welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : تهذيب الأُصول_الجزء الأوّل*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تهذيب الأُصول_الجزء الأوّل

تهذيب الأُصول

الجزء الأوّل

تقرير ابحاث الأُستاذ الأعظم والعلامة الأفحم

آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي
الإمام الخميني - قدس سره -

تأليف

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

هوية الكتاب

*   اسم الكتاب :   تهذيب الاُصول / ج1 *

*   المؤلف :   آية الله الشيخ جعفر السبحاني التبريزي *

*   تحقيق ونشر :   مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني1 *

*   سنة الطبع :   شهريور 1381 ـ جمادي الثانية 1423 *

*   الطبعة :   الاُولى *

*   المطبعة :   مطبعة مؤسسة العروج *

*   الكمية :   3000 نسخة *


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم


(4)

شكر وتقدير

نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير إلى الإخوة ا لأجلاّء الذين ساهموا في انجاز هذا الأثر :

المساعـدون في التحقيق : إبراهيم طاهـرى كيا ، محمود أيـوبي، سيّد مرتضى سيّد إبراهيمي ، علي كريمي ، علي رضا نخبة روستا .

المقابلة : حجـة الله أخضري ، محمد علي حسـن زاده ، محمد حسـن عباسي ، حسن علي منصوري .

وضع علامات الترقيم : رضا حسيني فر .

صف الحروف والإخراج الفنّي : فلاح المظفر .


(5)

مقدّمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمـد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين

أمّا بعد، فإنّ كتاب «تهذيب الاُصول» تأليف الاُستاذ الفقيه الاُصولي المتكلّم  البارع آية الله الشيخ جعفر السبحاني التبريزي دام ظلّه هو أوّل ما طبع ونشر من التراث الفكري للإمام الخميني ـ قدس سره ـ ، وقد ظلّ لعدّة عقود المرجع الوحيد في  معرفة آراء الإمام الاُصولية، وانفرد بخصائص ومزايا جعلته في عداد التقريرات  الاُصولية المهمّة والمعتبرة، حيث تصدّى الإمام الراحل بنفسه الشريفة لتصحيح المجلّد الأوّل منه، كما قرّظ التقرير ومقرّره بما يدلّ على جلالتهما و  عظمتهما، مضافاً إلى ما حظي به الشيخ حفظه الله من عطف الإمام وحنانه فقد كان له شأن عند الإمام ـ قدس سره ـ ، وروابط حميمة دعته إلى الإكثار من الزيارات الخاصّة لبيته طاب ثراه، فكان يستفيد في زمان التأليف من مصنّفاته الخطّية و إفاضاته الشفوية.

هذا، مع جمع التقرير بين الدورتين الاُصوليتين الاُولى والثانية اللتين ألقاهما الإمام ـ قدس سره ـ على الأفاضل من تلامذته في مدينة قم المقدّسة.


(6)

و من هنا قامت مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ بتجديد طبع  الكتاب بنحو يتميّز على جميع ما سبقته من طبعات، كما سيلمسه القارئ الكريم بنفسه.

منهجنا في التحقيق

1 ـ تقطيع المتن وتزيينه بعلامات الترقيم المتعارفة .

2 ـ إضافة عناوين بهدف تسهيل عملية مراجعة الكتاب ومطالعته .

3 ـ استخراج الآيات القرآنية مع الإشارة إلى مصادر الأحاديث الأصلية كالكتب الأربعة وإلى الناقلة عنه كالوسائل .

4 ـ استخراج الأقوال والآراء الاُصولية واللغوية وغيرها على قدر ما عثرنا عليها .

وجدير بالذكر أنّ التغييرات والإضافات وقعت في المتن بالنسبة إلى الطبعات السابقة كانت بإشراف المؤلّف نفسه .

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يوفّقه وإيّانا لما فيه الخير والصلاح ، وأن يختم لنا جميعاً بالحسنى إنّه سميع الدعاء .

مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ فرع قم المقدّسة                 


(7)

مقدّمة المؤلّف لهذه الطبعة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل رسله وخاتم أنبيائه محمّد ، وآله الطيبين الطاهرين

أ مّا بعد :

فإنّ المحاضرات الاُصولية التي ألقاها سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني ـ قدس سره ـ قد قمت بتدوينها قبل أكثر من خمسة عقود(1)  وقد أشرف على كتابتها سيّدنا الاُستاذ ـ قدس سره ـ بعطف وحنان .

ولما كانت الطبعات السابقة لا تجاوب روح العصر قامت مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ بتجديد طبعها ، مزانة بإرجاع المطالب إلى مصادرها وإصلاح ما وقع فيها من أخطاء وهفوات .

فها أنا أتقدّم بالشكر الجزيل إلى المؤسّسة المذكورة وإدارتها وكلّ من يقوم فيها بخدمات علمية باهرة ، وأرجو من المولى سبحانه أن يأخذ بأيديهم ويوفقهم لما فيه رضاه .

جعفر السبحاني             
قم ـ مؤسّسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ 4 ربيع الأوّل من شهور عام 1423 ق


1 ـ ابتدء(قدس سره) بتدريس مباحث الاُصول في شهر شوال عام 1370ق وفرغ منها عام 1377ق .


(8)

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. وبعد: فممّا منّ الله تعالى على هذا العبد اتفاق صحابة جمّ من الأفاضل وعدّة من الأعلام أيّدهم الله تعالى منهم العالم العلَم التقي صاحب الفكر الثاقب والنظر الصائب الأغا ميرزا جعفر السبحاني التبريزي وفّقه الله تعالى لمرضاته وكثّر الله أمثاله ولقد جدّ واجتهد في تنقيح مباحث الألفاظ من بحث هذا الفقير بحسن سليقته وتوضيحها بجودة قريحته فصار بحمد الله وله المنّة صحيفة كافلة لمهمّات المسائل فاسئل الله تعالى توفيقه لاتمام ساير المباحث وتأييده لبذل الجهد في طريق الحقّ وسبيل الهدى. في تاريخ 24 شهر ربيع المولود 1375 حرّره روح الله الموسوي الخميني عفي عنه


(9)

الحمد لله ربّ العالمين ، بارئ الخلائق أجمعين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين .

أ مّا بعد : فإنّ العلم من أهمّ البضائع المعنوية ، وأعظم الكمالات النفسانية ، وقد شرف علم الفقه من بين ذلك ; لاتّصاله بالله سبحانه ، وحفظه نظام المكلّفين بالنسبة إلى معادهم ومعاشهم جميعاً ، كما شرف بشرفه علم الاُصول ; لتوقّف الفقه والفقاهة عليه .

وإنّني بإمداد الله سبحانه ممّن توفّق للغور في هذا الفنّ والتحرير والدراسة فيه ، وقد جعلتُ محور استفادتي في هذا الفنّ بحث سيّدنا الاُستاذ الأكبر ، الحاج آغا روح الله الخميني ، أدام الله أظلاله على رؤوس المسلمين .

فجاء ـ بحمد الله ـ ما كان أفاده وألقاه في حوزة درسه ـ مجتمعاً ـ في هذه الأوراق والصحائف ، وبعد أن تمّ نظامه ، وتمسّك ـ بحمد الله ـ ختامه طلب منّي غير واحد من الأجلاّء الكرام والأصدقاء العظام تزئينه بالطبع والنشر ; ليعمّ نفعه ويكثر فيضه ; فأجبت مسؤولهم ، وسمّيته بـ «تهذيب الاُصول» .

وأسأل الله أن يوفّقنا لمراضيه ، ويجعل مستقبل أمرنا خيراً من ماضيه .

وكتابنا هذا يحتوي على مقدّمة ومقاصد :


(10)

المقدّمة

قبل الخوض في تحقيق المسائل الاُصولية يبحث عن اُمور جرت السيرة على البحث عنها ; وهي اُمور وموضوعات لها ارتباط بالمسائل المُعنونة في المباحث الاُصولية .


(11)

الأمر الأوّل
في حال العلوم وموضوعها
ووحدتها ومسائلها وتميّز بعضها عن بعض وغيرها

فنقول : إنّك إذا تفحّصت العلوم المدوّنة الدائرة بين أبناء عصرنا ـ من علمية وعملية ، وحقيقية واعتبارية ـ يتّضح لك تكامل العلوم في عصر بعد عصر ، من مرتبة ناقصة إلى مرتبة كاملة ; بحيث كانت في أوّل يومها الذي دوّنت وانتشرت عدّة مسائل متشتّة ، تجمعها خصوصية كامنة في نفس المسائل ، بها امتازت عن سائر العلوم ، وبها عدّت علماً واحداً ، فجاء الخَلف بعد السلف في القرون الغابرة ، وقد أضافوا إليها ما تمكّنوا عنه وما طار إليه فكرتهم ; حتّى بلغ ما بلغ ; بحيث تعدّ بآلاف من المباحث ، بعد ما كانت أوّل نشوئها بالغاً عدد الأصابع .

وينبّئك عن هذا ما نقله الشيخ الرئيس في تدوين المنطق عن المعلّم الأوّل : من أ نّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلاّ ضوابط غير مفصّلة ، وأ مّا تفصيلها وإفراد كلّ قياس بشروطه فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا(1) .


1 ـ اُنظر شرح المنظومة ، قسم المنطق : 6 ـ 7 ، الشفاء ، قسم المنطق 4 : 113 .


(12)

وأمامك علم الطبّ ; فقد تشعّب وانقسم عدّة شعبات من كثرة المباحث وغزارة المسائل ، حتّى أنّ الرجل لايتمكّن اليوم من الإحاطة بكلّ مسائله أو جلّها ، بل يتخصّص في بعض نواحيه ، بعد ما كان جميع مسائله مجتمعاً في كتاب ، وكان من المرسوم الدائر قيام الرجل الواحد بمداواة جميع الأمراض والعلل . وهذا هو الفقه ; فانظر تطوّره وتكامله من زمن الصدوقين إلى عصورنا الحاضرة .

اعتبارية وحدة العلوم

ثمّ إنّ وحدة العلوم ليست وحدة حقيقية ، بل وحدة اعتبارية ; لامتناع حصول الوحدة الحقيقية التي هي مساوقة للوجود الحقيقي من القضايا المتعدّدة ; لأنّ المركّب من جزئين أو أجزاء ليس موجوداً آخر وراء ما تركّب منه . اللهمّ إلاّ إذا حصل الكسر والانكسار ، وأخذت الأجزاء صورة على حدة غير موجودة في نفسها ، وهو الذي يعبّر عنه بالمركّب الحقيقي .

أضف إليه أنّ سنخ وحدة العلم تابع لسنخ وجوده ـ بل عينه على وجه دقيق ـ وليس العلم إلاّ عدّة قضايا متشتّتة ، ولهذه المتشتّتات ارتباط خاصّ وسنخية واحدة وخصوصية فاردة ، لأجلها قام العقلاء بتدوينها ، وعدّوها شيئاً واحداً ; فهي في عين تكثّرها واحد بالاعتبار ، ولأجله تجمع في كتاب أو رسالة ; لكي يبحث عنه في الجوامع ، وليس موجوداً واحداً مشخّصاً وراء الاعتبار ; فيكون ذا صورة ومادّة ، أو جنس وفصل ; حتّى يتقوّم ماهيته بالوجود الحقيقي .

نسبة موضوع المسائل إلى موضوع العلم

ثمّ إنّ ما اشتهر في الألسن ، وتلقّاه الأعلام بالقبول ; من أنّ قضايا العلوم


(13)

ليست إلاّ قضايا حقيقية ، وأنّ نسبة موضوع المسائل إلى موضوع العلم كنسبة الطبيعي إلى أفراده(1)  إنّما يصحّ في بعض منها ، كالعلوم العقلية والفقه واُصوله ; فإنّ غالب قضاياها حقيقية أو كالحقيقية ، والنسبة ما ذكروه في جملة من مسائلها ، دون جميع العلوم ; إذ قد يكون قضايا بعض العلوم قضايا جزئية ـ كالجغرافيا وأكثر مسائل علم الهيئة والتأريخ ـ وتكون النسبة بين موضوع المسائل وما قيل إنّه موضوع العلم نسبة الجزء إلى الكلّ ، وربّما يتّفق الاتّحاد بين الموضوعين كالعرفان ; فإنّ موضوعه هو الله ـ جلّ اسمه ـ وموضوع جميع مسائله أيضاً هو سبحانه ، وليسا مختلفين بالطبيعي وفرده والكلّ وجزئه .

وأسوأ حالا من هذا : ما اشتهر من أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية(2)  ـ سواء فسّرت بما نقل عن القدماء(3)  أو بما عن بعض المتأخّرين بأ نّها ما لا يكون لها واسطة في العروض(4) ـ إذ هو ينتقض بعلمي الجغرافيا والهيئة وما شابههما ممّا يكون النسبة بين الموضوعين نسبة الكلّ إلى أجزائه ; فإنّ عوارض موضوعات مسائلها لاتصير من العوارض الذاتية لموضوع العلم ـ على التفسيرين ـ إلاّ بنحو من التكلّف ; ضرورة أنّ عارض الجزء وخاصّته عارض لنفس الجزء الذي هو قسمة من الكلّ ومتشعّب عنه ، لا لنفس الكلّ الذي تركّب منه ومن غيره . اللهمّ إذا تشبّث القائل بالمجاز في الإسناد .


1 ـ راجع كفاية الاُصول : 21 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 22 .
2 ـ الفصول الغروية : 10 / السطر23 ، كفاية الاُصول : 21 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 21 .
3 ـ شرح الشمسية : 14 ـ 15 ، شرح المطالع : 18 ، الشواهد الربوبية : 19 .
4 ـ الحكمة المتعالية 1 : 30 ـ 34 .


(14)

واعطف نظرك إلى علم الفقه ; فتراه ذا مسائل ومباد ، مع أنّ البحث عنها ليس بحثاً عن الأعراض ; فضلا عن كونها أعراضاً ذاتية ; إذ الأحكام الخمسة ليست من العوارض بالمعنى الفلسفي ، أوّلا . اللهمّ إلاّ أن تعمّم الأعراض للمحمولات الاعتبارية بضرب من التأويل .

ولو سلّم كونها أعراضاً في حدّ نفسها فليست أعراضاً ذاتية لموضوعات المسائل ، ثانياً . إذ الصلاة بوجودها الخارجي لاتكاد تتّصف بالوجوب ; لأنّ الخارج ـ  أعني إتيان المأمور به  ـ ظرف السقوط بوجه لا العروض ، ولابوجودها الذهني ; لظهور عدم كونه هو المأمور به ، وعدم كون المكلّف قادراً على امتثال الصورة العلمية القائمة بنفس المولى .

والقول بكون الماهية معروضة لها مدفوع بأنّ الوجدان حاكم على عدم كونها مطلوبة ، بل معنى وجوبها : أنّ الآمر نظر إلى الماهية ، وبعث المكلّف إلى إيجادها ، فيقال : إنّ الصلاة واجبة ، من غير أن يحلّ فيها شيء ويعرضها عارض .

عدم وجود الموضوع لكلّ علم

وهناك مشكلة اُخرى  : وهو أنّ القوم قد التزموا ـ  عدا بعض المحقّقين من متأخّريهم(1) ـ على وجود موضوع للعلم ينطبق على موضوعات المسائل(2) ، وربّما يتمسّك في إثباته بقاعدة الواحد(3) ، التي لايكاد يخفى بطلان التمسّك بها هنا على


1 ـ نهاية الأفكار 1 : 10 .
2 ـ كفايـة الاُصول : 21 ، فوائـد الاُصـول (تقريـرات المحقّـق النائيني) الكاظمي 1 : 22 ، نهايـة الدراية 1 : 34 .
3 ـ كفاية الاُصول : 39 .


(15)

من له أدنى إلمام بالعلوم العقلية ; إذ هي تختصّ بالبسيط الحقيقي ، ولا تجري في مثل العلوم التي هي قضايا كثيرة ، يترتّب على كلّ قضية فائدةٌ غير ما يترتّب على الاُخرى ، وإن كان بين الفائدتين وحدة وربط بالسنخ .

مع أنّ حديث تأثير الجامع إذا اجتمعت المؤثّرات على أثر واحد قول فاسد ، لاينطبق إلاّ على قول الرجل الهمداني(1) .

وإن شئت قلت : إنّ السبر والتتبّع في العلوم ناهض على خلاف ما التزموه ; إذ العلوم ـ كما سمعت ـ لم تكن إلاّ قضايا قليلة قد تكمّلت بمرور الزمان ، فلم يكن الموضوع عند المؤسّس المدوّن مشخّصاً حتّى يجعل البحث عن أحواله .

وما تقدّم من علم الجغرافيا أصدق شاهد ; إذ العلم بأوضاع الأرض ; من جبالها ومياهها وبحارها وبلدانها لم يتيسّر إلاّ بمجاهدة الرجال قد قام كلٌّ على تأليف كتاب في أوضاع مملكته الخاصّة به ، حتّى تمّ العلم . ولم يكن الهدف في هذا البحث لدى هؤلاء الرجال العلم بأوضاع الأرض حتّى يكون البحث عن أحوال مملكته بحثاً عن عوارضها .

ونظيره علم الفقه ; فلم تكن الفقيه الباحث لدى تأسيسه ناظراً ولاحظاً فعل المكلّف حتّى يجعله موضوعاً لما يحمله عليه وما يسلبه عنه .

مع أنّ ما تخيّلوه موضوعاً للعلم لاينطبق على أكثر مسائل باب الضمان والإرث والمطهّرات والنجاسات وسائر الأحكام الوضعية ممّا هي من الفقه بالضرورة . كما أنّ ما تصوّروه موضوعاً للفنّ الأعلى لايطّرد ; لاستلزامه خروج


1 ـ راجـع رسالـة بعض الأفاضـل إلى علمـاء مدينـة السلام ، ضمن الـرسائل : 463 ، الحكمـة المتعالية 1 : 273 ـ 274 .


(16)

مباحث الماهيات ـ التي هي من أدقّ مسائله ـ عنه ، ونظيرها مباحث كيفية المعاد والأعدام والجنّة والنار .

والقول بالاستطراد أو التمسّك بما ذكره بعض الأكابر(1)  غير تامّ ، مع أنّ القضايا السلبية التحصيلية موجودة في مسائل العلوم ، وهي لاتحتاج إلى وجود الموضوع ، ولم تكن أحكامها من قبيل الأعراض للموضوعات ، بناءً على التحقيق فيها من كون مفادها سلب الربط(2) .

فتلخّص : أنّ الالتزام بأ نّه لابدّ لكلّ علم من موضوع جامع بين موضوعات المسائل ، ثمّ الالتزام بأ نّه لابدّ من البحث عن عوارضه الذاتية ، ثمّ ارتكاب تكلّفات غير تامّة لتصحيحه ، والذهاب إلى استطراد كثير من المباحث المهمّة التي تقضي الضرورة بكونها من العلم ، ممّا لا أرى وجهاً صحيحاً له ، ولا قام به برهان ، بل البرهان على خلافه .

في تمايز العلوم

كما أنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتّتة التي يناسب بعضها بعضاً ، فهذه السنخية والتناسب موجودة في جوهر تلك القضايا وحقيقتها ولا تحتاج إلى التعليل ، كذلك تمايز العلوم واختلاف بعضها يكون بذاتها .

فقضايا كلّ علم مختلفة ومتميّزة بذواتها عن قضايا علم آخر ، من دون حاجة إلى التكلّفات الباردة اللازمة من كون التميّز بالموضوع ، وقد عرفت عدم الحاجة


1 ـ الحكمة المتعالية 1 : 23 ـ 25 ، الشواهد الربوبية : 14 .
2 ـ راجع الاستصحاب ، الإمام الخميني(قدس سره) : 96 ـ 98 .


(17)

إلى نفس الموضوع ; فضلا عن كون التميّز به ، أو كون التميّز بالأغـراض ، وهـو أيضاً سخيف ; إذ الغرض ـ سواء كان غرض التدوين أم التعلّم ـ متأخّر عن نفس المسائل ; إذ هي فوائد مترتّبة عليها ، فيكون التميّز بنفس المسائل في الرتبة السابقة .

وعليك بالاختبار ; أترى التناسب الواقع بين مرفوعية الفاعل ومنصوبية المفعول موجوداً بين واحـد منها ، وبين المسائل الرياضية أو العقلية ، وهكذا مباحث سائر العلوم التي بأيدينا ; فنرى أنّ جهة التوحّد والتميّز هو تسانخ القضايا وتمايزها بالطبع .

وتداخل العلوم في بعض المسائل لايوجب أن يكون التميّز بالأغراض ; إذ كلّ علم مركّب من قضايا كثيرة ، وأكثر مسائله ممتاز غير متداخل فيه ، ولكنّه في بعضها ـ ولعلّه القليل ـ متّحد ومتداخل .

وعليه : فهذا المركّب بما أ نّه مركّب وواحد اعتباري مختلف ومتميّز أيضاً بذاته عن غيره ; لاختلاف أكثر أجزاء هذا المركّب مع أجزاء ذاك المركّب ; وإن اتّحدا في بعض ، ولكن النظر إلى المركّب بنظر التركّب والمركّب بما هو كذلك ممتاز عن غيره ; وإن اشترك معه في بعض الأجزاء .

وبذلك يتّضح : أنّ أكثر المباحث العقلية أو اللفظية ـ التي يكون البحث فيها أعمّ ـ لابأس بأن يعدّ من المسائل الاُصولية إذا اشترك مـع سائر مسائل الاُصول في الخصوصية التي بها عدّت علماً واحداً .

فالمسألة المتداخلة قضية واحدة ، لها سنخية مع هذا المركّب وذلك المؤلّف ، وتكون أدبية لحصول ما يبتغيه الأديب من تأسيس قاعدة لفهم كلام العرب واُصولية يطلبها الاُصولي لفهم كلام الشارع .


(18)

تعريف علم الاُصول وضابطة مسائله

بقي الكلام في تعريفه وفيه تحديد مسائل الاُصول . التعاريف المتداولة في ألسنة القوم لايخلو واحـد منها مـن إشكال ; طـرداً وعكساً . وأشهرها : «أ نّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلّتها التفصيلية»(1) .

واُورد عليه : بخروج الظنّ على الحكومة ، والاُصول العملية في الشبهات الحكمية(2) .

وقد عدل المحقّق الخراساني إلى تعريفه بـ «أ نّه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام ، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل»(3) . ويمكن أن يكون التعبير بالصناعة لأجل أ نّه من العلوم العملية ، كالهندسة العملية وكالمنطق ، أو للإشارة بكونه آلة بالنسبة إلى الفقه ، كالمنطق بالنسبة إلى الفلسفة .

وظنّي : أنّ هذا التعريف أسوأ التعاريف المتداولة ; لأ نّه لاينطبق إلاّ على مبادئ المسائل ; لأنّ ما يعرف به القواعد الكذائية هو مبادئ المسائل ، ولم يذهب أحد إلى أنّ العلم هو المبادئ فقط ، بل هو إمّا نفس المسائل ، أو هي مع مبادئها . هذا ، مضافاً إلى دخول بعض القواعد الفقهية فيه . اللهمّ إلاّ أن يراد بالصناعة العلم الآلي المحض .


1 ـ قوانين الاُصول 1 : 5 / السطر4 ، هـداية المسترشدين 1 : 97 ، الفصول الغرويـة : 9  /  السطر39 ، مناهج الأحكام والاُصول : 1 / السطر14 .
2 ـ كفاية الاُصول : 23 ـ 24 .
3 ـ نفس المصدر : 23 .


(19)

ويرد الإشكال الأخير على تعريف بعض الأعاظم من «أ نّه عبارة عن العلم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلّي»(1) ، وقد تصدّى لدفع الإشكال في أوائل الاستصحاب(2)  بما لايخلو من غرابة ، فراجع .

ويتلوه في الضعف ما ذكره بعض المحقّقين : من أنّ المدار في المسألة الاُصولية على وقوعها في طريق الاستنباط بنحو يكون ناظراً إمّا إلى إثبات نفس الحكم أو إلى كيفية تعلّقه بموضوعه ، وأنّ المسائل الأدبية لاتقع إلاّ في استنباط موضوع الحكم ، من غير نظر إلى كيفية تعلّقه عليه(3) .

وليت شعري : أيّ فرق بين مبحث المشتقّ ودلالة الفعل على الاختيار وما ضاهاهما من الأبحاث اللغوية ، وبين مبحث مفاد الأمر والنهي وكثير من مباحث العامّ والخاصّ التي يبحث فيها عن معنى «الكلّ» و«الألف واللام» ، بل المفاهيم مطلقاً ; حيث أخرج الطائفة الاُولى وأدخل الثانية ، مع أنّ كلّها من باب واحد تحرز بها أوضاع اللغة ، وتستنتج منها كيفية تعلّق الحكم بموضوعه . مضافاً إلى ورود القواعد الفقهية عليه أيضاً .

ويمكن أن يقال : بـ «أ نّه هو القواعد الآلية التي يمكن أن تقع في كبرى استنتاج الأحكام الكلّية الفرعية الإلهية أو الوظيفة العملية» ، فيخرج بالآلية القواعد الفقهية ; فإنّ المراد بها كونها آلة محضة ولاينظر فيها ، بل ينظر بها فقط ، والقواعد الفقهية ينظر فيها ، فتكون استقلالية لا آلية ; لأنّ قاعدة ما يضمن وعكسها حكم


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 19 و29 .
2 ـ نفس المصدر 4 : 308 ـ 309 .
3 ـ مقالات الاُصول 1 : 54 ، نهاية الأفكار 1 : 22 ـ 23 .


(20)

فرعي إلهي منظور فيها على فرض ثبوتها ، وقواعد الضرر والحرج والغرر كذلك ; فإنّها مقيّدات للأحكام بنحو الحكومة ، فلا تكون آلية وإن يعرف بها حال الأحكام . وأ مّا خروج بعض الاُصول العملية فلا غرْو فيه ، على فرضه .

وإنّما قلنا : «يمكن أن تقع» لأنّ مناط الاُصولية هو الإمكان لا الوقوع الفعلي ، فالبحث عن حجّية القياس والشهرة والإجماع المنقول بحث اُصولي ، وخرج مباحث سائر العلوم بقولنا «تقع كبرى» . ولم نقيّد الأحكام بالعملية لعدم عملية جميع الأحكام ، كالوضعيات وكثير من مباحث الطهارة وغيرها . وإضافة «الوظيفة» لادخال مثل الظنّ على الحكومة .

ولم نكتف بـ «أ نّه ما يمكن أن تقع كبرى استنتاج الوظيفة» لعدم كون النتيجـة وظيفة دائماً ، كالأمثلة المتقدّمة ، وانتهاؤها إلى الوظيفة غير كونها وظيفة .

ثمّ إنّ المسائل المتداخلة بين هذا العلم وغيره ، ككثير من مباحث الألفاظ ـ  مثل ما يبحث فيه عن الأوضاع اللغوية ، كدلالة طبيعة الأمر على الوجوب والنهي على الحرمة ودلالة أداة الحصر على مدلولها وكمداليل المفردات والمركّبات  ـ يمكن ادخالها فيه وتمييزها عن مسائل سائر العلوم بكونها آلة محضة ، فالاُصولي يبحث عنها بعنوان الآلية والوقوع في كبرى الاستنتاج وغيره بعنوان الاستقلالية أو لجهات اُخر .

ويمكن الالتزام بخروجها ، وإنّما يبحث الاُصولي عنها لكونها كثير الدوران في الفقه ; ولذا لم يقتنع بالبحث عنها في بعض مباحث الفقه ، والأمر سهل .


(21)

الأمر الثاني
في الواضع وحقيقة الوضع

إنّ من العسير جدّاً تحليل اُصول الألسنة المتنوّعة المنتشرة في أرجاء الدنيا وأطراف العالم ، والذي يمكن الاعتماد عليه ـ ويؤيّده العلم والتجربة ـ هو تكامل الإنسان قرناً بعد قرن في شؤونه وأطواره في عيشته وحياته ، وفيما يرجع إليه من النواحي الاجتماعية والمدنية ، بعد ما كان خلواً من هذه الجهات الحيوية .

ومن تلك النواحي تكثّر لسانه وتزايد أفراده ، بل توسّع لسان واحد على حسب مرور الزمان ووقوفه أمام تنوّع الموجودات والمصنوعات ; فاللسان الواحد ـ  كالعربي أو العبري  ـ لم يكن في بدء نشأته إلاّ عدّة لغات معدودة ، تكمّلت على حسب وقوفهم على الأشياء ، مع احتياجهم أو اشتياقهم إلى إظهار ما في ضمائرهم إلى أن بلغت حدّاً وافياً ، كما هو المشاهَد من المخترعين وأهل الصنعة في هذه الأ يّام .

نعم ، تنوّع أفراده إنّما هو لأجل تباعد الملل وعدم الروابط السهلة بين الطوائف البشرية ; فاحتاج كلّ في إفهام مقاصده إلى وضع ألفاظ وتعيين لغات .

وعليه : فليس الواضع شخصاً واحداً معيّناً ، بل اُناس كثيرة وشِرذِمة غير


(22)

قليلة ، على اختلافهم في العصور وتباعدهم في الزمان .

وما عن بعضهم من أنّ الواضع هو الله تعالى ، وقد ألهم بها أنبيائه وأوليائه ; مستدلاّ بلزوم العلاقة بين الألفاظ ومعانيها ; دفعاً للترجيح بلا مرجّح ، وامتناع إحاطة البشر على خصوصيات غير متناهية(1) .

غير مسموع ; إذ المرجّح لاينحصر في الرابطة بين اللفظ والمعنى ، بل قد يحصل الترجيح باُمور اُخر ، كسهولة أدائه أو حسن تركيبه أو غير ذلك ، على أنّ الامتناع مسلّم لو كان الواضع شخصاً معيّناً محدوداً عمره ووقته .

ثمّ إنّ دعوى وجود المناسبة الذاتية بين الألفاظ ومعانيها ـ كافّة ـ قبل الوضع ممّا يبطله البرهان المؤيّد بالوجدان ; إذ الذات البحت البسيط الذي له عدّة أسماء متخالفة من لغة واحدة أو لغات : إمّا أن يكون لجميعها الربط به ، أو لبعضها دون بعض ، أو لا ذا ولا ذاك ; فالأوّل يوجب تركّب الذات وخروجه من البساطة المفروضة ، والأخيران يهدمان أساس الدعوى .

والتمسّك بأ نّه لولا العلاقة يلزم الترجيح بغير المرجّح قد عرفت جوابه ; وأنّ الترجيح قد يحصل بغير الربط . وأ مّا حصوله بعد الوضع فواضح البطلان ; لأنّ تعيين لفظ لمعنى لايصير علّة لحصول علاقة واقعية تكوينية ; إذ الاعتبار لايصير منشأً لحصول أمر واقعي حقيقي ، والانتقال إلى المعنى إمّا لأجل بناء المستعملين على كون استعمالهم على طبق الوضع ، أو لجهة الاُنس الحاصل من الاستعمال .

وما ربّما يقال : من أنّ حقيقة الوضع لو كانت اعتبارية ودائرة مدار الاعتبار يلزم انعدام هذه العُلقة بعد انقراض المعتبرين وهلاك الواضعين والمستعملين(2) ،


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 30 .
2 ـ مقالات الاُصول 1 : 62 ـ 64 .


(23)

فلا ضير في الالتزام به ; إذ هذا هو الفرق بين القوانين الحقيقية الفنّية ـ  كقانون الجاذبة وسير النور وأوزان الأجسام  ـ وبين الاعتبارية ـ  كقانون الازدواج والنظام  ـ فإنّ الاُولى ثابتة محقّقة ; كشفت أو لا ، لوحظ خلافها أم لم يلحظ ، بخلاف الثانية ; فإنّ سيرها وأمَد عمرها مربوط بامتداد الاعتبار .

فاللغات المتروكة البائد أهلها ، المقبورة ذواتها وكتبها مسلوبة الدلالة ، معدومة العُلقة ، كقوانينها الاعتبارية .

وأ مّا حقيقة الوضع : فهي ـ على ما يظهر من تعاريفها ـ عبارة عن جعل اللفظ للمعنى وتعيينه للدلالة عليه ، وما يرى في كلمات المحقّقين من التعبير بالاختصاص(1)  أو التعهّد(2)  فهو من آثار الوضع ونتائجه ، لانفسه .

وأ مّا ما اُقيم عليه من البرهان : من أ نّه لايعقل جعل العلاقة بين أمرين لا علاقة بينهما ، وإنّما المعقول هو تعهّد الواضع والتزامه بأ نّه متى أراد إفهام المعنى الفلاني تكلّم بلفظ كذا(3) ; فهو حقّ لو كان الوضع إيجاد العلاقة التكوينية ، وأ مّا على ما حقّقناه من أ نّه تعيين اللفظ للمعنى فهو بمكان من الإمكان .

بل ربّما يكون الواضع غافلا عن هذا التعهّد ، كما يتّفق أن يكون الواضع غير المستعمل ; بأن يضع اللفظ لأجل أن يستعمله الغير .

وبه يتّضح : بطلان تقسيمه إلى التعييني والتعيّني ; لأنّ الجعل والتعيين الذي هو مداره مفقود فيه .


1 ـ كفاية الاُصول : 24 .
2 ـ تشريح الاُصول : 25 / السطر18 ، درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 35 .
3 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 35 .


(24)


(25)

الأمر الثالث
في أقسام الوضع

ينقسم الوضع على حسب التصوّر إلى عموم الوضع والموضوع له ، وخصوصهما ، وعموم الأوّل فقط ، وعموم الثاني كذلك .

وربّما يسلّم : إمكان القسم الثالث دون الرابع ، بزعم : أنّ العامّ يمكن أن يكون وجهاً للخاصّ وآلة للحاظ أفراده ، وأنّ معرفة وجه الشيء معرفته بوجه ، بخلاف الخاصّ ; فلا يقع مرآةً للعامّ ولا لسائر الأفراد ; لمحدوديته(1) .

قلت : الحقّ أ نّهما مشتركان في الامتناع على وجه والإمكان على نحو آخر ; إذ كلّ مفهوم لايحكي إلاّ عمّا هو بحذائه ، ويمتنع أن يكون حاكياً عن نفسه وغيره ، والخصوصيات وإن اتّحدت مع العامّ وجوداً إلاّ أ نّها تغايره عنواناً وماهية .

فحينئذ : إن كان المراد من لزوم لحاظ الموضوع له في الأقسام هو لحاظه بما هو حاك عنه ومرآة له فهما سيّان في الامتناع ; إذ العنوان العامّ ـ كالإنسان ـ لايحكي إلاّ عن حيثية الإنسانية ، دون ما يقارنها من العوارض والخصوصيات ; لخروجها من حريم المعنى اللا بشرطي ، والحكاية فرع الدخول في الموضوع له .


1 ـ كفاية الاُصول : 24 .


(26)

وإن كان المراد من شرطية لحاظه هو وجود أمر يوجب الانتقال إليه فالانتقال من تصوّر العامّ إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس بمكان من الإمكان . والظاهر كفاية الأخير ، بأن يؤخذ العنوان المشير الإجمالي آلة للوضع لأفراده ، ولايحتاج إلى تصوّرها تفصيلا ، بل ربّما يمتنع ; لعدم تناهيها .

وبذلك يظهر : ضعف ما ربما يقال من أنّ الطبيعة كما يمكن أن تلاحظ مهملة جامدة ، يمكن لحاظها سارية في أفرادها مندرجة في مصاديقها ، وعليه تكون عين الخارج ونفس المصاديق ; ضرورة اتّحاد الماهية والوجود في الخارج ، والانفصال إنّما هو في الذهن ، فتصحّ مرآتيتها للأفراد ; إذ الاتّحاد الخارجي لا يصحّح الحكاية ، وإلاّ لكانت الأعراض حاكية عن جواهرها .

ومن الواضح : أنّ المشخّصات غير داخلة في مفهوم العامّ ، فكيف يحكي عنها ، والحكاية تدور مدار الوضع والدخول في الموضوع له .

ثمّ إنّ هناك قسماً خامساً بحسب التصوّر ـ وإن كان ثبوته في محلّ المنع ـ وهو أنّ عموم الموضوع له قد يكون بوضع اللفظ لنفس الطبائع والماهيات ، كأسماء الأجناس ; فإنّها موضوعة لما هو عامّ بالحمل الشائع ، من دون أخذ مفهوم العموم فيه ، وإلاّ يلزم التجريد والتجوّز دائماً ; لكونها بهذا القيد آبية عن الحمل .

واُخرى : يكون الموضوع له هو العامّ بما هو عامّ ، كما أ نّه في الخاصّ كذلك دائماً ; إذ الموضوع له هو الخاصّ بما هو خاصّ .

نقل وتنقيح

إنّ بعض المحقّقين من المشايخ ذهب إلى أنّ لعموم الوضع والموضوع له معنى آخر ، وملخّص ما أفاده : هـو أنّ للطبيعي حصصاً في الخارج متكثّرة


(27)

الوجود ، ولها جامع موجود في الخارج بالوجود السعي ، ملاصقاً للخصوصيات ، واحداً بالوحدة الذاتية بدليل انتزاع مفهوم واحد منها ، ولامتناع تأثير العلّتين في معلول واحد .

وللصور الذهنية أيضاً جامع كذلك ، وإلاّ لم تكن تامّ الانطباق على الخارج . ولازم ذلك : عدم تحقّق المعنى المشترك في الذهن إلاّ في ضمن الخصوصيات .

فحينئذ : يمكن ملاحظة هذه الجهة المتّحدة السارية في الخصوصيات ، المطابقة لما في الخارج بتوسيط معنى إجمالي ، فيوضع اللفظ لها لا للخصوصيات ، في قبال وضعه للجامع المجرّد عنها ، وهذا أيضاً من قبيل الوضع العامّ والموضوع له كذلك ، ولكن لازمه انتقال النفس في مقام الاستعمال إلى صور الأفراد . ولاينافي هذا كون الطبيعي بالنسبة إلى الأفراد كالآباء إلى الأولاد(1) .

وأنت خبير : بأنّ نخبة المقال في تحقيق الوجود الطبيعي وكيفية وجوده وتكثّره بتكثّر الأفراد ، وأنّ ما ينال العقل من الطبيعي من كلّ فرد مغاير من كلّ ما يناله من فرد آخر عدداً ـ وإن كان عينه سنخاً ـ لابدّ أن يطلب من محلّ آخر ولكن عصارة ذلك : هو أنّ كلّ فرد من أفراد أيّ كلّي فُرض فهو مشتمل على تمام حقيقة كلّية وطبيعية ، فكلّ فرد يتحقّق فيه الطبيعي بتمام أجزائه ; فإذن إنسانية زيد غير إنسانية عمرو ، وهكذا سائر الأفراد ، فكلّ فرد إنسان تامّ بنفسه .

والسرّ في ذلك : أنّ الماهية اللا بشرط ـ كمفهوم الإنسان ـ توجد في الخارج بنعت الكثرة ، وتنطبق على آلاف من المصاديق ، كلّ واحد منها حائز حقيقة تلك الماهية بتمام ذاتها .


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 72 ـ 74 .


(28)

نعم ، العقل بعد التجريد وحذف المميّزات والمشخّصات يجد في عالم الذهن منها شيئاً واحداً وحدة ذاتية نوعية ، وهي لاتنافي الكثرة العددية في وعاء الخارج .

وهذا هو مراد مَن قال : إنّ للماهية نشأتين : نشأة خارجية ; هي نشأة الكثرة المحضة ، ونشأة عقلية ; وهي نشأة الوحدة النوعية ، وأنّ الطبيعي مع أفراده كالآباء مع الأولاد .

ولكن ما ذكره المحقّق المذكور ـ قدس سره ـ صريح في أنّ الكلّي الطبيعي أمر واحد جامع موجود في الخارج بنعت الوحدة ، ينتزع منه المفهوم الكلّي .

وهو وإن فرّ عن ذلك ; قائلا بأنّ الحصص متكثّرة الوجود ; لئلاّ يلزم الوحدة العددية للطبيعي ، ولكن التزامه بالجامع الموجود في عالم الخارج بالوجود السعي الذي جعله منشأً لانتزاع المفهوم الواحد ـ أعني مفهوم الطبيعي ـ يوهم أو يصرّح بخلافه ، وينطبق لما ينسب إلى الرجل الهمداني القائل بوجود الطبيعي في الخارج بالوحدة الشخصية ; إذ القول بوجود الجامع الخارجي بنعت الوحدة يساوق كونه موجوداً بالوحدة العددية .

هذا ، واعطف نظرك إلى ما أقامه برهاناً لما اختاره ; أ مّا ما ذكره من قضية عدم انتزاع مفهوم واحد إلاّ عن منشأ واحد ففيه : أ نّه لايثبت أن يكون في الخارج أمر واحد موجود بنعت الوحدة ، بل يجامع ما أسمعناك من تجريد الأفراد عن اللواحق أيضاً ، فعند ذلك ينال العقل من كلّ فرد ما ينال من الآخر ; إذ التكثّر ناش عن ضمّ المشخّصات ، فعند حذفها لامناص إلاّ عن التوحّد في الذهن .

وأ مّا ما ذكره : من أنّ الجامع هو المؤثّر عند اجتماع العلل على معلول واحد فالظاهر : أ نّه جواب عمّا ربّما يورد على القاعدة المسلّمة في محلّها من أ نّه لايصدر الواحد إلاّ عن الواحد ; حيث ينتقض ذلك بالبنادق المؤثّرة في قتل حيوان ،


(29)

وباجتماع عدّة أشخاص لرفع حجر عظيم ، فيجاب : بأنّ المؤثّر في أمثال هذه الموارد هو الجامع الموجود بين العلل .

ولكن الإشكال والجواب لم يصدر إلاّ عمّن لم يقف على مغزى القاعدة ومورد ثبوتها ، ولم ينقّح كيفية تعلّق المعلول بالعلّة في الفاعل الإلهي ; أعني مفيض الوجود ومعطي الهوية ; إذ أصحاب التحقيق في هاتيك المباحث خصّصوا القاعدة ـ  تبعاً لبرهانها  ـ بالواحد البحت البسيط من جميع الجهات(1) ، والمتكثّرات ـ  خصوصاً العلل المادّية  ـ أجنبية عنها ، فلا حاجة إلى دفع نقوضها ، مع أ نّها واضحة الفساد لدى أهله .

أضف إلى ذلك : أنّ الواحد بالنوع والذات ـ أعني المفهوم ـ لايمكن أن يكون مؤثّراً ولا متأثّراً إلاّ بالعرض ، بل المؤثّر والمتأثّر هي الهوية الوجودية الواحدة بالوحدة الحقيقية .

وحينئذ : فالحقّ الصراح هو امتناع وجود الجامع بما هو جامع في الخارج والذهن كليهما ، بعد ما عرفت : من أنّ الوجود مدار الوحدة ، وهو لايجتمع مع الجامعية والكلّية . نعم تصوير أخذ الجامع إنّما هو من ناحية تجريد الأفراد عن الخصوصيات ، كما سبق(2) . وسيوافيك تفصيل القول في هذه المباحث عند التعرّض بمتعلّق الأوامر ، فارتقب حتّى حين .

هذا ، ولو سلّمنا وجود ما تصوّر من الجامع ، أو فرضنا وضع اللفظ له ، لكنّه لايوجب إحضار الخصوصيات في الذهن ، بعد فرض وضع اللفظ لنفس الجامع


1 ـ الحكمة المتعالية 2 : 204 ـ 205 ، و7 : 192 ـ 244 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 132  ـ  133 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 28 .


(30)

اللابشرط الموجود بالوجود السعي ، ولصوقه بها واتّحاده معها في الخارج لايوجب إحضارها بلفظ لم يوضع لها ، ولو كان مجرّد الاتّحاد الخارجي كافياً في الإحضار لكفى فيما إذا كان اللفظ موضوعاً لنفس الماهية ، مع قطع النظر عن وجودها السعي ; لأ نّها متّحدة معها خارجاً ; ولو بنعت الكثرة .

وهم ودفع

أ مّا الأوّل : فهو أ نّه قد يتخيّل امتناع عموم الوضع مطلقاً ; لأنّ الملحوظ بعد تنوّره بنور الوجود في اُفق الذهن ـ لا محالة ـ يصير جزئياً ذهنياً مشخّصاً علمياً ; فإنّ الوجود يساوق الوحدة . وغفلة اللاحظ عن لحاظه وقطع نظره عن تشخّصه لايوجب انقلاب الجزئي كلّياً .

وأ مّا الثاني : فهو أنّ المراد من الملحوظ ما هو ملحوظ بالعرض لا ما بالذات ، ولا طريق لنا إليه إلاّ بالماهية الملحوظة كذلك ، والملحوظية بالعرض كافية في الوضع وفي صيرورته عامّاً وخاصّاً ، وإلاّ لصار الوضع للخارجيات ممتنعاً كلّية ; لعدم نيل النفس إيّاها إلاّ بواسطة الصورة الملحوظة بالذات ، كما أ نّه لايمكن لها النيل لنفس الماهية المعرّاة عن جميع الخصوصيات ـ حتّى عن كونها ملحوظة في الذهن ـ إلاّ بواسطة فرد ذهني يشير به إليها ، وهذا هو الحال في الإخبار عن المعدوم المطلق بأ نّه لايخبر عنه ، وعن شريك البارئ بأ نّه ممتنع .

Website Security Test