welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : شدّ الرحال إلى زيارة النبي وآله (عليهم السلام)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

شدّ الرحال إلى زيارة النبي وآله (عليهم السلام)

صفحه 1
شدّ الرحال
إلى زيارة النبي وآله (عليهم السلام)

صفحه 2

صفحه 3
شد الرحال
إلى زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وآله (عليهم السلام)
بين أوهام الوهابية وحقائق الإسلام
ويليه
صوم يوم عاشوراء
 
مناقشة تاريخية، حديثية، فقهية
تأليف
الفقيه جعفر السبحاني
نشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة الثانية (مزيدة ومصححة ومنقحة)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
شدّ الرحال إلى زيارة النبي وآله(عليهم السلام)بين اوهام الوهابيه وحقائق الإسلام ويليه صوم يوم عاشوراء/ تأليف جعفر السبحاني.ـ ]ويراست 2[. قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1391.
120ص .   ISBN: 978-964-357-514-4
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس .
چاپ سوم; 1394 .
مندرجات: شدّ الرحال إلى زيارة النبي وآله(عليهم السلام)بين اوهام الوهابية وحقائق الإسلام. ص 1 ـ 48. ـ ـ صوم يوم عاشوراء مناقشة تاريخية، حديثية، فقهية ، 49 ـ 120.
1. زيارت ـ ـ احاديث . 2. محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، پيامبر اسلام، 53 قبل از هجرت ـ 11 ق ـ ـ زيارت. ألف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان. ج. سبحاني تبريزي، جعفر 1308 ـ . صوم روز عاشوراء. د. عنوان: صوم يوم عاشوراء مناقشة تاريخية، حديثية، فقهية .
4ش 2س6/262BP   76/297
1394
اسم الكتاب:    شد الرحال إلى زيارة النبي وآله(عليهم السلام) ويليه صوم يوم عاشوراء
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   الثالثة (مزيدة ومصححة ومنقحة)
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    رقعي
التاريخ:    1394 هـ . ش / 1437 هـ . ق / 2016 م
الكمية:    1000 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 908   تسلسل الطبعة الأُولى: 398
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
    شد الرحال إلى زيارة النبي وآله (عليهم السلام)
    السفر إلى زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف بريته وخاتم رسله محمد وآله الطيّبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين.
أمّا بعد،
فقد سأل أحد الأخوة عن حكم السفر إلى زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة الطاهرين(عليهم السلام)وصلحاء الأُمّة والأقرباء، وقال:
هل يجوز السفر إلى زيارة قبورهم؟ فهناك مَنْ يقول بحرمة السفر إليها، مستدلاًّ بما رواه مسلم وغيره، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
الجواب: إنّ تحقيق المسألة رهن الكلام في مقامات خمسة:

صفحه 8
الأوّل: تبيين مفاد الحديث، وأنّه لا صلة له بالسفر إلى زيارة القبور الّتي حثّت السنّة النبوية عليها.
الثاني: موقف القرآن الكريم من زيارة قبور المؤمنين .
الثالث: موقف السنة النبوية من زيارة قبور المؤمنين .
الرابع: استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
الخامس: سيرة المسلمين عبر القرون في السفر إلى زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقبور أولياء الله الصالحين.
   

صفحه 9
 
المقام الأوّل
تبيين مفاد الحديث
روي هذا الحديث بصورة أُخرى غير ما ذكر في السؤال، وهي:
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما يُسافَرُ إِلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدي، وَمَسْجِدِ إيليا».
وروي أيضاً بصورة ثالثة، وهي:
«تُشَدُّ الرِّحال إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ...».(1)
لا شكّ في وجود هذا الحديث في الصحاح، ولسنا الآن في مقام مناقشة سند الحديث، لكونه ورد في أصحّ الكتب ، بل المقصود بيان مفاد الحديث، لكي يظهر أنّ مفاده لا يمتّ لما

1 . أورد مسلم هذه الأحاديث الثلاثة في صحيحه: 4 / 126، كتاب الحج، باب لا تشدّ الرحال، وذكره أبو داود في سننه: 1 / 469، كتاب الحج، وكذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي: 2 / 37 ـ 38 .

صفحه 10
ادّعاه القائل بصلة.
ولنفرض أنّ نصّ الحديث هو: «لا تُشَدُّ الرحال إِلاّ إِلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ...» وإلاّ فالصورتان الأخيرتان لا تدلاّن على حصر الجواز في الثلاثة، خصوصاً الصورة الثالثة .
وعلى ضوء هذا نقول: لاشكّ أنّ لفظ «إلاّ» هي أداة استثناء ولابدّ من وجود «المستثنى منه»، وبما أنّه مفقود في النصّ فلابدّ من تقديره في الكلام، وقبل الإشارة إلى القرائن الموجودة يمكن تقدير المستثنى منه بصورتين:
1. لا تُشَدُّ إِلى مَسْجِد مِنَ الْمَساجِد إِلاّ ثَلاثة مَساجِد...
2. لا تُشَدُّ إِلى مَكان من الأمكنَةِ إِلاّ ثَلاثَة مَساجد...
إنّ فهم الحديث والوقوف على معناه يتوقّف على ثبوت أحد هذين التقديرين، فإن اخترنا التقدير الأوّل كان معنى الحديث عدم شدّ الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، وعندئذ لا علاقة له بشدّ الرحال إلى أيّ مكان إذا لم يكن مسجداً.
فلا يشمل النهي من يشدّ الرحال لزيارة قبور الأنبياء والأئمّة الطاهرين والصالحين; لأنّ الموضوع في الحديث ـ نفياً وإثباتاً ـ هو شدّ الرحال إلى المساجد ـ باستثناء المساجد الثلاثة

صفحه 11
المذكورة ـ وأمّا شدّ الرحال إلى زيارة المشاهد المشرّفة وقبور الصلحاء من الأُمّة فليس مشمولاً للنهي ولا داخلاً في موضوع الحديث.
هذا على التقدير الأوّل.
وأمّا على التقدير الثاني، أعني: إذا كان المستثنى منه هو المكان، فيصبح مفاد الحديث باطلاً بالضرورة إذ لازمه أن تكون كافّة الأسفار ـ ما عدا السفر إلى المناطق الثلاث المذكورة ـ محرّمة، سواء أكان السفر من أجل زيارة المسجد أو زيارة مناطق وغايات دنيويّة أُخرى، وهذا ما لا يقول به أحدٌ من الفقهاء، كما سيوافيك.
والقرائن والدلائل تدلّ على أنّ التقدير الأوّل هو الصحيح، والثاني باطل، وهي كالآتي:
أوّلاً: أنّ المساجد الثلاثة هي المستثناة، والاستثناء هنا متّصل ـ كما هو واضح ـ فلابدّ أن يكون المستثنى منه هو: المساجد لا الأمكنة. ويكون الكلام مركّزاً على المساجد، نفياً وإثباتاً، ولا علاقة للحديث بغيرها.
ثانياً: لو كان الهدف هو منع كافّة السفرات المعنويّة لما صحّ الحصر في هذا المقام; لأنّ الإنسان يشدّ الرحال في موسم الحجّ للسفر إلى «عرفات» و«المشعر» و «منى»، فلو كانت

صفحه 12
السفرات الدينية ـ لغير المساجد الثلاثة ـ محرّمة، فلماذا يُشدّ الرحال إلى هذه المناطق؟!
ثالثاً: لقد أشار القرآن الكريم والأحاديث الشريفة إلى بعض الأسفار الدينية، وجاء التحريض عليها والترغيب فيها، كالسفر من أجل الجهاد في سبيل اللّه وطلب العلم وصلة الرحم وزيارة الوالدين وما شابه ذلك. فمن ذلك قوله تعالى:
(...فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).(1)
وقوله سبحانه: (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(2).
ولهذا فقد فسّر كبار الباحثين والمحقّقين الحديث المذكور بما أشرنا إليه، فمثلاً يقول الغزالي ـ في كتاب إحياء العلوم ـ :
القسم الثاني وهو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجّ أو جهاد...ويدخل في جملته: زيارة قبور الأنبياء(عليهم السلام)وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء، وكلّ من يُتبرّك بمشاهدته في حياته يُتبرّك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ

1 . التوبة: 122.   2 . آل عمران: 137 .

صفحه 13
الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» لأنّ ذلك في المساجد، فانّها متماثلة(في الفضيلة) بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه.(1)
وعلى ضوء هذا فالمنهيّ عنه ـ في هذا الحديث ـ هو شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، من المساجد الأُخرى، ولا علاقة له بالسفر للزيارة أو لأهداف معنويّة أُخرى.
وفي الختام لابدّ من الإشارة إلى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما قال: «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» فإنّه لا يعني أنّ شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى حرام، بل معناه أنّ المساجد الأُخرى لا تستحقّ شدّ الرحال إليها، وتحمّل مشاق السفر من أجل زيارتها، لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف ـ من حيث الفضيلة ـ اختلافاً كبيراً.
فالمسجد ـ سواء كان في المدينة أو في القرية أو في المنطقة ـ لا يختلف عن الآخر، فثواب إقامة الصلاة في المسجد

1 . كتاب إحياء علوم الدين للغزالي:2/247، كتاب آداب السفر، طبعة دار المعرفة بيروت.

صفحه 14
الجامع في أيّ بلد من البلاد واحد، فلا ملزم للسفر عندئذ لإقامة الصلاة في جامع مثله. وعليه فلا داعي إلى أن يشدّ الإنسان الرحال إليه، أمّا إذا شدّ الرحال إليه فليس عمله هذا حراماً ولا مخالفاً للسُّنّة الشريفة.
ويدلّ عليه ما رواه أصحاب الصحاح والسُّنن:
«كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي مسجد قُباء كلّ سبت راكباً وماشياً، فيصلّي فيه ركعتين».(1)
فعلى ضوء هذه الرواية لنا أن نتساءل: كيف يمكن أن يكون شدّ الرحال وقطع المسافات من أجل إقامة الصلاة ـ مخلصاً للّه ـ في بيت من بيوته سبحانه حراماً ومنهيّاً عنه؟!!

1 . صحيح مسلم: 4 / 127 ; وفي صحيح البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، عن عبدالعزيز بن مسلم، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يأتي مسجد قباء كلّ سبت ماشياً وراكباً، صحيح البخاري: 2 / 57، باب من أتى مسجد قباء كلّ سبت.

صفحه 15
 
المقام الثاني
موقف القرآن الكريم من زيارة قبور المؤمنين
يمكن تحديد موقف القرآن الكريم من زيارة القبور من خلال دراسة قوله سبحانه : ( ولا تُصَلِّ عَلى أحَد مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولهِ وماتُوا وَهُم فاسِقُونَ )(1) .
حيث إنّ الآية تسعى لهدم شخصية المنافق ، ورفع العصا في وجوه حزبه ونظرائه . والنهي عن هذين الأمرين بالنسبة إلى المنافق ، معناه ومفهومه مطلوبية هذين الأمرين (الصلاة والقيام على القبر) بالنسبة لغيره أي للمؤمن .
والآن يجب أن ننظر في قوله تعالى : ( وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ )ما هو معناه؟
هل المعنى هو القيام وقت الدفن فقط ، حيث لا يجوز ذلك للمنافق ، ويستحب للمؤمن ، أو المعنى أعمّ من وقت الدفن وغيره؟
إنّ بعض المفسّرين وإن خصّوا القيامَ نفياً وإثباتاً بوقت

1 . التوبة : 84 .

صفحه 16
الدفن ، لكن البعض الآخر فسّروه في كلا المجالين بالأعمّ من وقت الدفن وغيره .
قال السيوطي في تفسيره : ولا تَقم على قبره لدفن أو زيارة(1) .
وقال الآلوسي البغدادي : ويفهم من كلام بعضهم أنّ «على» بمعنى «عند» والمراد : لاتقف عند قبره للدفن أو للزيارة(2) .
وقال الشيخ إسماعيل حقّي البروسوي : ( ولاتَقُم على قبره ) أي ولا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة والدعاء(3) .
إلى غير ذلك من المفسّرين ، وقد سبقهم البيضاوي في تفسيره(3) .
والحقّ مع من أخذ بإطلاق الآية وإليك توضيحه :
إنّ الآية; تتألّف من جملتين :
الأُولى : قوله تعالى : ( وَلا تُصَلِّ عَلى أحَد مِنْهُمْ ماتَ ) .
إنّ لفظة (أحَد) بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق لجميع الأفراد ، ولفظة (أبَداً) تفيد الاستغراق

1 . تفسير الجلالين : سورة التوبة في تفسيره الآية .
2 . روح المعاني: 10 / 155 .   3 . روح البيان: 3 / 378 .
3 . أنوار التنزيل: 1 / 416 ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت .

صفحه 17
الزمني ، فيكون معناها : لا تصلّ على أحد من المنافقين في أيّ وقت كان .
فمع الانتباه إلى هذين اللَّفظين نعرف ـ بوضوح ـ أنّ المراد من النهي عن الصلاة على الميّت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميّت عند الدفن فقط; لأنّها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة ، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة (أبَداً)، بل المراد من الصلاة في الآية مطلق الدعاء والترحّم سواء أكان عند الدفن أم غيره .
فإن قال قائل : إنّ لفظة (أبَداً) تأكيد للاستغراق الأفرادي لا الزماني .
فالجواب بوجهين :
1 ـ أنّ لفظة (أحَد) أفادت الاستغراق والشمول لجميع المنافقين بوضوح; فلا حاجة للتأكيد .
2 ـ أنّ لفظة (أبَداً) تستعمل في اللّغة العربية للاستغراق الزماني ، كما في قوله تعالى : ( وَلا أنْ تَنكِحُوا أزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً )(1) .
فالنتيجة أنّ المقصود هو النهي عن الترحّم على المنافق

1 . الأحزاب : 53 .

صفحه 18
وعن الاستغفار له ، سواء أكان بالصلاة عليه عند الدفن أم بغيرها .
الجملة الثانية : ( ولاَ تقُمْ عَلى قَبْرِهِ ) .
إنّ مفهوم هذه الجملة ـ مع الانتباه إلى أنّها معطوفة على الجملة السابقة ـ هو : «لا تَقُم على قبر أحد منهم مات أبداً» لأنّ كلّ ما ثبت للمعطوف عليه من القيد ـ أعني (أبَداً) ـ يثبت للمعطوف أيضاً ، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأنّ المقصود من القيام على القبر هو وقت الدفن فقط; لأنّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن ، كما كان بالنسبة للصلاة ، ولفظة (أبَداً) المقدّرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل ، فهذا يدلّ على أنّ القيام على القبر لايختصّ بوقت الدفن .
وإن قال قائل : إنّ لفظة (أبَداً) المقدّرة في الجملة الثانية معناها الاستغراق الأفرادي .
قلنا : قد سبق الجواب عليه ، وأنّ لفظة (أحَد) للاستغراق الأفرادي ، لا لفظة (أبَداً) فهي للاستغراق الزماني .
فيكون معنى الآية الكريمة : أنّ الله تعالى ينهى نبيّه (صلى الله عليه وآله) عن مطلق الاستغفار والترحّم على المنافق ، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء ، وينهى عن مطلق القيام على القبر ، سواء كان عند

صفحه 19
الدفن أو بعده . ومفهوم ذلك هو أنّ هذين الأمرين يجوزان للمؤمن .
وبهذا يثبت جواز زيارة قبر المؤمن وجواز قراءة القرآن على روحه ، حتّى بعد مئات السنين . وهذا لا ينفك عن شدّ الرحال كما لا يخفى .

صفحه 20
 
المقام الثالث
في موقف السنّة النبوية من زيارة قبور المؤمنين
إنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) جسّد بعمله مشروعية زيارة
القبور وعلّم كيفيتها ، وكيف يتكلّم الإنسان مع الموتى ، فقد
ورد في غير واحد من المصادر ، أنّه (صلى الله عليه وآله)زار البقيع ، وإليك النصوص :
1 ـ روى مسلم عن عائشة أنّها قالت : كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)كلّما كان ليلتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول : «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون ، غداً مؤجَّلون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد»(1) .
2 ـ وعن عائشة في حديث طويل أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لها : «أتاني جبرئيل فقال : إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم» قالت : قلت : كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال : «قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ورحم

1 . صحيح مسلم: 3 / 63 ، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها من كتاب الجنائز.

صفحه 21
الله المستقدمين منّا والمستأخرين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون»(1) .
3 ـ وروى ابن بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)يُعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول : ـ في رواية أبي بكر ـ «السلام على أهل الديار» وفي رواية زهير : «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنّا إن شاء الله لَلاحقون ، أسأل الله لنا ولكم العافية»(2) .
4 ـ عن ابن بريدة، عن أبيه : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»(3) .
5 ـ ورويت في كنز العمال الروايات التالية : «السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون . ووددتُ أنّا قد أُرينا إخواننا قالوا : أولسنا إخوانك؟ قال : بل أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد .  إلخ»(4) .
6 ـ «السلام عليكم يا أهل القبور من المؤمنين والمسلمين ،

1 . صحيح مسلم: 3 / 64 ، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز; سنن النسائي: 4 / 91 .
2 . صحيح مسلم: 3 / 65، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز.
3 . صحيح مسلم: 7 / 46 ; سنن الترمذي: 3 / 370 ح 1054 ; سنن النسائي: 4 / 89 .
4 . صحيح مسلم: كتاب الطهارة ، باب استحباب إطالة الغرة والتحصيل في الوضوء، الحديث 249 .

صفحه 22
يغفر الله لنا ولكم ، أنتم سلفنا ونحن بالأثر»(1) .
7 ـ «السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا وإياكم متواعدون غداً ومتواكلون ، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»(2) .
8 ـ «السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، أنتم لنا فرط ، وإنّا بكم لاحقون ، اللّهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم»(3) .
9 ـ «إنّي نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكِّركم زيارتها خيراً»(4) .
10 ـ «نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهنّ; نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها; فإنّ في زيارتها تذكرة»(5) . إلى غير ذلك من الآثار النبوية الحاثّة على زيارة القبور ، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كنز العمال .

1 . كنز العمال: 15 / 247 ـ 248، الحديث 42561 .
2 . كنز العمال: 15 / 247 ـ 248، الحديث 42562 .
3 . كنز العمال: 15 / 247 ـ 248، الحديث 42563 .
4 . كنز العمال: 15 / 247 ـ 248، الحديث 42564 .
5 . كنز العمال: 15 / 247 ـ 248، الحديث 42565 .

صفحه 23
استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   
 
المقام الرابع
في استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
تضافرت السنّة النبوية على استحباب زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث روى أئمة المذاهب الأربعة وأصحاب السنن والمسانيد، أحاديث عديدة تؤكد على ذلك، منها:
قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، «من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي» وقد نقله عدّة من الحفّاظ وأئمة الحديث يزيد عددهم على أربعين محدّثاً وحافظاً،(1) وها نحن نذكر بعض من رواه من

1 . بعد أن ظهرت بدعة التشكيك في زيارة النبيّ الأكرم قام الإمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ) بجمع ما رواه الحفّاظ في هذا المجال ، فبلغت خمسة عشر حديثاً ، وقد صحّح كثيراً من أسانيدها بما كان له من اطّلاع واسع في مجال رجال الحديث .
وممّن قام بنفس العمل الحافظ نور الدين علي بن أحمد السمهودي(ت 911هـ) في كتابه «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» حيث أحصى سبعة عشر حديثاً غير ما ورد في ذلك المجال ، ولم يشتمل على لفظ «الزيارة» .
وقد قام بنفس ما قام به الإمام السبكي من تصحيح للاسناد وذِكر لمصادر الروايات على وجه بديع .
من جهة أُخرى قام الكاتب الإسلامي الشيخ محمد الفقي ، من علماء الأزهر الشريف ، بجمع ما ورد في زيارة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير تحقيق للاسناد بل مجرد النقل فبلغ اثنين وعشرين حديثاً .

صفحه 24
قدماء المحّدثين:
1. ابن أبي الدنيا، أبو بكر عبدالله بن محمد القرشي (المتوفّى 281 هـ).(1)
2. محمد بن إسحاق، أبو بكر النيسابوري (المتوفّى 311 هـ) الشهير بابن خزيمة .(2)
3. الحافظ أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني (المتوفّى 385 هـ) .(2)
4. الحافظ أبو بكر البيهقي (المتوفّى 458 هـ).(4)
5. القاضي عياض المالكي (المتوفّى 544 هـ).(3)
6. الحافظ أبو القاسم عليّ بن عساكر (المتوفّى 571 هـ) .(4)
7. الحافظ ابن الجوزي (المتوفّى 597 هـ) في كتابه «مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن»(5) .

1 . لاحظ: الغدير: 5 / 143 .   2 . ذكره في صحيحه.
2 . سنن الدارقطني: 2 / 278، برقم 194 .   4 . السنن الكبرى: 5 / 245.
3 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 5 / 194 .
4 . مختصر تاريخ دمشق: 2 / 406 في باب مَنْ زار قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا الباب أسقطه المهذِّب من الكتاب في طبعه، والله يعلم سرّ تحريفه هذا وما أضمرته سريرته (عن الغدير).
5 . قام بتحقيق هذا الكتاب الدكتور مرزوق علي إبراهيم وطبع في دار الراية في الرياض، عام 1415 هـ .

صفحه 25
وهذه الرواية لا تختص بمن استوطن المدينة بل هي خطاب شامل لكافة المسلمين دانيهم وقاصيهم.
وقد ذكرنا تسعة أحاديث أُخرى في كتابنا «في ظلال التوحيد» فمن شاء فليرجع إليه (1).

1 . في ظلال التوحيد: 268 ـ 274.

صفحه 26
سيرة المسلمين عبر القرون في السفر لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)...   
 
المقام الخامس
سيرة المسلمين عبر القرون في السفر
لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وآله(عليهم السلام) وغيرهم
إنّ مَنْ تتبع سيرة المسلمين عبر القرون يجد شواهد كثيرة على أنّهم كانوا يشدّون الرحال لأجل زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقبور آله وأصحابه ـ بل وزيارة قبور الصالحين من أقاربهم ـ ونحن نقتصر في المقام بذكر الشواهد التالية:

الأوّل: سفر السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) لزيارة قبر حمزة سيد الشهداء في أُحد

أخرج الحاكم في مستدركه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أنّ فاطمة (عليها السلام)بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت تزور قبر عمّها حمزة كلّ جمعة وتبكي عنده. قال الحاكم بعد نقل هذا الحديث: «رواته عن آخرهم ثقات» (1).
ومن المعلوم أنّ بين المدينة وموقع معركة أُحد مسافة شاسعة ربّما تتجاوز اثني عشر كيلومتراً، فهل يستطيع من افتى

1 . المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: 1 / 377، كتاب الجنائز.

صفحه 27
بحرمة السفر أن يتّهم سيدة نساء العالمين بأنّها لا تعلم حرمة هذا العمل، وهي بضعة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)وسيدة نساء أهل الجّنة.

الثاني: سفر عائشة إلى زيارة قبر أخيها

أخرج الترمذي في سننه، عن عبدالله بن مليكة، قال: توفّي عبدالرحمن بن أبي بكر بـ «حبشى»، قال: فحمل إلى مكة فدفن فيها، فلمّا قدمتْ عائشة مكة، أتت قبر عبدالرحمن بن أبي بكر، فقالت:
وكنّا كندماني جذيمة حِقبةً *** من الدهر حتّى قيل: لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأنّي ومالكاً *** لطول اجتماع لم نَبتْ ليلة معا
ثمّ قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلاّ حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك .(1)
والمتبادر من العبارة أنّها لمّا قدمت مكة ذهبت إلى زيارة قبر أخيها لا أنّها مرّت عليه عفواً في طريقها إلى مكة.
وأمّا قولها: «ولو شهدتك لما زرتك» فهو بمعنى : بما أنّي

1 . سنن الترمذي: 3 / 371، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، الحديث 1055.

صفحه 28
لم أُؤدّ حقّك في حال حياتك، فلذلك أزورك بعد مماتك، ولو كنت مؤدّية لحقّك لما تحمّلت عبء زيارتك .

الثالث: سفر بلال إلى المدينة لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى ابن عساكر: أنّ بلالاً رأى في منامه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يقول: له ما هذه الجفوة يا بلال! أما آنَ لك أنْ تزورني يا بلال! فانتبه حزيناً وَجِلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يضمّهما ويقبّلهما .(1)
وذكر بعد ذلك قصة أذانه بطلب من الحسن والحسين (عليهما السلام) .
وقال الحافظ جمال الدين المزّي (في ترجمة بلال): إنّه لم يؤذّن لأحد، بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ مرّة واحدة في قدَمة قدمها المدينة لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وطلب إليه الصحابة ذلك فأذّن .(2)

الرابع: إبراد عمر بن عبدالعزيز بالسلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

وقد استفاض عن عمر بن عبدالعزيز إنّه كان يبرد البريد من الشام، يقول: سلّم لي على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال السبكي: وممّن ذكر ذلك ابن الجوزي، ونقلته من

1 . مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر: 5 / 265 .
2 . تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 4 / 289 .

صفحه 29
خطّه «مثير الغرام الساكن»، وذكره أيضاً الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل الّذي توفّي سنة سبع وثمانين ومائتين في مناسكه، وقال: كان عمر بن عبدالعزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليُقرئ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم يرجع.
ثم قال السبكي: فسفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبدالعزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة، لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك لا من أمر الدنيا، ولا من أمر الدين، لا من قصد المسجد، ولا من غيره، وإنّما قلنا ذلك لئلاّ يقول بعض من لا علم له: إنّ السفر لمجرّد الزيارة ليس بسنّة! وسنتكلّم على بطلان ذلك في موضعه .(1)

الخامس: سفر كعب الأحبار إلى المدينة لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بدعوة من الخليفة

روى الواقدي ـ عند ذكر فتح مدينة حلب وقلاعها ـ قال: التقى في بيت المقدس كعب الأحبار، فدار الحديث بينه وبين الخليفة حتّى أسلم، ففرح عمر بإسلام كعب الأحبار ثم قال: هل

1 . شفاء السقام في زيارة خير الأنام: 142 ـ 143، لاحظ: الصارم المنكي لابن قدامة المقدسي: 246 .

صفحه 30
لك أن تسير معي إلى المدينة فنزور قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتتمتع بزيارته! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا أفعل ذلك.
ثم سار عمر يريد مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأخذ كعب الأحبار معه .(1)

السادس: سفر أئمة الحديث لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام)

قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام علي الرضا(عليه السلام): وقال الحاكم في تاريخ نيسابور: قال: وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشايخنا ـ وهم إذ ذاك متوافرون ـ إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس، قال: فرأيت من تعظيمه ـ يعني ابن خزيمة ـ لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ماتحيّرنا.(2)
وقال ابن حبّان: وقبره (يعني الإمام الرضا(عليه السلام)) بسناباذ خارج النوقان مشهور يُزار ـ بجنب قبر الرشيد ـ قد زرته مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جدّه وعليه، ودعوت الله إزالتها

1 . فتوح الشام للواقدي: 1 / 244 .
2 . تهذيب التهذيب:7/339.

صفحه 31
عني إلاّ استجيب لي وزالت عني تلك الشدّة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم أجمعين.(1)

السابع: إطباق المسلمين على جواز السفر لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونقل كلمات أعلام المسلمين حول الموضوع

ان زيارة قبر نبي التوحيد ورسوله دعم للمبدأ الّذي جاء به وتأكيد لصحة رسالته الّتي كانت في طريق تحطيم الوثنية وعبادة الانداد والامثال المزعومة، فكيف يقع شدّ الراحال إلى زيارته ذريعة إلى الشرك ياترى ؟
لقد أطبق السلف والخلف على جواز السفر لأجل زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والشاهد على ذلك أنّهم إذا قضوا الحج يتوجّهون إلى زيارته وإنّ منهم من يفعل ذلك قبل الحج:
1. قال السبكي: هكذا شاهدناه، وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء في الأعصار القديمة، وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة، وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مرّ

1 . كتاب الثقات لابن حبّان التميمي البستي: 8/456ـ 457، ترجمة علي الرضا(عليه السلام).

صفحه 32
السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم، يستحيل أن يكون خطأ، وكلّهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى الله عزّوجلّ، ومن تأخّر فإنّما يتأخّر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسّفه عليه، وودّ لو تيسّر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمع على خطأ، فهو المخطئ.
وما ربّما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أُخرى وهي الصلاة في المسجد، باطل جدّاً. فإنّ المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة، فمن عرف الناس أنّهم يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلاّ ببال قليل منهم، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرفت، فالمقصود الأعظم في المدينة، كما أنّ المقصود الأعظم في مكة، الحج أو العمرة، وصاحب هذا السؤال إن شكّ في نفسه فليسأل كلّ من توجّه إلى المدينة، ما قصد بذلك ؟(1)
2. قال ابن حجر الهيثمي المكّي الشافعي (ت 973هـ) بعد ما استدلّ على مشروعية زيارة قبر النبي بعدّة أدلة منها : الإجماع;

1 . شفاء السقام في زيارة خير الأنام: 85 ـ 86 ، ط. بولاق مصر.

صفحه 33
فإن قلت : كيف تحكي الإجماع على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها وابن تيمية من متأخّري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كلّه كما رآه السبكي في خطّه؟ وقد أطال ابن تيمية الاستدلال لذلك بما تمجّه الأسماع ، وتنفر عنه الطباع ، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً وأنّه لاتقصَّر فيه الصلاة ، وأنّ جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة ، وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه .
قلت : من هو ابن تيمية؟! حتّى ينظر إليه أو يُعوَل في شيء من مورد الدين عليه؟!! وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الأئمة ـ الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتّى أظهروا عوار سقطاته ، وقبائح أوهامه ، وغلطاته كالعزّ بن جماعة ـ : عبد أضلّه الله تعالى وأغواه ، وألبسه رداء الخزي وأرداه ، وبوأه من قوّة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان ، وأوجب له الحرمان ، ولقد تصدّى شيخ الإسلام وعالم الأنام المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته ، التقيّ السبكي ـ قدس الله روحه ونوّر ضريحه ـ للردّ عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه وأجاد ، وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب ثم قال :
هذا ما وقع من ابن تيمية ممّا ذكر وإن كان عثرة لا تقال أبداً ، ومصيبة يستمر شؤمها سرمداً ، وليس بعجب; فإنّه سوّلت

صفحه 34
له نفسه وهواه وشيطانه أنّه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب ، ومادرى المحروم أنّه أتى بأقبح المعائب; إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة ، وتدارك على أئمتهم لا سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة ، شهيرة حتّى تجاوز إلى الجناب الأقدس ، المنزّه سبحانه عن كلّ نقص ، والمستحق لكل كمال أنفس ، فنسب إليه الكبائر والعظائم ، وخرق سياج عظمته بما أظهره
للعامّة ، على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم ، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدّمين والمتأخّرين ، حتّى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره ، فحبسه إلى أن مات ، وخمدت تلك البدع ، وزالت تلك الضلالات ، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأساً ، ولم يظهر لهم جاهاً ، ولا بأساً ، بل ضربت عليهم الذلّة والمسكنة وباءُوا بغضب من الله بما عصوا وكانوا يعتدون(1) .
ونقل حسن العدوي الحمزاوي الشافعي (ت 1303 هـ) عنه أيضاً ما هذه عبارته :
اعلم ـ وفّقني الله وإياك لطاعته وفهم خصوصيات نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمسارعة إلى مرضاته ـ : أنّ زيارته (صلى الله عليه وآله وسلم) مشروعة مطلوبة بالكتاب والسنّة وإجماع الأُمّة وبالقياس ـ إلى أن قال ـ :

1 . الجوهر المنظّم في زيارة القبر المكرّم  : ص22 ، طبع سنة 1279 بمصر .

صفحه 35
وأمّا الإجماع فقد حكاه الإمام السبكي قال : ولا عبرة بما تفرّد به ابن تيمية وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه(1) .
3. قال الشيخ محمد الخطيب الشربيني (المتوفّى 977هـ) : أمّا زيارته(صلى الله عليه وآله) فمن أعظم القربات للرجال والنساء ، وألْحقَ الدمنهوري به قبور بقية الأنبياء والصالحين والشهداء وهو ظاهر(2) .
وقال في موضع آخر بعد بيان مندوبية زيارة قبره الشريف (صلى الله عليه وآله) وذكر جملة من أدلّتها : ليس المراد اختصاص أدب الزيارة بالحجّ; فإنّها مندوبة مطلقاً بعد حجّ أو عمرة أو قبلهما أو لا مع نسك ، بل المراد تأكّد الزيارة فيها(3) .
4. قال الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده (المتوفّى 987هـ) : من أحسن المندوبات ، بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا وسيدنا محمد(صلى الله عليه وآله)وقد حرّض(عليه السلام)على زيارته وبالغ في الندب إليها(4) .
5. قال الشيخ زين الدين عبد الرؤوف المناوي (المتوفّى 1031هـ) : وزيارة قبره(صلى الله عليه وآله) الشريف من كمالات الحج ، بل زيارته

1 . كنز المطالب  : 179 و 181 ، الطبعة الحجرية .
2 . مغني المحتاج: 1 / 36 ، ط دار الفكر .
3 . المصدر نفسه: 1 / 512 .
4 . مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: 1 / 312 ، ط دار إحياء التراث العربي .

صفحه 36
عند الصوفية فرض ، وعندهم الهجرة إلى قبره كهي إليه حيّاً(1) .
وقال في موضع آخر : إنّ أثر الزيارة إمّا الموت على الإسلام مطلقاً لكلّ زائر ، وإمّا شفاعة تخصّ الزائر أخصّ من العامّة ، وقوله : شفاعتي في الإضافة إليه تشريف لها ، إذ الملائكة وخواص البشر يشفعون; فللزائر نسبة خاصة فيشفع هو فيه بنفسه ، والشفاعة تعظّم بعظم الزائر(2) .
6. قال الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي : زيارة النبي (صلى الله عليه وآله)من أفضل القربات وأحسن المستحبّات تقرب من درجة ما لزم من الواجبات ، فإنّه (صلى الله عليه وآله)حرّض عليها وبالغ في الندب إليها . قال(صلى الله عليه وآله) : «من وجد سعة فلم يزرني فقد جفاني» وقال (صلى الله عليه وآله) : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» . وقال (صلى الله عليه وآله) : «من زارني بعد مماتي فكأنّما زارني في حياتي» إلى أن قال : وممّا هو مقرر عند المحقّقين أنه(صلى الله عليه وآله)حيّ يُرزق ممتّع بجميع الملاذ والعبادات ، غير أنّه حجب عن أبصار القاصرين عن شرف المقامات(2) .
7. وقال قاضي القضاة شهاب الدين الخفاجي الحنفي المصري (المتوفّى1069هـ ): واعلم أنّ هذا الحديث (شدّ الرِّحال إلى المساجد) هو الّذي دعا ابن تيمية ومن معه كابن قيّم إلى

1 . شرح الجامع الصغير: 6 / 160 .   2 . شرح الجامع الصغير: 6 / 93 .
2 . مراقي الفلاح في شرح متن نور الإيضاح  : 292 ـ 293 ، ط مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده ، مصر .

صفحه 37
مقالته الشنيعة الّتي كفّروه بها ، وصنّف فيها السبكي مصنّفاً مستقلا ، وهي منعه من زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهو كما قيل :
لمهبط الوحي حقّاً ترحل النجُبُ *** وعند ذاك المُرَجَّى ينتهي الطلبُ
فتوهم أنّه حمى جانب التوحيد بخرافات لاينبغي ذكرها; فإنّها لا تصدر عن عاقل فضلا عن فاضل سامحه الله تعالى!(1)
8 . قال الشيخ محمد بن علي بن محمد الحصني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي المفتي بدمشق (المتوفّى 1088هـ) : وزيارة قبره(صلى الله عليه وآله) مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة(2) .
9. قال أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي المصري (المتوفّى 1132هـ) : قد كانت زيارته مشهورة في زمن كبار الصحابة معروفة بينهم ، لمّا صالح عمر بن الخطاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الأحبار فأسلم ففرح به وقال : هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبره (صلى الله عليه وآله) وتتمتّع بزيارته؟ قال : نعم(3) .

1 . شرح الشفاء: 3 / 566 ، طبع المطبعة العثمانية ، سنة 1315 .
2 . الدر المختار في شرح تنوير الأبصار ، آخر كتاب الحج  : 190 ، مطبعة الفتح الكريم ، سنة 1302 هـ .
3 . شرح المواهب: 8 / 299 ، الطبعة الأُولى بالمطبعة الأزهرية المصرية ، سنة 1302 هـ .

صفحه 38
10. قال أبو الحسن السندي محمد بن عبد الهادي الحنفي (المتوفّى 1138هـ) : قال الدميري : فائدة زيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله) من أفضل الطاعات وأعظم القربات لقوله (صلى الله عليه وآله) : «من زار قبري وجبت له شفاعتي إلخ»(1) .
11. قال محمد بن عبد الوهاب : تسنّ زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ أنّه لايشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه(2) .
12. قال الشيخ محمد بن علي الشوكاني (المتوفّى 1250هـ) : قد اختلفت فيها (في زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) ، أمّا أقوال أهل العلم ، فذهب الجمهور إلى أنّها مندوبة ، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنّها واجبة ، وقالت الحنفية : إنّها قريبة من الواجبات ، وذهب ابن تيمية الحنبلي حفيد المصنّف المعروف بشيخ الإسلام إلى أنّها غير مشروعة . ثم فصل الكلام في الأقوال ، إلى أن قال وفي آخر كلامه : احتجّ أيضاً من قال بالمشروعية بأنّه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحجّ في جميع الأزمان على تباين الديار واختلاف المذاهب ، الوصول إلى المدينة المشرّفة لقصد زيارته ، ويعدّون ذلك من أفضل الأعمال ، ولم ينقل أن أحداً أنكر ذلك عليهم فكان إجماعاً(3) .

1 . شرح سنن ابن ماجة: 2 / 268 ، كما في الغدير: 5 / 120 .
2 . الهدية السنية ، الرسالة الثانية .
3 . نيل الأوطار: 4 / 324 .

صفحه 39
13. قال الشيخ محمد أمين بن عابدين (المتوفّى 1253هـ) : زيارة النبي(صلى الله عليه وآله)مندوبة بإجماع المسلمين إلى أن قال : وهل تستحب زيارة قبره (صلى الله عليه وآله)للنساء؟ الصحيح نعم بلا كراهة ، بشروطها على ما صرّح به بعض العلماء ، وأمّا على الأصح من مذهبنا وهو قول الكرخي وغيره من أنّ الرخصة في زيارة القبور ثابتة للرجال والنساء جميعاً فلا إشكال ، وأمّا على غيره فذلك نقول بالاستحباب لإطلاق الأصحاب(1) .
14. قال الشيخ محمد بن السيد درويش الحوت البيروني (المتوفّى 1276هـ) : زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) مطلوبة; لأنّه واسطة الخلق ، وزيارته بعد وفاته كالهجرة إليه في حياته ، ومن أنكرها; فإن كان ذلك إنكاراً لها من أصلها فخطؤه عظيم ، وإن كان لما يعرض من الجهلة ممّا لاينبغي فليبيّن ذلك(2) .
15. قال الشيخ إبراهيم الباجوري الشافعي (المتوفّى 1277هـ) : وتسنّ زيارة قبره(صلى الله عليه وآله) ولو لغير حاجّ ومعتمر كالّذي قبله ، ويسنّ لمن قصد المدينة الشريفة لزيارته (صلى الله عليه وآله) أن يكثر من الصلاة والسلام عليه في طريقه ، ويزيد في ذلك إذا رأى حرم المدينة وأشجارها ، ويسأل الله أن ينفعه بهذه الزيارة ويتقبّلها

1 . رد المحتار على الدر المختار: 5 / 278 .
2 . التعليق على «حسن الأثر»  : 246 كما في الغدير: 5 / 121 .

صفحه 40
منه . ثم ذكر جملة كثيرة من آداب الزيارة وألفاظها(1) .
16. قال الشيخ حسن العدوي الحمزاوي الشافعي (المتوفّى 1303هـ) ، بعد نقل جملة من الأحاديث الواردة في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)يسمع سلام زائريه ويردّ عليهم :
إذا علمت ذلك علمت أنّ ردّه (صلى الله عليه وآله) سلام الزائر عليه بنفسه الكريمة (صلى الله عليه وآله) أمر واقع لا شكّ فيه ، وإنّما الخلاف في ردّه على المسلِّم عليه من غير الزائرين . فهذه فضيلة عظيمة ينالها الزائرون لقبره (صلى الله عليه وآله) فيجمع الله لهم بين سماع رسول الله (صلى الله عليه وآله)لأصواتهم من غير واسطة وبين ردّه عليهم سلامهم بنفسه ، فأنّى لمن سمع بهذين بل بأحدهما أن يتأخّر عن زيارته (صلى الله عليه وآله) أو يتوانى عن المبادرة إلى المثول في حضرته(صلى الله عليه وآله)؟ تالله ما يتأخّر عن ذلك مع القدرة عليه إلاّ من حقّ عليه البعد من الخيرات ، والطرد عن مواسم أعظم القربات ، أعاذنا الله تعالى من ذلك بمنّه وكرمه آمين .
وعلم من تلك الأحاديث أيضاً أنّه (صلى الله عليه وآله) حيّ على الدوام; إذ من المحال العادي أن يخلو الوجود كلّه من واحد يسلّم عليه في ليل أو نهار ، فنحن نؤمن ونصدق بأنّه(صلى الله عليه وآله) حيّ يرزق ، وأنّ جسده الشريف لا تأكله الأرض ، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة

1 . حاشية على شرح ابن الغزي على متن الشيخ أبي شجاع في الفقه الشافعي: 1 / 347 كما في الغدير: 5 / 122 .

صفحه 41
والسلام ، والإجماع على هذا(1) .
17. قال السيد محمد بن عبد الله الجرداني الدمياطي الشافعي (المتوفّى 1357هـ) : زيارة قبره (صلى الله عليه وآله) من أعظم الطاعات وأفضل القربات حتى أنّ بعضهم جرى على أنّها واجبة فينبغي أن يحرّض عليها ، وليحذر كلّ الحذر من التخلّف عنها مع القدرة وخصوصاً بعد حجّة الإسلام; لأنّ حقّه (صلى الله عليه وآله) على أُمّته عظيم ، ولو أنّ أحدهم يجيء على رأسه أو بصره من أبعد موضع من الأرض لزيارته (صلى الله عليه وآله) لم يقم بالحقّ الّذي عليه لنبيّه جزاه الله عن المسلمين أتمّ الجزاء .
ويسنّ لمن قصد المدينة الشريفة (إلخ) ثم فصّل القول في آداب الزيارة وذكر التسليم على الشيخين وزيارة السيدة فاطمة وأهل البقيع والمزارات المشهورة; وهي نحو ثلاثين موضعاً كما قال وما أحسن ما قيل :
هنيئاً لمن زار خير الورى *** وحطّ عن النفسِ أوزارها
فإنّ السعادة مضمونةٌ *** لمن حلّ طيبة أو زارها(2)
18. قال الشيخ عبد الباسط بن الشيخ علي الفاخوري مفتي بيروت :

1 . كنز المطالب  : 195 ، الطبعة الحجرية .
2 . مصباح الظلام: 2 / 145 ، كما في الغدير: 5 / 123 .

صفحه 42
الفصل الثاني عشر : في زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) : وهي متأكّدة مطلوبة ومستحبّة محبوبة ، وتسنّ زيارته في المدينة كزيارته حيّاً وهو في حجرته حيّ يردّ على من سلّم عليه السلام ، وهي من أنجح المساعي وأهمّ القربات وأفضل الأعمال وأزكى العبادات ، وقد قال (صلى الله عليه وآله) : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» . ومعنى «وجبت» ثبت بالوعد الصادق الّذي لابدّ من وقوعه وحصوله ، وتحصل الزيارة في أيّ وقت وكونها بعد تمام الحج أحبّ ، يجب على من أراد الزيارة التوبة من كل شيء يخالف طريقه وسنته (صلى الله عليه وآله) إلى أن قال : ويستحب التبرّك بالاسطوانات الّتي لها فضل ، وشرف; وهي ثمان : أُسطوانة محلّ صلاته (صلى الله عليه وآله) ، وأُسطوانة عائشة (رض) وتسمى أُسطوانة القرعة ، وأُسطوانة التوبة محلّ اعتكافه (صلى الله عليه وآله) ، وأُسطوانة السرير ، وأُسطوانة عليّ(رضي الله عنه)وأُسطوانة الوفود ، وأُسطوانة جبرئيل (عليه السلام) ، وأُسطوانة التهجّد(1) .
19. قال الشيخ عبد المعطي السقّا في زيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله) :
إذا أراد الحاجّ أو المعتمر الانصراف من مكّة ـ أدام الله تشريفها وتعظيمها ـ طلب منه أن يتوجّه إلى المدينة المنوّرة للفوز بزيارته عليه الصلاة والسلام; فإنّها من أعظم القربات وأفضل الطاعات وأنجح المساعي المشكورة ، ولايختصّ طلب

1 . الكفاية لذوي العناية  : ص125 ، كما في الغدير: 5 / 123 .

صفحه 43
الزيارة بالحاجّ غير أنّها في حقّه آكد ، والأولى تقديم الزيارة على الحجّ إذا اتّسع الوقت فإنّه ربما يعوقه عنه عائق . . .(1) .
20. قال الشيخ محمد زاهد الكوثري :
والأحاديث في زيارته(صلى الله عليه وآله) في الغاية من الكثرة ، وقد جمع طرقها الحافظ صلاح الدين العلائي في جزء ، وعلى العمل بموجبها استمرت الأُمة إلى أن شذّ ابن تيمية عن جماعة المسلمين في ذلك ، قال علي القاري في شرح «الشفاء» : وقد أفرط ابن تيمية من الحنابلة; حيث حرّم السفر لزيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله)كما أفرط غيره حيث قال : كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة ، وجاحده محكوم عليه بالكفر ، ولعلّ الثاني أقرب إلى الصواب; لأنّ تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً; لأنّه فوق تحريم المباح المتّفق عليه(2) .
21. قال العلاّمة محمد أبوزهرة المصري في كتابه حول حياة ابن تيمية: إنّ التقديس الذي يتّصل بالرسل إنّما هو لفكرتهم التي حملوها ، فالتقديس لمحمد (صلى الله عليه وآله) تقديس للمعاني الّتي دعا إليها ، وحثّ عليها فكيف يتصوّر من مؤمن عرف حقيقة الدعوة المحمدية أن يكون مضمراً لأيّ معنى من معاني الوثنية وهو

1 . الإرشادات السنية  : ص260 ، كما في الغدير: 5 / 123 .
2 . تكملة السيف الصقيل  : ص156 ، ط دمشق .

صفحه 44
يستعبر العبر ، ويستبصر ببصيرته عند الحضرة الشريفة
والروضة المنيفة ، فإذا كان خوف ابن تيمية من أن يؤدّي ذلك إلى الوثنية بمضي الأعصار والدهور فإنّه خوف من غير جهة; لأنّ الناس كانوا يزورون قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أوّل القرن الثامن ثم استمرّوا على هذه السيرة في العصور من بعده إلى يومنا هذا ، ومع ذلك لم ينظر أحد إلى هذا العمل نظرة عبادة أو وثنية ، ولو تفرّط أحد فهو من العوام ولا يمنع تلك الذكريات العطرة ، بل يجب إرشادهم لا منعهم من الزيارة وتكفيرهم»(1) .
وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري من علماء الأزهر الشريف :
«إنّ سعي ابن تيمية في منع الناس من زيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يدلّ على ضغينة كامنة فيه نحو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكيف يتصوّر الإشراك بسبب الزيارة ، والتوسّل في المسلمين الّذين يعتقدون في حقّه أنّه عبده ورسوله ، وينطقون بذلك في صلاتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقلّ تقدير ، إدامة لذكرى ذلك ولم يزل أهل العلم ينهون العوام من البدع في كل شؤونهم ، ويرشدونهم إلى السنّة في الزيارة وغيرها إذا حدث منهم بدعة في شيء ، ولم يعدّوهم

1 . كلام ابن زهرة في كتابه حول حياة ابن تيمية .

صفحه 45
في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل ، وأوّل من رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودمائهم لحاجة في النفس(1) .
22. قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إجابة عن الأسئلة حول زيارة المسجد النبوي : الزيارة للمسجد النبوي سنّة وليست واجبة ـ إلى أن قال ـ : وإذا زار المسجد النبويّ شرع له أن يصلّي في الروضة ركعتين ، ثم يسلّم على النبيّ (صلى الله عليه وآله)وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) ، كما يشرع له زيارة البقيع والشهداء بالسلام على المدفونين هناك من الصحابة وغيرهم ، والدعاء لهم والترحّم عليهم ، كما كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) يزورهم وكان يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ، نسأل الله لنا ولكم العافية . وفي رواية عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه كان يقول إذا زار البقيع : «يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين ، اللّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» ويشرع أيضاً لمن زار المسجد النبويّ أن يزور مسجد قباء ويصلّي فيه ركعتين; لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يزوره كلّ سبت ، ويصلّي فيه ركعتين إلى آخر ما قال(2) .

1 . تكملة السيف الصقيل : 156 .
2 . جريدة الجزيرة المؤرخة : يوم الجمعة 24 ذو القعدة 1411 ، العدد 6826 .

صفحه 46
   
 
 
 
حصيلة الكلام
هذه هي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء، تسافر إلى زيارة قبر عمها حمزة سيد الشهداء في أُحد، وهذه عائشة تقصد زيارة قبر أخيها، وهذا الصحابي الجليل بلال يشدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا عمر بن عبدالعزيز يبرد البريد إلى المدينة للسلام على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نيابة عنه، وأخيراً يدعو الخليفة الثاني كعب الأحبار لمرافقته في السفر من بيت المقدس إلى المدينة لأجل زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا يجد المتتبع في غضون كتب التاريخ شواهد أُخرى من سفر الصالحين والعلماء إلى المدينة لتلك الغاية، وهذا يدلّ على أنّ سيرة المسلمين والسلف الصالح مجمعة على خطأ من يقول بحرمة السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والأولياء(عليهم السلام)، وهو الأمر الذي يحاول أن يروّج له مَن يدّعي الدفاع عن التوحيد، وينظر إلى ما تسالمت عليه الأُمّة برأيه المسبق الّذي ورثه عن شيوخه ومعلميه بلا تدبّر وتمحيص، ويحق لنا أن نتمثّل بقول الشاعر:

صفحه 47
إذا لم تكن للمرء عين صحيحة *** فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
ولا يبقى بأيدينا إلاّ أن نقول: إنّ هذه الدعوة هي نتيجة النصب والعداء للنبي وآله(عليهم السلام)، الّذي تحرض عليه الأصابع اليهودية الخفيّة في أوساط الأُمّة الإسلامية .
فإنّ اليهود أشدّ الناس بغضاً وعداءً لأنبيائهم حيث كانوا يكنّون العداء لهم ويستهزئون بهم ويتّهمونهم ثم يقتلونهم عند كلّ شجر ومدر.
ورحم الله الشاعر إذ يقول:
لابل مواليد النواصب جدّدت *** دين اليهود فأين دين محمد
والحمد لله رب العالمين
15 ذي الحجّة الحرام 1432 هـ

صفحه 48

فهرس المحتويات

المقدمة   7
المقام الأوّل: تبيين مفاد حديث شدّ الرحال   9
المقام الثاني: موقف القرآن الكريم من زيارة قبور المؤمنين   15
المقام الثالث: موقف السنّة النبوية من زيارة قبور المؤمنين   20
المقام الرابع: استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   23
المقام الخامس: سيرة المسلمين عبر القرون في السفر لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وآله(عليهم السلام)وغيرهم   26
1. سفر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لزيارة قبر حمزة سيد الشهداء في أُحد   26
2. سفر عائشة إلى زيارة قبر أخيها   27
3. سفر بلال إلى المدينة لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   28
4. إبراد عمر بن عبدالعزيز بالسلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)   28
5. سفر كعب الأحبار إلى المدينة لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بدعوة من الخليفة   29
6. سفر أئمة الحديث لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام)   30
7. إطباق المسلمين على جواز السفر لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونقل كلمات أعلام المسلمين حول الموضوع   31
حصيلة الكلام   46
فهرس المحتويات   48

صفحه 49
    صوم يوم عاشوراء
صوم يوم عاشوراء
مناقشة تاريخية، حديثية، فقهية
تأليف
الفقيه جعفر السبحاني

صفحه 50

صفحه 51
مقدّمة المؤلّف   

المقدّمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف بريته وخاتم رسله محمد وآله الطيّبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين.
أمّا بعد;
ففي الوقت الذي حشدت القوى الكافرة جيوشها لضرب الإسلام والمسلمين، ووضعت المخططات لتمزيقهم شرّ ممزق، والسيطرة على ثرواتهم وكنوزهم، نرى أنّ شرذمة من الناس يهتمّون بأُمور لا تثمر سوى التفرّق والتشرذم بين أبناء الأُمّة الإسلامية.
فمن داع إلى إحياء صيام يوم عاشوراء، قائلاً بأنّ الغاية تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي وتجسيد الوحدة الإسلامية

صفحه 52
من خلال إحياء هذه السنّة!!
إلى آخر يتّخذ يوم عاشوراء يوم فرح وسرور اقتداءً بالحجّاج بن يوسف الثقفي....!!
إلى ثالث يتذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل ينشر فتاوى الشيعة في استحباب صيام هذا اليوم، وكأنّه ليس للقوم مشكلة سوى مشكلة الشيعة، وأنّه لو انحلّت تلك المشكلة لارتفعت الآلام، وتحرّرت القدس، وانسحبت القوى الكافرة من البلدان الإسلامية، وقصرت يد الطغيان عن آبار خيراتهم ومناجم نعمهم!!
ولأجل هذا، قمنا بتحرير هذه الرسالة والتي ناقشنا فيها مواضع الخطأ في الحوار الذي أُجري مع الشيخ محمد سالم الخضر، رئيس مركز البحوث والدراسات بمبرة الآل والأصحاب، في الكويت، وتعرّضنا فيها ـ أيضاً ـ إلى آراء من اتّخذ هذا اليوم يوم فرح وبطر وسرور.
وقد جاءت في الحوار مع الشيخ الخضر الدعوة إلى صيام يوم عاشوراء، وأنّ فيه تخليصاً للأُمّة من الصراع الطائفي، والأصل في هذا الموضوع هو ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل

صفحه 53
من عدوهم فصامه موسى، فقال: «أنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه (1) .
أقول: تُثار حول هذا الحديث وما ضاهاه تساؤلات
مهمة ربّما تضع الحديث ضمن الأحاديث الموضوعة، وها نحن نذكر رؤوس هذه التساؤلات وسيأتي شرحها في غضون الرسالة:
1. إن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما هذا؟»، يعرب عن عدم علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بصيام اليهود هذا اليوم، وهو أمر بعيد غاية البعد مع سعة علم النبي الّذي يصفه الله سبحانه بقوله: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(2)، والمراد من الفضل هو علمه (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. إن عبارة: «فصامه وأمر بصيامه» تكشف عن حبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)موافقة أهل الكتاب في كلّ ما لم يؤمر به، وهو مناقض لسيرته منذ وروده المدينة، بشهادة أنّه لم يقبل في الدعوة إلى الصلاة بوق اليهود وناقوس النصارى، حتّى خالفهم في معاملتهم مع الحائض معاملة الأجرب، وقد روى ابن القيّم الجوزي في زاد المعاد أنّه كان يصوم السبت والأحد يقصد

1 . صحيح البخاري: كتاب الصوم، رقم الحديث 2004 .
2 . النساء: 113.

صفحه 54
بذلك مخالفة اليهود والنصارى.(1)
3. نفترض أنّه صام ذلك اليوم، ولكن يقع السؤال عن كيفية صيامه، فهل صام صوم اليهود الذين يصومون من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي، أو صام من الفجر إلى الغروب؟ فعلى الأوّل تكون السنّة الصيام على نحو صيام اليهود، ولا أرى أحداً من فقهاء الإسلام من يفتي بذلك.
وعلى الثاني فإنّه قد أخلّ بالغرض وهي الموافقة.
4. وجود التعارض بين الروايات الّتي ذكرت صوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم عاشوراء، فما نقلناه عن البخاري دليل على أنّه سنّة يهودية، وفي الوقت نفسه روى البخاري ما يدل على أنّه سنّة جاهلية، كما روي عن عائشة أنّها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه .(2)
5. وآخر سؤال ـ وهو أكثر الأسئلة غموضاً ـ هو: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ورد المدينة باتّفاق أهل السير في شهر ربيع الأوّل، فلو صام فإنّما صام في عاشر هذا الشهر وكان العاشر من شهر

1 . زاد المعاد: 1 / 168 .
2 . صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء، رقم الحديث 2002 .

صفحه 55
(تشري) الّذي تصوم فيه اليهود، لا في عاشر محرّم الحرام، وسيوافيك توضيحه من المحاسبات الّتي أجراها الفلكيّون وعلى رأسهم أبو ريحان البيروني.
هذه بعض التساؤلات الّتي تتوجّه إلى مضمون الحديث، وسيوافيك توضيحها بعد دراسة هذا الحوار .
نقدّم هذه الرسالة إلى مسؤولي المبرّة، وندعوهم من خلالها إلى تجديد النظر في الموضوع بعين منصفة، تسعى لمعرفة الحقيقة وتعمل على اتّباعها، كما أنّنا نقدّمها لجميع أبناء الأُمّة الإسلامية ليؤدوا حق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في عترته، ويهتدوا بنورهم لينالوا سعادة الدنيا والآخرة .
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ قم المقدسة
22 محرّم الحرام 1432هـ

صفحه 56

صفحه 57
   

فقرات أربع من الحوار

نشرت جريدة «الرأي» الكويتية (العدد10428) حواراً مع الشيخ الخضر حول مشروع (مبرّة الآل والأصحاب) تحت عنوان «هدفنا تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي».
وإليك بعض فقرات هذا الحوار:
1. قال الشيخ ـ جواباً عن سؤال: كيف جاءت فكرة مبرة الآل والأصحاب؟ ـ : بزغت الفكرة نتيجة للوضع الطائفي القائم في الأُمّة الإسلامية والذي استغله أعداء الإسلام أسوأ استغلال، فأردنا أن نقوم بعمل شيء إيجابي حتى نخلّص المجتمعَ من الصراع الطائفي الذي وصل إلى الكويت، وصارت فكرة المبرّة مقبولة لدى المعتدلين من الطرفين حيث إنّها مسّت الجرح وتعاملت معه بحكمة، وأبرزت بعض الحقائق الغائبة عن المنتسبين للطرفين.
2. وقال: إنّ حبّ آل البيت والصحابة فطري عند جميع

صفحه 58
المسلمين، وإنّ المبرة على وشك الانتهاء من كتاب يستوعب شخصية الإمام الحسين من ميلاده ونشأته، وقد أسميناه«قرة العين في سيرة الإمام الحسين(رضي الله عنه)»، إلى أن يقول: إنّنا نعيش في فترة حرجة في حياة الأُمّة تفرض علينا أن نتعقّل في رؤيتنا لمأساة الحسين(رضي الله عنه)، وأن نقف موقفاً واحداً ضد النداءات الطائفية المستفزّة والتي من شأنها أن تخلق جوّاً من التشاحن البغيض بين المسلمين.
3. وقال ـ أيضاً ـ : إنّ في شعار «يا لثارات الحسين» الذي يردّده الخطباء والقادة، من الاستفزاز الطائفي وتحريض الشيعة على سائر المسلمين، فلم يكن يزيد سنيّاً كما أنّ الحسين لم يكن شيعياً، إذ لم يكن في ذلك الزمان (سنّة وشيعة) بالمعنى العقائدي أصلاً، وترديد عبارة (يا لثارات الحسين) في زماننا هذا، وقد مات قتلة الحسين(رضي الله عنه) منذ أكثر من 1360سنة يعني أنّنا نكرّس في أبنائنا، الطائفية، والرغبة في الانتقام من الآخر.
وعلينا أن نتساءل: من منّا يتحمّل دم الحسين(رضي الله عنه)ويستحق أن يُنتقم منه؟
4. ثم تطرق إلى صيام عاشوراء وانّه ليس فكرة طائفية ولا حتى من خصوصيات طائفة دون أُخرى، فإنّ الذين ينتقدون هذه السنّة النبوية يتناسون أنّ المسألة اتفاقية بين أهل السنّة والجماعة

صفحه 59
وبين الشيعة الاثني عشرية بغضّ النظر عن اجتهادات وآراء البعض.
***
هذه فقرات أربع التقطناها من الحوار الذي أُجري مع مسؤول مركز البحوث والدراسات في المبرّة المذكورة.
ولنا معها وقفات، نبتغي منها بيان الحقيقة.

صفحه 60
1

توحيد الكلمة أُمنية كلّ مسلم واع

لا شكّ أنّ توحيد الكلمة والابتعاد عن التفرّق والتشرذم أمر يستحسنه العقل، ويأمر به الشرع، فالله سبحانه مدح الوحدة وذمّ الفرقة بقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)(1)، فكأنّ الأُمّة المتفرّقة كالمتردّي في البئر، حيث لا تكتب له النجاة إلاّ بالتمسّك بالحبل الموصول إليه، وهكذا الأُمّة المتفرّقة، لا تنجو من عواقب الفرقة إلاّ بالتمسّك بحبل الله سبحانه .
ونحن إذا أمعنا النظر في هذه الآية:(قُل هُوَ القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض انْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون)(2)، نرى أنّه سبحانه جعل تفرّق الأُمّة إلى شيع، في عداد العذاب النازل من السماء! فأي بيان أفضل من هذا؟ كما نزّه سبحانه نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله) من أن يكون في عداد المفرّقين للدين فقال:(إنّ الّذينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إنّما

1 . آل عمران:103.   2 . الأنعام:65.

صفحه 61
أمْرُهُمْ إلَى اللهِ ثُمَّ يُنبِّئُهُمْ بِماكانُوا يَفْعَلُونَ).(1)
ويقول الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «والزموا السواد الأعظم، فإنّ يد الله مع الجماعة. وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب. ألا من دعا إلى هذا الشعار (الفرقة) فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه».(2)
وعلى هذا، فالتقريب بين المسلمين و تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي، هو أُمنية كلّ مسلم واع ينبض للإسلام ومصالح المسلمين قلبه. ولأجل تحقيق هذه الأُمنية قام في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، رجال مخلصون من الشيعة والسنّة بتأسيس دار باسم «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وإصدار مجلة باسم «رسالة الإسلام» وقد نجحوا في أهدافهم نجاحاً باهراً يقف عليه كلّ من قرأ شيئاً من منشوراتهم، وما قدّموا للأُمّة من أفكار وآراء وأعمال صادقة ينمُّ عن إخلاصهم وتفانيهم في سبيل التقريب.
هذا ممّا لا نقاش فيه، ونحن نوافق أعضاء المبرّة فيما يدعون إليه من التقريب و الوحدة الإسلامية وتخليص الأُمّة من الصراع الطائفي .
***

1 . الأنعام:159.   2 . نهج البلاغة، الخطبة127.

صفحه 62
حبُّ أهل البيت(عليهم السلام) فريضة إسلامية   
2

حبُّ أهل البيت(عليهم السلام) فريضة إسلامية

جاء في الفقرة الثانية: إنّ حبّ أهل البيت أمر فطري وعطف عليه حبّ الصحابة وإنّه أيضاً فطري، ونحن لا نناقشه في جعل أهل البيت والصحابة في ميزان واحد، مع أنّه لا يقاس بآل محمد أحد. قال علي(عليه السلام)في حقّهم: «لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً. هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمادُ الْيَقِينِ. إلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي، وَبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي. وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِرَاثَةُ».(1)
كيف يقاس بهم غيرهم مع أنّه سبحانه فرض مودّتهم على المسلمين عامّة، من غير فرق بين الصحابة وغيرهم، وقال: (قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ الموَدَّةَ فِي الْقُربَى)(2)؟!
كيف يقاس بهم غيرهم وقد أشركهم النبي(صلى الله عليه وآله)في المباهلة

1 . نهج البلاغة، الخطبة2.
2 . الشورى: 23.

صفحه 63
دون غيرهم، فقال سبحانه:(فَقُل تَعالَوا نَدْعُ أبْناءَنا وَأبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأنْفُسَنا وَأنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِين)(1)؟!
وقد اتّفق أهل السير والحديث والتفسير على أنّه لم يحضر في أرض المباهلة غير النبي وسبطيه وبنته وصهره وأشركهم في المباهلة، وأمرهم بالتأمين بعد دعائه، وترك أزواجه وأقرباءه وعامّة الصحابة.
وكم وكم لآل البيت(عليهم السلام)من فضائل، ومناقب متواترة أو متضافرة أصفق على نقلها أئمة الحديث، وليس لغيرهم ما لهم، وهذا يبعثنا على أن نعطي لكلّ فئة حقّها، ونقيم لهم وزناً خاصّاً، ولا نبخس الناس أشياءهم.
نحن نمرّ على هذه التسوية مرور الكرام، ولكن نناقشه في أمرين آخرين:
1. أنّ الكاتب يدّعي أنّ حبّ آل البيت أمر فطري، فلازم ذلك أن يُرى أثر الحبّ على مائدة المدّعين: في كتبهم وخطبهم و آرائهم، والدفاع عن محبّيهم إلى غير ذلك من مظاهر الحبّ، ومن أظهرها الطاعة حيث قالوا: «إنّ المحب لمن أحب مطيع» وقد

1 . آل عمران:61.

صفحه 64
شاع وذاع: «الحب هو الاتّباع».
ومع ذلك لا نجد في حياة المدّعين أي أثر من آثار الحب سوى هذه الكلمة وما أشبهها، وقد ملأوا كتبهم بآثار غيرهم، واستشهدوا برواياتهم وآرائهم وفتاواهم، ولم يذكروا عن آل البيت(عليهم السلام) في الفقه والتفسير والأدب والأخلاق والأُصول والفروع إلاّ شيئاً يسيراً جدّاً!!
هذا هو أبو هريرة قد عاش مع النبي(صلى الله عليه وآله)وصحبه أقلّ من أربع سنين وقد رووا عنه أزيد من خمسة آلاف حديث، في حين عاش علي(عليه السلام) مع النبي(صلى الله عليه وآله) منذ بعثته إلى رحيله(صلى الله عليه وآله)ولكنّهم لم يرووا عنه إلاّ عشر ما رووا عن أبي هريرة!! فهل هذا ينسجم مع التسوية بين الآل والأصحاب في الحبّ والاتّباع؟!
2. أنّ لازم حبّ آل البيت(عليهم السلام) حبّ مَن يحبهم ويطيعهم، ويأخذ منهم حلالهم وحرامهم، وفي الوقت نفسه يأخذ عن غيرهم إذا صحّ الطريق، وهؤلاء هم المعروفون بالشيعة في أقطار العالم، ومنهجهم وديدنهم هو العمل بقول الرسول:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وانّهما لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض».(1) وفي هذا المجال نقول: إنّ الأبطال المجاهدين

1 . حديث متواتر رواه أصحاب الصحاح والمسانيد بأسانيد كثيرة.

صفحه 65
في جنوب لبنان هم من الشيعة الإمامية، وقد وقفوا أمام أطماع الصهاينة في الأراضي الإسلامية حتى ردّوا السهام إلى نحورهم، فأعمالهم البطولية وتضحياتهم أمر مشكور يقدّره كل من له غيرة على إسلامه ودينه، ولكن ممّا يثير الدهشة، أنّه في الوقت الذي يقاتل فيه هؤلاء المجاهدون الأبطال في لبنان، القوات الصهيونية المعتدية، دفاعاً عن حياض الوطن وعن كرامة الأُمّة العربية والإسلامية، ويسطّرون أروع الملاحم في الثبات والتضحية والفداء، كانت الأصوات المبحوحة لـ«علماء» ودعاة وخطباء تلك الفئة المتطرّفة، تدعو الناس إلى عدم تقديم أي شكل من أشكال المساعدة لهم، بل راحوا يفتون (مأجورين من حكّامهم) بتحريم رفع يدي الضراعة إلى الله عزّ وجلّ، والدعاء لأبطال الجهاد والمقاومة بالنصر وتثبيت الأقدام!!
فلو أنّ امرءاً حرّاً (مسلماً كان أو غير مسلم) مات أسفاً من هذه المواقف المخزية، ما كان به ملوماً، بل كان جديراً به عند ذوي الضمائر الحيّة.
فأيّة قلوب مختومة تضمّ صدور هؤلاء، حيث لا يفقهون مصالح المسلمين، بل مصلحة أنفسهم! وأية غشاوة على أعينهم، إذ لا يبصرون من يدافع بحقٍّ عن كيان الأُمّة ومقدّراتها ومقدّساتها!! وأىّ وقر في آذانهم، يصمّهم عن سماع صراخ

صفحه 66
اليتامى والثكالى، وأنين الجرحى والمعذّبين والمشرّدين من أبناء دينهم وأُمّتهم!! وأية أنفس شحيحة ينطوون عليها، حين تدفعهم إلى البخل عليهم بالدعاء، بل يأمرون الناس فيه بالبخل!!
كيف يتلُون الكتاب المجيد، وتلهج ألسنتهم بآياته، وهم يخذلون، ويحضّون على خذلان من يصدّ عدوان أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا، وينعتونهم بكل سوء (لبِئسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أنفُسُهُم أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُون).(1) ومع ذلك يدّعون حبّ آل البيت وتخليص الأُمّة من الصراع الطائفي.
***

1 . المائدة:80 .

صفحه 67
   
3

ما هو معنى شعار «يا لثارات الحسين»؟

تطرّق رئيس المركز في كلامه إلى الشعار الذي ترفعه الشيعة وخطباء المنابر ـ أعني قولهم: «يا لثارات الحسين» ـ وسأل عن معنى هذا الشعار ومَن الذي يُنتقَم منه؟!
أقول: إنّ التساؤل عن معنى شعار «يا لثارات الحسين»، وعن الغاية المقصودة منه، وقد بات قتلَة الحسين في مزبلة التاريخ، والإيحاء بأنّ المناداة به دعوة للانتقام من أتباع سائر المذاهب الإسلامية، ما هو إلاّ تساؤل مريب، ومحاولة بائسة للطعن على حملة هذا الشعار، وتشويه سمعتهم، وتمزيق وحدة المسلمين.
فالحسين(عليه السلام) يمثّل أحد طرفي الصراع المشتعل أُواره بين الحق والباطل، والعدل والجور، والاستقامة والانحراف، والصلاح والفساد، والحرية والاستبداد، ومن هنا بقيت قضيته حيّة خالدة، ولم تمت باستشهاده ولن تموت، ولم تنته بموت قاتليه ولن تنتهي، فكلّ سعي، وكلّ تحرّك، وكلّ موقف ينتصر للحق والعدل والاستقامة والحرية والمبادئ السامية، ويخذل

صفحه 68
الباطل والظلم والانحراف والاستبداد والانتهازية، فهو انتقامٌ لأبي الأحرار الإمام الحسين(عليه السلام)، وأخذٌ بثأره.
والتاريخ، لم يسجّل في صفحة واحدة من صفحاته الكثيرة، استغلال الشيعة لهذا الشعار استغلالاً سيئاً، باستباحة دم أيّ مسلم من أيّ مذهب كان، على الرغم ممّا تعرّضوا له من ظلم واضطهاد وقتل وسجن وتشريد على أيدي الحكام الجائرين وأشياعهم، وعلى الرغم من امتلاء تاريخهم القديم والحديث بالثورات والانتفاضات والمواقف الجريئة ضد الطغاة المفسدين.
وتزداد الصورة نصاعة أكثر، إذا انضمّ إلى ما تقدّم، وقوفهم إلى صفّ أتباع سائر المذاهب الإسلامية في الدفاع عن الإسلام، والمصالح العليا للمسلمين، بل لهم فضل السبق على غيرهم في مواجهة الأعداء والغزاة المستعمرين، كما حصل مثلاً في حركة الجهاد ضد الاحتلال البريطاني الغاشم لمدينة البصرة في عام (1333هـ)، ودفاعهم عن الخلافة العثمانية على الرغم ممّا مارسه العثمانيون ضدهم من قمع وظلم وإقصاء وتهميش ، وكما حصل أيضاً في ثورة العشرين العارمة (1338هـ / 1920م) ضد القوات البريطانية المحتلة للعراق.
***

صفحه 69
   
4

أي عاشوراء صام فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

ختم رئيس المركز كلامه بقوله: نفخر أن لدينا مشروعاً عملياً للوحدة الإسلامية منطلقاً من صيام عاشوراء، ثم قال: إنّه لابد من إحياء تلك السنة النبويّة فإنّ المسألة اتفاقية بين أهل السنّة وبين الشيعة الاثني عشرية. واستند إلى قول المرجع الديني السيد الخوئي ـ رضوان الله عليه ـ.
أقول: إذا كانت الغاية، تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي وتجسيد الوحدة الإسلامية من خلال صيام عاشوراء، فنعمت الغاية ولكن بئست الوسيلة، وذلك للأُمور التالية:

1. الخلط بين السنّة والنفل

إنّ تسمية صيام ذلك اليوم بالسنّة النبوية يعرب عن الخلط بين السنّة، والنفل، لأنّ المطلوب بلا منع من الترك إن كان ممّا واظب عليه النبي أو الخلفاء الراشدون من بعده فسنّة، وإلاّ

صفحه 70
فمندوب ونفل.(1)
روى البخاري عن عائشة: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله)يصـومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه.(2)
تدل الرواية بوضوح على أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله)والصحابة الكرام تركوا صيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، و مع هذا، كيف يصفه الشيخ الخضر بالسنّة، ويريد إحياءها وقد تركه صاحب الشريعة وخلفاؤه؟!
والحـديث يـدلّ على أنّ صيام عـاشـوراء كـان سنّة جـاهلية وقـد كان النبـي(صلى الله عليه وآله وسلم)يصـومه قبـل قدومه المدينة.
ويظهر من صحيح البخاري أنّ معاوية بن أبي سفيان بعد ما تسنّم منصّة الخلافة، صار بصدد إحياء تلك السنّة الجاهلية، حيث روي عن محمد بن عبد الرحمن أنّه سمـع معـاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حجَّ، على المنبر يقول: يا أهل المدينـة أين علماؤكم سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول: هذا يوم عاشـوراء

1 . الموسوعة الفقهية الكويتية:2/265، مادة سنّة .
2 . صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء، رقم الحديث2002.

صفحه 71
ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر.(1)

2. ما هو المراد بعاشوراء في الحديث النبوي؟

روى البخاري عن ابن عباس قال: قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح. هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى. قال: فأنا أحقّ بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه.(2)
والحديث يدلّ على أنّ صيام يوم عاشوراء من سنن اليهود على خلاف ما دلّ عليه الحديث السابق من أنّها سنّة جاهلية عربية، ويمكن الجمع بأنّ العرب في الجاهلية اتخذتها عن اليهود فصارت سنّة لهم، كما احتمله البعض.
وعلى أي تقدير سواء أكانت سنّة جاهلية أم سنّة يهودية، فيوم عاشوراء الذي كانت اليهود يصومونه وصامه النبي(صلى الله عليه وآله)بحجّة أنّه أحق بموسى منهم، غير اليوم العاشر من محرّم الحرام الذي يُتصوّر أنّ صيامه سنّة من سنن النبي(صلى الله عليه وآله).
وذلك لأنّ الحديث يحكي بوضوح أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)أوان

1 . صحيح البخاري، كتاب الصوم، رقم الحديث 2003.
2 . صحيح البخاري، كتاب الصوم، رقم الحديث 2004.

صفحه 72
قدومه للمدينة، وجد اليهود يصومون فيه، ومن المعلوم أنّ هجرة النبي(صلى الله عليه وآله) كانت في النصف الأوّل من ربيع الأوّل، فاليوم الذي صام فيه النبي(صلى الله عليه وآله)، وأمر بصومه كان في النصف الأوّل من شهر ربيع الأوّل ولا صلة له بعاشر محرم الحرام، فمن يريد أن يعمل بالحديث فليصم اليوم العاشر الذي يصوم فيه اليهود، لا عاشر محرّم الحرام.
وقـد تنبّـه بعض الفلكيين مـن المسلمين لذلك الخطأ الرائج على ألسنة العوام، أعني الفلكي الطائر الصيت أبو ريحان محمد البيروني(362ـ 440هـ) حيث قال: إنّ عاشوراء هو عبراني معرّب يعني: «عاشور» و هو العاشر من «تشري» اليهود، الذي صومه صوم «الكِبّـور»وأنّه اعتُبر في شهور العرب، فجُعل في اليوم العاشر من أوّل شهورهم كما هو في اليوم العاشر من أوّل شهور اليهود.
ثم نقل الرواية من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) لما قدم المدينة... وقال: وهذه الرواية غير صحيحة لأنّ الامتحان يشهد عليها، وذلك لأنّ أوّل المحرم كان سنة الهجرة يوم الجمعة، السادس عشر من تمّوز سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة للاسكندر، فإذا حسبنا أوّل سنة اليهود في تلك السنة كان يوم الأحد، الثاني عشر من أيلول ويوافقه اليوم التاسع والعشرون من صفر، ويكون صوم العاشور

صفحه 73
يوم الثلاثاء التاسع من شهر ربيع الأوّل، وقد كانت هجرة النبي(صلى الله عليه وآله) في النصف الأوّل من ربيع الأوّل، إلى أن قال:... فيكون على ما ذكرنا قدوم النبي المدينة قبل العاشور بيوم واحد، وليس يتفق وقوعه في المحرّم إلاّ قبل تلك السنة ببضع سنين أو بعدها بنيّف وعشرين سنة، فكيف يجوز أن يقال: إنّ النبي صام عاشوراء لاتفاقه مع العاشور في تلك السنّة، إلاّ بعد أن يُنْقَلَ من أوّل شهور اليهود، إلى أوّل شهور العرب، نقلا لاتِّفاق معه،(1)ولذلك في السنة الثانية من الهجرة، كان العاشوراء يوم السبت من أيلول، والتاسع من ربيع الأوّل! فما ذكروه من اتفاقهما حينئذ، محال على كل حال ؟!(2)
وبعبارة أكثر وضوحاً: إنّ السنة العبرية (اليهودية) تبدأ في الخريف، بدلاً من منتصف فصل الشتاء (كما في التقويم الميلادي)، وهي(أي السنة العبرية) تعتمد على القمر، وتتكون من (12) شهراً، وهي:
تشْري، مرحشوان، كسلو، طبت، شباط، آدار، نيسان، أيار، سيوان، تموز، آب، أيلول.

1 . هكذا في المصدر ولعل الصحيح: (لا اتفاق معه) فلاحظ.
2 . الآثار الباقية عن القرون الخالية: 421 ـ 422 ، تحقيق برويز اذكيائي. طبع مؤسسة الميراث المكتوب، طهران، 1380 هـ . ش .

صفحه 74
وتتكون الأشهر من (30) و (29) يوماً بالتبادل. في خلال (19) عاماً، يضاف شهر إضافي قوامه (29) يوماً سبع مرات بين شهري (آدار ونيسان)، ويطلق على هذا الشهر اسم (فيادار)، وفي الوقت ذاته يصبح آدار (30) يوماً بدلاً من (29) يوماً.(1)
وعلى هذا فالسبب في إضافة شهر (فيادار) سبع مرات كل (19) سنة عبرية، هو لتثبيت السنة العبرية القمرية وضمان عدم حركتها على مرّ الفصول، لتصبح وكأنها سنة شمسية، وبذلك تصبح مناسباتهم ثابتة خلال فصول السنة على العكس من المناسبات الإسلامية.
قال الدكتور جواد علي: «ويقصدون بصوم اليهود يوم عاشوراء ما يقال له يوم الكفّارة وهو يوم صوم وانقطاع ويقع قبل عيد المظال بخمسة أيام أي في يوم عشرة (تشري) وهو يوم الكبور (Kipur) ويكون الصوم فيه من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم الثاني وله حرمة كحرمة السبت وفيه يدخل الكاهن الأعظم قدس الأقداس لأداء الفروض الدينية المفروضة في ذلك اليوم.(2)

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:7/82ـ83، مؤسسة أعمال الموسوعة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية.
2 . المفصّل في تاريخ العرب: 6 / 339 .

صفحه 75
وقال محمود پاشا الفلكي في «تقويم العرب
قبل الإسلام»: يظهر أنّ اليهود من العرب كانوا يسمّون
أيضاً عاشوراء، وعاشوراء، اليوم العاشر من شهر تشري الّذي
هو أوّل شهور سنتهم المدنية، وسابع شهور السنة الدينية عندهم.
والسنة عند اليهود شمسية لا قمرية، فيوم عاشوراء الّذي كان فيه غرق فرعون لا يتقيّد بكونه عاشر المحرّم بل اتّفق وقوعه يوم قدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(1).
يلاحظ على الفقرة الأخيرة أعني قوله: (بل اتّفق وقوعه يوم قدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)) لا يصدّقه التاريخ لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ورد المدينة في ربيع الأوّل لا محرّم الحرام.
وعلى ضوء ذلك نقول: إذا صحّ أنّه نُدب إلى صيام يوم عاشوراء، وأنّ ثمّة من يريد صوم ذلك اليوم، فليصم في يوم (العاشور) من شهر (تشري) الذي يقع دائماً في فصل الخريف (حسب التقويم العبري)، لا أن يصوم في يوم (عاشوراء) من شهر (محرّم الحرام)، الذي يتحرك عبر الفصول، وفقاً للتقويم الهجري.

1 . دائرة المعارف للبستاني: 11 / 446 .

صفحه 76
ويؤيد ما ذكرنا ما أخرجه الطبراني عن خارجة بن زيد عن أبيه، قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي تقوله الناس، إنّما كان يوم تستر فيه الكعبة، وتقلس فيه الحبشة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وكان يدور في السنة، فكان الناس يأتون فلاناً اليهودي فيسألونه، فلمّا مات اليهودي أتوا زيد بن ثابت فسألوه .(1)
كما أنّه لو قلنا بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)صام يوم عاشوراء لدى وروده المدينة، فإنّما صام في عاشوراء اليهود وهو اليوم العاشر من شهر «تشري»، ولا صلة له بعاشوراء المحرّم الّذي نحن بصدد دراسته.
وبكلمة واضحة كلُّ مَنْ يريد إحياء هذا الاستحباب (السنّة) عليه أن يتمسّك برواية صحيح البخاري، وقد عرفت أنّه لا دلالة فيها على أنّه صام عاشوراء المحرّم، وإنّما تدل على أنّه صام نفس اليوم الّذي صامت فيه اليهود، وبما أنّ اليهود تصوم في عاشر «تشري» لا غير، فينطبق الاستحباب على ذلك اليوم.
وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا   

وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا

بعد تحرير ما مرّ عليك، وقفنا على مقال للباحث الفلكي الدكتور صالح العجيري أكّد فيه أنّ الحسابات الفلكية أثبتت أنّ

1 . المعجم الكبير: 5 / 138، برقم 4876 .

صفحه 77
هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حدثت يوم الأثنين 8 ربيع الأوّل سنة 1 هجرية المصادف 20 سبتمبر سنة 622 ميلادية الموافق 10 من
شهر (تشري) سنة 4383 عبرية وهو يوم الكبور عاشوراء اليهود.
وأضاف في المقال الّذي نشرته صحيفة «الوطن» الكويتية 5942 / 11496 الصادر بتاريخ 10 محرم 1429 هـ (1): إنّه للتدليل على ذلك ومصداقاً للحديث النبوي الشريف فإنّه يستنبط من السير أنّ صاحب الشريعة الإسلامية الغرّاء سيدنا محمد (صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم) قد بارح مكة المكرّمة مهاجراً قبيل ختام شهر صفر ببضعة أيام في الليالي الّتي يخبو فيها نور القمر، ذلك بعد أن انتظر قدوم فصل الخريف فلم يشأ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يهاجر مباشرة بعد بيعة العقبة الّتي تمّت في فصل الصيف الحار، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم)خطّط للهجرة ومكث ثلاث ليال في غار ثور متخفيّاً، ثمّ خرج منه في غرّة شهر ربيع الأوّل قاصداً يثرب الّتي سمّيت بعد الهجرة المدينة المنورة، ووصل قباء في يوم الاثنين في النصف الأوّل من شهر ربيع الأوّل واستراح هناك أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس وأسّس بها أوّل مسجد في الإسلام الّذي

1 . يستطيع القارئ قراءة هذا المقال على الرابط:
http://watanpdf.alwatan.com.kw/alwatanpdf/2008-01-19/3.pdf

صفحه 78
نزلت فيه الآية الكريمة: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم)(1)، ثم شرّف المدينة المنوّرة يوم الجمعة.
وأشار العجيري في هذا الصدد إلى أنّ الرواة اتّفقوا على اليوم من الأسبوع على أنّه يوم الاثنين كما اتفقوا على الشهر أنّه ربيع الأوّل، إلاّ أنّهم اختلفوا في اليوم من الشهر هل هو 2 أو 8 أو 12. ولأجل تحديد اليوم المطلوب لزم معرفة اليوم من الأسبوع لمستهلّ السنة الأُولى من الهجرة النبوية فمنه نعرف غرّة شهر ربيع الأوّل من السنة، وذلك بالحساب الفلكي راجعين القهقرى بالسنة الهجرية من الآن.
وبعد أن أسهب في البحث في الحسابات الفلكية، خرج بالنتيجة الّتي ستقرأها في آخر كلامه التالي، حيث قال: بأنّ هناك سؤالاً يطرح نفسه: كيف صام المسلمون زمن الهجرة عاشوراء في شهر ربيع الأوّل ونصومه الآن في شهر المحرّم؟! وهنا أجاب كثير من علماء المسلمين الذين سألتهم عبر سنين طويلة أنّ نبينا محمد يوم دخل المدينة لم يكن اليهود يصومون عاشوراء نفس اليوم إنّما بعد مرور عدّة شهور وجدهم يصومون عاشوراء وليس بالضرورة أنّهم كانوا صائمين حتماً يوم دخوله المدينة،

1 . التوبة: 108 .

صفحه 79
بل أنّ أحدهم أفاد أنّ ذلك حدث يوم دخوله خيبر.(1)
هذا ولقد أفاض الله عليّ من فيض فضله حيث أهتديت بعد تمحيص وتدبّر أنّ المسلمين زمن الهجرة صاموا عاشوراء اليهود ثم خالفوهم وتركوا صوم اليوم العاشر من أوّل شهر في سنة اليهود، ونقلوه إلى اليوم العاشر من الشهر الأوّل في سنة المسلمين.
أقول هذا لأنّني بالحساب الفلكي الموثوق أُؤكد أنّ اليهود كانوا صائمين يوم دخوله المدينة بذات اليوم وليس في يوم
آخر سواه حسبما تقدّم، وبالحساب الفلكي فإنّ يوم الهجرة النبوية الشريفة هو الاثنين 8 ربيع الأوّل من سنة 1 هجرية الموافق 20 سبتمبر سنة 622 ميلادية المصادف 10 تشري سنة 4383 عبرية يوم عاشوراء اليهود وكانوا صائمين نفس اليوم، والله أعلم.

ردة فعل الخضر على مقال العجيري

بعد أن أثبت العجيري بحسابات دقيقة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد دخل المدينة في اليوم الثامن من ربيع الأوّل وهو شهر وروده

1 . نقول: إن هذا الاحتمال لا ينسجم مع ما في صحيحي البخاري ومسلم، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)صام عند وروده المدينة، وليس بعد سبع سنوات حيث كانت غزوة خيبر في تلك السنة .

صفحه 80
المدينة المنوّرة،(1) وكان لمقاله دويّ في الأوساط العلمية، لأنّه أثبت فيه أنّ صوم عاشوراء ـ السائد الآن ـ لا ينطبق مع عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
   
ولما كانت هذه الحقيقة ثقيلة على مسؤولي مبرة الآل والأصحاب ـ الذين ادّعوا أنّ صوم عاشوراء وسيلة لتخليص الأُمّة من الصراع الطائفي، غافلين عن أنّه يؤدّي إلى ضدّ ما يدّعون العمل على إزالته ـ انبروا وبردّة فعل عكسية عنيفة، وكتبوا هذا المقال،(2) الّذي نقتطف منه ما يلي:
1. بداية لا نخفي إجلالنا وتقديرنا للعم صالح العجيري حفظه الله ورعاه، فهو علم من أعلام هذا البلد المعطاء، ونحن إذ أحببنا هذه الشخصية وارتبطنا بها منذ سنوات إلاّ أنّنا كنّا نودّ من العم صالح العجيري أن لا يخرج عن تخصّصه الفلكي المعروف إلى الحديث في مسائل شرعية لا يتقنها إلاّ المتخصّصون.
وبعيداً عن الحساب الفلكي الّذي قام به العم صالح العجيري والّذي يرى أنّه من خلاله قد أثبت أنّ عاشوراء كان في

1 . وقد تركنا ذكر الحسابات الفلكية الّتي توصّل بها إلى هذه النتيجة، لأنّها من عمل المتخصّصين.
2 . لاحظ الرابط التالي:
http://watanpdf.alwatan.com.kw/alwatanpdf/2008-01-20/9.bpf

صفحه 81
ربيع الأوّل لا محرّم، وإنّ المسلمين هم الذين نقلوا هذا اليوم باجتهاد منهم إلى محرّم .
2. قال الشعراني: اعلم أنّ يوم عاشوراء كان يوم صوم اليهود ولا يزالون يصومون إلى الآن وهو الصوم الكبير ووقته اليوم العاشر من الشهر الأوّل من السنة، ولمّا قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة كان أوّل سنة اليهود مطابقاً لأوّل المحرم وكذلك بعده إلى أن حرم النسيء وترك في الإسلام وبقي عليه اليهود إلى زماننا هذا فتخلف أوّل سنة المسلمين عن أوّل سنتهم وافترق يوم عاشوراء عن يوم صومهم، وذلك لأنّهم ينسئون إلى زماننا هذا فيجعلون في كلّ ثلاث سنين سنة واحدة ثلاثة عشر شهراً كما كان يفعله العرب في الجاهلية فصام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون يوم عاشوراء كما كانوا يصومون، وقال: «نحن أولى بموسى منهم» إلى أن نسخ وجوب صومه بصوم رمضان وبقي الجواز .

تعليقنا على الفقرة الأُولى

اقترح الخضر على الفلكي صالح العجيري (أن لا يخرج عن تخصّصه الفلكي المعروف إلى الحديث في مسائل شرعيّة لا يتقنها إلاّ المتخصصون).

صفحه 82
لكنّ الخضر قد غفل عن أنّ الرجل لم يخرج عن حيطة تخصّصه، فإنّ الموضوعات الفلكية أو الطبيعية إذا كانت ملاكات وموضوعات للأحكام الشرعية فالفقيه يستعين بأبحاث ذوي الاختصاص، وهذه هي السيرة الجارية بين الفقهاء عبر قرون، فهم ما زالوا يرجعون إليهم في الكثير من أبواب الفقه الّتي تشتمل على موضوعات تحقّق في خارج الفقه، نظير الأوزان والمثاقيل والأوقات والمواقيت الشرعية وتحديد القبلة في مختلف بلدان العالم، حسب خطوط الطول والعرض، إلى أن ينتهي أمرهم في الصيد والذباحة وتشخيص الحيوانات المحلّلة عن المحرمة موضوعاً لا حكماً، وكذلك نجده في باب الديات، حيث إنّ لتعيين مقدار الجراحة الّتي لها أقسام عشرة هو من اختصاص خبراء الطب العدول.
ولذا فإنّ بيان الحكم الشرعي هو عمل الفقيه، وأمّا تحديد الموضوع فتارة يشارك به الفقيه، وأُخرى يختصّ به غيره.
والعجيري لم يتطرّق إلى الحكم الشرعي، بل تطرّق إلى بيان الموضوع وأنّ الحسابات الفلكية تثبت بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)صام في شهر ربيع الأوّل يوم عاشوراء، وليس في شهر محرّم.
إنّ تهميش العلماء وإبعادهم عن الساحات الدينية خسارة

صفحه 83
للعلم والدين وأهلهما، وإعانة للعلمانية ودعاتها الذين يريدون فصل العلم عن الدين، وأنّ العلم يضادّ الدين، ولا يصبّان في معين واحد.

تعليقنا على الفقرة الثانية

1. أنّ ما ذكره الشعراني (رحمه الله): (من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قدم المدينة أوّل سنة اليهود مطابقاً لأوّل المحرّم) أمر مجمع على خلافه، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ باتّفاق عامّة المؤرّخين وكتّاب السير (1) ـ قد وردها في ربيع الأوّل، ولم يذكر أحد أنّه وردها في محرم ولو بالمعنى الّذي اختاره الشعراني.
2. سلّمنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد صام يوم عاشوراء، عند وروده المدينة، ولكن لمّا كانت الشهور عند اليهود شمسيّة وعند العرب قمرية، اتّفق في السنة الأُولى من الهجرة تطابق عاشوراء اليهود ـ الّذي هو اليوم العاشر من الشهر الأوّل لسنتهم الّتي تبدأ في الخريف ـ مع عاشوراء العرب ـ الّذي هو اليوم العاشر من الشهر الأوّل لسنتهم ـ والتطابق في سنة واحدة لا يكون دليلاً على استمراره في السنين الآتية، حتّى يُجعل دليلاً على استحباب

1 . لاحظ : فتح الباري: 7 / 208 ; تاريخ الطبري: 2 / 288، طبعة دار المعارف; المفصّل في تاريخ العرب: 6 / 342 .

صفحه 84
صوم عاشوراء إلى يوم القيامة، بل يختص الاستحباب فيما إذا كان هناك تطابق.
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)صام ذلك اليوم لمناسبة خاصّة، وهي نجاة موسى (عليه السلام)وقومه في ذلك اليوم من فرعون، وكان هذا هو الداعي، فعلى من يريد أن يستنّ بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يجب عليه أن يتحرى ويتحقّق من ذلك اليوم بالمحاسبات القطعية ثم يصوم، سواء أكان في شهر محرّم أو الأشهر الأُخرى .
3. أنّ ظاهر كلام الشعراني أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)صام بعد السنة الأُولى أيضاً إلى أن حرم النسيء في العام الثامن، ولم يقل به أحد، فالظاهر أنّه صامه سنة واحدة.
4. هل صام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وفق صيام اليهود الذين يصومون من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي، أو صام صوماً إسلامياً وهو الإمساك من الفجر إلى الغروب ؟
وكلاهما بعيدان، أمّا الأوّل فمعنى ذلك اتّباع اليهود في أمر العبادات، ولو صحّ صومه كذلك لوجب حفظ السنّة بالشكل الّذي صام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أي الإمساك من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم الثاني.

صفحه 85
وأمّا الثاني، ففيه مخالفة لليهود وابتعاداً عن الغرض الّذي صام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأجله.
***
إنّ ابن قيّم الجوزية ذكر صوم يوم عاشوراء في فصل خاصّ من كتابه «زاد المعاد في هدى خير العباد» وقال: وقد استشكل بعض الناس في هذا ] ثم إنّه ذكر ستة إشكالات هي [ :
1. إنّما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة في شهر ربيع الأوّل، فكيف يقول ابن عباس: إنّه قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشور ؟
2. قد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أنّها قالت: كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)يصومه، فلمّا هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمّا فرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه».
ومعنى هذا الإشكال أنّ صوم عاشوراء كان من السنن الجاهلية ولا صلة له بالسنّة اليهودية.
3. روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه فقالوا: يا رسول الله، إنّه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله: «إذا كان

صفحه 86
العام المقبل إن شاء الله، صمنا يوم التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول الله.
وهذا يدلّ على أنّ صومه والأمر بصومه كان قبل وفاته بعام، وحديثه المتقدّم، فيه أنّ ذلك كان عند مقدمه المدينة.
4. أنّ مسلماً روى في صحيحه عن ابن عباس أنّه قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ هذا اليوم تعظمّه اليهود والنصارى، قال: «إن بقيت لأصومنّ التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول الله .
ثم روى مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ قال: إذا رأيت هلال المحرم فأعدّ تسعاً، وأصبح التاسع صائماً.
وهذا يدلّ على أنّ ابن عباس جعل يوم عاشوراء يوم التاسع، إلى آخر ما ذكره من الإشكالات (1).
والمؤلّف وإن حاول الإجابة عنها لكن بفروض وتكلّفات واحتمالات بعيدة عن الأذهان السليمة، فلا يمكن الاعتماد على فروضه والإفتاء باستحباب صوم ذلك اليوم .

1 . زاد المعاد: 1 / 200 ـ 201 .

صفحه 87

سؤال لمسؤولي المبرّة

ولنا أن نسأل الشيخ الخضر ومَن يؤيده، أي داع لإشاعة هذا العمل الّذي تثار حوله هذه الإشكالات، أليس تركه أولى من التأكيد عليه ؟
وعلى فرض الصحّة أليس الأولى السكوت عنه، فمن شاء صام، ومن شاء ترك، اعتماداً على ما ورد في الصحيح من أنّ صيام عاشوراء ترك بعد فرض صيام شهر رمضان.
ثمّ إنّ للمحقّق السيد جعفر مرتضى العاملي بحثاً حول صيام عاشوراء نقتبس منه ما يلي:
1. أنّ الرواية تفيد بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يجهل بسنّة أخيه موسى، وأنّه تعلّمها واستفادها من اليهود، وقلّدهم فيها، ولا ضير عند هؤلاء في ذلك فإنّهم يروون ـ ونحن نستغفر الله من ذلك ـ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحب موافقة أهل الكتاب في كلّ ما لم يؤمر به .(1)
ثم يروون عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)ما يناقض ذلك ـ وكذلك هو يناقض نفسه دائماً عندهم، حتّى في هذا المورد ـ فهو الّذي يكره
في الأذان بوق اليهود وناقوس النصارى، ويخالفهم في معاملة

1 . صحيح البخاري: 4 / 67، باب فرق الشعر في اللباس; والسيرة الحلبية: 2 / 132 ; زاد المعاد: 1 / 165 .

صفحه 88
الحائض، ويأمر بصبغ الشعر، مخالفة لليهود والنصارى.(1)
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)يصوم يوم السبت والأحد كثيراً، يقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى.(2)
بل لقد بلغ في مخالفته لهم حدّاً جعل اليهود يقولون : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلاّ خالفنا فيه .(3)
2. إنّ إطلاق كلمة عاشوراء على العاشر من محرّم الحرام إنّما حصل بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم إقامة المآتم لهذه المناسبة من قبل أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم، ولم يكن معروفاً قبل ذلك على الإطلاق. وقد نصّ أهل اللغة على ذلك، قال ابن الأثير: هو اسم إسلامي. (4)
وقال ابن دريد: إنّه اسم إسلامي لايعرف في الجاهلية .(5)

1 . صحيح مسلم: كتاب3، حديث 16، وكتاب 27، باب 8 ; سنن الترمذي: كتاب 44، حديث 24، وكتاب 22 باب 10، وكتاب 40 باب 7; سنن النسائي كتاب 3 و 48 و 83 .
2 . زاد المعاد: 1 / 168 .
3 . السيرة الحلبية: 2 / 115 ; سنن أبي داود: 2 / 250 ; مسند أبي عوانة: 1 / 312 .
4 . النهاية: 3 / 240 .
5 . الجمهرة في لغة العرب: 4 / 212 ; لاحظ : الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): 5 / 196 ـ 197 .

صفحه 89

تأويل الحديث بالشهور الشمسية

وممّا يثير العجب ما نقله ابن حجر عن بعض من حاول تصحيح الحديث وقال: يحتمل أن يكون أُولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه المدينة.(1)
ولمّا كان هذا الاحتمال بمعزل من الصحة قال ابن حجر في حقّه .
ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل.

الاحتفال بيوم عاشوراء من آثار الحجّاج الثقفي

وفي الختام نلفت نظر هؤلاء الذين يصرّون على الاحتفال بيوم عاشوراء إلى أنّ أوّل من احتفل بهذا اليوم هو الحجّاج بن يوسف الثقفي في أيام عبد الملك بن مروان، يقول المقريزي: إنّ ملوك بني أيوب الذين أزالوا الفاطميين عن منصة الخلافة كانوا يتّخذون يوم عاشوراء يوم سرور، يوسّعون فيه على عيالهم ويتبسّطون في المطاعم ويصنعون الحلاوات ويتخـذون الأواني الجديدة ويكتحلون، ويدخلون الحمّام جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجّاج في أيام عبد الملك بن مروان،

1 . فتح الباري:4/200.

صفحه 90
ليرغموا بذلك آناف شيعة علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ الذين يتّخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن فيه على الحسين بن عليّ لأنّه قتل فيه.(1)
وقد لعب الوضّاعون الكذّابون دوراً عظيماً في الدعوة إلى إظهار الفرح والسرور في عاشر محرّم، واتّخاذه عيداً وإظهار الزينة كالخضاب والاكتحال إلى حدّ، قام غير واحد من المحقّقين بتكذيب هذه المراسم.
رمي الشيعة باتفاقهم على استحباب صيام عاشوراء   
قال ابن حجر الهيثمي: إنّ ما أصيب به الحسين ـ رضي الله تعالى عنه ـ في يوم عاشوراء إنّما هو الشهادة الدالّة على حظوته ورفعته ودرجته عند الله، وإلحاقه بدرجات أهل بيته الطاهر ـ إلى أن قال ـ وأمّا بدع الناصبة المتعصبين على أهل البيت من إظهار غاية الفرح والسرور، واتّخاذه عيداً وإظهار الزينة فيه، كالخضاب والاكتحال ولبس جديد الثياب، وتوسيع النفقات، وطبخ الأطعمة والحبوب الخارجة عن العادات واعتقادهم أنّ ذلك من السنّة والمعتاد، والسنّة ترك ذلك كلّه فإنّه لم يرد في ذلك شيء يعتمد عليه ولا أثر صحيح يرجع إليه، وقد سئل بعض أئمة الحديث عن هذه الأُمور، فقال: لم يرد فيه حديث عنه(صلى الله عليه وآله) ولا أحد من أصحابه، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين لا من

1 . الخطط المقريزية (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار): 1/490.

صفحه 91
الأربعة ولا من غيرهم، ولم يرد في الكتب المعتمدة في ذلك صحيح أو ضعيف... .(1)
فدع عنك نهباً صيح في حُجراته *** ولكن حديثاً ما حديث الرواحلِ
ثـمّ إنّ بعض مـن يريد إحياء هـذه السنّة المتروكة بنصّ الحديث المتقدّم يحاول أن يدعمه بفتوى فقهاء الشيعة، والمسكين جاهل بفقههم وانّ استحباب صومه ليس أمراً متّفقاً عليه، وإليك دراسة كلامه في هذا الموضوع.

3. رمي الشيعة باتّفاقهم على استحباب صيام عاشوراء

إنّ القول بأنّ صيام يوم عاشوراء أمر اتّفق على جوازه، السنّة والشيعة، أمر لا يوافق الواقع، فإنّ لفقهاء الإمامية فيه آراء سبعة إليك إجمالها:
أ. حرمة صومه إذا كان بنية التبرّك بمصرع الحسين وآل بيت النبي (عليهم السلام)، سواء أثبت صيام عاشوراء عن النبي أم لم يثبت.
ب. استحباب الإمساك في هذا اليوم عن الأكل والشرب وبقية المفطرات إلى ما بعد صلاة العصر تأسيّاً بعطش الحسين وأهل بيته وأصحابه.

1 . الصواعق المحرقة:183، بتلخيص، ولكلامه ذيل جدير بالمطالعة.

صفحه 92
ج. استحباب صومه كملاً لكن على وجه الحزن فقط، ومعنى ذلك استحبابه بهذا القيد.
د. كراهة صومه من دون نيّة الحزن، ولعلّه المشهور.
هـ . استحباب صومه من حيث هو.
و. حرمة صومه مطلقاً بأي نيّة كانت، حزناً أم تبركاً.
ز. الاحتياط ـ وجوباً ـ باجتناب صومه مطلقاً بأي نيّة كانت.(1)
الصيام مرفقاً بالاحتفال، لماذا؟   
ومع ذلك فكيف يصف المسؤول في المبرّة صيام عاشوراء بقوله: أمراً أصفق عليه الفريقان؟!
نعم، قال السيد الخوئي بكونه مندوباً ـ لكن مندوباً ـ بالذات، و حراماً بالعـرض، وقد اختزل المتحدّث كلامه فاكتفى بصدره وترك ذيلـه ـ وهذا ليس من الإمانة العلمية المطلوبة ـ ، وإليك ما قاله في ذيل كلامه:
نعم لا إشكال في حرمة صوم هذا اليوم بعنوان التيمّن والتبرّك والفرح والسرور كما يفعله أجلاف آل زياد والطغاة من بني أُميّة من غير حاجة إلى ورود نص أبداً، بل هو من أعظم

1 . لاحظ: رياض المسائل:5/467; جواهر الكلام:17/105، الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء للكاتب: 2 / 306 ـ 310; الرسول المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) والشعائر الحسينية: 475ـ478 وقد أفاض القول في حكم الصيام مما لا مزيد عليه.

صفحه 93
المحرّمات، فإنّه ينبئ عـن خبث فاعله وخلل في مذهبه ودينه، وهو الّذي أُشير إليه في بعض النصوص المتقدّمة من أنّ أجره مع ابن مرجانة الّذي ليس هو إلاّ النار، ويكون من الأشياع والأتباع الذين هم مورد اللعن في زيارة عاشوراء. وهذا واضح لا سترة عليه، بل هو خارج عن محلّ الكلام كما لا يخفى.(1)

4. الصيام مرفقاً بالاحتفال، لماذا؟

لو سلّمنا، كون صيامه سنّة يليق أن تُحيا فلماذا تُحيا بالابتهاج والسرور، أيجوز في منطق العقل، والعاطفة، الابتهاج بيوم سُفك فيه دم إمامهم سبط رسول الله وريحانته، ودماء الأبرار الأتقياء من أهل بيته وأصحابه؟!
أو ليس هذا دليلاً على أنّ وراء الكواليس شيئاً، وأنّ النيّات ليست بصادقة ولا خالصة؟! وأنّ المبرة نُصبت لخداع الشيعة أو للصدّ عن انتشار التشيّع الّذي بدأ ينتشر منذ أعوام لقوة منطقه، ووضوح مسالكه.
إنّه يجدر بمن تهمّه وحدة خُطى المسلمين، ويدعو إلـى جمـع كلمتهـم وإصلاح واقعهـم المأسـاوي، يجـدر به أن يعمل على تجنّب إثارة مسائل الخلاف، والتأكيـد على المشتركات ـ

1 . مستند العروة، كتاب الصوم:2/305.

صفحه 94
وما أكثرها ـ لتعزيز روح الثقة، التي هي مفتاح التآخي والتعاون والتآلف بينهم، وأن تكـون نياته صادقة في هذا الاتجاه، لا أن يرفع لافتة الوحدة، ليختفي وراءها، ويُخفي معه ـ كما يظن ـ أغراضه السقيمة، فيصبح مصداقاً للمثل السائر: سَبَّحَ ليسرق.
ترك السنّة إذا كانت شعاراً للمخالف   
فدعوا هذا الحرص المصطنع على الوحدة والتقارب بين المذاهب الإسلامية، فإنّ إصراركم على استفزاز الآخرين في عقائدهم ومشاعرهم، يكشف عن نياتكم الحقيقية، ويفضح دموع التماسيح التي تذرفونها أسىً كاذباً على مصالح المسلمين، الذين لم يَعُد ينطلي عليهم هذا التمويه والخداع.
***

5. ترك السنّة لمصلحة، من الأُصول

نفترض أنّ صيام يوم عاشوراء سنّة نبوية، ولكن من أُصول بعض أهل السنّة وعلى رأسهم ابن تيمية، ترجيح ترك السنّة إذا كانت شعاراً للمخالف، وله نظائر:

أ. تسطيح القبر

قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي: السنّة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي(1).

1 . اختلاف الأئمة: 1/88 ، في هامش الميزان للشعراني.

صفحه 95
وقال الرافعي: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) سطّح قبره ابنه، وعن القاسم بن محمد قال: رأيت قبر النبي و أبي بكر وعمر مسطّح. وقال ابن أبي هريرة: إنّ الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم، لأنّ التسطيح صار شعاراً للروافض، فالأولى مخالفتهم وصيانة الميت وأهله عن الاتهام بالبدعة.(1)

ب. الجهر بالبسملة

روى البيهقي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)يجهر بالصلاة بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، وأمّا أنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) يجهر بالتسمية، فقد ثبت بالتواتر.
وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين، ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه.(2)
ولكن حكى الرافعي عن ابن أبي هريرة أنّ الجهر بالتسمية إن صار في موضع شعاراً لهم (أي الروافض)، فالمستحب الإسرار بها مخالفة لهم.(3)

1 . فتح العزيز في شرح الوجيز:5/234.
2 . مفاتيح الغيب:1/205و 204.
3 . فتح العزيز في شرح الوجيز:5/234.

صفحه 96
ترك المستحبات إذا صارت شعاراً للشيعة   

ج. ترك المستحبات إذا صارت شعاراً للشيعة

قال ابن تيمية عند بيان التشبّه بالروافض: ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم، فإنّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم ولا يتميّز السنّي من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم، ومخالفتهم، أعظم من مصلحة هذا المستحب.(1)
حكى البرسوي عن كتاب «عقد الدرر واللآلي وفضل الشهور والليالي» للشيخ شهاب الدين الشهير بالرسّام ما يلي: ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبّه بيزيد الملعون في بعض الأفعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضاً، يعني لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبّه بيزيد الملعون وقومه وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصل صحيح، فإنّ ترك السنّة، سنّة إذا كانت شعاراً لأهل البدع كالتختم باليمين فإنّه في الأصل سنّة، لكن لمّا كان شعار أهل البدعة والظلمة، صارت السنّة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى.(2)
إلى غير ذلك من الموارد التي تركوا فيها السنّة لأجل

1 . منهاج السنّة:2/143.
2 . روح البيان:4/142.

صفحه 97
كونها شعاراً للمخالف.
فإذا كان هذا هو الأصل المتّبع عند السلف فيليق بالخلف أن يتبعه في كلّ سنّة صارت شعاراً للمخالف، ومن المعلوم ـ إلى حدّ عَلِمَهُ الأكمهُ والأصمُ ـ أنّ صيام عاشوراء صار شعاراً للأمويين بعد مقتل الحسين(عليه السلام)وشهادته، ويقول باقر العلوم (عليه السلام): «اللهم إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد بقتلهم الحسين(عليه السلام)...».(1)
فعلى مَن ينبض قلبه بوحدة الكلمة وتوحيد الأُمّة أن لا يصوم يوم عاشوراء لئلاّ يتشبّه بالأمويين وأذنابهم ومن سار على نهجهم.
هذه رسالتي المفتوحة للمسؤولين في مبرّة الآل والأصحاب عسى أن ينظروا إليها بعين الإنصاف والتجرّد عن الرأي المسبق .
***

1 . مصباح المتهجد: 775 ; بحار الأنوار: 98 / 295 .

صفحه 98
   

ما هي الغاية من هذه الضجّة الإعلامية؟

هذا هو حال صوم عاشوراء وقد اتّضح أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)لو صام، فإنّما صام في شهر ربيع الأوّل الّذي اتفق فيه عاشوراء اليهود ولا صلة له بعاشر محرم الحرام.
وقد بلغنا أنّ فؤاد الرفاعي صاحب مركز (وذكّر) أعلن يوم عاشوراء يوم فرح وسرور، وقد نشر دعاية لذلك في صحيفة (الوطن) الكويتية يوم 29 ذي الحجّة الحرام من سنة 1431 هـ .
والمسكين مع أنّه من مقلّدة ابن تيمية، فقد تجاوز حدّه، فإنّ إمامه يعدّ الفرح في يوم عاشوراء من بدع الناصبيّ الحجّاج بن يوسف الثقفي، وقال في «منهاج السنة»: وقد ثبت في الصحيح عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «سيكون في ثقيف كذّاب ومبير».
وهذا الناصبي هو المبير، فأحدث السرور حتّى رووا أنّ من وسّع على أهله يوم عاشوراء، وسّع الله عليه سائر سنته.
ثم نقل (ابن تيمية) عن حرب الكرماني أنّه سأل أحمد بن

صفحه 99
حنبل عن هذا الحديث، فقال: لا أصل له، وليس له إسناد يثبت.
ثم ذكر أنّ كلّ ما روي من الاكتحال يوم عاشوراء والاغتسال والتوسعة على العيال وإحداث أطعمة غير معتادة كلها بدع، لم يستحب أحد من أئمة المسلمين الأربعة، ولا غيرهم، شيئاً من هذه الأُمور.(1)
وقال ابن تيمية قبل ذلك: وصار الشيطان بسبب قتل الحسين (رضي الله عنه)يُحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء،... إلى أن قال: وكذلك بدعة السرور والفرح .(2)
فإذا كان داعيتكم، ـ هذا الّذي اتخذتموه إماماً في الأُصول والفروع، ووصفتموه بشيخ الإسلام، وتلقّيتم آراءه وعقائده كالوحي المنزل ـ يعدّ ذلك من البدع، أفيصحّ بعد هذا أن يجعل ذلك اليوم، يوم فرح وسرور؟! (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).(3)
ومع ذلك، ففي الأُمّة من أهل السنّة من ألقى جلباب التعصّب وأصدر بياناً رفض فيه الأقوال الّتي تدعو إلى جعل يوم العاشر من محرم يوماً للفرح والسرور، وإليك نصّ البيان:

1 . منهاج السنة: 4/554 ـ 555 (بتلخيص).
2 . منهاج السنة: 4 / 554 .
3 . يونس:35.

صفحه 100
بيان السيد يوسف الرفاعي   

بيان السيد يوسف الرفاعي (1):

قد اطلعت على ما أصدره ووزعه مركز «وذكّر» من منشورات بمناسبة يوم عاشوراء العاشر من شهر محرّم الحرام والّتي يدعو الناس فيها بجانب الصوم المسنون إلى «إبداء الفرح والسرور» في ذلك اليوم الّذي قتل فيه شهيداً مظلوماً سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين(رضي الله عنه)وأكرم منزله ومثواه ومن استشهد معه من أهل بيته وأنصاره الكرام في معركة الطف بكربلاء حوالي سنة 60 من الهجرة، وبهذا الخصوص أجد واجباً عليّ أن أوضح وأبين ما يلي:
أوّلاً: أنّ نص حديث الصيام الوارد في البخاري وغيره لم يتضمن ولا يفهم منه ولا يستنبط انّ النبي (صلى الله عليه وآله)يدعو أصحابه ومن بعدهم المسلمين إلى إبداء وإظهار «السرور والفرح والأُنس» بهذا اليوم، ولم يؤثر ذلك عن الصحابة الكرام، ومن قال ذلك فقد حمّل نص الحديث ما لا يحتمل ونسب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لم يقل، وفي هذا العمل من الإثم العظيم ما فيه.
ثانياً: أنّ السواد الأعظم من المسلمين (أهل السنّة والجماعة) وخاصّة أتباع المذاهب الأربعة (الشافعية والحنابلة

1 . هو الداعية السيد يوسف هاشم الرفاعي عميد الأُسرة الرفاعية في الكويت، وقد نشر البيان في جريدة الانباء الكويتية بتاريخ 11 محرّم الحرام 1432 هـ .

صفحه 101
والمالكية والأحناف) أجمعوا على أنّ الإمام الحسين مات شهيداً مظلوماً ومن معه، ويحمّلون ابن زياد وابن سعد وجنودهما «المظلمة الكبيرة والإثم العظيم» على تلك الجريمة النكراء الّتي أغضبت الله تعالى ورسوله وصالح المسلمين، وكانت نقطة سوداء في تاريخ المسلمين، واعتبروا يزيد بن معاوية ظالماً طاغياً هو وجنوده وجلاوزته، وقد قام المسلمون جميعاً بعد ذلك بالاقتصاص منهم فرداً فرداً وقتلهم، وقد كانت تلك المأساة المفجعة الّتي حصلت في كربلاء (السبب الرئيسي في سخط الله وفي سرعة زوال الدولة الأُموية الّتي لم تعمّر إلاّ قليلاً بعد ذلك «سبعين(1) سنة تقريباً») وقد حفلت كتب أهل السنّة والجماعة بما يثبت ويجلي موقفهم المستنكر لهذه المأساة والغاضب عليها، وفي كتاب الإمام الشبلنجي، الشافعي المصري (رحمه الله تعالى) عن أهل البيت، ما يشفي الغليل ويوضح الدليل على ذلك، ومعروف كذلك رأي الإمام أحمد بن حنبل في تكفير واستنكار عمل من أقرّوا وقاموا وشاركوا بتلك الجريمة النكراء والمأساة الأليمة الّتي لا نزال ندفع ثمنها حتّى اليوم.
ثالثاً: أنّي وجمهور الأُسرة الرفاعية في الكويت وخارجها،

1 . في الأصل: تسعين، ولعلّه خطأ مطبعي.

صفحه 102
نبرأ ونشجب ولا نقبل بإبداء السرور والفرح في هذا اليوم (عاشوراء) ذكرى استشهاد «جدّنا الإمام الحسين» بل يعتصر قلبنا ألماً وحزناً لذكراها وما نال أهلنا أهل البيت الكرام فيها ونترحم عليهم ونحتسبهم عند الله تعالى مع الشهداء الأخيار، غير أنّنا لا نلطم خداً (1) ولا نشق جيباً امتثالاً لما أمرنا به ربنا الله تعالى ورسوله جدّنا وسيدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)ونقول: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون)والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، ولنتذكر قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).(2) وقوله(صلى الله عليه وآله): «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني بحب الله، واحبوا آل بيتي بحبي»، وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم.
***
وفي هذا الصدد صدر بيان آخر، كتبه الحاج علي يوسف المتروك، وها هو نص البيان(3)، الّذي جاء تحت عنوان:

1 . اللطم من مظاهر الحزن وهو جائز إذا لم يقترن بجرح أو إسالة الدماء أو أي أمر محرّم.
2 . الشورى:23.
3 . تم نشر البيان في جريدة «الوطن» العدد 12558 / 7004، بتاريخ 10 محرم الحرام 1432 هـ ، لاحظ الرابط التالي:
http://watanpdf.alwatan.com.kw/alwatanpdf/2010-12-16/63.bpf

صفحه 103
بيان الحاج علي يوسف المتروك   
 
عاشوراء بين الحزن والفرح
لأُولئك الذين يدعون للفرح والمسرّة يوم عاشوراء لنجاة موسى وقومه من الغرق، ويتخذون من هذه المناسبة فرصة لاستفزاز المسلمين من محبّي آل البيت(عليهم السلام)، وإذا كان النبي صلوات الله عليه وآله قد احتفل بنجاة موسى(عليه السلام)، فهناك مناسبات لا تقل أهمية عن هذه المناسبة لم نسمع أنّه احتفل بها، كنجاة إبراهيم من نار النمرود، ونجاة يونس من بطن الحوت، ونوح من الغرق، وغير ذلك من حوادث جرت على الأنبياء السابقين.
أقول: ليس هناك مجال للمقارنة بين مناسبة حصلت قبل آلاف السنين لأُمّة خلت مشكوك في صحّة توقيتها، لعدم وجود أشهر عربية زمن موسى(عليه السلام)خاصة باليهود، أو لدى الفراعنة في زمانه، وبين مأساة حدثت بعد خمسين سنة من وفاة المصطفى صلوات الله عليه وآله، فسجلت صفحة سوداء بل حمراء قانية في تاريخ الإسلام، وهي استشهاد حفيده وريحانته بل روحه الّتي بين جنبيه.
فقد روت أُم سلمة في حديث صحيح رواه الترمذي عن أبي سعيد الأشج... عن سلمة قالت: دخلت على أُمّ سلمة وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقالت: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعلى رأسه

صفحه 104
ولحيته التراب فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: «شهدتُ قتل الحسين آنفاً».
وروى الإمام أحمد مع حذف الاسناد عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المنام نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأُمّي يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم. قال عمار بن أبي عمار وهو أحد رواة الحديث: فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قتل في ذلك اليوم (تفرد به الإمام أحمد وإسناده قوي).
يروي الإمام البخاري(في باب معانقة الصبي، ص 364 والترمذي:13/195 في باب مناقب الحسن والحسين وابن ماجة في المقدمة، باب11، ح144 ومسند أحمد، ج4/172 و الحاكم في المستدرك ج3/177 وغيرها من المصادر أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال: «حسين مني وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط»، وليس من المبالغة إن قلنا: إنّ ما جرى على الحسين من أذى واعتداء كأنّه جرى على رسول الله(صلى الله عليه وآله)لقوله: «حسين منّي وأنا من حسين»، ولابدّ أن نتوقف مع بقية كلامه صلوات الله عليه عندما قال: «حسين سبط من الأسباط» وحتّى نتعرف على معنى هذا القول والمنزلة الّتي منحها الباري جـل
شـأنه للأسباط، نقرأ قوله تعالى: (قُـوُلُـوا آمَنّـا بِاللهِ وَمَـا أُنْـزِلَ

صفحه 105
إِلَيْنـا وَمَـا أُنْـزِلَ إِلَى إِبْراهيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْباطِ وَمَا أُوتِـيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَـرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).(1)
وهذا ما أكّده الحسين يوم عاشوراء وقد عزم القوم على قتله قال(عليه السلام): «أيها الناس اعلموا أنّه ليس بين مشرق الأرض ومغربها سبط غيري»، فكان يشير إلى حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله):«انّ الحسيـن سبـط مـن الأسبـاط»، لم يقتصـر الحـزن علـى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وعلى كلّ مسلـم يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتأسّى بما جرى على أهل بيته الكرام، وذريته الّتي أمر الله بمودتها وموالاتها بقوله: (قُـلْ لاَ أسْـأَلُكُـمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)بل تعدى ذلك الحزن فشمل الطبيعة، فأمطرت السماء دماً في ذلك اليوم وأصبح الناس وكل شيء لهم مليء دماً، وبقي أثره في الثياب مدة حتّى تقطعت، وإنّ هذه الحمرة الّتي ترى في السماء ظهرت بعد قتله(عليه السلام) ولم تر قبله.
وقال ابن سيرين كما في (تفسير روح البيان): والحمرة الّتي مع الشفق لم تكن حتّى قتل الحسين، وحكمته على ما قال ابن الجوزي: إنّ غضبنا يؤثر حمرة الوجه، والحق منزّه عن

1 . البقرة:136.

صفحه 106
الجسمية، فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الأُفق، إظهاراً لعظيم الجناية، ولم يُرفع حجَر في الدنيا يوم قتله إلاّ وجد تحته دم عبيط، وقد ورد هذا المعنى بألفاظ مختلفة في المصادر التالية: مقتل الحسين: 2/89; ذخائر العقبى:150، 145، 144; تاريخ دمشق كما في مناقبه:4/339; والصواعق المحرقة:116، 192; الخصائص الكبرى:126; تاريخ الإسلام:2/349; تذكرة الخواص:284، ومصادر أُخرى لم أذكرها اختصاراً للمقال.
يقول الشيخ عرفان بن سليم العشا حسونة الدمشقي في كتابه (الحسين حفيداً وشهيداً): إنّ مبغضي أهل البيت من أهل الشام كانوا يطبخون الحبوب ويغتسلون، ويتطيّبون، ويلبسون أفخر ثيابهم، ويتّخذون ذلك اليوم عيداً يظهرون فيه الفرح والسرور، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمّا يفعله الناس يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحناء فقال ما ملخّصه: (كما ورد في مجموع الفتاوى: 25/299) الحمد لله رب العالمين: لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي(صلى الله عليه وآله)، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً لا عن النبي (صلى الله عليه وآله)ولا الصحابة ولا التابعين، لا صحيحاً ولا ضعيفاً، لا في كتب الصحيح، ولا في السنن، ولا المسانيد، ولا يعرف

صفحه 107
شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، ورووا في حديث مكذوب عن النبي(صلى الله عليه وآله): أنّه مَن وسّع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة (انتهى كلام ابن تيمية).
يا جمـاعـة، أيّهـا المسلمـون، إذا كـان هذا كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله) في سبطه وريحانته الحسين، ومـا روته أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة رضي الله عنها وابن عبـاس، وما رواه البخاري وغيره من كبار أصحاب المسانيد، وكتب الحديث، وما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيميـة مـن حـرمة الفرح يوم عاشوراء، فماذا ترك من ينادي بالفرح فـي هذا اليوم المليء بالحزن والأسى لأعداء الإسلام؟ أمّا الصوم في هذا اليوم فإن كان هذا الصوم قربة إلى الله ولم يكن على سبيل الشماتة، فلا شك أنّ من قام به يثاب على عمله، فلكل امرئ ما نوى، والله أعلم بما تحمل السرائر.
في يوم عاشوراء سلام عليك يا أبا الشهداء، أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، وعلى الأرواح الّتي حلت بفنائك، وأناخت برحلك مني ومن أُمّة جدّك المصطفى(صلى الله عليه وآله) في يوم استشهادك العظيـم، سـلام المحتسبين الصابرين والمؤمنين بقضاء الله وقـدره، سلام عليكم أهل بيت النبوة ومختلف الملائكة ومهبـط الـوحي ورحمة الله وبركاته.
وحشرنا الله تحت رايتكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من

صفحه 108
أتى الله بقلب سليم.
   
***
إنّ هذين البيانين يبعثان الأمل في القلوب بوجود منصفين ومحبّين للأخوّة الإسلامية، فهكذا يجب أن يكون كلّ مسلم ينبض قلبه بحفظ وحدة الكلمة والتضامن بين الطوائف الإسلامية، والدعوة إلى الاجتناب عن النعرات الجاهلية البغيضة، والمفكِّكة لعرى وحدة الأُمّة وأواصر الأخوّة الإسلامية.

الهدف: تغطية مأساة عاشوراء

إنّي أظن ـ وظن الألمعي صواب ـ أنّ الغرض من دسّ الأخبار الّتي تدعو إلى صيام عاشوراء ، والدعوة إلى إحياء ما يسمّونه سنّة، أو الاحتفال بهذا اليوم، هو لغاية خاصّة وهي إزالة ذكرى عاشوراء من ذهن المجتمع الإسلامي، والتغطية على جرائم الأمويين، حتّى ينسى المسلم تلك الحوادث المريرة الّتي تزعزع القلوب وتقرح العيون.
إنّ القوم أعطوا قداسة للصحابة والتابعين جميعاً إلى نهاية القرن الهجري الثالث وسمّوهم بالسلف الصالح، فإذا بلغ آذان الناس أنّ من بين أهل هذه القرون الثلاثة من قتل طفلاً رضيعاً عطشاناً، ومنهم من قتل الحسين (عليه السلام)وتركوه عرياناً بلا دفن، إنّ

صفحه 109
من يسمع هذا، سوف يرجع عمّا اعتقده بأن هذه القرون هي خير القرون.
ولصديقنا الأُستاذ حسن توفيق السقّاف كلاماً رصيناً في ذلك المضمار يقول : وعلى هذا الأساس (يعني مبدأ: الغاية تبرر الواسطة) هلّ للحاكم السياسي الّذي حاول أن يدفن حادثة عاشوراء أن يتخذ كلّ وسيلة لذلك ولو كانت منافية للدين والأخلاق، ففي سبيل إطفاء شعلة عاشوراء ودفن قضية كربلاء لجأوا إلى اختلاق أخبار جعلوها أحاديث ونسبوها إلى جد الحسين (عليه السلام)، إلاّ أنّ عدم التنسيق في وسائل الإعلام لهؤلاء الحكّام جعلها متخالفة متضاربة.
أتوا بهذه الأخبار العظيمة والكثيرة العدد بغية دفن قضيّة كربلاء، ولكن فشلوا وبقيت قضيّة كربلاء على ما هي عليه، القضية العظيمة جدّاً: استحلال دم الحسين (عليه السلام).
وقد أصاب الشريف الرضي (رضي الله عنه)في وصف هذا الأمر، إذ قال:
كانت مآتم بالعراق تعدّها *** أمويّة بالشام من أعيادها
جعلت رسول الله من خصمائها *** فلبئس ما ادّخرت ليوم معادها

صفحه 110
نسل النبي على صعاب مطيّها *** ودم النبي على رؤوس صعادها(1)
وقد خابت أمانيهم، فالأّمة في كلّ عام يقيمون مجالس العزاء تخليداً لذكرى سيد الشهداء، وهذا الأمر مستمر منذ غابر الزمان إلى يومنا هذا، وكم له من شواهد على صفحات كتب التاريخ، وإليك واحداً منها، قال ابن كثير:
كان مجلس وعظ سبط ابن الجوزي مطرباً، وصوته فيما يورده حسناً طيّباً، وقد سئل في يوم عاشوراء زمن الملك الناصر صاحب حلب أن يذكر للناس من مقتل الحسين (عليه السلام)، فصعد المنبر وجلس طويلاً لايتكلّم، ثمّ وضع المنديل على وجهه وبكى شديداً، ثم أنشأ يقول وهو يبكي:
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه *** والصور في نشر الخلائق ينفخ
لابدّ أن ترد القيامة فاطم *** وقميصها بدم الحسين ملطّخ
ثم نزل عن المنبر وهو يبكي، وصعد إلى الصالحية وهو كذلك (رحمه الله) .(2)

1 . مجلة الهادي، العدد 2، السنة السابعة، ص 37 و 38، عام 1401 هـ .
2 . البداية والنهاية: 13 / 207 .

صفحه 111
النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقيم مأتماً لسبطه الحسين (عليه السلام)   
 

النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)
يقيم مأتماً لسبطه الحسين (عليه السلام)

على الذين يدّعون الاستنان بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن يكونوا صادقين فيما يدّعون، ويقرأوا ما ورد في كتبهم ومصادرهم التاريخية، ويشاركوا أبناء الأُمّة الإسلامية في حزنها على ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتركوا البدعة الّتي أسّسها الحجّاج الثقفي وأذنابه النواصب، بجعل يوم العاشر من محرّم الحرام في كلّ سنة يوم فرح وسرور.
قال الأميني(رحمه الله): تستجدُّ المآتم بتجدُّد الأجيال، وتبقى خالدة مع الأبد لا تبلى جدتها، ولا تنسى بمرِّ الدُّهور، وكرِّ الملوين، ما دام الإسلام يعلو، واسم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر، وسنّته تتّبع، وأعلام الدين ترفرف، وكتاب الله غير مهجور يتلى، وفي لسانه الناطق آية محكمة بودِّ عترة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) وذي قرباه.(1)
قال تعالى: (قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ الموَدَّةَ فِي الْقُربَى)(2).

1 . سيرتنا وسنتنا: 151 .
2 . الشورى: 23.

صفحه 112

أوّل مأتم أُقيم على سيد الشهداء (عليه السلام)

إنّ أوّل مأتـم أُقيم على الحسين (عليه السلام) كان في دار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما ولد (عليه السلام).
نقل الخوارزمي: باسناده عن الحافظ البيهقي، قال: عن أسماء في حديث قالت: لمّا ولد الحسين فجاءني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا أسماء هاتي ابني! فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذَّن في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثمَّ وضعه في حجره وبكى، قالت أسماء: فقلت فداك أبي وأُمّي ممّ بكاؤك؟ قال: على ابني هذا، قلت: إنّه ولد الساعة، قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية لا أنالهم الله شفاعتي، ثمّ قال: يا أسماء لا تخبري فاطمة بهذا، فإنّها قريبة عهد بولادته .(1)

1 . مقتل الحسين للخوارزمي: 1 / 87، 88 ; ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري: 119.

صفحه 113
حزن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عاشوراء   
 
حزن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عاشوراء
أخرج الترمذي، قال حدّثنا أبو سعيد الأشجّ، أخبرنا
أبو خالد الأحمر، أخبرنا رزين، قال: حدثتني سُلمى،
قالت: دخلت على أُمّ سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ تعني في المنام ـ(1) وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين
آنفاً (2).
وأخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق عند ترجمة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، باسناده عن علي بن زيد بن جدعان، قال: استيقظ ابن عباس من نومه، فاسترجع وقال: قتل الحسين والله، فقال له أصحابه: كلا يا ابن عباس، قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعه زجاجة من دم، فقال: ألا تعلم ما صنعت أُمّتي من

1 . والقارئ جد عليم بأنّ المنام وإن لم يكن حجّة شرعية، ولكن ما يراه الصالحون في المنام له حساب آخر .
2 . سنن الترمذي: 5 / 323 برقم 3860 ; وأخرجه الحاكم في المستدرك : 4 / 19; والكنجي في الكفاية: 286 ; والطبراني في المعجم الكبير: 23 / 374 ; والبخاري في التاريخ الكبير: 3 / 325 برقم 1098 ; وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: 14 / 238 ; وابن الأثير في أُسد الغابة: 2 / 22 ; والمزّي في تهذيب الكمال: 6 / 439 و ج 9 / 187 ; والذهبي في تاريخ الإسلام : 5 / 17 .

صفحه 114
بعدي؟ قتل ابني الحسين وهذا دمه ودم أصحابه، أرفعها إلى الله عزوجل .
قال: فكتب ذلك اليوم الّذي قال فيه ذلك وتلك الساعة. قال: فما لبثوا إلاّ أربعة وعشرين يوماً حتّى جاءهم الخبر بالمدينة أنّه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة.(1)
وقد أُقيم الكثير من المآتم للحسين (عليه السلام)، فمنها ما أُقيم أيّام رضاعه، أو رأس سنته وفي بيت السيدة أمّ سلمة وبيت السيدة عائشة، والسيدة زينب بنت جحش، ودار علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وفي مجمع من الصحابة، وفي دار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى غير ذلك من المآتم الّتي جمعها المحقّق الراحل العلاّمة الأميني في كتابه (سيرتنا وسنتنا، سيرة نبينا وسنته)، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.(2)
هذا هو فعل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الأُسوة والقدوة، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا)(3).

1 . تاريخ دمشق: 14 / 237 ; البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 218 .
2 . سيرتنا وسنتنا: 29 ـ 119 ; ولاحظ أيضاً: إقناع اللائم على إقامة المآتم للسيد محسن الأمين: 89 ـ 106 .
3 . الأحزاب: 21 .

صفحه 115
وقد روي أنّه ما رُئي ضاحكاً حتّى توفّي منذ رأى بني أُميّة ينزون على منبره كما تنزو القردة، ومع ذلك نرى أنّ من يدّعي اتّباع سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يثير ضجّة إعلامية ويدعو إلى الاحتفال بيوم عاشوراء، وإظهار الفرح والسرور!!

صفحه 116
   
 
ختامه مسك
ما إن يطلّ علينا شهر المحرّم من كلّ عام، وتحلّ ذكرى يوم عاشوراء الدامي، ويستشعر المسلمون ضرورة استلهام دروس ذلك اليوم الخالد، الّذي سطّر فيه سيد شباب أهل الجنة، والأخيار من أهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)، أروع ملاحم البطولة والتضحية والفداء، وأسمى معاني الخير والفضيلة والإنسانية، الّتي تجسّدت في كلّ مشهد من مشاهد ساحة الطف، وفاح عبيرها في كلّ أرض، وفي كلّ جيل، عبر الأزمان والعصور.
ما إن تحلّ علينا هذه الذكرى الحزينة، حتّى تتفجر أحقاد تلك الشرذمة المبتدعة، لتُغضب الله تعالى في عرشه، وتُغضب رسوله الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم)، الّذي كان يهتف بأصحابه الكرام: «حسين منّي وأنا من حسين; أحبَّ الله من أحبّ حسيناً; حسين سبط من الأسباط».
نعم تتفجّر بها أحقادها، وهي ترى المسلمين (شيعة وسنّة) يعيشون تلك الفاجعة الأليمة في حزن وأسى بالغين بما اقترف أصحاب تلك الأيدي الأثيمة، والقلوب الأموية القاسية من جرائم في ذلك اليوم، ويقيمون الشعائر الّتي تنهمر فيها

صفحه 117
العَبرات، وتُستلهم فيها العِبَر، للنهوض بواقع الأُمّة، وتحريرها من أسر الخضوع والخنوع للقوى الظالمة والمستبدة، وانتشالها من حضيض التبعية الفكرية والاقتصادية والسياسية للأجنبي.
ولكي تتوصل تلك الشرذمة إلى أغراضها في صرف أنظار الأُمّة عن تلك الدروس المستفادة من ذلك اليوم، أخذت، وبأُسلوب ماكر ولكنّه مفضوح، ترفع عقيرتها بالدعوة إلى صوم يوم عاشوراء لغاية إحياء السنّة المنسية وتخليص الأُمّة من الصراع الطائفي!!!، أو باعتباره يوم فرح وسرور، وحشّدت كلّ قواها ووسائلها الإعلامية الشيطانية في هذا السبيل، وكأنّ أُمتنا الإسلامية قد حقّقت كل ما تصبو إليه من أهداف وتطلّعات، وفرغت من كلّ همومها واهتماماتها، وما عليها، بعد ذلك، إلاّ أن تعبّر عن سرورها بنجاة موسى (عليه السلام)وقومه من فرعون في يوم عاشوراء!!
ألا يدفع مثل هذا السلوك الشاذ الّذي تسلكه تلك الفئة المبتدعة، إلى التساؤل عن سرّ ذلك الاهتمام الكبير بالصيام (المستحب!!) في ذلك اليوم، وهي تهمل تماماً أكبر (الواجبات)، وتتغاضى عمّا تواجهه أُمّتنا من تحديات، يأتي في مقدّمتها الاحتلال الأمريكي لجزء من بلادنا الإسلامية، والعدوان الصهيوني على إخواننا الفلسطينيين، وتهويد القدس،

صفحه 118
والاستيطان المستمر للأراضي المحتلة؟!
ألا يكشف هذا السلوك، ونحن نرى أُمّتنا تتخبّط في أزمات حادّة في مختلف المجالات، وتعاني من التخلّف وشيوع الفساد، وتلك الفئة الضالة تغمض عينيها عن كلّ ذلك، ألا يكشف هذا عن وجود أغراض خبيثة، تسعى إلى تحقيقهاعبر التضليل والتلبيس على الناس، والتشويش عليهم، وإغراقهم في بحر من المنازعات والخصومات؟!
إنّها دعوة مخلصة لكل أحرار الأُمّة الحريصين على حاضرها ومستقبلها بالنهوض بمسؤولياتهم لفضح تلك الأصوات المبحوحة بغية إسكاتها، والعمل على تعزيز التضامن والوفاق بين المسلمين جميعاً.
قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(1).
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
جعفر السبحاني

1 . يوسف: 108 .

صفحه 119
فهرس المحتويات
مقدّمة المؤلّف   51
فقرات أربع من الحوار   57
   1. توحيد الكلمة أُمنية كلّ مسلم واع   60
   2. حبُّ أهل البيت(عليهم السلام) فريضة إسلامية   62
   3. ما هو معنى شعار «يا لثارات الحسين»؟   67
   4. أي عاشوراء صام فيه النبي(صلى الله عليه وآله)، وفيه أُمور:   69
      1. الخلط بين السنّة والنفل   69
      2. ما هو المراد بعاشوراء في الحديث النبوي؟   71
      وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا   76
      ردة فعل الخضر على مقال العجيري   79
      تعليقنا على الفقرة الأُولى   81
      تعليقنا على الفقرة الثانية   83
      سؤال لمسؤولي المبرّة   87
      تأويل الحديث بالشهور الشمسية   89

صفحه 120
      الاحتفال بيوم عاشوراء من آثار الحجّاج الثقفي   89
   3. رمي الشيعة باتّفاقهم على استحباب صيام عاشوراء   91
   4. الصيام مرفقاً بالاحتفال، لماذا؟   93
   5. ترك السنّة لمصلحة، من الأُصول   94
      أ. تسطيح القبر   94
      ب. الجهر بالبسملة   95
      ج. ترك المستحبات إذا صارت شعاراً للشيعة   96
ما هي الغاية من هذه الضجّة الإعلامية؟   98
بيان السيد يوسف الرفاعي عميد الأُسرة الرفاعية في الكويت    100
بيان الحاج علي يوسف المتروك   103
   عاشوراء بين الحزن والفرح   103
   الهدف: تغطية مأساة عاشوراء   108
النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقيم مأتماً لسبطه الحسين (عليه السلام)   111
   أوّل مأتم أُقيم على سيد الشهداء (عليه السلام)   112
حزن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عاشوراء   113
ختامه مسك   116
فهرس المحتويات   119

صفحه 121