welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : السلفية تاريخاً ومفهوماً وهدفاً*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السلفية تاريخاً ومفهوماً وهدفاً

صفحه 1
    السلفية تاريخاً ومفهوماً وهدفاً
   
السلفيّة
تاريخاً ومفهوماً وهدفاً

صفحه 2

صفحه 3
السلفيّة
تاريخاً ومفهوماً وهدفاً
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحاني تبريزي، جعفر، 1308 ـ
السلفيّة تاريخاً ومفهوماً وهدفاً / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ، 1388 .
      120 ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 424 - 6
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس .
چاپ سوم; 1394 .
1. سلفيه. 2. اسلام ـ فرقه ها. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8 س 2س/5/207 BP   416/ 297
1394
اسم الكتاب:   … السلفية تاريخاً ومفهوماً وهدفاً
المؤلف:   … العلاّمة المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:   … الثالثة
تاريخ الطبع:   …1394 ق. ش / 1437 هـ . ق / 2016 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
القطع:   … رقعي
عدد الصفحات:   … 120 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 903   تسلسل الطبعة الأُولى: 343
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
? 7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

الوحدة الإسلامية:

الأُمنية الكبرى لزعماء الإصلاح
بُني الإسلام على كلمتين: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة. أمّا الأُولى فقد أُمر بها رسلُ السماء في عامّة الأجيال كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ)(1). فالآية تدلّ على أن دعوة الناس إلى عبادة الله وحده ورفض عبادة الطاغوت، كانت هي القاعدة الأُولى في منهج الأنبياء والمرسلين، وقد بلغت الأُمّة الإسلامية بفضل نبيهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)الذروة والسنام في أمر التوحيد .
وأمّا الكلمة الأُخرى أعني توحيد الكلمة وتوحّد الأُمّة الإسلامية، فقد حثّ عليها سبحانه في العديد من آيات الذكر

1 . النحل: 36 .

صفحه 8
الحكيم، منها قوله عزّ من قائل : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)(1).
فالأمر بالاعتصام بالحبل يوحي إلى أنّ الأُمّة المتفرّقة مثل المتردّي في البئر الّذي لا تُرجى نجاته إلاّ بالتمسّك بالحبل المرسل إليه. فإذا كان هذا مآل التّفرق، فلا يشك ذو مسكة في ضرورة الاجتناب عنه، والركون إلى الوحدة .
لقد جعل سبحانه تفرّق الأُمة في عداد العقوبات السماوية، فقال: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)(2).
وهاتان الآيتان وغيرهما من الآيات الّتي تأتي في هذا الإطار، ينبغي أن تبعث في المسلمين روح التماسك والوئام، ليقفوا صفّاً واحداً في مواجهة الأعداء الطامعين والطغاة المعتدين الذين يحتلّون بلادهم، ويدبّرون لهم المكائد، ويتحكّمون بمصيرهم ومصالحهم .
إنّ ما يؤلّف بين فرق المسلمين ويوحّدهم أكثر بكثير ممّا

1 . آل عمران: 103 .
2 . الأنعام: 65 .

صفحه 9
يشتّتهم ، ويمزّقهم، فلنعمل جميعاً على تعزيز التضامن، وتأكيد أواصر الوحدة، ونبذ الخلافات، ودفن الضغائن، الّتي تسعى إلى إثارتها وتأجيجها فئة جاهلة، عملت أيضاً على استحداث فرقة جديدة باسم السلفية، لتزيد في الطين بلّة، وفي الطنبور نغمة، فصار المسلمون في كل بلد بين سلفيّ وخلفيّ، وبين سنيّ وبدعيّ إلى غير ذلك من الأسماء الّتي ما أنزل الله بها من سلطان.
ترى أنّ بعضهم يصف نفسه بـ «مؤسس الدعوة السلفية وخادمها» (1) ويفتخر به. وآخر يرتجز ويقول:
وكل خير في اتّباع من سلف *** وكل شرّ في اتّباع من خلف
فيفرّق الأُمة الإسلامية إلى فرقتين، بين خيّر يتبع، وشرّير يجتنب، كأنّه لم يسمع قول الله سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ... )(2)، أو قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ... )(3)، فالأُمّة الإسلامية (من غير

1 . محمد نسيب الرفاعي في كتابه «التوصل إلى حقيقة التوسل» المطبوع في بيروت عام 1394 هـ .
2 . آل عمران: 110 .
3 . البقرة: 143 .

صفحه 10
فرق بين سلفها وخلفها) خير أُمّة وفي الوقت نفسه أُمّة وسطى، وفئة مُثْلى، فما معنى هذا التشقيق والتفريق، فهؤلاء مكان أن يوحّدوا الأُمّة، أو يَسعوا في تقارب الخطى، يصبُّون جهودهم، في إيجاد التفرّق والتشرذم ليخدموا بذلك، أعداء الأُمّة وحلفائهم.
وقد دعاني هذا الوضع المأساوي للمسلمين إلى دراسة قصة السلفية تاريخاً ومفهوماً وأهدافاً، وقد اتّضح ـ بحمد الله تعالى ـ أنّها ليست مذهباً فقهيّاً ولا منهجاً عقدياً، وأنّ السلف لم يكونوا على وتيرة واحدة حتّى يؤخذ بأقوالهم ويحتذى بأفعالهم، وهم لم يكونوا أفضل من الخلف. فالرجاء من القارئ الكريم أن ينظر في هذه الصحائف نظرة مجرّدة عن كل رأي مسبق، فإنْ كان ما فيها حقاً فهو من فضله سبحانه، وإن كان خطأ فهو من هوى نفسي. أعاذنا الله وإيّاكم من مضلاّت الفتن وأهواء الأنفس، وأرشدنا إلى الحق المبين. آمين.
جعفر السبحاني
قم المشرفّة

صفحه 11

هل السلفية مذهب فقهي

أو اتّجاه عَقَدي؟
تمتاز المذاهب الإسلامية، الاعتقادية منها (كالأشعرية والماتريدية) أو الفقهية (كالحنفية والشافعية) بأنّ لها منهجاً واضحاً يرجعون إليه في فهم كتاب الله تعالى وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويقوم هذا المنهج على قواعد وأُصول معروفة لديهم، اتّفقوا على الكثير منها (مع تباين في فهم وتفسير بعض جزئياتها)، واختلفوا في قسم منها. وهذا الاختلاف هو ما يميّز كلّ مذهب عمّا سواه.
ونتساءل هنا: هل تخضع السلفية لهذا المنهج، المتفق عليه بين المسلمين، لكي تصبح مؤهلةً للدخول في إطار المذاهب الإسلامية فقهية أو عقدية؟
وهل تعتمد السلفية على أُسس ثابتة صاغتها من

صفحه 12
ممارسات السلف وفهمهم للنصوص، في القرون الثلاثة الأُولى الّتي يَرَون أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قصدهم في حديثه المروي عنه (خير الناس قرني، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونهم...)، وأنّه شهد لهم فيه بالخيرية؟
هل السلفية كذلك؟ أو أنّها مجموعة أفكار وتصوّرات، تمثّل اتّجاهاً خاصّاً لجماعة معينة أطلقتْ على نفسها هذا المصطلح، ولا تمتّ بصلة إلى المنهج المذكور؟
هذه الأسئلة وغيرها، نسعى إلى دراستها والإجابة عنها بموضوعية وتجرّد، في هذا البحث، ويأتي الجميع ضمن فصول :
المؤلّف
   

صفحه 13
1

السلف في اللغة

قال في اللسان: سَلف يُسلف سَلفاً وسلوفاً.
والسلف: الجماعة المتقدّمون، قال عزوجل (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَ مَثَلاً للآخِرِينَ)(1) والقوم السلاّف: المتقدّمون. وسلف الرجل: آباؤهُ المتقدّمون .(2)
وقد ورد نظير ذلك في سائر المعاجم، فلا نطيل بذكر كلماتهم.
وبيع السلف والسَّلَم عبارة عن بيع موصوف في الذمّة لثمن يعطى عاجلاً (3). وهذا هو مفهوم اللفظ لغةً وفقهاً.
ولكن تطلق السلفية في العصر الحاضر على أتباع الإمام أحمد بن حنبل، وهو ـ عندهم ـ أشهر إمام نصر السنة ودافع

1 . الزخرف: 56 .
2 . لسان العرب: ج 9 مادة «سلف».
3 . الموسوعة الفقهية الكويتيّة: ج 25 مادة «سلف وسلم».

صفحه 14
عنها وتمسّك بما عليه السلف من الصحابة والتابعين، ولم يجارِ الآراء الّتي حدثت بعد عهدهم، وأُوذي في سبيل ذلك من بعض خلفاء بني العباس، فاحتمل وصبر (1).
إنّ السلفية ـ اليوم ـ هم أتباع الإمام أحمد، الّذي يصدر عمّا روي عن الصحابة والتابعين في حقلي العقيدة والشريعة دون اعتداد بالآراء والأفكار الّتي حدثت في العصور الأُولى وبعدها. وقد جمع الإمام أحمد في كتاب السنة الّتي رواها عنه ابنه، ما عليه أهل الأثر في مجال العقيدة .
إن الّذي حدا بأحمد بن حنبل إلى الركون إلى ما عليه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين ولم يقم أي قيمة لرأي أو فكر لغيرهم، هو الحديث الّذي رواه البخاري في أكثر من موضع عن عَبيدة، عن عبدالله بن مسعود، قال: خير الناس قرني ثم الّذين يَلُونَهم ثم الّذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه ويمينُه شهادتَه.(2)

1 . الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية: 29 / 503 ، مادة «سلف» نقلاً عن الدين الإسلامي: 2 / 96 .
2 . صحيح البخاري: ح 2652. وانظر أيضاً أطراف الحديث في 3651 و 3429 و 3658 .

صفحه 15
وقد فسّر أحمد بن تيمية ـ مجدد السلفية في القرن الثامن ـ وأتباعه، ما جاء في الحديث بثلاثمائة سنة، وأضفوا على من عاش فيها ثوب النقاوة والطهارة من الخطأ، واتّخذوا كلامهم وفعلهم وتقريرهم حجةً على سائر الأعصار. وهم وإن لم يصرّحوا بعصمة هؤلاء، ولكنّهم تعاملوا معهم وكأنّهم معصومون.

دراسة حديث خير القرون

والكلام هنا، في دلالة الحديث على نقاوة من يعيش في القرون الثلاثة عن الزلة والخطاء. قال ابن حجر في هذا الصدد .
وقد سبق في صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في قوله: «وبعثت في خير قرون بني آدم» وفي رواية بُريدة عند أحمد «خير هذه الأُمّة القرن الّذي بعثت فيهم» فقد ظهر أنّ الّذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل .
وإن اعتُبر من بعد وفاته فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعاً وتسعين، وأمّا قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة، كان نحو سبعين أو ثمانين .

صفحه 16
وأمّا الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحواً من خمسين، فظهر بذلك أنّ مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان.
واتّفقوا أنّ آخر من كان من أتباع التابعين ممّن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنَتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيراً شديداً، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن .(1)
أقول: ما ذكره من تفسير القرن بالزمان سواء أكان مائة سنة أو أقل أو أكثر يخالف الكتاب واللغة، أمّا الكتاب، فيستعمله في قوم ـ لا في زمان ـ يجمعهم زمان واحد أو سلطة واحدة أو عنوان من العناوين، سواءً عاشوا مائة سنة أو أكثر أو أقل، قال سبحانه: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَ جَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ )(2).

1 . فتح الباري: 7 / 6 .
2 . الأنعام: 6 .

صفحه 17
وقد جاء لفظ القرن في الذكر الحكيم في مواضع سبعة، ولم يستعمل في واحد منها في مورد الزمان من غير فرق بين مائة سنة أو أقل أو أكثر وإنّما أُريد به الجماعة الذين يعيشون في زمان واحد على صعيد خاص .
قال في اللسان: والقرن: الأُمة تأتي بعد الأُمة، قيل: مدته عشر سنين، وقيل: عشرون سنة، وقيل ثلاثون: وقيل: ستون، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان. ثم نقل عن الأزهري قوله: والّذي يقع عندي، والله العالم أنّ القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم قلّت السنون أو كثرت .(1)
وليس لسان العرب وحيداً في هذا التفسير، بل وافقه صاحب القاموس، حيث فسره بأهل زمان واحد وأُمّة بعد أُمّة، ويشهد على ذلك قول الشاعر :
إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم *** وخُلِّفت في قرن فأنت غريب
وعلى ذلك فالحديث يدلّ على كرامة ثلاثة أقوام متوالية

1 . لسان العرب: 13 / 333، مادة «قرن» .

صفحه 18
يعيشون على ملاك واحد ويربطهم عنوان واحد، وأمّا ما هي مدة كل أُمّة ؟ فالحديث ساكت عنها.
والعجب أنّ ابن حجر قد تنبّه إلى ما هو الحق في بدء كلامه، فقال في تفسير قوله: خير أُمتي قرني، أي أهل قرني، والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأُمور المقصودة، ويقال: إنّ ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل .(1)
وممّا تقدّم نحصل على النتيجتين التاليتين:
أوّلاً: إنّ القرن ليس بمعنى مائة سنة، بل بمعنى كل أُمّة يعيش أفرادها على صعيد واحد بملاك خاص، كالنبوة والسلطة والثقافة إلى غير ذلك من الملاكات الّتي تجمع الكثير وتوحّدهم وتجعلهم أُمّة واحدة، فتارة تبلغ المدة الّتي تعيشها بعض الأُمم مئات السنين، كالفراعنة وبعض الأقوام البائدة، وأُخرى أقل من ذلك بكثير، كالأُمة الّتي تعيش في ظل سلطة قصيرة الأمد، أو غير ذلك من الملاكات.
نعم صار لفظ القرن في مصطلح المتأخرين حقيقة في

1 . فتح الباري: 7 / 5 .

صفحه 19
زمان لا يقل عن مائة سنة، فالمسلمون ـ اليوم ـ يعيشون في القرن الخامس عشر من الهجرة النبوية، لكنّه مصطلح حديث لا صلة له باللغة والذكر الحكيم.
وثانياً: إنّ الحديث دلّ على خيريّة أُمم ثلاث، يُوحّدهم ويجعلهم أُمّة واحدة، عنوان من عناوين التوحيد.
فالأُولى منهم: الأُمّة العائشة مع النبي الّذي وحّدهم وجعلهم أُمّة واحدة، وأمّا الثانية والثالثة، اللتين عبر عنهما النبي بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، فلم يُحدَّد زمانهما ولا الملاك الّذي وحّد كلاً منهما، فمن المحتمل أن يكون المقصود من الفقرة الثانية ـ حسب متبنيّاتهم ـ ، هو عصر الخلافة الّتي انتهت بانسحاب الحسن بن علي (عليهما السلام)عنها بضغط وتآمر من السفيانيين والمروانيين .
أمّا الفقرة الثالثة، فلها احتمالات ووجوه لا يعتمد على أيّ منها إلاّ بدليل بيّن، وهو مفقود. ومع ضعف الدليل وتطرّق الاحتمال، يصبح تفسير الفقرتين بالتابعين وتابعيهم، تفسيراً بالرأي، الّذي يعوزه الدليل، ولا مستند له إلاّ الموقف المسبق في حقّهم .
***

صفحه 20
وإذا افترضنا صحّة القول بأنّ المراد بالفقرات الثلاث هو الأزمنة الثلاثة الّتي عاش فيها أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتابعون، وتابعو التابعين، فإنّه يجب إمعان النظر في تحديد ما هو الملاك في خيرية أزمانهم؟ فمن المحتمل جداً أن يكون ملاكها هو انتشار الإسلام في أكثر الربوع المعمورة، وظهوره على الوثنية حيث قهرها وكسرها، وبالتالي دخل كثير من أهل الكتاب في حظيرة الإسلام، فأكثر الفتوحات وقعت في القرون الثلاثة الأُولى، فدخل الناس في دين الله أفواجاً وفرادى، وهذا ممّا لا يشك فيه من له إلمام بتاريخ الإسلام والمسلمين .
لكن السلفية تفسر الخيرية بطهارة أهل القرون الثلاثة ونزاهتهم عن كلّ ما من شأنه أن يخدش في دينهم وأفعالهم، وصيرورتهم مراجع في حقلي العقيدة والشريعة، إذ عنهم ـ حسب زعمهم ـ يؤخذ ما يجب أن يُعتقد، وإليهم يرجع فيما يجب أن يُعمل.
مضافاً إلى أنّهم المراجع في تفسير القرآن ومعرفة معانيه وأغراضه، ولا يُعتدّ بتفسير الآخرين عند الاختلاف .
هذا ما يدّعيه السلفية لأنفسهم، فهل الحديث يدلّ على ذلك؟ كيف وقد أرشد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)الأُمة جميعاً، السلف منهم

صفحه 21
والخلف، إلى ما ينبغي الاعتصام به، والرجوع إليه بعد رحيله، بقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي»(1). ولم يعطف عليهما شيئاً آخر. ومع هذا كيف يُصار إلى اتّخاذ ما لم يُرشد إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مراجع ومصادر للمبادئ الاعتقادية والأحكام الشرعية؟

1 . حديث متواتر رواه الفريقان ولا يشك في صحّته ذو مُسكة إذا وقف على أسانيده وحلقاته من الصحابة والتابعين.

صفحه 22
2

هل السلفية مذهب ؟

إنّ إطلاق وصف المذهب على شيء رهن وجود أُصول له في العقائد وقواعد في الشريعة اتفقت عليها كلمة أهل المذهب، فالأشعرية والماتريدية ـ مثلاً ـ مذهبان كلاميان لكل منهما أُصول وضوابط معروفة، وقد ذكر مؤسس المذهب الأوّل أُصولاً له، ذكرها في كتابه «مقالات الاسلاميين»، وهكذا الماتريدية فإنّها وإن كانت قريبة من مذهب الأشعرية، لكنّها تفترق عنه بخمسة وأربعين مسألة.
وذات الشيء يُقال في المذاهب الفقهية، فلكل مذهب أُصول خاصة تميّزه عمّا سواه.
وأمّا أهل الحديث الذين يرى السلفيون أنّهم يقتفون أثرهم، فلم يكن عندهم أُصول موحّدة في مجال العقيدة، ولا قواعد مضبوطة في مجال الشريعة بل كانوا ذوي أفكار مختلفة وآراء متشتتة، وينتمون إلى مذاهب شتى .

صفحه 23
وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا ـ أي اختلاف آراء أهل الحديث وتشتّت مذاهبهم في مجال العقائد ـ فاستمع إلى ما يذكره السيوطي من تعدّد مذاهب أهل الحديث، وتباين آرائهم، واختلاف مسالكهم، وذلك عند سرده أسماء من رمي ببدعته ـ حسب تعبيره ـ ممّن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما، دع عنك غيرهم من المحدّثين الذين روى لهم سائر أصحاب السنن والمسانيد والجوامع الحديثية.
وإليك أسماء من عدّهم من المرجئة (والإرجاء ـ كما قال ـ هو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار) ، وهم:
1. إبراهيم بن طهمان 2. أيّوب بن عائذ الطائي 3. ذر بن عبد الله المرهبي 4. شبابة بن سوار 5. عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحيى الحماني 6. عبد المجيد بن عبد العزيز، ابن أبي راود 7. عثمان بن غياث البصري 8. عمر بن ذر 9. عمر بن مرة 10. محمد بن خازم ، أبو معاوية الضرير، 11. ورقاء بن عمر اليشكري، 12. يحيى بن صالح الوحاظي، 13. يونس بن بكير.
وذكر أسماء النواصب (والنَّصْب ـ كما قال ـ هو بغض

صفحه 24
عليّ (رضي الله عنه)وتقديم غيره عليه)، وهم:
1. إسحاق بن سويد العدوي 2. بهز بن أسد 3. حريز بن عثمان، 4. حصين بن نمير الواسطي 5. خالد بن سلمة الفأفاء 6. عبد الله بن سالم الأشعري 7. قيس (1) بن أبي حازم.
وذكر أسماء الشيعة (والتشيّع ـ كما قال ـ هو تقديم عليّ على الصحابة)، وهم:
1. إسماعيل بن أبان 2. إسماعيل بن زكريا الخلقاني 3. جرير بن عبد الحميد 4. أبان بن تغلب الكوفي 5. خالد بن محمد القطواني 6. سعيد بن فيروز أبو البختري 7. سعيد بن أشوع 8. سعيد بن عفير 9. عباد بن العوام 10. عباد بن يعقوب 11. عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى 12. عبد الرزاق بن همام 13. عبد الملك بن أعين 14. عبيد الله بن موسى العبسي 15. عدي بن ثابت الأنصاري 16. علي بن الجعد 17. علي بن هاشم بن البريد 18. الفضل بن دكين 19. فضيل بن مرزوق الكوفي 20. فطر بن خليفة 21. محمد بن جحادة الكوفي 22. محمد بن فضيل بن غزوان 23. مالك بن

1 . ونحن لا نوافقه على عدّ قيس من النواصب، كيف؟ وقد ذكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد: 12 / 452) أنّه شهد حرب الخوارج بالنهروان مع عليّ (عليه السلام)، كما أنّ رواياته تشهد بغير ذلك.

صفحه 25
إسماعيل، أبو غسان 24. يحيى بن الجزّار.(1)
وذكر أسماء القدرية (والقدر ـ كما قال ـ هو زعم أنّ الشرّ من خلق العبد)، وهم:
1. ثور بن زيد المدني 2. ثور بن يزيد الحمصي 3. حسان بن عطية المحاربي 4. الحسن بن ذكوان 5. داود بن الحصين 6. زكريا بن إسحاق 7. سالم بن عجلان 8. سلام بن مسكين 9. سيف بن سلمان المكي 10. شبل بن عباد 11. شريك بن أبي نمر 12. صالح بن كيسان 13. عبد الله بن عمرو 14. أبو معمر عبد الله بن أبي لبيد 15. عبد الله بن أبي نجيح 16. عبد الأعلى بن عبد الأعلى 17. عبد الرحمن بن إسحاق المدني 18. عبد الوارث بن سعيد الثوري 19. عطاء بن أبي ميمونة 20. العلاء بن الحارث 21. عمرو بن زائدة 22. عمران بن مسلم القصير 23. عمير بن هانئ 24. عوف الأعرابي 25. كهمس بن المنهال 26. محمد بن سواء البصري 27. هارون بن موسى الأعور النحوي 28. هشام الدستوائي 29. وهب بن منبه 30. يحيى بن حمزة الحضرمي.
وذكر بشر بن السري، وقال: رُمي برأي جهم، وهو نفي

1 . في المصدر: الخراز، وهو خطأ.

صفحه 26
صفات الله تعالى والقول بخلق القرآن.
وذكر كلاً من: 1. عكرمة مولى ابن عباس 2. الوليد بن كثير، في الحرورية، وقال: وهم الخوارج الذين أنكروا على عليّ التحكيم، وتبرّأوا منه، ومن عثمان وذويه).
وذكر علي بن أبي هاشم (1)، وقال: رمي بالوقف، وهو أن لا يقول القرآن مخلوق أو غير مخلوق .
وذكر عمران بن حطّان، وقال: من القعدية الذين يرون الخروج على الأئمّة ولا يباشرون ذلك(2).
وممّا تقدّم يتضح : أنّ سلف الذين ينعتون أنفسهم بالسلفية ـ وهم أهل الحديث والأثر ـ كانوا ذوي آراء متضاربة، ونظرات متباعدة، وأفكار متباينة، ومن ثم لم يكن لهم أُصول وضوابط مرسومة متّفق عليها بينهم في أي حقل من حقول الدين والشريعة ، فكيف تدّعي السلفية إذن أنّها استقت أُصولها منهم، وهم يفتقرون إليها؟ وكيف تزعم الاقتداء بهم، وهم فرق شتى؟ فالسلف الذين ليست لهم أُصول، كيف يكونون قدوة للخلف؟!

1 . في المصدر: علي بن هشام، وهو خطأ.
2 . تدريب الراوي: 1 / 328 ـ 329، تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف، طبع دار الفكر.

صفحه 27
3

هل السلفية منهج فكري؟!

قد تبين ممّا ذكرناه أنّ السلفية ليست مذهباً من المذاهب الإسلامية: العقائدية والفقهية، وبقي الكلام في كونها منهجاً فكرياً على أساس أنّها تتمسّك بمنهج السلف، الذين كانوا أبعد الناس عن الخطأ وأقربهم إلى الحق في تفسير مادة اللغة العربية الواردة في القرآن الكريم بحجة أنّهم كانوا عرباً أقحاحاً بعيدين عن الظروف الّتي ربّما تصرفت في اللغة وأخرجت الألفاظ عن مفاهيمها الواقعية.
إنّ هذا الاحتمال ليس بمثابة الاحتمال الأوّل في الفساد والبطلان إلاّ أنّه لا يمكن الموافقة عليه، وذلك أنّ السلف لم يكونوا ـ منذ رحيل الرسول الأكرم ـ على منهج واحد في موقفهم من النصوص الدينية، فمنهم من عكف عليها ولم يخرج عنها قيد شعرة، ومنهم من تصرف فيها وقدّم عليها رأيه ، وقد اشتهر هؤلاء بأصحاب الرأي والقياس ويأتي في مقدّمتهم

صفحه 28
عمر بن الخطاب، فقد أوّل النصوص في غير مورد، وإليك البيان:
لمّا التحق النبيّ الأكرم بالرفيق الأعلى، برز بين المسلمين اتّجاهان مختلفان، وفكران متباينان:
الأوّل: كان يتعرّف على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية أو رواية، ويمثّل هذا الاتجاه عليّ (عليه السلام)وبعض الصحابة، ثم سائر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وأتباعهم، حيث كانوا لا يعملون برأيهم بتاتاً.
وقد روي عن الشعبي أنّه كان يقول: ما جاءكم به من هؤلاء من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فخذوه، وماكان من رأيهم فاطرحوه في الحُش. (1)
الاتجاه الثاني: كان يستعمل الرأي للتوصّل إلى الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها.
إنّ استعمال الرأي فيما لا نصّ فيه، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش، إنّما الكلام في استعمال

1 . أعلام الموقعين لابن القيم: 1 / 57 و 62 .

صفحه 29
فيما فيه نص، فالطائفة الثانية كانت تستعمل رأيها تجاه النص، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتى فيما كان فيه نصّ ودلالة.
يقول أحمد أمين المصري: ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها نزلت الآية أو ورد الحـديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّـر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته. (1)
إنّ الاسترشاد بروح القانون الذي أشار إليه أحمد أمين أمر، ونبذ النص والعمل بالرأي أمر آخر، ولكن الطائفة الثانية كانت تنبذ النص وتعمل بالرأي، وما وقع من الخليفة في العديد من المسائل، يدخل في هذا الإطار، ويشهد لذلك الأخبار التالية :
1. أخرج مسلم عن طاووس عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة

1 . فجر الإسلام: 238، نشر دار الكتاب.

صفحه 30
عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. (1)
2. أخرج البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: أُنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم ينزل قرآن يُحرّمه، ولم يَنهَ عنها حتّى مات، قال رجل برأيه ما شاء.(2)
3. أخرج مسلم عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبدالله، فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم نهانا عنهما عمر فلم نَعُد لهما.(3)
وقد صرّح عمر في خطبة له بنهيه عن المتعتين المذكورتين (متعة الحجّ، ومتعة النساء)، قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنا أنهى عنهما، وأُعاقب عليهما.(4)

1 . صحيح مسلم: 4 / 184 ، باب الطلاق الثلاث، الحديث 1 ـ 3 .
2 . صحيح البخاري: 3 / 154، كتاب التفسير، باب 33 (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) البقرة: 196، الحديث 4158 .
3 . صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب 3، الحديث 17.
4 . أحكام القرآن (للجصاص): 2 / 152; والسنن الكبرى (للبيهقي): 7 / 206 .

صفحه 31
ونقرأ أيضاً هذين الحوارين، الأوّل في متعة النساء، والثاني في متعة الحجّ:
قال ابن عباس: تمتع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: ما يقول عُريّة؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويقول: نهى أبو بكر وعمر.(1)
روى الترمذي بسنده عن ابن شهاب: أنّ سالم بن عبدالله حدّثه أنّه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبدالله بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال عبدالله بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها. فقال عبدالله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصَنَعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أأمر أبي يُتَّبع أم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال: لقد صَنَعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.(2)

1 . مسند أحمد: 1 / 337 .
2 . سنن الترمذي: 259، كتاب الحج، باب 12 ما جاء في التمتع، الحديث 825، ضبط وتصحيح صدقي جميل العطار، دار الفكر ـ 1425 هـ .

صفحه 32
والعجيب أنّ عمر كان يقول برأيه في عهد النبي، خلافاً لما يريده (صلى الله عليه وآله وسلم)ويأمر به، وكأنّه كان أعلم بالمصلحة منه (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد تحدّث هو يوماً عن ذلك (كما يأتيك) عندما انكشفت له ـ بعد لأي ـ المصلحة الحقيقية الّتي كان شخّصها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دونه، ويبقى الكلام في المصالح الّتي قدّرها (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخالفها عمر، ولم تنكشف له حقائقها، لتعذّر أو صعوبة تلمّس آثارها الإيجابية، أو الآثار السلبية لمخالفتها، فالكثير من هذه الآثار لا تظهر إلاّ بعد أمد بعيد.
روى ابن سعد بسنده عن المقداد بن عمرو، قال: أنا أسرت الحكم بن كيسان، فأراد أميرنا ضرب عنقه، فقلت: دعه! نقدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقدمنا، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يدعوه إلى الإسلام، فأطال. فقال عمر: علامَ تكلّم هذا يا رسول الله؟ والله لا يُسلم هذا آخر الأبد، دعني أضرب عنقه، ويقدم إلى أُمّه الهاوية. فجعل النبي لا يُقبل على عمر، حتّى أسلم الحكم. فقال عمر: فما هو إلاّ أن رأيته قد أسلم، حتّى أخذني ما تقدّم وما تأخّر، وقلت:
كيف أردّ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمراً هو أعلم به منّي، ثم أقول: إنّما أردت بذلك النصيحة لله ولرسوله؟ فقال عمر: فأسلم والله

صفحه 33
فحسُن إسلامه، وجاهد في الله حتّى قُتل شهيداً ببئر معونة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)راض عنه، ودخل الجنان.(1)
وكان الإمام أبو حنيفة (80 ـ 150 هـ) يعمل بالقياس والاستحسان بأشد صورهما، في حين كان الإمام الشافعي يعمل بالقياس دون الاستحسان، ويرى أنّ من استحسن فقد ابتدع .
وكان أبو حنيفة يرى فتح باب الذرائع بينما يرى الإمام مالك سدّه، إلى غير ذلك من صور الاختلاف بين المذاهب الفقهية أو العقدية، فهل يصحّ بعد هذا كلّه، الادّعاء بأنّ للسلف منهجاً فكرياً موحّداً، يجب أن نقتفيه ؟
وللكاتب السوري كلام في هذا المقام قال فيه: ولكن لما لم تكن ثمة ضوابط وحدود واضحة بينة، تفصل الرأي الخاضع لدلالات النصوص ومقتضياتها، عن الرأي المفتئت عليها والشارد وراء أسوارها، نشأ اضطراب كبير بصدد الموقف الّذي ينبغي أن يُتخذ من الرأي، ففي الوقت الّذي جنحت فيه ثلة كبيرة من فقهاء الصحابة والتابعين إلى الأخذ بالرأي والاسترسال فيه كلّما دعت المصلحة، وقفت ثلة كبيرة أُخرى

1 . الطبقات الكبرى: 4 / 137، دار بيروت، ودار صادر، طبع عام 1377 هـ .

صفحه 34
من فقهاء الصحابة والتابعين في أقصى الطرف الآخر، فأغلقوا باب الرأي والاجتهاد المرسل، وحذروا من اقتحامه، ولم يترددوا في إعلان النكير على صنيع أُولئك الآخرين.
ومن أبرز رجال هذا الفريق عبدالله بن عباس، والزبير، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن عمرو بن العاص، من الصحابة. وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وعامر بن شراحيل المعروف بالشعبي، من التابعين. وقد رووا أنّ الشعبي (رحمه الله) كان يقول: «ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فخذوه. وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحُشّ!»!.(1)
والعجب أنّ السلف الصالح لم يرجع في حلّ هذه المعضلة الّتي أوجدت شقة بين المسلمين، إلى أئمة أهل البيت الذين جعلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عدلاً للكتاب ومرجعاً للاهتداء، كأنّهم ليسوا من السلف الصالح!!
ومع كلّ هذا الاختلاف، نجد أنّ (الّذي يدعو للسلفية يظهرها وكأنّها متفقة نظريةً وتطبيقاً بينما في الواقع أنّ لها أكثر

1 . السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي للدكتور محمد سعيد رمضان البوطيّ: 51 .

صفحه 35
من تطبيق مع تناقض في هذه التطبيقات، ولها أكثر من رؤية متناقضة. وليست السلفية موحّدة الآراء والاتجاهات والمواقف حتّى ينسب الشخص نفسه إليها).(1)

1 . قراءة في كتب العقائد لحسن بن فرحان المالكي: 187، مركز الدراسات التاريخية في عمّان، طبع عام 1425 هـ .

صفحه 36
4

ثغرات في صفوف أهل الحديث

اتّخذ غلاة أهل الحديث من أقوال وآراء الإمام أحمد أُصولاً غير قابلة للنقاش ـ مع ما فيها من أُمور مخالفة لحكم العقل الحصيف ـ إلى أن التحق أبو الحسن الأشعري (260 ـ 324 هـ) بأهل الحديث معلناً براءته من مذهب الاعتزال، الّذي عاش في كنفه سنوات طويلة، حيث رقى كرسياً في المسجد الجامع بالبصرة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه نفسي، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن، وإن الله لا يرى بالأبصار، وإن أفعال الشر أنا أفعلها. وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم. (1)
وثمة احتمالات عديدة حول سبب التحاق الشيخ

1 . الفهرست للنديم: 231، الفن الثالث من المقالة الخامسة; ووفيات الأعيان: 3 / 285 .

صفحه 37
الأشعري بأهل الحديث نذكر منها هذين الاحتمالين:
الأوّل: وجود الضغط على المعتزلة من قبل خلفاء بني العباس منذ أن تولّى المتوكل العباسي الحُكم، وساند أهل الحديث، وصارت القوة لهم في عهده، وعهد الحكام الذين جاءوا من بعده كالمستنصر ، والمستعين، والمعتز ، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمكتفي، والمقتدر، الّذي أخذ بزمام الحكم من عام (295 ـ 320 هـ)، ففي تلك الفترة أظهر أبو الحسن الأشعري التوبة والإنابة عن الاعتزال، والانخراط في جماعة أهل الحديث .
الثاني: إنّه تحوّل إلى أهل الحديث لغاية إجراء الإصلاحات في عقيدتهم الّتي شابتها الأباطيل والخرافات، فجاء منهج الأشعري منهجاً وسطاً بين المنهجين: أهل الحديث، والمعتزلة.
وعلى أي تقدير فسواء أكان الدافع، هو التحرر من ضغط السلطة على المعتزلة، أم كان لغاية إجراء الإصلاحات في عقيدة أهل الحديث، فإنّ موقفه لم يحظ بالقبول عند مشايخ أهل الحديث الذين يسمّون أنفسهم (أتباع السلف الصالح)، فقد جاءت في طبقات ابن أبي يعلى هذه الحكاية:

صفحه 38
قال أبو عبدالله الحمراني : لمّا دخل الأشعري بغداد جاء إلى البربهاري (1)، فجعل يقول: رددت على الجبّائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس، وقلت وقالوا، وأكثر الكلام. فلما سكت قال البربهاري: وما أدري ممّا قلت لا قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلاّ ما قاله أبو عبدالله أحمد بن حنبل. قال: فخرج من عنده، وصنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها .(2)
ومهما يكن، فقد أحدثت آراء الأشعري ثغرة في صفوف أهل الحديث، فانقسموا إلى حنبلي لا يتجاوز عما رسمه إمامه من الأُصول، وإلى أشعري يتبنّى التعديل في عقيدة أهل الحديث، ويقول بحجّية العقل في باب المعارف، وقد حدث صدام بين الطائفتين بعد رحيل الأشعري في غير موضع من المواضع، يقف عليها من طالع كتاب طبقات الشافعية .(3)

1 . هو الحسن بن علي بن خلف، شيخ الحنابلة في وقته. من أهل بغداد. له شرح كتاب السنة. توفّي سنة (329 هـ). الأعلام: 2 / 201.
2 . تبين كذب المفتري، قسم التعليقة: 391 .
3 . طبقات الشافعية للسبكي: 3 / 347 .

صفحه 39
العقيدة الطحاوية ثغرة ثانية
يُعدّ كتاب العقيدة الطحاوية من الكتب الّتي يتبناها أهل السنة، وهو من الكتب الدراسية في جامعة المدينة المنورة حتّى يومنا هذا، والمؤلف ـ الّذي كان معاصراً للشيخ الأشعري وتوفّي عام (321 هـ) ـ ينسب كلّ ما جاء فيه إلى أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني .
وقد أحدثت هذه العقيدة ـ الّتي تخالف عقيدة الأشعرية في ثلاث عشرة مسألة (1) ـ ثغرة ثانية في صفوف أهل الحديث، لتأثّرها بأقوال الإمام أبي حنيفة الّذي هو إمام الرأي لا إمام الأثر.
وقد ظهرت ثغرة ثالثة في صفوف أهل الحديث بظهور الماتريدية (2) في المشرق الإسلامي، حيث خالفت أهل الحديث (الذين يسمّون أنفسهم أتباع السلف الصالح) في العديد من مسائل الاعتقاد، كما خالفت المذهب الأشعري في

1 . طبقات الشافعية للسبكي: 3 / 376 .
2 . الماتريدية: مذهب كلاميّ أسّسه محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، الحنفي (المتوفّى 333 هـ) .

صفحه 40
خمس وأربعين مسألة.
وقد استمر الوضع على ما هو عليه، دون حدوث تغيرات كبيرة فيه إلى أن ظهر أحمد بن تيمية (661 ـ 728 هـ) فأبدى عناية خاصة بمذهب أهل الحديث واقتدى بأحمد بن حنبل فيما أُثر عنه في مجالي العقيدة والشريعة.
ومع ذلك لم يكن يستخدم مصطلح السلفية، وإنّما كان ينسب آراءه إلى أقوال السلف أو أهل السنة والجماعة .
وقد ألف في هذا المجال رسائل وكتباً تهدف جميعاً إلى الأخذ بحرفية التعبد بصفاته سبحانه الواردة في الكتاب والسنة حتّى أثبت لله الجهة والعلو والحركة والصعود والنزول وغير ذلك من صفات الأجسام .(1)

1 . مجموعة الرسائل الكبرى: ج 1; العقيدة الواسطية: 398، 399، 401، مكتبة مطبعة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة .

صفحه 41
5

التغيير في عقيدة أهل الحديث

إنّ ابن تيمية وإن ادّعى أنّه يقتفي منهج أحمد بن حنبل غير أنّه شذّ عنه في العديد من المسائل، الّتي استند فيها ابن تيمية إلى أخبار الحشوية، الأمر الّذي أوجد شرخاً في عقيدتهم، وفرّقهم إلى فرقتين، ومن هذه المسائل: عقيدته في صفات الله تعالى، وتحريمه السفر إلى زيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحريم البناء على القبور، وتحريم التوسل بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد ردّ عليه علماء عصره كالسُّبكي (المتوفّى 756 هـ)، وابن جهبل (المتوفّى 733 هـ) وغيرهما، كما أنّه سُجن أكثر من مرة بسبب بعض مقالاته وفتاواه، فقد اُستدعي إلى مصر سنة (705 هـ)، وسُجن فيها عاماً ونصف بسبب مقالة له في التجسيم، كما فُرضت عليه الإقامة الجبرية في قلعة دمشق عام (726 هـ) بسبب فتواه في تحريم شدَ الرحال إلى قبور الأنبياء، وظل فيها إلى أن توفّي سنة (728هـ). ولم يتأثر بمنهج ابن تيمية

صفحه 42
إلاّ قلائل كالذهبي (المتوفّى 748 هـ) وابن قيم الجوزية (المتوفّى 751 هـ) وابن كثير (المتوفّى 774 هـ).
على أنّ الذهبي خالفه في بعض الأُصول، وكتب إليه رسالة ردّ فيها بعض مزاعمه وأفكاره، وبذلك لم يكن لمنهجه أي ظهور بعد هلاكه، وكاد ذكره يخمد، لولا دعوة محمد بن عبدالوهاب في ربوع نجد، حيث سعى في إحياء عقيدته في حق الأنبياء والأولياء، دون عقيدته في بعض مسائل الصفات الّتي تلازم الجهة والحركة.
وقد كان لظهوره في منطقة بعيدة عن الثقافة، ويسودها الجهل والأمية، أثر بالغ في نجاحه خصوصاً عندما حالف أمراء المنطقة السعوديين على أن تكون السلطة الظاهرية لهم، والإفتاء والأُمور الشرعية وخمس الغنائم ـ الّتي كان يغنمها جيشه عند الهجوم على القبائل اليمنية والعراقية وغيرها ـ له.
ومع ذلك لم يكن له ولمن جاء بعده صوت عال إلى أن استولى السعوديون على الحرمين الشريفين بتخطيط من الحلفاء ـ وعلى رأسهم بريطانيا ـ الذين فتّتوا الخلافة العثمانية إلى دويلات يسهل الاستيلاء عليها لسلب ممتلكاتها وإخضاعها للدول الكبرى، وعند ذلك فشا لفظ السلفية في

صفحه 43
الإعلام الموجود في ذلك الزمان من الجرائد والمجلات والكتب الدراسية والإذاعة .
إنّ مصطلح السلفية عند هؤلاء يعادل تفسيق سائر المسلمين وابتداعهم وتكفيرهم، مع أنّه لم يكن لسلفهم هذه الجرأة والجسارة على إراقة الدماء ونهب الأموال وقتل النفوس، لكن المنهج الذي رسمه ابن تيمية وجدّده محمد بن عبدالوهاب لا ينتج عنه إلاّ هذه الفواجع الكبرى والمصائب العظيمة في حياة المسلمين، فما زلنا نسمع كل يوم تفجيرات هائلة تستهدف قتل الأبرياء من الشيوخ والأطفال والنساء بحجة أنّهم مشركون، ولا ذنب لهم إلاّ أنهم يتمسكون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته (عليهم السلام)ويتشرّفون بزيارة الأماكن الّتي دُفنت فيها أجسادهم الطاهرة أو يقيمون الاحتفالات بمواليدهم، إلى غير ذلك من الشعائر الّتي كان المسلمون يمارسونها عبر قرون ولم ينبس أحدُ من العلماء بتحريمها ببنت شفة إلى أن جاء ابن تيمية في القرن الثامن فتكلّم فيها.
ولكي يتعرّف القارئ على مخالفة ابن تيمية لمذاهب السنّة ـ فضلاً عن الشيعة ـ في هذه المسائل وغيرها، نأتي هنا بسطور قليلة ممّا كتبه تقي الدين السبكي الشافعي في الردّ عليه

صفحه 44
في مسألة (سفر الزيارة).
قال في الباب الثالث، وتحت عنوان (فيما ورد في السفر إلى زيارته صريحاً وبيان أنّ ذلك لم يزل قديماً وحديثاً):
وممّن روي ذلك عنه من الصحابة بلال بن أبي رباح، مؤذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)، روينا ذلك بإسناد جيد إليه، وممّن ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر. وذكره الحافظ أبو محمد عبدالغني المقدسي في «الكمال» في ترجمة بلال، فقال: ولم يؤذّن لأحد بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيما روي إلاّ مرة واحدة، في قدمة قدمها المدينة لزيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وممن ذكر ذلك أيضاً الحافظ أبو الحجّاج المزّي.
وقد استفاض عن عمر بن عبدالعزيز أنّه كان يبرد البريد من الشام ويقول: سلِّم لي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وممن ذكر ذلك ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن»، وذكره أيضاً الإمام أبو بكر أحمد (1) بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في «مناسك» له لطيفة جرّدها من الأسانيد مُلزماً فيها الثبوت، قال فيها: وكان

1 . المتوفّى (287 هـ) .

صفحه 45
عمر بن عبدالعزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم يرجع.
فسفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبدالعزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك.
وأمّا من سافر إلى المدينة لحاجة، وزار عند قدومه أو اجتمع في سفره قصْد الزيارة مع قصد آخر فكثير.
واختلف السلف في أن الأفضل ] يعني في زيارة من أراد الحج [البداءة بالمدينة قبل مكة، أو بمكة قبل المدينة، وممّن نصّ على هذه المسألة وذكر الخلاف فيها الإمام أحمد في كتاب «المناسك الكبير». وممّن اختار البداءة بمكة، ثم إتيان المدينة والقبر الإمام أبو حنيفة .
وقال أبو بكر محمد (1) بن الحسين الآجرّي في كتاب «الشريعة» في باب (دفن أبي بكر وعمر) مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من أحد من أهل العلم قديماً وحديثاً مَن رسم لنفسه كتاباً نسبه إليه

1 . المتوفّى (360 هـ) .

صفحه 46
من فقهاء المسلمين، فرسم كتاب المناسك إلاّ وهو يأمر كل من قدم المدينة... وأراد زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمقام بالمدينة لفضلها إلاّ وكلّ العلماء قد أمروه ورسموه في كتبهم وعلّموه كيف يسلّم على النبي وكيف يسلّم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: علماء الحجاز قديماً وحديثاً، وعلماء أهل العراق قديماً وحديثاً، وعلماء أهل الشام قديماً وحديثاً، وعلماء أهل خراسان قديماً وحديثاً، وعلماء أهل اليمن قديماً وحديثاً، وعلماء أهل مصر قديماً وحديثاً.
وأضاف السبكي: وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب ممّن حكينا كلامهم في باب الزيارة يقتضي استحباب السفر، لأنّهم استحبوا للحاج بعد الفراغ من الحجّ الزيارة، ومن ضرورتها السفر.
ثم نقل في الباب الرابع نصوص فقهاء الشافعية والحنفية والمالكية على استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل من أفضل المندوبات والمستحبات كما عند الحنفية.
ومن الفقهاء الذين ذكر السبكي نصوصهم في هذا المجال: الحسين بن الحسن الحليمي (المتوفّى 403 هـ)، والماوردي (المتوفّى 450 هـ)، ومحمد بن مكرم الكرماني،

صفحه 47
وعبدالله بن محمود بن بلدحي (المتوفّى 683 هـ)، والقاضي عياض (المتوفّى 544 هـ)، وعبدالحق بن محمد الصقلّيّ (المتوفّى 466 هـ)، وغيرهم.
قال السبكي: وكذلك نصّ عليه الحنابلة أيضاً، قال أبو الخطاب محفوظ (1) بن أحمد الكَلْوَذاني في كتاب «الهداية» في آخر باب صفة الحج: وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقبر صاحبيه.
وقال أبو عبدالله محمد (2) بن عبدالله بن الحسين السامري في كتاب «المستوعب» باب زيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): وإذا قدم مدينة الرسول استحب له أن يغتسل... ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحية، ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره، وذكر كيفية السلام والدعاء إلى آخره. ومنه: اللّهم إنّي أتوجّه إليك بنبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكر دعاءً طويلاً، ثم قال: وإذا أراد الخروج عاد إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فودّع.

1 . كان إمام الحنبلية في عصره. ولد ببغداد سنة (432 هـ)، وتوفّي بها سنة (510 هـ). الأعلام: 5 / 291 .
2 . المعروف بابن سُنَيَنة. ولد في سامراء سنة (535 هـ)، وولي قضاءها وأعمالها مدة، ثم ولي القضاء والحسبة ببغداد، وتوفّي بها سنة (616 هـ). الأعلام: 6 / 231 .

صفحه 48
وانظر هذا المصنِّف من الحنابلة الذين الخصم ] يعني: ابن تيمية [متمذهب بمذهبهم، كيف نص على التوجه بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد عقد ابن الجوزي في كتابه المسمّى «مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن» باباً في زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكر فيه حديث ابن عمر، وحديث أنس.(1)

1 . تقي الدين السبكي، شفاء السقام في زيارة خير الأنام (أوشنّ الغارة على من أنكر الزيارة): 53 ـ 67، باختصار .

صفحه 49
6

ظهور السلفية في مصر

ظهر شعار السلفية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في مصر المحمية، ولعل أوّل من نادى به هو المصلح جمال الدين الأسدآبادي (1316 هـ) وتلميذه الوفي المصلح الشيخ محمد عبده (1323 هـ).
وقد نادى بها العلمان لا لغاية تحقير سائر المسلمين وتبديعهم وتكفيرهم، وإنّما نادى بها لغاية إيقاظ الأُمّة عندما استشعرا ضعف المسلمين وانحطاطهم وصيرورتهم فريسة للكفار والملاحدة، بسبب ابتعادهم عن تعاليم القرآن الكريم والرسول الأعظم .
ومن هنا صارا يحثان الأُمّة الإسلامية على التمسك بالقرآن وتعاليمه السامية وما كان عليه المسلمون الأوائل من غيرة دينية وشجاعة عظيمة في مقابل الأعداء والمهاجمين.
والسلفية بهذا المعنى ليست مذهباً ولا منهجاً فكرياً

صفحه 50
خاصاً، وإنّما هي ذريعة لإيقاظ شعور الأُمّة للعمل بالإسلام والابتعاد عما رسمه المستعمرون من خطط تفضي إلى التحرر من الإسلام وآدابه وأخلاقه .

السلفية والأُخوان المسلمون

رفعت جماعة الأُخوان المسلمين الّتي تأسست في سنة (1347 هـ) شعارهم الاقتداء بالسلف الصالح أيضاً والعودة إلى الإسلام في كل شؤون الحياة، غير أن القوم كانوا منفتحين على جميع المسلمين، وكانت الغاية من هذا التشكيل جمع المسلمين في حظيرة واحدة وتحت خيمة فاردة يجمعهم العمل بالكتاب والسنة وما اتّفق عليه المسلمون والعقل الحصيف، ومحاربة الظلم والفساد، وفضح الخطط الّتي يرسمها الاستعمار للهيمنة على بلادهم، ومناهضة الحكام المستبدين الذين يخدمون مصالح الأعداء.
وعلى هذا نادى مؤسس الجمعية المغفور له حسن البنا، دون أن يكفّر طائفة أو ينسبها إلى الابتداع أو غير ذلك من النسب الفاضحة .
وأين هذا من السلفية والسلفيّون في السعودية الذين لا يؤذون ولا يقتلون إلاّ المسلمين ولا يحاربون إلاّ الضعفاء منهم؟!

صفحه 51
7

السلف في عصر النبوة

ربّما يتصور الإنسان أنّ الاختلاف في الرأي برز بين الصحابة بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّهم كانوا في عصر الرسالة على رأي واحد، غير أن دراسة حياتهم يكشف عن وجود الاختلاف بينهم في الرأي والقضاء مع وجود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بين ظهرانيهم، وإليك نماذج منه .

1. اختلافهم في أسرى بدر

اختلفوا في يوم بدر في حق الأُسارى، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما تقولون في هؤلاء الأُسارى؟
فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستتبْهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذّبوك وأخرجوك، فقدمْهم فاضرب أعناقهم، وقال عبدالله بن رواحة: يا رسول الله أنت في واد كثير الحطب، فأضرم الوادي

صفحه 52
عليهم ناراً ثم ألقهم فيه. فسكت رسول الله .(1)
هذا ويظهر من قوله سبحانه: (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(2) أنّ واجب المسلمين المشاركين في غزوة بدر، هو قتل من تمكّنوا منه ، لا أسره وحفظه بقصد الغنيمة وأخذ الفدية، ولكنّهم لم يعملوا بواجبهم بل أسروا من تغلّبوا عليه، لغايات دنيوية، فاستحقوا بعملهم هذا أن يمسّهم عذاب عظيم لولا أن سبق في قضاء الله سبحانه أن ينصر دينه ونبيّه بالفئة القليلة الّتي حاربت معه في بدر، ولولا قضاؤه هذا لعذب المؤمنين الذين أسروا أعداء الله ـ وكان قتلهم واجباً ـ طمعاً في الدنيا .
فإذا كان هذا موقف البدريين من الاختلاف في الكلمة في حق الأسارى المشركين، وكان هذا موقف الآسرين منهم، حيث صاروا لولا قضاء الله مستحقين للعذاب، فكيف يمكن أن يكونوا ـ فضلاً عن غيرهم ـ الأُسوة والقدوة للخلف؟

1 . تفسير ابن كثير: 2 / 325 .
2 . الأنفال: 68 .

صفحه 53
2. اختلافهم في صلح الحديبية
خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عام الحديبية يريد زيارة البيت الحرام، ولا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة فلما اطّلعت قريش على عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومجيئه مع أصحابه، حالوا بينه وبين دخوله الحرم وقد تكررت بينه وبين قريش مفاوضات إلى أن اقتنع الطرفان بالصلح وكتبوا كتاباً ما هذا نصه:
اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنّه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن
مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة مكفوفة، وأنّه لا إسلال ولا إغلال، وأنّه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده
دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه .(1)
يقول ابن هشام: فلمّا التأم الأمر ولم يبق إلاّ الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى; قال: أو ليسوا

1 . سيرة ابن هشام: 3 / 332، دار إحياء التراث العربي .

صفحه 54
بالمشركين؟ قال: بلى; قال: فعلام نُعطي الدنيّة في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غَرْزه، فإني أشهد أنّه رسول الله ; قال عمر: وأنا أشهد أنّه رسول الله; ثم أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى; قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى; قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى ; قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبدالله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيّعني! قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأُصلي وأُعتق، من الّذي صنعت يومئذ! مخافة كلامي الّذي تكلمت به، حتّى رجوت أن يكون خيراً.(1)
هذا موقف الخليفة ـ الّذي يعدّه جمهور أهل السنة
ثاني الصحابة فضلاً ـ من التسليم أمام رسول الله، فما ظنك بغيره ؟

3. الصيام في السفر

روى مسلم في صحيحه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج يوم الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتّى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر الناس إليه شرب،

1 . سيرة ابن هشام: 3 / 331 .

صفحه 55
فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام، فقال: أُولئك العصاة أُولئك العصاة .(1)
كيف ينسجم حالهم هذا مع قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2) أليس عملهم هذا تقدماً على الله سبحانه ورسوله وإطاحة بالوحي؟

4. اختلافهم في كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى البخاري عن عبدالله بن عباس قال: لما اشتد بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجعه قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين كتابه.(3)
وقد نسب عمر بن الخطاب أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بإحضار

1 . صحيح مسلم: 129، كتاب الصيام، باب 15، ح 1114، تحقيق صدقي جميل العطار.
2 . الحجرات: 1 .
3 . صحيح البخاري: رقم 114.

صفحه 56
الكتاب إلى غلبة الوجع عليه، لكنّه في نقل آخر نسبه إلى الهجر، وإن لم يصرّح البخاري باسم القائل.
روى البخاري عن ابن عباس أنّه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتّى خضَب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني بكتاب أكتب كتاباً لن تضلوا بعده أبداً. فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله .(1)
هذا أدب الرجال الذين التفوا حول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وصاروا بطانة له، تراهم ينسبون كلامه إلى غلبة الوجع، أو إلى الهجر والهذيان!!

5. الاختلاف في وفاة الرسول

اختلف السلف الصالح في أبده المسائل وأوضحها، فعندما التحق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى وانتشر نبأُ وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)في المدينة المنورة، واجتمعت الصحابة حول بيت الرسول لتجهيزه وكان السكوت والحزن سائدين على الحضّار، فعندئذ قام عمر بن الخطاب خطيباً، وقال: إنّ رجالاً من

1 . صحيح البخاري: رقم 3053 .

صفحه 57
المنافقين يزعمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد توفّي، وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والله ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كما رجع موسى، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مات .(1)
وكان لمقالة الخليفة أثر بارز بين البسطاء من الحاضرين، ولا أقلّ خوفاً من الاتهام بالنفاق إلى أن أقبل أبو بكر حتّى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فقال: أيّها الناس إنّه من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ )(2).
قال: فوالله لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتّى تلاها أبو بكر يومئذ; قال وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنّما هي

1 . سيرة ابن هشام: 4 / 305 .
2 . آل عمران: 144.

صفحه 58
في أفواههم; قال: فقال أبو هريرة: قال عمر: والله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتّى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد مات.(1)
ولا أظن أنّ عمر بن الخطاب كان شاكّاً جداً في موت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كيف والموت سنة من سنن الله في عباده لم يشذ ولن يشذ عنه أحدٌ من عباده وقد ملأ أسماع الصحابة قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)(2).
ولعله كان وراء إلقاء الشبهة في موت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر سياسي حتّى لا تجتمع كلمة المسلمين في أمر الخلافة والإمامة على شخص واحد حتّى يأتي أبو بكر ومن يتابعه في رأيه ونظره فيتخذوا موقفاً واحداً في أمر الخلافة، كما صارت الحال كذلك بعد مجيئه واجتماعهما في سقيفة بني ساعدة كما ستسمع والله العالم.

6. مأساة السقيفة

من قرأ تاريخ السقيفة الّتي اجتمع فيها الحيّان: الخزرج

1 . انظر: سيرة ابن هشام: 4 / 305 ـ 306 .
2 . الزمر: 30 .

صفحه 59
والأوس ليدبروا أمر الخلافة، ثم لحقهم نفرٌ قليل من المهاجرين لا يتجاوز عددهم الأربعة أو الخمسة، يقف على وجود الشقة العظيمة بين السلف الصالح في أمر الخلافة، وكلّ يجرّ النار إلى قرصه .
فهذا هو خطيب الأنصار سعد بن عبادة يرفع صوته ويقول: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إنَّ محمداً (عليه السلام)لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ولا أن يعزّوا دينَه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عُمّوا به، حتّى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على عدوّه منكم وأثقله على عدوه من غيركم حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً...(1)
هذا هو منطق الأنصار، فلنسمع منطق نفر من المهاجرين الذين حضروا السقيفة، قام أبو بكر فقال: إنّ الله خصّ

1 . تاريخ الطبري: 2 / 456، طبعة مؤسسة الاعلمي.

صفحه 60
المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه والإيمان به والمؤاساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إيّاهم وكل الناس لهم مخالف زَار عليهم، فلم يستوحشوا لقلّة عددهم وشَنَفِ الناس لهم وإجماع قومهم عليهم، فهم أوّل من عبدالله في الأرض وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم .
وأنتم يا معشر الأنصار من لا يُنكَر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته وفيكم جلةُ أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأوّلين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة ولا نقضي دونكم الأُمور.
قال الطبري: فقام الحُباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم، فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلّكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلاّ عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والمنعة والتجربة، ذوو البأس والنجدة، وإنّما ينظر الناس إلى ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم، أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم فمنّا أمير ومنهم أمير.

صفحه 61
فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوة فيهم ووليّ أُمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب، الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّ مُدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في
هلكة .
فقام الحباب بن المنذر فقال: يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فاجْلوهم عن هذه البلاد وتولَّوا عليهم هذه الأُمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممّن لم يكن يدين، أنا جُذَيلها المحككُ وعُذيقها المرجّب، أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة.
فقال عمر: اذاً يقتلك الله. قال: بل إياك يقتل .
فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم أوّل من نصر وآزر فلا تكونوا أوّل من بدّل وغيّر .
فقام بشير بن سعد (أبو النعمان بن بشير) فقال: يا معشر

صفحه 62
الأنصار إنّا والله لئن كنّا أُولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلاّ رضى ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً، فإن الله وليّ المنة علينا بذلك، ألا إنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)من قريش وقومه أحق به وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.(1)
وكان كلّ من الطرفين، يعدّ نفسه أولى بالخلافة، ويهدد الطرف الآخر، لكن انقلب الوضع لصالح المهاجرين لأمر غير مترقب، وذلك أنّ الأوس رأت أن تأمير سعد بن عبادة الخزرجي يُكسب منافسيهم الخزرج فضيلة دونهم، فقال رئيسهم «أُسيد بن حضير»: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة، لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا فبايعوه، فأنكر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له في أمرهم، فقاموا يبايعون .(2)

1 . تاريخ الطبري: 2 / 457 ـ 458. طبعة مؤسسة الأعملي.
2 . تاريخ الطبري: 2 / 458 .

صفحه 63
فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطؤون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعداً لا تطؤوه. فقال عمر: اقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممتُ أن أطأك حتّى تندر عضوك. فأخذ سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعتَ وفي فيك واضحة .
فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر الرفق هاهنا أبلغ. فأعرض عنه عمر .
وقال سعد: أما والله لو أن بي قوة ما أقوى على النهوض لسمعتَ مني في أقطارها وسككها زئيراً يُجحرك وأصحابك أما والله إذاً لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع، احملوني من هذا المكان. فحملوه فأدخلوه في داره وتُرك أياماً.(1)
أقول: لو افترضنا أنّ الصادع بالحق قد فوّض أمر الخلافة إلى الشورى، ولكن هل فوّضها إلى مثل تلك الشورى الّتي سادت أجواءها مشاعر البغض والحسد والعصبية والتنافس; وتنازع فيها رجالها ذلك التنازع، وتخاصموا فيها ذلك التخاصم، حتّى لعن بعضهم بعضاً، وتبرّأ بعضهم من بعض ، أو

1 . تاريخ الطبري: 2 / 459. طبعة مؤسسة الأعلمي.

صفحه 64
فوضها إلى شورى عاقلة حاذقة تدرس المصالح والملاكات الّتي يجب أن يتحلّى بها خليفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم تعمد إلى تنصيب من اجتمعت فيه تلك الخصال ؟
والشورى الّتي انعقدت في سقيفة بني ساعدة لم تحم حول هذه الأُمور، وإنّما ادّعت كل طائفة أنّها أحق بالخلافة بملاكات رائجة في عصر الجاهلية.
فهذه جبهة الأنصار تدّعي أنّهم آووا رسول الله وذبّوا عنه عندما أخرجه قومه من بيته وبلده.
وفي قبال ذلك نجد جماعة المهاجرين تدّعي أنّهم أحق بها، لأنّهم عشيرته وأصله.
فهل الملاك في الخلافة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أحد هذين الادّعاءين؟ الحق أن كلاًّ من الملاكين لا يضفي لأحد صلاحية الخلافة عن الرسول وقيادة الأُمّة في معترك الحياة، إنّما الصالح للخلافة من يجسّد خصال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وصفاته وفضائله.
وبعبارة أُخرى: مَن يتحلّى بالعدالة، والإحاطة التامة بالكتاب والسنة، وما تحتاج إليه الأُمة في مستقبل أمرها، مضافاً إلى الكفاءة في تدبير الأُمور، وسياسة الأُمّة، إلى غير ذلك من

صفحه 65
الصفات الّتي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)متحلّياً بها.
وعلى كلّ تقدير فقد مضى أمر السقيفة الّتي كانت مثاراً للجدال والشجار حتّى وصل الحد إلى وطء الرجال تحت أرجلهم، وبذلك يتّضح أن السلف الصالح الّذي يعدّ الأُسوة، لم يتداول أمر الخلافة من منظار مصالح الأُمة مجرّداً عن الهوى، ولم يتقمّص الخليفة رداءها إلاّ في ظلٍّ من يحموم الصراع واللغط وفلتات الجاهلية.

7. اختلافهم في العقيدة والشريعة

ما ذكرناه نماذج من اختلاف السلف في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده بقليل، وأمّا اختلافهم في مجالي العقيدة والشريعة بعد رحيل الرسول، فحدّث عنه ولا حرج .
أمّا في مجال العقيدة فيكفي في ذلك أنّ الفرق الإسلامية الّتي أنهاها أصحاب المقالات إلى ثلاث وسبعين فرقة. قد باضت وفرّخت ونمت في القرون الثلاثة الأُولى.
وهذا هو الإمام الأشعري قد أورد في كتابه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» مقالاتهم ومزاعمهم، وردوده عليهم، كل ذلك كان قبل أن يتم القرن الثالث.

صفحه 66
ويليه في الموضوع كتاب «الفَرق بين الفِرَق» لأبي منصور عبدالقاهر البغدادي (المتوفّى 429 هـ) فقد هذب كتاب الإمام الأشعري وأضاف إليه أشياء قرنها بالبذاءة في اللسان وإعمال التعصب في نقل العقائد .
ويليه كتاب «الملل والنحل» للمتكلم الأشعري أبي الفتح محمد بن عبدالكريم الشهرستاني (المتوفّى 548 هـ).
فهذه الفرق الّتي يتبرأ منها أهل الحديث قد ظهرت في صميم القرون الثلاثة، فكيف يصفها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بخير القرون، ويجعل أهلها الأسوة والقدوة؟ وأية فرقة من هذه الفرق هي القدوة والأسوة؟
وأمّا في مجال الشريعة فقد ظهرت في نفس القرون المذكورة مذاهب فقهية كثيرة إلاّ أنّ بعض الزعماء خافوا من تشتت هذه المذاهب الفقهية، فحصروا المذاهب في الأربعة وأبطلوا الباقي.
قال المقريزي: استمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665هـ حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعُودي من تمذهب

صفحه 67
بغيرها، وأُنكر عليه، ولم يولّ قاض، ولا قبلت شهادة أحد، ولا قُدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد، ما لم يكن مقلّداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها، والعمل على هذا إلى اليوم.(1)

1. الخطط للمقريزي: 2/344.

صفحه 68
8

الحكّام في خير القرون الثلاثة

قد عرفت مدى الاختلاف السائد بين السلف في خير القرون، والعجب أنّ حكّام تلك الفترة كانوا من أشدّ الحكام ظلماً وطغياناً عبر أربعة عشر قرناً، وأكثرهم إيغالاً في سفك الدماء، والبطش بالأبرياء، وكان أحدهم (وهو عبيدالله بن زياد بن أبيه) يخاطب الناس بقوله: يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ] يعني: يزيداً [ قد ولاّني مع البصرة الكوفة، وأنا سائر إليها... فوالله الّذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خالف أو أرجف لأقتلنّه ووليّه! ولآخذن الأدنى بالأقصى! والبريء بالسقيم حتّى تستقيموا .(1)
وقبل أن نستعرض نماذج من جور وعسف الأمويين والعباسيين في القرون الثلاثة، نذكر هنا حادثة خطيرة وقعت بعد أيام من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي تؤشر على مدى

1 . أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، الأخبار الطوال: 232 .

صفحه 69
الاختلاف بين الرعيل الأوّل من السلف أوّلاً، وعلى الإقدام المبكّر على ممارسة الظلم ثانياً.
ومع وجود هذين الأمرين: (الاختلاف، والظلم) في حياة السلف، كيف يمكن لأحد أن يترسّم خطاهم، ويحكم لهم بالخيرية؟
ونقصد بالحادثة الخطيرة، حادثة مقتل الصحابي مالك بن نويرة اليربوعي التميمي في عهد الخليفة الأوّل.
يقول المؤرّخون: إن مالك بن نويرة كان شريفاً، فارساً، شاعراً، من أرداف الملوك في الجاهلية. يقال له: فارس ذي الخمار (وذو الخمار، فرسه)، ويلقّب بالجَفول بكثرة شَعره. قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأسلم، فولاّه صدقات قومه بني يربوع، فلما قُبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتولّى أبو بكر الخلافة، فرّق مالك أموال الصدقات على قومه، فسار إليه خالد بن الوليد.
قال أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، وكان فيمن شهد الحادثة: إنّهم لمّا غشُوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح. قال: فقلنا: إنّا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون. قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال

صفحه 70
السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. قال: فوضعوها، ثم صلّينا وصلّوا.
ثم أخذوا مالكاً وأصحابه أسرى، وأخذوا امرأته معه، وكانت بها مسحة من جمال، ولمّا قدّم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه، التفت إلى امرأته فنظر إليها، ثم قال: يا خالد، بهذه قتلتني! ثم تزوج خالد امراة مالك بعده، وهي أم تميم ابنة المنهال، ودخل بها، فطعن عليه جماعة من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب، وأبو قتادة الأنصاري.
وكان عمر لمّا بلغه قتل مالك وأصحابه، قد تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدوّ الله عدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته !
أمّا أبو قتادة الأنصاري، فبلغ به الغضب حدّاً أن عاهد الله أن لا يشهد مع خالد حرباً أبداً بعدها.
ولمّا أقبل خالد قافلاً. ودخل المسجد، وقد غرز في عمامته أسهماً، قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها، ثم قال: أرئاءً! قتلت امرأً مسلماً، ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنّك بأحجارك، وخالد لا يكلّمه، ومضى في طريقه حتّى

صفحه 71
دخل على أبي بكر، فاعتذر إليه، فعذره، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك!!(1)
وتأتي فاجعة كربلاء في مقدمة ما لحق المسلمين من فواجع، ومَن يطالع فصولها المأساوية يقف على ما جُبل عليه الأُمراء من قسوة وغلظة، وبُعد عن كل القيم الإنسانية، حيث ذبحوا الطفل الرضيع في حجر والده، وحملوا الرؤوس على أطراف الرماح من بلد إلى بلد، وكانت (72) رأساً، وفي مقدمتها رأس ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أبي الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام).
وهذا هو المسعودي المؤرخ المأمون يقول: فلم يزل الحسين (عليه السلام)يقاتل حتّى قتل رضوان الله عليه.
وكان الذي تولّى قتله رجل من مذحج واحتز رأسه، وانطلق به إلى ابن زياد وهو يرتجز:
أوقرْ ركابي فضة وذهبا *** أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أُمّاً وأبا *** وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فبعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس،

1 . انظر: تاريخ الطبري: 4 / 95 ـ 99، ذكر البطاح وخبره (سنة 11 هـ) ; وكتاب الفتوح، لابن أعثم الكوفي: 1 / 20 ـ 23 ; والأغاني: 15 / 298 ـ 307، ذكر متمّم وأخباره وخبر مالك ومقتله .

صفحه 72
فدخل إلى يزيد وعنده أبو برزة الأسلمي فوضع الرأس بين يديه، فأقبل ينكت القضيب في فيه، ويقول:
نُفلِّقُ هاماً من رجال أعزّة *** علينا، وهم كانوا أعقَّ وأظلما
فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك فطال والله ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يضع فمه على فمه يلثمه.(1)
إنّ ما حدث في كربلاء، فاجعة كبرى قلّما يرى الدهر نظيراً لها.
يقول السيوطي: وكان قتل الحسين بكربلاء، وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها، فإنا لله وانا إليه راجعون.
ثم ذكر الآثار الكونية الّتي ظهرت بعد قتل الحسين (عليه السلام)، ثم قال: ولما قُتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسُرّ بقتلهم أوّلاً، ثم ندم لمّا مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه الناس، وحُقّ لهم أن يبغضوه (2).
وفي سنة ثلاثة وستين بلغ يزيد بن معاوية أنّ أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً وأمرهم

1 . مروج الذهب: 3 / 61. وانظر: الأخبار الطوال: 258 ـ 261 .
2 . تاريخ الخلفاء: 247 ـ 248، دار الجيل، طبع عام 1408 هـ .

صفحه 73
بقتالهم، ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟ ذكرها الحسن البصري مرةً فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم، ونهبت المدينة، وافتض فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه راجعون! قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» رواه مسلم.
وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي.
وأخرج الواقدي من طرق أنّ عبدالله بن حنظلة الغسيل قال: والله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء! إنّه رجل ينكح أمهات الأولاد، والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة.
قال الذهبي: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل ـ مع شرب الخمر وإتيانه المنكر ـ اشتد عليه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك الله في عمره، وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير، فمات أمير الجيش بالطريق، فاستخلف عليهم أميراً، وأتوا مكة، فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق،

صفحه 74
وذلك في صفر سنة أربع وستين، واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل وكانا في السقف، وأهلك الله يزيد في نصف شهر ربيع الأول من هذا العام .(1)
هذه نماذج من الحوادث المرة الّتي يشيب منها فود الرضيع .
ومن قرأتاريخ السفيانيين ثم المروانيين يرى أن المسلمين في خير القرون واجهوا حكاماً طغاةً يقتلون بلا هوادة وينهبون بلا وازع من ضمير.
وربّما يُظن أنّ الضيم ابتدأ بعد رحيل معاوية عام ستين وأنّ عصره كان عصر أمن وسلام وصلاح، ولكن ما إن نقرأ صفحة من صفحات حياته حتى نقف على أنّه كان الأساس لهذه المصائب .
وها نحن نقرأ إحدى هذه الصفحات:
كان حجر بن عدي الكنديّ من فضلاء الصحابة، ومن عظماء أصحاب علي (عليه السلام)، ولما ولّى معاوية زياد بن أبيه الكوفة

1 . تاريخ الخلفاء: 249 .

صفحه 75
والبصرة، وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر، كان حُجر يُنكر عليه ذلك، وحصَبه يوماً في تأخير الصلاة هو وأصحابه (وقيل: حصبوا عمرو بن حريث، خليفة زياد على الكوفة)، فكتب فيه زياد إلى معاوية، فأمره أن يبعث به إليه، فبعثه إليه في اثني عشر رجلاً، وعمل في ذلك شهادة مزورة على أنّ حجراً وأصحابه شتموا الخليفة ودعوا إلى حرب معاوية بن أبي سفيان :
فلمّا أشرفوا على مرج عذراء (بينها وبين دمشق اثنا عشر ميلاً)، قال حُجر: أما والله إني لأوّل مسلم نبّح كلابها في سبيل الله، ثم أُتي بي اليوم إليها مصفوداً!!
ثم أمر معاوية بهم، فقُتل حجر مع أصحاب له في مرج عذراء، وذلك في سنة (51 هـ) .
قالت هند بنت زيد بن مخرمة الأنصارية حين سُيّر بحجر إلى معاوية :
ترفّع أيها القمر المنير *** تبصر هل ترى حُجراً يسيرُ
يسير إلى معاويةَ بن حرب *** ليِقْتُلَه كما زعم الأمير
تجّبرت الجبابر بعد حُجر *** وطاب لها الخَورْنَقُ والسديرُ

صفحه 76
وأصبحت البلاد له محولاً *** كأن لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجرُ حجرَ بني عدي *** تلقّتك السلامةُ والسرورُ
أخاف عليك ما أرْدى عديّاً *** وشيخاً في دمشق له زئير
يرى قتل الخيار عليه حقاً *** له من شر أمته وزير
فإن يهلك فكلُّ زعيم قوم *** من الدنيا إلى هلك يصير
روى ابن عبدالبرّ بسنده عن نافع، قال: كان ابن عمر في السوق، فنُعي إليه حُجر، فأطلق حَبْوَتَه، وقام وقد غلب عليه النحيب. وروى نحوه الحاكم في المستدرك .(1)
ولأجل إيقاف القارئ على ما ارتكبه أبو يزيد من قتل ذريع وسفك لدماء الأخيار لاسيما أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، نورد هنا رسالة أبي الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام)إليه:
أمّا بعد: فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت عني إليك أُمور لم تكن تظنني بها رغبة بي عنها وإن الحسنات لا يهدي لها ولا يسدِّد إليها إلاّ الله تعالى، وأمّا ما ذكرت أنّه رقي إليك عني فإنّما رقاه الملاّقون المشّاؤون بالنميمة المفرّقون بين

1 . انظر أخبار حجر في: طبقات ابن سعد: 4 / 94; والأخبار الطوال: 223 ; والاستيعاب: 2 / 420 برقم 599; وتاريخ مدينة دمشق: 16 / 67 برقم 1880 .

صفحه 77
الجميع، وكذب الغاوون المارقون ما أردت حرباً ولا خلافاً وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلّين حزب الظلمة وأعوان الشيطان الرجيم :
1. ألست القاتل حجراً وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة جرأة على الله واستخفافاً بعهده.
2. أو لست القاتل عمرو بن الحمق الّذي أخلقت وجهه العبادة فقتلته ومن بعدها ما أعطيته من العهود ما لو فهمته الصم نزلت من سقف الجبال.
3. أو لست المدعي زياداً في الإسلام فزعمت أنّه ابن أبي سفيان وقد قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل.
سبحان الله يا معاوية لكأنّك لست من هذه الأُمة وليسوا منك.
4. أو لست قاتل الحضرمي الّذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين علي كرم الله وجهه، ودين علي هو دين ابن عمه (صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 78
الّذي أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف، فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم وقلت فيما قلت: لا ترد هذه الأُمّة في فتنة، وإنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها وقلت فيما قلت:
5. انظر لنفسك ولدينك ولأُمّة محمد وإنّي والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربي وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى، وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك فلعمري لقديماً يُكاد الصالحون، وإنّي لأرجو أن لا تضر إلاّ نفسك ولا تمحق إلاّ عملك، فكدني ما بدا لك واتق الله يا معاوية .
6. واعلم أنّ لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، واعلم أنّ الله ليس بناس لك قتلك بالظنّة وأخذك بالتهمة وإمارتك صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ما أراك إلاّ وقد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية، والسلام.(1)

1 . تاريخ الخلفاء الراشدين ودولة بني أُمية : 1 / 164 ـ 165 .

صفحه 79
وممّا يشهد لما كان يعمّ الناس من جور ولاة معاوية وأُمرائه، شعر عقيبة بن هبيرة الأسدي، وكان قد وفد إلى معاوية، فدفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات:
فَهَبْنا أُمة ذهبت ضياعاً *** يزيد أميرها وأبو يزيدِ
أكلتم أرضنا فَجَرَدْتُموها *** فهل من قائم أو من حصيد؟
أتطمع في الخلود إذا هلكنا *** وليس لنا ولا لك من خلودِ
ذروا خَوْن الخلافة واستقيموا *** وتأمير الأراذل والعبيد
وأعطونا السويّة لا تَزُرْكم *** جنود مُردَفات بالجنودِ (1)
وكانت عائشة الّتي عاصرت معاوية وتوفّيت في أيامه عام (58 هـ) تقول: رحم الله لبيداً حيث يقول:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم *** وبَقيت في خَلْف كجلد الأجربِ
لا ينفعون ولا يُرجّى خيرهم *** ويُعاب قاتلهم وإن لم يشْغَبِ

1 . خزانة الأدب لعبدالقادر بن عمر البغدادي: 2 / 229، بيروت، دار الفكر العلمية، طبع عام 1418 هـ. وفيه فجَرَدتموها ; أي قشرتموها كما يُجرد اللحم من العظم. والخَوْن: مصدر كالخيانة.

صفحه 80
ثم تقول: فكيف لو أدرك زماننا؟(1)
ولنمضِ قليلاً مع التاريخ الأموي، لنقرأ فصلاً آخر من فصوله، من خلال كلمات بعض أعلام ثورة الفقهاء والقرّاء، الّتي تلقي الضوء على الواقع المزري في عهد عبدالملك بن مروان:
قال عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس، قائد تلك الثورة:
أيّها الناس، ألا تَرَون هذا الجبار ـ يعني الحجاج ـ وما يصنع بالناس؟ ألا تغضبون لله؟ ألا ترون أن السنة قد أُميتت، والأحكام قد عُطِّلت، والمنكر قد أُعلن، والقتل قد فشا؟ اغضبوا لله، واخرجوا معي، فما يحلّ بكم السكوت (2).
وقال سعيد بن جُبير:... قاتلوهم على جورهم في الحكم، وتجبّرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة.(3)
وقال عامر الشّعبي: يا أهل الإسلام، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعلم

1 . انظر: خزانة الأدب: 2 / 219. وفيه: الخَلْف: النَّسل الطالح. والشَّغْب: تهييج الشر والفتنة.
2 . الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري: 317 .
3 . تاريخ الطبري: 7 / 255 .

صفحه 81
بالظلم، ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار.(1)
وما أروع قول السيوطي، وهو يتحدث عن عبدالملك بن مروان:
لو لم يكن من مساوئ عبدالملك إلاّ الحجّاج وتوليته
إياه على المسلمين وعلى الصحابة رضي الله عنهم، يُهينهم ويذلّهم قتلاً وضرباً وشتماً وحبساً، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يُحصى، فضلاً عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختماً، يريد بذلك ذلّهم، فلا رحمه الله ولا عفا عنه.(2)
ثم حلّت الطامة الكبرى بالأُمّة الإسلامية، حين ولي أمرها الوليد بن يزيد بن عبدالملك، الّذي يُضرب به ا لمثل في الفسق والفجور.
قال أبو جعفر الطبري: إنّه ظهر من الوليد بن يزيد مجون وشرب الشراب، وإنّه لما ولاّه هشام الحج سنة (119 هـ)، حمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه خمراً، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة، ويجلس فيها، فخوّفه

1 . تاريخ الطبري: 7 / 254 .
2 . تاريخ الخلفاء: 262، دار الجيل، طبع عام 1408 هـ .

صفحه 82
أصحابه، وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك، فلم يحركها، وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف به. وتمادى الوليد في الشراب، وطلب اللذات فأفرط.
ثم ذكر سبب قتله، فقال: قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته، وما ذُكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته، ولمّا ولي الخلافة وأفضت إليه لم يزدد في الّذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمته الفسّاق إلاّ تمادياً وحداً.(1)
وقال ابن الأثير: وممّا شُهر عنه أنّه فتح المصحف، فخرج: (وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد)(2)، فألقاه، ورماه بالسهام، وقال:
تهدّدني بجبار عنيد *** فها أنا ذاك جبّار عنيدُ
إذا ما جئت ربّك يوم حشر *** فقل يا رب مزّقني الوليدُ(3)
وقد جمع المعافى بن زكريا الجَريري (305 ـ 390 هـ) شيئاً من أخبار الوليد، ومن شعره الّذي ضمّنه ما فجر به من

1 . تاريخ الطبري: 8 / 82 ـ 83 ، و 106 .
2 . إبراهيم: 15 .
3 . الكامل في التاريخ: 5 / 290 .

صفحه 83
خُرقه وسخافته، وما صرّح به من الإلحاد في القرآن، والكفر بالله .(1)
لقد كانت حياة المسلمين حافلة بتلك الفجائع في عهد بني أُمية إلى أن ثُلّ عرشهم في سنة (132 هـ) واستبشر الناس خيراً بمجيء بني العباس، ولكن ما إن قبضوا على زمام الخلافة واستقرّ مُلكهم، حتّى اقتفوا أثر بني أُمية في الظلم والجور والفساد، وأوغلوا في اضطهاد المسلمين عامة، والعرب خاصة، والعلويين بشكل أخصّ، حتى قال الشاعر :
ياليت ظلم بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في النار
وقال الشاعر المُفلق أبو فراس الحمداني (المتوفّى 357 هـ) من قصيدة طويلة في وصف ما يقاسيه آل علي (عليه السلام)من مآس:
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت *** تلك الجرائر، إلاّ دون نيلكمُ
كم غدرة لكمُ في الدين واضحة *** وكم دم لرسول الله عندكمُ

1 . انظر: تاريخ الخلفاء، للسيوطي: 301 .

صفحه 84
أأنتم آله فيما ترَون، وفي *** أظفاركم من بينه الطاهرين دم
باءوا بقتل الرضا من بعد بيعته *** وأبصروا بعض يوم رشدهم وعموا
وإليك وصفاً موجزاً لسيرة بعض خلفاء بني العباس .
قال السيوطي، وهو يتحدث عن أبي جعفر المنصور:
قتل خلقاً كثيراً حتّى استقام ملكه. وهو الّذي ضرب أبا حنيفة (رحمه الله) على القضاء، ثم سجنه، فمات بعد أيام، وقيل: إنّه قتله بالسمّ لكونه أفتى بالخروج عليه .
ثم قال: وفي سنة خمس وأربعين ] يعني ومائة [ كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فظفر بهما المنصور، فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وكان المنصور أوّل من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين، وكانوا قبلُ شيئاً واحداً، وآذى المنصور خلقاً من العلماء ممن خرج معهما أو آمر بالخروج، قتلاً وضرباً وغير ذلك منهم: أبو حنيفة، وعبدالحميد بن جعفر، وابن عجلان،

صفحه 85
وممّن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور، مالك بن أنس (رحمه الله)، وقيل له: إنّ في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنّما بايعتم مُكرهين، وليس على مُكره يمين.(1)
وكان المنصور قد عرض الأمان على محمد بن عبدالله، في كتاب كتبه إليه لما بلغه ظهوره في المدينة، فردّ عليه محمد بن عبدالله بقوله:
فأي الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمّك عبدالله بن علي، أم أمان أبي مسلم.(2) وإليك قصة أحد هذه الأمانات:
كان يزيد بن عمر بن هبيرة قد تحصّن بواسط بعد القضاء على الأمويين، فوجّه العباس أخاه المنصور لحربه، فمكث المنصور زمناً بواسط يقاتله، حتّى أعياه أمره، فكتب إليه بالأمان والصلح وأمضى السفاح الكتاب، فرضي ابن هبيرة وأطاع، ثم نقض السفاح عهده له، وبعث إليه من قتله بقصر واسط .(3)
وممّا جاء في نصّ الأمان: إنّي أمنتكم بأمان الله الّذي لا إله

1 . تاريخ الخلفاء: 315، 317 .
2 . تاريخ الطبري: 8 / 483 .
3 . وفيات الأعيان: 6 / 313 برقم 818 ; والأعلام: 8 / 185 .

صفحه 86
إلاّ هو... أماناً صادقاً لا يشوبه غشّ، ولا يخالطه باطل على أنفسكم وذراريكم وأموالكم، وأعطيت يزيد بن عمر بن هبيرة ومن أمنته في أعلى كتابي هذا بالوفاء بما جعلت لهم معهد الله وميثاقه.. وذمة الله وذمة محمد ومن مضى من خلفائه الصالحين.. وإن عبدالله بن محمد ] يعني المنصور [ إن نقض ما جعل لكم في أمانكم هذا فنكث أو عذر بكم.. فلا قبل الله منه صرفاً ولا عدلاً... وهو يخلع أمير المؤمنين، ويتبرّأ من طاعته، وعليه ثلاثون حجة يمشيها من موضعه الّذي هو به من مدينة واسط إلى بيت الله الحرام الّذي بمكة حافياً راجلاً...
قال الدكتور محمد ماهر حمادة: ولكن جميع هذه الضمانات لم يكن لها اعتبار ولا وزن عند القوم، ولم تنفع ابن هبيرة بشيء ولم تحفظ عليه حياته، ذلك أن القوم الذين ثملوا بنشوة الانتصار على الأمويين لم يعودوا يبالون بمثل هذه الأُمور، واعتقدوا أنّ معهم الحق في نقضها وعدم الوفاء بها، ممّا يدلّ على تدهور الناحية الأخلاقية عندهم، بل والناحية الدينية، إذ في نقض العهد مخالفة لأوامر الله تعالى وتعاليم الإسلام .(1)

1 . دراسة وثيقة للتاريخ الإسلامي ومصادره: 96، بيروت، مؤسسة الرسالة، طبع 1408 هـ .

صفحه 87
وقال أيضاً تعقيباً على قيام هارون الرشيد بتولية العهد لأبنائه الثلاثة: الأمين، ثم المأمون، ثم القاسم، وإصدار تلك العهود في مكة وتعليقها في الكعبة المشرفة، لإعطائها صبغة دينية في أعين رعاياه، وإسباغ صفة القداسة عليها، قال:
ولقد أخذ الرشيد على جميع الفرقاء من العهود والمواثيق أقساها وأغلظها، ولكن متى كانت العهود والمواثيق محترمة في الدولة العباسية حتّى يحترمها الأمين؟ لذلك لم يكد الأمين يصبح خليفة حتّى بدأ محاولاته لنقض العهد، ممّا أدى به إلى الاصطدام بأخيه، ومن ثم فقد عرشه وحياته.(1)
أما سياسة الاستبداد الّتي انتهجها المتوكل العباسي، والممارسات القمعية الّتي قام بها ضد المسلمين لا سيمّا آل أبي طالب منهم، وانصرافه إلى مجالس اللهو وشرب الخمر، فيطول الكلام فيها، فلنقتصر على بعض ما ورد فيها من أخبار:
قال أبو الفرج الأصفهاني (المتوفّى 356 هـ):
وكان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن

1 . نفس المصدر: 116 ـ 118 .

صفحه 88
والتهمة لهم، واتفق له أنّ عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله، وكان من ذلك أنّه كرب قبر الحسين، وعفّى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلاّ أتوه به، فقتله أو أنهكه عقوبة.(1)
وقال الذهبي، وهو يتحدث عن مصيره الأسود الّذي لاقاه:
واتفق أنّ الترك انحرفوا عن المتوكل لكونه صادر وصيفاً وبُغا، وجرت أُمور، فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه، فدخل عليه خمسة في جوف الليل، وهو في مجلس لهوه في خامس شوال، فقتلوه سنة سبع وأربعين.
وقد كان المتوكل منهمكاً في اللذات والشراب... ولم يصحّ عنه النَّصْب. كذا قال في «تاريخ الإسلام »(2) بَيْد أنّه صحّح رأيه في عدم نصبه، فقال في «سير أعلام النبلاء» :
في سنة ست وثلاثين ] يعني ومائتين [ هدم المتوكل قبر الحسين (رضي الله عنه)، فقال البسّامي أبياتاً، منها:

1 . مقاتل الطالبيين: 597، ذكر أيام المتوكل.
2 . تاريخ الإسلام (241 ـ 250 هـ): 199 .

صفحه 89
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبّعوه رميما
وكان المتوكل فيه نَصْب وانحراف .(1)
وقال السيوطي: في سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السكّيت الإمام في العربية فإنّه ندبه إلى تعليم أولاده، فنظر المتوكل يوماً إلى ولديه: المعتز والمؤيّد، فقال لابن السكّيت: من أحبّ إليك هما أو الحسن والحسين؟
فقال: قنبر ـ يعني مولى عليّ ـ خير منهما.
فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتّى مات، وقيل: أمر بسلّ لسانه، فمات، وأرسل إلى ابنه بديته!! (2)
وبإمكان القارئ أن يطالع ما كتبه المؤرخون كالطبري، والمسعودي، وأبي الفرج الأصفهاني، عمّا وقع من ظلم وعسف في القرنين الثاني والثالث، الّذي قيل إنهما خير القرون بعد القرن الأوّل، وعمّا شاع في البلاد الإسلامية في تلك الفترة من فساد وفجور وانحلال، واستمرت الأوضاع السياسية والاجتماعية تتردّى أكثر، وتتفاقم سوءاً، عصراً بعد عصر، إلى

1 . سير أعلام النبلاء: 12 / 35، الترجمة 7 .
2 . تاريخ الخلفاء: 409.

صفحه 90
أن زحفت جيوش التتر البربرية إلى البلاد الإسلامية، تبتلعه بلداً بلداً، ثم زحفت إلى بغداد، وأصحاب الشأن غارقون في لهوهم وملذاتهم، فاحتلّتها في سنة (656 هـ)، وقضت بذلك على الخلافة العباسية.
ويكفي هنا أن نورد ما كتبه ابن كثير في ذلك: وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فاذا عليه مكتوب: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب عن ذوي العقول عقولهم» فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكو خان بجنوده ـ وكانوا نحو مائتي الف مقاتل ـ إلى بغداد في ثاني عشر من المحرم من هذه السنة، إلى آخر ما قال .(1)
فإذا كان هذا حال خليفة المسلمين ومن حوله فكيف بجنوده وقادته.

1 . البداية والنهاية: 13 / 212 .

صفحه 91
إذا كان رب البيت بالدُّفّ ناقراً *** فشيمة أهل الدار كلهمُ الرقصُ
بعد هذا العرض الموجز عن طبيعة الأوضاع في عصر السلف، تُثار هنا أسئلة يطلب جوابها من السلفيين.

صفحه 92
9

أسئلة يطلب جوابها من السلفيين

السؤال الأوّل: تناسي أهل البيت

إذا كان أهل القرون الثلاثة هم المراجع في العقائد والأحكام وتفسير الذكر الحكيم، فلماذا أعرض سلفيّة اليوم عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين عاشوا في تلك الفترة بين المسلمين إلى سنة (260 هـ) الّتي غاب فيها الإمام الثاني عشر بأمر من الله سبحانه وتعالى، كما غاب المسيح في عصره.
فالقوم لا يرجعون إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)لا في الفقه ولا في الرواية، إلاّ في موارد قليلة، مع أنّ كبار علمائهم يشهدون بورعهم وجلالتهم وسعة علمهم، في حين أنّهم يرجعون إلى من لا يُقاس بهم، بل إلى من هو منحرف عنهم، وكأنّ الله تعالى لم يفرض مودتهم بقوله في كتابه المجيد: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(1)، ويوصِ بالاعتصام بهم والرجوع

1 . الشورى: 23 .

صفحه 93
إليهم، عندما قرنهم بالكتاب العزيز في حديث الثقلين المتّفق عليه بين المسلمين: «كأنّي قد دُعيت فأُجيب، إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يتفرّقا حتّى يَرِدا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفُوني فيهما»(1).

السؤال الثاني: في حجّية قول الصحابي

إنّ السلفية تعمل بالسنن المأثورة عن الخلفاء ويصفونها بأنّها سنّة أبي بكر وسنّة عمر وسنّة عثمان وربّما يتوسعون ويعملون بسنة الصحابي مع أنّ الله تعالى أكمل الدين وختم باب النبوة والرسالة، فكيف يكون قول الصحابي بنفسه ـ دون أن يسنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ حجة شرعية؟
يقول الشوكاني: إنّ قول الصحابي ليس بحجة، فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمة إلاّ نبينا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . رواه الطبراني في الكبير، وأبو يعلى في مسنده، عن أبي سعيد الخدري; كما في كنز العمال: 1 / 187، ح 952. وحديث الثقلين هذا أخرجه من غير مَن ذكرنا): أحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وسعيد بن منصور، وابن سعد، والحاكم، وابن أبي شيبة، وعبد بن حُميد، وابن الانباري، والبارودي، والخطيب البغدادي. انظر كنز العمال: 1 / 172 ـ 173، ح 870 ـ 873، وص 185 ـ 187، ح 943 ـ 947، وح 949 ـ 953 .

صفحه 94
وليس لنا إلاّ رسول واحد والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة.
فمن قال إنّه تقوم الحجة في دين الله بغير هذا فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر الله به .(1)
ويقول ابن زهرة: الإنصاف أنّ كلام الشوكاني موافق للقرآن الكريم، ولقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ)(2)، وقوله: (اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)(3)، (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَ هَذَا حَرَامٌ )(4)، (وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(5) .

السؤال الثالث: هل القيد في قولهم السلف الصالح، قيد توضيحي أو قيد احترازي ؟

أمّا الأوّل: فلا يمكن الالتزام به، فقد مرّ أنّ الأمويين والعباسيين ومناصريهم قد خضبوا وجه الأرض بدماء الأبرياء

1 . إرشاد الفحول للشوكاني: 214 .
2 . الشورى: 21 .
3 . التوبة: 31 .
4 . النحل: 116 .
5 . الإسراء: 36 .

صفحه 95
الطاهرين، فكيف يمكن عدّ عامة السلف صالحين؟ فلا مناص إذن من أن يكون القيد احترازياً.
وعندئذ يكون تمييز الصالح عن الطالح أمراً مشكلاً، لأنّ كثيراً من المنافقين والظالمين كانوا مندسين ضمن الصالحين. ومن سوء الحظ أنّ رجال الجرح والتعديل أسقطوا الصحابة من كتبهم، بل تلقّوا الجميع عدولاً يُركن إليهم، وبذلك اختلط الصالح بالطالح.

اعتذار عجيب

قد عرفت أنّ السلف لا يمكن أن يوصفوا بالصلاح عامة، لما عرفت من أفعالهم وأعمالهم الّتي لا تنسجم مع القسط والعدل بل ولا مع الإيمان والإسلام .
غير أنّ المتشدّدين من السلفيين عندما يواجَهون بما ورد في تراجم حياة جماعة من السلف من منكرات، يعتذرون عنهم ويقولون: إنّ الله سبحانه طهّر سيوفنا من دمائهم، فلنطهِّر لساننا عن ذكرهم.
وكأنّ هذا الاعتذار مصداق للمثل السائر «عذر أقبح من فعل»، وذلك:

صفحه 96
أوّلاً: إنّ معنى ذلك أن الصراع بين علي وخصومه، كان فتنة، قد غُمّ فيها الحق، وليس بمقدور أحد أن يُبصر نوره ليكون على بيّنة من أمرهما، فليدَعِ الكلام فيما جرى بين طرفي النزاع، ولا يحكم عليهما بشيء.
هذا هو منطقهم تجاه ما وقع بين عليّ وخصومه، وأمّا منطقهم مع غيره من الخلفاء (حتّى مع الذين انتزوا على هذه الأُمّة بالسيف، حسب تعبير الحسن البصري)، فمختلف تماماً، فلهم الحق في الجهر بالسوء من القول في أخصامهم، وكأنّ قتام معركتي الجمل وصفين، وغبار الخلاف المثار بين عليّ والمتخلّفين عنه، قد غطّى الوجوه جميعاً، فلم يَعُد يميّزون بينهم، ولكنّه انجلى عن وجوه المتصارعين في عهد غيره من الخلفاء، فعرفوا المحقّ من المبطل، والمصلح من المفسد!!
إنّ المؤمن الواعي، المتحرّر من أسر التقليد وعبادة الرجال، لا تخفى عليه الوجوه في شتى الظروف، وهو من اليقين بمعرفتها على مثل ضوء الشمس، وإلاّ:
فما انتفاع أخي الدنيا بناظره *** إذا استوتْ عنده الأنوار والظُّلَمُ

صفحه 97
إنّه يحتكم إلى مقاييس إسلامية ثابتة وواضحة عندما يريد أن يتعامل مع الناس، ويوزن الرجال بالعدل، ولا يحتكم إلى المقاييس الاجتماعية الخاطئة، الّتي يدخل في صياغتها الجاه والثروة والسلطة والعصبية، وغيرها من الامتيازات الزائفة.
والرجوع إلى هذه المقاييس، كاف وحده في معرفة السائرين على جادّة الحقّ، من المتنكّبين عنها، فكيف إذا استرشدنا ببيانات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حق عليّ (عليه السلام)، وفي خصوص ما سوف يواجهه من أحداث؟ لاشك أنّ الصورة ستكون واضحة.. جليّة.. مشرقة، لا غبَش فيها ولا ظلال. وإليك بعض هذه البيانات:
ـ روى الحاكم بسنده عن أبي ذرّ الغفاري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن عصى علياً فقد عصاني». صححه الحاكم على شرط الشيخين البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.(1)
أقول: من مصاديق الطاعة لعليّ (عليه السلام)، امتثال أمره في

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 121 .

صفحه 98
السلم والحرب، وعلى ضوء الحديث الآنف الذكر، يصبح القتال بين يديه (عليه السلام)طاعة للرسول، ومن ثم طاعة لله.
وعلى ذلك، كان على هؤلاء أن يلهجوا بالدعاء: (ياليتنا كنّا مع عليّ وجنده، لنفوز فوزاً عظيماً)، إذ فاتتهم نعمة الانتصار له، والوقوف في صفّه، بدل أن يعدّوا عدم مشاركتهم في تلك الدماء نعمة من الله تعالى عليهم، وأن يطلقوا ألسنتهم في ذكر العصاة لله وللرسول، وفضح مواقفهم من عليّ، (حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ )(1)، فيطيع من يهديه، ويتجنّب من يُرديه، بدل أن يلجموا ألسنتهم عن ذكرهم، فيصبحا بسكوتهم عن الحق شياطين خُرسا.
ـ روى ابن حبّان في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله يقول: إنّ فيكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلتُ على تنزيله. قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل. قال: كان أعطى علياً نعله يخصفه.(2)
ـ روي عن عليّ، أنّه قال: عهد إليّ رسول الله بقتال

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار برقم 206 .
2 . صحيح ابن حبان: 15 / 385 .

صفحه 99
الناكثين، والقاسطين، والمارقين. وفي رواية: أمرني بقتال الناكثين، فذكره.
قال الهيثمي: رواه البزّار، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي البزّار رجاله رجال الصحيح، غير الربيع بن سعيد، ووثقه ابن حبّان.(1)
ـ روى الحاكم بسنده عن حبّة العُرَني، قال: دخلنا مع أبي مسعود الأنصاري على حذيفة بن اليمان، أسأله عن الفتن، فقال: دوروا مع كتاب الله حيث ما دار، وانظروا الفئة الّتي فيها ابن سميّة فاتَّبعوها، فإنّه يدور مع كتاب الله حيث ما دار. قال: فقلت: ومن ابن سُميّة؟ قال: عمار، سمعت رسول الله يقول له: لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية، تشرب شربة ضياح، تكن آخر رزقك من الدنيا. صححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.(2)
ومن الثابت تاريخياً أنّ عماراً كان من كبار شيعة عليّ الملازمين له، وقد ناصره في كل مواقفه، وشهد معه وقعتي

1 . مجمع الزوائد: 7 / 238 .
2 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 391 .

صفحه 100
الجمل وصفين، واستشهد في الثانية بسيوف الفئة الباغية على الإمام الشرعي، بنص النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم).
ونتساءل هنا: كيف ارتضى هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم بالسلفية، بعد هذه البيانات النبوية الصريحة، الّتي تؤشّر على الطريق، وتحدّد معالمه، وترُّشد إليه، كيف ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا في جملة التائهين الحائرين، الذين لا يعرفون الطريق الواضحة، من السُّبل المتفرقة؟!
وهم بهذه المقولة: (فلنطّهر لساننا عن ذكرهم)، قد ظلموا أنفسهم بمتابعتهم للهوى في ذلك، وإعراضهم عن التنبيهات النبوية، وظلموا أيضاً من يتّبعهم من البسطاء، بالتلبيس عليهم، وكتمان الحق عنهم.
ولم يقف الأمر بـ (السلفية) عند مخالفة النصوص الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل خالفوا حتّى من يتبجّحون بالانتساب إليه ، أعني أحمد بن حنبل، فإنّ إمام الحنابلة، كان قد أظهر التربيع بعليّ في الخلافة، وهذا يعني أنّ له ما للخلفاء الذين سبقوه من حق الطاعة على الناس في أمره ونهيه، والاستجابة لدعوته.
فلماذا يُسلب من عليّ وحده هذا الحق؟ فيُساوى بينه

صفحه 101
وبين العصاة المتمردين على شرعيّته، وتصبح قصته معهم غامضة، يحرّم الخوض فيها، والكشف عن تفاصيلها؟!
ذكر القاضي ابن أبي يعلى الحنبلي في ترجمة (وُرَيزة بن محمد الحمصي) أنّه قال: دخلتُ على أبي عبدالله أحمد بن حنبل، حين أظهر التربيع بعليّ (رضي الله عنه)، فقلت له: يا أبا عبدالله إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير.
فقال: بئس ما قلت، وما نحن وحرب القوم وذكرها؟
فقلت: أصلحك الله، إنّما ذكرناها حين ربعّتَ بعليّ، وأوجبتَ له الخلافة، وما يجب للأئمة قبله.
فقال لي: وما يمنعني من ذلك؟
قال: قلت: حديث ابن عمر .(1)
فقال لي: عمر خير من ابنه، قد رضي علياً للخلافة على المسلمين، وأدخله في الشورى، وعليّ بن أبي طالب قد سمّى نفسه أمير المؤمنين، أفأقول أنا: ليس للمؤمنين بأمير؟

1 . يشير إلى قول ابن عمر. كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنخيّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان. كذا في صحيح البخاري (2 / 451 برقم 3655). وفي مسند أحمد (2 / 14: كنا نعدّ ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيّ وأصحابه متوافرون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، ثم نسكت .

صفحه 102
قال: فانصرفت عنه.(1)
وهكذا تُفتضح دعوى المتسمّين بالسلفية في الأخذ بقول أحمد بن حنبل، ومجانبتهم لما خالف قوله، وتبدو القضية قضية أهواء وعصبيات وآراء معتَمدَة سلفاً، ثم يلتقطون لتأييدها قولاً شاذاً من هنا، وخبراً ضعيفاً من هناك.
وهذه المشكلة لم تكن وليدة العصور المتأخرة، بل تمتد جذورها إلى الماضي البعيد، حيث نزع المتشدّدون من أتباع الإمام أحمد إلى خلق الفتن والمشاكل مع أتباع سائر مذاهب السنة وغيرهم، وإغراق الأُمة في نزاعات وصراعات لا مبرّر لها إلاّ العناد والتعصّب والجمود، ومن ذلك على سبيل المثال:
ـ محنة الطبري (المتوفّى 310 هـ)
كان محمد بن جرير الطبري أحد أئمة العلماء، يُحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم مالم يشاركه فيه أحد من أهل عصره.(2)
وكان ثقة، صادقاً، حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علاّمة في التاريخ وأيام الناس، عارفاً

1 . طبقات الحنابلة: 1 / 393 برقم 510 .
2 . تاريخ بغداد: 2 / 163، الترجمة 589.

صفحه 103
بالقرآن وباللغة، وغير ذلك.(1)
هكذا وصف الخطيب البغدادي، والذهبي، أبا جعفر الطبري، ولكن تعال معي لنقف على ما نال هذا العالم الفذّ من أذىً واضطهاد على أيدي المتشدّدين من الحنابلة، وبشهادة اثنين من كبار الشافعية المعاصرين له.
قال حسينك بن علي النيسابوري: أوّل ما سألني ابن خزيمة، قال: كتبتَ عن محمد بن جرير الطبري؟
قلت: لا.
قال: ولِمَ ؟
قلت: لأنّه كان لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه !
قال: بئس ما فعلت، ليتك لم تكتب عن كلّ من كتبت عنهم، وسمعت من أبي جعفر !(2)
وقال أبو بكر بن بالُوَيه: سمعت إمام الأئمة ابن خزيمة يقول: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمتْه الحنابلة.(3)

1 . سير أعلام النبلاء: 14 / 270، الترجمة 175 .
2 . تاريخ بغداد: 2 / 164 ; وتاريخ الإسلام (311 ـ 320 هـ): ص 281 ـ 282 .
3 . المصدر السابق.

صفحه 104
قال الذهبي: ولما بلغه أن أبا بكر بن أبي داود تكلّم في حديث غديرخم، حمل كتاب الفضائل فبدأ بفضل الخلفاء الراشدين، وتكلّم على تصحيح حديث غدير خمّ، واحتجّ لتصحيحه .(1) وكانت الحنابلةُ حزبَ (كذا قال) أبي بكر بن أبي داود، فكثروا وشغبوا على ابن جرير، وناله أذىً ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى.(2)
ولم يسلم الطبري من شرّ الجهلة حتّى بعد موته، فقد ذكر ابن الأثير أنّ بعض الحنابلة تعصّبوا عليه، ووقعوا فيه، وتبعهم غيرهم، فمنعوا من دفنه نهاراً، ودفن ليلاً بداره!!(3)
ـ فتنة الحنابلة ببغداد في سنة (323 هـ)، وإنكار الراضي عليهم
قال ابن الأثير: وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القوّاد والعامة، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا

1 . تاريخ الإسلام (311 ـ 320 هـ): 283 .
2 . سير أعلام النبلاء: 14 / 277 .
3 . الكامل في التاريخ: 8 / 134 .

صفحه 105
ذلك سألوه عن الّذي معه مَن هو، فأخبرهم، وإلاّ ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا ببغداد... وزاد شرّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد،وكانوا إذا مرّ بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيّهم، حتّى يكاد يموت.
فخرج توقيع الراضي بما يُقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه: تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين... وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلين والنعلين المذهّبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عما يقول الظالمون والجاحدون، علواً كبيراً، ثم طعنكم على خيار الأئمة.
وأمير المؤمنين يقسم بالله... لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوجّ طريقتكم ليوسعنّكم ضرباً وتشريداً، وقتلاً وتبديلاً...(1)

1 . الكامل في التاريخ: 8 / 307 ـ 309 .

صفحه 106
ـ فتنة الجهر بالبسملة في عام (447 هـ)
قال ابن الأثير: في هذه وقعت ا لفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، ومقدّم الحنابلة أبو علي بن الفرّاء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجمّ الغفير، وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر... وأتى الحنابلة إلى مسجد باب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفاً، وقال: أزيلوها من المصحف حتّى لا أتلوها!(1) أقول: (لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً).
ـ الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة في سنة (469 هـ)
قال ابن الأثير: في هذه السنة ورد بغداد أبو نصر ابن الأُستاذ أبي القاسم القشيري حاجّاً، وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس، وفي رباط شيخ الشيوخ، وجرى له مع الحنابلة فتن لأنّه تكلّم على مذهب الأشعري، ونصره، وكثر أتباعه والمتعصّبون له، وقصد خصومه من الحنابلة، ومن تبعهم، سوق المدرسة النظامية، وقتلوا جماعة.(2)

1 . الكامل في التاريخ: 9 / 614 .
2 . الكامل في التاريخ: 10 / 104 .

صفحه 107
وثانياً: إن ما اعتُذر به، ليس من كلامه سبحانه ولا من كلام نبيّه أو أحد أوصيائه، وإنّما اخترعه عمر بن عبدالعزيز ليستريح بذلك من القضاء في حق الصحابة والتابعين لهم.
إنّ هذا الرأي انفرد به الخليفة الأُموي، ومن المعلوم أنّ رأي المجتهد حجة على نفسه لا على غيره، هذا لو افترضنا أنّ الخليفة كان من فريق المجتهدين.

السؤال الرابع: هل العقل حجّة عند السلفية؟

إذا كان المرجع العلمي هم السلف وأقوالهم وما رووه من السنن والآثار، فما هو موضع العقل عندهم؟ وهل هو حجة أو لا؟
فعلى الأوّل: يجب الرجوع في قسم من المسائل إلى العقل الّذي ينزه الله سبحانه عن الجهة والحركة والتجسيم، لا إلى المرويات الحافلة بهذه الأُمور.
وعلى الثاني: يجب أن نتعبد الله سبحانه بما في الصحيحين والسنن بحرفية الصفات الّتي لا تفارق الجسمية والحركة والجهة والجبر وغيرها.
وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا في الأمر الثاني، فارجع إلى

صفحه 108
توحيد ابن خزيمة تراه مملوءً بما ذكرناه، وقد اغترّ هو ومشايخه بما رواه مستسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى في هذا الباب.
كيف يمكن للسلفية إقصاء العقل من باب المعرفة مع أنّ مادة العقل وردت في القرآن الكريم حوالي (49) مرة في صيغ مختلفة، والذكر الحكيم يحثنا بقوله (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(1) أو (أَفَلاَ يَعْقِلُونَ)(2).
وربّما يستنطق فطرتنا فيقول (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(3).
إنّ إقصاء العقل من باب المعارف الواردة في الكتاب يوجب إجمال كثير من الآيات الّتي لا يعلم مغزاها إلاّ ببرهان العقل ودليله، خصوصاً في مورد الأسماء والصفات.
إنّه سبحانه يستدل على وحدة الإله وبطلان الآلهة بالآيات التالية :
1. (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)(4).

1 . البقرة: 44.
2 . يس: 68 .
3 . القلم: 35 ـ 36 .
4 . الأنبياء: 22.

صفحه 109
2. (وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ)(1).
3. (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ )(2).
فهل يمكن لإنسان ساذج بعيد عن البراهين العقلية تفسير هذه الآيات إلاّ أن يكون الغرض هو التلاوة لا الفهم والعبادة بالقلب.
إنّ العلم الحديث كشف عن مغزى قسم من الآيات الكونية الّتي كانت تحت الخباء عبر قرون، نظير قوله سبحانه: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ)(3).
4. ويقول سبحانه وتعالى: (وَ مِنْ كُلِّ شَيءْ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(4).
أقول: من صالح الإسلام والمسلمين، ومن صالح السلفية أن يضعوا عنهم أغلال التعصّب ويتجرّدوا من أفكار ابن تيمية

1 . المؤمنون: 91 .
2 . الطور: 35 ـ 36 .
3 . الذاريات: 47 .
4 . الذاريات: 49 .

صفحه 110
وتلميذ منهجه محمد بن عبد الوهاب، وينظروا إلى الكون من زاوية العلم والبصيرة والبرهان والدليل، حتّى يتجلى لهم ما في الذكر الحكيم من المعارف .

السؤال الخامس: سلفية اليوم وتكفير المسلمين

إنّ سيرة السلف الصالح كانت تتّسم بالودّ والرضى والترحاب بكل من يتشرف بالاسلام، فكانوا يعدّون من شهد الشهادتين وآمن بالمعاد وأقام الصلاة واَتى الزكاة من المسلمين، له من الحقوق ما لسائر المسلمين، وذلك اقتداء بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما سأله عليّ (عليه السلام)عن حدّ الجهاد مع المشركين وغيرهم.
فقال (عليه السلام): «قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا الله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله» (1).
ولمّا سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كلام خالد بن الوليد وهو يقول: كم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس بقلبه، فقال رسول

1 . صحيح البخاري: ج2 مناقب علي (عليه السلام); وصحيح مسلم: ج 6 باب فضائل علي (عليه السلام).

صفحه 111
الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي لم أُومر أن أُنقّب عن قلوب الناس ولا أشقّ بطونهم ».(1)
فإذا كانت هذه سيرة السلف، فلماذا خالفت سلفية اليوم سيرتهم، وتنكرّت لها بتكفير المسلمين زرافات ووحداناً، ولا يقبلون إسلام إلاّ من يتبنّى الأُصول الوهابية، من حرمة السفر إلى زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو حرمة التوسل بالأنبياء والأولياء، إلى غير ذلك.

مخاطر تأجيج الصراعات الجانبية

في هذه المرحلة الحسّاسة الّتي تواجه فيها أُمّتنا الإسلامية مشاكل كبيرة، وتحديات خارجية خطيرة، شكّلت بعض المؤسسات الدينية والسياسية لدعاة الوهابية والمتسمّين بالسلفية، غرفة عمليات لبثّ الفرقة بين المسلمين، وتشتيت صفوفهم، من خلال الترويج للأفكار المتشددة الّتي تخالف مذاهب السنّة والشيعة، والتركيز على الخلافات المذهبية وتضخيمها، وتنشئة جماعات متطرّفة معبّئة بالحقد والكراهية للمسلمين لاسيما الشيعة منهم.

1 . صحيح مسلم: 3 / 111، باب ذكر الخوارج وصفاتهم .

صفحه 112
وبينما كنّا نتطلّع إلى مواصلة الجهود الّتي بذلها الغيورون من علماء الفريقين (السنّة والشيعة) في الفترة الأخيرة باتجاه تعزيز الثقة بين الطائفتين، والتأكيد على المشتركات بينهما، ونبذ الجدل العقيم في المسائل الخلافية، وإيجاد فرص التقارب والتفاهم والحوار الإيجابي، بينما كنّا نتطلع إلى ذلك خصوصاً بعد أن تكلّلت تلك الجهود المباركة بنجاحات ملموسة في المجالات المذكورة، جاءت الحملة المسعورة للمؤسسات الدينية والسياسية المُشار إليها، لتتحدّث زيفاً باسم السنّة والجماعة، فتعمل عبر فضائياتها ومطبوعاتها على تأجيج الصراعات والفتن المذهبية، وتفجير الوضع الداخلي كمقدمة وتمهيد للغزو العسكري الصليبيّ الصهيونيّ للبلاد الإسلامية، وخلق الأرضية المناسبة له.
ثم تصاعد سُعُر هذه الحملة بعد الاحتلال البغيض،
بغية إلهاء المسلمين عن واجبهم في المقاومة والدفاع
عن بلدانهم ومقدّساتهم، وإهدار طاقاتهم، وتبديد جهودههم في ما لا مصلحة لهم فيه، فشحنوا الأذهان بالأفكار المتشددة، والصدور بالحقد والضغينة، والنفوس بروح الاعتداء والبطش بالآخرين، وأطلقوا ألسنتهم بالسبّ والشتم، والنبز بأشنع

صفحه 113
الألقاب، وبالتبديع والتكفير.
وقد خلق كل ذلك جوّاً من التوتر والتشنج والانفعال، اندفع فيه جماعة من الشباب المغرَّر بهم إلى قتل الأبرياء، وتفجير أنفسهم أو سياراتهم المفخّخة في أوساط الناس من المصلّين أو المتسوّقين أو الكادحين من أجل لقمة العيش، انطلاقاً من تصوّر مشوّه، ورؤية زائغة، وفكرة منحرفة، أُولئك (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(1).

1 . الأعراف: 53 .

صفحه 114
10

كيف نواجه هذه المخاطر؟

إنّ المسؤولية الشرعية والأخلاقية تحتمّ على المخلصين من علماء المسلمين ومفكريهم ومثقفيهم، وأُمتنا تتعرض لأخطار سعي محموم لخلق أجواء متشنّجة، وإشعال فتيل معارك جانبية، تحتّم عليهم العمل على مواجهة مخططات هذه الفرقة المتعصبة ومساعيها في تشتيت كلمة المسلمين، وتمزيق نسيجهم الاجتماعي، من خلال نشر فتاوى وبيانات التبديع والتكفير، وإثارة مشاعر العداء والبغضاء، والتحريض على التشدّد والعنف.
وأرجو أن تساهم الخطوات التالية في دفع هذه الأخطار، وصدّ ريحها الصفراء :
1. فضح القائمين على هذه الحملة المسعورة، الذين يرفعون أصواتهم باسم أهل السنة والجماعة، وهم غرباء عنهم، فقد مرّ بنا أنّ أتباع هذه الفرقة المستحدثة، قد تبنّوا آراء

صفحه 115
المتشددين في عهود التخلف والتعصب، وأفرطوا في ذلك، وذكرنا أمثلة من أعمالهم العدوانية ضد أتباع مذاهب السنة (وليس الشيعة والمعتزلة)، الفقهية منها والكلامية، كالشافعية والحنفية والأشعرية، بل خالفوا آراء أحمد بن حنبل، الّذي يدّعون الانتساب إليه، في العديد من مسائل الاعتقاد.
ومع أنّ جمعاً من علماء السنّة، قد صرّح بمخالفة فرقة الوهابية، والمتسمّين بالسلفية، لمذاهبهم المعروفة، فإنّ المصلحة الإسلامية تتطلّب صراحة أكثر، وصوتاً أعلى في فضح واستنكار ما يجري على تلك الأيدي الّتي تحمل لافتة أهل السنة والجماعة، ليخدعوا البسطاء من الناس، و (لِيُرْدُوهُمْ وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ)(1)، وليجعلوهم وقوداً لصراعات داخلية، الغالب والمغلوب فيها، كلاهما خاسران.
2. توعية المسلمين بالمخاطر الحقيقية الّتي تتهدّدهم، وبالمؤامرات الّتي تحاك من قبل قوى الشر والطغيان العالمية وفي مقدمتها الكيان الإرهابي الصهيوني، للنيل من مقدساتهم، وسحق قيمهم، وسلب إرادتهم، والتحكم بمقدّراتهم.
وينبغي في هذا المجال، ومن أجل تعميق الوعي بحقيقة

1 . الأنعام: 137 .

صفحه 116
الأعداء، إثارة تاريخ اليهود في العصور الماضية من خلال القرآن الكريم، وكتب السيرة النبوية، وفي العصور المتأخرة، للتعرّف على طبيعتهم الملتوية المتمردة، المجبولة على البغي والفساد والإفساد، وعلى أساليبهم الماكرة في التعامل مع الأُمم كافة لا سيما الأُمة الإسلامية، للوصول إلى أغراضهم الدنيئة في السيطرة على الاقتصاد العالمي، والتحكم بمقدرات البلاد، ونشر الفوضى والخراب والفساد.
وينبغي أيضاً إثارة تاريخ المستعمرين الطغاة في غزو البلاد الإسلامية عسكرياً وثقافياً، ونهب خيراتها، وتفريق كلمة أبنائها، كوسيلة للهدف المُعلن: (فرِّق تسد).
3. التعريف بالمصالح العليا للإسلام والمسلمين، وتحديد الأولويات من خلال دراسة الواقع، ورصد مظاهر التخلّف والانحراف فيه .
ولا شكّ في أنّ السعي الدائب للنهوض بواقعنا، والعمل الحثيث على الإصلاح وتقويم الانحراف فيه، سوف يستغرقان كلّ الوقت، ولا يدعان مجالاً للتفكير ـ فضلاً عن الإثارة والتهييج ـ في المسائل الثانوية، كمسائل الزيارة والتوسل والشفاعة، وغيرها من المسائل الّتي يعمل المتعصبون

صفحه 117
الجامدون على دفعها إلى الواجهة، وكأنّها أهم المسائل الّتي يجب التصدي لها ومواجهتها، في وقت يتخبّط فيه واقعنا في أزمات حادة، ومشاكل جمّة، تأتي في مقدمتها الهيمنة الغربية والصهيونية على بلادنا، وفساد الكثير من أنظمتنا الحاكمة، وتسلّط أجهزتها القمعية على الآمنين، والجرائم الاجتماعية كالقتل والاعتداء والتجاوز على حقوق الآخرين، ومظاهر الغشّ والرشوة والاحتكار والاستغلال، ومظاهر الفساد الاجتماعي والتحلل والميوعة وشرب الخمر وتناول المخدرات، وشيوع الأفلام والمسلسلات التمثيلية الماجنة، وغير ذلك كثير.
فهل فرغ هؤلاء المتشدّدون المفرّقون للكلمة من إصلاح هذا الواقع المأزوم، ومعالجة أدوائه وسلبياته؟ أو أنّ هناك أيد خفية شيطانية وراء هذا التحرّك غير المسؤول، بل المشبوه، لإبعاد الأُمة عن الاهتمام بقضاياها ومصالحها العليا؟
4. التأكيد على الأُصول المشتركة بين المذاهب الإسلامية، وعلى التعاون في المجالات الّتي هي محلّ اتفاق بينهم، وتعزيز الثقة وروح التسامح بين أتباعها، وتبصيرهم بمحاسن التآخي والتضامن والتآلف، ومساوئ التشاحن والتدابر والتقاطع، ومخاطر ذلك على السلم والأمن الاجتماعي،

صفحه 118
وعلى مشاريع التنمية والإعمار والبناء، الّتي تحقّق لأُمتنا الرقيّ والرفاه والازدهار.
***
(اَللّهُمَّ اِنّا نَرْغَبُ اِلَيْكَ في دَوْلَة كَريمَة،
تُعِزُّ بِهَا الاِْسْلامَ وَأَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا
النِّفاقَ وَأَهْلَهُ، وَتَجْعَلُنا فيها مِنَ
الدُّعاةِ اِلى طاعَتِكَ، وَالْقادَةِ
اِلى سَبيلِكَ، وَتَرْزُقُنا
بِها كَرامَةَ الدُّنْيا
وَالاْخِرَةِ).
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
28 شعبان المعظم من شهور
عام 1430 هـ

صفحه 119
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
المقدّمة: الوحدة الإسلامية الأُمنية الكبرى لزعماء الإصلاح   7
هل السلفية مذهب فقهي أو اتّجاه عَقَدي؟ وفيه فصول   11
1. السلف في اللغة   13
2. هل السلفية مذهب ؟   22
3. هل السلفية منهج فكري؟!   27
4. ثغرات في صفوف أهل الحديث   36
   العقيدة الطحاوية ثغرة ثانية   39
5. التغيير في عقيدة أهل الحديث   41
6. ظهور السلفية في مصر   49
   السلفية والأُخوان المسلمون   50
7. السلف في عصر النبوة   51

صفحه 120
الموضوع    الصفحة
   1. اختلافهم في أسرى بدر   51
   2. اختلافهم في صلح الحديبية   53
   3. الصيام في السفر   54
   4. اختلافهم في كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)   55
   5. الاختلاف في وفاة الرسول   56
   6. مأساة السقيفة   58
   7. اختلافهم في العقيدة والشريعة   65
8. الحكّام في خير القرون الثلاثة   68
9. أسئلة يطلب جوابها من السلفيين   92
   1. تناسي أهل البيت   92
   2. في حجية قول الصحابي   93
   3. هل القيد في قولهم السلف الصالح، توضيحي أو
         احترازي؟   94
   4. هل العقل حجة عند السلفية؟   107
   5. سلفية اليوم وتكفير المسلمين   110
   مخاطر تأجيج الصراعات الجانبية   111
10. كيف نواجه هذه المخاطر؟   114
فهرس الكتاب   119

صفحه 121