welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الرحلة المغربية أو على ساحل جبل طارق*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الرحلة المغربية أو على ساحل جبل طارق

صفحه 1
الرحلة المغربية
أو
على
ساحل جبل طارق

صفحه 2
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق = 1308 ش ـ
الرحلة المغربية ،أو، على ساحل جبل طارق / إعداد علي رضا السبحاني ـ . قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1426 ق . = 1384 .
323 ص .    ISBN 964 - 357 - 204 - 8
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1 ـ مراكش ـ ـ سير و سياحت ـ ـ قرن 21. 2. سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1308 ش ـ ـ ـ خاطرات ـ علمى .
3. سفرنامه ها . ألف. سبحانى ، علي رضا ، 1353 ش ـ . گردآونده . ب . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ج. عنوان .
1384 4041ب2س/ 2/190DT    04 / 964
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   … الرحلة المغربية أو على ساحل جبل طارق
إعداد:   … علي رضا السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى ـ 1426 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 3
الرحلة المغربية
أو
على
ساحل جبل طارق
عرض تفصيلي لزيارة آية الله جعفر السبحاني
لجامعات المغرب، ومحاضراته وحواراته فيها

إعداد
علي رضا السبحاني

صفحه 4
(وَ فِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ)
الذاريات: 20

صفحه 5
   
    الرحلة المغربية أو على ساحل جبل طارق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين: أعلام الهدى، والعروة الوثقى.
إنّ مرافقة أهل الفضل والكمال تعدّ سُلّم التكامل ومرقاة الرقي للإنسان ، لأنّها نوع من المزاملة معهم في هدف واحد وطريق فارد، وبالتالي يجعل الإنسان شبيهاً للمرافَق صورة وسيرةً، نتيجة قربه وارتباطه بمركز الفضيلة والكمال.
وقد ورد في رواياتنا المأثورة من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أنّ النظر في وجه العالم عبادة، ولعلّ السبب هو أنّ النظر يسبّب المجالسة والمخالطة، والّتي تؤثر بدورها في سلوك الإنسان وتكوين شخصيته ونفسياته .
ومن هذا المنطلق كنت وما زلت أحرص على مرافقة حضرة الوالد ـ دام ظله ـ في حلّه وترحاله، للارتواء من نمير علمه وعذب بيانه .
وهكذا رافقته في سفره إلى بلاد المغرب الذي تمّ بدعوة وزير التعليم العالي في المملكة المغربية، فكنت معه، وحضرت محاضراته

صفحه 6
وزياراته للجامعات المغربية ولقاءاته مع المعنيين بالأُمور الثقافية هناك.
ثم إنّه ـ دام ظله ـ قد كتب خاطرات سفره في صحائف متفرقة، فقمت بإعدادها وتنظيمها وترتيبها ضمن فصول ثمان وإخراجها بهذا الثوب الذي يزفّه الطبع إلى القرّاء الكرام.
وفي الختام أُشير إلى نكتة مهمة وهي: نظراً لأهمية المناقشات الّتي دارت بين الحاضرين والوالد ـ حفظه الله ـ والّتي امتازت بمستواها العلمي الرفيع، ولأهميتها وفائدتها فقد استدرك الوالد ـ دام ظله ـ في هذا الكتاب بعض المعلومات، وبسط الجواب في بعض، إتماماً للفائدة ودفعاً للالتباس وأداءً لحق الأساتذة الكرام.
والله ولي التوفيق
علي رضا السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
27 جمادى الآخرة 1425 هـ

صفحه 7
الفصل الأوّل
رحلات بنّاءة
في
سبيل التقريب

صفحه 8
رحلات بنّاءة في سبيل التقريب   

صفحه 9
اتّفق المسلمون ـ بالرغم من اختلافاتهم القوميّة والثقافية والأقليمية ـ على الأُصول الثلاثة الّتي تعدّ أركان الدين، وبالإيمان بها يدخل الإنسان في حظيرة الإسلام، وهي: التوحيد، والنبوة، والمعاد.
فمن آمن وأذعن بها فقد أصبح مؤمناً وأخاً لسائر المؤمنين يشمله قوله سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).
إنّ الإمعان في سطور التاريخ الإسلامي يثبت بأنّ التآلف والوفاق بين الطوائف الإسلامية كان أفضل ممّا هو عليه في أيامنا الحاضرة.
فإنّ الدعايات السيّئة في القرون الأخيرة فرّقت المسلمين وشتّتتهم على نحو ربّما لا تعرف طائفة ما لدى الطائفة الأُخرى من فكر وعلم وثقافة، وهذا هو الّذي كنت ألمسه في سفراتي المتعددة إلى تركيا والأردن والمغرب وغيرها.
إنّ التقريب بين المسلمين رهن تعرّف كلّ طائفة على ما لدى سائر الطوائف من عقائد وأُصول، ومدى مشاركتهم في تطوير الحضارة الإسلامية في أطراف العالم وأرجاء الدنيا، كي يحل التعارف محل التناكر ويرتفع حجاب الجهل عن الأبصار ثم القلوب .

صفحه 10
ومن هذا المنطلق قام غير واحد من عمالقة العصر وفطاحل الحوزات العلمية الشيعية بالسفر إلى البلدان الإسلامية للتعريف والتقريب .
فقد قام السيد الجليل آية الله عبد الحسين شرف الدين العاملي (1290 ـ 1377 هـ) بالسفر إلى مصر عام 1330 هـ والتقى هناك بأصحاب الفضيلة من شيوخ الأزهر وأساتذته، وكانت نتيجة هذه الرحلة كتاب «المراجعات» والّذي هو مجموعة الرسائل المتبادلة بين السيد شرف الدين وشيخ الأزهر آنذاك سليم البشري، والّتي تناولت موضوع التقريب بين المسلمين ودراسة الاتجاهات المختلفة بين الطائفتين حيث اعترف الشيخ سليم البشري في آخر مراجعة له بأنّه لم تكن له معرفة كافية بعقائد الشيعة وأُصولهم وتاريخ نشوء مذهبهم، ودورهم في الحضارة الإسلامية وما قدّموه للأُمّة الإسلامية من خدمات.
كذلك قام الشيخ آية الله محمد حسين كاشف الغطاء (1294 ـ 1373 هـ) برحلة علمية تقريبية إلى فلسطين وعاصمتها القدس إجابة للدعوة الموجهة إليه في «مؤتمر القدس» ، واجتمع هناك بالعلماء المسلمين، للتخطيط لمواجهة الأطماع اليهودية في الأراضي الإسلامية.
وقد أسفرت رحلة الشيخ كاشف الغطاء إلى مؤتمر القدس عام 1350 هـ عن إجماع الحاضرين المدعوين، على إمامته إيّاهم في صلاة الجماعة أيام المؤتمر ليلاً ونهاراً، لما لمسوا فيه من نباهة في التفكير وفصاحة وبلاغة وتحمل لهموم المسلمين .

صفحه 11
لم يكن سفر العلمين الجليلين بدعاً في تاريخ الرحلات الشيعية، فقد سافر الشيخ الجليل عبد الكريم الزنجاني (1306 ـ 1385 هـ) والّذي كان من أبرز تلاميذ شيخنا شيخ الشريعة الاصفهاني (1266 ـ 1339 هـ) إلى بلاد مصر المحميّة، واستقبله هناك الأقطاب من الأزهريين وغيرهم، فكان له محاضرات حول الفلسفة الإسلامية والغربية، والمقارنة بينهما، وبيّن خلالها ما لصدر المتألّهين من أُصول مبرهنة وقواعد فلسفية اكتشفها بفكره وذهنه الوقّاد. وقد طبعت محاضراته ومذكراته في كتاب خاص نشر باسم «رحلة الإمام الزنجاني».
فإذا كان الشيخ الزنجاني ثالث القوم، فقد لحقهم عالم كبير، أعني: الشيخ أبو عبد الله الزنجاني (1309 ـ 1360 هـ) الّذي كان من تلاميذ شيخ الشريعة الاصفهاني في النجف الأشرف حيث سافر إلى مصر عام 1356 هـ واستقبله أقطاب الأدب والتاريخ، وعلى رأسهم أحمد أمين المصري وزملاؤه، فأعجبتهم سعة علم العالم الراحل وتوغّله في الأدب العربي وتاريخ الإسلام والفلسفة الإسلامية حتّى نشر في بلاد مضيفيه كتابه «تاريخ القرآن»، وقد قدّم له الأُستاذ أحمد أمين على الرغم من نزعاته الخاصة الّتي ألمع إليها في كتابه (فجر الإسلام)، ولكن عظمة الشيخ الزنجاني رفعت الحجاب عن بصره وبصيرته .
إنّ أمثال هذه الرحلات لا تؤدي إلى معرفة الطوائف الإسلامية بما لدى الآخرين من مشتركات ومفترقات لا تؤثر في قطع عرى الأُخوّة فحسب، بل تدعمها وتقوّيها وتزيل الخلاف والشقاق بينهم.

صفحه 12
وقد لمست ـ أنا كاتب هذه السطور ـ في سفري إلى البلاد المجاورة لنا، أعني: "تركيا" عام 1412 هـ ، عندما حضرت ندوة التعرف على الشيعة، أنّ عقائد الشيعة وأُصولهم وكتبهم غريبة عن أذهان أكثر الحاضرين; وكان الأمر كذلك في سفري إلى الأردن عام 1419 هـ ، وقد ألقيت هناك أكثر من محاضرة في ندوات خاصة عقدت في الجامعات الأردنية، وكان لها أثر خاص في إلفات نظر الحاضرين إلى المشتركات الموجودة بين الفرق الإسلامية.
رحلات إلى تركيا والأردن والمملكة المغربية   

رحلات إلى تركيا والأردن

وبما إنّ هذه السفرات، كانت لها آثارٌ إيجابية، تجهزت للسفر عندما دُعيتُ للمشاركة في تركيا عام 1412 هـ في ندوة انعقدت هناك للتعرف على الشيعة، وقد رافقتُ في هذا السفر أصحاب الفضيلة، أعني: المرحوم العلامة السيد مهدي الروحاني، والشيخ محمد واعظ زاده، والشيخ إبراهيم الجناتي، والسيد محمد باقر الحجتي، والأُستاذ محمد علي آذرشب، وكان لمحاضراتهم أثر بارز في توعية المشاركين في الندوة وتعريفهم بمواقف الشيعة ودورهم في الأُصول والفروع وما يتعلق بالتقريب بين المسلمين. وكان من وراء الكواليس في هذه الندوة بعض المشاركين الذين كانوا يخطّطون لإصدار بيان ختامي ضد الشيعة، ولكن حال بينهم وبين مُنيتهم تلك، صمود المشاركين من الشيعة وكلماتهم، على نحو انتهت الندوة

صفحه 13
وختمت لصالح الشيعة، مع أنّ الغاية لعقدها كانت غير ذلك.
وقد كان لي ـ شخصياً ـ نفس الدور في سفرتي إلى الأردن، وقد جمع ولدي الأعزّ علي رضا محاضراتي وخطاباتي هناك وما أجبتُ به عن الأسئلة المطروحة في الندوات المنعقدة أو بعد محاضراتي، وطبع ذلك كلّه في كتاب أسماه «في بلد الذكريات» .
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ اهتماماتي بالتدريس في الحوزة العلمية صباحاً ومساءً وإلقاء المحاضرات الفقهية والأُصولية على جمع كثير من الأفاضل تعوقني عن الاستجابة لمثل هذه الدعوات، ولكن كنت انتهز الفرصة المؤاتية لذلك، وحينما وصلت دعوة وزير التعليم العالي في المغرب، عن طريق السفارة الإيرانية في الرباط، وكان ذلك قُبيل شهر محرم الحرام، انتهزت فرصة تعطيل الدراسة الحوزوية لأجل إقامة العزاء على سيد الشهداء (عليه السلام)، وقبلت الدعوة بالسفر إلى هناك .

رحلة إلى المملكة المغربية

أقلعت الطائرة من مطار طهران في تمام الساعة 20 ,4 من صباح يوم الأحد الموافق للأوّل من محرم الحرام عام 1425 هـ باتّجاه دبي، وأعلن مضيّف الطائرة أنّ مدة السفر من مطار طهران إلى مطار دبي هي ساعة وخمسون دقيقة، وكانت مدة السفر كما قال، فنزلنا مطار دبي وتوقفنا شيئاً قليلاً هناك للتهيؤ لركوب الطائرة الثانية الّتي تقلّنا إلى المغرب .

صفحه 14
أقلعت الطائرة الثانية حدود الساعة الثامنة صباحاً، وحيث إنّنا كنّا نتّجه مع الشمس إلى المغرب لم نر أيّ ظلمة ونزلنا في مطار الدار البيضاء «كازابلانكا» الساعة الثانية بعد الظهر بتوقيت المغرب، واستقبلنا في المطار الأُستاذ محمد البركاوي رئيس جامعة الحسن الثاني نيابة عن وزير التعليم العالي الدكتور خالد عليوه.
وبما أنّ مدة السفر كانت طويلة ومتعبة جداً حيث استغرقت أكثر من ثمان ساعات، رغبنا أن نغادر الدار البيضاء متوجّهين إلى الرباط الّتي تعد هي العاصمة الحقيقية للمملكة المغربية، وتوجد فيها سفارات الدول الأجنبية والممثليات السياسية والثقافية، وهي تبعد عن الدار البيضاء مسافة مائة كيلومتر، ويستغرق السفر إليها ساعة واحدة.
إنّ عاصمة المملكة «الرباط» تتشكّل من جانبين: قديم وجديد، والسور المحيط بالجانب القديم قائم بحاله.
وصلنا السفارة الإيرانية بعد الظهر، وقدّمنا صلاة الظهر والعصر على كل شيء، واسترحنا من عناء السفر .

صفحه 15
الفصل الثاني
جبل طارق
رمز
بطولات الفاتحين المسلمين
عام 92 هـ

صفحه 16

صفحه 17
جبل طارق رمز بطولات الفاتحين المسلمين عام 92 هـ   
جبل طارق هو بلد صغير، يتشكّل معظمه من جبل كلسي حافل بالمغاور. إنّه شبه جزيرة، يربطها بأسبانيا سهلٌ ضيق طوله 3 كيلومترات، ويقع عليه المطار بمدرّجاته المبنية على البحر.ويشكّل مضيق جبل طارق المنفذ المائي الوحيد بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. ويتراوح عرض المضيق بين 14 ـ 38 كيلومتراً .
استولت بريطانيا على جبل طارق من أسبانيا بعد معركة وقعت في عام 1704 م، وما زال تابعاً لها منذ ذلك الحين.
يوفّر جبل طارق لبريطانيا قاعدة بحرية مهمة، إذ يقع على مدخل البحر الأبيض المتوسط، هذا ولم تعترف أسبانيا يوماً واحداً بانحسار سيادتها عن هذا الجبل.
لا يضم جبل طارق أيَّ أرض زراعية، بل يستورد أهله مختلف أنواع الغذاء، ويعمل أهل هذا البلد في الفنادق والحوانيت والمكاتب وفي حوض السفن والمطار.1

1 . موسوعة أُوكسفورد العربية: 4 / 119 .

صفحه 18
وجاء في الموسوعة العربية العالمية: جبل طارق يقع على الشاطئ الجنوبي لأسبانيا، في شبه جزيرة ضيقة بالقرب من مدخل البحر الأبيض المتوسط. وصخرة جبل طارق، كتلة ضخمة من الحجر الجيري، تحتل معظم مساحة جبل طارق البالغة 6 كيلومترات مربعة، وترجع التسمية إلى القائد المسلم طارق بن زياد الّذي فتح أسبانيا عام 92 هـ .
فتح المسلمون جبل طارق حوالي عام 92 هـ ـ 711 م، واحتفظوا به لمدة 600 سنة تقريباً، ثم استولى الأسبان على جبل طارق عام 709 هـ ـ 1309 م، ولكنهم هُزموا واستولى عليه المسلمون مرة أُخرى في 734 هـ ـ 1333 م، ثم سقطت شبه الجزيرة في يد الأسبان مرة أُخرى في 1462 م واحتفظوا بها حتّى 1704 م، عندما احتلتها قوة من البحرية البريطانية، وفي عام 1991 م، سحبت بريطانيا قواتها من جبل طارق إلاّ أنّه ظل دولة تابعة لها1.
ooo
إنّ قائد القوات الإسلامية طارق بن زياد حينما حاول أن يفتح
بلاد الأندلس عبر ذلك المضيق، فسمّي باسمه لأجل بطولاته، فلمّا ورد أرض العدو أمر بحرق السفن الّتي عبروا بها، ثم خاطب جنده بقوله المشهور:
«البحر وراءكم والعدو أمامكم، فخذوا حذركم» فزاد ذلك الخطاب

1 . الموسوعة العربية العالمية: 8 / 213 ـ 215 .

صفحه 19
في عزيمة المجاهدين فحقّقوا انتصاراً كبيراً قلّما يتّفق نظيره في تاريخ الحروب.
إنّ كاتب هذه السطور وإن لم يتوفق لزيارة هذا الجبل عن كثب، ولكنّه قد زفّ تحياته من بعيد إلى تلك الأرض الّتي هي أرض البطولات ومظهر الشجاعة، كما أنّه ترحّم على أرواح المجاهدين الذين بفضل جهودهم رفرفت راية الإسلام على أطراف المعمورة منذ قرون.
نعم قد سيطر الصليبيون منذ زمن قديم على هذه البلاد ولكن الرجاء أن تعود إليها سيادة المسلمين مرة أُخرى، ويرجع الجبل وبلاد الأندلس إلى أحضان البلاد الإسلامية، ويصلّي أئمتهم في المساجد الّتي تبدلت هناك إلى كنائس.
ومن عجيب الأُمور أنّ مدينة «سبتة» المغربية باعتراف الخرائط والوثائق العالمية، يحتلّها الأسبان ، وهي واقعة تحت جبل طارق، والمسافة بينها وبين الرباط 360 كيلومتراً.
وهناك أيضاً مدينة أُخرى باسم «مليلة» تقع في الشمال الشرقي من المغرب، وهي أيضاً محتلة بيد الدولة الأسبانية، وقد تغلبت عليها منذ سقوط الأندلس بأيديهم.
وهذان البلدان مغربيان ولكن الحاكم أسباني، وهذا من العجب العجاب .

صفحه 20

نظرة إلى المغرب

تقع المملكة المغربية في شمال غرب قارة أفريقيا، تطلّ من الشمال على البحر الأبيض المتوسط، ومن جهة المشرق تجاور الجزائر ومن الجنوب تجاور الجزائر أيضاً والصحراء الغربية، ومن الغرب تطلّ على المحيط الأطلسي.
تبلغ مساحتها 000,447 كيلومتر مربع وعدد نفوس سكانها 000,000,30 نسمة.
إنّ بلد المغرب بلد جبلي فيه جبال كثيرة، أهم منتجاتها الزراعية هو العنب والزيتون والحبوب وقسم من الفواكه، وتنتشر فيها غابات وسيعة، وتشتمل على عدد من الذخائر الأرضية، مثل: الفوسفات، والفحم الحجري، والكبريت، والنفط. وعاصمتها الرباط، وتعد الدار البيضاء وتطوان وطنجة وفاس ومكناس من مدنها الرئيسية المعروفة.
واللغة الرسمية هناك هي اللغة العربية، ولهجتهم بربرية.
كانت البلاد مستعمرة فرنسية منذ سنين إلى أن نالت الاستقلال عام 1957 م وانحسر الاستعمار الفرنسي عنها، ودخلت الدولة المغربيّة كعضو في جامعة الدول العربية. وقد سحبت الدولة الفرنسية كافة قواعدها العسكرية المنتشرة في المغرب، وصار البلد بلداً عربياً مستقلاً بالرغم من وجود آثار الاستعمار. وقد صارت اللغة الفرنسية هي اللغة الثانية في البلاد. وصارت اللهجة المحلية خليطة من الفرنسية والبربرية على نحو يصعب

صفحه 21
حتّى للعربي الصميم ـ كاليمني والحجازي ـ فهم لغتهم الشعبيّة إلاّ إذا استعان باللغة الفصيحة .
إنّ لبلد المغرب شأناً خاصاً في الفقه والفلسفة، فقد نبغ فيها ابن رشد كفقيه له كتابه المعروف «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، وفيلسوف معروف في الشرق والغرب، وقاض في المحاكم في إشبيلية وقرطبة، وقد عرفه المستشرقون بأثره الفلسفي، أعني: «تهافت التهافت» الّذي ألفه رداً على كتاب «تهافت الفلاسفة» للشيخ الغزالي (450 ـ 505 هـ) .
ولا يقتصر أثره الفلسفي بما ذكرنا، بل له كتاب آخر باسم الكلّيات كان له صدى في الغرب، وربّما كان كتاباً دراسياً. وقد ألّفه ابن رشد في مقابل الفيلسوف المعاصر له «أبي مروان زهر» حيث ألّف كتاب التيسير .
ولمّا كان الموضوع للمحاضرة الأُولى هوسير الفلسفة بعد رحيل ابن رشد، اقترح الدكتور أبو طالب رئيس جامعة محمد الخامس في الرباط والدكتور سعيد بن سعيد العلوي رئيس كلية الآداب والعلوم الإنسانية أن يطرح الموضوع في جلستين مختلفتين: تارة بحضور النخب والأساتذة، وأُخرى بحضور طلاب الكلية، على أن تكون المحاضرة في الجلسة الأُولى بصورة موجزة وبصورة مبسطة في الجلسة الثانية.
ولمّا تمّ الاتّفاق على ذلك ذهبنا عصر يوم الاثنين الثاني من محرم الحرام عام 1425 هـ إلى كلية الآداب وطرحنا الموضوع على النخب والأساتذة مرة، وبسطنا البحث على الطلاب مع حضور عدة من الأساتذة ثانياً، وإليك متن هذه المحاضرة.

صفحه 22

صفحه 23
الفصل الثالث
محاضرة في كلية الآداب
والعلوم الإنسانية
التابعة لجامعة محمد الخامس

صفحه 24
المحاضرة الأُولى: الفلسفة الإسلامية بعد ابن رشد   

صفحه 25

تمهيد

إنّ كثيراً من فلاسفة الغرب يتصوّرون أنّ شمس الفلسفة الإسلامية قد غربت بموت ابن رشد (520 ـ 595 هـ)، وأنّه لم يبرز في ذلك الصعيد فيلسوف آخر يعتد برأيه وفكره. وبذلك وقفت عجلة الفلسفة عن الحركة والانتاج...، ولكنّها فكرة خاطئة نابعة عن قلة الاطّلاع عمّا كانت عليه الفلسفة في المشرق الإسلامي منذ انتقالها من الإغريقيّين إلى المسلمين، وإلى يومنا هذا.
ولأجل ذلك اخترت التحدّث عن سير الفلسفة الإسلامية بعد ابن رشد والمراحل التي مرت بها إلى أن بلغت القمة وجعلته موضوع محاضرتي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة محمد الخامس ، وقد أثبت أنّ الفلسفة كانت تتكامل في كلّ عصر بيد الفلاسفة الكبار في إيران وما حولها من البلاد، وأنّه لم يكن هناك أي توقف وركود في كشف قواعدها وإرساء صرحها، وتبيين أُصولها وكشف مكامنها، وهذا هو
الّذي سيتّضح من خلال المقال التالي:

صفحه 26
على ساحل جبل طارق
ــــــــــــــــــــ
      1

الفلسفة الإسلامية

بعد ابن رشد

(520 ـ 595 هـ )

الفلسفة ـ بمعنى البحث عن الوجود المطلق وأقسامه وسننه ـ قرينة الإنسان المفكّر، سواء أكان شرقياً أم غربياً، صينيّاً أم إفريقياً، فتخصيص مكان معين لتولّدها فكرة خاطئة. فمنذ كان الإنسان يفكّر ويعي، يبحث ويستطلع، وقع عالم الوجود مرتعاً لتفكيره وتأمّلاته.
فالإنسان منذ أن عرف يمينه من يساره، مازال يفكر في أُمور ثلاثة:
أ. من أين جئتُ؟
ب. لماذا جئتُ؟
ج. وإلى أين أذهبُ؟
وقد أخذت هذه المسائل ونظائرها تطَّرد وتتكامل عبر القرون،

صفحه 27
بتكامل الإنسان ونمو فكره.
وممّا لا شكّ فيه أنّ مناطق خاصة ـ لأجل ظروف توفّرت فيها ـ صارت مهداً لنضوج المسائل الفلسفية حتّى توالت فيها تيارات فكرية مختلفة، فمن صينية إلى إغريقية، ومن هندوسية إلى فهلوية، إلى غير ذلك من المشارب والمسالك.

بين الفلسفة والعلم

لم يزل تاريخ الثقافة البشرية يحفل برجال كبار من فلاسفة و علماء، وكلتا الطائفتين تشتركان في بذل الجهود لفهم أسرار الكون وحلّ مشاكله، غير أنّ هناك فارقاً واضحاً بينهما، وهو أنّ الفيلسوف يجعل الوجود محوراً لبحثه من دون أن يُخصِّص دراسته بموضوع دون موضوع، بخلاف الآخر فإنّه يأخذ جزءاً من الكون للبحث والتحليل. مثلاً انّ الأوّل يبحث عن النظام السائد على صحيفة الوجود، سواء أكان مجرداً أم مادياً، عرضاً أم جوهراً، وبكلمة جامعة يتخذ الوجود موضوعاً ... ; والآخر يبذل جهوده لتحليل جزء من الكون دون جميعه، فالعدد هو مصب اهتمام الرياضي، كما أنّ النجوم والكواكب هي ساحة عمل الفلكي، إلى غير ذلك من العلوم.
وبذلك ظهر الفرق بين الفلسفة والعلم، وإن أردت مزيد توضيح فنقول: الفلسفة تتّخذ الوجود المطلق موضوعاً للبحث، فتبحث عن تعييناته، ككونه واجباً أو ممكناً، مجرداً أو مادياً، عرضاً أو جوهراً، كمّاً أو

صفحه 28
كيفاً، واحداً أو كثيراً، حادثاً أو قديماً، علّة أو معلولاً، كلياً أو جزئياً، هذا هو شأن الفلسفة; وأمّا العلم فهو يبحث عن أحكام موضوعات خاصة والتي كانت محمولات في تقسيم الوجود.
ولذلك عرّفوا الفلسفة بتعاريف، كلّها ترمي إلى هدف واحد:
1. خروج النفس إلى كمالها في جانبي العلم والعمل.
2. العلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية.
3. استكمال النفس الإنسانية بمعرفة الحقائق، والحكم بوجودها تحقيقاً بالبراهين لا أخذاً بالظن والتقليد بقدر الوسع الإنساني.
4. نظم العالم نظماً عقلياً حسب الطاقة البشرية لغاية التشبّه بالباري تعالى.
5. صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني لا في المادة، بل في صورته وهيئته.
وأين هذه التعاريف من عالم رياضي بذل جهوده في فهم ما للعدد من الآثار والعوارض؟! وأين هو أيضاً من العالم الفيزيائي الذي أفنى عمره في فهم ما للفلز من الخصائص والمواصفات؟!
وفي ضوء هذا الفرق بين العلم والفلسفة وبالتالي بين الفيلسوف والعالم، تتميز مسائل الفنّين بجوهرهما فلا يختلط أحدهما بالآخر.

صفحه 29
مثلاً: قولنا الفلز يتمدّد بالحرارة من قوانين الفيزياء وليس بحثاً فلسفياً، بخلاف قولنا: كلّ ممكن يحتاج إلى علّة. كما أنّ القول بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين مسألة رياضية، وأين هو من قول الفيلسوف بأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد؟

حاجة العلوم إلى الفلسفة

وبهذا ظهرت حاجة العلوم إلى الفلسفة، لأنّ موضوعات العلوم التي يبحث فيها عن عوارضها، هي مسائل فلسفية، فما لم يثبت في الفلسفة انقسام الوجود إلى مجرد ومادّة، والمادة إلى جوهر وعرض، والعرض إلى كم وكيف، لم يتسنّ للباحث الرياضي دراسة أحكام الكم المنفصل كالأعداد، أو دراسة أحكام الكم المتصل كالسطوح في الهندسة السطحية.
هذا إلمام إجمالي بتفسير الفلسفة أوّلاً ،والفرق بينها و بين العلوم ثانياً، وحاجة الأخيرة إلى الفلسفة ثالثاً.
لكن الذي نتوخّاه في هذا المقام هو النظرة إلى الفلسفة الإسلامية إلى ظهور ابن رشد وتكاملها بعده بيد الآخرين، وهو الأمر الذي أهمله كُتّابُ تاريخ الفلسفة، فقد تصوّروا أنّ حركة الفلسفة الإسلامية قد توقّفت بموت ابن رشد وتعرقلت خطاها، وهذا هو الذي اشتهر بين المستشرقين، وأخذه عنهم بعضُ كُتّاب المسلمين الجدد كحقيقة راهنة، دون أن يتعمّقوا في دراستها.

صفحه 30
فقد ذهب ت. ج. دي بور الأُستاذ في جامعة امستردام في كتابه «تاريخ الفلسفة في الإسلام» ، والدكتور محمد عبدالهادي أبو ريدة أُستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الكويت في تعليقه على الكتاب المذكور (بعد أن نقله إلى العربية)، ذهبا إلى تعرقل عجلة الفلسفة بموت ابن رشد، حيث تمّ استعراض حياة عدد من فلاسفة الإسلام الذين اقتفوا منهج أرسطو متأثّرين بالإفلاطونية، ومنهم:
الكندي فقد بحث في حياته وموقفه من علم الكلام والرياضيات وآرائه حول اللّه، وحول العالم، والنفس والعقل.
ثمّ تعرّض بعده لحياة الفارابي وموقفه إزاء أفلاطون وأرسطو وفلسفته والمنطق الذي كان يعتمد عليه وآرائه حول العالم العلوي والسفلي والنفس الإنسانية والأخلاق والسياسة والحياة الآخرة.
ثمّ ذكر أبا علي بن مسكويه (المتوفّى عام 420 هـ) وبيّن آراءه في ماهية النفس والأخلاق، ثمّ انتقل إلى ذكر حياة ابن سينا (المتوفّى عام 425 هـ) وجهوده في الفلسفة والمنطق والإلهيات والطبيعيات، ثمّ ذكر ابن الهيثم وحياته ومؤلّفاته.

صفحه 31

الحركة الفلسفية بعد ابن رشد

ثمّ إنّ المؤلف جعل عنوان الباب الخامس «نهاية الفلسفة في المشرق»، ولذلك أورد فيه الغزالي باعتبار أنّ موقفه بالنسبة إلى الفلسفة كان موقفاً سلبياً، وكأنّه يشير إلى انتهاء دور الفلسفة في الشرق الإسلامي ثمّ يرجع إلى الفلسفة في الغرب الإسلامي، فيذكر ابن باجة وآراءه في المنطق وماوراء الطبيعة، كما يذكر ابن طُفَيْل القيسي ، وفي الفصل الرابع يستعرض حياة ابن رشد وآراءه في الجسم والعقل وغير ذلك، وكأنّ ابن رشد كان آخر ناصر للفلسفة الإسلامية حيث تولّدعام 520وتوفّي في 595هـ، و ليس بعد ذلك شيء ولا قرية وراء عبادان!!
وهذا بعين الحق بخس لتاريخ الفلسفة الإسلامية في المشرق الإسلامي، فقد ظهر ـ بعد رحيل ابن رشد ـ رجالات كبار تكاملت الفلسفة الإسلامية بأيديهم ووصلت إلى القمة وحفلت بذكرهم كتب التراجم والمعاجم، وها نحن نذكر أسماءهم ونشير إلى مواقفهم إشارة عابرة، ونقتصر على أسماء كبار الفلاسفة إلى نهاية القرن العاشر أو شيء قليل بعده ونحيل التفصيل إلى كتب المعاجم.

1. سديد الدين الحمصي الرازي (المتوفّى 585 هـ تقديراً):

من آثاره، التعليق الوافي الكبير، والمنقذ من التقليد، والمرشد إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الآثار.

صفحه 32

2. نصير الدين الطوسي (المتوفّى 672 هـ ):

هو من العقليات العالمية الكبيرة ، ومن العباقرة الذين لم تلد الدنيا منهم إلاّ القليل في العلم والفلسفة والفلكيات والرياضيات وغيرها. هو (كما يقول الأُستاذ طوقان:) أحد الأفذاذ القليلين الذين ظهروا في القرن السابع للهجرة، وأحد حكماء الإسلام، المشار إليهم بالبنان.
ومن آثاره: شرح الإشارات لابن سينا، تجريد الاعتقاد، التذكرة في علم الهيئة، اختيارات المهمات، اختبارات النجوم، وغيرها.
وله دور في حفظ الثقافة الإسلامية من تطاول المغول.

3. كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني (المتوفّى سنة 699 هـ ) :

من أكبر رجالات الفلسفة والكلام والعرفان في عصره، يصفه السيد علي خان المدني في «سلافة العصر» بقوله: بأنّه الفيلسوف الحكيم، وأنّه يشهد له بالتفوّق كلّ من الشريف الجرجاني وصدر الدين الشيرازي، الذي أكثر النقل عنه في حاشية شرح التجريد، وخاصة في مباحث الجواهر والأعراض.
ومن آثاره شرح نهج البلاغة، وفيه من المباحث الفلسفية والعرفانية الشيء الكثير، وغير ذلك من التأليفات.

صفحه 33

4. العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر (المتوفّى عام 726 هـ ) :

ولد في بيت عريق بالعلم والدين، ومن أُسرة عربية صحيحة، وفي جوّ فيه حركة علمية عارمة، درس العلوم العقلية والفلسفية عند الفيلسوف نصير الدين الطوسي.
ومن كتبه الفلسفية: نهاية المرام، وكشف الغطاء من كتاب الشفاء لابن سينا في الفلسفة، القواعد والمقاصد في المنطق، الطبيعي، والإلهي، إلى غير ذلك من الآثار.

5. قطب الدين أبو جعفر محمد بن محمد الرازي (المتوفّى في دمشق عام 766 هـ):

وهو من أئمّة المنطق والفلسفة وغيرهما. ومن أشهر من ظهر في القرن الثامن من العلماء، واشتهر بشرحه على كتاب «الشمسية» وعلى كتاب «المطالع» في المنطق، كما اشتهر بكتابه «المحاكمات» بين شارحي (الإشارات) في الفلسفة والشرحان هما: لنصير الدين الطوسي والإمام فخر الدين الرازي.

صفحه 34

6. غياث الدين الشيرازي الأمير منصور بن صدر الدين الحسين الدشتكي (المتوفّى في شيراز عام 941 هـ ):

وهو من العلماء الذين ظهروا في القرن العاشر الهجري واشتهر بالفلسفة والكلام والمنطق والفلك والرياضيات وغيرها، ومن الذين خلّفوا آثاراً قيمة، ومؤلّفات عديدة في أنواع المعرفة.

7. السيد محمد باقر الحسيني الاسترآبادي المعروف بالداماد (المتوفّى 1040 هـ):

شخصية علمية مرموقة في جوانب الفلسفة والمنطق، وقد تخرج على يديه جملة من الفلاسفة الكبار، منهم:

8 . الفيلسوف صدر المتألّهين الشيرازي صاحب الأسفار.

9. الفيلسوف عبد الرزاق اللاهيجي.

10. الحكيم ملا محسن الفيض الكاشاني.

ومن آثاره: القبسات، الصراط المستقيم، الحبل المتين، كتاب خلسة الملكوت، تقويم الإيمان، الأُفق المبين....

صفحه 35

حول فلسفة صدر المتألّهين

إنّ صدر الدين الشيرازي محمد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألّهين (المتوفّى عام 1050 هـ): أعظم فيلسوف إسلامي ظهر في القرن الحادي عشر للهجرة، وأكبر حكيم إشراقي، أوضح طرق الفلسفة الإشراقية، والمشائيّة ، وأزال كثيراً من الفروق الماثلة بين الفلسفتين. وأسّس فلسفة اشتهرت بالحكمة المتعالية . وإليك شيئاً من خصائصها وأفكارها الأبكار:
1. إنّ من أياديه على أبناء الفلسفة أنّه أتى بنظام بديع في المسائل الفلسفية، فقدّم ما حقّه التقديم وأخّر ما حقّه التأخير، فأصبحت المسائل الفلسفية، كالمسائل الرياضية يستمد البحث الثاني من ماضيه.
2. لقد توفّق (رحمه الله) كلّ التوفيق في الجمع بين الآراء الباقية من أفلاطون (مؤسّس مدرسة الإشراق) وتلميذه الجليل أرسطو (مبتكر منهج المشّاء) وكان الأوّل منهما داعياً إلى تهذيب النفس وتصفية الباطن، قائلاً بأنّ الطريق الوحيد إلى اقتناص شوارد الحقائق واكتشاف دقائق الكون هو هذا المنهج ليس غير، وكان الثاني منهما مخالفاً له في أساس منهجه، قائلاً بأنّ الدليل للوصول إلى الحقائق المكنونة، والدقائق المجهولة، هو التفكير والاستدلال والبرهنة الصحيحة، فكان يخطو على ضوء البرهان العقلي من مقدمة إلى أُخرى، إلى أن يصل إلى الحقيقة التي يتوخّاها بسيره النظري.
ولم يزل التشاجر قائماً على ساقيه بين العلمين وأتباعهما في اليونان والاسكندرية وأوروبا في القرون الوسطى، حتّى سرى هذا الاختلاف إلى

صفحه 36
الفلاسفة الإسلاميين، وهم بين مشّائي لا يقيم للإشراق وزناً، وإشراقي لا يجنح إلى فلسفة المشّاء.
وقد قضى مؤسّسنا الشيرازي على هذا التشاجر والنقاش الذي أشغل أعمار الفلاسفة من الأغارقة والمسلمين طوال هذه القرون والأجيال البالغة إلى ألفي سنة، فختم بأفكاره وأسلوبه، ونهجه، على هذه المناظرات، ومن كان له إلمام بأساسه الرصين يعرف كيف رفع هذا المبتكر الفذّ تلك المشاجرات، وكيف ألغى بالأُصول المحرّرة تقابل المسلكين، وتضاربهما، بحيث لا يكاد يصحّ بعد هذه الأُصول أن يعد أحدهما مقابلاً للآخر.
3. إنّه قد حاز قصب السبق في ميدان الابتكار على فلاسفة الأغارقة من اليونانيين، وأُمّة كبيرة من المسلمين، فجاء بأفكار عالية جديدة على عهده لا توجد في زبر الأوّلين ولا في خواطر الآخرين، وضمّ إلى تلك الأنظار نتائج جهود أُمّة كبيرة من الأُمّة الإسلامية وخلاصة دروسهم العالية ومحاضراتهم القيّمة، ولباب مجاهداتهم طوال القرون الثمانية منذ ظهور الفلسفة في البيئات الإسلامية إلى عصر المؤسّس.
إنّ الأُصول التي اعتمد عليها الفيلسوف الشيرازي في صياغة فلسفته والتي أوجدت تحوّلاً جذرياً في الفلسفة أسفرت عن نتائج باهرة في حقل العقائد، وهي كالتالي:
1. أصالة الوجود.
2. اشتراك الوجود.

صفحه 37
3. اتّحاد جوهر العاقل والمعقول.
4. بسيط الحقيقة كلّ الأشياء.
5. الحركة الجوهرية.
6. فعلية كلّ مركب بصورته لا بمادته.
7. النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء.
8. اتّحاد العلّة مع المعلول بالحمل الحقيقي والرقيقي.
9. النفس في وحدتها كلّ القوى.
10. انّ العلم لا جوهر ولا عرض وإنّما هو نحو من الوجود.

آثاره ومؤلفاته

لسيدنا صدر المتألهين آثار ومؤلفات نشير إلى عناوينها :
1. الأسفار الأربعة: وربّما يطلق عليها: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية، وهذا الكتاب هو المرجع لباقي مؤلفاته لا سيما : كتابيه المبدأ والمعاد، والمشاعر، وقد طبع في إيران على الحجر في أربعة مجلّدات كبار سنة 1282 هـ ، يقع مجموعها في 926 صفحة من القطع الكبير، وعلى الأجزاء الثلاثة تعاليق المحقّق السبزواري، والأسفار جمع سفر ـ بفتح السين والفاء ـ ويراد به السياحات العقليّة الأربعة التي أشار إليها في مقدّمة الكتاب، وهي:

صفحه 38
الأوّل: السفر من الخلق إلى الخلق.
الثاني: السفر بالحقّ في الحقّ.
الثالث: السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ.
الرابع: السفر بالحقّ في الخلق.
وقد أُعيد طبعه بصف جديد في تسعة أجزاء عام 1384هـ مزيّناً بتعليقات المحقّق السبزواري وأُستاذنا الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي (1321ـ 1402هـ)، وقدّم لها الشيخ العلاّمة محمد رضا المظفر.
2. المبدأ والمعاد: طبع عام 1314هـ وهو في الفنّين: الربوبيات والمعاد، جمع فيه بين مسلكي أهل البحث والعرفان.
3. الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية: لخّص فيه آراءه في المسائل الحكمية، طبع عام 1286 هـ ، وطبع أخيراً بحلة قشيبة، مزيّنة بتقديم العلاّمة السيد مصطفى المعروف بالمحقّق الداماد ـ حفظه الله ـ .
4. المشاعر: طبع عام 1315هـ وفيه حصيلة ما أسّسه من الأُصول في الفلسفة.
5. الحكمة العرشية على الطريقة العرفانية: طبع مع المشاعر.
6. أسرار الآيات وأنوار البيّنات: في معرفة أسرار آيات اللّه تعالى وصنائعه وحكمه على الطريقة العرفانية مع تطبيق الآيات القرآنية على أكثر بحوثه، مرتّبة على مقدّمة وثلاثة أطراف كلّ طرف ذو مشاهد، الطرف الأوّل

صفحه 39
في علم الربوبية، والثاني في أفعاله تعالى، والثالث في المعاد، طبع في إيران مكرراً.
7. شرح الهداية الأثيرية: طبع عام 1313 هـ .
8 . شرح إلهيات الشفاء: نهج فيه منهج المتن، طبع بالقطع الكبير عام 1303 هـ مع إلهيات الشفاء في مجلّد واحد.
9. رسالة الحدوث: رسالة مبسوطة في مسألة حدوث العالم، طبع عام 1302 هـ .
10. كتاب مفاتيح الغيب: طبع مع شرح أُصول الكافي.
إلى غير ذلك من الآثار والمؤلّفات إلى أن لقى ربّه في سفره إلى الحجّ، ودفن في مقابر النجف الأشرف.
يصفه السيد حسين البروجردي في أُرجوزته الرجالية بقوله:
ثمّ ابن إبراهيم صدر الأجلّ *** في سفر الحجّ مريضاً ارتحل
قدوة أهل العلم والصفاء *** يروي عن الداماد والبهائي
ooo

صفحه 40
أسئلة وردود حول الفلسفة الإسلامية   

الأسئلة الموجهة إلى المحاضر

ألقينا المحاضرة بنفس النص الّذي قرأتم ممزوجاً ببعض التوضيحات والّتي أثارت بعض الأسئلة . لكن جاءت الأسئلة شفهياً وكتابياً، سائلين عن أُمور لها صلة بالمقال نختار منها المهم للإجابة، وكنّا قد أجبنا عن الكلّ هناك بالنحو التالي.

السؤال الأوّل: القضية الصادقة ما صدّقته التجربة

كان المستفاد من محاضرتكم أنّ القضايا الفلسفية أُصول قطعية ثابتة لا يمسّ كرامتها مرّ الزمان وتغير الأوضاع ولا تخضع للتجربة، لأنّها فوقها، ولكن الثابت في العلم أنّ القضايا الصادقة هي الّتي صدّقتها التجربة، وتمرّ من خلال قناتها، فإذا كانت المسائل الفلسفية غير خاضعة للتجربة فمن أين نعلم بصدقها وثباتها؟

الجواب:

أنا شخصياً أشكر صاحب السؤال، لأنّه أعاد النشاط إلى الجلسة . وبعد هذا، أُلفت نظره إلى الأمر التالي:
إنّ التجربة أحد أدوات المعرفة فيعرف بها الصحيح من الزائف وليس أداةً منحصرة لها، بل هناك أداة ثانية للمعرفة وهي البرهان العقلي الّذي يميز به الحق عن الباطل، وأداة ثالثة وهي الشهود والمعرفة العرفانية والّذي يتجهز بها العرفاء الربانيون.

صفحه 41
وعلى ضوء ذلك فليست التجربة أداة منحصرة للمعرفة، حتّى لا نتمكن من تصديق قضايا لا تخضع لها.
وبتعبير آخر: انّما يخضع للتجربة الأُمور المادية وآثارها: مثلاً أن قولنا: الفلز يتمدّد بالحرارة ويتقلص عند البرودة، قضية مادية خاضعة للتجربة. وأمّا الأُمور الخارجة عن المادة والماديات، فللتعرف عليها ميزان آخر، وهو البرهان العقلي الّذي يُثبت صحة الفكر أو بطلانه، مثلاً أنّ قولنا «كلّ ممكن يحتاج إلى علّة» قضية عقلية محضة لا تخضع للتجربة، وإنّما يحكم بها العقل عند ملاحظة ذات الشيء الممكن الّذي يكون نسبة الوجود والعدم إليه على السواء. فيحكم العقل ويقضي قضاءً باتّاً بأنّ الشيء الممكن لا يخرج عن وسط الدائرة إلى أحد الطرفين (الوجود والعدم) إلاّ بعلة.
ونظيره النفس المجردة الّتي تدبر بدن الإنسان وبها يكون حياته الإنسانية والعقلانية. فإثبات هذا الأمر المجرد أو نفيه رهن دلائل عقلية لا التجربة المادية، فما ربّما نسمع من بعض الأطباء في مقام ردّ النفس المجرّدة، بأنّه لا يشاهد تحت مبضعه شيئاً باسم الروح، كلام خال عن التحقيق، لأنّ الّذي يقع تحت المبضع هو الأمر المادي، وأمّا الموجود الخارج عن نطاق المادة فلا يحكم له ولا عليه بالتجربة.
إنّ التجربة الّتي هي إحدى أدوات المعرفة في الفلسفة الإسلامية إنّما تستخدم في إثبات الآثار الظاهرية للجسم كالفيزياء أو الآثار الباطنية له كالكيمياء، وأمّا الأُمور الّتي لو كانت متحقّقة لكانت فوق المادة والماديات،

صفحه 42
فتمنّي ورودها في مكامن التجربة حُلْم باطل لا يعتمد عليه .
فالقضايا الفلسفية من القسم الثاني الّتي برهن على صحّتها بالأدلّة العقلية الواضحة، نظير القضايا التالية:
1. تقسم المفاهيم إلى واجب الوجود وممتنعه وممكنه. فإنّ هذا التقسيم صحيح قطعي ثابت ببركة البرهان الرصين.
2. كلّ ممكن يحتاج إلى علّة.
3. واجب الوجود غني عن العلّة، وليس له أوّل ولا آخر.
4. المتضائفان متكافئان قوة وفعلاً.
إلى غير ذلك من القضايا الفلسفية الثابتة غير الخاضعة للتجربة .

السؤال الثاني: الأُصول الثابتة في العالم المتغيّر؟

المستفاد من المحاضرة انّ القضايا الفلسفية، قضايا ثابتة غير متبدّلة ولا متغيّرة مع أنّ عالمنا هذا، عالم الحركة والتغيّر، ليس له ثبات ولا استقرار، بل هو يتغيّر من شيء إلى شيء، فإذا كان العالم الّذي نعيش فيه عالماً غير قارّ، فكيف يكون هناك قضايا ثابتة، وهل يمكن أن يحتضن العالم المتغيّر قضية ثابتة قارة.
والفرق بين السؤالين واضح، فإنّ السؤال الأوّل كان يركّز على إنكار قطعية وصحة القضايا الفلسفية بأنّ الصحّة رهن التجربة والفلسفة غير خاضعة لها.

صفحه 43
وأما هذا السؤال فهو يركز على أنّ العالم بأرضه وسمائه عالم متغيّر والقضايا الفلسفية حسبما نقول، قضايا ثابتة. فكيف يمكن أن يكون شيءٌ جزءاً من هذا العالم المتغيّر ولا يتغير.

الجواب:

نحن نشكر الشاب السائل حيث طرح سؤالاً لائقاً بالبحث كالسؤال السابق، ولكن ألفت نظره السامي إلى الجواب التالي:
أوّلاً: بالنقض، فإنّ في هذا العالم الّذي نعيش فيه قضايا ثابتة لا يمسّ كرامتها مرُّ الزمان والدهور، كالقواعد الرياضية، فمن باب المثال أنّ نتيجة 7 × 7 هي 49، وهو كان كذلك في الأزمنة السابقة وفي هذا الزمان وسيبقى على ما كان عليه .
وثانياً: بالحل، فإنّ المتغيّر والمتبدّل هو عالم المادة وما حل فيه، وأمّا القضايا الفلسفية فهي أُمور كلية يدركها العقل في عالمه دون أن يكون لها أثر مادي، فقولنا: كلّ ممكن يحتاج إلى علّة، قضية ثابتة، لأنّها غير مادية ولا حالّة في مادة. والمتغير انّما هو، الممكن المادّي، لا القانون المستند عليه .
إنّ النفس الإنسانية موجود مجرد وان كان له تعلّق بالبدن تعلّقاً تدبيرياً، وأمّا إدراكاته فليست أُموراً مادية، بل لها وجود تجردي باق عبر الزمان، فمبدأ الإشكال هو الخلط بين الأُمور المادية، والقوانين الحاكمة عليها، فالأوّل لا يثبت آناً واحداً، بخلاف الثانية فهي ثابتة، صامدة لا يزعزعها تبدّل المادة .

صفحه 44

السؤال الثالث: عدم قطعية المعلول عند وجود العلّة

يظهر من كلامكم أنّ العلم بوجود المعلول قطعي عند العلم بوجود العلّة وأنّ هناك تلازم واقعي بين العلمين وبين الوجودين.
لكن قوانين «كوانتاما» في الفيزياء العالية أبطلت فكرة التلازم وأثبتت بأنّه لا يمكن التنبّؤ بخصوصيات المعلول عند العلم بوجود العلّة ، وذلك:
إذا كانت العلّة معلومة من كافة الجهات يمكن التنبّؤ بوجود المعلول كما هو الحال في الإطار المغلق، فيحصل العلم بوجود المعلول وخصوصيته عند العلم بوجود العلّة. لأنّ الحالة السائدة على الإطار المغلق تكشف عن الحالة القادمة بدقة. ولكن إذا كان الإطار مفتوحاً فالتنبّؤ بحالة الالكترون من حيث السرعة والمكان في المستقبل فرع العلم بمكانه وسرعته في الوقت الحاضر، والعلم بهما معاً غير ممكن. وذلك لأنّا: إذا أردنا أن نقف على مكان الالكترون حينما يدور حول البروتون نحتاج إلى تسليط أشعة ذات أمواج قصيرة عليه، فعندئذ ينكشف لنا مكان الالكترون، وحيث إنّ هذه الأشعة ذات طاقة قوية فإنّها تؤثر على سرعة الالكترون وتزيد من حركته. فيكون تحديد السرعة الواقعية غير ممكن، ومع الجهل بالسرعة الواقعية، لا يتحدّد مكانه الصحيح في المستقبل.
وبعبارة موجزة فالعلم بمكان الالكترون والسرعة الواقعية في وقت واحد غير ممكن ومع تسليط الضوء يتبيّن المكان ولكن لا تحدد سرعته.

صفحه 45

الجواب:

قبل الخوض في صلب الجواب نلفت نظر السائل إلى أُمور:
1. إنّ إنكار قانون العلّية والمعلولية أو التشكيك فيهما يورث التشكيك في المعارف البشرية، فإنّ العلوم الكونية في مختلف المجالات قامت على هذا الأصل، فلو أنكرنا حاجة الممكن إلى الواجب، أو أنكرنا الملازمة بين العلّة والمعلول لخسر العلم خسراناً لا يجبر.
2. إنّ التشكيك بالقانون المذكور يورث السفسطة، فإنّ العلم بوجود عالم خارج عن الذهن مبني على تلك الضابطة، فعندما يحسّ الإنسان بالحرارة والبرودة ينتقل ذهنه فوراً إلى وجود عامل أوجد الحرارة والبرودة. وبما أنّ العامل غير نفس الإنسان كما هو المسلّم، فهناك عامل خارجي أوجد تلك الحالتين، فينتقل من إحساس الحرارة إلى العامل الخارجي .
3. التنبّؤ بالظواهر الطبيعية أمر ممكن ومتحقّق، فالعالم الفلكي يخبر بقطعية الخسوف والكسوف في آن واحد، كما أنّه يتنبّأ بمسير السيارات وحركتها.
4. إنّ عدم إمكان التنبّؤ بمستقبل الذرة من حيث المكان والسرعة غير كونهما غير متعينين في الواقع. فجهل الإنسان بالمستقبل لا يدل على أن المستقبل (للالكترون) غير متعيّن سرعة ومكاناً. ولتوضيح المطلب نأتي بالمثال التالي:

صفحه 46
لو فرضنا أن رجلاً ثريّاً دفن كيساً من الجواهر تحت عشرة أمتار من سطح الأرض ومات ولم تقف ورثته على هذا الموضوع .
ثم بعد زمن حاول مالك الأرض أن يحفر بئراً لاستخراج الماء في نفس المكان واستأجر من يحفر ذلك الموضع للعثور على الماء ولكنّه عثر بلا قصد على كيس الجواهر. فالعثور على ذلك الكيس كان متعيناً في الواقع وإن لم يكن متعيّناً عند المالك والحفّار.
وعلى ضوء ذلك المثال فعدم تعيّن مكان الذرة وسرعتها عندنا لا يكون دليلاً على عدم تعيّنها في نفس الأمر. ولذلك لو تكامل العلم وعرف العالم الفيزيائي مكانها وسرعتها حتّى في الإطار المفتوح لعلم بمكانها في الحالة الثانية.
فمن أنكر قطعية وجود المعلول عند الجهل بخصوصيات العلّة فقد خلط بين عالم الثبوت وعالم الإثبات.
فمكان الذرة قطعي ثبوتاً غير واضح إثباتاً.
وقد شرحت الموضوع حسب ما سمح الوقت، وانتهت المحاضرة بأصلها وفرعها، وكان لنا هناك لقاء مع أحد الإخوة، أعني: الدكتور فاروق حمادة، وكنّا قد تعرفنا عليه في أحد المؤتمرات في لندن، وهو إنسان متديّن موضوعي، عاشق للعلم والكتابة، محب لأهل البيت(عليهم السلام)، حفظه الله، وقد غمرنا بألطافه حينما كنّا في المغرب .

صفحه 47
الفصل الرابع
محاضرة
في
أكاديمية المملكة المغربيّة

صفحه 48

صفحه 49
محاضرة في أكاديمية المملكة المغربية حول أدوار الفقه الإسلامي   

أكاديمية المملكة المغربية في الرباط

كان يوم الثلاثاء الثالث من محرم الحرام عام 1425 هـ الموافق لـ 24 فبراير 2004 م هو اليوم الثالث من إقامتنا في بلاد المغرب. وكان البرنامج هو إلقاء محاضرة حول الفقه الإسلامي وسبل تطويره في أكاديمية المملكة المغربية. وكان الحضور أكثرهم من النُّخَب على خلاف المحاضرة السابقة.
وحين دخولنا الأكاديمية لفت نظرنا الإعمار الإسلامي والزخرفةُ الجميلة في داخل القاعة وخارجها، وقد تجسّم أمام أعيننا، ما سمعناه حول مسجد الحمراء في الأندلس .
وممّا يجب ذكره انّ أغلب البيوت القديمة في المغرب لا تخلو من هذه الزخرفة الرائعة، أضف إلى ذلك أنّ الصناعات اليدوية هناك لها سوق رائج ومزدهر يرتاده الكثير من السواح الأجانب.
ولكنّنا لم نعرف هلّ أن هذه الصناعات مقتبسة من الأندلس أو أنّ الأندلسيّين اقتبسوها من المغاربة؟!

صفحه 50
ولكن الّذي نعرفه أنّ الأندلس حينما سقطت بيد الإسبان هاجر الكثير من الأندلسيّين من العرب والبربر إلى المغرب، ولعلّهم نقلوا مهاراتهم وحرفهم معهم.
ومن حسن الحظ أنّ العرب والبربر المسلمين يعيشون في بلد المغرب جنباً إلى جنب بدون خلافات ومشاكل يجمعهم الإسلام. وأغلب البربر يعيشون في المناطق الجبلية المشرفة على البحر، وهي مناطق صعبة العبور.
بعد وصولنا الأكاديمية استرحنا قليلاً في أحد الغرف حيث تعرفنا على أكثر الحاضرين بأسمائهم وسماتهم وثقافتهم، ثم دُعينا إلى القاعة، وارتقيت منصة الخطابة وعلى يميني مدير الجلسات السيد عباس الجراري، وعلى يساري سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية الأُستاذ محمد مسجد جامعي ـ حفظه الله ـ وقد افتتح المجلس بكلمة ترحيب ألقاها البروفيسور عبد اللطيف بربيش أمين السر الدائم للأكاديمية، وإليك نصها .
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
ـ سماحة العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني

صفحه 51
ـ سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالمغرب
ـ حضرة الأعضاء الزملاء
ـ السيدات الفُضْليات
ـ السادة الأفاضل
تتشرف أكاديمية المملكة المغربية اليومَ بزيارةِ علم إيراني من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر سماحة العلاّمة المحقّق آية الله جعفر السبحاني، الّذي أبى إلاّ أن يَخُصَّ أكاديميتَنا بلقاء علمي مع زملائه من العلماء والمفكّرين المغاربة، ومطارحةِ موضوع يعدّ الآن من الأهمية بمكان ألا وهو: «الفقه المالكي والمسائل المستحدثة: مقارنة بين المذاهب الفقهية السنيّة والفقه الجعفري». ومن المؤكّد أنّنا سَنَسْعَدُ بالاطّلاعِ على الأفكارِ النَّيرة لهذا العالم الجليل الّذي تعدُّ مباحثه من المرجعياتِ في مجالات عدة، أخصّ بالذكر منها: علوم القرآن، وأُصول الفقه والأحكام، وعلم الكلام والفلسفة والحديث والسِّيرة. وقد دوِّنت جميع أعماله في أكثر من مائة مؤلف.
إنّنا نتطلَّع جميعاً إلى ما سيتفَضَّل بعرضه علينا من اجتهادات نحن أحوج ما نكون إليها في هذا العصر الّذي يتعرض فيه ديننا الحنيف لهجمات تُريد النَّيْلَ منه بدعاوَى مختلفة، ومحاولة المسِّ بقدسيته وصلاحيةِ شريعَتِه لمُسايرةِ رَكب التطور الحضاري والاجتماعي، بل ولقد وصل التهجم مداه البعيد باعتبار الإسلام مصدراً للتَّطرف والعنف

صفحه 52
والإرهاب، وهو بَرَاءٌ من ذلك. إنّ المسلمين اليوم في أمسِّ الحاجة إلى أن يُكثِّفوا جهودهم وأن يَرصُّوا صفوفهم ويُوحِّدوا كلمتهم لمواجهة المتحاملين، كي يُعطوا الدليل على أن عقيدتَهم عقيدةٌ أسِيسَتها العدالة والحرية والتعايش السلمي والتضامن بين بني البشر دون ميز سوى فضيلة التقوى.
أُودّ أن أُشير إلى أنّ لسماحة الأُستاذ السبحاني الفضل في تأسيس وإدارة مؤسسة الإمام الصادق الّتي توجد في مدينة قم والّتي تهتم بدراسة علم الكلام، كما له الفضل في إصدار مجلة فصلية تهتمّ بدراسة العقائد والكلام المقارن، وهو عضو رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويعدّ آية الله السبحاني من العلماء ذوي الباعِ الطويلِ في مجالِ التقريب بين المذاهب الفقهية لدى السنّة والشيعة، في اتجاه يَسْتَهْدِف إحياءَ الاجتهاد وتجديدَ الفكر الديني حتّى يعيش المسلمُ في انسجام مع عصره، في خِضّم التفاعلات الحضارية وفي انسجام تام مع كلّ مظاهر التقدّم العلمي والتكنولوجي الّذي زَجّ بالأُمم والشعوب في عولمة تتحدى ليس فقط الجوانب الثقافية والاجتماعية، بل وأيضاً الجوانبَ الروحية والعقدية.
مرة أُخرى أُرحِّب بسماحة العلاّمة المحقّق آية الله جعفر السبحاني، وأُحِيل إليه الكلمة لعرض ما يَوَدّ أن يُطلِعَنا عليه في إطار مباحثه الفقهية الجليلة. وأطلب من العضو الزميل السيد عباس الجراري مدير الجلسات لأكاديمية المملكة المغربية أن يتفضّل بالإدارة العلمية لهذه الجلسة.

صفحه 53
وبعد كلمة ا لترحيب أخذ مدير الجلسات بتعريف المدعوّين وانّهم يتشكّلون من أعضاء الأكاديمية وخبراء من خارجها، وذكر أسماءهم مجرّداً عن الإشارة إلى درجاتهم العلمية:

لائحة الأعضاء الذين حضروا اللقاء العلمي مع سماحة آية الله جعفر السبحاني

أعضاء الأكاديمية

ـ عبد اللطيف بربيش: أمين السر الدائم
ـ عباس الجراري: مدير الجلسات
ـ عبد اللطيف بنعبد الجليل: أمين السر المساعد
ـ فاروق النبهان
ـ إدريس العلوي العبدلاوي
ـ أبو بكر القادري
ـ عز الدين العراقي
ـ محمد شفيق
ـ عبد الكريم غلاب
ـ أحمد رمزي: المدير العلمي

صفحه 54
ـ رحمة بورقية
ـ مصطفى القباج: المقرر العام للأكاديمية

الخبراء المدعوون من خارج الأكاديمية

ـ فاروق حمادة
ـ أحمد الخمليشي
ـ عبد المجيد الصغير
ـ حبيبة البورقاوي
ـ أحمد الريْسوني
ـ عبد السلام بلاجي
ـ سعيد بنسعيد العلوي
ـ محمد شوقي بنبين
ـ عبد العزيز بنعبد الجليل
ـ عباس الصوري

صفحه 55
المحاضرة الثانية: أدوار الفقه الإسلامي   

أدوار الفقه الإسلامي

اقتراحات ثلاثة لتطوير الاجتهاد

تمهيد

يعتبر الفقه الإسلامي ثمرة جهود مبذولة من الفقهاء العظام بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا، وهذه الثروة العلميّة أمانة في يد العلماء يؤديها كلّ جيل إلى جيل آخر، إلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها.
وقد مرّ الفقه الإسلامي بمراحل مختلفة كتب له النجاح في أكثر الأدوار، مع ما أصابه من الركود والجمود في بعضها، وقد قمنا ببيانها ضمن المحاضرة على نحو الإيجاز .
ثمّ اقترحنا في ثنايا المحاضرة أُموراً ثلاثة تطوّر الفقه الإسلامي وتجعله منسجماً مع عامّة الحضارات والأعراف المختلفة، وهي تتلخّص في الأُمور التالية:
1. فتح باب الاجتهاد.
2. دراسة الفقه المقارن على ضوء المصادر المتّفق عليها.
3. الرجوع إلى المجتهد الحيّ في عامّة المسائل .
وقد أثارت المحاضرة أسئلة ومناقشات بين الحاضرين، وإليك المحاضرة وما دار فيها من أسئلة ومناقشات.

صفحه 56
على ساحل جبل طارق
ــــــــــــــــــــ
      2
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
قال الله تبارك وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً )1.
أتقدم بالشكر إلى المشاركين والأساتذة العظام حيث أتاحوا لي هذه الفرصة لألقاء كلمة هي في الحقيقية من مقولة (بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا )2.
وإنّي إذ أفتتح كلامي هذا بالآية المباركة، فلي فيها وقفة قصيرة ترجع إلى سؤال الأساتذة عن النكتة الموجودة في استخدام الحبل واستعماله هنا، وأنّه لماذا قال تعالى: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ)ولم يقل واعتصموا بالأُخوّة الإسلامية أو بالقرآن والسنّة وما شابه ذلك ؟

1 . آل عمران: 103 .
2 . يوسف: 65 .

صفحه 57
فإذا كان هناك إجابة من الأساتذة بالنسبة إلى هذا السؤال فأنا أعتزّ بسماعه. ولكن لو سمحتم لي بالإجابة عن السؤال: فالذي يدور في ذهني هو أنّ الهدف من استعمال الحبل فيها هو تشبيه المجتمع المتفرق منهجاً وهدفاً، بالإنسان المتردّي في البئر، المشرف على الهلاك، الّذي لا ينجيه إلاّ التمسّك بالحبل المرسل إلى داخل البئر، فلا يكتب له النجاة إلاّ بهذا الطريق .
فأبناء الأُمّة الإسلامية إذا كانوا متمسّكين بحبل الله تبارك وتعالى فقد خرجوا من مغبّة الدمار والهلاك ونزلوا بساحة النجاة، دون ما إذا ظلّوا على التفرق والتشتّت، هذا ما يدور في ذهني وأنتم العرب الأقحاح، والعارفون بمواقع الألفاظ ونكاتها.
وأُضيف إلى ذلك أنّ المحاضرة تتبنّى بيان أدوار الفقه الإسلامي مع اقتراحات ثلاثة لتطوير الاجتهاد، وليس الهدف توسيع الشقّة أو التنديد بطائفة وتبجيل طائفة أُخرى، بل الهدف نوع محادثة ومذاكرة يترقّب منها دعم توحيد الكلمة والسعي وراء وحدة الأُمّة، فأنا شخصياً سفير الوحدة لا سفير الفرقة.
وهذه الكلمة كمقدّمة قدّمتها إلى حضراتكم فلنشرع بذيها:
التشريع الإسلامي ثمرة ناضجة لجهود العلماء عبر القرون من عصر الصحابة إلى يومنا هذا، وقد مرّ الفقه الإسلامي بأدوار مختلفة يمكن تلخيصها بما يلي:

صفحه 58

1. الدور الأوّل: عصر الصحابة والتابعين

امتدّ هذا الدور من رحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أوائل القرن الثاني، وكان الصحابة والتابعون فيه يصدرون عن الكتاب والسنّة، وإذا لم يجدوا حلولاً شرعية للحوادث المستجدة اجتهدوا في حلول مناسبة، صارت فيما بعد النواة الأُولى لنموّ الفقه وتكامله.

2. الدور الثاني: عصر ظهور المذاهب الفقهية

أسفرت الجهود المضنية في هذا الدور عن تأسيس مذاهب
فقهيّة اتّسم كلّ منها بأُسلوب خاص، وقدكتب لبعضها البقاء إلى يومنا
هذا.
وقد استمرّ هذا الدور إلى نهاية القرن الثالث ونيفاً من الرابع.

3. الدور الثالث : عصر التخريج والتفريع

لمّا ظهرت المذاهب الفقهية في العراق والشام ومصر وغيرها، وحظي بعضها بانتشار واسع، كرّس خريجو هذه المذاهب جهودَهم للتخريج والتفريع إلى حدّ لم يكن له مثيل في العصور السابقة. وأُلّفت في هذه الفترة موسوعات فقهية تحمل ذلك الطابعَ .
فمن الأحناف: أبو بكر الجصّاص (المتوفّى عام 370 هـ) صاحب تفسير آيات الأحكام ، وأبو الحسن القدوري البغدادي (المتوفّى 428 هـ)

صفحه 59
صاحب كتاب التجريد وهو يشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي.
ومن المالكية: أبو الوليد محمد بن رشد القرطبي (المتوفّى سنة 520 هـ) زعيم فقهاء وقته بالأندلس والمغرب ، والقاضي أبو الفضل عباس بن موسى (المتوفّى سنة 541 هـ) له كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك.
ومن الشافعية: القاضي أبو حامد المروزي (المتوفّى عام 363 هـ) صاحب كتاب الجامع وشرح مختصر المزني ، وأبو المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجويني (المتوفّى عام 478 هـ) مؤلّف النهاية في الفقه، والبرهان.
ومن الحنابلة: أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي (المتوفّى عام 431 هـ ) مؤلّف الفصول المسمّى بـ «كفاية المفتي» ، ومحمد بن عبد اللّه السامري (المتوفّى عام 616 هـ) مؤلّف «المستوعب» .
إلى غير ذلك من أعلام وفطاحل وأقطاب في الفقه، وكلّ برع في التخريج على مذهب إمامه.

4. الدور الرابع: عصر الجمود والانحطاط

بدأ هذا الدور أواسط القرن السابع عقب إقفال باب الاجتهاد وحصر المذاهب الفقهيّة في الأربعة المعروفة.
يقول العلاّمة المقريزي وهو يصف هذا الوضع المأساويّ : فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665هـ، حتّى لم يبق في مجموع

صفحه 60
أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يولَّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلّداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها،والعمل على هذا إلى اليوم.1
فقد أخذ الفقه في هذا الدور بالضمور والجمود والاكتفاء بنقل ما كان موجوداً في الكتب الفقهية للمذاهب دونما مناقشة، وكانت وظيفة الفقيه تدريس المتون الفقهية والتحشية والتعليق عليها، دون أن يخرج عن إطار المذهب الذي ينتحله،وقد استمر هذا الدور إلى أواخر القرن الثالث عشر.
ويصف الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء القرن السابع ومابعده، بقوله: في هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، فقد بدأ في أوائله بالركود وانتهى في أواخره إلى الجمود، وقد ساد في هذا العصر الفكر التقليدي المغلق، وانصرفت الأفكار عن تلمّس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام إلى الحفظ الجاف والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، وطفق يتضاءل وينضب ذلك النشاط الذي كان لحركة التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب، وأصبح مريد الفقه يدرس كتاب فقيه معين من رجال مذهبه فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد أن كان مريد الفقه قبلاً يدرس القرآن والسنّة وأُصول الشرع ومقاصده. وقد

1 . الخطط المقريزية: 2 / 333 و 334 و 344 .

صفحه 61
أصبحت المؤلّفات الفقهية ـ إلاّ القليل ـ أواخر هذا العصر اقتصاراً لما وجد من المؤلفات السابقة أو شرحاً له، فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق ودراسة الألفاظ وحفظها، وفي أواخر هذا الدور حل الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخّري رجال المذاهب الفقهية.1
إنّ إقفال باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع ليس معناه انّ المجتمع الإسلامي قد خلا من أي مجتهد مطلق، وإنّما المراد أنّ الطابع السائد على المجتمع الإسلامي هو تقليد الفقهاء الأربعة، وإلاّ فقد وجد خلال هذه القرون من اتّسم اجتهاده بالاجتهاد المطلق، مثل:
1. تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي، القاضي السبكي (683ـ 756هـ).
2. عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، القاضي السبكي(727ـ 771هـ).
3. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني(773ـ 852هـ).
4. جلال الدين السيوطي (848ـ 911هـ).
5. شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا بن محمد الأنصاري(823ـ 926هـ).
6. أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي(909ـ 974هـ).

1 . المدخل الفقهي العام: 1 / 197 ـ 198 .

صفحه 62

5. الدور الخامس :عصر عودة النشاط الفقهي

لقد كان للحضارة والتقدّم الصناعي الذي ارتجّت بها البلدان الأُوروبية وتأثّر بها الشرق، خصوصاً فيما يرجع إلى العلاقات الاجتماعية والسياسية، بل الأحوال الشخصية، فواجه المجتمع الإسلامي مسائل مستجدة لم يكن لها مثيل أو سابقة في المذاهب والكتب المدوّنة، وهذا ما دعا بعض الفقهاء إلى تجديد نشاطهم وخلع ثوب الركود عن أنفسهم بفتح فروع فقهية في الجامعات والمؤسسات التعليمية وعقد المؤتمرات.
وكان من ثمرات ذلك أنّ اللجنة الفقهية في الدولة العثمانية أصدرت في سنة 1286 هـ مجلة الأحكام العدلية بصفة قانون مدني عام من الفقه الحنفي، وقسّمتها إلى كتب، وكلّ كتاب إلى أبواب أوّلها البيوع وآخرها القضاء، وكان هذا هو النواة الأُولى لتطوير الفقه في هذا العصر ومابعده، وتبعه إنشاء المجامع الفقهية ومجالس الإفتاء وقيام العلماء بالاجتهاد في المسائل المستحدثة والوقائع الجديدة، التي تشمل موضوعات متعدّدة مثل: التأمين،والشركات، والأسهم، وزكاة الأسهم، وأطفال الأنابيب، وموت الدماغ، والتشريح، وقامت الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي مقام الاجتهاد الفردي.
إلى هنا خرجنا ببيان الأدوار التي مر بها الفقه السنّي بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا.
وأمّا الأدوار التي مرّ بها الفقه الشيعي فالحديث فيها ذو شجون، وقد ألّفتُ في هذا الموضوع كتاباً خاصاً باسم «أدوار الفقه الإمامي» وهو مطبوع ومنتشر.

صفحه 63

اقتراحات

نحن في هذا الوقت السعيد وأمام أصحاب الفضيلة والأساتذة نقترح أُموراً هامة لعلّها تقع موقع القبول، وإذا كان للأساتذة ملاحظات عليها فنحن على استعداد لسماعها ودراستها، وهي:

1. فتح باب الاجتهاد المطلق

إذا كان الاجتهاد هو بذل الجهد في استنباط الأحكام من أدلّته الشرعية، فهذا لا يختص بزمان دون زمان ولا بفئة دون فئة، وليس فهم الكتاب والسنّة ممّا وهبه الله سبحانه للسلف دون الخلف، فالكلّ أمام اللّه سواء، فكلّ من بلغ مرتبة يستطيع بها استخراج الحكم الشرعي من أُصوله، فعليه العمل بما استنبط ويحرم عليه تقليد الآخرين وإن بلغ المقلَّد ما بلغ من العلم والفقاهة، لأنّه حسب اجتهاده يخطّئ الطرف الآخر، فكيف يمكنه ترك ما يعتقده صحيحاً والأخذ بما يعتقده غير صحيح.
إنّ الاجتهاد المطلق يعطي للدين خلوداً، ولقوانينه دواماً، ويجعله صالحاً لعامّة الظروف والبيئات، فهل يصح لنا الإعراض عن استثمار هذه الموهبة الإلهية؟!
إنّ الاجتهاد المطلق يجعل النصوص الشرعية حيّة متحرّكة نامية متطورة تتماشى مع نواميس الزمان والمكان، فهل يجوز في منطق العقل ترك هذه الإيجابيات؟! وقد كان المسلمون الأوائل يعملون بفقه الآخرين ـ

صفحه 64
كالصحابة والتابعين ـ ولم يكن يومذاك أي أثر من المذاهب الأربعة، ولا محيص إلاّ أن نقول: إنّ الواجب هو العمل بالأحكام الشرعية والاجتهاد طريق إليها، ولا فرق بين طريق وطريق. ونحن نشكره سبحانه ونحمده على تواجد طائفة من العلماء قد تبنّوا في الفترة الأخيرة فتح باب الاجتهاد المطلق والخروج عن نطاق المذاهب المحدودة، وقد كتبوا في ذلك رسائل وكتيبات.1
وهناك كلمة قيّمة لابن قيم الجوزية أماطت الستر عن وجه الحقيقة، قال:
لا واجب إلاّ ما أوجبه اللّه ورسوله، ولم يوجب اللّه ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأُمّة فيقلّده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرّأة مبرأ أهلها من هذه النسبة ـ إلى أن قال: ـ وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأُمّة لم يقل بها أحد من أئمّة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً، واعلم باللّه ورسوله من أن يُلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.2

1 . لاحظ مجلة رسالة الإسلام لجماعة دار التقريب، العدد الأوّل من السنة الخامسة، ودائرة معارف القرن الرابع عشر لفريد وجدي، مادة (جهد)، ولاحظ كتابنا مفاهيم القرآن: 6 / 280 .
2 . إعلام الموقعين عن رب العالمين: 4 / 262 ـ 263.

صفحه 65

2. تدريس الفقه المقارن في الجامعات

بذل فقهاء الإسلام جهداً كبيراً في تنمية بذرة الفقه ورعايتها حتى صارت شجرة طيبة تؤتي أُكلها كلّ حين ، من غير فرق بين فقهاء طائفة وأُخرى، فعلى ضوء ذلك لا محيص من التعاون العلمي واستضاءة كلّ طائفة بما لدى الطوائف الأُخرى. وقد قيل: إنّ الحقيقة بنت البحث، وهذا المثل السائر يوضّح أنّ الوقوف على الحقيقة وإماطة الستر عن وجهها رهن النقاش العلمي وتبادل الآراء، لأنّ ذلك أشبه بالتقاء الأسلاك الكهربائية، فكما أنّ الضوء يتفجّر حينما يلتقي قطبي الكهرباء السالب والموجب، فكذلك نور الحقيقة يتّسع أمامنا بشكل أبهج وأنور عند تبادل الأفكار والآراء.
وعلى ضوء ذلك، نقترح دراسة الفقه الإمامي في جامعات المغرب دراسة معمّقة بيد أساتذته، وقد قمنا بتنفيذ هذا الاقتراح في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث يدرس هناك فقه بعض المذاهب في جامعاتنا جنباً إلى جنب مع الفقه الإمامي.
إنّ الفقه الإمامي يستمد في استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة التي وصلت إليهم عن طريق رجال صادقين، وعلى رأسهم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)الذين هم قرناء الكتاب في حديث النبي المتواتر : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا» فالعترة الطاهرة عند الإمامية عيبة علم الرسول وحفظة سنّته .

صفحه 66
ففي ظل التعاون الفقهي المقترح يتمكّن فقهاء السنّة من رفد بحوثهم الفقهية بالزاخر الطيب من السنن النبوية الواردة عن طريق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهي ليست بقليلة.

3. الرجوع إلى المجتهد الحي

إنّ فقهاء الإسلام أعلام الهدى و مصابيح الدجى، لا فرق بين من مات منهم، ومن هو حيٌ يُرزق. غير أنّ المجتهد الحي أعرف بالظروف السائدة في المجتمع، وانطلاقاً من قول القائل: «الشاهد يرى ما لا يراه الغائب»، فهو يعرف مقتضيات الزمان والمكان، على نحو لو كان الفقيه الفقيد حاضراً في ذلك الزمان لربما عدل عن رأيه وأفتى بغير ما أفتى به سابقاً، وهذا ما يدفع الفقهاء إلى ترويج تقليد المجتهد الحي أو اللجنة الفقهية المتشكّلة من الأحياء.
نعم هذا الاقتراح ربّما يكون ثقيلاً على من اعتاد تقليد غير الأحياء، ولكنّه ينسجم مع الفطرة الإنسانية التي بُنيت عليها أُسس الدين الإسلامي، وليس ذلك أمراً بعيداً عن حياة البشر، فإنّ المجتمع في حاجاته يرجع
إلى الأطباء والمهندسين الأحياء، لأنّهم أعرف بحاجات العصر وبالداء والدواء.
أسئلة وردود حول محاضرة: أدوار الفقه الإسلامي ومقترحات المحاضر   
رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ اللّه الباقين منهم
ooo

صفحه 67
تمّت المحاضرة ولمسنا البشاشة في وجوه المستمعين، وألقى مدير الجلسة كلمة ثمّن فيها المحاضرة، وفي الوقت نفسه فتح المجال للحاضرين بالمناقشة وطرح الآراء، وإليك كلمة مدير الجلسة ، وتليها مناقشات المشاركين وما حولها من التحاليل من المحاضر :

1. كلمة مدير الجلسة: الدكتور عباس الجراري:

أشكر فضيلة الشيخ السبحاني على هذا العرض القيّم الذي وضع فيه اليد على المشكلات الحقيقية الّتي يعانيها الفقه الإسلامي اليوم. ونظراً للغنى الذي يتميز به العرض فإنّنا نستأذنه في أن نفتح باب المناقشة لمزيد من إبراز هذا الغنى. وأستأذنكم جميعاً في أن أقول كلمة لعلّها أن تكون فاتحة لهذه المناقشة.
لقد أحسن فضيلة الشيخ حين استهلّ عرضه بالآية الكريمة الداعية إلى الاعتصام، وحين أبرز المدلول الحق في الآية الكريمة لكلمة الحبل. ومع أنّ رمز الحبل يحتوي دلالات كثيرة فإنّنا نؤيّد الشيخ فيما ذهب إليه في قضية ربط الحبل بالبئر وحاجة المسلمين إلى أن يظلوا متمسكين بالحبل حتى يخرجوا من البئر، أيّ بئر يمكن أن يعترضهم .
وتحدث فضيلة الشيخ عن الفقه الإسلامي في أدواره التاريخية وهي أدوار نؤيده فيها، وهي معروفة في جميع الدراسات التي عنيت بالتأريخ للفقه الإسلامي. وفيما يتعلق بمرحلة الجمود، نحن كثيراً ما نسمع هجوماً

صفحه 68
على هذه المرحلة وعلى فقهائها وعلى ما أُنجز فيها باعتبار أنّها أقفلت باب الاجتهاد. نعم، ولكن هناك شيء، حسب رأيي، إيجابي بالنسبة لهذه المرحلة، وهي أن هذه المرحلة هي التي جعلت المسلمين يحافظون على التراث الضخم الزاخر الذي أنتجته مرحلة الاجتهاد، وهي الكتب التي أُلّفت في الفروع، وكما قلتم بأنّها خرّجت وفرعت. في الحقيقة هذه المرحلة هي التي جعلت الفقه الإسلامي يصل إلى الأجيال التي جاءت من بعد. ولقد كنّا في شوق كبير إلى أن نعرف مكانة الدور الذي يقوم به الفقه الشيعي الإمامي وإن كنتم فضّلتم أن تؤجّلوه إلى مرحلة أُخرى .
أمّا القسم الثالث والأخير من العرض فقد طرح فيه فضيلة الشيخ مجموعة من الاقتراحات نؤيده فيها مع الإلحاح على قضية الاجتهاد الجماعي، أي الاجتهاد الذي تقوم به مؤسسات وليس مجرد أفراد، والمؤسسة هي عبارة عن أفراد يجتهدون. هنا لا يخفى عليكم أنّ بعض المنظمات الإسلامية وفي طليعتها منظمة الإسيسكو كانت قد عقدت عدة لقاءات ومؤتمرات وأنجزت بمعية عدد من العلماء استراتيجية سمّتها استراتيجية التقريب بين المذاهب، وأدخلت في هذه الاستراتيجية الفقه الإمامي والإباضي والزيدي إلى غير ذلك. إذن هناك جهود تبذل في هذا المضمار تحتاج إلى أن تنفّذ وأن تطبق بمساعدات العلماء من كل الأقطار الإسلامية.
وأنتم تتحدثون ـ فضيلة الشيخ ـ عن فتح باب الاجتهاد المطلق أشرتم إشارة إلى الخروج عن المذاهب. وأستسمحكم في هذا، وهو أنّنا

صفحه 69
حين نتحدث اليوم عن الاجتهاد لاشك أنّنا نتحدث عن الاجتهاد في القضايا التي جدّت، وقد ذكرتم بعضها وهي كثيرة يعانيها المسلمون اليوم. ولكن المذاهب نفسها أتاحت مجالاً واسعاً لهذا الاجتهاد، مثلاً عندنا في المذهب المالكي بعض الأُصول التي اعتمدها الإمام مالك إلى جانب الكتاب والسنّة والإجماع والقياس، اعتمد الاستحسان، وهذا باب مهم ليساعد على فتح باب الاجتهاد. أصل آخر اعتمده الإمام مالك وهو المصالح المرسلة! وهذا أيضاً يساعد على أن نجتهد وأن نوسّع أفقنا في الاجتهاد. هذا الأصل وغيره هي أصول يمكن أن تعتمد، ليس فقط بالنسبة للمذهب المالكي، بل حتى بالنسبة لمذاهب أُخرى، وأفتح قوساً وهو أن المذهب المالكي في مثل هذه المسائل يلتقي مع المذهب الإمامي. فالمذهب الإمامي أيضاً يميل إلى هذه الأُصول ويلتقي فيها مع المذهب المالكي.
اقترحتم كذلك أن نفتح الباب لدراسة الفقه الإمامي، أنا أتّفق مع فضيلتكم بأنّه ربّما ممّا يؤخذ عموماً على أهل السنّة أنّهم لا ينظرون كثيراً وطويلاً وبعمق إلى الفقه الإمامي، فمن الواجب علينا أن نعترف ببعض الخلل، فنحن في حاجة إلى أن نفتح أفقنا على الفقه الشيعي عموماً: الإمامي والزيدي الخ، ولا ينبغي أن يستغرب هذا بالنسبة للمغرب، فقد تحدثتم عن العترة النبوية ونحن مما نعتزّ به وينبغي أن نشير إليه في هذا اللقاء مع فضيلتكم هو أن الرباط القوي الذي يربط المغرب بالجمهورية الإسلامية الإيرانية هو هذا الرباط القائم على نسب أهل البيت، فهذا شيء نفتخر به

صفحه 70
ونعتزّ، ويقوي الروابط بين إيران والمملكة المغربية التي هي الدولة الإسلامية التي تقارب الآن أربعة عشر قرناً ومنذ أن قامت وهي قائمة على حكم آل البيت، إذن هذا رباط قوي يذيب كثيراً من العوائق ومن العراقيل التي يمكن أن تحدث مع بلد آخر.
هذه بعض الإشارات أردت أن أثيرها وأستخرجها من العرض القيّم الذي ألقاه فضيلة الشيخ. ولاشك أنّنا جميعاً ندين مرحلة إقفال باب الاجتهاد، هذا لا نقاش فيه، ولكن حتى لا تكون هذه الإدانة صارمة وقاسية ونافية لكلّ هذا التراث الغني الذي وصلنا.
إنّ مرحلة توقّف الاجتهاد كانت مرحلة ظهر فيها بعض المجتهدين وأيضاً نوع من المقلّدين الذين كان يطلق عليهم الحفّاظ. هؤلاء جميعاً استطاعوا أن يجمعوا هذا التراث الفقهي الذيوقع خلال مرحلة الاجتهاد وأوصلوه لنا، وهذه مسألة لا تتعلق فقط بالفقه، بل الفكر العربي الإسلامي كله عرف هذا الجمود، ولكن في هذه المرحلة الجامدة كان هناك تجميع لهذا التراث، وهذا نجده في كتب التاريخ وفي كتب الآداب وفي كتب الفقه. هذه المرحلة التي هي مرحلة التوقف عن الإبداع وعن الاجتهاد أتاحت الفرصة للتجميع والتقريب .

صفحه 71

تحليل المناقشة1

نشكر فضيلة الأُستاذ عباس الجراري في دعمه لما أشرنا إليه في سبب استخدام كلمة «الحبل» في الآية الكريمة الّتي صدّرنا بها محاضرتنا.
إلاّ أنّ ما أشار إليه من الملاحظات قابل للتأمّل:
أوّلاً: فقد أشار إنّ لإقفال باب الاجتهاد أثراً إيجابيّاً، وهو المحافظة على التراث الضخم الزاخر الّذي انتجته مرحلة الاجتهاد، وهي الكتب الّتي أُلّفت في الفروع. وجه التأمّل:
إنّ الاجتهاد إذا كان وفقَ الضوابط الصحيحة، لا يؤثر على حفظ التراث الضخم الزاخر، فقد كان بإمكانهم الجمع بين العملين:
1. التخريج والتفريع على ضوء ما ورثوه من أئمة المذاهب لغاية المحافظة على التراث الفقهي.
2. فتح باب الاجتهاد وعدم إقفاله، ليبقى الفقه طرياً جديداً مثمراً مؤتياً أُكله كلّ حين.
إنّ اقفال باب الاجتهاد إقفال للعلم والتفكير، ولا أظنّ أن تقتطف الثمرة الطيبة من الشجرة المرّة.
ثانياً: ما أفاده من أنّا نتحدث عن الاجتهاد في القضايا الّتي استجدّت والمذاهب نفسها قد أتاحت مجالاً واسعاً لهذا الاجتهاد، قابل للملاحظة وهي:

1 . قد توسّع شيخنا المحاضر في الكلام في التحاليل الّتي تمرّ بك توخياً للإيضاح .

صفحه 72
إنّ الاجتهاد في المسائل الّتي استجدّت ـ حسب تعبيره ـ هل هو اجتهاد على ضوء منهج إمام واحد (مثلاً الإمام مالك)، أو اجتهاد متحرر من الالتزام بمذهب خاص ؟
أمّا الأوّل فليس اجتهاداً مطلقاً، بل هو اجتهاد في مذهب خاص، وأين هو من التفكير الحر بدون التزام بمذهب خاص ولكن مستمداً من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل؟! سواء أوافقت نتيجةُ الاجتهاد مذهبَ أحد الأئمة أو لا، وليست الموافقة لفتوى أحد المذاهب الأربعة شرطاً لصحّة الاجتهاد، وقد كان بين المسلمين فقهاء قبل أن تصل الأئمة الأربعة منصّة الحكم والإفتاء.
وأمّا الثاني فهو أمر جميل في حقل المسائل المستجدة، ولكن لماذا لا نوسِّع ذلك لعامة المسائل، فليس ما جاءت به المذاهب الأربعة وحياً لا يقبل الخدشة والتغيير والتحويل. بل المسائل الفقهية من الطهارة إلى الديات صالحة للاجتهاد المطلق تحت الضوابط الصحيحة، بلا ضرورة للالتزام بأحد المذاهب.
وها أنا أطرح هنا مسألتين نلفت نظر الحضّار إليهما، فإنّهما من المسائل غير المستجدة ومع ذلك يجب تجديد الاجتهاد فيهما:
الأُولى: أنّ الأئمة الأربعة يجوّزون السجود على كلّ شيء بشرط الطهارة من دون فرق بين الأرض والنبات والسجاجيد والألبسة وغير ذلك، ولكن الشيعة الإمامية ملتزمة بالسجود على الأرض في حضرهم

صفحه 73
وسفرهم ولا يعدلون عنها إلاّ إلى ما أُنبت منها بشرط أن لا يؤكل ولا يلبس، ولا يرون السجود على غير الأرض وغير ما أنبت منها، صحيحاً في حال الصلاة أخذاً بالسنّة المتواترة عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته وصحبه الكرام.
وقد روى الفريقان عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» 1.
والمتبادر من الحديث أنّ كلّ جزء من الأرض مسجد وطهور يُسجد عليه ويقصد للتيمم،وعلى ذلك فالأرض تقصد للجهتين: للسجود تارةً وللتيمم أُخرى.
إن هذا الحديث يثبت بجلاء أنّ وجه الأرض، تراباً كان أو صخراً أو حصى، هو الأصل في السجود، وهو الّذي يجب أن يتخذ موضعاً للسجود، ولا يجوز التعدّي عن ذلك إلاّ بدليل آخر .
وقد أوجد ذلك للشيعة الإمامية مشاكل في الحرمين الشريفين، فإنّ المساجد هناك (خاصة المسجد النبوي) كلّها مفروشة بالسجاجيد، وقلّما يوجد قرب الروضة النبوية ما يصلح للسجود عليه .
أو مَا آنَ لفقهاء الإسلام أن يطرحوا المسألة على صعيد عال متجرّدين عن الآراء السابقة ودراستها على ضوء الكتاب والسنّة؟!

1 . صحيح البخاري: 1 / 91، كتاب التيمم، الحديث 2; سنن البيهقي: 2 / 433 باب: أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد، ورواه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن.

صفحه 74
هناك مسألة أُخرى وهي رمي الجمار في أيام التشريق، فإنّ الحنابلة يفرضون رمي الجمار باليوم العاشر من مطلع الشمس إلى دلوكها ولا يجوزون بعد الظهر بخلاف اليومين التاليين فلايرخصون صباحاً، بل يفرضون أن يكون الرمي بعد الظهر.
كلّ ذلك يورث حرجاً شديداً على الحجاج وينتهي إلى قتل العشرات منهم بفعل الازدحام.
وأمّا الشيعة الإمامية تبعاً لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)يرون أنّ الوقت أوسع من ذلك، وأنّه يجوز الرمي في الأيام الثلاثة من طلوع الشمس إلى المغرب من غير فرق بين الأيام الثلاثة.
أما آن لمن ينبض قلبه بحفظ دماء المسلمين وأعراضهم بأن يطرح المسألة على صعيد عام دون تقيد بمذهب حتّى يسفر عن حقيقة ناصعة؟!
ثالثاً: ما تفضّل به سماحة الأُستاذ من أنّ الإدانة يجب ألاّ تكون صارمة وقاسية ونافية لكلّ هذا التراث الغني الّذي وصلنا هو أمر جميل نستقبله بصدر رحب، ولم يكن الهدف من الإدلاء به، إلاّ إلفات نظر الحاضرين إلى الموضوع .
أعاذنا الله سبحانه من سوء الأدب .
ومع ذلك كلّه نوافق الأُستاذ أنّه بعد الإقفال المذكور قد ظهر في الساحة الاجتهاد المطلق في بعض الأحايين كالسبكي وغيره، ممّن أشرنا إليه أثناء المحاضرة.

صفحه 75

2. مناقشة الدكتور سعيد بن سعيد العلوي:

نحمد الله تعالى إذ يسر لنا ثانية فرصة الاجتماع إلى هذا الرجل الفاضل، فبعدما أفدنا من علمه في الكلام، وفي الأُصول وفي الفلسفة، ها نحن نستمع إليه اليوم فقيهاً فروعياً وأُصولياً معاً وإن كان الكلام الأُصولي متضمناً في الحديث الفروعي. تعليقي يرتبط بالمقترحات الثلاثة الّتي تفضّل بها الشيخ، وأستسمحكم عذراً في أن أرد عليها باختصار لكن في غير الترتيب الّذي وردت فيه وإنّما في ترتيب يقتضيه سياق كلامي.
النقطة الأُولى تتعلّق بتدريس الفقه المقارن في الجامعات وتحديد الانفتاح البحثي والدرسي على الفقه الإمامي، وأنا معكم في هذا الاقتراح متى تعلّق الأمر بدرس الفقه المقارن. ودرس الفقه المقارن هو درس لطلاب الدراسات العليا ورسائل الدكتوراه وما أشبه ذلك. وما أجمل أن تكون البحوث الجامعية العليا واللقاءات العلمية متفتحة ومستفيدة على المذاهب الإسلامية كلّها، ودائماً كان الاجتهاد الحق هو اجتهاد في المذهب يخرج عن المذهب، وربّما حتّى إذا رجع إليه يكون قد قام بالجولة عبر المذاهب الأُخرى، وهذا معروف عند كبار فقهاء الإسلام.
النقطة الثانية عن المجتهد الحي في مقابل الميت، يعلمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من خلال الحديث المعروف: «أنتم أدرى بأُمور دنياكم» أنّ الأدرى بأُمور دينه هو الأدرى بأُمور دنياه، يعني هم الأحياء، ما في ذلك من شك ولا خلاف. وهنا أُريد أن أضيف أنّ الفقيه الحي هو فقيه حي بفكره،

صفحه 76
فربّ كلام وربّ فقه نقرؤه لميت سابق علينا أجمل وأبلغ من حامل فقه ليس بفقيه، كما يقول علماء الفقه وعلماء اللغة العربية معاً. فما أكثر ما قرأنا من نصوص لمن نسمّيهم عن حقّ بفقهاء النهضة، مطلع القرن العشرين وما إلى ذلك، نقرأ كلامهم في المستحدثات وفي التقنيات وفي الاجتهاد وفي الاقتباس من الغرب وما إلى ذلك وإذ نقارنه بما نقرؤه اليوم، نجد أنّ الميت أحق أن يقلّد من هذا الحي، فالحي هو الحي بفكره الحي وليس الحي بجسده.
النقطة الثالثة تتعلّق بمقترحكم الأوّل المتعلّق بالاجتهاد المطلق، يمكن أن أصيغه في تحفظات ثلاثة:
التحفّظ الأوّل هو: أخشى أن يكثر الانعزال والانزواء من قبل بعض الفقهاء، فكلّ من لم يرق له العمل الجماعي داخل جماعة يعود بنفسه في زاوية أو ينعزل، وإن كان ربما بدعوى من الخوف من الفتنة، تأييداً للحديث النبوي المعروف، فلا يقول بكل ما يقول به الآخرون ويقوم بعمل أبي ذرّ ولكن بطريقة لا علاقة لها بعمل أبي ذرّ وإنّما هو انزواء وشذوذ، ولربّما وصل الأمر إلى درجة الخروج عن الجماعة، وبالجماعة يحفظ الدين ويحفظ الإسلام ويحفظ المسلمون.
التحفّظ الثاني هو: أنّه في زمننا هذا ولأسباب معروفة أخذت إمكانات اجتهادات الفرد الواحد تصبح قليلة لاتّساع العلوم واتّساع الفنون والمعارف، وبالتالي الحاجة إلى اجتماع جماعي يجلس فيه في مجلس

صفحه 77
واحد علماء الشريعة وعلماء الطبيعة وعلماء الاجتماع وعلماء السياسة والاقتصاد وغيرهم. فالكلمة الفصل في الدين تكون لعلماء الدين ما في ذلك من شك، لكن حسب تقاليدنا، بل حسب مقتضيات الدين الإسلامي يستنار بفكر البُصراء والعالمين بمختلف مجالات العلوم الأُخرى، إذن لابد من اجتهاد جماعي وضمن الجماعة.
أما التحفّظ الثالث: فهو أنّي أخشى ما أخشاه في الاجتهاد المطلق إذا قيّد بشرط المجتهد الحي أن يكون هنالك انصراف عن الجماعة وخروج عما يحفظ على المسلمين جماعتهم، أي وحدتهم بالمعنيين السياسي والفكري.

تحليل المناقشة

إنّ في كلام الأُستاذ نقاطاً ثلاثة نأخذها بالتحليل :
أمّا النقطة الأُولى: فما أفاده نفس ما تمنيناه وحَلِمنا به. فنعم الوفاق.
وأمّا النقطة الثانية: وهي تشتمل على أمرين :
الأوّل: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «أنتم أدرى بأُمور دنياكم».
الثاني: حاول أن يعرف الفقيه الوافد على الله تعالى بأنّه حيٌّ بفكره، وربّما فقه يُقْرأ لميت سابق أجمل وأبلغ من حامل فقه ليس بفقيه .
إلى أن يقول: نجد أنّ الميت أحق أن يقلَّد من هذا الحي، فالحي هو الحي بفكره الحي وليس الحي بجسده.

صفحه 78
يلاحظ على الأمر الأوّل من أنّ ما نقله الأُستاذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من «أنّتم أدرى بأُمور دنياكم» مشيراً إلى الحديث المروي في الصحاح، ولكنّه منظور فيه ومورد للتأمّل ، إذ كيف تكون الأُمّة أدرى بالأُمور الدنيوية من رسول الله وقد وصف سبحانه علم الرسول بقوله: (وَ كَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)1 والرواية الحاكية لتلك الجملة، أو مضمونها غير صحيح قطعاً، والأولى أن نذكر نصَّ الحديث ثم نذكر وجه النظر فيه :
أخرج مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال:
مررت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم على رؤوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟
فقالوا: يلقّحونه، يجعلون الذكر في الأُنثى فيتلقّح.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظنّاً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ. 2
وروى عن رافع بن خديج: قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل، يقولون يلقِّحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنّا نصنعه، قال:

1 . النساء: 113 .
2. صحيح مسلم: 7/95، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

صفحه 79
لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً، فتركوه، فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر.1
وقد رواه مسلم النيسابوري مؤلف الصحيح في باب أسماه: بوجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.
نحن نعلّق على الحديث تعليقاً مختصراً، ونحيل التفصيل إلى القارئ.
أوّلاً: نفترض انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبيّاً، ولا أفضل الخليقة، ولم ينزل عليه الكتاب والحكمة، ولكنّه كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكلّ من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سؤاله ما يصنع هؤلاء فيجيبونه انّهم «يلقِّحونه»؟!
أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خافياً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
ثانياً: كيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، قال سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت ِاللّهِ تَحْوِيلاً)2 ومع ذلك فكيف يقول: ما أظن يغني ذلك شيئاً؟!

1. شرح النووي على صحيح مسلم: 15 / 125 ـ 126، الباب 38، كتاب الفضائل.
2 . فاطر: 43.

صفحه 80
ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكلّ ما يخبر به
عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، وأسوأ من ذلك ما نسب إليه من
الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّوجلّ» لأنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ و العياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.
ويلاحظ على الأمر الثاني «من أنّ الفقيه حي بفكره وعلمه»،
بأنّه صحيح، أشار إليه الإمام علي (عليه السلام)في بعض ما أُثر عنه قال: «العلماء باقون ما بقي الدهر»، وليس الهدف إنكار هذا الأصل الّذي أطبق عليه العقلاء، بل الهدف أنّ الفقيه الحي الّذي يعيش في المجتمع الحاضر أعرف بالظروف الحاكمة وأعرف بداء المجتمع ودوائه من غيره، لأنّه يشاهد ما لا يشاهده الغائب فقد اكتسب هو علوم الماضين وأضاف إليها ما تعلّمه عبر الزمان.
ومن المعلوم أنّ الرجوع إلى ذلك الفقيه الجامع للشرائط أفضل من الرجوع إلى من لم يشاهد الظروف .
ويشهد على ما تبنّيناه جريان سيرة العقلاء على الرجوع إلى الأحياء في سائر العلوم، وكون ابن سينا حيّاً بفكره وعلمه وآثاره لا يمنعهم عن فتح كلية الطب وإجراء التجارب في عامّة الأمراض وعلاجها، فإنّ ركب العلم لم يقف ولن يقف ولا يشذ عنه الفقه الإسلامي الّذي يحدد حياة الإنسان منذ ولد إلى أن يلقى ربه .

صفحه 81
وأمّا النقطة الثالثة في مناقشته الّتي تتعلّق بالاجتهاد المطلق فقد ساقها في تحفّظات ثلاثة كما عرفت الآن، ولكن لا يصلح واحداً منها أن يكون دليلاً على جواز إقفال باب الاجتهاد.
أمّا التحفّظ الأوّل، فلأنّ الاجتهاد المطلق إذا كان فاقداً للضوابط وجارياً على منهج غير صحيح، فيورث ما خشي منه الأُستاذ من انزواء المجتهد وخروجه عن الجماعة.
وأمّا إذا كان على ضابطة صحيحة مستمدة من الكتاب والسنّة فهو يجهر برأيه بالدليل فله العمل بما استنبطه من دون التعرض لاجتهاد الآخرين واستنباطاتهم.
على أنّ الاجتهاد المطلق ربّما لا يخرج بالنتيجة عن آراء أحد الأئمة الأربعة، وربّما يخرج ولكن يوافق رأي بعض الأقدمين من المذاهب الماضية.
وأمّا التحفّظ الثاني فهو أمر نتقبّله ، فإنّ اتّساع العلوم والفنون يجرّ الفقيه إلى الاستضاءة بآراء الأخصائيّين في العلوم المختلفة، ويكون دورهم دور تحديد الموضوع وتبيينه، وأمّا بيان الحكم الشرعي فيمارسهُ الفقيه بنفسه .
وأمّا التحفّظ الثالث وهو الانحراف عن الجماعة، فإنّما يلزم إذا كان تقليد الأئمة الأربعة أمراً لازماً إلى قيام يوم القيامة .
وأمّا إذا قلنا بلزوم تقليد المجتهد المطلق الحي في كلّ عصر، فيكون

صفحه 82
ذلك المجتهد محوراً للوحدة وجامعاً للشمل، شأنه شأن الحكام والقضاة الذين يتبادلون منصَّة الحكم واحداً بعد الآخر فإنّهم لا ينصبُون مدى حياتهم. وليست الأئمة الأربعة ـ مع اعتزازنا بمقامهم العلمي السامي ـ قدوة منحصرة إلى يوم البعث .

3. مناقشة الدكتور عز الدين العراقي:

رغم أنّني لست من المختصّين بالموضوع إلاّ أنّ هناك إشكالية في ذهني راجعة إلى أنّ الاجتهاد ليس غاية في حدّ ذاته، بل الاجتهاد هو وسيلة للتطور ولإعانة المجتمع الإسلامي في العصر الحاضر على مواجهة المشاكل الطارئة الّتي تعترضه. وبالتالي فالاجتهاد سيكون وسيلة للتشريع، لكن هناك إشكالية وهي أن هناك مصادر للتشريع غير مختصة في الفقه وهي البرلمانات الّتي أصبح العالم الإسلامي كلّه يعمل بها. والديمقراطية تؤدّي إلى البرلمانات التي تشرع للمجتمع الّذي نتجت عنه. فلابد من التفكير في الربط بين التشريع الناتج عن فكر الفقهاء وعن التشريع الّذي ينتج عن البرلمانات عن طريق الديمقراطية وعن طريق التصويت الخ. هذه إشكالية لابد أن نفكر فيها وأن نجد الربط المناسب للسياسة وللفقه حتّى لا يطغى أحد الجانبين على الآخر. والأمثلة واضحة في عالمنا المعاصر، وهناك من ترك الحبل للبرلمانات وهناك من تركه للفقهاء، وفي كلتا الحالتين لا يجد المواطن المسلم الراحة الفكرية الّتي يجب أن يتّسم بها.

صفحه 83

تحليل المناقشة

عرّف مدير الجلسة، الأُستاذَ عزَّ الدين العراقي بأنّه طبيب ومن أعضاء الهيئة العلمية للأكاديمية ورئيس منظمة المؤتمر الإسلامي .
وقد أثار ـ حفظه الله ـ احتمال التعارض بين ما يشرِّعه الفقهاء وما تُصوّت عليه البرلمانات فلابد من التفكير في الربط بين الاثنين.
فنقول: إنّ للتشريع الإسلامي مراحل ثلاث، وقد فُوِّضت كل مرحلة إلى شخص أو جماعة صالحة.
الأُولى: مرحلة التشريع والتقنين
إنّ أصل التشريع أمر مختص بالله سبحانه، لا يشاركه فيه أحد، لأنّ التقنين فرع ولاية المقنّن على المجتمع، وليس لأحد على أحد تلك الولاية إلاّ الله سبحانه فكيف على المجتمع؟! يقول تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)1 ففي تلك المرحلة لا فقيه ولا برلماني.. وقد جرت سنّته سبحانه على بيان ما شرّعه عن طريق الرسل وإنزال الكتب ، فجاءت الرسل تترى حاملين بلاغات الله وأحكامه، من دون أن يمسّوا كرامة التشريع بشيء من تفكيراتهم.
الثانية: مرحلة التبيين
وقد فوضت تلك المرحلة إلى الفقهاء حتّى يبيّنوا للناس تشريعات

1 . يوسف: 40 .

صفحه 84
الله سبحانه على ضوء ما ورد في الكتاب والسنّة دون أن يكون لهم أي تصرف في أحكام الله تعالى.
الثالثة: مرحلة التخطيط
وقد فوضت تلك المرحلة لأعضاء مجلس الشورى الإسلامي حتّى يخطّطوا للأُمّة ما هو الأصلح في ضوء الأحكام الإلهيّة .
ولأجل أن يكون التخطيط أكثر نفعاً وأقطع للحاجة، يضم مجلس الشورى الإسلامي ذوي الاختصاصات والكفاءات.
غير أنّه ربّما يمكن أن يكون التخطيط غير موافق لما نزل به الكتاب والسنّة أو غير موافق لما شرحه فقهاء الإسلام، يلزم أن تشرف على تخطيطاتهم هيئة علمية لهم في الفقه السهم الأعلى، وبذلك يتمّ التقنين بمراحله الثلاث مع المتمم الآخر الّذي ذكرناه.

4. مناقشة الدكتور فاروق حمادة:

حول هذه المحاضرة القيّمة والمنهجية والمركّزة، لي عدة إشارات، هذه الإشارات تحمل تساؤلاً وتحمل معنىً للتأمّل يمكن أن نتفق عليه أو نختلف فيه، في بعضه أو كلّه. لكن لابد لي من أن أُثير هذه النقاط لتوسيع آفاق هذه المحاضرة. وقبل ذلك لي إضاءة كذلك حول التفسير اللطيف الّذي قدّمه أخونا آية الله السبحاني حول الحبل، لقد شبّه الحبل بالبئر طرفه في يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونهايته تبقى حتّى تقوم الساعة، وكلّما جاء جيل فهو

صفحه 85
يتعلّق به، فهو ممتد عبر القرون. ولهذا كان الخطاب القرآني وسيبقى مفتوحاً على الأجيال كما خاطب النبي وصحبه رضي الله عنهم،
خاطب آخر هذه الأُمّة بخطاب أوّلها، فهو عميق وممتد كذلك.
وأمّا الإشارة الأُولى حول هذه المحاضرة، فأقول لماذا استقرت المذاهب الأربعة وتعلّق الناس بها؟ هل كان ذلك الأمر اعتباطياً؟ أبداً! إنّ كلّ واحد من هؤلاء الأربعة قد قدّم منهجاً للتعامل مع النص يأخذ منه بناء على ضوابط، وهذه الضوابط هي الّتي لم يستطع أحد ممّن جاء بعدهم أن ينقضها كلّياً، خالفوها جزئياً، وهذا هو الخلاف الّذي حصل بين المذاهب الأربعة جميعهم كما ترون في كتب الأُصول، وسماحة الشيخ السبحاني يعلم ذلك. إنّ أوّل ما يبدأون بالحكم، الحكم التكليفي والحكم الوضعي ويقولون الحاكم هو الله، فمن أين آخذه؟ آخذه من القرآن والسنّة والإجماع والقياس، على حسب ما هو معروف . هذا هو المنهج الّذي وضعته المذاهب الأربعة. بصفة عامة هم يتفقون على القسم الأعظم ، فإذا أراد واحد أن يشقّ طريقاً جديداً فمرحباً، لكن آتنا بأُصول تتعامل مع هذا النص القرآني والسنّي، فيها الإقناع وفيها الإمتاع والإشباع ونحن معك. ولهذا، فاستقرار هذه المذاهب الأربعة باستقرار أُصولها وعظمة المنطلق الّذي انطلقت منه.
النقطة الثانية، تكلّم الشيخ آية الله السبحاني عن جمود أو ركود الفقه الإسلامي، وأنا أطرح السؤال التالي: من هذه الفترة من القرن السادس إلى القرن الثاني عشر، ألم تكن هناك إجابات فقهية على ما جدّ من الحياة؟ على

صفحه 86
ما جدّ من مشاكل؟ لا أعلم في تاريخ الفقه أنّ هناك مسألة لم يجب عنها الفقهاء! ولكن لما كانت بنية المجتمع ضعيفة لم تعد تواجه الجديد كما كانت تواجهه في القرن الأوّل والثاني والثالث، وحصل ركود اجتماعي، فلم تعد هناك مسائل كبرى تهز الفقهاء. وعندما حصل التجاهل للفقهاء، وأخذت الحياة منحى فيه القرب والبعد عن الشريعة فالناس كانوا يعيشون ولا يطرحون قضاياهم الكبرى على هؤلاء الفقهاء، فطبعاً الحياة سوق يُجلب إليها ما يُنفقُ فيها. فسوق الفقه ركدت كما ركدت سوق الطب وسوق اللغة الخ. هذه قضية طبيعية ليست عندنا في تاريخ الفكر الإسلامي، بل في تاريخ الفكر كلّه .
أمّا عن المقترحات التي اقترحها بصدد فتح باب الاجتهاد، فأقول إنّ مؤهّلات الاجتهاد لم تعد موجودة. نحن كلّنا نطمح الآن في هذه القاعة لتكون عندنا آلة هندسية من آخر ما ابتكر، ونطمح ونَحِنُّ ولكن عندنا مهندسون صغار لم يستطيعوا صنع هذه الآلة. فمعنى ذلك أنّنا نقول إنّنا سدَدْنا باب صنع هذه الآلة؟ نريد آلات طبية ونريد آلات جديدة في الحياة. هل نحن سددنا هذا الباب في الحياة؟ أبداً! لكن مؤهّلات الصنع لم توجد، وكذلك مؤهلات الفقه. فالذين يأتون بنفس عال تكويني أُصولي عميق يستطيعون أن يقرأوا النص فيجدّدوا فيه، هذه المؤهلات لم تحصل حتى الآن، ولذلك لجأوا إلى اللقاءات الجماعية يتّكل الواحد على الآخر ويستنير الواحد بفكر الآخر عساهم وعسانا نجد حلاًّ لهذه المعضلة المشكلة، والقضية تتقوى وتأخذ بعداً جديداً في تاريخ الحياة وتاريخ الفقه

صفحه 87
الإسلامي عندما يكون في جميع الدول الإسلامية جهاز علمي، في كل صباح يطرأ على الأُمة جديد تطلب الدولة من هؤلاء الفقهاء أجيبونا عن هذه المسألة لنسترشد ونستهدي بأحكام الله فيها. أمّا وهذا الأمر في أكثر البلاد الإسلامية غير موجود، فطبيعي أن يكون الفقه قاصراً وضعيفاً.
العلاّمة السبحاني اقترح تدريس الفقه الإسلامي بمذاهبه الأربعة في الجامعات، أقول لكم نتيجة خبرة طويلة، إنّ فتح باب التدريس للفقه الإسلامي بمذاهبه ـ على الأقل السُّنّية ولا أقول غيرها ـ على مستوى الإجازة يُخرج العلم عن مساره الصحيح وينتج علماء مشاغبين لا يتقنون مذهباً ولا يُجيدون مسألة. ولهذا فعلاً ، نحن نريد فتح تدريس الفقه لكن في مستوى الدراسات العليا، على طريقتنا في القرويين، الخلاف العالي، عندما يرسخ الناس في مذهبهم ينفتحون على المذاهب الأُخرى فيقدرون على المحاكمة، لأنّ الميزان أصبح واضحاً عندهم.
أمّا المسألة الأخيرة المتعلّقة بالرجوع إلى المجتهد الحي دون الميت، فهل الميت يقذف لنا بفكره؟ من أين نأخذ أفكار الماضي؟ نأخذها من الأحياء. فالفقيه العالم هو نحلة يطوف بين الأفكار، قديمها وحديثها ويمزجها كل واحد بمقدار جهده، ويقدمها حية. ففي عالم الطب نحن نرجع إلى الأموات والأحياء، وفي الهندسة كذلك. فالرجوع إلى الحي هذا أمر حاصل، ولكن علماء الإسلام وعلماء السنّة على وجه الخصوص إذا وجدوا مسألة منصوصة مدروسة بأدلة قوية قد سبقنا إليها سابق ـ سواء أكان حيّاً أو ميّتاً ـ لماذا لا يأخذون بها باعتبار قوة الأدلة؟ هذا هو مذهبنا

صفحه 88
الّذي نعيش به وهذه هي طريقتنا. فالرجوع إلى الحي هو حق لأنّنا نعيش الآن بنسبة 95 % من أفكار السابقين الذين سبقونا.

تحليل المناقشة

نتقدّم إلى الأُستاذ بالشكر حيث فسّر الحبل بأفضل ما يمكن، وأكمل ما ذكرناه حول مغزى استخدام الحبل في الآية الكريمة، ومع ذلك لنا ملاحظات حول ما أفاده :
قال: إنّ السبب لبقاء المذاهب الأربعة دون غيرها، هو أنّ كل واحد من هؤلاء قد قدّم منهجاً للتعامل مع النص يأخذ منه بناءً على ضوابط، وهذه الضوابطِ هي الّتي لم يستطع أحد ممّن جاء بعدهم أن ينقضها كلياً (وربّما) خالفوها جزئياً. فاستقرار هذه المذاهب الأربعة باستقرار أُصولها وعظمة المنطق الّذي انطلقت منه.
أقول: ما ذكره من السبب لبقاء المذاهب الأربعة وإبادة المذاهب الأُخرى لا يصدِّقه التاريخ فإنّ السياسة كان لها دور في ترويج المذاهب الأربعة وبالتالي لإبعاد المذاهب الأُخرى.
ذكر المقريزي في الجزء الرابع من الخطط ما هذا ملخّصه:
تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 هـ إلى أن صار قاضي القضاة، فكان لا يولّي القضاء إلاّ من أراده، ولمّا كان هو من أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان

صفحه 89
والشام والعراق وغيرها إلاّ من كان مقلّداً لأبي حنيفة، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.
وفي أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نُشِرَ مذهب مالك في افريقية المغرب، بسبب زياد بن عبد الرحمان، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160 هو عبد الرحمان بن القاسم.
قال: ونشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198 هـ ، وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوش مولاه «المعز لدين اللّه أبي تميم معد» الخليفة الفاطمي، إلى مصر سنة 358 هـ ، فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه (أي سوى مذهب الشيعة).
ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال:
فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 هـ ، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعُودِيَ من تمذهب بغيرها، وأُنْكِرَ عليه ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم 1.

1 . راجع الخطط المقريزية ج2 ص 333و334و 344.

صفحه 90
وهذا النص التاريخي يعرب عن أنّ للسياسة دوراً مهماً في نشر المذاهب الأربعة وإبعاد الآخرين.
على أنّنا لا ننكر أنّ لأكثر هذه المذاهب منهجاً علمياً خاصاً،
ولكن بعض المذاهب كمذهب الإمام أحمد بن حنبل لم يكن على ذلك النسق ولم يكن له فقه مدوّن، ولذلك أخذ أبو بكر الخلال (المتوفّى عام 313 هـ ) يختلف في البلاد لجمع الفتاوى المنتشرة عنه في كتاب خاص، وبذلك صار أحمد بن حنبل إماماً في الفقه بعدما كان إماماً في الحديث والعقائد.1
ولا أظن أن الأُستاذ ينفي منهجية سائر المذاهب البائدة أو الحاضرة غير الأربعة.
هذا كلّه حول النقطة الأُولى وأمّا النقطة الثانية:
فقد أفاد بأنّ سبب ركود الفقه هو التجاهل للفقهاء في القرن السابع فركدت سوق الفقه كما ركدت سوق الطب وسوق اللغة. وهذه قضية طبيعية في تاريخ الفكر الإسلامي بل في تاريخ الفكر كلّه.
أقول: ما أفاده الأُستاذ لا يلائم نص المقريزي فقد ذكر سبب الركود، علماً بأنّ في ما أفاده تنديداً بالمجتمع الإسلامي وانّهم مع بلوغهم الملايين قد تركوا الفقهاء واشتغلوا بغير الفقه. كيف وقد بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل طرد الطغاة عن أراضيهم، أو فتحوا البلاد ببطولاتهم في نفس تلك

1 . سير أعلام النبلاء: 11 / 33 .

صفحه 91
القرون الّتي أقفل فيها باب الاجتهاد، فقد فتحت القسطنطينية في أواخر القرن التاسع ولم يكن الهدف غيرَ حفظ الدين الحنيف أو نشره في أقطار العالم .
فلنعد إلى مناقشاته فيما اقترحناه في فتح باب الاجتهاد.
وأمّا ما أفاده الأُستاذ من «أنّ مؤهلات الاجتهاد لم تعد موجودة
كما أنّ سائر المؤهلات ممّا يرجع إلى الهندسة والطبّ غير موجودة»،
فهذا لا يمنعنا من السعي لإيجاد هذه المؤهّلات في بلادنا، فليس لأحد أن ينكر تقدّم الشرق في بعض الصناعات وإن لم يبلغ مدى ما وصل إليه الغرب. ولعلّ الأُستاذ عطف نظره على بعض البلاد فقال ما قال، ولكنّه لو عطف نظره إلى عامّة البلاد الإسلامية وبالأخص مصر العزيزة والعراق الجريح وإيران الإسلامية لوقف على أنّه تتمتع الجامعات الإسلامية بمؤهلات كثيرة تتمكن معه من قيادة الاجتهاد في عامة المسائل الغابرة والحاضرة.
وأخيراً انّ ما اقترح من تخصيص دراسة الفقه المقارن لطلبة الدراسات العليا فهو اقتراح جميل بالنسبة إلى البيئة الّتي الأُستاذ أعرف بها.
وحاصل الكلام: نحن نقترح فتح باب الاجتهاد مجرداً عن الالتزام بمذهب خاص. هذا هو المقترح، وأمّا شروطه وظروفه وتطبيقه
على الساحة فهو بحاجة إلى دراسة خاصة، ولعلّ الإمكانيات في البلاد مختلفة.

صفحه 92

5. مناقشة الدكتور محمد فاروق النبهان:

إنّ النقاط الثلاثة الّتي ذكرها الشيخ مهمة جدّاً ولا أعتقد أنّ هناك خلافاً فيها، فالمشكلة ليست في المذهبية وإنّما في التعصّب المذهبي. قد نتساءل لماذا توجد هناك مذاهب سنّية ومذهب إمامي ومذهب زيدي ومذهب إباضي؟ فالقضية قضية منهج. المذاهب السنية لها منهج متكامل، ومنطقياً أتساءلُ لماذا لم يوجد مذهب خامس وسادس؟ الوضع الطبيعي أنّ المذهب الحنفي يمثل مذهب أهل الرأي، ومذهب مالك يمثل مدرسة أهل الحديث، والإمام الشافعي جمع بين المدرستين، والإمام أحمد كان محدّثاً وحتّى بعض العلماء لا يقولون بأنّه صاحب مذهب، ولكن يعتقدون بأنّه كان محدثاً أكثر ممّا هو فقيهاً.
المذاهب السنية تجمعها أُصول واحدة، وهذا هو الفرق بينها وبين المذهب الإمامي والمذهب الزيدي. ما هي هذه الأُصول ؟
لو أردنا أن نتقارب في الآراء على نطاق الفروع ليست هناك خلافات كبيرة هناك خلاف في نطاق الأُصول على وجه التأكيد، وعندما يقع الاختلاف في الأُصول لا يمكن أن يقع تقارب في الفروع لسبب بسيط، لأننا عندما ننتقل إلى موضوع التفسير القرآني، نجد عند الإمامية رأياً في موضوع التفسير وهو الظاهر والباطن أي ما يكون عن طريق الإمام وتفسير الإمام الّذي له الرأي الأوّل، هذا لا نجده عند المذاهب السنية; عندما نتحدث عن موضوع الحديث كيف يمكن أن نلتقي؟ عند أهل السنّة أو

صفحه 93
علماء الحديث معايير الجرح والتعديل ذات طبيعة موضوعية، ولكن في
المذهب الإمامي هناك اختلاف، فما يكون مقبولاً عند العلماء، وما تكون روايته مقبولة قد لا يكون مقبولاً عند أهل السنّة أو العكس، ما يكون مقبولاً عند أهل السنّة قد لا يكون مقبولاً عند الإمامية، لا لسبب يمس الجرح والتعديل، ولكن لسبب سياسي يرتبط بفكرة الإمامة.
عندما نتحدث عن موضوع الإجماع، نجده عند أهل السنّة والجماعة كما يقول الإمام الغزالي، هو إجماع الأُمّة أو إجماع أهل الحل والعقد، ولكن عند الإمامية يقولون: الإجماع عندما يكون الإمام فيه فهوملزم وعندما لا يكون الإمام فيه لا يكون ملزماً، وبالتالي هناك اختلاف في الأُصول، كيف يمكن أن يحدث تقارب مع الاختلاف في موضوع الأُصول؟ المذاهب السنية تقاربت لوجود تقارب في أُصولها، ولهذا اختلفت عن المذهب الزيدي. المذهب الزيدي نجد له أُصولاً مغايرة كلياً لمذهب أهل السنّة بالرغم من التقارب الكبير في موضوع الفروع.
فإذن عملية التقارب لابد من أن تبتدئ بالتقارب في موضوع الأُصول. ما هوموقفنا من تلك الأُصول الّتي اعتمد عليها العلماء؟ عندما نقول التقارب في قضية، قضية الفقه المقارن موجود عند العلماء السابقين، ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد» لا يتحدث عن قضيته، لا يتحدث عن المذاهب الستة أو السبعة فحسب، بل يتحدث حتّى عن آراء العلماء الصحابة والتابعين. عندما تأخذ كتاب «نيل الأوطار» للشوكاني، في

صفحه 94
موضوع التفسير يتحدث عن موقف الإمامية العطرة ويتحدث عن موقف الصحابة.
إن قوانين الأحوال الشخصية اليوم في العالم العربي أخذت من المذهب الإمامي وأخذت رأي ابن شبرمة الّذي لا يدخل ضمن مذهب من المذاهب، استفادت منه في بعض الأحيان في قضية من قضايا الأحوال الشخصية، والأحوال الشخصية أحياناً استحدثت أحكاماً ليست موجودة لدى الفقهاء السابقين.
إذن لم يكن هناك إغلاق حقيقي، هناك إغلاق لأسباب وقتية خوفاً من أن يفلت الزمام أو من أن يتدخّل الحكام في ميدان الإفتاء فيضغطوا على العلماء، فقالوا أوقفنا باب الاجتهاد، ليس لعدم وجود أئمة ولكن لأنّ الذمم قد فسدت بالسنّة لاجتهاد الأحياء، الخطاب يوجّه دائماً للأحياء وليس للأموات، ومن يوجه إليه الخطاب هو المسؤول عن تفسير ذلك الخطاب. فالخطاب اليوم موجه لنا نحن، الجيل السابق وُجّه له الخطاب وفسّره، واليوم جيلنا هو المخاطَب، وعليه أن يفسّر وعليه أن يبدي رأيه في القضايا المعروضة عليه، ونحن جزء من واقعنا من قضايانا، إذن تفسيرنا سيكون مختلفاً عن تفسير السابقين، ليس مغايراً ولكن هو امتداد زمني. في كلّ عصر نجد ذلك التقارب بين الفقه والإنسان، الخطاب لابد له من مخاطب، المخاطب متجدد، إذن الفقه يتجدد بتجدد الأجيال، والأجيال وليدة عصرها، فلابد من عملية الاجتهاد المتجدد! فنحن معكم في موضوع الاجتهاد المتجدد ولكن ليس الاجتهاد في كل القضايا، هذا ليس

صفحه 95
ممكناً على وجه التأكيد. هناك اجتهاد في قضية من القضايا، الإنسان يجتهد، أي يوفر أسباب البحث العلمي في قضية من القضايا ويجتهد فيها، وهذا موجود وحاصل في هذا العصر وفي قضايا كثيرة.

تحليل المناقشة

أقول: تتلخّص مناقشة الأُستاذ في النقاط التالية:
1. المذاهب السنّية تجمعها أُصول واحدة، وهذا هو الفرق بينها وبين المذهب الإمامي والمذهب الزيدي. وما هي هذه الأُصول الّتي اختلف فيها المذهبان: السنّي والشيعي؟
2. عندما ننتقل إلى التفسير القرآني نجد عند الإمامية رأياً في تفسير القرآن وهو الظاهر والباطن أي الذي يعلمه الإمام، وهذا ما لا نجده عند المذاهب السنّية.
3. عندما نتحدث عن موضوع الحديث نجد اختلافاً أُصولياً في معايير الجرح والتعديل فكيف يمكن أن نلتقي ؟
وعلى ضوء هذا ربما تكون رواية مقبولة عند أهل السنّة ولا تكون مقبولة عند الإمامية وبالعكس .
4. عندما نتحدث عن الإجماع فالإجماع عندنا هو اتّفاق الأُمّة أو إجماع أهل الحلّ والعقد، ولكن عند الإمامية حجيّة الإجماع لوجود الإمام المعصوم بين المجمعين.

صفحه 96
فلو أخذنا بعملية التقارب لا بدّ من أن نبتدئ بالتقارب في حقل الأُصول.
5. وأخيراً لم يكن إغلاق حقيقي لباب الاجتهاد، بل إغلاق لأسباب وقتية خوفاً من أن يفلت الزمام أو من أن يتدخل الحكام في ميدان الإفتاء فيضغطوا على العلماء .
ونظرنا أنّ ما ذكره الأُستاذ من المشاكل لا تشكل مانعاً في طريق التقريب، ودراسة الفقه المقارن، وغير ذلك ممّا اقترحناه، لأنّ عامّة المذاهب متفقون في الأُصول: أعني التوحيد والنبوة والمعاد، كما أنّهم متّفقون على حجيّة الكتاب والسنّة النبوية واتّفاق المسلمين وحكم العقل الحصيف الّذي به عرفنا الله سبحانه، والاختلاف في سائر الأُمور التي أشار إليها الأُستاذ، لا تشكل عوائق في طريق الوحدة، وذلك:
أوّلاً: فلأنّ قول الشيعة بأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ليس شيئاً مانعاً
عن الاحتجاج بالكتاب، وذلك لأنّ الناس عامّة مكلّفون بالظواهر، أي ما يدلّ عليه الذكر الحكيم بالدلالات العرفية، وأمّا العلم بالباطن فقد خصّ سبحانه العلم به أولياءه ، وليس الباطن ملاك التكليف، على أنّ للقول بأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً معنى خاصاً ربّما يتفق فيه الفريقان وليس المقام صالحاً لبيانه.
ثانياً: فلأنّ ما ذكر من اختلافهم في معايير الجرح والتعديل فهو أمر مبهم يحتاج إلى التوضيح، ولعلّ مراد الأُستاذ أنّ التشيع عند أهل السنّة مانع

صفحه 97
عن قبول قول الراوي، كما أنّ عدم الاعتقاد بالإمامة مانع عن قبول قوله عند الشيعة، وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة.
والّذي نصّ عليه الذهبي أنّ التشيّع ليس بمانع عن قبول قول الراوي إذا كان ثقة في الحديث، وإلاّ لكانت الخسارة فادحة، وإليك قوله:
البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف وهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيّنة 1.
وأمّا الشيعة فلأنّ من أقسام الحديث عندهم هوالحديث الموثّق وهو عبارة عن الحديث الّذي يرويه الثقة في الحديث وإن لم يكن إمامياً فهو من أقسام الحجة، وعلى ذلك فليست هناك معايير متضادّة حتّى يشكل مانعاً عن التقريب ودراسة الفقه المقارن.
وأمّا ثالثاً: فقد اتّفق الفريقان على أنّ الإجماع عبارة عن اتّفاق الأُمّة أو اتّفاق العلماء على حكم من الأحكام الشرعية وإنّما اختلفوا في وجه الحجيّة، والإجماع بما هو هو، حجّة عند السنّة أي أنّه من أدلة التشريع وأسبابه، كالكتاب والسنّة، ولكنّه حجة عند الشيعة بسبب الملازمة بين اتفاق العلماء وقول الإمام المعصوم.
والاختلاف في وجه الحجية لا يكون اختلافاً جذرياً مانعاً عمّا نرتئيه.

1 . ميزان الاعتدال: 1 / 5 رقم الترجمة 2 (ترجمة أبان بن تغلب).

صفحه 98
رابعاً: فإنّ ما ذكره في سبب إغلاق باب الاجتهاد بأنّه كان خوفاً من إفلات الزمام أو تدخّل الحكام في ميدان الإفتاء فأمر لا يصدّقه التاريخ، ومن قرأ تاريخ الاجتهاد يقف على أنّ الإغلاق كان لأسباب غير ما ذكره، بل كان الإغلاق من جانب الحكّام.

6. مناقشة الدكتور السيد أحمد الخمليشي:

أودّ أن أُعلّق تعليقاً بسيطاً على المقترح الأوّل وهو فتح باب الاجتهاد المطلق، وتعليقي ليس في موضوعه أي في موضوع فتح الاجتهاد المطلق، فهذا أمر مسلّمٌ، لكن الّذي أُريد أن أُعلّق عليه هو ربط هذا المقترح التنظيري بالجانَب العملي والتطبيقي. ذلك أنّني أعتقد أنّ هذا المقترح إن بدا واضحاً في مبدئه هنالك عقبات تواجهه من أهمها :
أوّلاً: تعيين المجتهد، هذا المجتهد الّذي نخول له سلطة الاجتهاد المطلق لا أتحدث عن العالم الإسلامي كلّه ولكن مثلاً في المغرب، هل نتصور أنّنا نعترف لشخص بالاجتهاد ونقول: ما قلته يطبق على المغاربة بصورة إلزامية؟ فبالأحرى إذا ذهبنا إلى العالم الإسلامي.
ثانياً: لو تجاوزنا هذه العقبة، من المؤكد أنّه عندما يتعدد المجتهدون تتعدّد الآراء، ولعلّ أقرب مثل لذلك: الفوائد البنكية. كان هنالك مؤتمراً يضم علماء من أغلب الدول الإسلامية بالقاهرة عام 1965 م قال بأنّ الفوائد رِبَا، ثمّ بعد ذلك إلى الآن لم يُحسم هذا الأمر، فماذا سنفعل عندما يكون هناك اختلاف ؟

صفحه 99
العقبة الثالثة: هي لو أنّنا تجاوزنا هاتين العقبتين فإنّ هناك موضوعات للاجتهاد تتطلب معلومات ومعارف متعدّدة. لنأخذ مثلاً عقد الرهن، يقول سبحانه وتعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَ لَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)1. طيب، هذا المجتهد المطلق لو تشبّث بأنّ الرهن لا يكون إلاّ في السفر فإنّه يخرج عن المذاهب الأربعة الّتي تعتبر الحيازة شرطاً أساسياً أو شرط صحة، ونقول بأنّ الحكمة هي أن يحتفظ المرتهن بحقوقه، وبما أنّه وجدت الآن وسائل قانونية تحفظ للمرتهن حقوقه، فيمكن إذن أن يكون هناك رهن بدون حيازة، وهذا ما يجري العمل به.
لكن هذا الموضوع متشعب الآن في واقعنا الحالي لم يبق مثلاً رهن عقار فقط كما كان من قبل! بل رهنُ الطائرات ورهن السفن ورهن المنتجات الزراعية والمنتجات الصناعية ورهن أدوات الإنتاج وغير ذلك، ولكلّ رهن من هذه الرهون أحكامه الخاصة الّتي تتعلّق بمعارف متعددة. فهل نتصور أن يكون هناك فرد يستطيع أن يحيط بها؟ وأن يفتي مثلاً في جواز رهن شيء غير موجود أو رهن دون حيازة ونترك للبرلمان أن يُقر في ذلك.
وهنا تأتي العقبة الرابعة وهي: كيف نتعايش مع وجود مؤسسات تشريعية دستورية في كلّ دول العالم الإسلامية ونتحدّث في ذات الوقت عن تشريع آخر، من المجتهد ؟

1 . البقرة: 283 .

صفحه 100
استمعنا من الشيخ الفاضل، أنّ التشريع لله والبرلمان يخطط، وهذه الكلمة كثيراً ما تثار «لا تشريع إلاّ لله» فالأمرُ كما أعتقد أمر اصطلاح! قد نعني بالتشريع الذي لا يكون إلاّ لله في مضمون خاص، لكن أعتقد بأنّنا نستعمل الآن التشريع بمفهوم عام. كما يقول الغزالي: «لا مشاحة في الاصطلاح» فهل البرلمان يشرع؟ لأرجع إلى مثل واحد: فقهاؤنا تحدّثوا مثلاً عن يد المرتهن هل هي يد أمانة أم يد ضمان؟ تحدثوا عن حالة ضياع الرهن، هل يلزم الراهن بتسديده أم لا؟ ما هي حقوق المرتهن؟ هذه الأشياء هي الّتي تتناولها الآن القوانين وهي الّتي يقررها البرلمان. إذن كيف نقول بأنّ البرلمان يخطط ولا يشرّع؟ مع أنّه يتناول أحكاماً فقهية، هكذا إذا انتقلنا مثلاً إلى عقد البيع أو عقد الشركات أو عقد العمل، فالبرلمانات الآن عندما تصدر تشريعاً في باب العقود بمختلف أشكالها وألوانها في التجارة، إنما تضمّن في قوانينها ما تحدّث عنه الفقهاء. إذن هنالك مصطلح يستعمله الإخوان الفقهاء الشيعة، يقولون هناك منطقة فراغ وهي الّتي تعمل في دائرتها المجالس التشريعية، ويسمّيها آخرون بمنطقة التفويض أو منطقة العقد. لكن هل نستطيع فعلاً أن نميّز بين منطقة التشريع الّتي يتدخّل فيها الفقهاء ومنطقة التفويض ؟
وكما قلت لكم لنأخذ تشريعاتنا جميعها في الجمعيات في العقود في الحريات العامة أليست هذه الموضوعات الّتي نجدها في قوانيننا الآن هي الّتي تحدّث عنها الفقهاء؟ إذن في اعتقادي ألا يكون هنالك تفكير في تجاوز ما قاله السابقون من أنّ رأي الفقيه هو حكم الشرع مادام هو حكم

صفحه 101
ظني. لنقول إنّ هذه آراء في تفسير النص الشرعي، لننتقل بعد ذلك إلى ما ستطبقه الأُمّة من بين هذه الآراء الّتي لابدّ وأن تختلف. لأنّه بدون هذا كيف ننسجم مع واقعنا الّذي نعيشه ويعيشه كل العالم الإسلامي ؟

تحليل المناقشة

ملخّص ما ذكره الأُستاذ هو أنّ لفتح باب الاجتهاد عقبات مختلفة:
1. تعيين المجتهد الّذي له سلطة الاجتهاد المطلق في المغرب حتى يكون قوله حجة على المغاربة، ثم على العالم الإسلامي .
2. عندما يتعدّد المجتهدون تتعدّد الآراء، فبأي رأي من الآراء يؤخذ.
3. إن هناك موضوعات للاجتهاد تتطلب معلومات ومعارف متعدّدة مثلاً:
ألف. هل السفر شرط في صحّة الرهان كما ربّما يقال بأنّه المستفاد من قوله سبحانه: (وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَ لَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)1؟
ب. كان الرهن يتجسد سابقاً في العقار فهل يمكن تجاوزه إلى رهن الطائرات ورهن السفن ورهن المنتجات الزراعية والمنتجات الصناعية ورهن أدوات الإنتاج مع أنّ بعض هذه الأُمور غير موجودة أو ليس في حيازة المرتهن.

1 . البقرة: 283 .

صفحه 102
4. كيف نتعايش مع وجود مؤسسات تشريعية دستورية في كلّ دول العالم، ونتحدث في ذلك الوقت عن تشريع آخر للمجتهد ؟
إنّ هناك موضوعات يتحدث عنها الفقهاء مثلاً: هل يد المرتهن يد أمانة أم يد ضمان ؟
إذا ضاع الرهن هل يلزم الراهن بتسديده أو لا ؟
ما هي حقوق المرتهن؟
وهذه الأشياء هي الّتي تتناوله الآن القوانين، وهي التي يقرّرها البرلمان.
إذاً كيف تقول البرلمان يخطّط ولا يشرع، إلى غير ذلك من الأمثلة.
ونحن نرى أنّ ما ذكره الأُستاذ من العقبات يمكن تجاوزها بدراية خاصة دون أن تشكّل مانعاً أمام طريق تنفيذ المقترحات، وهي كما يلي:
1. إنّ المملكة المغربية بلد خصب بالعلم وله تاريخه الوضّاء ولا أظن انّ عجلة دراسة الفقه توقفت إلى حدّ لا يوجد فيها مجتهد مطلق يستنبط الأحكام الشرعية عن مصادرها متجرّداً عن الالتزام بمذهب خاص، وعلى فرض التسليم فليس الاقتراح مختصاً ببلد دون بلد وإنّما نخاطب العالم الإسلامي، ولا أظنّ خلوّ الساحة الإسلامية عن المجتهد الجامع للشرائط، ولو تنزّلنا عن ذلك فعلينا أن نهيّئ الأُمور التي تؤدّي إلى إعداد رجال مجتهدين، أحرار في الفكر لا يتجاوزون في الاستنباط المصادر الشرعية قيد شعرة.

صفحه 103
2. إن تجاوز العقبة الثانية التي تتجسم في تعدّد الآراء غبّ تعدد المجتهدين سهل جدّاً، ففي هذه الحالة يؤخذ برأي أعلم الفقهاء، أو بالأكثر أو بغير ذلك من المرجّحات التي بها تُحلُّ مشكلةُ التعدد .
3. وأمّا العقبة الثالثة وهي وجود موضوعات تحتاج إلى دراسة جماعية حتّى يصل الاجتهاد إلى حدّ تطمئن به النفس، فهو أمر معقول، وليس الإفتاء في المسائل التي استصعبها الأُستاذ أمراً مشكلاً.
أمّا قيد السفر في الآية الكريمة فخال عن المفهوم، وليس كلّ قيد حاملاً للمفهوم. هذا قوله سبحانه: ( وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)1 .
ولذلك يقول القرطبي: قال جمهور من العلماء: الرهن في السفر بنصّ التنزيل وفي الحضر ثابت بسنّة الرسول وهذا صحيح، ومن حصر جواز الرهن بالسفر تمسك بظاهر الآية، ولا حجة فيها، لأنّ هذا الكلام وإن خرج مخرج الشرط، فالمراد، غالب الأحوال 2.
مضافاً إلى أنّ طبيعة الرهن تقتضي جوازه في السفر والحضر، لأنّ الدائن يطلب ضمان ماله، ليطمئن من استيفاء دينه، وهذا لا يفرق فيه بين الحضر والسفر، على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعاً له من حديد .

1 . النساء: 23 .
2 . تفسير القرطبي: 3 / 404 .

صفحه 104
وأمّا تخصيص الرهن بالعقار فليس عليه أي دليل صالح،
سوى شيوعه في العصور السابقة وهو لا يصلح دليلاً للانحصار، إذ لم
يكن في العصور السابقة شيء يعتمد عليه إلاّ العقار، ولذلك كان الرهن يدور عليه وأمّا الآن، فكلّ شيء مالي صالح للارتهان عند العقلاء فهو يصلح للرهن، وأسماء المعاملات اسم للمعاملة الصحيحة عند العرف إلاّ ما نهى عنه الشرع، والعرف لا يفرّق بين العقار وغيره، في صلاحيتهما للارتهان.
وأمّا مسألة القبض فهي أمر عرفي ولا ينحصر بوقوع الشيء تحت حيازة المرتهن، بل يكفي كونه ملكاً للراهن لكن يتمكّن المرتهن من التصرف فيه عند امتناع المديون عن أداء دينه. وهو كاف في صدق القبض.
والحاصل أنّ ما ذكره مسائل فرعية ليس فيها أيّ صعوبة مانعة من فتح باب الاجتهاد.
4. وأمّا العقبة الرابعة وهو وجود الصراع بين فتوى المجتهدين وتشريع البرلمانات، فالإجابة عنها سهلة، فلأنّ فراغ الساحة من مجتهدين عظام متمكنين من استنباط الأحكام في عامّة المجالات هو الّذي أعطى المجال للبرلمانات للتدخل في التشريع والتقنين في مسؤوليات وصلاحيات الفقهاء.
وعلى الغيارى من العلماء أن يوجّهوا إليهم إنذاراً ليلتزموا بالتخطيط في ضوء التشريع الإلهي، فلو كان في جنب البرلمانات علماء وحقوقيون

صفحه 105
يعرض عليهم تشريع البرلمانات لهان الخطب، حيث يوضع البنان على خطأهم ومن ثمّ إلزامهم بالإصلاح .

7. مناقشة الدكتور عبد المجيد الصغير:

من خلال العرض أعتقد أنّه من الواجب أن نميّز بين شيئين أساسيين: بين مشروعية النّقد وبين النّقض، فرق بين النقد وبين النقض. هناك مشروعية النقد ولكن يجب التحذير من النقض الّذي هو نقد سلبي. فداخل المذاهب السنّية على ما أعلم فإنّ المجال واسع للنقد ولكن مع ضوابط، وهذه الضوابط هي ضوابط علمية.
قال الشيخ: إنّ في عصر التخريج والتفريع لم يتجاوز الفقهاء مذاهب إمامهم، وذكر أعلاماً من الفقه السنّي وعلى رأسهم الجويني، وأنا أعتقد بأنّ الجويني قد خرج في كثير من القضايا عن إمامه الشافعي واجتهد وسار بعيداً في اجتهاده. ويكفي الوقوف ليس فقط على كتابه البرهان الّذي ذكرتم بل كتابه «غياث الأُمم» وهومن أخطر الكتب الأُصولية الّذي
سوف يعتمد عليه الشاطبي بعد ذلك ; وعلى غيره في تأسيس مقاصد الشريعة. وهناك وعي داخل الفكر السنّي بخطورة إقفال باب الاجتهاد، ويكفي أن أُحيلكم هنا على المواقف النقدية ضد سد باب الاجتهاد من طرف ابن خلدون ومن طرف الشاطبي وكثير غيرهما، بل نجد قبل ذلك أبا طالب المكي الّذي ينتقد تقليد المذاهب الفقهية. وهنا يحضرني النقد الشديد لمفهوم التقليد والّذي أدرجه ابن حنبل في كتابه «الأحكام» حيث

صفحه 106
حاول أن يميّز بين مفهومين كثيراً ما يقع الخلط بينهما: مفهوم تقليدي ومفهوم اتباعي. الاتباع مشروط مطلوب، بل واجب، لأنّه اتّباع للحق ; بينما التقليد هو مرفوض أساساً. ويكفي أن نعلم أنّه حتّى في باب العقائد لا يشدد الأشاعرة على شيء قدر ما شددوا على خطورة التقليد حتّى في باب العقائد فبالأحرى في باب المعاملات.
من الجميل هنا أن نتذكّر قولة محمد إقبال الّذي نصحه والده نصيحة لم ينساها أبداً، وهو قوله له: عليك أن تقرأ القرآن وكأنّه قد أنزل عليك أنت حتّى يمكنك أن تتواصل معه وتفهم أبعاده.
لم يعد أحد يشكّك في قيمة الاجتهاد الجماعي، لأنّ تظافر الجهود شيء مهم، ولكن أودّ أن يتمّ التشديد على شرط أساس هو الاستقلالية، لأنّ كثيراً من الناس يخشون من أن يفقد المجتهد استقلاله.
لقد شُغلت الدراسة الأُصولية في العالم السنّي منذ سنوات، بمجال أساس يعلّقون عليه آمال الاجتهاد، إنّه مجال المقاصد الكبرى في الشريعة. فما منزلة هذه المقاصد في الدرس الفقهي الإمامي المعاصر؟ وإذا اعترفنا بأنّ العديد من المشاكل الواقعة بين المذاهب ذات الطابع السياسي، والسياسة كثيراً ما تفرق بين الإخوة أنفسهم، كما وقع منذ صدر الإسلام، يكون من الواجب في باب التوفيق بين المذاهب أن يتعود المسلمون جميعاً على التقليل من شأن الخلافات السياسية القديمة وإعطاء الأولوية للقضايا الكبرى، القضايا العقدية والتشريعية.

صفحه 107

تحليل المناقشة

أقول: إن حاصل مناقشات الأُستاذ عبد المجيد الصغير هي:
1. التفريق بين النقد والنقض، والأوّل مشروع ويجب التحذير من النقض الذي هونقد سلبي .
2. ذكر الشيخ ـ أنا ـ انّ العلماء في عصر الإغلاق لم يتجاوزوا عن التخريج والتفريع على ضوء مذهب إمامهم، ولكني اعتقد أنّ الإمام الجويني قد خرج عن مذهب إمامه الشافعي في كثير من القضايا .
3. يجب التفريق بين مفهومين: مفهوم تقليدي ومفهم اتّباعي، التقليد مذموم والاتّباع مشروع مطلوب .
4. مقاصد الشريعة الكبرى لها منزلة في الفقه السنّي فما هي منزلتها في الفقه الإمامي المعاصر ؟
وإنّني لا أجد فيما ناقش به الأُستاذ شيئاً يخالف ما اقترحت.
أمّا التفريق بين النقد والنقض فهو أمر مقبول، والأولى أن يقال: التفريق بين النقد البناء والنقد الهدّام النابع من الانحياز.
وأمّا ما أفاده من أنّ الإمام الجويني من المجتهدين الأحرار، فلا شكّ أنّه كذلك وله منزلة كبرى لدى الفقهاء وكتبه تشهد على نبوغه وجودة فكره،وقد قرأنا في الجرائد أنّه تمّ تحقيق كتابه المسمّى بـ «النهاية» في عشرين جزءاً الّتي يصفه بها السبكي بأنّها لم يصنّف مثلها، وعدم ذكري

صفحه 108
إيّاه في عداد المجتهدين الكبار غير الملتزمين بمذهب خاصّ لا يدلّ على عدم كونه كذلك، وقد ترجمناه في كتاب «طبقات الفقهاء»، وهذا نصّ كلامنا فيه: «إنّ ابا المعالي كان حرّاً في إبداع النظر ورفض الأفكار وقبولها»1.
ولكن التفريق بين التقليد والاتّباع يبدو غير تامّ، لأنّ كلاًّ من اللفظين يحكي عن اقتفاء شخص أثر شخص آخر; والاقتفاء بين مشروع إذا كان عن دليل، كرجوع المريض إلى الطبيب الحاذق والجاهل إلى العالم; وغير مشروع إذا كان بلا دليل إجمالي، كاتّباع المشركين إثر آبائهم في عبادة الأصنام مع اعتقادهم بأنّها لا تضرّ ولا تنفع قائلين: (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)2.

8 . مناقشة الدكتورة رحمة بورقية:

لست من أهل الاختصاص ولكن كمهتمة طبعاً لدي بعض الأسئلة، ففيما يخص أطوار الفقه نتفق على الأطوار الّتي ذكرها الشيخ خصوصاً الأطوار الأربعة، وردت أيضاً، كما ذكر الأُستاذ محمد فاروق النبهان، في كتاب الفقيه المالكي الحجوي المغربي في الفكر السامي، والّذي يتحدث عن الطور الرابع كطور الشيخوخة، شيخوخة الفقه، وإن كان يجب أن ننظر

1 . طبقات الفقهاء: 5 / 209 .
2 . الزخرف: 22 .

صفحه 109
إلى هذا الطور بشيء من النسبية ووضعه في إطار المرحلة التاريخية والحضارية الّتي كان يجتازها المجتمع الإسلامي، لأنّه حتّى في هذه المراحل كان الفقه يتعامل مع المستجدات ويعمل على إدخال العادات الجديدة في المجتمع الإسلامي إلى الفقه وإعطائها تفسيراً فقهياً وخصوصاً في الغرب الإسلامي، بحيث إنّنا إذا أردنا أن نلاحظ أين ازدهرت أدبيات النوازل جغرافياً فنجد أنّها ازدهرت في الأندلس وفي المغرب. والنوازل كانت محاولة لمواجهة المستجدات. وهنا آتي إلى سؤال اليوم: هل من الضروري أن يجيب الفقيه عن كل الأسئلة الّتي يطرحها عصرنا؟ هل من الضروري أن يواجه الفقيه ويجد الأجوبة على كل المستجدات الّتي تطرح على الإسلام اليوم .
سؤال آخر له علاقة بهذا السؤال وهو: ما العلاقة بين المعرفة الفقهية كمعرفة دينية وبين المعارف الأُخرى؟ أين هي حدود اختصاص الفقيه؟ هل من الضروري أن يجيب الفقيه على القضايا الّتي تتعلق بالاقتصاد المالي عن الشركات وعن تدبير الأموال؟ إذن ما هي الحدود الّتي يقف عندها اختصاص الفقيه ؟
تكلم الشيخ الفاضل عن الطور الخامس وهو الطور الّذي نشط فيه الفكر، سؤالي هو: أين يتجلّى هذا النشاط؟ خصوصاً وأنّنا نعيش مرحلة فيها فوضى في الإفتاء. أين يتجلى نشاط الفقيه اليوم ؟
فيما يتعلّق بالمجتهد الحي، كيف يمكن لنا أن نتعرّف على هذا

صفحه 110
المجتهد الحي؟ وكيف نحسم الخلاف بين المجتهدين من الأحياء؟ وخصوصاً أنّنا نجد بأنّ بعض المجتهدين الأحياء يتكلّمون بلسان الأموات. هذا التساؤل له علاقة بالتساؤل السابق وهو: هل سيعيش الفقهاء في انعزال عمّا يجري في حقول معرفية أُخرى أم يجب على بعض الفقهاء أن يتخلّوا عن بعض المجالات لأنّها من اختصاصات أُخرى ؟

تحليل المناقشة

إنّ أسئلة الأُستاذة رحمة بورقيّة تتلخّص في أُمور أربعة:
1. هل من الضروري أن يجيب الفقيه عن كلّ الأسئلة التي يطرحها عصرنا؟ هل من الضروري أن يواجه الفقيه ويجد الأجوبة لكلّ المستجدات التي تطرح على الإسلام اليوم؟
2. ما العلاقة بين المعرفة الفقهية كمعرفة دينيّة وبين المعارف الأُخرى؟ هل من الضروري أن يجيب الفقيه على القضايا التي تتعلّق بالاقتصاد المالي، عن الشركات، وعن تدبير الأموال؟ إذاً ما هي الحدود التي يقف عندها اختصاص الفقيه ؟
3. الدور الخامس ـ من أدوار الفقه ـ الذي نشط فيه الفكر، أين يتجلّى هذا النشاط ؟ وإنّنا نعيش مرحلة فيها فوضى في الإفتاء. أين يتجلّى نشاط الفقيه اليوم؟
4. كيف نحسم الخلاف بين المجتهدين من الأحياء ؟

صفحه 111
وللإجابة عن هذه التساؤلات نقول: أمّا السؤال الأوّل فالإجابة عنه رهن فهم واقع الشريعة الإسلامية، فهل تنحصر تعاليمها في أُمور أخلاقية وعبادية تؤدّى بصورة فرديّة، أو هو نظام تشريعي كامل يتدخّل في شؤون المجتمع كافّة، وله تشريعات في الشؤون المدنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية، تغني المجتمع الإنساني عن كلّ تشريع سواها، وتسدّ باب التشريع على غيرها .
هاتان النظريتان تصلحان للإجابة عن السؤال المتقدّم وبما أنّ النظرية الثانية هي الّتي دلّت عليها ضرورة الكتاب والسنّة الشريفة وإجماع المسلمين. فلا يُحدّد اختصاص الفقيه بالأُمور العبادية والأخلاقية، بل يتسع حسب حاجات المجتمع في مجال التشريع والتقنين، فهو صاحب نظر ورأي في عامّة المجالات الّتي تحتاج إلى التقنين.
وبما أنّ التشريع الإسلامي ذا مادّة حيوية خلاّقة للتفاصيل يستطيع الفقيه استنباط كلّ حكم يحتاج إليه المجتمع البشري في كلّ عصر من العصور من غير فرق بين حقل وحقل.
إنّه سبحانه وتعالى يصف الإسلام بالكمال فيقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)1.
فما هو المراد من الكمال؟ هل المراد هو الكمال في المسائل الأخلاقية الّتي يدركها العقل الإنساني في أكثر المجالات؟ أو المسائل

1 . المائدة: 3 .

صفحه 112
العبادية التي يمارسها المسلم في المساجد وآناء الليل في بيته؟ أو هو أمر عامّ يشمل كل حاجات المجتمع الإنساني ؟
نعم من حدّد اختصاص الفقيه بالشؤون الفردية فقد شبّه الإسلام بالمسيحيّة الرائجة في الغرب، فكما هي دين الكنائس والبيوت، فهكذا الإسلام، ولكن ذلك فكرة خاطئة لا يتفوّه بها من تدبّر القرآن والسنّة النبوية، وما سار عليه نبيّ الإسلام طيلة حياته، فقد أسّس دولة كاملة الأركان.
نعم، بما أنّ استعداد الفقيه محدود، فلا محيص له في فهم الموضوعات وواقع المسائل المستجّدة من الاتصال بالأخصّائيّين والمعنيّين بهذا النوع من المسائل .
فإذا تمّ فهم الموضوع، واتّضحت الصغرى، فالحاكم بالكبرى هو الفقيه في ضوء الكتاب والسنّة.
وبما ذكرنا يظهر جواب السؤال الثانيوهوتدخل الفقيه في المسائل الاقتصادية، وإنّ الجواب إيجابي غير أنّ الفقيه يستعين في فهم الموضوعات بذوي الاختصاصات .
وأمّا السؤال الثالث، وهو أين تجلّى النشاط الفقهي بعد ركوده، فقد أوضحناه ضمن المحاضرة، فللأُستاذة أن ترجع إليها .
وأمّا حسم الخلاف بين المجتهدين من الأحياء، فهو أمر غير ضروري، فإنّ الحقيقة بنت البحث، ولا يزول الاختلاف عن المجتمع ما

صفحه 113
دام هناك أدمغة مختلفة، وإنّما المهم أن لا يكون الاختلاف سبباً للتضارب والتباعد، وأمّا حكم العامّي فيرجع إلى الأعلم والأفقه .

9. مناقشة الدكتور أحمد رمزي:

إنّ إغلاق باب الاجتهاد مرتبط مع ما حصل للعالم الإسلامي من غزو خارجي طرأ عليه،فمن جهة الغرب الإسلامي سقطت الأندلس وسقط ما لديها من علماء، ومن جهة الشرق كان الغزو المغولي التتري، فانهار الإسلام وانهارت المؤلفات والعلماء الذين ظهروا في ذلك الوقت مثل جلال الدين السيوطي في الفقه ومثل النويري في «نهاية الأرب» هؤلاء العلماء الأعلام يعتبر عملهم بمثابة إنقاذ ما قد تلف من مؤلفات القدامى. فمثلاً «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي ما هو إلاّ تكرار لـ «البرهان في علوم القرآن» للزركشي، هذا سؤال مطروح. لأنّنا كثيراً ما نقول بأنّ إقفال باب الاجتهاد هو نتيجة لموت العلماء، هل هو سبب أو نتيجة؟ هذا سؤال أوّل .
النقطة الثانية: هناك ازدواجية بين التشريع الديني وبين التشريع الوضعي. فنرى الآن المؤسسات الّتي تقوم بالتشريع الفقهي كمجمع
الفقه الإسلامي في جدة يشرّع في أُمور طبية اطّلعت عليها في المجلة
الّتي يصدرها فيما يتعلق بالاستنساخ وزرع الأعضاء وما إلى ذلك،
بينما نجد الدول الإسلامية قد شرعت لنفسها تشريعات أُخرى برلمانية تبعد قليلاً أو كثيراً عن ما شرّع وما قيل وما قرّر في المجامع الفقهية،

صفحه 114
هناك ازدواجية فما هو رأي العلماء في ذلك؟
ثالثاً: نعرف كلنا أن رؤوس المذاهب الأربعة مالك وأبو حنيفة والإمام أحمد والشافعي كلهم تعرضوا للمحن أثناء حياتهم لأنّهم اتخذوا مواقف اجتهادية لم تُرضِ الحكم، وهنا أطرح السؤال: ما مدى استقلالية الفقيه المجتهد؟ وما هي الضمانات الممنوحة له، لأنّه لا يستطيع أن يجتهد إلاّ في ظل حكم وتفتح، لاسيما أنّ الاجتهاد يؤدّي إلى الفتيا، والفتيا أمر خطير قد تكبل أو تلزم الحاكم بما يُفْتَى به. فإذا كان النظام مثل ما هو في الجمهورية الإيرانية فالمنظومة واضحة وثابتة ومستقرة، يعني هناك سلسلة تراثية من المرشد الأعلى للحكم ثم المؤسسات المختصّة كلّ في شأنها والأُمور تسير كما يرام يعني كما أراد لها الحكام. أمّا في غير هذا النظام فالأمر قد يكون صعباً شيئاً مّا، لأنّه يجب أن تكون هناك مؤسسات للاجتهاد أولاً، أن يُبَتّ في شأنها، في وجودها، وأن تشتغل باستقلالية تامة، ثم أن تشرِّعَ في أُمور، وهنا أتّفق معكم فيما قلتم بأنّ ما يهمني الآن هو ما يقول الدين في مسألة كذا وكذا، أمّا البرلمان فنرجع إليه في أُمور تنظيمية ولا نريد له أن يقرّ أمراً قال فيه الشرع كلمته، لأن الشرع الديني في مرتبة أعلى بالنسبة للتشريع الوضعي .
رابعاً: أود أن أسأل ألا يوجد في إيران ما يسمى هنا في المغرب بالعمل؟ لما جاء المذهب المالكي أقر بعض العادات الّتي كان يعمل بها السكان ووجد أنّها لا تتنافى مع المقتضيات الدينية وأقرّها، ونحن نسمّيها

صفحه 115
بـ «العمل» فهناك أعمال المناطق، وما بقي منها الآن هو العمل الفاسي والعمل السوسي.

تحليل المناقشة

أقول: تتلخّص مناقشة الدكتور أحمد رمزي بالنقاط التالية:
1. إنّ اغلاق باب الاجتهاد نتيجة ما حصل للعالم الإسلامي من غزو خارجي طرأ عليه، فمن جهة الغرب الإسلامي سقطت الأندلس وسقط ما لديها من علماء، ومن جهة الشرق كان الغزو المغولي التتري، فانهارت دولة الإسلام وانهارت المؤلّفات، والعلماء الذين ظهروا في ذلك الوقت يعتبر عملهم بمثابة إنقاذ ما قد تلف من مؤلّفات القدامى .
2. الازدواجية بين التشريع الديني وبين التشريع الوضعي، فالتشريع الفقهي يتبنّى أحكاماً معينة ـ مثلاً ـ في الاستنساخ وزرع الأعضاء، والبرلمانات تشرّع أحكاماً أُخرى في تلك المواضيع .
3. ما مدى استقلالية الفقيه المجتهد، وما هي الضمانات الممنوحة له، لأنّه لا يستطيع أن يجتهد إلاّ في ظل حكم متفتح، لا سيما أنّ الاجتهاد يؤدّي إلى الفتيا، والفتيا أمر خطير، قد تكبّل أو تلزم الحاكم بما يفتي به، والحاكم غير راض بها .
4. ما هو حكم بعض العادات التي كان يعمل بها السكّان، ووجد أنّها

صفحه 116
لا تتنافى مع المقتضيات الدينية؟ مثلاً الزوجة المطلّقة ترث قسماً مهماً من مال الزوج المطلّق ؟
وجوابنا عن هذه النقاط كالتالي:
أمّا الأُولى فإنّ ما ذكره في وجه إغلاق باب الاجتهاد لا يوافق النص التاريخي الذي مرّ بيانه عن المقريزي المصري .
وأمّا الثانية فلأنّ مشكلة التعارض بين التشريع الديني والتشريع الوضعي أمر نلمسه في غالب البلدان ، غير أنّ الأُمّة الإسلامية يجب عليها العمل بما عليه الكتاب والسنّة، الّذي يبيّنه الفقيه الجامع للشرائط، وذلك لأنّ كلّ حكم يكون مغايراً لحكم الإسلام فهو حكم الجاهلية، يقول سبحانه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْم يُوقِنُونَ)1.
فالحكم حكمان إمّا حكم الله وإمّا حكم الجاهلية، فإذا عارضَ مصوّب البرلمان حكمَ الله، فهومن القسم الثاني .
ثمّ إنّ التفكيك بين القوانين الناظرة إلى الحياة الفردية وبين القوانين الناظرة إلى الحياة الاجتماعية نابع عن فكرة خاطئة وافدة من الغرب، أعني: العلمانية.
وأمّا الثالثة يعني أنّ رؤوس المذاهب الأربعة تعرّضوا للمحن أثناء حياتهم، لأنّ مواقفهم الاجتهادية لم ترض الحكام، فهو أمر يصدّقه التاريخ

1 . المائدة: 50 .

صفحه 117
في موارد كثيرة، وقد مات أبو حنيفة في المحبس لردّه قبول القضاء أو لدعمه ثورات الحسنيّين، فإذا لم يكن المناخ مريحاً للفقيه لا يتمكّن من الإفتاء على خلاف ما يراه الجهاز الحاكم.
نشكر الله سبحانه وتعالى أنّه ليس في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أي ازدواجية بين التشريع الإلهي والتخطيط الذي يقوم به مجلس الشورى الإسلامي، لأنّ القوانين البرلمانية لا تتسم بسمة رسمية مالم تصادق عليها «لجنة صيانة الدستور» المكونة من الفقهاء والحقوقيّين .
وأمّا العادات والأعراف السائدة في المجتمعات فهي ماضية ما لم تكن مخالفة للحكم الشرعي، بشرط أن تكون العقود والتراضي من المتعاملين مبنيّة على وفق هذه العادات، وقد فصلنا الكلام في ذلك في كتابنا «أُصول الفقه المقارن فيما لا نص فيه» بحث حجيّة العرف .

10. مناقشة الدكتور إدريس العلوي العبدلاوي:

لابد لي أن أضم صوتي في البداية إلى صوت الزملاء الذين سبقوني في الشكر والثناء على الحديث القيّم المركز الّذي تقدّم به فضيلة الشيخ آية الله السبحاني، والّذي تميّز في بدايته بعرض الأدوار الّتي مرّ بها الفقه الإسلامي. هذه الأدوار الّتي كما ذكر الإخوان الذين سبقوني إلى أنّ الفقهاء قد عالجوا هذه الأدوار وقد تطرقوا إليها، إلاّ أنّ الشيء الجديد الّذي أتى به فضيلة الشيخ المحاضر هو تقسيم الأدوار إلى خمسة، ثم العناوين الّتي

صفحه 118
أضفاها على كل دور من هذه الأدوار، الشيء الّذي أضفى على هذا الحديث حلّة جديدة.
ثم أيضاً الشكر له على المسلك الّذي سلكه في محاضرته القيمة، وهو أنّه لم يكتف بالعرض التاريخي، بل توّج محاضرته وحديثه بالاقتراحات الإيجابية الّتي كانت عصارة للحديث الّذي تفضّل به .
فيما يتعلّق بالاقتراحات الثلاثة الّتي أدلى بها فضيلة الشيخ الجليل لي تعليق بسيط على كلّ اقتراح.
الاقتراح الأوّل المتلخّص في فتح باب الاجتهاد المطلق. أعتقد أنّه يستحسن أن يكون في الاقتراح نوع من التقييد لتفادي الاضطراب في الفتوى والاجتهاد الّذي قد يؤدي إلى عكس مدلول الغاية المستوحاة من الاجتهاد، ذلك أنّ الاجتهاد بالتقييد الّذي قيّده الفقهاء ـ ومنهم: ابن عاصم في «التحفة» ـ إنّما يكون في كلّ ما دليله مظنون، وكذلك لتفادي إعطاء الاجتهاد لمن لا حق له في الاجتهاد الّذي قد يؤدّي إلى خلق الفوضى والاضطراب في الأحكام الشرعية، تأييداً للحديث الصحيح الّذي أورده الإمام البخاري: «إن الله لا يقبض العلم بقبض العلماء حتّى إذا لم يُبقِ عالماً اتّخذ الناس رؤوساً جُهلاً فأفتوا بغير علم فظلّوا وأضلّوا»، وتفادياً للوصول إلى هذا المسلك الّذي قد يؤدي إلى عكس مدلول الاجتهاد لابد من هذا التقييد.
إنّ بعض الفقهاء ركّز على أنّ كلّ مذهب من المذاهب الأربعة نهج

صفحه 119
منهج خليفة من الخلفاء الراشدين وطريقته في الاجتهاد، فلخّص رأيه هذا في منظومة فقال:
فمالك على طريقة عُمر *** والشافعي على أبي بكر الأبرّ
كذا عثمان نهج حنبل *** ثم أبو حنيفة على علي
فكلّ مذهب استقى من رأي واجتهاد أحد الخلفاء الراشدين.
من ناحية تدريس الفقه المقارن في الجامعات، هذا اقتراح وجيه بالتقييد الّذي أدلى به بعض الإخوان في مداخلاتهم.
من ناحية الاقتراح الثالث والأخير وهو الرجوع إلى المجتهد الحي لا المجتهد الميّت. حقيقة أنّه لكي أتفادى ما أُثير حول هذا الموضوع، ألا يمكن تعديل الاقتراح بالقول بحصر الاجتهاد في المسائل المستحدثة والمعاصرة برأي المجتهد الحي وإعطاء الأولوية له ، والاستئناس بآراء الفقهاء الذين ماتوا من المجتهدين، لأنّ هذا المجتهد الميّت لم يعايش هذه المسائل المستحدثة، نظراً لأنّ التشريع بطبيعته يجب أن يكون مرآة للبيئة الاجتماعية يعكس رغباتها وتطلّعاتها.
لي اقتراح آخر أودّ أن يضاف إلى اقتراحاتكم الثلاثة، وهو المطالبة بتدوين الفقه الإسلامي كوسيلة للتقريب بين المذاهب الفقهية. مع تحفّظ وهو أن يراجع من حين لآخر، لأنّه عمل بشري.

صفحه 120

تحليل المناقشة

إنّ حصيلة اقتراحات الدكتور إدريس العلوي تتلخّص في أُمور:
1. الأُستاذ يوافق فتح باب الاجتهاد لكنّه يعتقد أن يكون فيه نوع من التقييد للاجتناب عن الاضطراب في الفتوى والاجتهاد الذي قد يؤدي إلى عكس الغاية المتوخّاة من الاجتهاد، وبعبارة أُخرى: نخصّ الاجتهاد بما ليس له دليل قطعي.
إنّ بعض الفقهاء ركّز على أنّ كلّ مذهب من المذاهب الأربعة نهج منهج خليفة من الخلفاء الراشدين وطريقته في الاجتهاد، فليس لنا مثلاً التجاوز عن هذه المناهج التابعة لمناهج الخلفاء .
2. إن الأُستاذ يوافق على تدريس الفقه المقارن في الجامعات لكن بالتقييد الذي أدلى به بعض الإخوان في مناقشاتهم .
3. وأمّا ما يتعلق بالاقتراح الثالث وهو الرجوع إلى المجتهد الحيّ; فيرى أن ينحصر الرجوع إليه في المسائل المستحدثة والمعاصرة، والاستئناس بآراء الفقهاء الذين ماتوا من المجتهدين، ولكن نعطي الأولوية في هذا النوع من المسائل للمجتهد الحي.
ثم أضاف اقتراحاً آخر وهو تدوين الفقه الإسلامي كوسيلة للتقريب بين المذاهب الفقهية .
أمّا جوابنا عن الأمر الأوّل وهو حصر الاجتهاد بالمسائل المظنونة

صفحه 121
دون القطعية، فهو أمر متحقّق، لأن مصبّ الاجتهاد هو المسائل الظنّية، وأمّا المسائل القطعية التي اتّفق عليها المسلمون فلا تخضع للاجتهاد.
لكن ما ذكره من أنّ كلّ واحد من أئمة المذاهب الأربعة اقتفى أثر خليفة من الخلفاء أشبه بكلام شعري، وربّما يحطّ من مقام الخلفاء، إذ لا شك أنّ بين المذاهب خلافاً واسعاً وبوناً شاسعاً في المنهج والفتوى، ومعنى ذلك الاقتفاء: وجود الاختلاف الهائل في المشرب والإفتاء بين الخلفاء الأربعة كوجوده بين أئمة المذاهب .
ثم إنّ تخصيص الاجتهاد بالمسائل المستحدثة تخصيص بلا وجه، فإذا كانت المسألة نظرية فهي تخضع للاجتهاد، سواء أكانت مستحدثة أم غير مستحدثة .
ونظيره الاقتراح الثالث ـ أعني: تخصيص الرجوع إلى الحيّ بالمسائل المستحدثة ـ فإنّ في ما ذكره دعماً لإقفال باب الاجتهاد في المسائل الّتي ابتلى بها المسلمون عبر أربعة عشر قرناً.
وأمّا الاقتراح الأخير فقد قام به جمع من الفقهاء في الشرق الإسلامي، وهناك مجموعات فقهية وإن كانت لا تخلو من نقص، نظير :
1. الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري .
2. الفقه على المذاهب الخمسة للشيخ محمد جواد مغنية.
3. الموسوعة الفقهية التي دونت بأمر الرئيس المصري جمال عبد الناصر .

صفحه 122
4. الموسوعة الفقهية الكويتية.
وهناك معاجم أُخرى يقف عليها المتتبّع .

11. مناقشة الدكتور عبد الوهاب التازي سعود:

لقد كانت الاقتراحات والمناقشات رائعة ولكنّي سأكتفي بما لم يرد على لسان أحد وهو المتعلّق بعلم الكلام، ذلك أنّ الشيخ حينما قُدّم لنا قيل لنا: إنّه أيضاً مشارك في كلّ العلوم الإسلامية، ومنها علم الكلام الّذي هو أيضاً من العلوم الإسلامية الّتي موضوعاتها من قضايا الساعة، بعد التطورات الاجتماعية والسياسية العالمية الّتي قربت بين الناس وبين القارات فكان التفتّح على الديانات والمذاهب الفلسفية الأُخرى .
في عالمنا السنّي العربي الاهتمام أقل بكثير بهذه المواضيع، ربّما لأنّ تصوراتنا لهذا العلم وموضوعاته مازالت قديمة، ولذلك فلانرى فيها الجديد، بينما فيها الجديد. لذلك أُريد أن أسأل الشيخ المحترم عمّا يرد علينا من مسائل تتعلق بتجديد علم الكلام، فما المراد بالتجديد فيه؟ هل هو اجتهاد؟ وهل يوجد مجتهد في موضوعات علم الكلام ؟

تحليل المناقشة

كانت الاقتراحات والمناقشات رائعة ولكنّي أسأل عن ما لم يرد
على لسان أحد من الحضّار وهو مدى اهتمام الجمهورية الإسلامية

صفحه 123
بالمسائل العقائدية؟ فإن الإهتمام بها في بلادنا قليل .
استميحكم عذراً وهو أن الأُستاذ وصف المقترحات والمناقشات بالروعة ولم يذكر شيئاً عن التحاليل والأجوبة التي طرحت أمامها، (ضحك الحاضرون).
ولكنّي أُبشر الأُستاذ بأنّ اهتمام الجمهورية الإسلامية، بل الحوزات الشيعية بالمسائل الاعتقادية اهتمام جدير بالذكر، فإنّ علم الكلام والفلسفة الإسلامية من الدروس المهمّة في الجامعات والمعاهد الدينية مضافاً إلى تحليل المسائل الجديدة لعلم الكلام التي ترد تترى من الغرب، كلها يحمل الطابَع المادي وإنكار الوحي والنبوّة. ومؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)تتبنّى تربية جيل كبير من الطلاب في علم الكلام لتعليم ما ورد في العقائد من الآيات والروايات والدلائل العقلية عبر القرون، وتصدر المؤسسة مجلة فصلية بذلك الصدد .

12. مناقشة الدكتور محمد شفيق:

أنا لست بخبير في أيّ شيء وإنّما أنا مستهلك، ومن سوء حظّي أو من حسن حظّي أنّي مستهلك للفكر البشري ككلّ، سواء أكان فكراً دينياً أو فكراً غير ديني، يجرني إلى أن ألقي على فضيلتكم سؤالين اثنين، أطلب منكم أن تعذروني إن وجدتموهما بسيطين جدّاً.
السؤال الأوّل يتعلق بالاجتهاد، كنت أعتقد أنّ في الاجتهاد حلاًّ

صفحه 124
لمشاكل المسلمين، مشاكل العصر بالخصوص، غير أنّي في يوم من الأيّام سألت أحد علماء الدين عمّا حدث من الفتن في أول الإسلام: مَنْ بين الفئتين مات في سبيل الله؟ فكان الجواب: كلتا الفئتين! فهذا أحدث تساؤلات في ذهني إلى أن عثرت على جواب يظهر أنّه جواباً دينيّاً. لماذا ماتت كلتا الفئتين في سبيل الله؟ فكان الجواب لأنّ كلتا الفئتين اجتهدت! إذن كان الاقتتال نتيجة الاجتهاد! فهل نتمسّك بمبدأ الاجتهاد ولو أدّى إلى الاقتتال؟ إذن المسألة سياسية وليست دينية.
السؤال الثاني وأطرحه بكلّ بساطة لماذا يحظر علماء الدين المسلمون تدريس الفلسفة، أو على أقل تقدير يقلصون حجم هذا التدريس إلى درجة أنّهم يجعلونه غير ذي مفعول. هل لخوف من الفلسفة؟ أظن أنّه جاء الوقت أن يقارع الفكر الإسلامي الفكر الفلسفي، ليقرع الحجة بالحجة، لأنّ التهرّب من النزال ليس بحلّ فلابد من منازلة الفكر الفلسفي.

تحليل المناقشة

تتلخّص مناقشات الأُستاذ محمد شفيق في أمرين:
الأول: كنت اعتقد أنّ في الاجتهاد حلاًّ لمشاكل المسلمين غير أنّي سألت بعض علماء الدين عمّا حدث من الفتن في أوّل الإسلام: مَنْ بين الفئتين مات في سبيل الله؟ فكان الجواب: كلتا الفئتين، لأنّ كلاًّ منهما اجتهد، إذن كان الاقتتال نتيجة الاجتهاد؟!

صفحه 125
الثاني: لماذا يحظر علماء الدين تدريس الفلسفة أو على أقل تقدير يقلّصون حجم هذا التدريس، هل لخوف من الفلسفة؟ وقد جاء الوقت لأن يُقارع الفكر الإسلامي الفكرَ الفلسفي.
وجوابنا عن الأمر الأوّل هو أنّ الاجتهاد يطلق تارة ويراد منه بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي من أدلّته.
والاجتهاد بهذا المعنى أمر مرغوب فيه فهو رمز خلود الدين ومسايرته للحوادث المستجدة.
ويطلق أُخرى ويراد به الأخذ بالرأي في مقابل النص، أي ترك النص والعمل بالرأي، فهذا خطير ومحرّم جدّاً.
فالاقتتال بين الفئتين كان نتيجة هذا النوع من الاجتهاد، وذلك لأنّ الإمام علياً (عليه السلام)كان خليفة المسلمين بالنصوص التي روتها الأُمّة وبانتخاب رسمي من المهاجرين والأنصار، فالخروج عليه كان خروجاً على إمام رضي الله ورسوله وأُمّته بإمامته .
كيف لا يكون الخروج عليه محرماً وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار» 1.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «علي ولي كلّ مؤمن ومؤمنة من بعدي» 2.
وقد تنبّأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال علي (عليه السلام)مع الناكثين والقاسطين والمارقين

1 . تاريخ بغداد: 14 / 321 ; مجمع الزوائد: 7 / 236 .
2 . سنن الترمذي: 5 / 632 .

صفحه 126
في حديث متضافر وقال: «يا علي تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين» فعلى الأُستاذ التفريق بين الاجتهاد المرضي الذي دعا إليه الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين، والاجتهاد المذموم الذي يقدم رأيه لمصالح شخصية على حكم الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ)1.
وأمّا الأمر الثاني: وهو محاربة العلماء للفلسفة فنقول:
الفلسفة تطلق ويراد بها التفكير والتعقّل في صحيفة الوجود، فهي بهذا المعنى هي التي دعا إليها الكتاب وجعلها من سمات أُولي الألباب، وقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَ قُعُودًا وَ عَلَى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )2.
إنّ التفكير على ضوء الأقيسة الصحيحة التي تؤيدها الفطرة أساس التوحيد ومعرفة الرب، يقول سبحانه: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ)3.
كلمة سفير الجمهورية الإسلامية   
فقوله سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء) إشارة إلى قاعدة فلسفية

1 . الحجرات: 1 .
2 . آل عمران: 190 ـ 191 .
3 . الطور: 35 ـ 36 .

صفحه 127
وهي امتناع خروج الممكن عن حيز العدم إلى الوجود إلاّ بعلة.
كما أنّ قوله: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) إشارة إلى قاعدة فلسفية أُخرى، وهي امتناع الدور وأن يكون الإنسان خالقاً لنفسه; كما أنّ قوله سبحانه: (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) إشارة إلى قاعدة فلسفية ثالثة، وهي امتناع تقدّم المخلوق على الخالق زماناً.
إلى غير ذلك من الآيات التي تُعلِّمنا كيفية البرهنة على العقائد عن طريق الأقيسة.
نعم خالف التفكير الفلسفي طائفة من المحدّثين ولا غرو في ذلك، لأنّ الاختلاف أمر طبيعي .
وبذلك: ظهر الإشكال في قول الأُستاذ: «أظن أنّه جاء الوقت أن يقارع الفكر الإسلامي الفكر الفلسفي» إذ ليس هناك تفكيران متعدّدان يتّسم أحدهما بالإسلامي والآخر بالفلسفي.
نعم إنّ اقتفاء أثر منهج بشري غير معصوم في عامّة المواضيع كفلسفة إفلاطون وأرسطو فهو مذموم جدّاً، وتفصيل ذلك مذكور في محلّه .

كلمة قصيرة لسعادة سفير الجمهورية الإسلامية:

كان سعادة السفير يسمع التحاور والنقاش دون أن يبدي برأي، ولمّا انتهت المناقشات مع تحاليلها ألقى كلمة قصيرة هذا نصها:
في البداية أُريد أن أشكر سعادة أمين السر الدائم بالأكاديمية، وكذا

صفحه 128
سعادة السيد عباس الجراري وكلّ الإخوان والأخوات على مشاركتهم في هذه الجلسة، لا أريد أن أتكلّم إلاّ بصورة موجزة. أنا نشأت بين أُسرة دينية، وكان آبائي رجال دين منذ قرنين، ومع ذلك فأنا متفتّح على كلّ الثقافات وأُزكّي فكرة الحوار الديني، ذلك ما أهّلني لأكون سفيراً لدى الفاتيكان لمدة تفوق خمس سنوات، وأستطيع القول بأنّي أعرف المسيحية من الداخل وشاركت في عديد من جلسات الحوار الديني والسياسي وأيضاً الفلسفي والكلامي، وأقول بصراحة وبصدق إنّ هذه الجلسة التي انعقدت في قاعة أكاديمية المملكة المغربية كانت من أنجح وأهم الجلسات التي حضرتها ; بحيث لم يظهر عليها التكلّف ولا المجاملات، بل اتّسمت بالصراحة والجدية.
إنّ آية الله السبحاني حاوركم من موقع ديني، ومن أرضية فكرية، جمعت بين ما هو فقهي وما هو أُصولي، وما هو منطقي فلسفي، وما هو أدبي لغوي بكلّ ذكاء واحتراس، واستطاع أن يحترم أرضيتكم الفكرية والثقافية، ذلك ما أضفى على الجلسة جوّاً من المودّة الصادقة، ويقيني أنّنا في حاجة إلى أن نكثر من هذه اللقاءات ليعرف بعضنا البعض الآخر ولندعم الأواصر المشتركة.
ooo
بيان أمين السر الدائم للأكاديمية   
تمت المحاضرة والمناقشات، وقد استغرقت حدود أربع ساعات، فوجّه البروفيسور عبد اللطيف بربيش أمين السر الدائم للأكاديمية بياناً يشكر فيه سعادة السفير ويثمّن المحاضرة. وإليك نص البيان :

صفحه 129

بيان أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية

أكاديمية المملكة المغربية
عدد 57 / أ. س. د.   الرباط في 3 محرم 1425
الموافق 24 فبراير 2004
سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالمغرب
الأُستاذ محمد مسجد جامعي
الرباط
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
وبعد، لقد سعدنا كثيراً باللقاء العلمي الذي احتضنته أكاديمية المملكة المغربية مع سماحة العلامة المحقق آية الله جعفر السبحاني بمبادرة طيبة من سعادتكم، لذلك يسعدني باسمي ونيابة عن زملائي أعضاء الأكاديمية أن أتوجّه إليكم بأصدق عبارات الشكر والامتنان، داعياً المولى عز وجل أن تتاح لنا في مستقبل الأيام لقاءات علمية مباركة مع علماء أجلاّء آخرين من بلادكم الشقيقة حول موضوعات تعزز وحدة الفكر الإسلامي التي تحتمها مستجدات العصر.
وتفضّلوا، سعادة السفير، بقبول صادق عبارات المودة والتقدير.
أمين السر الدائم
البروفيسور عبد اللطيف بربيش

صفحه 130

صفحه 131
الفصل الخامس
محاضرة
في كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة سيدي محمد بن عبد الله
ظهر المهراز ـ فاس

صفحه 132
محاضرة في كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس   

صفحه 133

مدينة فاس عاصمة المغرب الأُولى

دُعيتُ يوم الأربعاء الموافق للرابع من محرم الحرام 1425 هـ لإلقاء محاضرة في مدينة فاس في كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانية، وهي من كلّيّات جامعة سيدي محمد بن عبد الله.
إن مدينة فاس من المدن القديمة العريقة في المغرب، وتعدّ اليوم المدينة الثالثة بعد الرباط والدار البيضاء، وقد أُنشئت المدينة على ضفاف نهر فاس، وكانت في الأزمنة السابقة عاصمة المغرب، لكن بعد احتلال المغرب من قبل القوات الفرنسية انتقلت العاصمة إلى الدار البيضاء .
ويبلغ عدد سكانها أكثر من مليون نسمة.
ومن المراكز التي تجذب الأنظار فيها هو مسجد مولاي إدريس ويوجد فيه قبره، كما يوجد جامع القرويين وهو من المساجد العظام
التي يزورها السُّيّاح، وقد بُنيَ المسجد عام 245 هـ ، وهو باق على كيفيته السابقة.
تنقسم مدينة فاس إلى قسمين: جديد، وقديم ; ويقع جامع القرويين

صفحه 134
في القسم القديم، ولا يصل الإنسان إليه إلاّ بالعبور من خلال الأزقّة الضيّقة والأسواق المكتظة بالسلع والحاجات، وبالأخصّ الصناعات اليدوية للمغرب التي تستقطب السّياح .
زرت جامع القرويين وصلّيت فيه ركعتي التحية، ونظرت إلى أروقته في جوانبه وقد أُعدّت للتدريس، وكانت حلقات الدراسة قائمة،
وشاركت في إحدى الحلقات، وكان الأُستاذ يلقي بحثاً في الإيمان والكفر، وعَدّ من أسباب الكفر إنكار الضروريات الذي يلازم إنكار الرسالة.
كان الأُستاذ يملي والطلاب يكتبون، فلمّا فرغ الأُستاذ من إلقاء درسه تقدّمت إليه بالسلام وقلت: لي سؤال، فاستقبلني ببشاشة وقال: تفضّل .
قلت: ذكرتم إنّ إنكار الضروري الملازم لإنكار الرسالة من أسباب الكفر، هل هذه القضية قضية مطلقة أو مشروطة بشرط ؟
قال: ما هو الشرط؟
قلت: الشرط هو أن تكون الملازمة متحقّقة عند القائل لا عند السامع، وإلاّ فلا توجب الكفر، مثلاً: إذا أسلم رجل غربي بإجراء الشهادتين وتعلّم شيئاً من الأُصول والفروع ولكنّه أنكر وجوب الزكاة الذي هو من ضروريات الإسلام، فإن إنكاره يلازم إنكار الرسالة عند من نشأ بين أحضان المسلمين، دون من نشأ في الغرب وأسلم، فلا ملازمة بين إنكاره وجوب الزكاة وإنكار الرسالة.
فتأمّل الأُستاذ في كلامي قليلاً ثم صدّقني.

صفحه 135
وعند ذلك قام المؤذن وأذّن لصلاة العصر، فقام التلامذة والأُساتذة في صف واحد وراء الإمام وصلّوا صلاة العصر، ثم عادت الدروس بعد الفراغ من الصلاة.
هذا النوع من الدراسة يشرف على الأُفول، لأنّ الكلّيّات والجامعات والشهادات العلمية الّتي بها يستخدم الإنسان في المراكز العلمية وغيرها ملأت عيون الطلاب والطالبات، فلا يمرّ زمان إلاّ ونرى فراغ هذه الأروقة من الأساتذة والتلاميذ، كما رأيت ذلك بأُمّ عيني في أروقة الأزهر الشريف عندما زرت مصر عام 1395 هـ .

الدعوة إلى إلقاء المحاضرة

دخلنا الكلّيّة واسترحنا قليلاً، ثم دعينا إلى قاعة المحاضرة التي كانت مكتظة بالأساتذة الكبار المعنيين بالتفسير والفقه والأُصول .
ومن بين الحضور الدكتور علي الصقلي عميد الكلّية، والدكتور محمد الشاد مساعده ومدير الجلسة، وإليك قائمة بأسماء بعض الحضّار :
الدكتور عبد الوهاب التازي سعود.
الدكتور عبد الرحيم الرحموني .
الدكتور عبد المالك الشامي.
الدكتور أحمد العلمي حمدان .

صفحه 136
الدكتور محمد اليعقوبي .
الدكتور محمد المالكي .
الدكتور العياشي السنوني.
الدكتور حسن الشبيهي .
الدكتور عبد الحميد العلمي .
الدكتور عبد السلام الغرميني .
الدكتور محمد الصقلي .
الدكتور أحمد زكي گنون .
الدكتور محمد أبو الفضل .
الدكتور محمد الدناي .
الدكتور عبد الله بنصر العلوي .
الدكتور أحمد العراقي .
الدكتور المفضل الگنوني .
الدكتور محمد الداشمي .
الدكتور عز العرب لحكيم بناني .
الدكتور محمد أبلاغ .
الدكتور محمد الأمين .

صفحه 137
كانت الدعوة في الأصل مركّزة على إلقاء محاضرة حول تطوير أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية، حيث إنّ تلك الطائفة بلغت في تطوير هذا العلم إلى مرتبة سامية لا تجد لها نظيراً في سائر المذاهب.
ولكنّي بعد ما جلست على منصّة المحاضرة، جوبهتُ باقتراح آخر وهو إلقاء محاضرة قصيرة حول تفسير القرآن الكريم وطرقه البنّاءة، ونزلت عند رغبتهم، فنتج عن ذلك محاضرتان في موضوعين مختلفين:
وأعقب كلّ محاضرة مداخلات ومناقشات كان لنا حولها ردود وتحاليل. وتقرأ كل ذلك في الصحائف التالية:
بدأت الجلسة بكلمة «عميد كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانية»: الدكتور علي الصقلي التالية:

صفحه 138
السيدات والسادة المحترمون:
تعتز الجامعة ـ اليوم ـ باستضافة العلاّمة المحترم حضرة الشيخ آية الله السبحاني حفظه الله.
إنّ الأُستاذ متخصّص في قسم من العلوم الإسلامية ومشارك في البعض الآخر منها، وهو من العلماء المتنوّرين، وذو أُفق واسع، وتتقدّم الجامعة بالشكر إلى سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث هّيّأ لنا هذا اللقاء المفيد .
إنّ أمثال هذه اللقاءات تقرّب البعيد وتوجب التقارب بين البلدين رغم البعد الجغرافي الشاسع بينهما.
إنّ شيخنا المحاضر سوف يتكلّم في موضوعين في جلستين متعاقبتين:
1. تفسير القرآن المجيد وطرقه البنّاءة.
2. تطوير أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية.
فنحن ندعو ضيفنا المكرم لإلقاء المحاضرة حول الموضوع الأوّل مشكوراً.
السيرة الذاتية للمحاضر آية الله جعفر السبحاني   
بعد انتهاء كلمة عميد الكلية اعتلى الدكتور محمد الشاد مدير الجلسة المنصة وأخذ بالتعريف بالمحاضر وبيان سيرته الذاتية. وهذا نص كلامه:

صفحه 139

السيرة الذاتية للمحاضر

آية الله جعفر السبحاني

ولد محاضرنا الكريم في مدينة تبريز ـ إحدى مدن إيران القديمة ـ من أُسرة عريقة علمية عام 1347 هـ . ق ـ 1928 م. وتربّى في حضن والده فقرأ المقدّمات والعلوم العالية في موطنه حتى برع في الأدب الفارسي والعربي .
ثم غادر مسقط رأسه للالتحاق بجامعة قم ـ إحدى الجامعات الدينية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ـ فتخرج منها في علوم الأُصول والفقه على يدي العالمين: السيد حسين البروجردي (1292 ـ 1380 هـ . ق) و الإمام السيد الخميني (1320 ـ 1409 هـ . ق) كما تخرج في علوم التفسير والفلسفة على يد حكيم الإسلام الفيلسوف السيد محمد حسين الطباطبائي (1321 ـ 1402 هـ) صاحب كتاب «الميزان في تفسير القرآن»، وللمؤلف كرسي في جامعة قم يدرس فيها علوم الفقه والأُصول، وقد ربّى جيلاً كبيراً في تلك العلوم، وألّف فيهما كتباً متعدّدة، كما أنّ له أشواطاً في الكلام والملل والنحل .

صفحه 140
وقد أسّس مؤسسة الإمام الصادق لدراسة علم الكلام في حقول ثلاثة.
وتُصدر المؤسسة مجلة فصلية تهتم بدراسة العقائد والكلام المقارن.
وللمؤسسة موقع في شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) بالعنوان التالي:   www.imamsadiq.org

صفحه 141
على ساحل جبل طارق
ــــــــــــــــــــــ
       3
المحاضرة الثالثة: التفسير الموضوعي مكان التفسير الترتيبي   

التفسير الموضوعي

مكان

التفسير الترتيبي

القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى للرسول الأعظم نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين.
ولمّا كانت رسالته رسالة خالدة، اختار اللّه سبحانه له معجزة خالدة مُشعَّة مرّ القرون والأعصار، وذلك لأنّ الرسالة الخالدة رهن دليل خالد لتتم به الحجة على الأجيال إلى يوم القيامة، وما هو إلاّ الكتاب الخالد الّذي يتلوه الناس آناء الليل وأثناء النهار والذي يتحدّى البشر في كلّ زمان بقوله:
(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ).1

1 . البقرة: 23 .

صفحه 142
لم ينزل القرآن الكريم لمجرّد القراءة والتلاوة والتبرّك، بل هو كتاب التدبّر والتفكير، فهو يأخذ بمجامع القلب ويحلّق به في عوالم الغيب والشهادة، كما يشير إليه سبحانه بقوله:
(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ مَانُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).1
فالآية تحدد وظيفة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ووظيفة للمسلمين.
أمّا الأُولى ـ والّتي هي على عاتق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فهي تبيين ما نزل إليه وتفسيره على وجه يرفع الغشاء عن وجوه الآيات، ولأجل ذلك يقول: (لتبيِّنَ)بدلَ «لتقرأ»، فعلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وراء القراءة والتلاوة ، تبيين الآيات وتفسيرها وإرشاد الناس إلى مفاهيمها السامية.
يقول سبحانه: (إِنّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيَانَهُ).2
فقراءته سبحانه وبيانه، يتمّ من خلال قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيانه، وليس لأحد منّا أن يتخذ ذلك ذريعة لفكر خاطئ، وهو أنّ القرآن مجموع من الألغاز لا تعرف إلاّ ببيان النبي، فإنّ تلك الفكرة فكرة خاطئة، فالقرآن الكريم نزل للتدبّر والتفكير، وهو فرع أن يكون كتاباً قابلاً للفهم والدراسة ولو في درجة خاصّة، غير أنّ التعمّق في الآيات رهن بيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، خصوصاً فيما يرجع إلى العبادات كالصلاة والصوم والحجّ والجهاد، فإنّها

1 . النحل: 44 .
2 . القيامة: 17 ـ 19 .

صفحه 143
مجملات لا يقف الإنسان على حقائقها إلاّ بإرشاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أي بقوله وفعله أو تقريره.
وبذلك تبيّن أنّ تلاوة القرآن وتجويده وتحسين الصوت به كلّها مقدّمات للتفكّر والتدبّر في مجال المعارف والكونيات، والعمل وترتيب الأثر في مجال العبادات والمعاملات، ولكن للأسف أنّ المراكز المهتمّة بالقرآن الكريم قد انصبّ جهدها على التلاوة والحفظ وتحسين الصوت دون أن تهتم بالفهم والتدبّر، إلاّ قليل منها كما تدعونا الآية المباركة إلى ذلك.

التفسير الموضوعي مكان الترتيبي

التفسير الرائج بين المسلمين بعد رحيل الرسول إلى يومنا هذا هو تفسير القرآن الكريم على النحو الترتيبي، فيبدأ المفسر من سورة الفاتحة ويختم بالمعوذتين، هذا من أسعفه التوفيق لتفسير كلّ القرآن الكريم، ومنهم من لا يسعفه التوفيق إلاّ لتفسير نصف القرآن أو ثلثه أو تفسير عدّة سور أو سورة واحدة.
وهذا هو التفسير الذي كان سائداً منذ رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى زماننا هذا.
ونحن نثمّن جهود علمائنا الكبار في هذا النمط من التفسير حيث بذلوا أعمارهم في تفسير الذكر الحكيم وتبيين معضلاته ومفرداته وإعرابه وقصصه.

صفحه 144
ومع التقدير التام لهذا النوع من التفاسير نقول: إنّ هناك نمطاً آخر للتفسير غفل عنه المفسّرون إلاّ القليل منهم، وهو تفسير القرآن الكريم حسب الموضوع،وهذا ما نسمّيه بالتفسير الموضوعي، والمراد به هو أن يعطف المفسّر وجهة نظره إلى الموضوعات الّتي وردت في القرآن الكريم ويجمع كلّ الآيات المتعلّقة بموضوع واحد في مكان واحد، ثمّ يأخذ بتفسير الآيات بعضها ببعض، ويجعل الآية شاهدة على آية أُخرى، ويزيل إبهام آية بأُختها، ثمّ يخرج بعد دراسة عامّة الآيات في نفس الموضوع بنتيجة ساطعة على وجه يصحّ أن تنسب إلى كتاب اللّه العزيز.
وهذا النوع من التفسير يوقفنا على نظرية القرآن في كلّ موضوع أردنا تفسيره، بخلاف النمط الأوّل فإنّه ليس له تلك الميزة، وما ذلك إلاّ لأنّ القرآن الكريم يبحث في موضوع واحد في سور مختلفة، فالمفسّر عندما يفسّره فهو غافل عمّا ورد حوله في سورة متأخّرة، فإذا وصل في سورة متقدّمة إليها فقد تم تفسير السورة الأُولى، وإليك بعض الأمثلة:
1. إنّ مسألة تحوّل الأنواع الّتي أبدعها أو أيّدها العالم الطبيعي «داروين»(1908م) قد أوجدت ضجّة في الأوساط الدينية، وذلك لأنّ العلماء تبنّوا فرضية مخالفة للكتاب المقدس القرآن الكريم، ولكن القول الحاسم في خلقة الإنسان من منظار القرآن يتوقّف على جمع كلّ ما ورد حول خلقة آدم في مكان واحد، ثمّ دراسة الجميع بجعل بعضه قرينة على البعض، ثمّ الخروج بنتيجة قطعية، وعندئذ يمكن القول بأنّ فرضية التحول تخالف القرآن أو توافقه، وأمّا مجرّد الاكتفاء بما ورد في سورة واحدة حول

صفحه 145
خلقته فلا يعطينا الصورة الكاملة عن كيفية خلقة الإنسان أو آدم أوّل الخليقة.
ونظير ذلك مسألة المعاد أو الحياة البرزخية. فقد ورد حول ذينك الموضوعين، آيات مبعثرة في عدّة سور تعرضت آيات كلّ سورة لمنحى من مناحي الموضوع، فلا تعطينا دراسة بعض الآيات الصورة الكاملة من إمكان المعاد ووقوعه، إلاّ بجمع الآيات في مكان واحد وجعل البعض قرينة على البعض الآخر.
وهناك حقيقة مرّة، وهي أنّ أصحاب الديانات المختلفة من غير المسلمين قد استدلّوا على عقائدهم ومناهجهم بالقرآن الكريم، حتّى أنّ الملاحدة يثبتون عقائدهم بآيات من القرآن الكريم.
ومن المعلوم أنّ القرآن الكريم منزّه عن الاختلاف واللّه سبحانه يقول:(وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كَثيراً)1، ومع ذلك نرى أنّ كلّ طائفة تستدلّ على مقاصدها بنفس الكتاب.
وما ذلك إلاّ لأنّ كلّ ذي نحلة يستدل بآية واحدة ويغفل أو يتغافل عن الآيات الأُخرى الّتي هي بمنزلة التفسير لها.
2. القرآن الكريم يعرّف الإنسان بأنّه موجود حرٌّ يختار ويترك حسب ما شاء، فلو آمن فباختياره ولو كفر فكذلك، يقول سبحانه: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ

1 . النساء: 82 .

صفحه 146
رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ).1
هذا من جانب، ولكن نرى أنّ المجبرة الذي يرون أنّ الإنسان بيد القضاء والقدر كآلة بيد النجار والحداد، وليس له حرية الاختيار، بل يتحرك حسب الخط الّذي خُطّ قبل خلقته من جانبه سبحانه، ويستدلّون بقوله: (وَمَا كانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ)2، فمن لم يؤمن باللّه ورسوله فلأجل إنّه لم يأذن به اللّه سبحانه، فيكون إيمان المؤمن وكفر الكافر خارجين عن اختيار المكلّف.
ولا شكّ أنّ الآيتين مختلفتان ظاهراً، ولكن المحقّق إذا جمع عامّة الآيات الواردة حول فعل الإنسان وموقفه من مشيئته سبحانه ليقف على حقيقة ناصعة، وهي أنّه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين، وأنّ كلّ آية من الآيات إنّما تشير إلى ناحية من نواحي تلك الفكرة، وأمّا النظرية الجامعة فلا يحصل عليها إلاّ بدراسة الجميع.
فقد خرجنا بالنتيجة التالية أنّ النمط الموضوعي للتفسير قائم على أمرين:
الأوّل: تفسير القرآن حسب الموضوعات وجمع آيات موضوع واحد في مكان واحد .
الثاني: تفسير القرآن بالقرآن بمعنى رفع إبهام الآية بأُختها.

1 . الكهف: 29 .
2 . يونس: 100 .

صفحه 147

تاريخ هذا النوع من التفسير

قلنا: إنّ هذا النوع من التفسير نمط جديد لكن لا بمعنى أنّه لم يسبقنا إليه سابق، بل نرى في بعض العصور تفاسير على هذا النمط نشير إلى بعضها:
أ. ما قام به العلاّمة المجلسي(1037ـ 1110هـ) في موسوعته الكبرى «بحار الأنوار» الّتي هي دائرة معارف لعلوم أهل البيت (عليهم السلام) ، فقد قام عند دراسة كلّ موضوع بجمع آياته في أوّل الفصل ثمّ يفسره على وجه الإجمال، ثمّ يأتي بما ورد حوله من الأحاديث.
فلو قام أحد الفضلاء بجمع ما ورد في تلك الموسوعة من الآيات حول كلّ موضوع مع تفسيرها، لجاء بكتاب ضخم وتفسير كبير للقرآن حسب الموضوعات.
ب. إنّ فقهاء الإمامية ألّفوا كتباً كثيرة حول آيات الأحكام، ونمطهم في هذا الحقل يختلف مع ما ألّفه فقهاء السنّة، فإنّ الطائفة الثانية فسّروا آيات الأحكام حسب السور، فاختاروا من سورة البقرة ما يرجع إلى الأحكام الفرعية ثمّ اختاروا ما ورد فيها في سورة آل عمران.
وأمّا فقهاء الإمامية فقد فسّروا آيات الأحكام حسب الموضوعات، فجمعوا كلّ ما ورد في القرآن في عامّة سوره حول الطهارة الحدثية
أو الخبثية في مكان واحد ثمّ فسّروها، ثمّ دخلوا في موضوع آخر

صفحه 148
كالصلاة والزكاة وفسّروا آياتهما الواردة في عامة السور على هذا
الطراز.
وبذلك صارت تفاسيرهم حول الأحكام أشبه بالتفسير الموضوعي ولكن في إطار خاص وهو الأحكام.
وقد خامرتني فكرة التأليف في هذا النوع من التفسير، فقمت بتفسير ما يرجع إلى المعارف والعقائد فيه، فألّفت كتاب «مفاهيم القرآن»
مبتدئاً بالتوحيد بعامة أقسامه فاستغرق جزءاً واحداً، ثمّ تفسير أسمائه وصفاته وأفعاله فأخذ جزءاً آخر إلى أن تم كلّ ما يرجع إلى العقائد في أجزاء عشرة.
وها أنا أقترح هذا النوع من التفسير، لحضرات الأساتذة الذين لهم إلمام بالتفسير ورغبة في كشف حقائقه السامية، لأكون دالاً على الخير وقد قيل: والدالّ على الخير كفاعله.
ooo
تمت المحاضرة الّتي استغرقت حوالي ساعة كاملة، فأبدى عميد الكلّيّة الدكتور علي الصقلي إعجابه بها، وقال: أظن أنّ المشاركين تدور في أذهانهم بعض المناقشات حول المحاضرة، لذا ندعوهم لإبداء آرائهم حول الموضوع.
أسئلة وردود حول محاضرة: التفسير الموضوعي مكان التفسير الترتيبي   

صفحه 149

1. مناقشة الدكتور محمد الداشمي

الأُستاذ الدكتور محمد الداشمي أُستاذ في علم النفس، وقد أبدى ملاحظاته حول المحاضرة ضمن محاور ثلاثة:
1. انّ لسياق الآيات دوراً مهمّاً في فهم مقاصد الذكر الحكيم على نحو لو استُلّت آية من ثنايا الآيات فسوف يطرأ عليها الإجمال، وربّما تفسّر بمعنى آخر غير معناها الأوّل.
فالتفسير الموضوعي مبني على فصل آية عن ثنايا الآيات الأُخرى الّتي لها صلة بالآية المستلّة، وعندئذ يطرأ الخلل في فهم الآية .
2. القرآن الكريم يقسّم الآيات فيه إلى محكم ومتشابه، فالآيات الّتي تجمع لفهم غرض واحد هل هي من قسم المتشابهات أو من قسم المحكمات، وعلى فرض كونها من المتشابهات فكيف تفسّرونها؟
3. الآيات القرآنية بين ما تبيّن الأحكام الشرعية العملية وبين ما تبيّن الحقائق الكونية كالآيات الواردة في أفعال الإنسان، فهو في مقام التشريع يعتبر مخيّراً، وفي حقل التكوين مسيّراً.
فالآيات الواردة حول مشيئة الله ومشيئة الإنسان بالنسبة إلى أفعال العباد مختلفة، كاختلاف الحديثين المرويين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم); حيث إنّ أحدهما يؤكّد أنّ العمل هو الطريق الموصل إلى الجنة، والآخر يقول فيه إنّ أعمالنا لا تؤهّلنا لدخول الجنة .

صفحه 150

تحليل المناقشة

ركزّ الدكتور على أُمور ثلاثة نأخذها بالتحليل.
أمّا الأمر الأوّل وهو مدخلية السياق في فهم الآية فلا شك أنّ رعاية السياق من أهم مبادئ التفسير إلاّ إذا دلّ الدليل القطعي على انقطاع الآية عمّا سبقها أو ما لحقها، والتفسير «على حسب الموضوع» ليس مبنياً
على غض النظر عن سياق الآيات، وإنّما تُختار الآية مع ما يرتبط بها من سائر الآيات المتقدّمة والمتأخّرة، وبذلك يكون السياق ملحوظاً جدّاً.
وأمّا الأمر الثاني فالتحليل يتوقّف على تفسير المحكم والمتشابه حيث وردا في قوله سبحانه: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَ مَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الأَلْبَابِ )1.
فالمحكم ما لا يحتمل إلاّ معنى واحداً، والمتشابه ما يحتمل وجوهاً متعدّدة، وكانت الوجوه مثيرة للريب والشبهة، والتأويل إرجاع الآية إلى المعنى المقصود لكن بالتدبّر فيها وفي الآيات المضاهية لها، المتّحدة معها في الموضوع.

1 . آل عمران: 7 .

صفحه 151
هذا هو المعنى المقصود من الآية في المراحل الثلاثة:
أ. المحكم وما يراد به .
ب. المتشابه وما يراد به .
ج. التأويل وما يراد به في الآية.
وعلى ضوء ذلك فالتفسير الموضوعي غير مختص بالآيات المحكمة، بل يعمّ كلا القسمين، ولعلّ الحاجة إليه في القسم الثاني أكثر .

طريق تفسير الآيات المتشابهة

وأمّا الطريق إلى تفسير المتشابه فقد أشارت إليه الآية المتقدّمة، وهو انّه لمّا كانت المحكمات أُمّ الكتاب فتُعرض المتشابهات على المحكمات ويتّضح معناها بها.
ولنأت بمثال: يقول سبحانه: (وَ جَاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)1، والآية ظاهرة في وصف الربّ سبحانه بالمجيء مع أنّه من صفات الأجسام والمادّيات، فكيف يوصف به خالقها؟!
ويتّضح المقصود بعرضها على المحكمات، وانّ المراد منه مجيء أمره سبحانه وظهور قهره وغضبه أو غفرانه ورحمته، بشهادة قوله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)2 .

1 . الفجر: 22 .
2 . النحل: 33 .

صفحه 152
فعند عرض الآية الأُولى على الثانية مع اتّحادهما في الموضوع يثبت أنّ المراد من مجيء الله هو ظهور أمره. وكم لذلك من نظير في القرآن الكريم .
وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا «المناهج التفسيرية في علوم القرآن».
وأمّا الأمر الثالث فقد أشار فيه الأُستاذ إلى وجود الاختلاف في الآيات حول فعل الإنسان، حيث دلت بعض الآيات على تعلق مشيئته سبحانه بفعله، يقول سبحانه: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ )1.
وفي مقابل ذلك ما يدل على الخلاف وأنّ الإيمان والكفر بمشيئة العبد، يقول سبحانه: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )2.
ربّما يلوح من كلام الأُستاذ أنّ رفع الاختلاف بين الآيات يتحقّق بإرجاع ما يدلّ على الاختيار إلى التشريع، وإرجاع ما يدلّ على خلافه إلى التكوين، فالإنسان مخيّر تشريعاً ولكنّه مسيّر واقعاً.
وهذا النوع من الجمع بين الآيات مردود جداً، لأنّ معنى ذلك هو الاختلاف بين التشريع والتكوين، ومن الواضح لزوم وجود الانسجام بين المقامين، فالمخيّر تشريعاً يلزم أن يكون مخيّراً تكويناً، ولا يمكن التفريق بينهما.

1 . الإنسان: 30 .
2 . الكهف: 29 .

صفحه 153
وأمّا ما هو واقع الجمع بينهما فهو بحاجة إلى أن تضيّفني الكليّة عدة أيام حتّى أتكلّم في مفهوم المحكم والمتشابه، وكيف يكون المحكم أُمّ الكتاب ثم أشرح واقع التأويل، وواقع تعلّق مشيئته سبحانه بفعل العبد. (ضحك الحاضرون).
ومع ذلك كلّه نأتي هنا بكلمة قصيرة، حتّى يتبيّن مغزى الآيتين، وأنّه لا خلاف بينهما، وهي:
إنّ مشيئة الله سبحانه في طول مشيئة العبد لا في عرضها، فتعلّق مشيئته بفعل العبد مؤكّد لاختيار الإنسان لا مخالف له، ولا منافاة بين توارد الإرادتين على فعل واحد، وذلك بالبيان التالي:
إنّ كلّ ما يحدث في صحيفة الوجود، إنّما يكون بإرادته ومشيئته، ولا يكون في سلطانه إلاّ ما يشاء، ولا يشذّ عنه فعل الإنسان، غير أنّ اللازم هو الإمعان في كيفية تعلّق إرادته، بتحقّق شيء في العالم، وهذا ـ أي الوقوف على كيفية التعلّق ـ هو المفتاح لحلّ مشكلة الجبر اللازم من تعلّق إرادته تعالى بأفعال العباد.
فنقول: إنّ القول بسعة إرادته لا يستلزم الجبر، وذلك لأنّ إرادته لم تتعلّق بصدور فعل الإنسان منه سبحانه مباشرة وبلا واسطة، بل تعلّقت بصدور كلّ فعل من علّته بالخصوصيات التي اكتنفتها.
مثلاً تعلّقت إرادته سبحانه على أن تكون النار مبدأ للحرارة بلا شعور وإرادة، كما تعلّقت إرادته على صدور الرعشة من المرتعش مع العلم

صفحه 154
ولكن لا بإرادة واختيار، وهكذا تعلّقت إرادته في مجال الأفعال الاختيارية للإنسان على صدورها منه مع الخصوصيات الموجودة فيه المكتنفة به من العلم والاختيار وسائر الأُمور النفسانية.
وصفحة الوجود الإمكاني مليئة بالأسباب والمسبّبات المنتهية إليه سبحانه، فمثل هذه الإرادة المتعلّقة على صدور فعل الإنسان بقدرته المحدثة واختياره الفطري تؤكّد الاختيار ولا تسلبه منه.
ومع ذلك كلّه ليس فعل الإنسان فعلاً خارجاً عن نطاق قدرته سبحانه غير مربوط به، كيف وهو بحوله وقوته يقوم ويقعد ويتحرك ويسكن، ففعل الإنسان مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز، فعل الله أيضاً بالحقيقة، فكلّ حول يفعل به الإنسان فهو حوله، وكلّ قوة يعمل بها فهي قوته.
قال العلاّمة الطباطبائي: إنّ الإرادة الإلهية تعلّقت بالفعل بجميع شؤونه وخصوصياته الوجودية، ومنها ارتباطه بعلله وشرائط وجوده، وبعبارة أُخرى: تعلّقت الإرادة الإلهية بالفعل الصادر من زيد مثلاً لا مطلقاً، بل من حيث إنّه فعل اختياري صادر من فاعل كذا، في زمان كذا. فإذن تأثير الإرادة الإلهية في الفعل يوجب كونه اختيارياً، وإلاّ تخلّف متعلّق الإرادة عنها.
فالإرادة الإلهية في طول إرادة الإنسان وليست في عرضها حتى تتزاحما ويلزم من تأثير الإرادة الإلهية بطلان تأثير الإرادة الإنسانية. فخطأ المجبّرة في عدم تمييزهم كيفية تعلّق الإرادة الإلهية بالفعل وعدم تفريقهم

صفحه 155
بين الإرادتين الطوليتين والإرادتين العرضيّتين، وحكمهم ببطلان تأثير إرادة العبد في الفعل لتعلّق إرادة الله تعالى به.1
هذا هو مجمل الجمع، والتفصيل يطلب من محلّه.
ooo

2. مناقشة الدكتور حسن الشبيهي

لقد كثر النقاش حول الجبر والاختيار وكلّ طائفة استدلّت على موقفها بآيات وروايات وانتهى البحث إلى وجود التناقض بين الآيات، وأنا اقترح أن يكون للمحاضرة عدّة جلسات يطرح فيها أفعال الإنسان من جهة الجبر والاختيار حتّى يتبيّن أنّ الإنسان مخيّر أو مسيّر، وأنّ العوامل غير المرئية مؤثرة في سيره وحياته أو لا، وقد كان لفلاسفة الغرب مجالس متعددة حول ذلك.

تحليل المناقشة

كون الإنسان مخيراً أو مسيراً من أهم المباحث الكلامية، وهو يشكّل البنية التحتية للمسائل التربوية، إذ على القول بالجبر وفقد الاختيار تكون المساعي التربوية غير منتجة.
ويظهر من بعض الآيات أنّ كون الإنسان مسيراً، كانت فكرة رائجة

1. الميزان: 1 / 99 - 100، طبعة بيروت .

صفحه 156
بين المشركين، وأنّهم كانوا يبرّرون شركهم ومساوئ أعمالهم بأنّهم مسيّرين وأنّ الجميع بإرادة الله تبارك وتعالى. يقول سبحانه حاكياً عنهم: (وَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَ اللهُ أَمَرَنَا بِهَا)1.
ولمّا كانت فكرة الجبر تناقض فطرة الإنسان ودعوة السماء أبناء الأرض للإيمان ومؤاخذتهم على العصيان، رد سبحانه على تلك الفكرة بقوله: (قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)2. ومعنى الآية: أنّ القول بأنّ الإنسان مسيّر لتعلّق مشيئته بأفعاله، فحشاء ومنكر.
لا شكّ أنّ للقول بالجبر آثاراً سيئة تسفر عن لغوية بعث الأنبياء وسعي الأولياء إلى إصلاح المجتمع.
كما أنّ القول بالتفويض ـ الّذي هو عبارة أُخرى عن حاجة الإنسان في وجوده إلى الله سبحانه وفي الوقت نفسه غناه عنه في فعله ـ ، هو الشرك الأصغر، لاستلزامه أن يكون الإنسان واجباً غنيّاً عن الله سبحانه، ولو في مقام الفعل والإيجاد.

الأمر بين الأمرين

والمسلك الصحيح هو نفي الجبر الّذي هو خلاف الفطرة، فإن كل

1 . الأعراف: 28 .
2 . الأعراف: 28 .

صفحه 157
إنسان يجد في ذاته أنّه مخير بين الفعل والترك. ونفي التفويض الّذي هو الشرك الأصغر، والأخذ بالمسلك الحق الّذي روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وهو أنّه لاجبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين.
وعلى هذا القول ـ أي الطريق المتوسط بين الجبر والتفويض ـ فما يصدر عن الإنسان من الأفعال له نسبتان :
نسبة إلى الإنسان نسبة مباشرية، ونسبة إلى الله سبحانه وهي نسبة تسبيبية، لأنّ الإنسان بالقدرة المكتسبة من الله سبحانه يقوم بما أراد من الأفعال.
وله نظائر في الذكر الحكيم كما نلاحظه في الآيات التالية:
1. قال سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )1.
فنسب التوفّي إلى الله سبحانه وفي الوقت نفسه نسب هذا الفعل بعينه إلى الرسل الذين هم الملائكة قال : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)2.
فترى أنّ فعلاً واحداً ـ وهو التوفّي ـ نسب إلى فاعلين، ولكن بنسبتين مختلفتين: مباشرية وتسبيبية.
2. قال سبحانه: (وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لَكِنَّ اللهَ رَمَى)3 .

1 . الزمر: 42 .
2 . الأنعام: 61 .
3 . الأنفال: 17 .

صفحه 158
فهناك فعل واحد وهو الرمي نفاه عن الرسول وقال (وَ مَا رَمَيْتَ)]نفي الرمي [. و في الوقت نفسه أثبت له وقال: (إِذْ رَمَيْتَ)]إثبات الرمي له[، والجمع: انّ الرسول لم يكن مستقلاً في فعله وإنّما قام به بقدرة الله وتسبيبه. فصار رامياً بإذن الله وغير رام مجرداً عن قدرته .
وهذا النوع من الآيات الّتي تتبنّى نسبة شيء واحد إلى فاعلين، كثير في القرآن الكريم، ولا يشذّ عنه فعل الإنسان، فهو من جهة منسوب إلى العبد وأنّ العبد هو الآكل والشارب ، وفي الوقت نفسه منتسب إلى الله سبحانه، لأنّه سبحانه أقدر العبد على ذلك، فهو بقدرة مكتسبة قام بهذه الأفعال.
والأُمّة الإسلامية غير الشيعة إمّا مجبّرة، أو مفوضة، وطريق أهل البيت(عليهم السلام)هو الطريق الوسطى بينهما، ولذلك شاع وذاع عنهم قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين».

3. مناقشة الدكتور محمود الكوفي أُستاذ التفسير والشريعة

قال الأُستاذ: لي سؤالان:
الأوّل: المتبادر من كلامكم هو أنّ التفسير الموضوعي نمط جديد أبدعتموه ولكن الواقع غير ذلك، فعندنا (المغاربة) تفاسير على ذلك النمط منها:
أ. «قواعد البيان في تفسير القرآن» لأحد علماء المغاربة وهو عندما

صفحه 159
يفسر آية يستشهد بكلّ الآيات الّتي لها صلة بالآية المبحوث عنها.
ب. «التفسير البياني للقرآن الكريم» للدكتورة عائشة عبد الرحمن، فقد ادّعت ان تبيّن كلّ كلمة وردت في القرآن الكريم رهن الرجوع إلى السور التيوردت فيها تلك الكلمة .
ج. «مباحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم» تأليف مصطفى مسلم.
وعندئذ نسألكم عن الفرق بين النمط الّذي أبدعتموه والنمط الّذي سار عليه هؤلاء ؟
الثاني: ذكرتم أنّ من مقوّمات التفسير الموضوعي تفسير القرآن بالقرآن، أو ليس هذا بمعنى ترك السنّة وأقوال الصحابة في تفسير الذكر الحكيم؟!

تحليل المناقشة

وأمّا الجواب عن السؤال الأوّل فلا أذكر أنّي ذكرت أنّ التفسير الموضوعي من إبداعاتي، كيف وقد ألّفت تفاسير على ذلك النمط في نطاق وسيع أو خاص في العصور السابقة، نظير:
بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي (1037 ـ 1110 هـ) وهذا الكتاب دائرة معارف لمواضيع كثيرة كالعقائد وسيرة النبي وأهل بيته(عليهم السلام)وقصص الأنبياء والأخلاق والآداب والأحكام والعلوم الكونية .

صفحه 160
وقد ذكر (قدس سره)في مقدّمة كلّ موضوع عامّة الآيات الواردة فيه، وفسّر الجميع على وجه الإيجاز.
كما أنّ فقهاء الشيعة ساروا على هذا النمط في تفسير آيات الأحكام منذ قرون، فعندما طرحوا الجهاد للبحث والتحليل ذكروا عامّة الآيات الواردة في سور مختلفة في ذلك الموضوع، ثم أخذوا بالتفسير خلافاً لفقهاء أهل السنّة حيث فسروا آيات الأحكام على النمط الترتيبي، فجاءت آيات الجهاد مبعثرة في أبواب مختلفة.
وأمّا ما قام به بعض المغاربة بتأليف كتاب «قواعد البيان في تفسير القرآن» فهو حسب ما ذكرتم تفسير ترتيبي، شرع بتفسير سورة الحمد وانتهى بتفسير سورة الناس، غير أنّه استعان في تفسير آية، بآية أو بآيات أُخرى، وتفسير الآية بالآية غير التفسير الموضوعي، وإن كان من مقوّماته .
كما أنّ ما ألّفته الدكتورة عائشة عبد الرحمن تفسير ترتيبي لا موضوعي، غير أنّها تستعين في تفسير مفردات الآيات بعامّة الآيات التي وردت في تلك الكلمة .
نعم التفسير الثالث باسم «مباحث في التفسير الموضوعي» يعرب عن كونه مشابهاً للنمط.
وأمّا السؤال الثاني فإنّ التفسير الموضوعي وإن كان يستعين في تفسير الآيات بنفس الآيات ولكن لا يعني ذلك الاستغناءَ عن الأحاديث الصحيحة المروية عن المعصومين، إذ لا شك أنّ أحكام المعاملات

صفحه 161
والعبادات ليست موجودة في القرآن الكريم وإنّما يرفع عنها الإجمال بالسنّة.
على أنّ لأسباب النزول شأناً خاصاً، وهو أنّها تزيل الاحتمال الطارئ على الآية بسبب بعد العهد.
كالآية التالية، قال سبحانه: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)1.
فالإنسان في بادئ الأمر يسأل نفسه عن هؤلاء الثلاثة من هم؟! وما هو المراد من تخلّفهم؟! وكيف ضاقت الأرض عليهم؟! وبأي شكل تابوا فقبلت توبتهم؟! وهذه أسئلة ترد على الذهن، ولا يرتفع الإجمال إلاّ بالرجوع إلى التفاسير الّتي تتبنّى بيان أسباب النزول .
والكلمة الأخيرة هي انّه يشترط في تفسير الآيات المختصة بالعقائد والمعارف بالحديث أن يكون الحديث متواتراً أو محفوفاً بالقرينة المفيدة للعلم، لأنّ الهدف في العقائد هو عقد القلب والتصديق بالمضمون، وهو فرع أن يكون الحديث مفيداً للعلم ليحصل بعده عقد القلب.
نعم يكفي في الآيات المتضمّنة للأحكام الفرعية أن يكون الحديث صحيحاً .

1 . التوبة: 118 .

صفحه 162

4. مناقشة الدكتور عبد الكريم المالكي

الدكتور عبد الكريم المالكي أُستاذ كلية الآداب في الجامعة قد أبدى إعجابه بالتفسير الموضوعي، وذكر أنّ عظمة المعارف القرآنية والآيات الواردة حول العقائد تتجلّى إذا فسّرت حسب الموضوع.
ومن حسن الحظ أنّه ألّف محمد أمين الشنقيطي تفسيراً في عشرة أجزاء أسماه «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن» وهذا يدلّ على تلاقي الفكرتين الشرقية والغربية في هذا المجال.
والّذي أقترحه أنّ تفسير القرآن بحاجة إلى معرفة المنهج وأنّه يجب أن يكون المفسّر عارفاً بالقواعد الّتي يفسّر بها الذكر الحكيم.
نعم لا أنكر أنّ علماء التفسير ذكروا في مقدّمات كتبهم المنهج الذي ساروا عليه، وقد ألّف الشيخ عبد الحميد القاري كتاباً أسماه «التقنين في أُصول التأويل» وأشار فيه إلى الأُصول الّتي يبتني عليها التفسير .

تحليل المناقشة

نحن نرحب بالأُستاذ وإعجابه بالتفسير الموضوعي الّذي تحدثنا عنه، وكنت أود أن أقف على ما ألّفه محمد أمين الشنقيطي، أي تفسير «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن»، والحمد لله على توحيد الفكرة.
وأمّا ما اقترحه من لزوم إراءة منهج للتفسير، سواء أكان التفسير على منهج الترتيب أو على حسب الموضوعات، فهو أمر مسلم لا نقاش فيه،

صفحه 163
وقد ألّفنا كتاباً باسم «المناهج التفسيرية» وأشرنا هناك إلى المناهج المختلفة في تفسير القرآن الكريم. وللإمام الطبرسي (471 ـ 548 هـ) بحث ضاف في مقدمة كتابه «مجمع البيان في تفسير القرآن»، كما أنّ للراغب تأليفاً أسماه «جامع التفاسير»، وقد طرح مؤهلات المفسّر، وقد طبع في الكويت.

5. مناقشة بعض الأساتذة

قام أحد المشاركين دون أن نتعرف على اسمه فاستحسن النمط الموضوعي ولكنّه نظرية بحتة، والاستضاءة به رهن تسليط الأضواء على الجانب العملي والتنفيذي، فمع الجهل بشروط هذا الجانب تكون الفكرة نظرية بحتة دون ضمان لتحقيقها على صعيد الحياة.

تحليل المناقشة

نحن في هذا المقام بصدد بيان النظرية، وأمّا ما هي شروط تنفيذها أو تحقيقها على صعيد الحياة فهي مرحلة أُخرى لابد من دراستها في جلسة أُخرى .

6. مناقشة الدكتور الغرميني

الأُستاذ الدكتور الغرميني أُستاذ الفقه والتصوف في جامعة سيدي محمد بن عبد الله، وقد أبدى إعجابه بهذا النوع من التفسير، ولكنّه طرح سؤالين:

صفحه 164
الأوّل: الآيات النازلة في موضوع واحد ليست على صعيد واحد، فإنّ بعضها منسوخة، فأي فائدة في جمع الآيات المنسوخة في موضوع واحد؟!
السؤال الثاني: أنّ المحاضر قسّم التفسير إلى قسمين: التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي، وعندئذ يطرح هذا السؤال: ما هو المراد من الترتيب هل هو الترتيب حسب النزول، أو الترتيب حسب جمعها في المصحف الواحد؟!

تحليل المناقشة

ما ذكره من أنّ بعض الآيات منسوخة، وأي فائدة في جمع مثل هذه الآيات يصدق على قليل من الآيات، فإنّ الآيات المنسوخة في الذكر الحكيم لا يتجاوز عددها عدد الأصابع، فالكثير من الآيات التي وصفت بالنسخ ليست منسوخة، بل المراد منها كونها مخصّصة أو مقيّدة، وكلاهما غير النسخ، ومن له أدنى إلمام بأُصول الفقه يعلم أنّ المراد من النسخ هو نسخ حكم الآية من رأس بعدما عملت الأُمّة بها مدة لا يستهان بها.
وأمّا التخصيص والتقييد فيراد منه تضييق دائرة دلالة الآية وإخراج بعض الأفراد من تحتها بدليل مثله. وما هو من هذا القبيل فليس من النسخ بشيء، لأنّ الناسخ يأتي بعد العمل بالمنسوخ بخلافهما، فإنّهما يأتيان قبل حضور وقت العمل بالعام والمطلق .

صفحه 165

إلماع إلى بعض الآيات المنسوخة

نعم الذي يمكن أن يوصف بالنسخ عبارة عن الآيات التالية:
1. أمر سبحانه تبارك وتعالى المؤمنين ألاّ يتناجوا مع الرسول إلاّ إذا قدّموا قبل النجوى صدقة (دينار واحد) قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً
)1.
إنّ تشريع إيجاب الصدقة كان امتحاناً للمؤمنين الذين كانوا يُشغلون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بنجواهم عن إنجاز المهمات الكبرى .
فأصبح مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خالياً بعد هذا التشريع، فأنزل الله سبحانه آية ناسخة لهذا التشريع بعد حصول غايته قال سبحانه: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )2.
2. قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج)3.
كانت المصلحة تقتضي أن تعتد المرأة المتوفّى عنها زوجها حولاً كاملاً، ويُنفق عليها من مال زوجها، ولا تخرج من بيتها كما كان عليه العرب قبل الإسلام، وقد أمضاه القرآن الكريم في هذه الآية. فإنّ تعريف الحول

1 . المجادلة: 12 .
2 . المجادلة: 13 .
3 . البقرة: 240 .

صفحه 166
باللام إشارة إلى الحَوْل الرائج بين العرب قبل الإسلام .
ولكن نُسخت الآية بقوله تعالى: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْرًا)1.
3. كان الحكم الرائج في النساء المحصنات إذا ارتكبن الفاحشة هو الإمساك في البيوت، وإليه يشير قوله سبحانه: (وَ اللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)2.
لكن نسخت الآية بالسنّة وهي رجم المحصنات، وقد طبق الحكم في عصر الرسالة وبعده.
هذه الآيات التي يمكن أن توصف بالنسخ، وأمّا غيرها فطروء النسخ عليها محل تأمّل وإشكال.
وأمّا السؤال الثاني: فالظاهر أنّه واضح الجواب، لأنّ المراد من الترتيب هو الترتيب الموجود في المصحف، فيأخذ المفسر بتفسير سورة الحمد وينتهي بتفسير سورة الناس.
على خلاف النمط السائد في التفسير الموضوعي فالمحور فيه هو الموضوع .

1 . البقرة: 234 .
2 . النساء: 15 .

صفحه 167

7. مناقشة الدكتور عبد الحليم العلمي

ذكر الأُستاذ أنّه يمكن رفع الاختلاف بين الآيات عن طريق التكوين والتشريع. فإنّ الله سبحانه تبارك وتعالى يعلّق كلّ شيء على مشيئته حتّى مشيئة الإنسان كذلك، ويقول: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ
كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
)1.
ومعنى ذلك أنّه سبحانه ما لم يشأ لا يتحقّق شيء في صحيفة الوجود حتّى مشيئة الإنسان في خزانة نفسه! فهو عندئذ لا يكون مستقلاً في مشيئته وفي الوقت نفسه أنّه سبحانه يعرّف الإنسان مستقلاً في المشيئة ويقول (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)2 .
فرفع الاختلاف بين الآيتين يتيسّر بإرجاع الآية الأُولى إلى مقام التكوين وأنّ الإنسان بوجوده وعامّة شؤونه قائم بالله ومتعلّق به، وإرجاع الآية الثانية إلى مقام التكليف والتشريع.

تحليل المناقشة

ما ذكره الدكتور عبد الحليم العلمي نظير ما سمعناه من الدكتور محمد الداشمي حيث قسّم الآيات إلى آيات محقّقة وإلى آيات مشرّعة، فزعم أنّ رفع الاختلاف يحصل بإرجاع ما دلّ على كون مشيئة الإنسان بيد

1 . الإنسان: 30.
2 . الكهف: 29 .

صفحه 168
الله إلى التكوين، وما دّل على أنّ الإنسان مستقل في مشيئته إلى التشريع .
وقد ذكرنا لسماحة الأُستاذ السابق الذكر أن التشريع متفرع على التكوين، فإذا كان الإنسان مجبوراً تكويناً وخلقةً فكيف يمكن أن يكون مكلفاً بشيء في عالم التشريع إذا كان على خلاف التكوين؟!
فلو تعلّقت مشيئته سبحانه تكويناً على مشيئة العبد بالعصيانَ فكيف يصحّ لله سبحانه ان يكلّفه بالطاعة؟! وما أحسن قول القائل :
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال *** له إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء
وأظن أنّ الموضوع لا يحتاج إلى تفصيل أكثر من ذلك.

8 . مناقشة أحد الاساتذة

قال بعض الاساتذة بأنّ تقسيم الآيات إلى مشرّع ومحقّق فرع إمكان الإحاطة بالمفاهيم القرآنية، وبما أنّ أفهامنا قاصرة عن درك تلك المفاهيم السامية، فلا محيص من القول بأنّ التقسيم يدور مدار مناهجنا، وبذلك يشير بعض المستشرقين بأنّنا نفسّر الدين والقرآن على حسب مناهجنا. ولعلّ الواقع غير ما هو في متناولنا.

تحليل المناقشة

يلاحظ على ما ذكره الأُستاذ أن كلامه يعود إلى دعم نظريّة النسبية في فهم مفاهيم الكتب المقدّسة. وهي فكرة غربية لأجل دفع الإشكال عمّا

صفحه 169
في الكتب المقدسة ممّا لا يساعد العقل على قبوله ولا الفطرة السليمة، فعادوا يبررون تلك المفاهيم بأنّها مع ما فيها من النقائص والتناقضات يرجع إلى فهمنا لهذه الكتب، وأمّا ما هو مراد المتكلّم فليس في متناولنا، فوجود النقص والتناقض وخلاف الفطرة والعقل في الكتب المقدّسة لا يكون دليلاً على وجودها في ما هو المراد الواقعي للمتكلم، وهذا هو البحث المعروف (بالهرمونطيق) والمعبر عنه بتعدّد القراءات، وأنّ لكلّ شخص قراءته من الدين .
وقد كتبنا رسالة حول تلك النظرية النسبية في تفسير
المتون السماوية، بل في تفسير مراد كلّ متكلّم وكاتب يلقي كلاماً أو يكتب شيئاً، وقلنا بأنّ هذه الفكرة (النسبية في فهم مقاصد المتكلّم) ستنتهي
إلى السفسطة، لأنّ معنى ذلك أنّه ليس لأحد أن يجزم بمراد المتكلّم
ويقطع به.
لأنّ ما فهمه هو وليد عدّة عوامل خارجية وداخلية على نحو لولاها لكان المفهوم غير ذلك .
ومن المعلوم أنّ القول بالنسبية في عامّة ما يقال ويسمع من الكلام أمر ترفضه الفطرة، كيف لا، فإن الإنسان يجزم بمراد المتكلم إذا سمع قوله الجاد.
فلو سمعنا أن قائلاً يقول:
حكم المنية في البرية جاري *** ما هذه الدنيا بدار قرار

صفحه 170
نجزم بمراده وأنّ ما فهمناه نفس ما أراده هو، وأنّه لم يكن في باله غير ما هو الموجود في بالنا.
وفي القرآن الكريم آيات محكمات واضحة المعنى جلية المعاني لا يتطرّق إلى فهم الإنسان منها شك، فإذا سمعنا قوله سبحانه: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ )1، نجزم بأنّ مراده سبحانه هو نفي التسوية بين العالم والجاهل.

1 . الزمر: 9 .

صفحه 171
على ساحل جبل طارق
ــــــــــــــــــــــ
       4
المحاضرة الرابعة: تطور أُصول الفقه عند الإمامية   

تطور أُصول الفقه عند الإمامية

إنّ علم أُصول الفقه مفتاح الاستنباط، إذ به يتمكّن المجتهد من استنباط الأحكام الفرعية العملية، وهي بالنسبة إلى الفقه كالمنطق بالنسبة إلى الفلسفة، بل أشدّ من ذلك.
ولذلك قام علماء الإسلام من أواسط القرن الثاني إلى يومنا هذا بتدوين مسائله حتّى يتيسّر بذلك استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها، غير أنّ علم الأُصول تعرقلت خطاه عند إقفال باب الاجتهاد، فكان لذلك دور خاص في ركود علم الأُصول أيضاً .
غير أنّ فقهاء الشيعة الإمامية لمّا رفضوا الإقفال ورأوا فيه تجميداً للفكر سعوا في تكامل علم الأُصول في ظل تكامل علم الفقه، ولذلك تجد عندهم أُصولاً وقواعد ليس منها أي أثر في أُصول الفقه للسنّة، ولذلك طرحنا الموضوع في الجلسة الثانية المنعقدة في يوم الأربعاء 4 محرم 1425 هـ ، في كلية الآداب من جامعة سيدي محمد بن عبد الله. وإليك نص المحاضرة، وما أعقبها من مناقشات.

صفحه 172
الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.
والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة، تجمعها العناوين التالية: العبادات، والمعاملات، والإيقاعات والسياسات.
فالمتكلّم الإسلامي مَنْ تكفّل ببيان العقيدة،وبرهن على الإيمان بالله سبحانه وصفاته الجمالية والجلالية، وأفعاله من لزوم بعث الأنبياء ونصب الأوصياء لهداية الناس وحشرهم يوم المعاد.
كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعيّة الكفيلة بإدارة الفرد والمجتمع، والتنويه بوظيفتهما أمام اللّه سبحانه ووظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.
بيد أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم في مجال العقيدة أبطال الفكر وسنامه، وفي مجال التشريع أساطين الفقه وأعلامه، ولهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعدة.
فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين ففهمها واستخراجها من الكتاب

صفحه 173
والسنّة رهن أُمور، أهمها: العلم بأُصول الفقه، وهو العلم الذي يُرشد إلى كيفية الاجتهاد والاستنباط ويذلّل للفقيه استخراج الحكم الشرعي من مصادره الشرعية.
قام بتدوين علم الأُصول في أوّل الأمر طائفتان ، هما: المتكلّمون والفقهاء.
فالطائفة الأُولى: كانت تمثِّل مذهب الإمام الشافعي الذي ألّف في أُصول الفقه رسالته المعروفة.
والطائفة الثانية: كانت تمثّل المذهب الحنفي في الفقه.
ولأجل ذلك تميّز تأليف كلّ طائفة عن الأُخرى ببعض الوجوه، وإليك بعض الميزات التي تمتعت بها طريقة المتكلّمين:
أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية حتّى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهية، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً غير خاضع للفروع التي ربّما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأُصول، بخلاف الطائفة الأُخرى فهؤلاء يقتنصون القواعد من الفروع الفقهية المستفادة من الكتاب والسنّة.
ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابع عقلي واستدلالي استخدمت فيها أُصول مسلّمة في علم الكلام، فترى فيها البحث عن الحسن والقبح العقليّين، وجواز التكليف بما لا يطاق وعدمه إلى غير ذلك، بخلاف الطائفة الأُخرى.
ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوّل القرن الرابع.

صفحه 174
ولكلّ من الطائفتين تأليفات ذكرنا تفصيلها في كتابنا «مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه».1
والذي نبحثه هنا هو اهتمام فقهاء الإمامية بتطوير علم الأُصول منذ تأسيسه إلى عصرنا هذا، الذي لا تمضي فيه سنة أو سنتان إلاّ ونحن نشاهد صدور كتاب أو كتابين، بل أكثر في أُصول الفقه.

ما هو موضوع أُصول الفقه؟

المشهور أنّ موضوع أُصول الفقه هو الأدلّة الأربعة، أو الحجة في الفقه; والثاني هو الأظهر لاختلاف الفقهاء في تحديد الأدلّة، بالأربعة، وهناك مَن يحتج بالعقل ومنهم من لا يحتج به.
وبما أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، فللأُصولي أن يبحث في أُصول الفقه عن عوارض «الحجة في الفقه»، عندئذ يقع الكلام في العوارض التي تعرض على «الحجّة في الفقه» و الأُصولي يبحث عنها؟ وهذا ما يحتاج إلى بيان زائد، وهو:
إنّ العارض على قسمين:
أ. عارض خارجي يخبر عن عروض شيء على المعروض خارجاً، كالبحث عن عوارض الأجسام الخارجية كما في الفيزياء، أو الداخلية كما في الكيمياء، إلى غير ذلك من الأعراض.

1 . مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه: 400 ـ 467.

صفحه 175
ب. عارض تحليلي وعقلي، وهذا نظير ما يبحث عنه الحكيم في الفلسفة عن تعيّنات الموجود بما هو موجود، حيث إنّ الموضوع لهذا العلم هو الوجود المطلق العاري عن كلّ قيد، فالحكيم يبحث عن تعيّناته وتشخّصاته، فصار يقسّمه إلى واجب وممكن، وعلّة ومعلول، ومادّي ومجرّد، وواحد وكثير.
وعلى ضوء هذا فالموضوع في علم أُصول الفقه هو الحجة في الفقه، فإنّ الفقيه يعلم وجداناً بأنّ بينه و بين ربّه حججاً تتضمن بيان الشريعة والأحكام العملية، فيبحث عن تعيّنات هذه الحجج المعلومة بالإجمال، وانّها هل تتشخّص بخبر الواحد أو لا؟ و بالقياس وعدمه، إلى غير ذلك . فقولنا: خبر الواحد حجة أو القياس حجّة يرجع واقعهما إلى تعيّن الحجّة الكليّة غير المتشخّصة في خبر الواحد والقياس وغيرهما، حتّى أنّ البحث عن كون الأمر ظاهراً في الوجوب والنهي في الحرمة يرجع لب البحث فيه إلى وجود الحجة على لزوم إتيان الأمر الفلاني أو وجود الحجّة على تركه.

جذور علم الأُصول في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)

إنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا سيّما الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) أملوا على أصحابهم قواعد كلّيّة في الاستنباط يقتنص منها قواعد أُصولية أوّلاً وقواعد فقهية ثانياً على الفرق المقرّر بينهما، وقد قام غير واحد من علماء الإمامية بتأليف كتاب في جمع القواعد الأُصولية والفقهيّة الواردة في أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، ونخص بالذكر الكتب الثلاثة التالية:

صفحه 176
أ. الفصول المهمة في أُصول الأئمّة: للمحدّث الحرّ العاملي (المتوفّى 1104 هـ).
ب. الأُصول الأصليّة: للعلاّمة السيد عبد اللّه شبر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242 هـ).
ج. أُصول آل الرسول: للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318 هـ).
إنّ أوّل من دوّن أُصول الفقه عند أهل السنّة هو الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي(150ـ 204 هـ)، فقد أملى في ذلك رسالته التي
جعلت كمقدمة لما أملاه في الفقه في كتابه الموسوم بـ«الأُم» ثمّ توالى بعده التأليف على طريقة المتكلّمين تارة والفقهاء أُخرى.
وبمحاذاة تلك الحركة بدأ نشاط علم أُصول الفقه عند الإمامية على ضوء القواعد الكلية الواردة في أحاديث أئمتهم، مضافاً إلى ما جادت به أفكارهم.
فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 هـ) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله» وهو نفس باب التعادل و الترجيح في الكتب الأُصولية.
كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237ـ 311 هـ) كتاب: الخصوص والعموم، والأسماء والأحكام، وإبطال القياس; إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي فألّف كتاب «خبر الواحد والعمل به»، وهذه هي المرحلة الأُولى لنشوء علم أُصول الفقه عند الشيعة القدماء.

صفحه 177
إلى أن ظهر في القرن الرابع شيخ الأُمّة محمد بن محمد بن النعمان المفيد(336ـ 413هـ) فألّف كتابه«التذكرة في أُصول الفقه» المطبوع.
وأعقبه تلميذه الكبير السيد المرتضى(355ـ 436هـ) فألّف كتابه المعروف «الذريعة» المطبوع في جزءين .
وأعقبه تلميذه الجليل الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) فألّف كتاب «العدّة» في أُصول الفقه في جزءين.
كما ألّف زميله سلاّر الديلمي (المتوفّى 448 هـ) كتابه المعروف «التقريب في أُصول الفقه».
هذا إلمام موجز بنشوء علم الأُصول ونموه إلى القرن الخامس عند الإماميّة، ولا نطيل الكلام ببيان سائر الأدوار من عصر سلاّر إلى نهاية القرن الرابع عشر، فإنّ بيانه رهن كتاب مفرد.
إنّما المهم هو بيان التطوير الذي أحدثه علماء الإمامية في ذلك العلم على نحو لا يُرى نظيره في كتب الآخرين.
نحن نقدّر ما كابده علماء الفريقين في سبيل هذا العلم إبداعاً وابتكاراً، أو بياناً وإيضاحاً حتى أوصلوه إلى القمة، ومع ذلك كلّه لا نرى مانعاً من بيان ما يختصّ بالإمامية من تنشيط وتصعيد الحركة الأُصولية عبر القرون، وقد تمّ تحقيق هذا التنشيط بإحداث قواعد وضوابط تُمِدُّ المستنبط في مختلف الأبواب، وها نحن نشير إلى بعضها:

صفحه 178

1. تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق

إنّ تقسيم الواجب إلى مطلق كمعرفة اللّه، ومشروط كالصلاة بدخول الوقت، تقسيم معروف.
وأمّا تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق فهو من خصائص أُصول الفقه للإمامية.
والفرق بينهما أنّ القيد في الأوّل يرجع إلى الهيئة، وفي الثاني يرجع إلى المادة.
وبعبارة أُخرى: كلا الواجبين مقيّدان، إلاّ أنّ القيد في الواجب المشروط قيد للوجوب كالوقت بالنسبة إلى الصلاة، فما لم يدخل الوقت لا وجوب أصلاً. ولكنّه في الواجب المعلّق قيد للواجب، فالوجوب حالي لكن الواجب مقيد بوقت متأخر.
وهذا نظير مَن استطاع الحج، فوجوب الحج مشروط بالاستطاعة، فلا وجوب قبلها وبحصولها يكون الوجوب فعلياً ولكن الواجب استقبالي مقيّد بظرفه، أعني: أيّام الحجّ.
ويترتّب على التقسيم ثمرات مذكورة في محلّها، ونقتصر على ذكر ثمرة واحدة.
إنّ تحصيل مقدّمة الواجب المشروط غير لازم، لأنّ وجوب المقدّمة

صفحه 179
ينشأ من وجوب ذيها، فإذا كان ذو المقدّمة غير واجب فلا تجب مقدّمته شرعاً فلا يجب تحصيلها.
هذا بخلاف مقدّمة الواجب المعلّق، فبما أنّ الوجوب فعلي ـ بحصول الاستطاعة ـ يجب تحصيل مقدّمات الحج وإن كان الواجب استقبالياً.

2. دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة

لقد بذل الأُصوليون جهودهم في إثبات دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة،دلالة تضمنيّة أو التزامية، وطال النقاش بين الموافق والمخالف، ولكن المحقّقين المتأخّرين من الإمامية دخلوا من باب آخر، وهو أنّ السيرة المستمرة بين العقلاء هي: أنّ أمر المولى ونهيه لا يترك بدون جواب ـ رغم عدم دلالتهما على الوجوب والحرمة لفظاً ـ و كيفية الجواب عبارة عن لزوم الإتيان في الأوّل والترك في الثاني، وهو عبارة عن الوجوب والحرمة.
كما أنّ العقل يدعم موقف العقلاء فيؤكد على متابعة الأمر والنهي حذراً من احتمال المخالفة.
وبالرغم من أنّ أمر المولى على قسمين: واجب ومندوب، كما أنّ نهيه كذلك: حرام و مكروه، ومع ذلك يلزم العقل العبد المكلّف على الامتثال حذراً من المخالفة الاحتمالية.

صفحه 180

3. الإطلاق فرع كون المتكلّم في مقام البيان

إذا وقع لفظ كلّي تحت دائرة الحكم ـ كما إذا قال: أعتق رقبة ـ يحكم الفقهاء بأنّ الموضوع مطلق، فلا فرق في مقام الامتثال بين كونها مؤمنة أو كافرة; فجعلوا دلالة المطلق على الاجتزاء بكلّ فرد منه، دلالة عقلية بمعنى أنّ الموضوع عند المشرّع هو ذات المطلق، فلو كان الموضوع مركباً من شيئين: المطلق و قيده، لزم أن يركّز عليه المشرّع، فسكوته دليل على عدم مدخليته.
لكن الركن الركين في جواز التمسّك بالمطلق ـ عند الإمامية ـ كون المتكلّم في مقام بيان ما للموضوع من جزء أو شرط ولولا إحرازه لم يتم التمسّك بالمطلق، وعلى هذا فلو قال: الغنم حلال، لا يصحّ التمسك بإطلاقه لإثبات حليّة مطلق الغنم (مملوكه ومغصوبه، الجلاّل وغيره)، وبحجّة انّ المتكلّم اتّخذ الغنم موضوعاً لحكمه وهو صادق على القسمين، ذلك لأنّ المتكلّم بصدد بيان حكم الغنم بما هوهو، لا بما إذا اقترن مع العوارض.
نرى أنّ بعض الفقهاء أفتوا بجواز أكل ما أمسكته كلاب الصيد دون وجوب أن يغسل مواضع عضّها، تمسّكاً بقوله سبحانه: (فكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ)1 ولم يقل فكلوا بعد غسل مواضع العض.

1 . المائدة: 4 .

صفحه 181
ولكن التمسّك بإطلاق الآية غفلة عن الشرط اللازم للمطلق، أعني: كون المتكلّم في مقام البيان، فليست الآية إلاّ بصدد بيان حلّية ما اصطادته الجوارح، وأنّه ليس من مقولة الميتة، وأمّا أنّه يؤكل بغير غسل، أو معه فليست الآية في مقام بيانه حتّى يستدلّ بسكوتها على عدم شرطيّته.
وبالتدبّر في هذا الأصل يظهر بطلان كثير من التمسّكات بالإطلاق في كثير من أبواب الفقه و هو غير صالح للتمسّك.

4. الملازمات العقلية

لقد طال البحث في دلالة الأمر على وجوب المقدّمة والنهي على حرمة مقدّمته وحاول كثير من الأُصوليّين إثبات الدلالة اللفظية بنحو من الأنحاء الثلاثة، ولكن الإمامية طرقوا باباً آخر في ذلك المجال وانتهوا إلى نفس النتيجة لكن من طريق أوضح، وهو: وجود الملازمة العقلية بين إرادة الشيء وإرادة مقدّمته، من غير فرق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، فكما أنّ إرادة الصعود إلى السطح لا تفارق إرادة تهيئة السلّم واستخدامه، فهكذا الإرادة التشريعية بمعنى تعلّق إرادته بصعود الغير إلى السطح.
وقد استفاد الأُصوليّون من هذه القاعدة ـ الملازمة العقلية ـ في غير واحد من أبواب أُصول الفقه، كالملازمة بين الأمر بالشيء و إجزائه عن الإتيان به ثانياً، والنهي عن العبادات وفسادها، والنهي عن المعاملات

صفحه 182
وفسادها عند تعلّق النهي بما لا يجتمع مع صحتها، كالنهي عن أكل ثمنها، كما إذا قال: ثمن الميتة سحت، أو ثمن المغنّية سحت.

5. التعارض والتزاحم والفرق بينهما

إنّ التنافي بين الدليلين إذا كان راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء بأن يستحيل من المقنّن الحكيم، صدورُ حكمين حقيقيين لغاية الامتثال فهو المسمّى بالتعارض، مثلاً يستحيل جعل حكمين باسم: «ثمن العذرة سحت، ولا بأس ببيع العذرة»، فلو كان تنافي الخبرين من تلك المقولة، فهذا ما يبحث عنه في باب التعادل والترجيح ويرجّح أحد الخبرين على الآخر بمرجّحات منصوصة أو مستنبطة.
وأمّا إذا كان التنافي راجعاً إلى مقام الامتثال دون مقام الجعل والإنشاء، وهذا كما إذا ابتلي الإنسان بغريقين، فالتنافي في المقام يرجع إلى عجز المكلّف عن الجمع بينهما، لأنّ صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر، فهذا ما يعبّر عنه بالتزاحم. وإلاّ فلا تنافي في مقام التشريع بأن يجب إنقاذ كلّ غريق فضلاً عن غريقين.
وبذلك ظهر الفرق بين التعارض والتزاحم بوجه آخر، وهو أنّ ملاك التشريع والمصلحة موجود في أحد المتعارضين دون الآخر، بخلاف المتزاحمين فالملاك موجود في كل من الطرفين كإنقاذ كلّ من الغريقين ولكن المانع هو عجز المكلّف، وعند ذلك يجب رفع التزاحم بالتخيير إذا

صفحه 183
كانا متساويين، أو بالترجيح كما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر .
وبذلك يستطيع الفقيه رفع التنافي بين كثير من الأدلّة التي يظهر فيها التنافي لعجز قدرة المكلّف مع كون الحكمين ذا ملاك. ورفع التنافي رهن إعمال مرجّحات خاصة بباب التزاحم، وها نحن نذكر رؤوسها دون تفصيل:
1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.
2. تقديم المضيّق على الموسّع.
3. تقديم الأهمّ بالذات على المهم.
4. سبق أحد الحكمين زماناً.
5. تقديم الواجب المطلق على المشروط.
والتفصيل موكول إلى محله.
ولنمثل لإعمال الترجيح مثالاً يوضح المقصود:
قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيوية التي يتوقّف عليها نظام الطب الحديث، فلا يتسنّى تعلم الطب إلاّ بالتشريح والاطّلاع على خفايا أجهزة الجسم وأمراضها.
غير أنّ هذه المصلحة تصادمها، مصلحة احترام المؤمن حيّهِ وميّتهِ، إلى حدّ أوجب الشارع، الإسراع في تغسيله وتكفينه وتجهيزه للدفن، ولا يجوز نبش قبره إذا دفن، ولا يجوز التمثيل به وتقطيع أعضائه، بل هو من

صفحه 184
المحرّمات الكبيرة، والذي لم يجوّزه الشارع حتى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامّة وتقدّم العلوم جعلته يسوّغ ممارسة هذا العمل لتلك الغاية، مقدّماً بدن الكافر على المسلم، والمسلم غير المعروف على المعروف منه، وهكذا....

6. تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام

إنّ تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام ثلاثة ـ أعني: كونه قاطعاً بالحكم، أو ظانّاً، أو شاكّاً فيه ـ تقسيم طبيعي في مورد الحكم الشرعي، بل بالنسبة إلى كلّ شيء يفكّر الإنسان فيه ويلتفت إليه فهو بين قاطع وظان وشاك.
لا شكّ أنّ القاطع يعمل بقطعه ولا يمكن نهيه عن العمل بالقطع، لأنّه يرى نفسه مصيباً للواقع، إنّما الكلام في الشقين الأخيرين، فالإمامية لا يعتقدون بحجّية الظنون في مورد استنباط الأحكام إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّيته، ويستدلّون على ذلك بأنّ الشكّ في حجّية الظن يوجب القطع بعدم الحجّية، ولعلّ بعض الناس يتلقّاه لُغزاً، إذ كيف يتولّد من الظن بالحجّية، القطع بعدمها، ولكنّه تظهر صحّته بأدنى تأمّل، وذلك لأنّ المراد من الظن هو الظن بالحكم الشرعي، هذا من جانب، ومن جانب آخر، العمل به مع التردد في الحجّية مصداق للبدعة، والبدعة حرام قطعي لا مزية فيه.

صفحه 185
وبعبارة أُخرى: إذا كانت البدعة عبارة عن إدخال ما لم يعلم كونه من الدين في الدين، فإذا عمل المكلّف بالظن، مع الشكّ في حجّيته وإذن الشارع بالعمل به فقد أدخل بعمله هذا، ما لم يعلم كونه من الدين، في الدين، فإذا قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غير عالم بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك فقد نسب إليه حكماً ما لم يعلم كونه منه، ولذلك أصبحت الضابطة الأُولى عند الإمامية حرمة العمل بالظن إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجيّته، كخبر الثقة الضابط، والبيّنة، وقول أهل الخبرة، إلى غير ذلك من الظنون التي ثبتت حجّيتها من جانب الشرع.
وأمّا حكم الشاك فهذا هو بيت القصيد في المقام. أقول: الشكّ على أقسام أربعة:

ألف . الشكّ في شيء له حالة سابقة

إذا شككنا في بقاء حكم أو بقاء موضوع كنّا جازمين به سابقاً وإنّما نشك في بقائه، فهنا يؤخذ بالحالة السابقة ويسمّى باصطلاح الأُصوليين بالاستصحاب عملاً بالسنّة: «لا تنقض اليقين بالشك».

ب . الشكّ في أصل تشريع الحكم

إذا شككنا في حرمة شيء أو وجوبه وليس له حالة سابقة، كالشك في حرمة التدخين أووجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وأمثال ذلك،

صفحه 186
فالمرجع هنا هو البراءة، لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ويعضده ما ورد في الشرع من قوله سبحانه:(وَمَا كُنّا مُعذّبين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1 وبعث الرسول كناية عن بيان الوظائف في العقائد والأحكام وقول النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسع:... وما لا يعلمون...».
وهذا(الشكّ في أصل الحكم) يسمّى في مصطلح الأُصوليّين بالشبهة البدويّة.

ج. إذا كان عالماً بالحكم وجاهلاً بالمكلّف به

إذا كان المكلّف عالماً بالحكم الشرعي وجاهلاً بالمكلّف به، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر ولم يعرف القبلة، فيحكم العقل بالاشتغال ولزوم تحصيل البراءة اليقينية وهو الصلاة إلى أربع جوانب ليعلم أنّه صلّى إلى القبلة.
من غير فرق بين كون الجهل متعلّقاً بالموضوعات الخارجية كالمثال المذكور أو بمتعلّقات الأحكام كما إذا علم بأنّه فات منه صلاة واحدة
مردّدة بين المغرب والعشاء، فالعقل يحكم بوجوب الجمع بينهما، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية،وعلى هذا الأصل فرّعوا فروعاً كثيرة.

1 . الإسراء: 15.

صفحه 187

د. تلك الصورة ولكن لم يكن الاحتياط ممكناً

كما إذا دار أمر الشيء بين كونه واجباً أو حراماً، فالمرجع هاهنا هو التخيير.
وبذلك ظهر أنّ علاج الشكّ في الموضوع، أو الحكم الشرعيين، يتحقّق بإعمال القواعد الأربع حسب مظانها وهي:
أ. الاستصحاب، عندما كانت هناك حالة سابقة.
ب. البراءة، إذا كان الشكّ في الحكم الشرعي ولم يكن هناك حالة سابقة بالنسبة إليه.
ج. قاعدة الاشتغال، عند الشكّ في المكلّف به مع إمكان الاحتياط.
د. التخيير، فيما إذا لم يمكن الاحتياط.
إنّ بعض هذه القواعد وإن كان يتواجد في أُصول الآخرين، ولكن بيان أحكام القاطع والظان والشاك بهذا المنوال من خصائص أُصول الإمامية.

7. أدلّة اجتهادية وأُصول عملية

إنّ تقسيم ما يحتجّ به المستنبط إلى دليل اجتهادي، وأصل عملي من خصائص أُصول الفقه عند الإمامية، لأنّ ما يحتجّ به المجتهد ينقسم إلى قسمين:

صفحه 188
ما جُعِلَ حجّة لأجل كون الدليل بطبعه طريقاً ومرآة إلى الواقع، وإن لم يكن طريقاً قطعياً بشكل كامل، وهذا كالعمل بقول الثقة والبيّنة وأهل الخبرة وغير ذلك، فإنّها حجج شرعية لأجل كونها مرايا للواقع وتسمّى بالأدلّة الاجتهادية.
وهذا بخلاف الأُصول العملية كالاستصحاب، والبراءة، والتخيير، والاشتغال، فالمجتهد وإن كان يحتج بها، ولكن لا بما أنّها طرق إلى الواقع ومرايا له، وإنّما يحتجّ بها لأجل الضرورة ورفع الحيرة، حيث انتهى المستنبط إلى طريق مسدود.
و يترتّب على ذلك تقدّم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي، فلا يحتج بأصل البراءة مع وجود الدليل كقول الثقة على وجوب الشيء أو حرمته، ولا بالاستصحاب إذا كان هناك دليل اجتهادي كالبيّنة على ارتفاع المستصحب.
وبذلك يظهر الخلط بين كلمات الفقهاء فلم يميّزوا بين الأدلّة الاجتهادية والأُصول العملية، فربّما جعلوا الأصل معارضاً للدليل الاجتهادي.

8 . تقديم أحد الدليلين على الآخر بملاكات

لا شكّ أنّ بعض الأدلّة يتقدّم على الآخر ولكن المذكور في كلمات الأُصوليين ملاك واحد، وهو أنّ المخصص يتقدّم على العام، وربّما يضاف

صفحه 189
إليه تقدّم الناسخ على المنسوخ، وهذا ممّا لا ريب فيه، ولكن هناك موجبات أُخرى توجب تقدّم أحد الدليلين الاجتهاديين على الآخر، وهي عبارة عن العنوانين التاليين:
أ. كون الدليل حاكماً على دليل آخر.
ب. كونه وارداً على الآخر.
أمّا الحاكم فهو عبارة عن: أن يكون لسان أحد الدليلين بالنسبة إلى الدليل الآخر لسان التفسير فيقدّم المفسِّـر على المفسَّـر، مثلاً: قال سبحانه: (يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلى الْمَرافِق)1، فالآية صريحة في الطهارة المائية وأنّ شرط صحة الصلاة هو تحصيل الطهارة المائية قبلها.
وإذا قيس قوله: «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين» إلى الآية، يأخذ لنفسه طابَع التفسير ويوسّع الشرط اللازم تحصيله قبل الصلاة، فتكون النتيجة شرطية مطلق الطهارة: المائية والترابية، غاية الأمر أنّ الاجتزاء بالثانية رهن فقدان الأُولى.
ونظير ذلك قوله: «الطواف بالبيت صلاة» فيستدلّ به على وجوب تحصيل الطهارة قبل الطواف، وذلك لأنّ الدليل الثاني يجعل الطواف من مصاديق الصلاة ادّعاءً و تشريعاً فيكون الطواف محكوماً بما للصلاة من أحكام.

1 . المائدة: 6 .

صفحه 190
وأمّا الوارد فهو أن يكون أحد الدليلين مزيلاً ورافعاً لموضوع الدليل الآخر، وهذا نظير قول الثقة بالنسبة إلى أصل البراءة العقلية، فإنّ موضوع البراءة هو قبح العقاب بلابيان، أي بلا بيان من الشارع، فإذا أخبر الشارع بحجّية قول الثقة فيكون قوله في مورد الشكّ بياناً من الشارع، فيكون
رافعاً له.

9. تقدّم الأصل السببي على المسببي

كثيراً ما يتصوّر أنّ أحد الأصلين معارض للأصل الآخر، وهذا صحيح إذا كان الأصلان في درجة ورتبة واحدة، وأمّا إذا كان أحد الأصلين متقدّماً رتبة على الآخر وكان الأخذ بأحدهما رافعاً للشكّ في الجانب الآخر فيؤخذ بالمتقدّم ويطرح الآخر، وملاك التقدّم هو كون الشكّ في أحد الأصلين ناشئاً عن الشكّ في الأصل الآخر، فإذا عملنا بالأصل في جانب السبب يرتفع الشك عن الجانب المسبب حقيقة، ولنذكر مثالاً:
إذا كان هناك ماء طاهر شككنا في طروء النجاسة عليه، ثمّ غسلنا
به الثوب النجس قطعاً، فربّما يتصوّر تعارض الأصلين، فإنّ
مقتضى استصحاب طهارة الماء هو كون الثوب المغسول به طاهراً، ومقتضى استصحاب نجاسة الثوب كون الماء نجساً فيقال: تعارض الاستصحابان.
ولكن الأُصولي الإمامي يقدّم استصحاب طهارة الماء على

صفحه 191
استصحاب نجاسة الثوب، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب بعد الغسل بالماء، نابع عن كون الماء طاهراً وعدمه، فإذا قلنا بحكم الشارع: «لا تنقض اليقين بالشكّ» بطهارة الماء وقال إنّه طاهر، فيزول الشكّ في جانب الثاني ويحكم عليه بالطهارة، وذلك لأنّ كلّ نجس، غسل بماء محكوم بالطهارة فهو طاهر.
ومن هنا ينفتح أمام الفقيه باب واسع لرفع التعارض بين الأُصول العملية.

10. الأقل والأكثر والشكّ في المحصّل

إذا تعلّق الحكم الشرعي بمركب ذي أجزاء، وشككنا في قلّة
أجزائه وكثرتها، كما إذا شككنا في أنّ الجلسة بعد السجدتين واجبة أو مستحبة، فالمرجع هو البراءة عن وجوبها، لأنّ الأجزاء الباقية معلومة الوجوب وهذا الجزء مشكوك وجوبه، فيرجع فيه إلى أصل البراءة، أخذاً بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي مالا يعلمون» حيث إنّ وجوب هذا الجزء ممّا لا يُعلم.
وهذا ما يعبّر عنه في مصطلح الأُصوليّين من الإمامية «بالأقل والأكثر الارتباطيين».
ولكنّهم استثنوا صورة أُخرى ربّما تسمّى بالشكّ في المحصّل تارة، والشكّ بالسقوط ثانياً، ومورده ما إذا كان المكلّف به أمراً بسيطاً لا كثرة فيه،

صفحه 192
ولكن محقَّقه ومحصّله في الخارج كان كثيراً ذا أجزاء، فشككنا في جزئية شيء لمحصِّله وعدمه، مثلاً لو قلنا بأنّ الطهور في قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» اسم للطهارة النفسانية الحاصلة للنفس الإنسانية لا للغسلات والمسحات، ولكن نشكّ في جزئية شيء كالمضمضة والاستنشاق وعدمه للمحصِّل، فيحكم هنا بالاشتغال ولزوم ضم الاستنشاق أو المضمضة إلى الوضوء، وذلك لأنّ المحصِّل وإن كان مركّباً ذا أجزاء منحلاً إلى ما علم وجوبه كالغسلات والمسحات وإلى ما شكّ في وجوبه كالمضمضة والاستنشاق، وهو في حدّ نفسه قابل لإجراء البراءة عن وجوده، ولكن بما أنّ تعلّق الوجوب بالطهور بمعنى الطهارة النفسانية وهو أمر بسيط لا يتجزأ ولا يتكثر، فلا تقع مجرى للبراءة، بل العقل يبعث المكلّف إلى تحصيلها بالقطع والجزم، لأنّ الاشتغال اليقيني بهذا الأمر البسيط يقتضي البراءة اليقينية، ولا تحصل البراءة القطعية إلاّ بضمّ الاستنشاق والمضمضة إلى سائر الواجبات والإتيان بهما رجاءً واحتمالاً.
هذه نماذج من التطبيقات التي قدمتها لحضراتكم، وهناك أُمور أُخرى لها تأثير خاص في استنباط الأحكام ومذكورة في كتبهم.
غفر اللّه لعلمائنا الماضين وحفظ اللّه الباقين منهم.
ooo
أسئلة وردود حول محاضرة: تطور أُصول الفقه عند الإمامية   

صفحه 193

كلمة عميد الكلّيّة

بعد أن أبدى الدكتور علي الصقلي إعجابه بالمحاضرة، ذكر أنّ قسماً من المشاركين هم من المتخصّصين بأُصول الفقه، ونظن أنّ لهم ملاحظات حول كلام المحاضر، ثم دعاهم لطرح آرائهم حول المحاضرة.

1. مناقشة الدكتور عبد الوهاب التازي

شخصياً أتقدّم بالشكر لسماحة الأُستاذ جعفر السبحاني وأُشير إلى أُمور:
1. ليس لي خبرة كاملة في أُصول الفقه عند الإمامية ولكنّي جازم بوجود الاختلاف بين الأُصولين عند الشيعة والسنّة، والّذي صار سبباً لوجود الاختلاف في الفقه، مضافاً إلى أنّ مسائل أُصول الفقه أيضاً مورد اختلاف بين أهل السنّة، فياحبذا أن تصل إلينا مؤلّفات الشيعة الإمامية في أُصول الفقه .
2. عندنا في الصحاح والسنن أحاديث نعتبرها حجة وهي ليست كذلك عند الإمامية، كما أنّ عندهم أحاديث مروية عن النبي وأهل بيته ولكنّا لا نعتبرها حجة، ولا يختص الاختلاف في مجال الحديث بالأُمور السندية، بل يعم مواضع أُخرى كالاختلاف في حدّ التواتر.
3. تقام اليوم في الغرب مؤتمرات حول الأديان ومنها الإسلام، فنسمع من المستشرقين أنّهم يسألوننا عن الإسلام المطروح ما هو الإسلام

صفحه 194
الّذي تعرّفوه لنا، فإنّ في الإسلام فرقاً وطوائف، وأنا أقترح أن تقام مؤتمرات للتعريف بالإسلام يشارك فيها رؤوس الطوائف الإسلامية، فيدرسون واقع الإسلام في مسائله وتكون نتيجة المؤتمر هو الإسلام الواقعي الّذي يجب أن يعرّف للعالم.
4. قد قمت في تأليف كتب في ذلك المضمار ودرسّتها في جامعة الملك الحسن الثاني، وخرجت بتلك النتيجة بأنّه ليس هناك اختلاف في الإسلام وإنّما الاختلاف بين المسلمين .

تحليل المناقشة

نشكر الأُستاذ على مواقفه في التقريب وتوحيد الكلمة، ونلفت نظره إلى أُمور حول ما ذكره من مسائل:
1. ما ذكره الأُستاذ من أنّ مسائل أُصول الفقه بين السنّة والشيعة مختلفة مورد نظر وملاحظة، وذلك لأنّ مسائل أُصول الفقه مسائل نظرية واجتهادية، فالإمامية كثيراً ما تتّفق مع آراء بعض علماء السنّة في تلك المسائل، وليس أُصول الفقه عند الفريقين علمين متباينين يفصلهما جدار ولا يرتبط أحدهما بالآخر، بل هي مسائل عامّة تسهل عملية الاستنباط. وقد اختلف في الكثير منها علماء الإسلام، وكثيراً ما يتّفق رأي الإمامية مع واحد أو أكثر من آراء علماء الإسلام من الطوائف الأُخرى.
وليس هذا أمراً بديعاً في أُصول الفقه، بل الفقه أيضاً نظيره، وهذا

صفحه 195
كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) قد طرح في هذا الكتاب المطبوع في ستة أجزاء ضخام مسائل الفقه من الطهارة إلى الحدود والديات، ونجد فيه في كثير من المقامات اتفاق رأي فقهاء الشيعة مع رأي أحد الأئمة، وقلّما تجد المباينة الكلية بين الفريقين، إلاّ في مسائل معدودة. ولو كان للمشاركين إلمام بفقه الشيعة وأُصوله لظهر عندهم صدق مقالي في كلا الحقلين .
2. ما ذكره الأُستاذ حول الأحاديث فليس الواقع على الوجه الّذي ذكره، لأنّ الشيعة الإمامية تعتمد على كل حديث رواه مسلم ثقة، ولذلك ترى الروايات النبوية في فقه الشيعة أكثرها مروية في الصحاح والسنن، ولم يكن الاختلاف في مسألة الإمامة مانعاً عن قبول الحديث، وهنا نجد الشيعة الإمامية يستدلّون بالأحاديث النبوية التالية:
1. على اليد ما أخذت حتّى تؤدي...
2. المسلمون عند شروطهم، إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً.
3. الناس مسلّطون على أموالهم.
4. رفع عن أُمّتي تسعة...
إلى غير ذلك من الأحاديث.
وأمّا ما ذكره من اقتراح إقامة مؤتمر إسلامي يشارك فيه رؤوس الطوائف ويطرح فيه المسائل الخلافية، فهو أمر جميل قمنا بدعم ذلك، فقد قامت مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)بتأليف كتاب حول فقهاء الإسلام

صفحه 196
باسم «موسوعة طبقات الفقهاء» في 16 جزءاً، جزءان منها مقدمة والباقي معجم لعامة فقهاء الإسلام حسب ما تمكّنا من الاطّلاع على حياتهم وآثارهم وخدماتهم، من غير فرق بين إمامي أوزيدي أو حنفي أو شافعي أو مالكي أو حنبلي .
وهذا باكورة خير تبشر بوجود الوعي في الأُمّة الإسلامية لتقريب الخطى وتوحيد الكلمة والتعرف على الآخرين وما بذلوا من جهود لنشر الدين الحنيف.
وأمّا الجزءان الأوّلان من هذه الموسوعة، فأحدهما يبحث في مصادر الفقه عند الشيعة والسنّة، وأمّا الآخر فيتكفّل ببيان أدوار الفقه الإسلامي وتاريخه عند كلا الفريقين.
وأمّا الأمر الرابع الّذي أشار إليه الأُستاذ من أنّ الاختلاف ليس في حقيقة الإسلام وإنّما الاختلاف بين المسلمين ; فأُبشّر الأُستاذ بأنّ للإمام علي (عليه السلام)كلمة قريبة من ذلك المعنى، فعندما ظهر الاختلاف بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بين المسلمين اعترض أحد اليهود علياً (عليه السلام)وقال: ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه؟!
فقال (عليه السلام)له: «إنّما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنّكم ما جفت أرجلكم من البحر حتّى قلتم لنبيّكم (اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)1».(2)

1 . الأعراف: 138 .   2 . نهج البلاغة: 4 / 75، قسم الحكم رقم 317 .

صفحه 197

2. مناقشة الدكتور محمد اليعقوبي

أشار الشيخ جعفر السبحاني إلى الأُمور المشتركة والمتّفق عليها بين الفريقين وكنت أترقّب أن يشير إلى مواضع الخلاف، نظير ذهاب أكثر العلماء إلى القول بأنّ من شروط العمل بخبر الثقة هو عدم مخالفته لما يرويه عملاً، ولكن هذا الشرط غير معتبر عندنا (لعله يريد مذهب الإمام مالك)، وقد بلغني أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتبنّى التقريب بين المذاهب، وهو أمر جميل ولذلك اقترح على علماء إيران تأسيس مجالس تقريبية تطرح فيها مسائل أُصول الفقه، فإذا خرجنا بنتيجة قطعية واحدة نجعلها بياناً ختامياً للمؤتمر ويكون حجة على الجميع; نعم الاختلاف في الفروع ليس بأمر مهم.

تحليل المناقشة

أشكر الأُستاذ على اقتراحه المركّز على تأسيس مؤتمرات حول أُصول الفقه والوصول إلى نتائج قطعية فيه، وأنّ مسائل أُصول الفقه تعدّ أساساً للمسائل الفقهية.
ولكن الأولى اقتراح أمر آخر هو ألزم من ذلك، ألا وهو تشكيل مجالس أو مؤتمرات للمسائل العقائدية الّتي هي الأساس لمسائل أُصول الفقه، وهي في الوقت نفسه أساس للمسائل الفقهية، ولا مانع أن تكون هذه المؤتمرات على الصعيدين المذكورين.
وأمّا ما ذكر من بعض الشروط الّتي يضيفها البعض لحجية خبر

صفحه 198
الواحد فحاصل الكلام فيه: أنّ إعراض الراوي عن الخبر الّذي يرويه يورث الظن بوجود الإشكال في سند الحديث أو دلالته أو جهة صدوره ولأجله تركه الراوي ولم يعمل به، ويدعم ما ذكر سيرة العقلاء فهم لا يعملون بمثل هذا الخبر، وهذا يكون قرينة على انصراف أدلّة حجية قول الثقة عن مثل هذا الخبر.

3. مناقشة الدكتور عبد الحليم العلمي

أتقدّم بالشكر إلى الأُستاذ والعلاّمة السبحاني على محاضرته القيّمة..
ولكنّي أُشير إلى كلمة وهي وجود المشتركات بين الفريقين، ومن تلك المشتركات علم أُصول الفقه الّذي هو شرح لسنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والسنّة بيان لكتاب الله سبحانه، هذا من جانب.
ومن جانب آخر قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي علي بن الحسين، وحديث جدي
حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الإمام علي بن أبي طالب، وحديثه حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)».1 وعلى ذلك فالجميع من السنّة والشيعة
في خدمة الأُستاذ العزيز .

1 . روى حماد بن عثمان وغيره قالوا: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قول الله عزوجل». انظر الكافي: 1 / 42، ح 14 .

صفحه 199
إنّ المحاضر أفاد بأنّ الشكّ في حجّية الظن يساوي عدم حجّيته، لأنّ العمل به بدون إذن الشارع يعدّ بدعة هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ أهل السنّة يعملون بالظنون ومنها القياس وقد أذن به الشارع فتخرج عن كونها بدعة.

تحليل المناقشة

إنّ في كلام الأُستاذ ـ مع التقدير لما أفاد ـ نقطتين جديرتين بالملاحظة:
الأُولى: أنّ مسائل أُصول الفقه تارة تركّز على بيان كيفية استنباط الحكم الشرعي من الكتاب العزيز.
وأُخرى أنّها تبيّن كيفية الاستنباط من السنّة الشريفة، وثالثة تعلّم استنباط الحكم الشرعي عن الإجماع، ورابعة عن العقل الحصيف .
فالقول بأنّ عامة مسائل أُصول الفقه في خدمة الكتاب العزيز نوع مسامحة، والصحيح في خدمة الدين الحنيف.
الثانية: إنّي أكّدت على أنّ العمل بالظن الّذي لم يقم على حجّيّته دليل شرعي بدعة.
وأمّا العمل بالقياس والاستحسان وسائر القواعد، فلو قام على حجّيّتها دليل صالح كما يدّعيه أهل السنّة، فلا يعد العمل به بدعة ولكن الكلام في قيامه على حجّيّتها، والاختلاف بين الفريقين في الصغرى، وهو

صفحه 200
قيام الدليل الصالح على حجّيّة تلك الظنون وعدمها، فالشيعة على النفي والسنّة على الإثبات، والتفصيل موكول إلى محله .
كلمة سفير الجمهورية الإسلامية في المغرب بعد انتهاء المحاضرة   

تقييم موجز لعميد الكلية

إنّ الأُستاذ عميد الكلية (علي الصقلي) تكلّم بكلام موجز وثمّن المحاضرة والمناقشات والتحليلات، وذكر أنّ المذاكرة في جو هادئ ترفع الحجب عن وجه الحقيقة.

كلمة سفير الجمهورية الإسلامية

في ختام المحاضرة والمناقشات وتحليلاتها أدلى سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية حجة الإسلام الشيخ محمد مسجد جامعي بكلمة، قال فيها:
أتقدّم بالشكر إلى عميد الكلية ورئيس جامعة القرويين بمناسبة تشكيل هذه الندوة واستقبال المحاضرة بصدر رحب .
ـ أنا ـ أتقدم بالشكر إلى وزارة العلوم وعلى رأسها وزير التعليم العالي الدكتور عليوه، حيث اقترحتُ عليه زيارة جامعات إيران والمؤسسات العلمية هناك، وقلتُ له خلال مشاركتنا في مؤتمر الآيسيسكو، بأنّكم تعيشون في المغرب ونحن في الشرق الأوسط، وأنّ زيارتكم لجامعات إيران ستكون سبباً للتعارف ،ورفض التناكر.

صفحه 201
وأجد من المناسب أن أذكر بخدمتكم أنّه يتم في إيران في كلّ سنة طبع أكثر من ثلاثين ألف عنوان كتاب، ولعل بعض العناوين موسوعة كبيرة متعددة الأجزاء. كما أنّ للترجمة مجالاً مميزاً، وهي تؤكد على ترجمة الكتب الأجنبية، وقد لاحظت أنّه تمّت ترجمة ثلاثين كتاباً من كتب المملكة المغربية.
ولأجل إيجاد التعارف بين علماء البلدين وكتّابهما ومؤلّفيهما، اتّفقنا مع وزير التعليم العالي على دعوة عالم من علماء إيران لتكون هذه الزيارة نواة لتبادل الزيارات بين علماء البلدين ومفكّريهم .
إنّ شيخنا الأُستاذ السبحاني متخصّص في قسم من العلوم الإسلامية ومشارك في القسم الآخر، فهو من أعظم المفكّرين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية .
وقد ألقى محاضرة حول الفلسفة بعد ابن رشد أثبت فيها أن ركْبَ الفلسفة لم يتوقّف بموت ابن رشد كما اشتهر في الغرب، بل كانت عجلة الفلسفة تتقدم إلى الإمام في كل قرن بعد قرن إلى أن انتهى الأمر إلى الحكيم الرباني صدر المتألهين الشيرازي.
وقد أعقبت هذه المحاضرة في جامعة الرباط، ـ كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ مناقشات من الحاضرين وتحليلات من سماحة الأُستاذ.
كما أن الأُستاذ سيُلقي محاضرة يوم غد الخامس من محرم 1425 هـ في جامعة الدار البيضاء حول «إقصاء العقل عن ساحة العقائد والمعارف

صفحه 202
الإلهية خسارة فادحة».
وله أيضاً محاضرة أُخرى حول «علم الكلام والتحديات المعاصرة» يلقيها في قاعة كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة القاضي عياض في محافظة مراكش بتاريخ 9 / 1 / 1425 هـ .
إنّ هذه اللقاءات تقارب الخطى بين المفكّرين ويتعرّف كلّ واحد على ما لدى الآخر من الفكر والمعرفة، وربّما تكون النتيجة في أكثر ما يختلف فيه الفريقان أمراً واحداً ربّما يبدو أنّهما مختلفان.
وقد كنت سفيراً في الفاتيكان، وكان المستشرقون يسألونني كثيراً عن الفروق بين الطائفتين وعن المشتركات بينهما. وأنا أطمئن شخصياً بأنّ التناكر قد وسعّ الشقة وأنّ التعارف يقرّبها.
كما لا ننسى أنّ الشقة بين ألمانيا وفرنسا كانت بعيدة جداً وكان بين الدولتين والشعبين جدال وعراك، ولكن أصبحا اليوم كشعب واحد.
وهذا يعلمنا بأنّ التقريب أمر ممكن في ظروفنا الحالية، ولكن لا يتحقّق ذلك إلاّ بتبادل الزيارات والتعرف على الثقافات الموجودة في البلدين .
كلمة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية   
ولذلك فمن يحاول من الأساتذة الحاضرين وغيرهم زيارة جامعات إيران فسفارة الجمهورية الإسلامية مستعدة لتهيئة مقدّمات سفره إلى بلاد إيران العزيزة.

صفحه 203

كلمة عميد الكلية

اود أن أُشير في هذه الفرصة الطيبة والذهبية، إلى نتائج سفر وزير التعليم العالي في المغرب إلى الجمهورية الإسلامية. والّتي أشار إليها سعادة السفير .
أعرب الوزير بعد رجوعه من تلك الزيارة عن إعجابه بالحركة العلمية والثقافية الّتي بدأت تتكامل يوماً بعد يوم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما أشار إلى وجود إمكانيات لتوسيع العلاقات الثقافية بينهما، خصوصاً وجود الحرية في كلّ من البلدين، كلّ يتحمل آراء الآخر، فيكون تبادل الزيارات سبباً لارتفاع كثير من الإبهامات.
ثم أضاف وزير التعليم العالي: بأنّه يتم في جمهورية إيران الإسلامية طبع أزيد من ثلاثين ألف كتاب بين تأليف وترجمة، ويتعلّق قسم كبير منها بالعلوم الإسلامية باللغة العربية، غير أنّ قليلاً منها يصل إلى أيدينا.
فلو قمنا بتوثيق العلاقات بين البلدين، تسهل الاستفادة من الثقافات الموجودة في المنطقتين.
ولحسن الحظ أنّ الإرادة السياسية وراء توثيق العلاقات، ولذلك علينا أن نعمل على توطيد هذه العلاقات ليكون البلدان صفاً واحداً أمام الهجمة الشرسة من القوى الكبرى الكافرة التي لا تهتم إلاّ بالتآمر على الثقافة والحضارة الإسلامية.
ومن المعلوم أنّ الأعداء لا يهتمون بنصرنا واقتدارنا، فعلينا أن

صفحه 204
نقارب الخطى ونغض النظر عن كثير من الاختلافات إلى أن ننتهي إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية.
ومن حسن الحظ وجود المشتركات الكثيرة في الأُصولين، وفي الختام أتقدم بالشكر إلى سماحة العلامة الحجة الشيخ جعفر السبحاني وسعادة السفير والأساتذة المشاركين، ونعلن ختام الجلسة، لإتاحة الفرصة للضيف المكرم حتى يتفرغ لبقية برامجه في سائر جامعات المغرب .

صفحه 205
الفصل السادس
محاضرة
في كلية الطب
في
جامعة الحسن الثاني

صفحه 206

صفحه 207
الدار البيضاء وجامعة الحسن الثاني   

الدار البيضاء وجامعة الحسن الثاني

إنّ المملكة المغربية بلد إسلامي كسائر البلدان الإسلامية، ولكن مع الأسف، الاحتلال الفرنسي قد ترك آثاره هناك حتى اليوم.
فترى أنّ يوم الجمعة يعتبر يوم عمل، ولكن يوما السبت والأحد هما يوما العطلة الأُسبوعية، كما هو الحال في أُوروبا.
ولعمري إنّ هذا خسارة كبيرة، نابعة عن متابعة المغلوب للغالب لعلل نفسية.
ولو كان البلد أيام الاحتلال معذوراً في إجراء هذ القانون، فليس له اليوم أيّ عذر في استمرار العمل به، فهو بحمد الله بلد إسلامي ترأسه السلطة الحسنية الّتي ورثت الوزارة والصدارة كابراً عن كابر، ومن العجب أنّ دولة الپاكستان الّتي نشأت على القيم الإسلامية واستقلت عن الهنود لأجل تلك القيم، فهي في تأسيسها واستقلالها مديونة للإسلام والمسلمين والمفكّرين المسلمين فيها، ومع ذلك ترى أنّها أقدمت في الآونة الأخيرة على تغيير يوم العطلة الأُسبوعية ، فصار الجمعة يوم عمل والأحد يوم العطلة.

صفحه 208
إلى الله أشكو من زماني خطة *** بها لم يزل يجري على غير منوالي
خرجنا من الرباط صباح يوم الخميس الخامس من شهر محرم الحرام، وكانت المسافة إلى الدار البيضاء حوالي 100 كيلومتر.
وكانت تخامرنا فكرة وهي أنّ يوم الخميس هو يوم العطلة وربّما يكون الحضور قليلاً، ولكنّني فوجئت بالحضور الواسع، ذلك لأنّ الخميس والجمعة هما يوما عمل وليس عطلة.
وحينما وصلنا الدار البيضاء لفت انتباهنا أنّ أكثر العمارات والشوارع فيها أُنشئت على الطراز الرائج في الدول الأُوروبية ولذا بدت لنا كأحد المدن الغربية.
ولمّا كان وقت المحاضرة هو الساعة الرابعة بعد الظهر اغتنمنا الفرصة وذهبنا إلى مكتب رئيس الجامعة للّقاء به، وقد جرى بيننا وبينه حوار حول الشخصيات الإسلامية في المغرب.
وبعد انتهاء المجلس ذهبنا إلى الفندق الّذي أُعد لأقامتنا، وكان الفندق يمتاز بالنظافة وحسن أخلاق العاملين فيه، ولمّا سألنا عن جهة القبلة، فإنّ مدير الفندق لم يكتف بالإجابة عبر الهاتف بل أنّه صعد إلى غرفتنا وأرشدنا إلى ذلك.
خرجنا من الفندق قبل الساعة الرابعة متوجّهين إلى كلية الطب وكان الحضور يتألف من الطلاب والطالبات وقليل من الأساتذة... افتتحت الجلسة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم والتعريف بالمحاضر، وبدأنا بالكلام على النحو التالي:

صفحه 209
المحاضرة الخامسة: إقصاء العقل عن ساحة العقائد والمعارف الإلهية خسارة فادحة   
على ساحل جبل طارق
ــــــــــــــــــــ
      5

إقصاء العقل

عن ساحة العقائد والمعارف الإلهيّة

خسارة فادحة

التفكير هو العامل المميّز للإنسان عن سائر الحيوانات، فهو يشاركها في الغرائز والميول، ولكن يفارقها بأنّه موجود مفكّر، وفي ظلّ التفكير بسط نفوذه، وبلغ حدّاً حيّر فيه العقول، وأدهش الألباب، ولم يزل دؤوباً في تسخير ما خُلق له.
وقد حاز الفكر على عناية كبيرة في القرآن الكريم حتّى نوّه به ثماني عشرة مرّة بصور مختلفة، إلى أن عاد وجعله من سمات أُولي
الألباب، وقال: (إِنّ في خَلْقِ السَّماوات والأَرض وَاختلافِ اللَّيل والنَّهار لآيات لأُولي الأَلباب * الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنا عَذابَ النّار).1

1 . آل عمران:190ـ 191.

صفحه 210
إنّ القرآن الكريم لم يزل يدفع الإنسان إلى التعقّل والتفكير والتدبّر ويختم كثيراً من آياته بقوله: (لعلّكم تعقلون)أو (لعلّكم تتفكرون)، وكفاك قوله سبحانه:(وَمَا كانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) 1 ، فيحكي عن جعل الرجس على الطائفة غير المتعقّلة.
ويقول سبحانه: (إِنّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُون)2، فشرّ الدّواب عنده سبحانه هو من لا يعقل.
إنّ القرآن الكريم لا يقتصر على مجرد الدعوة إلى التعقّل والتفكّر، بل كثيراً ما يطرح الموضوعات ويبرهن عليها بدلائل عقلية، ويُقنع بذلك الطرف الآخر، ونذكر لذلك أمثلة من الذكر الحكيم.

1. التوحيد في الخالقية

إنّ التوحيد في الخالقية بمعنى أنّه لاخالق سواه وأنّ صحيفة الكون مخلوقة لخالق واحد، من العقائد الحقّة التي ركّز عليها الذكر الحكيم، ولكنّه سبحانه يطرح هذا القسم من التوحيد مقروناً بالبرهان، وبالتالي يطلب التفكير والتأمّل فيه، فيقول سبحانه: (وَمَا كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَق وَلعلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُون).3

1 . يونس:100.
2 . الأنفال:22.
3 . المؤمنون:91.

صفحه 211
وحاصل البرهان: أنّ تعدّد الخالق يقتضي تعدّد المخلوق وهو يلازم تعدّد التدبير، وتعدّد التدبير في الكون المنسجم الواحد المتصل، ينتهي إلى الفساد.
وبتعبير آخر: إذا حاول كلّ من الخالقين تدبير قسم من الكون الذي خلقه يجب عندئذ أن يكون لكلّ جانب من الجانبين، نظام خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به أصلاً، لأنّ تعدّد الخالق واختلافهما جوهراً يقتضي اختلاف تدبيرهما، وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام المشهود في الكون، في حين أنّنا لا نرى في الكون إلاّ نوعاً واحداً من النظام يسود كلّ جوانبه من الذرّة إلى المجرّة، وإلى هذا الشق أشار بقوله في الآية الثانية:(إِذاً لَذَهَبَ كُل إِله بِما خَلق).

2. التوحيد في الربوبية

التوحيد في الربوبية بمعنى التوحيد في التدبير من العقائد الحقّة التي دان بها المسلمون قاطبة وخالفهم الوثنية.
وعندما يطرح القرآن الكريم هذه العقيدة فإنّه يطرحها مقرونةً بالبرهان، فيقول سبحانه:(لَو كانَ فِيهما آلهةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللّه ربِّ العرشِ عمّا يَصِفُون).1
فإذا حاول كل واحد من الآلهة تدبير مجموع الكون باستقلاله بمعنى

1 . الأنبياء:22.

صفحه 212
أن يعمل كلّ واحد ما يريده في الكون دونما منازع، ففي هذه الصورة يلزم تعدّد التدبير، لأنّ المدبّر متعدّد ومختلف في الذات،ونتيجة الاختلاف في الذات هو تعدّد التدبير، وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم.

3. حدوث الإنسان والمادة

ذهب الإلهيون قاطبة إلى حدوث الإنسان والمادة وأنّ ما في الكون حادث مسبوق وجوده بالعدم، فحدوثها رهن وجود محدث يخرجها عن كتم العدم إلى ساحة الوجود، وهذا هو الأصل الصحيح.
ولو طرحنا هذا الأصل، ففي مقابله نظريتان باطلتان بحكم صميم العقل ألا وهما:
أ. حدوث الإنسان ووجوده من غير سبب.
ب. حدوث الإنسان بنفسه.
فالأوّل ـ أي حدوثه بلا سبب ـ يعارض الحكم البديهي الفطري بأنّ لكلّ حادث علّة، فكيف يمكن ظهور الإنسان والكون إلى ساحة الوجود بلا سبب؟
والثاني كونه موجداً لنفسه يعارض أيضاً الحكم الفطري للعقل أيضاً، فهو بما أنّه علّة يجب أن يكون متقدّماً في الوجود، وبما أنّه معلول يجب أن يكون متأخّراً، فيلزم أن يكون شيء واحد متقدّماً و متأخّراً .
هذه نماذج من العقائد الحقّة التي يطرحها الذكر الحكيم

صفحه 213
مقرونة بالبرهان الذي لا يفارق التفكير الصحيح.

4. معارف قرآنية لا تدرك إلاّ بالتفكير

وفي الذكر الحكيم آيات حول العقائد الحقّة التي لا يُدرك مغزاها إلاّ بالتفكير والتعقّل.
أ. يقول سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء): لا نظير له.
لماذا ليس له مثيل ونظير؟
ب. (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنما كُنْتُم).1
كيف يكون شيء واحد معنا في عامة القرون والأزمنة؟
ج. (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ).2
كيف يكون جميع العالم وجه اللّه؟ فكأنّ العالم لا يخلو من ذاته فأينما تولّى الإنسان فهو يستقبل ذاته.
د. (هُوَ الأوّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم).3
إنّ الآية المباركة تصف الباري بصفات أربع:
فهو الأوّل، وفي الوقت نفسه هو الآخر.

1 . الحديد:4.
2 . البقرة:115.
3 . الحديد:3.

صفحه 214
كما أنّه هو الظاهر، وفي الوقت نفسه هو الباطن.
هذه حقائق ومعارف علمية لا يُدرك كنهها ولا حقائقها إلاّ بالتعقّل والتفكير، فمن عزل العقل عن ساحة العقائد واكتفى بأخبار الآحاد حول المعارف فقد جعل هذه الآيات مبهمة مجملة كأنّها نزلت للتلاوة والتبرّك دون التدبّر والتفكير.

5. سنّة الله في المجتمع الإنساني

وليست الآيات النازلة حول العقائد نسيجة وحدها في ضرورة التدبّر والتفكّر فيها، بل هناك قسم كبير من الآيات تدور حول سنن اللّه تبارك وتعالى في حق الأُمم السالفة حتى تكون عبرة للحاضر.
فقد كشف فيها عن وجود صلة بين فعل الإنسان وما يحيق به من ألوان العذاب، ودعا إلى السير في الأرض والتفكير فيها، ونشير هنا إلى شيء يسير منها، يقول سبحانه:
(وإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها الْقَوْلُ فَدَمَّرْناهَا تَدْمِيراً).1
فقد نبّه بقوله: ( فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها الْقَوْلُ فَدَمَّرْناهَا تَدْمِيراً)بوجود الصلة بين الفسق و التوغّل في الشهوات وبين العقاب والهلاك، وإنّ الأوّل علّة للثاني، فلم يكن عقابهم جزافاً وبلا سبب.

1 . الإسراء:16.

صفحه 215
يقول سبحانه: (فَكأيّن مِنْ قَرْيَة أَهلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا وَبِئْر مُعَطّلَة وَقَصْر مَشِيد).1
فالآية تدلّ على السببية التامّة بين هلاك الأُمم وظلمها، ثمّ تشير الآية التالية إلى أنّها سنّة إلهية لا تتبدّل ولا تتغيّر، وإنّما يفهمها ذوو القلوب الواعية والآذان الصاغية، يقول سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الّتي فِي الصُّدُور).2
إنّ المتدبّر في الآيات التي تشرح لنا سنن اللّه تبارك وتعالى والمجتمع يقف على أنّ القرآن يعترف بقانون العلّية في المجتمعات الإنسانية، وفي الوقت نفسه يدعو الإنسان إلى التدبّر والتفكّر في تلك السنن، فكثيراً ما يقول: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْديلاً).3
وقال سبحانه:(وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْويلاً).4
ويشير بهذه الآيات إلى أنّ سنّة اللّه سبحانه في من سبق و غبر وفي من يأتي مستقبلاً هي سنّة واحدة:(سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً).5

1 . الحج:45.
2 . الحج:46.
3 . الأحزاب:62.
4 . فاطر:43.
5 . الإسراء:77.

صفحه 216

6. سنّة الله في الكون

كما أنّ للّه سبحانه سنناً قطعية لا تتغيّر في أفعال الإنسان ونتائجها ومضاعفاتها، فله سبحانه أيضاً سنن في الكون والطبيعة، فقد خلق العالم على نظام خاص وأجرى فيه قانون السببية والعلّية فيه، فكلّ ظاهرة طبيعية لها علّة من سنخها، كلّ يؤثر بإذنه سبحانه وتقديره.
وليست تأثير العلل في معلولاتها إلاّ مظاهر لسننه وإرادته ومشيئته وليس لها أي استقلال في التأثير، وكفانا في ذلك قوله سبحانه:(وَأَنْزَلَ
مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمراتِ رِزْقاً لَكُمْ
)1، فالآية صريحة
في تأثير الماء في إخراج الثمرات اليانعة، كآية أُخرى صريحة في تأثير الماء في خروج الزرع، يقول سبحانه:(أوَ لَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ المَاءَ إِلى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُون).2
فالاعتقاد بمثل هذا النوع من السنّة يثير شعور الإنسان إلى التفكّر والتعقّل في الكون وكشف أسراره ورموزه، حتى لا يكون الإنسان الشرقي متطفّلاً على موائد الغربيين في الإحاطة بأسرار العالم .
ooo

1 . البقرة:22.
2 . السجدة:27.

صفحه 217

المسيحية ورفض العقل في مجال العقائد

بالرغم من إيماننا بأنّ شريعة المسيح من الشرائع السماوية، ولها
من المزايا ما لسائر الشرائع، إلاّ أنّنا نرى أنّ رجال الدين المسيحيين قد رفضوا العقل في مجال العقائد واستغنوا بالإلهام والإشراق ، فاعتقدوا بالتثليث وأنّه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة، فجمعوا بين الوحدة والكثرة الحقيقيين، مع أنّ بداهة العقل تحكم بأنّ الشيء إمّا واحد وليس بكثير أو كثير ليس بواحد. فإذا سئلوا عن هذا التناقض أجابوا بأنّ التثليث وما شابهه، من العقائد التي لا يُدرَك كنهُها بالعقل والبرهان وإنّما يجب الإيمان بها.
وبذلك أوجدوا فاصلاً كبيراً بين العقل والدين أو بين العلم والدين، ورفعوا راية التضاد بين هذين المبدأين، مع أنّ خاتم الشرائع ـ القرآن الكريم ـ يؤكد على تلازمهما وعدم انفكاكهما، ويقول:(وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ).1
نعم الدعوة إلى العقل والتفكير ليس بمعنى رفض سائر الطرق إلى معرفة اللّه سبحانه كالإلهام والإشراق، فإنّ الفتوحات الباطنية من المكاشفات والمشاهدات الروحية والإلقاءات في الروع غير مسدودة بنص الكتاب العزيز:

1 . الروم:56.

صفحه 218
1. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً)1، أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحق والباطل وتميّزون به بين الصحيح والزائف، لا بالبرهنة والاستدلال، بل بالشهود والمكاشفة.
2. وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَل لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحِيم).2
إنّ صاحب الكشّاف ومن تبعه وإن فسره بقوله: «ويجعل لكم يوم القيامة نوراً تمشون به» إلاّ أنّ الظاهر خلافه، وأنّ المراد النور الذي يمشي المؤمن في ضوئه طيلة حياته، في معاشه ومعاده، في دينه ودنياه، وهذا النور الذي يحيط به ويضيء قلبه، نتيجة إيمانه وتقاه ويوضّحه قوله سبحانه: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ).3
3. وقال سبحانه: (وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).4
4. وقال تعالى:(وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم).5

1 . الأنفال:29.
2 . الحديد:28.
3 . الأنعام:122.
4 . العنكبوت:69.
5 . البقرة:282.

صفحه 219
فإنّ عطف الجملة الثانية على الأُولى يكشف عن صلة بين التقوي وتعليمه سبحانه.
5.وقال سبحانه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجَحِيم).1
فإنّ الظاهر أنّ المراد رؤيتها قبل يوم القيامة، رؤية البصيرة، وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين على ما يشير إليه قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ).2
وهذه الرؤية القلبية غير محقّقة قبل يوم القيامة لمن ألهاه التكاثر، بل ممتنعة في حقّه لامتناع اليقين عليهم.
والمراد من قوله: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِين) هو مشاهدتها يوم القيامة بقرينة قوله سبحانه بعد ذلك: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ) فالمراد بالرؤية الأُولى رؤيتها قبل يوم القيامة، وبالثانية رؤيتها يوم القيامة .3
ومع الاعتراف بانفتاح باب المكاشفات نركّز على أمرين:
1. أنّ العقل والعلم والإيمان والكشف والشهود جميعاً تصبُّ في مصب واحد، وليس بينهما تضادّ أو تباين أو منافاة.
2. انّ الكشف والشهود إذا كان صادقاً، أمر فردي لا يتجاوزه ولا

1 . التكاثر:5ـ6.
2 . الأنعام:75.
3 . الميزان:20/496ـ 497.

صفحه 220
يهتدي به الغير، ولكن التعقّل والبرهان أمر يغطي المجتمع كلّه والحكيم الإلهي ببرهانه القويم،يهدي الأُمّة إلى الصراط المستقيم.

حدود العقل في مجالات العقائد

قد عرفت أنّ القرآن الكريم أعطى للعقل مكانة خاصة وعدّ التفكير الصحيح من صفات أُولي الألباب.
وهذا لا يعني أنّ العقل يغني الإنسان عن النقل ـ أي الكتاب والسنّة القطعيين ـ وإنّما يقصد أنّ العقل أحد أدوات المعرفة فيما له صلاحية للإدراك والحكم، ولذلك لا يحوم العقل حول الموضوعات الخارجة عن شأنه. مثلاً:
1. التفكّر في ذات اللّه سبحانه وكنهه. فالعقول الجبارة فضلاً عن العقول المتعارفة عجزت عن درك كُنه ذاته، كيف وإنّ الدرك نوع إحاطة للمدرَك واللّه سبحانه لا حدّ لوجوده وهو محيط بكلّ شيء ولا يحيط به شيء، (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً).1
2. التوغّل في واقع علمه وإرادته وحياته، فإنّ صفاته سبحانه وإن كانت غير ذاته مفهوماً، ولكنّها عين ذاته تعالى حقيقة وواقعاً. فكما أنّ العقل لا يدرك حقيقة ذاته، فإنّه لا يدرك حقيقة صفاته سبحانه.
وبكلمة مختصرة: الأُمور الغيبية يجب الإيمان بها، يقول سبحانه: (الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ).2

1 . طه:110.
2 . البقرة: 3 .

صفحه 221
ومع ذلك كلّه فللعقل دور كامل في قسم من المعارف الإلهية
الواردة في الكتاب والسنّة وقد خسر أقوام كانوا قد أقصوا العقل عن مجال العقائد وفسحوا المجال لأخبار الآحاد وكلمات مستسلمة اليهود والنصارى، «فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير» ومن نماذج هذا الإقصاء:

1. وجوب معرفة اللّه

اتّفق علماء الإسلام على وجوب معرفته سبحانه، ولكنّهم
اختلفوا في طريقها، فهل الحاكم به هو العقل أو النقل؟ فمن أعطى
للعقل سهماً في باب المعارف يقول: إنّ الحاكم به هو العقل، لأنّ في ترك المعرفة ضرراً محتملاً في الدنيا أو بعدها. ودفع مثل هذا الضرر «العقاب» واجب.
غير أنّ المخالف يقول واجب بالشرع والحاكم به هو النقل، ولكن كيف يمكن أن يحكم به الشرع وتجب إطاعته وهو بعد غير ثابت.

2. قبح التكليف بما لا يطاق

من نتائج إدخال العقل في باب المعارف هو الحكم بقبح التكليف بما لا يطاق، فهو إمّا أمر ممتنع أو أمر قبيح، ومع ذلك نرى أنّ الرافضين للعقل جعلوا جواز التكليف بما لايطاق أصلاً من أُصولهم .

صفحه 222

3. قبح العقاب بلا بيان

إنّ من نتائج حكم العقل هو أنّه سبحانه لايعاقب عباده دون أن يبين لهم تكليفهم. ولذلك قالوا: الأصل هو البراءة عن التكليف حتّى يدلّ عليه دليل، ومن حسن الحظ انّ الشرع عزّزه أيضاً، قال سبحانه:(وَما كُنّا مُعذّبين حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً).1

4. إيلام الطفل في الآخرة

إنّ الذين أعطوا العقل سهماً واسعاً في معرفة أفعاله سبحانه حكموا بأنّ إيلام الطفل يوم القيامة ظلم لا يحوم حوله الحكيم، وفي الوقت نفسه نرى أنّ بعض الطوائف يجوّزون ذلك قائلين بأنّ العالم ملك له وللمالك أن يتقلّب في ملكه كيف يشاء، غافلين عن أنّ عدله وحكمته يصدّه عن أن يتقلّب في ملكه بما يعدّ ظلماً و خروجاً عن العدل.

التحسين والتقبيح العقليان

إنّ للعقل قابلية في معرفة حسن الأفعال وقبحها جميعاً أو قسماً منها، فهو بنفسه يدرك حسن الإحسان وحسن مجازاة الإحسان بالإحسان وحسن العمل بالميثاق وهكذا، كما يدرك من صميم ذاته قبح الظلم وقبح مجازاة الإحسان بالإساءة ونقض الميثاق إلى غير ذلك، وهناك من رفضوا

1 . الإسراء:15.

صفحه 223
مقدرة العقل على درك حسن الأشياء وقبحها مع أنّ الذكر الحكيم يقول:(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشةً قَالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُون).1
والآية أوضح شاهد على أنّ الإنسان يعرف الفحشاء قبل الشرع ويدرك قبحها، لا انّه لا يعرفها إلاّ بتعريفه، فالآية التي تنزّه اللّه سبحانه عن الفحشاء، تسلّم بقدرة الإنسان على درك حسن الأفعال وقبحها ومنها الفحشاء.
ونظيره قوله سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمين * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون ).2
وقوله سبحانه: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون).3
وقوله سبحانه:(أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحات كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجّار).4
وهذه الآيات تتخذ من وجدان الإنسان شاهداً على عدم التسوية، ويدلّ بالتالي على أنّ الإنسان قادر بفطرته الإلهية على درك حسن الأفعال وقبحها، ولمّا كانت التسوية بين الطائفتين قبيحة، تقدّست ساحته عنها.

1 . الأعراف:28.
2 . القلم: 35 ـ 36.
3 . الجاثية:21.
4 . ص: 28.

صفحه 224

ثمرات القاعدة

تترتّب على تلك القاعدة ثمرات كثيرة رفعت مستوى العقائد الإسلامية إلى درجة يقتنع بها كلّ ذي فطرة سليمة، وها نحن نشير إلى عناوين تلك الثمرات ونحيل التفصيل إلى الكتب الكلامية:
1. وجوب معرفة اللّه على كلّ إنسان وجوباً عقلياً.
2. وجوب تنزيه فعله سبحانه عن العبث واقترانه بالغايات والأغراض.
3. لزوم تكليف العباد، وذلك لأنّه إذا كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، يستقل العقل بالحكم بلزوم إيصال كلّ مكلّف إلى الغايات التي خلق لها، وتكليف العباد من مبادئ هذه الغاية.
4. لزوم بعث الأنبياء حتى يصل الإنسان في ظلّ هدايتهم إلى الغاية التي خُلق لها.
5. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة،لأنّ العقل يستقل في دفع الضرر المحتمل، فاحتمال صدق مدّعي النبوة مقارن لاحتمال الضرر، فيجب عليه النظر حتّى يتبيّن صدقه أو كذبه.
6. الخاتمية واستمرار أحكام الإسلام، حيث إنّ خلود أحكام الإسلام وتشريعاته إلى يوم القيامة رهن كونها مطابقة للفطرة العلوية للإنسان حتّى تبقى مستمرة مادامت الفطرة باقية، ولذلك لا تتبدّل الأحكام مع تبدّل

صفحه 225
الحضارات وتطور المدنيات، فإنّ تبدّلها لا تبدل فطرة الإنسان.
7. ثبات الأخلاق ودوامها في جميع الأُصول والحضارات، وما ذلك إلاّ لأنّ الأخلاق الإسلامية مبتنية على وفق الفطرة وهي ثابتة فتكون الأخلاق ثابتة، خذ على ذلك مثلاً «إكرام المحسن»، فإنّه أمر يستحسنه العقل، ولا يتغيّر حكم العقل هذا أبداً، وإنّما الذي يتغير بمرور الزمن ، وسائل الإكرام وكيفياته، فإذاً الأُصول ثابتة ، والعادات والتقاليد ـ التي ليست إلاّ لباساً للأُصول ـ هي المتغيّرة.
8. اللّه عادل لا يجور، وهذا من أبرز مصاديق القول بالتحسين والتقبيح وأنّه لا يجور ولا يظلم، إلى غير ذلك من الثمرات التي ذُكرت في محلّها.

بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي

لا شكّ أنّه ليس لأحد أن يكلّف اللّه سبحانه بشيء ويحكم عليه باللزوم والوجوب، لأنّه سبحانه فوق كلّ مكلّف، وليس فوقه أحد، ومع ذلك كلّه فربّما يأتي في كلام المتكلّمين بأنّه يجب على اللّه سبحانه أن لا يعذب البريء، والذين لا يرون للعقل دوراً يستوحشون من قول العدلية، يجب على اللّه كذا أو يمنع عليه هذا، ولكنّهم لم يفرّقوا بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فالذي هو باطل لا يتفوّه به أيّ إنسان موحّد، هو الإيجاب المولوي، فإنّه سبحانه مولى الجميع والناس عباد له;

صفحه 226
وأمّا الإيجاب الاستكشافي بمعنى أنّ العقل يستكشف من خلال
صفاته سبحانه ككونه حكيماً عادلاً قديراً، أنّه سبحانه لا يعذّب البريء، فالقول بأنّه يجب على اللّه سبحانه بمعنى الملازمة بين حكمته وعدله وعدم تعذيب البريء، وليس استكشاف العقل في المقام بأقلّ من استكشاف الأحكام الكونية حيث يحكم بأنّ زوايا المثلث تكون قائمتين، فزوايا المثلث في الخارج موصوفة بهذا المقدار، ولكن العقل يستكشف ذلك.
ooo

دور العقل في الشريعة

ما مرّ من البحث الموجز يعرب عن دور العقل في العقائد والمعارف، وأمّا دور العقل في الشريعة فليس بمعنى أنّ الشرع أعطى زمام التشريع بيد العقل فله أن يشرّع حسب المعايير، كلاّ فإنّ هذه الفكرة خاطئة جداً، وليس دين اللّه وشريعته يصاب بالعقول، ومع ذلك فله دور في تأسيس ضوابط ربّما يبتنى عليها استنباط قسم من الأحكام، وقد حدّد أصحابنا صلاحيته في ذلك المضمار في كتبهم الأُصولية.
والحمد لله رب العالمين .
ooo

صفحه 227

مناقشة الدكتورة رحمة بورقية

أتقدّم بالشكر إلى الشيخ الأُستاذ على هذه المحاضرة القيّمة، وقد استفدنا من كلامه وجود الملازمة بين العقل والشرع، وأنّ المسلمين في فهم الأُصول والفروع ينطلقون من العقل، ولا غنى لهم عنه.
غير أنّ هناك سؤالاً وهو: كيف يمكن للمجتهد استنباط الحكم الشرعي من العقل ؟
نطلب من الأُستاذ توضيح هذا الأمر على نحو الإيجاز.

تحليل المناقشة

أقول: قد تبين خلال المحاضرة دور العقل في تبيين الأُصول والعقائد، وقد تقدّمت الأمثلة على ذلك.
وأمّا الشريعة الّتي يراد بها الأحكام الشرعية الفردية، فقسم منها أُمور توقيفية ليس للعقل إليها سبيل، وهذا كأجزاء وشروط الصلاة والزكاة والخمس والكفّارات وغير ذلك، فإنّها أُمور عبادية متروك أمرها إلى الشارع.
وأمّا الشريعة في المسائل الأخلاقية وقسم من المعاملات فللعقل فيها دورواضح ; أمّا الأخلاق، فإذا استقل العقل على حسن العدل واحترام الميثاق وحسن إجابة الإحسان بالإحسان إلى غير ذلك من المحسنّات العقلية أو استقل بقبح الظلم ونقض الميثاق وقبح جزاء الإحسان بالسوء

صفحه 228
ففي جميع هذه الموارد نستكشف وجوب الصنف الأوّل وحرمة الصنف الثاني.
كلمة سفير الجمهورية الإسلامية وتقييمه للمحاضرة   
وأمّا دور العقل في الحقوق والمعاملات والإيقاعات فالكلام فيه يستغرق وقتاً كثيراً فبإمكان الأُستاذة الرجوع إلى كتابنا «التحسين والتقبيح العقليان».

كلام لسعادة السفير

كانت هناك مناقشات وتحليلات بسيطة لا يهمّنا ذكرها، ولكن نشير إلى الكلمة الّتي ألقاها سعادة سفير الجمهورية الإسلامية هناك .
وممّا جاء فيها قوله:
أشكر مديرية الجامعة حيث أتاحت لنا هذه الفرصة واركّز على نكتة مهمة طرحت في بحوث آية الله العلاّمة السبحاني وهي: كيف يمكن لنا فهم الدين عن طريق العقل؟ وينقسم ذلك السؤال إلى أسئلة أربعة صغيرة:
1. ما هو العقل وما هو موقفه في مجال الدين؟
2. هل الذكرالحكيم يشتمل على البرهان العقلي وينطلق منه؟
3. ما هودور العقل في فهم العقائد، وما هوموقف الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية في ذلك المجال؟
4. ما هو مدى حجّية العقل في مجال العقائد والشريعة؟ وليست هذه

صفحه 229
الأسئلة مختصة بالإسلام والمسلمين، فإنّ الديانة اليهودية والنصرانية والبوذية تواجه أمثال هذه المسألة.
وأظن أنّه لو كان هناك جلسة أُخرى للإجابة عن هذه الأسئلة لارتفع كثير من الغموض والشُّبَه حول دور العقل في فهم العقائد والشريعة.
إنّ هذه الأسئلة أسئلة فلسفية وفي الوقت نفسه أسئلة دينية، وشيخنا المحاضر جامع لكلتا المنقبتين فهو فيلسوف مفكّر، وفقيه واع وله تآليف في نقد الفلسفة الديالكتيكية ومسائل الهرمُنوطيق وسائر المسائل المطروحة هذه الأيام في الشرق والغرب.
أنا أشكر جامعة الملك حسن الثاني كما أشكر ضيفنا المكرم الشيخ جعفر السبحاني ، وقد أشار في ثنايا كلامه إلى سعي المسلمين والمفكّرين منهم في العصر العباسي في تأسيس دار الحكمة في عصر المأمون، كما ذكر أنّ جماعة من المحدّثين سعوا في إطفاء نور العقل، وصار ذلك مثاراً للجدال بين أهل الحديث وغيرهم، ولمّا كانت السلطة تميل إلى الجانب العقلي صارت الساحة خاصة للمعتزلة، ولمّا أخذ المتوكل زمام السلطة تغيرت الحال، فقد صادر الحريات وضغط على المعتزلة وأتاح الفرصة للمحدّثين وقليل من الأشاعرة.
وقد صار ذلك سبباً لرد كلّ فريق على الآخر، فردّ الغزالي (445 ـ 505 هـ) على الفلاسفة بتأليف كتاب «تهافت الفلاسفة»، وقد رد عليه ابن رشد المغربي الأندلسي بكتاب أسماه «تهافت التهافت».

صفحه 230
ثم جاء دور التصوّف فكتب الغزالي في ذلك الوقت كتاب «إحياء علوم الدين» وكان لهذا الكتاب سوق في دولة المرابطين في المغرب الإسلامي.
واغتنم الفرصة لإلفات نظر الحاضرين إلى النقطة التالية:
وهي أنّ العالم الإسلامي بحاجة إلى التقارب بل الوحدة حتّى يتعرف كلّ على ما لدى الآخر من العلوم والثقافات ويستفيد كل من إمكانات الآخرين.
نعم لا يعني توحيدُ الكلمة ، إلغاءَ النقاش العلمي والتبادل الحضاري فإنّ الحقيقة بنت البحث .
تعليق المحاضر على اقتراح السفير   

كلمة المحاضر:

إنّي أدعم موقف سعادة السفير في ما ذكره، فقد كان بين جمهور المسلمين منهجان: عقلي ونقلي، فأصحاب المنهج الأوّل يصدرون في العقائد وغالب الأحكام الشرعية عن العقل ولا يقيمون للنقل وزناً كبيراً، على خلاف أصحاب المنهج الثاني الذين يصدرون في مجالي العقيدة والشريعة عن النقل وإن كان النقل خبر الواحد ومخالفاً للعقل الحصيف .
لكن الإمامية تبعاً لأئمتهم الاثني عشر شقّوا طريقاً ثالثاً وهو الاستضاءة بنوريّ العقل والنقل، فيما إذا كان للعقل مجال الإنارة، وذلك واضح لمن راجع الأُصول الحديثية المروية عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

صفحه 231
فالإمامية وافقوا المعتزلة في أُصول وخالفوهم في أُصول أُخرى، كما أنّهم وافقوا الأشاعرة في مواضع وخالفوهم في مواضع أُخرى. وقد شرحنا تلك الموارد في بحوثنا الكلامية .1

كلمة مدير الجلسة

ثمّن مدير الجلسة المحاضرة والأسئلة والمناقشات والتحليلات الّتي أعقبت المحاضرة، ثم شكر الله سبحانه على ذلك اللقاء داعياً إلى لقاءات أُخرى، وأن تستمر الزمالة والعلاقة بين علماء البلدين بإذن الله سبحانه.

1 . بحوث في الملل والنحل: 6 / 276 ـ 282 .

صفحه 232

صفحه 233
الفصل السابع
محاضرة
في كلية الآداب
والعلوم الإنسانية
في جامعة القاضي عياض
في مراكش

صفحه 234

صفحه 235
محاضرة في جامعة القاضي عياض في مراكش   

مراكش حاضر مشرق وماض عريق

مدينة مراكش إحدى المحافظات الكبيرة للمملكة المغربية وتبعد عن الرباط حوالي 350 كيلومتراً، وتقع في شمال سلسلة جبال الأطلس، وهي منطقة معتدلة الهواء تميل قليلاً إلى الحرارة.
وتُعدّ المدينة بعد الرباط والدار البيضاء من المدن المهمَّة، وهي معروفة بمساجدها القديمة، وحدائقها الوسيعة، وأبنيتها ذات الألوان البرتقالية.
وتشتهر المحافظة بـ : صناعة التعليب، والمطاحن، والصناعات الجلدية، وصناعة النسيج. وعدد سكانها يبلغ قرابة نصف مليون نسمة .
وقد بنيت المدينة في القرن الخامس بيد يوسف تاشكين (تاشقين)، وصارت عاصمة لدولة المرابطين، وقد بقيت من آثارهم المآذن العالية.
ومن معالم مدينة مراكش جامعة القاضي عياض، وقد سُمّيت باسم هذا العالم الكبير، وهو القاضي عياض بن موسى بن عياض الأندلسي ثم السبتي 1 (476 ـ 544 هـ) الفقيه المالكي صاحب كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»، ومن شعره :

1 . سَبْتة من المدن المحتّلة للمغرب ومازالت كذلك من قَبِل «إسبانيا».

صفحه 236
انظر إلى الزرع وخاماتِهِ *** تحكي وقد ماست أمام الرياح
كتيبة حمراء مهزومة *** شقائق النّعمان فيها الجراح
ooo

في الطريق إلى مراكش

أخبرني سعادة السفير بأنّ المحاضرة السادسة ستكون في جامعة القاضي عياض الواقعة في مراكش، وهي بعيدة عن الرباط، فيجب أن نبكّر بالسفر. فتهيّئنا للسفر صباح اليوم التاسع من محرم الحرام وقطعنا المسافة الطويلة بين الرباط ومراكش، وكان في الطريق مراكز متعددة لأخذ الرسوم، بدرجة سببت ضجر السائق وقوله: إلى أي حدّ ندفع هذه الرسوم.
دخلنا المدينة واستقبلنا ممثل وزير التعليم العالي ونزلنا أحد الفنادق المعدّة لاستضافتنا. ودعينا إلى إلقاء المحاضرة الساعة الرابعة بعد الظهر، وكانت القاعة مكتظة بالأساتذة والطلاب. وإليك لائحة بأسماء الأساتذة الحاضرين في هذه الندوة:
1 . الدكتور رضا إبراهيم أُستاذ البحوث الإسلامية.
2 . الدكتور أحمد عمالك أُستاذ التاريخ .
3 . الدكتور حسن المازوني أُستاذ اللغة الفارسية.
4 . الدكتور محمد منسوم أُستاذ الجغرافية.

صفحه 237
5 . الدكتور ميمون باريش أُستاذ البحوث الإسلامية.
6 . الدكتور مصطفى السعليتي أُستاذ علم النفس .
7 . الدكتور محمد كنجي أُستاذ علم النفس .
8 . الدكتور عبد الرحمن الكظيمي أُستاذ الآداب العربية.
9 . الدكتور إبراهيم مشروح أُستاذ الفلسفة.
10 . الدكتور عبد الحميد زاهيد أُستاذ الآداب العربية.
11 . الدكتور محمد مخواض أُستاذ الآداب العربية.
12 . الدكتور الحسين آية سعيد أُستاذ البحوث الإسلامية.
13 . الدكتور عبد اللطيف آية عمي أُستاذ البحوث الإسلامية.
14 . الدكتور عبد المجيد معلومي أُستاذ البحوث الإسلامية.
15 . الدكتور مصطفى رياح أُستاذ البحوث الإسلامية.
16 . الدكتور محمد الطموكي أُستاذ الآداب العربية.
17 . الدكتور عبد الرحمن العمراني أُستاذ البحوث الإسلامية.
هؤلاء هم الرعيل الأوّل من أساتذة جامعة القاضي عياض الّتي بنيت عام 1978 م .
وقد قام عميد الكلية الدكتور عبد الجليل هنوش بإدارة الجلسة
الّتي افتتحت بتلاوة آيات من القرآن الكريم والتعريف بالمحاضر

صفحه 238
والأهداف الّتي تتوخّاها المحاضرة.
وركزت على أنّ الكلام الإسلامي هو السلاح الوحيد أمام الأعداء الذين يشكّكون في عقائدنا وشريعتنا ويهاجمونها بشراسة.
ولقد اختير هذا الموضوع في هذه المحاضرة، لأنّ المتبادر في أنديتنا من الكلام والفلسفة هو الكلام والفلسفة المسيحيان مع أنّ الكلام الإسلامي هو أقدم تاريخاً وأرسخ جذوراً، فقد نضجا بيد كبار علماء الإسلام، وأضفيا على الإسلام بأُصوله وفروعه روعة ويقيناً، على خلاف ما آتاه الكلام المسيحي، فإنّ نتائجه لا تتجاوز عن إيجاد التشكيك .
وإليك نص المحاضرة:

صفحه 239
المحاضرة السادسة: علم الكلام والتحديات المعاصرة   
على ساحل جبل طارق
ــــــــــــــــــــــ
       6

علم الكلام

والتحدّيات المعاصرة

لم تكن الغاية من تشريع الجهاد في سبيل اللّه، وفتح البلاد واجتيازها، هي فرض العقيدة الإسلامية على الأُمم المغلوبة لكي ينضمّوا إلى صفوف الموحّدين شاءوا أم كرهوا، وذلك لأنّ العقيدة، بمعنى الإيمان القلبي، لا تخضع للجبر والإكراه، كما قال سبحانه: (لا إِكراهَ في الدِّين)1، فالذي تضطمّ عليه الجوانح يختلف حكمه عن الأعمال المتعلّقة بالجوارح، حيث يمكن فرض عمل خارجي على الإنسان ليقوم به خوفاً ممّا أُوعد به، ولكن لا يمكن فرض الإيمان على القلب ما لم تكن هناك مبادئ ومقدّمات نفسية أو علمية تورث التصديق وتنتهي إلى إيمان الإنسان به.
لقد كانت الغاية من الجهاد في سبيل اللّه هي تحرير البلاد من حكم الطواغيت الذين كانوا يقفون سدّاً منيعاً يحول بين الناس والدعوة الإلهية

1 . البقرة:256.

صفحه 240
العالمية، وتلاوة آياتها وتوضيح معالمها. وبعد حصول الهدف وإزالة القيود المفروضة على الأُمم، يصبحوا مختارين بين القبول والرفض (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر).1
ومن حسن الحظ أنّ النتيجة كانت إيجابية لا سلبية، وكان الناس يدخلون في دين اللّه زرافات ووحداناً بإخلاص ورضى من دون عنف، إذ كانوا يجدون ضالّتهم في الشريعة الإسلامية التي تتماشى و فطرتهم السليمة وعقولهم الحصيفة.
ولم تمض مدة طويلة على بزوغ شمس الإسلام حتّى رفرفت راياته على ربوع الأرض شرقها وغربها، فتشكّلت أُمّة واحدة من أعراق وعناصر مختلفة جسّدت قوله سبحانه: (إنّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون).2
إنّ مقتضى تشكيل الأُمّة من عناصر وفئات مختلفة، هو احتكاك الثقافات وتوسع المعارف وتلاقح الأفكار المختلفة صار ذلك سبباً لانتقال كثير من العلوم الكونية والرياضية الرائجة في الأُمم المتحضرة إلى الجزيرة العربية وغيرها.
وأعان على ذلك حركة الترجمة التي بدأت تظهر في أواخر القرن الأوّل، فازدهرت العلوم والفلسفة في المشرق الإسلامي ورفع رايتها

1 . الكهف:29.
2 . الأنبياء:92.

صفحه 241
عباقرة من المسلمين في كل صقع وزمان.
إنّ تأثّر المسلمين بما لدى الأُمم الأُخرى من العلوم، وإن كان فيه الكثير من الإيجابيات، لكنّه لم يكن منفكّاً عن بعض السلبيات والمضاعفات حيث بذر شبهاً وطرح أسئلة حول العقيدة الإسلامية وشريعتها، إذ كان فيما بين الكتب المترجمة أُصول ربّما لا توافق ظاهر الشريعة وروحها.
كما أنّ الأسرى الذين نُقلوا إلى الحواضر والمدن الإسلامية قد بثّوا بعض الشبه بين السذّج من المسلمين من غير وعي، فصار ذلك سبباً للنزاع والجدال، فانتهز أعداء الدين هذه الفرصة بإثارة عجاجة الشبهات على أُصول الإسلام وفروعه بين حين وآخر، لغاية الاصطياد في الماء العكر.
وبسبب خطورة الموقف قام الغيارى من علماء الإسلام بالدفاع عن حياضه بنفس المنطق الذي كان الخصم متدرّعاً به، فقاموا بوظيفتهم الرسالية في عصورهم وحياتهم، فصار ذلك نواة لعلم الكلام ونموه وتطوّره بين المسلمين.
لم يزل علماء الكلام في مقدّم خط الدفاع عن الإسلام بمختلف مشاربهم ومسالكهم والذي كان يجمعهم الإيمان بما جاء به نبيهم الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن قرأ تاريخ علم الكلام يقف على مدى الجهود التي بذلتها كلّ

صفحه 242
فئة، والنتائج الباهرة التي توصّلوا إليها.
رحم اللّه الماضين من علمائنا حيث لم يغفلوا ساعة عن صيانة الدين وحفظ الشريعة ببيانهم وبنانهم، وتربية جيل متحصّن بالمنطق والبرهان أمام المهاجمين، بمنطقهم وبرهانهم، فقد طوّروا علم الكلام أحسن تطوير في كلّ قرن حسب تلبية حاجات ذلك الزمان.
نعم كان بين المسلمين من ينكر لزوم ذلك، وربّما يهاجمه بمنطق واه، لكن ذلك لم يثن عزيمة المحقّقين ولم يعتنوا بهذه الفكرة الرجعية الشاذة عن منطق القرآن والسنّة وسيرة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) .
فهذا هو القرآن الكريم ينطق بأفضل البراهين في مجال العقائد: التوحيد وأقسامه، والمعاد وغيرهما.
وهذا هو الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لم تزل سيرته تدعو إلى التفكير في الأُصول والفروع فقد فتح أمام الأُمّة باب التفكير الصحيح في المعارف الإلهية والمسائل العقلية، فإنّه صلوات اللّه عليه يذكر في خطبه ورسائله وكلماته القصار، كثيراً ممّا يرجع إلى أسمائه وصفاته، والعوالم الغيبية مقروناً بالبرهان والدليل، وكفاك في هذا الباب ما ذكره في كيفيّة وصفه سبحانه التي شغلت بال المتكلّمين على مر العصور، فإذا كانت هذه هي مكانة علم الكلام ومنزلته في الدفاع عن العقيدة ، فعلى المسلمين تنميته في كلّ عصر حسب ما تقتضيه حاجات المجتمع.
ولو تردّد باحث في لزوم دراسة المذاهب والمدارس العقائدية في

صفحه 243
الحقب الغابرة، فلا يرتاب في لزومه في العصر الراهن الذي تطورت فيه أجهزة الإعلام والاتصالات اللاسلكية، وتوفّر فيه البثّ المباشر عبر الأقمار الصناعية، فتحاك الشبهة في الغرب في ساعة وتُبثّ بعد دقيقة في الشرق وتعمّ العالم كلّه.
وقد استغل غير واحد من النصارى واليهود ضعف المسلمين في مجال الصناعة والعلوم الطبيعية فصاروا يبثّون الشبهات التي لو تركت بحالها لزعزعت العقيدة الإسلامية في نفوس الشباب.
وهذا ما يدعو علماء الإسلام إلى بذل الجهود في قسم العقيدة ودراسة الشبه أو المسائل الكلامية الجديدة في ضوء الدليل والبرهان.
وهانحن نذكر بعض ما يجب دراسته في جامعتنا الدينية على وجه مفصّل، ونحن نعتقد أنّ أُصول الكلام الإسلامي التي وصلت إلينا عن مشايخنا ومحقّقينا كافية في إعانتنا على تفنيد هذه الشبه، ولكن الذي نحتاج إليه هو عرضها على نحو يوافق روح العصر ولغة الشباب.

1. سبب نشأة الدين

لم يزل المادّيون ودعاتهم يثيرون هذا السؤال بين الناس ويجيبون عنه بأنّ نشوء الدين في المجتمعات لم يكن عن تعقّل فلسفي أو قانون علمي، بل أنّ ثمّة عوامل مادية سبّبت تولّد فكرة الدين والتوجّه إلى العوالم الغيبيّة في العقل البشري، وهي:

صفحه 244
إمّا خوف الإنسان من الحوادث الطبيعية المرعبة، فتخيّل وجود قوة عليا ليلوذ بها عند الزلازل والآفات.
وإمّا الجهل بالعلل الطبيعية، فنسب الظواهر الكونية إلى قوة غير طبيعية.
أو غير ذلك من العوامل المتخيّلة.
وهذا يناقض ما عليه الإلهيّون من أنّ للدين جذوراً في
الفطرة والإنسان يميل إليها ميلاً فطرياً، مضافاً إلى أنّ الإلهيين كانوا
حاملي راية العلم وكشف العلل الطبيعية، فكيف يمكن رميهم بهذه التهم الواهية؟!

2. ماهي الحاجة إلى الديّن؟

إنّ الماركسية قبل انهيار الاتحاد السوفياتي كانت تثير هذه الشبهة وتنكر حاجة الإنسان إلى الدين، وإنّ المجتمع الإنساني قد بلغ في العلم والوعي مستوى يغنيه عن التعلّق بمبادئ غيبيّة غير مرئية.
وهذا ما يدعو عباقرة المسلمين إلى دراسة الدين وماله من الآثار البنّاءة التي لا يغني عنها العلم والمعرفة المادية.
بشهادة أنّ المجتمع البشري قد بلغ درجة عالية من العلم لكنّا نراه على شفا حفرة من الهلاك والدمار بسبب هذا التطور المادي فقط.

صفحه 245

3. شمولية الدين

إنّ الليبرالية تحدّد دور الدين بأنّه علاقة روحية بين الخالق والمخلوق، فالدين أمر فردي يقوم به الإنسان في بيته وكنيسته ومسجده وما للدين و التدخل في الأُمور الاجتماعية والسياسية!!
وهذا يناقض ما جاء به نبينا الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) تماماً، فإنّ الشريعة الإسلامية قد جاءت لإنقاذ البشر على الصعيدين الروحي والمادي.
فحصر دور الدين بالأُمور المعنوية إنكار للشريعة الإسلامية التي تلبّي حاجات الإنسان في كافة الجوانب.

4. النبوة موهبة إلهية أو نبوغ اجتماعي

إنّ هؤلاء الذين يريدون القضاء على الشرائع السماوية قد فسّروا النبوة بأنّها نبوغ اجتماعي، ويصوّرون النبي نابغة عصره في إصلاح بيئته، وبذلك يقطعون صلة الأنبياء بعالم الغيب ويصوّرون النبي كأنّه نابغة اجتماعية أظهر أفكاره بصورة أنّه مبعوث من اللّه حتّى تأخذ مكانها بين الناس.
هذا التفسير يُعدّ أكبر افتراء على الدين، وأين هؤلاء من المصلحين العاديين الذين يلعبون في حياتهم على حبلين؟!

صفحه 246

5. خلود الشريعة واستمرارها

الشريعة الإسلامية باعتبارها خاتمة الشرائع ونبيها خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب، شريعة خالدة لا تمسّها يد التغيير والتبديل،ولكن الليبرالية تتّهم الشريعة الإسلامية بأنّ قوانينها كانت رد فعل للوضع السائد آنذاك ولا خلود لها بعد تغير الظروف.

6. الوحدة أو التعدّدية الدينية

التعدّدية الدينية تريد إضفاء الصحّة على كافة الشرائع في عامّة الأزمنة، وتقول يكفي في سعادة الإنسان أن يلتزم بإحدى الشرائع من غير فرق بين المنسوخة والناسخة، وعدّوا منها البوذية والهندوسية. وأين هذا من قوله سبحانه: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا).1

7. تعارض الدين والعلم

إنّ هذه الفكرة وإن لم تكن فكرة حديثة بل لها جذور في التاريخ، ولكنّها أصبحت في هذه الأزمنة مسألة عويصة جرّت الشك والتزلزل إلى بعض أُصولنا وفروعنا، حيث زعموا أنّ طريق الدين غير طريق العلم، فتارة يتّحدان وأُخرى يتفارقان، وقد أشعلت فتيلة هذه المسألة نظرية تكامل الأنواع التي رفع رايتها «دارون» الذي أنكر أصالة الإنسان وخلقته من طين

1 . البقرة:137.

صفحه 247
وعرّفه بأنّه موجود مشتق عن شيء يشبه القردة.
إنّ للحق دولة وللباطل جولة، وهذه الفكرة الباطلة قد جالت وصالت في الأوساط العلمية مدة يسيرة حتّى قضت عليها التجارب المتأخرة فجعلتها في مدحرة البطلان. ومع ذلك لم تزل الفكرة تتجلّى في مسائل بصور أُخرى.

8 . صلة الدين بالأخلاق

الأخلاق جزء من الدين وهي تستمد منه، ولولا الاعتقاد بيوم الحساب والعقاب لما قام للأخلاق عمود ولا اخضرّ لها عود، فالدين عماد الأخلاق، خلافاً لكثير من المادّيين الذين يفصلون الأخلاق عن الدين ويعتقدون أنّه يمكن أن يكون الإنسان رجل الأخلاق وفي الوقت نفسه منكراً للعوالم الغيبية.

9. التضاد بين الدين والحرية

إنّ الوجوديّين وعلى رأسهم الفيلسوف الطائر الصيت (سارتر) يحمل راية هذه الفكرة، وأنّ الحرية الكاملة للإنسان في سلوكه الفردي والاجتماعي رهن رفض أي عقيدة تحدد حريته.
ولكنّه غفل عن أنّ حرية الإنسان محددة بإطار خاص، سواء أشاء أم لم يشأ، فهل يمكن له أكل كلّ ما شاء أو فعل كلّ ما يشاء؟ فلا محيص من

صفحه 248
تحديد لحرياته، ففي إعطاء زمام الحياة للحرية الكاملة، هدم للحضارة وانحلال عن الإنسانية.

10. الهرمونطيق وتفسير النصوص

هذه النظرية تعرف النصوص الدينية بأنّها مجموعة رموز و ألغاز كلّ يفسّـره حسب ذوقه وما يحيط به من فكر ووعي، فلا يمكن لأحد أن يصف قراءته للدين بأنها هي القراءة الصحيحة، فلذلك أعادوا السفسطة إلى الساحة.
هذه نماذج من المسائل الجديدة أوالشبهات التي أخذت لنفسها دوراً في إغراء الشباب بالابتعاد عن الدين، وهذا ما يدفع كلّ عالم إلى بذل الجهود لدراستها وحل عقدها ونشر ذلك في الملأ الإسلامي على ضوء التفكير الصحيح.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
ooo
أسئلة وردود حول محاضرة: علم الكلام والتحديات المعاصرة   

كلمة عميد الكلية

قد ثمّن عميد الكلية المحاضرة، وقدّرها، وأتاح الفرصة للمشاركين من الأساتذة والطلاب للمناقشة.

صفحه 249

1. مناقشة أحد الأساتذة

إنّ الذكر الحكيم والحديث النبوي الصحيح قد أغنيا المسلمين عن كلّ فكرة، ففي ظلهما يتميز الصحيح عن الخطأ، فلا حاجة إلى البحوث الكلامية الّتي تحملها علماء الإسلام عبر قرون، فلو كانوا مركّزين جهودهم على فهم القرآن والحديث واستخراج العقيدة الصحيحة عنهما لأغنتهم عن تلك التجشّمات الكلامية.

تحليل المناقشة

لاشكّ أن القرآن الكريم هو أحد المصادر لمعرفة العقيدة الإسلامية، كما أنّ الحديث المتواتر أو المحفوف بالقرينة مثل القرآن الكريم يأخذ بيد الإنسان ويهديه إلى سبيل الرشاد.
وأمّا خبر الواحد وإن كان صحيحاً فلا يصحّ أن يكون مأخذاً ومصدراً للعقيدة، لأنّ الخبر الواحد مهما كان صحيحاً لا يفيد العلم، لأنّ الراوي غير معصوم فمن المحتمل جداً طروء الاشتباه عليه عند السماع، أو غير ذلك من العلل الّتي توجب كون الخبر الواحد مفيداً للظن، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ المطلوب في مجال العقيدة هو تحصيل اليقين والجزم، والخبر الواحد لا يفيد ذلك.
فما في صحيحي البخاري ومسلم من أخبار الآحاد يجب العمل بها في مجال الشريعة والأحكام العملية، لأنّ المطلوب فيها هو العمل وإنّ لم

صفحه 250
يكن هناك يقين بالصحة والصدور، بل يكفي وجود الحجة على الحكم الشرعي وخبر الثقة حجة.
وأمّا الاعتماد على الصحاح في مجال العقيدة فهو رهن كون الخبر مفيداً للعلم حتّى نصل إلى الغاية المتوخاة في مورد العقيدة وهو الجزم والقطع.
ونضيف إلى هذا التحليل أنّ القرآن كتاب صامت يحتاج إلى الاستنطاق فهو لا يتكلم ما لم يستنطقه الإنسان، وعند ذلك يتجلّى أنّ القرآن الكريم يطرح المسائل العقائدية ببرهان ودليل، يقول سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ)1 .
تدبّر في هاتين الآيتين ترى أنّ الآية الأُولى تشير أوّلاً إلى قاعدة كلاميّة عقلية وهي بطلان حدوث الممكن بلا علة، وثانياً إلى بطلان أن يكون الشيء سبباً لوجوده، وبالتالي لزوم تقدّم العلّة على المعلول والسبب على المسبب.
كما أنّ الآية الثانية تستنطق وجدان الإنسان وهو مَن هو خالق السماوات والأرض؟ وهل الخالق هؤلاء، أو غيرهم؟ فمن هذا الغير؟
إنّ القرآن الكريم يدعو إلى التفكير والتعقّل في السماوات
والأرض، وهذا يدلّ على أنّ التفكير في عالم الوجود يولد علوماً

1 . الطور: 35 ـ 36 .

صفحه 251
وأفكاراً يهتدي بها الإنسان إلى الله سبحانه.
إنّ أعداء الدين هم الملاحدة والمادّيون ولهم منطق خاص، فكيف يمكن أن نناظرهم بالقرآن والحديث وهم ينكرون منزّل القرآن، ولذلك يجب على المسلمين التسلّح بسلاح الخصم في ميدان الجهاد الفكري كما يجب عليهم التسلّح في ميدان الجهاد العسكري، يقول سبحانه: (وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَ عَدُوَّكُمْ)1.

2. مناقشة أُستاذ آخر

ركّز ذلك الأُستاذ على إنكار الحرية، وأنّ الإنسان كيف يكون حرّاً في حياته مع أنّ المذكور في الآيات والروايات هو أنّ مصير كل إنسان قد حدّد من ذي قبل، وقد جاء عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه سأله سائل وقال: يا رسول الله، أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: ففيمَ يعمل العاملون؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كل ميسّر لما خلق له .2

تحليل المناقشة

إذا كان القرآن هو المصدر الأوّل للعقيدة الإسلامية، فالذكر الحكيم في خطاباته وتكاليفه يعتمد على حرية الإنسان في الإيمان والكفر، وانّه

1 . الأنفال: 60 .
2 . صحيح مسلم: 8 / 48، كتاب القدر ; سنن أبي داود: 2 / 415 برقم 4709 .

صفحه 252
ليس مكتوف اليد في اختيار أحد الأمرين، وانّ علمه سبحانه بمصير كلّ فرد لا يسلب الاختيار عنه، قال سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَ مَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ )1 .
وقال سبحانه: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )2.
وعلى ضوء الآيتين وسائر الآيات والفطرة الإنسانية السليمة الّتي عليها بني الدين الحنيف، فالإنسان حرّ في مقام العمل، حرّ في تخطيط مصيره في الإيمان والكفر، فلا بدّ لنا من تفسير الحديث على وجه لا يخالف الضرورة الدينية.
ولعلّ قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حسب ذلك النقل: «كلّ يعمل لما خلق له» يشير إلى حرية الإنسان، وذلك لأنّ الإنسان خلق للسعادة لا للشقاء، فكيف يمكن أن تكون الغاية من خلقه هي الشقاء، وهو سبحانه تباهى عند خلقه له بقوله: (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)3 .
فلو خلق الإنسان لتحصيل السعادة في النشأتين، فيكون الإنسان هو الذي يغير مصيره من السعادة إلى الشقاء، ومن الإيمان والطاعة إلى الكفر والعصيان .
وأرجو من الله سبحانه أن يوفقّني لتوضيح فكرة الجبر والتفويض

1 . الأنعام: 104 .
2 . الكهف: 29 .
3 . المؤمنون: 14 .

صفحه 253
والأمر بين الأمرين في محاضرة مستقلّة ، لأنّ البحث طويل الذيل، مترامي الاطراف .

أسئلة وتحليلات أُخرى

كانت هناك عدّة أسئلة أعقبتها تحليلات لست أذكرها ولم نوفق للحصول على شريط تسجيلها.
ولكن الأسئلة كانت حاكية عن هجوم فكرة غربية على أبناء مراكش من جانب، وغلبة الفكر السلفي على الأذهان من جانب آخر. والطالب المغربي هناك بين مطرقتين .
بعد أنّ انفضَّت الجلسة دُعينا إلى تناول الشاي، والتجوال في أركان الجامعة، والتعرّف على الأساتذة إلى أن اقترب المغرب، فودعنا الحضور راجعين إلى الفندق لإقامة الصلاة ومغادرة المدينة إلى الرباط، بفضل الله تعالى.
ooo
كان لنا خلال أقامتنا في المغرب لقاءات مع الشخصيات العلمية وأحياناً السياسية البارزة فخصصنا الفصل التالي لبيانها.

صفحه 254

صفحه 255
الفصل الثامن
لقاءات
مع الشخصيات البارزة
وزيارة
المعالم والآثار التاريخية

صفحه 256

صفحه 257

تمهيد:

منذ أن استقرّ بنا المقام في المغرب وانتشر الخبر في الأوساط العلمية والسياسية، وانّ السفر كان بدعوة رسمية من وزير التعليم العالي، بدأت الشخصيات العلمية والثقافية وكذلك السياسية بالتوافد على مقرّ إقامتنا.
وكان أغلب الحوار في هذه اللقاءات يدور حول مسائل فكرية، فلسفية، إسلامية، وقلّما يتّفق أن يكون اللقاء من أجل مسائل سياسية حادّة ربّما تخدش العواطف، وعندما يصل الحوار إلى هذ النوع من المسائل الّتي كنّا نصفها لهم (بالخطوط الحمراء) كنت أُحيل الإجابة عنها إلى سعادة السفير، ويسبب ذلك العجب والضحك.
ومن المعلوم أنّ التهرّب من الخوض في خضمّ المسائل السياسية ليس معناه أنّ العالم الديني يجب أن يتحرز عن هذه المسائل، بل أنّ معناه انّ لكلّ كلام مجالاً، ولكلّ فكرة زماناً، فعلى الإنسان أن يعرف الظروف ويتكلّم بمقتضى الحال الّذي هو ميزان البلاغة.
وفيما يلي بعض ما جرى في هذه اللقاءات :

صفحه 258
لقاء مع المستشرق الإيطالي «وايشر»   
 
1

لقاء مع المستشرق الإيطالي

«وايشر»

إنّ للفاتيكان سفارات في مختلف البلدان ومنها المغرب، فقد احتضنت الرباط سفير البابا، ومن ضمن العاملين في هذه السفارة، المستَشرق الإيطالي «وايشر»، وقد طلب من سفارة الجمهورية الإسلامية أن ترتّب له لقاءً مع ضيفها، وقد اغتنمتْ السفارة الفرصة، وأجابت طلبه، وتحقّق ذلك اللقاء في الساعة الرابعة عصراً من اليوم السابع من شهر محرم الحرام، وانعقدت الجلسة في السفارة.
ولمّا كان هذا المستشرق لا يجيد العربية فقد رافقه مترجم يعرف العربية والإيطالية.
وبعد التعارف وتبادل التحيات، عزمت على أن ألفت نظره إلى أمرين غير خافيين عليه، هما:
1. ان المجتمعات الغربية بساستها ومثقّفيها يشاهدون هجوم الصهاينة على الأراضي الإسلامية في فلسطين المحتلة، وأنّه لا يمر يوم إلاّ

صفحه 259
وهناك تدمير لدور الفلسطينيين وإبادة لهم وتشريدهم من مكان إلى مكان، ومع ذلك فالمسيحيون (حكومات وشعوب) صامتون أمام هذه الهجمات الشرسة والوحشية، وفي نفس الوقت يعدّون أنفسهم مقرّري لائحة حقوق الإنسان.
2. في العام الّذي احتل الصهاينة قسماً من الأراضي الإسلامية وأنشأوا دولة غاصبة على أنقاض دور المسلمين، ثارت ثائرة شعبنا الإيراني المسلم وأصدر العالم الديني المعروف في طهران السيد محمد الموسوي البهبهاني (1291 ـ 1383 هـ) بياناً كتبه له يوم ذاك السيد الخميني ببنانه ، وأمضاه السيد البهبهاني، وقد ندّد فيه بالصهاينة، وشدّد عليهم وفي الوقت نفسه أشار إلى موقف القرآن الكريم من المسيحية، وأنّ موقفهم في هذا الوقت لا ينسجم مع ما وصفهم القرآن الكريم به قبل أربعة عشر قرناً .
وإليك نص البيان:
صاحب الحضرة القدسية البابا الأعظم
الفاتيكان
قال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسيِنَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ )1.

1 . المائدة: 82 .

صفحه 260
الأخبار المؤسفة الواصلة من فلسطين سبّبت قلقاً في المحافل الدينية والشعبية في إيران ولفتت إليها أنظار المراكز الدينية.
إنّ ممارسة الفتن من طائفة شاذة، أعني: اليهود اللُّجاج، ليس أمراً جديداً ولا عجيباً، لأنّهم سوّدوا صفحة الإنسانية، ويعتبرهم التاريخ خصماء البشرية، ولكن الّذي يثير العجب والحيرة مساندة الشعوب المسيحية واعترافهم بهذه الدولة اللقيطة.
إنّهم بمساعدتهم واعترافهم بهذه الدولة الغاصبة كانوا قد جرحوا قلب المسيح (عليه السلام)، لأنّ اليهود هم الذين هتكوا ناموسه واتّهموها بتهم مشينة، ومازالوا مصرّين على ذلك حتّى يومنا هذا .
ومازالوا يوجّهون اعتداءاتهم إلى المسيح والمسيحية.
قام نبي الإسلام أمام هذه الافتراءات الباطلة وبيده كتاب الله الكريم، فأصدر بياناً يتضمن عظمة المسيح وطهارة أُمّه الصديقة عن كل شين ورين، وبذلك طهّر أعطافها عن لوث التهمة وتلقى عن منبع الوحي سورة كاملة تنطق بتنزيهها وتعظيم شأنها وفضح اليهود.
أيصحّ بعد ذلك أن تدين المسيحيةُ الإسلامَ والمسلمين بعقدها الأُخوة مع أعداء الإسلام ويكونوا معهم صفاً واحداً ضد المسلمين؟!
أهكذا يكون الجزاء أمام خدمة الإسلام للمسيح وأُمّه الصدّيقة (عليهما السلام)؟!
وربّما لا يثير هذا إعجاباً من الساسة المحترفين، فإنّ حرفتهم تجذبهم إلى التناكر تارة والتعارف أُخرى. ولكن الّذي يثير العجب هو

صفحه 261
سكوت المحافل الدينية المسيحية، أمام هذه الاعتداءات، فصاروا ـ مكان نصح دولهم وإيقاظ شعوبهم عن نومة الغفلة ـ صامتين ساكتين وكأنّهم لم تلق على عاتقهم أيّة مسؤولية دينية.
إنّي شخصياً ونيابة عن الشعب الإيراني المسلم، وبالأخص عن علماء الدين في إيران، استنكر عمل اليهود كما استنكر عمل مساعديهم في ذلك العدوان الواضح، وأسأل الله سبحانه أن ينصر المسلمين وأن يخذل المتجاوزين.
وفي الختام أطلب من البابا نصح الشعوب المسيحية ومنعهم من مساعدة اليهود الذين اعتدوا على المسلمين وأوردوا خسائر في الأرواح والأموال وألاّ يخدشوا عواطف ملايين المسلمين لإرضاء جماعة قليلة من شذاذ الآفاق، ولعل طلبنا هذا بالنسبة للمقام الّذي يتمتع به البابا هو طلب وجيه، لأنّه لم يزل هادياً للمسيحيين عبر القرون .

صفحه 262
 
بيان استنكاري للمرجع الأعلى
آية الله البروجردي
عند احتلال فلسطين
لم يكن بيان السيد البهبهاني فريداً في بابه، بل تلته استنكارات كثيرة ودانت عمل الصهاينة وندّدت بهم، فقد قام المرجع الديني الأعلى السيد حسين الطباطبائي البروجردي (1292 ـ 1380 هـ) بإصدار بيان استنكاري حول قتل المسلمين غيلة في الباكستان واحتلال فلسطين من قبل اليهود، وإليك نصّ البيان:
نحمد الله تعالى في السرّاء والضرّاء وعلى كلّ حال، ونشكو إليه ما لقيه إخواننا المسلمون في زماننا هذا من المشركين في باكستان، ومن اليهود في فلسطين، ولقد صدّق عملهم بالمسلمين ما أخبرنا الله تعالى به في كتابه الكريم: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسيِنَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ)1 .

1 . المائدة: 82 .

صفحه 263
ولكن العجب والأسف كلّه من صنع اليهود، فإنّهم بعدما كانوا تحت حماية الإسلام والمسلمين قريباً من أربعة عشر قرناً محفوظين بنفوسهم وأعراضهم وأموالهم وشعائرهم الدينية، قد أصبحوا في هذا الزمان ينتقمون من المسلمين على ما صنعوه إليهم في تلك المدة المديدة من الإحسان، فجعلوا يقتلون رجالهم الصالحين بالفتك والغيلة والقتال، ويقتلون ذراريهم ويهتكون أعراضهم، ويخربون معابدهم وبيوتهم، ولا يرقبون فيهم إلاًَّ ولا ذمة وأُولئك هم المعتدون .
فنسأل الله تعالى أن ينصر المسلمين نصراً عزيزاً، ويجعل لهم من لدنه سلطاناً نصيراً، وأن يخذل أُولئك القوم الذين لم يُراعوا حقَّ المسلمين، ويضْرب عليهم الذلّة والمسكنةَ، ويجعلهم أذلَّ الأُمم، ونرجو من إخواننا المؤمنين ببلاد إيران وغيرها أن يجتمعوا في الدعاء عليهم بالخذلان ولإخوانهم المسلمين بالنصر والغلبة .
اللّهم انصر جيوش المسلمين وسراياهم ومرابطيهم في مشارق الأرض ومغاربها، واخذل أعداءهم، وفرّق بين كلمتهم، والق الرعب في قلوبهم، وانزل عليهم بأسك الّذي لا تردّه عن القوم المجرمين، وصلّ على أشرف أنبيائك محمّد وآله المنتجبين .
حسين الطباطبائي البروجردي

صفحه 264

كلمة المستشرق وايشر

إنّ المستشرق وايشر بعد سماعه موجز البيانين، أجاب بأنّ البابا قائد روحي عطوف على عامّة الناس ومنهم المسلمون، وهذا العطف شعاع من حب المسيح للإنسان كلّه.
ولكنّه لم يذكر شيئاً بما يخصّ فلسطين، ولذلك علّقت على كلامه بما يلي:
لاشكّ أنّ المسيح كان سفير الحب والمودّة ولكنّه ليس ذاك من خصائص سيدنا المسيح (عليه السلام)فقط، بل الأنبياء عامّة مظاهر للحب والودّ، وآية ذلك انّهم تحمّلوا في طريق هداية الناس أشد الآلام والمصائب، ولذلك يصف الذكر الحكيم نبي الإسلام بكونه رحمة للعالمين وورد في رواياتنا عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قولهم: «وهل الدين إلاّ الحب» .1
وهذا أمر طبيعي، لأنّ الإنسان إذا عرف الحقيقة يعشقها ويحبها،إذا كان سليم الفطرة.
لقاء مع محققة إيرانية في مكتبة جامعة القرويين   
ولما استمع «وايشر» ما علّقت به على كلامه، قال: الحق معكم، والوظيفة المهمة الموضوعة على عاتقنا هي التعاون مع عامّة الناس حتّى يحلّ الحب والود مكان البغض، والسلم والصلح مكان الحرب وسفك الدماء.

1 . سفينة البحار: مادة «حبّ».

صفحه 265
 
2
لقاء مع محققة إيرانية في مكتبة جامعة القرويين
تقدّم إنّي قد ألقيت محاضرة حول التفسير الموضوعي، وأُخرى حول تطور أُصول الفقه عند الإمامية في جامعة القرويين في مدينة «فاس»، وبعد الفراغ من المحاضرة الثانية دُعيت إلى غرفة الاستراحة واللقاء ببعض الشخصيات، ومن بين هؤلاء سيدة إيرانية جاءت ومعها ابنها، وكانت مرتدية الحجاب الإسلامي، فعرّفت نفسها وقالت: هاجرت من إيران مع زوجي قبل 37 سنة إلى المغرب، وسبب ذلك هو أنّ زوجي انتدب لتدريس اللغة الفارسية في المغرب، وقد توفّي زوجي قبل بضع سنين، وأُلقيت مسؤولية العائلة على عاتقي، وأنا الآن مشغولة في مكتبة جامعة القرويين.
قلت لها: من أي مدينة من مدن إيران؟! فأجابت من محافظة گيلان. وكانت تتكلّم الفارسية بجودة ولم تتأثر بالبيئة الّتي تحيطها.
ثم أضافت: إنّي جئت بخدمتكم لأُهدي بواسطتكم شيئاً ثميناً إلى الشعب الإيراني وجدته في مكتبة القرويين، وهؤلاء لا يستفيدون منه، وهو:
إنّي كنت استنسخ قبل سنين الترجمةَ الفارسية للقرآن الكريم الّتي قام

صفحه 266
بها نظام الدين القاري النيسابوري 1 فظفرت بحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)منظوم بالفارسية من بحر الكامل... ويرجع تاريخ كتابة النسخة إلى سنة 976 هـ ، وقد أُتِيَ بها من تركيا إلى أبي منصور السعدي ملك مراكش في ذلك العصر...
وقد وردت هذه القصيدة في آخر (مصحف شريف): «وقفه أبو العباس المنصور السعدي أواسط رمضان 1007 هـ ، وقد أُهدي المصحف إليه من تركيا» (لا يعرف مهديه ولاناسخه).
وأمّا أبو العباس الّذي أُهدي إليه هذا الحديث المنظوم، فهو أحمد المنصور بالله السعدي من سلاطين السعديين في المغرب الأقصى، ولد عام 956 هـ في مدينة فاس، وتوفّي في الدار البيضاء عام 1012 هـ ، ودفن في مقبرة السعديين في مدينة مراكش.
وأضافت السيدة بما أنّ هذا الحديث المنظوم يحكي عن سعة اللغة الفارسية وتجاوزها الحدود أهديها إلى الشعب الإيراني بمناسبة مرور 25 سنة على تأسيس الجمهورية الإسلامية.
زيارة دار الحديث الحسنية   
وبما أنّ الناظم قد قام بنظم الحديث ـ المروي عن الإمام حول الاستخارة بالمصحف ـ باللغة الفارسية ولا يستفيد منه أكثر قرائنا، تركنا إيراده هنا، ولكنّنا جئنا به كاملاً في كتابنا باللغة الفارسية الّذي يتناول تفاصيل رحلتنا هذه.

1 . المعروف بـ «نظام الدين الأعرج» .

صفحه 267
 
3

زيارة دار الحديث الحسنية

إنّ لعلم الحديث في المغرب جذوراً عريقة، وقد ربّت هذه البلدة في أحضانها أكابر المحدّثين وشُرّاح الحديث، وقد أُسس في الرباط مؤسسة باسم «دار الحديث الحسنية» يديرها الدكتور أحمد الخمليشي، وأظن أنّ الدار تتضمّن أيضاً قسماً للقراءة والتجويد .
دخلنا دار الحديث باستقبال حافل، وكان اللقاء في غرفة خاصة جمعت الأساتذة ، وقد جرى الحديث في مجالات شتّى. ولمسنا اهتمامهم بالحديث وتصحيحه ونقده مقتصراً بالاسانيد مع أنّ هناك طرقاً أُخرى لتصحيحها، وهي لا تقل أهمية عن تصحيح الاسانيد وهي دراسة مضمون الحديث ومفاده وعرضه على القرآن الكريم والسنّة المتفق عليها والتاريخ القطعي الصحيح والعقل الحصيف وإجماع العلماء والفقهاء .
وهذا النوع من الدراسة يوجب سقوط قسم من الأحاديث الّتي رواها الشيخان في صحيحيهما، وتلقّاه المحدثون حقائق مسلّمة.
وقد سبقنا في هذا النوع من الدراسة الأُستاذ محمد الغزالي المصري بتأليف كتاب «الحديث النبوي بين أهل النقل وأهل الفهم»، وقد أوجد الكتاب

صفحه 268
ضجّة كبرى في السعودية بين السلفيين، وها نحن نذكر شيئاً من هذا النوع من الدراسة الّتي ألّفتُ حولها كتاباً أسميناه بـ «الحديث النبوي بين الرواية والدراية»، وقد انتشر في بيروت.

عرض الحديث على الكتاب

إنّ الكتاب العزيز كتاب خالد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وإذا كان الحديث مخالفاً لصريح القرآن الكريم يُضرب عرضَ الجدار، مثلاً يقول سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)1 ،ويقول سبحانه: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ )2. ويقول: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)3.
فكلّ حديث دلّ على التجسيم، والرؤية ولو في يوم القيامة، والجبر وسلب الاختيار فهو حديث مردود وإن نقله الشيخان .
فلنأت بمثال: أخرج مسلم عن ابن عمر أنّه لمّا طعن عمر أُغمي عليه فصيح عليه، فلمّا أفاق، قال: أما علمتم أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ الميت ليعذب ببكاء الحي. 4

1 . الشورى: 11 .
2 . الأنعام: 102 .
3 . الكهف: 29 .
4 . صحيح مسلم:3/41، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

صفحه 269
هذه الرواية وإن رواها مسلم بطرق مختلفة لكنّها مرفوضة جداً، لأنّها تخالف صريح القرآن.
قال سبحانه: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)1.
وقال سبحانه: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَو كانَ ذا قُربى)2.
فكيف يمكن أن نقبل انّ الميت البريء، يُعذَّب بفعل الغير وهو شيء يرفضه العقل والفطرة؟! وقيل:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم *** فكأنّني سبّابة المتندّم
ولأجل ذلك ردّت السيدة عائشة هذه الرواية.
أخرج مسلم أيضاً عن عبد الله بن أبي مليكة، وفيه أنّ صهيباً دخل على عائشة فحدّثها بما قال ابن عمر فقالت: لا واللّه ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قط، إنّ الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنّه قال: إنّ الكافر يزيده اللّه ببكاء أهله عذاباً وانّ اللّه لهو أضحك و أبكى ( ولا تَزر وازرة وزر أُخرى...) إلى أن قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنّكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ. 3
وهذه الرواية وإن دفعت بعض الإشكال ولكنّها لم تقلعه، لأنّ مقتضى

1 . الأنعام: 164 .
2 . فاطر: 18.
3. صحيح مسلم:3/43، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

صفحه 270
الآية هو العموم، وهو انّ الإنسان لا يعذب بفعل غيره، سواء أكان مسلماً أو كافراً، لعمومية العلّة: (لا تَزر وازرة وزر أُخرى) مع سعة حكم العقل بقبح عقاب البريء بذنب الآخر .
والصحيح في ذلك ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن
أبيه قال:
ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمان سمع شيئاً فلم يحفظه إنّما مرّت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وانّه ليعذب. 1أي يعذب بأعماله التي اقترفها في حال حياته.

عرض الحديث على السنّة المتواترة

دلّت السنّة المتواترة على تقديم الخطبتين على الصلاة في يوم الجمعة، ومع ذلك ربّما يروى ـ تصحيحاً لعمل عبد الله بن الزبير ـ بأنّ السنّة جرت على تقديم الخطبتين تارة وتأخيرهما أُخرى، وهو حديث مردود يضاد السنّة المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
أخرج أحمد في مسنده عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير في يوم العيد يقول ـ حين صَلَّى قبل الخطبة ثم قام يخطب الناس ]فيجيب على اعتراض الناس بتقديم الصلاة على

1 . صحيح مسلم:3/44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

صفحه 271
الخطبتين [ـ بقوله: كلاًّ سنّة الله وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)1.

عرض الحديث على التاريخ القطعي

وممّا يتميّز به الحديث الصحيح عن غيره هو عرضه على التاريخ الصحيح إذا كان الحديث حديثاً تاريخياً.
إنّ التاريخ الصحيح الّذي اتّفق عليه أعلام المسلمين وأهل السيرة والتاريخ أحد المعايير للتمييز، ولنذكر نموذجاً:
أخرج مسلم في صحيحه، في فضائل الصحابة، عن ابن عباس: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي: يا نبي اللّه ثلاث أعطنيهنّ؟
قال: نعم.
قال: عندي أحسن العرب وأجمله أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها؟
قال: نعم.
قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك؟
قال: نعم.
قال: وتؤمّرني حتى أُقاتل الكفّار كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال: نعم.

1 . مسند أحمد : 4 / 4 .

صفحه 272
قال أبو زميل: ولولا انّه طلب ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أعطاه ذلك، لأنّه لم يكن يسأل شيئاً إلاّ قال: نعم. 1
أقول: لا يشك أي باحث متضلّع في التاريخ الإسلامي انّ الحديث موضوع من قبل سماسرة الأهواء وأذناب البيت الأُموي الذين كانوا يحملون نزعات أُموية، وذلك لاتّفاق المسلمين على أنّ النبي تزوج بأُمّ حبيبة قبل فتح مكة، وانّ أبا سفيان دخل المدينة بغية لقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل إسلامه وكانت أُمّ حبيبة زوجته، وإنّما استسلم أبو سفيان بعدما اجتثت جذور الشرك في جزيرة العرب وفتحت معاقله.
حكى ابن هشام في ذكر الأسباب التي دعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسير نحو مكة في شهر رمضان سنة 8 هـ وقال: ثمّ خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، فدخل على ابنته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللّه طوته عنه ، فقال: يا بُنيَّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟
قالت: بل هو فراش رسول اللّه وأنت رجل مشرك نجس ولم أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه. 2
وقد اتّفق كُتّاب السير على أنّ أُمّ حبيبة أسلمت في مكة المكرمة قبل الهجرة، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، وذكرها ابن هشام من المهاجرات إلى الحبشة.

1 . صحيح مسلم: 7/171، باب فضائل أبي سفيان بن حرب.
2 . سيرة ابن هشام:2/396، وغيرها من المصادر المتوفّرة.

صفحه 273

عرض الحديث على العقل الحصيف

إنّ القرآن الكريم يحتج بالعقل الصريح و يقول:(إِنَّ لِلْمُتَّقينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعيمِ * أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فيهِ لَما تَخَيّرون).1
وفي آية أُخرى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّار ) 2.
قال سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُبِالْفَحْشاء) 3.
وقال سبحانه حاكياً عن إبراهيم: (قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُون * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهمْ فَقالُوا إِنّكُمْ أَنْتُمُ الظالِمُون)4.
فهذه الآيات كلّها تدلّ على أنّ منطق العقل حجّة قطعية بين اللّه سبحانه وعباده، وهو سبحانه يحتج به عليهم حتّى أنّ عبدة الأوثان لما أُفحِمُوا أمام منطق إبراهيم المتين، أذعنوا بفشل رأيهم، ورجعوا إلى وجدانهم، ووصفوا أنفسهم بالظلم والتعدي.
فمنطق العقل القطعي يعد مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولتصحيح

1 . القلم: 34 ـ 38.
2 . ص: 28.
3 . الأعراف: 28.
4 . الأنبياء: 63 ـ 64.

صفحه 274
ما يعزى إلى منطق الوحي وما لا يعزى إليه.
وعلى ضوء ذلك فالروايات الصريحة في إثبات الجهة للّه تبارك وتعالى، وفي إثبات الجبر و سلب الحرية والاختيار عن الإنسان فيما يناط به الإيمان والكفر كلّها تخالف العقل الحصيف الذي به عُرف اللّه سبحانه وأنبياؤه ورسله.
فالإنسان المسيّر غير مسؤول عن عمله وتصرفاته في قضاء العقل، مع أنّه مسؤول في كتاب الله تبارك وتعالى فلا يجتمعان.
كما أنّ الموجود في جهة، موجود محدود، والمحدود من آثار الإمكان، وهو سبحانه منزّه عنه وعن آثاره.

القرّاء السبعة وقراءاتهم

من الأُمور الشائعة في المغرب ومصر وما حولهما هو الاهتمام بالقراءات السبع وينسبونها إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قرأ القرآن بهذه القراءات.
نحن لا نناقش في سند هذه الروايات، ولكن هنا نكتة تثبت ضعف انتساب هذه القراءات إلى النبي، وهي: أنّ الحياة الرسالية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم تتجاوز أكثر من 23 عاماً، قضى النبي القسم الأكبر منها ـ أي 13 عاماً ـ في مكّة المكرمة وكان يعيش في حالة قلقة، ولم تكن تلك الظروف تساعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على أن يقرأ الذكر الحكيم بسبع قراءات.

صفحه 275
وأمّا القسم الثاني من حياته الشريفة وهي الأعوام العشرة في المدينة المنوّرة فقد أبهضته المسؤوليات الكثيرة، كتحمل الوحي وتلاوته للناس وتعليمهم الأحكام وبعث السرايا إلى أطراف الدولة الإسلامية والخروج إلى الغزوات، وعقد الاتفاقيات مع الطوائف المتاخمة، والمناظرة مع اليهود والنصارى ورد شبهاتهم، إلى غير ذلك من المسؤوليات الكثيرة والّتي هي أيضاً لم تسمح للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يعطي وقتاً لهذا الموضوع .
وقد ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أيضاً :
روى الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام)حيث سأله عن اختلاف القراءات، وقال: إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف .
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «كذبوا ـ أعداء الله ـ ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد» 1.
وروي عن زرارة بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة» (2).
وأمّا منشأ الاختلاف في القراءات فقد ذكرنا علله في كتابنا «المناهج التفسيرية» 2.
ooo

1 و 2 . الكافي: 2، كتاب نقل القرآن، باب النوادر، الحديث 13 و 12 .
2 . المناهج التفسيرية: 188 ـ 194 .

صفحه 276
سألت مسؤول دار الحديث الحسنية عن التجويد، والظاهر أنّ مقدّمة الجزري هي محور الدراسة هناك، وهي مقدّمة صغيرة، مستهلها:
يقول راج عفو رب سامع *** محمد بن الجزري الشافعي
يقول حول لزوم الاهتمام بعلم التجويد:
الاخذ بالتجويد حتم لازم *** من لم يجود القرآن آثم
لأنّه به الإله أنزلا *** وهكذا منه إلينا وصلا
ويقول في آخر هذا الفصل:
وليس بينه وبين تركه *** إلاّ رياضة امرء بفكه
ودار بيننا وبينهم مذاكرات في أُمور جزئية وشخصية لا حاجة لذكرها. وقد غادرنا الدار مع الشكر للمدير والأساتذة.
في بيت الدكتور فاروق حمادة   

صفحه 277
 
4

في بيت الدكتور فاروق حمادة

الدكتور فاروق حمادة أُستاذ الحديث والكاتب الشهير في المغرب وسائر البلدان الإسلامية، وقد تعرفت عليه منذ ربع قرن عندما كنّا في بريطانيا ضيوفاً على الدكتور المرحوم كليم صديقي، للمشاركة في ندوة أُقيمت لبيان «موقف الإسلام من القومية والعنصرية» عام 1403 هـ في لندن.
وقد شارك في هذه الندوة علماء وكُتّاب مصريون ومغربيون ومن سائر البلدان الإسلامية، وكانت تحتضن كبار المفكّرين من الفريقين.
وقد ألقيت هناك محاضرة حول موقف الإسلام من هذه الظاهرة المستوردة من الغرب، وإن كان لها جذور في الشرق، وانتهى الكلام إلى ذكر سلمان الفارسي وقلت: إنّه كان جالساً في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ذات يوم وكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هناك، فجاء الحديث عن الأنساب، فقال كلّ واحد منهم شيئاً عن نسبه، وعندما جاء الدور إلى (سلمان) فسألوه أن يقول شيئاً عن نسبه فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالاًّ فهداني الله عزوجل بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكنت عائلاً فأغناني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكنت مملوكاً فأعتقني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا نسبي وهذا حسبي... وعندما دخل

صفحه 278
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبره سلمان بماحدث، فالتفت (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الجماعة وقال لهم: «يا معشر قريش، إنّ حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله»1.
فعند ذلك اعترض الأُستاذ حمادة بأن هذا الحديث غير موجود في الصحاح والسنن، فأجبته من المنصة الّتي كنت أحاضر خلفها وقلت : إنّ هناك أحاديث كثيرة فات نقلها في ما أشرتم إليه من الصحاح والسنن، وقد قام محدّثو الشيعة ورواتهم بذكرها.
فصار هذا سبباً لنشوء العلاقة بيننا وبين هذا الدكتور في نفس الندوة، ثم زارنا مرة بعد أُخرى في الجمهورية الإسلامية في عدة ندوات دعي الأُستاذ فيها لألقاء المحاضرة، كما زرناه في قم المشرفة عند مشاركته في مؤتمر الشيخ المفيد (رضي الله عنه)1413 هـ ، وقد زار مؤسستنا ومكتبتها ورأى أن مكتبتها تحتضن كتب السنّة بأنواعها وأقسامها.
وقد ألّف الأُستاذ كتاباً حول حديث حجّة الوداع أسماه «الوصية النبوية للأُمة الإسلامية» وذكر مصادرها عن طرق أهل السنة، فأهديت إليه كتاب «تحف العقول» حتّى يجعله أحد المصادر القديمة.
كلّ هذه الأُمور صارت سبباً لتعميق العلائق بهذا الكاتب الملتزم والمتديّن.
وقد دُعينا يوم الجمعة لتناول الغداء في بيته الّذي يبعد عن الرباط

1 . روضة الكافي: 181 ; بحار الأنوار: 22 / 382 .

صفحه 279
مسافة 30 كيلومتراً، في منطقة ذات طبيعة جميلة، كثيرة الأشجار، واشترطت على الأُستاذ أن يكون غذائي خاصاً وخالياً من التوابل، لأنّ العادة هناك أن يكثروا من استعمالها لرطوبة هواء مناطقهم لوقوعها على ساحل البحر.
بعد أداء صلاة الظهر والعصر توجّهنا إلى بيت الدكتور، فاستقبلنا بحفاوة وتكريم بالغَيْن ينمّ عن خلقه السامي وأدبه الرفيع، وعند فتحه الباب قرنت التحية ببيت الشعر التالي:
الآن أنجزتْ الآمالُ ما وعدتْ *** وأدرك المجدُ أقصى ما تمنّاه
فرحّب بنا ودخلنا البيت، وكانت الغرفة المعدة للضيافة مكتظة بالشخصيات العلمية في مختلف الاختصاصات، ومن حسن الحظ قد جلست جنب أُستاذ يلقي محاضرات تفسيرية في الإذاعة المغربية وتلفزته، وكنت قد شاهدت بعض محاضراته في التلفزيون فوجدته إنساناً مؤدباً رزيناً طالباً للحق، فسألته عن كيفية تفسيره؟
قال: بدأنا من سورة الحمد ونحن الآن في سورة البقرة. ثم قال: فسّرنا الآيات الواردة حول أعمال اليهود وذكر عنادهم ولجاجهم بشكل لم يؤثر علينا شيئاً وهذا من فضله سبحانه، وكأنّه أشار بهذا الكلام إلى أنّ للسلطة صلة بالغرب ربّما لا تحب كشف هذه الحقائق والتنديد بهم .
سألته على أيّ تفسير تركن وتعتمد ؟
أجاب: أُراجع أكثر التفاسير، ومنها المنار للسيد محمد رشيد رضا.

صفحه 280
وعند ذاك أخذتُ بزمام الكلام وقلت: مع التقدير والإعجاب بهذا التفسير ولكن فيه نقاط تحريفية حيث أوّل في سورة واحدة الآيات الّتي تبحث عن الغيب والأُمور الغيبية وحاول تطبيقها على القوانين الطبيعية والمادية.
وكان الداعي إلى تأويل هذه الآيات هو أنّ السيد محمد رشيد رضا (المتوفّى 1354 هـ) وأُستاذه الشيخ محمد عبده (المتوفّى 1323 هـ) كانا يعيشان في مصر العزيزة، وهي بوابة الغرب تستقطب كلّ يوم الآراء الغربية والأفكار المادية باسم العلم والتجربة، وتنكر كلّ عالم غيبي خارج عن إطار المادة وسيطرة التجربة.
فالوحي والملك والبرزخ والأرواح المجردة لو صحّت فهي كلّها أُمور مادية ليست خارجة عن سلطتها.
وهذا النوع من التفكير على جانب التضاد مع القرآن الكريم حيث يقسم عالم الوجود إلى عالم الغيب والشهادة. فالشهادة ما نلمسه من المادة وآثارها، والأُمور الغيبية ما لا نشاهده ولكن له حقيقة في ما وراء الحس.
وهذا النوع من التخاصم بين العلمانيين والإلهيّين صار سبّباً لانسحاب كثير من الإلهيّين في مصر وغيرها عن المواقف الصحيحة وقاموا بتأويل الآيات الّتي تبحث عن الملائكة والجن والروح والوحي وسائر العوالم الغيبية بأُمور حسية حتّى يرتفع ـ حسب زعمهم ـ التخاصم بين العلم والدين.
هذا هو عذر التلميذ والأُستاذ لتأويل كثير من الآيات الغيبية، وهو

صفحه 281
عذر غير مسموع نابع عن نفسية خاصة سببت التراجع عن المواقف الصريحة في القرآن الكريم .
ثم أشرت إلى المواضع التي زلّت فيها قدم الأُستاذ في تفسير الآيات حتى في سورة واحدة، نذكر هنا نموذجين ثم ننوّه إلى مواضع النماذج الأُخرى .

النموذج الأوّل:

قوله سبحانه: (وإذ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نُؤمِنَ لكَ حتّى نَرى اللّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثناكُمْ مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُم تَشكرُون).1
لا شك أنّ المتبادر من الآية هو إحياؤهم بعد الموت ،والخطاب لليهود المعاصرين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)باعتبار أحوال أسلافهم، ولا يفهم أيُّ عربي صميم من لفظة: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) غير هذا، إلاّ أنّ صاحب المنار ذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النسل، أي أنّه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظُنّ أنّهم سينقرضون، بارك اللّه في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهـم لها.2

1 . البقرة: 55 ـ 56.
2 . تفسير المنار: 1/322.

صفحه 282
ولم يكن هذا التفسير من الأُستاذ إلاّ لأجل أنّ الاعتراف بالإحياء بعد الموت في الظروف المادية ممّا لا يصدقه العلم الحسّـي والتجربة، فلأجل ذلك التجأ إلى تفسيره بما ترى، وما أظن أنّ الأُستاذ يتفوّه بهذا التفسير في نظائر الآية الكثيرة في القرآن الكريم.

النموذج الثاني:

وليس ما ذكر هو الخطأ الوحيد الذي وقع فيه الأُستاذ في تفسير سورة واحدة، وهي سورة البقرة، فقد ارتكب مثل هذا التأويل البارد أيضاً في تفسير قول اللّه سبحانه: (وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُـرهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .1
فقد ذهب الجمهور إلى أنّ إبراهيم طلب من ربّه أنْ يطلعه على كيفية إحياء الموتى، فأمره اللّه تعالى بأن يأخذ أربعة من الطير فيقطعها أجزاء ويفرّقها على عدّة جبال هناك ثم يدعوها إليه فتجيئه، وأنّه (عليه السلام) قد فعل ذلك.
ولكن الأُستاذ اتخذ رأياً خاصّاً نقله عن أبي مسلم أيضاً، وهو: أنّه ليس في الآية ما يدلّ على أنّ إبراهيم (عليه السلام) فعل ذلك، وما كلّ أمر يقصد به الامتثال، فإنّ من الخبر ما يأتي بصيغة الأمر لا سيما إذا أُريد زيادة البيان، كما

1 . البقرة: 260.

صفحه 283
إذا سألك سائل: كيف يصنع الخبز؟ مثلاً فتقول: خذ كذا وكذا وافعل به كذا وكذا يكن خبزاً، تريد هذه كيفيته، ولا تعني تكليفه صنع الخبز بالفعل; وفي القرآن كثير من صيغ الأمر الّتي يراد بها الخبر، والكلام ها هنا مثل لإحياء الموتى.
ثم إنّه جاء بتفسير عجيب للآية، إذ قال: معناه خذ أربعة من الطير فضمها إليك، وآنسها بك حتى تأنس، وتصير بحيث تجيب دعوتك، فإنّ الطيور من أشد الحيوانات استعداداً لذلك، ثم اجعل كل واحد منها على جبل ثم ادعها فانّها تسرع إليك، لا يمنعها تفرّق أمكنتها، وبعدها عن ذلك، كذلك أمر ربّك إذا أراد إحياء الموتى، يدعوهم بكلمة التكوين «كونوا أحياء» فيكونوا أحياء، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة.1
ثم إنّ الأُستاذ اختار هذا المعنى قائلاً: إنّ تفسير أبي مسلم هو المختار !!
نحن لا نرد على هذا النظر بما في إمكاننا، غير أنّا نكتفي في إبطال هذا التفسير بأنّه سبحانه قال في الآية: ( ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزءاً) ولم يقل: واحداً منها، وعلى ما ذكره يجب أن يقول: واحداً.
فإذا كان هذا هو مسلك الأُستاذ الذي كان يعيش في بيئة علمية دينية تؤمن بالسنن والصحاح والمسانيد، وموقفه من المعاجز والكرامات

1 . تفسير المنار: 3 / 54 ـ 56.

صفحه 284
وخوارق العادة، فكيف يكون يا تُرى موقف الجدد من الكتّاب الذين تأثروا بالحضارة الغربية المادية والأفكار الإلحادية الواردة من الشرق والغرب فصاروا إلى تأويل هذه المعاجز والخوارق على هذا النمط، أسرع وأميل ؟!
ooo
وأمّا النماذج الباقية الموجودة في تفسير سورة «البقرة» فهي كالتالي:
سورة البقرة الآية 65 ـ 66 .
سورة البقرة الآية 67 ـ 73.
سورة البقرة الآية 243.
سورة البقرة الآية 259.
فقد قام بتفسير الحوادث الواردة فيها بأُصول مادّية، دون أن يكون لها لمسة غيبية، أو منطلقة عن الاعجاز والقدرة الخارقة عن الطاقة البشرية .
ولمّا سمع الأُستاذ موجز ما شرحته اغتنم ما ذكرتُ، وتقدّم بالشكر والامتنان.

لقاء مع المتكلّم الأشعري

سبق منّا القول أنّ الضيوف في بيت الصديق الدكتور فاروق حمادة كانوا من العلماء المبرزين، وبعد الفراغ من الغداء قام أحد الحاضرين

صفحه 285
بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، بقراءة جيّدة وبصوت جميل.
ثم اقترح المضيّف المحترم أن أجري حواراً مع أحد الحضّار البارع في الكلام الأشعري.
فتقدّمت إليه وطرحت عليه مسألة جواز التكليف بما لا يطاق وهو من الأُصول الّتي أقرّت به الأشاعرة تبعاً لإمام مذهبهم.
فقلت له: كيف يمكن أن تأمر ولدك بحلب الجمل، وتقول له احلبه يا ولدي! بجد وحماس.
فإنّ هذا لا يصحّ من وجهين:
الأوّل: انّ تكليف العاجز غير القادر قبيح عند العقل الحصيف الّذي به عرفنا الله تبارك وتعالى. والدليل على ذلك اتّفاق العقلاء على قبحه. واتّفاق العقلاء نابع عن حكم العقل وقضاء الفطرة السليمة على قبحه.
الثاني: انّ التكليف عبارة عن تعلّق الإرادة الجدّية بطلب شيء من الغير، ومثل هذه الإرادة لا تظهر على لوح النفس إذا كان المكلّف عاجزاً غير قادر.
نعم يمكن أن يتلفّظ بالتكليف، ولكنّه ليس في نفسه طلب جدّي بالنسبة إليه .
وبما أنّ المسألة كانت واضحة البرهان، لم يتوفّق المحاور للدفاع عن عقيدة إمامه.

صفحه 286
وأضفتُ إليه في آخر الحوار أنّ الإمام الأشعري كان عالماً بالكلام، ولكنّه لم يكن معصوماً من الخطأ والاشتباه، فاقتفاء أثره في كلّ ما رأى ، أمر خاطئ، بل يجب على المسلم الواعي أن يتدبّر في معتقداته وأُصوله، فما وصله مطابقاً للقرآن والسنّة والعقل فليقبله، وإلاّ فليردّه إلى مصدره ولا يعتقد به .
هكذا كان مجلس الضيافة في بيت الدكتور فاروق حمادة حفظه الله ورعاه، ولقد تمتّعنا بالنعم المادية والمعنوية، وخرجنا مسرورين داعين له بالتوفيق والسلامة في الدين والدنيا.
مأدبة عشاء في السفارة الإيرانيّة   

صفحه 287
 
5

مأدبة عشاء في السفارة الإيرانيّة

أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية مأدبة عشاء تكريمية للضيف دعا إليها رجال الثقافة والسياسة في الرباط. وإليك لائحة بأسماء الضيوف :
1 . الدكتور محمد بربيش رئيس الأكاديمية الملكية المغربية.
2 . الدكتور عبد الهادي بو طالب عضو الأكاديمية الملكية المغربية.
3 . الدكتور عبد الهادي التازي عضو الأكاديمية الملكية المغربية.
4 . الدكتور أحمد الخمليشي رئيس دار الحديث الحسنية.
5 . الدكتور أحمد شوقي بنبين مدير الخزانة الملكية.
6 . الدكتور محمد الكتاني رئيس مكتب البلاط الملكي.
7 . الدكتور سعد الدين العثماني قائم مقام حزب العدالة والتنمية.
8 . الدكتور عز الدين العراقي الرئيس السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي .

صفحه 288
9 . الدكتور حافظ بوطالب الجوطي رئيس جامعة محمد الخامس في الرباط.
10 . الدكتور أحمد الريسوني المدير المسؤول لجريدة التجديد.
11 . الدكتور فاروق حمادة أُستاذ الحديث والدراية.
12 . الدكتور سعيد بن سعيد العلوي عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط.
13 . الدكتور عبد الصمد تمورو أُستاذ الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
14 . الدكتور علي الإدريسي أُستاذ الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
15 . الدكتور محمد المصباحي أُستاذ الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
16 . الدكتور محمد الاوراغي أُستاذ علم النفس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية .
17 . محمد اللوزي أُستاذ اللغة الفارسية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
18 . السيد بن حدو ممثّل وزارة التعليم العالي والبحوث العلمية في المغرب .

صفحه 289
وكان الحوار بين الضيوف يدور حول مسائل سياسية عالمية كلّية، ولهذا لم نوفّق لطرح موضوع علمي أو تاريخي في تلك الجلسة، واقتصرنا على ما يقتضيه المجلس .
نعم كان بينهم أُدباء وكتّاب فطرحت عليهم أو في مجلس آخر تفسير البيتين التاليين، وهما للشيخ محمود الزمخشري (474 ـ 568 هـ) حيث كان يشتكي من زمانه ويقول:
وأحزنني دهري وقدم معشراً *** على أنّهم لا يعلمون وأعْلم
فمذ أفلح الجهال أيقنت أنّني *** أنا الميم والأيام أفلحُ أعلم
فماذا يريد الشاعر من تشبيه نفسه بحرف الميم والزمان بالأفلح والأعلم، وهل يريد من الأفلح ما ورد في قوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)1 .
وهل يريد من أعلم ما جاء في قوله سبحانه: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)2.
فقال أحد الحاضرين وكان أديباً:
الأفلح والأعلم بمعنى مشقوقي الشفتين العليا والسفلى الّذي
يعبر عنه بالثغر وهو يصور تضاد زمانه معه بالتضاد الموجود بين

1 . المؤمنون: 1 .
2 . الأنعام: 124 .

صفحه 290
مشقوق الشفتين وحرف الميم...
هكذا كانت ندواتنا في بلاد المغرب مليئة بالحوارات ـ الفقهية والكلامية والأدبية ـ البنّاءة والمناقشات الهادفة أسهمت في كشف الغموض الّذي كان يكتنف بعض العقائد والأحكام .
زيارة مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء   

صفحه 291
 
6

زيارة مسجد الحسن الثاني

وفي آخر يوم من إقامتنا في المغرب آثرنا زيارة مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء، وبعد إتمام الإجراءات الرسمية دُعينا إلى زيارة المسجد بمرافقة أحد الموظفين في إدارة المسجد، الخبير بخصوصياته .
وإليك شيئاً موجزاً عن المسجد حسب ما شاهدنا، وكما هو مدوّن في المنشور الخاص بالمسجد والذي كتبه محمد علال سيناصر وزير الشؤون الثقافية بتلخيص منّا.

مسجد الحسن الثاني في سطور

يطلّ مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء على المحيط الأطلسي بمنارته السامقة، مستمدّاً نبله ومظاهره الجميلة من جامع القرويين بفاس ذلك الجامع الّذي يبلغ من العمر أكثر من ألف سنة.
إنّ هذا البناء الواضع قدمه في الماء، الرافع رأسه إلى السماء ما هو إلاّ خلاصة الأمل النابع من شرق الأبيض المتوسط، من أثينة وأصفهان لأهدائه إلى الأرض كلّها.

صفحه 292
فلقد استمد هذا المسجد مزاياه من بنيته المعمارية ومن الأرض الّتي شيّد فيها، وهي المغرب الّذي سكنه ابن رشد، رائد العقل والتسامح، وألوف الفنانين الموهوبين الذين استلهموا المعرفة من القرآن الكريم.
إنّ مسجد الحسن الثاني يريد أن يقيم البرهان، على رغبة هذه الأُمّة العملاقة في البقاء، والوفاء لعقيدتها الثابتة الشامخة، والوقوف أمام التموّجات المتجدّدة باستمرار في عالم ترتبط فيه جميع الخلافات الحاسمة بالمجال الغيبي اللامرئي.
بعد سبعة أعوام من العمل الجبار تمّ افتتاح هذا المسجد في اليوم الحادي عشر من شهر ربيع الأوّل عام 1414 هـ / 30 آب 1993 م، وهو يوم ميلاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الذي يحيي المسلمون ـ هناك وفي أغلب الحواضر الإسلامية ـ ليلته المباركة بالذكر والدعاء لرب العالمين والشكر والثناء على نعمة ميلاد هذا النبي العظيم ورحمة الله للعالمين.
تبلغ المساحة الكلّية للمسجد تسعة هكتارات، مؤلّفة من قاعة الصلاة ـ الّتي تسع خمسة وعشرين ألف من المصلين ـ ومن ثمانية وسبعين عموداً يلتقي فيها الحجر السماقي والمرمر، ويلقيان ببريقهما نحو القاعة الفسيحة الّتي تعلوها سبعون قبة تغطيها قراميد خضراء زمردية، ذلك اللون الّذي يبعث الطمأنينة الروحية في النفس البشرية.
لقد استخدمت التقنية الحديثة أقصى استخدام في إتمام هذا البناء الشامخ، فإنّ رافعة الأثقال الّتي تعتبر أعلى رافعة في العالم قد صنعت

صفحه 293
لتتناسب مع الارتفاع الكبير للمأذنة ذات الفانوس والجامور اللامعين، البالغ ارتفاعها مائتي متر، وعرضها 25 متراً، والّتي ينبعث من جامورها وعلى امتداد ثلاثين كيلو متراً شعاع ليزري يمكّن من تحديد اتجاه القبلة .
كما ساهمت فيه الصناعة التقليدية المغربية القديمة والمتجدّدة على الدوام، وحقّقت طفرة استثنائية نابعة من جذورها الراسخة في القدم وأُصولها البربرية والمتوسطية والشرقية والإفريقية والأندلسية، والمستوحاة من الفن الإسلامي وأُسسه الجمالية، فقامت بمزج القديم والحديث بصبر وأناة ملحوظين، وانتجت روائع تبهج النظر وأشكالاً أنيقة أناقة روحية لا نهاية لها إلاّ أنها ملموسة، تجدها في ثنايا هذا المسجد وزواياه وقاعاته وقبابه.
فقاعة الصلاة المستطيلة الشكل (200 متر × 100 متر) تتكون من ثلاثة امتدادات تشكّل زوايا قائمة تلتقي مع جدار المحراب .
هذه الامتدادات (الصحون) تستوعب ثمانين ألف مصلٍّ، فإنّ الصحن الأوسط أوسع (40 متراً) وأكثر ارتفاعاً (38 متراً و 56 متراً) من الصحون المتلاصقة (عرضها 20 متراً و 10 أمتار وعلوها 27 متراً).
وأمّا المدرسة القرآنية فهي القسم الآخر المهم في مسجد الحسن الثاني، فهي تمتد على مساحة 4840 متراً مربعاً ويتكون طابقها التحتي من مستويين، وقد أُقيمت مستندة إلى جدار القبلة، وهي تتميز بتصميم هندسي نصف دائري ممحور حول المحراب.

صفحه 294
وتوفّر المدرسة القرآنية للطلبة الوسائل التربوية الحديثة، ومنها مكتبة متخصصة في العلوم الإسلامية وقاعات تنتظم بها مناظرات وندوات وتلقى فيها المحاضرات، وكلّ هذه القاعات مجهّزة بأحدث الوسائل السمعية والبصرية.
يبرز المسجد في هيأته العامّة في شكل مركّب واسع طوله مائتا متر وعرضه مائة متر وعلوه ستون متراً، مبني كلّه بالإسمنت المسلّح بالزيج والنحاس الأصفر، والرخام والمرمر الأخضر والأسود .
إن في هذا المسجد العظيم تنّوعاً في التركيب يخلق داخل قاعة الصلاة إنارة رقيقة دافئة تخلق بدورها مناطق ظل وضياء منسجمة مع شكل الأشياء، كما أنّ انفتاح المسجد على السماء، والدراسة الدقيقة لموقع أبواب قاعة الصلاة ولأحجامها، سيمكنان ضوء النهار من أن يغشو المكان بالنور المتراوح بين الضياء الساطع والظلال الخافتة.
قال أحد المهندسين المعماريّين: يرمز مسجد الحسن الثاني الّذي شيّد جزء منه على الماء إلى الآية القرآنية: (وَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)1.
مسجد حسّان في الرباط   

1 . هود: 7 .

صفحه 295
 
خاتمة المطاف

مسجد حسّان في الرباط

وفي جنبه ضريحان

لمحمد الخامس والحسن الثاني

في اليوم الأخير من إقامتنا في المغرب قمنا بزيارة جامع حسّان1المعروف، وهو أحد المعالم الأثرية في المغرب .
يقع جامع حسان فوق هضبة مرتفعة تسمو كحصن منيع جيّد الموقع غير بعيد عن الشاطئ الأندلسي الّذي كان ملوك الموحّدين يرسلون إليه جيوش الإسلام الّتي تعبر من موقع تجمعها بالمسجد
إلى البحر المحيط لخوض معارك الجهاد المقدس بأراضي شبه
الجزيرة الايبيرية، وهو يشغل ركناً بالطرف الشمالي الشرقي لمدينة رباط الفتح .
وأمّا تاريخ بناء مسجد حسان الجامع فلا يُعرف من تاريخ العمارة الإسلامية مسجداً جامعاً آخر على هذا النحو من العظمة والضخامة

1 . لخصّنا هذه المعلومات من كتاب (ضريح محمد الخامس)، تأليف الدكتور عثمان عثمان إسماعيل (ج 1).

صفحه 296
والشهرة والأهمية، ظلّ فريداً في باب الغموض الشامل على هذا
النحو الّذي نعرفه في مسجد حسان الجامع برباط الفتح. ليس ذلك فحسب إذ من العجيب أن يلازم الغموض شبه المطلق ذلك الجامع منذ بداية تأسيسه من حيث الاسم، ومن حيث تاريخ الشروع في البناء وثم الإتمام أو عدم الإتمام، والأسباب المباشرة الّتي أدّت إلى خرابه وتاريخها وتعليل ذلك، فضلاً عن ذلك الغموض المركّب في تخطيط المسجد وحقيقة تصميمه.
وقد غلب على كثير من المؤرّخين المعاصرين نسبة تأسيس
جامع حسان إلى ثالث خلفاء الموحدين أبي يوسف يعقوب المنصور الّذي لمّا اجتاز في سفره بأرض سلا أمر ببناء مدينة رباط الفتح،
فأُسّست سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة... وأمر ببناء جامع حسّان ومناره الأعظم... 1.
ولكن هذه فرضية يقف أمام صحّتها الكثير من الوثائق التاريخية بالنقض أو التصحيح، ومن ذلك أنّ اسم مدينة رباط الفتح ورد في سرد «تاريخ المن بالإمامة» لعصر يوسف بن عبد المؤمن الّذي بويع بعد وفاة والده عام 558 هـ ، كما نشاهد ورود هذا الاسم في قصيدة شاعر البلاط الموحدي عمر بن حربون الّذي كان مصاحباً للأمير أبي حفص أخ يوسف بن عبد المؤمن، والّتي ألقاها عام 560 هـ مهنّئاً بالبيعة... قال:

1 . نفس المصدر: 113 .

صفحه 297
حثّوا المطايا فقد قضت أوطارها *** وأحدوا إلى باب الأمير قطارها
فيقول أيضاً:
بلغت رباط الفتح عوجاً ظلّعاً *** قد صارها من حبكم ما صارها1
وفي جنب هذا المسجد قبور متعدّدة للعائلة الملكية، ومن بينها قبر الملك محمد الخامس مؤسس المملكة المغربية وولده الحسن الثاني، وإليك نبذة تاريخية عن هذه العائلة:
يعود نسب العائلة الملكية في بلاد المغرب إلى الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)وسيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومحمد الخامس هو السيد محمد بن يوسف بن الحسن الأوّل
ابن محمد بن عبد الرحمان بن هشام الّذي يرتقي نسبه إلى الحسن الداخل.
وقد ولد بالقصر السلطاني بفاس في يوم 23 رجب 1327 هـ (10 آب 1909 م).
وقد بويع بالسلطة على الإيالة الشريفة (بلاد المغرب) سنة 1927 م

1 . نفس المصدر: 126 .

صفحه 298
دون ولاية سابقة للعهد، وفي أحداث سنة 1953 م رفض أوامر فرنسا (دولة الحماية) بالتنازل عن العرش مقابل الحياة الكريمة والعزيزة بفرنسا.
وآثر النفي مع ولي عهده (ابنه الحسن).
وقد عاد الملك محمد الخامس إلى المغرب بعد أن سافر إلى فرنسا مع ولي عهده في شهر فبراير 1956 م ، لاختتام المفاوضات والتوقيع
على وثيقة استقلال المغرب ووحدته، وبهذا التوقيع تلغى الصفة
القانونية للحماية الإسبانية بالجنوب والشمال والإدارة الدولية لمدينة طنجة.
تُوفّي الملك محمد الخامس مؤسس الملكية الدستورية الشعبية ومحررها من الحماية الفرنسية والاسبانية وواضع نواة عصر الانبعاث في يوم الأحد 26 فبراير 1961 م، وشيعت جنازته يوم الثلاثاء 28 منه وصلّي عليه بمسجد حسان بالرباط ودفن في المكان الّذي أنشأ عليه الملك الحسن الثاني ـ خلفه وابنه ـ ذلك الضريح المسمّى (ضريح محمد الخامس) .
واستلم السلطة بعده ولده الحسن الثاني، وهو الّذي أمر ببناء وتشييد مجموعة مباني الضريح في أوائل شهر أبريل من سنة 1962 م، وتشتمل هذه المجموعة على ضريح ومسجد جامع ومتحفين فوق جزء من بيت الصلاة من أرض مسجد حسان العتيق الّذي أسّسه الموحدون برباط الفتح.

صفحه 299
وقد تمّ العمل في هذا الضريح خلال عشر سنوات، وافتتح في نوفمبر سنة 1971 م .
ooo
وبزيارة المعالم الأثرية لهذا البلد الإسلامي انتهت رحلتنا، وأملنا أن تتواصل هذه الزيارات للعلماء والمفكّرين في البلدان الإسلامية لما له من أثر إيجابي بنّاء يساهم في وحدة الأُمّة الإسلامية وزيادة أواصر المحبة والأخاء بين أفرادها.
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات

صفحه 300

صفحه 301
    الرحلة المغربية أو على ساحل جبل طارق
Website Security Test