه المغفول عنها في بعض الظروف ، حقيقة واقعية غير مغفول عنها أبداً ، وأنّ الإنسان ليس هو جسمه وأعضاؤه وخلاياه .
وقد لخّص الرازي هذا البرهان وقال : إنّي أكون عالماً بأنّي «أنا» حالَ أكون غافلا عن جميع أجزائي وأبعاضي ، والمعلوم ، غير ما هو غير معلوم، فالذي أُشير إليه بقولي مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض.(1)
وقد سبقه الشيخ الرئيس في طرح هذا البرهان في كتابيه: الإشارات، والشفاء، ويسمّى هذا البرهان بالإنسان الطائر أو الإنسان المعلّق .(2)

2. تجرّد المعرفة والصور الذهنية العلمية

استدلّ الحكماء على تجرّد الصور الذهنية بوجوه كثيرة أوردناها في كتابنا باسم «نظرية المعرفة» (3)، وربما ناهز عددها إلى ثمانية براهين، نقتبس منها هنا برهانين:

الأوّل: عدم انقسام الوجدانيات

حاصل هذا البرهان انّ الانقسام والتجزئة من آثار المادة وفي الوقت نفسه الوجدانيات لاتقبل الانقسام، وذلك لأنّه يجد كلّ إنسان في أعماق

1 . مفاتيح الغيب: 4 / 149 .
2 . لاحظ شرح الإشارات: 292 ـ 293، والشفاء قسم الطبيعيات.
3 . نظرية المعرفة: 282 ـ 295 .

صفحه 38
ذهنه حبّاً وبغضاً وإرادة وكراهة وحسداً وبخلاً، وغير ذلك من الإدراكات الروحية، يعلم بها علماً حضورياً. وجميع تلك الأُمور بسيطة لا تقبل الانقسام والتحليل والتجزئة، الّتي هي من أظهر خواصّ المادة.
لاحظ حبَّك لصديقك وبغضك لعدوّك فهل تجد فيها في قرارة ذهنك تركّباً وانقساماً، وأنّ كلاًّ منهما ينقسم إلى أجزاء؟ كلا، فذاك آية تميّزهما عن المادة، وإن شئت قلت: تجرّدهما عنها.

الثاني: التصديق لا يقبل الانقسام

قد تعرفت على أنّ الانقسام والتجزئة من خواص المادة، ولو وجدنا شيئاً لايقبل الانقسام لا حسّاً ولاعقلاً، فذاك دليل على أنّه ليس من سنخها، وإلاّ لما فارقه الانقسام والتجزئة.
ومن تلك الأُمور الروابط التصديقية، فهي غير قابلة للانقسام. ونوضح هذا البرهان بالمثال التالي: تقول: هذا الجسم أبيض، فالموضوع وهو الجسم كمحموله، ذو أبعاض وأجزاء، إلاّ أنّ الحكم بأنّ هذا ذاك (الّذي يعبّر عنه في مصطلح المنطقيين بـ «الهوهوية») الّذي هو روح التصديق، لا يقبل الانقسام أصلاً. ومهما حاول الإنسان أن يضغط على عقله حتّى ينقسم هذا التصديق والحكم، ويجعل له جزءاً، فإنّه سيظل عاجزاً عنه، غير قادر عليه .
وهذا دليل على أنّ حقيقة التصديق القائمة بالنفس، ليست مادّية، وإلاّ لما تخلّفت عن آثار المادة وخواصها.

صفحه 39
3. الإلهامات الغيبية
من النوافذ المفتوحة على عالم الغيب هو ما تتلقّاه بعض النفوس من أُمور حال اليقظة، وتلك حقيقة واقعة لا تقبل الشك والجدل كما هو الحال في الأُمور الّتي يتلقّاها الإنسان في النوم. ويسمّى ذلك التلقّي والإلقاء، في مصطلح الفلسفة بالإلهام.
والإلهام بهذا المعنى كثير في حياة الناس لدرجة أنّه لا يمكن لأحد إنكاره والتشكيك فيه، بل ربّما نُسب الكثير من الاختراعات والاكتشافات، والمضامين الشعرية الرفيعة السامية جدّاً، إلى الإلهام لأنّها تظهر عند الشخص من دون أن يفكّر فيها مسبقاً، أو يكون ملتفتاً إليها، وأيضاً من دون أن يقف الإنسان على العامل الملهم لها، أي مصدر إلهامها.
قال الشيخ الرئيس: التجربة والقياس متطابقان على أنّ للنفس الإنسانيّة أن تنال من الغيب نيلاً مّا في حال المنام، فلا مانع عن أن يقع مثل ذلك النيل في حال اليقظة، إلاّ ما كان إلى زواله سبيل ولارتفاعه إمكان.
أمّا التجربة فالتسامع والتعارف يشهدان به، وليس أحد من الناس إلاّ وقد جرّب ذلك في نفسه تجارب ألهمته التصديق، اللّهم إلاّ أن يكون أحدهم فاسد المزاج، نائمَ قُوى التخيّل والتذكّر .(1)
إنّما الكلام في مبدأ هذه الالهامات ومصدرها، فقد كشف عنه

1 . الإشارات والتنبيهات: 374 ـ 375، النمط العاشر: الإشارة 8 ، وانظر كذلك شرح الإشارات للمحقّق الطوسي: 3 / 399 .

صفحه 40
الحكماء منهم الشيخ الرئيس وحاصل كلامه: أنّ النفوس القوية إذا كانت غالبة على الشواغل الحسّية، تقدر على الاتّصال بعالم القدس الّذي تنتقش فيها صور ومعان من ذلك العالم ثم يعود فيخبر بما أدرك، وكأنّ انغمار النفس في الطبيعة واشتغالها بالأُمور الحسّية يمنعها عن الاتّصال، يقول الشيخ الرئيس: كلّما كانت النفس أقوى قوةً كان انفعالها عن المحاكيات (1)أقلّ وكلّما كانت بالعكس كان ذلك بالعكس .(2)
وبهذا ظهر انّ صفاء النفس من المعاصي يكون سبباً لانعكاس ما في العالم العلوي فيها، فالإنسان الطاهر من كدر القوى، يتلقى من عالم الغيب ـ ما يناله ـ بلا إعمال الحس والعقل.

4. الفراسة أو قراءة الضمائر

كشف علم النفس عن قوة يستطيع بها الإنسان معرفة ما يكنّه الأشخاص في خلدهم من مشاعر وأفكار وأحاسيس من مجرد نظرة يلقيها الإنسان على بعض أعضاء الإنسان أو أثر من آثاره.
ووجود مثل هذا الأمر يخرق الجدار الّذي حصر به الماديون أدوات المعرفة، حيث ادّعوا بأنّ أدوات المعرفة تنحصر في الحسّ والعقل الماديّ.
وربّما عبّر عن هذا أو ما يشابهه الآن بالتلپاتي.(3)

1 . أي: الشواغل الحسّية .
2 . الإشارات: 380، ولاحظ شرحها: 3 / 406 .
3 . انظر ما كتبه محمد فريد وجدي في دائرة معارف القرن العشرين.

صفحه 41
5. رؤية الحوادث من بعيد
وهي ما يسمّيها العلماء المعاصرون بالحسّ السادس، فالإنسان في ظل هذه الحاسّة يكتشف وقائع المستقبل، أو يقف على وقوع الحوادث من بعيد، وبشكل خارق للعادة والمألوف .
يقول الشيخ الرئيس: إذا بلغك أنّ عارفاً حدَّث عن غيب فأصاب متقدِّماً ببشرى أو نذير، فصدَّق ولا يتعسّرن عليك الإيمان به; فإنّ لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة.(1)

6. خوارق العادات للمرتاضين

إنّ التاريخ البشري يخبرنا عن وجود رجال في المجتمع البشري كانوا يقومون بأعمال خارقة لما هو المألوف عند الناس من السنن العادية والنواميس الطبيعية، وهذا ولا شك يجعلنا أمام حقيقة غير حقيقة العالم المادّي .
فكلّنا يعرف بأنّ النار من طبيعتها الإحراق، وانّ الجسم البشري له قابلية الاحتراق، فإذا سمعنا بأنّ إنسانا أُلقي في النار المشتعلة ولم يحترق(2)مع أنّ العلل الطبيعية للاحتراق موجودة برمّتها في تلك النار وذلك

1 . الإشارات والتنبيهات: 374، النمط العاشر، الإشارة: 7.
2 . وقد حدث هذا للنبي إبراهيم الخليل(عليه السلام)، قال الله سبحانه: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُوني بَرْداً وَ سَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: 68 ـ 69) .

صفحه 42
الشخص، عرفنا بأنّ هناك عللاً أُخرى وراء المادة مكّنت هذا الإنسان من القيام بأعمال تخالف السنن الطبيعية والقوانين المادّية .
يقول الشيخ الرئيس أيضاً: ولعلّك قد تبلغك عن العارفين أخبار تكاد تأتي بقلب العادة، فتبادر إلى التكذيب. وذلك مثل ما يقال: إنّ عارفاً استسقى للناس فسُقوا، أو استشفى لهم فشفوا، أو دعا عليهم فخُسِف بهم وزُلْزِلوا أو هلكوا بوجه آخر، أو دعا لهم فصَرف عنهم الوباء والموتان والسيل والطوفان، أو خشَع لبعضهم سبُعٌ، فتوقّف ولا تعجلْ، فإنّ لأمثال هذه أسباباً في أسرار الطبيعة، وربما يتأتى لي أن أقص بعضها عليك.(1)
يقول المحقّق الطوسي في شرح هذا الكلام: أنّه ليس ببعيد أن يكون لبعض النفوس ملكة يتجاوز تأثيرها عن بدنه إلى سائر الأجسام وتكون تلك النفوس لفرط قوّتها كأنّها نفس مدبّرة لأكثر أجسام العالم. وكما يؤثّر في بدنها بكيفية مزاجية مباينة الذات لها، كذلك تؤثر أيضاً في أجسام العالم.(2)

7. الرؤيا الصادقة

تنقسم الرؤيا إلى أقسام ثلاثة:
أ. أَضغاث أحلام.
ب. تجلّي اللاوعي في صفحة الوعي.

1 . الإشارات والتنبيهات: 387، النمط العاشر، الإشارة: 25 .
2 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 414 .

صفحه 43
ج. الرؤيا الصادقة .
أمّا الأوّل: فهو صورة ذهنية لما يعيشه في اليقظة ويعاني منه في النهار مثلاً: أحلام الطالب المقبل على الامتحان، أو التاجر المبتلى بالديون، والمجرم المستحق للقصاص، فأحلام كل منهم تناسب أفكاره في النهار.
وأمّا الثاني: فهو عبارة عن تجلّي الرغبات المكبوتة في أعماق النفس على صفحة الذهن ، فإنّ مكبوتات اللاشعور تطفو على صفحة الشعور عند النوم بطريقة رمزية وتتجلّى عُقد النائم وحالاته النفسية وأسراره في صورة أحلام .
فإنّ الإنسان كثيراً ما يُخفي في نفسه أسراراً أو رغبات، ولا يريد لأحد أن يلتفت إلى وجودها فيه، ولكنّه عندما ينام، ويفقد مع النوم سيطرته على مواصلة الإخفاء تتجلّى تلك الأسرار على شاشة الوعي مع تغيير في الصور والأشكال دون الحقائق والماهيات .
ولهذا القسم أهمية كبيرة في «علم النفس»، إذ يمكّن الإنسان من التعرف على ضمائر الأفراد ومكبوتاتهم، ومكتوماتهم.(1)
وهذان النوعان من الرؤى وما يشابههما من الأحلام لا يمتّان إلى بحثنا الراهن بصلة وإنّما المهم هو القسم الثالث الآتي:

1 . ولقد أحرز العالم النفسي «فرويد» نجاحاً كبيراً في شرح هذا القسم من الرؤى والأحلام بيد انّه خلطه بالقسم الثالث الآتي، فقضى على الجميع بحكم واحد، وتصوّر انّ عامّة الرؤى إنّما هي من ظهور مكبوتات اللاشعور في صفحة الشعور مع أنّ ما ذكره يرجع إلى القسم الثاني الذي لا ننكره بل يثبته العلم والدين معاً دون القسم الثالث الذي لا يمت إلى ما ذكره أصلاً .

صفحه 44
وأمّا الثالث: فإنّ هذا القسم ليس من قبيل أحلام اليقظة ولا هو من قبيل تجلّي مكبوتات اللاشعور في صفحة الشعور، وإنّما هو ـ كما مرّ ـ صور واقعية عن أحداث قطعية وقعت قبل الرؤيا أو حينها أو بعدها.
إنّ هذه الرؤيا لا يمكن أن تفسّر بما ذهب إليه فرويد من أنّ الرؤيا والحلم هو ظهور الرغبات المكبوتة أوالأفكار المكتومة في أعماق النفس على شاشة الشعور في حالة النوم وعندما يفقد الإنسان السيطرة على إخفائها. وإنّما هي ـ كما مرّ ـ صور واقعيّة عن أحداث قطعية وقعت قبل الرؤيا أو حينها أو بعدها، والنفس باتّصالها بها تدركها.
وقد جمع العالم الفرنسي المعروف الدكتور «كاميل فلاماريون» ـ والّذي كان يشتغل في الدراسات الروحية ـ طائفة كبيرة من الأحلام والرؤى العجيبة الصادقة الّتي حصل عليها من أشخاص متعدّدين .
إنّ القرآن الكريم نقل طائفة من المنامات والرؤى الصادقة الّتي رآها الأنبياء، وغيرهم وتحقّقت أحداثها في المستقبل بشكل وآخر. وها نحن نشير إلى عناوينها تاركين التفصيل لمحالّه:
1. رؤيا النبي يوسف الصدّيق(عليه السلام)(1) .
2. رؤيا صاحبيّ يوسف في السجن(2) .

1 . قال تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ). يوسف: 4 .
2 . قال تعالى: (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَ قَالَ الآخَرُ ...) . يوسف: 36 .

صفحه 45
3. رؤيا ملك مصر في عهد يوسف(عليه السلام)(1) .
4. رؤيا النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) حول معركة أُحد (2) .
5. رؤياه(صلى الله عليه وآله وسلم) دخول مكة(3) .
6. رؤياه(صلى الله عليه وآله وسلم) نزو بني أُمية على منبره(4) .
وفي الختام نعيد ما ذكرناه في أوّل البحث وهو: انّ هذا القسم من الرؤى يكشف عن أنّ أدوات التعرف على الواقعيات لا تنحصر في الحسّ والعقل، وانّ الإنسان مزوّد بأدوات أُخرى يتعرّف بها على عالم آخر خارج عن أُفق الحسّ المعطّل، كما أنّ هذا القسم يدلّ على أنّ هناك عالماً غير هذا العالم المحسوس بحواسّنا الخمس .

8 . التنويم المغناطيسي

هذه هي الحلقة الأخيرة من النوافذ على عالم الغيب، والعجب انّه سبحانه فتح تلك النافذة بيد علماء الغرب الذين لا يروقهم فتحها إلاّ لغايات علمية، لا لغايات عقائدية .
وهو تنويم صناعي يقوم به المتفرغون لهذا العلم، المتخصّصون فيه،

1 . قال تعالى: (وَ قَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَرَات سِمَان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ). يوسف: 42.
2 . قال تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ...). الأنفال: 43 .
3 . قال تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ). الفتح: 27 .
4 . قال تعالى: (وَ إِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَ مَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ). الإسراء: 60.

صفحه 46
فيقع المنوّم في نوم عميق فتظهر منه خوارق تثبت أنّ له روحاً متميّزة .
وتفصيله أن يقوم «الأُستاذ» المختص في التنويم المغناطيسي بإحضار «الوسيط» وهو فتى فيه استعداد خاص للتأثّر بالأُستاذ، كما أنّ الأُستاذ نفسه فيه استعداد خاص للتأثير على الوسيط، فالأوّل ضعيف النفس والثاني قويّها.
ثم ينظر الأُستاذ في عين الوسيط نظرات عميقة نافذة، ويجري عليه حركات يسمّونها «سَحَبات» فما هي إلاّ لحظات حتّى يُرى الوسيط وهو يغط غطيط النائم وقد امتقع لونه، وهمد جسده، وفقد إحساسه المعتاد حتّى لو انّ أحداً وخزه بإبرة وخزات عدة، لا يبدي الوسيط حراكاً، ولا يظهر عليه أيُّ عرض لشعوره وإحساسه بها .
وبعد هذا التنويم الصناعي يقوم «الأُستاذ» بإلقاء أسئلة عليه و «الوسيط» ـ مع أنّه نائم يغط غطيطه ـ يسمع كل ما يطرح عليه «الأُستاذ» من أسئلة، وربّما أمره الأُستاذ بكشف بعض الأُمور الغائبة، والإخبار عن الحوادث الّتي تقع في تلك اللحظات .
ولقد صرّحت طائفة كبيرة من العلماء الغربيّين بأهمية وصحة هذا العلم.
وها نحن نجعل بين يديك حادثة واحدة من حوادث التنويم المغناطيسي شاهدها وحضرها أحد الكتاب الفضلاء في مصر وذكرها في كتاب له حول علوم القرآن:

صفحه 47
قال: بعد أن نوم الأُستاذ الوسيط سأله ما اسمك؟ فأجابه باسمه الحقيقي.
فقال الأُستاذ: ليس هذا هو اسمك، انّما اسمك كذا (وافترى عليه اسماً آخر) ثم أخذ يقرر في نفس الوسيط هذا الاسم الجديد الكاذب ويمحو منه أثر الاسم القديم الصادق بوساطة أغاليط يلقنها إيّاه في صورة الأدلّة وبكلام يوجهه إليه في صيغة الأمر والنهي حتّى خضع لها الوسيط وأذعن .
ثم أخذ الأُستاذ وأخذنا نناديه باسمه الحقيقي، المرة بعد الأُخرى
في فترات منقطعة وفي أثناء الحديث على حين غفلة، كل ذلك وهو لا يجيب، ثم نناديه كذلك باسمه المصنوع (الكاذب) فيجيب دون تردد ولا تلعثم .
ثم أمر الأُستاذ وسيطه أن يتذكر دائماً أنّ هذا الاسم الجديد هو اسمه الصحيح حتّى إلى ما بعد نصف ساعة من صحوه ويقظته، ثم أيقظه وأخذ يتم محاضرته ونحن نَفْجَأ الوسيط بالاسم الحقيقي فلا يجيب، ثم نَفْجَؤه باسمه الثاني فيجيب حتّى إذا مضى نصف الساعة المضروب، عاد الوسيط إلى حالته الأُولى من العلم باسمه الحقيقي .
وبهذه التجربة أثبت الأُستاذ انّ المنوِّم ـ بكسر الواو ـ يستطيع أن يمحو من نفس وسيطه كل أثر يريد محوه مهما كان ثابتاً في النفس كاسم الإنسان عينه، ومهما كان مقدّساً فيها كعقائد الدين .
وانّما اختار الأُستاذ محو الاسم دون الدين لأمرين:

صفحه 48
أحدهما: انّ محو الدين عدوان أثيم وإجرام شنيع لم تقبله نفسية المحاضر ولا الحاضرين.
ثانيهما: ان الاسم أثبت في نفس صاحبه من دينه، فمحوه منها أعجب.
ومنه تعلم أنّ محو الدين منها أيسر.(1)
وقد ذكر الكاتب الكبير محمد فريد وجدي قصصاً أُخرى متعدّدة من التنويم المغناطيسي أعرضنا عن ذكرها ـ هنا ـ رعاية للاختصار .
ثم إنّنا لانريد أن نثبت صحة كلّ ما يدّعيه أصحاب هذا العلم، ولا تصديق كلّ من يدّعي التنويم فإنّ لهذا العلم أُصوله وأساتذته البارعين المختصّين، بل غاية ما نريده هو إثبات انّ وراء الجسم جوهراً وعالماً آخر وإن غاب عن الحسّ المادي، ولم يدخل تحت سلطانه .

1 . مناهل العرفان للأُستاذ الزرقاني : 1 / 67 ـ 69 .

صفحه 49
 
3

معاجز الأنبياء

من قضاء الفطرة الإنسانية أن لا يخضع الإنسان لرأي المدّعي إلاّ إذا دعمه الدليل وقام عليه البرهان، فلو خالف، فقد خالف حكم الفطرة، فإنّ مطالبة المدّعي بالدليل من أوضح القضايا البديهيّة.
هذا من جانب ومن جانب آخر ظهر في حياة الإنسان على البسيطة رجال مصلحون ادّعوا السفارة من الله سبحانه إلى الناس، وأُمروا بهدايتهم إلى أوامره ونواهيه وما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وبما أنّ هذا المنصِب منصِبٌ خطير، ربما يستهوي من ليس بأهل ويدّعيه، فوجب أن تكون دعوى النبوة والسفارة مقرونة بالدليل حتّى لا يطمع فيها غيره.
وأمّا الدليل فيمكن أن يكون أحد وجوه ثلاثة:
1. تصديق النبي السابق ـ الّذي ثبتت نبوّته بالدليل القاطع ـ نبوّةَ النبي اللاحق .
2. جمع القرائن والشواهد من حالات المدّعي واتباعه ومنهجه بحيث يفيد المجموع صدق دعواه أو خلاف ذلك.

صفحه 50
3. الإعجاز والإتيان بخوارق العادات.
وقد اعتنى المسلمون بالوجه الثالث أكثر من الوجهين الأوّلين مع أنّهما لا يقصران في الدلالة ـ على صدق الدعوى ـ من الإعجاز، وإليك بيان الأمرين الأوّلين على وجه الإيجاز:

1. تصديق النبي السابق نبوّة النبيَ اللاحق

إذا ثبتت نبوّة المسيح (عليه السلام)بدليل قطعي ثم صرّح هو بنبوّة النبي اللاحق على وجه يرفع الإبهام وتعيّن في شخص معيّن، تثبت نبوتُه بالدليل القاطع كما هو الحال في نبوّة نبيّنا خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث تضافرت النصوص عن المسيح بل عن الكليم (عليهما السلام)ـ أيضاً ـ على نبوّته كما حكى ذلك القرآن الكريم، وقد كان التصريح منه بالنسبة إلى النبي اللاحق بشكل لم يُبقِ ريباً في أنّ مراده هو نبينا النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول سبحانه:
(وَ إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ مُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)(1).
كانت البشائر الواردة في العهدين حول نبيّ الإسلام على وجه
صار تعرّف أهل الكتاب عليه، مثل تعرّفهم على أبنائهم، يقول سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقًا

1 . الصف: 6 .

صفحه 51
مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ)(1).
وقد ألّف غير واحد من المحقّقين كتباً ورسائل حول البشائر الواردة في العهدين بالنبي الأكرم.(2)

2. جمع القرائن والشواهد

إن جمع القرائن والشواهد من هنا وهناك حول حياة المدّعي وبرامجه وخصائص المؤمنين به، وعمله وسيرته ربما يشهد على صدق قول المدّعي أو كذبه، وهذا هو الطريق المألوف في المحاكم القضائية حيث إنّ القاضي باستنطاق المدّعي والمدّعى عليه ، يجمع قرائن كثيرة تشهد على صدق أحدهما وكذب الآخر أو كذبهما معاً، وأنّ الغاية من طرح الدعوى كانت شيئاً آخر.
وهذا النوع من الاستدلال رائج في المحاكم الغربية والشرقية، وأوّل من سلك هذا الطريق قيصر الروم عندما وصلت إليه رسالة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمر بإحضار مَنْ في الشام مِمنْ له صلة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فانتهى البحث إلى العثور على أبي سفيان ومن كان معه الذين أتوا إلى الشام للتجارة فأُحضُروا جميعاً، ثم طرح قيصر أسئلة كثيرة وألزمهم بالجواب الصحيح، واستنتج من الجميع صحّة دعواه .(3)

1 . البقرة: 146 .
2 . نظير: أنيس الاعلام، إظهار الحق، الهدى إلى دين المصطفى، وبشائر العهدين.
3 . تاريخ الطبري: 2 / 290 ـ 291.

صفحه 52
وقد غفل المتكلّمون عن سلوك هذا الطريق في باب النبوة الخاصة، إلى أن طرق هذا الباب في القرن الثالث عشر أحد مشايخ الشيعة في مدينة استنبول فقد ألف كتاباً باسم «ميزان الموازين» وسلك هذا الطريق عند البحث عن نبوة خاتم الأنبياء.
ثم سلك هذا الطريق بوجه أوسع السيد محمد رشيد رضا مؤلف «المنار» في كتاب أسماه «الوحي المحمدي»، ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى الكتابين المذكورين.
والمهمّ في المقام هو الطريق الثالث، أعني : الاستدلال بصحّة دعوى المدّعي بالمعاجز وخوارق العادات، وهذا هو موضوع الكتاب الّذي بين يدي القارئ وسنتحدّث عنه بشيء من التفصيل في الفصول التالية.

صفحه 53
 
4

تعريف الإعجاز

عرّف المحقّق الطوسي الإعجاز بقوله:
«وطريق معرفة صدقه ظهور المعجزة على يده، وهو ثبوت ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو المعتاد مع خرق العادة ومطابقة الدعوى» (1).
وقد عَرّف المعجز بقيود ثلاثة:
1. ثبوت ما ليس بمعتاد، أو نفي ما هو معتاد.
2. مع خرق العادة.
3. مطابقة الدعوى.
والظاهر إغناء القيد الأوّل عن الثاني، لأنّ ثبوت ماليس بمعتاد يكون ملازماً لخرق العادة.
وعرّفه القوشجي في شرحه على التجريد بقوله:
«أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدّي مع عدم المعارضة ومطابقة الدعوى»(2).

1 . كشف المراد: 157، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1375 ش .   2 . شرح التجريد: 645 .

صفحه 54
يلاحظ عليه: بأنّه يُشترط في صيرورة خارق العادة موصوفاً بالإعجاز، أن يكون الآتي به مدّعياً لمنصب إلهي، وإلاّ فلو خلا عن الادّعاء ومع ذلك كان خارقاً للعادة، يسمّى كرامة، فالأولى إدخال كلمة «الدعوى» في التعريف بأن يقال: أمر خارق للعادة مقرون بالدعوى والتحدّي مع عدم المعارضة ومطابقة الدعوى، ولعلّه لم يذكره للاكتفاء بذكره في ذيل التعريف أعني: مع مطابقة الدعوى .
وقد قام العلاّمة الحلّي في شرحه على التجريد بتحليل القيود الواردة في تعريف المحقق الطوسي .(1)
وها نحن نوضح القيود المأخوذة في التعريف بشكل موجز:

1. الإعجاز خارق للعادة لا لحكم العقل

إنّ كون العمل خارقاً للعادة غير كونه خارقاً لحكم العقل، فالثاني لا يتعلق به الإعجاز، كالجمع بين النقيضين، وانقسام الثلاثة إلى نصفين متساويين، أمّا الأوّل، وهو ما كان ممكناً عند العقل بالذات، ولكنّه صار خارجاً عن قدرة الإنسان العادي لقصور قدرته، نعم ولكنه خاضع لقدرته سبحانه لسعتها بل خاضع لقدرة أنبيائه لأنّها نابعة عن قدرته الواسعة.
ولنوضح ذلك بمثال: إنّ معالجة الأمراض الصعبة كالعمى أمر ممكن بالذات، غير أنّ ضآلة علم البشر، وقلّة طاقته جعلها أمراً غير ممكن عادة لا ذاتاً، فلو قام مدّعي النبوّةِ، بإبراء الأكمه بإذن الله سبحانه، يُعدّ عمله معجزة،

1 . كشف المراد: 158 .

صفحه 55
لأنّ العمل أي صيرورة الأعمى بصيراً ليس مستحيلاً بالذات، وإنّما هو مستحيل عادة ، فلو قام المسيح به دون أن يستعين بجهاز علمي وسبب طبيعي، بل بإذن من الله سبحانه، يعدّ عمله معجزاً.

2. الإعجاز يجب أن يكون مقروناً بالدعوى

إذا قام رجل صالح أو امرأة صالحة بأمر ممكن عقلاً ومستحيل عادة دون أن يدّعي منصباً إلهيّاً، فلا يوصف عمله هذا بالإعجاز بل يُعدّ كرامة، كما هو الحال في مريم العذراء، حيث إنّها حملت بعيسى دون أن يَمسّها إنسان، ورُزقت برطب جنيّ بهز جذع النخلة اليابسة، حتّى أنّها لمّا أتُّهِمت في حملها أشارت ـ لإثبات براءتها ـ إلى ولدها وهو في المهد، فحينئذ تكلّم عيسى وقال: (إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا ) ، فكلّ ذلك يعدّ كرامة، إذ لم تكن مريم نبيّة ولا مدّعية للنبوة.
وكما سبق لها وهو وجود الطعام عندها بلا سعي منها، يقول سبحانه: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِْمحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب)(1).

3. عجز الناس عن مقابلته

إنّ من القيود المأخوذة في تعريف الإعجاز لفظ التحدّي وهو ينحلّ إلى أمرين:

1 . آل عمران: 37 .

صفحه 56
1. دعوة الناس إلى المقابلة والمعارضة.
2. عجز الناس عن مقابلته ومعارضته.
وبهذين القيدين خرجت عن التعريف الأعمال الّتي يقوم به المهرةُ من الاطباء والمرتاضين من الأعمال المدهشة، وذلك إمّا لعدم الدعوة إلى المقابلة ـ كما هو الشائع ـ لوجود المعارض، فإنّ الطبيب الماهر الآخر يقوم بنفس العمل، كما أنّ المرتاض الثاني يأتي بما أتى به المرتاض الأوّل، بل ربّما يكون الثاني أعظم منه.
إنّ عمل المهرة من الأطباء والمرتاضين خارج عن التعريف بوجه آخر، وهو أنّ الاعجاز يُستمدّ من الغيب لا من القواعد العلمية كما هو الحال في الطبيب الحاذق، ولا من الرياضات البدنية كما هو الحال في المرتاضين.

4. أن يكون عمله مطابقاً للدعوى

يشترط في الإعجاز أن يكون العمل مطابقاً للدعوى، كما إذا مسح ـ بعد الدعوى ـ على الأقرع والأبرص لغاية البُرء فشفيا، وأمّا لو ادّعى النبوة وطلب الناس أن يستسقيَ لهم، فتفل في البئر الّذي كان قليل الماء فغار ما كان فيه من ماء قليل، أو مسح يده على رأس يتيم للتبرك فصار أقرع، فليس هذا من مقولة الإعجاز لمخالفة العمل مع الادّعاء، بل هو عمل أراد به سبحانه فضح المدّعي وإبطال دعواه.
إلى هنا تمّ إيضاح تعريف الإعجاز بقيوده الأربعة.

صفحه 57
5. التشابه بين المعجزة وعلوم العصر
اكتفى المحقّقون بذكر القيود الأربعة السابقة في تعريف الإعجاز، إلاّ أنّ الأَولى إضافة قيد آخر وهو ضرورة وجود التشابه بين المعجزة وما اشتهر في ذلك الزمان من العلم والصنعة، حتّى يُغلق بذلك بابُ الشك على المرتاب. ولبيان ذلك نقول إنّ المعاجز على قسمين :
الأوّل: ما يتساوى فيه العالم والجاهل من الناس فحينما يرونه يعلمون أنّه أمر خارق للعادة وخارج عن طاقة البشر كإحياء الموتى، وإخراج الناقة من الجبل، إلى غير ذلك من المعاجز الّتي يعلم كل إنسان أنّها مستندة إلى قدرة غير بشرية.
الثاني: ما يختص تمييزه ومعرفته بالعلماء وعلى الجاهل الرجوع إليهم في ذلك المضمار. وهذا كقلب العصا إلى ثعبان، ففي مثل هذه المعاجز يلزم أن تكون المعجزة منسجمة مع الصنعة الرائجة في ذلك العصر، إذ أنّ علماء كلّ صنعة أعرف بخصوصياتها وأكثر إحاطة بمزاياها، فهم يميزون بين ما يمكن للبشر الاتيان بمثله وما لا يمكنهم، ولذا فيلزم أن تكون المعجزة في أمثال تلك الموارد من سنخ العلوم الرائجة حتّى يذعن العالم بكونها خارجة عن طاقة البشر وأنّها صدرت عن قدرة فائقة، وإذا ثبت عند العالم ذلك يرجع الجاهل إليه في التصديق بها.
وفي غير تلك الصورة ـ وهي عدم الانسجام بين المعجزة والعلم

صفحه 58
الرائج آنذاك ـ يكون باب الشك مفتوحاً على مصراعيه، إذ يحتمل أنّ المدّعي اعتمد على مبادئ معلومة عند أهل الفن، وإن خفيت على الحاضرين غير العالمين بواقع هذا الفن.
وقد أُشير في بعض الروايات إلى هذا القيد.
سأل ابن السكّيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)وقال له: لماذا بعث الله موسى بن عمران بالعصا ويده البيضاء ، وبعث عيسى بآلة الطب، وبعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)بالكلام والخطب؟!
فقال أبو الحسن (عليه السلام): «إن الله تبارك وتعالى لمّا بعث موسى (عليه السلام)كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله عزَّ وجلَّ بما لم يكن في وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجّة عليهم، وأنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسى في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطبّ، فأتاهم من عند الله عزَّ وجلَّ بمالم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم، وإنّ الله تبارك وتعالى بعث محمّداً في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام ـ وأظنّه قال: والشعر ـ فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم وأثبت الحجّة عليهم». فقال ابن السكّيت: تالله ما رأيت مثل اليوم قطّ .(1)

1 . أُصول الكافي: 1 / 24، كتاب العقل والجهل، الحديث 20 ; بحار الأنوار: 11 / 70.

صفحه 59
 
5

ماهي علّة المعجزة؟

إذا كان الإعجاز ـ كانقلاب عصا موسى إلى ثعبان، وبرء الأبرص والأعمى ـ أمراً ممكناً فإنّه لا يفارق العلّة لامتناع التخصيص في القاعدة العقلية الّتي تحكم بأنّ كلّ ممكن يحتاج في وجوده إلى علّة. فيقع الكلام في تعيين علّته، وهناك احتمالات إليك بيانها:

أ. الفاعل هو الله تعالى

إنّ فاعل المعاجز كلّها هو الله سبحانه، وهو يقوم بها مباشرة دون توسّط علل وأسباب، من غير فرق بين العمل المعتاد والخارق للعادة. وصاحب هذا القول ينفي وجود العلل الطبيعية حتّى في الظواهر المادية، والله سبحانه عنده هو خالق كل شيء دون توسط أسباب وعلل.
وهذا القول مرفوض ـ كما حقق في محله ـ لأنّ القرآن الكريم يعترف بتأثير العلل الطبيعية في الظواهر المادّية، فها هو يقول:
(وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)(1) .

1 . البقرة: 22 .

صفحه 60
وإذا كان هذا هو الحال في الظواهر الطبيعية فلا تشذّ منه خوارق العادة، فلابد من توسط علة بين الظاهرة وبين الله سبحانه.

ب. الملائكة

لاشكّ أنّ الذكر الحكيم يثبت للملائكة أفعالاً، قال سبحانه: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)(1) كما يسند إليها أخذ الأرواح ويقول: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَ هُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ)(2)، فمن المحتمل أن يكون السبب للمعاجز عند تعلّق إرادة النبي هو الموجودات العلوية الّتي منها الملائكة.
وهذا الوجه ـ على إجماله ـ وإن كان صحيحاً لكن اسناد كلّ خارق للعادة مقرون بدعوى النبوة إلى الملائكة بحاجة إلى دليل وليس بأيدينا ما يدلّ على ذلك. نعم لا شكّ أنّه كان لتمثّل الروح الأمين للسيدة مريم تأثير في حملها، يقول سبحانه: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا *... إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا)(3).
حيث ينسب الروحُ الأمين هبةَ الولد إلى نفسه ويقول (لأَهَبَ) وأمّا كيف وهب لها الولد، فهو أمر غيبي مستور عنّا.

1 . النازعات: 5 .
2 . الأنعام: 61 .
3 . مريم: 17 و 19 .

صفحه 61
ج. نفس النبي وروحه
قد ذهب جمع من الفلاسفة المحقّقين إلى هذا القول، وأنّ نفس النبي الطاهرة هي المؤثرة في هذه الأعمال الخارقة للعادة.
يقول الشيخ الرئيس:
فلا تستبعدن أن تكون لبعض النفوس ملكة يتعدى تأثيرُها بدنَها وتكون لقوتها كأنّها نفس مّا للعالم ـ إلى أن قال: ـ فلا تستنكرن أن يكون لبعض النفوس هذه القوة حتّى تفعل في أجرام أُخر تنفعل عنها، انفعالَ بدنه، ولا تستنكرن أن يتعدى عن قواها الخاصة إلى قوى نفوس أُخرى تفعل فيها، لاسيّما إذا كانت شحذت ملكتها بقهر قواها البدنية الّتي لها.(1)
ويقول في موضع آخر: إذا بلغك أنّ عارفاً أطاق بقوته فعلاً، أو تحريكاً، أو حركة تخرج عن وسع مثله. فلا تتلقه بكلّ ذلك الاستنكار، فلقد تجد إلى سببه سبيلاً في اعتبارك مذاهب الطبيعة.(2)
وإذا بلغك أنّ عارفاً حدّث عن غيب فأصاب، متقدّماً ببشرى أو نذير، فصدّق ولا يتعسرن عليك الإيمان به، فإنّ لذلك من مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة.(3)
يقول المحقق الطوسي : إنّه ليس ببعيد أن يكون لبعض النفوس ملكة

1 . الإشارات والتنبيهات: 388. طبع قم ـ 1381 هـ . ش .
2 . الإشارات والتنبيهات: 373 .
3 . الإشارات والتنبيهات: 374 .

صفحه 62
يتجاوز تأثيرها عن بدنها إلى سائر الأجسام، وتكون تلك النفوس لفرط قوتها كأنها نفسٌ مدبّرة لأكثر أجسام العالم، ويؤثر في بدنها بكيفية مزاجية مباينة الذات لها، كذلك تؤثر أيضاً في أجسام العالم.(1)
قال صدر المتألّهين: لا عجب أن يكون لبعض النفوس قوة إلهيّة تكون بقوتها، كأنّها نفسُ العالم ليطيعها العنصر طاعته بدنها، فكلّما ازدادت النفس تجرّداً وتشبّهاً بالمبادئ القصوى، ازدادت قوة وتأثيراً في ما دونها وإذا صار مجرّد التصور والتوهم سبباً لحدوث هذه التغيرات في هيولى البدن لأجل علاقة طبيعية شوقية، وتعلق حبّي جبلّي لها. فكان ينبغي أن يؤثر في بدن الغير وفي هيولى العالم مثل هذا التأثير لأجل مزيد قوة شوقية واهتزاز علوي للنفس ومحبة إلهية لها فتؤثر نفسُه في إصلاحها وإهلاك ما يضرها ويفسدها .(2)
يقول العلاّمة الطباطبائي:
يُحكى عن كثير من صلحائنا من أهل الدين أنّهم نالوا من خلال مجاهداتهم الدينية كرامات خارقة للعادة وحوادث غريبة اختصّوا بها من بين أمثالهم، كتمثل أُمور لأبصارهم غائبة عن أبصار غيرهم، ومشاهدة أشخاص أو وقائع لا تشاهدها حواس من دونهم من الناس، واستجابة للدعوة وشفاء المريض الّذي لا مطمع لنجاح المداواة فيه، والنجاة من المخاطر والمهالك من غير طريق العادة .(2)

1 . شرح الإشارات: 3 / 414 .   2 . المبدأ والمعاد: 355 ـ 356 .
2 . الميزان: 6 / 190 .

صفحه 63
هذه هي الأقوال في علل المعاجز وأسبابها، إلاّ أن الظاهر من القرآن الكريم هو الوجه الأخير، فإنّه كثيراً ما يسند خوارق العادات إلى نفوس الأنبياء، مثلاً يقول على لسان المسيح: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَ أُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ وَ أُحْيِي الْمَوْتَى)(1).
ترى أنّ المسيح يُسِندُ برء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى إلى نفسه، ولكن بإذن الله سبحانه.
وفي آية أُخرى يخاطبه سبحانه بأنّه يُبرئ الأكمه و... قال سبحانه: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَ تُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)(2).
هذا في عمل الأنبياء وأمّا خوارق العادة الصادرة من غيرهم فالظاهر من القرآن أنّه مستند إليهم ونتيجة لقدراتهم الروحية. وإن كان الجميع يقومون بهذه الأعمال بإذن الله سبحانه .
فهذا هو عفريت من الجنّ يخاطب سليمان ويوعده بإحضار عرش ملكة سبأ فيقول : (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)(3).

1 . آل عمران: 49 .
2 . المائدة: 110.
3 . النمل: 39 .

صفحه 64
أي تعبير أصرح من قوله: (أَنَا آتِيكَ بِهِ)؟ وبنفس هذا التعبير جاء في حق من أُوتي علماً من الكتاب ـ وربما قيل: إنّ المراد به آصف بن برخيا ـ كما يقول : (قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ )(1).
بل هذا هو الظاهر من عمل السحرة، يقول سبحانه: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)(2) .
أضف إلى ذلك قصة يوسف فإنّه بعث بقميصه إلى أبيه، وقال: (اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا)(3).
وفي آية أُخرى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)(4).
فما هو العامل في استرجاع بصره بعد ما ابيضّت عيناه من الحزن؟ هل هو قميصه ؟ أو هو حامل البشارة والقميص؟ كل محتمل ولكن الظاهر أنّ العامل هو إرادة نفس يوسف الزكية المؤثرة بإذن الله. وإنّما توسّل بالقميص ليُعلم أنّه هو القائم بذلك.

1 . النمل: 40 .
2 . البقرة: 102 .
3 . يوسف: 93 .
4 . يوسف: 96 .

صفحه 65
 
6

الإعجاز وكيفية دلالته على صدق المدّعي

قد مرّ أن قبول دعوى المدّعي بلا دليل على خلاف الفطرة الإنسانية، ومَنْ صدّق قول المدّعي بلا دليل فقد غفل عن قضاء الفطرة، ولذا كانت الأُمم السابقة يطلبون ممّن يدّعي النبوة الدليل والبرهان خضوعاً للفطرة، كما يقول سبحانه حاكياً عن قوم ثمود حيث خاطبوا صالحاً بقولهم: (مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(1)، حتّى أنّ بعض أنبياء الله ربما بادروا إلى طرح البرهان والدليل على نبوتهم قبل أن يسألهم الناس عنه، فهذا عيسى بن مريم يقول: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ)(2).
كلّ ذلك يدلّ على وجود الصلة بين الآية المعجزة وصدق مدعي النبوة. وأنّ الأُمم الماضية كانوا جازمين بهذه العلاقة حتّى أنّ الأنبياء يرون وجود الملازمة بينهما.

1 . الشعراء: 154 .
2 . آل عمران: 49 .

صفحه 66
إنّما الكلام في تحليل وجود الرابطة المنطقية بين الإعجاز وصدق المدّعي ويمكن تبيين ذلك بوجهين:

الأوّل: ان إقدار الكاذب على المعجزة مناف لحكمته سبحانه

إنّ الله سبحانه خلق الناس لغايات سامية، ونصب أعلاماً لهداية الناس إليها، ولا يرضى لهم الضلالة والكفر ; وعلى ضوء هذا فلو كان المدّعي صادقاً في دعواه فإقداره على المعجزة يكون مطابقاً للحكمة الإلهية، لأنّ الناس بفطرتهم وطبيعتهم يخضعون لصاحبها ويقطعون بأنّه سفير من الله إليهم.
وأمّا لو كان كاذباً في دعواه فإقداره على الآية المعجزة الّتي تُبهر العقول وتسخّر النفوس على خلاف الحكمة، لأنّ فيها إغراءً بالضلالة وصدّاً عن الهداية والله سبحانه حكيم لا يناقض بقوله غرضه.
وقد أشار غير واحد من المتكلّمين إلى هذا الوجه نذكر هنا كلمتين:
1. قال الفاضل القوشجي: إنّما كان ظهور المعجزة طريقاً لمعرفة صدقه، لأنّ الله تعالى يخلق عقيبها العلم الضروري بالصدق، كما إذا قام رجل في مجلس ملك بحضور جماعة، وادّعى أنّه رسول هذا الملك إليهم، فطالبوه بالحجة، فقال: هي (الحجة) أن يخالف هذا الملك عادته، ويقوم على سريره ثلاث مرّات ويقعد، واطلع الملك على ذلك وفعل كما قال: فإنّه يكون تصديقاً له، ومفيداً للعلم الضروري بصدقه من غير ارتياب .(1)

1 . شرح القوشجي على التجريد: 465، ط. ايران (الحجرية).

صفحه 67
2. قال المحقّق الخوئي: إنّما يكون الإعجاز دليلاً على صدق المدّعي، لأنّ المعجز فيه خرق للنواميس الطبيعية، فلا يمكن أن يقع من أحد إلاّ بعناية من الله تعالى وإقدار منه.
فلو كان مدّعي النبوّة كاذباً في دعواه، كان إقداره على المعجز من قِبَل الله تعالى إغراء بالجهل وإشادة بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى، فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالّة على صدقه، وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته.(1)
وفي أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)إشارة إلى ذلك الوجه فقد سأل أبو بصير الإمام الصادق (عليه السلام)عن سبب دعم الأنبياء بالمعاجز فقال (عليه السلام): «ليكون دليلاً على صدق من أتى به، والمعجزة علامة الله لا يعطيها إلاّ أنبياءه ورسله ليعرف به صدق الصادق من كذب الكاذب »(2).
وإلى هذا الدليل يشير قوله سبحانه: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ)(2).
فإنّ الضمير الغائب في قوله: (تَقَوَّلَ) يرجع إلى الرسول الكريم الّذي بعث بالآيات والمعاجز، فمثل هذا إذا تقوّل على الله بعض الأقاويل كان عليه سبحانه أخذه بالقدرة، وإلاّ يلزم أن يكون تجهيزه بالآيات خلاف الحكمة.

1 . البيان في تفسير القرآن: 35 .   2 . علل الشرائع: 148، الباب 100، الحديث 1 .
2 . الحاقة: 44 ـ 47 .

صفحه 68
وبعبارة أُخرى: أنّ الآية ليست ناظرة إلى كلّ كاذب في دعواه أو كلّ كاذب في دعوى النبوة، بل هي ناظرة إلى نبي بعث مع الآيات المعجزة وصارت سبباً لاقتفاء الناس إيّاه ومتابعته، فمثل هذا لو نسب إلى الله ما لم يقل كان على الله سبحانه أخذه والقضاء عليه لئلاّ يلزم خلاف الحكمة.
وأمّا المتنبِّئ دون أن تكون له معجزة من الله سبحانه فليس على الله القضاء عليه، بل على الناس الإمعان في دعوته وكشف الثغرات في مدّعاه.

الوجه الثاني: المعجزة المحسوسة تدعم صحّة الوحي

إنّ مدّعي النبوة والرسالة يدّعي أنّه سبحانه يكلّمه بطريق الوحي إمّا بلا واسطة أو بواسطة مَلك، وهذا أمر خارق للعادة لا تؤيّده التجربة ولا الحس، فلا يقبل قوله إلاّ إذا أتى بآية معجزة خارقة للعادة حتّى يستدل برؤيتها على صدق ما يدّعي من الوحي الخارق لها .
وبعبارة أُخرى: ان مدّعي النبوة لو كان صادقاً في دعواه، أعني: نزول الوحي من الله سبحانه عليه، فهو مدّع لأمر خارق للعادة ولكنه غير ملموس لنا، فعليه أن يأتي بخارق للعادة محسوس لنا ـ كبرء الأكمه والأبرص ـ حتّى يستدلّ بالثاني على صدق الأوّل، وأنّ المدّعي تحت رعاية الله وأنّه هو الّذي أقدره على الإعجاز.
وفي الختام نأتي بكلام النطّاسي عبد العزير باشا إسماعيل في رسالته «الإسلام والطب الحديث»:

صفحه 69
المعجزات كلّها من صنع الله مباشرة ومعناها سنّة جديدة بخلاف ما نراه يومياً من عظة وعظمة كالولادة ونموّ الحيوان والنبات، فإنّه مع إعجازه يأتي مطابقاً لقواعد ونظم وضعها الله لا تتغيّر.
وأظهرُ مَثل للنواميس الطبيعية حركة الشمس، فإنّ ذلك مع عظمته لا يُحدث صدمة لتعوّدنا إيّاه، ولكن أنّ يأتي الله بالشمس من المغرب بدل المشرق كان هذا معجزة بالنسبة للإنسان، مع أن الحركتين من صنع الله ولا فرق بينهما.
ثم قال: إنّ أساس المعجزة وعظمتها ليس في نتائجها وغرابتها ولكن أهمية المعجزة في طريق صنعها دون السنن الاعتيادية، وهي لذلك لا تتكرر أبداً إلاّ بإذن الله، لأنّ الإنسان لا يعرف قاعدتها، ولا يدرك طريق صنعها، أمّا الاختراع فإنّه اكتشاف لناموس إلهي طبيعي، ولذلك هو يتكرر في الظروف نفسها على يد كلّ إنسان .(1)

1 . تفسير المراغي: 3 / 28 .

صفحه 70
 
7

الفرق بين المعجزة والسحر

لا إشكال في أنّ السحرة والمرتاضين يتبّنون أُموراً خارقة للعادة، وهذا ممّا لا يحتاج إلى بيان، فمَنْ كانت له صلة بوسائل الإعلام على اختلافها أو شدَّ الرحال إلى متحف العجائب (الهند) يعلم أنّهم يقومون بأُمور عجيبة وأفعال غريبة ; فربما ينام المرتاض على مسامير حادّة، وتُكَسّر الصخور على صدره دون أن يُصاب بجراح، أو يُقبر تحت التراب أُسبوعاً واحداً ثم يخرج وهو حيّ.
وقد كان للسحرة في عصر الكليم (عليه السلام)دور معروف ونشاط بارز في إنجاز أُمور خارقة للعادة. وهنا يطرح سؤالٌ: وهو أنّه ما هو الفرق بين إعجاز الأنبياء وعمل الآخرين مع كون الجميع «خارقة للعادة» ؟
أقول: الفرق بين العملين من وجوه نشير إلى رؤوسها إجمالاً:

1. السحر خاضع للتعليم والتمرين دون الإعجاز

إنّ ما يقوم به الساحر أو المرتاض أُمور خارقة للعادة لكنها إمّا نتيجة التعليم والتعلم، أو نتيجة الرياضات الّتي تمرّس عليها المرتاض عبْر سنين،

صفحه 71
فللسحر والرياضة مدارس ومراكز للتعليم والتربية، فلولاهما لم نجد ساحراً ولا مرتاضاً.
أمّا الإعجاز فإنّما يقوم به النبي من دون سبق تعليم أو تمرين.
وهذا هو موسى كليم الله (عليه السلام)قد خوطب بقوله سبحانه: (وَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَ لَمْ يُعَقِّبْ)(1) .
فخوطب بإلقاء العصا وانّها بعد الإلقاء ستصير ثعباناً، ثم هو قام بذلك فالقى عصاه فصارت ثعباناً دون أن يدخل مدرسة أو أن يمارس الرياضات الشاقّة.
وبالجملة: الإعجاز عمل إبداعي غير مسبوق بعلم ولا تمرين بخلاف عمل السحرة والمرتاضين.

2. السحر خاضع للمعارضة

لما كان عمل السحرَة والمرتاضين نتيجة التعليم والتمرين فهما يقبلان المعارضة، إذ للساحر الثاني أو المرتاض الآخر أن يدخل من حيث دخل الأوّلان.

3. السحر غير خاضع للتحدّي

إنّ عمل السحرَة والمرتاضين وإن كان يبهر العقول ويدهش الأفكار لكنهما لا يتحديان به، ووجه ذلك أنّه إذا كان العمل نتيجَة التعليم والتربية

1 . القصص: 31 .

صفحه 72
فلاوجه لأن يتحدّى الساحر أو المرتاض بعمله ويصف الآخرين بالعجز، إذ للآخر أن يدخل من نفس المدخل الّذي ورد منه الساحر والمرتاض، وهذا بخلاف الإعجاز فإنّ النبي يتحدّى بإعجازه، وهذا هو الوحي الآلهي يصك أسماع المشركين والمرتابين ويقول: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا)(1).

4. لا تنوّع في السحر

بما أنّ عمل أهل الرياضة رهن التعليم والتعلم فلا محيص من أن يكون عملهما أمراً غير خارج عن إطارهما، ولذلك يقومون بأعمال تعلّموها من قبل; دون أن يلبّوا طلب الناس إذا كان خارجاً عن حيطة تخصصهم، وهذا بخلاف الإعجاز فإنّه مستمد من قدرة واسعة غالبة على جميع السنن الطبيعية والقواعد المحدودة، فنرى النبي يقوم بأعمال متنوّعة ربما لا تشابه بينها، فأين قلب العصا إلى ثعبان(2)، من ضرب العصا على الحجر لانبثاق الماء منه (3)، أو ضربها على البحر لينفلق حتّى يكون ماؤه كالطود العظيم .(4)

1 . الإسراء: 88 .
2 . قال تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، الاعراف: 107 .
3 . قال تعالى: (وَ إِذِ اسْتَسْقىَ مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) البقرة: 60 .
4 . قال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)، الشعراء: 63 .

صفحه 73
وهذا هو المسيح (عليه السلام)تارة يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى (1)، وأُخرى ينبئُ عن الغيب ويخبرهم بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم (2) .
وربما يقوم الأنبياء بالاستجابة لما يطلبه الناس من معاجز إذا كان الطلب متعلقاً بأمر معقول، كما هو الحال في طلب الحواريين من المسيح
نزول المائدة من السماء، قال تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَ آخِرِنَا وَ آيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(3).

5. الاختلاف في الأهداف

إن أصحاب المعاجز يهدفون إلى غايات سامية، وهي هداية الناس إلى الله سبحانه وإطاعة أمره والانتهاء عن نهيه، وإنقاذهم من عبادة غيره، ودعوتهم إلى بسط العدل بينهم إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق، دون أن يطلبوا من الناس جُعلاً وأجراً، لأجل أن الغاية عندهم أسمى من كل شيء، فانهم يُضحّون بأنفسهم من أجلها.

1 . آل عمران: 49 .
2 . آل عمران: 49.
3 . المائدة: 112 ـ 114 .

صفحه 74
وهذا كلّه بخلاف السحرة والمرتاضين، فإنّ الغاية عندهم هي الأُمور المادية من المال والمقام أو كسب الشهرة والسمعة.

6. التفاوت بين الروحيات

إنّ خريجي منهج الدعوة الإلهية وأصحاب الفضائل والكرامات، يُمثّلون عنوان الفضل والفضيلة في مجال الأخلاق ومعاشرة الناس، وهذا بخلاف المشعوذين والساحرين حتّى المرتاضين فهم متحلِّلون عن المثل والقيّم بوجه واضح.
ولك أن تحقّق الموضوع بنفسك عن كثب بالمراجعة إلى نواديهم وسيرتهم.

صفحه 75
 
8

شبهات حول معاجز النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

أثار بعض المستشرقين شبهاً حول معاجز النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث ادّعوا انّه لم تكن له (صلى الله عليه وآله وسلم)أيّة معجزة سوى القرآن الكريم .(1)
واستدلّوا على ذلك بآيات أربع أهمها:
(قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لك
1. حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا).
2. (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيل وَ عِنَب فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا).
3. (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَ الْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً).
4. (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ

1 . ذكرت تلك الشبهة في كتاب «مشكاة الصدق» لمؤلفه «آنار كلي» الّذي طبع في لاهور عام 1901 م .

صفحه 76
لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً).(1)
يقول المستدّل: ترى أنّ محمداً لما طُلب منه هذه المعاجز، أجاب: بأنّه ليس إلاّ بشراً رسولاً، أي غير قادر على إجابة هذه الطلبات، فلو كان نبياً وله معاجز كسلفيه المسيح والكليم لأجاب واحداً من هذه الطلبات.
يلاحظ على الاستدلال بأُمور:
1. انّ الإعجاز إنّما يتعلّق بأمر ممكن بالذات، وأمّا الممتنع بالذات فلا تتعلّق به القدرة مطلقاً، من غير فرق بين القدرة البشرية أو القدرة الإلهية، فنرى أنّ بعض طلباتهم كان أمراً محالاً وهو الإتيان بالله ومشاهدة المشركين له بأبصارهم المادية، حيث قالوا: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ).
2. يشترط في تعلّق الإعجاز ألا يكون المطلوب على خلاف الحكمة الإلهية وإلاّ فيردّ. وقد كان بعض طلباتهم من هذه المقولة حيث طلبوا منه إسقاط السماء عليهم بقولهم: (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا)، إذ هو على خلاف الحكمة على كلا التفسيرين :
الأوّل: أن يهدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)النظام السائد في المنظومة الشمسية ويجعلها قطعة قطعة، ومن المعلوم أنّ هذا خلاف الحكمة، لأنّه سبحانه رفع السماء لغايات سامية تترتب على ذلك طول الزمان.
الثاني: أن تصيبهم قطعة من السماء فتهلكهم، وهذا أيضاً على خلاف

1 . الاسراء: 90 ـ 93 .

صفحه 77
الحكمة، لأنّ الغاية من بعث النبي هداية الناس لا إهلاكهم وإبادتهم إلاّ إذا تمّت الحجة ولم يبق أمل في هداية الناس فربما يُهلكهم سبحانه كما أهلك عاداً وثمود.
3. يشترط في الطلب وجود الملازمة بين إتيانه وصحة دعوى المدّعي كما في عامة المعاجز الّتي أتى بها أنبياء الله وسفراؤه، وأمّا إذا خلا المطلوب عن هذه الملازمة فلا يجب على النبي القيام به، وقد كان في بعض طلباتهم مثل هذا ـ أي عدم الملازمة ـ كما هو الحال في طلبهم أن تكون له جنة من نخيل وعنب فتتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو أن يكون للنبي بيت من زخرف.
فإنّ الثروة الطائلة لا تكون دليلاً على كون صاحبها نبياً وصادقاً في مدعاه وإلاّ يلزم أن يكون أصحاب الثروات أنبياءً، ولربما يكون ذلك ذريعة لأصحابها لادّعاء السفارة من الله.
وهذا الفكر الواهي كان سبباً لتعجب المشركين من نزول القرآن على رجل غيرُ ثريّ كالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان الحق ـ حسب تصوّرهم ـ ان ينزل القرآن على رجل ثريّ عظيم مطاع في قومه ذي مكانة اجتماعية بأن يكون من إحدى القريتين; مكة والطائف، وقد ردّ الوحي الإلهي على تمنّيهم هذا
بقوله: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض)(1)، أي أهم يحكمون فيما لا يملكون؟

1 . الزخرف: 32 .

صفحه 78
إذ نحن قسمنا معيشتهم الدنيوية الّتي بها حياتهم ورفعنا بعضهم فوق بعض، فهي خارجة عن قدرتهم ومشيئتهم، فكيف النبوة والرسالة الّتي هي رحمة إلهية ومفتاح السعادة في الدارين فهي أولى أن تكون تحت مشيئتنا.
4. انما يجب على النبي القيام بالمطلوب إذا كانت هناك قرائن تدلّ على أنّ المطالب به بصدد الإيمان بالنبي، أمّا لو كان يريد اللجاج والعناد حتّى فيما لو استجاب النبي لطلبه يبقى على رأيه من الإنكار وعدم الإيمان، فعندئذ لا ملزم للنبي عقلاً على تلبية الطلب، كما هو الحال في المقام فإنّهم طلبوا من النبي أن يرقى إلى السماء فإنّ هذا بنفسه كان كافياً في تحقّق الإعجاز وخرق العادة، ولكنّهم اشترطوا شرطاً آخر وقالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ).
ففي مثل هذه الظروف أجابهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بكلمة بليغة فقال: (هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً)ومعناه أنّ طلبكم منّي هذه الأُمور لأجل أحد الأمرين التاليين:
1. إمّا أن يكون الطلب بملاك أنّي بشر، فمن المعلوم أنّ القدرة البشرية القاصرة لا تتمكن من إنجاز هذه الأُمور.
2. إمّا أن يكون الطلب بملاك انّي رسول من الله سبحانه، فهو وإن كان صحيحاً لكن الرسول في قيامه وقعوده وكل أعماله تابع لإرادة المُرسِل، فبما أنّه لم تتعلّق إرادته سبحانه بشيء من الأشياء فلا يتمكّن أحد منه.
وليس معنى هاتين الكلمتين انّه عاجز عن الإتيان بالمعاجز مطلقاً

صفحه 79
كسائر الناس حتّى فيما إذا كانت الظروف مساعدة للإعجاز وإنّما استنبطه المستشرق من نفسه .
وأخيراً: لم تكن الغاية عند هؤلاء هي الهداية، ولذلك لو أتى بها النبي فإنّهم سيعتذرون وربما ينسبونها إلى السحر كما حكى سبحانه ذلك عن
جماعة من المشركين وقال: (وَ لَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ )(1) .
وقال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)(2) وجواب الشرط محذوف وهو: أنّهم لا يؤمنون.
وبذلك البيان تستطيع الإجابة عن بعض الآيات الّتي استدلّ بها المستشرق على نفي الإعجاز الّذي يأتي به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولأجل إيضاح المقام نأتي بأقسام المعاجز الّتي يقوم بها الأنبياء بإذن الله، وهي على أقسام ; بين ما يلزم في منطق العقل الإتيان بها، وما لا يلزم بل يعدّ الإتيان بها عبثاً ولعباً بالآية، وإليك البيان:

المعجزات وأقسامها

لاشكّ أنّ الإتيان بالمعجزة وخارق العادة عند وجود شروطها المقرّرة في محلّها آية صدق مدّعي النبوّة، ولكن هل يجب على النبي أن

1 . الأنعام: 7 .
2 . الرعد: 31 .

صفحه 80
يأتي بكل ما يُقترح عليه أو لا؟ والإجابة رهن تبيين أنواع المعاجز وأقسامها. وإليك بيانها:
1. ما آتاه الله الأنبياء عند بعثهم ليكون حجة على صدق دعوتهم ورسالتهم، ومن هذا القبيل قلب العصا إلى ثعبان واليد البيضاء لموسى (عليه السلام)، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى بن مريم (عليه السلام)، والتحدّي بالقرآن الكريم لنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذه الآيات (المعجزات) أوتيت الأنبياء العظام في بدء البعثة لإتمام الحجّة على الكفّار، دون أن يقترحها عليهم أحد.
2. الآيات الّتي قام بإتيانها الأنبياء بإذن الله باقتراح الكفارعليهم، وهذا نظير ناقة صالح الّتي أخرجها سبحانه من الجبل، وطوفان نوح، ونزول الرجز من السماء على قوم لوط، وريح صرصر نزلت على عاد، الّتي أتى بها الأنبياء بعد طلب المعاندين بجرأة خاصّة حيث قالوا: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(1).
وقال تعالى: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَ تَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(2).

1 . هود: 32 .
2 . العنكبوت: 28 ـ 29 .

صفحه 81
وقال تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(1).
3. الآيات التي أنزلها الله سبحانه على المؤمنين لرفع حاجتهم كتفجير عين الماء من الحجر، ونزول المنّ والسّلوى على بني اسرائيل في التيه، ورفع الطور فوق رؤوسهم، وشق البحر لعبورهم، إلى غير ذلك من الآيات الّتي خصّ الله بها المؤمنين إكراماً لهم وإرهاباً للمستكبرين من دون أن يكون هناك اقتراح خاصّ.
ونظير هذه الآيات ما وعد الله سبحانه رسوله من دخول المسجد الحرام وفتح مكّة وغلبة الروم على مخالفيهم، كل ذلك لأجل تثبيت الإيمان في قلوب المؤمنين وإرهاب الكافرين.
4. الآيات الّتي كان الكفار يقترحها على النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)هوساً ولعباً بالمعجزات بعدما تمّت عليهم الحجة، لكن ليس في منطق العقل أي مُلزِم للإجابة عنها. والشاهد على أنّ هذا النوع من الاقتراح كان هوساً ولعباً بالآيات دون أن يكون طريقاً لكشف صدق المدّعي، هو أنّ أهل الكتاب اقترحوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن ينزّل عليهم كتاباً من السماء، فقالوا كما حكاه سبحانه: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا

1 . الأحقاف: 21 ـ 22 .

صفحه 82
مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) إلى أن قال (لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا)(1).
فلو كانت الغاية من هذا الاقتراح هو طلب العلم بصدق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لاكتفوا بالقرآن الّذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من دون حاجة إلى أن ينزل كتاباً من السماء.
فتلخّص من ذلك أنّ الغاية من إنزال الآية هو ظهور الحق بأجلى مظاهره وإتمام الحجة على الوجه الأتمّ، فإذا أتمّ الله الحجة فظهر الحق فلا وجه لإنزال الآية وإلاّ يلزم العبث بالآية واللعب بها.(2)
إضف إلى ذلك أنّ بعض المقترحات كان أمراً محالاً غير ممكن كرؤية الله سبحانه، أو كان على خلاف المصلحة كنزول السماء عليهم، أو غير ذلك كما عرفت.

1 . النساء: 166 .
2 . تفسير الميزان: 6 / 226 ـ 227 .

صفحه 83
معاجزه (صلى الله عليه وآله وسلم)في القرآن والسنّة   
 
9

معاجزه (صلى الله عليه وآله وسلم)في القرآن والسنّة

ذكر الله سبحانه وتعالى بالإضافة إلى القرآن الكريم معاجز أُخرى للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)نورد هنا إشارة إلى رؤوسها، وسيأتي الكلام عنها مفصلاً في محلّها من الكتاب.
1. إسراؤه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الّذي يتضمن بيانه قوله تعالى: ( سُبْحَانَ الذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(1).
2. العروج به من المسجد الأقصى إلى السماء، وذلك ما تضمنه قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى * لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)(2).

1 . الإسراء: 1 .
2 . النجم: 13 ـ 18 .

صفحه 84
3. شق القمر بإشارته، الّذي ورد ذكره في قوله سبحانه: (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)(1).
4. مباهلته أهل الكتاب الّذي يتضمنه قوله سبحانه: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(2).
وقد دلّت القرائن على أنّ حلول العذاب بدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أمراً قطعياً فيما لو تباهلوا، ولكن أهل الكتاب أدركوا الخطر الواقع فتنازلوا وتصالحوا.
هذه هي المعاجز الأربع الّتي تعرض لها القرآن الكريم، وستوافيك تفاصيلها في محلها.
وأمّا السنّة فقد ألّف غير واحد من المحدّثين كتباً كثيرة في ذلك، وقد ذكر شيخنا المجيز الشيخ آغا بزرگ الطهراني أسماء الكتب الّتي أُلفت حول المعاجز (3)، وقد ورد فيها معاجز النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً ، وأفضل ما رأيت في هذا المضمار ما ألّفه المحدّث الأكبر محمد بن الحسن الحر العاملي (المتوفّى 1104 هـ) فقد خصّ الباب الثامنَ من كتابه «إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات» بمعاجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد أورد فيه الآيات الّتي تدل

1 . القمر: 1 ـ 2 .
2 . آل عمران: 61 .
3 . لاحظ الذريعة: 21 / 214 ـ 216 .

صفحه 85
على معاجزه وكراماته، ثم ذكر الأخبار الّتي وردت في هذا الموضوع والتي يصل عددها إلى 720 رواية في 57 فصلاً، وخصّ الفصل الثامن والخمسين بذكّر نبذة ممّا قيل في ذلك من الشعر، وقد ذكر من قصائد عمّه (رحمه الله) شيئاً كثيراً نذكر منها ما يلي:
جميل المزايا فهو للرسل خاتم *** وللحق برهان وللرشد منهج
جماد الحصى والنبت من معجزاته *** وحسبك من جذع يحنّ وينشج
جواب بصوت مفصح وتحية *** بنطق صحيح اللفظ لا يتلجلج
وكذلك قوله (رحمه الله) :
لأحمد خير العالمين مكانة *** تخصصه بالحب في الملأ الأعلى
لإسرائه بالليل والناس هُجَّع *** دلائل تستهدي به الشرع والعقلا
لانبائه بالغيب من قبل كونه *** دلائل تشريف قد اتصلت نقلا(1)

1 . انظر بقية أشعاره في كتاب «اثبات الهداة بالنصوص والمعجزات» : 1 / 413 .

صفحه 86
هل حُرِمَ الخلفُ من المعاجز والكرامات؟   
 
10

هل حُرِمَ الخلفُ

من المعاجز والكرامات؟

لاشك أنّ المعاجز والكرامات دلائل مشرقة على نبوة المدّعي وسفارته من قبل الله سبحانه، وهي نعمة كبرى للأُمّة الّتي تشاهدها بأُمّ عينها حيث تُورث الإيمان بتصديقه واعتناق شريعته، وعندئذ يطرح هذا السؤال: هل الخلف ـ أي الّذين جاءوا بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ حُرموا من هذه النعمة الإلهية أو لا؟
والجواب: أنَّ بعض معاجز النبي مستمرّة غير مختصة بزمان حياته، نعم إنّ معاجز سائر الأنبياء كانت مختصة بزمان حياتهم، فقلب العصا إلى ثعبان أو إحياء الموتى كان قائماً بنفس النبي (عليه السلام)، فإذا مات لم يتبق منه أثر إلاّ في الصدور والأذهان والألسن والأفواه.
وأمّا معاجز النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)فهي على قسمين:
قسم منها كان قائماً بوجوده وحياته كشق القمر ومعراجه وتسبيح الحصا في يده.

صفحه 87
وقسم آخر كان غير مختص بزمانه مستمراً إلى يومنا هذا، وما ذلك إلاّ لأنّ ثبوت الشريعة الخالدة رهن المعجزة المستمرة حتّى تتمّ الحجة لمن لم يعاصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونذكر من هذا القسم أمرين:

الأوّل: القرآن الكريم

وهي معجزته الكبرى فالنبي يتحدّى بكتابه هذا إلى يوم القيامة ويقول: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا)(1).
ويقول سبحانه في آية أُخرى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )(2).
وقد مرّ على هذا التحدي أكثر من أربعة عشر قرناً، فلم تسمع أُذن الدهر شيئاً من التحدّي والمقابلة، بل الناس كلهم مبهورون، والمنصفون منهم معترفون بعجزهم عن المقابلة.

الثاني: المباهلة

دعا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)نصارى «نجران» إلى الإيمان برسالته واعتناق دينه وعندما أبوا ذلك دعاهم إلى المباهلة، إلاّ أنّ النصارى استنظروه إلى

1 . الإسراء: 88 .
2 . البقرة: 23 .

صفحه 88
صبيحة غد من يومهم ذاك، فلمّا رجعوا إلى رجالهم قال لهم الاُسقف: انظروا محمداً في غد فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء .
فلمّا كان الغد جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)آخذاً بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام)والحسن والحسين بين يديه يمشيان وفاطمة (عليها السلام)تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أُسقفهم فلمّا رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذه الهيئة خافوا هلاكهم فقالوا: يا أبا القاسم أنّا لا نباهلك ولكن نصالحك فصالِحْنا على ما ينهض به .(1)
هذه هي دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)النصارى للمباهلة ولكنّهم انسحبوا وتراجعوا عنها في اللحظات الأخيرة، إلاّ أنّها تبقى كأحد معاجز الإسلام الخالدة، إذ يحق للمسلمين القيام بالمباهلة مع أعدائهم، وهذا هو أبو مسروق يُحدِّث الإمامَ الصادق (عليه السلام)فيقول له: إنّي حيثما أحتجُّ على المخالفين بوجوه يردونها عليّ فقل لي ماذا أفعل، فيقول الإمام الصادق (عليه السلام)له: «إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة»، قلت: وكيف أصنع؟ قال: أصلح نفسك ثلاثاً ـ وأظنه قال: صم واغتسل ـ وأبرز أنت وهو إلى الجبّان (2)فشبّك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه; ثم أنصفه وابدأ بنفسك وقل: «اللهم رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، إن كان أبو مسروق جحد حقّاً وادَّعى باطلاً فأنزل عليه

1 . مجمع البيان: 2 / 309 .
2 . الجبّان: بالضم والتشديد: الصحراء.

صفحه 89
حسباناً (1) من السماء أو عذاباً أليماً» ثم رُدّ الدّعوة عليه، فقل: «وإن كان فلانٌ جحد حقاً وادّعى باطلاً فأنزل عليه حسباناً من السماء أو عذاباً أليماً» ثم قال لي: فإنّك لا تلبث أن ترى ذلك فيه، ] قال [: فو الله ما وجدت خلقاً يجيبني إليه .(2)
ooo
هذه الفصول العشرة الماضية، بمنزلة المقدمة لدراسة المعاجز والكرامات وخوارق العادات الواردة في القرآن الكريم، فلندخل الآن في صلب الموضوع، وذلك بدراسة معاجز الأنبياء وكراماتهم حسب التسلسل التاريخي.

1 . الحسبان: العذاب والنار.
2 . أُصول الكافي: 2 / 514، كتاب الدعاء، باب المباهلة، الحديث 1 .

صفحه 90

صفحه 91
المعاجز والكرامات

صفحه 92

صفحه 93
صنع الفلك بيد النبي نوح (عليه السلام)   
 
1

صنع الفلك بيد النبي نوح (عليه السلام)

قال تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْج كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحُ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ )(1).
وقال تعالى: ( فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)(2).

1 . هود: 37 ـ 42 .
2 . المؤمنون: 27 .

صفحه 94
مفردات الآيات
الفلك: السفينة مفردها وجمعها واحد، وهي من المؤنثات السماعية.
الأعين: جمع قلّة للعين جُمعت للدلالة على كثرة المراقبة وشدّتها، ولعلّه كناية عن المراقبة في صنع الفلك، أو مطلقاً.
الفور: الغليان، وأصله الارتفاع يقال: فار القدر يفور فوراً.
التنور: تنور الخبز، وهو ممّا اتّفقت فيه اللغتان: العربية والفارسية.
مجراها ومرساها: وقت جريها وثباتها.
معزل: في قطعة من الأرض غيرالقطعة الّتي كان نوح فيها، حين نادى ابنه.
ooo
يأس نوح من إيمان قومه بعد تسعمائة وخمسين سنة أقامها فيهم يدعوهم وينصحهم ولم ينفعهم نصحه وبقي القوم مصرّين على عنادهم، وشكا أمره إلى الله سبحانه، فأخبره سبحانه بأنّه: (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(1).
فأمره الله سبحانه بصنع الفلك لتكون وسيلة لنجاته ومن آمن معه، من الغرق.

1 . هود: 36 .

صفحه 95
وهنا يُطرح سؤال، وهو: هل كان نوح عالماً بصنع الفلك قبل ذلك؟ الظاهر من الآية أنّه سبحانه أمره بصنع الفلك وعلّمه صنعها، كما هو الظاهر من قوله: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) .
فماذا يريد الله سبحانه من قوله: بأعيننا ووحينا؟
فالأوّل يدلّ على أنّه تحت حفظه تعالى ورعايته عند صنع الفلك أو مطلقاً، والثاني يدلّ على أنّه يصنعها بوحيه وتعليمه سبحانه.
ولمّا قام بصنعها في فلات من الأرض بعيداً عن البحر سخروا منه وضحكوا بأنّه كيف ينتفع من صنعها في الأرض مع أنّها وسيلة نقل بحرية؟! وربّما يقال: إنّ وجه سخريتهم هو أنّهم ما رأوا سفينة من قبل ولم يعرفوا كيفية الانتفاع بها ولهذا سخروا واستهزأوا، ولكن الظاهر هو الأوّل مع كون الثاني محتملاً أيضاً .
ولمّا تم صنع الفلك أمره الله تعالى أن يحمل فيها أهله إلاّ زوجته، وأن يأخذ معه من آمن من قومه فكانوا قليلين، ولعلّ عددهم لم يكن يتجاوز الثمانين، ويُدخل فيها من كل حيوان وطير ووحش زوجين اثنين فلمّا استووا على ظهر السفينة انفجرت عيون الأرض وانهمرت السماء بالأمطار الغزيرة، كما يقول سبحانه: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُنْهَمِر * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً)(1)، فحملت المياه السفينة ومن فيها ومكثت ما شاء الله أن تمكث إلى أن غرق كلّ ما على الأرض من إنسان وحيوان، ثم استقرت

1 . القمر: 11 ـ 12 .

صفحه 96
السفينة على الجودي وهو أحد الجبال.
ثم إنّ قوله سبحانه: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْج كَالْجِبَالِ) يشير إلى
أنّ الامواج الحاصلة من الرياح العاتية كانت هائلة جداً تشبه الجبال في علوّها وارتفاعها وامتدادها. وكأنّ السفينة كانت تهبط في غور عميق كواد سحيق يُرى البحر من جانبيه كجبلين عظيمين يكادان يطبقان عليها، وبعد هنيئة يُرى أنّها قد اندفعت إلى أعلى الموج كأنّها في شاهق جبل تريد أن تنقض.
وكلّ ذلك يدلّ على أنّ السفينة قد صنعت على درجة عالية من الإتقان والدقة والعظمة حيث إنّها قاومت هذه الأمواج الهائلة والرياح العاتية.
وأمّا حجمها وأبعادها فلم يُنص عليها في القرآن وإنّما وصفت بأمرين:
أ. (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ).(1)
ب. (ذَاتِ أَلْوَاح وَ دُسُر)(2). والدسر هي المسامير.
نعم جاء في سفر التكوين من التوراة: اصنع لنفسك فلكاً من خشب جفر تجعل ] في [ الفلك مساكن وتطليه من داخل وخارج بالقار.

1 . الشعراء: 119 .
2 . القمر: 13.

صفحه 97
وهكذا تصنعه ثلاثمائة ذراع يكون طول الفلك، وخمسين ذراعاً عرضه، وثلاثين ذراعاً ارتفاعه. وتصنع كوّا للفلك وتكمله إلى مد ذراع من فوق وتضع باب الفلك في جانبه مساكن سفلية ومتوسطة وعلوية تجمله .(1)
والسفينة بأوصافها الواردة في القرآن ـ مضافاً إلى ما في التوراة ـ
عمل عظيم لم يكن في مقدرة الأفذاذ من أُمّة نوح الإتيان به، وإنّما قام به لوحده بتعليم من الله وإرشاد منه، فيعدّ عمله نابعاً من العوالم الغيبية الّتي أقدرها على ذلك المصنوع، ولذلك عقدنا فصلاً لها لأنّها عمل غيبي، أشبه بالكرامة.

1 . سفر التكوين، الفصل: 14، 15 و 16 .

صفحه 98
   
 
2

ناقة صالح

قال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَ لاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَاد وَ بَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَ تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ وَ لاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).(1)
وقال تعالى: (وَ يَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَ لاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب)(2).

1 . الأعراف: 73 ـ 77 .   2 . هود: 64 ـ 65 .

صفحه 99
وقال تعالى: (مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَعْلُوم * وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْم عَظِيم * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ)(1).
وقال تعالى: (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْب مُحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ)(2).

مفردات الآيات

البيّنة: العلامة الفاصلة بين الحق والباطل.
عقروا الناقة: نحروها.
الشرب: النصيب .
محتضر: بفتح الضاد يحضره صاحبه في نوبته دون غيره .
فتعاطى: التعاطي هو الإقدام من دون اكتراث .
يظهر من الآيات الواردة حول قوم ثمود أنّهم كانوا من عبدة الأصنام، وكانوا غارقين في النعم، وكانت لهم ماشية كثيرة وجنّات وبساتين وعيون (3)، وكان نبيّهم يذكّرهم ويحتجّ عليهم ويقيم عليهم الحجج القاطعة

1 . الشعراء: 154 ـ 157 .
2 . القمر: 27 ـ 29 .
3 . ( أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّات وَ عُيُون * وَزُرُوع وَ نَخْل طَلْعُهَا هَضِيمٌ) الشعراء: 146 ـ 148 .

صفحه 100
على ضلالهم في عبادة غير الله. وقد طلبوا منه أن يأتهم بآية، فنزل عند رغبتهم فأتاهم بناقة عن غير الطريق المألوف، واشترط عليهم أن يكون الماء بينها وبينهم مناصفة ترده هي يوماً ويردونه يوماً آخر، وحذّرهم أن يمسّوها بأذى وإلاّ أخذهم الله بعذابه.
نعم ذكر المفسّرون أنّ قوم صالح سألوه أن يخرج لهم ناقة من الصخرة، وأنّه سأل ربّه ذلك فتمخضّت الصخرة كالمرأة يأخذها الطلق فولدت ناقة عشراء (1) وبراء(2).
وما ذكروه رواية يحتمل صدقها وكذبها، والأولى أن يقال: إنّه أتى بها من غير الطريق العادي حيث خاطبهم بقوله: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَ لاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقد فسّرت البيّنة في الآية بالناقة، فدلّت على أنّ الناقة كانت هي بيّنته على صدق رسالته.
وهل أتى بها عند البعث بالنبوّة من دون اقتراح من القوم، أو أتى بها بعد اقتراحهم؟ يحتمل الثاني، وذلك لوجهين:
1. قوله سبحانه حاكياً عنهم: (مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).

1 . العشراء: الّتي مضى لحملها عشرة أشهر، أو ثمانية أو هي كالنُفساء من النساء .
2 . الوبر: للإبل كالصوف للغنم، والوبراء: كثيرة الوبر.

صفحه 101
وقد مرّ تفسير البيّنة الّتي هي عبارة أُخرى عن الآية، بالناقة. فقد طلبوا منه الآتيان بالآية فأتاهم بالناقة ولم يكن له دليل سوى ذلك.
2. قوله سبحانه: (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اصْطَبِرْ).
وكأنّ الإرسال كان بعد طلبهم .
وعلى كلّ حال فالناقة معجزة خارقة للعادة كسائر المعاجز الّتي تخرق السنن العادية ولا تخرق السنن العقلية، فهي خارقة لكن لها علّة كسائر الحوادث والطوارئ.
ثمّ إنّ المفسّرين ذكروا في وجه كون الناقة آية أُموراً:
1. خروجها من الصخرة.
2. إنّها كانت آية بسبب أنّه كان لها شرب يوم، واستيفاء ناقة شرب أُمّة أمرٌ عجيب .
3. إنّهم كانوا يحلبون منها القدر الّذي يقوم لهم مقام الماء في شرب يومهم.
4. إنّ جميع الحيوانات كانت يوم مجيئها للماء تمتنع من الورود عليه، وكانت يوم امتناعها تأتي الماء .(1)
كلّ ما ذكروه محتمل، ولكن لا دليل قطعي على صحّته.

1 . التفسير الكبير ومفاتيح الغيب للرازي، تفسير الآية.

صفحه 102
 
3

إبراهيم وإحياء الطيور

قال تعالى: (وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَ لَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(1).

مفردات الآيات

صُرهنّ: أدنهنّ.
ذكر الله سبحانه في سورة البقرة عدداً من الآيات الّتي أشارت إلى موضوع إحياء الموتى بعد خروج الروح من الإبدان، سندرسها في المواضع التالية:
1. إحياء الموتى الحاضرين في الميقات مع موسى (عليه السلام).
2. إحياء المقتول بضربه ببعض البقرة.
3. إماتة أُلوف خرجوا من ديارهم وإحياؤهم بعد ذلك للتفضّل عليهم.

1 . البقرة: 260 .

صفحه 103
4. إحياء من مرّ على القرية والّذي أماته الله تعالى مائة عام .
5. إحياء الطيور بدعاء إبراهيم الخليل (عليه السلام).
وسنقوم في هذا الفصل بدراسة الموضع الأخير.
والغاية من ذكر هذه الأُمور الخارقة للعادة إمّا البرهنة على إمكان المعاد ورفع الشك فيه، أو البرهنة على قدرته سبحانه ليمكّن الإيمان في قلوب الناس بعد مشاهدة هذه المعاجز، أو لبيان فضله سبحانه على من أحياه .
وأمّا الموضع الأخير فقد روى المفسّرون أنّ إبراهيم رأى جيفة تُمزّقها السباع فيأكل منها سباع البرّ وسباع الهواء ودوابّ البحر فسأل الله إبراهيم فقال: يا ربّ قد علمتُ أنّك تجمعها من بطون السباع والطَّير ودواب البحر، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك.
ويمكن أن يكون سؤال إبراهيم غير مسبوق بهذه القصة، فحاول إبراهيم أن يعرف كيفية إحياء الموتى، وأن يعلم ذلك عِلمَ عيان بعد أن كان يَعلمُ به من جهة الاستدلال والبرهان، كلّ ذلك لتطمئنّ خواطره وتزول عنه الوساوس، وقد جعل الطبرسي هذا الوجه أقوى الوجوه .(1)
وعلى كلّ تقدير فقد صرّح سبحانه باسم إبراهيم (عليه السلام)مع أنّه لم يسم القائل في الموضعين: الثالث والرابع، وذلك لأنّ لإبراهيم منزلة كبيرة عند الله

1 . مجمع البيان: 1 / 372 .

صفحه 104
سبحانه مع وضوح الفرق بين ظاهر السؤالين حيث قال المارّ على القرية: (أَنى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) .
ولكن قال إبراهيم : (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)، وإن كان السؤالان ينطلقان من مبدأ وهو تقوية الإيمان البرهاني بالمشاهدة والعيان.
ثم إنّه سبحانه أجاب إبراهيم ما طلبه فأمره أن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهنّ أجزاءً ويخلطها ثم يفرّقها على عدد من الجبال ثم يدعوها فتجيبه مسرعة، والطير أشدّ الحيوانات نفوراً من الإنسان غالباً.
وقوله: (صُرْهُنَّ) أي أدنْهن، وفائدة الأمر بإدنائها أن يتأمّل أحوالها فيعلم بعد إحيائها أنّه لم ينتقل جزء منها عن موضعه.
وما يدلّ على أنّ مادة «صرّ» بمعنى الإدناء والجمع هو ما رواه أبو هريرة قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ألا تسألني من هذه الغنائم الّتي يسألني أصحابك؟ قلت: أسألك أن تعلمني ممّا علمّك الله، فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتّى كأنّي أنظر إلى النمل يدبّ عليها فحدّثني، حتّى إذا استوعبتُ حديثه قال: «أجمعها فصرها إليك».(1)
وأمّا الأمر بالذبح فإنّما يستفاد من قوله: (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزْءًا)، وذلك لأنّ تجزأتهنّ إنّما تقع بعد الذبح، والتقدير «فاذبحهن ثم اجعل...».
وعلى ضوء ما ذكرناه فقد طلب إبراهيم من ربه أن يطلعه على كيفية

1 . سير أعلام النبلاء: 2 / 594 .

صفحه 105
إحياء الموتى فأمره تعالى بأن يأخذ أربعة من الطير ويدنيهن إليه ثم ليقطعهن ويجعل كلّ جزء على جبل ثم يدعوها فتجيئه.
وقد قام إبراهيم (عليه السلام)بذلك العمل تحقيقاً للغاية الّتي دعته إلى ذلك السؤال، ولا معنى لئن يسأل شيئاً من الله سبحانه ويعلّمه تعالى بإنجاز ما طلب، ولكن يتركه بعدما تعلّم. وما ربّما يقال: لا دليل على أنَّ إبراهيم قام بهذا العمل، لا يعتد به .
ثم إنّ هناك رأياً شاذاً ذكره أبو مسلم في تفسيره، قال: ليس في الكلام ما يدلّ على أنّه فعل ذلك، وما كلَّ أمر يقصد به الامتثال. فإنّ من الخبر ما يأتي بصيغة الأمر لا سيما إذا أُريد زيادة البيان، كما إذا سألك سائل كيف يُصنع الحبر مثلاً؟ فتقول: خذ كذا وكذا وافعل به كذا وكذا يكن حبراً. تريد هذه كيفيته ولا تعني تكليفه صنع الحبر بالفعل. والغرض منه مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة.
ثم إنّ أبا مسلم احتجّ على مقالته بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ المشهور في اللغة في قوله (فَصُرْهُنَّ) ] أنّه بمعنى [ أملهن. وأمّا التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدلّ عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها، وأنّه لا يجوز.
الثاني: أنّه لو كان المراد (فصرهن)، قطّعهن لم يقل «إليك» فإنّ ذلك لا يتعدّى بإلى، وإنّما يتعدّى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة .
الثالث: أنّ الضمير في قوله: (ثُمَّ ادْعُهُنَّ) عائد إليها لا إلى أجزائها وإذا

صفحه 106
كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة، وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء، يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر. وأيضاً الضمير في قوله: (يَأْتِينَكَ سَعْياً) عائد إليها لا إلى أجزائها. وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في (يأتينك) عائداً إلى أجزائها لا إليها.(1)
يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّ قوله: (صرهن) بمعنى الإدناء والإمالة، وأمّا الأمر بالذبح ثم التقطيع إنّما يستفاد من قوله تعالى: (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزْءًا)، فإنّ الطيور قبل القطع والذبح فرد من أفراد الطيور وليس جزءاً منها، وإنّما تصير جزءاً بعد ذبحها وجعلها شيئاً واحداً.
ويلاحظ على الوجه الثاني: بأنّا نفترض بأنّ معنى (فَصُرْهُنَّ) بمعنى اقطعهن، وأمّا تعديته بلفظ «إليك» لتضمنه معنى الإمالة والإدناء.
ويلاحظ على الوجه الثالث: أنّ جميع الضمائر راجعة إلى الطيور، والوجه لرجوع الضميرين في : (ادْعُهُنَّ) و (يَأْتِينَكَ) إليها مع أنّها غير موجودة بأجزائها وصورها، بل هي موجودة بأجزائها فقط، هو الوجه في رجوع الضمير إلى السماء مع عدم وجودها إلاّ بمادتها في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَ هِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ )(2)، فإنّ الضمير في (لَهَا) راجع إلى السماء وهي غير

1 . تفسير المنار: 3 / 56 .
2 . فصلت: 11 .

صفحه 107
موجودة بصورتها بل موجودة بمادتها الأوّلية الدخانية (1). وكذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ)(2)، فانّ الضمير في كلمة (لَهُ) راجع إلى الموجود غير المتكوّن إلاّ بعد خطاب (كُنْ).
وحقيقة الأمر: انّ الخطاب اللفظي فرع وجود المخاطب قبل الخطاب، وأمّا الخطاب التكويني فالأمر فيه بالعكس، والمخاطب فيه فرع الخطاب، فإنّ الخطاب فيه هو الإيجاد، ومن المعلوم أنّ الوجود فرع الإيجاد، كما يشير إليه قوله تعالى: (أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(3)، فقوله (فَيَكُونُ) إشارة إلى وجود الشيء المتفرع على قوله: (كُنْ) وهو خطاب الأمر.(4)
وحاصل الكلام: أنّ ما ذكر من الوجوه لا يقف أمام ظاهر الآية، فقد فهم المشهور ذلك وشذّ عنهم أبو مسلم وتبعه صاحب المنار انطلاقاً من تأويلهم المعاجز والخوارق بما يتفق مع الأفكار السائدة في عصرهم.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 3 / 370 .
2 . يس: 82 .
3 . النحل: 40 .
4 . الميزان في تفسير القرآن: 2 / 370 .

صفحه 108
معاجز موسى (عليه السلام)وكراماته   
 
4

معاجز موسى (عليه السلام) وكراماته

1 ـ الآيات التسع

قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاَءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَ إنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)(1).
وقال تعالى: (وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء فِي تِسْعِ آيَات إِلَى فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)(2).

مفردات الآيات

المسحور: اسم مفعول لفظاً واسم فاعل معنى أي ساحراً .

1 . الإسراء: 101 ـ 102 .   2 . النمل: 12 ـ 13 .

صفحه 109
البصائر: دلائل يبصر بها الناس.
المثبور: الهالك.
المبصرة: الواضحة.
أرسل سبحانه نبيّه موسى إلى بني إسرائيل ليحرِّرهم من ظلم فرعون الّذي كان يسومُهم سوءَ العذاب، وطلب موسى من فرعون أن يؤمن بالله وأن يرسل معه بني إسرائيل. ويدلّ على ذلك قوله في الآية الأُولى: (إِذْ جَاءَهُمْ)، فإنّ الضمير المستتر يرجع إلى موسى والضمير «هم» يعود إلى بني إسرائيل. ولكي تتم الحجة على فرعون وحتّى على بني إسرائيل ويثبت صدق دعواه ونبوته، آتاه الله سبحانه تسع آيات بيّنات تؤيد دعواه.
وعلى هذا فليس المراد منها كلّ أمر خارق للعادة صدر من موسى ـ بإذن الله ـ بل الآيات الّتي أتى بها دليلاً على نبوته وصدق دعوته، ويدلّ
على ذلك وصف الآيات التسع بالبصائر، كما قال : (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاَءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ بَصَائِرَ) ومعنى البصائر أنّها دلائل تبصّرك وتعرّف صدقي ونبوتي. كما يؤيد ذلك تقييد التسع بكونها
موجهة إلى فرعون في قوله تعالى: (فِي تِسْعِ آيَات إِلَى فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)، فلا يعمّ ما أُوتي موسى بعد هلاك فرعون. فإذاً لا محيص لنا إذا أردنا تحديد الآيات التسع من الرجوع إلى الآيات الّتي احتج بها موسى على صدق دعواه في زمان فرعون قبل هلاكه وهلاك قومه لا بعد ذلك .

صفحه 110
وأمّا الأُمور الخارقة للعادة الّتي قام بها موسى بعد هلاك عدوه فليست داخلة في هذا العدد.
وعلى ذلك فتكون التسع هي: 1. العصا، 2. اليد، 3. الجراد، 4. القُمّل، 5. الضفادع، 6. الدم، 7. السنون، 8 . النقص من الثمرات، 9. الطوفان.
وأمّا تجاوزهم البحر، وفوران الماء من الحجر، وإحياء المقتول، وإحياء من هلك بالصاعقة من قومه، ورفع الطور فوقهم، وغير ذلك فهي خارجة عن هذه (التسع) المذكورة في الآية .
ثم إنّه سبحانه أشار إلى العصا واليد في كثير من الآيات كما سيوافيك.
وأشار سبحانه إلى الآيات الخمس فقال: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَ الْجَرَادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفَادِعَ وَ الدَّمَ آيَات مُفَصَّلاَت فَاسْتَكْبَرُوا وَ كَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ)(1).
وأمّا الآيتان الباقيتان ـ أعني: النقص والسنين ـ فذكرتا في قوله تعالى: (وَ لَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْص مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(2).
وبذلك ظهر تفسير الآيات التسع بواسطة آيات القرآن الكريم ذاتها .
وأمّا الطمس على الأموال الوارد في قوله سبحانه: (وَ قَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَئَهُ زِينَةً وَ أَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ

1 . الأعراف: 133.
2 . الأعراف: 130 .

صفحه 111
سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ )(1).
فقد كان ذلك دعاءً من موسى على فرعون لا آية مبصرة لدعوته بشهادة قوله: (وَ اشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، فإنّ الدعاء على شدّ القلوب لا يناسب مقام التحدّي بالمعجزة.
نعم المتبادر من قوله : (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات) أنّه أُوتي بها دفعة، لا تدريجاً، لكن سائر الآيات يدلّ على أنّه أُوتي بها حسب الظروف المختلفة، فقد أُوتي بالعصا واليد البيضاء معاً في بدء البعثة، قال سبحانه: (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَة فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ )(2) بخلاف الجراد والقمّل والضفادع والدم فقد أُوتي بها، لدى استمرار القوم على العناد واللجاج، كما سيوافيك .
فخرجنا بالنتيجة التالية وهي: أنّه كان لموسى في سبيل دعوته تسع آيات، فيقع الكلام في تفسير هذه الآيات وإيضاحها فيما يلي:

1 . يونس: 88 .
2 . الأعراف: 104 ـ 108 .

صفحه 112
تفصيل المعاجز التسع لموسى (عليه السلام)   
تفصيل المعاجز التسع
قد تعرفت على أنّه سبحانه بعث موسى بآيات تسع وتقدّم ذكر أعيانها، بقي الكلام في تفاصيلها مع الإشارة إلى السور الّتي ذكرت فيها:
1 و 2 . العصا واليد البيضاء
ورد ذكر هاتين المعجزتين في القرآن الكريم تسع مرات .
قال سبحانه ذاكراً محادثة موسى في أوّل لقائه فرعون: (وَ قَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللهِ
إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ *
قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَة فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ)(1).
ويظهر من الآيات التالية أنّ موسى قام بهذا العمل في بلاط فرعون لا في المحتشد العظيم، ولمّا اتهمه الملأ بالسحر قام بذلك أمام أعين الناس،
يقول سبحانه: (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْر عَظِيم * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)(2).

1 . الأعراف: 104 ـ 108 .   2 . الأعراف: 116 ـ 122 .

صفحه 113
وإنّما لم يأت بالآية الثانية، لأنّ الهدف من جمع السحرة هو مقابلة عمل موسى وتحدي عصاه الّتي تنقلب إلى ثعبان.
وأمّا اليد البيضاء فلم تكن مقصودة في لقاء السحرة معه. وبذلك يظهر أنّه سبحانه كلّما يذكر تحدّيه أمام فرعون في بلاطه يذكر كلتا الآيتين، وعندما يذكر تحديه في محتشد عظيم في مقابل السحرة يكتفي بالتحدي الأوّل، ففي سورة الشعراء يذكر كلتا الآيتين، وذلك عند مناظرته فرعون ويقول : (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ)(1).
وعندما يذكر تحدّيه السحرة يقول: (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ)(2) .
وهذا ما نشاهده كذلك في سورة طه حيث كان الحديث عن يوم الزينة ولقاء موسى مع السحرة فذكرت معجزة العصا فقط، وذلك في الآيات التالية:
(قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)(3).
ثم يقول بعد ذلك: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِر وَ لاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا

1 . الشعراء: 31 ـ 33 .
2 . الشعراء: 45 ـ 46 .
3 . طه: 59 .

صفحه 114
بِرَبِّ هَارُونَ وَ مُوسَى)(1).
ونرى أنّ هاتين المعجزتين ذكرتا معاً في سورتين أُخريين، وذلك عندما كان القرآن الكريم يذكر محادثة الله سبحانه لموسى (عليه السلام)قال تعالى: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَ لَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوء فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء فِي تِسْعِ آيَات إِلَى فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)(2).
وقال تعالى: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ
فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ
الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَ مَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
)(3).

3 ـ 9 . المعاجز السبع الأُخرى

تقدم أنّ موسى (عليه السلام)جاء إلى فرعون بآيات تسع، ومرّ أنّه أتى بها تدريجاً حسب استمرار القوم في عنادهم ولجاجهم، وقد تعرّفت على اثنتين منها، وبقي الكلام في الآيات الباقية:

1 . طه: 69 ـ 70 .
2 . النمل: 10 ـ 12 .
3 . القصص: 31 ـ 32 .

صفحه 115
قال تعالى: (وَ لَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْص مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(1).
وعندما استمروا في العناد: (وَ قَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَة لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)(2).
أكد سبحانه تلك الآيتين بآيات خمس أُخرى وهي: (فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَ الْجَرَادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفَادِعَ وَ الدَّمَ آيَات
مُفَصَّلاَت فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ
)(2).
والدليل على أنّ هذه البلايا كانت من مقولة المعاجز والّتي تحدّى بها موسى (عليه السلام)آل فرعون هو أنّه سبحانه حينما أخذهم بالسنين ونقص الثمرات واجهوا موسى بقولهم: (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَة)، وهذا دليل على أنّ موسى تحدّاهم بتينك الآيتين وأعلمهم بهما.
كما أنّ البلايا الخمس ـ أعني: الطوفان وما بعده ـ كانت من قبيل المعاجز والّتي احتج بها موسى على آل فرعون وأنّهم بعد أن فهموا أنّها آيات من الله سبحانه نزلت تقريعاً لهم، جاءوا إلى موسى معتذرين فقالوا:
(وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ )(3).

1 . الأعراف: 130 .   2 . الأعراف: 132 .
2 . الأعراف: 133 .
3 . الأعراف: 134 .

صفحه 116
والظاهر أنّ المراد من الرجز العذاب المتمثّل في الآيات السبع.
يقول العلاّمة الطباطبائي (رحمه الله): الرجز هو العذاب، ويعني به العذاب الّذي كانت تشتمل عليه كل واحدة من الآيات المفصلات، فإنّها آيات عذاب ونكال وقوله: (بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) على ما يؤيده المقام، أي بما التزم عندك أن لا يرد دعاءك فيما تسأله، واللام جواب للقسم، والمعنى: ادع لنا ربك بالعهد الّذي له عندك .(1)
وأمّا تفاصيل هذه الآيات فهو كما يلي:
1 و 2. السنون ونقص الثمرات: السنون جمع سنة وهي الجدب والقحط، وأصله سنة القحط ثم قيل السنة إشارة إليها، ثم كثر الاستعمال حتّى تعيّنت السنة لمعنى القحط والجدب .
وقد كان فرعون يفاخر بالخصب والعطاء المتوفر في مصر وكان يقول: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي )(2)، فإذا فوجئوا بالقحط والجدب فصلاً بعد فصل ربّما تنفعل بها مشاعرهم وانّ ذلك عذاب من الله في مقابل جحودهم وكفرهم، ومع ذلك لم ينتبهوا فأُخذوا بألوان أُخرى من العذاب، وهي ما يلي:
3. الطوفان: من مطر السماء فأغرق الزرع وأهلك الضرع.
الكرامات الصادرة من موسى (عليه السلام)   
4. الجراد: جاء بعد الطوفان ـ بطبيعة الحال ـ وأكل البقية الباقية من كلأهم وزرعهم .

1 . تفسير الميزان: 9 / 228 .   2 . الزخرف: 51 .

صفحه 117
5. القمّل: ـ بضم القاف وتشديد الميم ـ وهو دواب صغار كالقردان تركب البعير الهزيل، وهي غير القمل ـ بفتح القاف وتخفيف الميم ـ وكلاهما ينزل البلاء وينشر الوباء .
6. الضفادع: وهي تنغص عليهم الحياة.
7. الدم: وهو تحول مائهم إلى دم ولم يقدروا على الماء العذب، وربما يفسّر بمرض الرعاف.
ومع أنّهم كانوا مستحقين لهذه الألوان من العذاب لكن طلبوا من موسى أن يدعو ربه حتّى يكشف عنهم الرجز وأعطوه عهداً بالإيمان إذا استجاب الله دعاءه، ولكنّهم لم يوفوا بعهدهم واستمروا على كفرهم
فاستحقوا العذاب بغرقهم في البحر، يقول سبحانه: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَل هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ كَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ )(1).

2. الكرامات الصادرة من موسى

قد عرفت الفرق بين المعجزة والكرامة وأنّ الأُولى تقترن بالتحدّي دون الثانية. وقد تحدّى موسى قومه بآيات تسع، ومع ذلك أكرمه سبحانه

1 . الأعراف: 134 ـ 136 .

صفحه 118
بكرامات صدرت عنه، وهي:
فوران الماء من الحجر بعد ضربه بالعصا، وإحياء المقتول بضربه ببعض البقرة، وإحياء من هلك بالصاعقة من قومه في الميقات، ورفع الطور فوق رؤوسهم، وإطعامهم المن والسلوى، إلى غير ذلك، وسيأتي الكلام عنها في البحوث التالية.

3. تجاوز البحر ببني اسرائيل

قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً)(1).
قال سبحانه: ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ)(2).

مفردات الآيات

الفرق: بكسر الفاء القطعة من البحر.
الطود: الجبل.
ازلفنا: أي قربنا.

1 . يونس: 90 .
2 . الشعراء: 63 ـ 66 .

صفحه 119
من الكرامات البارزة في قصة موسى (عليه السلام)أنّه سبحانه نجّى بني إسرائيل من الغرق حينما دخلوا البحر وقد تبعهم فرعون وجيشه، بعد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق البحر وكان كل جانب حولهم كالجبل الشاهق، وبذلك عبر موسى ومن معه إلى الشاطىء الآخر، وغرق فرعون وجنوده في البحر عند دخولهم المعبر الّذي عبر منه بنو إسرائيل .

صفحه 120
إحياء من حضر الميقات من قوم موسى (عليه السلام)   
 
5

إحياء من حضر الميقات

أخبر سبحانه في بعض آيات القرآن الكريم عن اختيار موسى سبعين رجلاً من قومه عند خروجه إلى ميقات ربه ليسمعوا تكليم الله سبحانه إيّاه، وإعطائه التوراة فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل إذا لم يثقوا بخبره، ولكنّهم بعد أن حضروا الميقات وسمعوا كلامه تعالى سألوا الرؤية فأصابتهم الصاعقة ثم أحياهم الله تعالى بدعاء موسى، كما قال:
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ
)(1).
وقد جاء خبر إماتتهم وإحيائهم في سورة الأعراف أيضاً، قال تعالى: (وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ

1 . البقرة: 55 ـ 56 .

صفحه 121
فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ)(1).

مفردات الآيات

الميقات: ما وقع التوقيت به .
الرجفة: الزلزلة العظيمة.
الناظر في هاتين الآيتين يقف على أنّه سبحانه قد أماتهم بالصاعقة ثم أحياهم على إثر دعاء موسى وشفاعته، ويستفاد ذلك من المقاطع التالية في الآيتين:
1. (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) .
وموتهم بالصاعقة إمّا أن يكون بنارها أو بصوتها الشديد.
2. (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ).
3. ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) .
وقد كانت إماتتهم عقوبة لهم بما بدا منهم من قلة الاكتراث بالمعاجز حيث سمعوا الكلام، ولكنّهم أظهروا العناد وادّعوا أنّهم لا يؤمنون إلاّ برؤية الله تعالى بأبصارهم.

1 . الأعراف: 155 .

صفحه 122
والآية مع كونها بصدد التنديد ببني إسرائيل والإشارة إلى عنادهم عبر التاريخ، فإنّ فيها دلالة على إمكان البعث الّذي كان المشركون منكرين له .
هذا هو ظاهر الآية وتفسيرها من دون عقيدة مسبقة، ولكن شيخ الأزهر محمد عبده أخذ يؤوّل الآية للغاية الّتي تعرفت عليها في المقدمة فحكى تلميذه عنه في تفسيره لهذه الآية أنّ الأُستاذ الإمام ذهب إلى أن المراد بالبعث هو كثرة النسل، أي أنّه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظنّ أن سينقرضون بارك الله في نسلهم ليُعِدَّ الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم الّتي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها.(1)
إنّ الأُستاذ قبل أنّهم ماتوا بالصاعقة، وإنّما أوّل بعثهم وإحياءهم، وما ذلك إلاّ لأن الاعتراف بالإحياء بعد الموت ممّا لا يصدقه العلم الحسيّ ولا التجربة، فصار ذلك سبباً لتفسير البعث بكثرة النسل .
يلاحظ عليه: مع أنّه تأويل بلا شاهد وتفسير للقرآن بلا برهان ; أنّ الكليم لمّا رأى أنّ القوم سقطوا على الأرض صرعى دعا الله سبحانه وقال: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ)، أي لو شئت أهلكت هؤلاء السبعين من قبل هذا الموقف، فالآن ماذا أقول لبني إسرائيل إذا رجعتُ إليهم: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا)، أي لا تهلكنا بما فعل السفهاء منّا، ولهذا نسألك رفع المحنة عنّا، ومثل هذه الأُمنية لا تتحقق لموسى إلاّ بإحيائهم ثانياً حتّى يرجع معهم إلى قومه .

1 . تفسير المنار: 1 / 322 .

صفحه 123
ثم إنّ الشيخ المراغي تأثر بعض التأثر من كلام شيخ الأزهر وذكر الوجهين وقال: يرى بعض المفسرين أنّ الله أحياهم بعد أن وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، وكانت تلك الموتة لهم كالسكتة القلبية لغيرهم. ويرى آخرون أنّ المراد بالبعث كثرة النسل، أي أنّه بعد أن وقع فيهم الموت بشتى الأسباب وظن أنّهم سينقرضون، بارك الله في نسلهم ليُعِدّ الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم الّتي تمتع بها الآباء الذين حلّ بهم العذاب بكفرهم لها.(1)
وقد ذكرت أيضاً قصة إماتتهم في آيات سورة النساء قال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا )(2).
أمّا الإماتة فقد ذكرت في قوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ).
وأمّا الإحياء فربما يستفاد من قوله: (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ)، فإنّ الظاهر أنّ الضمير المتصل في قوله: (اتَّخَذُوا) يرجع إلى الذين قالوا: (أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً)، واتّخاذ العجل مترتّب على أحيائهم.

1 . تفسير المراغي: 1 / 121 .
2 . النساء: 153 .

صفحه 124
   
 
6

اندكاك الجبل عند تجلّيه سبحانه له

قال تعالى: (وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَ لَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)(1).

مفردات الآية

الميقات: الوقت الّذي يقرر فيه عمل من الأعمال، ويستعمل في المكان أيضاً .
تجلّى: إذا انكشف ووضح بعد خفاء في نفسه .
الدك: الدق.
الخرور: السقوط من علو والانكباب على الأرض.
أفاق: أي رجع إليه عقله وشعوره بعد ذهابهما بالغشيان.

1 . الأعراف: 143 .

صفحه 125
يذكر بعض المفسرين: لما جاء موسى الميقات الّذي وُقِّت له للكلام وإعطاء الشريعة وكلّمه ربُّه من وراء حجاب بغير واسطة ملك، استشرفت نفسُه للجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية فقال: رب أرني ذاتك المقدّسة، واجعل لي من القوة على حمل تجلّيك ما أقدر به على النظر إليك وكمال المعرفة بك، فخوطب بقوله تعالى: (لَنْ تَرَانِي) .(1)
ويظهر من المفسر المعاصر اختيار هذا المعنى حيث قال: فإنّ موسى قد طلب الرؤية، سواء أكان من أجله أم من أجل قومه، ونحن لا نرى أيّ بأس في هذا الطلب، فإنّ نفس الإنسان تتشوف إلى ما يكون وإلى ما لا يكون بخاصة إلى الرؤية التي تزيد النفس اطمئناناً وتأكيداً، وقد طلب إبراهيم ما يشبه ذلك: (وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَ لَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)(2).(3)
يلاحظ على تلك النظرية: بأنّه إذا كانت رؤية الله تعالى بالبصر الحسي في الحياة الدنيا أمراً غير مقدور فكيف يجوز لنبي من أعظم الأنبياء كموسى أن يطلب أمراً محالاً؟! ونحن نجلّ الكليم (عليه السلام)عن الجهل بامتناع الرؤية، فلا محيص من أن يكون سؤاله لأجل تبكيت القوم. وكم فرق بين سؤال الرؤية الممتنعة، وبين سؤال إبراهيم إحياء الموتى الممكن، فقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق .

1 . تفسير المراغي: 9 / 57 .
2 . البقرة: 260 .
3 . تفسير الكاشف: 3 / 391 .

صفحه 126
والظاهر أنّ الكليم (عليه السلام)لمّا أخبر قومه بأنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه، قالوا: لن نؤمن بك حتّى نسمع كلامه كما سمعت، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه فخرج بهم إلى طور سيناء وسأله سبحانه أن يكلمه، فلمّا كلّمه الله وسمعوا كلامه، قالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً)، فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم وعتوهم واستكبارهم.
إلى هذه اللحظة لم يحم الكليم حول الرؤية ولم يطلب شيئاً، بل طلب منه سبحانه أن يحييهم حتّى يدفع اعتراض القوم عن نفسه إذا رجع إليهم، فلو صدر سؤال من موسى فإنّما كان بعد هذه المرحلة، وعندئذ يطرح السؤال التالي: هل يصح أن ينسب إلى الكليم ـ بعد ما رأى بأُمّ عينيه ما أصاب القوم من الصاعقة والدمار إثر سؤالهم الرؤية ـ انّه قام بالسؤال لنفسه بلا داع ولا سبب مسوغ؟! أو أنّه ما قام بالسؤال ثانياً إلاّ بعد إصرار قومه وإلحاحهم عليه أن يسأل الرؤية لنفسه لا لهم حتّى تقوم رؤيته لله مكان رؤيتهم فيؤمنوا به بعد إخباره بالرؤية، وهذا هو المقصود من الآية.
وعلى ذلك يكون سؤاله الرؤية إسكاتاً للقوم، وهذا هو المروي عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وإليك نصُّه:
] قالوا: [ إنّك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقَّ معرفته، فقال موسى (عليه السلام): يا قوم إنّ الله لا يُرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنّما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه .
فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله. فقال موسى (عليه السلام): يا ربّ قد سمعَت

صفحه 127
مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (عليه السلام): رب أرني انظر إليك.(1)
ثم إنّه سبحانه خاطبه بقوله: (لَنْ تَرَانِي وَ لَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، وقد أراد الله بهذا أن يفهم موسى أنّ رؤية الله ممتنعة عليه وعلى غيره، ولذلك علّق سبحانه إمكان رؤيته على استقرار الجبل والمفروض أنّه لم يستقرَّ، إذاً فالرؤية ممتنعة وغير ممكنة .
ثم إنّ المراد من التجلّي هو تجلّي عظمته سبحانه التي لا يتحمّلها الجبل مع قوته وصلابته، فكيف بالإنسان الضعيف؟!
والآية ربّما تدلّ على وجود الشعور للجبل والإدراك حيث أدرك عظمة الله سبحانه فلم يستقر مكانه، فصار مدكوكاً متحولاً إلى ذرات ترابية صغيرة وبطلت هويته ووصل أجله، يقول العلاّمة الطباطبائي: إن الّذي أصعقه ] موسى [ إنّما هو ما تمثّل له من معنى ما سأله وعظمة القهر الإلهي الّذي أشرف أن يشاهده ولم يشاهده هو وانّما شاهده الجبل فآل أمره إلى ذاك الاندكاك العجيب الّذي لم يستقر معه مكانه ولا طرفة عين.(2)
وعلى كل حال فاندكاك الجبل عند تجلّيه سبحانه يعد من العوالم الغيبية الّتي هي خارجة عن نطاق السنن المادية، ولذلك ذكرناه ضمن بحوثنا في هذا الكتاب.

1 . توحيد الصدوق: 121 .   2 . تفسير الميزان: 8 / 243 .

صفحه 128
 
استسقاء موسى وتفجير عيون الماء   
7

استسقاء موسى

و

تفجير عيون الماء

قال تعالى: (وَ إِذِ اسْتَسْقىَ مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَ لاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)(1).
وقال تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَ مَا ظَلَمُونَا وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(2).

1 . البقرة: 60 .
2 . الأعراف: 160 .

صفحه 129
مفردات الآيات
تعثوا: من عثي ـ بكسر المثلثة ـ أفسد. ومفسدين حال مؤكدة لمعنى عاملها تعثوا.
السبط: ولد الولد، ذكراً كان أو أُنثى.
الانبجاس: الانفجار.
قد ذكر سبحانه نعمة كبرى أنعمها على بني إسرائيل، وهي أنّهم سألوا موسى ماءً، وذلك بعدما عبروا البحر ونزلوا في مفازة، فقالوا: يا موسى أهلكتنا وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل ولا شجر ولا ماء، وكانت تجيء بالنهار غمامة تظلّهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المنّ فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه، وبالعشي يأتيهم طائر مشوي يقع على موائدهم، وكان مع موسى حجر يضعه وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً كما حكى الله، فيذهب الماء إلى كلّ سبط في رحله وكانوا اثني عشر سبطاً .(1)
وظاهر هذا الكلام أنّ القوم كانوا يسيرون، وفي كلّ مكان نزلوا ضرب موسى الحجر، فتنبجس منه اثنتا عشرة عيناً.

1 . تفسير القمي: 1 / 58، ط . الأعلمي.

صفحه 130
ولو كان محلّ هذا الأمر الخارق للعادة عند نزولهم في التيه يكون قد حدث غير مرة واحدة، وربّما يرشد إليه قوله سبحانه: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَشْرَبَهُمْ) حيث كانت العيون المتفجرة اثنتا عشرة عيناً جارية إلى محال الأسباط. فاختصّ كلّ منهم بعين حتّى لا تقع بينهم الشحناء كما يرشد إليه قوله: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَشْرَبَهُمْ)، أي قد صار لكلّ سبط منهم مشرب يعرفه لا يتعداه إلى مشرب غيره.
وربّما يتبادر السؤال التالي: انّه سبحانه كان قادراً على تفجير
الماء وفلق البحر بلا ضرب العصا، فلماذا فجّر الماء أو فلق البحر بضرب العصا ؟
والجواب: انّه سبحانه أراد أن يعلم عباده ربط المسببات بأسبابها، ليسعوا في الحصول على تلك الأسباب بقدر الطاقة.
يقول الشيخ المراغي : إنّه تعالى خلق الإنسان محدود الإدراك والحواس، لا يفهم إلاّ ما كان في متناول يده ويقع تحت إدراكه وحسّه، فإن رأى شيئاً فوق طاقته وجهده اجتهد في ردّه إلى ما يعرف، فإذا لم يستقم له ذلك وقف حائراً مدهوشاً، ولا سيّما إذا تكرر ذلك أمامه، فكان من لطف الله بعباده أن تظهر المعجزات على يد الأنبياء على طريق التدرّج حتّى لا تصطدم بها عقول معاصريها دفعة واحدة.(1)
وعلى كل تقدير فبما أنّه سبحانه سكت عن هذا فلا يهمنا ذلك، وإنّما

1 . تفسير المراغي: 1 / 26 .

صفحه 131
يهمّنا الإيمان بأنّ تفجير العيون من الحجر كان أمراً خارقاً للعادة غير صادر عن قوة عادية.
وكلّ هذه الأسئلة تشير إلى أن بني اسرائيل كانوا يتعاملون مع نبيهم (عليه السلام)بشيء من الدلال والتمنّي ولا ينطلقون من تحرك وفاعلية في قضاء حوائجهم بأنفسهم، بل أنّهم يتّكلون على نبيهم في قضائها، وذلك لأنهم يرون انّه هو سبب خروجهم عن ديارهم ووطنهم، فكلّما واجهوا مشكلة أو مشقّة من مشقّات السفر طلبوا منه رفعها، دون السعي إلى تذليلها.

صفحه 132
 
   
8

تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى

قال تعالى: (وَ ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَ مَا ظَلَمُونَا وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .(1)
وقال تعالى: (وَ قَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَ مَا ظَلَمُونَا وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )(2).
وقال سبحانه: (وَ وَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوَى)(3).

1 . البقرة: 57 .
2 . الأعراف: 160 .
3 . طه: 80 .

صفحه 133
مفردات الآيات
الغمام: اسم جنس مفرده غمامة، والتاء للإفراد لا للتأنيث، كحمام وحمامة.
الطور: الجبل .
يذكر الله سبحانه في هذه الآيات من النعم العظيمة الّتي منّ بها على بني إسرائيل، نعمتين كبيرتين:
الأُولى: تظليلهم بالغمام
لقد جعل الله سبحانه الغمام لهم ظلة وسترة تقيهم حر الشمس في التيه، ولولا ذلك لضربتهم ولفحت وجوههم، ومقتضى الحال أن يكون الغمام كثيفاً لا رقيقاً، إذ لا يحدث الظل إلاّ بالكثيف.
ويحتمل أن يكون التظليل حينما خرجوا من مصر وجاوزوا البحر، ووردوا الصحراء فأصابهم حرّ شديد فشكوا إلى موسى، فأرسل الله إليهم الغمام حتّى دخلوا أرض الميعاد .(1)
الثانية: إنزال المنّ والسلوى عليهم
أمّا المنّ فقد فُسّر بأنّه صمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد والعسل .

1 . تفسير المراغي: 1 / 122 .

صفحه 134
وقيل: إنّه مادة لزجة حلوة تشبه العسل تقع على الحجر وورق الشجر مائعة ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس ومنها الترنجبيل .(1)
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كان ينزل المنّ على بني إسرائيل من بعد الفجر إلى طلوع الشمس»(2).
وأمّا السلوى: فقد فسروها بالسمّاني، وقيل هو طائر أبيض يشبه السماني .
وحاصل الكلام: أنّه سبحانه لطف ببني إسرائيل لما شكوا الشمس وذلك بارسال الغمام عليهم ظلّة، كما أنزل عليهم المنّ والسلوى .
وعلى كل تقدير فمعنى قوله (أنزلنا)، أي أوجدنا لهم هذه النعم وخصصناهم بها، وقد كان تظليلهم وإطعامهم من غير الطرق العادية، وإلاّ لما اختصّ بهم، والله سبحانه بصدد بيان نعمه الكبيرة عليهم وكفرانهم بها بعد نزولها عليهم.

1 . تفسير المنار: 1 / 332 .
2 . مجمع البيان: 1 / 225 ; بحار الأنوار: 13 / 167 .

صفحه 135
 
9

رفع الطور فوق بني إسرائيل

قال تعالى: (وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّة وَ اذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(1).
وقال تعالى: (وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّة وَ اسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(2).
وقال سبحانه: (وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّة وَ اذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(2).

مفردات الآيات

الميثاق: على وزن مفعال من الوثيقة إمّا بيمين أو بعهد أو غير ذلك من الوثائق .

1 . البقرة: 63 .   2 . البقرة: 93 .
2 . الأعراف: 171 .

صفحه 136
الطور: الجبل، ولعلّه جبل معيّن ناجى اللهَ موسى عليه.
القوة: القدرة.
النتق: الزعزعة والهز والاقتلاع، والغاية من اقتلاع الطور بعد أخذ الميثاق لأجل أخذ ما أُوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد، لأنّ رؤية الآيات تقوّي الإيمان وتحرك الشعور والوجدان، ولذلك قال بعد نتق الطور: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّة)، أي تمسّكوا به واعملوا بجد ونشاط .

ما هو المراد من الميثاق؟

فيه احتمالان:
1. العهد الّذي فطر الله الخلق عليه من التوحيد والعدل وقرنه بالحجج الواضحة والبراهين الساطعة الدالّة على ذلك.
2. الميثاق الّذي أخذه الله على الرسل في قوله: (وَ إِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَ حِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)(1).(2)
يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّه ميثاق عام يشمل جميع الإنسانية، والآية ظاهرة في ميثاق خاص أخذه من بني إسرائيل فقط.

1 . آل عمران: 81 .
2 . مجمع البيان: 1 / 128 .

صفحه 137
ويلاحظ على الوجه الثاني : أنّ الميثاق أخذه الله سبحانه من النبيين، والكلام في الآية أنّ الميثاق المذكور أخذه من بني إسرائيل، وهذا يدلّ على أنّ هناك ميثاقاً خاصاً أخذه سبحانه منهم بواسطة نبيّه، ويشهد على ذلك
قوله سبحانه: (وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَ لاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ)(1).
وقال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)(2).
والآيات تدلّ على أنّه سبحانه أخذ ميثاقاً خاصاً من بني إسرائيل.
وربما تشرح الآية التالية واقع الميثاق، قال سبحانه: (وَ لَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ بَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَ قَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَ آتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَ آمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَ عَزَّرْتُمُوهُمْ وَ أَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ لأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)(2).
وأمّا ما هي الغاية من رفع الجبل فوق بني إسرائيل؟ فلربما يقال: إنّ ذلك كان على سبيل إخافتهم وتنبيههم للإيمان بما جاء به موسى من الألواح.

1 . البقرة: 84 .   2 . النساء: 155 .
2 . المائدة: 12.

صفحه 138
قال المفسرون: هذا حين رجع موسى من الطور فأتى بالألواح فقال لقومه: جئتكم بالألواح وفيها التوراة والحلال والحرام فاعملوا بها، قالوا: ومن يقبل قولك، فأرسل الله عزوجل الملائكة حتّى نتقوا الجبل فوق رؤوسهم، فقال موسى (عليه السلام): إن قبلتم ما آتيتكم به وإلاّ أرسلوا الجبل عليكم فأخذوا التوراة وسجدوا لله تعالى ملاحظين إلى الجبل .(1)

إشكال وإجابة

أمّا الإشكال فإنّه سبحانه ظلل بني إسرائيل بالطور وخوّفهم برفعه فوق رؤوسهم ليذعنوا ويؤمنوا، وعند ذلك يُطرح هذا السؤال : وهو بأنّ ذلك إكراه على الإيمان وإلجاء إليه، ولا فائدة في هذا النوع من الإيمان، قال سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(2)، كما أنّه يقول: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(3) ؟
أماّ الإجابة: فإنّ الإشكال مبني على ما جاء في الروايات من قول موسى (عليه السلام)لهم: إمّا أن تؤمنوا أو يقع عليكم الطور، وهو خبر واحد لا يعتمد عليه في مقابل صريح الآيات النافية للإكراه في الدين وعدم جدوى الإيمان النابع من الإلجاء.
وإنّما الغاية من رفع الطور هو إرهابهم بعظمة القدرة من دون أن

1 . مجمع البيان: 1 / 128 .
2 . البقرة: 256 .
3 . يونس: 99.

صفحه 139
يكون لأجل إجبارهم وإكراههم على العمل بما أُوتوا.
والشاهد على ذلك أنّ صدر الآية يذكر أخذ الميثاق منهم، وهو يدلّ على إيمانهم بنبوة موسى وما يوحى إليه عن اختيار.
ثم إنّ قوله: ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّة) معناه خذوا التوراة بجد وعزيمة على العمل بما فيها.
كما أنّ قوله: ( وَ اذْكُرُوا مَا فِيهِ)أي ادّارسوه ولا تنسوا تدبّر معانيه واعملوا بما فيه من الأحكام، فإنّ العمل هو الّذي يجعل العلم راسخاً في النفس مستقراً عندها كما جاء عن الإمام علي (عليه السلام)قال: «العلم يهتف بالعمل فإن إجابه وإلاّ ارتحل» .(1)

1 . نهج البلاغة، الكلمات القصار برقم 366 .

صفحه 140
 
10

مسخ المعتدين قردةً

قال تعالى: (وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَ مَا خَلْفَهَا وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)(1).
وقال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَاب بَئِيس بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)(2).

مفردات الآيات

خاسئين: صفة للقردة بمعنى الطرد.
النكال: العبرة.
يذكر الله سبحانه في هذه الآيات وما قبلها قوماً من بني إسرائيل كانوا

1 . البقرة: 65 ـ 66 .
2 . الأعراف: 165 ـ 166 .

صفحه 141
في جوار البحر وقريباً منه ـ قيل: هي «إيلة»، وقيل: «مدين»، وقيل: «طبريا» ـ فنُهوا عن الصيد يوم السبت، ولكنّهم تجاوزوا الحد في ذلك اليوم إذ الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرعاً ويوم لا يسبتون لا يأتين كذلك .
ثم إنّ الناس بعد ذلك صاروا ثلاث فِرَقَ: بين مرتكب للصيد، ومعتزل عن الصائدين غير معترض على عملهم، وبين آمر بالمعروف وناه عن المنكر، فأخذهم الله بالعذاب الشديد، فأصبح الشباب قردة والشيوخ خنازير .(1)
وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أنّه سبحانه مسخهم عقوبة لهم وبقوا ثلاثة أيام لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا ثم أهلكهم الله تعالى، وجاءت ريحٌ فألقت بهم في الماء، وما مسخ الله أُمّة إلاّ أهلكها، والخنازير والقردة الموجودة حالياً ليست من نسل هؤلاء ، هذا هو المشهور بين المفسّرين، وهذا النوع من العمل يُعدّ من خوارق العادات.
وقد نقل عن مجاهد أنّه قال: لم يُمسخوا قردة وإنّما هو مثل ضربه الله كما قال: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، وحكي عنه أيضاً: انّه مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظاً ولا تتقي زجراً.
قال الطبرسي: هذان القولان يخالفان الظاهر الّذي عليه أكثر المفسرين بغير ضرورة تدعو إليه.(2)

1 . مجمع البيان: 3 / 493 .
2 . مجمع البيان: 1 / 129 .

صفحه 142
ثم إنّ صاحب المنار أخذ يروّج ما نُقل عن مجاهد فقال: وذهب الجمهور أيضاً إلى أنّ معنى (كُونُوا قِرَدَةً) انّ صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين، ومع ذلك يقول: الآية ليست نصاً فيه ولم يبق إلاّ النقل، ولو صحّ لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة، لأنّهم يعلمون بالمشاهدة أنّ الله لا يمسخ كلّ عاص فيخرجه عن نوع الإنسان، إذ ليس ذلك من سننه في خلقه، وإنّما العبرة الكبرى في العلم بأن من سنن الله تعالى في الذين خلوا من قبل: أنّ من يفسق عن أمر ربه ويتنكب الصراط الّذي شرعه له، ينزل عن مرتبة الإنسان ويلتحق بعجماوات الحيوان، وسنن الله تعالى واحدة، فهو يعامل الشؤون الحاضرة بمثل ما عامل به الشؤون الخالية، ولذلك قال: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَ مَا خَلْفَهَا وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (1)، أي جعلنا هذه العقوبة نكالاً وهو ما يفعل بشخص من إيذاء وإهانة ليعتبر غيره، عبرةً ... إلى أن قال في رد قول الجمهور: فاختيار ما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة والأجدر بتحريك الفكرة.(2)
يلاحظ عليه :
أوّلاً: أنّ صاحب المنار يعرّف نفسه بأنّه يسلك مسلك السلف في تفسير الآيات، فلماذا عدل في هذا ا لمقام عن الرأي السائد بين السلف واختار القول الشاذّ المنقول عن مجاهد؟!
ثانياً: أنّ تنزيل المقام منزلة قوله سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ

1 . البقرة: 66 .   2 . تفسير المنار: 1 / 344 .

صفحه 143
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا)تنزيل مع الفارق، فإنّ لفظ «مثل» يدل على أنّ حالهم في عدم الفهم والانتفاع بالتوراة كمثل الحمار الحامل للكتب دون أن ينتفع بها. لا أنّهم حُمرٌ بالهيئة والصورة، وهذا بخلاف المقام فالآية حاكية عن أنّهم صاروا قردة حقيقة لا صاروا مثلها، وإلاّ لما تحقّقت الغاية وهي الاعتبار.
ثالثاً: أنّ الآيات الواردة في سورة الأعراف لا يمكن تفسيرها إلاّ بالقول المشهور حيث يقول: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَاب بَئِيس بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) والشاهد في موضعين:
1. قوله: (بِعَذَاب بَئِيس) وأيُّ عذاب أشدّ من صيرورة الإنسان قرداً مطروداً .
2. قوله: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، فإنّ الأمر بالكون أمر تكويني يتعاقبه ما تعلّق به لفظ «كن». والمفروض أنّه تعلّق بالقردة.
رابعاً: أنّ ما ردّ به نظرية الجمهور من أنّه لا يكون المسخ الصوري موعظة للعصاة، لأنّهم يعلمون بالمشاهدة أنّ الله لا يمسخ كلّ عاص من أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، غيرُ تام، لأنّ كون هذه القضايا وسيلة للعبرة لا يستلزم تحقّق تلك العقوبات بعينها في حق العصاة والطغاة في الأُمم اللاحقة، بل يكفي في ذلك أن تدلّ على أنّ الله تعالى لهم بالمرصاد فهو لا يترك الظالم بلا عقاب ولا يفوّت العصاة دون أخذ.
إنّ الأخذ والعقوبة يختلفان حسب مشيئة الله تعالى وإرادته ولا يلزم

صفحه 144
أن تكون العقوبة متحدة النوع مع العقوبات السابقة حتماً.
وهذه الحقيقة يؤكدها قوله سبحانه: (وَ فِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ )(1).
خامساً: لو صحّ ما ذكره لكان أكثر القصص فاقدة للعبرة والاعتبار، إذ قد ورد فيها إبادة الأُمم وإهلاكهم بالخسف والإمطار بالحجارة والغرق والريح ممّا وقع في الأُمم السابقة مع العلم بعدم وقوعها في الأُمّة المرحومة، مع أنّه سبحانه يذكر هذه القصص للعبرة والاعتبار فيقول: ( فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَ الأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى)(2).

1 . الفجر: 10 ـ 14 .
2 . النازعات: 24 ـ 26 .

صفحه 145
إحياء الميّت بضربه ببعض البقرة   
 
11

إحياء الميّت

بضربه ببعض البقرة

قال تعالى: (وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَ لاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَ إِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَ لاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَ اللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَ يُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(1).

1 . البقرة: 67 ـ 73 .

صفحه 146
مفردات الآيات
الفارض: المسنّة.
البكر: الصغيرة.
العوان: وسط بين المسنّة والصغيرة.
صفراء فاقع: شديدة الصفرة.
الذلول: المذللة بالعمل.
تثير: تقلب.
المسلّمة: السالمة من العيوب وآثار العمل.
لاشية فيها: لون غير لونها.
ادّارأتم: تخاصمتم وتدافعتم.
روى المفسرون أنّ رجلاً من بني اسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه وطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل ثم جاء يطلب بدمه، فقيل لموسى (عليه السلام)سبط آل فلان قُتل، فأخبرنا من قتله؟
قال ائتوني ببقرة فأجابوا: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)، فلمّا استعاذ موسى بالله من الجهالة، سألوه: ما هو سنها؟ فقال: إنّها بقرة ليست بكبيرة هرمة ولا صغيرة، بل وسط بين الصغيرة والكبيرة فافعلوا ما تؤمرون .

صفحه 147
ثم إنّهم أعادوا السؤال عن لونها فقال موسى حاكياً عن الله تعالى أنّها بقرة صفراء شديدة الصفرة تعجب الناظرين.
ثم أعادوا السؤال ما هي هذه البقرة هل هي من العوامل أم من السوائم؟ فأجابهم انّها بقرة لم يُذلّلها العمل ولم يستق عليها الماء، بريئة من العيوب.
فلمّا لم يجدوا سؤالاً لإطالة أمد الإطاعة قاموا بذبحها، فلمّا ذبحوها أمر موسى بضرب القتيل ببعض البقرة، حتّى يُحيا. فلمّا ضربوه ببعضها حُيي، فقال: قتلني فلان ابن عمّي، ثم قبض.
والهدف من ذكر القصة ما يلي:
1. إراءة المعجزات الباهرة الخارقة للعادة من إحياء الميّت حتّى لا يستبعد الناس إحياء الموتى.
2. إشارة إلى طبيعة بني إسرائيل من صنع العراقيل أمام دعوة موسى (عليه السلام)وإطاعته .
3. انّ التنطّع في الدين والإحفاف بالسؤال ممّا يقتضي التشديد في الأحكام، فمن شدّد شُدّد عليه، ولذلك نهى تعالى عن كثرة السؤال وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَ إِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَ اللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(1) .

1 . المائدة: 101 .

صفحه 148
فقد حُكي عن ابن عباس أنّهم شروها بملء جلدها ذهباً من مال المقتول، ولو أنّهم ذبحوا أي بقرة في بادئ الأمر لكانوا قد امتثلوا الأمر، فلمّا لم يفعلوا كانت المصلحة أن يُشدّد عليهم التكليف. ولمّا راجعوا المرة الثانية تغيّرت مصلحتهم إلى تكليف ثالث .(1)
وعلى كل تقدير فمورد الآية من خوارق العادات حيث إنّ الميت يُحيا بعمل بسيط جزئي بضربه ببعض البقرة.
ثم إنّ صاحب المنار سلك طريقاً آخر متأثراً بموقفه المسبّق من المعاجز والكرامات وخوارق العادات، فقد نقل رأي الجمهور في تفسير الآية أوّلاً وقال: قالوا إنّهم ضربوه فعادت إليه الحياة، وقال: قتلني أخي وابن أخي فلان... إلى آخر ما قال.
ولكنه ثانياً أظهر بأنّ الآية ليست نصّاً في مجمله فكيف بتفصيله، ثم فسّر الآية بما في التوراة، وهو أنّه إذا قُتل قتيل لم يعرف قاتله، فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في واد دائم السيلان ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة الّتي كسر عنقها في الوادي، ثم يقولون: إنّ أيدينا لم تسفك هذا الدم، إغفر لشعبك إسرائيل: ويتمّون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبيّن أنّه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء، فيحتمل أن يكون هذا الحكم من بقايا تلك القصة أو كانت هي السبب فيه .

1 . مجمع البيان: 1 / 136 .

صفحه 149
وما هذه القصة الوحيدة الّتي صححها القرآن، ولا هذا الحكم بالحكم الّذي عرفوه وأضاعوه وأظهره الله تعالى .(1)
وقال في موضع آخر: والظاهر ممّا قدّمنا أنّ ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يُعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره، فمَن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم، ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية. ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لئن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس، أي يحييها بمثل هذه الأحكام. وهذا الإحياء على حدّ قوله تعالى: (وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَى النَّاسَ جَمِيعًا)(2)، وقوله: (وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)(3)، فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين .(4)
يلاحظ عليه: بأنّ هذا التفسير لاينطبق على قوله: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا)، أي اضربوا المقتول ببعض جسم البقرة (كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى)، فهل أنّ غسل الأيدي على البقرة المكسورة العنق كضرب المقتول ببعض البقرة؟!

1 . تفسير المنار: 1 / 347 .
2 . المائدة: 32 .
3 . البقرة: 179 .
4 . تفسير المنار: 1 / 351 .

صفحه 150
   
 
12

العبد الصالح وكراماته

قال تعالى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْني مِنْ أَمْري عُسْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُني عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)(1).

مفردات الآيات

الخرق: القلع.
الإمر: الشيء العظيم المنكر.

1 . الكهف: 71 ـ 78 .

صفحه 151
الرهق: التكلّف.
روي أنّ سائلاً سأل موسى: أيُّ الناس أعلم؟ قال: أنا، فأراد الله سبحانه أن يعلّمه التواضع وأنّه فوق كلّ ذي علم عليم، فأوحى الله إليه أنّ في مجمع البحرين رجلاً يعلم أشياء لا تعلمها، فقال له موسى: وكيف لي به؟ قال:
تحمل معك حوتاً لا حياةَ فيه فحيث تفقد الحوت فالعالم هناك، فحمل موسى الحوتَ واصطحب معه فتاه وجدّا في السير، إذ أخذت موسى سِنة فنام وفي أثناء نومه انتفض الحوت وقفز إلى البحر، فكانت هذه آية من آيات الله لموسى، فوجد موسى عبداً من عباد الله آتاه الله رحمة من عنده وعلّمه من لدنه علماً، قال له موسى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)(1)، فأجابه الرجل الصالح: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)(2)،
ولو صحبتني لرأيت عجباً يثقل عليك السكوت عنه وعدم الاعتراض عليه، لأنّه منكر في ظاهره وواقعه مجهول لديك. قال له موسى: (سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَ لاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا )(2)، فاشترط الرجل الصالح على موسى أن لا يسأله عمّا يفعل كائناً ما كان حتّى هو يفسره ويذكر تأويله.(3)فقبل موسى الشرطَ بشهادة أنّه انطلق معه. ثم إنّ هذا الرجل الصالح ارتكب أُموراً ظاهرها المنكر وباطنها الرحمة. وإليك هذه الأُمور:
فركبا السفينة ولمّا توسّطت السفينة في لجّة البحر خرقها العبد الصالح

1 . الكهف: 66 .   2 . الكهف: 67 .
2 . الكهف: 69 .
3 . مجمع البيان: 3 / 481 .

صفحه 152
في مكان يمكن أن يتسرّب الماء منه ويتعرض من فيها للغرق، فذُعِر موسى من هذا العمل وقال: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)أي فظيعاً ، فذّكّره الرجل الصالح بالشرط وهو أن لا يسأله عن شيء، فاعتذر إليه موسى وقال: (لاَ تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ) ولا تضيّق عليّ في صحبتي لك .
ثم إنّهما بعدما خرجا من السفينة ونزلا في الساحل لقيا غلاماً، فقتله الرجل الصالح، وعندئذ فزع أيضاً قلب موسى من القتل وقال: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) حيث قتله دون أن يأتي بجناية ظاهرة، فذكّره الرجل الصالح بالشرط ثانياً، واعتذر موسى بنفس الاعتذار السابق وأضاف بأنّه لو سأله عن شيء من بعدُ فلا يصاحبه .
فانطلقا حتّى إذا أتيا قرية طلبا منهم الطعام ضيافة فأبوا أن يضيّفوهما، ومع ذلك وجد الرجل الصالح فيها جداراً أوشك على السقوط فسوّاه وأصلحه بلا مقابل، فقال موسى: (لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)أي أتصلّح الجدار بالمجّان لقوم أبوا ضيافتنا؟ هلاّ طلبت أجراً على عملك لتنفقه في ثمن الطعام؟ فعند ذلك قطع الرجل الصالح كلّ عذر على موسى، وحاول أن يفارقه ولكن قبل ذلك قام بتفسير وتأويل ما ارتكب من الأعمال الّتي ربما تبدو ظاهراً أنّها أعمال غير صحيحة.
فقال: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا )(1).

1 . الكهف: 79 .

صفحه 153
أي كان أمام أصحاب السفينة ضرران طفيف وشديد، فأدخلتُ عليهم الضرر الخفيف دفعاً للضرر الشديد، وهذه قاعدة متّبعة بين العقلاء حتّى أنّهم يجوزون قطع العضو الفاسد إذا صار سبباً لهلاك صاحبه، وبذلك سَلُمَتْ السفينةُ لأصحابها .
ثم قال: (وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا)(1).
أي أنّ الغلام لو بقي حياً سوف يعمل جاهداً لحمل أبويه على الكفر (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)(2)، ويرزقهما ولداً يكون أرحم بهما وأبرّ، وليس هذا ببعيد، فإنّ من المسلمين الملتزمين بالمبادئ من ربما يتنازل عنها تبعاً لأولاده ونسائه وأقاربه.
وقد نقل الفقيه الثقة الشيخ محمد جواد مغنية عن أحمد أمين المصري في كتابه المسمّى بـ «حياتي» أنّه قال: ها أنا ذا في شيخوختي قد أقبل ما كنت أرفض، وقد أتنازل عن بعض المبادئ الّتي كنت التزم بها، للواسطة وأحاديث الناس وكثرة الأولاد... ويعجبني قول القائل:
عصيت هوى نفسي صغيراً وعندما *** رماني زماني بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى عكس القضية ليتني *** ولدت كبيراً ثم عدت إلى الصغر
واشتهر عن الإمام علي (عليه السلام)أنّه قال: «مازال الزبير معنا حتّى أدرك فرخه عبدالله».(2)

1 . الكهف: 80 .   2 . الكهف: 81 .
2 . التفسير الكاشف: 5 / 150.

صفحه 154
وقال: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ
كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
)(1). أي أن الله سبحانه أراد أن يحمي لهما هذا المال، ويحفظه من الضياع تحت الجدار قائماً حتى يكبرا فيستخرجا المال بأنفسهما، وقد كان أبوهما من أهل الصلاح، والله يصلح بصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده.
وهذا تفسير ما ثقل عليك يا موسى فهمه.
هذا مجمل القصة من أوّلها إلى آخرها استفدنا في تقريرها من تفسير «الكاشف» لصديقنا المحقّق المغفور له الشيخ محمد جواد مغنية.
وإنّما المهم بيان الكرامات الّتي قام بها الرجل الصالح ويمكن بيانها على النحو التالي:
1. علمه بأنّ في طريق السفينة ملكاً جباراً يغصب أموال الرعيّة فخرقها لئلاّ يرغب فيها الملك.
2. خرقه السفينة على أعين ربّانها وطاقمها وهم لم ينتبهوا إلى ذلك، ولعلّه كان ذلك غبّ تصرفه في أعينهم ومداركهم وإلاّ لمنعوه وزجروه أو عاقبوه.
3. علمه بأنّ الغلام الّذي قتله سوف يحمل أبويه على الكفر، وعن

1 . الكهف: 82 .

صفحه 155
الإمام الصادق (عليه السلام): «أنّ الغلام كان في سنّ البلوغ وكان كافراً، وأنّه كان يعمل جاهداً لحمل أبويه على الكفر»، وهو من العلوم الّتي وقف عليها الرجل الصالح، وعلم أيضاً أنّه يرزق الله سبحانه أبويه ولداً آخر خير منه زكاة وأقرب رحماً .(1)
4. علمه بأنّ تحت الجدار كنزاً وأنّ الجدار بسقوطه يكشف عن الكنز، وأنّه لو قام بعمارة الجدار يتمكّن اليتيمان من الانتفاع بكنزهما بعدما يكبرا ويبلغا.
كلّ ذلك من العلوم الغيبية الّتي خصّ الله سبحانه بها العبد الصالح من لدنه.
ويستفاد من القصّة عبراً وعظات هي:
أ. لو صحّ ما في الرواية من أنّ موسى عندما سُئِل عن أعلم الناس فأجاب «أنا»، ثم أرجعه الله سبحانه إلى من هو أعلم منه، لأمكن أن نأخذ من ذلك درساً، وهو أنّ الإنسان مهما بلغ من العظمة يجب أن يتواضع فيسكت في هذه الموارد أو يشير إلى الأعلم منه إذا كان عالماً بوجوده.
ب. إن الإنسان مهما بلغ من العظمة ربّما تدفعه الأحداث الهائلة إلى نسيان ما تعهد به، فيجب أن يستعين بالله سبحانه في كلّ الأحوال حتّى يعينه على العمل بالشروط.
ج. إنّ القصة تدل على أنّ لله تبارك وتعالى وليّاً ظاهراً وولياً خفياً

1 . الكاشف في تفسير الآية.

صفحه 156
مغموراً إلى حد لا يعرفه حتّى الأنبياء ، قال الإمام علي (عليه السلام): «.. اللّهم بلى! لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته وحتّى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم...»(1).
د. تدلّ القصة على أنّ بين عباد الله من يتعلّم في مدرسة الوحي والإلهام دون أن يتعلّم عند أحد، ومنهم هذا الرجل الصالح حيث يصفه سبحانه بقوله: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(2).
وعلى ضوء ذلك فلا غروَ في أن يكون النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)أعلم من في الأرض وإن لم يتعلّم ولم يدرس عند أحد، ولكنّه سبحانه عَلّمه من لدنه علماً .
وقد تضافرت الروايات على أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما درسوا عند أحد، ومع ذلك حازوا من العلوم ما لم يدانهم أحد، وما هذا إلاّ لأنّهم تلقّوها من لدنه سبحانه وإن كانت بواسطة الآباء(عليهم السلام).

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم برقم 147 .
2 . الكهف: 65 .

صفحه 157
 
13

هبوط الحجارة من خشية الله

قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ مَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ)(1).

مفردات الآية

الهبوط: النزول من علو إلى أسفل.
الخشية: الخوف.
خاطب الله سبحانه بني إسرائيل بعد لجاجهم وعنادهم بقوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)، ثم أشار إلى أنّ قلوبهم القاسية تشبه الحجارة أو هي أشدّ قسوةً، إذ أنّ من الحجارة ما يتفجر منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله، وقد اشتملت الآية في مجال التشبيه على حقيقة جليلة وهي أحد المعارف الرفيعة الّتي تضمّنها القرآن الكريم، ألا وهي سجود الكائنات ـ

1 . البقرة: 74 .

صفحه 158
بأجمعها ـ لله سبحانه وتسبيحها له، وتلك حقيقة شامخة لم تسمعها أُذن الدهر من غير هذا الكتاب العزيز.
وقد أخبر القرآن الكريم أنّ جميع أجزاء العالم بدءاً من الذرة حتّى أعظم مجرة تقوم بثلاث وظائف:
1. السجود لله تعالى.
2. حمده وتمجيده سبحانه.
3. تسبيحه وتنزيهه سبحانه.
وكأنّ الكون بأسره «كتلة واحدة» من الخضوع والخشوع والشعور والإحساس والوعي.
ومن تدبر في الآيات الواردة في هذا المضمار يقف على صحّة ما يذكره صدر المتألّهين حيث يقول: إنّ العلم والشعور والإدراك كلّ ذلك متحقّق في جميع مراتب الوجود، ابتداء من «واجب الوجود» وانتهاءً بالنباتات والجمادات، وأنّ لكلّ شيء ـ يتحلّى بالوجود ـ سهماً من الصفات العامة كالعلم والشعور والحياة و... و.. ولايخلو موجود من ذلك أبداً، غاية ما في الأمر أنّ هذه الصفات قد تخفى علينا ـ بعض الأحيان ـ لضعفها وضآلتها.
على أنّ موجودات الكون كلّما ابتعدت عن المادية واقتربت إلى التجرّد، أو صارت مجرّدة بالفعل ازدادت فيها هذه الصفات قوة وشدة ووضوحاً، بينما كلّما ازدادت اقتراباً من المادة والمادية وانغمرت فيها ضعفت فيها هذه الصفات، وضؤلت حتّى تكاد تغيب فيها بالمرة، كأنّها تغدو خلوة من العلم والشعور والإدراك ولكنّها ليست كذلك (أي أنّها ليست

صفحه 159
خلوة من العلم والشعور والإدراك) ـ كما نتوهم ـ إنّما بلغ فيها ذلك من الضعف، والضآلة بحيث لا يمكن إدراكها بسهولة وسرعة .(1)
وقد أشبعنا الكلام حول دلالة الآيات على سريان الشعور في الكون شعوراً لائقاً بدرجة وجوده، في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» (2) أمّا تفسير
هذه الآيات بالتسبيح التكويني فهو على خلاف ظواهرها حيث يقول: (وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُورًا)(3).
فلو كان المراد هو التسبيح التكويني بهذا المعنى لما صحّ قوله: (وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، إذ عندئذ نفقه تسبيحهم، فإنّ النظام العجيب المستخدم في تكوين الموجودات كاشف عن قدرة عليا وحكمة وعلم مطلقين لصانعها وخالقها، فلا محيص عن تفسيره بالتسبيح الواقعي حيث يشعر كل موجود بخالقه ويسبحه.
وممّا يدل على سريان الشعور في الجمادات قوله: (وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) فلا منافاة بين أن تدلّ الآية على شدة قسوة قلوب اليهود وعلى سريان الشعور في الموجودات الّتي منها الحجارة.
وإن شئت قلت: إنّ الآية أثبتت للحجارة صفتين:
1. التفجّر.

1 . الأسفار: 1 / 18 و 6 / 139 ـ 140 .
2 . انظر مفاهيم القرآن: 1 / 652 ـ 663.
3 . الإسراء: 44 .

صفحه 160
2. الهبوط من خشية الله.
فكما أنّ التفجّر أمر حقيقي، فكذا الهبوط من خشية الله فهو أمر حقيقي لها ومع ذلك تدل على قسوة قلوبهم.
وممّا يدل على سريان الشعور في الكون شعوراً لائقاً بدرجة الموجود قوله سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(1).
فلو تجردنا عن كل رأي مسبق لظهرت دلالة الآية على أنّ هذه الجبال تنطوي على قابلية الخشوع والتصدّع لكي يصح أن يتوجّه إليها الخطاب الإلهي القرآني.
إذ ليس من المعقول أن ينسب القرآن الكريم ـ وليس من شأنه المبالغة الكاذبة ـ هذا النوع من الحالة ـ أي حالة الخشوع ـ إلى ما لا يكون قابلاً لها.
والحاصل لو تخلّى الباحث عن تلك الفكرة ودرس الآية بدون فكرة سابقة لوقف على أنّ الآية مع دلالتها على عظمة القرآن تدل أيضاً على وجود شعور في الجبال، وقابلية للخضوع والخشوع الحقيقيين لها.
والآيات في هذا المضمار كثيرة اقتصرنا على هذا المقدار، ومن أراد التفصيل في هذا الموضوع سجوداً، وتحميداً، وتسبيحاً، وشهادة يوم القيامة فليرجع إلى ما حرّرناه في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» (2) .

1 . الحشر: 21 .
2 . نفس المصدر السابق .

صفحه 161
 
14

إماتة أُلوف خرجوا من ديارهم

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)(1) .

مفردات الآية

الحذر: الخوف.
للمفسّرين حول هذه الآية أقوال وروايات لا يمكن الاعتماد عليها، لأنّها مقطوعة السند أو مروية عن أُناس غير موثوق بهم، إلاّ أنّ ظاهر الآية لا يمكن إنكاره، وهو أنّ جماعة يُعدّون أُلوفاً تركوا ديارهم حذراً من الموت بالطاعون أو العدو، ففي تفسير القمي: وقع الطاعون بالشام في بعض النواحي، فخرج منهم خلق كثير كما حكى الله هرباً من الطاعون، فصاروا إلى مفازة فماتوا في ليلة واحدة كلّهم ـ ثم بعد فترة ـ أحياهم الله وردّهم إلى

1 . البقرة: 243 .

صفحه 162
منازلهم وبقوا دهراً طويلاً ثم ماتوا ودفنوا.(1)
أمّا ما هو الوجه في إماتتهم ثم إحيائهم فالقرآن الكريم ساكت عن ذكره .
فهل كانت إماتتهم ثم إحيائهم لغرض العبرة وإتمام الحجّة على الغير أو على أنفسهم؟ الظاهر لا، لأنّه لو كان لذلك لذكره القرآن الكريم كما هو الحال في قصة أصحاب الكهف حيث قال تعالى: (وَ كَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا)(2) .
فلابد أن يكون في الإماتة والإحياء غرض آخر وهو التفضّل عليهم ويدلّ عليه قوله: (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)وعلى ذلك أحياهم الله ليعيشوا فعاشوا بعد حياتهم.
هذا هو مفهوم الآية متجرّداً عن كل فكر مسبق ولكن صاحب المنار استمد من رأيه المسبق في تفسير المعاجز وخوارق العادات بطرق مألوفة، يقول في تفسير الآية ما حاصله: انّ الآية لو كانت مسوقة لبيان قصة من قصص بني إسرائيل كما يدلّ عليه أكثر الروايات، أو غيرهم كما في بعضها لكان من الواجب الإشارة إلى كونهم من بني إسرائيل، وإلى النبي الّذي أحياهم كما هو دأب القرآن في سائر قصصه مع أنّ الآية خالية عن ذلك، على أنّ التوراة أيضاً لم تتعرض لذلك في قصص حزقيل النبي على نبينا وآله وعليه السلام، فليست الروايات إلاّ من الإسرائيليات الّتي دسّها اليهود،

1 . تفسير القمي: 1 / 81 .   2 . الكهف: 21 .

صفحه 163
مع أنّ الموت والحياة الدنيويين ليس إلاّ موتاً واحداً أو حياة واحدة كما يدلّ عليه قوله تعالى: (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى)(1)، وقوله
تعالى: (وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ)(2)، فلا معنى لحياتين في الدنيا هذه، فالآية مسوقة سوق المثل، والمراد بها قوم هجم عليهم أُولو القدرة والقوة من أعدائهم باستذلالهم وبسط السلطة فيهم والتحكّم عليهم فلم يدافعوا عن استقلالهم، وخرجوا من ديارهم وهم أُلوف لهم كثرة وعزيمة حذر الموت، فقال لهم الله موتوا موت الخزي والجهل، فإنّ الجهل والخمود موت كما أنّ العلم وإباء الضيم حياة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)(2)، وقال تعالى: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا)(3).
وبالجملة فهؤلاء يموتون بالخزي وتمكّن الأعداء منهم ويبقون أمواتاً، ثم أحياهم الله بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحق فيهم، فقاموا بحقوق أنفسهم واستقلوا في أمرهم، وهؤلاء الذين أحياهم الله وإن كانوا بحسب الأشخاص غير الذين أماتهم الله إلاّ أنّ الجميع أُمّة واحدة ماتت في حين وحييت في حين بعد حين، وقد عدّ الله تعالى القوم واحداً مع اختلاف الأشخاص، كقوله تعالى في بني إسرائيل: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ)(4)،

1 . الدخان: 56 .   2 . غافر: 11 .
2 . الأنفال: 24 .
3 . الأنعام: 122 .
4 . البقرة: 56 .

صفحه 164
ولولا ما ذكرناه من كون الآية مسوقاً للتمثيل لم يستقم ارتباط الآية بما يتلوها من آيات القتال، وهو ظاهر.(1)
هذا ما ذكره صاحب المنار، وهو يوافق منهجه في تأويل المعجزات وخوارق العادات، ولكنّ التأويل لا ينطبق على ظاهر الآيات، بل يُعدّ تفسيراً لها من عنده.
وأمّا ما استدلّ به من الوجوه فالجميع غير ناجع، وذلك:
أوّلاً: أنّ ما ادّعاه من امتناع أكثر من حياة واحدة في الدنيا مردود بما ذكره القرآن من قصة إحياء الموتى على يد المسيح (عليه السلام)(2)، أو إحياء من أماته الله مائة عام ثم بعثه .(3)
ثانياً: أنّ قوله سبحانه: (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى)(4)مبني على عدم عدّ الحياة الدنيا بتخلّل الموت حياتين وكأنّها حياة واحدة.
ثالثاً: أنّ ما قاله (من أنّ الآية لو كانت مسوقة لبيان القصة لتعرضت لتعيين قومهم وتشخيص نبيهم الّذي أحياهم) غير تام، لأنّ الغرض ربّما يتعلّق بنفس القصة لا بأطرافها، ولذلك ربّما يذكر القرآن بعض القصص على وجه الإيجاز، كما في قوله سبحانه: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ

1 . المنار: 2 / 458 .
2 . آل عمران: 49.
3 . البقرة: 259 .
4 . الدخان: 56 .

صفحه 165
ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ)(1).
رابعاً: أنّ قوله: (أنّه لو لم تحمل على التمثيل لم ترتبط بما بعدها من الآيات حسب المعنى) غير صحيح أيضاً، فإنّ القرآن ليس كتاباً بشرياً يبحث عن الموضوع الواحد على وجه التسلل، بل ربما يذكر موضوعاً ثم ينتقل عنه إلى آخر ثم يعود إلى الموضوع الأوّل، وإن كنت في ريب فلاحظ الآيات التالية من سورة البقرة.
يقول سبحانه:
1. (وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَ لاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
2. (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلَوةِ الْوُسْطىَ وَ قُومُوا للهِ قَانِتِينَ).
3. (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ).
4. (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوف وَ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(2).

1 . البروج: 4 ـ 7 .   2 . البقرة: 237 ـ 240 .

صفحه 166
فالآية الأُولى والرابعة تتحدّثان عن أحكام الزوجة ومهرها بين كونها مطلقة أو متوفّى عنها زوجها.
والآيتان الثانية والثالثة تحثّان على المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وكيفية إقامتها.
فمن حاول أن يربط آيات سورة واحدة ربطاً مصنوعياً شكلياً فقد ركب أمراً غير صحيح.
خامساً: وأمّا قوله: (فالآية مسوقة سوق المثل) فيرد عليه بأنّه لو كان مثلاً لاستخدم سبحانه لفظة «مثل» كما في قوله: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(1)، أو: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ)(2). ولكن الآية في المقام خالية عن لفظ «المثل» كما ترى.

1 . يونس: 24.
2 . الجمعة: 5 .

صفحه 167
 
15

إتيان الملائكة بالتابوت

قال تعالى: (وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَ آلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(1).

مفردات الآية:

التابوت: قال الطريحي: هو صندوق التوراة، وهو من خشب الشمشاد مموّه من الذهب .(2)
السكينة: من السكون خلاف الحركة وتستعمل في سكون القلب، وهو استقرار الإنسان وعدم اضطراب باطنه في إعمال إرادته.
والتابوت الّذي ذُكر في هذه الآية هو التابوت الّذي وضعت أُم موسى ولدها فيه وألقته في البحر، ولمّا حضرت موسى الوفاة وضع فيه الألواح

1 . البقرة: 248 .
2 . مجمع البحرين: 1 / 301 .

صفحه 168
ودرعه وما كان عنده من آثار النبوة وأودعه عند وصيه يوشع بن نون، فلم يزل التابوت بينهم، فبنو إسرائيل في عز وشرف ما دام فيهم، فلمّا استخفّوا به وعملوا المعاصي رفعه الله عنهم ووقع في أيدي أعداء بني إسرائيل من العمالقة.
ويفيد ظاهر الآيات أنّ جماعة الأشراف من بني إسرائيل من بعد وفاة موسى قالوا لنبي زمانهم: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، وكان السبب لسؤالهم هذا استذلال الجبابرة لهم لما ظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من ديارهم وسبوا كثيراً من ذراريهم .
فقال لهم نبيّهم: إنّ الله قد جعل طالوت ملكاً وأميراً على الجيش فجاهدوا تحت قيادته.
ولكن السائلين اعترضوا على نبيّ زمانهم بأنّه لا يصلح أن يكون ملكاً عليهم بقولهم: نحن أحق بالملك منه، فإذا كان قد عُيّن من الله سبحانه فما الدليل على ذلك؟
أجابهم نبيّهم أنّ آية ملكه من الله أن يأتيكم التابوت (حين الحرب) وفيه الوصفان التاليان:
1. فيه سكينة من ربكم.
2. تحمله الملائكة.
والآية ظاهرة في أنّ الملائكة كانت تحمل التابوت إلى معسكر بني إسرائيل، فقد ذكر المفسّرون في كيفية الحمل وجهين:

صفحه 169
1. حملته الملائكة بين السماء والأرض حتّى رآه بنو إسرائيل عياناً. روي هذا عن ابن عباس والحسن.
2. لمّا غلب الأعداء على بني إسرائيل في الحروب السابقة وأخذوا التابوت وحملوه إلى بلادهم فعندما أدخلوه بيت الأصنام انكبّت أصنامهم على وجوهها، فأخرجوه من بيت الأصنام، وفي كلّ موضع يضعونه كان يظهر فيه بلاء، فأجمعوا رأيهم على أن يحملوه على عجلة شدّوها على ثورين ففعلوا ذلك فأرسلوهما، فجاءت الملائكة وساقت الثورين إلى بني إسرائيل .
وعلى هذا يكون معنى: (تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ) أي تسوقه .(1)
والوجه الأوّل يطابق ظاهر الآية، لأنّ المتبادر منها أنّ التابوت يأتيهم حين تقابلهم مع العدو حتّى يكون دليلاً على صدق كونه ملكاً مبعوثاً من جانب الله لقيادة جيشهم للحرب، وتتمّ الحجة عليهم حتّى يحاربوا الأعداء; بخلاف الوجه الثاني فالمتبادر منه أنّهم أرسلوه للتخلّص ممّا يترتّب على حفظه عندهم، فالمؤمن بالقرآن الكريم وظواهره يجب عليه أن يعتقد بهذه الظاهرة الّتي هي من الكرامات وخوارق العادات.
ثم إنّ صاحب المنار تنكب ـ في تفسير الآية ـ عن جادة الحق فقال: قوله: (تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)يحتمل وجهين:
أحدهما: أنّ المراد بالملائكة صُور الكروبيّين وقد حملوا التابوت،

1 . مجمع البيان: 1 / 353 .

صفحه 170
أي وضع عليها، كما تقول في وصف القصور والتماثيل المصنوعة: فيها فلان على فرس من نحاس تريد تمثال الملك وتمثال الفرس .(1)
يلاحظ عليه: أنّه تفسير بالرأي فإطلاق الملائكة وإرادة التصوير منها يحتاج إلى دليل، وأمّا في المثال ففيه قرينة واضحة أنّ المراد تمثال الفرس لا عينه، وذلك لعدم إمكان تصوّر وجود الفرس في القصر.
وأمّا الوجه الثاني الّذي أشار إليه صاحب المنار فهو نفس ما اخترناه، ولكنه قال عنه: إنّه لا يوافق الآية، وقد عرفت أنّه مقتضى ظاهر الآية.

1 . تفسير المنار: 2 / 485.

صفحه 171
 
16

إحياء من أماته الله مائة عام

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)(1).

مفردات الآية:

القرية: تطلق على الضيعة كما تطلق على المدينة بل على البلد، كقوله سبحانه حاكياً عن أولاد يعقوب حيث خاطبوا أباهم بقولهم: (وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا )(2). وكانت مصر يوم ذاك بلد وله محافظات .
خاوية: أي ساقطة، من خوى البيتُ إذا سقط.

1 . البقرة: 259 .
2 . يوسف: 82 .

صفحه 172
العروش: واحدها عرش وهو سقف البيت وكل ما هُيِّئ ليستظل به.
فقوله: (خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) بمعنى سقوط العروش أوّلاً ثم سقوط الحيطان عليها .
أنّى: بمعنى كيف؟
قوله: (أَنى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) فيه وجهان:
الأوّل: كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها؟
الثاني: كيف يحيي الله أهلها بعد موتهم؟(1)
والظاهر هو الثاني نظير قوله سبحانه: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ).
والشاهد على ذلك أنّه لو كان كلام المارّ حول عمران القرية لما احتاج إلى إماتة القائل ثم بعثه بعد مائة سنة. فإنّ ظاهر العمل أنّه لما استعظم إحياء من عاش في القرية الخربة ومات فيها، أماته الله سبحانه ثم أحياه بعد مائة سنة.
لم يتسنّه: أي لم يتغير.
ننشزها: أي نرفعها من الأرض وهو كناية عن إحيائها فأراد به عظام حماره.
ثم نكسوها لحماً: أي نلبسها اللحم الّذي أكلته السباع.
هذا ما يرجع إلى تفسير مفردات الآية، وأمّا مضمونها فهو أنّ رجلاً

1 . مجمع البيان: 1 / 370 .

صفحه 173
من صالحي عباد الله عالماً بمقام ربه خرج من أهله فمر على قرية خربة، فعند ذلك استعظم قدرة الله على إحياء من مات في هذه القرية، ولم يقل ذلك إنكاراً ولا تعجباً ولا ارتياباً، ولكنّه أحب أن يريه الله أحياءها مشاهدة... ولذلك أماته الله مائة سنة ثم أحياه فخاطبه بقوله: (كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم)، لأنّ الله أماته في أوّل النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار، فقال: يوماً ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال مستدركاً: (أَوْ بَعْضَ يَوْم)، فوافاه الخطاب بأنّك لبثت «مائة سنة، فانظر إلى قدرة الله، حيث إنّ طعامك وشرابك لم يتغير مع أنّهما من أسرع الأشياء تغيّراً وفساداً، والمراد من الشراب هو العصير ومن الطعام التين والعنب، وفي مقابل ذلك انظر إلى حمارك كيف تمزّقت أجزاؤه وتبدّدت عظامه، انظر كيف يحييه الله، وكيف نرفع عظامه من الأرض، وكيف نكسوها لحماً فيعود الحمار إلى حالته الأُولى؟
ولمّا رأى كلّ ذلك بأُمّ عينه اعترف بعظمة قدرة الله وقال: (أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ).
ولم يكن الرجل إنساناً عاديّاً، بل كان نبياً مكلّماً حيث إنّه سبحانه يخاطبه بقوله: (كَمْ لَبِثْتَ)، ثم يخاطبه بقوله: (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام)، ثم يخاطبه بقوله: (فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ)، و: (انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ)، و: (انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ)، وكل ذلك يدلّ على أنّه كان رجلاً نبياً مكلَّماً، ولم تكن هذه المرة هـي الأُولى لخطاب الله له.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الآية تضمّنت ذكر أُمور خارقة للعادة، وهي:

صفحه 174
1. الإحياء بعد إماتته مائة عام.
2. حفظ الطعام والشراب من التغيّر والتلف.
3. إحياء حماره بعد تبدّد أوصاله وعظامه النخرة.
ثم إنّ بعض من يصعب عليه التصديق بالمعاجز حاول تفسير الآية على خلاف الظاهر، فقال: المراد من الموت فقدان الحس والحركة والإدراك دون أن تفارق الروح البدن، كما حدث لأصحاب الكهف، واستدلّ بأنّ الله سبحانه عبّر بالبعث لا بالإحياء إيذاناً بأنّه عاد كما كان من قبل حياً عاقلاً مستعداً للنظر والاستدلال ثم أضاف وقال: وقد دلّت تجارب الأطباء في العصر الحديث على أنّ من الناس من يبقى حياً زمناً طويلاً لكنه يكون فاقد الحسّ والشعور، وهو المسمّى لديهم بالسبات وهو النوم المستغرق، ويستعمله أهل الرياضات في الهند، فقد شوهد شاب قد نام نحو شهر ثم أُصيب بدخل في عقله، وآخرون ناموا أكثر من ذلك.(1)
أقول: وقد تبع هذا البعض في قوله هذا صاحبَ المنار حيث نقل عن المفسّرين: أنّ معناه ألبثه مائة عام ميّتاً ثم نقل عن أُستاذِه أنّه قال: وفاتهم أنّ من الموت ما يمتد زمناً طويلاً وهو ما يكون من فقد الحسّ والحركة والإدراك من غير أن تفارق الروحُ البدنَ بالمرة، وهو ما كان لأهل الكهف وقد عبر عنه تعالى بالضرب على الآذان.(2)

1 . تفسير المراغي: 3 / 22 .
2 . تفسير المنار: 3 / 49.

صفحه 175
يلاحظ عليه بوجهين:
1. أنّ قياس المقام بقصة أصحاب الكهف قياس مع الفارق حيث إنّه سبحانه صرّح فيها بأنّ لبثهم كان من مقولة السبات لا الموت بمعنى خروج الروح عن البدن حيث قال: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا)(1)، فالضرب على الآذان كناية عن تعطيل القوى فقط، وهذا بخلاف المقام حيث قال تعالى: (فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ)، وأمّا الاستشهاد بقوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثَهُ) ولم يقل: ثم أحياه، فليس فيه دلالة على ما أرتآه، لأنّ كلمة البعث استعملت كثيراً في معنى الإحياء بعد الإماتة، قال سبحانه: (وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً)(2).
وقال تعالى حاكياً عن المشركين: (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)(3) إلى غير ذلك من الآيات الواردة فيها كلمة البعث.
2. انّ الإمعان في جمل الآية يثبت أنّ المراد هو الإماتة بمعنى قبض الروح حيث جاء فيها:
(أَنى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا).
(فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام) .

1 . الكهف: 11 .
2 . مريم: 33 .
3 . المؤمنون: 37 .

صفحه 176
(وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) .
وبما أنّ الموت في الأوّل والثالث موت حقيقي يكون الموت في الوسط أيضاً كذلك.
فوحدة السياق تحكم بأنّ الإماتة أُريد بها خروج الروح.
وقد جمع الله له أنواع الإحياء، إذ أحيا جسده بنفخ الروح، وأحيا طعامه بصيانته من التغيّر، وأحيا حماره بالإعادة، فكان آية عظيمة للناس الموقنين بذلك، ولعلّه قد أطلعَ على ذلك الإحياء، بعضَ الناس من حوله.
وأخيراً: انّه سبحانه أمات القائل في مكان بعيد عن العمران على نحو لم يطّلع أحدٌ على جسده ولا على طعامه، ولا على حماره الّذي تبدد لحمه وعظامه وعضلاته عبر مائة سنة، وإلاّ فلو أماته داخل الأَحياء والعمران، أو ممّر القوافل، لعثروا عليه، وواروه ولم يبق على الحالة الّتي يذكرها القرآن.

صفحه 177
كرامات داود (عليه السلام)   
 
17

كرامات داود (عليه السلام)

قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمانَ وَ كُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَ عِلْمًا وَ سَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوس لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ )(1).
وقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَات وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(2).

مفردات الآيات

اللبوس: الدرع.
أوِّبي: مشتق من الأوب أي الرجوع. والتأويب: الترجيع بالتسبيح. والمراد بأوّبي: أي سبّحي.

1 . الأنبياء: 79 ـ 80 .
2 . سبأ: 10 ـ 11 .

صفحه 178
سابغات: جمع سابغ وهو اللباس التام، والمراد دروع تامات كاملات.
قدِّر: بمعنى عدِّل.
السَّرْد: التتابع، وسرد الحديد: نظمه.
يذكر القرآن الكريم أنّ لدواد (عليه السلام)كرامات خصّه الله بها وهي:
1. تسبيح الجبال والطير معه بمعنى أنّه (عليه السلام)إذا بدأ بالتسبيح بالصوت الرخيم كانت الجبال والطير تتجاوبان معه. وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فَاعِلِينَ) .
وقد كان تسبيح الطير والجبال أيضاً تسبيحاً حقيقياً، لأنّ الشعور سار في عامة الموجودات حسب مراتب الوجود وحسب الكمال الّذي حازه كل موجود، ولا وجه لحمل تسبيح الجبال على المجاز مع قوله سبحانه: (وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )(1).
وحمل الآية على التسبيح التكويني بمعنى أنّ كلّ النظام السائد
على كلّ موجود يحكي عن خالق عليم حكيم ليس بصحيح، إذ لو كان المراد هو ذاك لا يصح قوله: (وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، لأنّ التسبيح بهذا المعنى أمر يفهمه الإلهي إذا تدبّر في النظام السائد على كلّ موجود في الكون. ولا محيص من حمله على التسبيح الحقيقي النابع عن الشعور بعظمة الله تعالى ويؤيده قوله سبحانه: (وَإِنَّ مِنْهَا ـ الحجارة ـ لَمَا يَهْبِطُ مِنْ

1 . الاسراء: 44.

صفحه 179
خَشْيَةِ اللهِ)(1)، وقد مرّ الكلام فيه سابقاً.
وإليه أيضاً يشير قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ).
2. إلانة الحديد لداود ليصنع به دروعاً تحصّن الإنسان من بأس الإنسان الآخر، فقد روي أنّه التقى ذات يوم ـ متنكراً ـ برجل فسأله عن سيرة داود فقال له: نعمت السيرة، لولا أنّه يأكل من بيت المال، فأقسم داود أن لايأكل بعد يومه إلاّ من كد يمينه وعرق جبينه، ولمّا علم الله منه الإخلاص وصدق النية ألان له الحديد وعلّمه صنعة الدروع.
وممّا نلفت نظر القارئ الكريم إليه هو أنّه لم يستفد من هذه النعمة الكبيرة إلاّ لما يحفظ الإنسان من شر الإنسان دون أن يصنع منها السيف والسهم والسنان، بل أنّه صنع الدروع فقط، وهي الّتي تُحصّن لابسها من بأس عدوه.
ثم إنّه سبحانه يعلّمه كيف تصنع الدروع بقوله: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَات وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ)، أي عليك أن تراعي في ما تصنع أمرين:
1. ان يكون الدرع درعاً كاملاً وإليه يشير قوله: (اعْمَلْ سَابِغَات) أي اعمل من الحديد دروعاً تامّات.
2. عدّل في نسج الدروع ولا تجعل المسامير دقاقاً فتفلق ولا غلاظاً

1 . البقرة: 74 .

صفحه 180
فتكسر الحلق، وإليه يشير قوله: (وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ) أي عدّل في الدرع على النحو المذكور، ولذلك يقال لصانع الدروع تارة «السرّاد» وتارة «الزرّاد».
ثم انّه سبحانه يخاطبه ـ وبالتالي يخاطب كل المؤمنين ـ بأن يستثمروا علومَهم في طريق الصلاح والفلاح لا القتل والفساد ويقول: (وَاعْمَلُوا صَالِحاً إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

صفحه 181
كرامات سليمان (عليه السلام)   
 
18

كرامات سليمان (عليه السلام)

قال تعالى: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيء عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)(1).
وقال تعالى: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَان كَالْجَوَابِ وَقُدُور رَاسِيَات اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ )(2).
وقال سبحانه: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ *

1 . الأنبياء: 81 ـ 82 .
2 . سبأ: 12 ـ 14 .

صفحه 182
وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَ غَوَّاص * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)(1).

مفردات الآيات

الغوص: النزول إلى قاع البحر.
غُدُوُّها: أي سيرها بالغداة.
رَواحُها: سيرها بالعشيّ.
القِطر: النحاس أو الحديد أو الرصاص.
يزغ: يعدل.
محاريب: جمع محراب وهو المعبد.
تماثيل: جمع تمثال وهو صورة الشيء.
الجفان: جمع جفنة وهي القصعة.
الجوابي: جمع جابية وهي الحوض الكبير.
قدور: جمع قدر.
راسيات: ثابتات.
المِنْسَأَةُ: العصا الكبير.
رخاء: سهلة طيّعة.

1 . ص: 36 ـ 38. وسيوافيك ما ورد من الآيات حول فهمه كلام النملة ومنطق الطير، وإنّما أخّرنا ذكر تلك الآيات حفظاً لمنهج البحث .

صفحه 183
أصاب: قصد وأراد.
الأصفاد: السلاسل والأغلال.
هذه الآيات الكريمة تتضمن ذكر عدة كرامات للنبي سليمان (عليه السلام)، وقد تفضّل بها الله سبحانه على نبيه لمصالح تقتضيها، وأمّا ما هذه المصالح فبيانها موكول إلى محلها من التفاسير، وهذه الكرامات هي:

1. تسخير الريح

سخّر سبحانه الريحَ لسليمان تحمله ومن معه بأمر الله إلى ما يشاء، وأنّها كانت تقطع بالغداة مسيرة شهر كامل على الجمال أو على الأقدام، وكذلك في المساء، وظاهر بعض الآيات أنّها تحمل سليمان إلى الأرض المباركة كما قال تعالى: (وَلِسُلَيَْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا) .
وقد جاء ذكر تلك الأرض في سورة الأنبياء حيث قال تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَ لُوطًا إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)(1) وهي أرض الشام، وكأنّ سليمان يتراوح بين فلسطين الّتي فيها البيت المقدس إلى الأرض المباركة، ثم يعود منها إلى مقره «فلسطين». وقد وصف سبحانه الريح في هذه الآية بكونها «عاصفة»، مع أنّه سبحانه وصفها في موضع آخر بالرخاء قال: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً)(2)، والعاصفة هي الريح

1 . الأنبياء: 71 .   2 . ص: 36 .

صفحه 184
الشديدة والرخاء هي الريح اللينة فكيف تجتمعان؟
والظاهر أنّها كانت شديدة بالذات وكانت تصير ليّنة وطيّعة بأمره.
وفي قوله: (تَجْري بِأَمْرِهِ) دليل على تسخير الريح له حيث تجري بأمره وتسكن به، وهذه مكرمة كبيرة خُصّ بها سليمان (عليه السلام). وتُعدُّ من مظاهر الولاية التكوينية.

2. إسالة القطر

وقد مر معنى «القطر» عند تفسير مفردات الآيات، فالله سبحانه أذاب الصلب لسليمان تماماً كما ألان الحديد لأبيه داود.
والظاهر أنّه يذيب الصلب بإرادته لا بالادوات والأسباب وإلاّ لخرج ذلك من عداد الكرامات، قال سبحانه: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)، ويحتمل أن يكون المراد أنّ القطر يخرج ذائباً من الأرض .

3. تسخير الجن والشياطين

وهؤلاء كانوا يقومون له بأعمال مختلفة:
أ. يغوصون في البحار ويستخرجون منها اللؤلؤ والمرجان، كما يقول: (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ).
ب. من يعملون له المحاريب والتماثيل، والجفان الكبيرة والقدور الراسية، وقد مرّ معناها في تفسير المفردات. وإلى كلا العملين يشير قوله

صفحه 185
سبحانه: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَ غَوَّاص) .
ج. هناك قسم من الشياطين مقرّنون بالأصفاد، لأنّهم خرجوا عن أمره وطاعته كما قال: (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)، ويظهر من قوله سبحانه: (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) أنّه سبحانه يعذّبهم في الآخرة بالنار المسعّرة.
ومعنى الآية أنّ من يعدل من هؤلاء الجنّ الذين سخّرناهم لسليمان عمّا أمرناهم به من طاعة يُقرن في الأصفاد ويشدّ بالأغلال في الحياة الدنيا، ويعذب بالنار في الآخرة.
وكأنّ سليمان كان يستخدم تلك الأواني والقدور العظيمة لطبخ طعام جيشه وإطعامهم. وقد وردت حول هذه الكرامات إسرائيليات لا يمكن الاعتماد عليها، ولذا نقتصر على ما ذكره القرآن المجيد.
وبما أنّ الكلّ أُمور ممكنة فلا وجه لتأويلها وصرفها عن ظاهرها، والظاهر أنّ المراد من الشياطين هم الجن، فالاختلاف في التعبير دون المعنى.
بقي الكلام في صناعة التماثيل فهل المراد منها الصور المجسّمة أو غير المجسمّة. وعلى كل تقدير فجوازه في شريعته لا يكون دليلاً على جوازه في الشريعة الخاتمة لقيام الدليل على حرمة التمثيل والتصوير على النحو المذكور في المكاسب المحرمة. وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 186
قوله: «والله ما هي تماثيل النساء والرجال ولكنّه الشجر وما أشبهه» .(1)
ثم إنّه سبحانه لمّا قضى على سليمان بالموت ووافاه الأجل وهو متّكئ على عصاه بقي بعد الموت كذلك إلى ما شاء الله تعالى، وانّ الإنس والجن كانوا ينظرون إليه ويحسبونه حيّاً إلى أن دبّت الأرضة في عصاه وأكلت جوفها فانكسرت وسقط سليمان، وعلم الجميع بموته، وعلم الجن أنّهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في أسر سليمان وخدمته.
بقي الكلام في أنّه كيف يمكن لمثل سليمان الّذي يحكم البلاد أن يعيش في قصره وحيداً ينظر إلى عُمّاله ويموت في هذه الحالة ولم يلتفت ـ في هذه المدة الطويلة ـ إليه أحد من أهله أو خدمه ؟(2)
وفي ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سُلّماً أو إلى الموت سبيلاً لكان ذلك سليمان بن داود الّذي سُخر له ملك الجن والإنس مع النبوة وعظيم الزلفة» .(3)

4. سماعه صوت النملة وفهم مرادها

عندما أشرف سليمان على وادي النمل سمع صوت النملة وهي تقول: (يَا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيَْمانُ وَجُنُودُهُ وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ )(4)، يحطمنكم بوطئهم إيّاكم، فإنّهم لو علموا بمكانكم لم

1 . مجمع البيان: 8 / 204 .
2 . وقد ذكرنا وجهه في كتابنا «القصص القرآنية» الجزء الأوّل، فلاحظ.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .   4 . النمل: 18 .

صفحه 187
يطاؤكم، وهذا يدل على أنّ السفر كان سفراً برياً لا بحرياً ولا هوائياً، وكان جنوده ركباناً ومشاةً على الأرض.
ويستفاد من الآية أمران:
1. أنّه سبحانه أعطى للنملة شعوراً ودركاً تدرك ما حولها من البلاء المحدق وما هو وجه الفرار منه، فلذلك أخبرت عن إشراف عساكر سليمان إلى وادي النمل وأنّهم سوف يحطّمونهم إلاّ أن يدخلوا مساكنهم وبيوتهم .
وهذه الآيات تدل على أنّه كانت لسليمان دولة وجنود، وأنّ للنملة منطق وأنّها مطاعة في قومها.
فلما سمع سليمان صوت النملة ووقف على ما تريد تبسّم ضاحكاً وشكر الله سبحانه على هذه النعمة كما قال: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْني بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ )(1).
فالله سبحانه إذا أنعم على عبد من عباده بنعمة وكرامة كالسلطة والعلم، فعلى العبد أن يشكر الله سبحانه ولا يأخذه العجب والكبر.

5. فهم منطق الطير

قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)(2).

1 . النمل: 19 .   2 . النمل: 16 .

صفحه 188
تشير الآية إلى أنّ الله سبحانه أعطى سليمان فهمَ منطق الطير، وهذا فضل خصّه سبحانه به وإنّما سُمِّي صوتُ الطير منطقاً ـ مع أنّ أهل العربية لا يطلقون النطق على غير بني آدم ـ لأنّه لما فهم سليمان ما يعنيه الطير بصوته سمّاه منطقاً.
وهناك احتمال آخر وهو أن يكون للطير منطق يُشبه منطق بني آدم،نحن لا نعرفه، وإنّما كان سليمان يعرفه.

6. نماذج من منطق الطير

ثم إنّه سبحانه ذكر نموذجاً آخر من منطق الطير الّذي فهمه سليمان في قوله تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لاَ أَرى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَني بِسُلْطَان مُبِين * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيد فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين * إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَ قَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَ مَا تُعْلِنُونَ * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اِذْهَبْ بِكِتَابي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا

صفحه 189
الْمَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيَْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ اتُوني مُسْلِمِينَ)(1).

مفردات الآيات

تفقد: تعهّد.
سبأ: اسم رجل تنسب إليه قبائل في اليمن.
النبأ: الخبر الّذي له شأن.
الخبأ: المخبوء والمستور، والمراد به ما يوجده الله من العدم في السماوات والأرض. وربما يفسر بخيرات الكون.
كان لسليمان أصناف من الطيور تأتمر بأمره وهي مطلقة غير مسجونة في قفص وشبهه، وكان ذلك من مظاهر تسخيره لها، وفي ذات يوم تعهد الطيور كما يتعهد القائد جنوده فلم يجد الهدهد من بينها ولم يكن قد أذن له بالغياب، فتهدده ـ على مسمع من الطيور ـ بالعذاب كالسجن ونحوه أو بالذبح إذا لم يأت بحجة واضحة تُبرر غيابه، كما قال: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لاَ أَرى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَني بِسُلْطَان مُبِين) تدلّ الآية على أنّ الطيور كانت تفهم ما يذكره سليمان من التهديد بالسجن أو بالذبح إلاّ أن يبرّر غيابه، كلّ ذلك من العوالم الغيبية الّتي كشف عنها القرآن الكريم.

1 . النمل: 20 ـ 31 .

صفحه 190
فلم يمض أمد قصير حتّى حضر الهدهد وجاء إلى سليمان بعذر يبرر
غيابه، وقال اكتشفت شيئاً هامّاً (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين) وأمّا ما هو النبأ ففسّره بقوله: (إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) .
فأخبره أنّ لقوم سبأ امرأةً ورثت السلطة من أبيها، وكانت تملك جميع مظاهر الثراء والترف .
وقد ذكر المفسّرون حول مُلكها أُموراً غريبة نصفح عن ذكرها هنا.
ثم إنّ الهدهد أخبر عن دين هذه الملكة وقومها، وهو أنّهم كانوا يعبدون الشمس، وقد زيّن لهم الشيطان هذا العمل وصدّهم عن سبيل
التوحيد، كما قال: (وَجَدْتُهَا وَ قَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ) .
لاشكّ أنّ الطيور تعرف بغريزتها كثيراً من الأُمور الّتي لها صلة بحياتها، فتعرف مأكلها ومشربها وما يضرّها وما ينفعها وما هو موجب لبقاء حياتها، إلاّ أنّ الغريب هنا هو أن الهدهد يستطيع أن يعرف اسم البلد واسم ملكتهم ويميّز أنّها امرأة لا رجل ويعرف دينهم وانّهم من عبَدةِ الشمس، وأنّه دين باطل.
فهل أنّ هذه المعلومات تعم كلّ هدهد; أو أنّها تختص بواحد منها استخدمه سليمان؟ والظاهر هو الثاني.

صفحه 191
وأعجب من ذلك أنّه يوبّخ قوم سبأ بعدم سجودهم ـ مكان السجود للشمس ـ لله سبحانه الّذي يخرج الموجودات من العدم إلى الوجود، أو يخرج خيرات الكون في السماوات والأرض كما قال: (أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَ مَا تُعْلِنُونَ) .
وظاهر الآية أنّ الهدهد كان مميزاً بين الحق والباطل، وأنّ عبادة الله سبحانه حق وعبادة الشمس والسجود لها أمر باطل، ولذلك حذّرهم بقوله: (أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ) .
غير أنّه يظهر من الجبّائي خلاف ذلك حيث قال: لم يكن الهدهد عارفاً بالله تعالى، وإنّما أخبر بذلك كما يخبر مراهقو صبياننا، لأنّه لا تكليف إلاّ على الملائكة والإنسان والجن، فيرانا الصبي على عبادة الله فيتصور أنّ ما خالفها باطل، فكذلك الهدهد تصّور له انّ ماخالف فعل سليمان باطل.
هذا وقد علّق الشيخ الطوسي على هذا الكلام وقال: هذا الّذي ذكره الجبائي خلاف الظاهر، لأنّ الاحتجاج الّذي حكاه الله عن الهدهد، احتجاج عارف بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز، ولا يجوز أن يفرّق بين الحق، أي السجود لله وبين الباطل الّذي هو السجود للشمس، إلاّ من كان عارفاً بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز وذلك ينافي حال الصبيان.(1)
بل يظهر من قوله: (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَ مَا تُعْلِنُونَ) أنّه خاطب قوم

1 . التبيان: 8 / 90 .

صفحه 192
سبأ بهذا الكلام، وأنّ الله سبحانه عالم بما يبديه الناس وما يخفوه، وأعقب ذلك بقوله: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) .(1)
وعلى كل تقدير فإنّ هذا من الأُمور الغيبية الّتي أخبر عنها القرآن الكريم لامحيص لمن يؤمن بالله سبحانه وقدرته الواسعة أن يعتقد بها وبقدرة الله على خلق طير له هذه المزايا.
ولمّا سمع سليمان مقالة الهدهد وما اعتذر به في تأخّره لم يكذّبه ولم يصدّقه، وقال: سنختبر مقالتك لنعرف مكانها من الصدق، كما قال: (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، ثم إنّه اختبره برسالة كتبها إلى المرأة الّتي تملكهم وأعطاها إلى الهدهد، وأمره بأن يذهب بها إليهم كما يحكي عنه قوله سبحانه: (اِذْهَبْ بِكِتَابي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)، وقد أمره ـ كما في الآية ـ وراء إيصال الكتاب إليهم، بأمرين:
الأوّل: التنحّي عنهم إلى مكان يراقبهم منه، كما قال: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) .
الثاني: أن يسمع ما يقولون وما يتّفقون عليه ويرجع إلى سليمان بخبرهم، كما يدلّ عليه قوله: (فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) .
ثم إنّ الهدهد حمل رسالة سليمان إلى القوم وألقاها في مكان من قصر الملكة بحيث رأت الكتاب وما علمت من جاء به .
والذكر الحكيم يحكي مضمون الرسالة، وأنّها كانت على غاية

1 . النمل: 26 .

صفحه 193
الاختصار وهي: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أتُوني مُسْلِمِينَ). والبسملة جزء من كتابه ولا يزيد مضمونه على ما في رسائل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى ملوك زمانه حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد البسملة والحمد يقول : «أسلمْ تسلم».
إلى هنا تمّ ما نريد ذكره من الأُمور الغيبية في حياة سليمان .
وأمّا ذيل القصة وهي قراءة بلقيس رسالة سليمان واستشارتها وزراء البلاط فهو خارج عن هدفنا في هذه الرسالة، وربما سنشير إلى بعضه في البحث التالي.

صفحه 194
 
كرامات أصحاب سليمان (عليه السلام)   
19

كرامات أصحاب سليمان (عليه السلام)

قال تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌ كَرِيمٌ)(1).

مفردات الآيات

مسلمين: طائعين.
طرفك: بصرك.
ذكرنا فيما سبق أنّ سليمان أرسل رسالته بواسطة الهدهد وأنّه ألقاها في مكان من قصر الملكة، ولمّا قرأت ما فيها ووقفت على مضمونها،

1 . النمل: 38 ـ 40 .

صفحه 195
شاورت وزراءها فقالت: لا أبتُّ بشيء حتّى استظهر رأيكم، قال سبحانه: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُوني فِي أَمْري مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)(1).
وأمّا الوزراء المستشارون فقد تكلّموا عن قوتهم وصلابتهم وفي آخر الأمر ألقوا المسؤولية على عاتق الملكة : (قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأْس شَدِيد وَ الأَمْرُ إِلَيْكَ فَانْظُري مَاذَا تَأْمُرِينَ)(2).
لكن الملكة رأت أن ترسل إلى سليمان هدية فيها كلّ غال وثمين ثم تنتظر هل يقبلها أو يرفضها؟ وهي تريد اختبار سليمان بها فلو قبلها تبيّن أنّه طالب دنيا لا طالب دين فيمكن مصانعته بالمال، وإن رفضها تبيّن أنّه من أصحاب الرسالات الذين لا يساومون على عقيدتهم.
ولمّا وصل وفد الملكة مع الهدايا إلى سليمان رفضها قائلاً: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَال فَمَا آتَاني اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)(2)، ثم أمر رئيس هذا الوفد بالرجوع مع الهدايا إلى سبأ وهدّدهم بأنّه سيغزوهم بجيش لا طاقة لهم ولا لغيرهم على مقاومته .
وبعد رجوع الوفد إلى سبأ أخبروا ملكتهم بما قاله سليمان، فلم تر بُدّاً من السمع والطاعة فتوجّهت إلى سليمان مع ملئها وتركت عرشها يحفظه الجنود والحرس.

1 . النمل: 32 .   2 . النمل: 33.
2 . النمل: 36 .

صفحه 196
ولمّا وقف سليمان على تحركها نحوه أحب أن يحضر عرشها قبل وصولها إلى بلاطه، ليدلّ بذلك على نبوته وقدرته الغيبية وأن يكون ذلك سبباً لإيمانها بما هو عليه، ولأجل هذا خاطب سليمان (عليه السلام)حضّار مجلسه قائلاً: (يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ)(1) .
أي قال سليمان: «أيكم يقدر على نقل عرش الملكة في لحظات؟» وهو يعلم الفاصل المكاني بينه وبين سبأ.
فعند ذلك أجابه بعض جنده من الجن بقوله: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَ إنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)(2) .
والمراد من قوله: (قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ) أي قبل أن ينفضّ المجلس.
ولعلّ انفضاض المجلس قد يمتد إلى ساعات، فعند ذلك تكلّم من عنده علم من الكتاب وقال: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) فكان الفوز حليف الثاني حيث رأى سليمان العرش مستقراً أمامه كما قال: ( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي).
وهنا تساؤلات:
أ. مَن هذا الجنّي الّذي يصفه سبحانه بقوله: ( عِفْرِيتٌ (3) مِنَ الْجِنِّ)؟

1 . النمل: 39 .
2 . النمل: 39 .
3 . مارد، قويّ، داهية.

صفحه 197
ومن أين له هذه القدرة العظيمة؟ ومع تمتعه بالقدرة فهو كان تحت تسخير سليمان حيث سخّر له الله سبحانه الإنس والجن يعملون له أنواع الأعمال.
ب. من هو هذا الشخص الآخر الّذي أحضر العرش في أقلّ من ثانية؟ ومن أين اكتسب هذه القدرة؟ وهل كان من الملائكة أم من الإنس؟
ج. ما هو المراد من قوله: (عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ)؟ وهل المراد به اسم الله الأعظم أو غير ذلك؟
كلّ هذه التساؤلات لم نجد لها جواباً في الكتاب العزيز، وأمّا الروايات فإنّها لم تُنقل بطريق صحيح.
نعم ربما يستغرب البعض نقل جسم كبير من مكان إلى آخر ـ بينهما مسافة بعيدة ـ ويحسبه من المحالات، إذ كيف انتقل ذلك الجسم الكبير بعد إخراجه من الحراسة المشدّدة حوله، وإدخاله بلاط سليمان بدون أن يحتاج إلى ثغرة في الجدران أو السقوف، ولكن كل ذلك أمام قدرة الله شيء ضئيل، فالذي سنَّ القوانين الطبيعية قادر على خرقها: (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)(1).

1 . الزمر: 67 .

صفحه 198
كرامات أيوب (عليه السلام)   
 
20

كرامات أيوب (عليه السلام)

قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ إنِّي مَسَّني الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرى لِلْعَابِدِينَ)(1).
وقال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ إنِّي مَسَّني الشَّيْطَانُ بِنُصْب وَعَذَاب * اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ )(2).

مفردات الآيات

الضُّر: الشدّة.
النُّصب: الضر والبلاء.
العذاب: الألم.

1 . الأنبياء: 83 ـ 84 .
2 . ص: 41 ـ 43 .

صفحه 199
دلت الآيات المتقدمة على أنّ النبي أيوب (عليه السلام)كان في عافية وهناء ثم تراكم عليه البلاء وأحاط به من كلّ جانب حتّى صار مضرب الأمثال.
فقد أُصيب بنفسه وأهله فصبر صبر الأحرار، ولمّا اشتدّ البلاء دعا الله سبحانه بقوله: (إنِّي مَسَّني الشَّيْطَانُ بِنُصْب وَعَذَاب) .
وقد عبر عن سوء حاله في سورة الأنبياء بقوله: (مَسَّني الضُّرُّ)، والجميع يرجع إلى معنى واحد وهو تراكم المصائب والبلايا عليه، وإنّما نسبه إلى الشيطان مع أنّها منتسبة إلى الأسباب العادية الطبيعية، إذ لا مانع من انتسابه إلى كليهما، لأنّهما ليسا في درجة واحدة في مقام التأثير، يقول السيد الطباطبائي: لا ينافي استنادُ المرض ونحوه إلى الشيطان استناده أيضاً إلى بعض الأسباب العادية الطبيعية، لأنّ السببين ليسا عرضْيّين متدافعين، بل أحدهما في طول الآخر. ثم يقول (رحمه الله): ولا دليل يدل على امتناع وقوع هذا النوع من التأثير للشيطان في الإنسان .(1)
ثم إنّه سبحانه اجاب دعوته بكرامتين كبيرتين:
الأُولى: أمره أن يضرب الأرض برجله فيخرج ماء بارد فيشرب منه ويغتسل فيبرأ بإذن الله تعالى كما قال : (اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) .
الثانية: انّه سبحانه رزقه من الأولاد والأحفاد وضعف ما فقد منهم، كما قال: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ).

1 . تفسير الميزان: 17 / 209 .

صفحه 200
   
 
21

يونس في بطن الحوت

قال تعالى: (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَ نَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)(1).
وقال تعالى: (وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين)(2).

مفردات الآيات

النون: الحوت.
لن نقدر عليه: أي لن نضيّق عليه، نظير قوله تعالى: (وَ مَنْ قُدِرَ
عَلَيْهِ رِزْقُهُ
) أي ضاقت معيشته.

1 . الأنبياء: 87 ـ 88 .   2 . يونس: 139 ـ 146 .

صفحه 201
أبق: أي فرّ.
ساهم: أقرعَ من القرعة.
المدحضين: المغلوبين.
مليم: من يستحق اللوم.
مكظوم: أي مملوء من الغيظ، وقيل بمعنى محبوس .
العراء: الفضاء .
مذموم: ملوم.
قال الرواة والمفسّرون: إنّ قوم يونس كانوا يقيمون في «نينوى» من أرض الموصل، وكانوا يعبدون الأصنام، فنهاهم يونس عن الكفر، وأمرهم بالتوحيد، فأصرّوا على الشرك شأنهم في ذلك شأن من تقدّمهم من أقوام الأنبياء.
وبعد أن رحل يونس عن قومه أتتهم نذر العذاب، وطلائع الهلاك من السماء فتابوا إلى الله، ودعوه مخلصين أن يكشف عنهم العذاب، ففعل وأبقاهم إلى انقضاء آجالهم.
وأمّا يونس فضرب في الأرض حتّى انتهى إلى ساحل البحر فوجد جماعة في سفينة فسألهم أن يصحبوه، فلمّا توسطوا البحر بعث الله عليهم حوتاً عظيماً حبس عليهم سفينتهم، فأيقنوا أنّه يطلب واحداً منهم، فاتّفقوا على الاقتراع، فوقع السهم على يونس، فألقوه أو ألقى هو نفسه في البحر،

صفحه 202
فابتلعه الحوت، وألهم الله الحوت أن يطوي يونس في بطنه دون أن يمسّه بأذى، وفزع يونس إلى ربه يناديه ويستجير به، وهو في جوف الحوت.
ثم نبذه الحوت على ساحل البحر بعد أن لبث في جوفه ما شاء الله أن يلبث .
قال المفسّرون: إنّ يونس خرج من بطن الحوت كالفرخ الممتعط، وإنّ الله أنبت عليه شجرة من يقطين يستظل بها، وإلى ذلك يشير سبحانه
بقوله: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين) أي أُلقي في مكان خال من النبات فأنبت الله عليه شجرة من يقطين لتكون له ظلاً.
هذه هي قصة يونس ذكرها المفسّرون ونقلها الرواة .(1) وفيها عدد من الأُمور الغيبيّة والكرامات الخاصّة بيونس (عليه السلام)، وهي:
1. اعتراض الحوت للسفينة حيث إنّه كان لا يقنع إلاّ بأخذ واحد من ركابها.
2. وقوع الاقتراع على يونس في المرات الثلاث الّتي أُجريت فيها القرعة كما ورد في الروايات .
3. التقام الحوت يونس دون أن يمسّه بأذى.
4. فزع يونس إلى ربه وتسبيحه وهو في بطن الحوت.

1 . التفسير الكاشف: 4 / 193 ـ 194 .

صفحه 203
5. نبذ الحوت إيّاه على ساحل البحر بعد أن لبث في جوفه ما شاء الله دون أن تتوفر في بطنه ضروريات الحياة.
هذه كلّها أُمور غيبية تحقّقت في حياة يونس وهناك أمر غيبي تعليقي، وهو أنّه لو لم يكن من المسّبحين لبقي في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، وهذا يلازم بقاؤه حياً في بطنه مع بقاء الحوت إلى يوم القيامة، لكنّه لم يتحقّق، لأنّ يونس كان من المسبحين.

صفحه 204

22

إنجاب زكريا وزوجته العاقر

قال تعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَ هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الِْمحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَة مِنَ اللهِ وَ سَيِّدًا وَ حَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّام إِلاَّ رَمْزًا وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ
)(1).
وقال سبحانه: (قَالَ رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِني وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي مِنْ وَرَائِي وَ كَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنيِ وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ

1 . آل عمران: 38 ـ 41.

صفحه 205
قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَ كَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَال سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)(1).

مفردات الآيات

الذرية: الولد ويقع على الواحد والكثير.
والطيّب: ما تستطاب أخلاقه وأفعاله.
سميع الدعاء: أي مجيبه كما يقال: سمع الله لمن حمده، إذ من لم يُجب فكأنّه لم يسمع .
كلمة الله: عيسى (عليه السلام)، وقد كان يحيى أوّل من صدّق المسيح.
سيّداً: الرئيس الّذي يسود قومه .
الحصور: الحصر وهو الحبس، وهو من يحبس نفسه ويمنعها ممّا ينافي الفضل والكمال اللائق بها، وربما يفسر بمَن يمتنع عن النساء.
عاقر: أي عقيم لا تلد.
الآية: العلامة، والمراد معرفة ميقات الحمل إذا حدث ليردف النعمة بالشكر.

1 . مريم: 4 ـ 11 .

صفحه 206
الرمز: الإشارة بيد أو رأس .
العشيّ: من الزوال إلى الغروب، كما أنّ الإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى.
الوهن: الضعف ونقصان القوة.
الاشتعال: انتشار شعاع النار وقوله: (وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) وهو من أحسن الاستعارات، والمعنى انتشر الشيب في الرأس، كما ينتشر شعاع النار.
والدعاء: طلب الفعل من المدعو وفي مقابله الإجابة.
الموالي: جمع مولى والمراد به الأولى بالإرث .
الغلام: اسم المذكر أوان بلوغه، وربّما يُستعمل في التلميذ، يقال: غُلامُ تغلب .
العتيّ: يطلق على الشيء إذا غيّره الزمان إلى حال اليبس والجفاف. وكأنه يريد أنّه بلغ من كبر السن إلى تلك الحال .
الهيّن: السهل.
ooo
إنّ زكريا كان قد تكفّل برعاية مريم بنت أُخت زوجته ورأى ما لها من
الكرامات كما يحكيه سبحانه بقوله: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِْمحْرَابَ

صفحه 207
وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب)(1).
فصار ذلك سبباً لأن يطلب زكريا الذرّية الطيبة من الله سبحانه حتّى ترثه ولا يرثه الموالي من أبناء عمّه الذين لم يكونوا مؤهّلين لذلك، ولم يكونوا طيّبين.
فعند ذلك وافاه الجواب بنداء الملائكة له ـ وهو قائم في المحراب يصلّي ـ بأنّه سيُرزق ولداً باراً سمّاه الله يحيى وله الصفات التالية:
1. مصدقاً بكلمة من الله أي المسيح (عليه السلام).
2. سيّداً يسود في قومه.
3. حصوراً.
4. نبياً من الصالحين.
وقد سمع النداء وهو قائم يصلي في المحراب.
وبما أنّ إنجابه وهو طاعن في السن كان أمراً غير عادّي خصوصاً وأن زوجته عاقر، خاطب الله سبحانه بخطابين:
أ. كيف يكون لي غلام وقد طعنت في السنّ وامرأتي عاقر؟
فأجابه سبحانه: (كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، أي يرزقكما الله الولد

1 . آل عمران: 37 .

صفحه 208
وأنتما على هذه الحال دون أن تتغير خلقتكما وجوهر وجودكما، لأنَّ قدرته سبحانه أوسع.
ب. طلب من الله سبحانه الآية والعلامة حيث قال: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً)، وعندئذ يقع السؤال عما هو المراد من الآية والعلامة؟
فهنا احتمالان:
أ. طلب الآية على وجود الحمل ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها ولا يؤخّره حتّى يظهر ظهوراً معتاداً.
ب. طلب الآية لأجل الإذعان بأنّ ما سمعه من النداء نداء رحماني لا شيطاني، وهذا الوجه هو الّذي ردّ صاحب المنار عليه بحماس وقال: ولولا الجنون بالروايات مهما هزلت وسمجت لما كان لمؤمن أن يكتب مثل هذا الهزء والسخف الّذي ينبذه العقل، وليس في الكتاب ما يشير إليه، ولو لم يكن لمن يروي مثل هذا إلاّ هذا لكفى في جرحه، وأن يضرب بروايته على وجهه .(1)
وحاصل الإشكال: إن الأنبياء لعصمتهم لابدّ أن يُميّزوا بين كلامه سبحانه ووسوسة الشيطان فلا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم حتّى لا يختلط عليهم طريق الإفهام، وقد صحّح العلاّمة الطباطبائي ذلك الاحتمال قائلاً: ما ذكره كلام حق لكن يجب أن يعلم أن تعرّفهم إنما هو بتعريف الله تعالى لهم لا من قبل أنفسهم واستقلال ذواتهم، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز

1 . تفسير المنار: 3 / 298.

صفحه 209
أن يطلب زكريا من ربه أن يجعل له آية يعرف به ذلك؟ وأي محذور في ذلك؟ نعم لو لم يُستجب دعاؤه ولم يجعل الله له آية كان الإشكال في محلّه(1).
ويؤيّد ذلك أنّه سبحانه جعل الآية عدم تمكنه من تكليم الناس ثلاثة أيام إلاّ رمزاً مع استطاعته ذكر الله وتسبيحه بالعشيّ والإبكار. والآية بهذا المعنى لا يقوم بها الشيطان، إذ لا يمكنه أن يمسّ الأنبياء في أجسامهم، وإلاّ لانتفت الغاية من بعث الأنبياء، إذ لو كان الشيطان مسلطاً عليهم إلى هذا الحد لم يستقبلهم الناس بل سيستدبرونهم .
وعلى كل حال فالآيات الواردة في هاتين السورتين تتبنى بيان معجزتين أو كرامتين كبيرتين :
الأُولى: إنجاب زكريا وهو طاعن في السن وقد بلغ من الكبر عتياً وضعفت قواه ويبست طاقته. فإنّ الولد ثمرة اللقاح بين الحيمن من الرجل والبويضة من المرأة، وهما ينتجان من جسم الإنسان في عمر خاص، فإذا تعدّاه يتوقّف انتاجهما.
هذه سنن الله تعالى العادية وعليه درجت خلقة البشر، ومع ذلك كلّه ربما تُخترق تلك العادة حسب قدرته الوسيعة فيُنجب الرجل الهرم وتحمل المرأة العاقر، ومن أنكر ذلك فلم يعرف الله سبحانه.
الثانية: انّ الله سبحانه اعتقل لسانه ثلاثة أيّام من غير مرض ولا

1 . الميزان: 3 / 179 .

صفحه 210
خرس، حيث لا يمكنه أن يكلم الناس ومع ذلك كان يدعو الله ويسبحه كما يشير إليه قوله سبحانه: (قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّام إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)، أي اذكره في هذه الأيام الثلاثة بالعشيّ والإبكار، أي في آخر النهار وأوّله، فإنّ إطلاق اللسان في تسبيحه وذكره، واعتقاله في غير ذلك، آية رحمانية على أنّ النداء كان من الله سبحانه، أو آية يستدل بها على حمل امرأته ويعلم وقت الحمل ليشكره آنذاك على الاحتمالين الماضيين.
وفي الآيات المتقدّمة تصريح بأنّ الأنبياء يُورثون حيث طلب زكريا من الله سبحانه غلاماً حتّى يرثه، وبما أنّه طلب من الله ولداً طيّباً رضيّاً، فهو آية أنّ المراد هو الوراثة في الأموال لا الوراثة في النبوة، إذ عندئذ يكون الشرط أمراً مستدركاً.
قال الطبرسي: واستدلّ أصحابنا بالآية على أنّ الأنبياء يُورّثون المال، وأنّ المراد بالإرث المذكور فيها المال دون العلم والنبوة، وذلك لأنّ لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلاّ على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، ولا يستعمل في غير المال إلاّ على طريق المجاز والتوسّع، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة .
وأيضاً إنّ زكريا (عليه السلام)قال في دعائه: (وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) أي اجعل يارب ذلك الولي الّذي يرثني مرضيّاً عندك ممتثلاً لأمرك. ومتى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى وكان لغواً وعبثاً، ألا ترى أنّه لا يَحسُن أن يقول أحد: اللهم ابعث لنا نبياً واجعله عاقلاً مرضيّاً في أخلاقه، لأنّه إذا

صفحه 211
كان نبيّاً فقد دخل الرضا، وما هو أعظم من الرضا في النبوة؟!
ويقوّي ما قلناه أنّ زكريا صرَّح بأنّه يخاف بني عمه بعده بقوله: (وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي)وإنّما يطلب وارثاً لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلاّ بالمال دون النبوة والعلم، لأنّه (عليه السلام)كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبياً من ليس بأهل للنبوة، وأن يورث علمه وحكمته من ليس لهما بأهل، ولأنّه إنما بُعثِ لإذاعة العلم ونشره في الناس فكيف يخاف من الأمر الّذي هو الغرض من بعثته؟!(1)

1 . مجمع البيان: 3 / 503 .

صفحه 212
مريم العذراء وولادة المسيح   
 
23

مريم العذراء

و

ولادة المسيح

قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجيِهًا فِي الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(1).
وقال تعالى: (وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ

1 . آل عمران: 45 ـ 47 .

صفحه 213
رَبِّكَ لأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً )(1).

مفردات الآيات

المسيح: لفظ معرّب من العبرانية وأصله مشيحاء.
عيسى: معرّب (يسوع) بالعبرانية.
الوجيه: ذو الجاه والكرامة.
المهد: مقرّ الصبي حين رضاعه.
الكهل: من تجاوز الثلاثين.
انتبذت: اعتزلت وتنحّت.
مكاناً شرقياً: شرقي بيت المقدس.
حجاباً: ساتراً توارت به منهم.
روحنا: هو جبريل أُضيف إلى الله للتشريف.
سوّياً: أي كامل البنية.
أعوذ: أعتصم والتجأ.
تقياً: مطيعاً.
غلاماً: ولداً ذكراً.

1 . مريم: 16 ـ 22 .

صفحه 214
زكيّاً: طاهراً من الأدناس والأرجاس.
انتقل سبحانه من قصة يحيى المذكورة ضمن قصة إنجاب أبيه زكريا، إلى قصة عيسى (عليه السلام)، وبينهما وجوه من التشابه هي:
1. ولادتهما على خرق العادة حيث إنّ يحيى ولد من أب هَرِم وأُمّ عاقر لا يُرجى منهما الإنجاب، وولد عيسى من أُم عذراء فقط، وكلتا الولادتين على خلاف السنن العادية.
2. انّ المولودين رزقا رشداً ونبوة وهما صبيان .
قال سبحانه في وصف يحيى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَ آتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(1).
وحكى سبحانه عن المسيح أنّه نطق في المهد واصفاً نفسه بأنّه نبيٌ: (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا)(2) .
3. انّ كلاًّ من المولودين كانا برّين.
قال سبحانه في حق يحيى: (وَ بَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)(2).
كما أنّه سبحانه يذكر على لسان المسيح أنّه قال: (وَ بَرًّا بِوَالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْني جَبَّارًا شَقِيًّا)(3).

1 . مريم: 12 .   2 . مريم: 30 .
2 . مريم: 14.
3 . مريم: 32 .

صفحه 215
4. انّ كلاًّ من المولودين قد حُيّيا بالسلام من الله عند ولادتهما، إلاّ أنّ يحيى حيّي بالسلام من الله قال تعالى: (وَ سَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)(1)، أي وسلام الله عليه.
وأمّا المسيح فطلب السلام على نفسه من الله تعالى فقال: (وَ السَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)(2).
وقد سُميّ المسيح كلمة الله ـ وإن كان كلّ شيء في صحيفة الكون خُلِق بكلمة التكوين قال سبحانه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(2) ـ ووجهه: انّ ما سوى المسيح خلقوا عبر الأسباب العادية والعلل الطبيعية، فصار الجميع في مصاف واحد بخلافه، فإنّه فَقَدَ في تكوينه ما جعله الله سبباً للحمل والولادة، وهو تلقيح ماء الرجل لما في رحم المرأة من البويضة الّتي يتكون منها الجنين.
ثم إنّ ظاهر قوله سبحانه: (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي اعتزلت من أهلها وانفردت عنهم إلى مكان شرقيّ بيت المقدس، ولم يذكر ما هي الغاية من انتباذها وانفرادها، فالظاهر أنّها اعتزلت لتتخلّى للعبادة، يقول الطبرسي: أي انفردت من أهلها إلى مكان في جهة المشرق اتّخذته مكاناً تنفرد فيه للعبادة لئلاّ تشتغل بكلام الناس.(3)
وهو خيرة صاحب الميزان قال: فكأنّها اتّخذت الحجاب من دون

1 . مريم: 15 .   2 . مريم: 33 .
2 . يس: 82 .
3 . مجمع البيان: 6 / 410.

صفحه 216
أهلها لتنقطع عنهم وتعتكف للعبادة كما يشير إليه قوله: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِْمحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا)(1).(2)
وعند ذلك وافاها جبرئيل متمثلاً بصورة بشر سويّ، فلمّا شاهدته استعاذت بالله منه.
لكن جبريل أمّنها بأنّه رسول ربها إليها ليهبها غلاماً زكياً.
وقد استعظمت هذا الخبر كما استعظمه زكريا من قبل، فقالت: (أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَ لَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ).
فأُجيبت مريم بمثل ما أُجيب به زكريا، حيث خوطب سلام الله عليه بقوله تعالى: (كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)(2). ونرى هنا أن مريم جاءها الخطاب الالهي: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي سيكون لكِ غلام وإن لم يمسسكِ بشر ولم تقترفي فاحشة، فالله تعالى قادر على ما يشاء، والغاية من هذا العمل الخارق للعادة هو انّه سبحانه يريد أن يجعلك آية لتكوني برهاناً على القدرة، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أُنثى، ويخلق ولدك من أُنثى فحسب. مضافاً إلى أنّ هذا الولد رحمة من الله إلى عباده، كما قال: (وَرَحْمَةً مِنَّا)، فقد بُعِثَ نبياً يدعو إلى توحيد الله سبحانه .
   
ثم إنّ الروح لأجل إزالة الشك والترديد عن نفس مريم، أضاف إلى أنّ ما أخبرها به أمر مقضي، محتّم لا يردّ ولا يبدّل، كما قال: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا).

1 . آل عمران: 37 .   2 . الميزان: 14 / 34.
2 . مريم: 9 .

صفحه 217
 
24

كرامات في ميلاد المسيح (عليه السلام)

قال تعالى: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الَْمخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَ كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَ اشْرَبي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)(1).

مفردات الآيات

انتبذت: اعتزلت.
قصيّاً: بعيداً عن أهلها.
فأجاءها المخاض: أي ألجأها واضطرها الطلق حين تحرّك الجنين للخروج من البطن.
النسي: الشيء الحقير الّذي شأنه أن ينسى ولا يذكر ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل.

1 . مريم: 22 ـ 26 .

صفحه 218
المنسيّ: ما لا يخطر بالبال لتفاهته.
السري: النهر وربما يفسر بالسيد الشريف.
الهزّ: تحريك الشيء بعنف أو بدونه.
تساقط: تُسقط.
رطباً: بُسراً ناضجاً.
جنياً: أي صالحاً للاجتناء.
صوماً: أي صمتاً.
ذكر الله تعالى في هذه الآيات كرامات لمريم وولدها (عليهما السلام)، وهي لا تُعد من المعاجز بل من الكرامات لعدم صدورها منها في مقام التحدي، وذلك أنّ مريم بعد أن استسلمت لقضاء الله ونفخ جبرئيل فيها من الروح، اتّخذت المكان البعيد لوضع الحمل حياءً من قومها، فاتّخذت مكاناً لا تراهم ولا يرونها، وقد كان في ذلك المكان نخلة اعتمدت عليها لسهولة الولادة، فولد المسيح وهي تتفكر في مستقبلها وأنّها كيف تواجه قومها، لأنّهم سيتّهمونها بالريبة، ولذلك تمنّت أن تكون نسياً منسياً.
وفي تلك الحالة المضطربة وافاها المدد الإلهي بصورة متعددّة، منها:
1. سمعت نداءً يقول لها: (أَلاَّ تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)، وهل المنادي في قوله: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) كان المسيح الّذي كان في حجرها ، أو أنّه جبرئيل؟ ويحتمل الأوّل فقد أنطقه الله حين وضعته لإزالة

صفحه 219
الاضطراب عنها حتّى تشاهد بادئ ذي بدأ علو شأن ذلك المولود الّذي بشّرها به جبرئيل (عليه السلام).
وحاصل النداء: لا تحزني قد جعل ربك تحتك غلاماً رفيع الشأن سامي القدر.(1)
وهذا هو أيضاً خيرة صاحب الميزان حيث قال: ويؤيده تقييده بقوله: (مِنْ تَحْتِهَا)، فإنّ هذا القيد أنسب لحال المولود مع والدته حيث الوضع منه لحال المنادي مع من يناديه، ويؤيده أيضاً بالضمائر الراجعة إلى عيسى.
وربما يقال: إنّ الضمير في (فَنَادَاهَا) راجع للروح فإنّها كانت حين الوضع في أكمة (2)، وكان الروح واقفاً تحت الأكمة فناداها من تحتها.
وعلى أي تقدير فقد فسّر «السري» بالغلام رفيع الشأن.
ويحتمل أن يكون السريّ بمعنى «النهر»، ويكون محتوى النداء هو أنّه قد جعل ربك تحتك نهراً جارياً تغتسلين فيه، إذ من المحتمل أن يكون في محل قريب منها نهرٌ انقطع منه الماء من قبل فأجرى الله تعالى فيه الماء لتغتسل فيه وتشرب منه، وربما يؤيد ذلك قوله: (فَكُلِي وَ اشْرَبي وَقَرّي عَيْنًا).
وعلى كل تقدير فإنّ النداء إذا كان من المسيح أو من جبرئيل (عليهما السلام)فهو كرامة من الله سبحانه.

1 . تفسير المراغي: 13 / 45.
2 . وعن الفرّاء: أن الأكمة كل موضع مرتفع ، عن تاج العروس للزبيدي: 1 / 407.

صفحه 220
2. ثم إنّ جريان الماء تحتها كرامة أُخرى على القول بتفسير الآية بالنهر الجاري.
3. وقد وافاها خطاب آخر ذلك أنّها أُمرت بأن تهز جذع النخلة وتحركها بعنف أو بغيره، حتّى تساقط النخلة عليها رطباً جنياً .
وهنا كرامتان:
الأُولى: أنّ هزّ النخلة يحتاج إلى قدرة كبيرة لكي يؤثر فيها ، والمرأة النفساء لا تستطيع هز نخلة، إلاّ إذا قلنا إنّ الهزّ منها كان شكلياً والمحرّك الحقيقي هو الله تعالى.
الثانية: يذكر المفسرون أنّ النخلة كانت يابسة وانّما اخضرّت وأورقت وأثمرت رطباً جنياً لساعتها. والشاهد على ذلك أنّه لو كانت النخلة غير يابسة وكان عليها ثمر، لهزته مريم من غير أن تؤمر بذلك وترشد إليه.
وقد ذكر السيد الطباطبائيوجهاً آخر للدلالة على أنّ النخلة كانت يابسة وهو: أنّ نسبة الهز إلى الجذع والتساقط إلى النخلة لا تخلو من إشعار بأنّ النخلة كانت يابسة .(1)
ولعلّ مراده أن الجذع يطلق على اليابس والنخلة على ما له ورق وثمر، فهي كانت قبل التحريك جذعاً ميتاً وأصبحت نخلة حية بعد الهز.
كانت مريم تفكر في مستقبل أمرها وأنّها كيف ستقدم على قومها

1 . الميزان: 14 / 43.

صفحه 221
وتواجههم؟ وكيف تفسر لهم حملها وولادتها؟ وعندئذ أرشدها النداء الإلهي إلى حل مشاكلها بالطرق التالية:
1. انّها حين تواجه قومها سيتسغربون أمرها، ويتّهموها بما هي بريئة منه ـ كما يحكي سبحانه عنهم بقوله: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَ مَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا )(1) ـ فعليها أن تجيبهم بأنّها نذرت صوماً، وهو الصمت والسكوت .
2. وبما أنّ سكوتها وصمتها لا يردان التهمة عنها فقد أُمرت بالإشارة إلى الطفل ليجيب تساؤلاتهم.
ولذلك أشارت إلى المسيح بعد أن اعتذرت بأنّها نذرت صوماً، فتعجب القوم وقالوا: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)(2)؟ فعند ذلك تكلم وليدُ اليوم وقال: (إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَ أَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْني جَبَّارًا شَقِيًّا)(3).
وفي هذه القصة كرامات عديدة مضت في تفاصيل القصة، إليك الإشارة إليها مختصراً:
1. حمل مريم بلا زوج.

1 . مريم: 28.
2 . مريم: 29 .
3 . مريم: 30 ـ 32 .

صفحه 222
2. النداء الغيبي الّذي يسلّيها بأن لا تحزن .
3. جريان الماء قريباً من مريم على القول بأنّ «سرياً» هو النهر.
4. تحرك جذع النخل بهزّها إيّاه.
5. تساقط الرطب الجني في غير فصله بعد أن أثمرت الشجرة اليابسة.
6. تكلّم المسيح وهو في المهد ببيان فصيح وكلام بليغ.

صفحه 223
 
25

معاجز عيسى (عليه السلام)

قال تعالى: (وَ رَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ وَ أُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(1).
وقال تعالى: (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْرَاةَ وَ الإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ )(2).

1 . آل عمران: 49.
2 . المائدة: 110.

صفحه 224

مفردات الآيتين :

الخلق: التصوير والإبراز على مقدار معيّن لا الإيجاد والإنشاء من العدم، هذا هو المراد في المقام، وأمّا في غيره فيراد به الإنشاء والإبداع كما هو واضح .
الأكمه: الّذي يولد أعمى.
الأبرص: هو الّذي به برص وهو بياض بالجلد يتطيّر به.
الادّخار: الافتعال من الدخر.
ذكر سبحانه في هاتين الآيتين معاجز للمسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)وهي:
1. النفخ في الطين المصوَّر بهيئة الطير وصيرورته طيراً.
2. إبراء الأكمه والأبرص.
3. إحياء الموتى.
4. التنبُّؤ بما يأكل الناس وما يدّخرون في بيوتهم.
وإنّما خصّ المسيح بهذه المعجزات، لأنّ الغالب في زمانه كان هو الطب، فأراهم الله من جنس ماهم عليه لتكون المعجزة أظهر، كما أنّ الغالب لما كان في زمن موسى السحر أتاهم من جنس ذلك ظاهراً بما أعجزهم من الإتيان بمثله، وكان الغالب في زمان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)البيان والبلاغة والفصاحة فأراهم الله تعالى المعجزة بالقرآن الّذي بهرهم ما فيه من عجائب النظم، إذ

صفحه 225
لو أتاهم بما لا يعرفونه لكان يجوز أن يخطر ببالهم أن ذلك مقدور للبشر غير أنّهم لا يهتدون إليه .(1)
إنّ ما ذُكر، يرتبط ببعض معاجزه كإبراء الأكمه والأبرص ويلحق بهما إحياء الموتى، وانّما خُص الأوّلان بالذكر، لأنّ مداواة هذين المرضين أعيت الأطباء، وقد كان الطب متقدماً جداً زمان عيسى (عليه السلام)، فأراهم الله المعجزة من ذلك الجنس.
ثم إنّ المسيح يقيد كل ما يقوم به من المعجزات بقوله: (بِإِذْنِ اللهِ)للدلالة على أنّ صدورها منه مستند إلى الله تعالى من غير أن يستقل عيسى بشيء من ذلك وانّما كرره لئلاّ يضل فيه الناس فيعتقدوا بإلوهيته اعتماداً على المعاجز الصادرة منه، ولذلك نرى أنّه ختم كلامه بقوله: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)(2).
ويظهر من الآيات الواردة في سورة المائدة أنّه كان يقوم بذلك مرّة بعد مرّة حيث إنّه سبحانه يخبر عن قيامه بذلك ويقول: (وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ... وَ تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) كلّ ذلك يدلّ على صدوره عنه (عليه السلام)، بل صدوره أكثر من مرّة وبذلك يعلم عدم صحة ما ذكره صاحب المنار انطلاقاً من منهجه في تفسير المعاجز حيث قال: فإنّ قصارى ما تدلّ عليه العبارة أنّه خُصّ بذلك وأُمر بأن يحتجّ به والحكمة في إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك إقامة الحجة على منكري

1 . مجمع البيان: 1 / 445 .   2 . آل عمران: 51 .

صفحه 226
نبوته كما تقدّم، وأمّا وقوع ذلك كلّه أو بعضه بالفعل فهو يتوقّف على نقل يحتجّ به في مثل ذلك.(1)
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّه يخالف ما ورد في سورة المائدة حيث إنّه سبحانه يخبر عن تحقّقه ويخاطبه به فكيف يمكن أن يكون الغرض مجرد الإخبار دون القيام به.
ثانياً: أنّ الظاهر من قوله (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) أنّه أُرسل إلى اليهود المعروفين بكثرة السؤال والعناد واللجاج فكيف يتصور إقبالهم إليه دون أن يصدر منه ما يدّعي من المعاجز.
ولذلك اعترف القائل في آخر كلامه بوقوع هذه المعاجز منه حيث قال: ولعل آية سورة المائدة أدنى إلى الدلالة على الوقوع من هذه الآية.
ثم إنّ المسيح قيّد كلّ هذه المعاجز بإذن الله. ولم يقيّد إخباره عن الغيب بذلك حيث قال: (وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ) دون أن يقول: (بِإِذْنِ اللهِ) مع أنّ الأنبياء لا يقومون بالمعاجز إلاّ بإذن الله. ولعلّ الوجه في ذلك هو أن الإنباء عن الغيب ليس كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فإنّ الناس أسرع فيها إلى الضلال من الإنباء بالغيب، فإنّ القلوب الساذجة تقبل أُلوهية خالق الطير ومحيي الموتى بأدنى وسوسة ومغلطة وبخلاف أُلوهية من يخبر بالمغيّبات فإنّها لا تذعن باختصاص الغيب بالله سبحانه، بل

1 . تفسير المنار: 3 / 311 .

صفحه 227
تعتقده أمراً معتاداً جائز النيل لكل مرتاض أو كاهن مشعبذ، فكان من الواجب عند مخاطبتهم أن يقيد الآيتين المذكورتين بالإذن دون الأخير .(1)
ثم إنّ الظاهر من قوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) أنّه لم يأت ناسخاً للتوراة، بل جاء مصدّقاً ناسخاً لبعض أحكامها كما يقول: (وَ لأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)(2) حيث حُرّم على بني إسرائيل بعض الطيبات لظلمهم وكثرة سؤالهم.
ويظهر من آية أُخرى أنّ عيسى جاء للقضاء بين بني إسرائيل فيما يختلفون فيه قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ)(3).

كفّ بني إسرائيل عن قتل المسيح

وقد وردت في ذيل الآية إشارة إلى كرامة أُخرى للمسيح وهي أن بني إسرائيل لما قصدوا قتله كفّهم الله سبحانه عنه بألطافه الّتي لا يقدر عليها غيره كما قال: (وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)(2).
ويشير إلى هذا المنع قوله سبحانه: (وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَ مَا قَتَلُوهُ وَ مَا صَلَبُوهُ وَ لَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَ مَا قَتَلُوهُ يَقِينًا)(5).

1 . تفسير الميزان: 3 / 201.   2 . آل عمران: 50 .   3 . الزخرف: 63.
2 . المائدة: 110 .   5 . النساء: 157.

صفحه 228
زعم اليهود أنّهم قتلوا المسيح وصلبوه ولكن القرآن الكريم يكذبهم ويقول: (وَ مَا قَتَلُوهُ وَ مَا صَلَبُوهُ وَ لَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أي ما قتلوه كما ادّعوا، وما صلبوه كما زعموا حتّى شاع بين الناس قتله وصلبه، ولكن وقع لهم الشَّبه فظنّوا أنّهم صلبوا المسيح وهم إنّما صلبوا غيره، وليس من البعيد عادة فإنّ القتل في أمثال تلك الاجتماعات الهمجية والغوغاء ربما يشتبه من يُريدون قتله بغيره .
وربما يذكر بعض محقّقي التاريخ أنّ القصص التاريخية المضبوطة فيه (عليه السلام)والحوادث المربوطة بدعوته وقصص معاصريه من الحكام والدعاة تنطبق على رجلين اثنين مسمّيين بالمسيح وبينهما ما يزيد على خمسمائة سنة: المتقدم منهما مُحِقٌّ غير مقتول، والمتأخر منهما مبطل مصلوب، وعلى هذا فما يذكره القرآن من التشبيه هو تشبيه المسيح عيسى ابن مريم رسول الله بالمسيح المصلوب، والله أعلم .(1)
هذا وقد ذكر المفسرون وجوهاً لطروء الشبهة على اليهود ذكرها الطبرسي في المجمع، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه. (2)
والغرض هنا أنّ إنجاء المسيح من يد اليهود في ذلك التجمع الغوغائي يُعد من الكرامات وخوارق العادات ولا تهمنا كيفية الإنجاء، وإنّما الّذي يهمنا قوله سبحانه: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَ مَا قَتَلُوهُ يَقِينًا).

1 . تفسير الميزان: 5 / 133.   2 . مجمع البيان: 2 / 136 .

صفحه 229
نزول المائدة السماوية على الحواريين   
 
26

نزول المائدة السماوية

على الحواريين

قال تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَ نَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَ آخِرِنَا وَ آيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)(1).

مفردات الآيات

الحواريون: جمع حواري وهو خاصّة الرجل وخلصاؤه، وحواريو الأنبياء المخلصون لهم .

1 . المائدة: 112 ـ 115 .

صفحه 230
المائدة: الخوان الّذي عليه الطعام، أو الطعام نفسه، قال الراغب: الطبق الّذي عليه الطعام ويقال لكل واحد منهما مائدة، ويقال: مادني يميدني أي أطعمني .
العيد: الموسم الديني أو المدني الّذي يجتمع فيه الناس في يوم معيّن من السنة.
إذا كان الحواري هو صاحب السر فلابد أن يصل في إيمانه بالمسيح (عليه السلام)مرتبة عالية تجعله حافظاً لسرّه ومختصاً بما لا يذكره لعامة الناس ويخصهم به لقابليتهم وإيمانهم، ولذلك نرى أنّ الله سبحانه عرفهم بالإيمان بالله ورسوله تارة بقوله: (وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ )(1)، والمراد من الوحي هو ما يلقيه الله سبحانه في نفوس الأحياء من الإلهام كما في قوله تعالى: (وَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)(2) فقد بلغ الحواريون من طهارة النفس وقداسة الروح درجة صاروا صالحين لتلقي الوحي الإلهي كما قال سبحانه: (وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ)
كما بلغوا من الإيمان درجة أعلنوا وبشجاعة نصرتهم للرسول (عليه السلام)عندما قالوا: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)(3) بعد أن سأل المسيح (عليه السلام)وقال: (مَنْ أَنْصَاري إِلَى اللهِ).

1 . المائدة: 111 .
2 . القصص: 7 .
3 . الصف: 14 .

صفحه 231
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في الأُمور التالية:
1. كيفية السؤال وهو يتضمّن الريبة والشك .
2. هل نزلت المائدة أو لا؟
3. ما هو الوجه لتشديد عذابهم ؟
4. ما هي الدوافع لطلب نزول المائدة ؟
فلندرس هذه الأُمور واحداً بعد الآخر.

كيفية السؤال تحكي عن وجود الشك

ظاهر كلامهم: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)أنّهم شكّوا في قدرة الله سبحانه; نعم روي عن بعض القراء (هَلْ تستطيعُ رَبَكَ) مكان (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)أي هل تستطيع سؤال ربك، أي هل يمنعك شيءٌ من سؤال الرب. ولكن هذه قراءة غير مشهورة، والمشهور: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ).
وقد ذكر المفسرون (1) وجوهاً في جواب هذا السؤال كلها غير مقنعة; نعم ذكر صاحب المنار في جوابه وجهاً آخر فقال: إنّ الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة، والمعنى هل يطيعك ويجيب دعاءك ربك إذا سألته ذلك.
ثم قال: إنّ الاستفعال في هذه المادة كالاستفعال في مادة الإجابة، فإذا كان «استجاب له» بمعنى أجاب دعاءه أو سؤاله، فمعنى أطاعه أي انقاد له فصار في طوعه أو طوعاً له .(2)

1 . مجمع البيان: 2 / 264 .   2 . تفسير المنار: 7 / 251 .

صفحه 232
ولا يخفى ما في هذا الجواب من الإشكال: حيث إنّه قاس «استطاع» بـ «استجاب» وهو قياس ممنوع لو قلنا بجوازه في الحكم الشرعي.
والأولى أن يجاب بأنّ الإشكال مبني على حمل اللفظ (يستطيع) على معناه اللغوي، وأمّا إذا كان كناية عن اقتضاء المصلحة والحكمة الإلهية مع تسليم أصل القدرة فلا يرد الإشكال ويكون معنى السؤال: هل تقتضي المصلحة والحكمة إنزال مائدة من السماء لنا أو لا؟ وهذا المعنى ليس ببعيد عن موارده المشابهة، وإلى هذا الجواب يشير العلاّمة الطباطبائي بقوله:
إنّ الاستطاعة في الآية كناية عن اقتضاء المصلحة ووقوع الإذن، كما أنّ الإمكان والقدرة والقوة يكنّى بها عن ذلك كما يقال: «لا يقدر الملك أن يصغي إلى كلّ ذي حاجة» بمعنى أنّ مصلحة الملك تمنعه من ذلك، وإلاّ فمطلق الإصغاء مقدور له .
وكما يقال: «لا يستطيع الغني أن يعطي كلّ سائل» أي أنّ مصلحة حفظ المال لا تقتضيه، ويقال أيضاً: «لا يمكن للعالم أن يبثَّ كلّ ما يعلمه» أي تمنعه عن ذلك مصلحة الدين ومصلحة الناس والنظام الدائر بينهم.
كما يقول أحدنا لصاحبه: هل تستطيع أن تروح معي إلى بيت فلان؟ فالسؤال عن الاستطاعة سؤال عن الحكمة والمصلحة لا أصل القدرة والاستطاعة .(1)

1 . تفسير الميزان: 7 / 230 .

صفحه 233
هل نزلت المائدة أو لا ؟
إنّ الله سبحانه وإن لم يصرّح بنزولها عليهم غير أنّ الآية الأخيرة، أعني قوله: (قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) تشير إلى الوعد المنجز منه بإنزالها من غير تقييد بقيد، ومن المعلوم أنّه سبحانه لا يخلف الميعاد.
وبذلك يظهر أنّ ما نقله ابن كثير في تفسيره ليس بصحيح، حيث قال: وقال قائلون: إنّها لم تنزل، فروى ليث بن سليم عن مجاهد في قوله: (أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء، رواه ابن أبي حاتم.
وقال الطبرسي: والصحيح أنّها نزلت لقوله تعالى: (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ)، ولا يجوز أن يقع في خبره الخلف، ولأنّ الأخبار قد استفاضت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة والتابعين أنّها نزلت.(1)

ما هو الوجه لتشديد عذابهم لو كفروا؟

وهنا أمر ثالث وهو ما هو الوجه في تشديد عذابهم إن لم يؤمنوا بعد نزولها حيث قال سبحانه: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)؟
والجواب: أن هذه المعجزة تمتاز عن بقية معجزات الأنبياء الّتي أتوا

1 . مجمع البيان: 2 / 264 .

صفحه 234
بها على إثر اقتراح أُممهم أو بدون ذلك. فهذه المعاجز الابتدائية تُعد حجة لصدق دعواهم النبوة والرسالة، كقلب العصا إلى ثعبان واليد البيضاء لموسى أو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص للمسيح أو القرآن المجيد للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
فالغرض من هذه المعاجز إظهار الحق وإتمام الحجة على من أُرسلوا إليهم فمن قبل الحق نجا ومن رده هلك.
وأمّا نزول المائدة عليهم فلم يكن من تلك المقولات، لأنّهم طلبوا الإعجاز بعدما ظهر الحق وتمت الحجة، إذ قد رأوا الآيات الباهرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ففي ذلك المقام يصبح طلب المعجزة أمراً زائداً غير لازم على الله سبحانه إجابة نبيّه إذا سأله.
فلو اقتضت الحكمة الإجابة يكون له من الحكمة غير ما للمعجزات الابتدائية الّتي يجب على الله سبحانه تجهيز الأنبياء بها، فاقتراح الحواريين كان من قبيل اقتراح آية بعد آية، وهو ليس أمراً هيناً، ولذلك وبّخهم المسيح بقوله: (اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)وهذا صار سبباً للتشديد عليهم، وهو أن من كفر بهذه الآية بعد أن رأوا الآيات الباهرة فهو يعذب بعذاب لا يعذب به أحد من العالمين.

ما هي الدوافع لطلب المائدة؟

لمّا كان طلب انزال المائدة من السماء الّذي هو طلب آية بعد آيات كثيرة أمراً غير صحيح، بيّن الحواريون الدوافع الّتي دفعتهم لهذ السؤال وهي:

صفحه 235
1. طلب الأكل: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا)، لأنّا محتاجون إلى الطعام، فإنّ الجوع قد غلبنا ولا نجد طعاماً آخر.
2. طلب ازدياد اليقين بمشاهدة نزولها! كما قالوا: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا).
3. أن نكون من الشاهدين على هذه الآية عند بني إسرائيل الذين لم يحضروها أو من الشاهدين لله بكمال القدرة ولك بالنبوة (وَ نَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ).
وعلى كلّ تقدير فنزول المائدة كان كرامة وتكريماً لهم خصّهم الله به.
ثم إنّ الحواريين ذكروا أنّهم يعدّون ذلك اليوم عيداً لأوّلهم وآخرهم، ويتّخذون اليوم الّذي نزلت فيه عيداً يعظمونه هم والذين يأتون بعدهم.
وفي الآية دلالة على أنّه يصح اتّخاذ اليوم الّذي رزقت فيه الأُمّة نعمة كبرى يوم عيد، فبعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت نعمة كبرى، بل أكبر من نزول المائدة من السماء، فيصح للأُمّة أن تتّخذها عيداً، كيف والمائدة السماوية تُشبع البطن وتلبّي الحاجات المادية، وبعثة النبي تلبّي الحاجات المادّية والمعنوية وتُنشئ حياة معنوية لا غاية ولا نهاية لها.

صفحه 236
   
 
27

أصحاب الكهف

قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا )(1).
وقال تعالى: (وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَة سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعًا)(2).

مفردات الآيات :

الكهف: المغارة الكبيرة.
الرقيم: اللوح الّذي رقمت فيه أسماء أصحاب الكهف، وقيل: إنّه اسم كلبهم، وإن كان المعروف عند الرواة هو أنّ اسمه قمطير.
الفتية: جمع الفتى من الفتوة والشباب.

1 . الكهف: 9 ـ 12 .   2 . الكهف: 25.

صفحه 237
فضربنا على آذانهم: أي أنمناهم نومة عميقة لا تنبههم معها الأصوات.
أورد القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف خلال سبع عشرة آية (1)من آيات سورة الكهف، وقد ذكر المفسرون أنّها جاءت جواباً لأحد ثلاثة أسئلة سألها اليهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في مكة عن طريق قريش، فجاء الوحي الإلهي ليكشف لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الأُمور الغيبية، إذ قال في ختام هذه الآيات: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)(2).
وتدلّ الآيات على أنّ جماعة من الشباب كانوا يعيشون في مجتمع وثني فاسد، وقد هدتهم فطرتهم السليمة إلى أنّ عبادة الأوثان لا تغني عن الحق شيئاً، إلاّ أنّ ملك زمانهم كان يعاقب كل من يعترض على هذه العقيدة الفاسدة.
فلم يجدوا محيصاً عن اعتزال قومهم والخروج من مدينتهم واللجوء إلى الكهف حتّى لا يؤخذوا، آملين أنّه سبحانه سوف ينشر لهم من رحمته ويهيئ لهم من أمرهم مرفقا.
وهنا سؤال وهو هل كان لجوؤهم إلى الكهف لأجل البقاء فيه حتّى يختار الله لهم كما يرى ذلك بعض المفسرين.
أم أن ذلك كان أمراً اضطرارياً قاموا به حتى يفكروا في مستقبلهم وكيفية خروجهم؟

1 . الآية: 9 ـ 26.
2 . الكهف: 26.

صفحه 238
وعلى كلّ تقدير فإنّ الله سبحانه قدّر لهم الإنامة سنين عديدة تقدر بثلاثمائة سنة بالشهور الشمسية وثلاثمائة وتسع سنين بالشهور القمرية.
وكان نومهم بشكل يوحي للناظر إليهم أنّهم أيقاظ حيث إنّ عيونهم كانت مفتوحة وأجسادهم طرية يجري الدم في عروقها وهم يتقلبون من جانب إلى آخر، كل ذلك كان جزءاً من آيات الله ولطفه بهم، فهم لا أيقاظ يحسون بمرور الزمن ولا أموات بغير حراك وأنفاس ، ولا يَقدِرُ على ذلك إلاّ الله سبحانه.
والّذي نركز عليه هنا هو أنّ إنامتهم هذه المدة الطويلة وبقاءهم أحياء دون أن تفسد أجسامهم، ودون أن يموتوا جوعاً وعطشاً، كلّ ذلك من آيات الله ومعاجزه.
وأمّا التفاصيل الّتي ذكرتها الآيات الخاصة بالقصة والروايات المتعلّقة بها فهي خارجة عن غرضنا من هذه الأبحاث.
ويلي مثل هذا الإعجاز إخبار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بها، وهو أُمّي لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم عند أحد شيئاً من هذه التفاصيل الواردة في الآيات.
ومن المعاجز العلمية الكبرى في هذه الآيات أنّه حُدّدت مدة لبثهم على تقديرين لئلاّ يعترض مَنْ يَعدّ لبثهم بأحدهما، كما أنّه ذكر اختلاف القصاصين في عددهم ووصف كل ذلك بأنّه رجمٌ بالغيب، قال سبحانه: (سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ

صفحه 239
إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَ لاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا)(1).
لكن نراه أنّه حينما قال: (وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) لم يرد على هذا القول ولعل ذلك يُشعر بكونه هو القول الأصحّ وإن أعقبه كذلك بقوله: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ).
ooo
إلى هناتم ما ذكره القرآن من المعاجز والكرامات في حق أنبياء الله ورسله والصالحين والصالحات، ولنختم هذا البحث بما ورد في القرآن الكريم من المعاجز والكرامات المتعلّقة بنبيناً الأكرم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد مرّ في المقدّمة أنّ معاجزه وكراماته أكثر ممّا ذُكر في القرآن الكريم حيث جمعها الرواة والمحدّثون في كتبهم الخاصّة بسيرته (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . الكهف: 22 .

صفحه 240
 
28

شق القمر

قال تعالى: (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْر مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ)(1).

مفردات الآيات

الآية: المعجزة.
المزدجر: النهي بغلظة.
أطبق أكثر المفسّرين على أنّ المشركين اجتمعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: إن كنت صادقاً فشُقّ لنا القمر فلقتين، فقال لهم رسول الله: إن فعلتُ تؤمنون؟ قالوا: نعم. وكان ليلة بدر، فسأل رسول الله ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فلقتين، ورسول الله ينادي: «يا فلان، يا فلان اشهدوا» (2).

1 . القمر: 1 ـ 4 .
2 . مجمع البيان: 5 / 186 ; تفسير الرازي: 7 / 748، ط. مصر; الكشاف: 3 / 181 .

صفحه 241
وربّما يقال بأنّ انشقاق القمر في الآية راجع إلى يوم القيامة، ولكنّه غير تام لوجهين:
1. انّ انشقاق القمر ورد في الآية بصورة صيغة الماضي حيث قال: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، وحملُهُ على المستقبل حملٌ بلا جهة.
2. انّه سبحانه يقول: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)، والمراد من الآية هي انشقاق القمر، فصار آية معجزة وانشقاقه قبل يوم القيامة لا يعدّ آية، وقد وصفت قريش هذا العمل بالسحر، فلو أُريد به المستقبل لما صحّ وصفه بالسحر، لأنّ ذلك الظرف ظرف الختم على الأفواه واستنطاق الأيدي والأرجل، قال سبحانه: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(1).
ولذلك روى المفسّرون أنّه بعدما انشق القمر قال قائلهم متعنّتاً ومجادلاً: سحركم ابن أبي كبشة. وقد كان المشركون يدعون الرسول الأعظم بهذا اللقب، حيث إنّ أبا كبشة هو أحد أجداد النبي من أُمّه .
وأمّا الجمع بين اقتراب الساعة وانشقاق القمر فهو أنّ الأمر الثاني من آيات نبوة نبينا، كما أنّ نبوته وزمانه من أشراط الساعة. وقد أخبر القرآن عن تحقّق هذين الشرطين (ظهور نبي الإسلام وانشقاق القمر)، قال سبحانه: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)(2).

1 . يس: 65 .
2 . محمد: 18 .

صفحه 242
هذا كلّه حول الآيات المباركة، وأمّا ما ورد في السنّة وكلمات الصحابة فقد جمعه جلال الدين السيوطي في كتابه «الدر المنثور» (1).
نعم قد وقع شق القمر موضع نقاش وجدال عند جماعة أرادت تفسير المعاجز بالطرق العلمية والسنن العادية، وعلى هذا صار شق القمر موضع شك وترديد، لأنّه لا ينطبق على السنن العلمية، وإليك بعض ما أُثير حوله من الشبهات والاعتراضات :
1. ان انشقاق القمر حدث كوني هام، فلو وقع لرآه أهل الشرق والغرب، ودوّنه العلماء والمؤرّخون الأجانب وغيرهم، كما دوّنوا ما هو دونه من الأحداث.
يلاحظ عليه: بأنّه إنّما يتمّ إذا كان في البلاد العربية مراصد للأوضاع الفلكية حتّى يشاهدوا تلك الحادثة ويدوّنوها في كتبهم وسجلاتهم، ولم يكن آنذاك أي مرصد في الحجاز وما حوله، بل أنّ المراصد كانت في الهند والمغرب من الروم واليونان.
وأمّا عدم تسجيل المراصد الغربية هذه الظاهرة الكونية فلأجل أنّ هذه الحادثة وقعت في أوّل الليل ثم التأم بعد الانشقاق بوقت يسير كما تذكره الروايات، وبسبب تأخّر طلوع القمر على بلاد الغرب عن طلوعه على الحجاز، فقد طلع عليهم القمر في تلك الليلة بعد التئامه.
2. ان الانشقاق لا يقع إلاّ ببطلان التجاذب بين النصفين وحينئذ

1 . الدر المنثور: 6 / 133 .

صفحه 243
يستحيل الالتئام فلو كان منشقاً لم يلتئم أبداً.
يلاحظ عليه: أنّه مبني على تفسير المعاجز بالسنن العاديّة، وقد مرّ أن الأساس لإمكان المعاجز ووقوعها هو قدرته سبحانه الّتي لا نهاية لها، فإذا كان الشيء أمراً ممتنعاً بالذات فلاتتعلق به القدرة، وأمّا إذا كان ممكناً في ذاته وممتنعاً عادة، فهذا ما تتعلّق به قدرته سبحانه، قال تعالى: (مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(1).
هذه الشبهات والشكوك شبهات ضعيفة نابعة من زعم ابتناء المعاجز على السنن المتعارفة .
ooo

إشكال واجابة

قال سبحانه: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَة إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً * وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً)(2).
تتحدث الآية الأُولى عن أنّ الله سبحانه لا يُبقي على وجه الأرض قبل يوم القيامة أحداً، فهم بين هالك أو معذب كان ذلك في الكتاب مسطوراً .

1 . الحج: 74 .
2 . الإسراء: 58 ـ 59 .

صفحه 244
والمعذَّبون هم الذين كذّبوا الرسل ومعاجزهم وبراهينهم.
وأمّا الآية الثانية فقد دلّت على انّه سبحانه لا يرسل الآيات المقترحة لوجهين:
1. أنّه سبحانه أرسل تلك الآيات إلى الأوّلين وهم كَذّبوا بها، وبما أنّ طباع قريش لا تختلف عمّن سبقهم فلذا لا يرسل لهم تلك الآيات لعدم الفائدة.
2. أنّه سبحانه قد أرسل بعض الآيات المقترحة إلى قوم ثمود ولكنهم كذبوها ولم يؤمنوا فأخذهم العذاب، فلو أُرسلت تلك الآيات المقترحة إلى قريش وكذبوا بها لعمّهم العذاب، وقد سبق القضاء أنّه سبحانه لا يعذب أُمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ما دام فيهم كما قال: (وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )(1).
فيستنتج من هذين البيانين أنّ شقّ القمر لمّا كان معجزة مقترحة فالله سبحانه لم يرسلها إمّا لأجل عدم الفائدة في إرسالها، أو أنّها تستوجب نزول العذاب لتكذيبهم بها مع سبق القضاء بعدم تعذيبهم والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بين ظهرانيهم .
فلا محيص من القول بعدم وقوع هذه المعجزة وإرجاع ما جاء في القرآن الكريم من شقّ القمر إلى يوم القيامة.
والجواب: أنّ الاستدلال بالآية على المطلوب مبني على أنّ المراد

1 . الأنفال: 33.

صفحه 245
بالآيات في قوله تعالى: (وَ مَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ)مطلق الآيات المقترحة، سواء أكانت مرسلة إلى الأُمم السالفة كالعصا واليد البيضاء، أم لم تكن كشق القمر فعندئذ يتوجّه الإشكال.
وأمّا لو كان المراد من الآيات خصوص الآيات المرسلة إلى الأُمم السالفة وأنّها هي الّتي إذا اقترحها المشركون لا ترسل إليهم فلا يتوجه الإشكال، وتتضيّق دلالة الآية وتختص بالمعجزات الموجودة في الشرائع السابقة إذا اقترحها المشركون، لا كلّ معجزة مقترحة إذا كانت بديعة ولم تكن بين الأُمم الماضية.
والّذي يشهد على المعنى الثاني، هو أنّ اللام في الآيات للعهد والآيات المعهودة ليست إلاّ ما ورد في الآيتين:
1. (قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى)(1).
2. (قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ)(2).
وعلى ضوء ذلك فالآية تخبر أنّه سبحانه لا يرسل مثل هذه المعاجز، لعدم الجدوى في ارسالها، لأنّ طباع المشركين مثل طباع الأُمم السالفة فإنّهم سوف يكذّبوها، كما كذّبت الأُمم السالفة.
وحصيلة الكلام: أنّ الاستدلال بها على عدم إرساله سبحانه آية معجزة مقترحة مبني على تفسير الآيات بكلّ الآيات المقترحة .

1 . القصص: 48 .
2 . الأنعام: 124.

صفحه 246
وأمّا إذا كانت «الآيات» مشيرةً إلى ما أرسله الله إلى الأُمم السابقة فيدلّ على عدم إرسال خصوص هذه الآيات مع النبي دون كل آية مقترحة.
هذا كلّه حول البيان الأوّل.
وأمّا البيان الثاني من أنّ كل آية مقترحة إذا كُذّب بها لعمّ العذاب، فهذا ممّا لا يستفاد من الآية، فإنّ قوله سبحانه : (وَ آتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا) بيان مصداق للضابطة الّتي ذكرها حيث إنّه سبحانه أخبر عن تكذيب الأوّلين ثم أشار بعده إلى مورد من موارد التكذيب، وهو قوم ثمود.
وأمّا قوله في ذيل الآية: (وَ مَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا)يرشد إلى أنّ الغاية من الآيات هو إيجاد الأنذار ليستعقبه الإيمان وسبب المنع عن إرسال الآيات المعهودة هو عدم وجود الغاية، أعني: التخويف في المشركين.
فإن قلت: إذا كان السبب للإرسال هو التخويف، فلازمه عدم إرسال شقّ القمر، لعدم تحقّق الغاية.
قلت: إنّ التعليل مختصّ بما إذا تمّت الحجة على القوم، فعندئذ يُمنعون من المعجزة، وأمّا إذا لم تتمّ الحجّة فلا يتحدّد إرسال المعجزة بالتخويف، بل يحتجّ عليهم بالمعاجز، وإن دلّت القرائن على عدم خوفهم وذلك ليتمّ الحجة عليهم: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة )(1).

1 . الأنفال: 42 .

صفحه 247
 
29

الإسراء والمعراج

اتّفق المسلمون على وقوع الإسراء والمعراج لوجود النص عليهما في الكتاب والسنّة، غير أنّ الإسراء يطلق ويراد به الإسراء من
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأمّا المعراج فيطلق ويراد به
العروج من المسجد الأقصى إلى السماء، وربّما يطلق المعراج على كلا الإسرائين.
وقد تكفّلت ببيان الإسراء سورة الإسراء، وأما الثاني أي العروج من المسجد الأقصى إلى السماء فقد تكفّلت ببيانه سورة النجم.
وربّما يُسأل عن الغاية من هذين العملين الكبيرين، فقد ذكر القرآن تلك الغاية، وهي إراءة الآيات للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) .
يقول ثابت بن دينار: سألت الإمام زين العابدين (عليه السلام)عن الله جل جلاله هل يوصَف بمكان؟ فقال: «تعالى الله عن ذلك».
قلت: فلم أسرى بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى السماء؟

صفحه 248
قال: «ليُريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعِهِ وبدائع خلقته» .(1)
وقال يونس بن عبد الرحمان: قلت لأبي الحسن (عليه السلام)لأي علّة عرج الله بنبيه إلى السماء ومنها إلى سدرة المنتهى ومنها إلى حجب النور وخاطبه وناجاه هناك والله لا يوصف بمكان؟
فقال (عليه السلام): «إن الله لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنّه عزوجل أراد أن يُشرّف به ملائكته وسكّان سماواته، ويكرمهم بمشاهدته، ويُريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبّهون، سبحان الله تعالى عمّا يصفون ».(2)

من الدروس العلمية إلى الدروس العملية

إنّ الله سبحانه أكرم نبيه وأرشده إلى معارفه ومعالم دينه وأحكامه كما أرشده إلى التفكّر في السماوات والأرض وما فيهما من سنن وقوانين، إلاّ أنّ ذلك كلّه كان درساً علمياً ويقيناً فكرياً، ولكنّ الله أكرم نبيه بدرس عملي وهو أن يشاهد بأُمّ عينيه ما تلّقاه بالتفكير، وأن يشاهد من عوالمه وعجائبه ما لا تدركه العقول ولا تبلغه الأوهام.
إنّه سبحانه يصف الطبقة العليا من المؤمنين بقوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَ قُعُودًا وَ عَلَى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ

1 . بحار الأنوار: 18 / 347 ح 57 .
2 . علل الشرائع: 1 / 132، الباب 113 ; بحار الأنوار: 18 / 347 ـ 348 ح 59 .

صفحه 249
وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً)(1).
فهم يشهدون عظمة الخلقة من طريق التفكير ولكن النبي مضافاً إلى الشهود بعين التفكير شهدها عياناً .
إنّ القرآن الكريم ذكر قصة الإسراء في آية واحدة ولم يفصّل، غير أنّ التفصيل جاء في الروايات، ولكنّها ليست على نمط واحد ولا على درجة واحدة من الاعتبار، بل تنقسم إلى أصناف أربعة فيؤخذ بالصحيح ويترك علم ماسواه إلى من رواه. وقد صنّفها الطبرسي إلى أربعة أصناف، وإليك كلامه موجزاً:
قال: تنقسم ـ الأخبار والروايات ـ إلى أربعة أوجه:
أحدها: ما يقطع بصحّته لتواتر الأخبار به، وإحاطة العلم بصحّته مثل أصل المعراج.
وثانيها: ما ورد في ذلك ممّا تجوّزه العقول ولا تأباه الأُصول.
وثالثها: مايكون ظاهره مخالفاً لبعض الأُصول، إلاّ أنّه يمكن تأويله على وجه يوافق المعقول، فالأولى أن نؤوّله على ما يطابق الحق والدليل.
ورابعها: ما لا يصحّ ظاهره ولا يمكن تأويله وهو ما أُلصِقَ وأُلحِقَ بهذه الحادثة من الأساطير والخرافات .(2)
إذا عرفت ذلك فلندرس الآيات الواردة حول الإسراء والمعراج.

1 . آل عمران: 191 .   2 . مجمع البيان: 3 / 395 .

صفحه 250
 
1. الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
قال تعالى: ( سُبْحَانَ الذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(1).

مفردات الآية

سبحان: اسم مصدر للتسبيح بمعنى التنزيه وهو مفعول مطلق حُذف عامله، أي سبّحت الله تسبيحاً.
الإسراء: السري هو السير بالليل يقال: سرى وأسرى أي سار ليلاً، كما يقال: سرى وأسرى به أي سار به ليلاً. والسيريختص بالنهار أو يعمّه والليلَ.
ليلاً: مفعول فيه جيء به لإفادة أنّ هذا الإسراء تمّ في ليلة واحدة، فكان الرواح والمجيء في ليلة واحدة قبل أن يطلع فجرها.
المسجد الأقصى: هو بيت المقدس سُمّي به لبعده عن المسجد الحرام في مكة المكرمة .
لنريه من آياتنا: فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم مع الغير.

1 . الإسراء: 1 .

صفحه 251

الإسراء بالروح والجسد

هل كان الإسراء بالروح فقط، أم كان بالروح والجسد؟
ظاهر الآية يدلّ على الثاني، وذلك للشواهد التالية:
1. صرّح سبحانه أنّه أسرى بعبده، والعبد مجموع الروح والجسد.
2. لو كان الإسراء بالروح فقط لما كان فيه شيء من العجب، ولم يبادر المشركون إلى تكذيبه.
3. تضافرت الروايات على أنّه ركب البراق من بيت أم هاني أُخت الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والإسراء بالروح في غنى عن الركوب على البراق.
نعم ربما يُعدّ السفر من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ذهاباً وإياباً في ليلة واحدة أمراً عجيباً، فقد أخبر سبحانه في كتابه العزيز عن تسخير سليمان الريح الّتي يكون (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَ رَوَاحُهَا شَهْرٌ)(1)، وقد أخبر سبحانه عن حركة أسرع من ذلك، وذلك عندما طلب سليمان من ملئه الإتيان بعرش بلقيس: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ)(2) أي قبل انفضاض المجلس، و (قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ )(3).

1 . سبأ: 12 .
2 . سبأ: 39 .
3 . النمل: 40 .

صفحه 252
فالمؤمن بقدرة الله تعالى لا يتزعزع بهذه الشكوك في وقوع هذه المعاجز.
والعجب أنّ القائلين بالقول الثاني يحتجّون بقول معاوية فإنّه إذا سُئل عن سري رسول الله قال: كان رؤية من الله صادقة!! أو يحتجّون بقول عائشة الّتي كانت تقول: ما فُقد جسد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن أُسري بروحه. (1) أمّا معاوية فقد كان يوم معراجه صبياً وسط المشركين، وأمّا عائشة فقد كانت صغيرة ولم تكن زوجاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
إنّ كلّ من يشكّك في كون الإسراء كان بالروح والجسد يحتجّ بالسنن الطبيعية الّتي لا تتوافق مع هذه السرعة فنراه يقول:
أ. انّ الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة .
ب. أنّه لو صحّ ذلك لكان من أعظم المعجزات، وكان يجب أن يظهره عند اجتماع الناس حتّى يُستدلَّ به على صدقه في ادّعاء النبوة. أمّا أن يحصل ذلك في وقت لا يراه فيه أحد ولا يشاهده فيه مشاهِد، فإنّ ذلك عبث لا يليق بحكمة الحكيم.
ج. انّ حديث المعراج اشتمل على أشياء في غاية البعد.
يلاحظ على الأوّل: بأنّ الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن وليس أمراً محالاً، غير أنّها غير واقعة حسب القدرات البشرية ولكنّها معقولة بالنسبة إلى قدرة الله الوسيعة.

1 . تفسير الفخر الرازي: 20 / 147 .

صفحه 253
إذ غاية ما يترتب على الحركة بهذه السرعة هو أنّ الجسم المادي إذا سار بسرعة الضوء، فإنّ المادة تتحول إلى طاقة. إلاّ أن ذلك سنة طبيعية والله فوق هذه السنن وخالقها فله أن يسلب تلك الخصيصة من المادة والطبيعة.
ويلاحظ على الثاني: أنّ الغاية من الإسراء هي شأن يتعلّق بالنبي ذاته وهو إراءته الآيات العظيمة من بدائع الصنع وروائع الخلق ولم يكن الغرض التحدي بها على الناس حتّى يُسرى به أمام أعينهم.
ويلاحظ عليه الثالث : بما ذكرنا من أنّ المطلوب في المقام هو ثبوت أصل الإسراء، وأمّا الخصوصيات الواردة في الروايات فقد علمت أنّها على أُصناف أربعة، والصحيح منها الأوّل وأمّا الباقي فهي بين مظنون الصدق ومقطوع الكذب، فما كان منها مخالفاً للكتاب والسنّة القطعية والعقل الحصيف فلا يؤخذ به.
هذا كلّه حول إسرائه في الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
بقي الكلام في عروجه إلى السماوات، وهذا ما سنطرحه في القسم التالي.

صفحه 254
 
2. المعراج من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى
قال تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى * لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)(1).

مفردات الآيات

شديد القوى: ذو قوة شديدة، يستطيع في ظلّها تنفيذ ما أمره الله به من الأعمال العظيمة العقلية كحفظ الوحي، والجسمانية كإهلاك الأُمم الطاغية.
مرّة: ـ بكسر الميم ـ حصافة العقل ومتانة الرأي أي ذو حصافة في عقله ورأيه، وربما تفسر بالهيئة والصورة .
استوى: أي مثل وَاستقام على صورته الأصلية الّتي خلق عليها.
الأُفق: اسم للجوّ الّذي يبدو للناظر ملتقى ما بين طرف منتهى النظر

1 . النجم: 5 ـ 18 .

صفحه 255
من الأرض وبين منتهى ما يلوح كالقبة الزرقاء.
دنا: قرب.
تدلى: تعلّقَ بالشيء ، بحيث يتصور الرائي الشيء متدلياً، أي ممتداً إلى جهة السفل قليلاً.
القاب: مقدار الشيء.
القوس: آلة الرمي، ومقدار الذراع.
تذكر الآيات أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رأى جبرئيل (عليه السلام)مرتين على هيئته وصورته الّتي خلقه الله عليها، مرة في أوائل البعثة وأشار إليها بقوله: (...فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى)فرآه على الصورة الّتي خلقه الله عليها لا على الصورة الّتي اعتادها النبي حين كان يبلّغه الوحي، وقد رآه على نفس الصورة في جانب الأُفق الأعلى (مطلع الشمس) وفي مقابل المغرب وهو الأُفق الأدنى.
ثم إنّ جبرئيل دنا من رسول الله على نحو لم يكن بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فاصل مكاني سوى قوسين أي ذراعين بل أقل من ذلك، هذه هي المرة الأُولى.
وأمّا الثانية فهي في عروجه إلى السماء وإليها أشار بقوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) فرآه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عند سدرة المنتهى، والمراد بها مكان الانتهاء والحد الأقصى الّذي يبلغ إليه مخلوق من غير فرق بين الإنسان والملك، ويحتمل أن يكون المراد بها

صفحه 256
منتهى السماوات بدليل أنّ الجنة عندها، والجنة كما هو معروف في السماء كما قال تعالى: (وَ فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ)(1).
فرأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرئيل على الصورة الّتي خلقه سبحانه عليها، عند سدرة المنتهى وكأنّه طاف بالنبي في السماوات حتّى انتهى به المطاف إلى الحد الأقصى الّذي عيّنه سبحانه بسدرة المنتهى، فوقف عنده ولم يتجاوزه إلى غيره.
ثم إنّ جنة المأوى واقعة عند سدرة المنتهى، والمراد من جنة المأوى هو جنة الخلد الّتي يأوي إليها كل مؤمن; قال سبحانه: (أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )(2) .
وقد أجمل سبحانه الكلام في واقع سدرة المنتهى، ولذلك وصفها بقوله: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى).
وبما أنّ كثيراً من المفسّرين اشتبه عليهم المراد في تفسير الآيات الماضية، فلنرجع إلى تفسير الآيات حتّى يتبين ما هو المختار.
(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) المراد من التعليم التبليغ، والضمير في (عَلَّمَهُ)يرجع إلى صاحبكم المذكور في قوله: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوَى)(3).
(ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى)ذُو مِرَّة: وصف لشديد القوى، أي صاحب قوة، أو

1 . الذاريات: 21 .
2 . النازعات: 40 ـ 41 .
3 . النجم: 2.

صفحه 257
عقل حصيف أو هيئة وصورة، ظهر للنبي مستوياً كما خلقه الله تعالى.
(وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى)الضمير يرجع إلى جبرئيل أي ظهر مستوياً للنبي في مطلع الشمس ومشرقها.
(ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) الضمائر الثلاثة في (دَنَا)(فَتَدَلَّى) و (فَكَانَ) ترجع إلى جبرئيل لا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بقرينة ما تقدّمها من الآيات، أي قرب جبرئيل من النبي وتدلى في السماء فلم يكن بينه وبين النبي إلاّ قاب قوسين أو أدنى .
فعند ذلك (أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) الضمير في (أَوْحَى) يرجع إلى الله تعالى بقرينة قوله: (إِلَى عَبْدِهِ).
ثم إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رأى جبرئيل على ما هو عليه دون أن يخطأ في ما رأى كما قال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)، ولمّا أخبر النبي الناس بالحادثة قام البعض بتكذيبه ومجادلته فيما رأت عيناه وآمن به قلبه وعقله، فالله سبحانه يندد بهم لهذا التكذيب بأنّ تلك الرؤية لم تكن الرؤية الوحيدة، بل أنّه رأى جبرئيل على ما خلق عليه مرة ثانية، وهي عند سدرة المنتهى الّتي تقع الجنة في جنبها والسدرة مغطاة بما يعلمه الله سبحانه من الخلائق الدالّة على عظمة الله وجلاله.
ثم يؤكد أنّ الرؤية في تلك المرحلتين كانت رؤية حقيقيّة نقية عن الخطأ، وقال: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى)، أي ما مال بصر رسول الله عن رؤية العجائب الّتي أُمر برؤيتها ومُكِّن منها، ويَخْتمُ القرآن ذكر هذه الحادثة

صفحه 258
بقوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) .
ففي إسراء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعروجه من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى كرامات للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)خصّه الله بها. وقد شاهد في تلك الرحلة الفضائية عوالم غيبية لم تصل إليها يد التجربة البشرية .
ويستفاد أيضاً أنّ جبرئيل خُلق بصورة وهيئة عظيمة تملأ الأُفق الأعلى، ولكنّه عندما يأتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يتمثّل بصورة إنسان، وقد ورد في الروايات أنّه يأتيه بصورة دحية الكلبي.
وليس للإنسان المادي الضئيل في علمه وأدوات تحقيقه أن ينكر هذه العوالم الّتي لم تتطرق إليها العلوم البشرية، نعم قد بدأ شيئاً فشيئاً من خلال الرحلات الفضائية إلى أن يقف على بدائع الصنع وعجائب الخلقة.
ويستفاد من الآيات أنّ جنة الخلد والّتي هي جنة المأوى، مخلوقة وهي عند سدرة المنتهى.

صفحه 259
 
30

مباهلة رسول الله نصارى نجران

قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )(1).

مفردات الآيات

المثل: الشأن الغريب، وهو من باب تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم.
الممترين: الشاكّين.
حاجّك: جادلك.
ذكر المفسّرون أنّ الآيات نزلت في وفد «نجران»: العاقب والسيّد ومن معهما من أهل نجران حيث وفدوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا له: هل

1 . آل عمران: 59 ـ 61 .

صفحه 260
رأيت ولداً من غير ذكر، فنزلت الآيات المتقدمة فقرأها عليهم، فلمّا دعاهم رسول الله إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك، فلمّا رجعوا إلى رجالهم قال لهم الأسقف: انظروا محمداً فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته وان غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء، فلمّا كان الغد جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)آخذاً بيد علي بن أبي طالب(عليه السلام)والحسن (عليه السلام)والحسين (عليه السلام)بين يديه يمشيان وفاطمة (عليها السلام)تمشي خلفه .
وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم، فلمّا رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أقبل بمن معه فسألوا عنهم؟ فقيل لهم: هذا ابن عمه وزوج ابنته وأحب الخلق إليه، وهذان ابنا بنته من علي (عليه السلام)، وهذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه وأقربهم إلى قلبه. وتقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فجثا على ركبتيه. قال أبو حارثة الأسقف: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة، فرجع ولم يقدم على المباهلة، فقال السيد: ادن يا أبا حارثة للمباهلة، فقال: لا إني لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة وأنا اخاف أن يكون صادقاً ولئن كان صادقاً لم يحل ـ والله ـ علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء.
فقال الأسقف: يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ولكن نصالحك فصالحنا على ما ننهض به. فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وروي أنّ الأسقف قال لهم: إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «والّذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم ناراً، ولما حلّ الحول على

صفحه 261
نصراني حتّى يهلكوا كلهم».(1)
يقول المفسّر المعاصر: وقد تواترت الروايات في كتب الحديث والتفسير ومنها صحيح مسلم والترمذي، وتفسير الطبري والرازي والبحر المحيط وغرائب القرآن وروح البيان والمنار والمراغي، وغيرها كثير، على أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج، وعليه مرط ـ أي كساء غير مخيط ـ أسود، وقد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن وفاطمة وعلي يمشيان خلفه، وهو يقول: «إذا دعوت فأمّنوا» فقال الرئيس الديني للوفد: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتُهلكوا، ثم قال: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك. فقال لهم: «أسلموا»، فأبوا، ثم صالحهم على أن يؤدّوا الجزية. (2)
هذا ما ورد في التاريخ حول نزول الآيات الثلاث، وهو يدل على أنّ النبي كان مستعداً للمباهلة الّتي كانت تنتهي إلى اضطرام الوادي عليهم ناراً ومسخهم قردة وخنازير.
والنتيجة وإن لم تتحقّق إلاّ أنّها كانت على وشك التحقّق، ولذلك ذكرناها في قسم المعاجز.

1 . مجمع البيان: 1 / 452.
2 . التفسير الكاشف: 3 / 77 .

صفحه 262
إمداد الجيش الإسلامي بالملائكة في غزوة بدر   
 
31

إمداد الجيش الإسلامي بالملائكة

في غزوة بدر

قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْر وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)(1).
وقال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَ

1 . آل عمران: 123 ـ 125 .

صفحه 263
لِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ )(1).

مفردات الآيات

الإمداد: إعطاء شيء دفعة بعد دفعة.
الفور: الحال الّتي لا بطء فيها ولا تراخي، والمراد بقوله: (مِنْ فَوْرِهِمْ)أي من ساعتهم بلا إبطاء .
مسوّمين: وهو مشتق من السومة ـ بضم السين ـ بمعنى العلامة مقلوب «سمة» وتُطلق السُّومةُ على علامة يجعلها البطل لنفسه في الحرب من صوف أو ريش ملوّن يجعلها على رأسه أو على رأس فرسه، وهي رمز الشجاعة وعدم الخوف من العدو .
البنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين .
شاقّوا: أي عادوا وخالفوا، وسُميت العداوة مشاقّة، لأنّ كلاًّ من المتعاديين يكون في شق غير الّذي يكون فيه الآخر.

1 . الأنفال: 9 ـ 14 .

صفحه 264
الاستغاثة: طلب الغوث وهو التخلص من الشدّة.
مُمِدُّكُمْ: ناصركم ومغيثكم.
مردفين: من أردفه إذا أركبه وراءه والمراد به نزول الملائكة متتابعين.
عزيز: أي غالب على أمره.
يغشّيكم: يغطيكم.
النعاس: فتور في الحواس وأعصاب الرأس يعقبه النوم.
أمنة منه: أي أماناً من الله.
الرجز: الأوساخ.
الربط على القلوب: توطينها على الصبر.
الروع: الخوف الّذي يملأ القلب.
فوق الأعناق: أي الرؤوس.
نزلت هذه الآيات في غزوة بدر، فقد روى أهل السير: ارتحلت قريش من وراء الكثيب وانحدرت إلى وادي بدر صبيحة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، فلمّا رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «اللّهّم هذه قريش قد اقبلتْ بخُيلائها وفخرِها تُحادّك وتكذّب رسولَك، اللهم فنصرك الّذي وعدتني به، اللهم أحنهم الغداة ».
وقد كان العدو ذا طاقة عظيمة متسلحاً بالأدوات الحربية الفتّاكة على

صفحه 265
نحو يصفهم سبحانه بقوله: (وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ )(1)،
فذات الشوكة هي جيش أبي جهل الّذي خرج من مكة لمحاربة النبي، وقوله «وغيرها» عبارة عن العير الّتي كان يسوقها أبو سفيان، أمّا عدد المسلمين فكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، أما العدو فقد قال الواقدي: خرجوا بالجيش، يتقاذفون بالحراب وخرجوا بتسعمائة وخمسين مقاتل وقادوا مائة فرس بطراً ورئاء الناس، وكانت الإبل سبعمائة بعير، وكان أهل الخيل كلّهم دارع وكانوا مائة وكان في الرجالة دروع سوى ذلك.(2)
ولمّا تقابل الجيشان، حاولت قريش أن تعرف عدد المسلمين وعدتهم، فكلّفوا عمير بن وهب الجمحي بأن يخمّن عدد أصحاب محمد، فاستجال بفرسه حول عسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم رجع إلى قريش، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتّى انظر أللقوم كمينٌ أو مددٌ؟ فضرب في الوادي حتّى أبعد ولكنه لم يرَ شيئاً فرجع إلى قريش ثانيةً وهو يحمل لهم خبراً مرعباً إذ قال: ما وجدت شيئاً (أي كميناً أو مدداً وراء المسلمين) ولكني قد رأيت يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضحُ يثرب تحمل الموت الناقع، قومٌ ليسَ مَعَهُم منعةٌ ولا ملجأ إلاّ سيوفهم.
والله ما أرى أن يُقتل رجلٌ منهم حتّى يقتلَ رجلاً منكم، فإذا أصابوا

1 . الأنفال: 7 .
2 . المغازي: 1 / 39 .

صفحه 266
منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فرَوا رأيكم .(1)
ومع ذلك كان المسلمون يستغيثون ويستنجدون بربهم يوم بدر من أعدائهم ويسألونه النصر عليهم لقلّتهم وكثرة العدو، فلم يكن لهم مفزع إلاّ التضرع إليه ودعاؤه سبحانه في كشف الضر عنهم وطلب المعونة، ولذلك فقد أمدّهم الله بالملائكة.
ثم إنّ عدد الملائكة الذين أمد الله بهم المسلمين كانوا ألفاً كما يقول: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ) أي مرسل إليكم مدداً (بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ)، ولكن الظاهر ممّا ورد في سورة آل عمران أنّه سبحانه أمدهم بثلاثة آلاف من الملائكة حيث قال: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ)، ووجه الجمع بين الآيتين أنّ المراد من قوله: (مُرْدِفِينَ)أي متتابعين، أي يردفهم بغيرهم من سائر الملائكة، فلو كان عدد هذا الغير من الملائكة ألفين ينطبق على ثلاثة آلاف .
وأمّا تفسير المردفين بمتبعين ألفاً آخر من الملائكة فلا يرفع التنافي، إذ عندئذ يكون عددهم ألفين لا ثلاثة آلاف.
هذا على القول بأنّ ما ورد في سورة آل عمران يرجع إلى غزوة بدر كما هو الظاهر، وأمّا لو قلنا برجوعه إلى غزوة أحد كما عليه بعض المفسّرين فعدم التنافي واضح، لكن سياق الآيات يشهد على وحدة مورد العددين.

1 . المغازي للواقدي: 1 / 62.

صفحه 267
والشاهد عليه قوله سبحانه: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْر وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ) .
فإنّ الظاهر أنّ الظرف في قوله: (إِذْ تَقُولُ) متعلق بـ (نَصَرَكُمُ).
ثم إنّه سبحانه أمّد المسلمين في معركة بدر بأُمور نذكر منها ما يلي:
1. إنزال الملائكة مردفين متتابعين.
2. تغطيتهم سبحانه بالنعاس كما قال: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)، أي إذ يغشيكم الله بالنعاس، واسناده إلى الله سبحانه لأجل أنّه قدّر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، ولذلك كان النعاس أمنة لهم منه سبحانه، لأنّهم لما ناموا زال أثر الخوف من نفوسهم فتلك نعمة، وعلى هذا فالضمير في ( أَمَنَةً مِنْهُ) يرجع إلى الله .
3. إنزال الماء من السماء ، فادخروا الماء فغسلوا به ثيابهم وأبدانهم، واغتسل من اغتسل من الجنابة، وإليه يشير قوله (رِجْزَ الشَّيْطَانِ) .
وأمّا الملائكة فأَمدّوهم بالأُمور التالية:
أ. تثبيت قلوب المؤمنين وإزالة الاضطراب النفساني من نفوسهم، وهو الاضطراب النابع من الخوف وعدم استقرار الرأي، ولعل التثبيت كان بإلهامهم أنّهم منصورون، وبذلك شحّذ هممهم.
وفي مقابل ذلك ألقى سبحانه الرعب في قلوب الذين كفروا، وإنّما أسند التثبيت إلى الملائكة وإلقاء الرعب إلى نفسه، لأنّ الملائكة كانوا

صفحه 268
ملائكة نصر فلا يليق بهم إلقاء الرعب.
ب. ضرب المشركين فوق الأعناق الّذي مرجعه إلى إتلاف أجساد المشركين.
ج. ضرب بنانهم الّذي مرجعه إلى عدم صلاحية المضروب للقتال.
وظاهر الآية أنّ الملائكة قامت بهذه الأُمور مباشرة، وأمّا تفسيرها بتسديد ضربات المسلمين وتوجيه المشركين إلى جهة الضربات ، فهو على خلاف ظاهر الآية.

صفحه 269
   
 
العقوبات الإلهية
سبق الكلام في الفصول المتقدّمة عن المعاجز والكرامات الّتي جُهّز بها الأنبياء لإثبات دعواهم في أنّهم مرسلون من الله سبحانه، أو للتفضّل على قسم من عباد الله كما هو الحال في كراماتهم، وكلّ ذلك من العوالم الغيبية.
ولمّا كان موضوع الكتاب هو مطلق العوالم الغيبية فقد رأينا أن نردف البحث بالكلام عن العقوبات السماوية الّتي أنزلها الله سبحانه لإهلاك الأُمم والأقوام الخارجة عن طاعته تعالى، وهذا أيضاً جزء من العوالم الغيبية.
قال تعالى: (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(1).

مفردات الآية

الحاصب: الريح العاصفة الّتي فيها الحصباء، وهي الحصا الصغار.
الخسف: سوخ الأرض بما عليها.
نرى أنّ القرآن الكريم يذكر لنا أنّ الأُمم الظالمة قد تم هلاكها بأحد العقوبات التالية:

1 . العنكبوت: 40.

صفحه 270
أ. الحاصب، الّذي أهلك قوم لوط.
ب. الصيحة، الّتي أهلكت قوم ثمود.
ج. الخسف، الّذي أُهلك قارون به.
د. الغرق، الّذي أهلك قوم نوح وفرعون وهامان وجنودهما.
ثم إنّه يذكر في ذيل الآية المتقدمة بأنّ إبادتهم لم تكن اعتباطية، بل هي مقتضى ظلمهم لأنفسهم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .
ooo
وانطلاقاً من ذلك نقول :
يظهر من غير واحد من الآيات بأنّ للعالم من سمائه وأرضه بالنسبة لأعمال الإنسان من خير وشر «ردّ فعل» يناسبها ، وانّ منزّل البلاء وإن كان هو الله سبحانه غير أنّ للسماء والأرض وما فيهما دوراً في وصول الخير والشر إلى الإنسان. كلّ ذلك بإذن منه.
وبما أنّ هذا الأمر يتوقّف على وجود الشعور في كافة الموجودات السماوية والأرضية نطرح ذلك على ضوء ما ورد في القرآن الكريم فنقول:
إنّ الآيات والأحاديث تدلّ على أنّ الشعور سار في عامة الموجودات من جمادها إلى عقولها المجردة، كلٌ حسب درجة وجوده، وقد كان السيد الأُستاذ الإمام الخميني (رحمه الله) يستدلّ على ذلك ببرهان فلسفي وكان يقول: إذا

صفحه 271
كان الوجود في عامة المراتب حقيقة واحدة مختلفة في الشدة والضعف ـ كما عليه روّاد الحكمة المتعالية ـ فلازم ذلك أنّه إذا حاز الوجود في درجة من الدرجات كمالاً ـ كالعلم والقدرة كما في الحيوان والإنسان ـ لزم تحقّقه في الدرجة الدانية أيضاً، وذلك لأنّ منشأ الكمال في الدرجة العالية هو حقيقة الوجود، والمفروض أنّها محفوظة في الدرجة الدانية. وتصور أنّ الكمال في بعض الدرجات ـ كالحيوان ـ إنّما هو مقتضى شدة الوجود فيها، غير «تام»، لأنّ الشدة ليست شيئاً وراء الوجود فإنّما هي شدة الوجود «وليس في الدار غيره ـ الوجود ـ ديّار»، والمفروض أنّ حقيقة الوجود محفوظة في عامة المراتب، فيلزم سريان الكمال فيها لكن حسب درجة وجود الشيء.
ثم إنّ هذه الحقيقة الفلسفية قد كشف عنها القرآن الكريم في العديد من الآيات، الّتي منها:
1. قوله سبحانه: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَ الأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً)(1).
ففي صدر الآية يذكر الله سبحانه أنّ الأجرام السماوية (من السيارات إلى المجرّات) تسبّح بحمده ثم يعقب ذلك بذكر تسبيح عامة الموجودات بقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيء) وهذا يشمل الجمادات وما فوقها من مراتب الوجود.

1 . الإسراء: 44 .

صفحه 272
وربّما يفسر البعض تسبيح هذه الموجودات بأنّ النظام البديع السائد فيها يدلّ على أنّ خالقها عالم قادر حكيم إلى غير ذلك من الصفات الكمالية لله تبارك وتعالى .
يلاحظ على ذلك التفسير بأنّه صحيح في حدّ نفسه لكن الآية تدلّ على شيء وراء ذلك، وهو أنّ هذا التسبيح صادر عن وعي وشعور من هذه الأشياء، وهذا هو الّذي لا يفقهه الناس، وأمّا التسبيح بالمعنى المذكور فهو أمر يفهمه كلّ واحد منّا إذا تدبّر وتأمّل.
2. قوله سبحانه: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ)(1).
يذكر سبحانه أنّ بعض الحجارة ربّما يهبط من خشية الله.
ومعنى ذلك أنّ الحجارة بلغت من الشعور بعظمة الله تعالى إلى حدّ تخشع وتخضع لله تعالى الذي تنتهي إليه سلسلة الوجود، وأمّا تفسير الآية بأنّ هذا مبني على الافتراض، أي لو وجد في الحجارة فهم وشعور لهبطت من خشية الله، فهذا عدول عن ظاهر الآية.
وعلى ضوء سريان الشعور في عامة الموجودات، فالآيات التالية تحكي أنّ للعالم بالنسبة لأعمالنا وأفعالنا رد فعل تجاهها، لاستشعار الموجودات بحقائق ما يصدر عن الإنسان إن كانت خيراً فخير، وإن كانت شراً فشر.

1 . البقرة: 74 .

صفحه 273
3. قوله سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ وَ لَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(1).
فالآية تدل على وجود العلاقة بين الإيمان والتقوى وفتح البركات من السماء والأرض، كما تدلّ على وجودها بين تكذيب الأنبياء وارتكاب المعاصي ومنع نزول البركات.
ولعلّ قائلاً يقول: إنّ العلم المادّيّ الدارج لم يدرك تلك العلاقة بين كلا الأمرين فكيف يمكن أن نؤمن بها؟ ويستغرب الإنسان من أن تكون هناك علاقة بين عمل الإنسان ورد فعل السماء والأرض.
ولكن الإشكال أو الاستغراب في غير موضعه، لأنّ العلم له حق القضاء في العلاقات والروابط المادية دون غيرها، فله أن يكشف عن وجود العلاقة بين ميكروب الملاريا والحمى وصفار الوجه، لأنّ الأداة الّتي هي التجربة قادرة على كشف هذه العلاقة.
وأمّا الأُمور الخارجة عن إطار التجربة ـ كما هو الحال في المقام ـ فليس للعلم حق القضاء فيها لا إثباتاً ولا نفياً، نعم للوحي الإلهي حق القضاء بين التقوى ونزول البركات لإحاطة الله بالغيب والشهادة وعالم المادّيات والمعنويات.
4. قوله سبحانه حاكياً عن نوح: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ

1 . الأعراف: 96.

صفحه 274
غَفَّارًا)(1) فقد أمر قومه بالاستغفار والرجوع من الباطل إلى الحق ومن الغيّ إلى الصلاح، ثم حكى عن وجود العلاقة بين الاستغفار وبين الأُمور الأربعة الّتي فيها بركات ونعم لهم وقال: ( يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَ بَنِينَ * وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات * وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)(2).
فقد أخبر نوح قومه بعلم غيبي عن وجود العلاقة بين طهارة المجتمع من الظلم والفساد وإغداق البركات عليهم عن طريق الأمطار الهاطلة وكثرة الأموال والبنين وازدهار البساتين والمزارع، وجريان المياه ووفرتها في الأنهار.
وليس للعالِم الّذي يعمل في المختبرات أن يحوم حول تلك العلاقة لخروجها عن إطار صلاحيته ومؤهّلاته.
5. قوله سبحانه: (وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا )(3) .
والآية تحث ولي اليتيم أن يتصرف بمال اليتيم كما يحب أن يُفعل بأموال أيتامه بعد موته هو، وقيام غيره بشؤونهم.
ومع ذلك يحذره سبحانه بأنّه لو أساء التصرف في أموال الأيتام، فلربما يسيء شخص آخر التصرف بأموال أيتامه.

1 . نوح: 10 .
2 . نوح: 11 ـ 14 .
3 . النساء: 9.

صفحه 275
وهنالك علاقة بين سوء العمل بأموال أيتام الآخرين وسوء العمل بأموال أيتام الإنسان الّذي تولى مال اليتيم برهة من الزمان.
روي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)أنّه قال: إنّ الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين ثنتين أمّا إحداهما فعقوبة الآخرة النار، وأمّا الأُخرى فعقوبة الدنيا، قوله سبحانه: (وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ) .
قال: يعني بذلك يخشى ان أُخلفه في ذريته كما صنع هو بهؤلاء اليتامى» .(1)
ولعلّ وجهه هو انّ إساءة العمل إذا شاعت بين الناس ربّما يَتّخذِ العمل لنفسه مجوزاً ومبرراً بين الناس، ويعتادون عليه، فتكون النتيجة إساءة العمل لكل الأيتام الذين منهم أيتام المسيء نفسه .
وكما أنّ الآيات تؤكد على هذه العلاقة نرى أنّ الأحاديث الشريفة تؤكدها أيضاً وبمختلف الطرق :
1. فها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إذا كثر الزنا كثر ] موت [ الفجأة» .(2)
فالحديث يكشف عن الرابطة بين العمل الجنسي غير المشروع وموت الفجأة، وربّما يموت فجأة من لا يقترف تلك الفاحشة، ومع ذلك إذا كثر ذلك العمل القبيح فإنّه سوف يسبّب شياع موت الفجأة في أفراد المجتمع.

1 . تفسير العياشي : 1 / 223، الحديث 38. (سورة النساء).
2 . بحار الأنوار: 79 / 27.

صفحه 276
2. قال الإمام الرضا (عليه السلام): «إذا كذبتْ الولاةُ حُبس المطر، وإذا جار السلطان هانت الدولة، وإذا حبست الزكاة ماتت المواشي» .(1)
3. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حَصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة» .(2)
فالحديثان يؤكّدان على وجود العلاقة بين كذب الولاة وحبس السماء بركاتها، أو على وجودها بين الصدقة وتحسّن حال المرضى، وهذا ما لا يمكن للبشر أن يقف عليه عن طريق المختبرات، وإنما يفهمه من يستمد علمه من علم الله سبحانه المحيط بكلّ شيء.
وفي الدعاء الّذي علمه مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)لكميل بن زياد تصريحات واضحة بتأثير الذنوب في هتك العصم ونزول النقم وتغيّر النعم، فقد علمه (عليه السلام)أن يناجي الله سبحانه بالنحو التالي:
اللهم اغفر لي الذنوب الّتي تهتك العصم.
اللّهم اغفر لي الذنوب الّتي تُنزل النقم.
اللّهم اغفر لي الذنوب الّتي تُغيّر النعم.
وبهذا نكون قد خرجنا بالنتيجة التالية وهي:
أنّ للدهر والزمان رد فعل بالنسبة لأعمال الإنسان الصالحة والطالحة،

1 . وسائل الشيعة: 9 / 31، كتاب الزكاة باب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 29 .
2 . وسائل الشيعة: 9 / 24 ، كتاب الزكاة الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 8 .

صفحه 277
وكأنّ للدهر عيناً وسمعاً يرى ويسمع بهما فعل الإنسان وكلامه فلا يمر عليه مروراً حيادياً، بل ينفعل ويتأثر به، فتارة تُفتحُ أبواب الرحمة وتارة تُغلق، وربّما تكثر البركات أو تمنع السماء بركاتها.
كل ذلك سنّة من سنن الله سبحانه أجراها على الخليقة.
وعلى ضوء ذلك فالعقوبات السماوية الّتي يذكرها القرآن المجيد النازلة على الأُمم الطاغية مظهر من مظاهر هذه السنّة الّتي كشفت عنها الآيات القرآنية الكريمة، وهذا ما سندرسه في هذا الفصل حسب التسلسل التاريخي لأنبياء الله (عليهم السلام).

صفحه 278
 
1

استئصال قوم نوح بالطوفان

إنّ النبي نوحاً (عليه السلام)قد بذل جهده وأفنى طاقته في سبيل هداية قومه ولكنّهم تولّوا عنه إلى حدٍّ يأس فيه ذلك النبي المجاهد من هدايتهم، وعند ذلك وافاه الوحي الإلهي بالخطاب التالي: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(1)، فصار ذلك سبباً لأن يتوجه إلى الله سبحانه بالدعاء عليهم قائلاً: (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَ لاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا )(2).
استجاب الله سبحانه دعاء نبيه فبدأت الأرض تفيض بالماء دفاقاً، والسماء تهطل بالمطر تهطالاً، حتّى امتلأت الوديان واختفت قمم الجبال الرواسي، لتحلّ محلّها جبال من أمواج متتابعة تشمخ في أبحر ثائرة، ولم يبق هناك إلاّ سفينة أُتقن صنعها بوحي من الله، تجري وسط ذلك العباب الزاخر بعين الله.

1 . هود: 36.
2 . نوح: 26 ـ 27 .

صفحه 279
قال تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُنْهَمِر * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ )(1).
وحينئذ هلك الكافرون غرقاً ونجا نوح ومن آمن به وما رافقه في السفينة.

1 . القمر: 11 ـ 12 .

صفحه 280
 
2

استئصال قوم عاد بالريح المدمّرة

شاءت إرادة الله سبحانه أن تستمر خلافة الإنسان في الأرض بعد أن أهلك قوم نوح بذنوبهم، فأنشأ من بعدهم أُمماً ومنها قوم عاد الذين أَرسل إليهم الله سبحانه النبي هود (عليه السلام) ، فأدّى رسالة الله ودعاهم إلى عبادته وحده والتنزّه عن عبادة غيره، وأنذرهم من عذاب الله يوم القيامة، إلى غير ذلك من الأُصول الّتي دعا إليها سائر الأنبياء. وكانت سيرة هود ـ كمن سبقه من أنبياء الله ـ تتصف بأنّه لم يطلب من قومه أجراً على دعوته، ولكن وعلى رغم ذلك فإنّهم قد اتّهموه بالخبل والسفاهة والكذب، واعترضوا عليه باعتراضات واهية منها ; أنّه بشر، وأنّه لم يأت بشيء جديد إلاّ بأساطير الأوّلين.
وعند ذلك أوعدهم هود بعذاب الله تعالى فاستخفوا بتهديده ووعيده فقالوا: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ )(1)، فقال لهم هود: (عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ)(2)، فعند ذلك وافاهم العذاب كما يحكيه سبحانه

1 . الأعراف: 70 .   2 . المؤمنون: 40 .

صفحه 281
ويقول: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيء بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)(1).
فقد تصور القوم في بادئ أمرهم أنّه عارض سوف يمطرهم ويسقي زروعهم ففرحوا به، ولكنّهم كانوا جاهلين بحقيقته حيث إنّه كان ريحاً عاتية باردة مهلكة استغرق وقت هبوبها سبع ليال وثمانية أيّام متتالية تناثرت بعدها أشلاء القوم على وجه الأرض كأنّها أُصول نخل بالية مطروحة على الأرض، وكانت هذه الأيّام الثمانية أيّام شؤم عليهم كما قال سبحانه: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَثَمَانِيَةَ أَيَّام حُسُومًا فَتَرى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَة * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة)(2).
وتدلّ بعض الآيات على أنّ الريح كانت مرفقة بالصاعقة وهي الصوت الشديد كما يقول سبحانه: (أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ)(3).

1 . الأحقاف: 24 ـ 25 .
2 . الحاقة: 6 ـ 8 .
3 . فصلت: 13.

صفحه 282
 
3

إهلاك قوم ثمود بألوان العذاب

عاش قوم ثمود بعد قوم هود بدليل قوله سبحانه على لسان نبيه صالح: ( وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَاد )(1).
وكان قوم ثمود يسكنون في طرازين من البيوت ; البيوت المنيفة المبنية في السهول وكانوا يقيمون فيها صيفاً، والبيوت المنحوتة في الجبال وكانوا يقيمون فيها شتاءً .
وقد أرسل الله سبحانه نبيه صالحاً إليهم فدعاهم إلى عقيدة التوحيد وطاعة الله وتقواه وإلى تحرير أفكارهم من رتق التقليد.
فاتّهموا صالحاً ـ كسائر من تقدّمه من الأنبياء ـ بألوان التهم وواجهوه باعتراضات كثيرة.
ومن التهم الّتي أطلقوها كونه مسحوراً أو كونه شؤماً. وقد اقترح قومه عليه أن يأتيهم بمعجزة وهي أن يخرج لهم من أحد الصخور ناقة وقالوا: إن فعلت ذلك صدقناك وآمنا بك، فسأل صالح ربه ذلك، فانصدعت الصخرة

1 . الأعراف: 74.

صفحه 283
صدعاً كادت عقولهم تطير منه ثم اضطربت كالمرأة يأخذها الطلق، ثم انصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء، ومع ذلك لم يأمنوا به حتّى قاموا بعقر الناقة، فعند ذلك عمّهم العذاب بألوان عديدة، وقد عبر القرآن عن نوع هذا العذاب الّذي أُهلك به قوم ثمود بتعابير مختلفة:
1. الرجفة (وهي الاضطراب والاهتزاز الشديد) كما قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)(1).
2. الصيحة (وهي الصوت الشديد)، قال سبحانه: (وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)(2).
3. الصاعقة (وهي البرق الشديد ثم الرعد)، قال سبحانه: (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ)(3).
وقد انطوت حياتهم الصاخبة بالظلم والمجون في لحظة واحدة: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِثَمُودَ)(4) .

1 . الأعراف: 78.
2 . هود: 67 .
3 . الذاريات: 44.
4 . هود: 68 .

صفحه 284
 
4

إهلاك قوم لوط بأنواع العذاب

كان لوط (عليه السلام) قد آمن بدعوة إبراهيم الخليل (عليه السلام)الّذي بعث في أرض بابل ثم رافقه في هجرته إلى الأرض المباركة فلسطين، قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(1).
ولما استقر في بلاد الأردن وأقام في إحدى مدنها الّتي تسمى (سدوم)، ويعبر القرآن عن هذه القرية وما حولها من القرى الصغيرة بالمؤتفكات (2)، بعثه الله إلى هداية أهلها فدعاهم إلى الإيمان بالله وطاعته وحذرهم من مغبة أعمالهم خصوصاً ممارسة الفاحشة النكراء الّتي ابتدعتها نفوسهم المريضة، ومع ذلك كله لم يؤثر فيهم حيث كان أهلها يقطعون الطريق ويمارسون مع المارة عمليات السلب والشذوذ الجنسي ويتعاطون في مجالسهم كل رذيلة ومنكر وفساد.
فعارضه قومه وهددوه بإخراجه من قريتهم كما قال سبحانه: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)(2).

1 . العنكبوت: 26.   2 . التوبة: 70 .
2 . الشعراء: 167 .

صفحه 285
فعند ذلك قضت مشيئة الله سبحانه بتطهير الأرض من الفاسقين الذين أمعنوا في ارتكاب الفواحش ولم يبق بصيص من الأمل في انتشالهم من هذا الوحل، فأرسل الله سبحانه إلى لوط ملائكة على صورة البشر وأنبؤه بالأمر الإلهي القاضي بإهلاك قومه الفاسقين وقطع دابرهم فأهلكهم بأسباب مختلفة هي:
1. الصيحة (وهي الصوت الشديد) كما قال سبحانه : (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ )(1).
2. قلب الأرض أسفلها أعلاها كما قال سبحانه: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)(2)، ولعلّ ذلك حدث بسبب خسف في الأرض على نحو قلبت فيه الأرض فصار أسفلها أعلاها وهم يحاولون الخروج من بيوتهم فتبعتهم آية أُخرى وهي:
3. الإمطار بالحجارة، قال سبحانه: (وَ أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل)(3)، ويستفاد من بعض الآيات أنّه سبحانه أنزل عليهم رجزاً من السماء كما قال: (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(4)، ولعلّ المراد من الرجز هو إخافتهم بالصيحة، وإمطارهم بالحجارة.

1 . الحجر: 73 .
2 . هود: 82.
3 . الحجر: 74.
4 . العنكبوت: 34.

صفحه 286
 
5

إهلاك قوم شعيب بالرجفة والصيحة

يظهر من القرآن الكريم انّه سبحانه أرسل شعيباً لنشر عقيدة التوحيد بعد إبادة قوم لوط بشهادة أنّ قصته قد وردت بعد قصة لوط في مواضع من القرآن الكريم، نذكر منها مورداً واحداً:
قال تعالى: (وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ) والآية راجعة إلى قوم لوط، ثم قال سبحانه: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)(1).
وشعيب أحد أنبياء العرب الذين بعثهم الله تعالى لهداية الناس، فدعا قومه ـ على سنن الأنبياء السابقين ـ إلى التوحيد ونبذ الشرك والإيمان بيوم القيامة وحفظ الحقوق في المعاملات وإيفاء الكيل والميزان والنهي عن الإفساد في الأرض.
وقد واجهه قومه فاتّهموه وأثاروا الشبهات في وجه دعوته، ومن هذه الشبه:
ضعف المكانة الاجتماعية لشعيب كما حكى الله عزوجل قولهم: (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا)(2).

1 . العنكبوت: 35 ـ 36 .   2 . هود: 91.

صفحه 287
ولمّا يأس شعيب من هدايتهم واسترشادهم أنذرهم بالعذاب، ومع ذلك فالمغفلون لم ينتبهوا من نومتهم وغفلتهم وأصروا على السخرية والتكذيب فقالوا: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(1).
ولما تمت الحجة عليهم أهلكهم الله سبحانه كما يقول: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْم عَظِيم)(2)، والظلة هي السحابة الّتي استظل بها قوم شعيب من حر أصابهم فأمطرت عليهم ناراً فأحرقتهم جميعاً .(3)
وقد عبّر سبحانه عن إهلاكهم بالرجفة والصيحة، قال سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)(4).
وقال تعالى: (وَ لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)(5).
فحقت عليهم كلمة العذاب وهلكوا: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا)(6).

1 . الشعراء: 187 .
2 . الشعراء: 189.
3 . مجمع البيان: 4 / 202.
4 . الأعراف: 91.
5 . هود: 94.
6 . هود: 68 .

صفحه 288
 
6

إهلاك فرعون وعساكره بالغرق

بعث الله سبحانه موسى الكليم (عليه السلام)إلى آل فرعون ليصدّهم عن عبادة غير الله أوّلاً، وعن استعباد بني إسرائيل ثانياً، ولكنّهم وقفوا بوجهه واتّهموه بتهم عديدة وسعوا إلى إطفاء نور الله بقتل موسى الكليم، كما يقول سبحانه ـ ذاكراً فرعون ـ : (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعًا)(1) .
فعند ذلك تعلّقت مشيئته سبحانه بإهلاك آل فرعون بالغرق في البحر، فأمر موسى أن يسير ببني إسرائيل ليلاً من أرض مصر إلى سيناء، وكان البحر هو الحد الفاصل بين مصر وتلك المنطقة، فأمر سبحانه موسى أن يضرب بعصاه البحر لينفلق حتّى يعبر هو وقومه عن هذا الطريق كما يقول سبحانه: (وَ لَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَ لاَ تَخْشَى)(2) .

1 . الاسراء: 103.
2 . طه: 77 .

صفحه 289
أمره بالسير في الليل لئلاّ يطلع عليه آل فرعون، فعبر هو وقومه عن الطريق اليابس في البحر دون أن يخافوا إدراك فرعون من خلفهم ودون أن يخشوا البحر، وعندما اطّلع فرعون على خروج بني إسرائيل وسيرهم بالليل إلى ساحل البحر ثارت ثورته، فقاد قومه إلى جانب البحر حتّى يُلقي القبض عليهم، فحاق به وبقومه عذاب الله سبحانه حيث دخلوا الطريق الّتي اجتازها بنو إسرائيل بزعم أنّها طريق يابس، عند ذلك غشيهم من اليمّ ما غشيهم فأطبق الماء عليهم من كلا الطرفين، وأهلكتهم الأمواج العاتية الّتي كانت تدفع فرعون ومن معه من مكان إلى مكان آخر .
ولمّا أحس فرعون بأنّه على قرب قدم من الموت أظهر إيمانه بدعوة موسى قائلاً: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(1)، ولما كان الإيمان حين نزول العذاب إيماناً غير نابع من صميم القلب رُدّ عليه وخوطب بقوله: (آلآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )(2).

1 . يونس: 90 .
2 . يونس: 91.

صفحه 290
 
7

مسخ أصحاب السبت وهلاكهم

أصحاب السبت هم قوم من بني إسرائيل كانت حياتهم تعتمد على الصيد في البحر، وكانت أسماكه يوم السبت تقترب من سواحل قريتهم ومكان صيدهم بكثرة على خلاف سائر الأيام، وقد امتحنهم الله سبحانه بالنهي عن الاصطياد يوم السبت ولكن جماعة منهم استمروا بعملهم ولكن بحيلة وهي أنّهم كانوا ينصبون شباك صيدهم في البحر يوم السبت فكانت الأسماك تدخل الشباك وتحبس فيها. فكانوا يستخرجونها يوم الأحد محتجّين على جواز عملهم بأنّ الاصطياد يقع يوم الأحد.
ثم إنّ أصحاب القرية انقسموا إلى طوائف ثلاث:
الأُولى: العصاة العتاة المستمرون في الصيد.
الثانية: الجماعة غير المصطادين وغير المعترضين على أعمال الطائفة الأُولى .
الثالثة: الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والذين ندّدوا بأعمال الطائفة الأُولى، لذا اعترض عليهم أفراد الطائفة الثانية بقولهم: : (لِمَ تَعِظُونَ

صفحه 291
قَوْمًا اللهُ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا)أجابوهم: (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(1).
وعلى هذا تعلّقت مشيئته سبحانه على إهلاكهم بعد المسخ، قال تعالى: (فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)(2).
وتدلّ بعض الآيات على أنّ الناجين من هذه العقوبة هم فقط أفراد الطائفة الثالثة الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأمّا الطائفتان الأُوليان فقد أُهلكوا بعدما عوقبوا بالمسخ; قال سبحانه: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَاب بَئِيس بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(3).
وفي الآية دلالة على سّنة إلهية عامة وهي: أنّ في عدم ردع الظالمين عن ظلمهم بمنع، وعظة إن لم يمكن المنع، أو هجرة إن لم تمكن العظة ; مشاركةٌ معهم في ظلمهم، وأن الأخذ الإلهي الشديد كما يرصد الظالمين كذلك يرصد مشاركيهم في ظلمهم .(4)

1 . الأعراف: 164.
2 . الأعراف: 166 .
3 . الأعراف: 165.
4 . الميزان في تفسير القرآن: 8 / 295 ـ 296.

صفحه 292
 
8

إهلاك أصحاب القرية بالصيحة

أصحاب القرية هم الذين كذبوا المرسلين واحداً بعد آخر، واستمروا على تكذيبهم إلى أن وافاهم عذاب الله بالصيحة فإذا هم خامدون .
بعث المسيح (عليه السلام)رسولين إلى «انطاكية» فكُذِبّا، فعززهما بثالث فاعترضوا عليهم بالبشرية تارة، وأُخرى بالتشاؤم بوجودهم، وثالثة بالتهديد بالرجم كما حكى الله ذلك في أوائل سورة ياسين (1) .
ولمّا أحسّ المرسلون بعزم القوم على رجمهم غادروا المدينة إلى مكان آخر، غير أنّ رجلاً من أهل القرية آمن بالرسل ـ وكان يسكن في أقاصي القرية ـ فلما بلغه أن قومه قد كذّبوا الرسل وهمّوا بقتلهم جاء مسرعاً لينصح قومه ولكن القوم عاقبوه بأشدّ العذاب، حيث هجموا عليه فقتلوه، فبذلك استحقوا العذاب الأليم فأُهلكوا بصيحة واحدة انتهت إلى إبادتهم، كما قال سبحانه: (وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ (الرجل الرابع الّذي جاء لتعزيز الرسل وقُتل) مِنْ جُنْد مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)(2).

1 . يس: آلايات 20 ـ 30 .
2 . يس: 28 ـ 29 .

صفحه 293
 
9

أصحاب الجنّة وإفساد ثمراتها

يحكي سبحانه وتعالى عن هذه الجنّة، وهي حديقة كانت في قرية من قرى اليمن يملكها شيخ، وقيل: رجل من بني إسرائيل عنده عشرة أولاد، فكان يمسك منها قدر كفايته وكفاية أهله، ويتصدّق بالباقي، فلمّا مات قال بنوه: نحن أحقّ بها لكثرة عيالنا ولا يسعنا أن نفعل كما فعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ الله تبارك وتعالى في كتابه حيث حلفوا فيما بينهم ليقطعن ثمرتها صباحاً ولم يقولوا: إن شاء الله، فبعث الله ناراً بالليل على جنّتهم فأحرقتها ودمّرتها حتّى صارت مسودة كالليل المظلم.
فلمّا استيقظوا صباحاً توجّهوا نحو البستان وهم مصمّمون على منع الفقراء، ففوجئوا بما حاق بالبستان من الدمار والهلاك، فأخذ بعضهم يلوم بعضاً على ظلمهم في منع حق الفقراء وتجاوزهم الحد فيه.(1)
هذا ملخّص قصّتهم كما يشير إليه قوله سبحانه: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا

1 . راجع مجمع البيان: 10 / 92 ـ 93 في تفسير الآيات المذكورة.

صفحه 294
أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَ لاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْد قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)(1).

1 . القلم: 17 ـ 27 .

صفحه 295
 
10

إهلاك أصحاب الفيل بالحجارة

رام إبرهة الحبشي ملك اليمن وجنوده هدم الكعبة لإخضاع العرب وإجبارهم على زيارة كنيستهم (كعبتهم) في اليمن الّتي بناها وجعل فيها قباباً من ذهب وأمر أهل مملكته بالحج إليها ليضاهي بذلك البيت الحرام ، فحالت بينهم وبين أمانيّهم الإرادة الإلهية بإرسال طيور تحمل أحجاراً ناريّة رمتهم بها، فأهلكتهم عن آخرهم ونجا إبرهة هارباً لكنّه قُتل وهو في طريق رجوعه إلى اليمن، أو بعد وصوله إلى «صنعاء» على اختلاف بين الرواة.
ولمّا اطّلعت قريش على قصد إبرهة وأنّه بصدد الهجوم على مكة وتخريب بيت الله الحرام، خرجوا إلى شعاب الجبال، وقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء، ولم يبق إلاّ عبد المطلب أقام على سقايته، وشيبة أقام على حجابة البيت ، فلمّا أصبح إبرهة مستعداً لدخول مكة وعبّأ جيشه وهيّأ فيله لتلك المهمة، حينذاك حالت المشيئة الإلهية عن تقدّمهم ودخولهم مكة حيث إنّ الله أرسل عليهم طيراً أبابيل من البحر، كلّ طير منها يحمل ثلاثة أحجار فقذفتهم بها وهي مثل الحمص والعدس، فإذا أصابت أحدهم أهلكته، ثم أرسل الله سيلاً ألقاهم في البحر، وخرج من سلم مع إبرهة هارباً

صفحه 296
يبتدرون الطريق الّذي جاءوا منه فخرجوا يتساقطون بكل منهل، وأصيب إبرهة في جسده ومات وهو في الطريق .
وقد لخصّ سبحانه هذه الواقعة في سورة الفيل بقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَة مِنْ سِجِّيل * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأْكُول)(1).
ooo
تمّ الكلام في العقوبات الإلهية الجارية على خلاف السنن العادية
وبه تمّ كتاب «العوالم الغيبية»
في يوم الأحد السادس من شوّال المكرّم من شهور عام 2741 هـ .
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات
جعفر السبحاني

1 . الفيل: 1 ـ 5 .

صفحه 297

فهرس المحتويات

الموضوع     الصفحة
مقدّمة المؤلّف: القرآن والعوالم الغيبية   7
   1. قبض الأرواح   9
   2. حمل الوحي إلى الأنبياء   9
   3. إعانة المجاهدين في الحرب   10
   4. خزنة جهنّم   11
   5. تحلّيهم بالعصمة   11
النهضة العلمية الغربية   13
حصر أدوات المعرفة بالتجربة   15
مقدمات تمهيدية:   23
1. تقسيم الكون إلى عالم الغيب والشهادة، وفيها أُمور   25
   1. الآراء المطروحة حول الكون   26
   2. المراد من الغيب   27
   3. أدوات المعرفة أوسع من الحسّ والتجربة   28
      العقل ودوره في العلوم   30
         أ. عملية الاستنتاج   30

صفحه 298
الموضوع     الصفحة
         ب. دور العقل في إدراك المفاهيم الكلية   31
         ج. تصنيف الموجودات   31
         د. التجزئة والتحليل   31
         هـ . التركيب والتلفيق   32
         و . درك المفاهيم الإبداعية   32
2. نوافذ على عالم الغيب   34
   1. تجرّد النفس الإنسانيّة   35
   2. تجرّد المعرفة والصور الذهنية العلمية، وفيه برهانان   37
      الأوّل: عدم انقسام الوجدانيات   37
      الثاني: التصديق لا يقبل الانقسام   38
   3. الإلهامات الغيبية   39
   4. الفراسة أو قراءة الضمائر   40
   5. رؤية الحوادث من بعيد   41
   6. خوارق العادات للمرتاضين   41
   7. الرؤيا الصادقة   42
   8 . التنويم المغناطيسي   45
3. معاجز الأنبياء، وفيها أمران   49
   1. تصديق النبي السابق نبوّة النبيَ اللاحق   50
   2. جمع القرائن والشواهد   51

صفحه 299
الموضوع     الصفحة
4. تعريف الإعجاز   53
   1. الإعجاز خارق للعادة لا لحكم العقل   54
   2. الإعجاز يجب أن يكون مقروناً بالدعوى   55
   3. عجز الناس عن مقابلته   55
   4. أن يكون عمله مطابقاً للدعوى   56
   5. التشابه بين المعجزة وعلوم العصر   57
5. ماهي علّة المعجزة؟ وفيها احتمالات   59
   أ. الفاعل هو الله تعالى   59
   ب. الملائكة   60
   ج. نفس النبي وروحه   61
6. الإعجاز وكيفية دلالته على صدق المدّعي، وفيها وجهان   65
الأوّل: ان إقدار الكاذب على المعجزة مناف لحكمته سبحانه   66
الوجه الثاني: المعجزة المحسوسة تدعم صحّة الوحي   68
7. الفرق بين المعجزة والسحر   70
   1. السحر خاضع للتعليم والتمرين دون الإعجاز   70
   2. السحر خاضع للمعارضة   71
   3. السحر غير خاضع للتحدّي   71
   4. لا تنوّع في السحر   72
   5. الاختلاف في الأهداف   73
   6. التفاوت بين الروحيات   74

صفحه 300
الموضوع     الصفحة
8. شبهات حول معاجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   75
   المعجزات وأقسامها   79
9. معاجزه (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن والسنّة   83
10. هل حُرِمَ الخلفُ من المعاجز والكرامات؟   86
المعاجز والكرامات
1. صنع الفلك بيد النبي نوح (عليه السلام)   93
   مفردات الآيات   94
2. ناقة صالح   98
   مفردات الآيات   99
3. إبراهيم وإحياء الطيور   102
   مفردات الآيات   102
4. معاجز موسى (عليه السلام) وكراماته   108
   1 ـ الآيات التسع   108
      تفصيل المعاجز التسع   112
   2. الكرامات الصادرة من موسى   117
   3. تجاوز البحر ببني إسرائيل   118
      مفردات الآيات   118
5. إحياء من حضر الميقات   120
   مفردات الآيات   121

صفحه 301
الموضوع     الصفحة
6. اندكاك الجبل عند تجلّيه سبحانه له   124
   مفردات الآية   124
7. استسقاء موسى وتفجير عيون الماء   128
   مفردات الآيات   129
8. تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى   132
   مفردات الآيات   133
9. رفع الطور فوق بني إسرائيل   135
   مفردات الآيات   135
   ما هو المراد من الميثاق؟   136
   إشكال وإجابة   138
10. مسخ المعتدين قردةً   140
   مفردات الآيات   140
11. إحياء الميّت بضربه ببعض البقرة   145
   مفردات الآيات   146
12. العبد الصالح وكراماته   150
13. هبوط الحجارة من خشية الله   157
   مفردات الآية   157
14. إماتة أُلوف خرجوا من ديارهم   161
   مفردات الآية   161
15. إتيان الملائكة بالتابوت   167

صفحه 302
الموضوع     الصفحة
   مفردات الآية   167
16. إحياء من أماته الله مائة عام   171
   مفردات الآية   171
17. كرامات داود (عليه السلام)   177
   مفردات الآيات   177
18. كرامات سليمان (عليه السلام)   181
   1. تسخير الريح   183
   2. إسالة القطر   184
   3. تسخير الجن والشياطين   184
   4. سماعه صوت النملة وفهم مرادها   186
   5. فهم منطق الطير   187
   6. نماذج من منطق الطير   188
19. كرامات أصحاب سليمان (عليه السلام)   194
   مفردات الآيات   194
20. كرامات أيوب (عليه السلام)   198
   مفردات الآيات   198
21. يونس في بطن الحوت   200
   مفردات الآيات   200
22. إنجاب زكريا وزوجته العاقر   204
   مفردات الآيات   205

صفحه 303
الموضوع     الصفحة
23. مريم العذراء وولادة المسيح   212
   مفردات الآيات   213
24. كرامات في ميلاد المسيح (عليه السلام)   217
   مفردات الآيات   217
25. معاجز عيسى (عليه السلام)   223
   مفردات الآيتين   224
   كفّ بني إسرائيل عن قتل المسيح   227
26. نزول المائدة السماوية على الحواريين   229
   مفردات الآيات   229
   كيفية السؤال تحكي عن وجود الشك   231
   هل نزلت المائدة أو لا ؟   233
   ما هو الوجه لتشديد عذابهم لو كفروا؟   233
   ما هي الدوافع لطلب المائدة؟   234
27. أصحاب الكهف   236
   مفردات الآيات   236
28. شق القمر   240
   مفردات الآيات   240
   إشكال وإجابة   243
29. الإسراء والمعراج   247
   من الدروس العلمية إلى الدروس العملية   248

صفحه 304
الموضوع     الصفحة
   1. الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى   250
      الإسراء بالروح والجسد   251
   2. المعراج من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى   254
      مفردات الآيات   254
30. مباهلة رسول الله نصارى نجران   259
   مفردات الآيات   259
31. إمداد الجيش الإسلامي بالملائكة في غزوة بدر   262
   مفردات الآيات   263
العقوبات الإلهية   269
1. استئصال قوم نوح بالطوفان   278
2. استئصال قوم عاد بالريح المدمّرة   280
3. إهلاك قوم ثمود بألوان العذاب   282
4. إهلاك قوم لوط بأنواع العذاب   284
5. إهلاك قوم شعيب بالرجفة والصيحة   286
6. إهلاك فرعون وعساكره بالغرق   288
7. مسخ أصحاب السبت وهلاكهم   290
8. إهلاك أصحاب القرية بالصيحة   292
9. أصحاب الجنّة وإفساد ثمراتها   293
10. إهلاك أصحاب الفيل بالحجارة   295
فهرس المحتويات   297

صفحه 305