welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : التوسّل في الشريعةِ الإسلاميةِ الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التوسّل في الشريعةِ الإسلاميةِ الغرّاء

صفحه 1
   التوسّل في الشريعةِ الإسلاميةِ الغرّاء
   
التـوسّـل
في
الشريعةِ الإسلاميةِ الغرّاء

صفحه 2

صفحه 3
التـوسّـل
في
الشريعةِ الإسلاميةِ الغرّاء
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزي، جعفر، 1308 ـ   
      التوسّل في الشريعة الإسلامية الغرّاء / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1396 .
      125 ص .    ISBN: 978 - 964 - 357 - 612 - 7
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      كتابنامه به صورت زير نويس.
      1 . توسل. 2. توسل ـ ـ احاديث . الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
9ت 2س/ 6/226 BP    468 / 297
1396
اسم الكتاب:   … التوسّل في الشريعة الإسلامية الغرّاء
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1439 هـ
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 991    تسلسل الطبعة الأُولى: 473
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف   

مقدّمة المؤلّف

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وأفضل سفرائه محمد وآله الطاهرين وعلى عباد الله الصالحين .
أمّا بعد: فقد خلق الله سبحانه العالم التكويني على أساس الأسباب والمسبّبات ، فلكل ظاهرة في الكون سبب عادي يؤثّر فيها بإذنه سبحانه ، وليس للعلم والعالِم التجريبي شأن سوى الكشف عن تلك الروابط الموجودة بين الظواهر الكونية ، وكلّما تقدّم العلم في ميادين الكشف ، تتجلّى تلك الروابط بأعمق صورة لدينا، والكلُّ يدلّ على أنّه سبحانه خلق النظام الكوني على أساس وسائل وأسباب تتبنّى مسبّباتها بتنظيم منه سبحانه إذ ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً)(1) والماء سبباً للحياة فالكل مؤثرات فيما سواه حسب مشيئته وإذنه ، قال سبحانه: ( وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ)(2) والباء في الآية بمعنى

1 . يونس : 5 .
2 . البقرة : 22 .

صفحه 8
السببية، والضمير يرجع إلى الماء ، وقال أيضاً: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الاَْرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ)(1) ، فالآية صريحة في تأثير الماء على الزرع ، وأنّه سبحانه أعطى له تلك المقدرة، وكلٌّ من الأسباب جنود له سبحانه ، قال: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ )(2) فإذا كانت الملائكة جنوداً لله تبارك وتعالى كما يقول سبحانه: ( فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَمْ تَرَوْهَا)(3) فالأسباب العادية التي تعتمد عليها الحياة الجسمانية للإنسان ، جنوده سبحانه في عالم المادة ومظاهر إرادته ومشيئته .
وهذا ليس بمعنى تفويض النظام لهذه الظواهر المادية ، والقول بتأصّلها في التأثير واستقلالها في العمل ، بل الكل متدلٍّ بوجوده سبحانه ، قائم به ، تابع لمشيئته وإرادته وأمره .
هذا هو الذي نفهمه من الكون ويفهمه كل من أمعن النظر فيه ، فكما أنّ الحياة الجسمانية قائمة على أساس الأسباب والوسائل ، فهكذا نزول فيضه المعنوي سبحانه إلى العباد تابع لنظام خاص كشف عنه الوحي ، فهدايته سبحانه تصل إلى الإنسان عن

1 . السجدة : 27 .
2 . المدثّر : 31.
3 . التوبة : 40 .

صفحه 9
طريق ملائكته وأنبيائه ورسله وكتبه ، فالله سبحانه هو الهادي ، والقرآن أيضاً هاد ، والنبي الأكرم أيضاً هاد ولكن في ظل إرادة الله سبحانه ، قال سبحانه: ( وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ)(1)وقال سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)(2)وقال سبحانه في حقّ نبيّه: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).(3)
فهداية الله تعالى تصل إلى الإنسان عن طريق الأسباب والوسائل التي جعلها الله سبحانه طريقاً لها وإلى هذا الأصل القويم يشير الإمام الصادق (عليه السلام) في كلامه ويقول: «أبى الله أن تجري الأشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيء سبباً ، وجعل لكل سبب شرحاً».(4)
فعلى ضوء هذا الأساس فالعالم المعنوي يكون على غرار العالم المادي فللأسباب سيادة وتأثير بإذنه سبحانه ، وقد شاء الله أن يكون لها دور في كلتا النشأتين ، فلا ضير على من يطلب رضا الله أن يتمسّك بالوسيلة ، قال الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(5)
فالله سبحانه حثّنا للتقرب إليه على التمسّك بالوسائل

1 . الأحزاب : 4 .
2 . الإسراء : 9 .
3 . الشورى : 52 .
4 . الكافي 1: 183 .
5 . المائدة : 35 .

صفحه 10
وابتغائها ، والآية دعوة عامة لا تختص بسبب دون سبب ، بل تأمر بالتمسّك بكل وسيلة توجب التقرّب إليه سبحانه ، وعندئذ يجب علينا التتبّع في الكتاب والسنّة ، حتّى نقف على الوسائل المقرّبة إليه سبحانه ، وهذا ممّا لا يعلم إلاّ من جانب الوحي ، والتنصيص عليه في الشريعة ، ولولا ورود النص لكان تسمية شيء بأنّه سبب للتقرّب ، بدعة في الدين; لأنّه من قبيل إدخال ما ليس من الدين في الدين .
ونحن إذا رجعنا إلى الشريعة نقف على نوعين من الأسباب المقرّبة إلى الله سبحانه:
النوع الأوّل: الفرائض والنوافل التي ندب إليها الكتاب والسنّة ، ومنها التقوى ، والجهاد الواردان في الآية ، وإليه يشير الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ويقول: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعَالى، الاِْيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الاِْسْلاَمِ; وَكَلِمَةُ الاِْخْلاَصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ; وَإِقَامُ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ; وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ; وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ; وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتَِمارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ. وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الاَْجَلِ; وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ; وَصَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا

صفحه 11
تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ; وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ».(1)
غير أنّ مصاديق هذا النمط من الوسيلة لا تنحصر فيما جاء في الآية أو في تلك الخطبة بل هي من أبرزها .
النوع الثاني: وسائل ورد ذكرها في الكتاب والسنّة الكريمة ، وحثّ عليها الرسول وتوسّل بها الصحابة والتابعون وكلّها توجب التقرّب إلى الله سبحانه ، وهذا هو الذي نطلبه في هذا الأصل حتى يعلم أنّ الوسيلة لا تنحصر في الفرائض والمندوبات الرائجة بل هناك وسائل للتقرّب دلّت عليها السنّة ، وهي التوسّل بالنبي الأكرم على أشكاله المختلفة التي سنذكرها ، فهذا عليّ (عليه السلام)يقول في ذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله): «اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ (النّاس) بِنَاءَهُ! وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ».(2)
فإذا وقفنا على أنّ النبيّ هوالوسيلة المقرّبة إلى الله ، فتجب علينا مراجعة السنّة لنطّلع على كيفية التوسّل به فهي تبيّن لنا تلك الكيفية . فعلى من يطلب استجابة دعائه ، أن يتوسّل إلى الله بأسباب جعلها الله سبحانه وسيلة لهذا المبتغى .
* * *

1 . نهج البلاغة : الخطبة 110 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 106 .

صفحه 12
أخي العزيز: لقد عالجت في هذه الرسالة الوجيزة مسألة التوسّل الّتي قد أثارت في بعض الأجواء قلقاً واضطراباً، ولو أنَّ إخواننا رجعوا إلى كتاب الله وسنّة نبيّه بنظرة فاحصة متجردة عن كلّ رأي مسبق لوجدوا فيهما بياناً شافياً، لا يدع شكاً لشاك ولا ريباً لمرتاب، وبما أنّ بعضهم ـ سامحه الله ـ ربّما يرمي المتوسّل بتألّه المتوسّل به، أو يعد عمله بدعة، وضعنا أمامك بحثاً موجزاً حول هذين الأصلين: 1. التوحيد في العبادة. 2. حرمة البدعة، ليقف القارئ على أنّ المتوسِّل بالأسباب ـ مادية كانت أم معنوية ـ يؤمن بذينك المبدأين أتمّ الإيمان، وأنّه مع إيمانه وتسليمه بهما يتوسل بما سُوِّغ في الشريعة الإسلامية التمسّك به.
نسأله سبحانه أن يرزقنا توحيد الكلمة، كما تفضّل علينا بكلمة التوحيد إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
جعفر السبحانى
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التوسّل لغة واصطلاحاً   

صفحه 13
 
التوسّل لغة واصطلاحاً
التوسّل لغة من وسلت إلى ربّي وسيلة: عملتُ عملا أتقرّبُ به إليه ، وتوسّلت إلى فلان بكتاب أو قرابة ، أي تقربتُ به إليه.(1)
وقال الجوهري في الصحاح: الوسيلة ما يتقرّب به إلى الغير والجمع: الوُسُل والوسائل.(2)
ونحن في غنى عن تحقيق معنى الوسيلة في اللغة; لأنّها من المفاهيم الواضحة لدينا، وحقيقتها لا تتجاوز اتّخاذ شيء ذريعة إلى أمر آخر يكون هو المقصود والمبتغى ، وهي تختلف حسب اختلاف المقاصد .
فمن ابتغى رضا الله تبارك وتعالى يتوسّل بالأعمال الصالحة التي بها يكتسب رضاه ، ومن طلب استجابة دعائه يتوسّل بشيء جُعِل في الشريعة وسيلة لها ، ومن أراد زيارة بيت الله الحرام يتوسّل بما يوصله إليها ، فوضوح معناه يبعثنا إلى أن نترك نقل أقوال اللغويين في ذلك المضمار وإن كانت أكثر كلماتهم في المقام متماثلة .

1 . كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ، مادة «وسل» .
2 . الصحاح ، ج 5 ، مادة «وسل» .

صفحه 14
والمقصود من التوسّل في المقام ، هو أن يقدِّم العبدُ إلى ربّه شيئاً ، ليكون وسيلةً إلى الله تعالى لأن يتقبّل دعاءه ويجيبه إلى ما دعا ، وينالَ مطلوبه ، مثلا إذا ذكر الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ومجّده وقدّسه وعظّمه ، ثم دعا بما بدا له ، فقد اتّخذ أسماءه وسيلة لاستجابة دعائه ونيل مطلوبه ، ومثله سائر التوسّلات ، والتوسّل بالأسباب في الحياة أمر فطري للإنسان ، فهو لم يزل يدق بابها ليصلَ إلى مسبباتها ، وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : « أبى الله أن تجري الأشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيء سبباً».(1)
إنّ الوسيلة إذا كانت وسيلة عادية للشيء وسبباً طبيعياً له ، فلا يشترط فيها إلاّ وجود الصلة العادية بين الوسيلة والمتوسّل إليه ، فمن يريد الشبع فعليه الأكل ولا يُريحه شربُ الماء; إذ لا صلة بين شرب الماء ، وسدِّ الجوع ، فالعقلاء في حياتهم الدنيوية ينتهجون ذلك المنهج بوازع فطري ، أو بعامل تجريبي ، نرى أنّ ذا القرنين عندما دُعي إلى دفع شرّ يأجوج ومأجوج الّذين كانوا يأتون من وراء الجبل ويفسدون ويقتلون ويغيرون عليهم ، لبّى دعوتهم وتمسّك بالسبب الطبيعي القويم الذي يدفع به شرّهم فخاطبهم بقوله: ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ
انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً* فَمَا اسْطَاعُوا

1 . الكافي: 1 / 183 .

صفحه 15
أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً).(1)
ففي هذا الموقف العصيب توسّل ذوالقرنين ـ ذلك الإنسان الإلهي ـ بسبب طبيعي; إذ إنّه وقف على الصلة بين الوسيلة وما يهدف إليه ، وهو سدّ الوديان بِقِطَعِ الحديد حتى إذا ساوى بين الجبلين أمر الحدّادين أن ينفخوا في نار الحديد التي أُوقدت فيه حتى جعله ناراً ، وعند ذلك قال: ائتوني نحاساً مذاباً أو صفراً مذاباً ، حتى أصبَّه على السد بين الجبلين وينسد بذلك النقب ويصير جداراً مصمتاً ، فكانت حجارته الحديد وطينه النحاس الذائب .
ففي المورد وأضرابه التي بنيت عليها الحياة الإنسانية في هذا الكوكب ، لا يشترط بين الوسيلة والهدف سوى الرابطة الطبيعية أو العادية التي كشف عنها العلم والتجربة. وأمّا التوسّل في الأُمور الخارجة عن نطاق الأُمور العادية ، فبما أنّ التعرّف على أسبابه خارج عن إطار العلم والتجربة ; بل يُعدّ من المكنونات الغيبية ، فلا يقف عليها الإنسان إلاّ عن طريق الشرع وتنبيه الوحي ، وبيان الأنبياء والرسل وما ذاك إلاّ لأنّهم هم الذين يرفعون الستار عن وجه الحقيقة ويصرّحون بالوسيلة ويبيّنون بأنّ هناك صلة بينها وبين ما يبغيه الإنسان المتوسّل .
وهذا الأصل يبعثنا إلى أن لا نتوسل بشيء فيما نبتغيه من

1 . الكهف : 96 ـ 97 .

صفحه 16
رضا الربّ ، وغفران الذنوب واستجابة الدعاء ونيل المنى ، إلاّ عن طريق ما عيّنه الشارع وصرّح بأنّه وسيلة لذلك الأمر ، فالخروج عن ذلك الإطار يسقطنا في مهاوي التشريع ومهالك البِدع التي تعرّفتَ على مضاعفاتها .
فالمسلمون سلفُهم وخلفهم ، صحابيّهم وتابعيّهم ، والتابعون لهؤلاء بإحسان في جميع الأعصار ما كانوا يخرجون عن ذلك الخط الذي رسمناه ، فما نَدَب إليه الشرع في مجال التوسّل يأخذون به ، وما لم يذكره ، أو نهى عنه يتركونه ، ولا اعتبار بالبدَعِ المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان .
وها نحن نتلو عليك التوسّلات المشروعة التي ندب إليها الشرع ، وحثّ عليها النبي الأكرم وخلفاؤه، مجتنبين عن الإسهاب في الكلام ، مقتصرين على اللبّ تاركين القشر .
التوسّل بأسمائه وصفاته   

صفحه 17

( 1 )

التوسّل بأسمائه وصفاته

أمر الله سبحانه عباده بدعائه بأسمائه الحسنى فقال تعالى: (وَللهِِ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).(1)
إنّ الآية تصف أسماءه كلَّها بالحسنى لحسن معانيها ، من غير فرق بين ما يرجع إلى صفات ذاته كالعالم والقادر ، والحي ، وما يرجع إلى صفات فعله كالخالق والرازق والمحيي والمميت ، ومن غير فرق بين ما يفيد التنزيه ورفع النقص كالغنيّ والقدّوس ، وما يعرب عن رحمته وعفوه كالغفور والرحيم ، فعلى المسلم دعاؤه سبحانه بها فيقول : يا الله يا رحمن يا رحيم ، يا خالق السماوات والأرض ، يا غافر الذنوب ويا رازق الطفل الصغير . وتركِ عملِ الذين يعدلون بأسماء الله تعالى عمّا هي عليه فيسمّون بها أصنامهم بالزيادة والنقصان ، فيسمّون أصنامهم باللات والعزّى أخذاً من الله

1 . الأعراف : 180 .

صفحه 18
العزيز ، سيجزون ما كانوا يعملون في الآخرة .
فعندما يذكره العبد بأسمائه التي تضمّنت كل خير وجمال ، ورحمة ومغفرة وعزّة وقدرة ، ثم يعقبه بما يطلبه من مغفرة الذنوب وقضاء الحوائج فيستجيب له سبحانه ، وقد دلّت على ذلك ، الآثار الصحيحة التي نذكر منها ما يلي:
1 ـ أخرج الترمذي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنّ رسول الله سمع رجلا يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت ، الأحد ، الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد، فقال النبي : «لقد سألتَ الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب ، وإذا سُئل به أعطى».(1)
والحديث تضمّن بيان الوسيلة ، والتوسّل بالأسماء ، وإن لم يأت فيه الغرض الذي لأجله سأل الله تعالى بأسمائه .
2 ـ عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) تسأله خادماً ، فقال لها : «قولي: اللّهمّ ربّ السماوات السبع ، وربّ العرش العظيم ، ربّنا وربّ كل شيء ومنزل التوراة والإنجيل والقرآن ، فالق الحبّ والنوى ، أعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته ، أنت الأوّل فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض

1 . سنن الترمذي: 5 / 515، برقم 3475 ، الباب 65 من كتاب الدعوات .

صفحه 19
عني الدين وأغنني من الفقر».(1)
3 ـ وأخرج أحمد والترمذي عن أنس بن مالك ، أنّه كان مع رسول الله جالساً ورجل يصلّي ، ثم دعا: اللّهم إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلاّ أنت ، أنت المنّان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حيّ يا قيّوم ، فقال النبي: «تدرون بم دعا الله ؟ دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب ، وإذا سُئل به أعطى».(2)
وفي روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) نماذج من هذا النوع من التوسّل يقف عليها الذي يسبر رواياتهم وأحاديثهم .
4 ـ فقد روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن جدّه محمد الباقر (عليه السلام) أنّه كان يدعو الله تبارك وتعالى في شهر رمضان بدعاء جاء فيه: «اللّهمّ إنّي أسألك بما أنت فيه من الشأن والجبروت ، وأسألك بكلّ شأن وحده وجبروت وحدها ، اللّهم إنّي أسألك بما تجيبني به حين أسألك فأجبني يا الله ».(3)
5 ـ روى الشيخ الطوسي في مصباحه عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)دعاءً باسم دعاء السمات مستهلّه:
«اللّهمّ إنّي أسألك باسمك العظيم الأعظم ، الأعزّ الأجلّ

1 . سنن الترمذي: 5 / 518، برقم 3481 ، الباب 68 من كتاب الدعوات .
2 . سنن الترمذي: 5 / 549 ـ 550، برقم 3544 ، الباب 100 من كتاب الدعوات .
3 . إقبال الأعمال : 348 ، ط 1416 هـ .

صفحه 20
الأكرم ، الذي إذا دُعيتَ به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة ، انفتحت ; وإذا دُعيتَ به على مضايق أبواب الأرض للفرج ، انفرجت ; وإذا دعيت به على العسير لليسر تيسّرت . . .».(1)
إنّ ثناء الله وتقديسه ووصفه بما وصف به في كتابه وسنّة نبيّه ، يوجد أرضية صالحة لاستجابة الدعاء ، ويكشف عن استحقاق الداعي لرحمته وعفوه وكرمه . وبما أنّ هذا القسم من التوسّل اتّفقت عليه الأُمّة سلفها وخلفها ولم يذكر فيه أيّ خلاف، فلنتقصر فيه على هذا المقدار .
التوسّل بالقرآن الكريم   

1 . مصباح المتهجد: 374 .

صفحه 21

( 2 )

التوسّل بالقرآن الكريم

إنّ الإنسان مهما كان مبدعاً في الوصف والتعبير ، لا يستطيع أن يصف كلام الله العزيز بمثل ماوصفه به سبحانه، فقد وصف هو كتابه بأنّه نور ، وكتاب مبين، وهدىً للمتّقين ، نزل بالحق تبياناً لكل شيء ، إلى غير ذلك من المواصفات الواردة فيه .
وكتابه سبحانه ، فعله ، فالتوسّل بالقرآن والسؤال به ، توسّل بفعله سبحانه ورحمته التي وسعت كل شيء، ومع ذلك كلّه يجب على المتوسّل ، التحقّق من وجود دليل على جواز هذا النوع من التوسّل ، لما عرفت من أنّ كل ما يقوم به المسلم من التوسّلات يلزم أن لا يخدش أصل التوحيد وحرمة التشريع ، ولحسن الحظ أنَّك ترى وروده في الشرع .
روى الإمام أحمد ، عن عمران بن الحصين ، أنّه مرّ على رجل يقصّ ، فقال عمران: إنّا لله وإنّا إليه راجعون سمعت رسول الله يقول: « اقرأوا القرآن واسألوا الله تبارك وتعالى به قبل أن يجيء قوم

صفحه 22
يسألون به الناس»(1) . فعموم لفظ الحديث يدلّ على جواز سؤاله سبحانه بكتابه المنزل ما شاء من الحوائج الدنيوية والأُخروية .
والإمعان في الحديث يرشدنا إلى حقيقة واسعة وهي جواز السؤال بكل من له عند الله منزلة وكرامة ، وما وجه السؤال بالقرآن إلاّ لكونه عزيزاً عند الله ، مكرّماً لديه ، وهو كلامه وفعله ، وهذا أيضاً متحقّق في رسوله الأعظم وأوليائه الطاهرين عليهم سلام الله أجمعين .
وورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أنّه يستحبّ في ليلة القدر أن يفتح القرآن فيقول: «اللّهمّ إنّي أسألك بكتابك المنزل وما فيه ، وفيه اسمك الأكبر وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى أن تجعلني من عتقائك من النار».(2)
التوسّل بالأعمال الصالحة   

1 . مسند أحمد: 4 / 445 . ورواه في كنز العمال: 1 / 608 برقم 2788 .عن الطبراني في الكبير ، والبيهقي في شعب الإيمان.
2 . إقبال الإعمال: 41 . رواه حريز بن عبد الله السجستاني عن أبي جعفر الباقر
(عليه السلام) .

صفحه 23
 
( 3 )

التوسّل بالأعمال الصالحة

إذا كان التوسّل بمعنى تقديم شيء إلى ساحة الله ليستجيب الدعاء ، فلا شك في أنّ العمل الصالح أحسن شيء يتقرّب به الإنسان إلى الله تعالى ، وأحسنُ وسيلة يُتمسّك بها فتكون نتيجة التقرّب هي نزول رحمته عليه وإجابة دعائه ، وفي بعض الآيات الكريمة تلميح إلى ذلك ، وإن لم يكن فيها تصريح إلاّ أنّ السنّة النبويّة صرّحت بذلك ، أمّا الآيات فنأتي بنموذجين منها:
1 ـ قوله تعالى: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).(1)
ترى أنّ إبراهيم وولده الحليم قدّما إلى الله تبارك
وتعالى وسيلة وهي بناء البيت ، فعند ذلك طلبا من الله سبحانه

1 . البقرة : 127 ـ 128 .

صفحه 24
عدّة أُمور تجمعها العبارات التالية:
تقبّل منّا ، واجعلنا مسلمين لك ، ومن ذريّتنا أُمّة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا ، وتب علينا .
والآية وإن لم تكن صريحة فيما نبتغيه غير أنّ دعاء إبراهيم في الظروف التي كان يرفع فيها قواعد البيت مع ابنه ، ترشدنا إلى أنّ طلب الدعاء في ذلك الظرف ، لم يكن أمراً اعتباطياً ، بل كانت هناك صلة بين العمل الصالح والدعاء ، وأنّه في قرارة نفسه تمسك بالأوّل ليستجيب دعاءه .
2 ـ قوله سبحانه: ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).(1)
ترى أنّه عطف طلب الغفران بالفاء على قوله: ( ربّنا إنّنا آمنّا) ، ففاء التفريع تعرب عن صلة بين الإيمان وطلب الغفران .
وأنت إذا سبرت الآيات الكريمة تقف على نظير ذلك فكلّها من قبيل التلميح لا التصريح ، غير أنّ في السنّة النبوية تصريح على أنّ ذكر العمل الصالح الذي أتى به الإنسان لله تبارك وتعالى ، يثير رحمته ، فتنزل رحمته على عبده ويُستجاب دعاؤه ، وقد روى الفريقان القصّة التالية وفيها غنى وكفاية:
روى البخاري عن ابن عمران عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «بينما

1 . آل عمران : 16 .

صفحه 25
ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر ، فآووا إلى غار فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلاّ الصدق ، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه .
فقال واحد منهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمِلَ لي على فَرَق من أرُز ، فذهب وتركه ، وإنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته ، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقراً ، وأنّه أتاني يطلب أجره ، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها ، فقال لي: إنّما لي عندك فَرَق من أرُز ، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنّها من ذلك الفَرَق ، فساقها ، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ، ففرّج عنّا ، فانساحت عنهم الصخرة .
فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران ، فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأتُ عليهما ليلةً ، فجئتُ وقد رقدا ، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع ، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي ، فكرهت أن أُوقظهما وكرهت أن أدعهما فَيسْتَكنّا لشربتهما ، فلم أزل انتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا ، فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء .
فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عم من أحبّ الناس إليّ وأنّي راودتها عن نفسها فأبت إلاّ أن آتيها بمائة دينار ،

صفحه 26
فطلبتها حتى قدرتُ ، فأتيتها بها ، فدفعتها إليها ، فأمكنتني من نفسها ، فلمّا قعدت بين رجليها فقالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلاّ بحقّه ، فقمت وتركت المائة دينار ، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا ، ففرّج الله عنهم فخرجوا».(1)
لم تكن الغاية من تحديث النبي بما ذكر إلاّ تعليم أُمّته حتى يتّخذوا ذكر العمل الصالح وسيلة لاستجابة دعوتهم . ولو كان ذلك من خصائص الأُمم الماضية لصرّح بها . وقد رواه الفريقان باختلاف في اللّفظ .
3 ـ روى البرقي أحمد بن خالد (المتوفّى 274 هـ) في محاسنه ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن المفضل بن صالح ، عن جابر الجعفي ، يرفعه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «خرج ثلاثة نفر يسيحون في الأرض ، فبينما هم يعبدون الله في كهف في قلّة جبل حتى بدت صخرة من أعلى الجبل حتى التقمت باب الكهف ، فقال بعضهم لبعض: عباد الله والله ما ينجيكم ممّا وقعتم إلاّ أن تصدقوا الله ، فهلمّوا ما عملتم لله خالصاً ، فانّما أُسلمتم بالذنوب .
فقال أحدهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي طلبت امرأة لحسنها وجمالها ، فأعطيت فيها مالا ضخماً ، حتى إذا قدرت عليها وجلست

1 . صحيح البخاري: 4 / 173 ، كتاب الأنبياء ، الباب 53 ; ورواه في كتاب البيوع ، الباب 98 ، واللفظ لكتاب الأنبياء .

صفحه 27
منها مجلس الرجل من المرأة، وذكرت النار ، فقمت عنها فزعاً منك ، اللّهمّ فارفع عنّا هذه الصخرة ، فانصدعت حتى نظروا إلى الصدع .
ثم قال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي استأجرت قوماً يحرثون كل رجل منهم بنصف درهم ، فلمّا فرغوا أعطيتهم أُجورهم ، فقال أحدهم: قد عملت عمل اثنين والله لا آخذ إلاّ درهماً واحداً ، وترك ماله عندي ، فبذرت بذلك النصف الدرهم في الأرض ، فأخرج الله من ذلك رزقاً ، وجاء صاحب النصف الدرهم فأراده ، فدفعت إليه ثمن عشرة آلاف ، فإن كنت تعلم أنّما فعلته مخافة منك فارفع عنّا هذه الصخرة ، قال : فانفرجت منهم حتى نظر بعضهم إلى بعض .
ثم إنّ الآخر قال: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّ أبي وأُمّي كانا نائمين ، فأتيتهما بقعب من لبن ، فخفت أن أضعه أن تمج فيه هامة ، وكرهت أن أُوقظهما من نومهما ، فيشق ذلك عليهما ، فلم أزل كذلك حتى استيقظا وشربا ، اللّهمّ فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فارفع عنّا هذه الصخرة ، فانفرجت لهم حتى سهل لهم طريقهم ، ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): من صدق الله  نجا».(1)

1 . تفسير نور الثقلين: الجزء 3 في تفسير قوله:
(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)(الكهف : 9) نقلا عن محاسن البرقي في تفسير الآية .

صفحه 28
4 ـ وقال الإمام الطبرسي: أصحاب الرقيم هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في غار، فانسدّ عليهم ، فقالوا: ليدعُ الله تعالى كل واحد منّا بعمله حتى يفرّج الله عنّا ، ففعلوا ، فنجّاهم الله . رواه النعمان بن بشر مرفوعاً.(1)
ولعل فيها غنىً وكفاية ومن أراد التوسّع فعليه السبر في غضون الروايات .
التوسّل بدعاء الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)   

1 . مجمع البيان: 3 / 452 .

صفحه 29

( 4 )

التوسّل بدعاء الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ للنبي الأكرم مكانة مرموقة عند ربّه ليس لأحد مثلها ، فهو أفضل الخليقة  ، وقد بلغت عناية القرآن الكريم ببيان نواح من مناقبه إلى حد لا ترى مثل ذلك إلاّ في حق القليل من أنبيائه ، وربما يطول بنا الكلام إذا قمنا بعرض جميع الآيات الواردة في حقّه ، وإنّما نشير إلى بعضها .
فقد أشار الذكر الحكيم إلى مكانته المرموقة ولزوم توقيره وتكريمه وأنّه لا يصلح دعاؤه كدعاء البعض للبعض بقوله سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ )(1) وقال سبحانه أيضاً: (لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً).(2)

1 . الحجرات : 2 .
2 . النور : 63 .

صفحه 30
وإلى كماله الرفيع وإمامته وكونه قدوة وأُسوة للمؤمنين يتأسّون به في قِيَمه ومُثُله العليا ، بقوله سبحانه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الاْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً).(1)
وإلى عظمته وكرامته عند الله بحيث يصلّي عليه سبحانه وملائكته فأمر المؤمنين أن يصلّوا عليه بقوله: ( إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(2)
وإلى صفاء نفسه وقوة روحه وجمال خُلقه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم).(3)
وإلى عكوفه على عبادة ربّه وتهجّده في الليل وسهره في طريق طاعة الله بقوله: ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ).(4)
وإلى غزارة علمه بقوله: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).(5)

1 . الأحزاب : 21 .
2 . الأحزاب : 56 .
3 . القلم : 4 .
4 . المزمل : 20 .
5 . النساء : 113 .

صفحه 31
وإلى أنّه (صلى الله عليه وآله) أحد الأمانين في الأرض بقوله: ( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).(1)
وقد بلغت كرامة الرسول ـ عند الله ـ إلى حدّ يتلو اسمه اسمَ الله وينسب إليهما فعلواحدويقول:( وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادةِ).(2)
وقال سبحانه: (وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).(3)
وقال الله سبحانه: (وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ).(4)
إلى غير ذلك من الآيات التي اقترن فيها اسم نبيه باسمه سبحانه ونسب إليهما فعل واحد وشهدت بكرامته عند الله وقربه منه ، فإذا كانت هذه منزلته عند الله ، فلا يرد دعاؤه ، وتستجاب دعوته ، فيكون دعاء مثل تلك النفس غير مردود ، والمتمسك بدعائه متمسكاً بركن وثيق وعماد رصين ، ولأجل تلك الخصوصية نرى أنّه سبحانه يأمر المذنبين من المسلمين بالتمسّك بذيل دعائه ،

1 . الأنفال : 33 .
2 . التوبة : 94 .
3 . الأحزاب : 71 .
4 . التوبة : 74 .

صفحه 32
ويأمرهم بأن يحضروا الرسول الأعظم ويستغفروا الله في مجلسه ويسألوه أن يستغفر لهم أيضاً ، فكان استغفاره لهم سبباً لنزول رحمته وقبوله توبتهم ، قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً).(1)
كما نرى أنّه سبحانه في آية أُخرى يندّد بالمنافقين بأنّه ، إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ، لوّوا رؤوسهم ، يقول سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ).(2)
وما هذا إلاّ لأنّ دعاء الرسول دعاء مستجاب ، ودعوته مقبولة ، واستغاثته مستجابة ، لأنّه نابع من نفس طاهرة مؤمنة راضية مرضية .
إنّ من الظلم الواضح تسوية دعاء النبي بدعاء سائر المسلمين والتعبير عن دعائه (صلى الله عليه وآله) بدعاء الأخ المؤمن ! وجعل الجميع تحت عنوان واحد ، فانّ لدعاء الأخ المؤمن مقاماً رفيعاً ، ولكن أين هو من دعاء الرسول ؟!
إنّ التوسّل بدعاء الإنسان الأمثل كان رائجاً في الرسالات

1 . النساء : 64 .
2 . المنافقون : 5 .

صفحه 33
السابقة ، فنرى أنّ أبناء يعقوب بعدما كُشِفَ أمرهم وبان ظلمهم توسّلوا بدعاء أبيهم النبيّ وقالوا له: (  يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ* قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).(1)
ففي هذه الآيات دلالة واضحة على أنّ رحمة الله الواسعة تارة تنزل على العبد مباشرة وبدون واسطة ، واُخرى تنزل عن طريق أفضل خلائقه وأشرف رسله ، بل مطلق رسله وسفرائه .
وفي ذلك دلالة على وهن ما تلوكه أشداق بعض الناس فيقولون: إنّه سبحانه أعرف بحال عبده وأقرب إليه من حبل الوريد يراه ويسمع دعاءه; فلا حاجة لتوسط سبب والتوسّل بمخلوق و . . . هذه الكلمات تصدر عمّن ليس له إلمام بالقرآن الكريم ولا بالسنّة النبوية ولا بسيرة السلف الصالح; إذ ليس الكلام في علمه سبحانه ، بل الكلام في أمر آخر وهو أنّ دعاء الإنسان الظالم لنفسه ربما لا يكون صاعداً إلى الله تبارك وتعالى ومقبولا عنده ، ولكنّه إذا ضمّ إليه دعاء الرسول أصبح دعاؤه مستجاباً وصاعداً إليه سبحانه .
وللشيخ محمد الفقي ـ من علماء الأزهر الشريف ـ كلام في المقام نأتي بملخّصه:
لقد شرّف الله تعالى نبيّه (صلى الله عليه وآله) بأسمى آيات التشريف ، وكرّمه بأكمل وأعلى آيات التكريم ، فأسبغ عليه نِعَمه ظاهرة وباطنة ،

1 . يوسف : 97 ـ 98 .

صفحه 34
وتوّجه بأعظم أنواع التيجان قدراً وذكراً ، وأرفع الأكاليل شأناً وخطراً . فذكر منزلته منه جلّ شأنه حيّاً وميّتاً في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1) فأيّ تشريف أرفع وأعظم من صلاته سبحانه وتعالى هو وملائكته عليه(صلى الله عليه وآله)؟ وأيّ تكريم أسمى بعد ذلك من دعوة عباده وأمره لهم بالصلاة والسلام عليه (صلى الله عليه وآله)؟
ولم يقف تقدير الله تعالى له عند هذا الحدّ، بل هناك ما يدعو إلى الإعجاب ويلفت الأنظار إلى تعظيم على جانب من الأهمية ، ألم تر في قوله تعالى: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )(2) ما يأخذ بالألباب ويدهش العقول ، فقد أقسم سبحانه وتعالى بنبيّه في هذه الآية: ( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)(3) قال ابن عباس (رضي الله عنه): ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفساً أكرم على الله من محمد(صلى الله عليه وآله).
وما سمعتُ أنّه تعالى أقسم بحياة أحد غيره ، والقرآن الكريم تفيض آياته بسموّ مقامه ، وتوحي بعلوّ قدره ، وجميل ذكره ، فقد جعل طاعته (صلى الله عليه وآله) طاعة له تعالى وقوله عزّ من قائل: ( مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ )(4) وعلّق حبّه تعالى لعباده على اتّباعه (صلى الله عليه وآله)

1 . الأحزاب : 56 .
2 . الحجر :72 .
3 . الواقعة : 76 .
4 . النساء : 80 .

صفحه 35
فيما بعث به وأرسل للعالمين ، إذ يقول سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ).(1)
وممّا يدل على مبلغ تقديره ، ومدى محبة الله تعالى ، وتشريفه لرسوله (صلى الله عليه وآله)قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ)(2) ، قال عليّ (عليه السلام): «لم يبعث الله نبياً من آدم فمن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمد (صلى الله عليه وآله) لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه ويأخذ العهد» .(3)
ففي ملازمة جبريل له (صلى الله عليه وآله) من مكّة إلى بيت المقدس أكبر مظهر من مظاهر الشرف والفخار ، وأسمى آية من آيات التقدير للرسول الأعظم في حياة الأُمم وتأريخها . فهذه الآيات التي قصصتها وجئتكم بها وإن كانت كلّها بصائر وهدى ورحمة لقوم يؤمنون لا أرى مانعاً من ذكر ما عداها ، ففيها تنبيه الغافلين إلى مزيد من النظر فيما عساه أن يقنعهم ويهديهم إلى الإيمان بما جاءت به الآيات البيّنات ، وما يوحي به الدين وتعاليمه القويمة ، فمن روائع ما يتمتع به من العظمة الصلاة عليه(صلى الله عليه وآله)عند بدء الدعاء وختمه;

1 . آل عمران : 31 .
2 . آل عمران : 81 .
3 . كنز العمال: 2 / 377 برقم 4296 .

صفحه 36
فانّ في ذلك القبول والاستجابة ، فقد صحّ عن عمر وعليّ ـ رضي
الله عنهما ـ
أنّهما قالا لرجل دعا ولم يصلِّ على النبي (صلى الله عليه وآله): «إنّ
الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يرفع ولا تفتح له الأبواب حتى يصلّي الداعي على النبي (صلى الله عليه وآله)» (1)، ومثل هذا لا يقال من قبيل الرأي فهو في حكم المرفوع ، بل قد ثبت هذا مرفوعاً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
وأخيراً قد دلّ قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)(2) على علوّ مكانته وجليل قدره وعظم شأنه; إذ المعنى في ذلك أنّنا قرنّا
اسمك باسمنا ، وجعلنا الإيمان لا يتحقّق إلاّ بالنطق بالشهادتين ، وغير ذلك من براهين الشريعة وأدلّتها التي لا تحصى ولا يمكن أن تستقصى .
وإليك ما قاله حسان بن ثابت صاحب الرسول وشاعره:
أغرَّ عليه للنبوّة خاتم *** من الله من نور يلوح ويشهد
وضمّ الإله اسم النبيّ إلى اسمه *** إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

1 . سنن الترمذي: 1 / 303 برقم 484، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبيّ 
(صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . الانشراح : 4 .

صفحه 37
وشقَّ له من اسمه لِيُجلَّه *** فذو العرش محمود وهذا محمد(1)
إنّ السبب الواقعي لاستجابة دعائه إنّما هو روحه الطاهرة ونفسه الكريمة وقربها من الله سبحانه ، وهي التي تضفي على الدعاء أثراً وتجعله صاعداً ومدعماً لدعاء الغير .
نعم هناك كلام في اختصاص ذلك الأمر بحياة النبيّ الجسمانية ، أو يعمّ حياته البرزخية التي فيها يُرزق ويفرح ويستبشر ، فهناك من يخص الآية بحياته الجسمانية بحجة وروده فيها ، ولكن الأدلة التي سنبيّنها توقفك على جلي الحال ، فانتظر . . .

1 . التوسّل والزيارة : 156 ـ 160 ، وقد أورد في بحثه كثيراً من الآيات التي تشهد على عظمة رسول الله ومكانته وقربه وقد لخّصنا كلامه .

صفحه 38
التوسّل بدعاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته البرزخية   

( 5 )

التوسّل بدعاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته البرزخية

ذكرنا لك دعوة القرآن الكريم المذنبين للتوسّل بدعاء النبي الأكرم ، وهناك من يخصّ مفاد الآيات بحياة النبي الجسمانية قائلا بانقطاعه عنّا بموته وانتقاله إلى الحياة البرزخية ، وما ذلك إلاّ أخذاً بظاهر الآية الواردة في حياته الدنيوية ، وهذه الفكرة لها قيمتها لدى أصحابها ، ولكن للمناقشة فيها مجال واسع . فإذا دلّت الآيات الكريمة والسنّة النبوية على امتداد حياته بعد انتقاله إلى البرزخ ووجود الصلة بينه وبيننا ، لزم القول بعموم مفاد الآية وشمولها لما بعد الموت ، خصوصاً إذا دعمها عمل السلف الصالح والتابعين لهم بإحسان ، فهناك مواضيع من البحث لا يمكن القضاء البات فيها إلاّ بعد دراستها في ضوء الكتاب والسنّة ، وهذه المواضيع هي:
1 ـ حياة الأنبياء والأولياء بعد انتقالهم إلى البرزخ .
2 ـ وجود الصلة بيننا وبينهم ، حيث يسمعون كلامنا ويجيبون دعوتنا .

صفحه 39
3 ـ سيرة السلف الصالح على التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) بعد انتقاله إلى البرزخ .
وإليك دراسة المواضيع واحداً تلو الآخر .

الأوّل: حياة الأنبياء والأولياء بعد انتقالهم إلى البرزخ

هذا الموضوع هو المهم بين المواضيع التي ذكرت ، ويمكن الاستدلال عليه من خلال أُمور بعضها يدلّ على حياتهم بصورة مباشرة وأُخرى غير مباشرة ، وإذا لاحظنا مجموع الأدلّة نقطع بحياتهم البرزخية بلا ريب، وإليك هذه الأُمور:
أ ـ دلّت الآيات الشريفة على حياة الشهداء ; حياة حقيقية مقترنة بآثارها من الرزق والفرح والاستبشار ودرك المعاني والحقائق ، قال سبحانه: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنْ اللهِ وَفَضْل وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).(1)
فالآيات تدل على حياة الشهداء وارتزاقهم عند ربهم مقترنة بالآثار الروحية من الفرح والاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم من

1 . آل عمران : 169 ـ 171 .

صفحه 40
خلفهم ، وتبشيرهم على أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، إلى غير ذلك ممّا جاء في الآيات .
إنّ الله سبحانه يطرح حياتهم لأجل إظهار إكرامه ونعمته عليهم ، وبذلك يردّ الفكرة السائدة في صدر الرسالة من أن موت الشهيد انتهاءُ حياته . وإذا كان الشهداء أحياءً لأجل استشهادهم في سبيل دين الله الذي جاء به النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل يُتصوّر أن يكون الشهداء أحياءً ، ولا يكون النبيّ ـ الأفضل ـ القائد حيّاً ، وهذا ما لا تقبله الفطرة السليمة ، وأيّ مسلم لهج بخلافه فإنّما يلهج بلسانه وينكره بقلبه وعقله .
ب ـ هذا هو حبيب النجار لم يكن له شأن سوى أنّه صدّق المرسلين ولقى من قومه أذىً شديداً حتى قضى نحبه شهيداً . فنرى أنّه بعد موته خوطب بقوله سبحانه: (قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ) ثم
إنّه بعد دخوله الجنة يتمنّى عرفان قومه مقامه ومصيره بعد
الموت فيقول: (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ )(1) فهو يتمنّى في ذلك الحال لو أنّ قومه الموجودين في الدنيا علموا أنّ الله سبحانه غفر له وجعله من المكرمين ، يتمنّى ذلك لأجل أن يرغب قومه في مثل ثوابه وليؤمنوا لينالوا ذلك .

1 . يس : 26 ـ 27 .

صفحه 41
ومن المعلوم أنّ الجنة التي حلّ فيها حبيب النجار كانت قبل يوم القيامة ، بشهادة أنّه تمنّى عرفان أهله مقامه وإكرام الله له وهم على قيد الحياة الدنيوية ، وإن لحقهم العذاب بعد ذلك ، قال: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُند مِنْ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ* إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ )(1) فإذا كان الشهداء والصالحون ـ أمثال حبيب النجار المصدِّق للرسل ـ أحياءً يرزقون فما ظنّك بالأنبياء والصدّيقين المتقدّمين على الشهداء ، قال سبحانه: (وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً )(2) فلو كان الشهيد حياً يرزق، فالرسول الأكرم الذي ربّى الشهداءَ واستوجب لهم تلك المنزلة العليا ، أولى بالحياة بعد الوفاة، وبعدهم الصدّيقون .
ج ـ دلّت الآيات الكريمة والبراهين العقلية على أنّ الموت ليس فناء الإنسان ونفاده ، وإنّما هو انتقال من عالم إلى آخر ، نعم المادّيون المنكرون لعالمِ الأرواح ، والنافون لما وراء الطبيعة يعتقدون بأنّ الموت فناء الإنسان وضلاله في الأرض بحيث لا يبقى شيء من بعد ذلك إلاّ الذرّات المادّية المبعثرة في الأرض ، ولهذا

1 . يس : 28 ـ 29 .
2 . النساء : 69 .

صفحه 42
كانوا ينكرون إمكان إعادة الشخصية البشرية; إذ ليس هناك شيء متوسط بين المبتدأ والمعاد .
ولهذا جاء الوحي يندد بتلك الفكرة ويفنِّد دليلهم المبني على قولهم: (أإذَا ضَلَلْنَا فِي الاَْرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد) فردّهم بقوله: ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).(1)
وتوضيح الردّ أنّ الموت ليس ضلالا في الأرض وأنّ شخصية الإنسان ليست هي الضالة الضائعة في ثنايا التراب ، وإنّما الضال في الأرض هو أجزاء البدن المادّي ، فهذه الأجزاء هي التي تتبعثر في الأجواء والأرض ، ولكن هذه لا تشكّل شخصية الإنسان ، بل شخصيته شيء آخر هو الذي يأخذه ملك الموت ، وهو عند الله محفوظ ، كما يقول: ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) فإذاً لا معنى للتوفّي إلاّ الأخذ وهو أخذ الأرواح والأنفس ونزعها من الأبدان وحفظها عند الله .
وهناك آية أُخرى تفسّر لنا معنى التوفّي بوضوح وأنّه ليس بمعنى الموت والفناء، بل الأخذ والقبض أي قبض شيء موجود وأخذ شيء واقعي، يقول سبحانه: ( اللهُ يَتَوَفَّى الاَْنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ

1 . السجدة : 10 ـ 11 .

صفحه 43
الاُْخْرَى إِلَى أَجَل مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)(1)فمفاد الآية أنّ الله يقبض الأنفس ويأخذها في مرحلتين: حين الموت وحين النوم ، فما قضى عليها بعدم الرجوع إلى الدنيا أمسكها ، ولم يردّها إلى الجسد ، وما لم يقض عليها كذلك أرسلها إلى أجل مسمّى . كل ذلك يكشف عن أنّ الموت ليس فناءَ الإنسانِ وآية العدم ، بل هناك انخلاع عن الجسد وارتحال إلى عالم آخر .
د ـ وهناك كلمة قيّمة لسيّد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام)توضح هذه الحقيقة إذ قال لأصحابه في يوم عاشوراء: «صبراً يا بني الكرام فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء ، إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة ، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ، وما هو لأعدائكم إلاّ كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب ، إنّ أبي حدّثني عن رسول الله: أنّ الدنيا سجن المؤمن ، وجنّة الكافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبتُ ولا كُذِّبتُ».(2)
وفي هذه الآيات غنى وكفاية لثبوت الحياة البرزخية للأنبياء والشهداء والصدّيقين ، بل لغيرهم وقد شهدت بذلك الآيات الكريمة التي لا مجال لنقلها(3) ، وهذه الحقيقة ممّا أجمع عليها أئمة

1 . الزمر : 42 .
2 . بلاغة الحسين: 47 .
3 . وقد أشبعنا الكلام في ذلك عند البحث في رسالتنا «الحياة البرزخيّة» فلاحظ.

صفحه 44
أهل السنّة ، فهذا الإمام الأشعري يقول: «ومن عقائدنا أنّ الأنبياء(عليهم السلام)أحياءٌ» وقد ألّف كتاباً أسماه «حياة الأنبياء».(1)
فلنقتصر بهذا البيان في إثبات الموضوع الأوّل وقد تركنا الاحتجاج على حياتهم بما ورد في السنّة النبويّة، وسيوافيك بعضها في المستقبل .

الثاني: الصلة بين الحياة الدنيوية والحياة البرزخية

هذا هو الموضوع الثاني من المواضيع الثلاثة التي يتوقف عليها إثبات ما هو المقصود في هذا المبحث .
القول بالحياة البرزخية للأنبياء والصدّيقين لا يفي وحده بما هو المهم هنا ما لم يثبت أنّ هناك صلة بيننا وبينهم في البرزخ ، بحيث يسمعوننا ويستطيعون أن يردّوا علينا ، وهذا هو الموضوع الثاني الذي أشرنا إليه، وهنا نكتفي بأبرز الآيات الواردة في هذا المضمار التي تدلّ على إمكان الاتصال بالأرواح المقدّسة الموجودة في عالم البرزخ ، وهذا وإن أثبته علم النفس بعد تجارب كثيرة ، ولكنّنا أخذنا على أنفسنا أن نستدلّ بالكتاب والسنّة ، ولو كان هناك شيء في العلم فهو أيضاً يدعم مدلول الكتاب والسنّة .
إنّ الكتاب والسنّة تضافرا على إمكان اتصال الإنسان

1 . لاحظ : طبقات الشافعية: 3 / 406 .

صفحه 45
الموجود في الدنيا بالإنسان الحيّ في عالم البرزخ وقد مرّت البرهنة على وجود الصلة بين الحياتين في رسالتنا: «الحياة البرزخية» فراجع.

الثالث: سيرة السلف الصالح في التوسّل بدعاء النبي بعد رحيله

النظر إلى سيرة المسلمين بعد لحوق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)بالرفيق الأعلى يثبت أنّهم كانوا يتوسّلون بدعائه ، كتوسّلهم به قبل لحوقه به، فما كانوا يرون فرقاً بين الحالتين ، فمن تصفّح سيرة المسلمين ورجع إلى غضون الكتب وشاهد عملهم في المسجد النبوي قرب مزاره الشريف ، يلمس بسهولة استقرار السيرة على التوسّل بدعائه من غير فرق بين حياته وانتقاله ، وها نحن نذكر من أعمال بعض الصحابة والتابعين شيئاً يسيراً ونترك الباقي للمتصفّح في غضون الكتب .
إنّنا لا يمكننا تصديق جميع ما روي لكنّ بين المرويات قضايا صادقة صدرت عن أُناس صالحين ثم إنّها بكثرتها تدل على أنّ التوسّل كان أمراً رائجاً منذ عصر الصحابة إلى زماننا هذا ، ولم يكن أمراً غريباً عند المسلمين .
ولو فرضنا أنّ بعض هذه القضايا تخالف الواقع ، فلا ريب أنّه من باب استغلال الوضّاعين لأصل مسَلَّم صحيح بين المسلمين ،

صفحه 46
وهو صحّة التوسّل بدعاء النبي الأكرم بعد رحيله; فإنّهم نسجوا بعض القضايا في ظل ذلك الأصل .
ولو فرضنا أنّه لم يكن أمراً رائجاً بين المسلمين بل كان أمراً غريباً أو محظوراً لما تجرّأ المستغِل أن ينسج قضية كاذبة على نول الشرك أو المحرم ، فانّ الذي يحفّز الوضّاع على نسج الخرافة هو استعداد العامة لقبول تلك الخرافة، ولولاه لما تجرّأ عليه لعدم حصول الغاية المتوخّاة من نسجها .
فهذه القضايا الكثيرة تدلّ ـ على كلا التقديرين ـ على المطلوب ، فإن كانت صادقة فبصدقها ، وإن كانت كاذبة فلأجل حكايتها عن وجود أصل مسلّم بين المسلمين وهو التوسّل بدعاء النبي الأكرم قبل وبعد موته ، وكان هذا الأصل ربما يستغل أحياناً من بعض المتاجرين بالدين .
على أنّ بعضها ممّا رواه الإمام البخاري وسائر أصحاب الصحاح فلنذكر نماذج:
1 ـ هذا أبوبكر: أقبل على فرسه من مسكنه بالسنخ حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو مسجّى ببرد حبرة ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبّله ثم بكى ، فقال: بأبي أنت يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين

صفحه 47
أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها.(1)
فلو لم تكن هناك صلة بين الحياتين فما معنى قوله: «بأبي أنت يا نبي الله» لو لم يكن سماع فماذا قصد ذلك الصحابي من قوله: «لا يجمع الله عليك موتتين» .
2 ـ روى أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي (508 ـ 581 هـ) في الروض الأنف: «دخل أبو بكر على رسول الله في بيت عائشة ورسول الله مسجّى في ناحية البيت ، عليه برد حبرة ، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أقبل عليه فقبّله ، ثم قال : بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذُقتها ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً».(2)
3 ـ روى الحلبي علي بن برهان الدين (975 ـ 1044 هـ) في سيرته وقال: «جاء أبو بكر من السنخ وعيناه تهملان فقبّل النبي (صلى الله عليه وآله)فقال: بأبي أنت وأُمّي طبت حيّاً وميّتاً».(3)
4 ـ روى مفتي مكّة المشرّفة زيني دحلان في سيرته فذكر ما ذكراه ، وقال: قال أبوبكر: طبت حيّاً وميّتاً ، وانقطع بموتك ما لم ينقطع للأنبياء قبلك ، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء ، ولو

1 . صحيح البخاري: 2 / 17 ، كتاب الجنائز .
2 . الروض الأُنف: 4 / 260 .
3 . السيرة الحلبية: 3 / 474، طـ . دار المعرفة ، بيروت .

صفحه 48
أنّ موتك كان اختياراً لجدنا لموتك بالنفوس ، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن على بالك.(1)
5 ـ قال أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) عندما ولي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله): «بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والإنباء وأخبار السماء ـ إلى أن قال: ـ بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك».(2)
وقد أوضح السبكي أمر الإجماع على الزيارة قولا وفعلا ، وسرد كلام الأئمة في ذلك ، وبيّن أنّها قربة بالكتاب والسنّة ، والإجماع ، والقياس .
أمّا الكتاب فقوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ) الآية دالّة على الحث بالمجيء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) ، والاستغفار عنده ، واستغفاره لهم وهذه رتبة لا تنقطع بموته (صلى الله عليه وآله) ، وقد حصل استغفاره لجميع المؤمنين ، لقوله تعالى: ( اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) فإذا وجد مجيئهم ، فاستغفارهم ، كملت الأُمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ولرحمته . وقوله: ( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ)معطوف عليه قوله: ( جَاءُوكَ ) فلا يقتضي أن يكون استغفار الرسول بعد استغفارهم، مع أنّا لا نسلّم أنّه لا يستغفر بعد الموت ،

1 . سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: 3 / 391 ، طـ . مصر .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 235 .

صفحه 49
لما سبق الدليل على حياته وعلى استغفاره لأُمَّته بعد الموت عند عرض أعمالهم عليه ، ويعلم من كمال رحمته أنّه لا يترك ذلك لمن جاءه مستغفراً ربّه .
والعلماء فهموا من الآية العموم لحالتي الموت والحياة ، واستحبّوا لمن أتى القبر أن يتلوها ويستغفر الله تعالى ، وحكاية الأعرابي في ذلك نقلها جماعة من الأئمة عن العُتبى ، واسمه محمد بن عبد الله بن عمرو ، أدرك ابن عيينة وروى عنه ، وهي مشهورة حكاها المصنّفون في المناسك من جميع المذاهب ، واستحسنوها ، ورأوها من أدب الزائر ، وذكرها ابن عساكر في تاريخه ، وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن ، وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي ، قال: دخلت المدينة ، فأتيت قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فزرته وجلست بحذائه ، فجاء أعرابي فزاره ، ثم قال: يا خير الرسل إنّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ـ إلى قوله ـ رحيماً) وإنّي جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي ، متشفعاً بك ، وفي رواية: وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهنّ القاع والأكم

صفحه 50
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف ، قال: فرقدت فرأيت النبي(صلى الله عليه وآله) في نومي وهو يقول: إلحق الرجل وبشّره بأنّ الله غفر له بشفاعتي ، فاستيقظت ، فخرجت أطلبه فلم أجده .
قلت: بل قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام»: إنّ الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنّا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثلاثة أيام ، فرمى بنفسه على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) ، وحثا من ترابه على رأسه ، وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا
قولك ، ووعيت عن الله سبحانه وما وعينا عنك ، وكان فيما أُنزل عليك: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ . . . ) وقد ظلمت نفسي، وجئتك تستغفر لي ، فنودي من القبر: انّه قد غفر لك ، انتهى .
وروى ذلك أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله الكرخي عن علي بن محمد بن علي ، قال: حدثّنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي ، قال: حدثني أبي ، عن أبيه ، عن سلمة بن كهيل ، عن ابن صادق ، عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، فذكره ، ولا منافاة بين النقلين; لإمكان التعدّد ، وعلى فرض الوحدة فأحد الناقلين اقتصر; والآخر

صفحه 51
أسهب في النقل ، فنقل جميع القصة . وقد أدرك ذلك الأعرابي بسلامة فطرته أنّ الآية الكريمة التي تدعو المسلمين إلى المجيء إلى النبي حتى يطلبوا منه أن يستغفر لهم ، ليست خاصة بحياة النبي الدنيوية ، بل تعم الحياة الأُخروية ، فلأجل ذلك قام يطلب من النبي أن يستغفر له .
وقال عياض في الشفاء بسند جيّد عن ابن حميد ـ أحد الرواة ـ عن مالك فيما يظهر ، قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال له مالك: «يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فانّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: ( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىّ )الآية ، ومدح قوماً فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) الآية ، وذمّ قوماً فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ) الآية ، وإنّ حرمته ميّتاً كحرمته حيّاً ، فاستكان لها أبو جعفر ، فقال: يا أبا عبد الله أستقبلُ القبلة وأدعو أم أستقبلُ رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ فقال: لِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام) إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به ، فيشفّعه الله تعالى، قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ) الآية.(1)
فانظر هذا الكلام من مالك ، وما اشتمل عليه من أمر الزيارة

1 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 2 / 92 .

صفحه 52
والتوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) واستقباله عند الدعاء وحسن الأدب التام معه .
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب «باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله)» وذكر آداب الزيارة ، وقال: ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ويجعل القبر تلقاء وجهه ، والقبلة خلف ظهره ، والمنبر عن يساره  ، وذكر كيفية السلام والدعاء .
منه: اللّهم إنّك قلت في كتابك لنبيك (عليه السلام): ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ) الآية ، وإنّي قد أتيت نبيّك مسغفراً ، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللّهمّ إنّي أتوجه إليك بنبيّك (صلى الله عليه وآله) وذكر دعاءً طويلا.(1)
هذه نماذج قدمناها إليك لتكون على بيّنة من هذا الأمر وأنّه لم يكن هناك فرق بين الحياتين ، وقد نقل المؤرّخون أُموراً كثيرة يضيق الوقت بنقلها ولو كنّا شاكّين في صدق بعض هذه التوسّلات ، ولكن نقل علماء السيرة والتاريخ المقدار الهائل من التوسّلات بدعاء النبي ـ بعد رحيله ـ يكشف عن أنّ التوسّل بدعاء النبي الأكرم كان أمراً رائجاً بين المسلمين ولم يكن أمراً غريباً ولا محظوراً وإلاّ لما صحّ أن ينقل المؤرّخ ما يراه المسلمون أمراً مرغوباً عنه . وقد

1 . وفاء الوفا: 4 / 1360 ـ 1362 .

صفحه 53
ذكرها بعض من المحقّقين في كتبهم فراجعها.(1)
وليس لنا أن نترك السيرة المستمرة الهائلة التي يلمسها من توقف هنيئة لدى القبر الشريف النبوي وقد قال سبحانه: ( وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىوَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً).(2)
وقد نقل السمهودي نبذاً ممّا وقع لمن استغاث بالنبي أو طلب منه شيئاً عند قبره فأُعطي مطلوبه ونال مرغوبه ممّا ذكره الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام».(3)

التلوّن في الاستدلال

نرى أنّ المانعين عن التوسّل بدعاء النبي في حياته البرزخية يتلوّنون في الاستدلال ، فتارة ينفون حياة النبي بعد الموت ، وأُخرى ينفون إمكان الاتصال ، وثالثة يدّعون لغوية هذا العمل ، ونعوذ بالله

1 . لاحظ : شفاء السقام في زيارة خير الأنام للسبكي ، والدرر السنية لزيني دحلان ، والمبرد المبكي في ردّ الصارم المنكي لابن علان ، ونصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي للسمهودي .
2 . النساء : 115 .
3 . وفاء الوفا: 4 / 1380 ـ 1387 . طالع ذلك الفصل تجد فيه حكايات وقضايا كثيرة تدل على جريان السيرة بين المسلمين على التوسّل بدعاء النبي الأكرم .

صفحه 54
من قولهم الرابع إذ يعدّون العمل شركاً وعبادة للرسول ، أمّا الثلاث الأُول فقد ظهرت حالها ، وأمّا الشرك فلا يدرى كيف يوصف به ، مع أنّ هذا عمل واحد يُطلَب في حياة النبي ويُطلَب بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، أفيمكن أن يكون شيء واحد توحيداً في حالة وشركاً في أُخرى؟ مع أنّه لا يُسأل الرسولُ بما أنّه إله أو ربّ ، أو بيده مصير الداعي ، وإنّما يسأله بما أنّه عبد صالح ذو نفس طاهرة وكريمة وهو أفضل الخلائق وأحد الأمانين في الأرض يستجاب دعاؤه ولا يُردّ .
التوسّل بدعاء الأخ المؤمن   

صفحه 55

( 6 )

التوسّل بدعاء الأخ المؤمن

التوسّل بدعاء الأخ المؤمن تمسّك بما جعله الله سبحانه سبباً لاستجابة الدعاء ، وقد دلّت الآيات على أنّ الملائكة يستغفرون للّذين آمنوا ، وأنَّ المؤمنين اللاحقين يستغفرون للسابقين ، وهذا يدلّ على أنّ دعاء الأخ في حقّ أخيه ، أمر مرغوب فيه ومطلوب ومستجاب ، فإذا كان كذلك فعلى المذنب أن يتوسّل بهذا السبب المشروع ويطلب من أخيه الدعاء له ، قال سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).(1)
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالاِْيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ).(2)

1 . غافر : 7 .   2 . الحشر : 10 .

صفحه 56
فدعاء حملة العرش واللاحقين من المؤمنين سبب صالح لإجابة الدعاء ، فعلى المسلم الواعي التمسك بمثل هذا السبب وطلب الدعاء منهم .
وفي السنّة الشريفة ما يدلّ على ذلك ، روى مسلم والترمذي عن عبد الله عن عمرو بن العاص أنّه سمع رسول الله يقول: «إذا سمعتم المؤذّن ، فقولوا مثلما يقول ، ثم صلّوا عليّ; فانّه من صلّى عليّ صلاة ، صلّى الله عليه بها عشراً ، ثم سلوا الله لي الوسيلة; فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة».(1)
فهذا الحديث يدلّ بظاهره على أنّ الرسول يتوسّل إلى الله تعالى بدعاء أُمّته له ، أن يؤتيه الوسيلة والمقام المحمود في الجنة ، ويكون جزاؤه شفاعتَه في حقّهم . فإذا كان هذا حال النبي فنحن من باب أولى يحقّ لنا أن نتمسك بهذه الوسيلة.
وفي روايات أئمة أهل البيت تصاريح بذلك ، نذكر بعضها لتتجلّى الحقيقة بأجلى مظاهرها ، فإنّ العترة الطاهرة أحد الثقلين اللّذين أمر النبي بالتمسّك بهما والمتمسّك بهما لن يضل:
1 ـ روى أبو بصير ، عن أبي جعفر ، قال: «إنّ عليّ بن الحسين

1 . صحيح مسلم: 2 / 4 ، كتاب الصلاة ، الباب 6 ; سنن الترمذي : 5 / 589 ، كتاب المناقب ، الباب الأوّل ، واللفظ للأوّل .

صفحه 57
قال لأحد غلمانه: يا بنيّ اذهب إلى قبر رسول الله فصلِّ ركعتين ، ثم قل: اللّهمّ اغفر لعليّ بن الحسين خطيئته يوم الدين ، ثم قال للغلام: اذهب فأنت حرّ لوجه الله».(1)
2 ـ روى محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «كان علي بن الحسين إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا أمة ، وكان إذا أذنب العبد يكتب عنده: أذنب فلان ، أذنبت فلانة يوم كذا وكذا ولم يعاقبه ، فيجتمع عليهم الأدب حتى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله ثم أظهر الكتاب ، ثم قال يا فلان: فعلت كذا وكذا ولم أُؤدِّبك أتذكر ذلك ؟ فيقول: بلى يابن رسول الله ، ويقررهم جميعاً ، ثم يقوم وسطهم ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا علي بن الحسين إنّ ربّك قد أحصى عليك كل ما عملت كما أحصيت علينا . . . فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو ، وكما تحب أن يعفو المليك عنك ، فاعف عنّا تجده عفوّاً ربك رحيماً ـ إلى أن قال: ـ فيقول لهم: قولوا اللّهمّ اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنّا ، فأعتِقه من النار كما أعتق رقابنا من الرقّ ، فيقولون ذلك ، فيقول: اللّهمّ آمين ربّ العالمين ، اذهبوا فقد عفوتُ عنكم وأعتقتُ رقابكم رجاءً للعفو عنّي وعتق رقبتي».(2)

1 . بحار الأنوار : 46 / 92 .
2 . بحار الأنوار : 46 / 102 .

صفحه 58
3 ـ وكان أصحاب أئمة أهل البيت(عليهم السلام)يتوسّلون بدعائهم ، وهذا هو علي بن محمد الحجّال كتب إلى أبي الحسن الإمام الهادي(عليه السلام)وجاء في كتابه: «أصابتني علّة في رجلي ولا أقدر على النهوض والقيام بما يجب فإن رأيت أن تدعو الله أن يكشف علّتي ويعينني على القيام بما يجب عليّ وأداء الأمانة في ذلك . . .».(1)
التوسّل بالأنبياء والصالحين أنفسهم   

1 . كشف الغمة: 3 / 251 .

صفحه 59

( 7 )

التوسّل بالأنبياء والصالحين أنفسهم

هناك قسم آخر من التوسّل وهو التوسّل بذوات الأنبياء والصالحين وجعلهم وسيلة لاستجابة الدعاء ، والتنويه بما لهم من المقام والمنزلة عند الله سبحانه ، وهذا غير القسم الخامس ، ففي القسم الماضي كنّا نتوسّل بدعاء النبي ونجعل دعاءه وسيلة إلى الرب وفي هذا القسم نجعل نفس الرسول وكرامته عند الله وسيلة إلى الرب .
ومن الإمعان في القسم السابق يُعرف مفهوم هذا التوسّل; لأنّ التوسّل بدعائه لأجل أنّه دعاء روح طاهرة ، ونفس كريمة ، وشخصية مثالية وأفضل الخلائق ، ففي الحقيقة ليس الدعاء بما هو دعاء وسيلة ، وإنّما الوسيلة هي الدعاء النابع عن تلك الشخصية الإلهية التي كرّمها الله وعظّمها ورفع مقامها وذكرها وقال : ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ).(1)

1 . الانشراح : 4 .

صفحه 60
وأمر المسلمين بتكريمه وتعزيره حيث قال: ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ )(1) فقوله: (عزَّروه)بمعنى أكرموه .
فإذا كان رصيد استجابة الدعاء هو شخصيته الفذّة المثالية، ومنزلته عندالله فالأولى أن يتوسّل بها الإنسان كما يتوسّل بدعائه ، فمن اعترف بجواز الأوّل ومنع الثاني فقد فرّق بين أمرين متلازمين، وما دعاهم إلى التفريق بينهما إلاّصيانة لمعتقدهم.
وبدورنا نغض النظر عن هذا الدليل ونذكر ما ورد في السنّة النبوية مروياً عن طريق صحيح أقرّ به الأقطاب من أهل الحديث .

1. توسلّ الضرير بنبيّ الرحمة

عن عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلا ضريراً أتى النبي فقال: أُدعُ الله أن يعافيني فقال (صلى الله عليه وآله): «إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ وهو خير » .
قال: فادعه ، قال: فأمره أن يتوضّأ فيُحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى ، اللّهمّ شفّعه فيَّ» .

1 . الأعراف : 157 .

صفحه 61
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضرّ.(1)
إنّ الاستدلال بالرواية مبني على صحّتها سنداً وتمامية دلالتها مضموناً .
أمّا السند: فلم يناقش في صحّته إلاّ الجاهل بعلم الرجال ، حتى أنّ ابن تيمية قال: قد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي أنّه علّم رجلا أن يدعو فيقول: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك . وروى النسائي نحو هذا الدعاء.(2)
وقال الترمذي: هذا حديث حق حسن صحيح .
وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح .
وقال الرفاعي: لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور.(3)
وبعد ذلك فلم يبق لأحد التشكيك في صحّة سند الحديث إنّما الكلام في دلالته وإليك البيان:
إنّ الحديث يدل بوضوح على أنّ الأعمى توسّل بذات النبي

1 . سنن الترمذي، كتاب الدعوات ، الباب 119 ، برقم 3578; وسنن ابن ماجة: 1 / 441 برقم 1385; مسند أحمد: 4 / 138 إلى غير ذلك من المصادر وستأتي في المتن نصوصهم حول وصف الحديث .
2 . مجموعة الرسائل والمسائل: 1 / 13 .
3 . التوصل إلى حقيقة التوسّل: 158 .

صفحه 62
بتعليم منه (صلى الله عليه وآله)والأعمى وإن طلب الدعاء من النبي الأكرم في بدء الأمر إلاّ أنّ النبي علّمه دعاء تضمن التوسّل بذات النبي ، وهذا هو المهم في تبيين معنى الحديث .
وبعبارة ثانية: أنّ الذي لا ينكر عند الإمعان في الحديث أمران:
الأوّل: أنّ الرجل طلب من النبي (صلى الله عليه وآله) الدعاء ولم يظهر منه توسّل بذات النبي .
الثاني: أنّ الدعاء الذي علّمه النبي ، تضمّن التوسّل بذات النبي بالصراحة التامة ، فيكون ذلك دليلا على جواز التوسّل بالذات .
وإليك الجمل والعبارات التي هي صريحة في المقصود .
1 ـ «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك»:
إنّ كلمة «بنبيّك» متعلقة بفعلين هما «أسألك» و «أتوجّه إليك» والمراد من النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاؤه .
وتقدير كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيّك» حتى يكون المراد هو «أسألك بدعاء نبيّك أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك» تحكّم وتقدير بلا دليل ، وتأويل بدون مبرّر ، ولو أنّ محدثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجَهْمية والقدريّة .

صفحه 63
2 ـ «محمد نبي الرحمة»:
لكي يتّضح أنّ المقصود هو السؤال من الله بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله)وشخصيته فقد جاءت بعد كلمة «بنبيّك» جملة «محمد نبي الرحمة» لكي يتّضح نوع التوسّل والمتوسّل به بأكثر ما يمكن .
3 «ـ يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي»:
إنّ جملة: «يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي» تدلّ على أنّ الرجل الضرير ـ حسب تعليم الرسول ـ اتّخذ النبي نفسَه ، وسيلة في دعائه أي أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه (صلى الله عليه وآله) .
4 ـ «وشفّعه فيّ»:
إنّ قوله: «وشفّعه فيّ» معناه يا رب اجعل النبي شفيعي ، وتقبّل شفاعته في حقّي ، وليس معناه تقبل دعاءه في حقّي; فإنّه لم يرد في الحديث أنّ النبي دعا بنفسه حتى يكون معنى هذه الجملة: استجب دعاءه في حقّي .
ولو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي; إذ ليس دعاؤه(صلى الله عليه وآله)من الأُمور غير المهمّة حتى يتسامح الراوي في حقّه .
وحتى لو فرضنا أنّ معناه «تقبّل دعاءه في حقّي» فلا يضر ذلك بالمقصود أيضاً; إذ يكون على هذا الفرض هناك دعاءان: دعاء الرسول ولم يُنْقَل لفظه ، والدعاء الذي علّمه الرسول للضرير ، وقد جاء فيه التصريح بالتوسّل بذات النبي وشخصه وصفاته ، وليس لنا

صفحه 64
التصرّف في الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير ، بحجّة أنّه كان هناك للرسول دعاء .
لقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه ، ولكن الترمذي والحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعه فيه» بدل «وشفّعه فيّ» .

إجابة عن سؤال

إنّ من يمنع التوسّل بشخصية الرسول المثالية لمّا وقع أمام هذا الحديث تعجّب عاضّاً على أُنملته ، فحمل الحديث على أنّه من قبيل التوسّل بدعاء الرسول لا بشخصه وذاته الكريمة مستدلاًّ بقول الضرير «ادع الله أن يعافيني» وقد خلط بين أمرين:
الأوّل: المحاورة الابتدائية التي وقعت بين النبي والضرير ، فكان المطلوب بلا شك هو طلب الدعاء من النبي ، وهذا ما لا ينكره أحد ، إنّما الكلام فيما يأتي .
الثاني: الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير; فإنّه تضمّن التوسّل بذات النبيّ ، ولا يمكن لأحد أن ينكر التصاريح الموجودة في الحديث .
والتصرّف في النصّ الثاني بحجة أنّ الموضوع في المحاورة الأُولى هو طلب الدعاء ، تصرف نابع من اتخاذ موقف مسبق قبل

صفحه 65
النظر إلى الحديث; فإنّ الأعمى لم يدُر في خلده في البداية سوى دعاء الرسول المستجاب ، ولكن الدعاء الذي علّمه الرسول أن يدعوَ به بعد التوضّؤ ، مشتمل على التوسّل بذات النبي .
قال الدكتور عبد الملك السعدي: وقد ظهر في الآونة الأخيرة أُناس ينكرون التوسّل بالذات مطلقاً ، سواء كان صاحبها حيّاً أو ميّتاً ، وقد أوّلوا حديث الأعمى وقالوا: إنّ الأعمى لم يتوسّل ولم يأمره النبي (صلى الله عليه وآله) به بل قال له: صلِّ ركعتين ثم اطلب منّي أن أدعو لك ففعل .
وأنت يا أخي عليك أن تقرأ نص الحديث هل يحتمل هذا التأويل ، وهل فيه هذا المدّعى ؟ أم أنّه أخذ يطلب من الله مستشفعاً بالنبي (صلى الله عليه وآله) ، ولم يدع له (صلى الله عليه وآله) . ولو أراد منه ذلك لاستجاب له أوّل مرّة حيث طلب منه الدعاء بالكشف عن بصره فأبى إلاّ أن يصلّي ويتولّى الأعمى بنفسه الدعاء.(1)

2. التوسّل بذات النبيّ بعد رحيله

إنّ الصحابي الجليل عثمان بن حنيف فهم من الحديث السابق أنّ التوسّل بذات النبي وشخصه يعمّ حياته ومماته ، فلأجل ذلك عندما رجع إليه بعضُ أصحاب الحاجة علّمه نفس الدعاء

1 . البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق: 46، طـ . بغداد .

صفحه 66
الذي علّمه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) للضرير. وهو عين الصواب.
روى الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (المتوفّى 360 هـ) عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه عثمان بن حنيف ، أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له ، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى ابن
حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضّأ ، ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله)نبي الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورح إليَّ حتى أروح معك .
فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان، فجاء البوّاب حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان ، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها .
ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمته فيّ ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمته ، ولكنّي شهدت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي (صلى الله عليه وآله):

صفحه 67
أفتصبر ؟ فقال : يا رسول الله ليس لي قائد وقد شقّ عليّ .
فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ائت الميضأة فتوضّأ ثمّ صلّ ركعتين ، ثمّ ادع بهذه الدعوات  .
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط.(1)
إنّ دلالة الحديث على جواز التوسّل بذوات الصالحين وأخصّ منهم الأنبياء أمر لا سترة فيه ، نعم بعض من لا يروقه هذا النوع من التوسّل ، أراد التشكيك في الرواية بوجهين ، فقال:
أوّلا: إنّ معنى التوسّل عند الصحابة هو دعاء الشخص المتوسّل به إلى الله تعالى بقضاء حاجة المتوسّل لا كما يعرفه القوم في زماننا هذا من التوسّل بذات المتوسّل به .
ثانياً: لو كان دعاء الأعمى الذي علّمه رسول الله دعاءً ينفع في كلّ زمان ومكان لما رأينا أيّ أعمى على وجه البسيطة.(2)
يلاحظ على كلامه الأوّل: بأنّه من غرائب الكلام فقد جعل من مذهبه دليلا على ضعف الرواية ، وهو أنّ معنى التوسّل عند الصحابة هو التوسّل بدعاء الشخص لا بذاته . فمن أين علم أنّه

1 . المعجم الكبير: 9 / 16 ـ 17 ، باب ما أُسند إلى عثمان بن حنيف ، برقم 8310 ، والمعجم الصغير له أيضاً: 1 / 183 ـ 184 .
2 . التوصل إلى حقيقة التوسّل: 335 .

صفحه 68
مذهب الصحابة؟! وهل يعرف مذهبهم إلاّ من خلال أحاديثهم ، مع أنّ الحديثين المرويين عن طريق الصحابي الجليل عثمان بن حنيف يدلاّن على خلافه ؟
وأمّا الثاني: فهو إطّراح للوحي ، وازدراء به ، ولو صحّ ما ذكره فلقائل أن يقول: لو صحّ قوله سبحانه: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ  )(1)يجب أن لا يبقى على وجه البسيط ذو عاهة .
والجواب عن تلك الوسوسة في كلا المقامين واحد ، وهو أنّ الدعاء مقتض لنزول الرحمة ودفع الكُربة ولكن ليس السبب تاماً لنجاح المقصود ، بل له شروط وله موانع وعوائق ، ولأجل ذلك نرى أنّ بعض الأدعية لا تستجاب ، مع أنّه سبحانه يحثّ على الدعاء وأنّه يستجيب دعاء من دعاه ، ويقول: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).(2)

مناقشة في سند الرواية

لقد تعرّفت على تمامية دلالة الرواية وهناك من يريد المناقشة في سندها ، ولا يخدش فيها إلاّ لأنّ الرواية تضاد عقيدته فيقول:

1 . غافر : 60 .
2 . غافر : 60 .

صفحه 69
إنّ في سند هذا الحديث رجلا اسمه روح بن صلاح وقد ضعّفه الجمهور وابن عديّ وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة.(1)
أظنّ أنّ الكاتب لم يرجع إلى مصدرها وإنّما تبع تقوّل الآخرين ، ونحن نضع أمامك سند الحديث من المصدرين اللّذين روي عنهما الحديث ولا ترى فيهما أثراً من روح بن صلاح وإليك السند:
روى الطبراني في المعجم الكبير ، قال: حدّثنا طاهر بن عيسى بن قريش المصري المقري: ثنا أصبغ بن الفرح: ثنا ابن وهب عن أبي سعيد المكي ، عن روح ابن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف ، عن عمّه عثمان بن حنيف.(2)
ورواه البيهقي بالسند التالي:
أخبرنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد (رحمه الله): أنبأنا الإمام أبو بكر محمد بن علي بن الشاشي القفّال قال: أنبأنا أبو عروبة: حدّثنا العباس بن الفرج: حدّثنا إسماعيل بن شبيب: حدّثنا

1 . التوصل إلى حقيقة التوسّل: 237 .
2 . المعجم الكبير: 9 / 17 ، وفي المعجم الصغير له «أصبغ بن الفرج» مكان «أصبغ بن الفرح» .

صفحه 70
أبي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني . . . إلى آخر السند.(1)
وأنت ترى أنّه ليس في طريق الرواية روح بن صلاح بل هو روح بن القاسم والكاتب صرّح بأنّ الرواية رواها الطبراني والبيهقي ، وهذا يعرب عن أنّ الكاتب لم يرجع إلى المصدرين وإنّما اعتمد على تقوّل الآخرين .
نحن نفترض أنّه ورد في سند الرواية روح بن صلاح ولكن ما ذكره من أنّ الجمهور ضعّفوه أمر لا تصدّقه المعاجم الموجودة فيما بين أيدينا ، وإنّما ضعّفه ابن عدي وفي الوقت نفسه وثّقه ابن حِبّان والحاكم . قال الذهبي: روح بن صلاح المصري يقال له ابن سيّابة ضعّفه ابن عدي ، يكنّى أبا الحارث وقد ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال الحاكم: ثقة مأمون.(2)

سيرة الأُمم في توسّلهم بالذوات الطاهرة

لم يكن التوسّل بالصالحين والطيبين والمعصومين والمخلصين من عباد الله أمراً جديداً في زمن النبي وبعده ، بل كان ذلك امتداداً للسيرة الموجودة قبل الإسلام ، ونحن نضع أمامك

1 . دلائل النبوة: 6 / 168 .
2 . ميزان الاعتدال: 2 / 85 ، برقم 2801 .

صفحه 71
قسماً من هذه التوسلات لتكون على علم بأنّ الفطرة السليمة تدعو الإنسان إلى التوسّل بالموجودات الطاهرة لجلب رحمته تعالى .

1 ـ استسقاء عبد المطلب بالنبي وهو رضيع

إنّ عبد المطلب استسقى بالنبي الأكرم وهو طفل صغير ، حتى قال ابن حجر: إنّ أبا طالب يشير بقوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل
إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي معه غلام.(1)

2 ـ استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام

أخرج ابن عساكر عن أبي عرفة ، قال: قدمت مكة وهم في قحط ، فقالت قريش ، يا أبا طالب أقحط الوادي ، وأجدب العيال ، فهلم فاستسق ، فخرج أبو طالب ومعه غلام يعني النبي (صلى الله عليه وآله) كأنّه شمس دجى تجلّت عن سحابة قتماء ، وحوله أُغيلمه ، فأخذ النبيَّ أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ، ولاذَ إلى الغلام وما في السماء قزعة ، قأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغدودق ، وانفجر

1 . فتح الباري: 2 / 398 ; دلائل النبوة: 2 / 126 .

صفحه 72
له الوادي ، وأخصب النادي والبادي ، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل(1)
وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام ، بل استسقاء عبد المطلب به وهو صبي أمراً معروفاً بين العرب ، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة ممّا يحفظه أكثر الناس .
ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله) كان موضع رضا منه(صلى الله عليه وآله) فإنّه بعدما بعث للرسالة استسقى للناس فجاء المطر وأخصب الوادي فقال النبي: لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه ، ومن ينشدنا قوله ؟ فقام علي (عليه السلام)وقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)كأنّك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل(2)
إنّ التوسّل بالأطفال في الاستسقاء أمر ندب إليه الشارع ، قال الدكتور عبد الملك السعدي: من السنّة أن نُخرج معنا إلى الصحراء الشيوخ والصبيان والبهائم لعلَّ الله يسقينا بسببهم.(3)
وهذا هو الإمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء:

1 . فتح الباري: 2 / 494 ; السيرة الحلبية: 1 / 116 .
2 . إرشاد الساري: 2 / 338 .
3 . البدعة: 49 .

صفحه 73
«وأُحب أن يخرج الصبيان ، ويتنظفوا للاستسقاء ، وكبار النساء ، ومن لا هيبة منهنّ ، ولا أُحبّ خروج ذات الهيبة ، ولا آمر بإخراج البهائم».(1)
فما الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن ، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم ؟ كل ذلك يعرب عن أنّ التوسّل بالأبرياء والصلحاء والمعصومين مفتاح استنزال الرحمة وكأنّ المتوسّل يقول: ربّي وسيّدي !! الصغير معصوم من الذنب ، والكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك ، وكلتا الطائفتين أحقّ بالرحمة والمرحمة . فلأجلهم أنزل رحمتك علينا ، حتى تعمّنا في ظلّهم  .
إنّ الساقي ربّما يسقي مساحة كبيرة لأجل شجرة واحدة ، وفي ظلّها تُسقى الأعشاب وسائر النباتات غير المفيدة .

3 ـ توسّل الخليفة بعمّ النبي: العباس

روى البخاري في صحيحه قال: كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) وقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا ، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا ، قال: فيُسقون.(2)

1 . الأُم 1 : 230 .
2 . صحيح البخاري: 2 / 32، باب صلاة الاستسقاء .

صفحه 74
والحديث صحيح السند ، فما ظنك برواية رواها الإمام البخاري ، لكن من لا يروق له التوسّل بالذوات الطاهرة أخذ يؤوّل الحديث بأنّ الخليفة توسّل بدعاء العباس لا بشخصه ومنزلته عند الله . وأضاف على ذلك أنّه لو كان قصده ذات العباس لكانت ذات النبي (صلى الله عليه وآله) أفضل وأعظم وأقرب إلى الله من ذات العباس ، بلا شك ولا ريب ، فثبت أنّ القصد كان الدعاء.(1)
لا أظنّ أن أحداً يحمل شيئاً من الإنصاف ، يسوِّغ لنفسه أن يفسر الحديث بما ذكره أي التوسّل بالدعاء; لأنّ في الموضوع نصوصاً تردُّ ذلك، وإليك الإشارة إليها:
1 ـ قول الخليفة عند الدعاء . . . قال: «اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا ، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا» . وهذا ظاهر في أنّ الخليفة قام بالدعاء في مقام الاستسقاء ، وتوسّل بعمّ الرسول في دعائه ، ولو كان المقصود هو التوسّل بدعائه ، كان عليه أن يقول: يا عمّ رسول الله كنّا نطلب الدعاء من الرسول فيسقينا الله ، والآن نطلب منك الدعاء فادع لنا .
2 ـ روى ابن الأثير كيفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لمّا اشتدّ القحط ، فسقاهم الله تعالى

1 . التوصل إلى حقيقة التوسّل: 253 .

صفحه 75
به ، وأخصبت الأرض ، فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه . وقال حسّان:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا *** فسقى الغمامُ بغُرّة العباسِ
عمِّ النّبي وصنوِ والده الذي *** ورث النبي بذاك دون الناسِ
أحيى الإله به البلاد فأصبحت *** مخضرّة الأجناب بعد الياسِ
ولمّا سُقي طفقوا يتمسّحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.(1)
أمعن النظر في قول الخليفة: هذا والله الوسيلة .
3 ـ ويظهر من شعر حسّان أنّ المستسقي كان هو نفس الخليفة وهو الداعي حيث قال: «سأل الإمام . . .» وكان العباس وسيلته لاستجابة الدعاء .
قال الدكتور عبد الملك السعدي: وقد أوّلوا حديث العباس بأنّ عمر طلب من العباس أن يدعو لأنّهم كانوا إذا أجدبوا طلبوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدعو لهم فكذا هنا طلب الدعاء من العباس . وهذا التأويل غير مقبول لوجهين:
الوجه الأوّل: إنّ السنّة أن يدعو الإمام نفسه والقوم يؤمَّنون وهذا ما حصل حيث كان الداعي هو سيدنا عمر لا العباس .

1 . اُسد الغابة: 3 / 111، طـ . مصر .

صفحه 76
الوجه الثاني: إنّ نص الحديث لا يدلّ على أنّ عمر طلب الدعاء من العباس بل كان هو الداعي ، بدليل قوله: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل . . . وهذا عين الدعاء ولم يرد أيّ لفظ يشير إلى أنّه قال للعباس: ادع لنا بالسقيا .
ومع ذلك فأيّ خلل يحصل في الدين أو العقيدة إذا أجرينا النص على ظاهره وتركنا العناد والتعصّب ؟
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ويستبين من قصة العباس استحباب الاستسقاء بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة وفيه فضل العباس ، وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقّه.(1)
وأظنّ أنّ هذه الروايات الصحيحة لا تبقي شكّاً ولا ريباً في خلد أحد في جواز التوسّل بالصالحين .
وأمّا ما ذكره من أنّه لو كان المقصود التوسّل بذات العباس لكان النبي بذلك أفضل وأعلم ، فيلاحظ عليه أنّ الهدف من إخراج عمّ النبي إلى المصلّى وضمّه إلى الناس هو استنزال الرحمة ، فكأنّ المصلّين يقولون ربّنا إذا لم نكن مستحقّين لنزول الرحمة ، فإنّ عمّ النبيّ مستحقّ لها ، فأنزل رحمتك إليه لتريحه من أزمة القحط والغلاء وعندئذ تعمّ الرحمة لغير العباس ، ومن المعلوم أنّ هذا لا يتحقق إلاّ بالتوسّل بإنسان حيّ يكون شريكاً مع الجماعة في

1 . البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق: 46 .

صفحه 77
المصير وفي هناء العيش ورغده لا مثل النبيّ الراحل الخارج عن الدنيا والنازل في الآخرة ، نعم يجوز التوسّل بشخصه أيضاً ولكن لا بهذا الملاك بل بملاك آخر لم يكن مطروحاً للخليفة في المقام .
ولو افترضنا صحّة ما يُدَّعى من أنّ الخليفة توسّل بدعاء عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) فهو عبارة أُخرى عن التوسّل بذات النبيّ لبّاً; إذ لولا صلته به لما قُدِّم للدعاء .

صفحه 78
التوسّل بحقّ الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم   

( 8 )

التوسّل بحقّ الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم

إنّ من التوسّلات الرائجة بين المسلمين منذ وقعوا في إطار التعليم الإسلامي  ، التوسّل بمنازل الصالحين وحقوقهم على الله ، وهناك سؤال يطرح نفسه وهو أنّه: كيف يمكن أن يكون لإنسان حقٌّ على الله؟ بل الحقوق كلّها لله على العباد.
ولكن الإجابة عن السؤال واضحة; إذ ليس معنى ذلك أنّ للعباد أو لبعضهم على الله سبحانه حقّاً ذاتياً يلزم عليه سبحانه الخروج عنه ، بل لله سبحانه الحقّ كلّه ، فله على الناس حقّ العبادة والطاعة إلى غير ذلك ، بل المراد المقام والمنزلة التي منحها سبحانه عباده تكريماً لهم ، وليس لأحد على الله حقّ إلاّ ما جعله الله سبحانه حقّاً على ذمّته لهم تفضّلا وتكريماً ، قال سبحانه: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).(1)
روى مسلم عن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله):

1 . الروم : 47 .

صفحه 79
«هل تدري ما حقّ الله على العباد ؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم ، قال: «فإنّ حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً» ، ثم سار ساعة قال: «يا معاذ» قلت: لبيك رسول الله وسعديك قال: «هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم ، قال: «أن لا يعذبهم».(1)
وروى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ، وابن حبّان في صحيحه ، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «ثلاثة حقّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف».(2)
فهذان الحديثان قد ثبت بهما وجود حقّ للعباد على الله تعالى ، إلاّ أنّه حقّ تكريم لا حقّ إلزام وإيجاب .
إنّ للإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب كلمة قيّمة في تفسير حقّ العباد على الله ، وأنّ هذا الحقّ ممّا منحه سبحانه تفضّلا على عباده ، قال : «فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الاَْشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لاَ يَجْرِي لاَِحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ. وَلَوْ كَانَ لاَِحَد أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لِلّهِ سُبْحانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ

1 و 2 . الترغيب والترهيب: 3 / 43; وشرح النووي على صحيح مسلم: 1 / 231 .

صفحه 80
صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلكِنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلا مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ».(1)
وقد أوضح الإمام معنى حقّ الناس على الله وأنّه ليس حقّاً ذاتياً للناس عليه بل كلّها تفضّل منه سبحانه: وترى مثله في سائر المواضع حيث نرى أنّه يقترض من العباد وهو مالك للعباد وما في أيديهم ويقول : ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ).(2)
فبعد هذه التصاريح على أنّ حقّ الناس على الله مقتضى تفضّله سبحانه وتكرّمه على عباده ليس لنا أن نستشكل في تصوير حقّ الناس على الله .
على أنّ هذا النوع من التوسّل لا يفترق عن التوسّل بذات النبي وشخصه فإنّ المنزلة والمقام مرآة لشخصه ، وإنّ حرمة الشخص وكرامته نابعة من كرامة ذاته وفضيلتها ، فلو صحّ التوسّل بالأوّل كما تعرّفت عليه من خلال الأحاديث، يصح بالثاني بدون إشكال ، ويدل عليه من الأحاديث ما نذكره:

1 . نهج البلاغة : الخطبة 216 .
2 . البقرة: 245، والحديد: 11 .

صفحه 81

1 ـ التوسّل بحقّ السائلين

روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: «اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك ، وأسألك بحق ممشاي هذا ، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعة إنّما خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تعيذني من النار وأن تغفر ذنوبي إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت» ، إلاّ أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك».(1)
إنّ دلالة الحديث واضحة لا يمكن لأحد التشكيك فيها ، وسند الحديث صحيح ورجاله كلّهم ثقات ، نعم اشتمل السند على عطية العوفي وقد وثّقه لفيف من أهل الجرح والتعديل .
قال أبو حاتم: يكتب حديثه ، وقال ابن معين: صالح ، وقال ابن حجر: عطية بن سعيد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي أبو الحسن صدوق ، قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات ، توفّي سنة إحدى عشرة ومائة ، قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجّاج إلى محمد بن القاسم أن يعرض عليه سبَّ علي ـ إلى أن قال: ـ كان ثقة ، وله أحاديث صالحة ، وكان أبوبكر البزّاز يعدّه في التشيّع ، روى عن جلّة الناس.(2)

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 256، برقم 778; مسند أحمد : 3 / 21 .
2 . تقريب التهذيب: 2 / 24، برقم 216 ; وتهذيب التهذيب: 7 / 227، برقم 413 .

صفحه 82
نعم ، هناك من ضعّفه لا لأنّه غير صدوق ، بل لأنّه كان يتشيّع ، وليس تشيّعه إلاّ ولاؤه لعلي وأهل بيته ، وهل هذا ذنب ؟!
إنّ لوضع الحديث دوافع خاصّة توجد أكثرها في أبواب المناقب والمثالب وخصائص البلدان والقبائل ، أو فيما يرجع إلى مجال العقائد ، كالبدع الموروثة من اليهود والنصارى في أبواب التجسيم والجهة وصفات الجنة والنار ، وأمّا مثل هذا الحديث الذي يعرب بوضوح عن أنّه كلام إنسان خائف من الله سبحانه ترتعد فرائصه من سماع عذابه، فبعيد عن الوضع .

2 ـ التوسّل بحقّ النبي وبحقّ من سبقه من الأنبياء

روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك أنّه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ علي ـ رضي الله عنها ـ دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها فقال: «رحمكِ الله يا أُمّي كنتِ أُمِّي بعد أُمِّي تجوعين وتشبعيني ، وتعرين وتكسينني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني ، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة» .
ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده ، ثم خلع رسول الله قميصه فألبسها إيّاه وكفّنها ببرد فوقها ، ثم دعا رسول الله أُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها ، فلمّا بلغوا

صفحه 83
اللحد حفره رسول الله بيده وأخرج ترابه بيده ، فلمّا فرغ دخل رسول الله فاضطجع فيه وقال: «الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا  يموت اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجتها ، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحم الراحمين» وكبّر عليها أربعاً وأدخلها اللحد والعباس وأبوبكر .
والاستدلال بالرواية يتوقف على تمامية الرواية سنداً ومضموناً .
أمّا المضمون فلا مجال للخدشة فيه ، وأمّا السند فصحيح ، رجاله كلّهم ثقات; لا يغمز في حقّ أحد منهم ، نعم فيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم; وقد عرفت كلام الذهبي فيه.(1)
وقد رواه أئمة الحديث وأساتذته ، وإليك أسماء من وقفنا على روايتهم:
1 ـ رواه الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في المعجم الأوسط: ج 1، ص 356 ـ 357 .
2 ـ رواه أبو نعيم عن طريق الطبراني في حلية الأولياء 3: 121 .
3 ـ رواه الحاكم في مستدركه 3: 108 وهو لا يروي في هذا

1 . لاحظ للوقوف على حال روح بن صلاح المصري: ميزان الاعتدال: 2 / 85، برقم 2801 .

صفحه 84
الكتاب إلاّ الصحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم .
4 ـ رواه ابن عبد البرّ في الاستيعاب على هامش الإصابة 4: 382 .
5 ـ نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء 2: 118 برقم 7 .
6 ـ رواه الحافظ نور الدين الهيثمي (المتوفّى 708 هـ) في معجم الزوائد ومنبع الفوائد 9: 256 ـ 257 ، وقال: ورواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم .
7 ـ رواه المتّقي الهندي في كنز العمال 13: 636 برقم 37608 .
هؤلاء الحفّاظ نقلوا الحديث في جوامعهم ، وصرّحوا بأنّ رجال السند رجال الصحيح ، ولو كان هناك شيء ففي روح بن صلاح، وقد عرفت توثيقه من أساتذة الفن كابن حبّان والحاكم .
وأمّا التوسّل بحقّ الأولياء والشخصيّات الإلهيّة ففي أدعية أئمة أهل البيت نماذج من أدعية التوسّل ، وهي كثيرة وموزعة في الصحيفة العلوية(1) ودعاء عرفة(2) والصحيفة السجادية(3)

1 . وهي المجموعة التي تضم بعض أدعية الإمام علي أمير المؤمنين
(عليه السلام) جمعها الشيخ عبد الله السماهيجي .
2 . وهو دعاء الإمام الحسين
(عليه السلام) في عرفات ، يوم عرفة .
3 . هي بعض أدعية الإمام زين العابدين
(عليه السلام) .

صفحه 85
وغيرها من كتب الدعاء .
وفيما يلي نذكر نماذج من تلك الأدعية:
1 ـ يقول الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء له:
« . . . بحقّ محمّد وآل محمّد عليك ، وبحقّك العظيم عليهم أن تصلّي عليهم كما أنت أهله ، وأن تعطيني أفضل ما أعطيت السائلين من عبادك الماضين من المؤمنين وأفضل ما تعطي الباقين من المؤمنين . . ».(1)
2 ـ ويقول الإمام سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة:
« . . . اللّهمّ إنّا نتوجّه إليك ـ في هذه العشية التي فرضتها وعظّمتها ـ بمحمد نبيّك ورسولك وخيرتك من خلقك» .
3 ـ ويقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:
« . . . اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ هذا الشهر وبحقّ من تعبّد فيه».(2)
إلى هنا تمّت بعض الأدلّة على جواز التوسّل بالشخصيات الطاهرة التي لها منزلة ومكانة ، وهناك روايات أُخرى في هذا الصدد نتركها لئلاّ يطول بنا الكلام; فإنّ الغرض الإيجاز لا الإطناب .

1 . الصحيفة العلوية : 51 .
2 . الصحيفة السجادية: الدعاء رقم 44 .

صفحه 86

3 ـ توسّل آدم بحقّ النبي

قد تعرّفت على حقيقة حقّ العبد على الله وربّما يحتمل أن يراد منه منزلته وجاهه عند الله وكرامته لديه، قال نور الدين السمهودي:
اعلم أنّ الاستغاثة والتشفّع بالنبي (صلى الله عليه وآله) وبجاهه وبركته عند ربّه تعالى من فعل الأنبياء وسير السلف الصالح ، واقع في كلّ حال ، قبل خلقه (صلى الله عليه وآله) وبعد خلقه(صلى الله عليه وآله)في حياته الدنيوية ومدّة البرزخ وعرصات القيامة .
«وإذا جاز السؤال بحق الأعمال ـ كما في حديث الغار الصحيح ـ وهي مخلوقة ، فالسؤال بالنبي (صلى الله عليه وآله) أولى . وفي العادة أنّ من له عند شخص قدر يتوسّل به إليه في غيبته فإنّه يجيب إكراماً للمتوسل به وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظّم سبباً للإجابة».(1)
قال الدكتور عبد الملك السعدي: «إذا قلت: اللّهمّ إنّي توسّلت إليك بجاه فلان ، لنبي أو صالح فهذا أيضاً مما ينبغي أن لا يحصل بجوازه خلاف; لأنّ الجاه ليس له ذات المتوسّل به بل مكانته ومرتبته عند الله وهي حصيلة الأعمال الصالحة; لأنّ الله تعالى قال عن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ (وَكَانَ عِنْدَ اللهِ

1 . وفاء الوفا: 4 / 1372 .

صفحه 87
وَجِيهاً )(1) وقال عن عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ ( وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ )(2) فلا ينكر على من يتوسّل بالجاه إذا كنّا منصفين; لأنّه لا يحتمل نسبة التأثير إلى المتوسّل به إذ ليس هو المقصود بل المتوسّل به جاهه ومكانته عند الله لا غير.(3)
وقال أيضاً في قصة استسقاء الخليفة بالعباس: إنّ عمر لم يقل واليوم نستسقي بالعباس بن عبد المطلب بل قال: بالعباس عمّ نبيّك ، فالوجاهة حصلت له لأنّه عمّ النبي (صلى الله عليه وآله)الميّت ، وهذا اعتراف بأنّ جاه النبي (صلى الله عليه وآله) بعد موته ما زال باقياً حتى سرى إلى عمّه العباس.(4)
ونحن نضيف إلى ذلك: أنّه إذا جاز التوسّل بالقرآن ـ كما مرّ في الفصل الثاني ـ لمكانته عند الله ومنزلته لديه وهو كلام الله الصامت ، فالتوسّل بالنبي الأكرم وهوكلام الله الناطق بطريق أولى .
عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «اقترف آدم الخطيئة قال: ربّي أسألك بحقّ محمّد لما غفرتَ لي ، فقال الله عزّ وجلّ: يا آدم ، كيف عرفت محمّداً ولم أخلقه ؟ قال: لأنّك يا ربّ

1 . الأحزاب: 69.
2 . آل عمران : 45 .
3 . البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق: 45 .
4 . البدعة: 49 .

صفحه 88
لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، فعلمت أنّك لم تُضِفْ إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك ، فقال الله عزَّ وجلّ: صدقت يا آدم إنّه لأحبّ الخلق إليَّ ، وإذ سألتني بحقّه فقد غفرت لك ، ولولا محمّد لما خلقتك ».(1)
يقع الكلام في سند الحديث أوّلا ومتنه ثانياً .
أمّا الأوّل: فرجاله ثقات ، نعم وقع الكلام في واحد منهم وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، فقد قال البيهقي: وهو ضعيف ، ولكن الحاكم صحّح الحديث على شرط الشيخين ، ولو قلنا بأنّه لا يعتمد على تصحيح الحاكم وحده فتكون الرواية مؤيّدة; إذ ليس معنى كون الراوي ضعيفاً أن الرواية مكذوبة .
وهناك نكتة أشرنا إليها سابقاً ، وهي أن لو كان التوسّل بشخص النبي أمراً منكراً بين المسلمين لما تجرّأ الواضع بوضع الحديث الذي يتضمّن ذلك الأمر المنكر; لأنّ هدفه من الوضع إقبال الناس إلى كلامه وتسليمهم بالرواية ، وهذا لا يجتمع مع كون المضمون أمراً مخالفاً لما عليه المسلمون في ظرف النقل ، وبذلك

1 . دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: 5 / 489، ط دار الكتب العلمية بيروت. ولاحظ : الدر المنثور: 1 / 59، ونقله كثير من المفسرين في قصة توبة آدم.

صفحه 89
يُعلم أنّ الرواية سواء أكانت صحيحة أم لا ، تُثْبت ما بيّناه في جواز التوسّل بذات النبي .
نعم هنا شبهتان حول الرواية ، تجب الإجابة عنهما:
الشبهة الأُولى
إنّ الحديث يتضمّن الإقسام على الله بمخلوقاته ، فالإقسام على الله بمحمد وهو مخلوق بل وأشرف المخلوقين لا يجوز; لأنّ حلف المخلوق لمخلوق حرام ، فالحلف لله بمخلوقاته من باب أولى .
يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به على حرمة الإقسام على الله بمخلوقاته عن طريق أنّ الحلف بمخلوق لمخلوق حرام ، مردود جداً ، لأنّ القرآن مليء بالحلف بمخلوق لمخلوق ، قال سبحانه:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الاَْمِينِ ).(1)
( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى).(2)
(وَالْفَجْرِ* وَلَيَال عَشْر* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ).(3)
ففي هذه الآيات حلف بمخلوق على مخلوق ، والحالف هو

1 . التين : 1 ـ 3 .
2 . الليل : 1 ـ 2 .
3 . الفجر : 1 ـ 4 .

صفحه 90
الله، والمحلوف به هو هذه الموجودات، والمحلوف لهم هم الناس أو المسلمون قاطبة .
فلو كان الحلف بمخلوق لمخلوق أمراً خطيراً وبمقربة من الشرك أو هو نفسه كما يقوله بعض الناس(1) لما حلف به سبحانه; لأنّ ماهية العمل إذا كانت ماهية شركيّة فلا يفرق بينه وبين عباده، كما أنّه إذا كانت ماهية الشيء ظلماً وتجاوزاً على البريء ، فالله وعباده فيه سيّان ، قال الله تعالى: ( قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).(2)
إنّ الحلف بهذه العظائم ذات الأسرار إنّما لأجل أحد الأمرين: إمّا للدعوة إلى التدبّر والدقة في صنعها والنواميس السائدة عليها واللطائف الموجودة فيها ، أو لإظهار عظمة المحلوف به وكرامته عند الله كما هو الحال في حلفه سبحانه بحياة النبي ، قال: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).(3)
ولا عتب علينا إذا عرضنا المسألة على السنّة النبويّة ، فقد جاءت فيها موارد قد ورد فيها الحلف بمخلوق على مخلوق ، نكتفي بما رواه مسلم في صحيحه ، وما ظنّك برواية مسلم في جامعه !

1 . التوصل إلى حقيقة التوسّل للرفاعي: 217 .
2 . الأعراف : 28 .
3 . الحجر : 72 .

صفحه 91
1 ـ روى مسلم في صحيحه:
جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله أيّ الصدقة أعظم أجراً ؟ فقال: «أما وأبيك لَتُنَبَّأنَّهُ: أن تَصَدَّق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل البقاء».(1)
2 ـ روى مسلم أيضاً:
وجاء رجل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ من نجد ـ يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله: «خمس صلوات في اليوم والليل» .
فقال: هل عليّ غيرهنّ؟
قال: «لا . . . إلاّ أن تطّوع ، وصيام شهر رمضان» .
فقال: هل عليّ غيره ؟
قال: «لا . . . إلاّ أن تطّوع» ، وذكر له رسول الله الزكاة .
فقال الرجل: هل عليَّ غيرها ؟
قال: «لا . . . إلاّ أن تطّوع» .
فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص .
فقال رسول الله: «أفلح وأبيه(2) إن صدق» .

1 . صحيح مسلم: 3 / 94، كتاب الزكاة ، باب أفضل الصدقة .
2 . أي حلفاً بأبيه ، فالواو للقسم .

صفحه 92
أو قال: «دخل الجنة ـ وأبيه ـ إن صدق».(1)
فإذ بطل الأصل: حرمة الحلف بمخلوق على مخلوق ، بطل ما بُني عليه من حرمة الإقسام على الله بحقّ مخلوقه .
إلى هنا تمّ بيان أنّ الشبهة شبهة غير صحيحة ، وإنّما دعا القائل إلى التمسّك بها لدعم رأيه المسبق .

الشبهة الثانية

إنّ الحوار الوارد في الحديث كان بعد اقتراف الخطيئة ولكنّه قبل أن يخطأ ، علّمه الله الأسماء كلّها ، ومن جملة الأسماء اسم محمد وعَلِم أنّه نبيّ ورسول وأنّه خير الخلق أجمعين ، فكان أحرى أن يقول آدم: ربّي إنّك أعلمتني به أنّه كذلك لمّا علّمتني الأسماء كلّها.(2)
نقول على هامش الشبهة: إنّ ردّ السنّة الشريفة بمثل هذه التشكيكات جرأة عليها; إذ أيّ مانع أن يكون هنا عِلْمان: علم جزئي وقف عليه عندما فتح عينيه على الحياة في الجنّة ، وعلم واسع علّمه سبحانه بعد ذلك الظرف ، عندما أراد سبحانه إثبات كرامته على الملائكة .

1 . صحيح مسلم: 1 / 32 ، باب ما هو الإسلام .
2 . التوصل إلى حقيقة التوسّل: 218 .

صفحه 93
إنّ هذا النوع من التشكيك يستمد من إثبات الرأي والصمود على العقيدة وإن كان الحديث على خلافها .
وهناك نكتتان ننبّه عليهما:
الأُولى: إنّ أحاديث التوسّل وإن كانت تتراوح بين الصحيح والحسن والضعيف ، لكن المجموع يعرب عن تضافر المضمون وتواتره ، فعند ذلك تسقط المناقشة في أسنادها بعد ملاحظة ورود كمية كبيرة من الأحاديث في هذا المجال ، وأنت إذا لاحظت ما مضى من الروايات ، وما يوافيك تذعن بتضافر المضمون أو تواتره .
الثانية: نحن نفترض أنّ الحديث الراهن مجعول موضوع ، ولكنّه يعرب عن أنّ التوسّل بالمخلوق والإقسام على الله بمخلوقاته ليس شركاً ولا ذريعة إليه ، بل ولا حراماً . وذلك لأنّه لو كان شركاً وذريعة إليه أو حراماً ، لما رواه الثقات واحد عن واحد ، وهم أعرف بموازين الشرك ومعاييره ، ولما أورده الأكابر من العلماء في المعاجم الحديثية ، كالبيهقي في دلائل النبوة والحاكم في مستدركه ، والسيوطي في تفسيره ، والطبراني في المعجم الصغير ، وأكابر المفسّرين في القرون الغابرة; لأنّ الشرك أمر بيّن الغي ، فلا معنى ولا مسوّغ لنقله بحجة أنّه رواية .
فكل ذلك يعرب عن الفكرة الخاطئة في الحكم على الحلف على الله بمخلوقاته شركاً .

صفحه 94
التوسّل بمقام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ومنزلته عند الله   

( 9 )

التوسّل بمقام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ومنزلته عند الله
إنّ هذا النوع من التوسّل ليس قسماً آخر بل يرجع إلى التوسّل بحقّهم ، بل التحقيق هو: أنّ التوسّل ليس له إلاّ قسم واحد وهو توسيط قداسة النبي وشخصيته وحرمته عند الله تبارك وتعالى ، حتى يستجيب دعاء الإنسان لأجلها ، ولو كان لدعاء النبي أثر هو الإجابة فإنّما هو في ظلّ قداسته وشخصيته ، وهناك كلمة قيّمة للشيخ محمد الفقي في هذا الصعيد نأتي بنصّها:
يمتاز الأنبياء والرسل عن سواهم بمميزات لها خطورتها وعِظَم شأنها ، ويتمتعون بخصوصيات تجل عن التقدير والتعبير ، فهم يتفاوتون عن الخلائق بشتّى الخوارق ، ويختصّون بأنواع رائعة من المعجزات وأسمى المقامات: ( ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).(1)
والذي وهبهم هذه العطايا وأنعم عليهم بهذه الامتيازات ،

1 . الحديد : 21 .

صفحه 95
كتب لهم في سجل الحوائج قضاء ما يطلبون وما يرجون; لأنّهم رسله إلى خلقه يُلجأ إليهم عند الشدائد ، ويستغاث بهم في الملمّات ، وقد أكرم الله كذلك من بين خلقه رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب والأبصار ، وهم أولياؤه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فلهم الحظوة لديه ، والقبول عنده بتفضيل عليهم بالاستجابة لدعائهم وقبول الاستغاثة منهم .
وفي جواز التشفّع والاستغاثة بجاهه تواترت الأحاديث ، واستفاضت الأخبار ، خصوصاً عندما يطول الموقف ويشتدّ الكرب ويعظم الهول ، يوم تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى . فتطلب الخلائق في هذا الموقف من الأنبياء إغاثتهم ، والاستشفاع بهم ، فيحيلونهم كل بدوره إلى خير شفيع ، وأعظم مغيث فيقصدون كعبة الشفاعة وقبلة الإغاثة ، فيستجيب لرغباتهم ويسارع لإغاثتهم وإنقاذهم ويهمّ لمرضاتهم بما عهد فيه من فضل ، وما عرف عنه من كرم.(1)
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «أنا سيّد الناس يوم القيامة . هل تدرون بِمَ ذلك ؟ يجمع الله يوم القيامة

1 . التوسّل والزيارة: 161 .

صفحه 96
الأوّلين والآخرين في صعيد واحد ويسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم ؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربّكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم ، فيأتون آدم فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟ فيقول آدم: إنّ ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ، وإنّه نهاني عن الشجرة فعصيته ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح .
فيأتون نوحاً ، فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سمّاك الله عبداً شكوراً اشفع لنا إلى ربّك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول: إنّ ربّي عزّ وجلّ قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنّه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم .
فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعد

صفحه 97
مثله (وإنّي قد كنت كذبت ثلاث كذبات ـ فذكرهنّ أبو حيان(1) ـ في الحديث) ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى .
فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضّلك الله برسالته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، وإنّي قد قتلت نفساً لم أُؤمر بقتلها ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى .
فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وكلّمت الناس في المهد صبيّاً ، اشفع لنا ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول عيسى: إنّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله (ولم يذكر ذنباً) ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد(صلى الله عليه وآله) .
فيأتون محمّداً(صلى الله عليه وآله) فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ، اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقَعُ ساجداً لربّي عزّ وجلّ ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك

1 . ما تفرّد به أبو حيان مخالف للكتاب والعقل فلا عبرة به .

صفحه 98
سل تعطه واشفع تشفّع ، فأرفَعُ رأسي فأقولُ: أُمّتي يا ربّ أُمّتي يا ربّ ، فيقال: يا محمد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم
من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما
سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة كما بين مكة وحميرا وكما بين مكّة وبصرى».(1)
فالحديث يدلّ على جواز التوسّل بالمقام والمنزلة لقولهم: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ، كما أنّ فيه دلالة على طلب الشفاعة منه لقولهم اشفع لنا إلى ربك .
إنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء ليس بملاك جسمانيتهم فإنّهم وغيرهم في ذلك المجال سواسية ، وإنّما يتوسّل بهم بروحانيتهم العالية; وهي محفوظة في حال الحياة وبعد الارتحال إلى البرزخ وإلى الآخرة .
فالتفريق في التوسّل بين الحياة والممات ينشأ من نظرة مادّية تعطي الأصالة للجسم والمادّة ولا تقيم للمعنى والروحانية وزناً ولا قيمةً .
فالنبي الأكرم مدار الفضائل والكمالات وهو يتمتع بأروع

1 . صحيح البخاري: 6 / 84 ـ 85 ; صحيح مسلم: 1 / 127 ـ 130 ; مسند أحمد: 2 / 412 .

صفحه 99
الكرامات وكلّها ترجع إلى روحانيّته ومعنويّته القائمة المحفوظة في جميع الحالات .
فما هذا التفريق بين الحياة المادية والبرزخية والأُخروية ؟
فمن اتّخذ الأنبياء والأولياء وغيرهم ممّن باتوا لربّهم سجّداً وقياماً ، أسباباً حال حياتهم أو بعد مماتهم ، ووسائل لقضاء حوائجهم ووسائط لجلب الخير ودفع الشر ، لم يحيدوا عمّا تهدف إليه الشريعة ولم يتجاوزوا الخط المشروع ولم يتعدّوا مقصود الرسالة النبوية وغاياتها .
فالأسباب لا يمكن إنكارها ، ولا يعقل تجاهلها ، ولا يتأتّى جحودها; لأنّه تعالى هو الذي خلق الأسباب والمسبّبات ورتّب النتائج على المقدّمات فمن تمسك بالأسباب فقد تمسّك بما أمر الله سبحانه .

صفحه 100
آيتان على مائدة التفسير   

آيتان على مائدة التفسير

قد تعرّفت على أدلّة جواز التوسّل بالأنبياء والصالحين ، بأقسامه المختلفة ، وربّما تثار شبهة حول التوسّل يُتمسك لها ببعض الآيات ، فإكمال البحث يقتضي توضيح بعض هذه الآيات التي وقعت ذريعة للشبهة لأجل التفسير بالرأي ، فحاشا أن يكون بين الآيات تهافت واختلاف بأن يدلّ بعضها على جواز التوسّل وبعضها الآخر على المنع ، وحاشا أن تكون السنّة المتواترة على جواز التوسّل مضادّة للقرآن الكريم، وإنّما استغلّهما القائل إذ ولج في تفسير الآية من غير بابها، وإليك بعض هذه الآيات:

الآية الأُولى

قوله سبحانه: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلا* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً).(1)
وتوضيح الآيتين على وجه يقلع الشبهة من رأس:

1 . الإسراء : 56 ـ 57 .

صفحه 101
تردّ الآيتان على الذين كانوا يعبدون الوسائط والوسائل بتخيّل أنّها تستطيع كشف الضرّ وتحويله عنهم ، وأنّها تملك ذلك ، فلأجل تلك الغاية كانوا يعبدون الجنّ والملائكة وغيرهم، وكانوا يسمّونهم آلهة ، والآيتان تحتجّان على نفي إلوهيتهم بحجة أنّ الإله المستحقّ للعبادة يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضرر ، إذ هو لازم ربوبية الربّ ، لكن الذين يدعون هؤلاء ويعبدونهم لا يستطيعون ذلك ، أي كشف ضُرٍّ مسّهم أو تحويله عنهم إلى غيرهم ، فعند ذلك تبطل ربوبيتهم فلا يستحقّون العبادة ، وإلى ذلك المعنى يشير سبحانه بقوله: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلا) .
هذا هو الدليل الأوّل الذي أبطل به سبحانه إلوهيتهم وربوبيتهم واستحقاقهم للعبادة.
ثم إنّه سبحانه عاد إلى الاحتجاج عليهم بدليل آخر وحاصله: أنّ الذين تعبدونهم وتزعمون أنّهم يستطيعون كشف الضرّ وتحويله ـ نفس هؤلاء ـ يدعون الله تعالى ويطلبون القربة إليه بفعل الخيرات حتى أنّ الأقرب منهم يبتغي الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب ، والجميع يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ، إنّ عذاب ربّك كان محذوراً ، فإذا كان الحال كذلك فاللازم عليكم ترك عبادة هؤلاء ورفضهم والإقبال على عبادة الله تبارك وتعالى، وإلى ذلك يشير

صفحه 102
قوله سبحانه في الآية الثانية:
(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً) .
فأشار ( بأُولئك ) إلى آلهتهم ، وبقوله: ( الذين يدعون )إلى عبادتهم لهم ، ثم وصف آلهتهم بالجمل التالية وهي ، هؤلاء الآلهة:
1 ـ يبتغون إلى ربّهم الوسيلة .
2 ـ الذي هو أقربهم إلى الله يبغي الوسيلة، فكيف بغير الأقرب !
3 ـ والجميع الأقرب وغير الأقرب (يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً) فالآيتان بصدد إبطال إلوهية هؤلاء وعدم استحقاقهم للعبادة لعدم ثبوت ملاك العبادة فيهم .
فأيّ صلة للآيتين بنفي التوسّل ، أي التوسّل بعباد صالحين لا يعتقد المتوسّل فيهم شيئاً من الربوبية ولا استطاعة لكشف الضر وتحويله ، بل هم عباد صالحون تستجاب دعوتهم ، فلو كانت الآية عامة لصورة التوسّل بدعائهم يلزم التهافت بينها وبين قوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً).(1)

1 . النساء : 64 .

صفحه 103
فالإنسان المصر على عقيدته الذي لا يريد أن يعدل عنها أمام الآيات البيّنات ليس له إلاّ إخراج الآية عن مفادها وتفسيرها لأجل رأي مسبق ، فشتّان بين مفاد الآية ، أي عبادة الوسائط بزعم أنّهم آلهة يستطيعون كشف الضر وتحويله وقضاء الحاجة ، وبين توسيط الشخصيات الصالحة بما هم عباد الله ، وبما لهم من منزلة وكرامة عند الله حتى يدعوا للمتوسّل أو يستجيب الله تعالى دعاءه لأجل قربهم وكرامتهم عنده ، فالآية ناظرة إلى المعنى الأوّل دون الثاني .

الآية الثانية

قال سبحانه: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).(1)
ربما يقال: إنّ التوسّل نوع من الاستعانة بغير الله سبحانه ، وهو ينافي الحصر الموجود في قوله: ( إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
والجواب: أنّ الاستعانة بالناس والاستغاثة بهم لا تتنافى مع حصر الاستعانة بالله في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأنّ الاستعانة بهم (باعتقاد أنّه سبحانه هو الذي جهزهم بالقوّة ، فلو قاموا بعمل فإنّما يقومون به بحوله وقوّته سبحانه) يؤكد حصر الاستعانة فيه عزّ وجلّ .
وإنّما ينافي الحصر لو اعتقدنا بأنّ للأسباب والوسائط أصالة

1 . الفاتحة : 5 .

صفحه 104
واستقلالا في العمل والتصرف ، وهذا ما لا يليق أن ينسب إلى موحّد أبداً .
إنّ القرآن حافل بحصر أفعال بالله سبحانه ، فينسبها إليه في صورة الحصر ، ولكنّه يعود فينسبها في نفس الوقت إلى غيره، وليس هناك تهافت وتضادّ بين الإسنادين والنسبتين; لأنّ المحصور في الله سبحانه غير المنسوب إلى غيره .
يقول سبحانه: ( إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وفي الوقت نفسه يقول عزّ وجلّ : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ).(1)
قال الدكتور عبد الملك السعدي: أمّا من يمنع ذلك ويستدلّ بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)وبقوله (صلى الله عليه وآله) لابن عباس : «وإذا استعنت فاستعن بالله» وبقوله: «لا يستغاث بي وإنّما المغيث هو الله» .
فالجواب عنه: أنّ الإعانة تكون حقيقية ومجازية ، فالمعين الحقيقي هو الله وطلب الإعانة من غيره مجاز ، ولولا إمداد الله له بالعون والقوّة لما استطاع أن يعينك ، فالاستعانة بالإنسان هي استعانة بالقوة والملكة والسلطة التي منحه الله إيّاها إذ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، فالآية حصرت الاستعانة الحقيقية بالله تعالى ، وكذا

1 . البقرة : 45 .

صفحه 105
وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لابن عباس من هذا القبيل ، والآية والحديث فيهما توجيه للعبد ، أن لا ينسب إلى المخلوق حولا ولا قوّة ، ولو طلب العون المجازي منه. وإذا لم توجّه الآية والحديث هذا التوجيه فإنّه ستتعارض مع قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى )(1)وقوله (صلى الله عليه وآله): «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» .
أمّا الحديث الأخير فإنّه ضعيف; لأنّ في سنده ابن لهيعة فلا يقاوم الأحاديث الصحاح ولا مدلول الآية.(2)
والأولى أن يعبّر عن الحقيقي والمجازي بالاستقلال وعدم الاستقلال ، بالأصالة والتبع ، فالله سبحانه يملك كلّ شيء استقلالا وأصالة والعبد يملك العون والقدرة ، ولكن بإذنه ومشيئته في كل آن ، فهو الذي أراد أن يقدر العبد ويستطيع على إقامة الفرائض والسنن .
فالعون القائم بالذات غير المفاض هو عون الله سبحانه ، وأمّا العون المفاض المحدود فهو عون العبد ، فلو استعان بالعبد بما أنّه معين مستقل وبالأصالة فهو مشرك ، لأنّه جعلَ المخلوق مكان الخالق ، ولو طلب منه بما أقدره الله عليه وأجاز له أن يعين أخاه ، فقد طلب شيئاً مشروعاً وهو نفس التوحيد .

1 . المائدة : 2 .
2 . البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق: 53 ـ 54 .

صفحه 106
هذا من غير فرق بين من يستعين بالأحياء وبالأموات ، غاية الأمر إذا كان الميت غير مستطيع على الإعانة تكون الاستعانة لغواً ، وإن كان قادراً فتكون الاستعانة عقلائية ، فالحياة والموت ليسا ملاكاً للتوحيد والشرك ، بل ملاكان للجدوى وعدمها .
* * *
التوسّل بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) متواتر إجمالا   

صفحه 107

( 10 )

التوسّل بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)متواتر إجمالا
إنّ هناك لفيفاً من التوسّلات المبثوثة في كتب التاريخ والتفسير والسيرة وغيرها; وهي بأجمعها تدلّ على جواز التوسّل بدعاء الرسول أو بذاته أو بمنزلته حيّاً وميّتاً ، والكل يعرب عن كونه أمراً رائجاً بين المسلمين غير منكر ، وانّما حدث الإنكار في الآونة الأخيرة أي بعد سبعة قرون متكاملة ، فلم ينبس فيها أحد ببنت شفة بالإنكار أبداً .
نعم هناك بعض يمنعون التوسّل ، ولكنّهم لمّا وقعوا أمام هذه الروايات الهائلة الدالّة على جواز التوسّل بدعائه أو بذاته وشخصه حيّاً وميتاً ، حاولوا أن يناقشوا في أسناد هذه الروايات ، غافلين عن أنّ هذه الروايات مستفيضة ، بل متواترة في مفادها الإجمالي; أي جواز التوسّل بنفسه ، ولا وجه للمناقشة في اسنادها، وقال ابن تيميّة: «والمراسيل إذا تعدّدت طرقها وخلت عن المواطأة قصداً أو الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعاً».(1)

1 . مقدمة في أُصول التفسير: 24 .

صفحه 108
وأنت إذا لاحظت ما سبق من الصحاح والحسان وما نذكره الآن تذعن لتواترها الإجمالي:

1 ـ توسّل الأعرابي بالنبي نفسه

روى جمع من المحدّثين أنّ أعرابياً دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله)وقال: لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ، ولا صغير يغط ، ثم أنشأ يقول:
أتيناك والعذراء تَدمي لبانها *** وقد شغلت أُمّ الصبي عن الطفل
ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا *** سوى الحنظل العاميوالعلهز الفسل
وليس لنا إلاّ إليك فرارنا *** وأين فرار الناس إلاّ إلى الرسل ؟
فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجر رداءه حتى صعد المنبر ، فرفع يديه وقال: اللّهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً . . . فما ردّ النبي يديه حتى ألفت السماء . . . ثم قال: لله درّ أبي طالب ، لو كان حياً لقرّت عيناه . من ينشدنا قوله ؟
فقام علي بن أبي طالب (عليهما السلام) وقال: كأنّك تريد يا رسول الله قوله:

صفحه 109
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطوف به الهلاّك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل
فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أجل .
فأنشد علي (عليه السلام) أبياتاً من القصيدة ، والرسول يستغفر لأبي طالب على المنبر ، ثم قام رجل من كنانة وأنشد يقول:
لك الحمد والحمد ممّن شكر *** سُقينا بوجه النبي المطر(1)

دلالة الحديث:

إنّ الإمعان في مجموع الرواية يعرب عن أنّ الأعرابي توسّل بشخص النبي وطلب منه قضاء حاجته ، والدليل على ذلك الأُمور الآتية :
أ ـ أتيناك وما لنا بعير يئط .
ب ـ أتيناك والعذراء تدمى لبانها .
ج ـ وليس لنا إلاّ إليك فرارنا .
د ـ وأين فرار الناس إلاّ إلى الرسل ؟

1 . السيرة الحلبية 1: 116 . لاحظ فتح الباري 2: 494 ، والقصيدة مذكورة في السيرة النبوية لابن هشام 1: 272 ـ 280 .

صفحه 110
هـ ـ إنشاد علي بن أبي طالب شعر والده ، وهو يتضمّن قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه .

2 ـ شعر صفيّة في رثاء النبي

أنشدت صفية بنت عبد المطلب عمّة النبي قصيدة بعد وفاة النبي في رثائه(صلى الله عليه وآله)وجاء فيها قولها:
ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا *** وكنت بنا برّاً ولم تك جافيا
وكنت بنا برّاً رؤوفاً نبيّنا *** ليبك عليك اليوم من كان باكيا(1)
إنّنا نستنتج من هذه المقطوعة الشعرية ـ التي أُنشدت على مسمع من الصحابة وسجّلها المؤرّخون وأصحاب السير ـ أمرين :
الأوّل: إنّ مخاطبة الأرواح ـ وبالخصوص مخاطبة رسول الله بعد وفاته ـ كان أمراً جائزاً وجارياً وقولها: «يا رسول الله» لم يكن لغواً ولا شركاً .
الثاني: إنّ قولها: «أنت رجاؤنا» يدلّ على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) هو أمل المجتمع الإسلامي في كل العصور والأحوال ، ولم تنقطع الروابط

1 . ذخائر العقبى : 252; مجمع الزوائد: 9 / 36; ونشير إلى أنّ جملة: «أنت رجاؤنا» في الشطر الأوّل جاءت في هذا المصدر هكذا (كنت رجاؤنا) .

صفحه 111
والعلاقات معه (صلى الله عليه وآله) حتى بعد وفاته .

3 ـ خبر العتيق

روى الإمام القسطلاني في المواهب اللدنية: وقف أعرابي على قبره الشريف(صلى الله عليه وآله) وقال: اللّهمّ إنّك أمرت بعتق العبيد وهذا حبيبك وأنا عبدك فأعتقني من النار على قبر حبيبك ، فهتف به هاتف: يا هذا سألت العتق لك وحدك ؟ هلاّ سألت العتق لجميع المؤمنين اذهب فقد أعتقتك .
ثمّ أنشد القسطلاني البيتين المشهورين وهما:
إنّ الملوك إذا شابت عبيدهم *** في رقّهم أعتقوهم عتق أحرار
وأنت يا سيدي أولى بذا كرماً *** قد شِبتُ في الرقّ فاعتقني من النار(1)

4 ـ خبر حاتم الأصمّ

نقل في المواهب عن الحسن البصري ، قال: وقف حاتم الأصمّ على قبره (صلى الله عليه وآله)فقال: يا ربّ إنّا زرنا قبر نبيّك (صلى الله عليه وآله) فلا تردّنا خائبين ، فنودي: يا هذا ما أذنّا لك في زيارة قبر حبيبنا إلاّ وقد قبلناك، فارجع أنت ومن معك من الزوّار مغفوراً لكم .

1 . المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: 4 / 584 طـ . دار الكتب الإسلامي .

صفحه 112
ثم ذكر في المواهب كثيراً من البركات التي حصلت له ببركة توسّله بالنبيّ.(1)

5 ـ اللّهمّ ربّ جبرئيل وميكائيل...

روى النووي أنّ النبي أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر: «اللّهمّ ربّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد أجرني من النار» (أو) «أعوذ بك من النار» . وخصّ هؤلاء بالذكر للتوسّل بهم في قبول الدعاء وإلاّ فهو سبحانه ربّ جميع المخلوقات .
والحديث صحّحه الحاكم ، وقال ابن حجر: إنّه حسن.(2)

6 ـ حديث السؤال بالأنبياء

يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جدّه أنّ أبا بكر الصدّيق أتى النبي (صلى الله عليه وآله)قال: إنّي أتعلّم القرآن وينفلت منّي . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «قل: اللّهمّ إنّي أسألك بمحمد نبيّك ، وإبراهيم خليلك ، وبموسى نجيّك ، وعيسى روحك وكلمتك ، وبتوراة موسى ، وإنجيل عيسى ، وفرقان محمد، وبكل وحي أوحيته وقضاءً قضيته . . .» .

1 . المصدر نفسه .
2 . الدرر السنيّة: 30 ; التوصل إلى حقيقة التوسّل: 306، عن كتاب الأذكار للنووي .

صفحه 113
قال ابن تيمية: هذا الحديث ذكره زرين بن معاوية العبدري في جامعه . ونقله ابن الأثير في جامع الأُصول ، ولم يعزه لا هذا ، ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين ، لكنّه رواه من صنَّف في عمل يوم وليلة كابن السنّي ، وأبي نعيم . وقد رواه أبو الشيخ الاصبهاني في كتاب «فضائل الأعمال».(1)

7 ـ حديث دعاء حفظ القرآن

ذكر موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير باسناده عن ابن عباس مرفوعاً ، أنّه قال: من سرّه أن يوعيه الله القرآن فليكتب هذا الدعاء: « . . . اللّهمّ إنّي أسألك بأنّك مسؤول لم يُسأل مثلك ولا يسأل، وأسألك بمحمد نبيّك ، وإبراهيم خليلك ، وبموسى نجيّك ، وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك . . .».(2)

8 ـ حديث استفتاح اليهود على المشركين بمحمد(صلى الله عليه وآله)

يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان . . . فكلّما التقوا هزمت يهود ، فعاذت بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّا نسألك بحقّ محمد النبي الأُمّي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر

1 . التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 310 .
2 . التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 310 .

صفحه 114
الزمان إلاّ نصرتنا عليهم» فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان . . . فلمّا بُعث النبي (صلى الله عليه وآله)كفروا به فأنزل الله تعالى: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا . . .).(1)

9 ـ توسّل الشافعي بآل البيت

ذكر ابن حجر المكي في كتابه المسمّى بـ «الصواعق المحرقة» من أشعار الإمام الشافعي هذين البيتين:
آل النبي ذريعتي *** وهم إليه وسيلتي
أرجو بهم أُعطى غداً *** بيدي اليمين صحيفتي(2)

10 ـ استسقاء بلال بن حرث

روى البيهقي وابن أبي شيبة أنّ الناس أصابهم قحط في خلافة عمر، فجاء بلال بن الحرث وكان من أصحاب النبي إلى قبر النبي ، وقال: يا رسول الله استسق لأُمّتك فإنّهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام وأخبره بأنّهم سيسقون(3) ففيه النداء بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) والخطاب بالطلب منه أن يستسقي لأُمّته .

1 . المصدر نفسه ، نقلا عن الحاكم في المستدرك على الصحيحين . ولم نعثر عليه. والآية في سورة البقرة : 89 .
2 . الصواعق المحرقة: 180 ، طـ . مكتبة القاهرة ، تحقيق عبد الوهاب .
3 . الدرر السنية: 18 .

صفحه 115
ومراده من الاستسقاء بقرينة الحال دعاؤه سبحانه أن ينزل رحمته ، إليهم ، لا أن يصلّي صلاة الاستسقاء ، وليس العبرة بنوم بلال ، وإنّما العبرة بعمل ذلك الصحابي الذي كان في بعض غزواته.(1)
قال زيني دحلان: ومن تتبع أذكار السلف والخلف وأدعيتهم وأورادهم وجد فيها شيئاً كثيراً في التوسّل ولم ينكر عليهم أحد في ذلك حتى جاء هؤلاء المنكرون ، ولو تتبّعنا أكابر الأُمّة في التوسّل لامتلأت بذلك الصحف ، وفيما ذكر كفاية ومقنع لمن كان بمرأى من التوفيق ومسمع.(2)

تلك عشرة كاملة

ونلفت نظر القارئ بأنّ الاحتجاج بهذه الأحاديث العشرة الكاملة وما قبلها مبني على أمرين أُشير إليهما فيما سبق:
1 ـ إنّ أصل التوسّل إذا كان شركاً أو محرّماً لم يتجرأ الوضّاع على أن يجعله أساساً لما يريده من الوضع والدس ، فهذا يعرب عن أنّ أساس (جواز التوسّل) كان أمراً مسلّماً فبنى عليه ما بنى من القصص والروايات لو افترضنا عدم صحتها ، لكن أنّى لنا هذه الفرية .

1 . تهذيب الكمال: 4 / 282 ; تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 3 / 301 ـ 303 .
2 . الدرر السنية: 31 .

صفحه 116
2 ـ إنّ مجموع الروايات العشرة وما تقدّم عليها من الصحاح والحسان يثبت كون التوسّل بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بعامة صوره أمر استُفيض جوازه من النبي والصحابة ، بل تواتر إجمالا وإن كانت الخصوصيات غير متواترة .
وليس المورد ممّا يقبل الجرح والدقّة في إسناد الروايات; إذ ليس المقصود الإذعان بصحة كل ما جاء فيها من الخصوصيات ، وإنّما المقصود ثبوت جواز التوسّل بصورة عامة ببركة هذه الحكايات والقصص وإن كان بعضها ضعيف السند عند البعض وصحيحاً عند آخر .
ومن أراد ردّ هذه الروايات بضعف السند ، فقد ولج البيت من غير باب .
* * *

ما أُلّف حول التوسّل بقلم علماء الإسلام

لقد أُلّف حول التوسّل بخير الأنام وأولياء الله الكرام كتبٌ ورسائل قام بتأليفها لفيف من علماء الإسلام وأكابرهم الذين يعتمد على أقوالهم وآرائهم ، فأحببت أن أُنوّه ببعض أسمائها حتى يقف القارئ عليها ، وإذا أراد التوسّع فعليه الرجوع إليها:
1 ـ كتاب الوفا في فضائل المصطفى: لابن الجوزي (المتوفّى

صفحه 117
597 هـ ) وقد أفرد باباً حول التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله) وباباً حول الاستشفاء بقبره الشريف .
2 ـ مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام: تأليف محمد بن نعمان المالكي (المتوفّى 673 هـ ) وقد نقل السمهودي في كتاب وفاء الوفا ، باب التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) عن هذا الكتاب نقلا كثيراً .
3 ـ البيان والاختصار: لابن داود المالكي الشاذلي ، وقد ذكر فيه توسّل العلماء والصلحاء بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في المحن والأزمات .
4 ـ شفاء السقام: لتقي الدين السبكي (المتوفّى 756 هـ ) وقد تحدّث عن التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله)بشكل تحليلي رائع من ص 120 ـ 133 .
5 ـ وفاء الوفا لأخبار دار المصطفى: للسيد نور الدين السمهودي (المتوفّى 911 هـ ) وقد بحث عن التوسّل بحثاً واسعاً في الجزء الرابع من ص 413 ـ 419  .
6 ـ المواهب اللدنية: لأبي العباس القسطلاني (المتوفّى 932 هـ )، وسيوافيك كلامه في التوسّل .
7 ـ شرح المواهب اللدنية: للزرقاني المالكي المصري (المتوفّى 1122 هـ ) في الجزء الثامن ، ص 317 .
8 ـ صلح الإخوان: للخالدي البغدادي (المتوفّى 1299 هـ ) وله

صفحه 118
أيضاً رسالة خاصّة في الردّ على الآلوسي حول موضوع التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله) وقد طبعت الرسالة في سنة 1306 هـ .
9 ـ كنز المطالب: للعدوي الحمزاوي (المتوفّى 1303 هـ ).
10 ـ فرقان القرآن: للعزامي الشافعي القضاعي ، وقد طبع هذا الكتاب مع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي في 140 صفحة .
أيُّها القارئ الكريم: إنّ مطالعة هذه الكتب ـ وخاصة تلك التي تحدّثت بالتفصيل عن التوسّل ، ويأتي كتاب صلح الإخوان وفرقان القرآن في طليعتها ـ تثبت جريان سيرة المسلمين ـ في كلّ عصر ومصر ـ على التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) ولنقتصر على هذا المقدار ففيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد .

كلام لأبي العباس القسطلاني حول التوسّل

قال: وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرّع والاستغاثة والتشفّع والتوسّل به (صلى الله عليه وآله) فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه .
واعلم أنّ الاستغاثة هي طلب الغوث ، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه ، فلا فرق بين أن يعبّر بلفظ: الاستغاثة أو التوسّل أو التشفّع أو التجوّه أو التوجّه ، لأنّهما من الجاه والوجاهة ، ومعناه: علو القدر والمنزلة  .

صفحه 119
وقد يتوسّل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه ، ثم إنّ كلاًّ من الاستغاثة والتوسّل والتشفّع والتوجّه بالنبي (صلى الله عليه وآله) كما ذكره في «تحقيق النصرة» و «مصباح الظلام» واقع في كل حال ، قبل خلقه وبعد خلقه ، في مدّة حياته في الدنيا وبعد موته في مدّة البرزخ ، وبعد البعث في عرصات القيامة .
فأمّا الحالة الأُولى فحسبك ما قدّمته في المقصد الأوّل من استشفاع آدم (عليه السلام)به لما أُخرج من الجنّة ، وقول الله تعالى له: «يا آدم لو تشفّعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفّعناك» .
وفي حديث عمر بن الخطاب عند الحاكم والبيهقي وغيرهما: وإن سألتني بحقّه فقد غفرت لك . ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
به قد أجاب الله آدم إذ دعا *** ونجا في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره *** ومن أجله نال الفداء ذبيح
وصحّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ ، أسألك بحقّ محمد لما غفرت لي ، قال الله تعالى: يا آدم ، وكيف عرفتَ محمّداً ولم أخلقه ؟ قال: يا ربّ إنّك لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك ، رفعت رأسي فرأيت قوائم العرش مكتوباً عليها لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، فعرفت أنّك لا  تضيف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك . فقال الله تعالى: صدقتَ يا آدم ، إنّه

صفحه 120
لأحبّ الخلق إليّ ، وإذ سألتني بحقّه ، فقد غفرت لك، ولولا محمّد ما خلقتك» . ذكره الطبري ، وزاد فيه: «وهو آخر الأنبياء من ذريتك».(1)
وأمّا التوسّل بعد خلقه في مدّة حياته ، فمن ذلك الاستغاثة به (صلى الله عليه وآله)عند القحط وعدم الأمطار ، وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك ممّا ذكرته في مقصد المعجزات ومقصد العبادات في الاستسقاء ، ومن ذلك استغاثة ذوي العاهات به ، وحسبك ما رواه النسائي والترمذي عن عثمان بن حنيف أنّ رجلا ضريراً أتى النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: ادع الله أن يعافيني ، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّك في حاجتي لتقضى ، اللّهمّ شفّعه فيّ » وصحّحه البيهقي وزاد: «فقام وقد أبصر» .
وأمّا التوسّل به(صلى الله عليه وآله) بعد موته في البرزخ وهو أكثر من أن يحصى أو يدرك باستقصاء وفي كتاب «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» للشيخ أبي عبد الله ابن النعمان طُرَف من ذلك .
إنّ لابن حجر العسقلاني مقاماً شامخاً عند أهل الحديث ، لا يعدل عنه إلى غيره إلاّ بدليل وهو خرّيت فن الحديث وأُستاذه ،

1 . المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: 4 / 593 ـ 595 .

صفحه 121
فكلامه يعرب عن تسليمه صحة ما نقل من الأحاديث التي تقدّمت في الفصول السابقة .
* * *
أخي العزيز: لقد عالجت في هذا الكتاب مسألة التوسّل التي قد أثارت في بعض الأجواء قلقاً واضطراباً ، ولو أنَّ إخواننا نظروا إلى كتاب الله وسنّة نبيّه نظرة فاحصة متجرّدة عن كل رأي مسبق، لوجدوا فيهما بياناً شافياً ، لا يدع شكّاً لشاك ولا ريباً لمرتاب ، وبما أنّ بعضهم ـ سامحه الله ـ ربّما يرمي المتوسِّل بتأليه المتوسَّل به ، أو يعد عمله بدعة ; وضعنا أمامك بحثاً موجزاً حول التوسّل ليقف القارئ على أنّ المتوسِّل بالأسباب ـ مادّية كانت أم معنوية ـ يؤمن بالتوحيد في العبادة وحرمة البدعة أتمّ الإيمان ، وأنّه مع إيمانه وتسليمه بهما يتوسل بما سُوِّغ في الشريعة الإسلامية التمسّك به .
نسأله سبحانه أن يرزقنا توحيد الكلمة ، كما تفضّل علينا بكلمة التوحيد إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير .
تمّ الكتاب بيد مؤلّفه الفقير الى الله الغنيّ
جعفر السبحاني
عُفي عنه

صفحه 122
فهرس المحتويات    

صفحه 123

فهرس المحتويات

   مقدّمة المؤلّف   …7
التوسّل لغة واصطلاحاً   …13
التوسّلات المشروعة الّتي ندب إليها الشرع
1. التوسّل بأسمائه وصفاته   …17
2. التوسّل بالقرآن الكريم   …21
3. التوسّل بالأعمال الصالحة   …23
4. التوسّل بدعاء الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)   …29
5. التوسّل بدعاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته البرزخية، وفيه مواضيع   …38
   الأوّل: حياة الأنبياء والأولياء بعد انتقالهم إلى البرزخ   …39
   الثاني: الصلة بين الحياة الدنيوية والحياة البرزخية   …44
   الثالث: سيرة السلف الصالح في التوسّل بدعاء النبي بعد رحيله   …45
   التلوّن في الاستدلال   …53
6. التوسّل بدعاء الأخ المؤمن   …55
7. التوسّل بالأنبياء والصالحين أنفسهم   …59
   1. توسلّ الضرير بنبيّ الرحمة   …60
      إجابة عن سؤال   …64

صفحه 124
   2. التوسّل بذات النبيّ بعد رحيله   …65
      مناقشة في سند الرواية   …68
   سيرة الأُمم في توسّلهم بالذوات الطاهرة   …70
      1 ـ استسقاء عبد المطلب بالنبي وهو رضيع   …71
      2 ـ استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام   …71
      3 ـ توسّل الخليفة بعمّ النبي: العباس   …73
8 . التوسّل بحقّ الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم، وفيه روايات    …78
   1 ـ التوسّل بحقّ السائلين   …81
   2 ـ التوسّل بحقّ النبي وبحقّ من سبقه من الأنبياء   …82
   3 ـ توسّل آدم بحقّ النبي   …86
9. التوسّل بمقام النبيّ ومنزلته عند الله   …94
آيتان على مائدة التفسير   …100
   الآية الأُولى   …100
   الآية الثانية   …103
10. التوسّل بالنبي متواتر إجمالا، وفيه روايات    …107
   1 ـ توسّل الأعرابي بالنبي نفسه   …108
   دلالة الحديث   …109
   2 ـ شعر صفيّة في رثاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   …110

صفحه 125
   3 ـ خبر العتيق   …111
   4 ـ خبر حاتم الأصمّ   …111
   5 ـ اللّهمّ ربّ جبرئيل وميكائيل...   …112
   6 ـ حديث السؤال بالأنبياء   …112
   7 ـ حديث دعاء حفظ القرآن   …113
   8 ـ حديث استفتاح اليهود على المشركين بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)   …113
   9 ـ توسّل الشافعي بآل البيت   …114
   10 ـ استسقاء بلال بن حرث   …114
   تلك عشرة كاملة   …115
   ما أُلّف حول التوسّل بقلم علماء الإسلام   …116
   كلام لأبي العباس القسطلاني حول التوسّل   …118
فهرس المحتويات   …123