welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسالة فى مقاصد الحجّ وأسراره*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

رسالة فى مقاصد الحجّ وأسراره

صفحه 1
مقاصد الحجّ
وأسراره

صفحه 2

صفحه 3
رسالة
فى مقاصد الحجّ
وأسراره
وتليها رسالة في خطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
في حجة الوداع
تأليف
العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق . ـ
مقاصد الحجّ وأسراره / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1431 ق. = 1389 .
49 ص.    ISBN : 978 _ 964 _ 357 _ 457 _ 4
1. الحج ـ ـ الفلسفة. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. عنوان .
7 م 2 س / 9 / 188 BP    357 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:    مقاصد الحجّ وأسراره
المؤلف :    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة :    الأُولى
تاريخ الطبع:     1431 هـ
المطبعة :    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ:    1000 نسخة
عدد الصفحات:    49 صفحة
القطع :    رقعي
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
كل حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
   
    مقاصد الحجّ وأسراره
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيّه أفضل بريّته، وآله الطاهرين .
أمّا بعد; فهذه رسالة وجيزة حول أسرار الحجّ ومقاصده; وأُردفناها برسالة أُخرى، تتضمّن بيان خطب النبي في حجّة الوداع قمنا بذلك لما لمسنا من أنّ بعض من لا يروقه حبّ العترة الطاهرة أسقط بعض خطبه في هذه الحجّة، وقد أُقيم في المدينة المنوّرة مؤتمر لخطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع أُلقيت فيه محاضرات، وقرئت مقالات ولم ينبس أحد حول خطبة النبي في الغدير ببنت شفة، وقد بعثنا برسالتنا هذه إلى المؤتمر، وقام بعض الصلحاء باستنساخها وتوزيعها بين الحضّار، ولكن هيئة رئاسة المؤتمر حالت بينهم وبين إلقائها فيه، وإلى الله المشتكى .

صفحه 8

صفحه 9

مقاصد الحجّ وأسراره

وفيه أُمور:

1

الحج عمل عبادي في أفضل أشكاله

لا شكّ أنّ أوّل ما يهدف إليه الحجّ وأهمّ ما تقصده مناسكه هو المزيد من توجيه العبد إلى اللّه، ودفعه إلى الخضوع له، وتقوية صلته به سبحانه، وتعميق الإيمان في قلبه، وتكريس الاعتقاد بوحدانيته في ضميره.
ونقول بإيجاز: إنّ الهدف الأهمّ من الحجّ هو العبادة والتعبّد، ابتداءً من الإحرام للعمرة، ومروراً بالطواف بالكعبة المشرَّفة فالصلاة فالسعي فالتقصير ثمّ الإحرام ثانية للحج فالوقوف بعرفة فالإفاضة إلى المزدلفة والوقوف بها، فالذهاب إلى منى والمبيت بها ليالي، فالرمي فالنحر أو الذبح فالحَلق فالطواف بالكعبة المعظّمة أيضاً، وانتهاءً بالسعي بين الصفا والمروة، وما يتخلّل كلّ ذلك، أو يصاحبه من أدعية وأذكار،

صفحه 10
وامتناع عن محرّمات خاصّة، قربة إلى اللّه سبحانه وتعالى.
يأمر الله سبحانه إبراهيم الخليل بقوله: (وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)1 لماذا؟!
لأنّها العبادة في أفضل أشكالها.
وإنّها إظهار العبودية في أعلى مظاهرها.
وإنّها الخضوع لذي الجلال في أسمى صوره وأنماطه.
وإنّها التضرّع إلى اللّه في أعمق أنواعه.
فالحجّ عبادة جامعة تتوفّر فيها كلّ عناصر إظهار العبودية، وكلّ أشكال الخضوع والطاعة للربّ العظيم الكريم، من انقطاع عن الدنيا، وإعراض عن الشهوات وتضحية بالمال، وتذلّل وذِكر، وتهليل وتسبيح وتحميد وتكبير، وتوحيد للّه في الطاعة والانقياد والخضوع والالتماس، والاستعانة والعبادة، وخروج عن إطار الرغبات الماديّة، وتناس موقّت للمال والولد والأهل والوطن في سبيل اللّه، ومن أجل اللّه، وبأمر اللّه، وتقرّباً إلى اللّه، وامتثالاً لحُكم اللّه، وتنفيذاً لإرادة اللّه، وتلبيةً لنداء اللّه وحده لا شريك له.

1 . الحج: 27 .

صفحه 11
يقول ابن عاشور في تفسير الآية:
والمراد بالحج، القصد إلى بيت الله، وصار لفظ الحج علماً بالغلبة على الحضور بالمسجد الحرام لأداء المناسك ومن حكمة مشروعيته تلقى عقيدة توحيد الله بطريق المشاهدة للهيكل الّذي أقيم لذلك حتّى يرسخ معنى التوحيد في النفوس، لأن للنفوس ميلاً إلى المحسوسات ليتقوى الإدراك العقلي بمشاهدة المحسوس، فهذه أصل في سنة المؤثرات لأهل المقصد النافع1.
إنّها عبادة ولا شكّ، ولكن هل يتلخّص هدف الحجّ هذا المنسك العظيم في العبادة المحضة؟
وهل فرض الحجّ على عامّة المسلمين رجالاً ونساءً، شيباً وشبّاناً، ومن كلّ لون وجنس، ليؤدّوا أمراً في مجال العلاقة بربّهم خاصّة، دون أن يكون لهذا الواجب المقدّس أيّ مفهوم اجتماعي، وأيّ ارتباط بحياتهم وشؤونهم؟
وهل أصغر عمل عباديٌّ في الإسلام يخلو عن مفهوم اجتماعي، حتّى يخلو منه هذا المنسك العظيم، وهذه الفريضة الكبرى ذات الأجزاء والعناصر الكثيرة، وذات الطابع

1 . التحرير والتنوير، لابن عاشور: 17 / 175 ـ 176 .

صفحه 12
الاجتماعي ـ كصلاة الجمعة ـ ؟!
إنّ الآيات القرآنية، والسنّة الشريفة، وسيرة السَّلف، وأقوال العلماء، كلّها تُجمع على أنّ هدف الحجّ لا ينحصر ولا يتلخّص في كونه مجموعة من المراسم العبادية المحضة وتضرّع يُبديه العبد بحياته الاجتماعية، شأنه شأن غيره من الفرائض الإسلامية كالصلاة والصيام والزكاة والجهاد وغيرها الّتي لا تشتمل على الأُمور التعبّدية فقط، بل تنطوي على أهداف اجتماعية وآثار سياسية في حياة المسلمين، أفراداً وشعوباً.
وهو أمر يؤيّده العقل السليم ويؤكّده المنطق المستقيم.
إنّ الإسلام دين شامل أي أنّه نظام عباديّ وسياسيّ واقتصاديّ واجتماعيّ، وأنّه على العكس من اليهودية والنصرانية الحاضرة والمبادئ البشرية الوضعية، ليس إلاّ مجموعة متناسقة من المعتقدات والقوانين والأخلاق في شتّى حقول الحياة، بل و كلّ جزء من هذا الدين هو الآخر خليط مدروس، ومزيج محسوب من الأبعاد المختلفة، وتركيب متوازن من الفرد والجماعة، والعبادة والسياسة والاقتصاد والصحة، والدنيا والآخرة.

صفحه 13
بل العبادة في منطق هذا الدين يتسع نطاقها حتّى تشمل الحياة كلّها وتعمّ جميع الأعمال البشرية إذا كانت لأجل اللّه، فلا تقتصر على الشعائر التعبّدية المعروفة من صلاة وزكاة وحجّ، إنّها تشمل كلّ عمل ترتقي به الحياةويسعد به الناس.
ولهذا قال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذر:
«ليكن لك في كلّ شيء نيّة صالحة حتّى في النوم».1
وقال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)في مقاصد الحج ما هذا لفظه: الحج الوفادة إلى الله تعالى وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترف وليكون تائباً ممّا مضى، مستأنفاً لما يستقبل وما فيه من استخراج الأموال، وتعب الأبدان، وحظرها عن الشهوات واللّذات، والتقرّب بالعبادة إلى الله عزوجل والخضوع والاستكانة والذل شاخصاً إليه في الحر والبرد والأمن والخوف دائباً في ذلك دائماً .
وما في ذلك لجميع الخلق من المنافع والرغبة والرهبة إلى الله عزوجل، ومنه ترك قساوة القلب وجسارة الأنفس، ونسيان الذكر وانقطاع الرجاء والعمل وتجديد الحقوق، وحظر

1 . مدينة البلاغة في خطب النبيّ وكتبه ومواعظه:1/469.

صفحه 14
النفس عن الفساد ومنفعة من في شرق الأرض وغربها ومن في البر والبحر ممّن يحج وممّن لا يحج من تاجر وجالب وبايع ومشتر وكاسب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف، والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم.1
فالحجّ كما نكتشف ذلك من الكتاب والسنّة وسيرة السلف وأقوال العلماء المحقّقين لا يتلخّص في كونه موسماً عبادياً ـ بالمفهوم المألوف عند كثيرين ـ بل هو إلى جانب ذلك مؤتمر سياسيّ عالميّ وملتقى اجتماعيّ عامّ يوفّر للمسلمين القادمين من شتّى أنحاء المعمورة فرصة التعارف والتآلف واللقاء والانتفاع بعضهم ببعض، ومداولة أُمورهم، وحلّ مشاكلهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في جوّ من الأمن والقداسة والصفاء والمحبّة.
وهذا هو ما نبتغي استعراضه والتدليل عليه في هذه الصفحات القلائل مع الاعتراف بأنّ هذه المسألة ودراسة أبعاد الحجّ العبادية والسياسية والاجتماعية أوسع بكثير من أن تستوعبها هذه الدراسة الموجزة، ولهذا نأمل أن يكون ما جاء

1 . عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للشيخ الصدوق: 2 / 90 .

صفحه 15
في هذه الرسالة مجرّد دليل لا أكثر، وعلى المسلمين عامّة، والحجّاج خاصّة أن يحاولوا ـ بأنفسهم ـ التعرّف على المزيد من الحقائق في هذا المجال وذلك بالتدبّر في هذه الفريضة ومناسكها، والتأمّل في الآيات والأحاديث الشريفة في هذا الصعيد.

صفحه 16
 
2

أبعادُ الحجّ الاجتماعية والسياسية في القرآن

لقد وصف القرآن الكريم «الحجّ» في عدّة مواضع بأنّ فيه ما ينفع الناس ويضمن مصالحهم، إذ قال تبارك وتعالى:
(وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلَى كُلِّ ضامِر يَأْتينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَميق* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِي أَيّام مَعْلُومات عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا البائسَ الفَقيرَ*ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتيقِ* ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعامُ إِلاّ ما يُتلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوثانِ وَاجْتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ* حُنَفاءَ للّهِ غَيْرَ مُشْرِكينَ بِِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَكأنّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أَو تَهْوي بِه الرِّيحُ في مَكان سَحيق* ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوى الْقُلُوبِ* لَكُمْ فيها

صفحه 17
مَنافِعُ إِلى أَجَل مُسمّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى البَيْتِ الْعَتيقِ).1

1. مشاهدة المنافع في الحجّ

والملاحَظ في الآية الثانية من الآيات أُمورٌ ثلاثة:
أوّلاً: جعل المنافع إلى جنب ذكر اللّه وفي مقابله وهو يوحي بأنّ الحجّ ذو بُعدين:
أحدهما عباديّ ويتجسّد في ذكر اللّه، والآخر غير عباديّ بالمعنى المصطلح المألوف ويتمثّل في المنافع.
ثانياً: تقديم «المنافع» على «ذكر اللّه» الّذي يمثّل الجانب العبادي.
ثالثاً: جعل المنافع مطلقة غير مقيّدة، فلم يقل سبحانه: منافع اقتصادية، ممّا يوحي بأنّ هذه المنافع تشمل المنافع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وغيرها.
قال الإمام الراحل الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق في تفسير الآية:
«فالمنافع الّتي جُعل الحجّ سبيلاً لشهودها والحصول

1 . الحج:27ـ33.

صفحه 18
عليها ـ وهي أوّل ما ذُكر في حكمة الحجّ ـ عامّة مطلقة لم تُقيَّد بنوع دون نوع، ولا ناحية دون ناحية، وهي بعمومها وإطلاقها تشمل كلّ ما ينفع الفرد والجماعة، وتصلح شأنهما، فطهارة النفس والتقرّب إلى اللّه منفعة، والتشاور في رسم خطط العلم والثقافة، وفي جمع الكلمة على تركيز الدعوة، والعمل على إظهار الإسلام وأحكامه الرشيدة منفعة، وإعداد العُدَد لنسج خيوط الشخصية الإسلامية من التحلّل والذوبان منفعة، وهكذا تتعدّد المنافع، وتتنوّع على حسب مقتضيات الأحوال الّتي توحي بها الأزمنة ومواقف الناس من الناس».1
وقال أيضاً: «والحجّ باعتبار مكانته في الإسلام، وغايته المقصودة منه للفرد والجماعة جدير بأنّه يتّجه إليه رجال العلم والرأي، ورجال التربية والثقافة، ورجال النظام والإدارة، ورجال المال والاقتصاد، ورجال الشرع والدين، ورجال الحرب والجهاد.
جدير أن تفد إليه الطبقات ذات الرأي والحزم، ذات النظر والاجتهاد، ذات الإيمان الصادق والأهداف السياسية التي يجب أن يقصدها المسلمون في حياتهم، جدير أن يتجه إليه هؤلاء

1 . الشريعة والعقيدة:151.

صفحه 19
جميعاً فتراهم وقد نشرت مكّة أجنحتها عليهم، وجمعتهم بكلمة اللّه حول بيت اللّه يتعارفون و يتشاورون ويتعاونون ثمّ يعودون إلى بلادهم أُمّة واحدة متّحدة القلب، متّحدة الشعور والإحساس».1
فإذا اجتمعت أقوام وأُمم من مختلف مناطق الأرض وأصقاعها على ما لهم من اختلاف الأنساب والألوان والسنن والآداب ثم تعارفوا بينهم وكلمتهم واحدة هي كلمة الحق وإلههم واحد وهو الله عز اسمه ووجهتهم واحدة هي الكعبة البيت الحرام حملهم اتحاد الأرواح على تقارب الأشباح ووحدة القول على تشابه الفعل فأخذ هذا من ذاك ما يرتضيه وأعطاه ما يرضيه، واستعان قوم بآخرين في حل مشكلتهم وأعانوهم بما في مقدرتهم فيبدل كل مجتمع جزئي مجتمعاً أرقى، ثم امتزجت المجتمعات فكوّنت مجتمعاً وسيعاً له من القوة والعدة ما لا تقوم له الجبال الرواسي، ولا تقوى عليه أي قوة جبارة طاحنة، ولا وسيلة إلى حل مشكلات الحياة كالتعاضد، ولا سبيل إلى التعاضد كالتفاهم، ولا تفاهم كتفاهم الدين.

1 . المصدر السابق:150.

صفحه 20
ومنافع أُخروية وهي وجوه التقرب إلى الله تعالى بما يمثل عبودية الإنسان من قول وفعل وعمل.
الحج بما له من المناسك يتضمن أنواع العبادات من التوجه إلى الله وترك لذائذ الحياة وشاغل العيش والسعي إليه بتحمّل المشاق والطواف حول بيته والصلاة والتضحية والإنفاق والصيام وغير ذلك.1

2. الحج وصلته بالجهاد

هذا والجدير بالذكر أنّ آيات الحجّ هذه تستمر حتّى تنتهي وتتصل بقوله تعالى:
(إِنَّ اللّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّان كَفُور* أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَديرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللّهِ النّاس بَعْضُهُمْ بِبَعض لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّهَ لَقَويٌّ عَزيزٌ).2

1 . الميزان في تفسير القرآن للسيد محمد حسين الطباطبائي: 17 / 369 ـ 370 .
2 . الحج:38ـ 40.

صفحه 21
وليس من قبيل الصدفة ـ حاشا القرآن عن ذلك ـ أن تنتظم الآيات بهذا الشكل دون أن يكون بينها ارتباط.
إنّ وحدة السياق وتوارد هذه الآيات بهذا النحو يشعر بوجود صلة قويّة بين الحجّ والعمل السياسي ولا نريد القول بأن يتحوّل الحجّ إلى ساحة قتال، ولكن أقلّ ما يوحي به السياق هو أن يكون الحجّ مرحلة للإعداد للمواجهة.
إنّ أقلّ ما يمكن استفادته من هذا النظم والسياق الذي جمع بين آيات الحجّ والجهاد، ومقاومة الظلم والنصر الإلهي للمظلومين هو أنّ الحجّ خير مكان لتعبئة المسلمين روحياً ونفسياً لمواجهة الظلم والظالمين، ومقارعة الاستكبار والمستكبرين والاستعمار والمستعمرين.
إنّه خير فرصة لأن يلوّح المسلمون المجتمعون هناك من كلّ قطر بما لديهم من قوّة وشوكة، ويعلنوا عن موقفهم السياسيّ الموحّد، ويلقّنوا الأعداء درساً لا ينسوه وإن كان هذا لا ينحصر في الحجّ، فمقارعة الظلم والظالمين والإعلان عن الاستياء ضدّ أعداء اللّه لا يخضع لحدود الزمان والمكان.
هذا وقد فسّر المفسّرون المنافع بما يعمّ أُمور الدنيا

صفحه 22
والدين، فعن ابن جرير الطبري بعد نقله أقوالاً في تفسير المنافع:
«وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عني بذلك (ليشهدوا منافع لهم) من العمل الّذي يرضي اللّه والتجارة، وذلك أنّ اللّه عمّ منافع لهم جميع ما يشهد له الموسم، ويأتي له مكّة أيّام الموسم من منافع الدنيا والآخرةولم يخصّص شيئاً من منافعهم بخبر ولا عقل فذلك على العموم في المنافع».1

3. الكعبة و(قياماً للناس)

ثمّ إنّ القرآن الكريم يصف الكعبة المشرّفة بأنّها جُعلت قياماً للناس إذ يقول:
(جعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ...) .(2)
وقد وردت كلمة «قيام» في شأن المال أيضاً إذ يقول سبحانه:
(وَلاتُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً...).2

1 . تفسير الطبري:17/108.   2 . المائدة:97.
2 . النساء:5.

صفحه 23
وهذا يوحي بوجه التشابه بين الحجّ والمال، فكما أنّ الاقتصاد والمال يقيم حياة الناس، ويضمن مصالح الأُمّة الإسلامية فكذلك الحجّ، وهذا يعني أنّ إطار الحجّ لا يقتصر على العبادة والتعبّد والضراعة، بل يتّسع حتّى يشمل كلّ ماله ارتباط بمصالح المسلمين ممّا يقيم حياتهم وكيانهم، وأيّ شيء يقيم حياتهم أفضل من العمل السياسي الّذي يعني مقاومة الاستعمار والاستعباد والاستغلال، وتحقيق الاستقلال في جميع المجالات، وتنبيه المسلمين باستمرار على ما يدور حولهم من مؤامرات وكيد ومكر، ودفعهم إلى اتّخاذ موقف واحد موحّد يجابه العدو ويصدّ المهاجم.
ثمّ إذا كان المال لا يجوز إعطاؤه للسفهاء الذين لا يعرفون كيف يتصرّفون فيه لعدم رشدهم أو لنقصان عقولهم، فلا يجوز بطريق أولى أن يُترك الحجّ لمن لا يعرفون قيمته ووزنه وأهميّته في حياة الأُمّة الإسلامية.
وإليك ما قاله بعض المفسّرين في هذه الآية: قال ابن جرير الطبري:
«يقول تعالى ذكره: صيّر اللّه الكعبة البيت الحرام قواماً للناس الذين لا قوام لهم من رئيس يحجز قويّهم عن ضعيفهم،

صفحه 24
ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم،وجعلها معالم لدينهم ومصالح أُمورهم».1
وفي تفسير المنار:
«انّه جعلها قياماً للناس في أمر دينهم المهذِّب لأخلاقهم المزكّي لأنفسهم بما فرض عليهم من الحجّ الذي هو من أعظم أركان الدين لأنّه عبادة روحية مالية اجتماعية».
وقال أيضاً:
«إنّ جعل اللّه تعالى هذه الأشياء ـ أي مناسك الحجّ ـ هو جعل تكوينيّ تشريعي معاً وهو عامّ شامل لما تقوم به وتتحقّق مصالح دينهم ودنياهم».2

4. البراءة عن المشركين

ولو تغاضيناعن كلّ ذلك هل يمكن أن نتغاضى عن أنّ سورة «البراءة» التي تعلن عن أوضح موقف سياسي تجاه المشركين نزلت لتتلى في أيّام الحجّ، وهو عمل سياسي بدون شك.

1 . تفسير الطبري:7/49.
2 . تفسير المنار:7/119.

صفحه 25
ولنستمع إلى الذكر الحكيم وهو يقول:
(بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكينَ* فَسيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعجزِي اللّه وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكافِرينَ* وَأَذانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَريءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجزي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذينَ كَفَرُوا بِعَذاب أَليم).1
وقد أمر النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)بأن يبلّغ هذا الإنذار والنداء إلى المشركين في أيّام الحجّ ففعل الإمام عليّ (عليه السلام)ذلك بشهادة كلّ المفسّرين والمؤرّخين والمحدِّثين.
نقل الطبري ضمن حديث مسند:
«إذا كان يوم النحر قام عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)فأذّن في الناس بالذي أمره رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:
يا أيّها الناس أُمرت بأربع:
1. أن لا يقرب البيت بعد العام مشرك.
2. ولا يطوف بالبيت عريان.

1 . التوبة:1ـ3 وبعدها.

صفحه 26
3. ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة.
4. وأن يتمّ إلى كلّ ذي عهد عهده. وفي رواية أُخرى: ومن كان له عهد عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو إلى مدّته».1
وإن شئت قلت: إنّ قوله سبحانه : (بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى الّذينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكين)، وقوله عزّمن قائل: (وَأَذانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى النّاس يَومَ الحجِّ الأَكبْرِ أَنَّ اللّهَ بريءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ) إنّ البراءة في هاتين الآيتين لا تختصّ بمشركي قريش أو مشركي الجزيرة العربية، وإنّما البراءة فيهما هتاف إلهي يعمّ البراءة من مشركي العالم كلّه، الموجودين في عصر الرسالة ومن بعدهم إلى يوم القيامة.
فالذكر الحكيم يؤدّب الأُمّة الإسلامية وينصّ على وظيفتهم الدينية ويلزمهم بإنشاء البراءة في كلّ زمان من المشركين عامّة، وعلى ذلك فلو قام ضيوف الرحمن كلّهم بالبراءة من الملحدين والمشركين ـ المتسلّطين على رقابهم ـ لأدّوا واجبهم بشكل جماعي.

1 . تفسير الطبري:10/47. والحديث مكرّر بأسناد مختلفة ومتعدّدة، وتجد مثلها في مسند أحمد وتفسير ابن كثير والدرّالمنثور في تفسير الآيات وفي سنن الترمذي والبيهقي وغيرها.

صفحه 27
وربما يتخيّل : أنّ البراءة والاستنكار الواردين في هذه الآيات مختصّان بعصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا يتجاوز غيره، إنّه قول بلا دليل، وهو يُشبه بقول الذين يريدون أن يخصّصوا رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وهداية الذكر الحكيم بعصر خاصّ دون غيره.
إنّ المسلم الحرّ لا يشكّ بأنّ الشيوعيين والملتفّين حولهم أسوأ من المشركين الذين أوجب الوحي الإلهي البراءة منهم. كما لا اعتقد أن يشكّ المنصف في أنّ الشيطان الأكبر ـ أمريكا ـ أسوأ من المشركين وأضرّ منهم.

صفحه 28
 
3

أبعاد الحجّ الاجتماعية والسياسية في السنّة

إنّ السنّة والسيرة النبوية الشريفة هي الأُخرى تشير إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مارس الأعمال السياسية في الحجّ، هذا مضافاً إلى أنّ هناك أحاديث تفيد بأنّ الحجّ نوع من الجهاد لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):
«نِعْمَ الجهاد الحجّ».1
وقوله ـ عليه و على آله السلام ـ :
«الحجّ جهاد».2
وقوله ـ صلوات اللّه عليه وآله ـ :
«الحجّ جهاد كلّ ضعيف».3
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في جواب نسوة استأذنه في الجهاد:
«جهادكنّ الحجّ».4

1 . صحيح البخاري:3/221، كتاب الجهاد.
2 . سنن ابن ماجة:2/968و 995، مسند أحمد:6/294و 303.
3 . مسند أحمد بن حنبل:6/294و 303و 314.
4 . مسند أحمد:6/71.

صفحه 29
وفي بعض الأحاديث قرَنَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الحجّ بالجهاد دون بقية الفرائض، إذ قال: «الغازي في سبيل اللّه والحاج والمعتمر وَفْدُ اللّه دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم».1
وهو يوحي بوجود الصلة وأوجه التشابه في الآثار والأهداف بين هاتين الفريضتين.
وإن شئت قلت: إنّ ذلك يوحي بأنّ الحجّ ليس مجرّد عبادة ـ بالمعنى المتعارف ـ بل عمل مشابه للجهاد في الآثار والأهداف، أي أنّه عبادة وعمل سياسي، فهو موسم للعمل السياسي كما هو موسم للعبادة والضراعة والتوجّه إلى اللّه بالتعبّد.
ثمّ إنّ السيرة تحدّثنا بأنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب في موضعين: عرفة2 و منى و أعلن في خطبتيه عن مواقف

1 . سنن ابن ماجة، المناسك:2/966 برقم 2892.
2 . في سنن الترمذي: عن جابر في باب حجّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لمّا كان يوم التروية وتوجّهوا إلى منى أهلّوا بالحجّ، فركب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فصلّى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثمّ مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبّة من شعر فضربت له بـ«نَمِرَة» فسار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى أتى عرفة فوجد، القبّة قد ضربت له فنزل بها حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتّى أتى بطن الوادي فخطب الناس فقال... (سنن الدارمي:2/47)

صفحه 30
وأحكام اقتصادية وسياسية واجتماعية إسلامية هامّة نذكر هنا مقاطع منها:
1. إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.
2. ألا وإنّ كلّ شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمَيَّ هاتين.
3. ودماء الجاهلية موضوع، وأوّل دم أضعه دم ربيعة بن الحارث ـ وكان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل ـ .
4. وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضعه ربا العبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه.
5. إنّ كلّ مسلم أخو المسلم، وإنّ المسلمين إخوة، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلاّ أعطاه عن طيب نفسه منه.
6. ثلاث لا يَغِلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل للّه، والنصيحة لأئمّة الحقّ، واللزوم لجماعة المؤمنين.
7. الناس في الإسلام سواء . لا فضل لعربيّ على عجميّ إلاّ بتقوى اللّه.
8. إنّ المسلم أخو المسلم لا يغشّه ولا يخونه ولا يغتابه،

صفحه 31
ولا يحلّ له دمه ولا شيء منه إلاّ بطيبة نفسه.
9. لا ترجعوا بعدي كفّاراً مضلّين، يضرب بعضكم رقاب بعض.
10. إنّكم مسؤولون فليبلغ الشاهدُ منكم الغائب.
ثمّ استشهدهم على ما بلّغ فشهدوا له بذلك.1
ولعلّ ما جاء وصحّ عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من الأدعية والأذكار في الحجّ ـ تلك الّتي تتضمّن معان سياسية إلى جانب معانيها التوحيدية ـ خير شاهد على أنّ الحجّ موسم مناسب لأن يظهر فيه المسلمون موقفهم من أعداء اللّه والإسلام خاصّة وإذا عرفنا أنّه يستحبّ ترديد هذه الأدعية ضمن مناسك الحجّ مثل الدعاء التالي:
«لاإله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد، يحيي ويُميت وهو على كلّ شيء قدير». «لاإله إلاّ اللّه وحده وحده، أنجز وعده، ونَصَر عبده، وهَزَم الأحزابَ وحده».2
هذا مضافاً إلى ما في مناسك الحجّ من رمزية، فكلّ

1 . وقد وردت هاتان الخطبتان اللّتان دمجناهما هنا في صحيح مسلم في حديث حجّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وفي سنن أبي داود، وسيرة ابن هشام وغيرها.
2 . سنن أبي داود:2/213، المناسك; سنن الترمذي:2/213 الحج.

صفحه 32
منسك من هذه المناسك يرمز إلى شيء اجتماعي وسياسي وأخلاقي، مضافاً إلى كونها عبادةً وانقيـاداً وإن لم يمكن الوقوف الكامل على كلّ ما تنطوي عليه هذه المناسك من معان.
وقد أشار كثير من علماء الإسلام والمفكّرين الإسلاميّين إلى ما ترمز إليه هذه المناسك من أُمور معنوية واقتصادية واجتماعية وسياسية نحيل القارئ الكريم إليها رعاية للاختصار.
هذا مضافاً إلى أنّ هناك ما يدلّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مزج الأعمال العبادية بالأهداف والممارسات السياسية في الحجّ.
ففي البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال:
«لمّا قَدِمَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لعامه الذي استأمن فيه قال: ارملوا ـ ليُري المشركين قوّتهم ـ».1
قال ابن الأثير في النهاية:
أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)برَمَل الطواف أصحابه في عمرة القضاء ليُري المشركين قوّتهم حيث قالوا: وهنتهم حمّى يثرب وهو مسنون في بعض الأطواف دون بعض.

1 . صحيح البخاري:5/181، باب عمرة القضاء.

صفحه 33
ولمّا استقرّ أمر الإسلام واستتب قال عمر: فيم الرَّمَـلان ـ أي الطـواف بتلك الكيفية ـ أو الكشف عن المناكب وقد أطّأ اللّه الإسلام ونفى الكفر وأهلـه...».
وهذا يشير إلى أنّه يجوز أن يضمّ الحاج إلى مناسكه مقاصد سياسية وأغراض جهادية مثل إرهاب الأعداء واستنكار أعمالهم، وشجب مؤامراتهم وفضح خططهم.
ثمّ ألا يدلّ اختيار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لسورتي التوحيد (قل هو اللّه أحد)والكافرون (قل يا أيّها الكافرون) في صلاة الطواف1 واستحباب قراءتهما للمسلم الحاج، والحال أنّ هناك سوراً أُخرى أو آيات أُخرى قد تحتوي على معان وأبعاد أخلاقية وتربوية أكثر، ويشهد على أنّ الحجّ هذا المشهد الإسلامي العالمي، وهذا المجمع العام خير وقت لإعلان الموقف السياسي الصارخ ضدّ قوى الكفر والاستكبار، كما ويوحي بذلك أنّ عمر بن الخطّاب كان يقول إذا كبّر واستلم الحجر:
«بسم اللّه واللّه أكبر على ما هدانا، لاإله إلاّ اللّه، لا شريك

1 . راجع صحيح مسلم:4/40كتاب الحجّ باب حجّة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

صفحه 34
له، آمنت باللّه وكفرت بالطاغوت».1
ثمّ إنّ الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)قال في بيان فلسفة الحجّ ضمن ما قال:
«إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الخلق لا لعلّة إلاّ أنّه شاء ففعل فخلقهم إلى وقت مؤجّل، أمرهم ونهاهم ما يكون من أمر الطاعة في الدين ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من المشرق إلى المغرب ليتعارفوا... ولتعرف آثار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعرف أخباره ولا تُنسى، ولو كان كلّ قوم إنّما يتّكلون على بلادهم وما فيها هلكوا وخربت البلاد وسقط الجلب والأرباح، وعميت الأخبار ولم يقفوا على ذلك، فذلك علّة الحجّ».2
وعنه (عليه السلام)أنّه قال أيضاً:
«ما من بقعة أحبّ إلى اللّه من المسعى، لأنّه يذلّ فيه كلّ جبّار».3
أبعاد الحجّ الاجتماعية والسياسية في سيرة السلف   

1 . تاريخ مكّة:1/339 طبعة مكّة المكرّمة عام 1385 هـ .
2 . بحارالأنوار:99/33 عن علل الشرائع للصدوق.
3 . بحار الأنوار:99/49.

صفحه 35
 
4

أبعاد الحجّ الاجتماعية والسياسية في سيرة السلف

إنّ التاريخ يحدّثنا أنّ السلف الصالح لم يقتصر في الحجّ على المناسك والعبادة بل استغلّوا هذه المناسبة للعمل السياسي كجزء طبيعي من هذه الفريضة لا كشيء زائد عليها أو أجنبي عنها.
فها هو الإمام الحسين بن علي سبط الرسول وحفيده ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ يحتجّ على حاكم جائر من حكّام زمانه في منى أيام الحجّ.
فقد جمع (عليه السلام)بني هاشم ورجالهم ونساءهم ومواليهم من حجّ منهم ومن لم يحجّ ومن الأنصار من يعرفونه وأهل بيته، ثمّ لم يدع أحداً من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ومن أبنائهم والتابعين ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ جمعهم، فاجتمع عليه بمنى أكثر من ألف رجل، والحسين (عليه السلام)في سرادقه عامّتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين(عليه السلام)فيهم خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:

صفحه 36
«أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد صنع بنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإني أُريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني، اسمعوا مقالتي واكتموا قولي ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم من أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب، واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون».1
فما ترك الحسين شيئاً أنزل اللّه فيهم من القرآن إلاّ قاله... وقال:
«أُنشدكم باللّه إلاّ رجعتم وحدّثتم به من تثقون به».
ثمّ نزل وتفرّق الناس على ذلك.
وها هو عثمان بن عفّان يكتب إلى جميع الأمصار الإسلامية أيّام خلافته كتاباً قال فيه:
«إنّي آخذ عُمّالي ـ أي ولاتي ـ بموافاتي في كلّ موسم ـ أي موسم الحجّ ـ وقد سلّطت الأُمّة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يُرفَع عليّ شيء ولا على أحد من عُمّالي إلاّ أعطيته، وليس لي ولا لعُمّالي حقٌّ قِبَل الرعية إلاّ متروك لهم،

1 . الاحتجاج للطبرسي:2/88; كتاب سليم بن قيس:183.

صفحه 37
وقد رفع إليّ أهل المدينة أنّ أقواماً يشتمون و يضربون فمن ادّعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم ـ أي فليأت إلى الحجّ ـ يأخذ حقّه حيث كان منّي أو من عُمّالي، أو تصدّقوا إنّ اللّه يجزي المتصدّقين».1
بل ووجد غير المسلمين فرصتهم في الحجّ ليعرضوا على الخليفة شكاواهم، فيقوم الخليفة بإنصافهم في زمن الحجّ لا بعدئذ، فكلّنا يعلم قصّة ابن القبطي الّذي سابق ابن والي مصر وفاتحها عمرو بن العاص فسبق القبطي فضربه ابن عمرو، فأنهى أبوه مظلمته إلى عمر، فاقتصّ منه في موسم الحجّ على مرأى ومسمع من أُلوف الحجيج، ثمّ قال للوالي عمرو بن العاص كلمته أمام شهود المؤتمر الكبير:
«يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أُمّهاتم أحراراً».2
وقد جاء في كتب الفريقين: أنّ هشام بن عبد الملك حجّ في خلافة أبيه وطاف بالبيت فأراد استلام الحجر فلم يقدر عليه

1 . راجع العبادة في الإسلام: للدكتور يوسف القرضاوي.
2 . راجع المصدر السابق، وكذلك كتاب «ماذا خسر العالم الإسلامي» لأبي الحسن الندوي نقلاً عن تاريخ ابن الجوزي.

صفحه 38
من الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه إذ أقبل عليّ بن الحسين (عليهما السلام)وعليه أزار ورداء، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة وبين عينيه سجادة كأنّها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت فإذا بلغ الحجر تنحّى عنه الناس حتّى يستلمه هيبةً له وإجلالاً، فغاظ ذلك هشاماً فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الّذي قد هابه الناس هذه الهيبة وأفرجوا له عن الحجر؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلاّ يرغب فيه أهل الشام فقال الفرزدق ـ و كان حاضراً ـ : لكنّي أعرفه، فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟ فأنشأ قصيدة نذكر بعض أبياتها هنا:
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم *** هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلمُ
هذا الّذي أحمد المختار والده *** صلّى عليه إلهي ماجرى القلمُ
إلى أن قال:
فجدّه في قريش في أرومتها *** مُحمدٌ وعليٌّ بعده عَلَمُ

صفحه 39
بدرٌ له شاهدٌ والشِّعب من أُحد *** والخندقان ويوم الفتح قد عُلِمُوا
وخيبر وحنين يشهدان له *** وفي قريظة يومٌ صيلمٌ قتمُ1
وهكذا نجد هذا الشاعر الإسلامي الكبير يجابه ذلك الخليفة الجائر بهذه القصيدة الحماسية ويعرّف بالإمام الحقّ من آل الرسول في مواجهة سياسية حامية، الأمر الذي يدلّ على شرعية هذا العمل في موسم الحجّ وجوازه لعدم إنكار أحد من المسلمين عليه، لا آنذاك ولا بعدئذ.
وبعبارة أُخرى: إنّه يستغلّ تلك المناظرة السياسية القوية ليُعرّف الإمام أمام جموع الحجيج الوافدة إلى بيت اللّه الحرام، باعتباره وارثاً محقّاً لآل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذه الحادثة تعطيناالدليل الناصع على أنّ العمل السياسي في موسم الحجّ يعتبر قانونياً وشرعياً، وذلك لأنّه لم يتمّ منع أو تحريم أداء مثل هذه الممارسات سواء في تلك الأيام أو الأعوام التي أعقبت ذلك.

1 . الأغاني:21/376 طبعة بيروت، و مناقب ابن شهر اشوب:4/169. وقد نقلت هذه القضية في كثير من الكتب التاريخية والأدبية ; لاحظ : البيان والتبيين، والعقد الفريد، ومطالب السؤول، وتذكرة الخواص، ونور الأبصار.

صفحه 40
ويجدر هنا أن نشير إلى ما كتبه الكاتب الإسلامي المعاصر فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيّم «العبادة في الإسلام» في هذا الصدد:
«عرف الخلفاء قيمة هذا الموسم العالمي، فجعلوا منه ساحة لقاء بينهم وبين أبناء الشعب القادمين من كلّ فجّ عميق، وبينهم وبين ولاتهم في الأقاليم، فمن كانت له من الناس مَظْلمة أو شكاية فليتقدّم بها إلى الخليفة ذاته بلا وساطة ولا حجاب، وهناك يواجه الشعبُ الوالي أمام الخليفة بلا تهيّب ولا تحفّظ، فيغاث الملهوف وينصف المظلوم و يردّ الحقّ إلى أهله، ولو كان هذا الحقّ عند الوالي أو الخليفة».1
أبعاد الحجّ السياسية والاجتماعية في أقوال العلماء   
فإذا كان الحجّ موسماً لبيان الظلامات والشكاوى من الحكّام والولاة المسلمين، أفلا يكون من الأولى أن يجوز فيه الشكوى من الاستعمار وأذنابه وعملائه، واستنصار المسلمين عليهم؟ وهل يجوز أن نشكو الوالي إذا تعدّى حدوده، ولا يجوز أن نشكو المستعمر الظالم والأجنبيّ الغازيّ وهو يرتكب كلّ تلك الجرائم والمجازر؟

1 . العبادة في الإسلام:293.

صفحه 41
 
5

أبعاد الحجّ السياسية والاجتماعية

في أقوال العلماء
لقد كتب العلماء والمفكّرون الإسلاميون الكثيرَ عن أهمية الحجّ سياسياً واجتماعياً واعتبروه خير موسم وأفضل فرصة للمسلمين للتعبير عن قوّتهم وشوكتهم، ويقظتهم ووحدتهم بالقول والعمل بالشعار والشعور.
فها هو العلاّمة محمّد فريد وجدي يكتب في دائرة معارفه، مادّة «حج» قائلاً:
«أمّا حكمة فرض الحجّ على المسلمين، فممّا لا يتسع لبيانه مثل هذا المؤلّف وممّا يتبادر إلى الذهن من أمر الحجّ أنّ أصحاب السلطة في المسلمين لو أرادوا أن يستخدموه في إحداث الوحدة الإسلامية لنجحوا، فإنّ اجتماع عشرات الأُلوف من الوفود في صعيد واحد من سائر أقطار الأرض واتجاه قلوبهم وآذانهم في ذلك الموقف المهيب لكلّ ما يلقى إليهم،

صفحه 42
يستوجب أن يتأثر الكلّ بروح واحدة لا سيّما إذا دعوا إلى ما فيه خيرهم، فإذا رجعوا إلى أقطارهم وتشعّبوا في قراهم وأمصارهم أذاعوا ما تعلّموه بين إخوانهم وكانوا لهم كأعضاء مؤتمر عامّ شكّل من جميع الأجناس والأجيال يجتمع أعضاؤه في كلّ عام مرّة. فأيّ أثر تقدّره لذلك الحادث الجليل في حياة هذه الأُمّة الضخمة، وأي نتائج جليلة ترجوها منه إذا سوعد نهوض هذه الأُمّة من رقدتها، فسيكون الحجّ من أكبر عواملها ولا يسبقن إلى فكرك أنّ الأُمم الأجنبية المحتلّة لبعض بلاد المسلمين، تمنع رعاياها عن الحجّ إذ ذاك، فإنّ حركة الحياة لو دبّت في الأُمم فلا يستطيع أن يوقفها شيء وللّه الأمر من قبل و من بعد».1
وجاء في كتاب «الدين والحجّ على المذاهب الأربعة»:
«الحجّ سبيل التعارف والتآلف والتعادل وتوثيق العلاقات والروابط والصلات بين سائر الشعوب الإسلامية فتأتلف قلوبهم وتتّحد كلمتهم فيعملون ما يصلح شأنهم ويقوّم ما اعوجّ من أمرهم».
وكتب الأُستاذ محمّد المبارك المستشار في

1 . دائرة المعارف:3/350.

صفحه 43
جامعة الملك عبد العزيز يقول:
«والتجرّد لمعنى العبادة الخالصة واضح في الحجّ بالإضافة إلى المعنى الاجتماعي الرائع، فهو مؤتمر عالمي يجتمع المشتركون فيه على صعيد واحد لعبادة إله واحد، ومع ذلك فإنّ هذه العبادة المتجرّدة الخالصة ليست منعزلة عن الحياة بل متصلة بها، إذ يقولُ اللّه تعالى في كتابه الكريم: (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذَكُرُوا اسمَ اللّه في أَيّام مَعْلُومات)فشهود منافعهم معنى عام يمكن أن يشمل مختلف مصالح المسلمين».1
وفي فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية حول أهمية مكة للعالم الإسلامي ما هذا لفظه:
قد جعلها الله مثابة للناس وأمناً وحرماً آمناً يجتمع فيه الحجاج والعلماء لأداء مناسكهم في غاية الراحة والاطمئنان، يرجون ثواب الله سبحانه ويخشون عقابه ويتعارف فيها المسلمون ويتناصحون ويتشاورون فيما يهّمهم من أمر دينهم ودنياهم وتضاعف لها يهم الصلاة والأعمال الصالحة.2

1 . لم أعثر في مذاكراتي على المصدر الّذي نقلناه منه .
2 . فتاوى اللجنة الدائمة: المجلد 11 / 8 ، قسم الحج والعمرة .

صفحه 44
يقول الأُستاذ الراحل: السيد محمد حسين فضل الله 1: وبذلك تسقط الحواجز المادية والنفسية الّتي تضعها الفواصل العرقية واللونية والقومية بين الناس، ليلتقوا على صعيد واحد هو الإيمان بالله، والسير على منهجه، والالتزام بدينه، والجهاد في سبيله، طلباً لرضاه، ممّا يوفر لهم الخروج من الدوائر الضيقة الّتي يحبسون حياتهم فيها، لينطلقوا إلى الدائرة الواسعة الّتي تحتويهم جميعاً، ممّا ينقذهم من مشاكل التجزئة في حل القضايا العامة الّتي قد يستغرقون معها في خصوصياتهم، فيسيئون بذلك إلى تلك القضايا من حيث يريدون أو لا يريدون، لابتعادهم عن الأُسس الّتي ترتكز عليها القضايا الإسلامية لجهة علاقتها ببعضها البعض، وارتباطها بالهدف الكبير الّذي يتحرك فيه الإسلام في الحياة.
وهكذا تتواصل المنافع الدنيوية في رحاب الحج، لتصل إلى مستوى توحيد الموقف السياسي، والتصور الفكري، وتحقيق التكامل الاقتصادي، والمواجهة الموحدة للقوى الطاغية وغيرها. وهذا ما يمكن الوصول إليه في هذا المؤتمر العالمي السنوي الّذي يتشكل بطريقة عفوية، امتثالاً لأمر الله في

1 . انتقل إلى رحمة الله تعالى شهر رجب الأصب في عامنا هذا 1431 هـ .

صفحه 45
العبادة، ليمتد إلى امتثال أمره في حركة الإنسان في الواقع.
أمّا المنافع الروحية الّتي تتداخل ـ في أكثر من موقع ـ مع المنافع المادية، فتأتي من التشريعات الإسلامية المتصلة بواجبات الحج المتنوعة الّتي تحقق لكل جانب من جوانب شخصية الإنسان، حركة روحية تغذي فيه علاقته بالله وإخلاصه له، وشوقه للوصول إلى درجات القرب عنده في دار النعيم.1
يقول الأُستاذ ناصر مكارم الشيرازي في تبيين البعد السياسي للحج:
إنّ الحجّ عامل مؤثر في وحدة صفوف المسلمين، وهو عامل مهم في مكافحة التعصب القومي والعنصري والتقوقع في حدود جغرافية. والحج وسيلة لتحطيم الرقابة الّتي تفرضها الأنظمة الظالمة، وتدمير هذه الأنظمة المتسلطة على رقاب الشعوب الإسلامية. والحج وسيلة لنقل الأنباء السياسية للبلدان الإسلامية من نقطة إلى أُخرى. وأخيراً الحج عامل مؤثر في تحطيم قيود العبودية والاستعمار وتحرير المسلمين.
ولهذا السبب كان موسم الحج زمن الجبابرة كبني أُمية وبني العباس الذين كانوا يسيطرون على الأراضي الإسلامية

1 . من وحي القرآن للسيد محمد حسين فضل الله: 16 / 55 ـ 56 .

صفحه 46
المقدسة، ويراقبون كلّ تحرك تحرري إسلامي ليقمعوه بقوة، كان الموسم متنفّساً للحرية ولاتّصال فئات المجتمع الإسلامي الكبير بعضها مع بعض، لطرح القضايا السياسية المختلفة الّتي تهم كل مسلم .
وعلى هذا الأساس قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)في معرض حديثه عن فلسفة الفرائض والعبادات «الحج تقوية للدّين».1
فإذا كان العمل السياسي يجوز في الحجّ ـ كما عرفت من الكتاب والسنّة وسيرة السلف وأقوال العلماء الأجلاّء، بل أنّ الحجّ فرصة مناسبة لتخويف الأعداء وإرهابهم وشجب مؤامراتهم ـ فأيّ عدوّ أعدى علينا من الولايات المتحدة التي تتآمر ضدّ الإسلام والمسلمين على الدوام وتنهب خيراتهم وتسرق بترولهم؟
وأيّ عدوّ أعدى علينا من إسرائيل التي اغتصبت أرضنا وشرّدت شعبنا وقتلت ولا تزال تقتل أبناء فلسطين وتستبيح دماءهم وأعراضهم؟

1 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، للشيخ مكارم الشيرازي: 10 / 294; نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 252.

صفحه 47
وأيّ عدوّ أعدى علينا من روسيا الّتي تعادي الإسلام والمسلمين في العقيدة وفي كلّ شيء و التي قد مارست القتل العام بحقّ مسلمي أفغانستان والشيشان، وتدافع عن الصرب الجناة في تطهيرهم العرقي للمسلمين البوسنيين.
وأيّ عدوّ أعدى علينا من بريطانيا الّتي أوجدت الدولة اللقيطة إسرائيل وتآمرت ولا تزال تتآمر ضدّنا في حقد صليبيّ عريق؟
وأيّ عدوّ أعدى علينا من فرنسا التي قتلت مئات الآلاف من شعبنا المسلم في الجزائر ولا تزال لها مجازر ومؤامرات هنا وهناك في بلاد المسلمين؟
ولماذا نفرّق بين الولايات المتحدة وروسيا وكلّهم ملّة واحدة في الكفر بديننا والتآمر البغيض علينا وقتل شعوبنا وسرقة ثرواتنا؟
ولماذا نترك فرصة الحجّ العظيمة والاجتماع المليوني الفريد من نوعه والّذي تكون من 40 قطراً إسلامياً، يذهب أدراج الرياح دون أن نستثمره لإيقاظ المسلمين وإيقافهم على جرائم الغرب والشرق ضدّنا، وهل نحن عارفون بأحكام الحجّ

صفحه 48
أكثر من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)و السلف الصالح من بعده الذين كانوا يخلطون في الحجّ بين العبادة والعمل السياسي؟
ولماذا لانفسح المجال في مكّة والمدينة وعرفات ومنى لمظلومي فلسطين والفليبين والعراق وإيران وأفغانستان وأفريقيا ولبنان واريتريا وغيرها ليبيّنوا ظلامتهم ويوقفوا المسلمين على ما يلاقونه من ظلم وحيف وقتل وجناية الاستعمار وأذنابه وعملائه؟
لماذا لا نفسح المجال في مكّة والمدينة لأن تقام مؤتمرات وندوات لإيقاف المسلمين على حقيقة الاستعمار الأمريكي والروسي والبريطاني والفرنسي وخططهم الجهنّمية، ويطلعوهم على ما يفعله هؤلاء الغزاة الأجانب من نهب وسلب وقتل واستغلال؟
إلى متى يعطّل الحجّ من آثاره الاجتماعية والسياسية نزولاً عند رغبة الأجانب؟
وإلى متى يجتمع هذا العدد الهائل من المسلمين من كلّ أنحاء العالم ثمّ ينفضّ دون أن يتعرّف الأخ على أخيه ودون أن يقف الأخ على آلام أخيه وآماله؟

صفحه 49
وإلى متى نخسر هذه الفرصة العظيمة الّتي هيَّأها الإسلام لهذه الأُمّة؟
وإذا فاتنا الحجّ فأين يمكن الحصول على مثل هذا الجمع الحاشد والعدد الهائل، وهذه الجماهير المؤمنة المهيّأة للعمل والتجاوب مع أيّ نداء إسلامي يطلبهم للجهاد ويستحثّهم على النهوض؟
وكيف يسمح العقل أن تضاع هذه الفرصة العظمى، ويُحرَم المسلمون من الانتفاع بها كما أمر اللّه سبحانه: (ليشهدوا منافع لهم) ؟
بل كيف يسمح المسلمون لأنفهسم أن يتركوا فرصة الحجّ تذهب ضائعة دون أن يستثمروها في سبيل قضاياهم المصيرية وحلّ مشكلاتهم؟
وآخر دعوانا
أن الحمد للّه ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 50

فهرس المحتويات

مقدّمة   …7
مقاصد الحج وأسراره، وفيه أُمور   …9
1. الحج عمل عبادي في أفضل أشكاله   …9
2. أبعادُ الحجّ الاجتماعية والسياسية في القرآن   …16
   1. مشاهدة المنافع في الحجّ   …17
   2. الحج وصلته بالجهاد   …20
   3. الكعبة و(قياماً للناس)   …22
   4. البراءة عن المشركين   …24
3. أبعاد الحجّ الاجتماعية والسياسية في السنّة   …28
4. أبعاد الحجّ الاجتماعية والسياسية في سيرة السلف   …35
5. أبعاد الحجّ السياسية والاجتماعية   …41
في أقوال العلماء   …41
فهرس لمحتويات    …50

صفحه 51

صفحه 52

صفحه 1
    حجة الوداع... خطب وإرشاد

صفحه 2
حجة الوداع..
خطب وإرشاد

صفحه 3
حجة الوداع..
خطب وإرشاد
رسالة مختصرة تستعرض خطب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكلماته في حجة الوداع وما رشَحَ عنها من أُصول عقائدية واحكام فقهية وحقائق تاريخية عند الفريقين
تأليف
العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني

صفحه 4
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق . ـ
حجة الوداع: خطب وإرشاد / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1431 ق. = 1389 .
60 ص.    ISBN : 978 _ 964 _ 357 _ 458 _ 1
1. محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، نبي الإسلام ، 53 قبل الهجرة ـ 11 ق. ـ ـ خطب. 2. حجة الوداع. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. عنوان .
3 ح 2 س / 2 / 142 BP    215 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:    حجة الوداع.. خطب وإرشاد
المؤلف :    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة :    الأُولى
تاريخ الطبع:     1431 هـ
المطبعة :    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ:    1000 نسخة
عدد الصفحات:    60 صفحة
القطع :    رقعي
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
كل حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله الّذي ختم به النبوة والرسالة كما ختم بكتابه الكتب السماوية فهو خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتمة الشرائع.
أمّا بعد فهذه رسالة مختصرة تستعرض خطب النبي وكلماته في حجة الوداع، وإن شئت قلت في حجة الوداع جمعنا في هذه الرسالة، لأنّها يستنبط منها أُصول عقديّة وأحكام فقهية وحقائق تاريخية.
جعفر السبحاني

صفحه 6
تهيّؤ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لحجّة الوداع   

مقدّمة

في السنة العاشرة للهجرة عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على أن يحج بيت الله الحرام فخرج لخمس بقين من ذي القعدة ووصل مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة.1
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد حرّض المسلمين على الحج وقال: «من أراد الحج فليتعجّل، فإنّه قد يمرض المريض، وتضلّ الضالّة، وتعرض الحاجة»2.
وبعد أن أمر الله تعالى نبيه بالأذان والإعلان للحج، أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المؤذنين أن يؤذنّوا بذلك بين المسلمين، وكتب إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)وجنده، وإلى أبي موسى الأشعري وأتباعه في اليمن أن يلتحقوا به (صلى الله عليه وآله وسلم)في مكة المكرّمة.
والظاهر أنّ أوّل هذا الإخبار والإعلام كان في أوائل ذي القعدة الحرام، فقد قال ابن إسحاق: فلمّا دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذو القعدة تجهّز للحج، وأمر الناس بالجهاز له .3

1 . السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 248 .
2 . مسند أحمد بن حنبل: 1 / 458 ; سنن ابن ماجة: 2 / 962 ; المعجم الكبير للطبراني: 18 / 296 ; السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 463.
3 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 248 .

صفحه 7
خرج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة مغتسلاً متدهناً وخرجت معه نساؤه كلّهن، وتبعه جمّ غفير من المسلمين الذين حرصوا على مرافقته من المدينة ليتشرّفوا بصحبته .
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب فاجتمعوا، فحجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون ويتبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه ».1
وروي عن جابر بن عبدالله الانصاري أنّه قال: فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويعمل مثل عمله .2
وكان المسلمون يتوقعون هذا السفر، ليتعلموا مناسك الحج ، فأي منسك أدّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو من الحج الإبراهيمي، وما تركه فهو من أعمال الجاهلية الأُولى.
ويتجلى هذا التهيّؤ والانتظار في رغبتهم وشوقهم واجتماعهم العظيم حتّى سلكوا طريق مكة رجالاً وركباناً، طريقاً يقرب من ألف كيلومتر ذهاباً وإياباً .

1 . الكافي للكليني: 4 / 245 ; تهذيب الاحكام: 5 / 454 .
2 . صحيح مسلم: 2 / 724 ; المغازي للمقريزي: 2 / 1088 .

صفحه 8
وقد اختلف المؤرّخون والمحدّثون في عدد المسلمين آنذاك، فمنهم من قال: إنّهم كانوا مائة وعشرين ألفاً .1
وقال المقريزي في وصف خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في يوم عرفة: فإنّه شهد الخطبة نحواً من أربعين ألفاً.2
وقال الطبرسي: وبلغ من حج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون.3
ثم إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد أن أتمّ الحج غادر مكة المكرمة متوجّهاً إلى المدينة في الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة الحرام، فدخلها في الثالث والعشرين منه.
عدد خطبه (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع   
وخلال مسيرته هذه كانت له وقفات في العديد من الأماكن الّتي مر بها وشهدت له إلقاء الخطب الرائعة والتوجيهات التربوية والحضارية السامية، والإرشادات التعليمية حيث إنّه كان يجسد عملياً أهداف الحج الّتي أرادها الله تعالى من هذه الفريضة الإسلامية الهامة.

1 . تذكرة الخواص: 30 .
2 . إمتاع الاسماع: 2 / 112 .
3 . الاحتجاج: 1 / 134.

صفحه 9
وسوف نشير في هذه الرسالة بالإيعاز الموجز والإشارة العابرة إلى خطبه وكلماته الّتي ألقاها في هذه الرحلة التاريخية وننوه إلى ما تضمنته كل منها إلى مبادئ الإسلام وأُصوله ومقاصد الشريعة وأهدافها.

عدد خطبه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع

اختلف أصحاب السير والمؤرّخون في عدد الخطب الّتي ألقاها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجة الوداع.
فقد قال الحلبي في السيرة: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحجّ خمس خطب: الأُولى يوم السابع من ذي الحجّة بمكّة، والثانية يوم عرفة، والثالثة يوم النحر بمنى، والرابعة يوم القرّ 1بمنى، والخامسة يوم النفر الأوّل بمنى أيضاً .2
ويقول المقريزي : خطب (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّته ثلاث خطب: الأُولى قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكّة، والثانية يوم عرفة بعرفة حين زاغت الشمس على راحلته قبل الصلاة، والثالثة يوم النحر بمنى بعد الظهر على راحلته القصواء. وقيل: بل خطب

1 . مراده من يوم القرّ اليوم الحادي عشر من ذي الحجّة.
2 . السيرة النبوية للحلبي: 3 / 333 .

صفحه 10
الثانية ثاني يوم النحر.
ثم قال: وقال المحب الطبري: دلّت الأحاديث على أنّ الخطب في الحج خمسة; خطبة يوم السابع من ذي الحجة، وخطبة يوم عرفة، وخطبة يوم النحر، وخطبة القرّ، وخطبة يوم النفر الأوّل.1
ومهما كان الحال فعلينا أن نورد ما ذكرته كتب التاريخ والحديث من خطبه وكلماته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد رتبناها حسب زمانها ومكانها، فكانت كما يلي:
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم السابع والثامن من ذي الحجة   

1 . إمتاع الأسماع: 2 / 117 .

صفحه 11
 
1
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم السابع والثامن من ذي الحجة
قال الواقدي في مغازيه: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة .1
وقال الحاكم النيسابوري في مستدركه: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم .2
وجاء في صحيحة معاوية بن عمّار الطويلة عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «فلمّا كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحجّ، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ الّذي أنزل على نبيّه: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ ـ أبيكم ـ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)3 فخرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه مهلّين بالحجّ حتّى أتوا منى فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثمّ غدا والناس معه» .(4)

1 . المغازي: 2 / 1100 .
2 . المستدرك على الصحيحين: 1 / 632; وجاء مثله في السيرة النبويّة لابن كثير: 4 / 337، وإمتاع الأسماع للمقريزي: 2/ 117 ـ 118، ونيل الأوطار للشوكاني: 3 / 307، والسيرة النبويّة للحلبي: 3 / 227 و 333 .
3 . آل عمران: 95 .   4 . الكافي: 4 / 246 ـ 247 .

صفحه 12
كلماته (صلى الله عليه وآله وسلم)في يوم عرفة   
 
2
كلماته (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم عرفة
وردت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كلمات وأحاديث كثيرة خلال تواجده في يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) في عرفات نذكر منها :
1. جاء في التهذيب بسنده عن سعد بن عبدالله، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن محمّد بن سماعة الصيرفي، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «... إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقف بعرفات فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته، يقفون إلى جانبها، فنحاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس إنّه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كلّه موقف، وأشار بيده إلى الموقف وقال: هذا كلّه موقف، فتفرّق الناس، وفعل ذلك بالمزدلفة...».1
2. وفي صحيحة معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «ثمّ غدا (صلى الله عليه وآله وسلم)والناس معه وكانت قريش تفيض من

1 . تهذيب الأحكام: 5 / 180 ; من لا يحضره الفقيه: 2 / 464 .

صفحه 13
المزدلفة ـ وهي جَمْع ـ ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله تعالى عليه: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللهَ )1 يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق(عليهم السلام)في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد مضت كأنّه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتّى انتهى إلى نمرة ـ وهي بطن عرنة بحيال الأراك ـ فضرب قبّته، وضرب أخبيتهم عندها، فلمّا زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعه قريش، وقد اغتسل وقطع التلبية حتّى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثمّ صلّى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جنبها فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس، ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كلّه ـ وأومأ بيده إلى الموقف ـ فتفرّق الناس، وفعل مثل ذلك بمزدلفة، فوقف الناس حتّى وقع القرص ـ قرص الشمس ـ ثمّ أفاض وأمر الناس بالدّعة حتّى انتهى إلى المزدلفة».(2)

1 . البقرة: 199.   2 . الكافي: 4 / 247 ; تهذيب الأحكام: 5 / 456 .

صفحه 14
3. وفي الكافي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، مثله.1
4. وفي رواية جابر في صحيح مسلم: وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا تشكّ قريش إلاّ أنّه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى أتى عرفة، فوجد القبّة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له فأتى بطن الوادي، فخطب الناس... ثمّ أذّن ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثمّ أقام فصلّى العصر ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ثمّ ركب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه 2واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتّى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتّى غاب القرص، وأردف أُسامة خلفه ودفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).3

1 . الكافي: 4 / 463 .
2 . في النهاية: 1 / 333 جعل حبل المشاة بين يديه: أي طريقهم الّذي يسلكونه في الرمل. وقيل: أراد صفّهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيهاً بحبل الرمل.
3 . صحيح مسلم: 2 / 726 ; ونحوه في دعائم الإسلام: 1 / 319 .

صفحه 15
5. وروى الشيخ الطوسي عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن حمّاد الخطيب المدائني قال: حدّثنا عثمان بن عبدالله بن عمرو بن عثمان قال: حدّثنا عبدالله بن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: بينا النبيُّ بعرفات، وعليّ (عليه السلام)تجاهه، ونحن معه، إذ أومأ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى علي (عليه السلام)فقال: اُدن منّي يا عليُّ، فدنا منه، فقال: ضع خمسك ـ يعني كفّك ـ في كفّي، فأخذ بكفّه، فقال: يا عليّ خلقت أنا وأنت من شجرة، أنا أصلها، وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها أدخله الله الجنّة برحمته.1
6. روى الشيخ الطوسي بإسناده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ألقى كلمة بعرفة، وإن كانت هذه الكلمة جاءت في خطبته المشهورة بالإجمال، لكن ننقلها تأكيداً وتكميلاً. ثمّ روى أيضاً رواية أُخرى تؤكد أنّ هذه الكلمة أُلقيت بمنى: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضّل قال: أخبرنا أبو

1 . أمالي الطوسي: 611 ; عنه بحار الأنوار: 15 / 20 و ج 65 ; ورواه ابن المغازلي في المناقب: 90 و 297 ; وعنه في الطرائف: 111 ; ورواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: 42 / 64 ـ 66 .

صفحه 16
جعفر محمّد بن جرير الطبري قراءةً، وعليّ بن محمّد بن الحسن بن كاس النخعي ـ واللفظ له ـ قالا: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا الأودي الصوفي قال: حدّثنا حسن بن حسين ـ يعني العرني ـ قال: حدّثني يحيى بن يعلى، عن عبدالله بن موسى التيمي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع وركبتي تمسّ ركبته يقول: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، أما إن فعلتم لتعرفنّي في ناحية الصف ».1
خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم عرفة   
وروى البيهقي بسند ذكره عن عبد الرحمن بن يعمر الدّيلي قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو بعرفات، فأتاه نفر من أصحابه فأمروا رجلاً فنادى: يا رسول الله كيف الحجّ، كيف الحجّ؟ قال: فأمر رجلاً فنادى: الحجّ يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تمّ حجّه، أيّام منى ثلاثة: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)2 ثمّ أردف رجلاً من خلفه فنادى بذلك .(3)

1 . أمالي الطوسي: 503 ; عنه بحار الأنوار: 32 / 294، ونحوه في ص 363 ; مجمع البيان: 9 / 72; تفسير فرات: 280 .
2 . البقرة: 203 .   3 . السنن الكبرى: 7 / 378 .

صفحه 17
 
3
خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عرفة
في الضحى من اليوم التاسع استقرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في قبّته الّتي ضُرِبت له بنمرة قرب عرفات، وقد اغتسل وتهيّأ لأداء أعمال هذا اليوم، وبعد أن زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من خيمته وتوجّه ليخطب في الناس.
ففي صحيحة معاوية بن عمّار الطويلة عن الإمام الصادق (عليه السلام)بما يتعلّق بمناسك حج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وردت إشارة إلى هذه الخطبة، فقد قال (عليه السلام): فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم (ولم يذكر متن الخطبة )1
وقد وردت هذه الخطبة ـ مختصرة ـ في صحيح مسلم ومصادر أُخرى حسب رواية جابر الطويلة 2 .
إن هذه الخطبة هي المشهورة والمعروفة في كتب

1 . الكافي: 4 / 247; تهذيب الأحكام: 5 / 456 .
2 . صحيح مسلم: 2 / 726 ; سنن أبي داود: 294 ـ 296 ; سنن ابن ماجة: 2 / 1022; السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 14 ـ 19; المصنف لابن أبي شيبة: 4 / 423 ـ 426 .

صفحه 18
الفريقين، وفي عالم الأدب لها شأن عظيم، لجزالة ألفاظها، وعظم معانيها.
وقد وقع كلام بينهم في مكانها وزمانها، فهل ألقاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في عرفة أو منى؟ وفي أي يوم من أيام منى ؟
فبعضهم أوردها ولم يذكر في أيّ مكان تكلّم بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كابن شعبة الحرّاني في تحف العقول 1، والجاحظ في البيان والتبيين 2، وابن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد 3، بل أوردوها بعنوان «خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع» .
وبعض آخر أوردها وذكر أنّها خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفة، كابن هشام في السيرة النبويّة، والنسائي في السنن الكبرى 4، ومسلم في صحيحه كما ذكرناها، ولم يذكر له (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبة بمنى.
وثالث أوردها وذكر أنّها خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أيّام منى،

1 . تحف العقول: 30 ـ 34 .
2 . البيان والتبيين: 228 .
3 . العقد الفريد: 4 / 57 ـ 58 .
4 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 250 ـ 252 ; السنن الكبرى: 2 / 421 .

صفحه 19
كالبخاري في صحيحه عن ابن عبّاس، قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب الناس يوم النحر 1، وهكذا البغوي في مصابيح السنّة 2، ولم يذكر له (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبة بعرفة.
وقد أوردها الهيثمي بطرق عديدة بعنوان «باب الخُطب في الحجّ» .3
وروى ابن كثير روايات في خطبته يوم العيد، وذكر الخطبة الشريفة الطبري أيضاً وابن الأثير .4
وفي كنز العمّال والطبقات الكبرى قد وردت الخطبة بروايات مختلفة.5
وروى ابن ماجة بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب في حجّة الوداع، وأُخرى بأنّه خطب بعرفات، وثالثة بأنّه خطب يوم النحر بين الجمرات .6

1 . صحيح البخاري: 2 / 231 ; فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 4 / 2260 .
2 . مصابيح السنّة: 2 / 272 .
3 . مجمع الزوائد: 3 / 585 ـ 599 .
4 . البداية والنهاية: 3 / 185 ـ 189 ; تاريخ الأُممّ والملوك: 3 / 150 ـ 152 ; الكامل في التاريخ: 2 / 302 .
5 . كنز العمال: 5 / 286 ـ 297 ; الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 183 ـ 186 .
6 . سنن ابن ماجة: 2 / 1015 ـ 1016 .

صفحه 20
وفي بعض الروايات: نزلت هذه السورة (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَ الْفَتْحُ)1 على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في أوسط أيّام التشريق، فعرف أنّه الوداع، فركب راحلته العضباء فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس كلّ دم كان في الجاهلية فهو هدر .2
وأوردها ابن كثير مختصراً مرّة بعنوان خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفة ـ على رواية مسلم ـ وأُخرى بعنوان خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى برواية البخاري .3
وأورد الواقدي في المغازي بعض فقرات هذه الخطبة في ضمن خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بمكّة يوم الفتح 4. وكذلك المقريزي في إمتاع الأسماع .5
واعلم أنّ كلّ من ذكر متن الخطبة مطوّلاً أو مختصراً

1 . النصر: 1 .
2 . الخصال: 486 ; عنه بحار الأنوار: 74 / 118 .
3 . السيرة النبويّة لابن كثير: 4 / 387 ـ 392. وانظر أيضاً جمهرة خطب العرب: 1 / 155 ـ 158 الخطبة 13 ; وتاريخ اليعقوبي: 2 / 109 ـ 112 ; وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 126 ـ 128 ; والسيرة النبويّة للحلبي: 3 / 327 ; والسنن الكبرى : 7 / 17 و ج 8 / 111 ; ودلائل النبوّة للبيهقي: 5 / 441 ـ 442 ; وتفسير القمي: 1 / 171 ; وبحار الأنوار: 37 / 113 .
4 . المغازي: 2 / 836 .
5 . إمتاع الأسماع: 1 / 392 وج 2 / 111 ـ 112 .

صفحه 21
بعنوان أنّها خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع، أو بعنوان خطبته بعرفات، أو ذكرها بعنوان أنّها خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى يوم النحر، أو أوسط أيّام التشريق، فكلّها قريبة المفاد والمعنى.
والّذي يبدو جلياً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبها بعرفة، ونظراً لأهميتها وعظيم ما تضمنته من معان جليلة ومطالب هامّة فقد أعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)محتوياتها وفقراتها في مناسبات ومواقف عديدة وأماكن أُخرى في يوم النحر أو اليوم الحادي عشر، فهي تُعد بحق خطبة كاملة وكلمة جامعة وأساساً متيناً لوحدة المسلمين وتبياناً لشؤون دينهم ودنياهم.
وهي وإن اختلفت المصادر الّتي ذكرتها في بعض ألفاظها، فإنّ هذا الاختلاف لا يضرّ بالمعنى والمفاد، وإليك بعض ما ورد فيها.
فبعد الحمد والثناء والاستعاذة والشهادة بالتوحيد والعبودية والرسالة قال (صلى الله عليه وآله وسلم):
أُوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثّكم على العمل بطاعته; وأستفتح الله بالذي هو خيرٌ.
أمّا بعدُ: أيّها الناس! اسمعوا منِّي ما أُبيِّنُ لكم، فإنّي لا أدري

صفحه 22
لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا.
أيُّها الناس! إنَّ دماءكم وأعراضكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلِّغت؟ اللّهُمَّ اشهد.
فمن كانت عندهُ أمانةٌ فليؤدّها إلى من ائتمنهُ عليها، وإنَّ ربا الجاهليَّة موضوع، وإنَّ أوَّل رباً أبدأُ به ربا العباس بن عبدالمطلب ; وإنَّ دماء الجاهليَّة موضوعةٌ، وإنَّ أوَّل دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، وإنَّ مآثر الجاهليَّة موضوعةٌ غير السدانة والسقاية، والعمدُ قود، وشبه العمد ما قُتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن ازداد فهو من الجاهلية .
أيُّها الناسُ! إنَّ الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنَّه قد رضي بأن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم.
ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)1 ولا يحلُّ لمؤمن مالُ أخيه إلاّ عن طيب نفس منهُ. ألا هل بلغت؟ اللّهُمَّ اشهد، فلا ترجعنَّ كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. ألا هل بلغتُ؟ اللّهُمَّ اشهد.
أيُّها الناسُ! إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكُم واحدٌ، كلُّكم لآدم وآدم

1 . الحجرات: 10 .

صفحه 23
من تُراب(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)1، وليس لعربيٍّ على عجميٍّ فضلٌ إلاّ بالتقوى. ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهدُ الغائب.2
ما ذكرناه هو بعض ما ورد في هذه الخطبة النبوية القدسية والّذي يجب علينا هنا الإشارة إلى النقاط المهمة فيها، وهي:
1. حمد الله وثناؤه والاستغفار والاستعاذة والشهادتين.
2. إيصاء عباد الله تعالى بتقواه والعمل بأوامره والتجنب عن معاصيه.
3. حث المسلمين على الاستماع لكلامه وفهمه.
4. حرمة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وأداء الأمانة.
5. تحريم الربا وإلغاء دماء (ثارات) الجاهلية، وإبطال مآثر الجاهلية الرثة.
6. تثبيت بعض الأحكام والحدود والديات في الشريعة الإسلامية وإبلاغ الناس بها.

1 . الحجرات: 13.
2 . تحف العقول: 30 ـ 34 .

صفحه 24
7. إبطال النسيء، والتذكير بحقوق النساء، والنهي عن الظلم في الوصية.
8. تثبيت مبدأ الأُخوة الإسلامية .
9. إيجاب التمسّك بالثقلين.
10. إقرار مبدأ التفاضل بين المسلمين على أساس التقوى .
وبالإضافة إلى هذه الخطبة فقد ورد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد ألقى كلمة قصيرة حين غروب الشمس وهو بعرفات، وقد أجمعت كافة المصادر الّتي روتها على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا عشيّة عرفة لأُمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله تعالى إليه 1أني قد فعلت، إلاّ ظُلم بعضهم بعضاً .2
كما وردت في بعض الكتب خطبة ألقاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفة في كرامة الحاجّ عند الله تعالى، ونحن نوردها تتميماً للفائدة. ويظهر من صدر هذه الخطبة أنّه ألقاها عشيّة عرفة بعدما وقف بالموقف، والحال أنّ خطبته الشهيرة ألقاها بعد

1 . وفي رواية أُخرى: فأجابه عزوجل.
2 . السنن الكبرى: 5 / 118 و 7 / 257.

صفحه 25
الزوال ببطن عرنة، وهي مكان آخر بجنب عرفة.
ورد في دعائم الإسلام: عن عليّ (عليه السلام)أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّاحجّ حجّة الوداع وقف بعرفة وأقبل على الناس بوجهه وقال: «مرحباً بوفد الله ـ ثلاث مرّات ـ الذين إن سألوا أُعطوا، وتخلف نفقاتهم، ويجعل لهم في الآخرة بكلّ درهم ألف من الحسنات ـ ثمّ قال ـ : أيّها الناس ألا أُبشّركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إنّه إذا كانت هذه العشيّة باهى الله بأهل هذا الموقف الملائكة فيقول: يا ملائكتي أُنظروا إلى عبادي وإمائي أتوني من أطراف الأرض شعثاً غبراً هل تعلمون ما يسألون؟ فيقولون: ربّنا يسألونك المغفرة، فيقول: أُشهدكم أنّي قد غفرت لهم، فانصرفوا من موقفهم مغفوراً لهم ما سلف».1
وفي المستدرك عن القطب الراوندي في لبّ اللباب، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا كانت عشيّة عرفة يقول الله لملائكته: أُنظروا إلى عبادي وإمائي شعثاً غبراً جاءُوني من كلّ فجٍّ عميق لم يروا رحمتي ولا عذابي ـ يعني الجنّة والنار ـ أُشهدكم ملائكتي إنّي قد غفرت لهم الحاجّ وغير الحاجّ. فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاء من

1 . دعائم الإسلام: 1 / 293 ; وعنه بحار الأنوار: 96 / 49 ; ومستدرك الوسائل: 8 / 36 ; ورواه الشجري في أماليه: 3 / 58 .

صفحه 26
النار من يوم عرفة وليلتها».1
ثم إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أكثر من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى في عرفات، ولم يكتف بدعائه بل راح يحث المسلمين ويحضهم على الدعاء والذكر والإنابة إلى الله تعالى .
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم النحر   

1 . مستدرك الوسائل: 10 / 32 .

صفحه 27
 
4
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم النحر
عبّر بعض المصنّفين ـ منهم البخاري والنسائي ـ عن خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفة بخطبة يوم النحر. كما ذكر بعض المؤرخين خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى، ومفادها يقرب من خطبته بعرفة، ولكن نصّوا على أنّها خطبته بمنى.
من هؤلاء محمّد بن سعد في الطبقات، قال: أخبرنا عبدالوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى وإنّي لتحت جران ناقته، وهي تقصع بجرّتها، وإنّ لعابها ليسيل بين كتفيّ، فقال: «إنّ الله قسم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصيّة، ألا وإنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، ألا ومن ادّعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه رغبةً عنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
وقال أيضاً: أخبرنا سليمان بن عبدالرحمن الدمشقي،

صفحه 28
أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا هشام بن الغاز، أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجّة الّتي حجّ، فقال للناس: «أيّ يوم هذا»؟ فقالوا: يوم النحر.
قال: «فأيّ بلد هذا»؟ قالوا: البلد الحرام. قال: «فأيّ شهر هذا»؟ قالوا: الشهر الحرام. فقال: «هذا يوم الحجّ الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا الشهر في هذا اليوم». ثمّ قال: «هل بلّغت»؟ قالوا: نعم. فطفق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «اللّهمَّ اشهد». ثمّ ودّع الناس، فقالوا: هذه حجّة الوداع.
وروى ابن سعد مثله بسند آخر، فقال : أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدّثني أبو مالك الأشجعي، حدّثني نُبيط بن شريط الأشجعي، قال: إنّي لرديف أبي في حجّة الوداع إذ تكلّم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقمت على عجز الراحلة ووضعت رجلي على عاتقي أبي، قال: فسمعته يقول: «أيّ يوم أحرم»؟ قالوا: هذا اليوم. قال: «فأيّ شهر أحرم»؟ قالوا: هذا الشهر، قال: «فأيّ بلد أحرم»؟ قالوا: هذا البلد. قال: «فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، هل بلّغت»؟ قالوا: اللّهمَّ نعم. قال:

صفحه 29
«اللّهمَّ اشهد، اللّهمَّ اشهد، اللّهمَّ اشهد».
وقال أيضاً: أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، حدّثني أبي، عن أبي غادية ـ رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم العقبة، قال: «يا أيّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلّغت»؟ قال: قلنا: نعم، قال: «اللّهمَّ اشهد، ألا لا ترجعنّ بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».
ثم إنّ ابن سعد قال: أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمّار، حدّثني الهرماس بن زياد الباهلي قال: كنت ردف أبي يوم الأضحى ونبيّ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس على ناقته بمنى.
وقال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا عكرمة بن عمّار، أخبرنا الهرماس بن زياد قال: انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي مُرْدفي وراءه على جمل له، وأنا صبيّ صغير، فرأيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس على ناقته العَضْباء يوم الأضحى بمنى. 1

1 . الطبقات الكبرى: 2 / 183 ـ 186; ونحوه في كنز العمّال: 5 / 291 ـ 297 .

صفحه 30
ولا يخفى أنّ مفادها نفس مفاد الخطبة الّتي ذكرناها سابقاً، واستظهرنا بأنّه أوردها بعرفة، ويمكن إيرادها مرّة ثانية بمنى.
وفي المصنّف لابن أبي شيبة بسندين عن مجاهد ومسروق أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبهم يوم النحر.1
وفي السنن الكبرى عن رجلين من بني بَكر قالا : رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطبُ بين أوسط أيّام التشريق، ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي خطب بمنى .2
وقال أيضاً: أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار، ] حدّ [ ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله. وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبدالعزيز بن عُمر بن قتادة النعمانيّ، أنبأ أبو عمرو إسماعيل بن نُجيد السُّلمي، أنبأ أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله البصري، ] حدّ [ ثنا أبو عاصم، عن ربيعة بن عبدالرحمن بن حصن الغنويّ، حدّثتني سرّاءُ بنت نبهان ـ وكانت ربَّة بيت في الجاهلية ـ قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في حجّة الوداع: «هل تدرون أيُّ يوم هذا؟». قال: وهو

1 . المصنّف لابن أبي شيبة: 4 / 339 .
2 . السنن الكبرى: 7 / 330 .

صفحه 31
اليوم الّذي يدعون يوم الرؤوس، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا أوسط أيّام التشريق، هل تدرون أيّ بلد هذا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا المَشْعَرُ الحرام». ثمّ قال: «إنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا حتّى تلقوا ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليُبَلِّغْ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلّغتُ» فلمّا قدمنا المدينة لم يلبث إلاّ قليلاً حتّى مات (صلى الله عليه وآله وسلم). ثمّ قال: رواه محمّد بن بشّار عن أبي عاصم بهذا الإسناد وقال: قالت: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم الرؤوس .1
وفي مسند أحمد بن حنبل عن أبي نضرة قال: حدّثني من سمع خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في وسط أيّام التشريق فقال: «يا أيّها الناس! إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتقوى. أبلّغت»؟ قالوا: بلّغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى آخر الحديث .2

1 . السنن الكبرى: 7 / 330 .
2 . مسند أحمد بن حنبل: 9 / 127 ; نيل الأوطار: 5 / 82، باب الخطبة أوسط أيّام التشريق ح 3 .

صفحه 32
وقد روى في دعائم الإسلام عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، عن الإمام عليّ (عليه السلام)قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب يوم النحر وهو يقول: «هذا يوم الثجّ والعجّ. والثجّ: ما تهريقون فيه من الدماء، فمن صدقت نيّته كانت أوّل قطرة له كفّارة لكلّ ذنب. والعجّ: الدعاء، فعجّوا إلى الله، فوالّذي نفس محمّد بيده لا ينصرف من هذا الموضع أحد إلاّ مغفوراً له إلاّ صاحب كبيرة مصرّاً عليها لا يحدِّث نفسه بالإقلاع عنها».1
ويُعتقد أنّ هذه الخطبة قد قالها (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى يوم النحر في حجّة الوداع، كما يدلّ على ذلك لفظة «هذا الموضع». ولكن يحتمل أن يكون قد ألقاها يوم عيد الأضحى بالمدينة المنوّرة في عام من الأعوام، ومراده من «هذا الموضع» مصلّى العيد ومكان الخطبة ومجمع المسلمين، ولكن روايات البيهقي صريحة في أنّه أوردها بمنى يوم النحر في حجّة الوداع.
فقد روى البيهقي بسنده عن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم النحر فقال: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».

1 . دعائم الإسلام: 1 / 184; بحار الأنوار: 96 / 301 ; الجعفريات: 46.

صفحه 33
وفيه أيضاً بسنده عن الهرماس بن زياد قال: رأيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنا صبيّ أردفني أبي يخطب الناس بمنى يوم الأضحى على راحلته.
وفيه أيضاً بسنده عن أبي أمامة سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى يوم النحر.
وفيه أيضاً بسنده عن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعليّ يُعَبّرُ عنه، والناس بين قائم وقاعد.1
وروى الصدوق بسنده عن أبي أمامة يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «أيّها الناس إنّه لا نبيّ بعدي، ولا أُمّة بعدكم، ألا فاعبدوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجّوا بيت ربّكم، وأدّوا زكاة أموالكم طيّبة بها أنفسكم، وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جنّة ربّكم».2
فهذه الرواية وإن لم تكن فيها دلالة على أنّ هذا الكلام صدر من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع، لكن الروايتين الأُخريين

1 . السنن الكبرى: 7 / 308 ; سنن أبي داود: 302 ـ 303.
2 . الخصال: 322 .

صفحه 34
تدلاّن على ذلك، فإنّ أحمد بن حنبل في مسنده والحاكم في المستدرك قد زادا فيما روياه: يقول أبو أمامة: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس في حجّة الوداع، وهو على الجدعاء واضع رجله في غراز الرحل يتطاول يقول: ألا تسمعون؟ فقال رجل من آخر القوم: ما تقول؟ قال: اعبدوا ربّكم، إلى آخر الحديث .1
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم)في مسجد الخيف   

1 . مسند أحمد بن حنبل: 8 / 274 ; المستدرك على الصحيحين: 1 / 547.

صفحه 35
 
5
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد الخيف
روى الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب الناس في مسجد الخيف فقال: «نَضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقه غيرُ فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم».
ثمّ قال: ورواه أيضاً عن حمّاد بن عثمان، عن أبان، عن ابن أبي يعفور مثله، وزاد فيه: «وهم يد على من سواهم». وذكر في حديثه أنّه خطب في حجّة الوداع بمنى في مسجد الخيف.1

1 . الكافي: 1 / 403 .

صفحه 36
ورواها الشيخ أبو عبدالله المفيد في الأمالي بسند آخر ذكره عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: خطب رسول الله: يوم منى فقال... إلى آخره .1
ورواها أيضاً الشيخ الصدوق عن محمّد بن موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا علي بن الحسين السعدآبادي قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن خالد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام). ورواها بسند آخر في الخصال 2، وأيضاً وردت في جمهرة خطب العرب.3
ورواها ابن ماجة في السنن بسند ذكره عن جبير بن مطعم 4، أنّه قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالخيف من منى فقال: نضّر الله ـ إلى أن قال ـ : فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم. وأمّا صدر الحديث فقط، فقد ذكره في ضمن أحاديث متعدّدة .5
وقال الفيروزآبادي: رجع (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى منزله بالقرب من

1 . الأمالي للمفيد: 186 ; بحار الأنوار: 2 / 148 .
2 . الأمالي للصدوق: 431 ; الخصال: 149 .
3 . جمهرة خطب العرب: 1 / 151، خطبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالخيف، رقم 5 .
4 . سنن ابن ماجة: 2 / 1015 .
5 . سنن ابن ماجة: 1 / 84 ـ 85 .

صفحه 37
مسجد الخيف، وخطب خطبة بليغة، بلغ صوته إلى جميع أهل الخيام في خيامهم، وهذا من جملة المعجزات النبويّة.1
وفي سنن أبي داود بسنده عن عبدالرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ونحن بمنى ففتحت أسماعنا، حتّى كنّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلّمهم مناسكهم حتّى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه السبّابتين، ثمّ قال: بحصى الخذف، ثمّ أمر المهاجرين فنزلوا في مقدّم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد، ثمّ نزل الناس بعد ذلك.2
وفي الكافي عن محمّد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن الحكم بن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكّة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام)قال: فذهبت معه إليه، فوجدناه قد ركب دابّته، فقال له سفيان: يا أبا عبدالله حدّثنا بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في مسجد الخيف، قال: دعني حتّى أذهب في حاجتي فإنّي قد ركبت فإذا جئت حدّثتك، فقال: أسألك بقرابتك من

1 . سفر السعادة: 181 .
2 . سنن أبي داود: 303 ، ونحوه في الطبقات الكبرى: 2 / 185 .

صفحه 38
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا حدّثتني، قال: فنزل، فقال له سفيان: مُر لي بدواة وقرطاس حتّى أثبته، فدعا به، ثمّ قال: اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم. خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في مسجد الخيف: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلّغها من لم تبلغه، يا أيّها الناس ليبلّغ الشاهد الغائب، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم».
فكتبه سفيان ثمّ عرضه عليه، وركب أبو عبدالله (عليه السلام).1
وقد ذكر القمّي هذه الخطبة المباركة وزاد في آخرها: وصيّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في التمسّك بالثقلين 2، وليس ببعيد; لأنّه قد أمر المسلمين بالتمسّك بالثقلين مرّات عديدة وفي مواطن شتّى.
خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند الكعبة   

1 . الكافي: 1 / 403 ; بحار الأنوار: 47 / 365 .
2 . تفسير القمي: 2 / 447; بحار الأنوار: 37 / 114 .

صفحه 39
 
6
خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الكعبة
عندما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حجّته أتى مودِّعاً للكعبة الشريفة، فلزم حلقة الباب ونادى: أيّها الناس. فاجتمع من في المسجد الحرام ومن في السوق حوله، فخطب هذه الخطبة البليغة وذكر الفتن الّتي تحدث بعده والفساد الّذي يتعرّض له الناس في أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم، وتحقّق أشراط الساعة.
وجدير بالذكر أنّ لهذه الخطبة المباركة روايات متعدّدة مختلفة فيما بينها في بعض الألفاظ. ومشتركة في الأكثر. فقد روى السيوطي في الدرّ المنثور ذيل الآية الكريمة (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)1 وقال: أخرج ابن مردويه، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: حجّ النبي حجّة الوداع ثمّ أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: أيّها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة إلى آخره .(2)

1 . محمّد: 18 .   2 . الدرّ المنثور: 7 / 412 .

صفحه 40
ورواها أيضاً محيي الدِّين ابن العربي في محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار مرسلاً عن عبدالله بن عبّاس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).1
وأمّا في كتب الشيعة الإماميّة فرويت في جامع الأخبار مرسلة عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال: حججت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حجّة الوداع، فلمّا قضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ما افترض عليه من الحجّ أتى مودِّعاً الكعبة، فلزم حلقة الباب ونادى برفيع صوته: أيّها الناس. فاجتمع أهل المسجد وأهل السوق، فقال: اسمعوا إنّي قائل ما هو بعدي كائن إلى آخره .2
وجاء في تفسير القمي في ذيل الآية المباركة: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ)قال: حدّثني أبي، عن سليمان بن مسلم بن الخشّاب، عن عبدالله بن جريج المكّي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبدالله بن عبّاس قال: حججنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال:
«ألا أُخبركم بأشراط الساعة»؟ وكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان رحمة الله عليه، فقال: بلى يا رسول الله !

1 . محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار: 1 / 60 ـ 62 .
2 . جامع الأخبار: 395 ـ 397 ; بحار الأنوار: 52 / 262.

صفحه 41
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلوات واتّباع الشهوات، والميل إلى الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يُذاب الملح في الماء ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره».
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال: «إي والّذي نفسي بيده، يا سلمان! إنّ عندها يليهم أُمراء جَوَرَة ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأُمناء خونة».
فقال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إي والذي نفسي بيده يا سلمان إنّ عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ويؤتمن الخائن، ويخوّن الأمين، ويصدَّق الكاذب، ويكذَّب الصادق... إلى آخر الخطبة الشريفة».1

1 . تفسير القمي: 2 / 303 ـ 307، عنه بحار الأنوار: 6 / 305 ـ 309 ، وتفسير البرهان: 4 / 183 ذيل الآية الكريمة (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): 18).

صفحه 42
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم)في غدير خم   
 
7
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خُم
بعد أن أتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون حجّهم وقضوا مناسكهم خرجوا من مكة المكرمة في ضحى اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الحرام متوجهين إلى المدينة المنورة وكان موكب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يسير نحو المدينة منزلاً بعد منزل ومرحلة بعد مرحلة، حتّى مضى اليوم الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر وفي ضحى اليوم الثامن عشر وحينما بلغ الموكب الشريف قريباً من الجحفة بغدير خمّ وقد ابتعد 185 كيلومتراً عن مكة، وقبل تفرّق الحجاج في مسيرهم وذهابهم إلى أوطانهم، نادى منادي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): الصلاة جامعة.
فارتج الحجاج من هذا النداء، إذ لم تكن هذه الساعة زمان نزول ولم يكن هذا المكان منزلاً وموقفاً للاستراحة، فتوقّف الموكب، فلحق من كان في آخر القافلة، ورجع من كان في مقدّمها، فجمعوا في الحرّ الشديد ليسمعوا الخبر الهامّ، حتّى وضع كثير منهم رداءه على رأسه من حرارة الشمس، ووضع البعض رداءه تحت قدميه اتّقاءً لِلَهيب الرمضاء.

صفحه 43
فصلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمسلمين صلاة الظهر، ثمّ صنعوا من أقتاب الإبل منبراً رفيعاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فصار الأُلوف من البشر آذاناً صاغية لكلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)ليسمعوا وليعوا كلام خطيب الله تعالى، فرقى المنبر وفتح فمه الطيّب وتكلّم بكلام بلّغ فيه المسلمين ما أمره الله تعالى بتبليغه.
ونحن نورد الخطبة الشريفة عن كتاب المناقب لابن المغازلي الشافعي بسند ذكره. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونؤمن به ونتوكّل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، الّذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلَّ لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.
أمّا بعد أيّها الناس! فإنّه لم يكن لنبيّ من العمر إلاّ نصف من 1 عمّر من قبله، وإنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) لبث في قومه أربعين سنة، وإنّي قد أسرعت في العشرين، ألا وإنّي يوشك أن أُفارقكم، ألا وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فهل بلّغتكم؟ فماذا أنتم قائلون؟ فقام من كلّ ناحية من القوم مجيب يقولون: نشهد أنّك عبدالله ورسوله، قد بلّغت رسالته، وجاهدت في سبيله، وصدعت

1 . في العمدة: 105 والبحار: 37 / 184: «ما» بدل «من».

صفحه 44
بأمره، وعبدته حتّى أتاك اليقين، جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّاً عن أُمّته.
فقال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حقّ، وأنّ النار حقّ، وتؤمنون بالكتاب كلّه؟ قالوا: بلى، قال: فإنّي أشهد أن قد صدقتكم وصدّقتموني، ألا وإنّي فرطكم وإنّكم تبعي، توشكون أن تردوا عليَّ الحوض، فأسألكم حين تلقونني عن ثقليَّ كيف خلّفتموني فيهما»؟
قال: فأُعيل علينا 1 ما ندري ما الثقلان، حتّى قام رجل من المهاجرين وقال: بأبي وأُمّي أنت يا نبيّ الله ما الثقلان؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأكبر منهما كتاب الله تعالى، سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، فتمسّكوا به ولا تضلّوا، والأصغر منهما عترتي. من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي، فلا تقتلوهم ولا تقهروهم ولا تقصروا عنهم، فإنّي قد سألت لهم اللطيف الخبير فأعطاني، ناصرهما لي ناصر، وخاذلهما لي خاذل، ووليّهما لي وليٌّ، وعدوّهما لي عدوٌّ.
ألا وإنّها لم تهلك أُمّة قبلكم حتّى تتديّن بأهوائها، وتظاهر على

1 . يقال: علت الضالّة أُعيل عيلاً وعيلاناً فأنا عائل: إذا لم تدر أيّ وجهة تبغيها; عن أبي زيد، وقال الأحمر: عالني الشيء يعيلني عيلاً ومعيلاً: إذا أعجزك، والمراد أي: عجزنا عن فهم الثقلين. الصحاح للجوهري: 5 / 1780، مادة «عيل».

صفحه 45
نبوّتها، وتقتل من قام بالقسط، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)فرفعها ثمّ قال: مَنْ كنتُ مولاه فهذا مولاه، ومَنْ كنتُ وليّهُ فهذا وليّهُ، اَللّهمَّ والِ من والاهُ، وعادِ مَنْ عاداهُ». قالها ثلاثاً.1
ثمّ توّج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)بعمامته «السحاب» أمام جموع حاشدة من المؤمنين بيده الشريفة فسدل طرفها على منكبه ، وأمر المهاجرين والأنصار أن يسلِّموا على عليّ (عليه السلام)بإمرة المؤمنين ويهنّئونه بهذه الفضيلة العظيمة. فسلّم وجوه المسلمين 2 عليه بإمرة المؤمنين وهنّأوه.3

1 . المناقب لابن المغازلي: 16 ; عنه العمدة لابن البطريق: 104 ; وبحار الأنوار: 37 / 184. وانظر الأمالي للطوسي: 227 .
2 . أخرج الطبري في كتاب الولاية (214 ـ 216) حديثاً باسناده عن زيد بن أرقم، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال بعد خطبته تلك: معاشر الناس! قولوا: أعطيناك على ذلك عهداً، عن أنفسنا... إلى أن قال: قولوا ما قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولوا: الحمد لله الّذي هدانا لهذا...
قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا .
وكان أوّل من صافق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلياً: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد وامتد ذلك إلى أن صلى العشائين في وقت واحد وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً.
3 . مسند أبي داود: 23 ; كنز العمال: 15 / 482 ; الرياض النضرة: 3 / 170; فرائد السمطين: 1 / 75 ; الفصول المهمة: 41; السيرة الحلبية: 3 / 341 .

صفحه 46
ومن يراجع أغلب المصادر التاريخية وكتب الحديث يجد أنّ هذه الخطبة قد احتلت العديد من الصفحات، وأبرزوا وجوهها المختلفة، ومن هؤلاء الطبري الّذي ألّف كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلّدين ضخمين.1
وقال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة: حُكي عن أبي المعالي الجويني الملقّب بإمام الحرمين أُستاذ أبي حامد الغزالي أنّه قال: رأيت مجلّداً في بغداد في يد صحّاف فيه روايات خبر غدير خمّ مكتوباً عليه المجلّدة الثامنة والعشرون من طرق قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعليّ مولاه، ويتلوه المجلّدة التاسعة والعشرون .2
ومتن الخطبة الشريفة يختلف في الروايات الحاكية لها، وكلّها تشتمل على قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مخاطباً هذا الجمع العظيم: «ألست أولى بكم من أنفسكم»؟ قالوا: بلى، فأخذ بضبع عليّ بن أبي طالب ورفعها حتّى رُئيَ بياض إبطيهما، فقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».

1 . البداية والنهاية: 11 / 157.
2 . ينابيع المودّة: 1 / 113 ـ 114 .

صفحه 47
وفي الاحتجاج وروضة الواعظين والعدد القويّة واليقين 1 ذكروا خطبة طويلة جدّاً للنبيّ العظيم في هذا المشهد العامّ، وبعض المؤلِّفين ذكر نصّاً متوسّطاً بين القصير والطويل لهذه الخطبة; كابن المغازلي (المتوفّى 483 هـ) في المناقب كما مرّ، وابن الأثير في أُسد الغابة2، والشيخ أحمد أبو الفضل بن محمّد باكثير المكّي الشافعي (المتوفّى 1047 هـ) في وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل 3، والشيخ العاملي في ضياء العالمين عن كتاب الولاية للطبري المؤرِّخ 4، والمتّقي الهندي في كنز العمّال5، والحمويني في فرائد السمطين 6، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة 7، وابن كثير في البداية

1 . الاحتجاج: 1 / 133 ـ 162; روضة الواعظين: 89 ـ 101 ; العدد القويّة: 169 ; اليقين: 343 ـ 361. وراجع ما نقله العلاّمة المجلسي عن واقعة الغدير في بحار الأنوار: 37 / 108 ـ 253.
2 . أُسد الغابة: 3 / 33 ـ 34 .
3 . وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل: 116 ـ 118 .
4 . قال ابن كثير في تاريخه (ج 11 / 146) في ترجمة الطبري: إني رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين. انظر: الغدير للعلاّمة الأميني: 1 / 424 ـ 426 .
5 . كنز العمال: 13 / 104 ـ 105.
6 . فرائد السمطين: 1 / 62 ـ 78.
7 . الفصول المهمة: 40 .

صفحه 48
والنهاية1، وابن حجر في الصواعق المحرقة2 ، والحلبي في
السيرة النبوية(3) ، والهيثمي في مجمع الزوائد3، والقرماني في أخبار الدول(5) ، وبعض المحدِّثين والرواة ذكروا فقط نقطة هامّة من هذه الخطبة; وهي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
وبعد إيراد هذه الخطبة قال الشاعر الشهير حسّان بن ثابت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ائذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قُل على بركة الله. فأنشد حسّان بن ثابت شعره المعروف:
يناديهمُ يوم الغدير نبيّهم *** بخمّ واسمع بالرّسول مناديا
فقال: فمن مولاكمُ ونبيّكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيّنا *** ولم تلق منّا في الولاية عاصيا

1 . البداية والنهاية: 5 / 197 ـ 205 و ج 7 / 328 ـ 331.
2 . الصواعق المحرقة : 42 ـ 49.   3 . السيرة النبوية: 3 / 336 ـ 337.
3 . مجمع الزوائد: 9 / 259 .   5 . أخبار الدول: 102.

صفحه 49
فقال له قم يا عليّ فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا: اللّهمّ والِ وليّه *** وكُن للّذي عادى عليّاً معاديا
وقد روى هذه الأبيات الستّة العلاّمة الأميني في كتابه الغدير 1 عن اثني عشر من علماء أهل السنّة وعن اثنين وعشرين من علماء الإمامية، ونقلها عن كتاب سليمان بن قيس الهلالي والمولى محسن الفيض الكاشاني في «علم اليقين»(2) بزيادة أبيات أربعة، وقال بعد البيت الأوّل:
وقد جاء جبريل عن أمر ربّه *** بأنّك معصوم فلا تكُ وانيا
وبلّغهم ما أنزل الله ربّهم إليك *** ولا تخش هناك الأعاديا
فقام به إذ ذاك رافع كفّه *** بكفّ عليٍّ مُعلن الصوت عاليا

1 . الغدير: 2 / 65 .   2 . علم اليقين: 343 ـ 361 .

صفحه 50
وزاد بعد البيت السادس:
فياربّ انصر ناصريه لنصرهم *** إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا
ثمّ قال العلاّمة الأميني: والّذي يظهر للباحث أنّ حسّاناً أكمل هذه الأبيات بقصيدة ضمّنها نبذاً من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) .1
وفي ختام حديثنا عن هذه الخطبة الهامة ولكي نرفع ما قد يتسرب إلى نفوس البعض من الشك فيها نذكر شيئاً عن رواتها من الصحابة والتابعين، وما أُلِّفَ في حديث الغدير، فنقول:
مَن روى حديث الغدير من الصحابة والتابعين   

أوّلاً: مَن رواه من الصحابة

روى حديث الغدير من الصحابة مائة وعشرون صحابياً منهم:
1. أبو بكر بن أبي قحافة التيمي: (المتوفى 13 هـ).
2. أبو هريرة الدوسي: (المتوفّى 57 ـ 59 هـ) .

1 . الغدير: 1 / 73 .

صفحه 51
3. أبو ليلى الأنصاري: إستشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام)سنة 37 هـ .
4. أبو زينب بن عوف الأنصاري.
5. أبو فضالة الأنصاري: بدري استشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام).
6. أبو قدامة الأنصاري.
7. أبوعمرة بن عمرو بن محصّن الأنصاري.
8. أبو الهيثم بن التيِّهان إستشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام)سنة 37 هـ .
9. أبو رافع القبطيّ.
10. أبو ذؤيب خويلد ـ أو خالد ـ ابن خالد بن محرث الهذلي .

ثانياً: مَن رواه من التابعين

ورواه أيضاً اثنان وثمانون من التابعين، نذكر منهم :
1. أبو راشد الحبراني الشامي، اسمه اخضر، نعمان.
2. أبو سلمة عبدالله بن عبدالرحمن بن عوف الزهري المدني (المتوفّى 94 هـ).

صفحه 52
3. أبو سليمان المؤذّن.
4. أبو صالح السمّان، ذكوان المدني (المتوفّى 101 هـ).
5. أبو عنفوانة المازني.
6. أبو عبدالرحيم الكندي.
7. أبو القاسم الأصبغ بن نُباتة التميمي، الكوفي.
8. أبو ليلى الكندي.
9. إياس بن نُذَير.
10. جميل بن عمارة.
مَن روى حديث الغدير من الحفّاظ والمؤرّخين   

ثالثاً: مَن روى حديث الغدير من الحفّاظ والمؤرّخين

وقد أيّده ورواه من العلماء وأعلام الحفاظ والمؤرخين ثلاثمائة وستون، نذكر منهم:
1 . الحافظ أبو عيسى الترمذي (المتوفّى 279هـ) .1
2 . الحافظ أبو جعفر الطحاوي (المتوفّى 279 هـ).(2)
3 . الحافظ ابن عبد البرّ القرطبي (المتوفّى 463 هـ).2
4 . الفقيه ابو الحسن بن المغازلي الشافعي (المتوفّى 483 هـ) .(4)

1. سنن الترمذي:5/591.   2. مشكل الآثار:2/308.
2 . الاستيعاب:2/373.   4 . مناقب علي بن أبي طالب: 27 برقم 39.

صفحه 53
5 . حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (المتوفّى 505 هـ).1
6 . الحافظ أبو الفرج بن الجوزي الحنبليّ (المتوفّى 597 هـ).
7 . أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي (المتوفّى 654 هـ) .(2)
8 . ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفّى 655 هـ) .2
9 . الحافظ أبو عبدالله الكنجي الشافعي (المتوفّى 658 هـ) .(4)
10 . الشيخ أبو المكارم علاء الدين السمناني (المتوفّى 736 هـ) .3
11 . شمس الدين الذهبي الشافعي (المتوفّى 748 هـ ).(6)
12 . شمس الدين الجزري الشافعي (المتوفّى 833 هـ).4
13 . الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 هـ)(8).

1 . سر العالمين: 21.   2 . تذكرة الخواص: 29 .
2 . شرح نهج البلاغة: 9 / 166 .   4 . كفاية الطالب: 60 ـ 61 .
3 . العروة لأهل الخلوة: 422 .   6 . تلخيص المستدرك: 3 / 613.
4 . أسنى المطالب: 48 .   8 . فتح الباري: 7 / 74 .

صفحه 54
14 . جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن صلاح الدين الحنفي .1
15 . نور الدين الهروي التازي الحنفي (المتوفّى 1014 هـ) .(2)
16 . زين الدين المناوي الشافعي (المتوفّى 1031 هـ) .2
17 . نور الدين الحلبي الشافعي (المتوفّى 1044 هـ) .(4)
18 . السيد محمد البرزنجي الشافعي (المتوفّى 1103 هـ) .3
19 . السيد ابن حمزة الحراني الدمشقي الحنفي (المتوفّى 1120 هـ) .(6)
20 . ميرزا محمد البدخشي.4
21 . مفتي الشام العمادي الحنفي الدمشقي (المتوفّى 1171 هـ) (8).
مَن ألّف في حديث الغدير   
22 . أبو العرفان الصّبان الشافعي (المتوفّى 1206 هـ) .5

1. المعتصر من المختصر:2/301.   2. المرقاة في شرح المشكاة:10/464.
2 . فيض القدير: 6 / 218 .   4 . السيرة الحلبية: 3 / 274 .
3 . النواقض للروافض: الورقة 8 .   6 . البيان والتعريف: 3 / 75 .
4 . نزل الابرار: 54.   8 . الصلات الفاخرة: 49 .
5 . اسعاف الراغبين في هامش نور الابصار: 153 .

صفحه 55
23 . محمود الآلوسي البغدادي (المتوفّى 1270 هـ) .1
24 . الشيخ محمود الحوت البيروتي الشافعي (المتوفّى 1276 هـ) .(2)
25 . المولوي وليّ الله اللكهنوي .2
26 . الحافظ المعاصر شهاب الدين الغماري المغربي.3
27 . الشيخ عبد العزيز محمد بن الصدّيق المغربي.4

رابعاً: مَن ألّف في حديث الغدير

وإليك قائمة بأسماء بعض من ألّف في حديث الغدير واسم كتابه أو رسالته ـ ولا ندّعي هنا أنّنا سنذكر كل ما أُلّف بهذا الصدد لأنّ ذلك لا ولن يتوقف إن شاء الله تعالى ـ :
1 . أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، الآملي، (المتوفّى 310 هـ) له كتاب «الولاية في طرق حديث الغدير».
2 . أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني،

1 . روح المعاني: 6 / 195 .   2 . أسنى المطالب: 461 .
2 . مرآة المؤمنين في مناقب أهل بيت سيد المرسلين: 40.
3 . تشنيف الآذان: 77 .
4 . مجلة الموسم: 74، م 2 ـ 1990 م، مهرجان الغدير/ لندن.

صفحه 56
الحافظ المعروف بابن عقدة (المتوفّى 333 هـ) له «كتاب الولاية في طرق حديث الغدير».
3 . أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم التميمي، البغدادي، المعروف بالجُعابي (المتوفّى سنة 355 هـ) له كتاب «مَنْ روى حديث غدير خم».
4 . أبو طالب عبدالله بن أحمد بن زيد الانباري، الواسطي (المتوفّى 356 هـ) له كتاب «طرق حديث الغدير».
5 . أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد الزّراري (المتوفّى 368 هـ) له جزء في خطبة الغدير.
6 . أبو المفضل محمد بن عبدالله بن المطّلب الشيباني (المتوفّى 372 هـ) له كتاب «مَنْ روى حديث غدير خم».
7 . الحافظ علي بن عمر الدارقطني، البغدادي (المتوفّى 385 هـ) قال الكنجي الشافعي في كفايته عند ذكر حديث الغدير: جمع الحافظ الدارقطني طرقه في جزء.
8 . الشيخ محسن بن الحسين بن أحمد النيسابوري، الخزاعي، له كتاب «حديث الغدير».
9 . علي بن عبدالرحمن بن عيسى بن عروة بن الجراح القناني (المتوفّى 413 هـ) له كتاب «طرق خبر الولاية».

صفحه 57
10 . أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري (المتوفّى 411 هـ) له كتاب «يوم الغدير».
11 . الحافظ أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجستاني (المتوفّى 477 هـ) له كتاب «الدراية في حديث الولاية».
12 . أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (المتوفّى 449 هـ) له كتاب «عدة البصير في حجج يوم الغدير».
13 . علي بن بلال بن معاوية بن أحمد المهلبي: له كتاب «حديث الغدير».
14 . الشيخ منصور اللائي، الرازي، له كتاب «حديث الغدير».
15 . الشيخ علي بن الحسن الطاطري، الكوفي: صاحب كتاب «فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)» له «كتاب الولاية».
16 . أبو القاسم عبيدالله بن عبدالله الحسكاني: له كتاب «دعاة الهداة إلى اداء حق الموالاة»، يذكر فيه حديث الغدير.
17 . شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748 هـ) له كتاب «طرق حديث الغدير».
18 . شمس الدين محمد بن الجزري، الدمشقي،

صفحه 58
المقري، الشافعي (المتوفّى 833 هـ) أفرد رسالة في «إثبات تواتر حديث الغدير».
19 . المولى عبدالله بن شاه منصور القزويني، الطوسي له: «الرسالة الغديرية ».
20 . السيد سبط الحسن الجايسي، الهندي، اللكهنوي: له كتاب «حديث الغدير» بلغة الأردو طبع في الهند.
21 . السيد مير حامد حسين ابن السيد محمد قلي الموسوي، الهندي، اللكهنوي (المتوفّى سنة 1306 هـ) ، ذكر حديث الغدير وطرقه وتواتره ومفاده في مجلّدين ضخمين في ألف وثمان صحائف. وهما من مجلّدات كتابه الكبير «العبقات».
22 . السيد مهدي ابن السيد علي الغريفي، البحراني، النجفي (المتوفّى 1343 هـ) له كتاب «حديث الولاية في حديث الغدير».
23 . الحاج الشيخ عباس بن محمد رضا القمي (المتوفّى 1359 هـ ).
24 . السيد مرتضى حسين الخطيب الفتحبوري، الهندي: له كتاب تفسير التكميل في آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)النازلة في واقعة الغدير.

صفحه 59
25 . الشيخ محمد رضا ابن الشيخ طاهر آل فرج الله، النجفي: له كتاب «الغدير في الإسلام».
26 . العلاّمة الشيخ عبد الحسين بن أحمد الأميني النجفي (المتوفّى 1390 هـ)، له: «الغدير في الكتاب والسنة والأدب» في 11 جزءاً .1
***
هذا ما استطعنا أن نعرضه للقارئ الكريم من خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجة الوداع، عسى أن نكون قد ساهمنا في رسم صورة لما بذله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من جهود وتضحيات في سبيل إرشاد أُمتّه وتوضيح معالم الدين الإسلامي الحنيف لأجيال الأُمّة الإسلامية.
نسأل الله أن يوفّقنا للاستنان بسنّته وأن يرزقنا شفاعته في الآخرة وزيارته في الدنيا
والشكر لله وله الحمد على توفيقه للصالحات
جعفر السبحاني

1 . يعد هذا الكتاب موسوعة شاملة لكل ما يتعلّق بخطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في غدير خم في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام عام حجة الوداع. وهو شامل لمناقشات تتعلّق بأسانيد الخطبة ودلالتها وما تثبته وتنفيه .

صفحه 60

فهرس المحتويات

مقدّمة   …5
تهيّؤ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لحجّة الوداع    …6
عدد خطبه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع   …9
   1. خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم السابع والثامن من ذي الحجة   …11
   2. كلماته (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم عرفة   …12
   3. خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عرفة   …17
   4. خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم النحر   …27
   5. خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد الخيف   …35
   6. خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الكعبة   …39
   7. خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خُم   …42
      مَن روى حديث الغدير من الصحابة   …50
      مَن رواه من التابعين   …51
      مَن روى حديث الغدير من الحفّاظ والمؤرّخين   …52
      مَن ألّف في حديث الغدير   …55
فهرس المحتويات   …60

صفحه 61
Website Security Test