welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : تهذيب الأُصول_الجزءالثالث*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تهذيب الأُصول_الجزءالثالث

تهذيب الأُصول

الجزء الثالث

تقرير ابحاث الأُستاذ الأعظم والعلامة الأفحم
آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي
الإمام الخميني - قدس سره -

تأليف
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

هوية الكتاب

* اسم الكتاب :   تهذيب الاُصول / ج3 *

* المؤلف :   آية الله الشيخ جعفر السبحاني التبريزي *

* تحقيق ونشر :   مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ *

* سنة الطبع :   شهريور 1382 ـ رجب المرجّب 1424 *

* الطبعة :   الاُولى *

* المطبعة :   مطبعة مؤسسة العروج *

* الكمية :   3000 نسخة *

* السعر :    21000 ريال *

* سعر الدورة :    55000 ريال *

الإخراج الفني في صفحة wab : السيد محسن البطاط


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم


(4)


(5)

المقصد السابع
في
الاُصول العملية


(6)


(7)

القول في البراءة


(8)


(9)

تمهيد

وينبغي تقديم اُمور :

الأمر الأوّل : في بيان حالات المكلّف وذكر مجاري الاُصول

قد اختلفت كلمات الأعاظم في بيان حالات المكلّف وذكر مجاري الاُصول(1) ، وكلّها لا يخلو عن النقض والإبرام .

فإنّ ما أفاده شيخنا العلاّمة وإن كان أحسن واتقن ; فقال : إنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم : فإمّا أن يكون قاطعاً به أو لا ، وعلى الثاني : فإمّا أن يكون له طريق منصوب من قبل الشارع أو لا ، وعلى الثاني : إمّا أن يكون له حالة سابقة ملحوظة أو لا، وعلى الثاني : إمّا أن يكون الشكّ في حقيقة التكليف أو في متعلّقه ، وعلى الثاني : إمّا أن يتمكّن من الاحتياط أو لا(2) ، انتهى .

لكن يرد عليه مع ذلك : أنّه لو كان المراد من القطع بالحكم هو القطع التفصيلي به ففيه ـ مضافاً إلى أنّه لا وجه لتخصيصه بالتفصيلي ـ أنّ ذلك لا يناسب مع البحث عن القطع الإجمالي في مبحث القطع .

وإن أراد الأعمّ منه ومن الإجمالي : فيقع التداخل بين مباحثه ومباحث الاشتغال ، وعليه لابدّ أن يبحث عن الشكّ في المتعلّق ـ الاشتغال ـ في أبحاث القطع لا في أبحاث الشكّ ; فإنّ الشكّ في المتعلّق يلازم القطع الإجمالي بالحكم .

ومنه يعلم : أنّه لو أراد من الطريق المنصوب من الشارع الأعمّ ممّا عرضه الإجمال في متعلّقه أو لا ، يقع التداخل بينه وبين الشكّ في المتعلّق .

أضف إلى ذلك : أنّه ليس لنا طريق منصوب من الشارع ، وأنّه ليس هنا أمارة تأسيسية ، بل كلّها إمضائية .


1 ـ راجـع فرائـد الاُصول ، ضمن تـراث الشيخ الأعظم 24 : 25، كفايـة الاُصول : 296 ، فوائـد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 4 .
2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 323.


(10)

وعلى ذلك يصير البحث عن تلك الأمارات الإمضائية بحثاً استطرادياً ، فيكون عامّة مباحث الظنّ أبحاثاً استطرادياً ، إلاّ أن يراد بالطريق المنصوب أعمّ من الطرق الإمضائية . ومع ذلك يرد عليه الظنّ على الانسداد ، بناءً على الحكومة . ولا محيص عن هذه الإشكالات وأشباهها .

والأولى أن يقال : إنّ هذا التقسيم إجمال للمباحث الآتية مفصّلاً ، وبيان لسرّ تنظيم المباحث ; فإنّه لأجل حالات المكلّف بالنسبة إلى الأحكام ; فإنّه لا يخلو بعد الالتفات من القطع بالحكم أو الظنّ أو الشكّ به .

والشكّ لا يخلو : إمّا أن يكون له حالة سابقة أو لا ، والثاني لا يخلو : إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو المكلّف به ، والثاني لا يخلو : إمّا أن يمكـن الاحتياط فيه أو لا . فرتّبت المباحث حسب حالات المكلّف ، مـن غير نظر إلى المختار فيها .

فلا يـرد الإشكال إلاّ التداخـل بين القطـع والشكّ في المتعلّق ; فإنّـه مـن القطع الإجمالي .


(11)

ويمكن أن يذبّ عنه : بأنّ ما ذكر في مبحث القطع هو حيث حجّية القطع وما يرتبط به ، وما ذكر في مبحث الاشتغال جهات اُخر مربوطة بالشكّ ، فلا يتداخلان ; لاختلاف اللحاظ .

وعلى ما ذكرناه لا يحتاج إلى تقييد الحالة السابقة بالملحوظة حتّى يرد عليه : أنّه من قبيل الضرورة بشرط المحمول .

بل الأولى في تنظيم مباحث الاُصول : أن يبحث من القطع بقسميه في مبحث ، واُدرج فيه بعض مباحث الاشتغال ممّا كان الحكم معلوماً إجمالاً بالعلم الوجداني ، كإمكان الترخيص وامتناعه ; ولو في بعض الأطراف .

ثمّ اُردف بمبحث الأمارات ; سواء كانت الأمارة قائمة مفصّلاً أو إجمالاً ، واُدرج فيه سائر مباحث الاشتغال والتخيير ، واُدرج البحث عن التعادل والترجيح في ذيل حجّية خبر الثقة . ثمّ اُردف بمبحث الاستصحاب ، ثمّ مبحث البراءة حتّى يكون الترتيب حسب ترتيب حالات المكلّف ، والأمر سهل .

الأمر الثاني : في وجه تقديم الأمارات على الاُصول

قد عرّف المحقّقون الحكومة بتعاريف(1) ، ولعلّ محصّلها يرجع إلى كون الدليل الحاكم متعرّضاً للمحكوم نحو تعرّض ، ولو بنحو اللزوم العرفي أو العقلي ممّا لا يرجع إلى التصادم في مرحلة الظهور . وإن شئت قلت : كون الدليل متعرّضاً لحيثية من حيثيات دليل المحكوم ممّا لا يتكفّله دليل المحكوم ; توسعة وضيقاً .


1 ـ راجع فرائد الاُصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 27 : 13 ، كفاية الاُصول : 496 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 594 ، 712 ـ 714 .


(12)

وبذلك ـ أي تعرّض الحاكم لما لم يتعرّض به المحكوم ممّا يرجع إلى حيثية من حيثياته ـ يعلم : أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل الحاكم وكيفية تأديته ، فلا يتصوّر بين اللبّية الصرفة كالإجماع أو الأدلّة العقلية ، نعم يتصوّر بينهما الورود أو التخصيص وغيرهما .

إذا عرفت ذلك : المشهور أنّ الأمارات حاكمة على الاُصول العملية ، والظاهر أنّ في هذا التعبير مسامحة ; فإنّ الحكومة إنّما هو بين أدلّة الأمارات وأدلّة الاُصول لا بينهما ، كما لا يخفى .

على أنّ أدلّة الأمارات ليست على نسق واحد حتّى يصير الترجيح على أدلّة الاُصول بمثابة واحدة بل تختلف ، وباختلافها يختلف وجه الترجيح .

فإنّ من الأمارات قول الثقة ; فإن كان المدرك لحجّية قوله آية النبأ(1) ، فالترجيح إنّما هو بالحكومة ; فإنّ لسانها أنّ خبر العدل متبيّن ، وليس العمل على قوله عملاً بجهالة ، فيقدّم على الاُصول ; لكون موضوعاتها الجهالة وعدم العلم أو الشكّ .

وإن كان حجّيتها لأجل بعض الأخبار الواردة فيها فلا يبعد أن يكون التقديم أيضاً على نحو الحكومة ، مثل قوله ـ عليه السلام ـ : «ما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان»(2) .

وإن كان المستند هو بناء العقلاء على العمل به في اُمورهم : فلا شكّ أنّ التقديم ليس لأجل الحكومة ; لتقوّمها بلسان الدليل ودلالته اللفظية ، ولا لسان للدليل اللبّي . فلابدّ أن يكون التقديم بنحو الورود أو غيره .


1 ـ الحجرات (49) : 6 .
2 ـ الكافي 1 : 329 / 1 ، وسائل الشيعة 27 : 138 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، الحديث 4 .


(13)

ومن ذلك يعلم : أنّ تقديم دليل أصالة الصحّة في فعل الغير على الاستصحاب ليس بنحو الحكومة ، لكونه لبّياً ، وهو بناء العقلاء .

وأمّا تقديم أدلّة قاعدة التجاوز على دليل الاستصحاب فالظاهر : أنّه على نحو الحكومة ، بناءً على أنّ الاستصحاب أصل ; فإنّ مفاده عدم نقض اليقين بالشكّ ، ولسان الأدلّة في القاعدة هو عدم الشكّ أو عدم شيئيته ، وهذا لسان الحكومة ، بل أيّ حكومة أقوى من قوله : «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه»(1) ، أو قوله ـ عليه السلام ـ :«فشكّك ليس بشيء»(2) .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر نسب إلى الشيخ الأعظم أنّه قال هنا وفي مبحث التعادل والترجيح : إنّ التنافي بين الأمارات والاُصول هو التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري وأنّ الجمع هو الجمع .

ثمّ أورد عليه : بأنّ المقامين مختلفان تنافياً وجمعاً ، وأنّ الجمع بين الأمارات والاُصول إنّما هو بالحكومة لا بما أفاده(3) ، انتهى .

وفيه : أنّ الشيخ الأعظم قد صرّح بحكومة الأمارات على الاُصول في كلا المقامين ، وليس في كلامه ما يوهم ما نسبه إليه ، فراجع(4) .


1 ـ تهذيب الأحكام 1 : 101 / 262 ، وسائل الشيعة 1 : 469 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 42 ، الحديث 2 .
2 ـ تهذيب الأحكام 2 : 352 / 1459 ، وسائل الشيعة 8 : 237 ، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 23 ، الحديث 1 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 326 .
4 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 11 و 27 : 11 .


(14)

الأمر الثالث : وحدة مناط البحث في جميع أقسام الشبهات

أنّ الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ قد بحث عن كلّ من الشبهات بحثاً مستقلاًّ ، مع أنّ المناط في الجميع واحد ; سواء كانت الشبهة تحريمية أو وجوبية ، موضوعية كانت أو حكمية ، كانت الشبهة في الحكم لأجل فقدان النصّ أو تعارضه أو إجماله .

ومجرّد اختصاص بعض الأقسام بالخلاف دون بعض ، أو عمومية بعض الأدلّة دون بعض لا يوجب إفراد البحث لكلّ واحدة من الأقسام .

إذا عرفت هذه المقدّمات فنقول :


(15)

حول
استدلال الاُصوليّين على البراءة

استدلّ على البراءة بالأدلّة الأربعة :

الاستدلال بالآيات

فمنها : قوله تعالى : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(1) .

وجه الاستدلال على وجه يندفع ما اُشكل عليه من الإيراد أن يقال : إنّ المتفاهم عرفاً من الآية ـ لأجل تعليق العذاب على بعث الرسول الذي هو مبلّغ لأحكامه تعالى ، وبمناسبة الحكم والموضوع ـ هو أنّ بعث الرسول ليس له موضوعية في إنزال العقاب ، بل هو طريق لإيصال التكاليف إلى العباد ، وإتمام الحجّة به عليهم .

وليس المراد من بعث الرسول هو بعث نفس الرسول ; وإن لم يبلّغ أحكامه ، فلو فرض أنّه تعالى بعث رسولاً لكن لم يبلّغ الأحكام في شطر من الزمان ـ لمصلحة أو جهة اُخرى ـ لا يصحّ أن يقال : إنّه تعالى يعذّبهم ; لأ نّه بعث الرسول .


1 ـ الإسراء (17) : 15 .


(16)

وكذا لو بلّغ بعض الأحكام دون البعض يكون التعذيب بالنسبة إلى ما لم يبلّغ مخالفاً للوعد في الآية . وكذا لو بلّغ إلى بعض الناس دون بعض لا يصحّ أن يقال : إنّه يعذّب الجميع ; لأ نّه بعث الرسول . وكذا لو بلّغ جميع الأحكام في عصره ثمّ انقطع الوصول إلى الأعصار المتأخّرة .

وهذا أو أشباهه يدلّ على أنّ الغاية لاستحقاق العذاب هو التبليغ الواصل ، وأنّ ذكر بعث الرسول مع انتخاب هذه الكلمة كناية عن إيصال الأحكام وإتمام الحجّة ، وأنّ التبليغ غير الواصل في حكم العدم ، وأنّه لا يصحّح العذاب ، كما أنّ وجود الرسول بين الاُمّة بلا تبليغ كذلك .

وعلى ذلك : فلو بحث المكلّف عن تكليفه ووظيفته بحثاً أكيداً ، فلم يصل إلى ما هو حجّة عليه ـ من علم تفصيلي أو إجمالي وغيرهما من الحجج ـ فلا شكّ أنّه يكون مشمولاً لقوله عزّوجلّ : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ; لما عرفت من أنّ الغاية للوعيد بحسب اللبّ هو إيصال الأحكام إلى العباد ، وأنّ بعث الرسل ليس له موضوعية فيما رتّب عليه .

وإن شئت قلت : إنّ قوله تعالى : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ) تنزيه للحقّ تعالى شأنه ، وهو يريد بهذا البيان أنّ التعذيب قبل البيان مناف لمقامه الربوبي ، وأنّ شأنه تعالى أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر ; فلذلك عبّر بقوله : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ) ، دون أن يقول : «وما عذّبنا» ، أو «ما أنزلنا العذاب» ، وذلك للإشارة إلى أنّ هذا الأمر مناف لمقامه الأرفع وشأنه الأجلّ .

وبعبارة أوضح : أنّ الآية مسوقة : إمّا لإفادة أنّ التعذيب قبل البيان مناف لعدله وقسطه ، أو مناف لرحمته وعطوفته ولطفه على العباد .

فلو أفاد الأوّل لَدلّ على نفي الاستحقاق وأنّ تعذيب العبد حين ذاك أمـر


(17)

قبيح مستنكر يستحيل صدوره منه ، ولو أفاد الثاني لدلّ على نفي الفعلية ، وأنّ العذاب مرتفع ; وإن لم يدلّ على نفي الاستحقاق . وسيأتي عدم الفرق بين المفادين فيما هو المهمّ .

وقد اُورد على الاستدلال بالآية اُمور :

منها : ما عن بعض أعاظم العصر من أنّ مفاد الآية أجنبي عن البراءة ; فإنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة ، فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم من حيث إنّه مشتبه(1) .

وفيه : ما عرفت في تقرير الاستدلال من أنّ بعث الرسل كناية عن إيصال الأحكام ، فالمشتبه الحكم داخل في مفاد الآية ; إمّا لما ذكرناه من أنّ بعث الرسل لأجل كونها واسطة في التبليغ ، أو بإلغاء الخصوصية وإلحاق مشتبه الحكم بالموارد التي لم يبلّغها الرسل .

منها : أنّ الآية راجعة إلى نفي التعذيب عن الاُمم السالفة قبل بعث الرسل ، فلا مساس له بالمقام(2) .

وفيه أوّلاً : أنّ التأمّل في الآيات المتقدّمة عليها يعطي خلاف ذلك ، فإليك بمراجعة ما تقدّمها من الآيات تجد صحّة ما ادّعيناه .

وثانياً : لو فرض أنّ مـوردها ما ذكـر ، غير أنّ التعبير بقولـه تعالى : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ) حاك عن كونه سنّة جاريـة لله عزّ شأنـه ، مـن دون فـرق بين السالفـة والقادمـة ، وأنّ تلك الطريقة ساريـة في عامّـة الأزمان ، مـن غير فرق بين السلف والخلف .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 333 ـ 334 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 23 .


(18)

ولو لم نقل : إنّ ذلك مفاد الآية حسب المنطوق فلا أقلّ يفهم العرف من الآية ـ ولو بإلغاء الخصوصية ومناسبة الحكم والموضوع ـ أنّ التعذيب قبل البيان لم يقع ولن يقع أبداً .

منها : أنّ الاستدلال بها لما نحن فيه متقوّم بكونها في مقام نفي الاستحقاق لا نفي الفعلية ; لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب المشتبه وعدمه ، لا في فعلية العقاب(1) .

وفيه : أنّ ذلك أوّل الكلام ; إذ النزاع بين الاُصولي والأخباري إنّما هو في ثبوت المؤمّن وعدمه في ارتكاب الشبهات ، وأنّه هل يلزم الاحتياط أو لا ؟ وهذا هو مصبّ النزاع بين الطائفتين ، وأمّا البحث عن الاستحقاق وعدمه فهو خارج عمّا يهمّ على كلا الفريقين .

وبالجملة : أنّ المرمي للقائل بالبراءة هو تجويز شرب التتن المشتبه الحكم لأجل وجود مؤمّن شرعي أو عقلي حتّى يطمئنّ أنّه ليس في ارتكابه محذور ; سواء كان ذلك لأجل رفع العقوبة الفعلية أو نفي الاستحقاق .

والشاهد على ما ذكرنا : أنّك ترى القوم يستدلّون على البراءة بحديث الرفع الظاهر عندهم في رفع المؤاخذة ، لا نفي الاستحقاق .

وبما ذكرنا يظهر : أنّ الآية أسدّ الأدلّة التي استدلّ بها للبراءة ، وأنّ ما اُورد عليه من الإيرادات غير خال عن الضعف .

نعم ، لا يستفاد من الآية أكثر ممّا يستفاد من حكم العقل الحاكم على قبح العقاب بلا بيان ; فلو دلّ الدليل على لزوم الاحتياط أو التوقّف لصار ذلك نفسه بياناً ، فيكون ذاك الدليل وارداً على العقل وما تضمّنته الآية .


1 ـ الفصول الغروية : 353 / السطر 7 ، كفاية الاُصول : 385 .


(19)

ومنها : قوله تعالى :

(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْر يُسْراً)(1) .

بيان الاستدلال : أنّ المراد من الموصول التكليف ، ومن «الإيتاء» الإيصال والإعلام ، ومعناها : أنّ الله لا يكلّف نفساً إلاّ تكليفاً أوصلها وبلّغها .

ويمكن بيانه بوجه آخر حتّى ينطبق على ما سبقها من الآيات بأن يقال : إنّ المراد من الموصول هو الأعمّ من الأمر الخارجي ونفس التكليف ، وأنّ المراد من «الإيتاء» الأعمّ من نفس الإقدار والإيصال ، ويصير مفادها : أنّ الله لا يكلّف نفساً تكليفاً ولا يكلّفه بشيء ـ كالإنفاق ـ إلاّ بعد الإيصال والإقدار .

وفي كلا التقريرين نظر ، بل منع :

أمّا الأوّل : فلأنّ إرادة خصوص التكليف منه مخالف لمورد الآية وما قبلها وما بعدها .

نعم ، الظاهر أنّ قوله : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها) هو الكبرى الكلّية ، وبمنزلة الدليل على ما قبلها ، كما يظهر من استشهاد الإمام ـ عليه السلام ـ بها في رواية عبد الأعلى ; حيث سأل أبا عبدالله ـ عليه السلام ـ : هل كلّف الناس بالمعرفة ؟

قال : «لا ، على الله البيان ، (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها) ، و(لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها)»(2) .

ولعلّ المراد بالمعرفة هي المعرفة الكاملة التي لا يمكن إلاّ بإقداره تعالى


1 ـ الطلاق (65) : 7 .
2 ـ الكافي 1 : 163 / 5 .


(20)

وتأييده ، لا مطلق العلم بوجود صانع للعالم ، الذي هو فطري .

ثمّ إنّ التعبير بالإيتاء الذي بمعنى الإعطاء لا يبعد أن يكون مشاكلة لقوله : (فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ) .

وأمّا ثاني التقريرين : فالمنع فيه أوضح ; لأنّ إرادة الأعمّ من الموصول مع إسناد فعل واحد إليه غير ممكن في المقام ; إذ لو اُريد من الموصول نفس التكليف ينزّل منزلة المفعول المطلق .

ولو اُريد مع ذلك الأمر الخارجي الذي يقع عليه التكليف يصير مفعولاً به وتعلّق الفعل بالمفعول المطلق ـ سواء كان نوعياً أم غيره ـ يباين نحـو تعلّقـه بالمفعول به ; لعدم الجامع بين التكليف والمكلّف به بنحو يتعلّق التكليف بهما على وزان واحد .

وإن شئت قلت : المفعول المطلق هو المصدر أو ما في معناه المأخوذ من نفس الفعل ، والمفعول به ما يقع عليه الفعل المباين معه ، ولا جامع بين الأمرين حتّى يصحّ الإسناد .

ثمّ إنّ بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ وجّه إرادة الأعمّ من الموصول والإيتاء ، ما هذا خلاصته : إنّ الإشكال إنّما يرد في فرض إرادة الخصوصيات المزبورة من شخص الموصول ، وإلاّ فبناءً على استعمال الموصول في معناه الكلّي العامّ وإرادة الخصوصيات المزبورة من دوالّ اُخر خارجية فلا يتوجّه محذور ; لا من طرف الموصول ، ولا في لفظ الإيتاء ، ولا من جهة تعلّق الفعل بالموصول :

أمّا من جهة الموصول فلأجل استعماله في معناه الكلّي ، وأنّ إفادة الخصوصيات من دوالّ اُخر .

وأمّـا الإيتاء فهو مستعمل في معنى الإعطاء ، غير أنّـه يختلف مصاديقـه ;


(21)

مـن كونه تارة هو الإعلام عند إضافتـه إلى الحكم ، واُخـرى الملكية عند إضافته إلى المال .

وأمّا تعلّق الفعل بالموصول ; حيث لا يكون له إلاّ نحو تعلّق واحد به ، ومجرّد تعدّده بالتحليل لا يقتضي تعدّده بالنسبة إلى الجامع الذي هو مفاد الموصول ، غاية الأمر يحتاج إلى تعدّد الدالّ والمدلول(1) ، انتهى .

قلت : إنّ كون الشيء مفعولاً مطلقاً ليس معناه إلاّ كونه ملحوظاً عند إضافة الفعل إليه بأنّه من شؤون الفعل وكيفياته على نحو يكون وجوده بعين وجود الفعل ، كما أنّ المفعول به يلاحظ عند إضافة الفعل إليه بأنّه أمر موجود في الخارج وقع الفعل عليه ، ومع ذلك فكيف يمكن إرادتهما باستعمال واحد ؟

وبعبارة اُخرى : أنّ نحو تعلّق الفعل بهما مباين لا جامع بينهما . وتعدّد الدالّ والمدلول أو إقامة القرينة على الخصوصيات فإنّما يصحّ إذا كان في المقام جامع واقعي حتّى يكون الخصوصيات من مصاديقه ، وأمّا مع عدمه وعدم إمكان إرادتهما منها فلا معنى لإقامة القرينة ، كما لا يخفى .

نعم ، لو صحّ ما ذكـره أخيراً ـ مـن إمكان كون المراد مـن التكليف في الآية هـو الكلفة والمشقّة ، لا الحكم الشرعي(2) ـ لرجع النسبتان إلى نسبة واحدة ; إذ يجعل الموصـول ـ حينئذ ـ عبارة عـن المفعول به أو المفعول النشوي المعبّر عنه في كلام بعضهم بالمفعول منه . فيصير مفاد الآية : أنّه سبحانه لا يوقع عباده في كلفـة حكـم إلاّ الحكم الذي أوصلـه إليهم ، وارتفع الإشكال ، لكنّـه غير مفيد للمقام ، كما يأتي الكلام فيه .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 202 ـ 203 .
2 ـ نفس المصدر 3 : 203 .


(22)

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ بعدما استوجه وجود الجامع استشكل في التمسّك بالإطلاق : تارة بوجود القدر المتيقّن ; حيث إنّ القدر المتيقّن ـ حسب سياق الآيات ـ هو المال ، واُخرى بأنّ المستفاد منها عدم الكلفة من قبل التكاليف المجهولة غير الواصلة إلى المكلّف ، لا نفي الكلفة مطلقاً ; ولو من قِبل إيجاب الاحتياط ، فيكون مفادها مساوقاً لحكم العقل ، فلو ثبت ما يدّعيه الأخباري لصار وارداً عليه(1) ، انتهى .

وأنت خبير بما فيه ; إذ وجود القدر المتيقّن غير مضرّ في التمسّك بالإطلاق ، كما أوضحناه في مبحث المطلق والمقيّد(2) .

كما أنّ جعل الاحتياط لأجل التحفّظ على التكاليف الواقعية لا يناسب مع سوق الآية ; لأنّ مساقها مساق المنّة والامتنان ، والإخبار عن لطفه وعنايته ; بأنّه لا يجعل العباد في الكلفة والمشقّة من جهة التكليف إلاّ مع إيصالها .

ومن المعلوم : أنّ جعل الاحتياط تضييق على المكلّف بلا إيصال ; لأنّ المرمي من الاحتياط هو التحفّظ على الواقع ، لا كونه طريقاً موصلاً إلى الواقع ، فإيجاب التحفّظ في الشبهات البدوية كلفة بلا إيصال ولا إعلام .

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ استشكل ثالثاً فـي التمسّك بالإطلاق ما حاصلـه : إنّ مساقها مساق قوله ـ عليه السلام ـ : «إنّ الله سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً»(3) فيكون دلالتها ممحّضة في نفي الكلفة عمّا لم يوصل علمه إلى العباد ; لمكان سكوته وعـدم


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 203 ـ 204 .
2 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 273 .
3 ـ الفقيه 4 : 53 / 193 ، وسائل الشيعة 27 : 175، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 68 .


(23)

بيانـه وإظهاره ، لا نفي الكلفـة مطلقاً عمّـا لم يصل علمـه إلى العباد ; لإخفاء الظالمين(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ ذلك بعيد عن مفاد الآية جدّاً ; إذ حينئذ يصير من قبيل توضيح الواضح ; إذ مآلها حسب قول القائل إلى أنّ الله لا يكلّف نفساً بما هو ساكت عنه ، وهو كما ترى .

نعم ، يمكن منع التمسّك بالإطلاق بطريق آخر ، بيانه : أنّ معنى الإطلاق ـ كما مرّ(2) ـ هو كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم ، فلو احتملنا دخالة شيء غير مذكور في الحكم فنحكم به على عدم جزئيته وشرطيته .

ولكن الاحتجاج به بعد انعقاد الظهور لما وقع تحت دائرة الحكم حتّى يحتجّ بعدم تعرّضه على قيد آخر على عدم دخالته ، وهذا الشرط منتف في المقام ; إذ لم يثبت أنّ المتكلّم أراد المعنى الجامع الانتزاعي الذي يحتاج في تصوّر إرادته إلى تكلّف ، أو أراد إحدى المعاني الاُخر ، ومع ذلك التردّد لا مجال للإطلاق ; إذ غاية ما ذكرنا من المعاني والوجوه احتمالات وإمكانات ، وهو لا ينفع من دون الظهور .

على أنّ الظاهر حسب السياق هو المعنى الأوّل ; أعني جعل المراد من الموصول الأمر الخارجي ، ومن «الإيتاء» هو الإقدار والإعطاء ، فلاحظ .

وممّا ذكرناه : يظهر النظر فيما أفاده بعض أعاظم العصر في المقام بما هذا حاصله : إنّ المراد من الموصول خصوص المفعول به ، ومع ذلك يكون شاملاً للتكليف وموضوعه ; لأنّ إيتاء كلّ شيء بحسبه .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 204 .
2 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 159 .


(24)

أضف إلى ذلك : أنّ المفعول المطلق النوعي والعددي يصحّ جعله مفعولاً به بنحو من العناية ، كما أنّ الوجوب والتحريم يصحّ تعلّق التكليف بهما باعتبار ما لهما من المعنى الاسم المصدري(1) ، انتهى .

وفيه ـ مضافاً إلى عدم إمكان شمول الموصول لهما بما مرّ(2) ـ أوّلاً : أنّ قوله ـ قدس سره ـ إنّ المفعول المطلق يصحّ جعله مفعولاً به بنحو من العناية لا محصّل له ، كقوله : إنّ الوجوب والتحريم يصحّ تعلّق التكليف بهما ; إذ كيف يتصوّر تعلّق البعث بهما على نحو المفعول به ; ولو اعتبرا بنحو الاسم المصدري ؟

وثانياً : أنّ لازم ما أفاد هو الجمع بين الاعتبارين المتنافيين ; فإنّ المفعول به مقدّم في الاعتبار على المصدر ; لأ نّه إضافة قائمة به في الاعتبار ، وأمّا المفعول المطلق فهو عبارة عن حاصل المصدر ، وهو متأخّر رتبةً عن المصدر ، فكيف يجمع بينهما في الاعتبار ؟ فيلزم ممّا ذكره اعتبار المتأخّر في الاعتبار متقدّماً في الاعتبار في حال كونه متأخّراً .

ثمّ إنّه استشكل على دلالة الآية : بأنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المؤاخذة لا تحسن إلاّ بعد بعث الرسل وتبليغ الأحكام ، وهذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث والإنزال وعروض اختفاء التكليف بما لا يرجع إلى الشارع .

فالآية لا تدلّ على البراءة ، بل مفادها مفاد قوله تعالى : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(3) ، انتهى .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 332 ـ 333 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 20 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 333 .


(25)

وفيه : ما عرفت(1) في توضيح دلالة الآية المتقدّمة ; بأنّ الميزان هو الإبلاغ والإيصال في استحقاق العقاب ، لا الإبلاغ ولو مع عدم الوصول .

على أنّ دلالة تلك ـ بعد الغضّ عمّا ذكرنا من الإشكال(2) ـ أوضح من المتقدّمة ; لوضوح دلالتها في الإبلاغ والإيصال ، من دون أن نحتاج إلى إلغاء الخصوصية ، كما لا يخفى .

ثمّ إنّ القوم استدلّوا ببعض الآيات ; وحيث إنّ فيما ذكرنا أو ما نذكره من السنّة والأدلّة العقلية غنىً عن الخوض فيه طوينا البيان عنه ، ونذكر ما استدلّوا به من السنّة .


1 ـ تقدّم في الصفحة 15 ـ 16 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 19 .
Website Security Test