welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 20*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 20

صفحه 1
المقدمة   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 20
(20)

صفحه 2

صفحه 3
20   
الجزء العشرون ويشتمل على تفسير السور التالية:
الشعراء، النمل، القصص
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1395 .
      30 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 577 - 9 (VOL.20)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1395
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 20
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1395 هـ ش / 1437 هـ . ق / 2016 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 925   تسلسل الطبعة الأُولى: 453
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله على آلائه، ونشكره على نعمائه، ونستعينه ونهتدي به ونتوكّل عليه; ونصلّي ونسلّم على نبيّه الخاتم الذي أرسله بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلى آله الطيبين الطاهرين الّذين هم قرناء الكتاب وأساس الدين وعماد اليقين، صلاة دائمة ما دامت السماوات والأرضين.
أمّا بعد:
فهذا هو الجزء العشرون من تفسيرنا المسمّى بـ « «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» وقد اشتمل على تفسير السور الثلاث: الشعراء، والنمل، والقصص، وهي من السور المكّيّة، ومن الجدير بالذكر أنّه بإلقاء نظرة سريعة على مجمل آيات القرآن الكريم يتّضح أنّ الوحي الإلهي بذَلَ حيال مسألة التوحيد الأُلوهيّ و الرُّبوبيّ من العناية ما لم يبذل مثلها حيال أيّة مسألة أُخرى من المسائل العقائدية والمعارف العقلية، بل حتى

صفحه 8
قضية «المعاد» والبعث في يوم القيامة التي تعدّ من القضايا المهمة جداً في نظر القرآن بحيث لا يمكن لأي دين أن يتجلّى في صورة «عقيدة سماوية» ومنهج إلهي دون الاعتقاد بها، كما لا يمكن لذلك المنهج أن ينفذ إلى الأعماق والأفئدة بدونها.
ويجدر بالذكر أنّ عناية القرآن تركّزت أساساً على إبلاغ وبيان «أُصول الدين»و بذر بذورها في الأفئدة; والعقول أكثر من العناية ببيان المسائل الفرعية العملية.
ويشهد لذلك أنّ الآيات التي وردت في القرآن حول موضوع «المعاد» تقارب (2000) آية، في حين يبلغ مجموع الآيات الواردة حول الأحكام المبيِّنة لفروع الدين (288) آية أو يتجاوزها بقليل.
وهذا هو بذاته يكشف عن الاهتمام الواسع والعناية الفائقة التي يوليها القرآن الكريم للمسائل الفكرية والقضايا الاعتقادية.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
5 رجب المرجّب 1437هـ ق

صفحه 9
تفسير سورة الشعراء   

سورة الشعراء

(طَسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْري وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ

صفحه 10
رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ فِرْعَوْنُ وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّار عَلِيم * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ

صفحه 11
الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَكُنُوز وَمَقَام كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَ مَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ *

صفحه 12
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْني مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأَبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ

صفحه 13
لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّني وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ * وَ جَنَّات وَعُيُون * إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ *

صفحه 14
إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَنَخْل طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَعْلُوم * وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْم عَظِيم * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ

صفحه 15
تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّني وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبيٍّ مُبِين * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ

صفحه 16
سورة الشعراء: خصائص السورة   
بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ * فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأْكَثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَاد يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ).

صفحه 17

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «الشعراء» لورود هذا اللفظ في ثنايا آياتها، وهو لم يرد في غير هذه السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها مئتان وسبع وعشرون آية في عدّ الكوفي والشامي والمدني، وستّ وعشرون في عدّ الباقين.
ومن خصائص هذه السورة أنّها تعتبر أكثر السور بعد سورة البقرة من حيث عدد الآيات، وإن كانت أقصر من كثير من السور من حيث عدد الكلمات.1
والسورة مكيّة بشهادة صياغتها ومضامينها، وقد جاء فيها قصص عدد من الأنبياء وهم: موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب(عليهم السلام)، وجاءت قصة الأوّلين على وجه التفصيل، والباقين على وجه الإيجاز، وهذا أفضل دليل على أنّ السورة مكيّة.

1 . عدد كلماتها:(1277) كلمة. وعلى سبيل المثال، يبلغ عدد آيات سورة آل عمران:(200) آية، وعدد كلماتها:(3480) كلمة، وعدد آيات سورة النساء:(175) آية، وعدد كلماتها:(3745) كلمة، وعدد آيات سورة الكهف:(110) آية، وعدد كلماتها: (1579) كلمة.

صفحه 18
نعم استثنى بعضهم الآيات الخمس التي في آخرها، أعني قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ)1، وسيوافيك الكلام في هذا المورد.

أغراض السورة

إنّ الغرض العام من سرد قصص الأنبياء السبعة هو تسلية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عمّا كان يلاقيه من أذى وإعراض من قومه، وأنّ سبيله في ذلك سبيل من مضى من الأنبياء مع أُممهم.
وفي أوّل السورة يثني تعالى على كتابه المجيد، وفي ثنايا القصص يذكر منطق المكذّبين الواهي، ويختمها بالإشارة إلى إهلاكهم بعد إنذارهم وإقامة الحجج عليهم.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر في آخر السورة الشعراء ويذمّهم، ولعلّ المراد بهم الشعراء الذين كانوا يهجون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كعمرو بن العاص، وأبي عَزّة الجُمَحي، وغيرهما. وسيوافيك أنّ المراد أيضاً أُولئك الشعراء الذين هم على شاكلة هؤلاء لا مطلق الشعراء، فإنّ للشعر الهادف في الإسلام وزناً وقيمة، وإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة(عليهم السلام) بعده كانوا يحترمون الشعراء الذين يصدعون بالحقّ، ويقدّمون لهم الهدايا.
سورة الشعراء: الآيات 1 ـ 6    

الآيات: الست الأُولى

(طَسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ

1 . الشعراء:197.

صفحه 19
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).

المفردات

باخعٌ: هالكٌ من وُجْد(شدّة الحزن).
فظلَّتْ: فدامتْ.
أعناقهم: العُنُق عضو معروف في الإنسان، وخضوع الأعناق كناية عن خضوع أصحابها.
خاضعين: الخضوع: الذُّلّ والانقياد.
مُحدَث: جديد.

التفسير

1. (طَسم):
من الحروف المقطَّعة، والكلام فيها هو الكلام ذاته في سائر الحروف المقطَّعة الواردة في أوائل عدد من السور، والرأي السائد المنصور هو أنّ الغاية من الإتيان بها في مطالع السور هو الاستدلال على أنّ القرآن منزّل من الله سبحانه، وليس لأحد غيره جلّ شأنه يدٌ في صياغته.

صفحه 20
ومن يتصوّر خلاف ذلك فالقرآن مؤلَّف من هذه الحروف والجميع في متناول الفصحاء والبلغاء، فإن كانوا يزعمون أنّ القرآن من صنع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فليقوموا ويأتوا بمثله. وسيوافيك تفصيل الكلام في ذلك في تفسير أوّل سورة الأحقاف.
وربّما يحتمل أنّ هذه الحروف، هي إشارة إلى أسماء الله تعالى، فالطاء إشارة إلى ذي الطَّول، والسين إشارة إلى القدّوس، والميم إلى المَلِك، كما يحتمل أنّ اللفظ قسَم، وجوابه قوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً).1
وكلا الاحتمالين لا يخرجان عن الادّعاء الذي لا يسنده دليل.
وأضعف منهما ما ذكره الرازي من أنّ الطاء إشارة إلى طرب قلوب العارفين، والسين سرور المحبين، والميم مناجاة المريدين.2
ويُرجّح ما اخترناه، الآية التالية حيث جاء فيها الكلام عن آيات الكتاب المبين، الأمر الذي يُشعر بوجود صلة بين هذه الحروف وهذا الكتاب المبين.
2.(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ):
قوله: (تِلْكَ) إشارة إلى آيات هذه السورة، والإشارة بلفظ البعيد مع قربها، للتكريم.
ثمّ وصَف سبحانه المشار إليه بقوله:(آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) فقوله:

1 . الشعراء:4.
2 . تفسير الرازي:24/118.

صفحه 21
(الْمُبِينِ) من أبانَ بمعنى ظهر، أي الكتاب الظاهر الواضح نزوله من الله العزيز، أو الواضح في مفاهيمه ومعانيه، أو البيّن صدقه. ويحتمل من أبانَ متعدّياً، أي المُوضِّح لطرق الهداية.
3. (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ):
هنا ينتقل السياق من ذكر الكتاب إلى خطاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يحزّ الأسى في نفسه حتى ليكاد يُهلكها بسبب إصرار قومه على التكذيب بآيات الكتاب المبين، وعدم الإيمان برسالته، كما يقول:(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ): أي هالك وقاتل نفسك حزناً وألماً (أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
والغاية من هذا الخطاب، هي تسلية النبيّ، ونظير هذه الآية التي تتجلّى فيها إنسانيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وروحه الخيّرة التي يُمضّها الألم لجحد الجاحدين وضياع مصيرهم، قوله تعالى:(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)1، وقوله:(فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات)2. والآيتان متقاربتان لفظاً ومفهوماً.
4. (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ):
كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حريصاً على هداية قومه من جانب، ومن جانب آخر كان هؤلاء على درجة عظيمة من العناد، ولو أراد سبحانه أن ينزّل عليهم

1 . الكهف:6.
2 . فاطر:8.

صفحه 22
آية مخوّفة حتى يؤمنوا تحت ضغطها ـ كما فعل ذلك بقوم موسى حيث نتق الجبل فوقهم حتى صار كالظلة، فخضعوا لها اضطراراً ـ لفعل، ولكنّه سبحانه لا يفعل ذلك بمشركي عصر الرسالة، لماذا؟ لأنّ هذا النوع من الإيمان لا قيمة له، بل القيمة للإيمان النابع عن وعي واختيار، وأمّا أنّه لماذا فعل ذلك بقوم موسى(عليه السلام)فربما يقال: إنّ بني إسرائيل كانوا مؤمنين بموسى(عليه السلام)وبما جاء به، فلم يكن إظهار الآيات لهم لأجل دفعهم نحو الإيمان، بل كان لزيادة تثبيتهم، نظير قول إبراهيم(عليه السلام): (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)1 .
قوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) فقوله:(إِنْ نَشَأْ) جملة شرطية حذف جوابها أي لفعلنا، ومعنى الآية: لو شئنا أن ننزّل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان لفعلنا ذلك. وعندئذ (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ): أي فدامت أعناقهم، والمراد أصحابها (لَهَا) للآية النازلة (خَاضِعِينَ): أي منقادين قسراً لهول ما يَرون من تلك الآية المخوّفة.
وإنّما خصّ الأعناق بالذكر مع أنّ الخاضعين هم أصحابها، لأنّ العُنُق مظهر الخضوع، كما أنّ العين هي الآلة التي ينحصر بها تشخيص الحقيقة عن غيرها، ولذلك نسب السِّحر إلى الأعين وقال: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ).2
5. (وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ):

1 . البقرة:260.
2 . الأعراف: 116.

صفحه 23
هذه الآية دليل على أنّ قوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا غير خاضعين للدليل والبرهان بشهادة أنّهم كانوا يعرضون عن آيات الله إذا تليت عليهم آناً بعد آن، فإعراضهم عن الآيات بعد سماعها من دون تدبّر هو الدليل الواضح على أنّهم لا يؤمنون، كما قال: (وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث): أي ما يأتيهم ذكر من الرحمن مستمرّاً متجدّداً وقتاً بعد وقت إلاّ تولّوا عنه ولم يكترثوا له، كما قال:(إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ). ونظير ذلك قوله سبحانه:(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ )1.
بقي سؤالان حول الآية:
1. نسَب الذِّكر في الآية إلى (الرَّحْمَنِ) وقال:(ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ) مكان أن يقول: ذكر من الله أو من الرحيم، وكأنّه إشارة إلى أنّ منزّل الذِّكر هو الذي تعمّ رحمته المؤمن والكافر لِما ثبت من أنّ الرحمن أوسع أثراً من الرحيم لشمول الأوّل للكافر دون الثاني، وبما أنّ التنديد والتوبيخ متوجّه إلى الكافر ناسب ذكر الرحمن.
2. ما هو الغرض من وصف الذكر بكونه (محدَث)؟
ربما يُتوهَّم أنّ الآية بصدد بيان أنّ القرآن حادث وليس بقديم، ولكنّه بعيد لأنّ مضمون الآية يُلهم أنّها ناظرة إلى أمر آخر، وهو التركيز على عنادهم وأنّهم يعرضون عن كلّ ذكر أتاهم قديمه وحديثه من غير فرق بين السابق واللاحق. وبتعبير آخر: كلّما تجدّد نزول آية، تجدّد منهم العناد والإعراض.

1 . الأنبياء:2 و3.

صفحه 24
6. (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّهم يُعرضون عن كلّ ذكر يتلى عليهم، عاد البيان القرآني إلى تفسير هذا الإعراض وأنّهم قاموا بتكذيب الذكر والاستهزاء بما جاء فيه من أنباء الوعيد، فكم من فرق بين الإعراض المطلق والسكوت، وبين التكذيب مقروناً بالاستهزاء بآيات الله، ولذلك أعلن سبحانه أنّهم سيواجهون ما كانوا يتصوّرون أنّه كذب وقال:(فَقَدْ كَذَّبُوا) بلغوا النهاية في التكذيب(فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا): أي الشيء الذي (كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)، فـ(مَا) في قوله: (ما كانُوا)موصولة وأُريد به ما أخبر عنه القرآن من العقوبات العاجلة أو الآجلة، فهؤلاء سيلاقونها في الدنيا (كغزوة بدر) أو في الآخرة.
بقي الكلام في مسألة كلامية وهي كون القرآن حادثاً أو قديماً.

بحث في خلق القرآن

ذهب جمع من أهل الحديث من أتباع مدرسة الخلفاء إلى أنّ القرآن ليس بمخلوق، يقول أحمد بن حنبل في كتاب «السنّة»:
والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهميّ كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّ وجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله، فهو جهميّ، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.1

1 . كتاب السنّة:49.

صفحه 25
أقول: كان اللازم عليهم السكوت وعدم النبس ببنت شفة في هذه المسألة، لأنّ البحث فيها محرّم طبقاً لأُصولهم، سواء أكان الموقف هو قِدَم القرآن أم حدوثه، لأنّه لم يرد فيه نصّ عن رسول الله، ولا عن أصحابه، ولكنّهم ـ مع الأسف وقفوا منها ـ وفي مقدّمهم أحمد بن حنبل ـ موقف الإيجاب وكفّروا المخالف.
ويظهر أنّ هذه المسألة قد تسرّبت إلى أوساط المسلمين من المسيحيين حيث كانوا يقولون بقِدَم الكلمة أي المسيح بن مريم، وقد صرّح بذلك الخليفة العباسي المأمون في كتابه الذي بعثه من الرقّة إلى رئيس شرطة بغداد إسحاق بن إبراهيم، يقول فيه: وضاهَوا به قول النصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق إذ كان كلمة الله.1
قال أبو زُهرة: إنّ النصارى الذين كانوا في حاشية البيت الأموي وعلى رأسهم يوحنّا الدمشقي وغيرهم، كانوا يبثّون الشكوك بين المسلمين، فقد جاء في القرآن أنّ عيسى بن مريم كلمة الله ألقاها إلى مريم، فكان يبثّ بين المسلمين أنّ كلمة الله قديمة، فيسألهم: أكلمته قديمة أم لا؟ فإن قالوا: لا، فقد قالوا: إنّ كلامه مخلوق،2 وإن قالوا: قديمة، ادّعى أنّ عيسى قديم.3
والحقّ، أنّ هذه المسألة لم تطرح في جو هادئ حتى تعالج بروح

1 . تاريخ الطبري:7/198، حوادث سنة 218هـ .
2 . ولعلّ القائل يريد مختلق ومفترى من باب المغالطة وإلاّ فالقول بأنّه مخلوق لله لا إشكال فيه. وإلاّ يصير إلهاً ثانياً كما قاله الإمام علي (عليه السلام).
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية:2/394.

صفحه 26
علمية، وإلاّ فهي أوضح من أن يختلف فيها اثنان، فماذا يريدون من قدم القرآن؟ هناك احتمالات:
1. الآيات التي تلاها أمين الوحي(عليه السلام)، أو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أو ما يتلوه القرّاء كلّ يوم.
2. قدم معانيه والمفاهيم الواردة فيه.
3. قدم علمه سبحانه بهذه المفاهيم.
أمّا الأوّل: فكيف يمكن أن يوصف بالقِدَم؟ فإنّ الكلام المؤلَّف من حروف مترتّبة متدرّجة، بعضها قبل وبعضها بعد،ولا يوجد في القدم تقدّم وتأخُّر، وإلاّ لكان المتأخِّر حادثاً والمفروض أنّه قديم، وعلى هذا فالحروف المؤلَّفة الدالّة على معنى تامّ بالوضع، لا يُتصوَّر فيها قِدَم.1
وأمّا الثاني ـ أعني قِدَم المعاني والمفاهيم ـ : فإن أُريد به مصاديقها كالمغازي، والحوارات، والنزاعات الحاصلة بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل الكتاب، فلا شكّ أنّها حادثة غير قديمة.
وأمّا الثالث: فإن أُريد به علمه سبحانه بهذه المصاديق في الأزل فهذا يرجع إلى الاحتمال الثالث، فلا شكّ أنّ علمه قديم عين ذاته وليس حادثاً، وليس له صلة بقدم القرآن المتلوّ المكتوب.
وأمّا ما هو الحق فهو أنّ كلام الله تعالى محدَث، وبذلك جاءت الآثار عن آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد أنّ القرآن كلام الله ووحيه... ويمنع من إطلاق القول عليه أنّه مخلوق. وبهذا جاءت الآثار عن الصادقَين(عليهما السلام)وعليه كافّة

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/270.

صفحه 27
الإماميّة إلاّ من شذّ.1
ولعلّ المنع من إطلاق لفظة (مخلوق) على القرآن لأجل ما ربّما يوهِم كونه كذباً وافتراءً، حيث كان المشركون يصفونه بالاختلاق ويقولون (إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ )2 ولو كنّا آمنين من وقوع هذا الوهم لقلنا بأنّ القرآن مخلوق لله سبحانه وليس بقديم وإلاّ للزم تعدّد القديم، وهو نفس القول بتعدّد الواجب.
يُشار إلى أنّه حتى ابن تيمية الذي قال بأنّ التكلُّم من صفات ذاته، ذهب إلى أنّ نوع التكلُّم قديم ومصاديقه حادثة، قال: وسابعها: قول من يقول: إنّه لم يزل متكلّماً إذا شاء بكلام يقوم به وهو متكلّم بصوت يُسمع، وإنّ نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعيّن قديماً. وهذا هو المأثور عن أئمّة الحديث والسنّة، وبالجملة أهل السنّة والجماعة أهل الحديث.3
ولا يخفى ما في كلامه من أنّ تكلّمه سبحانه قديم نوعاً، إذ تتوجّه إليه هذه المحذورات:
أوّلاً: إذا كان التكلّم الذي هو واقع وجوده الحدوث والتجدّد قائماً بالذات (كما هو المفروض في كلامه من أنّ التكلُّم من صفات الذات)، فلازم ذلك حدوث الذات، لأنّ حدوث الجزء يلازم حدوث الكلّ، إلاّ أن

1 . أوائل المقالات:18ـ 19.
2 . سورة ص:7.
3 . منهاج السنة:2/362.

صفحه 28
يرجع التكلّم إلى صفة الفعل، كما عليه العدلية من المعتزلة والشيعة.
ثانياً: كيف ينسب مختاره إلى جمهور المسلمين، مع أنّ جمهور المسلمين هم الأشاعرة والماتريدية والإمامية والمعتزلة، والجميع يتبرّأون من تلك النسبة، بل هم بُراء منها براءة يوسف ممّا اتّهم به، وهذا هو أبو المظفر الإسفرائيني(المتوفّى 471هـ) شيخ الأشاعرة في عصره يقول(عند بيان عقائد أهل السنّة والجماعة): وأن تعلم أنّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، لأنّ الحرف والصوت يتضمّنان جواز التقدّم والتأخّر، وذلك مستحيل على القديم سبحانه.1
ثالثاً: لو كان تكلّمه سبحانه مع كلّ فرد من المكلّفين بالحروف والأصوات، فلا يكون أسرع الحاسبين بل أبطأهم مع أنّه سبحانه يقول: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)2.
ثمّ إنّ الشيخ أبا الحسن الأشعريّ لمّا فسّر كلامه سبحانه بالكلام النفسي القائم بذاته سبحانه، قال: المسموع هو الكلام القديم، وكما أنّ ذاته تعالى لا تشبه سائر الأشياء، مع أنّ الدليل دلّ على أنّها معلومة ومرتّبة، فكذا كلامه منزّه عن مشابهة الحروف والأصوات مع أنّه مسموع.3
سورة الشعراء: الآيات 7 ـ 9   
يلاحظ عليه: أنّ الجمع بين كون النداء من مقولة الكلام النفسي مع كونه مسموعاً لموسى، جَمْع بين الضدّين، فإنّ القائم بالذات ليس من مقولة الحروف والأصوات، والمسموع من تلك المقولة، فكيف يجمع

1 . التبصير في الدين:167، تحقيق كمال يوسف الحوت، طبعة عالم الكتب، بيروت.
2 . الأنعام:62.
3 . لاحظ : تفسير الرازي:24/121.

صفحه 29
بينهما؟! فيا لله وللوعي.

الآيات: السابعة إلى التاسعة

(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):

المفردات

أو لم يروا: أي أو لم ينظروا، بتضمين مفهوم النظر في الفعل بشهادة تعديته بحرف الجرّ «إلى».
زوج: الزوج: النوع أو الصنف، نظير قوله سبحانه: (وَ مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)1، ونظيره أيضاً قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَات شَتَّى ).(2)
كريم: يحتمل أن يراد به المرضيّ في حسنه وجماله، أو فيما يتعلّق به من المنافع، أو النفيس من نوعه.

التفسير

7. (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم):
تحدّثت الآية الخامسة عن إعراض المشركين عن آيات الله، فناسب إراءة آية محكمة تدلّ على أنّه المدبّر وفي الوقت نفسه تدلّ على إمكان

1 . الرعد:3.   2 . طه:53.

صفحه 30
البعث، ولكنّهم بدل أن يتأمّلوا فيها ويستدلّوا بها على توحيده وربوبيّته كانوا يُعرضون عنها بل يكذّبون ويستهزئون، وبذلك صار وصفهم بالإعراض مقروناً بالدليل والبرهان، ولأجل ذلك ابتدأ الآية بالاستفهام الإنكاري وقال: (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ): أي أو لم ينظروا إلى الأرض حتى يشاهدوا (كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا): أي في الأرض (مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم): أي صنف جامع للصفات الحسنة النافعة.فهذه هي الأشجار الخضراء المثمرة بأنواع مختلفة يشبه بعضه بعضاً، وهذه هي الأزهار التي تفغم الأنوف بشذاها، وأريجها العَبِق.
ونعم ما قال الشاعر في وصف النرجس:
تأمّل في رياض الورد وانظر *** إلى آثار ما صنعَ المليكُ
عيون من لُجَين شاخصات *** على أهدابها ذهب سبيكُ
على قُضُب الزِّبَرجد شاهدات *** بأنّ الله ليس له شريكُ
وقال صفيّ الدين الحلّي:
رعى اللهُ ليلَتنا بالحِمى *** وأمواه أعينه الزاخره
وقد زِين حسنُ سماء الغصون *** بأنجم أزهارها الزاهره

صفحه 31
وللنّرجس الغضّ ما بيننا *** وجوه بحضرتنا ناضره
كأنّ تَحَدُّقَ أزهارها *** عيون إلى ربّها ناظره
كلّ ذلك يدلّ على أمرين:
1. أنّ المدبّر واحد، وهو الله سبحانه، ولا مدبّر غيره وإلاّ للزم التخلّف في التدبير بتعدّد المدبِّر.
2. إمكان البعث وإحياء الموتى، فالله سبحانه يُحيي الأرض الميتة في كلّ سنة. فلو نظروا إلى هذه الآيات بعيون باحثة فاحصة، وقلوب مفتوحة للحقّ، لرجعوا عن كفرهم وضلالهم كما يقول:
8 . (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ):
إنّ الرؤية العلمية الفاحصة إلى المزارع والحقول تورث الإيمان بوحدة المدبِّر وإمكان البعث، كما يقول:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً) وتنكير آية للتعظيم، ولكنّ المشركين ـ يا للأسف ـ لا يؤمنون بهذه الآيات كما يقول: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ): أي لا يصدّقون ولا يعترفون بها عناداً وتقليداً أعمى للأسلاف.
إنّما الكلام في موضع (كَانَ) فذهب سيبويه إلى أن (كَانَ) هنا مزيدة وتقدير الكلام: «وما أكثرهم مؤمنين». والأَولى أن يقال: إنّها للتأكيد. وقد نسب عدم الإيمان إلى الأكثر لأنّ بعضهم يؤمنون في المستقبل، ومعنى الفقرة أنّهم لا يؤمنون بهذه الآية ونظائرها.

صفحه 32
ثمّ إنّ الآلوسي فسّر قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) بقوله: أي وما كان في علم الله تعالى ذلك.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره على خلاف السياق، لأنّ الآية ناظرة إلى مشركي عصر الرسالة بشهادة قوله:(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا...)(2) فالإخبار عن سبق علمه سبحانه بعدم إيمانهم، في الأزَل، على خلاف السياق، فالقول بأنّ لفظ «كان» جاء للتأكيد، أفضل.
9.(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
أي إنّ ربّك أمام هؤلاء المشركين قويّ لا يُغلب، ومع ذلك فهو عظيم الرحمة بعباده إن انتهوا عن كفرهم وظلمهم. وقدّم العزيز على الرحيم لاقتضاء المقام، فإنّ الكلام في مقابل المشركين، فالأنسب أن تذكر العزّة قبل الرحمة، والقدرة قبل الرأفة لئلاّ يُتوهَّم عجزُه عن عقوبتهم.
سورة الشعراء: الآيات 10 ـ 17   

الآيات: العاشرة إلى السابعة عشرة

(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْري وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ

1 . روح المعاني:19/62.   2 . الشعراء:7.

صفحه 33
أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ).

المفردات

نادى: يطلق النداء ويراد به الصوت المجرّد دون المعنى الذي يقتضيه تركيب الكلام. ويطلق أيضاً على المركّب الذي يُفهم منه المعنى1، وهو المراد هنا. ونداء الله موسى عبارة عن الوحي إليه بكلام سمعه من غير واسطة مَلَك.
يضيق: الضيق: ضدّ السِّعة، ولعلّه أراد الغضب.
ذنب: تَبِعة.

التفسير

1. قصة موسى (عليه السلام) وقومه

ذكر سبحانه قصة موسى(عليه السلام) على وجه التفصيل وهكذا قصة إبراهيم(عليه السلام)، كلّ ذلك تسلية للرسول وتحريضاً له(صلى الله عليه وآله وسلم) على الصبر، وليكون على ثقة مؤكّدة أنّه سبحانه سيؤيّده، وقال:
10 و11. (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ):
قدّم سبحانه قصة موسى على إبراهيم(عليه السلام) مع سبق زمان الثاني وتأخّر

1 . انظر: المفردات في غريب القرآن:486، مادة «ندا».

صفحه 34
زمان الأوّل، إمّا لأجل كون المشركين قريبي العهد بقصة موسى مع فرعون إضافة إلى وجود أتباعه(عليه السلام) (أعني: اليهود) في يثرب وخيبر وغيرهما، وإمّا لأجل وجود شبه كبير بين آل فرعون (الذين أُرسل إليهم موسى(عليه السلام)) وقوم نبيّنا الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث الأمراض الخلقية... تكبّراً وصلفاً وغطرسة، وإصراراً عنيداً على التكذيب بالمعجزات الباهرات التي زوّد الله تعالى بها كلا النبيّين(عليهما السلام).
قوله سبحانه: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى): أي اذكر إذ نادى ربّك موسى، والشاهد على تقدير «اذكر»، قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ)1. ثم قال: (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) هذا هو مضمون النداء، وعبّر في المقام بلفظة إئت، وفي مورد آخر: (اِذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)2 ولكلٍّ وجه، أمّا الأوّل فباعتبار أنّه سبحانه يرصد ظلم الظالمين فينادي موسى(عليه السلام)ويقول:(أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وأمّا الأمر بالذهاب فباعتبار كونه مقتضى مقام الآمرية حيث إنّ الآمر يخاطب المأمور في هذه الموارد بقوله: إذهب. ثم إنّه سبحانه يركِّز على عنوان الظالمين ويقول: (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تبييناً لعلّة الأمر بالإتيان ثم يعرّفهم بقوله: (قَوْمَ فِرْعَوْنَ) ثم يتمّ الآية بقوله:(أَلاَ يَتَّقُونَ)كلام مستأنف قاله سبحانه للإنذار وتسجيلاً عليهم بالظلم، أي أما آن لهم أن يتّقوا ويدفعوا عن أنفسهم عذاب الله تعالى؟ نظير قوله سبحانه: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ)3.

1 . الشعراء:69.
2 . طه:43.
3 . الحديد:16.

صفحه 35
12 و 13 و 14. (قَالَ رَبِّ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْري وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ):
قرأ الجمهور قوله:(وَيَضِيقُ)و(وَلاَ يَنْطَلِقُ) بالرفع فيكونان عطفاً على ( أَخَافُ) وقرأ غيرهم بالنصب فيكونان عطفاً على (يُكَذِّبُونِ)، فيكون المعنى: أخاف أن يكذّبون، وأخاف أن يضيق صدري ولا ينطلق لساني عندئذ، وبما أنّ السبب في طرح هذه العوائق التي تحول دون إنجاز ما كُلِّف به على أكمل وجه، هو طلب تشريك أخيه هارون معه في الأمر كما سيوافيك، فعلى القراءة بالنصب يكون السبب في قوله:(إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْري وَلاَ يَنْطَلَقُ لِسَاني)أمراً واحداً، وهو الخوف من التكذيب الذي يترتّب عليه ضيق الصدر وطروء العقدة على اللسان في تلك الحالة(حالة إبلاغ الرسالة)، فيكون المعنى: ويضيق صدري من حين يكذّبوني ولا ينطلق لساني. وعندئذ يصبح موافقاً لما في سورة القصص حيث صار السبب أمراً واحداً، وهو خوف التكذيب فقط كما قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُني إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)1.
هذا كلّه على قراءة النصب.
وأمّا على قراءة الرفع فيكون كلّ من التكذيب وضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان سبباً مستقلاً لما يطلبه، وعندئذ يكون معنى قوله: (وَلاَ

1 . القصص:34.

صفحه 36
يَنْطَلِقُ لِسَاني)هو عدم الانطلاق الموجود في لسانه منذ طفولته، لا عدم الانطلاق المترتّب على الخوف واستيلاء الغضب.
وعلى كلّ تقدير، فلأجل هذه العوائق قال(عليه السلام) مخاطباً ربّه: (فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ)قال موسى ذلك وهو في طريقه إلى مصر ـ و هارون كان في مصر ـ والمراد: أرسل ملَكاً بالوحي إلى هارون ليكون معي.1
ثم أشار إلى عائق رابع وقال: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ)إشارة إلى قتل القبطيّ في مصر الذي صار سبباً لخروجه من مصر ونزوله (مَدْين)، ووصفه بالذنب لأنّه بمعنى التَّبعة، فخاف(عليه السلام) من الشرّ الذي سيترتّب على فعله، بأن يقتصّوا منه، كما قال: (فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ).
وبما أنّه جعل الخوف من الاقتصاص منه عائقاً رابعاً أو ثانياً (على اختلاف القراءتين)، فهو يدلّ على أنّ العوائق الثلاثة التي قدّمها أيضاً لم تكن خوفاً من قتله بل خوفاً من عدم التمكّن من تأدية الرسالة، كما أنّ خوفه من القتل لم يكن خوفاً على نفسه بل خوفاً على فوات مصلحة الرسالة وانتشار أمرها، ولذلك نرى أنّه سبحانه يخاطب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)حتى يكون على ثقة من عدم قتله.
15. (قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ):
لمّا تقدّم قلق موسى(عليه السلام) من فوات مصلحة الرسالة، وافاه الجواب من الله سبحانه بأنّه يدفع عنهما شرّ الأعداء وقال: (قَالَ) سبحانه (كَلاَّ): أي ليس الأمر كذلك (فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا): أي المعاجز والدلائل الباهرة (إِنَّا مَعَكُمْ

1 . انظر: التحرير والتنوير:19/122.

صفحه 37
مُسْتَمِعُونَ) يفسّره قوله سبحانه: (قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرى)،1والخطاب في قوله: (مَعَكُمْ) لموسى وهارون مع أنّهما اثنان علّله سيبويه بأنّهما(عليهما السلام) لشرفهما وعظمتهما عند الله تعالى عوملا بالخطاب معاملة الجمع.(2)
ويمكن أن يقال: إنّ الاثنين وما فوقهما جماعة، ولا خصوصية لموسى وهارون (عليهما السلام)بشهادة أنّ ضمير التثنية تكرر في قوله: (فَاذْهَبَا)، (فَأْتِيَا)، (فَقُولاَ).
ثمّ إنّ المراد من المعيّة هي المعيّة القيّومية، فالله سبحانه مع عامّة المخلوقات بلا دخول فيها ولا خروج عنها تماماً، يقول سبحانه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)2 وبما أنّ المجسّمة ومن يذهب مذهبهم تصوّروا أنّ الله سبحانه على العرش فوق السماوات، فسّروا المعيّة هنا بالمعيّة العلميّة.
16.(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
أفرد سبحانه الرسول ولم يقل: رسولا رب العالمين، وذلك باعتبار كلّ واحد منهما، وربّما يقال: بأنّ الرسول قد يكون في معنى الجمع، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
ألِكْنِي إليها وخير الرسو *** ل أعلَمهم بنواحي الخبرْ

1 . طه:46.   2 . انظر: البحر المحيط:7/8 .
2 . المجادلة:7. وسيأتي فيها مزيد بيان حول هذا الموضوع.

صفحه 38
أي «وخير الرسل».1
17. (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ):
بعد أن كلّفهما سبحانه بالذهاب إلى فرعون، أمرهما أن يبلّغاه هذا الأمر: (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا): أي أطلق (بَنِي إِسْرَائِيلَ) من إسارك واستعبادك لنذهب إلى فلسطين. قالوا: إنّ بني إسرائيل قد استُعبدوا أربعمئة سنة، وكانت عدّتهم حين أُرسل موسى(عليه السلام) ستمئة وثلاثين ألفاً.
وهذا القول فيه مبالغة واضحة، فلا ينبغي التعويل عليه.(2)
سورة الشعراء: الآيات 18 ـ 22   

الآيات: الثامنة عشرة إلى الثانية والعشرين

(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).

المفردات

نربّك: التربية تنشئة الشيء حالاً بعد حال.
وليداً: الوليد يقال لمن قرب عهده بالولادة، فإذا كبر الولد سقط عنه هذا الاسم.

1 . التبيان في تفسير القرآن:8/11.   2 . انظر: تفسير المراغي: 19 / 67 .

صفحه 39
تمُنّها: المِنّة :النعمة الثقيلة.
عبّدتَ: قال الراغب: عبّدت فلاناً إذا ذلّلته وأخذته عبداً.

التفسير

إنّ أُسلوب القرآن الكريم في نقل القصص هو حذف ما يُعلم من القرائن، ومثله المقام، فلمّا أمر الله سبحانه رسوليه بالذهاب إلى فرعون، فطبع الحال يقتضي أنّهما قاما بما أُمرا به، فعلى هذا فتقدير الكلام أنّهما أتيا فرعون وبلّغاه الرسالة على ما أمرهما الله تعالى به، فعندئذ قال فرعون مجيباً لموسى(عليه السلام) تاركاً مخاطبة هارون.
18. (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ):
طبع الحال يقتضي أنّ موسى أتمّ عليه الحجّة ولم يجد فرعون في مقارعة الحجّة إلاّ بشيء يرجع إلى ماضي موسى(عليه السلام) وإنعامه عليه، فذكر أُموراً ثلاثة:
الأوّل: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا): أي ألم نحضنك وليداً ونربّك غلاماً.
الثاني: (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ): أي أقمت في قصرنا أعواماً.
19. (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ):
هذا هو الأمر الثالث: أي أنّك قتلت منّا رجلاً وهربت خائفاً، أهكذا تجحد نعمتنا وتكفر بإحساننا وفي الوقت نفسه تدّعي أنّك رسول الله. أتريد أن تكون سيداً مطاعاً ونصير لك عباداً مطيعين؟

صفحه 40
وبهذا تبيّن أنّه سبحانه رفع مقام موسى وأخيه هارون وجعلهما رسولين منه، وفي الوقت نفسه حاول فرعون أن يصغِّر من قَدْر موسى بذكر إنعامه عليه حينما كان صغيراً، وذكرِ قتله القبطيّ.
20 و 21.(قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ):
قدّم موسى(عليه السلام) الإجابة عن الأمر الثالث الذي قدح به فرعون في نبوّته(عليه السلام) وأخّر الجواب عن الأوّلَين، ولذلك قال: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ).
ثمّ إنّ كثيراً من المفسّرين فسّروا قوله:(وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) بمعنى الجهل أو الغفلة عمّا يترتّب على هذا العمل، بمعنى أنّي كنت من الذاهلين عن معرفة أنّ وكزتي تؤدّي إلى القتل، بل إنّي قصدت بها الردع والتأديب، ولذلك لا يُعدّ ذنباً لي، لأنّ العَمْد هو الركن الأساسي من أركان الجناية عند أهل التشريع.
وربما يفسَّر الضلال بالنسيان، كما فُسّر به قوله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى)1، فيكون المعنى: فعلتها ناسياً أنّ الوكز ممّا يُفضي إلى القتل عادةً.
وعلى هذا فمعنى قوله:(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ) هو: أنّه لمّا لم تكن لي بيّنة على أنّي لم أقصد قتل القبطيّ عمداً وإنّما انتهى إليه من غير اختيار، فلم

1 . البقرة:282.

صفحه 41
أجد بُدّاً إلاّ الفرار منكم لئلاّ تعاملوني معاملة المجرم المتعمِّد (فـ) لذلك (فَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ)ولكن شاء سبحانه أن يتولاّني ـ بعد الفرار منكم ـ بالتكريم (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا): أي علماً أُصيب به حقائق الأُمور وسداداً في الحكم عليها (وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ) وهو جواب عن استغراب فرعون من أن يكون(عليه السلام) مبعوثاً سماوياً، مع أنّهم يعرفونه حقّ المعرفة، حيث نشأ في كنفهم.
ثم بدأ بالإجابة عن الأمرين الأوّلين ـ أعني: تربيته في قصر فرعون، ولبثه فيه سنين ـ فقال:
22. (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ):
والكلام بصورة الاستفهام الإنكاري، وأصله: أتمنّ عليّ يا فرعون بتربيتك إيّاي وليداً ولبثي في قصرك سنين، مع أنّ هذا كان نتيجة جورك وظلمك واتّخاذك قومي بني إسرائيل عبيداً، حيث إنّ أُمّي خوفاً من جلاوزتك قذفتني في البحر حتى أدّى الأمر إلى أن أنشأ في قصرك وأُقيم بين أظهركم؟ وبذلك أُفحم فرعون، ولم يجد ما يقابل به الحجّة إلاّ تغيير مجرى الحوار إلى شيء آخر، كما سيوافيك.
ثمّ إنّ جمع الضمير في (مِنْكُمْ) و (خِفْتُكُمْ) مع إفراده في (تَمُنُّهَا) و (عَبَّدْتَ) لأجل أنّ الخوف والفرار لم يكونا منه وحده بل منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله بدليل قوله: (إِنَّ الْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ)1، وأمّا الامتنان والتعبيد فمنه وحده.(2)

1 . القصص:20.   2 . تفسير الكشّاف: 3/111.

صفحه 42
ولإلقاء مزيد من ضوء التفسير على هذه المجموعة من الآيات، ننقل هنا ما قاله السيّد الطباطبائي في هذا المجال، ملخّصاً في أمرين:
الأوّل: أنّ تفسير الضلال بالجهل أو النسيان على النحو المذكور اعتراف بالجرم والمعصية، وآيات سورة القصص ناصّة على أنّ الله سبحانه آتاه حكماً وعلماً قبل واقعة القتل، وهذا لا يجامع الضلال بهذا المعنى من الجهل.1
أقول: قد عنى(رحمه الله) بآيات سورة القصص قوله تعالى:(لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ).(2)
سورة الشعراء: الآيات 23 ـ 33   
ثمّ إنّه(قدس سره) فسّر الآية بما حاصله: أنّ موسى(عليه السلام) تكلّم بكلام أشبه بالمعارضة والتورية، فمن جانب لم يعترف بالجرم والمعصية ومن جانب آخر أقنع فرعون، يقول: إنّ قوله:(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا)من تمام الجواب عن القتل فيتقابل الحكم والضلال، ويتّضح حينئذ أنّ المراد بالضلال الجهل المقابل للحكم، والحكم إصابة النظر في حقيقة الأمر وإتقان الرأي في تطبيق العمل عليه، فيرجع معناه إلى القضاء الحق في حسن الفعل وقبحه وتطبيق العمل عليه، وهذا هو الذي كان يؤتاه الأنبياء، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ)2، فالمراد أنّي فعلتها

1 . الميزان في تفسير القرآن:15/262ـ263.   2 . القصص:14 و 15.
2 . النساء:64.

صفحه 43
حينئذ والحال أنّي في ضلال من الجهل بجهة المصلحة فيه والحقّ الذي يجب أن يُتَّبع هناك، فأقدمت على الدفاع عمّن استنصرني، ولم أعلم أنّه يؤدّي إلى قتل الرجل، ويؤدّي ذلك إلى عاقبة وخيمة تُحوجني إلى خروجي من مصر وفراري إلى مَدين والتغرّب عن الوطن سنين.1
الثاني: قوله: (وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ) جواب عن قول فرعون: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) الذي يريد به الاعتراض عليه من جهة دعواه الرسالة. وذكر في وجه كونه جواباً عن الأمرين (التربية، واللَّبث فيهم مدّة طويلة) هو أنّ المعترض زعم أنّ الرسالة أمر اكتسابي، فعندئذ كيف يكون موسى(عليه السلام)رسولاً مع أنّه عاش بين ظهرانينا إذ كان في رعاية بلاط فرعون وعاش فيه إلى أن صار رجلاً مكتملاً، فأجاب موسى بأنّ رسالته ممّا وهبه الله سبحانه له وليست اكتسابية فلا منافاة بين الأمرين وكونه رسولاً من الله سبحانه.2

الآيات: الثالثة والعشرون إلى الثالثة والثلاثين

(قَالَ فِرْعَوْنُ وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ

1 . الميزان في تفسير القرآن:15/262.
2 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:15/264.

صفحه 44
وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ).

المفردات

ثُعبان: الثعبان: الحيّة العظيمة.

التفسير

إذا أمعن القارئ النظر في هذه المجموعة من الآيات وما قبلها يجد أنّها تشتمل على حوارات متعدّدة جرت بين موسى(عليه السلام) وفرعون، وعلى بعض المواقف المهمّة، وكما يلي:
الأوّل: حينما قال موسى(عليه السلام): (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) اعترض عليه فرعون بقوله:(أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا) .
الثاني: لمّا(قَالَ) فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) أجابه موسى(عليه السلام): (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا).
الثالث: عندما(قَالَ) فرعون: (لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ) إنكاراً لجواب موسى وإشارة إلى خفّة عقله، أجابه موسى (عليه السلام): (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ).

صفحه 45
الرابع: لمّا(قَالَ) فرعون: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)أجاب موسى (عليه السلام):(رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا).
الخامس: لمّا ضاق صدر فرعون بالحوار تهدّد موسى بقوله:(لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) فأجابه(عليه السلام): (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين).
السادس: حينما قال موسى(عليه السلام) لفرعون: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين)أجابه فرعون بقوله:(فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وعندئذ أبدى موسى ما آتاه ربّه من تلك المعجزتين الباهرتين(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ). وهنا قطع فرعون كلامه مع موسى وتحوّل إلى الملأ، متّهماً موسى بما سيأتي ذكره.
وبما أنّهم استسلموا لقول فرعون بأنّ ما أتى به موسى هو سحر، قاموا بدعوة السحرة للإتيان بمثله، على ما سيأتي تفسيره في المجموعة التالية.
بعد أن وقفنا على رؤوس هذه الحوارات والمواقف، نشرع الآن ببيان صلة الأجوبة بالأسئلة الواردة فيها، من خلال تفسير الآيات التي اشتملت عليها.
23. (قَالَ فِرْعَوْنُ وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ):
لمّا قارع موسى(عليه السلام) اعتراض فرعون بحجج دامغة، حوّل فرعون وجه الكلام إلى أمر آخر وهو أنّ موسى(عليه السلام) لما عرّف نفسه في الآية رقم 16 بقوله:(إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) صار هذا سبباً لسؤال فرعون عن حقيقة

صفحه 46
ربّ العالمين. ولمّا كان الوقوف على حقيقته أمراً محالاً على البشر (إذ كنهُه في غاية الخفاء) عاد موسى إلى بيان أوصافه من أنّه (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أو (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ) أو (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا).
ويظهر من الرازي أنّ الحوار بين موسى(عليه السلام) وطاغية مصر يدور حول إثبات الصانع ولذلك ذكر احتمالات، نذكر منها ما يلي:
1. أنّ إنكاره وجود ربّ العالمين كان أمراً ظاهرياً، فإنّه كان عارفاً بالله لكنّه كان يستأكل قومه بما يظهره من إلهيّته.
2. أنّه كان على مذهب الدهرية من أنّ الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحرّكة لذواتها وأنّ حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم.1
وحاصل بعض احتمالاته أنّ الحوار كان يدور في وجود الصانع وإثباته من جانب موسى(عليه السلام)وإنكاره من جانب فرعون.
ولا يخفى أنّ تفسير الأسئلة والأجوبة بهذا النحو الذي ذكره ويذكره كثير من المفسّرين لا ينسجم مع ما هو المعروف من عقيدة الوثنيّين في حقّه سبحانه، فإنّ الاعتقاد بوجود خالق واحد واجب الوجود لم يكن أمراً مختلَفاً فيه، ولم يكن فرعون ولا أتباعه منكرين له، إذ لا يوجد في صحيفة الكون بين الوثنيّين من ينكر وجود واجب الوجود الذي لا يُحدّ ولا يعرف كنهه حتى يسأل عن فرعون ويجيب موسى ببيان صفاته. فعلى ما ذكره المفسّرون يكون الحوار أمراً لغواً، إذ ليس القول بأنّه ربّ العالمين بهذا

1 . تفسير الرازي:24/127ـ 128.

صفحه 47
المعنى أي خالق الكون بأجمعه مورد إنكار حتى يقوم موسى ببيان أوصافه، فلذلك يلزم تفسير قول موسى(عليه السلام)وسؤال فرعون بشكل ينسجم مع عقيدة الوثنيّين، ويدور الحوار حول أمر يثبته موسى وينكره فرعون، ولذلك عمد السيد الطباطبائي إلى تفسير الحوارات بشكل منسجم مع عقيدة الوثنيّين ونحن نأتي به ببيان منّا:
اتّفقت الوثنية على وجود خالق للكون، لكنّه منعزل عن التدبير وإنّما التدبير بيد موجودات نورية أو نارية كالملائكة والجنّ، وقد عدّوا منهم الملوك وأصحاب السلطة وأنّ بيدهم التدبير فإذاً فالنقطة التي كان النبي موسى(عليه السلام) وفرعون يتعارضان فيها هي ربوبية موجود واحد يتكفّل بتدبير العالم، هذا ما يدّعيه موسى(عليه السلام) ويقول: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ويستنكره فرعون ويقول:(وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ): أي ما معنى وجود موجود يتكفّل بتدبير العالم كلّه ويلغي تدبير سائر الآلهة التي منهم: أنا .
وربّما يُستغرب أنّ فرعون يدّعي من جانب أنّه الرب الأعلى ويقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)1 ومن جانب آخر يوصي الملأ فرعون بقتل موسى ويقول: (وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)2، أي يستغرب كيف يكون رباً أعلى من جانب، ومن جانب آخر له آلهة، ولكنّ الاستغراب يرتفع إذا درس عقائد الوثنيّين فإنّ وجود خالق الكون لم يكن مورد اختلاف وإنّما الوثنية مبنية على تقسيم ربوبية العالمين بين الموجودات ولا مانع من كون فرعون ربّاً أعلى بالنسبة

1 . النازعات:24.
2 . الأعراف:127.

صفحه 48
إلى الفراعنة ومدبّراً لهم، وفي الوقت نفسه له آلهة يعبدها أرفع منه وأفضل.1
وبذلك ظهر أنّ ادّعاء موسى(عليه السلام) (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) على طرف النقيض من عقيدة الوثنيين ومنهم فرعون لذلك استنكر وقال: (وَما رَبُّ الْعَالَمِينَ) الذي بوحدته يدبّر الكون أجمع.
وكان في قول موسى (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) دلالة ضمنية على التوحيد الرُّبوبي لأنّ انسجام العالمين واتّصال أجزائها ودعم بعضها بعضاً يدلّ على وحدة الربّ المدبّر، ولمّا لم يقف فرعون على وجه الدلالة أوضحه النبيّ موسى في الآية التالية:
24. (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ):
إنّ الدليل الواضح على وحدة المدبّر هو الانسجام والاتصال الوطيد بين السماوات والأرض والموجود بينهما، فوحدة التدبير والاتّصال تحكي عن وحدة المدبّر، فقال: (رَبّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي مدبّر السماوات على سعتها والأرض وما بينهما، فالتدبير الوحيد يشهد على أنّ لها مدبّراً واحداً، لكن لا يفهمه إلاّ الموقنون السالكون سبيل اليقين، وإليه أشار بقوله:( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).
25 و 26.(قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:15/266ـ267.

صفحه 49
آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ):
قد وقف فرعون بدهائه على برهان موسى(عليه السلام) على وحدة المدبِّر، وقد شطب على ألوهية سائر الآلهة المكذوبة ومنهم فرعون حيث لا يمكن تقسيم التدبير في هذا العالم العظيم بين الآلهة إذ يورث ذلك اختلال النظام وفساد العالم، ولذلك اتّجه فرعون إلى التمويه على الحقّ الذي لاح من كلام موسى(عليه السلام) فـ (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ) حيث يدّعي رسالة ربّ العالمين، فعندما أسأله عن (ربّ العالمين) يقول: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) حيث يعرّف نفسه أنّه رسول رب العالمين!! فإذا سألته (مَا ربّ العالمين)؟ يجيبني بقوله: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) هو نفس ربّ العالمين!! وعندئذ جاء موسى بجواب ثالث وقال: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ) بأنّه ربّ صحيفة الوجود حتى أنّه ربّكم وربّ آبائكم الأوّلين، أي ربّ الإنسانية من الأقدمين الغائبين إلى الموجودين الحاضرين.
وبذلك جاءت الأجوبة الثلاثة منصبّة على أمر واحد، فسواء أقال ربّ العالمين أو ربّ السماوات والأرض أو (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ)فالجميع إشارة إلى أنّ التدبير منصبّ على الموجودات والاتصال بين أجزاء العوالم وعدم طروء الاختلال . وهذا كلّه أوضح دليل على بطلان الوثنية وتقسيم التدبير بين المخلوقات الممكنة.

وصف موسى (عليه السلام)بالجنون

27 و 28.(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ):

صفحه 50
أشار فرعون إشارة خفيّة إلى الاختلال في عقل المدّعي حيث قال: (أَلاَ تَسْتَمِعُونَ)، ثم ثار غيظه فصار يصرّح بذلك ويقول: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وشهادة جنونه أنّه لا يجيب على السؤال بصورة واضحة مطابقة له، بل يبدّل لفظاً مكان لفظ، فتارة يقول: (رَبُّ العالَمين)وأُخرى( رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ).
أمّا موسى(عليه السلام) فلم يعتدّ باتّهام فرعون له بالجنون، بل استمرّ في استدلاله على أنّ للكون ربّاً واحداً وقال:(رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)وأراد بالمشرق والمغرب شروق الشمس وغروبها وطلوع الأجرام النيـّرة وغروبها على نظام خاص، كلّ ذلك يدلّ على وجود التدبير في العالم تدبيراً منسجماً متّسقاً يتّصل بعضه بالبعض الآخر، فكيف تدّعي أنت يا فرعون أنّك أنت المدبِّر؟! أو أنّ هاهنا آلهة مدبّرات؟! إذ لو كان تدبير العالم مفوَّضاً إلى عقول مختلفة وذوات متباينة تكون النتيجة وجود الاختلاف في التدبير، ولذلك أتمّ كلامه بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)فلو تعقّلتم فيما ذكرت من الإجمال إلى التفصيل من ربّ العالمين إلى ربّ السماوات والأرض، إلى ربّكم وربّ آبائكم وربّ المشرق والمغرب، لوقفتم على أنّه لا إله إلاّ الله ولا معبود سواه ولا مدبِّر إلاّ هو، فلذا يجب أن تطرح هذه الاعتقادات في سلّة المهملات، وتؤمنون بالله الواحد.
ولمّا بلغ الأمر إلى هذا الحدّ لم يجد فرعون بُدّاً من مقارعة منطق موسى(عليه السلام) بالقوّة، إذ لم يجد في نفسه شيئاً يفحم به موسى(عليه السلام) إلاّ أن يهدّده بالسجن.

صفحه 51

تهديد موسى (عليه السلام)بالسجن

29. (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ):
أي لو كنت مصرّاً على أنّك رسول من ربّ العالمين تاركاً أُلوهيّتي كما قال:(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري) وهو كناية عن ترك أُلوهية فرعون : (لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) الذين اشتهر سوء حالهم ومصيرهم. إذ فرق بين أن يقول: أعتقلك، وبين أن يقول: لأجعلنّك من المعتقلين الذين عرفتَ أحوالهم، حيث يُطرح المسجون في بئر عميقة فرداً لا يُبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أشدّ من القتل.1
ولمّا وقف موسى على أنّ التهديد أمر جدّي التجأ إلى منطق آخر وهو إظهار آيتين من الخوارق التي تدلّ على صدق ارتباطه بعالم الغيب، حتى يبهر عيون الملأ ويدهش عقولهم.
30 و 31. (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
وكأنّه يريد أن يقول: كيف تجعلني من المسجونين، مع أنّ دعوتي مقرونة بدلائل واضحة تورث الإيمان بصدق كلامي وهو الإتيان بخوارق العادات التي لا يقدر أحد من الناس على معارضتها ومخالفتها، كما قال:(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين)؟ ولم يكن ببال فرعون أنّ موسى(عليه السلام)يملك برهاناً ساطعاً على نبوّته ولذلك جعل ردّه على طلب الإتيان

1 . تفسير الرازي:24/231.

صفحه 52
بآية بصيغة الشكّ، و(قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)والآية تدلّ على أنّ تلك الحالة، هي الأُولى التي يشاهد فيها فرعون تلكما المعجزتين اللّتين أُوتيهما موسى(عليه السلام)ليلة الطور.
32 و 33. (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ):
كان فرعون والملأ الذين حوله قد رأوا كيف تبدّلت العصا اليابسة إلى حيّة عظيمة كما قال: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) فوصف الثعبان بالمبين أي أنّه حيّة عظيمة حقيقية لا تمويه فيها ولا تخييل، ولا يختلف في حقيقتها اثنان.
وهاهنا سؤال: وهو أنّه سبحانه وصف معجزة موسى (عليه السلام)هنا بأنّها:(ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، وفي سورة أُخرى بأنّها (حَيَّةٌ تَسْعَى)1 وفي سورة ثالثة: (كَأَنَّهَا جَانٌّ)(2) والجانّ: الحيّة الصغيرة، والثعبان: الحيّة الضخمة، فكيف يتمّ التوفيق بينها؟
والجواب: الحيّة اسم جنس يشمل الثعبان والجانّ، فهي ثعبان في ضخامته وعظمه، ولذلك ابتلع ما جاء به السحرة، ولكنّه يشبه الجانّ في اضطرابه وخفّة حركته.
سورة الشعراء: الآيات 34 ـ 42   
ولم يقتصر موسى(عليه السلام) على ذلك بل (وَنَزَعَ يَدَهُ): أي بعد أن أدخلها في جَيبه كما يقول: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ )2،(فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ) متلألئة

1 . طه:20.   2 . النمل:10.
2 . النمل:12.

صفحه 53
كشعاع الشمس (لِلنَّاظِرِينَ) إليها. ولعلّ فرعون قال لموسى هل لك وراءها آية أُخرى قال: نعم(وَنَزَعَ يَدَهُ).

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى الثانية والأربعين

(قَالَ لِلْمَلاَِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّار عَلِيم * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لاََجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ).

المفردات

الملأ: أشراف القوم.
عليم: خبير في فنّ السِّحر، حاذق في تلك الصنعة.
فماذا تأمرون: أي بمَ تشيرون؟ والعجب أنّ فرعون يقول: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) فيعرّف نفسه عبداً يأتمر بأمر الموالي، والظاهر أنّه بمشاهدة هاتين الآيتين أخذته الهزّة وأحسّ بالحقارة فنسي أنّه ملك من شأنّه الأمر لا الائتمار. وهذا حال سائر الجبابرة إذا استنزلوا عن قمّة العزّة، ولذلك يفسّرونه بـ «تشيرون».

صفحه 54
أرجهْ وأخاه: مشتق من الإرجاء، وهو التأخير، والقراءة المعروفة: (أرجه)، والأصل (أرجِئْه): أي أخِّر أمر موسى وأخيه ولا تعاجلهما بالعقوبة.
حاشرين: الحَشر: الجَمْع والسَّوْق.
سحّار: مَن يتعاطى السِّحر.

التفسير

34. (قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ):
لمّا خرج موسى(عليه السلام) مرفوع الرأس بعد ذلك الحوار، وخاف فرعون من أن يتأثّر الملأـ وهم وزراؤه وأهل بلاطه ـ بما شاهدوا من المعجزتين، بادر إلى وصف ما أتى به موسى(عليه السلام) بالسحر و(قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) فقد عرّف موسى بأنّه ساحر حاذق.
ولم يُرد فرعون بقوله: (عَلِيمٌ) مدح موسى(عليه السلام)، وإنّما أراد به التأكيد على مهارته في السِّحر لئـلاّ يتأثّر الملأ بموسى(عليه السلام) ويدركوا أنّ ما جاء به من آيات الله ربّ العالمين.
هذا، ويظهر من موضع آخر في القرآن أنّ الملأ وصفوه بالساحر العليم، قال تعالى:(قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ)1 ولا منافاة بينهما، وذلك بالبيان الآتي: أنّ فرعون ابتدأ بإطلاق هذه التهمة، فأيّده فيها

1 . الأعراف:109.

صفحه 55
الملأ وبادروا إلى ترديدها بعده تزلُّفاً إليه، كما هو شأن حاشية كلّ طاغ مستبدّ، حيث يُعربون عن التسليم المطلق لكلّ ما يقول دفاعاً عن مصالحهم الشخصية، وخوفاً عليها من الذهاب.
35. (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ):
حاول فرعون أن يثبت أنّ الغاية من إعمال هذا السحر أن يأخذ بقلوب الناس حتى يكثر أعوانه وأتباعه ويغلبكم على دولتكم ويسيطر على بلادكم ويطردكم منها، كما يقول: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ)ومعلوم أنّ مفارقة الوطن أصعب الأُمور، فنفّرهم عنه بذلك، وهذا نهاية ما يفعله المبطل في التنفير من الحق، فعندئذ خاطب الملأ بقوله: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ): أي بماذا تشيرون؟ وبذلك حاول إشراكهم في مقابل هذه الظاهرة حتى يحرّضهم ضد موسى(عليه السلام).
36. (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ):
لمّا طلب فرعون مشورة الملأ(قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ): أي اتّفقوا على أمر واحد وهو أن يؤخّر أمر موسى وأخيه ولا يعاجلهما بالعقوبة (وَابْعَثْ)عساكرك (فِي الْمَدَائِنِ) التي تحت سلطتك في مصر (حَاشِرِينَ): أي جامعين، من الحشر بمعنى الإخراج إلى مكان بإزعاج أي يُخرجون السَّحَرة بالإكراه.
37. (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّار عَلِيم):
أي يأتونك بكلّ من وجدوه أنّه سحّار حاذق وقال:(سَحَّار) ولم

صفحه 56
يقل «ساحر» إشارة إلى حذقه ومهارته. وروي أنّ فرعون أراد قتله فقال الملأ: لا تفعل فإنّك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة، ولكن أرجئه وأخاه إلى اليوم المعلوم.1
38. ( فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم):
قد أشرنا غير مرّة إلى أنّ القرآن الكريم يذكر ما هو المهمّ من القصة وأمّا ما يُعلم من القرائن فلا يذكره، ولذلك ففي الآية إيجاز وتلخيص بشهادة ما جاء في سورة طه، يقول:(قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتَيِنَّكَ بِسِحْر مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لاَ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)2، فقوله سبحانه في المقام: ( فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم)فيه إيجاز وإجمال لما جاء في سورة طه.
والعطف بالفاء في قوله: (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ) دليل على أنّ إحضار السحرة وقع في أسرع وقت فصاروا حاضرين (لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم): أي الموعد الذي حُدّد له وقت معيَّن للمباراة، وهو يوم الزينة المذكور في سورة طه.
39. (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ):
بما أنّ جمع السحرة لم يُعيّن فاعله: (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ) فهكذا لم يذكر

1 . تفسير الرازي:24/132.
2 . طه:57ـ 59.

صفحه 57
فاعل مَن خاطب الناس وأعلن نبأ المبارة، كما قال:(وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) وكأنّ الجامع خصوصاً القائل، إنسان محايد يريد اكتشاف الحقيقة، ولذلك فهو يدعو الناس إلى الاجتماع على سبيل العرض لا الإلزام، ثم يقول:
40. (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ):
والمراد باتّباع السحرة اتّباعهم في دينهم، ومن المعلوم أنّهم كانوا متظاهرين بعبادة فرعون، قال الزمخشري: في دينهم إن غلبوا موسى ولا نتّبع موسى في دينه وليس غرضهم باتّباع السحرة، وإنّما الغرض الكلّي ألاّ يتّبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق الكناية لأنّهم إذا اتّبعوهم لم يكونوا متَّبعين لموسى(عليه السلام)1.
41 و 42. (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لاَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ):
جاء مضمون هاتين الآيتين في سورة الأعراف بالنحو التالي:(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لاَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)2.
والاختلاف أنّ لفظة «إنّ» مقرونة بهمزة الاستفهام في المقام كما قال: (أَئِنَّ) ومجرّدة عنها في سورة الأعراف.

1 . تفسير الكشّاف:3/114.
2 . الأعراف:113ـ 114.

صفحه 58
وقُرن قوله: (لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) بإذاً في سورتنا هذه، حيث قال: (إذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) وجُرّد عنها في سورة الأعراف وقال: (وَإنّكُم لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) فجاء الجواب في هاتين الآيتين أكمل ممّا في سورة الأعراف، وهو أنّ كونهم مقرَّبين مشروط بالغلبة. وأُريد بالقربى أنّهم سيكونون من خاصّته وذوي الجاه لديه.
سورة الشعراء: الآيات 43 ـ 51   

الآيات: الثالثة والأربعون إلى الحادية والخمسين

(قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ).

المفردات

بعزة فرعون: العزّة: القوّة التي يمتنع بها من لحاق ضيم لعلوّ منزلتها.

صفحه 59
عصيّهم: العِصيّ: جمع عصا.
تلقف: تبتلع بسرعة.
يأفكون: الإفك هو صرف الشيء عن واقعه، حيث إنّ السحرة بسحرهم يقلبون الشيء عن وجهه الواقعي إلى وجهه المتوهَّم.
من خلاف: أي قطع الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى.
لا ضَير: لا ضرر.
منقلبون: راجعون.

التفسير

43. (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ):
يظهر من قوله: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) أنّ موسى طلب منهم الإلقاء، وقال:(أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) غير أنّ الظاهر ممّا في سورة الأعراف أنّ موسى(عليه السلام) طلب منهم الإلقاء بعد أن خيّروه قائلين: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ)1، ولم يذكر هذا في سورتنا هذه للاختصار.
وهاهنا سؤال: كيف جاز لموسى(عليه السلام) أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟
والجواب: إنّ الأمر بالإلقاء لم يكن مقصوداً بنفسه، حتى يكون أمراً غير جائز، بل كان هذا مقدّمة لإرشاد الناس وكشف تمويه السحرة وإبطال

1 . الأعراف:115.

صفحه 60
كيدهم، فلا محيص إلاّ أن يأمرهم بالإلقاء لكي يتبعه الإبطال، وهذا نظير حوار المحقّ مع المبطل، حيث يفسح المجال له حتى يبطله في أعين الناس ومسامعهم.
44. (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ):
أي طرحوا ما كان معهم من الحبال والعصيّ ( وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) وهذا من كلام السَّحَرة.
ولم يذكر في الآية كيفية سحرهم غير أنّه سبحانه وصف سحرهم في آية أُخرى بقوله: (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْر عَظِيم)1، وفي سورة طه قال تعالى: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ).(2)
45.(فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ):
يظهر من قوله سبحانه في سورة طه أنّ الله سبحانه أوحى إليه بالإلقاء حيث يقول: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِر وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى).2
يقول المفسّرون: لمّا ألقى عصاه صارت حيّة، فطافت حول الصفوف حتّى رآها الناس كلّهم، ثمّ قصدت الحبال والعِصيّ فابتلعتها كلّها

1 . الأعراف:116.   2 . طه:66.
2 . طه:69.

صفحه 61
على كثرتها، ثم أخذها موسى فعادت عصاً كما كانت.
46. (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ):
وعندما تناولت حيّة موسى حبالهم وعصيّهم بسرعة وابتلعتها ثم عادت إلى صورتها الأُولى، أذعن السَّحرة أنّ الذي جاء به موسى خارج عن حدود السحر، وذلك لأنّهم كانوا عارفين بواقع السحر، وأدركوا أنّ ما أتى به راجع إلى قوّة إلهية وأنّه غلبهم بتلك القوّة، ولذلك سجدوا لربّ العالمين كما يقول: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) لأنّهم وقفوا على أنّه مبعوث من الله سبحانه فخرّوا سُجّداً لله.
47 و 48. (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ):
أي (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الذي دعا إليه موسى وأنّ للكون ربّاً واحداً; لأنّ ما في الكون مربوبون. ثمّ أتمّوا كلامهم بقولهم: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ).
وهم بهذا القول قد عزلوا فرعون عن الربوبية، وخلعوا العزّة التي صنعها لنفسه، وبذلك حصحص الحقّ وبان الصبح لكلّ ذي عينين.
ومن المعلوم أنّ إيمان السَّحرة في يوم الزينة الذي اجتمع الناس فيه للتعرّف على الحقّ صار دليلاً قاطعاً على بطلان ما يدّعيه الفراعنة، عبر سنين متمادية، من الربوبية، ولذلك ثار غضبه،وانطلق يهدّد السَّحرة.

تهديد فرعون السحرة

49. (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ

صفحه 62
السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلاَُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ):
إنّ الطواغيت حينما تنقطع بهم السبل يتوسّلون بأُمور:
1. تجريم من يؤمن بما هو على خلاف عقيدتهم قبل إذنهم:(آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ).
2. منطق القوّة والتهديد بالقتل، كما قال:(لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ).
3. توجيه عملهم واتّهامهم بالافتراء والتآمر، كما قال: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ).
وأين موسى(عليه السلام) من هؤلاء السَّحرة حتى يكون كبيرهم الذي علمهم السِّحر، فقد كان بعيداً عن مصر مقيماً في (مَدْين) وقد دخل مصر قبل أيام، وهؤلاء السَّحرة كانوا منتشرين في مدن مصر بعيداً عن العاصمة، فكيف يمكن أن يكون موسى(عليه السلام)معلّماً وهؤلاء متعلّمين؟!
والأعجب من ذلك اعتراضه على السَّحرة بأنّهم آمنوا بموسى قبل أن يأذن لهم فرعون، فكأنّ التديّن بشيء فرع إذن الملك فهو مالك الرِّقاب والأرواح والأعمال القلبية. وأمّا أنّه هل قام بما أوعدهم به أو لا؟ فلا يظهر من الآيات شيء.

جواب السحرة لفرعون

50 و 51. (قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ

صفحه 63
يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ):
لمّا أوعد فرعون السَّحرة بأمرين شديدين وهما: قطع الأيدي والأرجل من خلاف ثم الصَّلب على جذوع النخل، وكان إيمان السحرة بصحّة دعوة موسى(عليه السلام) إيماناً راسخاً في القلوب، قاموا بوجه فرعون و(قَالُوا لاَ ضَيْرَ) لا ضرر،أي لا يضرّنا وعيدك، إذ ليس تعذيبك إلاّ عدّة لحظات سوف تنتهي إلى النعيم الدائم كما يقول: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ)راجعون، وبما أنّ السَّحرة صرفوا مقداراً من أعمارهم في الوثنية وقد ظهرت علائم بطلانها، طلبوا من الله سبحانه أن يغفر لهم ما ارتكبوا من الخطايا كما قال: (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا). ولفظ (نَطْمَعُ)يستعمل في الظنّ الراجح (أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)من أتباع فرعون بربوبيّته سبحانه، وبموسى مرسَلاً منه تعالى.
ثمّ إنّ المعنى المتبادر من قولهم: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ)هو الرجوع إلى إلهيّة ربّ العالمين وترك الاعتقاد بإلهيّة فرعون، وأنّ إيمانهم وسجودهم لله أمام فرعون يدلّ على طهارة فطرتهم وأنّهم كانوا مستعدّين للهداية الإلهية، غير أنّ الرازي غلا في حقّهم وفسّر قولهم:(إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) بقوله: فيه نكتة شريفة وهي أنّهم بلغوا في حبّ الله تعالى أنّهم ما أرادوا شيئاً سوى الوصول إلى حضرته، وأنّهم ما آمنوا رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب، وإنّما مقصودهم محض الوصول إلى مرضاته والاستغراق في أنوار معرفته، وهذا أعلى درجات الصدّيقين.1

1 . تفسير الرازي:24/136.

صفحه 64
ولا يخفى أنّ ما ذكره الرازي لا يخلو من غلوّ.
قوله: (أَنْ) وما في حيّزها منصوب بحذف الخافض، أي: لأن كنّا، فهو بمنزلة التعليل للطمع والظنّ بأن يغفر ربّهم خطاياهم، لأجل أنّهم صاروا أوّل المؤمنين.
سورة الشعراء: الآيات 52 ـ 68   

الآيات: الثانية والخمسون إلى الثامنة والستين

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَكُنُوز وَمَقَام كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَ مَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

المفردات

أَسرِ: سِرْ بهم ليلاً.

صفحه 65
متَّبعون: يتبعكم فرعون بجنده.
لَشِرذمة: الشِّرذمة: جمعه شراذم، الطائفة القليلة من الناس.
غائظون: فاعلون ما يغيظنا. والغيظ: شدّة الغضب.
حاذرون: جمع حاذِر، وهو المُحترِز المتيقِّظ.
فأتبعوهم: فلَحِقوهم.
مُشرقين: داخلين في وقت شروق الشمس، أو قاصدين جهة الشرق، يقال: أشرق فلان إذا دخل في أرض الشرق .
الجَمعان:الفريقان.
لَمدرَكون: لَمُلحَقون.
انفلق: انشقّ.
فِرْق: الفِرْق: القطعة المنفصلة من الشيء.
كالطود: الطَّوْد: الجبل.
أزلفنا: قرّبنا.

التفسير

52. (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ):
أوحى الله سبحانه إلى موسى(عليه السلام) أن يقود بني إسرائيل ويهاجر بهم ليلاً لئلاّ يطّلع جلاوزة فرعون على خروجهم كما يقول: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)، ولكن أخبره بأنّهم (مُتَّبَعُونَ): أي سيتبعكم فرعون

صفحه 66
بجنده ليمنعوكم من الرحيل عن مصر.
ولا يخفى أنّ الآية تشير إلى قصة أُخرى، بينها وبين ما سبق فصول لم تذكر في هذه السورة، حيث إنّه بعد ما خرج موسى(عليه السلام) من ساحة المباراة منتصراً وآمن به السَّحرة، وقعت رجّة في مصر وتداولت الألسن الأخبار، ومع ذلك بقي موسى سنين في مصر يطلب إطلاق بني إسرائيل حتى يمضي بهم إلى الأرض الموعودة، والذي يشهد على ذلك أنّ بين الأمر بالإسراء وبين ايمان السَّحرة أحداثاً كثيرة لم تُذكر هنا، وقد أشار إليها سبحانه في غير واحدة من السور، منها: نزول البلاء تلو البلاء على آل فرعون1 وحوارات مؤمن آل فرعون مع قومه2، وكلّ ذلك قد حدث بعد قصة يوم الزينة.
وقد مرّ أنّ القرآن الكريم ينقل من القصة ما يهمّه، ولذلك لم يذكر الأحداث الواقعة بين غلبة موسى وخروج بني إسرائيل من مصر لعدم تعلّق الغرض بذكرها هنا. وعلى كلّ تقدير فقد خرج بهم موسى(عليه السلام)ليلاً، ولكن هنا نكتة وهو أنّ خروج بني إسرائيل (مهما كان عددهم) بالليل لم يتحقّق إلاّ بعد أن أخبرهم موسى بهذا الأمر الخطير، وطلب منهم أن يستعدّوا ويتهيّأوا له، ولا شكّ في أنّ عدم اطّلاع جند فرعون وأنصاره، على أخبار تلك الاستعدادات، يدلّ على غاية الاحتياط في كتمانها وعدم إذاعتها، وهو رهن تخطيط دقيق ومنظّم يقلّ نظيره في التاريخ.

1 . انظر: غافر:28ـ 34، و38ـ 45.
2 . انظر: الأعراف:130ـ 135.

صفحه 67
53 ـ 56. (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ):
المهمّ بيان صلة هذه الآيات بما قبلها، فإنّ الآية السابقة دلّت على أنّه سبحانه أمر موسى(عليه السلام) بترك مصر ليلاً والتوجّه إلى البحر، فبعدما انتشر خبر مسير بني إسرائيل حاول الطاغية أن يمنعهم من الخروج ولم يكن في مقرّ ملكه جند كثير يصدّهم عن طيّ الطريق، فلذلك بعث رُسله ليجمعوا له الجند من الأطراف والأكناف وهم يحملون بلاغ فرعون، كما يقول: (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ): أي يحشرون الناس ويجمعون الجيوش لفرعون، وهؤلاء الرُّسل ينادون في البلاد:(إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ): أي إنّ بني إسرائيل جماعة قليلة لا يعتدّ بهم، ولكنّهم يثيرون غضبنا الشديد بمخالفتهم لنا وتمرّدهم علينا، كما يقول:(وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ)بَيد أنّنا جميعاً (حاكماً، ورجال دولة، وجنداً) متيقّظون منتبهون لخطرهم (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ).
ولقد فضح فرعون نفسه بهذه المعاذير، فمن جانب يصفهم بأنّهم قليلون لا يُعبأ بهم، ومن جانب آخر يبعث رُسلَه ليسوقوا له ما يستطيعون سَوقه من الجند فيتّبعوهم ويردّوهم إلى مصر، وهذه هي شيمة المستكبرين إذا هُدِّدت عروشهم بالخطر، فتراهم يفتقدون المنطق الصحيح ويتخبّطون في الدفاع عن كيانهم.
هذا ما دبّره فرعون، ولكن تدبير الله سبحانه كان فوق تدبير فرعون حيث جمع جيوشه للتنكيل ببني إسرائيل، ولكن صار مصيرهم جميعاً

صفحه 68
الإغراق والإهلاك، كما يقول:
57 و 58. (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَكُنُوز وَمَقَام كَرِيم):
أي أخرجناهم من جنّات غنّاء وعيون فيّاضة، كما أخرجناهم من مقام نفيس. والمراد بالمقام المساكن والقصور.
59. (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ):
قوله:(كَذَلِكَ): أي كانت أخبارهم كما وصفناها (وَأَوْرَثْنَاهَا) الضمير يرجع إلى ما قبلها من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم (بَنِي إِسْرَائِيلَ).
ظاهر الآية أنّ ما كان لفرعون وقومه من الأموال والعقار والمساكن والديار أعطاه لبني إسرائيل، وفي موضع آخر قال تعالى:(كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم * وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)1، وفي موضع ثالث قال: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا).(2) فالآية التي نحن في صددها ظاهرة في أنّ الوارث للنِّعم الموفورة هم بنو إسرائيل، والآية في الثاني فيها إبهام حيث قال: (كَذلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)، والآية في الموضع الأخير تدلّ على أنّ بني إسرائيل ورثوا مشارق الأرض ومغاربها وراء ما كان لفرعون من جنّات وعيون، ولذلك ذهب غير واحد من المفسّرين إلى أنّ الله سبحانه ردّ بني إسرائيل إلى مصر بعد ما أغرق فرعون

1 . الدخان:25ـ 28.   2 . الأعراف:137.

صفحه 69
وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والعقار والمساكن والديار.1
لكن ظاهر الآيات التي تحكي مصير بني إسرائيل لا ينسجم مع عودتهم إلى مصر، فإنّ ظاهر قوله تعالى:(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْم يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَام لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ )،(2) أنّهم نزلوا سيناء وهم يتخبّطون في جهلهم ومادّياتهم حتى أنّهم طلبوا من موسى(عليه السلام)أن يجعل لهم صنماً يعبدونه!! ولذلك قال رادّاً عليهم:(إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)ثم تلت ذلك حوادث تترى أشار إليها القرآن الكريم منها: إنزال المنّ والسّلوى عليهم2، وتفجير اثنتي عشرة عيناً على قدر فرقهم،3 ومجيء موسى(عليه السلام)إلى ميقات ربّه،4 إلى أن انتهى الأمر إلى اتّخاذهم العجل إلهاً5، وإلى عصيانهم الأمر بدخول الأرض المقدّسة6 حتى تمّ لهم البقاء تائهين في صحراء سيناء أربعين سنة عقوبة لهم على عصيانهم7، وقد توفّي موسى(عليه السلام) قبل أن تنتهي الأربعون سنة، فأين رجوعهم إلى مصر؟ ولذلك

1 . لاحظ: مجمع البيان:7/355.   2 . الأعراف:138ـ 140.
2 . انظر: البقرة:57.
3 . انظر: الأعراف:160.
4 . انظر: الأعراف:143.
5 . انظر: البقرة:51.
6 . انظر: المائدة:21.
7 . انظر:المائدة:26.

صفحه 70
ذهب غير واحد من المفسّرين إلى أنّ المراد (من الآيات الثلاث) أنّ الله تعالى ملّك بني إسرائيل جنات وعيوناً مماثلة لِما في مصر، في أرض الميعاد التي ساروا إليها.1
60. (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ):
ما إنْ بزغت شمس الصباح حتى لحق بهم فرعون وجنوده كما يقول:(فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) وفي هذه اللحظات ضاقت الدنيا بأعين بني إسرائيل وأحسّوا بالخطر يقترب منهم، فاستغاثوا بموسى(عليه السلام) كما يقول:
61. (فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ):
أي لمّا قابل كلّ فريق صاحبه، استغاث أصحاب موسى(عليه السلام) كما يقول: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ): أي سيدركنا ويَلحقنا جيش فرعون ولا طاقة لنا به.
قال الشريف الرضيّ: وهذه استعارة والمراد بها العبارة عن التقارب والتداني، وإنّما قلنا إنّ هذا اللفظ مستعار لأنّه قد يحسن أن يوصف به الجمعان وإن لم يرَ بعضهم بعضاً بالموانع من مثار العجاج ورَهج الطِّراد، لأنّ المراد به تقارب الأشخاص لا تلاحظ الأحداق، وذلك كقولهم في الحيَّين المتقاربين تتراءى ناراهما أي تتقابل وتتقارب لكون النارين بحيث لو كان بدلاً منهما إنسانان لرأى كلّ واحد منهما صاحبه.2

1 . لاحظ: تفسير المراغي:7/67، وغيره.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:167.

صفحه 71
62. (قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ):
وهنا يتجلّى إيمان موسى(عليه السلام) بربّه وتتأكّد ثقته بوعده (قَالَ كَلاَّ): أي لن يدركوننا (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ): أي يرشدني إلى طريق النجاة، وقد تحقّق ذلك بمعجزة إلهية، كما يقول:
63. (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ):
قوله تعالى:(فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى): أي أوحينا إليه (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ) فضربه (فَانْفَلَقَ): أي فانشقّ عن طريق فيه، وارتفع الماء على جانبيه كما يقول: (فَكَانَ كُلُّ فِرْق): أي كلّ قطعة من البحر (كَالطَّوْدِ)الجبل (الْعَظِيمِ): أي صار اجتماع ذلك الماء فوق كلّ طرف منه كالجبل العظيم، وعندئذ سلك الإسرائيليون الطريق الذي فُتح لهم وعبروا من الشاطئ الغربيّ إلى الشاطئ الشرقيّ، ولمّا رآهم فرعون وجنوده ساروا على إثرهم كما يقول:
64. (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ):
أي أدنَينا هناك الآخرين، والمراد من الآخرين ما يقابل بني إسرائيل، وأبقى الله تعالى تلك المسالك على حالها حتى قرُب منها فرعون وجيشه وطمعوا في أن يتخلّصوا من البحر كما تخلّص موسى، وعندئذ انطبق البحر عليهم وأغرقهم.
ثمّ إنّه سبحانه نسب الإزلاف إلى نفسه وقال:(وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ)

صفحه 72
واستُشكل عليه بأنّ اجتماعهم هناك في طلب موسى(عليه السلام) كفر، فكيف نسبه إلى نفسه؟
والجواب واضح، وهو أنّ المراد: قرّبناهم إلى المكان الذي كان فيه بنو إسرائيل حتى يتوهّموا أنّ ما عبرهُ موسى وبنو إسرائيل مسالك عاديّة، فيدخلوا فيها ثم يكون مصيرهم إلى الإغراق، فليس في هذا الإزلاف شيء منكر إلاّ كونه مقدّمة لعذاب الاستئصال.
65. (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ):
ولم يبق أحد منهم إلاّ وقد خرج من البحر، وأمّا مصير فرعون وجنوده فيقول عنه:
66. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ):
أي أغرقنا فرعون وجنوده يقول سبحانه: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ).1
ثمّ إنّه سبحانه اقتصر في بيان قصة موسى على هذا المقدار، وأمّا ما كان من مصير بني إسرائيل بعد عبور البحر، فقد جاء تفصيله في سور أُخرى.
67 و 68. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):

1 . يونس:90.

صفحه 73
أي(إِنَّ فِي ذَلِكَ) الذي حدث في البحر وإنجاء موسى ومن معه وإغراق عدوّ الله وأتباعه (لاَيَةً)وعبرة لمن يعتبر (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ)مع ما رأوا من الآيات والمعجزات، وفي ذلك إشارة إلى وجود المشاكلة والتشابه بين قوم فرعون وكبراء قريش في مكّة، فالجميع رأوا الآيات الباهرات ومع ذلك لم يؤمن أكثرهم، قوله:(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)إعادة لما في صدر السورة حيث قال:(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).1
قدّم وصف العزيز على الرحيم لكونه مقتضى المقام، حيث إنّه سبحانه أخذ بعزّته فرعون وجنوده، وفي الوقت نفسه هو رحيم، ولكلٍّ موضع ومظهر. وربّما لا يهلك ويُمهل.
والله سبحانه يذكر هاتين الآيتين في ختام قصة كلّ من الأنبياء السبعة مشيراً إلى أنّ الأُمم السابقة كان أُسلوبهم في مواجهة الأنبياء العظام على وتيرة واحدة كما يحكي عنه قوله تعالى: (وَ مَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) وأنّ موقفه سبحانه من الجميع واحد كما يدلّ عليه قوله تعالى:(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).2
بقي هنا كلام وهو ما هو المراد من البحر، الذي عبّر عنه سبحانه في مقام آخر باليمّ، قال: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)3؟
قال الشيخ عبد الوهاب النجّار: أعتقد أنّ خليج السويس كان يمتدّ في تلك الأزمان إلى البحيرة المُرّة أو يقرب منها، وفي هذا الخليج كان

1 . الشعراء: 9 .
2 . لاحظ: الشعراء:67 ـ 68، 121ـ 122، 139 ـ 140، 158ـ 159، 173ـ 174، 190ـ 191.
3 . طه:78.

صفحه 74
عبورهم. وأضاف: وبين يديّ أطلس تاريخي للأُستاذ محمد رفعت، رسم فيه طريق عبور بني إسرائيل بين السويس وبين البحيرة المُرّة، ورسم خطَّين يدلاّن على أنّ خليج السويس كان متصلاً بالبحيرة المُرّة، وأحسب أنّه على صواب.1
يُذكر أنّ خليج السويس، هو أحد فرعَي الطرف الشمالي للبحر الأحمر، والفرع الآخر هو خليج العقبة، وتقع شبه جزيرة سيناء بين الخليجين.
سورة الشعراء: الآيات 69 ـ 89   

الآيات: التاسعة والستون إلى التاسعة والثمانين

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ *

1 . قصص الأنبياء:203ـ 204.

صفحه 75
وَاجْعَلْني مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأَبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم).

المفردات

فنظلّ: ظلَّ بمعنى دام، أي نقيم على عبادتها طوال ليلنا ونهارنا. وربّما يفسّر بالعبادة في جميع النهار دون الليل لأجل كونهم يعبدون الكواكب، فإذا جاء الليل عبدوا الكواكب الطالعة، ولا يخلو من تأمّل كما سيوافيك.
عاكفين: ملازمين، وتضمّن معنى العبادة.
حُكماً: أي إصابة النظر والرأي في المعارف الاعتقادية والعملية الكلّية وتطبيق العمل عليها، ويعبّر عنها بالحكمة، وقد ورد نظيره في قصّة موسى(عليه السلام) قال: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا)1.
لسانَ صِدق: المراد باللِّسان هنا الثناء، وإضافته إلى الصدق من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، أي لساناً صادقاً، والمعنى: أن يُبقي له في الدنيا الثناء الحسن والذكر الجميل. هكذا قيل، وسوف يأتي معنى آخر لهذه الفقرة عند التفسير.
الآخِرين: يقابل الأوَّلين.
تُخزني: الخِزي: الانكسار الطارئ على الإنسان إمّا من نفسه أو من غيره.
سليم: الموصوف بالسلامة، العاري من الآفات الظاهرة والباطنة.

1 . الشعراء:21.

صفحه 76

التفسير

2. مناظرة إبراهيم(عليه السلام) مع عبدة الأصنام

يذكر القرآن الكريم أربعة مواقف لإبراهيم(عليه السلام) في دعوته للتوحيد، اشتملت على مناظرات مع عَبدَة الأجرام السماوية1، ومع الملك (النَّمرود)،2 ومع أبيه آزر خاصّة3 ومع أبيه منضمّاً إلى قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام، وهذا الموقف الأخير هو الذي تناولته هذه المجموعة من الآيات.
وكانت الوثنية قد غطّت بيئة بابل(موطن إبراهيم(عليه السلام) قبل هجرته) على نحو أنّ أقرب الناس إلى إبراهيم(عليه السلام) كان وثنياً ومدافعاً عنها بشدّة، ومن سنن الله تبارك وتعالى أن يخرج داعية التوحيد من وسط أحضان الوثنية.

الربّ الحقيقي عند الوثنيين

هل كان الصنم الخشبي أو المعدني أو الحجري عندهم هو الربّ الواقعي؟ أو أنّ الربّ الواقعي عندهم أُمور روحانية خارجة عن عالم الأجسام، منزَّهة عن خواصّ المادّة وآثارها؟ إذ لمّا كان من الصعب ـ عندهم ـ التوجّه إليها لكونها خارجة عن أُفق الإدراك توسّلوا إلى ذلك باتّخاذ صور وتماثيل جسمانية تمثّل بأشكالها وهيئاتها ما هناك من

1 . انظر:الأنعام:75ـ 81 .
2 . انظر: البقرة:258.
3 . انظر: مريم:42ـ 47.

صفحه 77
المعنويات1، إذ من البعيد على أيّ إنسان مهما تسافل أن يعبد الأجسام الفارغة من الروح والإدراك إلاّ إذا كان مجنوناً.
وعلى ذلك ظهرت الوثنية وتطوّرت وانتشرت في البلاد، فالأرباب الحقيقيون أُمور روحانية بعيدة عن الإدراك، وأمّا الأصنام الجامدة فمظهر لها. نعم كان الحال على هذا الأساس، وكلّما مرّ الزمان وتجذّرت الوثنية في النفوس وغلبت الأوهام على العقول غفل عبّاد الأصنام عن الفلسفة التي بُنيت عليها الوثنية في أوّل الأمر، وكثير منهم غفلوا عن الربّ الواقعي، واتّخذوا هذه الأصنام أرباباً.2 وعلى هذا الأساس نرى أنّه سبحانه أمر نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتلو على مشركي قريش نبأ إبراهيم(عليه السلام).
69.(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ):
أُريد بنبأ إبراهيم حواره(عليه السلام) ومناظرته مع الوثنيين، وقد اختار سبحانه عرض قصة إبراهيم بعد قصة موسى(عليه السلام) لوجود التشابه بين قوم إبراهيم الخليل(عليه السلام) وقوم النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) من جهتين:
الأُولى: التوغّل في الوثنية، فإنّ كلا القومين هبط إلى الحضيض في هذه الظاهرة، وأثبتا أنّهما في غاية الجهل والسفاهة.
الثانية: أنّه سبحانه أمهل قوم إبراهيم(عليه السلام) ولم يعذّبهم في الدنيا، وكذلك كان الحال مع قوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث أمهلهم ولم يعذّبهم بعذاب سماويّ، نعم قُتل عدد من كبرائهم في معركة بدر.

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:15/281.
2 . انظر: تفسير الرازي: 17/59ـ 60.

صفحه 78
70. (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ):
سأل إبراهيم(عليه السلام) في بداية المناظرة عن حقيقة معبودهم بقوله: (مَا تَعْبُدُونَ)؟ والسؤال هذا من تجاهل العارف، حيث وضع(عليه السلام) نفسه ـ لغاية يقصدها ـ موضع مَن لا يعرف شيئاً عن حقيقتها وسائر شؤونها، سبيلَ من يريد أن يبيّن الخصمُ حقيقة مدّعاه وسائر شؤونه حتى يأخذه بما سمع من اعترافه، وهذا من أساليب المناظرة. وعندئذ أجابه القوم بما يلي:
71. (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ):
أي نعبد هذه الأصنام ونستمرّ على عبادتها ليل نهار.
ولمّا كانت عبادة الأصنام لغاية الانتفاع بها أو دفع الضرر بواسطتها، ولولا هذه الغاية لما خضع أحد لشيء، ورد عليهم إبراهيم(عليه السلام) من هذا الباب ليحتجّ عليهم بالحقيقة التالية:
72 و73. (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ):
فسألهم عن استماع الأصنام لدعائهم، إذ لولا الاستماع لما انتفع الداعي بعبادته ودعوته، وقال: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ): أي هل يسمعون دعاءكم(إِذْ تَدْعُونَ)؟ ثم انتقل إلى أنّها على فرض الاستماع هل (يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ)؟ ولمّا لم يكن لدى القوم إزاء هذه الأسئلة جواباً مقنعاً التجأوا إلى إلقاء المسؤولية في ذلك على عاتق آبائهم وأجدادهم وقالوا:
74. (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ):

صفحه 79
وهذا إقرار ضمنيّ بأنّهم لا ينتفعون بعبادة الأصنام، وأنّ تقديسهم لها لا يستند إلى أي برهان، ولكن لمّا كان الآباء على هذه السيرة قالوا: نحن نقتفي أثرهم في تقديسها!!وحينئذ سألهم إبراهيم(عليه السلام)منكراً عليهم تقليد الآباء والأجداد، فقال:
75 ـ 77.(قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ):
ولمّا بلغ الحوار هذا المقام وثبت أنّ هذه الأصنام لا تنفع ولا تضرّ، عند ذلك أعلن إبراهيم(عليه السلام)البراءة من الأصنام وعبدتها، الحاضرة والقديمة وقال: (أَفَرَأَيْتُمْ): أي أخبروني عن حال (مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) عبر سنين (أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ)فإنّهم عدوّ لي فلا تنفع عبادتها بل تضرّ. ووصفها بالعداوة التي لا تكون إلاّ من العقلاء، هو من باب التشبيه البليغ، حيث إنّ الإنسان يصوّر من يأتي منه الضّرر عدوّاً، والأصنام ممّا يأتي منها الضّرر لأنّها مضلّة لمن يعبدها، فالنبي إبراهيم(عليه السلام)حينما عدّ الأصنام بأنّها عدوّ لنفسه أعلن أنّها عدوّ لكلّ من يعبدها، فقال إنّي أتبرّأ منها وأُعلن براءتي منها وعداوتي لها، لماذا؟ لأنّ عبادتها ضارّة لديني مهلكة لنفسي فهي ليست إلاّ عدوّ لي، فأتبرّأ من كلّ ما تعبدون (إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ)، والظاهر أنّ الاستثناء منقطع لأنّه استثناء من قوله:(فَإِنَّهُمْ) أي الأصنام (عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ).
ثم ابتدأ(عليه السلام) ببيان صفات ربّ العالمين التي ينكرها الوثنيون، ومع إثبات هذه الصفات لله سبحانه، لا يَعبد أيّما إنسان صنماً من الأصنام، لأنّ

صفحه 80
الغاية من عبادتها حاصلة بعبادة ربّ العالمين. واختار من بين صفاته ما يعرب عن انفراد الله تعالى بالتصرّف في عالم الكون، فأشار إلى جميع أُصول النِّعم حتى انتهى إلى بعث الخلائق يوم القيامة وهي عبارة عمّا يأتي في الآيات التالية:

أ. خلقه وهدايته

78.(الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ):
قوله:(الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ) كلمة جامعة ليس فوقها كلمة، أشار بها إلى أنّه سبحانه بعد ما خلقه لم يفوض أمر تدبيره إلى موجود آخر، بل هو الذي يهدي كلّ ما خلق إلى ما يحقّق كماله، كما قال سبحانه:(قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى )1.

ب. رزّاق لما خلق

79. ( وَالذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ):
فالله سبحانه حينما خلق ماخلق لم يترك رزقه لغيره، وإنّما تكفّل بهما هو ـ عظُمت آلاؤه ـ بإيجاد أسبابهما، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا)2. ومن أسباب رزقه وسوابغ رحمته سبحانه بخلقه أنّه يرسل الرياح مبشِّرات بنزول المطر الذي يحيي، بقدرة الله، الأرض وتنبت به ألوان الزروع والثمار رزقاً للعباد.

1 . طه:50.
2 . هود:6.

صفحه 81

ج. الإنعام بالشفاء

80 . (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ):
الآية تحكي عن أنّ الوثنيين يستشفون بأصنامهم وقد أدّبهم إبراهيم(عليه السلام) بأنّ الشافي هو الله تبارك وتعالى قائلاً: بأنّه هو الذي يُنعم عليّ بالشفاء إذا مرضت، وقد أسند المرض إلى نفسه ليكون مقدّمة لقوله: (فَهُوَ يَشْفِينِ)، مضافاً إلى أنّ كثيراً من أسباب المرض يحدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه ولذلك أضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربّه تعالى.

د. الإحياء بعد الإماتة

81 . (وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ):
إنّ الوثنيّين ينكرون البعث ولا يؤمنون بحياة جديدة خوفاً ممّا يلاقونه هناك من جزاء على ظلمهم وجرائمهم التي ارتكبوها في دنياهم، ولذلك ركّز إبراهيم(عليه السلام) على هذا الأصل وقال: (وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ)، ومن المعلوم أنّ كلّ هذه الأفعال:(يَهْدِينِ)، و(يَسْقِينِ)، و(يَشْفِينِ)، و(يُحْيِينِ) حذفت عنها ياءات المتكلم حفظاً للفواصل لأنّ الفواصل في الآيات غالباً على النون.

هـ . رجاء المغفرة في الآخرة

82 . (وَالذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ):
كانت الوثنية تطلب المغفرة من الأصنام، والله سبحانه يؤكّد على أنّ

صفحه 82
غفّار الذنوب هو الله سبحانه، قال عزّ وجلّ:(وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ)1.
لقد طلب(عليه السلام) من الله سبحانه مغفرة الخطيئة يوم الدين (القيامة) وإنّما خصّصها بيوم الدين، لأنّ أثرها يظهر في ذلك اليوم، كما أنّه لم يقل:
هو الذي يغفر خطيئتي، بل قال: (أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)وما ذلك إلاّ لأنّ الغفران تفضُّل من الله سبحانه، ومثله لا يطلب على وجه الجزم.
ثمّ إنّ نسبة الخطيئة إلى نفسه وهو نبيٌّ معصوم دليل على أنّ المراد بها غير المعصية، بمعنى مخالفة الأمر المولوي، فإنّ للخطيئة والذنب مراتب تتقدّر حسب حال العبد في عبوديته، كما قيل: حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، وقد قال تعالى لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ )2 فالخطيئة من مثل إبراهيم(عليه السلام) (هي) اشتغاله عن ذكر الله محضاً بما تقتضيه ضرورات الحياة كالنوم والأكل والشرب ونحوها وإن كانت بنظر آخر طاعة منه(عليه السلام)، كيف؟ وقد نصّ تعالى على كونه مخلصاً لله لا يشاركه تعالى فيه شيء، إذ قال: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَة ذِكْرى الدَّارِ )3.4
واللاّفت في أدعية إبراهيم(عليه السلام) أنّه أشار في هذه الصفات إلى أُصول النِّعم التي يتمتّع بها الإنسان من لدن ولادته إلى خروجه من الدنيا، فإذا كانت هذه الصفات راجعة إلى الله سبحانه فهو الأَولى بالعبادة.

1 . آل عمران:135.
2 . غافر:55.
3 . ص: 46.
4 . الميزان في تفسير القرآن:15/285.

صفحه 83
إلى هنا تمّ حوار إبراهيم(عليه السلام) مع الوثنيّين، ثم إنّه بعد ما أثنى على ربّه بما أثنى، سأله أُموراً تأتي في الآيات التالية:
83 . (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ):
لمّا فرغ إبراهيم من الثناء على ربّ العالمين، طلب منه عزّ وجلّ أُموراً فيها كمال نفسه وروحه، وفيه إشارة إلى أدب الدعاء وهو تقديم الثناء عليه، وهذه الأُمور عبارة عن:
أ. (هَبْ لِي حُكْمًا) الظاهر أنّ المراد من الحُكم هي الحكمة التي أُوتيها لقمان قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)1 والمراد كمال القوّة العلمية والفكرية التي تجعله مُسدَّداً في حكمه على الأُمور مصيباً في معرفة الحقائق في باب المعارف والوقائع. وتفسيره بالنبوّة غير صحيح لأنّه يدعو وهو نبيّ، فلا وجه لتحصيل الحاصل.
ب. (وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ) ولعلّ هذه الفقرة بصدد طلب إعطاء كمال في العمل حتى يتمّ له الكمال في مقامَي العلم والعمل، فالإنسان الكامل عبارة عمّن بلغ القمّة في التفكير والعمل، فإذا وصل الإنسان إلى هذا المقام ينطلق إلى الصلاح والفلاح.
وما ذُكر من التفسير مبنيّ على تفسير الفقرة الأُولى بالكمال العلمي، والثانية بالكمال العملي، لكن يمكن أن يقال إنّ المراد من الحكمة هو الكمال في مجالي العلم والعمل، وأمّا دعاؤه(عليه السلام) بأن يكون في زمرة الصالحين، فالغاية منه طلب استمرار هذه النعمة وعدم سلبها عنه كما هو

1 . لقمان:12.

صفحه 84
الحال في قولنا: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)1 فإنّ الغاية هي البقاء على الصراط المستقيم.
84 . (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ):
ج. (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق): أي الذكر الجميل والثناء الحسن(فِي الآخِرِينَ) في الأجيال التالية حتى يستدلّ به على محبة الله له ورضاه عنه، هكذا فسِّرت الآية.
غير أنّ استفادة هذا المعنى من الآية بعيد، ولو أراد ذلك كان له أن يقول: واجعل لي ذكراً جميلاً في الآخرين، إذ لا يتبادر إرادة معنى الجميل من الصدق.
وقد جاء مضمون الفقرة في سورة الصافات حيث قال سبحانه بعد ذكر إبراهيم(عليه السلام):(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ)2 وجاء أيضاً في سورة مريم بعد ذكر عدد من الأنبياء كزكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم وموسى وهارون قوله:(وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق عَلِيًّا)3، فمرجع هذه الآيات إلى أمر واحد، فلو كانت الإضافة من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، يكون المراد: واجعل لي لساناً صادقاً، فيرجع إلى أنّ المراد أنّه سبحانه يبعث في الأجيال الآتية رجالاً يصدّقون دعوتي وينشرونها، فيطلب من الله سبحانه بعث الأنبياء في ذريته حتى يكون كل لسان صادقاً عنه، كما يقول بعد بناء

1 . الحمد:5.
2 . الصافات:108.
3 . مريم:50.

صفحه 85
الكعبة:(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ)1.
85 . (وَ اجْعَلْني مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ):
وفي هذا الطلب انقطع نظر إبراهيم(عليه السلام) عن الدنيا وتوجّه إلى
الدار الآخرة وطلب سعادة الآخرة بعد طلب سعادة الدنيا وقال: (وَاجْعَلْني مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ)، فعبّر عن كونه من أهل الجنة بأنّه (مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ)لأجل أنّ الإرث يقال لكلّ شيء حصل للإنسان من غير تعب، كما قاله الراغب، قال تعالى:(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ)2.
نعم تلك الجنة إنّما هي في مقابل الأعمال الصالحة النابعة عن العقيدة الصحيحة، ولكن أين هذا الثمن من جنة النعيم التي عرضها كعرض السماوات والأرض؟
إلى هنا تمّت أدعيته الخاصّة بنفسه، وبعدها ذكر أباه آزر الذي كان غارقاً في الوثنية التي عاقبتها الحرمان من مغفرة الله سبحانه، ولذلك طلب من الله سبحانه أن يغفر له وقال:
86 . (وَاغْفِرْ لأَبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ):
يطلب(عليه السلام) الغفران لأبيه والغرض من طلبها فتح قلبه لقبول التوحيد،

1 . البقرة:129.
2 . المؤمنون:10ـ 11.

صفحه 86
لأنّ المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب الأُولى يلازم طلب الثانية، وقد صدر منه هذا الدعاء وأبوه حيّ، وعلى هذا فمعنى قوله: (إِنَّهُ كَانَ): أي كان قبل الدعاء بزمان (مِنَ الضَّالِّينَ) والشاهد على أنّ الدعاء صدر منه وهو حيّ أنّه(عليه السلام)تبرّأ منه حينما شاهد أنّه مات كافراً، قال سبحانه:(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).1
ويمكن أن يقال: إنّ الآية الأُولى أي طلبه غفران الله له كان في وقت يُرجى فيه الإيمان والتوبة، وأمّا الآية الأُخرى أي التبرّؤ منه فهي بعدما يئس من إيمانه، من غير فرق بين كونه حيّاً أو ميّتاً.
87 . ( وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ):
عدم خزيه يوم البعث. والخزي: ما يلحق الإنسان من انكسار إمّا
من نفسه أو من غيره، والذي يلحقه من غيره يقال: هو ضَرْب
من الاستخفاف كما ذكره الراغب، لكن تفسيره بالذلّ والهوان
أوضح، فإبراهيم(عليه السلام) يطلب من الله سبحانه ألاّ يصيبه ذلّ ولا هوان يوم القيامة ويوم يُبعث العباد، كما يقول:(وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ) وهذا الدعاء بمعنى طلب التسديد والاستقامة في طريق الحق، فكلّ ممكن لا يأمن من الخزي يوم القيامة إلاّ بتأييد من الله سبحانه، من غير فرق بين النبيّ المعصوم وغيره.

1 . التوبة:114.

صفحه 87
88 .(يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ):
هذا من تتمّة كلام إبراهيم(عليه السلام) بشهادة أنّه بدَل من قوله: (يَوْمَ يُبْعَثُونَ)فيصف يوم البعث باليوم الذي لا ينفع أحداً مال ولا بنون، أي لا ينفعه ما تركه من محاسن الدنيا وزينتها. وذكر المال والبنون من باب المثال لأنّهما من أعظم ما يتعلّق به الإنسان. وليست الآية بصدد ذمّ المال والبنين، كيف؟ والله سبحانه يذكرهما بأنّهما من أعظم نعمه على الإنسان، قال على لسان نوح:(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ)1; بل المراد أنّ مجرّد كون الإنسان ذا مال وبنين لا ينقذه يوم القيامة، فليس للإنسان أن يعتمد عليهما يوم ذاك، وإنّما يعتمد على ما يأتي في الاستثناء.
89 . (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم):
لا شكّ أنّ الاستثناء منقطع لعدم دخوله في المال والبنين، والمعنى: لكن ما ينفع وينجي يوم القيامة قلب سليم من الشرك والغِلّ وسائر الرذائل، مليء بالتوحيد والإخلاص، عامر بالطاعة والصلاح. وهذا التعبير من أروع التعابير حيث أتى بكلمة موجزة تحتها معان كثيرة، فالنجاة لمن سلم قلبه من الشرك والشكّ، وبرئ من الحقد والغشّ والرياء، وتزيّن بالحبّ والخير.
روى الكليني بإسناده عن سفيان بن عُيينة، قال: سألته ـ يعني الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ـ عن قول الله عزّ وجلّ: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم)، قال: «القلب السليم الذي يلقى ربّه، وليس فيه أحد سواه. قال: وكلّ قلب فيه

1 . نوح:12.

صفحه 88
شرك أو شكّ فهو ساقط، وإنّما أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة».1
ويؤيّده قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «حب الدنيا رأس كلّ خطيئة».2
وروى أيضاً بإسناده عن أبي حمزة الثُّمالي، عن أبي جعفر] الباقر[(عليه السلام)، قال: «القلوب ثلاثة: قلب منكوس لا يعي شيئاً من الخير، وهو قلب الكافر; وقلب فيه نكتة سوداء فالخير والشرّ فيه يعتلجان3، فأيّهما كانت منه غلب عليه; وقلب مفتوح فيه مصابيح تزهر، وهو لا يُطفَأ نورُه إلى يوم القيامة، وهو قلب المؤمن».4
إلى هنا تمّت قصة إبراهيم(عليه السلام) بأكملها كما تمّت قبلها قصة موسى(عليه السلام)، والغرض من ذكر تينك القصتين هو تسلية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه قد ابتلي بما ابتلي به الأنبياء السابقون من إعراض أقوامهم عمّا جاءوا به من البيّنات عناداً واستكباراً، وعانَوا كما عانى.
سورة الشعراء: الآيات 90 ـ 104   

الآيات: التسعون إلى الرابعة بعد المئة

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ

1 . الكافي:2/16، باب الإخلاص، برقم3.
2 . مجمع البيان:7/360.
3 . الاعتلاج: المصارعة وما يشابهها.
4 . الكافي:2/423، باب في ظلمة قلب المنافق، برقم 3.

صفحه 89
أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

المفردات

أُزلفت: قال ابن فارس: زلف: يدلّ على اندفاع وتقدّم في قرب إلى شيء، يقال من ذلك:ازدلف الرجل تقدّم، وسمّيت مزدلفة بمكة لاقتراب الناس إلى مِنى بعد الإفاضة من عرفات، وعلى هذا: أُزلفت الجنة أي أُدنيت.
بُرّزت: من التبريز، وهو الإظهار.
للغاوين: جمع غاو، وهو الضالّ عن طريق الحق.
كُبكبوا: من كبّ يكبّ، وهو الإلقاء على الوجه، ومعناه: أُلقوا على وجوههم مرّة بعد أُخرى.
يختصمون: يتجادلون.
نسوِّيكم: نجعلكم مساوين.
كرّة: رجعة.

صفحه 90

التفسير

لمّا مرّ ذكر يوم القيامة وأنّه لا ينفع فيه مال ولا بنون، عاد البيان القرآني إلى بيان المنتفعين في ذلك اليوم والمتضرِّرين فيه، وقال:
90. (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ):
عبّر عن الجنة بالإدناء إشارة إلى أنّها تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها، وتقرّ أعينهم بأنّهم سيدخلونها، فلا يتجشّمون مشقّة السَّير إليها. وبكلمة واضحة: التعبير كناية عن حضور النعمة. ويحتمل إرادة المعنى الحقيقي لأنّ السُّنن الجارية يومذاك غير معلومة لنا.
91. (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ):
أي أُظهرت النار لأهل الضلال والفساد التاركين سبيل الرشاد، بحيث تكون بمرأى منهم.
92 و 93.(وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ):
بعد أن تُبرَّز الجحيم وتظهرت الكآبة على وجوه الغاوين، يسألهم سائل ـ على وجه التوبيخ والتأنيب ـ عن منزلة آلهتهم التي كانوا عاكفين على عبادتها حيث لا ينتفعون بهم مثقال ذرة كما يقول:(وَ قِيلَ لَهُمْ): أي للغاوين (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)في الدنيا (تَعْبُدُونَ) تستمرّون على عبادتها (مِنْ دُونِ اللهِ) فـ(هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ)بدفع العذاب (أَوْ يَنْتَصِرُونَ)بدفع العذاب عن

صفحه 91
أنفسهم، لأنّهم وآلهتهم وقود النار كما يأتي في الآية التالية. والآية تدلّ على أنّ المراد من الآلهة المكذوبة هو الأصنام.
94 و95. (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ):
الآيتان تدلاّن على أنّ الذين يُلقَون على وجوههم في النار ثلاثة أقسام:
الأوّل: الأصنام كما يقول: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا): أي أُلقي فيها الآلهة على وجوههم، وأُكّد الضمير المتصل في الفعل بضمير منفصل أعني (هُمْ)، وكلا الضميرين للعقلاء وقد استُعملا في الأصنام، لأنّ المشركين يعبدونها، ومن شأن المعبود أن يكون عاقلاً، حتى تكون له القدرة على النفع والضرّ.
الثاني: (الْغَاوُونَ): أي عبدة الآلهة، والتعبير بالغواية إشارة إلى إلقائهم في النار.
الثالث: (جُنُودُ إِبْلِيسَ): أي الشياطين ويحتمل أن يراد متّبعوه من عصاة الجنّ والإنس.
96. (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ):
فعندئذ تقع المنازعة والمجادلة بين عبدة الآلهة المكذوبة.
97. (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين):
يقسمون بالله أنّهم كانوا في ضلال عن صراط الحقّ، واضح لا لبس فيه.

صفحه 92
98. (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ):
الآية تبيّن وجه ضلالهم وأنّهم كانوا حين يعبدون الآلهة يجعلونها مثل ربّ العالمين في الربوبية والعبادة لا في خصوص العبادة، لأنّ تخصيص العبادة للآلهة رهن وجود ملاك للعبادة في الآلهة، وليس إلاّ تصوّر أنّهم يدبّرون أُمورهم، ولذلك صاروا يعبدونها.
وفي قوله سبحانه:(إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) دليل على أنّ عبدة الأصنام كانوا مشركين في العبادة والربوبية معاً، وبذلك يبطل قول من يقول: «بأنّ عبدة الأصنام كانوا مشركين في العبادة، موحّدين في الربوبية، فلا يعبدون الأصنام إلاّ ليشفعوا لهم يوم القيامة»، وهذه فكرة خاطئة وإن أكّد عليها محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، إذ مضافاً إلى هذه الآية، فقد كانوا ينتصرون بالأصنام في الحروب، قال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)1 وكانوا يطلبون العزّة منهم، قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)2، حتى كانوا يستمطرون بالأنواء، وأمّا قوله سبحانه:(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى )3 فسوف يوافيك توضيحه في تفسير سورة الزمر.
99 ـ 101.(وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم):

1 . يس:74.
2 . مريم:81.
3 . الزمر:3.

صفحه 93
قوله تعالى: (وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ) أُريد بهم القادة والزعماء. فهؤلاء الغاوون قد أكّدوا ندمهم على ما فرَط منهم في الدنيا، فقد عبدوهم بزعم أنّهم يشفعون لهم، والآن قد بانَ أنّه ليس لهم اليوم شفيع يشفع أو صديق مشفق يُعين، كما حكى عنهم تعالى بقوله:(فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم).
وفي موضع آخر أظهروا ندمهم بصورة أُخرى فقالوا: (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)1.
102. (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):
فلمّا يئسوا من شفاعة الشافعين وعون الصديق، رجعوا وتمنّوا شيئاً غير واقعيّ وقالوا: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً): أي رجعة إلى الدنيا(فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ): أي الموحّدين، والله سبحانه ردّ على أمثال هذا التمنّي بقوله:(وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)2.
ثمّ إنّه سبحانه يسلّي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً:
103 و 104. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ):
أي إنّ في قصة إبراهيم(عليه السلام) وما جرى بينه وبين قومه لآية واضحة على أنّه لا ربّ إلاّ إيّاه، ومع هذا (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ).

1 . الأعراف:53.
2 . الأنعام:28.

صفحه 94
قوله سبحانه: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أشار فيه بالعزّة إلى كونه قادراً على الانتقام، كما أشار باسم (الرَّحِيمُ) إلى أنّه سبحانه يمهلهم رحمة منه.
إلى هنا تمّت قصة موسى وقصة إبراهيم(عليهما السلام) وقد عرفت أنّ الغاية تسلية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوة الآخرين إلى الاعتبار. ثم إنّه سبحانه بدأ بذكر قصة نوح(عليه السلام).
سورة الشعراء: الآيات 105 ـ 122   

الآيات: الخامسة بعد المئة إلى الثانية والعشرين بعد المئة

(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّني وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

صفحه 95

المفردات

قوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرَهْط ونَفَر، يذكّر ويؤنّث. ويظهر من صاحب الكشّاف التأنيث بشهادة أنّه يصغَّر على قويمة، والتصغير يُرجِع الأشياء إلى أُصولها.
أخوهم: يراد به من هو واحد منهم، لا الأخ بالمعنى الواقعي، فيستعمل في هذه الموارد بمعنى المنسوب إلى القبيلة. ويشهد لذلك أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) لمّا أخبر ببعض الملاحم، قال له بعض أصحابه: لقد أُوتيتَ يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك(عليه السلام) وقال للرجل وكان كلبيّاً:«يَا أَخَا كَلْب، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب...».1 وعنى الواحد منهم والمنسوب إليهم.
قال الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا
الأرذلون: جمع أرذل من الرَّذالة بمعنى الخِسّة والدناءة.
المرجومين: المقتولين رمياً بالحجارة.
افتح: الفتح: إزالة الأغلاق كفتح الأبواب والأقفال. وأُريد به هنا الحكومة أي احكم بمناسبة أن فيه إزالة الأغلاق الموجودة بين المتحاكمين، قال تعالى:(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).2

1 . نهج البلاغة: الخطبة 128.
2 . الأعراف:89.

صفحه 96
الفُلك: السفينة.
المشحون: المملوء.

التفسير

3. قصّة نوح(عليه السلام) وقومه

تحدّث القرآن الكريم في هذه المجموعة من الآيات عن تكذيب قوم نوح(عليه السلام) نبيّهم، وقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره، لأنّه كان يدعو قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وما يأتي من إصرار هؤلاء على كفرهم وتمرّدهم فيه تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:
105. (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ):
المعروف أنّ نوحاً هو شيخ الأنبياء وبه ابتدأ بعثهم، فكيف يقول: إنّ قوم نوح كذّبوا المرسلين مع أنّهم كذّبوا واحداً منهم؟ ربّما يقال: لأنّ من كذّب رسولاً واحداً من رسل الله فقد كذّب الجميع; لأنّ كلّ رسول يأمر بتصديق جميع الرسل.1
ويمكن أن يقال: إنّ ملاك تكذيب قوم نوح(عليه السلام) هو أنّهم كذّبوا أن يكون الرسول من الله بشراً كما يحكي عنهم سبحانه:(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ)2، فعلى هذا فكلّ من جاء بعد نوح

1 . مجمع البيان:7/363.
2 . الأعراف:63.

صفحه 97
كان بشراً مرسلاً من الله سبحانه، فتكذيب قوم نوح به يلازم تكذيب هؤلاء بوحدة الملاك.
106. (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ):
قد تقدّم في تفسير المفردات أنّ التعبير بالأخ بمعنى الانتساب إلى نفس القبيلة التي ينتسب إليها القوم. وربّما يقال: إنّ التعبير بكلمة الأخ تعبير يبيّن منتهى المحبّة والعلاقة الحميمة على أساس المساواة، دون أن يطلب التفوّق والاستعلاء عليهم، بل كان يدعوهم إلى تقوى الله في منتهى الخضوع.
يلاحظ عليه: أنّ التعبير بالأخ إنّما هو في كلامه سبحانه لا في كلام نوح(عليه السلام)، والله يقول:(إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ) ولم يخاطبهم نوح بهذا اللفظ، وقد ورد لفظ الأخ في قصص أنبياء آخرين كهود وصالح. وعلى كلّ تقدير فخطاب نوح(عليه السلام) لقومه بقوله: (أَلاَ تَتَّقُونَ) حاك عن تقدّم كلام له معهم، وقد أشار إليه سبحانه في موضع آخر، بقوله:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)1، ثم عبّر عن إشفاقه عليهم، فحضّهم على اتّقاء عقاب الله بنبذ الشرك والإيمان بوحدانيته كما قال:(أَلاَ تَتَّقُونَ): أي ألا تخافون عقاب الله حيث تجعلون له شريكاً؟
وبذلك ظهر أنّ كلمة (أَلاَ) هنا تحضيضية، نظير قوله سبحانه: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ)2.

1 . المؤمنون:23.
2 . التوبة:13.

صفحه 98
وجوّز بعضهم أنّها مركّبة من حرفين: همزة استفهام، ولا النافية، وهذه الصيغة تستعمل للإنكار، وهو يكشف عن صدودهم عنه، وعدم الاستجابة لدعوته.
107. (إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ):
وصف نفسه بأنّه(رَسُولٌ أَمِينٌ) ـ وقد كان مشهوراً عندهم بالأمانة ـ ليكون تعليلاً للتحضيض السابق في قوله: (أَلاَ تَتَّقُونَ) عذاب الله حيث تعبدون غيره، فإنّ المخبر عن الله رسول أمين لا يكذب ولا يخدع.
ومن لطيف القول: إنّ هذا التعبير(أعني: الوصف بالأمانة) قد جاء في كلام سائر الأنبياء الذين وردت قصصهم في هذه السورة، كما سيمرّ عليك لاحقاً.1
ولعلّ التركيز على أمانة الأنبياء هو لاشتهارهم بها في حياتهم قبل البعثة، فمن لم يكذب عَبر حياته ولم يخن، لا يمكن أن يكذب على الله ويخون في إخباره عنه سبحانه. وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يلقّبه قومه بالأمين، وقد أُثر عن أبي جهل أنّه قال: إنّ محمّداً لم يكذب علينا، فلا يكذب على الله.
108. (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ):
أي خافوا عقاب الله في إصراركم على الشرك، وأطيعوني في ما أدعوكم إليه من الحقّ والخير والصلاح.

1 . لاحظ: الآيات:125، 142، 160.

صفحه 99
109. (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ):
أتمّ نوح(عليه السلام) كلامه مع قومه بالإعلان عن تنزّهه عن طلب الأجر على تبليغه الرسالة فقال: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر) وما ذلك إلاّ لأنّ عملي لله، وكلّ عمل لله لو ترتّب عليه أجر فإنّما يُطلب أجره منه تعالى. وفي هذا دلالة على إخلاصه في دعوته وتفانيه من أجل أهدافها، بعيداً عن أيّ مطمع دنيوي أو مأرب شخصيّ، وهذه هي شيمة الأنبياء جميعاً.
110. (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ):
كرّر نوح(عليه السلام) هذه الفقرة زيادة في التأكيد. ويظهر أنّ الإعلان عن تجرّده من أيّ غرض دنيويّ مع تحمّله تبعات الدعوة، هو الذي اقتضى أن يعيد عليهم هذه الفقرة، لتترك أثرها في نفوسهم.

الاعتذار عن عدم الإيمان

111. (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ):
الآية تحكي عن وجود طبقتين في ذلك المجتمع: طبقة مستضعَفة مسحوقة تكابد الفقر، وطبقة مترفة ذات جاه ونفوذ، وكان أهل الطبقة الأُولى سبّاقين إلى الإيمان به، فصار ذلك ذريعة لتحاشي أهل الطبقة الثانية عن الإيمان بدعوته متعلّلين بأنّ من حوله هم الأرذلون، فالإيمان به يجمعهم مع الفقراء المستضعفين، وهذا يوجب انحطاط مقامهم في المجتمع.

صفحه 100
والعجب أنّ هذه الذريعة تمسّك بها أيضاً كفّار قريش، حيث طلبوا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)طرد الفقراء من حوله وجعلوا ذلك شرطاً لإيمانهم، قال تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)1، وقد أشار سبحانه إلى تلك الذريعة من قِبَل قوم نوح في موضع آخر، وقال:(فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ).2
والفرق بين ما تذرّعوا به في المقام وما تقدّم في سورة هود، هو أنّهم تذرّعوا هنا بأنّه (عليه السلام) قد اتّبعه الأرذلون، ولكنّهم تذرّعوا في سورة هود بأُمور أربعة:
1. كون الرسول بشراً، (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا).
2. كون التابعين هم من الأراذل الذين أسرعوا إلى تصديقك دون تأمّل.
3. لا مزيّة لكم علينا(وَمَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل).
4. الشكّ في صدق دعوتكم(بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ).
ثمّ إنّ النبيّ نوحاً(عليه السلام) أجاب عن الذريعة الأُولى في سورتنا هذه بقوله:
112. (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):

1 . الأنعام:52.
2 . هود:27.
Website Security Test