welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 2*
نویسنده :الشيخ حسن محمد مكي العاملي*

الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 2

محاضرات
الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني

الإلهيات
على هدى الكتاب والسُّنة والعقل

الجزء الثاني

بقلم

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


(2)

منشورات
المركز العالمي للدراسات الإسلامية
قم ـ ايران
ص ـ ب 439

اسم الكتاب: الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل ـ 2

المحاضر: الاستاذ آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم: الشيخ حسن محمّد مكي العاملي

الناشر: المركز العالمي للدراسات الإسلامية

الطبعة: الرابعة

المطبعة: مطبعة القدس

تاريخ الطبع: 1413 هـ . ق

النسخة: 3000

السعر: 3000 ريال

حقوق الطبع محفوظة للناشر


(3)


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم


(5)

الباب الرابع
الصفات السلبية

1ـ التوحيد

* التوحيد الذاتي: واحد لا ثاني له.

* التوحيد الذاتي: أحد لا جزء له.

* التوحيد في الصفات.

* التوحيد في الخالقية.

* التوحيد في الربوبية.

* التوحيد في الحاكمية.

* التوحيد في الطاعة.

* التوحيد في التشريع.

* التوحيد في العبادة.

* التوحيد في الشفاعة والمغفرة.

2ـ ليس بجسم ولا في جهة ولا محل ولا حالّ ولا متّحد.

3ـ ليس محلا للحوادث.

4ـ لا يقوم اللذة والألم بذاته.

5ـ امتناع رؤيته.

6ـ ليست حقيقته معلومة لغيره.


(6)


(7)

الصفات السلبية

جرت عادة الإلهيين على تقسيم صفات الله تعالى الذاتية إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية، وإن شئت قلت: صفات الجمال والإكرام، وصفات الجلال والتنزيه.

وتهدف الأُولى منها إلى توصيفه تعالى بما يعد كمالا للموصوف، وجمالا له، كالعلم والقدرة والحياة و الاختيار.

وتهدف الثانية إلى تنزيهه سبحانه عن النقص والعيب و قد تقدم منّا في أوائل البحث عن الصفات، أن مجموع صفاته الثبوتية ترجع إلى وصف واحد وهو كونه متّصفاً بكل كمال يعد كمالا للموجود، بما هو موجود. وأن ما يذكر في مقام العدّ من العلم والقدرة الخ... فهو من باب بيان المثال، ولا تنحصر بما عدّوه. كما أن مجموع الصفات السلبية التي ستتلى عليك إن شاء الله ترجع إلى أمر واحد وهو تنزيهه عن كل نقص و عيب. وما يذكر من تلك الصفات من نفى الشريك والتركيب الخ... فهو من باب المثال وإعطاء النموذج من تلك السُّلوب. وكأنّ المُوَحِّد لا يخرج عن إطار التوحيد حتى في مقام بيان صفاته، فيصفه بوصف واحد جامع لكل الكمالات، كما يسلب


(8)

عنه كل ما يتصور من النقص والعيب بسلب واحد جامع لجميع السلوب.

ثم إنَّ بعض المتكلمين أرجع صفاته الثبوتية إلى السلبيه أيضاً وقال إنَّ معنى قولنا إنه عالم، أنَّه ليس بجاهل. وإنه قادر، أنَّه ليس بعاجز، وكذا باقي الصفات. محتجاً بأن المعقول لنا من صفاته ليس إلاّ السلوب والإضافات. وأما كنه ذاته وصفاته فمحجوب عن نظر العقول، ولا يعلم ما هو إلاّ هو.

وهذا صحيح عند لحاظ عجز البشر عن معرفة الله سبحانه، ولكن إرجاع الصفات الثبوتية إلى السلبية على خلاف ما ورد في الذكر الحكيم فإنه سبحانه يصف نفسه بصفات ثبوتية، كما يصف نفسه بصفات سلبية.

يقول سبحانه: (هُوَ الله الذي لا إله إلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ الله عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ الله الخَالِقُ البَارئُ المُصَوِّرُ لهُ الأَسْماءُ الحُسْنَى)(1).

فإن بعض ما جاء في هاتين الآيتين وإن كان من صفات الفعل، غير أنَّ بعضها الآخر من صفات الذات، والكل نحو إثبات له سبحانه، وإرجاعها إلى السلوب لا يخلو من تَكَلُّف. نعم له سبحانه صفات سلبية بلا شك. ويكفي في ذلك قوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).(2)

فإذا وقفت على أنَّ الصفات السلبية ليس لها حد ولا عد مصداقاً، فلنشرع ببيان المصاديق البارزة منها، وأهمها مسألة نفي الشريك عنه و يعبّر عنها بالتوحيد.

* * *


1. سورة الحشر: الآيتان 23 ـ 24.
2. سورة الإخلاص: الآيتان 3 ـ 4.


(9)

الصفات السلبية

(1)
التوحيد

يحتل التوحيد، بمراتبه المختلفة، المكانة العليا في الشرائع السماوية، فإنَّ أتْباعها لا يختلفون في الصفات الثبوتية الذاتية اختلافاً بارزاً يُفَرِّقهم ويبددهم إلى مذاهب وطوائف، فإنَّ الكل يعتقد بعلم الإله وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات الكمالية، وإن اختلفوا في تفاصيلها، وأما الصفات السلبية التنزيهية فهي، بتمام معنى الكلمة، مفترق الطرق، منها تتكون المذاهب وتتشعب.

وهذه هي الديانات البَراهْمانِيّة والبُوذِيّة والهِنْدية والمجوسية والمسيحية ترجع أصول اختلافها إلى مسألة التوحيد بشعبه التي ستقف عليها، فليست الثنوية إلاّ وليدة رفض التوحيد عن معترك العقائد و الاعتقاد بإله غير واحد.

ولأجل ذلك يجب على الإلهي التركيز على الصفات السلبية أكثر من الثبوتية، وبين الصفات السلبية التركيز على التوحيد أكثر من غيره. ولأجل ذلك نرى أنَّه سبحانه يعرف هدف بعثة الأنبياء وإرسالهم، بالتركيز على صورة من صور التوحيد و هو التوحيد في العبادة: قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلّ أمّة رَسُولا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ).(1)


1. سورة النحل: الآية 36.


(10)

وعلى ضوء هذا الأصل،ترى البحث في المقام مترامي الأطراف، واسع النطاق، وقد فَصَّلنا ما يرجع إلى التوحيد عما يرجع إلى غيره من الصفات السلبية حتى يقف الباحث على شعب التوحيد وأصنافه مستمداً من الكتاب العزيز والأحاديث الإسلامية والعقل.

* * *


(11)

التوحيد في الذات

(1)
واحد: ليس له نظير ولا مثيل

إنَّ من أبرز صفاته تعالى أنّه واحد لا ثاني له، وهذا هو المصطلح عليه في ألْسِنَةِ المتكلمين بالتوحيد الذاتي، يهدفون به نفي أي مِثْل له. وربما يطلق التوحيد الذاتي على كونه سبحانه واحداً بمعنى أنَّه بسيط لاجزء له. ولأجل التفريق بين هذين التوحيدين الذاتيين يعبرون عن الأول، بالتوحيد الواحدي، مشيرين إلى أنه لا ثاني له، وعن الثاني بالتوحيد الأحدي، مشيرين به إلى أنّه تعالى لا جزء له. وقد أشار سبحانه اليهما في سورة (الإخلاص) فقال في صدر السورة (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ) هادفاً إلى أنه بسيط لاجزء له وقال في ختامها: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) بمعنى لا ثاني له وقد فسرت الآيتان على النحو الذي ذكرناه دفعاً للزوم التكرار. و نحن نبحث عن كل قسم من التوحيدين في فصل خاص، وهذا الفصل مختص بالقسم الأول منهما.

ثم إنّه ربما يستعمل في هذا المقام «نَفْيُ الشَّرِيك»، ولكنه أخص مما نتبنّاه، فإنه يهدف إلى تنزيهه سبحانه عن وجود شريك له في الخلق والتدبير والعبادة، مع أنَّ البحث أوسع من ذلك، لأنه مركز على أنَّه سبحانه واحد لا ثاني لا (يمتنع تَثَنّيه)، سواء أكان هناك خلق أم لا، أكان هناك تدبير أم


(12)

لا، أكانت هناك عبادة أم لا. والتوحيد في هذه المراحل الثلاث: الخلق والتدبير والعبادة، متأخر عن التوحيد الذاتي، بمعنى أن ذاته واحدة لا ثاني لها.

وقد استدل الإلهيون على توحيد وجوده ببراهين عقلية واضحة، كما أنّه تعالى وصف نفسه في الذكر الحكيم بهذا الوصف مقترناً بالبرهان العقلي ونحن نكتفي من البراهين بأخصرها و أوضحها ولا نستقصيها جميعاً، و نقدم البحث عن معنى كونه واحداً.

معنى كونه واحداً

الوحدة على قسمين:

1ـ الوحدة العددية، وهي عبارة عن كون شيء واقعاً تحت مفهوم عام وجد منه مصداق واحد، وذلك مثل مفهوم الشمس الذي هو مفهوم وسيع قابل للإنطباق على كثير، غير أنه لم يوجد في عالم الحسّ منه إلاّ مصداق واحد مع إمكان وجود مصاديق كثيرة له. وهذا هو المصطلح عليه بـ «الواحد العددي».

2ـ الوحدة الحقيقية، وهي عبارة عن كون الموجود لاثاني له، بمعنى أنه لا يقبل الاثنينية، ولا التَكَثّر ولا التكرر. وذلك كصرف الشيء المجرد عن كل خليط. مثلا: الوجود المطلق عن كل قيد، واحد بالوحدة الحقة، لأنّه لا ثاني له. لأَن المفروض ثانياً ـ بما أنه لا يتميز عن الأول ـ لا يمكن أن يعد شيئاً آخر، بل يرجع إلى الوجود الأَول.

وعلى ضوء ذلك، فالمراد من كون الشمس واحدة هو أنها واحدة لا اثنتان ولا ثلاث ولا... ولكن المراد، من كون الوجود المطلق، ـ منزهاً عن كل قيد ـ واحدٌ، أنه لا ثاني له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير، أي لا تتعقل له الإثينية والكثرة لأن ما فرضته ثانياً، بحكم أنه منزه عن كل قيد وخليط يكون مثل الأول، فلا يتميز ولا


(13)

يتشخص، فلا يكون متحققاً، لأن الكثرة رهن دخول شيء مغاير في حقيقة الشيء، مثلا: البياض بما هو بياض، لا يتصور له الاِثنينية، إلاّ إذا دخل فيه شيء غيره، كتعدد المحل، فيتعدد البياض، ولولا ذلك لصار البياض صرف الشيء، وهو غير قابل للكثرة. يقول الحكيم السَبْزَواري في هذا الصدد:

وَمَالَهُ تَكثُّرٌ قَدْ حَصَلا * فَفِيهِ ما سِواءُ قَدْ تَخَلّلا
إِنَّ الوُجُودَ مَا لَهُ مِنْ ثَان * لَيْسَ قُرىً وَراءَ عَبَّادانِ(1)

والمراد من كونه سبحانه واحداً، هو الواحد بالمعنى الثاني، أي ليس له ثان، ولا تتصور له الإثنينية والتعدد.

ولأجل ذلك يقول سبحانه في تبيين هذه الوحدة: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)، أي واحدٌ لا نظير له.

والعجب إنَّ الإمام أميرالمؤمنين علياً ـ عليه السَّلام ـ قام بتفسير كونه تعالى واحداً، عندما كان بريق السيوف يشد إليه العيون، وضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح في معركة (الجمل)، فأحس ـ عليه السَّلام ـ بأنَّ تحكيم العقيدة وصرف الوقت في تبيينها لا يقصر في الأَهمية عن خوض المعارك ضد أهل الباطل.

روى الصدوق أنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فقال: «يا أمير المؤمنين أتقول إنَّ الله واحد، قال فحمل الناس عليه، وقالوا: يا أعرابي أماترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب، فقال أمير المؤمنين: دعوه، فإنَّ الذي يريده الأَعرابي هو الذي نريده من القوم»... ثم قال شارحاً ما سأل عنه الأعرابي: «وقول القائل واحد، يقصد به باب الأَعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنَّ ما لا ثاني له، لا يدخل في باب الأعداد، أماترى أنَّه كفر من قال: «ثالث ثلاثة»».


1. شرح المنظومة، ص 333.


(14)

ثم قال: «معنى هو واحد: أنَّه ليس له في الأَشياء شَبَه، كذلك ربنا. وقول القائل إنه عز وجل أحَدِيُّ المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولاعقل ولاوهم، كذلك ربنا عز وجل»(1).

فالإمام ـ عليه السَّلام ـ لم يكتف ببيان المقصود من توصيفه سبحانه بأنه واحد، بل أشار إلى معنى آخر من معاني توحيده وهو كونه أحَدِىَّ الذات، الذي يهدف إلى كونه بسيطاً لا جزء له في الخارج والذهن. وهذا المعنى هو الذي نطرحه على بساط البحث في القسم الثاني من التوحيد الذاتي.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان البراهين العقلية على توحيده سبحانه بمعنى كونه واحداً لا ثاني له.

أدلة الوحدانية

1ـ التعدد يستلزم التركيب

لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، فلابد من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك، كما هو الحال في كل مِثْلين. وذلك يستلزم تركب كل منهما من شيئين: أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك، والآخر إلى ما به الامتياز. والمركب بما أنه محتاج إلى أجزائه لا يكون متصفاً بوجوب الوجود، بل يكون ـ لأجل الحاجة ـ ممكناً، وهو خلاف الفرض.

وباختصار، لو كان في الوجود واجبان للزم إمكانهما وذلك أنهما يشتركان في وجوب الوجود فإن لم يتميزا لم تحصل الإثنينية، وإن تميّزا لزم تركب كل واحد منهما مما به المشاركة و ما به الممايزة، وكل مركب ممكن، فيكونان ممكنين وهذا خلاف الفرض.


1. توحيد الصدوق، ص 83 ـ 84.


(15)

2ـ الوجود اللامتناهي لا يقبل التعدد

هذا البرهان مؤلف من صغرى و كبرى. والنتيجة هي وحدة الواجب وعدم إمكان تعدده. وإليك صورة القياس حتى نبرهن على كل من صغراه وكبراه.

وجود الواجب غير متناه.

وكل غير متناه واحد لا يقبل التعدد.

فالنتيجة: وجود الواجب واحدٌ لا يقبل التعدد.

وإليك البرهنة على كل من المقدمتين.

أما الصغرى: فإنَّ محدودية الموجود ملازمة لتَلَبُّسه بالعدم. ولأجل تقريب هذا المعنى، لاحظ الكتاب الموضوع بحجم خاص، فإنك إذا نظرت إلى أي طرف من أطرافه ترى أنه ينتهي إليه وينعدم بعده. ولا فرق في ذلك بين صغير الموجودات وكبيرها، حتى أنَّ جبال الهملايا مع عظمتها، محدودة لا نرى أي أثر للجبل بعد حده. وهذه خصيصة كل موجود متناه زماناً أو مكاناً او غير ذلك. فالمحدودية والتلبس بالعدم متلازمان.

وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذاته سبحانه محدودة، لأن لازم المحدودية الانعدام بعد الحد كما عرفت، وما هو كذلك لايكون حقاً مطلقاً مائة بالمائة، بل يلابسه الباطل والانعدام. مع أنَّ الله تعالى هو الحق المطلق الذي لا يدخله باطل. والقرآن الكريم يصف وجوده سبحانه بالحق المطلق وغيره بالباطل وما هذا إلا لأَن وجود غيره وجود متلبس بالعدم والفناء وأما وجود الله تعالى فطارد لكل عدم وبطلان. قال عَزّ مِنْ قائل: (ذَلِكَ بِأَنّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ).(1)

وبتقرير آخر: إنَّ عوامل المحدودية تتمحور في الأمور التالية:


1. سورة الحج: الآية 62.


(16)

1ـ كونُ الشيء محدوداً بالماهية ومزدوجاً بها. فإنها حد وجود الشيء. والوجود المطلق بلا ماهية غير محدَّد ولا مقيد. وإنما يتحدد بالماهية.

2ـ كون الشيء واقعاً في إطار الزمان، فهذا الكم المتصل (الزمان) يحدد وجود الشيء في زمان دون آخر.

3ـ كون الشيء في حيز المكان، وهو أيضاً يحدد وجود الشيء ويخصه بمكان دون آخر.

وغير ذلك من أسباب التحديد والتضييق. والله سبحانه وجود مطلق غير محدد بالماهية إذ لا ماهية له، كما سيوافيك البحث عنه. كما لا يحويه زمان ولا مكان. فتكون عوامل التناهي معدومة فيه، فلا يتصور لوجوده حد ولا قيد ولا يصح أن يوصف بكونه موجوداً في زمان دون آخر أو مكان دون آخر. بل وجوده أعلى وأنْبَل من أن يتحدّد بشيء من عوامل التناهي.

وأما الكبرى: فهي واضحة بأدنى تأمل، وذلك لأن فرض تعدد اللامتناهي يستلزم أن نعتبر كل واحد منهما متناهياً من بعض الجهات حتى يصح لنا أن نقول هذا غير ذاك. ولا يقال هذا إلاّ إذا كان كل واحد متميزاً عن الآخر، والتَّمُيّز يستلزم أن لا يوجد الأول حيث يوجد الثاني، وكذا العكس. وهذه هي «المحدودية» وعين «التناهي»، والمفروض أنه سبحانه غير محدود ولا متناه.

والله سبحانه لأجل كونه موجوداً غير محدود، يصف نفسه في الذكر الحكيم بـ (الوَاحِد القَهّار)(1). وما ذلك إلا لأَن المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فإِذا كان قاهراً من كل الجهات لم تتحكم فيه الحدود، فكأن اللامحدودية تلازم وصف القاهرية، وقد عرفت أنَّ


1. سورة الرعد: الآية 16.


(17)

ما لا حدّ له يكون واحداً لا يقبل التعدد. فقوله سبحانه، وهو الواحد القهار، من قبيل ذكر الشيء مع البينة والبرهان.

قال العلامة (الطباطبائي): «القرآن ينفي في تعاليمه الوحدة العددية عن الإِله جلَّ ذكره، فإِن هذه الوحدة لا تتم إلاّ بتميّز هذا الواحد، من ذلك الواحد، بالمحدودية التي تقهره. مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّغناه في أوان كثيرة يصير ماءُ كلّ إناء ماءً واحداً غير الماء الواحد الذي في الإِناء الآخر، وإِنما صار ماءً واحداً يتميّز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوباً عنه، غير مجتمع معه، وكذلك هذا الإنسان إنما صار إنساناً واحداً لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر، وهذا إنْ دلّ فإنما يدل على أنَّ الوحدة العددية إنما تتحقق بالمقهورية والمسلوبية أي قاهرية الحدود، فإذا كان سبحانه قاهراً غير مقهور وغالباً لا يغلبه شيء لم تتصور في حقه وحدة عددية، ولأجل ذلك نرى أنَّهُ سبحانه عندما يصف نفسه بالواحدية يتبعها بصفة القاهرية حتى تكون الثانية دليلا على الأُولى ـ قال سبحانه:

(ءاَرْبابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهّارُ)(1)، وقال: (وَمَا مِنْ اِله إلاّ اللّهُ الْواحِدُ القَهَّارُ)(2) وقال: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أنْ يَتّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفَى مما يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهّارُ)(3).

وباختصار: إنَّ كلا من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع، أو الوحدة النوعية كالإنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الأنواع الكثيرة، مقهور بالحد الذي يميز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله، فإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كل شيء فليس بمحدود في شيء، فهو موجود لا يشوبه عدم، وحق لا يعرضه بطلان، وحي لا يخالطه موت، وعليم لا يدبّ


1. سورة يوسف: الآية 39.
2. سورة ص: الآية 65.
3. سورة الزمر: الآية 4.


(18)

إليه جهل، وقادر لا يغلبه عجز، وعزيز لا يتطرق إليه ظلم، فله تعالى من كل كمال محضه».(1)

ومن عجيب البيان ما نقل عن الإِمام الثامن (علي بن موسى الرضا) ـ عليه السَّلام ـ في هذا المجال في خطبة ألقاها على جماعة من العلماء وقال في ضمن تحميده سبحانه:

(لَيْسَ لَهُ حَدٌّ ينتهي إلى حَدِّه، ولا له مِثْلٌ فيُعرَف مثله).(2)

ترى إِنَّ الإِمام ـ عليه السَّلام ـ بعدما نفى الحد عن الله، أتى بنفي المِثْل له سبحانه، لارتباط وملازمة بين اللامحدودية ونفي المثيل، والتقرير ما قد عرفت.

3ـ صِرف الوجود لا يتثنى ولا يتكرر

إِنَّ هذا البرهان مركب من صغرى وكبرى على الشكل التالي:

الله سبحانه وجود صِرْف.

وكل وجود صرف واحد لا يتثنّى ولا يتكرّر.

فالنتيجة: الله سبحانه واحدٌ لا يتثنِّى ولا يتكرَّر.

أما الصغرى فإليك بيانها:

أثبتت البراهين الفلسفية أنَّهُ سبحانه منزَّه عن الماهية التي تحد وجوده. وتحليله يحتاج إلى بيان دور الماهية في وجود الشيء فنقول: كل ما يقع في أُفق النظر من الموجودات الإمكانية فهو مؤلف من وجود هو رمز عينيته


1. الميزان، ج 6، ص 88 ـ 89 بتلخيص.
2. توحيد الصدوق، ص 33.


(19)

في الخارج، وماهية تحد الوجود وتبين مرتبته في عالم الشهود والخارج. مثلا: الزَّهرة الماثلة أمام أعيننا، لها وجود به تتمثل أمام نظرنا، ولها ماهية تحددها بحد النباتية، وتميزها عن الجماد والحيوان. ولأجل ذلك الحد نحكم عليها أنها قد ارتقت من عالم الجماد ولم تصل بعد إلى عالم الحيوان. وبذلك تعرف أن واقعية الماهية هي واقعية التحديد. هذا من جانب.

ومن جانب آخر، الماهية إذا لوحظت من حيث هي هي، فهي غير الوجود كما هي غير العدم. بشهادة أنها توصف بالأوّل تارة وبالثاني أُخرى ويقال: النبات موجود، كما يقال: غير موجود. وهذا يوضح أن مقام الحد والماهية مقام التخلية عن الوجود والعدم، بمعنى أن الإنسان عند النظر إلى ذات الشيء يراه عارياً عن كل من الوجود والعدم. ثم يصفه في الدرجة الثانية بأحدهما. وأما وجه كون الشيء في مقام الذات غير موجود ولا معدوم فلأجل أنه لو كان في مقام الذات والماهية موجوداً ـ سواء أكان الوجود جُزْءَه أو عَيْنه ـ يكون الوجود نابعاً من ذاته، وما هذا شأنه يكون واجب الوجود، يمتنع عروض العدم عليه، كما أنه لو كان في ذلك المقام معدوماً ـ سواء أكان العدم جزءه أو عينه ـ يكون العدم نفس ذاته، وما هذا شأنه يمتنع عليه عروض الوجود. فلأجل تصحيح عروض كل من الوجود والعدم لا مناص عن كون الشيء في مقام الذات خالياً عن كلا الأمرين حتى يصح كونه معروضاً لأحدهما. وإلى هذا يهدف قول الفلاسفة: «الماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة». ومع هذا كلِّه فهي في الخارج لا تخلو إما أنْ تكون موجودة أو معدومة. فالنبات والحيوان والإنسان في خارج الذهن لا تفارق أحد الوصفين. وبهذا تبين أنَّ اتصاف الماهية بأحد الأَمرين يتوقف على علة، لكن اتصافها بالوجود يتوقف على علة موجودة، ويكفي في اتصافها بالعدم، عدم العلة الموجودة. فاتصاف الماهيات بالأَعدام الأزلية


(20)

خفيف المؤونة، بخلاف اتصافها بالوجود فإنه رهن وجود علة حقيقية خارجية.

وعلى ضوء هذا البيان يتضح أنه سبحانه منزَّهٌ عن التحديد والماهية وإلاّ لزم أنْ يحتاج في اتصاف ماهيته بالوجود إلى علة.(1) و ما هذا شأنه لا يكون واجباً بل يكون ممكناً. وهذا يجرّنا إلى القول بأنَّه سبحانه صرف الوجود المنزه عن كل حد.

وأما الكبرى فإليك بيانها:

إن كل حقيقة من الحقائق إذا تجردت عن أي خليط وصارت صِرفَ الشيء لا يمكن أن تتثنّى وتتعدد، من غير فرق بين أن تكون صِرفَ الوجود أو تكون وجوداً مقروناً بالماهية كالماء والتراب وغيرهما. فإنَّ كل واحد منها إذا لوحظ بما هو هو عارياً عن كل شيء سواه لا يتكرر ولا يتعد. فالماء بما هو ماء، لا يتصور له التعدد إلاّ إذا تعدد ظرفه أو زمانه أو غير ذلك من عوامل التعدد والتميز.

فالماء الصرف والبياض الصرف والسواد الصرف، و كل شيء صرف، في هذا الأمر سواسية. فالتعدد وإلاثنَيْنِيّة رهن اختلاط الشيء مع غيره.

وعلى هذا، فإذا كان سبحانه ـ بحكم أنه لا ماهية له ـ وجوداً صِرفاً، لا يتطرق إليه التعدد، لأنه فرع التميز، والتميز فرع وجود غَيْرِيّة فيه، والمفروض خُلُوّه عن كل مغاير سواه، فالوجود المطلق والتحقق بلا لون ولا تحديد، والعاري عن كل خصوصية ومغايرة، كلما فرضْتَ له ثانياً يكون


1. وهنا يبحث عن العلة ماهي؟ أهي نفس الوجود العارض على الماهية أو وجود آخر. فإن كان الأول لزم الدور، وإن كان الثاني لزم التسلسل. والتفصيل يؤخذ من محله. لاحظ الأسفار، ج 1، فصل في أنه سبحانه صِرْف الوجود.


(21)

نفس الأول، لا شيئاً غيره، فالله سبحانه، بحكم الصغرى صِرف الوجود، والصِرف لا يتعدد ولا يتثنَّى. فينتج أنَّ الله سبحانه واحدٌ لا يتثنَّى ولا يتعدّد.

* * *

خرافة التثليث: الأب والابن وروح القدس

قلّما نجد عقيدة في العالم تعاني من الإبهام والغموض كما تعاني منها عقيدة التثليث في المسيحية.

إنَّ كلمات المسيحيين في كتبهم الكلامية تحكي عن أنَّ الاعتقاد بالتثليث من المسائل الأَساسية التي تبنى عليها عقيدتهم، ولا مناص لأي مسيحي من الاعتقاد به. وفي الوقت نفسه يعتقدون بأنه من المسائل التعبدية التي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي، لأن التصورات البشرية لا تستطيع أن تصل إلى فَهْمِه، كما أن المقاييس التى تنبع من العالم المادي تمنع من إدراك حقيقة التثليث، لأن حقيقته حسب زعمهم فوق المقاييس المادية.

هذا ومع تركيزهم على التثليث في جميع أدوارهم وعصورهم يعتبرون أنفسهم موحدين غير مشركين، وأنَّ الإله في عين كونه واحداً ثلاثة، ومع كونه ثلاثة واحدٌ أيضاً. وقد عجزوا عن تفسير الجمع بين هذين النقيضين، الذي تشهد بداهة العقل على بطلانه وأقصى ما عندهم ما يلي:

إنَّ تجارب البشر مقصورة على المحدود، فإذا قال الله بأنَّ طبيعته غير محدودة تتأَلف من ثلاثة أشخاص، لزم قبول ذلك، إذ لا مجال للمناقشة في ذلك وإنْ لم يكن هناك أي مقياس لمعرفة معناه. بل يكفي في ذلك ورود الوحي به، وأنَّ هؤلاء الثلاثة يشكلون بصورة جماعية «الطبيعة الإلهية اللامحدودة» وكل واحد منهم في عين تشخصه وتميزه عن الآخرين، ليس بمنفصل ولا متميز عنهم، رغم أنه ليست بينهم أية شركة في الأُلوهية، بل


(22)

كل واحد منهم إله مستقل بذاته ومالك بانفراده لكامل الأُلوهية، فالأب مالك بانفراده لتمام الألوهية وكاملها، من دون نقصان. والإبن كذلك مالك بانفراده لتمام الأُلوهية، وروح القدس هو أيضاً مالك بانفراده لكمال الأُلوهية، وأنَّ الألوهية في كل واحد متحققة بتمامها دون نقصان.

هذه العبارات وما يشابهها توحي بأنهم يعتبرون مسألة التثليث فوق الاستدلال والبرهنة العقلية، وأنها بالتالي: «منطقة محرمة على العقل»، فلا يصل إليها العقل بجناح الاستدلال. بل المستند في ذلك هو الوحي والنقل.

ويلاحظ عليه أوّلا: وجود التناقض الواضح في هذا التوجيه الذي تلوكه أشداق البطاركة ومن فوقهم أو دونهم من القسيسين. إذ من جانب يعرّفون كل واحد من الآلهة الثلاثة بأنه متشخص ومتميز عن البقية، وفي الوقت نفسه يعتبرون الجميع واحداً حقيقة لا مجازاً. أفيمكن الاعتقاد بشيء يضاد بداهة العقل، فإنَّ التَمَيّز والتشخص آية التعدد، والوحدة الحقيقية آية رفعهما، فكيف يجتمعان؟.

وباختصار، إن «البابا» وأنصاره وأعوانه لا مناص أمامهم إلاّ الانسلاك في أحد الصفين التاليين: صف التوحيد وأنّه لا إله إلاّ إله واحد، فيجب رفض التثليث، أو صَفّ الشرك والأَخذ بالتثليث ورفض التوحيد. ولا يمكن الجمع بينهما.

ثانياً: إنّ عالم ما وراء الطبيعة وإن كان لا يقاس بالأُمور المادية المألوفة، لكن ليس معناه أنَّ ذلك العالم فوضوي، وغير خاضع للمعايير العقلية البحتة، وذلك لأن هناك سلسلة من القضايا العقلية التي لا تقبل النقاش والجدل، وعالم المادة وما وراءه بالنسبة إليها سيان، ومسألة امتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما واستحالة الدور والتسلسل وحاجة


(23)

الممكن إلى العلة، من تلك القواعد العامة السائدة على عالَمَي المادة والمعنى.

فإذا بطلت مسألة التثليث في ضوء العقل فلا مجال للاعتقاد بها. وأما الاستدلال عليها من طريق الأناجيل الرائجة فمردود بأنها ليست كتباً سماوية، بل تدل طريقة كتابتها على أن ألّفت بعد رفع المسيح إلى الله سبحانه أو بعد صلبه على زعم المسيحيين. والشاهد أنه وردت في آخر الأناجيل الأربعة كيفية صلبه ودفنه ثم عروجه إلى السماء.

ثالثاً: إنهم يعرّفون الثالوث المقدس بقولهم: «الطبيعة الإلهية تتألف من ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر، أي الأب والابن وروح القدس، والأب هو خالق جميع الكائنات بواسطة الابن، والابن هو الفادي، وروح القدس هو المطهر. وهذه الأَقانيم الثلاثة مع ذلك، ذات رتبة واحدة وعمل واحد».

فنسأل: ما هو مقصودكم من الآلهة الثلاثة فإن لها صورتين لا تناسب أيّة واحدة منهما ساحته سبحانه:

1ـ أن يكون لكل واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجودٌ مستقلٌ عن الآخر بحيث يظهر كل واحد منها في تَشَخّص ووجود خاص، ويكون لكل واحد من هذه الأقانيم أصل مستقل وشخصية خاصة متميزة عما سواها.

لكن هذا شبيه الشرك الجاهلي الذي كان سائداً في عصر الجاهلية وقد تجلى في النصرانية بصورة التثليث. وقد وافتك أدلة وحدانية الله سبحانه.

2ـ أنْ تكون الأقانيم الثلاثة موجودة بوجود واحد، فيكون الإله هو المركب من هذه الأمور الثلاثة وهذا هو القول بالتركيب وسيوافيك أنه سبحانه بسيط غير مركب. لأن المركب يحتاج في تحققه إلى أجزائه، والمحتاج ممكن غير واجب.


(24)

هذه هي الإشكالات الأَساسية المتوجهة إلى القول بالتثليث.

تسرّب خرافة التثليث إلى النصرانية

إنَّ التاريخ البشري يرينا أنه طالما عمد بعض أتباع الأنبياء ـ بعد وفاة الأنبياء أو خلال غيابهم ـ إلى الشرك والوثنية، تحت تأثير المضلين. وبذلك كانوا ينحرفون عن جادّة التوحيد الذي كان الهدف الأساسي والغاية القصوى لبعثهم. إنَّ عبادة بني إسرائيل للعجل في غياب موسى ـ عليه السَّلام ـ ، أفضل نموذج لما ذكرناه، وهو مما أثبته القرآن والتاريخ. وعلى هذا فلا داعي إلى العجب إذا رأينا تسرب خرافة التثليث إلى العقيدة النصراينة بعد ذهاب السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ وغيابه عن أتباعه.

إنّ تقادم الزمن رسّخ موضوع التثليث وعمّقه في قلوب النصارى وعقولهم، بحيث لم يستطع أكبر مصلح مسيحي ـ أعني: لوثر ـ الذي هذب العقائد المسيحية من كثير من الأساطير والخرافات، وأسس المذهب البروتستانتي، أن يبعد مذهبه عن هذه الخرافة.

إنَّ القرآن الكريم يصرح بأن التثليث دخل النصرانية بعد رفع المسيح من المذاهب السابقة عليها، حيث يقول تعالى: (وَقَالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلكَ قَوْلُهُمْ بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ).(1)

لقد أثبتت الأبحاث التاريخية أنَّ هذا التثليث كان في الديانة البَرَهْمانية قبل ميلاد السيد المسيح بمئات السنين. فقد تجلى الرب الأزلي الأبدي لديهم في ثلاثة مظاهر وآلهة:


1. سورة التوبة: الآية 30.


(25)

1ـ بَرَاهما (الخالق).

2ـ فيشنو (الواقي).

3ـ سيفا (الهادم).

وقد تسربت من هذه الديانة البراهمانية إلى الديانة الهندوكية، ويوضح الهندوس هذه الأمور الثلاثة في كتبهم الدينية على النحو التالي.

«براهما» هو المبتدئ بإِيجاد الخلق، وهو دائماً الخالق اللاهوتي، ويسمّى بالأب.

«فيشنو» هو الواقي الذي يسمى عند الهندوكيين بالابن الذي جاء من قبل أبيه.

«سيفا» هو المُفْنِي الهادم المعيد للكون إلى سيرته الأولى.

وبذلك يظهر قوة ما ذكره الفيلسوف الفرنسي «غستاف لوبون» قال: «لقد واصلت المسيحية تطورها في القرون الخمسة الأُولى من حياتها، مع أخذ ما تيسر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية، وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات المصرية والإِيرانية التي انتشرت في المناطق الأوروبية حوالي القرن الأول الميلادي، فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوناً من الأب والإِبن وروح القدس، مكان التثليث القديم المكون من «نروبى تر» و «وزنون» و «نرو».(1)

القرآن و نفي التثليث

إنَّ القرآن الكريم يذكر التثليث ويبطله بأوضح البراهين وأَجلاها، يقول: (مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ


1. قصة الحضارة.


(26)

صِدِّيقَةٌ كانا يَأكُلانِ الطَّعامَ).(1) وهذه الآية تبطل ألوهية المسيح وأُمه، التي كانت معرضاً لهذه الفكرة الباطلة، بحجة أن شأن المسيح شأنُ بقية الأنبياء وشأن الأم شأن بقية الناس، يأكلان الطعام. فليس بين المسيح وأُمه، وبين غيرهما من الأنبياء والرسل وسائر الناس أي فرق وتفاوت، فالكل كانوا يأكلون عندما يجوعون ويتناولون الطعام كلما أحسوا بالحاجة إليه. وهذا العمل منضماً إلى الحاجة إلى الطعام، آية المخلوقية.

ولا يقتصر القرآن على هذا البرهان، بل يستدل على نفي ألوهية المسيح بطريق آخر، وهو قدرته سبحانه على إهلاك المسيح وأُمّه ومن في الأرض جميعاً، والقابل للهلاك لا يكون إلهاً واجب الوجود.

يقول سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إنّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إنْ أرَادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ في الأَرضِ جَمِيعاً).(2) وفي هذه الآية وردت ألوهية المسيح وأبطلت من طريق قدرته سبحانه على إهلاكه، ويظهر من سائر الآيات أنَّ ألوهيته كانت مطروحة بصورة التثليث، قال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ اِله إلاّ إلهٌ واحِدٌ).(3)

وعلى كل تقدير، فقدرته سبحانه على إهلاك المسيح ـ عليه السَّلام ـ أدل دليل على كونه بشراً ضعيفاً، وعدم كونه إلهاً، سواء أطرح بصورة التثليث أم غيره.

ثم إنَّ القرآن الكريم كما يُفَنّد مزعمة كون عيسى بن مريم إلهاً ابناً لله في الآيات المتقدمة، يرد استحالة الابن عليه تعالى أيضاً على وجه الإِطلاق


1. سورة المائدة: الآية 75.
2. سورة المائدة: الآية 17.
3. سورة المائدة: الآية 73.


(27)

سواء أكان عيسى هو الابن أو غيره، بالبيانات التالية:

1ـ إنَّ حقيقة النبوة هو أن يجزّئ واحد من الموجودات الحيّة شيئاً من نفسه ثم يجعله بالتربية التدريجية فرداً آخر من نوعه مماثلا لنفسه يترتب عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على الأصل. كالحيوان يفصل من نفسه النطفة ثم يأخذ في تربيتها حتى تصير حيواناً. ومن المعلوم أنه محال في الله سبحانه، لاستلزامه كونه سبحانه جسماً مادياً له الحركة والزمان والمكان والتركب.(1)

2ـ إنَّه سبحانه، لإطلاق ألوهيته وخالقيته وربوبيته على ما سواه، يكون هو القائم بالنفس وغيره قائماً به، فكيف يمكن فرض شيء غيره يكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له سبحانه من غير افتقار اليه؟

3ـ إن تجويز الاستيلاد عليه سبحانه يسلتزم جواز الفعل التدريجي عليه وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة والحركة، وهو خلف، بل يقع ما شاء دفعة واحدة من غير مهلة ولا تدريج.

والدقة في الآيتين التاليتين تفيد كل ما ذكرنا، قال سبحانه:

(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا في السَّمواتِ والأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمواتِ والأَرضِ وَإذا قَضَى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(2)

فقوله: (سبحانه)، إشاة إلى الأمر الأول.

وقوله: (له ما في السموات والأرض كل له قانتون)، إشارة إلى الأمر الثاني.


1. ستوافيك أدلة استحالة كونه جسماً أو جسمانياً وما يستتبعانه من الزمان والمكان والحركة.
2. سورة البقرة: الآيتان 116 ـ 117.


(28)

وقوله: (بديع السموات والأرض إذا قضى...)، إشارة إلى الأمر الثالث.(1)

إنَّ القرآن الكريم يفند مزعمة «التثليث» ببراهين عقلية أُخرى، فمن أراد الوقوف على الآيات الواردة في هذا المجال وتفسيرها، فليرجع إلى الموسوعات القرآنية.(2)


1. لاحظ (الميزان)، ج 3، ص 287.
2. لاحظ ما ذكره الأُستا دام حفظه في موسوعته القرآنية (مفاهيم القرآن)، ج 1، ص 264 ـ 272.


(29)

التوحيد في الذات

(2)
أحد: بسيط لا جزء له خارجاً ولا ذهناً

قد عرفت أن التوحيد الذاتي يفسر بمعنيين:

الأول: إِنَّه واحد لا مثل له،

والثاني: إنه أحد لا جزء له، ويعبر عن الأول بالتوحيد الواحدي وعن الثاني بالتوحيد الأحدي، وقد عرفت دلائل التوحيد بالمعنى الأول، وإليك البحث في المعنى الثاني فنقول:

التركيب يتصور على قسمين:

الأوّل: التركيب الخارجي، كتركيب الشَّيء من أجزاء خارجيَّة، من عناصر مختلفة كالعناصر المعدنية والمركبات الكيميائية. وهذا القسم من التركيب مستحيل عليه سبحانه، لأن الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره معلول له ولا يوصف بوجوب الوجود والألوهية، هذا.

مضافاً إلى أنّ الأجزاء المؤلَّفة للذات الإِلهية، إما أنْ تكون «واجبة الوجود» فيعود إلى تعدد الآلهة وتكثر واجب الوجود، وقد فرغنا عن امتناعه أو تكون ممكنة الوجود، وفي هذه الصورة تكون نفس تلك الأجزاء محتاجة إلى غيرها، ويكون معنى هذا أنَّ ما فرضناه «إلهاً واجب الوجود» معلول


(30)

لأُمور ممكنة هي في حدّ نفسها معلولة لموجود أعلى، وهذا أمر محال.

الثاني: التركيب العقلي، والمراد منه هو كون الشيء بسيطاً خارجاً ولكنه ينحل عند العقل إلى شيئين وهذا كالجنس والفصل وما يقوم مقامهما، فإن وزان الجنس عند العقل غير وزان الفصل فواقع الإِنسانية وإن كان شيئاً واحداً في الخارج، لكنه ينحل في العقل إلى ما به الاشتراك وهو الحيوانية، وما به الامتياز وهو الناطقية.

وهناك قسم آخر من التركيب العقلي أدق من تركب الشيء من جنسه وفصله، وهو كون كل ممكن مركباً من وجود وماهية حتى اشتهر قولهم: «كل ممكن زوج تركيبي له ماهية ووجود». وهذه الكلمة لا تعني أنَّ هناك شيئاً يقابل الوجود وشيئاً آخر يقابل الماهية، بل ليس في الخارج إلاّ شيء واحدٌ وهو الوجود، ولكن الماهية تبين مرتبته الوجودية كالجماد والنبات والحيوان وغيرها كما أن الوجود يحكي عن عينيته الخارجية التي تطرد العدم.

والتركيب في هذا القسم أدقّ من التركيب في القسم السابق أي تركب الشيء من جنسه وفصله ومع ذلك كله فهذا النوع من التركيب محال عليه سبحانه، إذ لو كان له ماهية، وشأن الماهية في حد ذاتها أن تكون عارية عن الوجود والعدم، قابلة لعروضهما، فعندئذ يطرح السؤال نفسه: ما هي العلّة التي أفاضت عليها الوجود؟ والمحتاج إلى شيء آخر يفيض الوجود على ماهيته يكون ممكناً لا واجباً. ولأجل ذلك ذهب الحكماء من الإِلهيين إلى بساطة ذاته و تنزيهه عن أي تركيب خارجي أو عقلي وبالتالي كونه منزهاً عن الماهية.

ثم إنَّ ما جاء في صدر سورة التوحيد يمكن أن يكون دالا على هذا النوع من التوحيد، قال سبحانه:


(31)

(قُلْ هُوَ الله أحَدٌ)(1) فهو يقصد ردّ التثليث التركيبي الذي تتبنّاه النصارى أو ما يماثل ذلك التركيب.

والدليل على ذلك هو أنَّه لو كان المقصود من توصيفه بـ «أحد» غير البساطة للزم التّكرار بلا جهة لتعقيبه ذلك بقوله في ذيل السورة: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) فصدر السورة ناظر إلى التوحيد بمعنى البساطة، كما أنَّ ذيلها ناظر إلى التوحيد بمعنى نفي الشيء والنظير له، ويتضح ذلك إذا وقفنا على أن السورة برمتها نزلت في رد عقائد المسيحيين، وإن لم يرد ذكرهم بالاسم.

وبذلك تقف على قيمة كلمة قالها الإمام الطاهر علي بن الحسين السجاد ـ عليه السَّلام ـ : «إنَّ الله عَزّ وجلّ عَلِمَ أنه يكون في آخر الزمان أقوامٌ مُتَعَمِّقون، فأنزل الله عز وجل (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ الله الصَّمَدُ)والآيات من سورة الحديد... إلى قوله: (وَهُوَ عَلِيْمٌ بِذَاتِ الصُّدُور)، فمن رام ما وراء هنالك هلك».(2)

وهناك حديث بديع عن أميرالمومنين ـ عليه السَّلام ـ يشير فيه إلى كلا التوحيدين أي كونه واحداً لا مثيل له، وواحداً لا جزء له، قال ـ عليه السَّلام ـ : «وَأَمَّا الوَجْهانِ اللّذانِ يَثْبُتانِ فِيهِ فَقَوْلُ القائِل:

1ـ هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ في الأشياء شَبَهٌ.

2ـ إِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أَحَدِيُّ المَعْنى: لا يَنْقَسِمُ في وُجود ولا عَقْل ولا وَهَم».(3)


1. سورة الإخلاص: الآية 1.
2. توحيد الصدوق، ص 283 ـ 284، طبعة الغفاري.
3. توحيد الصدوق، ص 83 ـ 84، وهذه المفاهيم العالية الواردة في هذه الأحاديث آية كون العترة الطاهرة وارثة لعلوم النبي الأكرم وكونهم خلفاءه في الأرض.


(32)

ثم إن هناك قسماً ثالثاً من التركيب أوجد باختلاف الآراء منه فرقاً ومناهج فكرية عديدة وهو زيادة صفاته على ذاته وهو ما نطرحه في القسم الثالث ـ التالي ـ من أقسام التوحيد.

* * *


(33)

التوحيد في الصفات

(3)
صفاته عين ذاته

اتَّفق الإلهيون على كونه تعالى متصفاً بصفات الكمال والجمال، من العلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات الذاتيَّة، ولكنهم اختلفوا في كيفية إجرائها عليه سبحانه على أقوال:

الأوّل: نظرية المعتزلة

إنَّ كيفية إجراء صفاته سبحانه على ذاته أوجد هوَّة سحيقة بين المعتزلة والأشاعرة فمشايخ الاعتزال ـ لأجل حفظ توحيده سبحانه وتنزيهه عن التركيب من الذات والصفات ـ ذهبوا إلى أنَّ ملاك إجراء هذه الصفات و الذات وليست هناك أية واقعية للصفات سوى ذاته.

توضيحه: إنَّ حقيقة نظرية المعتزلة هي نظرية نيابة الذات عن الصفات من دون أن يكون هناك صفة وذلك لأنهم رأوا أنَّ الأمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورين:

أولّهما: إنَّا لو قلنا بأنَّ له سبحانه صفات كالعلم، وجب الاعتراف بأنَّ هناك ذاتاً وصفة، لأنَّ واقعية الصّفة هي مغايرتها للموصوف، ولا يمكن أنْ


(34)

يكون هنا صفة ولا تكون غير الموصوف، فعندئذ يلزم التركّب فيه سبحانه من ذات وصفة، وهو محال.

وثانيهما: إنَّ نفي العلم والقدرة وسائر الصفات الكمالية عنه سبحانه يستلزم النقص في ذاته أولا، ويُكَذِّبُه إتقان آثاره وأفعاله ثانياً.

فالمَخْلَص والمَفَرّ من هذين المحذورين، انتخاب نظرية النيابة، وهي أنْ نقول بنيابة الذات مناب الصفات، وإنْ لم يكُن هناك واقعية للصفات وراء الذات.

هذا هو المشهور عن المعتزلة وممن صرح به منهم عبّاد بن سليمان قال: «هو عالمٌ، قادرٌ، حىٌّ، ولا أُثبت له علماً، ولا قدرة ولا حياة ولا أُثبتُ سمعاً ولا أُثبت بصراً، وأقول هو عالمٌ لا بعلم، وقادر لا بقدرة، وحيٌّ لا بحياة، وسميع لا بسمع، وكذلك سائر ما يُسَمّى من الأسماء التي يُسَمَّى بها»(1).

يلاحظ عليه ـ أولا: إنَّه لم يتحقق أنَّ ما ذكر من قضية النيابة رأي جميع المعتزلة بل إن هناك جماعة منهم يذهبون إلى ما هو المختار عند الإِمامية من عينية صفاته مع ذاته بمعنى أنَّ الذّات هي نفس العلم والقدرة والحياة لا أنها خالية عن الصفات تنوب منابها.(2)

وثانياً: إنَّ المعتزلة يتصورون أنَّ حقيقة الصفة ترجع إلى أمر زائد على الذات، ولا يتصور كون الشيء وصفاً مع كونه نفس الذات وعينها وما ذلك إلا لملاحظة الصفة في الموجودات الإمكانية فالعلم في الإنسان وصف وهو غير الذات، كما أنَّ القدرة كذلك، فاتخذوه ضابطة كلية حتى في مقام


1. مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 225.
2. قد جمع الأُستاذ دام حفظه كلمات المعتزلة في هذا المقام في محاضراته القيمة في الملل والنحل، ج 2 الفصل السادس عند البحث عن كون علمه زائداً على الذات أو لا.


(35)

الذات الإلهية، فجعلواكون الشيء وصفاً ملازماً للزيادة وعارضاً على الذات، فوقعوا في محذور خاص وهو أنَّ إثبات الصفات يستلزم تركب الذات من ذات ووصف أولا، وخلو الذات عن الكمال ثانياً، كما تقدم في كلامهم، ولأجل رفع هذين المحذورين ذهبوا إلى نفي الصفات وقيام الذات منابها.

ولكنهم لو وقفوا على أنَّ ما اتخذوه ضابطة (كون الصفة غير الذات) ليس ضابطة كلية وإنما يختص ببعض الموجودات الإمكانية، لوقفوا على أنَّ من الممكن أنْ تبلغ الذات في الكمال والجمال مرتبة عالية تكون نفس العلم والانكشاف ونفس القدرة والحياة، ولم يدل دليل على أنَّ الصفة في جميع المراتب عَرَضٌ قائمٌ بالذات بل لهذه الأوصاف عَرْضٌ عريضٌ ومراتب متفاوتة. ففي مرتبة يكون العلم عَرَضاً، كما في علمنا بالأشياء الخارجية، وفي مرتبة يكون جوهراً كما في علمنا بأنفسنا، وفي مرتبة يكون واجباً نفس الذات كما سيوافيك بيانه، وعدم إطلاق الصفة على مثل هذا العلم لغةً، لا يضرنا لأن الحقائق لا تقتنص عن طريق اللّغة. ولو كان الداعي إلى القول بالنيابة هو التحفظ على التوحيد وبساطة الذات، فالتوحيد ليس رهن القول بها فقط، بل هو كما يحصل بها، يحصل بالقول الآخر الذي يتضمن عينية الصفات والذات، مع الاعتراف بواقعية الصفة فيها وبذلك يتميز عن القول بالنيابة.

الثاني: نظرية الأشاعرة

إنَّ الأشاعرة ذهبت إلى وجود صفات كمالية زائدة عى ذاته سبحانه مفهوماً ومصداقاً، فلا تعدو صفاته صفات المخلوقين إلاّ في القدم والحدوث فالصفات في الواجب والممكن زائدة على الذات غير أن صفات الأول قديمة وفي غيره حادثة.


(36)

واستدل عليه الأشعري في «اللّمع» و «الإبانة» بوجهين:

الوجه الأول: إنَّ كونه سبحانه عالماً بعلم، لا يخلو عن صورتين:

1ـ أنْ يكون عالماً بنفسه.

2ـ أنْ يكون عالماً بعلم يستحيل أنْ يكون هو نفسه.

فإنْ كان الأول، كانت نفسه علماً، ويستحيل أنْ يكون العلم عالماً، أو العالم علماً. ومن المعلوم أنَّ الله عالمٌ. ومن قال إنَّ علمه نفس ذاته، لا يصح له أنْ يقول إنَّه عالمٌ، فإذا بطل هذا الشق، تعين الشق الثاني، وهو أنه يعلم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه(1).

وصُلْبُ البرهان يرجع إلى أنَّ واقعية الصفة هي البينونة، فيجب أنْ يكون هناك ذات وعَرَضٌ، ينتزع من اتّصاف الذات بالعَرَض عنوان العالم والقادر. فالعالم من له العلم، والقادر من له القدرة، لا مَنْ ذاته نفسهما فيجب أنْ نفترض ذاتاً غير الوصف.

يلاحظ عليه: بأنَّه لم يدل دليل على أنّ الصفة يجب أنْ تكون مغايرة للموصوف، وإنما هو أمرٌ سائد في الممكنات، فإنَّ العلم في الإنسان ليس ذاته، بشهادة أنَّه قد كان، ولم يكن عالماً، ولكن يمكن أن تبلغ الذات في الكمال والجمال مرتبة تكون نَفْسَ العلم ونَفْسَ القدرة من دون أن يكون العلم أو القدرة زائدين عليها. والقول بأنَّ واقعية الصفة مغايرتُها للموصوف ما هو إلاّ نتيجة ما اعتدنا عليه من ممارسة الممكنات العالمة والأُنس بها، فإنَّ الصفة فيها عرَضٌ والموصوف معروض، والعَرَضُ غير المعروض ولكن لا غرو في أن يكون هناك علم قائم بالذات، وقدرة قائمة بنفسها من دون أن تكون عَرَضاً. نعم، تصور ذلك لمن يمارس الأُمور الممكنة ولا يجرّد نفسه عن هذا المضيق أمرٌ مشكل.


1. اللمع، ص 30.


(37)

وعلى ذلك فالعلم عَرَضٌ في بعض مراتبه، وغيره في المراتب العليا، ومثله القدرة. وكون لفظ العالم موضوعاً لمن يكون علمه غير ذاته لا يكون دليلا على أنَّه سبحانه كذلك. فإذا قام الدليل على عينية صفاته لذاته كان إطلاق العالِم عليه سبحانه بمِلاك غير إطلاقه على الممكنات.

الوجه الثاني: لو كان علمه سبحانه عين ذاته، لصح أنْ نقول: «يا علم الله اغفر لي وارحمني».(1)

ويلاحظ عليه: إنَّ الشيخ لم يشخّص محل البحث، فإنَّ القائل بالوحدة لا يقول بوحدة الذات والصفة مفهوماً فإنَّ ذلك باطل بالضرورة، فإن ما يفهم من «لفظ الجلالة» غير ما يفهم من لفظ «العالم» وإنكار ذلك إنكار للبداهة، بل القائل بالوحدة يقصد منها اتحاد واقعية العلم وواقعية ذاته، وأنَّ وجوداً واحداً مع بساطته ووحدته، مصداق لكلا المفهومين، وليس ما يقابل لفظ الجلالة في الخارج مغايراً لما يقابل لفظ «العالم». وإنَّ ساحة الحق جلّ وعلا منزهة عن فقد أية صفة كمالية في مرتبة الذات، بل وجوده البحت البسيط، نفس النعوت والأوصاف الكمالية، غير أنها مع الذات متكثرة في المفهوم وواحدة بالهُوِيَّة والوجود.

وعلى كل تقدير فيرد على الأشعري أنَّ القول بالزيادة يستلزم القول بتعدد القدماء بعدد الأوصاف الذاتية. فإذا كان المجوس قائلين بقديمين، والنصارى بثلاثة، فالقول بالزيادة لازمه القول بقدماء ثمانية، أفهل يصح في منطق العقل الالتزام بذلك لأجل أن المتبادر من صيغة الفاعل زيادة المبدأ على الذات؟.


1. الإبانة: ص 108.


(38)

الثالث: نظرية الإِمامية: عينية الصفات والذات

هذه النظرية لا تعني نظرية النيابة، فإن تلك مبنية على نفي العلم والقدرة عنه سبحانه، غير أن ما يترقب منهما يترتب على ذاته سبحانه، وقد اشتهر قول تلك الطائفة: «خذ الغايات واترك المبادي»، فما هو المطلوب من العلم تقوم به الذات وإن لم يكن فيها علم ولا قدرة. أُولئك هم المعروفون بنفاة الصفات، وقد فروا من مضاعفات القول بالصّفة أعني التركب، إلى نفي الصفات رأساً، وهو أشبه بالفرار من المطر إلى تحت الميزاب.

وأما نظرية العينية فهي تعترف بوجود العلم والقدرة في مقام الذات ولكن تدّعي أن العرضية ليست أمراً لازماً للعلم، بل تارة يكون عرضاً وأُخرى يكون جوهراً كعلم النفس بذاتها، وثالثة فوق العرض والجوهر فيكون واجباً قائماً بنفسه، فهذا يباين نظرية نفاة الصفات مباينة الشرق للغرب.

والدليل على العينية هو أنَّ القول باتحاد ذاته سبحانه مع صفاته يوجب غناؤه في العلم بما وراء ذاته عن غيره، فيعلم بذاته كل الأشياء من دون حاجة إلى شيء وراء الذات وهذا بخلاف القول بالزيادة فإنه يستلزم افتقاره سبحانه في العلم بالأشياء وخلقه إيّاها إلى أمور خارجة عن ذاته، فهو يعلم بالعلم الذي هو سوى ذاته ويخلق بالقدرة التي هي خارجة عن حقيقته، ويحيا بحياة غير ذاته، والواجب سبحانه منزه عن الإِحتياج إلى غير ذاته، فهو غني في ذاته وفعله عمن سواه، والأَشاعرة وإنْ كانوا قائلين بأَزلية الصفات مع زيادتها على الذات، لكن الأَزلية لا تدفع الفقر والحاجة عنه، لأن الملازمة غير العينية فكون ذاته سبحانه ملازمة لهذه الصفات المغايرة من الأزل غير كونها نفس هذه الصفات.

وباختصار، إنَّ كون الصفات عندهم غير الذات عين القول بحاجته في العلم والإِيجاد إلى غير ذاته فإن نتيجة فصل الذات عن الصفات هي إنه


(39)

يستعين في تحصيل العلم بعلم منفصل، وفي الإيجاد بقدرة خارجة عن ذاته. وبالجملة إنَّ التحرّز عن تعدد القدماء أولا، وحاجته سبحانه في مقام الفعل إلى غير ذاته ثانياً، يجرنا ـ مع الاعتراف بأنَّ له سبحانه أوصافاً من علم وقدرة وغيرهما ـ إلى القول بعينية الصفات والذات.

بساطة الذات وتعدد الصفات كيف يجتمعان؟

لقد قادتنا البراهين السابقة إلى بساطة الذات الإلهية، وخلوها عن أي نوع من أنواع التركيب العقلي الخارجي وهنا يطرح هذا السؤال نفسه وهو: كيف يجتمع تعدد الأسماء والصفات مع بساطة الذات؟ أليس يستلزم تعدد الصفات تركُّب الذات الإِلهية من صفات متعددة؟

والجواب عن ذلك بوجهين:

الأوّل: إنَّ السؤال إنما يتوجه إذا كان كل واحد من هذه الصفات يشكّل جزءاً خاصاً، ويحتل موضعاً معيناً من ذاته سبحانه وحينئذ يمكن القول بأنه يستلزم التركيب في ذاته سبحانه ولكن إذ قلنا بأنَّ كل واحد من هذه الصفات يشكل تمام الذات برمتها وأسرها، فحينئذ لا يبقى مجال لتصور التركيب في شأنه تعالى، إذ لا يمتنع كون الشيء على درجة من الكمال يكون فيها كلّه علماً، وكلّه قدرة، وكلّه حياة. دون أن تظهر أية كثرة في ذاته. نعم، لو كانت هناك كثرة، فإنَّما هي في عالم المفهوم دون الواقع الخارجي، إذ عندئذ تكون ذاته سبحانه مصداق العلم ومطابقه ـ وفي الوقت نفسه ـ مصداق القدرة ومطابَقَها، بلا مغايرة ولا تعدد.

ولتقريب هذا المعنى نشير إلى مثال في عالم الممكنات وهو أنَّ الإِنسان الخارجي بتمام وجوده مخلوق لله سبحانه وفي الوقت نفسه معلوم له سبحانه. فمجموع الوجود الخارجي، كما هو مصداق لقولنا إِنَّه مخلوق لله ومطابَق له، مصداق ومطابَق لقولنا إنَّه معلوم للّه، من دون أنْ يُخصَّ جزء


(40)

بكونه معلوماً وجزء بكونه مخلوقاً، بل كله معلوم لله في عين كونه مخلوقاً له، وليست جهة المعلومية في الخارج غير جهة المخلوقية.

وباختصار، يصح انتزاع المفاهيم الكثيرة من الواحد البسيط البحت، وهذا على التقريب كالنّور، فإنَّ الإِضاءة والحرارة من خواصّ النور، وليست الأُولى مختصة بناحية من وجوده والثانية بناحية أُخرى منه، بل النور بتمامه مضيء كما أنَّه بتمامه حار. فالشيء الخارجي ـ أعني: النور ـ مصداق لمفهومين; المضيء والحار.

الثاني: إنَّ وجوده سبحانه هو الكمال المطلق والوجود الأَتم، وأمَّا انتزاع المفاهيم الكثيرة مثل العالم والقادر، فإنما هو بالنظر إلى تجلياته المختلفة في العالم الإِمكاني. فإن إِتقان الفعل وظرافته دليل كونه قادراً، كما أنَّ الصنع على سنن معقدة آية كونه عالماً بهذه السنن والنُّظُم، وهكذا. فتجلّيه سبحانه على العالَم بالشؤون المختلفة صار سبباً لانتزاع مفاهيم كثيرة منه، هذا.

ولكنَّ الجواب الأول أتقن وأنسب بالأُسس التي قدمناها.

عينية الصفات والذات في النّصوص الإِسلامية

إنَّ عينية الصفات والذات مما قادنا إليه العقل وتضافرت عليه السنّة عن سيد الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فهو سلام الله عليه أول من أصْحرَ بالحقيقة وجَهَرَ بها في تلك العصور التي لم يكن فيها خبر عن نظرية المعتزلة (النيابة) ولا الأشاعرة (الزيادة).

قال أمير المؤمنين: «وَكَمَالُ الإِخْلاصِ له نَفْيُ الصِفاتِ (الزائدة) عَنْهُ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَة أنّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أنّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللّهَ (أي بوصف زائد على ذاته) فَقَدْ قَرَنَهُ (أي قرن


(41)

ذاته بشيء غيرها) وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنّاهُ، وَمَنْ ثَنّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ».(1)

وفي هذا الكلام تصريح بعينية الصفات للذات، وفيه إِشارة إلى برهان الوحدة، وهو أنَّ القول باتحاد صفاته مع ذاته يوجب تنزيهه تعالى عن التركيب والتجزئة ونفي الحاجة عن ساحته. ولكن إذا قلنا بالتعدد والغيريّة فذلك يستلزم التركيب ويتولد منه التثنية. والتركيب آية الحاجة، والله الغني المطلق لا يحتاج إلى من سواه.

وقال الإِمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «لَمْ يَزَلِ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ رَبُّنَا والعِلمُ ذاتُهُ ولا معلوم، والسمعُ ذاتهُ ولا مسموع، والبَصَرُ ذاتُه ولا مُبْصَر، والقُدْرَةُ ذاتُهُ ولا مَقْدُور».(2)

والإِمام ـ عليه السَّلام ـ يشير إلى قسم خاص من علمه سبحانه ـ وراء عينية صفاته وذاته ـ وهو وجود علمه بلا معلوم وسمعه بلا مسموع. وما هذا إلا لأجل أنَّ ذاته من الكمال والجمال إلى حد لا يشذ عن حيطة وجوده أي شيء، وتشريح هذا القسم من العلم يطلب من الكتب الفلسفية.

وهناك روايات أُخرى عن العترة الطاهرة يقف عليها من خاض أحاديثهم، وقد جمعها الشيخ الصدوق في كتاب (التوحيد)، والعلامة المجلسي في (كتاب البحار) وكل ذلك يدل على أنَّ الأُمة أخذت التوحيد في هذه المجالات عن باب علم النبي علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وأنّ المعتزلة أخذوا ما قالوا به من التَّوحيد من ذلك المصدر، كيف وهم عيال عليه في تلك المباحث كلها.(3)


1. نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.
2. التوحيد للصدوق، ص 139.
3. إنَّ حياة المعتزلة العلمية تدل على أنَّ رئيسهم واصل بن عطاء تتلمذ على أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية وهو على أبيه عن علي ـ عليه السَّلام ـ . وقد أوضح الأستاذ دام ظله انتهاء أصول المعتزلة إلى علي ـ عليه السَّلام ـ في موسوعته الكبيرة «مفاهيم القرآن» فلاحظ، ج 4، ص 379 ـ 381.


(42)


(43)

التوحيد في الخالقية

(4)
لا خالق سوى الله

دلَّت البراهين العقلية على أنَّه ليس في الكون خالق أصيل إلا الله سبحانه، وأنَّ الموجودات الإِمكانية وما يتبعها من الأَفعال والآثار، حتى الإِنسان وما يصدر منه، مخلوقات لله سبحانه بلا مجاز ولا شائبة عناية، غاية الأمر أنَّ ما في الكون مخلوق له إِمَّا بالمباشرة أو بالتسبيب.

وذلك لما عرفت من أنَّه سبحانه هو الواجب الغني، وغيره ممكن بالذات ولا يُعْقَل أنْ يكون الممكن غنياً في فعله وذاته عن الواجب، فكما أنَّ ذاته قائمة بالله سبحانه، فهكذا فعله. والحاجة في الذات إلى الواجب آية الحاجة في الفعل أيضاً. ومن عرف الممكن حق المعرفة وانه الفقير الفاقد لكل شيء، والواجد ـ في ظل خالقه ـ فعلَهُ وأَثَرَهُ، لا يشك في استناد الأَفعال والآثار إلى الله سبحانه، وهذا ما يعبر عنه بالتوحيد في الخالقية وأنَّ هنا خالقاً واحداً أصيلا وهو الله سبحانه وأمَّا غيره فبين غير خالق لشيء إلى خالق بإذنه ومشيئته وإقداره سبحانه.

هذا ما لدى العقل، وأما النَّقل فقد تضافرت النصوص القرآنية على أنّ الله سبحانه هو الخالق، ولا خالق سواء (وسيوافيك أنَّ المراد هو حصر


(44)

الخالقية بالآصالة على الله سبحانه، لا التَبَعِية والظلّيّة بإذنه)(1)، وإليك الآيات الواردة في هذا المجال.

قال سبحانه: (قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىء وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ).(2)

وقال سبحانه: (الله خَالِقُ كُلِّ شيء وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء وَكِيلٌ).(3)

وقال سبحانه:(ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيء لا إلهَ إلا هُوَ).(4)

وقال سبحانه: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ).(5)

وقال سبحانه: (هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنَى).(6)

وقال سبحانه: (أنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء).(7)

وقال سبحانه: (يَا أَيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ).(8)

وقال سبحانه: (ألا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ).(9)

هذا هو حكم العقل وهذه نصوص القرآن الكريم لا يشك فيها إلا


1. لاحظ نظرية الأمر بين الأمرين في الفصل السادس من الكتاب.
2. سورة الرعد: الآية 16.
3. سورة الزمر: الآية 62.
4. سورة المؤمن: الآية 62.
5. سورة الأنعام: الآية 102 .
6. سورة الحشر: الآية 24.
7. سورة الأنعام: الآية 101.
8. سورة فاطر: الآية 3.
9. سورة الأعراف: الآية 54.


(45)

المنحرف عن الفطرة، غير أنَّ الذي يهمنا هو الوقوف على ما تهدف إليه الآيات.

وهناك احتمالان ذهب إلى كلِّ طائفة من المتكلمين ونحن نذكرهما، وندعم الحق منهما بالبرهان.

نظرية الأشاعرة في التوحيد في الخالقية

ذهبت الأشاعرة إلى أنَّ المراد من التوحيد في الخالقية و حصر الخلق والإِيجاد على الإِطلاق بالله سبحانه وأنه ليس في صفحة الوجود مؤثر وموجد وخالق إلاّ الله سبحانه وأمَّا غيره، فليس بمؤثر ولا خالق لا على وجه الاستقلال ولا على وجه التبعية.

وعلى ذلك الأساس أنكرت العلّية والمعلولية، والتأثير والتأثّر بين الموجودات الإِمكانية فزعمت أنَّ آثار الظواهر الطبيعية كلها مفاضة منه سبحانه، من دون أن يكون هناك رابطة بين الظاهرة المادية وآثارها، فعلى مذهبهم «النار حارّة» بمعنى أنَّه جرت سنَّة الله على إيجاد الحرارة عند وجود النار مباشرة من دون أنْ تكون هناك رابطة بين النار وحرارتها، والشمس وإضاءتها، والقمر وإنارته، بل الله سبحانه جرت عادته على إيجاد الضوء والنور مباشرة عقيب وجود الشمس والقمر من دون أنْ يكون هناك نظام وقانون تكويني باسم العلّية والمعلوليّة. وعلى ذلك فليس في صفحة الوجود إلاّ علة واحدة، ومؤثر واحد، يؤثر بقدرته وسلطانه في كل الأشياء، من دون أن يُجري قدرته ويُظهر سلطانه عن طريق إيجاد الأسباب والمؤثِرات. بل هو بنفسه الشخصية قائم مقام جميع ما يتصور من العلل و الأسباب التي كشف عنها العلم طيلة قرون.

هذا ما يتبناه الأشعري وأتباعه. ناسبين إيّاه إلى أهل السنة والجماعة،


(46)

فهم لا يقيمون للعلل الطبيعية وزناً، فعامل الحمى في المريض هو الله سبحانه وليس للجراثيم دور في ظهورها فيه، ومثل ذلك سائر الظواهر الطبيعية من تفتح الأزهار ونمو الأشجار، فالكل مخلوق لله سبحانه بلا واسطة ولا تسبيب سبب من الأسباب.

وعلى هذا الأصل جعلوا أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه مباشرة، ولم يقيموا للقدرة الحادثة في العبد وزناً ولم يعترفوا بتأثيرها في فعله فصار كل ما في الكون من آثار الفاعلين، عالمين كانوا أم لا، صادراً منه سبحانه مخلوقاً له.(1)

تحليل نظرية الأَشاعرة

إنَّ تفسير التوحيد في الخالقية بهذا المعنى، بما أنَّه لا يستند إلى دليل عقلي بل يستند إلى ظواهر الآيات التي وقفت عليها، فلا مناص في تحليله من الرجوع إلى نفس الذكر الحكيم حتى يعلم أنَّه غير معترف بهذا التفسير بل ينكره جداً.

إنَّ الآيات القرآنية تعترف بوضوح بقانون العليّة والمعلوليّة بين الظواهر الطبيعية وتسند الآثار إلى موضوعاتها ـ وفي الوقت نفسه تسندها إلى الله سبحانه ـ حتى لا يغتر القارئ بأنَّ آثار الموضوعات متحققة من تلقاء نفسها. والآيات الواردة في هذا المجال كثيرة نكتفي بالقليل منها.

1ـ قال سبحانه: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ).(2)


1. سيأتي البحث والتحليل في خصوص هذه الناحية في مباحث الجبر والتفويض في الفصل السادس من الكتاب، بإذنه تعالى.
2. سورة البقرة: الآية 22.


(47)

2ـ وقال عزّ مِنْ قائِل: (أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ المَاءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أنْعامُهُمْ وأَنْفُسُهُمْ أفَلاَ يُبْصِرُونَ).(1)

فالكتاب العزيز يصرّح في هاتين الآيتين بجلاء بتأثير الماء في الزرع إذ إنَّ الباء في «به» في الموردين بمعنى السببية. وأوضح منهما الآية التالية.

3ـ قال سبحانه: (وَفي الأَرْضِ قَطِعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أعْناب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِماء وَاحِد وَنُفَضَّلُ بَعْضَها عَلى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ في ذَلِكَ لآيات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(2)

فإِنَّ جملة «يسقى بماء واحد» كاشفة عن دور الماء وأثره في إِنبات النباتات وإِنماء الأَشجار، ومع ذلك يتفضل بعض الثمار على بعضها. ومن أمعن النظر في القرآن الكريم يقف على كيفية بيانه للمقدمات الطبيعية لنزول الثلج والمطر من السماء من قبل أنْ يعرفها العلم الحديث ويطّلع عليها بالوسائل التي يستخدمها لدراسة الظواهر الطبيعية، واكتشاف عللها ومقدماتها. ويتضح ذلك بدراسة الآيتين التاليتين:

4ـ قال سبحانه: (الله الذي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).(3)

فقوله سبحانه: (فتثير سحاباً) صريح في أنَّ الرياح تحرك السَّحاب وتسوقها من جانب إلى جانب.

5ـ قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ


1. سورة السجدة: الآية 27.
2. سورة الرعد: الآية 4.
3. سورة الروم: الآية 48.


(48)

يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبال فيها مِنْ بَرَد فَيُصيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ يَكادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصارِ).(1)

فالآية الرابعة تُسند حركة السحاب إلى الرياح وتقول (فتثيرُ سحاباً) وهذه الآية تسندها إلى الله سبحانه وتقول (انَّ الله يزجي سحاباً). وكلا الإِسنادين صحيح، حيث إنَّ الرياح جند من جنوده سبحانه وسبب من أسبابه التي تعلقت مشيئته على نزول الفيض من طريقها ولأجل ذلك يَعُدّ فِعْلَها فِعْلَهُ. والكُلّ قائم به قيام الممكن بالواجب.

6ـ قال سبحانه: (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْها المَاءَ اهتَزَّتْ وَرَبَتْ وأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوج بَهِيج)(2).

فالآية تصرح بتأثير الماء في اهتزاز الأَرض وربوتها، ثم تصرح بإنبات الأَرض من كل زوج بهيج.

7ـ قال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّة أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلّ سُنْبُلَة مِائةُ حَبَّة واللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ واللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).(3)

فالآية تسند إنبات السبع سنابل إلى الحبة.

وحصيلة البحث أنَّه سبحانه يسند الإِنبات في هذه الآيات إلى الأَرض والحبّ ولكنه يسند ـ في الوقت نفسه ـ ذلك الفعل إلى ذاته ويقول: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذَاتَ بَهْجَه مَا كانَ لَكُمْ أنْ


1. سورة النور: الآية 43.
2. سورة الحج: الآية 5.
3. سورة البقرة: الآية 261.


(49)

تُنْبِتُوا شَجَرَها ءإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ).(1)

ويقول أيضاً: (وأنْزَلْنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم).(2) ولا اختلاف بين الآيات في جميع هذه المجالات إذ الفعل فعل الله سبحانه بما أنَّه مُنشئ الكون وموجده، ومسبب الأَسباب ومكونها. كما هو فعل السبب، لصلة بينه وبين آثاره. والأَسباب والعلل على مراتبها مخلوقات لله مؤثرات بإذنه، وليس الإِسنادان في درجة واحدة وعَرْض واحد، بل أحدهما في طول الآخر.

8ـ قال سبحانه: (خَلَقَ السَّمواتِ بَغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها وألْقَى في الأرْضِ رَوَاسِىَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ).(3)

أي جَعَلَ على ظهر الأرض، الجبال الثوابت لئلا تضطرب بكم، فقد نسب صيانة الإِنسان عن الاضطراب والمَيَدان إلى نفسه حيث قال «وألقى». وإلى سببه حيث قال «رواسي أنْ تميد بكم»، أي لغاية أن تصونكم الرواسي عن مَيَدان الأرض بكم كرواسي السفن الصائنة لها عن المَيدانَ والاضطراب. والكل يهدف إلى أمر واحد وهو الذي ورد في قوله سبحانه: (هَذا خَلْقُ الله فَأَرُوني ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ في ضَلال مُبِين).(4) أي هذا الذي تشاهدونه في السماء والأرض وما بينهما من الأسباب والمسبَّبات كلّه مخلوق لله، والأسباب جنوده والآثارُ آثار للسَّبَبِ وللمسبِّبِ بالكسر. ما ذكرناه تحليل لنظريه الأشعري في ضوء الوحي، وقد عرفت أن الوحي يردها بحماس.

وهناك تحليل فلسفي لها وهو أنه لا شك أنَّ كثيراً مما نجده من


1. سورة النمل: الآية 60.
2. سورة لقمان: الآية 10.
3. سورة لقمان: الآية 10.
4. سورة لقمان: الآية 11.


(50)

الموجودات الممكنة المادية تتوقف في وجودها على شروط لا تتحقق بدونها، كالإِنسان الذي هو ابن فلان. فإن لوجود الإِبن توقفاً على وجود الوالدين وعلى شرائط أخرى كثيرة زمانية ومكانية، فمن الضروري أنَّ ما يتوقف عليه وجود الشيء يُعَدّ جزءاً من العلة التامة. وعلى هذا، لا يصح عدّه سبحانه علة تامة وحدها لهذه الظاهرة أي كون زيد ابن فلان.

نعم هو بالنسبة إلى مجموع العالم علة تامة، إذ لا يتوقف على شيء غيره سبحانه وأمَّا سائر أجزاء العالم كوجود زيد فهو سبحانه جزء العلة التامة ضرورة توقفه على ما هو قبله من العلل وما هو معه من الشرائط والمُعِدّات.(1)

والذي يوضح ذلك أنَّ أَفعالا لا يمكن إسنادها إلى الله سبحانه مباشرة كأكل زيد وشربه ومشيه وقيامه وقعوده، فإنَّ تحقق هذه العناوين يتوقف على وجود زيد وأعضائه من فمه ولسانه ورجليه وعضلاته فإِنَّ لها دخالة في تحقق هذه الأَفعال، فكيف يمكن إنكار دخالتها؟ فهذه الأَفعال لا تستند إلا إلى الموجود المادي مباشرة، وإلى الواجب سبحانه على وجه التسبيب والسببية الطولية.(2)

فمن وقف على مجموعة كبيرة من الآيات في هذا المجال لم يشك في أنَّ القرآن يعترف بناموس السببية بين الأشياء وآثارها وإِنهاء كل الكون إلى ذاته تبارك و تعالى. فلا يصح عندئذ حصر الخالقية والعلية الأَعم من الأَصلية والتبعية بالله سبحانه، وتصوير غيره من الأَسباب أُموراً عاطلةً غير مفيدة لشيء. وجعل القدرة الحادثة في العبد شيئاً مقترناً بإيجاده سبحانه فعل العبد. وعلى ذلك فيجب تفسير حصر الخالقية وتوحيدها على وجه يناسب مع جميع الآيات الماضية التي تدل على الحصر وأنَّه لا خالق غيره، وفي الوقت نفسه يعترف بتأثير العلل وإيجادها. وهذه هي النظرية التي نتلوها عليك بإذنه سبحانه.


1. الميزان، ج 15، ص 138.
2. سيوافيك معنى أدّق من السببية الطولية لخالقيته سبحانه عند البحث في الجبر والتفويض.


(51)

نظرية العدلية في التوحيد في الخالقية

إنَّ هناك معنى آخر لحصر الخالقية بالله سبحانه ونفيها عن غيره بالمعنى الذي يتناسب شأنه سبحانه، وما نذكره هو الذي يدعمه العقل ويوافقه القرآن وتعضده البحوث العلمية في الحضارات الإِنسانية وإليك بيانه:

إنَّ الخالقية المستقلة النابعة من الذات، غير المعتمدة على شيء منحصرة بالله سبحانه ولا يشاركه فيها شيء. وأَما غيره سبحانه فإِنما يقوم بأمر الخَلْق والإِيجاد بإذن منه وتسبيب ويُعدُّ الكُلُّ جنود الله سبحانه يعملون بتمكين منه لهم ويظهر هذا المعنى من ملاحظة الأُمور التالية:

أ ـ لا يشك المتأمل في الذكر الحكيم في أنه كثيراً ما يسند آثاراً إلى الموضوعات الخارجية، والأَشياء الواقعة في دار المادة كالسماء وكواكبها ونجومها، والأرض وجبالها وبحارها وبراريها وعناصرها ومعادنها والسحاب والرعد والبرق والصواعق والماء والأَعشاب والأَشجار والحيوان والإِنسان إلى غير ذلك من الموضوعات الواردة في القرآن الكريم. فمن أَنكر إِسناد القرآن آثار تلك الأَشياء إلى أنفسها فإنما أَنكره باللسان، وقلبه مطمئن بخلافه. وقد ذكرنا نزراً من الآيات الواردة في هذا المجال.

ب ـ إنَّ القرآن يسند إلى الإِنسان أَفعالا لا تقوم إلا به، ولا يصح إِسنادها إلى الله سبحانه بلا واسطة، كأَكله وشربه ومشيه وقعوده ونكاحه ونموه وفهمه وشعوره وسروره وصلاته وصيامه. فهذه أَفعال قائمة بالإِنسان مستندة إليه، فهو الذي يأكل ويشرب وينمو ويفهم.

ج ـ إِنَّ الله سبحانه أمر الإِنسان بالطاعة أمْرَ إلزام، ونهاه عن المعصية نَهْىَ تحريم، فيجزيه بالطاعة ويعاقبه بالمعصية. فلو لم يكن للإِنسان دور في ذلك المجال وتأثير في الطاعة والعصيان فما هي الغاية من الأَمر والنهي وما معنى الجزاء والعقوبة؟!


(52)

وهذه الأمور الثلاثة إذا قورنت بقوله سبحانه: (قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ)،(1) الذي يدل على بسط فاعلّيته وعليته على كل شيء، يستنتج أنَّ النظام الامكاني على اختلاف هوياته وأنواعه فعّال ومؤثر في آثاره، لكن بتقديره سبحانه ومشيئته وإذنه وهو القائل جل وعلا: (الّذي أعْطَى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(2) وقال تعالى: (وَالذِي قَدَّرَ فَهَدى).(3) فتنتهي وجودات هذه الأشياء وأعمالها وآثارها وحركاتها وسكناتها إلى قضائه وتقديره وهدايته وإِجراء الأَسباب في النظام الإِمكاني.

فعلى هذا فالأَشياء في جواهرها وذواتها وحدود وجودها وخصوصياتها تنتهي إلى الخلقة الإِلهية، كما أنَّ أَفعالها التي تصدر عنها في ظل تلك الخصوصيات تنتهي إليه أيضاً وليس العالمَ ومجموع الكون إلا مجموعة متوحدة، يتصل بعضها ببعض، ويتلاءم بعضها مع بعض، ويؤثر بعضها في بعض، والله سبحانه وراء هذا النظام ومعه وبعده، لا خالق ولا مدبر، حقيقة وبالأصالة، إلاّ هو، كما لا حول ولا قوة إلا بالله.

وبهذه النظرية ـ أي نظرية كون العالم مخلوقاً على النظام السببي والمسببي وأنَّ فيه فواعل اضطرارية كما أنَّ فيه فواعل اختيارية ـ تتناسق الأمور الثلاثة وتتوحد نتائجها، وهذا بخلاف ما قلناه في النظرية الأُولى، فإِنها توجب التضاد بين الأُمور الثلاثة المُسَلَّمة.

النظام الإِمكانى نظام الأَسباب والمُسبَّبات

إنَّ الإِمعان في الآيات الكريمة يدفع الإِنسان إلى القول بأنَّ الكتاب العزيز يعترف بأنَّ النظام الإِمكاني نظام الأسباب والمُسَبَّبات، فلأجل ذلك ينسب الفعل الواحد إلى الله سبحانه وفي الوقت نفسه إلى غيره من دون أن يكون هناك تضادّ في النسبة.


1. سورة الرعد: الآية 16.
2. سورة طه: الآية 50.
3. سورة الأَعلى: الآية 3.


(53)

1ـ يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها).(1) فينسب توفّي الأنفس إلى نفسه، بينما نجده سبحانه ينسبه إلى رسله وملائكته ويقول: (حَتَى إذا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفّتْهُ رُسُلُنا).(2)

ولا يجد الإِنسان العارف بالقرآن أي اختلاف في النسبة.

2ـ إِنَّ الذكر الحكيم يصفه سبحانه أنه الكاتب لأعمال عباده ويقول: (وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ).(3) ولكن في الوقت نفسه ينسب الكتابة إلى رسله ويقول: (بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ).(4)

3ـ إنَّهُ سبحانه ينسب تزيين عمل الكافرين إلى نفسه ويقول: (إنَّ الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنا لَهُمْ أعْمَالَهُم).(5) وفي الوقت نفسه ينسبها إلى الشيطان ويقول: (وإذْ زَيّن لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ).(6)

وفي آية أُخرى ينسبها إلى قرنائهم ويقول: (وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ)(7) ولا تصح هذه النسب المختلفة ظاهراً إلا بالقول بأنَّ الكون مبني على النظام السببي والمُسبَّبي وسببية كل شيء بتسبيب منه سبحانه وينتهى الكل إليه فالفعل مع أنه فعل السبب فعل المسبِّب بالكسر أيضاً.

4ـ لا شك أنَّ التدبير كالخلقة منحصرٌ في الله سبحانه (كما سيوافيك بيانه في القسم الآتي من التوحيد) حتى لو سئل بعض المشركين عن المدبِّر


1. سورة الزمر: الآية 42.
2. سورة الأنعام: الآية 61.
3. سورة النساء: الآية 81.
4. سورة الزخرف: الآية 80.
5. سورة النمل: الآية 4.
6. سورة الأنفال: الآية 48.
7. سورة فصلت: الآية 25.


(54)

لأَجاب بأنَّ الله هو المدبر، كما يقول سبحانه: (وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ)(1).

لكن نرى أنَّ القرآن يعترف بمدبريّة غير الله سبحانه حيث يقول: (فَالمُدَبِّراتِ أمْراً)(2).

5ـ إنَّ القرآن يشير إلى كلتا النسبتين (أي نسبة الفعل إلى الله سبحانه إشارة إلى الجانب التسبيبي وإلى الإِنسان إشارة إلى الجانب المباشِري) بقوله: (وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمَى).(3)

فهو يصف النبي الأَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرمي وينسبه إليه حقيقة ويقول: «إذ رميت»، لكنه يصف الله سبحانه بأنه الرامي الحقيقي وما ذلك إلا لأن النبي إنما قام بما قام بالقدرة التي منحها الله له، وكان مفيضاً لها عليه حين الفعل، فيكون فعله فعلا لله أيضاً.

وهذه المجموعة من الآيات ترشدك إلى النظرية الحقَّة في تفسير التوحيد في الخالقية. وفي الحديث القدسي إشارة إليها.

يقول: «يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنتَ الذي تشاءُ لنفسك، وبقوتي أديَّتَ إلي فرائضي، وبنعمتي قَوِيتَ على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً».(4)

ثم إنَّ هذه النظرية، على تقاريرها المختلفة من حيث الدقّة والرقّة(5)


1. سورة يونس: الآية 31.
2. سورة النازعات: الآية 5.
3. سورة الأنفال: الآية 17.
4. البحار، ج 5، ص 57.
5. إن تفسير مسألة «الأمر بين الأمرين» وأنَّ فعل العبد في حال كونه فعله، فعلا لله سبحانه يختلف حسب اختلاف الأفهام في المقام، فيفسره المتكلم على نمط يناسب أبحاثه، فيصور كونه سبحانه فاعلا بالتسبيب من حيث أنه أعطى القدرة والحياة للعبد، فلولاه لما قدر العبد على العمل، وأما الحكيم الإِلهي فيرى الموجودات على تباينها في الذوات والصفات والأفعال، وترتبها في القرب والبعد من الحق تعالى، قائمة بذاته سبحانه، فهو مع بساطته ينفذ نوره في الموجودات الإِمكانية، عامة. ولا يوجد ذرة من ذرات الأَكوان الوجودية، إلا ونوره محيط بها، قاهرٌ عليها وهو قائم على كل نفس بما كسبت وهو مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة. فإذاً، كما أنه ليس في الوجود شأن إلاّ وهو شأنه كذلك ليس في الوجود فعل إلاّ وهو فعله، لا بمعنى أنَّ فعل زيد ليس فعلا له بل بمعنى أنَّ فعل زيد مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعله سبحانه كذلك. فهو مع غاية عظمته وعلوه، ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها، كما أنَّه مع غاية تجرّده وتقدسه لا يخلو منه أرض ولا سماء. فإذاً نسبة الفعل والإِيجاد إلى العبد صحيحة، كما أنَّ نسبتها إلى الله تعالى كذلك. وتفصيل ذلك يأتي عند البحث في الجبر والتفويض.


(55)

مما أطبقت على صحته الإِمامية والمعتزلة وأيدته النصوص المروية عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وقد قال به بعض الأشاعرة أيضاً كإِمام الحرمين (أبي المعالي الجُوَيْني) وهو من أعلام القرن الخامس والشيخ (الشعراني) وهو من أقطاب الحديث والكلام في القرن العاشر، والشيخ (محمد عبده) مفتي الديار المصرية في القرن الرابع عشر. ومن أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى مصادرها.(1)

ثم إِنَّ هنا ضابطة لتمييز الأَفعال التي تُسند إلى الفاعل القريب عن الأَفعال التي تُسند إلى القريب والبعيد تَفَطّن إليها العلامة (الطباطبائي) في تفسيره فقال: «إن من الأَفعال ما يكشف بمفهومه عن خصوصيات المباشرة كالأَكل بمعنى الالتقام، والبلع والشرب بمعنى المص والتجرع، والقعود بمعنى الجلوس، لم ينسب إلا إلى الفاعل المباشر، فإذا أمر السيد خادمه أن يأكل غذاءً كذا ويشرب شراباً كذا، ويقعد على كرسي كذا، قيل: «أكل الخادم وشرب وقعد، ولا يقال أكله سيده وشربه وقعد عليه.

وأما الأَعمال التي لا تعتبر فيها خصوصيات المباشرة والحركات المادية التي تقوم بالفاعل المباشِر للحركة كالقتل والأَسر والإحياء والإِماتة والإِعطاء والإِحسان ونظائرها فإِنها تُنسب إلى الفاعل القريب والبعيد على السوية، بل


1. الملل والنحل، ج 1، ص 98 ـ 99 نقل كلمة إمام الحرمين، واليواقيت والجواهر للشعراني، ص 139 ـ 141، ورسالة التوحيد، ص 59 ـ 62. وقد جاء الأُستاذ دام ظله بنص كلامهم في كتابه (أبحاث في الملل والنحل).


(56)

ربما كانت نسبتها إلى الفاعل البعيد أقوى منها إلى الفاعل القريب، كما إذا كان الفاعل البعيد أقوى وجوداً وأشد سلطة وإِحاطة، وبذلك يظهر سر نسبة التعذيب الذي تباشره أيدي المؤمنين إلى نفسه ويقول:

(قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنينَ).(1) كما يظهر أنَّ القول بالتوحيد في الخالقية واستناد الحوادث وانتهائها إلى الله سبحانه لا يستلزم استناد القبائح إليه سبحانه، بل الأفعال التي تعتبر فيها خصوصيات المباشرة، كالنكاح والزنا والأكل المُحَرّم والمحلَّل، فإِنما تُنْسب إلى الإِنسان فقط لأنه و الموضوع المادي الذي يقوم بهذه الحركات وأما الذي يوجد هذا المتحرك الذي من جملة آثاره حركتهُ ـ وليس الله بنفسه متحركاً بهذه الحركات وإِنَّما يوجدها إيجاداً إذا تمت شرائطها وأسبابها ـ فلا يتصف بأنواع هذه الحركات حتى يتصف بفعل النكاح أو الزنا أو أي فعل قائم بعضو من أعضاء الإِنسان».(2)

وأنت إذا أمعنت في هذه الضابطة تقدر على التفريق بين ما يصح فيه الإِسناد وما لا يصح، كما تقف على أن القول بالتوحيد في الخالقية على الوجه الذي فسرناه، لا يستلزم مضاعفات نظرية الأَشاعرة، فإِنها مبنية على إِنكار رابطة العلية والمعلولية بين الإِنسان وفِعله، وفرض وجوده سبحانه قائماً مقام جميع العلل، وسيوافيك ما يزيدك توضيحاً عند البحث عن الجبر والاختيار.

الثنوية بإشكالها المختلفة

إنَّ التوحيد في الخالقية يقابله الاعتقاد بأنَّ أمر الخِلْقَة لا ينحصر بالله سبحانه بل هناك وراءه سبحانه خالقاً أو خالِقِين مستقِلِّين بأمر الخلقة يعتمدون على أنفسهم وقدرتهم من دون أن يستمدوا منه سبحانه أو يكونوا مؤتمرين


1. سورة التوبة: الآية 14.
2. لاحظ الميزان، ج 9، ص 193 ـ 197.


(57)

وخالقين بأمره وهذا ما يعبّر عنه في مصطلح المتكلمين بالثنوية سواء أكان الشريك واحداً أو أكثر فهذه اللفظة رمز لمن يرفض التوحيد في الخالقية من غير فوق بين أن يعتقد باثنين أو بأكثر ولأجل لك يدخل تحت هذا العنوان كثير من الفرق التي لا تعتقد بانحصار الخالقية في الله سبحانه منها:

1ـ المفوّضة: وهم الذين يعتقدون بتفويض أفعال البشر إلى أنفسهم، فهم مستقلون في خلق الأفعال وإيجادها ولا صلة لها بخالق البشر. وقد رُميت المعتزلة من المسلمين بهذه العقيدة، وهؤلاء لأجل التحفظ على عدله سبحانه وقسطه بين عباده التجأوا إليها زاعمين أن القول بعدم صلة أفعال البشر بخالقهم ينفعهم في القول بالعدل، ويكون البشر نفسه مسؤولا عن فعله وعمله. غير أن النسبة لو تحققت يكون هذا العمل كالفرار من المطر إلى تحت الميزاب فإنهم وإن توفقوا في مجال توصيف الرب بالعدل، غير أنهم فشلوا في مجال التوحيد فجعلوا الإِنسان خالقاً في مقابل خالقه العظيم، فما قيمة توصيفه بالعدل إذا كان مستلزماً للانسلاك في عداد المشركين؟

ولأجل ذلك ذهبت الأَشاعرة إلى أنَّ أفعال الإِنسان أفعال لِلَّه سبحانه مباشرة وبلا سبب كما ذهبت الإِمامية من العدلية إلى أنَّ أفعاله فعل للّه سبحانه وفي الوقت نفسه فعل للبشر والنسبة إليهما مختلفة فأحد الفاعليين خالق بالتسبيب والآخر خالق بالمباشرة على النحو الذي وقفت على بيانه.

2ـ الزرادشتية: وهم القائلون بأنَّ في عالم الكون أُموراً توصف بالخير والبركة كما أنَّ هناك أموراً توصف بالشرور والبلايا فلا يصح إسناد كلا الصنفين من الأَفعال إلى الخالق الحكيم فيجب الاعتقاد بأنَّ خالق الخير غير خالق الشر. وقد اخترعوا عقيدة خيالية وهي: إنَّ خالق الخير موجود يدعى بـ «يزدان» كما إِنَّ خالق الشر موجود يدعى بـ «أَهريمن» وكلا الخالقين مخلوق لله سبحانه وبهذه الفرضية الخيالية، تمكنوا من إِقناع أنفسهم بحلّ مشكلة الشرور والبلايا في صفحة الوجود.


(58)

وهناك طوائف أُخرى تُدعى بالثنوية لها عقائد خاصة متواجدة في بلاد الهند وجنوب شرق آسيا فمن أراد الوقوف على عقائدها فليرجع إلى الكتب المترجمة لها.

* * *


(59)

التوحيد في الرّبوبية

(5)
انحصار التّدبير في الله سبحانه

يُستفاد بجلاء من مطالعة عقائد الوثنية في كتب الملل والنحل أنَّ مسألة التَّوحيد في الخالقية كانت موضع اتفاق، وأنَّ الإِنحراف كان في مسألة التدبير أوّلا، والعبادة ثانياً. فكان الوثنيون موحدين في أمر الخلقة مشركين في الربوبية ثم في العبادة.

وكان الشّرك في العبادة عاماً، بخلاف الشّرك في التدبير فلم يكن مثله في السعة و الشمول.

وما ذكرناه يجده التالي للكتاب العزيز، قال سبحانه: (وَلَئِنْ سأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأَرْضَ لَيَقولُنَّ الله).(1) ومثله في سورة الزّمر، الآية 38.

وقال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأَرضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ).(2)

وقال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فأنّى


1. سورة لقمان: الآية 25.
2. سورة الزخرف: الآية 9.


(60)

يُؤْفَكُونَ).(1)

وهذه الآيات تعرفنا موقف الوثنيّين في مسألة التوحيد في الخالقية، وأنَّ تلك العقيدة كانت عامة للمشركين أو لأكثرهم في الجزيرة العربية.

نعم، كان الاعتقاد بوجود مبدأين وخالقين لهذا العالم، أحدهما: «يزدان» والآخر: «أهريمن» أمراً مشهوراً بين «الزرادشتيين» ولكن عقيدتهم تحيط بها هالة من الإِبهام والغموض، كعقيدة البراهمة والبوذيين والهندوكيين في هذا المجال والبحث فيه خارج عن إطار الموضوع وقد تقدم شيء عنهم آنفاً.

وأمَّا مسألة التوحيد في التدبير فلم تكن أمراً مسلَّماً عندهم، بل الشرك في التدبير كان شائعاً بين الوثنيين، حيث كانوا يقولون بأنه ليس للكون سوى خالق واحد وهو موجد السَّماوات والأرض وخالقهما ولكنه بعد أن خلق الكون فوّض تدبير بعض أُموره إلى واحد أو أكثر من خيار خلقه، واعتزل هو أمر التدبير. وهذه المخلوقات المفوّض إليها أمر التدبير كانت في نظر هؤلاء عبارة عن «الملائكة» و «الجن» و «الكواكب» و «الأرواح المقدسة» و.... التي تكفلت كل واحدة منها تدبير جانب من جوانب الكون على حدّ زعمهم.

إنَّ عبدة الكواكب والنجوم في عصر بطل التوحيد «إبراهيم» كانوا من المشركين في أمر التدبير، حيث كانوا يعتقدون بأنَّ الأجرام العُلْوية هي المتصرفة في النظام السُّفلي من العالم وأنَّ أمر تدبير الكون ومنه الإِنسان، فوّض إليها فهي أرباب لهذا العالم ومدبرات له لا خالقات له.(2) ولأجل ذلك نجد أنَّ إبراهيم يرد عليهم بإبطال ربوبيتها عن طريق الإِشارة إلى أُفولها وغروبها ويقول: إذا كانت هذه الأجرام حسب زعمكم هي المدبرات


1. سورة الزخرف: الآية 87.
2. سيأتي البحث في التفويض عند البحث في التوحيد في العبادة.


(61)

للموجودات الأرضية ومنها الإِنسان، فيجب أن يكون لها إشراف دائم على المدبّرات، واتصال دائم بالعالم السفلي الذي يقع تحت تدبيرها ولكنه لا يجتمع مع الأفول والغروب، لأنهما يستلزمان غَيْبة المدبِّر عن مدبَّره بالفتح وجهله بحاله، فيكون دليلا قاطعاً على عدم كونها مدبِّرة للموجودات الأرضية.

ولأجل أنَّ شِرْكَ عَبَدة الأجرام كان شركاً في الربوبية والتدبير نرى أنَّ إبراهيم يستعمل في طرح عقيدتهم وردّها لفظ «الربّ». يقول سبحانه حاكياً عنه (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلَ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذا رَبِّي).(1) وقال أيضاً: (فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بازغاً قَالَ هَذَا رَبّي).(2) فاستعمل لفظة «الرَّبّ» فيهما وفي غيرهما من الآيات الواردة في احتجاجه مع المشركين، ولم يستعمل كلمة «الخالق»، للفرق الواضح بين التوحيدين و عدم إنكارهم التوحيد الأول وإصرارهم على الشّرك في الثاني.

وأمَّا لفظة «الرّب» في لغة العرب فهي بمعنى المتصرف والمدبّر والمتحمل أمر تربية الشيء، وكأنه بمعنى الصاحب. وهذه، أعني التدبير والتصرف، من لوازم كون الشخص صاحباً ومالكاً. فربّ الضيعة يقوم بأمرها، وربّ البيت والغنم بالتصرف اللازم فيهما.

وباختصار، إنَّ في زعم المشركين أنَّ مقام الخلق غير التدبير وأنَّ الذي يرتبط بالله إنما هو الخلق والإِيجاد وأمَّا التدبير فيتعلق بموجودات أُخرى غير الله سبحانه وتعالى. فهي المتصرفات فيه وقد فوّض إليها تدبير عالم الطبيعة، وليست لله تعالى أية دخالة في أمر تدبير الكون وإدارته وتنظيم شؤونه والتصرف فيه.

هذه حقيقة الشّرك في التدبير ووجه الفرق بينه وبين الشّرك في الخالقية


1. سورة الأنعام: الآية 76.
2. سورة الأنعام: الآية 77.


(62)

ونرى ذلك الشّرك في كلام (عمر بن لُحَىّ) وهو أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عن شؤونها قالوا:

«هذه أصنام نَعْبُدُها فَنَسْتَمْطِرُها فَتُمْطِرُنا، ونَسْتَنْصِرُها فَتَنْصُرُنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها فأسير بها إلى أرض العرب فيعبدوه». فاسْتَصْحَب معه صنماً كبيراً باسم «هُبَلْ» ووضعه على سطح الكعبة المشَرَّفة ودعا الناس إلى عبادته.(1)

وها هنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي: إنّه لا ينبغي لأحد أن يتصور أنَّ الوثنية تعتقد بأنَّ هذه الأصنام الحجرية والخشبية هي ذاتها المتصرفة والمدبرة للكون إذ لا يصدر ذلك عن عاقل، بل كانوا يعتقدون بكونها أصناماً للآلهة المدبّرة لهذا الكون فُوّض إليها إدارته. ولما لم تكن هذه الآلهة المزعومة في متناول أيديهم وكانت عبادة الموجود البعيد عن متناول الحسّ واللمس صعبة التصور، عمدوا إلى تجسيد تلك الآلهة وتصويرها في أوثان وأصنام ورسوم وأجسام وقوالب من الخشب والحجر، وصاروا يعبدونها عوضاً عن عبادة أصحابها الحقيقيين وهي الآلهة المزعومة.

ثم إنَّ الاعتقاد بربوبية غير الله سبحانه كما يتصور في مسألة التكوين فَيَعْتَقِد المشرك بكون المَلَك أو الجنّ أو غيرهما متصرفاً في العالم، فكذلك يتصور في عالم التشريع. فمن أعطى زمام التشريع والتقنين أو الحلال والحرام إلى الإِنسان فقد اتخذه ربّاً لنفسه وصاحباً لها، ولأجل ذلك نرى أنَّ القرآن الكريم يصرّح بأنَّ اليهود والنصارى اتخذوا الأحبار والرّهبان أرباباً لأنفسهم ولم يكن الاعتقاد بربوبيتهم بصورة الاعتقاد بتصرفهم في العالم السُّفلي وإنما كان يتجلَّى في اتخاذهم أرباباً وأصحاباً لأنفسهم في إطار التقنين فاستحلوا ما أحلّوه، وحرّموا ما حرموه. يقول سبحانه: (اتَّخَذُوا


1. سيرة ابن هشام، ج 1، ص 79.


(63)

أَحْبَارَهُمْ وَرُهُبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله).(1) ويقول عزّ وجل: (وَلاَ يَتَّخِذُ بَعضُنا بَعضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ الله).(2)

وحصيلة البحث:

1. إِنَّ ربوبية الله عبارة عن مدبريته تعالى للعالم لا عن خالقيته.

2.دلّت الآيات التي ذكرناها على أنَّ مسألة التوحيد في التدبير لم تكن موضع اتفاق ،بخلاف مسألة «التوحيد في الخالقية» و أنَّه كان في التاريخ ثمة فريق يعتقد بمدبريّة غيرالله للكون كله أو بعضه، وكانوا يخضعون أمامها باعتقاد أنها أربابٌ.

3. و بما أنَّ الربوبية في التشريع غير الربوبية في التكوين فقد تكون بعض الفِرَقِ موحدة في الثاني و مشركة في الأول فاليهود والنصارى تورطوا في «الشرك الربوبي التشريعي» لأنهم أعطوا زمام التقنين والتشريع إلى الأحبار و الرهبان وجعلوهم أرباباً من هذه الجهة، فكأنهم فُوّضوا أمر التشريع إليهم.

وبذلك يتجلَّى أنَّ التوحيد في الربوبية هو الاعتقاد بأنَّ الخير والشّر و تدبير الحياة والكون كلّها بيد الله سبحانه وأنَّ الإِنسان بل كل ما في الكون لا يملك لنفسه شيئاً من التدبير، وأنّ مصير الإنسان في حياته كلها إليه سبحانه ولو كان في عالم الكون أسباب و مدبرات له، فكلها جنود له سبحانه يعملون بأمره و يفعلون بمشيئته. ويقابله الشرك في الربوبية و هو تَصَوُّر أن هناك مخلوقات لله سبحانه لكن فَوّض إليها أمر تدبير الكون و مصير الإنسان في حياته تكويناً أو تشريعاً و أنَّه سبحانه اعتزل هذه الأُمور بعد خلقهم و تفويض الأمر إليهم.

هذا خلاصة التوحيد و الشّرك في مجال الربوبية و إنما الكلام في إقامة الدليل عليه:


1. سورة التوبة: الآية 31.
2. سورة آل عمران: الآية 64.


(64)

أدلة التوحيد في الربوبية

1. التدبير لا ينفك عن الخلق

إنَّ النكتة الأساسية في خطأ المشركين تتمثل في أنهم قاسوا تدبير عالم الكون بتدبير أُمور عائلة أو مؤسسة و تصوروا أنهما من نوع واحد.

إنَّ تدبيره سبحانه لهذا العالم ليس كتدبير حاكم البلد بالنسبة إلى مواطنيه، أو ربّ البيت بالنسبة إلى أهله حيث إنَّ ذاك التدبير يتمّ بإصدار الأوامر، ولكن التدبير في الكون في الحقيقة إدامة الخلق والإِيجاد و قد سبق أنَّ الخالقية منحصرة في الله سبحانه فالقول بالتوحيد فيها يستلزم القول بالتوحيد في التدبير.

توضيح ذلك: إنَّ كل فرد من النظام الإِمكاني بحكم كونه فقيراً ممكناً فاقد للوجود الذاتي، لكن فقره ليس منحصراً في وجوده في بدء تحققه وإنما يستمر هذا الفقر معه في جميع الأزمنة و الأمكنة. فهو محتاج في إدامة وجوده بل حتى في علاقاته روابطه و انسجامه مع مجموع العالم. و حقيقة التدبير ليست إلاّ خلق العالم و جعل الأسباب و العلل بحيث تأتي المعاليل و المُسَبَّبات دُبُر الأسباب و عقيب العلل، و بحيث تظهر أجزاء الكون إلى الوجود و راء بعضها البعض تباعاً، و بحيث يؤثر بعضها في البعض الآخر حتى يصل كل موجود إلى كماله المناسب و هدفه المطلوب. فإذا كان المراد من التدبير هو هذا، فهو بعينه عبارة عن مسألة الخلق، فكيف يمكن أن نعتقد بأنَّ التدبير مغاير للخلق و نعتبرهما أمرين مختلفين؟

إن تدبير الوردة ليس إلا تكّونها من المواد النيتروجينية الموجودة في التربة مع استنشاقها لثاني أوكسيد الكاربون من الهواء و امتصاصها لأشعة الشمس وحدوث سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية في خلاياها نتيجة ذلك، لتنمو بالتدريج و تَتَفَتَّح وَ تَخْضَر و تُزْهِر. وليس كل منها إلا شعبة من الخلق. و مثلها الجنين مذ تكونه في رحم الأُم، فلا يزال يخضع لعمليات التفاعل والنمو حتى يخرج من بطنها، و ليست هذه التفاعلات إلاّ شعبة من عملية الخلق و فرع منه و إيجاد بعد إيجاد.


(65)

ولأجل وجود الصلة الشديدة بين التدبير و الخلق نرى أنه سبحانه بعدما يذكر مسألة خلق السَّماوات و الأرض يطرح مسألة تسخير الشمس و القمر(1) الذي هو نوع من التدبير.

و من هذا الطريق يوقفنا القرآن الكريم على حقيقة التدبير الذي هو نوع من الخلق و قد عرفت أن لا خالق إلاّ الله.

2. وحدة النظام دليل على وحدة المُدَبِّر

إنَّ مطالعة كل صفحة من صفحات الكتاب التكويني العظيم يقودنا إلى وجود نظام موحّد، و كأنَّ أوراق الكتاب التكوينيـ على غرار الكتاب التدويني ـ شُدّ بعضها إلى بعض بيد واحدة و أُخرجت في صورة موحدة.

إنَّ القوانين و السنن الحاكمة على الموجودات الطبيعية كليّة و شاملة، بحيث لو أُتيح لأحد أن يكشف ناموساً طبيعياً في نقطة من نقاط الكون فهو يكشف قانوناً كلياً سائداً على النظام من غير فرق بين أرضِيّه و فَلَكِيّه.

إنَّ وحدة النظام و شمول السنن تقودنا إلى موضوعين:

1. ليس للعالم إلاّ خالق واحد.

2. ليس للعالم إلاّ مُدَبّر واحد.

و عند ذلك يتجلى مفاد قوله سبحانه:(ألا لَهُ الخَلْقُ و الأَمْرُ تَبَارَك الله رَبُّ العالَمِينَ)(2).

إنَّ جملة «له الخلق» إشارة إلى التوحيد في الخالقية.

وجملة «والأمر» إشارة إلى التوحيد في التدبير الذي هو نوع من الحاكمية.

و باختصار، إنَّ وحدة النظام وانسجامه و تلاحمه لا تتحقق إلاّ إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم و مدبر واحد، و لو خضع الكون لإِدارة مدبرين،


1. سورة الأعراف: الآية54، سورة الرَّعد: الآية2.
2. سورة الأعراف: الآية 54.


(66)

لما كان من النظام المُوَحَّد أي أثر لأن تعدد المدبِّر والمنظِّم ـ بحكم اختلافهما في الذات أو في المُصَنِّفات والمُشَخِصات ـ يستلزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والإِدارة، ويستلزم تعدد التدبير فناءَ النظام الموحد وغيابه.

وبعبارة أخرى، إنَّ المدبِرَيْن إن كانا متساويين من كل الجهات لم يكن هنا اثنينية في المدبر، وإن لم يكونا متساويين بل كان هناك اختلاف بينهما في الذات أو في عوارضها، فالاختلاف فيها يؤثر اختلافاً في التدبير وهو خلاف الحسّ.

إلى هنا خرجنا بهاتين النتيجتين:

الأُولى: التدبير نوع من الخلق، والتوحيد في الثاني يلازمه في الأول.

الثانية: إن وحدة النظام وانسجامه وتلاصقه وتماسكه كاشف عن وحدة التدبير والمُدَبّرِ.

إجابة عن إشكال

إنَّ هناك إشكالاً دارجاً في الألسن وهو أَنَّ الأرباب المفروضين وإن كانوا متكثري الذوات ومتغايريها ويؤدي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها، لكن من الممكن أن يتواطأوا على التسالم وهم عقلاء، ويتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد وتحفظاً على بقائه. هذا هو الإِشكال.

وأمَّا الإِجابة فبوجود الفرق الواضح بين العقلاء والأرباب المفروضين فإِنَّ عمل العقلاء مبني على علومهم وليست هي إلاَّ قوانين كلية مأخوذة من النظام الخارجي الجاري في العالم. فللنظام الخارجي نوع تقدم على تلك الصور العلمية وهي تابعة لنفس النظام الخارجي، فعند ذلك يتصالح العقلاء المتنازعون حسب ما تنكشف لهم المصلحة، فيأخذون بالطريق الوسط الّذي تجتمع فيه مصالحهم وأغراضهم وغاياتهم. هذا هو حكم العقلاء المتنازعين


(67)

أولاً فالمتنازلين ثانياً حسب تطابق أعمالهم على النظام السائد.

وأما الأرباب المفروضون فالأمر فيهم على العكس لأن الكيفية الخارجية تتبع علمهم لما عرفت من أنَّ التدبير ليس منفكاً عن الخلق والإِيجاد، وليس شأنهم شأن مُدَراء الدوائر والمنشآت حيث إنَّ شأنهم التبعية للسنن السائدة فيها كما عرفت، فإنّ تدبير الآلهة تدبير تكويني ينشأ عن الخلق والإِيجاد ولو بقاءً لا حدوثاً، فعند ذلك يكون الخارج تابعاً لعلمهم لا أنهم يتبعون السنن الموجودة فيه. وعلى ضوء ذلك فلا معنى للتوافق في التدبير.

وباختصار هناك فرق بين تدبير خال عن الإيجاد والخلق كرئيسين بالنسبة إلى مرؤوسيهما، فيمكن تصالحهما على كيفية الاستفادة منها، وبين تدبير ملازم للخلق والإِيجاد وإدامة الحياة واستمرار الوجود، فالرئيس في الأول يقتفي السنن السائدة والرئيس في الثاني يوجد السنن ويبدعها.

3 ـ القرآن والتَّوحيد في الرّبوبية

إنَّ القرآن الكريم ينكر أي مدبّر سوى الله تعالى ويستدلّ على ذلك ببرهان ذي شقوق وقد جاء البرهان ضمن آيتين، تتكفل كل واحدة منهما ببيان بعض الشقوق منه، وإليك الآيتين:

(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(1).

(وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ)(2).

وأمَّا مجموع شقوق البرهان فبيانها بما يلي:


1. سورة الأنبياء: الآية 22.
2. سورة المؤمنون: الآية 91.


(68)

إنَّ تصور تعدّد المدبر لهذا العالم يكون على وجوه:

1 ـ أن ينفرد كل واحد من الآلهة المدبرة بتدبير مجموع الكون باستقلاله بمعنى أن يعمل كل واحد ما يريده في الكون دونما منازع، ففي هذه الصورة يلزم تعدّد التدبير، لأنَّ المدبّر متعدّد ومختلف في الذات، وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم. وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: (قُلْ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).

2 ـ وإما أن يدبر كل واحد قسماً من الكون الّذي خلقه وعندئذ يجب أن يكون لكل جانب من الجانبين نظام خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به أصلاً وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام المشهود في الكون، في حين أننا لا نرى في الكون إلاّ نوعاً واحداً من النظام يسود كل جوانبه من الذرَّة إلى المجرَّة وإلى هذا الشق أشار بقوله في الآية الثانية: (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ).

3 ـ أن يتفضل أحد هذه الآلهة على البقية ويكون حاكماً عليهم، ويُوَحّد جهودهم وأعمالهم، ويسبغ عليها الانسجام، وعندئذ يكون الإِله الحقيقي هو هذا الحاكم دون البقية وإلى هذا يشير قوله سبحانه: (وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض).

فتلخص أنَّ الآيتين بمجموعهما تشيران إلى برهان واحد، ذي شقوق تتكفل كل واحدة منهما ببيان بعضها.

التوحيد في التدبير في أحاديث أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

جاءت الأحاديث عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حول هذا القسم من التَّوحيد مركزة على الدلائل الّتي تقدم ذكرها.

يقول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «فلما رأينا الخلقَ منظماً والفُلك جارياً، واختلافَ الليل والنهار والشمس والقمر، دلّ صحة الأمر


(69)

والتدبير، وائتلاف الأمر على أنَّ المدبر واحد»(1).

وسأل هشام بن الحَكَم الإِمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «ما الدليل على أنَّ الله واحد؟» قال: «اتّصالُ التدبير وتمامُ الصُّنع كما قال الله عزّ وجل: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)(2).

سؤال وجواب

إنَّ التَّوحيد في التدبير وأنَّه لا مدبر سواه لا يجتمع مع تصريح القرآن بوجود مدبرات في الكون يقول سبحانه: (فَالمُدَبّراتِ أمراً)(3) ويقول عز وجل: (وَ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً)(4). ولا شك أنَّ هؤلاء الحفظة إذ يراقبون البشر ويحفظونهم من الشر، فلا محالة يكونون مدبرين لهم بنحو ما.

والجواب عنه بما عرفته منا غير مرة من أنَّ معنى التَّوحيد في الخالقية أو الربوبية ليس كونه سبحانه خالقاً لجميع الأشياء مباشرة وبلا سبب ولا مدبراً كذلك، بل معناه أنَّه ليس في الكون خالق أو مدبر مستقل سواه، وأنَّ قيام الأشياء الأُخرى بدور الخلقة والتدبير هو على وجه التبعية لإِرادته سبحانه. والاعتراف بمثل هذه المدبرات لا يمنع من انحصار التدبير الاستقلالي في الله سبحانه. ومن له أدنى إلمام بألف باء المعارف والمفاهيم القرآنية يقدر على الجمع بين تلكما الطائفتين من الآيات كما أوضحنا ذلك عند البحث عن الخالقية، ولأجل إيضاح الحال نأتي بكلام العلاّمة الطباطبائي في المقام.


1. توحيد الصدوق، ص 244.
2. المصدر السابق، ص 250.
3. سورة النَّازعات: الآية 5.
4. سورة الأنعام: الآية 61.


(70)

الملائكة وسائط في التدبير

الملائكة وسائط بينه تعالى وبين الأشياء بدءاً وعوداً، على ما يعطيه القرآن الكريم، بمعنى أَنَّهم أسباب للحوادث فوق المادية في العالم المشهود قبل حلول الموت والانتقال إلى نشأة الآخرة، وبعده.

أمَّا في العود، أعني حال ظهور آيات الموت وقبض الروح وإجراء السؤال وثواب القبر وعذابه، وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم بذلك مجدداً، والحشر وإعطاء الكتاب ووضع الموازين، والحساب، والسوق إلى الجنة أو النار فوساطتهم فيها غنية عن البيان. والآيات الدّالة على ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها والأخبار المأثورة فيها عن النبي وأئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ فوق حدّ الإِحصاء. وكذا وساطتهم في مرحلة التشريع من النزول بالوحي ودفع الشياطين عن المداخلة فيه، وتسديد النبي، وتأييد المؤمنين وتطهيرهم بالاستغفار.

وأمَّا وساطتهم في تدبير الأمور في هذه النشأة فيدل عليها قوله سبحانه: (وَ النَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَ النَّاشِطَاتِ نَشْطاً *وَ السَّابِحَاتِ سَبْحاً *فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً *فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً)(1).

فإنَّ المراد من «النّازعات» الّتي أقسم بها القرآن هو الملائكة الّتي تنزع الأرواح من الأجساد، و «غَرْقاً» كناية عن الشديد في النزع. والمراد من «الناشطات» الّتي تخرج الأرواح برفق وسهولة. و «السابحات» النازلة من السماء مسرعة والسبح الإِسراع في الحركة كما يقال للفرس سابح إذا أسرع في جَرْيه. و «السابقات» نَفْسُ الملائكة لأنها سبقت ابن آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح و «فالمُدبِّرات أمراً» الملائكة المدبرة لأُمور الكون.

فشأن الملائكة أن يتوسطوا بينه تعالى وينفذوا أمره كما يستفاد من قوله


1. سورة النّازعات: الآيات 1 ـ 5.


(71)

تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل ِوَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(1).

وقوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(2).

ولا ينافي ما ذكرنا (توسطهم بينه تعالى وبين الحوادث وكونهم أسباباً تستند إليها الظواهر الكونية) إسناد الحوادث إلى أسبابها القريبة المادية فإنَّ السببية طولية لا عَرْضية فإنَّ السبب القريب سبب للحادث، والسبب البعيد سبب للسبب.

كما لا ينافي توسطهم واستناد الحوادث إليهم، استناد الحوادث إلى الله تعالى، وكونه هو السبب الوحيد لها جميعاً على ما يقتضيه توحيد الربوبية فإنَّ السببية طولية كما سمعت لا عرضية. ولا يزيد استناد الحوادث إلى الملائكة استنادها إلى أسبابها الطبيعية القريبة، وقد صَدّق القرآن الكريم استناد الحوادث الطبيعية كما صدّق استنادها إلى الملائكة.

وليس لشيء من الأسباب استقلال في مقابله تعالى حتى ينقطع عنه فيمنع ذلك استناد ما استند إليه، إلى الله سبحانه على ما يقول به الوثنية من تفويضه تعالى تدبير الأمر إلى الملائكة المقربين. فالتوحيد القرآني ينفي الاستقلال عن كل شيء من كل جهة، فالملائكة لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

فَمَثَل الأشياء في استنادها إلى الأسباب المترتبة: القريبة والبعيدة، وانتهائها إلى الله سبحانه بوجه بعيد، كمثل الكتابة يكتبها الإِنسان بيده وبالقلم، فللكتابة استناد إلى القلم ثم إلى اليد الّتي توسلت إلى الكتابة بالقلم، وإلى الإِنسان الّذي توسل إليها باليد والقلم. والسبب الحقيقي هو الإِنسان المستقل بالسببية من غير أن ينافي سببيته، استناد الكتابة بوجه إلى اليد والقلم(3).


1. سورة الأنبياء: الآيتان 26 ـ 27.
2. سورة النحل: الآية 50.
3. الميزان، ج 20، ص 183 ـ 184 بتلخيص.


(72)


(73)

التوحيد في الحاكمية

(6)
انحصار حق الحاكمية في الله سبحانه

إنَّ التوحيد في الحاكمية من شؤون التوحيد في الربوبية فإنَّ الربّ بما أنَّه صاحب المربوب ومالكه، وبعبارة ثانية خالقه وموجده من العدم، له حق التصرف والتسلط على النفوس والأموال وإيجاد الحدود في تصرفاته. وهذا يحتاج إلى ولاية بالنسبة إلى المُسَلّط عليه، ولولا ذلك لعُدّ التصرف تصرفاً عدوانياً. وبما أنَّ جميع الناس أمام الله سواسية، والكل مخلوق ومحتاج إليه لا يملك شيئاً حتى وجوده وفعله وفكره، فلا ولاية لأحد على أحد بالذات والأصالة، بل الولاية لله المالك الحقيقي للإنسان والكون والواهب له وجوده وحياته كما يقول سبحانه: (هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ للهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَ خَيْرٌ عُقْباً)(1).

والاستدلال بهذه الآية على انحصار الولاية في الله سبحانه مبني على أنْ يكون اسم الإِشارة «هنالك» إشارة إلى الوقت الّذي يتنازع فيه الكافر والمؤمن في هذه الدنيا، وأنْ تكون الولاية بمعنى تولي الأُمور فهو الّذي يتولى أمر عباده(2).


1. سورة الكهف: الآية 44.
2. لاحظ مجمع البيان، ج 3، ص 472.


(74)

وعلى هذا فالحاكمية خاصة بالله سبحانه وهي منحصرة فيه وتُعد من مراتب التَّوحيد ولك أنْ تستظهر هذه الحقيقة من الآيات التالية:

(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)(1).

(أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)(2).

(لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَ الآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(3).

هذا من جانب، ومن جانب آخر إنَّ وجود الحكومة في المجتمع أمر ضروري. والمراد الحكومة الّتي تصون الحريات الفردية إلى جانب المصالح الاجتماعية، وتسعى إلى تنظيم الطاقات وتنمية المواهب، وتوقف ابناء المجتمع على واجباتهم، وتجري القوانين والسُّنن الإِلهية والبشرية. ومن المعلوم أنَّ تجسيم الحكومة وتجسيدها في الخارج وممارسة الإِمرة ليس من شأنه سبحانه بل هو شأن من يماثل المحكوم في الجنس والنوع ويشافهه ويقابله مقابلة الإِنسان للإِنسان. وعلى ذلك، فوجه الجمع بين حصر الحاكمية في الله سبحانه ولزوم كون الحاكم والأمير بشراً كالمحكوم، هو لزوم كون من يمثل مقام الإِمرة مأذوناً من جانبه سبحانه لإِدارة الأُمور والتصرف، في النفوس والأموال، وأنْ تكون ولايته مستمدة من ولايته سبحانه ومنبعثة منها ولولا ذلك لما كان لتنفيذ حكمه جهة ولا دليل.

وإنْ شئت قلت: إنَّ المقصود هو حصر الولاية الّتي تنبعث منها الحاكمية في الله سبحانه، لا حصر الإِمرة والتصدي لتنظيم البلاد، وإقرار الأمن في المجتمع. فالولاية وحق الحاكمية له سبحانه، وعلى ضوء ذلك يجب أنْ يكون المتمثل بها منصوباً من قبله سبحانه باسمه الخاص أو بوصفه المخصوص.


1. سورة الأنعام: الآية 57.
2. سورة الأنعام: الآية 62.
3. سورة القصص: الآية 70.


(75)

ولأجل ذلك نجد أنّ أُمة كبِيِرة من جنس البشر تولوا منصة الحاكمية من جانب الله سبحانه وإذنه الخاص، يديرون شؤون الحياة الاجتماعية للإِنسان. وفي ذلك يخاطب الله نبيّه داود ويقول:

(يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)(1).

إنَّ الآية الكريمة وإنْ كانت واردة في تنصيب داود على القضاء، لكن نفوذ قضائه كان ناشئاً من حاكميته الواسعة الّتي تشمل الحكم والإِمرة بحيث كان نفوذ قضائه من لوازمها وفروعها. ولم يكن القضاء في تلك الأعصار منفصلاً عن سائر شؤون الحكومة ولم يكن شأن داود منحصراً في بيان الأحكام والمعارف، بل كان يتمتع بسلطة تامة تشمل التنفيذية والقضائية، بل التشريعية أيضاً بوحي من الله سبحانه. يقول سبحانه: (وَ قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَ لَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَفَسَدَتِ الأَرْضُ)(2).

قال العلامة الطباطبائي: ويدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى قوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)(3).. فالحكم لله لا يشاركه فيه غيره على ظاهر ما يدل عليه غير واحد من الآيات، غير أنه سبحانه ربما ينسب الحكم وخاصة التشريعي منه في كلامه إلى غيره، كقوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ)(4)، وقوله للنبيّ: (وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)(5). وقوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)(6) وقوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ)(7) إلى غير ذلك


1. سورة ص: الآية 26.
2. سورة البقرة: الآية 251.
3. سورة يوسف: الآية 40.
4. سورة المائدة: الآية 95.
5. سورة المائدة: الآية 49.
6. سورة المائدة: الآية 48.
7. سورة المائدة: الآية 44.


(76)

من الآيات، فإذا انضم هذا القسم من الآيات إلى القسم الأول الحاصر له بالله سبحانه يفيد أنَّ الحكم الحق لله سبحانه بالأصالة وأوّلاً لا يستقل به أحد غيره، ويوجد لغيره بإذنه والعرض ثانياً، ولذلك عدّ تعالى نفسه أحكم الحاكمين وخيرهم لأنه لازم الأصالة والاستقلال فقال: (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)(1) وقال: (وَ هُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)(2)، وعمّ الحكم التكويني فلا يوجد ـ على ما أذكر ـ ما يدل على نسبته إلى غيره، وإنْ كان معاني عامة الصفات والأفعال المنسوبة إليه تعالى لا تأبى عن الانتساب إلى غيره انتساباً إذنياً، كالعلم والقدرة والحياة والخلق والرزق، والإِحياء والمشيئة الّتي انتسبت إلى غيره سبحانه في آيات كثيرة، ولعل عدم نسبة الحكم التكويني إلى غيره سبحانه لحُرْمَةِ جانبه تعالى لإشعار هذا الوصف بنوع من الاستقلال الّذي لا مُسَوّغ لنسبته إلى هذه الأسباب المتوسطة. ونظيرها في ذلك ألفاظ البديع والبارئ والفاطر وألفاظ أُخرى تجري مجراها في الإِشعار بمعاني تنبئ عن نوع من الاختصاص، وإنما كُفّ عن استعمالها في غير مورده تعالى رعاية لحُرمة ساحة الربوبية(3).

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أَنَّ الحاكمية فرع الولاية على المحكوم، ولا ولاية إلاّ لله سبحانه. فلا حكومة إلاّ له. غير أن تجسيد الحكومة في المجتمع، بمعنى الإِمرة عليه، ليس من شؤونه سبحانه، بل يقوم به المأذون من جانبه إمَّا بالاسم كما مرَّ في حق داود، أو بالوصف والعنوان كما هو الحال في حق العلماء والفقهاء الذين لهم الحكم والإِمرة عند غَيْبة النبي أو الإِمام المنصوص عليه بالاسم.

وعلى هذا فالحكومات القائمة في المجتمعات يجب أنْ تكون شرعيتها مستمدة من ولايته سبحانه وحكمه بوجه من الوجوه، وإذا كانت علاقتها


1. سورة التين: الآية 8.
2. سورة الأعراف: الآية 87.
3. الميزان، ج 7، ص 116 ـ 117. وسيوافيك معنى الحُكم التكويني عند البحث عن القضاء والقدر التكويني، فإن الحكم التكويني هو القضاء التكويني.


(77)

منقطعة غير موصولة به سبحانه فهي حكومات طاغوتية لا قيمة لها، فلا حاكمية لأحد على أحد إلاّ من حكَّمَهُ الله على الإِنسان في ظل شروط خاصة من العدل والقسط ورعاية الأحكام الإِلهية.

* * *


(78)


(79)

التَّوحيد في الطَّاعة

(7)
انحصار حق الطَّاعة في الله سبحانه

إنَّ انحصار حق الطَّاعة في الله سبحانه من شؤون انحصار الرّبوبية فيه سبحانه. فإنَّ الربَّ بما هو صاحب الإِنسان ومدبر حياته ومخطط مساره، وخالقه على وجه، له حق الطاعة كما له حق الحاكمية، فليس هناك مُطاع بالذات إلاَّ هو فهو الّذي يجب أنْ يُطاع ويمتثل أمره ولا يجب إطاعة غيره إلاّ إذا كان بإذنه وأمره.

وبعبارة أُخرى: إنَّ المالك للوجود بأسره وربّ الكون الّذي منه وإليه الإِنسان يجب أنْ يُطاع دون سواه. والمراد من الطاعة هو أنْ نضع ما وهبنا من الآلاء، حتى وجودنا وإردتنا، في الموضع الّذي يرضاه. والمروق من هذه الطَّاعة عدوان على المولى وظلم له، الّذي يقبحه العقل.

وأمَّا غيره تعالى، فبما أنَّه لا دخْل له في وجود الإِنسان وحياته ونعمه وآلائه بل هو أيضاً إنسان محتاج مثله، فلا يتصور له حق الطاعة إلاّ إذا أمر المطاع بالذات بإطاعته.

ولأجل ذلك نجد الآيات على صنفين صنف يعرفه سبحانه مطاعاً ويقول: (وَ قَالُوا سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(1).


1. سورة البقرة: الآية 285.


(80)

وصنف يعطف على إطاعة الله سبحانه إطاعة رسوله ولكن يجعل لزوم إطاعته مقيداً بإذنه سبحانه: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ)(1) ويقول: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)(2).

لا شك أَنَّ الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأُولي الأمر، والوالدين، وغيرهم يجب طاعتهم، وتحرم معصيتهم ومخالفتهم، لكن وجوب إطاعتهم إنما هو بأمر من الله سبحانه ولولا أمره لما كان لأحد على أحد حقّ الطاعة وبذلك تقدر على تصنيف الآيات وجمعها.

نعم، ليست طاعة الرسول منحصرة في سماع الأحكام الّتي جاء بها والعمل على طبقها، بل للرسول الأعظم مناصب وراء بيان الوحي وتبيين الأحكام، ووراء تعليم القرآن وتلاوة آياته، ومنها إصدار الأوامر والنواهي إلى المؤمنين في مختلف شؤون الحياة فإذا أمر بتجهيز الجيش والنفر إلى الجهاد ومكافحة الظالمين فله حق الطاعة عليهم، ومن خالفه فقد خالف الرسول وعصاه. وهذا بخلاف ما إذا بلّغ الرسولُ أحكام الله ورسالاته إلى الناس كالصلاة والصيام فتركهما يُعَدّ معصية لله سبحانه لا معصية للرسول. فيجب على المُوَحّد الإِمعان في هذه المجالات المختلفة ويعترف:

أوَّلاً: إنَّ الطَّاعة على وجه الإِطلاق مختصة بالله سبحانه ولا طاعة لغيره بالذات.

وثانياً: إنَّ الرسول الأعظم له مقامات فهو في مقام مبلغ وبشير ونذير، كما في إبلاغ رسالاته. وهو في الوقت نفسه في مقام آخر آمِر وناه له حق الأمر والنهي، كما هو في مقام ثالث فاصل للخصومات وقاض بين الناس فيجب تنفيذ حكمه. وتمييز هذه المقامات غير خفي لمن أمْعَن وَتَدَبّر.

* * *


1. سورة النساء: الآية 64.
2. سورة النساء: الآية 80.


(81)

التوحيد في التشريع

(8)
انحصار حق التقنين والتَّشريع في الله سبحانه

إنَّ التَّوحيد في التشريع من فروع التَّوحيد في الربوبية، فإذا كان الله سبحانه هو الربُّ والمدبّر والمدير للكون والإِنسان، والمالك والصاحب فلا وجه لسيادة رأي أحد على أحد. لأن النَّاس في مقابله سبحانه سواسية كأسنان المشط فلا فضل لأحد على أحد من حيث هو هو.

وبعبارة أُخرى: إنَّ المُشَرّع والمُقَنّنِ لا ينفك تشريعه وتقنينه عن إيجاد الضيق على الفرد والمجتمع، فينهى عن شيء تارة ويُسَوّغُه أُخرى، ويعاقب على العصيان والمخالفة. ومن المعلوم أنَّ هذا العمل يتوقف على ولاية المقنن على الفرد أو المجتمع ولا ولاية لأحد على أحد إلاَّ الله سبحانه. فلأجل ذلك لا مناص من القول بأنَّ التقنين والتشريع الّذي هو نوع تدبير لحياة الفرد والمجتمع مختص بالله سبحانه وليس لأحد ذلك الحق.

وعلى هذا الأساس لا يوجد في الإسلام أي سلطة تشريعية لا فردية ولا جماعية ولا مشرّع إلاّ الله وحدة، وأمَّا الفقهاء والمجتهدون فليسوا بمشرعين بل هم متخصصون في معرفة تشريعه سبحانه ووظيفتهم الكشف عن الأحكام بعد الرجوع إلى مصادرها وجعلها في متناول الناس.

وأمَّا ما تُعُورف في القرن الأخير من إقامة مجالس النواب أو الأُمة أو


(82)

الشورى في البلاد الإسلامية، فليست لها وظيفة سوى التخطيط لإِعطاء البرامج للمسؤولين في الحكومات في ضوء القوانين الإِلهية لتنفيذها. والتخطيط غير التقنين كما هو واضح.

وعلى ذلك فهناك مُقَنّن وَمَشَرّع وهو الله سبحانه، كما أنَّ هناك مُبَيّن وكاشف عن القوانين وهو الفقيه، وهناك جماعة الخبراء الواقفون على المصالح والمفاسد وشأنهم التخطيط والبرمجة في مجالات الزراعة والتنمية والاقتصاد والصناعة وغير ذلك ممَّا لا تتم الحياة في هذه العصور إلاّ به وهم نواب الأُمة ووكلاؤهم في تلك المجالس.

ثم إنَّ هناك آيات في الذكر الحكيم تدل بوضوح على اختصاص التشريع بالله سبحانه، نذكر بعضاً منها:

قال سبحانه: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(1).

وقال سبحانه: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(2).

وقال سبحانه: (وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(3).

فهذه المقاطع الثلاثة تعرب عن انحصار حق التقنين بالله سبحانه وذلك لأنه يصف كل من حكم بغير ما أنزل الله تارة بالكفر وأُخرى بالظلم وثالثة بالفسق، فهم كافرون لأنهم يخالفون التشريع الإِلهي بالرّدِ والإِنكار والجحود، وظالمون لأنهم يسلّمون حق التقنين الّذي هو مختص بالله سبحانه إلى غيره، وفاسقون لأنهم خرجوا بهذا الفعل عن طاعة الله تعالى.


1. سورة المائدة: الآية 44.
2. سورة المائدة: الآية 45.
3. سورة المائدة: الآية 47.


(83)

وباختصار، يَعُدّ الحُكْمَ صنفين: حكم الله تبارك وتعالى وحكم الجاهلية ويقول: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْم يُوقِنُونَ)(1).

«فالحكم حكمان: حكم الله وحكم أهل الجاهلية فمن أخطأ بحكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية»(2).

وعلى ضوء ذلك فالسلطات التشريعية السائدة في العالم، إذا كان تشريعها مطابقاً لتشريع الله سبحانه فهو حكم الله، ولو أضيف إلى المجالس فقد سبقه التشريع الإِلهي ولم يكن حاجة لتشريعه. وإن كان على خلافه فهو حكم الجاهلية حسب النصّ الشريف.

نعم ها هنا أسئلة حول اختصاص التشريع بالله سبحانه نترك الإِجابة عنها إلى الأبحاث الفقهية. ولكن نأتي بنكتة وهي أَنَّ حق التشريع على العباد من شؤون الربوبية فمن أعطى زمان التشريع إلى غيره سبحانه فقد اتخذه ربّاً ولو في بعض الشؤون لا كلّها. ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه يرمي اليهود والنصارى بأنهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)(3) ولم يكن اتِّخاذهم أرباباً لأجل عبادتهم بل لأجل دفع حق التشريع إليهم.

روى الثعلبي في تفسيره عن علي بن حاتم قال: «أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: يا علي إطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً) حتى فرغ منها فقلت له: إنَّا لسنا نعبدهم فقال: أليس يحرمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه قال: فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم».


1. سورة المائدة: الآية 50.
2. من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 3.
3. سورة التوبة: الآية 31.


(84)

ورُوي عن الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ أنّهما قالا: «أما والله ما صاموا ولا صَلُّوا ولكنهم أحَلّوا لهم حراماً وحَرّموا عليهم حلالاً، فاتَّبَعوهم وعَبَدوهم من حيث لا يشعرون»(1).

* * *


1. مجمع البيان، ج 3، ص 23. فاتخاذ الرّب وإعطاء زمان التشريع كان على وجه الحقيقة، وفي تسمية ذلك عبادة نوع تَجَوُّز وتوسع كما سيوافيك في معنى العبادة.


(85)

التوحيد في العبادة

(9)
لا معبود سوى الله

التَّوحيد في العبادة ممّا اتفق على اختصاصه بالله سبحانه جميع المسلمين بل الإِلهيّين، فلا يسجل اسم احد في سِجِلّ الموحدين أو المسلمين إلاّ أن يُخَصّص العبادة بالله وحده فلو عممها له ولغيره، لا يكون مسلماً ولا موحداً.

وهذه القاعدة الكلية لا يشك فيها أي مسلم، كيف والقرآن يصرّح بأن الغاية والهدف الأسنى من بعث الأنبياء هو الدعوة إلى التوحيد في العبادة، قال سبحانه: (وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(1). وشعار المسلمين من لدن بعثة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى يومنا هذا هو تخصيص العبادة بالله سبحانه، كيف وهم يقرأون في صلواتهم: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)(2). وكانت مكافحة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للثنويين تتركز على هذه النقطة غالباً كما هو ظاهر لمن راجع القرآن الكريم.

وبالجملة، لا تجد مسلماً ينكر أصل الضابطة والقاعدة بل الكل


1. سورة النّحل: الآية 36.
2. سورة الفاتحة: الآية 5.


(86)

متفقون على صحتها قائلون بأنّ استحقاق العبادة من شؤون الربوبية، فمن كان ربّاً فهو مستحق للعبادة، وإذ لا ربّ سواه فلا معبود سواه. وإنما الكلام في تشخيص مصاديقها وجزئياتها عن غيرها، وهذه هي المشكلة الوحيدة في هذا الفصل، فإنَّ جلّ من يَعُدّون بعض الأفعال عبادة لم يتوفقوا في تحديد العبادة تحديداً منطقياً يتميز به مصداق العبادة عن غيرها. فلأجل ذلك ضربوا الكل بسهم واحد فخلطوا العبادة بغيرها، وأجروا على الكل حكم الشّرك. ومن هنا يجب على الباحث الكلامي تحديد مفهوم العبادة حتى يتميز مصداقها عن مصداق غيرها كالخضوع والتعظيم.

وهذا البحث هو البحث الرئيسي في هذا الفصل وليس للباحث غنى عنه، ونحن نرسل الكلام في الموضوع لما نجد فيه من الأهمية الخاصة في هذه الأعصار.

ما هي العبادة؟

لفظ العبادة من المفاهيم الواضحة كالماء والأرض ولكن مع وضوح مفهومها وحضور هذا المفهوم في الذهن يصعب التعبير عنه بالكلمات، فكما هي واضحة مفهوماً، كذلك واضحة مصداقاً بحيث يسهل تمييز مصاديقها عن مصاديق التعظيم والتكريم. فتقبيل العاشق دار معشوقته، أو تراب قبرها بعد موتها لا يوصف بالعبادة، كما أن ذهاب الناس إلى زيارة من يعنيهم من الشخصيات، والوفود إلى مقابرهم، أو الوقوف أمامها احتراماً لا يعد عبادة وإنْ بلغ من الخضوع ما بلغ. ولكن لكي نعطي ضابطة كلية لتمييز المصاديق نأتي بتعاريف ثلاثة تتميز بها العبادة عن التكريم والتعظيم وإليك بيانها.

التعريف الأوّل

العبادة هي: «الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ عن الاعتقاد بألوهية المخضوع له»(1) ويتضح صدق هذا التعريف ببيان أمرين:


1. سيوافيك فيما يأتي معنى الالوهية.


(87)

الأول: إن العرب الجاهليين الذين نزل القرآن في أوساطهم وبيئاتهم، بل كل الوثنيين وعبدة الشمس والكواكب والجن، كانوا يعتقدون بألُوهية معبوداتهم، ويتخذونها آلهة صغيرة، وفوقها الإِله الكبير الّذي نسميه بـ«الله» سبحانه وتعالى.

الثاني: إنَّ العبادة عبارة عن القول أو العمل الناشئين من الاعتقاد بألوهية المعبود، وأَنَّه ما لم ينشأ الفعل أو القول من هذا الاعتقاد، فلا يكون الخضوع أو التعظيم والتكريم عبادة.

أما الأمر الأول فيدل عليه آيات كثيرة نشير إلى بعضها، يقول سبحانه:

(الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(1).

(وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً)(2).

(أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى)(3).

(وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً)(4).

فهذه الآيات تشهد على أنَّ دعوة المشركين كانت مصحوبة بالاعتقاد بألوهية أصنامهم وقد فسّر الشرك في بعض الآيات بـ«اتخاذ الإِله مع الله»، وذلك في قوله سبحانه: (وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ *إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(5).


1. سورة الحجر: الآية 96.
2. سورة مريم: الآية 81.
3. سورة الأنعام: الآية 19.
4. سورة الأنعام: الآية 74.
5. سورة الحجر: الآيات 94 ـ 96.


(88)

وفي آية أُخرى يفسّر حقيقة الشّرك بـ«اعتقاد أُلوهية المعبود» وذلك في قوله سبحانه: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(1) فجعل مِلاك الشّرك الاعتقاد بألوهية غير الله والمراد من الشّرك هنا، الشّرك في العبادة.

فبهذه الآيات ونظائرها يتجلى بوضوح تام أنَّ شركهم كان بسبب اعتقادهم ألوهية معبوداتهم وبسبب هذا الاعتقاد كانوا يعبدونها ويقدمون لها النذور والقرابين وغير ذلك من التقاليد والسنن العبادية. وبما أنَّ كلمة التَّوحيد تهدم عقيدتهم بألوهية غير الله سبحانه، كانوا يستكبرون عند سماعها كما قال عزّ وجل: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ)(2) أي يرفضون ما قيل لهم، لأنهم يعتقدون بألوهية معبوداتهم أيضاً، ويعبدونها لأنها آلهة بحسب تصورهم.

ولأجل هذه العقيدة السخيفة كانوا إذا دُعي الله وحده كفروا به، وإذا أُشرك به آمنوا كما قال سبحانه: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِي الْكَبِيرِ)(3).

وأما الأمر الثاني: فيدل عليه الآيات الّتي تأمر بعبادة الله وتنهى عن عبادة غيره، مدلّلة ذلك بأنَّه لا إله إلا الله كقوله سبحانه وتعالى: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)(4) ومعنى ذلك أنَّ الّذي يستحق العبادة هو من كان إِلهاً، وليس هو إِلاَّ الله. وعندئذ فكيف تعبدون ما ليس بإله. وكيف تتركون عبادة الله وهو الإِله الّذي يجب أن يُعبد دون سواه؟ وفي هذا المضمون وردت آيات كثيرة أخرى(5).


1. سورة الطور: الآية 43.
2. سورة الصافات: الآية 35.
3. سورة غافر: الآية 12.
4. سورة الأعراف: الآية 59.
5. قد ورد هذا المضمون في عشرة موارد أو أكثر في القرآن الحكيم ويمكن للقارئ الكريم أنْ يراجع لذلك الآيات التالية: الأعراف / 65 و73 و85، هود / 50 و61 و84، الأنبياء / 25، المؤمنون / 23 و24، طه / 14.


(89)

فهذه التعابير الّتي هي من قبيل تعليق الحكم على الوصف، تفيد أنّ العبادة هي الخضوع والتذلّل النابعين من الاعتقاد بألوهية المعبود، إذ نلاحظ بجلاء كيف إنَّ القرآن استنكر عبادة المشركين غير الله بأنَّ هذه المعبودات ليست بآلهة، وأنَّ العبادة من شؤون الألوهية، فإذا تحقق وصف الألوهية في شيء جازت عبادته واتخاذه معبوداً. وحيث أنَّ هذا الوصف لا يوجد إلاّ في الله سبحانه وجب عبادته دون سواه.

فإلى هنا اتضح أنَّ الحق في التعريف هو أنْ يقال: «إنَّ العبادة هي الخضوع النابع عن الإِعتقاد بألوهية المعبود» وإلى ذلك يشير العلاّمة الحجة المرحوم الشيخ محمد جواد البلاغي في تفسيره المسمى بـ«آلاء الرحمن» في معرض تفسيره وتحليله لحقيقة العبادة قال: «العبادة ما يرونه مشعراً بالخضوع لمن يتّخذه الخاضع إليهاً ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالأُلوهية»(1).

لقد صَبَّ العلامة البلاغي ما يدركه فطرياً للعبادة في قالب الألفاظ والبيان. والآيات المتقدمة تؤيد صحّة هذا التعريف واستقامته.

التَّعريف الثاني

العبادة هي: «الخضوع أمام من يعتقد بأنه يملك شأنا من شؤون وجود العابد وحياته وآجله وعاجله».

توضيح ذلك: إنَّ العبودية من شؤون المملوكية ومقتضياتها، فعندما يحسّ العابد في نفسه بنوع من المملوكية، ويحسّ بالمالكية في الطرف الآخر، يُفرغ إحساسه هذا، في الخارج، في ألفاظ وأعمال خاصة، وتصير الألفاظ والأعمال تجسيداً لهذا الإِحساس، ويكون كل عمل أو لفظ مُظْهِر لهذا الإِحساس العميق، عبادة.


1. آلاء الرحمن، ص 57، طبعة صيدا. وقد طبع من هذا التفسير جزءان فقط.


(90)

ولا شك أنْ ليس المقصود بالمالكية، مطلق المالكية، فالاعتقاد بالمالكية القانونية والاعتبارية لا يكون أبداً موجباً لصيرورة الخضوع عبادة. والبشر في عصور «العبوديات الفردية» بالأمس، و«العبودية الجماعية» في الحاضر، لا يعدون امتثالهم لأوامر أسيادهم عبادة. وإنما المقصود من المملوكية هنا، القائمة على أساس الخلق والتكوين والتسلّط على شأن من شؤون التكوين. فالمالكيات الحقيقية لها مناشئ مختلفة وهاك بيانها:

1 ـ قد يوصف بالمالكية لكونه خالقاً، ومن هنا يكون الله سبحانه مالكاً حقيقياً للبشر لأنه خالقه وموجوده من العدم. ولهذا نجد القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات الشاعرة عبيداً لله، ويصفهم تعالى بأنه مالكهم الحقيقي وذلك لأنه خلقهم، إذ يقول سبحانه: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنِ عَبْداً)(1).

ولأجل ذلك أيضاً نجده سبحانه يأمرهم بعبادة نفسه معللاً بأنه هو ربّهم الّذي خلقهم دون سواه، إذ يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(2) ويقول جل شأنه: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْء فَاعْبُدُوهُ)(3).

2 ـ ويوصَف بالمالكية لكونه رازقاً ومحيياً ومميتاً، ولذلك يحس كل إنسان سليم الفطرة بمملوكيته لله تعالى، لأنَّه سبحانه مالك حياته ومماته ورزقه. ومن هنا يلفت القرآن نظر البشر إلى مالكية الله تعالى لرزق الإِنسان وأنه تعالى هو الّذي يميته وهو الّذي يحييه، ليلفته من خلال ذلك إلى أنَّ الله هو الّذي يستحق العبادة فحسب، إذ يقول عزّ من قائل: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)(4). ويقول سبحانه: (هَلْ لَكُمْ مِمَّا


1. سورة مريم: الآية 93.
2. سورة البقرة: الآية 21.
3. سورة الأنعام: الآية 102.
4. سورة الروم: الآية 40.


(91)

مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ)(1) يقول تعالى: (هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ)(2).

3 ـ ويوصَف بها لكون الشفاعة والمغفرة بيده، وحيث إنَّ الله تعالى هو المالك للشفاعة المطلقة لقوله تعالى: (قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)(3)، ولمغفرة الذنوب لقوله تعالى: (وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ)(4)، بحيث لا يملك أنْ يشفع أحد لأحد من العباد إلاَّ بإذنه، لذلك يشعر الإِنسان في قَرارَة ضميره بأنَّ الله سبحانه مالك مصيره من حيث السعادة الأُخروية، وإذا أحس إنسان بمملوكية كهذه ومالكية كتلك، ثم جَسَّد هذا الإِحساس في قالب اللفظ أو العمل، كان عابداً له بلا ريب.

وإلى ذلك يرجع ما ربما يفسّر العبادة بأنَّها خضوع أمام من يعتقد بربوبيته، فمن كان خضوعه العملي، أو القولي أمام أحد نابعاً من الاعتقاد بربوبيته، كان بذلك عابداً له. ويكون المقصود من لفظة «الرّب» في هذا التعريف هو المالك لشؤون الشيء، القائم بتدبيره وتربيته.

ويدل على ذلك أنَّ قسماً من الآيات تعلل الأمر بحصر العبادة في الله وحده بأَنه الربّ، فمن ذلك قوله سبحانه: (وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ)(5). وقوله سبحانه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(6). وقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)(7). وغير ذلك من الآيات الّتي تجعل العبادة دائرة مدار


1. سورة الروم: الآية 28.
2. سورة يونس: الآية 56.
3. سورة الزُّمر: الآية 44.
4. سورة آل عمران: الآية 135.
5. سورة المائدة: الآية 72.
6. سورة الأنبياء: الآية 92.
7. سورة آل عمران: الآية 51.


(92)

الربوبية(1).

التعريف الثالث

ويمكننا أَنْ نصبَّ إدراكنا للعبادة في قالب ثالث فنقول: العبادة هي «الخضوع ممن يرى نفسه غير مستقل في وجوده وفعله، أمام من يكون مستقلاً فيهما». وليس الغني المستقل إلا الله سبحانه، وقد وصف نفسه تعالى في غير موضع من كتابه بالقيوم قال عز من قائل: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيّومُ)(2)وقال سبحانه: (وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ)(3). ولا يراد منه سوى كونه قائماً بنفسه، ليس فيه أيّة شائبة من شوائب الفقر والحاجة إلى الغير، بل كل ما سواه قائم به.

وبعبارة أُخرى: العبادة نداء الله تعالى وسؤاله، والقيام بخضوع في محضره، وطلب حاجات الدنيا والآخرة منه على أَنه الفاعل المختار والمالك الحقيقي لأُمور الدنيا والآخرة كلها، والمتصرف فيها، فلو نودي موجود آخر بهذا الوصف، تماماً أو بعضاً، فالنداء عبادة له وشرك فيه، والمنادي مشركٌ بلا كلام. فالذي يجب التركيز عليه هو أَن نعرف ما هو فعل الله سبحانه ونميزه عن فعل غيره وصلاحيته، حتى لا نقع في ورطة الشرك عند طلب شيء من الأَنبياء والأَولياء وغيرهم من الناس، فنقول:

إنَّ من أَقسام الشرك هو أَنْ نطلب فعل الله تعالى من غيره، ومن المعلوم أَنَّ فعل الله تعالى ليس هو مطلق الخلق والتدبير والرزق سواء أكان عن استقلال أم بإِذن الله لأَنه سبحانه نسبها إلى غيره في القرآن، بل هو القيام بالفعل مستقلاً من دون استعانة بغيره، فلو خضع أحد أمام آخر بما أنه


1. لا حظ الآيات الكريمات التاليات: يونس: الآية 3، الحجر: الآية 99، مريم: الآيتان 36 و65، الزخرف: الآية 64.
2. سورة البقرة: الآية 255، وآل عمران: الآية 2.
3. سورة طه: الآية 111.


(93)

مستقل في فعله سواء أكان الفعل فعلاً عادياً كالمشي والتكلّم، أم غير عادي كالمعجزات الّتي كان يقوم بها سيدنا المسيح ـ عليه السَّلام ـ مثلاً، من خلق الطَّير من الطين وإِبراء الأَكْمَه والأَبرص وإِحياء الموتى والإِنباء بالمغيّبات، يُعَدُّ الخضوع عبادة للمخضوع له.

توضيح ذلك: إِنَّ الله سبحانه غني في فعله، كما هو غني في ذاته عما سواه، فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت من دون أَنْ يستعين بأَحد ـ سواء في أَفعاله المباشرية أو التسبيبية ـ أو يستعين في خلقه بمادة قديمة غير مخلوقة له. فلو اعتقدنا بأَن أَحداً مستغن في فعله العادي وغير العادي عمن سواه، وأَنه يقوم بما يريد من دون استمداد واحتياج إلى أحد حتى الله سبحانه، فقد أَشركناه مع الله واتخذناه نداً له تعالى.

فالمِلاك في هذا التعريف هو «استقلال الفاعل» في فعله، وعدم استقلاله. والتوحيد بهذا المعنى ممّا يشترك فيه العالم والجاهل.

نعم ما يدركه المتألّه المثالي من التفاصيل في مورد الاستقلال في المعبود، وعدمه في العابد على ضوء الأدلة العقلية والكتاب العزيز، ممَّا يدركه غيره أيضاً بفطرته الّتي خلق عليها، فلا يلزم من اختصاص فهم التفاصيل بهذه الطبقة (أي المتألّهين البصيرين) حرمان الجاهلين من فهم معاني العبادة ومشتقاتها الواردة في القرآن ومحاوراتهم العرفية، فالعبادة بهذا المعنى ـ أي باعتقاد كون المعبود مستقلاً ـ يشترك فيه العالم والجاهل، والكامل وغير الكامل، غير أنَّ كل فرد من الناس يفهمه على قدر ما أُعطي من الفهم والدرك كما قال سبحانه: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)(1) وحيث إنَّ الدارج في ألسِنَة المتكلمين في المقام التعبير بـ«التفويض» فلنشرح مقاصدهم.


1. سورة الرعد: الآية 17.


(94)

ماذا يراد من التفويض؟

اتَّفقت كلمة الموحدين على أنَّ الاعتقاد بالتفويض موجب للشّرك، وأنَّ الخضوع النابع من ذاك الاعتقاد يُعَدّ عبادة للمخضوع له، والتفويض يتصور في أمرين:

1 ـ تفويض الله تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والأنبياء والأولياء، ويسمى بالتفويض التكويني.

2 ـ تفويض الشؤون الإِلهية إلى عبادة كالتقنين والتشريع، والمغفرة والشفاعة، ممّا يعد من شؤونه سبحانه ويسمى بالتفويض التشريعي.

أمَّا القسم الأول:

فلا شك أنَّه موجب للشرك، فلو اعتقد أحد بأنَّ الله فوّض أمور العالم وتدبيرها من الخلق والرزق والإِماتة ونزول الثلج والمطر وغيرها من حوادث العالم إلى ملائكته أو صالحي عباده، فقد جعلهم أنداداً له سبحانه، إذ لا يعني من التفويض إلاّ كونهم مستقلين في أفعالهم، منقطعين عنه سبحانه فيما يفعلون وما يريدون.

فالأمر دائر بين كون العبد ذا فعل بالاستقلال والانقطاع عن الله سبحانه(1) أو كونه إذا شأن بأمره تعالى وإذنه ومشيئته ولا قسم ثالث. والأول منهما هو التفويض. وأما الثاني وهو الاعتقاد بأنَّ القديسين من الملائكة والجنّ أو الأنبياء أو الأولياء مدبرون للعالَم بإذنه ومشيئته وأمره وقدرته من دون أنْ يكونوا مستقلين فيما يفعلون، أو مفوّضين فيما يعملون، فليس موجباً


1. وهو قسمان استقلال العبد في الأفعال الراجعة إلى تدبير العالم والحوادث الواقعة فيه وهو محل البحث. واستقلاله في أفعال نفسه كمَشْيِه وتكلمه وهو ما يأتي البحث عنه في الجبر والتفويض وهو الفصل السَّادس من الكتاب.


(95)

للشرك، بل أمره دائر حينئذ بين كونه صحيحاً مطابقاً للواقع ـ كما في الملائكة ـ أو غَلَطاً مخالفاً له، كما في الأنبياء والأولياء، فإنهم غير واقعين في سلسلة العلل والأسباب بل هم كسائر الناس يستفيدون من النظام الطبيعي بحيث يختل عيشهم وحياتهم عند اختلال تلك النُّظم. ومعلوم أنه ليس كل مخالف للواقع يعتبر شركاً، إذ عند ذاك يحتل الولي مكان العلّة الطبيعية والنظم المادية، وليس الاعتقاد بوجود هذا النوع من العلل والأسباب مكان النظم المادية للظاهرة شركاً.

وقد مرَّ أنَّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعاً من الاستقلال في الفعل وكانوا يتوجهون إليها على هذا الأساس. وقد جاء في السيرة أنه لما أصاب المسلمين مطر في الحديبية لم يبلّ أسفل نعالهم أي ليلاً، فنادى منادي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مناديه أنْ ينادي ألا صَلّوا في رحالكم. وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ صبيحة ليلة الحديبية لما صلّى بهم: «أتدرون ما قال ربّكم». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال الله عز وجل: «صَبَّحَ بي مِنْ عِبادِي مُْؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنا بِرَحْمَةِ الله وَفَضْلِه، فهو مُْؤمِنٌ بالله وكافِرٌ بالكَواكِب، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنا بِنَجْم كِذَا ـ وفي رواية: بِنَوْءِ كذا وكذا ـ فهو مُْؤمِنٌ بالكَواكِبِ وكافرٌ بِي»(1).

وأمَّا القسم الثاني

وهو الاعتقاد بأنَّ الله سبحانه فوضّ إلى أحد مخلوقاته بعض شؤونه كالتقنين والتشريع والشفاعة والمغفرة، فلا ريب أنه شرك بالله، واتخاذ ندّ له كما يقول سبحانه: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ)(2) والموجود لا يكون ندّاً لله سبحانه، إلاَّ إذا كان قائماً بفعل أو


1. السيرة الحلبية، ج 3، ص 29.
2. سورة البقرة: الآية 165.


(96)

شأن من أفعال الله وشؤونه سبحانه مستقلاً، لا ما إذا قام به بإذن الله وأمره، فلا يكون عندها ندّاً، بل عبداً مطيعاً له مؤتمراً بأمره، منفذاً لمشيئته تعالى، هذا.

وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى والعرب الجاهليين اعتقاد فريق منهم بأنَّ الله سبحانه فوّض حقّ التقنين والتشريع إلى الرُّهبان والأحبار كما يقول القرآن الكريم: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ)(1)، وأنَّ الله فوّض حقّ الشفاعة والمغفرة ـ اللّذيْن هما من حقوقه المختصة به ـ إلى أصنامهم ومعبوداتهم، وأن هذه الأصنام والمعبودات «مستقلة» في التصرف في هذه الشؤون، فهي شفعاؤهم عند الله، ولأجل ذلك كانوا يعبدونها، كما يقول عزّ مِنْ قائل: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)(2). ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنَّه لا يشفع أحد إلاَّ بإذن الله، فلو كان المشركون يعتقدون بأنَّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن الله لما كان لهذا الإِصرار على مسألة متفق عليها بين المشركين، أيّ مبرر. على أن ذلك الفريق من الجاهليين إنما كانوا يعبدون الأصنام لكونها تملك شفاعتهم، وأنَّ عبادتها توجب التقرب إلى الله، لا لكونها خالقة أو مدبرة للكون، وفي هذا يقول القرآن الكريم حاكياً مقالتهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)(3).

زبْدَة المقال

خلاصة القول في المقام، إنَّ أي عمل ينبع من الاعتقاد بأنَّ الله سبحانه إله العالم أو ربّه أو غني في فعله، ويكون كاشفاً عن هذا النوع من التسليم المطلق، يعد عبادة له، ويكون صاحبه مشركاً إذا فعل ذلك لغير الله.


1. سورة التوبة: الآية 31.
2. سورة يونس: الآية 18.
3. سورة الزمر: الآية 3.


(97)

ويقابل ذلك، القول والفعل والخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد. فخضوع أحد أمام موجود وتكريمه ـ مبالغاً في ذلك ـ من دون أن ينبع من الإِعتقاد بألوهيته، لا يكون شركاً ولا عبادة لهذا الموجود، وإن كان من الممكن أن يكون حراماً. مثل سجود العاشق للمعشوقة أو المرأة لزوجها، فإنه وإن كان حراماً في الشريعة الإِسلامية لكنه ليس عبادة بل حرمته لوجه آخر فالعبادة والتحريم شيئان.

ومن هذا البيان يتضح جواب سؤال يطرح نفسه في هذا المقام وهو: إذا كان الاعتقاد بالألوهية أو الربوبية أو التفويض، شرطاً في تحقق العبادة فيلزم من ذلك جواز السجود لأي شخص من دون ضمّ هذه النية.

ويجاب عليه: بأنَّ السجود حيث إنَّه وسيلة عامة للعبادة، وحيث إنَّ الله تعالى يُعبد بها عند جميع الأقوام والملل والشعوب، وصار بحيث لا يراد منه إلاّ العبادة، لذلك لم يسمح الإِسلام بأنْ يستفاد من هذه الوسيلة العالمية حتى في الموارد الّتي لا تكون عبادة. وهذا التحريم إنما هو من خصائص الإسلام إذ لم يكن حراماً قبله، وإلاّ لما سجد يعقوب وأبناؤه ليوسف ـ عليه السَّلام ـ إذ يقول عز وجل: (وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً)(1). ومن هذا القبيل سجود الملائكة لآدم كما يقول سبحانه: (وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدمَ ...)(2) فإنه لم يكن إلاّ سجود تكريم واحترام.

قال الجصاص: «قد كان السجود جائزاً في شريعة آدم ـ عليه السَّلام ـ للمخلوقين ويشبه أنْ يكون قد كان باقياً إلى زمان يوسف ـ عليه السَّلام ـ فكان فيما بينهم لمن يستحق ضرباً من التعظيم ويراد إكرامه وتبجيله، بمنزلة المصافحة والمعانقة فيما بيننا، وبمنزلة تقبيل اليد، وقد روي عن النبي ـ عليه السَّلام ـ في إباحة تقبيل اليد أخبار، وقد روي الكراهة إلاَّ أنَّ السجود


1. سورة يوسف: الآية 100.
2. سورة البقرة: الآية 34.


(98)

لغير الله على وجه التكرمة والتحية منسوخ بما روت عائشة وجابر وأنس إنَّ النبي قال: «ما ينبغي لبشر أنْ يسجد لبشر، ولو صَلُح لبشر أنْ يسجد لبشر لأمَرْتُ المرأة أنْ تسجد لزوجها من عظم حقه عليها»(1).

والحاصل: إنَّ خضوع أحد أمام آخرين لا باعتقاد أنهم «آلهة» أو «أرباب» أو «مصادر للأفعال والشؤون الإِلهية» بل لأن المخصوع لهم مستوجبون للتعظيم لأنهم: (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ِوَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(2)، ليس هذا الخضوع والتعظيم والتواضع والتكريم عبادة قطعاً. وقد مدح الله تعالى فريقاً من عباده بصفات تستحق التعظيم عندما قال: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)(3). وقال في اصطفاء إبراهيم: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(4). فهذه الأوصاف العظيمة توجب نفوذ محبتهم في القلوب والأفئدة وتستوجب احترامهم في حياتهم وبعد مماتهم. بل إنَّ بعض الأولياء ـ عليهم السَّلام ـ فُرضت على المسلمين محبتهم بنصّ القرآن إذ يقول سبحانه وتعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(5).

وعلى ما ذكرنا لا يكون تقبيل يد النبي، أو الإِمام، أو المعلم، أو الوالدين، أو تقبيل القرآن أو الكتب الدينية، أو أضرحة الأولياء وما يتعلق بهم من آثار، إلا تعظيماً وتكريماً، لا عبادة.

إلى هنا تبينت واتضحت حقيقة العبادة بالتعريفات الثلاثة الّتي ذكرناها وأسهبنا في توضيحها ويمكنك بعد ذلك أنْ تعرف مدى وهن التعريفات الأُخرى الّتي تُذكر للعبادة ونذكر منها التعريفين التاليين:


1. أحكام القرآن، ج 1، ص 32 لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصَّاص المتوفّى عام (370 هـ ق).
2. سورة الأنبياء: الآيتان 26 ـ 27.
3. سورة آل عمران: الآية 33.
4. سورة البقرة: الآية 124.
5. سورة الشورى: الآية 23.


(99)

تعريفان ناقصان للعبادة

أ ـ العبادة: «خضوع وتذلّل».

وقد ورد هذا التعريف في كتب اللّغة، ولكنه لا يعكس المعنى الحقيقي للعبادة الّذي نردده في قولنا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). وإنما هو معنى مجازي لمناسبة ما يلازم العبادة الحقيقية عادة من إظهار الخضوع والتذلّل. وقد استعملت العبادة في هذا المعنى المجازي في القرآن الكريم في حكايته قول موسى ـ عليه السَّلام ـ : (وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)(1) ويدلنا على أنَّ هذا المعنى ليس حقيقياً للعبادة أمران:

الأول: لو كانت العبادة مرادفة في المعنى للخضوع والتذلّل، لما أمكننا أنْ نعتبر أي إنسان موحداً لله لأن البشر بفطرته ـ يخضع لمن يتفوق عليه، معنوياً أو مادياً، كالتلميذ يخضع لأُستاذه، والولد لوالديه، والمحب لحبيبه، والمستعطي لمعطيه.

الثاني: إنَّ القرآن الكريم يأمر الإِنسان بأنْ يتذلّل لوالديه فيقول: (وَ اخْفِضْ لَهُمَا جُنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)(2) فلو كان الخضوع والتذلّل معناه عبادة مَنْ تَذَلّلت له، لاستلزم الحكم بكفر من يَبرّ والديه، والحكم بتوحيد من يَعق والديه.

ب ـ العبادةُ «نهاية الخضوع».

لقد حاول بعض المفسرين بعد أن أدركوا نقصان تعريف اللغويين للعبادة ـ ترميم هذا النقص وإصلاحه فقالوا: «العبادة: نهاية الخضوع بين يدي من تدرك عظمته وكماله». وهذا التعريف يشترك مع سابقه في النقص والإِشكال وذلك:


1. سورة الشعراء: الآية 22.
2. سورة الإسراء: الآية 24.


(100)

1 ـ لأنَّ الله تعالى يأمر الملائكة بالسجود لآدم فيقول: (وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ)(1) والسجود هو نهاية التذلّل والخضوع للمسجود له، فإذا كان معنى العبادة هو نهاية الخضوع فإنه يستلزم القول بكفر الملائكة الذين سجدوا لآدم امتثالاً لأمره تعالى مع ما رواه فيه من الاختصاص بعلم الأسماء كلها.

2 ـ إنَّ إخوة يوسف ووالديه سجدوا جميعاً ليوسف بعد استوائه على عرش الملك والسلطنة كما يقول تعالى: (وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)(2).

والرؤيا الّتي أشار إليها يوسف في الآية هي ما أشار إليه تعالى بقوله: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)(3).

3 ـ إنَّ كل المسلمين اقتداء برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يُقَبّلون الحجر الأسود المستقر في زاوية الكعبة المُشَرَّفة، ويتبركون به، ونفس العمل هذا يقوم به عُبَّاد الأصنام تجاه أصنامهم مع العلم أَنَّ عملهم ذلك شرك قطعاً، وعمل المسلمين توحيد قطعاً.

إذن ليس معنى العبادة نهاية الخضوع والتذلّل، وإن كان ذلك من أركانها، ولكنه ليس الركن الوحيد لأن العبادة كما عرفت هي الخضوع والتذلّل المقرون بالاعتقاد الخاص «وهو الاعتقاد بألوهية المعبود» على ما عرفت ذلك مفصلاً.

* * *


1. سورة البقرة: الآية 34.
2. سورة يوسف: الآية 100.
3. سورة يوسف: الآية 4.


(101)

نتائج البحث

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي: إنَّ العبادة ليست سوى إظهار الخضوع أمام موجود يعتقد بأنَّه إله أو ربّ أو مُفَوَّض إليه الأفعال الإِلهية، فلو كان الخضوع خالياً عن هذا الإِعتقاد فلا يعد عبادة ولا شركاً فيها. وأمَّا كونه جائزاً أولا، نافعاً أوْلا، فالكل خارج عن إطار البحث. وبذلك يتضح أنَّ كثيراً من الموضوعات الّتي تُعَرّفها فرقة الوَهابية عبادة لغير الله وشركاً به، ليس صحيحاً على إطلاقه، وإنما هو شرك وعبادة على وجه، وخضوع عقلائي على وجه آخر. ولا يكون شركاً إلاَّ إذا كان المخضوع له معنوناً بأحد العناوين الثلاثة الآتية:

أ ـ إنَّه إله، ب ـ إنه رب، ج ـ إنه مفوَّض إليه فعل الإِله.

ومن تلك الموضوعات

1 ـ التوسل بأولياء الله.

2 ـ الإِستعانة بأولياء الله في حياتهم.

3 ـ الإِستعانة بأرواحهم بعد مماتهم.

4 ـ طلب الشفاعة منهم في الحياة والممات.

5 ـ استحلاف الله سبحانه بحق الأولياء.

6 ـ الاستغاثة بأولياء الله.

7 ـ الحلف بغير الله.

8 ـ الاعتقاد بالقدرة الغيبية لأولياء الله.

9 ـ التبرك والاستشفاء بآثارهم.

10 ـ النذر لأهل القُبور.

وغير ذلك ما أوجد به الوهابيّون صخباً وهياجاً بين السطحيين من المسلمين المتأثرين بأفكارهم.

فإن الكلمة الحاسمة في هذه الموضوعات من وجهة التوحيد والشرك هي محاسبة عقيدة القائم بهذه الأفعال والدقة فيما يعتقد به. فلو قام بها على


(102)

أنَّ أولياء الله آلهة (آلهة صغيرة وإن كان فوقها إله كبير)، أو أنهم أرباب مدبرون ومديرون للكون كله أو بعضه، أو أنهم مُفَوّض إليهم أفعال الله سبحانه، فلا شك أنَّ أقل عمل صادر من أي شخص بهذه النية، حتى ولو كان كتقبيل الضريح ولمس القبر، يتصف بالعبادة، ويكون العامل مشركاً غير موحد في العبادة.

وأمَّا إذا قام بها مجردة عن تلك العقيدة، بل بما أنهم عباد مُخْلَصون مكرّمون، كرّسوا حياتهم في طريق رضا الله سبحانه، وقاموا ببذل النفس والنفيس في سبيله فلا يعد عبادة حتى ولو ركعوا وسجدوا لهم. وقد عرفت أنّ سجود الملائكة لآدم ويعقوب وأبناءه ليوسف كان مجسداً لأعظم خضوع وتعظيم، ولم يكن شركاً في العبادة. وأنَّ العرب الجاهليين كانوا واقعين في حبائل الشرك لا لأجل الخضوع المجرد للأصنام والأوثان، بل لأجل اعتقاد الألوهية والربوبية في حقهم واعتقادهم باستقلالهم بالنفع ونفوذ المشيئة. يقول سبحانه موبخاً إيَّاهم يوم القيامة على ما اعتقدوه للأصنام من الاستقلال في إيصال النفع ودفع الضرر: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ)(1). ويقول حاكياً اختصامهم يوم القيامة إنهم يخاطِبون من اعتقدوا فيهم الربوبية وخصائصها: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(2) فانظر إلى هذه التسوية الّتي اعترفوا بها حيث يصدق الكذوب ويندم المجرم حين لا ينفعه ندم. فالتسوية المذكورة هي الّتي صيّرتهم مشركين، سواء أكانت تسوية في جميع الصفات أو في بعضها.

وممَّا يدل على اعتقادهم الربوبية في معبوداتهم، قوله سبحانه: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله)(3)، وغير ذلك من الآيات الدّالة على أنهم كانوا يعتقدون في الأوثان والأصنام شيئاً من


1. سورة الشعراء: الآيتان 92 ـ 93.
2. سورة الشعراء: الآيتان 97 ـ 98.
3. سورة البقرة: الآية 165.


(103)

الأُلوهية والربوبية ولمعة من التفويض. فلولا هذا الاعتقاد لما اصطبغ العمل بالشرك بل صار بين كونه أمراً عقلائياً مفيداً كما إذا كان الخضوع عن حق كالخضوع للأنبياء والأولياء والعلماء والصلحاء والآباء والمُرَبّين، وكونه عملاً لاغياً غير مفيد إذا وقع في غير محله على ما عرفت.

فأنت بعدما وقفت على تحديد العبادة تقدر على القضاء في المسائل السابقة المطروحة من جانب الوهابية.

* * *


(104)


(105)

التوحيد في الشفاعة والمغفرة و...

(10)

قد تعرفت على أهم أصناف التوحيد وأقسامه وأنَّ الموحد الحقيقي من يوحّد الله تعالى في جميع المجالات سواء فيما كان راجعاً إلى ذاته وصفاته أو إلى أفعاله أو إلى تخصيص العبادة به. هذا هو التقسيم الدارج بين المتكلمين لاسيما العدلية منهم فتراهم يقسّمون التَّوحيد إلى المراتب المذكورة ويقولون: «ينقسم التَّوحيد إلى: التوحيد الذاتي والتَّوحيد الصفاتي، والتَّوحيد الأفعالي والتوحيد العبادي». ونحن حرصاً على تفسير مراتب التوحيد فصلناه على النحو الّذي تعرفت عليه. والّذي يجب التنبيه عليه أنَّ التوحيد في الخالقية، والربوبية، والحاكمية، والتشريع من فروع التوحيد الأفعالي فهذا اللفظ يعمّ تلك الأقسام كلها الّتي ذكرناها، كما يعمّ ما لم نذكر من أفعاله سبحانه، كالمغفرة وحق الشفاعة وغيرهما. فمعنى التوحيد الأفعالي هو: تخصيص فعله سبحانه بذاته وأنَّه لا يقوم به إلاّ هو وعلى ذلك فلو كنّا في مقام التفصيل لوجب علينا أنْ نقول: إنَّ الموحّد من يشهد بأنَّ كل فعل يعد من خصائصه سبحانه لا يسند إلاّ إليه، سواء أكان من قبيل الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة والمغفرة وحق الشفاعة أو غيرها.

وإنما ذكرنا الشفاعة والمغفرة وخصصناهما بالذكر لوقوع الشرك فيهما بين المشركين في عصر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، كما أنَّ جماعات


(106)

من المسيحيين مشركون في مجال المغفرة. فقد فوضت الطائفتان حق الشفاعة إلى بعض عباده سبحانه وعزلوه عن حقه ومقامه.

توضيح ذلك: إنَّ هناك آيات تخص الشفاعة بالله لا يشاركه فيها غيره مثل قوله سبحانه: (وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(1).

وقوله سبحانه: (قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(2) وغير ذلك من الآيات.

غير أنَّ بعض المشركين كانوا يعبدون الأصنام معتقدين بأنَّ الشفاعة حق مطلق لهم، وأن الله فَوّض ذلك الحقَّ إليهم يقول سبحانه: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّموَاتِ وَ لاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(3) وقال سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لاَ يَعْقِلُونَ)(4).

فهاتان الآيتان تردان على المشركين بأنَّ الأصنام لا تملك شيئاً، فكيف تشفع لهم؟! وقد أبطل سبحانه هذ المزعمة بصور مختلفة قال سبحانه: (وَ الأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ)(5) وقال: (وَ رَأَوُا الْعَذَابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)(6). فهذه الآيات الّتي مرّت عليك تخصّ حق الشفاعة بالله سبحانه وتسلب عن الأصنام حقّها. فمن زعم أنَّ الشفاعة على وجه المِلْكِيّة التامة بيد المخلوق فهو مشرك.


1. سورة الأنعام: الآية 51.
2. سورة الزمر: الآية 44.
3. سورة يونس: الآية 18.
4. سورة الزُّمر: الآية 43.
5. سورة الإِنفطار: الآية 19.
6. سورة البقرة: الآية 166.


(107)

وأمَّا من قال بأنَّ هناك عباداً صالحين تقبل شفاعتهم عند الله في إطار خاص وشرائط معينة في الشفيع والمشفوع له بإذن منه سبحانه، فهو لا ينافي اختصاص حقّ الشفاعة بالله سبحانه. كيف وقد ورد النصّ بشفاعة طائفة عند الله بإذنه قال سبحانه: (يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً)(1).

وبذلك يظهر حال المغفرة. فإنَّ المغفرة وحطّ الذنوب والتكفير عن السيئات حقه سبحانه. ومن زعم أنَّ غيره سبحانه يملك أمر الذنوب ويغفرها ويكفر عنها فهو مشرك في مجال التَّوحيد الأفعالي. وقد صرّح سبحانه في الذّكْر الحكيم باختصاصها به قال عزّ وجل: (أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(2)وقال سبحانه: (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ)(3). فالموحّد في هذا المجال لا يرى مثيلاً لله سبحانه في أمر المغفرة. وأما الأنبياء والأولياء فلهم حقّ الاستغفار للمذنبين، كما أنَّ للمذنبين الرجوع إليهم والطلب منهم أنْ يستغفروا لهم قال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً)(4). وقال سبحانه حاكياً عن أبناء يعقوب: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(5). ومع ذلك كله فالمغفرة بيد الله سبحانه.

هذا تمام الكلام في التوحيد بأقسامه ولنشرع في سائر صفاته الجلالية.

* * *


1. سورة طه: الآية 109.
2. سورة الشورى: الآية 5.
3. سورة آل عمران: الآية 135.
4. سورة النساء: الاية 64.
5. سورة يوسف: الآيتان 97 ـ 98.


(108)


(109)

الصّفات السَّلبية

(2)
ليس بجسم ولا في جهة ولا محلّ،
ولا حالّ ولا متّحد

اتّفقت كلمة أهل التنزيه تبعاً للأدلة العقلية والنقلية على أنَّه سبحانه جميل أتم الجمال، وكامل أشدّ الكمال، لا يتطرق إليه الفقر والحاجة، وهو غني بالذات، وغيره محتاج إليه كذلك.

أمَّا العقل، فلأن كل متصوَّر إمَّا أن يكون واجب الوجود أو مُمْكِنَهُ أو مُمْتَنِعَهُ. والثالث غير مطروح في المقام. والممكن لا يتصف بالألوهية، فيبقى أن يكون واجب الوجود هو الّذي تنتهي إليه سلسلة الموجودات. وما هو واجب الوجود لا يكون فقيراً ومحتاجاً في ذاته وفعله، لأنَّ الفقر آية الإِمكان.

وأمَّا النقل، فيكفي في ذلك ما ورد من الآيات من توصيف نفسه بالغناء قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَ اللهُ هُوَ الْغَني الْحَمِيدُ)(1).

إنَّ معنى كون أسمائه وصفاته توقيفية، لا يهدف إلاَّ إلى أنَّه ليس لإنسان تسميته باسم أو وصف إلاَّ بما ورد في الكتاب والسُّنة وأمَّا تنزيهه


1. سورة فاطر: الآية 15.


(110)

سبحانه عن كل شين وعيب، وعن كل ما يناسب صفة المخلوق فليس ذلك أمراً توقيفياً، والتوقف حتى في تنزيهه سبحانه عن صفات المخلوقين، ونقص الممكنات، ليس أمراً توقيفياً، وإلاَّ لكان معنى ذلك تعطيل باب المعارف. ومن يتوقف في تنزيهه عن هذه الصفات غير المناسبة لساحته سبحانه فهو مُعَطّل في باب المعرفة، عِنّين في ذلك المجال قال سبحانه: (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)(1).

وعلى ذلك يترتب نفي كل صفة تناسب صفة الممكنات وكل نقص لا يجتمع مع الغنى ووجوب الوجود، سواء أكان داخلاً فيما عددناه في عنوان البحث أو خارجاً عنه، غير أنا توضيحاً للبحث نشير إلى دليل كل واحد ممّا أوردناه في العنوان.

1 ـ ليس بجسم

عُرّف الجسم بتعاريف مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. وعلى كل تقدير فالجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وعلى قول ما يشتمل على الأبعاد الأربعة بإضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية.

وهو ملازم للتركيب، والمُرَكَّب محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ممكن الوجود لا واجِبَه، والممكن لا يكون إلهاً خالقاً مُدَبّراً تنتهي إليه سلسلة الموجودات.

وبدليل آخر، إنَّ كل جسم محتاج إلى الحيّز والمحل، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب.

وبدليل ثالث، إنَّ الحيّز أو المحل، إمَّا أن يكون واجب الوجود كالحالّ، فيلزم تعدد الواجب وإمَّا أن يكون ممكن الوجود، مخلوقاً لله


1. سورة الأنعام: الآية 91.


(111)

سبحانه فهذا يكشف عن أنه كان موجوداً غنياً عن المحل والحيز فخلقهما، فكيف يكون الغني عن الشيء محتاجاً إليه.

2 ـ ليس في جهة ولا محل

وقد تبين حال استغنائه عنهما ممّا ذكرنا من الدليل على نفي الجسمية فلا نعيد.

3 ـ ليس حالاًّ في شيء

إنَّ المعقول من الحلول قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية. وهذا المعنى لا يصحّ في حقه سبحانه لاستلزامه الحاجة وقيامه في الغير.

أضف إلى ذلك أَنَّ ذلك الغير إما ممكن أو واجب، فلو كان ممكناً فهو مخلوق له سبحانه، فقد كان قبل إيجاده مستقلاً غير قائم فيه، فكيف صار بعد خلقه قائماً وحالاً فيه، ولو كان واجباً يلزم تعدد الواجب وهو محال.

4 ـ ليس متّحداً مع غيره

حقيقة الاتحاد عبارة عن صيرورة الشيئين المتغايرين شيئاً واحداً، وهو مستحيل في ذاته فضلاً عن استحالته في حقه تعالى، فإنَّ ذلك الغير بحكم انحصار واجب الوجود في واحد، ممكنٌ. فبعد الاتّحاد إمَّا أن يكونا موجودين فلا اتحاد لأنهما اثنان أو يكون واحد منهما موجوداً والآخر معدوماً. والمعدوم إمَّا هو الممكن، فيلزم الخلف وعدم الاتحاد، أو الواجب فيلزم انعدام الواجب وهو محال.

وبذلك تبين أنَّ ما يدّعيه أصحاب الفرق الباطلة كالمسيحيين والحلوليين من المسلمين، بل القائلين باتحاده سبحانه مع القديسين من الأنبياء والصلحاء والأقطاب وغيرهم، كلها من شطحات الغُلاة وإرجاف الصوفية أعاذنا الله من شرورهم.


(112)

ثم إن تنزيهه سبحانه بحجة نفي الحاجة لا ينحصر في ما ذكرناه في عنوان البحث بل كل صفة وتعريف لله سبحانه يستلزم تشبيهه بالمخلوقات، فهو منفي عنه.

وبذلك يعلم صحة نفي التركيب عنه الّذي تقدم بحثه في التَّوحيد الذاتي الأحَدي.

الكتاب العزيز ونفي الجسميَّة

إنَّ التدبّر في الذكر الحكيم يوفّقنا على أنَّه سبحانه منزَّه عن كل نقص وشين، وأنَّه ليس بجسم ولا جسماني. وهذا المعنى وإن لم يكن مصرّحاً به في الكتاب، لكن التدبّر في آياته، الّذي أمرنا به في ذلك الكتاب في قوله سبحانه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ)(1). يوصلنا إلى ذلك. ولأجل إيقاف القارئ على موقف الكتاب في ذلك نشير إلى بعض الآيات:

1 ـ إنَّ الذكر الحكيم يصف الواجب تعالى بقوله: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(2). والآية صريحة في سعة وجوده سبحانه، وأنَّه معنا في كل مكان نكون فيه.

وما هذا شأنه لا يكون جسماً ولا حالاًّ في محل أو موجوداً في جهة. إذ لا شك انَّ الجسمين لا يجتمعان في مكان واحد وجهة واحدة، فالحكم بأنَّه سبحانه معنا في أي مكان كنا فيه، لا يَصحّ إلاَّ إذا كان موجوداً غير مادي ولا جسماني.

ثُمَّ إنَّ المُجَسّمة، ومن يتلو تِلْوَهُم إذا وقفوا على هذه الآية يؤوّلونها بأنَّ


1. سورة ص: الآية 29.
2. الحديد: الآية 4.


(113)

المراد إحاطة علمه، لا سعة وجوده. ولكنه تأويل باطل لا دليل عليه. والعجب أنَّ هؤلاء يَفِرّون من التأويل في الصفات الخبرية، ويرمون المؤولّة بالتعطيل مع أنهم ارتكبوا ما ألصقوه بغيرهم.

أضف إلى ذلك أَنّه سبحانه صرّح بإحاطة علمه بكل شيء في نفس الآية، وقال: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا) فإذاً لا وجه لتكرار هذا المعنى بعبارة مبهمة، وعلى ذلك لا مناص من حمل الآية على سعة وجوده وإحاطته بكل شيء لا إحاطة حلوليّة حتى يحل في الأجسام والإنسان، بل إحاطة قَيّومية عَبّر عنها في الآيات الأُخر بقوله: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)(1). أي قائماً بالذات، وسائر الأشياء قائمة به. فليست كل إحاطة ملازمة للحلول والاتّحاد، ولا يمكن أن يكون ما تقوم الأشياء بذواتها به غائباً عنها غيبوبة الجسم عن الجسم.

2 ـ يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّموَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْني مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ)(2).

والآية صريحة في سعة وجوده وأنَّه موجود في كل مكان ومع كل إنسان لكن لا بمعنى الحلول بل إحاطة قومية قيام المعلول بالعلّة، والمعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، ومع ذلك فلا يصل الإِنسان إلى كُنْه هذه الإِحاطة وهذه القيومية. فالآية تفيد المعية العِلْمِيّة والمعية الوجودية، فكلما فُرِض قَوْمٌ يتناجون، فالله سبحانه هناك موجود سميع عليم.

وبعبارة أُخرى إنَّه سبحانه وصف نفسه في الآية بالعلم بما في السماوات وما في الأرض، ثم أتى بقوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة)،


1. سورة البقرة: الآية 255 و آل عمران: الآية 2.
2. سورة المجادلة: الآية 7.


(114)

كالدليل على تلك الإِحاطة العلمية، فبما أنَّه يسع وجوده كل مكان وجهة، فهو عالم بكل ما يحويه المكان والجهة.

ومثل هذا لا يمكن أن يكون جسماً، لأنَّ كل جسم إذا حواه مكان خلا منه مكان آخر.

3 ـ قال تعالى: (وَ للهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(1).

لمّا أمر سبحانه بالتوجه إلى القبلة ـ وربما أوهم ذلك أنَّ الله في مكان يستقر فيه ـ دفعه سبحانه بقوله: (فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) أي لا يخلو مكان عن ذاته ووجوده.

فالمراد من الوجه هنا هو الذات، قال ابن فارس: «وربما عُبّر عن الذات بالوجه قال:

أَسْتَغْفِرُ الله ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيهِ رَبّ العِبادِ إِلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ»(2).

ولا ينحصر تفسير الوجه بالذات بهذه الآية بل هو كذلك في الآيتين التاليتين:

1 ـ قوله سبحانه: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيءْ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)(3).

2 ـ وقوله سبحانه: (وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ)(4).

والدليل على أنَّ الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات، لا العضو المخصوص، واضح.

أمَّا الآية الأُولى، فلأنَّه سبحانه بصدد بيان أنَّ كل شيء يهلك ويفنى


1. سورة البقرة: الآية 115.
2. المقاييس، ج 6، ص 88، مادة «وجه». وغيره من المعاجم.
3. سورة القصص: الآية 88.
4. سورة الرحمن: الآية 27.


(115)

إلاَّ نفسه وذاته. وهذا لا يصحّ إلاّ أن يكون المراد من الوجه هو الذات لا العضو المخصوص.

وأمَّا الآية الثانية، فلأنَّه وصف الوجه بقوله: (ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ). بمعنى ذو الطَّول والإِنعام وما يقاربه. ومن المعلوم أنهما من صفات نفس الربّ لا من صفات الوجه، أعني الجزء من الكل. ولو كان الوجه هنا، بمعنى العضو المخصوص لوجب أن يقول: «ذي الجلال والإِكرام» حتى يقع وصفاً للربّ لا للوجه.

ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ)(1). فلما كان الاسم غير المسمّى وصف الرب بقوله (ذِي الْجَلاَلِ) ولم يصف الاسم به وإلاَّ لقال «ذو الجلال».

فإذا تبين أنَّ الوجه في هذه الآيات بمعنى الذات، أفهل يجتمع قوله: (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) مع كونه جسماً محدداً في جهة خاصة وموجوداً فوق العرش، متمكناً فيه أو جالساً عليه، وما أشبه ذلك ممَّا يوجد في كلمات المُجَسِّمة ومن هو منهم، وإن كان يتبرأ من وصفه بالتجسيم؟

4 ـ يقول سبحانه وتعالى: (فَاطِرُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَ مِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(2).

إنَّ الآية بصدد نفي التشبيه على الإِطلاق، وليس من كلمة أجمع من قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء). أو لَيْس القول بكونه جسماً ذا جهة ومحل، موجوداً فوق العرش متمكناً فيه أو جالساً عليه، تشبيه للخالق بالمخلوق؟ صدق الله العلي العظيم إذ قال: (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)(3). فما هذا الصمم والعمى في الأسماع والأبصار والقلوب؟!!


1. سورة الرحمن: الآية 78.
2. سورة الشورى: الآية 11.
3. سورة الأنعام: الآية 91.


(116)

نعم، ربما يتوهم القاصر، دلالة الآيتين التاليتين على كونه سبحانه في السماء وأنَّه في جهة، وهما قوله سبحانه: (ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)(1).

ولكن المتأمل فيما تقدمهما من الآيات يخرج بغير هذه النتيجة فإنه سبحانه يقول قبلهما: (هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ)(2).

فهذه الآية تذكر نعمة الله سبحانه على أهل الأرض ببيان أنَّه جعل الأرض ذلولاً فسهل سلوكها، وهيأ لهم رزقه فيها، وعند ذلك ينتقل في الآية الثانية إلى ذكر أنَّ وَفرة النعم على البشر يجب أن لا تكون سبباً للغفلة والتمادي والعصيان، فليس من البعيد أن يخسف الأرض بهم، فإذا هي تمور وتتحرك وترتفع فوقهم كما ليس من البعيد أن ينزل عليهم ريحاً حاصباً ترميهم بالحصباء. فعند ذلك، عند معاينة العذاب، يخرجون من الغفلة ويعرفون الحق، وهذا هو هدف الآيات الثلاثة.

وأمَّا التعبير بـ(مَنْ في السَّمَاءِ) فيحتمل أن يراد منه مَنْ سُلْطانه وقدرته في السماء، لأنه مسكن ملائكته واللوح المحفوظ ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. كما أنَّ منها ينزل رزق البشر، وفيها مواعيده: (وَ فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ) فيصح التعبير بمن في السَّماء عن سلطانه وقدرته وكتبه وأوامره ونواهيه.

كما يحتمل أن يكون الكلام حسب اعتقادهم، بمعنى ءأمنتم مَنْ تزعمون أنَّه في السماء أن يعذبكم بخَسْف أو بحاصب، كما تقول لبعض المُشَبّهة: «أما تخاف مَنْ فَوقَ العرش أن يعاقبَك بما تفعل».


1. سورة الملك: الآيتان 16 ـ 17.
2. سورة الملك: الآية 15.


(117)

وهناك احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من الموصول هو الملائكة الموكلون بالخسف والتدمير، فإنَّ الخسف والإِغراق وإمطار الحجارة كانت بملائكته سبحانه في الأُمم السالفة.

فبعد هذه الاحتمالات لا يبقى مجال لما يتوهمه المستدل.

أضف إلى ذلك أنه سبحانه يصرّح بكون إله السماء هو إله الأرض ويقول: (وَ هُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَ فِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)(1). فليس الإِله بمعنى المعبود كما هو بعض الأقوال في معنى ذلك اللفظ، بل «الإِله» و «الله» بمعنى واحد، غير أنَّ الأول جنس والثاني عَلَم. ولو فُسّر أحياناً بالمعبود، فإنَّما هو تفسير باللازم، فإنَّ لازم الألوهية هو العبادة، لا أنه بمعنى المعبود بالدلالة المطابقية.

فعلى ذلك فمفاد الآية وجود إله واحد في السماء والأرض وهذا يكون قرينة على أنَّ المراد من قوله: (مَنْ في السَّمَاءِ) هو أحد الاحتمالات الماضية.

مكافحة علي ـ عليه السَّلام ـ القول بالتجسيم

إنَّ عليَّاً ـ عليه السَّلام ـ وسائر الأئمة من أهل البيت مشهورون بالتنزيه الكامل. وكانوا يقولون إنَّه سبحانه لا يشبهه شيء بوجه من الوجوه، ولا تدرك الأفهام والأوهام كيفيته ولا كنهه. ويظهر ذلك من خطبه ـ عليه السَّلام ـ والآثار الواردة عن سائر أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ . وقد وقف على ذلك القريب والبعيد. قال القاضي عبد الجبار: «وأمَّا أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فخُطَبُه في بيان نفي التشبيه وفي إثبات العدل أكثر من أن تحصى»(2).


1. سورة الزخرف: الآية 84.
2. فضل الاعتزال، ص 163.


(118)

روى المُبَرّد في الكامل: «قال قائل لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : أين كان ربّنا قبل أن يخلق السَّماوات والأرض؟ فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : أين، سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان»(1).

وقال البغدادي: قال أمير المؤمنين علي ـ رضي الله عنه ـ : «إِنَّ الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته، لا مكاناً لذاته»، وقال أيضاً: «قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان»(2).

وقد بلغ بعلي ـ عليه السَّلام ـ من الأمر أنَّه كان يراقب العوام والسُّوقة في مجالسهم وما يصدر منهم فدخل يوماً سوق اللحامين وقال: «يا معشر اللحامين، من نفخ منكم في اللحم فليس منّا. فإذا هو برجل موليه ظهره، فقال: كلا والذين احتجب بالسبع. فضربه على ظهره ثم قال: يا لحّام، ومن الّذي احتجب بالسبع؟ قال: ربّ العالمين يا أمير المؤمنين فقال: اخطأت، ثكلتك أُمك، إِنَّ الله ليس بينه وبين خلقه حجاب، لأنَّه معهم أينما كانوا، فقال الرجل ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: أن تعلم أنَّ الله معك حيث كنت. قال: أُطعِمُ المساكين؟ قال: لا إِنَّما حلفت بغير ربّك»(3).

وهذه المعية الّتي ذكرها علي ـ عليه السَّلام ـ قد وردت في آيات الذكر الحكيم، منها ما سبق ومنها قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ..)(4).

وقال ـ عليه السَّلام ـ : «ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال «فيم؟» فقد ضَمَّنه. ومن قال «علام؟» فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة،


1. الكامل، ج 2، ص 59.
2. الفَرْق بين الفِرَق، ص 200.
3. الغارات، ج 1، ص 112.
4. سورة النساء: الآية 108.


(119)

وغير كل شيء لا بمزايلة»(1).

وقال ـ عليه السَّلام ـ : «الحمد لله الّذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر»(2).

وقال ـ عليه السَّلام ـ : «ما وَحَّدَهُ من كَيَّفه، ولا حقيقَتَه أَصاب من مثَّلَه، ولا إِياه عَنَى من شبَّهَه، ولا حَمَدَهُ من أشار إليه وتَوَهَّمَه»(3).

وقال ـ عليه السَّلام ـ : «قد علم السرائر، وخبر الضمائر، له الإحاطة بكِل شيء، والغلبة لكل شيء والقوة على كل شيء»(4).

إلى غير ذلك من خطبه وكلمه في التنزيه ونفي الشبيه. ومن أراد الإِسهاب في ذلك والوقوف على مكافحة أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لعقيدة التشبيه والتكييف والتجسيم، فعليه مراجعة الأحاديث المروية عنهم في الجوامع الحديثية.(5).


1. نهج البلاغة الخطبة الأُولى، طبعة مصر.
2. نهج البلاغة، الخطبة 180، طبعة مصر.
3. نهج البلاغة الخطبة 181، طبعة مصر.
4. نهج البلاغة الخطبة 82، طبعة مصر.
5. راجع توحيد الصدوق باب التوحيد ونفي التشبيه، فقد نقل فيه (27) حديثاً. وبحار الأنوار، ج 3 باب نفي الجسم والصورة فقد نقل فيه (47) حديثاً. والجزء الرابع منه. وبذلك تعرف مدى وهن الكلمة الّتي نشرتها جريدة أخبار العالم الإسلامي العدد (1058) من السنة الثانية والعشرين المؤرخ: 29 جمادى الأولى، عام 1408 هجرية، للشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن باز حيث نقد مقالة الدكتور محيي الدين الصافي الّتي كتبها تحت عنوان «من أجل أن تكون أمة أقوى». وجاء في تلك المقالة «إنه قام الدليل اليقيني على أنَّ الله ليس بجسم». فردّ عليه ابن باز بقوله: «هذا الكلام لا دليل عليه لأنَّه لم يرد في الكتاب ولا في السنة وصف الله سبحانه بذلك ونفيه عنه. فالواجب السكوت عن مثل هذا لأنَّ مأخذ صفات الله جلّ وعلا توقيفي لا دخل للعقل فيه. فيوقف عند حدّ ما ورد في النصوص من الكتاب والسنة». ولا نعلّق على ذلك إلاَّ بقوله سبحانه: (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)، وأنَّه نفس الدعوة إلى تعطيل العقول عن المعارف والأصول، على أنَّك عرفت مفصلاً تضافر النصوص. على تنزيهه سبحانه عن التجسيم والتشبيه.


(120)


(121)

الصفات السَّلبية

(3)
ليس محلاً للحوادث

اتّفق الإِلهيّون ما عدا الكرّاميّة على أنَّ ذاته تعالى لا تكون محلاً للحوادث، ويستحيل قيام الحوادث بذاته. والدليل على ذلك أنَّه لو قام بذاته شيء من الحوادث للزم تغيّره، واللازم باطل، فالملزوم مثله.

بيان الملازمة: إنَّ التغير عبارة عن الانتقال من حالة إلى أُخرى. فعلى تقدير حدوث ذلك الأمر القائم بذاته، يحصل في ذاته شيء لم يكن من قبل، فيحصل الانتقال من حالة إلى أُخرى.

وأمَّا بطلان اللازم: فلأن التغيّر مستلزم للانفعال أي التأثّر، وإِلاَّ لما حصل له، والاستعداد يقتضي أنَّ يكون ذلك الشيء له بالقوة، وذلك من صفات الماديات، والله تعالى منزّه عنها فلا يكون منفعلاً، ولا يكون متغيّراً، ولا يكون محلاً للحوادث.

وبعبارة ثانية: إنَّ التغير نتيجة وجود استعداد في المادة الّتي تخرج تحت شرائط خاصة من القوة إلى الفعل. فالبَذْر الّذي يُلقى في الأرض ويقع تحت التراب، حامِلٌ للقوة والاستعداد، ويخرج في ظل شرائط خاصة من تلك الحالة ويصير زرعاً أو شجراً. فلو صحّ على الواجب كونه محلاً للحوادث، لصحّ أن يحمل وجودُه استعداداً للخروج من القوة إلى الفعلية.


(122)

وهذا من شؤون الأُمور المادية، وهو سبحانه أجلّ من أن يكون مادة أو مادّياً.

وبالجملة، لو وَقَفَتْ الكرّاميّة على ما يترتب على قولهم من حلول الحوادث فيه من المفاسد، لما أصرّوا على ذلك. فإن ظهور الحوادث في الذات، سواء أكان بمعنى تغيّر الذات وصفاتها وتبدلها، أو وجود الحركة فيها، عبارة أُخرى عن كون وجوده ذا إمكان استعدادي يخرج من القوة إلى الفعل ومن النقص إلى الكمال، كخروج عامة الموجودات الإِمكانية صوب الفعلية، ونحو الكمال. ومَنْ كانت هذه صفته يعدّ من الممكنات.

وهناك بيان آخر لهذا المطلب، وهو أنَّ وجوب الوجود يقتضي تحقّق كل شؤونه وكمالاته فيه طُرّاً، وما لم يزل في طريق التكامل والتغاير، لا يتصف بوجوب الوجود إذن، الوجوب يلازم الفعلية ويناقض التدّرج.

وعلى ذلك اعتمد المحقق الطوسي في التجريد(1).

* * *


1. لاحظ تجريد الاعتقاد، ص 180، طبعة صيدا، وإرشاد الطالبين، ص 232.


(123)

الصفات السلبية

(4)
لا يقوم اللذة والألم بذاته

قد يطلق الألم واللذّة ويراد منهما الألم واللذّة المزاجيان. والألم حالة حاصلة من تغير المزاج إلى الفساد. واللذة حالة حاصلة من تغير المزاج إلى الاعتدال، وعروض النشاط والسرور على المُلْتذ، ومن كان متصفاً بهما يجب أن يكون موجوداً مادياً قابلاً للانفعال. ومن المعلوم لزوم تنزيهه سبحانه عن المزاج والفعل والانفعال لاستلزامه تواليَ فاسدة لا تحصى. وبالجملة، فالألم واللذة من توابع المزاج، منفيّان بانتفاء المتبوع.

وقد يطلقان ويراد منهما العقليان، والمراد منهما إدراك كل قوة عقلية ما يلائمها أو ينافيها. فالقوة العاقلة لها كمال ولذّة هي إدراكها للمعقولات الكليّة. وإنكار ذلك مكابرة. فإن العلماء الغائصين في لُجج التحقيق لهم لذات لا يختارون اللذات الحسية بأجمعها على أقل مسألة من مسائلها، ويقابله الألم العقلي. ولأجل ذلك كلما كان المعقول أفضل وأتم، كانت اللذة أبلغ وأوفر.

فلذا يكون إدراك القوة العقلية للمعقولات أتم من إدراك الحس للمحسوسات، لأن القوة العقلية تصل إلى كنه المعقول وإلى ذاته وذاتياته، فتكون اللذة العقلية أبلغ وأعظم من الحسية.


(124)

إذا عرفت ذلك فاعلم أنَّ الألم على وجه الإِطلاق منفي عنه سبحانه، أمَّا الألم المزاجي فلما عرفت، وأمَّا الألم العقلي فلأنه إدراك المنافي من حيث هو مناف. وهو مستحيل عليه سبحانه، إذ لا منافي له لأن جميع ما عداه لوازم ومعلولات له، والكل في قبضة قدرته، مجتمع معه غير مناف له.

وأمَّا اللذة العقلية فإن بعض الحكماء نسبوها إلى الله تبارك وتعالى قائلين بأنَّه مدرك لأكمل الموجودات ـ وهي ذاته ـ فيكون متلذذاً.

وبعبارة أُخرى: إنَّ واجب الوجود الّذي هو في غاية الجمال والكمال والبهاء، إذا عقل ذاته فقد عقل أتم الموجودات وأكمل الأشياء، فيكون أعظم مدرِك لأجلّ مُدْرَك بأتم إدراك.

هذا ما عليه الحكماء. ولكن المتكلمين منعوا من توصيفه سبحانه باللذة على وجه الإِطلاق مزاجياً كان أو عقلياً، ولعل عذرهم في ذلك كون أسمائه وصفاته أمراً توقيفياً.

أقول: لا شك أَنَّ إطلاق الملتذ على الله سبحانه لا يجتمع مع القول بتوقيفية أسمائه وصفاته، وأما كونه مبتهجاً بذاته ابتهاجاً عقلياً لإِدراكه أتمّ الموجودات، وملتذاً في ظله، فليس شيء يمنع منه. وإنَّ الحقيقة شيء والتسمية شيء آخر.

* * *


(125)

الصّفات السلبيَّة

(5)
امتناع رؤية الله سبحانه

اتّفقت العدلية على أَنه سبحانه لا يُرى بالأَبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة. وأما غيرهم، فالكَرّامِيّة والمُجَسّمة الذين يصفونه سبحانه بالجسم ويثبتون له الجهة، جوزوا رؤيته بلا إِشكال في الدارين. وأَهل الحديث والأَشاعرة ـ مع عد أَنفسهم من أَهل التنزيه وتحاشيهم عن إِثبات الجسمية والجهة له سبحانه ـ قالوا برؤيته يوم القيامة وأَنه ينكشف للمؤمنين انكشاف القمر ليلة البدر، تبعاً لبعض الأَحاديث، واستظهاراً من بعض الآيات وقد ذكر أبو الحسن الأَشعري أقوالاً مختلفة حول الرؤية ربما تناهز التسع عشر قولاً، وأوردها الواحدة تلو الأخرى وأكثرها لا يستحق الذكر.

ومن عجيب ما جاء في تلك الأقوال ما نقله عن «الضرار» و «حَفْص الفرد» من أنَّ الله لا يرى بالأبصار ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسّة سادسة غير حواسنا، وندرك ما هو بتلك الحاسّة. وقول البكرية: إنَّ الله يخلق صورة يوم القيامة يرى فيها ويكلم خلقه منها. وقول حسين النجار إِنه يجوز أنْ يحول العين إلى القلب ويجعل لها قوة العلم فيعلم بها، ويكون ذلك العلم رؤية له(1).


1. مقالات الإِسلاميين، ج 1، ص 261 ـ 265 و314.


(126)

وهذه الأَقوال الثلاثة، خصوصاً الأَخير منها إِنكار للرؤية، وإِن جاء بها الأَشعري في عداد الأقوال المثبتة لها. نعم، ذكر أَقوالاً يشمئز الإِنسان من سماعها مثلاً: قال جماعة يجوز أنْ نرى الله بالأبصار في الدنيا ولسنا ننكر أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات. وأَجاز عليه بعضهم الحلول في الأَجسام وأَصحاب الحلول إِذا رأوا إنساناً يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه. وأجاز كثير ممن جَوّز رؤيته في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إِياه. وغير ذلك من الأقوال السخيفة الساقطة الّتي نبتت في منابت الإِعراض عن الأُصول الصحيحة لتحليل العقائد.

ولنقدم البحث عن عقائد العدلية فإن في إثباتها كفاية لردّ سائر الأَقوال وبيان وَهْنها. ولكن إِكمالاً للبحث نذكر بعده ما عليه الأَشاعرة من التفصيل في الرؤية بين الدنيا والآخرة.

ما هي حقيقة الرؤية؟

إختلف المتكلمون في حقيقة الإِبصار تبعاً للباحثين الطبيعيين والمشهور بينهم قولان:

الأَول: خروج الشعاع على هيئة المخروط من العين بحيث يكون رأسه في العين وقاعدته منطبقة على المُبْصَر. وهذا القول متروك بفضل ما توصلت إليه الأبحاث الحديثة.

الثاني: انعكاس صورة المرئي على العين. وقد أوضحته الأَبحاث العلمية بما حاصله أنَّ الأَشياء الخارجية تُرى إِذا وصل نورها إلى العين إما نورها النابع منها إذا كانت منيرة بنفسها كالشمس، أو المنعكس عليها من مصدر منير إذا لم تكن منيرة كما هو الغالب. فإذا وصل النور إلى العين فإِنه يخترق أوّلاً القَرَنِية وهي غطاء العين الخارجي شفافة ومُحَدّبة، فينكسر ثم يعبر «العينية»، ويرد «العدسية» فينكسر مرة أخرى ويتمركز على طبقة حساسة داخل كرة العين تسمى الشبكية موجوداً صورة مضيئة مقلوبة عن صورة


(127)

المرئي الخارجي. ويتصل بهذه الشبكية أطراف أعصاب الرؤية، فيوجب انطباع الأَشعة على الشبكية تحريك تلك الأَعصاب وإرسال المتموّجات المناسبة للأَشعة المنطبقة إلى الدماغ، فيحللها الدماغ، ويفسرها ويتعقلها بالشكل والصورة الّتي نعرفها.

هذا هو واقع الإِبصار والرؤية، فيجب أن يكون كل من النفي والإِثبات على هذا المعنى الّذي كشف عنه جهابذة العلم. وبذلك يعلم أنَّ تفسير الإِبصار ورؤيته سبحانه بالعلم به أو بإِدراكه في القلب أو من طريق الشهود خروج عن البحث ونحن مركزون على إمكان رؤيته بهذه الأَبصار الّتي يملكها كل إنسان، لأَنَّ هذا هو محط البحث بين العدلية والأَشاعرة فنقول:

يدل على امتناع الرؤية وجوه:

1 ـ إنَّ الرؤية إِنما تصح لمن كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والمقابلة إِنما تتحقّق في الأشياء ذوات الجهة، والله تعالى منزه عنها فلا يكون مرئياً.

وبعبارة أُخرى: إنَّ المراد من الرؤية إما حقيقتها، أعني: الإِدراك بحس البصر، وهو مستلزم لإِثبات الجهة له تعالى بالضرورة، سواء أَقُلْنا بأنَّ الإِبصار يتحقق بانطباع صورة الشيء في العين أو بخروج الشعاع منها. وإما غير حقيقتها ممّا يُعبر عنه بالإِدراك العلمي والشهود القلبي وغير ذلك ممّا لا يَعْرِف حقيقته إلاّ القائل به، فهو حينئذ خارج عن محط البحث ومجال النزاع(1).

2 ـ إنَّ الرؤية إما أَن تقع على الذات كلها أو على بعضها. فعلى الأَول يلزم أنْ يكون المرئي محدوداً متناهياً محصوراً شاغلاً لناحية من النواحي، وخلو النواحي الأُخرى منه تعالى. وعلى الثاني يلزم أنْ يكون مركباً متحيزاً ذا جهة إلى غير ذلك من التوالي الفاسدة، المرفوضة في حقه سبحانه.


1. لاحظ قواعد المرام في علم الكلام ص 76. أنوار الملكوت في شرح الياقوت، ص 82.


(128)

3 ـ إنَّ الرؤية لا تتحقق إلا بانعكاس الأَشعة من المرئي إلى أَجهزة العين، وهو يستلزم أَنْ يكون سبحانه جسماً ذا أَبعاد، ومعرضاً لعوارض وأَحكام جسمانية، وهو المنزه عن كل ذلك.

4 ـ إنَّ الرؤية بأجهزة العين نوع اشارة إليه بالحدقة وهو سبحانه منزه عن الإِشارة. فإنَّ كل مرئي في جهة يشار إليه بأَنه هنا أَو هناك، ويصح أنْ يقال: إِنه مقابل للرائي أو في حكمه. وهذا المعنى منتف في حقه سبحانه.

إِنَّ مجموع الأَدلة الأربعة تعتمد على أَمر واحد وهو أنَّ تجويز الرؤية على الله سبحانه يستلزم كونه جسماً أَو جسمانياً. فالأَول يعتمد على أنَّ الرؤية تستلزم ان يكون ذا جهة وتحيّز. والثاني يعتمد على أنَّ الرؤية تستلزم تناهي ذاته إذا وقعت الرؤية على تمامها، أو مركبة إذا وقعت على بعضها. والثالث يعتمد على أنَّ الرؤية تستلزم أن تكون جسماً وذا عوارض جسمية والرابع يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم الإِشارة إليه تعالى، وهو فوق أن يقع في ذلك المجال. فروح الأدلة الأربعة يرجع إلى أمر واحد، وهو أنَّ تجويز رؤيته معناه كونه سبحانه موجوداً متحيزاً ومحدوداً وذا جهة وعوارض جسمانية وقابلاً للإِشارة وكل ذلك مستحيل، فتكون النتيجة امتناع وقوع الرؤية عليه.

ومبادئ هذه البراهين أمور بديهية حسيّة يكفي في تصديقها تصور القضايا بموضوعاتها ومحمولاتها ونسبها.

محاولة فاشلة

إنَّ المتفكرين من الأشاعرة لما رأوا أنَّ القول بإمكان رؤيته سبحانه يستلزم هذه المحاذير ويوجب خروج المُجَوّز عن صفوف المنزهين إلى عداد المجسمين، حاولوا تصحيح مقولتهم بوجوه خارجة عن محل النزاع، وإليك بعض ما ذكروه:

1 ـ قال الشهرستاني في نهاية الإِقدام: «لم يصر صائر إلى تجويز اتصال أشعة من البَصَر بذاته أو انطباع شبح يتمثل في الحاسة منه وانفصال


(129)

شيء من الرائي والمرئي واتصاله بهما، لكن أهل الأُصول اختلفوا في أنَّ الرؤية إِدراك وراء العلم أم علم مخصوص. ومن زعم أنَّه إدراك وراء العلم اختلف في البنية، واتصال الشعاع، ونفي القرب المفرط، والبعد المفرط، وتوسط الهواء المُشِفّ (النور الحامل للصورة). فشرطها المعتزلة ونفوا رؤية الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة، والأَشعري أثبتها إِثبات الجواز على الإِطلاق، والوجوب بحكم الوعد»(1).

يلاحظ عليه: إِنّ الرؤية الّتي يدعيها أَهل الحديث تبعاً لما يروونه في هذا المجال، ولما استظهروه من القرآن عبارة عن رؤية الله تبارك وتعالى بهذه الأَبصار الحسية كرؤية القمر في ليلة البدر. وأما غير ذلك ممّا يدعيه العرفاء وأَهل الكشف والشهود، خارج عن محط البحث. ومن المعلوم أنَّ الرؤية بهذا المعنى لا تتحقق إِلا بالشرائط الّتي أطبق عليها علماء الطبيعة، قديمها وحديثها، مع اختلاف في تحقيق الشرائط وتحليلها، فلو أريد من الرؤية غير هذا، لما ورد النفي والإِثبات على شيء واحد. وتمنّي الرؤية بلا هذه الشرائط كتمني رسم الأسد على عضد البطل من دون أَنْ يكون له رأس ولا ذنب(2).

2 ـ قال الفاضل القوشجي بعد شرح معنى الرؤية إمّا بالارتسام أو خروج الشعاع: «إِنا إِذا عَرَفنا الشمس مثلاً بحد أو رسم، كان نوعاً من المعرفة، ثم إذا أبصرناها وغمضنا العين، كان نوعاً آخر فوق الأول. ثم إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإِدراك فوق الأوَّلَيْن نسميه الرؤية، ولا يتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة ومكان. فمحل النزاع أنَّ مثل هذه الحالة الإِدراكية يصح أن تقع بدون المقابلة، وتتعلق بذات الله منزهةً عن الجهة والمكان،


1. نهاية الإِقدام، ص 356.
2. مثل يضرب لتمني الشيء المحال وأصل القصة: إِنَّ بطلاً ورد دكاناً يريد أَنْ يضرب على بدنه صورة الأسد. فكان كلما وخزه صاحب الدكان بالإِبرة صرخ وقال: ماذا تضرب؟ فيجيب: رأسه. فيقول: لا تضرب رأسه. فإذا وخزه أخرى صرخ وتأوّه وقال: ماذا تضرب؟ فيجيب: ذَنَبَه. فيقول: لا تضربه. وهكذا. فضُرب به المثل.


(130)

أولا؟»(1).

أقول: إنَّ تمني الرؤية والإِبصار بغير المقابلة والجهة مع تحققها بالعيون والأَبصار، أَشبه بتمني وجود الشيء مع التأكيد على عدمه، وهذا نظير أن يقال حقيقة المربع عبارة عن وجود أَضلاع متصلة، فهل يمكن أنْ تتحقق تلك الهيئة بدون الأَضلاع(2).

ومن أَمعن النظر في كتب الأَشاعرة خصوصاً القدامى منهم، وبالأَخص كتب أَهل الحديث، والحنابلة، يرى أَنهم يفرون من هذه المحاولات ولا يرون لها قيمة في أَوساطهم، وهم يتمسكون بالروايات وما استظهروه من الآيات ويحكمون بالرؤية الحقيقية كرؤية القمر.

قال الشيخ الأشعري في الإِبانة: «ونُدين بأنَّ الله تعالى يُرى في الآخرة بالأَبصار كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ »(3).

وقال في اللمع: «إنْ قال قائل: لم قلتم إِنَّ رؤية الله بالأَبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له: قلنا ذلك لأَنَّ ما لا يجوز أنْ يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه، لا يلزم في القول بجواز الرؤية»(4).


1. شرح التجريد للقوشجي، ص 428.
2. وقد جمع الأُستاذ حفظه الله مجلس مع بعض فضلاء الشام فانْجَرّ البحث إلى إمكان الرؤية فقال الشيخ الأستاذ: إنَّ تجويز الرؤية يستلزم تجويز المقابلة والجهة. فقال الشامي: كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا. فأجابه: ماذا تريد من كلامك «كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا»، فهل تريد أن الأشياء الدنيوية توجد في الآخرة بوجودات كاملة، فهذا ما نعترف به. وإن أردت أنَّ الأشياء الأُخروية تضاد ماهياتها وحدودها، الموجود في الدنيا، فهذا ممّا لا يمكن التصديق به. فإنَّ نتيجة ضرب اثنين في اثنين هو أربعة لا خمسة، ولا يمكن تكذيب هذه القضية بحجة أنَّ كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا. فإنَّ هناك قضايا قطعية وعلوماً ضرورية صادقة في النشأتين من دون أنْ يختص امكانها بواحدة منهما. فالدور والتسلسل محالان في الدنيا والآخرة ، وقاعدة كل ممكن يحتاج إلى علّة صادقة في كلتا النشأتين فالتمسك بهذا الكلام نوع فرار من البحث والتحقيق.
3. الابانة، ص 21.
4. اللمع، ص 61 بتلخيص.


(131)

الأَدلة العقلية للقائلين بالجواز

إنَّ الشيخ الأشعري استدل على جواز الرؤية بوجوه عقلية نقتطف منها وجهين:

الأَول: قال: «ليس في جواز الرؤية إثبات حَدَث، لأنَّ المرئي لم يكن مرئياً لأَنه محدث، ولو كان مرئياً لذلك للزمه أنْ يرى كل محدث وذلك باطل عنده»(1).

يلاحظ عليه: إنَّ الحدوث ليس شرطاً كافياً في الرؤية حتّى تلزم رؤية كل محدث، بل هو شرط لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط الّتي أَشرنا إِليها. وبما أنَّ بعضها غير متوفر في الموجودات المجردة المحدثة، لا تقع عليها الرؤية.

الثاني: قال: «ليس في اثبات الرؤية لله تعالى تشبيهاً»(2).

يلاحظ عليه: إنَّ حقيقة الرؤية قائمة بالمقابلة أو ما في حكمها، وهي لا تنفك عن كون المرئي في جهة ومكان. وهو يستلزم كونه سبحانه ذا جهة ومكان، فأَي تشبيه أَظهر من ذلك، وكيف يقول: إِنَّ تجويز الرؤية لا يستلزم التشبيه؟! «ما هكذا تورد يا سَعْدُ الابل».

ثم إِنَّ أَئمة الأَشاعرة في العصور المتأخرة لما وقفوا على وَهْن الدليلين السابقين، عدلوا إلى دليل عقلي آخر وحاصله أنَّ مِلاك الرؤية والمصحح لها أمر مشترك بين الواجب وغيره، قالوا: «إِنَّ الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض، ولا بد للرؤية المشتركة من علة واحدة. وهي إما الوجود أو الحدوث. والحدوث لا يصلح للعلية لأنه أمر عدمي، فتعين الوجود. فينتج أنَّ صحة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن»(3).


1. اللمع، ص 61 و62.
2. اللمع، ص 61 و62.
3. تلخيص المحصّل، ص 317. وغاية المرام، ص 160، وشرح المواقف، ج 8، ص 115. وشرح التجريد للقوشجي، ص 431.


(132)

وهذا الدليل، مع أَنه لم يتم عند المفكرين من الاشاعرة، ظاهر الضعف، إذ لقائل أنْ يقول إنَّ الجهة المشتركة للرؤية في الجوهر والعرض ليس هو الوجود بما هو وجود، بل الوجود المقيّد بعدة قيود، وهو كونه ممكناً مادياً يقع في إطار شرائط خاصة، كشف عنها العلم في تحقيق الرؤية، فإِنَّ الإِبصار رهن ظروف خاصة. وادعاء كون المِلاك هو الوجود بما هو وجود غفلة عما يثبته الحس والتجربة.

والعجب من هؤلاء كيف يدعون أنَّ المصحح للرؤية هو الوجود مع أنَّ لازمه صحة رؤية الأَفكار والعقائد، والروحيات والنفسانيات كالقدرة والإِرادة وغير ذلك من الأمور الروحية الوجودية التي لا تقع في مجال الرؤية.

الأَدلة النقلية للقائلين بالرؤية

استدل القائلون بجواز الرؤية بآيات كثيرة، المهم منها آيتان نذكرهما:

الآية الأُولى: قوله سبحانه: (كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَ تَذَرُونَ الآخِرَةَ *وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ *تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ)(1).

قالوا: «إِنَّ النظر إذا كان بمعنى الانتظار، يستعمل بغير صلة ويقال: «انتظرت». وإذا كان بمعنى الرؤية يستعمل بـ«إلى». والنظر في هذه الآية استعمل بلفظ «إلى» فيحمل على الرؤية»(2).

وقد شغلت هذه الآية بال الأُشاعرة والمعتزلة فالفرقة الأُولى تصر على أنَّ النظر هنا بمعنى الرؤية والثانية تصر على أنها بمعنى الانتظار لا الرؤية قائلة بأَنه يستعمل بمعنى الانتظار مع لفظة «إلى» أَيضاً قال الشاعر:


1. سورة القيامة: الآية 20 ـ 25.
2. شرح التجريد للقوشجي، ص 334. وغيره.


(133)

وُجوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَدْر * إلى الرّحْمنِ يَأْتِي بالفَلاحِ

ولكن الحق أنَّ الإِصرار على أنّ النظر بمعنى الرؤية أو الانتظار يوجب كون الآية مجملة من حيث المراد، مع أَنها من المحكمات ولا إجمال فيها. والّذي يبطل الاستدلال هو أنَّ النظر سواء أكان بمعنى الرؤية أم بمعنى الانتظار لا يدل على أنَّ المراد هو الرؤية الحقيقية، ويعلم ذلك بمقارنة بعض الآيات المذكورة ببعضها، وعندئذ يرتفع الإِبهام عن وجهها. وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:

أ ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ)يقابلها قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ).

ب ـ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)يقابلها قوله:(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).

ولا شك أَنَّ الفقرتين الأوليين واضحتان جداً، وإنما الكلام في الفقرة الثالثة فيجب رفع إبهامها عن طريق الفقرة الرابعة الّتي تقابلها.

وبما أَن المراد من الفقرة الرابعة هو أنَّ الطائفة العاصية الّتي عبّر عن صفتها بكونها ذات وجوه باسرة، تظن وتتوقع أنْ ينزل بها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها، يكون ذلك قرينة على المراد من الفقرة الثالثة، وهو أنّ الطائفة المطبعة ذات وجوه ناضرة تتوقع عكس ما تتوقعه الطائفة الأُولى، وتنتظر فضله وكرمه. هذا هو الّذي يستظهره الذهن المجرد عن كل رأي مُسْبَق، من مقابلة الآيتين.

وبعبارة أُخرى: لا يصح لنا تفسير الفقرة الثالثة إلا بضد الفقرة الرابعة. فبما أنَّ الفقرة الرابعة صريحة في أَنَّ المراد توقع العُصاة العذاب الفاقر، يكون المراد من الفقرة الثالثة توقع الرحمة والفضل والكرم حتى ولو كان النظر بمعنى الرؤية، ولكن ليست كل رؤية معادلة للرؤية بالأبصار، بل ربما تكون الرؤية كناية عن التوقع والانتظار مثلاً يقال: «فلان ينظر إلى يد فلان» ويراد أنه رجل معدم محتاج ليس عنده شيء وإِنما يتوقع عطاء الشخص، فما أَعطاه مَلكَه وما منعه حُرِم منه. وهذا ممّا درج عليه الناس في


(134)

محاوراتهم العرفية ويقال: «فلان ينظر إلى الله» ثم إليك. فالنظر وإن كان هنا بمعنى الرؤية لا الانتظار، ولكنه كناية عن توقع رحمته سبحانه أولاً، وكرم الشخص المأمول ثانياً كما يقال: «يتوقع فضل الله سبحانه ثم كرمك».

والآية نظير قول القائل:

إني اِلَيْكَ لِما وَعَدْتَ لَناظِرٌ * نَظَرَ الفَقير إلى الغَنِيّ المُوسِرِ

فمحور البحث والمراد من توقع الرحمة وحصولها أو عدم توقعها وشمولها، فالطغاة يظنون شمول العذاب، والصالحون يظنون عكسه وضده وأما رؤية الله سبحانه ووقوع النظر إلى ذاته فخارج عما تهدف إليه الآية. هذا هو مفتاح حل المشكلة المتوهمة في الآية. فتفسير الآية برؤية ذاته غفلة عن القرينة الموجودة فيها:

وفي الختام نذكر نكتتين:

الأُولى : إِنَّ هنا فرقاً واضحاً بين قولنا: «عيون يومئذ ناظرة» وقولنا: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاظِرَة». فلو كان المراد رؤية ذاته سبحانه لناسب التعبير بالأَول، فالوجوه الناظرة غير العيون الناظرة، والأَول منهما يناسب التوقع والانتظار دون الثاني.

الثانية : قال الزمخشري في كشّافه: «وسمعت سَرَوِيّة مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أَبوابهم، ويأوون إلى مقائلهم تقول: «عُيَيْنَتَيَّ نُوَيْظِرَةٌ إلى الله وإليكم» تقصد راجية ومتوقعة لإِحسانهم إليها(1).

الآية الثانية : قوله سبحانه: (وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَ لَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَ خَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا


1. الكشاف ج 4، ص 662.


(135)

أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)(1).

إحتجَّت الأشاعرة بهذه الآية بوجهين وإليك بيانهما:

الوجه الأوّل

إِنَّ موسى ـ عليه السَّلام ـ سأل الرؤية، ولو كانت ممتنعة لما سألها، لأَنه إِمّا أَنْ يعلم امتناع الرؤية أو يجهله فإِنْ علم فالعاقل لا يطلب المحال، وإِنْ جهله فهو لا يجوز في حق موسى، فإِنَّ مثل هذا الشخص لا يستحق أنْ يكون نبياً.

ويلاحظ عليه: إنَّ الاستدلال بآية واحدة، وترك التدبّر في سائر الآيات الواردة في الموضوع، صار سبباً للاستظهار المذكور. ولو اطَّلعنا على مجموع ما ورد من الآيات في هذه القصة، لتجلى خطأ الاستظهار. وإِليك البيان:

إنَّ الكليم ـ عليه السَّلام ـ لما أخبر قومه بأنَّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه، قالوا لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعت. فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء وسأله سبحانه أَنْ يكلمه. فلما كلّمه الله وسمعوا كلامه، قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم وعُتُوّهم واستكبارهم، وإلى هذه الواقعة تشير الآيات الثلاثة التالية:

1 ـ (وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)(2).

2 ـ (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ


1. سورة الأعراف: الآية 143.
2. سورة البقرة: الآية 55.


(136)

بِظُلْمِهِمْ)(1).

3 ـ (وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ)(2).

ثم إِنّ الكليم طلب منه سبحانه أنْ يُحْييَهُمْ حتى يدفع اعتراض قومه عن نفسه إذا رجع إِليهم، فلربما قالوا إِنك لم تكن صادقاً في قولك إن الله يكلمك، ذَهَبْتَ بهم فَقَتَلْتَهم، فعند ذلك أَحياهم الله وبعثهم معه، وإِلى هذا الطلب يشير قول الكليم في الآية الثالثة: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ)وعندئذ يطرح السؤال التالي: هل يصح أَن ينسب إلى الكليم ـ بعد ما رأى بأُم عينه ما رأى القوم من الصاعقة والدمار إثْر سؤالهم الرؤية ـ أنه قام بالسؤال لنفسه بلا داع وسبب مبرر، أو إنه لم يسأل بعد هذه الواقعة إلا لضرورة أَلجأته إليه؟

والجواب: إنَّ الثاني هو المتعين، وذلك لأنه ـ عليه السَّلام ـ عرّف سؤال الرؤية بأنه فعل السفهاء في قوله: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ)، ومعه كيف يصح له الإِقدام على الطلب بلا مُلزم ومبرر؟ وعند ذلك يجب علينا أنْ نقف على العلّة الدافعة إلى السؤال.

الدافع إلى السؤال

إِنَّ قومه بعد الإِحياء طلبوا منه أَنْ يسأل الرؤية لنفسه لا لهم حتى تَحِلّ رؤيتُه لله مكان رؤيتهم، فيؤمنوا به بعد إخباره بالرؤية، وعندئذ أقْدَم الكليم على السؤال تبكيتاً لهؤلاء وإسكاتاً لهم وبما أَنه لم يقدم إِلا اثر الإِصرار من


1. سورة النساء: الآية 153.
2. سورة الأعراف: الآية 155.


(137)

جانبهم، لم يوجَّه إلى الكليم من جانبه سبحانه أي لوم وعتاب أو مؤاخذة وعذاب، بل اكتفى تعالى بقوله:

(لَنْ تَرَانِي وَ لَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي). فلا يكون السؤال دليلاً على إِمكان الرؤية.

وبعبارة أُخرى: إنَّ موسى كان من أعلم الناس بالله وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز، ولكن ما كان طلب الرؤية إلا لتبكيت هؤلاء الذين دعاهم «سُفَهاء» وتبرأ من فعلهم. فبما أنهم لجّوا وتمادوا وقالوا بأنهم لا يؤمنون له حتى يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك، وهو قوله: (لَنْ تَراني) فطلب موسى الرؤية ليتيقنوا ويزول ما دخلهم من الشبهة، فلأجل ذلك قال: (رَبّ أرِني أَنْظُرْ إِليك) ولم يقل رَبّ أرهم ينظروا إِليك.

والعجب أَنَّ الآية على خلاف مطلوب الأشاعرة أدلّ، فإِنه سبحانه رد طلب الكليم بقوله: «لن تَراني» و «لن» للتأبيد، كقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)(1).

وها هنا نكتة ينبغي التنبيه عليها وهي أنّ الميقات الوارد في قوله تعالى: (وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ)(2)، نفس الميقات الوارد في قوله سبحانه: (وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا)(3). ولم يكن لموسى مع قومه إلا ميقات واحد وقد وقعت الحادثتان فيه في ظرف واحد، غير أن سؤال قومه رؤية الله كان قبل سؤال موسى الرؤية لنفسه.

الوجه الثَّاني

إنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه، والمعلّق على الممكن، ممكنٌ.


1. سورة الحج: الآية 73.
2. سورة الأعراف: الآية 143.
3. سورة الأعراف: الآية 155.


(138)

يلاحظ عليه: إنَّ المعلق عليه في قوله: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ) ليس هو إمكان الاستقرار، بل وجود الاستقرار وتحققه بعد تجلّيه، والمفروض أنه لم يتحقق بعد التجلي. وإذا كان إِمكان الرؤية معلقاً على تحقق الاستقرار بعد التجلي فينتج أنَّ الرؤية ليست أَمراً ممكناً لفقدان المعلّق عليه وهذا نظير قول القائل:

وَلَوْ طارَ ذُو حافِر قَبْلَها * لَطَارَتْ وَلكنّه لَمْ يَطِر

ثم إِنَّ الأشاعرة استدلت بعدّة أخرى من الآيات القرآنية، نتركها للباحث الكريم. كما أَنهم استدلوا ببعض الروايات نحن في غنى عن الإِجابة عنها بعد دلالة العقل السليم والذكر الحكيم على امتناع الرؤية. ولكن إِكمالاً للبحث نأتي بأمرين:

الأمر الأَول: جذور مسألة الرؤية

إنَّ مسألة الرؤية إنما طرحت بين المسلمين من جانب الأَحبار والرهبان بتدليس خاص. فإنَّ أَهل الكتاب يدينون برؤيته سبحانه، ويظهر ذلك لمن راجع العهد القديم وإليك مقتطفات منه:

1 ـ «رأيت السيد جالساً على كرسي عال.. فقلت: ويل لي لأن عينيّ قد رأتا الملك ربّ الجنود» (إشعيا 6: 1 ـ 6). والمقصود من السيد هو الله جل ذكره.

2 ـ «كنت أرى أنه وُضعت عروش وجلس القديم الأيام. لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار» (دانيال: 7:9) .

3 ـ «أما أنا فبالبرّ أنظر وجهك» (مزامير داود 17: 15).

4 ـ «فقال منوح لامرأته: نموت موتاً لأَننا قد رأينا الله» (القضاة: 13).


(139)

5 ـ «فغضب الربّ على سليمان، لأن قلبه مال عن الرب، إله إسرائيل الّذي تراءى له مرتين» (الملوك الأول: 11).

6 ـ «قد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكل جند البحار وقوف لديه» (الملوك الأول: 22).

7 ـ «كان في سنه الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيين عند نهر خابور، إِنَّ السموات انفتحت فرأيت رؤى الله... إلى أن قال: هذا منظر شبه مجد الرب ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلم» (حزقيال: 1:1).

والقائلون بالرؤية من المسلمين، وإن استندوا إلى الكتاب والسنَّة ودليل العقل، لكن غالب الظن أَنَّ القول بها تسرب إلى أَوساطهم من المتظاهرين بالإِسلام كالأَحبار والرهبان، وربما صاروا مصدراً لبعض الأَحاديث في المقام وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جوازها، واستدعاء الأَدلة عليها من العقل والنقل.

والأَمر الثاني: الرؤية في كلمات أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

إنَّ المراجع إلى خطب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في التوحيد وما أثِر عن أئمة العترة الطاهرة يقف على أنَّ مذهبهم في ذلك امتناع الرؤية وأَنه سبحانه لا تدركه أوهام القلوب، فكيف بأبصار العيون. وإليك نزراً يسيراً ممّا ورد في هذا الباب:

1 ـ قال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في خطبة الاشباح: «الأول الّذي لم يكن له قَبْلٌ فيكون شيء قبلَه، والآخر الّذي ليس له بَعْدٌ فيكون شيء بعده، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تُدركه»(1).


1. نهج البلاغة، الخطبة 87 طبعة مصر المعروفة بطبعة عبده. والأناسي جمع إنسان، وإنسان البصر هو ما يرى وسط الحدقة ممتازاً عنها في لونها.


(140)

2 ـ وقد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإِيمان. قريب من الأشياء غير مُلابس، بعيد منها غير مبائن(1).

3 ـ وقال ـ عليه السَّلام ـ : «الحمد لله الّذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر»(2).

إلى غير ذلك من خطبه ـ عليه السَّلام ـ المطافحة بتقديسه وتنزيهه عن إحاطة القلوب والأبصار به(3).

وأما المروي عن سائر أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فقد عقد ثقة الإِسلام الكليني في كتابه «الكافي» باباً خاصاً للموضوع روى فيه ثمان روايات(4)، كما عقد الصدوق في كتاب التَّوحيد باباً لذلك روى فيه إحدى وعشرين رواية يرجع قسم منها إلى نفي الرؤية الحسية البصرية وقسم منها يثبت رؤية معنوية قلبية سنشير إليه وفي الكل نور للقلوب وشفاء للصدور(5).

الرؤية القلبية

قد اثر عن أئمة أَهل البيت رؤية الله سبحانه بالقلب وقد أثر في ذلك روايات يقف عليها المتتبع في توحيد الصدوق وغيره.

منها: ما رواه الصدوق عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في خطبة له قال: «أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة»(6).


1. نهج البلاغة، الخطبة 174.
2. نهج البلاغة، الخطبة 180.
3. لاحظ الخطبتين 48 و81 من الطبعة المذكورة.
4. الكافي، ج 1، ص 95، باب إبطال الرؤية.
5. التوحيد، الباب 8، ص 107 ـ 122.
6. التوحيد، باب التوحيد ونفي التشبيه، الحديث 2، ص 37.


(141)

ومنها: ما رواه أيضا عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ في كلام له في التوحيد قال: «واحد، صمد، أزلي، صمدي، لا ظل له يُمْسِكه، وهو يمسك الأشياء باظلتها، عارف بالمجهول، معروف عند كل جاهل، لا خَلْقُه فيه ولا هو في خلقه»(1).

فقوله: معروف عند كل جاهل، لا يهدف إلى المعرفة الحاصلة بالاستدلال لعدم ثبوت هذه المعرفة لكل جاهل جاحد، فلا بد أن يكون المراد معرفة أخرى لا تزول صورتها عن الذهن.

إلى غير ذلك من الروايات الّتي مرّ بعضها(2). وأما البحث عن حقيقة تلك الرؤية القلبية الّتي هي غير الرؤية البصرية الحسية فموكول إلى محله الخاص.

* * *


1. التوحيد باب التوحيد ونفي التشبيه، الحديث 15، ص 57.
2. لاحظ التوحيد باب 8، الحديث 2و4و5 و6و16و17و20 يقول الصدوق: «وقد تركت إيراد بعض الروايات في هذا المضمار خشية أن يقرأها جاهل بمعانيها فيكذب بها فيكفر بالله عز وجل وهو لا يعلم».


(142)


(143)

الصّفات السلبيَّة

(6)
ليست حقيقته معلومة لغيره

إن أدوات المعرفة للإِنسان عبارة عن القوى العقلية الّتي تقوم بالتعرف على الشيء بالوقوف على حدود وجوده وماهيته. فإذا كان الشيء مركباً من وجود وماهية، فالوقوف على حده تعرُّف على كنهه. فإذا أردنا أن نَعرف الإِنسان لزم إعمال القوى العقلية حتى نقف على مرتبة وجوده وذاته وذاتياته الّتي جسّدها عروض الوجود عليها في الخارج. فيقال إنَّ ماهية الإِنسان هي الحيوان الناطق أي ذلك المفهوم عارياً عن الوجود والعدم، الّذي إذا عرضه الوجود في الخارج جسّده وحققه.

وأَما حقيقة الوجود العارض فلا يمكن للنفس التعرّف عليها، لعدم المسانخة بين أدوات المعرفة والمعرَّف. فإن الإِنسان إِنما يحصّل المعرفة بفكره وذهنه والمفاهيم الّتي تلقي ضوءاً على الخارج. ومثل ذلك لا يمكن أنْ يتعرف إلاّ على ما يسانخه من المفاهيم والماهيات. وأمَّا الوجود المحقق للماهية فسنخه سنخ العينية والواقعية والخارجية، فلا يحصّل الإِنسان واقعيته لعدم السنخية بين العاقل والمعقول.

ولأَجل ذلك اتفق أهل المعقول على أَن الإِنسان يعرف ما هية الأَشياء وحدودها لا حقيقة الوجود العارض عليها الّذي ليس له واقعية إلا العينية


(144)

الخارجية. فإذا كان هذا حال الوجود العارض للأشياء، فكيف بالتعرف على وجوده سبحانه الّذي هو وجود محض لا حدّ له، وحقيقة خارجية لا ماهية لها. فليس في وسع الإِنسان الّذي تنحصر أدوات معرفته بالذهن والفكر والقوى الموجودة فيهما، أنْ يتعرف على الحقيقة العينية الخارجية الّتي يمتنع أنْ تنعكس على الذهن وتُتخذ منها صورة مسانخة لعمل الذهن.

وبعبارة أُخرى: لو وقف الإِنسان على مدى قدرته في التعرف على الحقائق وأدوات معرفته والقوى الموجودة في ذهنه لأذعن أنَّ حقيقته سبحانه أعلى من أَنْ تقع في إِطار ذهن الإِنسان وفكره. فالذهن يدرك المفاهيم والمعاني والصور الّتي لا عينية لها إلاَّ بالوجود، والله سبحانه هو نفس الوجود، فكيف يمكن للذهن أَنْ يدرك حقيقة الشيء الّذي ليس بين المدرك والمدرَك أي سنخية. ولأجل ذلك تنحصر معرفة الإِنسان بالله سبحانه بالعناوين والمعرِّفات الّتي نسمّيها بالأسماء والصفات وهي لا توقفه على حقيقته تبارك وتعالى، فإنها نوافذ على الغيب يشرف بها الإِنسان البعيد عن ذلك العالم عليه إشرافاً غير كامل، فلا تعدو المعرفة الحاصلة بها عن التعرف بالاسم. يقول ابن أبي الحديد:

فِيكَ يا أُعْجُوَبةَ الكَوْ * نِ غَدا الفِكْرُ كَليلا
أَنْتَ حَيَّرْتَ ذَوي اللُّـ * بِ وَبَلْبَلْتَ العُقُولا
كُلَّما قَدَّم فكْري فيـ * كَ شِبْراً فَرَّ ميلا
ناكِصاً يَخْبِطُ في * عَمْياءَ لا يُهْدى سَبيلا

وبذلك يعلم صدق ما ذكرناه عند البحث عن الأَسماء والصفات بأَنَّ الصفات الثبوتية لا تنحصر بالثمان المعروفة ولا الصفات السلبية بما ذكرناه، بل الله جل جلاله موجود تام من جميع الجهات، فكل كمال لا يشذ عن حِيطة وجوده ، كما أنَّ وجوده مقدس عن كل نقص يُتصور (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ)(1).


1. سورة الرحمن: الآية 78.


(145)

خاتمة
أسماء الله تعالى في الكتاب والسنّة

* هل الأسماء توقيفية أو لا؟



(146)


(147)

أسماؤه في الكتاب والسُّنَّة

ورد في القرآن الكريم مائة وثمانية وعشرون اسماً لله تعالى وهي:

الإِله، الأحد، الأول، الآخر، الأعلى، الأكرم، الأعلم، أرحم الراحمين، أحكم الحاكمين، أحسن الخالقين، أهل التقوى، أهل المغفرة، الأقرب، الأبقى، البارئ، الباطِن، البديع، البَرّ، البصير، التوّاب، الجبّار، الجامع، الحكيم، الحليم، الحيّ، الحقّ، الحميد، الحسيب، الحفيظ، الحَفِيّ، الخبير، الخالق، الخلاّق، الخير، خير الماكرين، خير الرازقين، خير الفاصلين، خير الحاكمين، خير الفاتحين، خير الغافرين، خير الوارثين، خير الراحمين، خير المنزلين، ذو العرش، ذو الطَّوْل، ذو الانتقام، ذو الفضل العظيم، ذو الرحمة، ذو القوة، ذو الجلال والإِكرام، ذو المعارج، الرَّحمن، الرحيم، الرؤوف، الربّ، رفيع الدرجات، الرزّاق، الرقيب، السميع، السلام، سريع الحساب، سريع العقاب، الشهيد، الشاكر، الشكور، شديد العقاب، شديد المِحال، الصمد الظاهر، العليم، العزيز، العَفوّ، العلِيّ، العظيم، علاّم الغيوب، عالم الغيب والشهادة، الغني، الغفور، الغالب، غافر الذنب، الغفّار، فالق الأَصباح، فالق الحب والنوى، الفاطر، الفتّاح، القوي، القُدّوس، القَيّوم، القاهر، القَهّار، القريب،


(148)

القادر، القدير، قابل التوب، القائم على كل نفس بما كسبت، الكبير، الكريم، الكافي، اللطيف، المَلِك، المُؤمن، المهيمن، المتكبر، المصور، المجيد، المُجيب، المُبين، المَوْلى، المحيط، المُقيت، المتعال، المحيي، المتين، المقتدر، المستعان، المبدىء، المعيد، مالك الملك، النّصير، النور، الوهَّاب، الواحد، الولي، الوالي، الواسع، الوكيل، الودود، الهادي.

وأمَّا في السنَّة، فقد جاءت الروايات من طرق الخاصة والعامة على أنَّ لله تعالى تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة.

فمن روايات الخاصة ما رواه الصدوق بإسناده عن الصادق عن آبائه عن علي ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنَّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين إسماً، مائة إلاَّ واحداً، من أحصاها دخل الجنة وهي:

الله، الإِله، الواحد، الأحد، الصمد، الأول، الآخر، السميع، البصير، القدير، القاهر، العلي، الأعلى، الباقي، البديع، البارئ، الأكرم، الظاهر، الباطن، الحي، الحكيم، العليم، الحليم، الحفيظ، الحقّ، الحسيب، الحميد، الحفي، الربّ، الرحمن، الرحيم، الذارئ، الرزّاق، الرقيب، الرؤوف، الرائي، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبر، السيد، السبوح، الشهيد، الصادق، الصانع، الطاهر، العدل، العَفُوّ، الغفور، الغني، الغياث، الفاطر، الفرد، الفتّاح، الفالق، القديم، الملِك، القدوس، القوي، القريب، القيوم، القابض، الباسط، قاضي الحاجات، المجيد، المولى، المنان، المحيط، المُبين، المُقيت، المصور، الكريم، الكبير، الكافي، كاشف الضرّ، الوِتْر، النور، الوَهاب، الناصِر، الواسع، الودود، الهادي، الوفي، الوكيل، الوارث، البر، الباعث، التوّاب، الجليل، الخبير، الخالق، خير الناصرين، الديّان، الشكور،


(149)

العظيم، اللطيف، الشافي»(1).

والمذكور في الحديث مائة اسم، لكن الظاهر أنَّ لفظة الجلالة ليس من الأسماء الحسنى، ولابدّ أن يكون ذُكر بعنوان المسمى الجاري عليه، الأسماء وبذلك يستقيم العدد.

والمراد من إحصائها ليس عدّها بل الإِحاطة بها والوقوف على معانيها، أو التمثل والتشبه بها ما أمكن.

ومن روايات العامة ما في الدرّ المنثور قال: أخرج الترمذي، وابن المنذر، وابن حبان، وابن مندة، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلاّ واحد، من أحصاها دخل الجنة، إنّه وِتر يحب الوتر: هو الله الّذي لا إله إلاَّ هو الرَّحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفار، القهّار، الوهّاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المُعِزّ، المُذِلّ، السميع، البصير، الحكم، العَدْل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المُقيت، الحسيب، الجليل ،الكريم، الرقيب، المُجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المَجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المُحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المُميت، الحيّ، القيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المُقتدر، المُقدِّم، المُؤخِّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، البَرّ، التواب، المنتقم، العفوّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإِكرام، الوالي، المتعال، المُقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع،


1. التوحيد للصدوق، ص 194، ح 8 .


(150)

الضّارّ، النّافع، النّور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور(1).

هل أسماء الله تعالى توقيفية؟

نقل غير واحد من المتكلمين والمفسّرين أنَّ أسماءه تعالى وصفاته توقيفية، وجوّزواإطلاق كل ما ورد في الكتاب والأحاديث الصحيحة دعاءً أووصفاً له وإخباراً عنه. ومنعوا كل ما لم يرد فيهما، وسمّوا ذلك إلحاداً في أسمائه، وعلى ذلك منع جمهور أهل السنَّة كل ما لم يأذن به الشارع، مطلقاً، وجوّز المعتزلة ما صحّ معناه ودلّ الدليل على اتصافه به ولم يوهم إطلاقه نقصاً. وقد مال إلى قول المعتزلة بعض الأشاعرة، كالقاضي أبي بكر الباقِلاّني وتوقف إمام الحرمين الجُوَيْني.

والتفصيل يقع في مقامين:

الأول ـ تفسير ما استدلوا به من الآية.

الثاني ـ تجويز ما لم يوهم إطلاقه نقصاً.

أما الأول: فقد قال سبحانه: (وَ للهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2).

الاستدلال مبني على أمرين:

أ ـ إنَّ اللام في الأسماء الحسنى للعهد، تشير إلى الأسماء الواردة في الكتاب والسنّة الصحيحة.

ب ـ إنَّ المراد من الإِلحاد، التعدي إلى غير ما ورد.

وكلا الأمرين غير ثابت. أمَّا الأول فالظاهر أنَّ اللام للاستغراق قدّم عليها لفظ الجلالة لأجل إفادة الحصر، ومعنى الآية إنَّ كل اسم أحسن في


1. الدرّ المنثور: 3 / 614، تفسير الآية 180 من سورة الأعراف .
2. سورة الأعراف: الآية 180.


(151)

عالم الوجود فهو لله سبحانه، لا يشاركه فيه أحد. فإذا كان الله سبحانه ينسب بعض هذه الأسماء إلى غيره كالعالم والحي، فأحسنها لله، أعني الحقائق الموجودة بنفسها الغنية عن غيرها. والثابت لغيره من العلم والحياة والقدرة المفاضة من جانبه سبحانه، من تجليات صفاته وفروعها وشؤونها. والآية بمنزلة قوله سبحانه: (أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعاً)(1).

وقوله: (إِنَّ الْعِزَّةَ لله جَمِيعاً)(2) إلى غير ذلك.

وعلى ذلك فمعنى الآية أنَّ لله سبحانه حقيقةُ كل اسم أحسن لا يشاركه غيره إلاَّ بما ملّكهم منه، كيف ما أراد وشاء.

وأمَّا الثاني: فلأن الإِلحاد هو التطرف والميل عن الوسط إلى أحد الجانبين، ومنه لَحْد القبر، لكونه في جانبه. بخلاف الضريح الّذي في الوسط، وأمَّا الإِلحاد في أسمائه فيتحقق بأُمور:

1 ـ إطلاق أسمائه على الأصنام بتغيير ما، كإطلاق «اللات» المأخوذة من الإِله بتغيير، على الصنم المعروف، وإطلاق «العُزّى» المأخوذة من العزيز، و«المَناة» المأخوذة من المنان، فيلحدون ويميلون عن الحق بسبب هذه الإِطلاقات لإِرادتهم التشريك والحط من مرتبة الله وتَعْلية ما صنعوه من الأصنام. وسيجزي هؤلاء على طبق أعمالهم فلا يصل النقص إلى الله ولا يرتفع مقام مصنوعاتهم.

2 ـ تسميته بما لا يجوز وصفه به لما فيه من النقص، كوصفه سبحانه بأبيض الوجه وجَعِد الشعر.

ومن هذا القبيل تسميته سبحانه بالماكر والخادع تمسكاً بقوله سبحانه: (وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(3). وقوله سبحانه: (إِنَّ


1. سورة البقرة: الآية 165.
2. سورة يونس: الآية 65.
3. سورة آل عمران: الآية 54.


(152)

الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ)(1). فإنَّ المتبادر من هذين اللفظين غير ما هو المتبادر من الآية. فإنَّ المتبادر منهما مُنفردين مفهوم يلازم النقص والعيب بخلاف المفهوم من الآيتين فإنه جزاءُ الخادع والماكر على وجه لا يبقى لفعلهما أثر.

3 ـ تسميته ببعض أسمائه الحسنى دون بعض كأن يقولوا «يا الله» ولا يقولوا «يا رحمن» وقد قال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى)(2). وقال سبحانه: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَ مَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَ زَادَهُمْ نُفُوراً)(3).

إلى غير ذلك من أقسام الإِلحاد والعدول عن الحق في أسمائه .

وبذلك يظهر أنَّه لا مانع من توصيفه سبحانه بالواجب أو واجب الوجود أو الصانع أو الأزلي، أو الأبدي وإنْ لم ترد في النصوص، إذ ليس في إطلاقها عليه سبحانه طروءُ نقص أو إيماءٌ إلى عيب، مع أنَّه سبحانه يقول:(صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء)(4).

هذا كله حول المقام الأول.

وأما المقام الثاني: وهو تجويز تسميته تعالى بكل ما يدل على الكمال أو يتنزّه عن النقص والعيب، فذلك لأن الألفاظ الّتي نستعملهما في حقه سبحانه لم توضع إلاَّ لما نجده في حياتنا المشوبة بالنقص والعيب، فالعلم فينا الإِحاطة بالشيء من طريق أخذ صورته من الخارج بوسائل ماديّة، والقدرة فينا هي المَنْشَئِيّة للفعل بكيفيّة مادية موجودة في عضلاتنا. ومن


1. سورة النساء: الآية 142.
2. سورة الإسراء: الآية 110.
3. سورة الفرقان: الآية 60.
4. سورة النمل: الآية 88.


(153)

المعلوم أنَّ هذه المعاني لا يصح نسبتها إلى الله إلاَّ بالتجريد. كأن يفسّر العلم بالإحاطة بالشيء بحضوره عند العالم، والقدرة بالمنشئية للشيء بإيجاده. ومثله مفاهيم الحياة والإِرادة والسمع والبصر فلا تطلق عليه سبحانه إلاَّ بما يليق بساحة قدسه، منزّهة عن النقائص. فإذا كان الأمر على هذا المنوال في الأسماء الّتي وردت في النصوص فيسهل الأمر فيما لم يرد فيها، وكان رمزاً للكمال أو مُعرباً عن فعله سبحانه على صفحات الوجود، أو مشيراً إلى تنزيهه وغير ذلك من الملاكات المُسَوّغة لتسميته وتوصيفه.

نعم بما أنَّ العوام من الناس ربما لا يتبادر إلى أذهانهم ما يدلّ على الكمال أو يرمز إلى التنزيه أو لا أقل يخلو من الإِشارة إلى النقص، فيبادرون إلى تسميته وتوصيفه بأسماء وصفات فيها أحد المحاذير السابقة، فمقتضى الاحتياط في الدين الاقتصار في التسمية بما ورد من طريق السمع بل التجنّب عن الإِجراء والإِطلاق عليه سبحانه وإن لم يكن هناك تسمية.

هذا تمام الكلام في الأسماء والصفات.

* * *


(154)


(155)

الفصل الرابع
القضاء والقدر

* موقف النبي وأهل بيته.

* التقدير هو الراسم للحياة عند المشركين.

* الأمويون وتفسير القضاء بالجبر.

* مصادر القضاء والقدر في الكتاب والسنَّة.

* تفسير القضاء والقدر العينيان.

* تفسير القضاء والقدر العلميان.

* القضاء والقدر في الصّحاح والمسانيد.

* الأحبار وإشاعة فكرة القدر بين المسلمين.

* «القدرية» في الحديث النبوي.


(156)


(157)

القضاء والقدر

إنَّ القضاء والقَدَر من الأُصول الإِسلامية الواردة في الكتاب والسنَّة وليس لمن له إلمام بهذين المصدرين الرئيسيين أن ينكرهما أو ينكر واحداً منهما.

وربما يصل إليهما العقل الفلسفي في تحليلاته وتفسيراته للكون المستند إلى الواجب سبحانه، ويخرج الجميع بنتيجة واحدة هي أنَّ لوجود كل شيء تحديداً وتقديراً، كما أنَّ له قضاءً وحكماً إبرامياً. وأمَّا ما هو المقصود منهما في الكتاب والسنَّة أو فيما يُرشد إليه العقل فسوف يظهر في الفصول الآتية، وقد أصبح لفظ «المصير» في مصطلح اليوم قائماً مكان هذين اللفظين.

إنَّ الوقوف على حقيقة المصير من المسائل الفلسفية الّتي يتشوق إليها الكل، حتى من لم يكن فيلسوفاً، فإن المسائل الفلسفية على صنفين: صنف مطروح للخواص ولا حَظَّ لغيرهم فيه وهذا كمسأله «عينية الصفات مع الذات»، أو كون «الواحد لا يصدر منه إلاَّ الواحد» إلى غير ذلك من المسائل الّتي لا يقف على مغزاها ولا يتفكر فيها إلاَّ الباحث في المسائل العقلية.


(158)

وهناك صنف آخر، وإن كان أقل من سابقه، مطروح لكل الناس والفيلسوف وغيره في التشوق إلى فهمه متساويان ومن هذا القسم فهم القضاء والقدر في الكتاب والسنَّة وموقع الإِنسان بالنسبة إليهما، وهل للإِنسان في مقابل التقدير اختيار وحُرية، وأنَّ ما قُدِّر في الأزل، وقُضِيَ به لا يسلب حريّته، أو أنَّ الإِنسان بَعْدَ التقدير والقضاء، كالريشة المعلّقة في الهواء تقلبها الرياح كيفما مالت، وهل الإِنسان على مسرح الحياة مُمَثِّلٌ أو مشاهد. فالمُتَعمقون من الناس يميلون إلى الأول، والسطحيون إلى الثاني. ولأجل ذلك ترى أن القضاء والقدر لعب دوراً كبيراً في آداب الأمم وأشعارهم، فترى أنَّ كل شاعر وأديب يفسّر القضاء والقدر على الوجه الّذي يناسب نزعاته أو يؤيده بيئته وظروفه الاجتماعية ومن هنا نرى تناقضاً واضحاً للغاية بين الأدباء والكتّاب في تحليل هذا الأصل.

إنَّ مسألة التقدير ـ لأجل الخصيصة الماضية ـ قد ابتليت بتفسيرين مختلفين لا يجتمعان أبداً، بينهما بُعد المَشْرِقَين، فالمأثور الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته وبعض الصحابة أنَّه لا صلة بين الإِعتقاد بالقضاء والقدر وتبرير المعاصي والمساوي عن ذلك الطريق وأنَّ القضاء والقدر ليسا سالبين للاختيار بل مؤيدان لحرية الإِنسان في حياته.

وفي مقابلهم جماعة سطحيون من الناس تَدرعوا بالقضاء والقدر، وأخذوا يبرّرون أفعالهم فيهما وكأنه ليس في الحياة عامل مؤثر سواهما، وأَنَّ الإِنسان في حياته مشاهد لما خُطّط من قبل وليس ممثلاً لشيء من الأشياء.

ولأجل إيقاف القارئ على موقف كلا الطائفتين، نورد كلماتهم في هذا المجال:

موقف النبي وأهل بيته وبعض الصحابة

1 ـ قال النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «سيأتي زمان على أُمتي


(159)

يَُؤوّلون المعاصي بالقضاء، أولئك بريئون مني وأنا منهم براء»(1).

2 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «خمسة لا يستجاب لهم: أحدهم مَرّ بحائط مائل وهو يُقبل إليه، ولم يسرع المشي حتى سقط عليه...»(2).

3 ـ قيل لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «رُقىً يُستشفى بها هل ترد من قدر الله؟ فقال: إنها من قدر الله»(3). والرقى جمع الرقية بمعنى العوذة. فقد جعل رسول الله التمسك بالأسباب جزءاً من تقديره سبحانه، فأعْلَم بذلك أن ليس التقدير سالباً للاختيار، بل خِيَرة الإِنسان وحريته في مجال الحياة من تقديره سبحانه.

4 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «في كل قضاء الله عز وجل خيرة للمؤمن»(4).

5 ـ وهذا أمير المؤمنين، باب علم النبي يوضح لنا مكانة التقدير بالنسبة إلى الاختيار. روى الأصْبَغ بن نُباتة أن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ عَدَل من حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له: يا أمير المؤمنين أتَفرّ من قضاء الله؟ قال: «أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل»(5).

6 ـ لما انصرف أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ من صفين أقبل شيخ فجثا بين يديه ثم قال له: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام، أبقضاء الله وقدره؟ فقال: أجل يا شيخ، ما علوتم من تلعة ولا هبطتم من واد إلاَّ بقضاء من الله وقدر. فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين. فقال أمير المؤمنين: مه يا شيخ! فوالله لقد عَظّم الله لكم الأجر


1. الصراط المستقيم، ص 32.
2. بحار الأنوار، ج 5، باب القضاء والقدر، ذيل الحديث 31، ص 105.
3. المصدر نفسه، الحديث الأول، ص 87.
4. التوحيد للصدوق ذيل الحديث الحادي عشر، ص 371.
5. التوحيد للصدوق، ص 369.


(160)

في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين. فقال الشيخ: كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا. فقال أمير المؤمنين: أوَ تظن أنَّه كان قضاءً حتماً، وقدَراً لازماً؟ إنَّه لو كان كذلك لبطل الثَّواب والعقاب، والأمر والنهي، والزَّجر من الله تعالى، وسقط معنى «الوعد والوعيد» ولم تكن لائمة للمذنب، ولا مَحْمَدَةٌ للمحسن، ولكان المُذْنِب أولى بالإِحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب.. وتلك مقالة إخوان عَبَدَةَ الأوثان، وخصماء الرحمان، وحزب الشيطان، وقَدَرِيّة هذه الأُمة ومجوسها(1). وإنَّ الله كلف «تخييراً» ونهى «تحذيراً» وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً ولم يُطَعْ مكرهاً، ولم يملك مفوّضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار(2).

7 ـ وقال أمير المؤمنين عندما سئل عن القضاء والقدر: «لا تقولوا وكلهم الله إلى أنفسهم فتوهنوه، ولا تقولوا أجبرهم على المعاصي فتظلموه، ولكن قولوا الخير بتوفيق الله والشر بخذلان الله، وكلّ سابقٌ في


1. قد أطلق الإِمام لفظ القدرية هنا على مثبتي القدر لا نفاته على خلاف ما اشتهر بين المتكلمين.
2. التوحيد للصدوق، ص 380، ح 28. وهذا الحديث الّذي نقلناه ذكره الكليني المتوفّى عام 329 هـ في كافيه، والشيخ الصدوق المتوفّى عام 381 هـ. في توحيده، والشريف الرضي المتوفّى عام 406 في نهج البلاغة. وما أفرغه ـ عليه السَّلام ـ في هذه الخطبة لا يمتاز عن سائر خطبه وكلمه.
والعجب كل العجب من الدكتور علي سامي النشار الّذي نقل الحديث في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإِسلام، ج 1، ص 411، عن كتاب المنية لا بن المرتضى، وزعم أنه من موضوعات المعتزلة وأنَّ أسلوب الكلام فيه يمتاز عن أسلوب علي ـ عليه السَّلام ـ . ولكنه غفل عن أن الحديث منقول في كتب السلف من الشيعة الذين لا يمتّون إلى المعتزلة ولا إلى غيرهم من الفرق بصلة، وللتفصيل مجال آخر.


(161)

علم الله»(1).

8 ـ وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «ما غلا أحد في القدر إلاَّ خرج من الإِسلام». وفي نسخة «من الإِيمان»(2).

9 ـ كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما يسأله عن القدر، فكتب إليه: «فاتبع ما شرحت لك في القَدَر ممّا أُفضي إلينا أهل البيت، فإنه من لم يؤمن بالقَدَر خيره وشره فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله عز وجل فقد افترى على الله افتراء عظيماً، إنَّ الله تبارك وتعالى لا يطاع بإكراه، ولا يُعصى بغَلَبة ولا يُهمِل العباد في الهلكة، لكنه المالك لما ملكهم، والقادر لما عليه أقدرهم. فإن ائتمروا بالطاعة، لم يكن الله صادّاً عنها مبطئاً، وإن ائتمروا بالمعصية فشاء ان يَمُنّ عليهم فيحول بينهم وبين ما ائتمروا به فعل. وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها قسراً، ولا كلفهم جبراً بل بتمكينه إياهم بعد إعذاره وإنذاره لهم واحتجاجه عليهم، طوقهم ومكنهم وجعل لهم السبيل إلى أخذ ما إليه دعاهم، وترك ما عنه نهاهم جعلهم مستطيعين لأخذ ما أمرهم به من شيء غير آخذيه. ولترك ما نهاهم عنه من شيء غير تاركيه، الحمد لله الّذي جعل عباده أقوياء لما أمرهم به ينالون بتلك القوة، وما نهاهم عنه. وجعل العذر لمن يجعل له السبيل حمداً متقبلاً فأنا على ذلك أذهب وبه أقول. والله وأنا وأصحابي أيضاً عليه وله الحمد» (3).

10 ـ وقال الإِمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «كما أنَّ بادئ النعم من الله عز وجل وقد نحلكموه، كذلك الشرّ من أنفسكم وإن جرى به قدره»(4).


1. بحار الأنوار ج 5، باب القضاء والقدر، ج 16، ص 95.
2. المصدر نفسه، ح 60، ص 120.
3. المصدر نفسه، ح 71، ص 123 .
4. المصدر نفسه، ح 42، ص 114.


(162)

11 ـ وقال الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، فيما يصف به الربّ: «لا يجور في قضية، الخلق إلى ما علم منقادون، وعلى ما سطر في كتابه ماضون، لا يعملون خلاف ما علم منهم، ولا غيره يريدون»(1).

فقد صدّر كلامه ـ عليه السَّلام ـ بقوله: «لا يجور في قضيته»، أي لا يكون جائراً في قضائه. وهو نفس القول بأنَّ القضاء لا يجعل الإنسان مكتوف الأيدي. وأمَّا قوله: «لا يعملون خلاف ما علم منهم» فلا يلازم الجبر، إذ فرق بين أن يقول «لا يعملون خلاف ما علم»، وقوله «لا يعملون خلاف ما علم منهم». فإنَّ الثاني ناظر إلى أنَّ علمه لا يقبل الخطأ، وأنَّ علمه بأفعال العباد لا يتخلف، ولكن المعلوم له سبحانه هو صدور كل فعل من فاعله بما احتفَّ من المبادئ; من الإختيار أو ضده. وسيوافيك تفسيره.

هذا هو المأثور عن النبي الأعظم وأهل بيته الطاهرين، فالكل يركزون على أنَّ القضاء والقَدَر لا يسلبان الحرية عن الإنسان. ولأجل اشتهار علي وأهل بيته في هذا المجال بهذا، قيل من قديم الأيام.

«الجبر والتشبيه أمويان، والعدل والتَّوحيد علويان».

نعم وجد بين الصحابة من قال بهذا القول متأثراً بما سمعه من النبي الأكرم أو صحابته الوعاة ونأتي في المقام ببعض النماذج من هذه الكلمات:

12 ـ روى الطبري في تاريخه: «وَقِدمَ عُمَر بن الخطاب الشام فصادف الطَّاعون بها فاشياً، فاستشار الناس فكل أشار عليه بالرجوع وأن لا يدخلها إلاَّ أبا عبيدة ابن الجراح فإنه قال: «أتفرّ من قدر الله» قال: «نعم، أفرّ من قدر الله بقدر الله إلى قدر الله، لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!» فما لبث أن جاء عبد الرحمن بن عوف فروى لهم عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنَّه قال: «إذا كنتم ببلاد الطَّاعون فلا تخرجوا منها، وإذا قدمتم إلى


1. المصدر نفسه، ح 25، ص 101 .


(163)

بلاد الطاعون فلا تدخلوها». فحمد الله على موافقة الخبر لما كان في نفسه وما أشار به الناس وانصرف راجعاً إلى المدينة»(1).

ترى أنَّ الخليفة ـ مع أنه كان يعتقد بخلاف ذلك على ما أثر عنه في غزوة حنين كما سيأتي ـ لا يرى الاعتقاد بالقضاء والقدر مخالفاً لكون الإِنسان ممسكاً إرادته أو مرخياً لها في الدخول إلى بلاد الطاعون.

وروى ابن المرتضى في طبقات المعتزلة عن عدة من الصحابة جملاً تحكي عن كونهم متحيزين في مسألة القضاء والقدر إلى القول بالاختيار وإليك بعض ما نقله عنهم، قال:

13 ـ وقد أُتي عمر بسارق فقال: لِمَ سرقت؟ فقال قضى الله عليّ. فأمر به فقطعت يده وضرب أسواطاً، فقيل له في ذلك، فقال: القطع للسرقة والجلد لما كذب على الله(2).

14 ـ وقيل لعبد الله بن عمر يا أبا عبد الرَّحمن إنَّ أقواماً يزنون ويشربون الخمر ويسرقون ويقتلون النفس ويقولون: كان في علم الله فلم نجد بداً منه، فغضب ثم قال: سبحان الله العظيم، قد كان ذلك في علمه إنهم يفعلونها ولم يحملهم علم الله على فعلها... الحديث(3).

15 ـ روى مجاهد عن ابن عباس أنَّه كتب إلى قراء المجبرة بالشام: أما بعد، أتأمرون الناس بالتقوى وبكم ضل المتقون، وتنهون الناس عن المعاصي وبكم ظهر العاصون. يا أبناء سلف المقاتلين، وأعوان الظالمين، وخزان مساجد الفاسقين، وعمّار سلف الشياطين، هل منكم إلاَّ مفتر على الله يحمل إجرامه عليه وينسبها علانية إليه... الحديث.

ولعل وجه افترائهم على الله سبحانه هو تعليل أعمالهم الإِجرامية بسبق


1. تاريخ الطبري، ج 3، ص 606 ذكره في حوادث عام 17.
2. طبقات المعتزلة لأحمد بن يحيى بن مرتضى، ص 11، طبعة بيروت 1380.
3. المصدر السابق، ص 12.


(164)

علمه سبحانه عليها، فصوروا أنفسهم مجبورين ومسيرين، فرد عليهم ابن عباس بما قرأت.

هذه هي الكلمات المأثورة عن النبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين وبعض الصحابة ولكن تجاه هؤلاء جماعة يرون القضاء والقدر هو العامل المؤثر في الحياة، وأنَّ الإِنسان مكتوف اليدين في مصيره ومسيره. وليست تلك الفكرة مختصة ببعض المسلمين، بل القرآن الكريم يحكيها عن بعض المشركين وإليك نقل ما وقفنا عليه في القرآن الكريم، وما ضبط في التاريخ:

التقدير هو الراسم للحياة عند المشركين

تنص الآيات القرآنية على أنَّ المشركين كانوا معتقدين بالتقدير أولاً، وفي الوقت نفسه يرونه مساوقاً للجبر وراسماً للحياة ومعيناً للمصير. ولعل ما لهج به بعض الصحابة من تفسير التقدير بالجبر وسلب الإِختيار كان من آثار العهد الجاهلي الّتي بقيت في أذهانهم سيوافيك كلامهم في هذا المجال. وإليك فيما يلي نقل ما ذكره القرآن في عقيدة المشركين:

1 ـ قوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَ لاَ آبَاؤُنَا وَ لاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْ)(1).

ترى أنَّ المشركين يسندون شركهم إلى إرادة الله ومشيئته وأنَّ المشيئة الإلهية هي الّتي دفعتهم إلى الدخول في حبائل الشرك ولولاها لما أشركوا ولما سووا أصنامهم بخالقهم كما يحكي عنهم سبحانه قولهم: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).(2)

ولكن الذكر الحكيم يرد عليهم تلك المزعمة بقوله :


1. سورة الأنعام: الآية 148 .
2. سورة الشعراء: الآية 98 .


(165)

(كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ)(1).

2 ـ ويقول تعالى في آية أُخرى حاكياً كلام المشركين في تعليل ارتكابهم الفحشاء بأمر الله وإرادته:(وَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَ اللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )(2).

3 ـ ويقول تعالى: (وَ قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(3).

فهذه الآيات وما يضاهيها من الآيات الأُخر تبين لنا موقف المشركين من التقدير وتحليلهم لهذا الأصل، ولأجل ذلك يجب أن يكون تفسير التقدير على وجه لا يتفق مع زعم المشركين فيه. والعجب أنَّ هذا الاستنتاج الباطل قد بقي بحاله في بعض الأذهان حتى بعد بزوغ فجر الإسلام وقد سجل التاريخ بعض المحادثات في هذا المجال نشير إليها:

1 ـ روى عبد الله بن عمر أنَّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: «أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنَّ الله قَدّرَني عليه ثم يعذبني؟ قال: نعم يا ابن اللّخناء. أما لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك»(4).

فإنَّ السائل أدرك في ضميره أنَّ التقدير والمجازاة على العمل لا يجتمعان مع عدله سبحانه وقسطه، فلابد من قبول أحد الأصلين ورفض الآخر ولما لم يجد الخليفة جواباً صالحاً لسؤاله قام بتهديده كما سمعت في الخبر، وهذا يوضح أنَّ التقدير في بعض الأذهان كان مساوقاً للجبر وسلب


1. سورة الأنعام: الآية 148 .
2. سورة الأعراف: الآية 28 .
3. سورة الزخرف: الآية 20 .
4. تاريخ الخلفاء للسيوطي، 95 .


(166)

الاختيار ولولا تلك المساوقة لما كان للسؤال موقع ولا لتهديده وجه.

2 ـ نقل الواقدي في مغازيه عندما تعرض لغزوة حنين وهزيمة المسلمين أنّ أم الحارث الأنصارية رأت عمر بن الخطاب في حال الهزيمة والفرار من أرض المعركة فقالت له ما هذا؟ فقال عمر: أمر الله! (1).

الأمويون وتفسير القضاء بالجبر

1 ـ قال أبو هلال العسكري في الأوائل: إنَّ معاوية أوّل من زعم أنَّ الله يريد أفعال العباد كلها(2) .

2 ـ روى الخطيب عن أبي قتادة عندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة: قالت عائشة: ما يمنعني ما بيني وبين عَلِيٍّ أن أقول الحق، سمعت النبي يقول: تفترق أُمّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة محلقون رؤوسهم يحفون شواربهم، أزُرهم إلى أنصاف سُوقهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يقتلهم أحبُّهم إليّ وأحَبُّهم إلى الله. قال: فقلت: يا أُم المؤمنين: فأنت تعلمين هذا!! فلم كان الّذي منك؟ قالت: يا قتادة وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وللقدر أسباب(3).

3 ـ لقد سعى معاوية بن أبي سفيان ـ بعدما سَمّ الحسن ـ عليه السَّلام ـ ورأى الجو السياسي مناسباً ـ إلى نصب ولده يزيد خليفة من بعده، فلما اعترض عليه عبد الله بن عمر، قال له: «إني أحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم، وأن تسفك دماءهم وإنَّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم» (4).

وأجاب بهذا الكلام أيضاً عائشة أُم المؤمنين عندما نازعته في هذا


1. المغازي للواقدي، ج 3، ص 904 .
2. الأوائل، ج2، ص 125 .
3. تاريخ بغداد، ج 1، ص 160 .
4. الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج 1، ص 171 .


(167)

الاستخلاف، فقال لها: «إنَّ أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم»(1).

فإنك ترى أنَّ معاوية يتوسل في تحقيق أهدافه بأيديولوجية دينية مُسَلّمة بين الناس من المعترضين وغيرهم وهي تفسير عمله بالتقدير والقضاء الإلهي.

وفي هذا الصدد يقول أحد الكتّاب المصريين المعاصرين: «إنَّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوة فحسب ولكن بأيديولوجية تمس العقيدة في الصميم، ولقد كان يعلن في الناس أنَّ الخلافة بينه وبين علي ـ عليه السَّلام ـ قد احتكما فيها إلى الله فقضى الله له على عليّ ـ عليه السَّلام ـ وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز، أعلن أن اختيار يزيد للخلافة كان قضاءً من القضاء ليس للعباد خيرة في أمرهم، وهكذا كاد أن يستقر في أذهان المسلمين أنَّ كل ما يأمر به الخليفة حتى ولو كانت طاعة الله في خلافه فهو قضاء من الله قد قدّر على العباد» (2).

4 ـ ومن مظاهر هذه الفكرة الخاطئة (مساوقة التقدير للجبر) تبرير عمر بن سعد بن أبي وقاص قاتل الإمام الطاهر الحسين بن علي سلام الله عليه مبرراً جنايته بأنها تقدير إلهي. وعندما اعترض عليه عبد الله بن مطيع العدوي بقوله: اخترت همدان والري على قتل ابن عمك. قال عمر بن سعد: كانت أُموراً قضيت من السماء وقد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة فأبى إلاَّ ما أبى (3).

وعلى هذا الأصل قامت السلطة الأُموية ونشأت وارتقت فكان الخلفاء


1. المصدر نفسه، ص 167 .
2. نظرية الإمامة عند الشيعة الإمامية للدكتور أحمد محمود، ص 334 .
3. طبقات ابن سعد ج 5، ص 148، طبعة بيروت.


(168)

من هذا البيت يهددون من يخالفهم فيه، ويعاقبون بما هو مسجل مضبوط في التاريخ.

5 ـ إنَّ الحسن البصري (ت 22 ـ م 110 هـ) من الشخصيات البارزة في عصره وكان يشغل منصة الوعظ والخطابة والإرشاد. ومع ذلك كله لم يكن معتقداً بالتقدير المُصَوّب عند الأمويين فلما خوّفه بعض أصدقائه من السلطان وعد أن لا يعود. روى ابن سعد في طبقاته عن أيوب قال: «نازلت الحسن في القدر غير مرة حتى خوّفته من السلطان فقال لا أعود بعد اليوم» (1).

6 ـ إنَّ محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة الّتي قام بتلخيصها ابن هشام، اتّهم بالمخالفة في التقدير وضرب عدّة سياط تأديباً. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب إن محمد بن إسحاق اتهم بالقَدَر، وقال الزبير عن الدراوردي: وجلد ابن إسحاق، يعني في القَدَر(2) ؟

7 ـ وروى ابن قتيبة أنَّ عطاء بن يسار كان قاضياً للأمويين ويرى رأي معبد الجهني، فدخل على الحسن البصري وقال له: يا أبا سعيد إنَّ هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم ويقولون إنما تجري أعمالنا على قضاء الله وقدره، فقال له الحسن البصري: كذب أعداء الله(3). ونقل المقريزي أنَّ عطاء بن يسار ومعبد الجهني دخلا على الحسن البصري فقالا له: إنَّ هؤلاء يسفكون الدماء ويقولون إنها تجري أعمالنا على قدر الله، فقال: كذب أعداء الله فطعن عليه بهذا (4).

8 ـ يقول ابن المرتضى: «ثم حَدَثَ رأيُ المُجَبّرة من معاوية وملوك بني مروان فَعَظُمَتْ به الفتنة» (5).


1. طبقات ابن سعد ج 7، ص 167، طبعة بيروت.
2. تهذيب التهذيب، ج 9، ص 38 و 46 .
3. المذاهب الإسلامية، محمد أبو زهرة، ص 175. والملل والنحل، ج 1، ص 113 .
4. الخطط المقريزية، ج 2، ص 356 .
5. طبقات المعتزلة، ص 6، تأليف أحمد بن يحيى بن مرتضى المعتزلي.


(169)

هذه نماذج ممّا سجله التاريخ في شأن هذا الاستنتاج، نعم كان هناك فَرْق بين الحافز الّذي دعا المشركين إلى استنتاج الجبر، والحافز الّذي ساق الأمويين إلى نشر تلك الفكرة، فإن الداعي عندالمشركين كان داعياً دينياً محضاً بينما كان عند الأمويين مشوباً بالسياسة وتبرير الأعمال المنحرفة وإخماد الثورات، وتخدير المجتمع من القيام في وجه السلطة، حتى يتسنى لهم بذلك الحكومة عليه، واستقرار عروشهم، وانغماسهم في ملذاتهم الدنيوية.

إلى هنا عرفت وجهة المسألة عبر العصور والقرون الأُولى، ولكن أي الفريقين أحقّ أن يتبع، لا أرى في الإدلاء به إلزاماً، فالأمر واضح عند كل ذي لُب وبصيرة. وما ذكرناه كان عرضاً إجمالياً لتاريخ المسألة تلقي ضوءاً على فهم آيات الكتاب والسنّة الواردة في القضاء والقدر. فلنشرع ببيان مصادر المسألة في الكتاب والسنّة وتحليلها.

***


(170)


(171)

مصادر القضاء والقدر في الكتاب والسنَّة

الاعتقاد بالقضاء والقَدَر من صميم العقائد الإسلامية الّتي جاءت في الكتاب والسنة وليس لمسلم واع إنكار وجودهما، إنما الكلام في تفسيرهما وتحليلهما. وقبل أن نذكر ما ورد في المصدرين نأتي بمقدمة يسهل معها تصنيف الآيات والروايات:

إنَّ «التقدير» ـ كما سيوافيك بيانه مفصلاً ـ هو التحديد، و «القضاء» هو الحكم والإبرام وكلاهما ينقسم إلى علمي وعيني.

«فالتقدير العلمي» عبارة عن تحديد كل شيء بخصوصياته في علمه الأزلي سبحانه قبل أن يخلق العالم أو قبل أن يخلق الأشياء الحادثة. فالله سبحانه يعلم حد كل شيء ومقداره وخصوصياته الجسمانية والمعنوية. كما أنَّ المراد من «القضاء العلمي» هو علمه بضرورة وجود الأشياء وإبرامها، وأنّ أي شيء يتحقق بالضرورة وما لا يتحقق كذلك. فعلمه السابق بحدود الأشياء وضرورة وجودها، تقدير وقضاء علميان.

وأمَّا «التقدير العيني» فهو عبارة عن الخصوصيات الّتي يكتسبها الشيء من علله عند تحققه وتَلَبُّسه بالوجود الخارجي. كما أن المراد من «القضاء العيني» هو ضرورة وجود الشيء عند وجود علّته التامة ضرورة عينية خارجية.

فلو كان القدر والقضاء العلميان ناظرين إلى التقدير والضرورة في علم


(172)

الله سبحانه، فالتقدير والقضاء العينيان ناظران إلى التقدير والضرورة الخارجيين اللَّذين يحتفان بالشيء الخارجي.

والتقدير والقضاء هناك مقدَّمان على وجود الشيء وها هنا مقارنان بل متحدان مع وجوده.

والآيات الواردة في الكتاب على صنفين: صنف ينصّ على العلمي منهما وصنف على العيني منهما، ولأجل ذلك نفسّر الآيات ونُصَنّفُها حتى يكون الباحث في المسألة على بصيرة.

التقدير والقضاء العلميان في الكتاب

1 ـ قال سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً).(1)

وهذا كاشف عن أنَّ مقدار حياة الإنسان مُقَدّر من قبلُ، لا يتخلف.

والآية تعريض بما نقله تعالى عن بعض المنافقين في الآية التالية:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَ مَا قُتِلُوا )(2). فردّ عليهم سبحانه بما عرفت في الآية .

2 ـ قال سبحانه: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَ عَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )(3).

والآية تهدف إلى أنَّ ولاية أمرنا لله سبحانه، كما يدل عليه قوله: ( هُوَ مَوْلاَنَا)، وقد كتب كتابة حتم ما يصيبنا من حياة وشهادة. فلو أصابتنا الحياة كان المنّ له وإن أصابتنا الشهادة كانت المشيئة والخيرة له، فالكل من


1. سورة آل عمران: الآية 145 .
2. سورة آل عمران: الآية 156 .
3. سورة التوبة: الآية 51 .


(173)

الله وكلاهما حسنة ولأجل ذلك يقول: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَاب مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (1).

3 ـ قال سبحانه: (وَ اللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَ مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَ لاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَ لاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)(2).

فالآية تنص على سبق علمه سبحانه على تحقق الأشياء وتكوّنها وتحددها وتقدرها، وكل ما يحف بها من الخصوصيات.

4 ـ قال تعالى: (وَ كُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَ كُلُّ صَغِير وَ كَبِير مُسْتَطَرٌ)(3).

«الزُّبُر» كتب الأعمال، والمراد بالصغير والكبير، صغيرها وكبيرها والكل مكتوب في كتاب خاص.

5 ـ قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)(4).

المصيبة هي النائبة الّتي تصيب في الأرض كالجدب وعاهة الثمار والزلزلة المخربة، أو الّتي تصيب في الأنفس، كالمرض والجرح والكسر والقتل، والمراد من الكتاب اللوح المكتوب فيه ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة. وإنما اقتصر على ذكر ما يصيب في الأرض أو في الأنفس من المصائب لكون كلامه فيهما، وإلاَّ فالمكتوب لا يختص به.

وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) دالٌّ على أنَّ تقدير الحوادث قبل وقوعها والقضاء عليها بقضاء، لا صعوبة فيه.


1. سورة التوبة: الآية 52 .
2. سورة فاطر: الآية 11 .
3. سورة القمر: الآيتان 52 ـ 53 .
4. سورة الحديد: الآية 22 .


(174)

ويقول سبحانه بعد هذه الآية: (لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَ اللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور)(1).

والآية بِمَنْزِلِة التعليل للإخبار عن كتابة الحوادث قبل وقُوعِها. والمعنى: أخبرناكم بكتابة الحوادث قبل الوقوع لئلا تحزنوا على ما فاتكم من النِّعَم، ولا تفرحوا بما أعطاكم الله منها، لأنَّ الإنسان إذا أيقن أنَّ المصاب مقدر كائن لم يحزن لفوته ولم يفرح لمجيئه.

هذه بعض الآيات الّتي وردت في بيان أنَّ خصوصيات الأشياء وضرورة وجودها متحققة في علمه الأزلي أو مراتب علمه كالكتاب الوارد في الآيات الماضية. وإليك بيان القسم الثاني من التقدير والقضاء:

التقدير والقضاء العينيان في الكتاب

في هذا القسم من الآيات نقف على أنّ الخصوصيات المتحققة في الأشياء أو ضرورة وجودها كلاهما من الله سبحانه، فالتقدير والقضاء منه. وإليك بعض ما يدل عليه :

1 ـ قال تعالى: (إِنَا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) (2).

قَدَرُ الشيء هو المقدار الّذي لا يتعداه، والحد الّذي لا يتجاوزه من جانبي الزيادة والنقيصة.

2 ـ قال تعالى: (وَ إِنْ مِنْ شَىْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم) (3).

فلكل شيء حد محدود في خلقه لا يتعداه وصراط ممدود في وجوده يسلكه ولا يتخطاه.


1. سورة الحديد: الآية 23 .
2. سورة القمر: الآية 49 .
3. سورة الحجر: الآية 21 .


(175)

3 ـ قال تعالى: (اللهُ الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَموَات وَ مِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْء عِلْماً)(1).

الضمير في «بينهن» يرجع إلى السَّماوات والأرض. والمُراد من «الأمر» هو الأمر التكويني الّذي ورد في قوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )(2). والمراد من تنزله هو أخذه بالنزول من مصدر الأمر حتى ينتهي إلى هذا العالم فيتكون ما قصد بالأمر من موت وحياة أو عِزّة وذِلّة، أو خصب وجدب، إلى غير ذلك من الحوادث الأرضية والنفسية.

وهذه الآيات كافية في تبيين التقدير العيني. وهناك من الآيات ما يشير إلى القضاء العيني، وأنَّ ضرورة تحقق الأشياء ـ عند اجتماع عللها التامة ـ من جانبه سبحانه. فكما أنَّ التقدير من الله سبحانه فكذلك القضاء والحكم بالشيء في عالم العين، منه سبحانه .

4 ـ قال تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَموَات فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا)(3).

5 ـ قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلاً)(4).

6 ـ قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ)(5).

وغيرها من الآيات الحاكية عن قضائه سبحانه بالشيء وإبرامه على صفحة الوجود.


1. سورة الطلاق: الآية 12 .
2. سورة يس: الآية 82 .
3. سورة فصلت: الآية 12 .
4. سورة الأنعام: الآية 2 .
5. سورة سبأ: الآية 14 .


(176)

التقدير والقضاء في السّنة الصحيحة

روى السنة والشيعة روايات كثيرة في هذا المجال، ولكن العبرة في الصحة بما لا يخالف القرآن. وإليك بعض ما وقفنا عليه في الجوامع الحديثية من الشيعة أولاً والسُّنَّة ثانياً.

1 ـ روى الصدوق في الخصال بسنده عن علي ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة: حتى يشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله بعثني بالحق، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت، وحتى يؤمن بالقدر» (1).

2 ـ وروى أيضاً بسنده عن أبي أمامة الصحابي قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: عاقّ، ومنّان، ومُكَذّب بالقَدَر، ومُدْمِنُ خَمْر» (2).

3 ـ وروى أيضاً بسنده عن علي بن الحُسَيْن قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرّم الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله ويعزّ من أذلّه الله، والمستأثر بفيء الله المستحل له»(3).

4 ـ وروى أيضاً بسنده عن أبي الحسن الأول (موسى الكاظم) ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا يكون شيء في السَّماوات والأرض إلاّ بسبعة: بقضاء، وقدر،وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل، وإذن. فمن قال غير هذا فقد كذب على الله أو ردّ على الله عزّ وجل» (4).


1. البحار ج 5 باب القضاء والقدر، الحديث 2، ص 87 .
2. المصدر نفسه: الحديث 3 .
3. المصدر نفسه، الحديث 4، وبهذا المضمون الحديث الخامس والسادس مع إضافة يسيرة.
4. المصدر نفسه، ح 7، ص 88 .


(177)

5 ـ وروى الصدوق في عيون أخبار الرضا بسنده عن علي قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنَّ الله عزوجل قدَّر المقادير، ودَبّر التّدابير قبل أن يَخْلُق آدم بألفي عام».(1)

وأما ما روي من طرق أهل السُّنّة فالذي يمكن الأخذ به فهو الّذي ننقله فيما يلي.(2)

6 ـ روى الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه»(3).

هذه الرواية ونظائرها لا تنافي اختيار الإنسان وصحة التكليف لأن المراد ممّا يصيب وما لا يصيب هو الأُمور الخارجة عن إطار اختياره، كالمواهب والنوازل، فلا شك أنَّ الإصابة وعدمها خارجان عن اختيار الإنسان وليس له دور وإنما الكلام في حكومة القضاء والقدر على ما يناط به التكليف ويثاب به أو يعاقب فإن سيادة القضاء والقدر على اختيار الإنسان أمر لا يقبله العقل ولا يوافقه النقل، كما سيأتي. وقس على هذا باقي ما رواه أهل السنة في باب القضاء والقدر.

***


1. المصدر نفسه، حديث 12، ص 93 .
2. سيوافيك في باب خاص أنَّ أكثر ما رواه أهل الحديث في باب التقدير يلازم الجبر الباطل ويضاد كتاب الله، وأنَّ كثيراً منها من الإسرائيليات الّتي بثها نظراء كعب الأحبار، فترقب .
3. جامع الأصول، ج 10، كتاب القدر، الحديث 7552، ص 511 .


(178)


(179)

تفسير التقدير والقضاء

قد عرفت أنَّ القضاء والقدر من الأُصول المُسَلَّمة في الكتاب والسنَّة وليس لمسلم واع أن يُنْكِر واحداً منهما. إلاَّ أنَّ المشكلة في توضيح ما يراد منهما، فإنه المزلقة الكبرى في هذا المقام. ولأجل ذلك نأتي في هذا الباب بالمعنى الصحيح لهذين اللَّفظَيْن الّذي يدعمه الكتاب، وأحاديث العترة، وبراهين العقل السليم.

أما القدر، فالظاهر من موارد استعماله أنَّه بمعنى الحَدّ والمقدار وإليه تشير الآيات التالية:

يقول سبحانه: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)(1).

ويقول سبحانه: (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىْء قَدْراً)(2).

ويقول سبحانه: (وَ اللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ)(3).

ويقول تعالى: (وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم )(4).


1. سورة الرعد: الآية 17 .
2. سورة الطلاق: الآية 3 .
3. سورة المُزَّمِل: الآية 20 .
4. سورة الحِجْر: الآية 21 .


(180)

قال ابن فارس: «القَدْر بفتح الدال وسكونه حَدُّ كل شيء ومقداره وقيمتُه وثمنه، ومنه قوله تعالى: (وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) أي قدر بمقدار قليل» (1).

قال الراغب: «القَدَر والتقدير تبيين كمية الشيء يقال قَدَرْتُهُ وَقَدّرْتُهُ وقَدّرَه بالتشديد: أعطاه القُدْرَة فتقدير الأشياء على وجهين: أحدهما بإعطاء القدرة (وهذا خارج عن موضوع البحث)، والثاني بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسب ما اقتضت الحكمة» ثم قال: «إنّ فعل الله تعالى ضربان: ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أنَّه أبدعه كاملاً دفعة واحدة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى أن يشاء أن يفنيه أو يبدله كالسَّماوات وما فيها(2). ومنها ما جعل أُصوله موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوة وقدّره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدّره فيه كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون، وتقدير مِنيّ الإنسان أن يكون منه الإنسان دون سائر الحيوانات وعلى ذلك قوله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْء قَدْراً)(3) وقوله: (إِنَا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر)(4).

وقوله: (مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ )(5)» (6).

إلى هنا وقفت على معنى القَدَر حسب اللّغة.

وأما القضاء، فقد ذكروا له معاني كثيرة، حتّى أنَّ الشيخ المفيد قال باستعمالها في معاني الخلق، والأمر والإعلام، والقضاء بالحكم،


1. المقاييس، ج 5، ص 63 .
2. الصحيح أنْ يمثل بالمُجَرّدات عن المادة فإنَّ تقديرها هو اتصافها بالإمكان من دون أن يطرأ عليه التغيير والتبدّل وأما السَّماوات فتغيّرها أمر بديهي.
3. سورة الطلاق: الآية 3 .
4. سورة القمر: الآية 49 .
5. سورة عبس: الآية 19 .
6. مفردات الراغب، مادة «قدر»، ص 409، تحقيق نديم مرعشلي، ط دار الكتاب العربي.


(181)

واستشهد لكلامه بآيات قرآنية» (1).

وقال العلامة الحلّي باستعماله في معاني عشر، واستدل لكل معنى بآية (2).

والظاهر أنّه ليس له إلا معنى واحد، وما ذكر من المعاني كلها مصاديق معنى واحد وأول من تنبه لهذه الحقيقة هو اللغوي المعروف أحمد بن فارس بن زكريا يقول: «القضاء أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته قال الله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَموَات فِي يَوْمَيْنِ) أي أحْكَمَ خلقهن... إلى أنْ قال: والقضاء الحكم قال الله سبحانه في ذكر من قال: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض) أي إصنع وأحْكِم ولذلك سمي القاضي قاضياً لأنّه يُحكم الأحكام ويُنفذها وسميت المنية قضاءً لأنَّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق»(3).

وقال الراغب الاصفهاني: «القضاء فصل الأمر قولاً كان ذلك أو فعلاً، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي وبشري، فمن القول الإلهي: (وَ قَضَى رَبُّكَ الاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)(4) أي أمر بذلك. ومن الفعل الإلهي: قوله سبحانه: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَموَات فِي يَوْمَيْنِ)(5) إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه. ومن القول البشري نحو: «قضى الحاكم بكذا» ومن الفعل البشري: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ) (6)» (7).

ولا يخفى إنّ ما ذكره ابن فارس أدّق ومجموع النصين من العلمين يرجع إلى أنَّ أي قَول أو عَمَل إذا كان متقناً محكماً، وجاداً قاطعاً، وفاصلاً صارماً لا يتغير ولا يتبدل، فذلك هو القضاء.


1. شرح تصحيح الاعتقاد، ص 19 .
2. كشف المراد، ص 195، طبعة صيدا.
3. المقاييس، ج 5، ص 99 .
4. سورة الإسراء: الآية 23 .
5. سورة فُصّلت: الآية 12 .
6. سورة البقرة: الآية 200 .
7. مفردات الرغب، مادة قضى، ص 421 .


(182)

هذا ما ذكره أئمة اللغة، وقد سبقهما أئمة أهل البيت ففسروا القدر والقضاء على النحو التالي:

روى الكليني بسنده إلى يونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ وقد سأله يونس عن معنى القدر والقضاء؟ فقال: «هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء هو الإبرام وإقامة العين» (1).

روى البرقي في محاسنه عن أبيه عن يونس عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «قال: قلت: ما معنى «قدر»؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه، قلت: فما معنى «قضى»؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الّذي لا مَرَدَّ له» (2).

روى البرقي في محاسنه أيضاً بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: قال أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ ليونس مولى علي بن يقطين: «أوَ تَدري ما «قدر» قال: لا. قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء. ثم قال: إنَّ الله إذا شاء شيئاً أراده، وإذا أراده قدَّره، وإذا قدّره قضاه، وإذا قضاه أمضاه»(3).

وأنت إذا أمعنت النظر في مفاد هذه الروايات تقدر على تمييز ما يرجع فيها إلى التقدير والقضاء الكليين عمّا يرجع إلى العينيين منهما ولأجل ذلك تركنا التصنيف فيها.

فإذا اتّضح ما ذكرناه، فلنرجع إلى تفسير ما تهدف إليه الآيات والروايات، وقد عرفت أنَّ كلاًّ من التقدير والقضاء على قسمين: علمي وعيني. فلنقدم البحث في العيني منهما ثم نبحث عن العلمي منهما لأنَّ استنتاج الجبر ربما يترتب عند القائل به على العلمي.


1. الكافي ج 1، ص 158. ورواه الصدوق في توحيده بتغيير يسير.
2. المحاسن، ص 244. ونقله المجلسي في البحار، ج 5، ص 122، الحديث 68 .
3. المصدر نفسه، ص 244. ورواه المجلسي في بحاره، ج 5، ص 122، الحديث 69 .


(183)

1 ـ تفسير القَدَر والقضاء العينيين

حاصل التقدير العيني أنَّ الموجودات الإمكانية على صنفين: موجود مجرد عن المادة والزمان والمكان، فَقَدَرُهُ هو ماهيته الّتي يتحدد بها وجوده. وبما أنَّ ماهية هذه الموجودات العليا خفية علينا، فنكتفي في بيان تقديرها بلفظ «الإمكان» و «الحاجة» فكلها مصبوغة بهذه الصبغة ولا تخرج عن هذا الإطار، وتلك كالملائكة والعقول والنفوس.

وموجود مادي خلق في إطار الزمان والمكان، فَقَدَرُهُ عبارة عن جميع خصائصه الزمانية والمكانية والكيفية والكمية. وبعبارة أُخرى: حدود وجوده، وخصوصياته الّتي تحف به من بدو تحققه إلى فنائه.

وأما القضاء، فهو عبارة عن الضرورة الّتي تحف وجود الشيء بتحقيق علته التامة بحيث يكون وجوده ضرورياً مقطوعاً به من ناحية علته الوجودية.

وعلى ذلك فكل ما في الكون لا يتحقق إلا بقدر وقضاء أما القدر فهو عبارة عن الخصوصيات الوجودية الّتي تبين مكانة وجود الشيء على صفحة الوجود، وأنَّه من قبيل الجماد أو النبات أو الحيوان أو فوق ذلك، وأنَّه من


(184)

الوجودات الزمانية، والمكانية إلى غير ذلك من الخصوصيات الّتي تبين وضع الشيء وموضوعه في عالم الوجود.

وأما القضاء، فهو عبارة عن وصول الشيء حسب اجتماع أجزاء علته إلى حد يكون وجوده ضرورياً وعدمه ممتنعاً، بحيث إذا نسب إلى علته يوصف بأنَّه ضروري الوجود.

فلأجل ذلك استعير لبيان مقدار الشيء من الخصوصيات لفظ «القدر»، ولتبيين ضرورة وجوده وعدم إمكان تخلفه، لفظ «القضاء» ولأجل ذلك فسر أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ القدر بالهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء بالإبرام وإقامة العين.

وعلى ذلك فيجب علينا أنْ نبحث عن التقدير والقضاء العينيين اللَّذين أخبر عنهما الكتاب العزيز وقال: (إِنَا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) .

وقال سبحانه: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَموَات فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَ حِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(1).

فلا يوجد على صفحة الوجود الإمكاني شيء إلا بظل هذين الأمرين:

1 ـ تقدير وجود الشيء وتحديده بخصوصيات تناسب وجوده، فلا يوجد شيء خالياً عن الحد والتقدير سوى الله تعالى سبحانه .

2 ـ لزوم وجوده وضرورة تحققه بتحقق علته التامة الّتي تضفي على الشيء وصف الضرورة والتحقق.

وإلى ذلك يشير النبي الأكرم بقوله: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة»، وعَدّ


1. سورة فصلت: الآية 12 .


(185)

منها القدر(1). ويشير إليه الإمام الطاهر موسى بن جعفر بقوله: «لا يكون شيء في السماوات والأرض إلاَّ بسبعة» وعدَّ منها القضاء والقدر (2) .

فالعالم المشهود لنا لا يخلو من تقدير وقضاء. فتقديره تحديد الأشياء الموجودة فيه من حيث وجودها، وآثار وجودها، وخصوصيات كونها بما أنها متعلقة الوجود والآثار بموجودات أُخرى، أعني العلل والشرائط، فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها، فهي متشكلة بأشكال تعطيها الحدود الّتي تحدها من الخارج والداخل، وتعيّن لها الأبعاد من عَرْض وطول وشكل وهيئة وسائر الأحوال من مقدار الحياة والصحة والعافية أو المرض والعاهة ما يناسب موقعها في العالم الإمكاني. فالتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدر له في مسير وجوده. قال تعالى: (الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَ الذِي قَدَّرَ فَهَدَى) أي هدى ما خلقه إلى ما قُدر له. وقال سبحانه: (مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ)(3).

وفي قوله سبحانه: (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) إشارة لطيفة إلى أنَّ التقدير لا يسلب منه الاختيار، وفي وسع الإنسان أن يبطل بعض التقدير أو يؤيده ويدعمه فيذهب عن نفسه العاهة أو يؤكدها ويثبتها.

وأما قضاؤه، فلما كانت الحوادث في وجودها وتحققها منتهية إليه سبحانه فما لم يتم لها العلل والشرائطها الموجبة لوجودها فإنها تبقى على حال التردد بين الوقوع واللاوقوع فإذا تمّت عللها وعامة شراطها ولم يبق لها إلا أن توجد، كان ذلك من الله قضاءً وفصلاً لها من الجانب الآخر وقطعاً للإبهام.

يقول السيد الطباطبائي (رحمه الله): «إنا نجد الحوادث الخارجية والأُمور الكونية بالقياس إلى عللها والأسباب المقتضية لها على إحدى الحالتين فإنها قبل أن تتم عللها الموجبة لها وقبل أن تتم الشرائط وترتفع


1. البحار، ج 5، ص 87، ح 2 .
2. المصدر نفسه، ص 88، ح 7 .
3. سورة عبس: الآيتان 19 ـ 20 .


(186)

الموانع الّتي يتوقف عليها حدوثها، لا يتعين لها التحقق والثبوت.

فإذا تمت عللها الموجبة لها، وكملت ما تتوقف عليه من الشرائط وارتفاع الموانع، خرجت من التردد والإبهام وتعين لها أحد الطرفين وهذا هو القضاء وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (1).

وقال سبحانه: (قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)(2)» (3).

وبذلك يظهر أنَّ التقدير، بمعنى إفاضة الحد على الشيء، والقضاء بمعنى إفاضة الضرورة على وجود الشيء، من صفاته الفعلية سبحانه، وإليه يشير الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في قوله: «إنّ القَضاءَ والقَدَرَ خَلْقانِ مِنْ خَلْقِ الله واللهُ يزيد في الخَلْق ما يَشاء» (4).

وإنما يكون القضاء والقدر مخلوقين لله تعالى من حيث إنَّ وجود أيّةِ ظاهرة يكون ملازماً مع قَدَرها الّذي يعطي لها الحد والمقدار، ويخصّصها بشكل خاص كما يكون ملازماً مع القضاء الّذي هو ضرورة وجودها من قبل علتها فخالق الشيء خالق قدره وخالق قضائه.

التقدير مقدَّم على القضاء

إذا كان التقدير بمعنى تحديد وجود الشيء والحدّ الّذي يتحدد به فهو مقدَّم على القضاء بمعنى ضرورة وجوده، لأن الشيء إنما يتحدد، بكل جزء من أجزاء العلة فإن كل واحد منها يؤثر أثره في المعلول على حدته. فحيث إن أجزاء العلَّة تتحقق قبل تمامها، وكل جزء منها يؤثر أثره في محيطه،


1. سورة غافر: الآية 68 .
2. سورة يوسف: الآية 41 .
3. الميزان ج 13 ص 72 بتلخيص .
4. التَّوحيد، ص 364 .


(187)

ويكون أثره تحديد الموجود وصبغه، يجب أنْ يكون التقدير مقدماً على القضاء فصانع الطائرة يهيء لمصنوعه قِطَعاً وأجزاءً صناعية مختلفة، كل منها من صُنع مَصْنع، ثم تركب هذه الأجزاء بعضها مع بعض، فيصل إلى حد القضاء، فتكون طائرة تحلق في السماء.

ومثله الثوب المخيط، فإنَّ هناك عوامل مختلفة تعطيه صورة واحدة، مثل تفصيل القميص، والخياطة الخاصة، وغير ذلك من الخصائص الّتي تحدد الثوب قبل وجود العلَّة التامة.

وفي ضوء هذا البيان يمكن أنْ يقال: إذا كان الشيء موجوداً مادياً، وكانت علته علة مركبة من أجزاء، فتقديره مقدم على قضائه حيث إنَّ تأثير الجزء مقدم على تأثير الكل. وأما الموجودات المجرّدة المتحققة بعلّة بسيطة، فالتقدير والقضاء العينيان فيها يكونان في آن واحد فإن الخلق والإيجاد، الّذي هو ظرف القضاء، هو نفس ظرف التقدير والتحديد.

وبهذا يتضح سر تأكيد الإمام ـ عليه السَّلام ـ على تقدم القَدَر على القضاء.

روى البرقي في المحاسن بسنده عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السَّلام ـ : «إنَّ الله إذا أراد شيئاً قدّره، فإذا قدّره قضاه، فإذا قضاه أمضاه»(1).

وروى أيضاً بسنده عن محمد بن إسحاق قال: قال أبو الحسن ليونس مولى علي بن يقطين: «يا يونس لا تتكلم بالقدر، قال: إني لا أتكلم بالقدر، ولكن أقول: لا يكون إلا ما أراد الله وشاء وقضى وقدر. فقال: ليس هكذا أقول، ولكن أقول: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى» (2).


1. المحاسن، ص 243 ـ 244. ورواه المجلسي في البحار، ص 121، الحديث 64 .
2. المحاسن، ص 244. ورواه المجلسي في البحار، ص 122، الحديث 69 .


(188)

بقي هنا نكتتان هامتان يجب التنبيه عليهما:

الأُولى: قد عرفت عناية النبي وأئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بالإيمان بالقدر، وأنَّ المؤمن لا يكون مؤمناً إلا بالإيمان به، فما وجه هذه العناية؟

والجواب: إنَّ التقدير والقضاء العينيين من شعب الخلقة، وقد عرفت أنَّ من مراتب التوحيد، التوحيد في الخالقية وأنه ليس على صفحة الوجود خالق مستقل سواه. ولو وصفت بعض الأشياء بالخالقية، فإنما هي خالقية ظليّة تنتهي إلى خالقيته سبحانه، انتهاء سلسلة الأسباب والمسببات إليه .

ولما كان القدر العيني، تأثر الشيء عن علله وظروفه الزمانية والمكانية، وانصباغه بصفة خاصة فهو نوع تخلّق وتكوّن للشيء فلا محالة يكون المقدِّر والمكوِّن هو الله سبحانه.

ولما كان القضاء العيني، هو ضرورة تحققه ولزوم وجوده، فهو عبارة أُخرى عن الخلقة الواجبة اللازمة، فلا محالة يستند إليه سبحانه.

فلأجل ذلك ترى أنه سبحانه تارة يسند التقدير إلى نفسه ويقول: (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىْء قَدْراً)(1) ويقول (الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَ الذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(2).

وأخرى يسند القضاء ويقول: (فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(3) ويقول: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَموَات فِي يَوْمَيْنِ)(4).

فبما أنَّ التقدير والقضاء عبارة أُخرى عن كيفية الخلقة، فلا يوجد شيء في صفحة الوجود إلا بهما، وإلى ذلك يشير ما تقدم من الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1. سورة الطلاق: الآية 3 .
2. سورة الأعلى: الآية 2 ـ 3 .
3. سورة البقرة: الآية 117 .
4. سورة فصلت: الآية 12 .


(189)

من قوله: «إنَّ القَضاءَ والقَدَرَ خَلْقان مِنْ خَلْقِ اللهِ واللهُ يَزيدُ في الخَلْقِ ما يَشاء»(1) .

الثانية: إن كون التقدير والقضاء العينيَّين منه سبحانه لا يلازم كون الإنسان مسلوب الاختيار، لأن المفروض أنَّ الحرية والاختيار من الخصوصيات الموجودة فيه، فالله سبحانه قدر وجوده بخصوصيات كثيرة منها كونه فاعلاً بالاختيار مقابل الفواعل الطبيعية الّتي لا تفعل إلا عن جبر طبيعي.

كما أنه سبحانه إذ قضى بأفعال الإنسان فإنما قضى على صدورها منه عن طريق المبادئ الموجودة فيه الّتي منها الحرية والاختيار. فقضى قضاءً تكوينيّاً بصدور فعل الإنسان منه عن اختياره وحريته التامة. وعلى ذلك فكون التقدير والقضاء العينيَّين منه سبحانه لا يسلب الاختيار عن فاعل مختار مثل الإنسان.

نعم، لو قدره بغير هذه الخصوصية وقضى على صدور فعله منه لا عن هذا الطريق، لكان لما توهم مجال. وسيوافيك توضيح ذلك عند البحث عن العلميَّين منهما.

هذان هما التقدير والقضاء العينيَّان وهناك معنى آخر للعيني من القضاء والقدر يستفاد من آيات كثيرة، والمعنيان غير متزاحمين، غير أنا نعبر عن المعنى الأول بالقضاء والتقدير العينيَّين الجزئيَّين، وعن الآخر بالعينيَّين الكلّيَّين. وإليك بيان ذلك القسم الآخر:

القضاء والقَدَر العينيَّان الكليَّان

إن وجودالسُّنن الإلهية السائدة على الكون والمجتمع الإنساني وعلى أفراده ممّا لا يُنكر، كما أنَّ تأثير هذه السنن في السعادة والشقاء أمر قاطع لا


1. التوحيد، ص 364، الحديث 1 .


(190)

يتخلف. وعلى ذلك فالسُّنن الإلهية الواردة في الكتاب والسُّنّة، أو الّتي كشف عنها الإنسان عبر ممارساته وتجاربه، كلها من تقديره وقضائه سبحانه. والإنسان تجاه هذه النواميس والسنن السائدة حُرّ مختار، فعلى أيّة واحدة منها طبَّق حياته يرى نتيجة عمله، وإليك المثال:

إنَّ التقدير الإلهي على أُمة يعيش أكثرها في الفقر والحرمان، وقليل منها بالغنى والرفاه عن طريق الظلم والتعدّي على حقوق الآخرين، هو أن لا ترى الطائفة المُرَفّهة الراحة ولا الهناء بل لا تعيش إلا حياة القلق والاضطراب خوفاً من ثورة الكادحين وحذراً من بطشة المحرومين.

بينما تقديره تعالى على أُمة تعيش آلام المحرومين وآمال الكادحين وتهيّئ لهم الحياة اللائقة بهم وتقلل من غلواء الطبقات المرفهة لصالح الفقراء، وتأخذ منهم حقوقهم الّتي جعلها الله لهم (وَ الَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَ الَْمحْرُومِ)، هو أن يعيشوا عيشة الثبات والاستقرار والرُّقي والتقدم والتحرك والبناء.

وهذان التقديران واضحان محسوسان يستوي فيهما جميع أُمم العالم وليس هناك عامل خارج عن إطار اختيار الأُمّة وإرادتها، يجبرها على اختيار أحدهما; فالأُمّة إمّا أن تتبع العقل والحكمة، أو تتبع الغرور والشهوة. وكل تصل إلى النتيجة الّتي تترتب على عملها، والكل بقضاء الله تعالى فإنه هو الّذي أودع في الكون هذه السنن وجعل الناس أحراراً في اختيار سلوك أحد الطريقين.

فإذا كان ما مرّ من المثال راجعاً إلى سُنَّة إلهيَّة في حق المجتمع فهناك سنن راجعة إلى كل فرد من أفراد المجتمع مثلاً: الشاب الّذي يبدأ حياته بإمكاناته الحرة وأعصابه المتماسكة، وذكائه المعتدل، فإما أنْ يصرف تلك المواهب في سبيل تحصيل العلوم والفنون والكسب والتجارة، فمصيره وتقديره هو الحياة السعيدة الرغيدة.

وإمَّا أنْ يسيء الاستفادة من رصيده المادي والمعنوي ويصرفه


(191)

في الشهوات واللذات الزائلة، فتقديره هو الحياة الشقيّة المظلمة.

والتقديران كلاهما من الله تعالى والشاب حر في اختيار أحد الطريقين والنتيجة الّتي تعود إليه ، بقضاء الله وقدره. كما أنَّ له أن يرجع أثناء الطريق فيختار بنفسه تقديراً آخر ويغيّر مصيره، وهذا أيضاً يكون من تقدير الله عزّ وجلَّ فإنه هو الّذي خلقنا وخيّرنا وأقدرنا على الرجوع وفتح لنا باب التوبة.

وإليك مثالاً ثالثاً: المريض الّذي يقع طريح الفراش أمامه تقديران:

1 ـ إما أنّ يرجع إلى الأطباء الخبراء ويعمل بالوصفة الّتي تعطى له، فعندئذ يكون البُرء والشفاء حليفه.

2 ـ أو يهمل نفسه ولا يشاور الطبيب أو لا يتناول الدواء فاستمرار المرض والداء حليفه.

والتقديران كلاهما من الله تعالى والمريض حُرّ في اختيار سلوك أي الطريقين شاء. وأنت إذا نظرت إلى الكون والمجتمع والحياة الإنسانية تقدر على تمييز عشرات من هذه السنن السائدة، وتعرف أنها كلها من تقاديره سبحانه. والإنسان حرّ في اختيار واحد منها. ولأجل ذلك نرى أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «خمسة لا يستجاب لهم: أحدهم مرّ بحائط مائل وهو يُقبل إليه، ولم يسرع المشي حتى سقط عليه» (1) .

والسر في عدم استجابة دعائه واضح، لأن تقديره سبحانه وقضاءه على الإنسان الّذي لا يقوم من تحت ذلك الجدار المائل هو الموت وبذلك تقف على مغزى ما روي عن علي أمير المؤمنين عندما عدل من حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له يا أمير المؤمنين: أتفرّ من قضاء الله؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : أفرّ من قضاء الله إلى قدره عز وجل (2)، يعني أنَّ ذلك باختياري فإن شئت بقيت في هذا القضاء وإنْ شئت مضيت إلى قدر آخر. فإن بقيت أُقْتل


1. بحار الأنوار، ج 5، باب القضاء والقَدَر، ذيل الحديث 31، ص 105 .
2. التَّوحيد للصدوق، ص 369 .


(192)

بقضاء الله، وإنْ عدلت أبقى بتقدير منه سبحانه، ولكل تقدير مصير، فأيهما فعلت فقد اخترت ذلك المصير.

ثم إنَّ في القرآن الكريم آيات كثيرة بصدد بيان السنن الإلهية السائدة على المجتمع الإنساني الّتي تَعُدّ الكل من تقديره وقضائه سبحانه، والمجتمع محكوم بنتائج هذه السنن حكماً قطعياً وقضاءً باتّاً، ولكن له الاختيار في سلوك أي طريق شاء. ولأجل إيقافك على بعض هذه السنن التي تعد من القضاء والقدر العينيَّين الكليَّين نشير إلى بعضها:

السنن الإلهية في المجتمع البشري

ننقل في هذا الباب بعض الآيات الّتي تنص على قوانين كلية وسنن إلهية سائدة على المجتمع البشري من غير فرق بين مجتمع وآخر وإنما المهم هو اختيار أحد جانبي تلك السنن.

1 ـ قال سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً )(1).

فترى أنَّ نوحاً ـ عليه السَّلام ـ يجعل الاستغفار سبباً مؤثراً في نزول المطر وكثرة الأموال وجريان الأنهار، ووفرة الأولاد. وإنكار تأثير الاستغفار في هذه الكائنات أشبه بكلمات الملاحدة. وموقف الاستغفار هنا موقف العلة التامة أو المقتضي بالنسبة إليها والآية تهدف إلى أنَّ الرجوع إلى الله وإقامة دينه وأحكامه يسوق المجتمع إلى النظم والعدل والقسط وفي ظله تتركز القوى على بناء المجتمع على أساس صحيح، فتصرف القوى في العمران والزراعة وسائر مجالات المصالح الاقتصادية العامة، كما أنّ العمل على خلاف هذه السنّة، وهو رجوع المجتمع عن الله وعن الطهارة في القلب والعمل، ينتج خلاف ذلك.


1. سورة نوح: الآيات 10 ـ 12 .


(193)

فللمجتمع الخيار في التمسك بأهداب أي من السنتين، فالكل قضاء الله وتقديره.

2 ـ قال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ وَ لَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(1).

3 ـ قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(2).

4 ـ وقال سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(3).

والتقرير في مورد هذه الآيات الثلاث مثله في الآية السابقة عليها.

5 ـ وقال سبحانه: (وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(4).

نرى أنَّ الآية تتكفل ببيان كلا طرفي السُّنة الإلهية إيجاباً وسلباً وتبين النتيجة المترتبة على كل واحد منهما. والكل قضاؤه وتقديره والخيار في سلوكهما للمجتمع.

6 ـ وقال سبحانه: (وَ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ)(5).

7 ـ وقال سبحانه: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ فِي الآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ)(6).


1. سورة الأعراف: الآية 96 .
2. سورة الرعد: الآية 11.
3. سورة الأنفال: الآية 53 .
4. سورة إبراهيم: الآية 7 .
5. سورة الطلاق: الآيتان 2 ـ 3 .
6. سورة إبراهيم: الآية 27 .


(194)

فالمجتمع المؤمن بالله وكتابه وسنة رسوله إيماناً راسخاً يثبته الله سبحانه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما أنَّ الظالم والعادل عن الله سبحانه يخذله الله سبحانه ولا يوفقه إلى شيء من مراتب معرفته وهدايته. ولأجل ذلك يرتب على تلك الآية قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَ بِئْسَ الْقَرَارُ)(1).

8 ـ وقال سبحانه: (وَ لَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ )(2).

فالصالحون لأجل اتصافهم بالصلاح في العقيدة والعمل، يغلبون الظالمين وتكون السيادة لهم، والذلة والخذلان لمخالفيهم.

9 ـ وقال سبحانه: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(3).

فالاستخلاف في الأرض نتيجة الإيمان بالله والعمل الصالح وإقامة دينه بتمام معنى الكلمة ويترتب عليه ـ وراء الاستخلاف ـ ما ذكره في الآية من التمكين وتبديل الخوف بالأمن.

10 ـ وقال سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَ لِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)(4).

والآيات الواردة حول الأمر بالسير في الأرض والاعتبار بما جرى على الأُمم السالفة لأجل عتوهم وتكذيبهم رسل الله سبحانه، كثيرة في القرآن


1. سورة إبراهيم: الآيتان 28 ـ 29 .
2. سورة الأنبياء: الآية 105 .
3. سورة النور: الآية 55 .
4. سورة محمد: الآية 10 .


(195)

الكريم تبين سنته السائدة على الأُمم جمعاء.

11 ـ وقال سبحانه: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (1).

12 ـ وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(2).

13 ـ وقال سبحانه: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَ الأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)(3).

فالآية من أثبت الآيات المبينة لسنته تعالى في الذين كفروا فلا يصلح للمؤمن أن يغره تقلبهم في البلاد وعليه أن ينظر في عاقبة أمرهم كقوم نوح والأحزاب من بعدهم، حتى يقف على أنَّ للباطل جولة وللحق دولة، وأن مردّ الكافرين إلى الهلاك والدمار.

14 ـ وقال سبحانه: (وَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَ مَكْرَ السَّيِّءِ وَ لاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً)(4).


1. سورة آل عمران: الآية 137 .
2. سورة الأنفال: الآية 29 .
3. سورة غافر: الآيات 4 ـ 6 .
4. سورة فاطر: الآيتان 42 ـ 43. وراجع في الوقوف على هذه الآيات المبينة لسننه الكلية في الأُمم السالفة الآيات التالية: يوسف: الآية 109، الحج: الآية 46، الروم: الآية 9 و 42، فاطر: الآية 44، غافر: الآية 120 و 82، الأنعام: الآية 11، النَّحل: الآية 36، النَّمل: الآية 69، العنكبوت: الآية 20 .


(196)

وما ذكرنا من الآيات نبذة من السنن الإلهية السائدة على الفرد والمجتمع. وفي وسع الباحث أن يتفحص آيات الكتاب العزيز ويقف على سننه تعالى وقوانينه، ثم يرجع إلى تاريخ الأُمم وأحوالها فيصدِّق قوله سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً)(1).

فقد خرجنا بهذه النتائج :

1 ـ إنَّ التقدير العينيّ عبارة عن الخصوصيات والمشخّصات الموجودة في وجود الشيء المكتسبة من علله. والقضاء ضرورة وجوده عند وجود علته التامة، والكل مُنْتَه إلى الله سبحانه إنتهاء الأسباب والمسبَّبات إلى مسببها الأوّل.

وإنَّ هذا التقدير والقضاء من شعب الخلقة فمقتضى التوحيد هو القول بأنَّّه لا مقدر ولا قاضي إلا الله سبحانه، لكن على التفصيل الّذي سمعته منا في البحث السابق.

2 ـ إنَّ الاعتقاد بهذا النوع من التقدير والقضاء لا ينتج مسألة الجبر، كما أنّ الاعتقاد بالتوحيد في الخالقية لا ينتجه، وقد مر بيانه.

3 ـ إنَّ ما مضى من القضاء والقدر العينيَّين إذا كان راجعاً إلى خصوصيات وجود الشيء وضرورة وجوده الخارجي فَلْيُسَمَّ بالجزئي منهما. وإذا كان تقديره وقضاؤه على الإنسان والمجتمع بصورة تسنين قوانين كلية واسعة لا تتخلف في حق فرد دون فرد أو مجتمع دون مجتمع، فَلْيُسَمَّ بالتقدير والقضاء العينيَّين الكليَّين. وتصويب هذه السنن وإعطاء الاختيار إلى الإنسان المختار، نفس القول بحريته في معترك الحياة.

***


1. سورة فاطر: الآية 43 .


(197)

2 ـ تفسير القدر والقضاء العلميَّيْن

إذا كان التقدير والقضاء العينيّان راجعين إلى إطار وجود الشيء في الخارج من اتصافه بالتقدير والضرورة، يكون المراد من التقدير والقضاء العلميين، علمه سبحانه بمقدار الشيء وضرورة وجوده في ظرف خاص، علماً ثابتاً في الذات أو علماً مكتوباً في كتاب. والأول يكون علماً في مقام الذات والآخر يكون علماً في مقام الفعل.

ولكن الفلاسفة خصّوا القضاء بالجانب العلمي والقدر بالجانب العيني فقالوا: «القضاء» عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكن عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام وهو المسمى بـ «العناية» الّتي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها. و «القَدَرُ» عبارة عن خروجها على الوجود العيني بأسبابها على الوجه الّذي تقرر في القضاء».

كما أنَّ الأشاعرة خصّوا «القضاء» بكون الشيء متعلقاً للإرادة الأزلية قبل إيجادها، و «القدر» بإيجادها على قدر مخصوص، فقالوا: «إن «قضاء الله» هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال.


(198)

و «قدَرَه» إيجاده إيّاها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها.

والمعتزلة أنكروا وقوع الأفعال الاختيارية الصادرة عن العبادة متعلقاً للقضاء والقدر وأثبتوا علمه تعالى بهذه الأفعال، ولكن أنكروا إسناد وجودها إلى ذلك العلم، بل إلى اختيار العباد وقدرتهم(1).

ولكن الحق حسب ما تعطيه الآيات القرآنية أنَّ كلاًّ من القضاء والقدر على قسمين علمي وعيني. أمّا العيني فقد تقدّم، وأمّا العلمي فالتقدير منه هو علمه سبحانه بما تكون عليه الأشياء كلّها من حدود وخصوصيات. والقضاء منه، علمه سبحانه بحتميّة وجود تلك الأشياء عن عللها ومبادئها. وإليك فيما يلي بيان العلمي منهما، ثمّ بيان عدم استلزام وجود الجبر في الأفعال الاختيارية للعبادة ; فتارة نبحث عن كون أفعال العباد، معلومة لله سبحانه في الأزل، وأخرى عن كونها متعلقة للإرادة الأزلية، حتى يكون البحث واضحاً.

أفعال العباد وعلمه الأزلي

لا شك أنَّ الله سبحانه كان عالماً بكل ما يوجد في هذا الكوكب ومطلق الكون، فكان واقفاً على حركة الالكترونات في بطون الذرّات، وعلى حفيف أوراق الأشجار في الحدائق والغابات، وحركات الحيتان العظيمة في خضم أمواج المحيطات. كما أنه سبحانه كان عالماً قبل أن يخلق العالم بأفعال المجرمين وقسوة السفّاكين، وطاعة الطائعين هذا من جانب.

ومن جانب آخر: إنَّ علمه تعالى بالأُمور علم بالواقع والحقيقة وهو لا يتخلف عن الواقع قيد شعرة وقد عرفت سعة علمه بالأشياء وقبل الكينونة في الآيات المتقدمة صدر الفصل. وقال سبحانه: (وَ لاَ رَطْب وَ لاَ يَابِس إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين)(2).


1. شرح المواقف، ج 8، ص 180 ـ 181 .
2. سورة الأنعام: الآية 59 .


(199)

وقال سبحانه: (قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْء عِلْماً)(1).

وعلى هذين الأساسين ربما يتصور أنَّ تعلق ذلك العلم بكل الأشياء عموماً، والأفعال الاختيارية للإنسان خصوصاً، يجعل الإنسان مجبوراً مضطراً متظاهراً بالحرية والاختيار، لأنه سبحانه إذا كان يعلم من الأزل، أنَّ هذا الشخص سيرتكب الذنب الفلاني في الساعة المعينة، فبما أنَّ العلم الإلهي لا يتخلف عن معلومه يجب أن يكون الشخص مصدراً لهذا الذنب، ولا يستطيع أن يتخلف عنه بأية قوة وقدرة، بل لا يستطيع أن يغير من كميته وكيفيته، إذ تخلفه نفس تخلف علم الله عن الواقع، وصيرورة علمه جهلاً تعالى الله عنه.

أقول: إنَّ هذا المقام هو المزلقة الكبرى للسطحيّين الذين مالوا إلى الجبر، لأجل كون أفعال العباد متعلقة لعلمه تعالى، غير متخلفة عن متعلقها ولكنهم لو وقفوا على كيفية تعلق علمه بصدور أفعال العباد منهم، لرجعوا عن هذا الحكم الخاطئ.

والجواب عن ذلك: إنَّ علمه سبحانه لم يتعلق بصدور أي أثر من مؤثره على أي وجه اتفق، وإنما تعلق علمه بصدور الآثار عن العلل مع الخصوصية الكامنة في نفس تلك العلل. فإن كانت العلة علة طبيعية فاقدة للشعور والاختيار أو واجدة للعلم فاقدة للاختيار، فتعلق علمه سبحانه بصدور فعلها وأثرها عنها بهذه الخصوصية، أي أن تصدر الحرارة من النار من دون أن تشعر فضلاً عن أن تريد، ويصدر الارتعاش من الإنسان المرتعش عن علم ولكن لا بإرادة واختيار، فالقول بصدور هذه الظواهر عن عللها بهذه الخصوصية يستلزم انطباق علمه على الواقع وعدم تخلفه عنه قيد شعرة.

وإن كانت العلَّة عالمة وشاعرة ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلق علمه على صدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية. فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية، لكان علمه مطابقاً للواقع


1. سورة الطلاق: الآية 12 .


(200)

غير متخلف عنه، وأمَّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة فعند ذلك يتخلف علمه عن الواقع.

نقول توضيحاً لذلك، إنَّ الأعمال الصادرة من الإنسان على قسمين: قسم يصدر منه بلا شعور ولا إرادة كأعمال الجهاز الدموي والجهاز المعوي وجهاز القلب، والأحشاء، الّتي تتسم في أفعال الإنسان بسمة الأعمال الاضطرارية، غير الاختيارية.

وقسم آخر يصدر منه عن إرادة واختيار. ويتسم بسمة الأعمال الاختيارية غير الاضطرارية كدراسته وكتابته وتجارته وزراعته.

وعلى ما سبق من أنَّ علم الله تعالى تعبير عن الواقع بما لا يتخلف عنه قيد شعرة، فتقع أعماله مورداً لتعلق علم الله بها على ما هي عليه من الخصائص والألوان. فتكون النتيجة أنه سبحانه يعلم من الأزل بصدور فعل معين في لحظة معينة من إنسان معين إمَّا بالاضطرار والإكراه أو بالاختيار والحرية، وتعلق مثل هذا العلم لا ينتج الجبر، بل يلازم الإختيار. ولو صدر كل قسم على خلاف ما اتسم به لكان ذلك تخلفاً عن الواقع.

وبعبارة أُخرى: إن علم الله بما أنَّه يطابق الواقع الخارجي ولا يتخلف عنه أبداً، فيجب أن يقوم الإنسان بكل قسم من أعماله على حسب السمة الّتي اتّسم بها. فلو كان مصدراً لعمل الجهاز الدموي عن اختيار وقد تعلق علمه بصدوره عنه على وجه الاضطرار، لزم تخلف علمه عن معلومه. كما أنَّه لو كان مصدراً لعمل الجهاز الدموي عن اختيار وقد تعلق علمه بصدوره عنه على وجه الاضطرار، لزم تخلف علمه عن معلومه. كما أنَّه لو كان مصدراً للقسم الآخر من أفعاله ككتابته وخياطته على وجه الإلجاء والاضطرار، لزم تخلف علمه عن الواقع لتعلق علمه بصدوره عنه بسمة الاختيار وسيوافيك نصوص من أئمة الحكماء كصدر المتألّهين وغيره عند البحث عن الجبر الأشعري.

فعلينا في هذا الموقف الالتفات إلى كيفية تعلق علمه بصدور الأفعال عن مبادئها وعللها. نعم، من أنكر وجود الأسباب والمسببات في الوجود، واعترف بعلّة واحدة وسبب مفرد وهو الله سبحانه وجعله قائماً مقام جميع العلل والأسباب، وصار هو مصدراً لكل الظواهر والحوادث مباشرة ولم يُقِم


(201)

للعلل الطبيعية وللإنسان وما فيه من المبادئ وزناً وقيمة، ولم يعترف بتأثيرها في تكوّن الظواهر والحوادث، لا مناص له عن القول بالجبر. وهو مصير خاطئ يستلزم بطلان بعث الأنبياء وإنزال الكتب.

تمثيل خاطئ

ربما يتمسك في تحليل علمه سبحانه بمثال خاص ويقال إنَّ باستطاعة كثير من الأساتذة أن يتكهنوا بمستقبل تلامذتهم، فإنَّ المعلم الّذي يعرف حدود السعي والعمل والاستعداد في تلميذه المعيَّن، يستطيع أن يتكهن بنجاح التلميذ أو رسوبه بصورة قاطعة، فهل نستطيع أن نقول: إنَّ علم المعلم بوضع التلميذ صار علّة لعدم نجاحه في الامتحان بحيث لو تكهَّن المعلم بعكس هذا، لكان النجاح حليف التلميذ، أو إنَّ السبب في فشله في الإمتحان هو تكاسله أيام الدراسة، وإهماله طول السنة الدراسية مطالعة ومباحثة الكتاب المقرر. وصرفه أوقاته في الشَّهوات.

إنَّ هذا التمثيل نافع للأذهان البسيطة الّتي لا تفرق بين علم المعلم، وعلمه سبحانه. وأما العارف بخصوصية علمه تعالى وأنَّه نفس ذاته، وذاته علّة لما سواه، فهو يرى قياس أحد العلمين بالآخر قياساً خاطئاً، فإنّ علم المعلم ليس في سلسلة علل الحوادث، وفي مورد المثال: رسوب التلميذ أو نجاحه. وهذا بخلاف علمه تعالى فإنه في سلسلة العلل، بل تنتهي إليه جميع الأسباب والمسببات. وقد عرفت أنَّ القضاء عند الفلاسفة عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمّى عندهم بالعناية الّتي هي مبدأ لفيضان الموجودات، من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها. فعند ذلك يصبح التمثيل في مقام الإجابة أجنبياً عن الإشكال(1).


1. وسيأتي الإيماء إلى هذا الجواب عند البحث عن الأُصول الّتي دفعت الأشاعرة إلى القول بالجبر، ومنها علمه الأزلي.


(202)

والحق في الإجابة ما ذكرنا من أنَّ علمه العنائي الّذي هو السبب لظهور الموجودات على صفحة الوجود، وإن كان علة لظهور الأشياء، لكنه ليس بالعلَّة الوحيدة القائمة مقام الأسباب والعلل المتأخرة (كما عليه الأشاعرة المنكرين للأسباب والمسببات) بل هناك أسباب ومسببات كثيرة يؤثر كل سبب في مسببه بإذنه سبحانه ومشيئته. وفي خلال تلك الأسباب سببية الإنسان لفعله بإذنه سبحانه، فَتَعَلَّقَ علمه على أن يكون الإنسان في معترك الحياة فاعلاً مختاراً وسبباً حُرّاً لما يفعل ويترك. فكون مثل هذا السبب متعلقاً لعلمه العنائي المبدأ لفيضان الموجودات، لا ينتج الجبر بل ينتج الاختيار.

أفعال العباد وإرادته الأزلية

قد عرفت أنَّ القضاء العلمي عند الأشاعرة هو عبارة عن إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال. وعند ذلك يتحد هذا التفسير مع التفسير السابق إشكالاً وجواباً. وبما أنَّا سنبحث في فصل الجبر والاختيار عن شمول إرادته سبحانه لأفعال العباد وعدمه، فنترك التفصيل إلى مكانه. وسيوافيك أنَّ شمول إرادته سبحانه لجميع الكائنات عموماً وأفعال الإنسان خصوصاً، ممَّا لا مناص عنه، كتاباً وسنَّة وعقلاً (وإن خالف في ذلك كثير من العدلية حذراً من لزوم الجبر). لكن القول بعموم الإرادة وشمولها للأفعال الاختيارية لا ينتج الجبر كما أوضحنا حاله في العلم.

هذا حال التقدير ولاقضاء العلميين والنتيجة الّتي تترتب على هذه العقيدة حسب تحليل الأشاعرة وتحليلنا. وبقي هنا بحث وهو سرد بعض الروايات الواردة في القضاء والقدر في الصحاح والمسانيد الّتي لا تتخلف عن الجبر قيد شعرة، وعرضها على الكتاب والسنَّة والعقل ليُعلم ناسجها ومصدرها. ويتلوه بحث في تفسير «القدرية» الواردة في الأخبار.


(203)

القضاء والقدر في الصّحاح والمسانيد

لقد عرفت أنَّ القدر والقضاء أمر ثابت في الشريعة الإسلامية ولا يمكن إنكاره أبداً. وهما لا يعدوان العلمي والعيني، وأنَّ كلاًّ منهما غير سالب للاختيار. غير أنَّ الظاهر ممَّا رواه أصحاب الصّحاح والمسانيد أنَّ القدر عامل غالب على الإنسان في أفعاله الاختيارية، يتحكم بها، ويسلب عنه الاختيار رغم أرادته مخالفته. وأنَّ الإنسان مسيّر في حياته يسير حسب ما قدر له وكتب عليه. فلنعرض بعض ما وقفنا عليه كنموذج من هذه الروايات:

1 ـ روى البخاري في صحيحه: «احتج آدم وموسى، فقال له موسى يا آدم أنت أبونا خيّبتنا، وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّر الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة» (1).

فآدم حسب هذا النقل يبرر عمله الّذي وصفه سبحانه بقوله: (وَ عَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)(2) بالقدر، وكأنّ القدر عامل خارج عن إطار حياة


1. صحيح البخاري، ج 8، باب في القدر، ص 122 .
2. سورة طه: الآية 121 .


(204)

الإنسان، حاكم عليه، رغم أنّه يريد أن لا يطيعه.

2 ـ وروى أيضاً عن زيد بن وهب عن عبد الله قال حدثنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الصادق المصدّق:... إلى أن قال: «ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع: برزقه وأجله وشقي أو سعيد. فوالله إنَّ أحدكم أو الرجل يعمل بعمل أهل الكتاب حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وإنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» (1).

3 ـ روى مسلم في صحيحه عن سراقة بن مالك بن جعشم أنه قال: «يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنَّا خلقنا الآن، فيم عمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟».

قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير».

قال: «ففيم العمل؟».

قال: «اعملوا فكل ميسّر لما خلق له، وكل عامل بعمله» (2) .

4 ـ وروى البخاري عن أبي هريرة قال: «قال لي النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : جفّ القلم بما أنت لاق» (3). ورواه مسلم في صحيحه.

وينقل النّووي في شرح هذا الحديث: «ويقول الملك الموكل بالنطفة: «يا رب أشقي أم سعيد» فيكتبان، ويكتب عمله وأثره، وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص» (4).

5 ـ وروى مسلم عن حذيفة: «بعد ما يجعله الله سويّاً أو غير سَوِيّ، ثم يجعله الله شقياً أو سعيداً، وما من نفس منفوسة إلاّ وكتب الله مكانها من


1. المصدر نفسه، ص 123 .
2. صحيح مسلم، ج 8، ص 44 ـ طبعة القاهرة; ولاحظ شرح النووي، ج 16 ، ص 186 .
3. صحيح البخاري، ج 8، ص 122 .
4. صحيح مسلم، ج 8، ص 45. وشرح النووي، ج 16، ص 193 .


(205)

الجنة والنار، إلاّ وقد كتبت شقية أو سعيدة» (1).

6 ـ روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول الله وفي يده كتابان قال: أتدري ما هذان الكتابان. قلنا: لا يا رسول الله إلاّ أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجْمَلَ على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً. وقال للذي في شماله: هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجْمَل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً. قال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله؟ إن كان أمراً قد فرغ منه. فقال: سدّدوا وقاربوا، فإنّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل. وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل. ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيده فنبذهما. ثم قال: فرغ ربّكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير (2).

7 ـ وروى البخاري ومسلم وابن داود عن عمران بن حصين قال: قال رجل يا رسول الله أعُلِم أهل الجنة من أهل النار؟

قال: نعم.

قال: ففيم يعمل العاملون؟

قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «كل مُيَسَّر لما خُلِق له». أخرجه مسلم وأبو داود.

وفي رواية البخاري: أيُعْرف أهل الجنة من أهل النار؟

قال: نعم.

قال: فلمَ يعمل العاملون؟

قال: كل يعمل لما خُلق له أو لما يُسّر له.


1. صحيح مسلم. وشرح النووي له ـ الطبعة السابقة.
2. جامع الأُصول، ج 10، كتاب القَدَر، الحديث 7555، ص 513 .


(206)

ولمسلم من رواية أبي الأسود الدؤلي: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه؟ أشيءٌ قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به ممَّا أتاهم به نبيّهم وثبتت الحجة عليهم.

فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى.

قال: أفلا يكون ظلماً.

قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، وقلت: كل شيء خَلْق الله ومِلْك يده، فلا يسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون.

فقال لي: يرحمك الله: إني لم أرد بما سألتك إلاَّ لأحرز عقلك فإن رجلين من مزينة أتيا رسول الله فقالا:

يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به ممّا أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال: لا، بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله (ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها)(1).

8 ـ وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو مبتدأ أو فيما قد فرغ منه؟ فقال بل فيما قد فرغ منه يا بن الخطاب، وكل مُيَسَّر. أمَّا مَنْ كان من أهل السعادة، فإنه يعمل للسعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاء فإنَّه يعمل للشقاء.

قال: لما نزلت «فمنهم شقي وسعيد» سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقلت يا نبي الله: فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه؟ أو على شيء لم يفرغ منه؟.

قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل


1. جامع الأُصول، ج 10، الحديث 7556، ص 514 ـ 515 .


(207)

مُيَسَّر لما خُلقَ (1).

هذه نماذج ممّا ذكره القوم في باب القدر، وكأنّ القدر حاكم، متعنت، حَمِق، قاس، حقود، على المساكين العاجزين بلا سبب ومبرر، وبذلك شقيت الكفار والعصاة بشقاوة الأبد، ولا مجال بعد ذلك لرأفته سبحانه ورحمته وإحسانه.

بل لقد قدّر كل ذلك لجماعة آخرين غرباء لا يهمه أمرهم بلا جهة ولا سبب، كما في بعض رواياتهم: «خلقت هؤلاء للجنة ولا أُبالي. وخلقت هؤلاء للنَّار ولا أُبالي».

عرض هذه الروايات على الكتاب

لا شك أنَّ هذه الروايات مخالفة للكتاب والسنَّة. فإنَّ الكتاب يعرّف الإنسان في موقف الهداية والضلالة موجوداً مختاراً وأنَّ هدايته وضلالته على عاتقه. قال سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً) (2).

وقال سبحانه: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)(3).

وقال سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَ مَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ) (4).


1. جامع الأُصول ـ ج 10 ـ الحديث 7559، ص 516. ذكر العلامة الطباطبائي تفسيراً خاصاً لهذا الحديث وأشباهه ممّا مر في رواية سراقة بن جعشم، فراجع الميزان، ج 11، ص 29. وسيوافيك توجيه آخر عند البحث عن السعادة والشقاء وقد روى الصدوق في كتاب التَّوحيد روايات أئمة أهل البيت ربما يتمكن بها الإنسان من تفسير ما ورد في الصحاح والأسانيد فلاحظ ص 354 ـ 358 .
2. سورة الدهر: الآية 3 .
3. سورة سبأ: الآية 50 .
4. سورة الأنعام: الآية 104 .


(208)

وقال سبحانه: (كُلُّ امْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)(1).

وقال سبحانه: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(2).

وقال تعالى: (كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)(3).

أفَبَعْدَ هذه الآيات المُحْكَمات يصح لمسلم أن يؤمن بما جاء في هذه الروايات ويسندها إلى الرسول، حتى يبرر العصاة والطغاة أعمالهم الإجرامية بسبق القدر، وجفاف القلم، وانطواء الكتب، بحيث لا يزيد ولا ينقص.

فعند ذلك يصير مثَلُ الإنسان مثَل الملقى في اليَمِّ مكتوف الأيدي، ومَثَلُ أمْرِه ونَهْيِه مَثَلُ أمْرِ المُلقى بأن لا يبتل بالماء. قال:

ألقاه في اليَمّ مكتوفاً وقال له * إيَّاك إيَّاك أنْ تَبْتَل بالماءِ.

إنَّ صريح هذه الآيات هو أنَّ صانع مصير الإنسان اختياره الّذي تميز به عن سائر الموجودات بفضل منه سبحانه وأنَّ له الخيرة في اختيار أي طريق يشاؤه من الهداية والضلالة والسعادة والشقاء، وليس القدر عاملاً صانعاً للمصير في مجال أفعاله الاختيارية. نعم، هناك أمور خارجة عن اختياره ليس هو مسؤولاً عنها، ولا يعد صانعاً بالنسبة إليها. ولكن كلامنا غايته في أفعاله النفسية من إطاعته ومعصيته، وهذا هو الّذي نقصده من اختيار الإنسان فيه، لا الأفعال والحوادث الكونية الخارجة عن إطار قدرته.

ولكن الروايات المتقدمة، المبثوث إضعافها في الصحاح والمسانيد، تجعل من القدر قدرة صنّاعة لمصير البشر في الأفعال الّتي يسألون عنها، وهذا ممَّا لا يصدقه الكتاب كما عرفت، ولا السنَّة.

أمَّا السنَّة، فيكفي في كون ظواهر تلك الروايات غير مرادة، وأنها رويت على غير وجهها، ما رووه هم عن علي ـ عليه السَّلام ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1. سورة الطور: الآية 21 .
2. سورة الطور: الآية 16 .
3. سورة المدثّر: الآية 38 .


(209)

قال علي ـ عليه السَّلام ـ : «كنَّا في جنازة في بقيع الغَرْقَد، فأتانا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخصَرَة. فَنَكَسَ وجعل يَنْكُت بمخصرته. ثم قال: ما منكم من أحد إلاّ وقد كتب مقعده من النَّار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟

فقال: اعملوا، فكل مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. أمَّا من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة. وأمَّا من كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل أهل الشقاء. ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَ اتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى)الآية» أخرجه البخاري ومسلم.

وفي رواية الترمذي قال: «كنَّا في جنازة في بقيع الغَرْقَد. فأتى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فجعل ينكت بها، ثم قال ما منكم من أحد، أو من نفس منفوسة، إلاَّ وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلاَّ قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة، ليكونن إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة، ليكونن إلى أهل الشقاوة؟

فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : بل اعملوا، فكلُ مُيَسَّر. فأمَّا أهل السعادة، فَيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة وأمَّا أهل الشقاوة فَيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَ اتَّقَى * وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى * وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى)(1).

فلو كان كل إنسان ميسراً لخصوص ما خُلِقَ له، كما هو ظاهر الرواية، بمعنى أنَّ أهل السعادة ميسرون للسعادة وأهل الشقاء ميسرون للشقاء بحيث لا يقدر كل صنف على الالتحاق بالصنف الآخر، فلماذا قرأ


1. جامع الأصول، ج 10، الحديث 7557، ص 515 ـ 516 .


(210)

قوله سبحانه في ذيل الحديث: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَ اتَّقَى * وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى * وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى). فإنّ ظاهرها أنَّ لكل إنسان الخيار بين الإعطاء والإتقاء والتصديق بالحسنى، وضدها. فهذه الرواية عن عليٍّ ـ عليه السَّلام ـ تعرب عن أنَّ كثيراً من روايات القدر، إمَّا منحوتة وموضوعة على لسان رسول الله بهذا المعنى الّذي شرحناه، أو منقولة بغير وجهها. أضف إلى ذلك أنَّ الروايات مخالفة للفطرة الإنسانية الّتي فطر الله كل إنسان عليها.

ولأجل ذلك نرى أنَّ أصحاب النبي بعدما سمعوا حقيقة القدر على الوجه الّذي جاء في الرواية، استوحشوا، فقالوا: «ففيم العمل يا رسول الله، إن كان أمر قد فرغ منه». وما أجيبوا به من قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : سدّدوا وقاربوا إلخ، ليس جواباً قالعاً للشبهه ورافعاً للإشكال (1).

كما أنَّ الإجابة بأن كلاًّ مُيسَّرٌ لما خُلِق، لا يحل العقدة إن لم يزدها تعقيداً. فإنَّ مفاده أنَّ أهل السعادة ميسرون للسعادة الّتي خلقوا لها وأهل الشقاء للشقاء الّذي خلقوا له. وهذا نفس الإشكال الّذي تردد في نفس السائل .

وفي ذيل رواية عمران بن حصين يظهر أنَّ القدر بالمعنى الوارد في الرواية مظنة كونه ظلماً للعباد، وأنَّ أبا الأسود الدؤلي فزع منه فزعاً شديداً، والجواب الّذي ذكره أبو الأسود من أنَّ كل شيء خَلْق الله وملك يده فلا يسأل عمَّا يفعل وهم يسألون، لا يرد الشبهة بل يؤكّدها.

إنَّ للعقيدة الإسلامية سمة البساطة لا التعقيد، وسهولة التكليف لا مشقته. أفي ميزان النَّصَفَة يَتَّسم القدر ـ بهذا المعنى ـ بالبساطة والسهولة؟! وسيوافيك أن يد الأحبار والرهبان لعبت في هذا المجال، وأنهم هم الّذي أوردوا القَدَر بهذا المعنى إلى الساحة الإسلامية، وغيّروا ما عليه الكتاب


1. لاحظ الحديث رقم (6) ممّا أوردنا فيما مضى .


(211)

والسنَّة من التقدير غير السالب للإختيار، بل بمعنى علمه سبحانه المحيط بأفعال الإنسان خيرها وشرّها، حتى يَتْرُك الشرَّ ويَنْحُوَ نحو الخير.

روى البرقي في محاسنه عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنَّ الله أكرم من أن يكلّف النّاس ما لا يطيقون، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد»(1).

فالشّق الأول من الحديث ينفي الجبر بتاتاً سواء استند إلى القدر أو غيره. والشقّ الثاني ينصّ على عموم إرادته سبحانه لكل الكائنات والأفعال الاختيارية للعباد. وستعرف عند البحث عن الجبر والتفويض أنَّ شمول إرادته سبحانه لأفعال العباد لا يهدف إلى الجبر لأنه تعلقت إرادته بصدور كل فعل عن علَّته بالخصوصيات والمبادئ الكامنة فيها. ومن المبادئ الموجودة في الإنسان حريته واختياره.

الأحبار وإشاعة فكرة القدر بين المسلمين

لقد ابتلي المسلمون بعد كعب الأحبار بكتابيّ آخر قد بلغ الغاية في بث الإسرائيليات بين المسلمين، هو وهب بن منبه، قال الذهبي: ولد في آخر خلافة عثمان، كثير النقل عن كتب الإسرائيليات. توفّي سنة 114. وقد ضعّفه الفلاّس (2).

وقال في (تذكرة الحفاظ): عالم أهل اليمن ولد سنة 34، وعنده من علم الكتاب شيء كثير، فإنه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ. وحديثه في الصحيحين عن أخيه همّام(3).

ويظهر من تاريخ حياته أنَّه أحد المصادر لانتشار نظرية نفي الاختيار


1. البحار: 5 / 41 ، باب القضاء والقدر، الحديث 64 .
2. ميزان الاعتدال، 4 / 352 ـ 353 .
3. تذكرة الحفاظ: 1 / 100 ـ 101.


(212)

والمشيئة عن الإنسان حتى المشيئة الظلية لمشيئته سبحانه الّتي لولاها لبطل التكليف وأُلغيت الشريعة.

روى حمادبن سلمة عن أبي سنان قال:سمعنا وهب بن منبّه قال: كنت أقول بالقَدَر حتى قرأت بضعاً وسبعين كتاباً من كتب الأنبياء في كلها: «من جعل لنفسه شيئاً من المشئية فقد كفر»، فتركت قولي(1) .

والمراد من «القَدَر» في قوله: «كنت أقول بالقَدَر»، هو القدرة الإنسانية التي عبّر عنها في ذيل كلامه بالاختيار والمشيئة. كما يمكن أن يكون المراد منه نفي القدر، كما ربما يقال «القدرية» على نفاة القدروالقضاء.

وهذا النقل يعطي أنَّ القول بنفي المشيئة للإنسان ممَّا ورد في أزيد من سبعين كتاباً من كتب الأنبياء، حسب زعم هذا الكتابي، ومنها تسرب هذا القول إلى الأوساط الإسلامية، حيت أصبح من قال بالمشيئة يكفر حسب نقل هذا الكتابي. وقد تسنم الرجل منبر التحدث عن الأنبياء يوم كان نَقْل الحديث عن النبي ممنوعاً، وكان نتيجة ذلك التحدث انتشار الإسرائيليات الراجعة إلى حياة الأنبياء في العاصمة الإسلامية المدينة المنورة، وقد جمع ما ألقاه في مجلد أسماه في كشف الظنون: «قصص الأبرار وقصص الأخيار» (2) .

القدرية في الحديث النبوي

روى الفريقان عن النبي الأكرم أنَّه قال: «القدرية مجوس هذه الأُمة». وكل من الفريقين فسّر «القدرية» بخصمه. فالقائلين بالقدر بالمعنى السالب للاختيار، يقولون إنّ المراد: المفوضة القائلة بالاختيار وعدم شمول القدر لأفعال الإنسان، فكانوا كالمجوس، القائلة بإلهين


1. ميزان الاعتدال: 4 / 353 .
2. كشف الظنون: 2 / 223، مادة «قصص» .


(213)

وخالِقين، وهؤلاء يقولون بأن هناك خالقاً لجميع الكائنات وهو الله سبحانه، وخالق آخر لأفعاله وأعماله هو الإنسان، فهو عندهم إله ثان.

يلاحظ عليه، أولاً: إنَّ تفسير القدرية بنفاة القدر بعيد جداً، غير مأنوس في اللغة العربية، فالمتبادر من القدرية هم القائلون بالقدر، كما أن المتبادر من العدلية هم مثبتو العدل لا نفاته، فإطلاق القدرية وإرادة الطائفة النافية أشبه بإطلاق الحِمْيَرِيّة والهُذَيْلِة وإرادة من لا يمتّ إليهما بصلة.

وثانياً: إنَّ القائلين بالقدر بالمعنى الّذي عرفت، لا ينقصون عن المفوضة في التشبه بالمجوس، فإن القدر عندهم إله حاكم في الكون وأفعال الإنسان بل حاكم على أفعال الخالق وإرادته ومشيئته، بحيث لا يمكن تغييره وتبديله ولا النقيصة والزيادة عليه. ولأجل ذلك يصبح الحديث على فرض صدوره عن النبي مجملاً لا يمكن الاحتجاج به على طائفة، هذا.

وقد وردت القدرية في المرويات عن أئمة أهل البيت واستعملت تارة في «المثبت للقدر» وأُخرى في «نافيه».

أمَّا الأول فمنه ما رواه الصدوق عن الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: «ما يستطيع أهل القدر أن يقولوا والله لقد خلق آدم للدنيا وأسكنه الجنة ليعصيه فيردّه إلى ما خلقه» (1)في حديثه مع الشيخ الشامي عند منصرفه من صفين حيث قال الإمام: فوالله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر. فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي.

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «مهلاً يا شيخ لعلّك تظن قضاءً حتماً وقدراً لازماً.. إلى أن قال: تلك مقالة عَبَدّة الأوثان وخصماء الرَّحمان وقَدَرية هذه


1. البحار، ج 5، باب القضاء والقدر، الحديث التاسع، ص 89 .


(214)

الأُمّة ومجوسها» (1).

ومنه ما رواه صاحب (الفائق) وغيره من علماء الإسلام عن محمد بن علي المكي بإسناده قال: «إنَّ رجلاً قدِم على النبي فقال له رسول الله: أخبرني بأعجب شيء رأيت. قال: رأيت قوماً ينكحون أُمهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك، قالوا: قضاء الله تعالى علينا وقدَرُه. فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : سيكون من أُمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أُولئك مجوس أُمتي» (2).

وأمَّا الثاني، فمنه ما رواه الحميري في (قرب الإسناد) بسنده عن الرضا، قال: كان علي بن الحسين إذا ناجى ربّه قال: «يا رب قويت على معصيتك بنعمتك»، قال: وسمعته يقول في قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْم سُوءً افَلاَ مَرَدَّ لَهُ)، فقال: إنَّ القدرية يحتجون بأولها وليس كما يقولون. ألا ترى أنَّ الله تبارك وتعالى يقول: (وَ إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْم سُوءً افَلاَ مَرَدَّ لَهُ). وقال نوح على نبينا وآله وعليه السلام: (وَ لاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ). قال: «الأمر إلى الله يَهْدي مَنْ يَشَاءُ» (3).

ومنه ما رواه القُمي في تفسيره في رواية أبي الجارود عن الإمام الباقر قال: «وهم القدرية الذين يقولون: لا قدَر، ويزعمون أنهم قادرون على الهدى والضَّلالة» (4).

ومنه ما رواه القُمي أيضاً في تفسيره عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: «يا يونس لا تقل بقول القدرية فإنَّ القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة ولا


1. توحيد الصّدوق باب القضاء والقدر، الحديث 28، ص 380.
2. البحار، ج 5، كتاب العَدْل والمَعَاد، الحديث 74، ص 47 .
3. البحار، ج 5، كتاب العدل والمعاد، الحديث 4، ص 5 .
4. المصدر نفسه، الحديث 13 .


(215)

بقول أهل النار ولا بقول إبليس. فإنَّ أهل الجنة قالوا: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَ مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ). ولم يقولوا بقول أهل النار فإن أهل النار قالوا: (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا). وقال إبليس: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي). فقلت يا سيدي والله ما أقول ...».

ومنه ما رواه العياشي في تفسيره من احتجاج الإمام ـ عليه السَّلام ـ مع القدري في الشام عندما بعث عبد الملك بن مروان إلى عامل المدينة أن وَجّه إليَّ محمد بن علي بن الحسين ولا تهيّجه ولا تروّعه، واقض له حوائجه. وقد كان ورد على عبد الملك رجل من القدرية فحضر جميع من كان بالشام فأعياهم جميعاً، فقال: ما لهذا إلاَّ محمد بن علي.

فكتب إلى صاحب المدينة أن يحمل محمد بن علي إليه، فأتاه صاحب المدينة بكتابه، فقال له أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : إنّي شيخ كبير لا أقوى على الخروج وهذا جعفر ابني يقوم مقامي، فَوَجَّهَه إليه، فلما قدم على الأُموي أزراه لصغره، وكره أن يجمع بينه وبين القدري مخافة أن يغلبه، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدري، فلما كان من الغد اجتمع الناس بخصومتهما، فقال الأُموي لأبي عبد الله ـ عليه السَّلام ـ : إنَّه قد أعيانا أمر هذا القدري وإنما كتبت إليه لأجمع بينه وبينه، فإنَّه لم يدع عندنا أحداً إلاَّ خصمه. فقال: إنَّ الله يكفيناه.

قال: فلما اجتمعوا قال القدري لأبي عبد الله ـ عليه السَّلام ـ : سل عمَّا شئت. فقال له: إقرأ سورة الحمد، قال: فقرأها. وقال الأُموي ـ وأنا معه ـ : ما في سورة الحمد غُلِبْنا، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. قال: فجعل القدري يقرأ سورة الحمد حتى بلغ قول الله تبارك وتعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فقال له جعفر: قف، من تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة؟ إنَّ الأمر إليك. فبهت الّذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين(1).


1. البحار، ج 5، كتاب العدل والمعاد، الحديث 98، ص 55. والعياشي، ج 1، ص 23.


(216)

ومنه ما رواه الصدوق بإسناده عن علي بن سالم عن أبي عبد الله ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرُّقى أتدفع من القدر شيئاً؟ فقال: هي من القدر. وقال ـ عليه السَّلام ـ : إنَّ القدرية مجوس هذه الأُمة وهم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) (1).

والصنف الأول من الروايات أقوى سنداً، ولعل كلمة القدرية تطورت من حيث المعنى في عصر الصادقَين وبعدهما فاستعملت في غير معناها القياسي.

ثم إنَّ الشيخ التفتازاني في (شرح المقاصد) أقام وجوهاً على أنَّ المراد من القدرية نفاة القدر، كما أنَّ العلامة أقام وجوهاً أُخر على تطبيقها على مثبتي القدر. فليرجع إليهما(2).

***

التقدير وتشريع الأحكام

بقيت هنا كلمة وهي: إنَّ الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فسّر القضاء والقدر للشامي الّذي سأله عنهما بالأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، وذلك عندما قال الرجل له: «فما القضاء والقدر الّذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟».

فقال: «الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية والتمكين من فعل الحسنة وترك السيئة، والمعونة على القربة إليه والخذلان لمن عصاه والوعد والوعيد


1. سورة القمر: الآيتان 48 ـ 49. التّوحيد للصدوق، باب القضاء والقدر، ح 29، ص 382 .
2. شرح المقاصد، ص 143. وكشف المراد، ص 196 .


(217)

والترغيب والترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لأعمالنا، وأمَّا غير ذلك فلا تظنه، فإن الظن له محبط للأعمال».

فقال الرجل: «فرّجت عني يا أمير المؤمنين فرّج الله عنك» (1).

وقد اختار هذا المعنى شيخنا المفيد رحمه الله في (تصحيح الاعتقاد) فقال: «والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الّذي بيّناه أنَّ لله تعالى في خلقه قضاءً وقدراً، وفي أفعالهم أيضاً قضاءً وقدراً معلوماً. ويكون المراد بذلك أنَّه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها. وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها... وفي أنفسهم بالخلق لها، وفيما فعله فيهم بالإيجاد له، والقدر منه سبحانه فيما فعله إيقاعه في حقه وموضعه. وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي والثواب والعقاب، لأن ذلك كله واقع موقعه» (2).

وقد ذكره المحقق الطوسي رحمه الله وجهاً في تفسير القضاء والقدر حيث قال: «والقضاء والقدر، إن أريد بهما خلق الفعل لزم المحال، أو الإلزام صحَّ في الواجب خاصة، والإعلام صحّ مطلقاً» (3).

وأوضحه العلاّمة الحلّي رحمه الله بقوله: «ماذا يُعنى من القول بأن الله قضى أعمال العباد وقدّرها، فإن أرادوا به الخلق والإيجاد، فهو باطل لأنَّ الأفعال مستندة إلينا. وإن أرادوا به الإلزام لم يصح إلاَّ في الواجب، وإن عُني به أنَّه تعالى بيّنها وكتبها وأعلم أنَّهم سيفعلونها، فهو صحيح، لأنه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ وبيّنه لملائكته، وهذا المعنى الأخير هو المتعين» (4).

نقول: إنَّ القضاء والقدر ممَّا اتفق عليه جميع الملل، لكن القدر لا ينحصر في هذا فقط، حسب ما عرفت من الآيات والروايات. وأما اكتفاء


1. بحار الأنوار، ج 5، باب القضاء والقدر، ح 74 ، ص 126 .
2. تصحيح الاعتقاد، ص 20 .
3. كشف المراد، ص 194 .
4. المصدر السابق .


(218)

الإمام بهذا الجواب فهو لملاحظة حال السائل، فلو كان مستطيعاً لأن يتحمل بعض المعارف الإلهية لما اقتصر الإمام عليه.

ولأجل هذه الملاحظة كان الإمام ـ عليه السَّلام ـ يجيب بعض من يسألوه عن القضاء والقدر بقوله: «طريقٌ مظلمٌ فلا تسلكوه، وبحرٌ عميقٌ فلا تلجوه، وسرُّ الله فلا تتكلّفوه» (1).

وأمَّا البحث عن التقدير المحتوم وغير المحتوم الّذي يظهر من الآيات والروايات فسيوافيك بيانه في الفصل التالي.

***


1. نهج البلاغة، قسم الحكم، الرقم 287 .


(219)

الفصل الخامس
البَداء

* تفسير لفظ البَدَاء.

* إحاطة علمه تعالى بكل شيء.

* الكتاب والسنَّة مليئان بالمجاز.

* تغيير المصير بالأَعمال الصالحة والطالحة.

* إمكان النسخ في التشريع والتكوين.

* حقيقة البَداء في ضوء الكتاب والسنَّة.

* الأَثر التربوي للبداء.

* البَداء ليس تغييراً في علمه ولا في إرادته سبحانه.

* البَدَاء في التقدير الموقوف لا المحتوم.

* الأَجل والأَجل المسمى.

* ما يترتب على البَداء في مقام الإثبات.


(220)


(221)

البَدَاءُ أو تغيير المصير بالأَعمال الصالحة أو الطالحة

تحتل مسألة البَدَاء في عقائد الشيعة الإمامية المكانة الأُولى. وبقدر ما تحظى هذه المسأَلة من الاهتمام والعناية لديهم تلقى نقداً لاذعاً وهجوماً عنيفاً من جانب علماء السنة. فلا يمرون عليها إلاّ ويهاجمونها بشدة وقسوة. وهذا من العجب أنْ تعتبر طائفة مسألة، من صميم الدين وجوهره، وأُخرى تعتبرها فكرة هدَّامة للدين.

وأعجب منه أَنَّ الباحث إذا نظر فيما سيأتي، يقف على أَنَّ النزاع القائم على قدم وساق نزاع لفظي، لا يمت إلى النزاع المعنوي والجوهري بصلة. وقد حصل النزاع من عدم إمعان المخالف فيما يتبناه الموافق. ولو وقف على مراده ومقصده لاتّفق معه في هذه المسألة وقال: إنّ البَدَاء بهذا المعنى هو عين ما نطق به الكتاب العزيز، وتحدثت عنه السنَّة الطاهرة، وأذعن به جهابذة العلم من أهل السنة.

الأمر الأول: تفسير لفظ البَدَاء

إنَّ البَدَاء في اللغة هو الظهور بعد الخفاء. قال الراغب في (مفرداته): «بدا الشيء بدوءاً وبداءً: ظهر ظهوراً بيّناً، قال تعالى :


(222)

(وَ بَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَ بَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)(1)» (2).

والبَدَاء بهذا المعنى لا يطلق على الله سبحانه بتاتاً. لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله به، ولا يظن بمسلم عارف بالكتاب والسنة أَنْ يطلق البَدَاء بهذا المعنى على الله سبحانه. فالشيعة الإمامية الذين يسعون إلى تنزيهه سبحانه من كل نقص وعيب بحماس أكبر من سائر الفرق الإسلامية، يستحيل عليهم أنْ يطلقوا البَدَاء على الله بهذا المعنى. بل لهم في ذلك تفسير آخر سيأتي بنص كلامهم.

ألأمر الثاني: إحاطة علمه بكل شيء:

اتّفقت الإمامية تبعاً لنصوص الكتاب والسنّة والبراهين العقلية على أنّه سبحانه عالم بالأشياء والحوادث كلها غابرها وحاضرها ومستقبلها، كليّها وجزئيها، لا يخفى عليه شيء في السَّماوات والأرض.

قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْضِ وَ لاَ فِي السَّمَاءِ) (3). وقال سبحانه: (وَ مَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَىْء فِي الأَرْضِ وَ لاَ فِي السَّمَاءِ) (4).

وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «كل سر عندك علانية، وكل غيب عندك شهادة» (5).

وقال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «كان الله ولا شيء غيره، ولم


1. سورة الزمر: الآيتان 47 ـ 48 .
2. المفردات، مادة «بدا»، ص 40 .
3. سورة آل عمران: الآية 5 .
4. سورة إبراهيم: الآية 38 .
5. نهج البلاغة، الخطبة 105، طبعة عبده.


(223)

يزل الله عالماً بما كوّن، فعلمه به قبل كونه، كعلمه به بعد ما كوّنه» (1).

وقال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «من زعم أنَّ الله عز وجل يبدو في شيء لم يعلمه أمس، فابرأوا منه»(2).

وقال أيضاً: «فكل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أنْ يصنعه ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنَّ الله لا يبدو له من جهل» (3).

وقال الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ : «لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء» (4).

وقال الإمام أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «إن الله عِلْم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه. قال كذلك هو»(5).

هذه تصريحات أئمة الشيعة في سعة علمه سبحانه(6)، وامتناع البداء عليه بمعنى الظهور بعد الخفاء وهم في الوقت نفسه يقولون: «ما عبد الله بشيء مثل البداء». ويقولون: «ما بَعث الله نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية، وخلع الأنداد، وأنَّ الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء».

ويقولون: «ما تَنبأ نبي قط حتى يقرَّ لله تعالى بخمس: البداء والمشئية...».

ويقولون: «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر، ما فتروا


1. بحار الأنوار، ج 4، باب العلم وكيفيته، ح 23، ص 86.
2. المصدر السابق، ص 111، الحديث 30 .
3. المصدر نفسه، ص 121، الحديث 63 .
4. الكافي ج1، باب صفات الذات، ص 107 .
5. بحار الأنوار، ج 4، ص 84، الحديث 17 .
6. تقدم البحث مفصلاً في سعة علمه تعالى، عند البحث عنه في الصفات الثبوتية في هذا الجزء.


(224)

عن الكلام فيه» (1).

أفهل يصح أن ينسب إلى عاقل فضلاً عن باقر العلوم وصادق الأُمة القول بأنَّ الله لم يعبد ولم يعظّم إلاّ بالقول بظهور الحقائق له بعد خفائها عنه، والعلم بعد الجهل، كلا. كل ذلك يؤيد أنَّ المراد من البداء في كلمات هؤلاء العظام غير ما يفهمه المعترضون سواء أكان إطلاق البداء عليه حقيقة أم كان من باب المجاز.

الأمر الثالث: الكتاب والسنّة مليئان بالمجاز

إن القرآن الكريم وسنَّة النبي الأكرم مليئان بالمجاز والمشاكلة، فترى القرآن ينسب إلى الله تعالى «المكر» و «الكيد» و «الخديعة» و «النسيان» و «الأسف»، إذ يقول:

(يَكِيدُونَ كَيْداً * وَ أَكِيدُ كَيْداً)(2).

(وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنَا مَكْراً)(3).

(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ)(4).

(نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ)(5).

(فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ )(6).

إلى غير ذلك من الآيات والموارد.


1. راجع للوقوف على هذه الأحاديث، بحار الأنوار، ج 4، الأحاديث 11، 19، 23، 26، ص 107 ـ 108 .
2. سورة الطارق: الآيتان 15 ـ 16 .
3. سورة النمل: الآية 150 .
4. سورة النساء: الآية 142 .
5. سورة التوبة: الآية 67 .
6. سورة الزخرف: الآية 55 .


(225)

وليس لأحد أنْ يغتر بظواهر هذه الآيات والألفاظ فيثبت لله سبحانه هذه الصفات بالمعاني المتبادرة منها، بل لا بد أن يمعن النظر في القرائن حتى يقف على المراد الواقعي، سواء أكان موافقاً للمعنى اللغوي أم لا (1).

ومن هذا القبيل توصيفه سبحانه بالبداء في أحاديث أئمة أهل البيت وكلمات العلماء. فلا يصح الاغترار بظاهر هذه الكلمة.

الأمر الرابع: تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة

دلت الآيات والأحاديث الصحيحة على أنَّ الإنسان قادر على تغيير مصيره بحسن أفعاله وصلاح أعماله، بمثل الصدقة والإحسان وصلة الأرحام وبرّ الوالدين والاستغفار والتوبة وشكر النعمة، إلى غير ذلك ممّا يوجب تغير المصير وتبدل المقدر السيء، إلى المقدر الحسن. كما أنه قادر بسبب الأعمال الطالحة على تغيير مصيره من الحسن إلى السيء بارتكاب طالح الأعمال وسيّئها. فليس الإنسان محكوماً بمصير واحد ومقدّر غير قابل للتغيير،ولا أنه يصيبه ما قدّر له شاء أم لم يشأ، بل المصير والمقدّر يتغيّر ويتبدل بشكر النعم، أو كفرانها، وبالتقوى والمعصية إلى غير ذلك من الأُمور، من دون أن يمس ذلك بكمال علم الله سبحانه بأن يوجد فيه التغير والتبدل. كما سيوافيك بيانه.

وهناك آيات كثيرة وروايات صحيحة تنص على تغيير المصير بعمل الإنسان نذكر القليل منها:

القرآن وتأثير عمل الإنسان في تغيير مصيره :

1 ـ قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (2).


1. تقدم مفصلاً بيان الطريق القويم في ذلك عند البحث في الصفات الخَبرية من هذا الجزء .
2. سورة الرعد: الآية 11 .


(226)

2 ـ وقال سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح ـ عليه السَّلام ـ : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً)(1).

3 ـ وقال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ وَ لَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (2).

4 ـ وقال سبحانه: (وَ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ )(3).

5 ـ وقال سبحانه: (وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(4).

6 ـ وقال سبحانه: (وَ نُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)(5).

7 ـ وقال سبحانه: (وَ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ إنِّي مَسَّني الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ...) (6).

8 ـ وقال سبحانه: (وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(7).


1. سورة نوح: الآيات 10 ـ 12 .
2. سورة الأعراف: الآية 96 .
3. سورة الطلاق : الآيتان 2 ـ 3 .
4. سورة إبراهيم: الآية 7.
5. سورة الأنبياء: الآية 76 .
6. سورة الأنبياء: الآيتان 83 ـ 84 .
7. سورة الأنفال: الآية 33 .


(227)

9 ـ وقال سبحانه: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ * وَ أَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين)(1).

10 ـ وقال سبحانه: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَ نَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (2).

11 ـ وقال سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)(3).

وهناك آيات أخرى تدل على تأثير الأَعمال الطالحة في تغيير المصير كقوله تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(4).

وقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(5).

وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَ شِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْط وَ أَثْل وَ شَيءْ مِنْ سِدْر قَلِيل * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجَازِي


1. سورة الصافات: الآيات 143 ـ 146 .
2. سورة الأنبياء: الآية 88 .
3. سورة يونس: الآية 98 .
4. سورة النَّحل: الآية 112 .
5. سورة الأنفال: الآية 53 .


(228)

إِلاَّ الْكَفُورَ )(1).

فقوله سبحانه: (وَ هَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ) بعد عرض القصة، نصّ في كونه ضابطة إلهية جارية في الأُمم جمعاء، وليست مجازاة الكفور إلاّ سلب النعمة عنه.

وفي هذه الآيات ـ في كلا الطرفين ـ دليل على ما نقول ولأجل إكمال البحث نذكر بعض الأحاديث:

الروايات وتأثير العمل في تغيير المصير

1 ـ قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «أفضل ما توسَّل به المتوسلون الإيمان بالله وصدقة السر، فإنها تذهب الخطيئة وتطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف فإنها تدفع ميتة السوء وتقي مصارع الهوان» (2).

2 ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «صلة الأرحام تزكي الأعمال، وتُنمي الأموال، وتدفع البلوى، وتُيسر الحساب، وتنسئ في الأجل» (3).

3 ـ وقال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنَّ الدعاء يرد القضاء، وإنَّ المؤمن ليذنب فيحرم بذنبه الرزق» (4).

4 ـ وقال الإمام موسى الكاظم ـ عليه السَّلام ـ : «عليكم بالدعاء فإنَّ الدعاء والطَّلبة إلى الله عزّوجل يرد البلاء. وقد قدّر وقضى فلم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دُعي الله عزوجل وسُئل صرف البلاء صرفه» (5).

5 ـ وقال الإمام أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «يكون الرَّجُل يَصِلُ رَحِمَه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيره الله ثلاثين سنة


1. سورة سبأ: الآيات 15 ـ 17 .
2. البحار، ج 90، كتاب الذكر والدعاء، الباب 16، الحديث 2 .
3. الكافي، ج 2، ص 470 .
4. البحار، ج 90، كتاب الذكر والدعاء، الباب 16 .
5. البحار، ج 90، باب فضل الدعاء والحث عليه، ص 295 .


(229)

ويفعل الله ما يشاء» (1).

هذا بعض يسير ممّا روي عن أئمة أهل البيت وقد روى أهل السنَّة نظير هذه الروايات نذكر بعضها:

6 ـ روى السيوطي عن علي ـ رضي الله عنه ـ عنه أنَّه سأل رسول الله عن هذه الآية: «يَمْحو الله ما يشاءُ»، فقال: «لأقرن عينيك بتفسيرها. ولأقرن عين أُمتي بعدي بتفسيرها: الصَّدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف، يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء» (2).

7 ـ وأخرج الحاكم عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ عنهما قال:«لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر» (3) .

8 ـ وعن أبي هريرة عن النبي قال: «لا يردّ القضاء إلاّ الدعاء، ولا يزيد في العمر إلاّ البرّ» (4).

9 ـ وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن ثوبان، قال: قال رسول الله: «لا يرد القدر إلاّ الدعاء. ولا يزيد في العمر إلاّ البر. وإنَّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه »(5).

10 ـ وروى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الدعاء ينفع ممّا نزل وممّا لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء» (6).

وهذا قليل من كثير، وغيض من فيض ممّا ورد في تغيير المصير


1. الكافي، ج 2، ص 470 .
2. الدرّ المنثور، ج 4، ص 66.
3. الدر المنثور، ج 4، ص 66 .
4. التاج، ج 5، ص 111 .
5. المستدرك، ج 1، ص 493 .
6. المصدر السابق.


(230)

بالأعمال الصالحة والطالحة، وقد نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد، فمن أراد استقصاءها فليرجع إلى مظانّها.

وفي الختام نذكّر بأنَّ القول بوجود الرابطة بين الحسنات والسيئات والحوادث الكونية لا يهدف إلى إبطال العلل الطبيعية وإنكار تأثيرها، كما لا يهدف إلى تشريك الحسنات والسيئات مع العوامل المادية. بل المراد إثبات علة في طول علة وعامل معنوي فوق العوامل المادية وإسناد التأثير إلى كلتا العلتين لكن بالترتيب.

الأمر الخامس: إمكان النسخ في التشريع والتكوين

إنَّ المعروف من عقيدة اليهود أنهم يمنعون النسخ سواء أكان في التكوين أم في التشريع. وقد استدلوا على امتناعه في التشريع بوجوه مذكورة في الكتب الأصولية أوضحها هو أنَّ رفع الحكم الثابت لموضوعه إما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها، وإما أن يكون من جهة البداء وكشف الخلاف على ما هو الغالب في نسخ الأحكام العرفية، فالأول ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم. والثاني يستلزم جهله تعالى. وكلاهما ممتنع.

وأجيب عنه في الكتب الأُصولية بما مثاله: إنَّ النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة كما لا يلزم منه البداء المحال في حقه. لأن معنى النسخ ارتفاع الحكم المجعول المقيد بزمان معلوم عند الله ومجهول عند الناس. ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان لأجل انتهاء أمده الّذي قيد به، وحلول غايته الواقعية الّتي أنيط بها. ومن المعلوم أن للزمان دخالة في مناطات الأحكام فيمكن أن يكون الفعل مشتملاً على مصلحة في سنين ثم يخلو عن تلك المصلحة بعد انتهائها. وعندئذ ربما تقتضي المصلحة بيان الحكم من دون بيان حدّه مع أنَّ المراد لبّاً هو المحدود بالحد الزماني، فالنسخ بهذا المعنى تقييد لإطلاق الحكم من حيث الزمان، ولا يستلزم أحداً من التاليين المذكورين في الاستدلال.


(231)

واستدلّ اليهود على امتناع النسخ في التكوين (1) بأنَّ قلم التقدير والقضاء إذا جرى على الأشياء في الأزل استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه.

وبعبارة أخرى: ذهبوا إلى أنَّ الله قد فرغ من أمر النظام، وجف القلم بما كان، فلا يمكن لله سبحانه محو ما أثبت وتغيير ما كتبه أوّلاً .

ويَردّ عليهم سبحانه في بيان إمكان هذا النسخ في مجال التكوين بالآية التالية: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (2). وعلى ذلك فإنّ الله سبحانه باسطُ اليدين في مجال التكوين والتشريع، يقدّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء لا يمنعه من ذلك مانع. وما تتخيله اليهود، وما انتحلوه من أن الله قد فرغ من الأمر وانتهى من الإيجاد والتكوين فصار مكتوف اليدين، مسلوب القدرة، فترده هذه الآية وما سبقها من الآيات والأحاديث. وهذا هو القرآن الكريم يصرح بكونه تعالى: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) (3).

ويقول أيضاً: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )(4). والآية مطلقة غير مقيدة بزمان دون زمان. ولأجل ذلك ينسب إلى نفسه كل ما يرجع إلى الخلق والإيجاد ويبين ذلك بصيغ فعلية استقبالية دالة على الاستمرار، وناصّة على أنَّ الفيض والخلق والإيجاد والتدبير بعد مستمر.

يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ) (5).


1. الّذي يراد منه في مورد الإنسان أنّه مخيّر في حياته، غير مسيّر، وأنّ له تغيير مصيره بتغييره مسيره على ما تقدّم .
2. الرعد: الآية 39 .
3. الرحمن: 29 .
4. الأعراف: 54 .
5. النور: 43 .


(232)

فالأفعال المتعددة الواردة في هذه الآية أعني قوله: «يزجي»، «يؤلف»، «يجعل»، «يخرج»، «ينزل» تكشف عن كونه كل يوم هو في شأن وأنّ أمر الخلق والإيجاد والتصرف بعد مستمر ولم يفرغ منه سبحانه كما تدعيه اليهود.

وقد حكى سبحانه عقيدة اليهود بقوله: (وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(1). فقول اليهود: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)يعكس عقيدتهم الكلية في حق الله سبحانه، وأنَّه مسلوب الإرادة تجاه كل ما كتب وقدّر وبالنتيجة عدم قدرته على الإنفاق زيادة على ما قدّر وقضى. فردّ الله سبحانه عليهم بإبطال تلك العقيدة أوَّلاً بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) .

وثانياً بقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ). ولأجل ذلك فسّر الإمام الصادق الآية المذكورة بقوله:

«إنَّ اليهود قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص. فقال الله جل جلاله تكذيباً لقولهم: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) (2).

إلى هنا تبين أنَّ القول بتغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة يوافق الكتاب والسُّنة. والقول بأنَّ المقدر لا يتغير وأنَّ الله فرغ من الأمر يوافق قول اليهود.

والعجب أنَّ بعض العقائد اليهودية تسربت إلى المجتمعات الإسلامية في بعض الفترات، فهذا عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن فضل وقال له: أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي... قوله تعالى: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) وقد صح أنَّ القلم قد جفَّ بما هو كائن إلى يوم القيامة.


1. المائدة: 64 .
2. التوحيد، باب معنى قوله عز وجل (وَ قَالَتِ الْيَهُودُ)، الحديث الأول، ص 167 .


(233)

فأجاب الحسين ـ متأثراً بالعقيدة اليهودية ـ بقوله: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتدؤها» (1).

وهذه العبارة من المسؤول تكشف عن تسرب عقيدة اليهود إلى تلك الأوساط. وهو باطل بنفس الآية لأن معناها أنَّه يحدث الأشياء ويبتدئ بها لا أنَّه يبديها بعد ما ابتدأها في الأزل. ويظهر ذلك جلياً بالمراجعة إلى الأحاديث الّتي نقلناها عن الصحاح حول القدر، فإن مضامينها تطابق هذه النظرية، وتعرب عن أنَّ القدر في نظر هؤلاء عامل حاكم على كل شيء.

***

حقيقة البداء في ضوء الكتاب والسُّنة

إذا عرفت هذه الأمور، تقف على أنَّ المراد من البداء عند الشيعة الإمامية ليس إلاّ تغيير المصير والمقدّر بالأعمال الصالحة والطالحة. فليس الإنسان في مقابل التقدير مسيّراً بل هو ـ بعد ـ مخيّر في أن يغيره بصالح أعماله أو بطالحها، حتى أنَّ هذا (تمكن الإنسان من تغيير المصير بالعمل) أيضاً جزء من تقديره سبحانه .

فبما أنه سبحانه (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) (2). وبما أنَّ مشيئته حاكمة على التقدير، وبما أنَّ العبد مختار لا مسيّر، فله أن يغير مصيره ومقدره بحسن فعله ويخرج نفسه من عداد الأشقياء ويدخلها في عداد السعداء، كما أنَّ له عكس ذلك.

وبما أنَّ الله (لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (3)، فالله سبحانه لا يغير قدر العبد إلاّ بتغيير من العبد بحسن عمله أو سوئه. ولا يعد تغيير


1. الكشَّاف: 3 / 189. تفسير سورة الرحمن .
2. الرحمن: 29 .
3. الرعد: 11 .


(234)

التقدير الإلهي بحسن الفعل أو سوئه معارضاً لتقديره الأول سبحانه، بل هو أيضاً جزء، من قدره وسنته. فإنَّ الله سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر، لم يقدره ولم يقضه عليه على وجه القطع والحتم، بحيث لا يتغير ولا يتبدل، بل قضاؤه وقدره على وجه خاص، وهو أنَّ ما قدّر للعبد يجري عليه ما لم يغير حاله بحسن فعل أو سوئه، فإذا غيّر حاله تغيّر قَدَر الله، وقضاؤه في حقه وحلّ مكان ذلك القدر قَدَرٌ آخر، ومكان ذلك القضاء قضاء آخر. والجميع (من القضاء والقدر السابقين واللاّحقين) قضاء الله وقدره، وهذا هو البداء الّذي تتبناه الإمامية من مبدأ تاريخها إلى هذا الوقت. ولأجل إيقاف الباحث على صدق هذا المقال نأتي ببعض النصوص لأقطابها القدماء حتّى يعرف أنَّ ما نسب إليها من معنى البداء أمر لا حقيقة له.

قال الشيخ الصدوق (ت 306 ـ م 381 هـ) في باب الاعتقاد بالبداء: «إنَّ اليهود قالوا: إنَّ الله تبارك وتعالى قد فرغ من الأمر، قلنا: بل هو تعالى (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) (1) لا يشغله شأن عن شأن، يحيي ويميت ويخلق ويرزق ويفعَل ما يشاء. وقلنا: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (2)» (3).

وقال الشيخ المفيد (ت 336 ـ م 413 هـ) في (شرح عقائد الصدوق): «قد يكون الشيء مكتوباً بشرط فيتغير الحال فيه، قال الله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)(4). فتبين أنَّ الآجال على ضربين، وضرب منها مشترط يصحّ فيه الزيادة والنقصان. ألا ترى قوله تعالى: (وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَ لاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَاب)(5).


1. سورة الرَّحمن: الآية 29 .
2. سورة الرعد: الآية 39 .
3. عقائد الصدوق، المطبوع في ذيل شرح الباب الحادي عشر، ص 73 .
4. سورة الأنعام: الآية 2 .
5. سورة فاطر: الآية 11 .


(235)

و قوله تعالى (وَلَو أنّ أهْلَ القُرى آمَنُوا و اتّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهم بَرَكات مِنَ السَّماءِ و الأرضِ)(1).

فبّين أن آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبر، و الانقطاع عن الفسوق.

و قال تعالى فيما أخبر به عن نوح ـ عليه السَّلام ـ في خطابه لقومه:

(استغفِرُوا رَبَكُم إِنّه كانَ غَفّاراً * يُرسِلِ السَماءَ عَلَيكُم مِدراراً...)(2) إلى آخر الآيات.

فاشترط لهم في مدّ الأجل و سبوغ النعم، الاستغفار. فلما لم يفعلوا قطع آجالهم وبتر أعمالهم و استأصلهم بالعذاب، فالبَداء من الله تعالى(3)يختص بما كان مشترطاً في التقدير و ليس هو الانتقال من عزيمة الى عزيمة، تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً»(4).

و قال أيضاً في (أوائل المقالات): «أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ و أمثاله، من الإفقار بعد الغناء، و الإمراض بعد الإعفاء، و بالإماتة بعد الإحياء، و ما يذهب إليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال و الأرزاق النقصان منها بالأعمال»(5)

و قال الشيخ الطوسي (ت 385 ـ م 460 هـ) في (العدة): «البَداء حقيقة في اللغة هو الظهور، و لذلك يقال: «بدا لنا سور المدينة» و «بدا لنا وجه الرأي». و قال الله تعالى (وَبَدَا لَهُم سَيَّئَاتُ ما عَمِلوا)(6)

(وَ بَدَا لهُم سَيَّئات ما كَسَبوا) (7) ويراد بذلك كله «ظهر».


1- سورة الأعراف: الآية 96.
2- سورة نوح: الآيتان 10 ـ 11 .
3- سيوافيك وجه إطلاق البداء على الله و أنَّه من مقولة المجاز، كما قوله سبحانه (وَ يَمكُرونَ وَ يَمكُرُ الله و الله خَيرُ الماكِرينَ) تمثيلا لفعل الباري بفعل البشر .
4- تصحيح الأعتقاد، باب معنى البَدَاء، ص 25.
5- أوائل المقالات، باب القول في البداء، ص 53 .
6- سورة الجاثية: الآية 33 .
7- سورة الزمر: الآية 48 .


(236)

و قد يستعمل ذلك في العلم بالشيء بعد أن لم يكن حاصلا و كذلك في الظن. و أَما أِذا أُضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه و منه ما لا يجوز. فأما ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه و يكون أطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع. و على هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين ـ عليهم السَّلام ـ من الأخبار المتضمنة الإضافة البداء إلى الله تعالى، دون ما لا يجوز عليه: من حصول العلم بَعدَ أن لَم يكن. و يكون وجه إطلاق ذلك على الله تعالى، التشبيه و هو أنَّه إِذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهراً لهم و يحصل لهم العلم به بعد أَن لم يكن حاصلا لهم أطلق على ذلك لفظ البداء»(1).

و يريد الشيخ أن أطلاق البداء على الله تعالى لأجل كونه بداءً في أذهان الناس، و ظهوراً بعد خفاء، فكان ذلك مصححاً لإطلاقه على الله سبحانه بالمجاز و التوسع، كما عرفت نظيره في بعض الألفاظ.

هذا بعض ما أفاده علماء الشيعة القدامى، و أما ما كتبه المتأخرون حوله فحدث عنه و لا حرج و في وسعك المراجعة إليه.(2)

هذا هو الذي تقول به الشيعة و تسميه بَداء، و أما غيرهم فيقولون به حسب ما مرّ من الآيات و الروايات و لا يسمونه بداء، فالنزاع في ا لحقيقة أنما هو في التسمية، ولو عرف المخالف أنَّ تسمية فعل الله سبحانه بالبداء من باب المجاز و التوسع لما شهر سيوف النقد عليهم. و ان أبى حتى الاطلاق التجوزي فعليه أن يتبع النبي الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيث أَطلق لفظ البداء عليه سبحانه بهذا المعنى المجازى الذي قلناه، في حديث


1- عدة الاصول، ج 2، ص 29، و له كلام آخر في كتاب «الغيبة»، ص 262 ـ 264، طبعة النجف يحذو فيه حذو ما ذكره في (العدة) فليرجع اليه.
2- لاحظ مصابيح الانوار، للسيد شُبَّر، ج 1، أَجوبة موسى جار الله للامام شرف الدين ص 101 ـ 103.


(237)

الأقرع و الأبرص و الأعمى: «بَدَا لله عَزَوَجَلّ اَن يَبتَلِيهُم»(1).

فبأي وجه فسّر كلام النبي يفسر به كلام أوصيائه.

فاتضح بذلك أنَّ التسمية من باب المشاكلة و أنَّه سبحانه يعبر عن فعل نفسه في مجالات كثيرة بما يعبر به الناس عن فعل أَنفسهم، لأجل المشاكلة الظاهرية، و لكونه مقتضى المحاورة مع الناس و التحدث معهم. و قد ذكرنا نماذج من ذلك فيما سبق.

و باختصار: إنَّ البحث في حقيقة البداء المقصودة للامامية أمر اتفق المسلمون حسب نصوص كتابهم و أحاديث نبيّهم عليه، و لا يمكن لأحد إنكاره.

و أَما التسمية بالبداء فمن باب المشاكلة و المجاز، فمن لم يستسغه فليسمه باسم آخر «وَ ليَتَّق الله ربه في أخيه المؤمن، و لا يبخس منه شيئاً»; (وَ لا تَبخَسُوا النّاسَ أشياءَهُم وَ لا تَعثَوا في الارضِ مُفسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللهِ خَير لَكُم إن كُنتُم مُؤمِنِينَ)(2).

و بذلك تقف على أنَّ ما ذكره الامام الأشعري في (مقالات الاسلاميين)(3) و البلخي في تفسيره(4)، و الرازي في (نقد المحصّل)(5)، و غيرهم حول البداء، لا صلة له بعقيدة الشيعة فيه. فانهم فسروا البداء لله بظهور ما خفي عليه و الشيعة براء منه، بل البداء عندهم تغيير التقدير بالفعل الصالح و الطالح فلو كان هناك ظهور بعد الخفاء فهو بالنسبة الينا لا بالنسبة الى الله تعالى، بل هو بالنسبة اليه ابداء ما خفي و اظهاره. ولو أطلق عليه فمن باب التوسع.


1- النهاية في غريب الحديث و الأثر، للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك ابن محمد الجزري، ج 1، ص 109.
2- سورة هود: الآيتان 85 ـ 86.
3- مقالات الاسلاميين و اختلاف المصلين، ص 107 و 109 و 119، طبعة محيي الدين عبدالحميد.
4- نقله شيخنا الأكبر الطوسي في تفسيره، التبيان، ج 1، ص 13 ـ 14، طبعة النجف.
5- نقد المحصّل، ص 421.


(238)

بقيت أُمور يجب التنبيه عليها:

1ـ الأثر التربوي للبداء

إنَّ الأثر التربوي الذي يترتب على القول بالبداء أمر لا يمكن إنكاره، كيف و الاعتقاد بالبداء يبعث الرجاء في قلوب المؤمنين، كما أنَّ انكاره و الالتزام بأَنَّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة دون استثناء، يترتب عليه اليأس و القنوط. فيستمر الفاسق في فسقة و الطاغي في طغيانه، قائِلَين بأنه اذا كان قلم التقدير مضى على شقائنا، فلأي وجه نغير نمط أعمالنا بأعمال البر و التضرع و الدعاء.

إنَّ الاعتقاد بالبداء يضاهي الاعتقاد بقبول التوبة و الشفاعة و تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، فانَّ الجميع يبعث الرجاء في النفوس و يشرح قلوب الناس أجمعين، عصاة و مطيعين حتى لا ييأسوا من روح الله و لا يتصوروا أنَّهم إذا قدر كونهم من الأشقياء فلا فائدة في السعي و الكدح بل يعتقدوا بأَنَّ الله سبحانه لم يجف قلمه في لوح المحو و الإثبات، فله أن يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء، و يسعد من شاء، و يُشقِيَ من شاء، حسب ما يتحلى به العبد من مكارم الأخلاق وصالح الأعمال أو يرتكب من طالحها و فاسدها. و ليست مشيئته سبحانه جزافية غير تابعة لضابطة حكيمة، فلو تاب العبد وعمل بالفرائض، وتمسك بالعصم، خرج من صفوف الأشقياء و دخل في عداد السعداء و بالعكس.

و هكذا كل ما قدر في حق الإِنسان من الحياة و الموت و الصحة و المرض و الغنى و الفقر يمكن تغييره بالدعاء و الصدقة و صلة الرحم و إكرام الوالدين، فالبداء يبعث نور الرجاء في قلوب هؤلاء.

2ـ البداء ليس تغييراً في علمه و لا في إرادته سبحانه

إنَّ علمه سبحانه ينقسم الى علم ذاتي و علم فعلي، فعلمه الذاتي نفس ذاته وهو لا يتغير و لا يتبدل، و أَما علمه الفعلي فهو عبارة عن لوح المحو


(239)

و الإثبات، فهو مظهر لعلم الله في مقام الفعل، فاذا قيل بدا لله في علمه فمرادهم البداء في هذا المظهر.

و ان شئت قلت: إنَّ مراتب علمه سبحانه مختلفة،و محالُها متعددة.

فأَولها و أعلاها العلم الذاتي المقدس عن التكثّر و التغير و هو محيط بكل شيء و كل شيء حاضر عنده بذاته. ثم يليه علمه الفعلي و له مراتب و مظاهر كاللوح المحفوظ و لوح المحو و الاثبات و نفوس الملائكة و الأنبياء. فلو كان هناك تغيير فانما هو في هذه المظاهر، و بالأخص لوح المحو و الاثبات. فيقدر في ذلك اللوح كون الشخص من السعداء و لكنه يرتكب عملا طالحاً يوجب التغيير فيه فيكتب من الأشقياء، و مثله خلافه. و إليه يشير سبحانه:

(يَمحو الله ما يَشاءُ وَ يُثبِتُ وَ عِندَهُ أُمُّ الكِتابِ).

فالظاهر من الآية أَنَّ ام الكتاب هو الكتاب الوسيع الأصيل الذى يكتب فيه تقدير الكائنات بجملتها و منها الإِنسان ، و لأجل ذلك يكون مصوناً من التغيير، لانعكاس جميع التقديرات فيه جملة واحدة و هذا بخلاف لوح المحو والاثبات فيكتب فيه التقدير الأول و لكنه لما كان مشروطاً بشرط غير متحقق، يغيره التقدير الثاني.

و بذلك يظهر أنَّ التغيير في التقدير لا يلازم في العلم التغيّر في الارادة و إنما التغيير في مظاهر علمه الفعلي أَي ما خلقه من الألواح و النفوس التى تنعكس فيها تقاديره.

و على ضوء ذلك فيما أخذه أبو زهرة المصري في كتابه (الامام الصادق)، على الشيعة الامامية في مسألة البداء ناشئ عن الغفلة عن محل المحو الاثبات و طروء التغير و التحول حيث قال: «من البداء الزيادة في الآجال و الأرزاق و النقصان منها بالأعمال و لا شك أنَّ الزيادة في الآجال، ان أريد ما قَدَّره الله تعالى في علمه الأزلي و الزيادة عما قدر، فذلك يقضتي تغيير علم الله، وإن أُريد الزيادة عمّا يتوقعه الناس فذلك ممن ينطبق عليهم قوله تعالى:


(240)

(وَ بَدا لَهُم مِنَ الله مَا لَم يَكُونُوا يَحتَسِبُون)»(1).

فيلاحظ عليه أولا: إنَّ زيادة الآجال و الأرزاق أو نقصانها بالأعمال مما لم تنفرد به الشيعة الإِمامية. و من العجيب أن يغفل عما رواه أَئمة أهل الحديث، و قد ذكرنا جملة منها فيما سبق.

و ثانياً: إنَّ الزيادة في الآجال و الأرزاق و إن كانت توجب التغيير في التقدير، لكنها لا توجب التغيير في علم الله أو مشيئته و إِرادته.

و منشأ الخلط بين الأمرين هو جعل تقديره سبحانه نفس علمه الذاتي، و توهم أنَّ التغيير في الأول يوجب التغيير في الثاني. بل التقدير أنما هو في مظاهر علمه التي تسمى علماً فعلياً، و هي عبارة عن الألواح الواردة في الكتاب و السنة: من المحفوظ، و المحو و الاثبات. فزعم الكاتب أنَّ لله علماً واحداً و هو علمه الأزلي و أنَّه هو مركز التقدير واستنتج منه أنَّ القول بالبداء يستلزم تغيير العلم الذاتي.

نعم هو سبحانه يعلم من الأزل أي عبد يختار أي واحد من التقديرين على مدى حياته، وأَي عبد ينتقل من تقدير إلى تقدير، فليس ها هنا تقدير واحد بل التقديرات بجملتها موجودة هناك بوجود جمعي لا يستلزم الكثرة والتثني.

3ـ البداء في تقدير الموقوف لا المحتوم

إنَّ البداء (تغيير التقدير بالأعمال) انما يتصور في التقدير الموقوف.

و أما القطعي المحتوم فلا يتصور فيه. و توضيح ذلك بما يلي:

إنَّ لله سبحانه قضاءين: قضاءً قطعياً و قضاءً معلقاً، أَما الأول فلا يتطرق اليه البداء و لا يتغير أبداً.


1- الامام الصادق، لأبي زهرة، ص 238.


(241)

و أما الثاني فهو الذي يتغير بالأعمال الصالحة والطالحة. و قد صرّح أئمتنا في أحاديثهم بهذا الأمر و نصّوا على هذا التقسيم.

و المراد من التقدير الحتمي ما لا يبدل ولا يغير ولو دُعي بألف دعاء.

فلا تغيّره الصدقة و لا شيء من صالح الأعمال أو صالحها. و ذلك كقضائه سبحانه للشمس و القمر مسيراً إلى أجل معين، و للنظام الشمسي عمراً محدداً، و تقديره في حق كل إنسان بأنه يموت، إلى غير ذلك من السنن الثابتة الحاكمة على الكون و الإِنسان .

و المراد من الثاني الأمور المقدّرة على وجه التعليق، فقدّر أن المريض يموت في وقت كذا إلاّ إذا تداوى، أَو أجريت له عملية جراحية أو دعي له و تُصُدَّقُ عنه وغير ذلك من التقادير التي تتغير بإيجاد الشرائط و الموانع، و الله سبحانه يعلم في الأزل كلا التقديرين: المَوقُوف، وَ تَحَقُّق الموقوف عليه و عدمه. و له نظائر حتى في التشريع الكلي و السنن الوسيعة الالهية، فقد قضى سبحانه في حق المسرفين بأنهم أَصحاب النار، و قال حاكياً عن مؤمن آل فرعون:

(وَ أنَّ مَرَدَّنا إلى الله وَ اَنَّ المُسرفينَ هُم أصحَابُ النَّار)(1).

غير أَنَّ هذا التقدير حتى بصورته الكلية ليس تقديراً قطعياً غير قابل للتغيير بشهادة قوله سبحانه: (قُل يا عِبادِيَ الَّذينَ أسرَفوا عَلى أَنفُسِهَم لا تَقنَطُوا مَن رَحمَةِ اللهِ)(2) و الهدف من الآيتين تقوية حرية الإِنسان و تفهيمه بأن له الخيار في اختيار أي واحد شاء من التقديرين.

وإليك بعض ما ورد عن أئمة أهل البيت حول هذا التقسيم:

سئل أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ عن ليلة القدر، فقال « تنزل فيها الملائكة و الكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما هو كائن في أمر السنة.


1- سورة غافر: الآية 43.
2- سورة الزمر: الآية 53.


(242)

قال: و أمر موقوف لله تعالى فيه المشيئة، يقدّم منه ما يشاء و يؤخر ما يشاء.

و هو قوله: (يَمحُو اللهُ ما يَشاءُ وَ يُثبِتُ وَ عِندَهُ أُمُ الكِتابِ)(1).

وروى الفضيل قال: سمعت أبا جعفر يقول: «من الأمور محتومة جائية لا محالة، و من الأمور أمور موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء ويثبت منها ما يشاء ، لم يطلع على ذلك أحداً ـ يعني الموقوفة ـ فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه و لا نبيه و لا ملائكته»(2).

و في حديث قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ لسليمان المِرْوَزي: «يا سليمان إِنَّ من الأمور أموراً موقوفة عند الله تبارك و تعالى يقدم منها ما يشاء و يؤخر ما يشاء»(3).

هذا بعض ما ورد في تقسيم التقدير إلى قسميه.

و قد خرجنا بهذه النتيجة و هي: أنَّ التقدير على نوعين موقوف و غير موقوف، و الله سبحانه من وراء الكل واقف على تحقق الموقوف عليه.

4ـ الأجل و الأجل المسمى:

إِن القرآن الكريم يصف الكائنات السماوية و الأرضية بأَنَّ لها «أجلا» و «أجلا مسمى». فما هو المراد منهما؟

إنَّ «الأجل» بلا قيد هو التقدير الموقوف. «و الأجل المسمى» هو المحتوم. و إليك بيانه:

قال سبحانه: (هُوَ الذي خَلَقَكُم مِن طِين ثُمَّ قَضَى أجَلا وَ أجَلٌ


1- بحار الانوار، ج 4، ص 102، باب البداء، الحديث 14، نقلا عن أمالي الطوسي.
2- المصدر السابق، ص 119، الحديث 58.
3- المصدر السابق، ص 95، الحديث 2.


(243)

مُسمّىَّ عَندَهُ ثُمَّ أَنتُم تَمتَرُونَ)(1).

قال سبحانه: (هو الذي خَلَقَكم مَن تراب ثُمَّ مِن نُطفة ثم مِن عَلَقَة ثُمَّ يُخرِجكم طِفلا ثمَّ لِتَبلغوا أَشدَّكم ثمَّ لِتَكونوا شُيوخاً وَ مِنكُم مِن يُتَوَفى مَن قَبلُ وَلِتبلُغُوا أَجلا مُسمّى وَ لَعَلَكُم تَعقِلُونَ).(2)

إنَّ الله سبحانه جعل للإنسان في هاتين الآيتين أجلين مطلقاً ومسمّى، كما أنَّه جعل للشمس والقمر أجلاً مسمّى، قال سبحانه: (وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمّىً )(3). ومثله في سورة الزُّمر المباركة، الآية الخامسة. وإليك توضيح مفهوم الأجلين بالمثال التالي:

إذا وهب الله تعالى لأحدنا ولداً و أُجريت عليه مختلف الفحوص الطبية بحيث أطمأن الأطباء أنَّ باستطاعة هذا الوليد أن يحمل أعباء الحياة إلى مائة سنة، فمن الواضح أنَّ معنى هذا ليس أكثر من «الإمكان» أو «الاقتضاء».

و ليس معناه أنه يعيش هذه المدة كيفما كان، و في أي وضع كان بل هو مشروط بشروط عديدة، منها استمرار صحته و عدم عروض مانع لاستمرار بقائه، حتى تصل هذه القابلية من القوة إلى الفعلية. و إلاّ فربما يموت قبل أن يصل إلى تلك المدة.

و على ضوء هذا فللطفل من يومه الأول أجلان:

1ـ أجل مطلق، و هو إمكانه و اقتضاؤه للبقاء، و قابليته الجسمية لمدة مائة سنة من العمر. و حيث إنَّ لاستمرار البقاء في هذا الكوكب سلسلة من الشرائط والمقتضيات، و لا يعلم بالجزم و اليقين تحققها، يكون هذا أجلا مبهماً لا محتوماً و مبرماً.

2ـ أجل محتوم، و هو مقدار عيشه حسب تحقق شروطه في الواقع


1- سورة الأنعام: الآية 2.
2- سورة غافر: الآية 67 .
3. سورة الرعد: الآية 2 .


(244)

و نفس الأمر، أو عدم تحققها. و هذا هو الذي لا يقف عليه إلاّ الخبير و المحيط بالعالم و تحقق الشرائط و عدمها و ما يعرض على الطفل في مسير حياته، و ليس هو إلاّ الله سبحانه. اذ هو الذي يعلم ما يعرض للطفل مما يوجب طول حياته أو قصرها.

و هذا تقدير مقطوع به بعيد عن أي إبهام و ترديد.

و قد عبّر القرآن الكريم عن الأول بالأجل، الشامل بإطلاقه للموقوف و المحتوم و الممكن و المتحقق، و عن الثاني بالأجل المسمَّى، الشامل لخصوص المحتوم، و خصّ العلم بالأجل المسمَّى بنفسه تعالى، دون العلم بالأجل المطلق، فقال: (و أَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ). و الأجل أنَّ شرائط الحياة للإنسان تختلف حسب توفر الشروط و عدمها جعل للإنسان أجلين، مع أنه لم يجعل للشمس و القمر إلاّ أجلا واحداً و هو الأجل المسمَّى.

و إلى الأجل المسمى يشير قوله سبحانه: (فَإذا جَاءَ أَجَلُهُم لا يَستَأخِرُون ساعةً و لا يَستَقدِمُونَ)(1).

و إلى ما ذكرنا من التفسير يشير الإمام الصادق بقوله: «أجلٌ مسمى; و هو قوله تعالى: (فَإِذا جَاءَ أَجَلُهُم لا يَستَأخِرُونَ ساعةً و لا يَستَقدِمُون) و أَجَلٌ غير مُسَمَّى يتقدم ويتأخر»(2).

وقال عليه السلام أيضاً في تفسير قوله سبحانه: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ).

قال: «الأجل الذي غير مسمى موقوف يقدم منه ما يشاء و يؤخر منه ما شاء، و أما الأجل المسمى فهو الذى ينزل ممَّا يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل، فذلك قول الله: (فَاِذَا جَاءَ أَجَلُهُم لا يَستَأخِرُون سَاعَةً وَ لا يَستَقدِمُونَ)(3).


1- سورة الأعراف: الآية 34 و سورة النحل: الآية 61.
2. اصول الكافي: 1 / 71 .
3- البحار، ج 4، ص 116، الحديث 44. و لاحظ الأحاديث 45، 46، 47.


(245)

و قد فَسر غيرُ واحد من المفسرين كلا الأجلين بما ذكرنا، و ذكر الرازي الوجه المروي عن حكماء الإسلام و قال:

«إنَّ لكل انسان أجلين أحدهما: الآجال الطبيعية و الثاني الآجال الاخترامية. أما الآجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصوناً عن العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه الى الوقت الفلاني، و أمَّا الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بالأسباب الخارجية كالغرق و الحرق و غيرهما من الأمور المنفصلة»(1).

و قال العلاّمة الطباطبائي: «إِنَّ الأجل أَجلان: الأجل على ابهامه، و الأجل المسمى عند الله تعالى. و هذا هو الذي لا يقع فيه تغيير لمكان تقييده بقوله «عِندَهُ»، و قد قال تعالى: (وَ مَا عِندَ الله باق). و هو الأجل المحتوم الذي لا يتغير و لا يتبدل، قال تعالى: (اذا جِاءَ أَجَلُهُم فَلا يَستَأخِرُونَ ساعةً و لا يَستَقدِمُون)(2).

فنسبة الأجل المسمى الى الأجل غير المسمى، نسبة المطلق المنجز الى المشروط المعلق، فمن الممكن أن يتخلف المشروط المعلق عن التحقق لعدم تحقق شرطه الذي علّق عليه، بخلاف المطلق المنجز، فانه لا سبيل إلى عدم تحققه البتة.

و التدبّر في الآيات يفيد أنَّ الأجل المسمى هو الذي وضع في أُم الكتاب، و غير المسمى من الأجل هو المكتوب فيما نسميه بـ «لوح المحو و الإِثبات».

و بتعبير آخر: إنَّ أُم الكتاب قابلُ الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى أسبابها التامة التي لا تتخلف ، عن تأثيرها، و لوح المحو والإثبات قابل الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب الناقصة التي ربما نسميها بالمقتضيات التي يمكن اقترانهابموانع تمنع من تأثيرها»(3).


1- مفاتيح الغيب للرازي، سورة الأنعام، آية 2.
2- سورة يونس: الآية 49.
3- الميزان، ج 7، تفسير سورة الانعام، الآية الثانية، ص 9.


(246)

نعم، يقع السؤال عن نكتة ذينك التحديدين، و أنه اذا كان الأجل غير المسمى يختلف مع المسمى غالباً، فأي فائدة في ترسيمه؟

و لكن الاجابة عنه واضحة، و هي أن ترسيمه يثير النشاط في المجتمع الإِنساني حتى يقوم بتهيئة الشرائط و رفع الموانع للبلوغ الى ذلك الأجل والعمر الطويل الذي حدَّدوه بمائة و عشرين سنة.

أضف الى ذلك أنَّ هذين الترسيمين نتيجة ارتباط أجزاء الكون و تأثيره في الوجود الإِنساني فان التركيب الخاص للشخص الإِنساني و ان كان يقتضي أن يعمّر العمر الطبيعي، و هذا يقتضي تحديداً له من حيث هو نفسه، و لكن بما أنَّ اجزاء الكون مؤثرة في حياة الإِنسان ، فربما تفاعلت الأسباب و الموانع التى لا نحصيها و لا نحيط بها، فأدى الى حلول أجله قبل أن ينقضي الأجل الطبيعي و هو المسمى بالموت الاخترامي. و ليس يختص الاخترامي بالحوادث المنفصلة كالموت و الحرق كما عليه الرازي في تفسيره، بل يعم فقدان شرائط الحياة، وسوء التغذية، و هجوم الغصص و الحوادث النفسية المؤلمة.

5ـ ما يترتب على البداء في مقام الاثبات

اذا كان البَدَاء هو تغيير المصير بالعمل الصالح و الطالح، و أنَّه يقع في الأمور الموقوفة لا المحتومة، يسهل على الباحث علاج الإخبار بالمغيبات من جانب الأنبياء مع عدم تحققه.

و نرى من هذه الإخبارات نماذج في الكتاب و السنة:

(1) ـ رأى ابراهيم في المنام أنه يذبح ولده اسماعيل، و رؤيا الأنبياء وحي(1)، فتلك الرؤيا الصادقة تحكي عن حقيقة ثابتة و واقعية مُسَلَّمة، و هو أمر الله لابراهيم بذبح ولده أولا، و تحقق ذلك في عالم الوجود ثانياً، و كأنَّ


1- لاحظ الدر المنثور، ج 5، 280.


(247)

قوله: (انَّي أرى في المَنامِ أَنَّي أَذبَحُكَ) يكشف عن أمرين:

أ ـ الأمر بذبح الولد و هو أمرٌ تشريعي.

ب ـ الحكاية عن تحقق ذلك في الواقع الخارجي. فقد أُخبر ابراهيم بذلك من طريق الوحى. و أخبر هو ولده بذلك.

و مع ذلك كله لم يتحقق و نسخ نسخاً تشريعياً، كما نسخ نسخاً تكوينياً. و يحكي عن كلا الأمرين قوله سبحانه: (وَ فَدَينَاهُ بِذِبح عَظِيم).

فينطرح في ذهن الإِنسان : كيف يجوز أن يخبر النبي بشيء من المغيبات ثم لا يتحقق؟!

(2) ـ انَّ يونس ـ عليه السَّلام ـ أخبر قومه بنزول العذاب و أنَّه مصيبهم. و مع ذلك كله لم يأتهم (1) يقول سبحانه:

(فَلَولا كانَت قَريَة آمَنَت فَنَفَعَها إيمانُها إلاّ قومَ يُونُس لما آمنُوا كَشَفنا عَنهُم عَذَابَ الخِزيِ في الحَيَاةِ الدُنيا وَ مَتَّعناهُم الى حِين)(2).

(3) ـ ما جاء في قصة موسى بن عمران حيث انَّ موسى أخبرهم بأنَّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة كما عن ابن عباس حيث قال: «انَّ موسى قال لِقَومه انَّ ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، و أخلفَ هارون فيكم، فلما فصل موسى الى ربه زاده الله عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها الله»(3). قال سبحانه: (وَ وَاعَدنا مُوسى ثَلاثِينَ ليلةً وَ أَتمَمناها بعَشر فَتَمَّ ميقاتُ رَبَّهِ أَربَعينَ لَيلَةً وَ قَالَ موسى لأخيهِ هرونَ اخلُفني في قَومي وَأَصلِح و لا تَتَّبع سَبِيلَ المُفسَدينِ)(4).


1- مجمع البيان، ج 3، ص 135، و تفسير الطبري و تفسير الدر المنثور في تفسير الآية.
2- سورة يونس: الآية 98.
3- الدر المنثور، ج 3، ص 115 .
4- سورة الأعراف: الآية 142.


(248)

هذه جملة الاخبارات التى وردت في القرآن والتي أَخبَر بها الأنبياء ولم تتحقق و قد جاء نظير ذلك في الروايات الاسلامية نذكر منها:

ما روي عن المسيح عيسى بن مريم أنَّه مرّ بقوم مُجلَبين. فقال: ما لهؤلاء؟ قيل يا روح الله انَّ فلانة بنت فلانة تُهدى الى فلان بن فلان في ليلتها هذه.

قال: يجلبون اليوم و يبكون غداً. فقال قائل منهم: و لِمَ يا رسول الله؟

قال: لأن صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه... فلما أصبحوا جاءوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء.

فقالوا: يا روح الله انَّ التي أخبرتنا أمس أنها ميتة لم تمت. فقال عيسى: يفعل الله ما يشاء فاذهبوا بنا إليها.. حتى قرعوا الباب فخرج زوجها فقال له عيسى: استأذن لي على صاحبتك. فتخدرت، فدخل عليها. فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته الى مثلها. و انَّه جاءني في ليلتي هذه و أنا مشغولة بأمري و أهلي بمشاغل، فلما سمعت مقالته قمت متنكرة حتى نلته كما كنَّا ننيله.

ففي هذه اللحظة قال عيسى لها تنحي عن مجلسك. فاذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه.

فقال ـ عليه السَّلام ـ : بما صنعتِ صرف عنكِ هذا»(1).

و منها ـ ما روى أنَّه مرَّ يهودي بالنبي فقال: السام عليك، فقال النبي له: و عليك.

فقال أصحابه: انما سَلَّم عليك بالموت، فقال الموت عليك!

فقال النبي: و كذلك رددت.


1- بحار الأنوار، ج 4، ص 94، ذكرنا الرواية بتلخيص.


(249)

ثم قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأصحابه: انَّ هذا اليهودي يعضه أسود في فقاه فيقتله.

فذهب اليهودي فاحتطب حطباً فاحتمله ثم لم يلبث أَن انصرف. فقال له: ضعه، فوضع الحطب: فاذا أَسود في جوف الحطب عاض على عود.

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ . يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملا إلاّ حطبي هذا فحملته فجئت به، و كان معي كعكتان فأكلت واحدة و تصدقت بواحدة على مسكين. فقال رسول الله: بها دفع الله عنه. و قال: ان الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإِنسان (1).

و هناك نظائر لما مضى لا تخرج عن عدد الأصابع.

تبيين الحال في هذه الإخبارات الغيبية

يقع الكلام في هذه الملاحم و الأخبار الغيبية تارة من جهة ان الأنبياء كيف علموا بهذا الأمر الموقوف، و لم يعلموا بالأمر الموقوف عليه.

و أُخرى أنَّ هذا الاخبار مع عدم الوقوع كيف لا يعد تكذيباً لقولهم؟

أما الأول، فلا شك أَنَّ النبي إذا أخبر بشيء ثم حصل البداء في تحققه فلا بد أَن يستند في اخباره الى شيء يكون مصدراً لاخباره و منشأ لاطلاعه. فيمكن أَن يكون المصدر اتصاله بعالم لوح المحو و الاثبات، فاطلع على المقدِّر، و لم يطلع على كونه معلقاً على أمر غير واقع، لعدم احاطة ذلك اللوح بجميع الاشياء.

كما أَنه يمكن أَن تتعلّق مشيئته تعالى باظهار ثبوت ما يمحوه، لحكمة داعية الى اظهاره، فيلهم أَو يوحي إلى نبيه مع علمه سبحانه بأَنه يمحوه.

نعم، من شملته العناية الالهية و اتصلت نفسه الزكيه بعالم اللوح المحفوظ تنكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها، و ان كان ذلك قليل كما يتفق ذلك لخاتم الأنبياء و بعض الأوصياء.


1- بحار الانوار، ج 4، ص 118 .


(250)

و على ضوء ذلك فالحكم الذي يُوحَى إلى الأنبياء، تارة يكون ظاهراً في الاستمرار و الدوام، مع أَنه في الواقع له غاية و حَدَّ يعيّنه بخطاب آخر.

و أُخرى يكون ظاهراً في الجد مع أنَّه لا يكون جدياً واقعاً، بل لمجرد الاختبار و الابتلاء.

و ثالثة يوحى اليهم بالإخبار بوقوع عذاب لحكمة في هذا الإخبار، و مع ذلك لا يقع.

هذه هي الجهات التى يمكن أَن تكون مصدراً لعلمه و اطلاعه. و الكل يرجع الى وقوفه على المقتضيات و عدم وقوفه على العلة التامة. فلأجل ذلك صح له أَن يخبر عن التقدير الأول لأجل وجود المقتضى، ولو اطلع على العلة التامة لأخبر عن التقدير الثاني. ولا بعد في أن يُخفي تعالى على نبيه شرائط التقدير الأوّل وموانعه لأجل مصالح يعلمها الله سبحانه.

فقد كان هناك مصلحة في الاخبار عن تحقق ذبح اسماعيل، و نزول العذاب على قوم يونس، و كون الميقات ثلاثين يوماً، و أنَّ العروس و اليهودي يقتلان. فللَّه سبحانه في إخباره و اظهاره حكم و مصالح نقف على بعضها و لا نحيط بجملتها.

هذا كله حول مصدر علم النبي في إخباره.

و أما الثاني، و هو أنَّ إخبار النبي بشيء و عدم وقوعه يعد في نظر الناس تكذبياً للنبي. فنقول: انَّ المغيبات التي وقع فيها البَدَاء انما توجب معرضية الأنبياء لوصمة الكذب والمتقول بالخلاف اذا لم يكن هناك قرائن تدل على صدق مقالهم، و لذلك نرى أن عيسى ـ عليه السَّلام ـ لما أخبر أصحابه بأن العروس ستهلك، برهن على صدق مقاله بإراءة الأفعى تحت مجلسها كما أَنَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برهن على صدق إخباره بهلاك اليهودي بالأمر بوضع الحطب فاذا أَسود في جوف الحطب عاض على عود.

و نظيره قصة ابراهيم، فإنّ في التفدية بذبح عظيم دلالة على صدق ما أَخبر به الخليل من الرؤيا. كما أنَّ الحال كذلك في قصة يونس حيث أخبر عن العذاب، و قد رأى القوم طلائعه، فقال لهم العالم: افزعوا الى الله


(251)

فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم، فاخرجوا الى المفازة، و فرّقوا بين النساء والأولاد، و بين سائر الحيوانات و أَولادها، ثم ابكوا وادعوا ففعلوا فصرف عنهم العذاب.(1)

و بالجملة، اذا كانت إخبارات النبي مقترنة بالقرائن الدالة على صدق إخباره، و أنَّ الوقوع كان حتمياً قطعياً لولا فعل ما فعلوه، لما عدّ ذلك تقولاً بالخلاف، بل يعد من دلائل الرسالة.

و على ذلك فاخباراتهم الغيبية اما كانت على وجه التعليق في اللفظ، كما في قصة يونس، حيث روي أَنه قال لقومه: «إنَّ العذاب مصبحكم بعد ثلاث ان لم تتوبوا»(2). او في اللب، كما اذا دلت القرائن الماضية على أَنَّ كلامه كان معلقاً على مشيئته سبحانه، و كانت مشيئته سبحانه معلقة على عدم صدور أَمر يدفع العذاب.

و أنت اذا أحَطت بما ذكرنا من الأمور تقف على مدى صحة ما نقله الرازي عن سليمان بن جرير من أنَّ ائمة الرافضة وضعوا القول بالبداء لشيعتهم، فإذا قالوا سيكون لهم أَمر وشوكة ثم لا يكون الأمر على ما أَخبروا، قالو: بدا لله تعالى (3)!. و كانَّ الرجل كان غافلا عن تلك المعارف العليا في الكتاب و السنة.

و نضيف أَخيراً بأَنَّ هذا النوع من الإخبارات التى تعد نتيجة للبَدَاء لا نفس البَدَاء، لا تتجاوز في كلمات الأئمة عن مواضع أربعة(4)، ذكر تفصيلها في موضعها، فيكف يدَّعى الرازي وضع ضابطة كلية؟!


1- مجمع البيان، ج 3، ص 153.
2- مجمع البيان، ج 3، ص 135.
3- نقد المحصل، للرازي، ص 421،
4- راجع في تفسير ذلك كتاب «البداء في ضوء الكتاب و السنة» للأُستاد دام حفظه ص 107 ـ 108.


(252)


(253)

الفصل السادس
العدل الإلهي و أفعال العباد

الجبر الأشعرىّ.

الجبر الفلسفىّ.

الجبر المادىّ.

الاختيار المعتزلىّ.

الاختيار لدى الوجوديّين.

الإختيار في مذهب الأمر بين الأمرين.


(254)


(255)

العدل الإلهي و أفعال العباد

قد عرفت أنَّ العدل من صفاته سبحانه، و كأن هذا الوصف يقتضي البحث عن كيفية صدور أفعال العِباد منهم، و هل هم فاعلون بالاختيار أو بالجبر والإلجاء؟

و الأول موافق لعدله سبحانه و الثاني يخالفه. و لكننا أفردنا المسألة بالبحث لتشعب شقوقها وكثرة ما طرح فيها من الإشكالات و قبل الخوض في المقصود نقدم أموراً:

الأمر الأول: في كون المسألة عامة

انِّ الوقوف على كيفية صدور فعل الإِنسان منه، و ان كان مسألة فلسفية، غاص فيها كبار المفكرين من الفلاسفة الذين يقدرون على تحليل المسائل العامة في الفلسفة الإلهية، إلاّ انَّ اشتمال المسألة على خصيصة خاصة وهي صلتها بمصير الإِنسان في مسيره جعلتها مسألة مطروحة أيضاً بين البسطاء و العاديين من الناس. و لأجل ذلك تغايرت فيها أفكارهم و آواؤهم.

فهذه المسألة من حيث العمومية كالمسائل الثلاث الفلسفية التي يتطلع


(256)

كل إنسان الى حلّها سواء أقدر عليه أم لا وهي: من أين جاء؟ و لماذا جاء؟ والى أين يذهب؟.

و لأجل هذه الخصيصة في المسألة لا يمكن تحديد زمن نكّون هذه المسألة في البيئات البشرية و مع ذلك فالمسألة كانت مطروحة في الفلسفة الإغريقية، اشراقيّها و مشّائيها، ثم تسربت الى الأوساط الاسلامية و منها تسربت الى المجتمعات الغربيّة، كغيرها من المسائل و العلوم الاسلامية.

الأمر الثانى: في الجبر بأقسامه

أن أحد شقوق هذه المسألة هو القول بالجبر، و أنَّ الإِنسان مسلوب الاختيار، ولكن تصويره يختلف حسب نفسيات الباحث و المِلاكات التي يجعلها محور البحث. فالإلهي القائل بالجبر، يطرحه على نمط مغاير لما يطرحه المادي و الفلسفي القائلين به. فالإلهي لا يصوّر للجبر عاملا سوى ما يرتبط بالله سبحانه من تقديره وقضائه أو علمه الأزلى أو مشيئته القديمة المتعلقة بأفعال الإِنسان (1). و المادي بما أنه غير معتقد بهذه المبادئ يسند الجبر الى العامل المادي و هو «الوراثة» و «التعليم» و «البيئة»، التي تسمى بمثلث الشخصية، و أنَّ نفسيات كل انسان و روحياته تتكون في ظل هذه العوامل الثلاثة، وهي عوامل خارجة عن الاختيار. ومن المعلوم أنّ فعل كل انسان رد فعل لشخصيته و ملكاته التي اختصرت فيها.

و للفلاسفة للقائلين بالجبر منحى آخر فيه. فتارة يستندون الى أنَّ الارادة الإِنسانية هي العلة التامة للفعل، بحيث اذا حصلت في ضمير الإِنسان يندفع الى الفعل بلا مهلة و انتظار، و بما أنَّ الارادة ليست أمراً


1- هذه ثلاثة من العوامل التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالجبر. وهناك عامل رابع، و هو القول بكون أفعال العباد مخلوقه لله سبحانه مباشرة. و عامل خامس وهو ما يبدو من القرآن الكريم من نسبة الهداية و الضلالة الى الله سبحانه و هذه هي النقاط الرئيسية لأبحاثهم في المسألة.


(257)

اختيارياً، تتسم أفعال الإِنسان بسمة الجبر لانتهائها اليها.

و أخرى الى انتهاء العلل الطولية الى ذاته سبحانه فهو العلة التامة لتلك السلسلة، فيكون النظام الخارجي و منه الإِنسان و فعله واجب التحقق و ضروري الكون.

و ثالثة الى أن الشيء ما لم تجتمع أجزاء علته، فلا يتحقق في الخارج، فوجود كل شيء و منه فعل الإِنسان ضروري التحقق عند اجتماع أجزاء علته التامة. و ما هو كذلك كيف يتسم بالاختيار. و إلى ذلك يشير قولهم: «الشيء ما لم يجب لم يوجد».

فهذه مِلاكات ثلاثة للذهاب إلى الجبر عند بعض الفلاسفة.

و بذلك يتضح أنَّ القول بالجبر ينقسم إلى أقسام تبعاً للقول بمِلاكات خاصة فينقسم إلى:

1ـ جبر إلهي مسند إلى علّة سماوية.

2ـ جبر مادي مسند إلى علل مادية.

3ـ جبر فلسفي مسند إلى علة نفسية و غيرها.

ولأجل ذلك يجب البحث عن كل قسم على حِدة.

الأمر الثالث: في الاختيار بألوانه

و من شقوق هذه المسألة القول بالاختيار و هو ينقسم حسب انطلاق القائلين به عن مواضع مختلفة، إلى أقسام:

1ـ الاختيار بمعنى التفويض، بمعنى أنه ليس للّه سبحانه أي صنع في فعل العبد، و أن ذات الإِنسان و إن كانت مخلوقة للّه سبحانه، ولكن لا يمت فعله إليه بصلة، فهو مستقل في فعله و في إيجاده و تأثيره، حفظاً لعدله سبحانه. فيكون الإِنسان في هذه النظرية خالقاً ثانياً في مجال أفعاله، كما أنه سبحانه خالق في سائر المجالات. و هذا مذهب «المعتزلة».


(258)

2ـ الاختيار بمعنى تكوُّن الإِنسان بلا لون و ماهية، و أَنَّه مذ يرى النور يوجد بلا خصوصية و لا نفسية خاصة، بل يكتسب الكل بإرادته و فعله، لأنه لو ظهر على صفحة الوجود مع الخصوصية المعينة لزم كونه مجبوراً في الحياة، و هذا هو منطق الوجوديين في الغرب.

و بذلك تقف على أنَّ المعتزلة تنطلق من مبدأ العدل، كما أنَّ الوجوديين ينطلقون من مبدأ تكون الإِنسان بلا لون و لا ماهية.

3ـ الاختيار بمعنى الأمر بين الأمرين لا على نحو الجبر و لا على نحو التفويض. و هذا هو موقف القرآن الكريم و أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ كما سيوافيك شرحه.

و بذلك تقف على أنَّ الجبر لا يختص بالإِلهي بل يعمه و المادي، كما أنَّ الاختيار مثله. فالإِلهي و المادي تجاه هذه المسألة متساويان و الاختلاف في ذلك ينطلق من الطرق التي يسلكها المستدل، فيلزم لتوضيح البحث إفراد كل واحد من هذه المناهج عن البقية حتى يكون الباحث على بصيرة.

الأمر الرابع: الجبر على مسرح التاريخ الإسلامي

الآيات القرآنية و المأثورات التاريخية تشهد بأن فكرة الجبر كانت موجودة قبل الإِسلام و قد ذكرنا بعض الآيات الدالّة على أنَّ المشركين كانوا معتقدين بذلك عند البحث عن القضاء و القَدَر.

و من المؤسف أن يكون الاعتقاد السائد بين بعض أهل الحديث هو القول بالجبر لعلل سياسية من السلطات الغاشمة، و احتكاكات ثقافية مشبوهة بين المستسلمين من الأحبار و الرهبان، و المسلمين. و قد وقفت على بعض النصوص في ذلك فيما مضى. و إليك ما له صلة بهذا المقام.

1ـ نقل القاضي عبدالجبار عن أبي علي الجبّائي في كتاب (فضل الاعتزال): «ثم حدث رأي المجبرة من معاوية لما استولى على الأمر،


(259)

و حدث من ملوك بني أمية مثل هذا القول. فهذا الأمر الذي هو الجبر نشأ في بني أمية و ملوكهم و ظهر في أهل الشام ثم بقي في العامّة و عظمت الفتنة فيه»(1).

2ـ و قال ابن المرتضى: «ثم حدث رأي المجبرة من معاوية و ملوك بني مروان فعظمت به الفتنة».(2)

3ـ و هذا معبد الجهني و هو أول من قال بنفي القدر بمعنى نفي الجبر و نشر هذه الفكرة، فقتله الحجّاج بن يوسف الثقفي الذي تولى إمارة العراق من قبل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عام 80. و قيل إنَّ الذي تولى قتله صلباً هو نفس عبدالملك بن مروان.(3)

4ـ و هذا غيلان الدمشقي أخذ القول بالاختيار عن مَعْبَد الجَهني، فنشر الفكرة في دمشق فكاد عمر بن عبدالعزيز أن يقتله لولا أن تراجع غيلان عن رأيه و أعلن توبته ولكنه عاد إِلى هذا الكلام أيام هشام بن عبدالملك فأمر هشام بصلبه على باب دمشق، بعد أن أمر بقطع يديه و رجليه، عام 25 (4).

5ـ قال ابن الخياط: إنَّ هشام بن عبدالملك لما بلغه قول غيلان بالاختيار، قال له: و يحك يا غيلان لقد أكثر الناس فيك، فنازعنا في أمرك، فإن كان حقاً اتَّبعناك. فاستدعى هشام، ميمون بن مروان ليكلمه فقال له غيلان: أشاء اللّه أن يعصى. فأجابه ميمون: أفعصي كارهاً؟ فسكت غيلان. فقطع هشام بن عبدالملك يديه و رجليه(5) .

6ـ و جاء في رواية ابن نباتة: إنَّ عمر بن عبد العزيز لما بلغه قول


1- فضل الاعتزال، ص 122.
2- البحر الزخار، لابن المرتضى، ج 1، ص 39، س 17.
3-الكامل لابن الأثير، ج 4، ص 456.
4- تاريخ الطبري ج 5، ص 516. و الكامل، ج 5، ص 363.
5- الانتظار لابن الخياط، ص 139.


(260)

غيلان بالاختيار استدعاه و قال له: ما تقول؟

قال: أقول ما قال اللّه.

قال: و ما قال اللّه؟

قال: إِنَّ اللّه يقول: (هل أتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً...)حتى انتهى إلى قوله سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّببيلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً).

قال له عمر بن عبدالعزيز: إِقرأ.

فلما بلغ إلى قوله سبحانه: (وَ مَا تَشاؤون إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّه إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)، قال: يا ابن الأتانة، تأخذ بالفرع و تدع الأصل!!(1).

فهذه النصوص التاريخية تفيد

أولا: إن السلطة الأموية من لدن عصر معاوية إلى آخر حكّامها كانت تروّج فكرة الجبر، و تسوس من يقول بالاختيار بسياسة الإِرهاب و القمع، و تنكل بهم أشدّ التنكيل. و الغاية من إشاعة هذه الفكرة معلومة فإنها تخلق لهم المبررات لتصرفاتهم الوحشية و انهماكهم في الملذات و الشهوات و استئثارهم بالفيء، إلى غير ذلك من جرائم الأعمال و مساوئها.

و ثانياً: إِنَّ معبد الجهني في العراق و تلميذه غيلان الدمشقي في الشام كانا يتبنيان فكرة الاختيار و نفي الجبر لا فكرة نفي القدر و القضاء الواردين في القرآن الكريم. و الشاهد على ذلك أنَّ معبد الجُهَني دخل على الحسن البصري و قال له: يا أبا سعيد إِنَّ هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين و يأخذون أموالهم و يقولون إنما تجري أعمالنا على قضاء اللّه و قدره. فقال له الحسن البصري: كذب أعداء اللّه. انتهى. و من المعلوم أنَّ الحسن البصري لم يكن ينكر ما جاء في الكتاب العزيز من أنَّ: (وَكل شَيء فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ * وَ كُلّ صَغِير وَ كَبير مُسْتَطَرٌ)(2). و غير ذلك من الآيات التي مضت


1- لاحظ الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة، ص 174.
2- سورة القمر، الآيتان 52 ـ 53.


(261)

في الفصل الرابع، و إنما ينكر أن يكون القضاء و القدر مبررين لطغيان الطُغاة و جرائم الطغمة الأثيمة من الحُكّام. فبالنتيجة كان معبد و أستاذه الحسن من دعاة القول بالاختيار لا من دعاة منكري القضاء و القدر. و لما كان الأُمويون، يرون أنَّ القول بالقضاء و القدر يساوق الجبر و سلب الاختيار، اتهموا القائلين به بنفي القضاء و القدر مع أنَّ بين القول بالاختيار و نفي القدر بوناً بعيداً.

و يشهد على ذلك أيضاً أنَّ غيلان يعرب عن عقيدته في محاجته مع عمر بن عبدالعزيز بالاستشهاد بقوله سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً)، فالرجل كان يتبنى الاختيار و يكافح الجبر، لا أنَّه كان ينكر ما ثبت في الكتاب و السنَّة الصحيحة. كما أنَّه في محاجته مع ميمون بن مروان أعرب عن عقيدته بقوله: «أشاءَ اللّه أن يعصى؟» قائلا بأنَّه ليس هناك مشيئة سالبة للاختيار جاعلة الإِنسان مجرد متفرّج في مسرح الحياة.

و أظن أنَّ اتهام الرجلين و من جاء بعدهما بالقدرية تارةً (نفي القضاء و القدر بالمعنى الصحيح) أو بالتفويض و أن الإِنسان في غنى عن اللّه تعالى في أفعاله، أُخرى، لم يكن في محله. فهؤلاء كانوا يكافحون فكرة الجبر لا نصوص الكتاب و السُّنَّة. و أما فكرة التفويض فإنما تمخضت و نضجت إثر إصرار الأمويين على الجبر، و اتخذته المعتزلة مذهباً في النصف الثاني من القرن الثاني، و إلاّ فالمتقدمون عليهم حتى مؤسس الاعتزال واصل بن عطاء مُبَرُّأون عن فكرة التفويض.

فالقول بالتفويض الذي هو صورة مشوهة للاختيار، إِنَّما تولد من إصرار الأُمويين و المتأثرين بهم من أهل الحديث على القول بالجبر من جهة، و إصرار هؤلاء الأقدمين على اختيار الإِنسان و حريته في مجال الحياة. و إلا فإنّه لم يكن من التفويض أثر في كلمات الأقدمين.

و من الأسف أنَّ القول بالجبر قد بقي بين المسلمين بصورة خاصة حتى في المنهج الذي ابتدعه إمام الأشاعرة، إلى العصور الحاضرة. و المنكر إنما ينكر بلسانه ولكنه موجود في المنهج الذي ينتسب إليه.


(262)

و قد كان اليهود القاطنون في شبه الجزيرة العربية خير معين على إشاعة هذه الفكرة، بل منهم انبعثت.

نعم هناك رجال من أهل السنَّة و الجماعة، متحررون عن عقيدة الجبر و في مقدمهم الشيخ محمد عبده فقد ردّ على من نسب الجبر إلى الكتاب العزيز أو المسلمين عامة و قال: «إن القول بالجبر قول طائفة ضئيلة إنقرضت و غلب على المسلمين مذهب التوسط بين الجبر و الإختيار و هو مذهب الجد و العمل»(1).

و لا يخفى ما في كلام الأستاذ من الملاحظة فإن الأكثرية الساحقة من أهل السنَّة على مذهب الإِمام الأشعري، و سيوافيك نصوصه على القول بالجبر، فكيف يمكن أن يقال إنَّ الجبر قول طائفة ضئيلة.

و على كل تقدير فقد أجاد في هذا البيان و أبان القول الحق، كما سيوافيك.

الأمر الخامس: رؤوس المجبرة و أقطابها في العصور الإِسلامية الأولى

1ـ الجهميَّة

إعتبر أصحاب الملل و النحل الطائفة الجهمية(2) أول طائفة قالت بالجبر، و وصفوها بالجبرية الخالصة، و كان جهم يخرج بأصحابه فيقفهم على المجذومين و يقول: «أُنظروا أرحم الراحمين يفعل مثل هذا!»، إنكاراً لرحمته. و كان يقول: «لا فِعْلَ و لا عَمَلَ لأحد غير اللّه، و إنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز»(3).


1- رسالة «هل نحن مسيرون أم مخيّرون»، ص 11.
2- نسبة إلى جهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم، الذي قتله خالد بن عبداللّه القسري سنة 124 هـ .
3- الفَرْقُ بين الفِرَقْ، ص 128.


(263)

و قال الأشعري في (مقالات الإِسلاميين): «تفرَد جهم بأمور منها: إنه لا فعل لأحد في الحقيقة إِلاَّ اللّه وحده، و إنَّ الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال تحركت الشجرة، و دار الفلك، و زالت الشمس»(1).

و عرفهم الشّهرستاني بأنهم يقولون: «إِنَّ الإِنسان لا يقدر على شيء، و لا يوصف بالاستطاعة و إنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له و لا استطاعة و لا إرادة و لا اختيار و إنما يخلق اللّه تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات و إذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً كان جبراً»(2).

2ـ النجاريّة

ويليهم في القول بالجبر الطائفة النجارية(3) فقالت: إنَّ أعمال العباد مخلوقة للّه و هم فاعلون و إنه لا يكون في ملك اللّه سبحانه إلاّ ما يريده و إنَّ الاستطاعة لا يجوز أن تتقدم على الفعل(4).

و عرفهم الشّهرستاني بأنهم يقولون إِنَّ الباري تعالى هو خالق أعمال العباد خيرها و شرها، حسنها وقبيحها، و العبد مكتسب لها، و يثبتون تأثيراً للقدرة الحادثة، ويسمّون ذلك كسباً(5).

ولأجل أنَّ النجارية أضافت نظرية الكسب إلى القول بأنَّ اللّه سبحانه خالق أفعال العباد، خرجت عن الجبرية الخالصة. و قد تبنّت هذه النظرية أيضاً الطوائف الأُخرى كما سيوافيك.


1- مقالات الإِسلاميين، ج 1، ص 312.
2- الملل و النحل، ج 1، ص 87.
3- هم أصحاب الحسين بن محمد بن عبداللّه النجار، و له مناظرات مع النظام، توفّي عام 230 هـ .
4- مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 283.
5- الملل و النحل، ج 1، ص 89.


(264)

3ـ الضِّراريّة

ويليهم في تبنّي الجبر، الطائفة الضِرارية(1) فقالت: إِنَّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى حقيقة و العبد مكتسبها. ووافقت المعتزلة بأنَّ الاستطاعة تحصل في العبد قبل الفعل(2).

و هذه الطائفة تسمى بالجبرية غير الخالصة أيضاً، لإِضافتها نظرية الكسب إلى أفعال العباد.

قال الشهرستاني: «الجَبْر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد و إضافته إلى الربّ تعالى فالجبرية أصناف: فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلا و لا قدرة على الفعل أصلا. و الجبرية المتوسطة هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا. و أمَّا من أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل، وسمى ذلك كسباً، فليس بجبري. و المصنفون في المقالات، عدّوا النجارية و الضِرارية من الجبرية»(3).

ولكن الحق أنَّ إضافة نظرية الكسب من النجّارية و الضِّرارية، و من الأشاعرة تبعاً لهم لا تسمن و لا تغني من جوع و لا تخرج القائل من القول بالجبر قدر شعرة، و إنما هو غطاء و تلبيس على القول بالجبر. و سيوافيك بحث الكسب بتفاسيره المختلفة من أئمة الأشاعرة. و يكفي في عد منهج الأشعري منهجاً جبرياً، ما ذكره في (الإِبانة) و (مقالات الإِسلاميين) عند بيان عقيدة أهل السنَّة التي هي عقيدته (بعد رجوعه عن الاعتزال و التحاقة بمنهج أهل الحديث)، يقول: «و أقروا بأنه لا خالق إلاَّ اللّه، و أنَّ سيئات العباد يخلقها اللّه، و أن أعمال العبد يخلقها اللّه عزوجل. و أنَّ العباد لا


1- هم أصحاب ضِرار بن عمرو. و قد ظهر في أيام واصل بن عطاء، و قد ألف قيس بن المعتمر كتاباً في الرد على ضرار سماه: «كتاب الرّد على ضِرار».
2- الملل و النحل، ج 1، ص 90 و 91. و مقالات الإسلاميين، ص 129.
3- الملل و النحل، ج 2، ص 85 و 86.


(265)

يقدرون أن يخلقوا منها شيئاً»(1).

فترى أنَّ هذه الجمل لا تفترق عمَّا ذكره الجهمية و الطائفتان الأُخريان، و سيوافيك نظرية الإِمام الأشعري بأدلتها و ملاحظاتها.


1- مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 321.


(266)


(267)

مناهج الجبْر

(1)
الجبر الأشعري

قد عرفت الطوائف القائلة بالجبر في العصور الإسلامية الأُولى، ولكنها انقرضت و لم يبق منها إلاَّ الفكرة السائدة بين جماعة من أهل السنَّة و هي نظرية الإِمام الأشعري، و هي عند الشهرستاني جبرية غير خالصة ولكنها عندنا لا تفترق عن الجبرية الخالصة.

إنَّ الاشاعرة و إن كانوا ينزهون أنفسهم عن كونهم مُجبِرة، لكن الأصول التي اعتقدوها و اتخذوها أداة للبحث، لا تنتج إلاَّ القول بالجبر، و إليك فيما يلي أصولهم و ما يستندون إليه في تفسير أفعال العباد.

الأصل الأول: أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه(1)

قد عرفت أنَّ من فروع التوحيد القول بأنَّه لا خالق إلاَّ اللّه سبحانه من غير فرق بين الذوات و أفعال العباد، و الآيات الواردة في القرآن الكريم


1- عنون أوائل الأشاعرة هذه المسألة باسم خلق الأعمال. ولكن المتأخرين منهم بحثوا عنها تحت عنوان أن اللّه قادر على كل المقدرات، أو أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه سبحانه و تعالى وحدها، لاحظ (شرح المواقف)، ج 8، ص 145.


(268)

مطلقة تعمّ الجميع. و إنَّما الاختلاف في تفسير هذا الأصل التوحيدي فالأشاعرة بما أنهم أنكروا وجود أي تأثير ظلّي لغيره سبحانه قالوا بوجود علّة واحدة قائمة مكان جميع العلل و الأسباب (المنتهية إلى اللّه سبحانه في منهج العليّة)، فلا تأثير لأي موجود سوى اللّه سبحانه، فهو الخالق والموجد لكل شيء، و قد عرفت كلام الإِمام الأشعري عند بيان معتقدات أهل السنَّة، اليك كلامه في (الإِبانة):

قال في الباب الثاني: «إِنَّه لا خالق إلاَّ اللّه و إِنَّ أعمال العبد مخلوقة للّه مقدرة كما قال: (و اللّه خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلونَ)(1). و إنَّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً و هم يخلقون، كما قال سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللّه)(2)»(3).

قال شارح المواقف: «إِنَّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه سبحانه وحدها و ليس لقدرتهم تأثير فيها، و اللّه سبحانه أجرى عادته بأنَّ يوجد في العبد قدرة و اختياراً. فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما، فيكون فعل العبد مخلوقاً للّه إبداعاً و إحداثاً، و مكسوباً للعبد و المراد بكسبه إيَّاه مقارنته لقدرته و إرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير و مدخل في وجوده سوى كونه محلاًّ له. و هذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري»(4).

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الأول: تفسير عموم قدرته تعالى لعامة الكائنات و منها أفعال البشر و أنَّه لا خالق إلا هو.

الثاني: تفسير حقيقة الكسب الذي تدرعت به الأشاعرة في مقابل العدلية.


1- سورة الصَّافات: الآية 96.
2- سورة فاطر: الآية 3.
3- الإبانة، ص 20.
4- شرح الموئاقف للسيد الشريف الجرجاني، ج 8، ص 146.


(269)

المقام الأول: في عموم القدرة

قد أوضحنا فيما مضى المراد من التّوحيد في الخالقية و قلنا: إنَّ المراد من أنَّه لا خالق إلاَّ هو ليس هو نفي التأثير عن العلل الطولية المنتهية إليه، كيف و قد نصّ القرآن الكريم على تأثير العلل الطبيعة في آثارها كراراً، فيكون معنى التوحيد في الخالقية: إنَّ الخالق الأصيل غير المعتمد على شيء هو اللّه سبحانه و إن قيام غيره بالخلق و الإِيجاد، بقدرته و مشيئته و لطفه و عنايته. فالكل مستمد في وجوده و فعله منه، لا غنى لهم عنه في حال من الحالات، (يا أيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إِلى اللّه وَ اللّه هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ)(1).

و نزيد هنا بياناً فلسفياً على إبطال النظرية التي تتبناها الأشاعرة.

الوجود حقيقة واحدة

إنَّ سلب وصف المؤثريّة و العليّة عن كل شيء حتى على نحو التبعية و الظلية، مضافاً إلى أنّه مخالف للحكم الفطري الذي يجده كل إنسان في نفسه حيث يعتقد بأنَّ للأشياء و للعقاقير و النباتات آثاراً، و لا معنى لخلقه سبحانه هذا الحكم الخاطئ و الباطل في نفوسنا، أقول ـ مضافاً إلى ذلك ـ إنَّ البرهان الفلسفي يرده بوضوح، و ذلك أنَّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة في جميع مراتبها، من الواجب إلى الممكن، فالجميع يشترك في حقيقة واحدة نعبر عنها بـ «طرد العدم». و لأجل تلك الوحدة نطلق الوجود على الجميع بمعنى واحد، و لو كانت حقيقته في الواجب مباينة لحقيقته في الممكن لوجب أن يكون لفظ الوجود مشتركاً لفظياً بينهما، و أن يطلق على الواجب بملاك آخر.

فإذا كانت حقيقة الوجود بين عامة المراتب حقيقة واحدة، فإذا ثبت التأثير لمرتبة عليا منه، يجب أن يكون ثابتاً للمراتب الدنيا أيضاً لكن حسب ما يناسب شأنها، فإنَّ حقيقة الوجود ـ حسب الفرض ـ موجودة في جميع


1- سورة فاطر: الآية 15.


(270)

المراتب فإذا كانت مؤثرة في مرتبة كالواجب، يجب أن تكون مؤثرة في غيرها أخذاً بوحدة الحقيقة السائدة على المراتب.

نعم يمكن أن يقال إنَّ التأثير من آثار شدة الوجود وقوته، فلا يصح تعميم أثر مرتبة إلى أخرى. ولكنه ليس بكلام تام، لأن الشدة ليست شيئاً زائداً على نفس الحقيقة بل الشدة شدة الحقيقة و تأكدها، فإذا كانت الشدّة من سنخ الوجود و الحقيقة، يقتضي ذلك أن يكون الأثر لحقيقة الوجود، غاية الأمر كما تختلف المراتب من حيث الشدّة و الضعف، تختلف آثارها كذلك أيضاً. فالحقيقة في جميع المراتب واحدة تختلف بالشدّة و الضعف، و الأثر المترتب على الحقيقة واحد لكنه يختلف بالشدّة و الضعف أيضاً.

ولأجل ذلك نرى أنَّه سبحانه يحكي سريان العلم إلى جميع الموجودات حتى الجمادات بقوله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ وَ الاَْرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّح بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لاَ تفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً)(1).

فاللّه سبحانه عالم، كما أنَّ غيره عالم، ولكن يختلف الأثر باختلاف الموضوع. و بذلك يظهر أنَّ القول بحصر الخالقية باللّه سبحانه و نفيها عن غيره بتاتاً، حتى بنحو المعنى الحرفي، يخالف الآيات القرآنية أولا، و الفطرة الإِنسانية ثانياً، و البرهان الفلسفي ثالثاً. غير أنَّ إكمال البحث يتوقف على تحليل ما اعتمد عليه الأشعري من البرهان العقلي في هذا المقام.

الأدلة العقلية على خلق الأعمال

إنَّ الشيخ الأشعري و تلاميذ منهجه أقاموا حججاً و أدلة، بل شبهات و تشكيكات على خلق الأعمال، و أنَّ أعمال العباد مخلوقة للّه سبحانه


1- سورة الإسراء: الآية 44.


(271)

مباشرة، و ليس لقدرة العبد فيها دور. و لأجل إيقاف الباحث على مدى وهن هذه الحجج نأتي ببعضها منهم.

الدليل الأول: إنَّ المؤمن ليس موجداً لإِيمانه كما أنَّ الكافر ليس موجداً لكفره، لأن الكافر يقصد الكفر بما أنه أمر حسن، ولكنه في الحقيقة قبيح، كما أنَّ المؤمن يقصد الإِيمان بما أنه غير متعب و هو ليس كذلك. فينتج أنَّه إذا لم يكن المحدث للإِيمان و الكفر بما لهما من الخصوصيات، شخص المؤمن و الكافر، يكون المحدث هو اللّه سبحانه(1).

يلاحظ عليه: أولا: بالنقض بأنه لو صحّ هذا الدليل لوجب القول بأنَّ شارب الماء الذي يتخيّل أنَّه خمر، لم يشرب ماءً و لم يصدر منه عمل و لا فعل لأنَّهُ قصد شرب الخمر و كان الواقع شرب الماء، فَما وَقَعَ لَمْ يُقْصَدْ و ما قُصِدَ لَمْ يَقَعْ.

و ثانياً: إنَّ ما ذكره خلط بين الصفات الواقعية الحقيقية و الصفات الانتزاعية. فالأولى كالحرارة و البرودة تحتاج إلى محدث كما يحتاج موصوفها إليه كذلك. و أمَّا الثانية كالصِّغَر و الكِبَر المنتزعين من مقايسة شيء إلى شيء، لأن هذه الأوصاف من مصنوعات الذهن ومخترعاته، فالجسم الذي هو بقدر ذراع أكبر من الجسم الذي على نصفه، و الفاعل يوجد ذات الجسمين لا وصفهما و إنما ينتقل الإِنسان إليهما عند المقايسة، و على ضوء ذلك فالموجد للإِيمان إنما يوجد نفس الإِيمان و الموجد للكفر يوجد ذات الكفر، و أمَّا كون الأول مؤلماً متعباً، و الثاني قبيحاً فلا يحتاج إلى فاعل سوى الموجد الذي أوجد ذات الإيمان أو الكفر. فإن الوصفين أعني كون الإِيمان متعباً و كون الكفر قبيحاً إنما يحصلان عند المقايسة، فالإِيمان بما أنَّه يجعل الإِنسان مسؤولا أمام اللّه أولا، و أمام الناس ثانياً، يستتبع الإِتعاب. و الكفر بما أنَّه على خلاف


1- اللمع، ص 71 ـ 72. و عبارة اللمع غير خالية عن البسط المملّ و التعقيد المخل، و ما ذكرناه ملخّص مراده.


(272)

الفطرة و الحقيقة، فإذا قيس إليهما يتصف بالقبح، فالإِتعاب و القبح لا يحتاجان إلى فاعل سوى موجد الإِيمان و الكفر.

و العجب أنَّ الأشعري يعترف بالحسن و القبح العقليين هنا مع أنَّ منهجه فيهما غير ذلك كما وقفت عليه في محله.

الدليل الثاني: لا شك أنَّ الحركة الاضطرارية مخلوقة للّه سبحانه. و ما هو المِلاك لإِسنادها إلى اللّه، هو المِلاك في حركة الاكتساب (الحركة الاختيارية). فما دلّ على أنَّ حركة الاضطرار مخلوقة للّه تعالى، يجب به القضاء على أنَّ حركة الاكتساب مخلوقة للّه تعالى، و ذلك لوحدة ملاكهما، و هو الحدوث(1).

يلاحظ عليه: إنَّ اشتراكهما في الملاك لا ينتج إلاَّ أنَّ للحركة الاكتسابية أيضاً محدِثاً، و أمَّا وحدة محدثيهما و أن محدِث الأولى هو نفس محدِث الثانية، فلا يدل عليه البرهان، لأن نسبة الحركة الاضطرارية إلى اللّه سبحانه، وسلبها عن الإنسان لأجل خروجها عن اختياره وإرادته فتنسب إلى الله سبحانه و أمَّا الحركة الاكتسابية فهي واقعة في إطار اختيار الإِنسان و إِرادته فلا وجه لمقايسة إحداهما بالأخرى.

نعم، لو قال أحد بمقالة الأشعري، و أنَّ القدرة الحادثة في العبد غير مؤثرة في وجود الفعل، كان له أن يسند الحركتين إلى اللّه سبحانه. ولكنه أوَّلَ الكلام و الاستناد إلى ذلك الأصل أشبه بكون المدعى نفس الدليل.

ثم إِنَّ المتأخرين من الأشاعرة، كالرازي في (مُحَصّله)، و الإيجي في (مواقفه)، و التفتازاني في (شرح مقاصده)، و القوشجي في (شرحه على التجريد)، بحثوا عن المسألة (خلق الأعمال) تحت عنوان عموم قدرته سبحانه لكل شيء و أن كل موجود واقع بقدرته، و لأجل إكمال البحث نأتي ببعض ما ذكروه من الأدلة.


1- اللمع، ص 74 ـ 75، و الدليل منقول بالمعنى.


(273)

الدليل الثالث: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه، لكان عالماً بتفصيل أفعاله و هذا معنى قوله سبحانه: (ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)(1). و بما أنَّ الإِنسان غير عالم بتفاصيل أفعاله بشهادة أنا نقصد الحركة من المبدأ إلى المنتهى، و لا نقصد جزئيات تلك الحركة، وجب القطع بأنَّ العبد غير موجد لها(2).

يلاحظ عليه: إنَّ الفاعل لو كان قاصداً للفعل بالتفصيل، يوجده به، و لو كان قاصداً بالإِجمال يوجده كذلك، فصانع شربة كيميائية من عدة عناصر مختلفة يقصد إدخال كل عنصر فيها على وجه التفصيل، فيلزمه العلم بها تفصيلا، و القائم بالأكل و التكلم يقصد أصل الفعل على وجه التفصيل، ويقصد مضغ كل حبة أو التكلم بكل حرف و كلمة إجمالا، فيلزمه العلم بهما على وجه الإِجمال.

الدليل الرابع: لو كانت قدرة العبد صالحة للإِيجاد، فلو اختلفت القدرتان في المتعلق، مثل ما إذا أراد تعالى تسكين جسم و أراد العبد تحريكه، فإما أن يقع المرادان، و هو محال. أو لا يقع واحد منهما و هو أيضاً محال، لاستلزامه ارتفاع النقيضين. أو يقع أحدهما دون الآخر و هو أيضاً محال، لأن وقوع أحدهما ليس أولى من وقوع الآخر لأن اللّه تعالى و إن كان قادراً على ما لا نهاية له و العبد ليس كذلك إلاَّ أنَّ ذلك لا يوجب التفاوت بين قدرة اللّه و قدرة العبد(3).

يلاحظ عليه: إننا نختار الشقّ الآخر أي وقوع مراد اللّه دون مراد العبد لأنّ قدرة اللّه في الصورة المفروضة، قدرة فعلية تامة في التأثير و قدرة العبد قدرة ممنوعة، و من شرائط القدرة الفعلية أن لا تكون ممنوعة من ناحية قدرة بالغة كاملة. فتعلق قدرته سبحانه و إرادته على الحركة تكون مانعة


1- سورة الملك: الآية 14.
2- الأربعون للرازي، ص 231 ـ 232. و شرح التجريد للقوشجي، ص 447.
3- الأربعون للرازي، ص 232.


(274)

عن وصول قدرة العبد إلى درجة التأثير و الإِيجاد، فإحداهما مطلقةو الأخرى مشروطة.

الدليل الخامس: إنَّ نسبة ذاته إلى جميع الممكنات على السوية فيلزم أن يكون تعالى قادراً على جميع الممكنات و على جميع مقدورات العباد.

و على هذا ففعل العبد إمَّا أن يقع بمجموع القدرتين، أعني قدرة اللّه و قدرة العبد، و إمَّا أن لا يقع بواحدة منهما، و إمَّا أن يقع بأحدى القدرتين دون الأُخرى و الأقسام الثلاثة باطلة، فوجب أن لا يكون العبد قادراً على الإِيجاد و التكوين(1).

يلاحظ عليه: إنَّ لعموم قدرته سبحانه تفسيرين:

1ـ أن يتحقق كل شيء بقدرته سبحانه مباشرة، و بلا واسطة كما هو الحال في الصادر الأول في جميع المذاهب.

2ـ أن يتحقق بقدرة مفاضة منه إلى العبد، فيقوم العبد بإيجاده بحول و قوّة منه سبحانه، فالفعل مقدور للعبد بلا واسطة و مقدور للّه سبحانه عن طريق القدرة التي تفضل بها عليه و أقدر عبده بها على الفعل. فيكون الفعل فعل اللّه من جهة و فعل العبد من جهة أُخرى.

و بعبارة أخرى إنَّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه فالجليل و الحقير و الثقيل و الخفيف عنده سواسية، لكن ليس معنى الاستواء قيامه بكل شيء مباشرة و خلع التأثير عن العلل و الأسباب، بل هو سبحانه يظهر قدرته و سلطانه عن طريق خلق الأسباب و بعث العلل نحو المسببات و المعاليل فالكل مخلوق له، و مظاهر قدرته و حوله.

فالأشاعرة خلعوا الأسباب و العلل و هي جنود اللّه سبحانه، عن مقام التأثير و الإِيجاد. كما أنَّ المفوضة عزلت سلطانه عن ملكه و جعلت بعضاً منه


1- الأربعون للرازي، ص 232.


(275)

في سلطان غيره. و الحق الذي عليه البرهان و يصدقه الكتاب كون الفعل موجوداً بقدرتين لكن لا بقدرتين متساويتين و لا بمعنى علتين تامتين بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأولى و شؤونها و جنودها; (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ)(1). وقد جرت سنة اللّه تعالى على خلق الأشياء بأسبابها فجعل لكل شيء سبباً، و للسبب سبباً إلى أن ينتهي إلى اللّه سبحانه، و المجموع من الأسباب الطولية علة واحدة تامة كافية لإِيجاد الفعل و نكتفي في المقام بكلمة عن الإِمام الصَّادق ـ عليه السَّلام ـ :

قال: «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلاَّ بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً و جعل لكلِ سبب شرحاً»(2)

ثم إنَّ للقوم من المعتزلة و الأشاعرة أقوالا لا توافق الأصول الفلسفية و لا الكتاب العزيز، نذكرها في ملحق خاص آخر الكتاب خشية أن يطول المقام(3).

إلى هنا تم الكلام في المقام الأول و هو تفسير عموم قدرته تعالى و كون أفعال العباد مخلوقة له سبحانه.

***

المقام الثاني: في حقيقة الكسب

إنَّ القول بخلق الأفعال لما كان مستلزماً للجبر حاول الأشعري معالجته بإضافة الكسب إلى الخلق، قائلا بأنَّ اللّه هو الخالق و العبد هو الكاسب، و مِلاك الطاعة و العصيان هو «الكسب»، دون «الخلق». فكل فعل صادر عن كل إنسان مريد يشتمل على جهتين: «الخلق» و «الكسب». فالخلق منه سبحانه و الكسب من الإِنسان. و قد عرفت أنَّ نظرية الكسب التي تدرع بها الأشاعرة أخذتها عن النجارية و الضِرارية، فقد سبقتاها في تبني هذه


1- سورة المدثّر: الآية 31.
2- الكافي: ج 1، ص باب معرفة الإِمام، الحديث 7، ص 183.
3- لاحظ الملحق الأول في آخر الكتاب.


(276)

النظرية حتى تخرج عن الجبرية الخالصة التي تتبناها الجهمية. و الحافز لإِضافة هذا الأمر ليس إلاَّ الخروج عن مضيق الجبر إلى فسيح الاختيار لكن مع الالتزام بالأصل الثابت عندهم أعني كونه سبحانه خالقاً «لكل شيء مباشرة و بلا واسطة». و المهم هو الوقوف على حقيقة هذه النظرية، فقد اضطربت عبارات القوم في تفسيرها إلى حدّ صارت من الألغاز حتى قال الشاعر فيها:

مما يُقَال وَ لا حقيقَة عِنْدَهُ * معقولة تدنو إلى الأفهام
الكَسْبُ عند الأشعرىّ، و الحَالُ * عند البَهْشَمِي، و طَفْرَةُ النَّظَّام(1)

وها نحن نأتي فيما يلي بنصوصهم في المقام:

أ ـ الكسب: وقوع الشيء من المكتسب له بقوة مُحْدَثة

إنَّ جماعة من الأشاعرة فسّروا الكسب بتأثير قدرة العبد المحدثة في الفعل و يظهر هذا التفسير من عدة:

منهم: الشيخ الأشعري حيث يقول عند إبداء الفرق بين الحركة الاضطرارية و الحركة الاكتسابية: «كما كانت القدرة موجودة في الحركة الثانية وجب أن يكون كسباً، لأن حقيقة الكسب هو أنَّ الشيء وقع من المكتسب له بقُوة مُحْدَثَة»(2).

و منهم: المحقق التفتازاني حيث يقول في شرح (العقائد النَّسَفيّة):

«فإن قيل: لا معنى لكون العبد فاعلا بالاختيار إِلاَّ كونه موجداً لأفعاله بالقصد و الإِرادة، و قد سبق أنَّ اللّه تعالى مستقل بخلق الأفعال و إيجادها، و معلوم أنَّ المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين.


1- القضاء و القدر لعبد الكريم الخطيب المصري، ص 185.
2- اللمع، ص 76، و لا يخفى أن ما نسبه إليه صاحب (شرح المواقف) في المقام و إن كان أوفق بمنهج الأشعري لكنه ينافي ما ذكره الشيخ في (اللمع). و قد ذكرنا كلام الشارح في صدر البحث فلاحظ.


(277)

قلنا: لا كلام في قوة هذا الكلام و متانته، إلاَّ أنه لما ثبت (من جانب) بالبرهان أنَّ الخالق هو اللّه تعالى و ثبت (من جانب آخر) بالضرورة أنَّ لقدرة العبد و إرادته مدخلا في بعض الأفعال كحركة اليد دون البعض كحركة الارتعاش، إحتجنا في التفصي عن هذا المضيق إلى القول بأنَّ اللّه تعالى خالق و العبد كاسب»(1).

يلاحظ عليه: إنَّه بعد لم يخرج عن هذا المضيق بل قال بأصلين متعارضين، فإذا ثبت بالبرهان أنَّه لا خالق إلاَّ هو تعالى، و فسّرت خالقيته العامة بكونه فاعلا مباشراً لكل فعل، لم يبق لتأثير قدرة العبد مجال. فالقول بالأصلين جمع بين المتعارضين.

و بعبارة ثانية، إنَّ الخلق بتمام معنى الكلمة، إذا كان راجعاً إليه و لا تصح نسبته إلى غيره كيف يكون للقوة المحدثة في العبد تأثير، فلو كان لها تأثير يكون الفعل مخلوقاً للعبد أيضاً لا للّه وحده.

و باختصار، لو كانت القدرتان في عرض واحد، فإنه يستلزم اجتماع القدرتين على مقدور واحد. و لو كانت قدرة العبد في طول قدرة اللّه سبحانه، يلزم كون الفعل مخلوقاً للعبد أيضاً، و هم يفرون من نسبة الخلق و الإِيجاد إلى غير اللّه سبحانه.

و منهم: القاضي الباقلاني فقال: «قد قام الدليل على أنَّ القدرة الحادثة لا تصلح للإِيجاد، لكن ليست الأفعال أو وجوهها و اعتباراتها تقتصر على جهة الحدوث فقط، بل ها هنا وجوه أُخر هي وراء الحدوث». ثم ذكر عدّة من الجهات و الاعتبارات، و قال: «إنَّ الإِنسان يفرّق فرقاً ضرورياً بين قولنا: «أوجد»، وقولنا: «صلى» و «صام» و «قعد» و «قام». و كما لا يجوز أن تضاف إلى الباري تعالى جهة ما يضاف إلى العبد فكذلك لا يجوز أن تضاف إلى العبد جهة ما يضاف إلى الباري تعالى، فإذا جاز لكم إثبات


1- شرح العقائد، النسفية، ص 115.


(278)

صفتين هما حالتان، جاز لي إثبات حالة هي متعلق القدرة الحادثة، و من قال هي حالة مجهولة، فبيّنا بقدر الإِمكان جهتها، و عرّفنا، أىّ شيء هي، و مثّلناها كيف هي»(1).

و حاصل كلامه: إنَّ للقدرة الحادثة تأثيراً في حدوث العناوين و الخصوصيات التي هي مِلاك الثواب و العقاب، و هذه العناوين وليدة قدرة العبد. مثلا: وجود الفعل مخلوق للّه سبحانه لكن تعنونه بعنوان الصوم و الصلاة و الأكل و الشرب راجع إلى العبد و القدرة الحادثة فيه.

يلاحظ عليه: إنَّ هذه العناوين و الجهات لا تخلو من صورتين: إمَّا أن تكون من الأمور الوجودية فعندئذ تكون مخلوقة للّه سبحانه حسب الأصل المسلم.

و إمَّا أن تكون من الأمور العدمية، فعندئذ لا يكون للكسب واقعية خارجية بل يكون أمراً ذهنياً غنياً عن الإِيجاد و القدرة، فكيف تؤثر القدرة فيه، و كيف يكون مِلاكاً للثواب و العِقاب.

و باختصار: إِنَّ واقعية الكسب إمَّا واقعية خارجية متحققة، فحينئذ يكون (الكسب) مخلوقاً للّه تعالى تعالى و لا يكون للعبد نصيب في الفعل، أو لا تكون له تلك الواقعية بل يكون أمراً وهمياً و ذهنياً فحينئذ لا يكون العبد مصدراً لشيء حتى يُثاب أو يُعاقَب.

ب ـ الكسب: إيجاده سبحانه الفعل مقارناً لإِرادة العبد و قدرته

يظهر من بعض أئمة الأشاعرة أنَّ المراد من الكسب هو قيامه سبحانه بإِيجاد الفعل مقارناً لإِرادة العبد و قدرته من دون أن يكون لقدرة العبد تأثير.

و هذا يظهر من جماعة:

منهم: الغزالي و هو من مشاهير الأشاعرة في أواخر القرن الخامس


1- الملل و النحل، ج 1، ص 97 ـ 98 .


(279)

و أوائل السادس قال في (الاقتصاد) ما هذا حاصله: «إنما الحق إِثبات القدرتين، على فعل واحد، و القول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلاَّ استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، و هذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما فتوارد القدرتين المتعلقتين على شيء واحد غير محال».

ثم حاول بيان تغاير الجهتين، فلاحظ (1).

و منهم: الفاضل القوشجي حيث قال: «و المراد بكسبه إياه، مقارنته لقدرته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له»(2).

يلاحظ عليهما: إنَّ دور العبد في أفعاله على هذا التقرير ليس إلاَّ دور المقارنة، فعند حدوث القدرة و الإِرادة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل، و من المعلوم أنَّ تحقق الفعل من اللّه مقارناً لقدرته، لا يصحح نسبة الفعل إلى العبد، معه كيف يتحمل مسؤوليته إذ لم يكن لقدرة العبد تأثير في وقوعه، و عندئذ تكون الحركة الاختيارية كالحركة الجبرية.

و الحق أنّ الأشاعرة مع أنهم مالوا يميناً و شمالا في توضيح الكسب لم يأتوا بعبارة واضحة مقنِعَة. و لأجل ذلك نرى أنَّ التفتازاني يعترف بقصور العبارات عن تفهيم المراد حيث يقول: «إن صرف العبد قدرته و إرادته إلى الفعل كسبٌ، و إيجاد اللّه تعالى عقيب ذلك خلقٌ، و المقدور الواحد داخل تحت قدرتين لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور للّه بجهة الإِيجاد و مقدور للعبد بجهة الكسب، و هذا القدر من المعنى ضروري، و إن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّه تعالى و إيجاده مع ما فيه للعبد من القدرة و الاختيار(3).


1- الاقتصاد في الاعتقاد، ص 47، طبعة البابي الحلبي بمصر.
2- شرح التجريد ، ص 445.
3- شرح العقائد النسفية، ص 117.


(280)

يلاحظ عليه أمران:

1ـ إنَّ مراده من الصرف هو توجه قدرة العبد إلى الفعل، فمجرد توجهها إلى الفعل و إن لم يكن دخيلا في وجود الفعل، كسب. و من المعلوم أنَّ صرف التوجه لا يعدو عن نية الفعل فكما أنَّها لا تؤثر في المسؤولية إذا نوى هو وقام الآخر به، فهكذا في المقام.

2ـ إنَّ الشيخ التفتازاني يعترف بعجزه عن تفسير الكسب.

و هناك كلام متين للقاضي عبد الجبار نأتي بنصه قال: «إنَّ فساد المذهب يعلم بأحد طريقين:

أحدهما: أن يتبين فساده بالدليل.

الثاني: أن يتبين أنَّه غير معقول في نفسه.

و المقام (الكسب) من قبيل الثاني فإذا تبين أنَّه غير معقول في نفسه كفيت نفسك مؤونة الكلام عليه، لأن الكلام على ما لا يعقل لا يمكن. و الذي يبين لك صحة ما نقوله أنَّه لو كان معقولا لكان يجب أن يعقله مخالف المُجبرة في ذلك من الزيدية و المعتزلة و الخوارج و الإِمامية، فإن دواعيهم متوفرة و حرصهم شديد في البحث عن هذا المعنى. فلما لم يوجد في واحد من هذه الطوائف على اختلاف مذاهبهم، و تنائي ديارهم، و تباعد أوطانهم، و طول مجادلتهم في هذه المسألة من ادعى أنه عقل هذا المعنى أو ظنه أو توهمه، دل على أنَّ ذلك مما لا يمكن اعتقاده و الإِخبار عنه البتَّة. و مما يدل على أنَّ الكسب غير معقول هو أنَّه لو كان معقولا لوجب ـ كما عقله أهل اللغة و عبروا عنه ـ أن يعقله غيرهم من أهل اللغات و أن يضعوا له عبارة تنبي عن معناه. فلما لم يوجد شيء من اللغات ما يفيد هذه الفائدة دل على أنه غير معقول»(1).


1- شرح الأصول الخمسة للقاضي عبدالجبار، ص 364 ـ 366.


(281)

إنكار الكسب من محققي الأشاعرة

الأشاعرة و إن أصرّوا على نظرية الكسب إلاَّ أنَّ هناك رجالا منهم أدركوا جفاف النظرية و مضاعفاتها السيئة، فنقضوا ما أبرموه و أجهروا بالحقيقة. و نخص بالذكر منهم رجالا ثلاثة:

الأول: إمام الحرمين أبو المعالي الجُوَيْني (ت 478 هـ)، فقد صرّح بتأثير قدرة العباد في أفعالهم، و أنَّ قدرتهم تنتهي إلى قدرة اللّه سبحانه، و أنَّ عالم الكون مجموعة من الأسباب و المسببات، و كل سبب يستمد من سببه المقدم عليه، و في الوقت نفسه يستمد ذاك السبب من آخر، إلى أن يصل ألى اللّه سبحانه و هو الخالق للأسباب و مسبباتها المستغني على الإطلاق»(1).

الثاني: الشيخ الشعراني (ت973 هـ) و هو من أقطاب الحديث و الكلام في القرن العاشر فقد وافق إمام الحرمين في هذا المجال، و قال من زعم أنه لا عمل للعبد فقد عاند، فإن القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر فوجودها و عدمها سواء.

و من زعم أنه مستبد بالعمل فقد أشرك، فلابد أنه مضطر على الاختيار(2).

الثالث: الشيخ محمد عبده (ت 1323 هـ) فقد خالف الرأي العام عند الأشاعرة و صرّح بتأثير قدرة العبد في فعله و لم يبال في ذلك باعتراض رجال الأزهر الذين كانوا يُكَفّرون من قال بالعلّة الطبيعية أو بمطلق العلّة غيره سبحانه و يرددون في ألسنتهم قول القائل:

و من يَقُلْ بالطَّبْعِ أو بالعِلَّة * فذاك كُفْرٌ عند أهل المِلّة


1- لاحظ نص كلامه في الملل و النحل، ج 1، ص 98 ـ 99 و هو بشكل أدق خيرة الحكماء و الإمامية جمعاء.
2- اليواقيت و الجواهر في بيان عقيدة الأكابر، للشعراني، ص 139 ـ 141.


(282)

قال الإِمام عبده في كلام طويل: منهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله و استقلاله المطلق و هو غرور ظاهر(1).

و منهم من قال بالجبر و صرّح به و منهم من قال به و تبرأ من اسمه(2) و هو هدم للشريعة و محو للتكاليف و إبطال لحكم العقل البديهي، و هو عماد الإِيمان.

دعوى أنَّ الاعتقاد بكسب العبد لأفعاله(3) يؤدي إلى الإِشراك باللّه ـ و هو الظلم العظيم ـ دعوى من لم يلتفت إلى معنى الإِشراك على ما جاء به الكتاب و السنَّة. فالإِشراك اعتقاد أنَّ لغير اللّه أثراً فوق ما وهبه اللّه من الأسباب الظاهرة، و أنَّ لشيء من الأشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين...»(4).

و قد وقف مفتي الديار المصرية على هذا النوع من التفكير عن طريق اطّلاعه على نهج البلاغة للإِمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ و اتّصاله بالسيد المجاهد جمال الدين الأسد آبادي، فقد كان لهما الأثر البالغ في بناء شخصيته الفكرية و الفلسفية و الاجتماعية و السياسية.

بقيت هنا آراء غير قيّمة لبعض الأشاعرة في تفسير الكسب لا يهمنا ذكرها(5).


1- يريد المعتزلة.
2- يريد الأشاعرة.
3- يريد من الكسب، الإِيجاد و الخلق لا الكسب المصطلح عند الأشاعرة كما هو واضح لمن لاحظ كلامه.
4- رسالة التوحيد، ص 59 ـ 62.
5- راجع في الوقوف عليها، «أبحاث في الملل و النحل» الجزء الثاني، ص 140 ـ 158.


(283)

القرآن و خلق الأعمال

قد عرفت الأدلة العقلية التي أقامتها الأشاعرة على مسألة خلق أعمال العباد بقدرة العباد وحدها، ولكن للقوم أدلة سمعية نشير إلى بعضها. فقد استدل الشيخ الأشعري عليها في كتاب (الإِبانة) بآيتين:

الآية الأُولى: قوله سبحانه: (أَتَعْبُدُون ما تَنْحِتُون و اللّه خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ)(1).

يلاحظ على الاستدلال أمران:

أ ـ إِنَّ الاستدلال مبني على كون «ما» في كلامه سبحانه، مصدرية و إنَّ معنى الآية: «و اللّه خَلَقَكُمْ وَ عَمَلَكُمْ». ولكن الظاهر أن «ما» موصولة بقرينة قوله (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحتُونَ)، و المراد من الموصول هنا الأصنام و الأوثان، و وحدة السياق تقتضي كون «ما» في الآية الثانية موصولة أيضاً، فيكون معنى الآية: «أتعبدون الأصنام التي تنحتونها و اللّه خلقكم أيها العبدة و الأصنام التي تعملونها». و تتم الحجة على المشركين بأنهم و معبوداتهم مخلوقات اللّه سبحانه، فلا وجه لترك عبادة الخالق و عبادة المخلوق.

و أمَّا إذا قلنا بكون «ما» مصدرية، فتفقد الآية الثانية صلتها بالأُولى و يكون مفاد الآيتين: «أتعبدون الأصنام التي تنحتونها و اللّه خلقكم أيها العبدة و خلق أعمالكم و أفعالكم»، و الحال أنَّه ليس لعملهم صلة بعبادة ما ينحتونه.

ب ـ إنَّه لو كانت «ما» مصدرية لتمت الحجة على غير صالح الخليل و لانقلبت عليه، إذ عندئذ ينفتح لهم باب العذر بحجة أنَّه لو كان اللّه سبحانه هو الخالق لأعمالنا فلماذا توبخنا و تنددنا بعبادتنا إيَّاهم.

الآية الثانية: قوله سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللّه يَرْزُقُكُمْ مِنَ


1- سورة الصافات: الآيتان 95 ـ 96.


(284)

السَّماءِ و الأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)(1).

يلاحظ عليه: إنَّ الآيات الدّالة على حصر الخالقية باللّه سبحانه كثيرة في القرآن الكريم(2).

لكن المهم هو الوقوف على ما تهدف إليه الآيات فإنّ لهذا القسم منها احتمالين لا يتعين أي منهما إلاّ باعتضاده بالآيات الأُخر، و دونك الاحتمالين:

أ ـ حصر الخلق و الإِيجاد على وجه الإِطلاق باللّه سبحانه و نفيه عن غيره بتاتاً على وجه الإِستقلال و التبعية و هذا ما تتبناه الأشاعرة.

و يَرُدّه ما مضى من الآيات الكثيرة الدَّالة على أنَّ للعلل الطبيعية دوراً في عالم الوجود بإذن اللّه سبحانه(3).

ب ـ إنَّ الخالقية المستقلة النابعة من الذات غير المعتمدة على شيء منحصرة باللّه سبحانه، ولكن غيره يقوم بأمر الخلق و الإِيجاد بمشيئته وإرادته، والكل جنود للّه سبحانه. و يدل على هذه النظرية الآيات التي تثبت للموجودات تأثيراً و للإنسان دوراً في أفعاله.

و نزيد هنا بياناً مضافاً إلى ما مرّ في التوحيد في الخالقية: إنَّ الآيات الواردة حول أفعال الإِنسان على قسمين: قسم يعد الإِنسان عاملا فاعلا لأفعاله، و قسم ينسب قسماً من الأفعال إلى الإِنسان. فمن القسم الأول قوله سبحانه: (وَ قُلِ اعمَلُوا فَسَيَرى اللّه عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ المُؤْمِنُونَ)(4).

و قوله سبحانه: (أطيعوا اللّه وَ أطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)(5).

و قوله سبحانه: (و أنْ لَيْس للإِنسانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ


1- سورة فاطر: الآية 3.
2- لاحظ الأنعام: الآيتان 101 و 102. و الحشر: الآية 24. و الأعراف: الآية 54.
3- لاحظ بحث التَّوحيد في الخالقية المتقدم.
4- سورة التوبة: الآية 105.
5- سورة محمد: الآية 33.


(285)

يُرى)(1).

و أمَّا القسم الثاني: فحدّث عنه و لا حرج، فقد نسب في الذكر الحكيم كثيراً من الأفعال إلى الإِنسان كالجهاد، و الإِنفاق، و الإِحسان، و السرقة، و التطفيف، و الكذب و غير ذلك من صالح الأعمال ورديها.

فعل واحد ينسب إلى اللّه و إلى العبد معاً

هناك قسم ثالث من الآيات ينسب الفعل الواحد إلى نفسه سبحانه، و إلى عبده في ضمن آيتين أو آية واحدة.

1ـ يقول سبحانه: (إنَّ اللّه هُو الرَّزاقُ ذو القُوَّةِ المَتِينُ)(2).

فيخصّ الرَّازقية بنفسه بشهادة تقدم الضمير المنفصل «هو». و في الوقت نفسه يأمر الإِنسان بالقيام بالرزق بالنسبة إلى من تحت يده و يقول: (و لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ التي جَعَلَ اللّه لَكُمْ قِياماً وارْزُقُوهمْ فيها واكْسُوهُمْ و قُولُوا لَهُمْ قَولا مَعْرُوفاً)(3).

2ـ يقول سبحانه: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَارِعُونَ)(4). فيخص الزارعية بنفسه و ذلك معلوم من سياق الآيات. و في الوقت نفسه يعد الإِنسان زارعاً و يقول: (كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَطَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ...)(5). فكيف تجتمع هذه التوسعة مع الحصر السابق.

3ـ يقول سبحانه: (كَتَبَ اللّه لأَْغلِبَنّ أَنَا وَ رُسُلِي)(6).


1- سورة النجم: الآيتان 39 ـ 40.
2- سورة الذاريات: الآية 58.
3- سورة النساء: الآية 5.
4- سورة الواقعة: الآيتان 63 و 64.
5- سورة الفتح: الآية 29.
6- سورة المجادلة: الآية 21.


(286)

فينسب الفعل الواحد و هو الغلبة في وقت واحد إلى نفسه و رسله.

4 ـ يقول سبحانه: (إِنْ تَنْصُروا اللّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(1).

فيعد نفسه ناصراً و في الوقت نفسه يعد المؤمنين ناصرين أيضاً.

5 ـ يقول سبحانه: (و إذ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئَ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْنِي و إذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإِذْنِي)(2). ترى أنَّه سبحانه ينسب أمر الخلق إلى رسوله بصراحة، حتى أنَّ الرسول يصف نفسه به و يقول (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)(3). و مع ذلك أنَّ القرآن الكريم يخصّ الخالقية باللّه سبحانه في كثير من الآيات التي تعرفت عليها، و لا يحصل الجمع بين هذه الآيات إلاَّ بالقول بأنَّ الخالقية النابعة من الذات غير المعتمدة على شيء تختص به سبحانه، و مثله سائر الأفعال من الرزق و الزرع و الغلبة و النصرة، فالكل بالمعنى السابق مختص به سبحانه لا يعدوه، لأنها من خصائص الواجب و لا يتصف بها الممكن. و أَمَّا الفعل المعتمد على الواجب المستمد منه فهو من شأن العبد يقوم به بإقدار منه سبحانه و إذن. و لأجل ذلك يكرر سبحانه لفظة «بإذني» أو «بإذن اللّه» في الآيات المتقدمة و هذا واضح لمن عرف الفباء القرآن. و الأشعري و من تبعه قصروا النظر على قسم واحد، و غفلوا عن القسم الآخر، و لا يقف على ذلك إلاَّ من فسّر الآيات تفسيراً موضوعياً(4).

***


1- سورة محمد: الآية 7.
2- سورة المائدة: الآية 110.
3- سورة آل عمران: الآية 49.
4- المراد من التفسير الموضوعي هو جمع الآيات الواردة حول موضوع ما، ثم عرض بعضها على البعض الآخر، حتى يتبين المراد و المفهوم. و هذا نمط و طراز حديث من التفسير أبدعه شيخنا الأستاذ العلامة جعفر السبحاني و خرج منه أجزاء خمسة باسم «مفاهيم القرآن».


(287)

الأصل الثاني: علمه الأزلي المتعلق بأفعال العباد

هذا هو الأصل الثاني الذي اعتمد عليه اتباع الإِمام الأشعري. و بيانه: إنَّ ما علم اللّه عدمه من أفعال العباد فهو ممتنع الصدور عن العبد، و إِلاَّ جاز انقلاب العلم جهلا. و ما علم اللّه وجوده من أفعاله، فهو واجب الصدور عن العبد، و إلاَّ جاز ذلك الانقلاب، و لا مخرج عنهما لفعل العبد. فيبطل الاختيار إذ لا قدرة على الواجب، و الممتنع.

و كأن هذا الاستدلال، استدلال نقضي على القائلين بالاختيار.

و لأجل ذلك يقول المستدل بعد نقله: «إن ما ذكرنا يبطل التكليف لابتنائه على القدرة و الاختيار، فما لزم القائلين بمسألة خلق الأعمال فقد لزم غيرهم لأجل اعتقادهم بعلمه الأزلي المتعلق بالأشياء» حتى أنَّ الإمام الرازي ذكر هذا الدليل متبجحاً بقوله: «و لو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلا بالتزام مذهب هشام و هو أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها»(1).

أقول: يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنَّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم أمر غير ثابت و لم يقل به بعد انتمائه إلى الإِمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : إنَّ الإِجابة عن هذا الاستدلال واضحة جداً، و إِنَّ زعم الرازي أنَّ الثقلين لا يقدرون على حلّ عقدته، و هي كما أوضحناه عند البحث عن القضاء و القدر أنَّ علمه الأزلي لم يتعلق على صدور كل فعل عن فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه. و على ضوء ذلك تعلق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور و لا اختيار، كما تعلق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش على وجه الجبر عالماً بلا اختيار، ولكن تعلق علمه سبحانه بصدور فعل الإِنسان الاختياري منه بقيد الاختيار و الحرية. فتعلق علمه بوجود


1- شرح المواقف، ج 8، ص 155.


(288)

الإنسان و كونه فاعلا مختاراً، و أنَّ كل فعل منه يصدر اختياراً، و مثل هذا العلم يؤكد الاختيار و يدفع الجبر عن ساحة الإِنسان، كما أوضحناه فيما مضى(1).

و في المقام كلمات للمحققين أوردناها في ملحق خاص، فلاحظ(2).

***

الأصل الثالث: إرادته الأزلية المتعلقة بأفعال العباد

هذا هو الأصل الثالث الذي اعتمد عليه الأشاعرة، قالوا: ما أراد اللّه وجوده من أفعال العباد وقع قطعاً، و ما أراد اللّه عدمه منها لم يقع قطعاً، فلا قدرة له على شيء منهما(3).

يلاحظ عليه: إنَّ هذا الاستدلال نفس الاستدلال السابق لكن بتبديل العلم بالإِرادة، فيظهر الجواب عنه مما قدمناه من الجواب عن سابقه. و بما أنّ هذا البحث مما كثر النقاش فيه من جهات أُخرى نفيض القول فيه حسب ما يسعه المقام، فيقع البحث في جهات:

الجهة الأُولى: هل إرادته سبحانه نفس علمه بالأصلح أو شيء آخر؟ قد أوضحنا الحال فيه عند البحث في الصّفات الثبوتية و قلنا إِنَّ الإِرادة صفة كمال لا يمكن سلبها عن الذات بما هي كمال، و هي غير العلم. نعم، الإِرادة المتجددة الحادثة المتدرجة الوجود، لا تليق بساحته سبحانه، و إنما اللائق بها كمال الإِرادة متجردة عن وصمة الحدوث و التدريج و إن لم نعرف حقيقتها.

الجهة الثانية: على القول بأنَّ إرادته غير علمه وقع الكلام في شمول


1- راجع في توضيح الجواب بحث القضاء و القدر.
2- لاحظ الملحق الثاني في آخر الكتاب.
3- شرح المواقف، ج 8، ص 156.


(289)

إرادته سبحانه لأفعال الإِنسان، أو أنَّ أفعاله خارجة عن إطار الإِرادة الإِلهية. فالمعتزلة على الثاني ـ حفظاً لاختيار الإِنسان و تجنباً عن القول بالجبر ـ و الأشاعرة على الأول لكن بالالتزام بتعلق إرادته سبحانه على أفعال البشر من غير واسطة كما هو الحال في غير الأفعال.

و أمَّا الإِمامية فقد اختلفت آراؤهم، فيظهر من الشيخ الصدوق سعة إرادته سبحانه لأفعال العباد، لكن بوجه مجمل لا يعلم كنه مراده منه. و ذهب الشيخ المفيد إلى خلافه و قال: «إنَّ اللّه تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الأفعال و لا يشاء إلا الجميل من الأعمال و لا يريد القبائح و لا يشاء الفواحش، تعالى الله عمَّا يقول المبطلون علواً كبيراً. قال اللّه تعالى: (و ما اللّه يُريدُ ظُلْماً لِلعباد) و قال: (يُريدُ اللّه بِكُمُ اليُسْرَ و لا يُريد بِكُمُ العُسْرَ)...» إلى أن قال: «فلو كان سبحانه مريداً لمعاصيهم لنافى ذلك التخفيف و اليُسْر لهم، فكتاب اللّه شاهد على ضد ما ذهب إليه الضالون المفترون على اللّه الكذب»(1).

و قد صارت هذه المسألة مائزة بين الأشاعرة و المعتزلة و اتَّخذ كل من الفريقين نتيجة رأيه شعاراً لمنهجه. و لأجل ذلك لما دخل القاضي عبدالجبار المعتزلي (ت 1415 هـ) دار الصاحب بن عباد فرأى فيه أبا إسحاق الإسفرائيني الأشعري (ت 413 هـ)، قال القاضي: «سبحان من تنزَّه عن الفحشاء» (يريد بذلك أنَّ القول بسعة إرادته لأفعال الإِنسان يستلزم أنَّه أراد الفحشاء). فأجابه أبو إسحاق بقوله: «سبحان من لا يجري في ملكه إلاَّ ما يشاء» (مريداً بذلك أنَّ القول بوقوع أفعال العباد بلا مشيئة منه سبحانه يستلزم القول بوجود أشياء في سلطانه و مملكته خارجة عن مشيئته)(2).

و على كل تقدير، فالحق تعلُّق إرادته بكل ما يوجد في الكون من دون فرق بين فعل الإِنسان و غيره، و لا يقع في ملكه إِلاَّ ما يشاء ولكن لا على


1- تصحيح الاعتقاد، ص 16 بتلخيص.
2- شرح المقاصد، ج 2، ص 145.


(290)

الوجه الذي ذهبت إليه الأشاعرة من أنَّ ما يدخل في الوجود فهو بإرادته تعالى من غير واسطة سواء أكان من الأمور القائمة بذاتها أو التابعة لها من الأفعال بلا واسطة. فإنه رأي زائف، لما دللنا عليه من أنَّ نظام الوجود، نظام الأسباب و المسببات و أنَّه لا تتعلق إرادته سبحانه على خلق شيء بلا توسيط أسبابه و علله و قد عرفت البرهان الفلسفي على ذلك و الآيات القرآنية(1).

فالأشاعرة و إن أصابوا في القول بسعة الإِرادة لكنهم أخطأوا في جعل متعلقها نفس الفعل بلا واسطة، و لا يترتب على ذلك سوى الجبر الذي يتبنونه. بل الحق تعلق إرادته على جميع الكائنات لكن عن طريق صدورها عن أسبابها و عللها. فإنَّ القول بخروج أفعال العباد عن حيطة إرادته سبحانه لغاية تنزيهه تعالى عن وصمة القبائح و الشرور يستلزم القول بإثبات الشركاء للّه سبحانه بالحقيقة، لأنه يمثل الإِنسان خالقاً لأفعاله مستقلا في إيجادها، و هو كما قال صدر المتألهين: «أشنع من مذهب من جعل الأصنام و الكواكب شفعاء عند اللّه و يلزمهم أنَّ ما أراد ملك الملوك لا يوجد في ملكه، و أنَّ ما كرهه يكون موجوداً فيه و ذلك نقصان شنيع، و قصور شديد في السلطنة و الملكوت تعالى القيوم عن ذلك علوّاً كبيراً»(2).

ولكنَّا، نعذّر الطائفتين، فإحداهما تعلقت فكرتها بتنزيهه سبحانه فلم تَرَ بُدَّاً من القول بعدم سعة إرادته لأفعال العباد و الأُخرى أرادت توحيده و تنزيهه من الشرك و الثنويّة فلم تر بداً من القول بسعة إرادته.

و الحق إمكان الجمع بين التنزيه و التوحيد بالبيان التالي:

الجهة الثالثة : إنَّ القول بسعة إرادته سبحانه يبتني على مقدمات ثابتة:

1ـ سعة قدرته و خالقيته سبحانه، و أنَّ كل ما في صفحة الكون من


1- لاحظ ما ذكرناه عند البحث عن نظرية خلق الأعمال حيث قلنا بأنَّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة و هو يقتضي أن يكون التأثير ملازماً له في جميع المراتب. و لاحظ الآيات التي ذكرناها بعده.
2- الأسفار، ج 6، ص 370.


(291)

دقيق و جليل، و ذات و فعل، مخلوق للّه سبحانه على البيان الذي سمعت.

2ـ إنَّ الوجود الإِمكاني وجود فقير قائم بالواجب غير مستغن عنه في شأن من شؤونه لا في ذاته و لا في فعله، و إِنَّ غناء فعل الإِنسان عن الواجب يستلزم خروجه عن حد الإِمكان و انقلابه موجوداً واجباً،و هذا خلف فما في الكون يجب أن يكون منتهياً إلى الواجب قائماً به قيام المعنى الحرفي بالاسمي. فالقول باستقلال الإِنسان في فعله أشبه بمقالة الثنوية.

3ـ إرادته سبحانه نفس ذاته، فهو علم كله و قدرة كله، و حياة كله، و إرادة كله، و إن لم يتحقق لنا، كنه إرادته.

ففي ضوء هذه الأصول الثلاثة تثبت سعة إرادته بوضوح و لا يحتاج إلى التأكيد و التبيين.

هذا حال الدلائل العقلية، و هناك آيات في الذكر الحكيم تؤيد عموم إرادته:

1ـ يقول سبحانه: (وَ مَا تَشاؤُون إلاَّ أَنْ يَشاءَ اللّه رَبُّ العَالَمِينَ)(1).

2ـ ويقول سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّه)(2).

و الآية و إن كانت ناظرة إلى ظاهرة خاصة و هي الإِيمان، ولكنها تؤدي ضابطة كلية في جميع الظواهر.

3ـ و يقول سبحانه: (ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَة أَوْ تَرَكْتُموها قَائِمَةً على أُصولِهَا فَبِإِذْنِ اللّه وَ لِيُخْزِىَ الفاسِقِينَ)(3). و هذه الآية قرينة على أنَّ الآية السابقة كنفس هذه الآية بصدد إعطاء الضابطة، وإن كان البحث فيهما في إطار الإِيمان و قطع اللينات أو تركها.


1- سورة التكوير، الآية 29.
2- سورة يونس: الآية 100.
3- سورة الحشر: الآية 5.


(292)

و هناك آيات بهذا المضمون تركنا إيرادها(1).

هذا ما يرشدنا إليه الذكر الحكيم، و عليه تضافرت أحاديث أئمة أهل البيت.

1ـ روى الصدوق في توحيده بسنده عن حفص بن قرط عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «من زعم أنَّ اللّه تعالى يأمر بالسوء و الفحشاء فقد كذب على اللّه، ومن زعم أنّ الخير و الشر بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه، و من زعم أنَّ المعاصي من غير قوة اللّه، فقد كذب على اللّه، و من كذب على اللّه أدخله النَّار»(2).

2ـ روى البرقي في محاسنه عن هشام بن سالم عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنَّ اللّه أكرم من أن يكلف النَّاس ما لا يطيقون و اللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد»(3).

3ـ و روى عن حمزة بن حمران قال: قلت له: «إنَّا نقول إنَّ اللّه لم يكلف العباد إلاَّ ما آتاهم، و كل شيء لا يطيقونه فهو عنهم موضوع، و لا يكون إلاَّ ما شاء اللّه، و قضى، و قدّر، و أراد. فقال: و اللّه إنَّ هذا لديني و دين آبائي»(4).

4ـ و روى الصدوق عن البزنطي أنَّه قال لأبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «إنَّ أصحابنا بعضهم يقولون بالجبر و بعضهم بالاستطاعة فقال لي: أكتب: قال اللّه تبارك و تعالى: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء و بقوتي أديت إلىَّ فرائضي، و بنعمتي قويت على


1- راجع البقرة: الآيتان 249 و 251، الأعراف: الآية 58، الأنفال: الآية 66، آل عمران: الآية 49، النّساء: الآية64 و غيرها.
2- توحيد الصدوق باب نفي الجبر و التفويض، الحديث 2، ص 359.
3- بحار الأنوار، ج 5، كتاب العدل و المعاد، الحديث 64، ص 41.
4- المصدر السابق، الحديث 65، ص 41.


(293)

معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً»(1). الحديث.

و البرهان العقلي و آيات الذكر الحكيم و أحاديث العترة الطاهرة أثبتت سعة إرادته، و إنَّما الكلام في أنَّ القول بسعة الإرادة لا ينافي اختيار العبد و حريته، و هذا يبين في الجهة التالية:

الجهة الرابعة: في أنَّ سعة إرادته لأفعال الإِنسان لا يستلزم الجبر، و ذلك لأن إرادته لم تتعلق على صدور فعل الإِنسان منه سبحانه مباشرة و بلا واسطة، بل تعلقت على صدور كل فعل من علّته بالخصوصيات الّتى اكتنفتها.

مثلا تعلقت إرادته سبحانه على أن تكون النار مبدأً للحرارة بلا شعور و إرادة، كما تعلقت إرادته على صدور الرعشة من المرتعش مع العلم ولكن لا بإرادة و اختيار، و هكذا تعلقت إرادته في مجال الأفعال الاختيارية للإِنسان على صدورها منه مع الخصوصيات الموجودة فيه المكتنفة به من العلم و الاختيار و سائر الأمور النفسانية.

و صفحة الوجود الإِمكاني مليئة بالأسباب و المسببات المنتهية إليه سبحانه فمثل هذه الإرادة المتعلقة على صدور فعل الإنسان منه بقدرته المحدثة و اختياره الفطري تؤكد الاختيار و لا تسلبه منه.

و مع ذلك كله ليس فعل الإِنسان فعلا أجنبياً عنه سبحانه غير مربوط به، كيف و هو بحوله و قوّته يقوم و يقعد و يتحرك و يسكن. ففعل الإِنسان مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز، فعل اللّه أيضاً بالحقيقة فكل حول يفعل به الإِنسان فهو حوله، و كل قوة يعمل بها فهي قوته.

قال العلاَّمة الطباطبائي: «إنَّ الإِرادة الإِلهية تعلقت بالفعل بجميع شؤونه و خصوصياته الوجودية، و منها ارتباطه بعلله و شرائط وجوده، و بعبارة أخرى تعلقت الإِرادة الإِلهية بالفعل الصادر من زيد مثلا لا مطلقاً، بل من


1- التوحيد، باب المشيئة و الإِرادة، الحديث 6، ص 338. و نظيره الحديث 10 و 13.


(294)

حيث إِنَّه فعل اختياري صادر من فاعل كذا، في زمان كذا. فإذن تأثير الإرادة الإِلهية في الفعل يوجب كونه اختيارياً و إلاَّ تخلف متعلق الإرادة عنها.

فالإِرادة الإِلهية في طول إرادة الإِنسان و ليست في عرضها حتى تتزاحما و يلزم من تأثير الإِرادة الإِلهية بطلان تأثير الإِرادة الإِنسانية. فخطأ المجبرة في عدم تمييزهم كيفية تعلق الإرادة الإِلهية بالفعل و عدم تفريقهم بين الإِرادتين الطوليتين و الإِرادتين العرضيتين، و حكمهم ببطلان تأثير إرادة العبد في الفعل لتعلق إرادة اللّه تعالى به»(1).

الجهة الخامسة: في تفسير ما استدلَّ به شيخنا المفيد من الآيات على خروج أفعال العباد عن حيطة إرادته سبحانه.

استدلَّ القائلون بعدم سعة إرادته بآيات مثل قوله تعالى: (وَ ما اللّه يُريدُ ظُلْماً لِلعِبادِ)(2). و قوله (و لا يَرْضَى لِعِبادِهِ الكُفْرَ)(3) و قوله: (و اللّه لا يُحِبّ الفَسادَ)(4) و غير ذلك مما استند إليه شيخنا المفيد في «تصحيح الاعتقاد»(5).

يلاحظ عليه أولا: إنَّ من المحتمل أن تكون الإِرادة في المقام إرادة تشريعية لا تكوينية، و من المعلوم أنَّ التشريعي من الإرادة، لا يتعلق إلاَّ بما فيه الصلاح، و تتجلى بصورة الأمر بالمصالح و النهي عن المفاسد، فلا يأمر بالظلم و الفحشاء، قال سبحانه: (قُلْ إنَّ اللّه لا يَأمُرُ بِالفَحشاءِ أتقُولونَ عَلَى اللّه ما لا تَعْلَمُونَ)(6).


1- الميزان، ج 1، ص 99 ـ 100، طبعة بيروت.
2- سورة غافر: الآية 31.
3- سورة الزمر: الآية 7.
4- سورة البقرة: الآية 205.
5- تصحيح الاعتقاد، ص 16 ـ 18.
6- سورة الأعراف: الآية 28.


(295)

وثانياً: نفترض أنَّ الإِرادة في قوله سبحانه: (وَ مَا اللّه يُريدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَادْ)(1) إرادة تكوينية، و تعرب الآية عن أنَّ إرادته لا تتعلق بالظلم، و لكن المراد هو المشيئة التكوينية المتعلقة بالشيء من جانبه سبحانه من دون أن يكون للعبد فيها دور، بأن يقوم سبحانه بنفسه بأعمال الظلم و البغي على العباد، فيعذب البريء المطيع و ينعم المجرم الطاغي، إلى غير ذلك من الأفعال التي يستقل العقل بقبحها و شناعتها. و اللّه سبحانه أعلى و أجلّ من أن تتسم إرادته بهذا العنوان.

و أمَّا مشيئته التكوينية المتعلقة بالأشياء لكن من خلال إرادة عباده و مشيئتهم، بحيث يكون لإِرادتهم دور في تحقق المتعلق و اتصافه بالبغي و الظلم، فالآية ليست نافية له. و ذلك أنَّ مشيئة العبد هي السبب الأخير لتعنون الفعل بالظلم و تلوّنه بالبغي، و لولاها لما كان عنهما خبر و لا أثر. و لأجل دور العبد و دخالته في تحقق القبائح و المحرمات نرى أنَّه سبحانه جعل ـ على ما في الحديث القدسي ـ حسنات العبد أولى إلى نفسه من العبد، و سيئاته على العكس، قال: «و ذلك أنا أولى بحسناتك منك و أنت أولى بسيئاتك مني»(2). و ما هذا إِلاَّ لأنه سبحانه قد هيّأ للعبد، تكويناً و تشريعاً، كل شيء يسعده فلم يصنع سبحانه إِلاَّ الجميل. فما أصابه من حسنة فمنه سبحانه لأنه عمل الجميل بمعدات جميلة واقعة منه سبحانه، في اختيار العبد، و إن ارتكب البغي و الظلم فقد ارتكب القبيح بالجميل الذي صنعه سبحانه له حيث تفضّل عليه بالمشيئة والاختيار والقدرة، ولكنه صرفها في غير محله فهو أولى بسيئاته من اللّه الجميل الفاعل له.

و باختصار، إنَّ فعل العبد لا يقع في ملكه تعالى إلاَّ بإرادته سبحانه جميع مقدماته التي منها اختيار العبد الموهوب من عنده سبحانه إليه، فتعلق مشيئته بأفعال العباد بمعنى أن اختبار العبد و حريته مراد للّه سبحانه، فهو


1- سورة غافر: الآية 31.
2- التَّوحيد للصدوق أبواب المشيئة و الإِرادة، الحديث 7، ص 338.


(296)

تعالى أراد أفعال العبد لأجل أنَّه أراد اختياره و حريته. فسعة المشيئة لفعل العبد و إن كان هذا الفعل ظلماً و بغياً، لا يُحْدِث في ساحته سبحانه و صمة عيب أو شين. لأن المسؤول عن تحقق القبيح هو العبد الذي صرف هواه في البغي بدلا من العدل.

و لعلك لو وقفت على ما سنذكره عند البحث عن الأمر بين الأمرين لسهل عليك تصديق ذلك.

ثم إِنَّ لصَدْرِ المُتَأَلّهِين و تلاميذ منهجه و أستاذه السيد المحقق الداماد أجوبة أخرى مذكورة في كتابه فلاحظها(1).

الأصل الرابع: لزوم الفعل مع المرجِّح الخارج عن اختياره

هذا هو الأصل الرابع الذي اعتمد عليه الأشاعرة، و حاصله: إِنَّ العبد لو كان قادراً لكان ترجيحه لأحد الطرفين إمَّا لا لمرجح (أي بلا علَّة) فيلزم انسداد باب إثبات الصانع، و إِمَّا لمرجِّح، فإن كان من العبد تسلسل و إن كان من اللّه تعالى فعند حصول ذلك المرجّح يجب الفعل، و عند عدمه يمتنع فلا يكون مقدوراً(2) .

و توضيحه على ما في المواقف و شرحه: إنَّ العبد لو كان موجداً لفعله بقدرته فلابدّ من أن يتمكن من فعله و تركه، وإلاّ لم يكن قادراً عليه، إذ القادر من يتمكن من كلا الطرفين. و على هذا يتوقف ترجيح فعله على تركه، على مرجح (علّة)، و إلاَّ فلو وقع أحد الطرفين بلا مرجح يلزم وقوع أحد الجائزين بلا سبب و هو محال، فإذا توقف وجود الفعل على المرجح، فهذا المرجح إمَّا أن يكون من العبد باختياره أو من غيره، فعلى الأول يلزم التسلسل لأنَّا ننقل الكلام إلى صدور ذلك المرجح عن العبد فيتوقف صدوره


1- الأسفار، ج 6، الفصل الثاني عشر، ص 379 ـ 395.
2- إرشاد الطالبيين، ص 565.


(297)

على مرجح ثان و هكذا. و على الثاني يكون الفعل عند ذلك المرجح واجب الصدور عن العبد بحيث يمتنع تخلفه عنه، و إلاَّ فلو لم يكن الفعل مع ذلك المرجح واجب الصدور، و جاز وقوع الطرف الآخر، يلزم أن يكون تخصيص أحد الطرفين بالتحقق دون الآخر بلا دليل. فيجب أن يكون أحد الطرفين مع المرجح واجب الصدور و معه يكون اضطرارياً لا اختيارياً(1).

يلاحظ عليه: إنَّ كل ممكن يكون الوجود و العدم بالنسبة إليه متساويان، و يتوقف خروج الممكن عن أحد الطرفين إلى علّة تامة تجعله واجباً و تجعل الطرف الآخر ممتنعاً. و إلاَّ فلو كان ـ مع وجود العلّة التامّة ـ وقوع الطرف الآخر ممكناً للزم خروج الممكن عن مركز التساوي إلى أحد الطرفين بلا سبب و علّة و قد برهن الحكماء على قاعدتهم: «الشيء ما لم يجب لم يوجد»، بما ذكرناه. و بذلك يظهر: إنَّ التعبيرات الواردة في الاستدلال تعبيرات غير فنّية، فإنَّ وقوع الممكن لا يتوقف على وجود المرجح مع إمكان وجود الآخر، بل يتوقف على وجود علّة تامة تجعل أحد الطرفين ضروري التحقق و الآخر ممتنعه.

إذا عرفت هذا فنقول: إنَّ صدور الفعل من الإِنسان يتوقف على مقدمات و مبادئ و معدّات كتصور الشيء و التصديق بفائدته و الاشتياق إلى تحصيله و غير ذلك من المبادئ النفسانية و الخارجية ممَّا لا يمكن حصره. فربما تكون هناك العشرات من المقدمات تؤثر في صدور الفعل عن الإِنسان سواء التفت إليها الإِنسان أو لا. ولكن هذه المقدمات لا تكفي في تحقق الفعل و صدوره منه إلاَّ بحصول الإِرادة النفسانية التي يندفع بها الإِنسان نحو الفعل، و معها يكون أحد الطرفين واجب التحقق و الطرف الآخر ممتنعه. و المرجح الذي تلهج به الأشاعرة مبهم ليس شيئاً وراء تلك الإِرادة التي إذا انضمت إلى المبادئ المتقدمة عليها تخرج الفعل عن حد الإِمكان إلى حد الوجوب و تضفي على الطرف الآخر صبغة الامتناع. و ليس ذلك المرجح


1- شرح المواقف، ج 8، ص 149 ـ 150 بتلخيص و تصرّف.


(298)

مستنداً إلاَّ إلى نفس الإِنسان و ذاته، فإنها المبدأ لظهوره في الضمير.

إنما الكلام في كون هذا المرجح فعل اختياري للنفس أوْلا.

فمن قال بأنَّ الفعل الاختياري ما يكون مسبوقاً بالإِرادة، وقع في المضيق في جانب الإِرادة. إذ على هذا تصير الإِرادة فعلا غير اختياري، لأنها غير مسبوقة بإرادة أُخرى كما هو واضح وجداناً، و على فرض احتماله ننقل الكلام إلى الإِرادة الثانية، فإمَّا أن يتوقف فيلزم كون الثانية غير اختيارية، أو يتسلسل و هو باطل.

و أمَّا على القول المختار، كما سيوافيك بيانه عند البحث عن الجبر الفلسفي، من أنَّ التعريف المذكور مختص بالأفعال الجوارحية كالأكل و الشرب فإن الاختيارية منها ما يكون مسبوقاً بالإِرادة دون الأفعال الجوانحية للنفس، كالعزم و الإِرادة، فإنَّ مِلاك اختياريتها ليس كونها مسبوقة بالإِرادة بل كونها فعلا للفاعل المختار بالذات أعني النفس الناطقة، فإنَّ الاختيار و الحرية نفس ذاته و حقيقته و سنبرهن على ذلك عند البحث عن الجبر الفلسفي.

و على هذا فالاستدلال مبتور جداً. أضف إلى ذلك: أنَّ الظاهر من كلامهم أنَّ المرجح للفعل شيء خارج عن محيط إرادة الفاعل و اختياره، و هو شيء يخالف الفطرة و الشهود الوجداني لكل فاعل. بل المرجح، و إن شئت قلت بعبارة صحيحة، الجزء الأخير من العلة التامة، هو الإِرادة و هي فعل اختياري للنفس لا لكونها مسبوقة بالإِرادة بل لكونها ظلالا للفاعل المختار بالذات، أعني النفس التي هي المَثَل الأعلى للّه سبحانه، فهو أيضاً فاعل مختار بالذات تكون أفعاله أفعالا اختيارية لكونها ظلالا للفاعل المختار بالذات.

ثم إِنَّ بعض المحققين أجاب عن استدلال الأشاعرة بجواب غير تام و حاصله: إنَّ الترجيح بلا مرجح لا مانع منه و إنَّ وجود المرجح و أصل الفعل و طبيعته كاف و إن كانت أفراده متساوية من دون أن يكون لبعضها مرجح على


(299)

البعض الآخر(1).

و لا يخفى أنَّ امتناع التَّرَجُّح من غير مرجح (كامتناع تحقق الممكن بلا علّة) و امتناع التَّرْجِيح بلا مرجح من باب واحد، و القول بالامتناع في الأول يستلزم الامتناع في الثاني. و ذاك لأن أصل الفعل كما لا يتحقق بلا علة، فكذلك الخصوصيات لا تتحقق إلاَّ معها، فالجائع بالنسبة إلى الرغيفين و الهارب بالنسبة إلى الطريقين كذلك، فكما أنَّ صدور أصل الأكل و الهرب يحتاج إلى علّة، لامتناع وجود الممكن بلا سبب، كذلك تخصيص أحد الرغيفين بالأكل و ترك الآخر، بما أنَّه أمر وجودي يحتاج إلى علّة. والقول بأنَّ وجود أصل الفعل يتوقف على علّة دون خصوصياته، يرجع إلى القول بوجود الممكن ـ و لو في بعض مراتبه ـ و تحققه بلا علّة. و لأجل ذلك يقول المحققون إنَّ مآل تجويز الترجيح بلا مرجح إلى تجويز التّرَجُّح بلا مرجح. فلازم هذا الجواب أنَّ الخصوصية لا تطلب العلّة، و هذا انخرام للقاعدة العقلية، من حاجة الممكن إلى علّة.

و أمَّا التمثيل برغيفي الجائع و طريقي الهارب، فلا شك أنَّ للفعل و الخصوصية هناك مرجح و هو أنَّ الإِنسان العادي يجد في نفسه ميلا إلى جانب اليمين من كل من الرغيف و الطريق، فالميل الطبيعي يكون مرجحاً لانصراف الإِرادة إليه دون طرف اليسار. نعم ربما ينعكس لأجل طوارئ في الواقعة تلتفت إليها النفس فتختار ما في جانب اليسار(2).


1- المحاضرات، ج 2، ص 47 ـ 49. و يظهر ذلك الجواب أيضاً من العلاّمة في (نهج المسترشدين) لاحظ إرشاد الطالبيين ص 266.
2- ثم إنَّ للمحقّق الطوسي في المقام كلاماً و هو: «الوجوب للداعي لا ينافي القدرة كالواجب». و قد جعله العلاّمة جواباً عن الاستدلال الذي نقلناه عن الأشاعرة. و الظاهر أنَّ هذه العبارة ناظرة إلى تحليل دليل آخر للقائلين بالجبر و هو أنَّ القاعدة الفلسفية المسلمة أعني «الفعل ما لم يجب لم يوجد»، تقتضي صدور الفعل عن الإِنسان عن وجوب و اضطرار. و هذا لا يجتمع مع القول بالاختيار. فأجاب عنه المحقق الطوسي بأنَّ الوجوب العرضي للداعي لا ينافي القدرة و الاختيار فالفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن، و بالنظر إلى داعيه واجب، و ذلك لا يستلزم الجبر. فإنَّ كل قادر يجب صدور الأثر منه عند وجود الداعي كالواجب.
و أنت تعلم أن هذا الجواب يمكن أن يكون رافعاً للشبهة الثانية أعني وجوب الفعل عند وجوب العلّة، و لا يكون قالعاً لما نحن فيه من الإشكال لأن كلام الأشاعرة مركز على أن هذا الداعي يوجد في النفس لا من جانب الإِنسان بل من جانبه سبحانه و معه يكون الفعل واجباً ضرورياً خارجاً عن الاختيار، فالقول بأنَّ الفعل واجب بالنظر إلى الداعي و هو لا ينافي القدرة و الإِمكان بالنظر إلى نفس الفعل، لا يرتبط بالإِشكال. نعم يمكن أن تكون عبارة المحقق جواباً نقضياً عن استدلال الأشاعرة ببيان أن ما ذكرتموه من الدليل في حق الإنسان قائم في حقه سبحانه حرفاً بحرف كما نوّه به العلاّمة في (كشف المراد) و أوضحه شارح (المواقف) فلاحظهما. و قد خلط شيخنا المظفر في تقرير استدلال الأشاعرة، بين الدليلين. فلاحظ (دلائل الصدق)، ج 1، ص 511.


(300)

تشكيكات أُخرى للأشاعرة

هذا هو المهم من الأصول التي اعتمد عليها الأشاعرة في إثبات الجبر و سلب الاختيار و لهم هناك تشكيكات واهية لا تستحق أن يطلق عليها اسم الاستدلال نكتفي بذكر أمرين منها:

الأول: التكليف واقع بمعرفة اللّه تعالى إجماعاً، فإن كان التكليف في حال حصول المعرفة فهو تكليف بتحصيل الحاصل، و هو محال. و إن كان في حال عدمها فغير العارف بالمكلِّف و صفاته المحتاج إليه في صحة التكليف منه، غافل عن التكليف. و تكليف الغافل تكليف بالمحال(1).

يلاحظ عليه: إنَّ البحث في كون الإِنسان مختاراً أو مجبوراً، و ليس البحث في جواز التكليف بالمحال و ما ذكر من الإِستدلال راجع إلى الأول دون الثاني هذا أولا.

و ثانياً: إنَّ التكليف بالمعرفة تكليف عقلي لا شرعي، و يكفي في التكليف العقلي التوجه الإِجمالي إلى أنَّ هناك منعماً يجب معرفته و معرفة صفاته و أفعاله حتى يكون شاكراً في مقابل نعمه، أو يجب معرفته دفعاً للضرر المحتمل على التقريرين في بيان لزوم معرفة الباري في مسلك المتكلمين. و يكفي في حكم العقل التوجه الإِجمالي لا التفصيلي. و على ذلك فنحن نختار الشقّ الأول من الاستدلال ولكن لا بمعنى المعرفة التفصيلية حتى


1- شرح المواقف، ج 8، ص 157.


(301)

يكون تحصيلا للحاصل، بل المعرفة الإِجمالية الباعثة على التفصيلية منها.

الثاني: إنَّ أبا لهب أُمِر بأن يؤمن دائماً وهو ممتنع لأنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن. و الإِيمان تصديق الرسول فيما علم مجيئه به، و ممَّا جاء به أنَّه لا يؤمن. فيكون هو في حال لزوم إيمانه على الاستمرار مأموراً بأن يؤمن بأنَّه لا يؤمن، و يصدّق بأنه لا يصدق. و إيمانه المشتمل على ما ذكر محال لاستلزامه الجمع بين التصديق و التكذيب. فإذا كان المكلف به محالا، لم يكن للتكليف به فائدة(1).

يلاحظ عليه: إنَّ الإِيمان هو التصديق الإِجمالي بأنَّ ما جاء به النبي حق. و هذا كاف في عد الإِنسان مؤمناً. و لا يشترط في تحقق الإِيمان التصديق التفصيلي بكل واحد مما جاء به النبي. و على ضوء هذا كان أبو لهب مأموراً بالتصديق الإِجمالي وهو توحيده سبحانه و الإِعتقاد بأنَّ رسالة ابن اخيه من اللّه سبحانه. و هذا أمر ممكن لكل أحد و قد كان في وسعه أيضاً ولكنه لم يؤمن به و أمَّا التصديق التفصيلي بكل ما جاء في القرآن و منه أنَّ أبا لهب لا يؤمن بتاتاً و أنَّ النار مثواه فلم يكن ممَّا يجب الإِيمان به حتى يلزم منه التناقض.

إلى هنا تمَّ إيراد جملة من تشكيكات الأشاعرة الواردة في مجال الأفعال الاختيارية و لا حاجة إلى الإسهاب أزيد من هذا و فيما ذكرناه غنى و كفاية لمن أراد الحق و ابتغاه.

نعم استدلت الأشاعرة بالآيات المصرّحة بأنَّ الهداية و الإِضلال والختم من جانبه سبحانه و سنعقد له فصلا خاصاً عند البحث عن مذهب الحق. و هو الأمر بين الأمرين.


1- شرح المواقف، ج 8، ص 157.


(302)


(303)

مناهج الجبر

(2)
الجبر الفلسفي

قد عرفت حقيقة الجبر الأشعري و أنَّه كان يَرُدُّ الاختيار بعوامل غيبية و سماوية من القضاء و القدر و سبق العلم الأزلي و المشيئة الإِلهية و عرفت بعض التشكيكات التي ذكروها في المقام.

و أمَّا الجبر الفلسفي فهو يعتمد على قواعد فلسفية مسلّمة عند الإِلهي و المادي و نذكر فيما يلي المهم من أدلته:

الدليل الأول: وجود الشيء مقارن لوجوبه

قد ثبت في الفن الأعلى من الفلسفة أنَّ «الشيء ما لم يجب لم يوجد»، و هذه قاعدة مسلّمة عند الكل، و حاصل برهانها أنَّ الشيء الممكن في حدّ ذاته لا يقتضي الوجود و لا العدم، فنسبة الوجود و العدم إليه متساوية، و لا يتسم بهما إلاَّ بلحاظ أمر خارج عن ذاته، غير أن اتصافه بالوجود يتوقف على انضمام عامل إلى ماهية الممكن حتى يضفي عليها الوجود في حين أنَّه يكفي في اتصافه بالعدم لحاظ عدم العامل و عدم العلَّة.

و على هذا فلو وجد عامل خارجي يقتضي وجوده اقتضاءً إيجابياً، يتحقق. و إلاَّ يكون تطرق العدم إليه جائزاً و ممكناً، و معه لا يمكن أن يتحقق و يتلبس بالوجود.


(304)

و بعبارة ثانية: إذا كان هناك ما يقتضي وجوده، فإمَّا أن يقتضي وجوبه أيضاً أو لا، فعلى الأول فقد وجب وجوده، و تثبت القاعدة، و على الثاني يعود السؤال بأنه إذا كان تطرق العدم أمراً ممكناً جائزاً، فلماذا اتصف بالوجود دون العدم مع انفتاح طريق كل منهما، إذ المفروض أنَّ العلّة ما اقتضت وجوبه و لم تسد باب العدم على وجه القطع و البت، بل كان باب كل مفتوحاً على الشيء و إنْ ترجّح جانب الوجود، ولكنه لم يمتنع بعدُ الجانب الآخر، و الأولوية العارضة لجانب الوجود غير كافية إذ المفروض أنَّ طريق العدم معها بعد مفتوح، و مع ذلك اتصف بالوجود و لم يتصف بالعدم. و عندئذ، ينطرح السؤال التالي:

لماذا تحقق هذا و لم يتحقق ذاك؟ و لأجل ذلك ذهب الحكماء إلى أنَّ وجود الشيء رهن سد باب العدم على وجه القطع و البت و اتصافه بالوجود على وجه الوجوب حتى ينقطع السؤال بأنه لم اتصف بهذا دون ذاك.

هذا برهان القاعدة، و رتب عليها القول بالجبر، لأن فعل العبد لا يصدر منه إلاَّ بالوجوب، و الوجوب ينافي الاختيار.

يلاحظ عليه: إنَّ القاعدة قاعدة متقنة لا غبار عليها غير أنَّ استنتاج الجبر من القاعدة أمر عجيب، لأنها لا تعطي أزيد من أنَّ المعلول إنما يتحقق بالإِيجاب و الإِلزام، و أمَّا كون الفاعل، فاعلاً موجباً (بالفتح) و مجبوراً فلا يستفاد منها.

توضيح ذلك: إنَّ الفاعل لو كان فاعلا طبيعياً غير شاعر و لا مختار، أو شاعراً غير مختار، يصدر الفعل منه بالوجوب مع امتناع العدم و يكون الفعل واجباً و الفاعل موجَباً (بالفتح). و أمَّا إذا كان الفاعل مدركاً و مختاراً، فصدور الفعل منه يتوقف على اتّصاف فعله بالوجوب، و العامل الذي يضفي هذا الوصف على المعلول هو نفس الفاعل، فهو باختياره و حريته يوصل الفعل إلى حد يكون صدوره عنه على نحو الوجوب و اللزوم. فعندئذ يكون الفاعل المدرك المختار فاعلا موجباً أي معطياً الوجوب لفعله و مَنْ هو كذلك


(305)

لا يتصف هو و لا فعله بالجبر. فالاستنتاج نبع من المغالطة بين الفاعل الموجَب و الفاعل الموجِب، و هو أحد أقسام المغالطة(1).

الدليل الثاني : الإِرادة ليست اختيارية

هذا الدليل الذي لجأ إليه الجبريون من الحكماء، هو المزلقة الكبرى، و الداهية العظمى في المقام و لقد زلّت في نقده و تحليله أقدام الكثير من الباحثين، و لا عتب علينا لو أسهبنا البحث فيه، فنقول: قال المستدل: إنَّ كل فعل اختياري بالإرادة، ولكنها ليست أمراً اختيارياً و إِلاَّ لزم أن تكون مسبوقة بإرادة أُخرى، و ينقل الكلام إليها، فإمَّا أن تقف السلسلة فيلزم الجبر في الإِرادة النهائية و إِمَّا أن لا تقف فيلزم التسلسل.

و بعبارة ثانية: إنَّ الفعل الاختياري ما كان مسبوقاً بالإِرادة، و أمَّا نفسها، فلا تكون كذلك، لأنا ننقل الكلام إلى الثانية منها فهل هي كذلك أو لا؟ و على الثاني يثبت كونها غير اختيارية لعدم سبق إرادة عليها، و عدم نشوئها من إرادة أُخرى. و على الأول ينقل الكلام إليها مثل الأولى فإما أن يتوقف في إرادة غير مسبوقة، أو يتسلسل. و الثاني محال. فيثبت الأول.

و قد نقل صدر المتألهين هذا الإِشكال عن المعلّم الثاني الفارابي حيث قال في نصوصه: «إن ظن ظان أنَّه يفعل ما يريد و يختار ما يشاء، استكشف عن اختياره هل هو حادث فيه بعدما لم يكن أو غير حادث؟ فإن كان غير حادث فيه لزم أن يَصْحَبُهُ ذلك الاختيار منذ أوّل وجوده، ولزم أن يكون مطبوعاً على ذلك الاختيار لا ينفك عنه، و إن كان حادثاً ـ و لكل حادث محدث ـ


1- إن للمغالطة أقساماً كثيرة ربما تناهز الثلاثة عشر قسماً، و منها هذا القسم الوارد في هذا البحث. لاحظ قسم المغالطة في شرح المنظومة للحكيم السبزواري (ص 105 ـ قسم المنطق) حيث يقول:

أنواعها الثلاثة عشر كما * قد ضبطوها من كلام القُدَما


(306)

فيكون اختياره عن سبب اقتضاه و محدث أحدثه فإمَّا أن يكون هو أوغيره، فإن كان هو نفسه، فإمَّا أن يكون إيجاده للاختيار بالاختيار، و هذا يتسلسل إلى غير النهاية، أو يكون وجوداً لاختيار فيه لا بالاختيار فيكون مجبوراً على ذلك الاختيار من غيره، و ينتهي إلى الأسباب الخارجة عنه التي ليست باختياره»(1).

و أنت ترى أنَّ هذا البرهان لو صحّ لكان المادي و الإِلهي متساويين بالنسبة إليه. و حاصل هذا البرهان أنَّ الإِرادة تعرض للنفس في ظل عوامل داخلية و خارجية فيكون اجتماع تلك العوامل موجباً لظهورها على لوح النفس. و لأجل ذلك تتصف الإِرادة بالجبر لكون وجودها معلولا لتلك العوامل النفسانية و غيرها. فالفعل الإِختياري ينتهي إلى الإِرادة و هي تنتهي إلى مقدماتها من التصور و التصديق و الميل النفساني المنتهية إلى أشياء خارجة عن ذات المريد، نعم الإِلهي يرجع هذه المقدمات النفسانية أو الخارجية، بعد سلسلة الأسباب و المسببات إلى اللّه سبحانه، و المادي يرجعها إلى العوامل الموجودة في عالم المادية و لذلك ذكرنا هذا البرهان في فصل الجبر الفلسفي لا في الأشعري الذي ينسب الأشياء إلى اللّه سبحانه مباشرة، و لا في فصل الجبر المادي الذي لا يرى علّة للجبر إلاَّ العوامل المادى، بل ذكرناه في هذا الفصل الذي يمكن أن يكون مختاراً للإِلهي كما يمكن أن يكون مختاراً للمادي.

أقول: إنَّ هذا الإِشكال هو من أهم الإِشكالات في هذا الباب، و ربما نرى أنّ بعض الماديين لجأوا إلى تنمية هذا الإشكال بشكل يناسب أبحاثهم، و يصرون على أنَّ الإِرادة في الإِنسان تحصل باجتماع معدات و شرائط و مقدمات و بواعث يكون الإِنسان مقهوراً في إرادته، و إن كان يتصور


1- الأسفار، ج 6 ص 390. و يظهر هذا الإشكال من الشيخ الرئيس في الفن الثالث من طبيعيات الشفاء و في أول العاشرة من إلهيات الشفاء. و قد نقل صدر المتألهين نصوصه في المصدر نفسه، فلاحظ.


(307)

نفسه مختاراً، و يُرددون في أشداقهم كون الإنسان مسيراً بصورة المختار و نحن نأتي ببعض ما ذكر من الأجوبة، ثم نذكر المختار من الجواب عندنا.

الأجوبة المذكورة في المقام

الجواب الأول: هو ما أجاب به صدر المتألهين قال: «المختار ما يكون فعله بإرادته، لا ما يكون إرادته بإرادته. و القادر ما يكون بحيث إن أراد الفعل، صدر عنه الفعل، و إلاَّ فلا. لا ما يكون إن أراد الإرادة للفعل فعل، و إلاَّ لم يفعل»(1).

يلاحظ عليه: إنَّ ما ذكره من التعريف إنما هو راجع إلى الأفعال الجوارحية فالمِلاك في كونها أفعالا اختيارية أو جبرية هو ما ذكره و أمَّا الأفعال الجوانحية الصادرة عن النفس و الضمير، فهي إمَّا أفعال جبرية، أو إنَّ لكونها أفعالا اختيارية مِلاكاً آخر يجب الإيعاز إليه.

و باختصار: إنَّ البحث ليس في التسمية حتى يقال: إنَّ التعريف المذكور للفعل الاختياري يوجب كون الإرادة و الفعل من الأمور الاختيارية، بل البحث في واقع الإِرادة و حقيقتها، فإِذا كانت ظاهرة في الضمير الإِنساني في ظل عوامل نفسانية أو أرضية و سماوية، فلا تكون أمراً اختيارياً. و بالنتيجة، لا يكون الفعل أيضاً فعلا اختيارياً.

الجواب الثاني: ما أفاده المحقق الخراساني في الكفاية في بحث التجرّي من أنَّ اختيارية الإرادة و إنَّ لم تكن بالاختيار، إلاَّ أنَّ مبادئها يكون وجودها غالباً بالاختيار للتمكن من عدمه بالتأمل في ما يترتب على ما عزم عليه من اللوم و المذمة أو التبعة و العقوبة(2).

يلاحظ عليه: إنَّه لا يدفع الإشكال، لأنَّ تلك المبادئ لا تخلو إمَّا أن


1- الأسفار، ج 6، ص 388، و له جواب آخر عن الإشكال غير متين جداً، فمن أراد فليرجع إلى كتابه، كما نقل جواباً آخر عن أُستاذه المفخم المحقق الداماد.
2- كفاية الأصول للمحقق الخراساني (ت 1255 ـ م 1329) ج 2، ص 14.


(308)

تكون مسبوقة بالإرادة أو لا، فعلى الأول يلزم عدم كونها أفعالا اختيارية و إن كانت أفعالا إرادية، و ذلك لأن الإرادة السابقة على تلك المبادئ إرادة غير اختيارية و غير مسبوقة بإرادة أخرى، و إلاَّ ينقل الكلام إليها و يلزم التسلسل.

و على الثاني يلزم عدم كونها فعلا إرادياً للنفس أيضاً، بل تكون أفعالا صادرة عن النفس بلا إرادة.

الجواب الثالث: ما ذكره شيخ المشايخ العلامة الحائري و حاصله: إنَّ ما اشتهر من أنَّ الإرادة لا تتعلق بها الإِرادة و لا تكون مسبوقة بأخرى أمر غير صحيح بل تتحقق الإرادة لمصلحة في نفسها. قال: «الدليل على ذلك هو الوجدان لأنَّا نرى إمكان أن يقصد الإنسان البقاء في المكان الخاص عشرة أيام بملاحظة أنَّ صحة الصوم و الصلاة تامة تتوقف على القصد المذكور، مع العلم بعدم كون هذا الأثر مرتباً على نفس البقاء واقعاً فتتعلق بالإرادة، إرادة»(1).

يلاحظ عليه: إنَّه لا يقلع الإِشكال أيضاً، إذ غايته كون الإِرادة الأولى اختيارية لسبقها بإرادة ثانية و أمَّا الإِرادة الثانية فهي بعد باقية على صفة غير الاختيارية، لأنَّ الميزان في الفعل الاختياري حسب معايير القوم كونه مسبوقاً بالإرادة فلو سلمت هذه القاعدة لصارت الإرادة الثانية غير اختيارية.

الجواب الرابع: ما ذكره العلامة الطباطبائي في ميزانه و حاصله: إنَّ الحوادث بالنسبة إلى علتها التامة واجبة الوجود، و بالنسبة إلى أجزاء عللها ممكنة الوجود، فهذا هو المِلاك في أعمال الإنسان و أفعاله فلها نسبتان: نسبة إلى علّتها التامة و نسبة إلى أجزائها، فالنسبة الأولى ضرورية وجوبية، و النسبة الثانية نسبة ممكنة. و كل فعل من الأفعال ضروري الوجود بملاحظة علله التامة و ممكن بملاحظة أجزاء علته(2).


1- الدُّرَر للشيخ عبدالكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في قم (ت 1274 ـ م 1355)، ج 2، ص 15.
2- الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 99.


(309)

و بما إنَّ الإِرادة ليست علّة تامة للفعل، تكون نسبة الفعل إليها نسبة الإمكان لا نسبة الوجوب.

يلاحظ عليه: بنفس ما لوحظ على كلام صدر المتألهين إذ المفروض أنَّ ما وراء الإِرادة أمر خارج عن الاختيار. فإذا كانت الإِرادة مثله في الخروج عن الاختيار فلا يتصف الفعل بالاختيار و لا الإِرادة به. و ما ذكره مجرّد اصطلاح إذ لا شك أنَّ نسبة الفعل إلى أجزاء العلّة التامة نسبة ضرورية و إلى بعضها إمكانية ولكنه لا يشفي العليل و لا يروي الغليل، إذ البحث في أنَّ مدار اختيارية الفعل هو الإِرادة، و الإرادة ليست اختيارية لأنها تطرأ على النفس في ظل عوامل خاصة من نفسية و غيرها، فالنسبتان المذكورتان لا تدفعان الإشكال.

نعم قد ذكر في ذيل كلامه هنا وفي موضع آخر من تفسيره(1) كلاماً حاصله: إنَّ إرادته سبحانه لم تتعلق بصدور الفعل عن الإِنسان بأي نحو اتفق و إنما تعلقت بالفعل بجميع شؤونه و خصوصياته و منها أنها فعل اختياري صادر من فاعل كذا في زمان كذا إلى آخر ما أفاده. فهو جواب عن إشكال آخر تقدم عند البحث عن الجبر الأشعري(2) و ليس هذا جواباً عن الإِشكال المطروح في المقام.

الجواب الخامس: ما أجاب به السيد المحقق الخوئي ـ دام ظله ـ في محاضراته في كلام مفصل نأخذ المهم منه، و حاصله: منع كون الإِرادة علّة تامة للفعل بل الفعل على الرغم من وجوده و تحققه يكون تحت اختيار النفس و سلطانها و لو كانت الإرادة علّة تامة لحركة العضلات و مؤثرة فيها لم يكن للنفس تلك السلطنة، ولكانت عاجزة عن التأثير فيها مع فرض وجودها..

ثم قال: «إنَّ الميزان في الفعل الاختياري ما أوجدته النفس باختيارها و إعمال القدرة و السلطنة المعبر عنها بالاختيار و قد خلق اللّه النفس الإِنسانية


1- لاحظ الميزان، ج 11، ص 21.
2- لاحظ الأصل الثالث من أصول الأشاعرة.


(310)

واجدة لهذه السلطنة و القدرة و هي ذاتية لها، و ثابتة في صميم ذاتها، و لأجل هذه السلطنة تخضع العضلات لها، و تنقاد في حركاتها، فلا تحتاج النفس في إعمالها لتلك السلطنة و القدرة إلى إعمال سلطنة»(1).

يلاحظ عليه أولا: إنَّ الإِصرار على أنَّ الفعل بعد الإِرادة تحت اختيار النفس و سلطانها و أنَّ الإِرادة ليست علّة تامة لصدور الفعل، إصرار غير لازم، إذ يكفي في ذلك إثبات كون الإِرادة أمراً اختيارياً و إن كان صدور الفعل بعدها أمراً إلزامياً. فالذي يجب التركيز عليه هو الأول (الإِرادة فعل اختياري للنفس) لا الثاني (كون الفعل بعد الإِرادة ممكن الصدور لا واجبه) و سيوافيك توضيحه في الجواب المُختار.

وثانياً: إنَّ القاعدة الفلسفية القائلة بأنَّ (الشيء ما لم يجب لم يوجد) غير قابلة لتخصيص، فكما هي تعم الأفعال الطبيعية، فهكذا تعم الأفعال النفسانية. و المِلاك في الجميع واحد، و هو أنَّ صدور الفعل يتوقف على سد باب العدم على الشيء و مع سدّه يتصف الفعل بالوجوب و لا يبقى لوصف الإمكان مجال كما أوضحناه.

وثالثاً: إنَّ اعمال السلطنة و القدرة، فعل من أفعال النفس. فما هو المِلاك لكونها اختيارية؟، اللازم التركيز عليه بوجه واضح، و ما جاء في كلامه لا يزيد عن إشارات إلى البرهان و سيوافيك تفصيله.

الجواب السادس: ما أفاده السيد الأُستاذ الإِمام الخميني ـ دام ظله ـ بتوضيح و تحرير منا، و حاصله: إنَّ الكبرى ممنوعة و هي جعل مِلاك الفعل الاختياري كونه مسبوقاً بالإِرادة حتى تخرج الإِرادة عن إطار الفعل الاختياري، بل المناط في اختيارية الفعل سواء أكان فعلا جوارحياً أو جوانحياً كونه صادراً عن فاعل مختار بالذات، غير مجبور في صميم ذاته، و لا مضطر في حاق وجوده، بل الاختيار مخمور في ذاته و واقع حقيقته،


1- المحاضرات، ج 1، ص 59 ـ 60 و قد أخذنا موضع الحاجة منه.


(311)

و الإِنسان من مصاديق تلك الضابطة في أفعاله الاختيارية(1).

و إليك بيانه: إنْ ما يصدر من الإِنسان من الأفعال على قسمين، قسم منه يصدر عن طريق الآلات و الأسباب الجسمانية كالخياطة و البناء، و هذا القسم من الفعل يكون مسبوقاً بالتصور و التصديق و الشوق إلى الفعل و العزم و الجزم الذي يلازم تحريك العضلات نحو المراد. و هذا ما يسمى بالأفعال الجوارحية.

و قسم يصدر منه بلا آلة بل بخلاقية منها، و هذا كالأجوبة التي تصدر من العالم النحوي الذي له ملكة علم النحو عند السؤال عن مسائله. فإنَّ هذه الأجوبة تصدر واحدة بعد الأخرى لا بتصور و لا بتصديق و لا بشوق و لا بعزم سابق على الأجوبة. و ليس صدور تلك الأجوبة عن النفس كصدور الأفعال الجوارحية من الأكل و الشرب مسبوقة بمبادئها، بل هي تظهر في لوح النفس و تصدر عنها بدون هذه التفاصيل.

و هذه الأجوبة التي تعد صوراً علمية، موجودة للنفس مخلوقة لها، خلقاً اختيارياً بحيث لو شاء ترك، مع أنها ليست مسبوقة بالإِرادة و لا بمبادئها، بل كفى في كونها اختيارية كون النفس «فاعلا مختاراً بالذات» بحيث تكون حقيقتها كونها مختارة، و كونها مختارة نفس حقيقتها.

و بذلك يظهر أن وِزان الإرادة بالنسبة إلى النفس وزان الصور العلمية. فكما أنَّ صدور الصور العلمية لا يتوقف على المبادئ السابقة، فكذلك ظهور الإِرادة في الضمير.

و كما أنَّ ظهور تلك الأجوبة، ظهور اختياري لدى النفس، فكذلك الإِرادة، وليس مناط اختياريتها سبق إرادة أخرى، لما عرفت من عدم كونها مسبوقة بها، بل المِلاك في اختياريتها كون النفس فاعلا مختاراً بالذات و ليس الاختيار مفصولا عن ذاتها و هويتها.


1- لبّ الأثر في الجبر و القَدَر، تقرير لدرس السيد الإِمام بقلم الأُستاذ دام ظله، مخطوط.


(312)

و إن شئت فاستوضح الحال بأفعاله سبحانه، فإنها كلها اختيارية لكن لا بمعنى كونها مسبوقة بالإرادة التفصيلية الجزئية الحادثة لكونه سبحانه منزّهاً عن مثل هذه الإرادة، و قد عرفت أنَّ حقيقة إرادته و واقع كونه مريداً هو كونه فاعلا مختاراً بالذات، فلأجل ذلك تصبح أفعاله سبحانه في ظل هذا الاختيار الذاتي، أفعالا اختيارية و النفس الإِنسانية في خلاقيتها بالنسبة إلى الصور العلمية و الإِرادة التفصيلية مثال للواجب سبحانه، (وَ للّه المَثَلُ الأعْلى وَ هُوَ العَزِيز الحَكِيمُ)(1).

و ما اشتهر من أنَّ ملاك الفعل الاختياري السبق بالإِرادة، فإنَّما هو ناظر إلى الأفعال الجوارحية الصادرة من الإنسان عن طريق الأسباب و الآلات و لا يعم كل فعل اختياري.

و يمكن أن يقال: إنَّ تعريف الفعل الاختياري بسبق الإِرادة من قبيل جعل ما بالعرض مكان ما بالذات، بل المِلاك في كونه فعلا اختيارياً للإِنسان هو انتهاء الفعل إلى فاعل مختار بالذات، و صدوره عنه بالإرادة. غير أنَّا لتسهيل الأمر على الطلاّب نتوافق على هذا التعريف في مورد الأفعال الجوارحية لا مطلقاً.

إلى هنا خرجنا بهذه النتائج:

1ـ إنَّ الأفعال النفسانية تصدر عن النفس لا بإرادة مسبقة بل يكفي في صدورها الإِختيار الذاتي الثابت للنفس.

2ـ إنّ هذه الأفعال كما هي غير مسبوقة بالإِرادة غير مسبوقة بمبادئها أيضاً، فليس قبل صدورها تصوّر و لا تصديق ولا شوق و لا عزم و لا جزم.

3ـ إنَّ الأفعال القلبية اختيارية للنفس بمِلاك الاختيار الذاتي الثابت لها.


1- سورة النحل: الآية 60.


(313)

و أمَّا الدليل على ثبوت اختيار ذاتي للنفس فيكفي في ذلك:

أولا: قضاء الفطرة و البداهة بذلك فإن كل نفس، كما تجد ذاتها حاضرة لديها فهكذا تجد كونها مختارة، و أنَّ سلطان الفعل و الترك بيدها، و لها أن تقْدم على عمل و أن لا تقدم عليه، و لا شيء أظهر عند النفس من هذا الاختيار، و إنَّ أنكره الإِنسان فإنما ينكره باللسان و هو معتقد به.

وثانياً: إنَّ فاقد الكمال لا يكون معطيه فالنفس واجدة للاختيار في مقام الفعل و يعد فعلها فعلا اختيارياً لأجل كونه مسبوقاً بالإرادة. فمفيض الاختيار في مقام الفعل واجد له في مقام الذات. و هذا نظير ما يقال: إنَّ الصور التفصيلية الظاهرة في الضمير من أفعال النفس، و هي واجدة لها في مقام الذات، فمن كانت له ملكة علم النحو ثم سئل مسائل كثيرة فأجاب عنها واحدة بعد الأخرى بأجوبة تفصيليلة فهي كانت موجودة في صميم الملكة و ذات النفس بوجود بسيط إجمالي، لا بوجود تفصيلي. و هذا يدلنا على أنَّ كل ما يظهر للنفس في مقام الفعل والتفصيل، و منه الاختيار، فهي واجدة له في مقام الذات بوجه بسيط إجمالي مناسب لمقام الذات.

إذا عرفت ذلك فنحن في غنى عن إيضاح الجواب و لعل ما ذكرناه هو مقصود صاحب المحاضرات كما نقلنا عنه. ولكنه دام ظله يصرّ على أمر لا دخالة له في الإِجابة و هو أنَّه ليست الإِرادة علّة تامة للفعل بل الفعل ـ على الرغم من وجوده و تحققه ـ يكون تحت اختيار النفس و سلطانها، و لو كانت الإِرادة علّة تامة لحركة العضلات و مؤثرة فيها لم يكن للنفس تلك السلطنة و كانت عاجزة عن التأثير فيها مع فرض وجودها.

أقول: لو كانت الإِرادة علّة تامة للفعل، أو كانت جزءاً أخيراً من العِلة التامة كما هو الحق بحيث يكون تحقق الفعل معها ضرورياً، فلا ينافي ذلك سلطان النفس و اختيارها قبل الإِرادة، إذ لها أن تتأمل فيما يترتب على الفعل و الإِرادة من الآثار السيئة و لا تريدها، ولكنها باختيارها أوجدت الإرادة و حققتها، و معها وجب صدور الفعل من النفس. و مثل هذا لا يوجب خروج


(314)

الفعل عن كونه اختيارياً. فالإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار، و الفعل و إن كان يتحقق وجوده بعدها لكن لا يخرجه اللزوم عن كونه فعلا اختيارياً، وهذا كالملقي نفسه من شاهق باختيار، لا يعد هبوطه و سقوطه فعلا خارجاً عن الاختيار، لكون مبادئه بالاختيار. فالذي يجب التركيز عليه هو اختيارية الإرادة ولا يضر وجوب الفعل بعد حصولها إذا كانت الإرادة اختيارية . فالتركيز على عدم وجوب الفعل بعد الإِرادة ـ فراراً عن اضطرارية الفعل ـ ليس بأولى من التركيز على وجوب الفعل بعد الإرادة، إذا كانت الإِرادة فعلا اختيارياً للنفس باختيار ذاتي لها.

فالذي تنحل به العقدة هو كون الإِرادة تحت سلطان النفس لا كون الفعل غير واجب بعد حصول الإرادة.

***


(315)

مناهج الجبر

(3)
الجبر المادىّ

قد تعرفت على القسمين الأولين من الجبر و هما الجبر الأشعري و الجبر الفلسفي و بقي الكلام في الجبر المادي الذي يحلل فعل الإِنسان من خلال العِلَل المادية المكونة لشخصيته: روحياته و نفسانياته. و ليست هي إلاَّ ما يعبّر عنه في ألسنتهم بـ «مثلث الشخصية»، فإنها المكونة لحقيقة كل إنسان و واقعيته التي تسوقه إلى الفعل المناسب لها «و كل إناء بما فيه ينضح». و قبل تقرير دليلهم نأتي بكلمة:

الانعتاق من القيود تحت غِطاء «الجبر»

إنَّ الاعتقاد بالجبر شيء يصادم الوجدان و الفطرة، كما يصادم ما اتفق عليه العقلاء، حتى أنَّ القائلين به في الأبحاث الفلسفية يدافعون عن الحرية في حياتهم الاجتماعية و يقفون في وجه المعتدي على حقوقهم و يشجبون عدوانه و يشكونه إلى المحاكم القانونية فهؤلاء جبريون في الفكر، ولكنهم ملتزمون بالاختيار في مقام العمل و المعاشرة، فعند ذلك ينطرح هذا السؤال:

ما هذا التناقض بين الفِكْر و العمل؟ و لماذا يدّعي هؤلاء أنَّ الإِنسان


(316)

مُسَيّر لا مُخَيّر، مع أنهم يعاملون الإِنسان في حياتهم معاملة الموجود المختار؟

الحق أنَّ هنا دوافع مختلفة بعضها إجتماعية و بعضها الآخر سياسية.

أما الأولى: فلأنَّ هؤلاء يريدون تجاهل القوانين و تجاوز الحدود و الحصول على الحرية المطلقة في العمل، و الإنحلال عن كل قيد و رفض كل قاعدة إجتماعية و أخلاقية. و من الطبيعي أنَّ هذا لا يجتمع مع تحمل المسؤولية المترتبة على الحرية و الإِختيار، فلا بدّ من اللجوء إلى أصل فلسفي يرفع عن كاهل الإنسان تلك المسؤولية و ليس هو إلاَّ القول بالجبر و كون الإنسان مسيّراً.

و أما الثانية: فأكثر أصحاب هذه الفِكرة هم السلطات الغاشمة الفارضة نفسها و سلطانها على الناس بالقهر، فهم يروجون تلك الفِكرة حتى يبرروا بها أفعالهم الإِجرامية.

و لأجل ذلك يصوّر شاعر مبدع العامل الأول قائلا:

سألتَ المُخَنَّثَ عَنْ فِعْلِهِ * عَلاََمَ تَخَنَّثْتَ يَا مَاذِقُ
فَقَال ابتلاني بداء عُضَال * وأَسْلَمَني القَدَرُ السَّابقُ
ولُمْت الزُّناةَ على فِعْلِهِمْ * فقالوا بِهذا قَضَى الخَالِقُ
وَ قُلْتُ لآكِلِ مَالِ اليَتِيمِ * أَكلتَ و أنت امْرُؤٌ فَاسِقُ
فَقَال وَلَجْلَج فِي قَوْلِهِ * أَكلتُ وَ أَطعَمَنِي الْخَالِقُ
وَكُلُ يُحيلُ عَلى رَبِّهِ * وَ مَا فِيهمُو أحدٌ صَادِقُ

هذا فِكْرُ جَبْريِّ العصورِ السابقة، و أمَّا الجبرىّ المادىّ المعاصر، فقد أخذ هذا المنطق و نسبه إلى العوامل المادية ليصل إلى ما وصل إليه الجبري السابق من الإنحلال من القيود.


(317)

العوامل المُكوّنة للشخصية

إستند أصحاب هذه النظرية إلى أنَّ الإِنسان و إن كان حرّاً في ظاهره ولكن إذا لوحظت العوامل التي تكوّن شخصيتهُ الفكرية، لحكمنا بأنَّه لا مناص له إلاَّ بالجنوح إلى ما توحي إليه نفسيته.

و العوامل المكونة لشخصيته: تفكراته و تعقلاته، و روحياته ونفسانياته، تتلخص في النواميس التالية:

1ـ الوراثة، 2ـ الثقافة، 3ـ البيئة.

ففي ناموس الوراثة، يرث الأولاد من آبائهم و أُمهاتهم السجايا العليا أو الصفات الدنيئة، فهي تنتقل عن طريق الحيوان المنوي في الأب و البويضة في الأم إلى الوليد، و من خيوطهما تنسج خيوط شخصيته، و بحسبها يكون سلوكه.

و أما الثقافة و التعليم، فلهما أيضاً تأثير في شخصية الإِنسان، فمن هذا الطريق تزرع في كيانه الشخصي الأفكار الخاصة من توحيد أو إلحاد، و ثورة أو خمود، و قناعة أو حرص، إلى غير ذلك من الروحيات التي لها اقتضاء خاص و بحسبها يميل الإِنسان إلى سلوك معين.

و أما البيئة و المحيط، فالإنسان وليد بيئته في سلوكه و خلقه، و لأجل ذلك نجد اختلاف السلوك في المجتمعات حسب اختلاف البيئات.

هذه هي العوامل البنّاءة لشخصية الإِنسان و روحياته، و كل إنسان يحوك على نولها و يعمل بحسب اقتضائها. و على ضوء هذا، فكل فعل ينتهي إلى علّة موجبة لوجود الفعل، و ليست هي إلاَّ شخصيته المتكونة من العوامل المحيطة به السائقة له نحو الفعل. حتى أنَّ الإِرادة التي تعدّ رمزاً للإِختيار، وليدة تلك العوامل في صقع النفس. فإذا كانت هذه العوامل خارجة عن الإِختيار، فما ينتهي إليها كذلك.

يلاحظ عليه: إنّه لا شك في تأثير هذه العوامل في تكوين الشخصية،


(318)

و لكن ليس تأثيرها إلى درجة يسلب الإِختيار من الإِنسان. إذ لو صحّ هذا، للزم بطلان جهود المربّين، و صيرورة أعمال المصلحين هواءً في شَبَك. بل هذه العوامل لا تعدو عن كونها مقتضيات و أرضيات تطلب أموراً حسب طبيعتها، و لكن وراءها حرية الإِنسان و اختياره. و قد خلط المادي في هذه النظرية بين الإِيجاب و الإِقتضاء، و العلَّة التامة و العلَّة الناقصة. و لأجل إيضاح مدى تأثير هذه العوامل نبحث عن كل واحدة منها على وجه الإِجمال.

أما الوراثة فهي ناموس مقبول في الجملة، ولكن لا يعلم حدودها سعة وضيقاً، فلا شك أن الأولاد يرثون الصفات الخلقية و الروحية على وجه الإجمال ولكن ما يتركه الآباء و الأُمهات في هذا المجال ينقسم إلى نوعين:

1ـ ما يفرض على الأولاد فرضاً لا يمكن إزالته مثل الحمق، و البلادة، و العقل و الذكاء، و الجبن، و الشجاعة و غير ذلك مما لا يمكن إزالته في الأغلب بالجهود التربوية و الإِصلاحية.

2ـ ما يرثه الأولاد على وجه الأرضية و الإِقتضاء، و بصورة تأثير العلّة الناقصة، فيمكن إزالة آثاره بالوسائل التربوية و الطرق العلمية و ذلك كالأمراض الموروثة كالسل و غيره، و مثل هذا القسم طائفة كبيرة من الروحيات كحالة الطغيان و التمرد فإنه يمكن إزالتها برفَع مستوى فكر الإِنسان و عقليته، و إيقافه على عواقب العصيان. فليس كل ما يرثه الأولاد من الآباء و الأمهات مصيراً لازماً و قضاءً حتماً، بل هناك فوق بعض ذلك إرادة الإِنسان و اختياره و سائر العوامل التربوية المغيرة لأرضية الوراثة.

و أما التعليم و الثقافة، فلا شك في تأثيرهما في شخصية الإِنسان و لتأثيرهما شواهد جمّة في التاريخ، ولكن ليس دور التعليم في تكوين الشخصية على وجه الإيجاب، فله قبول ما يلقى إليه من المفاهيم و التعاليم، كما أنَّ له رفضها، ولأجل ذلك يختلف خريجو الثقافة الواحدة بين قابل لما أوحته إليه، و رافض له. و هذا دليل على أنَّ الثقافة لا تؤثر إلاَّ بشكل غير إيجابي.


(319)

و أما الثالث من العوامل أعني البيئة، فلها دور خاص في تكوين الشخصية، فالقاطنون في المناطق الحارة تختلف طباعهم و روحياتهم عمن يعيشون في المناطق الباردة، لكن العوامل الطبيعية و الجغرافية كالعاملين السابقين لا تبلغ في التأثير حدّ الجبر بحيث لا يتمكن الإِنسان من التخلص من أثرها.

فإذا كان تأثير كل منها تأثيراً اقتضائياً، فليس مجموعها أيضاً مؤثراً على وجه الإِيجاب بحيث لا يمكن تغيير آثارها بالعوامل المشابهة. و ليس الإِنسان بعدما تأثر بالوراثة و الثقافة و البيئة كمجسمة حجرية لا يمكن تغيير صفتها أو جزئها إلاَّ بالقضاء عليها، بل الإنسان بعد ذلك قابل للتأثّر و التغيير في ظل عاملين مختلفين:

1ـ التفكر و التدبّر في صالح أعماله و طالح أفعاله، و ما يترتب عليهما من الآثار و المضاعفات، سواء أكانت الأفعال مناسبة لشخصيته المكونة في ظل تلك العوامل، أو منافية لها. و إنكار ذلك إنكار للبداهة.

2ـ الوقوع في إطار ثقافة وبيئة تختلف عمّا كان فيه، فلا شك أنَّ لهذين العاملين، حتى في السنين المتأخرة من العمر، تأثير في إزالة بعض أو كل ما خلفته العوامل السابقة. و هذا دليل على أنَّ المثلث الماضي لم يكن مؤثراً بنحو الإيجاب حتى لا يمكن التخلّف عنه، بل التأثير بشكل الإِقتضاء.

و في الختام، لا يمكن لإنسان أن ينكر دور الأنبياء و المصلحين في تغيير الأجيال و المجتمعات بعدما تمت شخصيتهم وتكونت روحياتهم و نفسانياتهم و كم لذلك من شواهد تاريخية نتركها للباحث.

***


(320)


(321)

مناهج الإختيار

(1)
الإختيار المعتزلي

لقد وقفت في البحوث السابقة على مناهج الجبر و اختلافها، فحان وقت البحث عن مناهج الإختيار باختلافها، فأكثر المعتزلة إلاَّ من شذّ ـ كالنجار و أبي الحسين البصري(1) ـ يقولون بأنَّ أفعال العبد واقعة بقدرة العبد وحدها على سبيل الإستقلال بلا إيجاب بل باختيار(2).

ولبُ مذهبهم و من حذا حذوهم أنَّ الله تعالى أوجد العباد و أقدرهم على أفعالهم و فوّض إليهم الإِختيار. فهم مستقلون بإيجاد أفعالهم على وِفْقِ مشيئتهم، و طبق قدرتهم. و أنَّ اللّه أراد منهم الإيمان و الطاعة وكره منهم الكفر و المعصية. قالوا: و على هذا يترتب أمور:

1ـ فائدة التكليف بالأوامر و النواهي، و فائدة الوعد و الوعيد.

2ـ إستحقاق الثواب و العِقاب.

3ـ تنزيه اللّه سبحانه عن إيجاد القبائح و الشرور من أنواع الكفر و المعاصي و المساوئ ...


1- لاحظ حاشية شرح المواقف، لعبد الحكيم السيالكوتي، ج 2، ص 146.
2- و لعل قولهم بلا إيجاب إشارة إلى أنَّ الفعل حال الصدور لا يتصف بالوجوب أيضاً و القاعدة الفلسفية (الشيء ما لم يجب لم يوجد) غير مقبولة عندهم.


(322)

قال السيد الشريف في (شرح المواقف): «إن المعتزلة استدلوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد و هو أنه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الإختيار لبطل التكليف، و بطل التأديب الذي ورد به الشرع، وارتفع المدح و الذم، إذ ليس للفعل استناد إلى العبد أصلا، و لم يبق للبعثة فائدة، لأن العباد ليسوا موجدين لأفعالهم، فمن أين لهم استحقاق الثواب و العِقاب»(1).

هذه هي النتائج المترتبة على أصلهم: استقلال العبد في أفعاله، و عدم وجود الصلة بينه و بين اللّه سبحانه.

ولأجل أن نقف على نصوص المعتزلة في هذا الباب نقتطف من شرح الأصول الخمسة لقاضي القُضاة عبد الجبار بن أحمد شيخ المعتزلة في عصره المتوفى عام 415، عدة مقاطع:

يقول: قد عُلم عقلا و سمعاً فساد ما تقوله المجبرة الذين ينسبون أفعال العباد إلى اللّه تعالى و جملة القول في ذلك أن تصرفاتنا محتاجة إلينا و متعلقة بنا لحدوثها.

و عند جَهْم بن صفوان أنها لا تتعلق بنا و يقول إنما نحن كالظروف لها حتى إن خُلق فينا كان، و إن لم يخلق لم يكن.

و عند ضرار بن عمرو أنها متعلقة بنا و محتاجة إلينا، لكن جهة الحاجة إنما هو الكسب و قد شارك جهماً في المذهب وزاد عليه في الإحالة (الكسب). وما ذكره جهم على فساده معقول وما ذكره هو غير معقول اصلا.

فأمَّا المتخلفون من المجبرة فقد قسموا التصرفات قسمين، فجعلوا أحد القسمين متعلقاً بنا و هو المباشر، و القسم الآخر غير متعلق بنا و هو المتولد (كالإِحراق المتولد من إلقاء القرطاس في النار).


1- شرح المواقف، ج 8، ص 154. ولاحظ الأسفار، ج 6، ص 370.


(323)

ثم استدل القاضي على مذهبه بوجوه نشير إلى بعضها:

قال: و الذي يدل على ذلك:

الأول: أن نفصل بين المحسن و المسيء، و بين حسن الوجه و قبيحه، فنحمد المحسن على إحسانه و نذم المسيء على إساءته. و لا تجوز هذه الطريقة في حسن الوجه و قبيحه، و لا في طول القامة و قصرها، حتى لا يحسن منا أن نقول للطويل لم طالت قامتك و لا للقصير لم قصرت. كما يحسن أن نقول للظالم لم ظلمت و للكاذب لِمَ كَذِبْت، فلولا أنَّ أحدهما متعلق بنا و موجود من جهتنا بخلاف الآخر، و إلاَّ لما وجب هذا الفصل، و لكان الحال في طول القامة و قصرها كالحال في الظلم و الكذب و قد عُرف فساده.

الثاني: إنَّه يلزم قبح مجاهدة أهل الروم و غيرهم من الكفار لأنَّ للكفرة أن يقولوا: إن كان الجهاد على ما خلق فينا و جعلنا بحيث لا يمكننا مفارقته و الإِنفكاك عنه فذلك جهاد لا معنى له.

الثالث: ما ثبت من أنَّ العاقل لا يشوّه نفسه كأن يعلق العظام في رقبته. و إذا وجب ذلك في الواحد منَّا فلأَنّ يجب في حق القديم تعالى و هو أحكم الحاكمين أولى و أحرى. و على مذهبهم (المجبرة) إنَّه تعالى شوّه نفسه وسوّأ الثناء عليه و أراد منهم كل ذلك تعالى عمَّا يقولون.

الرابع: إنَّ في أفعال العباد ما هو ظلم و جور، فلو كان تعالى خالقاً لها لوجب أن يكون ظالماً و جائراً تعالى اللّه عن ذلك.

الخامس: الإِستدلال بِعِدَّة من الآيات منها قوله: (ما تَرى في خَلْقِ الرَّحمنِ مِنْ تَفَاوُت)(1). فقد نفى سبحانه التفاوت عن خلقه، و ليس المراد التفاوت في الخلق لوجوده فيه، بل المراد التفاوت من جهة الحكمة. إذا ثبت هذا لم يصح في أفعال العباد أن تكون من جهة اللّه تعالى لا شتمالها على التفاوت وغيره.


1- سورة الملك: الآية 3.


(324)

ثم إنَّ القاضي يرد على أدلة الأشاعرة التي نقلناها عنهم(1).

و أنت خبير بأنَّ هذه الدلائل على فرض تماميتها ترد القول بالجبر أي ارتباط أفعال العباد باللّه سبحانه و انقطاعها عن العبد و لا تثبت العكس، و أنَّ فعل العبد مخلوق للعبد لا صلة له بنحو من الأنحاء باللّه سبحانه كما هو مدّعى المعتزلة، ولأجل ذلك هنا منهج ثالث و هو الأمر بين الأمرين كما سيوافيك:

و في الحقيقة إنّ هذه الطائفة تنكر التوحيد الأفعالي الذي ركّز عليه النقل و العقل، و هو أنَّه لا خالق إلاَّ اللّه سبحانه.

توضيح ذلك: إنَّ دافع المعتزلة إلى القول بالتفويض هو الحفاظ على وصف من أوصافه سبحانه و هو «العدل». فلما كان العدل عندهم هو الأصل و الأساس في سائر المباحث، عمدوا إلى تطبيق مسألة أفعال العباد عليه فخرجوا بهذه النتيجة: إنَّ القول بكون أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه ينافي عدله. و لجأوا بعدها إلى القول بأنها من صنع العبد و ليس للّه فيها أي صنع. و لمَّا كان الأصل عند الأشاعرة هو التوحيد الأفعالي و أنه لا مؤثر إستقلالا و لا تبعاً غيره سبحانه، عمدوا إلى تطبيق هذه المسألة على أساسهم. فجعلوا أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه و ليس للعبد فيها صنع.

فالطائفتان لم تتدبرا في مسألة أفعال العباد تدبراً عميقاً، بل جعلتا النظر فيها فرعاً للنظر في الأصل الذي تبنتاه. و قد غفلتا عن أنَّ هناك طريقاً ثالثاً يجتمع فيه الأصلان: التوحيد الأفعالي و وصف العدل، مع القول بالإِختيار، كما سيتضح ذلك عند البحث عن المنهج الثالث للإِختيار.

فلنعطف عنان الكلام إلى الأصل الفلسفي الذي بُني عليه القول بتفويض أفعال العباد إلى أنفسهم.


1- لاحظ شرح الأصول الخمسة، ص 332 و 336 و 344 و 345 و 355 و 372.


(325)

حاجة المُمْكِن إلى العِلّة تنحصر في حُدوثه

قالوا: إنَّ سِرّ حاجة الممكن إلى الواجب و المعلول إلى العلّة هو حدوثه الذي يفسّر بالوجود المسبوق بالعدم و انقلاب العدم إليه. فإذا حدث الممكن ترتفع الحاجة، لأنَّ البقاء شيء و الحدوث شيء آخر. إذ الحدوث لا ينطبق إلاَّ على الوجود الأول القاطع للعدم. و أمَّا الوجودات اللاحقة فلا تتصف بالحدوث بل تتصف بالبقاء، فعندئذ يكون الشيء في بقاء ذاته غير محتاج إلى العلّة. فإذا كان هذا حال الذات، فكيف حال الأفعال، فلا يحتاج في أعماله إلى العِلّة.

ولأجل ذلك يفعل العباد أو يتركون بقدرة و إرادة من أنفسهم، و لا صلة في هذه الحال بين الذات و الأفعال، و الواجب الحكيم سبحانه.

يقول الشيخ الرئيس حاكياً عقيدة المفوضة: «و قد يقولون: إنَّه إذا أوجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل حتى أنَّه لو فُقِدَ الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً كما يشاهدونه من فقدان البنّاء و قوام البناء. و حتى أنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول: لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمه وجودَ العالم لأنَّ العالم عندهم إنما احتاج إلى الباري تعالى في آن أوجده (أخرجه من العدم إلى الوجود) حتى كان بذلك فاعلا، فإذا جعل و حصل له الوجود من العدم، فكيف يخرج بعد ذلك الوجود عن العدم حتى يحتاج إلى الفاعل»(1).

تحليل هذا الأصل و نقده

إنَّ هذا الأصل الذي بنى عليه القوم نظريتهم في أفعال العباد، بل في أفعال و آثار كل الكائنات، باطل لوجوه نشير إليها:

الوجه الأول: إنَّ مناط حاجة المعلول إلى العلّة هو الإِمكان أي عدم


1- الإشارات للشيخ الرئيس، ج 3، ص 68. لاحظ كشف المراد، الفصل الأول، المسألة 29، و المسألة 44. و الأسفار، ج 2، ص 203 ـ 204.


(326)

كون وجوده نابعاً من ذاته، و كون الوجود و العدم بالنسبة إلى ذاته متساويان، و هذا المِلاك موجود في حالتي البدء و البقاء، و أمَّا الحدوث فليس ملاكاً للحاجة فإنه عبارة عن تحقق الشيء بعد عدمه، و مثل هذا أمر انتزاعي ينتزع بعد اتصاف الماهية بالوجود، و مِلاك الحاجة يجب أن يكون قبل الوجود لا بعده.

إنَّ الحدوث أمر منتزع من الشيء بعد تحققه، و يقع في الدرجة الخامسة من محل حاجة الممكن إلى العِلّة. و ذلك لأن الشيء يحتاج أولا ثم تقترنه العلة ثانياً، فتوجده ثالثاً، فيتحقق الوجود رابعاً، فينتزع منه وصف الحدوث خامساً. فكيف يكون الحدوث مناط الحاجة الذي يجب أن يكون في المرتبة الأولى و قد اشتهر قولهم: الشيء قُرّرَ (تُصُوِّر)، فاحتاج، فأوجد، فُوجِد، فحَدَث.

وبعبارة ثانية: ذهب الحكماء إلى أنَّ مناط الحاجة هو كون الشيء (الماهية) متساوي النسبة إلى الوجود و العدم، و أنَّه بذاته لا يقتضي شيئاً واحداً من الطرفين و لا يخرج عن حد الإِستواء إلاَّ بعلة قاهرة تجره إلى أحد الطرفين، و تخرجه عن حالة اللاإقتضاء إلى حالة الإِقتضاء فإِذا كان مناط الحاجة هو ذاك (إن الشيء بالنظر إلى ذاته لا يقتضي شيئاً) فهو موجود في حالتي الحدوث و البقاء. و القول باستغناء الكون في بقائه، عن العلّة، دون حدوثه، تخصيص للقاعدة العقلية التي تقول: إِنَّ كل ممكن مادام ممكناً بمعنى ما دام كون الوجود غير نابع من ذاته يحتاج إلى علّة، و تخصيص القاعدة العقلية مرفوض جداً.

و يشير الحكيم المتألّه الشيخ محمد حسين الأصفهاني في منظومته إلى هذا الوجه بقوله:

و الإِفتقَارُ لازمُ الإِمكَانِ * منْ دُون حَاجَة إلى البُرْهَانِ

لاَ فَرْقَ ما بينَ الحُدوثِ والبَقا * في لازمِ الذَّات ولَنْ يَفْتَرِقا

الوجه الثاني: إنَّ القول بأنَّ العالم المادي بحاجة إلى العلّة في


(327)

الحدوث دون البقاء، يشبه القول بأنَّ بعض أبعاد الجسم بحاجة إلى العلة دون الأبعاد الأخرى. فإنَّ لكل جسم بعدين، بعداً مكانياً و بعداً زمانياً، فامتداد الجسم في أبعاده الثلاثة، يشكل بعده المكاني. كما أنَّ بقاءه في عمود الزمان يشكل بعده الزماني. فالجسم باعتبار أبعاضه، ذو أبعاد مكانية، و باعتبار استمرار وجوده مدى الساعات و الأيام ذو أبعاد زمانية. فكما أنَّ حاجة الجسم إلى العلّة لا تختص ببعض أجزائه و أبعاضه بل الجسم في كل بعد من الأبعاد المكانية محتاج إلى العلّة، فكذا هو محتاج إليها في جميع أبعاده الزمانية، حدوثاً و بقاء من غير فرق بين آن الحدوث و آن البقاء و الآنات المتتالية. فالتفريق بين الحدوث و البقاء يشبه القول باستغناء الجسم في بعض أبعاضه عن العلّة. فالبعد الزماني و المكاني وجهان لعملة واحدة، و بعدان لشيء واحد فلا يمكن التفكيك بينهما.

و تظهر حقيقة هذا الوجه إذا وقفنا على أنَّ العالم في ظل الحركة الجوهرية، في تبدل مستمر، و تغيير دائم نافذين في جوهر الأشياء و طبيعة العالم المادي، فذوات الأشياء في تجدد دائم و اندثار متواصل. و العالم حسب هذه النظرية أشبه بنهر جار تنعكس فيه صورة القمر، فالناظر الساذج يتصور أنَّ هناك صورة منعكسة على الماء و هي باقية ثابتة و الناظر الدقيق على أنَّ الصور تتبدل حسب جريان الماء و سيلانه، فهناك صور مستمرة.

و على ضوء هذه النظرية: العالم المادي أشبه بعين نابعة من دون توقف حتى لحظة واحدة. فإذا كان هذا حال العالم المادي، فكيف يصح لعاقل أن يقول: إنَّ العالم و منه الإِنسان إنما يحتاج إلى العلّة في حدوثه دون بقائه، مع أنَّه ليس هنا أي بقاء و ثبات بل العالم في حدوث بعد حدوث و زوال بعد زوال، على وجه الإتصال و الإِستمرار بحيث يحسبه الساذج بقاءً، و هو في حال الزوال و التبدل و السيلان: (وَ تَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جَامِدَةً و هي تَمُرّ مَرَّ السَّحَابِ)(1).


1- سورة النمل: الآية 88. البحث عن الحركة الجوهرية طويل الذيل و قد أشبع الأستاذ الكلام فيها في بعض محاضراته. لاحظ كتاب «اللّه خالق الكون» ص 525 ـ 555 تجد فيه بغيتك.


(328)

الوجه الثالث: إنَّ القول بحاجة الممكن إلى العلة في حدوثه دون بقائه غفلة عن واقعية المعلول و نسبته إلى علّته فإن وزانه إليها وزان المعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الإِسمي. فكما أنَّه ليس للأول الخروج عن إطار الثاني في المراحل الثلاث: التصوّر، و الدّلالة، و التحقّق، فهكذا المعلول ليس له الخروج عن إطار العلّة في حال من الحالين الحدوث و البقاء (1) .

فإذا كان هذا حال المقاس عليه فاستوضح منه حال المقاس، فإنَّ المفاض منه سبحانه هو الوجود و هو لا يخلو عن إحدى حالتين: إمَّا وجود واجب أو ممكن، و الأول خلف لأن المفروض كونه معلولا، فثبت الثاني، و ما هو كذلك لا يمكن أن يخرج عمَّا هو عليه (الإمكان) فكما هو ممكن حدوثاً، ممكن بقاء، و مثل ذلك لا يستغني عن الواجب في حال من الحالات لأن الإِستغناء آية انقلابه عن الإِمكان إلى الوجوب، و عن الفقر إلى الغنى.

نعم، ما ذكرنا من النسبة إنما يجري في العلل، و المعاليل الإلهية لا الفواعل الطبيعية، فالمعلول الإلهي بالنسبة إلى علته هو ما ذكرنا، و المراد من العلّة الإلهية، مفيض الوجود و معطيه كالنفس بالنسبة إلى الصور التي تخلقها في ضميرها، و الإِرادة التي توجدها في موطنها، ففي مثل هذه المعاليل، تكون نسبة المعلول إلى العلّة، كنسبة المعنى الحرفي إلى الإِسمي.

و أمَّا الفاعل الطبيعي، كالنار بالنسبة إلى الإِحراق، فخارج عن إطار بحثنا، إذ ليس هناك عليّة حقيقية، بل حديث العلية هناك لا يتجاوز عن تبديل أجزاء النار إلى الحرارة. و ذلك كما هو الحال في العلل الفيزيائية


1- سيوافيك توضيح هذا التشبيه عند البحث عن المنهج الثالث للإِختيار و هو القول بالأمر بين الأمرين.


(329)

و الكيميائية، فالعليّة هناك تبدل المادة إلى غيرها في ظل شرائط و خصوصيات توجب التبدّل و ليس هناك حديث عن الإيجاد و الإِعطاء.

و على ذلك فالتفويض أي استقلال الفاعل في الفعل يستلزم انقلاب الممكن و صيرورته واجباً في جهتين:

الأولى: الإِستغناء في جانب الذات من حيث البقاء.

الثانية: الإِستغناء في جانب نفس الفعل مع أنَّ الفعل ممكن مثل الذات.

الوجه الرابع: إنَّ القول بالتفويض يستلزم الشرك، أي الإِعتقاد بوجود خالقين مستقلين أحدهما العلّة العليّا التي أحدثت الموجودات و الكائنات و الإِنسان، و الأخرى الإِنسان بل كل الكائنات فإنها تستقل بعد الخلقة و الحدوث في بقائها أولا و تأثيراتها ثانياً.

فلو قالت المعتزلة بالتفصيل بين الكائنات و الإِنسان و نسبت آثار الكائنات إلى الواجب بحجة أنها لا تنافي العدل دون الإِنسان، يكون التفصيل بلا دليل.

ثم إنَّ القوم استدلوا على المسألة العقلية (غناء الممكن في بقائه عن العلّة) بالأمثلة المحسوسة، منها: بقاء البناء و المصنوعات بعد موت البنّاء و الصانع، ولكن التمثيل في غير محلّه لأنَّ البنّاء و الصانع فاعلان للحركة أي ضم بعض الأجزاء إلى بعض و الحركة تنتهي بانتهاء عملهما فضلا عن موتهما. و أمَّا بقاء البناء و المصنوعات فهو مرهونٌ للنظم السائد فيهما فإن البناء يبقى بفضل القوى الطبيعية الكامنة فيه، التي أودعها اللّه سبحانه في صميم الأشياء فليس للبنَّاء و الصانع فيها صنع، و أمَّا الهيئة و الشكل فهما نتيجة اجتماع أجزاء صغيرة، فتحصل من المجموع هيئة خاصة و ليس لهما فيها أيضاً صنع.


(330)

تمثيلان لإِيضاح الحقيقة

الحق أنَّ قياس المعقول بالمحسوس الذي ارتكبته المعتزلة قياس غير تام ولو أراد المحقق ارتكاب لهذا القياس و التمثيل فعليه أن يتمسك بالمثالين التاليين:

الأول: إنَّ مَثَلَ الموجودات الإِمكانية بالنسبة إلى الجواب، كمثل المصباح الكهربائي المضيء، فالحس الخاطئ يزعم أنَّ الضوء المنبعث من هذا المصباح هو استمرار للضوء الأول، و يتصور أنَّ المصباح إنَّما يحتاج إلى المولّد الكهربائي في حدوث الضوء، دون استمراره.

و الحال أنَّ المصباح فاقد للإِضاءة في مقام الذات محتاج في حصولها إلى ذلك المولد في كل لحظة، لأنَّ الضوء المتلألئ من المصباح إنما هو استضاءَة بعد استضاءَة، و استنارة بعد استنارة من المولد الكهربائي. أفلا ينطفئ المصباح إذا انقطع الإِتصال بينه و بين المولد؟ فالعالم يشبه هذا المصباح الكهربائي تماماً، فهو لكونه فاقداً للوجود الذاتي يحتاج إلى العلّة في حدوثه وبقائه لأنه يأخذ الوجود آناً بعد آن، و زماناً بعد زمان.

الثاني: نفترض منطقة حارّة جافّة تطلع عليها الشمس بأشعتها المُحرقة الشديدة. فإذا أردنا أن تكون تلك المنطقة رطبة دائماً بتقطير الماء عليها، و إفاضته بما يشبه الرذاذ، فإن هذا الأمر يتوقف على استمرار تقاطر الماء عليها ولو انقطع لحظة ساد عليها الجفاف وصارت يابسة.

فمثل الممكن الذي يتصف بالوجود باستمرار، مثل هذه الأرض المتصفة بالرطوبة دائماً، فكما أنَّ الثاني رهن استمرار إفاضة قطرات الماء عليها آناً بعد آن، فهكذا الأول لا يتحقق إلاَّ باستمرار إفاضة الوجود عليه آناً بعد آن. و لو انقطع الفيض و الصلة بينه و بين المفيض لا نعدم و لم يبق منه أثر.

***


(331)

التفويض في الكتاب و السنَّة

إنَّ الذكر الحكيم يَردّ التفويض بحماس و وضوح:

1ـ يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إِلى اللّهِ و اللّهُ هُو الغَنِىُّ الحَمِيدُ)(1).

فالآية نصّ في كون الفقر ثابت للإِنسان في جميع الأحوال، فكيف يستغني عنه سبحانه بعد حدوثه، و في بقائه. أو كيف يستغنى في فعله عن الواجب مع سيادة الفقر عليه.

2ـ و يقول سبحانه: (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّه، وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ)(2) فاللّه تعالى ينسب الحسنة الصادرة من العبد إليه تعالى. فلو لم تكن هناك صلة بين الخالق و فعل العبد فما معنى هذه النسبة؟

3ـ و يقول سبحانه: (وَ مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللّه)(3).

4ـ و يقول سبحانه: (كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّه)(4).

5ـ و يقول سبحانه: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّه)(5).

6ـ و يقول سبحانه: (وَ ما كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّه كِتاباً مَؤَجَّلا)(6).


1- سورة فاطر: الآية 15.
2- سورة النساء: الآية 79.
3- سورة البقرة: الآية 102.
4- سورة البقرة: الآية 249.
5- سورة البقرة: الآية 251.
6- سورة آل عمران: الآية 145.


(332)

7- و يقول سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّه)(1).

إلى غير ذلك من الآيات التي تقيد فعل الإِنسان بإذنه، و المراد منه مشيئته سبحانه. فيكون المراد أنَّ أفعال العباد واقعة في إطار مشيئته تعالى، فكيف تستقل عنه سبحانه؟ و ما ورد في الذكر الحكيم مما يفنّد هذه المزعمة أكثر من ذلك. و قد ذكرنا بعض الآيات عند البحث عن الجبر الأشعري فلاحظ.

و أمَّا السنَّة، فقد تضافرت الروايات على نقد نظرية التفويض بصور مختلفة نذكر بعضها:

1ـ روى الصدوق في (الأمالي) عن هشام قال: قال أبو عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إنَّا لا نقول جبراً و لا تفويضاً»(2).

2ـ روى الصدوق في (الأمالي) أيضاً عن حريز عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل زعم أنَّ اللّه عزوجل أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظَلَم اللّه عزوجل في حكمه، و هو كافر. و رجل يزعم أنَّ الأمر مفوّض إليهم فهذا وهّن اللّه في سلطانه، فهو كافر. و رجل يقول: إنَّ اللّه عزّوجل كلّف العباد ما يطيقون و لم يكلفهم ما لا يطيقون فإذا أحسن حمد اللّه و إذا أساء استغفر اللّه، فهذا مسلم بالغ»(3).

3ـ روى الطّبرسي في (الإِحتجاج) عن أبي حمزة الثمالي أنَّه قال: قال أبو جعفر للحسن البصري: «إِيَّاك أن تقول بالتفويض فإنَّ اللّه عزوجل لم يفوّض الأمر إلى خلقه وَهْناً منه و ضعفاً، و لا أجبرهم على معاصيه ظلماً»(4).


1- سورة يونس: الآية 100.
2- البحار، ج 5، كتاب العدل و المعاد، ص 4، ح 1.
3- المصدر السابق، ص 10، ح 14.
4- المصدر السابق، ح 26.


(333)

4ـ روى الصدوق في (توحيده)، و البرقي في (محاسنه) عن هشام بن سالم عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «اللّه تبارك و تعالى أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، و اللّه أعَزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد»(1).

5ـ روى الصدوق في (توحيده) عن حفص بن قرط: عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من زعم أنَّ اللّه تبارك و تعالى يأمر بالسوء و الفحشاء فقد كذب على اللّه. و من زعم أنَّ الخير والشر بغير مشيّة الله، فقد أخرج الله من سلطانه. ومن زعم أنَّ المعاصي بغير قوّة اللّه، فقد كذب على اللّه، و من كذب على اللّه أدخله اللّه النار»(2).

6ـ روى الصدوق في (عيون أخبار الرضا) عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «مساكين القدرية، أرادوا أن يصفوا اللّه عزَّوجلَّ بعدله فأخرجوه من قدرته و سلطانه»(3) و الحديث يشير إلى ما ذكرناه في صدر البحث من أنَّ المعتزلة لما جعلوا العدل أصلا فرّعوا القول بالتفويض عليه، غافلين عن الطريق الذي يجمع بين العدل و وقوع الفعل في سلطانه سبحانه.


1- المصدر السابق، ح 64. و التَّوحيد لصدوق باب نفي الجبر و التفويض، ص 360، ح 4.
2- المصدر السابق، ح 85، و التوحيد، ص 359، ح 2.
3- المصدر السابق، ص 54، ح 93.


(334)


(335)

مناهج الإِختيار

(2)
الإِختيار لدى الوجوديين

الإِختيار لدى الوجوديين ـ الذائع الصيت في الغرب ـ يقوم مقام التفويض لدى المعتزلة في الشرق الإِسلامي غير أن الداعي يختلف عند الفرقتين، فالمعتزلي الشرقي قال بثبوت الإِختيار للإِنسان في أفعاله بصورة التفويض حفاظاً على العدل الإِلهي. و الوجودي الغربي ذهب إلى أنَّ الإِنسان يتكون و يتولد مجرداً عن كل لون و صبغة، و عن كل ميل و غريزة، للحفاظ على حريته و عدم انسياقه بالذات إلى جانب خاص.

و إذا كان التَّفويض المعتزلي ردّ فعل على الجبر المعروف بين أهل الحديث والحنابلة، ثم الأشاعرة، فالإختيار لدى الوجوديين بالنحو السابق ردّ فعل على الجبري المادي الذي يعتقد بأنَّ الإِنسان يتولد و هو أسير عامل الوراثة ثم الثقافة و البيئة. فالوجوديون تقدموا في إثبات الإِختيار إلى حدّ أنكروا أن يكون لغير فعل الإِنسان و عمله تأثير في تكوّن شخصيته.

و من روّاد هذا المسلك في الأوساط الغربية الفيلسوف الفرنسي جان پول سارتر(1) و حاصل مذهبه:


1- ولد في باريس عام 1905.


(336)

إِنَّ وجود الإِنسان متقدم على طبيعته و ماهيته فهو يتكون بلا ماهية و يتولد بلا قيد. ثم إِنَّه بفعله و عمله في ظل إرادته و اختياره، يصنع لنفسه شخصية. و على ذلك فما اشتهر من وجود الميول و الغرائز في الوجود الإنساني التي تضفي على وجود الإنسان لوناً و صبغة و توجد فيه انحيازاً إلى نقطة و تمايلا إلى شيء، ليس بصحيح لأن الإعتراف بوجود هذه الغرائز، سواء أكانت علوية أو سفلية يزاحم اختياره و حريته، و يسلب منه الحرية التامة و التساوي بالنسبة إلى كل شيء.

فلأجل الحفاظ على حرية الإِنسان و كونه موجوداً فعّالا بالإختيار و حرّاً في الإِنتخاب يجب إنكار كل عقيدة مسبقة (يريد نفي القضاء و القدر)، و كل مصير يجعله مسيّراً. و هذا هو المراد ممّا اشتهر منهم بأنَّ الإنسان يتكون بلا ماهية(1).

مناقشة النظرية

إنَّ للإِنسان ماهيتين:

1ـ ماهية عامة يتكون معها و يتولد بها.

2ـ ماهية خاصة يكتسبها في ضوء إرادته عن طريق العمل.

و عدم التفرقة بين الماهيتين دفعهم إلى الإِعتقاد بتكون الإِنسان و تولده مجرّداً عن كل صبغة طبيعية و سائقة ذاتية.

أما الطبيعة العامة، فهي عبارة عن الطاقات و المواهب الإِلهية المودعة في وجوده و هي ميول طبيعية تسوقه إلى نقطة خاصة فيها سعادته أو شقاؤه و قد أعطى سبحانه، زمامها بيد الإِنسان المختار في كيفية الإِستفادة منها كمّاً و كيفاً. و نحن نعترف بأنَّ هذه المواهب و الإِستعدادات توجد في نفس الإِنسان محدودية خاصة و تحقق في وجوده انحيازاً إلى جانب، ولكنها لا تعدو عن كونها قابليات و اقتضاءات و أرضيات لأهداف خاصة، ولكن زمام


1- عصر التجزية و التحليل، ص 125.


(337)

الإِختيار فيها بيد الإِنسان المختار فله أن يتطلب بهذه المواهب ما شاء. كما له أن يترك الإِستفادة منها، بل له أن يكافحها.

والذي يدل على ذلك ما كشف عنه العلم من أنَّ الإِنسان يتولد و فيه طاقات و سوائق متضادة و مختلفة، و كل يطلب منشوداً خاصاً، و لولا هذه الطاقات المتضادة لما وصل الإِنسان إلى قمة التكامل. مثلا:

الإِنسان جُبِل على حب النفس، و يظهر هذا منه من نعومة أظفاره، و في الوقت نفسه جبل على حب الخير و يظهر بعد سنين من حياته. فالإِنسان المختار يستفيد من تلك الميول الطبيعية على حد لا يجعله حب الذات حيواناً ضارياً، كما لا يجعله حبّ الخير إنساناً تاركاً و مهملا لحياته.

فالحفاظ على حرية الإِنسان لا يتوقف على إنكار الفطريات و الغرائز بل يكفي في ذلك القول بأنَّ للإِنسان ماهية عامة موجودة في جميع الأفراد ليس للإِنسان في الإِنطباع بها أي صنع و دخالة. و ماهية خاصة، يستحصلها عن طريق العمل كما سنشرحه.

و أمَّا الطبيعة الخاصة، فهي عبارة عمَّا يتكون في نفس الإِنسان من الروحيات العالية أو الدانية نتيجة استفادته من تلك المواهب الأولية، إفراطاً أو تفريطاً أو اعتدالا. مثلا قد أودعت يد الخلقة في وجود الإِنسان ميولا سافلة كالغضب. و في الوقت نفسه أودعت ميولا عالية كالرحمة و الرأفة.

فربما يتجلى الإِنسان في مسرح الحياة سبعاً ضارياً لإِفراطه في أعماله قوة الغضب، كما قد يتجلى إنساناً مهملا تاركاً لحقوقه الفردية و الإِجتماعية و فريسة للمعتدين لتفريطه في أعمالها. و قد يتجلى إنساناً مثالياً يستفيد منها على حدّ الإِعتدال بالموازنة مع جانب الرحمة و الرأفة فيدفع عن نفسه الإِعتداءات و في بعض الأحيان يُؤثر غيره و يقوم بحاجات بني نوعه. فهناك شخصيات ثلاث تتكون في الفرد الإِنساني حسب إعماله تلك الموهبة الإِلهية. وقس عليه سائر الميول و الغرائز عالية كانت أو سافلة، إنسانية كانت أو حيوانية.


(338)

ثم إنَّ سعادة الإِنسان و شقاءه ليسا رهن الماهية العامة، و الإِعتراف بها لا يمس بكرامة سعادته، كما لا يجعله في عِداد الأتقياء. بل الماهيات العامة تُعَبّد له طريق السعادة خصوصاً الفطريات العالية الإِنسانية التي كشف عنها العلم و هي:

1ـ روح الإِستقراء و اكتشاف الحقائق.

2ـ حب الخير و النزوع إلى البر و المعروف.

3ـ علاقته بالجمال في مجالات الطبيعة و الصناعة.

4ـ الشعور الديني الذي يتأجج لدى الشباب في سن البلوغ.

فهذه الميول النابعة من داخل الإِنسان و فطرته هي ماهيته العامة و كلها تسوقه إلى الخير و تصده عن الشر، لكن على وجه الإِقتضاء فهناك إنسان يستخدم تلك المواهب في ظل الإِختيار و الإِرادة و يكون عالِماً كاشفاً عن السنن الكونية، و إنساناً بارّاً يفعل الخير لبني نوعه، و موجوداً فنّاناً يصنع المصنوعات الدقيقة، و إنساناً إلهياً، يعتقد بأنَّ وراء العالم عالَماً آخر و أنَّ هناك خالقاً للكون و له تجاه خالقه مسؤوليات و تكاليف.

كما أنَّ هناك إنسان يترك الإِستفادة منها أو من بعضها فيسقط في المهاوي و يتجلّى على خلاف الإِنسان المتقدم.

فالإِعتراف بهذه الفطريات لا يجعل الإِنسان جاهز الصنع، كما عرفت، فإن الذي يرتبط بهذه الفطريات إنما هي شخصيته العامة و أمَّا شخصيته الخاصة فهي مصنوعة إرادته و اختياره.

و العجب أنَّ مبدع النظرية لم يقدر على إنكار ماهية عامة للإِنسان في بعض المجالات، فهو يعترف بأنَّ الإِنسان يتولد في إطار قيود خاصة منها أنَّ وجوده متعلق بهذا العالم، و يعيش حياة اجتماعية، و أنَّه موجود فان، و غير ذلك من الحدود و القيود.

أقول: إنَّ الحدود و القيود التي تحدّ شخصية الإِنسان لا من قِبل نفسه


(339)

أكثر مما اعترف به، فكل إنسان يعيش بين أحضان العالم المادي محكوم بقوانين الكون الفيزيائية و الكيميائية.

و الظاهر أنَّ أصحاب النظرية قد ابتدعوا المدعى و صاغوه في قالب خاص لغايات اجتماعية ثم ذهبوا - للحفاظ على المدعى - إلى إنكار الفطريات و الغرائز المودوعة في وجوده و هو أشبه باتخاذ موقف خاص في موضوع ثم تَعَمُّل الدليل عليه.


(340)


(341)

مناهج الإِختيار

(3)
الإِختيار في مذهب الأمر بين الأمرين

إنَّ أصحاب المناهج الفكرية، في مسألة أفعال الإِنسان، اعتقدوا بأنَّ الحق ينحصر في القول بالجبر أو التفويض و أنَّه ليس هناك طريق ثالث يسلكه الإنسان الباحث و يحفظ أساس القول بهما. و قد عرفت أنَّ الجنوح إلى الجبر في العُصور الأولى كان لأجل التحفظ على التوحيد الأفعالي و أنَّه لا خالق إلاّ هو. كما أنَّ الإِنحياز إلى التفويض كان لغاية التحفظ على عدله سبحانه فالأشاعرة جنحوا إلى الجبر حرصاً على الأصل الأول، و المعتزلة إلى الثاني حرصاً على أصل العدل. وكلا الطرفين غفل عن نظرية ثالثة يوافقها العقل و يدعمها الكتاب و السُّنَّة و فيها الحفاظ على كل من أصل التوحيد و العدل، مع نزاهتها، عن مضاعفات القولين، فإنّ في القول بالجبر بطلان البعث و التكليف، و في القول بالتفويض الثنوية و الشرك.

فهذه النظرية الثالثة، جامعة و حافظة لما يتبناه الطرفان من الإصول و في الوقت نفسه منزّهة عن التوالي و المفاسد. و هذا هو مذهب الأمر بين الأمرين الذي لم يزل أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يحثون عليه، من لدن حمي و طيس الجدال في أفعال الإِنسان من حيث القضاء و القدر أو غيرهما. غير أنَّ أكثر المتكلمين من السُّنَّة لم يقفوا على تلك النظرية بتاتاً أو لم يتأمّلوا فيها. و قلّ فيهم من تأمل فيها و صرّح بصدقها كالإِمام الرّازي في


(342)

تفسيره و الشيخ عبده في رسالة التوحيد(1)، فهما من قادة هذا المذاهب بين أهل السنة، ولكن غيرهما بين جبري لا يرى للإِنسان حرية و اختياراً، و تفويضي وقع في حبال الشرك. نعم، قد انقرضت الطائفة الثانية بانقراض المعتزلة بالسيوف التي سلطت عليهم فلم يبق منهم و لا من آثارهم و كتبهم إلاَّ شيئاً لا يذكر.

و أمَّا حقيقة هذا المذهب فتتعين في ظل أمور:(2).

الأول - الإِمكان في الماهية غير الإِمكان في الوجود

إنَّ الإِمكان تارة يقع وصفاً للماهية و أخرى و صفاً للوجود، و المقصود منه في الأول تساوي ماهية الشيء بالنسبة إلى الوجود و العدم، بمعنى أنها واقعة في مركز الدائرة، فلا تخرج عنه إلى أحد الطرفين، إلاَّ بعامل يخرجها عن حالة التساوي و يضفي عليها لزوم الإِتصاف بأحدهما، و هذا واضح.

و أمَّا إذا وقعت وصفاً للوجود بما هو وجود الذي يعبر عنه بالوجود الإِمكاني و يُعَدّ فعلا للواجب، فليس معنى إمكانه تساوي نسبته إلى الوجود و العدم، لأن ثبوت الشيء لنفسه ضروري، و سلبه عنه ممتنع فلا معنى لأن يقال إنَّ نسبة الوجود إلى الوجود الإمكاني تُساوي نسبته إلى العدم، بل نسبة الوجود إليه ضرورية و نسبة العدم إليه ممتنعة.

بل معنى توصيف الوجود بالإمكان عبارة عن كونه قائماً بالعلّة بجميع شؤونه و خصوصياته.

فكلما وصف الوجود بما هو وجود عار عن الماهية، و صادر عن العلّة الواجبة، يراد منه التعلّق و القيام، و الصلةو الإِرتباط لا التساوي. فافهم ذلك.


1- سيوافيك نصوصهما في مطاف البحث.
2- و قد أوعزنا إليها في الأبحاث السابقة عند الردّ على نظرية الطائفتين من الأشاعرة و المفوّضة فلاحظ.


(343)

الثاني - ما هو المراد من قيام المعلول بعلّته

إذا كان توصيف الوجود بالإمكان بمعنى قيامه بعلته، يقع الكلام في حقيقة ذلك القيام و أنَّه من أي نوع من أنواعه. فهل هو من قبيل قيام العرض بموضوعه أو الجوهر بمحله؟، أو أن قيامه بها يرجع إلى معنى دقيق و يشبه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الإِسمي في المراحل الثلاث، التصور و الدلالة و التحقق؟. إليك البيان:

إذا قلت: سرتُ من البصرة إلى الكوفة، فهناك معان إسمية هي السير و البصرة و الكوفة، و معنى حرفي و هو كون السير مبدوءاً من البصرة و منتهياً إلى الكوفة. فالإبتداء و الإنتهاء المفهومان من كلمتي «من» و «إلى» فاقدان للإستقلال في مجال التصور فلا يتصوران مستقلين و منفكين عن تصور البصرة و الكوفة، و إلاَّ لعاد المعنى الحرفي معنى إسمياً، و لصار نظير قولنا: «الإِبتداء خير من الإِنتهاء».

و كذلك فاقدان للإستقلال في مجال الدلالة فلا يدلان على شيء إذا انفكتا عن مدخوليهما .

كما هما فاقدان للإستقلال في مقام التحقق و الوجود، فليس للإِبتداء الحرفي وجود مستقل منفك عن متعلقه، كما ليس للإنتهاء الحرفي وجود كذلك.

فالحفاظ على المعنى الحرفي لا يتحقق إلاَّ بثبوت عدم الإستقلال له في المجالات الماضية، و إلاَّ لخرج عن كونه معنى حرفياً.

و على ضوء ذلك يتبين وزان الوجود الإمكاني الذي به تتجلى الأشياء و تتحقق الماهيات، و به تصير الماهيات كالشجر و الحيوان و الإنسان من الأعيان الخارجية، فإن وزانه إلى الواجب لا يعدو عن وزان المعنى الحرفي إلى الإسمي، و ذلك لأنَّ الصادر من الواجب هو الوجود و هو لا يخلو من قسمين: إمَّا واجب أو ممكن، و الأول خلف لكون المفروض معلوليته و صدوره عنه، و ما هو كذلك لا يمكن أن يخرج عمَّا هو عليه. فيتعين


(344)

الثاني، و قد عرفت أنَّ معنى الإِمكان في الوجود غير الإِمكان في الماهية و أنَّ معناه في الأول كونه متعلقاً بالعلّة و قائماً بها بجميع شؤونه و خصوصياته، و الإِمكان نافذ فيه و راسخ في واقعه رسوخ الحياة في الموجود الحىّ، و عند ذلك يكون الإِرتباط بالعلّة و القيام بها غير خارج عن واقع الوجود الإِمكاني و يكون الفقر و الربط نفس ذاته و عين واقعه، و إلاَّ فلو كان في حاق الذات غنياً ثم عرض له الفقر يلزم الخلف، و خروج الموجود الغني عن كونه غنياً، إلى حيز الفقر و الحاجة.

و على هذا الأصل، لا يمكن إنكار صلة الوجودات الإِمكانية باللّه سبحانه، من غير فرق بين الإِنسان و غيره، و تبطل نظرية التفويض القائلة بانقطاع الصلة بين المبدأ و الموجودات الإِمكانية. و هذه الحقيقة صادقة في الفواعل الإِلهية و العِلَل غير الطبيعية ففيها يصدق ما ذكرنا من الوزان و المكانة و أمَّا العلل الطبيعية فصدق العلّة عليها من باب المجاز، كما تقدم.

الثالث - وحدة حقيقة الوجود يلازم التأثير في جميع المراتب

قد وقع النزاع بين الفلاسفة في أنَّ الوجود الواجب و الوجود الإِمكاني هل هما حقيقتان متباينتان بحيث لا صلة جامعة بينهما أبداً، و أنَّ إطلاق الوجود عليهما من باب إطلاق اللفظ الموضوع لمعنيين متباينين، كالعين الموضوعة تارة للشمس و أخرى للذهب، أو أنهما من مقولة واحدة يجمعهما قدر مشترك و هو الوجود و طرد العدم و ما يفيد ذلك(1). و أنَّ الوجود يطلق عليهما بوضع واحد و بمعنى مفرد، و إطلاق المعنى الواحد على الشيئين يقتضي وجود قدر مشترك بينهما و إلاَّ يلزم انتزاع المعنى الواحد بما هو معنى واحد من الأشياء الكثيرة التي لا جهة وحدة بينها.


1- و هذه العناوين ليست معرفات حقيقية بل هي عناوين مشيرة إلى حقيقة مجهولة فإنَّ حقيقة الوجود لا يقدر الإنسان على دركها، لانَّ أدوات المعرفة لا تتجاوز الذهن و الذهنيات، و هي لا تدرك الحقيقة الخارجية بل المفاهيم العارية عنها كمفهوم النار. و أما حقيقة الوجود فهي نفس العينية الخارجية، فكيف يمكن أن تكون مُدرَكَة للذهن؟!.


(345)

والحق هو الثاني، لما عرفت من البرهان و عليه الحكماء غير المشائيين. و على ضوء هذا الأصل، إِذا كانت الحقيقة في مرتبة من المراتب ذات أثر خاص، يجب أن يوجد ذلك الأثر في المراتب النازلة، أخذاً بوحدة الحقيقة، نعم يكون الأثر من حيث الشدة والضعف، تابعاً للمؤثر من هذه الحيثية، فالوجود الواجب بما أنَّه أقوى و أشد، يكون العلم و الدرك و الحياة و التأثير فيه مثله. و الوجود الإِمكاني بما أن الوجود فيه أضعف يكون أثره مثله. و لأجل ذلك ذهب الإِلهيون إلى القول بسريان العلم و الحياة والقدرة إلى جميع مراتب الوجود الإِمكاني و قد أثبتوه بهذا البرهان و حكموا بصحته من طريق الكشف و الشهود، و يشهد الكتاب العزيز على صحة نظريتهم في مجال السريان العلمي و الدركي إلى جميع مراتب الوجود حتى الجماد(1).

و على ضوء هذا الأصل، تبطل نظرية الأشاعرة المخصصة للتأثير بالواجب سبحانه، و السالبة له عن سائر المراتب زاعمة أنه مقتضى التوحيد الأفعالي، مع أنه كما يتحقق بسلب التأثير عمَّا سواه يتحقق بتخصيص التأثير الإِستقلالي باللّه سبحانه و إرجاع تأثير الوجود في المراتب الإِمكانية إلى إذنه و مشيئته. و الثاني هو المتعين لما عرفت من البرهان.

إذا وقفت على هذه الأصول تقف على النظرية الوسطى في المقام و أنه لا يمكن تصوير فعل العبد مستقلا عن الواجب، غنياً عنه، غير قائم به، قضاءً لكون الفعل وجوداً إمكانياً، و الوجود الإِمكاني حقيقته التعلق و الصلة والربط. كما أنه لا يمكن إنكار دور العبد بل سائر العلل في آثارها قضاء لحكم الأصل الثالث من أنَّ الوجود، في أي مرتبة كان من المراتب لا يخلو عن تأثير ودخالة فيما يظهر منه من الآثار، أو يقوم به من الأفعال. فالفعل مستند إلى الواجب من جهة و مستند إلى العبد من جهة أخرى. فليس الفعل


1- وقد أوعزنا إلى الآيات الناظرة إلى سريان العلم و إن أردت التفصيل فلاحظ مفاهيم القرآن، الجزء الأول، ص 207 ـ 238.


(346)

فعله سبحانه بحيث يكون منقطعاً عن العبد بتاتاً و يكون دوره دور المحل و الظرف لظهور الفعل، كما أنَّه ليس فعل العبد فقط حتى يكون منقطعاً عن الواجب، قضاءً بكون الفعل بل الفاعل، أمرين ممكنين غير مستغنيين عن الواجب في آن من الآنات.

و في هذه النظرية جمال التوحيد الأفعالي منزّهاً عن الجبر. كما أن فيها محاسن العدل منزّهاً عن مغبة الشرك و الثنوية، يدرك ذلك كل من أمعن النظر. و ينطبق عليها قول الإِمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «اليمين و الشمال مَضَلَّة، و الطريق الوُسْطى هي الجادّة عليها باقي الكتاب و آثار النُبوّة»(1).

هذا إجمال النظرية حسب ما تسوق إليه البراهين الفلسفية، ولكن رفع الستار عن وجهها يحتاج إلى تمثيل يحقق واقعية النظرية بشكل محسوس.

وما ذكروا من الأمثلة يختلف حسب إدراك الممثل حقيقة هذه النظرية و إليك بعضها.

أ ـ اللّه فاعل بالتسبيب و العبد بالمباشرة

إنّ كثيراً من محققي الإِمامية صوّروا هذه النظرية بما يوجبه هذا العنوان فجعلوا نسبة الفعل إلى اللّه نسبة تسبيبية و نسبته إلى العبد نسبة مباشرية بحجة أنَّ اللّه سبحانه وهب الوجود و الحياة وا لعلم و القدرة لعباده، و جعلها في اختيارهم. وأنَّ العبد هو الذي يصرف الموهوب في أي مورد شاء، فينسب الفعل إليه سبحانه لأجل كونه معطي المبادئ و مفيض الوجود والقُدرة، و إلى العبد لأنه الذي يصرفها في أي مورد شاء. و المثال الذي يبين حقيقة النظريات الثلاث في هذا المجال هو ما ذكره المحقق الخوئي في تعاليقه القيّمة على أجود التقريرات، و محاضراته الملقاة على تلاميذه و إليك خلاصة البيان، قال:


1- نهج البلاغة، الخطبة 16.


(347)

لو فرضنا شخصاً مرتعش اليد فاقد القدرة، فإذا ربط رجل بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً و هو يعلم أنّ السيف المشدود في يده سيقع على آخر و يهلكه، فإذا وقع السيف وقتل، ينسب القتل إلى من ربط يده بالسيف دون صاحب اليد الذي كان مسلوب القدرة في حفظ يده.

و لو فرضنا أنَّ رجلا أعطى سيفاً لمن يملك حركة يده و تنفيذ إرادته فَقَتَل هو به رجلا، فالأمر على العكس، فالقتل ينسب إلى المباشِر دون من أعطى.

ولكن لو فرضنا شخصاً مشلول اليد (لا مرتعشها) غير قادر على الحركة إلاَّ بإيصال رجل آخر التيار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوة و نشاطاً بحيث يكون رأس السلك الكهربائي بيد الرجل بحيث لو رفع يده في آن انقطعت القوّة عن جسم هذا الشخص في الحال و أصبح عاجزاً. فلو أوصل الرجل تلك القوّة إلى جسم هذا الشخص فذهب باختياره وقتل إنساناً و الرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كل منهما، أمَّا إلى المباشر فلأنه قد فعل باختياره و إعمال قدرته، و أمَّا إلى الموصل فلأنه أقدره و أعطاه التمكن حتى في حال الفعل و الإِشتغال بالقتل، و كان متمكناً من قطع القوة عنه في كل آن شاء و أراد.

فالجبري يمثل فعل العبد بالنسبة إلى اللّه تعالى كالمثال الأول، حيث أنَّ اليد المرتعشة فاقدة للإِختيار و مضطرة إلى الإِهلاك.

كما أنَّ التفويضي يمثل نسبة فعله إليه كالمثال الثاني، فهو يصوّر أنَّ العبد يحتاج إلى إفاضة القدرة و الحياة منه سبحانه حدوثاً لا بقاء و العلّة الأولى كافية في بقاء القُدرة فيه إلى نهاية المطاف، كما أنَّه كان الأمر في المثال كذلك فكان الإِنسان محتاجاً إلى رجل آخر في أخذ السيف، و بعد الحصول عليه انقطعت حاجته إلى المعطي.

و القائل بالأمر بين الأمرين يصوّر النسبة كالمثال الثالث، فالإِنسان في كل حال يحتاج إلى إفاضة القوة و الحياة منه إليه بحيث لو قطع الفيض في آن


(348)

واحد بطلت الحياة و القدرة، فهو حين الفعل يفعل بقوة مفاضة منه و حياة كذلك من غير فرق بين الحدوث و البقاء. ـ إلى أن قال ـ: إنَّ للفعل الصادر من العبد نسبتين واقعيتين إحداهما نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره و إعمال قدرته، و ثانيهما نسبته إلى اللّه تعالى باعتبار أنه معطي الحياة و القدرة في كل آن و بصورة مستمرة حتى في آن اشتغاله بالعمل(1).

و هذا التمثيل مع كونه رفيع المنزلة في تبيين المقصود إلاَّ أنَّ الفلاسفة الإِلهيين لا يرضون بالقول بأنَّ النفس تستخدم القوى كمن يستخدم كاتباً أو نقاشاً قائلين بأنَّ مقام النفس بالنسبة إلى قواها أرفع من ذلك لأن مستخدم البناء لا يلزم أن يكون بنّاء، و مستخدم الكاتب لا يكون كاتباً، و مستخدم القوة السامعة و الباصرة (النفس) لا يجب أن يكون سميعاً و بصيراً. مع أنَّ النفس هي السميعة البصيرة، فإذا كانت نسبة النفس إلى قواها فوق التسبيب و الإِستخدام فكيف مثله سبحانه و هو الخالق القيوم و ما سواه قائم به قوام المعنى الحرفي بالإِسمي.

و لذا فإن لهم تمثيلا آخر في المقام و هوالتالي:

ب ـ الفعل فعل العبد و في الوقت نفسه فعل اللّه

إنَّ بعض المحققين من الإِمامية و في مقدمهم معلّم الأمَّة الشيخ المفيد و بعده صدر المتألّهين و تلاميذ نهجه يرون الموقف أدق من ذلك و يعتقدون أنَّ للفعل نسبة حقيقية إلى اللّه سبحانه، كما أنَّ له نسبة حقيقية إلى العبد، و لا تُبطل إحدى النسبتين الأخرى، و نأتي لتبيين ذلك بمثالين:

أحدهما، ما ذكره معلّم الأُمة الشيخ المفيد (ت 336 ـ م 413 هـ)، على ما حكاه عنه العلاّمة الطباطبائي في محاضراته، و لم أقف عليه في كتب الشيخ المفيد و هو:


1- المحاضرات، ج 2، ص 87 و 88. أجود التقريرات، ج 1، ص 90.


(349)

نفترض أنّ مولىً من الموالي العرفيين يختار عبداً من عبيده و يزوجه إحدى فتياته، ثم يقطع له قطيعة ويخصّه بدار و أثاث، و غير ذلك مما يحتاج إليه الإِنسان في حياته إلى حين محدود و أجل مسمّى.

فإن قلنا إنَّ المولى و إن أعطى لعبده ما أعطى، و ملّكه ما ملك فإنه لا يملك، و أين العبد من الملك، كان ذلك قول المُجبِرة.

و إن قلنا: إنَّ المولى بإعطائه المال لعبده و تمليكه، جعله مالكاً و انعزل هو عن المالكية و كان المالك هو العبد، كان ذلك قول المعتزلة.

ولو جمعنا بين الملكين بحفظ المرتبتين، و قلنا: إنَّ للمولى مقامه في المولوية، و للعبد مقامه في الرقيّة و إنَّ العبد يملك في ملك المولى، فالمولى مالك في عين أنَّ العبد مالك أن فهناك ملك على ملك، كان ذلك القول الحق الذي رآه أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ و قام عليه البرهان(1).

و في بعض الروايات إشارات رائعة إلى هذا التمثيل، منها:

ما رواه الصدوق في (توحيده) عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه و آله) قال: قال اللّه عزوجل: «يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء و بإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد»(2).ترى أنه يجعل مشيئة العبد و إرادته، مشيئة اللّه سبحانه و إرادته، و لا يعرّفهما مفصولتين عن اللّه سبحانه بل الإِرادة في نفس الإِنتساب إلى العبد منتسبة إلى اللّه سبحانه.

ثانيهما: ما ذكره صدر المتألّهين و قال ما هذا حاصله:

إذا أردت التمثيل لتبيين كون الفعل الواحد فعلا لشخصين على


1- الميزان، ج 1، ص 100. وقد أشار إلى هذا التنزيل في تعليقته على البحار، لاحظ ج 5، ص 83.
2- التوحيد باب المشيئة و الإرادة، ص 340، الحديث 10. ولاحظ بحار الأنوار كتاب العدل و المعاد ح 62 و 63 مع تعليقة العلاَّمة الطباطبائي على الأول.


(350)

الحقيقة فلاحظ النفس الإِنسانية، و قواها، فاللّه سبحانه خلقها مثالا، ذاتاً و صفة و فعلا، لذاته و صفاته و أفعاله، قال سبحانه: (وَ فِي الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)(1). و قد أُثرَ عن النبي و الوصي القول بأنَّه «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ، عَرَفَ رَبَّهُ»(2).

إنَّ فعل كل حاسة وقوة من حيث هو فعل تلك القوة، فعل النفس أيضاً. فالباصرة ليس لها شأن إلاَّ إحضار الصورة المُبْصَرة، أو انفعال البصر منها، و كذلك السامعة، فشأنها إحضار الهيئة المسموعة أو انفعالها بها، و مع ذلك فكل من الفعلين، كما هو فعل القوة، فعل النفس أيضاً، لأنها السميعة البصيرة في الحقيقة و ليس شأن النفس استخدام القوى بل هو فوق ذلك. لأنّا إذا راجعنا إلى وجداننا نجد أن نفوسنا بعينها الشاعرة في كل إدراك جزئي و شعور حسّي، كما أنها المتحرك بكل حركة طبيعية أو حيوانية منسوبة إلى قواها. و بهذا يتضح أنَّ النفس بنفسها في العين قوة باصرة و في الأُذن قوة سامعة و في اليد قوة باطشة، و في الرجل قوّة ماشية، و هكذا الأمر في سائر القوى التي في الأعضاء، فبها تبصر العين و تسمع الأُذن و تمشي الرجل. فالنفس مع وحدتها و تجردها عن البدن و قواه و أعضائه، لا يخلو منها عضو من الأعضاء عالياً كان أو سافلا، و لا تبائنها قوة من القوى، مدركة كانت أو محركة، حيوانية كانت أو طبيعية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنَّه كما ليس في الوجود شأن إلاَّ و هو شأنه، كذلك ليس في الوجود فعل إلاَّ فعله، لا بمعنى أنَّ فعل زيد مثلا ليس صادراً عنه، بل بمعنى أنَّ فعل زيد مع أنَّه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعل اللّه بالحقيقة. فكما أنَّ وجود زيد بعينه أمر متحقق في الواقع منسوب إلى زيد بالحقيقة لا بالمجاز، و هو مع ذلك شأن من شؤون الحق الأول، فكذلك


1- سورة الذاريات: الآيتان 20 و 21.
2- غُرَرُ الحِكَمْ،ص 268، طبعة النجف. و روي عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ قوله: «أَعْلَمُكُمْ بنفسه أعلمكم بربه». أمالي المرتضى، ج 2، ص 329.


(351)

علمه و إرادته و حركته و سكونه و جميع ما يصدر عنه منسوب إليه بالحقيقة لا بالمجاز و الكذب. فالإِنسان فاعل لما يصدر عنه و مع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحق الأول على الوجه اللائق بذاته سبحانه(1).

هذا ما أفاده صدر المتألّهين من التمثيل عند تبيين حقيقة النظرية، و في بعض الأحاديث إشارة إليه، روى الكليني في (الكافي)، عن أبان بن تَغْلِب، عن أبي جعفر الباقر: إنَّ اللّه جلّ جلاله قال: «ما يقرب إلىَّ عبد من عبادي بشيء أحبّ إلىّ ممَّا افترضت عليه، و إنَّه ليتقرب إلىَّ بالنافلة، حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته و إن سألني أعطيته»(2).

إلى هنا تم تبيين التمثيل المبيّن لحقيقة النظرية، فسواء أكان المختار هو البيان الأول المشهور بين الإِمامية، أم كان ما ذكره صدر المتألّهين، فالتحقيق هو أنَّ الفعل فعل اللّه و هو فعلنا إمَّا بحديث التسبيب و الإِستخدام أو لأجل أنَّه لا يخلو شيء منه سبحانه، فقال سبحانه: (وَ هُو مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ)(3). وقال سبحانه: (وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(4). و اللّه سبحانه من وراء وجود فعل الإِنسان و معه و بعده كالنفس بالنسبة إلى قواها و أفعالها. و قال سبحانه: (وَ لَهُ المَثَلُ الأَعلى في السَّمواتِ والأرْضِ وَ هُو العَزِيزُ الحَكِيم)(5).

ثم إنَّ القول بأنَّ فعل العبد فعل اللّه سبحانه لا يصح نسبة كل ما يصدر عن العبد إلى اللّه سبحانه كأكله و شربه و نكاحه، وقد ذكرنا ضابطة قيّمة لتمييز ما يصحّ نسبته إليه عمّا لا يصح مع كون السببية محفوظة في


1- الأسفار، ج 6، ص 377 إلى 378، و ص 374.
2- وسائل الشيعة، ج 3، أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، ب 17، ح 6.
3- سورة الحديد، الآية 4.
4. سورة ق: الآية 16 .
5- سورة الروم: الآية 27.


(352)

الجميع عند البحث في التوحيد في الخالقية، فراجع(1).

بقي الكلام في الآيات و الروايات التي يستنبط منها هذه النظرية بوضوح.

الأمر بين الأمرين في الكتاب و السُنَّة

إذا كان معنى الأمر بين الأمرين هو وجود النسبتين و الإِسنادين في فعل العبد، نسبة إلى اللّه سبحانه، و في الوقت نفسه نسبة إلى العبد، من دون أن تزاحم إحداهما الأخرى فإنَّا نجد هاتين النسبتين في آيات:

1ـ قوله سبحانه: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللّه قَتَلَهُمْ وَ مَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّه رَمى وَ لِيُبْلِىَ المُؤمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إنَّ اللّه سَميعٌ عَليمٌ)(2).

فترى أنَّه سبحانه ينسب الرمي إلى النبي، و في الوقت نفسه يسلبه عنه و ينسبه إلى ذاته، كما هو مفاد قوله: (وَ مَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّه رَمَى) و لا يصح هذا الإيجاب في عين السلب إلاَّ على الوجه الذي ذكرناه و هو أنَّ نسبة الفعل إلى العبد ليست نسبة كاملة بأن يكون له الصلة، دون اللّه سبحانه. و مثله في جانبه تعالى. فلأجل ذلك تصح النسبتان، كما يصح سلبه عن أحدهما و إسناده إلى الآخر. فلو كانت نسبة الفعل إلى واحد منهما نسبة المعلول إلى العلّة التامة، لم يكن مجال إلاَّ لإِحداهما.

2ـ قال سبحانه: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُم اللّه بِأَيْدِيكُم وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنين)(3).

فالظاهر أنَّ المراد من التعذيب هو القتل لأن التعذيب الصادر من اللّه تعالى بأيدي المؤمنين ليس إلاَّ ذاك، لا العذاب البرزخي و لا الأُخروي فإنهما راجعان إلى اللّه سبحانه دون المؤمنين. و على ذلك فقد نسب فعلا


1- لاحظ ص 399 و 400.
2- سورة الأنفال: الآية 17.
3- سورة التوبة: الآية 14.


(353)

واحداً إلى المؤمنين و خالقهم. و لا تصح تينك النسبتين إلاَّ على هذا المنهج، و إِلاَّ ففي منهج الجبر لا تصح النسبة إلاَّ إليه سبحانه، وفي منهج التفويض على العكس، و المنهج الذي... النسبتين هو منهج الأمر بين الأمرين، على البيان الماضي.

قال الرازي الأشعري المذهب: «احتجّ... أنَّ فعل العبد مخلوق للّه تعالى بقوله: (يعذّبْهُم اللّه بأيدِيكم)، فإن المراد من هذا التعذيب القتل و الأسر. و ظاهر النّص يدل على أنَّ ذلك القتل و الأسر فعل اللّه تعالى، إلاّ أنَّه تعالى يدخله في عالم الوجود على أيدي العباد و هو صريح قولنا و مذهبنا»(1).

يلاحظ عليه: أنَّ الآية ليست بصريحة و لا ظاهرة في الدلالة على مذهب الأشاعرة، فإنّ مذهبهم أنّ العباد بمنزلة الآلات المحضة بل أدون منها حيث لا تأثير لإِرادتهم و قدرتهم، و هي قابلة للإِنطباق على مذهب العدلية، بمعنى أنَّه سبحانه ينفذ إرادته من طريق إرادة المؤمنين لكونهم خاضعين له كخضوع العبد للمولى و المأمور للآمر. و قد شاع قولهم في التمثيل بـ «فتح الأمير المدينة»، مع أنَّ الفاتح هو الجيش، لكن بأمر الأمير.

ثم إنَّ الجُبّائي من المعتزلة أجاب عن استدلال الأشاعرة بأنَّه لو صحّ أن يقال: إنَّه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين لجاز أن يقال: إنَّه يكذب أنبياءه بألسنتهم، ويلعن المؤمنين و يسبّهم بأفواههم، لأنَّ المفروض أنَّ اللّه خالق لذلك كله في كلا الجانبين.

و العجب أنَّ الرازي قال في جواب الجُبّائي: «و أجاب أصحابنا عنه فقالوا أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلاَّ أنا لا نقوله باللسان»!(2).

3ـ هناك آيات نسب الفعل الواحد في آية منها إلى اللّه سبحانه و في


1 ـ مفاتيح الغيب، ج 4، ص 418، الطبعة الأولى 1308.
2. مفاتيح الغيب، ج 4، ص 418، الطبعة الأولى 1308.


(354)

أخرى إلى المخلوق و لا تصح النسبتان إلاَّ على هذا المبنى، و هي عديدة نكتفي بواحدة منها:

قال سبحانه: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)(1). وقال أيضاً: (وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2). ففي هاتين الآيتين ينسب القسوة إلى نفس اليهود و كأنهم صاروا هم السبب لعروض هذه الحالة إلى قلوبهم بشهادة أنَّ الآيتين في مقام الذمّ و اللوم، فلو لم يكن هناك سببية من جانبهم لما صح تقريعهم.

وفي الوقت نفسه يعرّف فاعل هذه الحالة الطارئة بأنَّه هو اللّه تعالى و يقول: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)(3).

4ـ هناك مجموعة من الآيات تُعرّف الإِنسان بأنّه فاعل مختار في مجال أفعاله، و هي كثيرة أو عزنا إلى كثير منها فيما سبق.

فمنها قوله سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أساءَ فَعَلَيْها وَ مَا رَبُّكَ بِظَلاَّم لِلْعَبيدِ)(4).

و منها قوله سبحانه: (كُلُّ امْرِىء بِما كَسَبَ رَهِينٌ)(5).

و منها قوله سبحانه: (لِكُلّ امْرِىء مِنُهمْ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ)(6).

و منها قوله سبحانه: (وَ أَنَّ لَيْسَ لِلإِنسانِ إِلاَّ ما سَعى * وَ أَنَّ سَعْيَهُ


1- سورة البقرة: الآية 74.
2- سورة الأنعام: الآية 43.
3- سورة المائدة: الآية 13.
4- سورة فصّلت: الآية 46.
5- سورة الطور: الآية 21.
6- سورة النور: الآية 11.


(355)

سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزيهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى)(1).

و منها قوله سبحانه: (وَ قُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَؤْمِنْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر)(2).

و منها قوله سبحانه: (إِنْ تَكْفُروا فَإِنَّ اللّه غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لاَ يَرْضَى لِعِبادِهِ الكُفْرَ و إِنْ تَشْكُروا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(3).

و منها قوله سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً)(4).

و منها قوله سبحانه: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلا)(5).

و منها قوله سبحانه: (وَ نَفْس وَ مَا سَوَّاها * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَ قَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا)(6).

إلى غير ذلك من الآيات التي تعترف بدور الإِنسان في حياته و كونه مالكاً لمشيئته و معيّناً لمسيره في مصيره.

و هناك مجموعة أخرى من الآيات تصرّح بأنَّ كل ما يقع في الكون من دقيق و جليل لا يقع إلاّ بإذنه سبحانه و مشيئته، و أنَّ الإِنسان لا يشاء لنفسه إلاَّ ما شاء اللّه له و هي كثيرة نشير إلى بعضها:

منها ـ قوله سبحانه: (وَ مَا تَشاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللّه رَبُّ العَالَمِينَ)(7).


1- سورة النجم: الآيات 39 ـ 41.
2- سورة الكهف: الآية 29.
3- سورة الزمر: الآية 7.
4- سورة الإِنسان: الآية 3.
5- سورة المزمل: الآية 19، المدثر: الآية 55، النبأ: الآية 39، و عبس: الآية 12.
6- سورة الشمس: الآيات 7 ـ 10.
7- سورة التكوير: الآية 29.


(356)

و منها ـ قوله سبحانه آمراً نَبِيَّه: (قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولا ضَرَّاً إِلاَّ ما شَاءَ اللّه)(1). و ليست الآية خاصة بالمواهب الطارئة عليه من غير طريق اكتسابه، بل تعمّها و تعمّ كل ضر و نفع يكسبهما بسعيه و فعله فلا يصل إليه الإِنسان إلاَّ عن طريق مشيئة اللّه سبحانه.

و منها ـ قوله سبحانه: (وَ مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللّه)(2).

و منها ـ قوله سبحانه: (كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّه)(3).

ومنها ـ قوله سبحانه: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ).(4)

و منها ـ قوله سبحانه: (وَ ما كانَ لِنَفْس أَنْ تُؤمِنَ إِلاَّ بإِذْنِ اللّه)(5).

إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ كل ما يقع في الكون أو يصدر من العباد فهو بمشيئة و إذن منه سبحانه.

فالمجموعة الأولى من الآيات تناقض الجبر و تفنده، كما أنَّ المجموعة الثانية ترد التفويض و تبطله و مقتضى الجمع بين المجموعتين حسب ما يرشدنا إليه التدبر فيها ليس إلاَّ التحفظ على النسبتين و أنَّ العبد يقوم بكل فعل و ترك، باختيار و حرية، لكن بإقدار و تمكين منه سبحانه فليس العبد في غنى عنه سبحانه في فعله و تركه. فهو يعمل في ظل عناياته و توفيقاته و لعلّ المراجع إلى الذكر الحكيم يجد من الآيات الراجعة إلى المجموعتين أكثر مما ذكرنا، كما يجد فيها قرائن و شواهد تسوقه إلى نفي كل من الجبر و التفويض و اختيار الأمر بين الأمرين.


1- سورة الأَعراف: الآية 188.
2- سورة البقرة: الآية 102.
3- سورة البقرة: الآية 249.
4. سورة البقرة: الآية 251 .
5- سورة يونس: الآية 100.


(357)

هذا ما يرجع إلى الكتاب الحكيم و أمَّا الروايات فنذكر النزر اليسير مما جمعه الشيخ الصدوق في (توحيده) و المجلسي في (بحاره).

1ـ روى الصدوق عن أبي جعفر و أبي عبداللّه ـ عليهما السَّلام ـ قالا: «إنَّ اللّه عزّوجلّ أرْحَمُ بِخَلْقِهِ من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثم يعذبهم عليها و اللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون. قال فسُئِلا ـ عليهما السَّلام ـ : هل بين الجبر و القدر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم أوسع ممَّا بين السماء و الأرض»(1).

2ـ روى الصَّدوق عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: «ذكر عنده الجبر و التفويض فقال: ألا أعطيكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه، و لا تخاصمون عليه أحداً إلاَّ كسرتموه، قلنا: إن رأيت ذلك. فقال: إنَّ اللّه عزّوجل لم يُطَع بإكراه، و لم يُعْصَ بِغَلَبَة، و لم يُهْمِل العباد في ملكه. و هو المالك لما ملكهم، و القادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته، لم يكن اللّه عنها صاداً، ولا منها مانعاً، و إن إئتمروا بمعصية فشاء أن يحول بينهم و بين ذلك فعل، و إنَّ لم يحل و فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثم قال ـ عليه السَّلام ـ : من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»(2).

3ـ وروى الصدوق عن المفضل بن عمر عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا جبر و لا تفويض ولكن أمر بين أمرين» قال: فقلت: وما أمر بين أمرين؟ قال: مَثَلُ ذلك مَثَلُ رجل رأيته على معصية فَنَهَيْتَه فلم ينته، فتركْتَه، ففعل تلك المعصية فليس حيث لم يَقْبَلْ منك فتركته أنت الذي أمرته بالمعصية»(3).

4ـ روى الصدوق في (معاني الأخبار) و (عيون أخبار الرضا) عن


1- التوحيد باب نفي الجبر و التفويض، الحديث 3، ص 360.
2- المصدر السابق، الحديث 7، و السند صحيح.
3- المصدر السابق، الحديث 8.


(358)

الفضل عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ فيما كتب للمأمون: «مِنْ مَحْضِ الإِسلام أن اللّه تبارك و تعالى لا يكلف نفساً إلاَّ وُسْعَها، و أن أفعال العباد مخلوقة للّه، خَلْقَ تَقدير لا خَلْقَ تكوين، و اللّه خالق كل شيء و لا نقول بالجبر و التفويض»(1).

5ـ روى السيد بن طاووس في (طرائفه) قال: روي أنَّ الفضل بن سهل سأل الرضا ـ عليه السَّلام ـ بين يدي المأمون فقال: «يا أبا الحسن الخلق مجبورون؟ فقال: اللّه أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم. قال: فمُطْلَقون؟ قال: اللّه أحكم من أن يهمل عبده و يكله إلى نفسه»(2).

6ـ و قد كتب الإِمام العاشر أبو الحسن الثالث (صلوات اللّه عليه) رسالة في الردّ على أهل الجبر و التفويض، و إثبات العدل، والأمر بين الأمرين، و هذه الرسالة نقلها صاحب تحف العقول في كتابه و ممَّا جاء فيها: «فأما الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ فهو قول من زعم أنَّ اللّه جل و عز، أجبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلّم اللّه في حكمه وكذّبه وردّ عليه قَوْلَه: (و لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(3)، و قوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللّه لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبيد)(4)، و قوله (إِنَّ اللّه لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئَاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(5). فمن زعم أنَّه مجبَر على المعاصي، فقد أحال بذنبه على اللّه، و قد ظلَّمه في عقوبته، و من ظلَّم اللّه فقد كذَّب كتابه، و من كذَّب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الأمة. ـ إلى أن قال ـ : فمن زعم أنَّ اللّه تعالى فوض أمره و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز... ـ إلى أن قال ـ لكن نقول: إنَّ اللّه عزوجل خلق الخلق بقدرته، و مَلَّكَهُم استطاعةً تَعَبَّدَهُم بها فأَمرهم و نهاهم بما أراد... إلى أن قال: و هذا القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض و بذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه عباية بن ربعي الأسدي حين سأله عن الإِستطاعة التي بها يقوم و يقعد و يفعل، فقال له أمير المؤمنين: سألت عن الإِستطاعة، تملكها


1- البحار كتاب العدل و المعاد، ج 5، الحديث 38، ص 30.
2- المصدر السابق الحديث 120، ص 56.
3- سورة الكهف: الآية 49.
4- سورة الحج: الآية 10.
5- سورة يونس: الآية 44.


(359)

من دون اللّه أو مع اللّه؟ فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين: قل يا عباية، قال: و ما أقول؟. قال ـ عليه السَّلام ـ إن قلت إنك تملكها مع اللّه قتلتك. و إنَّ قلت تملكها دون اللّه قتلتك. قال عباية: فما أقول يا أميرالمؤمنين؟ قال ـ عليه السَّلام ـ تقول: إنك تملكها باللّه الذي يملكها من دونك. فإنْ يُمَلّكها إياك كان ذلك من عطائه، و إنَّ يَسْلُبْكَها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملّكك، و القادر على ما عليه أقدرك»(1).

قال العلاَّمة الطباطبائي: إختلف في الإِستطاعة قبل الفعل هل العبد مستقل بها بحيث يتصرف في الأسباب و آلات الفعل من غير أن يرتبط شيء من تصرفه باللّه، أم للّه فيها صنع، بحيث إنَّ القدرة للّه مضافة إلى سائر الأسباب، و إنما يقدر العبد بتمليك اللّه إيَّاه شيئاً منها، المعتزلة على الأول و المتحصل من أخبار أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ هو الثاني(2).

ولكن إنّ تمليكه سبحانه لا يبطل ملكه، فالمولى مالك لجميع ما يملكه في عين كونه ملكاً للعبد(3).

و قد اكتفينا بهذا النزر اليسير، و هو غيض من فيض، و قليل من الكثير من الأحاديث الواردة في باب الجبر و التفويض، و باب القضاء و القدر. و قد تقدم إيراد مجموعة من هذه الأحاديث فيما مضى.

و من ظريف ما روي عن الشهيد السعيد زين الدين الجبعي العاملي (ت 909 ـ م 966) قوله:

لقد جاء في القُرآن آيةُ حِكْمَة * تُدَمِّرُ آياتِ الضّلالِ ومن يجبُر


1- المصدر السابق كتاب العدل. و المعاد الباب الثاني الحديث 1، ص 71 ـ 75. و هذا الحديث يفسّر ما رواه المجلسي عن أبي إبراهيم موسى الكاظم برقم 61، ص 39، المصدر السابق نفسه.
2- المصدر السابق، ص 39، تعليقة العلاَّمة الطباطبائي رحمه اللّه.
3- لاحظ تعليقته الأخرى، ص 83.


(360)

وَ تُخْبِرُ أنَّ الإِختيارَ بأَيدينا * فمن شاء فلْيُؤْمن و من شاء فَلْيَكْفُر(1)

***

رجوع الرازي إلى القول بالأمر بين الأمرين

إن فخر الدين الرازي (ت 543 ـ م 606 هـ)، مع كونه متعصباً في الذبّ عن كلام الأشعري، رجع إلى القول بالأمر بين الأمرين و قال: «هذه المسألة عجيبة، فإن الناس كانوا مختلفين فيها أبداً بسبب أنَّ ما يمكن الرجوع فيها إليها متعارضة، فَمُعَوَّلُ الجبرية على أنَّه لابد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد، و معوّل القَدَرية على أنَّ العبد لو لم يكن قادراً على فعل لما حسن المدح و الذمّ و الأمر و النهي». ثم ذكر أدلة الطائفتين إلى أن قال: «الحق ما قال بعض أئمة الدين إنَّه لا جبر و لا تفويض ولكن أمر بين أمرين، و ذلك أنَّ مبنى المبادئ القريبة لأفعال العباد على قدرته و اختياره و المبادئ البعيدة على عجزه و اضطراره، فالإنسان مضطر في صورة مختار كالقلم في يد الكاتب و الوتد في شق الحائط، وفي كلام العقلاء قال الحائط للوتد: لِمَ تَشُقُّني؟ فقال: سَلْ مَنْ يَدقُّني»(2).

إعتراف شيخ الأزهر بصحة هذه النظرية

و ممن اعترف بالأمر بين الأمرين شيخ الأزهر في وقته، الشيخ محمد عبده في رسالته حول التوحيد، وقد أثّر كلامه في الأجيال المتأخرة من تلاميذ منهجه و مطالعي كتبه، قال: «جاءت الشريعة بتقرير أمرين عظيمين، هما ركنا السعادة و قوام الأعمال البشرية، الأول: إنَّ العبد يكسب بإرادته و قدرته


1- مقدمة الروضة البهية للشهيد الثاني، ص 188.
2- بحار الأنوار، ج 5، ص 82. و لا يخفى إنَّه مع اعترافه ببطلان الجبر و التفويض في ثنايا كلامه لم يفسّر نظرية الأمر بين الأمرين تفسيراً لائقاً بها.


(361)

ما هو وسيلة لسعادته. و الثاني: إنَّ قدرة اللّه هي مرجع لجميع الكائنات و إن من آثارها ما يحول بين العبد و إنفاذ ما يريده و إنّ لا شيء سوى اللّه يمكن له أن يمد العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه...

وقد كلّفه سبحانه أن يرفع همته إلى استمداد العون منه وحده بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح الكفر و إجادة العمل و هذا الذي قررناه قد اهتدى إليه سلف الأُمة فقاموا من الأعمال بما عجبت له الأُمم و عوّل عليه من متأخري أهل النظر إمام الحرمين الجُوَيْني رحمه اللّه، و إن أنكر عليه بعض من لم يفهمه»(1).

***

إلى هنا خرجنا بتوضيح حقيقة النظرية عن طريق البراهين العقلية و النقلية ولكن بقيت ها هنا أسئلة حول القول باختيار الإِنسان نوردها واحدة بعد الأُخرى فبعض هذه الأسئلة قرآني، و البعض الآخر روائي، و البعض الثالث فلسفي و الإِجابة عليها تحل غالب المشاكل المحفوفة بنظرية الإِختيار.


1- رسالة التَّوحيد، ص 59 ـ 62 بتلخيص.


(362)


(363)

أسئلة و أجوبة حول اختيار الإِنسان

هل الحسنة و السيئة من اللّه أو من العبد؟

ما معنى السعادة و الشقاء الذاتيين؟

إنتهاء الأُمور إلى الإِرادة الأزلية.

ما معنى كون الهداية و الضَّلالة بيده سبحانه؟


(364)


(365)

أسئلة و أجوبة حول اختيار الإِنسان

السؤال الأول

هل الحسنة و السيئة من اللّه أو من العبد؟

ربما يتبادر إلى الذهن في بادئ النظر الإِختلاف في قضاء القرآن في مبدأ الحسنة و السيئة حيث يرى في الآيتين التاليتين أقضية ثلاثة في مصادرهما و مبادئهما:

1ـ ما ينقل عن المنافقين حيث كانوا ينسبون الحَسَنة إلى اللّه و السيئة إلى النبي، كما يحكي عنه قوله تعالى: (وَ إِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّه وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ)(1)، تطيّراً بوجود النبي، كما تطيروا بغيره في الأُمم السالفة.

2ـ ما يذكره سبحانه في نفس الآية ردّاً عليهم بأنَّ الحسنة و السيئة كلٌّ مِن عند اللّه، حيث قال: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّه فَمالِ هؤلاء القَوْمِ لاَ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً)(2).

3ـ ما ذكره تعالى في الآية التالية حيث نسب الحسنة إلى اللّه و السيئة إلى العبد فجعل منشأ الأولى هو الباري تعالى، و منشأ الثانية الإِنسان يقول:


1- سورة النساء: الآية 78.
2- سورة النساء: الآية 78.


(366)

(ما أصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّه وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ)(1).

فكيف التوفيق بين القضاء الثاني و الثالث.

أما الجواب، فنقول: إنَّه سبحانه نقل عن الفراعنة نظرية أشدّ بطلاناً مما نقله عن المنافقين، حيث كانوا ينسبون الحسنات إلى أنفسهم والسيئات إلى موسى ـ عليه السَّلام ـ . قال سبحانه: (وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بالسِّنِينَ وَ نَقْص مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنا هَذِهِ * وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّروا بِمُوسَى وَ مَنْ مَعَهُ، ألا إِنَّمَا طَائرُهُمْ عِنْدَ اللّهِ وَلِكنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون)(2).

و القرآن يجيب عن هذا القضاء المنقول عن المنافقين و الفراعنة، فيرد على الأول بأنَّه مبني على وجود مؤثرين مستقلين في عالم الوجود، لكل واحد فعل خاص ينافي فعل الآخر، حيث قال: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّه فَمَالِ هؤلاءِ الْقَومِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً)(3).

كما ردّ على نظرية الفراعنة بقوله: (ألاَ إِنَّمَا طَائرُهُمْ عِنْدَ اللّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون)(4). فلا كلام في بطلان ما قضى به المنافقون و الفراعنة، و إنما نركز البحث على القضاءين المختلفين الواردين في القرآن الكريم فنقول:

إنَّ المراد من الحسنة والسيئة في الآية، بقرينة وقوعها في سياق آيات الجهاد هو الغلبة فيه أو الهزيمة، فعمت الأولى المسلمين في غزوة بدر، كما شملتهم الهزيمة في أُحُد، فأراد المنافقون أو ضعفاء العقول الإِزراء بالنبي، و أنَّ الغلبة في غزوة بدر كانت من اللّه سبحانه و الهزيمة من النبي لسوء القيادة، فكانوا يتبجحون بهذه الفكرة تعييراً بالنبي و تضعيفاً لعقول المسلمين، فردّ اللّه سبحانه عليهم بأنَّ الحسنة بقول مطلق كالفتوحات في


1- سورة النساء: الآية 79.
2- سورة الأعراف: الآيتان 130 و 131.
3- سورة النساء: الآية 78.
4- سورة الأعراف: الآية 131.


(367)

مورد الآية، و كثرة الثمار و شمول الخصب كما في مورد الفراعنة، و السيئة بقول مطلق كالهزيمة في مورد البحث و نقص الثمرات و عموم الجدب في مورد الفراعنة، كلها من اللّه سبحانه، إذ لا مؤثر في الوجود إلاَّ هو، و لا خالق غيره، فما يصيب الإِنسان مما يستحسنه طبعه، أو يسوؤه كله من اللّه تعالى، فهو خالق الأكوان و الحوادث، و إنَّ سلسلة الوجود تنتهي إليه سبحانه. و بذلك يعلم أنَّ المراد من الحسنة و السيئة نظير هذه الأُمور لا الأفعال الإِختيارية التي يقوم بها الإِنسان في حياته فالآيات الواردة في هذا المجال منصرفة عنه، فمقتضى التوحيد الأفعالي نسبة الكلّ إلى اللّه سبحانه. هذا هو وجه القضاء الأول.

و أمَّا الآية الثانية التي تفكك بين الحسنة و السيئة، فتنسب الأُولى إلى اللّه و السيئة إلى الإِنسان فإنما هي ناظرة إلى مناشئهما و مبادئهما، فلا شك أنَّ الإِنسان لا يستحق بذاته شيئاً من النعم التي أنعمها اللّه عليه، و أنَّ كل النعم و الحسنات تصيبه تفضلا من اللّه سبحانه و كرامة منه، ولأجل ذلك قال سبحانه: (مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنة فَمِنَ اللّه) و الخطاب و إن كان للنبي، ولكنه من قبيل الخطابات القرآنية التي يخاطب بها النبي و يقصد منها كل الناس; قال سبحانه: (لَئِنْ أَشْركْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرينَ)(1). ومن هنا يركز القرآن على أنَّ مبدأ الحسنة هو اللّه سبحانه.

و أمَّا السيئة فهي و إن كانت من عند اللّه ولكن لو استقرأ الإِنسان مناشئ الهزائم و الإِنكسارات أو البلايا و النوازل يجد أن المجتمع الإِنساني هو المنشأ لنزولها، و أخذهم بها. قال سبحانه: (وَ لَوْ أنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَ الأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ)(2). و قد تقدم في البحث عند البداء ما يفيدك في المقام.


1- سورة الزمر: الآية 65.
2- سورة الأعراف: الآية 96.


(368)

و بذلك يسهل عليك فهم ما جاء في الآية التالية من التفريق بين الهداية و الضّلالة حيث يقول سبحانه: (قُلْ جَاءَ الحَقُّ و ما يُبْدِىءُ الباطِلُ وَ مَا يُعِيدُ * قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلى نَفْسي * وَ إِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحي إِلىَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)(1) فترى أنَّه سبحانه يَأْمُر عَبْدَهُ بأن ينسب الضلالة إلى نفسه و الهداية إلى ربِّه، مع أنَّه سبحانه ينسبهما في آيات أُخرى إلى نفسه و يقول: (فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُو العَزِيزُ الحَكِيمُ)(2). و ما هذا إلاَّ لأن الهداية و الضلالة بما أنهما من الأمور الواقعية في الكون تنتهي وجوداً إلى اللّه سبحانه، فينسبهما من حيث الوجود إلى نفسه سبحانه. و أمَّا من حيث المناشئ و الحوافز التي تنزلهما إلى العبد، فبما أنَّ الهداية نعمة من اللّه سبحانه لا يستحقها الإِنسان بذاته، بل تعمه كرامة منه تعالى، فينسبها إلى اللّه تعالى من هذه الجهة و يقول: (و إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحي إِلىَّ رَبِّي).

و بما أنَّ الضلالة نقمة يستحقها الإِنسان لتقصيره في اتباع الرسل و الإِهتداء بالكتب، صارت أولى بأن تنسب إلى العبد، و يقول: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أضِلُّ عَلى نَفْسي).

و بهذا البيان يرتفع ما يتراءى من الإِختلاف بين نظائر هذه الآيات. و بكلمة واحدة، إنَّ الآيات من حيث المساق مختلفة، فعندما يلاحظ الظاهرة ـ سواء أكانت حسنة أو سيئة، هداية أو ضلالة ـ بما أنَّها من الأمور الواقعية الإِمكانية، لا تتحقق إلاَّ بالإِنتماء إلى الواجب تعالى و الصدور منه، ينسبها إلى اللّه تعالى. و عندما يلاحظها من حيث المناشئ و الدواعي التي تنزلها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فليس للحسنة و الهداية منشأ إلاَّ اللّه تعالى، كما أنَّه ليس للسيئة و الضلالة منشأ، سوى تقصير العبد في حياته كما عليه الآيات الكثيرة. و لأجل ذلك نرى أنَّ الحديث القدسي المنقول عن


1- سورة سبأ: الآيتان 49 و 50.
2- سورة إبراهيم: الآية 4.


(369)

النبي ـ صلى اللّه عليه و آله ـ يفرق بين الحسنة و السيئة مع أنّ الكل يوجد بحوله و قوته سبحانه، يقول: «يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بنعمتي أديَّت إليَّ فرائضي، و بقدرتي قويت على معصيتي، خلقتك سميعاً بصيراً، أنا أولى بحسناتك منك و أنت أولى بسيئاتك مني»(1).


1- بحارالأنوار، ج 5، كتاب العدل و المعاد، الباب الأول الحديث3، ص 4. و لاحظ ص 56.


(370)


(371)

السؤال الثاني

ما معنى السعادة و الشقاء الذاتيين؟

قد اشتهر في ألسن الباحثين عن الجبر و الإِختيار القول بأنَّ الناس على صنفين سعيد وشقي، و أنَّ سعادة كلٍّ و شقاءه مكتوب في علمه الأزلي سبحانه أولا، و محكوم بأحدهما آن كونه جنيناً في بطن أُمّه، و هذا يكشف عن أنَّ الشقاء و السعادة ذاتيان، فكيف يمكن الحكم بالإِختيار معهما.

أما الأول: أي كون كل واحد مكتوباً بأحد الوصفين في علمه الأزلي، فيستظهر من قوله سبحانه: (يَوْمَ يَأْت لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ * فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهيقٌ * خَالِدِينَ فِيها مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ ما شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُريدُ * وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيها مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَ الأرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)(1).

قال الرازي في تفسير الآية: إِعلم أنَّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنَّه سعيد، و على بعضهم بأنَّه شقي، و من حكم اللّه عليه بحكم و علم فيه ذلك الأمر، امتنع كونه بخلافه، و إلاَّ لزم أن يصير خبر اللّه تعالى


1- سورة هود: الآيات 105 ـ 108.


(372)

كذباً، و علمه جهلا و ذلك محال. فثبت أنَّ السعيد لا ينقلب شقياً و أنَّ الشقي لا ينقلب سعيداً». ثم استشهد لكلامه بما روي عن عمر أنَّه قال: «لما نزل قوله تعالى (فمنهم شقي و سعيد) قلت: يا رسول اللّه فعلى ماذا نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه، فقال: على شيء قد فُرِغَ منه يا عُمَر، وجَفَّت به الأقلام، و جرت به الأقدار، ولكن كل مُيسّر لما خلق له». قال: و قالت المعتزلة: نقل عن الحسن أنَّه قال: فمنهم شقي بعمله و سعيد بعمله. قلنا الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات و أيضاً فلا نزاع أنَّه إنما شقي بعمله و إنما سعد بعمله. ولكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء اللّه وقدره، كان الدليل الذي ذكرناه باقياً»(1). فقد استفاد الرازي من الآية أنَّ السعادة و الشقاء من الأمور الذاتية للموصوف بهما حتى قال إنَّ السعيد لا ينقلب شقياً.

و أمَّا الثاني: فقد روى المحدثون عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنَّه قال: «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِىَ في بَطْنِ أُمّه. و السعيد من سَعِدَ في بطن أُمِّهِ»(2).

تحليل الشقاوة و السعادة في الآية و الحديث

إنَّ البحث في هذا المجال يتم في ضمن جهات:

الجهة الأولى ـ في تقسيم الناس إلى شقي و سعيد.

إنَّ الناظر في الآيات الماضية لا يدرك سوى أنَّ هناك جماعة متصفون بالسعادة و أخرى بالشقاوة، و أمَّا كونهما ذاتيين لموصوفيهما أو ثابتين بإرادة أزلية لا يتخلف مرادها عنها، أو يثبتان لهما عن اكتساب و عمل مع كون الموضوعين خاليين عنهما بالنظر إلى ذاتيهما، فلا نظر في ال