welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام المضاربة في ثوبها الجديد*
نویسنده :الفقيه المحقّق جعفر السبحاني*

أحكام المضاربة في ثوبها الجديد

صفحه 1
   
    أحكام المضاربة في ثوبها الجديد
أحكام المضاربة
في
ثوبها الجديد

صفحه 2

صفحه 3
أحكام المضاربة
في
ثوبها الجديد
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
 
نشر
مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
4
جعفر السبحاني التبريزي، 1347 هـ . ق ـ
      أحكام المضاربة في ثوبها الجديد / تأليف جعفر السبحاني ـ . قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1396 .
      304 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 598 - 4
      فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
      1 . مضاربه (فقه). الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
3الف 2س/ 3/191 BP    372 / 297
1396
اسم الكتاب:   … أحكام المضاربة في ثوبها الجديد
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   … 1396 هـ ش / 1438 هـ . ق / 2017 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 304 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 965   تسلسل الطبعة الأُولى: 462
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
المضاربة تجارة طيّبة   
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه، محمّد وآله الطاهرين.
أمّا بعد; فقد طلب منّي غير واحد من حضّار بحوثي الفقهية إلقاء محاضرات في أحكام المضاربة لكثرة الابتلاء بها في هذه الأيام خصوصاً بعد قيام الثورة الإسلامية، والتزام البنوك بتطبيق أعمالها على مقتضى أحكام الشريعة، فراجت المضاربة بينها وبين المراجعين إليها، فنزلت عند رغبتهم، في دراسة أحكامها على ضوء «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ (قدس سره)، وأرجو أن تكون نافعة بإذنه سبحانه. وقد تقدّم منّا دراسة الموضوع في سالف الزمان غير أنّ لكلّ مقام مقالاً، ولكلّ زمان كلاماً، ولذلك أعدنا النظر فيها ثانياً.

المضاربة تجارة طيّبة

المضاربة تجارة طيّبة مباركة أمضاها الإسلام لإيجاد التعاون بين أصحاب الثروات والعمّال، فصاحب المال يسعى بماله وثروته، والعامل يسعى بعمله وكَدِّه، ويكون الربح بينهما حسب ما اتّفقا عليه، وليس كلّ مَن يملك المال يُحسن التجارة، كما ليس لكلّ مَن يُحسنها، رأسُ مال، فاحتيج إليها من الجانبين فصارت المضاربة ضرورة اجتماعية، ولأجل ذلك أمضتها الشريعة الإسلامية لدفع الحاجتين، وللقضاء على كنز الأموال في

صفحه 8
الصناديق، وتداولها بين الناس من جانب، واندفاع العمّال إلى مجال العمل من جانب آخر، وفي الوقت نفسه هو أفضل طريق لسدّ باب أكل الربا، فصاحب المال والعامل ينتفعان بعقد المضاربة من الربح الذي يستحصله العامل، فهذا ينتفع بعمله، وذاك برأس ماله الذي هو أيضاً عمل مضغوط، كما أنّ ما يقوم به العامل عمل مُبَسّط، فما ربّما يُنقل عن بعض المخدوعين بالاشتراكية من أنّه لا دور لرأس المال وإنّما الدور كلّه للعمل، غفلةٌ عن واقع المال، فإنّ صاحبه ربّما ناله عن طريق العمل شيئاً فشيئاً حتى بلغ إلى الحاجة التي يستعين بها العامل في تجارته، ولو علم الناس ما في المضاربة من الخير والبركة لضربوا عن الربا صفحاً.
والمضاربة هي المصداق الواضح لقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق، فإنّه أخلقُ للغنى، وأجدرُ بإقبال الحظّ».1
قد كانت الجزيرة العربية، في أغلب المناطق ذات أرض قاحلة ولم يكن للزارعة فيها نشاط بارز، وكان للتجارة هناك دور هامّ خصوصاً في أُمّ القرى وأطرافها، وكانت هي الشغل المهم لسكان هذه المنطقة.
يقول الإمام الصادق(عليه السلام):«كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لا يركبوا بحراً ولا ينزلوا وادياً، فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فأبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأجاز شرطه عليهم».2
وقد ضاربت السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . الوسائل:13، الباب7 من أبواب كتاب الشركة، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث12.

صفحه 9
وضمّت إليه غلامها «مَيسَرة» ليخدمه في الطريق ويعينه في العمل، فرجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من سفره إلى الشام بربح وافر، واشترى لها بضاعة كانت الرغبة إليها في مكّة شديدة، فأدّى ذلك ـ وما رأت السيدة خديجة منه من إدارة فائقة وأمانة محمودة ـ إلى الخطبة والزواج كما هو مذكور في التاريخ.1
وينبغي التنبيه على أمرين:
1. أنّ عقد المضاربة في الإسلام ليس عقداً تأسيسياً أسّسه الشرع حتى يقتصر عند الشكّ في بعض الشروط (ككون رأس المال من النقود المسكوكة) على القدر المتيقّن، لأنّه حينئذ صار كالأُمور التعبّدية التي تؤخذ أجزاؤها وشروطها وموانعها من الشرع.
قلت: «ليس أمراً تأسيسياً» بل عقداً إمضائياً أمضاه الشارع; لما عرفت من أنّ السيدة خديجة الكبرى(عليها السلام)ضاربت مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التجارة، وكان العبّاس عمّ النبي هو ممّن يضارب بأمواله، وعلى هذا فمهما شُكّ من الشروط والموانع يُرجع فيه إلى العرف إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافه.
2. أنّ عقد المضاربة ليس عقداً على خلاف القاعدة، خلافاً لبعضهم حيث تصوّر كونها على خلاف القاعدة مستدلاًّ بأنّ مقتضى القاعدة كون تمام الربح للمالك; لأنّه نماء ماله، غاية الأمر ثبوت أُجرة المثل بالنسبة إلى العامل لاحترام عمله.
***

1 . السيرة النبوية لابن هشام:1/199. ولم يكن النبيّ أجيراً قطُّ، بل كان مضارباً.

صفحه 10

صفحه 11
قال السيد الأُستاذ:    
   

كتاب المضاربة

وتُسمّى قِراضاً، وهي عقد واقع بين شخصين على أن يكون رأس المال في التجارة من أحدهما والعمل من الآخر، ولو حصل ربح يكون بينهما. ولو جعل تمام الربح للمالك يقال له: البضاعة، وحيث إنّها عقد، تحتاج إلى الإيجاب من المالك والقبول من العامل، ويكفي في الإيجاب كلّ لفظ يفيد هذا المعنى بالظهور العرفي، كقوله: «ضاربتُك» أو «قارضتُك» أو «عاملتُك» على كذا، وفي القبول: «قبلتُ» وشبهه.*
يلاحظ عليه: بأنّ موقع رأس المال بالنسبة إلى الربح ليس كموقع الحيوان بالنسبة إلى نتاجه من اللبن والصوف والولد، فإنّ المال المكنوز لا يولّد شيئاً، وإنّما الربح نتيجة شيئين: رأس المال من جهة، وسعي العامل وضربه في الأرض من جانب آخر، فعندئذ يكون الربح وليد أمرين: رأس المال، والسعي، وليس تقسيم الربح بينهما على خلاف القاعدة.
نعم يمكن أن يتّفقا على أُجرة المثل، كما يمكن أن يتّفقا على الربح بالنسبة.
* فيما ذكر(قدس سره) أُمور:
1. تسمية المضاربة قِراضاً.
2. تعريفها.
3. تعريف البضاعة والفرق بينها وبين المضاربة.   

صفحه 12
4. كيفية عقد المضاربة، وكفاية كلّ ما يدلّ على المقصود. وإليك دراسة هذه الأُمور:

1. تسمية المضاربة قراضاً

أقول: المضاربة والقِراض حقيقة واحدة، ولكلّ من التسميتين وجه.
أمّا الأُولى فلأنّ المضاربة من الضرب، أي ضرب العامل في الأرض لتحصيل الربح، والمفاعلة باعتبار كون المالك سبباً له، والعامل مباشراً، ومع ذلك يحتمل أن يكون مجرداً عن معنى المفاعلة، كقول القائل: المسافر، أو سافر، وإطلاق المضاربة لأجل ضرب العامل في الأرض فقط.
وأمّا الثانية فلأنّها من القرض بمعنى القطع، لقطع المالك حصّته من ماله ودفعها إلى العامل ليتّجر بها، أو يقطع شيء من الربح له كما في «التذكرة».1 والأوّل أنسب إذ لا يوجد عند العقد شيء من الربح حتى يقطع له إلاّ إذا أُريد المستقبل، وعليه فالمالك مُقارِضٌ والعامل مُقارَضٌ بالبناء للمفعول، بخلاف المضاربة فإنّ العامل مُضارب بالبناء للفاعل. وأمّا ضارب المال ـ أي المالك ـ فقد ذكر صاحب الجواهر بأنّه لم نعثر على اسم له من المضاربة.(2)
تعريف المضاربة    

2. تعريف المضاربة

قد عرفها العلاّمة(رحمه الله) في «التذكرة» بقوله: عقد شُرّع لتجارة   

1 . تذكرة الفقهاء: 17/6.   2 . جواهر الكلام: 26/336.

صفحه 13
الإنسان بمال غيره بحصّة من الربح.1
فقوله: «بحصّة من الربح» إشارة إلى مغايرتها مع القرض والبضاعة، فالربح في الأوّل للعامل، وفي الثانية لصاحب المال على تفصيل سيوافيك.
ويرد على التعريف أنّ حقيقة المضاربة أمر، والعقد المتكفّل لإنشاء حقيقتها أمر آخر، فالعقد سبب لإنشاء المضاربة وليس نفسَ حقيقتها.
وعرّفها صاحب الجواهر بقوله: المضاربة: دفع الإنسان إلى غيره مالاً ليعمل فيه بحصّة من ربحه.2
وقال السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى»: المضاربة: دفع الإنسان مالاً إلى غيره ليتّجر به على أن يكون الربح بينهما.3
ولا فرق بين التعريفين جوهراً، ويرد عليهما أنّ المضاربة من الأُمور الاعتبارية، والدفع عمل تكويني خارجي، وتجسيد لمضمون العقد لا نفسه.
ثمّ إنّه يظهر من ابن قدامة أنّ المضاربة من مقولة شركة البدن والمال، ولذلك قال: أن يشترك بدنٌ ومال، وهذه، المضاربة تُسمّى قراضاً أيضاً، ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر ليتّجر له فيه، على أنّ ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه.4   

1 . تذكرة الفقهاء:17/5.
2 . جواهر الكلام:26/338.
3 . العروة الوثقى: 5 / 143 ، كتاب المضاربة. تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1420 هـ .
4 . المغني:5/134.

صفحه 14
ولو صحّ ما ذكره، فالأولى أن يقال: إنّ المضاربة كالمزارعة والمساقاة من مصاديق شركة العمل والمال، غاية الأمر، العمل يكون تارة هو: التجارة، وأُخرى: الزرع، وثالثة: السقي، وعدّ الجميع من مصاف واحد أولى، وجعلها من مصاديق الشركة أتقن.
فالأولى أن تعرّف بأنّها عبارة عن اتّفاق شخصين(أو أكثر) في تجارة على أن يكون من أحدهما المال ومن الآخر العمل، ويكون سهم من الربح للمال وسهم منه للعمل.
هذه هي حقيقة المضاربة، أمّا دورالعقد فله دور إنشائها وإيجادها في عالم الاعتبار كما مرّ.

3. تعريف البضاعة والفرق بينها وبين المضاربة

تشترك البضاعة مع المضاربة في دفع المال إلى العامل، غير أنّ الربح في المضاربة بين صاحب المال والعامل، وأمّا البضاعة فقيل: إنّ الربح لصاحب المال، والأولى أن يقال: إنّه لصاحب المال في الصور التالية:
أ. إذا كان العمل تبرعيّاً.
كيفية عقد المضاربة   
ب. أو اشترط في العقد كون الربح لصاحب المال.
ج. أو كان ظاهر العمل قرينة على كونه تبرعيّاً.
وأمّا في غير هذه الصور فللعامل أُجرة المثل.
ثمّ إنّ بعض المتطرّفين يزعمون أنّ الربح كلّه للعامل، قياساً بالاصطياد بالشبكة المغصوبة فإنّ الصيد للصائد لا لصاحب الشبكة.   

صفحه 15
المسألة1. يشترط في المتعاقدين: البلوغ والعقل والاختيار، وفي ربّ المال عدم الحجر لفلس. وفي العامل القدرة على التجارة برأس المال، فلو كان عاجزاً مطلقاً بطلت، ومع العجز في بعضه لا تبعد الصحّة بالنسبة على إشكال. نعم، لو طرأ في أثناء التجارة تبطل من حين طروّه بالنسبة إلى الجميع لو عجز مطلقاً، وإلى البعض لو عجز عنه على الأقوى.*
ومن المعلوم أنّ القائل خرج عمّا عليه أئمّة المسلمين شيعة وسنّة، فإنّ للمال دوراً في حصول الربح، إذا كان المال حلالاً، وأمّا مسألة صيد الصائد بشبكة الغير ـ لو صحّ ـ فهو على خلاف القاعدة فيقتصر على موضعه.

4. كيفية عقد المضاربة

قد حُقّق في محلّه وجود الفرق الواضح بين العبادات والمعاملات، فالقسم الأوّل أُمور توقيفية تتبع في كيفية العمل حكم الشارع، وأمّا الثاني فهو من الأُمور العقلائية فيتبع في كيفية العقد ما عليه العقلاء، وعلى هذا فكلّ لفظ كان ظاهراً في معنى المضاربة فهو كاف، فيمكن أن يكون بنحو من الأُمور الثلاثة أن يقول صاحب المال: «ضاربتك» أو «قارضتك» أو «عاملتك»، ويكفي في القبول ما يكفي في المقصود كقوله: «قبلت».
* ذكر المصنّف هنا أُموراً ثلاثة:   

صفحه 16
1. في شرائط المتعاقدين.
2. ما هو الشرط في خصوص ربّ المال؟
3. ما هو الشرط في العامل؟
ونحن ندرس كلّ أمر على حدّة تباعاً.

1. شروط المتعاقدين:

يشترط في المتعاقدين معاً: البلوغ والعقل والاختيار. فلا تصحّ المضاربة من الصبي والمجنون، والمكره، إلاّ إذا رضي الأخير، وبما أنّ الأصحاب أشبعوا الكلام في شرطية هذه الأُمور الثلاثة في المتعاقدين في غير واحد من أبواب الفقه، فنحن في غنى عن التوسّع في دراسة شرطيتها، بعد قول الإمام علي(عليه السلام): «رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ»،1 وبعد ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة».2
ما هو الشرط في خصوص ربّ المال؟ وما هو الشرط في العامل؟   

2. ما هو الشرط في خصوص ربّ المال؟

هذا كلّه في المتعاقدين وأمّا الشرط في خصوص ربّ المال   

1 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث11.
2 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.

صفحه 17
فالشرط اللازم كونه غير محجور لفلس، فإنّ الحاكم إذا حكم بإفلاس الرجل يكون محجوراً في التصرّف في أمواله، لتعلّق حقّ الغرماء بها.
بقي هنا شيء وهو أنّ المصنّف اشترط في صاحب المال عدم الحجر لفلس، وكان عليه أن يعطف عليه: (أو لسفه)، فإنّ السفيه محجور عن التصرّف في أمواله، إلاّ إذا قامت الضرورة على جوازه.
والعجب أنّ صاحب العروة أقام لفظ «جنون» مكان «سفه»، وقال: وعدم الحجر لفلس أو جنون، والظاهر أنّه من سهو القلم، فإنّ المجنون خرج باشتراط العقل في المتعاقدين، فاللازم أن يُخرج السفيه.
وربّما يقال ـ كما عن صاحب العروة ـ بعدم اشتراط السفه في العامل، وأقرّه على ذلك الأمر قسم من المعلّقين، ولكن الظاهر أنّه شرط في جانب العامل أيضاً لانصراف الأدلّة عن هذا النوع من العقد. نعم للمالك أن يتصرّف في ماله كيف يشاء، بأن يدفع ماله للسفيه ليتّجر به، لكن عمله ليس مشرّعاً، فلا يوصف بالمضاربة، ولو تلف لأجل سفاهته لا يكون ضامناً، لتسليطه على المال كذلك، ولو ربح فالربح لصاحب المال وللسفيه أُجرة المثل، نعم من جعل كونه من مقولة المضاربة يكون الربح حسب ما اتّفقا عليه.

3. ما هو الشرط في العامل؟

قال المصنّف: «وفي العامل القدرة على التجارة برأس المال فلو كان عاجزاً مطلقاً بطلت، ومع العجز في بعضه لا تبعد الصحّة بالنسبة   

صفحه 18
على إشكال. نعم لو طرأ في أثناء التجارة تبطل من حين طروّه بالنسبة إلى الجميع لو عجز مطلقاً وإلى البعض لو عجز عنه على الأقوى».
ذكر المصنّف فروعاً:
1. لو عجز العامل عن العمل على وجه الإطلاق، بطلت المضاربة.
2. لو عجز عن البعض من أوّل الأمر لا تبعد الصحّة بالنسبة إلى ما لا يعجز عنه، على إشكال.
3. لو طرأ العجز في أثناء التجارة بالنسبة للجميع أي كلاًّ وبعضاً يبطل من حين طروئه.
4. إذا طرأ العجز عن البعض دون البعض بطل فيما عجز عنه دون غيره.
وإليك دراسة هذه الفروع:
إذا كان العامل عاجزاً مطلقاً   

الفرع الأوّل: إذا كان العامل عاجزاً مطلقاً

أقول: الغاية من المضاربة هي التجارة برأس المال، وهي المقوّمة لها، فإذا كان رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به وحده وكان قادراً إذا استعان فيها بالغير، فما هو حكمه إذا اشتغل بالعمل مع الاستعانة بالغير؟ فيقع الكلام في الأُمور التالية:
1 . صحّة العقد وبطلانه.
2 . على القول بالبطلان هل الربح إذا عمل بالاستعانة بالغير   

صفحه 19
للمالك أو للعامل؟
3 . فعلى القول بأنّ الربح للمالك فهل للعامل أُجرة المثل أو لا ؟
4 . إذا تلف فهل العامل ضامن أو لا ؟
وعلى كلّ تقدير فإمّا أن يكونا عالمين أو جاهلين، أو المالك عالماً والعامل جاهلاً، أو بالعكس فنقول: قال المحقّق: وإذا أخذ من مال القراض مايعجز عنه، ضمن 1.
أقول: أمّا الأوّل ـ أعني: حكم العقد ـ : فيمكن أن يقال: إنّ القدرة على التجارة بمال المضاربة من مقوّماتها، فإذا كان عاجزاً عن القيام يبطل العقد لعدم المقوّم كما هو الحال في الاستئجار والوصاية، فلو تبيّن عجز الأجير والوصي يكشف عن بطلانه، من غير فرق بين كونهما عالمين أو جاهلين، أو أحدهما عالماً والآخر جاهلاً; لأنّ القدرة شرط واقعي لصحّة العقد، وليس العلم والجهل مؤثّرين فيهما.
وأمّا الثاني: فإنّ الربح تابع للأصل فإذا كان المال للمالك يتبعه الربح، من غير فرق بين كونهما عالمين أو جاهلين أو مختلفين. وبعبارة أُخرى: المعاملة فضولية تتوقّف صحّتها على إجازة المالك، فإذا أجاز تقع له.
وأمّا الثالث ـ أعني: أُجرة المثل للعامل ـ فلأجل احترام عمل المسلم، ولكن ربّما يشترط في استحقاقها عدم كون العامل عالماً بفساد العقد، سواء كان المالك عالماً أم جاهلاً، فعلم العامل وجهله يؤثّران في   

1 . شرائع الإسلام:2/139.

صفحه 20
استحقاق أُجرة المثل وعدمه، وأمّا علم المالك وجهله فليسا بمؤثرين في استحقاق أُجرة المثل وعدمه، فإذا كان العامل عالماً بفساد العقد ومع ذلك اتّجر بعقد فاسد، فقد سلب احترام عمله وأقدم على بذل عمله مجاناً.
ولكن الحق أن يقال: إنّه وإن كان عالماً بفساد العقد لعجزه والنهي عن الاستعانة بالغير لكنّه لم يقدم على بذل عمله بالمجان ولم يسلب حرمة عمله، بشهادة أنّه شرط المشاركة في الربح. فالعلم بفساد العقد لايلازم سلب حرمة عمله، كما هو الحال في كلّ عقد فاسد لم يُقدم الإنسان على بذل المال أو العمل مجاناً مثل الإجارة وغيرها.
نعم قوّى السيد الطباطبائي في كتاب الإجارة، عدم الضمان في صورة العلم بالبطلان فقال: «وكذا في الإجارة على الأعمال إذا كانت باطلة، يستحقّ العامل أُجرة المثل لعمله دون المسمّاة إذا كان جاهلاً بالبطلان، وأمّا إذا كان عالماً، فيكون هو المتبرّع بعمله، سواء كان بأمر من المستأجر أو لا، فيجب عليه ردّ الأُجرة المسمّاة أو عوضها ولايستحقّ أُجرة المثل.1
لو عجز عن البعض   
ولكن الحقّ، التفصيل في مورد الإجارة بين ما إذا كان الفساد مستنداً إلى كون الإجارة بلا أُجرة، فبما أنّ مثل هذا فاسد ومفسد لكونه مخالفاً لمقتضى العقد، فلا يستحقّ الأُجرة، عالماً كان بالفساد أو لا، لأنّه هتك حرمة ماله، ومثله ما إذا جعل مال الغير أُجرة العمل مع علم الأجير له، وأمّا ما سوى ذلك، فالأقوى هو الضمان، لأنّه لم يسلّطه على المنفعة مجاناً   

1 . العروة الوثقى: 5 / 58 ـ 59، كتاب الإجارة، المسألة 16.

صفحه 21
حتى يكون خارجاً عن أدلّة الضمانات ولم يهتك حرمة ماله وإن علم فساده شرعاً.
وأمّا الرابع ـ أعني: ضمان العامل إذا تلف بغير تفريط ـ : فالظاهر أنّه غير ضامن، لكونه من مصاديق: «ما لا يضمن بصحيحه لايضمن بفاسده» فإنّ مال المضاربة غير مضمون على العامل في المضاربة الصحيحة فلا يكون مضموناً عليه في الباطلة; ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان»، وقال (عليه السلام) : «ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن».1
***

الفرع الثاني: لو عجز عن البعض

كان الفرع السابق مبنيّاً على العجز المطلق عن الكلّ والبعض لكن قام بالعمل بالاستعانة بالغير; وأمّا هذا الفرع فالمفروض كونه عاجزاً عن البعض من أوّل الأمر فاحتمل المصنّف الصحّة بالنسبة، وهو خيرة سيد مشايخنا المحقّق البروجردي وحاصله: هو صحّة العقد فيما يقدر، وبطلانه فيما لايقدر، سواء أخذ مال القراض دفعة أو تدريجاً.
قال (قدس سره):اعتبار القدرة على العمل في تحقّق المضاربة عقلاً، لتقوّمها بالمال والعمل، وعدمها (في المقام) بالنسبة إلى جميع المال لكثرته، لايوجب بطلانها، فيما يقدر عليه ويبذله من العمل في بعضه،   

1 . الوسائل: 13، الباب1 من أبواب كتاب العارية، الحديث6.

صفحه 22
فالأقوى صحّتها بالنسبة إلى مايقدر عليه، واستحقاق العامل فيما يعمل به، حصّته من الربح، بل الأمر في الإجارة أيضاً كذلك، وإن كان بينهما فرق من جهة أُخرى. نعم يكون للمستأجر مع جهله خيار التبعّض. 1
يلاحظ عليه: أنّ هنا معاملة ومضاربة واحدة بالمال المشخّص المعلوم، لا تتكثّر ولا تتعدّد، فكيف يصحّ التبعيض في الصحّة فيصحّ فيما يقدر، ويبطل فيما لايقدر، خصوصاً فيما إذا كان مايقدر أقلّ بكثير ممّا لايقدر فهل يمكن هناك استكشاف رضى المالك بالعقد على الأقل الذي لاينفع؟ وربّما يتعلّق غرض المالك بالتجارة بالكلّ لا بالبعض.
نعم، لو علم من قرينة خارجية أنّ هناك مطلوبين متعدّدين، فلا مانع من القول بالتبعيض في الصحّة وعلى ذلك ينقلب الحكم في المواضع الأربعة فتصحّ المضاربة فيما يستطيع، ويكون الربح بينهما لا لخصوص المالك، ولاتكون للعامل أُجرة المثل، كما لايكون ضامناً فيما يقدر، لكونه أميناً فيه.
التفصيل بين أخذ الجميع دفعة أو تدريجاً   
ومنه يظهر النظر في ما أفاده المحقّق الخوئي (قدس سره) من التصحيح في ما يقدر مطلقاً، بحجّة أنّ المضاربة كغيرها من العقود تنحل إلى عقود متعدّدة على أجزاء رأس المال وإن كانت بحسب الإنشاء واحدة، وحالها في ذلك، حال سائر العقود، وحيث إنّ المفروض أنّ العامل ليس بعاجز عن التجارة بجميع أجزاء ذلك المال، وإن كان عاجزاً عن الاتّجار بمجموعه،   

1 . العروة الوثقى: 5 / 151، تعليقة المحقّق البروجردي.

صفحه 23
فلا موجب للحكم بالبطلان من رأس وفي جميع المال 1.
وذلك لأنّ القول بانحلال العقد حسب أجزاء المال أمر غير عرفي، فلو ضارب الرجل بمليون ريال، فعلى الانحلال أنّ هناك مضاربات بعدد الريالات، وهو كما ترى ; بل الحقّ ملاحظة المقدور ومقايسته مع غير المقدور فإذا استكشف تعدّد الرضاء، والمطلوب وأنّ المضارب راض أيضاً بالمضاربة بالقليل مع ترك الكثير، فللصحّة مجال، وإلاّ فلا.
وبذلك يظهر أنّ الميزان استكشاف تعدّد الرضا والمطلوب، سواء كان المقدار المقدور متميّزاً عن غير المقدور أو لا، فما أفاده ذلك المحقّق في ذيل كلامه من عدم الريب في صحّة المعاملة بالنسبة إلى المتميّز المقدور، غير واضح إذا كان رضاؤه مشروطاً بالمعاملة مع الكلّ. وإلاّ فتصح المعاملة مع الأقلّ وإن لم يكن متميّزاً.

التفصيل بين أخذ الجميع دفعة أو تدريجاً

وربّما يفصّل بين ما إذا أخذ الجميع دفعة وما إذا أخذ مايقدر أوّلاً وما لا يقدر ثانياً، فيحكم بالبطلان إذا أخذ الجميع دفعة، وبالصحّة إذا أخذ مايستطيع معه على التجارة أوّلاً ثم أخذ ما يعجز عن التجارة به ثانياً، ولكن لم يمزجه بما أخذه أوّلاً. حكاه في «المسالك» وقال: وربّما قيل: إنّه إن أخذ الجميع دفعة فالحكم كالأوّل، وإن أخذ مقدوره ثم أخذ الزائد ولم يمزجه به، ضمن الزائد خاصّة.2    

1 . المباني في شرح العروة الوثقى: 31/18.
2 . مسالك الأفهام: 4 / 358 .

صفحه 24
يلاحظ عليه: بما لوحظ على الأوّل، فإنّ هناك عقداً واحداً وتعهّداً فارداً، فالأمر يدور بين أحد أمرين:
1. لو كان العجز من التجارة بتمامه مانعاً عن صحّة أصل المضاربة، فكلّ ما يأخذه من هذا المال دفعة أو تدريجاً مبنيّ على العقد الفاسد فيكون الأخذ دفعة وتدريجاً على حدّ سواء.
2. ولو كان مانعاً عن الصحّة بالنسبة إلى الزائد على القدر المستطاع فمقتضاه وإن كان هو التفصيل، لكن نسبة العجز والقدرة بالنسبة إلى ما أخذه أوّلاً وما أخذه ثانياً على حدّ سواء، لاترجيح لأحدهما على الآخر.

تأييد السيد الطباطبائي نظرية التفصيل

ثمّ إنّ السيد الطباطبائي قوّى هذا القول قائلاً بأنّ الأوّل وقع صحيحاً والبطلان مستند إلى الثاني وبسببه، والمفروض عدم المزج.
يلاحظ عليه: بأنّ المفروض وحدة المضاربة، فليس ما أخذه بقدر المقدور متعلّقاً بمضاربة مستقلّة، فإذا ضمّ إليه ما لا يستطيع، تكون نسبة الجميع إلى العقد على حدّ سواء.
وبعبارة أُخرى: أنّه يأخذ المقدور وغير المقدور بنيّة العقد الواقع أوّلاً، فلاوجه لتفكيك ما أخذه أوّلاً عمّا أخذه ثانياً، خصوصاً إذا كان كلّ واحد ممّا أخذ مقدوراً له، وإن كان الجميع غير مقدور.
لو طرأ العجز في أثناء التجارة للجميع ولو طرأ العجز عن البعض دون البعض   
اللّهمّ إلاّ إذا كانت هناك قرينة تكشف عن تعدّد المطلوب والرضاء فيصحّ في المقدور كما مرّ، وعندئذ لافرق بين الأخذ دفعة أو   

صفحه 25
تدريجاً، وحمل الأخذ الأوّل على وقوع المضاربة معاطاة، خلاف المفروض، وإلاّ فيكون في المقام مضاربتان حقيقة.

الفرع الثالث: لو طرأ العجز في أثناء التجارة للجميع

لو طرأ العجز في أثناء التجارة بالنسبة للجميع، فلا يقدر على العمل لا بكلّ رأس المال ولا ببعضه، فلازم ذلك بطلان المضاربة من حين طروء العجز، لأنّ العجز في الأثناء كالعجز في أوّل العقد، وقد عرفت بطلانه.
وأمّا بالنسبة إلى ما سبق فالظاهر صحّته، بناء على تعدّد المطلوب حيث لم يكن عقد المضاربة مقيّداً بالقيام بالعمل إلى آخر الأجل لأنّ الإنسان في معرض الآفات، وهو يكشف عن تعدّد المطلوب.

الفرع الرابع: لو طرأ العجز عن البعض دون البعض

لو طرأ العجز في أثناء التجارة، لكن بالنسبة للبعض دون البعض الآخر، فاشتغل بالعمل بالقدر الميسور، فيأتي فيه ما تقدّم فيما لو عجز عن البعض أوّل العقد من الأُمور الأربعة:
1. صحّة العقد وعدمها.
2. على القول بعدم الصحّة: هل الربح للمالك أو للعامل؟
3. على القول بأنّه للمالك، فهل للعامل أُجرة المثل أو لا؟
4. لو تلف فهل العامل ضامن أو لا؟

صفحه 26
وفي رأس المال أن يكون عيناً، فلا تصحّ بالمنفعة ولا بالدين; سواء كان على العامل أو غيره إلاّ بعد قبضه. وأن يكون درهماً وديناراً، فلا تصحّ بالذهب والفضّة غير المسكوكين والسبائك والعروض. نعم، جوازها بمثل الأوراق النقدية ونحوها من الأثمان ـ غير الذهب والفضّة ـ لا يخلو من قوّة، وكذا في الفلوس السود. وأن يكون معيّناً، فلا تصحّ بالمبهم، كأن يقول: قارضتُك بأحد هذين أو بأيّهما شئت. وأن يكون معلوماً قدراً ووصفاً.*

* في شروط رأس المال

ذكر المصنّف (رحمه الله) في شرائط رأس المال أُموراً:
1. أن يكون عيناً.
2. أن يكون مسكوكاً.
3. أن يكون معيّناً.
4. أن يكون معلوماً قدراً ووصفاً. وإليك دراستها.
من شروط رأس المال: أن يكون عيناً   

الشرط الأوّل: أن يكون عيناً

يشترط أن يكون رأس المال عيناً، فرتّبوا عليه أنّه لا يكفي الدين، سواء أكان على العامل أم على غيره، إلاّ أن يقبضه المالك. ولا المنفعة، ونقدم الكلام في الدين.   

صفحه 27
وما ذكره في المتن هو المشهور بين الأصحاب.
1. قال الشيخ: ومَن كان له على غيره مال ديناً، لم يجز له أن يجعله شركة أو مضاربة إلاّ بعد أن يقبضه ثم يعطيه إيّاه إن شاء.1
2. قال المحقّق: ومن شرطه أن يكون عيناً.2
3. وقال العلاّمة: ولا يجوز القراض على الديون، ولا نعلم فيه خلافاً. قال ابن المنذر: أجمع كلّ مَن نحفظ عنه من أهل العلم أنّه لا يجوز أن يجعل الرجل ديناً له مضاربةً، و]ممّن [حفظنا عنه ذلك: عطاء والحكم وحمّاد ومالك والثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي3.
ثم استُدلّ بما رواه السكوني ـ في الموثّق ـ عن الإمام الصادق(عليه السلام)قال:«قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل له على رجل مال فتقاضاه فلا يكون عنده، فيقول: هو عندك مضاربة، قال: لا يصلح حتى يقبضه».4
ونقل الإجماع في «مفتاح الكرامة»، عن المبسوط والنافع والتحرير والمسالك والروضة والمختلف والتنقيح، وإنّه قال في الرياض: لا خلاف فيه، وأنّه لم يذكره في المقنعة والمراسم والكافي، والمهذّب والوسيلة والغنية والسرائر واللمعة والمفاتيح، ونقل عن الكفاية أنّه قال:   

1 . النهاية:430.
2 . شرائع الإسلام:2/383.
3 . تذكرة الفقهاء:17/25.
4 . الكافي:5/240، برقم 4.

صفحه 28
وقالوا: «الظاهر التأمّل في لزوم هذا الشرط».1
وقد استدلّ على المنع بوجوه:
الأوّل: الإجماع، وهو كما ترى، إذ أنّ المجمعين اعتمدوا على وجوه عقلية كما هي مذكورة في كلماتهم، ومثل هذا الإجماع المدركي لا يكون حجّة، كيف وقد خالف جمع من المتأخّرين. ولم يذكره جمع من المتقدّمين كما عرفت عن «مفتاح الكرامة».
فإن قلت: إنّ عبارة القاضي ابن البراج تحكي عن بطلان المضاربة بغير الأثمان إجماعاً قال: لأنّ المضاربة لا تكون إلاّ بالأثمان التي هي الدنانير والدراهم، ويختلط المالان، وإنّما قلنا هذا لأنّه لا خلاف في أنّ ما ذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك ما يخالفه.2
قلت: إنّ عبارته تدلّ على أنّ المضاربة بالدراهم والدنانير مجمع عليها، وغيرها ليس كذلك، لا أنّ الإجماع انعقد على صحّة غيره، وبهذا أيضاً تفسّر عبارة المشايخ عن الشيخ الطوسي ومَن جاء بعده.
الثاني: ما ذكره السيد الخوئي قائلاً بأنّ المضاربة على خلاف القاعدة فيقتصر على المورد المتيقّن، ثم ذكر في وجه ذلك الأُمور التالية:
الأمر الأوّل: ليس في المضاربة ـ كالمزارعة والمساقاة ـ تمليك من أحد الطرفين ماله للآخر; حيث لا يُملّك المالك العامل إلاّ حصّة من   

1 . مفتاح الكرامة:7/441.
2 . جواهر الفقه:124، رقم المسألة:443.

صفحه 29
الربح، وهي غير متحقّقة بالفعل ; لأنّ المالك لا يَمْلكُ إلاّ أصل ماله، فكيف يصحّ تمليكها لغيره؟ فالقاعدة تقتضي بطلان تمليك الحصّة ولا عموم يقتضي صحّته.1
ثم قال: والحاصل أنّ الصحّة في هذه الموارد التي ليس فيها شيء مملوك للمملّك بالفعل يُملّكه لغيره، تحتاج إلى دليل خاص، فإن كان فهو، وإلاّ فالقاعدة تقتضي البطلان.2
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يكفي في تمليك الربح غير الموجود، وجود المقتضي له وهو رأس المال، فإنّه غالباً ما يكون مبدأ للربح فيصحّ تمليك سهم من الربح للعامل لوجود المقتضي، وعلى هذا فتكون كلّ من المزارعة والمساقاة من مقولة واحدة، فإنّ المصحّح لتمليك غير الموجود، هو وجود المقتضي.
وثانياً: أنّ تمليك الربح تمليك مشروط، أي لو ربحت التجارة فالربح سهم منه، كما أنّ الضرر على المالك بنفس الشرط، وهو غير مذكور ولكنّه متضمّن في الصيغة.
الأمر الثاني: أنّ المضاربة تزيد على غيرها في الإشكال، بأنّها لا تنحصر غالباً بالتجارة مرّة واحدة، بل تكون من التجارة المستمرة والمتعدّدة.
وعلى هذا فلو فرض أنّ رأس المال مائة دينار وكان للعامل   

1 . المباني في شرح العروة الوثقى(موسوعة السيد الخوئي):31/8.
2 . نفس المصدر: 31/9.

صفحه 30
نصف الربح، فاتّجر العامل به واشترى سلعة بمائة دينار ثمّ باعها بمائتي دينار، كان مقتضى العقد اختصاص المالك بمائة(لأجل رأس المال) وخمسين ديناراً (لأجل الربح) واختصاص العامل بخمسين ديناراً فقط.
فلو اشترى بعد ذلك شيئاً بمائتي دينار ثمّ باعه بأربعمائة دينار، فمقتضى العقد أن يكون للعامل مائة وخمسون ديناراً وللمالك مائتان وخمسون ديناراً. وهو مخالف للقاعدة من حيث إنّ المائتين دينار الحاصلة من التجارة الثانية، إنّما هي ربح لمجموع خمسين ديناراً حصّة العامل، ومائة وخمسين ديناراً حصّة المالك. ومقتضى القاعدة أن يكون ربع هذا المبلغ له، والثلاثة أرباع الباقية بينه وبين المالك.
وهذا يعني أن يكون للعامل من مجموع الأربعمائة، مائة، وخمسة وسبعون ديناراً وللمالك منه مائتان وخمسة وعشرون ديناراً فقط، والحال أنّه لا يأخذ إلاّ مائة وخمسين ديناراً. ولازمه أن يكون ربح العامل أيضاً مناصفة بينه وبين المالك، وهو على خلاف القاعدة.
ومن هنا فلو كنّا نحن والقاعدة، ولم يكن هناك دليل على الصحّة، لالتزمنا بفساد عقد المضاربة بقول مطلق، وإنّما قلنا بالصحّة فيها للنصوص الخاصّة. وعليه فلابدّ في تحديد ما يعتبر في الحكم بالصحّة من اتّباع دلالتها، فبمقدار تلك الدلالة يحكم بالصحّة، والباقي بما في ذلك المشكوك يبقى على أصل الفساد.1   

1 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/9.

صفحه 31
توضيح ما ذكره أنّ للعامل من جانب الربح الأوّل(50)درهماً، وللمالك بعد المعاملة 150 درهماً، نتيجة الجمع بين رأس المال وسهمه من الربح.

مقتضى المضاربة الثانية

ولو اتّجر العامل بالمبلغ المذكور وربح (200)، فمقتضى المضاربة تقسيم الربح إلى قسمين (100) للعامل و (100) للمالك، فيصير للعامل (150) درهماً، وللمالك(250) درهماً، هذا مقتضى المضاربة.

مقتضى قاعدة العدل والإنصاف

لكن مقتضى قاعدة العدل والانصاف غير ذلك، وذلك لأنّ لربح العامل ـ أعني:(50) درهماً ـ دوراً في تحقّق الربح الثاني بالربع، حيث إنّه اشترى بـ(200) درهم وربح (200)، فيكون ربع الربح للعامل أي (50) درهماً، والباقي بينهما بحكم المضاربة.
فالباقي ـ أعني: (150) درهماً ـ تقسم إلى قسمين:
(75) للمالك و(75) للعامل، فعلى هذا فيكون سهم العامل (175) درهماً وهي نتيجة: (50) من المعاملة الأُولى و (50) ربحه من رأس ماله و (75) من تقسيم الـ(150) بالتنصيف. وبذلك يرتقي سهم العامل من (150) إلى (175). وأمّا المالك ينزل سهمه من (250)إلى (225) درهماً.
هذا هو تقرير كلام السيد الخوئي.   

صفحه 32
ويلاحظ عليه: بأنّه لا ينكر أنّ لسهم العامل من الربح الأوّل دوراً في الربح الثاني لكن لا بنفسه بل هو بضمّ سهم المالك إليه ـ أعني: (150) ـ فلولا ضم سهم المالك إلى سهمه لما قدرت(50) درهماً لأن تربح (50) درهماً، فإذا كان كذلك فربح (50)درهماً تقسّم بين العامل والمالك، فعلى هذا تكون النتيجة هي نفس ما تقتضيه المضاربة.

بيان ذلك:

إنّ للعامل (50) درهماً من الربح الأوّل ومن الربح الثاني (75). وأمّا ربح الـ(50) الذي يعد رأس مال له في مقابل رأس مال المالك، فيقسم بينه وبين المالك فيصير:
25+50+75=(150) للعامل.
كما أنّ للمالك (150) درهماً من المعاملة الأُولى، و75 من الثانية و 25 درهماً ربح الـ (50).
150+75+25=(250)للمالك.
فتكون النتيجة مطابقة لما تقتضيه المضاربة. فظهر أنّ ما تقتضيه المضاربة نفس ما تقتضيه قاعدة العدل والإنصاف.

إجابة أُخرى عن الإشكال

وقد يجاب عن الإشكال بأنّ المرتكز في المضاربة كون رأس المال في المرتبة الأُولى من المالك وأمّا في سائر المراحل، فمادامت   

صفحه 33
المضاربة قائمة على ساقيها، يكون رأس المال جميع ما يحصل من الربح في تلك الدفعات مع رأس المال الأصلي، من دون أن يستثنى سهم العامل ويكون رأس المال للتجارة الثانية سهم المالك من الربح مع رأس المال الأصلي.1
يلاحظ عليه: بأنّ السيد الخوئي يعترض على ذلك المرتكز، قائلاً بأن جعل سهم العامل من الربح الأوّل جزءاً من رأس المال، على خلاف العدل والانصاف حتى يكون ربحه مشتركاً بينه وبين المالك.

الأمر الثالث لكون المضاربة على خلاف القاعدة

ثمّ إنّ هذا المجيب نقل عن السيد الخوئي أمراً ثالثاً لما يرتئيه، ولكن لم نجده فيما كتبه نجله السيد محمد تقي الخوئي في تقريراته لمباحثّ والده، وإليك ما ذكره:
إنّ الربح بتمامه يتبع رأس المال، فلابدّ من أن ينتقل كلّه إلى المالك لا أن ينتقل سهم منه إلى المالك وسهم آخر منه إلى العامل، لأنّه لابدّ في المعاوضة أن يدخل الثمن في محلّ يخرج منه الثمن، وكذا الربح يدخل في الموضع الذي يخرج منه رأس المال، فدخول بعض الربح في ملك العامل مخالف لهذه القاعدة، نعم، يمكن أن يقال: إنّ الربح كلّه يدخل في ملك المالك أوّلاً ثمّ ينتقل سهم منه إلى ملك العامل قبال عمله، إلاّ أنّه خلاف قانون المضاربة.2   

1 . لاحظ: فقه المضاربة للسيد عبدالكريم الأردبيلي: 26.
2 . فقه المضاربة للسيد عبد الكريم الأردبيلي:24.

صفحه 34
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ رأس المال علّة تامّة للربح ليس بصحيح، بل هو مجرّد مقتض للربح، فإذا لم يكن في المعاملة عامل آخر، يكون الربح بتمامه تابعاً لرأس المال كما في بيع المالك المبيعَ من الآخر، وأمّا إذا كان في حصول الربح أمر آخر كعمل العامل فله سهم، والمفروض أنّ للعمل دوراً في حصول الربح، وعندئذ لا يكون الربح بأجمعه تابعاً لرأس المال، بل ينقسم إلى سهمين حسب ما اتّفقا عليه، قسم يدخل في ملك المالك وقسم يدخل في ملك العامل بلا واسطة، فليس فيه مخالفة للقاعدة.

تقريب لجعل الدين رأس مال

كان البحثّ في جعل الدين رأس مال وقد قلنا بعدم المانع من جعله كذلك.
ربّما يقال تأييداً لما قلناه: إنّه قد عُرّفت المضاربة بتعاريف تشتمل على لفظة (المال) كما تقدّم، حيث قالوا: إنّها تجارة شُرّعت بمال غيره، بحصّة من الربح. إلى غير ذلك من التعاريف.
هذا من جانب ومن جانب آخر عرّفوا البيع بأنّه مبادلة مال بمال، ومن أقسامه بيع السلم والسلف، حيث يبيع ما في الذمّة للمشتري، بمبلغ مأخوذ، فتكون النتيجة جواز جعل الدين رأس مال.
قلت: إنّ تعريف البيع بما ذكر ـ أيضاً ـ تعريف غالبي، وبيع ما في الذمّة ليس إلاّ تحمّل المسؤولية لأن يدفع إلى المشتري في وقت   

صفحه 35
خاص ما باعه له، وإلاّ فلا معنى لبيع ما في الذمّة.
وبذلك فسّرنا الحديث النبوي:«على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» حيث إنّ غالب المحقّقين يتصوّرون أنّ المغصوب في ذمّة الغاصب حتى يؤدّي، وهو كماترى لأنّ المغصوب موجود في الخارج، والذمّة ظرف للكلّي، فكيف يكون ما في الخارج في ظرف الكلّي. ولذلك فسّرنا الحديث بالمسؤولية بمعنى أنّ الغاصب مسؤول عمّا أخذ بردّه، وإلاّ فبمثله أو بقيمته.
ومع ضعف هذا التقريب لا مانع من جعل الدين رأس المال قبل أن يقبضه المالك ثم يقبضه، إذا كان أمراً عرفيّاً، لا يفرق بين كونه ديناً وقبضه ثم دفعه إليه.
نعم لو قام بعمل آخر بمعنى أن يوكل المالك العامل في تعيينه ثم يوقع العقد عليه بالإيجاب والقبول تولية من الطرفين يكون أفضل، لكنّه أمر غير لازم عند العرف.

حديث السكوني

ثمّ إنّ الذي يصدّنا عن القول بصحّة جعل الدين رأس مال، ما رواه الكليني عن السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا يكون عنده، فيقول: هو عندك مضاربة؟ قال: لا يصلح حتى تقبضه منه».1   

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث1.

صفحه 36
وربّما يُردّ الاستدلال به بأنّ المراد هو مَن كان فقيراً لم يكن عنده شيء، وإليه يشير بقوله:«ولا يكون عنده» ومن المعلوم أنّه خارج عن موضوع البحثّ فإنّ الكلام في مَن كان واجداً للدين.1
يلاحظ عليه: أنّ هذا التفسير لا ينسجم مع قوله:«حتّى تقبضه» فإنّ معنى ذلك أنّه واجد لكن لم يكن معه في مجلس العقد، ولذلك قال:«لا يصلح حتى تقبضه منه»، وإلاّ كان اللازم أن يقول: لا يصلح حتى يتمكّن من أداء الدين.
نعم أورد عليه المحقّق الأردبيلي بقوله: وهي مروية في التهذيب عن النوفلي عن السكوني وهما ليسا بموثقين، قيل في الأوّل: إنّه غلا في آخر عمره، والثاني عامّي، وفي السند إبراهيم بن هاشم أيضاً، فتأمّل.2
يلاحظ عليه: أنّه روي في «الكافي» أيضاً بهذا السند، والرجلان ممّن عملت برواياتهما الطائفة في غير مورد، وأمّا إبراهيم بن هاشم فهو فوق الثقة، وقد ورد في حقّه ما يدلّ على أنّه فوق أن يوصف بأنّه ثقة، وإن لم يصفه أهل الرجال بالوثاقة.

جعل المنفعة رأس المال

من شروط رأس المال: أن يكون مسكوكاً   
قد تقدّم في كلام المصنّف قوله:«وفي رأس المال أن يكون عيناً فلا تصحّ بالمنفعة ولا بالدين» ونحن قدّمنا الكلام في الدين، وإليك الكلام   

1 . فقه المضاربة:30.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:10/235.

صفحه 37
في المنفعة. ربّما يفرّق بين الدين والمنفعة بأنّ المال المأخوذ في تعريف المضاربة شامل للمنفعة دون الدين، وهو كماترى.
ثمّ إنّ السيد الخوئي ذكر ما هو الوجه في عدم جعلها رأس المال قائلاً: بأنّ الظاهر من نصوص المضاربة أنّ موضوعها إعطاء المالك ماله إلى العامل كي يعمل به، على أن يكون رأس المال محفوظاً والربح بينهما حسب ما يتّفقان عليه، وهو لا ينطبق على المنفعة حيث إنّها غير قابلة للبقاء نظراً إلى أنّها تتلف بنفسها.1
لا شكّ أنّ المنفعة أمر تدريجي لا يقبل أن يكون رأس المال، فالانتفاع بالسكنى في البيت شيء تدريجي لا يعقل جعله رأس المال.
ويمكن أن يقال: إنّ المراد من جعل المنفعة رأس المال هو الأُجرة، مثلاً لو كان للمالك فندقاً كبيراً وآجره من العامل أو من شخص آخر، ثم يقول: اجعل أُجرة شهر واحد ـ إذا كانت كافية للتجارة ـ أو عدّة شهور، رأس المال فاتّجر به، فعندئذ لا يتوجّه إليه الإشكال الماضي. فجعل المنفعة رأس المال طريق إلى الأُجرة الحاصلة من مورد الإجارة.

الشرط الثاني: أن يكون رأس المال مسكوكاً

قال المصنّف: «وأن يكون درهماً وديناراً فلا تصحّ بالذهب والفضة غير المسكوكين والسبائك والعروض».
أقول: هذا هو الشرط الثاني عند أكثر العلماء.   

1 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/10.

صفحه 38
1. قال الشيخ: لايجوز القراض إلاّ بالأثمان التي هي الدراهم والدنانير. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: يجوز بكل شيء يتموّل، فإن كان ممّا له مِثلٌ كالحبوب والأدهان، يرجع إلى مثله حين المفاصلة، والربح بعده بينهما نصفين، وإن كان ممّا لا مثل له كالثياب والمتاع والحيوان، كان رأس المال قيمته، والربح بعد بينهما. دليلنا: أنّ ما اخترناه مجمع على جواز القراض به، وليس على جواز ما قالوه دليل.
ثم قال: القراض بالفلوس لا يجوز. وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي، وقال محمد: هو القياس إلاّ أنّي أُجيزه استحساناً، لأنّها ثمن الأشياء في بعض البلاد. دليلنا: أنّ ما قلناه مجمع على جواز القراض به، وما ذكروه ليس عليه دليل. والاستحسان عندنا باطل.
ثم قال: لايجوز القراض بالورق المغشوش، سواء كان الغشُّ أقل أو أكثر أو سواء، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كانا سواءً أو كان الغش أقلّ جاز، وإن كان الغش أكثر لم يجز. دليلنا: ما قلناه في المسألة الأُولى سواء 1.
2. قال القاضي ابن البراج: والقراض من العقود الجائزة، وليس يجوز القراض إلاّ بالأثمان من الدنانير والدراهم، ولا يجوز بغيرهما و لايصحّ بالنقرة 2 لأنّها معتبرة بالقيمة كالثياب والحيوان 3.    

1 . الخلاف: 3/459ـ460، كتاب المضاربة، المسألة 1 ـ 3.
2 . النقرة: الفضة المذابة أو الذهب المذاب غير المسكوكين. مجمع البحرين: 3 / 501، مادة «نقر».
3 . المهذب: 1/460.

صفحه 39
وقال أيضاً: لاتكون المضاربة إلاّ بالأثمان التي هي الدنانير والدراهم، وإنّما قلنا هذا لأنّه لا خلاف في أنّ ماذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك مايخالفه... 1.
3. وقال ابن إدريس: ومِنْ شرط ذلك أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير معلومة أو مسلّمة إلى العامل، ولا يجوز القراض بغير الدنانير والدراهم من سائر العروض، فعلى هذا لا يجوز القراض بالفلوس ولا بالورق المغشوش 2.
4. وقال المحقّق: وأن يكون دراهم أو دنانير، وفي القراض بالنقرة تردّد، ولا يصحّ بالفلوس ولابالورق المغشوش، سواء كان الغش أقلّ أو أكثر، ولايصحّ بالعروض 3.
5. وقال ابن سعيد: إنّما يصحّ بالأثمان الخالصة من الغش بشرط ذكر حصّة مشاعة من الربح معلومة 4.
6. وقال العلاّمة: أن تكون من النقدين دراهم ودنانير مضروبة منقوشة عند علمائنا.5
وقال في الإرشاد: ولا يصحّ إلاّ بالأثمان الموجودة المعلومة   

1 . جواهر الفقه: 124.
2 . السرائر: 2/407.
3 . شرائع الإسلام:2/139.
4 . الجامع للشرائع: 314.
5 . تذكرة الفقهاء: 17 / 18، البحث الثالث (في رأس المال).

صفحه 40
القدر المعيّنة.1
وقال في «القواعد»: فلايصحّ القراض بالعروض، ولا بالنقرة، ولابالفلوس، ولا بالدراهم المغشوشة.2
7. وقال ابن قدامة: ولا خلاف في أنّه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير فإنّها قيم الأموال وأثمان البياعات والناس يشتركون من لدن النبيّ إلى زمننا من غير نكير، فأمّا العروض فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب، نصّ عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب، وحكاه عنه ابن المنذر، وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن كثير والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي 3.
   
أقول: للمسألة صور:
1. المضاربة بالنقدين إذا سلما من الغش، وهذا ممّا لا كلام فيه.
2. المضاربة بهما إذا كانا مخلوطين بغيرهما
فلو كان الخلط قليلاً بحيث يتعامل بهما مع العلم، فملحق بالأوّل، بخلاف ما لو كان الخليط كثيراً ويُعدّ غشاً لا يتعامل بهما إلاّ عند الجهل، فلا شكّ في بطلان المضاربة، للنهي عن المعاملة بهما. وسيأتي الكلام فيه في المسألة الثانية.
روى المفضل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام)   

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/447، (قسم المتن) .
2 . قواعد الأحكام:2/333 .
3 . المغني: 5/124.

صفحه 41
فأُلقي بين يديه دراهم، فألقى إليّ درهماً منها. فقال: أيش هذا؟ فقلت: ستوق؟ فقال: وما الستوق؟ فقلت: طبقتين فضّة وطبقة من نحاس، وطبقة من فضّة، فقال: «اكسرها فإنّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه».1

3. المضاربة بالذهب والفضة غير المسكوكين

وقد استدلّ عليه بالإجماع، حيث نسبه العلاّمة إلى علمائنا.2والإمعان في كلماتهم يُعرب عن أنّ الإجماع انعقد على صحّة المضاربة بالأثمان ولم ينعقد على الصحّة بغيرها، لا أنّه انعقد على عدم الصحّة في غير الأثمان، وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا فلاحظ عبارة الشيخ في «الخلاف» والقاضي في «الجواهر». فإنّ الأوّل استدلّ في جميع المراحل الثلاث(المضاربة بالدراهم والدنانير، المضاربة بالفلوس، المضاربة بالورق المغشوش) بأنّه لا خلاف في أنّ ما ذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك ما يخالفه. أي الإجماع منعقد على الصحّة في الأُولى ولم ينعقد على الصحّة في الأخيرتين. وأتى القاضي بنفس العبارة في «جواهر الفقه»3، ويظهر ذلك أيضاً من التدبّر في عبارة ابن قدامة، وعلى ذلك فالإجماع منعقد في الجانب الإيجابي دون الجانب السلبي.
ولو فرض تحقّق الإجماع على النقدين فقد احترز به عن   

1 . الوسائل:13، الباب10 من أبواب الصرف، الحديث5.
2 . تذكرة الفقهاء: 17 / 21، المسألة 202 .
3 . لاحظ : جواهر الفقه: 124.

صفحه 42
السلعة والمتاع، لا عن الذهب والفضة غير المسكوكين، كالسبائك.
والذي يدلّ على الصحّة أنّ المعروف في تعريف المضاربة هو أخذ المال، ولا يشكّ أحد في صدق المال على غير المسكوكين في أحدهما، على أنّ الرائج بين الصاغة جعل السبائك رأس مالهم التي تصاغ منها الحِليّ بأشكالها المختلفة، فصحّة المضاربة بالسبائك التي لها وزن معيّن لا إشكال فيه.

4. المضاربة بالسلعة أو المتاع

وهذا هو الذي يمكن أن يقع موضع النزاع، وإنّ ادّعاء الإجماع على النقدين لغرض إخراج السلعة والعروض.
أقول: لا أجد دليلاً صالحاً لمنع المضاربة بالسلع سوى أمرين:
الأوّل: الإجماع، وقد عرفت أنّ الإجماع على الجانب الإيجابي لا الجانب السلبي.
الثاني: ما استشكله ابن قدامة والعلاّمة الحلّي، وهذا ما ندرسه تالياً.
قال ابن قدامة ـ ما هذه خلاصته ـ : إنّهما إن جعلا رأس المال ثوباً، فإمّا أن يشترطا ردّ ثوب بتلك الصفات أو ردّ قيمته.
فإن شرطا الأوّل فربّما كانت قيمة الثوب في حال المعاملة تساوي ديناراً، ثمّ إنّ العامل يشتغل بعمله يبيع ويشتري إلى أن حصل عنده ديناران1، فلو تمّ الأجل وأراد المالك المفاصلة فهنا فرضان:   

1 . هذا القيد مفروض الوجود في عامّة الصور الأربعة، فلاحظ.

صفحه 43
1. ارتفاع قيمة الثوب حتى لا يوجد مثل ذلك إلاّ بدينارين، فيحتاج العامل إلى أن يصرف جميع ما معه إلى تحصيل رأس المال، فيذهب الربح في رأس المال.
2. انخفاض الأسعار في السوق وصيرورة قيمة الثوب نصف دينار، فعندئذ يشتري العامل ثوباً بنصف دينار فيدفعه إليه، ويبقى نصف دينار، ويأخذ العامل حصّته من النصف المتبقي، وعندئذ يلزم أن يشارك العامل في رأس المال.1
وقد لخّص العلاّمة الإشكال في كلتا الصورتين وقال: لو ارتفعت قيمة الثياب يحتاج العامل ـ عند المفاصلة ـ إلى أن يصرف جميع ما معه إلى تحصيل رأس المال، فيذهب الربح في رأس المال فيتضرّر العامل.
ولو انخفضت حتى يوجد مثله بنصف دينار فيدفعه إليه بعد الاشتراء فيبقى نصف دينار ويأخذ العامل منه حصّته فيحصل بعض رأس المال (عند العامل).2
أقول: لا إشكال في الصورة الأُولى، إذ هي أشبه بما إذا لم تربح المضاربة، فيأخذ المالك رأس ماله، ويرجع العامل صفر اليد.
كما أنّه لا إشكال في الصورة الثانية، وما ذكر من أنّ العامل يشارك المالك في رأس المال، غير تام، لافتراض أنّه اشترى ثوباً بنصف   

1 . المغني:5/124ـ 125.
2 . تذكرة الفقهاء: 17/19، المبحثّ الثالث في رأس المال.

صفحه 44
دينار فدفعه إلى المالك، فحصل عنده تمام رأس المال، ولم يشارك العامل في رأس المال; لأنّه السلعة وقد أخذها المالك بتمامها. وتصوّر أنّه عندما دفع إليه السلعة، كانت قيمتها ديناراً وصارت اليوم نصف دينار غير ضائر; لأنّ المفروض أنّ رأس المال هو السلعة ـ لا القيمة ـ وقد دفعها إلى المالك بتمامها بلا نقص. على أنّ الغرر لو فُرض، جاء من قبل الشرط، حيث شرط أن يرد إليه نفس السلعة.
هذا كلّه إذا جعلت السلعة هي رأس المال، وهناك قسم آخر وهو أن تكون القيمة هي رأس المال.

جعل رأس المال قيمة السلعة

لو اشترطا ردّ القيمة، فإمّا أن يشترطا قيمة الثوب حال المفاصلة، أو قيمته حال الدفع. قيل: والقسمان باطلان.
أمّا الأوّل فلوجهين:
الأوّل: أنّها مجهولة، وأراد أنّ قيمة الثوب يوم المفاصلة مجهولة حين عقد المضاربة، لأنّها أمر استقبالي غير واضح.
يلاحظ عليه: بأنّها وإن كانت عند العقد مجهولة، لكن سيرتفع الجهل عند وقت المفاصلة، وهذا لا يضر. وهذا نظير ما لو شرط في البيع أن يهب له قميصاً بعد شهر وقيمته مجهولة عند العقد، لكنّها معلومة وقت الهبة. ولو قيل بإفساد الجهل يلزم عدم صحّة هذا القسم.
الثاني: أنّ القيمة قد تزيد ـ يوم المفاصلة ـ بحيث تستوعب   

صفحه 45
الأصل والنماء، أي الدينارين فيلزم المحذور الأوّل أي صرف جميع ما مع العامل في تحصيل رأس المال، وقد مرّ بيانه فيما لو جعلت السلعة رأس المال، مثلاً كانت قيمة الثوب يوم العقد ديناراً، وعمل العامل وحصل عنده ديناران، وارتفعت قيمة الثوب إلى دينارين، فأرادا المفاصلة فيلزم أن يدفع إلى المالك الأصل والنماء.
يلاحظ عليه: بما سبق لأنّ هذه الصورة أشبه بما لو لم تربح المضاربة أصلاً فيأخذ المالك رأس المال ويرجع العامل صفر اليد، ولا إشكال فيه.
وأمّا الثاني ـ أعني: جعل الميزان القيمة حال الدفع ـ فظاهر كلام المغني أنّه يشترك مع السابق في نفس التالي وهو صيرورة العامل صفر اليد، حيث يقول: قد تكون قيمته في الحال (حال الدفع) عشرة، وتعود عند المفاصلة إلى (واحد) فيلزم استيعاب الأصل والنماء.1
فعلى هذا فالتالي الفاسد في كلتا الصورتين، شيء واحد.
يلاحظ عليه: بأنّ لازمه عدم صحّة هذا الفرض، وانحصار الصحّة بما إذا كان الميزان قيمة يوم المفاصلة. ولو قيل لإفساد الجهل فيه أيضاً، تنحصر الصحّة بجعل رأس المال نفس السلعة لا قيمتها.

المضاربة بالأوراق النقدية

المضاربة بالأوراق النقدية كالدولار والريال والتومان، قال المصنّف(رحمه الله): «نعم جوازها بمثل الأوراق النقدية ومثلها من الأثمان ـ   

1 . تذكرة الفقهاء:17/19، نقلاً عن المغني.

صفحه 46
غير الذهب والفضة ـ لا يخلو من قوّة، وكذا في الفلوس السود» وأُريد بالفلوس السود ما يكون النقد من غير الذهب والفضة، من النحاس والحديد وغيرهما.
وما استقواه هو المتعيّن، لما عرفت من أنّ الإجماع على الصحّة في النقدين وفي غيرهما لا يوجد إجماع ولا اتفاق ; بل هناك خلاف بين الأصحاب، والحقّ الجواز مطلقاً، فإنّ المضاربة لم تكن معاملة تأسيسية من قبل الشارع حتى نتفحّص عن قيودها وشروطها، بل هي معاملة عرفية كانت رائجة قبل الإسلام، وإنّما جاءت الشريعة لتقويم أودها، والعرف لايفرّق بين الأثمان مثل الدراهم والدنانير والسبائك والنقرة والفلوس إذا كانت المعاملة رائجة بها، حتى المغشوش إذا كان كذلك، فإنّ لكل ذلك قيمة تكون هي رأس المال حقيقة، وليست المعاملات أُموراً تعبّدية يتوخّى فيها نظر الشارع في كلّ جزئي من جزئياته، بل يكفي كونها صحيحة عند العرف وعدم مخالفتها للأُصول المسلّمة الواردة في الإسلام، وبذلك تعرف صحّة ما مال إليه السيد الطباطبائي وإن عدل عنه في آخر كلامه، حيث قال:
من شروط رأس المال: أن يكون معيّناً   
«تأمّل فيه بعضهم (في الإجماع على عدم صحّة المضاربة بالفلوس والعروض) وهو في محلّه، لشمول العمومات إلاّ أن يتحقّق الإجماع، وليس ببعيد، فلا يترك الاحتياط».1   

1 . العروة الوثقى:5/147، كتاب المضاربة، الشرط الثاني.

صفحه 47

الشرط الثالث: أن يكون رأس المال معيّناً

هذا هو الشرط الثالث حسب تعابير القوم، وهو أن يكون معيّناً فلا تصحّ بالمبهم كأن يقول: قارضتك بأحد هذين أو بأيّهما شئت.
إنّ كون رأس المال معيّناً، غير كونه معلوماً قدراً ووصفاً والبحثّ فيما إذا كان مبهماً فقط، وجامعاً للشرط الثاني كما إذا كان أحد الكيسين دنانير والآخر دراهم، وكلّ منهما معلوماً قدراً وجنساً.
قال المحقّق: فلو أحضر مالين، وقال: قارضتك ] بأحدهما أو[ بأيّهما شئت، لم ينعقد بذلك قراض.1
وقال العلاّمة: لو دفع إليه كيسين، وقال: قارضتك على أحدهما، والآخر وديعة ولم يعيّن، أو قال: قارضتك على أيّهما شئت، لم يصحّ.2
وقال في «التذكرة»: الثالث: أن يكون معيّناً، فلو أحضر المالك العين، وقال للعامل: قارضتك على إحدى هاتين الألفين، أو على أيّهما شئت، لم تصحّ لعدم التعيين 3.
وقال الأردبيلي: كان دليل اشتراط الحضور بالمعنى المذكور هو إجماعنا فتأمّل. وقال أيضاً: عدم الجواز بأحد الألفين مثلاً كأنّه الإجماع والجهالة في الجملة، ولكن كونه مضرّاً غير ظاهر 4.    

1 . شرائع الإسلام:2/139.
2 . قواعد الأحكام:2/334 .
3 . تذكرة الفقهاء:17/19.
4 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/234 و 248.

صفحه 48
وقال في «مفتاح الكرامة»: قد تُرِك اشتراط ذلك الشرط في جميع ما عدا الكتب العشرة المذكورة. ويريد من العشرة: التحرير، جامع المقاصد، التذكرة، الإرشاد، والروض، ومجمع البرهان، والمبسوط، والمهذّب، والشرائع، والمسالك 1.
وقال السيد الطباطبائي: الرابع: أن يكون معيّناً، فلو أحضر مالين، وقال: قارضتك بأحدهما أو بأيّـهما شئت، لم ينعقد إلاّ أن يعيّن ثم يوقعان العقد عليه.2
وقال السيد الخوئي في تعليقته: على الأحوط، ولا يبعد عدم اعتباره.3
وقد استدل في «الجواهر» على اعتباره بأنّ المبهم لاوجود له في الخارج وتلزم موقوفية العقد مع التخيير إلى حال وقوعه، وليس في الأدلّة ـ حتى الإطلاقات ـ مايدلّ على مشروعية ذلك، بل لعلّ الأدلّة، قاضية بخلافه ضرورة ظهورها في سببية العقود وعدم تأخّر آثارها عنها وجعل الخيار كاشفاً عن مورد العقد من أوّل الأمر، لا دليل عليه، لكونه مخالفاً للأصل، ومن هنا لم يُحك خلاف في البطلان حتى من القائلين بالجواز مع الجهالة.4   

1 . مفتاح الكرامة: 7/444.
2 . العروة الوثقى:5/148، كتاب المضاربة.
3 . شرح العروة الوثقى(ضمن موسوعة الإمام الخوئي):31/14.
4 . جواهر الكلام: 26/359.

صفحه 49
ويريد من الخيار انتخاب العامل بعد العقد، أحد الشيئين.
يلاحظ عليه: أنّ النكرة وإن لم تكن موجودة في الخارج، في النظرة الفلسفية لكنّها ليست كذلك في النظرة العرفية فالعرف يراها موجودةً في الخارج، بشهادة أنّه يرى مفهوم أحد الكيسين منطبقاً على الخارج، وكفى في ذلك قوله سبحانه ـ ناقلاً عن لسان شعيب النبيّ (عليه السلام) ـ :(إنّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إِحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَني ثَمانِـيَ حِجَج)1 خصوصاً على القول بأنّ قوله هذا كان عقداً، لا اقتراحاً منه لموسى(عليه السلام) والمعاملات أُمور عرفية، وليست أُموراً عقلية، فإذا كان العقد أمراً عقلائياً، يكفي في صحّته، شمول عمومات المضاربة إذا لم يصادم سائر الأُصول.
ولامانع من أن يكون العقد جزء العلّة ويتمّ العقد باختيار العامل أحد الكيسين، والقول بعدم انفكاك الأثر من العقد من باب قياس الأُمور الاعتبارية بالعلل التكوينية، ولم يثبت كون العقد في عالم الاعتبار مؤثّراً تامّاً في حصول الأثر، بشهادة التمليك في الوصية في ظرف العقد، ولكنّها تحصل بعد الموت، ومثله التدبير، أعني قوله: أنت حر بعد وفاتي، والظاهر عدم اعتباره.
نعم، لا فرق بين أن يكون مشاعاً أو مفروزاً بعد العلم بمقداره ووصفه، فلو كان المال مشتركاً بين شخصين، فقال أحدهما للعامل: قارضتك بحصتي في هذا المال، صحّ مع العلم بحصّته من ثلث أو ربع.   

1 . القصص:27.

صفحه 50
من شروط رأس المال: أن يكون معلوماً قدراً ووصفاً   

الشرط الرابع: أن يكون معلوماً قدراً ووصفاً

من شرائط صحّة المضاربة أن لا يكون رأس المال جزافاً بل يكون معلوم القدر.
1 . قال الشيخ: لا يصحّ القراض إذا كان رأس المال جزافاً. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يصحّ القراض ويكون القول قول العامل حين المفاصلة، وإن كان مع كلّ واحد منهما بيّنة، قُدِّمت بيّنة ربّ المال، دليلنا: أنّ القراض عقد شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في الشرع مايدلّ على صحّة هذا القراض، فوجب بطلانه 1.
2 . وقال القاضي: إذا دفع إنسان إلى غيره ثوباً وقال له: بعه فإذا حصل ثمنه فقد قارضتك عليه، كان باطلاً، لأنّ القراض لايصحّ بمال مجهول، وهذا قراض بمال مجهول لاتعرف قيمته وقت العقد 2.
3 . وقال ابن حمزة: القراض الصحيح: ما اجتمع فيه شروط ثلاثة. . . وتعيين مقدار المال3.
4 . وقال ابن إدريس: ومن شرط صحّة ذلك أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير معلومة مسلّمة إلى العامل 4.   

1 . الخلاف: 3/469، كتاب المضاربة، المسألة 17.
2 . المهذب: 1/460.
3 . الوسيلة: 264.
4 . السرائر: 2/407.

صفحه 51
5 . وقال المحقّق: لابدّ أن يكون معلوم المقدار، ولاتكفي المشاهدة، وقيل: يصحّ مع الجهالة، ويكون القول قول العامل مع التنازع في قدره.1
6 . وقال العلاّمة: الثالث: أن يكون معلوماً فلا يصحّ على المجهول قدره، وفي المشاهد إشكال، فإن جوّزناه فالقول قول العامل مع يمينه في قدره.2
ومع ذلك فليست المسألة إجماعية، بل خالف الشيخ الطوسي في «المبسوط»، فصرّح في آخر كلامه بصحّة القراض بالمال المجهول، واستجوده في «المختلف».3
قال ابن سعيد: فإن دفع إليه جزافاً صحّ، والقول قول العامل في قدره مع يمنيه، وكذلك ثمن المبيع والسلم والأُجرة، وقيل: لايصحّ.4
وقال الشهيد في اللمعة: ينبغي أن يكون رأس المال معلوماً عند العقد.5
وقال الأردبيلي: وأمّا دليل عدم الجواز بالمشاهد المجهول، فكأنّه الجهل، ونقل عن الشيخ قولاً بالجواز وأنّه مع الاختلاف وعدم البيّنة،   

1 . شرائع الإسلام:2/139.
2 . قواعد الأحكام: 2 / 334 ; مفتاح الكرامة: 7/445، (قسم المتن) .
3 . لاحظ : مختلف الشيعة: 6/253.
4 . الجامع للشرائع: 314.
5 . اللمعة الدمشقية: 130 ; الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: 4 / 220 .

صفحه 52
القول قول العامل مع اليمين، بل نقل عنه قولاً بالجواز في الجزاف وإن لم يكن مشاهداً، وإنّه قوّاه في «المختلف» محتجّاً بالأصل وأنّ المؤمنين عند شروطهم، وإذ لا إجماع ولا دليل واضح على المنع، فالقول به لعموم الأدلّة غير بعيد، وإن كان خلاف المشهور، والأحوط التعيين.1
هذه هي الأقوال والآراء في المسألة وقد تلخّص أنّ الأقوال ثلاثة:
1. عدم الصحّة مطلقاً وهو الظاهر من الشيخ في «الخلاف»، والقاضي في «المهذّب» وابن إدريس في «السرائر» وغيرهم.
2. الصحّة مطلقاً وهو المنقول عن الشيخ مشاهداً كان أو لا، وقوّاه العلاّمة في «المختلف»، وهو ظاهر كلام ابن سعيد في «الجامع» غاية الأمر عند الاختلاف يقدّم قول العامل لكونه أميناً، ولو أقاما بينة، تقدّم بينة المالك لكونه المدّعي.
3. ما ربّما يلوح من بعض الكلمات التفريق بين المشاهد وغيره، فيجوز في الأوّل لارتفاع الجهل بالمشاهدة على وجه التقريب دون غيرها.
أقول: إنّ للمسألة صوراً:
1. إذا كان رأس المال مجهولاً لا يزول إبهامه حالياً وفي المستقبل لا للعامل ولا للمالك، فلا شكّ في بطلانه لأنّها معاملة سفهية لا تشملها العمومات، وكونه غررياً ثانياً.
2. ما يؤول إلى العلم بعد ساعة أو يوم أو شهر، إمّا بالتوزين أو   

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/248 ـ 249.

صفحه 53
بالعدّ، والظاهر صحّته، لكون المعاملة عقلائية، وشمول الإطلاقات لهذا النوع، وليس الجهل المؤقّت مانعاً من الصحّة، لعدم الفرق عند العقلاء بين العلم من بدء الأمر أو العلم بعد مدّة.
3. إذا كان يؤول إلى العلم للعامل دون المالك، لكن يعتمد المالك عليه لكونه أميناً، فهو في الحقيقة يرجع إلى القسم الثاني.
4. تلك الصورة ولكن العامل لم يكن أميناً بالنسبة إلى تعيين مقدار رأس المال، والقول بالصحّة في هذه الصورة مشكل، وليس للمالك التدخّل في المعاملة بحجّة أنّ الناس مسلّطون على أموالهم لما قلنا من أنّ الناس لهم السلطة على أموالهم لا على أحكام الأموال الشرعية، فالحديث ليس مشرّعاً.
وبذلك ظهر ما هو الأقوى بالصحّة.
ولأجل كون المسألة ذات صورتين احتاط السيد المحقّق الخوئي في المسألة وقال: على الأحوط الأولى، نعم أفتى السيد الطباطبائي في المتن باشتراط كونه معلوماً مدة ووصفاً ولاتكفي المشاهدة وإن زال به معظم الغرر. 1
إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية: إنّ اللازم من الشروط المقرّرة لرأس المال هو عدم كونه ديناً للنصّ وأمّا الشروط الباقية فلا دليل عليها، ومَن زعم أنّ المضاربة على خلاف القاعدة احتاط في هذه الشروط، وعلى   

1 . العروة الوثقى: 5 / 148، كتاب المضاربة، الشرط الثالث، تعليقة السيد الخوئي.

صفحه 54
وفي الربح أن يكون معلوماً، فلو قال:«إنّ لك مثل ما شرط فلان لعامله» ولم يعلماه، بطلت.
وأن يكون مشاعاً مقدّراً بأحد الكسور كالنصف أو الثلث، فلو قال: على أنّ لك من الربح مائة والباقي لي، أو بالعكس، أو لك نصف الربح وعشرة دراهم مثلاً، لم تصحّ.
وأن يكون بين المالك والعامل لا يشاركهما الغير، فلو جعلا جزءاً منه لأجنبيّ بطلت، إلاّ أن يكون له عمل متعلّق بالتجارة.*
ما ذكرنا فيجوز المضاربة بالدنانير والدرهم المسكوكين والسبائك والفلوس والأوراق النقدية كالريال والدولار، وغير المعيّن حتى المجهول مقداراً بشرط أن يؤول إلى العلم.

* شرائط الربح

حاصل ما ذكره المصنّف أنّه يعتبر في الربح الشروط التالية:
1. أن يكون معلوماً، لا مجهولاً.
2. أن يكون مشاعاً مقدّراً بأحد الكسور.
أن يكون الربح معلوماً    
3. أن يكون الربح مشتركاً بين المالك والعامل لا يشاركهما غيرهما.
إنّ الربح من أركان المضاربة، والغاية من تشريعها هي الاسترباح، فيقع الكلام في شروطه:   

صفحه 55

الشرط الأوّل: أن يكون الربح معلوماً

الربح يجب أن يكون معلوماً، فلو قال: إنّ لك مثل ما شرط فلان لعامله، ولم يعلماه، بطلت.
ويدلّ عليه أنّ الغاية من المضاربة هو تملّك كلّ واحد من المالك والعامل حصّة من الربح، والمملوك يجب أن يكون متعيّناً، والمبهم لا يكون مملوكاً.
وعلّله الأردبيلي بأنّ عدم التعيين مستلزم للجهل الموجب للبطلان.1
فإن قلت: لماذا لا يرجع إلى أُجرة المثل؟
قلت: الكلام في صحّة المضاربة، والرجوع إلى أُجرة المثل عند فساد المضاربة، ونحن بصدد تحديد المضاربة الصحيحة.
وأمّا ما مثّل له المصنّف من قوله:«لك مثل ما شرط فلان لعامله، ولم يعلماه» فهو كما قال من غير فرق بينما لو بقيا على الجهل أو تبيّن في المستقبل، فإنّ الجهل بمقدار النصيب عند انعقاد العقد موجب للغرر ولو تبيّن بعد حين.
فإن قلت: قد سبق في مورد رأس المال، بأنّ الجهل بمقداره ووصفه، لا يضرّ إذا كان يؤول إلى العلم، فليكن المقام أيضاً كذلك.   

1 . مجمع الفائدة والبرهان:10/250ـ 251.

صفحه 56
قلت: الفرق بين المقامين واضح فإنّ الجهل هناك لا يورث الضرر، إذ بعد ساعة يقف كلّ على مقداره، من دون إيراث ضرر بخلاف المقام بعد ما تبيّن، فربّما يكون العامل في المقام أقوى أو أضعف من عامل الغير، فالتسوية بينه وبين غيره إمّا يورث الضرر على العامل أو على المالك فيوصف بكونه غررياً مخطوراً على الطرفين.
أن يكون الربح مشاعاً مقدّراً بأحد الكسور كالنصف أو الثلث   

الشرط الثاني: أن يكون الربح مشاعاً مقدّراً بأحد الكسور كالنصف أو الثلث

قال المحقّق: الثالث: في الربح: ويلزم الحصّة بالشرط دون الأُجرة على الأصحّ، ولا بدّ أن يكون الربح مشاعاً.1
وعلّق عليه الشهيد الثاني بقوله: المراد بالمشاع أن يكون بأجمعه مشتركاً بينهما، ويخرج به أُمور: الأوّل: أن يُجعل لأحدهما شيء معيّن والباقي للآخر.2
قال العلاّمة في شروط الربح:الشرط الرابع: أن يكون العلم به من حيث الجزئية المشاعة، كالنصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك من الأجزاء الشائعة، لا بالتقدير، فلو قال: قارضتك على أنّ لك من الربح مائة والباقي بيننا بالسوية، فسد القراض، لأنّه ربّما لا يربح إلاّ ذلك القدر، فيلزم أن يختصّ به أحدهما.
وكذا إذا قال: على أنّ لي من الربح مائة والباقي بيننا، لم   

1 . شرائع الإسلام:2/140.
2 . مسالك الأفهام:4/364.

صفحه 57
يصحّ القراض.
وكذا لو قال: لك نصف الربح سوى درهم، أو: لك نصف الربح ودرهم.1
وقال العلاّمة في «القواعد»: فلو قال: على أنّ لك من الربح مائة والباقي لي، أو بالعكس... بطل.2
وعلّله المحقّق الثاني في شرحه على «القواعد» بقوله: إنّما لم يصحّ هنا لأنّه ربّما لا يربح إلاّ ذلك القدر، فيلزم أن يختصّ به أحدهما، وهو خلاف مقتضى العقد.3
إلى غير ذلك من الكلمات.
وعلى هذا أفتى المصنّف بأنّه لا يصحّ أن يقول: على أنّ لك من الربح مائة والباقي لي، أو بالعكس. أو يقول: لك نصف الربح وعشرة دراهم.
لا يشكّ أنّ ما أفتى به المصنّف هو الموافق لكلمات العلماء، غير أنّ فيما ذكروه تأمّلاً واضحاً:
أوّلاً: أنّ المضاربة ليست من العقود التي أسّسها الشرع حتى نتفحّص عن قيودها وشروطها وموانعها، إذ عندئذ تصبح كالعبادات ولكنّها ـ كما مرّ ـ كانت معاملة رائجة قبل بعثة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ضاربت   

1 . تذكرة الفقهاء:17/56.
2 . قواعد الأحكام:2/337.
3 . جامع المقاصد:8/84.

صفحه 58
السيدة خديجة(عليها السلام)مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ كما هو معروف ـ فعلى هذا فما صحّحه العرف فهو الممضى عند الشرع، ومن المعلوم أنّ هذه القيود ليست في العرف العام، بل أنّ غاية ما يستفاد من الروايات أنّه لو كان الربح لصاحب المال فهو البضاعة، ولو كان الربح للعامل فهو القرض، وما كان بينهما فهو المضاربة.
وعندئذ يجوز ما ذكر من الصورتين وغيرهما، ما لم يكن هناك منع من الشارع.
وثانياً: أنّ الروايات تركّز على الأمر الثالث، أي كون الربح بينهما، حذراً عن البضاعة والقرض.
وبعبارة أُخرى: تركّز على أن يكون لكلّ من المالك والعامل سهم، وهو متحقّق على عامّة الصور، ولو لم تكن كسور في البين.
1. روى الشيخ عن أبي بصير المرادي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يقول للرجل: ابتاع لك متاعاً والربح بيني وبينك؟ قال:«لا بأس».1
2. روى الكليني بسنده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام):مَن اتّجر مالاً واشترط نصف الربح فليس عليه ضمان».2
3. وروى الشيخ في «التهذيب» عن إسحاق بن عمّار، عن   

1 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث2.

صفحه 59
أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن مال المضاربة؟ قال:«الربح بينهما والوضيعة على المال».1
والمحصّل من هذه الروايات هو كون الربح مشتركاً بينهما غير مختصّ بأحدهما، لتخرج البضاعة والقرض، وأمّا سائر الصور فلم يرد النهي عنها مع كونها رائجة في العرف، ففي المثال الأوّل يقول:«على أنّ لك من الربح مائة والباقي لي» فلا شكّ أنّه يصدق كون الربح بينهما، غاية الأمر ـ لأجل رغبة العامل في العمل ـ يحدّد الربح بأنّ له من الربح مائة والباقي للمالك، وهكذا العكس، وما ذكره المصنّف بأن يكون مشاعاً مقدّراً بأحد الكسور كالنصف أو الثلث، لا دليل على اختصاصه بما ذكر، بل اللازم كون الربح بينهما، وهذا يتجلّى بصور مختلفة كالنصف والثلث وغيرهما من المثالين في المتن، إذ في جميع الصور يصدق أنّ الربح بينهما.
ومنه يظهر الحال في المثال الثاني، أعني: لك نصف الربح وعشرة دراهم، حيث إنّ المالك ـ لإيجاد الرغبة في العامل ـ يضاربه بالنصف مضافاً إلى عشرة دراهم، فيصدق أنّ الربح بينهما بالمشاركة من دون أن يختصّ بأحد الطرفين.
نعم هنا سؤال وهو: من أين يعلم أنّ المضاربة ستربح حتى يشترط في المثال الأوّل أنّ للعامل مائة، والباقي للمالك، وفي المثال الثاني بأنّ للعامل النصف مضافاً إلى عشرة دراهم؟   

1 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث5.

صفحه 60
والجواب: أنّه ربّما يحصل الوثوق بالربح للتجارب السابقة، غاية الأمر أنّ هذا القيد مشروط بوجود الربح وإلاّ لم يؤثر شيئاً على العامل.
نعم لو كان معناه أنّ على العامل أن يدفع للمالك هذا المبلغ، سواء ربحت التجارة أو لا، فهو شرط باطل.
فإن قلت: إطلاق العقد يقتضي المشاركة بالإشاعة، فتخصيص شيء للعامل أو للمالك ينافي ذينك القيدين، أعني: المشاركة بالإشاعة.
قلت: أمّا القيد الأوّل (أعني: المشاركة) فالمفروض أنّ الربح بينهما وليس للمشاركة معنى سوى كون الربح بينهما، وأمّا القيد الثاني ـ أعني: (المشاع) ـ أي اشتراك كلّ من المالك والعامل في كلّ جزء من أجزاء الربح حتى لا يصحّ تخصيص شيء بالعامل بأحد الوجهين، فهو مقتضى إطلاق العقد، وترفع اليد عنه بالقيد.
وحاصل الكلام: أنّ هنا فرقاً بين كون شيء من آثار مطلق العقد ـ أي مطلق عقد المضاربة ـ وكونه من آثار العقد المطلق ـ أي المضاربة المطلقة ـ فلو كان أثراً للأوّل فلا يمكن تغييره، لأنّه يصبح شرطاً منافياً لمقتضى العقد، وأمّا لو كان من آثار العقد المطلق فيمكن رفع اليد عنه بالتقييد.
إذا تبيّن ذلك فنقول: إنّ الإشاعة بمعنى أنّ كلاًّ من المالك والعامل شريكاً في كلّ جزء، إنّما هو من آثار العقد المطلق، دون مطلق العقد، والإطلاق ترفع عنه اليد بالتقييد. بمعنى إن عقدا وسكتا يترتّب عليه الشركة بالإشاعة، دونما إذا لم يسكتا وأخرجا شيئاً معيّناً خاصّاً لطرف   

صفحه 61
منهما، فعندئذ يبطل أثر الإطلاق بالتقييد.
وبذلك تظهر صحّة المثالين في كلام المصنّف وهو أن يجعل للعامل النصف مضافاً إلى عشرة دراهم معيّناً والبقية للآخر وبالعكس، لما عرفت من أنّ الإشاعة بمعنى مشاركة كلّ من المالك والعامل في جزء من الأرباح من مقتضيات المضاربة المطلقة، لا من مقتضيات مطلق المضاربة. وعلى ذلك فكلّ شرط لم يكن مخالفاً لمقتضى العقد أو حكم الكتاب والسنّة، أو لم يكن غررياً ولا ربوياً ونحوهما، يكون نافذاً بحكم أدلّة الشروط وإطلاقات وجوب الوفاء بالعقد.
وحصيلة الكلام في المثالين وما أشبههما هو: أنّه لا دليل على كون المضاربة على أساس خصوص الكسور من النصف والثلث، بل هو أحد طرقها.
ثمّ إنّ الشركة وإن كانت مقوّمة للمضاربة حتى تخرج البضاعة والقرض عن حدّها، لكنّها موجودة في المثالين وغيرهما، وأمّا الإشاعة فإن أُريد اشتراك كلّ من المالك والعامل في كلّ جزء، فهذا لا دليل على لزومه بل هو مقتضى العقد المطلق، لا مطلق العقد، فترفع اليد عنه بالتقييد.
وأمّا كونه بمعنى عدم الإفراز فهو شرط محقّق.

فتاوى شاذّة للأعلام الأربعة

قد عرفت أنّ فتوى المشهور من بطلان عقد المضاربة في المثالين وغيرهما لا يخلو من تشديد، ويقابله في التفريط ما روي عن عدّة   

صفحه 62
من مشايخ الإمامية:
1. قال المفيد: وإذا دفع الإنسان إلى تاجر مالاً ليتّجر به على أنّ الربح بينه وبينه، لم تنعقد بذلك شركة، وكان له أُجرة مثله في تجارته.1
2. قال الشيخ:... وأعطاه المال ليضارب له به، كان للمضارب أُجرة المثل. وكان الربح لصاحب المال والخسران عليه، وقد روي: أنّه يكون للمضارب من الربح مقدار ما وقع الشرط عليه من نصف أو ربع أو أقل أو أكثر، وإن كان خسراناً فعلى صاحب المال.2
3. قال أبو الصلاح الحلبي: وإمضاء شرطها أفضل، فإن تنازعا فللمضارب أُجرة مثله.3
وقوله صريح في أنّ للمالك الخيار في نقض العقد، ودفع أُجرة المثل، ولكن العمل بالعقد أفضل، وهو عجيب.
4. وقال سلاّر: والمضاربة أن يسافر رجل بمال رجل، فله أُجرة مثله ولا ضمان عليه.4
وعلى كلّ تقدير فهذا القول وإن صدر من المشايخ العظام، قول شاذ في مقابل إطباق الفقهاء وسيرة المسلمين على أنّ العامل ينتفع بحصّته من الربح لا بأُجرة المثل.
أن يكون الربح مشتركاً بين المالك والعامل فقط   
***   

1 . المقنعة:632.
2 . النهاية:428.
3 . الكافي في الفقه:347.
4 . المراسم:182.

صفحه 63

الشرط الثالث: أن يكون الربح مشتركاً بين المالك والعامل فقط

إذا شرطا أن يكون جزء من الربح لأجنبي عنهما، أو لعبد واحد منهما، فهل يصحّ أو لا؟ أقوال، وإليك صور المسألة:
1. أن يجعل جزء من الربح لأجنبي عنهما، ولكن كان له عمل مخصوص في المضاربة بأن يحمل لهم المتاع إلى السوق، أو أن يدلّل عليه، ونحوه من الأعمال الجزئية المضبوطة، فلو أطلق عليه الأجنبي عند ذاك، فلأجل أنّ العامل عبارة عمّن كان قائماً بجميع الأعمال، لا ما ينحصر عمله في الحمل والنقل أو في المحاسبة ونحوهما، فالظاهر صحّته; لأنّ الأجنبي لا يعمل تبرّعاً بل لغاية الأُجرة فيكون من مؤنة التجارة، فلا فرق بين أن يقدّر أُجرته بشيء معيّن أو تكون أُجرته سهماً من الربح، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إذا كان الأجنبيّ خارجاً عن طرف المضاربة يكون أجيراً، يجب أن تكون أُجرته معيّنة، ولا تصحّ أن تكون سهماً من الربح، لاحتمال عدمه.
2 . أن يجعل جزء لأجنبيّ من غير أن يكون له عمل متعلّق بالتجارة، قال الخرقي في متن المغني: وإذا شرطا جزءاً من الربح لغير العامل نظر، فإن شرطاه لعبد أحدهما أو لعبديهما صحّ وكان ذلك مشروطاً لسيده، فإذا جعلا الربح بينهما وبين عبديهما أثلاثاً كان لصاحب العبد الثلثان، وللآخر الثلث.
وإن شرطاه لأجنبي أو لولد أحدهما أو امرأته أو قريبه، وشرطا عليه عملاً مع العامل، صحّ وكانا عاملين، وإن لم يشترطا عليه عملاً لم   

صفحه 64
تصحّ المضاربة، وبهذا قال الشافعي، وحُكي عن أصحاب الرأي أنّه يصح، إلى أن قال: إنّ ربّ المال يستحقّ الربح بحكم الأصل، والأجنبي لايستحقّ شيئاً، لأنّه إنّما يستحقّ الربح بمال أو عمل، وليس هذا واحداً منهما، فما شرط لايستحقّه فيرجع إلى ربّ المال كما لو ترك ذكره 1.
وقد علّل عدم الصحّة بأُمور:
1. أنّ الربح يستحقّ بمال أو عمل، والأجنبيّ ليس واحداً منهما، وهذا ما يستفاد من كلام الخرقي.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا يتمّ إذا كان لغيرهما دور في أمر التجارة، فعندئذ لا مانع من أن يكون له سهم في الربح لغاية العمل، نعم ليس هو طرف العقد ولكن يذكر في نفس العقد بأنّ للعامل سهم من الربح.
ثانياً: انحصار الربح فيهما ليس من مقوّمات المضاربة عرفاً ولأجله لايعدّ شركة الدولة بمقدار الضريبة مخالفاً للمقتضي، والشاهد على ذلك أنّ العرف لا يراه مناقضاً لمفهوم المضاربة، وهذا بخلاف ما إذا باع بلا ثمن وآجر بلا أُجرة، حيث يرى اشتراط عدم الثمن والأُجرة مخالفاً لمفهومهما.
2. ما ذكره المحقّق الخوئي(قدس سره) من أنّه من قبيل تمليك المعدوم، وليس لدينا عموم أو إطلاق يشمل تمليك ما لا يملك.2
يلاحظ عليه: بأنّه لو كان من قبيل تمليك المعدوم لَعمَّ   

1 . المغني: 5/146.
2 . المباني في شرح العروة الوثقى: 31/16ـ17.

صفحه 65
الإشكال للعامل، فكيف يُملّك النصف للعامل مع أنّه غير موجود؟ والحلّ أنّ التمليك صحيح لوجود المقتضي، وإن لم يكن الربح موجوداً بالفعل، وإن شئت قلت: إنّه من قبيل التمليك المشروط، وليس أمراً غريباً، وكم له من نظير، وذلك كما في نذر النتيجة على القول بصحّته، فإذا قال: لو أنتجت شاتي هذه توأمين فهما وقف للّه، أو نذر لزوّار ضريح الإمام، فالتمليك فعليّ مع أنّ المملوك غير موجود، ويكفي في التصحيح وجود المقتضي أو الاشتراط: أي إن أنتجت.
3. أنّ مقتضى القاعدة تبعية المنافع بأكملها لرأس المال في الملكية، وإنّما خرجنا عنها في المضاربة حيث يكون بعض الربح للعامل بالدليل الخاص، وحيث لا دليل على جواز الجعل للأجنبي يكون باطلاً لا محالة، بعد أن لم يكن له شيء من رأس المال أو العمل.1 وما ذكره متّحد مع كلام الخرقي.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره متّحد مع كلام الخرقي، ولا يتمّ إذا كان لغيرهما دور في التجارة، أضف إلى ذلك: أنّ كون الربح في مقابل الربح والعمل. وبعبارة أُخرى: انحصار الربح بينهما من آثار المضاربة المطلقة، لا مطلق المضاربة، فلا مانع من تقييد الإطلاق بالشرط، فيكون واجب الوفاء حسب الإطلاقات، والعمومات، فالربح تابع للمال، ولكنّه ليس على نحو لا يقبل الانفكاك بالاشتراط بدليل انفكاكه في مورد العامل، والحاصل: أنّ كون الربح تابعاً للمال من قبيل المقتضي، لا العلّة التامّة.

1 . المباني في شرح العروة الوثقى: 31/16ـ17.

صفحه 66
اشتراط الاسترباح بالتجارة   
المسألة2. يشترط أن يكون الاسترباح بالتجارة، فلو دفع إلى الزارع مالاً ليصرفه في الزراعة ويكون الحاصل بينهما، أو إلى الصانع ليصرفه في حرفته ويكون الفائدة بينهما، لم يصحّ ولم يقع مضاربة.*
* قالوا: يشترط أن يكون الاسترباح بالتجارة، وأمّا إذا كان بغيرها كأن يدفع إلى العامل مالاً ليصرفه في الزراعة ـ مثلاً ـ ويكون الربح بينهما، لا تصحّ، إذ القدر المعلوم من الأدلّة هو التجارة.
ولنذكر بعض الكلمات:
1. قال الشيخ الطوسي: إن دفع إلى حائك غزلاً وقال: انسجه ثوباً على أن يكون الفضل بيننا، فهو قراض فاسد; لأنّ موضوع القراض على أن يتصرّف العامل في رقبة المال ويقلّبها ويتّجر فيها، فإذا كان غزلاً فهو نفس المال وعينه، فهو كالطعام إذا أعطاه ليطحنه ويكون الفضل بينهما، فيكون الكلّ لربّ المال وللعامل أُجرة مثله، وإن أعطاه شبكة وقال: تصطاد بها فما رزق الله من صيد كان بيننا، كان قراضاً فاسداً، لما مضى، فإذا اصطاد، كان له دون صاحب الشبكة، لأنّه صيده.1
قال العلاّمة: الرابع: العمل وهو عوض الربح وشرطه أن يكون تجارة، فلا يصحّ على الطبخ والخبز والحرف.2
وأقرّه على ذلك شارح القواعد المحقّق الثاني3. ولم نعثر   

1 . المبسوط:3/168.
2 . قواعد الأحكام:2/434.
3 . لاحظ : جامع المقاصد: 8/47.

صفحه 67
على مخالف سوى المحقّق الأردبيلي.
ثمّ إنّ المحقّق الأردبيلي بعد ما نقل كلام العلاّمة في «التذكرة»1بطوله، علّق عليه بما يلي: وليس الحكم باشتراط اختصاص الاسترباح بالتجارة فقط ظاهراً2; إلاّ أن يكون إجماعياً كما يفهم من كلام العلاّمة، وليس بواضح. نعم الذي هو واضح أنّه لابدّ من التجارة، فشرط أمثال ذلك ليحصل به الاسترباح بالتجارة، لا يخرج عن التجارة، فكما أنّه يصحّ بغير اشتراط فيصحّ معه أيضاً، فهو بمنزلة أن يشترط نوع خاص للاسترباح، فتأمّل.3
وتردّد صاحب العروة وقال: ولو فرض صحّة غيرها (التجارة) للعمومات ـ كما لا يبعد ـ لا يكون داخلاً في عنوان المضاربة.4
وتلخّص أنّ الأقوال ثلاثة:
1. بطلان العقد مطلقاً مضاربة أو غيرها من العقود.
2. صحّته بعنوان المضاربة.
3. صحّة العقد لا بعنوان المضاربة.
والدليل ـ كما عرفت ـ أنّ المتبادر من الروايات هو الاتّجار، وهو عبارة عن التقلّب والتصرّف برأس المال يوماً بعد يوم أو شهراً بعد   

1 . لاحظ: تذكرة الفقهاء:17/36.
2 . قوله:«ظاهراً» خبر ليس، أي ليس الحكم ظاهراً.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:10/236.
4 . العروة الوثقى:5/150، كتاب المضاربة، شرائط المضاربة.

صفحه 68
شهر بالبيع والشراء، وهو غير موجود في الطبخ والخبز وسائر الحرف.
يلاحظ على الجميع: أنّ قوام المضاربة هو المشاركة بالمال والعمل، هذا هو مقوّمها وأمّا كون المشاركة بالاتّجار، فهو قيد غالبي، إذ لم يكن يومذاك في عصر الرسالة وبعدها سوى ذلك، وهذا لا يدلّ على تخصيص المضاربة بالاتّجار بالمعنى المعروف، خصوصاً قد قوّينا في محلّه أنّ كلّ معاملة عقلائية إذا لم تكن مخالفة لمقتضى العقد ولا الكتاب ولا السنّة فهي داخلة في قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وعلى هذا فلو دفع المالك سيارته لسائق يشتغل بها وتكون الأُجرة المستحصلة بينهما بنسبة معيّنة، وهذا أمر شائع جدّاً، فيصدق عليها أنّه مشاركة بالمال والعمل، ومثله إذا أعطى مبلغاً من المال ليشتري به طحيناً ثمّ يخبزه ويبيعه ويكون الربح بينهما بالنسبة، إلى غير ذلك من الأُمور المتعارفة في أيامنا هذه، والظاهر أنّه داخل في المضاربة. وسيأتي الكلام في الموضوع أيضاً في المسألتين السادسة والسابعة، فانتظر.
وتظهر الثمرة بين كونها مضاربة أو عقداً صحيحاً في ضمان العامل وعدمه، فلو كان من قبل المضاربة، وتلف المال، فالعامل غير ضامن قطعاً، وأمّا لو كان داخلاً تحت سائر العقود، فلابدّ من التأمّل في دخوله تحت أيّة قاعدة من قواعد«ما يضمن» و «ما لا يضمن».
لو كان له دين على شخص يجوز التوكيل ثم ايقاع المضاربة عليه   

صفحه 69
المسألة 3. الدراهم المغشوشة إن كانت رائجة مع كونها كذلك تجوز المضاربة بها، ولا يعتبر الخلوص فيها. نعم، لو كانت قلباً يجب كسرها ولم تجز المعاملة بها، لم تصحّ.*
المسألة 4. لو كان له دين على شخص يجوز أن يوكّل أحداً في استيفائه، ثمّ إيقاع المضاربة عليه موجباً وقابلاً من الطرفين. وكذا لو كان المديون هو العامل، يجوز توكيله في تعيين ما في ذمّته في نقد معيّن للدائن، ثمّ إيقاعها عليه موجباً وقابلاً.**
* تقدّم الكلام في المسألة عند البحثّ عن الشرط الثاني لرأس المال وهو كونه درهماً وديناراً، وقلنا: إنّ الدرهم المغشوش على قسمين:
قسم يكون رائجاً بين الناس حيث يتعاملون به لقلّة الغش.
وقسم آخر يكون غير رائج بحيث لا يتعامل به الناس، وقد مرّ قول الإمام الصادق(عليه السلام):«إكسرها فإنّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه».1
** قد تقدّم منّا أنّه لا يجوز جعل الدين رأس مال المضاربة، مالم يقبضه المالك ويدفعه إلى العامل، وقلنا: إنّه لا مانع من جعله رأس المال، إلاّ أنّ الذي صدّنا عن الإفتاء به حديث السكوني عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا يكون عنده، فيقول: هو عندك مضاربة، قال: لا يصلح حتى تقبضه منه».2   

1 . الوسائل:13، الباب10 من أبواب الصرف، الحديث5.
2 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.

صفحه 70
ثمّ إنّ المصنّف ذكر في المتن طريقين للانتفاع بالدين في مورد رأس المال:
الأوّل: أن يوكّل أحداً في استيفائه ثم إيقاع المضاربة عليه موجباً وقابلاًمن الطرفين.
وفي هذه الصورة يكون الوكيل هو العامل لأنّه بعد استيفائه الدين من المديون تكون يده يد المالك، وعندئذ يصحّ إيقاع المضاربة عليه موجباً وقابلاً من الطرفين، وبما أنّ الغاية من الاستيفاء هو جعل المستوفي عاملاً، فعندئد يجري الوكيل عقد المضاربة عن جانب صاحب المال وكالة ويقبل عن نفسه، وهذا إنّما يصحّ إذا كان وكيلاً في الاستيفاء وإجراء العقد.
الثاني: لو كان المديون هو العامل، يجوز توكيله في تعيين ما في ذمّته في نقد معيّن للدائن، ثم إيقاعها عليه موجباً وقابلاً، وعليه صاحب العروة أيضاً، قال: لو كان له على العامل دين لم يصحّ جعله قراضاً إلاّ أن يوكله في تعيينه، ثم إيقاع العقد عليه بالإيجاب والقبول بتولّي الطرفين.1
وكلا الوجهين وجيهان وقد مرّ النصّ على المنع فلا محيص من أحد الأمرين.
لو دفع إليه عروضاً وقال: بعها ويكون ثمنها مضاربة   

1 . العروة الوثقى:5/146، مقدمة كتاب المضاربة.

صفحه 71
المسألة 5. لو دفع إليه عروضاً وقال: بعها ويكون ثمنها مضاربة، لم تصحّ إلاّ إذا أوقع عقدها بعد ذلك على ثمنها.*
* مرّ الكلام في هذه المسألة في شروط رأس المال، حيث ذكروا أنّه يجب أن يكون عيناً لا ديناً، مسكوكاً كالدرهم والدينار. وصحّحوا كون العروض رأس المال بالوجه المذكور في المتن من أنّه يكون وكيلاً في بيع العروض، فإذا صار نقداً جامعاً للشرائط يجري عقد المضاربة أحد الطرفين إمّا الموكّل أو الوكيل، هذا هو المشهور بين المتأخّرين.
ولكن قد عرفت أنّه لا دليل على عدم صحّة رأس المال عروضاً إلاّ الإجماع، ومصبّه هو صحّة المضاربة مع الدرهم والدينار، وعدم الإجماع في غيرهما، لا أنّ الإجماع منعقد على البطلان، وبيّنا ضعف الأدلّة التي أقاموها على عدم الصحّة، فلاحظ الشرط الثاني وهو أن يكون رأس المال درهماً أو ديناراً تحت عنوان (المضاربة بالسلعة أو المتاع).
وعلى فرض لزوم الشرط المذكور فلا محيص من العمل بما في المتن.

صفحه 72
المسألة 6. لو دفع إليه شبكة على أن يكون ما وقع فيها من السمك بينهما بالتنصيف ـ مثلاً ـ لم يكن مضاربة، بل هي معاملة فاسدة، فما وقع فيها من الصيد للصائد بمقدار حصّته التي قصدها لنفسه، وما قصده لغيره فمالكيته له محلّ إشكال، ويحتمل بقاؤه على إ باحته، وعليه أُجرة مثل الشبكة.*
* أقول: القول بأنّه مضاربة فاسدة، عليه كلمة الفقهاء والمعلّقين على العروة، لما ذكروا في تحديد المضاربة من كون رأس المال درهماً وديناراً وأنّه يجب أن يكون الاسترباح من طريق التجارة، ولكنّك قد عرفت أنّه لا دليل على الشرطين، بل الملاك في التجارة وجود المال من جانب والعمل من جانب آخر، وكلا الأمرين متحقّقان في المقام.
ثمّ لو سلّمنا أنّه ليس مضاربة لفقدان الشرطين، فلماذا لا يكون معاملة مستقلّة داخلة تحت قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)؟
فإن قلت: المفروض أنّ الطرفين قصدا المضاربة، فتصحيح كونها معاملة مستقلّة، رهن وجود قصد منهما بالنسبة إليها والمفروض عدمه، وعليه فما قصد من المضاربة لم يصحّ، وما صحّ لم يقصد.
قلت: الظاهر أنّ المقام من باب الخطأ في التطبيق فإنّ المطلوب بالذات للمتعاملين هو المعاملة الصحيحة، غير أنّ الجهل بالحكم الشرعي قادهما إلى قصد المضاربة، بتصوّر أنّه مصداق لها، ولو كانا عالمين بالحكم الشرعي لعدلا عن المضاربة إلى قصد المعاملة المستقلّة.   

صفحه 73
قال السيد الطباطبائي:«وإن لم يكن المراد خصوص عنوان المضاربة فيمكن دعوى صحّته للعمومات»1، وسيأتي توضيح أكثر في المسألة التالية.
فإن قلت: كونها معاملة مستقلّة فرع كون المباحات قابلة للنيابة، فلأجل ذلك أفتى المصنّف بأنّ ما وقع فيها من الصيد للصائد بمقدار حصّته التي قصدها لنفسه، وما قصده لغيره فمالكيته له محلّ إشكال، ويحتمل بقاؤه على إباحته.
قلت: كون المباحات غير قابلة للنيابة، محلّ نظر، فإنّ المرتكز عند العقلاء قبولها له، فربّما يكون لشخص أغنام وأحشام تحتاج إلى أن يعلفها، وربّما لا يقدر بمفرده على ذلك، فيستأجر من له قوّة على هذا العمل، فيجمع العلف لها في مقابل أُجرة معيّنة.
ثمّ إنّ القول بأنّ مثل هذا مضاربة فاسدة يوجد مشاكل في حياتنا المعاصرة، إذ أنّ من المعاملات الرائجة عقد اتّفاق بين مالك السيارة والسائق، حيث تقع السيارة تحت اختيار السائق في كلّ يوم أو أسبوع، فما يحصل عليه من الأُجرة يقسّم بين المالك والسائق بنسبة اتّفقا عليها.
فالسيارة هنا بمنزلة الشبكة، مضافاً أنّها بحاجة إلى مصارف خاصّة كالوقود وغيره، وهذه معاملة رائجة، وربّما لا يدور في خلد المالك والسائق أنّها مضاربة، بل اتّفاق خاصّ على طريقة عادلة.
فعلى الفقهاء العظام تجديد النظر في أمثال هذه المسائل.

1 . العروة الوثقى:5/160، المسألة 3.

صفحه 74
المسألة 7. لو دفع إليه مالاً ليشتري نخيلاً أو أغناماً على أن تكون الثمرة والنتاج بينهما، لم يكن مضاربة، فهي معاملة فاسدة تكون الثمرة والنتاج لربّ المال، وعليه أُجرة مثل عمل العامل.*
دفع أحد النقدين لاشتراء النخيل أو الاغنام   

* دفع أحد النقدين لاشتراء النخيل أو الاغنام

لو دفع إلى العامل مالاً كالنقدين ليشتري نخيلاً أو أغناماً على أن تكون الثمرة والنتاج بينهما على النحو الذي اتّفقا عليه، فهاهنا فرعان:
الأوّل: هل يمكن أن تُعدّ مضاربة صحيحة؟
الثاني: لو قلنا بعدم إمكانها منها، فهل هي معاملة صحيحة مستقلّة، وإن لم تكن مضاربة؟
وقد حكم المصنّف في كلا الفرعين بالفساد، وخرج بالنتيجة التالية التي هي حكم كلّ معاملة فاسدة شبيهة بالمضاربة، فالثمرة: أنّ النتاج لربّ المال وعليه أُجرة مثل عمل العامل.
إلى هنا اتّضح مضمون المتن، فلندرس كلّ فرع على حدّة.
الفرع الأوّل: هل تُعدّ مثل هذه المعاملة مضاربة صحيحة؟ المشهور أنّه مضاربة فاسدة.
قال العلاّمة في «القواعد»: الأقرب الفساد، لأنّ مقتضى القراض التصرّف في رأس المال.1   

1 . قواعد الأحكام:2/335.

صفحه 75
وقال المحقّق الثاني في تعليل الفساد: إنّ مقتضى القراض الاسترباح بالتجارة، وليس موضع النزاع كذلك فلا يصحّ القراض عليه، وهو الأصحّ.1 وحاصل كلامه وكلام العلاّمة عدم وجود شرط المضاربة وهو كون الاسترباح بالإتّجار، فإنّ المفروض أنّه بالإثمار والنتاج.
نعم الأمر في هذا الفرع أسهل من دفع الشبكة للاشتراك في الاصطياد، لعدم وجود النقدين فيها دون المقام.
أقول: يمكن القول بكونها مضاربة بوجهين:
1. أنّ ملاك المضاربة هو نوع من المشاركة، فالمال من جانب المالك والعمل من جانب العامل، وأمّا الاتّجار فقد كان أمراً غالبياً في الجزيرة العربية، وكونه ملاكاً تدور حوله المضاربة، فهو أمر بعيد عند العرف، فإذا كانت الغاية من إمضاء المضاربة هو إخراج المال من صناديقه، وحثّ الناس على العمل والتحرّك، فلا فرق عند العرف بين الاتّجار والإثمار والنتاج.
2. ما أفاده السيد الطباطبائي قائلاً: إذا دفع إليه مالاً وقال: اشتر به بستاناً ـ مثلاً ـ أو قطيعاً من الغنم فإن كان المراد الاسترباح بهما بزيادة القيمة، صحّ مضاربة (لأنّه يدخل في الاسترباح بالتجارة). وإن كان المراد الانتفاع بنمائهما بالاشتراك ففي صحّته مضاربة وجهان: من أنّ الانتفاع بالنماء ليس من التجارة، فلا يصحّ، ومن أنّ حصوله يكون بسبب   

1 . جامع المقاصد:8/78.

صفحه 76
الشراء فيكون بالتجارة.1
وسيوافيك تصحيح المضاربة بوجه آخر في آخر المقال.
الفرع الثاني: على القول بكونها مضاربة فاسدة هل يصحّ كونها معاملة مستقلّة أو لا؟
الظاهر صحّة كونها معاملة مستقلّة لما عرفت من أنّ الأصل صحّة كلّ معاملة لم تكن مخالفة للقواعد العامّة، وأنّ قوله سبحانه: (أَوفُوا بالعُقُودِ)يشمل كلّ عقد كان على وفق الشرع، ولذلك قلنا بصحّة المعاملات المستحدثة في عصرنا هذا، وإن لم تكن داخلة تحت العناوين الرائجة، وفي ضوء ذلك صحّ عقد التأمين والشركات الحديثة، ولم نتجشّم لإدخال هذه العقود تحت العقود الرائجة كما عليه بعض المعاصرين أو أكثرهم.
فإن قلت: إنّ المتعاقدين قصدا المضاربة فإذا بطلت بطل من رأس، لأنّ ما قُصد لم يقع، وما نحن بصدد تصحيحه باسم عقد مستقل لم يقصداه.
دراسة ما استدلّ به على بطلان كونها معاملة مستقلّة   
قلت: قد تقدّم أنّه يمكن أن يكون الخطأ في التطبيق وهو أنّ المطلوب للمتعاقدين هو المساهمة في الربح بأي طريق حصل من دون تقييد بعنوان المضاربة، فيكون من باب تعدّد المطلوب، فالرضا التقديري ـ على تقدير بطلان المضاربة ـ بالتصرّف في الحال حاصل وكاف، وله نظائر في الفقه ذكرها الشيخ في باب المعاطاة من المتاجر، فلاحظ. ولذلك   

1 . العروة الوثقى:5/160، كتاب المضاربة، المسألة3.

صفحه 77
يقول السيد الطباطبائي:«إن لم يكن المراد خصوص عنوان المضاربة فيمكن دعوى صحّته».1 بل يمكن أن يقال: إنّه ليس في خلد الطرفين عنوان المضاربة لا في هذه المسألة ولا في المسألة السابقة، وإنّما الموجود في أذهانهم أنّه معاملة مستقلّة غير منهيّ عنها.

دراسة ما استدلّ به على بطلان كونها معاملة مستقلّة

نعم منع المحقّق الخوئي عن صحّتها معاملة مستقلّة قائلاً: بأنّ هذه العمومات لا تصلح لأن تشمل مثل هذه المعاملات، فإنّ التمليك لابدّ وأن يتعلّق إمّا بشيء خارجي مملوك له بالفعل، وإمّا بشيء في ذمّته، باعتبار أنّه مسلّط عليهما وهما تحت سلطانه، فإذا أنشأ المالك تمليك شيء من هذين، شملته العمومات لا محالة.
وأمّا إذا تعلّق إنشاء التمليك بأمر معدوم ليس بمملوك له فعلاً، فلا يصحّ بأي مملك كان، ولذا لم يلتزموا بصحّته فيما إذا كان ذلك في ضمن عقد آخر. واشتراط أن يكون ملكاً له في ظرفه غير صحيح أيضاً، إذ الملكيّة لا تكون بغير سبب مملك.
إذن فهذا النحو من المعاملة الذي يتضمّن تمليك أمر معدوم غير صحيح، وإنّما قلنا بصحّته في المزارعة والمضاربة والمساقاة والوصية لأجل الدليل الخاص، وإلاّ فمقتضى القاعدة فيه هو البطلان.2   

1 . العروة الوثقى:5/160ـ161، كتاب المضاربة، المسألة3.
2 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/35.

صفحه 78
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه إذا كان إنشاء التمليك بأمر معدوم ليس بمملوك له فعلاً أمراً غير معقول، فلماذا صحّ في المزارعة والمضاربة والمساقاة والوصية بالدليل الخاص؟ وهل الدليل الخاصّ يجعل غير المعقول معقولاً؟
وثانياً: قد ذكرنا أنّه فرق بين تمليك أمر معدوم على وجه الإطلاق، فهذا أمر غير معقول عند العقلاء، وبين ما كان له مقتضى عرفاً، بحيث يكون المملوك أمراً مترقّباً، وهذا هو الذي صحّح تمليك المعدوم في المزارعة والمساقاة والمضاربة، ولذلك لو كان الربح أمراً بعيداً جدّاً فهو خارج عن حيطة العمومات، وعلى هذا يجب أن يقول: إنّ العوضين لابدّ أن يكونا أمرين خارجيّين أو ذميّين، أو على نحو يكونا خارجيّين على نحو وجود المقتضي، فإنّ اشتراء البستان أو قطيع من الغنم مقتض للربح، كما أنّ صب العامل عمله وجهوده مكمّل لهذا المقتضي.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الأقوى صحّة وقوعها مضاربة، وعلى فرض بطلانها مضاربة تقع معاملة مستقلّة تشملها العمومات من وجوب الوفاء بالعقود والتجارة عن تراض، بل الموجود في أذهانهم كونها معاملة مستقلّة.
صحّة المضاربة بالمشاع   
نعم هنا قسم آخر يقع مضاربة حتى على القول بشرط الاتّجار، وهو ما إذا قال: اشتره وما يحصل من ارتفاع قيمته ومن نمائه فهو بيننا، فالظاهر أنّه من أقسام المضاربة بشرط أن يكون النماء أمراً تبعياً كنمو الصوف وتوفّر اللحم، لا النتاج الذي يُعدّ شيئاً مستقلاًّ لا ربحاً للتجارة، فلا يبعد   

صفحه 79
المسألة 8 . تصحّ المضاربة بالمشاع كالمفروز، فلو كانت دراهم معلومة مشتركة بين اثنين، فقال أحدهما للعامل:«قارضتُك بحصّتي من هذه الدراهم»، صحّ مع العلم بمقدار حصّته، وكذا لو كان عنده ألف دينار ـ مثلاً ـ وقال: «قارضتك بنصف هذه الدنانير».*
أن يكون النتاج للمالك.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا التقريب أو ما تقدّم نقله عن السيد الطباطبائي؟
قلت: الفرق هو أنّه (قدس سره) لاحظ كلاًّ من ارتفاع القيمة والنماء أمراً مستقلاًّ، ولذا أفتى في الأوّل بالصحّة، وبالوجهين في الثاني; وأمّا المذكور في المقام، هو لحاظ الأمرين مجموعاً، شيئاً واحداً.

* صحّة المضاربة بالمشاع

كما تصحّ المضاربة بالمال المفروز، تصحّ أيضاً بالمشاع، فلو كانت عند المالك دراهم معلومة مشتركة بين اثنين، فقال أحدهما للعامل: «قارضتك بحصتي من هذه الدراهم» صحّ مع علم المالك والعامل بمقدار حصّته، غاية الأمر يجب على المالك إفراز حصّته ودفعها إلى العامل، وذلك لأنّ قوام المضاربة بالمال والعمل، وعلى قول المشهور بالنقدين والعمل، والمفروض وجودهما، والإشاعة لا تمنع عن صدق النقدين.
هذا كلّه إذا كانت الدراهم مشاعة بين شخصين، وأمّا لو كانت الدراهم كلّها للمالك وقال: قارضتك بنصف هذه الدراهم، صحّت المضاربة، لما عرفت من وجود الشروط.

صفحه 80
المسألة 9. لا فرق بين أن يقول: «خذ هذا المال قراضاً ولكلّ منّا نصف الربح»، وأن يقول:«.. والربح بيننا»، أو يقول:«... ولك نصف الربح»، أو «...لي نصف الربح» في أنّ الظاهر أنّه جعل لكلّ منهما نصف الربح. وكذلك لا فرق بين أن يقول: «خذه قراضاً ولك نصف ربحه»، أو يقول:«...لك ربح نصفه»، فإنّ مفاد الجميع واحد عرفاً.*

* عدم الفرق بين اللفظ الصريح وغيره

الظاهر أنّ المصنّف بصدد بيان عدم الفرق بين هذه الصور، وإن كان بعضها صريحاً وبعضها الآخر ظاهراً، لأنّ المعتبر هو الفهم العرفي، ولا فرق بين الصريح وغير الصريح، ويعلم ذلك من جعل الأمثلة مقابل الآخر.
الصريح                              غير الصريح
1. لكلّ منّا نصف الربح               1. الربح بيننا.
2. لك نصف الربح.                  2. لي نصف الربح.
3. لك نصف ربحه.                  3. لك ربح نصفه.
وجه عدم الفرق في أنّ الظاهر أنّه جعل لكلّ منهما نصف الربح، ومفاد الجميع واحد عرفاً.
اتّحاد المالك وتعدّد العامل في مال واحد   
هذا هو مقصود المصنّف(رحمه الله)، وربّما يحتمل أنّ المراد تصحيح المضاربة على سبيل المعاطاة، أو تصحيحها بصيغة الأمر، وكلا الاحتمالين بعيد عن سياق العبارة.

صفحه 81
المسألة 10. يجوز اتّحاد المالكوتعدّد العامل في مال واحد; مع اشتراط تساويهما فيما يستحقّان من الربح وفضل أحدهما على الآخر; وإن تساويا في العمل. ولو قال: «قارضتكما ولكما نصف الربح» كانا فيه سواء.*

* اتّحاد المالك وتعدّد العامل في مال واحد

ما جعل في المتن مسألة واحدة فقد جعل في العروة الوثقى مسألتين1:
لو تعدّد العامل مع وحدة المالك خصوصاً فيما إذا كان المال كثيراً لايقوم بحقّه شخص واحد، يصحّ أن يقول: «ضاربتكما بهذا المال، ولكما النصف»، والدليل على الجواز: السيرة وإطلاق الأدلّة.
ثم إنّ مال كلّ منهما إمّا أن يكون متميّزاً أو لا; فعلى الأوّل تكون مضاربتين مستقلّتين، وإن كان الإنشاء واحداً لكلّ حكمه; بخلاف ما إذا كان غير متميّز، فإنّه مضاربة واحدة، قائمة بعاملين، لها حكمها الواحد.
وعلى هذا لو اتّفق فسخ المضاربة بفاسخ قهري أو اختياري وكان أحدهما قد عمل وربح والآخر بعدُ لم يعمل أو لم يربح، ففيما إذا كان المال متميّزاً، فالربح بين العامل والمالك. ولا صلة له بالعامل الآخر أيضاً الذي لم يعمل أو عمل ولم يربح، بخلاف ما إذا كان غير متميّز، فلو ربح   

1 . لاحظ: العروة الوثقى: 5 / 181 ـ 182 ، المسألة 27 و28.

صفحه 82
أحدهما يستحقّ الآخر حصّته، وإن لم يكن له عمل أو ربح، وهذا كما إذا كان متجر كبير، يتصدّى أحدهما للحبوب شراءً وبيعاً، والآخر للألبسة كذلك، فربح أحدهما دون الآخر مع كون رأس المال مشاعاً، فيقسّم الربح الحاصل بين العاملين والمالك أثلاثاً مثلاً.

تفضيل أحد العاملين على الآخر

ثم إنّه يجوز أن يفضِّلَ المالك أحدهما على الآخر، وإن كان عملهما سواء، أو كان مختلفاً وذلكواضح فيما إذا كان المال متميّزاً فيقارض أحدهما بنصف الربح والآخر بثلث الربح، ومثله ما إذا كان غير متميّز وذلك للسيرة وإطلاق الأدلّة، لأنّ الربح أوّلاً بالذات للمالك فله أن يخصّ أحدهما بشيء أزيد، خصوصاً إذا كان أحدهما أليق من الآخر، والمضاربة في صورة عدم تميّز المال وإن كانت واحدة لكن لا دليل على التسوية في الربح مع الاستواء أيضاً في العمل، وما هو الركن أن يكون للعامل حصّة من الربح، وأمّا استواء العاملين في الربح، فلا، وكون القبول واحداً قائماً بهما لايستلزم تسوية القابلين في الربح.
تعدّد المالك ووحدة العامل   

صفحه 83
وكذا يجوز تعدّد المالك واتّحاد العامل; بأن كان المال مشتركاً بين اثنين، فقارضا واحداً بالنصف ـ مثلاً ـ متساوياً بينهما; بأن يكون النصف للعامل والنصف بينهما بالسويّة وبالاختلاف; بأن يكون للعامل في حصّة أحدهما بالنصف وفي حصّة الآخر بالثلث مثلاً، فإذا كان الربح اثني عشر، استحقّ العامل خمسة وأحدالشريكين ثلاثة والآخر أربعة.*

* تعدّد المالك ووحدة العامل

كما جازت وحدة المالك وتعدّد العامل، يجوز العكس أيضاً فيجوز تعدّد المالك وتوحّد العامل، سواء كان المال مشاعاً من أوّل الأمر، أم متميّزاً لكن أجاز المالك أن يخلط المال وتحصل الشركة بينهما، وأمّا إذا كان متميّزاً وغير مخلوط فهو خارج عن موضوع البحث، يقول السيد الطباطبائي: وكذا يجوز مع عدم اشتراك المال بأن يكون مال كلّ منهما ممتازاً وقارضاً واحداً مع الإذن في الخلط 1. وجه الجواز، إطلاق الأدلّة والسيرة، ثم إنّ الاختلاف في تقسيم الربح في المقام يتصوّر على وجهين:
1. الاختلاف في جانب العامل، بأن يضاربه أحد المالكين بالنصف والآخر بالثلث. وبالتالي يكون سهم المالكين مختلفاً ناشئاً من اختلاف سهم العامل، لا ابتداءً بل نتيجة، بخلاف الشقّ التالي فإنّ سهمهما يكون مختلفاً من بدء العقد.
2 . الاختلاف في جانب المالك، كما إذا قارضا واحداً   

1 . العروة الوثقى:5/181، كتاب المضاربة، المسألة: 27.

صفحه 84
واشترطا نصف الربح له ولكن تفاضل المالكان في النصف الآخر، بأن جعل لأحدهما أزيد من الآخر مع تساويهما في مقدار رأس المال، أو تساويا في الباقي مع تفاوتهما فيه.
أمّا الأوّل، فلا إشكال فيه، لأنّ لكلّ شريك ولاية على حصّته، فكأنّ أحد الشريكين قال للعامل: اتّجر بحصّتي ولك النصف، وقال الآخر: اتّجر بحصتي ولك الثلث، فإذا كان الربح اثني عشر، استحقّ العامل خمسة وذلك بأخذ النصف من سهم أحدهما الذي هو ستة وهو ثلاثة وأخذ الثلث من سهم الآخر الذي هو ستة أيضاً وهو اثنان، فيكون المجموع خمسة، وبالتالي يختلف سهم الشريكين، فمعطي النصف من سهمه يبقى له ثلاثة، ومعطي الثلث من سهمه يبقى له أربعة.
وإن شئت قلت: إنّ العقد الواحد ينحلّ إلى عقدين حكماً، فلكلّ عقد حكمه، وتكون نتيجة ذلك بعد إخراج سهم ربح العامل، هو تفاضل سهم المالكين، لأنّ النماء بعد إخراج سهم العامل تابع للعين، فنصف الربح راجع إلى ذلك المالك، والنصف الآخر إلى المالك الآخر، غاية الأمر أخرج كلّ عن ملكه ما عيّنه للعامل من الربح، فيؤدّي أحدهما من الربح المختصّ بماله، النصف للعامل، والآخر الثلث من الربح المختصّ به، وبالتالي يحصل التفاضل بين المالكين. قال السيد الطباطبائي(قدس سره) : فإن كان من قصدهما كون ذلك للنقص على العامل بالنسبة إلى صاحب الزيادة بأن يكون، كأنّه اشترط على العامل في العمل بماله، أقلّ ممّا شرطه الآخر له، كأن اشترط هو للعامل، ثلث ربح حصّته، وشرط له صاحب   

صفحه 85
نعم، إذا لم يكن اختلاف في استحقاق العامل بالنسبة إلى حصّة الشريكين، وكان التفاضل في حصّة الشريكين فقط، كما إذا اشترط أن يكون للعامل النصف والنصف الآخر بينهما بالتفاضل، مع تساويهما في رأس المال; بأن يكون للعامل الستّة من اثني عشر، ولأحد الشريكين اثنان وللآخر أربعة، ففي صحّته وجهان بل قولان، أقواهما البطلان.*
النقيصة نصف1 ربح حصّته مثلاً مع تساويهما في المال، فهو صحيح.2 فقد تسلّم أنّه لو كان هناك نقص على العامل، ينتفع به صاحب الشرط فقط، لا الشريكان.
* قد تبيّن حكم الصورة الأُولى وإليك الكلام في الصورة الثانية أي فيما إذا كان الاختلاف ناشئاً من اتّفاق المالكين على التفاضل فرضيا على أن يكون النصف الآخر من الربح بينهما أثلاثاً مع تساويهما في مقدار رأس المال أو أنصافاً مع اختلافهما فيه. ومنشأ الإشكال أمران:
1 . أنّ التفاضل على خلاف مقتضى الشركة، فإنّ مقتضاها عدم التفاضل في الربح إذا تساويا في مقدار رأس المال.
2 . أنّه على خلاف مقتضى السنّة لوجهين:
أ. أنّها دلّت على تبعية الربح للعين في الملك، فربح مال كلّ أحد، له.
ب. أنّ المورد من قبيل شرط النتيجة وهو لا يصحّ في المورد   

1 . لأجل أن تنطبق عبارة العروة على المثال غيّرنا لفظ «ثلثي» إلى النصف.
2 . العروة الوثقى:5/182، كتاب المضاربة، المسألة: 28.

صفحه 86
الذي يحتاج إلى سبب خاص.
يلاحظ على الأمر الأوّل: أنّ مقتضى الشركة عدم كون أحد الشريكين صفر اليد لا عدم كونهما متفاضلين، فالأوّل يخالف مقتضى العقد، دون الآخر.
وبعبارة أُخرى: أنّ الميزان في كون الاشتراط خلاف مقتضى العقد هو ظهور التناقض عند العرف بعد الاشتراط، كما إذا قال: بعت بلا ثمن. أو قال: آجرت بلا أُجرة، وليس المقام كذلك، فلو قالا: ضاربنا واحداً، واتّفقا على أن يكون سهم أحدهما من الربح أكثر من سهم الآخر لغرض من الأغراض، فلا يعدّ مناقضاً.
يلاحظ على الوجه الأوّل من الأمر الثاني: أنّ تبعيّة الربح للعين وعدم انفكاكه عنها من آثار الشركة المطلقة، لا من آثار مطلق الشركة فلا مانع عنه عند التقييد.
ويلاحظ على الوجه الثاني من الأمر الثاني: أنّ المخالف للسنّة ما لو شرط كون الشريك مالكاً لجزء من سهم الشريك الآخر بظهوره من دون تمليك منه، بل يملك بنفس هذا الاشتراط، فهذا مخالف للسنّة، لأنّه من مقولة شرط النتيجة في مورد لا تتحقّق إلاّ بسبب ولا تحصل بالاشتراط. نعم، لو كان الاشتراط على نحو شرط الفعل بأن يشترط تمليك أحد الشريكين قسماً من ربحه للآخر، فهو ليس مخالفاً للسنّة.
وبعبارة أُخرى: شرط النتيجة مخالف للسنّة دون شرط الفعل، لكن الثاني يتصوّر بوجوه ثلاثة:   

صفحه 87
1 . أن يكون المشترِط هو العامل كأن يشترط على أحد الشريكين ويقول: لا أُضارب بسهمك إلاّ أن تملّك جزءاً من الربح الحاصل للشريك الآخر، ويطلب منه فعل ذلك، من دون تدخّل في حكم الشارع بكون الربح بالظهور للشريكين على نحو التساوي، بل يشترط عليه أن يملِّك جزءاً منه للآخر، ولايلزم أن تكون فائدة الشرط عائدة إلى المشترط، بل يمكن أن يكون له غرض من الشرط .1
يلاحظ عليه: أنّه جيد لكنّه خروج عن محطّ البحث; لأنّ مفروضه أنّ التفاضل مستند إلى اشتراط المالكين في عقد المضاربة لا إلى العامل.
2 . أن يشترط أحد المالكين على الآخر التفاضل في الربح، في نفس عقد المضاربة على نحو شرط الفعل، فهو وإن كان جائزاً في نفسه لكن نفس عقد المضاربة لايصحّحه، لأنّ عقد المضاربة بين كلّ من المالكين والعامل لابين المالكين، والمالكان عند العقد مع العامل يقعان في طرف الإيجاب والعامل في طرف القبول، والشرط في كلّ عقد إمّا من الموجب على القابل، أو من القابل على الموجب، ولم يعهد الشرط من الموجب على الموجب 2، نعم يمكن تصحيح ذلك بالبيان التالي:
3. إيجاد شركة عقدية بين المالكين قبل عقد المضاربة، ثم   

1 . لاحظ : مستمسك العروة: 12/ 316.
2 . وإلى ذلك الإشكال يشير المحقّق البروجردي في تعليقته ويقول: الشركة بين المالكين، ليست شركة عقدية، حتى يقال بصحّة اشتراط الزيادة فيها على القول بها هناك، وإنّما يكون العقد هنا، بين كلّ من المالكين، والعامل، لابين المالكين.

صفحه 88
إيقاع المضاربة عليها، بأن يتّفقا قبل عقد المضاربة على أن يضاربا في المستقبل بشرط أن يملِّك أحد المالكين جزءاً من ربحه للمالك الآخر إذا ظهر الربح، وهذا لا إشكال فيه.
وإلى هذا التصحيح يشير بعض المحشّين على العروة بقوله: الظاهر توقّف الصحّة هنا أيضاً على إيقاع عقد الشركة أوّلاً بين المالكين، متضمّناً لما ذكر من شرط التساوي أو التفاضل في الربح الحاصل لهما مع إيقاع عقد المضاربة بينهما، والعامل. ولايجوز الاكتفاء بعقد المضاربة وحده، واشتراط التساوي أو التفاضل المذكور في ضمنه.1 فتلخّص من هذا البحثّ الضافي، الأُمور التالية:
1 . أنّ المساواة في الربح ليست مقتضى مطلق الشركة، حتى يكون التفاضل على خلاف مقتضى العقد، بل من آثار الشركة المطلقة وتؤثر ما لم يكن هناك عقد.
ومنه تظهر حال تبعية الربح للعين فهي من آثار الشركة المطلقة غير المقيّدة، لا من آثار مطلق الشركة حتى لا يصحّ تقييدها.
2. أنّ المخالف للسنّة هو شرط النتيجة لا شرط الفعل.
هل المضاربة عقد جائز أو لازم؟   
3. لو كان المبدأ للتفاضل هو العامل، بأن يشترط العامل على أحد المالكين بأنّه لا يقبل المضاربة إلاّ بأن يدفع جزءاً من ربحه إليه، فهذا جائز ونافذ، ولكنّه خارج عن محلّ البحث.   

1 . لاحظ: العروة الوثقى:5/183، تعليقة الميرزا النائيني.

صفحه 89
المسألة 11. المضاربة جائزة من الطرفين يجوز لكلّ منهما فسخها; قبل الشروع في العمل وبعده، قبل حصول الربح وبعده، صار المال كلّه نقداً أو كان فيه أجناس لم تنضّ بعد، بل لو اشترطا فيها الأجل جاز لكلّ منهما فسخها قبل انقضائه.*
وأمّا إذا كان مبدأ الاختلاف هو نفس المالكين، فبما أنّهما طرفا الإيجاب، والعامل هو القابل، فلا يدور الشرط إلاّ منهما إليه، أو منه إليهما، ولايصحّ من أحدهما على الآخر مع كون موقف كلّ، موجباً.
4. لو اتّفقا على شركة عقدية قبل المضاربة، وتقبّلا بأن يدفع أحد الشريكين جزءاً من ربحه الحاصل بالمضاربة التي سيعقدانها مع العامل، ثم يعقدان المضاربة على هذا الشرط، فلا إشكال.
هذا هو تفصيل القول في هذه المسألة، وقد أطنبنا الكلام فيها، وليعذرني إخواني.

* هل المضاربة عقد جائز أو لازم؟

هل المضاربة عقد جائز أو لازم ؟ يظهر من التتبّع في كلمات الفقهاء من الفريقين اتّفاقهم على الجواز، وإليك نماذج من كلماتهم.
قال الشيخ: «وصاحب المال متى أراد أن يأخذ ماله من مضاربه كان له ذلك، ولم يكن للمضارب الامتناع عليه من ذلك، وكان له أُجرة المثل إلى ذلك الوقت» 1.    

1 . النهاية: 429.

صفحه 90
وقال ابن البرّاج: «والقراض من العقود الجائزة في الشريعة بغير خلاف» 1.
وقال ابن حمزة: «وهو عقد جائز بين الطرفين» 2.
وقال ابن إدريس: «والمضاربة عقد جائز من الطرفين لكلّ واحد منهما فسخه متى شاء»3.
وقال المحقّق: «وهو جائز من الطرفين. لكلّ واحد منهما فسخه سواء نضّ المال أو كان به عروض» 4، إلى غير ذلك من العبارات المتقاربة الحاكية عن اتّفاقهم على الجواز، على زعم القائلين به.
وقال ابن رشد: أجمع العلماء على أنّ اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وأنّ لكل واحد منهما فسخه مالم يشرع العامل في القراض، واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم وهو عقد يورث فإن مات وكان للمقارض بنون أُمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أُمناء كان لهم أن يأتوا بأمين، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لكلّ واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد يورث، فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر، ورآه من العقود الموروثة، والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل 5.    

1 . المهذب: 1/460.
2 . الوسيلة: 264.
3 . السرائر: 2/409.
4 . شرائع الإسلام:2/137.
5 . بداية المجتهد: 2/240.

صفحه 91
وقال ابن قدامة: والمضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ أحدهما، أيّهما كان وبموته وجنونه والحجر عليه لسفه، لأنّه متصرّف في مال غيره بإذنه فهو كالوكيل، ولا فرق بين ما قبل التصرّف وبعده 1.
ثم إنّه ظهر مّما ذكرنا من كلماتهم معنى الجواز، وهو جواز الفسخ بمعنى أنّه يجوز للمالك الرجوع عن الإذن في التصرّف في ماله وللعامل الامتناع عن العمل في أي وقت كان، وأمّا ما عيّناه للمال وللعمل من الربح فلا يجوز فسخه والرجوع إلى أُجرة المثل بعد ظهور الربح.
والحاصل: أنّ جواز العقد يسبّب في عدم بقائه في المستقبل ولا يؤثر في هدم ما بنيا عليه.

أدلّة القول بالجواز

استدلّ على الجواز بوجهين: الأوّل: الإجماع وقد ظهر من الكلمات المنقولة عن الفريقين، ولذلك يقول صاحب الجواهر: الإجماع بقسميه وهو الحجّة في الخروج عن قاعدة اللزوم.2
الثاني: أنّ المضاربة والوكالة يرتضعان من ثدي واحد، وكلاهما من العقود الإذنية القائمة بالإذن. فإذا ارتفع الإذن، ارتفع الحكم، وهذا هو معنى جواز العقد، ومثلهما العارية والوديعة وما أشبههما، فالعقود القائمة بالإذن تستتبع جواز التصرّف إلاّ إذا ارتفع الإذن بالفسخ.    

1 . المغني: 5/179.
2 . جواهر الكلام:26/340.

صفحه 92
يقول السيد الخوئي: وليس الوجه فيه الإجماع كي يناقش بأنّه غير معلوم وإنّما هو قصور الأدلّة عن شمول العقود الإذنية التي لا يكون فيها أي التزام من أحدهما بشيء كي يشمله (أوفُوا بِالعُقُودِ)، وإنّما هي مجرد إباحة وإذن في التصرّف من أحدهما وقبول الآخر كالعارية، وعليه فمتى ما رجع الآذن في اذنه لكونه مسلّطاً على ماله يتصرّف فيه كيف يشاء، ارتفع الموضوع، ومعه ينتفي الحكم لا محالة.1
أقول: أمّا الإجماع فبعد الغضّ عن عدم تعرّض قسم من القدماء للحكم، أنّه دليل لبّي يقتصر فيه بالقدر المتيقّن وهو المضاربة المطلقة غير المؤجّلة، وسيوافيك أنّه عقد جائز.
وأمّا الثاني فالظاهر أنّه ليس من العقود الإذنية التي ليس فيها أي التزام، إذ فيها التزام من الطرفين وتعهد من المالك بدفع المال، ومن العامل بالقيام بالوظائف، وأي تعهد أوضح من ذلك؟ وأي التزام أبين من ذلك؟ وسيوافيك أنّه لو عطل العامل بعد أخذ المال يكون ضامناً له ولولا الالتزام فما معنى الضمان؟!
فالأولى أن يقال: إنّه من العقود اللازمة وأنّه أشبه بالشركة، أي الشركة بين العمل والمال، وإنّ العمل في المقام هو الاتّجار، وفي المزارعة والمساقاة هو الزرع والسقي، فالقول باللزوم هو الأقوى.
أضف إليه: أنّه ما الفرق بينها وبين المزارعة والمساقاة حيث   

1 . المباني في شرح العروة الوثقى: 31 / 26.

صفحه 93
صرّحوا باللزوم فيهما؟ وقالوا: المزارعة من العقود اللازمة ولاتبطل إلاّ بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو بخيار الاشتراط، أي تخلّف بعض الشروط المشترطة على أحدهما.
وقالوا في المساقاة: إنّها لازمة لاتبطل إلاّ بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو تخلّف بعض الشروط، أو لعروض مانع عام موجب للبطلان.
إلى هنا تمّت دراسة أدلّة القول بالجواز. وإليك ما يمكن الاستدلال به على اللزوم وهو أُمور:
الأوّل: أنّ الأصل في العقود هو اللزوم كما هو الأصل المحقّق في باب المعاملات، والجواز يحتاج إلى الدليل، وأمّا الاتّفاق فالقدر المتيقّن منه، هو ما إذا كان مطلقاً لا مؤجّلاً بأجل، وعلى فرض إطلاقه فإنّ الإجماع هنا إجماع على القاعدة، لأنّهم جعلوها من فروع الوكالة في التصرّف في مال الغير فعطفوها عليها، ومثل هذا الإجماع لايكشف عن دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا. وذلك لعدم الدليل على الفرعية فضلاً عن وجود دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا.
الثاني: أنّ المصلحة المهمّة المترتّبة على المضاربة من خروج الأموال من الكنوز والصناديق وانجذاب العمال إلى العمل وصد الناس عن الربا، لا تتحقّق إلاّ إذا كانت هناك ثقة بين الطرفين، حيث يثق رب المال بأنّ العامل يعمل بماله إلى مدّة محدّدة، ويثق العامل بأنّ رب المال لايفسخ العقد، وإلاّ فلو كان جائزاً في المدّة المحدّدة وكان لكلّ فسخ العقد، فلا تبقى ثقة للطرفين، فلا يقومان بها، ويكون تشريع المضاربة تشريعاً   

صفحه 94
عاطلاً قليل الفائدة.
الثالث: أنّ المضاربة في مرتكز العرف معاملة لازمة وهي تكشف عن كونها كذلك شرعاً، وقد ذكر الشيخ الأنصاري في المتاجر بعد الفراغ من تعريف البيع بأنّ الصحّة العرفية، طريق الصحّة الشرعية ما لم يمنع عنها دليل1، وعليه يستكشف من اللزوم عند العرف، كونها كذلك شرعاً، فالأقوى هو كونها عقداً لازماً إذا كان محدّداً. نعم يجوز للطرفين التفاسخ والإقالة كما هو شأن كلّ عقد لازم.
وتصوّر أنّ عقد المضاربة على خلاف القاعدة، قد عرفت ضعفه في صدر الكتاب.

المضاربة غير المؤجّلة جائزة قطعاً

نعم لو كانت المضاربة خالية عن الأجل وقلنا بصحّة مثلها، لا محيص عن كونها جائزة، لأنّ معنى لزومها، في هذه الصورة أن يكون مال الغير في يد العامل دائماً ولا يجوز له استرجاعه، كما أنّ معناه في جانب العامل أن يكون هو مادام العمر في خدمة رب المال ولا يجوز له التحرّر.
اشتراط عدم الفسخ في المدة المضروبة   

1 . كتاب المكاسب: 80 .

صفحه 95
ولو اشترطا فيها عدم الفسخ، فإن كان المقصود لزومها بحيث لا تنفسخ بفسخ أحدهما ـ بأن جعل ذلك كناية عن لزومها، مع ذكر قرينة دالّة عليه ـ بطل الشرط دون أصل المضاربة على الأقوى، وإن كان المقصود التزامهما بأن لا يفسخاها، فلا بأس به، ولا يبعد لزوم العمل عليهما، وكذلك لو شرطاه في ضمن عقد جائز ما لم يفسخ.*

* اشتراط عدم الفسخ في المدّة المضروبة

إذا قلنا بأنّ المضاربة المطلقة، والمحدّدة بالمدّة كلتاهما جائزتان، فهل يمكن علاج جوازها باشتراط عدم الفسخ فيها حتى تصير المضاربة لازمة بالعرض أو لا؟ فله صورتان:

الأُولى: أن لا تنفسخ بفسخ أحدهما

إذا شرط على المالك أو العامل أن لاتنفسخ بفسخ أحدهما، وجعل ذلك كناية عن لزومها مع ذكر قرينة دالّة عليه. وبعبارة أُخرى: لايملكا الفسخ، أو لا يكون لهما حقّ الفسخ، فلا شكّ أنّ هذا النوع من الشرط باطل. إنّما الكلام في وجه البطلان فربّما يقال ـ كما عليه المحقّق في الشرائع ـ : إنّه مناف لمقتضى العقد1، وتبعه السيّد الطباطبائي في العروة 2، وإن عدل عنه بأنّه مناف لإطلاق العقد لا لمقتضاه، والظاهر   

1 . شرائع الإسلام:2/137.
2 . لاحظ : العروة الوثقى: 5 / 156، كتاب المضاربة، المسألة 2.

صفحه 96
إنّه ليس مخالفاً لمقتضاه فلا حاجة إلى الإجابة عنه بما ذكر، لأنّ مقتضى كلّ عقد ما يتبادر منه عند تلقّيه وسماعه، وعلى هذا فمقتضى عقد المضاربة كون الربح بينهما أو كون المال من أحدهما والعمل من الآخر، فكلّ شرط خالف ذلك فهو مخالف لمقتضى العقد، ونظيره ـ في غير باب المضاربة ـ البيع ، فمقتضاه هو مبادلة العين مع الثمن، ومقتضى الإجارة هو تبادل العمل بالأُجرة والنكاح هو التمتع بوجه من الوجوه، فإذا باع بلا ثمن، أو آجر بلا أُجرة، أو نكح امرأة بشرط أن لايتمتع بها أصلاً، فإنّ كلّ ذلك مناف لمقتضى العقد.
والصحيح أن يقال: مخالف للكتاب والسنّة، فإنّ الإجماعات العديدة كاشفة عن وجود نصّ في المقام دال على أنّ كلاًّ من العامل والمالك يملك الفسخ، فاشتراط عدمه، شرط على خلاف حكم الشريعة المقدّسة.

الثانية: أن لا تسلب عن الطرفين ملكية الفسخ

اشتراط عدم الفسخ في العقد الجائز، غير مثمر   
أن لا يدخل في مجال التشريع ولا يسلب عن الطرفين ملكية الفسخ، والقدرة على هدم العقد، بل مع الاعتراف بهذا الحقّ الشرعي، يشترط عليه أمراً وهو أن لايفسخ ـ في الأجل المضروب ـ العقد، وبعبارة أُخرى: يلتزم بأن لايستفيد من هذا الحقّ في المدّة المضروبة، أو يأخذ من هذا المباح بأحد الطرفين وهو عدم الفسخ، وهذا النوع من الاشتراط ليس مخالفاً لمقتضى العقد ولا مخالفاً لحكم الشرع، وإلاّ فلو كان مثل هذا الشرط ـ أي الإلزام بالأخذ بعدم الفسخ ـ على خلاف الكتاب والسنّة، لأصبحت   

صفحه 97
جميع الشروط كذلك، لأنّ الشرط مباح في حدّ نفسه وللمشروط عليه فعله وتركه، ولكنّه بعد الاشتراط لامحيص له عن الإنجاز، فلو باع داره وشرط على المشتري خياطة الثوب، تلزم عليه الخياطة عملاً بالآية الكريمة: (أوفوا بالعقود)وليس لأحد أن يعترض ويقول إنّ هذا الشرط مخالف للشريعة، لأنّه كان فيها مختاراً بين الفعل والترك والآن أصبح وهي لازمة عليه.
وعلى ذلك فيمكن أن يتوسّل المضارب ورب المال للوصول إلى الغاية المقصودة بهذا النوع من الاشتراط، وبذلك تعلم صحّة الشرط وليس معناه جعل الجائز لازماً، بل العقد باق على ما كان عليه، وإنّما اللازم هو أن يفي بالشرط الذي التزم به من الفعل والترك.
فإن قلت: إنّ معنى ذلك جعل لزومها وعدم فسخها شرطاً وهو لا يقبل الاشتراط .
قلت: هذا ما ذكره السيد المحقّق البروجردي(قدس سره) في تعليقته على العروة الوثقى قائلاً بأنّه ليس لزومها وعدم فسخها بأي معنى كان مّما يقبل الاشتراط، غير أنّك عرفت أنّ الهدف ليس اشتراط لزوم عقد المضاربة، بل الغاية شرط فعل على المشروط عليه المنتهي إلى تحديده في مجال فسخ العقد، وأين هذا من اشتراط لزوم عقد المضاربة؟!

اشتراط عدم الفسخ في العقد الجائز، غير مثمر

ربّما يستشكل ويقال: بأنّه لو سلّمنا صحّة الشرط لكنّه   

صفحه 98
لاينتج المطلوب، لأنّ الشرط جزء من العقد، وليس له حكم زائد على العقد نفسه، فإذا كان العقد جائزاً، فالشرط (عدم الفسخ) يكون جائزاً.
هذا ما ذكره الشهيد الثاني في «المسالك» وقال: القراض من العقود الجائزة لايلزم الوفاء به، فلا يلزم الوفاء بما شرط في عقده، لأنّ الشرط كالجزء من العقد، فلا يزيد عليه.1
وبعبارة أُخرى: أنّ العمل بالشرط إنّما يجب لو كان العقد موجوداً، فإذا رُفِعَ العقد بالفسخ فلا متبوع حتى يجب العمل بالتابع. وبعبارة ثالثة: الوجوب المشروط لايقتضي وجود شرطه فينتج: أنّ الشروط في العقود غير اللازمة، غير لازمة الوفاء.

التفسير الأوّل للقاعدة

أقول: يجب علينا توضيح مفاد القاعدة أوّلاً، ثم الإجابة عن إشكال صاحب «المسالك» ثانياً، فنقول:
إنّ للضابطة المعروفة: «الشروط في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء» تفسيرين:
الأوّل: ما ذكره صاحب «الجواهر» وهو: أنّ الشرط الوارد في ضمن العقد الجائز لايلزم الوفاء به حتى مع عدم فسخ العقد، يقول: المراد عدم وجوب الوفاء به، وإن لم يفسخ العقد، وأمّا الاستدلال على الوجوب بقوله سبحانه:(أوفوا بالعقود) فغير تام لظهور الأمر فيها بالوجوب   

1 . مسالك الأفهام: 4/395.

صفحه 99
المطلق، فيتعيّن حملها على العقود اللازمة وتخرج منها العقود الجائزة، كما أنّ الاستدلال بالنبوي، أعني: «المؤمنون عند شروطهم» غير تام، لأنّ المراد منه بيان صحّة أصل الاشتراط، وأمّا اللزوم وعدمه فيتبع العقد الذي تضمّن الشرط، فإن كان لازماً وجب الوفاء بالشرط لكونه حينئذ من توابع العقد، وإلاّ لم يجب، بل يكون حينئذ شبيه الوعد 1.
يلاحظ عليه: أنّ الآية تعمّ العقود اللازمة والجائزة لكن مادام الموضوع (العقد) موجوداً، لأنّ شأن كلّ حكم مطلق، مقيّد بوجود الموضوع لبّاً، فبالنظر إلى وجود الموضوع يجب العمل بالشروط، في ضمني العقد اللازم أو الجائز.
وأمّا النبوي فما ذكره في غاية البعد، بل مفاد الحديث عدم انفكاك المؤمنين عن شروطهم وأنّ المؤمن وشرطه توأمان لاينفكان، وهذا هو معنى اللزوم.

التفسير الثاني للقاعدة

الثاني: ما هو المشهور، وهو أنّه يجب الوفاء به مادام العقد موجوداً، نعم لو فسخها سقط الوجوب، فمع وجود الموضوع يلزم العمل بالشرط إلاّ إذا رفع الموضوع، وهذا كقولنا: يجب الوضوء والركوع والسجود في النوافل، أي مادامت الصلاة، مفروضة الوجود، فهي لاتنفك عنها، وإن كان للمكلّف تركها من رأس.   

1 . جواهر الكلام: 26/343.

صفحه 100
وعلى هذا فإنّه لو شرط في عقد مضاربة، عدم فسخ مضاربة أُخرى سابقة، صحّ ووجب الوفاء به، إلاّ أن تفسخ هذه المضاربة فيسقط الوجوب، وهو داخل تحت الضابطة السابقة التي تعرّفت على معناها.
كما أنّه لو اشترط في مضاربة، مضاربة أُخرى في مال آخر أو أخذ بضاعة منه، أو قرض أو عدمه، وجب الوفاء بالشرط مادامت المضاربة باقية. وإن فسخها، سقط الوجوب، أخذاً بما مرّ من أنّ الشروط لازمة الوفاء في العقود الجائزة مادام العقد باقياً.
هذا هو الذي اختاره المشهور وبه صرّح السيد الطباطبائي في عروته.1
هذا هو معنى القاعدة، وعلى هذا يبقى إشكال صاحب «المسالك» بحاله، وهذا ما يمكن دفعه بالبيان التالي:

استثناء هذا النوع من الشروط من الضابطة

قد وقفت على معنى الضابطة وأنّ الشرط في العقود الجائزة لازم الوفاء مالم يفسخ، ولكن هنا قسماً من الشروط مستثنى من الضابطة، بل يجب الوفاء به مطلقاً وليس مقيّداً بعدم الفسخ، وتوضيحه:
إنّ الشروط المأخوذة في العقود على قسمين:
1 . مايرجع إلى طلب فعل من المشروط عليه كخياطة ثوب أو بناء دار فمثل هذا يرجع في البيع والإجارة وأمثالهما إلى كونه تابعاً للثمن   

1 . العروة الوثقى:5/159، كتاب المضاربة، المسألة2.

صفحه 101
أو المثمن، أو العين المستأجرة أو أُجرتها، وعليه يبتني النزاع المعروف هل يقسّط الثمن على الشروط أو لا؟
2 . ما لا يرجع إلى شيء منهما وإنّما يرجع إلى تحديد اختيار المشروط عليه من غير نظر إلى كونه تبعاً لشيء من أركان العقد، كما إذا باع شيئاً مع خيار الفسخ للمشتري ولكن يشترط عليه أنّه لو فسخ يجب عليه دفع ألف دينار إلى البائع، فالغرض من هذا النوع من الشروط هو تحديد خيار المشتري حتى لايبادر بالفسخ إلاّ عن فكر وتدبّر فيما يستتبعه الفسخ من الغرامة المعلومة، ولأجل ذلك يتنزّل احتمال إقدامه على الفسخ إلى درجة نازلة عكس ما إذا لم تجعل عليه تلك الغرامة.
ومثله المقام، فإنّ اشتراط عدم الفسخ على المشروط عليه إنّما هو لتحديد خياره حتى لايبادر بالفسخ أثناء المدّة المؤجّلة، حتى تحصل للشارط ثقة بأنّ المشروط عليه يستمر على العهد والعقد.
أمّا الشق الأوّل فهو داخل في الضابطة المعروفة وأنّه يتلوّن بلون العقد، فلو كان العقد لازماً فيكون الشرط لازم الوفاء مثله، فبما أنّه لايجوز له نقض العقد، لايجوز له نقض الشرط وعدم الوفاء به، فالعقد، والشرط يمشيان جنباً إلى جنب، ولو كان العقد جائزاً يكون حكمه حكم العقد، فإذا كان أصل العقد كالعارية جائزاً فالخياطة التابعة للعقد تكون جائزة.
وأمّا القسم الثاني فهو يستقل في الحكم عن العقد; وذلك لأنّ صحّة هذا النوع من الشرط تلازم لزومه وعدم تبعيته للعقد، لأنّ صحّة هذا القسم من الشرط لغاية خاصّة لا تتحقّق إلاّ بلزومه، ومع ذلك فالنتيجة في   

صفحه 102
المثالين مختلفة.
ففي المورد الأوّل يصحّ الفسخ ولكن لايبطل الشرط، فإذا فسخ وجب دفع الغرامة، وليس له أن يعتذر ويقول بأنّ الشرط ـ دفع الغرامة ـ تابع للمشروط أي العقد، فإذا ارتفع بالفسخ وارتفع العمل به، ارتفع الشرط ووجوب العمل به; وذلك لأنّه لو كان هذا النوع من الشرط تابعاً في وجوب الوفاء لوجود العقد، تلزم لغويته وعدم حصول الغاية المطلوبة منه، فإنّ الغاية هو إيقاف المشروط عليه عن الإقدام على الفسخ على حدّ ممكن، فلو لم يجب العمل به بعد الفسخ بحجّة أنّه لازم العمل مادام العقد موجوداً، لزمت لغويته، ولأجل ذلك يتّخذ الشرط لنفسه وجوباً مستقلاًّ سواء كان العقد موجوداً أو لا.
وفي المورد الثاني لايصحّ الفسخ فضلاً عن بطلان الشرط، فإنّ اشتراط عدم الفسخ لغاية طلب الثقة، وهذا لايتحقّق إلاّ بعد كونه محكوماً باللزوم، مستقلاً غير تابع للعقد، وإلاّ لغى الشرط وارتفعت الغاية.
اشتراط عدم الفسخ في ضمن عقد لازم   
فتلخّص من ذلك أنّ الشروط على قسمين: شرط يجب العمل به مادام العقد موجوداً، وهو مايرجع مثلاً إلى العين أو الثمن، وشرط يجب العمل به مطلقاً لامقيّداً بوجود العقد، وتختلف نتيجته حسب اختلاف الموارد واختلاف الغاية الداعية إلى جعل الشرط في العقد، فتارة يصحّ الفسخ ولايبطل الشرط، وأُخرى لايصحّ الفسخ فضلاً عن بطلان الشرط، ولعلّه إلى ماذكرنا يشير السيد الطباطبائي في العروة بعد تفسير الضابطة «الشروط تابعة للعقود» بقوله: وهذا إنّما يتمّ في غير الشرط الذي   

صفحه 103
وأمّا لو جعلا هذا الشرط في ضمن عقد خارج لازم ـ كالبيع والصلح ونحوهما ـ فلا إشكال في لزوم العمل به.*
مفاده عدم الفسخ مثل المقام، فإنّه يوجب لزوم ذلك العقد.1

* اشتراط عدم الفسخ في ضمن عقد لازم

ثمّ إنّ هنـاك محـاولة أُخرى وهو اشتراط عدم فسخها في ضمن عقد آخر لازم، وإلى ذلك يشير السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى» ويقول: «ولو شرط عدم فسخها في ضمن عقد لازم آخر، فلا إشكال في صحّة الشرط ولزومه». أمّا الصحّة فلما عرفت من أنّ الشرط ليس جعل الجائز لازماً، أو سلب حقّ الفسخ عن المشروط عليه، وإنّما هو طلب فعل شيء أو ترك منه، أي التزامه باختيار أحد طرفي المباح، وليس مثل هذا مخالفاً للكتاب والسنّة ولا لحكم الشارع بجواز المضاربة.
وأمّا اللزوم فلأنّه ـ بعد الاشتراط ـ يكون جزءاً من العقد اللازم، فيجب الوفاء به.
***

1 . العروة الوثقى: 5 / 158، كتاب المضاربة، المسألة2.

صفحه 104
المسألة12. الظاهر جريان المعاطاة والفضولية في المضاربة، فتصحّ بالمعاطاة، ولو وقعت فضولاً من طرف المالك أو العامل تصحّ بإجازتهما.*
المسألة13. تبطل المضاربة بموت كلّ من المالك والعامل. وهل يجوز لورثة المالك إجازة العقد فتبقى بحالها بإجازتهم أم لا؟ الأقوى عدم الجواز.**

* في جريان المعاطاة والفضولية في المضاربة

حكم المعاطاة في المضاربة كحكمها في البيع والإجارة، وقد ثبت في محلّه أنّ المعاطاة عقد لازم خلافاً لما هو المشهور بين الأصحاب، وعلى هذا فيصحّ إنشاء المضاربة بالمعاطاة كسائر الأبواب، وقد قيل: إنّ الأسباب الفعلية كالأسباب القولية، ويترتّب عليها ما يترتّب على البيع ـ إذا نشأ بالمعاطاة ـ من الأحكام.
وأمّا الفضولية فلو كانت على وفق القواعد لا فرق بين باب المضاربة وسائر الأبواب، فلما ثبت في محلّه من أنّ الفضولية مطابقة للقواعد في البيع، فنفس الملاك موجود في المضاربة، ولذلك اقتصرنا الكلام في الموردين; أعني: المعاطاة، والعقد الفضولي في المضاربة.
بطلان المضاربة بموت المالك أو العامل   

** انفساخ العقد بموت المالك أو العامل

في المسألة فرعان:   

صفحه 105
1. بطلان المضاربة بموت أحدهما.
2. إلقاء المضاربة بإجارة الورثة. وإليك دراستهما.
أمّا الأوّل: فالمشهور أنّ عقد المضاربة يبطل بموت المالك أو العامل، وإليك بعض الكلمات:
1. قال الشيخ: «ومتى مات أحد الشريكين بطلت الشركة».1
2. قال المحقّق: «وبموت كلّ واحد منهما تبطل المضاربة; لأنّها في المعنى وكالة».2
3. قال يحيى بن سعيد: «وموت كلّ منهما يبطلها».3
4. قال العلاّمة: «وينفسخ بموت أحدهما وجنونه».4
5. قال في التذكرة: «يعتبر في العامل والمالك مايعتبر في الوكيل والموكل، لا نعلم فيه خلافاً» 5.
6. وقال في الإرشاد: «ويبطل بالموت منهما والخروج عن أهليّة التصرّف»6.
7 . ونقله السيّد العاملي عن التذكرة وجامع المقاصد   

1 . النهاية:427.
2 . شرائع الإسلام:2/138.
3 . الجامع للشرائع:316.
4 . قواعد الأحكام: 2 / 345 .
5 . تذكرة الفقهاء:17/139.
6 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/245.

صفحه 106
والمسالك ومجمع الفائدة والبرهان، وأنّهم زادوا الإغماء والحجر عليه لسفه، وزيد في التذكرة وجامع المقاصد: الحجر على المالك للفلس، لأنّ الحجر على العامل للفلس لايخرجه عن أهليّة التصرّف في مال غيره بالنيابة، لأنّ المالك يخرج بعروض هذه، له، عن أهليّة الاستنابة1.
8 . قال المحقّق الأردبيلي في وجه البطلان: قد علم أنّه توكيل فيبطل بموت كلّ منهما كالوكالة، ولأنّ بالموت يخرج المال عن ملك المالك ويصير للورثة فلا يجوز التصرّف بالإذن الذي كان من المورث 2.
9 . وقال ابن قدامة: وإذا مات ربّ المال قدّمنا حصّة العامل على غرمائه، ولم يأخذوا شيئاً من نصيبه لأنّه يملك الربح بالظهور، فكان شريكاً فيه، وليس لربّ المال شيء من نصيبه فهو كالشريك بماله ـ إلى أن قال: ـ وإن مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة بعينه صار ديناً في ذمّته3.
فهذا النصّ يكشف عن أنّ المضاربة تبطل عندهم بالموت وعليه بنى ما ذكر من الفرع.
دليل بطلان المضاربة بالموت عند المشهور   
10. وقال ابن رشد القرطبي: واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم، وهو عقد يورث، فإن مات وكان للمقارض بنون أُمناء، كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أُمناء كان لهم أن يأتوا بأمين، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لكلّ واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو   

1 . مفتاح الكرامة: 7/502.
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/245.
3 . المغني: 5/177.

صفحه 107
عقد يورث.1

دليل بطلان المضاربة بالموت عند المشهور

قد عرفت ما هو المشهور عند الفقهاء ويمكن تقريب ذلك بالبيان التالي:
أمّا بطلانها بموت العامل فلأنّه كان هو المجاز، وطرف العقد بشخصه، وليس هو من الحقوق حتى يرثه وارثه، وليست أمراً وراثياً لأولاد الوكيل.
وأمّا إذا مات ربّ المال، فإنّ المضاربة في الحقيقة، هي إعطاء الوكالة للعامل، لأن يتصرّف في ماله، ومن المعلوم أنّها تبطل بموت الموكل.
توضيح ذلك: أنّ العقود على قسمين: إيجادي وإذني، ففي الأوّل يكفي الإنشاء وإيجاد الأمر الاعتباري عن اختيار، وإن ارتفع الإذن والرضا بعد الإنشاء، فالإذن آناً ما مقروناً بالإنشاء، كاف في إباحة المثمن والثمن للمشتري والبائع، ومثله النكاح والإجارة، ولأجل ذلك قلنا في محلّه: إنّ الإجارة لاتبطل بموت الموجر، لأنّها من العقود الإيجادية التي يكفي فيها الإذن آناً ما، لإنشاء تمليك المنفعة في مدّة معيّنة.
وأمّا الثاني فهو يتقوّم بالإذن في التصرّف ويدور مدار وجوده، فما دام الإذن باقياً في خلد العاقد، فالحكم باق، وإذا ارتفع يرتفع بارتفاعه، وهذا كالعارية، والأمانة، والوكالة، والهبة إلى غير ذوي الرحم، فإنّ   

1 . بداية المجتهد:2/237، كتاب القراض.

صفحه 108
المقوّم لجواز التصرّف هو الإذن الباطني، ولايحتاج إلى الإنشاء اللفظي بل يكفي إعلان الرضا بأيّ وسيلة أمكنت.
فالمضاربة من العقود الإذنية فمقوّمها الإذن، فإذا مات أو جنّ يرتفع الإذن عن خلده، وبارتفاعه يرتفع الحكم من غير فرق بين موت العامل أو المالك، وإن كان الحكم في الثاني أوضح، لأنّ إذنه في التصرّف مؤثّر في جواز تصرّف العامل في المال.
هذا ما يمكن أن يقال في تبيين فتوى المشهور حسب قواعدهم.
***
وتحقيق الموضوع رهن الكلام في مواضع ثلاثة:
1. هل الموت، يبطل المضاربة المؤجّلة، أو أنّها تبقى على صحّتها حتى ينقضي الأجل؟
2. لو قلنا بالبطلان، فهل للوارث تجديد العقد أو لا؟
3. لو قلنا بالبطلان، فهل يمكن تصحيحها بإبقاء الوارث من دون حاجة إلى إنشاء جديد؟
حكم المضاربة عند موت أحد الطرفين   

الموضع الأوّل: حكم المضاربة عند موت أحد الطرفين

أقول: أمّا موت العامل فإنّما تبطل المضاربة بموته إذا كانت مقيّدة بشخصه، وأمّا إذا كانت غير مقيّدة به، كما هو الحال في الشركات العامّة التي لها هيئة مشرفة تعيّن المدير العامل، فبموته لا تبطل المضاربة بل ينتخب فرد آخر من جانب الهيئة المشرفة، ولولا ذلك لشلّت   

صفحه 109
الشركات العامّة ـ بموت المدير العامل ـ عن نشاطها التجاري، وما ذكره الفقهاء من بطلانها بموت العامل ناظر إلى المضاربة المحدّدة المقيّدة بعامل معيّن لا تتجاوزه، وهو أمر قليل في حياتنا المعاصرة.
هذا كلّه حول موت العامل، وأمّا موت المالك فعدم بطلانها بموته يتمّ ببيان أمرين:
الأوّل: أنّ المالك الحقيقي في الشركات الكبيرة ذات الأسهم هو عنوان الشركة ـ كالكوثر مثلاً ـ وكأنّ العنوان يملك أملاك الشركة مادامت قائمة بحالها، فإذا انحلّت ترجع السهام إلى أصحابها، وعلى هذا فموت المالك لا يؤثر في مالكية العنوان، لأنّ المفروض أنّ العنوان له شخصية حقوقية يملكها مادامت الشركة قائمة بحالها، غاية الأمر عند الانحلال ترجع الأموال إلى من موّلها، فإن كان المالك موجوداً فهو، وإلاّ فالوارث.
وربّما يكون هناك التزام في بدء الأمر بعدم سحب الشركاء سهامهم في سنين محدّدة لئلاّ يختل أمر التجارة، ففي مثل هذا النوع من المضاربة، الأقوى أنّ موت المالك لا يوجب بطلان المضاربة، بل ربّما تتعلّق رغبة الوارث ببقاء الشركة والاستفادة من أرباحها.
وما نقل عن المشهور من أنّ دور المالك دور الوكالة ـ وهي قائمة بحياته ـ لو تمّ، فهو ناظر إلى المضاربة بين شخصين (مالك وعامل) فقط. ومع ذلك أنّ الموت غير مبطل فيه أيضاً، كما في البيان التالي:
الثاني: أنّ القول بأنّ عمل المالك عبارة عن التوكيل، تحريف   

صفحه 110
لعنوان المسألة، بل عمل المالك والعامل التزام قانوني وشرعي لأن يتّجر العامل بمال المالك في مدّة معيّنة والربح بينهما حسب ما اتّفقا، وعلى ذلك تخرج المضاربة عن العقود الإذنية، وتكون من العقود الإلزامية الالتزامية، فلا يبطل موت المالك ما بناه في حال الحياة، كالإجارة.
فإن قلت: كيف يتصرّف المالك فيما يتعلّق به، تصرّفاً يشمل ما بعد موته، مع انقطاع علقته به بالموت، فيوصف تصرّفه عندئذ فضوليّاً بحاجة إلى إذن الوارث.
قلت: إنّ تصرّفه فيما يتعلّق به، على وجه يشمل ما بعد الموت له صورتان:
الأُولى: أن يقول: ضاربت بمالي هذا مع زيد حتى بعد موتي إلى سنة كذا، فهذه الصورة لا إشكال في بطلانها، لما ذكر في السؤال من انقطاع علقته عن ماله بالموت.
الثانية: أن يقول: بما أنّي مالك لمالي هذا ضاربت مع زيد إلى سنتين، من دون ذكر موت ولا حياة، فهذا النوع من العقد أمر عقلائي يشمله قوله سبحانه: (أَوفُوا بِالعُقُودِ)، فالقائل بالبطلان بسبب الموت يجب أن يقيم دليلاً على خلاف إطلاق الآية.
فإن قلت: إنّ المالك في علمه سبحانه ميّت في أثناء مدّة العقد، فهو في الواقع لا يملك التصرّف إلاّ في مدّة حياته، ويكون بقاء تصرّفه بعد الموت عند الله أمراً فضولياً محتاجاً إلى إجازة الوارث.   

صفحه 111
قلت: لا شكّ في سعة علمه سبحانه وأنّه سيموت في وقت كذا، ولكن الموضوع في الأحكام الشرعية هو ظاهر الأُمور، لا علمه سبحانه، فهو في ظاهر الأمر مالك له أن يتصرّف بماله كيف شاء، وإن تقارن قسم من مدّة العقد مع أيام موته. والحكم بالصحّة في هذا المقام ليس بأمر بديع; بل له نظائر في الفقه، منها:
1. إذا حبس قسماً من ماله لانتفاع زوجته مدّة معيّنة، ويقسم بعد انقضاء الأجل بين الورثة.
2. إذا آجر بيته سنتين، ومات المالك أثناء المدّة، فالأقوى أنّه لا تبطل الإجارة بموته، فإنّ سلطته في حياته بأن يتصرّف في ماله وإن بقي أثره بعد موته، جوّز له ذلك.
3. المزارعة والمساقاة، أُختا المضاربة، فالمشهور عدم بطلانهما بموت أحد الطرفين، قال السيد الطباطبائي: المزارعة من العقود اللازمة لا تبطل إلاّ بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو بخيار الاشتراط، أي تخلّف بعض الشروط المشترطة على أحدهما1.
وقال في كتاب المساقاة: المساقاة لازمة لا تبطل إلاّ بالتقايل أو الفسخ بخيار الشرط، أو تخلّف بعض الشروط، أو بعروض مانع عام موجب للبطلان.2
وبذلك تبيّن أنّ العقد باق إلى انقضاء الأجل من دون حاجة إلى   

1 . العروة الوثقى:5/296، كتاب المزارعة، المسألة 3.
2 . العروة الوثقى: 5/354، كتاب المساقاة، المسألة 7.

صفحه 112
إنشاء جديد أو إبقاء من الورثة.

الموضع الثاني: إبقاء المضاربة بالانشاء الجديد

لو قلنا ببطلان المضاربة بموت المالك، فإبقاء المضاربة بالإنشاء الجديد لا غبار عليه وإن كانت تسميته الإبقاء مجازاً، فيصحّ إذا كان رأس المال ناضّاً لا ديناً ولامنفعة، ولا متاعاً، على القول بأنّه يشترط أن يكون رأس المال غير دين ولا متاع، نعم لو قلنا بصحّة المضاربة بالمتاع والمنفعة ـ كما مرّ ـ فيكون العقد الجديد صحيحاً، وإن لم يكن المال ناضّاً.

الموضع الثالث: إبقاؤها بإجازة الوارث

الاستدلال على عدم صحّة الإبقاء   
وهذا هو الفرع الثاني1 في كلام المصنّف ; فلو قلنا ببطلان المضاربة بالموت فهل لها صلاحية للأبناء بإجازة الوارث؟ يظهر من المحقّق نفي الصلاحية، قال : «ولو مات ربّ المال، وبالمال متاع، فأقرّه الوارث، لم يصحّ، لأنّ الأوّل بطل]بالموت[(2)» .
فإن قلت:إذا أمكن تصحيح الأمر بالإنشاء الجديد، فما هي الحاجة إلى تصحيح المضاربة بالإبقاء وإجازة الوارث، مع أنّ التصحيح بالأمر الأوّل خال عن التكلّف.
قلت: ماذكرته صحيح ولكن وجود الثمرة بين الإنشاء الجديد والإبقاء سبّب عنوان المسألة بالإبقاء، وأمّا الثمرة بين الأمرين فتظهر   

1 . مرّ الفرع الأوّل في ص 105 .   2 . شرائع الإسلام:2/140.

صفحه 113
فيما إذا كان المال غير ناض، على القول باشتراطه وإن كان خلاف المختار، فلا يصحّ بالإنشاء الجديد، بخلاف ما لو قلنا بالصحّة بالوجه الثاني، فإنّه لمّا كان مفاده استمراراً للعقد المتحقّق صحيحاً سابقاً، فلا يشترط فيه كونه ناضّاً أو عيناً، وذلك لأنّ دليل الاشتراط، على القول به، منصرف إلى العقد الجديد، والاتّفاق الابتدائي، لا في إعطاء الاستمرارية للعقد المتحقّق سابقاً، والحاصل أنّه يشترط في الإنشاء المستأنف كلّ ما ذكروه من الشروط في رأس المال; وهذا بخلاف الإبقاء فلا يشترط فيه ما ذكر، لانصراف الأدلّة، وأنّ القدر المتيقّن هو العقد الابتدائي.

الاستدلال على عدم صحّة الإبقاء

استدلّ صاحب الجواهر على عدم الصحّة بالنحو التّالي: «وليس هو ـ أي عقد المورّث ـ فضولياً بالنسبة إلى الوارث الذي لم يكن له علقة بالمال حال العقد بوجه من الوجوه».
وتوضيح ما قال: إنّ العقد الفضولي إنّما يصحّ بالإجازة إذا كان المجيز مالكاً للمعقود عليه أو ذا حقّ فيه، وليس الوارث بالنسبة إلى رأس المال في حياة المورِّث كذلك، فليس بمالك ولا ذي حقّ.
ثم إنّه خاض في النقض والإبرام ما هذا توضيحه.
فإن قلت: إذا آجر البطنُ الأوّل العين الموقوفة مدّة زادت على حياتهم، فإنّ الإجارة تصحّ بإجازة البطن الثاني، فما الفرق بينه وبين المقام؟
قلت: الفرق واضح بين المقامين، لتعلّق حقّ البطن اللاحق بالعين   

صفحه 114
من جانب الواقف يوم الوقف، ولأجل ذلك تكون الإجارة على المدّة الزائدة في نفس الأمر لهم، وإن لم يُعلم بها حال العقد، بخلاف المقام الذي هو ابتداءً ملك للوارث بالموت، وحينئذ فالمدار في الفضولية كونُ المعقود عليه حال العقد للغير، ولكن الفضوليّ أجرى العقد عليه، بخلاف المقام الذي هو للمالك ولكن بالموت ينتقل عنه إلى وارثه، فليس هو في عقده على ماله فضوليّاً عن الغير الذي لا مدخلية له حال العقد.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام وبين تصرّف الموصي في ماله بأزيد من الثلث، فإنّ التنفيذ يتوقّف على إجازة الوارث، مع أنّ الموصي كان مالكاً لماله ولم يكن للوارث حين الإيصاء حقّ في ماله؟
قلت: الفرق هو أنّ الوصية تصرّف بعد الموت الذي هو محل تعلّق حقّ الوارث، وهذا بخلاف عقد المضاربة، فإنّه تصرّف في المال في حال حياته.1

تحليل ما ذكره صاحب الجواهر

استنتاج أُمور مهمّة   
هذا كلامه، ولكن الحقّ أنّ المعاملات أُمور عرفية يكفي في كونها فضولية أنّ المالك تصرّف في مال هو في معرض الانتقال إلى الوارث، وإن لم يكن له علقة به حال العقد، أي حدوثاً، لكن له علقة به بقاء، حيث إنّ العين تنتقل إليه أثناء الأجل، وهذا النوع من العلقة يصحّح أن يكون العقد بالنسبة إلى ما بعد الموت فضولياً، ومرجع إجازته حينئذ إلى إبقاء ما   

1 . جواهر الكلام: 26/362 ـ 363.

صفحه 115
فعله المورّث، لا قبوله ولا تنفيذه، فإنّ الإجازة على أقسام: قد تكون قبولاً لما فعله الغير ـ كما في إجازة بيع ماله فضولاً ـ وقد تكون تنفيذاً لما فعله الفضولي ـ كما في إجازة المرتهن لبيع الراهن ، وإجازة الوارث لما زاد عن الثلث ـ وقد تكون إبقاءً لما فعله المالك كما في المقام.1
***

استنتاج أُمور مهمّة

قد ظهر ممّا ذكرنا عدّة أُمور:
1. إذا قلنا بعـدم اشتراط كون المال عيناً; بل يكفي كونه ديناً قابلاً للتحصيل، أو قلنا ـ بعد تسليم اشتراط كونه عيناً ـ : بعدم اشتراط كونه ناضّاً; بل يكفي كونه عروضاً ومتاعاً، فلا حاجة إلى بذل الجهد لتصحيح الإبقاء، إذ للوارث أن يَدخل من باب الإنشاء الجديد لعدم الفرق بين الأمرين في عدم الكلفة الزائدة.
ولو قلنا باعتبار كونه عيناً بل درهماً أو ديناراً، فإن قلنا: بعدم الفرق بين الإنشاء الجديد، والإبقاء في الشرائط، فلا حاجة أيضاً إلى بذل الجهد لتصحيح الإبقاء لعدم الاختلاف في رعاية الشرائط، حدوثاً وبقاءً، فتبطل المضاربة بقاءً.
وأمّا لو قلنا بلزوم وجود هذه الشرائط حدوثاً لا بقاءً لأنّ الدليل المهمّ لها هو الإجماع ولا إطلاق لها والقدر المتيقّن منه هو الحدوث لا   

1 . العروة الوثقى: 5 / 185، كتاب المضاربة، المسألة 29.

صفحه 116
البقاء، فيكون السعي لتصحيح إبقاء المضاربة أمراً مطلوباً، لعدم الحاجة إلى الشرائط في البقاء بخلاف العقد المستأنف.
2 . لو قلنا بانفساخ المضاربة بالموت (على خلاف المختار) فتفسيره ببطلان العقد وصيرورته كالمعدوم إنّما يتمّ فيما إذا كان عقد المضاربة مطلقاً غير محدّد بأجل، فإذا كان من العقود الإذنيّة ولم يكن محدّداً بأجل يشمل ما بعد الموت فيتقوّم بالإذن، فيرتفع بارتفاعه، وأمّا إذا كان العقد محدّداً بأجل يمتد إلى ما بعد الموت، يكون له اقتضاء البقاء إذا انضمّ إليه إذن الوارث، وجامعاً للشرائط ; فمعنى الانفساخ هو خروج أمر المال من يد المورّث وانتقال أمره إلى الوارث فيكفي في بقائه إذن الوارث.
3 . أنّ حصـر العقد الفضولي بما إذا كان المعقود عليه حال العقد ملكاً للغير أو متعلّق حقّ للغير حين الحدوث، لا وجه له إذ لم يرد فيه نصّ حتّى يقتصر عليه بل يعمّه، وما إذا كان ملكاً أو متعلّق حقّ للغير بقاءً لا حدوثاً، كما في المقام; لأنّ موت المالك موجب لانتقال رأس المال إلى الورثة فصار متعلّقاً للغير بقاءً لا حدوثاً، فإبقاء المضاربة متوقّف على إذن صاحبه. وهذا مثل ما إذا أعار ماله ثم باعه فبقاء عقد العارية، رهن إذن المشتري لأنّه صار متعلّقاً للغير بقاءً وإن لم يكن حدوثاً.
نظرية السيد الحكيم في بطلان الإبقاء   

نظرية السيد الحكيم في بطلان الإبقاء

استقرب السيد الحكيم (قدس سره)عدم الصحّة بوجوه ثلاثة:
1. الإجازة لا تصحّ إلاّ بشرطين: الأوّل: أن يكون العقد المجاز   

صفحه 117
صادراً من غير الولي عليه، فلا يصحّ منه إلاّ بالإجازة. الثاني: أن يكون للمجيز ولاية على العقد، فإذا انتفى ذلك لم تصحّ الإجازة. وهذان الشرطان موجودان في الأمثلة المذكورة في «الجواهر» وفي المتن، أمّا فيما نحن فيه فمفقودان معاً، إذ العقد الواقع من المالك صادر من الوليّ عليه فيصح، ولا معنى لإجازته، والإجازة الصادرة من الوارث ـ سواء كانت صادرة منه حال حياة المورث، أم بعد وفاته ـ صادرة ممّن لا ولاية له على العقد. نعم إذا كانت صادرة منه بعد وفاة المورّث فهي ممّن له ولاية على تجديد العقد لا على العقد نفسه، فلا معنى لتعلّقها بالعقد.1
وجهه: أنّ ماذكره إنّما يتمّ إذا لوحظ العقد حدوثاً في مدّة حياته، فله الولاية دون الوارث، فالشرطان غير موجودين، وأمّا إذا لوحظ بقاءً حسب التحديد الوارد في العقد، فالعاقد لم تكن له الولاية لما بعد الموت، وللوارث المجيز الولاية بالنسبة إلى نفس العقد السابق. إذ للعقد صلاحية البقاء لما عرفت من أنّ المراد من بطلان العقد هو البطلان بمعنى فقدان الصحّة الفعلية، وأهليتها للبقاء لا البطلان المطلق وكونه معدوماً، كما سيأتي توضيحه في الأمر الثاني.
2 . أنّ الإبقاء متعذّر، لأنّ المفروض بطلانه فكيف يمكن إبقاؤه، مع أنّه غير مقصود للمجيز؟
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ الانفساخ في العقد المطلق غير المؤجل يلازم البطلان، ولكنّه في العقد المحدّد بمعنى انتهاء ولايته   

1 . مستمسك العروة الوثقى: 12/320.

صفحه 118
له، وانتقال الولاية للوارث، فإذا انضمّ إليه إذنه، يكون نافذاً، لعدم القصور في العقد، إلاّ من ناحية إذن الولي والمفروض انضمامه، ثم لم يتحقّق لي معنى قوله: «مع أنّه غير مقصود للمجيز» بل هو أي الإبقاء مقصود للمجيز.
3 . أنّ المالك ركن في عقد المضاربة كالعامل، فإذا مات أحدهما بطل العقد ضرورة كما هو في موت أحد الزوجين فلا يمكن جعل إبقائه.
يلاحظ عليه: أنّ المضاربة علاقة بين عمل العامل ورأس المال، لا العامل والمالك ولذلك يصحّ، ولو لم يعرف المالك كما في المضاربة جعالة، ولأجل ذلك تبطل المضاربة بهلاك رأس المال، وهذا بخلاف الزوجين فإنّهما ركن، يقول سبحانه: (وَأنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وإمائِكُمْ)1 والنكاح علاقة بين الزوجين.
وعلى ضوء هذا، يلزم التفصيل بين موت العامل فتبطل المضاربة، لفقدان الركن ـ أعني: العمل ـ واقامة وارث العامل مقامه يحتاج إلى عقد مستأنف، بخلاف المالك، إذ الركن هو المال وهو باق وإن تغيّرت إضافته من المالك إلى الورثة، فتدبّر.
حكم تقسيم رأس المال والربح على القول ببطلان المضاربة   

حكم تقسيم رأس المال والربح على القول ببطلان المضاربة

ثم إنّ الميّت إمّا هو المالك أو العامل ولكلّ صور خمس، لأنّ المال حين الموت إمّا ناضّ أو عروض، وعلى تقدير كونه ناضّاً إمّا أن يكون   

1 . النور:32.

صفحه 119
فيه ربح أو لا، وعلى كونه متاعاً إمّا أن يكون الربح فيه قطعياً أو مرجوّاً أو معلومَ العدم. وتظهر أحكام جميع الصور من الإمعان فيما تقدّم ونقول:
أمّا إذا كان الميت، هو المالك وكان المال ناضّاً، فإن ربح يُقسَّم حسب الاتّفاق، وليس للغرماء مزاحمة العامل في حصّته، لما ستعرف من أنّه يملك الربح بالظهور فكان شريكاً للمالك. وإن لم يربح، فالمال كلّه للوارث.
وإن كان المال عروضاً فإن علم الربح بظهوره، فيشارك الوارث فيه حسب سهمه من الربح. وإن علم عدمه فالمال كلّه للوارث. وإن كان الربح مرجوّاً فقد ذهب صاحب المسالك إلى أنّ للعامل بيعه، وهو كما ترى مع عدم رضاية الوارث المالك فعلاً، والأولى التصالح عند رجاء الربح . ثمّ إنّ ما ذكرنا من الأحكام مبني على بطلان المضاربة بموت المالك، وأمّا على ما قوّيناه فللعامل الاستمرار في العمل إلى أن يأتي الأجل.
هذه الصور الخمس فيما إذا كان الميّت هو المالك.
وأمّا إذا كان الميتُ هو العامل فتأتي فيه تلك الصور أيضاً، فإن كان المال ناضّاً، رابحاً يدفع سهمه من الربح إلى وارثه. وإن لم يربح فالمال كلّه للمالك.
وإن كان المال متاعاً، فإن علم فيه الربح بظهوره يشاركه حسبَ سهمه، وإن علم عدمه يدفع المال إلى المالك، وإن كان الربح مرجوّاً ففي الجواهر أنّه ينصِّب الحاكم أميناً يبيعه، فإن ظهر فيه ربح، أوصل حصّته إلى الوارث، وإلاّ سلّم الثمن للمالك 1. ويمكن القول بالتصالح أيضاً.

1 . جواهر الكلام: 26/356.

صفحه 120
المسألة14. العامل أمين، فلا ضمان عليه لو تلف المال أو تعيّب تحت يده، إلاّ مع التعدّي أو التفريط.*
العامل أمين غير ضامن لما تلف   

* العامل أمين غير ضامن لما تلف

قال المحقّق: العامل أمين، لا يضمن ما يتلف إلاّ عن تفريط أو خيانة.1
وقال ابن سعيد: المضارب أمين لا يضمن إلاّ بالتفريط.2
وقال العلاّمة في «القواعد»: والشريك أمين لا يضمن ما يتلف إلاّ بتعدّ أو تفريط.3
يقول السيد الطباطبائي: العامل أمين فلا يضمن إلاّ بالخيانة.4
ويقول السيد الحكيم، تعليقاً على العروة: إنّه هو المصرّح به في كلام جماعة كثيرة، بل الظاهر أنّه لا خلاف فيه ولا إشكال، وفي الجواهر أنّه إجماعي.5
وربّما يستدلّ بروايتين:
1. صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن وديعة   

1 . شرائع الإسلام:2/142.
2 . الجامع للشرائع:315.
3 . قواعد الأحكام:2/327.
4 . العروة الوثقى:5/204، كتاب المضاربة، المسألة 39.
5 . مستمسك العروة الوثقى: 12/350.

صفحه 121
الذهب والفضة، قال: فقال: «كلّ ما كان من وديعة ولم تكن مضمونة لا تلزم».1
2. مرسلة أبان بن عثمان عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:وسألته عن الذي يستبضع المال، فيهلك أو يُسرق، أعلى صاحبه ضمان؟ فقال:«ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً».2
أقول: في دلالة الروايتين على هذا الباب تأمّل... أمّا الأُولى فهي ناظرة إلى الوديعة المطلقة التي ليس فيها أي نفع للمستودع، وإنّما يقبل الوديعة تبرّعاً، وأمّا الثانية فلأنّ البضاعة عبارة عمّا يدفع الإنسان إلى غيره مالاً ليبتاع به متاعاً، ولا حصّة له في ربحه بخلاف المضاربة.3 فالروايتان قاصرتان عن الاستدلال في المقام.
والأولى أن يستدلّ بما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله(عليه السلام)في الرجل يعمل بالمال مضاربة، قال:«له الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف عن شيء ممّا أمر صاحب المال».4
وعلى هذا لا يضمن عليه لو تلف المال أو تعيّب تحت يده، نعم استثنى في المتن صورتي التعدّي والتفريط، ودليله واضح لأنّه بالتعدّي والتفريط يخرج عن كونه أميناً.   

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث4.
3 . مجمع البحرين:4/301، مادة «بضع».
4 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث3.

صفحه 122
ثمّ إنّ المراد من التعدّي فعل ما ينبغي تركه، كما أنّ المراد من الثاني ترك ما ينبغي فعله، والخيانة جامع بينهما، فما عن السيد الطباطبائي من جعلها قسيماً معهما، ليس بتام، قال: العامل أمين فلا يضمن إلاّ بالخيانة، كما إذا اشترى لنفسه فأدّى الثمن من ذلك،... أو التفريط بترك الحفظ، أو التعدّي بأن خالف ما أمره به ونهاه عنه»1، وما أسماه خيانة فهو من مقولة التعدّي حيث فعل ما ينبغي تركه.

تقييد الضمان بما إذا كان التعدّي سبباً للتلف

ثمّ لابدّ من تقييد الضمان بما إذا كان التعدّي سبباً ـ ولو ناقصاً ـ للتلف ومنتهياً إليه، مثل ما إذا كان المال قطناً فأمر ببيعه فخالف حتى حدث حريق في المخزن، فاحترق رأس المال كلّه.
وأمّا إذا لم يكن له أي تأثير كما إذا كان رأس المال حديداً فأمر بتبديله قطناً فامتنع، وجاء السيل فذهب بكلّ شيء، فالضمان هنا مشكل جدّاً، لأنّه لو قام بما أمر لذهب به السيل بسهولة أيضاً.
العامل أمين غير ضامن للوضيعة   
والحاصل: أنّه يجب في الحكم بالضمان، أن يكون لتعدّيه، أو تفريطه تأثير في التلف، فالقول بالضمان مطلقاً عند التعدّي أو التفريط ولو بآفة سماوية أمر مشكل، وإن أطبقت كلماتهم على الضمان في المقام، وليس هو كالغاصب الذي يؤخذ بأشقّ الأحوال، ويحكم بالضمان حتى يؤدي العين أو المثل أو القيمة.   

1 . العروة الوثقى:5/204، كتاب المضاربة، المسألة 39.

صفحه 123
كما أنّه لا ضمان عليه من جهة الخسارة في التجارة، بل هي واردة على صاحب المال.*
ونظير المقام عندما كانت المعاملة فاسدة شرعاً، فالمشهور كون البائع ضامناً للثمن والمشتري للمبيع وإن تلف بآفة سماوية، أخذاً بالقاعدة المعروفة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، فعلى هذا لو تلف المثمن بالزلزال أو السيول، فعلى المشتري بعد أخذ الثمن ضمان المثمن بالمثل والقيمة.
هذا هو المعروف ولكن القول بالضمان في هذه الصورة مشكل جدّاً إذ المفروض أنّه لو كان المبيع عند البائع أيضاً لتلف بالآفتين المذكورتين، فليس ليد المشتري واستيلائه على المبيع أي مدخلية في التلف. ومن جانب لم يكن غاصباً ولا متعدّياً ولا مفرّطاً.

* العامل أمين غير ضامن للوضيعة

أُريد بالوضيعة الخسارة المتوجّهة على التجارة، وبما أنّه أمين لا يضمن الخسارة المتوجّهة إلى التجارة إلاّ مع التعدّي أو التفريط، وقد مرّ في رواية أبي الصباح الكناني قوله(عليه السلام): «له الربح وليس عليه من الوضيعة شيء، إلاّ أن يخالف عن شيء ممّا أمر صاحب المال».
ويأتي هنا ما تقدّم في ضمان رأس المال، بأنّه إنّما يضمن إذا   

صفحه 124
كان لتعدّيه أو تفريطه تأثير في الوضيعة، وإليك التأمّل في الصور التالية:
1. إذا سافر، وخسر في التجارة بحيث لو كان في البلد لما خسر.
2. إذا سافر، وخسر في التجارة على وجه لو بقي في البلد التي سافر عنها لحصلت تلك الوضيعة أيضاً.
3. إذا نزل السوق في البلد وغيره الذي سافر إليه، فسافر فخسر.
ومن المعلوم أنّ لمخالفته تأثيراً في الخسارة في الصورة الأُولى، دون الصورتين الأخيرتين.
ثمّ إنّ السيد الحكيم خصّ ضمان الوضيعة بمخالفة أمر المالك، ولكن التخصيص بلا دليل، كما إذا ترك التجارة في يوم تكثر فيه الرغبة، فعرض بعد ذلك اليوم فنزل السوق، فهو ضامن لها وإن لم تكن فيه مخالفة للأمر الشخصي.1
وما ذكرناه هو الظاهر من السيد الطباطبائي قال: ولو اقتضت المصلحة بيع الجنس في زمان ولم يبع، ضمن الوضيعة إن حصلت بعد ذلك.2
اشتراط الضمان على العامل   
ولمّا كانت فتوى السيد الطباطبائي مخالفة لما اختاره السيد الحكيم، حاول أن يصحّح فتوى المتن بقوله:اللّهم إلاّ أن يكون مبنى العقد على البيع مع المصلحة، فتركه مخالفة للعقد، فيكون مخالفاً للمالك.3   

1 . مستمسك العروة الوثقى:12/351.
2 . العروة الوثقى:5/205، كتاب المضاربة، المسألة 39.
3 . مستمسك العروة الوثقى:12/351.

صفحه 125
ولو اشترط المالك على العامل أن يكون شريكاً معه في الخسارة كما هو شريك في الربح ففي صحّته وجهان، أقواهما العدم.*
يلاحظ عليه: أنّ تعميم مخالفة أمر المالك إلى حالة مخالفة المصلحة، ناش من تخصيصه ضمان الوضيعة بما إذا خالف أمر المالك، وإلاّ فلا حاجة لإدغام الأوّل (مخالفة المصلحة) في الثاني (مخالفة أمر المالك)، فالقول بضمان الوضيعة أوسع من مخالفة أمر المالك، أسهل من المحاولة.

* اشتراط الضمان على العامل

إذا اشترط المالك على العامل أن تكون الخسارة عليهما كالربح، أو اشترط ضمانه لرأس المال، ففي صحّة الشرط وجهان أو قولان:
ثم إنّ الكلام يقع تارة في ضمان رأس المال عند التلف بالشرط وإن لم يكن مقروناً بالتعدّي والتفريط، وأُخرى في ضمان الوضيعة بالشرط عند نزول السوق مع بقاء رأس المال بصورة العروض، وإليك الكلام في الأوّل وإن لم يذكره المصنّف، وسيوافيك الكلام في الثاني.

اشتراط ضمان رأس المال

فنقول: استدلّ لبطلان الشرط بوجوه:

1. شرط الضمان مخالف لمقتضى العقد

ما ذكره صاحب «جامع المقاصد» من أنّ الشرط باطل   

صفحه 126
لمنافاته لمقتضى العقد شرعاً، فيبطل العقد بها; لأنّ التراضي المعتبر فيه لم يقع إلاّ على وجه فاسد فيكون باطلاً.1
يلاحظ عليه: أنّ الميزان في كون الشرط منافياً لمقتضى العقد، ظهور المنافاة بين العقد والشرط أو بين الشرط ولوازمه العرفية، والأوّل كما في مثل قوله: «بعتك بلا ثمن، وآجرتك بلا أُجرة»، والثاني مثل قوله: «أنكحتك بشرط أن لا أتمتع منك أبداً»، وأمّا المقام فليس كذلك إذ ليس عدم الضمان داخلاً في مفهوم المضاربة، ولا يعدُّ من اللوازم العرفية التي لاتنفك عنها، فإنّها ليست إلاّ ـ عمل العامل بمال المالـك على أن يكون الربح بينهما ـ على ما اتّفقا عليه. وليس عدم الضمان مأخوذاً فيه، بنحو أحد الأمرين في مفهومها أو لوازمها.
وإن شئت قلت: إنّ عدم الضمان، مقتضى إطلاق العقد لا أنّه داخل في جوهره ومفهومه ولا من مقتضيات نفسه عند العرف.
وبعبارة أُخرى: أنّ المضاربة بما هي هي لا تقتضي الضمان ما دامت كذلك، لا أنّها بما هي هي تقتضي عدم الضمان حتى يقع التنافي بين الاشتراط ومقتضى العقد.
شرط الضمان مخالف للسنّة   

2. شرط الضمان مخالف للسنّة

إنّه مخالف للسنّة، حيث إنّه حسب النصّ أمين، ومقتضى كونه   

1 . جامع المقاصد:8/55. ولا يخفى أنّ لفظ «شرعاً» في عبارته مستدرك، إذ المراد من مقتضى العقد، ما هو المتفاهم منه عرفاً لا شرعاً.

صفحه 127
أميناً عدم الضمان. وقد ورد النصّ عليهما في الروايات.
أمّا الصغرى، فواضحة مرّ الكلام فيها.
وأمّا الكبرى; فيدلّ عليها صحيح محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): مَن اتّجر مالاً واشترط نصف الربح فليس عليه ضمان».1
يلاحظ عليه: أنّ الضمان ينقسم إلى ضمان اليد وضمان العقد، والرواية ناظرة إلى القسم الأوّل، وإن أخذ المال مضاربة، لا يقتضي الضمان لأجل الاستيلاء، وهذا لا ينافي جعل الضمان عليه بالاشتراط، ويكون الضمان بالعقد.
وبعبارة أُخرى: إنّ أخذ المال للاتّجار والاشتراك في الربح، لا يلازم الضمان ولا يقتضيه إذ ليس غاصباً ولا متعدّياً ولا مفرّطاً. وهذا لا ينافي كونه ضامناً بالجعل والمشارطة. وعدم الضمان من ناحية التسلّط والاستيلاء، لا ينافي الضمان بالجعل والشرط، ولعلّه إلى ذلك يرجع ما ذكره السيد الحكيم: أنّ عدم الضمان لعدم المقتضي لا لمقتضي العدم، ومع الاحتمال يبني على صحّة الشرط المخالف له، لعدم ثبوت كونه مخالفاً للكتاب.
وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي: إنّ ذلك من جهة ملاحظة أنّ العامل أمين ومقتضى مادلّ على أنّ الأمين لا يضمن ولا سيّما بعض النصوص الواردة في خصوص المضاربة، هو عدم الضمان،   

1 . الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث2.

صفحه 128
فيكون اشتراط الضمان من الشرط المخالف للسنّة، حيث إنّ مقتضاه عدم ضمان الأمين سواء اشترط عليه ذلك أم لا يشترط، فيبطل لا محالة.1
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ مفاد النصوص نفي الضمان المبنيّ على اليد وأنّه ليس على المالك أن يضمنه بمجرّد استيلائه على ماله، بعدما كان الأخذ بإذنه، فلا يضمن سواء أشرط عليه ذلك أم لا يشترط كما قال، وأمّا نفي الضمان العقدي لأجل المشارطة والاتّفاق فلا تنفيه، وبذلك يظهر الخفاء في قوله: «مقتضاه عدم الضمان اشترط عليه أم لم يشترط» إذ ليست النصوص في مقام البيان من هذه الجهة حتى يؤخذ بإطلاقها.
اشتراط ضمان الوضيعة   

اشتراط ضمان الوضيعة

ومن ذلك يعلم، أنّه لافرق بين تضمينه لرأس المال عند التلف، وتضمينه الوضيعة الناشئة من تنزّل السوق .
فإن قلت: يظهر من الروايات التالية، أنّ كون الوضيعة على المال وبالتالي عدم ضمان العامل، حكماً شرعياً غير قابل للتغيير بالعناوين الثانوية كالشرط وغيره، نظير شرطية كون ماء الوضوء ماءً مطلقاً، فلا يمكن تغييرها بعنوان النذر، كأن ينذر أنّه لو قُضيت حاجتي فعليّ التوضّؤ بماء الورد، ومثلهما كون الطلاق بيد الرجل أي من أخذ بالساق، فلا يجوز التصرّف فيه بعنوان من العناوين.
وإليك بعض ما رُوي في المقام.   

1 . المباني في شرح العروة الوثقى: 31 / 36 .

صفحه 129
روى الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «المال الذي يعمل به، مضاربة له من الربح وليس عليه من الوضيعة شيء، إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال».1
وروى إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن مال المضاربة؟ قال:«الربح بينهما والوضيعة على المال».2
فالمتبادر من الروايتين أنّ كون الوضيعة على المال من قبيل الأحكام الشرعية للمضاربة، فلا يجوز تغييره بالشرط.
قلت: إنّ الروايتين وما أشبههما بصدد بيان مقتضى طبيعة المضاربة بما هي هي، وأنّها عبارة عن كون الوضيعة على المال، لأنّ العامل لم يتعهّد سوى الاتّجار والاشتراك بالربح، فلا محالة لا تتوجّه الوضيعة عليه، بل على نفس المال. وأمّا أنّه حكم شرعي حتى في صورة التعهّد وقبول جبر الوضيعة بماله، فليس بصدد بيانه فلا تنفيه الروايات، فيرجع فيها إلى القواعد العامّة وإطلاقات الشروط.
فإن قلت: لو صحّ الشرط يجب بقاء العقد على حالته الأُولى مع أنّ الظاهر من صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه بالشرط تنقلب المضاربة إلى القرض، قال(عليه السلام)في حديثه: إنّ عليّاً(عليه السلام) قال:«مَن ضمّن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله وليس له من الربح شيء».3   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث4.
2 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث5.
3 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.

صفحه 130
فكأنّ مضمونه أشبه بما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«الخراج بالضمان».1، ومن عليه الغرم فله الغنم .
قلت أوّلاً: إنّ الصحيح على خلاف القاعدة، حيث إنّ المتعاقدين لم يقصدا إلاّ المضاربة، فانقلابه إلى القرض من مصاديق «ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع».
وثانياً: إنّه من أقضية الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومن المعلوم أنّ قسماً من قضاياه عند الفقهاء يُعدّ قضية في واقعة، فالعمل بهذا الحديث مقابل القواعد، أمر مشكل.
إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ الحقّ هو صحّة الشرط ولزومه حسب أدلّة الشروط، ولو قلنا ببطلان الشرط فلا نقول ببطلان أصل المضاربة، لأنّ الشرط الفاسد عندنا غير مفسد إلاّ في موارد ثلاثة:
1. إذا كان منافياً لمقتضى العقد، وليس المقام منه.
2. مخالفاً للكتاب والسنّة.
3 . إذا كان موجباً للجهالة في خصوص البيع، لما روي: «نهى النبي عن بيع الغرر»، والمقام ليس من قبيل البيع، فتكون النتيجة بطلان الشرط، وصحّة العقد. وعلى فرض كون الجهالة مضرةً مطلقاً في البيع وغيره، فالمقام عار عن الجهالة.    
محاولة لتصحيح الرواية   

1 . مسند أحمد:6/237.

صفحه 131

محاولة لتصحيح الرواية

لمّا كانت الرواية مخالفة للقواعد حاول المحقّق الخوئي تصحيحها، بأنّ المقصود كان من أوّل الأمر هو القرض فقال ـ بعد بيان الفرق بين البيع والدين ـ : هذه الصحيحة لمّا كانت ناظرة إلى الضمان المطلق، أعني: دفع ماله إلى غيره ليكون في عهدته من أوّل الأمر، كانت الرواية أجنبية عن محلّ الكلام، فإنّها واردة في القرض ابتداء لا في انقلاب المضاربة إلى القرض بالاشتراط.
فالصحيحة ـ بناء على ما ذكرناه ـ غير واردة في المضاربة، وإنّما هي واردة في التضمين الفعلي، وأنّى ذلك من اشتراط الضمان عند التلف؟1
ثمّ إنّه نسب ما ذكره من المعنى إلى الوافي والحدائق.
أقول: يلاحظ عليه بأُمور:
1. أنّ حمل الرواية على القرض يستلزم كون الرواية من قبيل توضيح الواضحات، إذ لا يجهل أحد أنّ المقترض ضامن للقرض، فلا معنى لاشتراط الضمان عليه.
2. أنّ في الرواية قرينة على الخلاف، حيث قال:«وليس له من الربح شيء» فإنّ كلمة «الربح» قرينة على أنّ المورد من قبيل عقد المضاربة التي يتوقع فيه الربح، دون القرض، فإنّ المقترض ربّما يصرفه في حاجاته ولوازم حياته من دون أن يرجع إليه بربح.   

1 . مستند العروة الوثقى:3/51.

صفحه 132
3. أنّ ما نسبه إلى الوافي غير موجود فيه، وإليك عبارة الوافي، قال ـ بعد أن ذكر الرواية ـ : بيان: أُريد بالحديثين أنّ في المضاربة لا ضمان على العامل فإن اشترط فيها الضمان عليه تصير قرضاً، فلا ربح حينئذ لصاحب المال.1
وأمّا ما نسبه إلى الحدائق فهو أيضاً لا ينطبق على عبارته، حيث إنّه بعدما نقل روايتي محمد بن قيس ـ والتي إحداهما روايتنا ـ قال: والتقريب فيهما أنّه بمجرّد تضمين المالك للمضارب يصير المال قرضاً، ويخرج عن المضاربة، وإن لم يتقدّم هناك عقد القرض أوّلاً، وهو في معنى اشتراط الربح للعامل، فإنّ الأمرين من لوازم القرض.2
وظاهر كلام المحدّثين أنّ المتعاملين قصدا المضاربة لكن جعل الضمان على العامل، قلبها إلى القرض، فكما أنّ جعل الربح للعامل يجعله قرضاً، فهكذا جعل الضمان عليه يجعله قرضاً شاء أو لم يشأ.
في ضمان العامل   
وممّا يشهد على أنّ رواية محمد بن قيس عن علي(عليه السلام) ناظرة إلى المضاربة لا القرض، هو أنّ صاحب الوافي نقلها مع روايته الأُخرى عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«قضى عليّ(عليه السلام) في تاجر اتّجر بمال واشترط نصف الربح فليس على المضارب ضمان» في مكان واحد.3   

1 . الوافي للفيض الكاشاني:18/880.
2 . الحدائق الناضرة:21/202.
3 . الوافي:18/880، برقم 18483.

صفحه 133
وبما أنّ الرواية الثانية صريحة في المضاربة، فتكون دليلاً على الرواية الأُولى أيضاً.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه لا إشكال في اشتراط الضمان لرأس المال أو للوضيعة وإن لم يكن عن تعد وتفريط.
***
هذا ما كتبناه في سالف الزمان شرحاً على تحرير سيدنا الأُستاذ(قدس سره)، غير أنّا رجعنا إلى دراسة المسألة من جديد ونحن في مشهد الرضا على ساكنه آلاف التحية والسلام في عامنا هذا، ولذلك نأتي بما كتبناه هناك، ولعلّ فرق بين التقريرين في عرض المسألة ونتيجتها.

في ضمان العامل

إنّ ضمان العامل يتصوّر على وجهين:
1. ضمانه لرأس المال على تقدير التلف.
2. ضمانه مالية المال إذا نزل السوق وانخفضت قيمة المال بأن يتداركها.
فلنأخذ كلاًّ بالدراسة

في ضمان العامل عند تلف المال

إنّ في ضمان العامل بمعنى اشتغال ذمّته بقيمة المال المتلَف، إشكالاً أو إشكالات يجب رفعها، وهي:   

صفحه 134
في ضمان العامل عند تلف المال   
الأوّل: إنّ شرط الضمان، إنّما هو من باب شرط النتيجة، بمعنى كونه ضامناً لدى التلف، وشرط النتيجة باطل، شأن كلّ شيء يتوقّف وجوده في عالم التشريع على سبب خاص، ككون هند زوجة، أو كون الدار ملكاً، إذ كلّ ذلك رهن سبب وإنشاء خاصّ كقول القائل: زوّجتك هنداً، أو ملكّتك الدار، ومثله الضمان فإنّه رهن سبب إمّا تكويني كالاتلاف أو إنشائي كأن يقول: وأنا به زعيم، وأمّا إذا فقد المورد من أي سبب، فلا يتحقّق بمجرد شرطه.1
والجواب: أنّه ربّما يمكن العدول من شرط النتيجة إلى شرط الفعل بأن يقول: ضاربتك بشرط أن تدفع مالاً يساوي قيمة المال المتلف، ويقول العامل: قبلت، فيرتفع الإشكال.
الثاني: أنّ شرط الضمان مخالف للسنّة الدالّة على عدم ضمان الأمين، وقد اشتهر في لسان الفقهاء: ليس على الأمين إلاّ اليمين.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الأمين يُطلق ويراد به أحدُ معنيين:
1. الأمين بالمعنى الأخصّ: وهو الذي لا نفع له في وضع يده على مال الغير، وإنّما ائتمنه المالك على ماله، من دون طلب منه وهذا كالودعي الذي يحفظ أموال الغير ويبذل في ذلك جهوداً دون أن ينتفع بها. ونظيره واجد الضالّة فقد ائتمنه الشارع على مال الغير من دون أي انتفاع في حفظها، ومثلهما أولياء الطفل كالأب والجد، فهؤلاء هم الأُمناء بالمعنى   

1 . لاحظ : تحرير الأحكام: 3/117; مسالك الأفهام:5/177.

صفحه 135
الأخص، فإنّ تضمين هؤلاء عند التلف بلا تعدّ ولا تفريط يعد أمراً قبيحاً، وتناقضاً، فإنّ مقتضى مثل هذا الاستئمان، هو التقدير والتكريم لا مؤاخذته وتحميله الخسارة، بلا تعدّ ولا تفريط.
2. الأمين بالمعنى الأعمّ، وهو مَن استأمنه المالك بدفع ماله إليه، لكن له في ما استأمن، نفعاً ورغبة، وهذا كالمستأجر لحمل مال الغير من مكان إلى آخر، فإنّ صاحب المال لمّا رأى أنّ ماله في معرض التلف يشترط عليه الضمان تأكيداً لحفظ ماله، وفي مقابل ذاك الشرط يرفع حامل المال أُجرة النقل على وجه لو تلف لكان الضرر عليه أقل، وربّما يُحمّل ضرر التلف على عاتق الغير، كشركة التأمين، وعند ذلك يقوم بالحمل بقلب مطمئن. وبذلك يفترق هذا النوع من الأمين مع ما سبقه، فإن شرط الضمان في المقام لا يعد أمراً قبيحاً ومخالفاً للكرامة، بخلاف شرطه في القسم السابق.
وثانياً: نفترض أنّ ما دلّ على عدم ضمان الأمين يشمل القسم الثاني أيضاً، لكن لا منافاة بين عدم ضمانه من حيث وضع يده على مال الغير، وضمانه المعاملي بمعنى إنشاء الضمان عليه، لدى العقد.
وبعبارة أُخرى: أنّ عدم ضمان هؤلاء لأجل عدم المقتضي له، وهو لا ينافي ضمانهم عند وجود المقتضي، كعقد الضمان عند التلف، نعم إنّما ينافي لو كان عدم ضمانهم بمعنى اقتضاء العدم، وهو لا ينسجم مع الضمان العقدي.
الثالث: أنّ مشروعية ضمان العامل تتوقف على وجود دليل خاص يثبت كون ضمانه أمراً مشروعاً ولا يكفي في ثبوتها، قوله: «المؤمنون   

صفحه 136
عند شروطهم» لأنّه ليس مشرّعاً فيما يشك في صحّة شرطه، وإنّما يُعد دليلاً على لزوم الوفاء إذا ثبتت شرعية الشرط بدليل آخر.
يلاحظ عليه : أنّه يكفي في ذلك بعض ما ورد من الروايات:
1. روى الشيخ في «التهذيب» بسنده عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن الرجل يبيع للقوم بالأجر وعليه ضمان مالهم؟ قال: «إنّما أكره ذلك من أجل أنّي أخشى أن يغرموه أكثر ممّا يصيب عليهم، فإذا طابت نفسه فلا بأس».1
2. روى محمد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب موسى بن بكر عن العبد الصالح(عليه السلام)قال: سألته عن رجل استأجر ملاحاً وحمّله طعاماً في سفينة واشترط عليه إن نقص فعليه؟ قال:«إن نقص فعليه». قلت: فربّما زاد، قال:«يدّعي هو أنّه زاد فيه»؟ قلت: لا، قال:«فهو لك».2
3. ما دلّ على صحّة شرط الضمان على المستعير نظير: روى الكليني بسنده عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال:«إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلاّ أن يكون اشترط عليه».3
اشتراط ضمان الماليّة عند نقص القيمة   
إلى هنا تمّ الكلام في اشتراط ضمان رأس المال عند التلف، وإليك الكلام في ضمانه بالمعنى الآخر.   

1 . الوسائل:13، الباب29 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث15.
2 . الوسائل:13، الباب27 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث1.
3 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب العارية، الحديث1.

صفحه 137

اشتراط ضمان الماليّة عند نقص القيمة

ربّما يكون رأس المال موجوداً غير تالف، ولكن تنقص ماليته، لأجل انخفاض الأسعار، فهل للمالك أن يشترط ضمان نقص القيمة أو لا؟
ربّما يستدلّ على ذلك برواية الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه وكان من المال دين وعليهما دين، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال ولك الربح وعليك التوى، فقال:«لا بأس إذا اشترطا فإذا كان شرط يخالف كتاب الله فهو ردّ إلى كتاب الله عزّ وجلّ».1
والاستدلال بالحديث على ضمان قيم الأعمال، مبني على ثبوت أمرين:
1. أنّ أحد الشريكين يضمن قيمة مال شريكه من غير فرق بين كون ماله تالفاً، أو خاسراً لأجل نزول الأسعار في السوق.
2. في مقابل ذلك يملك الآخر على نحو شرط النتيجة ما ينتقل إليه من الربح، فمن أحد الطرفين ضمان، ومن الطرف الآخر نقل للربح المتعلّق بماله إلى الطرف الآخر.2
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم ذلك إذا كان التضمين والتمليك في عقد الشركة ابتداءً، وأمّا إذا كانا بعد ممارسة العمل بالبيع والشراء فلا معنى لأن يضمن أحد الطرفين، مالية مال الآخر، والآخر يملك الربح المتعلّق   

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب أحكام الصلح، الحديث1.
2 . لاحظ: البنك اللاربوي في الإسلام:200.

صفحه 138
بماله، لأنّ المفروض، وجود قسم من رأس المال، والربح القطعي المحتمل والتوى كذلك، وعلى ذلك يلزم تفسير الرواية بالصلح عندما يريدان إنهاء الشركة وافتراقهما، فأحد الشريكين يصالح بأن يأخذ أحدهما رأس ماله من الأعيان الموجودة، في مقابل أن يتركه في مقابل ما بقي من الأعيان والأرباح والخسائر المحتملة، وأين ذلك من الضمان؟!
والأولى الاستدل برواية رفاعة، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل شارك في جارية له وقال: إن ربحنا فيها فلك نصف الربح، وإن كانت وضيعة فليس عليك شيء، فقال: «لا أرى بهذا بأساً إذا طابت نفس صاحب الجارية».1
وظاهر الرواية أنّ الجارية كانت ملكاً لأحد الشريكين، وقوّمها فشارك فيها الشريك الآخر بالنصف ولذلك صار الربح بينهما كذلك. ثمّ إنّ صاحب الجارية ضمن للشريك الآخر بأنّه لو نزل السوق ونزلت قيمة الجارية فلا شيء على الآخر وضمانها عليه، فهو يأخذ تمام رأس ماله.
فالرواية تكون دليلاً على جوار ضمان قيم الأموال عند المشاركة وتكون دليلاً أيضاً على باب المضاربة بإلغاء الخصوصية.
في مشاركة العامل في الخسارة   
فإن قلت: إنّ رواية محمد بن قيس تدلّ على أنّ ضمان العامل يوجب حرمان المالك من الربح، فعن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال:   

1 . الوسائل:13، الباب 1 من أبواب كتاب الشركة، الحديث8.

صفحه 139
نعم، لو كان مرجعه إلى اشتراط أنّه على تقدير وقوع الخسارة على المالك خسر العامل نصفه ـ مثلاً ـ من كيسه، لا بأس به، ولزم العمل به لو وقع في ضمن عقد لازم، بل لا يبعد لزوم الوفاء به ولو كان في ضمن عقد جائز مادام باقياً. نعم، له فسخه ورفع موضوعه، كما أنّه لا بأس بالشرط ـ على وجه غير بعيد ـ لو كان مرجعه إلى انتقال الخسارة إلى عهدته بعد حصولها في ملكه; بنحو شرط النتيجة.*
«مَن اتّجر مالاً واشترط نصف الربح فليس عليه ضمان».1
وقال (عليه السلام): «مَن ضمّن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله، وليس له من الربح شيء».2
قلت: الروايتان على فرض الصحّة تحملان على القرض حيث إنّه لا يجتمع القرض مع الضمان، وأين هي من المضاربة؟!3
***
ثمّ إنّ المصنّف لما أفتى ببطلان شرط الضمان حاول تصحيح الشرط بوجهين (كما في الفقرة التالية):

* في مشاركة العامل في الخسارة

1. أن يشترط ـ أنّه على تقدير وقوع الخسارة على المالك ـ أن   

1 . الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب المضاربة، الحديث 2; ولاحظ الحديث 4.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب المضاربة، الحديث1.
3 . إلى هنا تمّ ما حرّرناه في مشهد الرضا عليه آلاف التحية والثناء.

صفحه 140
يخسر العامل نصفه ـ مثلاً من كيسه ـ وعندئذ يصحّ الشرط، وذلك لعدم منافاته مع مقتضى العقد عند القوم، لأنّ الخسارة تتوجّه على المالك ابتداء، ثمّ على العامل، فيدفع إلى المالك نصف الخسارة من كيسه إعانة له.
ثمّ إنّ العمل بهذا الشرط لازم في صورتين:
أ. لو وقع في ضمن عقد لازم، فيجب الوفاء به، فما في المتن «بل لا يبعد لزوم الوفاء به» لم يعلم وجهه.
ب. لو وقع في ضمن عقد جائز فيجب العمل به مادام باقياً.
ثمّ أفاد المصنّف بأنّ له فسخ العقد الجائز ورفع موضوع الشرط، وعندئذ لا يجب العمل بالشرط لارتفاع التابع بارتفاع متبوعه.
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك لغوية هذا الشرط إذا أمكن رفعه برفع موضوعه، وقد مرّ حقّ الكلام فيه من لزوم الوفاء ببعض الشروط حتى إذا كانت في عقد جائز، فلاحظ.1
يجب على العامل القيام بوظيفته   
2. أن تتوجّه الخسارة إلى المالك، ثم تنتقل إلى عهدة العامل بنحو شرط النتيجة، وبما أنّه غير مناف لمقتضى عقد المضاربة صحّحه الماتن، لكن الإشكال في صحّته بنحو شرط النتيجة، فإنّ انتقال شيء من ذمّة شخص إلى شخص أو ملكية شخص إلى شخص، يحتاج إلى سبب وإنشاء خاص، فكيف تنتقل الخسارة من ذمّة المالك إلى ذمّة العامل من دون توسّط عقد. وقد ثبت في محلّه أنّ الأُمور الاعتبارية التي لا   

1 . لاحظ: المسألة الحادية عشرة.

صفحه 141
المسألة 15: يجب على العامل بعد عقد المضاربة القيام بوظيفته; من تولّي ما يتولاّه التاجر لنفسه على المعتاد بالنسبة إلى مثل تلك التجارة في مثل ذلك المكان والزمان ومثل ذلك العامل; من عرض القماش والنشر والطيّ مثلاً وقبض الثمن وإحرازه في حرزه، واستئجار ما جرت العادة باستئجاره، كالدلاّل والوزّان والحمّال، ويُعطي أُجرتهم من أصل المال، بل لو باشر مثل هذه الأُمور هو بنفسه لا بقصد التبرّع، فالظاهر جواز أخذ الأُجرة. نعم، لو استأجر لما يتعارف فيه مباشرة العامل بنفسه كانت عليه الأُجرة.*
تتحقّق في عالم الاعتبار إلاّ بالإنشاء لا يصحّ شرطها في العقود بنحو شرط النتيجة بأن يُراد تحقّقها بنفس الشرط بلا حاجة إلى إنشاء.
* في المسألة فروع ثلاثة:
1. يجب على العامل القيام بوظيفته، من تولّي ما يتولاّه التاجر لنفسه على المعتاد.
2. لو باشر بعض الأُمور التي يباشرها غير العامل، كحمل المتاع، فالظاهر أنّه يستحقّ الأُجرة.
3. لو استأجر لما يتعارف فيه مباشرة العامل، كانت عليه الأُجرة.
أمّا الفرع الأوّل: فواضح غنيّ عن التوضيح، حيث يُفرض العامل كأنّه مالك يُريد التجارة، فكلّ عمل يقوم به التاجر لنفسه مباشرة أو بغيرها يجب عليه كذلك. وقد جاءت الأمثلة في المتن.
وأمّا الفرع الثاني: لو باشر الأُمور التي لا يقوم بها العامل بل يقوم   

صفحه 142
المسألة16. مع إطلاق عقد المضاربة يجوز للعامل الاتّجار بالمال على ما يراه من المصلحة; من حيث الجنس المشترى والبائع والمشتري وغير ذلك حتّى في الثمن، فلا يتعيّن عليه أن يبيع بالنقود، بل يجوز أن يبيع الجنس بجنس آخر، إلاّ أن يكون هناك تعارف ينصرف إليه الإطلاق.*
بها غيره، كالوزن والحمل، فإنّهما عمل الوزّان والحمّال، فلو فرضنا أنّ العامل قام بهما، فإن قام بهما تبرّعاً، لا يستحقّ الأُجرة لقصد التبرّع، إنّما الكلام إذا قام بهما بنية الأُجرة، فقد أفتى المصنّف بقوله:«فالظاهر جواز أخذ الأُجرة» لأنّه جعل نفسه مكان الحمّال والوزّان... والظاهر التفريق بين العمل البسيط فأخذ الأُجرة فيه خارج عن منصرف العقد، وأمّا إذا كان أمراً باهظاً كحمل البضاعة الكبيرة بواسطة الناقلات التي يملكها العامل، فالظاهر جواز أخذ الأُجرة بشرط إذن المالك، ولو بالفحوى لتولّي نفسه أيضاً وإلاّ فلو عمل بلا إذنه، فلا يستحقّ الأُجرة لأنّه هتك احترام عمله.
وأمّا الفرع الثالث: فإذا دفع العمل الذي يقوم به العامل عُرفاً، إلى غيره، فلا يصحّ أخذ الأُجرة، بل يجب عليه دفع الأُجرة من كيسه; لأنّه عمل نفسه.
فيما لو خالف العامل شرط المالك   

* لو كان عقد المضاربة عقداً مطلقاً

إذا كان عقد المضاربة عقداً مطلقاً من عامّة الجهات من حيث الجنس المشترى والبائع والمشتري والنقد والنسيئة، فالعامل يتبع ما يراه   

صفحه 143
ولو شرط عليه المالك أن لا يشتري الجنس الفلاني، أو إلاّ الجنس الفلاني، أو لا يبيع من الشخص الفلاني، أو الطائفة الفلانية، وغير ذلك من الشروط، لم يجز له المخالفة، ولو خالف ضمن المال والخسارة، لكن لو حصل الربح، وكانت التجارة رابحة، شارك المالك في الربح على ما قرّراه في عقد المضاربة.*
من المصلحة .
نعم إنّ العقد وإن كان مطلقاً من هذه الخصوصيات، لكن تقلّب العامل محدّد بما يراه مصلحة، فلا يجوز له العدول عن المصلحة مع كون يده مطلقة في هذه الجهات.
فإذا كان العقد مطلقاً ولكن كان هناك تعارف في الجهات المذكورة، فينصرف الإطلاق إلى ما هو المتعارف، مثلاً كان العقد مطلقاً من حيث البيع نقداً أو نسيئة، لكن المعمول والمتعارف في البيوع المتعلّقة بالذهب والفضة غير المسكوكين هو النقد، فيتبع ما هو المتعارف.

* فيما لو خالف العامل شرط المالك

لو شرط المالك على العامل شرطاً من الشروط بالنسبة إلى المشترى، أو البيع من فلان أو غير ذلك من الشروط، فمن المعلوم أنّه لا تجوز للعامل المخالفة، لأنّ المؤمنين عند شروطهم، وكون المورد من مصاديق (أَوفُوا بِالْعُقُودِ)، إنّما الكلام لو خالف شرط المالك، يقول المصنّف:
أ. ضمن المال والخسارة.   

صفحه 144
ب. لكن لو حصل الربح، وكانت التجارة رابحة، شارك المالك في الربح على ما قرّراه في عقد المضاربة.
وإليك بعض الكلمات:
1. قال الشيخ: ومتى تعدّى المضارب ما رسمه صاحب المال، مثل أن أمره أن يسير إلى بلد بعينه فمضى إلى غيره من البلاد، أو أمره أن يشتري متاعاً بعينه فاشترى غيره، أو أمره أن يبيع نقداً فباع نسيئة، كان ضامناً للمال: إن خسر كان عليه، وإن ربح كان بينهما على ما وقع الشرط عليه1.
2. قال ابن حمزة: وإن عيّن له جهة التصرّف لم يكن له خلافه، فإن خالف وربح، فإنّ الربح على ما شرط، وإن خسر أو تلف غرم.(2)
3. قال ابن إدريس:وإذا لم يأذن في البيع بالنسيئة أو في السفر أو أذن فيه إلى بلد معيّن، أو شرط أن لايتّجر إلاّ في شيء معيّن، ولايعامل إلاّ إنساناً معيّناً، فخالف، لزمه الضمان بدليل إجماع أصحابنا على جميع ذلك(3). وهو وإن لم يصرّح بفساد العقد، لكن التصريح بالضمان كناية عنه، لأنّ عدم الضمان في المضاربة دليل الصحّة.
4. قال المحقّق: ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها، أو أمره بابتياع شيء معيّن، فابتاع غيره، ضمن. ولو ربح والحال هذه، كان الربح بينهما بموجب الشرط.(4)
إلى غير ذلك من كلمات فقهائنا.
أقول: إنّ الجمع بين الأمرين مخالف للقاعدة.   

1 . النهاية: 428.       2 . الوسيلة: 264.       3. السرائر: 2/407.   4 . شرائع الإسلام: 2/138.

صفحه 145
فلو ضمن المال والخسارة فيدلّ على أنّ المعاملة معاملة فاسدة لا صلة لها بالمالك، بل تتعلّق بالعامل، فيضمن المال والخسارة.
ولو حصل الربح وشارك المالكُ العاملَ في الربح، فهو يدلّ على صحّة المعاملة ووقوعها للمالك.
وبالجملة الجمع بين كون الضمان والخسارة على العامل، وكون الربح بينهما، جمع بين المتنافيين.
ثمّ إنّ الأصحاب استدلّوا على ما ذكر بروايات، نظير:
1. صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة، وينهى أن يخرج به، فخرج؟ قال:«يضمن المال، والربح بينهما».1
2. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة فيخالف ما شرط عليه؟ قال: «هو ضامن، والربح بينهما»2، إلى غير ذلك من الروايات التي ستوافيك في نهاية البحث.
ثمّ إنّ الأصحاب لمّا جعلوا الروايات على خلاف القواعد، حاولوا التخلّص عن المخالفة بالوجوه التالية:
الأوّل: ما ذكره صاحب الجواهر من تنزيل هذه النصوص على بقاء الإذن، وأنّ الغاية من الاشتراط هي التأكيد على الضمان فقط عند الخسارة، فلو صحّت عند الربح فهو موافق للقاعدة، واستشهد بصحيح الحلبي   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث5.

صفحه 146
وخبر رفاعة. فقد جاء فيهما قوله:«فأنت ضامن للمال» أو قوله:«فهو له ضامن اذا خالف شرطه» كما سيأتي، فدلّ على أنّ الغرض النهائي هو التضمين لا عدم الإذن عند المخالفة، وهذا هو أفضل الوجوه بتقريب منّا يأتي آخر البحث.
الثاني: ما ربّما يقال من أنّ مخالفة الشرط صورية لا حقيقية، لأنّ العامل يعلم أنّ المالك بصدد الاسترباح، فلو نهى عن اشتراء جنس فلأجل تخيّل أنّه غير رابح، فلو علم كونه رابحاً لما نهى عنه. وبما أنّ المفروض أنّ التجارة كانت رابحة يُعلم أنّ مخالفة الشرط لم تكن مخالفة حقيقية بل صورية.
يلاحظ عليه: بأنّه يتمّ في بعض الصور، إذا كانت رابحة، وأمّا إذا كانت خاسرة فلابدّ أن يقول: «إنّ الشرط حقيقي، لأنّ الخسران على العامل» فصار الشرط تارة صوري وأُخرى حقيقي، وهو كما ترى.
الثالث: ما أشار إليه في العروة من أنّه يُعامل بالروايات في موردها، وحكاه في الجواهر عن بعض الناس، قال: ومن هنا جمد بعض الناس على ما في النصوص، ولعل اقتصار المصنّف (صاحب الشرائع) على هذين الصورتين لذلك1، قال المحقّق: ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها، أو أمره بابتياع شيء معيّن فابتاع غيره ضمن، ولو ربح والحال هذه، كان الربح بينهما بموجب الشرط.(2)
يلاحظ عليه: أنّ قسماً من الروايات غير مقيّد بهاتين الصورتين،   

1 . جواهر الكلام:26/354.   2 . شرائع الإسلام:2/138.

صفحه 147
ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة فيخالف ما شرط عليه، قال: «هو ضامن والربح بينهما».1 ونظيره رواية أبي الصباح الكناني.2
***
هذه هي الوجوه الثلاثة التي ذكرها الفقهاء في تفسير الروايات، وأظن أنّ الوجه الأوّل الذي ذكره صاحب الجواهر هو المعتمد لكن بالبيان التالي:
أقول: إنّ شروط المالك في عقد المضاربة على قسمين:
أ. قسم يكون دخيلاً في صميم المضاربة، فلو تخلّى العامل عنها تكون المعاملة فضولية لا صلة لها بالمالك، كما إذا كان البلد بحاجة شديدة إلى الحنطة، فضارب العامل بشرط أن يشتري الحنطة من مكان ويأتي بها إلى هذا البلد، فلو أنّ العامل اشترى به قماشاً، فهذه المعاملة لا صلة لها بالمالك بل هي معاملة فضولية لو أجازها المالك صحّت والربح له وللعامل أُجرة المثل إذ لم يكن متبرّعاً وإلاّ بطلت، وذلك لأنّ التخلّف في صميم العقد، فما وقع لم يقصد وما قُصد لم يقع.
ب. قسم من الشروط ليست لها أية مدخلية في صميم المضاربة، بل المالك بالنسبة إليها وعدمها في صميم نفسه على السواء، لكن ربّما يأمر بها لصيانة رأس المال، لا لعدم الرغبة في المال المشترى، كما كان   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.
2 . لاحظ: الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث3.

صفحه 148
العباس يشترط على عماله «أن لا يهبطوا وادياً ولا يركبوا بحراً»، كلّ ذلك صيانة لرأس المال حتى لا يغرق المال ولا ينهب، فمثل هذه الشروط بما أنّها ليست داخلة في صميم المضاربة، فالإذن بالنسبة إليها وإلى خلافها سواء، فإن ربحت يكون مصداقاً للمضاربة، وإن خسرت فالمالك يعتمد على شرطه ويضع الوضيعة على العامل قائلاً: بأنّي شرطت عليك بأن لا تفعل كذا وكذا، وأنت فعلته فعليك الخسارة.
وعلى ما ذكرنا فلابدّ من حمل فتوى المشهور والروايات على القسم الثاني، وقد مرّ حكم القسم الأوّل، ولهذا فليست الروايات على خلاف القاعدة، ولأجل إيضاح المراد نأتي بالروايات فنقول: إنّها على أصناف:
الصنف الأوّل: ما تعلّق النهي فيه بالخروج عن المحل، نظير:
1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال:سألت عن الرجل يعطي المال مضاربة وينهى أن يخرج به فخرج؟ قال: «يضمن المال، والربح بينهما».1
2. صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال في الرجل يعطي المال فيقول له: ائت أرض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها، قال: «فإن جاوزها وهلك المال فهو ضامن، وإن اشترى متاعاً فوضع منه فهو عليه، وإن ربح فهو بينهما».2   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث2.

صفحه 149
3. رواية الكناني قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المضاربة يعطي الرجل المال يخرج به إلى الأرض وينهى أن يخرج به إلى أرض غيرها، فعصى فخرج به إلى أرض أُخرى فعطب المال؟ قال:«هو ضامن، فإن سلم فربح فالربح بينهما».1
4. خبر أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة وينهاه أن يخرج إلى أرض أُخرى، فعصاه، فقال:«هو له ضامن والربح بينهما إذا خالف شرطه وعصاه».2
5. ما رواه زيد الشحام عن أبي عبد الله(عليه السلام) في المضاربة إذا أعطى الرجل المال ونهى أن يخرج بالمال إلى أرض أُخرى فعصاه فخرج به، فقال:«هو ضامن والربح بينها».3
6. ما ورد في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لا يركبوا بحراً ولا ينزلوا وادياً، فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فأبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأجاز شرطه عليهم».4
فهذه الروايات الست وردت في النهي عن الخروج، ومن المعلوم أنّ الغرض من النهي هو حفظ رأس المال وصيانته، وليس قيداً   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث6.
2 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث10.
3 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث11.
4 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث12.

صفحه 150
للمضاربة، على نحو لو خالف لصار المورد خارجاً عنها.
الصنف الثاني: ما يدلّ على مخالفة العامل من دون أن يشير إلى وجه المخالفة الذي يحتمل أن يكون الوجه هو المنع من الخروج، نظير:
7. ما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يعمل بالمال مضاربة، قال:«له الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف عن شيء ممّا أمر صاحب المال».1
8. ما رواه أبو المعزى عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال».2
9. ما رواه حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة فيخالف ما شرط عليه، قال:«هو ضامن والربح بينهما».3
وقد مرّ أنّ هذا الصنف يحتمل أن يرجع إلى القسم الأوّل، ومن المعلوم أنّ النهي عن الخروج لا يُعدّ قيداً للمضاربة، وإنّما هو شرط لصيانة رأس المال عن العطب، فتكون المضاربة مطلقة ربح أم لم يربح، غاية الأمر يضمن إذا هلك.
الصنف الثالث: ما يستظهر منه أنّه قيد للمضاربة، نظير:   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث3.
2 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث4.
3 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث5.

صفحه 151
10. ما رواه رفاعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) في مضارب يقول صاحبه إن أنت أدنته أو أكلته فأنت له ضامن، قال:«فهو له ضامن إذا خالف شرطه».1 ولعلّ المراد من قوله:أدنته، جعلته ديناً وبعته نسيئة. ولكن الرواية خالية عن كون الربح بينهما الذي هو محل البحث، مضافاً إلى أنّ الشرط يمكن أن يكون ناظراً إلى صيانة رأس المال لا قيداً للمضاربة، فإن بيع المال نسيئة تعريض له للهلاك.
11. ما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «في المال الذي يعمل به مضاربة: له من الربح وليس عليه من الوضيعة شيء، إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال، فإنّ العباس كان كثير المال، وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة، ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد، ولا يشتروا ذا كبد رطبة، فإن خالفت شيئاً ممّا أمرتك به فأنت ضامن للمال».2 وأُريد من (ذي كبد رطبة) هو العبد، لأنّ الميّت يجف جسمه وكبده. والرواية خالية عن كون الربح بينهما، فتبقى رواية واحدة وهي التالية:
12. ما رواه جميل عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل دفع إلى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربة، فذهب فاشترى به غير الذي أمره، قال:«هو ضامن والربح بينهما على ما شرط».3
وهذه يمكن أن يستدلّ بها على خلاف القاعدة، ولكن   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث8.
2 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث7.
3 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث9.

صفحه 152
المسألة 17. لا يجوز للعامل خلط رأس المال بمال آخر لنفسه أو لغيره، إلاّ بإذن المالك عموماً أو خصوصاً، فلو خلط ضمن المال والخسارة، لكن لو اتّجر بالمجموع وحصل ربح فهو بين المالين على النسبة.*
الاستدلال بها على خلافها أمر مشكل، على أنّه يمكن حملها أيضاً على صيانة رأس المال، فإن نهي العباس عن اشتراء العبد لأجل أنّه ربّما يموت ويتلف به رأس المال.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الروايات التسع ناظرة قطعاً إلى أنّ الشرط ليس قيداً للمضاربة وإنّما الغاية المحافظة على رأس المال. والرواية العاشرة قابلة للحمل على ذلك، والرواية الحادية عشرة خالية عن كون الربح بينهما، بقيت رواية واحدة لا يثبت بها حكم مخالف للقاعدة، على أنّه يحتمل حملها أيضاً على ما هو الغالب الوارد في الروايات السابقة.
* المسألة تتضمّن فرعين:
1. لا يجوز للعامل خلط رأس المال بمال آخر لنفسه أو لغيره، إلاّ بالإذن.
2. لو خلط، ضمن المال والخسارة، ولو اتّجر بالمجموع وحصل ربح، فالربح بين المالين على النسبة.   
لا يجوز للعامل خلط رأس المال بمال آخر   

صفحه 153

الفرع الأوّل: لا يجوز للعامل خلط رأس المال بمال آخر

يقول المحقّق: ولو خلط العامل مال القراض بماله بغير أمر المالك خلطاً لا يتميّز، ضمن لأنّه تصرّف غير مشروع .1
قال صاحب العروة: لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر لنفسه أو لغيره، إلاّ مع إذن المالك عموماً... ثمّ أشار إلى الفرع الثاني وقال: فلو خلط بدون الإذن ضمن التلف، إلاّ أنّ المضاربة باقية والربح بين المالين على النسبة.2
أقول: الظاهر أنّ هذه المسألة كانت مطروحة في العصور السابقة حيث إنّ الأثمان كانت نقوداً يحتفظ بها في المخازن الخاصّة بها كالصناديق، وبما أنّ منصرف عقد المضاربة إلى صيانة المال عن الخلط بمال آخر موجب للشركة، يصير الخلط أمر محرّماً إلاّ إذا أذن عموماً كما إذا قال: اعمل حسب ما تراه، أو خصوصاً.
وأمّا اليوم فلا موضوع للمسألة غالباً، فإنّ الأثمان توضع في البنوك في حساب خاص بحيث يتمكّن العامل من الإيداع والأخذ، وعندئذ لا تتفاوت الحال بين كونه حساباً لمال خاصّ أو لمال آخر معه; لأنّ الأثمان مختلطة قهراً، سواء كان الحساب مختصّاً لمالك واحد، أو مشتركاً.
وعلى كلّ تقدير فلو تحقّق الفرض وخلطه بمال آخر فقد   

1 . شرائع الإسلام:2/140.
2 . العروة الوثقى:5/164، كتاب المضاربة، المسألة6.

صفحه 154
ارتكب أمراً غير مأذون به، فتخرج يده عن كونها أمينة، فيصير الاستيلاء عداونياً موجباً للضمان، أضف إلى ذلك ما تضافر من الروايات، من أنّ المخالفة لأمر صاحب المال موجبة للضمان1، إذا كان العقد منصرفاً إلى عدم خلط مال المضاربة بمال الغير.
ثمّ إنّ المتيقّن ما إذا كان الخلط سبباً للتلف، لا ما إذا لم يكن كذلك، ولهذا إذا كان التلف أمراً محتوماً على المال مزيجاً كان مع مال الغير أم لم يكن ـ كما لو كان التلف بسيل أو زلزال أو حريق ـ فالقول بالضمان مشكل.
نعم لا يقاس بالغاصب والسارق إذا استوليا على المغصوب والمسروق، ثمّ تلف بسبب سماوي، بحيث لو كان المال في حرز المالك لكان محكوماً بالتلف أيضاً، فإنّهما محكومان بالضمان لعدم إذن المالك حدوثاً وبقاءً، ومحكومان عند العرف بالضمان مطلقاً، وهذا بخلاف ما إذا كان مأخوذاً بالإذن، غير أنّه أحدث فيه شيئاً غير مرضيّ للمالك.
لو خلط العامل ضمن المال والخسارة   
فيكون عندئذ ضامناً لرأس المال ضماناً حيثياً لا ضماناً على وجه الإطلاق، بل بمعنى أنّه لو أُصيب المال بشيء من التلف والخسارة من جانب الخلط فهو ضامن لهما، وأمّا بالنسبة إلى العوامل الخارجة عن اختياره التي تسبّب التلف أو الخسارة في كلتا الصورتين فلم يضمن بالنسبة إليها أبداً.   

1 . لاحظ: الوسائل:13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث 3و 4 و5، و7، و8. ومضى الكلام فيه في المسألة السابقة وعرفت وجه الجمع بين الضمان والربح بينهما.

صفحه 155
وبعبارة أُخرى: أنّ ضمان العامل كان محدوداً بالنسبة إلى التخلّفات، فلو صار التخلّف سبباً للتلف والخسارة فهو لهما ضامن، وأمّا بالنسبة إلى الحوادث الجوية أو الأرضية فلم يقع منه ضمان في أوّل العقد حتى يؤخذ عند التخلّف.

الفرع الثاني: لو خلط العامل ضمن المال والخسارة

فهو أنّه لو ضارب وربح، فقال المصنّف في المتن: «هو بين المالين على النسبة» وكان عليه أن يذكر حكم العامل بالنسبة إلى ربح المالك، لأنّ المستند في هذه المسألة هو ما سبق في المسألة السابقة من الروايات، وعلى هذا فكلّ من المالكين يملك ربح ماله، وبما أنّ المضاربة صحيحة يجب على المالك العمل بما اتّفقا عليه من دفع جزء من الربح إلى العامل.
هذا على مذهب المشهور وأمّا على المختار فيجب أن يفصّل بين كون عدم الخلط قيداً للمضاربة أو شرطاً لصيانة رأس المال. فعلى الأوّل تكون المضاربة فضولية فلو ردّت فهو، وإلاّ يكون الربح لصاحب المال وللعامل أُجرة المثل، وعلى الثاني تكون المضاربة صحيحة والربح حسب نسبة المالين، وللعامل ما اتّفقا عليه في العقد. وبما أنّ عدم الخلط من قبيل القسم الثاني، فيجري فيه ما ذكرناه.
وقد مرّ الجواب عن ذلك من أنّ القيود المأخوذة في المضاربة على قسمين:
1. قسم يكون قيداً لها، بحيث يكون الإذن منوطاً على   

صفحه 156
المسألة 18. لا يجوز مع الإطلاق أن يبيع نسيئة، خصوصاً في بعض الأزمان وعلى بعض الأشخاص، إلاّ أن يكون متعارفاً بين التجّار ـ ولو في ذلك البلد أو الجنس الفلاني ـ بحيث ينصرف إليه الإطلاق، فلو خالف في غير مورد الانصراف ضمن، لكن لو استوفاه وحصل ربح كان بينهما.*
وجوده، ويرتفع مع ارتفاعه.
2. قسم يكون الغرض منه صيانة رأس المال عن التلف وحفظه، فلو خالف وكان المال مصوناً عن التلف، لا يكون كاشفاً عن عدم الإذن في الاتّجار، وعليه فلو اتّجر ـ مع المخالفة ـ تصحّ المضاربة لبقاء الإذن ويكون الربح بينهما.
* المسألة تتضمّن فرعين:
1. لا يجوز مع إطلاق العقد بيع المتاع نسيئة، إلاّ أن يكون متعارفاً بين التجار، ولو في ذلك البلد أو الجنس الفلاني.
2. لو خالف في غير مورد الانصراف، ضمن، ولو ربح فالربح بينهما.
لا يجوز مع إطلاق العقد بيع المتاع نسيئة   

الفرع الأوّل: لا يجوز مع إطلاق العقد بيع المتاع نسيئة

لا يجوز مع إطلاق العقد بيع المتاع نسيئة   
نذكر فيه أوّلاً أقوال بعض الفقهاء:
قال الشيخ المفيد: إذا باع المضارب المتاع بنسيئة، فهو ضامن ثمنه إلاّ أن يكون صاحب المال قد أذن له في ذلك.1   

1 . المقنعة:634.

صفحه 157
وقال المحقّق: ويقتضي إطلاق الإذن بالبيع نقداً، بثمن المثل من نقد البلد.1
وقال ابن إدريس: وإذا لم يأذن في البيع بالنسيئة... إلى أن قال: فخالف، لزمه الضمان، بدليل إجماع أصحابنا على ذلك.2
وقال المحقّق الثاني: وكذا ليس له أن يبيع نسيئة، وإن كان فيه ربح، لما فيه من التغرير بمال المالك.3
إلى غير ذلك من الكلمات.
ودليله واضح لأنّ إطلاق العقد يقتضي البيع نقداً، خصوصاً أنّ في النسيئة تغريراً في المال، نعم يستثنى بعض الموارد من غير فرق بين البيع نسيئة أو الشراء كذلك كما هو الحال في الأمتعة المستوردة من الشركات الأجنبية، فإنّها تأخذ بعض الثمن ـ مثلاً 20% ـ نقداً والبعض الآخر بعد الوصول إلى المشتري وشهادة الخبراء على أنّ المبيع صحيح وليس بمعيب. ولو عكس الأمر وصار العامل مصدِّراً فلا محيص له عن البيع نسيئة.
وعلى ضوء ذلك فيجب أن يكون المتّبع هو الرائج في نوع التجارة، فإن كان الرائج هو النقد كما في بيع الأمتعة الجزئية كالخبز والخضروات ومنتجات الألبان وغير ذلك فهو المتّبع، وإن كان الرائج هو الأعم كما   

1 . شرائع الإسلام:2/138.
2 . السرائر:2/407.
3 . جامع المقاصد:8/86.

صفحه 158
في بيع السجاجيد والأقمشة فكذلك، وإلاّ فليكتف بالبيع نقداً لانصراف الإطلاق إليه.

الفرع الثاني: يضمن العامل في غير مورد الانصراف

لو خالف تصريح المالك أو انصراف العقد فباع نسيئة، فيجري فيه ما سبق في المسألة 16، وذلك لأنّ ما مرّ من أنّ القيود ترجع إلى صيانة رأس المال، وليست داخلة في ماهية المضاربة وعلى هذا فلا فرق بين كون القيد مصرحاً به أو مستفاداً من السياق، ففي الجميع يكون المرجع ما تضافرت عليه الروايات.1 وقد مرّ أنّ مثل هذه القيود خارجة عن مقوّمات المضاربة.
وبما ذكرنا يظهر أنّ ما أفتى به السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى» غير تام، حيث قال: ولو خالف في غير مورد الانصراف، فإن استوفى الثمن قبل اطّلاع المالك فهو، وإن اطّلع المالك قبل الاستيفاء، فإن أمضى فهو، وإلاّ فالبيع باطل.2
إذا خسر واختلفا في أنّ المال مضاربة أو إقراض   
ويرد عليه: أنّ الظاهر من كلامه، أنّ المعاملة خارجة عما توافق عليه المالك والعامل، فعندئذ تكون المعاملة فضولية، فإذن التفريق بين قبل استيفاء الثمن وبعده، بلا وجه; لأنّ استيفاء الثمن لا يخرج البيع عن   

1 . لاحظ : الوسائل: 13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة.
2 . العروة الوثقى:5/164، كتاب المضاربة، المسألة 7.

صفحه 159
المسألة 19. ليس للعامل أن يسافر بالمال ـ برّاً وبحراً ـ والاتّجار به في بلاد أُخر غير بلد المال، إلاّ مع إذن المالك ولو بالانصراف لأجل التعارف، فلو سافر به ضمن التلف والخسارة، لكن لو حصل ربح يكون بينهما. وكذا لو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها.*
الفضولية، فحكم المورد قبل الاستيفاء وبعده واحد فإن أجاز صحّ وإلاّ بطل.
ثمّ إنّ قوله: «فإن أمضى فهو، وإلاّ فالبيع باطل» مشكل ; لأنّ المورد من مصاديق الروايات السابقة، التي أوضحنا حالها في المسألة السادسة عشرة.
* المسألة تتضمّن فرعين كالمسألتين السابقتين:
1. ليس للعامل أن يسافر بالمال براً وبحراً، إلاّ مع إذن المالك أو كان هناك انصراف إلى السفر، بحيث لا يمكن الاتّجار إلاّ به.
2. لو خالف وسافر، ضمن التلف والخسارة، ولو ربح يكون الربح بينهما.

الفرع الأوّل: ليس للعامل أن يسافر بالمال إلاّ بإذن المالك

قال العلاّمة: لمّا كان مبنى القراض على التكسّب المستلزم لحفظ رأس المال وحراسته، وكان في السفر تغرير به وتعريض لإتلافه،   

صفحه 160
وجب في الحكمة مشروعية منع العامل من السفر.1
وعلى هذا فما لم يكن هناك إذن صريح من المالك أو لم يكن انصراف في البين إلى السفر، فلا يجوز له السفر ومعه رأس المال.

الفرع الثاني: يضمن العامل التلف والخسارة لو سافر بدون إذن المالك

لو سافر العامل وهلك المال فعليه الخسارة، ولو ربح فالربح بينه وبين المالك، وقد مضت الروايات الواردة في نفس هذا الفرع في المسألة 16 التي استقصينا رواياتها، وقلنا إنّ الجمع بين الحكمين ليس على خلاف القاعدة.
ومثله ما أشار إليه المصنّف في ذيل المسألة، أي لو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها، وهذا الفرع في الحكمين الماضيين، على وجه سواء.
نفقة العامل في الحضر   

1 . تذكرة الفقهاء:17/94.

صفحه 161
المسألة 20. ليس للعامل أن ينفق في الحضر من مال القراض وإن قلّ حتّى فلوس السقاء، وكذا في السفر إذا لم يكن بإذن المالك، وأمّا لو كان بإذنه فله الإنفاق من رأس المال، إلاّ إذا اشترط المالك أن تكون النفقة على نفسه، والمراد بالنفقه ما يحتاج إليه، من مأكول ومشروب وملبوس ومركوب وآلات وأدوات ـ كالقربة والجوالق ـ وأُجرة المسكن، ونحو ذلك، مع مراعاة ما يليق بحاله عادة على وجه الاقتصاد، فلو أسرف حُسب عليه، ولو قتّر على نفسه، أو لم يحتج إليها من جهة صيرورته ضيفاً ـ مثلاً ـ لم يُحسب له، ولا تكون من النفقة هنا جوائزه وعطاياه وضيافاته وغير ذلك، فهي على نفسه، إلاّ إذا كانت لمصلحة التجارة.*
* في المسألة فروع:
1. نفقة العامل في الحضر.
2. نفقة العامل في السفر.
3. إذا قتّر هل يحسب له؟
4. حكم جوائزه وعطاياه وضيافاته.

الفرع الأوّل: نفقة العامل في الحضر

المراد من النفقة المأكول والمشروب والملبوس والمسكن، فلا شكّ أنّ السيرة على أنّها في الحضر على العامل، لعدم صلتها بعمل التجارة، إلاّ أن يشترط على المالك في العقد.   

صفحه 162

الفرع الثاني: نفقة العامل في السفر

قال المحقّق: وينفق في السفر كمال نفقته من أصل المال على الأظهر، ولو كان لنفسه مال (للتجارة) غير مال القراض فالوجه التقسيط.1
وقد نقل السيد الطباطبائي في العروة قولين آخرين:
1. كونها على العامل.
2. له تفاوت ما بين السفر والحضر.2
أقول: للمسألة صور:
1. لو شرط على المالك كون النفقة في السفر على رأس المال.
2. لو شرط المالك كون النفقة على العامل.
فلا شكّ أنّه يتبع ما هو المشروط.
3. إذا لم يكن هناك شرط من الطرفين، فالعقد منصرف إلى كون النفقة على رأس المال لأنّ الإذن في السفر إذناً في لوازمه، والمراد من النفقة هو المأكول والمشروب والمسكن والملبوس، إذا احتاج إلى لباس خاص، دون اللباس الذي يلبسه في الحضر.
ويدلّ على ما ذكرنا أخيراً أمران:
لو قتّر العامل على نفسه   
1. السيرة المستمرّة بين التجّار وعمّالهم (عملائهم).   

1 . شرائع الإسلام:2/138.
2 . لاحظ : العروة الوثقى: 5 / 170، كتاب المضاربة.

صفحه 163
2. ما رواه علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن(عليه السلام) قال في المضارب] المضاربة[: «ما أنفق في سفره فهو من جميع المال، وإذا قدم بلده فما أنفق فهو من نصيبه».1وقد نقل علي بن إبراهيم رواية مثلها عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

الفرع الثالث: لو قتّر العامل على نفسه

ولو قتّر على نفسه أو لم يحتج إليها من جهة صيرورته ضيفاً ـ مثلاً ـ لم يحتسب له، إذ له التصرّف في رأس المال بمقدار حاجته، فلو قضيت الحاجة عن غير طريق الإنفاق لم يبق موضوع لجواز التصرّف لأجل النفقة.

الفرع الرابع: في حكم جوائز العامل وعطاياه وضيافاته

لا يحتسب من النفقة جوائزه وعطاياه وضيافاته، إلاّ إذا كانت لمصلحة التجارة. وذلك لعدم صدق النفقة عليها.

1 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث 1

صفحه 164
المسألة 21. المراد بالسفر المجوّز للإنفاق من المال هو العرفي لا الشرعي، فيشمل ما دون المسافة، كما أنّه يشمل أيّام إقامته عشرة أيّام أو أزيد في بعض البلاد; إذا كانت لأجل عوارض السفر، كما إذا كانت للراحة من التعب، أو لانتظار الرفقة، أو خوف الطريق، وغير ذلك، أو لأُمور متعلّقة بالتجارة، كدفع العشور، وأخذ جواز السفر.*

* ما هو المراد من السفر

يطلق السفر ويراد به تارة السفر الشرعي، وهو السفر إلى ثمانية فراسخ ذهاباً وإياباً، وأُخرى ما يقابل التواجد في البلد، والمراد هنا هو الثاني.
لو أقام لغرض آخر   
وبعبارة أُخرى: المراد ما يقابل الحضر، سواء أكان سفره سفراً شرعياً أم عرفيّاً، وبما أنّ نفقة العامل في الحضر على نفسه، ففي غير الحضر على رأس المال، وقد مرّ ما يدل على ذلك من الرواية، فإذن لا فرق بين مَن سافر سفراً شرعياً أو أقلّ حتى يشمل ما إذا أقام عشرة أيام أو أزيد، لما عرفت من أنّ المراد ما يقابل الحضر. كلّ ذلك إذا كانت إقامته في غير الحضر من مقدّمات التجارة أو توابعها ولوازمها، كما جاء شرحه في المتن من الراحة من التعب أو لانتظار الرفقة أو خوف الطريق إلى آخر ما ذكره.

صفحه 165
وأمّا لو بقي للتفرّج أو لتحصيل مال لنفسه ونحو ذلك، فالظاهر كون نفقته على نفسه إذا كانت الإقامة لأجل مثل هذه الأغراض بعد تمام العمل. وأمّا قبله فإن كان بقاؤه لإتمامه وغرض آخر، فلا يبعد التوزيع بالنسبة إليهما، والأحوط احتسابها على نفسه، وإن لم يتوقّف الإتمام على البقاء وإنّما بقي لغرض آخر فنفقة البقاء على نفسه، ونفقة الرجوع على مال القراض لو سافر للتجارة به. وإن عرض في الأثناء غرض آخر، وإن كان الأحوط التوزيع في هذه الصورة، وأحوط منه الاحتساب على نفسه.*

* لو أقام لغرض آخر

لو أقام لغرض آخر فهو على أقسام ثلاثة:
1. لو أقام لغرض آخر بعد تمام عمل المضاربة، كما لو بقي للتفرّج، أو لتحصيل مال لنفسه ونحو ذلك، فلا شكّ أنّ النفقة على نفسه، لأنّ الإقامة عندئذ ليس من مقدّمات التجارة ولا من متمّماتها.
2. لو بقي لهذه الأغراض أيضاً قبل إتمام العمل، لكن كان إتمام العمل متوقّفاً على الإقامة أيضاً، فهناك احتمالات:
أ. توزيع النفقة بالنسبة إليهما، لأجل أنّ كلاًّ من الغرضين علّة تامّة للإقامة، حتى لو لم يكن الغرض الثاني موجوداً، لكان عليه الإقامة لإتمام العمل.
ب. احتساب النفقة على نفسه، وهو مقتضى الاحتياط.   

صفحه 166
ولكن الأقوى ـ كما عليه الطباطبائي في العروة ـ جواز أخذ تمام النفقة من مال التجارة، لإطلاق الدليل بعد صدق كون مقامه للتجارة، لأنّ المفروض أنّ كلاًّ من الغرضين علّة تامّة.
3. لو بقي لهذه الأغراض أيضاً لكن لم يتوقّف الإتمام على البقاء، فلا شكّ أنّ نفقة البقاء على نفسه إذ هي ليست نفقة المضاربة.

نفقة الرجوع

إنّ نفقة الرجوع على مال القراض لو سافر للتجارة به فقط، لأنّ الإذن بالشيء إذن في مقدّماته وتوابعه.
حتى ولو عرض له في أثناء العمل غرض آخر سواء أكان قبل تمام العمل أم بعد تمامه، وذلك لأنّه لا تأثير لعروض غرض آخر في الرجوع، فإنّ الرجوع إلى البلد كان أمراً محتماً عليه، عرض عليه عارض أو لا، بخلاف الإقامة بعد تمام العمل، فإنّ للغرض الآخر تأثيراً في زيادة مدّة الإقامة، ولذا قلنا: إنّ نفقة الإقامة بعد إتمام العمل على العامل مطلقاً. نعم احتاط المصنّف بتوزيع نفقة الرجوع على نفقته ورأس المال، وأحوط منه الحساب على نفسه.
لو تعدّد أرباب المال واتّحد العامل   

صفحه 167
المسألة 22. لو كان عاملاً لاثنين أو أزيد، أو عاملاً لنفسه وغيره، توزّع النفقة، وهل هو على نسبة المالين أو نسبة العملين؟ فيه تأمّل وإشكال، فلا يترك الاحتياط برعاية أقلّ الأمرين إذا كان عاملاً لنفسه وغيره; والتخلّص بالتصالح بينهما، ومعهما إذا كان عاملاً لاثنين مثلاً.*

* لو تعدّد أرباب المال واتّحد العامل

كان الكلام في المسألة السابقة فيما إذا اتّحد المالك، وكذا العامل، وأمّا إذا تعدّد أرباب المال، واتّحد العامل، فهنا صورتان:
1. إذا كان عاملاً لاثنين أو أزيد.
2. إذا كان عاملاً لنفسه وغيره.
فما هو حكم النفقة؟
قال الشيخ: فإن كان له في صحبته مال لنفسه غير مال القراض، كانت النفقة بقسطه على قدر المال بالحصص، على قول مَن قال: له كمال النفقة، وعلى ما قلناه: ينفق من مال نفسه خاصّة.1
وقال المحقّق: ولو كان لنفسه مال غير مال القراض، فالوجه التقسيط.2
وقال الشهيد الثاني: وجه التقسيط ظاهر، لأنّ السفر لأجلهما،   

1 . المبسوط:3/173.
2 . شرائع الإسلام:2/138.

صفحه 168
فنفقته عليهما.1
هذا كلّه في أصل التقسيط، وإنّما الكلام في كيفية التقسيط، فهل هي على نسبة المالين أو نسبة العملين؟
قال الشهيد الثاني: وجهان، أجودهما الأوّل; لأنّ استحقاق النفقة في مال المضاربة منوط بالمال، ولا نظر إلى العمل.(2)
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي اختار أنّ التقسيط على نسبة العملين، فقال: وذلك لعدم ملاحظة القيمة والمالية في المضاربة عند إخراج نفقات العامل، فإنّه يأخذ نفقات سفره بتمامها وكمالها بإزاء عمله، من غير فرق بين قلّة مال المضاربة وكثرته، كما لو أرسل كلّ من تاجرين رسولاً إلى بلد لقيامه بعمل معيّن، وكان رأس مال أحدهما أضعاف رأس مال الآخر، فإنّ كلاًّ منهما سيخسر من النفقات بمقدار ما يخسره الآخر منها إذا تساوت نفقتهما، والحال أنّ رأس مال أحدهما أضعاف رأس مال صاحبه. وليس ذلك إلاّ لكون العبرة في إخراج نفقته من رأس المال، بالعمل والسفر لأجله، دون كثرة مال المضاربة أو قلّتها.
وإذا كان الأمر كذلك في أصل المطلب، يكون الأمر كذلك عند التوزيع أيضاً، فيلحظ العملين دون المالين.
والحاصل: أنّ سبب استحقاق النفقة إنّما هو العمل دون المال، فإنّه أجنبي بالمرّة عنه، ولعلّ هذا هو المرتكز في الأذهان.2   

1 و 2. مسالك الأفهام: 4 / 349.
2 . المباني في شرح العروة الوثقى: 31/54.

صفحه 169
ثمّ إنّ الظاهر من العلاّمة التفصيل بين ما كان عاملاً لمالكين فتقسّط النفقة على العملين، وبين ما إذا كان عاملاً لمالك واصطحب مالاً لنفسه، فاحتمل أن تكون النفقة مقسطةً على المالين، قال: لو كان مع العامل مال لنفسه للتجارة واستصحبه معه في السفر ليعمل فيه، وفي مال القراض، قُسّطت النفقة على قدر المالين، لأنّ السفر إنّما كان لماله ومال القراض، فالنفقة اللازمة بالسفر تكون مقسومة على قدر المال] المالين[، وهو قول بعض الشافعية.
ويحتمل النظر إلى مقدار العمل على المالين وتوزيع النفقة على أُجرة مثلهما، وهو قول بعض الشافعية.1
نعم ربّما يكون للمال من حيث القلّة والكثرة أو لنوع المضاربة تأثير في قلّة العمل وكثرته، وطول الإقامة وقصرها، فيكون الميزان هو العمل، قلة وكثرة، وعلى هذا فالظاهر هو التقسيط على قلّة العمل وكثرته.
ثمّ إنّ المصنّف فرّق بين كونه عاملاً لنفسه وغيره، وبين كونه عاملاً لاثنين، فاختار في الأوّل رعاية أقل الأمرين:نسبة المالين ونسبة العملين، فالنفقة بالنسبة إلى واحد منهما كان أقل ما يُؤخذ به.
واختار في الثاني التصالح وأراد مصالحتين:
1. مصالحة العامل مع المالكين، وإليه أشار بقوله: «بينهما».
2. مصالحة المالكين، وإليه أشار بقوله:«معهما».

1 . تذكرة الفقهاء:17/103.

صفحه 170
المسألة23. لا يعتبر ظهور الربح في استحقاق النفقة، بل ينفق من أصل المال وإن لم يكن ربح. نعم، لو أنفق وحصل الربح فيما بعد، يجبر ما أنفقه من رأس المال بالربح كسائر الغرامات والخسارات، فيعطي المالك تمام رأس ماله، فإن بقي شيء يكون بينهما.*
في استحقاق النفقة وكيفية صرفها   

* في استحقاق النفقة وكيفية صرفها

إذا سافر واحتاج إلى النفقة ولم يكن هناك ربح، فما هو حكم النفقة؟ فهنا أقوال ثلاثة:
القول الأوّل: ينفق من أصل المال وإن لم يحصل ربح أصلاً، نعم لو حصل الربح بعد هذا تحسب من الربح ويُعطى المالك تمام رأس ماله، ثم يقسّم الربح بينهما. قال العلاّمة: وإذا أطلق القراض كان له الإنفاق في السفر بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير. والقدر المأخوذ في النفقة يُحسب من الربح، فإن لم يكن هناك ربح فهو خسران لحقّ المال.1
وقال الشهيد الثاني: ولا يعتبر في النفقة ثبوت ربح بل ينفق ولو من رأس المال إن لم يكن ربح، وإن قصر المال. نعم لو كان ربح فهي منه مقدّمة على حقّ العامل.2
وقال في «الجواهر»: ثمّ إنّ ظاهر النصّ والفتوى عدم اعتبار ثبوت ربح في النفقة، بل ينفق ولو من أصل المال إن لم يكن ربح، لكن لو   

1 . تذكرة الفقهاء:17/104، المسألة 262.
2 . مسالك الأفهام:4/348.

صفحه 171
ربح بعد ذلك أخذت من الربح مقدّمة على حقّ العامل، ضرورة كون ذلك كالخسارة اللاحقة للمال التي يجب جبرها بما يتجدّد من الربح.1
القول الثاني: ما يظهر من صاحب الرياض من أنّ النفقة على رأس المال ولو مع حصول الربح، وإليك عبارته: ولا يعتبر في ثبوتها حصول الربح، بل ينفق ولو من الأصل، لإطلاق الفتوى والنص، ومقتضاهما إنفاقها من الأصل ولو مع حصول الربح.2
القول الثالث: ما احتمله صاحب الجواهر حيث قال: نعم إن لم يكن إجماع أمكن القول بأنّ النفقة إنّما تكون للعامل، حيث يكون ربح في المال يحتملها أو بعضها، فتخرج حينئذ منه على المالك والمضارب، وإلاّ فلا نفقة له، كما أنّ نفقته حال الحضر من نصيبه خاصّة، ولعلّه أوفق بالأصل والنصّ ; إلاّ إنّا لم نجده قولاً لأحد.3
والحقّ هو القول الأوّل، لأنّ الإذن في السفر إذن في مقدّماته، فلو خسر المالك من محاسبة النفقة على الأصل عند عدم الربح، فقد خسر العامل أيضاً بصرف سعيه أياماً عديدة من دون ربح، فالقول الثاني من أنّها من الأصل ولو مع حصول الربح إفراط، كما أنّ القول الثالث ـ بكون   

1 . جواهر الكلام:26/346.
2 . رياض المسائل:9/78.نعم نسخة الجواهر في نقل عبارة الرياض لا تخلو من تصحيف فقد جاء فيها:«ومقتضاهما الإنفاق من الأصل ولو مع عدم حصول التبرّع» والصحيح: ولو مع حصول الربح. لاحظ: جواهر الكلام:26/347.
3 . جواهر الكلام:26/347.

صفحه 172
المسألة 24. الظاهر أنّه يجوز للعامل الشراء بعين مال المضاربة; بأن يعيّن دراهم شخصية ويشتري بها شيئاً، كما يجوز الشراء بالكلّي في الذمّة والدفع والأداء منه; بأن يشتري جنساً بألف درهم كلّي على ذمّة المالك، ودفعه بعد ذلك من المال الذي عنده.*
النفقة على المالك عند حصول الربح وإلاّ فلا نفقة للعامل ـ تفريط في المسألة، بل يكون خسران العامل أكثر لأنّ المفروض بقاء رأس المال، فما ذكره الماتن هو الأقرب، وقد علّله بأنّه كسائر الغرامات والخسارات.
في اختيار العامل كيفيّة العمل بمال المضاربة   

* في اختيار العامل كيفيّة العمل بمال المضاربة

إنّه إذا دفع المالك دراهم شخصية للمضاربة إلى العامل، فهو مختار في العمل بالنحو التالي:
1. أن يشتري بالدراهم الشخصية.
2. أن يشتري بقصد المالك وفي ذمّته بقصد أداء الثمن من مال المضاربة، وهذا هو المذكور في المتن.
3. أن يشتري بقصد المالك ويجعل الثمن في ذمّة نفسه لكن من حيث إنّه عامل ووكيل عن المالك، ومرجع الثالثة إلى الثانية. والظاهر صحّة الجميع; لأنّه إتّجار بمال المالك، إلاّ أن يشترط التجارة بالدراهم الشخصية.
نعم نقل في العروة عن المشهور أنّه لا يجوز للعامل أن يشتري في الذمّة، وقال: المشهور ـ على ما قيل ـ أنّ في صورة الإطلاق يجب   

صفحه 173
أن يشتري بعين المال; فلا يجوز الشراء في الذمّة. وبعبارة أُخرى: يجب أن يكون الثمن شخصياً من مال المالك لا كلّياً في الذمّة. والظاهر أنّه يلحق به الكلّي في المعيّن أيضاً.
ثمّ ذكر علل التخصيص بالنحو التالي:
1. أنّه القدر المتيقّن.
2. الشراء في الذمّة قد يؤدّي إلى وجوب دفع غيره، كما إذا تلف رأس المال قبل الوفاء، ولعلّ المالك غير راض بذلك.
3. إذا اشترى بكلّي في الذمّة لا يصدق على الربح أنّه ربح مال المضاربة. ثمّ قال السيد: ولا يخفى ما في هذه العلل.1
ويرد على المنع على الوجه الكلّي أنّه إنّما يتمّ إذا كان مورد المضاربة شيئاً بسيطاً كسائر السجاجيد وأمثالها، فيمكن أن يحمل ما دفعه المالك إلى السوق ويشتري به ثم يبيع، وأمّا إذا كان المورد أمراً وسيعاً خصوصاً إذا كان أرباب المال متعدّدين فلا يمكن التعامل على المال الشخصي، بل يودع رأس المال في البنوك ثم يدفع العامل الصك والحوالات فيشتري ويبيع بهذا الشكل.
وأمّا ما ذكر من العلل فضعفها واضح:
أمّا الأوّل: فللمنع من كونه القدر المتيقّن، خصوصاً إذا كان مورد المضاربة أوسع.   

1 . العروة الوثقى:5/166، كتاب المضاربة، المسألة12.

صفحه 174
وأمّا الوجه الثاني: من أنّ الشراء في الذمّة قد يؤدّي إلى وجوب دفع غيره، كما في صورة تلف رأس المال، فسيأتي الكلام فيه عندما يتعرّض الماتن لمثل ذلك. وأنّه لا يؤدي إلى وجوب دفع غير ما دفع، وأنّ المعاملة تكون محكومة بالبطلان.
وأمّا الوجه الثالث فإنّه إذا اشترى بكلّي في الذمّة لا يصدق على الربح أنّه ربح مال المضاربة، فهو في غاية السقوط; لأنّه إذا أدّى دينه بمال المالك يُعدّ الربح ربحاً لمال المضاربة إذ لولا مال المالك لما أقدم ولو أقدم فلا يُخلّى إلاّ بالدفع ممّا دفع إليه المالك.
هذا كلّه لو كان رأس المال موجوداً عند الوفاء، ولو فرض أنّه اشترى للمالك في الذمّة بأحد الوجهين وتلف رأس المال قبل الأداء، فما هو حكم هذا الفرع، وهذا هو الذي ذكره الماتن في القسم الثاني من هذه المسألة.
إذا تلف رأس المال قبل الأداء   

صفحه 175
ولو تلف مال المضاربة قبل الأداء، لم يجب على المالك الأداء من غيره; لعدم الإذن على هذا الوجه، وما هو لازم عقد المضاربة، هو الإذن بالشراء كلّياً متقيّداً بالأداء من مال المضاربة; لأنّه من الاتّجار بالمال عرفاً. نعم، للعامل أن يعيّن دراهم شخصية ويشتري بها; وإن كان غير متعارف في المعاملات، لكنّه مأذون فيه قطعاً وأحد مصاديق الاتّجار بالمال. هذا مع الإطلاق، وأمّا مع اشتراط نحو خاصّ فيتّبع ما اشترط عليه.*

* إذا تلف رأس المال قبل الأداء

إذا اشترى في الذمّة وقبض المبيع، ولكن تلف رأس المال قبل الوفاء، فهل يجب على المالك الأداء من غيره؟ ذهب المصنّف إلى عدمه، قائلاً: لعدم الإذن على هذا الوجه وما هو لازم عقد المضاربة هو الإذن بالشراء كليّاً متقيّداً بالأداء من مال المضاربة، لأنّه من الاتّجار بالمال عرفاً.
وحاصله: أنّ تعهّد المالك تعهّد محدود، وهو الاتّجار بالمال الذي دفعه إلى العامل. وأمّا الأداء من غير ماله ـ عند تلف رأس المال ـ فهو لم يتعهّد بذلك. وإلى ما ذكر يشير صاحب الجواهر بقوله: نعم ليس الشراء في الذمّة على إرادة الرجوع عليه بغير مال المضاربة، فإنّه ليس في الإطلاق ما يشعر بالإذن بذلك، ويمكن إرادة الأصحاب المنع عن هذا بالخصوص لا ما يشمل الأوّل الذي قد يتسامح في العرف بجعله من الشراء بالعين.1

1 . جواهر الكلام:26/352.

صفحه 176
لكن الظاهر من السيد الطباطبائي في العروة أنّه إذا فرض تلف مال المضاربة قبل الوفاء كان في ذمّة المالك، يؤدّي من ماله الآخر.1
أقول: لا شكّ أنّ ضمان المالك كان محدوداً بما دفعه إلى العامل فإذا اشترى في الذمّة للمالك ولكن تلف رأس المال قبل الوفاء، فليس هناك أي دليل على لزوم الأداء من ماله خصوصاً في الشركات الوسيعة التي يكون ضمان الشركة محدوداً برأس مالها فقط، ولا يكون لغيره أي مسؤولية أمام الغرماء.
هذا كلّه فيما إذا ضارب شخصاً بأموال محدودة، وقد عرفت حكم تلف رأس المال، ولك أن تستوضح ذلك من الشركات الحديثة، كشركة التوصية الرائجة في البلاد، وهي الشركة التي تكون أصحابَ حصص مالية، وخارجين عن الإدارة ولا يكونون مسؤولين إلاّ في حدود حصصهم من رأس المال ويسمّون موصين .2
ومن المعلوم أنّ الشركة تعيّن مديراً عاملاً لها، هو يشتري ويبيع، ولو خسرت الشركة، فأصحاب الحصص غير مسؤولين إلاّ حسب أموالهم وحصصهم، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ العامل أيضاً لم يضمن إلاّ الدفع من مال المالك، فإلزامه بدفع الثمن من ماله (الآخر)، إلزام غير صحيح، فاللازم الحكم ببطلان هذه المعاملة، فإنّ الثمن وإن كان كليّاً في الذمّة لكنّه لمّا كان مقيّداً بالدفع من المال الخارجي المعيّن وتعذّر   

1 . العروة الوثقى:5/167، كتاب المضاربة، المسألة 12.
2 . الوسيط في شرح القانون المدني:5/235، برقم 166.

صفحه 177
ذلك، كان من مصاديق تلف الثمن قبل قبضه، فيحكم بانفساخ العقد ورجوع مقابله إلى مالكه الأصلي، ولا موجب للحكم بالصحّة مع تحمّل العامل أو المالك للضرر بدفع عوضه من ماله الخاص.1
وما ذكره هو الحقّ القراح; لأنّ الأعذار العامّة المانعة من الوفاء بالعقد توجب انفساخ العقد. أضف إلى ذلك: أنّ المورد، نظير ما لو ضارب بمال مغصوب، فإذا تبيّن كونه مغصوباً تنفسخ المعاملة ويعاد المبيع إلى صاحبه. ثمّ إنّ الفرق بين هذه المسألة وما يأتي في المسألة 36 واضح سنذكره هناك، فانتظر.
ثمّ إنّ صاحب العروة فرض لشراء العامل في الذمّة صوراً أُخرى غير ما ذكرناه من الصورتين، وبما أنّها خارجة عن باب المضاربة، نترك البحثّ عنها إلى فرصة أُخرى.

1 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/46.

صفحه 178
المسألة 25. لا يجوز للعامل أن يوكّل غيره في الاتّجار ـ بأن يوكّل إليه أصل التجارة ـ من دون إذن المالك. نعم، يجوز له التوكيل والاستئجار في بعض المقدّمات، بل وفي إيقاع بعض المعاملات التي تعارف إيكالها إلى الدلاّل.*
توكيل العامل غيره في الاتّجار   

* توكيل العامل غيره في الاتّجار

أشار(قدس سره) في هذا المقطع من المسألة إلى أمرين:
1. «لا يجوز للعامل أن يوكّل غيره في الاتّجار، بأن يوكّل إليه أصل التجارة، من دون إذن المالك». وذلك لقبح التصرّف في مال الغير بغير إذنه، فإنّ المالك ضارب العامل وليس له إيكال التجارة إلى غيره، حتى يبيع ويشتري، فان إيكال أمر التجارة على النحو الكلّي والتصرّف في المال ممّا لم يأذن به المالك.
2. يجوز له التوكيل والاستئجار في بعض المقدّمات. ومن المعلوم أنّ التجارة إذا كانت أمراً وسيعاً يحتاج إلى إعانة الآخرين إذ لا يمكن للعامل أن يقوم بكلّ المقدّمات.

صفحه 179
وكذلك لا يجوز له أن يضارب غيره أو يشاركه فيها إلاّ بإذن المالك، ومع الإذن إذا ضارب غيره، يكون مرجعه إلى فسخ المضاربة الأُولى; وإيقاع مضاربة جديدة بين المالك وعامل آخر، أو بينه وبين العامل مع غيره بالاشتراك، وأمّا لو كان المقصود إيقاع مضاربة بين العامل وغيره ـ بأن يكون العامل الثاني عاملاً للعامل الأوّل ـ فالأقوى عدم الصحّة.*
* قد مرّ أنّه لا يجوز للعامل أن يضارب غيره، أو يشاركه فيها إلاّ بإذن المالك، وذلك لقبح التصرّف في مال الغير، وقد أذن المالك للعامل فقط لا لغيره، سواء أكان الغير مستقلاًّ أو مشاركاً. وأمّا مع الإذن فله صور ثلاث:
1. أن يجعل العامل الثاني، عاملاً للمالك.
2. أن يجعله شريكاً معه في العمل والحصّة.
3. أن يجعله عاملاً لنفسه. وإليك دراسة هذه الصور:
الأُولى: أن يجعل العامل الثاني عاملاً للمالك في نفس المال المشخّص، وقد اختار فيه المصنّف بأنّ مرجع هذا الإذن إلى فسخ المضاربة الأُولى وإيقاع مضاربة جديدة بين المالك وعامل آخر . وبعبارة أُخرى: أن يجعل العامل، العامل الثاني عاملاً للمالك في عرض نفسه من دون أن تكون المضاربة الثانية من شؤون المضاربة الأُولى، بل تتوارد المضاربتان على مال واحد، وهذا يلازم فسخ المضاربة الأُولى، وفاقاً لصاحب العروة، حيث قال: فتنفسخ مضاربة نفسه على الأقوى،   

صفحه 180
واحتمال بقائها مع ذلك لعدم المنافاة، كماترى، ويكون الربح مشتركاً بين المالك والعامل الثاني، وليس للعامل الأوّل شيء.1 خلافاً لصاحب الجواهر حيث ذهب إلى صحّته، قائلاً بأنّ سبق عقد القراض معه، لا ينافي ذلك بل لا يقتضي فساده لعدم ما يدلّ على اعتبار خلوّ المال عن وقوع عقد قراض عليه، في صحّة الثاني، وإن كان هو لا يستحقّ شيئاً من الربح لعدم العمل منه، أمّا لو فرض عمل كلّ منهما، صحّ وأخذ كلّ منهما ربح ما عمل به من المال على حسب ما شرط له.2
أقول: لو قلنا بأنّ المضاربة عقد لازم، لا ينفسخ إلاّ بالتقايل كما هو شأن كلّ العقود اللازمة، فالحقّ هو القول الثالث، وهو أنّه لا يصحّ جعل عامل آخر بأحد الوجوه الثلاثة، لا بالفسخ كما هو أساس القول الأوّل لعدم حقّ الفسخ في العقود اللازمة، والمفروض عدم التقايل، ولا بدونه كما عليه صاحب الجواهر; لأنّ المفروض أنّ المالك والعامل قد حدّدا، حدود المضاربة حدّاً دقيقاً، لا يزاد عليه ولا ينقص إلاّ بالتقايل.
وأمّا لو قلنا بأنّ المضاربة عقد جائز كما هو المشهور فالحقّ مع ما في المتن، فلا يجوز جعل عامل ثان في عرض عامل أوّل للاتّجار بمال معين إلاّ بفسخ المضاربة الأُولى، لأنّ العقد الأوّل أوجد حقّاً للعامل في الاتّجار بمال المالك، وله أن يمنع عن تسلّط الغير عليه أخذاً بالعقد، فلا   

1 . العروة الوثقى:5/187، كتاب المضاربة، المسألة 31. قوله: «واحتمال بقائها مع ذلك» إشارة إلى كلام صاحب الجواهر كما يأتي.
2 . جواهر الكلام:26/392.

صفحه 181
يصحّ تسليط الغير عليه إلاّ بفسخ العقد.
فإن قلت: لا وجه لفسخ المضاربة الأُولى غاية الأمر أنّ المالك يسلّط كلّ واحد منهما على ماله ولكلّ الاتّجار بذلك المال فإن سبق واتّجر به انتفى موضوع الثانية.
قلت: ما ذكرته إنّما يصحّ إذا جعلهما عاملين في عقد واحد وفي زمان واحد دون أن يتقدّم أحدهما على الآخر. وأمّا إذا كان جعل الثاني عاملاً متأخّراً، فهو يزاحم ما للأوّل من حقّ التصرّف في المال إلاّ بالتقايل والمفروض عدمه، أو بالفسخ كما عليه المتن.
وبما ذكرنا يظهر جواب ما يمكن أن يقال: إنّ جعل مضاربين على مال واحد أشبه بجعل الوكالة لشخصين في بيع واحد أو جعل الجعالة لهما في ردّ مال واحد فأيّهما سبق يكون الربح بينه وبين المالك، وبما يتّجر أحد ببعض المال والآخر بالباقي أو يطرأ عليه العذر فيقوم الثاني بالاتّجار.
وجه الدفع: أنّه خارج عن محطّ البحث; لأنّ المفروض جعل الوكالة لهما مرّة واحدة وفي زمان واحد لا في زمانين، وإلاّ فلا يصحّ إلاّ بفسخ الوكالة الأُولى.
الصورة الثانية: أن يجعل العاملُ العاملَ الثاني شريكاً معه في العمل والحصّة وأشار إليه في المتن بقوله:«أو بينه وبين العامل مع غيره، بالاشتراك»، والفرق بين الصورتين هو أنّ كلاًّ من العاملين في الصورة الأُولى مستقلاّن في العمل ولو ربح في اتّجاره يكون الربح بينه   

صفحه 182
في شرط أحد المتعاقدين على الآخر في ضمن عقد المضاربة   
المسألة 26. الظاهر أنّه يصحّ أن يشترط أحدهما على الآخر في ضمن عقد المضاربة مالاً أو عملاً، كما إذا شرط المالك على العامل أن يخيط له ثوباً أو يعطيه درهماً وبالعكس.*
وبين المالك، بخلاف المقام، فالمجموع كأنّه عامل واحد، والربح بينهما وبين المالك أثلاثاً فالمتبع ما وافقا عليه في القلّة والكثرة.
فعلى القول بأنّ المضاربة عقد لازم، فلا يصحّ أيضاً إلاّ بالتقايل، وعلى القول بأنّه عقد جائز، لا يصحّ إلاّ بالفسخ بنفس الدليل المذكور في الصورة الأُولى.
الصورة الثالثة: ما أشار إليه في المتن: «وأمّا لو كان المقصود إيقاع مضاربة بين العامل وغيره بأن يكون العامل الثاني عاملاً للعامل الأوّل» دون المالك، فقال المصنّف: «فإنّ الأقوى عدم الصحّة»، ووجهه: أنّ المضاربة قائمة بعمل العامل في مال المضاربة، والمفروض أنّ العمل للعامل الأوّل، دون الثاني، إلاّ أن يكون له عمل مع العامل الثاني، فيرجع إلى الصورة الثانية.
* إذا شرط أحد المتعاقدين على الآخر في ضمن عقد المضاربة مالاً أو عملاً، كأن يقول المالك للعامل: أُضاربك على هذا بشرط أن تخيط لي ثوباً، فهنا أقوال ثلاثة:
1. بطلان العقد والشرط.
2. صحّة العقد وبطلان الشرط.   

صفحه 183
3. صحّة العقد والشرط.
وقد أشار المحقّق إلى الأقوال الثلاثة بقوله: إذا دفع مالاً قراضاً، وشرط أن يأخذ له بضاعة، قيل: لا يصحّ، لأنّ العامل في القراض لا يعمل ما لا يستحقّ عليه أُجرة، وقيل: يصحّ القراض ويبطل الشرط، ولو قيل بصحّتهما، كان حسناً.1
وما اختاره المحقّق هو خيرة العلاّمة في «التذكرة»، حيث إنّه نقل عن العامّة أقسام الشرط الفاسد الذي منها «أن يشترط على العامل المضاربة له في مال آخر، أو يأخذ له بضاعة أو قرضاً، أو يخدمه في شيء بعينه، أو يرتفق بالسِّلَع، مثل أن يلبس الثوب ويستخدم العبد».2
فقال بعد نقل هذا الكلام: وعندي لا بأس بذلك.3
وهذا القول هو المشهور، قال في «الجواهر»: لإطلاق الأدلّة وعمومها التي منها:«المؤمنون عند شروطهم» و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض) وغيرهما، والقراض إنّما يعتبر عدم خلوّ عمله نفسه عن جزء من الربح، لا مطلق العمل ، وإن لم يكن من القراض، ولكنّه قد اشترط في عقد القراض.4   

1 . شرائع الإسلام:2/145.
2 . لاحظ: المغني:5/186ـ 187.
3 . تذكرة الفقهاء:17/162ـ 163، المسألة 306.
4 . جواهر الكلام:26/402.

صفحه 184
أدلّة القائل بفساد الشرط وحده أو مع المشروط   

أدلّة القائل بفساد الشرط وحده أو مع المشروط

ثمّ إنّ القائل بفساد الشرط فقط أو بفساده والمشروط، استدلّ بوجوه أشار إليها السيد الطباطبائي في العروة، ونحن ندرسها تباعاً.
الأوّل: أنّ القدر المتيقّن ما إذا لم يكن من المالك إلاّ رأس المال ومن العامل إلاّ التجارة، وأجاب عنه السيد الطباطبائي بقوله: بأنّها مدفوعة بأنّ ذلك من حيث متعلّق العقد فلا ينافي اشتراط مال أو عمل خارجي في ضمنه، ويكفي في صحّته عموم أدلّة الشروط.
الثاني: أنّ الشرط المفروض مناف لمقتضى العقد.
وجهه: أنّ العامل لا يعمل شيئاً بغير جُعل ولا قسط من الربح، والمفروض أنّه لا يقسط على الشرط ربح، فإذا صار مخالفاً لمقتضى العقد يكون باطلاً.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المعيار لكون الشرط مخالفاً لمقتضى العقد وجود التناقض لدى العرف بين المشروط والشرط كما إذا باع بلا ثمن وآجر بلا أُجرة، وليس إلزام العامل بعمل في ضمن المضاربة من هذا القبيل خصوصاً إذا كان العمل داعياً لرفع مقدار الربح.
وثانياً: أنّ مقتضى المضاربة هو أن لا يكون عمل العامل في مال المضاربة مجاناً وبلا عوض، بل لابدّ من جعل شيء من الربح بإزائه، وأمّا كون عمله في مال آخر غيره بعوض أيضاً فلا يقتضيه عقد المضاربة، والمفروض أنّ الشرط عمل خارج عن حدود المضاربة فكونه أمراً   

صفحه 185
مجانياً لا يضرّ بالمضاربة، ومقتضى عمومات الوفاء بالشرط صحّة هذا الشرط.1
وثالثاً: نمنع أنّ العمل بالشرط لا يحاذيه شيء من الربح، بل له تأثير في زيادة الربح، مثلاً لو كانت المضاربة بلا شرط ربّما يتّفقان على الربع بأن يكون الربع للعامل والباقي للمالك، ولو جعل عليه شيئاً له قيمة خاصّة، فيرتفع الربح، فيكون الاتّفاق على الثلث أو أزيد. فالعمل بالشرط ليس بالمجان بل شيء في مقابله في جانب الربح.
فإن قلت: فعلى هذا تصل الجهالة إلى حصّة العامل من حيث إنّ للشرط قسطاً من الربح فإذا لم يعلم ما يقابل الشرط من الربح فيصل الجهل إلى حصّة العامل من الربح.
قلت: إنّ اللازم كون مقدار الربح معلوماً، وأمّا لزوم معلومية ما يقابل الشرط وما يقابل العمل فليس بلازم.
الثالث: أنّ هذا الشرط لا أثر له أصلاً; لأنّه ليس بلازم الوفاء حيث إنّه في العقد الجائز ولا يلزم من تخلّفه أثر التسليط على الفسخ حيث إنّه يجوز فسخه ولو مع عدم التخلّف.
وأجاب عنه في العروة بوجهين:
أوّلاً: لزوم العمل بالشرط في ضمن العقود الجائزة مادامت باقية ولم تفسخ، وإن كان له أن يفسخ حتى يسقط وجوب العمل به.   

1 . لاحظ: العروة الوثقى:5/191، المسألة 33; والمباني في شرح العروة الوثقى: 31/74ـ 75.

صفحه 186
ثانياً: لا نسلّم أنّ تخلّفه لا يؤثّر في التسلّط على الفسخ، إذ الفسخ الذي يأتي من قبل كون العقد جائزاً إنّما يكون بالنسبة إلى الاستمرار بخلاف الفسخ الآتي من تخلّف الشرط فإنّه يوجب فسخ المعاملة من الأصل، فإذا فرضنا أنّ الفسخ بعد حصول الربح; فإن كان من القسم الأوّل اقتضى حصوله من حينه، فالعامل يستحقّ ذلك الربح بمقدار حصّته; وإن كان من القسم الثاني يكون تمام الربح للمالك ويستحقّ العامل أُجرة المثل لعمله، وهي قد تكون أزيد من الربح، وقد تكون أقل، فيتفاوت الحال بالفسخ وعدمه إذا كان لأجل تخلّف الشرط.1
مضافاً إلى الفرق الجوهري بين الجوازين، فإنّ الجواز الآتي من قبل الشرط، جواز وضعي، حقّي قابل للإسقاط من قبل المتعاقدين، بخلاف الجواز المنسوب إلى العقد مباشرة، فهو جواز حكمي لا يقبل الإسقاط.
وأظنّ أنّ المسألة واضحة لا تحتاج إلى إطناب.
هل العامل يملك بالظهور أو بالإنضاض؟   

1 . العروة الوثقى:5/193، كتاب المضاربة، المسألة 33.

صفحه 187
المسألة 27. الظاهر أنّه يملك العامل حصّته من الربح بمجرّد ظهوره، ولا يتوقّف على الإنضاض ـ بمعنى جعل الجنس نقداً ـ ولا
على القسمة. كما أنّ الظاهر صيرورته شريكاً مع المالك في نفس
العين الموجودة بالنسبة، فيصحّ له مطالبة القسمة، وله التصرّف في
حصّته من البيع والصلح، ويترتّب عليه جميع آثار الملكية; من الإرث وتعلّق الخمس والزكاة وحصول الاستطاعة وتعلّق حقّ الغرماء وغير ذلك.*

* هل العامل يملك بالظهور أو بالإنضاض؟

المشهور بين فقهائنا أنّ العامل يملك بالظهور، وقلّ من قال بأنّه يملك بالإنضاض.
ثمّ إنّ المراد من الربح هو المقدار الزائد في المالية على مقدار مالية رأس المال، فلو كان رأس المال مائة درهم فاشترى شيئاً يقوّم في السوق بمائة وعشرة دراهم فتُعد العشرة ربحاً.
1. قال الشيخ في «المبسوط»: وإن اتّفقا على قسمة وإفراز رأس المال جاز، لأنّ الربح لهما.1
2. قال المحقّق: والعامل يملك حصّته من الربح بظهوره ولا   

1 . المبسوط:3/196. وعبارته ليست صريحة في الموضوع لأنّه فرض اتّفاق العامل والمالك على القسمة، إنّما الكلام فيما اقترح العامل فقط، فهل يجب على المالك الإجابة أو لا؟ والعبارة قاصرة عن إفادته.

صفحه 188
يتوقّف على وجوده ناضّاً.1
3 . وقال في «النافع»: ويملك العامل نصيبه من الربح بظهوره وإن لم ينض.2
4 . وقال العلاّمة في «القواعد»: ويملك بالظهور لا بالإنضاض ـ على رأي ـ ملكاً غير مستقر وإنّما يستقر بالقسمة أو بالإنضاض.3
5 . وقال في «الإرشاد»: ويملك حصّته بالظهور.4
6 . وقال الشهيد الثاني، تعليقاً على قول المحقّق: بل لا يكاد يتحقّق فيه مخالف، ولا نقل في كتب الخلاف عن أحد من أصحابنا ما يخالفه.5
7 . ونقله في «مفتاح الكرامة» عن التذكرة والتحرير، والتبصرة وإيضاح النافع وجامع المقاصد والروض والكفاية والمفاتيح واللمعة والروضة 6.
ومع ذلك فقد نقل الخلاف أيضاً.
8 . قـال فخر المحقّقين: الذي سمعته من والدي المصنـّف أنّ في هذه المسألة ثلاثة أقوال:7    

1 . شرائع الإسلام:2/141.
2 . المختصر النافع: 147، طبعة مصر.
3 . قواعد الأحكام: 2 / 342 ; مفتاح الكرامة: 7/487 (قسم المتن) .
4 . مجمع الفائدة: 10/254 (قسم المتن) .
5 . مسالك الأفهام: 4 / 371 .
6 . مفتاح الكرامة: 7/488.
7 . الإيضاح: 2/322، الصحيح أن يقول أربعة أقوال كما يظهر من نقلها. الظاهر أنّ الأقوال مأخوذة من مغني ابن قدامة الآتية.

صفحه 189
«الأوّل: يملك بالظهور، الثاني: يملك بالإنضاض; لأنّه قبله غير موجود خارجاً، بل هو مقدّر موهوم يثبت له بالظهور حقّ مؤكّد فيورث عنه ويضمنه المتلف له، لأنّ الإتلاف كالقسمة. الثالث: أنّه يملك بالقسمة لأنّه لو ملك قبلها لكان شريكاً في المال فيكون النقصان الحادث شائعاً في المال فلمّا انحصر] نصيبه[ في الربح دلّ على عدم الملك، لأنّه لو ملكه لاختصّ بربحه، الرابع: أنّ القسمة كاشفة عن ملك العامل لأنّها ليست بعمل حتى يملك بها».
والظاهر أنّ بعض هذه الأقوال لغير الشيعة، إذ ليس منها في كتبنا عين ولا أثر، ولا يعد مثل ذلك خلافاً.
9 . وقال في «التنقيح»: وقيل: لا يملك إلاّ بالانضاض وتظهر الفائدة في العامل إذا اشترى أباه، فإن قلنا بالظهور فحال مايحصل فيه ربح، ينعتق عليه قدر نصيبه ويسعى الأب في الباقي1.
10 . وفي «جامع المقاصد»: اختلف الفقهاء في وقت ملكه إيّاه على أقوال أصحّها أنّه يملكه حين الظهور 2.
ولو كان خلاف وكان بعض هذه الأقوال لفقهائنا، فالخلاف نادر.
وأمّا أقوال أهل السنّة: فقال ابن قدامة: وأمّا ملك العامل لنصيبه من الربح بمجرّد الظهور قبل القسمة، فظاهر المذهب أنّه يثبت هذا الذي   

1 . التنقيح: 2/223.
2 . جامع المقاصد: 8/124.

صفحه 190
ذكره القاضي مذهباً، وبه قال أبو حنيفة، وحكى أبو الخطاب رواية أُخرى: أنّه لايملكه إلاّ بالقسمة، وهو مذهب مالك، وللشافعي فيه قولان كالمذهبين، واحتجّ من لم يملكه بأنّه لو ملكه لاختصّ بربحه، ولوجب أن يكون شريكاً لربّ المال كشريكي العنان.1
وقد ظهرت ممّا ذكرنا أدلّة الأقوال ولنأخذها بالتحقيق. والحقّ ما عليه المشهور، ويدلّ عليه الأُمور التالية:
1. صدق الربح وإن لم ينضّ، ولأجل ذلك تصحّ للعامل المطالبة بالقسمة.
2. سهم العامل مملوك وليس للمالك وإلاّ يلزم أن يكون الربح بأجمعه للمالك، وهو لازم القول بأنّ المالك يملك بالانضاض أو القسمة، والالتزام به بعيد غاية البعد، فيكون للعامل.
3. لو اشترى العامل شيئاً برأس المال وهو مائة درهم ويشترى في السوق بمائة وعشرة دراهم، فلو فرضنا موت المالك، وقلنا ببطلان المضاربة بموت المالك، فلا محالة تكون العشرة بينهما لا للمالك وحده، وهذا دليل على أنّ العامل يملك بظهور الربح، من دون توقّف على الإنضاض فضلاً عن القسمة.
4. صحيح محمد بن قيس، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل دفع   

1 . المغني: 5/169. وقريب منه ما في الشرح الكبير المطبوع في ذيل المغني، لاحظ : المغني: 5 / 166.

صفحه 191
إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى أباه وهو لا يعلم؟ قال:«يقوّم فإن زاد درهماً واحداً أُعتق واستسعى في مال الرجل»1، وفي بعض النسخ مكان «قيس»: «ميسّر».
فعلى الثاني الرواية صحيحة; لأنّ محمد بن ميسّر، ثقة صرّح به النجاشي في رجاله.2
إنّما الكلام في محمد بن قيس، وهو مشترك بين أربعة أشخاص: اثنان منهم ثقتان، والثالث ممدوح، والرابع ضعيف.3
وعلى الأوّلين تكون صحيحة وعلى الثالث حسنة وعلى الرابع ضعيفة، لكن إتقان النصّ وموافقته مع الأُصول يكشف عن صحّتها.
ثمّ إنّ المراد من قوله:«وهو لا يعلم»: أي لا يعلم الحكم الشرعي وهو أنّه لو اشترى أباه للمالك وكانت المعاملة رابحة وله سهم من الربح ولو قليلاً ينعتق عليه بمقدار الربح، ويسعى في مال الرجل، واحتمال أنّه لا يعلم أنّه أبوه بعيد جدّاً، إذ كيف يتصوّر أنّ الإنسان لا يعرف أباه، وبذلك ظهر معنى قوله: «فإن زاد درهماً واحداً»: أي ربح ولو ربحاً قليلاً فللعامل فيه سهم، وعندئذ يملك جزءاً قليلاً من أبيه، ومن ملك أحد العمودين ولو بجزء يسير ينعتق عليه، فعلى المعتَق السعي في مال الرجل.
ثمّ إنّ المراد من مالكية العامل عند ظهور الربح مالكية غير   

1 . الوسائل:13، الباب8 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.
2 . رجال النجاشي:برقم 998.
3 . لاحظ: رجال النجاشي: برقم 878 ، 880 ، 881 ، 882 ; ورجال الشيخ برقم 294.

صفحه 192
مستقرّة، بحيث لو استمرت المضاربة في العمل وخسرت، يحسب الخسران على الربح سابقاً ولاحقاً، ولذلك قلنا: إنّ مالكيته مالكية غير مستقرّة، وسوف يتّضح معنى ذلك في الفرع التالي.

دليل المخالف

ثمّ إنّ صاحب الجواهر ممّن خالف في المسألة وقال: إلاّ أنّ الإنصاف عدم خلو المسألة من إشكال إن لم يكن إجماعاً، وذلك لأنّ الربح حقيقة مازاد على عين الأصل، الذي هو رأس المال، وقيمة الشيء أمر وهمي لا وجود له ذمّة ولا خارجاً، وإنّما هو من فروض الذهن، وبذلك افترقت عن الدين الذي هو وإن كان كليّاً إلاّ أنّه مال ـ شرعاً وعرفاً ـ موجود في الذمّة بخلاف قيمة الشيء... إلى أن قال: نعم لا بأس أن يقال: إنّه بالظهور ملك العامل أن يملك بمعنى أنّ له الإنضاض ولو قدر رأس المال، فيتحقّق الربح حينئذ ويتبعه تحقّق الملك وبه يورث ويضمن التالف له.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ لازم كلامه أنّه لو مات المالك لزم كون الربح لوارثه دون العامل.
وثانياً: كيف يقول إنّ الربح أمر وهمي، مع أنّه يبذل بإزائه الثمن، فالجنس المشترى بمائة إذا ربح وصارت قيمته مائة وعشرة، يبذل بإزائه أكثر من مائة، فهل يمكن وصفه بكونه أمراً وهمياً؟ وللسيد الخوئي كلام في إيضاح هذا الجواب وحاصله:   

1 . جواهر الكلام: 26/375 ـ 376.

صفحه 193
إنّ ارتفاع القيمة السوقية تارة يفرض في الأموال التي حصّلها الإنسان للانتفاع بها لا للتجارة كالدار التي اشتراها للسكن، فإنّ ارتفاع قيمتها لا يوصف بالربح مادام هو يسكنها. نعم لو باعها بأزيد ممّا اشتراها به ربّما يوصف بالربح، وهذا هو الذي يمكن أن يقال: إنّ ارتفاع القيمة أمر موهوم مادام الإنسان بحاجة إلى الدار ويسكن فيها.
وأُخرى يفرض في الأموال التي حصلها للتجارة والمبادلة ومن المعلوم أنّ ارتفاع القيمة فيها لا يُعدّ أمراً موهوماً بل أمراً واقعياً فلو اشترى متاعاً في الفصل الّذي يتوفّر فيه ذلك المتاع ثم باعه في الفصل الذي يقل وجوده فيه بأكثر ممّا اشتراه به، فيقال إنّه ربح حتى ولو لم يبيعه يقال إنّه رابح.1
والذي يحسم مادة النزاع هو تعريف الربح، وهو عبارة عن زيادة مالية الشيء عمّا اشترى به وهو بصدد المبادلة والتجارة به، وهذا التعريف صادق في باب المضاربة حتى قبل الإنضاض والقسمة.
وثالثاً: يلزم أن يكون حكم الإمام بانعتاقه على العامل حكماً على خلاف القاعدة; لأنّ المفروض أنّ العامل لم يملك شيئاً فكيف ينعتق عليه.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر لمّا وقف على هذا الإشكال حاول الإجابة عنه، قال: بل لعلّ الوجه في خبر عتق العبد ذلك أيضاً (أنّه بالظهور ملك العامل أن يملك) بناءً على الاكتفاء بمثل ذلك في العتق المبني   

1 . لاحظ: المباني في شرح العروة الوثقى: 31/76.

صفحه 194
على السراية. فإن ملك أن يملك جزء من الأب أيضاً موجب، كالملك نفسه.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره على خلاف ظاهر الصحيحة، فإنّه دالّ على أنّ العامل صار مالكاً لجزء من أبيه بالشراء بالفعل، وإلاّ فلا وجه لانعتاق مال الغير على العامل، بل أنّ قوله(عليه السلام):«استسعى في مال الرجل» دليل على أنّ العتق إنّما بدأ من حصّة العامل وملكه حيث يعلم من هذا التعبير أنّ مال الرجل(المالك) غير المقدار الذي انعتق، ولو كان الجميع للمالك لوجب الاستسعاء في جميع قيمته لا في خصوص مال الرجل.2

بقي هنا أمران:

1. أنّ مالكية العامل للربح قبل الإنضاض، ملكية متزلزلة، غير مستقرّة، بمعنى أنّه لو خسر قبل إنهاء عقد المضاربة، يخرج الربح عن ملك العامل لجبر رأس المال، كما مرّت الإشارة إليه.
2. ما هو الأثر الشرعي بكون العامل مالكاً قبل القسمة؟
أقول: يترتّب على ما أشار إليه المصنّف الأُمور التالية:
1. تصحّ له المطالبة بالقسمة.
2. له التصرّف في حصّته من البيع والصلح.
3. يترتّب عليه جميع آثار الملكية من الإرث وتعلّق الخمس   

1 . جواهر الكلام:26/ 375 ـ 376.
2 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/78.

صفحه 195
والزكاة، وحصول الاستطاعة، وتعلّق حقّ الغرماء وغير ذلك.
نعم إنّ في ترتّب بعض هذه الآثار تأمّلاً، أمّا مطالبة القسمة فإنّما تتمّ في المضاربة المطلقة أو المؤجّلة إذا انتهى الأجل المضروب، وأمّا في الأثناء فلا; لما عرفت من كونه عقداً لازماً، وأمّا البيع والصلح، فلو كان مورد المعاملة أمراً بسيطاً فربّما يرضى المالك بمشاركة الغير معه، في مورد المعاملة حسب سهم العامل، وأمّا إذا كانت المعاملة وسيعة كالبساتين والشركات الكبيرة فربّما يكون على خلاف ظاهر المضاربة من عدم ارتياح المالك إلاّ للعامل فقط، لا لغيره.
وأمّا تعلّق الخمس والزكاة فهو متوقّف على تعلّقهما بالملكية المتزلزلة، مع أنّ السيد الطباطبائي قال في كتاب الخمس بعدم تعلّقه بغير اللازم،1 ومثله الاستطاعة، فإنّها تحصل بمال يجوز للإنسان التصرّف فيه، بلا أي شرط، وهو هنا مفقود لعدم جواز التصرّف بالربح بلا استئذان المالك مع بقاء عقد المضاربة.

1 . لاحظ:العروة الوثقى:4/282، كتاب الخمس، المسألة 57.

صفحه 196
المسألة 28. لا إشكال في أنّ الخسارة الواردة على مال المضاربة، تجبر بالربح مادامت المضاربة باقية; سواء كانت سابقة عليه أو لاحقة، فملكية العامل له بالظهور متزلزلة; تزول كلّها أو بعضها بعروض الخسران إلى أن تستقرّ.*
الربح وقاية لرأس المال   

* الربح وقاية لرأس المال

بما ذا يتحقّق الاستقرار؟   
قد تقدّم منّا أنّ مالكية العامل بظهور الربح ملكية متزلزلة غير مستقلّة، فيظهر أثر كونها متزلزلة في هذه المسألة، فلو ربحت التجارة ثمّ عرض بعد ذلك خسران أو تلف، يجبر بالربح السابق الخسران المتأخّر إلى أن تستقر ملكيته، وسوف نذكر ما هو الملاك لاستقرار الملك. وهذا الفرع يعبّر عنه في لسان الفقهاء: «الربح وقاية لرأس المال»، وهو من الأحكام المسلّمة عندهم، قال العاملي في شرح قول العلاّمة في «القواعد»: «والربح وقاية لرأس المال، فإن خسر وربح، جُبرت الوضيعة من الربح»،1 ما هذا لفظه: وقد أجمع أهل الإسلام على أنّه إن ربح وخسر جبرت الوضيعة بالربح كما في جامع المقاصد، لأنّ الربح هو الفاضل عن رأس المال، وقد روى إسحاق بن عمّار عن الكاظم(عليه السلام) أنّه سأله عن مال المضاربة؟ فقال: «الربح بينهما والوضيعة على المال».2 والمال يتناول الأصل والربح، ويقتضي ثبوت هذا الحكم مادام مال المضاربة، فيستمر مادامت المعاملة باقية.3

1 . قواعد الأحكام:2/342.
2 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث5.
3 . مفتاح الكرامة:7/490.

صفحه 197
والاستقرار يحصل بعد الإنضاض وفسخ المضاربة والقسمة قطعاً، فلا جبران بعد ذلك. وفي حصوله بدون اجتماع الثلاثة، وجوه وأقوال، أقواها تحقّقه بالفسخ مع القسمة وإن لم يحصل الإنضاض، بل لا يبعد تحقّقه بالفسخ والإنضاض وإن لم يحصل القسمة، بل تحقّقه بالفسخ فقط، أو بتمام أمدها لو كان لها أمد، لا يخلو من وجه.*
والظاهر أنّ المسألة واضحة، فإنّ كون الربح وقاية لرأس المال، أمر يقتضيه طبع المضاربة، مادامت باقية.

* بما ذا يتحقّق الاستقرار؟

لا شكّ أنّ الاستقرار يحصل بعد الأُمور الثلاثة قطعاً:
1. الإنضاض.    2. انتهاء أجل المضاربة أو إقالتها.    3.القسمة.
وأمّا الفسخ كما في المتن فلا يجوز عندنا لما عرفت من لزوم المضاربة، نعم هذا كثير الدوران في كلمات الفقهاء ولذلك جعلنا مكانه «انتهاء أجل المضاربة أو إقالتها» فلاحظ.
فلو تلف شيء بعد هذه الأُمور لا يجبر من الربح، بل تلف كلّ على صاحبه، إنّما الكلام في الاستقرار في الصور التالية:
1. الإنضاض وحده، فلا يحصل معه الاستقرار مع بقاء عقد المضاربة، فربّما يبدّل العروض إلى عروض آخر، ثم العروض إلى الإنضاض، فما لم يتمّ أجل العقد، لا يصير الإنضاض سبباً لاستقرار الملكية.
2. القسمة وحدها، فإن تعلّقت القسمة على الربح دون أصل المال   

صفحه 198
فلا يفيد الاستقرار مع عدم إنهاء المضاربة، مع التصميم على استمرارها كما هو المفروض، غاية الأمر يكون التصرّف في الحصّة من الربح جائزاً، لكن مع ترقّب العاقبة، والضمان مع الخسران أو عدم الربح.
وأمّا إذا تعلّقت القسمة بالأصل والربح، فالظاهر أنّ تقسيمهما سواء أكان المال ناضّاً أو لا، إقالة فعلية للمضاربة، وإنهاء لها، وإلاّ فلا داعي لتقسيم الكلّ.
3. الفسخ وحده، حسب تعبير القوم أو الإقالة، فلا يفيد الاستقرار، وذلك لعدم وصول المال إلى مالكه، لأنّ القسمة المتلازمة لرد المال إلى صاحبه، من متمّمات عمل المضاربة، وليس من قبيل مميزات المشتركات كتقسيم الإرث، بخلاف المقام فإنّه من محقّقات إنهاء المضاربة وختمها.
4. الإنضاض مع القسمة، وقد ظهر حكمه ممّا سبق، فليس للانضاض دور في الاستقرار، وإنّما المؤثّر هو القسمة إذا تعلّقت بكلّ المال لا بمجرّد الربح. وقد مرّ أنّ قسمة الكلّ إقالة فعلية لعقد المضاربة.
5. الإنضاض مع الفسخ أو الإقالة وقد تبيّن حكمه، لأنّ الانضاض لا دور له والفسخ أو الإقالة وإن كان من مقدّمات الإنهاء لكنّه ليس عاملاً تامّاً في تحقّق الاستقرار لعدم وصول مال المالك إلى يده ما لم ينضمّ إليه شيء آخر، والتقسيم من متمّمات عقد المضاربة وليس مميزاً للمال المشترك.
6 . القسمة مع الفسخ أو الإقالة، فلا شكّ أنّه يتحقّق بهما الاستقرار. لما عرفت، من غير فرق بين كون المال ناضّاً أو عروضاً أو مختلطاً، نعم   

صفحه 199
فصّل السيد الطباطبائي في صورة كون المال غير ناض، بأنّه لو قلنا بوجوب الانضاض على العامل فالظاهر عدم الاستقرار، وإن قلنا بعدم وجوبه، ففيه وجهان أقواهما الاستقرار.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لم يقل أحد بوجوب الإنضاض بعد القسمة، ولو قيل به فإنّ مورده، هو قبل القسمة.
وثانياً: أنّ التقسيم إنهاء للمضاربة، وإرجاع لمال المالك، أي صاحبه، غاية الأمر يتوجّه إلى العامل تكليف إنضاض المال، وهو لا ينافي استقرار الملك.
هنا نكتة وهي أنّ ما ذكر من الأقسام والاحتمالات يرجع إلى المضاربة بين الاثنين أو الثلاثة، وأمّا إذا كانت بصورة شركة متّسعة فالمتّبع في الاستقرار هو العرف.
وعلى ضوء ذلك فالربح وقاية للخسران والنقص، إلاّ إذا أُنهي عقد المضاربة، وهو يتحقّق بالفسخ عند القوم أو الإقالة عندنا مقروناً إلى القسمة، قولاً أو فعلاً. وقد عرفت أنّ القسمة الفعلية تتضمّن الفسخ والإقالة أيضاً، وأمّا سائر الصور فلا تخرجه عن الوقاية إلاّ إذا اشتملت على الأمرين.
هذا ما لدينا وأمّا ما لدى المصنّف فالاستقرار يحصل قطعاً بعد الإنضاض وفسخ المضاربة والقسمة، وأمّا حصوله بلا اجتماع الثلاثة فقال: أقواها في الصور التالية:
1. الفسخ مع القسمة وإن لم يحصل الإنضاض.   

صفحه 200
في جبران الخسران في التجارة بالربح   
المسألة 29. كما يجبر الخسران في التجارة بالربح، كذلك يجبر به التلف; سواء كان]التلف [بعد الدوران في التجارة أو قبله أو قبل الشروع فيها، وسواء تلف بعضه أو كلّه، فلو اشترى في الذمّة بألف، وكان رأس المال ألفاً فتلف، فباع المبيع بألفين فأدّى الألف، بقي الألف الآخر جبراً لرأس المال. نعم، لو تلف الكلّ قبل الشروع في التجارة بطلت المضاربة، إلاّ مع التلف بالضمان مع إمكان الوصول.*
2. تحقّقه بالفسخ والإنضاض وإن لم تحصل القسمة.
3. تحقّقه بالفسخ فقط.
4. تحقّقه بتمام أمدها لو كان لها أمد.
وبالنظر إلى ما ذكرنا يظهر أنّ تحقّق الاستقرار في الصور الثلاث الأخيرة لا يخلو من إشكال. وذلك لأنّ القسمة من متمّمات عمل المضاربة، بخلاف باب الإرث فإنّ القسمة فيه من مميزات الأموال المشتركة.
* في المسألة فروع ثلاثة:
1. جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة بالربح، لأجل نزول القيم في السوق أو غير ذلك.
2. جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة لأجل تلف البعض.
3. جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة لأجل تلف الكلّ.
وإليك الكلام في هذه الفروع:   

صفحه 201

الفرع الأوّل: جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة بالربح

فهو مقتضى المضاربة حيث إنّها مبنية على بقاء رأس المال وعوده إلى المالك وعدم تضرره فيه وهو لا يحصل إلاّ بجبر الخسارة في بعض المعاملات بالربح في البعض الآخر. وممّا ذكرنا يظهر معنى قول السيد الطباطبائي حيث قال: «إنّ الخسارة الواردة على مال المضاربة تجبر بالربح، سواء كان سابقاً عليها أو لاحقاً»1، فلو ربح في معاملة وخسر في معاملة أُخرى، فهذا هو المراد من قوله: سابقاً، ولو خسر في معاملة ثم ربح في أُخرى فهذا ما أُريد به: لاحقاً.

الفرع الثاني: جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة لتلف بعضه

إنّ جبر خسارة التلف بالربح إذا كان التالف هو بعض رأس المالك، من غير فرق بين حالات ثلاث:
أ. قبل الشروع بالتجارة.
ب. بعد الدوران فيها.
ج. قبل الدوران فيها.
وذلك لوقوع الجميع بعد إجراء الصيغة وبعد الاتّفاق على تقسيم الربح بعد تسليم رأس المال إلى المالك، فيكون التلف في الحالات الثلاث منجبراً بالربح، حتى يتحقّق تسليم رأس المال إلى صاحبه، وهذا من غير فرق بين كون التلف بآفة سماوية أو بإتلاف أجنبي. نعم إذا أُخذ   

1 . العروة الوثقى: 5 / 202 .

صفحه 202
العوض من الأجنبي يكون من جملة المال.
جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة لأجل تلف الكلّ   

الفرع الثالث: جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة لأجل تلف الكلّ

إذا تلف الكلّ، فله حالتان:
أ. إذا تلف الكلّ بعد الشروع في التجارة كما إذا اشترى بالذمّة بألف، وكان رأس المال ألفاً فتلف فباع المبيع بألفين، فأدّى الألف، بقي الألف الثاني جبراً لرأس المال.
ب. إذا تلف الكلّ قبل الشروع في التجارة، فعندئذ تبطل المضاربة، إذ لا يبقى معه مال للتجارة حتى يجبر أو لا يجبر، نعم لو أتلفه أجنبيّ وأدّى عوضه، تكون المضاربة باقية. وإلى ذلك يشير في المتن «إلاّ مع التلف بالضمان مع إمكان الوصول».

اشتراط عدم كون الربح جابراً

بقي هنا فرع لم يتعرّض إليه المصنّف(رحمه الله) وهو: اشتراط عدم كون الربح جابراً، أي هل يجوز للعامل أن يشترط على المالك عدم كون الربح جابراً للخسران مطلقاً، فإذا حصل الربح فهو بينهما، وإن حصل خسران بعده، أو قبله؟ وبعبارة أُخرى أن لا يكون له الربح اللاحق جابراً للخسران السابق أو بالعكس.
اختار السيد الطباطبائي الصحّة، وقال: إذا اشترط العامل على المالك عدم كون الربح جابراً للخسران مطلقاً، فكلّ ربح حصل يكون بينهما، وإن حصل خسران بعده أو قبله، أو اشترط أن لا يكون الربح اللاحق   

صفحه 203
جابراً للخسران السابق أو بالعكس، فالظاهر الصحّة. وربّما يستشكل بأنّه خلاف وضع المضاربة، وهو كماترى.1
وجهه هو أنّ قوام المضاربة كون رأس المال من المالك والعمل من العامل والربح بينهما، وأمّا ما سواه ككون الربح جابراً للخسران فهو من مقتضيات إطلاق المضاربة دون نفسها، فيصحّ الشرط.
لكن اختار السيد الحكيم عدم صحّة هذا الشرط، قائلاً: هذا غير ظاهر، فإنّ منصرف قوله(عليه السلام): «الربح بينهما والوضيعة على المال»2 غير ما ذكر، فتصحيحه لابدّ أن يكون بالعمومات الدالّة على صحّة العقود، لكنّها لا تقتضي جريان أحكام المضاربة عليها».3
أقول: ما ذكره(قدس سره) هو الظاهر من الرواية، فإنّ المال في قوله:«والوضيعة على المال» يصدق على رأس المال والربح، وعلى هذا فالمضاربة تلازم كون الوضيعة على الربح. هذا إذا كان العقد مطلقاً، أمّا إذا اتّفقا على لحاظ ربح كلّ تجارة بمفردها، فلو خسر في التجارة الثانية فلا يجبر بربح التجارة الأُولى وذلك لاتّفاقهما على لحاظ ربح كلّ تجارة بمفردها. وعندئذ تصير المضاربة الواحدة مضاربات حسب تعدّد التجارة. نعم ذلك فرض قليل، والغالب في المضاربة لحاظ مجموع التجارات كتجارة واحدة إلى أن يتمّ الأجل، فعندئذ يكون الربح على وجه الإطلاق جابراً للخسران.

1 . العروة الوثقى:5/264، كتاب المضاربة، المسألة 14.
2 . الوسائل:19، الباب22 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث5.
3 . مستمسك العروة الوثقى:12/455ـ456.

صفحه 204
لو حصل فسخ أو انفساخ في المضاربة   
المسألة30. لو حصل فسخ أو انفساخ في المضاربة.
فإن كان قبل الشروع في العمل ومقدّماته فلا إشكال، ولا شيء للعامل ولا عليه. وكذا إن كان بعد تمام العمل والإنضاض; إذ مع حصول الربح يقتسمانه، ومع عدمه يأخذ المالك رأس ماله، ولا شيء للعامل ولا عليه.
وإن كان في الأثناء بعد التشاغل بالعمل، فإن كان قبل حصول الربح ليس للعامل شيء ولا أُجرة له لما مضى من عمله; سواء كان الفسخ منه أو من المالك أو حصل الانفساخ قهراً.
مقدّمة للسيّد الطباطبائي في العروة الوثقى   
كما أنّه ليس عليه شيء حتّى فيما إذا حصل الفسخ منه في السفر المأذون فيه من المالك، فلا يضمن ما صرفه في نفقته من رأس المال، ولو كان في المال عروض لا يجوز للعامل التصرّف فيه بدون إذن المالك، كما أنّه ليس للمالك إلزامه بالبيع والإنضاض.
وإن كان]في الأثناء[ بعد حصول الربح1 فإن كان بعد الإنضاض فقد تمّ العمل، فيقتسمان ويأخذ كلّ منهما حقّه، وإن كان قبل الإنضاض فعلى ما مرّ; من تملّك العامل حصّته من الربح بمجرّد ظهوره، شارك المالك في العين، فإن رضيا بالقسمة على هذا الحال، أو انتظرا إلى أن تباع العروض ويحصل الإنضاض، كان لهما ولا إشكال. وإن طلب

1 . عدل بقوله: فإن كان قبل حصول الربح.

صفحه 205
العامل بيعها لم يجب على المالك إجابته، وكذا إن طلبه المالك لم يجب على العامل إ جابته.
وإن قلنا بعدم استقرار ملكيته للربح إلاّ بعد الإنضاض، غاية الأمر حينئذ لو حصلت خسارة بعد ذلك قبل القسمة، يجب جبرها بالربح، لكن قد مرّ المناط في استقرار ملك العامل.*

* مقدّمة للسيّد الطباطبائي في العروة الوثقى

إنّ لهذه المسألة والمسألتين التاليتين تقديماً ذكره السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى»، ولم يذكره السيد الأُستاذ(قدس سره) ولا السيد الإصفهاني في «الوسيلة»، فلا بأس أن نذكر هذه المقدّمة. قال: قد عرفت أنّ المضاربة من العقود الجائزة، وأنّه يجوز لكلّ منهما الفسخ إذا لم يشترط لزومها في ضمن عقد لازم، أو في ضمن عقدها أيضاً، ثمّ إنّه قد يحصل الفسخ من أحدهما، وقد يحصل البطلان والانفساخ لموت أو جنون أو تلف مال التجارة بتمامه، أو لعدم إمكان التجارة لمانع أو نحو ذلك.
فلابدّ من التكلّم في حكم الأُمور التالية:
1. استحقاق العامل للأُجرة وعدمه.
2. وجوب الإنضاض عليه وعدمه، إذا كان بالمال عروض.
3. وجوب الجباية عليه وعدمه، إذا كان به ديون على الناس.
4. وجوب الردّ إلى المالك وعدمه.   

صفحه 206
5. كون الأُجرة عليه أو لا.1
ثمّ ذكر صور المسألة التي ستأتي في كلام المصنّف أيضاً. والذي يجب التنبيه عليه، أمران:
الأوّل: أنّ قسماً ممّا ذكره(قدس سره) حتى قسماً ممّا يأتي في المتن مبني على كون المضاربة المؤجّلة عقداً جائزاً أوّلاً، أو أنّ موت المالك أو جنونه يوجب بطلان المضاربة ثانياً، وقد مرّ فيما سبق أنّ عقد المضاربة عقد لازم وليس جائزاً، وإن لم يشترط لزومها في ضمن عقد لازم أو نفس عقد المضاربة. كما مرّ أنّ موت المالك لا يوجب بطلان المضاربة، بل على الوارث الصبر، إلى انتهائها، فنحن نشرح المسألة نزولاً على مبنى القوم، وإلاّ فعلى المختار فالحكم في بعض الصور غير ما ذُكر في المتن.
الأمر الثاني: أنّ كثيراً ممّا ذكر في المتن ـ كما سيأتي ـ فروض ذهنية ترجع إلى العصور السابقة التي كان المتضاربان متساهلين في ذكر قيودها، ولذلك احتاج المصنّف ومن قبله إلى بيان الحكم الشرعي، في ما سكت عنه المتضاربان، وأمّا اليوم فالشركات الكبيرة يذكر فيها الدقيق والجليل من وظائف المالك والعامل، فيكون قسماً من الفروع التي ذكرها صاحب العروة ضمن ثمان مسائل، أُموراً نادرة الاتّفاق أو قليلة جدّاً.
وعلى كلّ تقدير إعلم أنّ المصنّف تعرّض في هذه المسألة لفروع كثيرة، غير أنّ اللازم تمييز الأُصول التي تتفرّع عنها الفروع عن غيرها،   

1 . العروة الوثقى:5/218، كتاب المضاربة، المسألة 46.

صفحه 207
وها نحن نشير إلى الأُصول وهي أربعة:
1. الفسخ والانفساخ في المضاربة قبل الشروع في العمل.
2. الفسخ والانفساخ بعد تمام العمل، يعني بعد الإنضاض والقسمة.
3. الفسخ والانفساخ في أثناء العمل قبل حصول الربح.
4. الفسخ والانفساخ في الأثناء بعد حصول الربح.
أمّا الأوّل والثاني فلا يتفرّع عليهما فرع، لوضوح الحكم فيهما، وهو أنّ العامل والمالك يفترقان بلا إشكال; لأنّ الأوّل قبل الشروع في العمل، والثاني بعد نهاية العمل، بحيث لا يبقى على ذمة واحد منهما أي تكليف.
وإنّما تتفرّع الفروع في الأصل الثالث والرابع، والفروع المترتّبة على الأصل الثالث أيضاً قليلة، فنقول:
أ. إذا حصل الفسخ والانفساخ في أثناء العمل مع عدم الربح، فيقع الكلام في استحقاق العامل أُجرة المثل وعدمه، خصوصاً إذا كان الفسخ من جانب المالك.
ب. حكم ما أنفقه العامل في السفر المأذون به إذا فُسِخَ العقد بعده، خصوصاً إذا كان الفسخ من جانب العامل.
ج. وجوب البيع والانضاض على العامل من غير فرق بين كون الفسخ من العامل أو المالك.
وأمّا الأصل الرابع ـ أي الفسخ في الأثناء مع حصول الربح ـ فقد رتّب عليه المصنّف الفروع التالية:   

صفحه 208
1. لو كان الفسخ بعد الإنضاض، فكلّ يأخذ سهمه.
2. لو كان الفسخ قبل الإنضاض وقلنا بأنّ العامل يملك بمجرّد الظهور، شارك العامل المالك، فإن رضيا بالقسمة فهو، وإلاّ انتظرا إلى أن تباع العروض.
3. لو طلب أحدهما البيع فهل تجب الإجابة أو لا؟
4. وإن قلنا بعدم الاستقرار إلاّ بعد الانضاض فالحكم في هذه الفرع والفرع السابق واحد، لكن الربح وقاية لرأس المال، فلو حصلت خسارة يجب جبرها بالربح.
هذه خلاصة ما جاء في المتن، وهناك أُمور جزئية نذكرها في الشرح.
فنحن نشرح هذه الموارد وفقاً لما ورد في المتن.
***
لو حصل فسخ أو انفساخ في المضاربة   

لو حصل فسخ أو انفساخ في المضاربة

هذا هو المقسم المشترك بين الصور السبع فلا تغفل، وإليك الصور:

الأُولى: الفسخ والانفساخ قبل الشروع في العمل

إن كان قبل الشروع في العمل ومقدّماته، فلا شيء للعامل لعدم صدور عمل من العامل حتى يُبحث عن الأُجرة وعدمها له.   

صفحه 209

الصورة الثانية: الفسخ والانفساخ بعد تمام العمل

إن كان بعد العمل والإنضاض، فلو كان هناك ربح يقتسمانه حسب ما اتفقا عليه، ولو لم يكن ربح فليس للعامل شيء لعدم الربح، ولو كانت خسارة، فهي على المالك. نعم لو اشترطا كون الخسارة عليهما وقلنا بصحّة هذا الاشتراط، تكون الخسارة عليهما، أو اشترط العامل على المالك شيئاً إن لم يحصل ربح، يكون له ما اشترط، إذا قلنا بصحّة هذا الشرط.
والظاهر من المحقّق في «المختصر النافع» عند عدم الربح، التفريق بين فسخ العامل إذا كان بعد العمل والإنضاض فلا شيء عليه، وفسخ المالك فعليه أُجرة المثل للعامل قال: ومتى فسخ المالك المضاربة صحّ وكان للعامل أُجرته إلى ذلك الوقت.1
وذهب العلاّمة في «التذكرة» إلى أنّه إذا صار المال ناضّاً وتبيّن عدم الربح كان للعامل أُجرة عمله إلى ذلك الوقت.2 ولكنّه تردّد في «القواعد».3
ويظهر أيضاً ذلك الفرق من المحدّث البحراني حيث قال: لو كان الفسخ في هذه الحال من العامل فلا شيء له لقدومه على ذلك وعدم صبره إلى أن يحصل الربح.4   

1 . المختصر النافع:147، كتاب المضاربة، طبعة مصر.
2 . تذكرة الفقهاء:17/133، المسألة 1.
3 . لاحظ : قواعد الأحكام: 2/345، الفصل الثالث.
4 . الحدائق الناضرة:21/252.

صفحه 210
هذا وسيوافيك في الصورة الثالثة أنّ هذا التفريق بلا وجه .

الصورة الثالثة: الفسخ والانفساخ في أثناء العمل قبل حصول الربح

إن كان في الأثناء بعد التشاغل بالعمل ولم يحصل ربح1 ففي المتن: «ليس للعامل شيء ولا أُجرة له لما مضى من عمله، سواء أكان الفسخ من العامل، أم من المالك، أو حصل الانفساخ قهراً».
أقول: أمّا القسم الأول، أعني: إذا كان الفسخ من العامل إذ هو الباعث على انحلال العقد وصيرورته باطلاً، وتوهّم استحقاقه الأُجرة لقاعدة الاحترام; مدفوع بأنّه على خلاف مبنى المضاربة.
وأمّا القسم الثاني ففيه قولان، فقد ذهب المحقّق في الشرائع2 إلى أنّ للعامل أُجرة المثل، قائلاً بأنّ عمله محترم صدر بإذن المالك لا على وجه التبرّع، بل في مقابل الحصّة، وقد فاتت بفسخ المالك قبل ظهور الربح، فيستحقّ أُجرة المثل إلى حين الفسخ.
حكم نفقة السفر بعد الفسخ   
ولكن ذهب الشهيد في «المسالك»3 وصاحب الجواهر4 والسيد الطباطبائي5 إلى عدم شيء للعامل، لأنّ الالتزام بالشيء التزام بلوازمه،   

1 . ولو كان في الأثناء وحصل الربح، فهو الصورة الرابعة في المتن فلا تغفل.
2 . شرائع الإسلام:2/143. وقد مرّ نظير هذا الكلام منه في المختصر النافع في الصورة الثانية، فلاحظ.
3 . مسالك الأفهام:4/382.
4 . جواهر الكلام:26/338.
5 . العروة الوثقى:5/219، كتاب المضاربة، المسألة 46.

صفحه 211
لأنّه أقدم على المعاملة الجائزة التي مقتضاها عدم استحقاق شيء إلاّ الربح.
وبعبارة أُخرى: لم يقدم إلاّ على الحصّة على تقدير وجودها، ولو لم توجد فلا شيء له. والمالك مسلّط على الفسخ حيث شاء.
وما ربّما يقال: إنّه أقدم من حيث البناء على الاستمرار، غير تام، لأنّه بناء قلبي قائم بنفس العامل، ولم يلتزم به المالك فلا يكون موجب للضمان.
على أنّ سبب الضمان إمّا هو احترام العمل، أو الاستيفاء، أو التفويت; والكلّ منتف، أمّا الأوّل فلأنّ الالتزام بالعقد الجائز، التزام بلازمه، وهو أنّه لا أُجرة لعمله قبل ظهور الربح وتحقّق الفسخ، وأمّا الثاني فمعلوم الانتفاء، والثالث إنّما يوجب الضمان إذا أتلف المال، أو كان التفويت محرّماً، كما إذا حبس العبد فإنّ الحابس يضمن منافعه، بل الأقوى ضمان منافع الحر إذا منعه عن العمل.

حكم نفقة السفر بعد الفسخ

لو كان الفسخ من العامل بعد السفر بإذن المالك، وصرف جملة من رأس المال في نفقته، قال المصنّف:«أنّه ليس عليه شيء حتى فيما إذا حصل الفسخ منه في السفر المأذون فيه، فلا يضمن ما صرفه في نفقته من رأس المال».
وقال السيد الطباطبائي: الثالثة: لو كان الفسخ من العامل بعد   

صفحه 212
السفر بإذن المالك وصرف جملة من رأس المال في نفقته، فهل للمالك تضمينه مطلقاً، أو إذا كان لا لعذر منه؟ وجهان; أقواهما العدم، لما ذكر من جواز المعاملة وجواز الفسخ في كلّ وقت، فالمالك هو المُقدم على ضرر نفسه.1
وظاهر عبارة المصنّف أنّه ليس للمالك تضمينه مطلقاً حتى إذا كان الفسخ من العامل لا لعذر، وجهه أنّ المالك أقدم على معاملة جائزة قابلة للفسخ في كلّ زمان، فهو المُقدم على ضرر نفسه، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ مقتضى جواز المضاربة أنّ للعامل أن يفسخ حتى فيما إذا سافر بإذن المالك. وبهذا اتّضح مبنى ما في المتن.
ومع ذلك يمكن تضمين العامل إذا كان الفسخ من جانبه، بيانه: إنّ الإذن بالسفر مشروط ـ بقرينة الحال ـ بالقيام بالتجارة بعد السفر، فيكون ضامناً إذا تخلّف ولولا ذلك لما أجاز المالك السفر، وهذا النوع من الشروط التي تدلّ عليه القرائن والعادات من الشروط المبني عليها العقد التي يجب الوفاء بها، فلو تخلّف فللمالك تضمينه لما صرف من النفقة.
ثمّ إنّ السيد البروجردي صحّح التضمين بالبيان التالي، قال: إنّ كون النفقة على رأس المال ممّا علم من النصّ ولا إطلاق له لهذه الصورة، أي إذا سافر العامل وصرف نفقة ثمّ فسخ بلا عذر.2
ويؤيّد ما ذكره، انصراف النصّ (كون النفقة من رأس المال) إلى   

1 . العروة الوثقى: 5 / 221 .
2 . لاحظ: تعليقة السيد البروجردي على العروة الوثقى.

صفحه 213
ما إذا كان السفر مقدّمة للاشتغال بالتجارة أو استمرارها بعده، فتضمين العامل قول وجيه خلافاً للمتن.
نعم لو كان الفسخ من المالك فلا وجه لتضمين العامل للنفقة المعدومة، إذ لا موجب للضمان.
ثمّ لو كان في المال عروض لا يجوز للعامل التصرّف فيها بدون إذن المالك بفتح التصرّف في مال الغير كما هو المفروض، كما أنّه ليس للمالك إلزامه بالبيع أو الإنضاض، لخروج العامل عن المسؤولية بعد الفسخ. اللّهم إلاّ أن يعدّ البيع والإنضاض من وظائف العامل حتى بعد الفسخ خصوصاً إذا كان المالك عاجزاً عن البيع والإنضاض، وهو ليس ببعيد.

الصورة الرابعة: الفسخ والانفساخ في الأثناء بعد حصول الربح

إن كان الفسخ والانفساخ في الأثناء مع ظهور الربح، فهناك أقسام:
الأوّل: فإن كان بعد الإنضاض، فقد تمّ العمل فيقتسمان، ويأخذ كلّ منهما حقّه.
الثاني: وإن كان قبل الإنضاض، وقلنا بتملّك العامل حصّته من الربح بمجرّد ظهوره شارك العامل، المالك في العين، وعندئذ فإن رضيا بالقسمة والمال عروض، فلا إشكال فيأخذ العامل مكان الربح نفس العروض...
الثالث: وإن انتظرا إلى أن تباع العروض ويحصل الإنضاض، كان لهما ذلك، ولا إشكال، ومع ذلك قال المصنّف:«وإن طلب العامل بيعها لم يجب على المالك إجابته، وكذا إذا طلبه المالك لم يجب على العامل إجابته».   

صفحه 214
أمّا الأوّل ـ أعني: عدم وجوب إجابة المالك ـ فلأنّ الاتّفاق انتهى بالفسخ أو الانفساخ، وعندئذ يتعيّن مال كلّ من العامل والمالك في العروض، ولكلّ سهمه منه، وإجبار العامل المالك على تمكينه من الوصول إلى الإنضاض، أمر يحتاج إلى دليل.
وأمّا الثاني: أي طلب المالك من العامل أن يبيعه وإنضاضه، فلا تجب الإجابة بنفس الدليل.
فلو صحّ ما ذكر من عدم لزوم الإجابة من الجانبين فليس لهما عندئذ إلاّ الرضا باقتسام العروض، إذ بقاء الأمر كذلك موجب للضرر ونقصان القيمة أو تعيب العروض، وعندئذ يستثنى منه الصورة التالية: إذاكانت حصّة العامل قليلة لا يرغب أحد في شرائها أو لا تباع إلاّ بنقصان، ففي مثل ذلك يجب على المالك دفع ثمن حصّته، كسائر الحصص أو تمكين العامل من البيع والإنضاض، إلى حدّ يستغرق حصّته.
وإن قلنا بعدم استقرار ملكية العامل للربح إلاّ بعد الإنضاض، ففي المتن سوّى في الحكم بين الصورتين حيث قال:«وإن قلنا بعدم استقرار ملكيته للربح إلاّ بعد الإنضاض، فالجزاء مقدّر نظير (فالحكم في الصورتين واحد فلا يجب على المالك إجابة العامل في بيعها، ولا يجب على العامل بيعها إذا طلب المالك بيعها) غاية الأمر حينئذ، لو حصلت خسارة بعد ذلك قبل القسمة، يجب جبر الخسارة بالربح».
لو كان في المال ديون على الناس   
قال السيد الطباطبائي: وإن كان استقرار ملكية العامل للربح موقوفاً على الإنضاض ولعلّه تحصل الخسارة بالبيع; إذ لا منافاة، فنقول: لا   

صفحه 215
المسألة 31. لو كان في المال ديون على الناس، فهل يجب على العامل أخذها وجمعها بعد الفسخ أو الانفساخ أم لا؟ الأشبه عدمه، خصوصاً إذا استند الفسخ إلى غير العامل، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط، خصوصاً مع فسخه وطلب المالك منه.*
يجب عليه الإنضاض بعد الفسخ لعدم الدليل عليه، لكن لو حصلت الخسارة بعده قبل القسمة، أو بعدها يجب جبرها بالربح، حتى أنّه لو أخذه يسترد منه.

* لو كان في المال ديون على الناس

لو كان في المال ديون، فهل يجب على العامل أخذها، وجبايتها بعد الفسخ أو الانفساخ أو لا؟
قال المحقّق: وإن كان المال سَلَفاً، كان على العامل جبايته.1
وقال ابن سعيد: وإن كان المال ديناً جباه العامل، وإن لم يكن فيه ربح.2
وقال العلاّمة في «القواعد»: وإذا انفسخ، والمال دَين، وجب على العامل تقاضيه، وإن لم يظهر ربح.3
واستدلّ للوجوب بأنّ مقتضى المضاربة ردّ رأس المال على   

1 . شرائع الإسلام:2/143.
2 . الجامع للشرائع:315.
3 . قواعد الأحكام:2/345.

صفحه 216
صفته، والديون لا تجري مجرى المال، وإنّ الدين ملك ناقص والذي أخذه كان ملكاً تامّاً فليؤدّ كما أخذ، لظاهر الخبر.1
وذهب صاحب الجواهر (وتبعه السيد الطباطبائي) إلى عدم الوجوب.
وقال السيد الطباطبائي: لو كان في المال ديون على الناس فهل يجب على العامل أخذها وجبايتها بعد الفسخ والانفساخ وجهان: أقواهما العدم من غير فرق بين أن يكون الفسخ من العامل أو المالك.
واستدلّ على عدم الوجوب بأنّ الأصل البراءة مع فرض وقوع الدين بإذن المالك وانفساخ المضاربة.2
الظاهر وجوب الجباية لا للنبوي: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» ; لأنّه ناظر إلى الغاصب، وعلى فرض عمومه، فهو منصرف عمّا إذا أذن المالك بالبيع نسيئة.
ما هو الواجب على العامل بعد حصول الفسخ أو الانفساخ؟   
بل لأجل الشرط المبني عليه العقد، خصوصاً إذا كان المالك غير قادر على الجباية، أو غير عارف بالمديون، ولذلك احتاط المصنّف بقوله: «لكن لا ينبغي ترك الاحتياط خصوصاً مع فسخ العامل وطلب المالك منه». وكأنّ ارجاع رأس المال إلى الحالة الأُولى شرط بُني عليه العقد وإن لم يكن مذكوراً. وقد مرّ نظير ذلك في المسألة السابقة في الصورة الثالثة، أعني:   

1 . مفتاح الكرامة:20/681، مؤسسة النشر الإسلامي ـ 1429 هـ .
2 . جواهر الكلام:26/391.

صفحه 217
المسألة 32. لا يجب على العامل بعد حصول الفسخ أو الانفساخ أزيد من التخلية بين المالك وماله، فلا يجب عليه الإيصال إليه; حتّى لو أرسل المال إلى بلد آخر غير بلد المالك وكان ذلك بإذنه، ولو كان بدون إذنه يجب عليه الردّ إليه; حتّى أنّه لو احتاج إلى أُجرة كانت عليه.*
إذا حصل الفسخ أو الانفساخ وجب على العامل البيع أو الإنضاض وقلنا: إنّه من وظائف العامل حتى بعد الفسخ، فلاحظ.
وبذلك يُعلم ضعفُ الاستدلال على الوجوب، بأصل البراءة، لما عرفت من أنّ الشرط المبني عليه العقد مقدّم على الأصل. ولو تنبّه المالك عند العقد على الموضوع لصرّح به، اللّهمّ إلاّ أن يكون المالك راضياً بالوضع الراهن.
* في المسألة فرعان:

1. ما هو الواجب على العامل بعد حصول الفسخ أو الانفساخ؟

قال المصنّف: «لا يجب على العامل بعد حصول الفسخ والانفساخ أزيد من التخلية بين المالك وماله، فلا يجب عليه الإيصال إليه».
الظاهر أنّه يختلف المقام فيجب تعيين وظيفة العامل، من خلال القرائن الدالّة على كيفية الاتّفاق، فلو كان المال في بلد المضاربة، فتكفي التخلية، ورفع الموانع عن تسلّط المالك على ماله فيما إذا كان عروضاً في المخازن المستأجرة لوضع الأجناس كالحديد والقطن، ويكفي دفع   

صفحه 218
الصك إلى المالك إذا كان نقداً، فالمضاربة لا تدلّ على أزيد من رفع الموانع لوصول المالك إلى ماله، نعم لو كانت العروض في بيت العامل، أو في صندوقه، فلا تكفي التخلية بل يجب الإيصال، غير أنّ نفقة الإيصال على الربح لأنّه من متمّمات المضاربة.

2. لو أرسل العامل المال إلى بلد آخر

لو أرسل المال إلى بلد آخر غير بلد المالك، وكان ذلك بإذنه ففي المتن: لم يجب الإيصال، لأنّ إخراجه إلى بلد آخر كان بإذن المالك، فلا وجه لوجوب إيصاله إلى بلده.
فإن قلت: إنّ الإذن في الإرسال لمّا كان بنيّة الاتّجار كان لازمه ردّ المال إلى المالك نقداً أو عروضاً بعد الفسخ والانفساخ، ولو احتاج إلى الأُجرة فهي على الربح، كلّ ذلك لأجل أنّه من متمّمات المضاربة عرفاً، وليس أمراً خارجاً عنها.
قلت: ما ذكرته صحيح لولا الفسخ من أحد الطرفين خصوصاً المالك; لأنّه أقدم على تجارة جائزة بمعنى أنّ لكلّ من الطرفين حلّها ورفضها، ومن التزم بذلك فقد التزم بلوازمه، ومنها تخلّي العامل عن العمل بعد الفسخ، فلا يجب عليه شيء.
إذا كانت المضاربة فاسدة   
اللّهمّ إلاّ أن يقال ـ وليس ببعيد ـ : إنّ ردّ المال إلى مالكه من وظائف العامل عرفاً خصوصاً إذا كان الفسخ من جانب العامل، وقد مرّ نظيره.
وأمّا لو أرسله بدون إذنه ففي المتن:«يجب عليه الرد إليه، حتى   

صفحه 219
      المسألة 33. لو كانت المضاربة فاسدة كان الربح بتمامه للمالك إن لم يكن إذنه في التجارة متقيّداً بالمضاربة، وإلاّ تتوقّف على إجازته، وبعد الإجازة يكون الربح له; سواء كانا جاهلين بالفساد أو عالمين أو مختلفين. وللعامل أُجرة مثل عمله لو كان جاهلاً بالفساد; سواء كان المالك عالماً به أو جاهلاً، بل لو كان عالماً بالفساد فاستحقاقه لأُجرة المثل أيضاً لا يخلو من وجه; إذا حصل ربح بمقدار كان سهمه على فرض الصحّة مساوياً لأُجرة المثل أو أزيد.*
أنّه لو احتاج إلى أُجرة كانت عليه» وهو في محلّه، لأنّ حاله حال الغاصب. نعم لو رضي ببقائه في ذلك البلد فلا يجب على العامل ردّه إلى ذلك البلد لحصول الغاية، وهو تسلّط المالك على ماله.

* إذا كانت المضاربة فاسدة

المسألة مشتملة على فروع متعدّدة، جاءت في المتن بعبارات موجزة 1، وأساس هذه الفروع هو فساد المضاربة فساداً وضعيّاً بمعنى فقدان أحد شروطها الماضية لا تكليفياً; لأنّ الفساد تكليفياً لا يضرّ بصحّة المضاربة، ثمّ إنّ فساد المضاربة على قسمين:
تارة يكون إذن المالك في التجارة متقيّداً بالمضاربة بحيث لولا صحّة المضاربة لما أذن للعامل أن يتصرّف في رأس المال.   

1 . على خلاف العروة الوثقى فقد بسط الكلام في المسألة. لاحظ : المسألة 48 من كتاب المضاربة.

صفحه 220
وأُخرى لا يكون إذنه بالتجارة متقيّداً بها; بل إذن التصرّف في المال أعمّ من أن تكون المضاربة صحيحة أو لا .
ثمّ إنّ المذكور في عبارات المتقدّمين هو القسم الثاني، وأمّا القسم الأوّل فهو مذكور في كتب المتأخّرين. وإليك الكلام في القسم الثاني.
إذا كان الإذن غير متقيّد بصحّة المضاربة   

إذا كان الإذن غير متقيّد بصحّة المضاربة

إذا ضارب وكانت المضاربة فاسدة لوجود الخلل في بعض الشروط ولم يكن إذن المالك للتصرّف في رأس المال مقيّداً بصحّتها، فيقع الكلام في الأُمور التالية:
1. صحّة ما صدر من العقد.
2. استحقاق العامل الأُجرة في عامّة الحالات، أعني: كونه عالماً بالفساد أو جاهلاً، وهكذا المالك.
3. إذا لم تكن المعاملة رابحة فهل يستحق العامل الأُجرة؟
4. حكم ما إذا كان مقدار الربح ـ على فرض الصحّة ـ أقل من أُجرة المثل .
أمّا الأمر الأوّل: فقد اتّفقت كلمة الأصحاب على كون المعاملة صحيحة (أي في نفسها لا بعنوان المضاربة) والربح للمالك وللعامل أُجرة المثل. وإليك بعض الكلمات:
قال الشيخ الطوسي: الكلام في القراض الفاسد في ثلاثة فصول: في التصرّف، والربح، والأُجرة.   

صفحه 221
أمّا التصرّف فإنّه جائز صحيح; لأنّ القراض الفاسد يشتمل على الإذن بالتصرّف، وعلى شرط فاسد، فإذا فسد الشرط، كان الإذن بالتصرّف قائماً، فهو كالوكالة الفاسدة تصرّف الوكيل صحيح لحصول الإذن فيه.
وأمّا الربح، فكلّه لربّ المال لا حقّ للعامل فيه; لأنّ العامل اشترى لربّ المال فيكون الملك له، وإذا كان الملك له كان الربح له.
وأمّا الأُجرة، فللعامل أُجرة مثله سواء كان في المال ربح أو لم يكن فيه ربح، وفيه خلاف. فإذا ثبت هذا فإنّ له أُجرة المثل، فإنّ الأُجرة يستحقّها في مقابلة عمله على كلّ المال، لأنّ عمله وجد في كلّه واستحقّ الأُجرة على جميعه.1
وقال ابن حمزة: والقراض الفاسد يجوز للعامل التصرّف فيه من جهة الإذن، ولزم له أُجرة المثل دون المسمّى.2
وقال العلاّمة في «التذكرة»: حكم القراض الفاسد استحقاق المالك جميع الربح، لأنّ المال له، ونماؤه تابع، والعامل إنّما يستحق شيئاً من الربح بالشرط، فإذا بطل الشرط لم يستحق العامل شيئاً. ويجب للعامل أُجرة المثل، سواء كان في المال ربح أو لم يكن.3
إلى غير ذلك من الكلمات، وسبب الحكم واضح لأنّ المعاملة صارت معاملة صحيحة لكون الإذن عامّاً غير مقيّد بقيد. ومن المعلوم   

1 . المبسوط:3/171.
2 . الوسيلة:264.
3 . تذكرة الفقهاء:17/146، المسألة 294.

صفحه 222
أنّ الربح تابع للمال.
أمّا الأمر الثاني ـ أعني: استحقاق العامل شيئاً ـ : فقد مرّ الإيعاز إليه في كلام الشيخ وغيره فنقول: إنّ المضاربة لمّا كانت باطلة فلا يستحقّ العامل السهم المجعول له في العقد، ولكنّه لمّا كان عمله عملاً للانتفاع لا للتبرّع، يستحقّ أُجرة المثل، لا المسمّى في عقد المضاربة من غير فرق بين كونهما عالمين بالفساد أو جاهلين أو يكون المالك عالماً به دون العامل أو بالعكس; وذلك لأنّ المصحّح لأُجرة المثل، هو صحّة المعاملة لا بعنوان المضاربة، بل بما هو معاملة مستقلة واجدة للشرائط، وفي مثل ذلك لا فرق بين حالاتهما.
فإن قلت1: قولهم: إنّ الربح تابع للمال، أمر غير صحيح; لأنّ للعمل أيضاً تأثيراً مهماً في الربح، ولذلك ربما يكون سهم العامل أكثر من سهم المالك من الربح، وعلى هذا فيلزم أن يكون للعامل إذا ربح نفس الحصّة التي قُررت في متن العقد لا أُجرة المثل، والمفروض صحّة المعاملة.
إذا كان الإذن مقيّداً بالمضاربة   
قلت: ما ذكرته صحيح وقد أوعزنا إليه فيما سبق من المسائل، ومع ذلك لا يستحقّ في المقام إلاّ أُجرة المثل لا الحصّة المقرّرة في العقد، وذلك لأنّ المفروض بطلان المضاربة، ودفع الحصّة المقرّرة مبني على صحّة المضاربة، وليس إذن المالك مشرّعاً وإنّما يكون مؤثّراً في كون المعاملة صحيحة في نفسها لا بعنوان المضاربة، وفي مثل هذا لا   

1 . الإشكال ناظر فيما إذا ربح، وحاصله: لزوم دفع المسمّى، لا أُجرة المثل، بتصوّر أنّ المعاملة صحيحة لوجود الإذن العام من المالك.

صفحه 223
يستحقّ العامل إلاّ أُجرة المثل.
وبعبارة أوضح: إذن المالك صار سبباً لصحّة المعاملة بما هي معاملة مستقلّة، لا بما هي مضاربة صحيحة حتى يستحقّ العامل الحصّة المقرّرة.
وأمّا الأمر الثالث: أي إذا لم يربح فاستحقاقه الأُجرة ولو مع الجهل مشكل، كما في المتن، بل لا إشكال في عدم الاستحقاق لإقدامه على عدم العوض لعمله، مع عدم حصول الربح، إذ لو كانت المضاربة صحيحة لم يتحقّق شيءٌ فكيف إذا كانت باطلة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه مع عدم تقيّد الإذن بالمضاربة تصحّ المعاملة أوّلاً، ويكون الربح للمالك ثانياً، وللعامل أُجرة المثل في عامّة الحالات ثالثاً، وعدم استحقاق العامل شيئاً إذا لم يربح رابعاً.
وأمّا الأمر الرابعـ أعني: إذا كان مقدار الربح ـ على فرض صحّة المعاملة ـ أقل من أُجرة المثل ـ فبما أنّه سيأتي الكلام فيه في القسم الآتي فنقتصر بما فيه .

إذا كان الإذن مقيّداً بالمضاربة

إذا كان إذن المالك للعامل في التصرّف في رأس المال مقيّداً بصحّة المضاربة بحيث لولاها لما أذن له بالتصرّف، فهناك صور:
1. إن لم يتصرّف فلا شيء.
2. تصرّف ولم يأذن المالك رد رأس المال إلى المالك.
3. إذا أجاز، صحّت المعاملة ويكون الربح للمالك; لأنّه تابع   

صفحه 224
لرأس المال، فعندئذ يقع الكلام في استحقاق العامل الأُجرة في الصور التالية :

الأُولى: إذا كانت المعاملة رابحة

إذا كانت المعاملة رابحة وأذن المالك، يستحقّ العامل أُجرة المثل، من غير فرق بين كون العامل جاهلاً بالفساد أو عالماً. أمّا الأوّل فواضح; لأنّه لم يعمل متبرّعاً، والمالك أجاز العقد فيستحقّ الأُجرة، وأمّا إذا كان العامل عالماً بفساد المضاربة، وأنّ المالك قيّد إذنه بصحّتها، ومع ذلك تصرّف في رأس المال، يستحقّ أُجرة المثل ـ وعليه أكثر المعلّقين على العروة ـ لأنّ علمه بالفساد غير مناف لاستحقاق أُجرة المثل، إذ العمل المذكور لا يستلزم الإقدام على العمل مجاناً، والمفروض أنّ المعاملة صارت صحيحة بإجازة المالك وكانت رابحة.
فإن قلت: إنّ العامل لا يستحقّ في الفرض المذكور أُجرة أصلاً، لأنّ العمل لم يقع بأمر المالك، وطلب منه; بل كان عمله من قبل نفسه وإن لم يقصد المجانيّة لكن قصدها، كذلك لا يؤثّر في استحقاق الأُجرة، وليس المقام إلاّ كسائر الموارد الفضولية.
إذا كانت التجارة غير رابحة    
قلت: أوّلاً: فرق بين المقام وسائر الموارد الفضولية، فإنّ عمل الفضولي في سائر الموارد تبرّعي بخلاف المقام.
وثانياً: أنّ إذن المالك لم يتعلّق إلاّ بما قام به العامل من العمل فعمله من البدو إلى الختم صار مأذوناً له، وبما أنّ إذن المالك ليس مشرعاً   

صفحه 225
وأمّا مع عدم الربح أو نقصان سهمه عنها، فمع علمه بالفساد لا يبعد عدم استحقاقه على الأوّل، وعدم استحقاق الزيادة عن مقدار سهمه على الثاني، ومع جهله به فالأحوط التصالح، بل لا يترك الاحتياط به مطلقاً. وعلى كلّ حال لا يضمن العامل التلف والنقص الواردين على المال. نعم، يضمن على الأقوى ما أنفقه في السفر على نفسه، وإن كان جاهلاً بالفساد.*
لا يستحقّ الحصّة المذكورة في العقد ولكن يستحقّ أُجرة المثل بحجّة أنّ المالك أذن بعمل غير تبرّعي، فإذا لم يتحقّق ما هو المذكور في العقد يتبدّل إلى أُجرة المثل.
وبعبارة موجزة: الّذي يُسبب كونه مستحقّاً للأُجرة، هو أنّ المالك أجاز العمل الصادر من العامل الموصوف بأنّه عمل غير تبرّعي، فلابدّ أن يخرج عن عهدة الإجازة .

* الثانية: إذا كانت التجارة غير رابحة

كان الكلام في السابق فيما إذا كان إذن المالك مقيّداً بصحّة المضاربة، ومع ذلك اتّجر العامل وحصل الربح وأجاز المالك، فقلنا: إنّ الربح للمالك وللعامل أُجرة المثل حتى مع العلم بالفساد.
وأمّا إذا لم يحصل الربح، فالظاهر أنّه لا يستحقّ شيئاً، سواء كان عالماً بالفساد أو جاهلاً به، لأنّ استحقاق الأُجرة من جهة المضاربة   

صفحه 226
فالمفروض بطلانها، وإن كان من جهة المعاملة المستقلّة فالمفروض أنّه لم يربح شيئاً حتى يستحق أُجرة المثل، من غير فرق بين الجاهل بالفساد والعالم به.
فإن قلت: إنّ المالك أجاز العمل غير التبرّعي فلابدّ أن يخرج عن عهدته.
قلت: إنّ منصرف الإجازة ما إذا كان فيه ربح لا ما إذا كان صفراً من حيث الربح .
إذا كان مقدار الربح أقلّ من الأُجرة   

الثالثة: إذا كان مقدار الربح أقلّ من الأُجرة

إذا ربح لكن كان مقدار الربح أقلّ من أُجرة المثل، فربّما يحتمل بأنّه لا يستحقّ إلاّ مقدار الربح لا أُجرة المثل، ولكن الظاهر أنّه يستحقّ أُجرة المثل فإنّ اعتراف العامل باستحقاق مقدار الربح كان على فرض صحّة المضاربة، والمفروض بطلانها، فبقي كون المعاملة مجازة من جانب المالك على وجه الاستقلال، والمفروض أنّه لم يكن عمله تبرّعياً والمالك أجاز ذلك العمل فيستحقّ أُجرة المثل.
ثمّ إنّ المصنّف أشار في آخر المسألة إلى فرعين:
1. لو تلف رأس المال أو نقص، لا يكون العامل ضامناً، لكونه أميناً، والمفروض عدم التعدّي والتفريط .
2. لو أنفق في السفر على نفسه، فهو يضمن ما أنفق وإن كان جاهلاً بالفساد. ووجهه خروجه عن مصبّ القاعدة أعني:«ما لا يضمن   

صفحه 227
بصحيحه لا يضمن بفاسده»، لأنّ الإنفاق في السفر مع فساد العقد ليس عقداً حتى لا يضمن بفاسده.
يلاحظ عليه: بأنّ قاعدة:«لا يضمن» وإن كانت غير جارية لعدم كون النفقة مورداً للعقد، إلاّ أنّ ملاك القاعدة يجري فيها وهو الإذن والتسليط على إتلاف ماله مجاناً، لأنّ المفروض أنّ سفره كان بإذن المالك، وعليه أكثر المعلّقين.
***
وخلاصة الفروع ورؤوسها:
1. إذا كانت المضاربة فاسدة ولم يكن الإذن مقيّداً بها، صحّت المعاملة .
2. الربح للمالك وللعامل أُجرة المثل في جميع الحالات الأربع.
3. إذا لم تربح فليس للعامل شيء.
4. إذا كان الإذن في التصرّف متقيّداً بالمضاربة، ومع ذلك اتّجر العامل، فإن إجاز المالك صحّت المعاملة وربحت فالربح للمالك وللعامل أُجرة المثل، في عامّة الحالات.
5. وإن لم تربح فالحكم مثل ما مرّ في القسم الأوّل.
6. وإن ربحت ولكن كان سهمه ـ على فرض صحّة المضاربة ـ من الربح أقلّ من أُجرة المثل، يستحقّ أُجرة المثل.
7. لو تلف رأس المال أو نقص لا يكون العامل ضامناً لكونه أميناً.
8 . لو أنفق في السفر فلا يضمن ما أنفق لكونه مأذوناً بالإنفاق.

صفحه 228
المسألة 34. لو ضارب بمال الغير من دون وكالة ولا ولاية وقع فضولياً، فإن أجازه المالك وقع له، وكان الخسران عليه، والربح بينه وبين العامل على ما شرطاه.
وإن ردّه فإن كان قبل أن يعامل بماله طالبه، ويجب على العامل ردّه إليه، وإن تلف أو تعيّب كان له الرجوع على كلّ من المضارب والعامل، فإن رجع على الأوّل لم يرجع هو على الثاني، وإن رجع على الثاني رجع هو على الأوّل. هذا إذا لم يعلم العامل بالحال، وإلاّ يكون قرار الضمان على مَن تلف أو تعيّب عنده، فينعكس الأمر في المفروض. *

* معاملة المالك مع المضارب والعامل

يقع الكلام تارة في معاملة المالك مع المضارب والعامل، وأُخرى في معاملة العامل مع المضارب حسب استحقاق الأُجرة وعدمها، فسيأتي الكلام في الموضع الثاني بعد الفراغ عن الأوّل، فنقول:
لو ضارب بمال الغير من دون وكالة ولا ولاية (كمضاربة الأب أو الجد بمال الأولاد; لأنّ لهما الولاية عليهم)، وقع فضولياً...
هذا هو عنوان المسألة، ولها شقوق نشير إليها.
فهناك حالتان:
معاملة المالك مع المضارب والعامل   

الأُولى: حالة الإجازة

إذا ضارب بمال الغير، واطّلع المالك وأجازه، فعندئذ وقع له   

صفحه 229
وكان الخسران عليه، والربح بينه وبين العامل حسب شرط المضارب مع العامل. وجهه: أنّ الإجازة تقلب المعاملة إلى جانب المالك وتصير المضاربة مع شروطها مضاربة المالك، وكأنّ المالك ضارب مع العامل من أوّل الأمر، فتشمله قاعدة المضاربة، فالربح للمالك والخسران عليه، ويدفع من الربح إلى العامل حسب الشرط الذي ورد في عقد الفضولي.

التكرار في عبارة المصنّف

ثمّ إنّ المصنّف كرّر هذه العبارة في أثناء المسألة حيث قال:«وإن كان بعد أن عومل به كانت المعاملة فضولية، فإن أمضاها وقعت له، وكان تمام الربح له وتمام الخسران عليه» وكان عليه أن يضيف: وللعامل ما اشترطاه. وهذه الفقرة جاءت في ثنايا المسألة فلا حاجة إلى ذكرها.

الحالة الثانية: حالة الردّ، ولها صور:

1. قال المصنّف: «وإن ردّه فإن كان قبل أن يعامل بماله، طالبه» ولعلّ الضمير يرجع إلى العقد، إذ المفروض عدم المعاملة بماله، فكيف يمكن ردّه والأَولى أن يقول: وإن اطّلع على تسليط الغير على ماله قبل أن يعامل بماله، طالبه فيجب على العامل ردّه إليه، لقاعدة:«على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» فإنّ التصرّف في مال الغير والتسلّط عليه بلا رضا أمر قبيح.
2. «وإن تلف أو تعيّب (قبل أن يعامل به) كان له الرجوع على كلّ من المضارب والعامل» لاستيلاء كلّ على مال الغير، بلا رضا منه، فصار ذلك سبباً لضمان كلٍّ، كما هو الحال في تعاقب الأيدي على مال الغير،   

صفحه 230
فإنّ للمالك الرجوع إلى كلّ من وقعت العين تحت يده، والكلّ مخاطب بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«على اليد ما أخذت حتى تؤدّي».
ثمّ إذا رجع المالك على المضارب لا يرجع المضارب على العامل الجاهل، لأنّ العامل لم يتعهّد له بالضمان في غير صورة التعدّي والتفريط، والمضارب دفع إليه المال بلا أخذ ضمان منه في غير الصورتين، ومعه كيف يكون ضامناً؟
ثمّ إذا رجع المالك على العامل رجع العامل على المضارب، وإن كان المضارب جاهلاً; لأنّه سلّطه على مال الغير، بعنوان أنّه ماله، وأنّه لا يضمنه في صورة التلف، فهو مغرور من قبل المضارب.
فإن قلت: إنّ صدق الغرور يتوقّف على علم المضارب ومع جهله يكون كلّ معذوراً.1
قلت: إنّه خلط بين التغرير من جهل والتغرير عن عمد، والمنفي هو الثاني دون الأوّل ويكفي عن الضمان; لأنّ الأحكام الوضعية غير مقيّدة بالعلم.
هذا كلّه إذا كان العامل جاهلاً، كما مرّ التقييد به، وأمّا إذا كان العامل عالماً قال المصنّف:«يكون قرار الضمان على مَن تلف أو تعيّب عنده، فينعكس الأمر في المفروض»، أي يكون الضمان على العامل; لأنّ المفروض أنّ العين تلفت أو تعيّبت عند العامل، فيكون هو المسؤول   

1 . مباني العروة الوثقى: 31/ 159.

صفحه 231
فلو رجع المالك على العامل فهو، وإن رجع على المضارب فيرجع المضارب على العامل لاستقرار الضمان على ذمة العامل; لأنّ التلف والتعيّب حصل تحت يده. ويمكن توجيهه بأنّ الخطاب المتوجّه إلى المضارب ما دامت العين في يده باقية، خطاب تكليفي لا يورث ضماناً وإن جاز الرجوع عليه، وهذا كإيجاب النفقة على غير الزوجة، فلو خالف لم يكن مديوناً.
وأمّا خطاب من صارت العين تحت يده وتلفت تحت يده، فهو خطاب ذمّي بمعنى أنّه وضعي يورث الضمان كإيجاب النفقة على الزوجة فلو تخلّف تبقى في ذمّة الزوج.
أقول: لو تمّ ما نقل عن المشهور من رجوع السابق (الدافع) إلى اللاحق (العامل) على نحو كادت المسألة أن تكون إجماعية فهو، وإلاّ فالحق أن يقال: إنّ للمالك أن يرجع إلى كلّ من المتضاربين مستقلاً لاستيلاء يد كلّ على العين استيلاء موجباً للضمان، لكن الخسارة توزّع عليهما لاشتراكهما في الضمان.
وبعبارة أُخرى: فرق بين الإتلاف والتلف، فمَن أتلف من أصحاب الأيدي فالضمان يستقر عليه، وأمّا التلف فلو كان اللاحق مقصّراً أو مفرطاً في حفظه فهو، وأمّا إذا لم يكن له أي دور في التلف كما إذا كان الحيوان مريضاً يموت أينما كان، أو حصل التلف بسبب انهدام الحائط ـ بسبب الزلزال مثلاً ـ على نحو لو كان أيضاً في يد السابق لتلف، ففي هذه الموارد يكون استقرار الضمان على اللاحق تماماً أمراً مخالفاً للعدل   

صفحه 232
وإن كان بعد أن عومل به كانت المعاملة فضولية، فإن أمضاها وقعت له، وكان تمام الربح له وتمام الخسران عليه، وإن ردّها رجع بماله إلى كلّ من شاء من المضارب والعامل كما في صورة التلف، ويجوز له أن يجيزها على تقدير حصول الربح، ويردّها على تقدير الخسران; بأن يلاحظ مصلحته، فإن رآها رابحة أجازها وإلاّ ردّها. هذا حال المالك مع كلّ من المضارب والعامل.*
والإنصاف، ومقتضى القاعدة توزيع الخسارة عليهما. نعم يجوز للمالك مطالبة كلٍّ منهما لاستقلالهما في الغصب.
* إلى هنا كان الكلام فيما لو اطّلع قبل أن يعامل بماله، وأمّا إذا اطّلع بعد أن عومل به، فلو أمضى فقد تقدّم حكمه في بداية المسألة، وهذا تكرار لما جاء في صدر المسألة. وكان عليه أن يضيف هنا ما ذكره في صدر المسألة من قوله: «والربح بينه وبين العامل على ما شرطا».
3. وإن ردّها رجع إلى كلّ مَن شاء من المضارب والعامل، سواء كانت العين باقية أو تالفة، غاية الأمر أنّ الضمان في صورة التلف يستقر في ذمّة العامل على رأي المشهور، وعلى ما ذكرنا تقسّط الخسارة بين الدافع والعامل على التفصيل المذكور.
معاملة العامل مع المضارب   
4. إذا رأى المالك أنّه عومل بماله فقد مرّ أنّه تارة يجيز وأُخرى، يردّ، وهناك شق ثالث وهو أن يلاحظ مصلحته، فإن رآها رابحة أجازها، وإلاّ ردّها.   

صفحه 233
وأمّا معاملة العامل مع المضارب، فإن لم يعمل عملاً لم يستحقّ شيئاً، وكذا إذا عمل وكان عالماً بكون المال لغير المضارب، وأمّا لو عمل ولم يعلم بكونه لغيره استحقّ أُجرة مثل عمله، ورجع بها على المضارب.*
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى معاملة المالك مع المضارب والعامل.

* معاملة العامل مع المضارب

وهنا صور:
1. إذا لم يعمل العامل عملاً وتبيّن الحال، فلا يستحقّ شيئاً، وهذا واضح.
2. إذا عمل وكان عالماً بكون المال لغير المضارب، فقال المصنّف:«لم يستحقّ شيئاً» وعليه السيد الطباطبائي في المسألة الثامنة والأربعين من العروة، حيث قال:وإن كانا عالمين أو كان العامل عالماً دون المالك فلا أُجرة له، لإقدامه على العمل مع علمه بعدم صحّة المعاملة. ومع ذلك قال: إنّه ربّما يحتمل استحقاقه أُجرة المثل إذا اعتقد أنّه يستحقّها مع الفساد، وله وجه.1
ولكنّه (قدس سره) في مسألتنا هذه قال بعدم الأُجرة، قال: كما أنّه لا يرجع العامل على المضارب إذا كان عالماً بأنّه (المال) ليس له، لكونه   

1 . العروة الوثقى:5/330، كتاب المضاربة، المسألة 48.

صفحه 234
المسألة 35. لو أخذ العامل رأس المال، ليس له ترك الاتّجار به وتعطيله عنده بمقدار لم تجرِ العادة عليه وعدّ متوانياً متسامحاً. فإن عطّله كذلك ضمنه لو تلف، لكن لم يستحقّ المالك غير أصل المال، وليس له مطالبة الربح الذي كان يحصل على تقدير الاتّجار به.*
متبرّعاً بعمله.1 ولكن الظاهر صحّة ما ذكره في ذيل المسألة 48 حيث إنّه ليس متبرعاً بالعمل، ومجرد علمه بعدم صحّته شرعاً لا يلازم كون عمله تبرعيّاً، فالظاهر استحقاق الأُجرة، خلافاً لما في المتن; لأنّه صدر بأمره حيث إنّ الضارب ضمن قيمة عمله وإن كانت المضاربة باطلة.
3. أمّا لو عمل ولم يعلم بكونه لغيره استحقّ أُجرة مثل عمله، ورجع بها على المضارب، لوجهين:
1. أنّ العامل صدر عن أمره لا مجّاناً.
2. صار العامل مغروراً بأمره بالعمل وأنّه إن اتّجر وربح كان له من الربح سهم، فإذا تبيّن كون المضارب غير مالك، فلا يذهب عمله سُدى. نعم لو كان المضارب جاهلاً والعامل عالماً لم يبعد عدم استحقاقه أُجرة المثل، لعلمه بأنّ تعهّده المال له مبني على كون رأس المال له والمفروض عدمه وعلم العامل بالواقع.
على العامل الإقدام بالاتّجار فوراً عرفياً   

* على العامل الإقدام بالاتّجار فوراً عرفياً

يجب على العامل بعدما تمّ العقد، الإقدام على الإتّجار   

1 . العروة الوثقى:5/259، كتاب المضاربة، المسألة السادسة.

صفحه 235
حسب اختلاف موارده، فقد يحتاج الاتّجار إلى تمهيد أُمور ومقدّمات، كتحصيل إجازة العمل من الدوائر الحكومية، وغير ذلك من المقدّمات، فإنّه مقتضى وجوب الوفاء بالعقد، فلو توانى العامل وتسامح وتلف المال فذكر المصنّف بكون العامل ضامناً لرأس المال. وجهه: تعدّيه وتفريطه بإهماله للمال، وإبقائه كذلك عنده من غير إذن المالك، حيث إذن المالك مختص بإبقائه عنده للاتّجار خاصّة لا مطلقاً.1
هذا ما عليه عامّة المعلّقين، ولكن يجب التفصيل بين ما يكون التسامح سبباً للتلف بحيث لو اتّجر لما شمله التلف، فهو تام، وبين إذا لم يكن التسامح سبباً للتلف، كما إذا تلف بآفة سماوية أو أرضية، بحيث إنّه حتى لو كان مشتغلاً بالتجارة، أصابه التلف أيضاً.
ثمّ على فرض ضمان التلف فإنّما يضمن نفس المال المتلف، وليس له أن يطالب بالربح المقدّر على فرض الاتّجار; لأنّ سبب الضمان إمّا الاستيفاء أو الإتلاف، والمفروض عدمهما; أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني ـ أعني: الإتلاف ـ فلم يكن الربح موجوداً حتى يتلفه، غاية الأمر أنّه بالتواني حرم المالك من الربح المتوقّع.
نعم لو كان التواني والتسامح سبباً لنزول قيمة العملة في الأسواق، فعلى العامل المقصّر جبر ذلك النقص.

1 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/170.

صفحه 236
المسألة 36. لو اشترى نسيئة بإذن المالك كان الدين في ذمّة المالك، فللدائن الرجوع عليه، وله أن يرجع على العامل، خصوصاً مع جهله بالحال، وإذا رجع عليه رجع هو على المالك. و لو لم يتبيّن للدائن أنّ الشراء للغير، يتعيّن له في الظاهر الرجوع على العامل، وإن كان له في الواقع الرجوع على المالك.*
إذا اشترى نسيئة بإذن المالك وتلف المال قبل أداء الدين   

* إذا اشترى نسيئة بإذن المالك وتلف المال قبل أداء الدين

توضيح المسألة رهن بيان أمر وهو أنّ هنا مسألتين:
الأُولى: اشتراء العامل نسيئة بقصد المالك وفي ذمّته من حيث المضاربة، أو اشتراء العامل في ذمّته من حيث إنّه عامل ووكيل من المالك.
وهذه المسألة مرّت من المصنّف برقم 24 وقال فيها: ولو تلف مال المضاربة قبل الأداء، لم يجب على المالك الأداء من غيره، لعدم الإذن على هذا الوجه، وما هو لازم عقد المضاربة هو الإذن بالشراء كلّياً متقيداً بالأداء من مال المضاربة; لصدق الاتّجار بالمال عرفاً.
وكان عليه (قدس سره)أن يصرّح ببطلان المعاملة، لوجود الأعذار العامّة الّتي توجب انفساخ المعاملة حيث إنّ العمل بما تعهّد صار غير ممكن، وقد وجهه هناك.
ثم إنّ هذه المسألة عنونها السيد الطباطبائي في العروة برقم 12. فلاحظ.   

صفحه 237
المسألة الثانية: لو اشترى نسيئة بإذن المالك غير محدّد بالأداء من مال المضاربة، فهذه هي مسألتنا، وعنونها السيد الطباطبائي في المسألة السابعة عشرة وقال: إذا أذن للعامل في البيع والشراء نسيئة فاشترى نسيئة وباع كذلك فهلك المال ـ قال ـ فالدين في ذمّة المالك.
وبما ذكره السيد في عنوان المسألة من قوله: «فهلك المال» يظهر النقص في عنوان المسألة في عبارة المصنّف حيث لم يذكر هلاك المال .
وبما ذكرنا يظهر الفرق بين المسألتين حيث قلنا ببطلان المعاملة في الأُولى دون المقام; لأنّها كانت متقيّدة بدفع الثمن من مال المضاربة، والمفروض امتناعه، بخلاف المقام .
إذا تبيّن ذلك فلندخل في إيضاح المسألة .
قد تقدم أنّ موضوع المسألة ما إذا أذن المالك للعامل أن يشتري على ذمّة المالك غير مقيّدة بمال المضاربة، وإلاّ تتّحد المسألة مع ما سبق برقم 24. وعندئذ يقع الكلام في أنّ الدائن إلى مَنْ يرجع؟ نقول: إنّ هنا صورتين:
تارة يعلم الدائن أو يتبيّن له بأنّ العاملَ عاملُ مضاربة يشتري للمالك، وأُخرى يكون جاهلاً بذلك.
أمّا الصورة الأُولى: أي إذا علم من أوّل الأمر أنّه يشتري للمالك أو تبيّن له بعد ذلك، فقال العلاّمة: فإن اشترى للمضاربة فتلف الثمن قبل نقده، فالشراء للمضاربة وعقدها باق وعلى المالك الثمن.1   

1 . قواعد الأحكام:2/346.

صفحه 238
في المتن له الرجوع إلى كلّ من العامل والمالك . أمّا المالك فلاستقرار الضمان في ذمّته، وأمّا العامل فلأنّه المسؤول في المعاملة.
فإن قلت: إذا علم أنّ الشراء للمالك، فليس له الرجوع على العامل، لعلمه بعدم اشتغال ذمّته.
قلت: إنّ ما ذكرته صحيح في غير المضاربة، وأمّا فيها فمقتضى المضاربة الرجوع إليه; لأنّه المسؤول في البيع والشراء ودفع الثمن، لا سيّما إذا علم أنّه عامل يشتري للغير، وإن لم يعرف ذلك الغير مَن هو ومن أي بلد؟
وأمّا الصورة الثانية: إذا كان جاهلاً بأنّه يشتري للغير، ولم يتبيّن أنّه له، فيتعيّن الرجوع على العامل في الظاهر، ويرجع هو على المالك.
والحق أن يقال: إنّه يرجع إلى العامل في عامّة الصور; لأنّه المسؤول في البيع والشراء وإن كان الثمن في الحقيقة في ذمّة المالك، إلاّ أنّ العرف يرى العامل هو المسؤول لقضية الدين فهو المرجع، سواء علم الدائن بالواقع أو لا.
إذا دفع رأس المال مرّتين   

صفحه 239
المسألة 37. لو ضاربه بخمسمائة ـ مثلاً ـ فدفعها إليه وعامل بها، وفي أثناء التجارة دفع إليه خمسمائة أُخرى للمضاربة، فالظاهر أنّهما مضاربتان، فلا تجبر خسارة إحداهما بربح الأُخرى.
ولو ضاربه على ألف ـ مثلاً ـ فدفع خمسمائة فعامل بها، ثم دفع إليه خمسمائة أُخرى، فهي مضاربة واحدة تجبر خسارة كلّ بربح الأُخرى.*

* إذا دفع رأس المال مرّتين

لو ضاربه على ألف فدفع إليه نصفه، فعامل به، ثم دفع النصف الآخر فعامل به أيضاً ، فهي مضاربة واحدة. إذ المفروض أنّه ضاربه من أوّل الأمر على الألف، فالظاهر جبران خسارة أحدهما بربح الآخر.
إنّما الكلام فيما لو ضاربه على خمسمائة فدفعها إليه، وعامل بها، وفي أثناء التجارة زاده ودفع خمسمائة أُخرى، ففيه التفصيل، فإن دفعه بعنوان توسيع رأس المال وزيادته، فحكمه حكم الصورة الأُولى، يشتركان في الربح والجبر، وإن دفع بعنوان مضاربة مستقلّة، فلكلّ ربحه وخسارته. ولو لم يعلم أحد الوجهين فيحمل على أنّها مضاربتان.

صفحه 240
المسألة 38. لو كان رأس المال مشتركاً بين اثنين فضاربا شخصاً، ثمّ فسخ أحد الشريكين، تنفسخ بالنسبة إلى حصّته; وأمّا بالنسبة إلى حصّة الآخر، فمحلّ إشكال.*
المسألة 39. لو تنازع المالك مع العامل في مقدار رأس المال ولم تكن بيّنة، قدّم قول العامل; سواء كان المال موجوداً أو تالفاً ومضموناً عليه. هذا إذا لم يرجع نزاعهما إلى مقدار نصيب العامل من الربح، وإلاّ ففيه تفصيل.**

* لو فسخ أحد المالكين دون الآخر

لو كان رأس المال مشتركاً بين اثنين فضاربا شخصاً ثم فسخ أحد المالكين، فيمكن أن يقال: إنّه لو كان رأس المال بشكل لا يمكن الاتّجار إلاّ بمالهما مجتمعاً على نحو لو أخذ أحد المالكين رأس ماله، لشُلّت التجارة، ولم يقدر العامل على العمل، فتكون المضاربة منفسخة. وأمّا لو كانت بغير هذه الكيفية بأن يستطيع العامل أن يتّجر بما بقي من رأس المال، فلا وجه لانفساخ المضاربة. والمفروض أشبه بتعدّد المطلوب. نعم لو قلنا بلزوم المضاربة فليس لأحد الشريكين الفسخ، بل يجب على جميع الأطراف الصبر إلى نهاية الأجل.
تنازع المالك مع العامل في مقدار رأس المال   

** تنازع المالك مع العامل في مقدار رأس المال

إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه   

صفحه 241
للعامل، يقدّم قول مَن يوافق قوله الأصل، وليس هو إلاّ قول العامل، من غير فرق بين كون المال موجوداً أو تالفاً، مضموناً عليه، لأنّ الأصل براءة ذمّته من الزائد على الموجود، أو الأزيد على ما تلف.
ثمّ إنّ التقييد بالضمان في قوله:«أو تالفاً ومضموناً عليه» لأجل أنّه لا أثر للدعوى مع عدم الضمان، سواء كان ما أعطاه قليلاً أو كثيراً، إذ المفروض عدم الضمان.
ثمّ إنّ المصنّف تبعاً لآخرين، قيّد تقديم قول العامل بقيد خاص وهو أنّه إذا لم يرجع نزاعهما في قلّة رأس المال وكثرته إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح، كما إذا كان نزاعهما بعد حصول الربح وعُلم أنّ الذي بيده مال المضاربة، إذ النزاع حينئذ في قلّة رأس المال وكثرته يرجع إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود، إذ على تقدير قلّة رأس المال يصير مقدار الربح منه أكثر، فيكون نصيب العامل أزيد، وعلى تقدير كثرته بالعكس، ومقتضى الأصل كون جميع هذا المال للمالك إلاّ مقدار ما أقرّ به للعامل.
وحاصله: أنّه إنّما يقدّم قول العامل إذا لم تكن المضاربة رابحة وأمّا إذا كانت رابحة، فتقديم قوله يوجب زيادة سهمه من الربح والأصل فيه عدم الزيادة.
قال العلاّمة في «القواعد»: ولو اختلفا في قدر رأس المال، القول قول العامل مطلقاً على إشكال.1   

1 . قواعد الأحكام:2/347.

صفحه 242
وقال المحقّق الثاني في شرح قول العلاّمة: «على إشكال» لا إشكال في أنّ القول قول العامل; لأنّه يُنكر الزائد، سواء كان المال بعينه باقياً أو تلف بتفريط، أمّا مع الربح إذا كان باقياً أو تلف بتفريط، ففي تقديم قول أيّهما إشكال ينشأ من أنّ العامل منكر للزيادة خصوصاً إذا كان المال قد تلف بتفريطه فإنّه غارم حينئذ، فيقدّم قوله في عدم وجوب الزيادة.
ومن أنّ إنكاره لزيادة رأس المال يقتضي توفير الزيادة على الربح فتزيد حصّة العامل، فيكون ذلك في قوّة الاختلاف في قدر حصّة العامل من الربح، والقول قول المالك فيه بيمينه على ما سبق. والذي يقتضيه النظر تقديم قول المالك مع الربح، أمّا مع بقاء العين، فلأنّ الاختلاف في الحقيقة راجع إلى الاختلاف في قدر نصيب العامل، والأصل عدم الزائد.1

مبنى الإشكال

ثمّ إنّ تقديم قول المالك في هذه الصورة مبني على دخول الربح في ملك المضارب ثم يخرج منه ويدخل في ملك العامل، والنزاع في كثرة النصيب وقلّته يرجع إلى خروج الأقل أو الأكثر، والأصل عدم الثاني.
وأمّا لو قلنا بأنّ سهم العامل يدخل في ملك العامل ابتداء من غير دخوله في ملك المالك، فلا أصل يقتضي كون جميع المال للمالك، كما هو واضح.
وعلى هذا فالمسألة (تقديم قول المالك أو العامل) مبنية على   

1 . جامع المقاصد:7/168ـ 169.

صفحه 243
كيفية دخول الربح في ملك العامل عن طريق المالك، فيقدّم قوله، أو مستقيماً وبلا واسطة فيقدّم قول العامل.
وبما أنّ المشهور هو الأوّل فيقدّم قول المالك.
وأمّا على القول بأنّ كلاًّ يملك الربح مستقيماً بلا واسطة، فالقدر المتنازع فيه يصير مورداً للتنازع فكلّ يدّعي مالكيته، فيدخل المورد في باب التداعي.
وقول المصنّف: «ففيه تفصيل» أراد به القولين المذكورين في كيفية تملّك العامل للربح المعيّن.
فإن قلت: أصالة عدم كونه ربحاً يؤيّد كون المتنازع فيه مال المالك.
قلت: الأصل معارض بأصالة عدم كونه رأس المال، على أنّ الأصلين مثبتان، فإنّ عدم كونه ربحاً يلازم كونه رأس المال فيتعلّق بالمالك مال المالك، كما أنّ الأصل الثاني يلازم كونه ربحاً فيه سهم للعامل.
فإن قلت: يقدّم قول العامل، لأنّ الوجه لتقديم قول المالك هو استصحاب ملكية المالك المقدارَ المتنازع فيه على القول بأنّ الربح كلّه يدخل في ملك المالك ثم يخرج من ملكه سهم العامل أخذاً بقولهم: الربح تابع للعين وقد عرفت ضعفه سابقاً، ومع ذلك فهو حجّة إذا لم يكن هناك حجّة أقوى وهي قول ذي اليد، أعني: العامل في المقدار المتنازع فيه.
قلت: إنّ إقرار العامل بأنّ جميع المال للمالك، لكن خرج المقدار المتنازع فيه، حسب الاتّفاق عن ملكه سبّب سقوط يده عن الحجّية،   

صفحه 244
اختلاف العامل والمالك في التلف والخسارة   
المسألة 40. لو ادّعى العامل التلف أو الخسارة أو عدم حصول المطالبات; مع عدم كون ذلك مضموناً عليه، وادّعى المالك خلافه، ولم تكن بيّنة، قدّم قول العامل.*
فلا تثبت دعواه إلاّ ببيّنة، والمفروض عدمها، فالقول بأنّهما متداعيان أوضح من كونهما مدّعياً ومنكراً، والله العالم.

* اختلاف العامل والمالك في التلف والخسارة

لو اختلف كلٌّ من العامل والمالك في التلف والخسارة أو عدم حصول المطالبات، قُدّم قول العامل لكونه أميناً، ومقتضاه قبول قوله لأنّ المالك استأمنه على المال، بشهادة أنّه دفع إليه ماله، وقد عرفت تضافر النصوص على الصغرى والكبرى فيقبل قوله، سواء أسند التلف إلى أمر ظاهر أو خفيّ، وكذا لو ادّعى الخسارة أو عدم الربح أو كون المال ديناً في أيدي الناس إذا فرض كونه مأذوناً في البيع بالدين، كلّ ذلك لإطلاق كونه أميناً، ومعنى كونه أميناً عدم صحّة تكليفه بالبيّنة واليمين. وقد اتّفقت عليه كلمات الأصحاب.
قال الشيخ الطوسي: فإن ادّعى العامل تلف المال في يده، كان القول قوله; لأنّه أمين.1
وقال المحقّق: العامل أمين لا يضمن ما يتلف، إلاّ عن تفريط أو خيانة، وقوله مقبول في التلف.(2)   

1 . المبسوط: 3/174.   2 . شرائع الإسلام: 2/142.

صفحه 245
وقال العلاّمة: والعامل أمين، والقول قوله مع اليمين في قدر رأس المال وتلفه، وعدم التفريط وحصول الخسران.1
إلى غير ذلك من الكلمات.
هذا ولكن جرت السيرة في هذه الأيام على التأكّد من صحّة الادّعاء عن طريق تشكيل لجنة تقوم بهذا الشأن بالنظر إلى القرائن المؤكّدة للتلف والنظر إلى الحسابات المصرفية إذا ادّعى الخسارة، ولايرون ذلك مخالفاً للائتمان، ولعلّ التأكّد من صحّة الدعوى من الشروط الضمنية في عقد المضاربة، أو من الشروط التي يبنى عليها العقد.
وبالجملة: إذا تمكّن المالك من الاطّلاع على صحّة الادّعاء فله أن يقوم بذلك بطرق عادية حتى يتجلّى له الحق، فإن شهدت القرائن على كذب العامل فيضمن إذا أفادت للقاضي اليقين، وهذا من قبيل جمع القرائن والشواهد التي أصبحت أساساً للقضاء في محاكم اليوم ويورث اليقين للقاضي. فلو جاز للقاضي العمل بعلمه فالمراد مثل هذا العلم الذي يمكن إيقاف الغير على المقدّمات التي أورثته اليقين. ولو لم يتمكّن المالك من هذا الأمر فيخلّي سبيل العامل.
ولافرق في سماع قول العامل بين أن يكون الادّعاء قبل فسخ المضاربة أو بعده، لإطلاق الأدلّة، كما لافرق بين أن يدّعي التلف قبل الفسخ أو بعده; لأنّه أمين ولايخرج بالفسخ عن كونه أميناً مالم يكن مقصّراً في الردّ وإلاّ فلا يسمع.    

1 . قواعد الأحكام:2/347.

صفحه 246
المسألة 41. لو اختلفا في الربح ولم تكن بيّنة قدّم قول العامل; سواء اختلفا في أصل حصوله أو في مقداره. بل وكذا الحال لو قال العامل: ربحت كذا، لكن خسرت بعد ذلك بمقداره فذهب الربح.*
ثم إنّ السيد الخوئي (قدس سره) استدلّ في المقام بالروايات الواردة في باب الإجارة فيما إذا ادّعى الصائغ أو الملاّح أو المكاري تلف المتاع من غير تعدّ ولا تفريط وأنكر المالك التلف، أو ادّعى التفريط فخرج بالتفصيل، والقول بعدم ضمان العامل فيما إذا كان مأموناً، وليس له أن يطلب منه الإثبات بإقامة البيّنة على دعواه، بخلاف ما إذا كان متّهماً حيث يطالب بإثبات ما ادّعاه وإلاّ تعيّن الضمان عليه 1.
يلاحظ عليه: أنّ استنتاج حكم المقام من روايات باب الإجارة أمر مشكل، لأنّ العامل في المضاربة غير الأجير، ولو كانت للاستئمان درجات فهي في المضاربة آكد وأشدّ. والائتمان في العامل وإن كانت أقلّ من الودعي ولكنّه ليس كالأجير، فلأجل ذلك لايكون تضمين الأجير عند الاتّهام دليلاً على تضمين العامل الذي يستعمله المالك ويدفع إليه مايملكه من البيضاء والصفراء ليعمل بها، ولأجل ذلك لم نجد هذا التفصيل في كلمات المعلّقين على العروة.
اختلاف المالك والعامل في الربح   

* اختلاف المالك والعامل في الربح

لو اختلفا في الربح، تارة في أصل حصوله، وأُخرى في   

1 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/129ـ133.

صفحه 247
مقداره، فيقدّم قول العامل لكونه أميناً واستأمنه المالك.
ولو قال: ربحت كذا ولكن خسرت بعد ذلك بمقدار الربح، فذهب الربح، يُقدّم قوله أيضاً.
إنّ المصنّف خصّ ما يقبل فيه قول العامل بالذكر، ولم يذكر المورد الذي لا يقبل فيه قوله، لكن المذكور في كلام الأصحاب صورتان، لا يقبل في إحداهما قول العامل ويقبل في الأُخرى.
قال المحقّق: ولو قال العامل: ربحت كذا ورجع، لم يقبل رجوعه، وكذا لو ادّعى الغلط. أمّا لو قال: ثم خسرت أو قال: ثم تلف، قُبل.1
وقال في «المسالك»: إنّما لم يقبل قوله في الأوّلين; لأنّ إنكاره مكذّب لإقراره الأوّل، فلا يُسمع كما في رجوع كلّ مقرٍّ، وأمّا قبول قوله: خسرت أو تلف الربح، فلأنّه أمين.2
وحاصل كلامه: أنّ الأوّلين من مقولة قاعدة:«لا إنكار بعد الإقرار»، أي لا تكذيب بعده بخلاف الآخر، لأنّه لا يكذب الربح، وإنّما يقول: خسرت في المعاملات اللاحقة.
وإلى هذين الوجهين يشير السيد الطباطبائي في «العروة»، قال:لو أقرّ بحصول الربح ثمّ بعد ذلك ادّعى التلف أو الخسارة، وقال: إنّي اشتبهت في حصوله، لم يُسمع منه; لأنّه رجوع عن إقراره الأوّل.
ولكن لو قال: ربحت ثم تلف، أو: ثم حصلت الخسارة، قبل منه.3   

1 . شرائع الإسلام:2/141.
2 . مسالك الأفهام:4/370.
3 . العروة الوثقى:5/236، كتاب المضاربة، المسألة 52.

صفحه 248
أقول: أمّا الصورة الأُولى ـ أعني: ما يقبل فيه قوله ـ فلها حالتان: إمّا أن يذكر الخسران والتلف بعد الإقرار بالربح، بلا فصل، أو يذكر بعده مع الفصل بيوم أو شهر.
أمّا الحالة الأُولى، فوجه القبول أنّ للمتكلّم أن يلحق بكلامه ما شاء من القيود فلا يؤخذ بالإقرار ما لم يفرغ من كلامه.
وأمّا الحالة الثانية، أعني: ذكر الخسران مع الفصل، فيقبل أيضاً لأنّه أمين يصدق بالنسبة إلى كلا الأمرين، نعم إذا شهدت القرائن على الكذب، فلا يقبل منه إلاّ باليمين، ولأجل ذلك قيّده بعض محشيّ العروة بقوله: إذا لم يكن متّهماً.

التفصيل بين التفسيرين:

إنّما الكلام في الصورة التي قالوا لا يقبل قوله، كما إذا قال: «ربحت كذا» ورجع وقال: «ما ربحت» فالحقّ كما قال المحقّق: «لم يقبل رجوعه»، لأنّه من مقولة:«الإنكار بعد الإقرار».
وأمّا إذا قال: ربحت، ثمّ قال: غلطت أو اشتبهت، ففي كونه إنكاراً بعد الإقرار كما يظهر من المحقّق فهو مورد نظر، وإنّما يُعدّ إنكاراً بعد الإقرار فيما لو قال: ما ربحت، كما في الصورة الأُولى; لأنّ قوله:«ما ربحت»، يقابل قوله: «ربحت» لا ما إذا قال:«اشتبهت» أو «غلطت» لأنّه لا يعني إنكاراً للإقرار السابق، بل هو يعترف بقوله السابق، ولكن يضيف أنّي اشتبهت في المحاسبة وظننت الربح ثم بدا لي عدمه، وتكون دعواه مسموعة   

صفحه 249
بالبيّنة، وليست ممّا أسقطها الشارع بالقاعدة السابقة:«لا إنكار بعد الإقرار» بل يمكن أن يقال بسماع دعواه الثانية بلا بيّنة أيضاً بحجّة أنّه أمين، غاية الأمر يدخل تحت قاعدة:«ليس على الأمين إلاّ اليمين» وليس للمالك إلاّ الاستحلاف كما ورد في الأجير.
وهذا ما يوضحه السيد الحكيم بقوله: إنّ قاعدة«عدم سماع الإنكار بعد الإقرار» تختصّ بما إذا كان الإنكار وارداً على ما ورد عليه الإقرار، بحيث يكون معارضاً له، كما إذا قال: لك عليّ دراهم، ثم قال: ليس لك عليّ درهم; أمّا إذا كان الإنكار وارداً على أمر آخر غير الواقع الذي ورد عليه الإقرار ـ كما في المقام ـ لم يكن وجه للرد، فإنّ قوله: اشتبهت، أو غلطت... ليس بقصد بيان الواقع، بل بقصد التخلّص من الضرر ونحو ذلك ممّا لا يكون القول الثاني وارداً على ما ورد عليه الأوّل ولا معارضاً له، فلا يكون من الإنكار بعد الإقرار.1
وربّما يورد عليه بأنّه مبني على كون الكلام الثاني بمعناه المطابقي منافياً لما أثبته كلامه الأوّل، ولكنّه ليس بصحيح بل تكفي المنافاة على نحو التضمّني أو الالتزامي، والمنافاة بهذا المعنى موجودة في المقام.
يلاحظ عليه: بأنّ الدلالة الالتزامية إنّما يحتجّ بها القاضي على المقرّ إذا كان مورد إلتفات للمقرّ، ولكنّه غير متحقّق في أغلب الموارد خصوصاً إذا كان المقرّ عاميّاً.   

1 . مستمسك العروة الوثقى:12/398ـ 399.

صفحه 250
لو اختلفا في نصيب العامل   
المسألة 42. لو اختلفا في نصيب العامل من الربح; وأنّه النصف ـ مثلاً ـ أو الثلث، ولم تكن بيّنة، قدّم قول المالك.*
مضافاً إلى أنّ أكثر من يمارس المضاربة إذا كانوا بعيدين عن المحاسبات العلمية ودقائق الكلام، لا يؤخذون بهذه القواعد الثابتة عند الفقهاء، فإنّ كثيراً من الناس قد يعترف بشيء ثم يظهر أنّه غير صحيح فيقول: إنّي قد اشتبهت باعترافي وإقراري، خصوصاً إذا كان هناك فصل بين الكلامين والإقرارين، ولذلك لابدّ للقاضي من جمع القرائن والشواهد التي تشير إلى صدقه أو كذبه، ولا يكفي مجرد الأخذ بكلامه الصادر عن عفو الخاطر.

* لو اختلفا في نصيب العامل

قال المحقّق: ولو اختلفا في نصيب العامل، فالقول قول المالك مع يمينه.1 أخذاً بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«البيّنة للمدّعي واليمين على مَن أنكر» فلو كان للعامل بيّنة، يقدّم قوله، وإلاّ فقول المالك مع يمينه.والأصل مع المالك; لأنّ الزائد على المتّفق عليه يحتاج إلى دليل.
هل المورد من قبيل التداعي أو الادّعاء والإنكار؟   
ونقل العلاّمة في «التذكرة» القول بالتحالف عن بعض فقهاء السنّة، حيث قال: ولو اختلفا في قدر حصة العامل من الربح، فقال المالك: شرطت لك الثلث، وقال العامل: بل النصف، فالقول قول المالك مع يمينه، وعدم البيّنة (للعامل) عند علمائنا. ثمّ نقل عن الشافعي أنّهما   

1 . شرائع الإسلام:2/141، كتاب المضاربة.

صفحه 251
يتحالفان، لأنّهما اختلفا في عوض العقد وصفته، فأشبه اختلاف المتبايعين في قدر الثمن، فإذا حلفا فسخ العقد.1 أي عقد المضاربة وللعامل أُجرة المثل بشرط أن لا تكون أزيد ممّا يدّعي من النصيب.

هل المورد من قبيل التداعي أو الادّعاء والإنكار؟

وربّما يقال: وجود الفرق بين المشبّه والمشبّه به، فإنّ مصبّ الدعوى والغرض المقصود من الدعوى في الثاني واحد وهو طلب الثمن الأعلى، من جانب البائع، والثمن الأدنى من جانب المشتري، فالمصب والغرض شيء واحد وهو استحقاق الثمن الأعلى والثمن الأدنى فقط، فيكون من قبيل المتداعيين; بخلاف الأوّل فإنّ مصب الدعوى شيء والغرض من الدعوى شيء آخر.
أمّا الأوّل فالمالك يدّعي أمراً إيجابياً، أي الحصّة الدنيا والعامل يدّعي مثله حيث يدّعي الحصّة العليا، ولكن الغرض من طرح الدعوى هو ادّعاء العامل أنّه يستحقّ أزيد ممّا يعترف به المالك، فيحتاج في إثباته إلى البيّنة، فيكون المقام نظير اختلاف المقرض والمقترض فالأوّل يدّعي أكثر ممّا يعترف به الآخر، فيحتاج الزائد إلى الدليل، والثاني ينكره وبما أنّ المعيار في تشخيص المدّعي عن المنكر هو الغرض النهائي من الدعوى، فيكون العامل مدّعياً والمالك منكراً.2   

1 . تذكرة الفقهاء:17/127ـ 128.
2 . لاحظ: مستمسك العروة الوثقى:12/401، بإيضاح منّا.

صفحه 252
المسألة 43. لو تلف المال أو وقع خسران، فادّعى المالك على العامل الخيانة أو التفريط في الحفظ، ولم تكن له بيّنة، قدّم قول العامل. وكذا لو ادّعى عليه الاشتراط أو مخالفته لما شرط عليه، كما لو ادّعى: أنّه قد اشترط عليه أن لا يشتري الجنس الفلاني وقد اشتراه فخسر، وأنكر العامل أصل هذا الاشتراط، أو أنكر مخالفته لما اشترط عليه. نعم، لو كان النزاع في صدور الإذن من المالك فيما لا يجوز للعامل إلاّ بإذنه، كما لو سافر بالمال أو باع نسيئة فتلف أو خسر، فادّعى العامل كونه بإذنه وأنكره، قدّم قول المالك.*
ويؤيّد ما ذكره: أنّه لم يرد في تعريف المدّعي والمنكر في الروايات ما يميّز به أحدهما عن الآخر، فالأولى: الأخذ بما عليه العرف، في هذا المقام، فالمدّعي عندهم هو الذي لو ترك الدعوى لتركت، وتمّت القضية، بخلاف المنكر فإنّه لو ترك الأمر لبقيت الدعوى بحالها. وعلى هذا فالعامل هنا هو المدّعي لأنّه لو ترك الدعوى لتركت بخلاف المالك، فعلى هذا فهو منكر يحلف لو لم تكن للعامل بيّنة.
تفصيل السيد الخوئي بين المتّصل والمنفصل   

* لو ادّعى المالك الخيانة والتفريط على العامل

لو ادّعى المالك على العامل الخيانة في العمل أو التفريط في الحفظ حتى تلف المال، أو خالف شرطه في عدم اشتراء الجنس الفلاني، أو عدم البيع من زيد، وأنكره العامل; فالقول قول العامل، في عدم الخيانة   

صفحه 253
والتفريط وعدم شرط المالك عليه الشرط الكذائي.
قال العلاّمة: والعامل أمين لا يضمن ما يتلف إلاّ بتعدٍّ أو تفريط... إلى أن قال: والقول قوله مع اليمين في قدر رأس المال وتلفه وعدم التفريط وحصول الخسران... إلى أن قال: وعدم النهي عن شراء العبد ـ مثلاً ـ لو ادّعاه المالك.1
ونقل السيد العاملي في شرح قول العلاّمة(الماضي) هذا القول عن كثير من الكتب، مستدلّين بأنّ العامل منكر.2

تفصيل السيد الخوئي بين المتّصل والمنفصل

ثمّ إنّ السيد الخوئي فصّل في المسألة بين الشرط المنفصل والشرط المتّصل، فإن ادّعى المالك أنّه قد منع العامل منفصلاً عن عقد المضاربة، فيقدّم قول العامل، وذلك لأنّ إطلاق كلام المالك ـ بمقتضى اعترافه ـ حجّة عليه، ما لم تثبت حجّة أُخرى.
وأمّا إذا كان ادّعاء المالك منع العامل عن التجارة المعيّنة حين المضاربة وخيانة العامل بمخالفته لذلك، وإنكار العامل لذلك فلا يقدّم قول العامل، حيث إنّ العامل يدّعي الإطلاق والمالك يدّعي التقييد، وهما متضادان، فيكون كلّ منهما مدّعياً.3   

1 . قواعد الأحكام:2/347.
2 . لاحظ: مفتاح الكرامة:7/515.
3 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/126.

صفحه 254
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ ما ذكره مبني على كون الإطلاق أمراً وجودياً في مقابل التقييد وهو غير تام; لأنّه بمعنى ذكر الموضوع بلا قيد إذا كان القائل من مقام البيان فتكون النسبة بينهما، نسبة العدم والملكة، فيقدّم قول العامل، إذ المفروض عدم ثبوت القيد في ذيل العقد فعلى المالك إثبات وجود القيد.
نعم مَن فسّر الإطلاق بلحاظ أنّ الطبيعة سارية في أفرادها، يصلح له ادّعاء أنّ الإطلاق أمر وجودي. ولكنّه غير ثابت .
وثانياً: أنّ كثيراً ما يأخذ المتكلّم المفهوم الكلّي متعلّقاً لحكمه، غافلاً عن لحاظها سارية في أفرادها، فأين ما ذكره من معنى الإطلاق، من إفهام السُّذَّج من الناس؟!
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الأقوى تقديم قول العامل، سواء تعلّق ادّعاء المالك بالشرط المتّصل أو المنفصل.
ادعاء العامل ردّ رأس المال وإنكار المالك   
نعم لو فعل العامل ما لا يجوز له إلاّ بإذن من المالك ـ كما لو سافر أو باع بالنسيئة وادّعى الإذن من المالك ـ فالقول قول المالك في عدم الإذن.
ثمّ إنّ الفرق بين الموردين واضح وذلك لو ادّعى المالك المنع فيما يجوز إلاّ مع المنع يكون مدّعياً بحاجة إلى البيّنة، فلو لم تكن له بيّنة قُدّم قول العامل المنكر له، وذلك لأنّ الأصل فيه هو العمل بالإطلاق إلاّ إذا منع. وبما أنّه لم يثبت المنع يؤخذ بكلام المنكر، بخلاف ما إذا كان الأصل عدم العمل إلاّ بالإذن، فمن عمل وادّعى العلم فهو المدّعي والآخر هو المنكر.

صفحه 255
المسألة 44. لو ادّعى ردّ المال إلى المالك، وأنكره قدّم قول المنكر.*

* ادعاء العامل ردّ رأس المال وإنكار المالك

إذا ادّعى العامل ردّ المال إلى المالك، وأنكره المالك، قدّم قول المالك بيمينه; لأنّه منكر وعليه اليمين، إن لم يقم العامل بيّنة على الخلاف، وقيل: العامل أمين لا يضمن ما يتلف إلاّ عن تفريط أو خيانة، وقوله مقبول في التلف، وهل يقبل في الردّ؟ قال المحقّق: فيه تردّد، أظهره أنّه لا يُقبل.1
قال الشهيد الثاني في «المسالك»: وجه عدم القبول ظاهر، لأصالة عدمه، ولأنّ المالك منكر فيكون القول قوله، كما أنّ العامل في ذلك مدّع فعليه البيّنة، وثبوت التخصيص في مثل دعوى التلف لأمر خارج، لا يقتضي ثبوته مطلقاً. والقول الآخر للشيخ2 وهو: انّ القول قول العامل، لأنّه أمين كالمستودع، ولما في عدم تقديم قوله من الضرر، لجواز كونه صادقاً، فتكليفه بالردّ ثانياً تكليف بما لا يطاق.3
ويلاحظ على تفريق المحقّق بين قبول قول العامل في التلف دون الردّ، بأنّه لو كان الميزان في قبول قول العامل في التلف كونه أميناً، فهذا الملاك موجود في جانب الردّ أيضاً، وإن كان الملاك في عدم قبوله    

1 . شرائع الإسلام:2/142.
2 . لاحظ: المبسوط:3/174ـ 175.
3 . مسالك الأفهام:4/374ـ 375.

صفحه 256
في الردّ كونه مدّعياً، فهو في التلف أيضاً كذلك...
يقول بعض السادة ـ ممّن عاصرناه ـ في التفريق بين الأمرين: ومن جهة الأمانة ادّعي عدم الخلاف في قبول قول العامل في التلف، لكن وقع التردّد في قبول قوله في الردّ إلى المالك ولم يتّضح الفرق، فإن كان الوجه في عدم قبول قوله في الردّ عموم:«البيّنة على المدّعي» فهذا الوجه متحقّق في دعوى التلف مع إمكان إقامة البيّنة، إلاّ أن يكون إجماع على القبول في دعوى التلف.1
نعم يمكن أن يقال في وجه الفرق: إنّ التلف ربّما يقع فجائياً، ولا يتمكّن العامل من الاستشهاد عليه، فإنّ التلف تارة يستند إلى السرقة أو بعامل طبيعي، أو سماوي، وهذا بخلاف الردّ فإنّه عمل العامل يمكن أن يستشهد عليه رجلين، أو يأخذ من المالك وثيقة تشهد على صدقه.
ومع ذلك فلابدّ من متابعة العرف في مورد الرد أيضاً، فإذا كان مال المضاربة مالاً قليلاً فربّما يقبل قوله، وأمّا إذا كان مالاً كثيراً قابلاً للملاحظة، فهذا لا يمكن ردّه إلاّ عن طريق الصكوك وأمثالها، فعلى العامل أن يوضح كيفية الردّ، وما ذكره الأصحاب من زمان الشيخ الطوسي إلى يومنا هذا كأنّه ناظر إلى المضاربات البسيطة دون الكبيرة، ولذلك قلنا فللقاضي أن يتتبع العرف السائد في المورد.
اختلاف المالك والعامل في الاشتراء لنفسه أو للمضاربة   

1 . فقه المضاربة: 332 .

صفحه 257
المسألة 45. لو اشترى العامل سلعة فظهر فيها ربح، فقال: اشتريتها لنفسي، وقال المالك: اشتريته للقراض، أو ظهر خسران فادّعى العامل أنّه اشتراها للقراض، وقال صاحب المال: اشتريتها لنفسك، قدّم قول العامل بيمينه.*

* اختلاف المالك والعامل في الاشتراء لنفسه أو للمضاربة

لو اختلف العامل مع المالك في الأمرين التاليين:
أ. ادّعى العامل أنّه اشتراه لنفسه وادّعى المالك أنّه اشتراه للمضاربة.
ب. عكس السابق، ادّعى العامل أنّه اشتراه للمضاربة، وادّعى المالك أنّه اشتراه لنفسه.
قال العلاّمة في «القواعد»: والعامل أمين، القول قوله مع اليمين في إيقاع الشراء لنفسه أو للمضاربة.1
وقال في «التذكرة»: إذا اشترى العامل سلعةً فظهر فيها ربح، ثمّ اختلفا، فقال صاحب المال: اشتريته للقراض، وقال العامل: اشتريته لنفسي، قُدّم قول العامل مع اليمين، وكذا لو ظهر خسران فاختلفا، فادّعى صاحب المال أنّه اشتراه لنفسه، وادّعى العامل أنّه اشتراه للقراض، قُدّم قول العامل مع اليمين، لأنّ الاختلاف هنا في نيّة العامل، وهو أعرف بما نواه، ولا
يطّلع على ذلك من البشر أحد سواه، وإنّما يكون مال القراض   

1 . قواعد الأحكام:2/347، بتلخيص.

صفحه 258
بقصده ونيّته.1
وقال السيدالطباطبائي:والظاهر أنّ الأمر كذلك لو علم أنّ العامل اشترى وأدّى الثمن من مال المضاربة، ومع ذلك ادّعى أنّه اشتراه في الذمّة لنفسه. ففي «العروة الوثقى» القول قول العامل، الدليل فيه وما سبق واحد، وهو: قبول قول من لا يعرف الشيء إلاّ من قبله، في الشيء الذي كذلك.2فإنّ ظاهر العمل أنّه اشتراه للمضاربة، ومع ذلك يقدّم قوله على ظاهر فعله; لأنّه أمين أوّلاً، ولأنّ المورد من الأُمور التي لا تعلم إلاّ من قبله، وقد عمل الفقهاء بهذه القاعدة في موارد كثيرة، كما في قول النساء في الحيض والعدّة، وعدمهما، ووجود البعل وعدمه، ومدّعي أداء الزكاة.
إذا خسر واختلفا في أنّ المال مضاربة أو إقراض   
نعم قبول قوله فيما إذا أدّى الثمن من مال المضاربة مشكل، لأنّه تصرّف غير مجاز فيشكل قبول قوله فيه; لأنّ عمله هذا يعد خيانة في العرف إذا لم يكن هناك إذن من المالك، فيخرج عن كونه أميناً حتى يقبل قوله.

1 . تذكرة الفقهاء:17/126، المسألة 280.
2 . لاحظ: العروة الوثقى:5/239، كتاب المضاربة، المسألة 58.

صفحه 259
المسألة 46. لو حصل تلف أو خسارة فادّعى المالك أنّه أقرضه، وادّعى العامل أنّه قارضه، يحتمل التحالف بلحاظ محطّ الدعوى، ويحتمل تقديم قول العامل بلحاظ مرجعها. ولو حصل ربح فادّعى المالك قراضاً والعامل إقراضاً، يحتمل التحالف أيضاً بلحاظ محطّها، وتقديم قول المالك بلحاظ مرجعها، ولعلّ الثاني في الصورتين أقرب.*
* هنا فرعان ذكرهما المصنّف في مسألة واحدة، ولكنّهما في «العروة الوثقى» ذُكرا بصورة مسألتين.1
1. لو دفع المالك ماله إلى تاجر واتّجر به الثاني وخسر، فادّعى المالك أنّه أقرضه، ليكون الخسران على التاجر، وادّعى التاجر أنّه قارضه ليكون الخسران على مال المالك.
2. وإن انعكس الأمر فلو اتّجر العامل وربح فادّعى المالك أنّه دفعه قراضاً ليشارك في الربح وادّعى العامل أنّه دفعه إقراضاً ليختصّ بالربح، فاحتمل المصنّف في المسألة وجهين:
1. إنّهما من قبيل المتداعيين فالمرجع التحالف.
2. تقديم قول المالك.
ثم استقرب القول الثاني.
أقول: يقع الكلام في مقامين:   

1 . لاحظ: العروة الوثقى:5/239 و241، كتاب المضاربة، المسألة 59 و 60.

صفحه 260

الأوّل: إذا خسر واختلفا في أنّ المال مضاربة أو إقراض

قال العلاّمة في «التحرير»: ولو كان هناك خسران، فادّعى المالك القرض والعامل القراض، فالقول قول المالك مع اليمين.1
وقال في «التذكرة»: ولو خسر المال أو تلف فقال المالك: كان قرضاً وقال العامل: كان قراضاً، أو بضاعة، فالقول قول المالك.2
وقال في «القواعد»: ولو تلف المال أو خسر فادّعى المالك القرض والعامل القراض أو الإبضاع قُدّم قول المالك مع اليمين.3
وقال السيد الطباطبائي: إذا حصل تلف أو خسران فادّعى المالك أنّه أقرضه، وادّعى العامل أنّه ضاربه، قدّم قول المالك مع اليمين.4
ويمكن الاستدلال بوجوه ثلاثة:
1. أنّ الأصل في وضع اليد على مال الغير ترتّب وجوب الردّ عليه; لعموم قوله: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.5
يلاحظ عليه: أنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، لأنّه خصّص بالمضاربة فلو تلف المال واقعاً ليس على العامل ضمان،   

1 . تحرير الأحكام:3/270، المسألة 4597.
2 . تذكرة الفقهاء:17/132.
3 . قواعد الأحكام:2/348. وقد مرّ تعريف الإبضاع وهو أن يدفع الإنسان إلى غيره مالاً ليبتاع به متاعاً ولا حصة له في ربحه بخلاف المضاربة.
4 . العروة الوثقى:5/241، كتاب المضاربة، المسألة 60.
5 . جامع المقاصد:8/174.

صفحه 261
والمورد كما يحتمل أن يكون من مصاديق العام، يحتمل أن يكون من مصاديق المخصّص.
2. ما في صدر كلامه والذي ذكرناه في غير مورد بأنّ في الفقه الإسلامي موارد لا تجري فيها أصالة الصحّة، وإن صدرت من مسلم، ويحكم بالفساد حتى تقوم البينة على الصحّة; وهذا نظير بيع الوقف فلا يحكم بالصحّة إلاّ إذا قامت البيّنة على وجود المجوّز، وكذلك بيع مال اليتيم، فلا يحكم بالصحّة إلاّ أن تقوم البيّنة على وجود الغبطة; وقريب منهما المرأة المردّدة بين كونها من المحارم أو من غيرهن، فلا يجوز النظر إليها لأنّ الأصل في النظر إلى المرأة الحرمة، إلاّ ما خرج بالدليل، وقس على ذلك سائر الموارد; ومثلها الأموال فيحكم بالضمان، حتى تقوم البيّنة على خلافه، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» يشير إلى تلك القضية التي عليها العقلاء، وهي أنّ طبع المال هو الضمان فمن أخذ فيحكم عليه بالضمان حتى يقوم الدليل على خلافه.
3. ما ورد في رواية إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل استودع رجلاً ألف درهم فضاعت، فقال الرجل كانت عندي وديعة، وقال الآخر: إنّما كانت لي عليك قرضاً، فقال(عليه السلام): «المال لازم له إلاّ أن يقيم البيّنة أنّها كانت وديعة».1
4. ما دلّ على احترام مال المسلم كدمه وعرضه، كما في   

1 . الوسائل:13، الباب7 من أبواب كتابة الوديعة، الحديث1.

صفحه 262
الجواهر. وأورد عليه في المستمسك بأنّ مفادها عدم جواز التصرّف فيه إلاّ بإذنه لا ضمانه.1
يلاحظ عليه: أنّ لازمه العرفي هو الضمان.
ثمّ إنّ المصنّف(رحمه الله) اختار التفصيل قائلاً بأنّه لو كان الملاك في تشخيص المدّعي عن المنكر، هو مصبّ الدعوى، أي كيفية طرح الدعوى أمام القاضي فهما مدّعيان، حيث إنّ المالك يدّعي الإقراض والعامل يدّعي المضاربة. وأمّا لو كان الميزان في تشخيصهما هو مرجع الدعوى ونتيجتها، فيكون المالك مدّعياً حيث يدّعي ضمان التلف والخسارة، ويكون العامل منكراً.
أقول: ما ذكره صحيح لكن في غير المورد الذي عرفت اتّفاق العقلاء على الضمان في مورد المال الذي طبعه الضمان والاحترام، فمن يدّعي خلافه فعليه البيّنة. فخرجنا بالنتيجة التالية بضمان العامل ما لم يُقم البيّنة على المضاربة.
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل، وللمصنّف كلام في المقام نرجع إليه بعد إتمام الكلام في المقام الثاني.
إذا ربح واختلفا في أنّ المال قراض أو إقراض   

المقام الثاني: إذا ربح واختلفا في أنّ المال قراض أو إقراض

هذا هو نفس المقام الأوّل لكن يختلف معه في جهة خاصّة، فالاختلاف في كلا الموردين في الإقراض أو القرض، لكن جهة   

1 . مستمسك العروة الوثقى:12/411.

صفحه 263
الاختلاف في المقام الأوّل هي الخسران ولذلك يدّعي المالك القرض ليدفع الخسران عن نفسه والعامل على العكس، لكن جهة الاختلاف في المقام الثاني هو الربح، فالمالك يدّعي المضاربة(القراض) ليكون له سهم في الربح، والعامل يدّعي القرض ليكون الربح كلّه له.
قال العلاّمة في «التذكرة»: ولو اختلفا في أصل القراض، مثل: أن يدفع إلى رجل مالاً يتّجر به فربح، فقال المالك: إنّ المال الذي في يدك كان قراضاً والربح بيننا، وقال التاجر: بل كان قرضاً عليّ، ربحه كلّه لي، فالقول قول المالك مع يمينه لأنّه ملكه، والأصل تبعيّة الربح له، فمدّعي خلافه يفتقر إلى البيّنة ولأنّه ملكه فالقول قوله في صفة خروجه عن يده، فإذا حلف قُسّم الربح بينهما.1
وقال السيد الطباطبائي: لو ادّعى المالك أنّه أعطاه المال مضاربة، وادّعى القابض أنّه أعطاه قرضاً، يتحالفان، فإن حلفا أو نكلا، للقابض أكثر الأمرين من أُجرة المثل والحصّة من الربح، إلاّ إذا كانت الأُجرة زائدة عن تمام الربح، فليس له أخذها، لاعترافه بعدم استحقاق أزيد من الربح.2
أقول: مقتضى الأصل هو الاكتفاء بالأقل من الأمرين أمّا إذا كانت أُجرة المثل أقلّ من الحصّة التي يعترف بها المالك فلا يتصوّر فيه النزاع، وأمّا إذا انعكس فالأصل البراءة عن الزائد عن الحصّة.

1 . تذكرة الفقهاء:17/131.
2 . العروة الوثقى: 5/239، كتاب المضاربة، المسألة 59.

صفحه 264
المسألة 47: لو ادّعى المالك أنّه أعطاه المال بعنوان البضاعة; فلا يستحقّ العامل شيئاً من الربح، وادّعى العامل المضاربة; فله حصّة منه، فالظاهر أنّه يقدّم قول المالك بيمينه، فيحلف على نفي المضاربة، فله تمام الربح لو كان. واحتمال التحالف هنا ضعيف.*
ادّعاء المالك البضاعة والعامل المضاربة   

* ادّعاء المالك البضاعة والعامل المضاربة

الإبضاع: هو أن يدفع الإنسان إلى غيره مالاً ليبتاع به متاعاً، ولا حصّة له في ربحه، بخلاف المضاربة.1
ولو اختلفا فقال المالك دفعته للإبضاع، ليكون الربح له، وقال العامل للمضاربة يكون الربح بينهما.
قال العلاّمة في «التحرير»: ولو ادّعى المالك الإبضاع، وادّعى العامل القراض، ففي تقديم قول العامل من حيث إنّ العمل له، نظر، ويحتمل أنّهما يتحالفان، فحينئذ يأخذ العامل أقلّ الأمرين، من أُجرة المثل وما ادّعاه نصيباً.2
وقال في «القواعد»: ولو ادّعى العامل القراض والمالك الإبضاع، قدّم قول العامل; لأنّ عمله له فيكون قوله مقدّماً فيه، ويحتمل التحالف فللعامل أقلّ الأمرين من الأُجرة والمدّعى.3   

1 . مجمع البحرين: 4 / 301، مادة «بضع».
2 . تحرير الأحكام:3/270، المسألة رقم 4597.
3 . قواعد الأحكام:2/348.

صفحه 265
وقال في «التذكرة»: ولو قال ربّ المال: كان بضاعة فالربح كلّه لي، وقال العامل: كان قراضاً، فالأقرب: إنّهما يتحالفان، ويكون للعامل أقلّ الأمرين من نصيبه من الربح أو أُجرة مثله، لأنّه لا يدّعي أكثر من نصيبه من الربح، فلا يستحقّ زيادةً عليه وإن كان الأقلّ أُجرة مثله، فلم يثبت كونه قراضاً، فيكون له أُجرة عمله.1
وأمّا المصنّف فقد استظهر أنّه يقدم قول المالك بناء على أنّ الميزان في تشخيص المدّعي عن المنكر، هو النتيجة; لأنّ الربح تابع للمال والعامل يدّعي أنّ حصّة من الربح له والمالك ينكره والأصل معه .
نعم لو كان الميزان مصب الدعوى فهما متداعيان حيث يدّعي أحدهما الإبضاع، والآخر المضاربة .
هذا إذا قلنا بعدم ثبوت أُجرة المثل في الإبضاع. ولو قلنا بأنّ في الإبضاع أُجرة المثل ـ كما يظهر من العروة الوثقى ـ فيكون المورد من قبيل التحالف، حتى ولو قلنا بأنّ الميزان في تشخيص المدّعي عن المنكر هو النتيجة، لأنّ المالك يدّعي أُجرة المثل، والعامل الحصّة.
ثمّ إنّه إنّما يتصوّر النزاع إذا كانت أُجرة المثل أقلّ من الحصّة المدعاة من قبل العامل، فالمالك يدّعي أُجرة المثل التي هي أقل من الحصّة التي يدّعيها العامل، فعندئذ يستحقّ العامل أقلّ الأمرين من الأُجرة والحصّة من الربح، أخذاً بالقدر المتيقّن والبراءة الشرعية عن الزائد.   

1 . تذكرة الفقهاء:17/131ـ132.

صفحه 266
المسألة 48. يجوز إيقاع الجعالة على الاتّجار بمال; وجعل الجعل حصّة من الربح; بأن يقول: إن اتّجرت بهذا المال وحصل ربح فلك نصفه أو ثلثه، فتكون جعالة تفيد فائدة المضاربة، لكن لا يشترط فيها ما يشترط في المضاربة، فلا يعتبر كون رأس المال من النقود، بل يجوز أن يكون عروضاً أو ديناً أو منفعة.*
وأمّا إذا انعكس الأمر بأن كانت أُجرة المثل أكثر ممّا يدّعيه العامل من الحصّة، فلا يتصوّر فيه النزاع; لأنّ المدّعي يدّعي الأقل والمنكر يدّعي الأكثر، ومعه لا تنازع.
ثمّ إنّ المصنّف قال: واحتمال التحالف هنا ضعيف. وعلّله في تعليقته على الوسيلة بقوله: لعدم جريان أصالة عدم البضاعة.
وجهه: عدم ترتّب الأثر على القول بالبضاعة، إذ ليست البضاعة في الأدلّة موضوعاً لحكم شرعي; بخلاف القول بالمضاربة، فإنّ لازمه مالكية العامل الحصّة.
ايقاع المضاربة بعنوان الجعالة   

* ايقاع المضاربة بعنوان الجعالة

يجوز إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة كأن يقول: إذا اتّجرت بهذا المال وحصل ربح، فلك نصفه، فتكون جعالة تفيد المضاربة، ولا يلزم أن يكون جامعاً لشروط المضاربة، فيجوز مع كون رأس المال من غير النقدين أو ديناً أو مجهولاً جهالة لا توجب الغرر.   

صفحه 267
أقول: المضاربة من العقود، والجعالة من الإيقاعات فمَن قال: مَن ردّ ضالتي فله كذا، فقد أنشأ الجعالة وإن لم يكن هناك قبول لفظاً، نعم لو قام بردّها يستحقّ الجعل، وفي المقام لو قال: «إذا اتّجرت بهذا المال، وحصل ربح فلك نصفه» يكون جعالة تفيد فائدة المضاربة، والداعي إلى هذا النوع من الجعالة، أنّه يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها فلا يلزم أن تكون جامعة لشروط المضاربة، فلا تضر جهالة الجعل حسب الكمية ما لم ينجرّ إلى الغرور.
نعم منع العلمان عن تصحيح إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة، هو أنّ المضاربة على خلاف القاعدة، لأنّ تمليك المعدوم (الربح) أمر على خلافها وليس للإنسان أن يملّك غيره ما لا يملكه، خرج منها باب المزارعة والمساقاة لدليل شرعي وبقي الباقي تحت القاعدة1.
يلاحظ عليه: بأنّ العقلاء مطبقون على الصحّة في العقود الثلاثة: المزارعة والمساقاة والمضاربة، من دون أن يخطر ببالهم أنّه من قبيل تمليك المعدوم الذي أطبقوا على عدم صحّته.
نعم غير المعقول عندهم هو غير الموجود فعلاً ولا قوة، وأمّا المضاربة وأخواتها فهي من قبيل تمليك مايراه العرف موجوداً بالقوّة لوجود المقتضي وهو المال، والأرض والشجر، وتخلّفه في بعض الموارد، لايضر بالأحكام العقلائية المبنيّة على الاطمئنان. والحاصل: أنّ وجود   

1 . مستمسك العروة الوثقى: 12/445; المباني في شرح العروة الوثقى: 31/162ـ163.

صفحه 268
المقتضي للشيء يكفي في تمليكه بينهم، وعلى ضوء ذلك تصحّ المضاربة بالجعالة، على أنّ التمليك في هذه الموارد من قبيل التمليك المشروط لبّاً، وإن كان مطلقاً لفظاً.
وقد مرّ الكلام في صدر الرسالة في أنّ المضاربة ليست على خلاف القاعدة، فلاحظ.
والعجب أنّ السيد الخوئي خرج بالنتيجة التالية، قائلاً: يشكل الحكم بصحّتها مع كون رأس المال من غير النقدين، بناء على اعتبار ذلك في المضاربة.1
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك سدّ باب المضاربة في حياتنا المعاصرة، لأنّ العملة الرائجة الآن هي الأوراق النقدية المعروفة، وليس للدرهم والدينار المسكوكين أثر في الأسواق.
اتّجار الأولياء بأموال المولّى عليهم   

1 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/163.

صفحه 269
المسألة 49. يجوز للأب والجدّ المضاربة بمال الصغير مع عدم المفسدة، لكن لا ينبغي لهما ترك الاحتياط بمراعاة المصلحة. وكذا يجوز للقيّم الشرعي كالوصيّ والحاكم الشرعي مع الأمن من الهلاك وملاحظة الغبطة والمصلحة، بل يجوز للوصيّ على ثلث الميّت أن يدفعه مضاربة، وصرف حصّته من الربح في المصارف المعيّنة للثلث إذا أوصى به الميّت، بل وإن لم يوص به، لكن فوّض أمر الثلث إلى نظر الوصيّ، فرأى الصلاح في ذلك.*

* اتّجار الأولياء بأموال المولّى عليهم

في المسألة فروع:
1. للأب والجدّ والوصي والحاكم الشرعي، أن يضاربوا بمال الصغير مع عدم المفسدة، أو مراعاة المصلحة.
2. إذا أوصى الميّت للموصي أن يضارب بثلثه وصرف حصّته من الربح في المصارف المعيّنة.
3. إذا لم يوص به ولكن فوّض أمر الثلث إلى نظر الوصي فيجوز له المضاربة به.
أمّا الفرع الأوّل: فيجوز لولي الصغير من غير فرق بين الأب والجد أو الوصي والحاكم الشرعي، إذا لم يكن الأوّلان أن يقارضوا على ماله.
قال العلاّمة: يجوز لولي الطفل والمجنون أن يقارض على مالهما   

صفحه 270
مع المصلحة; لأنّه يجوز له أن يوكّل عنهما في أُمورهما، فكذا يجوز أن يعامل على أموالهما قراضاً. ولا فرق بين الأب والجدّ له ووصيّهما والحاكم وأمينه.1
وقال في «التحرير»: لولي اليتيم أن يدفع ماله قراضاً إلى الثقة، فلو دفعه إلى غير الثقة ضمن.2
وقال: تجوز المضاربة بمال الطفل للوليّ، ويكون للعامل ما يشترطه الوليّ من الربح، ويجب أن يكون العامل أميناً، فإن دفعه إلى غير الثقة ضمن.3
وعلى هذا فالربح للصغير حسب الاتّفاق والخسران على رأس المال، ولكن الظاهر من الشيخ الطوسي أنّه إذا خسر فالخسران على مَن أعطى المال، قال: ومَن أعطى مال اليتيم إلى غيره مضاربة، فإن ربح كان بينهما على ما يتّفقان عليه، وإن خسر كان ضمانه على مَن أعطى المال.4
ولا يخفى عدم موافقته للأُصول، فالأولى حمله على ما إذا لم يكن المعطي وليّاً شرعيّاً، وإلاّ فالمعطي إذا كانت له ولاية شرعية مع رعاية عدم المفسدة أو وجود المصلحة، فقد عمل بوظيفته دون ما إذا لم يكن له هذا الشأن فقد قام بأمر ليس له، وعلى هذا يحمل ما رواه بكر بن حبيب   

1 . تذكرة الفقهاء:17/16ـ17، المسألة 199.
2 . تحرير الأحكام:3/262، المسألة 4569.
3 . تحرير الأحكام:2/542، المسألة 3893.
4 . النهاية:430.

صفحه 271
حيث سأل الإمام الباقر(عليه السلام) عن رجل دفع إليه مال يتيم مضاربة، فقال:«إن كان ربح فلليتيم، وإن كان وضيعة فالذي أعطاه ضامن».1
ونظيره خبر سعيد السمّان، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«ليس في مال اليتيم زكاة إلاّ أن يتّجر به، فإن اتّجر به، فالربح لليتيم، وإن وضع فعلى الذي يتّجر به».2
ونظيره رواية الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: في مال اليتيم عليه زكاة؟ فقال:«إذا كان موضوعاً فليس عليه زكاة، فإذا عملت به فأنت له ضامن والربح لليتيم».3
ومقتضى القاعدة حمل هذه الروايات على مَن ليس له ولاية شرعية، بل قام بالعمل تبرّعاً وإحساناً، أو كان المضارب غير ثقة لا يعتمد.
ويؤيّد ما ذكرنا من الحمل ما رواه في «دعائم الإسلام» عن جعفر بن محمد أنّه قال: إذا اتّجر الوصي بمال اليتيم ولم يجعل له ذلك في الوصية، فهو ضامن لما نقص من المال، والربح لليتيم».4 حيث إنّ الخبر صريح في أنّ مورد المنع من ليس له تلك الولاية.
وأمّا الفرع الثاني: فهو ما إذا أوصى بالثلث المعزول أن يضارب به، فلا شكّ في صحّته ونفوذه، إذ يجوز لكلّ إنسان الإيصاء بثلث ماله   

1 . الوسائل:13، الباب10 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث1.
4 . مستدرك الوسائل:13، الباب3 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.

صفحه 272
والتصرّف فيه كيف يشاء بشرط أن لا يكون مخالفاً للشرع، والمضاربة به أمر مشروع جازت الوصية فيه.
ومنه يظهر حكم الفرع الثالث، أعني: إذا فوّض إليه أمر الثلث.
وذكر صاحب العروة فرعاً رابعاً، وهو أنّه كما يجوز للأب والجدّ والوصي والحاكم الاتّجار بمال المولّى عليه بالمباشرة، كذلك يجوز لهم عقد المضاربة مع الغير بأن يتّخذ عاملاً ويجري العقد معه إذا كان فيه غبطة المولّى عليه .
قال(قدس سره): وكذا يجوز لهما المضاربة بماله مع الغير على أن يكون الربح مشتركاً بينه وبين العامل، ويدلّ على ذلك عموم ولايتهما من غير فرق بين كون المضاربة فعلاً مباشرياً لهما أو فعلاً تسبيبياً.1
***
بقيت هنا مسألة تعرّض لها السيد الطباطبائي في عروته ولم يتعرّض المصنّف لها في المتن.

الإيصاء بالمضاربة بمال المولّى عليه

وللمسألة صور:
الإيصاء بالمضاربة بالمال الموجود للصغير   
1. إذا أوصى الأب أو الجد أن يُضارب بمال ولده الصغير الموجود فعلاً.   

1 . العروة الوثقى:5/261، كتاب المضاربة، المسألة 9.

صفحه 273
2. أن يوصى بالمال الذي يرثه الصغير عن الموصِي، فيوصي بالمضاربة مع تعيين الحصّة أو عدمها ويتولاّها الوصي بالمباشرة أو غيره بإذن الوصي.
3. الإيصاء بحصّة الكبار التي يرثونها من الموصي.

الصورة الأُولى: الإيصاء بالمضاربة بالمال الموجود للصغير

إذا أوصى الولي بالمضاربة بالمال الموجود للصغير، كما إذا ورثه الصغير من أُمّه أو وهبه شخص إليه، أو غير ذلك، فالظاهر صحّة الوصاية. واستدلّ على ذلك بوجهين:
الأوّل: شمول دليل الولاية له بدعوى أنّه غير مختصّ بتصرّفاته في حياته، وعمومه لما يكون متأخّراً عن وفاته أيضاً.
الثاني: إطلاقات أدلّة نفوذ الوصاية ودعوى شمولها لإيصائهما بالاتّجار بمال الصبي بعد موتهما، فإنّ مقتضاهما صحّة مثل هذه الوصية ونفوذها.1
الظاهر أنّ الوجه هو الأمران مجتمعين لا منفردين، إذ لولا الولاية للمال وإعمالها من طريق الوصاية لما كان للوصية معنى محصّل، فالوصاية المعتمدة على الولاية هي السبب لنفوذها وصحّتها في مال الغير.
فإن قلت: لهما الولاية في حال الحياة، ولا ولاية لهما بعد   

1 . لاحظ: المباني في شرح العروة الوثقى:31/164.

صفحه 274
الموت، ومع الاعتراف بهذين الأمرين، كيف يصحّ منهما الإيصاء بعد الموت؟
قلت: إنّ الولاية في حال الحياة، هي المسوّغة، لأن يوصيا في المال الذي فوّض أمره إليها، فإنّ لها التقلّب فيه في حال الحياة، بأنواعه، ومنها التقلّب فيه بالوصاية، وإن كان أثرها ظاهراً بعد الحياة.
وبالجملة: أنّ الولاية في برهة من الزمن تصحّح جميع التصرّفات الشرعية في المال ومنها الوصية بالمضاربة بعده، فقد صدرت من أهلها ووقعت في محلّها، وبذلك يظهر ضعف ما يقال، من «أنّ الولاية تنقطع بالموت». وجه الضعف: أنّ انقطاعها بالموت، لا يزاحم نفوذ الوصاية النابعة من الولاية في حال الحياة. وإن امتدّ النفوذ إلى ما بعد الحياة، وهذا نظير: عقد الولي للصغير أو الصغيرة لأجل الولاية، فيصحّ وإن مات العاقد الولي.
الإيصاء بالمضاربة بالمال الذي يرثه الصغير عن الوصي مادام صغيراً   
ثم إنّ المحقّق الخوئي استشكل في صحّة الوصية قائلاً بأنّه لا يوجد في أدلّة الوصية إطلاق يشمل الوصية التي لا ترجع إلى الميت وأمواله، فإنّها وبأجمعها واردة في الوصايا الراجعة إلى الميت نفسه وأمواله، ومن هنا لاتنفذ إلاّ في الثلث ممّا يملك، وأمّا الزائد عنه فهو وصية في مال الغير ـ على ما دلّت عليه النصوص ـ1.
يلاحظ عليه: أنّ الوصاية أمر عرفي، وليس بأمر تعبّدي،   

1 . المباني في شرح العروة الوثقى:31/165.

صفحه 275
ومصحّحها عندهم أن يتعلّق بنفسه أو بماله، أو بما له الولاية عليه عند الإيصاء، لأجل تفويض أمر تدبيره إليه. ويكفي هذا في صحّتها عند العقلاء، ولأجل كونها أمراً عرفياً، نرى أنّ عبد المطلب أوصى عند الوفاة بما يرجع إلى ولده محمد الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما هذا إلاّ لأنّ الوصية تطلب لنفسها مسوغاً عرفياً، بأن لا يكون موردها أمراً أجنبياً عن الموصي .

الصورة الثانية: الإيصاء بالمضاربة بالمال الذي يرثه الصغير عن الوصي مادام صغيراً

إذا أوصى بالمضاربة بالمال الذي يرثه الصغير بموت الموصي مع تعيين الحصّة وعدمها، حتى يتولاّها الوصي أو مَن يعيّنه هو، فهل الوصاية صحيحة أو لا؟
قيل: لا، واستدلّ عليه بوجهين:
الأوّل: ما نقله السيد الطباطبائي في «العروة» من أنّ الصغير لا مال له حينه وإنّما ينتقل إليه بعد الموت، مع أنّه يشترط في المضاربة وجود المال فلا تصحّ المضاربة على مال لايملكه. 1
يلاحظ عليه: أنّ توقّف المضاربة على وجود المال، غير توقف صحّة الوصية على المال، ويكفي في الثانية، وجود المقتضي وعدم كون الوصية أمراً لغواً، والمفروض أنّ المال موجود عند القيام بالمضاربة.
الثاني: ما ذكره السيد الحكيم: من أنّ تعليق المنشأ بالموت يصحّ في موردين:    

1 . العروة الوثقى:5/263، كتاب المضاربة، المسألة التاسعة.

صفحه 276
أ. الوصية التمليكية: كإيصائه بأنّه ملك لزيد بعد وفاتي.
ب . الوصية التعهدية: كالإيصاء بصرف الثلث في كذا.
وأمّا غيرهما، فلا تصح لبطلان تعليق المنشأ على الموت فلا يصحّ في باب الوقف والبيع، والإبراء فلا يصحّ أن يقول: هذا وقف بعد وفاتي، أو بعتك بعد مماتي، أو أنت بريء عمّا لي عليك بعد وفاتي، وعلى هذا لا يصحّ أن يقول: أوصيك بالمضاربة بهذا المال بعد وفاتي. 1
يلاحظ عليه: أنّ المنشأ المعلّق على الموت، غير منحصر بما ذكره، فإنّ التدبير من قبيل تحرير الملك المعلّق على الموت حيث يقول: «أنت حرّ بعد وفاتي» ومثله ما لو أوصى بعتق مملوكه وكان لا يستوعب ثلث ماله، وأمّا عدم الصحّة في ما ذكر من الأمثلة الثلاثة(الوقف والبيع والإبراء) فإنّها ليست متعارفة عند العرف وإلاّ لم يكن مانع عن صحّتها.
إلى هنا تبيّن أنّ الإيصاء في كلا المقامين ليس على خلاف القاعدة.

الاستدلال على الصحّة بالروايتين

ويمكن الاستدلال على الصحّة بالروايتين التاليتين:
1 . معتبرة محمد بن مسلم التي رواها الكليني، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحسن بن الفضال الفطحي الثقة، عن الحسن بن علي بن يوسف الثقة، عن مثنى بن الوليد الممدوح، عن محمد بن   

1 . المستمسك:12/450.

صفحه 277
مسلم، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم، وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال، وأن يكون الربح بينه وبينهم؟ فقال: «لابأس به من أجل أنّ أباه قد أذن له في ذلك وهو حيّ»1.
أمّا الحسن بن عليّ بن يوسف، فهو الذي عنونه النجاشي في رجاله بـ «الحسن بن علي بن بقاح: كوفيّ ثقة مشهور صحيح الحديث، روى عن أصحاب أبي عبداللّه(عليه السلام)، له كتاب نوادر.2 وترجمه الشيخ في فهرسته بـ «الحسن بن علي بن يوسف المعروف بابن بقاح».3 ووصفه النجاشي بـ «ابن يوسف» في ترجمة الحسن بن علي بن يقطين.4
ومن هنا يعلم، ما في نسخ الوسائل من جعل كلمة يونس مكان «يوسف» نسخة البدل، في غير محلّه، لعدم وجود عنوان لعليّ بن الحسن بن يونس في كتب الرجال.
وأمّا مثنى بن الوليد فقد ذكره الكشي في رجاله وقال: «لا بأس به»5. وبهذا يظهر أنّ الرواية ليست موثقة لعدم ورود توثيق في حقّ المثنى، حتى تصير الرواية موثقة لأجل وجود فطحي في الرواية، ولأجل ذلك عبّرنا عنه بالمعتبرة، وقد صحّح الإمام الوصية من باب أنّ الأب قد أذن له في   

1 . الوسائل: 13، الباب 92 من أحكام الوصايا، الحديث1.
2 . رجال النجاشي: برقم 81.
3 . فهرست الشيخ برقم 756.
4 . رجال النجاشي برقم 90.
5 . رجال الكشي: 287.

صفحه 278
ذلك وهو حيّ، والمراد أنّه أوصى بذلك كما لا يخفى.
2 . خبر خالد بن بكير الطويل، قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يابني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به، وخذ نصف الربح وأعطهم النصف، وليس عليك ضمان، فقدّمتني أمُّ ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: إنّ هذا يأكل أموال ولدي، قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أُجِزهُ، ثم أشهد عليّ ابن أبي ليلى إن أنا حرّكته فأنا له ضامن، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقصصت عليه قصّتي، ثم قلت له: ماترى؟ فقال: «أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه، وأمّا فيما بينك وبين اللّه عزّ وجلّ فليس عليك ضمان»1.
أمّا خالد، فقد ورد في الفقيه: «خالد الطويل» كما ورد في نوادر وصية الكافي وزيادات وصية التهذيب خالد بن بكر الطويل.2 وفي الوسائل «بكير» مكان «بكر». ولعلّه تصحيف، وعلى كلّ تقدير فقد حكم العلاّمة المامقاني أنّه متّحد مع خالد بن أبي إسماعيل الثقة ولم يذكر دليلاً على الوحدة. ولأجل ذلك أصبحت الرواية خبراً، لكن يلوح عليه أثر الصدق وكلّ يؤيّد الآخر.
إذا كانت الوصية تشمل ما بعد البلوغ   
ولا ظهور لهما في أحد القسمين، أي تعلّق الوصية بالمال الموجود، أو بما يرثه وإن كان ربّما يستظهر من خبر خالد، تعلّقها بما يرثه من    

1 . الوسائل: 13، الباب 92 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث1.
2 . قاموس الرجال: 4/130، برقم 2568.

صفحه 279
أموال الميت ولعلّ إطلاقهما لاينكر ولو ثبت ظهوره فيما يرث لثبت الحكم في الوصية بالمال الموجود بوجه أولى.

إذا كانت الوصية تشمل مابعد البلوغ

ثم إن كانت الوصية مغياة بالبلوغ فقد مرّ الكلام فيه، وأمّا إذا كانت شامله لما بعد البلوغ، فهل يصحّ أو لا؟ وجهان فلو قلنا بالصحّة فلابدّ أن يكون بأحد الوجهين:
1. أن يكون الموصى به إيقاع عقد المضاربة على نحو شرط الفعل بمعنى أنّه لا تكفي الوصية في إنشاء المضاربة، بل على الوصي بعد موت الولي التصدي بإنشاء العقد.
2. كون الموصى به الاتّجار بمال الصغير على نحو المضاربة بأن تكون الوصية إنشاءً للمضاربة بعد الموت من دون حاجة إلى إنشاء المضاربة نظير الوصية التمليكية التي هي إنشاء للتمليك بعد الموت.
إنّما الكلام في أنّه هل هو فضولي بالنسبة إلى ما بعد البلوغ أو لا؟ فالظاهر من السيد الطباطبائي كونه فضولياً محتاجاً إلى الإجازة بالنسبة إلى ما بعده.
ولكن الظاهر من السيد الحكيم صحّة الوصية في كلا القسمين حتى بعد البلوغ من دون أن تكون فضولية قال: إن صحّ هذا الإنشاء فلا فرق بين ما يكون بعد البلوغ وما يكون قبله، فإن كانت الوصية مضرّة بمال القصير فهي باطلة وإن كانت بالإضافة إلى ما قبل البلوغ، وإن كانت غير مضرّة   

صفحه 280
فهي صحيحة حتى فيما بعد البلوغ، ولا تحتاج إلى الإجازة، لما عرفت من عموم نفوذ الوصية إذا لم تكن مضرّة لما بعد البلوغ وما قبله. كما لا فرق في العموم بين الوصية بإيقاع العقد والوصية بنفس المضاربة.1
وبعبارة أُخرى: أنّ الإيصاء إذا كان غير ضرري وموافقاً للغبطة، فالإيصاء بكلا شقّيه بالنسبة إلى ما قبله وما بعده صحيح لا فضولي، وإن كان ضررياً بالنسبة إلى ما بعده فهو فضولي، في الإيصاء بالعقد، والإيصاء بالتجارة.
وكون الخيار بيد الصغير بعد البلوغ، لا يخرج العقد عن الفضولية إذا كان ضررياً فإنّ ولاية الأب والجد، محدّدة بما فيه المصلحة أو عدم المفسدة ففي مورد الضرر لا مقتضى للصحّة، حتى يعالج الضرر بالتمكّن.
والحقّ، صحّة الإيصاء بالعقد والتجارة، لما قبل البلوغ وما بعده، غاية الأمر إذا لم يكن ضررياً، ومع الضرر يكون للوارث فسخه و ردّه بلا فرق بين الإيصاءين.

الصورة الثالثة: الإيصاء بحصّة الكبار

موت العامل وفي يده مال المضاربة   
إذا أوصى الأب أو الجدّ بحصّة الكبار، بالمضاربة فهل يصحّ أو لا؟ فقد جوّزه السيد وقال: ولا يضرّ كونه ضرراً عليهم من حيث تعطيل مالهم إلى مدّة لأنّه منجبر بكون الاختيار لهم في فسخ المضاربة وإجازتها.
ولكن الحقّ عدم صحّة الإيصاء، لما عرفت من أنّ الوصية أمر   

1 . مستمسك العروة الوثقى:2/450ـ 451.

صفحه 281
المسألة 50. لو مات العامل وكان عنده مال المضاربة، فإن علم بوجوده فيما تركه بعينه فلا إشكال، وإن علم به فيه من غير تعيين; بأن كان ما تركه مشتملاً عليه وعلى مال نفسه، أو كان عنده أيضاً ودائع أو بضائع للآخرين واشتبه بعضها مع بعض، يعامل معه ما هو العلاج في نظائره من اشتباه أموال متعدّدين. وهل هو بإعمال القرعة، أو إيقاع التصالح، أو التقسيم بينهم على نسبة أموالهم؟ وجوه، أقواها القرعة، وأحوطها التصالح.
نعم، لو كان للميّت ديّان وعنده مال مضاربة، ولم يعلم أنّه بعينه لفلان، فهو أُسوة الغرماء. وكذا الحال لو علم المال جنساً وقدراً، واشتبه بين أموال من جنسه له أو لغيره من غير امتزاج، فالأقوى فيه القرعة أيضاً، خصوصاً إذا كانت الأجناس مختلفة في الجودة والرداءة، ومع الامتزاج كان المجموع مشتركاً بين أربابه بالنسبة.*
عرفي يتعلّق بالإنسان وأمواله وما له عليهم ولاية، وأمّا البالغون الكبار، الذين ليس لهم أية ولاية، فالإيصاء في حصّتهم، إيصاء في مال الأجنبي، وهو بفقد المقتضي أشبه.

* موت العامل وفي يده مال المضاربة

إذا مات العامل وكان عنده مال المضاربة، فله صورتان:
الأُولى: إذا مات وعلم بوجوده في التركة.   

صفحه 282
الثانية: ما إذا مات ولم يعلم بوجوده فيها.
ولذلك فصّلنا متن المسألة إلى صورتين، فإنّ دراسة الصورة الأُولى أسهل من دراسة فروع الصورة الثانية.

الصورة الأُولى: إذا مات العامل وعلم بوجوده في التركة

هذا هو المقسم لعامّة الصور فلا تغفل، وفيها أقسام:

الأوّل: ما علم بعينه

إذا مات وكان عنده مال المضاربة، فتارة علم مال المضاربة فيما تركه بعينه، فلا شكّ أن يرد إلى رب المال بلا إشكال لعدم خروجه عن ملك مالكه، وعليه الفقهاء بكلمة واحدة. قال الشيخ الطوسي: ومن كان عنده أموال للناس مضاربة فمات، فإن عيّن ما عنده أنّه لبعضهم كان على ما عيّن في وصيّته.1
وقال المحقّق: إذا مات وفي يده أموال مضاربة فإن علم مال أحدهم بعينه كان أحقّ به.2
ما عُلم بأنّه في تركته من غير تعيين   
وقال ابن سعيد: من يموت وعنده مال مضاربة إن سمّاه بعينه قبل موته فقال: هذا لفلان، فهو له.3 ووجهه واضح لعدم خروجه عن ملك المالك.   

1 . النهاية:430.
2 . شرائع الإسلام:2/145.
3 . الجامع للشرائع:316.

صفحه 283

الثاني: ما عُلم بأنّه في تركته من غير تعيين

هذا ما أشار إليه المصنّف بقوله:«وإن علم به فيه من غير تعيين»، والظاهر من كلامه أنّه على حالتين ـ وإن فرق بينهما في المتن «بذكر ما إذا كان للميت ديون» وكان الأولى ذكر مورد الديون بعد القسمين كما فعلنا ـ :
الحالة الأُولى: عُلم أنّه فيه ولكن لم يُعلم جنساً وقدراً، بأن علم بأنّ ما تركه مشتمل على ماله ومال نفسه، أو كان عنده ودائع وبضائع للآخرين، وعُلم أنّ بينها مال المالك، كما إذا كان عنده أجناس مختلفة كالرز والحنطة والسكر، ولم يعلم أي واحد منها كان مال المالك وما هو مال نفسه أو غيره، فيعامل معه كما يعامل في نظائره من اشتباه أموال الأشخاص المتعدّدين، وقد ذكر المصنّف وجوهاً ثلاثة:
أ. إعمال القرعة
ب. إيقاع التصالح.
ج. التقسيم بينهم على نسبة أموالهم.
فالأوّل هو الأقوى لأنّه مصبّ روايات القرعة، والثاني هو الأحوط، وأمّا الثالث أي التقسيم بينهم على نسبة أموالهم، فلا موضوع له في هذه الصورة، لأنّ المفروض الجهل بالجنس وقدره، ولو صحّ ذلك فإنّما يصحّ احتمالاً في الصورة الثانية، وهي:
الحالة الثانية: علم المال جنساً وقدراً واشتبه بين أموال من جنسه له أو لغيره من غير امتزاج، وهذا كما لو كان في بيته سجاجيد عديدة أو   

صفحه 284
أكياس من الحنطة والأرز مع وجود الاختلاف بين الأجناس في الجودة والرداءة، فالأقوى فيه أيضاً القرعة والأحوط التصالح، نعم ربّما يحتمل وجود الشركة بين أربابها بالنسبة.
وهذا هو الظاهر من السيد الطباطبائي قال: فإن علم بوجوده في التركة الموجودة من غير تعيين فكذلك ويكون المالك شريكاً مع الورثة بالنسبة، ويقدّم على الغرماء إن كان الميت مديوناً.1
يلاحظ عليه: أنّ الشركة فرع الامتزاج ومادامت الأجناس متميّزة بعضها عن البعض فلا تحصل الشركة، غاية الأمر يسيطر على الأموال الإبهام والمرجع هو القرعة، نعم ظاهر كلمات الأصحاب حصول الشركة، خصوصاً قول المحقّق: «وإن جُهل كانوا فيه سواء».2 أو قول المحقّق الثاني: وصاحبه كالشريك.3 وقال العلاّمة: وإن جهلوا كانوا فيه سواء.4لكن الشركة فرع الامتزاج، والمفروض عدمه.
لو كان للميّت ديّان    
فإن قلت: ظاهر رواية السكوني أنّه يكون شريكاً مع الوارث، فقد روى جعفر عن أبيه، عن آبائه، عن علي(عليه السلام) أنّه كان يقول:«من يموت وعنده مال مضاربة، قال(عليه السلام): إن سمّاه بعينه قبل موته فقال: هذا لفلان، فهو له، وإن مات ولم يذكر فهو أُسوة الغرماء».5   

1 . العروة الوثقى:5/245، المسألة الأُولى.
2 . شرائع الإسلام:2/145.
3 . جامع المقاصد:8/140.
4 . تذكرة الفقهاء:17/144.
5 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث1.

صفحه 285
قلت: الرواية ليست ظاهرة في الشركة، ومعنى كونه أُسوة للغرماء أنّه يقدم عليهم ولا يضرب معهم للعلم بوجود ماله فيهم جنساً وقدراً، إلاّ أنّه غير مشخّص. وليس في ذمّة الميت حتى يكون من الغرماء.
وحصيلة الكلام: أنّ الشركة القهرية رهن الامتزاج، لا الاختلاط والاشتباه، سواء كان المزج بين مالين من جنس واحد أو من جنسين، على وجه لايبقى للمالين التعيّن والتميّز في نفس الأمر، كما إذا امتزج الماء مع الطين، والسكر مع الحليب، وليس المقام من قبيل القسمين بل من قبيل الاختلاط، مع التحفّظ على تعيّن الأجزاء وتشخّصها في نفس الأمر وإن كانا غير متميّزين عندنا، وبالجملة إذا كان مال كلّ واحد متعيّناً ومتميّزاً في الواقع لا تتحقّق الشركة.
فظهر أنّ اختلاط مال المالك، بمال الوارث واشتباههما لايورث الشركة، بل يحكم على مثل هذا بحكم مالين مشتبهين، فالمرجع إمّا القرعة أو التصالح، والأوّل أقوى والثاني أحوط.

الحالة الثالثة: لو كان للميّت ديّان

لو كان للميت ديّان، وعنده مال مضاربة ولم يُعلم أنّه بعينه لفلان فلا يمنع عن إجراء القرعة لعدم كونه في ذمّة الميت حتى يكون مشاركاً مع الديّان; بل علم وجوده فيها فيقدّم عليهم، ومراد المصنّف أنّه أُسوة للديّان (للغرماء) أنّه يقدّم سهمه على سهامهم كما مرّ. وكان الأولى ذكرها بعد الحالتين ليعمّ حكمها لهما معاً.

صفحه 286
ولو علم بعدم وجوده فيها، واحتمل أنّه قد ردّه إلى مالكه، أو تلف بتفريط منه أو بغيره، فالظاهر أنّه لم يحكم على الميّت بالضمان، وكان الجميع لورثته. وكذا لو احتمل بقاؤه فيها.ولو علم بأنّ مقداراً من مال المضاربة، قد كان قبل موته داخلاً في هذه الأجناس الباقية التي قد تركها، ولم يعلم أنّه هل بقي فيها أو ردّه إلى المالك أو تلف، ففيه إشكال، وإن كانت مورّثية الأموال لا تخلو من قوّة، والأحوط الإخراج منها مع عدم قاصر في الورثة.*
لو علم بعدم وجود مال المضاربة في التركة أو احتمل وجوده فيها   

* الصورة الثانية: لو علم بعدم وجود مال المضاربة في التركة أو احتمل وجوده فيها

ذكر المصنّف في هذه الصورة فروعاً:
1. لو عُلم بعدم وجوده فيها واحتمل أنّه قد ردّه إلى مالكه أو تلف بتفريط منه أو بغيره.
2. لو احتمل بقاؤه فيها ومع ذلك يُحتمل أنّه قد ردّه إلى مالكه، أو تلف بتفريط منه أو بغيره ومع ذلك احتمل بقاؤه فيها.
3. لو علم بأنّ مقداراً من مال المضاربة كان قبل موته داخلاً في هذه الأجناس الباقية التي قد تركها، ولم يُعلم أنّه هل بقي فيها أو ردّها إلى المالك أو تلفت؟
وهذه الفروع الثلاثة تختلف درجة احتمال عدم الضمان فيها، فالقول بعدم الضمان في الفرع الأوّل أسهل من القول به في الفرع الثاني،   

صفحه 287
وهكذا الحال في نسبة الثاني إلى الثالث، يقول السيد الطباطبائي بعد ذكر الفروع الثلاثة: ففي ضمانه في هذه الصور الثلاث وعدمه خلاف وإشكال على اختلاف مراتبه، وكلمات العلماء في المقام وأمثاله كالرهن والوديعةونحوهما مختلفة. ثم قوى الضمان في عامّة الفروع كما سيأتي.1
وإليك دراستها:
أمّا الفرع الأوّل: فقد استظهر المصنّف عدم وجوب الضمان على الميّت وأنّ جميع التركة للورثة، لبراءة ذمّته عن الضمان.
وأمّا السيد الطباطبائي فقد قال: الأقوى الضمان، لعموم قوله(عليه السلام):«على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، حيث إنّ الأظهر شموله للأمانات أيضاً، ودعوى خروجها لأنّ المفروض عدم الضمان فيها، مدفوعة بأنّ غاية ما يكون خروج بعض الصور منها ـ كما إذا تلفت بلا تفريط ـ أو ادّعي تلفها كذلك إذا حلف، وأمّا صورة التفريط والإتلاف ودعوى الردّ في غير الوديعة ودعوى التلف والنكول عن الحلف فهي باقية تحت العموم.2
يلاحظ عليه: أنّ التمسّك بعموم على اليد تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية لاحتمال كون المورد ممّا اعترف بخروجه منه مع أنّه يمكن إخراج يده عن تحت العام في عامّة الصور بكون يده مسبوقة بعدم كونها على وجه الضمان.   

1 . العروة الوثقى:5/246، مسائل متفرقة: المسألة الأُولى.
2 . العروة الوثقى:5/246ـ249.

صفحه 288
وأمّا الفرع الثاني: أعني: ما احتمل بقاؤه في التركة، ومع ذلك يحتمل أنّه قد ردّه إلى مالكه أو تلف بتفريط منه أو بغيره.
قلنا: القول بعدم الضمان في الفرع السابق أسهل من القول به في هذا الفرع، لأجل العلم بعدم وجوده في التركة في الفرع الأوّل بخلاف هذا الفرع حيث احتمل بقاؤه في التركة، وقد أفتى المصنّف أيضاً بعدم الضمان، وقد عرفت وجهه من أصالة البراءة وإمكان إخراج يده عن العام، خلافاً للسيد الطباطبائي حيث قوّى الضمان بنفس الدليل المذكور في الفرع الأوّل.
وقد مرّ أنّه غير تام; لأنّ المورد من قبيل الشبهة المصداقية للمخصّص، فكما لا يمكن التمسّك بالمخصّص هكذا لا يمكن التمسّك بالعام.
الأصل في الأموال الاحترام   

الأصل في الأموال الاحترام

لكن الأقوى هو الضمان أخذاً بالقاعدة العقلائية التي أطبق عليها العقلاء في باب الأموال التي لم يدفعها المالك إلى الغير محاباة وبالمجان، كما في مورد الهبة والحقوق الواجبة والوديعة والعارية، بل لأجل الاسترباح وردّ الأصل مع الفرع. ففي ذلك المجال، بما أنّ المالك حفظ حرمة ماله، صار طبع المال مقتضياً للضمان، حتى يثبت ما يزيل الضمان بالخسران أوّلاً، والتلف ثانياً، وإتلاف الغير ثالثاً وهكذا، وبما أنّ الآخذ أمين، تكفي اليمين في ثبت دعواه التلف ، وإلاّ فالأصل الضمان.   

صفحه 289
وعلى هذا فالقول بالضمان في كلا الفرعين أكثر وضوحاً من القول بعدم الضمان.
نعم لو كان الرجل حيّاً واعترف بشيء يقبل قوله بلا يمين إذا لم يكن متّهماً، أو مع اليمين إذا كان متّهماً، وأمّا إذا مات ولم يوص بشيء فيحتمل أنّه قد قصّر بالوصية أو غفل. والأصل في الأموال الاحترام.
فإن قلت: إنّ المضارب أمين ويده يد أمانة وقد مرّ أنّه يمكن إحراز كيفية يده بالأصل، ومعه كيف يحكم عليه بالضمان.
قلت: لا شكّ أنّ المضارب أمين ويده يد أمانة،ولكن هذا إنّما يفيد إذا كان حيّاً وقال: قد تلف بلا تفريط فيقبل قوله إذا لم يكن متّهماً.
وأمّا الحكم عليه بالضمان ـ في المقام ـ لا من جهة اليد، بل من جهة اقتضاء نفس المال الحرمة والاحترام، فهذا الحكم سائد حتى يدلّ على خلافه دليل.
وحاصل الكلام: التفريق بين مقتضى اليد الأمانية ومقتضى طبع المال الحرمة والاحترام; والأوّل إنّما يفيد إذا كان حيّاً وأخبر عن مصير المال، وأمّا الثاني فهو يفيد سواء كان ذو اليد حيّاً أو ميّتاً، غير أنّه إذا كان حيّاً وأخبر عن مصير المال يقدّم على مقتضى طبع المال.
وأمّا الفرع الثالث: لو علم بأنّ مقداراً من مال المضاربة قد كان قبل موته داخلاً في الأجناس الباقية التي قد تركها، ولم يعلم أنّه هل بقي فيها أو ردّها إلى المالك أو تلفت؟   

صفحه 290
قال المصنّف: «ففيه إشكال، وإن كانت موروثية الأموال لا تخلو من قوّة».
وقال السيد الطباطبائي بالضمان واستدلّ عليه بوجوه:
الأوّل: الاستصحاب، لأنّ الأصل بقاء يده عليه إلى ما بعد الموت، واشتغال ذمّته بالردّ عند المطالبة، وإذا لم يمكنه ذلك لموته يؤخذ من تركته بقيمته.
فإن قلت: إنّ الأصل المذكور معارض بأصالة براءة ذمّته من العوض، والمرجع ـ بعد التعارض ـ قاعدة اليد المقتضية لملكيته.
قلت: الجواب بوجهين:
1. إنّ الأصل الأوّل حاكم على الثاني، حكومة الأصل السببي على المسبّبي.
2. إنّ قاعدة اليد إنّما يستدلّ بها على الملكية إذا كانت مختصّة، وهي في المقام مشتركة، والأصل بقاؤها على الاشتراك.1
المضاربة مع الذمّيّ   
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ استصحاب بقاء يده عليه إلى ما بعد الموت لا يترتّب عليه الضمان إلاّ إذا ثبت التفريط، وهو غير معلوم، وأمّا التمسّك باستصحاب اشتغال ذمّته بالردّ عند المطالبة فهو يختصّ بحال الحياة ولا يمكن استصحاب بقائه بعد الموت. والأولى الاستدلال على الضمان بما قلناه، وهو أنّ الأصل السائد في المقام هو مسؤولية العامل أمام   

1 . لاحظ: العروة الوثقى:5/246ـ249، كتاب المضاربة، مسائل متفرقة: الأُولى.

صفحه 291
المالك ولزوم خروجه عنها بدليل، وبما أنّه مات ولم يوص بشيء ولم يذكر ما يخرجه عن المسؤولية فهو محكوم بالضمان، حتى يثبت الخلاف، ولذلك قال المصنّف: الأحوط في جميع الصور الثلاث الإخراج من التركة مع عدم وجود قاصر في الورثة.
***

ختامه مسك

بقيت هنا مسألتان لم يذكرهما المصنّف.

الأُولى: المضاربة مع الذمّي

تكره المضاربة مع الذمّي، بمعنى اتّخاذه عاملاً، واستدلّ عليه:
1. بما رواه الكليني عن علي بن رئاب قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمّي ولا يبضعه بضاعة ولا يودعه وديعة ولا يصافيه المودّة».1
2. بما رواه الكليني أيضاً عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كره مشاركة اليهودي والنصراني والمجوسي، إلاّ أن تكون تجارة حاضرة لا يغيب عنها المسلم».2
ولعلّ الحكم بذلك لأجل عدم احترازه عن الحرام، وبما أنّ   

1 . الوسائل:13، الباب2 من أبواب كتاب الشركة، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب 2 من أبواب كتاب الشركة، الحديث2.

صفحه 292
النهي إرشادي وليس بمولوي، تصحّ المعاملة مع الذمّي قطعاً خصوصاً إذا علمنا احترازه عن الحرام، ولأجل كونه إرشادياً يصحّ التعدّي منه إلى كلّ مَن لا يؤمن منه في معاملاته من الاحتراز عن الحرام.

المسألة الثانية: اشتراء رب المال من العامل

اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّه لا يصحّ أن يشتري ربّ المال من العامل شيئاً من مال القراض، كما صرّح به في المبسوط1 والشرائع2والتذكرة3 وجامع المقاصد4; معلّلاً بأنّه لايصحّ أن يشتري الإنسان ماله.
قال ابن قدامة: إذا اشترى ربّ المال من مال المضاربة شيئاً لنفسه، لم يصحّ في إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي; ويصحّ في الأُخرى، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة; لأنّه تعلّق حقّ المضارب به، فجاز له شراؤه.5 وعلى هذا يجوز الشراء إذا ظهر الربح; لأنّه يشتري منه حقّ المضارب ولكنّه يصحّ في حقّه دون العامل.
اشتراء ربّ المال من العامل   
يلاحظ عليه: أنّ المفروض أنّ المال مشاع فما يبيعه، ليس ملكاً طلقاً للمضارب، بل مشاع بينهما، فلا ينفع ظهور الربح مائة بالمائة، والعجب أنّـهم تفطّنوا لهذه النكتة في اشتراء العامل كما سيوافيك، دون المقام.   

1 . المبسوط: 3/196.
2 . شرائع الإسلام:2/144.
3 . تذكرة الفقهاء: 17/ 70، المسألة 236 .
4 . جامع المقاصد: 8/147.
5 . المغني: 5/172.

صفحه 293
فإن قلت: على فرض صحّة شراء ربّ المال حقّ العامل لكن ملكية العامل للربح، ملكية متزلزلة، فكيف يجوز بيعه؟
قلت: معنى كونه ملكية متزلزلة هو كونه متعلّق حقّ المالك، وأنّه لو خسرت التجارة، تكون وقاية لرأس المال فإذا رضي صاحب الحق أي المالك، فلا مانع.
ثم طروء الخسارة لايوجب بطلان البيع فإنّه بمنزلة التلف غاية الأمر يجب على العامل، ردّ ما أخذه ثمناً لاتّفاقهما على أنّه لو خسرت التجارة لايكون الجبر بأزيد ممّا أخذ أي الثمن المسمّى.
وبذلك يظهر ضعف ماذكره في «الجواهر»1، وتبعه السيد الطباطبائي من لزوم ردّ قيمتها2، لأنّه تصحّ في التالف إذا لم يكن برضى المالك كما لايخفى.
هذا كلّه في اشتراء ربّ المال من العامل; وأمّا العكس، فقد فصّلوا بين الشراء قبل ظهور الربح فيصحّ لأنّه يشري مال الغير، والشراء بعد ظهوره فيبطل في حصّته من الربح، قال العلاّمة: وللعامل أن يشتري من مال المضاربة، وإن ظهر ربح بطل البيع في نصيبه3.
قال ابن قدامة: وإن اشترى المضارب لنفسه من مال المضاربة   

1 . الجواهر: 26/401.
2 . العروة الوثقى:5/205، كتاب المضاربة، المسألة 4.
3 . قواعد الأحكام:2/344ـ 345.

صفحه 294
ولم يظهر في المال ربح صحّ، نصّ عليه أحمد، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وإسحاق، وحكي ذلك عن أبي حنيفة، وقال أبو ثور: البيع باطل لأنّه شريك، ثم استدلّ بأنّه ملك لغيره فيصحّ شراؤه له، كما لو اشترى الوكيل من موكّله وإنّما يكون شريكاً إذا ظهر ربح; لأنّه إنّما يشارك رب المال في الربح لا في أصل المال ومتى ظهر في المال ربح كان شراؤه كشراء أحد الشريكين. وقال: وإن اشترى أحد الشريكين من مال الشركة شيئاً بطل قدر حقّه لأنّه ملكه1.
وقال السيّد العاملي: وأمّا إذا كان الربح ظاهراً في وقت الشراء بناءً على أنّه يملك بالظهور، فالبطلان في نصيبه في غاية الظهور; لأنّه لايعقل شراء ملك نفسه وإن كان متزلزلاً2.
لكن الحكم بالصحّة فيما لو لم يظهر الربح على وجه الإطلاق مشكل، وهذا كما إذا اشترى منه قبل ظهور الربح بأزيد من قيمته، بحيث يكون الربح حاصلاً بهذا الشراء، فيشكل بأنّ بعض الثمن يرجع إليه من حيث كونه ربحاً، فيلزم من نقله إلى البائع عدم نقله من حيث عوده إلى نفسه.
وأجاب عنه السيد الطباطبائي بأنّه عند ما يكون ملكاً للمالك، ليس ملكاً للعامل، وإنّما يصير ملكاً له بعد دخوله في ملك المالك وخروجه   

1 . المغني: 5/173.
2 . مفتاح الكرامة: 7/501.

صفحه 295
منه بعد صدق الربح من ملكه. قال إنّ كونه ربحاً، متأخّر عن صيرورته للبائع، فيصير أوّلاً للبائع الذي هو المالك من جهة كونه ثمناً، وبعد أن تمّت المعاملة وصار ملكاً للبائع وصدق كونه ربحاً، يرجع إلى المشتري الذي هو العامل، على حسب قرار المضاربة، فملكية البائع (المالك) متقدّمة طبعاً. 1
يلاحظ عليه: أنّ الأحكام الشرعية مترتّبة على التقدّم والتأخّر الخارجيّين، فلا يكفي التقدّم الطبيعي، والمفروض أنّ كونه ملكاً للمالك والعامل معاً في زمان واحد. فليزم أن يشتري مال نفسه أيضاً.

الظاهر الصحّة مطلقاً مالكاً وعاملاً

وهذه الدراسة على حسب مباني القوم ولنا في المقام كلام آخر، وهو أنّه يجوز اشتراء المالك والعامل، قبل ظهور الربح وبعده، ولا يلزم منه شراء الإنسان لمال نفسه مطلقاً، سواء كان المشتري ربّ المال أو العامل، وهو أنّ مَن نظر إلى الشركات المضاربية في البلاد، يقف على أنّ نفس الشركة، تكتسب لنفسها شخصية معنوية تكون هي المالكة للأموال لا الملاّك ولا العمّال فتكون هي البائعة والمشترية، لا المالك بوجوده الخارجي، ولا العامل بهويته الشخصية. نعم عند انحلال الشركة، ترجع الأموال، الى المالك والعامل حسب القرار الموجود في عقد الشركة; وعلى ذلك فلو اشترى المالك فإنّما يشتريه من الشركة، وهكذا العامل، لا   

1 . العروة الوثقى:5/206.

صفحه 296
من نفسه ولا من حصّة عديله.
إنّ تقسيم الملكية إلى الحقيقية والمعنوية أمر عرفه الناس واعترف به الحقوقيّون، وكفى ذلك في صحّته ونفوذه، وليس القول بالملكية الحقوقية أمراً مخالفاً للقواعد، فلا وجه لرفضها مع رواجها بين العقلاء حتى في بلادنا هذه. وقد راج في أيامنا هذه، أنّه تقوم أُسرة كبيرة أو موظفو دائرة خاصّة بتشكيل جمعية تعاونية يشارك فيها أعضاء الأُسرة أو موظفو الإدارة، فيشترون حوائجهم منها ولا يدور في خلد أحد أنّهم يشترون أموال أنفسهم، وما هذا إلاّ لأنّهم ينظرون إلى الشركة ما دامت قائمة بعين الاستقلال، ولو قيل: إنّ للزمان والمكان مدخلية في الاجتهاد واستكشاف الحكم الشرعي، فليكن هذا من مصاديقه.
***
تمّ الكلام في أحكام المضاربة وفقاً لتحرير الوسيلة
للسيد الإمام الخميني(قدس سره) وقد راجعنا عند إلقاء المحاضرات
كتابنا:«نظام المضاربة في الشريعة الإسلامية الغرّاء»
الذي ألّفناه في سالف الزمان
تمّ في اليوم 18 من شهر جمادى الأُولى من
شهور عام 1438هـ ، وسمّيناه بـ :
«أحكام المضاربة في ثوبها الجديد»
والحمد لله ربّ العالمين

صفحه 297
فهرس المحتويات   
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
مقدّمة المؤلّف   7
المضاربة تجارة طيّبة   7
كتاب المضاربة
تسمية المضاربة قراضاً   12
تعريف المضاربة   12
تعريف البضاعة والفرق بينها وبين المضاربة   14
كيفية عقد المضاربة   15
في شروط المتعاقدين   16
ما هو الشرط في خصوص ربّ المال؟   16
ما هو الشرط في العامل؟ وفيه فروع   17
   الفرع الأوّل: إذا كان العامل عاجزاً مطلقاً   18
   الفرع الثاني: لو عجز عن البعض   21
      التفصيل بين أخذ الجميع دفعة أو تدريجاً   23
      تأييد السيد الطباطبائي نظرية التفصيل   24
   الفرع الثالث: لو طرأ العجز في أثناء التجارة للجميع   25
   الفرع الرابع: لو طرأ العجز عن البعض دون البعض   25
في شروط رأس المال   26
   الشرط الأوّل: أن يكون عيناً   26

صفحه 298
الموضوع     الصفحة
      مقتضى المضاربة الثانية   31
      مقتضى قاعدة العدل والإنصاف   31
      تقريب لجعل الدين رأس مال   34
      حديث السكوني   35
      جعل المنفعة رأس المال   36
   الشرط الثاني: أن يكون رأس المال مسكوكاً، وفيه صور   37
      1. المضاربة بالنقدين إذا سلما من الغش   40
      2. المضاربة بهما إذا كانا مخلوطين بغيرهما   40
      3. المضاربة بالذهب والفضة غير المسكوكين   41
      4. المضاربة بالسلعة أو المتاع   42
      جعل رأس المال قيمة السلعة   44
      المضاربة بالأوراق النقدية   45
   الشرط الثالث: أن يكون رأس المال معيّناً   47
   الشرط الرابع: أن يكون معلوماً قدراً ووصفاً   50
شرائط الربح   54
   الشرط الأوّل: أن يكون الربح معلوماً   55
   الشرط الثاني: أن يكون الربح مشاعاً مقدّراً بأحد الكسور
            كالنصف أو الثلث   56
      فتاوى شاذّة للأعلام الأربعة   61
   الشرط الثالث: أن يكون الربح مشتركاً بين المالك والعامل فقط   63
دفع أحد النقدين لاشتراء النخيل أو الاغنام   74

صفحه 299
الموضوع     الصفحة
دراسة ما استدلّ به على بطلان كونها معاملة مستقلّة   77
صحّة المضاربة بالمشاع   79
عدم الفرق بين اللفظ الصريح وغيره   80
اتّحاد المالك وتعدّد العامل في مال واحد   81
تفضيل أحد العاملين على الآخر   82
تعدّد المالك ووحدة العامل   83
هل المضاربة عقد جائز أو لازم؟   89
أدلّة القول بالجواز   91
المضاربة غير المؤجّلة جائزة قطعاً   94
اشتراط عدم الفسخ في المدّة المضروبة، وفيها صورتان   95
   الأُولى: أن لا تنفسخ بفسخ أحدهما   95
   الثانية: أن لا تسلب عن الطرفين ملكية الفسخ   96
اشتراط عدم الفسخ في العقد الجائز، غير مثمر   97
   التفسير الأوّل للقاعدة   98
   التفسير الثاني للقاعدة   99
   استثناء هذا النوع من الشروط من الضابطة   100
اشتراط عدم الفسخ في ضمن عقد لازم   103
في جريان المعاطاة والفضولية في المضاربة   104
انفساخ العقد بموت المالك أو العامل   104
دليل بطلان المضاربة بالموت عند المشهور، وفيه مواضع ثلاثة   107
   الموضع الأوّل: حكم المضاربة عند موت أحد الطرفين   108

صفحه 300
الموضوع     الصفحة
   الموضع الثاني: إبقاء المضاربة بالانشاء الجديد   112
   الموضع الثالث: إبقاؤها بإجازة الوارث   112
الاستدلال على عدم صحّة الإبقاء   113
تحليل ما ذكره صاحب الجواهر   114
استنتاج أُمور مهمّة   115
نظرية السيد الحكيم في بطلان الإبقاء   116
حكم تقسيم رأس المال والربح على القول ببطلان المضاربة   118
العامل أمين غير ضامن لما تلف   120
تقييد الضمان بما إذا كان التعدّي سبباً للتلف   122
العامل أمين غير ضامن للوضيعة   123
اشتراط الضمان على العامل   125
اشتراط ضمان رأس المال   125
أدلّة بطلان الشرط    124
   1. شرط الضمان مخالف لمقتضى العقد   125
   2. شرط الضمان مخالف للسنّة   126
اشتراط ضمان الوضيعة   128
محاولة لتصحيح الرواية   131
في ضمان العامل   133
في ضمان العامل عند تلف المال   133
اشتراط ضمان الماليّة عند نقص القيمة   137
في مشاركة العامل في الخسارة   139
لو كان عقد المضاربة عقداً مطلقاً   142

صفحه 301
الموضوع     الصفحة
فيما لو خالف العامل شرط المالك   143
لا يجوز للعامل خلط رأس المال بمال آخر   153
لو خلط العامل ضمن المال والخسارة   155
لا يجوز مع إطلاق العقد بيع المتاع نسيئة   156
يضمن العامل في غير مورد الانصراف   158
ليس للعامل أن يسافر بالمال إلاّ بإذن المالك   159
يضمن العامل التلف والخسارة لو سافر بدون إذن المالك   160
نفقة العامل في الحضر   161
نفقة العامل في السفر   162
لو قتّر العامل على نفسه   163
في حكم جوائز العامل وعطاياه وضيافاته   163
ما هو المراد من السفر؟   164
لو أقام لغرض آخر   165
نفقة الرجوع   166
لو تعدّد أرباب المال واتّحد العامل   167
في استحقاق النفقة وكيفية صرفها   170
في اختيار العامل كيفيّة العمل بمال المضاربة   172
إذا تلف رأس المال قبل الأداء   175
توكيل العامل غيره في الاتّجار   178
أدلّة القائل بفساد الشرط وحده أو مع المشروط   184
هل العامل يملك بالظهور أو بالإنضاض؟   187
دليل المخالف   192

صفحه 302
الموضوع     الصفحة
الربح وقاية لرأس المال   196
بما ذا يتحقّق الاستقرار؟   197
جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة بالربح   201
جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة لتلف بعضه   201
جبر الخسارة الواردة على مال المضاربة لأجل تلف الكلّ   202
اشتراط عدم كون الربح جابراً   202
مقدّمة للسيّد الطباطبائي في العروة الوثقى   205
لو حصل فسخ أو انفساخ في المضاربة، وفيه صور   208
   الأُولى: الفسخ والانفساخ قبل الشروع في العمل   208
   الصورة الثانية: الفسخ والانفساخ بعد تمام العمل   209
   الصورة الثالثة: الفسخ والانفساخ في أثناء العمل قبل حصول الربح   210
      حكم نفقة السفر بعد الفسخ   211
   الصورة الرابعة: الفسخ والانفساخ في الأثناء بعد حصول الربح   213
لو كان في المال ديون على الناس   215
ما هو الواجب على العامل بعد حصول الفسخ أو الانفساخ؟   217
لو أرسل العامل المال إلى بلد آخر   218
إذا كانت المضاربة فاسدة   219
إذا كان الإذن غير متقيّد بصحّة المضاربة   220
إذا كان الإذن مقيّداً بالمضاربة   223
استحقاق العامل الأُجرة، وفيه صور   223
   الأُولى: إذا كانت المعاملة رابحة   224
   الثانية: إذا كانت التجارة غير رابحة   225

صفحه 303
الموضوع     الصفحة
   الثالثة: إذا كان مقدار الربح أقلّ من الأُجرة   226
معاملة المالك مع المضارب والعامل، وفيها حالتان   228
   الأُولى: حالة الإجازة   228
      التكرار في عبارة المصنّف   229
   الحالة الثانية: حالة الردّ، ولها صور:   229
معاملة العامل مع المضارب   233
على العامل الإقدام بالاتّجار فوراً عرفياً   234
إذا اشترى نسيئة بإذن المالك وتلف المال قبل أداء الدين   236
إذا دفع رأس المال مرّتين   239
لو فسخ أحد المالكين دون الآخر   240
تنازع المالك مع العامل في مقدار رأس المال   240
   مبنى الإشكال   242
اختلاف العامل والمالك في التلف والخسارة   244
اختلاف المالك والعامل في الربح   246
   التفصيل بين التفسيرين   248
لو اختلفا في نصيب العامل   250
هل المورد من قبيل التداعي أو الادّعاء والإنكار؟   251
لو ادّعى المالك الخيانة والتفريط على العامل   252
تفصيل السيد الخوئي بين المتّصل والمنفصل   253
ادعاء العامل ردّ رأس المال وإنكار المالك   255
اختلاف المالك والعامل في الاشتراء لنفسه أو للمضاربة   257
إذا خسر واختلفا في أنّ المال مضاربة أو إقراض   260

صفحه 304
الموضوع     الصفحة
إذا ربح واختلفا في أنّ المال قراض أو إقراض   262
ادّعاء المالك البضاعة والعامل المضاربة   264
إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة   266
اتّجار الأولياء بأموال المولّى عليهم   269
الإيصاء بالمضاربة بمال المولّى عليه، وفيها صور   272
   الصورة الأُولى: الإيصاء بالمضاربة بالمال الموجود للصغير   273
   الصورة الثانية:الإيصاء بالمضاربة بالمال الّذي يرثه الصغير عن الوصي..   275
      الاستدلال على الصحّة بالروايتين   276
      إذا كانت الوصية تشمل مابعد البلوغ   279
   الصورة الثالثة: الإيصاء بحصّة الكبار   280
موت العامل وفي يده مال المضاربة، وفيها صورتان   281
   الصورة الأُولى: إذا مات العامل وعلم بوجوده في التركة، وفيها قسمان   282
      الأوّل: ما علم بعينه   282
      الثاني: ما عُلم بأنّه في تركته من غير تعيين   283
الصورة الثانية: لو علم بعدم وجود مال المضاربة في التركة أو احتمل...   286
الأصل في الأموال الاحترام   288
ختامه مسك، وفيه مسألتان   291
   الأُولى: المضاربة مع الذمّي   291
   المسألة الثانية: اشتراء رب المال من العامل   292
   الظاهر الصحّة مطلقاً مالكاً وعاملاً   295
فهرس المحتويات   297
Website Security Test