welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : رسالة في تأثير الزمان والمكان على استنباط الأحكام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسالة في تأثير الزمان والمكان على استنباط الأحكام

رسالة
في
تأثير الزمان والمكان
على استنباط الأحكام

تأليف

الفقيه المحقق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

تأثير الاَزمنة والاَمكنة على الحكم الشرعي
في كلام الاِمام علي عليه السَّلام

سئل عليه السَّلام عن قول رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم «غيِّـروا الشَّيب (1)ولا تَشبَّهُوا باليهود».

فقال عليه السَّلام : «إنّما قال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم - ذلك والدين قُلٌّ (2)فأمّا الآن وقد اتَّسَعَ نِطَاقُه وضَـرَبَ بِجِرانِهِ فامْرُوٌَ وما اخْتَارَ» (3). (4)


1. يريد غيّـروا الشيب بالخضاب.
2. بضم الكاف أي قليل أهله.
3. أي ان شاء خضَّب وإن شاء ترك.
4. نهج البلاغة، الحكمة 17.


(3)

الكلمة المأثورة عن الاِمام الخميني قدَّس سرَّه
في تأثير الزمان و المكان على الاستنباط

قال الاِمام الخميني قدَّس سرَّه : إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري، وهذا أمر لا بد منه، لكن لا يعني ذلك إنّ الفقه الاِسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكم لكنها تتخذ حكماً آخر على ضوء الاَصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده (1).


1. صحيفة النور : 21|98.


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وعلى عباد اللّه الصالحين .

أمّا بعد:

فهذه رسالة مختصرة وضعتها لتبيين تأثير الزمان والمكان أو تغير الاَحوال والاَوضاع في استنباط الاَحكام الشرعية أوّلاً، والاَحكام الحكومية الصادرة لحل الاَزمات ثانياً، عسى أن ينتفع بها المعنيون بهذه البحوث.

وبما انّ المسألة من المسائل الشائكة والتي لم تطرح في أوساطنا العلمية ولم توَخذ بالتحليل والنقد إلاّ قليلاً آمل أن تكون هذه الرسالة باكورة خير وداعية لروّاد العلم والبحث إلى الخوض فيه على وجه التفصيل.

واللّه من وراء القصد.

جعفر السبحاني



(5)


قد يُطرح الزمان والمكان بما انّهما ظرفان للحوادث والطوارىَ الحادثة فيهما، وقد يطرحان ويراد منهما المظروف، أي تغيّر أساليب الحياة والظروف الاجتماعية حسب تقدّم الحضارة وتغيرها، والثاني هو المراد من المقام.

ثمّ إنّه يجب أن تفسر مدخلية الزمان والمكان بالمعنى المذكور في الاجتهاد، على وجه لا تعارض الاَُصول المسلّمة في التشريع الاِسلامي، ونشير إلى أصلين منها:

الاَوّل: انّ من مراتب التوحيد هو التوحيد في التقنين والتشريع، فلا مشرّع ولا مقنّن سواه، قال تعالى: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون) (يوسف |40) والمراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله:(أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ) .

وقال سبحانه:(قالَ الّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرآنٍ غَيْرِهذا أَو بَدِّلْهُ قُلْما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلقاءِنَفْسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس|15).

الثاني: انّ الرسول خاتم الاَنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

روى زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّهعليه السَّلام عن الحلال والحرام، قال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيىء غيره، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيىء غيره» وقال: قال


(6)

علي - عليه السَّلام - :«ما أحد ابتدع بدعة إلاّ ترك بها سنّة». (1).

ولعلّ أوّل من أشار إلى هذه المسألة من علمائنا هو المحقّق الاَردبيلي، حيث قال:ولا يمكن القول بكلية شيء بل تختلف الاَحكام باعتبار الخصوصيات والاَحوال والاَزمان والاَمكنة و الاَشخاص وهو ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف امتياز أهل العلم و الفقهاء، شكر اللّه سعيهم ورفع درجاتهم. (2)

وهناك كلمة مأثورة عن الاِمام السيد الخميني قدَّس سرَّه حيث قال: إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري، وهذا أمر لابدّ منه، لكن لا يعني ذلك انّ الفقه الاِسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكمٌ لكنّها تتخذ حكماً آخر على ضوء الاَُصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده. (3).

إنّ القول بأنّ عنصري الزمان والمكان لا تمسّان كرامة الاَحكام المنصوصة في الشريعة مما اتفقت عليه أيضاً كلمة أهل السنّة حيث إنّهم صرّحوا بأنّ العاملين المذكورين يوَثران في الاَحكام المستنبطة عن طريق القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها، فتغيير المصالح ألجأهم إلى تغيير الاَحكام الاجتهادية لا المنصوصة، يقول الاستاذ مصطفى أحمد الزرقاء:

وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الاَحكام التي تتبدّل بتبدّل


1. الكافي: 1|58، الحديث 19؛ وبهذا المضمون أحاديث كثيرة.
2. مجمع الفائدة والبرهان:3|436.
3. صحيفة النور:21|98.


(7)

الزمان وأخلاق الناس هي الاَحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، أي التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة من القاعدة المقررة «تغيير الاَحكام بتغيّـر الزمان».

أمّا الاَحكام الاَساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الاَصلية الآمرة، الناهية كحرمة المحرمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود، والتزام الاِنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يُلحقه بغيره، وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الاَذى وقمع الاِجرام، وسد الذرائع إلى الفساد وحماية الحقوق المكتسبة، ومسوَولية كل مكلّف عن عمله وتقصيره، وعدم موَاخذة بريء بذنب غيره، إلى غير ذلك من الاَحكام والمبادىَ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدّل بتبدّل الاَزمان، بل هي الاَُصول التي جاءت بها الشريعة لاِصلاح الاَزمان والاَجيال، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الاَزمنة المحدثة (1)

وعلى هذا فيجب أن يفسر تأثير العاملين بشكل لا تمسُّ الاَصلين المتقدمين، أي أن نحترز أوّلاً عن تشريع الحكم وجعله، وثانياً عن مسّ كرامة تأبيد الاَحكام:

وبما انّ للزمان والمكان تأثيراً في استنباط الاَحكام الشرعية أوّلاً، والاَحكام الحكومية ثانياً نبحث عن كلا الاَمرين في فصلين مستقلين:


1. المدخل الفقهي العام: 2|924 ـ 925.


(8)

الفصل الاَوّل:

تأثير الزمان والمكان
في استنباط الاَحكام الشرعية

إنّ لتغير الاَوضاع والاَحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في استنباط الاَحكام الشرعية، والتأثير يرجع تارة إلى ناحية الموضوع وأُخرى إلى جانب الحكم، وإليك البيان :

الاَوّل: تأثير الزمان والمكان في صدق الموضوعات

قد يراد من تبدّل الموضوع تارة انقلابه إلى موضوع آخر كصيرورة الخمر خلاً والنجس تراباً، وهذا غير مراد في المقام قطعاً. وأُخرى صدق الموضوع على مورد في زمان ومكان، وعدم صدقه على ذلك المورد في زمان ومكان آخر، وما هذا إلاّ لمدخلية الظروف والملابسات فيها. ويظهر ذلك بالتأمّل في الموضوعات التالية: 1. الاستطاعة. 2. الفقر. 3. الغنى. 4. بذل النفقة للزوجة. 5.وإمساكها بالمعروف حسب قوله سبحانه:(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف) (البقرة|231).


(9)

فإن هذه العناوين موضوعات لاَحكام شرعية، واضحة ولكن تختلف محقّقاتها حسب اختلاف الزمان والمكان، فمثلاً: 1. التمكّن من الزاد والراحلة التي هي عبارة أُخرى عن الاستطاعة له محقّقات مختلفة عبر الزمان، فربما تصدق على مورد في ظرف ولا تصدق عليه في ظرف آخر، كما هو الحال في الاِمساك بالمعروف فإنّها تختلف حسب الظروف الاجتماعية، وتبدّل أساليب الحياة ولا بُعد إذا قلنا انّ فقير اليوم غنيّ الاَمس. 2. في صدق المثلي والقيميّ، فقد جعل الفقهاء ضوابط للمثلي والقيمي، ففي ظلها عدّوا الحبوب من قبيل المثليات، والاَواني والاَلبسة من قبيل القيميات، وذلك لكثرة وجود المماثل في الاَُولى وندرته في الثانية، وكان ذلك الحكم سائداً حتى تطوّرت الصناعة تطوراً ملحوظاً، فأصحبت تنتج كميات هائلة من الاَواني والمنسوجات لا تختلف واحدة عن الاَُخرى قيد شعرة، فأصبحت القيميات بفضل الازدهار الصناعي مثليات. 3. في صدق المكيل والموزون على شيء حيث إنّ الحكم الشرعي هو بيع المكيل بالكيل، والموزون بالوزن، لا بالعدّ، ولكن هذا يختلف حسب اختلاف البيئات والمجتمعات، ويلحق بكلّ حكمه. 4. ومن أحكامهما انّه لا تجوز معاوضة المتجانسين متفاضلاً إلاّ مثلاً بمثل، إذا كانا من المكيل والموزون، دون المعدود، وهذا يختلف حسب اختلاف الزمان والمكان، فرب جنس يباع بالكيل والوزن في بلد وبالعدّ في بلد آخر، وهكذا يلحق بكل حكمه. هذا كلّه حول تأثير عنصري الزمان والمكان في صدق الموضوع.


(10)

الثاني: تأثيرهما في ملاكات الاَحكام

لا شكّ انّ الاَحكام الشرعية تابعة للملاكات والمصالح والمفاسد، فربما يكون مناط الحكم مجهولاً ومبهماً وأُخرى يكون معلوماً بتصريح من الشارع، والقسم الاَوّل خارج عن محلّ البحث، وأمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه وملاكه. فلو كان المناط باقياً فالحكم ثابت، وأمّا إذا تغيّر المناط حسب الظروف والملابسات يتغير الحكم قطعاً، مثلاً: 1. لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه، ولم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة، وأصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم، وبذلك حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه وشراوَه. (1)

2. انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الاِسلام، قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم -:«إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور». (2) ومن الواضح انّ ملاك التحريم هو قط والتشفّي، ولم يكن يومذاك أي فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت سوى تلبية للرغبة النفسية ـ الانتقام ـ ولكن اليوم ظهرت فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت، حيث صارت عملية زرع الاَعضاء أمراً ضرورياً يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت.


1. قال السيد الاِمام الخمينيقدَّس سرَّه : لم تكن في تلك الاَعصار للدم منفعة غير الاَكل، فالتحريم منصرف إليه.
2. لاحظ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.


(11)

3. دلّت الروايات على أنّ دية النفس توَدّى بالاَنعام الثلاثة، والحلّة اليمانية، والدرهم والدينار، ومقتضى الجمود على النص عدم التجاوز عن النقدين إلى الاَوراق النقدية، غير انّ الوقوف على دور النقود في النظام الاقتصادي، وانتشار أنواع كثيرة منها في دنيا اليوم، والنظر في الظروف المحيطة بصدور تلك الروايات، يشرف الفقيه على أنّ ذكر النقدين بعنوان انّه أحد النقود الرائجة آنذاك، ولذلك يجزي دفعها من الاَوراق النقدية المعادلة للنقدين الرائجة في زمانهم، وقد وقف الفقهاء على ملاك الحكم عبر تقدّم الزمان.

الثالث: تأثيرهما في كيفية تنفيذ الحكم

1. تضافرت النصوص على حلِّية الفيء والاَنفال للشيعة في عصر الغيبة، ومن الاَنفال المعادن والآجام وأراضي الموات، وقد كان الانتفاع بها في الاَزمنة الماضية محدوداً ما كان يثير مشكلة ، وأمّا اليوم ومع تطوّر الاَساليب الصناعية وانتشارها بين الناس أصبح الانتفاع بها غير محدود، فلو لم يتخذ أُسلوباً خاصاً في تنفيذ الحكم لاَدّى إلى انقراضها أوّلاً، وخلق طبقة اجتماعية مرفّهة وأُخرى بائسة فقيرة ثانياً. فالظروف الزمانية والمكانية تفرض قيوداً على إجراء ذلك الحكم بشكل جامع يتكفّل إجراء أصل الحكم، أي حلّية الاَنفال للشيعة أوّلاً، وحفظ النظام وبسط العدل والقسط بين الناس ثانياً، بتقسيم الثروات العامة عن طريق الحاكم الاِسلامي الذي يشرف على جميع الشوَون لينتفع الجميع على حدٍ سواء.


(12)

2. اتّفق الفقهاء على أنّ الغنائم الحربية تقسّم بين المقاتلين على نسق خاص بعد إخراج خمسها لاَصحابها، لكن الغنائم الحربية في عصر صدور الروايات كانت تدور بين السيف والرمح والسهم والفرس وغير ذلك، ومن المعلوم انّتقسيمها بين المقاتلين كان أمراً ميسراً آنذاك، أمّا اليوم وفي ظل التقدّم العلمي الهائل، فقد أصبحت الغنائم الحربية تدور حول الدبابات والمدرّعات والحافلات والطائرات المقاتلة والبوارج الحربية، ومن الواضح عدم إمكان تقسيمها بين المقاتلين بل هو أمر متعسر، فعلى الفقيه أن يتّخذ أُسلوباً في كيفية تطبيق الحكم على صعيد العمل ليجمع فيهما بين العمل بأصل الحكم والابتعاد عن المضاعفات الناجمة عنها. 3. انّ الناظر في فتاوى الفقهاء السابقين فيما يرجع إلى الحج من الطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح في منى يحسّ حرجاً شديداً في تطبيق عمل الحج على هذه الفتاوى، ولكن تزايد وفود حجاج بيت اللّه عبر الزمان يوماً بعد يوم أعطى للفقهاء روَى وسيعة فيتنفيذ تلك الاَحكام على موضوعاتها، فأفتوا بجواز التوسع في الموضوع لامن باب الضرورة والحرج، بل لانفتاح آفاق جديدة أمامهم في الاستنباط.

الرابع: تأثيرهما في منح نظرة جديدة نحو المسائل

إنّ تغير الاَوضاع والاَحوال الزمنية تضفي للمجتهد نظرة جديدة نحو المسائل المطروحة في الفقه قديماً وحديثاً. ولنذكر بعض الاَمثلة:


(13)

1. كان القدماء ينظرون إلى البيع بمنظار ضيّق ويفسرونه بنقل الاَعيان وانتقالها، ولا يجيزون على ضوئها بيع المنافع والحقوق، غير انّ تطور الحياة وظهور حقوق جديدة في المجتمع الاِنساني ورواج بيعها وشرائها، حدا بالفقهاء إلى إعادة النظر في حقيقة البيع، فجوّزوا بيع الامتيازات والحقوق عامة. 2. أفتى القدماء بأنّ الاِنسان يملك المعدن المركوز في أرضه تبعاً لها دون أيّ قيد أو شرط، وكان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك، ولم يكن بمقدور الاِنسان الانتفاع إلاّ بمقدار ما يعدّتبعاً لاَرضه، ولكن مع تقدم الوسائل المستخدمة للاستخراج، استطاع أن يتسلّط على أوسع مما يُعد تبعاً لاَرضه، فعلى ضوئه لا مجال للاِفتاء بأنّ صاحب الاَرض يملك المعدن المركوز تبعاً لاَرضه بلا قيد أو شرط، بل يحدد بما يعد تبعاً لها، وأمّا الخارج عنها فهو إمّا من الاَنفال أو من المباحات التي يتوقف تملّكها على إجازة الاِمام. وليست هذه النظرة الشمولية مختصة بالفقه بل تعم أكثر العلوم.

الخامس: تأثيرهما في تعيين الاَساليب:

إنّ هناك أحكاماً شرعية لم يحدّد الشارع أساليبها بل تركها مطلقة كي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجع في التقويم علاجاً، وإليك بعض الاَمثلة على ذلك: 1. الدفاع عن بيضة الاِسلام قانون ثابت لا يتغيّـر ولكن الاَساليب


(14)

المتخذة لتنفيذ هذا القانون موكولة إلى مقتضيات الزمان التي تتغير بتغيّـره، ولكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الاِسلام أصل ثابت إلاّ أمر واحد وهو قوله سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِن قُوّةٍ) (الاَنفال|60) وأمّا غيرها فكلّها أساليب لهذا القانون تتغيّـر حسب تغيّـر الزمان. 2. نشر العلم والثقافة أصل ثابت في الاِسلام، وأمّا تحقيق ذلك وتعيين كيفيته فهو موكول إلى الزمان، فعنصر الزمان دخيل في تطبيق الاَصل الكلّـي حسب مقتضيات الزمان. 3. التشبّه بالكفار أمر مرغوب عنه حتى إنّ الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أمر بخضب الشيب وقال: «غيّـروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»، والاَصل الثابت هو صيانة المسلمين عن التشبّه بالكافرين، ولما اتسعت دائرة الاِسلام واعتنقته شعوب مختلفة وكثر فيهم الشيب تغير الاسلوب، ولمّا سُئِلَ علي - عليه السَّلام - عن ذلك، فقال: «إنّما قال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم - ذلك والدين قلّ، فأمّا الآن فقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامروَ وما اختار» (1). 4. انّ روح القضاء الاِسلامي هو حماية الحقوق وصيانتها، وكان الاسلوب المتبع في العصور السابقة هو اسلوب القاضي الفرد، وقضاوَه على درجة واحدة قطعية، وكان هذا النوع من القضاء موَمِّناً لهدف القضاء، ولكن اليوم لمّا دبّ الفساد إلى المحاكم وقلَّ الورع اقتضى الزمان أن يتبدل اسلوب القضاء إلى اسلوب محكمة القضاة الجمع، وتعّدد درجات المحاكم حسب


1. نهج البلاغة: قسم الحكم، رقم 16.


(15)

المصلحة الزمانية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط، وقد ذكرنا كيفية ذلك في بحوثنا الفقهية (1). فزبدة القول هي: 1. انّ عنصري الزمان والمكان لا تَمُّسَانِ حصر التشريع في اللّه سبحانه أولاً، ولا كرامة الكبريات و الاَُصول الشرعية ثانياً. 2. تأثير عنصري الزمان والمكان في محقّقات الموضوع. 3. تأثير عنصري الزمان والمكان في الوقوف على ملاكات الاَحكام. 4. تأثير عنصري الزمان والمكان في كيفية إجراء الحكم. 5. تأثيرها في منح نظرة جديدة نحو المسائل. 6. تأثيرها في تعيين الاَساليب. هذا كلّه في تأثيرهما في الاجتهاد واستنباط الاَحكام الاَوّلية، وأمّا تأثيرهما في الاَحكام الحكومية فسيوافيك البحث عنه في الفصل الثاني:

التفسير الخاطىَ أو تغيير الاَحكام حسب المصالح

قد ظهر ممّا ذكرنا انّ القول بتأثير عنصري الزمان والمكان يجب أن يحدّد بمالا يمس كرامة الاَصلين السابقين: حصر التقنين باللّه سبحانه وتعالى، تأبيد الاَحكام الشرعية غير انّه ربّما يفسر التأثير بنحو خاطىَ وهو تغيير الاَحكام الشرعية حسب المصالح الزمنية وبهذا يبرّر مخالفة بعض


1. انظر نظام القضاء في الشريعة الاِسلامية الغرّاء حيث ذكرنا فيه أنّ تعدّد درجات المحاكم لا ينافي كون القضاء الاَوّل لازم الاِجراء.


(16)

الخلفاء للكتاب والسنّة قائلاً بأنّ للحاكم الاَخذ بالمصالح وتفسير الاَحكام على ضوئها، ولنقدّم نموذجاً. دلّ الكتاب والسنّة على بطلان الطلاق ثلاثاً، وانّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الاَُخرى، يتخلّل بينها رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلاّ طلاقاً واحداً.وقد جرى عليه رسول اللّه والخليفة الاَوّل وكان صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لا يمضي من الطلاق الثلاث إلاّ واحدة منها، وكان الاَمر على هذا إلى سنتين من خلافة عمر، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. (1)

إنّ من المعلوم انّ استخدام الرأي فيما فيه نص من كتاب أو سنة، أمر خاطىَ، ولو صحّ استخدامه فإنّما هو فيما لا نصّفيه، ولمّا كان ذلك يمسّ كرامة الخليفة جاء الآخرون يبرّرون عمله بتغيّـر الاَحكام، بالمصالح والمفاسد، ويعد ابن القيم أحد المتحمّسين لهذا الموضوع فقال: لمّا رأى عمر بن الخطاب انّ مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق لا تندفع إلاّبإمضائها على الناس، ورأى مصلحة الاِمضاء أقوى من مفسدة الاِيقاع، أمضى عمل الناس وجعل الطلاق ثلاثاً ثلاثاً. (2)

يلاحظ عليه: أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد، وأمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق


1. مسلم: الصحيح: باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.
2. أعلام الموقعين:3|48.


(17)

آخر لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع مشروعاً. والعجب انّ ابن القيم توجه إلى ذلك وقال: كان أسهل من ذلك (تصويب الطلقات ثلاثاً) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرّمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه، ثمّ نقل عن عمر بن الخطاب ندامته على التصويب،قال: قال عمر ابن الخطاب: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث. (1)


1. أعلام الموقعين:3|36، وأشار إليه في كتابه الآخر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان:1|336.


(18)

الفصل الثاني

في الاَحكام الحكومية

ثم إنّ ما ذكرناه يرجع إلى دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد والاِفتاء، وأمّا دورهما في الاَحكام الحكومية التي تدور مدار المصالح والمفاسد وليست من قبيل الاَحكام الواقعية ولا الظاهرية، فلها باب واسع نأتي بكلام موجز فيه. إنّ تقدّم العناوين الثانوية على الاَوّلية يحلّ العُقَد والمشاكل في مقامين: الاَوّل: إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الواقعيّ الاَوّلي والحكم الثانوي، فيقدّم الثاني على الاَوّل، إمّا من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفيّ، كتقدّم لا ضرر و لا حرج على الاَحكام الضررية والحرجية، وهذا النوع من التقدّم يرجع إلى باب الاِفتاء والاستنباط. الثاني: إذا كان هناك تزاحم بين نفس الاَحكام الواقعيّة بعضها مع بعض بحيث لو لم يُتدَّخَل في فك العُقَد، وحفظ الحقوق لحصلت مفاسد، وهنا يأتي دور الحاكم والفقيه الجامع للشرائط، المتصدي لمنصب الولاء، بتقديم بعض الاَحكام الواقعيّة على بعض بمعنى تعيين أنّ المورد من


(19)

صغريات أيّ واحد من الحكمين الواقعيين، ولا يحكم الحاكم في المقام إلاّ بعد دقة وإمعان ودراسة للظروف الزمانية والمكانية ومشاورة العقلاء والخبراء. وبعبارة أُخرى: إذا وقع التزاحم بين الاَحكام الاَوليّة فيقدّم بعضها على بعض في ظلّ هذه العناوين الثانوية (1) ويقوم الحاكم الاِسلاميّ بهذه المهام بفضل الولاية المعطاة له، فتصير هذه العناوين مفاتيح بيد الحاكم، يرفع بها التزاحم والتنافي، فمعنى مدخليّة الزمان والمكان في حكم الحاكم عبارة عن تأثيرهما في تعيين أنّ المقام صغرى لاَي كبرى من الكبريات، وأيّ حكم من الاَحكام الواقعية، فيكون حكمه بتقديم إحدى الكبريين شكلاً إجرائيّاً للاَحكام الواقعية ومراعاة لحفظ الاَهمّ وتخطيطاً لحفظ النظام وعدم اختلاله. وبذلك يظهر أنّ حكم الحاكم الاِسلامي يتمتّع بميزتين: الاَُولى: إنّ حكمه بتقديم إحدى الكبريين، ليس حكماً مستنبطاً من الكتاب والسنّة مباشرة وإن كان أساس الولاية وأصلها مستنبطاً ومستخرجاً منهما، إلاّ أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم ووقف على أنّ المقام من صغريات ذلك الحكم الواقعيّ دون الآخر للمقاييس التي عرفتها، يصير


1. العناوين الثانوية عبارة عن: 1. الضرورة والاضطرار. 2. الضرر والضرار. 3. العسر والحرج. 4. الاَهم فالاَهم. 5. التقيّة. 6. الذرائع للواجبات والمحرمات. 7. المصالح العامّة للمسلمين .وهذه العناوين أدوات بيد الحاكم، يحل بها مشكلة التزاحم بين الاَحكام الواقعية والاَزمات الاجتماعية.


(20)

حكمه حكوميّاً وولائياً في طول الاَحكام الاَوّلية والثانوية وليس الهدف من وراء تسويغ الحكم له إلاّ الحفاظ على الاَحكام الواقعيّة برفع التزاحم، ولذلك سمّيناه حكماً إجرائيّاً، ولائيّاً حكوميّاً لا شرعيّاً، لما عرفت من أنّ حكمه علاجيّ يعالج به تزاحم الاَحكام الواقعية في ظلّ العناوين الثانوية، وما يعالج به حكم لا من سنخ المعالَج، ولو جعلناه في عرض الحكمين لزم انخرام توحيد التقنين والتشريع. الثانية: إنّ حكم الحاكم لمّا كان نابعاً عن المصالح العامّة وصيانة القوانين الاِسلامية لا يخرج حكمه عن إطار الاَحكام الاَوّليّة والثانويّة، ولاَجل ذلك قلنا إنّه يعالج التزاحم فيها، في ظلّ العناوين الثانويّة. وبالجملة الفقيه الحاكم بفضل الولاية الالهية يرفع جميع المشاكل الماثلة في حياتنا، فإنّ العناوين الثانوية التي تلوناها عليك أدوات بيد الفقيه يسد بها كل فراغ حاصل في المجتمع، وهي في الوقت نفسه تغيّر الصغريات ولا تمس كرامة الكبريات. ولاَجل توضيح المقام، نأتي بأمثلة نبين فيها مدخليّة المصالح الزمانية والمكانية في حكم الحاكم وراء دخالتهما في فتوى المفتي. الاَوّل: لا شكّ أنّ تقوية الاِسلام والمسلمين من الوظائف الهامّة، وتضعيف وكسر شوكتهم من المحرّمات الموبقة، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ بيع وشراء التنباك أمر محلّل في الشرع، والحكمان من الاَحكام الاَوّلية ولم يكن أيّ تزاحم بينهما إلاّ في فترة خاصة عندما أعطى الحاكم العرفيّ امتيازاً للشركة الاَجنبية، فصار بيعه وشراوَه بيدها، ولمّا أحسّ الحاكم الشرعي آنذاك ـ السيد الميرزا الشيرازي قدَّس سرَّه ـ انّ استعماله يوجب انشباب


(21)

أظفار الكفّار على هيكل المجتمع الاِسلامي، حكم قدَّس سرَّه بأنّ استعماله بجميع أنواع الاستعمال كمحاربة وليّ العصر - عليه السَّلام - (1) فلم يكن حكمه نابعاً إلاّ من تقديم الاَهمّ على المهمّ أو من نظائره، ولم يكن الهدف من الحكم إلاّ بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الاِسلام واستقلال البلاد، ولا يحصل إلاّ بترك استعمال التنباك بيعاً وشراءً وتدخيناً وغيرها، فاضطرت الشركة حينئذ إلى فسخ العقد. الثاني: إنّ حفظ النفوس من الاَُمور الواجبة، وتسلّط الناس على أموالهم وحرمة التصرّف في أموالهم أمر مسلّم في الاِسلام أيضاً، إلاّ أنّه على سبيل المثال ربّما يتوقّف فتح الشوارع في داخل البلاد و خارجها على التصرّف في الاَراضي والاَملاك، فلو استعدّ مالكها بطيب نفس منه فهو وإلاّ فللحاكم ملاحظة الاَهمّ بتقديمه على المهمّ، ويحكم بجواز التصرّف بلا إذن، غاية الاَمر يضمن لصاحب الاَراضي قيمتها السوقية. الثالث:إنّ إشاعة القسط والعدل ممّا ندب إليه الاِسلام وجعله غاية لبعث الرسل، قال سبحانه: (لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بِالبَيّناتِ وأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْط) (الحديد |25). ومن جانب إنّ الناس مسلّطون على أموالهم يتقلّبون فيها كيفما شاءوا، فإذا كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، كما في احتكار المحتكر أيّام الغلاء أو إجحاف أصحاب الحرف والصنعة وغيرهم، فللحاكم الاِسلامي ـ حسب الولاية الاِلهيّـة ـ الاِمعان والدقة والاستشارة


1. عام 1891 م وحكمه كالتالي: بسم اللّه الرحمن الرحيم: «اليوم استعمال التنباك والتتن، بأي نحو كان، بمثابة محاربة إمام الزمان عجل اللّه تعالى فرجه الشريف».


(22)

والمشورة في حلّ الاَزمة الاجتماعية حتى يتبيّن له أنّ المقام من صغريات أيّ حكم من الحكمين، فلو لم تحلّ العقد بالوعظ والنصيحة، فآخر الدواء الكيّ، أي: فتح المخازن وبيع ما احتكر بقيمة عادلة وتسعير الاَجناس وغير ذلك. الرابع: لا شكّ أنّ الناس أحرار في تجاراتهم مع الشركات الداخلية والخارجية، إلاّ أنّ إجراء ذلك، إن كان موجباً لخلل في النظام الاقتصاديّ أو ضعف في البنية الماليّة للمسلمين، فللحاكم تقديم أهمّ الحكمين على الآخر حسب ما يرى من المصالح. الخامس: لو رأى الحاكمُ أنّ بيع العنب إلى جماعة لا يستعملونه إلاّ لصنع الخمر وتوزيعه بالخفاء، أورث فساداً عند بعض أفراد المجتمع وانحلالاً في شخصيّتهم، فله أن يمنع من بيع العنب إلى هوَلاء. إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة التي لا يمكن للفقيه الحاكم غضّ النظر عن الظروف المحيطة به، حتى يتضح له أنّ المجال مناسب لتقديم أي الحكمين على الآخر وتشخيص الصغرى كما لا يخفى. هذا كلّه حول مدخلية الزمان والمكان في الاجتهاد في مقام الاِفتاء أوّلاً ومنصة الحكم ثانياً، وأمّا سائر ما يرجع إلى ولاية الفقيه فنتركه إلى محلّه.

Website Security Test