welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : تهذيب الأُصول_الجزء الأوّل*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تهذيب الأُصول_الجزء الأوّل

تهذيب الأُصول

الجزء الأوّل

تقرير ابحاث الأُستاذ الأعظم والعلامة الأفحم

آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي
الإمام الخميني - قدس سره -

تأليف

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

هوية الكتاب

*   اسم الكتاب :   تهذيب الاُصول / ج1 *

*   المؤلف :   آية الله الشيخ جعفر السبحاني التبريزي *

*   تحقيق ونشر :   مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني1 *

*   سنة الطبع :   شهريور 1381 ـ جمادي الثانية 1423 *

*   الطبعة :   الاُولى *

*   المطبعة :   مطبعة مؤسسة العروج *

*   الكمية :   3000 نسخة *


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم


(4)

شكر وتقدير

نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير إلى الإخوة ا لأجلاّء الذين ساهموا في انجاز هذا الأثر :

المساعـدون في التحقيق : إبراهيم طاهـرى كيا ، محمود أيـوبي، سيّد مرتضى سيّد إبراهيمي ، علي كريمي ، علي رضا نخبة روستا .

المقابلة : حجـة الله أخضري ، محمد علي حسـن زاده ، محمد حسـن عباسي ، حسن علي منصوري .

وضع علامات الترقيم : رضا حسيني فر .

صف الحروف والإخراج الفنّي : فلاح المظفر .


(5)

مقدّمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمـد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين

أمّا بعد، فإنّ كتاب «تهذيب الاُصول» تأليف الاُستاذ الفقيه الاُصولي المتكلّم  البارع آية الله الشيخ جعفر السبحاني التبريزي دام ظلّه هو أوّل ما طبع ونشر من التراث الفكري للإمام الخميني ـ قدس سره ـ ، وقد ظلّ لعدّة عقود المرجع الوحيد في  معرفة آراء الإمام الاُصولية، وانفرد بخصائص ومزايا جعلته في عداد التقريرات  الاُصولية المهمّة والمعتبرة، حيث تصدّى الإمام الراحل بنفسه الشريفة لتصحيح المجلّد الأوّل منه، كما قرّظ التقرير ومقرّره بما يدلّ على جلالتهما و  عظمتهما، مضافاً إلى ما حظي به الشيخ حفظه الله من عطف الإمام وحنانه فقد كان له شأن عند الإمام ـ قدس سره ـ ، وروابط حميمة دعته إلى الإكثار من الزيارات الخاصّة لبيته طاب ثراه، فكان يستفيد في زمان التأليف من مصنّفاته الخطّية و إفاضاته الشفوية.

هذا، مع جمع التقرير بين الدورتين الاُصوليتين الاُولى والثانية اللتين ألقاهما الإمام ـ قدس سره ـ على الأفاضل من تلامذته في مدينة قم المقدّسة.


(6)

و من هنا قامت مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ بتجديد طبع  الكتاب بنحو يتميّز على جميع ما سبقته من طبعات، كما سيلمسه القارئ الكريم بنفسه.

منهجنا في التحقيق

1 ـ تقطيع المتن وتزيينه بعلامات الترقيم المتعارفة .

2 ـ إضافة عناوين بهدف تسهيل عملية مراجعة الكتاب ومطالعته .

3 ـ استخراج الآيات القرآنية مع الإشارة إلى مصادر الأحاديث الأصلية كالكتب الأربعة وإلى الناقلة عنه كالوسائل .

4 ـ استخراج الأقوال والآراء الاُصولية واللغوية وغيرها على قدر ما عثرنا عليها .

وجدير بالذكر أنّ التغييرات والإضافات وقعت في المتن بالنسبة إلى الطبعات السابقة كانت بإشراف المؤلّف نفسه .

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يوفّقه وإيّانا لما فيه الخير والصلاح ، وأن يختم لنا جميعاً بالحسنى إنّه سميع الدعاء .

مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ فرع قم المقدّسة                 


(7)

مقدّمة المؤلّف لهذه الطبعة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل رسله وخاتم أنبيائه محمّد ، وآله الطيبين الطاهرين

أ مّا بعد :

فإنّ المحاضرات الاُصولية التي ألقاها سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني ـ قدس سره ـ قد قمت بتدوينها قبل أكثر من خمسة عقود(1)  وقد أشرف على كتابتها سيّدنا الاُستاذ ـ قدس سره ـ بعطف وحنان .

ولما كانت الطبعات السابقة لا تجاوب روح العصر قامت مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ بتجديد طبعها ، مزانة بإرجاع المطالب إلى مصادرها وإصلاح ما وقع فيها من أخطاء وهفوات .

فها أنا أتقدّم بالشكر الجزيل إلى المؤسّسة المذكورة وإدارتها وكلّ من يقوم فيها بخدمات علمية باهرة ، وأرجو من المولى سبحانه أن يأخذ بأيديهم ويوفقهم لما فيه رضاه .

جعفر السبحاني             
قم ـ مؤسّسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ 4 ربيع الأوّل من شهور عام 1423 ق


1 ـ ابتدء(قدس سره) بتدريس مباحث الاُصول في شهر شوال عام 1370ق وفرغ منها عام 1377ق .


(8)

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. وبعد: فممّا منّ الله تعالى على هذا العبد اتفاق صحابة جمّ من الأفاضل وعدّة من الأعلام أيّدهم الله تعالى منهم العالم العلَم التقي صاحب الفكر الثاقب والنظر الصائب الأغا ميرزا جعفر السبحاني التبريزي وفّقه الله تعالى لمرضاته وكثّر الله أمثاله ولقد جدّ واجتهد في تنقيح مباحث الألفاظ من بحث هذا الفقير بحسن سليقته وتوضيحها بجودة قريحته فصار بحمد الله وله المنّة صحيفة كافلة لمهمّات المسائل فاسئل الله تعالى توفيقه لاتمام ساير المباحث وتأييده لبذل الجهد في طريق الحقّ وسبيل الهدى. في تاريخ 24 شهر ربيع المولود 1375 حرّره روح الله الموسوي الخميني عفي عنه


(9)

الحمد لله ربّ العالمين ، بارئ الخلائق أجمعين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين .

أ مّا بعد : فإنّ العلم من أهمّ البضائع المعنوية ، وأعظم الكمالات النفسانية ، وقد شرف علم الفقه من بين ذلك ; لاتّصاله بالله سبحانه ، وحفظه نظام المكلّفين بالنسبة إلى معادهم ومعاشهم جميعاً ، كما شرف بشرفه علم الاُصول ; لتوقّف الفقه والفقاهة عليه .

وإنّني بإمداد الله سبحانه ممّن توفّق للغور في هذا الفنّ والتحرير والدراسة فيه ، وقد جعلتُ محور استفادتي في هذا الفنّ بحث سيّدنا الاُستاذ الأكبر ، الحاج آغا روح الله الخميني ، أدام الله أظلاله على رؤوس المسلمين .

فجاء ـ بحمد الله ـ ما كان أفاده وألقاه في حوزة درسه ـ مجتمعاً ـ في هذه الأوراق والصحائف ، وبعد أن تمّ نظامه ، وتمسّك ـ بحمد الله ـ ختامه طلب منّي غير واحد من الأجلاّء الكرام والأصدقاء العظام تزئينه بالطبع والنشر ; ليعمّ نفعه ويكثر فيضه ; فأجبت مسؤولهم ، وسمّيته بـ «تهذيب الاُصول» .

وأسأل الله أن يوفّقنا لمراضيه ، ويجعل مستقبل أمرنا خيراً من ماضيه .

وكتابنا هذا يحتوي على مقدّمة ومقاصد :


(10)

المقدّمة

قبل الخوض في تحقيق المسائل الاُصولية يبحث عن اُمور جرت السيرة على البحث عنها ; وهي اُمور وموضوعات لها ارتباط بالمسائل المُعنونة في المباحث الاُصولية .


(11)

الأمر الأوّل
في حال العلوم وموضوعها
ووحدتها ومسائلها وتميّز بعضها عن بعض وغيرها

فنقول : إنّك إذا تفحّصت العلوم المدوّنة الدائرة بين أبناء عصرنا ـ من علمية وعملية ، وحقيقية واعتبارية ـ يتّضح لك تكامل العلوم في عصر بعد عصر ، من مرتبة ناقصة إلى مرتبة كاملة ; بحيث كانت في أوّل يومها الذي دوّنت وانتشرت عدّة مسائل متشتّة ، تجمعها خصوصية كامنة في نفس المسائل ، بها امتازت عن سائر العلوم ، وبها عدّت علماً واحداً ، فجاء الخَلف بعد السلف في القرون الغابرة ، وقد أضافوا إليها ما تمكّنوا عنه وما طار إليه فكرتهم ; حتّى بلغ ما بلغ ; بحيث تعدّ بآلاف من المباحث ، بعد ما كانت أوّل نشوئها بالغاً عدد الأصابع .

وينبّئك عن هذا ما نقله الشيخ الرئيس في تدوين المنطق عن المعلّم الأوّل : من أ نّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلاّ ضوابط غير مفصّلة ، وأ مّا تفصيلها وإفراد كلّ قياس بشروطه فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا(1) .


1 ـ اُنظر شرح المنظومة ، قسم المنطق : 6 ـ 7 ، الشفاء ، قسم المنطق 4 : 113 .


(12)

وأمامك علم الطبّ ; فقد تشعّب وانقسم عدّة شعبات من كثرة المباحث وغزارة المسائل ، حتّى أنّ الرجل لايتمكّن اليوم من الإحاطة بكلّ مسائله أو جلّها ، بل يتخصّص في بعض نواحيه ، بعد ما كان جميع مسائله مجتمعاً في كتاب ، وكان من المرسوم الدائر قيام الرجل الواحد بمداواة جميع الأمراض والعلل . وهذا هو الفقه ; فانظر تطوّره وتكامله من زمن الصدوقين إلى عصورنا الحاضرة .

اعتبارية وحدة العلوم

ثمّ إنّ وحدة العلوم ليست وحدة حقيقية ، بل وحدة اعتبارية ; لامتناع حصول الوحدة الحقيقية التي هي مساوقة للوجود الحقيقي من القضايا المتعدّدة ; لأنّ المركّب من جزئين أو أجزاء ليس موجوداً آخر وراء ما تركّب منه . اللهمّ إلاّ إذا حصل الكسر والانكسار ، وأخذت الأجزاء صورة على حدة غير موجودة في نفسها ، وهو الذي يعبّر عنه بالمركّب الحقيقي .

أضف إليه أنّ سنخ وحدة العلم تابع لسنخ وجوده ـ بل عينه على وجه دقيق ـ وليس العلم إلاّ عدّة قضايا متشتّتة ، ولهذه المتشتّتات ارتباط خاصّ وسنخية واحدة وخصوصية فاردة ، لأجلها قام العقلاء بتدوينها ، وعدّوها شيئاً واحداً ; فهي في عين تكثّرها واحد بالاعتبار ، ولأجله تجمع في كتاب أو رسالة ; لكي يبحث عنه في الجوامع ، وليس موجوداً واحداً مشخّصاً وراء الاعتبار ; فيكون ذا صورة ومادّة ، أو جنس وفصل ; حتّى يتقوّم ماهيته بالوجود الحقيقي .

نسبة موضوع المسائل إلى موضوع العلم

ثمّ إنّ ما اشتهر في الألسن ، وتلقّاه الأعلام بالقبول ; من أنّ قضايا العلوم


(13)

ليست إلاّ قضايا حقيقية ، وأنّ نسبة موضوع المسائل إلى موضوع العلم كنسبة الطبيعي إلى أفراده(1)  إنّما يصحّ في بعض منها ، كالعلوم العقلية والفقه واُصوله ; فإنّ غالب قضاياها حقيقية أو كالحقيقية ، والنسبة ما ذكروه في جملة من مسائلها ، دون جميع العلوم ; إذ قد يكون قضايا بعض العلوم قضايا جزئية ـ كالجغرافيا وأكثر مسائل علم الهيئة والتأريخ ـ وتكون النسبة بين موضوع المسائل وما قيل إنّه موضوع العلم نسبة الجزء إلى الكلّ ، وربّما يتّفق الاتّحاد بين الموضوعين كالعرفان ; فإنّ موضوعه هو الله ـ جلّ اسمه ـ وموضوع جميع مسائله أيضاً هو سبحانه ، وليسا مختلفين بالطبيعي وفرده والكلّ وجزئه .

وأسوأ حالا من هذا : ما اشتهر من أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية(2)  ـ سواء فسّرت بما نقل عن القدماء(3)  أو بما عن بعض المتأخّرين بأ نّها ما لا يكون لها واسطة في العروض(4) ـ إذ هو ينتقض بعلمي الجغرافيا والهيئة وما شابههما ممّا يكون النسبة بين الموضوعين نسبة الكلّ إلى أجزائه ; فإنّ عوارض موضوعات مسائلها لاتصير من العوارض الذاتية لموضوع العلم ـ على التفسيرين ـ إلاّ بنحو من التكلّف ; ضرورة أنّ عارض الجزء وخاصّته عارض لنفس الجزء الذي هو قسمة من الكلّ ومتشعّب عنه ، لا لنفس الكلّ الذي تركّب منه ومن غيره . اللهمّ إذا تشبّث القائل بالمجاز في الإسناد .


1 ـ راجع كفاية الاُصول : 21 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 22 .
2 ـ الفصول الغروية : 10 / السطر23 ، كفاية الاُصول : 21 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 21 .
3 ـ شرح الشمسية : 14 ـ 15 ، شرح المطالع : 18 ، الشواهد الربوبية : 19 .
4 ـ الحكمة المتعالية 1 : 30 ـ 34 .


(14)

واعطف نظرك إلى علم الفقه ; فتراه ذا مسائل ومباد ، مع أنّ البحث عنها ليس بحثاً عن الأعراض ; فضلا عن كونها أعراضاً ذاتية ; إذ الأحكام الخمسة ليست من العوارض بالمعنى الفلسفي ، أوّلا . اللهمّ إلاّ أن تعمّم الأعراض للمحمولات الاعتبارية بضرب من التأويل .

ولو سلّم كونها أعراضاً في حدّ نفسها فليست أعراضاً ذاتية لموضوعات المسائل ، ثانياً . إذ الصلاة بوجودها الخارجي لاتكاد تتّصف بالوجوب ; لأنّ الخارج ـ  أعني إتيان المأمور به  ـ ظرف السقوط بوجه لا العروض ، ولابوجودها الذهني ; لظهور عدم كونه هو المأمور به ، وعدم كون المكلّف قادراً على امتثال الصورة العلمية القائمة بنفس المولى .

والقول بكون الماهية معروضة لها مدفوع بأنّ الوجدان حاكم على عدم كونها مطلوبة ، بل معنى وجوبها : أنّ الآمر نظر إلى الماهية ، وبعث المكلّف إلى إيجادها ، فيقال : إنّ الصلاة واجبة ، من غير أن يحلّ فيها شيء ويعرضها عارض .

عدم وجود الموضوع لكلّ علم

وهناك مشكلة اُخرى  : وهو أنّ القوم قد التزموا ـ  عدا بعض المحقّقين من متأخّريهم(1) ـ على وجود موضوع للعلم ينطبق على موضوعات المسائل(2) ، وربّما يتمسّك في إثباته بقاعدة الواحد(3) ، التي لايكاد يخفى بطلان التمسّك بها هنا على


1 ـ نهاية الأفكار 1 : 10 .
2 ـ كفايـة الاُصول : 21 ، فوائـد الاُصـول (تقريـرات المحقّـق النائيني) الكاظمي 1 : 22 ، نهايـة الدراية 1 : 34 .
3 ـ كفاية الاُصول : 39 .


(15)

من له أدنى إلمام بالعلوم العقلية ; إذ هي تختصّ بالبسيط الحقيقي ، ولا تجري في مثل العلوم التي هي قضايا كثيرة ، يترتّب على كلّ قضية فائدةٌ غير ما يترتّب على الاُخرى ، وإن كان بين الفائدتين وحدة وربط بالسنخ .

مع أنّ حديث تأثير الجامع إذا اجتمعت المؤثّرات على أثر واحد قول فاسد ، لاينطبق إلاّ على قول الرجل الهمداني(1) .

وإن شئت قلت : إنّ السبر والتتبّع في العلوم ناهض على خلاف ما التزموه ; إذ العلوم ـ كما سمعت ـ لم تكن إلاّ قضايا قليلة قد تكمّلت بمرور الزمان ، فلم يكن الموضوع عند المؤسّس المدوّن مشخّصاً حتّى يجعل البحث عن أحواله .

وما تقدّم من علم الجغرافيا أصدق شاهد ; إذ العلم بأوضاع الأرض ; من جبالها ومياهها وبحارها وبلدانها لم يتيسّر إلاّ بمجاهدة الرجال قد قام كلٌّ على تأليف كتاب في أوضاع مملكته الخاصّة به ، حتّى تمّ العلم . ولم يكن الهدف في هذا البحث لدى هؤلاء الرجال العلم بأوضاع الأرض حتّى يكون البحث عن أحوال مملكته بحثاً عن عوارضها .

ونظيره علم الفقه ; فلم تكن الفقيه الباحث لدى تأسيسه ناظراً ولاحظاً فعل المكلّف حتّى يجعله موضوعاً لما يحمله عليه وما يسلبه عنه .

مع أنّ ما تخيّلوه موضوعاً للعلم لاينطبق على أكثر مسائل باب الضمان والإرث والمطهّرات والنجاسات وسائر الأحكام الوضعية ممّا هي من الفقه بالضرورة . كما أنّ ما تصوّروه موضوعاً للفنّ الأعلى لايطّرد ; لاستلزامه خروج


1 ـ راجـع رسالـة بعض الأفاضـل إلى علمـاء مدينـة السلام ، ضمن الـرسائل : 463 ، الحكمـة المتعالية 1 : 273 ـ 274 .


(16)

مباحث الماهيات ـ التي هي من أدقّ مسائله ـ عنه ، ونظيرها مباحث كيفية المعاد والأعدام والجنّة والنار .

والقول بالاستطراد أو التمسّك بما ذكره بعض الأكابر(1)  غير تامّ ، مع أنّ القضايا السلبية التحصيلية موجودة في مسائل العلوم ، وهي لاتحتاج إلى وجود الموضوع ، ولم تكن أحكامها من قبيل الأعراض للموضوعات ، بناءً على التحقيق فيها من كون مفادها سلب الربط(2) .

فتلخّص : أنّ الالتزام بأ نّه لابدّ لكلّ علم من موضوع جامع بين موضوعات المسائل ، ثمّ الالتزام بأ نّه لابدّ من البحث عن عوارضه الذاتية ، ثمّ ارتكاب تكلّفات غير تامّة لتصحيحه ، والذهاب إلى استطراد كثير من المباحث المهمّة التي تقضي الضرورة بكونها من العلم ، ممّا لا أرى وجهاً صحيحاً له ، ولا قام به برهان ، بل البرهان على خلافه .

في تمايز العلوم

كما أنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتّتة التي يناسب بعضها بعضاً ، فهذه السنخية والتناسب موجودة في جوهر تلك القضايا وحقيقتها ولا تحتاج إلى التعليل ، كذلك تمايز العلوم واختلاف بعضها يكون بذاتها .

فقضايا كلّ علم مختلفة ومتميّزة بذواتها عن قضايا علم آخر ، من دون حاجة إلى التكلّفات الباردة اللازمة من كون التميّز بالموضوع ، وقد عرفت عدم الحاجة


1 ـ الحكمة المتعالية 1 : 23 ـ 25 ، الشواهد الربوبية : 14 .
2 ـ راجع الاستصحاب ، الإمام الخميني(قدس سره) : 96 ـ 98 .


(17)

إلى نفس الموضوع ; فضلا عن كون التميّز به ، أو كون التميّز بالأغـراض ، وهـو أيضاً سخيف ; إذ الغرض ـ سواء كان غرض التدوين أم التعلّم ـ متأخّر عن نفس المسائل ; إذ هي فوائد مترتّبة عليها ، فيكون التميّز بنفس المسائل في الرتبة السابقة .

وعليك بالاختبار ; أترى التناسب الواقع بين مرفوعية الفاعل ومنصوبية المفعول موجوداً بين واحـد منها ، وبين المسائل الرياضية أو العقلية ، وهكذا مباحث سائر العلوم التي بأيدينا ; فنرى أنّ جهة التوحّد والتميّز هو تسانخ القضايا وتمايزها بالطبع .

وتداخل العلوم في بعض المسائل لايوجب أن يكون التميّز بالأغراض ; إذ كلّ علم مركّب من قضايا كثيرة ، وأكثر مسائله ممتاز غير متداخل فيه ، ولكنّه في بعضها ـ ولعلّه القليل ـ متّحد ومتداخل .

وعليه : فهذا المركّب بما أ نّه مركّب وواحد اعتباري مختلف ومتميّز أيضاً بذاته عن غيره ; لاختلاف أكثر أجزاء هذا المركّب مع أجزاء ذاك المركّب ; وإن اتّحدا في بعض ، ولكن النظر إلى المركّب بنظر التركّب والمركّب بما هو كذلك ممتاز عن غيره ; وإن اشترك معه في بعض الأجزاء .

وبذلك يتّضح : أنّ أكثر المباحث العقلية أو اللفظية ـ التي يكون البحث فيها أعمّ ـ لابأس بأن يعدّ من المسائل الاُصولية إذا اشترك مـع سائر مسائل الاُصول في الخصوصية التي بها عدّت علماً واحداً .

فالمسألة المتداخلة قضية واحدة ، لها سنخية مع هذا المركّب وذلك المؤلّف ، وتكون أدبية لحصول ما يبتغيه الأديب من تأسيس قاعدة لفهم كلام العرب واُصولية يطلبها الاُصولي لفهم كلام الشارع .


(18)

تعريف علم الاُصول وضابطة مسائله

بقي الكلام في تعريفه وفيه تحديد مسائل الاُصول . التعاريف المتداولة في ألسنة القوم لايخلو واحـد منها مـن إشكال ; طـرداً وعكساً . وأشهرها : «أ نّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلّتها التفصيلية»(1) .

واُورد عليه : بخروج الظنّ على الحكومة ، والاُصول العملية في الشبهات الحكمية(2) .

وقد عدل المحقّق الخراساني إلى تعريفه بـ «أ نّه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام ، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل»(3) . ويمكن أن يكون التعبير بالصناعة لأجل أ نّه من العلوم العملية ، كالهندسة العملية وكالمنطق ، أو للإشارة بكونه آلة بالنسبة إلى الفقه ، كالمنطق بالنسبة إلى الفلسفة .

وظنّي : أنّ هذا التعريف أسوأ التعاريف المتداولة ; لأ نّه لاينطبق إلاّ على مبادئ المسائل ; لأنّ ما يعرف به القواعد الكذائية هو مبادئ المسائل ، ولم يذهب أحد إلى أنّ العلم هو المبادئ فقط ، بل هو إمّا نفس المسائل ، أو هي مع مبادئها . هذا ، مضافاً إلى دخول بعض القواعد الفقهية فيه . اللهمّ إلاّ أن يراد بالصناعة العلم الآلي المحض .


1 ـ قوانين الاُصول 1 : 5 / السطر4 ، هـداية المسترشدين 1 : 97 ، الفصول الغرويـة : 9  /  السطر39 ، مناهج الأحكام والاُصول : 1 / السطر14 .
2 ـ كفاية الاُصول : 23 ـ 24 .
3 ـ نفس المصدر : 23 .


(19)

ويرد الإشكال الأخير على تعريف بعض الأعاظم من «أ نّه عبارة عن العلم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلّي»(1) ، وقد تصدّى لدفع الإشكال في أوائل الاستصحاب(2)  بما لايخلو من غرابة ، فراجع .

ويتلوه في الضعف ما ذكره بعض المحقّقين : من أنّ المدار في المسألة الاُصولية على وقوعها في طريق الاستنباط بنحو يكون ناظراً إمّا إلى إثبات نفس الحكم أو إلى كيفية تعلّقه بموضوعه ، وأنّ المسائل الأدبية لاتقع إلاّ في استنباط موضوع الحكم ، من غير نظر إلى كيفية تعلّقه عليه(3) .

وليت شعري : أيّ فرق بين مبحث المشتقّ ودلالة الفعل على الاختيار وما ضاهاهما من الأبحاث اللغوية ، وبين مبحث مفاد الأمر والنهي وكثير من مباحث العامّ والخاصّ التي يبحث فيها عن معنى «الكلّ» و«الألف واللام» ، بل المفاهيم مطلقاً ; حيث أخرج الطائفة الاُولى وأدخل الثانية ، مع أنّ كلّها من باب واحد تحرز بها أوضاع اللغة ، وتستنتج منها كيفية تعلّق الحكم بموضوعه . مضافاً إلى ورود القواعد الفقهية عليه أيضاً .

ويمكن أن يقال : بـ «أ نّه هو القواعد الآلية التي يمكن أن تقع في كبرى استنتاج الأحكام الكلّية الفرعية الإلهية أو الوظيفة العملية» ، فيخرج بالآلية القواعد الفقهية ; فإنّ المراد بها كونها آلة محضة ولاينظر فيها ، بل ينظر بها فقط ، والقواعد الفقهية ينظر فيها ، فتكون استقلالية لا آلية ; لأنّ قاعدة ما يضمن وعكسها حكم


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 19 و29 .
2 ـ نفس المصدر 4 : 308 ـ 309 .
3 ـ مقالات الاُصول 1 : 54 ، نهاية الأفكار 1 : 22 ـ 23 .


(20)

فرعي إلهي منظور فيها على فرض ثبوتها ، وقواعد الضرر والحرج والغرر كذلك ; فإنّها مقيّدات للأحكام بنحو الحكومة ، فلا تكون آلية وإن يعرف بها حال الأحكام . وأ مّا خروج بعض الاُصول العملية فلا غرْو فيه ، على فرضه .

وإنّما قلنا : «يمكن أن تقع» لأنّ مناط الاُصولية هو الإمكان لا الوقوع الفعلي ، فالبحث عن حجّية القياس والشهرة والإجماع المنقول بحث اُصولي ، وخرج مباحث سائر العلوم بقولنا «تقع كبرى» . ولم نقيّد الأحكام بالعملية لعدم عملية جميع الأحكام ، كالوضعيات وكثير من مباحث الطهارة وغيرها . وإضافة «الوظيفة» لادخال مثل الظنّ على الحكومة .

ولم نكتف بـ «أ نّه ما يمكن أن تقع كبرى استنتاج الوظيفة» لعدم كون النتيجـة وظيفة دائماً ، كالأمثلة المتقدّمة ، وانتهاؤها إلى الوظيفة غير كونها وظيفة .

ثمّ إنّ المسائل المتداخلة بين هذا العلم وغيره ، ككثير من مباحث الألفاظ ـ  مثل ما يبحث فيه عن الأوضاع اللغوية ، كدلالة طبيعة الأمر على الوجوب والنهي على الحرمة ودلالة أداة الحصر على مدلولها وكمداليل المفردات والمركّبات  ـ يمكن ادخالها فيه وتمييزها عن مسائل سائر العلوم بكونها آلة محضة ، فالاُصولي يبحث عنها بعنوان الآلية والوقوع في كبرى الاستنتاج وغيره بعنوان الاستقلالية أو لجهات اُخر .

ويمكن الالتزام بخروجها ، وإنّما يبحث الاُصولي عنها لكونها كثير الدوران في الفقه ; ولذا لم يقتنع بالبحث عنها في بعض مباحث الفقه ، والأمر سهل .


(21)

الأمر الثاني
في الواضع وحقيقة الوضع

إنّ من العسير جدّاً تحليل اُصول الألسنة المتنوّعة المنتشرة في أرجاء الدنيا وأطراف العالم ، والذي يمكن الاعتماد عليه ـ ويؤيّده العلم والتجربة ـ هو تكامل الإنسان قرناً بعد قرن في شؤونه وأطواره في عيشته وحياته ، وفيما يرجع إليه من النواحي الاجتماعية والمدنية ، بعد ما كان خلواً من هذه الجهات الحيوية .

ومن تلك النواحي تكثّر لسانه وتزايد أفراده ، بل توسّع لسان واحد على حسب مرور الزمان ووقوفه أمام تنوّع الموجودات والمصنوعات ; فاللسان الواحد ـ  كالعربي أو العبري  ـ لم يكن في بدء نشأته إلاّ عدّة لغات معدودة ، تكمّلت على حسب وقوفهم على الأشياء ، مع احتياجهم أو اشتياقهم إلى إظهار ما في ضمائرهم إلى أن بلغت حدّاً وافياً ، كما هو المشاهَد من المخترعين وأهل الصنعة في هذه الأ يّام .

نعم ، تنوّع أفراده إنّما هو لأجل تباعد الملل وعدم الروابط السهلة بين الطوائف البشرية ; فاحتاج كلّ في إفهام مقاصده إلى وضع ألفاظ وتعيين لغات .

وعليه : فليس الواضع شخصاً واحداً معيّناً ، بل اُناس كثيرة وشِرذِمة غير


(22)

قليلة ، على اختلافهم في العصور وتباعدهم في الزمان .

وما عن بعضهم من أنّ الواضع هو الله تعالى ، وقد ألهم بها أنبيائه وأوليائه ; مستدلاّ بلزوم العلاقة بين الألفاظ ومعانيها ; دفعاً للترجيح بلا مرجّح ، وامتناع إحاطة البشر على خصوصيات غير متناهية(1) .

غير مسموع ; إذ المرجّح لاينحصر في الرابطة بين اللفظ والمعنى ، بل قد يحصل الترجيح باُمور اُخر ، كسهولة أدائه أو حسن تركيبه أو غير ذلك ، على أنّ الامتناع مسلّم لو كان الواضع شخصاً معيّناً محدوداً عمره ووقته .

ثمّ إنّ دعوى وجود المناسبة الذاتية بين الألفاظ ومعانيها ـ كافّة ـ قبل الوضع ممّا يبطله البرهان المؤيّد بالوجدان ; إذ الذات البحت البسيط الذي له عدّة أسماء متخالفة من لغة واحدة أو لغات : إمّا أن يكون لجميعها الربط به ، أو لبعضها دون بعض ، أو لا ذا ولا ذاك ; فالأوّل يوجب تركّب الذات وخروجه من البساطة المفروضة ، والأخيران يهدمان أساس الدعوى .

والتمسّك بأ نّه لولا العلاقة يلزم الترجيح بغير المرجّح قد عرفت جوابه ; وأنّ الترجيح قد يحصل بغير الربط . وأ مّا حصوله بعد الوضع فواضح البطلان ; لأنّ تعيين لفظ لمعنى لايصير علّة لحصول علاقة واقعية تكوينية ; إذ الاعتبار لايصير منشأً لحصول أمر واقعي حقيقي ، والانتقال إلى المعنى إمّا لأجل بناء المستعملين على كون استعمالهم على طبق الوضع ، أو لجهة الاُنس الحاصل من الاستعمال .

وما ربّما يقال : من أنّ حقيقة الوضع لو كانت اعتبارية ودائرة مدار الاعتبار يلزم انعدام هذه العُلقة بعد انقراض المعتبرين وهلاك الواضعين والمستعملين(2) ،


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 30 .
2 ـ مقالات الاُصول 1 : 62 ـ 64 .


(23)

فلا ضير في الالتزام به ; إذ هذا هو الفرق بين القوانين الحقيقية الفنّية ـ  كقانون الجاذبة وسير النور وأوزان الأجسام  ـ وبين الاعتبارية ـ  كقانون الازدواج والنظام  ـ فإنّ الاُولى ثابتة محقّقة ; كشفت أو لا ، لوحظ خلافها أم لم يلحظ ، بخلاف الثانية ; فإنّ سيرها وأمَد عمرها مربوط بامتداد الاعتبار .

فاللغات المتروكة البائد أهلها ، المقبورة ذواتها وكتبها مسلوبة الدلالة ، معدومة العُلقة ، كقوانينها الاعتبارية .

وأ مّا حقيقة الوضع : فهي ـ على ما يظهر من تعاريفها ـ عبارة عن جعل اللفظ للمعنى وتعيينه للدلالة عليه ، وما يرى في كلمات المحقّقين من التعبير بالاختصاص(1)  أو التعهّد(2)  فهو من آثار الوضع ونتائجه ، لانفسه .

وأ مّا ما اُقيم عليه من البرهان : من أ نّه لايعقل جعل العلاقة بين أمرين لا علاقة بينهما ، وإنّما المعقول هو تعهّد الواضع والتزامه بأ نّه متى أراد إفهام المعنى الفلاني تكلّم بلفظ كذا(3) ; فهو حقّ لو كان الوضع إيجاد العلاقة التكوينية ، وأ مّا على ما حقّقناه من أ نّه تعيين اللفظ للمعنى فهو بمكان من الإمكان .

بل ربّما يكون الواضع غافلا عن هذا التعهّد ، كما يتّفق أن يكون الواضع غير المستعمل ; بأن يضع اللفظ لأجل أن يستعمله الغير .

وبه يتّضح : بطلان تقسيمه إلى التعييني والتعيّني ; لأنّ الجعل والتعيين الذي هو مداره مفقود فيه .


1 ـ كفاية الاُصول : 24 .
2 ـ تشريح الاُصول : 25 / السطر18 ، درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 35 .
3 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 35 .


(24)


(25)

الأمر الثالث
في أقسام الوضع

ينقسم الوضع على حسب التصوّر إلى عموم الوضع والموضوع له ، وخصوصهما ، وعموم الأوّل فقط ، وعموم الثاني كذلك .

وربّما يسلّم : إمكان القسم الثالث دون الرابع ، بزعم : أنّ العامّ يمكن أن يكون وجهاً للخاصّ وآلة للحاظ أفراده ، وأنّ معرفة وجه الشيء معرفته بوجه ، بخلاف الخاصّ ; فلا يقع مرآةً للعامّ ولا لسائر الأفراد ; لمحدوديته(1) .

قلت : الحقّ أ نّهما مشتركان في الامتناع على وجه والإمكان على نحو آخر ; إذ كلّ مفهوم لايحكي إلاّ عمّا هو بحذائه ، ويمتنع أن يكون حاكياً عن نفسه وغيره ، والخصوصيات وإن اتّحدت مع العامّ وجوداً إلاّ أ نّها تغايره عنواناً وماهية .

فحينئذ : إن كان المراد من لزوم لحاظ الموضوع له في الأقسام هو لحاظه بما هو حاك عنه ومرآة له فهما سيّان في الامتناع ; إذ العنوان العامّ ـ كالإنسان ـ لايحكي إلاّ عن حيثية الإنسانية ، دون ما يقارنها من العوارض والخصوصيات ; لخروجها من حريم المعنى اللا بشرطي ، والحكاية فرع الدخول في الموضوع له .


1 ـ كفاية الاُصول : 24 .


(26)

وإن كان المراد من شرطية لحاظه هو وجود أمر يوجب الانتقال إليه فالانتقال من تصوّر العامّ إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس بمكان من الإمكان . والظاهر كفاية الأخير ، بأن يؤخذ العنوان المشير الإجمالي آلة للوضع لأفراده ، ولايحتاج إلى تصوّرها تفصيلا ، بل ربّما يمتنع ; لعدم تناهيها .

وبذلك يظهر : ضعف ما ربما يقال من أنّ الطبيعة كما يمكن أن تلاحظ مهملة جامدة ، يمكن لحاظها سارية في أفرادها مندرجة في مصاديقها ، وعليه تكون عين الخارج ونفس المصاديق ; ضرورة اتّحاد الماهية والوجود في الخارج ، والانفصال إنّما هو في الذهن ، فتصحّ مرآتيتها للأفراد ; إذ الاتّحاد الخارجي لا يصحّح الحكاية ، وإلاّ لكانت الأعراض حاكية عن جواهرها .

ومن الواضح : أنّ المشخّصات غير داخلة في مفهوم العامّ ، فكيف يحكي عنها ، والحكاية تدور مدار الوضع والدخول في الموضوع له .

ثمّ إنّ هناك قسماً خامساً بحسب التصوّر ـ وإن كان ثبوته في محلّ المنع ـ وهو أنّ عموم الموضوع له قد يكون بوضع اللفظ لنفس الطبائع والماهيات ، كأسماء الأجناس ; فإنّها موضوعة لما هو عامّ بالحمل الشائع ، من دون أخذ مفهوم العموم فيه ، وإلاّ يلزم التجريد والتجوّز دائماً ; لكونها بهذا القيد آبية عن الحمل .

واُخرى : يكون الموضوع له هو العامّ بما هو عامّ ، كما أ نّه في الخاصّ كذلك دائماً ; إذ الموضوع له هو الخاصّ بما هو خاصّ .

نقل وتنقيح

إنّ بعض المحقّقين من المشايخ ذهب إلى أنّ لعموم الوضع والموضوع له معنى آخر ، وملخّص ما أفاده : هـو أنّ للطبيعي حصصاً في الخارج متكثّرة


(27)

الوجود ، ولها جامع موجود في الخارج بالوجود السعي ، ملاصقاً للخصوصيات ، واحداً بالوحدة الذاتية بدليل انتزاع مفهوم واحد منها ، ولامتناع تأثير العلّتين في معلول واحد .

وللصور الذهنية أيضاً جامع كذلك ، وإلاّ لم تكن تامّ الانطباق على الخارج . ولازم ذلك : عدم تحقّق المعنى المشترك في الذهن إلاّ في ضمن الخصوصيات .

فحينئذ : يمكن ملاحظة هذه الجهة المتّحدة السارية في الخصوصيات ، المطابقة لما في الخارج بتوسيط معنى إجمالي ، فيوضع اللفظ لها لا للخصوصيات ، في قبال وضعه للجامع المجرّد عنها ، وهذا أيضاً من قبيل الوضع العامّ والموضوع له كذلك ، ولكن لازمه انتقال النفس في مقام الاستعمال إلى صور الأفراد . ولاينافي هذا كون الطبيعي بالنسبة إلى الأفراد كالآباء إلى الأولاد(1) .

وأنت خبير : بأنّ نخبة المقال في تحقيق الوجود الطبيعي وكيفية وجوده وتكثّره بتكثّر الأفراد ، وأنّ ما ينال العقل من الطبيعي من كلّ فرد مغاير من كلّ ما يناله من فرد آخر عدداً ـ وإن كان عينه سنخاً ـ لابدّ أن يطلب من محلّ آخر ولكن عصارة ذلك : هو أنّ كلّ فرد من أفراد أيّ كلّي فُرض فهو مشتمل على تمام حقيقة كلّية وطبيعية ، فكلّ فرد يتحقّق فيه الطبيعي بتمام أجزائه ; فإذن إنسانية زيد غير إنسانية عمرو ، وهكذا سائر الأفراد ، فكلّ فرد إنسان تامّ بنفسه .

والسرّ في ذلك : أنّ الماهية اللا بشرط ـ كمفهوم الإنسان ـ توجد في الخارج بنعت الكثرة ، وتنطبق على آلاف من المصاديق ، كلّ واحد منها حائز حقيقة تلك الماهية بتمام ذاتها .


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 72 ـ 74 .


(28)

نعم ، العقل بعد التجريد وحذف المميّزات والمشخّصات يجد في عالم الذهن منها شيئاً واحداً وحدة ذاتية نوعية ، وهي لاتنافي الكثرة العددية في وعاء الخارج .

وهذا هو مراد مَن قال : إنّ للماهية نشأتين : نشأة خارجية ; هي نشأة الكثرة المحضة ، ونشأة عقلية ; وهي نشأة الوحدة النوعية ، وأنّ الطبيعي مع أفراده كالآباء مع الأولاد .

ولكن ما ذكره المحقّق المذكور ـ قدس سره ـ صريح في أنّ الكلّي الطبيعي أمر واحد جامع موجود في الخارج بنعت الوحدة ، ينتزع منه المفهوم الكلّي .

وهو وإن فرّ عن ذلك ; قائلا بأنّ الحصص متكثّرة الوجود ; لئلاّ يلزم الوحدة العددية للطبيعي ، ولكن التزامه بالجامع الموجود في عالم الخارج بالوجود السعي الذي جعله منشأً لانتزاع المفهوم الواحد ـ أعني مفهوم الطبيعي ـ يوهم أو يصرّح بخلافه ، وينطبق لما ينسب إلى الرجل الهمداني القائل بوجود الطبيعي في الخارج بالوحدة الشخصية ; إذ القول بوجود الجامع الخارجي بنعت الوحدة يساوق كونه موجوداً بالوحدة العددية .

هذا ، واعطف نظرك إلى ما أقامه برهاناً لما اختاره ; أ مّا ما ذكره من قضية عدم انتزاع مفهوم واحد إلاّ عن منشأ واحد ففيه : أ نّه لايثبت أن يكون في الخارج أمر واحد موجود بنعت الوحدة ، بل يجامع ما أسمعناك من تجريد الأفراد عن اللواحق أيضاً ، فعند ذلك ينال العقل من كلّ فرد ما ينال من الآخر ; إذ التكثّر ناش عن ضمّ المشخّصات ، فعند حذفها لامناص إلاّ عن التوحّد في الذهن .

وأ مّا ما ذكره : من أنّ الجامع هو المؤثّر عند اجتماع العلل على معلول واحد فالظاهر : أ نّه جواب عمّا ربّما يورد على القاعدة المسلّمة في محلّها من أ نّه لايصدر الواحد إلاّ عن الواحد ; حيث ينتقض ذلك بالبنادق المؤثّرة في قتل حيوان ،


(29)

وباجتماع عدّة أشخاص لرفع حجر عظيم ، فيجاب : بأنّ المؤثّر في أمثال هذه الموارد هو الجامع الموجود بين العلل .

ولكن الإشكال والجواب لم يصدر إلاّ عمّن لم يقف على مغزى القاعدة ومورد ثبوتها ، ولم ينقّح كيفية تعلّق المعلول بالعلّة في الفاعل الإلهي ; أعني مفيض الوجود ومعطي الهوية ; إذ أصحاب التحقيق في هاتيك المباحث خصّصوا القاعدة ـ  تبعاً لبرهانها  ـ بالواحد البحت البسيط من جميع الجهات(1) ، والمتكثّرات ـ  خصوصاً العلل المادّية  ـ أجنبية عنها ، فلا حاجة إلى دفع نقوضها ، مع أ نّها واضحة الفساد لدى أهله .

أضف إلى ذلك : أنّ الواحد بالنوع والذات ـ أعني المفهوم ـ لايمكن أن يكون مؤثّراً ولا متأثّراً إلاّ بالعرض ، بل المؤثّر والمتأثّر هي الهوية الوجودية الواحدة بالوحدة الحقيقية .

وحينئذ : فالحقّ الصراح هو امتناع وجود الجامع بما هو جامع في الخارج والذهن كليهما ، بعد ما عرفت : من أنّ الوجود مدار الوحدة ، وهو لايجتمع مع الجامعية والكلّية . نعم تصوير أخذ الجامع إنّما هو من ناحية تجريد الأفراد عن الخصوصيات ، كما سبق(2) . وسيوافيك تفصيل القول في هذه المباحث عند التعرّض بمتعلّق الأوامر ، فارتقب حتّى حين .

هذا ، ولو سلّمنا وجود ما تصوّر من الجامع ، أو فرضنا وضع اللفظ له ، لكنّه لايوجب إحضار الخصوصيات في الذهن ، بعد فرض وضع اللفظ لنفس الجامع


1 ـ الحكمة المتعالية 2 : 204 ـ 205 ، و7 : 192 ـ 244 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 132  ـ  133 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 28 .


(30)

اللابشرط الموجود بالوجود السعي ، ولصوقه بها واتّحاده معها في الخارج لايوجب إحضارها بلفظ لم يوضع لها ، ولو كان مجرّد الاتّحاد الخارجي كافياً في الإحضار لكفى فيما إذا كان اللفظ موضوعاً لنفس الماهية ، مع قطع النظر عن وجودها السعي ; لأ نّها متّحدة معها خارجاً ; ولو بنعت الكثرة .

وهم ودفع

أ مّا الأوّل : فهو أ نّه قد يتخيّل امتناع عموم الوضع مطلقاً ; لأنّ الملحوظ بعد تنوّره بنور الوجود في اُفق الذهن ـ لا محالة ـ يصير جزئياً ذهنياً مشخّصاً علمياً ; فإنّ الوجود يساوق الوحدة . وغفلة اللاحظ عن لحاظه وقطع نظره عن تشخّصه لايوجب انقلاب الجزئي كلّياً .

وأ مّا الثاني : فهو أنّ المراد من الملحوظ ما هو ملحوظ بالعرض لا ما بالذات ، ولا طريق لنا إليه إلاّ بالماهية الملحوظة كذلك ، والملحوظية بالعرض كافية في الوضع وفي صيرورته عامّاً وخاصّاً ، وإلاّ لصار الوضع للخارجيات ممتنعاً كلّية ; لعدم نيل النفس إيّاها إلاّ بواسطة الصورة الملحوظة بالذات ، كما أ نّه لايمكن لها النيل لنفس الماهية المعرّاة عن جميع الخصوصيات ـ حتّى عن كونها ملحوظة في الذهن ـ إلاّ بواسطة فرد ذهني يشير به إليها ، وهذا هو الحال في الإخبار عن المعدوم المطلق بأ نّه لايخبر عنه ، وعن شريك البارئ بأ نّه ممتنع .


(31)

الأمر الرابع
فيما هو الممكن من أقسام الوضع

لا إشكال عندهم ولا خلاف في تحقّق عموم الوضع والموضوع له وخصوصهما في الخارج ، ومثّلوا للأوّل بأسماء الأجناس ، وللثاني بالأعلام(1) ، ولكن في النفس من التمثيل بالأعلام للثاني شيئاً ; إذ لو كانت موضوعة لنفس الخارج والهوية الوجودية لزم أن يكون قولنا «زيد موجود» قضية ضرورية ، ومن قبيل حمل الشيء على نفسه ، ومجازية قولنا «زيد معدوم» أو «زيد إمّا موجود وإمّا معدوم» ; لاحتياجها إلى عناية التجريد ، مع أ نّا لانجد الفرق بينها وبين ما إذا كان المحمول لفظ «قاعد» أو «قائم» .

والذي يناسب الارتكاز هو القول بكونها موضوعة لماهية لاتنطبق إلاّ على فرد واحد ، لا للماهية المنطبقة على الكثيرين ، ولا للفرد المشخّص .

وعلى هذا الارتكاز جرت سيرة العوامّ في الإخبار عن معدومية المسمّيات في زمان ، وموجوديتها في زمان آخر ، ويقال لم يكن زيد في ذلك الزمان ، بل


1 ـ الفصول الغروية : 16 / السطر3 ، كفاية الاُصول : 25 ، مقالات الاُصول 1 : 71 .


(32)

وجـد بعده . فيستكشف : أنّ الوضع لم ينحدر على الهوية الوجودية ، بل على ماهيـة مخصّصة بإضافات كثيرة وحدود وافرة ـ ولو ارتكازاً ـ لينطبق على المشخّص المعيّن .

في معاني الحروف

وأ مّا القسم الثالث ـ أعني عموم الوضع وخصوص الموضوع له ـ فقد مثّلوا له بالحروف(1) ، فلنبدأ بتحقيق معانيها حتّى تتّضح كيفية وضعها :

فنقول : إنّك إذا أمعنت النظر ولاحظت الموجودات ـ من شديدها إلى ضعيفها  ـ ترى بعين الدقّة انقسام الموجودات الإمكانية إلى أقسام وشعب :

فمنها : ما هو تامّ ماهيةً ووجوداً ; أي يوصف حقيقتها ويدرك جوهرها مستقلّة في المدارك العقلية بلا توسيط شيء ، كما أ نّه يتحقّق ويحصل في الأعيان كذلك ، من دون أن يعتمد على شيء أو يحصل في موضوع ـ كالجواهر بأنواعها العالية والسافلة ـ ويعبّر عنه بالموجود لنفسه وفي نفسه .

ومنها : ما هو تامّ ماهية ومفهوماً ، ويتصوّر ماهية العقلانية في نشأة الذهن بحيالها ، ولا يحتاج في التحديد إلى أمر آخر ، ولكنّه غير تامّ وجوداً ، ولايمكن أن يتحقّق في نفسه مستقلاّ ، ولا أن يشغل الأعيان إلاّ بالحصول في موضوع والعروض على معروض ، كالأعراض بأسرها .

ومنها : ما هو قاصر في كلتا النشأتين ، فلا يجعل في الذهن إلاّ تبعاً وتطفّلا للغير ، ولايوجد في الخارج إلاّ مندكّاً في طرفيه ، كالنِسَب والإضافات والوجودات


1 ـ معالم الدين : 124 ، قوانين الاُصول 1 : 10 / السطر6 ، الفصول الغروية : 16 / السطر6 .


(33)

الرابطة ; فإنّ لها محكيات ومسمّيات في الخارج ، لاتخرج من حدود الوجود ، ولها حظّ منه . تجد جميع هذه في قولنا : «الجسم له البياض» ; فإنّ محكي الجسم والبياض غير حصول البياض للجسم ، وحصوله للجسم ليس كلا حصوله ، ووقوع زيد في الدار ليس كلا وقوعه . نعم ليس لهذا القسم الأخير ماهية معقولة مستقلّة ; بأن يدرك ما هو ربط بالحمل الشائع ، من دون إدراك الأطراف ، كما أنّ موجوديته أيضاً بعين موجودية الطرفين .

وأ مّا مفهوم الربط والنسبة التي تدرك مستقلّة فليس نسبة ولا ربطاً إلاّ بالحمل الأوّلي الذاتي ، لا بالحمل الشائع ; إذ للعقل أن ينتزع منها مفهوماً مستقلاّ يجعله حاكياً عن الروابط الحقيقية ومشيراً إليها بنحو من الحكاية والإشارة ، لا كحكاية الماهية عن مصداقها ; إذ لايمكن استحضار حقائق النِسب في الذهن بذاتها بتوسّط هذه العناوين .

ولا يتعقّل ذواتها بنحو الاستقلال ـ لا بالذات ولا بالعرض ـ إذ المفروض : أنّ حقيقتها عين الربط بالطرفين والفناء والاندكاك فيهما ، فلا يمكن الاستحضار إلاّ تبعاً لهما ، كما لايوجد في وعاء الخارج إلاّ كذلك .

وإن شئت قلت : إنّ الفرق بين القضية المعقولة وما تنطبق عليه خارجاً ليس إلاّ باختلاف الموطن ; بحيث لو أمكن قلب أحدهما إلى الآخر لحصل التطابق بلا زيادة ونقصان .

فحينئذ : فكما أنّ الربط التكويني بين الجواهر والأعراض إنّما هو بوجود النسب والوجودات الرابطة ـ بحيث لولاها يستقلّ كلّ في مكانه ،ولم يكن زيد مثلا مرتبطاً بالدار ، ولاالدار مرتبطة بزيد ـ فكذلك حال المعقولات ; فإنّه  لا يلتئم


(34)

الجواهر المعقولة مع الأعراض في الذهن إلاّ ببركة النسب والإضافات الذهنية .

والحاصل : أ نّه قد يكون المعقول منّا مطابقاً لما في الخارج ، كما إذا تصوّرنا الجسم والبياض مرتبطاً وجود أحدهما بالآخر ، من دون أن يكون لهذا الارتباط صورة مستقلّة ، ففي هذا النحو من التعقّل يكون حقيقة الربط والنسبة متحقّقين في الذهن ، كتحقّقهما في الخارج ; أعني مندكّاً في الطرفين .

وقد يكون المعقول منّا مخالفاً لما في العين ، كما إذا تعقّلنا مفهومي الإنسان والدار ومفهوم الربط بالحمل الأوّلي ، فيكون الكلّ مفاهيم مفردة استقلالية ، لا يرتبط بعضها ببعض .

هذا حال العين والذهن مع قطع النظر عن الوضع والدلالة .

وأ مّا بالنظر إليهما : فإن أراد المتكلّم أن يحكي عـن ارتباط الجواهـر بالأعـراض فـي الخـارج ، أو عـن الصورة المعقولـة المـرتبط بعضها ببعض لا محيص له إلاّ بالتشبّث بأذيال الحروف والهيئات ، فلو تكلّم موضعها بألفاظ مفردة اسميـة ; من الابتداء والانتهاء والربط لايكون حينئذ حاكياً عن نفس الأمر ، ولم ينسجم كلماته .

وبالجملة : لولا محكيات الحروف ومعانيها لم يرتبط الجواهر بأعراضها في الخارج ، ولا الصور المعقولة الحاكية عن الخارج بعضها ببعض ، ولولا ألفاظها لم يرتبط الكلمات ، ولم تحصل الجمل .

والخلاصة : أنّ حصول الربط بها ليس معناه أ نّها موضوعة لإيجاد الربط فقط ـ كما سيجيء نقله ـ بل حصوله إنّما هو لأجل حكايتها عن معان خاصّة مختلفة مندكّة فانية ; من الابتداء والانتهاء والاستعلاء والحصول الآليات التي بها


(35)

حصل الربط في الخارج وفي وعاء التكوين ، فأوجب حكايةُ هذه المعاني المختلفة بألفاظ مخصوصة الربطَ في الكلام وانسجام الجمل ، فتدبّر .

تتميم : في بيان بعض أقسام الحروف

ما ذكرنا ـ من كون الحروف حاكيات عن معان مختلفة هي بنفسها عين الربط والتدلّي ، مع اختلافها في المفهوم ـ ليس حكماً كلّياً ; إذ بعض منها ليس من شأنه الحكاية عن معنى واقع في الخارج ، بل هو موجد لمعناه حال التكلّم به ، وليس له واقع يطابقه أوّلا ، وذلك كحروف القَسم والتأكيد والتحضيض والردع ; فإنّها وضعت آلة لإيجاد معانيها في وعاء صدورها من قائلها ، من دون حكاية عن واقع محفوظ مع صرف النظر عن ظرف التكلّم .

فاتّضح من ذلك : أنّ الحروف على قسمين : حاكيات وإيجاديات ، وقد عرفت أنّ حكاية القسم الأوّل عن معان واقعة في الخارج غير مناف لإيجادها الربط في الكلام ، كما أنّ إيجاد الثاني لمعان متنوّعة من القسم والتحضيض يجتمع مع إيجادها الربط الكلامي ، فإذن إيجاد الربط في الجمل إنّما هو ببركة المعاني المختلفة ; محكية كانت أو موجدة .

مقالة المحقّق النائينى في المقام

فالآن حان حين التنبيـه على كلمـة صدرت عـن بعض الأعاظم وعلى ما فيه ; حيث قال بعد تقسيم المعاني إلى إخطارية ـ وهي معاني الأسماء  ـ وإيجادية : إنّ معاني الحروف كلّها إيجادية ; حتّى ما أفاد منها النسبة ; لأنّ شأن أدوات النسبـة ليس إلاّ إيجاد الربط بين جـزئي الكلام الذي لايحصل بدونها ، وبعد


(36)

إيجاد الربط يلاحظ مجموع الكلام من النسبة والمنتسبين ، فإن كان له خارج يطابقـه كان صدقاً وإلاّ فلا(1) ، انتهى ملخّصاً .

والضعف فيه من وجهين :

الأوّل : أنّ حصول الربط في الكلام ببركة الحروف والأدوات أمر مسلّم ، إلاّ أنّ شأنها ليس منحصراً فيه ، والوجدان والتتبّع في موادّ اللغات المختلفة أصدق شاهدين على أنّ هذا متفرّع على استعمالها في معانيها المختلفة الآلية ، وأ نّها بلا دلالة على معنى غير موجدة للربط .

أضف إلى ذلك ما في قوله : من ملاحظة مجموع الكلام ; إذ لا وضع لمجموعه بعد وضع مفرداته ، إلاّ أن يرجع إلى ما سنذكره من دلالة هيئات الجمل على تحقّق النسب ، والحروف على الإضافات التصوّرية .

الثاني : أ نّـه لا تقابل بين الإخطاري ; بمعنى إخطار المعنى بالبال ، والإيجادي بالمعنى الذي فسّره ; وهو إيقاعها الربط بين أجزاء الكلام ، فإنّك إذا قصدت الحكاية عن ربط الجوهر بالعرض في قولك «الجسم لـه البياض» مثلا تخطر معانيها ببالك ، وتحضر في وعاء ذهنك لا محالة ، ويصير أجزاء كلامك مرتبطاً بعضها ببعض .

كما أ نّه لاتقابل بينه وبين الإيجادي بالمعنى الذي ذكرنا ; فإنّ الحروف ـ  سواء كانت حاكية عن الواقع المقرّر ، أم موجدة لمعانيها بالاستعمال ـ توجب الانتقال مـن ألفاظها إلى معانيها على كلّ حـال . نعم إنّما يتصوّر التقابل بين الحكايـة والإيجاد .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 42 .


(37)

والحاصل : أنّ الحروف ـ كافّة ـ تحضر معانيها في الذهن ، وتخطر معانيها بالبال ; سواء قلنا بأ نّها موجدة للنسبة الكلامية ـ كما ذكره ـ أم قلنا بأ نّها توجد معانيها في الخارج ـ كما اخترناه في عدّة من الحروف ـ أو قلنا بأ نّها تحكي عن معانيها الخارجية ـ كما ذكرناه في بعضها ـ فتدبّر جيّداً .

مقالة المحقّق العراقي في المقام

ثمّ إنّ بعض المحقّقين من المشايخ(1) ـ بعد تسليم إيجادية بعض الحروف  ـ أنكر كون الفرد الموجود به معناه الموضوع له ، واستدلّ عليه بوجوه :

أحدها : أنّ معنى اللفظ ومدلوله بالذات هو ما يحضر في الذهن عند سماع اللفظ الموضوع له ، ولاريب أنّ الموجود الخارجي لايمكن حضوره في الذهن ، فالخارج هو المدلول عليه بالعرض ; من جهة فناء المدلول عليه بالذات فيه .

وفيه أوّلا : أ نّه منقوض بالأعلام الشخصية على مبنى المشهور ، وقد اعترف هو ـ قدس سره ـ ونحن بإمكانه ، وإن ناقشنا في وقوعه(2) .

وثانياً : أنّ الغاية من وضع الألفاظ واستعمالها هي الإفادة والاستفادة بإحضار المعاني في الذهن ، من غير فرق بين أن يكون حضورها بالعرض أو بالذات ، والقائل بوضع بعض الألفاظ للموجود في الخارج ينكر كون الموضوع له هو المعلوم بالذات ، بل يعترف بأ نّه المعلوم بالعرض .

وثالثاً : أنّ الموضوع له في أغلب الأوضاع أو جميعها غير ما يحضر في


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 46 ـ 47 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 31 .


(38)

الذهن بالذات . يرشدك إليه أسماء الأجناس ; حيث إنّها وضعت للطبيعة الصرفة العارية عن كلّ قيد ـ حتّى قيد كونها موجودة في نشأتي الذهن والخارج ـ فإذا اُطلقت فلا ينتقل السامع إلاّ إلى هذا المعنى النفس الأمري ، لا إلى الموجود في ذهنه ، ولا إلى ما في ذهن متكلّمه .

وبالجملة : الصورة الذهنية مرآة للمعنى المفهوم الذي هو الموضوع له ، ولازم ذلك هو كونها مغفولا عنها . وقس عليه الأعلام ; إذ الانتقال إلى الخارج الموضوع له إنّما هو بالصورة الذهنية ، لاغير .

وثانيها : أنّ هذا الموجود الخارجي الذي هو بالحمل الشائع نداءً ـ مثلا ـ لايتحقّق في الخارج إلاّ بنفس الاستعمال ، فيكون متأخّراً عنه ; تأخّر المعلول عن علّته ، ولاريب في أنّ المستعمل فيه مقدّم على الاستعمال بالطبع ، فإذا كان هذا الموجود هو المستعمل فيه لزم تقدّم الشيء على نفسه .

وفيه : أ نّه لا دليل على تقدّم المستعمل فيه على الاستعمال ; وإن كانت لفظة «في» توهّم ذلك ; فإنّ ملاك التقدّم منتف فيه ـ حتّى في الحاكيات ـ والتقدّم في بعضها اتّفاقي لاطبعي بملاكه ، والقائل بإيجادية بعض الألفاظ ينكر لزومه .

والحاصل : أنّ الألفاظ قد تكون حاكيات عن الواقع المقرّر ، وقد تكون موجدة لمعانيها في الوعاء المناسب لها ، والكلّ يشترك في كونها موجبة لإخطار معانيها في الذهن ـ ولو بالعرض ـ ولا دليل على أزيد من ذلك . ولزوم تقدّم المستعمل فيه غير ثابت ، لو لم يثبت خلافه .

وثالثها : أنّ الأدوات الإيجادية ـ كالنداء والتشبيه ـ قد تستعمل في غير ما يكون نداءً حقيقةً بداعي التشويق والسُخرية ، فلا يكون الموجود بهذا الاستعمال نداءً أو تشبيهاً بالحمل الشائع .


(39)

فإمّا أن يكون الاستعمالات المزبورة في تلك المعاني بنحو من المجاز فهو ممّا لا يقول به المفصّل ، وإمّا أن تكون استعمالا في معانيها الحقيقية ولكن بداعي التشويق أو غيره فيلزم أن يكون معانيها غير ما يوجد بها ; حتّى فيما استعمل بداعي إفادة ما هو الموضوع له .

وفيه : أنّ من المحقَّق عند العارف بأساليب الكلام ومحاسن الجمل هو أنّ المجاز ليس إلاّ استعمال اللفظ فيما وضع له بدواع عقلائية ; من التمسخر والمبالغة والتشويق ; حتّى في مثل إطلاق الأسد على الجبان ، ولفظ يوسف على قبيح المنظر ، وإلاّ لصار الكلام خالياً عن الحسن ومبتذلا مطروحاً .

وعليه : فالشاعر المُفلق في قوله :

يا كوكباً ما كان أقصر عمره     وكذا تكون كواكب الأسحار

قد استعمل حرف النداء في النداء بالحمل الشائع ، وأوجد فرداً منه ، لكن بداع آخر من التضجّر وغيره ، ولكن إرادة الجدّ بخلافه . فما قال من عدم كونها مجازاً ممنوع بل مجاز ، ومطلق المجاز يستعمل لفظه في معناه الحقيقي بداعي التجاوز إلى غيره ، وسيأتي زيادة تحقيق في ذلك إن شاء الله(1) .

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ قد اختار : أنّ الحروف كلّها إخطاريـة ، موضوعـة للأعراض النسبية التي يعبّر عنها وعن غيرها من سائر الأعراض بالوجودات الرابطية ، وأنّ مداليل الهيئات هي الوجود الرابط ; أي ربط العرض بموضوعه ; إذ لفظة «في» في قولنا : «زيد في الدار» تـدلّ على العرض الأيني العارض على زيد ، والهيئة تـدلّ على ربطه بجوهره .


1 ـ يأتي في الصفحة 62 .


(40)

وما قيل : من أنّ مدلول الحروف إذا كان عرضاً نسبياً فهو بذاته مرتبط بموضوعه ، فلا حاجة إلى جعل الهيئة لذلك ، مدفوع بأنّ مدلول الهيئة يفصّل ما دلّ عليه الحروف مجملا(1) .

قلت : إنّ الصدر مخالف لما في الذيل ; حيث أفاد في صدر كلامه : أنّ مداليل الحروف من قبيل الأعراض النسبية ـ أي غير الكمّ والكيف من الأعراض قاطبة ـ فهي وجودات رابطية مستقلاّت في المفهومية ، وأنّ مداليل الهيئات عبارة عن ربط الأعراض بموضوعاتها ـ أي وجودات رابطة متدلّية الذوات ، غير مستقلّة المفاهيم ـ ولكن ما في الجواب يصرّح وينادي بتساويهما في المفهوم والمعنى ، وأنّ الفرق بالإجمال والتفصيل فقط .

أضف إلى ذلك : أنّ ما رامه خلف من القول ، وانحراف عمّا أخذه أئمّة الأدب والاُصول خطّة مسلّمة ; من كون معاني الحروف غير مستقلّة في المفهومية ، وأ نّها لاتكون محكوماً عليها ولابها ، ولاتقع طرف الربط ، وقد أشرنا إليه في تحقيق المختار(2) .

وما اختاره من كون معانيها هي الأعراض النسبية والوجودات الرابطية عين القول بالوجود المحمولي والاستقلال في المفهوم .

ثمّ ليت شعري : أنّ الحـروف الإيجاديـة ـ  كحروف النداء  ـ وشبهها ـ  كحروف القَسم  ـ كيف تحكي عـن الأعراض النسبية ، مع حكمـه كلّياً بأنّ الحروف كلّها حاكيات عـن الأعراض النسبية ؟ مع بداهـة أنّ القائل في قوله :


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 43 و 50 ـ 51 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 32 .


(41)

«وامـن حفر بئر زمزماه» و«يا أيّها الرسول» لايحكي عن نداء خارجي أو ذهني ، بل يوجد فرداً منه حين الاستعمال .

ثمّ إنّ هذا لايتمّ فيما كان المحمول وطرف الربط في القضية من مقولة الكمّ والكيف ، كما في قولنا : «زيد له البياض» ، و«الجسم له طول وعرض» ، فهل اللام موضوع للعرض النسبي واستعمل هنا في معنى مجازي ; وهو نفس الربط والإضافة بينهما ، مع أ نّه خلاف الارتكاز ؟ والتحقيق : أنّ اللام يفيد الإضافة بالمعنى التصوّري ، والهيئة تدلّ على تحقّقها ، وسيأتي زيادة تحقيق لذلك .

تكميل : في أنّ الوضع في الحروف عامّ والموضوع له خاصّ

وأ مّا وضع الحروف فقد اختلف الأقوال وتكثّرت الآراء فيه ، إلاّ أ نّا لا نتعرّض إلاّ لجملة منها مشهورة ، ثمّ نعقّبه بما هو المختار مشفوعاً بالبرهان :

فمنها : ما اختاره المحقّق الخراساني من عموم الوضع والموضوع له ; مستدلاّ بأنّ الخصوصية المتوهّمة إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصّص بها جزئياً خارجياً فمن الواضح : أنّ المستعمل فيه كثيراً ما يكون كلّياً . وإن كانت هي الموجبة لكون المعنى جزئياً ذهنياً ; للحاظه حالة لمعنى آخر فهي لاتوجب أخذه في المستعمل فيه ، بل لايصحّ ; لحديث اجتماع اللحاظين واحتياجه إلى التجريد وإلغاء الخصوصية في استعمال الأوامر(1) .

وأنت خبير : بالمغالطة الواقعة فيه ; حيث إنّ ما رتّبه من البرهان على نفي الجزئية مبنى على تسليم الاتّحاد بين الأسماء والحروف ، وأ نّهما من سنخ واحد


1 ـ كفاية الاُصول : 25 ـ 26 .


(42)

ـ  جوهراً وتعقّلا ودلالةً  ـ فحينئذ يصحّ أن يبنى عليه ما بنى ; من أ نّه لامخصّص ولا مخرج من العمومية ، مع أ نّك عرفت التغاير بينهما في جميع المراحل ، وسيأتي : أنّ الموضوع له في مورد نقضه من قوله : «سر من البصرة إلى الكوفة» ممّا يتوهّم كلّية المستعمل فيه خاصّ أيضاً ، فارتقب .

ومنها : ما في تقريرات بعض الأعاظم من عمومها لا بالمعنى الذي في الأسماء ، بل بمعنى أنّ الموجد بالحروف في جميع مواطن الاستعمالات شيء واحد بالهوية ، وأنّ الخصوصيات اللاحقة لها خارجة عن الموضوع له ولازمة لوجوده ، كالأعراض المحتاجة في الوجود إلى المحلّ ، مع أ نّه خارج عن هوية ذاتها ، من غير أن يكون الموضوع له معنى كلّياً قابلا للصدق على الكثيرين ، كالكلّية في الأسماء .

وذلك لأ نّه ليس لها مفاهيم متقرّرة يحكم عليها بامتناع الصدق وعدم امتناعه . واحتياجها إلى الخصوصيات في موطن الاستعمال لايوجب جزئية الموضوع له ، كما أنّ كونها إيجادية وموضوعة لإيجاد الربط لايوجبها ، بعد قبول وجود الكلّي الطبيعي ; فإنّ التشخّص والوجود يعرضان له دفعة(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه أوّلا : أنّ الهوية الواحدة التي ذكرها إن كانت أمراً في قبال الوجـود ، كما جعلها في قباله في قوله : «إنّ وجود المعنى الحرفي خارجاً يتقوّم بالغير ، لاهويته وحقيقته» ، وفي قبال الماهية القابلـة للصدق على الكثيرين أيضاً ، كما  نفاها في الحروف ، ومع ذلك تكون أمراً واحـداً موجـداً للربط فهو كما ترى ; فإنّا لا نتعقّل له معنى محصّلا .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 57 ـ 58 .


(43)

وإن كانت وجوداً بنعت السعة مشتركاً بين الروابط ، أو ماهية كذلك لكن بنعت الوحدة الخارجية فهو فاسد ; لعدم الجامع الخارجي بنعت الوحدة بين الوجودات ، لا من سنخ الوجود ولا من سنخ الماهية :

أ مّا الأوّل فللزوم وحدة الروابط وجوداً وهويةً في جميع القضايا ، وأ مّا الثاني فلما حقّق في محلّه(1)  وأشرنا إليه آنفاً من أنّ الماهية في الخارج موجودة بنعت الكثرة ، ولا جامع خارجي بنعت الوحدة بين الأفراد ; فإنّ الوحدة تساوق الوجود ، فيلزم موجوديتها بوجود واحد .

وإن تعجب فعجبٌ قوله : «إنّ كونه إيجادياً لاينافي كلّية المعنى ، بناءً على وجود الطبيعي» لأنّ نسبة المعاني الحرفية إلى وجوداتها إن كانت كالطبيعي إلى أفراده فلازمها كونها قابلة الصدق على الكثيرين ، وإن لم يكن كذلك فلا وجه لابتناء وجودها على وجوده .

وأظنّك إذا رعيت ما مـرّ بك في وجـود الكلّي الطبيعي تقدر على كشف حـال ما ذهب إليه بعض المحقّقين في وضع الحروف ; من أ نّها موضوعة للقدر  المشترك ; وإن كان لايتصوّر تلك الجهة الجامعـة بينها إلاّ في ضمن الخصوصيات(2) ، فإنّ ما اختاره ـ قدس سره ـ أشبه شيء بالقول بوجود الكلّي الطبيعي في الخارج بوجود واحد شخصي ، كما نسب إلى الرجـل الهمداني ، بل يشعر بذلك أيضاً عبارات كثير من الأعلام ; حيث يعبّرون في كلماتهم بالحصّة والجزء وما  أشبههما .


1 ـ الحكمة المتعالية 1 : 272 ـ 274 .
2 ـ نهاية الأفكار 1 : 53 ـ 54 .


(44)

ومنها : مـا نسب إلى بعض الفحول مـن كـون معناها جـزئياً إضافيـاً ، وهـو لمّـا وقف على المثال المعروف «سـر مـن البصرة إلى الكوفـة» توهّم كلّيـة المستعمل فيه(1) .

ومنها : أنّ الكلّية أو الجزئية تابعة لكلّية الطرفين أو جزئيتهما(2) .

ويقرب من ذينك القولين ما رجّحه بعضهم من أ نّها موضوعة للأخصّ من المعنى الملحوظ ; قائلا بأنّ القول بوضعها للجزئي الحقيقي الخارجي أو الذهني من قبيل لزوم ما لايلزم(3) .

هذا ، ولكن القول بإيجادية بعض الحروف بنفس الاستعمال ، وعدم استقلال الحروف في المفهومية والمعقولية والوجود مطلقاً يثبت ماهو المختار ; من كون الوضع مطلقاً عامّاً والموضوع له خاصّاً .

أ مّا في الإيجادية منها ، كحروف النداء والتوكيد فواضح جدّاً بعد ما عرفت من أ نّها وضعت لإيجاد معانيها من النداء وشبهه بالحمل الشائع ، من غير فرق بين أن يكون المنادي واحداً أو كثيراً .

فإنّك إذا قلت : «يا زيد» أو قلت : «يا أيّها الناس» فالنداء واحد شخصي ينادي به مسمّى ما يليه ، ولم توضع للحكاية عن معان مستقرّة في مواطنها ، مع قطع النظر عن الاستعمال ; لعدم واقعية لها مع قطع النظر عنه ، فهي آلات لإيجاد المعاني بنفس الاستعمال . والوجود ـ حتّى الإيقاعي منه ـ يساوق بوجه الوحدة التي هي عين جزئية المستعمل فيه وخصوصية الموضوع له .


1 ـ هداية المسترشدين 1 : 175 .
2 ـ مقالات الاُصول 1 : 92 .
3 ـ نهاية الدراية 1 : 58 .


(45)

وأ مّا القسم الآخر ـ أعني الحاكيات من الحروف ـ فتوضيحه : أ نّك قد عرفت أنّ معاني الحروف نفس الربط والتدلّي بالغير والقيام بشيء آخر خارجاً وذهناً ، فهي إذن لاتتقوّم في الخارج إلاّ بالوجودات المستقلّة مفهوماً ووجوداً كالجواهر ، أو مفهوماً فقط كالأعراض ، كما أ نّه لا تتقوّم في الذهن إلاّ أن تلحظ حالة للغير ومندكّة فيه ، وإلاّ لزم الانقلاب فيها ، وخرجت عن كونها معان حرفية .

وقس على هذا مقام الدلالة ـ أصلها وكيفيتها ـ فلا يستفاد من الحروف المجرّدة معنى ما لم يضمّ إليها شيء من الأسماء ، كما أنّ كيفية دلالتها ـ  أعني دلالتها على الوحدة والكثرة  ـ أيضاً كذلك ، فتدلّ على الواحد عند كون أطرافها واحدة ، وعلى الكثير عند كونها كثيرة .

تجد جميع ذلك ـ  أعني عدم استقلالها في المراحل الأربعة : الوجود الخارجي والذهني والدلالة وكيفيتها  ـ عند التأمّل في قولنا : «زيد في الدار» ، أو «كلّ عالم في الدار» ; إذ لا شكّ أنّ لفظة «زيد» تحكي عن الواحد الشخصي ، ولفظـة «كلّ» عن الكثرة التفصيلية ، ولفظة «عالم» تدلّ على المتلبّس بالمبدأ ، والظرف ـ  أعني «الدار» ـ على المكان المعهود .

فإذن هلمّ نحاسب مفاد لفظـة «في» ; فإنّك لا تشكّ ـ  مهما شككت في شيء  ـ أنّ مفهومها في المثال الثاني هـو الروابط الحاصلة بين كلّ واحـد مـن أفـراد العالم وبين الدار ، وانتساب كلّ فرد إليها ، كما أنّ معناها في الأوّل هـو انتساب واحد فقط ، وما ذلك إلاّ من جهة اختلاف الطرفين بالوحـدة والكثرة ، لا مـن جهـة نفس الرابطة مستقلّة . هـذا ، مع أنّ التبعية في الدلالة لا تجامـع الاستقلال في كيفيتها .

إذا تمهّد ذلك فنقول : المعنى الذي هذا شأنه ـ الموصوف بأ نّه لايستقلّ


(46)

جوهراً ووجوداً ودلالة وكيفية ـ لايتصوّر له جامع كلّي ينطبق على أفراده ويحكي عن مصاديقه ; لأنّ الجامع ـ على فرضه ـ يجب أن يكون من سنخ المعاني الحرفية ، فلابدّ وأن يكون ربطاً بالحمل الشائع ، وإلاّ انقلب معنى اسمياً . وكونه ربطاً بالحمل الشائع يلازم فرديته ، وهو خلف .

بل لابدّ عند الوضع من التوسّل ببعض العناوين الاسمية التي لاتكون جامعاً ذاتياً لها ، ولايمكن إيقاع الربط بها ، كمفهوم الابتداء الآلي والنسبة ; ممّا لاتكون من سنخ المعاني الحرفية . فلابدّ حينئذ من الالتزام بخصوص الموضوع له في الحروف كافّة بعد عموم وضعها .

فالواضع لامناص له إلاّ أن يتصوّر معنى اسمياً ، كالابتداء ونحوه ; مشيراً به إلى أفراده ومصاديقه بالحمل الشائع ، فيضع لفظة «من» مثلا لما هو مصداق بالحمل الشائع ، وقد عرفت أنّ دلالتها على الوحدة والكثرة تابعة لحال الطرفين .

فإن قلت : إنّه على القول بخصوصية الموضوع له يكون استعمالها في الكثير من قبيل استعمال كلّي منطبق على كثيرين ، أو مـن قبيل استعمال اللفظ في أكثر مـن معنى واحد ، والأوّل ممتنع ; لوضوح امتناع فرض جامع حرفي يكون نسبته إلى الأفراد نسبة الطبيعي إلى مصاديقه ، والثاني خلافي ، أو غير مجوّز للبرهان القائم في محلّه .

قلت : إنّ حكاية الحروف في الموارد التي يتوهّم كلّية المستعمل فيه ليست إلاّ حكاية الواحد عن الكثير ، لاعن المنطبق على الكثير ، وكم فرق بين التعبيرين ؟ !

وإن شئت قلت : إنّه مـن قبيل استعمال اللفظ في المعاني الكثيرة ، لا استعمالـه في كلّي منطبق على كثيرين ، وما اُقيم من البرهان في محلّـه على


(47)

الامتناع ـ لو صحّ ـ فإنّما هو في الأسماء التي لاتبعية لها في دلالتها ولا كيفيتها لغيرها ، لا في الحروف التي استعمالها ودلالتها وتعلّقها وتحقّقها تبعية غير مستقلّة . فيكون هذا النحو من الاستعمال في الكثير والحكاية عنه ممّا لا محـذور فيه ، بل وإن كان المحكي غير متناه بعد ما عرفت من أنّ التكثّر في الدلالـة والاستعمال تبعي لا استقلالي .

وإن أردت زيادة توضيح : فاستوضح الأمر من المثال المعروف «سر من البصرة إلى الكوفة» ، فإنّك إذا قطعت النظر عن ورود هيئة الأمر تجد دلالة الحرفين على نسبتي الابتدائية والانتهائية بين طبيعة السير المنقطع من الطرفين دلالة تصوّرية ، من غير تكثّر في محكيها ، وإذا بعث إلى هذا السير المحدود من الطرفين القابل للانطباق على أفراد كثيرة صارت الحدود متكثّرة بالتبع .

وإن أبيت عن ذلك فلنا أن نقول في مثل «كلّ رجل في الدار» : إنّ الحرف مستعمل في معنى جزئي ، وينحلّ بنظر العرف إلى كثيرين ; نظير انحلال الحكم الواحد المنشأ بإنشاء واحد إلى أحكام عديدة .

القول في معاني الهيئات

وحيث انتهى الكلام إلى هنا لا بأس بصرف عنانه إلى تحقيق القول في معاني الهيئات والبحث عن كلّ واحد منها ، بعد مالم يكن لها ميزان كلّي ، فنقول :

إنّ من المسلّمات عند أكابر القوم هو تركّب القضايا ـ موجباتها وسوالبها ومعدولاتها ـ من أجزاء ثلاثة : الموضوع والمحمول والنسبة ، وهم يرون أنّ لجميعها محكيات في الخارج ، وأنّ الألفاظ من حيث إنّها نقوش الخارج ومرايا


(48)

الواقع مشتملة على ما اشتمل عليه الواقع من الأجزاء الثلاثة .

هذا ، ولكنّك إذا تأمّلت حقّه تجد الحمليات عارية عن النسبة كافّة في جميع المراحل ; لفظية كانت أو معقولة أو خارجية .

ومجمل القول في ذلك : أ نّك لاتجد أثراً من النسبة في محكي قولنا : «الإنسان إنسان» ; لامتناع جعل الربط بين الشيء ونفسه ; لاستلزامه جواز سلب الشيء عن نفسه ، وكونه غير نفسه خارجاً ; ليجعل بينهما الربط ويحصل الإضافة .

ولا في قولنا «الإنسان حيوان ناطق» ; إذ ليس الحدّ غير المحدود ، بل هو نفسه ، وإنّما يفترقان بالإجمال والتفصيل ، وليس الغرض إلاّ بيان الهوهوية لاحصول أحدهما للآخر .

ولا في قولنا : «زيد موجود» ; لاستلزامه وقوع الماهية التي ليست في ذاتها شيئاً طرف النسبة في الخارج ، وأن تكون في قبال الوجود في الخارج ، وأن يكون زائداً عليها فيه .

وأوضح من ذلك قولنا : «الله تعالى موجود» ، مع أ نّه الوجود البحت ، لايدانيه شوب التركيب ، ولا يقرب منه وهم الاثنينية ، ولا تحيط به الماهية والحدود .

وكذلك قولنا : «زيد ممكن» أو «شريك البارئ ممتنع» ; إذ لو اشتملا على النسبة الخارجية لزم كون الإمكان والشيئية من الاُمور العامّة الزائدة على موضوعاتها خارجاً ، ومثلها قولنا : «البياض أبيض» ممّا حمل فيه المشتقّ على مصداقه الذاتي ; لامتناع توسّط النسبة بين الشيء ومصداقه الحقيقي .

فالتدبّر التامّ يقضي بخلوّ الخارج عن النسبة التي زعموها في هذه القضايا .

وإن شئت تفصيل المقام فنقول : إنّ القوم قد قسّموا الحملية باعتبار الاتّحاد في المفهوم والماهية ، أو الاتّحاد في الوجود فقط إلى الحملي الأوّلي الذاتي والشائع


(49)

الصناعي ، وقسّموا الثاني أيضاً باعتبار كون الموضوع مصداقاً حقيقياً لما هو المحمول ، نحو قولنا : «البياض أبيض» ، أو مصداقاً عرضياً له ، كحمله على الجسم إلى الحمل الشائع بالذات والحمل الشائع بالعرض . فلابدّ لنا من النظر إلى الخارج المحكي أوّلا ، ثمّ إلى الهيئات التي جعلت آلة للحكاية عنه :

فنقول : الحقّ خلوّ صحيفة الوجود عن النسبة والربط والإضافة في جميع هذه الموارد ; لبداهة امتناع دعوى النسبة في محكي الأوّليات والبسائط بحسب نفس الأمر ، فإنّ الحدّ عين المحدود وتفصيل نفس حقيقته ، فلا يمكن فرض إضافة واقعية بينهما في وعاء تقرّر الماهية .

وكذا الحال في الهليات البسيطة ; فإنّه لايعقل تحقّق الإضافة بين موضوعها ومحمولها ، وإلاّ لزم زيادة الوجود على الماهية في الخارج ، وغيرها من المحاذير .

كما أ نّه لايعقل في حمل الشيء على نفسه أو حمله على مصداقـه الذاتي ، وكذلك مـا يكون كمصداقـه الذاتي ، مثل قولنا : «الوجود موجـود» ، أو «الله تعالى موجـود» . فتبيّن : أنّ محكيات تلك القضايا الكثيرة خالية عن الإضافة والنسبة ، هذا حال الخارج .

وأ مّا القضايا اللفظية والمعقولة : فلا شكّ في كونها مطابقة للخارج ، فلا  تحكي إلاّ عمّا اشتملت عليه صحيفة الوجود ، بلا زيادة ولا نقصان ; لأ نّه لا معنى لاشتمالها على الإضافة والنسبة بلا حكاية عن الخارج ، ومع الحكاية عن الخارج تصير كاذبة غير مطابقة للواقع ونفس الأمر .

فتلخّص من جميع ذلك : أ نّه لا وجود للنسبة فيها لا في الخارج ، ولا في القضية المعقول من الواقع ، ولا في القضية اللفظية ، ولا المفهوم من القضية .

وأ مّا الشائعات من الحملية ، التي لا يحمل فيها المحمول على مصداقه


(50)

الذاتي ، مثل «زيد أبيض» فالمختار فيها : أ نّها أيضاً لا تدلّ إلاّ على الهوهوية ; لأ نّا إن قلنا بكون الذات مأخوذاً في المشتقّ فحالها حال الحمل الشائع بالذات ; لعدم تعقّل النسبة بين الذات وبين الموضوع خارجاً .

وإن قلنا ببساطة المشتقّ ، وأنّ الفرق بينه وبين مبدئه هو اللا بشرطية والبشرط  لائية ، فبما أنّ اللا بشرط لا يأبى عن الحمل وعن الاتحاد مع الغير يكون الموضوع في هذه الموارد متّحداً مع المحمول ، وتتحقّق الهوهوية التي هي المقصود ، والقضية حاكية عنها ، وكونها عرضية الحمل إنّما هو بالبرهان الدقيق ، كموجودية الماهية بالعرض .

فإذن لم يبق من الحمليات الموجبة ما يتوهّم اشتمالها على النسبة ، سوى الحمليات المؤوّلة ممّا يتخلّل فيها الأداة ، نحو قولنا : «زيد في الدار» و«زيد على السطح» ، وهي ليست حمليات حقيقية ; ولذلك تتأوّل بكائن أو حاصل .

ودلالتها ـ لفظاً ـ على النسبـة الخارجيـة ممّا لا إشكال فيه ، كما أنّ الإضافات لها نحو تحقّق في الخـارج ; إذ هـي بشهادة التبادر تحكي عـن النسبة بين الأشياء بعضها مع بعض ، ولفظة «في» وما أشبهها تدلّ على نحو إضافة وحصول بينهما ، هذا حال الموجبات في الحمليات .

فمن ذلك كلّه ظهر : عدم صحّة ما عليه بعض المحقّقين من أنّ مدلول الهيئة هو ربط العرض بموضوعه ، وأنّ ذلك هو المعبّر عنه بالوجود الرابط(1) ; فإنّ فيه وجوهاً من الخلل ، لاتخفى على المتأمّل .

فإن قلت : لأيّ شيء وضعت الهيئة في الحمليات الحقيقية الخالية عن


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 50 ـ 51 .


(51)

النسبة ، وكذا المؤوّلة منها ممّا تشتمل على النسبة ؟

قلت : أ مّا الاُولى فالهيئة فيها وضعت للدلالة على الهوهوية التصديقية ـ مقابل الهوهوية التصوّرية ـ كما سيأتي في المركّبات الناقصة ، ومفادها : أنّ المحمول عين الموضوع خارجاً ، كما أنّ الهيئة في الثاني وضعت لتدلّ على تحقّق النسبة ـ دلالة تصديقية ـ فهي تشتمل على التصديق ـ لا محالة ـ على اختلاف في المتعلّق من الهوهوية أو ثبوت النسبة .

ومن هنا يتّضح حال السوالب ; فإنّها عند المحقّقين ليست لحمل السلب أو حمل هو السلب ، بل لسلب الحمل ونفي الهوهوية بنحو التصديـق في الحمليات غير المؤوّلة ، كقولنا : «زيد ليس حجراً» ، ولسلب الحصول ونفي النسبة والكينونة تصديقاً في المؤوّلة منها ، نحو «زيد ليس في الدار» و«عمرو ليس له البياض» . فالحمليات الحقيقية السالبة لاتشتمل على النسبة مطلقاً ، والمؤوّلة منها يؤخذ لفظ الدالّ على النسبة فيها لإيقاع السلب عليها .

أ مّا الجمل الفعلية فسيأتي تحقيق حالها في مباحث المشتقّ .

فاتّضح ممّا ذكرنا : عدم صحّة اُمور تتسالم عليها القوم :

الأوّل : مـا ربّما يقال في توضيح الفرق بين الإنشاء والإخبار : مـن أنّ للثاني نسبة في الخارج والذهن ، وأ نّهما تارة تتطابقان واُخرى تختلفان ، بخلاف الإنشاء .

الثاني : ما هو المعروف الدائر بينهم : من أنّ العلم إن كان إذعاناً للنسبة فتصديق ، وإلاّ فتصوّر .

الثالث : ما يقال من أنّ تقوّم القضايا من أجزاء ثلاثة : من النسبة والموضوعين .

الرابع : تفسير الصدق والكذب بتطابق النسبة وعدمه .


(52)

تنبيه : في الجمل التامّة وغير التامّة

للحمل تقسيمات واعتبارات :

منها : تقسيمها إلى التامّة وغيرها .

ومنها : تقسيم التامّة إلى ما يحتمل الصدق والكذب ، وما لايكون كذلك . وسيجيء الكلام مستوفى في هذا التقسيم ـ بعون الله العزيز ـ عند تحقيق الفرق بين الإنشاء والإخبار(1) .

وأ مّا الأوّل : فقد عرفت آنفاً مفاد الهيئات في القسم الأوّل منه ; أعني الجمل التامّة الإخبارية التي يصحّ السكوت عليها ، وأ نّها تدلّ بنحو التصديق على الهوهوية فيما لم يتخلّلها الأداة ، وعلى النسبة فيما إذا تخلّل الأداة بينها .

أ مّا الناقصة : فلا شكّ في أنّ حكمها حكم المفردات ، لاتحكي إلاّ حكاية تصوّرية ; ولذا لا تتّصف بالصدق والكذب ، ولا تحتملهما .

وبعبارة أوضح : أنّ هيئات الجمل التامّة إنّما تحكي عن تحقّق شيء أولا تحقّقه ، أو كون شيء شيئاً أو لا كونه ، حكاية تصديقية ، ولكنّها في الناقصة منها كـ «غلام زيد» تدلّ على نفس الربط والإضافة لا على تحقّقها ، وعلى الهوهوية بنحو التصوّر لا على ثبوتها في الخارج .

نعم ، تنقسم ـ كانقسام التامّة ـ إلى أنّ المحكي بالحكاية التصوّرية تارة : يكون هو الهوهوية والاتّحاد ، كجملة الموصوف والصفة مثل «زيد العالم» ; ولذلك


1 ـ يأتي في الصفحة 54 .


(53)

يصحّ حملها على موصوفها بلا تخلّل الأداة ; بأن يقال : «زيد عالم» ، واُخـرى : يكون هو الانتساب والإضافة التصوّرية ، كجملة المضاف والمضاف إليه ; ولذلك لا  يصحّ الحمل فيها . ولا تنعقد القضية منها إلاّ بتخلّل الأداة نحو «زيد له الغلام» حتّى فيما إذا كانت الإضافة بيانية ، فتدبّر .

وبذلك يظهر : ضعف ما أفاده بعض المحقّقين ; حيث فرّق بين المركّبات الناقصة والتامّة ; بأنّ الاُولى تحكي عن النسبة الثابتة التي تعتبر قيداً مقوّماً للموضوع أو المحمول ، وأ مّا الثانية فتحكي عن إيقاع النسبة ; فإنّ المتكلّم يرى بالوجدان الموضوع عارياً عن النسبة التي يريد إثباتها ، وهو بالحمل والإنشاء يوقعها بين الطرفين ; ولهذا يكون مفاد التركيب الأوّل متأخّراً عن الثاني ; تأخّر الوقوع عن الإيقاع(1) .

وفيه : أنّ المركّبات الناقصة لا تحكي عن النسبة الثابتة الواقعية إن كان مراده من النسبة الثابتة هي الواقعة بحسب نفس الأمر كما هو الظاهر من مقابلتها لإيقاع النسبة ، ضرورة أنّ الحكاية عن الواقع أمر تصديقي لا تصوّري .

وأيضاً أنّ المركّبات التامّة تحكي عن النسبة الثابتة الواقعية تارة ، وعن الهوهوية التصديقية اُخرى ، ولا معنى لحكايتها عن إيقاع المتكلّم نسبة ذهنية أو كلامية ; ولذا لاينتقل السامع إلاّ إلى الثبوت الواقعي ، ويكون إيقاع المتكلّم مغفولا عنـه إلاّ باللحاظ الثاني .

هـذا في الحمليات ، وأ مّـا الإنشائيات فسيأتي حالهـا عـن قريب .

هـذا ، مضافـاً إلى أنّ تأخّـر الوقوع عـن الإيقاع إنّما هـو فيما إذا كـان


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 60 .


(54)

الأوّل معلول الثاني ، وليست النسبـة في الجمـل الناقصـة معلولـة لإيقاع النسبـة في التامّـة ، فلا  وجـه للتأخّـر مـع فقد مناطـه ، هـذا كلّـه إذا كان المراد مـن النسبـة الثابتـة هـي النفس الأمريـة .

وأ مّا إذا كان المراد منها هي النسبة اللفظية فلا ريب في كونها في الجملتين بإيقاع المتكلّم بوجه استجراري ; تبعاً للإخبار عن الواقع على ما هو عليه في الجمل الإخبارية المشتملة على النسبة ، لا كما ذكره من أنّ المتكلّم يرى الموضوع عارياً عن النسبة فيوقعها ; ضرورة أنّ المتكلّم حين التكلّم لايتوجّه إلى كلامه استقلالا ، ولا ينظر إلى خلوّه عن النسبة .

القول في الإنشاء والإخبار

اعلم : أنّ الجمل الإنشائية على ضربين :

ضرب يستعمل في أبواب العقود والإيقاعات .

وآخر في أبواب الأمر والنهي .

أ مّا الأوّل فحاصل القول فيه : أنّ هيئاتها تكون آلة لإيجاد شيء من الاعتباريات التي يحتاج إليها البشر ، فـ «بعت» الإنشائي بهيئتـه آلـة لإيجاد مادّتها ; أعني حقيقة البيع التي تكون من الحقائق الاسمية ذات الإضافة إلى الثمن والمثمن ، والبائع والمشتري ، و«التاء» فيه تدلّ على كون الصدور منتسباً إلى المتكلّم ، فيكون معنى الهيئة فيه نفس الإيجاد الذي هو صرف التعلّق بالفاعل ، ومحض الإضافة بينه وبين الفعل بإزاء الإيجاد التكويني .

ولكن هيئة «بعتُ» الخبري تحكي عن نفس هذا الإيجاد ، كهيئة «ضربت»


(55)

الحاكية عن الإيجاد التكويني ، وقس عليه سائر العقود والإيقاعات . فالهيئة في المقامين معنى حرفي ، لايستقلّ بالمفهومية والموجودية .

في أنحاء الإنشاء

نعم ، يختلف المنشأ والمفاد في هذه الإنشائات ، كاختلافه في الإخبار ; إذ يتعلّق القصد : تارة بإيجاد الهوهوية في وعاء الاعتبار ، نحو «أنت حرّ» ، و «أنت  طالق» ، و «أنا ضامـن» ، فيصير الموضوع مصداقـاً للمحمول بعد تمـام  الكلام في وعـاء الاعتبار ، ويترتّب عليـه آثـاره ، فالاعتبار فـي أمثالها بإنشاء الهوهوية .

واُخرى بإيجاد الإضافة والكون الرابط ، كما في قوله : «مَن ردّ ضالتي فله هذا الدينار المعيّن» فينشأ الكون الرابط ; أعني كون الدينار له .

وثالثة بإنشاء ماهية ذات إضافة إلى متضائفاتها ، كالبيع والإجارة .

ورابعة بإنشاء كون شيء على عهدته ، كما في النذر والعهد .

والنظر في جميع هذه الأقسام وإن كان إلى تحقّق ما هو مدار الأثر إلاّ أنّ اعتبار الهوهوية وإنشائها يغاير في عالم الاعتبار مفهوماً ، مع اعتبار آخر غيره ; من إنشاء ماهية ذات إضافة أو شبهها .

هذا ، وأ مّا الضرب الثاني فتوضيح مفاد هيئاتها سيوافيك إن شاء الله في  محله(1) .


1 ـ يأتي في الصفحة 135 .


(56)

القول في وضع أسماء الإشارة والموصولات والضمائر

في ألفاظ الإشارة

إنّك إذا راجعت وجدانك وأحفيت الحقيقة من موارد استعمال ألفاظ الإشارة وأخواتها تجد : أنّ ما زعمه القوم ـ  من الاُدباء وغيرهم  ـ في توضيح معانيها بعيد عن الصواب ، وغير خال عن التعسّف ; إذ هم قائلون بأنّ لفظة «هذا» مثلا موضوعة لنفس المشار إليه ـ  أعني المفرد المذكّر(1) ـ وإن كان بعض تعبيراتهم أيضاً يناسب ما اخترناه ، وكذلك الضمائر الغائبة ; فإنّها عندهم لأفراد الغائب على اختلافها(2) ، فعليه يكون مفادها معان اسمية مستقلّة .

هذا ، ولكن التحقيق : أ نّها موضوعة لنفس الإشارة ، أعني لإيجادها ، إمّا إلى الحاضر كما في ألفاظ الإشارة ، أو إلى الغائب كما في بعض الضمائر ، فعليه لايكون المشار إليه داخلا في معناه رأساً ، بل تمام الموضوع له فيها ليس إلاّ نفس الإشارة .

وإحضار المشار إليه في ذهن السامع ـ على اختلاف في المتعلّق ـ تبعي ، كإحضاره بإشارة الأخرس ، من غير أن يكون دخيلا في الموضوع له فالإشارة إلى الحاضر لا تتوقّف إلاّ على حضور المشار إليه حقيقة وحكماً ، كما أنّ الإشارة إلى


1 ـ شرح الكافية في النحو 2 : 29 ، البهجة المرضية 1 : 42 ، هداية المسترشدين 1 : 182 ، كفاية الاُصول : 27 .
2 ـ شرح الكافية في النحو 2 : 3 ، البهجة المرضية 1 : 42 ، هداية المسترشدين 1 : 182 ـ 183 ، كفاية الاُصول : 27 .


(57)

الغائب تحتاج إلى كونه معهوداً أو مذكوراً من قبل حتّى يمكن الإشارة إليه . وعلى هذا فيندرج تلك الألفاظ برمّتها في باب الحروف ، وتنسلك في عداد مفاهيمها ; من حيث عدم الاستقلال مفهوماً ووجوداً .

والدليل عليه ـ مضافاً إلى أنّ العرف ببابك ـ أ نّك لا تجد فرقاً في إحضار الموضوع بين الإشارة إليه بالإصبع وبين ذكر اسم الإشارة المناسب ، بل ربّما يقوم أحدهما مقام الآخر عند عدم التمكّن منه ، كما في إشارة الأخرس .

فترى أنّ الجميع ـ بميزان واحد ـ آلة لإيجاد الإشارة ، من غير فرق بينها . غاية الأمر : أ نّه يترتّب عليه إحضار المشار إليه في الذهن قهراً ، من دون أن يكون الوضع منحدراً عليه . وقد أشار إلى ما ذكرنا بعض الأجلّة ، دام ظلّه(1) .

وصحّة التركيب ووقوعها مخبراً عنها في قولنا «هذا قائم» و«هو قائم» وأشباههما لا تثبت ما راموه ; إذ لا نسلّم أنّ المخبر عنه في هذه الموارد هو مفاد هذه الكلمات ، بل المشار بها إليه .

فترى الفرق بين قولنا «زيد قائم» وبين «هذا قائم» أو «هو قائم» ، فلفظة زيد في الأوّل تحكي عن المحكوم عليه ; حكاية اللفظ عن معناه الموضوع له ، بخلافهما ; فإنّهما يحضران المحكوم عليه في ذهن السامع ، كما في الإشارة بالإصبع ، من غير أن يكونا موضوعين له ، ومن دون أن يكون دلالتهما عليه من قبيل حكاية اللفظ عن معناه .

نعم ، يفترق الثاني عن الثالث بالإشارة إلى الحاضر والإيماء إلى الغائب ، ولعلّه إلى ما ذكرنا ينظر قول ابن مالك في «ألفيته» :


1 ـ نهاية الاُصول : 25 ـ 26 .


(58)

بـذا لمفـرد مـذكّــر أشــر      بذي وذه تي تا على الاُنثى اقتصر

ولا يشذّ عن ذلك لسان الفُرس وغيرهم ; حيث ترى مرادفاتها في تلك الألسنة أيضاً كذلك .

في الموصولات

الظاهر : أ نّها لا تفترق عن ألفاظ الإشارة وأخواتها في أ نّها موضوعة لنفس الإشارة إلى المبهم المتعقّب بصفة ترفع إبهامه ، فتفترق عمّا تقدّم بالتفاوت في المشار إليه ، كما تفترق أسماء الإشارة ـ  على قولهم  ـ وحروف الإشارة ـ  على المختار  ـ عن ضمائر الغيبة به أيضاً .

نعم ، هنا احتمال آخر ربّما يصعب تصوّره ، ولا يبعد أن يكون هو المتبادر منها عند إطلاقها ; وهو أن يقال : إنّها موضوعة لإيجاد الإشارة إلى مبهم يتوقّع رفع إبهامه ; بحيث يكون عملها أمرين : أحدهما أصل الإشارة ، وثانيهما إفهام المشار إليه المتوقّع للتوصيف ، فيكون معنى «الذي» و«التي» معنى مبهم مشار إليه بإيجاد الإشارة إليه ، فتكون الموصولات متضمّنة للمعنى الحرفي ، وهذا وإن يصعب تصوّره ، لكن بعد التصوّر يسهل تصديقه ويفترق عن أسماء الإشارة .

هذا في غير «من» و«ما» و«أيّ» ، وأ مّا فيها فالظاهر : أ نّها أسماء وضعت لعناوين مبهمة ، والأمر سهل .

في الضمائر

وأ مّا ضمائر الخطاب والتكلّم فليست للإشارة قطعاً ـ متّصلها ومنفصلها ـ بل الثاني موضوع لنفس المتكلّم بهويته المعيّنة ، كما أنّ الأوّل موضوع للمخاطب بهويته الشخصية ، ولجميع هذه مرادفات في جميع الألسنة تعطي معناها .


(59)

وأ مّا حال الوضع من خصوص الموضوع له أو عمومه : فما كان من سنخ المعاني الحرفية ـ  ومنها الإشارة  ـ فإنّها بالحمل الشائع ممّا تتحصّل وتتقوّم بالمشير والمشار إليه ، ولا يمكن تعقّلها بذاتها ، ولا يستقلّ وجودها في الخارج ، كما لايمكن إحضارها في ذهن السامع كذلك .

وقد عرفت : أ نّها بهذا المعنى هي الموضوع له لألفاظ الإشارة ، فعندئذ : لايجد الباحث ملجأً في مقام تحقيق وضعها إلاّ القول بخصوص الموضوع له فيها ; لامتناع الجامع الحرفي ; أي ما يكون ربطاً ومتدلّياً بالحمل الصناعي بين المعاني الحرفية ، لاذهناً ولا خارجاً ، كما تقدّم(1) .

ولا تقصر الموصولات عن ذلك ; إذ هي على كلا المعنيين من سنخ الحروف ـ  سواء قلنا بتضمّنها معنى الحرف أم لا  ـ لكن تفترق ضمائر التكلّم والخطاب عنها وعن أشباهها في كون مفادها معان اسمية مستقلّة ، إلاّ أ نّهما متّحدان حكماً ; إذ المتبادر منهما هو الهوية الشخصية ، لامفهوم المتكلّم أو المخاطب .

فتحصّل : أنّ الموضوع له في الجميع خاصّ بحكم التبادر .

حول أنّ معاني الحروف ليست مغفولا عنها

بقي هناك شيء : وهو أ نّه يقف الباحث عند تتبّع كلمات القوم على كلمة دارجة بينهم ; وهي أنّ المعاني الحرفية آلات لملاحظة الغير ، وأ نّها مغفول عنها في الذهن ، ويترتّب عليه امتناع وقوعها مخبراً عنها وبها . وعلى ذلك بنوا إنكار الواجب المشروط ومفهوم الشرط ; لامتناع تقييد معنى الهيئة ، وأرجعوا القيود ـ كلّها ـ إلى المادّة .


1 ـ تقدّم في الصفحة 46 .


(60)

هذا ، وفي المبنى وما رتّب عليه نظر ، بل الدليل قائم على بطلانهما :

أ مّا الأوّل : فلأ نّك تجـد أنّ الغرض الأقصـى في الجمـل والقضايـا ليس إلاّ إفهام المعاني الحرفيـة ، فكيف تكون مغفولا عنها ؟ إذ مقصود المتكلّم في اُفـق نفسه في تركيب القضايا إمّا إفادة الهوهوية بين الموضوع والمحمول ، أو الانتساب والكـون الرابط بين المعاني الاسميـة ، على تفصيل قـد عرفت مـن أنّ المقصد الأسنى في مثل «زيد موجود» هو بيان الهوهوية ، لا إفهام زيد ولا تفهيم موجود . وقس عليه مثل «زيد في الدار» .

وعليه : فهي متوجّه إليها البتّة كالأسماء ، لكن لمّا كانت معانيها غير مستقلاّت في التعقّل والوجود يكون إفهاماً تبعياً لا استقلالياً . وكم فرق بين كون شيء مغفولا عنه ومرآة للحاظ غيره ، وبين تبعية شيء لشيء في التعقّل والتحقّق ؟

أ مّا الثاني : فيرد عليه ـ بعد إبطال أصله ـ أنّ المراد من عدم وقوعها مخبراً عنها وبها إن كان عدم وقوعها كذلك على وزان الأسماء فمسلّم ، ولكن الإخبار عنها وبها لاينحصر في ذلك ، وإن كان المراد عدم الإخبار عنها وبها بقول مطلق ـ كالعدم المحض والمجهول المطلق ; حيث لايتوجّه إليهما القصد ، ولا يتعلّق بهما الغرض ـ فهو قول كاذب بشهادة الوجدان وضرورة العقل بإمكان الخبر بها وعنها في التراكيب الكلامية ; تبعاً لأسمائها .

وليس الغرض من قولنا : «ضربت زيداً يوم الجمعة في السوق» إلاّ إفهام حدوث الضرب منّا في مكان كذا ووقت كذا ، فهذه القيود قيود للمعنى الحرفي ـ  وهو النسبة الكلامية  ـ كما هو ظاهر .


(61)

الأمر الخامس
فـي المجـاز

عرّف المجاز غير واحد من الاُدباء بأ نّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له بعلاقة معتبرة وقرينة معاندة .

وشذّ عنهم السكّاكي في قسم واحد من أقسامه ـ وهو الاستعارة ـ ورأى أنّ ذلك حقيقة لغوية ، وأنّ التصرّف إنّما هو في أمر عقلي ; وهو جعل ما ليس بفرد فرداً . واستدلّ عليه بأ نّه لولاه لما صحّ التعجّب في قوله :

قامت تظلّلني ومن عجب    شمس تظلّلني من الشمس

ولما كان للنهي عن التعجّب مورداً في قول الشاعر :

لا تعجبوا من بلى غلالته     قد زر أزراره على القمر(1) 

وما ربّما يقال في ردّه : من أنّ التعجّب والنهي عنه مبنيان على نسيان التشبيه ; قضاءً لحقّ المبالغة(2) ، مردود بأ نّه لولا الادّعاء لما كان لنسيان التشبيه


1 ـ مفتاح العلوم : 156 .
2 ـ المطوّل : 362 .


(62)

معنى ، ولا يقضي حقّ المبالغة ، بل الادّعاء هو الذي يصحّح نسيانه ، ويؤدّي به الغرض من المبالغة .

فهذا القول يشترك مع قول المشهور في كون الاستعمال في غير الموضوع له ; لوضوح أنّ استعمال اللفظ في المصداق الحقيقي للموضوع له بخصوصه مجاز ، فكيف بالفرد الادّعائي ؟ ! فما ذهب إليه : من أنّ الادّعاء المزبور يجعله حقيقة لغوية غير تامّ .

ويرد عليه ـ مضافاً إلى ما ذكر ـ أ نّه وإن كان أقرب من قول المشهور إلى الذوق السليم إلاّ أ نّه لا يتمّ في الأعلام الشخصية ، مثل «حاتم» و«مارد» ، إلاّ بتأويل بارد .

ثمّ إنّك قد عرفت : أنّ استعمال اللفظ الموضوع للطبيعة اللا بشرط ، المعرّاة عن كلّ قيد في مصاديقها الواقعية مجاز ; فضلا عمّا جعل مصداقاً بالادّعاء . ولا ينتقض هذا بمثل «زيد إنسان» ; إذ المحمول مستعمل في الماهية المطلقة لا في الفرد الخاصّ ، والهيئة الحملية تفيد الاتّحاد والهوهوية .

ثمّ إنّي أرى خلاف الإنصاف أن أرتضي رأياً في هذا المقام ، غير ما وقفت على تحقيقه من العلاّمة أبي المجد الشيخ محمد رضا الأصفهاني ـ قدس سره ـ في «وقايته» ، واستفدت منه شفاهاً .

وملخّص ما أفاده : أنّ اللفظ في عامّة المجازات ـ  استعارة كانت أو مجازاً مرسلا ، مفرداً كانت أو مركّباً ، كناية كانت أو غيرها  ـ لم يستعمل إلاّ فيما وضع له ، غاية الأمر : ما هو المراد استعمالا غير ما هو مراد جدّاً(1) .


1 ـ وقاية الأذهان : 103 .


(63)

وإن شئت قلت : إنّه لتطبيق ما هو الموضوع له على غيره إمّا بادّعاء كونه مصداقاً له كما في الكلّيات ، أو كونه عينه كما في الأعلام . والفرق بين المذهبين ـ  مضافاً إلى ما عرفت من أنّ المستعمل فيه بالإرادة الاستعمالية هو نفس الموضوع  له على رأي شيخنا ـ قدس سره ـ  ; وإن كان الجدّ على خلافه ، دون ما ذهب إليه السكّاكي ، فإنّ المتعلّق للإرادة عنده ; استعمالية كانت أو جدّية شيء واحد  ـ أنّ الادّعاء على المذهب الأخير وقع قبل الإطلاق ، ثمّ اُطلق اللفظ على المصداق الادّعائي ، ولكن على ما رآه شيخنا وقع بعد استعمال اللفظ حين تطبيق الطبيعة الموضوع لها على المصداق .

وبالجملة : أنّ حقيقة المجاز ليست إلاّ تبادل المعاني والتلاعب بها ، لا باستعارة الألفاظ وتبادلها ، وإنّما حسن المجازات من جهة توسعة المفاهيم إلى مالايسعه وضع ألفاظها ، ولا يشمله نفس تلك المفاهيم ابتداءً ، ولكن بعد ادّعاء كون هذا منه تشمله حكماً .

مثلا في قوله تعالى : (إِنْ هـذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)(1)  ليس حسن المجاز المستعمل فيه من جهة إعارة لفظ «الملك» خلواً عن معناه لوجود يوسف ، وجعلهما متّحدين في الاسم ، بل لأنّ «الملك» استعمل في الماهية المعهودة من الروحانيين واُطلق اللفظ عليها واستعمل فيها ، وادّعي انطباقها على المصداق الادّعائي . وقس عليه قولنا : «رأيت أسداً وحاتماً» ; فإنّ لفظي الحاتم والأسد استعملا في معناهما ، ولكن ادّعي أنّ زيداً هو الحاتم أو الأسد .

ثمّ لايخفى عليك : أنّ ما اختاره ـ قدس سره ـ لاينحصر بالاستعارة ، بل المجاز المرسل


1 ـ يوسف (12) : 31 .


(64)

ـ  وهو ما تكون العلاقة فيه غير التشبيه من سائر العلاقات  ـ أيضاً من هذا الباب ; أعني أنّ اللفظ فيه أيضاً لم يستعمل إلاّ فيما وضع له ، وجعل طريقاً إلى الجدّ بدعوى من الدعاوي .

فإطلاق العين على الربيئة ليس إلاّ بادّعاء كونه عيناً باصرة بتمام وجوده ; لكمال مراقبته ، وإعمال ما هو أثر خاصّ لها لا بعلاقة الجزئية والكلّية . وقس عليه إطلاق الميّت على المشرف للموت بدعوى كونه ميّتاً ، وإطلاق القرية على أهلها بتخيّل أ نّها قابلة للسؤال ، أو أنّ القضية بمثابة من الشهرة حتّى يجيب عنها القرية والعير ، كما في قول الفرزدق : «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . .» القصيدة .

وجعل هذا وأشباهه من المجاز بالحذف يوجب انحطاطه من ذَروة البلاغة إلى حضيض الابتذال .

وتجد تحقيق الحال في المجاز المركّب ممّا ذكرنا أيضاً ; فإنّك إذا قلت للمتردّد : «أراك تقدّم رِجلا وتؤخّر اُخرى» ، وعلمت : أنّ مفرداتها لم تستعمل إلاّ في معانيها الحقيقية ، وأ نّه ليس للمركّب وضع على حدة ; ليكون أجزاؤه بمنزلة حروف الهيجا في المفردات ليستعمل في معنى لم يوضع له ، تعرف أ نّك لم تتفوّه بهذا الكلام إلاّ بعد ادّعاء ذوقك : أنّ هذا الرجل المتردّد المتحيّر شخص متمثّل كذلك ، وأنّ حاله وأمره يتجلّى في هذا المثل كأ نّه هو .

هذه قضاء الوجدان وشهادة الذوق السليم ، بل ما ذكرنا في المركّبات من أقوى الشواهد على المدّعى ، وبه يحفظ لطائف الكلام وجمال الأقوال في الخُطب والأشعار ، وبذلك يستغنى عن كثير من المباحث الطفيف الفائدة ، مثل أنّ المجاز هل يحتاج إلى الرخصة من الواضع أولا ؟ وأنّ وضع العلائق شخصي أو نوعي ؟ لما قد عرفت : من أنّ الاستعمال في جميع المجازات ليس إلاّ في الموضوع له ; وإن كان صحّة الادّعاء وحسن وقوعه أمراً مربوطاً بالذوق السليم .


(65)

في استعمال اللفظ في اللفظ

اعلم : أنّ له أقساماً :

منها : إطلاق اللفظ وإرادة شخصه

والتحقيق : أ نّه من باب إيجاد صورة الموضوع في ذهن السامع ; لينتقل منه إلى نفس الموضوع ، لا من باب كون اللفظ دالاّ على نفسه ولا مستعملا في نفسه ; وذلك لأنّ الحروف المتصرّمة إذا صدرت عن المتكلّم وتمّت الكلمة وخلصت عن مقاطع فمه يحصل منها صورة في ذهن السامع ; من قرع الهواء وتموّجه في ناحية الصماخ ، حتّى يمرّ عن الحسّ المشترك والخيال ويصل إلى النفس .

وليس الموجود فيها عين الموجود في عالم الخارج عيناً وشخصاً ، وإلاّ لانقلب الذهن خارجاً . وحينئذ إذا حمل عليه ما يكون من خواصّ هذا اللفظ في الخارج ، وقام قرينة عليه يتوجّه ذهنه من الصورة المتصوّرة إلى اللفظ الصادر أوّلا .

والحاصل : أنّ ذاك الموجود المتصرّم يوجد في نفس السامع ما يصير حاكياً عنه في الآن المتأخّر ، لا كحكاية اللفظ من معناه ; إذ الصورة الذهنية للّفظ لم يوضع لها ذاك اللفظ .

وإن شئت قلت : إنّ الانتقال فيه كالحركة الانعطافية ; إذ ينتقل فيه من اللفظ إلى صورة اللفظ الموجودة في النفس ، ومنها إلى اللفظ الخارجي ، وهذا بخلاف الدلالة والاستعمال ; لأ نّه ينتقل فيهما من اللفظ إلى صورته ، ومنها إلى المعنى .

نعم ، لا مشاحة في إطلاق الدلالة على الأوّل أيضاً بجعل اللفظ دالاّ بواسطة إيجاد كاشفه ، ومدلولا في الآن المتأخّر ; لانكشافه به .


(66)

وأ مّا جعله من قبيل الدلالة الوضعية بالمعنى المصطلح فغيرمعقول ;لاستلزامه اتّحاد الدالّ والمدلول . والتعدّد الاعتباري لايجدي ; إذ عنوان الصادرية وما قاربها أمر منتزع بعد صدور اللفظ ، فكيف يكون أمراً مصحّحاً للاستعمال الواقع قبله ؟

أضف إلى ذلك : أ نّه يستلزم الجمع بين اللحاظين المختلفين في شيء واحد ; ضرورة أنّ اللفظ عند الاستعمال لايلاحظ إلاّ آلياً ، والمعنى المراد لايقصد إلاّ استقلالياً ، وهو لازم كونه دالاّ ومدلولا . وأ مّا حمل ذلك على إلقاء الموضوع في ذهن السامع فهو أفسد ; إذ الموضوع للحكم ليس إلاّ الهوية الخارجية ، ولا تنال النفس متن الأعيان ، ولايمكن إلقاؤها في ذهن السامع .

ومنها : إطلاق اللفظ وإرادة مثله

بأن لايكون الحكم لخصوص ما تكلّم به وأوجده متصرّماً ، بل لشيء آخر مثله واقع في كلامه أو كلام الغير .

والحقّ : أ نّه من قبيل الاستعمال والدلالة ، لا إلقاء الموضوع بنفسه ; لما عرفت من امتناع إحضار الخارج في لوح النفس بذاته . مضافاً إلى أنّ الحكم ليس للّفظ الصادر منه . فعندئذ لا بأس بجعله من قبيل استعماله في مماثله ، ويكون دلالته عليه كدلالة اللفظ على معناه ، وإن كان يفترق عنه بكون الاستعمال هنا في غير ما وضع له .

والحاصل : أنّ اللفظ يجعل وسيلة وآلة للحاظ مماثله ، وتصوّره بالعرض بواسطة الصورة الذهنية الحاصلة بإيجاده . والانتقال منها إلى المماثل هنا كالانتقال منها إلى المعنى بالسرعة الارتكازية .

نعم ، ربّما يتعلّق الغرض بإثبات الحكم للصورة الحاصلة في الذهن ، من دون


(67)

تجاوز منها إلى شيء آخر ، فيقال : زيد الحاصل في ذهنك بهذا اللفظ معلومك بالذات ، ففي مثله يتحقّق الموضوع بإيجاده ، فالاستعمال هنا إيجادي لا للمعنى بل لصورة اللفظ ، بخلاف ما مرّ في باب الحروف ، فتدبّر جيّداً .

ومنها : إطلاق اللفظ وإرادة نوعه وصنفه

فربّما يقال بكونه من قبيل إلقاء الموضوع بنفسه أيضاً ; نظراً إلى أنّ السامع بعد سماعه يغفل عن التشخّصات الزمانية والمكانية وغيرهما ، فيكون من باب إيجاد الكلّي وإيداعه في نفسه بذاته . ولو قيّد بدالّ آخر لفهم الصنف منه كان من إلقاء الصنف .

وأنت خبير : بأنّ كون شيء فرداً أو كلّياً تابع لواقعه ولا تناله يد الاعتبار ، والفرد الحقيقي لا يصير كلّياً ; ولو اُغمض عن عوارضه ألف مرّة ، وأثر كلّ منهما ـ  من امتناع الصدق على كثيرين وعدمه  ـ تابع لنفس الأمر .

وبالجملة : أنّ الصورة الحاصلة في ذهنه جزئي حقيقي ; وهي المعلومة بالذات ، ولها عوارض وتشخّصات لاتسلب عنها بالغفلـة ، فلا تصير في نفس الأمر كلّياً .

نعم ، لو كان المراد من كلّيتها : أنّ المخاطب بما أ نّه غافل عن الخصوصيات يفهم من هذه الصورة المعلومة بالذات نفس الطبيعة بالعرض ، وينتقل إليها في المرّة الثانية فهو حقّ لاغبار عليه ، ولكن جعل ذلك من باب الإلقاء أمر غريب ; إذ لايشذّ ذلك عن الاستعمال والدلالة . ولا مانع من أن يقال : إنّ اللفظ في قولنا «ضرب فعل ماض» حاك ودالّ على نوعه أو صنفه ; إذ ليست الدلالة والحكاية إلاّ كون الشيء يفهم منه المعنى ، ويكون اللفظ الصادر آلة لإيجاد الصورة في الذهن ووسيلة لانتقال المخاطب منه إلى المراد ; أعني طبيعة اللفظ .


(68)

فإن قلت : يلزم من استعمال اللفظ في نوعه اتّحاد الدالّ والمدلول ; لأنّ اللفظ المستعمل في نوعه إمّا أن يكون طبيعي اللفظ أو شخصه ، وعلى الأوّل يلزم الاتّحاد ـ  وهو واضح  ـ وعلى الثاني يلزم ذلك فيما إذا كان الحكم شاملا لموضوع القضية الملفوظة . مضافاً إلى تباين الشخص مع الطبيعي ; لأ نّه مركّب منه ومن التشخّص ، والمركّب من المباين مباينٌ ، فعلى فرض الإمكان لايصحّ الاستعمال ; للمباينة .

قلت : ما ذكرت مردود أصله ، وباطل فرعه ; لأنّ اللفظ المستعمل إنّما هو شخصه لاطبيعته ، فيكون الشخص هو الدالّ ، وأ مّا المدلول فليس إلاّ نفس الكلّي بما هو هو ، وبما أ نّه يحكي لايدلّ على الأفراد والخصوصيات التي ربّما ينطبق عليها ، فارتفع اتّحاد الدالّ والمدلول .

وكون الكلّي منطبقاً على فرد ـ  كما مثّله ـ قدس سره ـ   ـ لايلزم أن يكون ذلك الفرد جزء لمدلول ذلك الكلّي حتّى يلزم الاتّحاد فيما إذا كانت القضية شاملة لموضوع القضية ; إذ الدالّ هو الشخص والمدلول هو الطبيعي ، وشموله له لايوجب كونه جزء المدلول ، بل هي الطبيعة المرسلة الخالية عن التكثّر .

وتخيّل كون المباينة من موانع الاستعمال غرابة بعد غرابة ; إذ صحّة الاستعمال تدور مدار المناسبة بأيّ وجه حصلت . وبذلك يتّضح : أنّ إطلاق المجاز على هذه الاستعمالات ليس على وزان سائر المجازات على كلا القولين في تحقيق المجاز ; إذ لا ادّعاء ولا تأوّل هنا ، ولا اختلاف بين الإرادتين ، بل المناسبة بين اللفظ ونوعه ومثله وصنفه أوجب إحضار المستعمل فيه . كما أ نّه لو كان المدار في المجاز هو المناسبات والعلائق الذوقية الطبيعية ـ  كما هو آخر الرأي بين مشاهير القوم ـ لايكون المقام من المجاز المشهور الدائر الرائج بينهم ; لأنّ العلاقة هنا هي المناسبة الصورية ، وهي مع وجودها غير منظورة للمستعمل قطعاً ، بل لاتخطر بباله قطّ .


(69)

الأمر السادس
في أنّ الألفاظ موضوعة لذات المعاني

التحقيق : أنّ الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية ; تعلّقت بها الإرادة أولا ، ولا دخل لها فيها ـ لا شطراً ولا شرطاً ـ ويتّضح حالها ببيان أمرين :

الأوّل : ما أسمعناك في صدر الكتاب من أنّ حقيقة الوضع ليس إلاّ تعيين اللفظ في مقابل المعنى ، من دون حصول علاقة تكوينية ، وما ربّما يقال من التعهّد والالتزام في تفسيره فهو تفسير له بالآثار والنتائج ، وقد تقدّم الكلام فيه(1) .

فبطل ما يؤيّد به القول الشاذّ المخالف للتحقيق من أنّ الوضع في الألفاظ وضع حيثي ; بمعنى أ نّه لايجعل اللفظ في مقابل المعنى إلاّ بحيث لو أطلقه الواضع أو غيره لكان مريداً لمعناه ; وذلك لما ترى من بنائه على القول المردود في باب الوضع ; من حديث التعهّد والالتزام في تفسير معنى الوضع .

الثاني : قد قام البرهان في محلّه على أنّ الأفعال الصادرة من ذوي العقول


1 ـ تقدّم في الصفحة 25 .


(70)

والشعور معلّلة بأغراض وغايات ; حتّى فيما يراه العرف عبثاً ولغواً(1) ، كيف ، والعلّة الغائية واقعة في سلسلة العلل ، وتعدّ علّة لفاعلية الفاعل ، وإن كانت تتأخّر بوجودها العيني لكنّها مؤثّرة في تحريك الفاعل بوجودها الذهني .

وحينئذ : فالمعلول بما أ نّه رشحة من رشحات العلّة أو مظهر ناقص لها ، ولا استقلال له إلاّ ممّا اكتسبه من جانب علّته فهو لا محالة يتضيّق بضيقها ، ولا يمكن له أن يكون أوسع منها ، لكن لا على نحو التقييد ، بل تضيّقاً ذاتياً تابعاً لاستعداده .

فإذن : يقع الكلام في أنّ الغاية لفعل الواضع ـ  التي هي إظهار المرادات وإعلان المقاصد  ـ هل توجب تضيّقاً في المعنى الموضوع له ; ليكون الوضع للمعنى المراد من جهة أنّ الوضع لذات المعنى على إطلاقه بعد كون الداعي منحصراً في إفادة المراد لغو أولا توجب ذلك ؟

التحقيق : أنّ الغاية للوضع شيء آخر غير ما تصوّروه ; فإنّ الغرض منه إفادة ذوات المرادات لا بما هي كذلك ، بل بما هي نفس الحقائق ; فإنّ المتكلّم إنّما يريد إفادة نفس المعاني الواقعية ، لا بما هي مرادة . على أنّ كونها مرادة إنّما يكون عند الاستعمال أو من مقدّماته التي لا ترتبط بالوضع ، بل كونها مرادة مغفول عنه للمتكلّم والسامع .

أضف إليه : لو سلّمنا كون الغاية هي إفادة المرادات ، لكن كون شيء واقعاً في سلسلة العلل الفاعلية يقتضي حصوله عند حصول الوضع والمواضعة بين اللفظ والمعنى ، وأ مّا أخذه في المعنى الموضوع له فلا .


1 ـ راجع الحكمة المتعالية 2 : 251 ـ 259 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 123 ـ 128 .


(71)

وأعجب منه : ما استدلّ به عليه من أ نّه لو لم توضع للمراد منها لزم اللغوية ; إذ ذلك إنّما يلزم لو لم يترتّب على وضعه لذات المعنى أثر أصلا ، وأ مّا إذا ترتّب الأثر عليه ـ  ولو على نوع منه ; وهو ما إذا كان المعنى متعلّقاً للإرادة ـ  فلا تلزم اللغوية ، كما هو ظاهر ، وسيوافيك أنّ جعل الحكم على الطبيعة يخالف في كثير من الأحكام لجعله على الأنواع والأصناف والأفراد ، ومنها هذا المقام .

إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ القول بكونها موضوعـة للمرادة مـن المعاني يتصوّر على وجوه :

منها : أخـذ الإرادة بالحمل الأوّلي جـزءً للموضوع له ، وهو ممّا لايلتزم به ذو  مسكة .

ومنها : أن تكون موضوعة لما هو بالحمل الشائع مراد ومقصود بالذات ; أعني الصورة القائمة بالنفس ـ قياماً صدورياً أو حلولياً ـ إذ الإرادة كالعلم إنّما تكون من شؤون النفس ، وهي لاتنال الخارج عن حيطتها ، فلا تنال من الخارج إلاّ صورة ذهنية ، كما أنّ شؤونها كالإرادة لاتتعلّق إلاّ بالصورة المتقوّمة بالنفس .

فحينئذ : ما هـو المراد بالذات ـ  أي وقـع متعلّقاً للإرادة في اُفق النفس  ـ ليس إلاّ الصورة العلمية الحاكية عن الخارج ، وبذلك تصير هي مرادة بالذات والخارج مراداً بالعرض ، فهو المراد بوجه والمطلوب في المرتبة الثانية ; لفناء الصورة فيه وآليتها له .

وعليه : لو وضعت الألفاظ للمراد بالذات لما صحّ الحمل ولم تنطبق على الخارج ـ ولو مـع التجريد ـ مضافاً إلى لزوم كـون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً في جميع الأوضاع .

ومنها : كونها موضوعة للمراد بالعرض ، فيرد عليه ـ مضافاً إلى خصوصية


(72)

الموضوع له ـ عدم صحّة الحمل إلاّ بالتجريد ، مع بداهة صحّته بدونه .

وهناك قسم آخر ـ وإن شئت فسمّه رابع الأقسام ـ : وهو أن يكون الوضع للمعنى المراد على نحو الحينية الممكنة ، لا على نحو المشروطة العامّة ليكون الوصف من قيودها وعناوينها ، وقد عرفت ما يمكن الاستدلال به عليه من حديث الغاية والغرض ، كما عرفت دفعه أيضاً .

وإلى ذلك يمكن صرف كلام العلمين(1)  من كون الوضع لذات المراد بلا تقييد ; وإن كان بعيداً عن مساق كلامهما ـ وأبعد منه توجيه المحقّق الخراساني من صرف كلامهما إلى الدلالة التصديقية ، وكونها مرادة للافظها تابعة لإرادته ; تبعية مقام الإثبات للثبوت(2) ; إذ عبارة العلاّمة في «الجوهر النضيد» التي نقلها عن اُستاذه وشيخه المحقّق الطوسي صريح في الدلالة الوضعية(3) ، على أنّ هذا التوجيه توجيه مبتذل لايناسب مقامهما الشامخ ـ بل ليس صحيحاً في نفسه ; لأنّ نسبة المتكلّم إلى أ نّه أراد معنى تلك الألفاظ تتوقّف على أمر آخر ، لايكفي فيه مجرّد وضع الألفاظ للمرادات ، بل لابدّ من ضمّ قاعدة عقلائية من أصالة تطابق الجدّ والاستعمال .


1 ـ الشفاء ، قسم المنطق 1 : 25 ، شرح الإشارات 1 : 32 ، الجوهر النضيد : 8 .
2 ـ كفاية الاُصول : 32 .
3 ـ الجوهر النضيد : 8 .


(73)

الأمر السابع
في وضع المركّبات

قد وقع الكلام في أ نّه هل لمجموع الجمل من المادّة والهيئة وضع أولا ؟

ومجمل القول فيه : هو أنّ اللغات الحية والألسنة العالمية الراقية بين أبناء البشر ـ كلّها ـ كافلة لإفادة الأغراض وطرح المعاني في قالب الألفاظ ; تصديقية كانت أو تصوّرية ; وإن كان الأوّل أكثر اهتماماً به وأعلى درجة في سلسلة المقاصد التي يقصد إفهامها .

ومن البعيد غايته ـ بل من الممتنع عادة ـ عدم وضع لفظ للمعاني التصديقية في هذه اللغات الوسيعة .

ونحن قد تصفّحنا ، فلم نجد ما يدلّ على المعاني التصديقية في كلام العرب ، سوى الهيئات المزدوجة مع الموادّ ، وقد تقدّم(1)  أنّ الحملية منها تدلّ على الهوهوية التصديقية ، كما أنّ المؤوّلة المتخلّل فيها الأدات تدلّ على النسب التصديقية ، ومفردات القسمين دالّة على معانيها التصوّرية بالبراهين التي مضت . وعليه فلم يبق لهذا النزاع معنى صحيح بعد تعيين مفاد الهيئات والموادّ .


1 ـ تقدّم في الصفحة 49 ـ 50 .


(74)

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ الكلام هنا في أنّ الدالّ على المعاني التصديقية هل هو الهيئات أو مجموع الجملة ؟ فالمشهور على الأوّل ، وشرذمة على الثاني .

وكيف كان : فما ربّما يقال من أنّ مراد القائل من الوضع للمجموع هو وضع جديد له ، من غير إفادة شيء واضح الفساد ، لايليق أن ينسب إلى ذي فضل .

وأظنّ : أنّ تحرير النزاع بما ذكرنا من أنّ وجود معان تصديقية محتاجة إلى دوالّ لفظية متسالم عليه بينهم ، وأنّ الخلاف في أنّ تلك الدوالّ هي الهيئات أو المجموع أولى وأحسن .

ثمّ إنّ هناك احتمالا آخر ; وهو كون المجموع موضوعاً لإفادة ما تفيده الهيئة على سبيل الترادف .

وعلى كلّ حال : يرد على الوضع للمجموع ما نقل عن ابن مالك في «شرح المفصّل» من أنّ المركّبات لو كان لها وضع لما كان لنا أن نتكلّم بكلام لم نسبق إليه ; إذ المركّب الذي أحدثناه لم يسبق إليه أحد ، وهذا المؤلّف لم يكن موجوداً عند الواضع ، فكيف وضعه الواضع ؟ انتهى كلامه .

وهو كلام متين صدر عن أديب بارع ، وتوضيحه : أنّ الجمل الاسمية وإن  كانت تشترك في الهيئة ، ولكنّها مختلفة بحسب المادّة ، والوضع النوعي إنّما يتصوّر في الهيئات فقط ; لوحدتها النوعية ، لا بالنسبة إلى المجموع منها ومن الموادّ ; لعدم حصر الموادّ وتنوّعها جدّاً ، مثل قيام زيد وقعود عمرو ، وهلمّ جرّاً .

وليس هناك جامع واحد وعنوان نوعي تجتمع الموادّ تحته ; كي يشار به إليها ، كما يوجد في الهيئات . فلو كان الموضوع هو المجموع لزم الالتزام بوضع كلّ جملة جملة وضعاً شخصياً ، وهو مع امتناعه عادة يستلزم القول بأنّ الجمل التي أحدثها المتكلّم من الموادّ المختلفة غير موضوعة .


(75)

وبذلك يظهر النظر في كلام بعض الأعيان من المحشّين ; حيث جعل محلّ النزاع ما هو بديهي البطلان ، وحمل كلام ابن مالك عليه ; قائلا : أ نّه لايخفى على مثله أنّ الوضع هنا نوعي لاشخصي(1) ، فراجع وتأمّل .

تكميل : فيما هو الموضوع له في الهيئات

إنّ احتمال كون الألفاظ موضوعة للصورة الذهنية بما هي كذلك ممّا يبعد عن ساحة كلّ من انتسب بالفضل ; إذ الحقّ الواضح أ نّها بمفرداتها ومركّباتها موضوعة للمعاني الواقعية النفس الأمرية ; لأنّ هيئات الحملية في الجمل الخبرية وضعت للهوهوية الواقعية والمؤوّلة منها للأكوان الرابطة النفس الأمرية .

وأوضح منها الأعلام الشخصية والجنسية من الأسماء ; خصوصاً على رأي الجمهور في الاُولى ، وكذلك ما يليها من المبهمات والمعاني الحرفية ممّا يفيد الخصوصيات الواقعة في الخارج .

وما اختاره صاحب «الفصول» من كون الجمل الخبرية موضوعة للنسب الذهنية ; من حيث كشفها عن الواقع(2)  تكلّف وتعسّف ; إذ المتبادر من الألفاظ إنّما هو نفس الحقائق الواقعية ليس إلاّ ، والصور الذهنية الحاصلة للمتكلّم والمخاطب في بعض المقامات مغفول عنها .

على أنّ الغرض من الوضع هو إفهام الواقعيات والحقائق التكوينية في الغالب ، فلا معنى لجعلها لغيرها من الصور الذهنية . وتوقّف انفهام الخارج على التصوّر غير كون الموضوع له هو المتصوّر ، وكأنّ الخلط إنّما وقع في ذلك .


1 ـ نهاية الدراية 1 : 76 .
2 ـ الفصول الغروية : 29 / السطر21 .


(76)

ولعلّ الذي دعا هذا القائل ومن وافقه على مقالته إلى هذا القول هو تخيّل أ نّه لو كانت الجمل موضوعة للنسب الواقعية لما كان لها معنى في الأخبار الكاذبة ; لانتفاء النسب الخارجية هناك . ولكنّهم غفلوا عن شيء : وهو أنّ هذا الإشكال مشترك الورود على القولين ; فإنّها لو كانت موضوعة للنسب الذهنية الكاشفة توجّه الإشكال أيضاً ; لأ نّه لا معنى للكشف من دون مكشوف خارجي ، فإنّ الكشف والإيضاح أشبه شيء بالتضائف و«المتضائفان متكافئان قوّة وفعلا» والأخبار الكاذبة لا تحقّق لنسبتها في وعاء العين حتّى تكشف عنها الصور الذهنية .

والقول بأنّ المراد من الكاشف ما هو كذلك بالقوّة وما له صلاحية له رجوعٌ عن المبنى والتزام بكونها موضوعة للصور الذهنية بما هي هي ; إذ شأنية الكشف ثابتة لها مطلقاً ، وهو واضح الفساد .

وحلّ العقدة : أ نّه ليس الاستعمال إلاّ جعل اللفظ وسيلة لانتقال ذهن السامع إلى المعنى الخارجي ـ انتقالا بالعرض لا بالذات ـ وفي هذا الانتقال بالعرض لايلزم أن يكون المعنى محقّقاً .

وإن شئت قلت : إنّ الاستعمال وإن كان طلب عمل اللفظ في المعنى إلاّ أنّ مرجعه إلى إرائة المعنى للمخاطب ، وانتقاله من سماعه إليه ، وهذا يشترك فيه الأخبار الصادقة والكاذبة ، ولا يلزم أن يكون للمنتقل إليه وجود في الخارج ، بل يتوقّف على مجرّد تصوّره .

والظاهر : أ نّه قد غرّه ظاهر لفظ الاستعمال ، مع أ نّك خبير بأ نّه يصحّ إطلاقه ; حتّى في الموارد التي ليست معانيها متحقّقة في الخارج ، كما في قولنا «شريك البارئ ممتنع» و«المجهول المطلق لايخبر عنه» والاستعمال في الجميع بوزان واحد ، والمخبر عن امتناعه إنّما هو شريك البارئ الواقعي لا الذهني ، فقد استعمل هنا لفظ «شريك البارئ» في معناه الواقعي ، مع أ نّه لا وجود له في الخارج .


(77)

الأمر الثامن
في علائم الحقيقة والمجاز

وليس الكلام مقصوراً في تشخيص المعنى الحقيقي من المجازي في موارد الاستعمال مع العلم بمراد المتكلّم والشكّ فيهما حتّى يقال : إنّ اللفظ في المجاز مستعمل في معناه الحقيقي ; فالسامع إذا استقرّ ذهنه في المعنى المراد ، ولم يتجاوز منه إلى غيره حكم بأ نّه حقيقة ، وإن تجاوز إلى غيره حكم بأنّ ذلك الغير مجاز ـ  كما قيل(1)  ـ بل من تلك العلائم أو غالبها تعرف المعنى الحقيقي ; ولو لم يكن استعمال ، أو لم نكن بصدد تشخيص استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي أو المجازي .

فلو شككنا في كون الماء موضوعاً للجسم السيّال المعهود يكون التبادر طريقاً إلى إثباته ـ استعمل أولا ـ بل ربّما يدور أمـر الاستعمال بين الحقيقـة والغلط ، لا المجاز . كما أنّ تعبيرهم بعلائم الوضع ليس بسديد ; إذ الرابطـة الاعتباريـة كما تحصل بالوضع قـد تحصل بكثرة الاستعمال ; حتّى يصير حقيقـة ،


1 ـ نهاية الاُصول : 39 .


(78)

وقد عرفت(1)  أنّ الوضـع التعيّني ليس بوضع . وتوهّم : قيام جميع الاستعمالات مقام الوضع الواحد ، كما ترى .

فإن قلت : إنّ الوضـع بمعناه المصدري وإن كان مفقوداً هنا إلاّ أ نّـه بمعنى اسم المصدر ونتيجته موجود فيه .

قلت : المصدر واسمه واحدان بالحقيقة مختلفان بالاعتبار بانتسابه إلى الفاعل وعدمه ، فلا يعقل وجود واحد منهما في نفس الأمر مع فقدان الآخر .

منها : التبادر

ومـن علائـم ذلك الربط المعهود التبادر ، والمراد منـه ظهور المعنى مـن اللفظ بنفسه مـن غير قرينة ، لا سرعـة حصول المعنى في الذهـن بالنسبـة إلى معنى آخر ، أو سبقه عليه .

واُورد عليه : الدور المعروف ; من أنّ التبادر موقوف على العلم بالوضع ، فلو  توقّف ذلك عليه لدار(2) .

وأجاب عنـه بعض المحقّقين : بأ نّـه يكفي في ارتفاع الـدور تغاير العلمين شخصاً ، والتغايـر بين العلم الشخصي الحاصـل مـن التبادر وبين العلـم الشخصي الـذي يتوقّف التبادر عليه واضح ; وإن قلنا بأنّ ما يتوقّف عليه التبادر هـو العلم التفصيلي أيضاً(3) .


1 ـ تقدّم في الصفحة 23 .
2 ـ اُنظر هداية المسترشدين 1 : 227 ، الفصول الغروية : 33 / السطر22 ، كفاية الاُصول : 33 .
3 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 97 .


(79)

ولكنّه من عجائب الكلام ; إذ لايتصوّر الانكشاف بعد الانكشاف إلاّ بتعدّد متعلّق العلم خارجاً ، أو بتخلّل الذهول والنسيان عند وحدته ، وكلاهما مفقودان في محلّ الكلام .

والحاصل : أ نّه لايعقل الكشف التفصيلي في حال واحد عن شيء مرّتين ، فلو حصل العلم قبل التبادر ـ بكون معنى اللفظ كذا ـ لايعقل كون التبادر موجباً لحصول مصداق آخر له ، مع توحّد الحال .

نعم ، لا مانع من تكرّر الصورة الذهنية بما هو معلوم بالذات ، ولكن لايعقل الكشف عن المعلوم بالعرض مكرّراً .

هذا ، ولكن الحقّ في دفع الإشكال : ما عن الشيخ الرئيس في نظائر المقام(1) ; من أنّ العلم التفصيلي بأنّ معنى هذا ذاك على نحو القضية الحملية موقوف على التبادر ، وهو ليس موقوفاً على هذا العلم التصديقي المحتاج إلى تصوّر الموضوع والمحمول ، بل يحصل بالعلم الارتكازي من مبادئه وعلله ، كعلم الأطفال بمعاني الألفاظ ومفاد اللغات .

ثمّ إنّه لا إشكال في اشتراط كاشفية التبادر بكونه مستنداً إلى حاقّ اللفظ لا إلى القرينة ، ولكنّه هل لنا طريق مضبوط إلى إثباته ـ من الاطّراد وغيره ـ بأن يقال : إنّ التبادر من اللفظ مطّرداً دليل على كونه مستنداً إلى الوضع ؟ الظاهر عدمه ; لأنّ كون الاطّراد فقط موجباً للعلم بذلك ممنوع ، وخروج عن البحث .

وتوهّم كونه طريقاً عقلائياً ، مع عدم حصول العلم منه واضح الفساد ; إذ لم يثبت لنا من العقلاء التمسّك به ; ولو عند احتمال كون الانفهام مستنداً إلى قرينة


1 ـ الشفاء ، قسم المنطق 3 : 69 .


(80)

عامّة بين أهل التخاطب ، كما أنّ أصالة عدم القرينة إنّما يحتجّ به العقلاء لإثبات المراد بعد العلم بالحقيقة والمجاز ، لا على تعيين واحد منهما بعد العلم بالمراد .

ومنها : صحّة الحمل والسلب

والظاهر : أنّ المراد بهما صحّتهما عند نفسه لا عند غيره ; إذ الثاني يرجع إلى تنصيص أهل اللغة واللسان ; لأنّ العلم حينئذ بصحّة الحمل وكونه حملا أوّلياً أو شائعاً بالذات لايحصل إلاّ بتصريح الغير ، فيرجع إلى تنصيصهم .

وأ مّا صحّته عند نفسه فالتحقيق : أنّ الاستكشاف واستعلام الحال حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع السابق على الحمل وسلبه ، فيكون إسناده إلى الحمل أو سلبه في غير محلّه .

توضيح ذلك : أنّ الحاكم المستعلم بحمله لابدّ أن يتصوّر الموضوع أوّلا بما له من المعنى الارتكازي ; حتى يجده متّحداً مع المعنى المشكوك فيه في مفهومه ، ثمّ يحمل المحمول المتصوّر على الموضوع المعلوم ـ حملا أوّلياً ـ ولولا ذلك لما كان لحكمه وزن ولا قيمة .

وعندئذ : إذا وجده في عالم التصوّر متّحداً معه قبل حمله فقد علم بوضع اللفظ للمعنى ، ولم يبق لتأثير صحّة الحمل في رفع الستر مجال .

وأ مّا الحمل الشائع فلا يكون علامة إلاّ إذا كان شائعاً ذاتياً ; لكونه كاشفاً عن المصداق الحقيقي ، كما في قولنا «البياض أبيض» ، لا عرضياً .

وحينئذ : إن كان المستعلم مردّداً في كون الحمل ذاتياً أو عرضياً لم يمكن له استكشاف الوضع من مجرّد الحمل ، وإن كان عالماً بكونه حملا ذاتياً ، وأ نّه من قبيل حمل الكلّي على بعض مصاديقه الحقيقية فقد علم المعنى قبل الحمل ; إذ العلم


(81)

بكونه مصداقاً حقيقياً ذاتياً مستلزم للعلم بكونه موضوعاً للطبيعة المطلقة .

والقول بأنّ التبادر مغفول عنه غير مسموع ، كالقول بأنّ صحّة الحمل والسلب الارتكازيين موجبة للحمل التفصيلي ، كما مرّ نظيره في التبادر ; وذلك لأنّ الباحث المستعلم للوضع لايتصوّر له الغفلة عن ضالّته المنشودة أبداً ، ولو قبل الوصول إلى الحمل وسلبه .

وممّا ذكرنا يعلم حال صحّة السلب في جعله دليلا على المجازية ; لأنّ العلم بصحّته يتوقّف على العلم بتغاير الطرفين مفهوماً أو مصداقاً في عالم التصوّر ، ومعه لا حاجة إلى سلب الحمل .

وهناك تفصيل يتراءى من بعض الكلمات بين الحمل المتداول بين اللغويين ، كما في قولهم «إنّ الغيث هو المطر» فيصحّ فيه ، وبين الحمل الأوّلي الدائر بين أهل الفنّ من حمل الذاتيات على الذات ، كما في قولنا «الإنسان حيوان ناطق» فلا يمكن استكشاف الوضع بصحّته ; لأنّ الحدّ مفهوم مركّب مفصّل ، ويمتنع أن يكون مفهوم الإنسان ; لأنّ مفهوم كلّ مفرد بسيط مجمل(1) .

وفيه : أ نّا نقول بأنّ الغرض من الحمل ليس إثبات وضع اللفظ لذلك المفصّل ، بل لماهية بسيطة يكون هذا المفصّل حدّاً لها ; بحيث إذا انحلّت رجعت إليه .

وبالجملة : هذا المبيّن حاك عن الذات البسيط المجمل ، والشكّ في وضع اللفظ لذاك المجمل دون الأوّل المفصّل .

وربّما يعلّل كاشفية صحّة الحمل عن الوضع وصحّة السلب عن عدمه بأنّ الوجود اللفظي نحو وجود للمعنى ومن مراتب وجوده ، واللفظ لمّا كان فانياً فيه


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 99 .


(82)

صار نحو تحقّق له ; وبذلك تتنافر الطباع عن سلبه عنه ، ويراه بمنزلة سلب الشيء عن نفسه ، وبذلك أيضاً خرج عن مشابهة ما لاتتنافر عن سلبه عنه من اللفظ الذي لم يوضع له(1) .

قلت : الظاهر أنّ ما هو العلامة إنّما هو صحّة سلب اللفظ وعدمها بما له من المعنى لا بما هو لفظ ، وإلاّ فنفس اللفظ ـ بما هو حروف ـ تصحّ سلبها عن معناها . وما ذيّل به كلامه من حديث التنافر أقوى شاهد عليه ; إذ ما تتنافر الطباع عنه هو اللفظ بما هو مرآة المعنى ، لا بما هو صورة وعرض ، فعاد المحذور المتقدّم .

ومنها : الاطّراد وعدمه

وقد قرّر بوجوه : أمتنها أ نّه إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كلّي بحيثية خاصّة ـ كرجل باعتبار الرجولية في زيد وعمرو ، مـع القطع بكونه غير موضوع لكلّ واحد على حدة ـ استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذاك الكلّي ، وعلم : أ نّه موضوع للطبيعي من المعنى . واحتمال كونها مجازاً بالعلاقـة مـدفوع بعدم الاطّـراد في علائـق المجاز ، كما أنّ عـدم الاطّراد يدلّ على عـدم الوضع ; إذ معه يطّرد الاستعمال .

ولكنّه مخدوش : بأنّ استعمال اللفظ الموضوع للكلّي في أفراده ـ بما لها مـن الخصوصيـة والعوارض ـ يكون مجـازاً مـع العلاقة أو حسـن الاستعمال ، وغلطاً بدونهما ; فاحتمال كـون ذلك الاستعمال حقيقـة منتف رأساً ، بل أمـره دائر بين الغلط والمجاز .


1 ـ اُنظر نهاية الاُصول : 41 .


(83)

كما أنّ تطبيق المعنى الارتكازي عليها مطّرداً بلا إرادة الخصوصية يوجب التخلّف في العلامـة ; إذ العلامـة ـ حينئذ ـ هي صحّـة الحمل ، وقـد عرفت إرجاعها إلى التبادر أيضـاً ; لما عرفت مـن أنّ التطبيق فـرع العلم بكون المعنى قابلا للانطباق على الأفراد .

وبذلك يتّضح الجواب عن تقرير آخر له بأن يقال : إنّ الاستعمال في الموضوع لـه لا يتوقّف على غير الوضع فيطّرد ، ولكـن المجاز يتوقّف على مصحّـح الادّعاء ، وحسن الاستعمال بقبول الطباع على المختار في باب المجازات ، وهما لا يطّـردان .

وجـه الفساد : أنّ العلم بصحّـة الاستعمال مطرداً يتوقّف على فهم المعنى الموضوع لـه ، كما أنّ العلم بحسن الادّعاء ومصحّحـه يتوقّف على تشخيص الموضوع له .

فتحصّل ممّا مرّ : أنّ التبادر هو العلامة ، وغيره مسبوق به أو راجع إليه .


(84)


(85)

الأمر التاسع
في تعارض الأحوال

قد ذكروا في باب تعارض الأحوال مرجّحات ظنّية لم يقم دليل على اعتبارها ، والمتّبع لدى أهل المحاورة هو الظهور ; فإن تحقّق فهو ، وإلاّ فلا تعتبر .

نعم ، يقع الكلام في أنّ ما لدى العقلاء في أخذ المراد وصحّة الانتساب هل هو أصالة الظهور أو أصالة الحقيقة أو أصالة عدم القرينة ؟ فعند ما احتفّ الكلام بما يحتمل القرينية فالظهور متّبع على الأوّل والثاني ـ إن كان أصل الحقيقة أصلا تعبّدياً  ـ دون الثالث ; إذ القدر المتيقّن حجّيته لديهم إذا شكّ في أصل وجود القرينة لا في قرينية الموجود ، وسيأتي تحقيق الحال فيها إن شاء الله .

ثمّ إنّ هنا أصلا لفظياً عند دوران الأمر بين النقل وعدمه ، قد أفـرط بعضهم في الاحتجاج به ; وهـو أصالة عدم النقل ، ويقال : إنّها أصل عقلائي حجّـة مع جميع مثبتاتها .

والحقّ : أنّ اعتمادهم عليها إنّما هو فيما إذا شكّ في أصل النقل لا مع العلم  به ، والشكّ في تقدّمه على الاستعمال وتأخّره عنه .

والمدرك لهذا الأصل عندهم في الأوّل هو حكم الفطرة الثابتة لهم من عدم


(86)

رفع اليد عن الحجّة بلا حجّة ، وعن الظهور الثابت بمجرّد الاحتمال ، لا  الاستصحاب العقلائي ; إذ هو ممّا لا أصل له ، كما سيوافيك إن شاء الله في محلّه ، وأنّ عملهم عليه في بعض الموارد لاطمئنانهم بالبقاء وعدم اعتدادهم باحتمال الخلاف لضعفه ، وهو غير مسألة الاستصحاب . وأ مّا عدم حجّيته في القسم الثاني ـ  ولو مع العلم بتأريخ الاستعمال ـ فلعدم ثبوت ذلك منهم ، لو لم نقل بثبوت عدم تعويلهم عليه .

والعجب من شيخنا العلاّمة ; حيث ذهب إلى الاحتجاج بالقسم الأخير ; قائلا بأنّ الحجّة لا يرفع اليد عنها إلاّ بحجّة مثلها ، وأنّ الوضع السابق حجّة ، فلا يتجاوز عنه إلاّ بعد العلم بالوضع الثاني(1) .

وأنت خبير : بأنّ المتّبع لديهم والحجّة هو الظهور لا الوضع بنفسه ، والعلم بتعاقب الوضعين ، مع الشكّ في تقدّم الثاني منهما على الاستعمال وتأخّـره عنه يمنع عن انعقاده ، كما هو ظاهر . أضف إلى ذلك : أ نّـه لا معنى للفرق بين الأقسام بعد كون الوضع الأوّل هو المتّبع مع عدم العلم بنقض الوضع الثاني للوضع الأوّل حال الاستعمال .

ثمّ إنّه قد يتراءى من بعض المحقّقين تفصيل أعجب ; فإنّه حكم بجريان الأصل المزبور إذا علم تأريخ الاستعمال وجهل تأريخ النقل ، وأثبت به استعمال اللفظ في المعنى الأوّل ; لحجّيـة مثبتاتـه ، وحكم بلزوم التوقّف فيما علم تـأريخ النقل وجهل تأريـخ الاستعمال ; قائلا بأنّ العقلاء ليس لهم بناء عملي على عـدم الاستعمال .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 47 .


(87)

كما أ نّه حكم بلزوم التوقّف أيضاً في مجهولي التأريخ ، لا لما قيل من تساقط الأصلين بالمعارضة ، بل لعدم إحراز موضوع الأثر ; لأ نّه مترتّب على عدم الوضع الجديد في ظرف الاستعمال ، ومن المعلوم أنّ مفاد الأصل هو جرّ العدم في جميع أجزاء الزمان المشكوك فيه ، لا إثباته بالإضافة إلى أمر آخر .

وعليه : لايمكن إحراز عدم الوضع حين الاستعمال به ، لا لعدم إحراز عنوان المقارنة والتقييد حتّى يقال : إنّ الأصل العقلائي حجّة مع مثبتاته ، بل لأنّ نفس القيد ـ أعني الاستعمال ـ مشكوك فيه حين إجرائه ـ كالوضع ـ فلا يمكن إحراز موضوع الأثر بالأصل .

نعم ، لو كان مفاد الأصل جرّ العدم بالإضافة إلى أمر آخر لأمكن إحراز الموضوع في المقام ، لكنّه خلاف التحقيق ، وهذا بخلاف القسم الأوّل ; إذ الأصل والوجدان هناك يحقّقان موضوع الأثر(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه مواقع للنظر :

منها : أنّ الظاهر منه أنّ أصالة عدم النقل عبارة عن الاستصحاب العقلائي ، فحينئذ يكون أركانه موجودة في جميع صور الشكّ ، فمع الشكّ في تأخّر الاستعمال والعلم بتأريخ الوضع يجري الأصل ويثبت لوازمه ، مثل كون الاستعمال في حال الوضع الثاني مع العلم بهجر الأوّل ، وكذا الحال في مجهولي التأريخ .

ودعوى عدم بناء عملي على عدم الاستعمال غير مسموعة ، كدعوى عدم إمكان إحراز موضوع الأثر .

وما قد يتوهّم من أنّ الأصل جار في النقل لندرته ، دون الاستعمال واضح


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 103 ـ 104 .


(88)

الفساد ; لأنّ النادر أصل النقل ، ولكن الكلام في تقدّمه وتأخّره بعد العلم بتحقّقه .

ومنها : أنّ إجراء الأصل في عمود الزمان إن لم يثبت نفس الاستعمال لا يثبت استعماله في المعنى الأوّل أيضاً ; فإنّه حادث كنفس القيد ، وما يكون محرزاً هو أصل الاستعمال لا الاستعمال في المعنى الأوّل . مع أنّ أصل الاستعمال وجداني في الصورتين ، كما أنّ المستعمل فيه مشكوك فيه في كلتيهما .

ولو قيل : إنّ استصحاب العدم هو جرّه فقط ، لا إلى كذا وكذا فهو ـ مع فساده ـ يستلزم عدم الإنتاج في الصورة الاُولى أيضاً ، فإذا أمكن جرّه إلى الزمان المعلوم أمكن جرّه إلى الزمان المعيّن واقعاً المجهول عندنا .

ومنها : أنّ ما ذكره من إحراز موضوع الأثر بالأصل والوجدان في الصورة الاُولى غير تامّ ; لأنّ عدم النقل ونفس الاستعمال ليسا موضوعين للأثر ، بل الموضوع هو ما يثبت بالاستعمال ; أي المعنى المراد ، ولو سلّم ذلك فلا فارق بين الصورتين .


(89)

الأمر العاشر
في الحقيقة الشرعية

في ثبوت الحقيقة الشرعية في ألفاظ العبادات والمعاملات في لسان الشارع تعييناً أو تعيّناً وعدمه .

يرى الواقف على كتب القوم ـ حديثها وقديمها ـ أنّ الاستدلالات الواقعة في نقضها وإثباتها جلّها تخرّصات على الغيب ; إذ التأريخ الموجود بين أيدينا الحافظ لسيرة النبي الأعظم ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحياته وأفعاله ـ حتّى العادي منها ; فضلا عمّا له ربط بالتشريع ـ لم يحفظ ذكراً عن الوضع التعييني ، مع أ نّه لو كان هناك شيء لنقل إلينا ; لتوفّر الدواعي على نقله .

كما أنّ الآيات القرآنيـة ـ مكّيتها ومدنيتها ، قريبتها عـن البعثة وبعيدتها ـ تعطي الطمأنينة بأنّ هذه الألفاظ من لدن نزول الذكر الحكيم استعملت في تلك المعاني ، من غير احتفافها بالقرينـة لا مقالية ـ كما هـو واضح ـ ولا حالية ، ودعـوى وجـود الحالية(1)  كما ترى . ووجودها في حديث واحد في قوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  :


1 ـ معالم الدين : 38 .


(90)

«صلّوا كما رأيتموني اُصلّي»(1)  لا يـدلّ على وجـودها في غيره .

ألست إذا نظرت إلى قوله تعالى في سورة المزمّل المكّية ، النازلة في أوائل البعثة (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ)(2)  وما في المدّثّر المكّية (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ)(3) ، وما في سورة القيامة والأعلى والعلق المكّيات ، تعلم : أنّ كلّها شواهد بيّنة على أنّ ألفاظ العبادات كانت معلوم المفهوم لدى النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأصحابه ومعاصريه من الكفّار ، وكانوا يفهمون معانيها بلا معونة قرينة .

فعند ذلك لابدّ لك من أحد أمرين :

إمّا القول بمعهودية هذه العبادات والمعاملات لدى العرب المتشرّعة في تلك الأعصار ، وكان ألفاظها مستعملة في تلك الماهيات ـ ولو مع اختلاف في بعض الخصوصيات ـ سيّما مع ملاحظة معهودية تلك العبادات قَبل النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الاُمم السالفة ، وأ نّه لم يظهر من سيرة النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اختراع عبادة جديدة ; سوى شيء لا يذكر ، كما أ نّه لم يظهر منه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اختراع معاملة محدثة ; حتّى في مثل الخلع والمبارات ; سوى المتعة ; لاحتمال كونها مخترعة ، ولكنّها أيضاً ليست ماهية برأسها ، بل هي قسم من النكاح .

أو القول بثبوت الوضع منه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بنفس الاستعمال .

وما قد يتوهّم من لزوم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي مدفوع ـ مضافاً إلى منع لزوم الغفلة عن اللفظ حين الاستعمال دائماً ـ بأ نّه يمكن أن يكون من باب جعل ملزوم بجعل لازمه ، ويكون الاستعمال كناية عن الوضع ، من غير توجّه إلى


1 ـ صحيح البخاري 1 : 313 / 596 .
2 ـ المزمّل (73) : 20 .
3 ـ المدثّر (74) : 43 .


(91)

الجعل حين الاستعمال ; وإن التفت إليه سابقاً ، أو سيلتفت بنظرة ثانية ، وهذا المقدار كاف في الوضع .

أو يقال : إنّ المستعمل شخص اللفظ والموضوع له طبيعته .

وكلا الوجهين لايخلو من تأمّل ، مع أنّ الأوّل مخالف لما هو المألوف في الاستعمالات الكنائية .

وكيف كان : إثبات الوضع ـ ولو بهذا النحو ـ موقوف على ثبوت كون العبادات أو هي مع المعاملات من مخترعات شرعنا ، وأ نّها لم تكن عند العرب المتشرّعة في تلك الأزمنة بمعهودة ، وأ نّى لنا بإثباته ؟ !

وعلى كلّ حال : الثمرة المعروفة أو الفرضية النادرة الفائدة ممّا لا طائل تحتها عند التأمّل ; حيث إنّا نقطع بأنّ الاستعمالات الواردة في مدارك فقهنا إنّما يراد منها هذه المعاني التي عندنا ، فراجع وتدبّر .


(92)

(93)

الأمر الحادي عشر
فـي الصحيح والأعـمّ

ولنذكر قبل الشروع في البحث اُموراً :

الأوّل : اختلاف كلمات العلماء في عقد البحث

الظاهر أنّ التعبير الدائر بين القوم في عنوان هذا البحث من «أنّ ألفاظ العبادات أو المعاملات هل هي موضوعة للصحيح أو الأعمّ ، أو هي أسام للصحيح أو الأعمّ» إنّما هو لأجل سهولة التعبير ، وإلاّ فلا يخلو من قصور ; لكونه غير جامع للآراء ; لأنّ استعمال ألفاظ العبادات والمعاملات في المعاني المصطلحة كما يحتمل أن يكون من باب الوضع التعييني يحتمل أن يكون من باب الوضع التعيّني ، بل يحتمل كونه من باب المجاز ، وقد مرّ أنّ الوضع التعيّني ليس بوضع حقيقة(1) .

فعلى التعبير الأوّل يخرج كلا الرأيين ـ أعني كونه من باب الوضع التعيّني أو من باب المجاز ـ عن محلّ البحث ، وعلى التعبير الثاني يخرج المجاز فقط ، كما  لا يخفى .

والأولى : أن يعنون البحث هكذا : «إنّ الأصل في استعمالات الشارع لألفاظ


1 ـ تقدّم في الصفحة 23 .


(94)

العبادات والمعاملات ماذا ؟» فيدخل فيه الجميع ـ حتّى المجاز ـ سيّما على ما قوّيناه من كونه عبارة عن الاستعمال فيما وضع له ، مع ادّعاء انطباقه على المصداق المجازي(1) ، فيقال : إنّ الأصل هو الادّعاء بالنسبة إلى المصداق الصحيح أو الأعمّ .

فما قد يقال من لغوية البحث بناءً عليه(2)  ليس بشيء ، بل يمكن القول بجريان البحث المثمر ; حتّى على مذهب الباقلاني(3) ، من دون ورود ما أورده عليه بعض أعاظم العصر ; حيث قال : إنّ القرينة إن دلّت على جميع ما يعتبر في المأمور به فلا شكّ ليتمسّك بالإطلاق حينئذ ، وإن دلّت على اعتبارها بنحو الإجمال فليس هناك إطلاق لفظي ، وأ مّا الإطلاق المقامي فهو جار على كلا القولين(4) .

وجه الإشكال : أ نّه يمكن أن يقال ـ بناءً على هذا القول ـ هل الأصل في القرينة الدالّة على الأجزاء والشرائط هو إقامة القرينة المجملة على ما ينطبق على الصحيحة لكي لايجوز التمسّك بالإطلاق ، أو على ما ينطبق على الأعمّ حتّى يجوز ؟ وبالجملة : لا فرق بين هذا القول وبين القول بالمجاز ، والأمر سهل .

الثاني : في الإشكال على التعبير عن المبحث بالصحيح والأعمّ

إنّ العناوين المعروفة في عقد الباب كلّها لاتخلو من تكلّف ، والأولى عنوانه هكذا : «بحث في تعيين الموضوع له في الألفاظ المتداولة في الشريعة» ، أو «في


1 ـ تقدّم في الصفحة 62 .
2 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 109 .
3 ـ شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب : 51 و52 .
4 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 110 .


(95)

تعيين المسمّى لها» ، أو «في تعيين الأصل في الاستعمال فيها» ، على اختلاف في الآراء والمشارب ; إذ ما أفاده القوم غير خال عن النظر ، والظاهر : أنّ الذي أوقعهم فيه إنّما هو سهولة عبارته ، فعبّروا عن الشيء بلازم وجوده ، مع أ نّه غير تامّ .

توضيح المقام : أ نّه لا وَقْع للقول بأنّ المراد من لفظي الصحيح والأعمّ هو الصحيح بالحمل الأوّلي حتّى تقيّد الصلاة بمفهوم الصحّة وضدّها ، كما أ نّه لاوقع لإرجاعه إلى أنّ المراد به ما هو صحيح بالحمل الشائع ; إذ الصحيح من الصلاة الخارجية إن كان موضوعاً له بنحو الوجود السعي فهو يستلزم وجود الجامع في الخارج بنحو الوحدة الحقيقية ، وقد عرفت استحالته(1) ، وإن كان بنحو الفردية والمصداقية فهو مستلزم لكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً ; إذ الفرد الواقعي قد يتصادق عليه العنوانان ، وإلاّ فكلّ عنوان يباين الآخر مفهوماً .

أضف إليه : أنّ الصحيح تحقيقاً هو ما حاز جميع ما يعتبر فيه ; حتّى ما يتأتّى من قبل الأمر ، مع خروج مثلها عن حريم النزاع . والتشبّث بكون الصحّة أمراً إضافياً ، فتكون صحيحة مع قطع النظر عن الشرائط التي تأتّى من قبل الأمر ممّا لايساعده العرف واللغة .

وتوهّم اصطلاح خاصّ للاُصولي كما ترى ، ولا يقصر عنه التمحّل بأنّ المراد من الصحّة هو الصحّة التعليقية ; أعني ما إذا انضمّ إليه جميع ما يعتبر فيها صار صحيحاً .

والحاصل : أنّ أخذ الصحيح في عنوان البحث والقول بأ نّه الموضوع له لا يصحّ بأيّ معنى فُرض .


1 ـ تقدّم في الصفحة 28 .


(96)

والأولى : أن يجعل الموضوع له هو الماهية الاعتبارية ، لا عنواني الصحيح والأعمّ ، ويقال : إنّ لفظة الصحيح وضدّه عنوانان مشيران إلى تلك المرتبة ، ويقال : «هل الموضوع له هو الماهية التي إذا وجدت في الخارج ينطبق عليها عنوان الصحيح أو الأعمّ ؟»

وأولى منه : إسقاط لفظي الصحيح والأعمّ من عنوان البحث ; إذ لا ملزم لإبقاء العنوان على حاله ، والتزام تكلّفات باردة لتسديده ، فيقال في عنوانه : «بحث في تعيين الموضوع له في الألفاظ المتداولة في الشريعة ، أو في تعيين المسمّى لها ، أو في تعيين الأصل في الاستعمال فيها» ، على اختلاف التعبيرات ، كما مرّ .

وما يقال من أنّ الصلاة ـ مثلا ـ موضوعة للماهية المتصوّرة في الذهن ، مرآة إلى الخارج ، وهي بما أ نّها فرد موجود ذهني صحيحة بالحمل الشائع لاينبغي الإصغاء إليه ; إذ الصحّة والفساد من لوازم الوجود الخارجي دون الماهية الذهنية . وعليه : فالفرد الذهني لايمكن أن يكون مصداقاً لواحد منهما .

هذا ، وقد ذكر بعضهم للصحيح معنى آخر ; وهو كونه بمعنى التمامية عرفاً ولغة(1) ، واستراح به عن بعض الإشكالات . وهو لم يذكر له مصدراً ومرجعاً ، مع أنّ العرف واللغة ـ اللذين تشبّث بذيلهما ـ يناديان بخلاف ما ادّعاه .

كيف ، وبين الصحّة والفساد تقابل التضادّ ؟ كما أنّ بين النقص والتمام تقابل العدم والملكة .

وتوضيح ذلك : أنّ الصحّة والفساد كيفيتان وجوديتان عارضتان للشيء في الوجود الخارجي باعتبار اتّصافه بكيفية ملائمة لطبيعته النوعية ، فيقال : بطّيخ


1 ـ كفاية الاُصول : 39 ، نهاية الأفكار 1 : 73 .


(97)

صحيح بالملاك المذكور ، كما أ نّه إذا اتّصف بكيفية منافرة أو بأثر لايترقّب من نوعه يقال : إنّه فاسد كمرارته أو فساده .

وهذا بخلاف النقص والتمام ; فإنّ ملاك الإطلاق فيهما إنّما هو جامعيته للأجزاء والشرائط وعدمها ، مثلا الإنسان الذي له عينٌ أو يدٌ واحدة يقال : إنّه ناقص لا فاسد ، وفي مقابله التمام ، نعم يطلق عليه الصحّة باعتبار كيفيته المزاجية ، لا من جهة الأعضاء .

فإن قلت : فعليه لابدّ أن لايصحّ توصيف الكيفيات والحقائق البسيطة بالتمام وضدّه ; لفقدان التركيب فيهما .

قلت : الظاهر أنّ الإطلاق في أشباه ذلك إنّما هو باعتبار لحاظ الدرجات ، فيقال للوجود الشديد : إنّه وجود تامّ ، وللضعيف : إنّه ناقص ، وقس عليه النور وشبهه .

كما أنّ إطلاق الصحّة والفساد بالمعنى المذكور على الماهيات الاعتبارية ـ  كالصلاة والصوم ـ من باب التوسّع في الإطلاق ; لأنّ أجزاء تلك الماهيات لها وحدة في وعاء الاعتبار وهيئة اتّصالية ; ولذا يقال : إنّه قد قطع صلاته أو أفطر صومه ، إذا أتى بما ينافيه . فعروض الفساد لها إنّما هو من جهة فقدانها بعض ما هو معتبر فيها ، كما في الموجودات الخارجية الحقيقية ، لكن باعتبار تخلّف الأثر ، وادّعاء ترتّب كيفية منافرة عليها .

هذا ، والطريق الوحيد للتخلّص عمّا تقدّم من الإشكال لمن اشتهى إبقاء البحث على حاله ليس إلاّ بالقول باستعمال الصحّة والفساد في التمام والنقص ـ  أعني استعمال ذاك المفهوم في هذا المفهوم ـ ولكنّه بعد غير صحيح ; لعدم وجود العلاقة بينهما ، واتّحادهما بحسب المصداق لايصحّح العلاقة .


(98)

الثالث : في تعيين محلّ النزاع

يجد المتتبّع في خلال كلمات القوم أنّ عباراتهم في تحرير محلّ البحث مشوّشة جدّاً ; فبعضهم خصّه بالأجزاء وأخرج الشرائط عنه مطلقاً ; سواء كانت ممّا اُخذت في متعلّق الأمر ـ كالطهور والستر ـ أم لم تؤخذ فيه ، وسواء أمكن أخذها وإن لم تؤخذ فعلا ـ كالشروط العقلية المحضة ، مثل اشتراط كون المأمور به غير مزاحم بضدّه الأهمّ ، أو كونه غير منهي عنه بالفعل ، أو كان ممّا وقع الخلاف في إمكان أخذه فيه ، كالشرط الذي يأتي من قِبل الأمر ، كقصده وقصد الوجه .

وبالجملة : قد قصّر هذا القائل البحث على الأجزاء وأخرج الشرائط بأجمعها عن حريمه .

واستدلّ عليه : بأنّ رتبة الأجزاء رتبة المقتضي ، ورتبة الشرائط متأخّرة عن  رتبة المقتضي ، فلا يسوغ ادخالها في المسمّى لتستوي مع الأجزاء في المرتبة(1) ، انتهى .

ولحن الاستدلال يتضمّن جوابه ; لأنّ مجرّد وقوع الشيء في مرتبة علل شيء بحسب التكوين أو الاعتبار لا يمنع من جعل اسم واحد للمجموع ; لوقوعها في اُفق النفس دفعة واحدة .

وربّما يجاب عنه : بالتمسّك بذيل الحصّة ، بيان ذلك : أنّ الموضوع له هو الأجزاء المقترنة بالشرائط ; أعني تلك الحصّة الخاصّة من الأجزاء دون مطلقها . وحينئذ لايصدق مع فقد بعض الشرائط ، بناءً على القول بالصحيح ، وأ مّا على الأعمّ


1 ـ اُنظر بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 111 .


(99)

فالموضوع له هو الحصّة المقترنة ببعض الشرائط لا الحصّة الخاصّة منها(1) ، انتهى .

هذا ، ولكن يعود السؤال عليه : بأنّ المقارنة والتحصّص إن اُخذت على نحو القيدية فقد عاد الإشكال ودخلت الشرائط تحت المسمّى ، وإن اُخذت على سبيل الحينية فما وجه الامتياز بين هذه الحصّة وغيرها في عالم التصوّر ؟ وما الدليل على انحصار صدقها على المقترنة فقط ، دون الفاقدة ، بعد الاعتراف بوضع اللفظ للطبيعة المطلقة ، من دون أخذ قيد فيها ؟

ثمّ إنّ بعضهم لمّا رأى التفريط في الرأي المتقدّم عدل عنه ، وأخذ برأي متوسّط ، وأدخل من الشرائط ما كان مأخوذاً بالفعل في المأمور به ، دون ما يأتي من قِبل الأمر ، ودون الشرائط العقلية التي يمكن أخذها . ولكنّه جوّز ادخال ذلك كلّه في محلّ النزاع ، وإن لم يكن داخلا بالفعل(2) . خلافاً لمن ادّعى عدم إمكانه رأساً ; نظراً إلى أنّ تعيين المسمّى مقدّم على الأمر المتقدّم على قصده وقصد وجهه ، وكذلك مقدّم على ابتلائه بالضدّ أو تعلّق النهي به ، فلا يمكن أخذ ما يأتي من قبله في الموضوع له(3) ، انتهى .

ولكن الحقّ : إمكان دخول الجميع في النزاع : أ مّا على القول بإمكان أخذ ما لا يأتي إلاّ من قبل الأمر في المتعلّق فواضح ، وأ مّا على الامتناع فلجواز دعوى كون المسمّى غير ما يتعلّق به الطلب . ولزوم تقدّم المسمّى على الطلب لا  دليل عليه .

إن قلت : يلزم حينئذ اللغوية في التسمية ; لأ نّها مقدّمة للبعث إليها .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 111 .
2 ـ نفس المصدر 1 : 112 ـ 113 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 60 ـ 61 .


(100)

قلت : الكلام إنّما هو في الإمكان العقلي ، لا في الوقوع ، هذا بحسب الثبوت .

وأ مّا بحسب الإثبات : فالشواهد على ما ادّعيناه لائحة متى تفحّصت استدلالات القوم ; حيث ترى : أنّ الأعمّي يسوق برهانه بأ نّه يلزم على قول الخصم تكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلّقة بها ; لأنّ الأمر ـ حينئذ ـ يرجع إلى الأمر بالمطلوب ، فيكون المعنى طلب مطلوبه ويلزم الدور ; لتوقّف الصحّة على الطلب وهو عليها ، فراجع «الفصول»(1) ، وتجد أنّ المطلوب منها هو التامّ ; جزءً وشرطاً ، وترى الصحيحي لم يستشكل عليه بكون النزاع في غير هذه الشرائط .

ويشهد له أيضاً : قول المحقّق الخراساني في استدلاله بأنّ وحدة الأثر كاشفة عن وحدة المؤثّر ; فإنّ الأثر مترتّب على تامّ الأجزاء والشرائط مطلقاً(2) . وحمل كلامه على المؤثّر الاقتضائي أو التعليقي أو بعض المؤثّر تعسّف ظاهر .

هذا ، ولكن بعد ما عرفت من أنّ الموضوع له ليس عنواني الصحيح والأعمّ يمكن أن يقال : إنّ الشرائط ليست على سنخ واحد ، بل بعضها من قيود المسمّى ; بحيث ينحلّ المسمّى إلى أجزاء وتقيّدات ، وبعضها الآخر من شروط تحقّق المسمّى خارجاً ولا دخالة له في الماهية ، أو من موانع تحقّقه في الخارج ، من دون أن يكون عدمه دخيلا في الماهية أيضاً .

ولا يبعد أن يكون ما يأتي من قبل الأمر من شروط التحقّق ، كما أنّ الشرائط العقلية ـ مثل عدم ابتلائه بالضدّ وعدم كونه منهياً عنه ـ من قبيل نفي موانع التحقّق ، فهما غير داخلين في الماهية ، وخارجان عن محلّ البحث والنزاع .


1 ـ الفصول الغروية : 48 / السطر14 .
2 ـ كفاية الاُصول : 39 .


(101)

ففي الحقيقة النزاع يرجع إلى أنّ الشروط أيّها من شرائط المسمّى ; بحيث لايصدق على الفاقد ، وأيّها من شروط الصحّة والتحقّق حتّى يصدق على فاقدها ، هذا بالنسبة إلى الشرائط .

وأ مّا الأجزاء : فيقع النزاع فيها في أنّ جميعها من مقوّمات ماهية المسمّى أو بعضها خارج عنها ، ويكون من أجزائه إذا فرض تحقّقه في الخارج ، كالأجزاء المستحبّة ، بناءً على كونها توابع الموجود ، من غير أخذها في مقوّمات الماهية ، فتدبّر ، وسيجيء للكلام تتميم(1) ، والمسألة بعد لاتخلو من غموض وإشكال .

الرابع : في لزوم تصوير الجامع

أ نّه لابدّ من تصوير جامع على كلا الرأيين ; فإنّ الثمرة المعروفة ـ  أعني جواز التمسّك بالإطلاق وعدمه ـ تتوقّف عليه لا محالة ، مضافاً إلى اتّفاقهم على عموم الوضع والموضوع له ، وعدم تعدّد الأوضاع بالاشتراك اللفظي .

فنقول : إنّ هناك بيانات في تصوير الجامع :

منها : ما عن المحقّق الخراساني من أ نّه لا إشكال في إمكان تصويره على القول بالصحيح ، وإمكان الإشارة إليه بخواصّه وآثاره ; فإنّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثّر الكلّ فيه بذلك الجامع ، فيصحّ تصوير المسمّى بالصلاة مثلا بالناهية عن الفحشاء وما هو معراج المؤمن(2) ، انتهى .

وما أظنّك إذا تأمّلت في عبائر كتابه أن تنسب إليه أ نّه قائل بأنّ الصلاة


1 ـ يأتي في الصفحة 127 .
2 ـ كفاية الاُصول : 39 .


(102)

موضوعة لنفس الأثر أو للمقيّد به ، أو للمقيّد بالملاكات ; سيّما بعد تصريحه بأنّ الأثر إنّما يشار به إليه ، لا أ نّه الموضوع له .

وبذلك يظهر الخلل فيما أورده عليه بعض الأعاظم : من أنّ الملاكات إنّما تكون من باب الدواعي لا المسبّبات التوليدية ، وليست الصلاة بنفسها علّة تامّة لمعراج المؤمن ، بل تحتاج إلى مقدّمات اُخر ; من تصفية الملائكة وغيرها .

فحينئذ : لايصحّ التكليف بها لابنفسها ، ولا بأخذها قيداً لمتعلّق التكليف ; إذ يعتبر في المكلّف به كونه مقدوراً عليه بتمام قيوده ، وعليه لايصحّ أن تكون هي الجامع بين الأفراد أو كاشفاً عنه ; إذ الكاشف والمعرّف يعتبر فيه أن يكون ملازماً للمعرَّف بوجه(1) ، انتهى .

وأنت خبير : بأنّ الشيء إذا كان علّة لحصول أثر وحداني ، أو كان الأثر الوحداني قائماً به لابأس بوضع اللفظ لذات ذاك المؤثّر أو ما قام به الأثر ، ويمكن الإشارة إليهما بالأثر والملاك ، ويتعلّق التكليف بذاته من دون تقييده بالملاك والأثر .

هذا ، مضافاً إلى أ نّه لو فرضناه قيداً للمأمور به يمكن تحصيله ، ولايلزم منه التكليف بغير المقدور ; لما نعلم من تعقّب هذه الأركان بتصفية الملائكة وشبهها ، فلا مانع لنا من تحصيل هذا القيد أيضاً .

نعم ، الذي يرد على ما ذكر ـ  من تصوير الجامع بالبيان المذكور  ـ أ نّه
لوصحّ فإنّما يصحّ في الواحد البحت البسيط الذي ليس فيه رائحة التركيب ـ  تبعاً لبرهانها الذي يعرفـه أهل الفنّ(2) ـ لا في الواحد الاعتباري ، على أنّ أثر الصلاة


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 72 .
2 ـ شرح الإشارات 3 : 122 ـ 127 ، القبسات : 351 ـ 372 ، الحكمة المتعالية 2 : 204 .


(103)

بناءً على ما ذكره كثير ; إذ كونها ناهية عن الفحشاء غير كونها عمود الدين وهكذا ، فلو كان الكلّ صادراً عنها لزم أن يكون فيه حيثيات متكثّرة حسب تكثّر تلك الآثار ، مع بُعد التزامهم بجامع هذا حاله .

بل يمكن أن يقال : إنّه لا معنى لنهيها عن الفحشاء إلاّ كونها مانعة ودافعة عنها ، ومن المعلوم أنّ الفحشاء له أقسام وأنواع ، فإذن لابدّ أن تكون فيها حيثيات تكون بكلّ حيثية ناهية عن بعضها .

ودعوى : أنّ ذكر هذه الآثار في كلام الشارع من قبيل التفنّن في العبارة ، وإلاّ فالجميع يرجع إلى معنى واحد ، ويشير إلى شيء فارد ، وهو الكمال الحاصل للمصلّي بسبب عمله القربي(1) ، تخرّص على الغيب .

ومنها : ما عن بعض محقّقي العصر ; وهو أنّ الجامع لاينحصر في العنواني حتّى لا يلتزم به أحد ، ولا في المقولي حتى يقال بأنّ الصلاة مركّبة من مقولات مختلفة وهي متباينات ، ولا جامع فوق الأجناس العالية ، بل هناك جامع آخر ; وهو مرتبة خاصّة من الوجود الجامع بين تلك المقولات المتباينة الماهية . فتكون الصلاة أمراً بسيطاً خاصّاً يصدق على القليل والكثير ; لكون ما به الاشتراك عين ما به الامتياز ; فإنّ الوجود اُخذ لا بشرط .

إلى أن قال : إن قلت : بناءً على هذا يكون مفهوم الصلاة ـ مثلا ـ هو تلك الحصّة من الوجود الساري في المقولات المزبورة ، وهو فاسد .

قلت : مفهوم الصلاة ـ كسائر مفاهيم الألفاظ ـ منتزع من مطابق خارجي ، ولكن عند التحليل نقول : إنّه هو الحصّة الخاصّة المقترنة بالمقولات الخاصّة ، نحو


1 ـ نهاية الأفكار 1 : 84 ـ 85 ، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 118  ـ  119 .


(104)

مفهوم المشتقّ فإنّه بسيط ، ولكنّه عند التحليل يقال : إنّه مركّب من ذات وحدث .

فاتّضح : أنّ هناك جامعاً لا ماهوياً ولا عنوانياً ، وهو مرتبة خاصّة من الوجود الساري في جملة من المقولات(1) ، انتهى كلامه ـ قدس سره ـ  .

وفيه غرائب من الكلام ، ويرد عليه اُمور :

منها : أنّ الحصّة الخارجية لايمكن أن تنطبق على الأفراد ; انطباق الكلّي على أفراده .

ومنها : أنّ الوجود الخارجي كيف صار وجود المقولات المختلفة بالذات ، وما معنى هذا السريان المذكور في كلامه ؟ ثمّ إنّ الوجود الخارجي إذا كان جامعاً ومسمّى بالصلاة فلازمه تعلّق الأمر إمّا به أو بغيره ، وفسادهما لايحتاج إلى البيان .

ومنها : أنّ ما ذكره أخيراً من أنّ مفهومها ـ كسائر المفاهيم ـ منتزع عن مطابقه الخارجي يناقض ما جعله جامعاً من الحصّة الخارجية أو الوجود السعي .

وإن أراد من الحصّة الخارجية الكلّي المقيّد على وجه التسامح يصير أسوأ حالا من سابقه ; لأنّ الكلّي المقيّد يكون من سنخ المفاهيم ، فيكون مفهوم الصلاة مساوقاً لمفهوم الوجود المقيّد الذي لا ينطبق إلاّ على تلك المقولات الخاصّة ، وهو لايلتزم بذلك . أضف إليه : أنّ الجامع يصير عنوانياً ، مع أ نّه بصدد الفرار عنه .

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ قاس الجامع في الصلاة بالكلمة والكلام ; حيث قال : إنّ الجامع بين أفرادهما عبارة عن المركّب من جزئين ، على نحو يكون ذلك المعنى المركّب بشرط شيء من طرف القلّة ولا بشرط من طرف الزيادة ، كذلك حال الجامع بين أفراد الصلاة ، انتهى .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 116 ـ 118 .


(105)

وأنت خبير : بأ نّه أيضاً لايغني شيئاً ; إذ صدق الكلمة على المختلفات ليس إلاّ لكونها عبارة عن لفظ موضوع لمعنى مفرد ، وهو صادق على الجميع ; حتّى البسائط من الكلمات ، لا لما ذكره ـ قدس سره ـ من أخذها لا بشرط من جانب الكثرة وبشرط لا من جانب القلّة . وبالجملة : لا أرى لكلامه وجهاً صحيحاً . ولعلّ غموض المسألة وصعوبة تصوير الجامع دعاه إلى هذه التكلّفات ، أو قرع سمعه اصطلاح بعض في الوجود الساري ، فاشتهى إيراده في المقام ، مع كونه أجنبياً منه .

ومنها : ما أفاده بعض الأعيان من المحقّقين ، ومحصّله : أنّ سنخ المعاني والماهيات على عكس الوجود ; كلّما كان الإبهام فيها أكثر كان الشمول والإطلاق فيها أوفر ، فإن كانت الماهيات من الحقائق كان الإبهام فيها بلحاظ الطوارئ والعوارض مع حفظ نفسها ، وإن كانت من الاُمور المؤتلفة من عدّة اُمور ; بحيث تزيد وتنقص كمّاً وكيفاً فمقتضى الوضع لها ; بحيث يعمّها أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام ، بمعرّفية بعض العناوين غير المنفكّة عنها كالخمر ; فهي مبهمة من حيث اتّخاذها من الموادّ المختلفة من العنب والتمر ، ومن حيث اللون والطعم ومرتبة الإسكار ، فلا يمكن وضعها للمايع الخاصّ إلاّ بمعرّفية المسكرية ، من دون لحاظ الخصوصية تفصيلا .

وفي مثل الصلاة ـ مع اختلاف الشديد بين مراتبها ـ لابدّ أن يوضع لفظها لسنخ عمل معرّفه النهي عن الفحشاء والمنكر ، بل العرف لاينتقلون من سماعها إلاّ إلى سنخ عمل مبهم من جميع الجهات ، إلاّ من حيث كونه مطلوباً في الأوقات المعلومة ، وهذا غير النكرة ; فإنّه لم يؤخذ فيها خصوصية البدلية(1) ، انتهى .


1 ـ نهاية الدراية 1 : 101 ـ 102 .


(106)

وفيه ـ بعد تسليم تعاكس المعاني والوجودات في الإطلاق والشمول ، مع غمض النظر عمّا يتوجّه إليه ـ : أ نّه على أيّ حال لابدّ للصلاة من جامع متواط يصدق على أفراده ، ويكون أمراً متعيّناً متحصّلا في مقام تجوهر ذاتها ، يعرضه الإبهام بلحاظ الطوارئ والعوارض ، وإلاّ لزم أن يكون من قبيل الفرد المردّد ممّا دخل الإبهام في حدّ ذاته ومرتبة تحصّله ، وقد فرّ منه ـ قدس سره ـ  .

فحينئذ هذا الأمر الذي يسمّى جامعاً : إمّا يكون من العناوين الخارجية أو مـن المقولات ، وكلاهما فاسدان كمالايخفى .

مع أ نّه لم تنحلّ العقدة بما ذكره ، بل أوكل الأمر إلى معنى مبهم وأمر مجهول . بل الظاهر : أنّ كلامه لايخلو عـن مصادرة ، فتدبّر .

وبالجملة : أنّ ماهية الصلاة تقال على أفرادها بالتواطؤ ، فلابدّ لها من جامع صادق عليها ; بحيث يكون أمراً متعيّناً في حدّ ذاته ـ ولو بالاعتبار ـ ويكون عروض الإبهام له بلحاظ الطوارئ والعوارض ; لوضوح أنّ الإبهام في نفس الذات لايتصوّر إلاّ في الفرد المردّد ، وقد عرفت أ نّه ـ قدس سره ـ قد فرّ منه . فحينئذ : إمّا يقول بأ نّه جامع عنواني خارجي أو مقولي ، وقد علمت فسادهما .

المختار في تصوير الجامع

وأ مّا المختار : فيتوقّف بيانه على تقديم مقدّمة : وهي أنّ محطّ البحث للأعلام إنّما هو تصوير جامع كلّي قابل الانطباق على الأفراد المختلفة ـ كيفاً وكمّاً  ـ فحينئذ مرتبة فرض الجامع متقدّمة على مرتبة عروض الصحّة والفساد عليه ; لما عرفت سابقاً(1)  من أ نّهما من عوارض وجود العبادات خارجاً .


1 ـ تقدّم في الصفحة 96 .


(107)

وتوهّم كونهما من الاُمور الإضافية ; بحيث يجوز أن تكون ماهية صحيحة من حيثية وفاسدة من اُخرى(1) ، كما ترى ! بل هما من الاُمور المتضادّة وبينهما تقابل التضادّ ، كما مرّ(2) .

نعم ، ربّما تكون ماهية موجودة من الطبائع الحقيقية بعضها فاسد بقول مطلق وبعضها صحيح كذلك ، وذلك مثل البطّيخ الذي فسد نصفه وبقي الآخر صحيحاً ، ولكن الصلاة إذا فقد بعض أجزائها أو شرائطها لا تتّصف بالصحّة والفساد ; لابهذا المعنى ولا بالمعنى الإضافي ، بل هذه الصلاة الموجودة مع فقدان بعض شروطها أو وجود بعض موانعها فرد من الصلاة عرضها الفساد فقط في الخارج وليست بصحيحة ، كما أ نّها لاتكون صحيحة من جهة وفاسدة من اُخرى ، ولا صحيحة في النصف وفاسدة في النصف الآخر .

ومن ذلك يظهر لك : أنّ بعض ما هو من الشرائط ويكون دخيلا في اتّصافها بالصحّة خارجاً غير داخل في محطّ البحث ; لما عرفت من أنّ البحث في المرتبة المتقدّمة على الوجود الخارجي وما يعرضه من الصحّة ومقابلها .

وعلى هذا : لا مناص عن الاعتراف بكون الموضوع له أمراً ينطبق على مقالـة الأعمّي ; لما علمت من أنّ الماهية التي وضعت لها لفظة الصلاة إذا وجدت في الخارج ـ مجرّدة عن تلك الشرائط التي عرفت خروجها عن الموضوع له ـ تتّصف لا محالة بالفساد ، ولايمكن اتّصافها بالصحّة في هذا الحال ، فلا تكون الماهية الموضوع لها الصلاة متّصفة في الخارج بالصحّة دائماً ، وهذا بعينه مقالة


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 60 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 96 .


(108)

الأعمّي ; وإن كان لفظه قاصراً عن إفادته .

وقد تقدّم(1) : أنّ النزاع ليس في وضع هذه الألفاظ لمفهومي الصحيح والأعمّ ، ولا للماهية المتقيّدة بمفهوم الصحّة ، بل لايمكن الوضع لماهية ملازمة لها ; لأنّ مفهوم الصحّة وحقيقتها غير لازمين للماهية ; لأ نّها من عوارض الوجود ، كما أ نّه لايمكن وضعها لماهية إذا وجدت في الخارج كانت صحيحة ; لما عرفت آنفاً من خروج بعض شروط الصحّة من حريم النزاع .

فظهر من ذلك كلّه : أنّ الماهية الموضوع لها الصلاة لاتكون ملازمة للصحّة ، وكذلك سائر ما أشبهها ، فلا مجال حينئذ للنزاع إلاّ مع إلغاء عنواني الصحيح والأعمّ ، ويقال : هل الألفاظ موضوعة لماهية تامّة الأجزاء والشرائط الكذائية أو ما هو ملازم لها ، أو لا . ولعلّ نظر القوم ذلك ، لكن تخلّل الصحيح والأعمّ لسهولة التعبير ، فتدبّر .

وإذ قد عرفت ذلك فاعلم : أنّ المركّبات الاعتبارية إذا اشتملت على هيئة ومادّة يمكن أن يؤخذ كلّ منهما في مقام الوضع لا بشرط ، لا بمعنى لحاظه كذلك ; فإنّه ينافي اللابشرطية ، بل بمعنى عدم اللحاظ في مقام التسمية إلاّ للمادّة والهيئة بعرضهما العريض ، وذلك كالمخترعات من الصنائع المستحدثة ; فإنّ مخترعها بعد أن أحكمها من موادّ مختلفة وألّفها على هيئة خاصّة وضع لها اسم الطيّارة أو السيّارة أو ما أشبههما ، ولكن أخذ كلاّ من موادّها وهيئاتها لا بشرط .

ولـذا ترى : أنّ تكامل الصنعة كثيراً ما يوجب تغييراً في مـوادّها أو تبديلا في شأن من شؤون هيئتها ، ومع ذلك يطلق عليها اسمها كما فـي السابق ، وليس


1 ـ تقدّم في الصفحة 95 .


(109)

ذلك إلاّ لأخذ الهيئة والمادّة لا بشرط ; أي عدم لحاظ مادّة وهيئة خاصّة فيها .

توضيح الكلام : أنّ المركّبات الاعتبارية على قسمين :

قسم يكون الملحوظ فيه كثرة معيّنة كالعشرة ; فإنّها واحدة في قبال العشرين والثلاثين ، لكن لوحظ فيها كثرة معيّنة ; بحيث تنعدم بفقدان واحد منها ، فلا يقال للتسعة عشرة .

وقسم آخر يكون فيه قوام الوجود الاعتباري بهيئته وصورته العرضية ، ولم يلحظ فيه كثرة معيّنة في ناحية المادّة ; بحيث مادام هيئتها وصورتها العرضية موجودة يطلق عليها اللفظ الموضوع ; وإن تقلّل موادّها أو تكثّرت أو تبدّلت .

وإن شئت قلت : إنّ الهيئة قد ابتلعت هذه الموادّ والأجزاء وصارت مقصودة في اللحاظ ، كما في مثال السيّارة بالنسبة إلى هيئتها القائمة بأجزائها ، هذا حال المادّة . وأ مّا الهيئة فقد تلاحظ بنحو التعيّن واُخرى بنحو اللابشرط ، مثل مادّتها بعرضها العريض ، كما مرّ .

والحاصل : أنّ المركّبات غير الحقيقية قد تؤخذ موادّها فانية في هيئاتها ويقصر النظر إلى الهيئات ، ومع ذلك تؤخذ الهيئة أيضاً لابشرط ، وذلك مثل الدار والسيّارة والبيت ونحوها التي يشار إليها بلفظ واحد جامع عرضي بين أفرادها ، بعد فقدان الجامع الحقيقي المؤلّف من الجنس والفصل فيها .

وبالجملة : لايمكن الإشارة إلى الجامع بينها إلاّ بعناوين عرضية ، كالعبادة الخاصّة في الصلاة والمركوب الخاصّ أو المسكن الخاصّ في مثل السيّارة والدار والبيت ; فإذن البيت بيت ; سواء اُخذ موادّه من الحجر والطين أو من الجصّ والخزف ، بنى على هيئة المربّع أو المثلّث أو غيرهما ; إذ الواضع وضع هذا اللفظ


(110)

لهيئة مخصوصة تكون الموادّ فانية فيها ، ومع ذلك لم يلحظ الهيئة أيضاً معيّنة من جميع الجهات .

إذا عرفت هذا فنقول : إنّه لامنع عن القول بكون الصلاة وأضرابها موضوعة لنفس الهيئة اللابشرطية الموجودة في الفرائض والنوافل ; قصرها وتمامها ، وما وجب على الصحيح والمريض بأقسامها ، إلاّ بعض المراتب التي لاتكون صلاة ، كصلاة الغرقى .

والحاصل : أ نّها وضعت لهيئة خاصّة مأخوذة على النحو اللابشرط فانية فيها موادّها الخاصّة ـ من ذكر وقرآن وركوع وسجود ـ تصدق على الميسور من كلّ واحد منها وهيئتها صورة اتّصالية خاصّة حافظة لمادّتها ، اُخذت لا بشرط في بعض الجهات .

نعم ، فرق بينها وبين ما تقدّم من الأمثلة كالدار والسيّارة ; حيث إنّه في المقام نحو تضييق في الموادّ من التكبير إلى التسليم ، إلاّ أ نّه مع ذلك التحديد لها عرض عريض ; إذ كلّ واحد من أجزاء موادّها مثل الركوع والسجود جزء بعرضه العريض ، ولكن الغرض متوجّه إلى الهيئة الخضوعية التي تصدق على فاقد الحمد والتشهّد وغيرها من الأجزاء ، مع بقاء ما يحفظ به صورتها .

ثمّ بعد ما أسمعناك حقيقة الوضع في المركّبات الاعتبارية تعرف : أنّ الشرائط كلّها خارجة عن الماهية ، وأ نّها عبارة عن الهيئة الخاصّة الحالّة في أجزاء خاصّة تتّحد معها ; اتّحاد الصورة مع المادّة ، كما أنّ عنواني الصحيح والأعمّ خارجان عن الموضوع له رأساً .


(111)

الخامس : في الثمرة بين القولين

الاُولى : جريان أصل البراءة

لعلّك تتوهّم من هذا البيان أ نّه يلزم عليه عدم إمكان التمسّك بالبراءة عند الشكّ في جزئية شيء للمأمور به ; إذ نسبة الأجزاء إلى الهيئة نسبة المحصِّل إلى المحصَّل ، والشكّ في دخالة شيء في المادّة يرجع إلى الشكّ في محقّق الهيئة البسيطة المعلومة ; من حيث المفهوم .

ولكنّك إذا نظرت إليه بعين الدقّة ترى سقوط التوهّم المذكور ; إذ فرق بين القول بأنّ الصلاة ـ مثلا ـ موضوعة للناهية عن الفحشاء والمنكر أو ما يكون ملزوم ذلك ، وبين ما ذكرنا ; إذ الهيئة الخضوعية والصلاتية مشاهدة معلومة لأفراد المسلمين ومرتكزة لأهل القبلة ، لايشكّ فيها العاكف والبادئ ، والمسمّى محقّق ولو عند فقدان ما يشكّ في وجوبه بل وعند فقدان بعض ما يعلم وجوبه أيضاً .

فحينئذ : الشكّ لايرجع إلى الشكّ في تحقّق المسمّى بل إلى شرطية شيء أو جزئيته للمأمور به ; زائداً على ما يتحقّق به المسمّى .

وإن شئت قلت : إنّ المأمور به هو الهيئة الوحدانية الحاصلة من تلك الموادّ ، من دون أن يتعلّق النظر إلى الكثرات والموادّ ، وهي متّحدة معها اتّحاد الصورة مع المادّة وليس هنا من المحصِّل والمحصَّل عين ولا أثر .

فعند ذلك إذا تعلّق الأمر بتلك الهيئة التي اتّخذت لنفسها حقيقة وحدانية يكون ذلك بعثاً إلى الأجزاء والموادّ التي تنحلّ الماهية إليها ; إذ الأمر بإيجاد صورة


(112)

البيت أو بناء المسجد عند التحليل أمر وبعث إلى تهيئة أجزائها بهيئة معلومة ، من دون تعلّق الأمر مستقلاّ بتلك الموادّ ، ولا الأمر الضمني والمقدّمي ـ على القول بهما ـ فالأمر بالواحد أمر بالكثرات عند التحليل .

فإذا شكّ في نظر الانحلال إلى جزئية شيء أو شرطيته للمأمور به يرجع ذلك إلى أصل تعلّق الأمر به في لحاظ الكثرة ، بعد العلم بتعلّقه بسائرها .

وإن أبيت إلاّ عن القول بكون الموادّ من المحصّلات للهيئات ، فيجاب بإمكان إجراء البراءة في نفس الهيئة البسيطة الموجودة في الخارج بوجود أجزائه القابلة للزيادة والنقيصة ، كما في مثل الخطّ إذا شكّ في كون الواجب منه مطلق وجوده الذي يصدق على الطويل والقصير ، والقليل والكثير ، أو مقداراً خاصّاً منه ، فتجري البراءة بالنسبة إلى الخصوصية المشكوكة .

والحاصل : أنّ الشيء المشكوك فيه بما له دخل في زيادة الهيئة ـ كمّية وكيفية ـ يكون مرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في خصوصية زائدة على أصل المسمّى لما هو المفروض من صدقه بدونه .

وأ مّا على ما ذكره المحقّق الخراساني في مقام تصوير الجامع(1) : فالظاهر عدم إمكان إجراء البراءة ـ وإن قلنا باتّحاد الأمر الانتزاعي مع الأجزاء خارجاً  ـ بل لافرق بين اختيار كون المأمور به هو عنوان معراج المؤمن والقول بأ نّه الأمر البسيط الذي يكون مبدأ لهذا الأثر ، وسواء قيل بتقييد المأمور به ، به أم لا .

توضيـح ذلك : أنّ حـديث الانحلال إلى معلـوم ومشكوك إنّمايصـحّ فـي صورتين :


1 ـ كفاية الاُصول : 39 .


(113)

الأوّل : أن لم يتعلّق الأمر بعنوان معلوم وإن كانت معلوميّته مستندة إلى أنّه مبدأ لأثر خاص .

الثاني : أن تعلّق الأمر بعنوان معلوم لكن كان العنوان مشيراً لاقيداً ، وأمّافي غير هاتين الصورتين لايصّح الانحلال لتعلّق الأمربشيء بسيط معلوم بوجه ، فلابدّ من تحصيل اليقين بالفراغ منه . والشكّ في جزء منه يكون راجعاً إلى الشكّ في تحقّق ذلك المعلوم وجوبه ، فلابدّ من الإتيان به ; لاحتمال أن لايكون المأتي بدونه عين ما قامت عليه الحجّة وتعلّق به العلم تفصيلا .

والعجب ممّا صدر عن بعض القائلين بالصحيح من جريان الأصل هنا على مبناه أيضاً ، وأنكر بذلك جعل القول بجريان البراءة والاشتغال ثمرة لهذا النزاع .

وملخّص ما أفاده : أنّ المأمور به إذا كان بسيطاً ذا مراتب يتحقّق بعض مراتبه بتحقّق بعض الاُمور المحصّلة له ; فإن شكّ في دخالة شيء آخر في تحقّق مرتبته العليا لكان مورداً للبراءة(1) .

توضيح خلله : أ نّك قد عرفت أنّ أحسن ما يمكن أن يوجّه به مقالة القائل بالصحيح أن يقال : إنّ الألفاظ وضعت لماهية إذا وجدت في الخارج انطبق عليها عنوان الصحيح بالحمل الشائع . فحينئذ لابدّ أن يكون الموضوع له عنواناً يلازم الصحّة خارجاً ، وعند ذلك إذا وقع العنوان الملازم للصحّة مورداً للأمر يكون الشكّ في جزئية شيء له أو شرطيته راجعاً إلى الشكّ في تحقّق ذلك العنوان الملازم للصحّة ، ويكون المرجع هو الاشتغال ، بعد معلومية المأمور به .

ولا يتفاوت في ذلك كون العنوان البسيط قابلا للنقص والكمال ، أو الزيادة


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 123 ـ 124 .


(114)

والنقصان وعدمه ; لأنّ الشكّ في جميع الحالات راجع إلى تحقّق المتعلّق المعلوم كونه ملازماً للصحّة خارجاً ، ومع ذلك لايمكن إحراز حال الفرد .

وما ذكره : من أنّ الشكّ إنّما هو في دخل شيء في مرتبته العليا مع تحقّق المسمّى المأمور بـه بدونه ، عدول عن المبنى ; لأنّ الشكّ إنّما هو في دخالة شيء في تحقّق أصل العنوان المأمور به ، لافيما إذا علم به وشكّ فيما يوجب الزيادة والفضيلة فيه .

والحاصل : أنّ مراده من العلم بتحقّق بعض المراتب : إن كان ما يلازم الصحّة في الخارج فلا معنى للشكّ في دخالة شيء فيه بعد ذلك ; للعلم بأ نّه غير واجب . وإن كان الغرض تحقّق بعض مراتبه مع الشكّ في صحّته فهذا عين القول بالأعمّ .

نعم ، لو فسّرنا مقالة الصحيحي بأ نّها موضوعة بإزاء الماهية الجامعة للشرائط والأجزاء ، وأنّ إطلاقها على غيرها مجاز ، أو فسّرناها بالصحّة الشأنية كان لجريان البراءة وجه ، إلاّ أنّ الأوّل بعيد مع كثرة الاستعمالات في الأخبار في غيرها مضافاً إلى أنّ التبادر يدفعه والثاني عين القول بالأعمّ .

والحاصل : أنّ القائل بالصحيح لو جعل الجامع عنواناً بسيطاً معلوماً بأحد العناوين والإشارات لما كان له مناص عن القول بالاشتغال .

الثمرة الثانية : التمسّك بالإطلاق

هذا ، وقد يترتّب على هذا النزاع ثمرة اُخرى : وهي صحّة التمسّك بالإطلاق على الأعمّ دون الصحيح .

وضعّفها بعضهم بفقدان الصغرى ، وأ نّـه ليس في الكتاب والسنّـة إطلاق


(115)

يحتجّ بـه(1) . وزيّفها بعض آخـر بأ نّه تكفي الثمرة الفرضيـة في هـذا البحث الطويل الذيل(2) .

ونقده ثالث من جانب آخر : بأنّ المسمّى وإن كان أعمّ على الفرض إلاّ أنّ المأمور به هو الصحيح على القولين ، والأخذ بالإطلاق بعد التقييد أخذ بالشبهة المصداقية(3) .

ولكن لايخفى ما في جميع ذلك : إذ كيف ينكر الفقيه المتتبّع في الأبواب وجود الإطلاق فيها ؟ أم كيف يرتضى المجيب رمي الأكابر بصرف العمر فيما لا طائل تحته ؟ وأنّ الثالث كيف اشتبه عليه الأمر ؟ إذ البعث لم يتعلّق بعنوان الصحيح أو ما يلازمه ، بل تعلّق بنفس العناوين على الأعمّ . فإذا ثبت كونها في مقام البيان أخذنا بإطلاقها ما لم يرد لها مقيّد ، ووجود قيد منفصل لايكشف عن بطلان الإطلاق الدائر بين الأدلّة ، كما لايخفى .

وأ مّا ما قد يجاب به عن هذا الإشكال : من أنّ المخصّص لبّي غير ارتكازي ، وفي مثله يصحّ التمسّك بالإطلاق والعموم في الشبهة المصداقية(4) ، أضعف من أصل الإشكال ; لما ستعرف من أ نّه بعد سقوط أصالة الجدّ لدى العقلاء في أفراد المخصّص لايحتجّ بالعامّ لديهم في الأفراد المشكوكة ، ولا فرق عندهم في ذلك بين اللفظي وغيره ، فانتظر حتّى حين .


1 ـ مطارح الأنظار : 10 / السطر25 ، نهاية الأفكار 1 : 96 .
2 ـ أجود التقريرات 1 : 45 ، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 129 .
3 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 130 .
4 ـ نفس المصدر .


(116)

في الاستدلال للصحيحي والأعمّي

استدلال الصحيحي والأعمّي بالتبادر

وإذ قد عرفت ما تقدّم فاعلم : أ نّه قد ادّعى غير واحد من القوم التبادر للمعنى الذي اختاره .

وارتضاه المحقّق الخراساني لما استقربه من القول بالصحيح(1) . ولكن يرد على ما ادّعاه إشكال ، حاصله : أنّ للماهية في وعاء تقرّرها تقدّماً على لوازمها على الوجود الذي هو مظهر لها ، كما أ نّها متقدّمة على لوازم الوجود بمرتبتين ; لتوسّط الوجود بينها وبين لوازم الوجود .

وإذا أضفت ذلك إلى ما قد علمت سابقاً من أنّ النهي عن الفحشاء وكونها معراج المؤمن وما أشبههما من لوازم الوجود لامن آثار الماهية ; لعدم كونها منشأً لتلك الآثار في حدّ نفسها ، تعرف أ نّه لا وجه لهذا التبادر أصلا ; لأنّ تلك العناوين كلّها في مرتبة متأخّرة عن نفس المعنى الماهوي الموضوع له ، بل لو قلنا إنّها من عوارض الماهية أو لوازمها كانت أيضاً متأخّرة عنه . فمع ذلك كيف يمكن دعوى تبادرها من لفظ الصلاة مثلا ؟

و إن شئت توضيحاً لذلك فاعلم : أنّ ما يتبادر عند إطلاق ألفاظ العبادات وغيرها أوّلا هو نفس الماهية ، ثمّ لو لم يكن لها لازم ماهوي ينتقل إلى ما هو مصداقها الخارجي بواسطة الاُنس والممارسة ثانياً ، ثمّ إلى عوارضها الوجودية من


1 ـ كفاية الاُصول : 44 .


(117)

الصحّة والفساد والآثار المطلوبة بواسطة الارتكاز العقلائي أو بيان الشارع ثالثاً .

وحينئذ نقول : إنّ التبادر هو فهم المعنى من ذات اللفظ وحاقّه ، ولا معنى لتبادر شيء لم يوضع له اللفظ ، والانتقال إلى اللوازم الذهنية أو الخارجية الدائمية أو الاتّفاقية إنّما هو بعد تبادر أصل المعنى لأجل الاُنس وغيره ، فإذا كان الموضوع له ماهية بسيطة مجهولة ـ إلاّ من ناحية بعض العناوين المتأخّرة ـ فلابدّ لمدّعي التبادر أن يدّعي تبادر نفس المعنى مقدّماً على فهم تلك العناوين .

وحينئذ : لايعقل أن تكون تلك العناوين معرِّفة للمعنى في ظرف التبادر ; لتأخّر رتبتها عنه إمّا بمرتبتين ، أو بمرتبة واحدة .

وعلى هذا : يبقى الموضوع له مجهول العنوان والحقيقة في وعاء التبادر من جميع الجهات ، وإن كان معروف العنوان وواضح الحقيقة في رتبتين بعده .

والحاصل : أ نّا لا ننكر أنّ الشيء قد يعرَّف بمعاليله وآثاره وعوارضه ـ كما في التعريف بالرسم ; ناقصاً كان أو تامّاً ـ إلاّ أنّ وعاء التبادر وخطور الملزوم فقط من اللفظ مقدّم على تصوّر تلك العناوين ; فضلا عن كونها معرّفة وموضحة للحقائق .

والمعرِّف في ظرف التبادر لابدّ أن يكون واقعاً في رتبة معرَّفه ، وما ذكروه ـ  كلّها  ـ معرّفات بعد رتبة التبادر ، فيصير المعنى في هذه الدرجة مجهولا مطلقاً ، ولا معنى لتبادره . والخلط إنّما نشأ من عدم الفرق بين تبادر المعنى الذي لايتّصف بالصحّة والفساد في مرتبة ذاته ، وبين فهم الاُمور الخارجة عن المعنى ممّا هو من عوارض المصاديق لأجل اُنس الذهن .

والخلاصة : أنّ مدّعي التبادر للصحيح لابدّ أن يتصوّر معنى ويعيّن له عنواناً يساوق الصحيح في ظرف التبادر ; حتّى يدّعي أنّ المتبادر هو الصحيح . وما ذكروه


(118)

وإن كان ممّا يساوقه إلاّ أ نّه ليس ممّا يخطر بباله في وعائه بل بعده برتبتين ، وهذا لا يصحّح أمر التبادر ; إذ للأعمّي أن يدّعي أنّ الصلاة المعرَّفة بهذه العناوين قسم من المسمّى ، فتدبّر جيّداً .

استدلال الصحيحي بصحّة السلب

ومن ذلك يعرف : حال صحّة السلب عن الفاسدة ; إذ لايخلو إمّا أن يصحّ سلب لفظ الصلاة ـ مثلا ـ عن تلك الماهية ، بلا معرّفية هذه العناوين المتأخّرة ، وإمّا بمعونتها :

والأوّل باطل ; إذ هي مع قطع النظر عنها مجهولة الكنه ، غير معلومة المعنى على الفرض ، فكيف يسلب المجهول بما هو مجهول عن شيء ؟ والثاني أيضاً مثله ; إذ تعريفها بهذه الآثار يساوق تقييدها بالصحّة الفعلية ، فيرجع إلى صحّة سلب الصلاة الصحيحة عن الفاسدة ، وهي ممّا لايقبل الإنكار .

والحاصل : أنّ صحّة سلب المعنى بما هو هو ممّا لايمكن الوصول إليه ; للجهل به ، وسلب المعنى بمعرّفية هذه الاُمور ـ بعد فرض كونها معرّفات للصحيح  ـ غير مفيد أصلا .

وتوهّم : أنّ تلك العناوين اُخذت ظرفاً ـ لا قيداً ـ قد مرّ ما فيه ; إذ غاية الأمر عدم أخذها قيداً ، إلاّ أ نّها في هذه الحالة لا تنطبق إلاّ على الصحيح ، ولا فائدة في صحّة سلبها عن الفاسدة .

هذا ، ويمكن تصحيح دعوى التبادر وصحّة السلب ـ إمكاناً لا وقوعاً  ـ بتقريب : أنّ من سبر حال الواضعين من السلف والخلف يجد أنّ المطّرد بينهم هو وضع الألفاظ بمقدار يرفع الحاجة ، ومهما وقفوا على أشياء أو اخترعوا شيئاً من


(119)

الصنائع وغيرها عيّنوا بإزائها ألفاظاً تفيد معانيها عند الإطلاق .

ولم يكن ذلك الوضع منهم حين وقوفهم على حقائق الأشياء بأجناسها وفصولها ; إذ قلّما يتّفق ذلك لبشر ، إلاّ الأوحدي من الفلاسفة وعلماء الطبيعة ، بل كان العرف الساذج ينتقل من بعض المصاديق إلى جامع ارتكازي يصلح أن يكون جامعاً بين الأفراد ; من الصورة النوعية وغيرها ممّا يصلح وقوعه جامعاً .

وقد أيّدت التجربة : أنّ من اخترع سيّارة أو استكشف حيواناً يشير إلى المصنوع والمستكشف الموجودين بين يديه ، ويسمّيه باسم ، لا بما أ نّه اسم لشخص خاصّ في زمانه ومكانه ، بل يشير بالتوجّه إليه إلى نفس الجامع ويضع اللفظ بإزائه بمعرّفية هذا العنوان من غير نظر إلى خصوصيته الشخصية ، بل لجامعه وطبيعته النوعية .

وبذلك يتّضـح : أنّ الوضـع في غالب تلك الموارد مـن قبيل الوضع الخاصّ والموضوع له العامّ ; لكون الملحوظ عند الوضع شيئاً خاصّاً والموضوع لـه أمـراً  عامّاً .

نعم ، لايلزم تصوّر الجامع تفصيلا والعلم بحقيقته ، بل يكفي تصوّره إجمالا وارتكازاً . فعند ذلك يسوغ للصحيحي أن يدّعي : أنّ الصلاة بحسب ارتكاز أهل الشرع يتبادر منها معنى إجمالي ; وهو الجامع الذي لاينطبق إلاّ على الأفراد الصحيحة ، فلا يكون معنى الصلاة مبهماً ومجهولا في ظرف التبادر . وبذلك يندفع الاستحالة التي ذكرناها .

وهـذا وإن كان يصحّح دعـوى تبادر الصحيح بحسب الإمكان العقلي إلاّ أ نّـه بعـد ممنوع وقوعـاً ; لأنّ الإنصاف أنّ مـن اخترع السيّارة وعيّن لفظاً خاصّاً لها لم ينتقل مـن الفرد الموجـود إلاّ إلى نفس الجامـع الارتكازي ، مـن غير لحـاظ


(120)

الخصوصيات مـن الصحّة والفساد .

كما أنّ المتبادر من ألفاظ العبادات هو نفس طبايعها بما هي ، لابما أ نّها ملزومة للّوازم ومعروضة للعوارض ، والمتتبّع في الآثار يجد ذلك في عصر النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وزمان الصادقين ـ عليهما السَّلام ـ  ; عصر نشر الأحكام وفتح بابها بمصراعيها .

استدلال الأعمّي بصحّة نذر ترك الصلاة في الأمكنة المكروهة

قد يستدلّ للقول بالأعمّ : بأ نّه لا إشكال في صحّة النذر بترك الصلاة في الأماكن المكروهة وحنث النذر بفعلها فيها ، ولو كانت موضوعة للصحيحة لزم عدم قدرة المكلّف على مخالفة هذا النذر ، ومعه لايتحقّق الحنث أبداً ، فيلزم من صحّة النذر عدم صحّته(1) .

وأنت خبير بأنّ ما وقع تحت النذر هو الصحيح من الصلاة ; وإن قلنا بمقالة الأعمّي في أصل الوضع ; إذ المكروه في تلك الأمكنة ما هو مكتوب على المكلّفين ، لا الأجزاء الرئيسة ولا الصورة المعهودة ، فيصير الإشكال مشترك الورود .

نعم ، قد يقال بعدم صحّة النذر هنا من جهة اُخرى ; وهي أنّ نسبة الصلاة الواقعة في الحمّام بالنسبة إلى سائر أفرادها كنسبة الصلاة الواقعة في المسجد الجامع مثلا إلى الحرمين ، من دون أن يكون في الفرد الأدنى حزازة في ذاته ، بل غاية ما يتصوّر هنا من معنى الكراهة هو كونها أقلّ ثواباً من غيرها ، ومثل ذلك غير كاف في صحّة النذر بالترك(2) .


1 ـ اُنظر قوانين الاُصول 1 : 51 / السطر4 ، كفاية الاُصول : 48 .
2 ـ نهاية الاُصول : 55 .


(121)

هذا ، ولكن ما ذكر أيضاً غير وجيه ; لأنّ الكراهة لم تتعلّق بذات الصلاة ; كي  يلزم منه هذا المحذور ، بل بإيقاعها في الحمّام مثلا . مضافاً إلى أنّ لازمه اتّصاف الصلوات ـ كلّها ـ مع اختلافها في مراتب المطلوبية بالكراهة ، ما سوى الفرد الأعلى الـذي ليس فوقه فرد آخـر ، وهـو كما ترى . فصحّـة النذر في أمثال المقام ممّا لاغبار عليها .

وهناك أجوبة عن الإشكال :

منها : ما أفاده شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ وتوضيحه : أنّ الأمر المتعلّق بعنوان لايمكن أن يتجاوز عنه ، ويسري إلى الأفراد والخصوصيات ; إذ الأمر بعث إلى الطبيعة ، وهي لا تحكي إلاّ عن نفس مفادها المعرّاة عن كلّ قيد .

فالمأمور به في قوله تعالى : (أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ . . .)(1)  إلى آخر الآية ، ليس إلاّ نفس طبيعة الصلاة من غير لحاظ الخصوصيات فيها ; زمانية كانت أو مكانية من المسجد والحمّام .

وحينئذ : ما تعلّق به النهي التنزيهي ليس عين ما تعلّق به الأمر ، بل هو إنّما تعلّق بالكون الرابط ; وهو وقوعها في الحمّام . وعلى هذا لا مانع من صحّة الصلاة في مفروض البحث ; لأنّ الكراهة والنهي يتعلّقان بإيقاعها في الحمّام أو سائر الأماكن المكروهة ، والمفروض أ نّه قد أوقعها ، فيحنث بذلك .

هذا ، ولايخفى : أنّ أكثر الكلمات الواقعة في المقام ناش من الخلط بين متعلّق أمر الصلاة وبين متعلّق أمر النذر ; فإنّ متعلّق الأوّل وإن كان ذات الصلاة بما هي هي إلاّ أنّ متعلّق الآخر هو عنوان الوفاء في قول الشارع مثلا : «أوفوا بالنذر» ،


1 ـ الإسراء (17) : 78 .


(122)

من غير أن يتجاوز عنه ، نعم المصداق الخارجي لهما واحد .

توضيح ذلك : أنّ الصلاة المنذور تركها في الحمّام لها عناوين ثلاث : عنوان الصلاة ; وهو عنوان ذاتي لها ، كما أنّ الموجود مصداق حقيقي له ، وعنوان كونها في الحمّام ; وهو تحيّثها بأين كذا ووقوعها فيه ، وهذا العنوان عنوان عرضي لنفس الفرد الخارجي ، كما أ نّه مصداق عرضي له ، وعنوان كونها مخالفة للنذر ; وهذا العنوان أيضاً عرضي كمصداقه .

والحاصل : أنّ ما يدخل في جوهره وحقيقته هو الأوّل دون الأخيرين ، بل هما ينتزعان من وقوعه في الخارج في أين مخصوص ، ومن كونه بفعله مخالفة للأمر بالوفاء .

وعلى هذا : لو فرض تعلّق النذر بترك ذات الصلاة وفرض صحّته ـ لا الكون الرابط ـ لايوجب صيرورتها محرّمة ; إذ المحرّم هو عنوان تخلّف النذر المنطبق على الفرد بالعرض ، فتأمّل . كما أنّ الواجب بالذات هو طبيعة الصلاة المنطبقة على الفرد الخارجي بالذات .

ومن هنا ذكرنا في محلّه : أنّ نذر المستحبّات ـ مثل صلاة الليل وغيرها  ـ لايوجب اتّصافها بالوجوب بعناوينها ، بل الواجب هو الوفاء وصلاة الليل ـ  مثلا  ـ باقية على استحبابها(1) ، وسيأتي زيادة توضيح لذلك في بعض المقامات الآتية
إن شاء الله ، فانتظر . وأ مّا غائلة اجتماع البعث والزجر في شيء واحد فيرفعها اختلاف متعلّقيهما في مقام تعلّق الحكم .

هذا كلّه في العبادات .


1 ـ راجع العروة الوثقى 1 : 276 ، الهامش 1 و514 ، الهامش 1 .


(123)

القول في المعاملات

أ مّا المعاملات فيتمّ الكلام فيها برسم اُمور :

الأوّل : عدم جريان النزاع بناءً على وضع الألفاظ للمسبّبات

المعروف عدم جريان النزاع فيها ، بناءً على وضعها للمسبّبات ; لأنّ أمرها دائر بين الوجود والعدم ; إذ الماهيات اُمور اعتبارية متقوّمة بالاعتبار ، فالشرع إن وافق العرف فيها تحقّق المسبّب ، وإن خالفهم ـ كما في نكاح بعض المحارم ، وفي البيع الربوي ـ فلا ; لرجوع مخالفته إلى إعدام الموضوع ونفي الاعتبار .

واعتباره مع نفي جميع الآثار لغو لا معنى له . ولو سلّم جوازه فمخالف لارتكاز المتشرّعة ; لأنّ نكاح المحارم والبيع الربوي غير واقع رأساً عندهم ; فإذن يدور أمر المسبّبات دائماً بين الوجود والعدم .

اللهمّ إلاّ أن يقال : بإطلاق الفاسد عليها باعتبار تحقّقها في محيط أهل العرف فيما كان العرف مساعداً لتحقّقها ، مع عدم ترتّب الآثار عليها في محيط التشريع ; أ مّا مع لحاظ كلّ محيط فالأمر فيه دائر بين الوجود والعدم ، كما ذكرنا . وأ مّا الالتزام بكون المسبّبات اُموراً واقعية كشف عنها الشارع ، وأنّ ردعه يرجع إلى عدم ترتّب الآثار بعد تحقّقها فهو أمر واضح البطلان .

الثاني : في التمسّك بالإطلاق بناءً على كون الأسامي للأسباب الصحيحة

بناءً على أنّ الأسامي موضوعة للصحيح من الأسباب يلزم إجمال الخطاب ; لأنّ الاختلاف بين الشرع والعرف ـ حينئذ ـ يرجع إلى مفهومها لا إلى المصاديق


(124)

فقط ، كما التزم به المحقّق الخراساني(1) ; لأنّ الموضوع له لايكون العقد الصحيح بالحمل الأوّلي ولا الشائع ; لوضوح بطلانهما ـ  كما مرّ نظيره في العبادات(2) ـ فإذن لا محيص عن القول بوضعها لماهية إذا وجدت لا تنطبق إلاّ على الصحيح المؤثّر .

فحينئذ : لابدّ من الالتزام بتضييق دائرة المفهوم حتّى لاينطبق إلاّ عليه ، ولا يعقل رجوع الاختلاف إلى المصداق ، مع الاتّفاق في المفهوم . وبناءً على ذلك يلزم الإجمال في الخطابات وعدم جواز التمسّك بإطلاقاتها .

فمع احتمال دخالة شيء فيها يرجع إلى الشكّ في الموضوع ، ويكون الشبهة مصداقية ، بخلاف ما إذا كان الوضع للأعمّ أو للصحيح عرفاً ; لجواز التمسّك بالإطلاق ـ  حينئذ  ـ بعد إحراز الموضوع ، وبه يرتفع الشكّ عن القيود والشروط المحتملة .

الثالث : في التمسّك بالإطلاق بناءً على كون الأسامي للمسبّبات

ربّما يقال إنّه بناءً على كون الأسامي للمسبّبات لايجوز التمسّك بالإطلاق عند الشكّ ; لأنّ أمر المسبّب دائر بين الوجود والعدم ـ كما تقدّم ـ فالتمسّك بإطلاق أدلّة الإمضاء للمسبّبات المعتبرة عرفاً موقوف على رجوع الأدلّة الرادعة إلى نفي الآثار والخروج تخصيصاً ، لا إلى نفي أصل الاعتبار . لكنّك قد عرفت : أنّ نفي الآثار مع إمضاء أصل الموضوع لغو جدّاً ، بل مخالف لارتكاز أهل الشرع ، فلابدّ من القول برجوع الردع إلى نفي الموضوع وإخراجه تخصّصاً عن أدلّة الإمضاء .


1 ـ كفاية الاُصول : 49 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 95 .


(125)

وحينئذ يشكل التمسّك بالإطلاق ; لصيرورة الشبهة مصداقية .

لا يقال : بناءً على كون الأسامي للمسبّب لانسلّم اختلاف الشرع مع العرف في المفهوم ; ضرورة أنّ مفهوم البيع هو المبادلة المعهودة ، والإجارة هي نقل المنفعة بالعوض ـ  مثلا  ـ عند الشرع والعرف . فحينئذ يرجع الردع إلى عدم اعتبار المصداق وإعدام الموضوع فعدم صدق البيع على الغرري والربوي ليس للتضييق المفهومي ، بل لعدم اعتبار المصداق بعد التخصيص الراجع إلى التخصّص ، فلا مانع من التمسّك بالإطلاق والعموم ; لعدم جواز رفع اليد عن الحجّة إلاّ بالحجّة .

فإنّه يقال : إنّما ينتج التمسّك بالإطلاق إذا لم يكن إجمال في الصدق وانطبق العنوان على المصداق ، ولاريب في أ نّه مع احتمال عدم اعتبار الشارع معاملة خاصّة بكيفية خاصّة يرجع الشكّ إلى الصدق ، فلا ينتج الإطلاق .

وبالجملة : إذا رجع ردع الشارع إلى إعدام الموضوع فمع الشكّ في ردعه يشكّ في تطبيق عنوان البيع المأخوذ في دليل الإمضاء عليه ، وتكون الشبهة مصداقية .

فالتحقيق أن يقال : إنّ الأدلّة الإمضائية ليست إلاّ تصديقاً للمعاني المرتكزة في أذهان أهل العرف ; إذ أعاظم أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  ، بل كلّهم ـ وهم العرب الإقحاح  ـ لم يفهموا من قوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ البَيْعَ)(1) ، ومن قوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  : «الصلح جائز بين المسلمين»(2) ، إلاّ ما كان يفهمون من نظائرهما قبل نزول الوحي ، ولم يكن منطق النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ كمنطق بعضهم مع بعض . فحينئذ : لا تكون أدلّة


1 ـ البقرة (2) : 275 .
2 ـ الفقيه 3 : 20 / 52 ، وسائل الشيعة 18 : 443 ، كتاب الصلح ، الباب 3 ، الحديث 2 .


(126)

الردع إلاّ تخصيصاً حكمياً لا إعداماً للموضوع وإخراجاً تخصّصياً ; إذ الموضوع هو المعنى العرفي .

فإخراج الربوي عنه موضوعاً : إمّا يراد به إخراجه عن محيط العرف وهو باطل ; لرجوعـه إلى إعدام اعتبـار أهل العرف ، وهو ليس في قوّة التشريع ، كما هـو واضح .

وإمّا عن محيط الشرع وهو مسلّم ; لما عرفت من أنّ رفع الحكم عنه يلازم إلغاء موضوعيته دفعاً للّغوية ، لكن هذا المعنى لايوجب إخراجه عن تحت أدلّة الإمضاء موضوعاً ; لأنّ المفروض أنّ موضوعها عرفي لاشرعي ، ولاينافي ذلك ما مرّ من أنّ البيع الربوي ونكاح المحارم في أذهان المتشرّعة خارج موضوعاً ; إذ ذلك لا يستلزم كونه كذلك في ناحية بناء العقلاء الذي يتوجّه إليه العمومات والإطلاقات ، ويكون هو المرجع فيها .

هذا ، وقد يتمسّك هنا بالإطلاق المقامي لكشف حال الموضوع ، ولكن ذلك إذا لم يثبت إطلاق لفظي ، وإلاّ استغنى به عنه .

إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ التبادر وارتكاز المتشرّعة وغيرهما تساعد على كون أسماء المعاملات أسامي للمسبّبات ; أعني تبادل المالين في البيع ، وما أشبهه في سائر المعاملات ، والمراد من المسبّب ما يحصل بالأسباب ويوجد بها .

وتخيّل كونها موضوعة لنفس الأسباب المحصّلة لها أو النتيجة الحاصلة من الأسباب والمسبّبات ـ من صيرورة العوض ملكاً للمشتري والثمن للبايع مثلا  ـ مدفوع بكون الارتكاز على خلاف الأوّل ، وأ مّا الثاني ـ أعني كونها موضوعة لنفس النتيجة ـ فيردّه عدم صحّة إطلاق عنوان البيع أو الإجارة أو غيرهما على النتيجة ، وقد عرفت سابقاً : أ نّه ـ بناءً على كونها موضوعة للمسبّبات  ـ يرتفع النزاع


(127)

من البين ; لدوران أمرها ـ  حينئذ  ـ بين أحد الأمرين : الوجود والعدم .

نعم ، على القول بكونها موضوعة للأسباب فالتبادر يساعد القول بالأعمّ ، مضافاً إلى ما عرفت من كيفية الوضع .

خاتمة : في تصوير جزء الفرد وشرطه في المركّبات الاعتبارية

ولنختم هذا البحث بتصوير جزء الفرد وشرطه في المركّبات الاعتبارية ، بعد اشتمالها على مقوّمات الماهية ; إذ تصويرهما في الأفراد الخارجية للماهيات الحقيقية واضح جدّاً ; لأنّ الماهية ولوازمها وعوارضها وعوارض وجودها وإن كانت متغايرة في عالم التصوّر إلاّ أنّ الوجود يجمع تلك الشتات بنحو الوحدة والبساطة ; بحيث يكون الفرد الخارجي بهويته الشخصية عين الماهية وعوارضها وجوداً .

فحينئذ : لا مانع للعقل من تحليلها إلى مقوّمات وعوارض بحسب الوجود أو الماهية ; بحيث يقال : هذا من علل قوامها وذاك جزء للفرد ومن عوارض وجوده .

ولكن تصويره في الاعتباريات لايخلو من غموض ; وذلك لأنّ الموجود منها حقيقةً هو الأجزاء ، وأ مّا الهيئة التركيبية فليس لها وجود إلاّ بالاعتبار . فحينئذ يقع الإشكال في تصوير جزء الفرد ; إذ كلّ ما وجد في الخارج من الزوائد فهو موجود بحياله ، وله تشخّص خاصّ ، وليس هناك شيء يربطه بسائر الأجزاء السابقة ; سوى اعتبار مجموعها بنحو الوحدة مرّة اُخرى .

ومن المعلوم : أ نّه يكون حينئذ ماهية اعتبارية اُخرى في قبال الاُولى ، ويكون المصداق الخارجي مصداقاً لتلك الماهية مع هذه الزيادة ، وبدونها يكون مصداقاً للاُولى .


(128)

والحاصل : أنّ أجزاء الفرد وشرائطه هي ما يكون من كمالات الموجود ، ولامحالة تتّحد معه خارجاً ، وهذا لايتحقّق في الماهيات الاعتبارية ; لفقدان ما به الاتّحاد فيها إلاّ في عالم الاعتبار ، وهو موجب لصيرورة الأجزاء دخيلة في نفس الماهية ، لا في الفرد .

هذا ، ولكن يمكن دفع الإشكال بأن يقال : إنّ لبعض المركّبات غير الحقيقية هيئة خاصّة يكون المركّب متقوّماً بها ، كما عرفت في مقام تصوير الجامع(1) ، فالبيت والقصر حقيقتهما متقوّمة بهيئة ما لابشرط ، ولا تحقّق لهما في الخارج إلاّ بوجود موادّهما على وضع خاصّ .

فحينئذ نقول : كلّ ما له هيئة قائمة بأجزاء يكون حسن الهيئة وتفاضلها باعتبار التناسب الحاصل بين الأجزاء ، فالحُسن ـ أينما وجد ـ يكون مرهون التناسب ، فحسن الصوت والخطّ عبارة عن تناسب أجزائهما . فلا يقال للشعر : حَسنٌ إلاّ إذا تناسبت جمله ، ولا الدار ، إلاّ إذا تناسبت مرافقها وغرفاتها ، فربّما تكون غرفة في دار توجب حسنها لإيقاعها التناسب بين الأجزاء .

وكذلك الصلاة ; فإنّها ليست نفس الأجزاء بالأسر ، بل لها هيئة خاصّة لدى المتشرّعة ، زائدة على أجزائها ، فيمكن أن يكون تفاوت أفرادها في الفضيلة لأجل تفاوتها في المناسبة الموجودة بين أجزائها ; وإن كان درك هذا التناسب غير ممكن لنا . فلا يبعد أن يكون للقنوت دخالة في حسن الهيئة الصلاتية ، ويكون المصداق الذي وجد فيه أحسن صورة من فاقده ، مع خروجه عن الماهية رأساً . ولعلّك لو تأ مّلت في أشباه المقام ونظائره يسهّل لك تصديق ما ذكرنا .


1 ـ تقدّم في الصفحة 109 .


(129)

الأمر الثاني عشر
في الاشتراك

الحقّ : وقوع الاشتراك ; فضلا عن إمكانه ، ومنشؤه : إمّا تداخل اللغات ، أو حدوث الأوضاع التعيّنية بالاستعمال فيما يناسب المعنى الأوّل ، أو غير ذلك من الأسباب .

وقد أفرط جماعة ، فذهبوا إلى وجوبه ; لتناهي الألفاظ وعدم تناهي المعاني(1) .

وفيه : أ نّه إن اُريد من عدم التناهي معناه الحقيقي فمردود بعدم الحاجة إلى الجميع ـ لو سلّمنا عدم التناهي في نفس الأمر ـ مع أنّ فيه إشكالا ومنعاً ، وإن اُريد منه الكثرة العرفية فنمنع عدم كفايتها مع كثرة الوضع للكلّيات .

كما فرّط آخرون ، فاختاروا امتناعه ; استناداً إلى أنّ الوضع عبارة عن جعل اللفظ عنواناً مرآتياً للمعنى وفانياً فيه(2) . وقد يقال في جواب ذلك : إنّ الوضع


1 ـ اُنظر كفاية الاُصول : 52 ، نهاية الأفكار 1 : 103 .
2 ـ اُنظر بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 144 .


(130)

يوجب استعداد اللفظ للمرآتية ، وبالاستعمال تصير فعلياً(1) .

والجواب : أنّ صيرورة اللفظ فانياً في المعنى غير معقولة ، إن قصّرنا النظر إليهما وقطعنا النظر عن لحاظ المتكلّم . وتوهّم : كونه في لحاظ المتكلّم كذلك ، وأ نّه يلاحظ اللفظ منظوراً به لا منظوراً فيه لايوجب امتناع جعله مرآتين .

ومن ذلك يظهر : فساد ما برهن به أيضاً على الامتناع ; من أنّ الوضع عبارة عن جعل الملازمة الذهنية بين اللفظ والمعنى أو ما يستلزمها ، فحينئذ يلزم من الوضع لمعنيين أن يحصل عند تصوّر اللفظ انتقالان مستقلاّن دفعة واحدة(2) .

وأنت خبير بما فيه ; إذ لم يقم البرهان على كون الاستقلال ـ  بمعنى عدم وجود انتقال آخر معه  ـ من لوازم الوضع .

وإن اُريد من الاستقلال ما يكون في مقابل الانتقال إلى معنى واحد منحلّ إلى اثنين ، كمفهوم الاثنين ; حيث يكون الانتقال إلى الواحد في ضمنه ففيه ـ مضافاً إلى عدم لزومه لو استعمل في واحد ، واُقيم قرينة عليه ـ أ نّا لا نسلّم امتناعه بل هو واقع ، كما سيجيء عن قريب إن شاء الله .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 145 .
2 ـ اُنظر تشريح الاُصول : 47 / السطر19 .


(131)

الأمر الثالث عشر
في استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد

التحقيق : جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد . ومورد النزاع ما إذا كان كلّ من المعنيين متعلّقاً للنفي والإثبات بحياله ، فخرج من حريم البحث ما إذا استعمل في معنى واحد ذي أجزاء أو ذي أفراد .

والدليل على ما اخترناه : وقوعه في كلمات الاُدباء والشعراء .

وما استدلّ به للامتناع : وجوه غير تامّة ، نتعرّض لمهمّاتها :

الأوّل : ما ذكره صاحب «الكفاية» من لزوم اجتماع اللحاظين الآليين في لفظ واحد ، وهو محال(1) .

وتقرير الملازمة بوجهين : أحدهما أنّ الاستعمال هو إفناء اللفظ في المعنى ، فيكون لحاظه تبعاً للحاظه ، فإذا استعمل في شيئين يكون تابعاً لهما في اللحاظ ، فيجتمع فيه لحاظان آليان بالتبع .

ثانيهما : أنّ لحاظ اللفظ والمعنى لابدّ منه في كلّ استعمال ; لامتناع


1 ـ كفاية الاُصول : 53 .


(132)

الاستعمال مع الذهول عن واحد منهما ، فإذا استعمل في شيئين لزم لحاظ اللفظ مرّتين ، فاجتمع اللحاظان .

ويمكن تقرير بطلان التالي بأنّ تشخّص الملحوظ بالذات إنّما هو باللحاظ وتعيّن اللحاظ بالملحوظ ، كما أنّ الأمر كذلك في باب العلم والمعلوم ، بل ما نحن فيه من قبيله .

فحينئذ : اجتماع اللحاظين في شيء يساوق كون الشيء الواحد شيئين ، وتعلّق العلمين بمعلوم واحد يستلزم كون الواحد اثنين ، بل لايمكن الجمع في الملحوظ بالعرض أيضاً ; للزوم كون المعلوم بالعرض ـ التابع للمعلوم بالذات في الانكشاف  ـ منكشفاً في آن واحد مرّتين ، وهو محال .

ويجاب عنه بمنع الملازمة :

أ مّا على الوجه الأوّل : فلأنّ المنظور من التبعية إن كان أنّ المتكلّم يتصوّر المعنى ويتبعه الانتقال إلى اللفظ ، فلا يلزم من تصوّر المعنيين عرضاً انتقالان إلى اللفظ ، بل لاينتقل إليه إلاّ انتقالا واحداً ، كما هو كذلك في الانتقال من اللازمين إلى ملزوم واحد . وكون النظر هناك إلى الملزوم استقلالياً دون اللفظ لايوجب الفرق بينهما فيما نحن بصدده .

وإن كان المراد اجتماع اللحاظين في السامع فلا نسلّم لزومه ; لأنّ السامـع ينتقل من اللفظ إلى المعنى ; وإن كان اللفظ آلة ، فيكون لحاظ المعنى تبعاً للحاظ اللفظ وسماعه ، كما أنّ الناظر إلى الكتابة يدرك نقش المكتوب أوّلا ، فينتقل منه إلى المعنى . فحينئذ إذا كان اللفظ دالاًّ على معنيين انتقل منه إليهما ، مـن غير لزوم محـذور أبـداً .

وبالجملة : لايلزم من تبعية الانتقال جمع اللحاظين والانتقالين في اللفظ ،


(133)

كما لا يلزم اجتماعهما في المعنى إذا سمعنا اللفظ من متكلّمين دفعة .

فإن قلت : المراد من تبعية لحاظ اللفظ للمعنى هو سراية اللحاظ من المعنى إلى اللفظ ، فيلزم من الاستعمال في معنيين لحاظان آليان ، أو أنّ المراد كون اللحاظ متعلّقاً بالمعنى بالذات وباللفظ بالعرض ، فيتعدّد بتعدّد ما بالذات .

قلت : إنّ ذا من العجب ; إذ كيف يترشّح من اللحاظ الاستقلالي لحاظ آلي ، وما هذا إلاّ الانقلاب . كما أنّ ما ذكره ذيلا خلاف المفروض ; إذ لايلزم منه اجتماع اللحاظين ; لعدم اللحاظ في اللفظ حقيقة .

وأ مّا الجواب عن الوجه الثاني : فهو أنّ ما يكون لازم الاستعمال هو ملحوظية اللفظ والمعنى ، وعدم كونهما مغفولا عنهما حاله ، وأ مّا لزوم لحاظه في كلّ استعمال ـ لحاظاً على حدة ـ فلم يقم عليه دليل ، ولا هو لازم الاستعمال . ألا  ترى أنّ قوى النفس ـ كالباصرة والسامعة ـ آلات لها في الإدراك ؟ وقد تبصر الشيئين وتسمع الصوتين في عرض واحد ، ولا يوجب ذلك أن يكون للآلتين حضوران لدى النفس بواسطة استعمالهما في إدراك الشيئين .

الثاني : أنّ الاستعمال إفناء ، ويمتنع إفناء الشيء الواحد في شيئين . وبعبارة اُخرى : أنّ الاستعمال جعل اللفظ بتمامه قالباً للمعنى ، ولايمكن أن يكون مع ذلك قالباً لمعنى آخر(1) .

والجواب : أنّ الاستعمال ليس إلاّ جعل اللفظ آلة للإفهام ، فإن كان المراد مـن الفناء وكونـه قالباً أو مـرآةً أو ما رادفها هـو صيرورة اللفظ نفس المعنى في نفس الأمـر فهو واضح البطلان ; إذ لايمكن لـه الفناء بحسب وجـوده الواقعي ;


1 ـ حاشية كفاية الاُصول ، المشكيني 1 : 209 .


(134)

بحيث لايبقى في الواقع إلاّ شيئية المعنى ; لأنّ اللفظ باق على فعليته ، ومع ذلك لايعقل فناؤه .

وإن اُريد منه : أنّ القصد معطوف بالذات إلى إفهام المعنى دونه فامتناع التالي ممنوع ; إذ اللفظ يكون منظوراً به ، والمعنيان منظوراً فيهما . وما لهج به بعض أهل الذوق في بعض المقامات غير مربوط بهذه المباحث ، فليطلب من محالّها .

الثالث : ما عن بعض الأعيان ; أنّ حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ ; حيث إنّ وجود اللفظ خارجاً وجود لطبيعي اللفظ بالذات ، ولطبيعي المعنى بالجعل والمواضعة ، لا بالذات ; إذ لا يكون وجود واحد وجوداً لماهيتين بالذات ـ  كما هو ظاهر ـ وحيث إنّ الموجود الخارجي واحد بالذات فلا مجال للقول بأنّ وجود اللفظ وجود لهذا المعنى خارجاً ، ووجود آخر لمعنى آخر ; حيث لا وجود آخر هناك كي ينسب إليه بالتنزيل(1) .

ولايخفى : أ نّه بالمغالطة أشبه منه بالبرهان ، ولعلّ مبناه ما عن بعض أهل الذوق من أنّ الوجود اللفظي من مراتب وجود الشيء(2) ، وهو ـ إن صحّ ـ ليس معناه إلاّ كونه موضوعاً للمعنى ومرآةً له بالمواضعة الاعتبارية .

وعليه : لو كان الموضوع له متعدّداً أو المستعمل فيه كذلك لايلزم منه كونه ذا وجودين أو كونه موجودين ; إذ المفروض أ نّه وجود تنزيلي واعتباري ، وهو لايوجب التكثّر في الوجود الواقعي . فكون شيء وجوداً تنزيلياً لشيء لايستنبط منه سوى كونه بالاعتبار كذلك ، لا بالذات والحقيقة .


1 ـ نهاية الدراية 1 : 152 .
2 ـ الحكمة المتعالية 1 : 315 ، الهامش 1 و6 : 12 ، الهامش 1 و7 : 30 ، الهامش 1 ، شرح المنظومة ، قسم المنطق : 11 ـ 12 .


(135)

الرابـع : مـا في بعض الكلمات مـن استحالـة تصوّر النفس شيئين ، واستحالـة كـون اللفظ علّة لحضور معنيين في الذهـن ; ولعلّه لحـديث امتناع صدور الكثير عـن الواحـد(1) .

وأنت خبير : بأ نّه تلفيق محض وإخراج الشيء عن مجراه ; إذ البداهة قاضية بصحّة تصوّر الشيئين ، وإلاّ لما صحّ التصديق بكون شيء شيئاً ; إذ لابدّ عند الإذعان من تصوّر الطرفين معاً .

كما أنّ التمسّك بالقاعدة العقلية في أمثال هذه الموارد أوهن من بيت العنكبوت ; إذ الدلالة ليست من قبيل صدور شيء عن شيء ، مع أ نّها لو كانت من هذا القبيل لايمكن إجراء القاعدة فيها ; إذ هي مختصّة بالبسيط من جميع الجهات .

ثمّ إنّ هناك تفصيلا أعجب من أصل القول بالامتناع ، قال به بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ  ; وهو أ نّه اختار الامتناع فيما لوحظ كلّ واحد من المعنيين بلحاظ خاصّ  به ; لبعض الوجوه السابقة ، والجواز فيما كان اللفظ حاكياً عن مفهومين ملحوظين بلحاظ واحد(2) .

وهذا من عجيب القول ; إذ وحدة اللحاظ مع تعدّد المعنى إن كانت لأجل وقوع المعنيين تحت جامع وُحداني تجمع ما تفرّق بلحاظ واحد فقد أسمعناك في صدر المبحث أ نّه خارج من حريم النزاع .

وإن كان مع كون كلّ من المعنيين ملحوظاً بحياله ومستعملا فيه ، ومع ذلك يكونان ملحوظين بلحاظ واحد فهو غير قابل للقبول ، بل مدفوع بالموازين العلمية ;


1 ـ اُنظر أجود التقريرات 1 : 51 .
2 ـ نهاية الأفكار 1 : 105 ـ 108 ، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي
1 : 146 .


(136)

إذ فرض كون الشيئين موجودين بنعت الكثرة في الذهن مع وحدة اللحاظ فرض وحدة الكثير مع كثرته .

والحاصل : أنّ لحاظ النفس ليس إلاّ علمها بالشيء وتصوّرها إيّاه ، فلو وقع المعلوم بنعت الكثرة في لوح النفس وصفحة الإدراك فقد وقع العلم عليه كذلك ; إذ التصوّر والإدراك وما رادفهما من سنخ الوجود في عالم الذهن ، ولا معنى لوجود المتكثّر بما هو متكثّر بوجود واحد .

فتلخّص : أ نّه لا مانع من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد عقلا ، وأ مّا المنع من جهة القواعد الأدبية أو من جهة اشتراط الواضع فضعيف جدّاً ، لاينبغي البحث عنه .

وأ مّا ما ورد من أنّ للقرآن سبعين بطناً(1)  فمن غوامض الكلام ، لايقف على مغزاه إلاّ الخائض في لُجج العلم وبحار المعارف ، فليطلب عن مواضعه ، وعلى كلّ حال لايرتبط بالمقام .


1 ـ لم نعثر عليه بهذا اللفظ فيما بأيدينا من الكتب الروائية ، ولكن ورد : «إنّ للقرآن ظهراً وبطناً ، ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن» . راجع عوالي اللآلي 4 : 107 / 159 .


(137)

الأمر الرابع عشر
فـي المشتـقّ

اختلفوا في أ نّ المشتق هل هو موضوع لخصوص المتلبّس أو الأعمّ منه وممّا انقضى عنه المبدأ ؟ ولنقدّم أمام المقال اُموراً :

الأوّل : في كون النزاع لغوياً

الظاهر أنّ المسألة لغوية ، وأنّ البحث معقود لتعيين الموضوع له . ويظهر من بعض الأكابر كونها عقلية ; لأجل أنّ حمل شيء على شيء إنّما هو لكون الموضوع متحيّثاً بحيثية وواجداً لمبدأ به يصحّ الحمل ، وإلاّ لجاز حمل كلّ شيء على كلّ شيء . ثمّ إنّ حدوث ذاك المعنى في الموضوع آناً ما ربّما يكفي في صحّة الحمل ، وإن لم يكن له بقاء واستمرار ، كالاُبوّة وهي أمرآني ناش من تخلّق الابن من مائه ، ولكن العرف يراه أمراً مستمرّاً(1) .

وقريب من ذلك قول صاحب «المحجّة» : من أنّ القائل بعدم صحّة الإطلاق


1 ـ راجع نهاية الاُصول : 65 ـ 67 .


(138)

على ما انقضى عنه المبدأ يرى سنخ الحمل في الجوامد والمشتقّات واحداً . والقائل بالإطلاق يرى التفاوت بينهما وأ نّه في الجوامد من قبيل هوهو ، فلا يقال للهواء : إنّه ماء ، وفي المشتقّات من سنخ ذي هو ، يكفي فيه مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود(1) ، انتهى .

ولكنّك خبير : بأنّ البحث حينئذ يندرج في عداد الحقائق ، ومن الواضح أ نّه لامعنى للنزاع في أنّ الفاقد للمبدأ ـ بعد ما كان واجداً له ـ هل يقع مصداقاً له بالفعل بحسب متن الأمر أو لا ؟ وسخافته غير مخفية ; إذ ميزان الصدق وعدمه دائر مدار اشتماله على المبدأ وعدمه ، ولايعقل صدقه على الفاقد حقيقة حتّى يختاره القائل بالأعمّ ، وهذا بخلاف ما إذا كان البحث لفظياً ; لأنّ الواضع له الخيار في تعيين حدود الموضوع له ، فله وضع اللفظ للمتلبّس أو للأعمّ منه ، كما أ نّه بالخيار في تعيين الألفاظ .

الثاني : في تقسيم العناوين الجارية على الذات

فإنّ لها أقساماً :

منها : ما يكون منتزعاً عن حاقّ الذات ، من غير دخالة شيء مطلقاً ; سواء كان الخارج مصداقاً ذاتياً له كالأجناس والأنواع والفصول ، أم كالمصداق الذاتي له ،كما في انتزاع الوجود عن الموجودات الخارجية .

ومنها : ما يكون منتزعاً عنه باعتبار تلبّسه بشيء ـ وجودياً كان أو عدمياً ـ والأمر الوجودي تارة يكون أمراً حقيقياً ، كانتزاع العالم والأبيض باعتبار مبدئيهما ،


1 ـ اُنظر نهاية الدراية 1 : 164 .


(139)

واُخرى أمراً انتزاعياً أو اعتبارياً ، لاحظّ له من الوجود إلاّ في وعاء اعتبار العقل وتصويره ; فالأوّل كانتزاع الإمكان عن الممكنات ، والثاني كالملكية والرقّية وغيرهما .

هذا ، وربّما يمثّل لدخالة الأمر العدمي بالإمكان ; لأ نّه سلب الضرورتين عن الذات ـ سلباً تحصيلياً ـ ولا مشاحة في المثال ، ونظيره الأعمى والاُمّي .

ومنها : ما يكون العنوان أمراً اشتقاقياً كالضارب والناطق ، وقد يكون جامداً كالماء والنار والزوج .

ومنها : ما يكون ملازماً للذات في الموطنين ; أعني الذهن والخارج أو في واحد منهما ، وقد يكون مفارقاً عنه كالأعراض المفارقة .

وهناك أقسام اُخر ، ضربنا عنها صفحاً .

التحقيق في المقام

وعلى كلّ حال التحقيق : خروج العناوين غير الاشتقاقية الصادقـة على الذات بذاته ـ كالماء والإنسان ـ عن محلّ النزاع ، وقد يعلّل وجه خروجها ـ كما عـن بعض الأعاظم ـ بأنّ شيئية الشيء بصورته لا بمادّتـه ، فإذا فرضنا تبدّل الإنسان تراباً فما هو ملاك الإنسانية ـ وهو الصورة النوعية ـ قد زال ، وأ مّا المادّة المشتركة الباقية ـ  وهي القوّة الصرفة لإفاضة الصورة ـ فهي غير متّصفة بالإنسانية ، وهذا بخلاف المشتقّات العرضية ; فإنّ المتّصف فيها هو الذات ، وهو باق بعد انتفاء وصفه(1) ، انتهى .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 83 ، أجود التقريرات 1 : 53 .


(140)

لكنّك خبير : بأنّ النزاع في المقام لغوي لا عقلي حتّى يتشبّث بأنّ فعلية الشيء بصورته لا بمادّته ، وحينئذ لا مانع من وضع الإنسان ـ مثلا ـ للأعمّ ، بعد ما كان عنان الوضع بيد الواضع ; إذ التسمية لاتدور مدار هوية الشيء .

أضف إليه : أنّ انقضاء المبدأ لا يوجب مطلقاً زوال الصورة النوعية ـ  ولو عرفاً ـ كما في تبدّل الخمر خلاّ ; فإنّهما ليسا حقيقتين مختلفتين بالفصول ، بل هما متّحدان في الذاتيات متفارقان في الأوصاف عرفاً ، ومثلهما الماء والثلج ; فإنّهما أيضاً ليسا جوهرين متباينين ، بل الاختلاف بينهما من ناحية الوصف ; أعني اتّصال أجزائهما وعدمه .

هذا ، مع أنّ النزاع لو كان عقلياً لا يعقل صدق المشتقّ عقلا على ما زال عنه المبدأ ، فلا يصدق العالم على من زال عنه العلم عقلا بالضرورة .

والظاهر : أنّ وجه خروجها عن محطّ البحث هو اتّفاقهم على كونها موضوعة لنفس العناوين فقط ، لا للذات المتلبّس بها ـ ولو في زمان ما ـ وهذا بخلاف المشتقّات ; فإنّ دخول الذات فيها أمر مبحوث عنه ومختلف فيه ، فيقع فيها هذا النزاع .

وأ مّا الهيئات في المشتقّات الاسمية فلا ريب في دخولها جميعاً في محلّ النزاع ; سواء كانت منتزعة من نفس الذات ـ كالموجود ـ أم لا ، وسواء كان المبدأ فيها لازماً للذات كالممكن أو مقوّماً للموضوع كالموجود بالنسبة إلى الماهية أم لا . وكذا لو كانت منتزعة عن مرتبة الذات في بعض مصاديقه كالعالم بالنسبة إلى البارئ دون بعض .

فجميع ذلك داخل تحته ، ولايختصّ بما يمكن زواله عن الذات حتّى يتصوّر له الانقضاء ; وذلك لأنّ النزاع وقع في عنوان عامّ ; أعني هيئة المشتقّ ، ووضعها نوعي .


(141)

وحيث إنّ زنة الفاعل وضعت نوعياً لاتّصاف خاصّ ، مـن غير نظر إلى الموادّ وخصوصيات المصاديق بطل القول بخروج الناطق والممكن ومـا أشبههما ممّا ليس لـه معنون بـاق بعد انقضاء المبدأ عنه ; إذ قـد عرفت أنّ النزاع عنون بعنوان عامّ ، وهو كافل لإدخالها تحته ، ولا يكون وضع الهيئات باعتبار الموادّ أو الموارد متكثّراً .

وأ مّا العناوين المنتزعة بعناية دخول أمر وجودي أو عدمي ، حقيقي أو اعتباري ممّا ليس من العناوين الاشتقاقية ، كالزوجية والرقية ; سواء كانت موضوعة وضعاً شخصياً أم نوعياً ، كهيئة الاسم المنسوب إلى شيء ، كالبغدادي والحمّامي ، فالظاهر دخولها في حريم البحث .

كلام فخر المحقّقين في الرضاع

كما يظهر من فخر المحقّقين ـ قدس سره ـ (1)  والشهيد ـ رحمه الله ـ (2)  فيمن كان له زوجتان كبيرتان ، أرضعتا زوجته الصغيرة مع الدخول بإحداهما ; حيث قال : لا إشكال في تحريم المرضعة الاُولى والصغيرة ، وأ مّا المرضعة الثانية ففي تحريمها إشكال ، اختار والدي المصنّف ـ قدس سره ـ (3)  وابن إدريس(4)  تحريمها ، فإنّه يصدق عليها أ نّها اُمّ زوجته ; لعدم اشتراط بقاء المبدأ في المشتقّ .


1 ـ إيضاح الفوائد 3 : 52 .
2 ـ مسالك الأفهام 7 : 269 .
3 ـ قواعد الأحكام 3 : 25 .
4 ـ السرائر 2 : 556 .


(142)

قلت : إنّ الموجود في النصوص هو «اُمّهات النساء» لا «اُمّ الزوجـة» ، فتحليل المسألة من طريق المشتقّ ساقط من أصله ، والقول بجريانه في مثل «اُمَّهاتُ نِسائِكُمْ» باعتبار كونه بمعنى زوجاتكم كما ترى ، وإن كان يظهر من «الجواهر» جريانه فيه أيضاً(1) .

وكيف كان : لا عتب علينا في البحث عنها وما اُفيد في هذا المقام ، فنقول ـ  ومنه جلّ شأنه التوفيق ـ  :

قد ذهب بعض الأعيان من المحقّقين : إلى اتّحاد المرضعتين في الحكم والملاك ; نظراً إلى أنّ اُمومة المرضعة الاُولى وبنتية المرتضعة من المتضائفين ، وهما متكافئان قوّة وفعلا ، وبنتية المرتضعة وزوجيتها متضادّتان شرعاً . ففي مرتبة حصول اُمومة المرضعة تحصل بنتية المرتضعة ، وتلك المرتبة مرتبة زوال زوجية المرتضعة ، فليست في مرتبة من المراتب اُمومة المرضعة مضافة إلى زوجية المرتضعة حتّى تحرم بسبب كونها اُمّ الزوجة(2) ، انتهى .

وقد سبقه صاحب «الجواهر» ـ قدس سره ـ إليه ، وأجاب عنه : بأنّ ظاهر النصّ والفتوى الاكتفاء بالاُمّية المقارنة لانفساخ الزوجية بصدق البنتية ; إذ البنتية والاُمّية وانفساخ الزوجية متّحدات في الزمان ; ضرورة كونها معلولات لعلّة واحدة . فآخر زمان الزوجية متّصل بأوّل أزمنة صدق الاُمّية ، ولعلّ هذا المقدار كاف في الاندراج تحت عنوان «اُمّهات نسائكم»(3) .

وفيه : أنّ الصدق هنا مسامحي ـ حتّى بنظر العرف ـ وهو غير كاف ، إلاّ على


1 ـ جواهر الكلام 29 : 330 .
2 ـ نهاية الدراية 1 : 168 .
3 ـ جواهر الكلام 29 :329 ـ 330 .


(143)

القول بوضع المشتقّ للأعمّ حتّى يكون الصدق حقيقياً .

وقال بعض الأعاظم ما حاصله : أنّ الرضاع المحرّم علّة لتحقّق عنوان الاُمومة والبنتية ، وعنوان البنتية للزوجة المرتضعة علّة لانتفاء عنوان الزوجية عنها ، فانتفاء عنوان الزوجية عن المرتضعة متأخّر بحسب الرتبة عن عنوان البنتية لها ، ولا محالة أ نّها تكون زوجة في رتبة تحقّق عنوان البنتية ; لاستحالة ارتفاع النقيضين ، ففي تلك المرتبة تجتمع الزوجية والبنتية ، وكونها اُمّ الزوجة(1) .

ولكن ضعفه ظاهر : لأنّ الأثر مترتّب على ما هي اُمّ زوجة بالحمل الشائع في أنظار أهل العرف ، ولا دليل شرعي يدلّ على العلّية بين الحكمين حتّى يتكلّف بتقدير الزوجية في الرتبة ; كي يقع مصداقاً للعمومات .

وبعبارة أوضح : أنّ بنتية المرتضعة ليست علّة تكوينية لرفع الزوجية ، بل لابدّ في استفادة العلّية أو التمانع بينهما من مراجعة الأدلّة الشرعية . ولا يستفاد من قوله تعالى : «واُمّهات نسائكم» سوى التمانع ، وأنّ الزوجية لاتجتمع مع العناوين المحرّمة ، وهو ينافي اجتماعهما في آن أو رتبة .

والتحقيق : أنّ تفريق الفخر ـ قدس سره ـ بين المرضعتين ليس لأجـل وجـود فارق بينهما فـي الابتناء على وضـع المشتـقّ حتّى يقـال بـأنّ تسليم حرمـة الاُولـى والخلاف في الثانية مشكل ، بل تسليمه لحرمة المرضعة الاُولى لأجل الإجماع والنصّ الصحيح في مـوردها دون الثانيـة ; ولـذلك بنى الثانيـة على مسألـة المشتـقّ دون الاُولى . وأوضـح الحكم فيها مـن طريق القواعـد لعدم وجـود طـريق شرعي فيها .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 161 .


(144)

ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ والحلبي عن أبي عبدالله ـ عليه السَّلام ـ قالا : «لو أنّ رجلا تزوّج بجارية رضيعة ، فأرضعتها امرأته فسد النكاح»(1) ، فإنّ الظاهر فساد نكاح الرضيعة ، ويحتمل فساد نكاحهما ، وأ مّا حرمة الثانية فليست إجماعية .

ودعوى وحدة الملاك غير مسموعة ، والنصّ الوارد فيها من طريق علي بن مهزيار الذي صرّح بحرمة المرضعة الاُولى دون الثانية(2)  غير خال عن الإرسال ، وضعف السند بصالح بن أبي حمّاد ، فراجع ، ولهذا ابتناها بمسألة المشتقّ .

الثالث : الحقّ خروج أسماء الزمان من محطّ البحث

وهذا لأنّ جوهر ذاته جوهر تصرّم وتقضّ ، فلا يتصوّر له بقاء الذات مع انقضاء المبدأ ، وعليه لايتصوّر له مصداق خارجي ولا عقلي كذلك ، ولا معنى لحفظ ذاته مع أ نّه متصرّم ومتقضّ بالذات .

وقد اُجيب عن هذا الإشكال بأجوبة غير تامّة :

منها : ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ انحصار مفهوم عامّ بفرد ـ  كما في المقام  ـ لايوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العامّ ، كالواجب الموضوع للمفهوم العامّ مع انحصاره فيه تعالى(3) .


1 ـ الفقيه 3 : 306 / 1472 ، وسائل الشيعة 20 : 399 ، كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 10 ، الحديث 1 .
2 ـ الكافي 5 : 446 / 13 ، وسائل الشيعة 20 : 402 ، كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 14 ، الحديث 1 .
3 ـ كفاية الاُصول : 58 .


(145)

وأنت خبير بضعفه ; إذ الغاية من الوضع هي إفهام ما يقع في خاطر المتكلّم ـ  ذهنياً كان أو خارجياً  ـ وأ مّا ما لا يحوم الفكر حوله ، وليس له مصداق في كلا الموطنين ـ كما عرفت في الزمان ـ فالوضع له لغو وعاطل .

وأ مّا مفهوم الواجب فلا نسلّم وحدة مصداقه ; إذ ما هو المنحصر هو الواجب بالذات دون الواجب مطلقاً ; حتّى الواجب بالغير والواجب بالقياس إلى الغير ، والمركّب من اللفظين ـ أعني الواجب بالذات ـ ليس له وضع على حدة .

وأ مّا الشمس والقمر فلا يبعد كونهما عَلَمين كلفظ الجلالة ، وعلى فرض كونها موضوعة للمعاني الكلّية ، كالذات الجامع للكمالات ، ولماهية الشمس والقمر لعلّه للاحتياج إلى إفهام معانيها العامّة أحياناً ; لأنّ الأخير ـ مثلا ـ بالنظر إلى مفهومه لا يأبى عن الكثرة في بدأ النظر ، وإنّما يثبت وحدته بالأدلّة العقلية . فملاك الوضع موجود في أمثال هذه الموارد ، بخلاف الزمان المبحوث عنه ; فإنّه آب عن البقاء مع انقضاء المبدأ عند العقل والعرف ابتداءً ، فالفرق بين اللفظين واضح .

ومنها : ما عن بعض الأعاظم من أنّ أسماء الزمان مثلا ـ كاليوم العاشر من المحرّم  ـ وضـع لمعنى كلّي متكرّر في كلّ سنة ، وكان ذلك اليوم الذي وقـع فيه القتل فرداً من أفراد ذاك المعنى العامّ المتجدّد في كلّ سنة ، فالذات في اسم الزمان  إنّما هـو ذلك المعنى العامّ ، وهـو باق حسب بقاء الحركـة الفلكية ، وقـد انقضى عنه المبدأ(1) .

وفيه : أنّ الكلّي القابل للصدق على الكثيرين ـ أي اليوم العاشر من المحرّم  ـ غير وعاء الحدث ، وما هو وعائه هو الموجود الخارجي ، وهو غير باق قطعاً .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 89 .


(146)

وبعبارة اُخرى : أنّ الأمر الزماني لابدّ وأن يحصل في زمان خاصّ لا في زمان كلّي . فعلى هذا ، إذا تعيّن الكلّي في ضمن مصداق معيّن ، وفرضنا ارتفاع ذاك المصداق بارتفاع مبدئه ارتفع الكلّي المتعيّن في ذلك المصداق والمصداق الآخر الذي فرض له مخالف مع الأوّل في التشخّص والوجود ، فإذن لا معنى لبقائه مع انقضاء المبدأ ، وهو واضح .

ومنها : ما عن بعض الأعيان من أنّ اسم الزمان موضوع لوعاء الحدث من غير خصوصية الزمان والمكان ، فيكون مشتركاً معنوياً موضوعاً للجامع بينهما . فحينئذ عدم صدقه على ما انقضى عنه المبدأ في خصوص الزمان لايوجب لغوية النزاع(1) .

ولكن هذا الكلام عن مثل هذا القائل بعيد في الغاية ; إذ الجامع الحقيقي بين الوعائين غير موجود ، ووقوع الفعل في كلّ غيرُ وقوعه في الآخر ، والجامع العرضي الانتزاعي ـ كمفهوم الوعاء والظرف ـ وإن كان متصوّراً إلاّ أ نّه بالحمل الأوّلي باطل جدّاً ; لأ نّه خلاف المتبادر من اسمي الزمان والمكان ; ضرورة أ نّه لايفهم من لفظ المقتل مفهوم وعاء القتل الجامع بينهما أو مفهوم ظرفه ، وأ مّا أخذ الوعاء بالحمل الشائع فهو موجب لخصوصية الموضوع له ، مع عدم دفع الإشكال معه .

هذا ، مضافاً إلى أنّ الظاهر : أنّ وعائية الزمان إنّما هي بضرب من التشبيه لإحاطة الزمان بالزماني إحاطة المكان بالمتمكّن ، وإلاّ فهو ليس ظرفاً في الحقيقة ، بل أمر منتزع أو متولّد من تصرّم الطبيعة وسيلانها ، وتوضيحه موكول إلى محلّه(2) .


1 ـ نهاية الاُصول : 72 .
2 ـ الحكمة المتعالية 3 : 115 ـ 118 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 257 ـ 258 .


(147)

ومنها : ما أفاده بعض محقّقي العصر من أنّ الزمان هوية متّصلة باقية بالوحدة الوجودية ، وإلاّ لزم تتالي الآنات ، واستحالته معلومة كاستحالة الأجزاء الفردة ، وعليه يكون الزمان بهويته باقياً ; وإن انقضى عنه المبدأ ، ولولا كون الألفاظ موضوعة للمعاني العرفية لقلنا بصدق اسم الزمان على الهوية الزمانية إلى آخر الأبد ، وكان مقتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ ـ مثلا ـ صادقاً على الزمان إلى الأبد .

ولكن العرف بعد حكمه بأنّ للزمان قسمة ، وقسّمه إلى أقسام حسب احتياجاته لم يجز ذلك ، ولكن إذا وقع القتل ـ مثلا ـ في حدّ من حدود اليوم فهو يطلق المقتل على ذاك اليوم ; ولو بعد انقضاء التلبّس به ; لما يرى من بقاء اليوم إلى الليل(1) ، انتهى ملخّصاً .

والظاهر : أنّ الخلط نشأ من عدم الوصول إلى أنّ أنظار أهل العرف ـ كالعقل ـ تتفاوت في بقاء الزمان والزماني ، وأ نّهم يفرّقون بينهما .

توضيحه : أنّ العرف كما يدرك الوحدة الاتّصالية للزمان كذلك يدرك تصرّمـه وتقضّيه ، ويرى أوّل اليوم غير وسطه وآخـره ، فإذا وقعت واقعـة في حـدّه الأوّل لايرى زمان الوقوع باقياً وقد زال عنه المبدأ ، بل يرى اليوم باقياً وزمان الوقوع متقضّياً .

وبين الأمرين فرق ظاهر ، وما هو معتبر في بقاء الذات في المشتقّ هو بقاء زمان الوقوع ـ أعني بقاء الشخص الذي تلبّس بالمبدأ عيناً ـ وما نحن بصدده ليس كذلك ، فتدبّر .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 162 ـ 164 .


(148)

الرابع : في وضع المشتقّات

وفيه ينقّح عدّة مسائل :

الاُولى : في تعيين المادة الاُولى وكيفية وضعها

اعلم أ نّه قد وقع الكلام بين الأعلام في تعيين المادّة الاُولى وكيفية وضعها ، بعد اتّفاقهم على وجودها بين المشتقّات ، والمحكي عن البصريين : أ نّها المصدر ، وعن الكوفيين : أ نّها الفعل(1) ، وربّما يظهر من نجم الأئمّة : أنّ النزاع بين الطائفتين ليس إلاّ في تقدّم تعلّق الوضع بهذا أو ذاك ، لا في الأصلية والفرعية(2) .

وكيف كان : فبطلان الرأيين واضح ; لأنّ المادّة المشتركة لابدّ وأن تكون سائرة في فروعها بتمام وجودها ـ أعني حروفها وهيئتها ـ ومن المعلوم أ نّهما ليسا كذلك ; إذ هيئتهما آبية عن ورود هيئة اُخرى عليهما . اللهمّ إلاّ أن يوجّه بما سيأتي بيانه .

والتحقيق : أنّ لمادّة المشتقّات التي هي عارية عن جميع الهيئات ولا بشرط من جميع الجهات إلاّ عن ترتيب حروفها وضعاً مستقلاّ ، ولولا ذلك للزم الالتزام بالوضع الشخصي في جميع المشتقّات ; لعدم محفوظية ما يدلّ على المادّة لو لا وضعها كذلك ، وهو خلاف الوجدان والضرورة ، بل يلزم اللغوية منه مع إمكان ذلك ، مع ما نشاهد من اتقان الوضع .


1 ـ شرح الكافية في النحو 2 : 191 ، شرح ابن عقيل 1 : 559 .
2 ـ شرح الكافية في النحو 2 : 192 .


(149)

ويشهد لذلك : أ نّا قد نعلم معنى مادّة ونجهل معنى الهيئة ، كما لو فرض الجهل بمعنى هيئة اسم الآلة في مضراب ، مع العلم بمعنى الضرب ، فلا إشكال في أ نّا نفهم أنّ للضرب هاهنا تطوّراً وشأناً ، وليس هذا إلاّ للوضع ، كما أنّ دلالة الهيئة على معناها مع الجهل بمعنى المادّة دليل على وضعها مستقلاّ نوعياً ، مع أنّ بعض المصادر قياسي ، فلابدّ له من مادّة سابقة .

ثمّ إنّ وضع المادّة شخصي ، ولا يلزم من تطوّرها بالهيئات أن يكون نوعياً كما قيل(1)  ـ  وهي الحقيقة العارية عن جميع فعليات الصور  ـ فكأ نّها هيولى عالم الألفاظ ، نظير هيولى عالم التكوين ، على رأي طائفة من أهل النظر(2) .

فإن قلت : إنّ اللفظ الموضوع لابدّ وأن يكون قابلا للتلفّظ به ، والمادّة الخالية عن التحصّل يمتنع التلفّظ بها .

قلت : إنّ الغاية من وضعها ليست الإفادة الفعلية حتّى تستلزم فعلية إمكان التنطّق بها .

والحاصل : أنّ الموادّ موضوعة بالوضع التهيّئي لأن تتلبّس بهيئة موضوعة ، ومثلها لايلزم أن يكون من مقولة اللفظ الذي يتكلّم به .

لايقال : المشهور بين أهل الأدب : أنّ اسم المصدر موضوع لنفس الحدث بلا  نسبة ناقصة أو تامّة ، بل المصدر أيضاً ـ كما هو المتبادر منهما ـ وعلى هذا فوضعهما للحدث لا بشرط بعد وضع المادّة له أيضاً فاقد لملاك الوضع ; لأنّ الهيئة فيهما لابدّ لها من وضع وإفادة زائدة على المادّة .


1 ـ نهاية الأفكار 1 : 125 ، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 156 .
2 ـ شـرح الإشـارات 2 : 36 ـ 47 ، الحكمـة المتعاليـة 5 : 65 ـ 219 ، شـرح المنظومـة ، قسم الحكمة : 214 ـ 219 .


(150)

لأ نّا نقول : إنّ الغاية من وضع المصدر واسمه إنّما هو لإمكان التنطّق بالمادّة ، من دون أن يكون لهيئتهما معنى وراء ما تفيد مادّتها .

والحاصل : أنّ المادّة وضعت لنفس الحدث ، لكن لايمكن التنطّق بها ، وربّما يقع في الخواطر إظهار ذلك ، فوضعت هيئتها لا لإفادة معنى من المعاني ، بل لكونها آلة للتنطّق بالمادّة . وبذلك يصحّح قول البصريين بأصالة المصدر ، وقول بعض الأعلام بكون الأصل هو اسم المصدر ; لأ نّهما كالمادّة بلا زيادة .

فإن قلت : إنّ لازم ذلك هو دلالة المادّة على معناها ، وإن تحقّقت في ضمن هيئة غير موضوعة .

قلت : إنّ وضع الموادّ تهيّئي للازدواج مع الهيئات الموضوعة ، وبذلك يحصل لها ضيق ذاتي ، لا مجال معه لتوهّم الدلالة ; ولو في ضمن المهملات ، وسيأتي أنّ دلالة الموادّ كنفسها ، وتحصّلها مندكّة في الصورة ، وبه يدفع هذا الإشكال .

ثمّ إنّ هنا إشكالا آخر ، أشار إليه سيّد مشايخنا ، المحقّق السيّد محمّد الفشاركي ـ قدس سره ـ  ، وهو : أ نّه يلزم على القول باستقلال كلّ من المادّة والهيئة في الوضع دلالتهما على معنيين مستقلّين ، وهو خلاف الضرورة . وحديث البساطة والتركّب غير القول بتعدّد المعنى ، وهذا ممّا لم يقل به أحد(1) .

قلت : إنّ دلالة المادّة على معناها ـ كوجودها ـ مندكّة في دلالة الهيئة وتحصّلها ; بحيث لايفهم منها إلاّ معنى مندكّ في معنى الهيئة .

وبالجملة : أنّ المادّة متحصّلة بتحصّل صورتها ، وهي مركّبة معها ـ تركيباً اتّحادياً ـ ودلالتها على المعنى أيضاً كذلك . فبين معاني المشتقّات ـ كألفاظها


1 ـ وقاية الأذهان : 161 .


(151)

ودلالتها ـ نحو اتّحاد ، مثل اتّحاد الهيولى مع صورتها .

وأ مّا ما أجاب به المحقّق المزبور ـ قدس سره ـ ـ من أنّ المادّة ملحوظة أيضاً في وضع الهيئات ، فيكون الموضوع هو المادّة المتهيّئة بالهيئة الخاصّة ، وهو الوضع الحقيقي الدالّ على المعنى وليس الوضع الأوّل إلاّ مقدّمة لهذا الوضع ، ولا نبالي بعدم تسمية الأوّل وضعاً ; إذ تمام المقصود هو الثاني ـ فلا يخلو من غموض ; إذ ما يرجع إلى الواضع هو الوضع فقط ، وأ مّا الدلالة فهي أمر قهري الحصول بعد الاعتبار . وكونه مقدّمياً لايوجب عدم الدلالة .

فحينئذ يلزم التعدّد في الدلالة على نفس الحدث ; إذ يستفاد من الوضع الأوّل ذات الحدث ، ومن الثاني الحدث المتحيّث بمفاد الهيئة . فحينئذ يلزم التركيب مع تعدّد الدلالة ، وهو أفحش من الإشكال الأوّل .

على أنّ هنا في الوضع الثاني تأمّلا ; إذ وضع كلّ مادّة مع هيئتها يستلزم الوضع الشخصي في المشتقّات ، ولو صحّ هذا لاستغنى عن وضع المادّة مستقلاّ .

والقول بأنّ معنى الوضع النوعي هو أنّ المشتقّات وُضعت بالوضع النوعي في ضمن مادّة ما فاسد غير معقول ; إذ مادّةٌ ما بالحمل الشائع غير موجودة ; لأ نّه يساوق وجود المادّة المستلزم لتعيّنها وخروجها عن الإبهام ، وبالحمل الأوّلي لا ترجع إلى معنى معقول . فالتحقيق في دفع الإشكال هو ما عرفت .

الثانية : في وضع الهيئات

وليس هنا مانع إلاّ عدم إمكان تصوّرها فارقة عن الموادّ ، أو عدم إمكان التنطّق بها بلا مادّة .

ولكنّك خبير بأ نّهما غير مانعين عن الوضع ; إذ للواضع تصوّرها أو التلفّظ بها


(152)

في ضمن بعض الموادّ ، مع وضعها لمعنى من المعاني ، مع إلغاء خصوصية المورد ; أعني تلك المادّة .

هذا ، والمشتقّات اسمية وفعلية ، وقد مرّ بعض الكلام في الاسمية منها(1) .

وأ مّا الفعلية منها : فهي إمّا حاكيات كالماضي والمضارع ، أو موجدات كالأوامر ، وسيأتي الكلام في الثانية في محلّها ، فانتظر(2) .

وأ مّا الحاكيات : فالذي يستظهر من عبائر بعض النحاة كونها موضوعة بإزاء الزمان ـ إمّا الماضي أو المستقبل ـ أو بإزاء السبق واللحوق على نسق المعاني الاسمية ; بحيث يكون هناك دلالات ومدلولات من الحدث والزمان الماضي أو بديله والصدور أو الحلول ، هذا ولكن الضرورة تشهد بخلافه .

والتحقيق : أنّ هيئات الأفعال كالحروف لا تستقلّ معانيها بالمفهومية والموجودية ، ويكون وضعها أيضاً ـ كالحروف ـ عامّاً والموضوع له فيها خاصّاً على التفصيل السابق(3) .

أ مّا كون معانيها حرفية : فلأنّ هيئة الماضي ـ على ما هو المتبادر منها ـ وضعت للحكاية عن تحقّق صدور الحدث من الفاعل ، وهو معنى حرفي ، أو تحقّق حلوله كبعض الأفعال اللازمة ، مثل حسن وقبح ، ومعلوم : أنّ الحكاية لا تكون عنهما بالحمل الأوّلي بل بالشائع ، وهو حرفي عين الربط بفاعله . وكذا في المضارع .

إلاّ أنّ الفرق بينهما : أنّ الأوّل يحكي عن سبق تحقّق الحدث ، والثاني عن لحوقه ، لكن لا بمعنى وضع اللفظ بإزاء الزمان أو السبق واللحوق ، بل اللفظ


1 ـ تقدّم في الصفحة 140 .
2 ـ يأتي في الصفحة 191 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 31 .


(153)

موضوع لمعنى ينطبق عليهما ; فإنّ الإيجاد بعد الفراغ عنه سابق لا محالة ، والذي يصير متحقّقاً بعد يكون لاحقاً .

ويمكن أن يقال بدلالتهما على السبق واللحوق بالحمل الشائع ; فإنّهما بهذا الحمل من المعاني الحرفية والإضافات التي لاتكون موجودة ومفهومة إلاّ تبعاً ، فيكون الماضي دالاّ على الصدور السابق بالحمل الشائع ، ولايلزم منه الخروج عن الحرفية ولا التركيب فيها .

والتحقيق : أنّ دلالة الأفعال على الحدث وعلى سبق الصدور ولحوقه وعلى البعث إليه ليست دلالات مستقلّة متعدّدة ، بل لها نحو وحدة ، فكما أنّ المادّة والهيئة كأ نّهما موجودتان بوجود واحد قابل للتحليل ، فكذلك أ نّهما كالدالّتين بدلالة واحدة قابلة للتحليل على معنى واحد قابل له . بيانه : أنّ تحقّق الصادر والصدور ليس تحقّقين ، كما أنّ الحالّ والحلول كذلك ، لكنّهما قابلان للتحليل في ظرفه .

وعلى هذا هما دالاّن على السبق واللحوق بالحمل الشائع ، ويستفاد من الماضي الصدور السابق بالإضافة حقيقة ، ومن المضارع الصدور اللاحق بالإضافة كذلك ، وليس الزمان ـ ماضياً كان أو مضارعاً ـ جزءً لمدلولهما ، بل من لوازم معناهما وتوابعه ; حيث إنّ وقوع الشيء أو لحوق وجوده يستلزمهما طبعاً . نعم لابدّ من الالتزام بتعدّد الوضع في المتعدّي واللازم ; لأنّ قيام المبدأ بالذات في الأوّل بالصدور وفي الثاني بالحلول .

والحاصل : أ نّا لاننكر استفادة السبق والحدث أو الصدور أو الحلول من الماضي ـ مثلا ـ بل ننكر تبادر هذه المعاني بنحو المعنى الاسمي وبنعت الكثرة ، بل المتبادر أمر وُحداني ; وهو حقيقة هذه المعاني بالحمل الشائع ; وإن كان يتحلّل عند العقل إلى معان كثيرة .


(154)

وإن شئت فاستظهر الحال من لفظ الجسم ومعناه ; حيث إنّ معناه أمر مركّب قابل للتحليل ، وكذلك الفعل فيما نحن فيه .

نعم ، الفرق بينهما : أنّ لفظ «ضرب» كمعناه مركّب من مادّة وصورة ، وكذا دلالته على معناه دلالة واحدة منحلّة إلى دلالات متعدّدة دون لفظ «الجسم» ودلالته ، فكما أنّ وحدة حقيقة الجسم لاتنافي التحليل كذلك وحدة فعل الفاعل ووحدة اللفظ الدالّ عليه لاتنافيه .

فتحصّل من جميع ذلك : أنّ لحاظ التحليل العقلي أوسع من متن الواقع ; إذ فيه يفكّ الصادر عن الصدور ، والحالّ عن الحلول ، والربط عن المربوط ، ويلاحظ كلّ واحد مستقلاّ بالملحوظية ، لكن إذا لوحظ الواقع على ما هو عليه لايكون هناك تكثّر في الصدور والصادر وأشباههما .

الثالثة : في كيفية دلالة فعل المضارع على الحال

لا إشكال في اختلاف فعل المضارع في الدلالة :

فمنه : ما يدلّ على المستقبل ولايطلق على الحال إلاّ شذوذاً ، مثل يقوم ويقعد ويذهب ويجيء ويجلس إلى غير ذلك ، فلا يطلق على المتلبّس بمبادئها في الحال .

ومنه : ما يطلق على المتلبّس في الحال بلا تأوّل ، مثل يعلم ويحسب ويقدر ويشتهي ويريد .

ومنه : الأفعال التي مبادئها تدريجية الوجود .

وما يقال من أنّ استعمال المضارع في التدريجيات باعتبار الأجزاء اللاحقة(1)  ممنوع ; لأ نّـه لايتمّ بالنسبـة إلى الأمثلـة المتقدّمـة ممّا كانت مبادئها


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 60 .


(155)

دفعيـة ولها بقاء . فلا فرق من حيث المبدأ بين يقدر ويعلم وبين يقوم ويقعد . والالتزام بتعدّد الوضع بعيد .

ولا يبعد أن يقال : إنّ هيئة المضارع وضعت للصدور الاستقبالي ، لكنّها استعملت في بعض الموارد في الحال ; حتّى صارت حقيقة فيه .

ثـمّ إنّ هنـا جهـات اُخـر مـن البحث مربوطـة بالمشتقّـات الاسميـة ، سيأتي  الكلام فيها .

الخامس : في اختلاف مبادئ المشتقّات

اختلاف مبادئ المشتقّات ; من حيث كون بعضها حرفة وصنعة ، أو قوّة وملكة لايوجب اختلافاً في الجهة المبحوث عنها ، وإنّما الاختلاف في أنحاء التلبّس والانقضاء ، وهذا ممّا لا إشكال فيه .

إنّما الكلام في وجه هذه الاختلافات ; فأ نّا نرى أنّ مفهوم التاجر والصائغ والحائك وأمثالها تدلّ على الحرفة والصناعة لاعلى الحدوث ، كما أنّ أسماء الآلات والمكان قد تدلّ على كون الشيء معدّاً لتحقّق الحدث بها أو فيها بنحو القوّة لا بنحو فعلية تحقّق الحدث بها أو فيها ، فما السرّ في هذا الاختلاف ؟ لأ نّا نرى أنّ المصداق الخارجي من المفتاح يطلق عليه أ نّه مفتاح قبل أن يفتح ، وعلى المسجد أ نّه مسجد قبل أن يصلّي فيه .

ربّما يقال : إنّ هـذه المشتقّات مستعملـة في المعاني الحديثـة كسائـر المشتقّات ، وإنّما الاختلاف في الجـري على الذوات ، فقولنا : «هـذا مسجـد» ، و«هـذا مفتاح» كقولنا «هذا كاتب بالقوّة» ; حيث إنّ الكاتب مستعمل في معناه لا في الكاتب بالقوّة .


(156)

وكذا الكلام في أسماء الأزمنة والأمكنة والآلات ; فإنّ الجري فيها بلحاظ القابلية والاستعداد .

وأ مّا ما يدلّ على الحرفة فسرّ الإطلاق فيه مع عدم التلبّس : أ نّه باتّخاذه تلك المبادئ حرفة صار كأ نّه ملازم للمبدأ دائماً(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه : أنّ تلك المشتقّات مع قطع النظر عن الجري والحمل تفيد معاني غير معاني المشتقّات المتعارفة ، فالمسجد بمفهومه التصوّري يدلّ على المكان المتهيّئ للعبادة ، وكذا المفتاح ، وقس عليه التاجر والحائك ; حيث يدلّ كلّ واحد بمفهومه التصوّري على الحرفة والصنعة قبل الجري والحمل .

ويمكـن أن يقال ـ بعد عـدم الالتزام بتعدّد الأوضاع ـ : إنّ ما يـدلّ على الصنعـة ـ والحرفة قد استعمل في تلك المعاني أوّلا بنحو المجاز حتّى صارت حقيقـة ; إمّا باستعمال الموادّ في الصنعـة والحرفـة أو استعمال مجموع المادّة والهيئـة مجازاً ، باعتبار أنّ المشتقّات كأ نّها كلمة واحدة ـ مادّة وهيئة ـ كسائر العناوين البسيطة .

ولكن هذا أيضاً لايخلو من بُعد ، وعلى فرض صحّته ليست العناية المصحّحة فرض الفترات كالأعدام ، ورؤيـة المبدأ الفعلي حاصلا ; لكون ذلك خلاف المتبادر ; فإنّـا لانفهم مـن التاجـر ومثلـه إلاّ مَن كـان حرفته كـذلك ، لا المشتغل بفعل التجارة دائماً ، كما هو واضح .

وممّا ذكرنا يتّضح الحال في أسماء المكان والآلات ، مع أ نّه يمكن أن يقال في المسجد والمحراب ونظائرهما : إنّها قد انقلبت عن الوصفية إلى الاسمية ، فكأ نّها


1 ـ نهاية الدراية 1 : 183 ـ 186 .


(157)

أسماء أجناس لايفهم العرف منها إلاّ ذات تلك الحقائق ، ولا ينسبق المبادئ إلى الذهن رأساً ، وكذا في أسماء الآلات .

بل يمكن أن يقال : إنّ المفهوم من مكان السجدة وآلة الفتح ليس إلاّ ما يعدّ لهما ، لا المكان الحقيقي الذي تضاربت فيه آراء الحكماء والمتكلّمين ، ولا الآلة الفعلية للفتح .

فحينئذ يمكن أن يلتزم بأنّ هيئة اسم الآلة وضعت لها ، وتكون في نظر العرف بمعنى ما يعدّ لكذا ، وهيئة اسم المكان لمكان الحدث ; أعني المكان الذي يراه العرف معدّاً لتحقّق الشيء فيه ، لكنّه لا يطّرد ذلك بالنسبة إلى الثاني ; وإن كان غير بعيد بالنسبة إلى الأوّل . وبعد ، فالمسألة لاتخلو من إشكال .

السادس : في المراد بـ «الحال» في العنوان

بعد مـا أشرنا إلى أنّ الكلام في المشتقّ إنّما هـو في المفهوم اللغوي التصوّري يتّضح لك : أنّ المراد بـ «الحال» في العنوان ليس زمان الجري والإطلاق ولا زمان النطق ولا النسبة الحكمية ; لأنّ كلّ ذلك متأخّر عن محلّ البحث ، ودخالتها في الوضع غير ممكنة ، وبما أنّ الزمان خارج عن مفهوم المشتقّ لايكون المراد زمان التلبّس .

بل المراد : أنّ المشتقّ هل وُضع لمفهوم لاينطبق إلاّ على المتّصف بالمبدأ أو لمفهوم أعمّ منه ؟

وإن شئت قلت : إنّ العقل يرى أنّ بين أفراد المتلبّس فعلا جامعاً انتزاعياً ، فهل اللفظ موضوع لهذا الجامع أو الأعمّ منه ؟


(158)

وممّا ذكرنا مـن أنّ محطّ البحث هـو المفهوم التصوّري يندفع ما ربّما يتوهّم أنّ الوضع للمتلبّس بالمبدأ ينافي عدم التلبّس به في الخارج ; خصوصاً إذا كان التلبّس ممتنعاً ـ كالمعدوم والممتنع ـ للزوم انقلاب العدم إلى الوجـود ، والامتناع إلى الإمكان(1) .

وجه الدفع : أنّ التالي إنّما يلزم ـ  على إشكال فيه  ـ لو كان المعدوم ـ  مثلا  ـ وضع لمعنى تصديقي ; وهو كون الشيء ثابتاً له العدم ، ومعه يلزم الإشكال ـ  ولو مع الوضع للأعمّ أيضاً  ـ وسيأتي(2)  أنّ معنى المشتقّات ليس بمعنى شيء ثبت له كذا حتّى يتمسّك بالقاعدة الفرعية .

وأ مّا ما ربّما يجاب : بأنّ كون الرابط لاينافي الامتناع الخارجي للمحمول(3)  فلا يدفع الإشكال به ; وذلك لأنّ الكون الرابط وإن كان لاينافي كون المحمول عـدماً أو ممتنعاً ـ على تأمّل فيه ـ لكن لايمكن تحقّقه إذا كان الموضوع معـدوماً أو ممتنعاً ، كما فيما نحن فيه ; إذ في مثل «زيد معدوم» و«شريك البارئ ممتنع» لايمكن تحقّق الكون الرابط ، وسيوافيك أنّ هذه القضايا في قوّة المحصّلات من القضايا السالبة ، فارتقب(4) .


1 ـ اُنظر نهاية الدراية 1 : 191 .
2 ـ يأتي في الصفحة 181 .
3 ـ نهاية الدراية 1 : 191 .
4 ـ يأتي في الصفحة 413 ـ 466 .


(159)

التحقيق
كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس

التبادر هو الدليل الوحيد

التحقيق ـ وفاقاً للمحقّقين ـ أنّ المشتقّ حقيقة في المتلبّس بالمبدأ ـ على الذي عرّفناك معناه ـ وبما أنّ البحث لغوي يكون الدليل الوحيد في الباب هو التبادر ، وما سوى ذلك لايغني من الحقّ شيئاً ; لما تقدّم أنّ صحّة السلب لا تصلح لأن تكون علامة الحقيقة(1) . وما استدلّ به لما اخترناه من الوجوه العقلية كلّها ردية ، إلاّ أن يكون الغرض تقريب وجه التبادر وتوضيحه ، وإليك بيانها :

في نقد ما يستدلّ به لخصوص المتلبّس عقلاً

منها : ما ربّما يقال من أ نّه لاريب في مضادّة الأوصاف المتقابلة التي اُخذت من المبادئ المتضادّة ، فلو كان موضوعاً للأعمّ لارتفع التضادّ(2) .

وفيه : أ نّه لولا التبادر لما كان بينها تضادّ ارتكازاً ; إذ حكم العقل بأنّ الشيء لايتّصف بالمبدأين المتضادّين صحيح ، لكن الاستنتاج من هذا الحكم بعد تعيين معنى الأبيض والأسـود ببركـة التبادر ، وأنّ معنى كلّ واحد بحكمه هـو المتلبّس بالمبدأ عند التحليل ، ومع التبادر لايحتاج إلى هذا الوجه العقلي ، بل لامجال له ، فتدبّر .


1 ـ تقدّم في الصفحة 80 .
2 ـ كفاية الاُصول : 65 .


(160)

ومنها : ما أفاده بعض الأعيان من أنّ الوصف بسيط ; سواء كانت البساطة على ما يراه الفاضل الدواني من اتّحاد المبدأ والمشتقّ ذاتاً واختلافها اعتباراً(1) ، أو كانت البساطة على ما يساعده النظر من كون مفهوم المشتقّ صورة مبهمة متلبّسة بالقيام على النهج الوُحداني :

أ مّا على الأوّل : فلأنّ مع زوال المبدأ لاشيء هناك حتّى يعقل لحاظه من أطوار موضوعه ، فكيف يعقل الحكم باتّحاد المبدأ مع الذات في مرحلة الحمل مع عدم قيامه به ؟

وأ مّـا على الثاني : فلأنّ مطابق هـذا المعنى الوحـداني ليس إلاّ الشخص على ما هو عليه من القيام ـ مثلا ـ ولا يعقل معنى بسيط يكون لـه الانتساب حقيقـة إلى الصورة المبهمـة المقوّمـة لعنوانيـة العنوان ، ومـع ذلك يصـدق على فاقـد التلبّس(2) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه : أنّ بساطـة المشتقّ وتركّبه فرع الوضع ، وطريق إثباته هـو التبادر لا  الدليل العقلي ، وسيأتي أنّ ما اُقيم مـن الأدلّة العقليـة على البساطـة ممّا لايسمن ، فانتظره(3) .

ومنها : أنّ الحمل والجري لابدّ له من خصوصية ، وإلاّ لزم جواز حمل كلّ شيء على مثله ، والخصوصية هنا نفس المبادئ ، ولا يمكن الحمل على الفاقد المنقضي عنه المبدأ ; لارتفاع الخصوصية .

والقائل بالأعمّ إمّا أن ينكر الخصوصية في الجري وهو خلاف الضرورة أو


1 ـ شرح تجريد العقائد ، القوشجي : 85 (تعليقة المحقّق الدواني) .
2 ـ نهاية الدراية 1 : 194 ـ 195 .
3 ـ يأتي في الصفحة 165 .


(161)

يدّعي بقاء الخصوصية بعد الانقضاء وليس بعده شيء ، إلاّ بعض العناوين الانتزاعية(1) ، انتهى .

قلت : قد أسلفنا أنّ البحث لغوي دائر حول الكلمة المفردة ، والحمل والجري متأخّران عن الوضع . أضف إلى ذلك : أ نّه لو أمكن وضع اللفظ للجامع بين المتلبّس وفاقد التلبّس على فرض تصويره لصحّ الحمل بعد انقضائه أيضاً .

بطلان مقالة الأعمّي لامتناع تصوير الجامع

والتحقيق في نقد مقالة الأعمّي أن يقال ـ مضافاً إلى ما عرفت من كون المتبادر هو المتلبّس ـ إنّه لا محيص للقائل بالأعمّ عن تصوير جامع بين المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ حتّى يصير الاشتراك معنوياً ; إذ لولاه يلزم الاشتراك اللفظي أو كون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً ، والقائل يعترف بفسادهما ، ولو امتنع تصوير الجامع بينهما يسقط دعواه ، من دون أن نحتاج إلى إقامة برهان ومزيد بيان .

ولكن التدبّر التامّ يعطي امتناع تصوّر جامع بينهما ; إذ الجامع الذاتي بين الواجد والفاقد والموجود والمعدوم لايتصوّر أصلا ; إذ المدّعى : أنّ الفاقد يصدق عليه المشتقّ في حال فقدانه ; لأجل التلبّس السابق ، لا أ نّه لأجل الجري عليه بلحاظ حال التلبّس ; إذ هو حقيقة حتّى فيما سيأتي إذا كان الجري بلحاظ حال تلبّسه بالاتّفاق .

وأ مّا الانتزاعي البسيط فممتنع أيضاً ; إذ المدّعى : أ نّه حقيقة في الواجد والفاقد فعلا إن كان متلبّساً فيما قبل ، والمفهوم البسيط لايمكن أن يتكفّل لإفادة


1 ـ نهاية الاُصول : 65 ـ 67 و72 ـ 73 .


(162)

هذا المعنى المركّب على نحو يدخل فيه هذان المعنيان ، ويخرج ما يتلبّس بعد .

وأ مّا الجامع البسيط المنحلّ إلى المركّب فهو أيضاً غير متصوّر ; إذ هو لابدّ أن ينتزع من الواقع ، والانتزاع عنه فرع صلاحية الواقع له .

وما ربّما يقال : من أنّ الجامع ما خرج من العدم إلى الوجود مدفوع بأ نّه يستلزم أن يكون حقيقة في الماضي فقط ، ولو اُضيف إليه قيد آخر لإدخال المتلبّس بالفعل يوجب ذلك تركّبه على نحو أفحش ، ولا أظنّ أن يرضى به القائل بالأعمّ ، مع أنّ وضعه لهذا المفهوم ; أي ما خرج إلى الوجود أو ما تلبّس في الجملة أو نظائرهما خلاف الضرورة .

أضف إلى ذلك : أنّ الالتزام بالتركيب التفصيلي من غير جامع وحداني مساوق للالتزام بالاشتراك ـ ولو بوضع واحد ـ وذلك من غير فرق بين القول بأخذ الزمان في المشتقّ وعدمه ، أو أخذ الذات وعدمه ; لعدم الوضع للذات أو الزمان بما هما ، بل لابدّ من تقييدهما بالتلبّس والانقضاء ، مع عدم الجامع بينهما مطلقاً .

فحينئذ ليس للقائل بالأعمّ مفرّ ، وأحسب أنّ القائل اعتمد على إطلاق المشتقّ ـ أحياناً ـ على ما انقضى عنه المبدأ وزعم أ نّه حقيقة ، من دون أن يتفكّر في جامعه أهو بسيط أو مركّب ؟ والبسيط مقولي أو انتزاعي ؟ ثمّ الانتزاعي أهو قابل للانحلال أولا ؟

وبالجملة : أنّ عجزه في تصوير الجامع كاف في بطلان مرامه ، والأولى الصفح عمّا استدلّ به على مختاره ، مثل دعوى التبادر في المقتول والمضروب ، وأنّ المتبادر هو الأعمّ ، مع أنّ فيه منعاً واضحاً ; لأنّ استعمال المضروب وأمثاله إنّما هو بلحاظ حال التلبّس ، وإلاّ فأيّ فرق بينه وبين اسم الفاعل ؟ إذ الضاربية والمضروبية متضائفتان ، وهما متكافئتان قوّة وفعلا ، عرفاً وعقلا .


(163)

والعجب من بعض الأعاظم ; حيث تسلّم دليل الخصم والتجأ إلى إخراج اسم المفعول ; قائلا بأ نّه موضوع لمن وقع عليه الحدث ، وهو أمر لايعقل فيه الانقضاء(1) .

وفيه : أ نّه أيّ فرق بينه وبين اسم الفاعل ; لأ نّه يمكن أن يقال فيه أيضاً : إنّه موضوع لمن صدر منه الضرب ، وهو أمر لايعقل فيه الانقضاء بالمعنى الذي لايعقل في اسم المفعول .

في الوجوه التي استدلّ بها للأعمّ

قلنا : إنّ الأحرى الإعراض عمّا استدلّ به القائل بالأعمّ ، لكن استيفاءً للبحث نشير إلى بعضها فنقول :

منها : التمسّك بقوله تعالى : (اَلزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِد مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَة)(2)  وقوله سبحانه : (السَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُما)(3)  بتقريب أنّ الجلد والقطع ثابتان لمن صدق عليه عنوانا الزاني والسارق ، ولولا صدقهما على من انقضى عنه مبدأهما لزم انتفاء الموضوع حين إجراء حكمهما(4) .

وفيه : أنّ الحدّ ليس دائراً على صدق العنوان الانتزاعي عليه ، بل على صدور الأمر الشنيع الذي دعى الشارع أو المقنّن العرفي إلى تأديبه وسياسته .

وحينئذ فالموجب للسياسة هو العمل الخارجي ، لاصدق العنوان الانتزاعي ; فالسارق يقطع لأجل سرقته ، وفي مثله يكون السارق والزاني إشارة إلى من هو


1 ـ أجود التقريرات 1 : 83 ـ 84 .
2 ـ النور (24) : 2 .
3 ـ المائدة (5) : 38 .
4 ـ اُنظر مفاتيح الاُصول : 17 / السطر8 ، هداية المسترشدين 1 : 373 .


(164)

موضوع الحكم مع التنبيه على علّته ; وهو العمل الخارجي لا العنوان المنتزع . فكأ نّه قال : الذي صدر منه السرقة تقطع يده لأجل صدورها منه .

ومنها : ما استدلّ به الإمام ـ عليه السَّلام ـ على بطلان خلافة من عبد الأصنام بقوله سبحانه : (لا يَنالُ عَهدِي الظالِمِينَ)(1)  من أ نّه أيّ ظلم أعظم من عبادة الصنم ؟ ! وهو يتوقّف على الوضع للأعمّ ; لأ نّهم غير عابدين للصنم حين التصدّي(2) .

وفيه : أنّ الإمامة والزعامة الدينية تستتبعان التسلّط على نفوس الناس وأعراضهم وأموالهم وغيرها من الاُمور المهمّة العظيمة التي لا يتحمّلها مثل إبراهيم خليل الرحمان ـ  ذلك القائد الديني الذي محّص باطنه وأظهر مكنونه  ـ إلاّ بعد ابتلاء من الله وامتحان منه . فحينئذ فزعامة هذا خطرها وعظمتها كيف يليق أن يتصدّى بها الظالم ; ولو برهة من الزمن . ومناسبة الحكم والموضوع وسوق الآية يشهد بأنّ الظالم ـ  ولو آناً ما  ـ والعابد للصنم ـ  ولو في مقدار من عمره  ـ غير لائق بهذا المقام ، ولعلّ استدلال الإمام ـ عليه السَّلام ـ من هذا الباب .

أضف إلى ذلك : أنّ الظلم يشمل الظلم المتصرّم وغير المتصرّم ; لكون جميعها ظلماً بقول واحد ، ولكن منصب الإمامة أمر مستمرّ باق ، كما أنّ موضوع المنصب هو ذوات الأشخاص ـ وإن كانوا متلبّسين بمثل المبادئ التي هي آنيات التحقّق ـ فمن صدر منه قتل وظلم ثمّ تاب فوراً تشمله الآية ، فإنّه ظالم حال الصدور ، فهو غير لائق بالمنصب الذي هو أمر مستمرّ ، فلابدّ أن يكون المقصود منها : أنّ المتلبّس بالظلم ـ ولو آناً ما ـ لايناله عهدي مطلقاً ، فتأمّل .

بقي اُمور مهمّة :


1 ـ البقرة (2) : 124 .
2 ـ اُنظر هداية المسترشدين 1 : 373 ، كفاية الاُصول : 68 .


(165)

الأمر الأوّل
في بساطة المشتقّ وتركّبه

كون المشتقّ مخصوصاً بهذا النزاع دون الجوامد ; لعدم اشتمالها على المادّة والهيئة اللتين لكلّ واحد منهما وضع مستقلّ ، كما في المشتقّات حتّى يتوهّم فيها أيضاً حديث البساطة والتركيب .

والوجوه المحتملة ثلاثة :

الأوّل : أنّ مفاد المشتقّ ومعناه الموضوع له مركّب تفصيلي ، بتقريب أنّ وزان المادّة والهيئة في عالم الوضع والدلالة وزان لفظي «غلام زيد» في الدلالة على معنيين متميّزين ـ دلالة مستقلّة مفصّلة ـ وهذا المعنى المركّب إمّا هو الذات والحدث والنسبة ، أو الحدث والنسبة ، أو الحدث والذات ، وجوه محتملة .

ولكن لا أظنّ أحداً يلتزم بذلك ، فتكون المسألة ـ ظاهراً ـ ذات قولين .

الثاني : القول بأنّ الموضوع له في المشتقّ أمر بسيط محض غير قابل للانحلال ـ  لا دلالة ولا مدلولا ، لابدءً ولا تعمّلا  ـ بتقريب أنّ الهيئة لم توضع لمعنى ، بل وضعت لقلب المعنى الذي هو بشرط لا إلى معنى لابشرط ، وجعله غير آب عن الحمل والجري ، بعد ما كان متعصّياً عنه(1) .

وهذا القول أو هذا الاحتمال في المشتقّ نظير ما احتملناه(2)  في المصدر ; من أنّ هيئته وضعت للتمكين من التنطّق بالمادّة ، وصيرورتها متحصّلة قابلة للدلالة


1 ـ شرح تجريد العقائد ، القوشجي : 85 (تعليقة المحقّق الدواني) .
2 ـ تقدّم في الصفحة 150 .


(166)

المستقلّة ، وإلاّ فمفاد المصدر ليس إلاّ نفس الطبيعة ، وهي بعينها مفاد المادّة .

ولكن الظاهر : أنّ القول بالبساطة المحضة يرجع إلى التركيب الانحلالي ; وإن غفل قائله عنه .

وتوضيحه : أنّ اللابشرطية وبشرط اللائية ليستا من الاعتبارات الجزافية ; بحيث يكون زمامهما بيد المعتبر ; فإن شاء اعتبر ماهية لابشرط فصارت قابلة للحمل ، وإن لم تكن في نفسها كذلك وبالعكس ، بل التحقيق في جُلّ المعقولات الثانوية والأوّلية : أ نّها نقشة لنفس الأمـر والواقـع ، فالمفاهيم في كونها قابلـة للحمل وعدمه تابعة لما في نفس الأمر ، والألفاظ الموضوعة للمفاهيم تابعة لها ولنفس الأمر .

وما عن الأساطين من كون الأجناس والفصول مأخوذتين لا بشرط ليس ناظراً إلى أنّ الوصف المزبور بيد الاعتبار ، بل لكون واقعهما ومطابقهما لا بشرط ; بحيث يتّحد كلّ مع الآخر ، والمفاهيم والألفاظ الموضوعة لها تابعة للواقع وحاكية عن نفس الأمر .

فالأجناس والفصول مأخذهما المادّة والصورة المتّحدتان في نفس الأمر ، ولولا ذلك الاتّحاد لكان حمل أحدهما على الآخر ممتنعاً ـ ولو اعتبرناهما ألف مرّة لابشرط ـ فالحمل هو الهوهوية الحاكية عن الهوهوية الواقعية التي بين الحقائق .

فالجوهر والعنصر والمعدن والنبات والحيوان والناطق مأخذها ومحكيها هي الحقائق النفس الأمرية المتّحدة من المادّة الاُولى المتدرّجة إلى منزل الإنسان . ففي كلّ منزل تكون المادّة متّحدة مع الصورة ، وهذا الاتّحاد مناط اللابشرطية ومناط صحّة الحمل في المعاني المأخوذة منهما ، وفي الألفاظ الحاكية عنها ، وبهذا المعنى يكون التركيب بين المادّة والصورة اتّحادياً .


(167)

مثلا قوّة النواة قد صارت عين النواة ; بحيث ليس هنا إلاّ فعلية النواة . نعم بما أنّ في هذه النواة قوّة الشجر ـ حقيقةً ـ يكون التركيب بين قوّة الشجر وبين صورة النواة انضمامياً ، وهما بهذا المعنى بشرط لا ، لايحمل أحدهما على الاُخرى إلاّ بوجه مسامحي لدى العقل الدقيق ، كما أنّ الصور المتدرجة في الكمال إذا صارت واقفة لحدّ تكون بشرط لا بالنسبة إلى الحدود الاُخر واقعاً والمفهوم المأخوذ منها بشرط لا بالنسبة إليها ; وإن كانت لا بشرط بالنسبة إلى المصاديق .

فالشجر هو النبات الواقف ; أي بشرط لا ، والنامي هو الحقيقة المتدرّجة في الكمال ; أي اللابشرط ، والتفصيل موكول إلى محلّه(1) .

فتحصّل ممّا مرّ : أنّ اللابشرطية وبشرط اللائية ليستا جزافيتين تابعتين لاعتبار المعتبر . فحينئذ نقول : لا يمكن أن تكون الهيئة لإخراج المادّة إلى اللابشرطية إلاّ أن تكون حاكية لحيثية بها صار المشتقّ قابلا للحمل ; فإنّ نفس الحدث غير قابل له ، ولم يكن متّحداً في نفس الأمر مع الذات ، فقابلية الحمل تابعة لحيثية زائدة على الحدث المدلول عليه بالمادّة . فظهر أنّ لمادّة المشتقّات معنى ولهيئتها معنى آخر به صار مستحقّاً للحمل ، وهذا عين التركيب الانحلالي .

تحقيق للمقام

الثالث ـ وهو الموافق للتحقيق والارتكاز العرفي والاعتبار العقلائي ـ هو أنّ لفظ المشتقّ الاسمي القابل للحمل على الذوات ـ كأسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان والآلة ـ موضوع لأمر وحداني مفهوماً ، قابل للانحلال إلى معنون مبهم


1 ـ الحكمة المتعالية 2 : 16 ـ 44 و 5 : 282 ـ 305 .


(168)

وعنوان دون النسبة ، وأنّ المشتقّ متوسّط بين الجوامد التي هي بسائط لفظاً ودلالة ومدلولا ، وبين المركّبات تفصيلا ، التي هي مركّبات في اللفظ والدلالة والمدلول تركيباً تفصيلا ، والمتوسّط بينهما هو المشتقّ ، فهي أمر وحداني لفظاً ودلالة ومدلولا في النظرة الاُولى ، ولكنّه ينحلّ إلى شيئين في المقامات الثلاث عند التحليل والتجزئة عقلا .

توضيحه : أنّ الصور الحاصلة من الموجودات المادّية مثلا في القوّة الخيالية : تارة يكون ذات الشيء بلا وصف عنواني ، واُخرى يكون معه . والثاني على قسمين ; لأنّ الحاصل فيها قد يكون الذات مع العنوان بنحو التفصيل ; بحيث يتعلّق بكلّ من الذات والوصف إدراك مستقلّ ، وقد يكون الذات والعنوان مدركين بما أ نّهما الشيء المعنون الوُحداني .

فهذه أنحاء ثلاثة ; فالحاكي عن الأوّل هو الجوامد كلفظ الجسم ; فإنّه يحكي من الذات فقط ، وعن الثاني هو اللفظ المركّب من لفظين أو أزيد نحو قولك «زيد له البياض» وعن الثالث هو المشتقّ نحو أبيض ; إذ هو حاك لاعن الذات فقط وعن ذات وعنوان تفصيلا ، بل عن المعنون بما أ نّه مفهوم وحداني ينحلّ إليهما عند العقل لاعند الإطلاق .

وإن شئت قلت : لفظ الجسم بسيط دالاّ ومدلولا ودلالة ، فلا يدلّ إلاّ على معنى وحداني ، ليس في هذه العوالم الثلاث إلاّ وحدانياً غير قابل للانحلال ، وقولك «جسم له البياض» أو «شيء معنون بالأبيضية» يدلّ بالدلالات المستقلاّت وبالألفاظ المنفصلة على المعاني المفصّلة المشروحة ، ولفظ الأبيض دالّ على المعنون بما هو كذلك ، لابنحو التفصيل والتشريح ، بل بنحو الوحدة .

فالدلالة والدالّ والمدلول لكلّ منها في المشتقّ وحدة انحلالية في عالم


(169)

الدلالة والدالّية والمدلولية .

فإن قلت : إنّ الجسم ينحلّ بحسب المعنى إلى مادّة وصورة ، ضرورة تركّبه منهما ، فكيف يكون غير منحلّ مدلولا أيضاً ؟ فلا فرق بين الجسم والمشتقّ بحسب المدلول ; بدوياً أو انحلالياً .

قلت : انحلال الجسم إلى المادّة والصورة إنّما هو في ذاته لابما أ نّه مدلول لفظـه ، بخلاف العالم فإنّ انحلالـه إلى المعنون والعنوان انحـلال في المدلول بما أ نّـه مدلوله .

وبعبارة ثانية : كما أنّ المادّة والهيئة في المشتقّات كأ نّهما موجودان بوجود واحد كذلك في الدلالة ; فإنّ دلالتهما دلالتان في دلالة واحدة ، والمفهوم منهما مفهومان في مفهوم واحد ، وفي الخارج كأ نّهما موجودان بوجود واحد ، والمعنون الذي هو مفهوم المشتقّ يقبل الحمل والجري على الأفراد ; فزيد في الخارج متّحد الوجود مع الضارب الذي ينحلّ إلى المعنون بالضاربية .

استدلال المحقّق الشريف على بساطة المشتقّ ونقده

ثمّ إنّ المحقّق الشريف استدلّ على بساطة المشتقّ بامتناع دخول الشيء في مفهوم الناطق ; لاستلزامه دخول العرض العامّ في الفصل المميّز ، ولو اعتبر ما صدق عليه الشيء انقلبت القضية الممكنة إلى الضرورية(1) ، انتهى .

وفيه مواقع للنظر :

أ مّا أوّلا : فلأنّ برهانه لايثبت إلاّ خروج الذات لا البساطة ، فلقائل أن يقول


1 ـ شرح المطالع : 11 / السطر الأوّل من الهامش .


(170)

ـ  كما اختار بعضهم(1) ـ  : إنّ مفاده هو الحدث المنتسب إلى الذات بنحو يكون الحدث والنسبة داخلتين والذات خارجة . اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ الشريف بصدد إثبات خروج الذات لا البساطة ، وهو غير بعيد عن ظاهر كلامه ، فراجع محكي كلامه في شرح «المطالع» .

وأ مّا ثانياً : فلأنّ المشتقّ بما له من المعنى الحدثي لايعقل أن يعدّ من مقوّمات الجوهر ; سواء كان بسيطاً أم مركّباً ، فلو صحّ القول بنقله عن معناه على البساطة فليصحّ على القول بالتركيب . نعم سيوافيك ـ بإذنه تعالى ـ أنّ المبدأ لا يشترط فيه سوى كونه قابلا لاعتوار الصور والمعاني عليه ، وأ مّا كونه حدثياً فليس بواجب ، بل هو الغالب في مصاديقه .

وثالثاً : أنّ ما لفّقه بصورة البرهان ـ بعد الغضّ عن أ نّه ليس برهاناً عقلياً ، بل مآله إلى التمسّك بالتبادر عند المنطقيين ـ إنّما يتمّ لو كان مفاد المشتقّ مركّباً تفصيلياً ، وقد عرفت أ نّه لا قائل به ظاهراً ، وأ مّا على ما اخترناه من كون المتبادر هو البسيط الانحلالي فلا .

توضيح ذلك : أنّ المحقَّق في محلّه : هو أنّ تركّب الجنس والفصل اتّحادي لا  انضمامي(2) ; لأنّ المادّة البسيطة إذا اتّصفت بالكمال الأوّل ـ أعني الحركة ـ وتوجّهت إلى صوب كمالاتها تتوارد عليها صور طولية في مـدارج سيرها ومراتب عـروجها ; بحيث تصير في كلّ مرتبـة عين صورتها على نحو لا تقبل التعدّد والكثرة وجوداً ; وإن كانت تقبلها تحليلا . وهذا التدرّج والحركة إلى أخذ الصور مستمرّ حتّى تصل إلى صورة ليست فوقها الصورة ، التي هي جامعة لكمالات


1 ـ نهاية الأفكار 1 : 143 ، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 170 .
2 ـ الحكمة المتعالية 5 : 282 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 105 .


(171)

المراتب الأوّلية ، لكن بنحو الأتمّ والأبسط .

وهذه الوحدة الشخصية والبساطة لايتنافيان مع انتزاع حدود عن الذات المشخّصة ; لأنّ أجزاء الحدّ لم تؤخذ بنحو يوجب الكثرة الخارجية حتّى يباينه بساطتها ، بل الحدّ وتركّبه إنّما هما بتعمّل من القوّة العاقلة الناظرة في حقائق الأشياء وكيفية سيرها ، فتنزع من كلّ مرتبة جامعاً ومائزاً .

وعليه : فكما أنّ البساطة الخارجية لاتضادّ التركّب التحليلي كذلك وعاء المفاهيم ومداليل الألفاظ ; فإنّ تحليل المشتقّ لاينافي بساطة مفهومه وكونه أمراً وحدانياً ; إذ تحليل مفهوم المشتقّ إلى الذات والحدث وانتزاعهما منه ليس إلاّ كانتزاع الجنس والفصل عن الموجود البسيط المتّحد جنسه مع فصله .

وبعبارة ثانية : أنّ الحدّ التامّ لابدّ وأن يكون محدّداً ومعرّفاً للماهية على ما  هي عليها في نفس الأمر ، ولو تخلّف عنها في حيثية مـن الحيثيات لم تكن تامّـاً . وماهية الإنسان ماهيـة بسيطة يكون جنسها مضمَّناً في فصلها ، وكذلك فصلها في جنسها ; لأنّ مأخـذهما المادّة والصورة المتّحدتان ، ولابـدّ أن يكون الحدّ مفيداً لذلك .

فلو كانت أجزاء الحدّ حاكية عن أجزاء الماهية في لحاظ التفصيل لم يكن تامّاً ، فلا محيص عن أن يكون كلّ جزء حاكياً عن المحدود بما هو بحسب الواقع من الاتّحاد ، وهو لايمكن إلاّ بأن يكون الحيوان الناطق المجعول حاكياً عن الحيوان المتعيّن بصورة الناطقية ; أي المادّة المتّحدة بتمام المعنى مع الصورة .

فالذات المبهمة المأخوذة على نحو الوحدة مع العنوان في المشتقّ صارت متعيّنة بالتعيّن الحيواني ، فكأ نّه قال : الإنسان حيوان متلبّس بالناطقية ، وكانت الناطقية صورة لهما ، وهي متّحد معهما ، لا أ نّه شيء والناطق شيء آخر .


(172)

هذا كلّه راجع إلى الشقّ الأوّل من كلامه ، وبالوقوف والتأمّل فيما ذكرنا يظهر ضعف الشقّ الثاني أيضاً ; إذ الانقلاب إنّما يلزم لو كان الذات مأخوذاً بنحو التفصيل ; بحيث يصير قولنا «زيد ضارب» إخبارين : أحدهما الإخبار عن كون زيد زيداً ، ثانيهما الإخبار عن كونه ضارباً .

وقد أشرنا إلى أنّ التركّب انحلالي ، ولو سلّمنا كون الذات مأخوذاً تفصيلا لايوجب ذلك كونه إخبارين ; ضرورة أنّ القائل بأنّ زيداً شيء له القيام ، ما أخبر إلاّ عن قيامه ، لا عن شيئيته ، ولو فرض أنّ ذلك إخباران وقضيتان : إحداهما ضرورية ، والاُخرى ممكنة فأين الانقلاب ؟ !

ثمّ إنّ هنا برهاناً آخر لايقصر عن برهان الشريف ـ نقداً ودخلا ـ وهو أنّ الضرورة قاضية بأ نّه لو قيل «الإنسان قائم» ، ثمّ قيل «الإنسان شيء أو ذات» ما فهم منه التكرار ، كما لو قيل : «إنّه إنسان وليس بقائم» ما فهم منه التناقض ، وهما من آيات البساطة وعدم أخذ الذات أو مصداقها فيه .

وفيه : أنّ المذكور ينفي أخذ الذات فيه تفصيلا دون ما ذكرنا ; لأ نّه لاينقدح منه في الذهن إلاّ معنى واحد ، والتناقض والتكرار فرع كونه إخبارين وقضيتين ، وقد تقدّم أنّ هنا إخباراً واحداً عن قيامه ، لاعن شيئيته وقيامه .

الأمر الثاني
في بيان الفرق بين المشتقّ ومبدئه

ترى أنّ عبائر القوم في بيان الفرق تحوم حول أمر واضح ; وهو أنّ المشتقّ غير آب عن الحمل ، والمبدأ متعصّ عنه ، مع أنّ قابلية المشتقّ له وعدم قابلية ذاك


(173)

له ليستا من الاُمور الخفية ; فانظر إلى قول المحقّق الخراساني ; حيث قال : الفرق بين المشتقّ ومبدئه مفهوماً هو أ نّه بمفهومه لايأبى عن الحمل ; لاتّحاده مع الموضوع ، بخلاف المبدأ ; فإنّه يأبى عنه ، بل إذا قيس إليه كان غيره لا هو هو ، وإليه يرجع ما عن أهل المعقول من أنّ المشتقّ يكون لا بشرط والمبدأ بشرط لا(1) ، انتهى ملخّصاً .

ولولا قوله إلى ذلك يرجع . . . إلى آخره كان كلامه مجملا قابلا للحمل على الصحّة ; وإن كان توضيحاً للواضح كما عرفت ، وإنّما كان عليه بيان لمّية قابلية حمل المشتقّ دون المبدأ ، كما أنّ ما نسب إلى أهل المعقول لا تنحلّ به العقدة ، مع عدم صحّته في نفسه ، كما سيأتي .

والتحقيق : أنّ مادّة المشتقّات موضوعة لمعنى في غاية الإبهام وعدم التحصّل ، ويكون تحصّله بمعاني الهيئات ، كما أنّ نفس المادّة أيضاً كذلك بالنسبة إلى الهيئات . فمادّة «ضارب» لايمكن أن تتحقّق إلاّ في ضمن هيئة ما ، كما أ نّها لا تدلّ على معنى باستقلالها .

فهي مع هذا الانغمار في الإبهام وعدم التحصّل لاتكاد تتّصف بقابلية الحمل ولا قابليته ، إلاّ على نحو السلب التحصيلي لا الإيجاب العدولي أو الموجبة السالبة المحمول ; لعدم شيئية لها بنحو التحصّل والاستقلال . فهي مع كلّ مشتقّ متحصّلة بنحو من التحصّل .

نعم ، بناءً على ما ذكرنا سابقاً من كون هيئة المصدر واسمه إنّما هي موضوعة لتمكين التنطّق بالمادّة يكون المصدر ـ كاسمه ـ هو الحدث المتحصّل ، فيتّصف


1 ـ كفاية الاُصول : 74 ـ 75 .


(174)

بالإباء عن الحمل ; لحكايته عن الحدث المجرّد عن الموضوع ـ ولو بنحو من التحليل ـ بخلاف المادّة ; فإنّها بنفسها لا تحصل لها ولا لمعناها .

فاتّضح بما ذكر : أنّ مـادّة المشتقّات مفترقـة عن المصادر وأسمائها بالتحصّل وعدمه .

وأ مّا الفرق بينها وبين المشتقّات القابلـة للحمل فهو : أنّ المشتقّات موضوعـة للمعنون بما هو كذلك ، والمادّة موضوعة للعنوان المبهم لابقيد الإبهام ، بل يكون نفسها مبهمة بالحمل الشائع ، والهيئة موضوعة لإفادة معنونية شيء ما بالمبدأ .

فإذا تركّب اللفظ من المادّة والهيئة ـ كالتركيب الاتّحادي ـ يدلّ على المعنون بما هو كذلك ، لابنحو الكثرة كما مرّ ، وبذلك يصلح للحمل لحصول مناطه ; أي الهوهوية الخارجية الحاكية بالمفهوم المدلول عليه باللفظ .

ولايخفى : أنّ مرادنا من التحصّل هو المستعمل في الماهيات النوعية مقابل الأجناس ، لا المستعمل في باب الوجود ، فلا تغفل . وبذلك يدفع توهّم لزوم دلالة المصدر على معنى زائد من الحدث .

ولو اشتهى أحد أن يقول : إنّ حيثية تحصّل الحدث ـ ولو نوعياً ـ نحو من المعنى المدلول عليه بالهيئة فلا بأس به بعد وضوح الأمر .

وأ مّا ما نسب إلى أهل المعقول من كون المادّة بشرط لا والمشتقّ لا بشرط فغير صحيح ; لاستلزامه اجتماع أمرين متنافيين في المشتقّات ; إذ المادّة التي اُخذت بشرط لا لابدّ وأن تكون موجودة في فروعها بما لها من الحيثيات ، بلا حذف واحدة منها . وحينئذ هيئة المشتقّ لا تأبى عن الحمل بل تقتضيه ، ومادّته يتعصّى عنه ، وإلاّ لم تكن ما فرض مادّة مادّة .


(175)

ولو قيل : إنّ الهيئة تقلّب المادّة إلى اللابشرط ، ففيه : أنّ ذلك لايرجع إلى محصّل ، إلاّ أن يراد به استعمال المادّة في ضمن هيئة المشتقّ في الماهية اللابشرط ، وهو ـ مع استلزامه المجازية ـ يهدم دعوى الفرق بين المادّة والمشتقّ بما ذكر .

واحتمال أنّ المراد من المادّة هنا هو المصدر يوجب وهناً على وهن ، على أنّ أخذ المبدأ بشرط لا ، يستلزم له نحواً من التحصّل ، والمتحصّل بما هو متحصّل لايعقل أن يصير مبدأ لشيء آخر ، فتدبّر .

ثمّ إنّ المنقول من أهل المعقول قد أيّده بعض المحقّقين من أهل الفنّ في تعليقاته ، وملخّصه يرجع إلى وجهين :

الأوّل : أ نّا إذا رأينا شيئاً أبيض فالمرئي بالذات هو البياض بالضرورة ، كما نحن نحكم قبل ملاحظة كونه عرضاً قائماً بالموضوع بأ نّه بياض وأبيض ، ولولا الاتّحاد بالذات بين الأبيض بالذات والبياض لما حكم العقل بذلك .

الثاني : أنّ معلّم المنطق ومترجمي كلامه عبّروا عن المقولات بالمتكيّف دون الكيف ، ومثّلوا لها بالحارّ والبارد ، ولولا الاتّحاد لما صحّ ذلك(1) .

ويشهد له ما نقل عن بعضهم من أنّ الحرارة لو كانت قائمة بذاتها لكانت حارّة بذاتها ، وهكذا البرودة(2) .

وفيه : خلط بين النظر العقلي والفهم العرفي ; إذ المتّبع في تعيين المفاهيم هو الأذهان الصافية عن شوائب البراهين العقلية ; إذ قصارى ما أثبته البرهان هو أنّ


1 ـ نقلهما الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار عن المحقّق الدواني . اُنظر الحكمة المتعالية 1 : 42 ، الهامش 3 ، نهاية الدراية 1 : 223 .
2 ـ اُنظر الحكمة المتعالية 6 : 65 ، نهاية الدراية 1 : 224 .


(176)

الأبيض الحقيقي هو البياض دون الجسم ; ولذا جعلوا حمل الأبيض على الجسم شائعاً عرضياً لا ذاتياً ، وأ مّا أنّ المشتقّات الدائرة بين العرف الساذج فاتّحادها مع مبادئها من الغرائب بينهم ، ولايرضى به ـ مهما صار دقيقاً ـ وأوهن منه التمسّك بكلام المترجمين أو الفرض الذي نسّجه البعض .

ثمّ إنّ ما اشتهر في توضيح اللابشرطية والبشرط اللائية في المقام فهو أيضاً مأخوذ من ذلك المحقّق ، ومجمله : أنّ حقيقة البياض تارة تلاحظ بما هي ، وأ نّها موجودة في قبال موضوعها ، فهي بهذا اللحاظ بياض ولا تحمل على موضوعها ، واُخرى تلاحظ بما هي ظهور موضوعها ومرتبة من وجوده ، وظهور الشيء وطوره لايباينه ، فيصحّ حملها عليه(1) ، انتهى .

لايكاد ينقضي تعجّبي من هذا المحقّق كيف جعل الوصفين المزبورين من الاُمور الاعتبارية ، وأنّ اللحاظ تارة يمنعه عن الحمل ، واُخرى يخرجه عن التعصّي ؟ ! وقد تقدّم أنّ الحقّ كون اللابشرطية وبديلها من الاُمـور الواقعيـة(2) . وإلى ذلك يرجع مغزى كلام المحقّقين ، وملخّص القول معه : أ نّه إن أراد من الاعتبارين أنّ المشتقّ قابل للحمل دون المبدأ فمسلّم ، وإن أراد اتّحادهما معنىً ، والفرق هو أنّ المشتقّ لوحظ مـن تطوّرات الموضوع وطوارئـه ومراتب وجـوده دون الآخر فغير صحيح ; لأنّ المتبادر خلافه ; لأنّ المفهوم مـن المشتقّ المعنون دون العنوان ، مع أنّ الحمل لايصحّ مالم يتحيّث المحمول بحيثية واقعية خارجـة عن طوق الاعتبار .


1 ـ اُنظر نهاية الدراية 1 : 225 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 166 .


(177)

الأمر الثالث
كلام صاحب الفصول ومناقشته

وممّن خالف مع ما نقل من أهل المعقول في الفرق المزبور صاحب «الفصول» ، وحاصل كلامه ـ  بطوله وتعقيده  ـ  : أنّ الحمل يتقوّم بمغايرة ـ باعتبار الذهن في لحاظ الحمل ـ واتّحاد ـ باعتبار ظرف الحمل من ذهن أو خارج ـ ثمّ التغاير قد يكون اعتبارياً والاتّحاد حقيقياً ، وقد يكون حقيقياً والاتّحاد اعتبارياً ، فلابدّ فيه من أخذ المجموع من حيث المجموع شيئاً واحداً ، وأخذ الأجزاء لا  بشرط واعتبار الحمل بالنسبـة إلى المجموع حتّى يصـحّ الحمل . والعرض لمّا كان مغايراً لموضوعه لابدّ في حمله عليه من الاتّحاد على النحو المذكور ، مع أ نّا نرى بالوجدان عدم اعتبار المجموع ; من حيث المجموع ، بل الموضوع المأخوذ هو ذات الأشياء .

فيتّضح من ذلك : أنّ الحمل فيها لأجل اتّحاد حقيقي بين المشتقّ والذات ، فلابدّ أن يكون المشتقّ دالاّ على أمر قابل للحمل ; وهو عنوان انتزاعي من الذات . بلحاظ التلبّس بالمبدأ ، فيكون المشتقّ مساوقاً لقولنا ذي كذا ; ولذا يصحّ الحمل(1) ، انتهى بتوضيح وتلخيص منّا .

قلت : ما ذكره أو حقّقه لايخلو عن جودة ، ولعلّه يرجع مغزاه إلى ما حقّقناه ، مع فرق غير جوهري .


1 ـ الفصول الغروية : 62 / السطر5 .


(178)

وما أورد عليه المحقّق الخراساني(1)  كأ نّه أجنبي من كلامه ; خصوصاً قوله مع وضوح عدم لحاظ ذلك في التحديدات ; فإنّ صاحب «الفصول» لم يدّع اعتبار المجموع في مطلق الحمل ، بل فيما يكون التغاير حقيقياً والاتّحاد اعتبارياً . نعم يـرد عليه : أنّ ذلك الاعتبار لايصحّح الحمل ، وهو لايضرّ بدعواه فيما نحن فيه ، فراجع «الفصول» .

ثمّ اعلم : أنّ الحمل الذي مفاده الهوهويـة ـ على مـا تقدّم ـ متقوّم بالاتّحاد بين الموضوع والمحمول في نفس الأمـر ، وإنّما أراد المتكلّم الإخبار بهذا الاتّحاد الواقعي ، فكما لايكون التغاير الواقعي متحقّقـاً في القضايا الصادقة ، كذلك لا معنى للتغاير الاعتباري واعتبار التغاير بوجـه ; لأنّ اعتبار التفكيك ينافي الإخبار بالاتّحاد والهوهوية .

نعم ، تغاير الموضوع والمحمول في القضية اللفظية والمعقولة وجوداً أو مفهوماً أيضاً ممّا لابدّ منه ، فإذا قلت : «زيد زيد» يتكرّر اللفظان في ذهن المتكلّم وكلامه وذهن المخاطب ، وهما موجودان حاكيان عن هوية واحدة في نفس الأمر ، من غير تكثّر واقعي ، ولا اعتبار التكثّر بين زيد ونفسه في الواقع وظرف الإخبار ; فإنّ الاعتبار الكذائي ينافي الإخبار بالوحدة .

وتوهّم : لزوم اعتبار التغاير ; لئلاّ يلزم حمل الشيء على نفسه ، ولا تحقّق النسبة بينه وبين نفسه ، مدفوع بما تقدّم تحقيقه ; من عدم تقوّم القضايا التي مفادها الهوهوية بالنسبة ، بل النسبة فيها باطلة .

وحمل الشيء على نفسه ـ بمعنى الإخبار عن كون الشيء نفسه ـ  ليس غير


1 ـ كفاية الاُصول : 75 ـ 76 .


(179)

صحيح جدّاً ، بل ضروري الصحّة . فما في كلام بعض الأعيان من المحشّين من التغاير الاعتباري بينهما الموافق لنفس الأمر(1)  فليس بتامّ .

الأمر الرابع
في الإشكال على الصفات الجارية على ذاته تعالى

قد يقال : إنّ المادّة موضوعة للحدث اللابشرط غير المتحصّل وهيئة المشتقّات للمعنون ; أعني الذات المتلبّس بالعنوان عند التحليل .

فيشكل الأمر في أوصافه تعالى من وجهين :

الأوّل : من ناحية هيئة المشتقّ ; فإنّها تقتضي مغايرة المبدأ لما يجري عليه ، والمذهب الحقّ عينية الذات مع الصفات .

الثاني : من جهة المادّة ; لاقتضائها كون المبدأ في المشتقّات حدثاً ، وهو سبحانه فوق الجواهر والأعراض ; فضلا عن الأحداث .

وأجاب المحقّق الخراساني : بأ نّه يكفي التغاير مفهوماً ; وإن اتّحدا عيناً(2) .

وفيه ـ مضافاً إلى عدم كفايته لدفع الإشكال الثاني ـ أنّ الإشكال هاهنا في أنّ مفاد المشتقّ هو زيادة العنوان على ذات المعنون ، وإجراؤه على الواجب يستلزم خلاف ما عليه أهل الحقّ . وما ذكر مـن اختلافهما مفهوماً كأ نّـه أجنبي عـن الإشكال .

وأعجب منه : ما في ذيل كلامه من أنّ في صفاته الجارية عليه تعالى يكون


1 ـ نهاية الدراية 1 : 232 .
2 ـ كفاية الاُصول : 76 .


(180)

المبدأ مغايراً له تعالى مفهوماً قائماً به عيناً ، لكنّه بنحو من القيام ، لا بأن يكون هناك اثنينية وكان ما بحذائه غير الذات ، بل بنحو من الاتّحاد والعينية . وعدم فهم العرف مثل هذا التلبّس لايضرّ ; لكونه مرجعاً في المفاهيم لافي تطبيقها(1) ، انتهى .

وفيه : مضافاً إلى أنّ القول بعينية الصفات مع الذات غير القول بكونها قائمة بذاتها ـ إذ لو قلنا بالقيام لتوجّه الإشكال ، ولايندفع بما قال ، إلاّ أن يراد بالقيام عدم القيام حقيقة ـ أضف إلى ذلك : أنّ المدّعى أنّ العرف يجري هذه الصفات عليه تعالى كما يجريها على غيره ، فالقول بأنّ العرف متّبع في المفاهيم لا التطبيق غير مربوط به ، مع أنّ عدم مرجعيته في التطبيق محلّ نظر .

وما عن صاحب «الفصول» من الالتزام بالتجوّز أو النقل(2)  خلاف الوجدان ; إذ لا نرى الفرق بين حملها عليه سبحانه وغيره .

وأ مّا الإشكال عليه من استلزام قوله كون جريها عليه لقلقة اللسان ، أو إرادة المعاني المقابلة تعالى عنه(3)  فمدفوع : بأنّ الالتزام بنقل العالم والقادر إلى نفس العلم والقدرة التي لاتستلزم الزيادة على ذاته لايوجب ما أوردوه ، بل يوجب تنزيه الذات عن الكثرة ، كما هو واضح .

والتحقيق في دفع الإشكال الأوّل أن يقال : إنّ المشتقّ لايدلّ إلاّ على المعنون بعنوان المبدأ بما أ نّه معنون ، فلا يفهم من لفظ العالم إلاّ المعنون به ; من حيث هو كذلك ، وأ مّا زيادة العنوان على المعنون وقيامه به فهو خارج عن مفهومه ، لكن لمّا كان الغالب فيها هو الزيادة تنسبق المغايرة والزيادة إلى الذهن لأجل التعارف


1 ـ كفاية الاُصول : 77 .
2 ـ الفصول الغروية : 62 / السطر28 .
3 ـ كفاية الاُصول : 78 .


(181)

الخارجي ، لا لدلالة المفهوم عليها . فالمشتقّ يدلّ على المعنون ، والعينية والزيادة من خصوصيات المصاديق .

فإن قلت : إنّ المشتقّ ينحلّ بحسب اللفظ والدلالة والمدلول إلى شيئين ; فينحلّ بحسب المدلول إلى ذات ثبت له المبدأ ، وهذا التفصيل والانحلال وإن لم يكن مدلولا أوّلياً للّفظ ، بناءً على بساطة المشتقّ ، بل مدلولا ثانوياً بحسب تحليل العقل ، إلاّ أنّ التحليل منه لابدّ أن يكون لأجل خصوصية في المدلول الأوّلي التي يقتضي زيادة العنوان على ذاته ، وإلاّ كان التحليل بلا ملاك .

فحينئذ : تلك الخصوصية المفهمة من المدلول الأوّلي تقتضي أن يكون وضع المشتقّ لمعنى يزيد فيه العنوان على ذاته ; حفظاً لملاك التحليل .

وبالجملة : التحليل ـ ولو بحسب العقل ـ لا يجامع مآلا مع القول بأنّ الزيادة والعينية من خصوصيات المصاديق .

قلت : لاينحلّ المشتقّ ـ حتّى في لحاظ التفصيل ـ إلى ذات ثبت له المبدأ ; بحيث يكون دالاّ على ذات ومبدء وثبوت مبدء لذات ، بل لايدلّ إلاّ على المعنون بما هو كذلك ، ولازمه وجدان المعنون للعنوان ، لاحصول العنوان له حصولا زائداً على ذاته . فهو تعالى عالم وقادر ; أي معنون بعنوان العلم والقدرة ، من غير لزوم كونهما وصفاً زائداً عليه تعالى ، كما أ نّه أزلي وأبدي ، من غير تصوّر كونهما وصفين زائدين على ذاته . وبالجملة : دعوى انحلال المشتقّ إلى ذات وصفة ، وثبوت الصفة لها ـ حتّى يكون لازمه الزيادة ـ في غاية السقوط .

فتحصّل : أ نّه تعالى موصوف بجميع الصفات الكمالية ومعنون بهذه العناوين ، وهي جارية عليه تعالى بما لها من المعاني ، من غير نقل ولا تسامح . وإنكار ذلك إلحاد في أسمائه وصفاته على فرض ،


(182)

وخلاف المتبادر والارتكاز على فرض آخر ، فهو ـ عزّ شأنه وتقدّست أسماؤه ـ موصوف بكلّ كمال .

وأ مّا تفصيل القول في أ نّه تعالى صرف الوجود وهو كلّ كمال ، وتحقيق القول في جمع صرف الوجود للأسماء مع كونها بحقائقها ثابتة له ، من دون شوب كثرة عقلية أو خارجية ، وغير ذلك من المباحث الهامّة فكلّها موكول إلى علمه ومحلّه وأهله .

وأ مّا الإشكال الثاني فيندفع : بأ نّه لا دليل على لزوم كون المبدأ حدثاً أو عرضاً بالمعنى المنافي لذاته سبحانه ، بل القدر المسلّم هو قبول المعنى المبدئي التصرّف والتصريف بتوارد الصور المتنوّعة والمعاني المختلفة عليه . والحقائق التي لها مراتب الكمال والنقص ، والعلّية والمعلولية ـ كحقيقة الوجود وكمالاتها ـ قد تكون قابلة للتصريف والتصرّف ; فإذا صدر منه تعالى وجود يصدق عليه أ نّه موجِد ، وعلى المعلول أ نّه موجَد ، ويجيء فيه سائر التصرّفات .

فتلخّص : أنّ المشتقّ يدلّ على المعنون بعنوان ، من غير دلالة على الحدثية والعرضية ، فإذا قلنا : إنّه سبحانه عالم ليس معناه إلاّ كون ذاتـه تعالى كاشفاً أو كشف تامّ عن الأشياء ، والعلم حقيقة الانكشاف ، من غير دخالة العرضية والجوهرية فيه ، فليس حقيقته إلاّ ذلك ، وهو ذو مراتب وذو تعلّق بغيره ، لا نحو تعلّق الحالّ بالمحلّ .

وهو تعالى باعتبار كونه في مرتبة ذاته كشف تفصيلي في عين البساطة والوحدة عن كلّ شيء ـ أزلا وأبداً ـ يطلق عليه عالم ، وباعتبار كون ذاته منكشفاً لدى ذاته يكون معلوماً ، فصدق المشتقّات الجارية على ذاته تعالى حقيقة من غير شوب إشكال ، والحمد لله تعالى .


(183)

المقصد الأوّل
في الأوامـر

وفيه فصول :


(184)


(185)

الفصل الأوّل
فيما يتعلّق بمادّة الأمر

وفيه جهات من البحث :

الاُولى : في معاني لفظ الأمر

اعلم أنّ المعروف بين الاُصوليين أنّ لفظ الأمـر مشترك لفظـي ـ بما أ نّـه لفـظ واحـد ـ بين الطلب الـذي هـو أمـر حـدثي وقابل للتصريف وبين غيره الذي ليس كذلك(1) .

وعن بعضهم : أ نّه مشترك معنوي بينهما(2) . ولكنّه غفلة وذهول ; لامتناع وجود جامع حقيقي بين الحدث وغيره . وعلى فرض وجوده لايكون حدثياً حتّى يقبل الاشتقاق إلاّ بنحو من التجوّز .

كما أنّ القول باشتراكه لفظاً غير صحيح ; إذ الموضوع للحدث هي المادّة السارية في فروعها التي لم تتحصّل بهيئة خاصّة ، بل خالية عن جميع الفعليات


1 ـ الفصول الغروية : 62 / السطر35 ، نهاية الأفكار 1 : 156 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 128 ، أجود التقريرات 1 : 86 .


(186)

والتحصّلات . والموضوع لمعان اُخر هو لفظ الأمر جامداً المتحصّل بهيئة خاصّة ، كلفظ الإنسان والحيوان .

وعليه : فالوضعان لم ينحدرا على شيء واحد حتّى يجعل من الاشتراك اللفظي ، بل على مادّة غير متحصّلة تارة ، وعلى اللفظ الجامد اُخرى . ولعلّ القائل بالاشتراك يرى مادّة المشتقّات هو المصدر ، وتبعـه غيره في ذلك ، من غير توجّه إلى تاليه .

ثمّ الظاهر ـ كما هو مقتضى التبادر ـ من قولنا «أمر فلان زيداً» أنّ مادّته موضوعة لجامع اسمي بين هيئات الصيغ الخاصّة بما لها من المعنى ، لا الطلب ولا الإرادة المظهرة ، ولا البعث وأمثالها .

ولايبعد أن يكون المعنى الاصطلاحي مساوقاً للّغوي ; أي لايكون له اصطلاح خاصّ ، مثلا إذا قال «اضرب زيداً» يصدق على قوله أ نّه أمره ، وهو غير قولنا : إنّه «طلب منه» أو «أراد منه» أو «بعثه» ; فإنّ هذه المفاهيم الثلاثة غير مفهوم الأمر عرفاً .

وبعبارة أوضح : أنّ مادّة الأمر موضوعة لمفهوم اسمي منتزع من الهيئات بمالها من المعاني ، لا بمعنى دخول المعاني في الموضوع له ، بل بمعنى أنّ الموضوع له جامع الهيئات المستعملة في معانيها ، لانفس الهيئات ; ولو استعملت لغواً أو في غير معناها ، فالمعنى مفهوم اسمي مشترك بين الهيئات التي هي الحروف الإيجادية .

فإن قلت : البحث في لفظ الأمر الذي له معنى اشتقاقي ، وما ذكرت من الجامع يستلزم كونه غير قابل للتصريف .

قلت : ما ذكرنا من الجامع الاسمي بما أ نّه قابل للانتساب والتصرّف يصحّ منه الاشتقاق ، كما أن الكلام واللفظ والقول مشتقّات باعتبار ذلك ، فلا إشكال من هذه


(187)

الجهة بوجه . ولو سلّم أنّ الأمر لغةً بمعنى الطلب فالاشتقاق كما يمكن باعتباره كذلك يمكن باعتبار المعنى الاصطلاحي ; أي القول الخاصّ ، لكن باعتبار كونه حدثاً صادراً عن المتكلّم .

وما يقال : من أنّ المعنى الاصطلاحي غير قابل للتصريف(1)  ناش عن جعل لفظ الأمر بإزاء معنى محصّل الذي لا يصدق إلاّ على الصيغ المحصّلة ، وقد عرفت أنّ الاشتقاق منه باعتبار انتسابه وكونه حدثاً صادراً عن الآمر .

الثانية : في اعتبار العلوّ والاستعلاء في معنى الأمر

الأقوى هو اعتبار العلوّ في معناه ; للتبادر ، ولـذا يذمّ العقلاء خطاب المساوي والسافل لمن هو مساو معه أو أعلى منه إذا كان بلفظ الأمر ، وهو آية أخذ العلوّ فيه .

نعم ، ليس المراد من العلوّ كونه عالياً واقعاً بأوصاف معنوية وملكات علمية ، بل هو أمر اعتباري له منشأ عقلائي ، يختلف بحسب الزمان والمكان ، ومداره : كون الشخص نافذاً كلمته ومسموعاً قوله واسعاً قدرته وعظمته ; بحيث يقتدر على إجراء أوامره وتكاليفه .

وعلى ذلك : فالملك المحبوس المتجرّد من النفوذ وإعمال القدرة لايعدّ إنشاؤه أمراً بل التماساً ، ورئيس المحبس النافذ في محيطه يكون آمراً بالنسبة إليه .

والظاهر : أنّ الاستعلاء أيضاً مأخوذ فيه ، فلايعدّ مكالمة المولى مع عبيده على طريق الاستدعاء والالتماس أمراً ، كما هـو واضح . فحينئذ لامناص عـن


1 ـ كفاية الاُصول : 82 .


(188)

القول بأنّ معنى الأمر ومفهومه أمر مضيّق ، لاينطبق إلاّ على أمر العالي المستعلي عند التحليل .

وربّما يقال : إنّ العلوّ والاستعلاء لم يعتبرا في معنى الأمر بنحو القيدية ، بل الطلب على قسمين ; أحـدهما ما صدر بغرض أ نّـه بنفسه يكون باعثاً بلا ضميمة مـن دعـاء والتماس ، فيرى الآمـر نفسه بمكان يكون نفس أمـره باعثاً ومحـرّكاً ، وهـذا الأمـر لاينبغي صدوره إلاّ مـن العالي المستعلي ، وهـو غير الأخـذ في  المفهوم(1) .

وفيه : أنّ عدم صدقه على غير العالي والمستعلي كاشف عن تضيّق مفهومه ; إذ لو أبقى على سعته كان عدم صدقه على غيرهما بلا ملاك .

وبالجملة : فالأمر دائر بين وضعه لمطلق القول الصادر ووضعه للصادر عن علوّ واستعلاء ، فعلى الثاني لامحيص عن الالتزام بتقييده بقيد حتّى لايصدق على غيرهما ، وعلى الأوّل لايتمّ قوله : إنّ الأمر الكذائي لاينبغي صدوره خارجاً إلاّ من العالي المستعلي ، مع أنّ المفهوم باق على سعته .

الثالثة : في دلالة مادّة الأمر على الوجوب

قد عرفت أنّ مادّة الأمر موضوع لمفهوم جامع بين الهيئات الصادرة عن العالي المستعلي ، فهل هو الموضوع له بقول مطلق أو ذاك مع قيد آخر ; أعني كونه صادراً على سبيل الإلزام والإيجاب ؟


1 ـ نهاية الاُصول : 86 .


(189)

والدليل الوحيد هو التبادر ، ولا يبعد موافقته للثاني ، ويؤيّده بعض الآيات(1) ، والرواية المأثورة عن النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «لولا أن أشقّ على اُمّتي لأمرتهم بالسواك»(2) ، وهو ظاهر في أنّ الأمر يوجب المشقّة والكلفة ، وهذا يساوق الوجوب دون الاستحباب . مضافاً إلى أنّ السواك مطلوب استحباباً ، فلو كان ذلك كافياً في صدق الأمر لما صدر منه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك الكلام .

وما قاله بعض محقّقي العصر ـ بعد اختياره كون لفظ الأمر حقيقة في مطلق الطلب ـ أ نّه لاشبهة في ظهوره حين إطلاقه في خصوص الطلب الوجوبي ، ومنشأ ذلك إمّا غلبة استعماله في الوجوب أو قضية الإطلاق ، ولا وجه لدعوى الأوّل ; لكثرة استعماله في الاستحباب ، كما ذكره صاحب «المعالم»(3) ; فينحصر الوجه في الثاني ، ثمّ استقربه بوجهين(4) .

غير مفيد ، بل من الغرائب ; لأنّ ما ذكره صاحب «المعالم» إنّما هو في صيغة الأمر دون مادّته ، كما أنّ مورد التمسّك بالإطلاق هو صيغة الأمر دون مادّته .


1 ـ وهي قوله تعالى : (فَليَحذَرِ الذينَ يُخالِفُون عَن أمرهِ) . النور (24) : 63 .
2 ـ الفقيه 1 : 34 / 123 ، وسائل الشيعة 2 : 17 ، كتاب الطهارة ، أبواب السواك ، الباب 3 ، الحديث 4 .
3 ـ معالم الدين : 53 .
4 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 196 ـ 197 .


(190)


(191)

الفصل الثاني
فيما يتعلّق بصيغة الأمر

وفيه مباحث :

الأوّل : في أنّ هيئة الأمر موضوعة للبعث والإغراء

قد أسلفنا ما هو المختار في مفاد الماضي والمضارع(1) ، بقي الكلام في هيئة الأمر ، فالتحقيق : أنّ مفادها إيجادي لا حكائي ، فهي موضوعة بحكم التبادر لنفس البعث والإغراء نحو المأمور به ، فهي كالإشارة البعثية والإغرائية ، وكإغراء جوارح الطير والكلاب المعلّمة .

وإن شئت ففرّق بينهما : بأنّ انبعاث الحيوانات يكون بكيفية الصوت والحركات والإشارات المورثة لتشجيعها أو تحريكها نحو المقصود ، لكن انبعاث الإنسان بعد فهم بعث مولاه وإحراز موضوع الإطاعة لأجل مباد موجودة في نفسه ، كالخوف من عقابه وعذابه ، والرجاء لرحمته وغفرانه ورضوانه .

وليس المراد من الإيجاد إيجاد شيء في عالم التكوين ; حتّى يقال : إنّا لا نتصوّر له معنى ، بل المراد هو إيجاد بعث اعتباري في دائرة المولوية والعبودية


1 ـ تقدّم في الصفحة 152 .


(192)

مكان البعث بالجوارح ; من يده ورِجله وغيرهما .

وقد عرفت نظائره في حروف القسم والنداء ; فإنّها موجدات بنحو من الإيجاد لمعانيها ، وفي ألفاظ العقود والإيقاعات ; فإنّها عند العقلاء موضوعة لإيجاد الأمر الاعتباري من معاني البيع والإجارة والطلاق ، وقس عليه المقام .

وأ مّا ما أفاده المحقّق الخراساني من كونها موضوعة لإنشاء الطلب(1)  فغير واضح المراد ; إذ المقصود من الطلب إن كان هو الطلب الحقيقي الذي هو عين الإرادة على مسلكه(2)  ـ فيصير مآله أ نّها لإنشاء الإرادة ـ فهو واضح الفساد ; إذ لا  معنى لإنشاء الإرادة التي هي أمر تكويني ، أوّلا . ويلزم أن يكون معنى «اضرب» هو اُريد منك الضرب ، مع أنّ التبادر على خلافه ، ثانياً .

وإن كان المراد هو الطلب الإيقاعي ـ كما هو غير بعيد من سوق كلامه ـ ففيه : أ نّا لا نتصوّر هنا غير البعث والإغراء شيئاً آخر حتّى نسمّيه طلباً إغرائياً ، ولو فرض له معنى محصّل فيرد بحكم التبادر ; إذ هو غير متبادر من الهيئة .

المبحث الثاني
في معاني اُخر لصيغة الأمر

قد تقدّم منّا تحقيق القول في الحقيقة والمجاز ، ومرّ أنّ اللفظ فيهما مستعمل في الموضوع له(3) ، ولكن ليثبت الذهن فيه ولايتجاوز إلى غيره في الحقيقة ، أو


1 ـ كفاية الاُصول : 91 .
2 ـ نفس المصدر : 85 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 62 .


(193)

يتجاوز إلى شيء آخر بادّعاء أنّ الثاني أيضاً عينه في المجاز .

فحينئذ يتّضح : أنّ الترجّي والتمنّي والتهديد وإن كانت ربّما تراد من الأمر ، لكن لافي عرض البعث والإغراء ، بل المستعمل فيه مطلقاً هو البعث ، وإنّما يجعل عبرة لغيره أحياناً .

ثمّ الانتقال من المعنى الحقيقي : إمّا إلى معنى محقّق في الواقع ، كما في قوله سبحانه : (قُلْ فَأتُوا بِعشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفتَريات)(1)  استعمل الأمر في البعث ، لكن لا ليحقّ عليه ، بل لأجل الانتقال إلى أمر محقّق ثابت غير قابل للإنشاء ; وهو خطأهم في نسبة الافتراء إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  ، أو عجزهم عن المعارضة والمناضلة .

و إمّا إلى معنى إنشائي إيقاعي ، فينشأ تبعاً لصيغة الأمر ، كالترجّي وتمنّي الانجلاء في قول امرء القيس في معلّقته :

ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي    بصبح ، وما الإصباح منك بأمثلِ

وبه تتّضح مشكلة اُخرى : وهي أنّ الاستفهام والترجّي والتمنّي التي استعملت في الذكر الحكيم لو بقيت على حالها لاستلزمت النقص والجهل والعجز في ذاته ، تعالى عن العيوب والنقائص .

وحلّها : أنّ الكلمات الموضوعة لإنشاء تلك المعاني كلّها مستعملة فيما وضعت له لأجل الانتقال إلى معنى آخر ، حسب مناسبة الموارد والمقامات(2) .


1 ـ هود (11) : 13 .
2 ـ إنّ القوم فتحوا هنا باباً واسعاً للبحث عن مسألة اتّحاد الطلب والإرادة ; حتّى جرّ البحث مقالهم إلى التحقيق عن مسألة الجبر والتفويض التي قلّما يتّفق لإنسان أن يكشف مغزاها .
   وقد ألحّ روّاد العلم وعشّاق الحقيقة على سيّدنا الاُستاذ ـ دام ظلّه الوارف ـ أن يخوض في هذه المباحث ، فأجاب ـ دام ظلّه ـ مسؤولهم ، فأتى بأفكار أبكار وآراء ناضجة ، ولمّا جاء ما أفاده على صورة كتاب أفردناه للتأليف ، وعلّقت عليه ما بدا لي من التعمّق في آيات الذكر الحكيم ، ومن التدبّر في أخبار المعصومين(عليهم السلام) ، مشفوعاً بما استفدته من أساتذة الفنّ ، أو وقفت عليه في زبر الأوّلين ورسائل الآخرين من أكابر القوم ، وسمّيته بـ  «لبّ الأثر في الجبر والقدر» ، وسيشمل للطبع بإذنه وتوفيقه تعالى . [المؤ لّف]


(194)

المبحث الثالث
في أنّ الهيئة هل تدلّ على الوجوب أم لا ؟

بعد ما عرفت أنّ الهيئة وضعت للبعث والإغراء يقع الكلام في أ نّها هل وضعت للبعث الوجوبي أو الاستحبابي أو القدر المشترك بينهما أولهما على سبيل الاشتراك اللفظي ؟

فلنقدّم لتحقيقه اُموراً :

الأوّل : إذا راجعت وجدانك تعرف أنّ المصالح والغايات المطلوبة ، لها دخل تامّ في قوّة الإرادة وضعفها ، كيف لا ، وأنّ الإرادة المحرّكة لعضلاته لإنجاء نفسه من الهلكة أقوى من الإرادة المحرّكة لها نحو لقاء صديقه ، وهي أقوى من المحرّكة لها للتفريح والتفرّج .

ويمكن أن يستكشف مراتب الإرادة واختلافها ـ شدّة وضعفاً ـ عن تحريك العضلات سرعة وبطءً فظهر أنّ إدراك أهمّية المصالح واختلاف الاشتياقات علّة لاختلاف الإرادة في الشدّة والضعف والتوسّط بينهما ، كما أنّ اختلاف الإرادة علّة لاختلاف حركة العضلات سرعة وبطءً وقوّة وضعفاً ، كلّ ذلك مع الإقرار بأنّ


(195)

الإرادة من صُقع النفس وفاعليتها .

ومن الغريب : ما في تقريرات بعض الأعاظم من أنّ تحريـك النفس للعضلات في جميع الموارد على حدّ سواء(1) ; لأنّ الوجدان حاكم على خلافه ; ضرورة أقوائية إرادة الغريق لاستخلاص نفسه من الأمواج من إرادته لكنس البيت وشراء الزيت .

كما أنّ من العجيب ما عن بعض محقّقي العصر من أنّ الإرادة التكوينية لايتصوّر فيها الشدّة والضعف(2) .

ولايخفى بطلانه ; لأنّ الآثار كما يستدلّ بوجودها على وجود المؤثّرات ، كذلك يستدلّ باختلافها شدّة وضعفاً على اختلافها كذلك ; إذ الاختلاف في المعلول ناش عن الاختلاف في علّته ، ونحن نرى ـ بداهة ـ أنّ هناك اختلافاً في حركة العضلات في إنجاز الأعمال سرعة وبطءً ، وشدّة وضعفاً ، وهو يكشف عن اختلاف الإرادات المؤثّرة فيها .

فتلخّص : أنّ الإرادة تختلف شدّة وضعفاً باختلاف الدواعي ، كما أ نّه باختلاف الإرادة تختلف حركة العضلات وفعاليتها . ثمّ إنّ التفصيل بين الإرادة التكوينية والتشريعية لايرجع إلى محصّل .

الثاني : قد حرّر في موضعه أنّ الحقائق البسيطة التي تكون ذات التشكيك سنخ تشكيكها خاصّي ; بمعنى أ نّه يصير ما به الافتراق بين المراتب عين ما به الاشتراك ، كالوجود والعلم والإرادة والقدرة وغيرها(3) .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 135 ـ 136 .
2 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 212 ـ 213 .
3 ـ الحكمة المتعالية 1 : 427 ـ 446 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 22 .


(196)

فحينئذ : افتراق الإرادة القوية عن الضعيفة بنفس حقيقة الإرادة ; إذ هي ذات مراتب شتّى وصاحبة عرض عريض ، ولا يكون الاختلاف بينهما بتمام الذات المستعمل في باب الماهيات ; ضرورة عدم التباين الذاتي بين الإرادة القوية والضعيفة ، ولاببعض الذات ; لبساطة الإرادة في جميع المراتب ، ولا بأمر خارج ; لأ نّه يلزم أن يكون كلتا الإرادتين في مرتبة واحدة ، وقد عرضت الشدّة والضعف على ذاتهما كعروض الأعراض على موضوعاتها ، وهو كما ترى . فالتشكيك واقع في ذاتها وبذاتها .

الثالث : الأفعال الإرادية الصادرة عن الإنسان لابدّ وأن تكون مسبوقة بالإرادة ومبادئها من التصوّر ; حتّى تنتهي إلى الإرادة ويتبعها تحريك العضلات وأعمال الجوارح ; من اليد والرجل واللسان ، حسب ما يقتضيها سنخ الفعل .

والبعث باللفظ بما أ نّه فعل اختياري صادر عن الآمر لا محيص عن مسبوقيته بمبادئ الاختيار ; حتّى التحريك للعضلات ; وهو اللسان هنا .

كما أنّ ما سبق في الأمر الأوّل من أنّ شدّة الإرادة وضعفها تابعة لإدراك أهمّية المراد جار في نفس البعث أيضاً ، بل ربّما تدرك شدّة الإرادة من أثناء الكلام وزواياه ، كما لو أدّاه بلحن شديد أو بصوت عال أو قارنه بأداة التأكيد أو عقّبه بالوعد والوعيد ، كماأ نّه يدرك من خلاله فتور الإرادة وضعفها إذا قارنه بالترخيص في الترك أو جعل جزاء الترك أمراً طفيفاً يرجع إلى حال العبد في دنياه ، وغير ذلك ممّا يلوح منه الوجوب الكاشف عن شدّة الإرادة بعرضها العريض ، أو الاستحباب الكاشف عن ضعفها كذلك .

ثمّ إنّ البعث بالهيئة ليس باعثاً بالذات ومحرّكاً بالحقيقة ، وإلاّ لما انفكّ باعثيته عنه ، وما وجد في أديم الأرض عاص ولا طاغ ، ولما كان هناك ثواب لمن


(197)

سلك في ربقة الإطاعة ، بل هي باعث إيقاعي اعتباري ، والباعث بالذات هو الملكات النفسانية والصفات الفاضلة ، كعرفان مقام المولى ولياقته وأهليته للعبادة ـ  كما في عبادة الأولياء ـ وكحبّه لمولاه أو لخوفه من ناره وسلاسله وطمعه في رضوانه وجنانه وغيرها ممّا تصير داعية للفاعل ، وإنّما الأمر محقّق لموضوع الإطاعة وموضح للمراد .

الرابع : أنّ كلّ ذي مبدأ يكشف عن تحقّق مبادئها المسانخة له ; فالفعل الاضطراري يكشف بوجوده الخارجي عند العقل عن تحقّق مبادئ الاضطرار ، كما أنّ الفعل الاختياري له كاشفية عن تحقّق مبادئه ، وليس هذا إلاّ دلالة عقلية محضة ، ككاشفية المعلول عن علّته بوجه .

فإذن : الأمر والبعث بآلة الهيئة بما هو فعل اختياري كاشف عن الإرادة المتعلّقة به ، كما أ نّه بما هو بعث نحو المبعوث إليه كاشف عن مطلوبيته ، كلّ ذلك ليست دلالة لفظية وضعية ، بل عقلية محضة .

منشأ ظهور الصيغة في الوجوب

إذا عرفت ما مهّدناه فاعلم : أ نّه قد وقع الخلاف في أنّ هيئة الأمر هل تدلّ على الوجوب أولا ؟ وعلى الأوّل هل الدلالة لأجل الوضع أو بسبب الانصراف ، أو لكونه مقتضى مقدّمات الحكمة ؟ فيه وجوه ، بل أقوال .

وهناك احتمال آخر ـ وإن شئت فاجعله رابع الأقوال ـ وهو أ نّها كاشفة عن الإرادة الحتمية الوجوبية ; كشفاً عقلائياً ، ككاشفية الأمارات العقلائية .

ويمكن أن يقال : إنّها وإن لم تكن كاشفة عن الإرادة الحتمية إلاّ أ نّها حجّة بحكم العقل والعقلاء على الوجوب ; حتّى يظهر خلافه ، وهذا خامس الوجوه .


(198)

فنقول : أ مّا الدلالة الوضعية فإن اُريد منها أنّ البعث متقيّد بالإرادة الحتمية فهو ظاهر البطلان ; إذ قد أشرنا(1)  أنّ الإنشائيات ـ ومنها البعث بالهيئة ـ معان إيجادية ، لايحكي عن مطابق خارجي لها ، بل توجد بشراشر شؤونها في ظرف الإنشاء . فإذن الهيئة موضوعة للبعث بالحمل الشائع ; أي ما هو مصداق له بالفعل وقائم مقام إشارة المشير ، فلا معنى ـ حينئذ ـ لتقييد البعث الخارج بالمفهوم أصلا .

ولو كان التقييد بوجود الإرادة الحتمية دون مفهومها . ففيه : أ نّه يستلزم تقييد المعلول بعلّته ; إذ البعث معلول للإرادة ; ولو بمراتب ، فلو تقيّد البعث بوجوده الخارجي بوجود الإرادة الحتمية لزم كون المتقدّم متأخّراً أو المتأخّر متقدّماً .

نعم ، هناك تصوير آخر ـ وإن كان يدفع به الاستحالة إلاّ أنّ التبادر والتفاهم على خلافه ـ وذلك : أ نّه قد مرّ(2)  في البحث عن معاني الحروف أ نّه لايمكن تصوير جامع حقيقي بين معانيها ، من غير فرق بين الحاكيات أو الإيجاديات ; إذ الجامع الحرفي لابدّ وأن يكون ربطاً بالحمل الشائع ، وإلاّ صار جامعاً اسمياً . وما هو ربط كذلك يصير أمراً مشخّصاً لا يقبل الجامعية .

وعليه وإن كان لايمكن تصوير جامع حقيقي بين أفراد البعث الناشئة عن الإرادة الجدّية إلاّ أ نّه لا مانع من تصوير جامع اسمي عرضي بينها ، كالبعث الناشئ من الإرادة الحتمية ، ثمّ توضع الهيئة بإزاء مصاديقه ، من باب عموم الوضع وخصوص الموضوع له ، من غير تقييد .

هذا ، ولكن المتفاهم من الهيئة لدى العرف هو البعث والإغراء ، كإشارة


1 ـ تقدّم في الصفحة 191 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 46 .


(199)

المشير لإغراء غيره ، لا البعث الخاصّ الناشئ عن الإرادة الحتمية ، فتدبّر .

وأ مّا القول بكون الوجوب مستفاداً من انصرافه إلى البعث المنشأ من الإرادة الحتمية فممّا لاينبغي الإصغاء إليه ; إذ المنشأ الوحيد لذلك هو كثرة استعماله فيه ; بحيث يوجب استئناس الذهن ، وهي مفقودة .

وبه يتّضح بطلان ما جعلناه قولا رابعاً ; من دعوى كونه كاشفاً عقلائياً عن الإرادة الحتمية ، والقدر المسلّم كونه كاشفاً عن إرادة الآمر في الجملة ، لا عن الإرادة الحتمية ; إذ الكشف من غير ملاك غير معقول ، وما يتصوّر هنا من الملاك هي كثرة الاستعمال فيما ادّعوه ; بحيث يندكّ الطرف الآخر لديه ، ويحسب من النوادر التي لايعتني به العقلاء . إلاّ أنّ وجدانك شاهد صدق على أنّ الاستعمال في خلاف الوجوب لايقصر عنه ، لو لم يكن أكثر .

وأ مّا القول بكون الوجوب مقتضى مقدّمات الحكمة فقد قرّبه وقوّاه بعض محقّقي العصر ـ رحمه الله ـ على ما في تقريراته بوجهين :

الأوّل : ما أفاده في مادّة الأمر أنّ الطلب الوجوبي هو الطلب التامّ الذي لاحدّ له من جهة النقص والضعف ، بخلاف الاستحبابي ; فإنّه مرتبة من الطلب محدودة بحدّ النقص والضعف ، ولاريب في أنّ الوجود غير المحدود لايفتقر في بيانه إلى أكثر ممّا يدلّ عليه ، بخلاف المحدود فإنّه يفتقر بعد بيان أصله إلى بيان حدوده . وعليه يلزم حمل الكلام الذي يدلّ على الطلب بلا ذكر حدّ له على المرتبة التامّة ; وهو الوجوب ، كما هو الشأن في كلّ مطلق(1) .

وقرّره في المقام بتعبير واضح : من أنّ مقدّمات الحكمة كما تجري لتشخيص


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 197 .


(200)

مفهوم الكلام سعةً وضيقاً ، كذلك يمكن أن تجري لتشخيص أحد مصداقي المفهوم ، كما لو كان لمفهوم الكلام فردان في الخارج ، وكان أحدهما يستدعي مؤونة في البيان أكثر من الآخر ، كالإرادة الوجوبية والندبية ; فإنّ الاُولى تفترق عن الثانية بالشدّة ; فيكون ما به الامتياز فيه عين ما به الاشتراك ، وأ مّا الثانية فتفترق عن الاُولى بالضعف ; فما به الامتياز فيه غير ما به الاشتراك ، فالإرادة الندبية تحتاج إلى دالّين بخلاف الوجوبية(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه نظرات وتأمّلات :

منها : أنّ المقدّمات المعروفة لوجرت فيما نحن فيه لا تثبت إلاّ نفس الطلب الذي هو القدر المشترك بين الفردين .

وتوضيحه : أ نّه قد مرّ في بحث الوضع : أنّ اللفظ لايحكي إلاّ عمّا وضع بإزائه ، دون غيره من اللوازم والمقارنات ، والمفروض أنّ مادّة الأمر وضعت لنفس الجامع بلا خصوصية فردية ، والإطلاق المفروض لو ثبت ببركة مقدّماته لا تفيد إلاّ كون ما وقع تحت البيان تمام المراد ، وقد فرضنا أنّ البيان بمقدار الوضع ، ولم يقع الوضع إلاّ لنفس الجامع دون الخصوصية ، فمن أين يستفاد كون الوجوب هو المراد دون الجامع ؟ مع أنّ مصبّ المقدّمات هو الثاني دون الأوّل ، والدلالة والبيان لم  يتوجّه إلاّ إلى الجامع دون الوجوب .

ودعوى : عدم الفرق بين القدر الجامع والطلب الوجوبي واضح الفساد ; لاستلزامها اتّحاد القسم والمقسم في وعاء الحدّ ، والضرورة قاضية بلزوم افتراق الفرد عن الجامع بخصوصيـة زائدة ، وسيأتي بقية المقال في تقسيم الأمر إلى النفسي والغيري .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 214 .


(201)

فإن قلت : لازم إجراء المقدّمات في المقام كون الأمر ظاهراً في نفس الجامع ، مع أ نّا نقطع بأ نّه ليس له وجود إلاّ بوجود أفراده ، وليس له حصول إلاّ في ضمن أحد الفردين ، فكيف ينسب إلى المولى بأ نّه تمام المراد ؟

قلت : هذا ـ لو سلّم ـ يكشف عن كون المقام خارجاً عن مصبّ المقدّمات ، وما ذكرنا من أنّ جريانها يوجب كونها ظاهراً في نفس الطلب لأجل المماشاة ، بل كما لايوجب ظهورها في الجامع لايوجب ظهورها في أحد القسمين مع كونه متساوي النسبة إليهما ، وما ذكرنا في المادّة جار في مفاد الهيئة حرفاً بحرف .

ومنها : أنّ كون ما به الاشتراك في الحقائق الوجودية عين ما به الامتياز لايوجب عدم الاحتياج في صرف الجامع إلى أحد القسمين إلى بيان زائد عن بيان نفس الطبيعة ; ضرورة أنّ الأقسام تمتاز عن المقسم بقيد زائد في المفهوم ; وإن لم يكن زائداً في الوجود .

فالوجود المشترك مفهوماً بين مراتب الوجودات لايمكن أن يكون معرّفاً لمرتبة منها ، بل لابدّ في بيانها من قيد زائد ـ ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود  ـ فنفس مفهوم الوجود لايكون حاكياً إلاّ عن نفس الحقيقة الجامعة بينها ، ولابدّ لبيان وجود الواجب ـ مثلا ـ إلى زيادة قيد ، كالتامّ والمطلق والواجب بالذات ونحوها ، فإذن الإرادة القوية ـ كالضعيفة ـ تحتاج إلى بيان زائد ، وكذا نظائرها .

وبالجملة : الخلط حاصل من إسراء حكم الخارج إلى المفهوم . وكون شيء جامعاً أو فرداً في لحاظ التحليل ووعاء المفهوم إنّما هو لأجل تميّز بينهما بإضافة قيد أو شرط ; ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود .

ومنها : أنّ ما ذكره من أنّ ما بـه الاشتراك في طرف الناقص غير ما به الامتياز عجيب جدّاً ، بل غفلة عن حقيقة التشكيك في الحقائق البسيطة ; إذ


(202)

الجمع  بين البساطة في الوجـود وبين كونـه ذا مراتب تتفاوت بالشدّة والضعف لايصحّ إلاّ بالالتجاء إلى أنّ ما به الامتياز في جميع المراتب عين ما به الاشتراك ; قضاءً لحقّ البساطة .

وعلى ذلك ليست الإرادة الضعيفة مركّبة من إرادة وضعف ، بل بتمام هويتها إرادة وتعدّ من المرتبة البسيطة ، وتكون بنفس ذاتها ممتازة عن القوية ، كما أنّ القوية ليست مركّبة من إرادة وقوّة .

والحاصل : أنّ كلتا المرتبتين بسيطتان جدّاً ; بحيث كان ما به الاشتراك فيهما عين ما به الامتياز ، وتكون الحقيقة ذات عرض عريض ، لكن في مقام البيان والتعريف يحتاج كلاهما إلى معرّف غير نفس المفهوم المشترك ، فالإرادة التامّة أو الطلب التامّ يحتاج إلى بيان زائد عن أصل الطلب كالإرادة الناقصة .

الوجه الثاني : أنّ كلّ طالب إنّما يأمر لأجل التوسّل إلى إيجاد المأمور به ، فلابدّ أن يكون طلبه غير قاصر عن ذلك ، وإلاّ فعلية البيان ، والطلب الإلزامي غير قاصر عنه دون الاستحبابي ، فلابدّ أن يحمل عليه الطلب(1) .

قلت : إن كان المراد من هذا الوجه أنّ الطلب الوجوبي لايحتاج إلى بيان زائد بخلاف الاستحبابي ففيه : أ نّه يرجع إلى الوجه الأوّل ، وقد عرفت جوابه .

وإن كان الغرض هـو أنّ الآمـر بصدد إيجاد الداعي في ضمير المأمـور لأجل تحصيل المأمـور به فهو مسلّم ، ولكن لايفيد ما رامه ; إذ البعث لأجل إحـداثه أعمّ من الإلزامي وغيره .

وإن كان المقصود دعوى أنّ كلّ آمر بصدد تحصيل المأمور به على سبيل


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 197 .


(203)

اللزوم فمع كونها مصادرة ممنوعة ; لأنّ الأوامر على قسمين .

وهناك تقريب آخر أفاده شيخنا العلاّمة : من أنّ الحمل على الوجوب لأجل أنّ الإرادة المتوجّهة إلى الفعل تقتضي وجوده ليس إلاّ ، والندب إنّما يأتي من قبل الإذن في الترك ; منضمّاً إلى الإرادة المذكورة ; فاحتاج الندب إلى قيد زائد بخلاف الوجوب ; فإنّه يكفي فيه تحقّق الإرادة فقط .

ثمّ أفاد : أنّ الحمل عليه لايحتاج إلى مقدّمات الحكمة ; لأجل استقرار الظهور العرفي بمجرّد عدم ذكر القيد في الكلام ، ونظيـر ذلك قولنا «أكرم كلّ رجل» ; إذ لا نرى من أنفسنا في الحكم بالعموم في أفراد الرجل الاحتياج إلى مقدّمات الحكمة في لفظ الرجل ; بحيث لولاها كنّا نتوقّف في المراد من القضية المذكورة(1) ، انتهى .

والعارف بما أسلفناه في توضيح الإرادة القوية والضعيفة(2) ، وما سيأتي منّا في توضيح الأحكام الخمسة يقف على الخدشة فيما أفاده ; إذ الوجوب والندب من الاُمور الاعتبارية ينتزع من نفس البعث باعتبار مبادئه ; إذ البعث الصادر عن الإرادة الشديدة ينتزع منه الوجوب ، كما أنّ الصادر عن الضعيفة ينتزع منه الندب ، لا أنّ الندب يأتي من قِبَل الإذن في الترك منضمّاً إلى الإرادة المذكورة .

وبعبارة أوضح : أنّ الإرادة في الوجوب والندب مختلفة مرتبةً ـ كما تقدّم ـ ولايمكن أن تكون الإرادة فيهما واحدة ، ويكون الاختلاف بأمر خارج . فحينئذ فالإرادة الحتمية نحو اقتضاء لها ليس لغير الحتمية .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 74 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 194 .


(204)

وأ مّا قياسه نفي الاحتياج إلى مقدّمات الحكمة على القضية المسوّرة بلفظة «كلّ» فغير صحيح ; إذ عدم الاحتياج في المسوّرة بلفظة «كلّ» ـ وسيوافيك تفصيله في مباحث العموم ـ لأجل بيان لفظي بالنسبة إلى نفس الأفراد دون أحوالها ; إذ سور القضية متعرّض وضعاً لكلّ فرد فرد بنحو الجمع في التعبير ، ومع البيان كذلك لا معنى لإجراء المقدّمات ، بخلاف المقام .

نعم ، هنا إشكال آخر يرد على كلّ من قال بدلالة الأمر على الوجوب أو الندب ـ بأيّ دليل تمسّك ـ ومن قال باستعماله فيهما حقيقة أو مجازاً ; إذ انتزاعهما أو اعتبارهما ـ على الفرق المقرّر في محلّه بين الانتزاعيات والاعتباريات ـ إن كان بلحاظ الإرادة الحتمية أو المصلحة الملزمة في الوجوب وعدمهما في الندب فمن البيّن أنّ ذلك من مبادئ الاستعمال وهو مقدّم بالطبع على الاستعمال ، وإن كان بلحاظ حتمية الطاعة أو عدمها فمن الواضح أ نّهما منتزعتان بعد الاستعمال ، فلا يعقل الاستعمال فيهما على جميع الأقوال .

لكن بعد اللتيا والتي لا إشكال في حكم العقلاء كافّة على تمامية الحجّة على العبد مع صدور البعث من المولى ـ بأيّ دالّ كان ـ وقطع عذره وعدم قبوله باحتمال نقص الإرادة وعدم حتمية البعث وغير ذلك .

ولاريب في حكمهم بلزوم إطاعة الأوامر الصادرة من المولى ، من غير توجّه إلى التشكيك العلمي ; من احتمال كونه صادراً عن الإرادة غير الحتمية ، أو ناشئاً عن المصلحة غير الملزمة .

وليس ذلك لدلالـة لفظية أو لجهـة الانصراف أو لاقتضاء مقدّمات الحكمـة أو لكشفه عن الإرادة الحتمية ، بل لبناء منهم على أنّ بعث المولى لايترك بغير  جـواب ، كما لايترك باحتمال الندب . فتمام الموضوع لحكمهم بوجوب


(205)

الطاعـة هو نفس البعث مالم يرد فيه الترخيص .

هذا من غير فرق بين ما دلّ على الإغراء والبعث ، سواء كان الدلالة بآلة الهيئة أو بإشارة من يده أو رأسه ، فالإغراء بأي دالّ كان هو تمام الموضوع لحكم العقلاء بتمامية الحجّة ، إلاّ أن يدلّ دليل على الترخيص . ولعلّ ذلك منظور شيخنا العلاّمة ، أعلى الله مقامه .

كيفية دلالة الجمل الخبرية على الطلب والوجوب

إذا أحطت خبراً بما ذكرنا ; من أنّ تمام الموضوع لحكم العقلاء هو نفس البعث ، من غير فرق بين الدوالّ ، يتّضح لك أنّ الجمل الخبرية المستعملة في مقام البعث ، والإغراء كالهيئات في حكم العقلاء بلزوم إطاعتها .

نعم ، الكلام كلّه في كيفية دلالتها على البعث ، وما ذكرنا سابقاً في تحقيق معنى المجاز ، وأ نّه استعمال فيما وضع له بجعله عبرة إلى المقصود(1)  يوضح كيفية دلالتها ، فالجمل الخبرية مستعملة في معانيها الإخبارية بدعوى تحقّقها من المخاطب وأ نّه يقوم به ، من غير احتياج إلى الأمر ، بل فطرته السليمة ورشده في حيازة المصالح تبعثه إليه ، بلا دعوة داع .

فقول الوالد لولده : «ولدي يصلّي» أو «يحفظ مقام أبيه» لايريد منها إلاّ الأمر ، لكن بلسان الإخبار عن وقوعه وصدوره عنه بلا طلب من والده ، بل بحكم عقله ورشده وتمييزه .


1 ـ تقدّم في الصفحة 62 .


(206)

المبحث الرابع
في التعبّدي والتوصّلي

وفيه بيان مقتضى الأصل . ولنقدّم اُموراً :

الأوّل : في معنى التعبّدية والتوصّلية

ربّما يقال في تعريف الاُولى بأ نّها عبارة عن الوظيفة التي شرعت لأجل أن يتعبّد بها العبد لربّه ويظهر عبوديته ، وهي المعبّر عنها في الفارسية بـ «پرستش» ، ويقابلها التوصّلية ; وهي مالم يكن تشريعه لأجل إظهار العبودية(1) .

قلت : يظهر ما فيه من الخلل ـ وكذا في غيره من التعاريف ـ بتوضيح أقسام الواجبات ، فنقول :

منها : ما يكون الغرض من البعث إليه صرف وجوده ; بأيّ نحو حصل ، وكيفما تحقّق ، كستر العورة وإنقاذ الغريق .

ومنها : ما لايحصل الغاية منها إلاّ بقصد عنوانه ، وإن لم يكن بداعي التعبّد والتقرّب ، كردّ السلام والنكاح والبيع .

ومنها : ما لايحصل الغرض بقصد عنوانه ، بل يحتاج إلى خصوصية زائدة من الإتيان به متقرّباً إلى الله تعالى ، وهذا على قسمين : أحدهما ما ينطبق عليه عنوان العبودية لله تعالى ; بحيث يعدّ العمل منه للربّ عبودية له ، ويعبّر عنه في لغة الفرس


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 137 ـ 138 .


(207)

بـ «پرستش» ، كالصلاة والاعتكاف والحجّ ، وثانيهما : ما لايعدّ نفس العمل تعبّداً أو عبودية ، وإن كان قربياً لايسقط أمره إلاّ بقصد الطاعة ، كالزكاة والخمس .

وهذان الأخيران وإن كان يعتبر فيهما قصد التقرّب لكن لايلزم أن يكونا عبادة بالمعنى المساوق بـ «پرستش» ; إذ كلّ فعل قربي لاينطبق عليه عنوان العبودية . فإطاعة الولد لوالده والرعايا للملك لاتعدّ عبودية لهما بل طاعة ، كما أنّ ستر العورة بقصد امتثال الأمر وإنقاذ الغريق كذلك ليسا عبودية له تعالى ، بل طاعة لأمره وبعثه .

وحينئذ يستبدل التقسيم الثنائي إلى الثلاثي ، فيقال : الواجب إمّا توصّلي أو تقرّبي ، والأخير إمّا تعبّدي أو غير تعبّدي .

التعبّدي ما يؤتى به لأجل عبودية الله تعالى والثناء عليه بالعبودية ، كالصلاة وأشباهها ، ولأجل ذلك لايجوز الإتيان بعمل بعنوان التعبّد لغيره تعالى ; إذ لا معبود سواه ، لكن يجوز إطاعة الغير متقرّباً إليه .

وغير التعبّدي من التقرّبي ما يؤتى به إطاعة له تعالى ، لاثناءً عليه بالمعبودية ; فإذن يكون المراد من التعبّدي في المقام هو الواجب التقرّبي بالمعنى الأعمّ الشامل لكلا القسمين ; إذ مدار البحث ما يحتاج سقوط أمره إلى قصد الطاعة ; سواء أتى به بقصد التقرّب متعبّداً به لربّه ، أم بعزم التقرّب فقط .

فالأولى ـ دفعاً للالتباس ـ حذف عنوان التعبّدية وإقامة التقرّب موضعها .

فظهر : أنّ الذي يقابل التوصّلي هو التقرّبي ; أعني مالايسقط الغرض بالإتيان به إلاّ بوجه مرتبط إلى الله تعالى لا التعبّدي ، بل هو قسم من التقرّبي ، كما ظهر الخلل فيما تقدّم من التعريف وغيره ، فاغتنم .


(208)

الثاني : في إمكان أخذ قصد امتثال الأمر ونحوه في متعلّق الأمر

كون الشيء قربياً إنّما هو لأجل اعتبار الإتيان به مع أحد الدواعي القربية ، ولكن وقع البحث بين الأعلام في جواز أخذه في المتعلّق وعدمه إذا اُريد به اعتبار قصد امتثال الأمر وإطاعته ، دون غيره من سائر الدواعي القربية ; وإن كان بعض الإشكالات مشتركاً بين الجميع ، وسيأتي توضيحه .

وقد تضاربت الآراء في إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّق البعث وعدمه ; فمن قائل بامتناع أخذه فيه امتناعاً ذاتياً ; أي نفس التكليف محال ، ومن قائل بامتناع أخذه امتناعاً بالغير ; لكونه تكليفاً بغير المقدور ، ومن ثالث قال بالجواز ; وهو المختار ، ويظهر وجهه بعد دفع ما توهّم من الإشكالات التي اُورد على المختار :

فيما استدلّ به للقائلين بامتناع الأخذ ذاتاً

أ مّا الأوّل ـ أعني القول بالامتناع الذاتي ـ : فقد قرّر بوجوه :

منها : أ نّه يستلزم تقدّم الشيء على نفسه ; لأنّ الأحكام أعراض للمتعلّقات ، وكلّ عرض متأخّر عن معروضه ، وقصد الأمر والامتثال متأخّر عن الأمر برتبة ، فأخذه في المتعلّقات ، موجب لتقدّم الشيء على نفسه برتبتين(1) .

ومنها : أنّ الأمر يتوقّف على الموضوع ، والموضوع يتوقّف على الأمر ; لكون قصده متوقّفاً عليه ، فيلزم الدور(2) .


1 ـ اُنظر درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 94 .
2 ـ نفس المصدر .


(209)

ومنها : أنّ الأخذ موجب لتقدّم الشيء على نفسه في مراحل الإنشاء والفعليـة والامتثال :

أ مّا في مرحلة الإنشاء فلأنّ ما اُخذ في متعلّق التكليف في القضايا الحقيقية لابدّ وأن تكون مفروض الوجود ; سواء كان تحت قدرة المكلّف أولا ، فلو اُخذ قصد الامتثال قيداً للمأمور به فلا محالة يكون الأمر مفروض الوجود في مقام الإنشاء ، وهذا عين تقدّم الشيء على نفسه .

وأ مّا الامتناع في مقامي الفعلية والامتثال فيرجع إلى القول الثاني أعني الامتناع بالغير(1)  وسيأتي الكلام فيه(2) .

وأنت خبير : على أنّ هذه الوجوه غير خالية عن المغالطة :

أ مّا الأوّل : فلأنّ الأحكام ليست من قبيل الأعراض القائمة بالمتعلّقات ; إذ المراد من الحكم إن كان هو الإرادة باعتبار كونها مبدأ للبعث ففيه : أ نّها قائمة بالنفس قيام المعلول بعلّته ، ولها إضافتان : إضافة إلى علّته ـ أي النفس ـ وإضافة إلى المتصوّر ـ أعني الصورة العلمية للمراد ـ فهي كإضافة العلم إلى المعلوم بالذات في كلتا الإضافتين .

وإن كان المراد هو الوجوب والندب وغيرهما فهي اُمور اعتبارية لاخارج لها وراء الاعتبار حتّى تكون قائمة بالموضوعات أو المتعلّقات .

ولو فرضنا كونها من قبيل الأعراض لكنّها ليست من الأعراض الخارجية ; بأن يكون العروض في الخارج ; ضرورة أنّ الصلاة بوجودها لايعقل أن تكون


1 ـ أجود التقريرات 1 : 106 ـ 108 .
2 ـ يأتي في الصفحة 214 .


(210)

معروضة للوجوب ومحلاّ لثبوته ; لأنّ الخارج ظرف سقوطه على وجه لا ثبوته ، فإذن لامحيص عن القول بكونها أعراضاً ذهنية ; سواء كانت عارض الوجود الذهني أو الماهية ، على فرق بينهما(1) .

وبذلك يندفع ما توهّم من تقدّم الشيء على نفسه ; إذ المتعلّقات بشراشر أجزائها ممكنـة التعقّل قبل تصوّر الأمر ، وإن كان في الوجود الخارجي على عكسه ، فالأحكام ـ على فرض تسليم كونها من قبيل الأعراض ـ متعلّقة بالمعقول الذهني على تحقيق ستعرفه(2) ، والمعقول بتمام قيوده متقدّم على الأمر في ذلك الوعاء .

أضف إلى ذلك : أنّ هنا فرقاً بين الأجزاء الدخيلة في ماهية المأمور بها وبين ما هو خارج عنها ـ وإن كانت قيداً لها ـ إذ جزئية الاُولى ودخالتها فيها إنّما هو بنفس لحاظ الماهية من غير لزوم لحاظ مستأنف ، بخلاف الثانية ; إذ قولك «صلّ مع الطهور» تقييد لها بلحاظ ثان وتصوّر مستأنف بعد تصوّر الصلاة . ولا فرق بين قصد


1 ـ الفرق بين اللازمين أنّ وجود الماهية في لازم الوجودين دخيل في ثبوت اللزوم وتحقّقه ، ولكنّه في لازم الماهية دخيل في ظهور الملازمة لا في ثبوتها ، مثلاً : لو قلنا بأنّ الزوجية من لوازم وجود الأربعة ـ الخارجي والذهني ـ يكون لوجودها دور وتأثير في ثبوت الملازمة بين وجود الأربعة والزوجية على نحو لولا وجودها ، لما كانت هناك ملازمة ، بخلاف ما لو قلنا بأنّها من لوازم ماهية الأربعة فيكون لوجود الأربعة دور في كشف الملازمة وظهورها لا  في أصل الملازمة.
   وكان سيدنا الاُستاذ يميل إلى النظر الثاني مستدلاً بأنّ الإنسان ربما يتصور الأربعة مع الزوجية، مع الغفلة عن وجودها الذهني، فلو كان للوجود دور في ثبوت الملازمة، لكانت الغفلة عن وجود الأربعة ملازماً للغفلة عن وجود الزوجية مع أنّها ليست كذلك . [المؤ لّف] .
2 ـ يأتي في الصفحة 489 ـ 490 .


(211)

الأمر والطاعة وبين سائر القيود في لزوم لحاظ مستأنف في مقام التقييد ، ومعه يندفع الإشكال .

وأ مّا الوجه الثاني : فيعلم ما فيه بما أوضحناه ; إذ هو مبني على ما هو خلاف التحقيق في باب تعلّق الأحكام من جعل المتعلّق هو الموضوع الخارجي ، وهو باطل بالضرورة ; لأنّ الخارج ظرف السقوط لا العروض .

وإن شئت قلت : إنّ إيجاد الموضوع في الخارج ـ أعني إتيان الصلاة في الخارج بقصد الأمر ـ يتوقّف على الأمر ، لكن الأمر متوقّف على الموضوع في الذهن ـ كما عرفت ـ دون الخارج ، فاختلف الطرفان ، فلا دور .

وأ مّا الوجه الثالث : ففيه : أوّلا : أنّ جعل الأحكام من قبيل القضايا الحقيقية ـ  حتّى ما صدر من الشارع بصيغة الإنشاء ـ غير صحيح جدّاً ، وسيأتي لبّ القول فيها في مبحث العموم والخصوص ، فانتظر .

وثانياً : أنّ ما ذكره ـ قدس سره ـ من أخذ المتعلّقات وقيودها مفروض الوجود ـ فمع ممنوعيته  ـ كاف في رفع الدور وفي دفع تقدّم الشيء على نفسه ; إذ فرض وجود الشيء قبل تحقّقه غير وجوده واقعاً قبل تحقّقه ; إذ تحقّق الأوّل بمكان من الإمكان ; فإنّه لايحتاج إلاّ إلى فرض فارض وتصوّر متصوّر ، وأخذ الأمر مفروض الوجود فرضاً مطابقاً للواقع ، لايلزم منه التقدّم الممتنع ، بل يلزم منه فرض وجوده قبل تحقّقه .

ويوضح الحال : القيود المأخـوذة في متعلّقات الأحكام مـع كونها خارجـة عن دائرة الاختيار ; فقولـه تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمسِ إِلى غَسَقِ اللَيلِ)(1)  يحكي عـن أنّ الأمر تعلّق بأمـر مقيّد بالوقت ، وأ نّـه فرض تحقّق الوقت


1 ـ الإسراء (17) : 78 .


(212)

في محلّـه قبل وجـوده ، وهنا نقول : إذا أمـر الآمر بشيء بقصد الآمر فقد أخـذ الأمر مفروض الوجـود ; فرضاً مطابقاً للواقع ، ولا معنى لمطابقته إلاّ كونـه متحقّقاً في محلّه .

والحاصل : أنّ هذه الوجوه الثلاثة مع كونها متقاربة المضمون لا تصلح للمانعية ; لأنّ مرجع الأوّل إلى عدم تصوّر الشيء قبل وجوده ، وهو لاينبغي أن  يصدر عمّن تأمّل فيما يفعله يسيراً ; إذ الأفعال الاختيارية الصادرة عن الإنسان يكون تصوّرها مقدّماً على وجودها .

كما أنّ البرهان الثاني مبني على أساس منهدم في محلّه ; إذ الأمر متعلّق بالطبائع المتصوّرة الذهنية ، لا بقيد التحقّق الذهني دون الخارج ، وهي متقدّمة بقيودها على الأمر ، فلايلزم تقدّم الشيء على نفسه .

كما أنّ الوجه الثالث مشتمل على مغالطة بيّنة ; حيث إنّ فرض تحقّق الشيء قبل وجوده غير تحقّقه كذلك ، فتدبّر وأجدّ فتجد .

وهناك وجه آخر لتقرير امتناعه الذاتي ، وملخّصه : أنّ التكليف بذلك المقيّد موجب للجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي ; لأنّ الموضوع بقيوده لابدّ وأن يكون ملحوظاً استقلالا ، وبما أ نّه طرف لإضافة القيد المأخوذ في الموضوع لابدّ من لحاظه أيضاً استقلالا ، والأمر بما أ نّه آلة البعث إلى المطلوب لايلحظ إلاّ آلة إليه ، فيجمع فيه بين اللحاظين المتنافيين(1) ، انتهى .

والعجب أنّ القائل كيف لم يتفطّن على أنّ اللحاظين المتنافيين لم يجتمعا في وقت واحد ، وأنّ اللحاظ الاستقلالي مقدّم على الآلي منهما ؟ ! إذ قد عرفت أنّ الموضوع بتمام قيوده ـ ومنها قصد الأمر على المفروض ـ مقدّم تصوّراً على الأمر


1 ـ اُنظر نهاية الاُصول : 112 .


(213)

والبعث به . فاللحاظ الاستقلالي المتعلّق بالموضوع في ظرف التصوّر وقيوده متقدّم على الإنشاء وعلى الاستعمال الآلي . هذا حاله في عالم التصوّر .

وأ مّا تقييد الموضوع في مقام الإنشاء الآلي فلا محيص عن تصوّر ذلك الأمر الآلي في مرتبة ثانية بنحو الاستقلال حتّى يرد عليه القيد ، بل هذا هو الطريق الوحيد في تقييد المعاني الحرفية ; إذ الظرف في قولنا «زيد في الدار يوم الجمعة» قيد للكون الرابط الذي هو معنى حرفي ، وهو ملحوظ في وقت التقييد استقلالا وفي لباس المعنى الاسمي ، وقد مضى(1)  أنّ القيود في المحاورات العرفية والعلمية راجعة ـ  كثيراً ـ إلى النسب والروابط ، وأنّ تقييدها والإخبار عنها وبها لايمكن استقلالا ، إلاّ أ نّه يمكن تبعاً ، فراجع .

ثمّ إنّ هنا وجهاً خامساً للامتناع الذاتي ، وملخّص ما اُفيد بطوله : أ نّه يلزم منه التهافت في اللحاظ والتناقض في العلم ; لأنّ موضوع الحكم متقدّم عليه في اللحاظ ، وقصد الأمر متأخّر عنه في اللحاظ ، كما أ نّه متأخّر عنه في الوجود ، فيكون متأخّراً عن موضوع الأمر برتبتين ، فإذا أخذه جزءً من موضوع الأمر أو قيداً فيه لزم أن يكون الشيء الواحد في اللحاظ الواحد متقدّماً في اللحاظ ومتأخّراً فيه ، وهو في نفسه غير معقول وجداناً ; إمّا للخلف أو لغيره .

ثمّ إنّ هذا الإشكال غير الدور والتناقض في المعلوم والملحوظ ، بل يرجع إلى لزوم التهافت والتناقض في اللحاظ والعلم(2) ، انتهى .

ولعمر الحقّ : أ نّه لاينبغي أن يجعل في عداد الإشكالات ; فضلا عن جعله من البراهين القاطعة : أ مّا أوّلا : إذ اللحاظ والعلم في المقام ونظائره لم يؤخذا


1 ـ تقدّم في الصفحة 59 ـ 60 .
2 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 229 ـ 231 .


(214)

موضوعاً حتّى يثبت له حكم ، ويقال : إنّه بنفسه متهافت مع غيره ، بل اُخذ طريقاً إلى ملحوظه ومرآة إلى معلومه ; فإذن يكون ملاك التهافت المفروض في الملحوظ بما هو ملحوظ ، دون نفس اللحاظ .

وأ مّا ثانياً : بعد ما كان مورد التهافت هو الملحوظ نقول : إنّا لانتصوّر أن يكون شيء أوجب ذلك التناقض ; سوى تقييد الموضوع بما يأتي من قِبَل الأمر ، فيرجع الكلام إلى أنّ لحاظ الشيئين المترتّبين في الوجود في رتبة واحدة موجب للتهافت في اللحاظ والتناقض في العلم ، وقد عرفت تقريره من الوجوه السابقة وأجوبتها .

فيما استدلّ به للقائلين بامتناع الأخذ امتناعاً بالغير

وأ مّا القول الثاني ـ أعني امتناع أخذه في المتعلّق امتناعاً بالغير ـ فقد استدلّ له بوجوه عليلة ، نشير إلى مهمّاتها :

الأوّل : أنّ فعلية الحكم الكذائي تستلزم الدور ; لأنّ فعلية الحكم تتوقّف على فعلية موضوعه ـ أي متعلّقات متعلّق التكليف ـ ضرورة أ نّه مالم تكن القبلة متحقّقة لا يمكن التكليف الفعلي باستقبالها ، وفعلية الموضوع فيما نحن فيه تتوقّف على فعلية الحكم ، فما لم يكن أمر فعلي لايمكن قصده ، فإذا كانت فعلية الحكم ممتنعة يصير التكليف ممتنعاً بالغير ; ضرورة أنّ التكليف إنّما هو بلحاظ صيرورته فعلياً ليعمل به المكلّف(1) .

والجواب : أ نّك قد عرفت أنّ إنشاء التكليف على الموضوع المقيّد لايتوقّف إلاّ على تصوّره ، فإذا أنشأ التكليف كذلك يصير الموضوع في الآن المتأخّر فعلياً ;


1 ـ اُنظر نهاية الدراية 1 : 326 .


(215)

لأنّ فعليته تتوقّف على الأمر الحاصل بنفس الإنشاء .

وبعبارة اُخرى : أنّ فعلية التكليف متأخّرة عن الإنشاء رتبة ، وفي رتبة الإنشاء يتحقّق الموقوف عليه .

بل لنا أن نقول : إنّ فعلية التكليف لاتتوقّف على فعلية الموضوع ; توقّف المعلول على علّته ، بل لابدّ في حال فعلية الحكم من فعلية الموضوع ، ولو صار فعلياً بنفس فعلية الحكم ; لأنّ الممتنع هو التكليف الفعلي بشيء لم يكن متحقّقاً بالفعل ، وأ مّا التكليف الفعلي بشيء يصير فعلياً بنفس فعلية الحكم لم يقم دليل على امتناعه ، بل الضرورة قاضية بجوازه .

الثاني : أنّ الأمر يتوقّف على قدرة المكلّف ، وهي في المقام تتوقّف على  الأمر(1) .

وفيه ما مرّ : من أنّ الأمر لايتوقّف على قدرة العبد في ظرف البعث والأمر ; إذ ربّما يكون المأمور به مقيّداً بقيد غير حاصل في زمان البعث ، كالوقت ـ بناءً على جواز الواجب المعلّق ، كما سيأتي تحقيقه(2) ـ بل يتوقّف على قدرته في مقام الامتثال ، وفي ذلك الوعاء يكون الأمر متحقّقاً .

الثالث : أنّ امتثال ذلك الأمر المقيّد بقصد أمره محال ، فالتكليف وانقداح الإرادة لأجله محال .

توضيحه : أنّ الأمـر لايدعـو إلاّ إلى متعلّقه ، والمتعلّق هاهنا هـو الشيء المقيّد بقصد الأمر . فنفس الصلاة ـ مثلا ـ لاتكون مأموراً بها حتّى يقصد المأمور


1 ـ اُنظر درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 94 .
2 ـ يأتي في الصفحة 328 .


(216)

امتثال أمرها ، والدعوة إلى امتثال المقيّد محال ; للزوم كون الأمر داعياً إلى داعوية نفسه ومحرّكاً لمحرّكية نفسه ، وهو تقدّم الشيء على نفسه برتبتين وعلّية الشيء لعلّة نفسه(1) .

والجواب عنه يظهر بتوضيح أمرين ، وإن مضت الإشارة إليهما :

الأوّل : أنّ متعلّقات الأوامر ليست إلاّ الماهيات المعقولة ، لا أقول إنّ المأمور به إنّما هي الصلاة في الذهن حتّى يصير امتثاله محالا ، بل طبيعة الصلاة بما أ نّها ماهية كلّية قابلة للانطباق على كثيرين ، والوجود الذهني آلة تصوّرها ، فالبعث إليها في الحقيقة أمر بإيجادها وتحصيلها .

فهي بما أ نّها مفهوم ، مأمور به ومعروض للوجوب ومتعلّق للحكم ـ على تسامح في إطلاق العرض عليه ـ والوجود الخارجي مصداق للمأمور به لا نفس الواجب ; ولذلك يكون الخارج ظرف السقوط دون الثبوت . وعليه فالموضوع في المقام ليس إلاّ الصلاة المتصوّرة مع قصد أمرها ، والإنشاء والأمر إنشاء على ذلك المقيّد .

الثاني : أنّ الأمر ليس إلاّ المحرّك والباعث الإيقاعي ، لا المحرّك الحقيقي والباعث التكويني ; ولهذا ليس شأنه إلاّ تعيين موضوع الطاعة ، من غير أن يكون له تأثير في بعث المكلّف تكويناً ، و إلاّ لوجب اتّفاق الأفراد في الإطاعة .

بل المحرّك والداعي حقيقةً ليست إلاّ بعض المبادئ الموجودة في نفس المكلّف ، كمعرفته لمقام ربّه ودرك عظمته وجلاله وكبريائه ، أو الخوف من سلاسله وناره ، أو الطمع في رضوانه وجنّته .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 95 .


(217)

فحينئذ نقول : إن أراد القائل من كون الأمر محرّكاً إلى محرّكية نفسه : أنّ الأمـر الإنشائي المتعلّق بالعنوان المقيّد مـوجب لذلك المحال فقد عرفت أنّ الإنشاء والإيقاع لايحتاج إلى مؤونـة أزيد مـن تصوّر الطرفين ، مع أ نّـه قد أقرّ بصحّـة ذلك الإيقاع .

وإن أراد : أنّ الأمر المحرّك للمكلّف تكويناً محرّك إلى محرّكية نفسه فهو باطل بحكم الأمر الثاني ، وأنّ نسبة التحريك إليه بضرب من التشبيه ; إذ العبد إذا أدرك استحقاق المولى للإطاعة أو خاف من ناره وغضبه ، ورأى أنّ الإطاعة لايحقّق إلاّ بالإتيان بالصلاة المقيّدة فلا محالة يقوم بامتثاله كيف ما أمر .

وأ مّا قوله : إنّ الصلاة غير متعلّقة بالأمر حتّى يأتي بها بقصد أمرها ; لأنّ المفروض أنّ الأمر لم يتعلّق إلاّ بالمقيّد بقصد الأمر ، فالجواب عنه يتوقّف على رفع الحجاب عن كيفية دعوة الأمر في المركّبات والمقيّدات إلى أجزائها وقيودها ، وسنحقّق الحال في ذلك إذا حان حينه عند البحث عن المقدّمات الداخلية(1) .

ومجمل القول فيه : أنّ الأوامر المتعلّقة بالمركّبات والمقيّدات إنّما تتعلّق بهما بما أ نّهما موضوعات وُحدانية ـ ولو اعتباراً ـ ولها أمر واحد لاينحلّ إلى أوامر متعدّدة ، ولا فرق بينهما وبين البسائط في ناحية الأمر ، فهو بعث وحداني تعلّق بالبسيط أو المركّب والمقيّد .

فالمطابق للبرهان والوجدان هو أنّ البعث في هذه الأقسام الثلاثة على وزان واحد ، لاينحلّ الأمر إلى أوامر ، ولا الإرادة إلى إرادات ; وإن كانت تفترق في انحلال الموضوع في الأوّلين دون الثالث .


1 ـ يأتي في الصفحة 290 .


(218)

ولكن دعـوة الأمـر إلى إيجاد القيود والأجـزاء بعين الدعوة إلى إيجاد المركّب والمقيّد ، وإيجاد القيد أو الجزء امتثال للأمر المتعلّق بالمقيّد والمركّب ، لا  امتثالٌ لأمرهما الضمني أو الانحلالي ـ كما اشتهر بين القوم ـ لأنّ العقل حاكم على أنّ كيفية امتثال الأمر المتعلّق بالمركّب والمقيّد إنّما هو بالإتيان بالأجزاء وإيجاد القيود .

فحينئذ : فالجزء أو القيد ليس غير مدعوّ إليهما رأساً ، ولا مدعوّ إليهما بدعوة خاصّة منحلّة ، بل مدعوّ إليهما بعين دعوته إلى المركّب أو المقيّد ; إذ الأمر واحد والمتعلّق فارد .

التحقيق في المقام

إذا عرفت ذلك : تقدر على حلّ العويصة ; إذ المأمور به وإن كان هو المقيّد بقصـد الأمر ، وهو قد تعلّق بنعت التقيّـد ، إلاّ أنّ نفس الصلاة المأتي بها تكون مدعوّة بنفس دعوة الأمر المتعلّق بالمقيّد ، لا بأمـرها الخاصّ ، وهـذا يكفي في مقام الإطاعة .

وبعبارة اُخرى : أنّ المكلّف إذا أدرك أنّ الأمر متعلّق بالمقيّد بقصد الأمر ، ورأى أنّ إتيان الصلاة ـ أعني ذات المقيّد بالأمر المتعلّق بالمركّب ـ محصّل لتمام قيود الواجب فلا محالة يأتي بها كذلك ، ويعدّ ممتثلا لدى العقلاء .

على أنّ هنا جواباً آخر مبنياً على ما أخذه القوم قولا مسلّماً : وهو كون الأمر بذاته باعثاً ومحرّكاً مع قطع النظر عن المبادئ والملكات ; إذ غاية ما يلزم من هذا الوجه أن تكون محرّكيته بالنسبة إلى نفس الصلاة جائزة وبالنسبة إلى القيد الآخر ـ  أعني قصد أمره ـ ممتنعة .


(219)

لكن لا معنى لمحرّكيته بالنسبة إليه بعد التحريك إلى نفس الطبيعة ; لأنّ التحريك إليه لغو ; لكونه حاصلا ، وتحصيله بعد حصوله محال ; لأنّ التحريك إلى نفس الصلاة بداعي امتثال الأمر المتعلّق بالمركّب يكفي في تحقّق المتعلّق مع قيده ، ويقال : إنّه أتى بالصلاة بقصد أمرها .

وعن بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ هنا جواب مبني على انحلال الأمر إلى أوامر بعضها موضوع لبعض(1) . وأنت بعد الوقوف بما أشرنا إليه إجمالا تجد النظر في نقضه وإبرامه .

هذا كلّه إذا كان الأخذ في المتعلّق بأمر واحد ، وقد عرفت إمكانه وجوازه .

إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلّق بأمرين مستقلين

بقي شيء : وهو أنّه على القول بامتناع الأخذ فهل يمكن تصحيحه بأمرين : أحدهما متعلّق بنفس الطبيعة ، والآخر بالإتيان بها بداعي الأمر بها .

واستشكل المحقّق الخراساني : بأ نّه مع القطع بأ نّه ليس في العبادات إلاّ أمر واحد كغيرها : أنّ الأمر الأوّل إن يسقط بمجرّد موافقته ـ ولو لم يقصد الامتثال ـ فلا يبقى مجال لموافقة الثاني بعد موافقة الأوّل ، فلا يتوسّل الآمر إلى غرضه بهذه الوسيلة ، وإن لم يسقط فلا يكون إلاّ لعدم حصول الغرض ، ومعه لايحتاج إلى الثاني ; لاستقلال العقل بوجوب الموافقة بما يحصل به الغرض(2) .

وفيه وجوه من النظر :


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 236 ، نهاية الأفكار 1 : 190 .
2 ـ كفاية الاُصول : 96 .


(220)

أ مّا أوّلا : فإنّك قد عرفت أنّ ألفاظ العبادات موضوعة لمعنى غير مقيّد بشرائط آتية من قبل الأمر ; سواء قلنا بكونها موضوعة للصحيح أم للأعمّ ; إذ الشرائط الآتية من قبل الأمر خارجة من حريم النزاع والموضوع له اتّفاقاً .

فإذن نفس الأوامر المتعلّقة بالطبائع غير متكفّلة لإفادة شرطيتها ; لخروجها من الموضوع له ، فلابدّ من إتيان بيان منفصل لإفادتها بعد امتناع أخذها في المتعلّق ، بل مع جوازه أيضاً يكون البيان ـ لا محالة ـ منفصلا ; لعدم عين وأثر منها في الأوامر المتعلّقة بالطبائع . والإجماع والضرورة القائمتان على لزوم قصد الأمر أو التقرّب في العبادات يكشفان عن وجود أمر آخر ، كما لايخفى .

وإن شئت قلت : إنّا نختار الشقّ الثاني من كلامه ; وهو أنّ الأمر الأوّل لايسقط بمجرّد الإتيان ; لقيام الإجماع والضرورة على اعتباره في صحّة العبادات ، ولكن يستكشف حينئذ عن ورود تقييد لمتعلّق الطبائع ; لكون الصحّة وعدمها دائرتين مداره ، كما يستكشف بهما وجود أمر آخر ودليل منفصل إذا قلنا بعدم جواز الأخذ في المتعلّق ، كما هو المفروض في كلامه ـ قدس سره ـ  .

وثانياً : أنّ ما ذكره في آخر كلامه من استقلال العقل بوجوب الموافقة بما يحصل به الغرض غير صحيح ; لأنّ مرجعه إلى أنّ العقل يستقلّ بالاشتغال ، ومعه لامجال لأمر مولوي .

وفيه ـ مضافاً إلى جريان البراءة في المورد ، كما سيأتي بيانه(1) ـ أنّ حكم العقل بالاشتغال ليس ضرورياً ، بل أمر نظري تضاربت فيه الأفكار ، واكتفاء الشارع بحكمه إنّما يصحّ لو كان الحكم بالاشتغال مقتضى جميع العقول ، ومع هذا


1 ـ يأتي في الصفحة 230 .


(221)

الاختلاف يبقى مجال لإعمال المولوية ; ولو لأجل ردّ القائلين بالبراءة .

والحاصل : أنّ ما قرع سمعك من انتفاء مناط المولوية في موارد الأحكام العقلية ليس بالمعنى الذي تتلقّاه من الأفواه ، بل له حدود وشروط .

وثالثاً : أنّ ما أفاده من أنّ المولى لايتوسّل بغرضه بهذه الوسيلة مدفوع بأنّ ترك الأمر الثاني ـ ولو برفع موضوعه ـ موجب للعقوبة ; فيحكم العقل بلزوم إطاعته ، وليس للمولى وسيلة إلى التوسّل بأغراضه إلاّ الأمر والإيعاد بالعقاب على تركه .

توهّم ودفع

ربّما يختلج في البال : أ نّه إذا فرضنا أنّ المصلحة قائمة بالطبيعة المقيّدة بقصد الأمر ـ كما هو المفروض في العبادات ; إذ روحها هو التقرّب وقصد الامتثال أو ما يقوم مقامهما ، وإلاّ لصار لزوم إتيانها مع القربة لغواً ـ يكشف هذا عن خلوّ الطبيعة المجرّدة عن القيد من المصلحة . فحينئذ لايمكن أن تتعلّق الإرادة بالمجرّد عن القيد ثبوتاً ، كما لايمكن البعث الحقيقي إليه ; إذ الحكم ; أعني البعث ومبدئه ـ الذي هو الإرادة  ـ يتّبعان الملاك الذي هو المصلحة بالضرورة ، ومع فرض عدمها لاينقدح الإرادة ، كما لايقع مورد البعث .

إذا عرفت هذا فنقول : إذا فرضنا أنّ الأمر المتعلّق بنفس الطبيعة الخالية عن القيد ليس صالحاً للباعثية فكيف يمكن الأمر ثانياً بالإتيان بها بباعثية الأمر وداعويته ؟ بل لا يمكن للمولى أن يأمر بالإتيان بها بداعي أمره ، بعد ما فقدت المصلحة وخلت عن الإرادة ولم تقع مورد البعث الحقيقي .

ثمّ إنّه لو فرضنا تعلّق الأمر به ، لكنّه لايكون إلاّ أمراً صورياً ; أعني ما لا يترتّب عليه غرض ، ولايكون ذا مصلحة وفائدة . وقصد هذا الأمر الصوري لا يكون


(222)

مقرّباً ، بل القصد وعدمه سواء ; فلا يصل المولى إلى مطلوبه بهذه الوسيلة أيضاً .

قلت : إنّ الإشكال ـ بل الإشكالين ـ لأجل مغالطة في البين ; إذ ما زعم من امتناع تعلّق الإرادة والبعث بالطبيعة المجرّدة عن القيد إنّما هو فيما إذا كان المولى مكتفياً به ، وأ مّا إذا صار بصدد إفهام القيد بدليل آخر فلا نسلّم امتناعه ، بل إذا كان الغرض قائماً بوجود مركّب أو مقيّد كما يجوز أن يأمر بالأجزاء دفعة ، كذلك يجوز أن يبعث إلى الأجزاء واحداً بعد واحد .

وبذلك يظهر لك مقرّبية هذا الأمر فيما نحن فيه ; لأنّ تمام المحصّل للغرض هو الطبيعة مع قصد أمرها ، ففرق بين المقام الذي يكون قصد الأمر قيداً متمّاً للغرض وبين سائر القيود التي لم يكن بتلك المثابة ، فعلى الأوّل يكون قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة محصّلا للغرض ومقرّباً من المولى بخلاف الثاني ، فلا تغفل .

تتميم : في إتيان الفعل بداعي المصلحة أو الحسن أو المحبوبية

هذا كلّه لو قلنا بأنّ المعتبر في العبادات هو قصد الأمر ، وأ مّا لو قلنا بأنّ المعتبر فيها هو إتيان الفعل بداعي المصلحة أو الحسن أو المحبوبية ، فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ أخذها بمكان من الإمكان ، لكنّها غير مأخوذة قطعاً ; لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال(1) .

الظاهر : أنّ بعض الإشكالات المتقدّمة واردة على المفروض ، فيقال في تقريره : إنّ داعوية المصلحة ـ مثلا ـ لمّا كانت مأخوذة في المأمور به تصير الداعوية متوقّفة على نفسها ، وداعية إلى داعوية نفسها ; لأنّ الفعل لايكون بنفسه ذا مصلحة


1 ـ كفاية الاُصول : 97 .


(223)

حتّى يكون بنفسه داعياً إلى الإتيان ، بل بقيد داعويتها . فلابدّ أن يكون الفعل مع هذا القيد ـ  القائم بهما المصلحة ـ داعياً إلى الإتيان ، وهذا عين الإشكال المتقدّم .

وأيضاً لمّا كانت المصلحة قائمة بالمقيّد يكون الفعل غير ذي المصلحة ، فلا يمكن قصدها إلاّ على وجه دائر ; لأنّ قصد المصلحة يتوقّف عليها ، وهي تتوقّف على قصدها بالفرض .

ويرد أيضاً ما قرّر هناك : من أنّ الداعي مطلقاً في سلسلة علل الإرادة التكوينية ; فلو اُخذ في العمل الذي هو في سلسلة المعاليل يلزم أن يكون الشيء علّة لعلّة نفسه ، فإذا امتنع تعلّق الإرادة التكوينية امتنع تعلّق التشريعية ; لأ نّها فرع إمكان الاُولى .

ولك أن تذبّ عن الأوّل : ببعض ما قدّمناه في قصد الأمر . وأضف إليه : أ نّه يمكن أن يقال : إنّ للصلاة مصلحة بنحو الجزء الموضوعي ، ولمّا رأى المكلّف أنّ قصدها متمّم للمصلحة ; فحينئذ لامحالة تصير داعية إلى إتيانها بداعي المصلحة ، من غير لزوم كون الداعي داعياً .

وبذلك يتّضح قطع الدور ; فإنّ قصد المصلحة ـ التي هي جزء الموضوع ـ يتوقّف عليها ، وهي لا تتوقّف على القصد ، وبما أنّ المكلّف شاعر بأنّ هذا القصد موجب لتمامية الموضوع وحصول الغرض فلا محالة تصير داعياً إلى إتيان الفعل قاصداً . نعم لايمكن قصد تلك المصلحة مجرّدة ومنفكّة عن الجزء المتمّم ، وفيما نحن فيه لايمكن التفكيك بينهما .

وأ مّا الجواب عن الثالث : فبمثل ما سبق من أنّ الداعي والمحرّك إلى إتيان المأمور به بعض المبادئ الموجودة في نفس المكلّف ، كالحبّ والخوف والطمع ، وتصير تلك المبادئ داعية إلى طاعة المولى ، بأيّ نحو أمر وشاء .


(224)

فإذا أمر بإتيان الصلاة بداعي المصلحة تصير تلك المبادئ المتقدّمة داعية إلى إتيانها بداعي المصلحة ، من غير لزوم تأثير الشيء في علّته . ألا ترى أ نّك إذا أحببت شخصاً جليلا ـ حبّاً شديداً ـ فأمرك بإتيان مبغوض لك تجد في نفسك داعياً إلى إتيانه لأجل حبّه وإرادة طاعته وطلب مرضاته ، من غير لزوم الدور .

الثالث : في مقتضى الأصل اللفظي في المقام

إنّك قد عرفت بمالا مزيد عليه إمكان أخذ قصد الأمر والامتثال أو غيره من قصد المصلحة والمحبوبية في المتعلّق ، فعليه يقع هذه العناوين في عرض سائر الأجزاء والشرائط من المؤثّرات في الغرض ، فيجب على المولى بيان تلك الاُمور لو كان واحد منها دخيلا في الغرض . فلو أحرزنا كونه في مقام بيان ما هو تمام الموضوع لحكمه ، ومع ذلك لم يظهر في خلال بيانه من هذه العناوين عين ولا أثر يستكشف عدم دخالتها في الغرض المطلوب .

فإن قلت : إنّ التمسّك بالإطلاق إنّما يصحّ إذا كان كلّ من وضع القيد ورفعه بيد الآمر ، ولكن باعثية الأمر وداعويته إلى المتعلّق لازم ذاتي لاتنفكّ عنه ولا عن متعلّقه ; أ مّا عن الأمر فواضح ، وأ مّا عن المتعلّق لأنّ الداعي إلى الأمر بالشيء هو جعل الداعي إلى الإتيان به ، فمتعلّق الأمر هو طبيعة الفعل التي جعل المولى داعياً للعبد إلى الإتيان بها ، لا مطلق طبيعته ، وكيف يتمسّك بالإطلاق ؟

قلت : إنّ كون الواجب توصّلياً ليس معناه إلغاء باعثية الأمر ومحرّكيته ; بأيّ معنى تصوّرت حتّى يلزم تفكيك ما هو ذاتي للشيء عنه ، بل هي موجودة لم يمسّ بكرامتها في كلّ من القربيات والتوصّليات .

بل المراد أنّ غرض الآمر : تارة يحصل بصرف وجود الشيء في الخارج ،


(225)

بأيّ داع أتاه العبد ، كدفن الميّت ; فإنّ الغرض هو مواراته تحت الأرض ; سواء كان المحرّك إلى هذا العمل هو أمر المولى ودرك عظمته ، أم كان هو قطع رائحته .

واُخرى : يكون الغرض بحيث لايحصل إلاّ بقصد أمره وإتيانه لأجل أ نّه أمر بذلك ، ففي كلا القسمين لم يمسّ بكرامة داعويته ، وإنّما التصرّف في حصول المطلوب فقط ، فتدبّر .

وبعبارة اُخرى : لا كلام في أنّ الداعوية لاتنفكّ عن الأمر ومتعلّقه مطلقاً ، ولكن الكلام في أنّ هذه الدعوة هل تعلّقت بذات العمل ، أو به مع قيد آخر كقصد الامتثال أو غيره ; حتّى يكون القيد مأخوذاً في المتعلّق قبل تعلّق الدعوة ، لاجائياً من قبلها ومنتزعاً من المتعلّق بعد تعلّقها به .

ولا شكّ في أنّ الأوّل هو المتعيّن ; ضرورة أنّ البعث تعلّق بنفس الطبيعة بلا قيد ، وما جاء من قِبل الأمر لايكون مدعوّاً إليه ، ولا العبد مأخوذاً بإتيانه . فالكلام في الإطلاق المقابل للتقييد هو إطلاق متعلّق الأمر ، لا سلب داعوية الأمر .

ثمّ إنّ شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ بعد ما كان بانياً على جواز الأخذ في المتعلّق ، وأنّ الأصل في الأوامر كونها توصّلياً رجع في أواخر عمره الشريف إلى أصالة التعبّدية ، وبه عدل عن كثير من مبانيه السابقة .

وملخّص ما أفاده مبني على مقدّمات :

منها : أنّ الأوامر إنّما تتعلّق بنفس الطبائع ; أي المفاهيم الكلّية اللابشرطية العارية عن كلّ قيد ، لا بصرف الوجود أو الوجود السعي .

ومنها : أنّ العلل التشريعية كالعلل التكوينية طابق النعل بالنعل ، فكلّ ما هو من مقتضيات الثانية يكون من مقتضيات الاُولى أيضاً ، كتكثّر المعلول بتكثّر علّته ، وكعدم انفكاك المعلول عنها ، وغير ذلك . وعلى ذلك بنى ـ قدس سره ـ القول بعدم التداخل في


(226)

الأسباب ، والقول بظهور الأمر في الفور ودلالته على المرّة .

ومنها : أنّ القيود اللبّية ، منها ما يمكن أخذها في المتعلّق على نحو القيدية اللحاظية كالطهارة ، ومنها مالايمكن أخذها في المتعلّق وتقييده بها ، إلاّ أ نّه لاينطبق إلاّ على المقيّد ; بمعنى أنّ له ضيقاً ذاتياً لايتّسع غيره بدون دليل يوجب التوسعة ، كمقدّمة الواجب ـ بناءً على وجوبها ـ فإنّ الإرادة من الآمر المستتبعة للبعث لا تترشّح على المقدّمة مطلقاً ـ موصلة كانت أم لا ـ لعدم الملاك فيها ، ولا على المقيّدة بالإيصال ; لاستلزامه الدور المقرّر في محلّه ، ولكنّها لا تنطبق إلاّ على المقدّمة الموصلة . وكالعلل التكوينية ; فإنّ تأثيرها ليس في الماهية المطلقة ، ولا المقيّدة بقيد المتأثّرة من قِبَلها ; فإنّها ممتنعة ، بل في الماهية التي لا تنطبق إلاّ على المقيّد بهذا القيد كالنار ; فإنّ معلولها ليست الحرارة المطلقة ـ سواء كانت مولدة عنها أم لا ـ ولا المقيّدة بكونها من علّتها التي هي النار ، لكنّها لاتؤثّر إلاّ في المعلول المنطبق المخصوص .

إذا تمهّدت هذه المقدّمات فنقول : إنّ المأمور به ليس إلاّ نفس الطبيعة القابلة للتكثّر بحكم المقدّمة الاُولى ، كما أنّ المبعوث إليه ليست الصلاة المطلقة ; سواء كانت مبعوثاً إليها بهذا الأمر أم بغيره ، ولا المقيّد بكونها مأموراً بأمرها المتعلّق بها ، بل مالاينطبق إلاّ على الأخير لابنحو الاشتراط ، بل له ضيق ذاتي لايبعث إلاّ نحو المأمور بها ، كما في العلل التكوينية .

وبعبارة أوضح : أنّ الأوامر تحرّك المكلّف نحو الطبيعة التي لا تنطبق إلاّ على المتقيّدة لبّاً بتحريكها إيّاه نحوها . فإذا أتى المكلّف بها من غير دعوة الأمر لايكون آتياً بالمأمور به ; لأ نّه لاينطبق إلاّ على المقيّد بدعوة الامر ، فمقتضى الأصل اللفظي هو كون الأوامر تعبّدية قربية ، انتهى بتوضيح .


(227)

لكن النظر الدقيق يقضي على خلافه :

أ مّا أوّلا : فلأنّ قياس التشريع بالتكوين قياس مع الفارق ; لأنّ المعلول في العلل التكوينية ـ خصوصاً في الفاعل الإلهي الذي هو العلّة الحقيقي ، لا الفاعل المادّي الذي هو في سلك المعدّات والعلل الإعدادية ـ إنّما هو ربط محض بعلّته لا شيئية له قبل تأثير علّته ، ففعليته ظلّ فعلية علّته ، وهذا بخلاف التشريع ; فإنّ تشخّص الإرادة التي تعدّ علّة تشريعية من تشخّص المراد ; إذ هي من ذوات الإضافة لايعقل تعلّقها بشيء مجهول ، وهكذا الأمر ; فإنّ المبعوث إليه في الأوامر يكون رتبته ـ تصوّراً ـ مقدّماً على البعث ، وقس عليهما نظائرهما .

وأولى منه بعدم التسليم : ما اختاره في باب تعدّد الأسباب ; فإنّ اقتضاء كلّ علّة تكوينية معلولا مستقلاّ إنّما هو لقضية إيجاب كلّ علّة مؤثّرة وجوداً آخر يكون معلولا ووجوداً ظلّياً له . وأ مّا الإرادة فلا معنى لتعلّقها بشيء واحد زماناً ومكاناً مرّتين ، بل لايقع الشيء الواحد تحت دائرة الإرادة إلاّ مرّة واحدة ، ولا تحت أمر تأسيسي متعدّد ; فإذن تكثّر الإرادة تابع لتكثّر المراد . وأ مّا المعلول التكويني فتكثّره تابع لتكثّر علّته . وأيضاً عدم انفكاك المعلول عن علّته إنّما هو لكون وجود العلّة التامّة كاف في تحقّقه ، فلا معنى للانفكاك . وأ مّا الإرادة فيمكن أن يتعلّق بأمر استقبالي وحالي ، فإثبات الفورية من هذه الجهة مخدوش أيضاً .

وأ مّا ثانياً : فلأنّ ما ذكره من المقدّمة الاُولى كاف في نقض مراده ; إذ الواجب هو ما وقع تحت دائرة الطلب ، والقيود المنتزعة من تعلّق الأمر بها لاتكون مأموراً بها إلاّ أن تؤخذ في المتعلّق ، كسائر القيود .

وبالجملة : أنّ الواجب التوصّلي والتعبّدي يشتركان في أ نّه إذا تعلّق الأمر بشيء ينتزع منه عنوان كونه مبعوثاً إليه ، ويفترقان في أنّ المطلوب في الأوّل هو


(228)

نفس الطبيعة وفي الآخر هي مع قصد التقرّب . وبما أنّ الأمر لايكون محرّكاً إلاّ إلى نفس الطبيعة لا إلى غيرها فلابدّ وأن يكون مثل تلك القيود مورداً للبعث ، لو كانت دخيلة في الغرض .

وأ مّا ثالثاً : فلأنّ ما هو المعلول في كلتا العلّتين إنّما هو نفس الطبيعة ، لا مالاينطبق إلاّ على المقيّد ; إذ النار إنّما تحرق نفس القطن وتتعلّق بنفس الطبيعة ، والتقييد منتزع بعد التعلّق والإحراق .

والحاصل : أ نّه بتعلّق الإحراق بها يصير الطبيعة موصوفة بوصف أ نّها لايمكن أن تنطبق إلاّ على المقيّد ، لكن رتبة هذا القيد والوصف بعد تحقّق الإحراق ، ولا يمكن أن يصير موجباً لضيق الطبيعة المتعلّقة بالإحراق .

وقصارى الكلام : أنّ المادّة موضوعـة لنفس الطبيعة ; والهيئة دالّـة على البعث إليها . والذي قام به البيان هو ذات الطبيعة ، وانتزاع عناوين مـن تعلّق الأمـر عـن المأمور به لايوجب أمراً ، بل لايمكن وقوعها تحت الطلب ، ومعه لامعنى لوجوب إتيانها .

الرابع : في تحرير الأصل العملي في المقام

لا ريب في جريان البراءة العقلية على القول بإمكان الأخذ في المتعلّق ; إذ يصير قصد الأمر ـ حينئذ ـ كسائر القيود العرضية ، فيتحقّق موضوع البراءة الذي هو قبح العقاب بلا بيان .

وأ مّا على القول بامتناع الأخذ فربّما يؤخذ هنا بقاعدة الاشتغال عقلا ، مع تسليم جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيين ; قائلا بأنّ الشكّ في المقام في كيفية الخروج من عهدة التكليف المعلوم ثبوته ، فلا يكون العقاب على تركه عقاباً


(229)

بلا بيان ، ولكن الشكّ في الارتباطيين في كمّية المتعلّق قلّةً وكثرةً ، فعليه البيان بشراشر أجزائه وشرائطه(1) .

وإن شئت قلت : إنّ تحصيل الغرض مبدأ للأمـر ، فإذا علم أصل الغرض وشكّ في حصولـه ـ للشكّ في كون المأتي به مسقطاً للغرض وحـده بلا قيد التقرّبية ـ فلا محالة يجب القطع بتحصيل الغرض بإتيان جميع ما له دخـل في ذلك ; ولو احتمالا(2) .

وفيه : أ نّه لا معنى لسقوط الأمر إلاّ إيجاد ما أمر به المولى وبعث المكلّف إليه وتمّت حجّته بالنسبة إليه ، فلو امتثـل كذلك وأوجد ما تعلّق به العلم وما تمّ البيان عليه وقامت الحجّـة عليه لا يتصوّر ـ حينئذ ـ لـه البقاء على صفة الحجّيـة ; إذ لو كان دخيلا في الطاعة وفي تحقّق المأمور به لما جاز له الكفّ عن البيان ; ولو  بدليل آخر .

والاكتفاء بحكم العقل بالاشتغال في المقام مدفوع بأ نّه ـ بعد الغضّ عن أنّ المورد داخل في مجرى البراءة ـ إنّما يفيد لو كان من الواضحات عند عامّة المكلّفين ; بحيث يصحّ الاتّكال عليه ، لا في مثل المقام الذي صار مطرحاً للأنظار المختلفة والآراء المتشتّتة .

أضف إلى ذلك : أ نّه لا فارق بين المقامين ، وما ذكر من البرهان لإثبات الاشتغال جار في الأقلّ والأكثر أيضاً ; إذ القائل بالاشتغال هناك يدّعي أنّ الأمر بالأقلّ معلوم ونشكّ في سقوطه لأجل ارتباطية الأجزاء(3) ، أو أنّ الغرض


1 ـ نهاية الدراية1 : 345 .
2 ـ نفس المصدر 1 : 342 .
3 ـ الفصول الغروية : 357 / السطر 11 .


(230)

المستكشف من الأمر معلوم ونشكّ في سقوطه بإتيان الأقلّ ، فيجب الإتيان بكلّ ما احتمل دخله في الغرض(1) .

هذا ، مع أنّ مجرّد عدم إمكان تقييد المأمور به لايوجب عدم إمكان البيان مستقلاّ ـ كما مرّت إليه الإشارة ـ إذ لو توقّف حصول غرض المولى على أمر وراء المأمور به وجب عليه البيان .

ولك أن تقول : إنّ ما اشتهر من وجوب تحصيل العلم بحصول أغراض المولى ومقاصده لايرجع إلى محصّل ; إذ الأغراض إن كانت حاصلة بنفس ما وقع تحت دائرة البيان فما هو واجب تحصيله ـ حينئذ ـ في محيط العبودية هو ما تعلّق به البيان ; من الأجزاء والشرائط ، ويتبعه الغرض في الحصول ، وإن كانت غير حاصلة إلاّ بضمّ ما لم تقم عليه حجّة بعدُ ، فلا نسلّم وجوب تحصيله ، وهذا لاينافي ما سيأتي من وجوب تحصيل الغرض المعلوم اللازم الحصول(2) . مع إمكان أن يقال : إنّه يستكشف من عدم البيان أنّ الغرض قائم بالمبيّن .

وأ مّا البراءة الشرعية : فتارة يفرض الكلام فيما إذا جاز تقييد المأمور به بالقيود الآتية من قبل الأمر ، واُخرى فيما إذا لم يجز ذلك إلاّ بأمر آخر ، وثالثة فيما  لايجوز مطلقاً . وعلى أىّ حال : تارة يفرض مع القول بجريان البراءة العقلية في قصد الأمر ، واُخرى مع القول بعدمه . فالصور المتصوّرة ستّة . والأقوى جريانها في جميع الصور .

وربّما يقال(3)  بعدم جريانها مطلقاً على القول بالاشتغال العقلي ، وجريانها


1 ـ كفاية الاُصول : 414 .
2 ـ يأتي في الصفحة 258 .
3 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 243 .


(231)

على القول بجريان البراءة العقلية ، إلاّ فيما لايمكن أخذ القيد في المأمور به ; ولو بأمر آخر . فالصور الممنوعة أربعة :

أ مّا الاُولى ـ أعني عدم الجريان فيما إذا أمكن الأخذ في المأمور به بأمر واحد مع القول بالاشتغال العقلي ـ فلقصور أدلّة البراءة النقلية عن شمول مثل المورد ; فإنّ ملاكها هو كون الأمر المشكوك فيه إذا لم يأمر به المولى كان ناقضاً لغرضه ، والمورد ليس كذلك ; فإنّ القيد المزبور ـ على فرض دخالته ـ يجوز للمولى الاتّكال على حكم العقل بالاشتغال ، ولا يوجب عدم البيان نقض الغرض . وليس المدّعى أنّ حكم العقل بالاحتياط رافع لموضوع البراءة حتّى يستشكل بلزوم الدور ، بل المدّعى قصور أدلّة البراءة عن مثل المورد ، انتهى .

وفيه : أ نّا لا نرى قصوراً في أدلّتها ولا انصرافاً في إطلاقاتها بعد كون الموضوع قابلا للرفع والوضع ، بل جريانها فيما يحكم العقل بالاشتغال أولى وأقرب من جريانها فيما يكون المورد محكوماً بالبراءة العقلية ; إذ ظاهر الأدلّة هو المولوية لا الإرشاد ، فيصحّ إعمالها بالحكم بالبراءة فيما لولاها لكان محكوماً بالاشتغال عقلا ، وهذا بخلاف ما إذا اتّحدا مفاداً ونتيجة ; بأن يكون مجرى البراءة عقلا وشرعاً ; إذ حكمه ـ حينئذ ـ يصير إرشادياً محضاً .

وأ مّا الصورة الثانية ـ أعني مالا يمكن الأخذ إلاّ بأمر آخر مع الاشتغال عقلا ـ فلأنّ جريان البراءة لايثبت أنّ متعلّق الأمر الأوّل تمام المأمور به إلاّ على القول بالأصل المثبت ، بخلاف ما إذا قلنا بإمكان الأخـذ في متعلّق الأمر الأوّل ; فإنّ الشكّ يرجع إلى انبساط الأمر على الجزء والقيد المشكوك فيه . فمع جريان البراءة يكون باقي الأجزاء بنظر العرف تمام المأمور به ، فيكون من قبيل خفاء الواسطة ، انتهى .


(232)

وفيه أوّلا : أنّ القول بوجوب العلم بكون المأتي به تمام المأمور به من قبيل الالتزام بشيء لايجب الالتزام به ; إذ الواجب ليس عنوان تمام المطلوب حتّى يجب إحرازه ، بل ما قامت عليه الحجّة واستوفاه البيان ; سواء اُحرز كونه تمام المأمور به أم لا ، هذا .

وثانياً : أنّ رفع الجزء المشكوك فيه ملازم عقلا لكون البقية تمام المطلوب ، وهذا عين الأصل المثبت ، من غير فرق بين وحدة الأمر وتعدّده .

وثالثاً : أنّ الأمر الثاني ناظر إلى متعلّق الأمر الأوّل بتصرّف فيه ببيان قيده وشرطه ، وليس مفاده أمراً مستقلاّ ـ وإن شئت فسمّه بتتميم الجعل ـ فيرى العرف هذين الأمرين ـ بعد التوجّه إلى الناظرية ـ أمراً واحداً . وعليه فلو كان هنا خفاء الواسطة يكون في الموردين بلا فرق بينهما .

وأ مّا الصورة الثالثة والرابعة ـ أعني عدم إمكان الأخذ مطلقاً ; سواء قلنا بالبراءة العقلية أم لا ـ فلأنّ جريانها موقوف على كون المشكوك فيه قابلا للوضع والرفع شرعاً ، ومع عدم جواز الأخذ لايمكن الوضع ، فلايمكن الرفع . ودخله في الغرض واقعي تكويني غير قابل للوضع والرفع التشريعيين ، وغير المفروض من القيود وإن كان دخله تكوينياً لكنّه لمّا كان قابلا لهما يجوز التمسّك بدليل الرفع لرفعه ، انتهى .

وفيه : أ نّا لا نتصوّر للمفروض مصداقاً ; إذ كيف يمكن دخالة شيء في الغرض ، ولايمكن للمولى بيانه وإظهاره ؟ وعليه لامحيص عن جريان أدلّة الرفع بعد إمكان وضعه في نظائر المقام .


(233)

المبحث الخامس
في أصالة النفسية والعينية والتعيينية

الأمر المطلق يحمل على النفسي العيني التعييني مالم يقم دليل على مقابلاتها ، وليس ذلك لأجل دلالة اللفظ أو انصرافه أو كشفه عنها لدى العقلاء ، بل لما مرّ(1)  في حمله على الوجوب والندب ; من أنّ بعث المولى تمام الموضوع لاحتجاجه على العبد في باب الطاعة ، ولايجوز له التقاعد باحتمال إرادة الندب ، ويجري ذلك في مطلق بعثه وإغرائه ; سواء صدر باللفظ أم بالإشارة .

وما ذكر من أنّ صدور الأمر عن المولى تمام الموضوع للطاعة جار في المقام بعينه ; فإذا تعلّق أمر بشيء يصير حجّة عليه ، لايسوغ له العدول إلى غيره باحتمال التخيير في متعلّق الأمر ، كما لايجوز له الترك مع إتيان الغير باحتمال الكفائية ، ولا التقاعد عن إتيانه باحتمال الغيرية ، مع سقوط الوجوب عن غيره الذي يحتمل كون الأمر المفروض مقدّمة له .

كلّ ذلك لا لأجل دلالة ، بل لبناء منهم على ذلك ; وإن لم نعثر على علّة البناء وملاكه ، لكنّا نشاهده مع فقدان الدلالة اللفظية ، كإفادة البعث بنحو الإشارة .

هذا ، والمحقّق الخراساني تمسّك في إثبات ما قرّرناه بمقدّمات الحكمة ، وأنّ ذلك مقتضى الإطلاق المتحقّق بعدم البيان ، مع كونه في مقام البيان(2) .


1 ـ تقدّم في الصفحة 204 .
2 ـ كفاية الاُصول : 99 .


(234)

وأوضحه المحقّق المحشّي بأنّ النفسية ليست إلاّ عدم كون الوجوب للغير وكذا البواقي ، وعدم القرينة على القيود الوجودية دليل على عدمها ، وإلاّ لزم النقض بالغرض ، لا أنّ النفسية والغيرية قيدان وجوديان بل أحد القيدين عدمي يكفي فيه عدم نصب القرينة على الوجودي المقابل له ، فمقتضى الحكمة تعيين المقيّد بالقيد العدمي(1) ، انتهى .

قلت : وفيما أفاده الماتن والمحشّي نظر :

أ مّا الأوّل : فلأنّ لازم القول بكونه موضوعاً لمطلق البعث والطلب أن يكون نتيجة الإطلاق مطلق البعث المشترك بين النفسي والغيري ـ مثلا ـ لأنّ ميزان الإطلاق كون ما وقع تحت البيان تمام الموضوع للحكم ، وما ورد به البيان ليس غير البعث المطلق ، ولكنّه ـ مع كونه خلاف المقصود ـ ممتنع ; لعدم إمكان تصوّر الجامع الحقيقي بين المعاني الحرفية ، كما تقدّم توضيحه مستوفى(2) .

والحاصل : أنّ تقسيم مفهوم إلى قسمين يلازم اشتمال كلّ فرد بخصوصية بها يتميّز عن المقسم ويغاير قسيمه ، وإلاّ صار عين المقسم وكان من باب تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره ، وهذا بعد التدبّر واضح .

فإذن لابدّ وأن يكون كلّ من النفسية والغيرية متخصّصة بقيد وجودي أو عدمي ، به يمتاز كلّ واحد عن مقسمه وقسيمه ، ويقال : النفسي ما يكون إليه البعث لذاته أو لا لغيره ، والغيري بخلافه ، ويكون كلّ واحد منهما في مقام التحديد مشتملا على قيد زائد على نفس البعث ـ ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود ـ وتصير


1 ـ نهاية الدراية 1 : 353 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 45 ـ 46 .


(235)

النفسية متباينة عن الغيرية ، لا تتعيّن إلاّ بدالّ آخر .

وأ مّا الثاني : فهو غريب من ذلك المحقّق ; لأنّ القول بأنّ النفسية ليست إلاّ عدم الوجوب للغير بيّن البطلان ; إذ عدم كون الوجوب للغير : إن كان بنحو السلب التحصيلي ـ كما هو ظاهر كلامه ـ فلازمه كون الوجوب النفسي نفس العدم الصادق مع عدم الوجوب رأساً ، وهو كما ترى ، وإن كان بنحو الإيجاب العدولي أو الموجبة السالبة المحمول فيستلزم كونهما مقيّدين بقيد ، فيحتاج الوجوب لا لغيره إلى بيان زائد على أصل الوجوب ، كما يحتاج إليه الوجوب لغيره .

على أنّ التحقيق كون الوجوب النفسي هو الوجوب لذاته ، والتعريف بالوجوب لا لغيره(1)  تفسير بلازمه .

وتوهّم : أنّ أحد القسمين في نظر العرف عين المقسم ; وإن كان غيره في نظر العقل مدفوع بأ نّه صرف ادّعاء لم يشفع ببرهان ; ضرورة صحّة تقسيم الطلب لدى العرف إلى النفسي والغيري بلا لزوم خلاف الارتكاز .

فتلخّص : أنّ النفسي ليس نفس الطبيعة ، كما أنّ الغيري أيضاً ليس كذلك ، بل كلّ منهما هو الطبيعة مع قيد زائد وجودي أو عدمي .


1 ـ نهاية الدراية 1 : 353 .


(236)

المبحث السادس
في المرّة والتكرار

الحقّ ـ وفاقاً للمحقّقين ـ عدم دلالة الأمر على المرّة والتكرار . ولعلّ وقوع النزاع في الأوامر والنواهي دون سائر المشتقّات لأجل ورودهما مختلفين في الشريعة المقدّسة ، كما نشاهده في الصلاة والحجّ .

وقبل الخوض في تحقيق المختار نقدّم اُموراً :

الأوّل : في تعيين محلّ النزاع

وبيان الوجوه المتصوّرة فيه ، فنقول :

الأوّل : أن يكون النزاع في دلالة المادّة على الطبيعة اللابشرطية أو على المكرّرة أو غيرها ، ويظهر من صاحب «الفصول» خروجها من حريم النزاع ; مستشهداً بنصّ جماعة ونقل السكّاكي الإجماع على أنّ المصدر لايدلّ إلاّ على نفس الطبيعة إذا تجرّد عن اللام والتنوين(1) .

واستشكل عليه المحقّق الخراساني بأنّ ذلك إنّما يتمّ لو كان المصدر أصلا للمشتقّات ، لا أن يكون منها(2) .

ويمكن دفعه بأنّ مادّة المصدر عين مادّة المشتقّات ; وإن لم يكن المصدر أصلا لها .


1 ـ الفصول الغروية : 71 / السطر21 .
2 ـ كفاية الاُصول : 100 .


(237)

نعم ، يرد عليه : أ نّه لايتمّ إلاّ إذا ضمّ عليه الإجماع ; بأنّ مادّته عين مادّة المشتقّات أو أنّ المصدر أصل المشتقّات ، وكلاهما ممنوعان ; لعدم الإجماع على الوحدة في المادّة ; إذ وحدة المادّة في المشتقّات وإن صارت مسلّمة عند المتأخّرين لكن عند القدماء من أهل الأدب محلّ خلاف وتشاجر ، على نحو مرّ في المشتقّ لبّ الأقوال ، كما أنّ كون المصدر أصلا مطلقاً ممّا لم يسلّم عند كثير منهم .

الثاني : جعل معقد النزاع دلالة الهيئة على الوحدة والتكرار ، وسيجيء توضيحه وردّه .

الثالث : أن يكون النزاع في دلالة مجموع الهيئة والمادّة على طلب الماهية ; مرّة أو مكرّرة .

هذه هي الوجوه المتصوّرة ، ولكن لايصحّ كلّها ، بل لايعقل بعضها :

أ مّا الأوّل : فلأ نّك قد عرفت(1)  وضع المادّة لمعنى بسيط عار عن كلّ قيد ومجرّد عن كلّ شرط ; حتّى عن لحاظ نفسها وتجرّدها .

وأ مّا الآخر : فلما مرّ في أوائل الكتاب بأ نّه لا وضع للمجموع بعد وضع المفردات ، على تفصيل سبق ذكره(2) .

فبقي الهيئة ، وكون دلالتها محلّ النزاع بعيد جدّاً ; لأ نّها وضعت لنفس البعث والإغراء ، كإشارة المشير ، ومقتضى البعث إلى الماهية المجرّدة هو إيجادها في الخارج ، لا جعل الإيجاد جزء مدلوله اللفظي .

فحينئذ فالشيء الواحد من جهة واحدة لايعقل أن يتعلّق به البعث متعدّداً


1 ـ تقدّم في الصفحة 148 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 73 .


(238)

على نحو التأسيس ، ولا يكون مراداً ومشتاقاً إليه مرّتين ; لما مرّ(1)  أنّ تعيّن الحبّ والإرادة والشوق من جانب المتعلّق ، فهي تابعة له في الكثرة والوحدة ، فالشيء الواحد لا تتعلّق به إرادتان ولا شوقان ولا محبّتان في عرض واحد .

نعم ، بناءً على ما أفاده شيخنا العلاّمة من أنّ العلل التشريعية كالتكوينية في أنّ تعدّد معاليلها بتعدّد عللها(2)  يكون للنزاع فيها مجـال ، لكن قد أوضحنا الفرق بين المقامين ، وقلنا بأ نّهما متعاكسان ، فراجع(3) .

فإن قلت : على القول بكون الإيجاد جزء مدلولها يصحّ النزاع بأن يقال : إنّه بعد تسليم وضعها لطلب الإيجاد هل هي وضعت لإيجاد أو إيجادات ؟

قلت : إنّ ذلك وإن كان يرفع غائلة توارد الإرادات على شيء واحد ; إذ كلّ إيجاد يكون مقارناً مع خصوصية وتشخّص مفقود في آخر ، وبه يصحّ أن يقع مورد البعث والإرادة متكرّراً ، إلاّ أنّ الذي يضعّفه : ما أحطت به خُبراً في تحقيق المعاني الحرفية من أ نّها غير مستقلاّت مفهوماً وذهناً وخارجاً ودلالةً(4) ، ولايمكن تقييد الإيجاد الذي هو معنى حرفي بالمرّة والتكرار إلاّ بلحاظه مستقلاّ ، والجمع بينهما في استعمال واحد غير جائز .

وما مرّ منّا من أنّ نوع الاستعمالات لإفادة معاني الحروف ، وجوّزنا تقييدها بل قلنا : إنّ كثيراً من التقييدات راجع إليها(5)  لاينافي ما ذكرنا هاهنا ; لأنّ المقصود


1 ـ تقدّم في الصفحة 227 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 225 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 227 .
4 ـ تقدّم في الصفحة 45 .
5 ـ تقدّم في الصفحة 60 .


(239)

هناك إمكان تقييدها في ضمن الكلام بلحاظ آخر .

وإن قلت : إنّ ذلك إنّما يرد لو كانت موضوعة للإيجاد المتقيّد بالمرّة والتكرار ; حتّى يستلزم تقييد المعنى الحرفي وقت لحاظه آلياً ، لا ما إذا قلنا بأ نّها موضوعة للإيجادات بالمعنى الحرفي ، وإن شئت قلت : بأ نّه كما يجوز استعمال الحرف في أكثر من معنى يجوز وضع الحرف لكثرات واستعمالها فيها .

قلت : ما ذكرت أمر ممكن ، ولكنّه خلاف الوجدان والارتكاز في الأوضاع ، فلا محيص في معقولية النزاع عن إرجاعها إلى وضع المجموع مستقلاّ ; بحيث يرجع القيد إلى الجزء المادّي لا الصوري ، أو إلى نفس المادّة بأن يقال : إنّ لمادّة الأمر وضعاً على حدة .

الثاني : في المراد من المرّة والتكرار في المقام

هل المراد من المرّة والتكرار هو الفرد والأفراد أو الدفعة والدفعات ؟ والفرق بينهما واضح جدّاً .

وما ذكرناه وجهاً لتحقّق الخلاف في الأوامر والنواهي فقط يؤيّد كون النزاع في الفرد والأفراد ; إذ ليس في الأحكام ما يكون للدفعة والدفعات .

وذهب صاحب «الفصول» إلى كون النزاع في الدفعة والدفعات ; مستدلاًّ بأ نّه لو اُريد الفرد لكان اللازم أن يجعل هذا البحث تتمّة لما يأتي من أنّ الأمر هل يتعلّق بالطبيعة أو الفرد ؟ وعلى الثاني هل يقتضي التعلّق بالفرد الواحد أو المتعدّد أو لا يقتضي شيئاً منهما ؟ ولم يحتج إلى إفراد كلّ منهما ببحث مستقلّ(1) ، انتهى .


1 ـ الفصول الغروية : 71 / السطر25 .


(240)

وأورد عليه في «الكفاية» بأنّ الطلب ـ على القول بتعلّقه بالطبيعة ـ إنّما يتعلّق باعتبار وجودها في الخارج لا بما هي هي ; لكونها بهذه الحيثية لا مطلوبة ولا غير مطلوبة ، وعليه يصحّ أن يقال : هل المأمور به هو الواحد منها أو الوجودات ؟ والتعبير بالفرد لكون تشخّصها في الخارج بأفرادها ، غاية الأمر أنّ لوازم الوجود والخصوصية الفردية على القول بتعلّقها بالطبائع تلازم المطلوب ، وعلى القول بالفرد تقوّمه(1) ، انتهى .

والتحقيق أن يقال : إنّه بناءً على تعلّق الأمر بالطبيعة لايخلو إمّا أن يكون إيجادها جزء مدلول الهيئة ـ كما عليه صاحب «الفصول»(2) ـ أو يكون من اللوازم العقلية للإغراء والبعث إلى الطبيعة ، كما قوّيناه(3) .

وعلى الأوّل : يكون الهيئة موضوعة لطلب إيجاد الطبيعة ، فلا محالة يكون المتعلّق نفس الطبيعة ، وإلاّ يصير معنى الأمر بالصلاة : أوجد وجود الصلاة ، وهو كما ترى . فلا محيص إذن عن جعل المتعلّق نفس الطبيعة ، خالية عن القيد .

والحاصل : أ نّه بعد أخذ الإيجاد في طرف الهيئة يصير المتعلّق نفس الماهية دون وجودها ، ومعه لامجرى للنزاع ; سواء اُريد منه الفرد والأفراد أو الدفعة والدفعات ; ضرورة أ نّها خارجة عن الطبيعة ، وأ مّا مع تعلّق الأمر بالفرد فله مجال . نعم في تصوّر النزاع في استفادة المرّة والتكرار بالمعنيين عن الهيئة ـ بعد جعل الإيجاد مدلولا لفظياً ـ وجه استوفينا بيانه في الأمر الأوّل ، فراجع .


1 ـ كفاية الاُصول : 101 ـ 102 .
2 ـ الفصول الغروية : 71 / السطر39 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 191 .


(241)

وأ مّا على الثاني ; أعني عدم دلالـة الهيئة إلاّ على البعث البحت ، وكـون لزوم الإيجاد جائياً من قبل العقل الحاكم بأنّ الماهية من حيث هي ليست مطلوبة ، فيكون الوجـود والإيجاد مـن اللوازم العقلية لتعلّق البعث بالطبيعة ، لا مدلولا للهيئـة والمادّة .

وعليه : يصحّ النزاع بناءً على تعلّق الأمر بالطبيعة لكن يكون عقلياً لا لغوياً ، وهو خلاف ظاهرهم من كونه لغوياً ، فلابدّ من إجراء النزاع على فرض تعلّق الأمر بالفرد لا الطبيعة حتّى يدفع به الإشكال . ولكن ـ مع ذلك ـ لايصير هذا البحث من تتمّة البحث الآتي ; لكون الجهات المبحوث عنها مختلفة .

الثالث : في إتيان الأفراد العرضية دفعة مع وحدة الأمر

إذا قلنا بتعلّق الأمر بالطبيعة ، وأوجد المكلّف عدّة أفراد دفعة واحدة فهل هو امتثال واحد ; لوحدة الأمر المقتضي لامتثال واحد ، أو امتثالات ; لكون الطبيعة تتكثّر بتكرّر الأفراد ; فكلّ واحد بما هو مصداق له امتثال مستقلّ ؟ وجهان :

اختار ثانيهما بعض السادة من الأكابر ; محتجّاً بأنّ الطبيعة متكثّرة بتكثّرها ، ولا يكون فردان أو أفراد منها موجودة بوجود واحد ; لأنّ المجموع ليس له وجود غير وجود الأفراد ، فكلّ فرد محقّق للطبيعة ، ولمّا كان المطلوب هو الطبيعة بلا تقيّد بالمرّة أو التكرار فحينئذ إذا أتى المكلّف بأفراد متعدّدة فقد أوجد المطلوب في ضمن كلّ فرد مستقلاّ ، فيكون كلٌّ امتثالا برأسه كما هو موجود بنفسه .

ونظير ذلك الواجب الكفائي ; حيث إنّ الأمر فيه متعلّق بنفس الطبيعة ، ويكون جميع المكلّفين مأمورين بإتيانها ، فمع إتيان واحد منهم يسقط الوجوب عن


(242)

الباقي ، وأ مّا لو أتى به عدّة منهم دفعة يعدّ كلّ واحد ممتثلا ، ويحسب لكلّ امتثال مستقلّ ، لا أن يكون فعل الجميع امتثالا واحداً(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ وحدة الامتثال وكثرته بوحدة الطلب وكثرته ، لابوحدة الطبيعة وكثرتها ; ضرورة أ نّه لولا البعث لم يكن معنى لصدق الامتثال ، وإن اُوجد آلاف من أفراد الطبيعة .

وبالجملة : فرق بين تعلّق الأمر بإكرام كلّ فرد من العلماء وبين تعلّقه بنفس الطبيعة متوجّهاً إلى مكلّف واحد :

فعلى الأوّل يكون كلّ فرد واجباً برأسه ; ولو بالانحلال في جانب الوجوب على وجه معقول ، فيتعدّد امتثاله ; ولذا يعاقب بعدد الأفراد .

وعلى الثاني يكون مركز الحكم نفس الطبيعة ، فهنا حكم واحد ومتعلّق فارد ، وتكثّرها في الوجود لايوجب تكثّر الوجوب ـ ولو انحلالا ـ كما لايوجب تكثّر الامتثال ; ولذا لو ترك الإكرام المتعلّق بالطبيعة مطلقاً لم يكن له إلاّ عقاب واحد . وإن شئت قلت : إنّ وحدة العقاب وكثرته ووحدة الثواب وتعدّده منوط باختلاف في ناحية الطلب والبعث قلّة وكثرة .

والقول بأنّ ترك الطبيعة مطلقاً لايوجب إلاّ عقاباً واحداً كاشف عن وحدة البعث والحكم ، ومع فرضه واحداً كيف يمكن أن يتصوّر للواحد غير المنحلّ امتثالات ؟ فإذن الامتثال فرع الطلب ، كما أنّ العقوبة فرع ترك المطلوب ، فلا يمكن الامتثالات مع وحدة الطلب ، ولا استحقاق عقوبة واحدة مع كثرته .

أضف إلى ذلك : أنّ قياسه مـع الفارق ; لأنّ البعث في الواجب الكفائي


1 ـ نهاية الاُصول : 124 و 230 ـ 231 .


(243)

يتوجّـه إلى عامّة المكلّفين ; بحيث يصير كلّ مكلّف مخاطباً بالحكم ، فهناك طلبات كثيرة وامتثالات عديدة ، لكن لو أتى واحد منهم سقط البعث عـن الباقي ; لحصول الغرض وارتفاع الموضوع ، ولو تركوها رأساً لعوقبوا جميعاً ، ولـو أتاها الجميع دفعة فقد امتثلوا كافّة ; لكون كلّ فرد منهم محكوم بحكمه ومخاطب ببعثه المختصّ ، بخلاف المقام .

إذا عرفت ما قدّمناه من الاُمور ، مع ما عرفت في مباحث المشتقّ يظهر لك حقيقة الأمر ; من عدم دلالة الأمر على المرّة والتكرار لابمادّته ; لكونها موضوعة للماهية بلا شرط ، ولا بهيئه ; لأ نّها للإغراء والبعث ويلزمه الوجود أو الإيجاد كما مرّ(1) ، ولا بالمجموع ; لعدم وضع له . والتمسّك بالقرائن ـ مع أ نّه خارج عن الفرض  ـ غير ممكن ; لفقد القرائن العامّة الدالّة على واحد منهما .


1 ـ تقدّم في الصفحة 191 .


(244)

المبحث السابع
في الفور والتراخي

ما قدّمناه في نفي دلالة الأمر على المرّة والتكرار جار بعينه في عدم دلالته على الفور والتراخي ، بل لامحيص عن إخراج كلّ قيد ـ من زمان أو مكان أو غيرهما  ـ عن مدلوله ممّا لايدلّ عليه الأمر ، لا بهيئته ولا بمادّته ، فلا نطيل بالإعادة .

نعم ، تشبّث جماعة من الأعاظم في إثبات الدلالة على الفور باُمور خارجة من صيغة الأمر :

منهم شيخنا العلاّمة في الدورة الأخيرة ، كما أسمعناك من مقايسة الأوامر بالعلل التكوينية في اقتضائها عدم انفكاك معاليلها عنها ، وعليه جرى في قضاء الفوائت في كتاب الصلاة ; حيث قال :

إنّ الأمر المتعلّق بموضوع خاصّ غير مقيّد بزمان وإن لم يكن ظاهراً في الفور ولا في التراخي ولكن لايمكن التمسّك به للتراخي بواسطة الإطلاق ، ولا التمسّك بالبراءة العقلية لنفي الفورية ; لأ نّه يمكن أن يقال : إنّ الفورية وإن كان غير ملحوظة قيداً في المتعلّق إلاّ أ نّها من لوازم الأمر المتعلّق به ; فإنّ الأمر تحريك إلى العمل وعلّة تشريعية ، وكما أنّ العلّة التكوينية لا تنفكّ عن معلولها في الخارج ، كذلك العلّة التشريعية تقتضي عدم انفكاكها عن معلولها في الخارج ; وإن لم يلاحظ الآمر ترتّبه على العلّة في الخارج قيداً(1) ، انتهى .


1 ـ الصلاة ، المحقّق الحائري : 573 .


(245)

وكفاك دليلا في جواب ما اختاره ما مرّ من أ نّهما في العلّية والتأثير مختلفان متعاكسان(1) ; حيث إنّ المعلول في التكوين متعلّق بتمام حيثيته بنفس وجود علّته ، بخلاف التشريع .

على أنّ عدم الانفكاك في التكوين لأجل الضرورة والبرهان القائم في محلّه(2) ، وأ مّا الأوامر فنجد الضرورة على خلافه ; حيث إنّ الأمر قد تتعلّق بنفس الطبيعة ; مجرّدةً عن الفور والتراخي ، واُخرى متقيّداً بواحد منهما ، ولانجد في ذلك استحالة أصلا .

أضف إلى ذلك : أنّ مقتضى الملازمة بين الوجوب والإيجاب أنّ الإيجاب إذا تعلّق بأيّ موضوع على أيّ نحو كان يتعلّق الوجوب به لا بغيره ، فإذا تعلّق الأمر بنفس الطبيعة لايمكن أن يدعو إلى أمر زائد عنها ; من زمان خاصّ أو غيره .

فوزان الزمان وزان المكان ، وكلاهما كسائر القيود العرضية لايمكن أن يتكفّل الأمر المتعلّق بنفس الطبيعة إثبات واحد منها ; لفقد الوضع والدلالة وانتفاء التشابه بين التكوين والتشريع ، فتدبّر .

الاستدلال على الفور بأدلّة النقل

وربّما يستدلّ بالآيات الدالّة على وجوب الاستباق إلى الخيرات والمسارعة إلى المغفرة في قوله تعالى : (فَاستَبِقُوا الخَيراتِ)(3) ، وقوله سبحانـه : (سَارِعُوا


1 ـ تقدّم في الصفحة 227 .
2 ـ الشفاء ، الإلهيّات : 261 ، الحكمة المتعالية 2 : 203 و 226 و 229 .
3 ـ البقرة (2) : 148 ، المائدة (5) : 48 .


(246)

إلى مَغفِرة مِنْ رَبِّكمْ)(1)  بتقريب أنّ المراد منها ليس نفسها ; لكونها فعل الربّ ، بل الأسباب المعدّة لحصولها .

وفيه أ مّا أوّلا : أنّ ظاهر الآيات بشهادة ذيل بعضها (وَجَنَّة عَرضُها السَّماواتُ والأَرضُ)(2)  هو الوعظ والإرشاد إلى ما يستقلّ به العقل ; من حسن المسارعة والاستباق إلى ما بعث إليه المولى ، لا المولوية .

وثانياً : أنّ الظاهر من مادّة الاستباق وهيئة المسارعة هو أنّ الأمر متوجّه إلى تسابق المكلّفين بعضهم على بعض إلى فعل الخيرات وإلى مغفرة من ربّهم ; أي في تقدّم شخص على شخص آخر في أمر مع معرضيته لهما ، كما في قوله تعالى : (وَاسْتَبَقَا البَابَ)(3)  لا في مبادرة شخص على عمل مع قطع النظر عن كونه مورد المسابقة بين أقرانه .

وعليه : لابدّ مـن حمل الخيرات وأسباب المغفرة على مالو لم يسبق المكلّف إليـه لفات منه بإتيان غيره ، مثل الواجبات الكفائية ، ومعه يصير الأمر للإرشاد .

وثالثاً : أ نّه لا دلالة في آية المسارعة على العموم ، وما قيل من أنّ توصيف النكرة بقوله : (مِنْ رَبِّكِمْ) يفيد العموم(4)  لا محصّل له أصلا .

ويؤيّد ذلك : أ نّك إذا تفحّصت التفاسير تجد الأقوال متشتّتة في تفسير المغفرة ; حيث احتملوا أن يكون المراد كلمة الشهادة أو أداء الفرائض ، كما روي عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ  ، أو التكبير الأوّل من الجماعة أو الصف الأوّل منها أو التوبة


1 ـ آل عمران (3) : 133 .
2 ـ نفس المصدر .
3 ـ يوسف (12) : 25 .
4 ـ اُنظر الفصول الغروية : 76 / السطر16 .


(247)

أو الإخلاص أو الهجرة قبل فتح مكّة أو متابعة الرسول أو الاستغفار أو الجهاد أو أداء الطاعات أو الصلوات الخمس(1) . فالترديد والاختلاف شاهدان على عدم استفادة العموم ، وإلاّ لم يجعلوا البعض قبال بعض ، فتأمّل .

وأورد عليه بعض الأعاظم إشكالا عقلياً ، وهو أ نّه يلزم من وجوب الاستباق إلى الخيرات عدمه .

توضيح ذلك : أنّ الاستباق إلى الخيرات يقتضي بمفهومه وجود عدد منها يتحقّق بفعل بعض دون بعض ، مع كونهما من الخيرات . وعلى فرض وجوب الاستباق إلى الخيرات يلزم أن يكون الفرد الذي لا يتحقّق به الاستباق أن لايكون منها ; لمزاحمته الفرد الآخر ، وعلى فرض انتفاء كونه من مصاديقها يلزم عدم وجوب الاستباق فيما يتحقّق فيه ، وما يلزم من وجوده عدمه محال(2) .

ولا يذهب عليك : أنّ ما ذكره تكلّف وتجشّم :

أ مّا أوّلا : فلأنّ معنى «استبقوا» ـ كما مرّ ذكره ; مستمدّاً عن قوله تعالى : (وَاسْتَبَقا البَابَ) ـ إنّما هو بعث المكلّفين إلى سبق بعضهم بعضاً ، لاسبق بعض الخيرات على بعض .

وثانياً : وقوع التزاحم بين الواجبين أو الأكثر لايخرج الواجب المزاحم ـ  بالفتح  ـ عن الخيرية ; إذ الفرض كون السقوط لأجل التزاحم لا التعارض ، فحينئذ يبقى ظهور مفهوم الاستباق على حاله .


1 ـ راجع مجمع البيان 2 : 836 و 9 : 361 ، التفسير الكبير 9 : 4 ـ 5 ، الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي 17 : 256 .
2 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 252 .


(248)

وثالثاً : أنّ الأمر ـ كما سيجيء تحقيقه ـ يتعلّق بالطبائع دون الأفراد(1) ، فلا معنى حينئذ للمزاحمة .

ورابعاً : لو سلّمنا جميع ذلك ، فإنّه إنّما يتمّ لو كان إتيان الفعل في أوّل وقته مطلوباً واحداً ; بحيث لو تأخّر لسقط عن المطلوبية ، فحينئذ يكون مزاحمته لفرد آخر موجباً لخروجه عن الفردية ، وأ مّا إذا تعدّد المطلوب ; بكون أصل وجوده مطلوبـاً والإتيـان في أوّل الوقت مطلوبـاً آخـر فلا يستلزم المزاحمـة خروجـه ، كما لا يخفى .

تكميل :

إذا قلنا بإفادته الفور فهل معناه فوراً ففوراً ; بحيث لو عصى لوجب إتيانه في الزمان الثاني ، أولا ؟ وجهان مبنيان على وحدة المطلوب وتعدّده .

أ مّا اللفظ فهو ساكت عن وجوب إتيانه ثانياً لدى المخالفة ، بل مقتضى الإطلاق عدم وجوبه ; ضرورة احتياجه إلى البيان لو كان مراداً للقائل ، ومع عدمه يتمّ الحجّة للعبد .

وأ مّا الاستصحاب فتحقيق الحال في جريانه موكول إلى محلّه ، فارتقب إن  شاء الله .


1 ـ يأتي في الصفحة 487 .


(249)

الفصل الثالث
في الإجـــزاء

قبل الورود في النقض والإبرام لابدّ من ذكر مقدّمات :

الاُولى : في تحرير محلّ النزاع

اختلفت كلماتهم في تحرير محلّ البحث ; فعنونه في «الفصول» بأنّ الأمر بالشيء إذا اُتي به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أو لا(1) ؟ والمعروف بين المشايخ والمعاصرين هو أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا(2) .

وربّما يفرّق بين التعبيرين : أنّ النزاع في الأوّل في دلالة الأمر ، فيكون البحث من مباحث الالفاظ والدلالات ، وفي الثاني في أنّ الإتيان علّة للإجزاء ، فيكون عقلياً(3) .


1 ـ الفصول الغروية : 116 / السطر9 .
2 ـ مطـارح الأنظـار : 18 / السطر23 ، كفايـة الاُصـول : 104 ، نهايـة الأفكـار 1 : 222 ، درر  الفوائد ، المحقّق الحائري : 77 .
3 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 260 و 261 .


(250)

وفيه : أنّ جعل النزاع في العنوان الأوّل في دلالة لفظ الأمر بعيد عن الصواب جدّاً ; أ مّا عدم المطابقة والتضمّن فظاهران ; إذ لا أظنّ أن يتوهّم أحد أنّ الأمر بمادّته أو هيئته يدلّ على الإجزاء إذا أتى المكلّف بالمأمور به على وجهه ; بحيث يكون هذا المعنى بطوله عين مدلوله أو جزئه . وأ مّا الالتزام فبمثل ما تقدّم .

وما يقال في تقريبه من أنّ الأمر يدلّ على أنّ المأمور به مشتمل على غرض للآمر ، ولا محالة أنّ ذلك الغرض يتحقّق في الخارج بتحقّق المأمور به ، وحينئذ يسقط الأمر لحصول الغاية(1) ، مدفوع بأنّ عدّ تلك القضايا الكثيرة العقلية من دلالة الأمر عليهما التزاماً ممّا لا مجال للالتزام به ; إذ جعلها من المداليل الالتزامية يتوقّف على كونها من اللوازم البيّنة ; حتّى يجعل من المداليل الالتزامية بالمعنى المصطلح ، مع أنّ المقدّمتين المذكورتين في كلامه قد تشاجرت في صحّته الأشاعرة والمعتزلة ، فكيف يكون أمراً بيّن الثبوت ؟ !

هذا ، من غير فرق بين إرجاع النزاع إلى الأوامر الاختيارية الواقعية أو الاضطرارية أو الظاهرية ; لأنّ دلالة الأمر لاتخرج من مادّته وهيئته ، فتدبّر .

كما أنّ جعل النزاع في العنوان الثاني عقلياً ـ كما استظهره القائل ـ لايصحّ في جميع الأقسام ; إذ النزاع عقلياً إنّما يصحّ لو كان المراد مـن الإجـزاء بالإتيان هـو الإجزاء عـن الأمـر الذي امتثله ، وأ مّا إجزاء المأتي به بالأمر الظاهري عن الواقعي والثانوي عن الأوّلي فلا محالة يرجع النزاع إلى دلالة الأوامر الاضطرارية والظاهرية على الإجزاء ، بتنقيح موضوع الأوامر الاختيارية والواقعية بنحو الحكومة .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 261 .


(251)

وبالجملة : يلاحظ لسان أدلّتها بأ نّه هل يدلّ على التوسعة في المأمور به أولا ؟ فلا محالة يكون من مباحث الألفاظ ، فحينئذ لايجوز عدّ الجميع بحثاً عقلياً . ولعلّه لأجل ذلك ذهب بعضهم إلى أنّ الجمع بين الإجزاء في الأوامر بالنسبة إلى نفسها والإجزاء بالنسبة إلى أمر آخر ممّا لايمكن بعنوان واحد .

نعم ، ما ذكرناه وجهاً لجعل البحث في الأمر الظاهري أو الواقعي الثانوي في الدلالات اللفظية من التوسعة ، وتنقيح الموضوع بالحكومة ممّا أحدثه المتأخّرون من الاُصوليين ، فلا يجوز حمل كلام القوم عليه .

كما أنّ ما نقلناه عن بعض ; من عدم إمكان الجمع بين الواقعي الأوّلي وغيره ضعيف بإمكان تصوّر جامع بينهما ; بأن يقال : إتيان المأمور به على وجهه هل يجزي أم لا ؟

وهذا جامع يشمل جميع العناوين المبحوث عنها ، غاية الأمر أنّ الاختلاف في طريق الاستدلال بما يناسب حال كلّ واحد ، ولايكون النزاع ابتداءً في دلالة الأدلّة ، بل في الإجزاء وعدمه ، فيكون الدليل على الإجزاء في بعض الموارد حكم العقل ، وفي غيره ما تصوّره القائلون بالإجزاء ; من حديث الحكومة والتوسعة ، ولاضير في كون بعض مصاديقه بديهياً دون بعضه ، بعد قابلية الجامع للنزاع ، والخطب سهل .

الثانية : في المراد من الاقتضاء في عنوان البحث

ليس الاقتضاء الواقع في تحرير محلّ البحث بمعنى العلّية والسببية ; بحيث يكون إتيان المأمور به في الخارج بحدودها مؤثّراً في الإجزاء ـ  بأيّ معنى فُسّر  ـ وظنّي أنّ ذلك واضح ; لانتفاء العلّية والتأثير في المقام ; سواء فسّر الإجزاء بالمعنى اللغوي ـ أعني الكفاية ـ أم بشيء آخر من سقوط الأمر أو الإرادة .


(252)

أ مّا على الأوّل : فلأنّ الكفاية عنوان انتزاعي لايقع مورد التأثّر والتأثير . والعجب من المحقّق الخراساني ; حيث جمع بين الالتزام بكون الاقتضاء بمعنى العلّية وبين القول بأنّ الإجزاء هو الكفاية(1) .

وأ مّا على الثاني : فلأنّ الإتيان ليس علّة مؤثّرة في سقوط الأمر ، كما أنّ السقوط والإسقاط ليسا من الاُمور القابلة للتأثير والتأثّر اللذين هما من خصائص التكوين .

وأ مّا الإرادة فالأمر فيها أوضح ; لأنّ الإتيان لايصير علّة لانعدام الإرادة وارتفاعها ، لا في الإرادات التكوينية ولا في المولوية التي يعبّر عنها بالتشريعية ; إذ تصوّر المراد بما أ نّه الغاية والمقصود مع مباد آخر علّة لانقداح الإرادة في لوح النفس ، كما أ نّه بنعت كونه موجوداً في الخارج من معاليل الإرادة ، فلا يعقل أن يكون المعلول بوجوده طارداً لوجود علّته .

وأقصى ما يتصوّر لسقوط الإرادة من معنى صحيح عند حصول المراد هو انتهاء أمدها ; بمعنى أنّ الإرادة كانت من بدأ الأمر مغيّاة ومحدودة بحدّ خاصّ ، فعند وصولها إليه لا اقتضاء لها في البقاء ، لا أنّ لها بقاء والإتيان بالمأمور به قد رفعها وأعدمها ، كما هو قضية العلّية .

كما أنّ الأمر لمّا صدر لأجل غرض ـ وهو حصول المأمور به ـ فبعد حصوله ينفد اقتضاء بقائه ، فيسقط لذلك ، كما هو الحال في إرادة الفاعل المتعلّقة بإتيان شيء لأجل غرض ، فإذا حصل الغرض سقطت الإرادة ; لانتهاء أمدها ، لا لعلّية الفعل الخارجي لسقوطها .

والأولى ـ دفعاً للتوهّم ـ أن يقال : إنّ الإتيان بالمأمور به هل هو مجز ، أو لا ؟


1 ـ كفاية الاُصول : 105 و 106 .


(253)

الثالثة : في معنى «على وجهه» في عنوان البحث

الظاهر أنّ المراد من قولهم «على وجهه» هو كلّ ما يعتبر في المأمور بـه ، ولـه دخل في حصول الغرض ; سواء دلّ عليه العقل أو الشرع ، لاقصد الوجه ، ولا ما في «الكفاية» من أنّ المراد منه ما يعتبر فيه عقلا ، ولايمكن الاعتبار شرعاً(1) ; لما عرفت من إمكان أخذ جميع القيود في المتعلّق حتّى ما جاء من قبل الأمر(2)  وإن لم يؤخذ بالفعل ، وكان العقل دلّ على شرطيته . مع أنّ شبهة عـدم إمكان أخذ ما يأتي من قبـل الأمر في المأمور به حدثت في هذه الأزمنة المتأخّرة ، وهذا العنوان متقدّم عليها .

الرابعة : في فارق المسألة عن المرّة والتكرار

الظاهر عدم وجود جامع بين هذه المسألة وما مرّ من مسألة المرّة والتكرار ; إذ البحث في الثانية ـ سواء كان في دلالة الأمر أو حكم العقل ـ إنّما هو في مقدار ما بعث إليه المولى ـ من مرّة أو غيرها ـ والبحث هاهنا بعد الفراغ عن دلالة الأمر أو حكم العقل . فإذا فرغنا عن دلالة الأمر أو اقتضائه المرّة يقع البحث في أنّ الإتيان بها مجز أو لا . كما أ نّـه لو دلّ على التكرار يقع البحث في إجـزاء الإتيـان بكلّ فـرد وعدمه .

وأ مّا الفرق بين المقام ومسألـة تبعيـة القضاء للأداء فأوضح مـن أن يخفى ;


1 ـ كفاية الاُصول : 105 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 208 .


(254)

إذ البحث في الإجـزاء إنّما هـو في أنّ الإتيان بالمأمور بـه هل هـو مجز عـن الأداء والقضاء ؟ والبحث في الثانية في أ نّه إذا فات منه المأمور به فهل الأمـر المتعلّق بالطبيعة المضروب لها الوقت يكفي في إيجاب القضاء عليه ، أو يحتاج إلى أمر جديد ؟

فأيّ تشابه بينهما حتّى نتمحّل للفرق ؟ ! إذ الموضوع في إحداهما الإتيان وفي الاُخرى الفوات .

ومن ذلك يظهر الخلل في كلام المحقّق الخراساني من أنّ البحث في إحداهما في دلالة الصيغة دون الاُخرى(1) ، فراجع .

الخامسة : محطّ البحث في الإجزاء

ظاهر كلمات أكثر المحقّقين من المتأ خّرين في إجزاء الأوامر الاضطرارية عن الاختيارية وإجزاء الظاهرية عن الواقعية ، أنّ هاهنا أمرين ; تعلّق أحدهما بالطبيعة بملاحظة حال الاختيار والعلم ، وثانيهما بطبيعة اُخرى بملاحظة حال الاضطرار والجهل ، فوقع البحث في أنّ إتيان متعلّق الاضطراري والظاهري يجزي عن الاختياري والواقعي أو لا ؟

ولعـلّ مبنى القول بتعدّده ما عليه جماعـة ـ منهم المحقّق الخراساني ـ مـن أنّ الجزئيـة والشرطية والمانعية لاتقبل الجعل استقلالا(2) ، وأنّ ما ظاهره الاستقلال في الجعل إنّما هو إرشاد إلى ما جعله جـزءً أو شرطاً حين الأمـر بالمركّب ،


1 ـ كفاية الاُصول : 106 ـ 107 .
2 ـ نفس المصدر : 456 ـ 457 .


(255)

ولايعقل بعد الأمر بالمركّب جعل جزء آخر له أو شرط كذلك .

فحينئذ كلّ ما كان ظاهره الاستقلال في الجعل ، كقوله ـ عليه السَّلام ـ  : «التراب أحد الطهورين»(1)  فلابدّ من جعله إرشاداً إلى ما أخذه شرطاً لدى الأمر بالمركّب ، ويحتاج إلى سبق أمر آخر متعلّق بالطبيعة المتقيّدة بالطهارة الترابية ; إذ لا معنى للإرشاد مع عدم وجود مرشد إليه ، ويلتزم لأجله وجود أمرين .

وعليه هنا أمران : أحدهما تعلّق بالصلاة المتقيّدة بالطهارة المائية للمختار ، والآخر بالمقيّدة بالترابية للمضطرّ . وقس عليه الأجزاء والموانع بقسميهما .

ولذا ذهب ـ قدس سره ـ إلى البراءة ; إذ الشكّ ـ بناءً على وجود الأمرين ـ إنّما هو في حدوث أمر آخـر ـ كما يأتي بيانه(2) ـ وهذا بخلاف القول بإمكان الجعل فيها مستقلاًّ حتّى يتحفّظ ظواهر الأدلّة الظاهرة في الجعل مستقلاّ ; إذ يكون هنا أمر واحد متعلّق بالطبيعة ، وقد أمر الشارع بإتيانها بكيفية في حال الاختيار ، وبكيفية اُخرى في حال الاضطرار ، والاختلاف في الأفراد والمصاديق .

ولا يجب لمن قال بجعل الشرطية مستقلاّ الالتزام بسبق أمر متعلّق بها بكيفية الاضطرار .

ولعمري إنّ هذا هو الحقّ الصراح ; حفظاً لظواهر الأدلّة ، مع ما سيأتي في مبحث الاستصحاب من إمكان الجعل(3) ، فإذن ليس هنا إلاّ أمر واحد تعلّق بطبيعة الصلاة ، وإنّما القيود من خصوصيات المصاديق ; إذ قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ


1 ـ اُنظر وسائل الشيعة 3 : 381 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 1 .
2 ـ يأتي في الصفحة 265 ـ 266 .
3 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني(قدس سره) : 68 ـ 70 .


(256)

الشَّمسِ إِلى غَسَقِ اللَيلِ)(1)  يدلّ على وجوب الطبيعة في هذا الوقت المضروب لها ، ثمّ دلّ دليل على اشتراطها بالطهارة المائية في حال الاختيار واشتراطها بالترابية عند فقدانها ; بحيث يكون المأتي بالشرط الاضطراري نفس الطبيعة التي يأتيها المكلّف بالشرط الاختياري ، بلا اختلاف في المتعلّق والطبيعة والأمر .

كما هو ظاهر قوله تعالى : (يَا أَ يُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمتُم إلى الصَّلاةِ) إلى أن قال سبحانـه : (فَلَم تَجِدُوا ماءً فَتَيمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(2)  فإنّ ظاهرها : أنّ الصلاة التي سبق ذكرها وشرطيتها بالطهارة المائية يؤتى بها عند فقد الماء متيمّماً بالصعيد ، وأ نّها في هذه الحالة عين ما تقدّم أمراً وطبيعة .

وبالجملة : أنّ الكيفيات الطارئة من خصوصيات المصاديق لامن مكثّرات موضوع الأمر ، ولايكون للطبيعة المتقيّدة بكيفية أمرٌ وبكيفية اُخرى أمر آخر ، والنزاع وقع في أنّ الإتيان بمصداق الاضطراري للطبيعة هل يوجب سقوط الأمر عنها أولا ؟ وقس عليه الحال في الأوامر الظاهرية حرفاً بحرف .

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أنّ الكلام يقع في مواضع :


1 ـ الإسراء (17) : 78 .
2 ـ المائدة (5) : 6 .


(257)

الموضع الأوّل
في إجزاء الاتيان بالمأمور به عن التعبد به ثانياً

إنّ الإتيان بالمأمور به الواقعي أو الاضطراري أو الظاهري يجزي عن التعبّد  به ثانياً ; لأنّ الداعي إلى الأمر هو إتيان المأمور به بما له من القيود والحدود ، فلا يعقل بعد حصوله بقاء الطلب وعدم سقوط الأمر ، وهذا من الاُمور البديهية الفطرية ، لا يحتاج إلى إقامة برهان .

وإن كنت حريصاً على صوغه على صورة البرهان فنقول : إنّ المكلّف إذا حصّل المأمور به على وجهه لم يبق معنى لبقاء البعث بعد حصول الغرض الذي هو علّة الإرادة بماهيته ; إذ يكون حصوله موجباً لانقطاع أمد الإرادة والبعث ، فلو بقيا بعد حصوله يلزم بقاء المعلول بلا علّة .

حول تبديل الامتثال بامتثال آخر

وأ مّا ما اشتهر من جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر فلم نقف على معنى محصّل له ; إذ لا نتصوّر تعدّد الامتثال بالنسبة إلى أمر واحد ، كما مرّت الإشارة إليه ; إذ الامتثال دائر أمره بين الوجود والعدم ، فلو حصل الامتثال بفعله مرّة فقد سقط أمره ، ولا موضوع للامتثال ثانياً ، وإن لم يحصل ، كما إذا كان الأوّل فاقداً لبعض الأجزاء والشرائط لم تصل النوبة إلى امتثال آخر .

فإن قلت : ربّما يكون الغرض باقياً مع سقوط الأمر ، كما لو أمر بإحضار


(258)

الماء ، وامتثل المكلّف ، ثمّ اتّفق هراقته ; فإنّ الأمر قد سقط بتمكين المولى من الماء ، إلاّ أنّ الغرض التامّ ـ وهو رفع العطش ـ باق بعد وليس له الاكتفاء بما امتثل أوّلا بعد علمه بعدم حصول غرضه وملاكه .

قلت : إنّ ذلك خلط بين تبديل الامتثال وبين وجوب تحصيل الغرض المعلوم للمولى ، فما هو موجب لصحّة العقوبة ليس عدم امتثاله أمره بل فوت غرضه ; ولو لم يكن هنا أمر .

وبالجملة : أنّ العلم بالملاك يتمّ الحجّة على العبد بتحصيل الغرض التامّ ; وإن لم يكن هناك أمر ولا بعث ، كما إذا وقع ابن المولى في هلكة وكان المولى في غفلة عنه ، فلم يأمر عبده بإنجائه ، فيلزم عليه إنجاؤه ; بحيث يستحقّ العقوبة لو تركه ; لأنّ الأمر وسيلة لتحصيل الغرض وآلة للبعث ولا موضوعية له ، ولذا لو اطّلع على غرض غير لازم التحصيل ، وفرضنا أنّ المولى لم يأمره بتحصيله يحسن له تحصيله ، ويصير مورداً للعناية مع عدم كونه امتثالا .

والحاصل : أ نّه لاملازمة بين سقوط الأمر وحصول الغرض ، وما ذكر من المثال في الإشكال ليس من باب تبديل الامتثال بامتثال آخر . وجعله من هذا الباب مبني على تخيّل الملازمة بينهما ; حتّى يكون وجود الغرض كاشفاً عن وجود الأمر وبقائه ، وهذا ذهول عن أنّ الأمر قد سقط بإتيانه بتمام قيوده ، والداعي إلى الإتيان ثانياً هو العلم بالملاك لاثبوت الأمر وبقاؤه .

ويرشدك إلى عدم الملازمة ـ مضافاً إلى ما عرفت ـ أ نّه إذا امتثل أمر المولى بإتيان ماء للشرب ، ثمّ وقف على مصداق آخر أوفى بغرضه فأتى به ; ليختار المولى أحبّهما إليه فلا محالة يحصل الامتثال بأوّل الفعلين ، والثاني موجب لوقوعه مورداً للعناية لإتيانه ما هو أوفى بغرضه ، وليس من الامتثال في شيء ، ولا من تبديل


(259)

الامتثال بآخر منه ، ولا تفاوت في ذلك بين عدم حصول الغرض من أصله ، كما إذا تلف الماء ، أو عدم حصول الغرض الأقصى منه لبقاء عطشه وعدم شربه .

في الصلاة المعادة

إن قلت : بماذا يحمل فتاوى الأصحاب وتظافر النصوص في صلاة المعادة جماعة بعد ما صلّى فرادى ، وأ نّه يجعلها فريضة ويختار أحبّهما إليه . . . إلى آخره ؟

قلت : إنّ ذلك من باب تبديل فرد من المأمور به بفرد آخر ، لا من تبديل امتثال إلى آخر بعد العلم بكونه مشروعاً في الدين ، وأنّ ذلك يوجب الثواب الزائد على إيجادها في ضمن مصداق آخر .

وتوضيحه : أنّ تبديل الامتثال يتوقّف على تحقّق امتثالين مترتّبين ; بمعنى أ نّه لابدّ أن يكون للمولى أمر متعلّق بطبيعة ، فيمتثله المكلّف دفعه مع بقاء الأمر ثمّ يمتثله ثانياً ، ويجعل المصداق الثاني الذي تحقّق به الامتثال بدل الأوّل الذي تحقّق به الامتثال الأوّل .

وأ مّا تبديل مصداق المأمور به الذي تحقّق به الامتثال بمصداق آخر غير محقّق للامتثال ، لكن محصّل للغرض اقتضاءً مثل المصداق الأوّل أو بنحو أوفى فهو لايتوقّف على بقاء الأمر ، بل من قبيل تبديل مصداق المأمور به بمصداق آخر ، لابصفة كونه مأموراً به .

وأ مّا قوله ـ عليه السَّلام ـ  : «ويجعلها فريضة»(1)  فالمراد منه أ نّه يأتي الصلاة ناوياً بها


1 ـ الكافي 3 : 379 / 1 ، وسائل الشيعة 8 : 403 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ، الباب 54 ، الحديث 11 .


(260)

الظهر أو العصر مثلا ، لا إتيانه امتثالا للأمر الواجب ; ضرورة سقوطه بإتيان الصلاة الجامعة للشرائط ، ولهذا حكي(1)  عن ظاهر الفقهاء ـ إلاّ من شذّ من المتأ خّرين(2) ـ تعيّن قصد الاستحباب في المعادة للأمر الاستحبابي المتعلّق بها .

وأ مّا قضية الأوفى بالغرض واختيار أحبّهما إليه وأمثالهما ممّا يتنزّه عنها مقام الربوبي فهي على طبق فهم الناس وحسب محاوراتهم قطعاً .

ثمّ إنّ في كلام بعض محقّقي العصر  ـ رحمه الله ـ وجهاً آخر لتوجيه الموارد التي توهّم كونها من تبديل امتثال بآخر ، وملخّصه : أنّ فعل المكلّف ربّما يكون مقدّمة لفعل المولى الجوارحي ، كأمره بإحضار الماء ليشربه ، أو الجوانحي كأمره بإعادة الصلاة جماعة ليختار أحبّهما إليه ، فهذه الأفعال أمر بها لتكون مقدّمة لبعض أفعاله .

فحينئذ : إن قلنا بوجوب المقدّمة الموصلة كان الواجب هو الفعل الذي أوصل المولى إلى غرضه الأصلي ، وكان الآخر غير متّصف به ; لعدم إيصاله . فالواجب هو الماء الذي حصل منه الشرب أو الصلاة المعادة التي اختاره ، فليس إلاّ امتثال واحد .

وإن قلنا بوجوب مطلق المقدّمة فعدم إمكان التبديل أوضح ; لسقوط الأمر بالامتثال الأوّل(3) ، انتهى .

وفيه أ مّا أوّلا : فإنّ جعل الأوامر الشرعية المتعلّقة بأفعال المكلّفين من قبيل الوجوب الغيري دون النفسي ; لحديث كونها مقدّمات إلى الأغراض ممّا لايرضى به أحد . كيف ، وهي من أشهر مصاديق الواجبات النفسية ؟ ! ومعه لا يبقى لما ذكره


1 ـ الصلاة ، ضمن تراث الشيخ الأعظم(رحمه الله) 7 : 363 .
2 ـ الدروس الشرعية 1 : 223 ، مسالك الأفهام 1 : 311 .
3 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 263 .


(261)

بشقّيه وجه ، وقد حقّقنا مناط الغيرية والنفسية في محلّه(1) .

وثانياً : أنّ المقدّمة الموصلة ـ بأيّ وجه صحّحنا وجوبها ـ إنّما تتحقّق فيما إذا كان الإيصال تحت اختيار العبد وقدرته ; حتّى تقع تحت دائرة الطلب ، والمفروض أنّ فعل المولى أو اختياره متوسّط بين فعل العبد وحصول الغرض ، فلابدّ أن يتعلّق الأمر بنفس المقدّمة ، من غير لحاظ الإيصال .

وما ربّما يتكرّر في كلامه ـ قدس سره ـ  : من أنّ الواجب هو الحصّة بنحو القضية الحينية أو الحصّة الملازمة للغاية ففيه ـ مضافاً إلى عدم كونه معقولا ; لأنّ الأعدام لاميز فيها ، وأنّ صيرورة الحصّة حصّة لايمكن إلاّ بالتقييد ، ولا تتوجّه النفس إلى حصّة دون غيرها ما لم يتعيّن بالقيد ـ أنّ الحصّة بما أ نّها ملازمة لأمر غير مقدور فهي غير مقدور ، لايمكن تعلّق الطلب بها .

وإن شئت قلت : إنّ الإيجاب بنحو القضية الحينية أيضاً إنّما يتصوّر فيما إذا كان الظرف موجوداً أو يكون إيجاده تحت قدرة المكلّف ، وهما مفقودان هاهنا ; فإنّ الوجوب حين وجود ذي المقدّمة لا يتصوّر ، والمفروض أنّ إيجاده غير مقدور .

نعم ، يمكن أن يقال : إنّ الواجب ـ أي ما يقع على نعت الوجوب  ـ هو ما يتعقّبه اختيار المولى بنحو الشرط المتأخّر ، فلايكون الواجب هو المقدّمة الموصلة ـ  ولو بنحو القضية الحينية ـ على نحو الإطلاق ; حتّى يلزم عليه تحصيل القيد ، بل الواجب هو المشروط بالشرط المتأخّر ، فإذا أتى بها ولم يتعقّبها اختياره يكشف ذلك عن عدم وجوبها ، فحينئذ يخرج عن موضوع تبديل الامتثال ، فتدبّر .


1 ـ يأتي في الصفحة 343 .


(262)

الموضع الثاني
في أنّ الإتيان بالفرد الاضطراري هل يقتضي الإجزاء أم لا ؟

وفيه مقامان :

المقام الأوّل : في الإعادة في الوقت

ولايخفى أنّ البحث من هذه الجهة إنّما هو فيما إذا كان المكلّف مضطرّاً في جزء من الوقت ، فأتى بوظيفته ثمّ طرء الاختيار ، وفيما إذا كان الأمر بإتيان الفرد الاضطراري محرزاً ; أي يكون العذر غير المستوعب موضوعاً للتكليف ; لأنّ الكلام في أنّ الإتيان بالمأمور به الاضطراري مجز أولا ، وهو فرع وجود الأمر . وبالجملة : البحث فيما إذا كان الاضطرار في بعض الوقت موضوعاً للتكليف بالإتيان .

وأ مّا إذا دلّت الأدلّة على أنّ استيعاب الاضطرار موضوع للإتيان فهو خارج عن محطّ البحث ; لأ نّـه مع عدم الاستيعاب لا أمر هنا ، ولا مصداق للمأمور به حتّى نبحث عن إجزائـه كما أنّ من مقتضى البحث أيضاً هو طروّ الاختيار في الوقت مع إتيان المأمور به ، فلو استوعب العذر ولم يطرء الاختيار فهو خارج عن موضوع الإعادة .

ثمّ إنّه على المختار من وحدة الأمـر والمطلوب ، وأنّ الاختلاف في الكيفيات الطارئة من خصوصيات المصاديق لامن مكثّرات الطبيعة يكون إجزاء المأتي به الاضطراري في غاية الوضوح ; إذ العبد يكون مخيّراً ـ عقلا أو شرعاً ـ


(263)

بين الإتيان بمصداقه الاضطراري في الحال وبداراً ، وبين انتظار آخر الوقت والإتيان بالفرد الاختياري .

وقد عرفت : أنّ امتثال كلّ أمر مسقط لأمره ، والمفروض أنّ المأمور به في حال الاضطرار مصداق للطبيعة المأمور بها ومشتمل لجميع الخصوصيات المعتبرة فيها ، فلا معنى للبقاء بعد الإتيان «ليس قرى وراء عبادان» .

المقام الثاني : في القضاء خارج الوقت

وأ مّا القضاء مع استيعاب العذر فمثل الإعادة في عدم الوجوب ; لأنّ وجوب القضاء فرع الفوت ، ومع الإتيان بالطبيعة المأمور بها لايبقى له موضوع .

هذا كلّه على الحقّ المختار ، وأ مّا على القول بتعدّد الأمر في باب الاضطرار ـ  كما يستفاد من ظاهر الكلمات ـ ففيه التفصيل :

فإن قام الإجماع على عدم وجوب الزائد من صلاة واحدة في الوقت المضروب لها فالقول بالإجزاء هو المتعيّن ; لأنّ دلالة الدليل على وحدة التكليف حال تعدّد الأمر يستفاد منه التخيير بين إتيانها في حال العجز مع الطهارة الترابية ، وبين الصبر إلى زوال العذر وإتيانها مع المائية ، فلا محالة يكون الإتيان بأحد طرفي التخيير موجباً للإجزاء وسقوط التكليف .

ولو فرضنا عدم قيام الإجماع المذكور ، لكنّا استفدنا من الأدلّة أنّ تعدّد الأمـر ليس لأجـل تعدّد المطلوب لبّاً ; بأن تكون الصلاتان مطلـوبتين مستقلّتين ، بل لأجل امتناع جعل الشرطية والجزئية استقلالا ، وأ نّه لابدّ في انتزاع شرطية الطهارة الترابية في حال العجز من شمول الأمر ووقوعها تحت الأمر حتّى تعلم


(264)

شرطيتها ، فيكون تعدّد الأمر من ضيق الخناق ، كتعدّده في القربيات من الأوامر ـ  على القول بعدم إمكان أخذ ما يأتي من قبل الأمر في موضوعه ـ فحينئذ الأمر الثاني ليس لإفادة مطلوب مستقلّ ، بل لإفـادة خصوصيات الأوّل ، وبيان ماله دخـل في الغرض .

وعلى هذا المبنى يكون مقتضى القاعدة هو الإجزاء أيضاً ; لأنّ تعدّده ليس ناشئاً مـن تعدّد المطلوب والمصلحـة حتّى لا يكون استيفاء الواحـد منهما مغنياً عـن الآخر .

نعم ، لو فرضنا أنّ تعدّد الأمر لأجـل تعدّد المطلوب ، وأنّ الأمر المتعلّق بالبدل من قبيل الترخيص لا الإلزام فلا مناص عن القول بعدم الإجزاء ; لأنّ إجزاء أحد الأمرين عن الآخر مع تعدّد المطلوب نظير إجزاء الصلاة عن الصوم .

وإن شئت قلت : إنّ مقتضى إطلاق دليل المبدل كونه مطلوباً على الإطلاق ـ  امتثل أمر البدل أولا ـ وأ مّا الإطلاق الموجود في دليل البدل فلا يضادّ إطلاق المبدل ، ولايدلّ على سقوط القضاء والإعادة ; لأنّ غاية مفاد إطلاقه هو جواز الإتيان به في أيّ زمان شاء وقت طروّ العجز .

وأ مّا إجزاؤه عن المأمور به بأمر آخر وقت زوال العذر فلا يدلّ عليه ، والإطلاق الموجود في دليل البدل لايقتضي إلاّ جواز البدار في إتيانه وسقوط أمره لدى امتثاله ، لاسقوط أمر آخر .

فتلخّص : أنّ مقتضى الأمر المتعلّق بالصلاة مع الطهارة المائية هو كونه مطلوباً على الإطلاق ومقتضياً لاستيفاء مصلحته ، ولابدّ حينئذ لإثبات إجزائه عن أمر آخر من دليل مستقلّ وراء الإطلاق ، ولكنّه خارج من الفرض .


(265)

وبذلك يظهر : أنّ ما أفاده المحقّق الخراساني من التفصيل ; بأ نّه إمّا يكون المأتي به وافياً بتمام المصلحة أولا ، وعلى الثاني إمّا أن يكون الفائت قابلا للتدارك أولا . . . إلى آخره(1)  لا طائل تحته ; إذ العلم بالاستيفاء وعدمه لايستفاد من الإطلاق بل من دليل خارج ، ووجوده يوجب الخروج من محطّ البحث .

ثمّ إنّ هذا كلّه لو أحرزنا مفاد الأدلّـة ، وأنّ الموضوع لجـواز الإتيان أعمّ مـن العذر المستوعب ، وقد مرّ أنّ البحث في باب الإجزاء بعد ذلك الإحراز ، وقد  عـرف مقتضى الحال على المختار مـن وحـدة الأمـر ، وعلى مختار المشهور مـن تعدّده(2) .

وأ مّا مع إهمال الأدلّة في المبدل منه والبدل ، ووقوع الشكّ في جواز البدار مع العذر غير المستوعب ، فعلى ما اخترناه ـ من وحدة الأمر ، وأنّ المأمور به طبيعة واحدة في الحالتين ، والاختلاف في الشرط من خصوصيات المصاديق لامن مكثّرات الطبيعة ـ لا محيص عن الاشتغال ; إذ الشكّ في سقوط التكليف المتيقّن بالفرد الاضطراري .

وبعبارة اُخرى : إنّ الأمر دائر بين التعيين والتخيير ; حيث إنّه لو جاز البدار لثبت التخيير بين المصداقين في مقام الامتثال ، ولو لم يجز لكان المتعيّن هو الفرد الاختياري ، ومعه لايمكن العدول إلى المشكوك .

وأ مّا بناءً على مذهب القوم من تعدّد الأمر على النحو الأخير ـ كما هو مفروض كلامهم ـ فمقتضى القواعد ـ حينئذ ـ هو البراءة ، واختاره المحقّق


1 ـ كفاية الاُصول : 108 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 255 .


(266)

الخراساني  ـ رحمه الله ـ (1) ، ومرجع هذا إلى أنّ الأمر المتعلّق بالمطلوب الاضطراري هل هو مطلق كون المكلّف مصداقاً لعنوان الفاقد أو بشرط كون عذره مستوعباً .

ووجه البراءة : هو أنّ المكلّف حال الفقدان قاطع بعدم الأمر بإتيان الصلاة مع الطهارة المائية ، وهو يحتمل لدى الاضطرار أن يكون مأموراً بالأمر الاضطراري ، فيأتي به رجاء امتثاله على فرض وجوده . ويمكن أن يكون المأتي رجاءً هو الوظيفة الفعلية ، فإذا أتاه رجاءً يشكّ في تعلّق التكليف عليه بالصلاة المائية إذا أصاب الماء ، فيرجع الشكّ إلى حدوث التكليف ، لا في سقوطه بعد العلم به .

وما قلنا من كونه مخيّراً بين إتيانه للفرد الاضطراري حال الاضطرار ، وبين الصبر إلى زوال العذر ليس بمعنى تعلّق تكليف المختار به من أوّل الأمر ; وإن كان تعلّقه بنحو التعليق في حال الاضطرار ; حتّى يصير التخيير شرعياً ، ويخرج المقام من كون الشكّ في الحدوث .

فإن قلت : إنّ المقام من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير ; لأ نّه إمّا يجب له الانتظار تعييناً والامتثال بالمائية آخر الوقت ، أو يجوز له البدار إلى الفرد الاضطراري ، كما يجوز له الانتظار والإتيان بالفرد الاختياري ، ولكن مطلوبية الأوّل قطعية ونعلم أ نّه مسقط للتكليف قطعاً ، بخلاف الثاني . فحينئذ يجب له الانتظار حتّى يأتي بما يعلم كونه مأموراً به ومسقطاً للأمر(2) .

قلت : إنّ الفرق بين المقام ومقام دوران الأمر بين التعيين والتخيير واضح جدّاً ; إذ هو إنّما يتصوّر فيما إذا علم المكلّف بتوجّه تكليف واحد إليه حال


1 ـ كفاية الاُصول : 110 .
2 ـ نهاية الأفكار 1 : 230 .


(267)

الامتثال ، وشكّ عند الإتيان في أنّ المطلوب هل هو هذا الفرد متعيّناً أو هو مع عدله ؟ ولا ريب أ نّه لايجوز في شريعة العقل العدول إلى ما هو مشكوك .

وهذا بخلاف المقام ; فإنّ المكلّف الفاقد حين فقدانه يعلم أ نّه ليس مكلّفاً بتكليف الواجد ، ويحتمل كونه مرخّصاً في إتيان الصلاة مع الطهارة الترابية ، كما يحتمل كونه غير مكلّف بالصلاة حال الفقدان أصلا ، بل يتعلّق به التكليف بالصلاة بالطهارة المائية حال وجدانه فيما بعد .

والحاصل : أ نّه قاطع بعدم التكليف بالعنوان الاختياري حالة الاضطرار ، ويحتمل توجّه التكليف عليه بالعنوان الاضطراري إذا كان الشرط هو الفقدان ; ولو في بعض الحالات .

فحينئذ إذا أتى الاضطراري رجاءً ثمّ ارتفع العذر فهو قاطع لارتفاع الأمر الاضطراري وسقوطه ـ على فرض وجوده ـ بالامتثال ، أو لعدم وجـوده مـن رأس ، ويشكّ عند تبدّل الحالة في حدوث أمر جديد وتكليف حديث . فالمحكّم هو البراءة .

أضف إلى ذلك : أنّ وجوب الانتظار ـ كما ذكر في الإشكال ـ لا محصّل لـه ; إذ الواجب هـو إتيان الصلاة بما لها مـن الشرائـط والأجـزاء ، والانتظار لادخل لـه فيها ، فتدبّر .

ثمّ إنّ التخيير بين الإتيان في الحال والإتيان في الاستقبال ليس من قبيل التخيير الشرعي ، بل من قبيل أمر انتزاعي انتزع من احتمال الترخيص في إتيانها في الحال ، ومن احتمال الإيجاب في الاستقبال حين تعلّق التكليف به على فرض عدم الإتيان ، ومثل ذلك لايرجع إلى التعيين والتخيير .


(268)

فتلخّص : أ نّه مع إهمال الأدلّة من الطرفين وتعدّد الأمر في المقام يتعيّن القول بالبراءة إذا أتى بالفرد الاضطراري .

اللهمّ إلاّ أن يصار إلى القول بتنجيز العلم الإجمالي ; حتّى في التدريجيات ، فيصير الاشتغال هو المحكّم في الباب ، ويكون المقام من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير .

هذا حال الإعادة مع الإهمال المفروض .

وأ مّا القضاء مع ذاك الفرض : فالأصل الجاري في المقام هو البراءة مالم يرد هنا دليل على اللزوم ; لأنّ موضوع الوجوب فيه هو الفوت ، وهو غير محقّق الصدق بعد إتيان المشكوك .

وتوهّم : إثباته باستصحاب عدم إتيان الفريضة مبني على حجّية الاُصول المثبتة ; لأنّ الفوت غير عدم الإتيان مفهوماً ; وإن كانا متلازمين في الخارج ; إذ الموضوع هو الفوت ، وإثباته باستصحاب عدم الإتيان كإثبات أحد المتلازمين باستصحاب الآخر .


(269)

الموضع الثالث
في إجزاء الأمر الظاهري

وفيه مقامان : الأوّل في مقتضى الأمارات والطرق ، والثاني في الاُصول العملية ; محرزة كانت أو غيرها .

وليعلم : أنّ محلّ النزاع في كلا المقامين ما إذا كان المأمور به مركّباً ذا شروط وموانع ، وقام دليل اجتهادي أو أصل عملي على تحقّق الجزء والشرط ، أو عدم تحقّق المانع ثمّ انكشف خلافه ، أو قام واحد منهما على نفي جزئية شيء أو شرطيته أو مانعيته ثمّ بان أنّ الأمر بخلافه ، فيقال : إنّ الإتيان بمصداق الصلاة ـ  مثلا  ـ مع ترك ما يعتبر فيها ; استناداً إلى أمارة أو أصل هل يوجب الإجزاء أو لا ؟

وأ مّا ما يجري في إثبات أصل التكليف ونفيه ـ كما إذا دلّ دليل على وجوب صلاة الجمعة ، ثمّ انكشف خلافه ـ فهو خارج عمّا نحن فيه ، ولا معنى للإجزاء فيه .

المقام الأوّل : في الإتيان بمقتضى الأمارات

فالتحقيق عـدم الإجـزاء فيه بناءً على الطريقية ، كما هـو الحـقّ ـ  وفاقاً لجملـة مـن المحقّقين(1) ـ سواء قلنا بأنّ الطـرق التي بأيدينا كلّها طرق وأمـارات عقلائيـة ، وليس للشرع أمـارة تأسيسية ، بل لم يرد مـن الشارع أمـر باتّباعها ،


1 ـ كفاية الاُصول : 111 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 246 ، درر  الفوائد ، المحقّق الحائري : 81 .


(270)

وإنّما استكشفنا من سكوته ـ وهو بمرآة ـ رضاه ، ومن عدم ردعه إمضائه .

أم قلنا بورود أمر منه بالاتّباع ، لكنّه بنحو الإرشاد إلى ما هو المجبول والمرتكز في فطرة العقلاء .

أم قلنا بأنّ الطرق المتعارفة في الفقه ممّا أسّسها الشارع ـ كلّها أو بعضها  ـ إيصالاً إلى الواقع ، ولم يكن عند العقلاء منها عين ولا أثر .

وتوضيح ذلك : أ مّا على الوجهين الأوّلين : فلأنّ المتّبع فيهما حكم العقلاء وكيفية بنائهم ، ولا شكّ أنّ عملهم لأجل كشفها نوعاً عن الواقع ، مع حفظ نفس الأمر على ما هو عليه ، من غير تصرّف فيه ، ولا انقلابه عمّا هو عليه . ومع هذا كيف يمكن الحكم بالإجزاء مع انكشاف الخلاف ؟

وبالجملة : لاشكّ أنّ عملهم بها لأجل كونه مرآة إلى الواقع بلا تصرّف فيه أصلا ، فحينئذ المطلوب الذي تعلّق به الأمر لم يحصل بعد ; لتخلّف الأمارة ، وما حصل لم يتعلّق به الأمر .

وأ مّا على الوجه الأخير ـ على فرض صحّته ـ فلا شكّ في أنّ لسان أدلّة حجّيتها هو التحفّظ على الواقع ، لا التصرّف فيه وقلبه إلى طبق المؤدّى .

أضف إلى ذلك : أنّ معنى كون شيء أمارة ليس إلاّ كونه كاشفاً عن الواقع عند المعتبر ، فلو تصرّف مع ذلك فيه وقلّب الواقع على طبق مؤدّاه لدى التخلّف لخرجت الأمارة عن الأمارية .

فلو فرضنا أنّ للشارع إيجاباً وتأسيساً فليس إلاّ لأجل الكشف عن الواقع المحفوظ في وعائه ، ومعه لا معنى للإجزاء .

ومن ذلك يظهر ضعف ماربّما يقال : إنّ لسان دليل الحجّية في الأمارات


(271)

والاُصول سواء ; وهو وجوب ترتيب الأثر عملا على قول العادل ، فمقتضى قوله «صدّق العادل» هو التصديق العملي وإتيان المأمور به على طبق قوله ، كما سيأتي في الاُصول ، وهو يقتضي الإجزاء في كلا المقامين(1) ، انتهى .

قلت : إنّ القائل جمع بين أمرين متناقضين ، فإنّ القول بالإجزاء في العمل بالأمارات ، والاعتقاد بأنّ إيجاب العمل على طبقها لأجل الكشف عن الواقع لايخلو من مناقضة ، والعرف والعقلاء شاهدان عليها .

فظهر : أنّ كلّ ما كان الملاك في التعبّد به هو الكشف لايعقل فيه الإجزاء ، مالم نصر إلى التصرّف فيه وانقلاب الواقع عمّا هو عليه ، وهو لا يناسب ملاك الاعتبار في الأمارات .

ومـا ذكر مـن وحـدة اللسان غير تامّ ; إذ إيجـاب العمل على طبق قـول العادل أو الأخذ بقول الثقة لأجل كونـه ثقـة وعدلا يكشف عـن أنّ الملاك كشفها عـن الواقـع ، كما هـو الملاك عند العرف والعقلاء ، وأين هـذا مـن انقلاب الواقـع عمّا هو عليه ؟ !

ومـا أفاده بعض الأكابر مـن الأساطين ـ دام ظلّه الوارف ـ مـن الإجـزاء في الأمارات عند التخلّف ، مـع الاعتقاد بأنّ حجّية الأمارات مـن باب الطريقية ، وأنّ  الشارع لم يتصرّف فيها سوى الإمضاء أو عـدم الردع(2) ، لايخلو مـن نظـر  وإشكال .


1 ـ نهاية الاُصول : 144 ـ 145 .
2 ـ نفس المصدر : 138 ـ 139 .


(272)

المقام الثاني : في الامتثال على طبق مؤدّى الاُصول

فالتحقيق هو الإجزاء فيها ، ولابدّ في توضيحه من ملاحظة لسان كلّ واحد مستقلاّ ; فإنّ الحكم يختلف باختلاف اللسان ، فنقول :

أ مّا أصالة الطهارة والحلّية :

فلأدلّتهما حكومة على أدلّة الشرائط التي من تلك الأدلّة قوله ـ عليه السَّلام ـ  : «لا  صلاة إلاّ بطهور»(1) ، إن استفدنا منه أو من غيره طهارة الثوب ، فقولـه ـ عليه السَّلام ـ  : «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أ نّه قذر»(2)  محقّق للطهور في ظرف الشكّ .

توضيحه : أنّ ظاهر لسانه محكومية المشكوك بالطهارة والنظافة حتّى يعلم قذارته ، ومعنى محكوميته بها هو جواز ترتيب آثار الطهارة عليه ، التي من جملتها إتيان الصلاة معها تعبّداً . وليس معناه أنّ الشكّ في الطهارة والنجاسة طريق إلى الطهارة ; لعدم تعقّل طريقية الشكّ .

وإن شئت قلت : إنّ المراد من قوله ـ عليه السَّلام ـ  : «نظيف» إمّا الطهارة الواقعية بجعل مصداق لها ، أو الطهارة الظاهرية بمعنى معاملة الطهارة الواقعيـة معها وترتيب آثارها عليها .


1 ـ تهذيب الأحكام 1 : 49 / 144 ، وسائل الشيعة 1 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 1 .
2 ـ تهذيب الأحكام 1 : 284 / 832 ، وسائل الشيعة 3 : 467 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ، الباب 37 ، الحديث 4 .


(273)

لكن لا سبيل إلى الأوّل ; لمكان كونها مجعولة في ظرف الشكّ لبّاً ، وقد جعلت مغيّاة بحصول العلم بالنجاسة ، وهما من لوازم الظاهرية دون الواقعية .

فحينئذ يتعيّن الثاني ويكون مفاده جواز ترتيب آثار الطهارة على المشكوك فيه ، لكن بلسان تحقّقها ، وأنّ الشاكّ واجد لها ، فيفهم منه عرفاً أنّ الصلاة المشروطة بالطهارة يجوز إتيانها بها في حال الشكّ بهذه الكيفية ، ويكون المأتي به مع هذه الكيفية مصداقاً للصلاة المأمور بها وواجداً لما هو شرطها .

وبالجملة : قول الشارع بكون مشكوك الطهارة والنجاسة طاهراً يوجب توسعة في ناحية الشروط المستفاد من قوله «صلّ في الطاهر» مثلا ; بحيث ينتقل العرف بعد الحكم بطهارة المشكوك إلى أنّ المفروض مصداق لما فرض شرطاً ، وأنّ الشرط في الصلاة أعمّ ممّا هو محرز بالوجدان أو بأصل تعبّدي الذي حكم الشارع بقوّة تشريعه ، بكونه مصداقاً للطاهر الذي جعله شرطاً للصلاة في قوله «صلّ في الطاهر» مثلا .

وعليه : فالصلاة في المشكوك المحكوم بالطهارة واجدة لما هو الشرط واقعاً وحقيقة ، لا ظاهراً فقط ; لأنّ الظاهر بعد هذه الحكومة أنّ الشرط بحسب الواقع أعمّ ، ولايقبل ما فرض فيه الشرط أعمّ ، الخطأ والتخلّف ; لأ نّه لم تلحظ فيه الطريقية .

وبذلك يظهر لك ضعف ما ربّما يقال من أنّ هذا إنّما يصحّ إذا لم ينكشف الخلاف ، والمفروض انكشافه ; وذلك لأنّ الأصل ليس طريقاً إلى الواقع حتّى يوافقه تارة ويخالفه اُخرى ، فلا يتصوّر لانكشاف الخلاف هاهنا معنىً .

وبعبارة أوضح : أ نّه بعد التصرّف في مدلول الشرط في ظرف الشكّ ، بجعله أعمّ من الطهارة الواقعية لايتصوّر لانكشاف الخلاف معنى معقول ; لأ نّه إن كان


(274)

المراد من انكشافه هو أ نّه بعد حصول العلم بالنجاسة يستكشف أنّ ما حكمناه معتضداً بفهم العرف ; من كون الشرط في الصلاة أعمّ من الطهارة الواقعية لم يكن صحيحاً ، فهو ساقط جدّاً لا يستأهل للجواب .

وإن كان المراد منه : أنّ أدلّة النجاسة تقتضي نجاسة المحكوم بالطهارة فيما بعد وفيما قبل فهو حقّ ، لكن لايضرّنا ; إذ قاعدة الطهارة ليست حاكمة على أدلّة النجاسات بضرورة الفقه ، بل على أدلّة الشرائط والأجزاء ، فاغتنم فإنّي به زعيم ، والله به عليم .

وبذلك يظهر الكلام في أصالة الحلّ ; فإنّ قوله ـ عليه السَّلام ـ  : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه»(1)  حاكم على ما دلّ على عدم جواز الصلاة في محرّم الأكل .

ومعنى الحكومة على أدلّة الشروط هنا هو أنّ العرف بعد ما فهم أنّ المشكوك محكوم بالحلّية تكليفاً ووضعاً ينتقل ـ لا محالة ـ إلى أنّ الوظيفة في هذا الحال إتيان الصلاة بهذه الكيفية ، وأنّ الشرط بعد هذا الحكم أعمّ من الحلّية الواقعية والظاهرية ، فيكون المأتي به كذلك مصداقاً للمأمور به حقيقة بعناية التعبّد ، ومعه لايعقل بقاء الأمر المتعلّق بطبيعة الصلاة . وحديث كشف الخلاف قد عرفت جوابه .

ثمّ إنّ بعض الأعاظم  ـ رحمه الله ـ أورد على الحكومة إشكالات(2) :

منها : أنّ ذلك إنّما يتمّ مادام المكلّف شاكّاً ، وبعد ارتفاع شكّه لا معنى لإجزائه ; لارتفاع ما كان عذراً له .


1 ـ الفقيه 3 : 216 / 1002 ، وسائل الشيعة 17 : 87 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 1 .
2 ـ أجود التقريرات 1 : 198 .


(275)

وفيه : أنّ الحكم بطهارة المحكوم ليس عذرياً حتّى يرتفع بارتفاع عذره ، بل على فرض حكومته لأدلّة الشروط حكم حقيقي صادر لأجل توسيع الأمر على المكلّفين ، وإفهام أنّ المطلوب منها هو الأعمّ لا الطهارة الواقعية فقط .

ومنها : أنّ وجود الحكم الظاهري لابدّ وأن يكون مفروغاً عنه حين الحكم ، بعموم الشرط للواقعي والظاهري ، ومن الواضح أنّ المتكفّل لإثبات الحكم الظاهري ليس إلاّ نفس دليل القاعدة ، فكيف يمكن أن يكون هو المتكفّل لأعمّية الشرط ؟ !

وفيه : أنّ الحكومة لم يرد فيها نصّ حتّى نتحرّى في مغزاها ، بل هي من خصوصيات لسان الدليل يفهمها أهل المحاورة . فلو قال الشارع «المشكوك طاهر» يرى العرف المتوجّه إلى أحكام الشريعة ونسكها وشروطها حكومة هذا الدليل وتقدّمه على أدلّة الشروط ، التي منها قوله مثلا : «صلّ في الطاهر» ، ولايلزم فيها التصريح بأنّ الشرط أعمّ من الواقعي والظاهري ، كما لايخفى .

ومنها : أنّ الحكومة وإن كانت مسلّمة إلاّ أ نّها لاتستلزم تعميم الشرط ; لكونها على قسمين :

قسم لايكون الشكّ في المحكوم مأخوذاً في لسان الحاكم ، كما في قوله : «لاشكّ لكثير الشكّ» بالنسبة إلى أدلّة الشكوك ، ويكون معمّماً ومخصّصاً ، ويسمّى حكومة واقعية .

وقسم يكون الشكّ في المحكوم مأخوذاً فيه ، فلا محالة يكون متأخّراً عنه لأخذ الشكّ في موضوعه ، فيستحيل كونه معمّماً أو مخصّصاً ، بل يكون حكومة ظاهرية يترتّب عليه الأثر ما دام شاكّاً .

وفيه : ـ مضافاً إلى أنّ الحكم يوصف بالظاهري والواقعي لا الحكومة ـ يرد عليه : أنّ ما ذكره على فرض صحّته إنّما يتمّ لو كان حاكماً على أدلّة نجاسـة


(276)

الأشياء وطهارتها إذا قلنا بقبولها الجعل ، فيكون الشكّ متأخّـراً عـن أدلّتهما ، وليس كذلك ، وإنّما هو حاكم على دليل الشرط ; أعني قوله «صلّ في الطاهر» مثلا ، وهما في رتبة واحدة .

والحاصل : أنّ القائل بالإجزاء لايدّعي أنّ أصالة الطهارة ـ مثلا ـ حاكمة على أدلّة النجاسات ، وأ نّها في زمان الشكّ طاهرة ، بل يقول : إنّها محفوظة في واقعيتها ، وإنّ ملاقيها نجس ; حتّى في زمان الشكّ ، لكن يدّعي حكومتها على الدليل الذي دلّ على طهارة ثوب المصلّي ، وأنّه لابدّ أن يكون طاهراً .

وخلاصة حكومتها : أنّ ما هو نجس واقعاً يجوز ترتيب آثار الطهارة عليه في ظرف الشكّ ، ومن تلك الآثار إتيان الصلاة المشروطة بها ، لكن بلسان تحقّق الطهارة ، ولازمه تحقّق مصداق المأمور به لأجل حكومتها على أدلّة الشرائط والموانع ، فراجع وجدانك ترى الحقّ ظاهراً .

ومن ذلك يظهر ضعف ما أفاده في رابع الوجوه : من أنّ الحكومة لو كانت واقعية فلابدّ من ترتيب جميع آثار الواقع لاخصوص الشرطية ، وأن لايحكم بنجاسة الملاقي لما هو محكوم بالطهارة ظاهراً ; ولو انكشف نجاسته بعد ذلك ، انتهى . أنّ الخلط بين المقامين أوقع المستشكل فيما أوقعه ، وقد عرفت أنّ الحكومـة بين القاعدة ودليل شرطية طهارة لباس المصلّي وبدنه لابينها وبين أدلّة النجاسات ; إذ الحكومة عليها باطلة بضرورة الفقه ، لاينبغي للفقيه أن يتفوّه بها أو يحتملها .

ولكن أين هذا من الحكومة على أدلّة الشروط ، وحينئذ يصير نتيجتها توسيع الأمر من الشارع في كيفية أداء العبادة ، ولا يأبى تلك الحكومة شيء ; لا ضرورة الفقه ولا فهم العرف . وأنت إذا كنت ذا تفحّص في الفقه ومآثر الفقهاء تجد أنّ الأكابر من القدماء كلّهم قائلون بالإجزاء في الأحكام الظاهرية ; أمارة كان أو أصلا تعبّدياً .


(277)

وأ مّا البراءة الشرعية :

فلمّا كان الظاهر من قوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  : «رفع عن اُ مّتي تسعة . . .»(1)  إلى آخره هو رفع الحكم في الشبهات الحكمية حقيقة واختصاصه بالعالمين ، ولمّا كان ذلك مستلزماً للتصويب الباطل حمل ـ لا محالة ـ على رفعه ظاهراً بعد ثبوته واقعاً ، ووجه الرفع هو الامتنان للاُمّة وتوسيع الأمر عليهم ، فحينئذ إذا شكّ في جزئية شيء أو شرطيته أو مانعيته ، أو شكّ في كون شيء مانعاً من جهة الشبهة الموضوعية فمقتضى حديث الرفع هو مرفوعية المشكوك ظاهراً ، وجواز ترتيب آثار الرفع عليه كذلك ، ومن الآثار إتيان العبادة على مقتضى الرفع في مقام الفراغ عن عهدتها ، فيكون رخصة في ترك المشكوك ، وإتيانها مع الأجزاء الباقية .

وإن شئت قلت : إنّ الأمر قد تعلّق بعنوان الصلاة الصادق على فاقد الجزء وواجده ، وحديث الرفع ناظر إلى العنوان الذي قيد لبّاً ، ولكن نظره ليس نظر وضع بل نظر رفع ; بمعنى أنّ العنوان الذي تعلّق به الأمر يجوز إتيانها بلا هذا الشرط أو هذا الجزء أو غير ذلك ، ويكون العبد ذا حجّة في امتثاله وتركه .

ولا معنى ـ حينئذ ـ للإعادة والقضاء ; لأنّ عنوان الصلاة منطبق عليه ، وترك القيد نشأ من إذنه وإشارته إلى كيفية امتثال أمرها في ظرف الشكّ .

فإذا ورد قوله سبحانه : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمسِ إِلى غَسَقِ اللَيلِ)(2) 


1 ـ التوحيد : 353 / 24 ، الخصال : 417 / 9 ، وسائل الشيعة 15 : 369 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس وما يناسبه ، الباب 56 ، الحديث 1 .
2 ـ الإسراء (17) : 78 .


(278)

وفرضنا أنّ السنّة دلّت على اعتبار أجزاء وشرائط ، ثمّ حكم الشارع ـ  امتناناً  ـ برفع ما لا يعلمون من الأجزاء والشرائط يفهم العرف أنّ كيفية إطاعة الأمر في حال الشكّ في وجوب السورة مثلا هو إتيانها بلا سورة ، وفي حال الشكّ في مانعية شيء جواز إتيانها معه . فإذا امتثله كذلك فقد امتثل قوله سبحانه (أَقِمِ الصَّلاةَ) بحكومة أدلّة الرفع على أدلّة الجزء والشرط والمانع .

وأ مّا الاستصحاب :

فمفاده متّحد مع ما مرّ من قاعدتي الحلّ والطهارة من حكومته على أدلّة الشرائط والموانع ; قائلا بأنّ الشاكّ بعد اليقين يبني عليه ، فهو متطهّر في هذا الحال ، وليس له أن يرفع اليد عن يقينه أبداً . وبعبارة اُخرى : أنّ الظاهر من دليله هو البناء العملي على بقاء المتيقّن في زمان الشكّ أو البناء العملي على وجوب ترتيب آثاره ; وإن كانت الآثار ثابتة بالأدلّة الاجتهادية .

والاستصحاب محرز موضوعها تعبّداً ; لأنّ استصحاب عدالة زيد لايثبت عدا بقاء عدالته ، وأ مّا جواز الطلاق عنده وإقامة الصلاة خلفه فلا يثبت بدليل الاستصحاب ، بل بالكبريات الكلّية الأوّلية التي هي المجعولات الأوّلية ، فيكون دليله حاكماً على الأدلّة ، فيفيد الإجزاء كما مرّ .

وأ مّا قاعدة التجاوز والفراغ :

فقد أشبعنا فيها الكلام ، وحقّقناها بما لا مزيد عليه في مباحث الوضوء وخاتمـة الاستصحاب ، وأثبتنا أنّ مفاد الأخبار هـو جعل قاعـدة واحـدة ; هي قاعـدة التجاوز لا قاعـدتين ، وأنّ مـا قيل أو يمكن أن يقال فـي إثبات كونهما


(279)

قاعدتين غير مقبول أصلا(1) .

وأ مّا البحث عن إجزائها : فإن ثبت كونه طريقاً عقلائياً إلى وجود الشيء الذي شكّ في إتيانه في محلّه ، أو ثبت كونها أصلا عقلائياً بالبناء على تحقّق الشيء عند مضيّ محلّه فلابدّ من تنزيل أدلّتها على ما هو المرتكز عندهم ; لصلاحيتها للقرينية على المراد من الأخبار .

والذي يسهّل الخطب هو عدم وجود تلك المزعمة عند العقلاء ; لا بنحو الطريقية كما هو واضح ولا بنحو التعبّدية أيضاً ، ويتّضح ذلك : إذا راجعت سيرتهم في مهامّ الاُمور وفي تركيب المعاجن وتأسيس الأبنية ، فلا أقلّ من عدم إحراز بنائهم على عدم الاعتبار .

فإذن لابدّ في فهم المراد من التفحّص في لسان الروايات ، فنقول : ربّما يتوهّم ظهور بعضها في الأمارية ، كما في قوله ـ عليه السَّلام ـ  : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ»(2) ; قائلا بأ نّه من باب إقامة العلّة مقام المعلول ، والمراد : أنّ الذاكر بما له جهة الذكر يأتيه في محلّه البتّة .

قلت وفيه ـ مضافاً إلى أنّ مـدّعي الطريقية لابـدّ وأن يدّعي : أنّ الظـنّ النوعي بالإتيان لأجل الغلبة جعل طريقاً إلى الواقع ، والحال أنّ الرواية لايتعرّض لحاله . وكون الذكر طريقاً لامعنى له ، ومضافاً إلى أ نّه يحتمل أن يكون وارداً لأجـل نكتة التشريع ، كما هو غير بعيد ـ يرد عليه : أ نّه لو سلّمنا أ نّه مـن باب إقامـة العلّة مقام المعلول ، ولكن المعلول كما يحتمل أن يكون ما ذكره من أ نّه أتى بـه في محلّه لأذكـريته ، كـذا يحتمل أن يكون المعلول أ نّه يبنى على وجـوده ، أو


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني(قدس سره) : 315 .
2 ـ تهذيب الأحكام 1 : 101 / 265 ، وسائل الشيعة 1 : 471 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 42 ، الحديث 7 .


(280)

«فأمضه»(1)  أو «شكّك ليس بشيء»(2)  أو غير ذلك ممّا يناسب كونه أصلا محرزاً أو أصلا مطلقاً ; وإن كان كونه أصلا محرزاً حيثياً غير بعيد ; لأ نّه مقتضى قوله ـ عليه السَّلام ـ  : «بلى قد ركعت»(3) . وغير ذلك من الشواهد التي تؤيّد كونه أصلا محرزاً حيثياً .

فحينئذ إنّ البناء التعبّدي على وجود المشكوك فيه ـ كما يستفاد من صحيحة حمّاد(4)  وموثّقة عبد الرحمان(5)  أو الأمر بالمضيّ وعدم الاعتناء بالشكّ ـ كلّ ذلك يساوق معنى جواز إتيان المأمور به بهذه الكيفية أو لزوم إتيانه كذلك ، فيصير المأتي به مصداقاً للمأمور به ، ويصدق عليه عنوان الصلاة ، ولازمه سقوط أمره ، ولانعني من الإجزاء إلاّ هذا .

فتلخّص : أنّ مقتضى التحقيق عدم الإجزاء في الأمارات ، والإجزاء في الاُصول . وأ مّا حال تبديل رأي المجتهد بالنسبة إلى أعماله وأعمال مقلّديه فقد أسهبنا فيه الكلام في بحث الاجتهاد والتقليد(6) ، فارتقب حتّى حين .


1 ـ تهذيب الأحكام 2 : 344 / 1426 ، وسائل الشيعة 8 : 237 ، كتاب الصلاة ، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 23 ، الحديث 3 .
2 ـ تهذيب الأحكام 2 : 352 / 1459 ، وسائل الشيعة 8 : 237 ، كتاب الصلاة ، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 23 ، الحديث 1 .
3 ـ تهذيب الأحكام 2 : 151 / 592 ، وسائل الشيعة 6 : 317 ، كتاب الصلاة ، أبواب الركوع ، الباب 13 ، الحديث 3 .
4 ـ تهذيب الأحكام 2 : 151 / 594 ، وسائل الشيعة 6 : 317 ، كتاب الصلاة ، أبواب الركوع ، الباب 13 ، الحديث 2 .
5 ـ تهذيب الأحكام 2 : 151 / 596 ، وسائل الشيعة 6 : 318 ، كتاب الصلاة ، أبواب الركوع ، الباب 13 ، الحديث 6 .
6 ـ الاجتهاد والتقليد ، الإمام الخميني(قدس سره) : 135 .


(281)

الفصل الرابع
فـي مقدّمـة الـواجب

وقبل الحوض في المقصود ينبغي تقديم اُمور :

الأمر الأوّل : فيما يمكن أن يقع محطّ البحث

التحقيق أنّ ما يمكن أن يكون محطّ البحث فيها أحد أمرين :

الأوّل : في تحقّق الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة أو الإرادة المتعلّقة به ، وبين وجوب عنوان ما يتوقّف عليه أو الإرادة المتعلّقه به ـ  ولو على الإجمال  ـ ولكن هذا إنّما يصحّ بناءً على كون عنوان المقدّمية أو التوقّف حيثية تقييدية ـ كما هو المنصور المختار ـ لا تعليلية ; حتّى يتعلّق الوجوب أو الإرادة بما هو بالحمل الشائع كذلك .

الثاني : أن يقع النزاع في تحقّق الملازمة بين الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة وبين إرادة ما يراه المولى مقدّمة . وقس عليهما الملازمة بين وجوبه ووجوب ما يراه مقدّمة ، لا الملازمة بين إرادة ذي المقدّمة مع إرادة المقدّمة الواقعية ، ويتّضح ذلك بعد تصوّر إرادة الفاعل وكيفية تعلّقها بالمقدّمة وذيها .


(282)

فنقول : لا إشكال في أنّ الإرادة من الفاعل إنّما تتعلّق بشيء بعد تصوّره والإذعان بفائدته وغير ذلك من مبادئ الإرادة ; سواء في ذلك الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة ومقدّمته ، ولايلزم أن يكون الشيء موافقاً لغرضه بحسب الواقع ; لأنّ ما يتوقّف عليه تحقّق الإرادة هو تشخيص الفاعل أنّ فيه صلاحه ، وأ نّه موافق لغرضه ; ولو كان جهلا مركّباً .

ثمّ إنّه قد تتعلّق الإرادة بشيء لأجل نفسه والعلم بوجود صلاح فيه ، لا لكونه مقدّمة لشيء آخر ، وقد تتعلّق به لأجل غيره وتوقّف الغير عليه .

وما ذكرنا من الميزان من أ نّه هو تشخيص الصلاح لا الصلاح الواقعي جار في هذا القسم أيضاً ، فتتعلّق بعد تصوّر المقدّمة والتصديق بكونها مقدّمة لمراده النفسي بما يراه مقدّمة ، وربّما يكون ما أدركه مقدّمة جهلا محضاً .

وبه يتّضح : أ نّه لا يعقل تعلّقها بما هو في نفس الأمر مقدّمة ; غافلا عن تصوّره ; ضرورة امتناع تعلّقها بالواقع المجهول عنده . فالملازمة في الإرادة الفاعلية دائماً إنّما يكون بين إرادة ذي المقدّمة وإرادة ما يراه مقدّمة .

هذا حال الإرادة التكوينية من الفاعل . ومنها يظهر حال الإرادة التشريعية ; فلا  يمكن تعلّقها بما هو مقدّمة بحسب نفس الأمر بلا تحقّق المبادئ المتوقّف عليها الإرادة ، فلابدّ من تصويره بأحد الوجهين المتقدّمين .

ومن ذلك يظهر : بطلان جعل النزاع في تحقّق الملازمـة بين إرادة ذي المقدّمة ومقدّمته الواقعية ; ضرورة عدم إمكان تعلّق الإرادة بها ، وعدم إمكان الملازمة الفعلية بين الإرادة الموجودة والمعدومة ; لأنّ ذلك مقتضى القول بأنّ الملازمة بين إرادته وإرادة المقدّمة الواقعية ; وإن لم يقف عليها المولى ولم  يشخّصها . فحينئذ يمتنع تعلّق الإرادة بالمجهول ، ولا يبقى مـن المتلازمين


(283)

سوى الإرادة المتعلّقة بذيها ، وهذا معنى الملازمة بين الموجود والمعدوم .

وأيضاً لايمكن تحقّق الملازمة الفعلية بين الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة وبين الإرادة التقديرية ; لعدم إمكان اتّصاف المعدوم بصفة وجودية التي هي الملازمة ، إلاّ أن يرجع إلى ما ذكرنا .

ودعوى الملازمة بين الإرادة الفعلية لذي المقدّمة مع إرادة مقدّمته إذا التفت ، رجوع إلى إنكار وجوب المقدّمة ; لأنّ معنى وجوبه إذا التفت هو أنّ المولى لو التفت إلى أنّ له مقدّمة وأنّ هذا مقدّمته لأراده ، ولكنّه ربّما لايلتفت إلى شيء ممّا ذكره ولاينقدح الإرادة . على أ نّه يرد عليه أيضاً ما قدّمناه من عدم إمكان الملازمة الفعلية بين الموجود والمعدوم .

والتشبّث ببعض الأمثلة العرفية لتصحيح هذه الملازمة الممتنعة بالبرهان لايفيد شيئاً .

فإن قلت : ما ذكرت أيضاً لايخلو من إشكال ; لأ نّه يستلزم عدم وجوب المقدّمات الواقعية إذا لم يدركه المولى ، فلا تتعلّق به الإرادة الفعلية ، فينحصر وجوبها فيما رآه المولى مقدّمة .

قلت : لانسلّم صحّة ما ذكرت ، بل إذا وقف المأمور على تخلّف إرادة الآمر عن الواقع ; لسوء تشخيصه لايجوز اتّباع إرادته ، بل يجب تحصيل غرضه بعد العلم به ; وإن لم يتعلّق به الإرادة أو البعث .

أضف إليه : أ نّه لو سلّم ما زعمت فالأمر في الأوامر الشرعية سهل ; لأنّ ما  رآه الشارع مقدّمة يساوق ما هو مقدّمة بالحمل الشائع واقعاً ; لامتناع تخلّف علمه عن الواقع .

وليعلم : أنّ التعبير بتبعية إرادة المقدّمة لإرادة ذيها ـ كما في كلمات بعضهم ـ


(284)

ربّما يوهم تولّد إرادة ونشوئها من اُخرى(1) ، ولايخفى أ نّه بظاهره من أفحش الأغلاط ; إذ كلّ إرادة توجد بتحقّق مبادئها وعللها ; وإن كانت الغاية منها تحصيل ذيها لانفسها ، ومع ذلك لاتصير الإرادة مبدأ لإرادة اُخرى .

وبذلك يتّضح : أنّ معنى الملازمة هنا ليس كون إحداهما لازمة لاُخرى ، بل معناها أنّ كلّ واحدة منهما تتحقّق بمبادئها ، وأنّ الغاية من تعلّقها بالمقدّمة تحصيلها لأجل الغير .

وبالجملة : أنّ الملازمة المدّعاة هنا غير الملازمات واللوازم والملزومات العقلية الاصطلاحية ممّا يكون الملزوم علّة اللازم إذا كان لازم الوجود ، أو يكون المتلازمان معلولين لعلّة واحدة ; ضرورة أنّ إرادة المقدّمة ووجوبها ليست لازمة لإرادة ذيها ووجوب ذيها بالمعنى المزبور ، بل إرادة كل تحتاج إلى مبادئ ; من التصوّر والتصديق وغير ذلك ، وكذلك الوجوب والإيجاب في كلا المقامين .

الأمر الثاني : في كون المسألة عقلية محضة

لا شكّ أنّ المسألة عقلية محضة إذا فرضنا أنّ النزاع في وجود الملازمة وعدمها ; إذ الحاكم عليها هو العقل ولا دخل للفظ فيها .

ودعوى كون النزاع في الدلالة الالتزامية وهي مع كونها عقلية تعدّ من الدلالات اللفظية(2)  مردودة :


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 262 ، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 311 .
2 ـ نهاية الأفكار 1 : 261 .


(285)

أ مّا أوّلا : فلأنّ عدّ الدلالة الالتزامية من الدلالات اللفظية غير صحيح ; لأ نّها عبارة عن انتقال النفس من تصوّر الملزوم الموضوع له إلى تصوّر لازمه بملازمة عقلية أو عرفية ، وليس للفظه دخالة في هذا الانتقال ; سوى أنّ الانتقال إلى الملزوم بسبب اللفظ ، وهو لايوجب أن يعدّ ما هو من لوازم معناه من مداليل نفس اللفظ ; إذ حكاية اللفظ تابعة لمقدار الوضع وسعته ، وهو لم يوضع إلاّ لنفس الملزوم ، فكيف يدلّ على ما هو خارج عن معناه ؟ ! نعم ، للعقل أن ينتقل عن مدلوله إلى لوازمه ، بلا مؤونة شيء . فظهر : أنّ الالتزام عبارة عن دلالة المعنى على المعنى ; ولهذا لو حصل المعنى في الذهن ـ بأيّ نحو ـ حصل لازمه فيه .

وثانياً : أنّ الفارق موجود بين المقام وبين الدلالة الالتزامية ; لأنّ اللازم في الدلالة الالتزامية لازم لنفس المعنى المطابقي ; بحيث لو دلّ اللفظ عليه دلّ عليـه ولو بوسائط . لكن الانتقال إلى إرادة المقدّمة غير حاصل من المعنى المطابقي للفظ الأمر ـ  أعني البعث نحو المطلوب ـ حتّى يصير من لوازم المعنى الموضوع له ، بل الدالّ عليه هنا هو صدور الفعل الاختياري من المولى ـ أعني البعث باللفظ ـ فإنّه كاشف بالأصل العقلائي عن تعلّق الإرادة بهذا البعث ، ثمّ ينتقل ببركة مرادية البعث إلى أنّ مقدّماته مرادة أيضاً ، فأين الانتقال من المعنى الموضوع له ؟ ! إذ مبدأ الانتقال إلى إرادة الواجب ثمّ إلى إرادة مقدّماته إنّما هو نفس صدور الفعل الاختياري ، لا مفاد الأمر ومعناه .

فظهر : أنّ صدور البعث اللفظي المتعلّق بشيء كاشف عـن كون فاعله مريـداً إيّاه لأجل كونـه متكلّماً مختاراً ، ثمّ ينتقل إلى إرادة مقدّماتـه ، وأين هـذا مـن الدلالة الالتزامية ؟ !

والحاصل : أنّ إرادة المقدّمة ليست من لوازم المعنى المطابقي لنفس اللفظ


(286)

ـ  أعني البعث الاعتباري ـ بل من لوازم إرادة مدلول الأمر جدّاً ، والكاشف عنها هو نفس صدور أمر اختياري من العاقل الذي تطابق العقلاء فيه على أنّ كلّ فعل اختياري صادر عنه لابدّ أن يكون لأجل كونه مراداً لفاعله ، وإلاّ يلزم كونه لغواً ، فهو بحكم العقلاء مراد ، فينتقل إلى إرادة ما يتوقّف عليه ومراديته .

وثالثاً : أنّ هذا اللزوم ليس عرفياً ولا ذهنياً ، بل ثبوته يتوقّف على براهين صناعية دقيقة .

ورابعاً : أنّ هذا اللزوم ليس على حذو اللزومات المصطلحة ، كما مرّ الإيعاز إليه ، فتدبّر .

وأ مّا كونها مسألة اُصولية : فلا شكّ أ نّها كذلك ; لما وقفت في مقدّمة الكتاب(1)  على ميزانها من «أ نّها عبارة عن القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لاستنتاج الحكم الفرعي الإلهي أو الوظيفة العملية» . فحينئذ لو ثبت وجود الملازمـة يستكشف منها وجوب مقدّمات الصلاة وغيرها ; لأنّ البحث عن وجود الملازمة ليس لأجل الاطّلاع على حقيقة من الحقائق حتّى يصير البحث فلسفياً ، بل لأ نّها ممّا ينظر بها إلى مسائل وفروع هـي المنظور فيها ، ولا نعني مـن الاُصوليـة غير هذا .

وما عن بعض الأكابر ـ أدام الله أظلاله ـ من أنّ المسألة من مبادئ الأحكام ـ  وإن كان البحث عن وجود الملازمة ـ لأنّ موضوع الاُصول هو الحجّة في الفقه ،


1 ـ تقدّم في الصفحة 19 .


(287)

والشيء إنّما يكون مسألة اُصولية إذا كان البحث فيها بحثاً عن عوارض موضوع علمه ، ولكن البحث عن وجود الملازمات ليس بحثاً عن عوارض الحجّة في الفقه ، بخلاف البحث عن حجّية الخبر الواحد وغيره(1) .

غير تامّ ; لما تقدّم(2)  من بطلان وجوب وجود موضوع في العلوم ـ  حتّى الفقه واُصوله والفلسفة ـ كما أ نّه لايحتاج أن يكون البحث عن العوارض الذاتية ; بأيّ معنى فسّرت .

على أ نّه لو سلّمنا لزوم وجود الموضوع في العلوم ، وأنّ موضوع علم الاُصول هو الحجّة في الفقه يمكن أن يقال : إنّ البحث عن وجوب المقدّمة بحث عن عوارض ذاك الموضوع ، لا بما أ نّه عرض خارجي بل بما أ نّه عرض تحليلي ، وبذلك ينسلك أكثر ما يبحث عنه في هذا العلم في عداد مسائله . وأوضحناه بما لا مزيد عليه في مبحث حجّية أخبار الآحاد(3) .


1 ـ نهاية الاُصول : 154 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 14 ـ 15 .
3 ـ إشارة إلى ما ذكره ـ دام ظلّه ـ في الدورة السابقة في ذلك المبحث ، وملخّص ما أفاده هناك : هو أنّ الأعراض الذاتية التي يبحث في العلم عنها أعمّ من الأعراض الخارجية والأعراض التحليلية ، ألا ترى أنّ موضوع علم الفلسفة هو الوجود أو الموجود بما هو موجود ، ومباحثه هي تعيّناته التي هي الماهيات ؟ وليس نسبة الماهيات إلى الوجود نسبة العرض الخارجي إلى الموضوع ، بل العرضية والمعروضية إنّما هي لأجل تحليل من العقل ، فإنّ الماهيات بحسب الواقع تعيّنات الوجود ومتّحدات معه ومن عوارضها التحليلية ; فإن قيل : الوجود عارض الماهية ذهناً صحيح ، وإن قيل : الماهية عارض الوجود ، فإنّها تعيّنه صحيح .
   إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ موضوع علم الاُصول هو الحجّة في الفقه ; فإنّ الفقيه لمّا رأى احتياجه في الفقه إلى الحجّة توجّه إليها وجعلها وجهة نفسه وتفحّص عن تعيّناتها التي هي الأعراض الذاتية التحليلية لها المصطلحة في باب الكلّيات الخمس .
   فالحجّة بما هي حجّة موضوع بحثه وعلمه وتعيّناتها التي هي الخبر الواحد والظواهر والاستصحاب وسائر المسائل الاُصولية من العوارض الذاتية لها بالمعنى الذي ذكرنا .
   فعلى هذا يكون البحث عن حجّية الخبر الواحد وغيره بحثاً عن العرض الذاتي التحليلي للحجّة ، ويكون روح المسألة : أنّ الحجّة هل هي متعيّنة بتعيّن الخبر الواحد أو لا ؟
   وبالجملة : بعد ما علم الاُصولي أنّ لله تعالى حجّة على عباده في الفقه يتفحّص عن تعيّناتها التي هي العوارض التحليلية لها ، فالموضوع هو الحجّة بنعت اللابشرطية ، والمحمولات هي تعيّناتها .


(288)

.............................................................................................................................


   وأ مّا انعقاد البحث في الكتب الاُصولية : بأنّ الخبر الواحد حجّة أو الظاهر حجّة وأمثال ذلك فهو بحث صوري ظاهري لسهولته ، كالبحث في الفلسفة بأنّ النفس أو العقل موجود ، مع أنّ موضوعها هو الوجود ، وروح البحث فيها : أنّ الوجود متعيّن بتعيّن العقل أو النفس أو الجوهر أو العرض .
   هذا ، مع أ نّه لو كان البحث في حجّية الخبر الواحد هو بهذه الصورة فأوّل ما يرد على الاُصوليين : أنّ الحجّة لها سمة المحمولية لا الموضوعية ، كما أنّ هذا الإشكال يرد على الفلاسفة أيضاً . ونسبة الغفلة والذهول إلى أ ئمّة الفنّ والفحول غفلة وذهول .
   بل لنا أن نقول : إنّ الموضوع في قولهم «موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية» ليس هو الموضوع المصطلح في مقابل المحمول ، بل المراد ما وضع لينظر في عوارضه وحالاته ، وما هو محطّ نظر صاحب العلم .
   ولا إشكال في أنّ محطّ نظر الاُصولي هو الفحص عن الحجّة في الفقه ووجدان مصاديقها العرضية وعوارضها التحليلية ، فالمنظور إليه هو الحجّة لا الخبر الواحد ، فافهم واغتنم .
   إن قلت : هب أنّ البحث عن الحجّية في مسائل حجّية الظواهر والخبر الواحد والاستصحاب وأمثالها ممّا يبحث عن حجّيتها يرجع إلى ما ذكرت ، ولكن أكثر المسائل الاُصولية لم يكن البحث فيها عن الحجّية أصـلا ، مثـل مسألـة اجتماع الأمـر والنهي ووجوب مقدّمـة الواجب
   ومسائل البراءة والاشتغال وغيرها ممّا لا اسم عن الحجّية فيها .
   قلت : كلاّ ، فإنّ المراد من كون موضوع علم الاُصول هو الحجّة هو أنّ الاُصولي يتفحّص ممّا يمكن أن يحتجّ به في الفقه ; سواء كان الاحتجاج لإثبات حكم أو نفيه ـ كحجّية خبر الثقة والاستصحاب ـ أو لإثبات العذر وقطعه ، كمسائل البراءة والاشتغال .
   والتفصيل : أنّ المسائل الاُصولية : إمّا أن تكون من القواعد الشرعية التي تقع في طريق الاستنباط ، كمسألة حجّية الاستصحاب وحجّية الخبر الواحد ، بناءً على ثبوت حجّيته بالتعبّد ، وإمّا أن تكون من القواعد العقلائية ، كحجّية الظواهر والخبر الواحد ، بناءً على ثبوت حجّيته ببناء العقلاء ، وإمّا من القواعد العقلية التي تثبت بها الأحكام الشرعية ، كمسائل اجتماع الأمر والنهي ومقدّمة الواجب وحرمة الضدّ من العقليات ، وإمّا من القواعد العقلية لإثبات العذر وقطعه ، كمسائل البراءة والاشتغال .
   وكلّ ذلك ما يحتجّ به الفقيه إمّا لإثبات الحكم ونفيه عقلا أو تعبّداً أو لفهم التكليف الظاهري . وليس مسألة من المسائل الاُصولية إلاّ ويحتجّ بها في الفقه بنحو من الاحتجاج ، فيصدق عليها إنّها هو الحجّة في الفقه . [المؤ لّف] .


(289)

الأمر الثالث
في تقسيمات المقدّمة

منها : تقسيمها إلى الداخلية والخارجية

يظهر من المحقّق صاحب «الحاشية» خروج الاُولى من حريم النزاع ; بتقريب أنّ الأجزاء بالأسر عين المركّب في الخارج ، فلا معنى للتوقّف حتّى يترشّح الوجوب . مع أ نّه يستلزم اجتماع المثلين ، وهو محال(1) .


1 ـ اُنظر هداية المسترشدين 2 : 164 .


(290)

وربّما يقال : إنّ المقدّمة هي الأجزاء بالأسر لا بشرط ، والواجب هي الأجزاء بشرط الاجتماع ; فتحصل المغايرة الاعتبارية(1) .

ولايخفى ما فيه من التكلّف ، والذي يقتضيه الذوق العرفي ويساعده البرهان : أنّ المقدّمة إنّما هو كلّ واحد واحد مستقلاّ ، لا الأجزاء بالأسر حتّى يصير المقدّمة عين ذيها . وبعبارة اُخرى : ليس هنا مقدّمة واحدة ; وهو الأمر الوحداني من الأجزاء بل هنا مقدّمات ، وكلّ جزء مقدّمة برأسها ، وفي كلّ واحد ملاك الغيرية ، والجزء يغاير الكلّ الاعتباري في وعاء الاعتبار .

وتوضيح المقام يتوقّف على بيان كيفية الإرادة الفاعلية ; كي يعلم منه حال الإرادة الآمرية ، فنقول : تعلّق الإرادة بشيء إمّا لأجل إدراك مصلحة فيه نفسه ، فيطلبه بذاته ، وإمّا لأجل كونه ممّا يتوصّل به إلى ما فيه المصلحة .

ثمّ إنّه ربّما تتعلّق الإرادة بالواحد البسيط واُخرى بالمركّب ، والأوّل خارج من المقام ، والثاني على أقسام :

قسم يكون تركيبه تركيباً حقيقياً ; لتألّفه ممّا هو شيء بالقوّة ; أعني المادة ، وممّا هو شيء بالفعل ; أعني صورته وفصله .

وقسم يكون تركيبه تركيباً صناعياً ، وهو المؤلّف من أجزاء ملتئمة ومجتمعة ، على ما يقتضيه الاُصول الفنّية ، لا كالتئام اللامتحصّل بالمتحصّل حتّى يحصل الفناء والاندكاك ، بل لها بعد التركيب أيضاً فعلية ، إلاّ أنّ الفاعل الفنّي قد ألصق بعضها بعضاً ; بحيث قد حصل له نحو وحدة وتركيب مع قطع النظر عن اعتبار المعتبر ، كالمعاجين والسيّارة والبيت والمسجد .


1 ـ كفاية الاُصول : 115 .


(291)

وقسم ثالث يكون التأليف اعتبارياً ، مثل اجتماع الاُمور المتغايرة التي اعتبرت أمراً جملياً وواحداً اعتبارياً ، ومنه الفوج والعسكر والماهيات الاختراعية كالصلاة والحجّ ; فإنّ الوحدة في هؤلاء ليست إلاّ بحسب الجعل والاعتبار ، ومع قطع النظر عن الاعتبار فهي وحدات عديدة مستقلّة ، وهناك وحدات اُخرى ، قد قرّرت في محلّه(1) .

ثمّ إنّ ما هو المنظور من التقسيم إنّما هو القسمان الأخيران ، فنقول :

إنّ الغرض قد يكون قائماً بوجود كلّ واحد من الأفراد ـ وإن كان بينها وحدة وارتباط ـ كدفع الملالة الحاصل من لقاء الأصدقاء ; إذ هو يحصل بلقاء كلّ واحد منهم مستقلاّ ، فعند تصوّر كلّ واحد يريد لقائه بإرادة مستقلّة .

وقد يكون قائماً بالمجتمع لا بالأفراد ، كمن يريد فتح عاصمة أو هزم جند الخصم ; فإنّه لايحصل إلاّ بالمئات المؤلّفة والوفود المجتمعة من أنصاره وعساكره . فحينئذ كلّ واحد منها غير مراد ولايحصل به الغرض ، وإنّما المراد والمحصّل له هو الفوج ، فيتصوّره ويشتاقه ويريد إحضاره . ففي هذا التصوّر تكون الآحاد مندكّة في الفوج ، ولايكون كلّ واحد مشتاقاً إليه ولا متعلّقاً بالإرادة النفسية ; لعدم قيامه بفرد فرد مستقلاّ حتّى يتوجّه إليه الاشتياق والإرادة النفسية .

نعم ، بعد ما أراد إحضار الفوج ثمّ أدرك أنّ وجود الفوج يتوقّف على وجود كلّ واحد واحد ، لا جرم يقع كلّ واحد في اُفق النفس مورد التصوّر ، ويتعلّق به الإرادة لأجل غيره ، لا لأجل نفسه ، فيريد كلّ فرد فرد مستقلاّ لأجل المقصود الأسنى . وعليه : ففي الفوج المؤلّف ملاك الإرادة النفسية لا الغيرية ، وفي كلّ واحد


1 ـ راجع الحكمة المتعالية 2 : 82 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 108 .


(292)

ملاك الإرادة الغيرية لا النفسية . فهناك إرادة نفسية واحدة ، وملاك إرادات غيرية بحسب الأفراد ، فيتعلّق الإرادة الفاعلية .

فإن قلت : إنّ هنا شيئاً ثالثاً ; وهو غير الفوج الذي فيه ملاك النفسية ، وغير كلّ فرد فرد الذي فيه ملاك الغيرية ، بل عبارة عن تألّف هذا مع الآخر ; أعني اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة من الأفراد ، فهل فيه ملاك الإرادة أولا ؟

قلت : قد عرفت ما هو الملاك للإرادة في صدر البحث ، وما ذكر ليس فيه ملاك النفسية ـ كما هو واضح ـ ولا الغيرية ; لعدم توقّف العسكر عليهما ، زائداً على توقّفه على الآحاد .

والحاصل : أنّ زيداً موقوف عليه بنفسه ، وعمراً موقوف عليه رأساً بالضرورة ، لكن زيداً وعمراً لا يكونان موقوفاً عليهما ، مقابل زيد منفرداً وعمرو مستقلاّ . وقس عليه المركّبات الصناعية ; أعني ما له وحدة خارجية في نظر أهل الفنّ وغيرهم ، فإذا كان الغرض قائماً بمركّب صناعي كالبيت فيخطر بباله إيجاده وإحداثه ، فإذا وقف على توقّف البيت على الأحجار والأخشاب فلا محالة يدرك فيهما ملاك الغيرية ، فيريد كلّ واحد لأجل تحصيل الغير ، ففي المصنوع ملاك النفسية ، وفي كلّ واحد ملاك الغيرية ، هذا كلّه حال الإرادة الفاعلية .

ويستوضح منها حال الآمرية ، فيقال : إنّ الإرادة الآمرية المتعلّقة بما له وحدة صناعية أو اعتبارية فهل هي ملازمة لإرادة ما رآه مقدّمة ، من غير فرق بين الداخلية والخارجية .

وتوهّم : أنّ ما هي المقدّمة هي عين ما تعلّقت به النفسية ، فكيف تتوارد الإرادتان على أمر واحد ، مدفوع بأنّ ما هي المقدّمة بالحمل الشائع ليس نفس الأجزاء مجتمعة ; إذ هو مصداق لذيها ، بل كلّ جزء جزء ممّا أدرك المولى أ نّه


(293)

موقوف عليه . والخلط إنّما هو لأجل تخيّل أنّ المقدّمة هي الأجزاء بالأسر ، مع أ نّك قد عرفت : أنّ هنا مقدّمات لا مقدّمة واحدة .

ثمّ إنّ ما ذكرنا هنا لاينافي مع ما أشرنا إليه سابقاً ، من أنّ الداعي إلى إتيان الأجزاء عين الإرادة المتعلّقة بالكلّ ، ولا تحتاج إلى إرادة اُخرى ; لأنّ الغرض هنا بيان إمكان تعدّد الإرادة بتعدّد متعلّقها ، ودفع ما يتوهّم كونه سبباً للاستحالة .

وهم ودفع

أ مّا الأوّل : فربّما يظهر عن بعض الأعاظم في بيان عدم وجوب الداخلية من الأجزاء ما ملخّصه : أنّ الوحدة الاعتبارية يمكن أن تكون في الرتبة السابقة على الأمر ; بأن يعتبر عدّة اُمور متباينة شيئاً واحداً بلحاظ تحصيلها غرضاً واحداً فيوجّه أمره إليه .

ويمكن أن تكون في المرتبة اللاحقة ; بحيث تنتزع الوحدة من الأمر بلحاظ تعلّقه بعدّة اُمور ، فيكون تعلّقه عليها منشأ لانتزاع الوحدة عنها الملازمة لاتّصافها بعنواني الكلّ والجزء .

فحينئذ فالوحدة بالمعنى الثاني لايعقل أن يكون سبباً لترشّح الوجوب من الكلّ إلى الجزء بملاك المقدّمية ; لأنّ الكلّية والجزئية ناشئتان من الأمر ـ على الفرض ـ فتكون المقدّمية في رتبة متأخّرة عن تعلّقه بالكلّ ، ومعه لايعقل ترشّحه إلى مالايكون مقدّمة في رتبة سابقة على الأمر(1) ، انتهى .

وأ مّا الثاني : فلأنّ تقسيم الوحدة على قسمين : قسم يتقدّم على الأمر وقسم


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 315 ـ 316 .


(294)

يتأخّر عنه ، لا وجه له فيما نحن بصدده ، بل هي متقدّمة على الأمر مطلقاً .

توضيحـه : أنّ المراد مـن لزوم اعتبار الوحـدة في المتعلّق ما هـو وحـدة بالحمل الشائـع ; أعني الوحـدة غير الملحوظـة بالاستقلال ، المندكّـة في الأجزاء ;  بحيث تجعل الآحاد مغفولا عنها أو كالمغفول عنها ، لا ما هي وحـدة بالحمل الأوّلي .

فحينئذ : وحدة الأمر كاشفة عن وحدة المتعلّق ـ ولو اعتباراً ـ إذ مع تكثّره في حدّ كونه متعلّقاً لايعقل تعلّق الإرادة الواحدة على المتشتّتات المتفرّقة التي لا ترتبط بعضها ببعض ، بل لابدّ قبل إنشاء الأمر من تصوّر هذه المتكثّرات بنعت الجمع والوحدة ـ ولو على نحو الإجمال والارتكاز ـ حتّى يوجّه أمره نحوه ، فالوحدة ـ مطلقاً ـ متقدّمة على الأمر .

وبعبارة أوضح : تعلّق الأمر بشيء إنّما هو لأجل كونه محصّلا للغرض ، وهو في البسائط نفس ذاته الواحد البحت ، وفي المركّبات هو المجموع بوصف الاجتماع ، ولو لم يعتبره المعتبر ، كفوج من العسكر لفتح الأمصار ; فإنّ الغرض لايتعلّق بواحد واحد ، بل الفاتح هو المجتمع من الأفراد .

فلو كان الغرض قائماً بفرد من الأفراد فلا يعقل تعلّقه بالمجموع ، ولو كان من قبيل الثاني فلا يتصوّر تعلّقه بكلّ واحد ; لعدم قيامه بالغرض .

فحينئذ : على المفروض ـ من قيام الغرض بالمجموع ـ ليس هنا إلاّ أمر واحد نفسي متعلّق بالمجموع ، فإذا لاحظ محصّل غرضه قبل الأمر فلا محالة يتصوّر المجموع بما هو مجموع ، فعند ذلك تصير الأفراد معتبرة بوحدة اعتبارية بالضرورة ، كما أنّ الأجزاء والأفراد تصير مندكّة فيه مغفولا عنها .

وبذلك يظهر تقدّم الوحدة على الأمر بوجوب تصوّر ما هو الموضوع للأمر ،


(295)

وتصوّر ما هو المحصّل للغرض قبل إنشاء الأمر . وهذا التصوّر يلازم الوحدة الاعتبارية قبل تعلّقه .

وأ مّا اعتبار الكلّية والجزئية للمأمور به ـ بما هو كذلك ـ فهو غير مربوط بما  نحن فيه . أضف إليه : ما في استنتاجه عن مبناه من أنّ عنوان الجزئية والكلّية تنتزعان بعد تعلّق الأمر ، وفي مثله لايعقل ترشّح الوجوب من الكلّ إلى الأجزاء بملاك المقدّمية ; إذ فيه :

أوّلا : أنّ التعبير بالترشّح ومثله ـ كما جرت عليه الألسن ـ في غاية السقوط ; إذ الإرادة ـ سواء كانت نفسية أو غيرية ـ تابعة لمبادئها المقرّرة ، وليست الاُولى مبدأ للثانية حتّى تصير منشأ للترشّح والتولّد كما تقدّم(1) ، وأ مّا الوجوب فهو أسوأ حالا منها ; إذ هو ينتزع من تعلّق البعث ، ولايعقل ترشّح بعث من بعث .

وأظنّ أنّ الذي أوقعه في الاشتباه هو توهّم ترشّح الوجوب من ذي المقدّمة إلى المقدّمة ، وأنّ إرادة المقدّمة مترشحة من إرادة ذي المقدّمة ; ولذلك نفاه فيما يتأخّر انتزاع الوحدة عن الأمر ; لأنّ الكلّية والجزئية ـ  حينئذ  ـ تنتزع بعد تعلّق الأمر ، ولايعقل ترشّحه بما لايكون مقدّمة في رتبة سابقة على الأمر .

وثانياً : أنّ الملاك للوجوب المقدّمي ليس عنواني الكلّية والجزئيـة للمأمور به بما هو كذلك حتّى تكون المقدّمية في رتبة متأخّرة عن تعلّق الأمـر بالكلّ ويمتنع الترشّح ، بل الملاك لتعلّق الإرادة بالمقدّمـة هو الالتفات إلى توقّف ذي المقدّمة عليها في نفس الأمر ، وتوقّف المركّب على كلّ جزء من الأجزاء بحسب الواقع ضروري .


1 ـ تقدّم في الصفحة 283 ـ 284 .


(296)

والحاصل : أنّ الجزئية بالحمل الأوّلي ليس فيها ملاك المقدّمية ، بل لاتتأخّر عن عنوان الكلّية ; لأ نّهما متضائفان ، وهما متكافئان قوّة وفعلا ، بل ما فيه الملاك هو واقع كلّ جزء جزء ، الذي هو الموقوف عليه ، ونفس الكلّ هو الموقوف ; وإن غفلنا عن عنواني الجزئية والكلّية .

هذا كلّه في المقدّمات الداخلية ، وقد عرفت وجود ملاك النزاع فيها .

وأ مّا الخارجية : فالحقّ وجود الملاك في جميعها ; علّة تامّة كانت أم غيرها ، توليدية كانت أم غيرها .

وربّما يقال بخروج العلل التوليدية عن محطّ البحث ـ  كالإلقاء والإحراق  ـ لأنّ العنوان وإن كان متعدّداً إلاّ أنّ المعنون في الخـارج واحد ، يعبّر عنه بتعبيرين(1) .

وفيه : ـ بعد التسليم ـ أنّ تسمية ذلك علّة مع فقدان التأثير والتأثّر وعدم الاثنينية غير وجيهة .

وأ مّا ما ربّما يتوهّم من أنّ الأمر في المسبّبات التوليدية يرجع إلى أسبابها ; معلّلا بخروج المسبّبات عن القدرة ; لانعدامها بانعدام أسبابها وحصولها بحصولها فلم يتعلّق به الاختيار والإرادة ، ففي غاية السقوط ; إذ الإرادة المولوية لا تفترق عـن الإرادة الفاعلية ، مع أنّ الثانية تتعلّق ـ بالضرورة ـ على ما هـو غير مقدور إلاّ بأسبابه ، كقتل عدوّه الذي لايحصل إلاّ بالتوصّل لأسبابه . على أنّ ملاك تعلّق الأمر ليس إلاّ كون المتعلّق مقدوراً في نظر العقلاء ، وهي عندهم كذلك .

والإنصاف : أنّ ذلك يستلزم التصرّف في كثير من الأوامر التي تحتاج إلى مباد ومقدّمات ، وهو أمر غير هيّن .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 269 ـ 271 ، أجود التقريرات 1 : 219  ـ  220 .


(297)

ومنها : تقسيمها إلى المقدّمة المقارنة والمتقدّمة والمتأخّرة

والـذي دعاهم إلى هـذا التقسيم ـ بعد مـا كان مقتضى البرهان عند أكثرهم هـو انحصاره في قسم واحد ; وهو المقارن لئلاّ يلزم تفكيك المعلول عن علّته  ـ هـو الوقوف على عدّة شرائط أو مؤثّرات في الشرعيات متقدّمة ، كالعقود المتصرّمـة غير الباقية إلى زمان حصول الآثار ، وكما في عقد السَلَم وفي الوصيـة ، أو متأخّرة ، كأغسال الليلة المستقبلة بالنسبة إلى صوم المستحاضة ـ على رأي بعض الفقهاء(1) ـ وكالإجازة ـ على القول بالكشف الحقيقي في الأحكام الوضعية ـ وكالقدرة المتأخّرة بالنسبة إلى التكليف المتقدّم في شرائط نفس التكليف .

ثمّ إنّ حلّ العويصة على نحو يطابق البرهان المقرّر عندهم في التكوين جعل القوم في موقف عظيم :

فمنهم : من صار بصدد تصحيح الشرط المتأخّر ، وهم جماعة قليلة .

ومنهم : من تمسّك بأجوبة ; فراراً عن الشرط المتأخّر .

كلام المحقّق العراقي لدفع الإشكال في الشرط المتأخّر

وبعض أهل التحقيق من الطائفة الاُولى قد صار بصدد تصحيحه بما حاصله إمكان تقدّم الشرط على المشروط في التكوين والتشريع ; لأنّ المقتضي للمعلول هو حصّة خاصّة من المقتضي لا طبيعيه ; لأنّ النار الخاصّة ـ وهي التي تماسّ الجسم المستعدّ باليبوسة للاحتراق ـ تفعل الاحتراق ، لا الحصص الاُخرى .


1 ـ راجع شرائع الإسلام 1 : 27 ، اُنظر مدارك الأحكام 6 : 57 .


(298)

فتلك الخصوصية التي بها تحصّصت الحصّة لابدّ لها من محصّل في الخارج ، وما به تحصل خصوصية الحصّة المقتضية يسمّى شرطاً ، والخصوصية المزبورة عبارة عن نسبة قائمة بتلك الحصّة حاصلة من إضافتها إلى شيء ما ، فذلك الشيء المضاف إليه هو الشرط ، والمؤثّر في المعلول هو نفس الحصّـة الخاصّـة ، فالشرط هو طرف الإضافة المزبورة ، وما كان شأنه كذلك جاز أن يتقدّم على ما يضاف إليه أو يتأخّر عنه أو يقترن به .

وقس عليه الشرائط الشرعية ; فإنّ شرطية شيء للمأمور به ترجع إلى كون حصّة من الطبيعي متعلّقة للأمر ، وهي تحصل بالتقييد ، وكما يمكن التقييد بأمر مقارن يمكن بالمتقدّم والمتأخّر .

وكذا الحال في شرط التكليف والوضع ; فإنّ قيود الوجوب دخيلة في اتّصاف الشيء بكونه صلاحاً . ومعنى شرطيتها في حال التأخّر ليس إلاّ كونها بحيث تحصل للشيء بالإضافة إليها خصوصية بها يكون ذا مصلحة ، وهذا كما قد يحصل بإضافة الشيء إلى المقارن يحصل بإضافته إلى المتقدّم والمتأخّر سواء(1) ، انتهى .

وفيه أنظار ، قد سبق التنبيه إلى بعضها ، ونعيده توضيحاً :

أ مّا أوّلا : فلأنّ إسراء الأمر إلى التكوين ممّا لا مجال له ; لأنّ المقتضي التكويني نحو وجود خاصّ متشخّص ، لايكون تشخّصه بالإضافات والاعتبارات . فما هو المقتضي ليس الحصّة الحاصلة بالإضافة إلى المقارن ولا إلى غيره ، بل المقتضي نحو وجود متشخّص من ناحية علله الفاعلية ، أو هو مع ضمّ القابل إذا كانا مادّيين ، فالنار بوجودها مقتضية لإحراق ما وقع فيها ممّا هو قابل للاحتراق ، من


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 320 ـ 321 .


(299)

غير أن يكون الوقوع والتماسّ وقابلية المتأثّر محصّلات للحصّة المؤثّرة ، وهو أوضح من أن يحتاج إلى البيان .

والحاصل : أنّ المقتضي في التكوين نحو وجود يكون تشخّصه بمبادئ حقيقية تكوينية ، لا بإضافات واعتبارات تخيّلية ، كما في المقام .

وأ مّا ثانياً : فلأنّ الإضافة التي هي من إحدى المقولات هي النسبة الحاصلة للشيء بانتسابه إلى غيره .

وإن شئت قلت : إنّ الحقيقي من المضاف هي النسبة المتكرّرة بين الموصوفين أو المضافين ; مضافاً مشهورياً ، ومعنى تكرّرها أ نّها ماهية معقولة بالقياس إلى ماهية اُخرى معقولة بالقياس إلى الاُولى ، كما تجد صدق المقال في الاُبوّة والبنوّة المتكرّر كلّ واحد بين الموصوفين ، ومن خواصّها كون المتضائفين متكافئين قوّة وفعلا .

فحينئذ فلو كانت تلك الخصوصية حاصلة من إضافتها إلى الشيئين فلا معنى لحصول أحد الطرفين ـ أعني الواجب ـ دون الطرف الآخر ـ أعني الشرط ـ إذ الإضافة الفعلية تستلزم تحقّق الطرفين بالفعل ; فإنّ الاُبوّة والبنوّة الفعليتين يستلزم وجود الأب والابن فعلا حتّى تتحصّل بين الطرفين .

وفي المقام نقول : إنّ الحصّة من طبيعي المقتضي المتّصف بكونه مضافاً فعلا ، وإضافيته حيثية زائدة على ذاته كيف ينتزع منه هذا العنوان ، مع عدم شيء يصلح أن يكون مضافاً إليه بالفعل ؟

فإن قلت : ما ذكرت من التحقيق أمر مسلّم لاغبار عليه ، لكن إسرائه إلى المقام خلط بين الحقائق والاعتباريات ، وقد قرع أسماعنا مراراً : أنّ العلوم الاعتبارية لا تتحمّل أحكام التكوين ، كما مرّ أنّ التمييز بين أحكام المقامين هو


(300)

الحجر الأساسي لحلّ معضلات العلوم ; لا سيّما الاعتباريات .

قلت : نعم ، لكن الإضافة إلى المعدوم ممّا لا يعقل ـ  حتّى الاعتباري منها  ـ لأنّ الإضافة الاعتبارية نحو إشارة ، ولا تمكن الإشارة بالنسبة إلى المعدوم . فما يتخيّل أ نّه إضافة إلى المعدوم لايخرج عن حدّ الذهن والتخييل ، فهي ـ  حينئذ  ـ تخيّل الإضافة لانفسها .

وبالجملة : أنّ الإضافة بين الشيئين ـ ولو بنحو الاعتبار ـ نحو إثبات شيئية لهما ، وهو إن لم يكشف عن الثبوت في ظرفه لا يكون إلاّ توهّماً وتخيّلا ، ومع كشفه عنه يكون ثبوته له فرع ثبوت المثبت له .

فإذا تحقّقت الإضافة بين الموجود والمعدوم يكون المعدوم مضافاً أو مضافاً إليه في ظرف تحقّق الإضافة ، فلابدّ من صدق قولنا : المعدوم مضاف ومضاف إليه في حال عدمه ; لتحقّق الإضافة في حاله ، فلابدّ من تحقّق المعدوم في حال عدمه ; قضاءً لحقّ القضية الموجبة ، ولقاعدة الفرعية .

وإن شئت قلت : إنّ القضايا المبحوث عنها في الفنّ ـ  سوى السالبة المحصّلة  ـ يجب فيها تحقّق الموضوع في مقام الصدق ، فلو فرض كون الصوم مضافاً بالفعل لزم صدق كون الأغسال مضافاً إليه بالفعل ، وإلاّ تنتقض القاعدة المسلّمة من وجوب وجود الموضوع في الموجبات .

فإن قلت : إنّ العلّية والمعلولية من الاُمور المتضائفة ، مع أنّ العلّة مقدّم على المعلول ـ تقدّماً رتبياً وعقلياً ـ فيكون صدق العلّية عليها قبل صدق المعلولية عليه ، فانتقض القاعدة المبرمة : «المتضائفان متكافئان قوّة وفعلا» . وقس عليهما أجزاء الزمان ; فإنّ لأجزائه تقدّماً على بعض في الوجود ; لكونه متصرّم الذات ، فيصدق كون اليوم متقدّماً على الغد مع معدومية الغد .


(301)

قلت : إنّ العلّة لاتكون متقدّمة على المعلول بالمعنى الإضافي ، بل هما في إضافة العلّية والمعلولية متكافئان ، لايتقدّم أحدهما على الآخر ; حتّى في الرتبة العقلية . نعم ذات العلّة لا بوصفها متقدّم على المعلول تقدّماً عقلياً ، وكذا الزمان لايكون بين أجزائه الوهمية تقدّم وتأخّر بالمعنى الإضافي ، بل ذات الجزء متقدّم على الآخر على نحو لاينافي القاعدة الفرعية ، ولا يوجب ثبوت المعدوم واتّصافه بشيء وجودي ، بل سيجيء(1)  على نحو الإجمال أنّ تقدّم بعض أجزائه على آخر بالذات ; لكون ذاته التقضّي والتدرّج ، فهو يكون ذا تقدّم وتأخّر بالذات ، لا بالمعنى الإضافي ولا بمعنى صدق التقدّم على الجزء حال عدمه .

هذا ، وإنّي لا اُحبّ أن أحوم حول هذه المباحث ، إلاّ أنّ التنبيه على الخلط في كلمات الأعلام يجرّ الكلام إلى ما هو خارج من وضع الكتاب .

وثالثاً : أنّ جعل جميع الشرائط دخيلـة في اتّصاف الشيء بكونه صلاحاً مـن الغرائب جدّاً ، والمنشأ له هو الخلط بين الشرائط الشرعية التي يصحّ فيها ما ذكر ، وبين العقلية التي لايصحّ فيها ذلك ; فإنّ القدرة ـ مثلا ـ غير دخيلـة في اتّصافـه بأ نّه ذو صلاح ، فإنّ إنقاذ الغريق وإنجـاء النبي فيه كلّ صلاح وخير ; قدر  عليه المكلّف أم لا .

وبذلك يظهر : ضعف ما عن صاحب «الفصول» من أنّ الشرط إنّما هو العناوين الانتزاعية ـ أعني التعقّب والتقدّم ـ وهي كانت حاصلة عند تحقّق الموضوع بعد العلم بوجود المتعقّب المتأخّر(2) .


1 ـ يأتي في الصفحة 304 ـ 305 .
2 ـ الفصول الغروية : 80 / السطر35 .


(302)

وإلى ذلك يرجع ما ربّما يقال من أنّ الشرط إنّما ينتزع عمّا يقوم به ، وليس للطرف الآخر دخل في انتزاعه عن منشأ انتزاعه فالسبق إنّما ينتزع عن نفس السابق بالقياس إلى ما يوجد بعد ذلك ، وكذا اللحوق بالقياس إلى ما وجد قبله ، ولا دخل للسابق في انتزاع اللحوق عن اللاحق ، ولا للاّحق في انتزاع السبق عن السابق حتّى يلزم دخل المعدوم في الموجود(1) ، انتهى .

قلت : إنّ انتزاع شيء عرضي عن شيء ليس باعتبار ذاته بذاته ، وإلاّ صار ذاتياً وهو خلف ، بل لأجل تحيّثه بحيثية عارضه . فحينئذ : للاّحق دخل في انتزاع السبق وبالعكس . فلو صحّ انتزاع السابقية أو عنوان التعقّب قبل وجود الآخر لزم وجود الإضافة والحيثية الوجودية بين الموجود والمعدوم ، ولزم كون المتضائفين غير متكافئين قوّة وفعلا ، وغير ذلك ممّا هو بديهي لمن ألقى السمع وهو شهيد ، وحذف من نفسه قيود التقليد .

الجواب الحقيق عن الإشكال في الشرط المتأخّر

هذا ، ولكن التحقيق في تصحيح الموارد المتوهّم فيها تأخير الشرط عن مشروطه أن يقال :

أ مّا في شرائط التكليف كالقدرة مثلا : فلأنّ شرط انقداح الإرادة أو صدور البعث الاعتباري ليس هو القدرة الواقعية ـ علم به المولى أولا ـ بل علمه واستحضاره وقت التكليف بقدرة العبد على إيجاد المأمور به في وقت العمل وإن كان ذلك العلم غير مطابق للواقع ولكن ذلك لايجعل الإرادة الجدّية صورية ، كما


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 273 و 281 .


(303)

لايجعل البعث الحقيقي غير واقعي ، بل يلزم لغوية الإرادة والتكليف ، وهو غير القول بأنّ التكليف غير واجد لشرطه .

والحاصل : أنّ الإرادة معلولة علم المولى بالصلاح مع سائر مبادئها ويعقّبه البعث الاعتباري . فظهر : أنّ شرط التكليف أو ما يتوقّف عليه الإرادة موجود مع سائر المبادئ ; وهو علمه بالصلاح وسائر شرائط التكليف ، ولايتفاوت في ذلك كون الخطاب شخصياً ، كما في الموالي العرفية ; فيشترط علمه بقدرة مخاطبه في ظرف العمل ; واحداً كان المخاطب أو أكثر ، أو كونه مجعولا على العنوان قانوناً ; بحيث يشمل كلّ من دخل تحت العنوان ، نحو قولك «يا أيّها الناس» .

نعم ، يكفي في الثاني العلم بباعثيـة الخطاب لعدّة مـن الأفراد ، والعلم باقتدار جمـع منهم عليه ، وسيوافيك(1)  تفصيل القول فـي مبحث الترتّب عند التعرّض لملاك الخطاب الشخصي والقانوني . فحينئذ : ما هـو شرط التكليف حاصل فيها ، ولا مجال لتوهّم التأخّر أصلا . ولعلّه إلى ذلك يرجع كلام المحقّق الخراساني(2) ; وإن كان إلحاق الوضع بالتكليف ـ كما في ظاهر كلامه ـ وقع في غير محلّه .

وأ مّا شرائط الوضع ، كالإجازة بناءً على الكشف الحقيقي ، وشرائط المأمور  به ، كصوم المستحاضة بناءً على صحّته فعلا لحصول شرطه في المستقبل ـ  أعني أغسال الليلة الآتية ـ فلنا في حلّه وجهان : أحدهما من طريق العقل والبرهان ، وهو حلّ صناعي ، وثانيهما من طريق العرف ، وهو أقرب ; خصوصاً في الاُمور الاعتبارية :


1 ـ يأتي في الصفحة 437 .
2 ـ كفاية الاُصول : 118 ـ 119 .


(304)

أ مّا الأوّل ، فنقول : إنّ الاُمور التدريجية ـ كالزمان والحركة ـ ممّا يعدّ من المتصرّم بالذات ، فلبعض أجزائها تقدّم على البعض ، وهو تقدّم يعبّر عنه في الاصطلاح بواقع التقدّم ، وليس عنوان التقدّم ومفهومه ; إذ عنوان التقدّم والتأخّر من المفاهيم المتضائفة ، ولا يعقل انتزاع التقدّم فعلا بلا انتزاع رديفه ، كما أنّ انتزاع التأخّر من الغد حين انتزاع التقدّم من اليوم يستلزم وجود أمر انتزاعي بلا منشأ انتزاعه ، وهو خلف إلاّ أن يرجع إلى أمر عرفي سيوافيك بيانه .

فظهر : أنّ انتزاع التقدّم بعنوانه من المتقدّم فقط يستلزم وجود أحد المتضائفين بدون الآخر ، والحال أنّ المتضائفين متكافئان قوّة وفعلا ، وانتزاع كليهما يستلزم وجود أمر انتزاعي فعلا ، بلا وجود منشئه .

فإن قلت : نرى بديهة صدق قولنا لدى العرف بأنّ اليوم متقدّم على الغد ، وصدق قولنا : إنّ الغد متأخّر ، فهذا يكشف عن بطلان كلتا القاعدتين .

قلت : الكلام هاهنا في حكم العقل ومقتضى البرهان لا العرف ، ولاريب في أنّ مقتضى العقل والبرهان تكافؤ المتضائفين قوّة وفعلا ، وعدم إمكان اتّصاف المعدوم بشيء ، وسيأتي حال حكم العرف ، فانتظر .

والحاصل : أنّ هذه القطعة الموهومة من الزمان ـ لأنّ الزمان لاينقسم إلاّ وهماً ، كما ثبت في محلّه(1) ـ له التقدّم بالذات إذا كان القطعة الاُخرى موجودة في محلّه ، ولم ينقطع عمود الزمان عليها ، بل جرى على منواله وطبعه .

ولا يتوهّم من ذلك : أنّ لما يأتي من الأجزاء تأثيراً في كون هذه القطعة


1 ـ المباحث المشرقية 1 : 678 ، الحكمة المتعالية 3 : 115 ـ 118 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 257 .


(305)

متقدّمة بالطبع ، مع أنّ تأثير المعدوم في الموجود واضح الفساد ; إذ المراد : أنّ جوهر الزمان وسنخ وجوده جوهر وسنخ مخصوص ، يكون بعضه متقدّماً جوهراً وبعضه متأخّراً عنه ذاتاً ; بحيث يكون كلّ من التقدّم والتأخّر عين ذاته ، كما هو الحال في بعض الأقسام من المقول بالتشكيك .

فتلخّص : أنّ الزمان وما شابهه أمر متصرّم الذات ومتقضّ بالحقيقة ، له تقدّم وتأخّر بالذات ، لا بالمعنى الإضافي المقولي ; وإن كان عنوان التقدّم والتأخّر من الاُمور الإضافية ، ولايلزم أن يكون مصداق المعنى الإضافي إضافياً ، كالعلّة والمعلول ; فإنّ عنوانهما من الاُمور الإضافية ، ولكن المنطبق ـ بالفتح ـ عليهما أعني ذات المبدأ تعالى وتقدّس مثلا ومعلوله ليسا من الإضافية .

وأوضح من هذا ، مسألة التضادّ ; حيث إنّ بين ذات الضدّين ـ  كالأسود والأبيض  ـ تقابل التضادّ ، مع أنّ مفهوم التضادّ من الاُمور المتضائفة .

هذا حكم الزمان .

وأ مّا الزمانيات : فحيث إنّ الحوادث الواقعة في طول الزمان لها نحو اتّحاد مع الزمان ـ على تحقيق مقرّر في محلّه(1) ـ فلا محالة يكون بعضها متقدّماً على بعض بتبع الزمان ، وتصير الحوادث الواقعة في هذا الزمان متقدّمة بواقع التقدّم ـ  لا بمفهومه الإضافي ـ على الحوادث الآتية ، لكن بتبع الزمان .

إذا تمهّد ذلك فنقول : إنّ ما سنرتّب على هذا التدقيق العقلي وإن كان خلاف ظواهر الأدلّة ، لكنّ الكلام هنا في دفع الإشكال العقلي لا في استظهار الحكم من الأدلّة ، وعليه يمكن أن يقال : إنّ الموضوع في الوضعيات وما هو شرط في متعلّق


1 ـ الشفاء ، الطبيعيات 1 : 170 ، الحكمة المتعالية 3 : 180 .


(306)

الأحكام هو ما يكون متقدّماً بحسب الواقع على حادث خاصّ .

مثلا الأثر في البيع الفضولي مترتّب على العقد المتقدّم بالحقيقة ـ  تبعاً للزمان  ـ على وقوع الإجازة ; بحيث لا يكون العقد متقدّماً عليها بواقع التقدّم التبعي إلاّ أن تكون الإجازة متحقّقة في ظرفها ، فوقوعها في عمود الزمان المتأخّر يوجب كون العقد متقدّماً حقّ التقدّم .

وقد مضى أنّ ذلك ليس لأجل تأثير المعدوم في الموجود أو لوقوع المعدوم طرفاً للإضافة ، بل مقتضى ما يقع في الزمان أن يكون بعضه متقدّماً وبعضه متأخّراً ; بحيث لو فرض انقطاع سلسلة الزمان بعد ذلك الحادث الأوّل لما اتّصف ذلك الظرف ومظروفه بالتقدّم الواقعي .

وقس عليه مسألة الصوم ; إذ يمكن أن يقال : إنّ موضوع الصحّة في صوم المستحاضة ما يكون متقدّماً بالتقدّم الواقعي على الأغسال الآتية ـ تبعاً للزمان ـ بحيث لولم توجد الأغسال في محلّها لايصير الصوم متقدّماً بالذات عليها ; وإن كان متقدّماً على سائر الحوادث ، لكن الموضوع هو المتقدّم الخاصّ ; أعني المتقدّم بالذات على الأغسال .

لايقال : إنّ مقتضى كون الموضوع هو ذات العقد والصوم هو إنكار دخل الشرط ولزومه ; إذ الحامل للأثر ـ حينئذ ـ هو وجوده بلا اقترانه بالتراضي أو تعقّبه بالأغسال .

لأ نّا نقول : قد عرفت أنّ تقدّم بعض أجزاء الزمان على بعض بالتقدّم الواقعي فرع اتّصال أجزاء الزمان وامتداده ; بحيث يكون انقطاعه موجباً لعدم ثبوت التقدّم بالذات له . فحينئذ ذات العقد إنّما يثبت له حقّ التقدّم ـ  ولو تبعاً للزمان  ـ إذا وجدت الإجازة في محلّها لا مطلقاً ، ومثله الصوم .


(307)

وإن شئت فاستوضح المقام عن تقدّم العلّة على معلولها ; فإنّه مالم يحصل الثاني لايصحّ انتزاع عنوان التقدّم عنها ; لقضية التكافؤ بين المتضائفين ، مع أنّ العلّة في حدّ ذاتها مقدّمة على معلولها ; بحيث يتخلّل بينهما «الفاء» عند التعبير .

فتلخّص : أنّ الموضوع على ما حقّقناه مقدّم على حكمه بشراشر أجزائه  وشرائطه .

وأ مّا الثاني ـ وهو حلّ الإشكال على مشرب العرف ـ فنقول : إنّ الموضوعات الواقعة في لسان الأدلّة اُمور عرفية ، لا تنالها يد الدقّة العقلية ، بل يقدّم في مبحث الأحكام ; خصوصاً على القول باعتباريتها على ما يثبته البرهان .

فحينئذ بما أنّ العرف يرى الإضافة إلى المتقدّم والمتأخّر كالمقارن ، ويرى العقد متعقّباً بالفعل مع عدم الإجازة الفعلية يصحّ انتزاع هذه العناوين عندهم لأجل ملاكات وتخيّلات مركوزة في أذهانهم ، ومن الممكن كون الأثر مترتّباً على المتعقّب في نظر العرف دون العقل ، كما هو السند والمعتمد في سائر الموضوعات الشرعية . وعليه فالشرط مقارن أيضاً ، وهذا الوجه يرجع إلى ما ذهب إليه القوم .

مقال المحقّق النائيني في تحرير محلّ النزاع ودفعه

إنّ بعض الأعاظم من أهل العصر حرّر النزاع على خلاف ما هو المعروف ، وحاصله : أ نّه لا إشكال في خروج المقدّمات العقلية وعدم جواز تأخّرها عن معاليلها .

كما لا إشكال في خروج العناوين الانتزاعية ; لأ نّها إنّما تنتزع عمّا تقوم به ، وليس للطرف الآخر دخل في انتزاعها عن منشأها ; لأنّ السبق إنّما ينتزع من نفس السابق بالقياس إلى ما يوجد بعد ذلك ، وكذا اللحوق من اللاحق ، ولادخل بشيء


(308)

منهما في انتزاع العنوان عن صاحبه فما فرض شرطاً هو المقارن لا المتأخّر .

كما أنّ التحقيق خروج شرائط المأمور به من حريـم النزاع ; بداهة أنّ شرطية شيء للمأمور به ليست إلاّ بمعنى أخذه قيداً في المأمور به ، فكما يجوز تقييده بأمر سابق أو مقارن كذلك يجوز تقييده بأمر لاحق ، فلا ينبغي الاستشكال في جواز تأخّر شرط المأمور به عن مشروطه ; إذ لايجاوز الشرط بالمعنى المزبور عن الجزء الدخيل في المأمور به تقيّداً وقيداً ، بل لايعقل تعلّق الأمر بالانتزاعيات ، فلابدّ من إرجاعه إلى القيد . فكما أنّ الأمر بالمركّب يتعلّق بكلّ واحد من أجزائه فكذلك الأمر بالمقيّد يتعلّق بقيده . فامتثال الأمر المتعلّق بما تقيّد بقيد متأخّر إنّما يكون بإتيان الشرط المتأخّـر ، كما أنّ امتثال المركّب التدريجي إنّما هو بإتيان الجزء الأخير .

وأ مّا شرائط الجعل والعلل الغائية : فبما أ نّها لاتكون بوجودها الخارجي مؤثّرة في الحكم ، بل بوجودها العلمي فلا محالة يكون مقارناً مع الجعل ، فالنزاع ينحصر في شرائط الحكم المجعول .

وتوضيحه : أنّ القضايا إمّا خارجية ; وهي التي يكون الموضوع فيها الأشخاص الموجودة في الخـارج في زمان الحكم ، فلا يتوقّف الحكم فيها على  غير دواعي الحكم المؤثّرة فيه بوجودهـا العلمي ; طابـق الواقـع أم لا ، فيخرج عن محطّ الكلام ; فإنّ الحكم فيها يدور مدار علم الحاكم ; كان المعلوم مقارناً أم مؤخّراً .

وإمّا حقيقية ; وهي التي حكم فيها بثبوت الحكم على الموضوعات المحقّق أو المقدّر وجودها ، فيحتاج الحكم فيها إلى أمرين :


(309)

أحدهما : ما يكون داعياً إلى جعل الحكم ، وهو أيضاً كالعلل الغائية خارج عن البحث .

وثانيهما : ما يكون موضوعاً له وقد اُخذ مفروض الوجود في مقام الحكم ، والشرائط داخلة في ذلك القسم ; لأنّ شرائط الحكم ترجع إلى قيود الموضوع ، وهذا هو الذي وقع محلّ البحث .

والحقّ : امتناع الشرط المتأخّر منه ; سواء قلنا بأنّ المجعول هي السببية وأمثالها ، أو المجعول هو الحكم عند وجود السبب :

أ مّا الأوّل فواضح ; لأ نّه يرجع إلى تأخّر أجزاء العلّة الفعلية عن المعلول ، وأ مّا الثاني فللزوم الخلف والمناقضة من وجود الحكم قبل وجود موضوعه ، وقد عرفت أنّ الشرائط ـ كلّها ـ ترجع إلى قيود الموضوع(1) ، انتهى ملخّصاً .

ولايخفى : أنّ في كلامه مواقع للنظر :

أ مّا أوّلا : فلأنّ خروج العلل العقلية إنّما هو لعدم وجود ملاك البحث فيها ، الذي يتعلّق به غرض الفقيه ; فإنّ البحث عن التكوين ليس من شؤون المجتهد حتّى يبحث عنه ويجزم بأحد الطرفين .

وثانياً : أنّ خروج الانتزاعيات وإن كان صحيحاً ، وإنّما انجرّ الكلام إليها لدفع الإشكال ، لكن خروجها ليس بالملاك الذي قرّره من جواز انتزاعها عمّا تقوم به ، من غير دخالة الطرف الآخر فيه ; لأ نّه إن أراد أنّ العنوان الانتزاعي الإضافي ينتزع من غير إضافة إلى الطرف الآخر فهو واضح البطلان ، مع أ نّه صرّح بأنّ السبق ينتزع


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 271 ـ 280 ، أجود التقريرات 1 : 220 ـ 226 .


(310)

من نفس السابق بالقياس إلى ما يوجد بعد ذلك .

وإن أراد أ نّه ينتزع منه فعلا بالقياس إلى ما سيصير طرف الإضافة ، من غير أن يكون الطرف موجوداً بالفعل فهو مثله ; لأنّ كون المنتزع موجوداً بالفعل مع عدم منشأ له يكفي في بطلانه أدنى تصوّر ، وهل هذا إلاّ كادّعاء جواز انتزاع الاُبوّة من طفل نعلم أ نّه سيولد له ولد ؟

وإن أراد أنّ المعدوم مضاف إليه فعلا فهو أوضح بطلاناً .

وإن تعجب فعجبٌ قوله وإصراره بأ نّه لايتوقّف انتزاع عنوان عن شيء على وجود المتأخّر في موطن الانتزاع ; لأنّ عنوان التقدّم ينتزع من اليوم الحاضر ; لتحقّق الغد في موطنه ; إذ فيه الخلط بين التقدّم الذاتي وبالواقع ، وبين التقدّم بالمعنى الإضافي المقولي ، وقد مرّ وجه انتزاع العرف مفهوم التقدّم من اليوم قبل حلول الغد .

فإن قلت : فرق واضح بين الاُبوّة وبين المفاهيم الانتزاعية المتضائفة ; فإنّ الاُولى التي ربّما يعتمد عليها في إثبات تكافؤ المتضائفين لها ماهية ووجود ، وهذا بخلاف الانتزاعيات ; فإنّه لا وجود لها حتّى تنزع الماهية من حدودها ، سوى كونها موجودة بوجود منشأ انتزاعها .

قلت : كون شيء ذا ماهية ووجود لايجدي في المقام ; إذ البحث في الانتزاعيات التي هي مفاهيم إضافية ، ولاينتزع إلاّ وينتزع معه معنى إضافي آخر ، والبرهان المبرم في محلّه من تكافؤ المتضائفين(1)  جار في الجميع .

وثالثاً : أنّ القول بأنّ الأمر بالمقيّد يتعلّق بقيده من العجائب ; إذ لازم ذلك انقلاب الشرط عن كونه شرطاً إلى كونه جزءً . والحقّ : أنّ الأمر متعلّق بالطبيعة


1 ـ الحكمة المتعالية 2 : 109 ـ 111 و 4 : 188 ـ 198 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 145 .


(311)

المتقيّدة ، وتحصيل التقيّد بإيجاد القيد عقلي .

ورابعاً : فإنّ إخراج شرائط المأمور به ممّا لا وجه له ; لأنّ الكلام ليس في تقيّد المركّب بقيد خارجي ، بل في صحّة المأمور به فعلا ـ أعني صوم المستحاضة إذا أتت بالأغسال المستقبلة ـ والإشكال المتوهّم في هذا الباب جار في الأجزاء أيضاً لو قيل بصحّة الجزء الأوّل ، كصحّة التكبيرة بالفعل ، مع كونها مشروطة بوقوع الأجزاء الاُخر ، فلا ينفع الفرار عن الإشكال بجعل شرائط المأمور به من قبيل الأجزاء حكماً .

وخامساً ـ  بعد تسليم إمكان القضية الحقيقية في الإنشائيات  ـ  : أ نّه لا وجه لتخصيص الامتناع على الحقيقية ، بل الخارجية مثلها في الامتناع ، فلو حكم المولى القائل بشرطية الإجازة بصحّة عقد معيّن ، كقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في بيع عروة(1)  فيسري الإشكال إليه أيضاً ، فيقال : كيف صحّ العقد من أوّله مع عدم اقترانه بالشرط ؟

والقول بأنّ الخارجية لايتوقّف إلاّ على شرائط الجعل ; وهي الشرائط العلمية التي تؤثّر بوجودها العلمي لا العيني ، عجيب جدّاً ; إذ الخلط حصل من بعض الأمثلة الجزئية ، وقد عرفت خلافه في توقّف البيع الشخصي على الإجازة .

فتلخّص : أنّ البحث لملاكه عامّ يشمل شرائط الجعل كالقدرة المتأخّرة ، وشرائط المكلّف به كالأغسال المتأخّرة ، وشرائط الوضع كالإجازة في البيع الفضولي ـ بناءً على الكشف ـ والجواب هو الجواب .


1 ـ عوالي اللآلي 3 : 205 / 36 ، مستدرك الوسائل 13 : 245 ، كتاب التجارة ، أبواب عقد البيع وشروطه ، الباب 18 ، الحديث 1 .


(312)

الأمر الرابع
في بعض تقسيمات الواجب

الواجب المطلق والمشروط

من تقسيمات الواجب : تقسيمه إلى المطلق والمشروط ، والتحقيق كما يستفاد من المحقّق الخراساني : أنّ الإطلاق والاشتراط أمران إضافيان كالإطلاق والتقييد في باب المطلق والمقيّد . فكلّ قيد قيس إليه الواجب : إمّا يكون وجوبه بالنسبة إليه مشروطاً أو مطلقاً ، وبذلك يصحّ أن يقال : إنّ الواجب قد يكون بالنسبة إلى قيد مشروطاً وبالنسبة إلى آخر مطلقاً(1) .

إذا عـرفت ذلك فاعلم : أنّ تحقيق الحـال وتوضيـح المرام يتمّ فـي ضمن  جهات :

الجهة الاُولى : في تصوير الواجب المشروط

لا إشكال في أنّ القيود الواردة في الكلام بصورة الشرط أو غيرها راجعـة إلى الهيئة بحسب القواعد الأدبية والتفاهـم العرفي ، فتفيد تصرّفاً في مفادها وتضييقاً في معناها ، كما في قولك «إن جاءك زيد فأكرمه» و «إن استطعت فحجّ» .


1 ـ كفاية الاُصول : 121 .


(313)

مقالة الشيخ الأعظم في رجوع القيود إلى المادّة

وما نسب إلى الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ من إرجاع القيود ـ كافّة ـ إلى المادّة(1)  لا يخلو إمّا أن يكون مستنداً على برهان يفيد امتناع رجوعها إلى الهيئة ، أو يكون لأجل لزوم الرجوع إلى المادّة لبّاً ، كما هو غير بعيد عن مساق كلامه .

ونحن إذا دفعنا الامتناع ولزوم تقييد المادّة عند تقييد الهيئة يجب لنا الأخذ بمقتضى الظهور العرفي والقواعد الأدبية .

فنقول : أ مّا الامتناع لأجل قيام البرهان فيجيء دفعه عند دفع ما توهّم كونه وجهاً له . وأ مّا الثاني فنقول :

ضابط قيود الهيئة والمادّة

إنّ رجوع قيد بحسب اللبّ إلى المادّة والهيئة ليس جزافاً وبلا ملاك ، بل القيود على ضربين :

ضرب منها : يرجـع إلى المادّة ولا معنى لرجوعها إلى الهيئـة ; وهـي كـلّ قيد يكون دخيلا في حصول الغرض المطلق المحقّق ، مـن غير أن يكون دخيلا فـي تعلّق نفس الغرض ، مثلا قـد تكون الصلاة في المسجـد متعلّقة للغرض المطلق المحقّق للمولى ـ كان المسجد موجوداً أولا ـ فإذا أمر مواليه بالصلاة فيها لابدّ لهم من الصلاة في المسجد ، ومع عدمـه لابدّ لهم مـن بنائـه والصلاة فيه ، كما


1 ـ مطارح الأنظار : 45 ـ 46 و 49 / السطر2 .


(314)

أنّ الطواف حول الكعبة كذلك ـ ظاهراً ـ فلابدّ للمكلّفين مـن بنائه لو انهدم والطواف حوله .

وضرب منها : ترجع إلى الهيئة لبّاً لا إلى المادّة ، وهو كلّ قيد يكون دخيلا في تعلّق نفس الغرض ; بحيث لولاه لما كان للمولى غرض ، كما لو فرض تعلّقه بإكرام رجل لو ورد عليه صار ضيفاً له ، فلايكون له غرض مطلق في إكرام الضيف حتّى يجب تحصيل عنوان الضيافة ، بل قد يكون مجيء الضيف مبغوضاً له ، لكن على فرض مجيئه يكون إكرامه محبوباً ومتعلّقاً بغرضه ، ويكون غرضه بحسب اللبّ مشروطاً بتحقّق الضيافة ، وتكون هي دخيلة في تحقّق الغرض وتعلّقه بالإكرام . فلا يعقل تعلّق الأمر المطلق في هذه الصورة بضيافة الرجل ، بل يكون البعث مشروطاً بمجيء الضيف .

ثمّ إنّ للقيود الراجعة إلى الهيئة موارد اُخر :

منها : ما إذا كان المصلحة قائمة بفعل مطلقاً ويكون مطلوبه كذلك ،إلاّ أنّ هاهنا موانع عقلية من البعث إليه مطلقاً ، كالبعث إلى إنقاذ ابنه مع عجز العبد ; فإنّ المولى إذا شاهد ابنه يخوض في اللجج يصيبه من الجزع ما يصيبه ، وهو يكشف عن أنّ الإنقاذ تمام الموضوع للبعث ; فلو قال لعبده : «لو قدرت انقذه» لايكون ذلك قيداً للمادّة .

ومنها : ما إذا كان المبعوث إليه مطلوباً على الإطلاق ، لكن في نفس الآمر مانع من إطلاق الأمر .

ومنها : ما إذا لزم من تقييد المادّة محال ، كما في قول الطبيب : «إن مرضت فاشرب المسهل» ، فإنّ شربـه لأجل دفع المرض ، ولا يعقل أن يكون المرض دخيلا في صلاح شرب المسهل بنحو الموضوعية ; بحيث يرجع القيد إلى المادّة ،


(315)

ومن ذلك وجوب الكفّارات في الإفطار عمداً والظهار وحنث النذر ; فإنّ الأمر بها لرفـع منقصة حاصلـة مـن ارتكاب المحرّمات ، ولايعقل أن يكون ارتكابها مـن قيود المادّة .

فتلخّص : أنّ القيود بحسب اللبّ مختلفة ، فكيف يجعل جميعها قيداً للمادّة ؟ !

نقل وبحث : في ضابط قيود الهيئة والمادّة

يظهر من تقريرات بعض محقّقي العصر ضابط عقلي آخر في الفرق بين نحوي القيدين ; وهو أنّ القيود لو كانت ممّا يتوقّف عليه اتّصاف المأمور به بكونه ذا مصلحة في الخارج ـ كالزوال والاستطاعة بالنسبة إلى الصلاة والحجّ ـ فهو من شرائط الوجوب ، ولو كان ممّا يتوقّف فعلية المصلحة وحصولها في الخارج على تحقّقها ; بمعنى أ نّها لا تكاد تحصل إلاّ إذا اقترن الفعل بتلك القيود والشرائط ـ  كالطهارة والستر ـ فهو من شروط الواجب(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه أ مّا أوّلا : فلأنّ ما ذكره في الشقّ الأوّل غير صحيح ; لا طرداً ولا عكساً .

أ مّا الطرد : فلأنّ الغرض الذي يتوقّف على حصول شيء إذا كان لازم التحصيل مطلقاً تتعلّق الإرادة بتحصيله على نحو الإطلاق ، ويأمره بإتيانه كذلك ، وعلى المكلّف ـ حينئذ ـ أن يأتي به ; ولو بإيجاد شرطه .

فإذا كان الحجّ لا يتّصف بالصلاح إلاّ بالاستطاعة ، ولكن كان للمولى غرض مطلق لتحصيل مصلحة الحجّ فلا محالة يأمر عبده بتحصيلها بنحو الإطلاق ، فلابدّ له من تحصيل الاستطاعة ; ليصير الحجّ معنوناً بالصلاح ويأتي به لتحصيل غرضه المطلق .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 335 .


(316)

والحاصل : أنّ القيود الموجبة لكون الشيء ذا مصلحة على قسمين :

قسم يكون الشيء بوصف كونه صلاحاً مراداً له ومطلوباً مطلقاً ، فتعلّق به الإرادة على نحو الإطلاق ، فيجب عليه تحصيل الصلاح بتحصيل الاستطاعة ; لكون الصلاح مراداً مطلقاً ، وإن كان اتّصاف المورد بالصلاح يتوقّف على شيء آخر ، لكن لعلّة كونه مطلوباً مطلقاً يحرّكه إلى إيجاد القيد أيضاً . فحينئذ يكون القيد ـ  لا محالة  ـ راجعاً إلى المادّة .

وقسم يكون ما هو المصداق لقولنا إنّه ذو صلاح هو الموضوع المقيّد ، إلاّ أنّ البعث لم يتعلّق بكلا الجزئين بطور الإطلاق بل تعلّق عليه لو حصل هذا بنفسه ، فيرجع إلى الهيئة لا محالة .

فتلخّص : أنّ الجزء الموجب لكون الشيء ذا صلاح على قسمين ، لا يتعيّن لواحد منهما إلاّ بملاحظة ضابط آخر .

وأ مّا العكس : فلأنّ الاُمور التي يتوقّف الواجب عليها عقلا ـ  كالقدرة والعقل  ـ ممّا تعدّ من قيود الهيئة ، مع أ نّها لا توجب اتّصافه بالصلاح في إنقاذ ابن المولى مع عجز العبد .

وأ مّا ثانياً : فلأ نّه يرد على الشقّ الثاني من الضابط أنّ قيود المادّة ـ كالطهارة والاستقبال ـ دخيلة في اتّصاف الموضوع بالصلاح ; فإنّ الصلاة بدون الطهارة والقبلة لا مصلحة فيها ، فيلزم أن يكون من قيود الهيئة ; لأجل ما قرّر من الميزان ، مع أ نّه من قيود المادّة . وبالجملة : أنّ الصلاة بدون هذين القيدين إمّا أن تكون ذات مصلحة أولا . وعلى الثاني يلزم أن يكون قيداً للوجوب على الملاك الذي ذكره ; من أنّ ما يتوقّف عليه اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة في الخارج فهو قيد للوجوب .

وعلى الأوّل يلزم هدم ضرورة المسلمين ; لأنّ الضرورة حاكية عن أنّ الصلاة


(317)

بلا طهور وقبلة ليست فيه مصلحة ، وليس الستر والطهارة كالآلات الفاعلية في إيجاد موضوع ذي صلاح بالضرورة .

فظهر : أنّ ما ذكره مخدوش من جهات ، إلاّ أن يرجع إلى ما ذكرنا وهو بعيد من ظاهره .

نقل ودفع : في أدلّة امتناع رجوع القيد إلى الهيئة والجواب عنها

ربّما يتوهّم امتناع رجوع القيد إلى الهيئة ، وما قيل في بيانه أو يمكـن أن  يقال وجوه :

منها : أنّ معنى الهيئة بما أ نّه من المعاني الحرفية مندكّ في متعلّقها ، فلا يتوجّه المتكلّم إليه استقلالا ، والتقييد يحتاج إلى لحاظها استقلالا ، وهـو لايجامع كونه حرفياً(1) .

وفيه أوّلا : أنّ التقييد كلّه ـ سواء كان في الأسماء أم الحروف ـ إنّما هو بلحاظ ثان استقلالا ; إذ اللفظ الموضوع للطبيعة لا تستعمل إلاّ في معناها ولايحكي إلاّ عن نفس معناها ، فإذا وصف بكونه مؤمناً أو عادلا في قولك «أكرم عالماً عادلا» يكون التوصيف بلحاظ آخر .

وقس عليه التقييد في المعاني الحرفية ; إذ الهيئة لا تستعمل إلاّ في معناها المطلق ، لا في المعنى المشروط ، والتقييد يرد عليها في لحاظ آخر ـ تقدّم أو تأخّر ـ وحينئذ تصير وقت التقييد من المعاني الاسمية ، ولا غبار في تقييدها .

وثانياً : أ نّه يمكن أن يقال : إنّ التقييد لايحتاج إلى اللحاظ الاستقلالي ; وإن كان لا يضرّ لحاظه ثانياً أيضاً ، بل يكفي فيه ما هو حاصل في ضمن الكلام الذي


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 181 ، أجود التقريرات 1 : 131 .


(318)

يحكي عن الواقع إذا كان حكائياً ، أو يوجد معناه بنفس الاستعمال إذا كان إيجادياً ; لما عرفت أنّ الهدف الأعلى لأهل المحاورة إنّما هو النِسَب والإضافات(1) ، فلو كانت النسبة حاكية عن خارج مقيّد تكويناً فلا محالة قد تصوّر المتكلّم في ذهنه صورة الخارج وأخبر عن الواقع المشهود بالألفاظ التي هي كالقوالب للمعاني .

فحينئذ يقع الإخبار عن المقيّد والقيد والتقييد من غير احتياج إلى لحاظ مستقلّ ، ولكن الاكتفاء به في الإيجاديات من دون لحاظ مستقلّ يحتاج إلى التأمّل .

ومنها : أنّ الهيئة موضوعة بالوضع العامّ للموضوع الخاصّ ، فيكون المعنى جزئياً حقيقياً غير قابل للتقييد(2) .

وفيه : أنّ التقييد وإن كان يلازم تضييقاً في المقيّد ، وهو فرع كونه أمراً وسيعاً ، لكن التقييد في الجزئي الحقيقي ليس باعتبار ذاته بل باعتبار حالاته وأطواره ; ولذا يجري فيه مقدّمات الحكمة لو وقع بشخصه موضوعاً للحكم .

ومنها : أنّ الهيئة في الأمر والنهي للإيجاد ، وهو آب عن التعليق ; لامتناع الإيجاد المعلّق ; إذ تعليق الإيجاد مساوق لعدم الإيجاد ، كما أنّ تعليق الوجود مساوق لعدمه(3) .

وفيه : أنّ الخلط نشأ من إسراء حكم الحقائق إلى الاعتباريات التي لم تشمّ ولن تشمّ رائحة الوجود حتّى يجري عليه أحكام الوجود .

ولعمري إنّ ذلك هو المنشأ الوحيد في الاشتباهات الواقعة في العلوم الاعتبارية ; إذ الإيجاد الاعتباري لا مانع مـن تعليقه ، ومعنى تعليقـه أنّ المولى بعث


1 ـ تقدّم في الصفحة 60 .
2 ـ مطارح الأنظار : 45 ـ 46 .
3 ـ اُنظر نهاية الاُصول : 170 .


(319)

عبده على تقدير وألزم وحتم شيئاً عليه لو تحقّق شرطـه ، ويقابلـه العدم المطلق ; أي إذا لم ينشأ ذلك على هذا النحو .

الجهة الثانية : في حكم الواجب المشروط قبل تحقّق شرطه

نبحث فيها عن أنّ الواجب المشروط وجوبه فعلي قبل تحقّق شرطه أولا ؟

والمشهورالمنصور هوالثاني(1) ، وتوضيحه يتوقّف على تحقيق حقيقة الحكم:

لا إشكال في أنّ الآمر قبل إنشاء الحكم يتصوّر المبعوث إليه ويدرك فائدته ولزوم حصوله بيد المأمور ، فيريد البعث إليه بعد تمامية مقدّماته .

إنّما الكلام في أنّ الحكم هل هو الإرادة أو الإرادة المظهرة أو البعث الناشئ منها ; بحيث يكون الإرادة كسائر المقدّمات من مبادئ حصوله لا من مقوّماته ؟

التحقيق : هو الأخير بشهادة العرف والعقلاء ، ألا ترى أنّ مجـرّد صدور الأمـر من المولى يكفي في انتقال العبيد إلى وجوب الإتيان ، من غير أن يخطر ببالهم أنّ أمره ناش من الإرادة أو أنّ هنا إرادة في نفسه وهو يحكي عنها ؟ بل قد  عرفت(2)  أنّ البعث والإغراء بأيّ آلة كانت فهو تمام الموضوع لحكم العقلاء بوجوب الامتثال .

وأ مّا ما عن بعض محقّقي العصر : من كون الحكم عبارة عن الإرادة التشريعية التي يظهرها المريد بأحد مظهراتها(3)  فهو خلاف التحقيق :


1 ـ الفصول الغروية : 80 / السطر10 ، كفاية الاُصول : 121 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 204 ـ 205 .
3 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 345 ، نهاية الأفكار 1 : 302 .


(320)

أ مّا أولا : فلما عرفت من ارتكاز العبيد على الانتقال إلى الوجوب من الأوامر ، بلا لحاظ الإرادة التي هذا اللفظ حاك عنها .

وثانياً : أنّ الوجوب والإيجاب في عالم الاعتبار واحدان ذاتاً كالوجود والإيجاد في وعاء التكوين ويختلفان اعتباراً ، ولو صحّ انتزاع الوجوب عن الإرادة صحّ انتزاع الإلزام والإيجاب عنها ، مع أنّ الإرادة لا تسمّى إلزاماً وإيجاباً ، بخلاف الإغراء والبعث لفظاً وحده .

فإن قلت : يرد هذا لو قال القائل بأنّ الحكم عبارة عن نفس الإرادة ، ولكنّه ـ قدس سره ـ يقول بكونه عبارة عن الإرادة التشريعية التي يُظهرها المريد ، فشَرَط مع نفس الإرادة وجود المُظهر .

قلت : نعم ، لكن كون الحكم عبارة عن الإرادة المظهرة ينافي انتزاع الوجوب عن البعث المولوي مع الغفلة عن الإرادة .

وثالثاً : أنّ الأحكام الوضعية قسيم التكليفية ، مع أنّ الوضعيات لاتكون من قبيل الإرادات المظهرة ; إذ الحكومة والقضاوة والملكية وغيرها تنتزع من جعلها .

ولايمكن أن يقال : إنّ هذه العناوين منتزعة عن الإرادة أو عن الإرادة المظهرة ، كما أنّ حكم السلطان والقاضي عبارة عن نفس الإنشاء الصادر منه في مقام الحكومة والقضاء لا الإرادة المظهرة ، بل لايكفي في فصل الخصومة إظهار إرادته أو إفهام رأيه ما لم يتكلّم بلفظ نحو «حكمتُ» أو «أنفذتُ» أو ما يفيد الحكم بالحمل الشائع .

نعم ، لو لم ينشأ البعث من الإرادة الجدّية لاينتزع منه الوجوب والإيجاب ، وهو لايوجب أن تكون الإرادة دخيلة في قوام الحكم أو تكون تمام حقيقته ، ويكون الإظهار واسطة لانتزاع الحكم منها ، بل أقصى ما يقتضيه أن يعدّ الإرادة من مبادئ الحكم ، كما فرضناه .


(321)

إذا عرفت ذلك : يتّضح لك أنّ وجوب المشروط قبل تحقّق شرطه ليس فعلياً ، كما هو ظاهر تعليق الهيئة ، وإنشاء البعث على تقدير لايمكن أن يكون بعثاً حقيقياً إلاّ على ذلك التقدير ; للزوم تخلّف المنشأ عن الإنشاء ; إذ المفروض أنّ المنشأ إنّما هو الوجوب والإيجاب على تقدير حصول شرطه ، فلا معنى ـ  حينئذ  ـ للوجوب فعلا مع عدم شرطه .

ونظيره باب الوصية ; إذ إنشاء الملكية على تقدير الموت لايفيد الملكية الفعلية ، بل يؤثّر في الملكية بعد الموت .

هذا ، ولو قلنا : إنّ الإرادة دخيلة في الحكم لاتكون دخالتها إلاّ بنحو كونها منشأً للانتزاع ، وأ مّا كونها نفس الحكم ذاتاً فهو خلاف الضرورة ، وعليه لاينتزع من الإرادة المعلّقة على شيء إلاّ الوجوب على تقدير ، لا الوجوب الفعلي .

فتلخّص : أنّ البعث على تقدير كالإرادة على تقدير لايكون إيجاباً فعلياً ، ولا  منشأً له كذلك .

فإن قلت : إنّ الوجوب بما أ نّه أمر اعتباري يصحّ التعليق فيه ، وهذا بخلاف الإرادة ; فإنّها من مراتب التكوين ، وامتناع التعليق في التكوين ضروري . وقولك : إنّ الإرادة هنا على تقدير يوهم ذلك .

قلت : إنّ المراد من الإرادة على تقدير ليس معناه عدم الإرادة فعلا ولا التعليق في نفس الإرادة ، بل المراد إرادة إيجاب شيء من المأمور على تقدير ، فالإرادة التشريعيـة هنا فعليـة ، لكن تعلّق بإيجاب شيء على تقدير ، ولذلك لاينتزع منه الوجوب الفعلي ، بل الوجوب على تقدير ، وهو يساوق الإنشائية .

وبالجملة : تعلّقت إرادة فعلية بالبعث على تقدير ، ففي مثله لاينتزع الوجوب الفعلي ، ففرق بين التقدير في الإرادة أو في إنشاء البعث بها .


(322)

وليعلم : أنّ قولنا بأنّ الإرادة التشريعية هنا فعلية وتعلّق مع فعليتها بإيجاب شيء على تقدير ، لا ينافي مع ما اخترناه ; من أنّ الإرادة والحكم في الواجب المشروط غير فعلي ; خلافاً لبعض محقّقي العصر .

وجه عدم المنافاة : هو أنّ المراد من فعلية الإرادة هو الإرادة التشريعية المتعلّقـة بإنشائها وتشريعها ، فهي فعليـة قطعاً ، ومـا هـو غير فعلي إنّما هـي الإرادة المتعلّقة بإيجـاده في الخارج فعلا ; ولـو قبل حصول شرطـه أو البعث الفعلي إليه كذلك .

الجهة الثالثة : في دفع بعض الإشكالات على مبنى المشهور

قد وقع الواجب المشروط على مبنى المشهور مورد النزاع والمناقشة ; فقبله قوم من المحقّقين . وناقش في صحّته آخرون بوجوه :

منها : ما أورده بعض أهل التحقيق ـ  واختار نفسه كما تقدّم : أنّ التكليف في الواجب المشروط فعلي قبل تحقّق شرطـه  ـ قائلا بأنّ الإنشاء المشروط ممّا يتوصّل به المولى إلى تحصيل المكلّف به ، والواجب المشروط على مبنى المشهور ليس بمراد للمولى قبل تحقّق شرطه ، فكيف يتصوّر أن يتوصّل العاقل إلى تحصيل ما لايريده فعلا ؟ فلابدّ أن يلتزم بوجود غرض نفسي في نفس الإنشاء(1) ، انتهى .

ولايخفى عليك ضعفه وغرابته ; لأ نّه لم يتوصّل بكلامه إلى طلب الإيجاد فعلا حتّى يقال : كيف يتوصّل بكلام إلى ما لايريد إيجاده فعلا ، بل توصّل به إلى المطلوب على تقدير حصول الشرط ، وكم فرق بينهما ؟ !


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 346 .


(323)

وبالجملة : أنّ الإنشاء وإن كان للتوصّل إلى المبعوث إليه لكن في الواجب المشروط يكون إنشاء الإيجاب على تقدير الاستطاعـة في الأمر بالحجّ ـ  مثلا  ـ إنّما هو لأجل التوصّل إلى إيجاده على هذا التقدير لا قبله .

وأ مّا الفائدة في هذا الإنشاء مع عدم فعلية الحكم فإنّما تسأل عنها في الخطابات الشخصيـة القائمة بمخاطب واحد ، وتصوّرها فيها بمكان من الإمكان ، لا في القوانين الكلّية المتعلّقة بكلّ مكلّف بخطاب واحد وجعل فارد ، وسيوافيك في محلّه بيان كيفية جعل القانون الكلّي(1) .

وحينئذ : فالمشرّع المقنّن لمّا رأى اختلاف المكلّفين بين واجد للشرط حين الخطاب وفاقد له لم ير بدّاً ومناصاً سوى الإنشاء على العناوين الكلّية على فرض تحقّق الشرط ; حتّى ينبعث من هو واجد وقت الخطاب ، وينتظر مَن هو فاقد .

أضف إلى ذلك : أنّ الإشكال ـ على فرض صحّته ـ مشترك الورود ; لأ نّه إن أراد من فعلية الحكم أ نّه يجب تحصيله فعلا ، وفي زمن صدور الخطاب ; وإن كان الشرط غير موجود فهو خارج من كونه مشروطاً ، وإن أراد أ نّه يجب تحصيله في ظرفه وبعد حصول شرطه فأيّ وجه لطلبه فعلا .

مع أ نّه لم يرد إيجاده في آن البعث ، فإن قال : إنّه لأجل الإعلان حتّى ينبعث في محلّه فنحن نقول مثله .

ومنها : أنّ وجوب المقدّمة قبل وجوب ذي المقدّمـة ممتنع ; لأنّ وجوبها ناش من وجوبه ، وعلى فرض التلازم بين الإرادتين تكون إرادة المقدّمـة ناشئة مـن إرادة ذيها ، ولو كانت المقدّمة واجبـة قبل وجـوب ذيها لزم وجـود المعلول


1 ـ يأتي في الصفحة 437 .


(324)

قبل وجود علّته ، أو وجود أحد المتلازمين قبل الآخر .

وبالجملة : المقدّمات المفوّتة غير واجبة قبل وجوب ذيها على مبنى المشهور ، مع أ نّه لايمكن تحصيلها بعد تحقّق ذيها ، والمكلّف في تركها ذو عذر وجيه ، ولا مناص على قولهم إلاّ القول بوجوبها التهيّئي أو التمسّك بإلزام العقل بتحصيلها ; وإن كانت غير واجبـة ; لأنّ الامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار ، والكـلّ كما ترى(1) .

وفيه : أنّ ذلك توهّم محض ، حصل من حديث نشوء إرادة من اُخرى ، وتولّد بعث من آخر ، وقد عرفت(2)  أنّ وجوب المقدّمة لايكون ناشئاً من وجوب ذيها ، ولا إرادتها من إرادته .

أ مّا الأوّل : فلعدم التلازم بين البعث إلى شيء والبعث إلى مقدّمته ، بل ربّما لايكون للمولى بعث إلى المقدّمات .

وأ مّا الثاني : فلما قدّمنا(3)  من أنّ الإرادة بقول مطلق إنّما تحصل عن مبادئها المحرّرة في محلّها ، ولايعقل بضرورة البرهان جواز كون إرادة مبدأ لوجود إرادة اُخرى . ومعنى كون هذه الإرادة غيرية هو أنّ الآمر لمّا رأى توقّف ما هو مطلوبه على شيء آخر فلا محالة يريد المتوقّف عليه لأجل حصوله .

وحينئذ لا مانع ـ لو لم نقل أ نّه المتعيّن ـ أن نختار أنّ المقدّمة واجبة بالوجوب الغيري ; وإن لم يكن هناك واجب نفسي ، وأ نّها مراده بالإرادة الغيرية ; لوجود ملاك المقدّمية فيها ; وإن لم تتحقّق الإرادة الفعلية النفسية بالنسبة إلى ذي


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 349 ، نهاية الأفكار 1 : 301 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 284 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 283 ـ 284 .


(325)

المقدّمة بنحو الإطلاق ، بل تتعلّق إرادة فعلية بالبعث على فرض ، كما تقدّم .

فمع عدم البعث الفعلي نحوذي المقدّمة تتعلّق الإرادة بمقدّمته على الملازمة بالمعنى الذي عرفته كراراً .

فلا تتوهّم المنافاة بين مـا ذكرنا هنا مـن أنّ الإرادة المتعلّقة بـذي المقدّمـة غيـر فعليـة ، وبين مـا تقدّم مـن أنّ الإرادة التشريعيـة في الواجب المشروط فعليـة ، فلاحظ(1)  .

والحاصل : أ نّه لا مانع عن القول بأنّ المقدّمة واجبة ومرادة دون ذيها ، وتوضيح ذلك : أنّ الملاك في إرادة المقدّمة هو علمه بتوقّف التوصّل إلى الواجب  عليها .

فحينئذ : إن كان ذو المقدّمة مراداً فعلياً ومبعوثاً إليه مطلقاً فلا محالة تتعلّق الإرادة الفعلية بما يراه مقدّمة ، بناءً على الملازمة ، وأ مّا إذا كان ذو المقدّمة غير مبعوث إليه فعلا ولكن المولى وقف على أنّ له مقدّمات لابدّ من إتيانها قبل حصول الشرط وإلاّ يفوت الواجب في محلّه بفوتها ، فعند ذلك تتعلّق إرادة آمرية على تحصيلها ; لأجل التوصّل بها إلى المطلوب بعد تحقّق شرطه .

فظهر : أ نّه على فرض الملازمة لامحيص عن تعلّق الإرادة بها .

وتوهّم : لزوم تحقّق المعلول قبل علّته ناش من تخيّل كون الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات ناشئة من إرادة ذيها ، أو كونهما متلازمين بالمعنى المصطلح ، وهما بمكان من الفساد .

فإن قلت : إنّ ذلك ينافي ما سبق في تحرير محطّ البحث من وجـود


1 ـ تقدّم في الصفحة 321 .


(326)

الملازمـة بين وجوبها ووجوب ذيها ، فحينئذ بعد التفكيك بينهما في المقام كيف يعقل الملازمة الفعلية بين موجود ـ أعني إرادة المقدّمة ـ ووجوبها ، وبين معدوم ـ  وهو إرادة ذيها  ـ ووجوبه .

قلت : ما حرّرناه في محطّ البحث حقّ لاسترة عليه ، إلاّ أنّ لزوم وجوبها لوجوب ذيها من قبيل اللازم الأعمّ لا المساوي ، فكلّما تحقّق وجوب ذيها تحقّق وجوبها ولا ينعكس ، بل ربّما يتحقّق وجوب المقدّمـة بملاك التوقّفية لما يريده بنحو الإطلاق عند حصول شرطه في المستقبل ; وإن لم يتحقّق في المقام وجوب ذيها بالفعل .

وخلاصة الكلام : أنّ ملاك تحقّق إرادة المقدّمة في الفاعل والآمر على وزان واحد ; وهو تشخيص توقّف متعلّق غرضه عليه ، فلو رأى الآمر أنّ له مطلوباً تامّاً في المستقبل وإن لم يكن له طلب بالفعل ; لعدم تحقّق شرطه ، ولكن يعلم أنّ الشرط سيحصل وله بعد حصوله غرض تامّ يفوت بترك الأمر بالمقدّمة في الحال ، فلا  محالة يريدها على الملازمة بالمعنى المتقدّم ، كما أنّ الفاعل يريدها ، ولكن ذلك لا لأجل الملازمة بين الإرادتين ; إذ كيف تصير الإرادة المعلّقة بشيء منشأ للإرادة المطلقة للمقدّمة ؟ بل انقداح الإرادة بملاك فوت الغرض لولا الإرادة على ما أثبته القائلون بوجوب المقدّمة في جميع الأبواب .

أضف إلى ذلك : أنّ هنا طريقاً آخر لحلّ الإشكال غير هذا المسلك ; وهو أنّ العاقل إذا وقف على مبدئية شيء لمطلوبه ; بحيث لايمكن الوصول إليه إلاّ به فلا محالة يستقلّ عقله بلزوم إتيانه للغير ، لا لمصلحة في نفسه وإن لم يأمر به المولى .

فلو علم المكلّف أنّ المولى قال «أكرم صديقي إذا جاءك» ، وتوقّف إكرامه


(327)

على مقدّمات قبل مجيئه يحكم عقله بإتيانها لتحصيل غرضه ، بل لو كان المولى غافلا عن مجيء الصديق ، لكن العبد واقف عليه وعلى غرض المولى بإكرامه على تقديره يجب على العبد بحكم عقله تهيئة المقدّمات ; حفظاً لغرضه .

ثمّ إنّه لو سلّم كـون الإرادة في الواجب فعلياً قبل حصول شرطـه ، وأنّ الحكم عبارة عن الإرادة المظهرة كان الإشكال أيضاً باقياً غير مندفع ـ وإن زعم بعض أهل التحقيق أنّ الإشكال يندفع به ـ لأنّ الإرادة المتعلّقة بشيء كما أ نّها لا  تؤثّر في البعث نحو ذيها ـ للاشتراط بالنحو الذي التزمـه ; لأنّ الشرط غير حاصل ـ كذلك لايمكن أن تؤثّر في البعث نحو مقدّماته . ومجـرّد وجود الإرادة الفعلية كذلك لايكفي في البعث نحو المقدّمات مطلقاً ، فالإشكال مشترك الورود بينه وبين المشهور .

وإن شئت قلت : لو سلّمنا صحّة ما ذهب إليه من حصول الإرادة في الواجب المشروط قبل حصول شرطه لكن يبقى الإشكال بحاله أيضاً ; لأنّ ظواهر كلماته ـ  كغيره  ـ هو القول بنشوء إحداهما عن الاُخرى على نحو العلّية في الإيجاد ، ومن المعلوم : أنّ المعلول يتبع علّته في السعة والضيق ; لكونه من شؤونها ، فلو فرضنا أنّ الإرادة لا يمكن لها التأثير بالبعث فعلا نحو المراد وذي المقدّمة فكيف لا يمكن نشوء إرادة منها إلى المقدّمات ، على خلاف علّتها ومنشئها ؟


(328)

الواجب المعلّق والمنجّز

ومن تقسيمات الواجب تقسيمه إلى المعلّق والمنجّز ، هذا التقسيم صدر عن صاحب «الفصول» لدفع الإشكال في المقدّمات المفوّتة التي سبق البحث عنها آنفاً ; حيث قال : إنّ الوجوب إذا تعلّق بالمكلّف به ولم يتوقّف على أمر غير مقدور ـ  كالمعرفة ـ يسمّى منجّزاً ، وما تعلّق وتوقّف حصوله في الخارج على أمر غير مقدور ـ كالوقت في الحجّ ـ يسمّى معلّقاً(1) ، انتهى .

والظاهر : أ نّه لا إشكال في إمكانه ووقوعه في أوامر الموالي العرفية ، ولكن استشكل عليه باُمور لا طائل تحتها ، عدا ما حكاه المحقّق الخراساني(2)  عن بعض أهل النظر(3) ، وأوضحه وفصّله بعض الأعيان من المحقّقين في تعليقته الشريفة .

إشكال المحقّق النهاوندي على الواجب المعلّق وتزييفه

وحاصله : أنّ النفس في وحدتها كلّ القوى ، وفي كلّ مرتبة عينها ، فإذا أدركت في مرتبة العاقلة فائدة الفعل تجد في مرتبة القوّة الشوقية شوقاً إليه ، وإذا لم تجد مزاحماً تخرج منها إلى حدّ الكمال الذي يعبّر عنه بالقصد والإرادة ، وينبعث منها هيجان في القوّة العاملة ويحرّك العضلات .

ومن الواضح : أنّ الشوق وإن أمكن تعلّقه بأمر استقبالي إلاّ أنّ الإرادة


1 ـ الفصول الغروية : 79 / السطر36 .
2 ـ كفاية الاُصول : 128 .
3 ـ تشريح الاُصول : 191 / السطر21 .


(329)

لايمكن تعلّقها بأمر استقبالي ، وإلاّ يلزم تفكيك العلّة التامّة عن معلولها ; أعني انبعاث القوّة العاملة المنبثّة في العضلات .

وأ مّا الشوق المتعلّق بالمقدّمات بما هي مقدّمات فإنّما يحصل من الشوق إلى ذيها ، لكنّه فيها يحصل إلى حدّ الباعثية ; لعدم المزاحمة ، دون ذي المقدّمة ، فإنّه فيه يبقى بحاله إلى أن يرفع المانع .

وأ مّا الإرادة التشريعية فإنّ الشوق المتعلّق بفعل الغير إذا بلغ مبلغاً ينبعث منه الشوق نحو البعث الفعلي كان إرادة تشريعية .

ومن الواضح : أنّ جعل الداعي ليس ما يوجب الدعوة على أيّ حال ، بل جعل ما يمكن أن يكون داعياً عند انقياده ، وعليه لايعقل البعث نحو أمر استقبالي ; إذ لو فرض حصول جميع مقدّماته وانقياد المكلّف لأمر المولى لما أمكن انبعاثه نحوه بهذا البعث ، فليس ما سمّيناه بعثاً في الحقيقة بعثاً ; ولو إمكاناً(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه أ مّا أوّلا : فإنّ مبدئية الشوق للإرادة ليست دائمية ـ وإن كانت غالبية  ـ وقد فصّلنا القول وأوضحنا حاله في «رسالة الطلب والإرادة»(2) ، ونزيد هنا بياناً ; وهو أ نّك ترى بعين الوجدان أنّ الشخص ربّما يريد أمراً لأجل التخويف والإيعاد الذي يجرّه إليه بلا شوق منه إلى العمل ، وقد يشرب الدواء البشيع لتشخيص صلاح فيه مع الانزجار الشديد ، وربّما يترك شرب الماء البارد مع شدّة عطشه ; تسليماً لحكم العقل بأ نّه مضرّ عند العرق أو لمرض الاستسقاء .


1 ـ نهاية الدراية 2 : 73 .
2 ـ الطلب والإرادة ، الإمام الخميني(قدس سره) : 22 ـ 23 .


(330)

أضف إليه : أنّ القول بأنّ الشوق شيئاً فشيئاً يصير إرادة(1)  يوهم خلاف التحقيق ; إذ الإرادة فينا ليست شوقاً مؤكّداً ; فإنّ الشوق يشبه أن يكون من مقولة الانفعال ; إذ النفس بعد الجزم بالفائدة تجد في ذاتها ميلا وحبّاً إليه ، فلا محالة تنفعل عنه . ولكنّ الإرادة ـ التي هي عبارة عن إجماع النفس وتجمّعها وتصميم الجزم  ـ من صفاتها الفعّالة ، ولايعقل أن يصير ما هو من مقولة الانفعال باعثاً ; وإن بلغ ما بلغ في الشدّة .

وثانياً : أنّ ما ذكره ـ قدس سره ـ من أنّ حصول الإرادة يستلزم تحريك العضلات دائماً غير تامّ ; إذ الإرادة تتشخّص بالمراد الذي هو متعلّقها ; إذ لايمكن أن تتحقّق الإرادة بلا متعلّقها ، فحينئذ تعدّد المراد في الخارج حقيقة يستلزم تعدّد الإرادة ; فإنّ الشيئين بنحو الاستقلال لا يعقل أن يتعلّق بهما إرادة واحدة بنعت الوحدة ، كما أنّ الشيء الواحد لايمكن أن يتعلّق به إرادتان مستقلّتان ما لم يتطرّق رائحة الكثرة والتعدّد في ناحية المراد .

وعليه نقول : إنّ في الأفعال الصادرة بمباشرة العضلات مطلوبين مستقلّين ومرادين بنحو التعدّد ، لايختلط ذات أحدهما وإرادته بذات الآخر وإرادته :

أحدهما هو إيجاد المطلوب الذي هو مراد بالذات ، وثانيهما هو تحريك العضلات الذي هو مطلوب ومراد بالتبع ; لأجل التوصّل به إلى غيره ، لا مراد بالذات ; فإنّ الإرادة عند تمامية مبادئها تتعلّق بالذات بنفس حصول المراد ، كرفع العطش أو شرب الماء ، ثمّ تحدث إرادة ثانية لتحريك العضلات نحو الفعل الخارجي الذي هو المحصّل لغرضه .


1 ـ نهاية الدراية 2 : 76 .


(331)

هذا ، ولو أنكرنا الإرادة الثانية لما يصدق على الصادر منّا أ نّه فعل اختياري .

وما أفاده : من أنّ الإرادة لاتنفكّ عن المراد لاينطبق إلاّ على الثانية من الإرادتين مع تعلّقها بتحريكها فعلا .

ولا تتوهّم من ذلك : أنّ هذا تخصيص في القاعدة العقلية ، بل وجه عدم الانفكاك هنا دون غيره هو أنّ بروز الإرادة في النفس لتحريكها فعلا إنّما يكشف عن عدم المزاحم في تحريك العضلات بالفعل ، ولكن الإرادة المتعلّقة بالمراد بالذات هي تابعة لكيفية تعلّقها بالمراد .

فإن تعلّقت بإيجادها فوراً فلا محالة تحصل هنا إرادة اُخرى لتحريك العضلات فعلا ، وإن تعلّقت بإيجاد أمر في المستقبل لا تتعلّق الإرادة بتحريك العضلات في الحال ، بل لو فرضنا بقاء الإرادة الاُولى إلى زمان العمل تتعلّق إرادة اُخرى بتحريك العضلات ; لمكان توقّف الإيجاد عليه .

وما ربّما يتوهّم : من أنّ الإرادة الواحدة ـ أعني إرادة الإيجاد ـ محرّكة لها أيضاً مردود ; فإنّ النفس ترى توقّف الشرب على تحريك العضلات ، فلا محالة تريد حركتها مستقلاّ لأجل التوصّل إلى مطلوبه .

فتلخّص : أنّ الإرادة المتعلّقة بتحريك العضلات غير الإرادة المتعلّقة بإيجاد المطلوب وأ نّه لا تلازم بين إرادة المطلوب وتحريك العضلات .

بحث وتفصيل : غاية ما يمكن أن يقال في بيان كون الإرادة علّة تامّة لحركة العضلات : هي أنّ القوى العاملة للنفس وآلاتها المنبثّة فيها لمّا كانت تحت سلطان النفس وقدرتها ، بل هي من مراتبها النازلة وشؤونها الذاتية . وحينئذ لايمكن لها التعصّي عن إرادتها ، فإذا أراد قبضها انقبضت أو بسطها انبسطت ، من غير تعصّ ولا  تأبّ وهذا أمر وجداني وبرهاني .


(332)

هذا ، ولكنّه لا يثبت ما ادّعاه القائل ; لأنّ كون القوى تحت إرادة النفس وإطاعتها لايثبت سوى أنّ النفس إذا أرادت تحريكها في الحال تحرّكت الأعضاء ، ونحن لاننكره ، وهو غير القول بأنّ الإرادة لا تتعلّق بأمر استقبالي .

بل أقول بلحن صريح : إنّ ما اشتهر بين الأعاظم ـ ومنهم شيخنا العلاّمة ـ قدس سره ـ  ـ أنّ الإرادة علّة تامّة للتحريك ، ولا يمكن تخلّفها عن المراد ، وأ نّها العلّة التامّة أو الجزء الأخير منها(1)  ممّا لم يقم عليه برهان ; وإن أخذه القوم أصلا موضوعياً ، ونسجوا على منواله ما نسجوا . وكيف ، وقد عرفت قيام البرهان على خلافه وقضاء الوجدان على مقابله ؟ !

وإن كنت في ريب فاستوضح من مكان آخر ، وهو أنّ إرادة الله تعالى قد تعلّقت أزلا بإيجاد مالايزال من الحوادث على الترتيب السببي والمسبّبي ، من غير وصمة الحدوث وتطرّق التجدّد في ذاته وإرادته تعالى ، كما برهن عليه في محلّـه(2) . ولا يمكن أن يقال في حقّـه سبحانه : «كان له الشوق ، ثمّ صار إرادة ، وبلغ حدّ النصاب» .

وما قرع سمعك أنّ الإرادة فيه تعالى هو العلم بالنظام الأصلح يحتاج إلى التوضيح المقرّر في محلّه(3) ، ومجمله : أ نّه إن اُريد به اتّحاد صفاته تعالى فهو حقّ ، وبهذا النظر كلّها يرجع إلى الوجود الصرف التامّ وفوق التمام ، وإن اُريد نفي صفة الإرادة فهو إلحاد في أسمائه تعالى ، بل مستلزم لتصوّر ما هو أتمّ منه ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .


1 ـ غرر العوائد من درر الفوائد : 34 .
2 ـ راجع الحكمة المتعالية 6 : 334 و 7 : 282 .
3 ـ نفس المصدر 6 : 316 و 332 .


(333)

أضف إليه : أنّ وجدانك أصدق شاهد على أنّ الإنسان يجد في نفسه ثلاث حالات : تارة يشتاق الأمر الاستقبالي كمال الاشتياق لكن لايريده ، ولايكون عازماً لإتيانه . واُخرى يريده ويقصده من غير اشتياق ، بل مع كمال الكراهة . وثالثة يريده مع الاشتياق والحبّ والميل ; ولأجل ذلك يتصدّى لتهيئة المقدّمات في الأخيرين ، دون الأوّل .

وبذلك يظهر : أنّ ما ادّعاه كلّياً ; من أنّ الاشتياق يتعلّق بالمقدّمة من قبل ذيها ليس بصحيح ; لما تقدّم أنّ الشوق إلى الفعل ليس من مبادئ الإرادة ، بل ربّما يريده لامع الشوق ، كما يرضى بقطع اليد عند فساده مع الكراهة التامّة .

هذا حال الإرادة التكوينية .

وأ مّا الإرادة التشريعية فإمكان تعلّقها بأمر استقبالي أوضح من أن يخفى .

وما ذكره من عدم تعلّق البعث نحو أمر استقبالي ; إذ لو فرض حصول مقدّماته لما أمكن انبعاثه نحوه بهذا البعث ، ففيه أنّ انبعاث العبد تابع لكيفية البعث ; فلو بعثه إلى إيجاده فعلا فلا محالة يقع الانبعاث كذلك بعد حصول مبادئ الامتثال في نفسه .

وأ مّا إذا بعثه فعلا إلى أمر استقبالي ـ بمعنى طلب إيجاده في ذلك الوقت  ـ فليس له الانبعاث إلاّ في ذلك الوقت ، لابعده ولا قبله . وعدم انبعاثه حال البعث مع فرض حصول المقدّمات للانبعاث غير مضرّ ; لأنّ المولى لم يبعثه إلى الإيجاد حال البعث حتّى يضرّ تخلّفه عن البعث ، بل في وقت مضروب .

وأ مّا الوجه في تقديم البعث على وقت المبعوث إليه فلأجل احتمال حدوث المانع في وقته ، كما في الأوامر الشخصية . وأ مّا الخطابات العامّة فقد عرفت أ نّه الطريق الوحيد في القوانين الكلّية .


(334)

إنكار المحقّق النائيني الواجب المعلّق وردّه

وهم ودفع : أ مّا الأوّل فهو ما أورده بعض الأعاظم ـ على ما في تقريراته  ـ وعليه بنى بطلان الواجب المعلّق فيما إذا كان القيد أمراً غير مقدور ، وحاصله : أنّ التكليف في القضايا الحقيقية لابدّ وأن يكون مشروطاً بالنسبة إلى جميع القيود المعتبرة في الموضوع ، من غير فرق في ذلك بين الزمان وغيره .

مضافاً إلى أنّ الزمان من الاُمور غير الاختيارية ، فلابدّ من أخذه مفروض الوجود ، وإلاّ يلزم تكليف العاجز . وحينئذ كيف يمكن القول بأنّ التكليف بالنسبة إلى سائر القيود يكون مشروطاً ، وبالنسبة إلى خصوص الوقت مطلقاً ؟ وأيّ خصوصية في الوقت ; حيث تقدّم الوجوب عليه دون سائر القيود ، مع اشتراك الكلّ في أخذه قيداً للموضوع ؟

وليت شعري أيّ فرق بين الاستطاعة في الحجّ والوقت في الصوم ، بل الأمر في الوقت أوضح ; لأ نّه لايمكن إلاّ أخذه مفروض الوجود ; لعدم تعلّق القدرة عليه ، ولايمكن أن تتعلّق إرادة الفاعل به ; لكونه أمراً غير اختياري .

والحاصل : أنّ مبنى الإنكار هو أنّ كلّ قيد غير اختياري لابدّ أن يؤخذ مفروض الوجود ، ومعه لايمكن تقدّم الوجوب عليه ; لأ نّه يلزم الخلف(1) ، انتهى .

قلت : إنّ ما ذكره مبني على ما أخذه قاعدة كلّية في باب الشروط من أنّ الشروط كلّها من قيود الموضوع ، كما ربّما يكرّر في كلامه : أنّ الموضوع لوجوب الحجّ هو العاقل البالغ المستطيع(2) ، مع أ نّـه غير واضح ; إذ القيود بحسب نفس


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 186 ـ 187 .
2 ـ نفس المصدر 1 : 339 و 457 ، 4 : 388 و 389 .


(335)

الأمر مختلف ، لايعقل إرجاع واحد منها إلى آخر ; فإنّ القيود المحصّلة لغرض المولى على نحو لولاها لما اتّصف بالمحبوبية ـ كما مرّ في نحو الصلاة في المسجد(1) ـ لا معنى لإرجاعها إلى الموضوع ، بل هي من قيود المتعلّق ; فإنّ الطبيعة المطلقة ليست مطلوبة حتّى تقع تحت دائرة الطلب .

كما أنّ القيود التي لا تنقدح الإرادة إلاّ عند وجودها ـ وإن كانت الطبيعة وافية للغرض ـ من قيود الهيئة أو الموضوع على اصطلاحه، لا من قيود المتعلّق ; إذ المفروض أ نّه لا دخل له في اتّصاف الموضوع بالمصلحة ، بل له دخل في ظهور الإرادة وانقداحها وتعلّق البعث ، كنزول الضيف على المولى ، على ما تقدّم توضيحه(2) .

فحينئذ سؤال الفرق بين الاستطاعة والزمان ـ على فرض كونه دخيلا في تحصيل الغرض واتّصافه بالصلاح ـ عجيب جدّاً ; إذ الاستطاعة من شرائط انقداح الإرادة ، فلا تقع تحت الطلب ، دون الثاني .

وظنّي : أنّ الذي أوقعه في الاشتباه هو تخيّل أنّ الأمر بالمقيّد أمر بنفس القيد ، فتخيّل : أنّ الشيء الخارج عن تحت الاختيار والحاصل بنفسه ـ كالوقت ـ كيف يكون واجباً ويقع تحت البعث(3) ؟

وقد مرّ : أنّ الأمر بالمقيّد ليس أمراً بنفس القيد ، وإلاّ لم يبق فرق بين الجزء والشرط ، بل أمر بالتقيّد ، وقد تقدّم أنّ البعث إلى الشيء لايتجاوز عمّا تعلّق به ، وذات القيد خارج والتقيّد داخل .


1 ـ تقدّم في الصفحة 313 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 314 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 183 .


(336)

وإيجاد القيد وإن كان أمراً غير اختياري ـ كالزمان والسماء ـ إلاّ أنّ إيجاد الصلاة تحت السماء مقدور ، وإتيانها في وقته المزبور ـ لا قبله ولا بعده ـ أمر ممكن . فلو فرضنا أنّ القيد سيوجد في ظرفه أو يمكن له الإيجاد في وعائه يصير الواجب بالنسبة إليه مطلقاً ، لا مشروطاً .

فاتّضح صحّة تقسيم الواجب المطلق إلى المعلّق والمنجّز ; وإن كان عادم الثمرة بالنسبة إلى المقدّمات المفوّتة التي أثبتنا وجوبها ، فراجع .

تتمّـة
في حكم تردّد القيد بين رجوعه إلى المادّة أو الهيئة

قد عرفت اختلاف حال القيود في الرجوع إلى الهيئة أو المادّة بحسب نفس الأمر ; فإن علم واحد من الأمرين يعمل على طبقه ، وأ مّا إذا دار الأمر بين رجوعه إلى الهيئة أو المادّة فمع اتّصاله بالكلام لا إشكال في صيرورة الكلام مجملا ، مع عدم وجود ظهور لغوي أو انصراف أو قرينة يعيّن المراد .

وأ مّا مع انفصاله فربّما يقال ـ كما عن المحقّق صاحب «الحاشية»(1) ـ بأنّ الرجوع إلى الهيئة مستلزم لرجوعه إلى المادّة دون العكس ، فدار الأمر بين تقييد وتقييدين .

وفيه : أنّ اختلاف حال القيود بحسب نفس الأمر ـ بحيث لايرجع أحدهما إلى الآخر أصلا ـ يوجب ضعف ما زعم من الملازمة .


1 ـ اُنظـر بدائـع الأفكـار (تقريرات المحقّـق العراقي) الآمـلي 1 : 365 ، هدايـة المسترشدين : 2 : 98 .


(337)

بيان الشيخ الأعظم لترجيح رجوع القيد إلى المادّة

نعم ، نقل عن الشيخ الأعظم هنا وجهان لترجيح إرجاعه إلى المادّة ، وإليك  البيان :

الأوّل : أنّ إطلاق الهيئة شمولي كالعامّ وإطلاق المادّة بدلي ، وتقييد الثاني أولى(1) . وقرّر وجه الأولوية بعض الأعاظم بأنّ تقديم الإطلاق البدلي يقتضي رفع اليد عن الإطلاق الشمولي في بعض مدلوله ، بخلاف تقديم الشمولي ; فإنّه لايقتضي رفع اليد عن الإطلاق البدلي ; فإنّ المفروض أ نّه الواحد على البدل ، وهو محفوظ . غاية الأمر : أنّ دائرته كانت وسيعة ، فصارت ضيّقه .

وببيان آخر : أنّ البدلي يحتاج ـ زائداً على كون المولى في مقام البيان ـ إلى إحراز تساوي الأفراد في الوفاء بالغرض حتّى يحكم العقل بالتخيير ، بخلاف الإطلاق الشمولي ; فإنّه لايحتاج إلى أزيد من ورود النهي على الطبيعة غير المقيّدة ، فيسري الحكم إلى الأفراد قهراً . فمع الإطلاق الشمولي لايحرز تساوي الأفراد ، فيكون الشمولي حاكماً على البدلي(2) ، انتهى ملخّصاً .

قلت : سيوافيك في مبحث المطلق والمقيّد أنّ تقسيم الإطلاق إلى الشمولي والبدلي غير صحيح ; لأنّ دلالة المطلق على الإطلاق ليس دلالة لفظية بل دلالة عقلية ، بخلاف العامّ ; فإنّ دلالته على العموم لفظية لاعقلية . فالعامّ يكون شمولياً وبدلياً ، لا المطلق وإطلاقه .


1 ـ مطارح الأنظار : 49 / السطر 19 .
2 ـ أجود التقريرات 1 : 161 ـ 162 .


(338)

وتوضيحه حسب ما يناسب المقام : أ نّك قد عرفت أنّ اللفظ إذا وضع لمعنى لا يدلّ إلاّ على نفس ما وضع له ، ولا يمكن التجاوز به عنه إلى غيره ، فلو كان اللفظ موضوعاً للطبيعة لايعقل ـ حينئذ ـ دلالته على الخصوصيات والأفراد والحالات ، بل لابدّ في الدلالة عليها من دالّ لفظي آخر .

وأ مّا الإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمة فليس دليلا لفظياً ، بل دليل عقلي ، وهو لايجعل غير الدالّ دالاّ وغير الحاكي حاكياً ; لأنّ معنى الإطلاق هو أنّ ما وقع تحت دائرة الحكم تمام الموضوع للحكم ، من غير دخالة قيد أو شرط .

وعليه فالدالّ على ذلك هو العقل ; حيث يستكشف من عدم ذكر القيد في الكلام ـ  مع كونه في مقام البيان  ـ أنّ تمام الموضوع هو ما وقع تحت دائرة الحكم .

يرشدك إلى هذا الإطلاق الموجود في كلام ربّ العزّة (أَحَلَّ اللهُ البَيْعَ) ; حيث يدلّ على أنّ تمام الموضوع للحلّية هو نفس طبيعة البيع لا أفرادها ، كما أنّ معنى الإطلاق في قول القائل «أكرم عالماً» هو أنّ تمام الموضوع لوجوب الإكرام هو العالم فقط ، لا هو مع قيد آخر .

وبالجملة : الذي يستفاد من الإطلاق ليس إلاّ كون الواقع موضوعاً للحكم تمام العلّة لثبوته ، وأ مّا الشمول والبدلية بمعنى كون الحكم شاملا لجميع الأفراد أو فرد منها ، أو بمعنى أنّ الطلب هل يسقط بإيجاد فرد منها أو بإيجاد كلّها فغير مربوط بالإطلاق ، بل لابدّ في استفادة أيّ واحد من الشمول والبدل من التماس دليل آخر غير الإطلاق .

فظهر ممّا ذكرناه : أنّ تقسيمه إلى الشمولي والبدلي باطل من رأسه ، فلا وجود لهما في الإطلاق حتّى نبحث عن وجود المرجّحات .

نعم ، لو جعلا من أقسام العموم الذي يدور دلالته مدار اللفظ لكان لهذا


(339)

التقسيم معنى محصّل ; لأنّ الدالّ على العموم الشمولي في الألفاظ هو لفظ «كلّ» و«اللام» وما أشبههما ، وما يدلّ على العموم البدلي هو «أيّ» الاستفهامية وغيره .

وقس عليه قولنا «أكرم عالماً» فالدالّ على وجوب واحد غير معيّن من الأفراد هو «التنوين» ، كما أنّ الدالّ على إجزاء كلّ واحد من الأفراد وتساويها في الحكم ، وأنّ الفقاهة ـ مثلا ـ لا خصوصية لها هو الإطلاق .

فتلخّص : أنّ ما يستفاد من دوالّ آخر لايجوز أن يجعل من مداليل الإطلاق . وظهر أنّ معنى الإطلاق في قوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ البَيْعَ) هو كون البيع وحده ـ  لا  مع قيد آخر ـ تمام الموضوع فقط ، وأ مّا الشمول لو ثبت فيه فيحتاج إلى دالّ آخر غير الإطلاق . وقس عليه باب النواهي مميّزاً مدلول الإطلاق عن مدلول غيره .

ثمّ إنّه لو سلّمنا وجود البدلي والشمولي في الإطلاق ، لكن لا وجه لتقديم أحدهما على الآخر .

وما تقدّم عن بعض الأعاظم من أنّ تقييد الشمولي تصرّف في الدليل دون البدلي ، فإنّه باق على مفاده ; وإن رجع إليه القيد ، غاية الأمر : صارت دائرته مضيّقة ، من غرائب الكلام ; فإنّ التضييق لايصار إليها إلاّ بعد التقييد ، وهو عين التصرّف في الدليل المساوق مع رفع اليد عنه .

وبالجملة : إرجاع القيد إلى كلّ واحد يستلزم التصرّف فيه ـ ولو بالتضييق ـ ومعه كيف يصحّ أن يقال بأ نّه لو رجع إلى المادّة لايرفع اليد عن الدليل ؟

وأغرب منه ما ادّعاه ثانياً في ترجيح التقييد البدلي من أ نّه يحتاج إلى أمر زائد على مقدّمات الحكمة لإثبات تساوي الأفراد بخلاف الشمولي ; فإنّ نفس تعلّق النهي يكفي في السراية .

قلت : وفي كلا الادّعائين نظر ـ لو لم نقل : إنّ الأمر على عكسه ـ فإنّ


(340)

تساوي الأفراد في موضوعيتها للحكم إنّما يستفاد من نفس الإطلاق ، لا بمعنى كون الأفراد موضوعاً له ، بل إنّ الإطلاق يفيد كون العالم في «أكرم عالماً» تمام الموضوع ، وليس لشيء آخر دخل فيه ، وهو عين تساوي الأفراد في الحكم ; لكون تمام الموضوع متحقّقاً في كلّ واحد .

فنفس تعلّق الحكم كاف في إثبات الإطلاق البدلي ، ولكن نفس تعلّق الحكم لايكفي في السراية والشمول ; ولو بعد مقدّمات الحكمة ، فإنّ الظاهر أنّ المراد من السراية هو سراية الحكم إلى الأفراد بخصوصياتها ، والمفروض أنّ الحكم لايتجاوز عن موضوعه الذي هو نفس الطبيعة لا الأفراد ، إلاّ أن يكون الموضوع لفظ «كلّ» و«لام» التعريف .

فبان : أنّ ما يثبت بإطلاق كون الطبيعة تمام الموضوع ، وأ مّا أنّ الحكم لكلّ واحد بنحو الشمول فيحتاج إلى دليل آخر غير الإطلاق .

هذا كلّه في البدلي والشمولي في غير المقام .

وأ مّا في المقام : فلا نتصوّر لهما معنى محصّلا ، فلو فرضنا أنّ إطلاق الهيئة شمولي والمادّة بدلي ، ولكن الشمول في الهيئة يوجب كون إطلاق المادّة شمولياً أيضاً ; لأنّ معنى الشمول في الهيئة هو البعث على كلّ تقدير ، وتعلّق الإرادة على كلّ فرض ، وبعبارة ثانية : البعث على جميع التقادير ; بحيث يكون في كلّ تقدير إيجاب ووجوب ، ومعه كيف يمكن أن يكون إطلاق المادّة بدلياً ؟ إذ كيف تتعلّق إرادات وإيجابات في عرض واحد على فرد ما ؟

والحاصل : أ نّه يستكشف من تنظير المقام بالعامّ أنّ معنى الشمول هو البعث على كلّ التقادير ، ومعه لايحتفظ بدلية المادّة ; لعدم إمكان تعلّق الإرادات بنحو العرضية على فرد ما ، بلا تكثّر في المتعلّق .


(341)

فإن قلت : إنّ معنى الشمولي هو أنّ البعث واحد غير مقيّد ، والمراد من وجوبه على كلّ تقدير أ نّه لايتعلّق الوجوب بتقدير خاصّ ، لا أنّ لكلّ عدد من التقادير بعث خاصّ .

قلت : إنّ هذا رجوع عن الإطلاق الشمولي ; فإنّ المادّة أيضاً بهذا المعنى لها إطلاق شمولي .

ولعمر الحقّ ! أ نّك إذا تأمّلت فيما ذكرنا وفيما سيوافيك توضيحه في محلّـه ، لعلمت : أنّ الإطلاق الشمولي والبدلي ممّا لا محصّل لهما ، ولو فرض لهما معنى معقول ففيما نحن فيه غير معقول ، ومع فرض تعقّلهما لا وجه لتقديم أحدهما على الآخر عند التقييد .

الوجه الثاني : أنّ تقييد الهيئة يوجب بطلان محلّ الإطلاق في المادّة ; لأ نّها ـ  لا محالة ـ لا تنفكّ عن وجود قيد الهيئة بخلاف تقييد المادّة ; فإنّ محلّ الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله ، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد وعدمه ، وكلّما دار الأمـر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذي لايوجب بطلان الآخـر أولى(1) .

وفيه : أ نّك بعد ما عرفت أنّ القيود بحسب الواقع مختلفة بالذات لايختلف ولايختلط بعضها ببعض فحينئذ إن أراد من قوله إنّ إرجاعه إلى الهيئة يوجب إبطال محلّ الإطلاق في المادّة ، أنّ القيد بحسب نفس الأمر يرجع إلى المادّة فقد عرفت بطلانه ، وأنّ التميّز بين القيدين واقعي لا اعتباري .

وإن أراد أنّ تقييد الهيئة يوجب نحو تضييق في صاحبتها وإبطالا لمحلّ


1 ـ مطارح الأنظار : 49 / السطر22 ـ 31 .


(342)

إطلاقها ـ كما هو ظاهره ـ ففيه أنّ العكس أيضاً كذلك ، فإنّه إذا قلنا «أكرم زيداً إن جاءك» وفرضنا أنّ القيد راجع إلى البعث فكما أنّ الهيئة مقيّدة دون المادّة ـ  أي يجب على فرض مجيئه نفس طبيعة الإكرام بلا قيد ـ لكن يوجب ذلك تضييقاً قهرياً في نفس الإكرام أيضاً ، لا بمعنى التقييد ، بل بمعنى إبطال محلّ الإطلاق فيها ، فكذلك إذا ورد القيد على المادّة فقط فإنّ الهيئة ـ حينئذ ـ تتضيق قهراً ولا تدعوا إلاّ إلى المقيّد .

وإن شئت فاستوضح ذلك بمثالين فيما إذا قلنا «أكرم زيداً» وما إذا قلنا «أكرم زيداً ، إكراماً مقيّداً بمجيئه» ، فإنّا نجد مع كون البعث في الثاني أيضاً مطلقاً ـ  ولو من جهة تحقّق المجيء ولا تحقّقه كالمثال الأوّل ـ إلاّ أنّ دائرة الطلب في الأوّل أوسع من الثاني ; لأ نّه يدعوا إلى نفس الإكرام ـ قارن بالمجيء أو لا ـ وذاك لا يدعوا إلاّ إلى المقيّد من الإكرام دون مطلقه ، وهذا معنى التضييق في الهيئة إذا رجع إلى المادّة ، كما عرفت عكسه .

وبذلك يظهر ما في قوله ـ في بيان بقاء محلّ الإطلاق في طرف الهيئة ـ من إمكان الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد وعدمه ; وذلك لأنّ الحكم في الواجب المعلّق وإن كان مطلقاً من حيث تحقّق القيد وعدمه إلاّ أ نّه لايبعث إلاّ إلى ناحية المقيّد ولا يحرّك إلى غير المقيّد ، وهذا الضيق مكتسب من جانب مادّتها المقيّدة . فحينئذ هي بالنسبة إلى غير محلّ القيد يبطل محلّ إطلاقها ; وإن لم تصر مقيّدة ، ولا منافاة بين عدم بعثه إلى غير المقيّد وبعثه قبل وجوده .

فتلخّص : أ نّه لا فرق بين تقييد المادّة والهيئة ; لا من جهة أنّ تقييد كلّ لايوجب تقييد الآخر ، ولا من جهة أنّ تقييده يوجب إبطال محلّ إطلاقه .


(343)

وما في تقريرات بعض أهل التحقيق من أنّ تقييد المادّة معلوم تفصيلا ; لأ نّها إمّا مقيّدة ذاتاً أو تبعاً ، وتقييد الهيئة مشكوك فيه ; فيصحّ التمسّك بإطلاقها لرفع الشكّ(1) ، غير واضح المراد ; لأنّ المادّة كيف يكون تقييدها متيقّناً ; وقد تقدّم أنّ إرجاع القيد إلى الهيئة لايوجب تقييد المادّة ـ ولو تبعاً ـ وإن كان يوجب بطلان محلّ الإطلاق فيها . وكم فرق بين التقييد وإبطال محلّ الإطلاق ؟

ثمّ أيّ دليل ـ بعد تسليمه في المقام ـ على الترجيح المذكور ؟ فتدبّر في أطراف ما ذكرنا .

الواجب النفسي والغيري

من تقسيمات الواجب تقسيمه إلى واجب نفسي وغيري ، الظاهر : أنّ تقسيم الواجب إلى الأقسام ليس باعتبار الإرادة أو الغرض ; لأ نّهما خارجان من اعتبار الوجوب والواجب ; لما عرفت(2)  من أنّ الحكم ليس هو نفس الإرادة أو هي بانضمام الإظهار ، بل أمر اعتباري عقلائي ينتزع عن نفس البعث .

بل التقسيم باعتبار البعث والوجوب ، فحينئذ يصحّ ما يدور في الألسن من «أنّ النفسي ما اُمر به لنفسه ، والغيري ما اُمر به لغيره» ; وإن كان الأظهر تعريفهما بـ «أنّ البعث إذا تعلّق بشيء لأجل التوصّل إلى مبعوث إليه فوقه فهو غيري ، و إن تعلّق به من غير أن يكون فوقه مبعوث إليه فهو نفسي» .

وبما ذكرنا يندفع ما ربّما يورد على تعريف المشهور من استلزامه كون


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 366 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 319 .


(344)

الواجبات كلّها غيرياً ; لأ نّه قد اُمر بها لأجل مصالح تترتّب عليها خارجاً(1) ; لأ نّك قد عرفت : أنّ التقسيم ليس باعتبار الإرادة في كلّ من الفاعل والآمر ، ولا باعتبار الأغراض المتصاعدة إلى أن تبلغ إلى ما هو المقصود بالذات ، بل بالنظر إلى نفس الحكم الاعتباري ، باعتبار كون صدوره لأجل خطاب فوقه ، أو لا .

نعم ، يمكن تقسيمه باعتبار الإرادة إلى نفسي وغيري أيضاً ، فنقول : «النفسي ما تعلّقت به إرادة الإيجاد لأجل نفسه ، أو لأجل ما يترتّب عليه من الفوائد ، لا لأجل التوصّل إلى ما تعلّقت به إرادة إيجاد اُخرى ، والغيري ما تعلّقت به إرادة لأجل التوصّل إلى ما تعلّقت به إرادة إيجاد فوقها» .

هذا هو الحال في الإرادة الفاعلية ، وقس عليه الآمرية .

هذا ، وقد عرفت : أنّ الملاك في هذا التقسيم ليس باعتبار الإرادة ولا باعتبار كونه محبوباً بالذات أو بالغير ; لأ نّها إن صحّت فإنّما هي في التقسيم بحسب الملاكات والأغراض ، بل التقسيم هنا باعتبار كون المقسم هو الحكم ، وقد تقدّم أنّ الخطاب وجعل الحكم باعتبار التوصّل إلى خطاب آخر فوقه غيري ، وجعله لا لأجل التوصّل إليه نفسي .

مثلا إذا أمر المولى عبده ببناء مسجد ولم يكن فوقه أمر آخر متوجّه إلى المأمور يكون ذلك نفسياً ; وإن كان لأجل غرض ، كالصلاة فيه .

وإذا أمره أيضاً بإحضار الأحجار والأخشاب لأجل التوصّل إلى ذلك المبعوث إليه يكون غيرياً ، كما أ نّه إذا أمر ابتداءً أشخاصاً ، فأمر شخصاً بشراء الأحجار وآخر بإحضارها وثالثاً بتحجيرها تكون تلك الأوامر نفسيات ، ولكن إذا


1 ـ مطارح الأنظار : 66 / السطر21 .


(345)

أمر كلّ واحد منهم لأجل التوصّل إلى ذلك المبعوث إليه الخاصّ بهم يكون غيرياً مع أنّ كلّها لأغراض ; وهي ترجع إلى غرض أقصى فوقها ، والأمر سهل .

مقتضى الأصل اللفظي فيما لو شكّ في واجب أ نّه نفسي أو غيري

ثمّ إنّه إذا شكّ في واجب بأ نّه نفسي أو غيري فربّما يقال : إنّ الإطلاق يقتضي كونه نفسياً ; فإنّ المحتاج إلى البيان كون الخطاب لأجل غيره(1) .

وفيه : أنّ التقسيم يحتاج إلى تصوير جامع بين الأقسام حتّى يتميّز الأفراد عنه بخصوصية زائدة على مقسمه ، وليس هو هنا نفس الحكم ; لأ نّه أمر إيجادي جزئي ، وقد تقدّم(2)  أ نّه يمتنع تصوير جامع حقيقي بين الإيجاديات ; لأنّ الجامعية تساوق الكلّية فلابدّ أن يكون مع اعتبار كونه جامعاً من سنخ المصاديق بالذات ; بأن يكون في حال كونه جامعاً ، إيجادياً أيضاً ، ولكن الإيجاد ـ ولو اعتباراً ـ عين الفردية والخصوصية ، فكيف تجتمع مع الجامعية ؟

فلا مناص من أن يكون تقسيم الحكم إليهما باعتبار مباد متقدّمة على الحكم ; بأن يقال : إنّ الوجوب إمّا لأجل التوصّل إلى مبعوث إليه فوقه ، وإمّا لا  لأجـل ذلك ، بل تعلّق بشيء مـن غير أن يكون خطاب فوقـه ، وقـد تقدّم(3)  نظيره في تحقيق معنى الوجـوب والندب . فحينئذ كلّ مـن النفسية والغيريـة متقوّم  بقيد زائد .


1 ـ كفاية الاُصول : 136 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 198 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 199 ـ 204 .


(346)

وكذلك إذا قلنا بأنّ البعث الكلّي موضوع له وجامع بينهما ; وإن كان خلاف التحقيق ; إذ عليه يحتاج كلّ واحد إلى البيان ـ ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود ـ سواء كان القيود وجودية أو عدمية . وقد مرّ(1)  أنّ القيد العدمي في الندب ونظيره لم يؤخذ على نحو السالبة المحصّلة ، بل على نحو الموجبة السالبة المحمول أو السالبة المعدولة ، وإلاّ يلزم أن يكون المقسم عين القسم .

نعم ، لايبعد أن يقال : إنّ الحمل على النفسي مقتضى الانصراف ، لا بمعنى انصراف جامع كلّي إلى أحد أقسامه ; فإنّ التحقيق ـ كما عرفت ـ أنّ الموضوع له في الهيئة وما أشبهها خاصّ ، وهي لا تستعمل في النفسي والغيري إلاّ استعمالا إيجادياً لنفس البعث والإغراء ، بل بما أنّ البعث لأجل الغير لمّا كان نادراً بالمعنى الذي أسمعناك ، فلا يعتنى باحتماله لدى العقلاء .

وإن شئت قلت ـ طبق ما قرّرناه في البحث عن هيئة «افعل» ـ إنّ البعث المتعلّق بشيء حجّة على العبد ، ولايجوز التقاعد عن امتثاله باحتمال كونه مقدّمة لغيره إذا فرض سقوط أمره .

هذا ، وربّما يقال : إنّ الوجوب الغيري لمّا كان مترشّحاً عـن وجوب الغير كان وجوبه مشروطاً بوجوب الغير ، كما أنّ الغير يكون مشروطاً بالواجب الغيري ، فيكون وجوب الغير من المقدّمات الوجوبية للواجب الغيري ، ووجود الواجب الغيري من المقدّمات الوجودية لذلك الغير ، كالصلاة والوضوء فهي مشروطة به ، ووجوبه مشروط بوجوبها .

فحينئذ يرجع الشكّ في كون الواجب غيرياً إلى شكّين : أحدهما الشكّ في


1 ـ تقدّم في الصفحة 235 .


(347)

تقييد وجوبه بوجوب الغير ، وثانيهما الشكّ في تقييد مادّة الغير به ، فيرفع الشكّان بإطلاق المادّة والهيئة ، بل إطلاق أحدهما كاف لرفعهما ; لحجّية مثبتات الاُصول اللفظية(1) ، انتهى ملخّصاً .

وأنت خبير : بأنّ القول بكون وجوبها مشروطاً بوجوب ذيها لا يجتمع مع القول بكون وجوبها مترشّحاً عن وجوبه ; لاستلزامه أن يكون المعلول متقيّداً ومشروطاً بعلّته ، وهو باطل بالضرورة .

أ مّا الملازمة : فلأنّ الإرادة الغيرية إذا كانت مفاضة عن الإرادة النفسية على نحو الإيجاد تكون الاُولى في حدّ المعلول بالنسبة إلى الثانية .

وتقييد وجود المعلول بعلّته : إمّا في حال وجوده ، وهو يستلزم أن يوجد المعلول بتمام شؤونه ، ثمّ يرتبط بعلّته بعد استقلاله . وإمّا في حال عدمه ، وهو باطل بالبداهة ; لأنّ المعدوم الباطل العاطل كيف يقع طرفاً للإضافة ؟

والحاصل : أنّ اشتراط الشيء فرع وجوده ; ضرورة أنّ المعدوم لايشترط بشيء ، ولابدّ أن يكون الواجب الغيري متحقّقاً ثمّ يشترط بشيء ، وهو لايجتمع مع فرض كونه معلولا . فاشتراط المعلول بوجود علّته مستلزم لوجوده قبل وجودها ، أو اشتراط المعدوم في حال عدمه .

فإن قلت : يمكن أن يكون مراده من الشرطية ما حقّق في محلّه(2)  من أنّ للمعلول ضيقاً ذاتياً من ناحية علّته ; بمعنى أنّ المؤثّر في هذه الحرارة الخارجية ليست النار المطلقة ولا المقيّدة بهذه الحـرارة ، بل النار التي لاتنطبق إلاّ على الحصّة المؤثّرة فيها .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 220 ـ 222 .
2 ـ الحكمة المتعالية 2 : 209 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 132 .


(348)

قلت : إنّ الضيق الذاتي أمر تكويني دائر أمره بين الوجود والعدم ، لايقبل الوضع والرفع ، والبحث فيما يمكن أن يرفع بمعونة الإطلاق .

ثمّ ليس البحث هنا بحثاً اعتبارياً حتّى يقال : إنّ هذه البراهين ـ على فرض صحّتها ـ راجعة إلى التكوين ; إذ قد عرفت أنّ الحكم عند القائل هي الإرادة المظهرة ، وهي من مراتب الخارج .

والحاصل : أنّ توقّف وجود شيء على وجود شيء آخر غير اشتراطه به ، واستناد المعلول إلى العلّة وضيقه الذاتي غير التقييد والاشتراط .

فتحصّل ممّا ذكر : أ نّه لا مجال للتمسّك بالإطلاق لرفع الشكّ المزبور . أضف إلى ذلك : أنّ عدّ الواجب الغيري من قيود المادّة في الواجب النفسي مطلقاً لايصحّ إلاّ في الشرائط ، دون غيرها من الغيريات كنصب السُلّم بالنسبة إلى الصعود .

وأ مّا القول بحجّية مثبتات اللفظية من الاُصول فإنّما يصحّ لو كانت من الطرق العقلائية الكاشفة عن الواقع ، وهو محلّ تأمّل وتردّد .

مقتضى الأصل العملي فيما لو شكّ في واجب أ نّه نفسي أو غيري

وأ مّا الأصل العملي : فقد تعرّض لحاله بعض الأعاظم في ضمن أقسام ، ولا بأس بالتعرّض لحالها ، قال ـ قدس سره ـ  :

القسم الأوّل : إذا علم بوجوب واجب نفسي ووجوب ما احتمل النفسية والغيرية ، من دون اشتراط وجوب النفسي بشرط غير حاصل ، كما إذا علم بعد الزوال بوجوب الوضوء والصلاة وشكّ في وجوب الوضوء : أ نّه غيري أو نفسي ، ففي هذا القسم يرجع الشكّ إلى تقييد الصلاة بالوضوء ، فيكون مجرى البراءة ;


(349)

لكونه من صغريات الأقلّ والأكثر الارتباطيين . وأ مّا الوضوء فيجب على أيّ حال ; نفسياً كان أو غيرياً(1) .

وفيه : أنّ إجراء البراءة في الصلاة غير جائز بعد العلم الإجمالي بوجوب الوضوء نفسياً ، أو وجوب الصلاة المتقيّدة به ، والعلم التفصيلي بوجوب الوضوء ـ  الأعمّ من النفسي والغيري ـ لايوجب انحلاله إلاّ على وجه محال ، كما اعترف به القائل في الأقلّ والأكثر(2) ، فراجع .

القسم الثاني : الفرض بحاله ، لكن كان وجوب النفسي مشروطاً بشرط غير حاصل ، كالوضوء قبل الوقت ـ بناءً على اشتراط الصلاة بالوقت ـ ففي هذا القسم لا مانع من جريان البراءة ; لعدم العلم بالوجوب الفعلي قبل الوقت(3) .

قلت : إنّ ذلك يرجع إلى العلم الإجمالي بوجوب الوضوء نفساً ، أو وجوب الصلاة المتقيّدة به بعد الوقت ، والعلم الإجمالي بالواجب المشروط إذا علم تحقّق شرطه فيما سيجيء أو الواجب المطلق في الحال منجّز عقلا ، فيجب عليه الوضوء في الحال والصلاة مع الوضوء بعد حضور الوقت .

نعم ، لو قلنا بعدم تنجيز العلم الإجمالي المذكور كان إجراء البراءة في الطرفين بلا مانع ، لكنّه خلاف التحقيق وقـد اعترف في مقام آخـر بتنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات ; ولـو كان للزمان دخـل خطاباً وملاكاً ، فراجـع كلامـه في الاشتغال .

القسم الثالث : ما إذا علم بوجوب ما شكّ في غيريته ولكن شكّ في وجوب


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 222 ـ 223 .
2 ـ نفس المصدر 4 : 156 ـ 157 .
3 ـ نفس المصدر 1 : 223 .


(350)

الغير ، كما إذا شكّ في وجوب الصلاة في المثال المتقدّم وعلم بوجوب الوضوء ، ولكن شكّ في كونه غيرياً حتّى لايجب ; لعدم وجوب الصلاة ظاهراً بمقتضى البراءة ، أو نفسياً حتّى يجب .

ففي هذا القسم يجب الوضوء دون الصلاة ; لأ نّه من قبيل الأقلّ والأكثر الارتباطيين ; حيث إنّ العلم بوجوب ما عدا السورة مع الشكّ في وجوبها يقتضي وجوب امتثال ما علم ، ولا يجوز إجراء البراءة فيه . مع أ نّه يحتمل كون ما عدا السورة واجباً غيرياً ، وكون المقام من قبيل المقدّمات الخارجية ، وهناك من الداخلية لايكون فارقاً(1) .

وأنت خبير : بأنّ العلم التفصيلي بوجوب الوضوء وتردّده بين الوجوب النفسي والغيري لايمكن إلاّ مع العلم الإجمالي بوجوب الصلاة المتقيّدة بالوضوء أو وجوب الوضوء نفسياً ، وهذا العلم الإجمالي لا ينحلّ إلاّ بوجه محال ، كما عرفت .

وتصوّر الشكّ البدوي للصلاة مع العلم التفصيلي الكذائي بوجوب الوضوء جمع بين المتنافيين ، والعجب منه ـ قدس سره ـ حيث قال : وعلم بوجوب الوضوء ، ولكن شكّ في كونه غيرياً حتّى لايجب ، فكيف جَمع بين العلم بالوجوب والشكّ فيه .

ثمّ الفرق بين المقام والأقلّ والأكثر في الأجزاء واضح ، اعترف به ـ قدس سره ـ في باب الأقلّ والأكثر(2)  وأوضحنا سبيله هناك ; فإنّ المانع من الانحلال في المقام هو الدوران بين النفسية والغيرية ، بخلاف الأجزاء ، والتفصيل موكول إلى محلّه .

وفي المقام تنبيهان :


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 223 ـ 224 .
2 ـ نفس المصدر4 : 157 .


(351)

الأوّل : هل يترتّب على إتيان الواجب الغيري ثواب أو لا ؟

التحقيق : أنّ ذلك يختلف باختلاف الأنظار في كيفية الثواب والعقاب الاُخرويين ، ونشير إلى الآراء على نحو الاختصار ، والتفصيل يطلب من محلّه :

فذهب جماعة إلى أ نّهما من لوازم الأعمال ; بمعنى أنّ الأعمال الحسنة والأفعال القبيحة في الدنيا تعطي استعداداً للنفس حقيقة ، به يقتدر على إنشاء صور غيبية بهية من الحور والقصور ، وكذا في جانب الأعمال السيّئة ، بل مثل الأعمال الأخلاق والعقائد والهواجس والصفات النفسانية ; فإنّ لها لوازم لا تنفكّ عنها ، وتوجب اقتداراً للنفس على إيجاد لوازمها وآثارها على ما فصّل في كتبهم .

وبالجملة : فالجزاء هو التمثّل الملكوتي عملا وخلقاً واعتقاداً ، وهذا الوجه يطلب من محالّه(1) .

وذهب جماعة اُخرى ـ آخذاً بظواهر الآيات والأخبار ـ بأ نّهما من المجعولات ، كالجزائيات العرفية في الحكومات السياسية ، كما هو ظاهر قوله تعالى : (مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيئَةِ فَلا يُجزَى إلاّ مِثْلَها)(2)  إلى غير ذلك .

وهو المرضي عند المحقّق النهاوندي(3)  ـ على ما حكي عنه(4) ـ مستدلاّ بأ نّه لولاه لزم التشفّي المحال في حقّه تعالى .


1 ـ الحكمة المتعالية 7 : 82 و 9 : 175 ـ 179 و 290 ـ 296 .
2 ـ الأنعام (6) : 160 .
3 ـ تشريح الاُصول : 111 / السطر13 و 114 / السطر10 .
4 ـ اُنظر نهاية الدراية 1 : 300 .


(352)

وذهب طائفة إلى أنّ الثواب والعقاب بالاستحقاق ، وأنّ العبد يستحقّ من عند ربّه جزاء العمل إذا أطاع أو عصى ، ولايجوز له تعالى التخلّف عنه عقلا في الطاعة ، وأ مّا جزاء السيّئة فيجوز عنه العفو(1) .

ثمّ إنّ ترتّب الثواب والعقاب على المسلك الأوّل أمـر مستور لنا ; إذ لا نعلم أنّ النفس بالطاعات والقربات تستعدّ لإنشاء الصور الغيبية وإيجادها ، وعلى فرض العلم بصحّته إجمالا فالعلم بخصوصياتها وتناسب الأفعال وصورها الغيبية ممّا لا يمكن لأمثالنا .

نعم ، لا شبهة أنّ لإتيان الأعمال الصالحة لأجل الله تعالى تأثيراً في صفاء النفس وتحكيماً لملكة الانقياد والطاعة ، ولها بحسب مراتب النيات وخلوصها تأثيرات في العوالم الغيبية ، وكذا الحال في إتيان مقدّماتها وتهيئة مبادئها ، بل كلّ من المقدّمة وذيها إذا أتاهما لأجله تعالى يوجب صفاء النفس وتثبيت ملكة الطاعة ، هذا هو الحال على القول الأوّل .

وأ مّا على الثاني من المسالك : فلا شكّ أنّ التخلّف بعد الجعل قبيح ; لاستلزامه الكذب لو أخبر عنه مع علمه بالتخلّف ـ كما في المقام ـ أو لاستلزامه التخلّف عن الوعد والعهد لو أنشأه ، وامتناعهما عليه تعالى واضح جدّاً .

فحينئذ : ترتّب الثواب والعقاب يتّبعان مقدار الجعل ـ سعةً وضيقاً ـ وكما يجوز الجعل على أصل العمل يجوز جعله على المقدّمات أيضاً ، ويترتّب الثواب عليها ، من دون أن نلتزم كونها عبادة برأسها ; إذ هو بعيد جدّاً .

ويظهر عن عدّة من الأخبار ترتّبها على مقدّمات بعض الأعمال ، كما في


1 ـ كشف المراد : 407 ـ 408 ، إرشاد الطالبين : 413 .


(353)

زيارة إمام الطاهر أبي عبدالله الحسين ـ عليه السَّلام ـ  ; حيث ورد الثواب على كلّ خطوة لمن زاره ماشياً(1) .

وأ مّا على المسلك الثالث الذي هو خلاف التحقيق في جانب الثواب لأنّ من عرف مقام ربّه من الغناء والعظمة ، ومقام نفسه من الفقر والفاقة يعرف أنّ التفوّه بالاستحقاق دون التفضّل ممّا لايليق أن يصدر إلاّ عمّن جهل بشؤون ربّه وغفل عن نقصان ذاته ، وأنّ كلّ ما ملكه من أعضاء وجوارح ونِعَم ـ كلّها ـ منه تعالى ، لا يستحقّ شيئاً إذا صرفه في طريق عبوديته .

وكيف كان : فعلى فرض صحّة المبنى فهل يستحقّ الثواب على الغيريات ، كما يستحقّه على النفسيات أولا ؟

والحقّ هو الثاني ; لأنّ الاستحقاق إنّما هو على الطاعة ، ولايعقل ذلك في الأوامر الغيرية ; لأ نّها بمعزل عن الباعثية ; لأنّ المكلّف حين إتيان المقدّمات لو كان قاصداً لامتثال الأمر النفسي فالداعي ـ حقيقة ـ هو ذلك الأمر دون الغيري ; لأنّ وجود النفسي ودعوته وإرادة المكلّف لامتثاله كاف في إلزام العبد ومقهوريته في تهيئة المبادئ ; وإن كان راغباً عنه معرضاً ، فلا معنى لإتيان المقدّمات لأجل ذيها ، كما هو مفاد الأوامر الغيرية .

فحينئذ : لم يكن الأمر الغيري داعياً وباعثاً مطلقاً ، وما شأنه هذا لايعقل استحقاق الثواب عليه .

وما ربّما يتراءى في الأخبار من الأمر بالجزء والشرط فهو إرشاد إلى جزئيته وشرطيته ، لا أ نّه باعث وداع نحوهما .


1 ـ راجع وسائل الشيعة 14 : 439 ، كتاب الحجّ ، أبواب المزار ، الباب41 .


(354)

وتوهّم استحقاق الثواب عليها باعتبار الواجب النفسي مدفوع ; بأنّ المراد من الاستحقاق في المقام هو كون ترك الثواب ظلماً وقبيحاً وممتنعاً عليه تعالى . فحينئذ فالآتي بالمقدّمات لأجل التوصّل إلى ذيها ـ إذا فرضنا أ نّه لم يأت بالواجب النفسي لعذر عقلي أو شرعي ـ فإن كان مستحقّاً للثواب لأجل الواجب الغيري فقد عرفت حاله من كون الاستحقاق فرع الطاعة ، وهو فرع كون أمره داعياً وباعثاً ، وإن كان مستحقاً لأجل النفسي فهو لم يأت بمتعلّقه ، فكيف يستحقّ أجر ما لم يفعله ؟ فهو كمن تحمّل المشاقّ واستفرغ الوسع في ردّ الضالّة ، ولم يتمكّن عنه ، فرجع آيساً ، فهل تجد من نفسك جواز القول باستحقاقه الأجر الذي عُيّن لردّها ، أو اُجرة المثل إذا أمر بالردّ بلا تعيّن الاُجرة ؟

فإن قلت : إذا فرضنا شخصين أدركهما الأجل لدى الزوال ، وكان أحدهما متطهّراً وممهّداً جميع المقدّمات التي تحتاج إليها الصلاة دون الآخر فإنّا نجد بين الرجلين فرقاً واضحاً ، كما نجده بين من أحرم للحجّ ممّا يقرب من مكّة ومن أحرم وتوجّه نحو الكعبة من أقاصي البلاد ، فهل هما سيّان في المثوبة مع قلّة المشقّة في أحدهما وكثرتها في الآخر ؟

قلت : إنّ ذلك خلط بين استحقاق العبد وممدوحيته بمعنى إدراك العقل صفاء نفسه وكونه بصدد إطاعة أمره ، وأ نّه ذو ملكة فاضلة وسريرة حسنة ; ضرورة أنّ التهيّؤ بإتيان المبادئ مع عدم حصول ذيها لايوجب إلاّ كونه ممدوحاً لا مستحقّاً بمعنى كون تركه ظلماً وجوراً .

وأ مّا الفرق بين الإحرامين فواضح لايمكن إنكاره ، إلاّ أنّ زيادة المثوبة ليست لأجل المقدّمات ، بل الثواب كلّه على نفس العمل ، لكن كثرة المشقّة وقلّتها


(355)

جهات تعليلية لاتّصاف العمل بترتّب كثرة الثواب عليه وعدمه .

وبالجملة : أجر نفس العمل بحسب المقدّمات مختلف لا بمعنى التقسيط عليها ، بل يكون التفاوت بلحاظها . نعم ، لو لم يأت بنفس الحجّ مع تحمّل المشاقّ لا يستحقّ أجراً ، بل يستحقّ مدحاً .

فإن قلت : إنّ هنا وجهاً آخر لتصحيح الأجر ; وهو أنّ الآتي بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذيها مشتغل بامتثال الواجب النفسي ومستحقّ للمدح والثواب ، وهما من رشحات الثواب الذي عيّن للواجب النفسي(1) .

قلت : إنّ ذلك توسّع في الإطلاق ، وإلاّ فالشروع في الواجب النفسي ليس إلاّ بالشروع فيه دون مقدّماته . ثمّ إنّ الشروع في الواجب لايوجب ثواباً ولا يوجب استحقاقاً مالم يأت بالمتعلّق بتمام أجزائه ، ولايكون ذلك إلاّ بإتمام الواجب لا بالشروع فيه ; فضلا عن الشروع في مقدّماته .

أضف إليه : أنّ ما يترتّب عليه مـن الثواب أمر محـدود على مفروضـه ; لأنّ  ما يترتّب على المقدّمة عنده ليس لها ، بل من رشحات الثواب الذي للواجب  النفسي .

فإذن لا معنى لأكثرية الثواب عند زيادة المقدّمات ، بل الثواب على وزان واحد على مبناه ـ سواء قلّت المقدّمات أم كثرت ـ فكلّما كثرت يكثر تقسيط ذلك الثواب عليها ، فالثواب مقدار محدود والتقسيط يقدّر مقدار المقدّمات . إلاّ أن يقال : إنّ كثرة الثواب بلحاظ المقدّمات على ذيها ثمّ يترشّح منه إليها ، وهذا تخرّص بعد تخرّص ، والتحقيق ما عرفت .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 375 .


(356)

التنبيه الثانى : الإشكال في الطهارات الثلاث ودفعه

قد وقعت الطهارات الثلاث التي جعلت مقدّمة للعبادة مورد الإشكال من وجوه ، ونحن نقرّرها واحداً بعد واحد ، ثمّ نجيب عن الجميع بجواب واحد :

الأوّل : أ نّه لا إشكال في ترتّب الثواب عليها ، مع أنّ الواجب الغيري لايترتّب عليه ثواب .

الثاني : لزوم الدور ; فإنّ الطهارات ـ بما هي عبادات ـ جعلت مقدّمة وعباديتها تتوقّف على الأمر الغيري ، ولا يترشّح الوجوب الغيري إلاّ بما هي مقدّمة ، فالأمر الغيري يتوقّف على العبادية وهي عليه .

الثالث ـ وهي أصعبها ـ أنّ الأوامر الغيرية توصّلية ، لايعتبر في سقوطها قصد التعبّد ، مع أنّ الطهارات يعتبر فيها قصده إجماعاً .

هذا ، ولكن الذي ينحلّ به العقدة هو أ نّها بما هي عبادة جعلت مقدّمة ، ولا يتوقّف عباديتها على الأمر الغيري بل لها أمر نفسي . بل التحقيق : أنّ ملاك العبادية في الاُمور التعبّدية ليس هو الأمر المتعلّق بها ، بل مناطها هو صلوح الشيء للتعبّد به وإتيانه للتقرّب به إليه تعالى .

وعلى ذلك استقرّ ارتكاز المتشرّعة ; لأ نّهم في إتيان الواجبات التعبّدية يقصدون التقرّب إليه تعالى بهذه الأعمال مع الغفلة عن أوامرها المتعلّقة بها . ولو أنكرت إطباق المتشرّعة في العبادات ، إلاّ أنّ إنكار ما ذكرناه ملاكاً للعبادية ممّا لا سبيل إليه . نعم ، لايمكن الاطّلاع على صلوح العبادية غالباً إلاّ بوحي من الله تعالى .

وبذلك يستغنى عن كثير من الأجوبة التي سيجيء الإشارة إليها ـ  بإذن الله  ـ من أنّ عباديتها لأجل تعلّق الأمر الغيري أو النفسي عليها ، فارتقب .


(357)

وكما ينحلّ بذلك عبادية الطهارات ينحلّ أيضاً شبهة ترتّب الثواب عليها لأجل العبادية وشبهة الدور ; لأ نّها إنّما ترد لو قلنا بأنّ عباديتها موقوفة على الأمر الغيري ، وقد عرفت خلافه .

وممّا ذكرناه من الجواب يقرب ما ذكره المحقّق الخراساني(1) ، ويفترق عنه بما يسلم عن بعض المناقشات .

فإن قلت : إنّ الالتزام بعبادية الطهارات الثلاث حتّى التيمّم مشكل جدّاً ; إذ ليس الأخير عبادة نفسية ، وما ربّما يستفاد من ظواهر بعض أخباره من كونه عبادة(2)  ـ  على فرض تسليمه ـ ليس بحجّة ; لإعراض الأصحاب عنها .

قلت : يمكن أن يقال بل يستكشف من احتياجه إلى قصد التقرّب وترتّب المثوبة ، كونه عبادة في نفسه ، إلاّ أ نّه في غير حال المقدّمية ينطبق عليه مانع عن عباديتها الفعلية ، أو يقال بأ نّه عبادة في ظرف خاصّ ; وهو كونه مأتياً به بقصد التوصّل إلى الغايات ، لا بأن تكون عباديته لأجل الأمر الغيري .

فإن قلت : فعلى ذلك لابدّ أن يؤتى بها لأجل رجحانها الذاتي ، مع أنّ سيرة المتشرّعة جارية على إتيانها لأجل التوصّل بها إلى الغايات . وعليه فلو أتى بها لأجل الغير تقع صحيحة ; وإن غفل عن ملاك العبادية ، كما عليه بعضهم في تصحيح العبادية .

قلت : بل نجد ارتكاز المتشرّعة على خلاف ذلك ، أترى من نفسك أن ترميهم بأ نّهم لايفرّقون بين الستر وتطهير الثوب للصلاة وبين الطهارات الثلاث


1 ـ كفاية الاُصول : 139 ـ 140 .
2 ـ كقوله(عليه السلام) : «التيمّم أحد الطهورين» بضميمة الإطلاقات الدالّة على استحباب الطهر في نفسه كقوله تعالى : (إنّ اللهَ يُحبُّ التوابينَ ويُحبُّ المتطهرين) .


(358)

لأجل التوصّل إليها ؟ بل لاشكّ أ نّه يقصدون بها التعبّد ، ويجعل ما هو عبادة مقدّمة إلى غاياتها ، فيؤتي بالوضوء متقرّباً به إلى الله تعالى . والغفلة إنّما عن الأمر النفسي والغيري ، وقد تقدّم أنّ العبادة لاتحتاج إلى أزيد من كونه صالحاً للتعبّدية .

هذا هو المختار في دفع الإشكالات .

وربّما يجاب عن الإشكال الأوّل ـ أعني ترتّب المثوبة ـ بأنّ الثواب جعلي وهو تابع للجعل ، فكما يجعل على نفس العبادات يجعل على مقدّماتها .

وفيه : أنّ ملاك الإشكال إنّما هو على مسلك الاستحقاق في الثواب ، وهو فرع كونه مأتياً للتقرّب منه تعالى ، لا لأجل التوصّل إلى غايات .

وربّما يجاب عن الإشكال الثاني ـ كما عن بعض أهل التحقيق ـ بأنّ الأمر الغيري المتوجّه إلى المركّب ينحلّ إلى أوامر ضمنية غيرية ، فيكون ذوات الأفعال في الطهارات مأموراً بها بالأمر الضمني من ذلك الأمر الغيري ، وإذا أتى بها بداعي ذلك الأمر الضمني يتحقّق ما هو المقدّمة ويسقط الأمر الضمني المتوجّه إلى القيد ; لحصول متعلّقه قهراً(1) ، انتهى .

قلت : ما ذكره وإن كان كافياً في دفع الدور إلاّ أ نّه لايصحّح عباديته ; إذ الأمر الغيري لايصلح للداعوية .

وربّما يقرّر الدور على وجه آخر ; وهو أنّ الأمر الغيري لايدعوا إلاّ إلى ما  هو مقدّمة ، والمقدّمة هاهنا ما يؤتى بها بدعوة الأمر الغيري ; فإنّ نفس الأفعال  الخاصّة لم تكن مقدّمة بأيّ نحو اتّفقت ، فيلزم أن يكون الأمر داعياً إلى داعوية نفسه .


1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 381 .


(359)

وأنت خبير : بأنّ التقرير المزبور هو عين ما تقدّم في مبحث تعبّدية الأوامر وتوصّليتها ، وليس مخصوصاً بهذا الباب ، وقد أشبعنا الكلام في رفع الشبهات هناك ، فراجع .

وأ مّا الإشكال الثالث : فربّما يصار إلى تصحيح عباديتها بالأمر الغيري ، أو النفسي المتعلّق بذيها أو النفسي المتعلّق بها نفسها . والأخير لا محذور فيه ، بل يمكن إرجاع روايات الباب إليه ، كما احتملناه في مبحث الوضوء(1) ، إلاّ أنّ الذي يبعّده مغفولية هذا الأمر النفسي ـ على فرض صحّته ـ عند المتشرّعة ، لو كان هو المناط لعباديتها .

وما ربّما يتوهّم مـن امتناع اجتماع الوجـوب الغيري والاستحباب النفسي في موضوع واحـد ، بل يجب الحكم بتبدّل الاستحباب بالوجوب مـع اندكاك الملاك الاستحبابي في الملاك الوجوبي ـ نظير اندكاك السواد الضعيف في السواد الشديد  ـ مدفوع بما سيأتي في النواهي ; مـن أنّ الأمـر يقف على العنوان الـذي تعلّق به ، ولايتجافى عنه ، ولايسري إلى الخارج أصلا ; ضرورة أ نّه ظرف السقوط  لا العروض .

فحينئذ فموضوع الأمر الاستحبابي ـ على فرض صحّته ـ هو نفس الغسلات ، كما أنّ الموضوع للأمر الغيري هو الوضوء الذي تعلّق به الأمر العبادي الاستحبابي . بل التحقيق ـ على ما سيأتي ـ أنّ الأمر الغيري على فرضه إنّما يتعلّق بحيثية ما يتوصّل به إلى ذي المقدّمة ، وحينئذ فامتثال الأمر الوجوبي عقلا ليس إلاّ إتيان الوضوء بأمره الاستحبابي ، وإلاّ لم يأت بما هو المتعلّق .


1 ـ الطهارة ، تقريرات الفاضل اللنكراني : 362 .


(360)

وما في كلام القائل في نذر صلاة الليل من أنّ الأمر الاستحبابي إنّما تعلّق بـذات صلاة الليل ، لا بما أ نّها مستحبّة ، والنذر أيضاً إنّما يتعلّق بالـذات ; إذ لا يمكن أن يتعلّق النذر بصلاة الليل بوصف كونها مستحبّة ; لأ نّها بالنذر تصير واجبة . . . إلى آخره(1) .

لايخلو عن مغالطة ; لأنّ ما هو الواجب إنّما هو عنوان الوفاء بالنذر لانفس الصلاة ، نعم يتوقّف امتثال الخطاب الوارد في قوله : «ف بنذرك» على إتيان الصلاة استحباباً ، وهو غير كون الصلاة متعلّقة للوجوب ، فالخلط وقع بين ما هو متعلّق بالذات وما هو مصداق بالعرض . وللمقال تتمّة يأتي في محلّه .

وأ مّا القول بصيرورتها عبادة بواسطة الأمر الغيري فلا يخلو من غرابة ; لأ نّه ـ  بعد تسليم إمكان داعويته ، والغضّ عمّا تقدّم من الإشكال فيه ـ يرد عليه : أنّ دعوته ليست إلاّ إلى إتيان المقدّمة للتوصّل إلى ذيها ، وليست له نفسية وصلاحية للتقرّب ، ولم تكن المقدّمة محبوبة للمولى ، بل لو أمكنه أن يأمر بإتيان ذيها مع عدم الإتيان بمقدّمته لأمر به كذلك ، فالأمر بها من جهة اللابدّية ، ومثل ذلك لايصلح للمقرّبية ; ولهذا لو أتى بالمقدّمة ـ بناءً على وجوب المقدّمة المطلقة ـ بانياً على عدم إتيان ذيها لما استحقّ الثواب .

وأ مّا ما عن بعض الأكابر ـ أدام الله أظلاله ـ من دعوى صيرورتها عبادة بواسطة الأمر المتعلّق بذي المقدّمة فتوضيحه أن يقال : إنّ إتيان المقدّمة لأجل الأمر العبادي المتعلّق بذيها يجعلها عبادة ، ويكفي في المقرّبية وفي تعنون الشيء


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 229 .


(361)

بالعبادية كون تحصيل الشيء لأجل امتثال الأمر العبادي(1) .

وفيه : أ نّه لا تخلو عن نظر ; لأنّ الأمر ـ كما تقدّم ـ لايمكن أن يتجافى عمّا تعلّق به من العنوان ، أو يبعث ويدعو إلى غيرما تعلّق به ، وحينئذ فما هو المدعوعين ما تعلّق به من الصلاة ، وما خرج من تحت الأمر ـ كالمقدّمات ـ لايعقل أن يدعو إليها ; لعدم تعلّقه بها ، فلا يكون الإتيان بها إطاعة له .

وبالجملة : أنّ الأمر النفسي لايدعو إلاّ إلى متعلّقه ، ولايعقل أن يدعو إلى المقدّمات ; لعدم تعلّقه بها . فلايكون الإتيان بها إطاعة له ، بل إطاعة للأمر المقدّمي ـ  لو فرض الملازمة ، مع الغضّ عن الإشكال المتقدّم ـ أو لحكم العقل .

وحينئذ : القول بأ نّه يكفي في عبادية الشيء أن يؤتى به لأجل المولى ـ  ولو  بمثل هذه الدعوة ـ لايخلو عن مصادرة . أضف إليه : أنّ العبادية فرع صلوح الشيء للتقرّب ، والمقدّمة لاتصلح لذلك . ولعلّه وقع الخلط بين حكم العقل وداعويـة الأمر .

وبما ذكرنا يتّضح : ما عن بعض الأعاظم من أنّ عبادية الوضوء من ناحية الأمر النفسي المتوجّه إلى الصلاة بما لها من الأجزاء والشرائط ; بداهة أنّ نسبة الوضوء إلى الصلاة كنسبة الفاتحة إليها من الجهة التي نحن فيها ; حيث إنّ الوضوء قد اكتسب حصّة من الأمر بالصلاة لمكان قيديته لها(2) ، انتهى ملخّصاً .

فراجع مجموع كلامه تجد فيه ما يقضى منه آخر العجب ; فإنّ ما توجّه إليه الأمر ليس إلاّ التقيّد ; وهو كون الصلاة مع الطهارة ، وهو لايوجب كون القيد عبادة ،


1 ـ نهاية الاُصول : 188 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 228 .


(362)

وهو وإن استشعر على ما ذكرنا وصار بصدد الجواب إلاّ أ نّه ما أتى شيئاً يصحّ الاتّكال عليه ، فراجع .

ثمّ إنّه لو قلنا بكون الوضوء مستحبّاً نفسياً أو بوجود ملاك العبادة فيه يصحّ التوضّي قبل الوقت ، ويجوز الدخول معه في الصلاة بعد حضور الوقت ، كما أ نّه لو لم يكن للمكلّف داع إلى إتيان الوضوء الاستحبابي قبل الوقت لكن رأى أنّ الصلاة في الوقت مشروطة بـه ، فصار ذلك داعياً إلى إتيانه لله يقع صحيحاً أيضاً . هذا كلّه إذا كان التوضّي قبل الوقت .

وأ مّا بعده : فإن أتى به بداعي التوصّل إلى الغير ، من دون قصد التقرّب فلا يقع صحيحاً ، وإن أتى به بداعي أمره الغيري لكن متقرّباً به إلى الله يصحّ ويحصل الشرط ، وأ مّا إذا أتى بداعي أمره الاستحبابي فصحّته منوطة ببقاء أمره ، وسيأتي ما يتّضح منه أنّ الأمر الاستحبابي على عنوانه محفوظ ، وأنّ متعلّق الأمر الغيري على فرض الملازمة عنوان آخر غير متعلّق الأمر الاستحبابي ، وحينئذ فلا إشكال في صحّته بداعي أمره .


(363)

الأمر الخامس
فيما هو الواجب في باب المقدّمة بناءً على الملازمة

هل الواجب ـ بناءً على الملازمة ـ هو مطلق المقدّمة ، أو خصوص ما اُريد به إتيان ذيها ، أو المقدّمة التي يقصد بها التوصّل إلى صاحبها ، أو المقدّمة الموصلة ، أو التي في حال الإيصال ؟ أقوال :

حول ما نسب إلى صاحب المعالم

ربّما ينسب(1)  إلى صاحب «المعالم» اشتراط وجوبها بإرادة ذيها . واُورد عليه : بأنّ المقدّمة تابعة لصاحبها في الإطلاق والاشتراط ، فيلزم أن يشترط وجوب الشيء بإرادة وجوده .

قلت : ظاهر كلامه في «المعالم» خلاف ما نسب إليه ; حيث قال : وحجّة القول بوجوب المقدّمة ـ على تقدير تسليمها ـ إنّما تنهض دليلا على الوجوب في حال كون المكلّف مريداً للفعل المتوقّف عليها(2) ، انتهى ، وهو ظاهر بل نصّ في أنّ القضية حينية لا شرطية ، وأنّ وجوبها في حال إرادة الفعل المتوقّف عليها ، لا مشروطة بإرادته .

وهو أيضاً وإن كان لايخلو عن إشكال ; لأنّ حال إرادة الفعل المتوقّف عليها


1 ـ اُنظر مطارح الأنظار : 72 / السطر الأوّل .
2 ـ معالم الدين : 71 .


(364)

غير دخيلة في ملاك وجوبها ، على أ نّه لايتصوّر لإيجابها حين إرادته معنى معقول ; لأ نّه إذا أراد فعل المتوقّف عليها يريد المقدّمة لا محالة ، فلا معنى للبعث والإيجاب في هذه الحال ، إلاّ أنّ ذاك ليس بمثابة ما تقدّم في وضوح البطلان .

فيما نسب إلى الشيخ الأعظم

وأ مّا القول الثالث ـ أعني كون الواجب هو المقدّمة بقصد التوصّل إلى ذيها  ـ فقد نسب(1)  إلى الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ  ، ولكن عبارة مقرّر بحثه ينادي بالخلاف في عدّة مواضع ; خصوصاً فيما ذكره في هداية مستقلّة لردّ مقالة صاحب «الفصول» ; إذ يظهر من نصّ عبائره هناك أنّ قصد التوصّل ليس قيداً لمتعلّق الوجوب الغيري حتّى يكون الواجب هوالمقدّمة بقصد التوصّل ، بل الواجب هو نفس المقدّمة ، إلاّ أنّ قصد التوصّل يعتبر في تحقّق امتثال الأمر المقدّمي حتّى يصدق عليه الإطاعة ; سواء كانت المقدّمة عبادية أم توصّلية .

غاية الأمر : انتفاء الثمرة في الثاني ; حيث قال في خلال الردّ عليه : ونحن بعد ما استقصينا التأمّل لا نرى للحكم بوجوب المقدّمة وجهاً إلاّ من حيث إنّ عدمها يوجب عدم المطلوب ، وهذه الحيثية هي التي يشترك فيها جميع المقدّمات .

إلى أن قال : فملاك الطلب الغيري المتعلّق بالمقدّمة هذه الحيثية ، وهي ممّا يكفي في انتزاعها عن المقدّمة ملاحظة ذات المقدّمة(2) ، انتهى كلامه .

وفي موضع آخر : الحقّ عدم تحقّق الامتثال بالواجب الغيري إذا لم يكن


1 ـ اُنظر كفاية الاُصول : 143 .
2 ـ مطارح الأنظار : 75 ـ 76 .


(365)

قاصداً للإتيان بذلك ; إذ لا إشكال في لزوم قصد عنوان الواجب فيما إذا اُريد الامتثال ، كما لاريب في عدم تعلّق القصد بعنوان الواجب فيما إذا لم يكن الآتي بالواجب الغيري قاصداً للإتيان بذلك ، فيستنتج عدم تحقّق الامتثال إلاّ به(1) .

وأيضاً في موضع آخر قال ـ رادّاً على صاحب «المعالم» ـ إنّ إطلاق وجوب المقدّمة واشتراطها تابع لإطلاق ذيها(2) ، انتهى .

وأنت إذا أمعنت نظرك ، وأجلت بصرك بين كلماته وسطوره تجد صدق ما ادّعيناه من أنّ محور نقضه وإبرامه ليس بيان ما هو طرف الملازمة على فرض ثبوتها ، بل بيان ما هو معتبر في كيفية الامتثال .

وبذلك يظهر : أنّ ما احتمله بعض المحقّقين من الاحتمالات الكثيرة(3)  ساقطة قطعاً ، بل محتمل كلامه أو ظهوره ما أسمعناك فقط ، أو وجه آخر سيجيء الإشارة إليه .

وكيف كان : فلابدّ من توضيح الوجهين وذكر براهينهما :

أحدهما : أنّ امتثال الواجب الغيري لايحصل إلاّ بقصد التوصّل إلى ذيه ، فاستدلّ عليه ـ قدس سره ـ بأنّ الامتثال لايمكن إلاّ أن يكون الداعي إلى إيجاد الفعل هو الأمر ، ولمّا كان الأمر لايدعو إلاّ إلى متعلّقه فلابدّ في الامتثال من قصد العنوان المأمور به ، والمأمور به هاهنا هو المقدّمة بالحيثية التقييدية ; لأنّ الكاشف عن وجوب المقدّمة هو العقل بالملاك العقلي ، والعقل يحكم بوجوب المقدّمة من حيث هي مقدّمة ، فلابدّ من كشف الحكم الشرعي بذلك الملاك على الحيثية التقييدية .


1 ـ مطارح الأنظار : 72 / السطر21 .
2 ـ نفس المصدر : 72 / السطر5 .
3 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 385 .


(366)

ولمّا كان القصد بهذه الحيثية لاينفكّ عن القصد بالتوصّل إلى ذيها ـ لاستلزام التفكيك التناقض ـ فلابدّ في امتثال أمر المقدّمة من قصد التوصّل إلى صاحبها(1) ، انتهى ملخّصاً .

وأنت ترى بعين الدقّة : أنّ محور كلامه الذي لخّصناه ليس إلاّ شرطية قصد التوصّل في امتثال الأمر المقدّمي ، لا بيان ما هو طرف الملازمة .

وتوضيح ما أفاده : أنّ الامتثال ليس إلاّ التحرّك على طبق داعويته ، وليست  داعويته إلاّ بنحو الغيرية والمقدّمية لا لمصالح في نفسه ، فلو كان الانبعاث  على طبق دعوته فلا محالة لاينفكّ عن قصد التوصّل إلى ذيها في مقام  العمل .

نعم ، ما وقع في دائرة الطلب ليس إلاّ ذات الشيء ; لأنّ ملاك الوجوب رفع الاستحالة ، ورافعها ذات المقدّمة وحقيقتها بلا دخل للقصد في ذلك .

وبعبارة أوضح : أنّ الامتثال لايتحقّق إلاّ بعقد قلبي وقصد نفسي وتوجّه إلى الأمر وإلى كيفية دعوته وغاية وجوبه ، وهو وإن أمر بذات المقدّمة إلاّ أ نّه ما أوجبها إلاّ لأجل التوصّل ، فالعبد الممتثل لا محالة يقصد ذلك العنوان . وأ مّا تعلّق الوجوب فهو تابع لتحقّق الملاك ، والمفروض أ نّه موجود في جميع الأفراد . هذا ، وسيجيء تحقيق الحال في امتثال الأمر الغيري .

الثاني من الوجهين الذين احتملناهما : ما يشعر به صدر كلامه ويظهر من ذيله أيضاً ; وهو أنّ وقوع المقدّمة على صفة الوجوب في الخارج مطلقاً يتوقّف على قصده ، وعبارته هنا هو المستمسك للمشايخ في نسبة هذا القول إليه .


1 ـ مطارح الأنظار : 72 / السطر24 .


(367)

وأنت إذا تدبّرت فيما سيمرّ عليك من العبارة تفهم أنّ العبارة لا تنطبق على مدّعاهم ; إذ أنّ البحث في باب المقدّمة إنّما هو في تعيين متعلّق الوجوب ، وهو ـ قدس سره ـ لم يشترط فيه شيئاً ، بل قال بكونه هو مطلق المقدّمة ، والعبارة التالية يفيد اعتبار قيد التوصّل في وقوع المقدّمة على صفة الوجوب خارجاً ، وكم فرق بينهما ؟ !

وإليك العبارة حيث قال : وهل يعتبر في وقوعه على صفة الوجوب أن يكون الإتيان لأجل التوصّل إلى الغير أولا ؟ وجهان ، أقواهما الأوّل ، ويظهر الثمرة فيما إذا كان على المكلّف فائتة ; فتوضّأ قبل الوقت غير قاصد لأدائها ولا لإحدى غاياتها ، فعلى المختار لايجوز الدخول به في الصلاة الحاضرة ولا الفائتة .

وأيضاً تظهر من جهة بقاء الفعل المقدّمي على حكمه السابق ، فلو قلنا بعدم اعتبار قصد التوصّل في وقوع المقدّمة على صفة الوجوب لايحرم الدخول في ملك الغير إذا كانت مقدّمة لإنقاذ غريق ; وإن لم يترتّب عليه ، بخلاف ما لو اعتبرناه فهو حرام مالم يكن قاصداً لإنقاذه(1) .

وعـن بعض الأعيان مـن المحقّقين في تعليقتـه الشريفـة في توجيـه اعتباره في متعلّق الوجوب ما هـذا حاصله : إنّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية راجعـة إلى التقييدية ; فإذا كانت مطلوبية المقدّمة لا لذاتها بل لحيثية مقدّميتها فالمطلوب الجدّي نفس التوصّل . ومن البيّن : أنّ الشيء لايقع على صفة الوجوب ومصداقـاً للواجب إلاّ إذا أتي به عـن قصد وإرادة ; حتّى فـي التوصّليات ; لأنّ البعث فيها وفـي التعبّديات لايتعلّق إلاّ بالفعل الاختياري . فالغسل الصادر بلا  اختيار محصّل للغرض ، لكنّه لايقع على صفة الوجوب ، فاعتباره فيها من


1 ـ مطارح الأنظار : 72 / السطر8  و14 و73 / السطر2 .


(368)

جهة  أنّ المطلوب الحقيقي هو التوصّل ، لاغير(1) .

قلت : ما أفاده ـ قدس سره ـ في خصوص إرجاع التعليلية إلى التقييدية متين جدّاً ; ضرورة أنّ العقل لايحكم إلاّ على العناوين العارضة لذوات الأشياء لا على الموضوع المجرّد من عنوانه ، وإلاّ لزم أن يحكم لدى التجرّد منه ، ولاتكون تلك الجهات منشأ لإسراء الحكم إلى غيرها بعد كونها هي المطلوبة بالذات لا بالعرض .

وبذلك يظهر الخلل فيما ربّما يصار تارة إلى إنكار هذا الإرجاع من أنّ لحكم العقل موضوعاً وعلّة ، ولامعنى لإرجاع العلّة إلى الموضوع ; بحيث تصير موضوعاً للحكم ، واُخرى إلى أنّ القاعدة المزبورة ـ على تقدير تسليمها ـ مختصّة بما يدركه العقل من الأحكام ، ولاتكاد تجري فيما يكون ثابتاً من الشارع باستكشاف العقل(2) ، انتهى .

وفيه : أنّ إنكار الإرجاع المزبور يستلزم إسراء حكم العقل من موضوعه إلى غيره بلا ملاك ; فإنّ الظلم ـ مثلا ـ إذا كان قبيحاً عقلا فوقع عمل في الخارج معنوناً بعنوان الظلم وبعناوين اُخر وحكم العقل بقبحه ، وفرضنا أ نّه لم يرجع إلى حيثية الظلم ; فإمّا أن يرجع إلى حيثيات اُخر وهو كما ترى ، أو إلى الذات بعلّية الظلم ; بحيث تكون الذات قبيحة ، لا الظلم ـ وإن كان هو علّة لقبحها ـ وهو أيضاً فاسد ، بل يستلزم الخلف ; فإنّ الذات تكون قبيحة بالعرض ، فلا محيص إلاّ أن يكون الظلم قبيحاً بالذات ، فيصير الظلم موضوعاً بالحقيقة للقبح ، وهذا معنى رجوع الحيثيات التعليلية إلى التقييدية .


1 ـ نهاية الدراية 2 : 133 .
2 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 387 .


(369)

وأعجب من ذلك : ما أفاده ثانياً ; فإنّ إدراك العقل مناط الشيء ليس معناه إلاّ أنّ هذا هو الموضوع ، لا ما هو أوسع من ذلك ولا أضيق ، ومعه كيف يستكشف مناط أوسع ؟ !

وبالجملة : أنّ العقل إذا كشف عن حكم بملاكه العقلي لايمكن أن يستكشف حكماً أوسع أو أضيق من ملاكه قائماً بموضوع آخر غير حيثية الملاك .

نعم ، يرد على المحقّق المحشّي : أنّ وقوع الفعل على صفة الوجوب في التوصّليات لايتوقّف على القصد ; وإن كان الوقوع على صفة الامتثال موقوفاً عليه ; لأنّ قصد العنوان وصدوره عن اختيار شرطان لتحقّق الإطاعة ; لما عرفت من أ نّه لايتحقّق إلاّ بعقد قلبي متوجّهاً نحو العمل لجهة أمره وطلبه ، فإذا توجّه إليه وأتى بداعيه فلا ينفكّ عنه قصد التوصّل ; لأنّ الأمر المقصود غيري ، ومعناه كون الأمر لأجل حصول الغير .

وأ مّا كونه شرطاً لوقوعه على صفة الوجوب فلا ; لأنّ المفروض أنّ المطلوب هو الحيثية المقدّمية ، أي الموقوف عليه بما هو هو ، وهو صرف وجوده بأيّ وجه اتّفق ، فإيجاده بأيّ نحو كان كاف في كونه مصداقاً له ; إذ ليس الواجب سوى نفس وجوده وقد حصل ، فلا وجه لعدم وقوعه على صفة الوجوب مع كونه غير تعبّدي .

ثمّ إنّ هذا الاحتمال في كلام الشيخ ـ كما مرّ ـ لاينطبق أيضاً على مدّعاهم ; لأنّ الكلام في باب المقدّمة إنّما هو في مقام تعلّق الوجوب ، وقد صرّح بأ نّه ذات المقدّمة ، وإنّما دعواه في مقام آخر ; وهو وقوع المقدّمة على صفة الوجوب خارجاً ، وهو مقام آخر غير ما نحن فيه .

وبالجملة : كلام الشيخ آب على كلا الاحتمالين عمّا نسب إليه ، فراجع .


(370)

ثمّ إنّه لا وجه لأخذ قصد التوصّل قيداً ; لا للوجوب لاستلزامه كون وجوب الواجب مشروطاً بإرادة المكلّف ، ونظيره أخذه ظرفاً للوجوب على نحو الحينية ; لأ نّـه يرد عليه نظير ما يرد على صاحب «المعالم»(1)  ولا للواجب بحيث يكون قصد التوصّل أيضاً متعلّقاً للبعث ، ويكون الأمر داعياً إلى المقدّمة التي قصد بها التوصّل إلى صاحبها ; فإنّه وإن لم يكن محالا لكن قصد المكلّف غير دخيل في ملاك المقدّمية قطعاً ، فتعلّق الوجوب به يكون بلا ملاك ، وهو ممتنع .

وما عن المحقّق الخراساني من امتناع وقوع القصد مورداً للتكليف(2)  مدفوع بأنّ القصد قابل لتعلّق البعث إليه ، كقيديته في العبادات .

أضف إليه : أنّ النفس ربّما توجد الإرادة إذا كانت الإرادة موضوعاً لحكم ، ولم يكن المراد مطلوباً إلاّ بالعرض ، كما في إرادة الإقامة عشرة أ يّام إذا لم يكن في الإقامة غرض له سوى الصلاة أربع ركعات .

حول مقال صاحب الفصول

وهو القول الرابع الذي اختاره صاحب «الفصول»(3) ; قائلا بأنّ الإيصال قيد للواجب ، واحتمال إرجاعه إلى الوجوب باطل جدّاً ; لأنّ شرط الوجوب لايحصل إلاّ بعد الإتيان ، فكيف يتقدّم الوجوب على شرطه ؟ اللهمّ إلاّ أن يصار إلى الشرط المتأخّر ، وهو كما ترى .


1 ـ تقدّم في الصفحة 363 .
2 ـ كفاية الاُصول : 95 ـ 96 .
3 ـ الفصول الغروية : 81 / السطر4 و 86 / السطر12 .


(371)

وكيف كان : فقد اُورد على كونها قيداً للواجب اُمور نذكر مهمّاتها :

منها : لزوم الدور ; لأنّ وجود ذي المقدّمة يتوقّف على وجود المقدّمة ، ولو قلنا بقيدية الإيصال يتوقّف وجودها على وجود صاحبها(1) .

وفيه : أنّ الموقوف غير الموقوف عليه ; لأنّ وجود ذي المقدّمة موقوف على ذات المقدّمة لا بقيد الإيصال ، واتّصافها بالموصلية متوقّف على وجود ذي المقدّمة .وإن شئت قلت : إنّ متعلّق الوجوب أخصّ من الموقوف عليه ، ولاتكون المقدّمة بقيد الإيصال موقوفاً عليها ; وإن كانت بقيده واجبة .

ومنه يظهر النظر في كلام شيخنا العلاّمة حيث قال : إنّ الوجوب ليس إلاّ لملاك التوقّف ، فيكون اعتبار قيد الإيصال في متعلّق الوجوب لملاك التوقّف ، فيدور(2) .

والجواب : أنّ مناط الوجوب ليس التوقّف على مسلكه ، بل التوصّل إلى ذي المقدّمة ، فمتعلّقه أخصّ من التوقّف . بل دعوى بداهة كون المناط هو التوقّف تنافي ما اختاره في باب وجوب المقدّمة من كون الواجب هو المقدّمة في لحاظ الإيصال(3) .

وربّما يقرّر الدور بأ نّه يلزم أن يكون الواجب النفسي مقدّمة لمقدّمته واجباً بوجوب ناش من وجوبها ، وهو يستلزم الدور ; لأنّ وجوب المقدّمة ناش من وجوب ذيها ، فلو ترشّح وجوب ذي المقدّمة من وجوبها لزم الدور(4) .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 290 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 116 ـ 118 .
3 ـ نفس المصدر : 119 .
4 ـ أجود التقريرات 1 : 237 ـ 238 .


(372)

وفيه : أنّ وجوب الواجب الناشئ منه وجوب المقدّمة لم ينشأ من وجوبها حتّى يدور .

ومنها : التسلسل وبيانه : أنّ الوضوء الموصل إلى الصلاة لو كان مقدّمة كان ذات الوضوء مقدّمة للوضوء الموصل ، فيعتبر فيه قيد الإيصال أيضاً ، فينحلّ إلى ذات وإيصال ، فيكون الذات أيضاً مقدّمة لهما ، فيحتاج إلى إيصال آخر ، وهكذا(1) .

ويمكن تقريره بوجه آخر وهو : أنّ المقدّمة الموصلة تنحلّ إلى ذات وقيد ، وفي كلّ منهما مناط الوجوب للتوقّف ، فعلى وجوب المقدّمة الموصلة يجب أن تكون الذات بقيد الإيصال واجبة ، وقيد الإيصال أيضاً بقيد إيصال آخر واجباً ، فيتقيّد كلّ منهما بإيصال آخر ، وهلمّ جرّا .

والجواب عن التقرير الأوّل : أنّ الواجب بالأمر الغيري على هذا المسلك هو المقدّمة الموصلة إلى الواجب النفسي لا المقدّمة الموصلة إلى المقدّمة ، وعليه فالذات لم تكن واجبة بقيد الإيصال إلى المقيّد ، بل واجبة بقيد الإيصال إلى ذيها ، وهو حاصل بلا قيد زائد ، بل لايمكن تقييد الموصل بالإيصال .

وأ مّا عن ثاني التقريرين فبأن يقال : إنّ الواجب هو المقدّمة الموصلة بهذا الإيصال لا بإيصال آخر حتّى يلزم التسلسل ، بل لا معنى لإيصال آخر ; لأنّ تكرّر الإيصال إلى المطلوب ممتنع ، فلا يعقل تقييد الإيصال بإيصال آخر ، ولا تقييد الذات بإيصال زائد على هذا الإيصال ; لامتناع تكرّر الموصل والإيصال ، وهو واضح .

ومنها : أ نّه يستلزم أن يكون الشيء الواحد واجباً نفسياً وغيرياً ; حيث جعل ذو المقدّمة من مبادئ مقدّمته ، وبه يصير واجباً غيرياً ، كما هو واجب نفسي ، بل


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 290 .


(373)

يتعلّق به وجوبات غيرية بعدد المقدّمات(1) .

وأفحش منه : أ نّه يستلزم أن يكون ذو المقدّمة موصلا إلى نفسه .

والجواب : أنّ المتّصف بالوجوب هو الشيء الذي يوصل إلى الصلاة ; بحيث يتحقّق فيه أمران : أحدهما كونه موقوفاً عليه ، وثانيهما كونه موصلا إلى الصلاة ، ونفس الصلاة ليست موقوفاً عليها ولا موصلة إلى نفسها ، وتوقّف وصف المقدّمة على وجوده لايستلزم تعلّق الوجوب عليه .

ومنها : ما عن المحقّق الخراساني من أ نّه لايعقل أن يكون الغرض الداعي إلى إيجاب المقدّمات هو ترتّب الواجب عليها ; فإنّ الواجب ـ إلاّ ما قلّ كالتوليدية  ـ تتوسّط الإرادة بينه وبين مقدّماتها ، والالتزام بوجوب الإرادة التزام بالتسلسل(2) .

قلت : الظاهر أ نّه ناش من وقوع خلط في الإيصال ; فإنّ المراد منه ما يكون موصلا ـ  ولو مع الوسائط  ـ ويتعقّبه الواجب قطعاً . فالخطوة الاُولى في السير إلى غاية ـ  مثلا  ـ قد تكون موصلة ـ  ولو مع وسائط  ـ وقد لاتكون موصلة ، والواجب هو القسم الأوّل .

وأ مّا ما ربّما يكرّر في كلماته من عدم اختيارية الإرادة وكونها غير قابلة لتعلّق الأمر بها فقد عرفت خلافه آنفاً . كيف ، والتعبّديات كلّها من هذا الباب ؟ وقد وقعت القصد مورد الوجوب ، وقد أوضحنا حقيقة الإرادة واختياريتها في مباحث الطلب والإرادة .

على أنّ الإشكال فيها مشترك الورود ; إذ بناءً على وجوب المقدّمة المطلقة تكون الإرادة غير متعلّقة للوجوب أيضاً ; لاستلزامه التسلسل على مبناه .


1 ـ لمحات الاُصول : 154 .
2 ـ كفاية الاُصول : 145 ـ 146 .


(374)

ومنها : أنّ الإتيان بالمقدّمة ـ بناءً على وجوب خصوص الموصلة  ـ لايوجب سقوط الطلب منها حتّى يترتّب الواجب عليها ، مع أنّ السقوط بالإتيان واضح ، فلابدّ وأن يكون لأجل الموافقة(1) .

وفيه : أ نّه مصادرة ; إذ القائل بوجوب المقدّمة الموصلة لايقول بسقوط مالم  يحصل الوصف ولم يتحقّق القيد ، كما هو الحال في جميع المقيّدات ; إذ الأمر متعلّق بإتيان المقيّد ، والذات لم يتعلّق بها أمر على حدة ، كذات المقدّمة على القول بالمقدّمة الموصلة .

فتلخّص : أ نّه لا مانع على القول بوجوب الموصلة من المقدّمات ثبوتاً ، وأ مّا مقام الإثبات فسيجيء توضيح الحال فيه(2) .

القول في وجوب المقدّمة حال الإيصال

وهو القول الخامس الذي نختم به الآراء في هذا الباب ، واختاره شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ وبعض المشايخ من أهل العصر ; حيث إنّهم لمّا وقفوا على أنّ فطرتهم تقضي بوجوب المقدّمة الموصلة ، واستصعبوا بعض ما مرّ من الإشكالات فاختاروا أنّ الواجب هو المقدّمة حال الإيصال لا بشرط الإيصال ; كي يسلم عن الإيراد ، ولايتخلّف عن حكم الفطرة مهما أمكن .

وتوضيح مقالته : أ نّه يمكن أن يتعلّق الطلب بالمقدّمات في لحاظ الإيصال ، لا مقيّداً به حتّى يلزم المحذورات السابقة ، ولا مطلقاً عن حال الإيصال حتّى يكون


1 ـ كفاية الاُصول : 146 .
2 ـ يأتي في الصفحة 378 .


(375)

الواجب مطلق المقدّمة ، بل الواجب هي المقدّمات المنتظمة الواقعة بحسب الواقع في سلسلة مبادئ المطلوب .

والعلّة في ذلك هو أنّ ذاتها وإن كانت مورداً للإرادة لكن كما كانت مطلوبية المقدّمات في ظرف ملاحظة مجموعها معها لم يكن كلّ واحد من الأجزاء مراداً بنحو الإطلاق ; بحيث يسري الإرادة إلى حال انفكاكه عن باقيها ، ولابنحو التقييد ; ليلزم المحاذير المتقدّمة .

والحاصل : أنّ المولى إذا تصوّر جميع المقدّمات الملازمة لوجود المطلوب أرادها بذواتها ; لأ نّها بهذه الملاحظة لاتنفكّ عن المطلوب الأصلي ، ولو لاحظ مقدّمة منفكّة عمّا عداها لايريدها جزماً ; إذ المطلوبية في ظرف ملاحظة المجموع الذي لاتنفكّ عن المطلوب الأصلي . والمراد من لحاظ الإيصال ليس دخالة اللحاظ ، وإنّما اُخذ هو مرآةً لما هو الواجب .

فظهر : أنّ الواجب هو ذات المقدّمات في حال ترتّبها وعدم انفكاكها عن ذيها ، لا مطلقة عن الإيصال ولا مقيّدة به ; وإن كان لاينطبق إلاّ على المقيّدة(1) . هذا توضيح مرامه ، وسيجيء توجيه كلامه ، فارتقب .

وما عـن بعض المحقّقين مـن أهل العصر : أنّ الـواجب هـو المقدّمـة في ظرف الإيصال بنحو القضيـة الحينيـة ـ أي الحصّـة من المقدّمـة التوأمـة مع وجـود سائر المقدّمات الملازمة لوجود ذيها(2) ـ يرجع لبّاً إلى ما اختاره شيخنا  العلاّمة ـ قدس سره ـ  ، الشريف .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 119 .
2 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 389 و 392 .


(376)

وكيف كان فيرد على التقرير الأوّل : أ نّه إن كان حال الإيصال دخيلا في حصول الإرادة فلا محالة تكون قيداً للمتعلّق ; إذ لايعقل دخالته مع عدم أخذه شطراً أو شرطاً ; وإن لم يكن دخيلا فالموضوع ـ لا محالة ـ خلو عن هذه الحال ، فيصدق مع عدمه أيضاً ، وعلى أيّ تقدير لايستلزم المطلوب .

وإن شئت قلت : إنّ حال عدم انفكاك المقدّمات عن المطلوب إن لم تكن دخيلة في وجوب المقدّمة فيكون تعلّق الوجوب عليها في هذه الحالة من باب الاتّفاق لا الدخالة ، فلا يعقل رفع الوجوب عنها مع زوال تلك الحالة ; لأنّ تمام الموضوع للحكم هو نفس الذات ، فلا يعقل مع بقائه رفع الحكم ; وإن كانت دخيلة ، أيّ نحو فرض دخلها . فينطبق على ما اختاره صاحب «الفصول» ـ قدس سره ـ  .

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده بعض المحقّقين من التمسّك بحديث الحصّة ، وقد أوعزنا إلى بطلانه غير مرّة(1) ; لأنّ تحصّص الطبيعة وافتراقها عن سائر الحصص في الذهن أو الخارج لأجل انضمام قيود وحدود بها تصير متميّزة عن غيرها ، وإلاّ فهي باقية على إطلاقها ، والتوأمية إذا صارت موجبة لصيرورتها حصّة خاصّة تصير قيداً لها . وما ذكر ليس إلاّ تعويضاً للاسم .

فإن قلت : إنّ أفعال العقلاء وإراداتهم بما أ نّها معلّلة بالأغراض والغايات لها ضيق ذاتي بتبع الأغراض ; فالعلّة الغائية في وعاء التصوّر لها نحو دخالة في تضيّق الإرادة ; إذ لا يعقل تعلّق الإرادة بشيء أوسع ممّا قام به الغرض .

وهذا نظير الضيق في المعاليل التكوينية ; فإنّ للحرارة الخارجية نحو ضيق من جانب علّته لا على نحو التقييد ; لامتناع تقييد المعلول بوجود علّته في مرتبة


1 ـ تقدّم في الصفحة 27 و 98 ـ 99 و 103 .


(377)

المعلولية ، ولا على نحو الإطلاق أيضاً ، وإلاّ يلزم أن يكون أوسع من علّته ، بل على وجه لاينطبق إلاّ على المقيّد .

وعليه : فالغاية لإيجاب المقدّمة هو التوصّل إلى ذيها ، فالموصلية من قبيل العلّة الغائيـة لبروز الإرادة وتعلّق الوجـوب على المقدّمـة ، فلا يعقل أن يسري الإرادة إلى ما لا يترتّب عليه تلك الغاية ، وإلاّ لزم أن يكون السراية بلا غايـة ، بل بلا فاعل أيضاً ; لأنّ العلّة الغائيـة علّـة فاعلية الفاعل ، فإذا فقدت الغاية انتفى الفاعل أيضاً .

كما لايعقل أن تكون مقيّدة بالعلّة الغائية ; لأ نّها متقدّمة تصوّراً متأخّرة وجوداً ، وما شأنه التأخّر وجوداً لايصير قيداً بوجوده لما يتقدّم عليه بوجوده ، وإلاّ لزم تجافي الموجود عن رتبته ، فليس الواجب مطلق المقدّمة ; ولا المقيّدة بالإيصال ، بل مالا ينطبق إلاّ على المقيّد .

قلت : ما قرّرته بصورة الإشكال يؤيّد كون الواجب هو المقدّمة الموصلة ، وتوضيحه : أنّ الأحكام العقلية غير الأحكام الجعلية ، فإنّ الثانية إنّما تتعلّق بموضوعاتها وعناوينها ; وإن كان الملاك شيئاً آخر ، بخلاف الاُولى فإنّ الحكم فيها يتعلّق بالملاك وما هو المناط ، فالجهات التعليلية فيه تصير من قيود الموضوع ، كما سيجيء توضيحه في نقل ما استدلّ به صاحب «الفصول» .

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أنّ الوجوب هاهنا مستكشف من حكم العقل ، ولا يمكن تخلّفه عمّا هو مناطه في نظره ; ضرورة أنّ العقل إذا أدرك حيثية تامّة لتعلّق حكمه عليها فلا محالة يكون حكمه على تلك الحيثية ، كما لايستكشف حكماً إلاّ متعلّقاً بتلك الحيثية أيضاً دون موضوع آخر .


(378)

فحينئذ لو فرضنا أنّ وجوب المقدّمة لأجل التوصّل إلى ذيها ـ كما قد قبله هؤلاء الأعلام ـ فيكون تلك الحيثية ـ أعني التوصّل إلى ذيها ـ تمام الموضوع لحكم العقل نفسه ، كما هو الموضوع لا غيرها لحكمه الذي استكشفه من الشارع ، وقد تقدّم أ نّه يمتنع أن يكشف حكماً أوسع ممّا أدركه مناطاً . فاللازم هو وجوب المقدّمة المتحيّثة بها ; من حيث إنّها كذلك ، ولايمكن أن تصير تلك الحيثية علّة لسراية الحكم إلى غيرها ، ولا معنى لجعل الحكم على ذات المقدّمة مع الاعتراف لما هو المناط لحكم العقل .

وأ مّا حديث امتناع تقييد الشيء بعلّته أو غايته فإنّما هو في العلل التكوينية والغايات الواقعية ، فيمتنع تقييدها بمعلولاتها ، لا في الأحكام والموضوعات ; إذ يمكن أن يتعلّق الحكم بالمقدّمة المتقيّدة بالإيصال ، وكذا الحبّ والإرادة ، من غير لزوم التجافي في نفس الأمر .

وبالجملة : المقدّمة قد تكون موصلة ، وقد لاتكون كذلك ، فحينئذ يمكن أن يتعلّق الإرادة بالموصلة بما هي كذلك وكذا يمكن أن يجعل الحاكم موضوع حكمه كذلك ، وإن لم يكن الواقع مقيّداً ، كما أ نّه يمكن أن يصير موضوع الإرادة والحكم اُموراً غير مربوطة في نفس الأمر ومربوطة في موضوعية الحكم والإرادة ، كما في الموضوعات الاعتبارية والمركّبات الاختراعية .

الاستدلال بالدليل العقلي على وجوب المقدّمة الموصلة

ثمّ إنّ التحقيق على فرض الملازمة بين الوجوبين هو وجوب المقدّمة الموصلة ، وقد استدلّ عليه صاحب «الفصول» بوجوه ; أمتنها ما ذكره أخيراً من أنّ


(379)

المطلوب بالمقدّمة مجرّد التوصّل بها إلى الواجب ، فلا جرم يكون التوصّل بها إليه ، وحصوله معتبراً في مطلوبيتها ، فلا تكون مطلوبة إذا انفكّت عنه(1) .

ولايخفى : أنّ ما ذكره ينحلّ إلى مقدّمتين ، ونقول توضيحاً لمراده :

أ مّا الاُولى منهما : فلأنّ الميز بين المطلوب الذاتي والعرضي هو أنّ السؤال يقف عند الاُولى دون الثانية ، فلو اُجيب عن قول السائل لماذا وجبت المقدّمة ؟ بأ نّها موقوف عليها ; سواء توصل بها أم لا لَما ينقطع سؤالـه لو استشعر بأنّ المقدّمـة في حدّ ذاتها غير محبوبة ولا مطلوبة ، فيختلج في باله أنّ الإيجاب بنحو الإطلاق لماذا ؟

نعم ، لو اُجيب بأ نّها وجبت كي يتوصّل بها إلى المقصد والغرض الأعلى لوقف عن التزلزل ، واستراح فكره ، وبعبارة اُخرى : أنّ ملاك مطلوبية المقدّمة ليس مجرّد التوقّف ، بل ملاكه هو حيثية التوصّل بها إلى ذي المقدّمة ، فذات المقدّمة وحيثية توقّف ذيها عليها لاتكونان مطلوبتين بالذات ، ويشهد عليه الوجدان ; إذ المطلوبية الغيرية إنّما هي لأجل الوصول إليه ، بل لو فرض إمكان انفكاك التوقّف والتوصّل خارجاً كان المطلوب هو الثاني دون الأوّل .

وأ مّا الثانية : فبما أسمعناك من الفرق بين القوانين الجعليـة والأحكام العقلية ; فإنّ الغايات عناوين الموضوعات في الثانية ; ولذلك ترجع الجهات التعليليـة فيها إلى التقييدية دون الاُولى ; إذ يصحّ فيها جعل الحكم على عنوان يترتّب عليه الغاية دون نفس الغاية والملاك ، لجهل المكلّف بما هو المناط كجعل الحكم على الصلاة التي هي عدّة أفعال ، ولكن الملاك واقعاً هي غاياتها المترتّبة


1 ـ الفصول الغروية : 86 / السطر22 .


(380)

المجهولة ، ولا يصحّ ذلك في المستكشفات العقلية ; لتحليل العقل وتجزئته ما هو دخيل عمّا ليس كذلك .

وبذلك يظهر : أنّ كون الأحكام الشرعية متعلّقة بالعناوين لأجل المصالح والمفاسد لايكون نقضاً للقاعدة المبرهنة في محلّه ، وقد أوعزنا إليه في جواب الإشكال المتقدّم .

وحاصل الكلام في توضيح هذه القاعدة : أنّ حكم العقل بحسن شيء أو قبحه إنّما هو لأجل اشتماله على وجود ملاك فيه ، فلو فرضنا ذاتاً واحدة جامعة لحيثيات ـ  كالمقدّمة  ـ وفرضنا أنّ ما هو الوجه لحكمه أحد الحيثيات دون غيرها ـ  كما أوضحناه في المقدّمة الاُولى ـ فلا حكم للعقل إلاّ على هذه الحيثية دون غيرها .

فلو حكم مع هذا الإدراك على الذات المجرّدة أو على حيثية اُخرى لكان حكماً بلا ملاك ، وهو لايتصوّر في الأحكام العقلية . فما هو موضوع للحسن أو القبح هو هذا الملاك ، والموصوف بالملاك يكون محبوباً بالعرض والمجاز .

فاتّضح : أنّ ما هو الغرض من الإيجاب هو التوصّل في نظر العقل ببركة المقدّمة الاُولى ، وأنّ الموضوع للحكم هو هذه الحيثية لاغير بمقتضى المقدّمة الثانية ، والمحصّل هو وجوب المقدّمة الموصلة على فرض الملازمة .

وبما قرّرناه يظهر : اندفاع ما زعمه المحقّق الخـراساني إشكالا للمطلب مـن أنّ الغرض من وجوب المقدّمة ليس إلاّ حصول ما لولاه لما أمكن حصول ذيها . . . إلى آخره(1) .

وفيه : أ نّك قد عرفت أنّ السؤال لايقف لو اُجيب بما جعله غاية للإيجاب .


1 ـ كفاية الاُصول : 145 .


(381)

ومثله في الضعف : ما أفاده بقوله من أ نّه لايعقل أن يكون ترتّب الواجب هو الغرض الداعي ; فإنّه ليس أثر تمام المقدّمات ; فضلا عن إحداها .

هذا ، وقد بان جوابه ممّا مرّ ; لأ نّه مبني على القول بامتناع وقوع الإرادة متعلّق الأمر ، وقد تقدّم(1)  صحّـة وقوعه في التعبّديات . ويمكن أن يقال ـ  مع تسليمه على تقدير خروج الإرادة منها  ـ إنّ المراد من الموصلة هو سائر المقدّمات التي يتوصّل بها إلى الواجب بعد ضمّ الإرادة إليها على نحو لايحتاج حصول الواجب إلى أزيد من انضمام إرادة المكلّف إليها ، فالغرض بهذا المعنى مترتّب دائماً على المقدّمات .

وتوهّم استلزامه دخول الغاية في حدّ ذيها لايضرّ بالنسبة إلى الأحكام العقلية التي ترجع القيود التعليلية فيها إلى التقييدية ، وتبدّل الغايات إلى عناوين الموضوعات .

وبالتدبّر فيما حقّقناه من أ نّه قيد للواجب بالمعنى الاسمي لا الانتزاعي تعرف حال بقية الإشكالات ، فتدبّر .

ثمّ إنّ بعض الأعيان من المحقّقين ـ مع اعترافه بأنّ الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية كلّها ترجع إلى التقييدية ، وأنّ الغايات عناوين للموضوعات ـ وجّه كلام القائل بالمقدّمة الموصلة بوجهين :

الأوّل : أنّ الغرض الأصيل حيث إنّه مترتّب على وجود المعلول فالغرض التبعي من أجزاء علّته هو ترتّب وجوده على وجودها إذا وقعت على ما هي عليه ; من اتّصاف السبب بالسببية والشرط بالشرطية . فوقوع كلّ مقدّمة على صفة المقدّمة الفعلية ملازم لوقوع الاُخرى على تلك الصفة ، وإلاّ فذات الشرط المجرّد عن


1 ـ تقدّم في الصفحة 370 و 373 .


(382)

السبب أو بالعكس مقدّمة بالقوّة لا بالفعل ومثلها غير مرتبط بالغرض الأصيل(1) .

وفيه : أنّ الوجه في العدول عن المقدّمة الموصلة إلى المقدّمة الفعلية غير ظاهر ; سوى الفرار عن الإشكالات المتوهّمة المردودة ، وقد عرفت حالها .

أضف إليه : أنّ ما هو الملاك في نظر العقل إنّما هو حيثية التوصّل ، لا كونها مقدّمة بالفعل ، ولا اتّصاف السبب بالسببية والشرط بالشرطية .

وعليه : يكون المتعلّق بالذات للإرادة هو المقدّمة بهذه الحيثية لا بحيثيات آخر ، وأ مّا السبب الفعلي بما هو كذلك لا تتعلّق به الإرادة بهذه الحيثية . وكون السبب الفعلي ملازماً لحصول المطلوب في الخارج لايوجب أن تكون مطلوبة بالذات ، وكذا سائر العناوين ; من العلّة التامّة وكلّ ما هو ملازم لوجود المطلوب .

الثاني : أنّ المعلول لمّا كان متعلّق الغرض فلا محالة تكون علّته التامّة متعلّقة للغرض بالتبع ، وكما أنّ الإرادة المتعلّقة بالمعلول واحدة ـ  وإن كان مركّباً  ـ كذلك الإرادة المتعلّقة بالعلّة التامّة واحدة ـ  وإن كانت مركّبة  ـ والملاك في وحدة الإرادة هو وحدة الغرض . فالإرادة المتعلّقة بالعلّة المركّبة لايسقط إلاّ بعد حصولها الملازم لحصول المعلول(2) ، انتهى .

قلت يرد عليه مضافاً إلى ما أوردنا على الوجه الأوّل ـ من أنّ ما هو الملاك عند العقل هو حيثية الموصلية ; إذ غيرها من العناوين الملازمة لها مطلوب بالعرض ، فالعلّة التامّة بما هي كذلك لا تتعلّق بها إرادة ـ أنّ العلّة المركّبة بما أ نّها ذات أجزاء ـ من شرط وسبب ومعدّ وعدم المانع ـ وليست بينها جامع ذاتي


1 ـ نهاية الدراية 2 : 138 .
2 ـ نفس المصدر .


(383)

ولا يكون من قبيل التوليديات ، تتعلّق بكلّ واحد إرادة مستقلّة ; لوجود مناط الوجوب في كلّ واحد من التوصّل إلى ذيها .

وبعبارة اُخرى : أنّ العلّة التامّة في العلل المركّبة عنوان ينتزع من اُمور مختلفة في التأثير ، ولايتعلّق بهذا العنوان الانتزاعي غرض ولا إرادة . فلا محيص عن القول بأنّ العقل يفصّل الاُمور ويحلّلها ويعطي كلّ جزء حقّه ، فشأنه تفكيك الاُمور لا تلفيقها ، ولا رؤية المجموع وإهمال الحيثيات .

ثمرة القول بالمقدّمة الموصلة

بقي شيء : وهو البحث عن ثمرة المقدّمة الموصلة ، وهي تظهر في تصحيح العبادة ، بناءً على أنّ ترك الضدّ مقدّ