welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 20*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 20

صفحه 1
المقدمة   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 20
(20)

صفحه 2

صفحه 3
20   
الجزء العشرون ويشتمل على تفسير السور التالية:
الشعراء، النمل، القصص
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1395 .
      30 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 577 - 9 (VOL.20)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1395
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 20
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1395 هـ ش / 1437 هـ . ق / 2016 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 925   تسلسل الطبعة الأُولى: 453
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله على آلائه، ونشكره على نعمائه، ونستعينه ونهتدي به ونتوكّل عليه; ونصلّي ونسلّم على نبيّه الخاتم الذي أرسله بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلى آله الطيبين الطاهرين الّذين هم قرناء الكتاب وأساس الدين وعماد اليقين، صلاة دائمة ما دامت السماوات والأرضين.
أمّا بعد:
فهذا هو الجزء العشرون من تفسيرنا المسمّى بـ « «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» وقد اشتمل على تفسير السور الثلاث: الشعراء، والنمل، والقصص، وهي من السور المكّيّة، ومن الجدير بالذكر أنّه بإلقاء نظرة سريعة على مجمل آيات القرآن الكريم يتّضح أنّ الوحي الإلهي بذَلَ حيال مسألة التوحيد الأُلوهيّ و الرُّبوبيّ من العناية ما لم يبذل مثلها حيال أيّة مسألة أُخرى من المسائل العقائدية والمعارف العقلية، بل حتى

صفحه 8
قضية «المعاد» والبعث في يوم القيامة التي تعدّ من القضايا المهمة جداً في نظر القرآن بحيث لا يمكن لأي دين أن يتجلّى في صورة «عقيدة سماوية» ومنهج إلهي دون الاعتقاد بها، كما لا يمكن لذلك المنهج أن ينفذ إلى الأعماق والأفئدة بدونها.
ويجدر بالذكر أنّ عناية القرآن تركّزت أساساً على إبلاغ وبيان «أُصول الدين»و بذر بذورها في الأفئدة; والعقول أكثر من العناية ببيان المسائل الفرعية العملية.
ويشهد لذلك أنّ الآيات التي وردت في القرآن حول موضوع «المعاد» تقارب (2000) آية، في حين يبلغ مجموع الآيات الواردة حول الأحكام المبيِّنة لفروع الدين (288) آية أو يتجاوزها بقليل.
وهذا هو بذاته يكشف عن الاهتمام الواسع والعناية الفائقة التي يوليها القرآن الكريم للمسائل الفكرية والقضايا الاعتقادية.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
5 رجب المرجّب 1437هـ ق

صفحه 9
تفسير سورة الشعراء   

سورة الشعراء

(طَسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْري وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ

صفحه 10
رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ فِرْعَوْنُ وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّار عَلِيم * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ

صفحه 11
الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَكُنُوز وَمَقَام كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَ مَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ *

صفحه 12
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْني مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأَبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ

صفحه 13
لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّني وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ * وَ جَنَّات وَعُيُون * إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ *

صفحه 14
إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَنَخْل طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَعْلُوم * وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْم عَظِيم * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ

صفحه 15
تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّني وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبيٍّ مُبِين * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ

صفحه 16
سورة الشعراء: خصائص السورة   
بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ * فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأْكَثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَاد يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ).

صفحه 17

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «الشعراء» لورود هذا اللفظ في ثنايا آياتها، وهو لم يرد في غير هذه السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها مئتان وسبع وعشرون آية في عدّ الكوفي والشامي والمدني، وستّ وعشرون في عدّ الباقين.
ومن خصائص هذه السورة أنّها تعتبر أكثر السور بعد سورة البقرة من حيث عدد الآيات، وإن كانت أقصر من كثير من السور من حيث عدد الكلمات.1
والسورة مكيّة بشهادة صياغتها ومضامينها، وقد جاء فيها قصص عدد من الأنبياء وهم: موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب(عليهم السلام)، وجاءت قصة الأوّلين على وجه التفصيل، والباقين على وجه الإيجاز، وهذا أفضل دليل على أنّ السورة مكيّة.

1 . عدد كلماتها:(1277) كلمة. وعلى سبيل المثال، يبلغ عدد آيات سورة آل عمران:(200) آية، وعدد كلماتها:(3480) كلمة، وعدد آيات سورة النساء:(175) آية، وعدد كلماتها:(3745) كلمة، وعدد آيات سورة الكهف:(110) آية، وعدد كلماتها: (1579) كلمة.

صفحه 18
نعم استثنى بعضهم الآيات الخمس التي في آخرها، أعني قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ)1، وسيوافيك الكلام في هذا المورد.

أغراض السورة

إنّ الغرض العام من سرد قصص الأنبياء السبعة هو تسلية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عمّا كان يلاقيه من أذى وإعراض من قومه، وأنّ سبيله في ذلك سبيل من مضى من الأنبياء مع أُممهم.
وفي أوّل السورة يثني تعالى على كتابه المجيد، وفي ثنايا القصص يذكر منطق المكذّبين الواهي، ويختمها بالإشارة إلى إهلاكهم بعد إنذارهم وإقامة الحجج عليهم.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر في آخر السورة الشعراء ويذمّهم، ولعلّ المراد بهم الشعراء الذين كانوا يهجون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كعمرو بن العاص، وأبي عَزّة الجُمَحي، وغيرهما. وسيوافيك أنّ المراد أيضاً أُولئك الشعراء الذين هم على شاكلة هؤلاء لا مطلق الشعراء، فإنّ للشعر الهادف في الإسلام وزناً وقيمة، وإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة(عليهم السلام) بعده كانوا يحترمون الشعراء الذين يصدعون بالحقّ، ويقدّمون لهم الهدايا.
سورة الشعراء: الآيات 1 ـ 6    

الآيات: الست الأُولى

(طَسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ

1 . الشعراء:197.

صفحه 19
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).

المفردات

باخعٌ: هالكٌ من وُجْد(شدّة الحزن).
فظلَّتْ: فدامتْ.
أعناقهم: العُنُق عضو معروف في الإنسان، وخضوع الأعناق كناية عن خضوع أصحابها.
خاضعين: الخضوع: الذُّلّ والانقياد.
مُحدَث: جديد.

التفسير

1. (طَسم):
من الحروف المقطَّعة، والكلام فيها هو الكلام ذاته في سائر الحروف المقطَّعة الواردة في أوائل عدد من السور، والرأي السائد المنصور هو أنّ الغاية من الإتيان بها في مطالع السور هو الاستدلال على أنّ القرآن منزّل من الله سبحانه، وليس لأحد غيره جلّ شأنه يدٌ في صياغته.

صفحه 20
ومن يتصوّر خلاف ذلك فالقرآن مؤلَّف من هذه الحروف والجميع في متناول الفصحاء والبلغاء، فإن كانوا يزعمون أنّ القرآن من صنع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فليقوموا ويأتوا بمثله. وسيوافيك تفصيل الكلام في ذلك في تفسير أوّل سورة الأحقاف.
وربّما يحتمل أنّ هذه الحروف، هي إشارة إلى أسماء الله تعالى، فالطاء إشارة إلى ذي الطَّول، والسين إشارة إلى القدّوس، والميم إلى المَلِك، كما يحتمل أنّ اللفظ قسَم، وجوابه قوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً).1
وكلا الاحتمالين لا يخرجان عن الادّعاء الذي لا يسنده دليل.
وأضعف منهما ما ذكره الرازي من أنّ الطاء إشارة إلى طرب قلوب العارفين، والسين سرور المحبين، والميم مناجاة المريدين.2
ويُرجّح ما اخترناه، الآية التالية حيث جاء فيها الكلام عن آيات الكتاب المبين، الأمر الذي يُشعر بوجود صلة بين هذه الحروف وهذا الكتاب المبين.
2.(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ):
قوله: (تِلْكَ) إشارة إلى آيات هذه السورة، والإشارة بلفظ البعيد مع قربها، للتكريم.
ثمّ وصَف سبحانه المشار إليه بقوله:(آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) فقوله:

1 . الشعراء:4.
2 . تفسير الرازي:24/118.

صفحه 21
(الْمُبِينِ) من أبانَ بمعنى ظهر، أي الكتاب الظاهر الواضح نزوله من الله العزيز، أو الواضح في مفاهيمه ومعانيه، أو البيّن صدقه. ويحتمل من أبانَ متعدّياً، أي المُوضِّح لطرق الهداية.
3. (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ):
هنا ينتقل السياق من ذكر الكتاب إلى خطاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يحزّ الأسى في نفسه حتى ليكاد يُهلكها بسبب إصرار قومه على التكذيب بآيات الكتاب المبين، وعدم الإيمان برسالته، كما يقول:(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ): أي هالك وقاتل نفسك حزناً وألماً (أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
والغاية من هذا الخطاب، هي تسلية النبيّ، ونظير هذه الآية التي تتجلّى فيها إنسانيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وروحه الخيّرة التي يُمضّها الألم لجحد الجاحدين وضياع مصيرهم، قوله تعالى:(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)1، وقوله:(فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات)2. والآيتان متقاربتان لفظاً ومفهوماً.
4. (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ):
كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حريصاً على هداية قومه من جانب، ومن جانب آخر كان هؤلاء على درجة عظيمة من العناد، ولو أراد سبحانه أن ينزّل عليهم

1 . الكهف:6.
2 . فاطر:8.

صفحه 22
آية مخوّفة حتى يؤمنوا تحت ضغطها ـ كما فعل ذلك بقوم موسى حيث نتق الجبل فوقهم حتى صار كالظلة، فخضعوا لها اضطراراً ـ لفعل، ولكنّه سبحانه لا يفعل ذلك بمشركي عصر الرسالة، لماذا؟ لأنّ هذا النوع من الإيمان لا قيمة له، بل القيمة للإيمان النابع عن وعي واختيار، وأمّا أنّه لماذا فعل ذلك بقوم موسى(عليه السلام)فربما يقال: إنّ بني إسرائيل كانوا مؤمنين بموسى(عليه السلام)وبما جاء به، فلم يكن إظهار الآيات لهم لأجل دفعهم نحو الإيمان، بل كان لزيادة تثبيتهم، نظير قول إبراهيم(عليه السلام): (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)1 .
قوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) فقوله:(إِنْ نَشَأْ) جملة شرطية حذف جوابها أي لفعلنا، ومعنى الآية: لو شئنا أن ننزّل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان لفعلنا ذلك. وعندئذ (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ): أي فدامت أعناقهم، والمراد أصحابها (لَهَا) للآية النازلة (خَاضِعِينَ): أي منقادين قسراً لهول ما يَرون من تلك الآية المخوّفة.
وإنّما خصّ الأعناق بالذكر مع أنّ الخاضعين هم أصحابها، لأنّ العُنُق مظهر الخضوع، كما أنّ العين هي الآلة التي ينحصر بها تشخيص الحقيقة عن غيرها، ولذلك نسب السِّحر إلى الأعين وقال: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ).2
5. (وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ):

1 . البقرة:260.
2 . الأعراف: 116.

صفحه 23
هذه الآية دليل على أنّ قوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا غير خاضعين للدليل والبرهان بشهادة أنّهم كانوا يعرضون عن آيات الله إذا تليت عليهم آناً بعد آن، فإعراضهم عن الآيات بعد سماعها من دون تدبّر هو الدليل الواضح على أنّهم لا يؤمنون، كما قال: (وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث): أي ما يأتيهم ذكر من الرحمن مستمرّاً متجدّداً وقتاً بعد وقت إلاّ تولّوا عنه ولم يكترثوا له، كما قال:(إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ). ونظير ذلك قوله سبحانه:(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ )1.
بقي سؤالان حول الآية:
1. نسَب الذِّكر في الآية إلى (الرَّحْمَنِ) وقال:(ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ) مكان أن يقول: ذكر من الله أو من الرحيم، وكأنّه إشارة إلى أنّ منزّل الذِّكر هو الذي تعمّ رحمته المؤمن والكافر لِما ثبت من أنّ الرحمن أوسع أثراً من الرحيم لشمول الأوّل للكافر دون الثاني، وبما أنّ التنديد والتوبيخ متوجّه إلى الكافر ناسب ذكر الرحمن.
2. ما هو الغرض من وصف الذكر بكونه (محدَث)؟
ربما يُتوهَّم أنّ الآية بصدد بيان أنّ القرآن حادث وليس بقديم، ولكنّه بعيد لأنّ مضمون الآية يُلهم أنّها ناظرة إلى أمر آخر، وهو التركيز على عنادهم وأنّهم يعرضون عن كلّ ذكر أتاهم قديمه وحديثه من غير فرق بين السابق واللاحق. وبتعبير آخر: كلّما تجدّد نزول آية، تجدّد منهم العناد والإعراض.

1 . الأنبياء:2 و3.

صفحه 24
6. (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّهم يُعرضون عن كلّ ذكر يتلى عليهم، عاد البيان القرآني إلى تفسير هذا الإعراض وأنّهم قاموا بتكذيب الذكر والاستهزاء بما جاء فيه من أنباء الوعيد، فكم من فرق بين الإعراض المطلق والسكوت، وبين التكذيب مقروناً بالاستهزاء بآيات الله، ولذلك أعلن سبحانه أنّهم سيواجهون ما كانوا يتصوّرون أنّه كذب وقال:(فَقَدْ كَذَّبُوا) بلغوا النهاية في التكذيب(فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا): أي الشيء الذي (كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)، فـ(مَا) في قوله: (ما كانُوا)موصولة وأُريد به ما أخبر عنه القرآن من العقوبات العاجلة أو الآجلة، فهؤلاء سيلاقونها في الدنيا (كغزوة بدر) أو في الآخرة.
بقي الكلام في مسألة كلامية وهي كون القرآن حادثاً أو قديماً.

بحث في خلق القرآن

ذهب جمع من أهل الحديث من أتباع مدرسة الخلفاء إلى أنّ القرآن ليس بمخلوق، يقول أحمد بن حنبل في كتاب «السنّة»:
والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهميّ كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّ وجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله، فهو جهميّ، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.1

1 . كتاب السنّة:49.

صفحه 25
أقول: كان اللازم عليهم السكوت وعدم النبس ببنت شفة في هذه المسألة، لأنّ البحث فيها محرّم طبقاً لأُصولهم، سواء أكان الموقف هو قِدَم القرآن أم حدوثه، لأنّه لم يرد فيه نصّ عن رسول الله، ولا عن أصحابه، ولكنّهم ـ مع الأسف وقفوا منها ـ وفي مقدّمهم أحمد بن حنبل ـ موقف الإيجاب وكفّروا المخالف.
ويظهر أنّ هذه المسألة قد تسرّبت إلى أوساط المسلمين من المسيحيين حيث كانوا يقولون بقِدَم الكلمة أي المسيح بن مريم، وقد صرّح بذلك الخليفة العباسي المأمون في كتابه الذي بعثه من الرقّة إلى رئيس شرطة بغداد إسحاق بن إبراهيم، يقول فيه: وضاهَوا به قول النصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق إذ كان كلمة الله.1
قال أبو زُهرة: إنّ النصارى الذين كانوا في حاشية البيت الأموي وعلى رأسهم يوحنّا الدمشقي وغيرهم، كانوا يبثّون الشكوك بين المسلمين، فقد جاء في القرآن أنّ عيسى بن مريم كلمة الله ألقاها إلى مريم، فكان يبثّ بين المسلمين أنّ كلمة الله قديمة، فيسألهم: أكلمته قديمة أم لا؟ فإن قالوا: لا، فقد قالوا: إنّ كلامه مخلوق،2 وإن قالوا: قديمة، ادّعى أنّ عيسى قديم.3
والحقّ، أنّ هذه المسألة لم تطرح في جو هادئ حتى تعالج بروح

1 . تاريخ الطبري:7/198، حوادث سنة 218هـ .
2 . ولعلّ القائل يريد مختلق ومفترى من باب المغالطة وإلاّ فالقول بأنّه مخلوق لله لا إشكال فيه. وإلاّ يصير إلهاً ثانياً كما قاله الإمام علي (عليه السلام).
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية:2/394.

صفحه 26
علمية، وإلاّ فهي أوضح من أن يختلف فيها اثنان، فماذا يريدون من قدم القرآن؟ هناك احتمالات:
1. الآيات التي تلاها أمين الوحي(عليه السلام)، أو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أو ما يتلوه القرّاء كلّ يوم.
2. قدم معانيه والمفاهيم الواردة فيه.
3. قدم علمه سبحانه بهذه المفاهيم.
أمّا الأوّل: فكيف يمكن أن يوصف بالقِدَم؟ فإنّ الكلام المؤلَّف من حروف مترتّبة متدرّجة، بعضها قبل وبعضها بعد،ولا يوجد في القدم تقدّم وتأخُّر، وإلاّ لكان المتأخِّر حادثاً والمفروض أنّه قديم، وعلى هذا فالحروف المؤلَّفة الدالّة على معنى تامّ بالوضع، لا يُتصوَّر فيها قِدَم.1
وأمّا الثاني ـ أعني قِدَم المعاني والمفاهيم ـ : فإن أُريد به مصاديقها كالمغازي، والحوارات، والنزاعات الحاصلة بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل الكتاب، فلا شكّ أنّها حادثة غير قديمة.
وأمّا الثالث: فإن أُريد به علمه سبحانه بهذه المصاديق في الأزل فهذا يرجع إلى الاحتمال الثالث، فلا شكّ أنّ علمه قديم عين ذاته وليس حادثاً، وليس له صلة بقدم القرآن المتلوّ المكتوب.
وأمّا ما هو الحق فهو أنّ كلام الله تعالى محدَث، وبذلك جاءت الآثار عن آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد أنّ القرآن كلام الله ووحيه... ويمنع من إطلاق القول عليه أنّه مخلوق. وبهذا جاءت الآثار عن الصادقَين(عليهما السلام)وعليه كافّة

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/270.

صفحه 27
الإماميّة إلاّ من شذّ.1
ولعلّ المنع من إطلاق لفظة (مخلوق) على القرآن لأجل ما ربّما يوهِم كونه كذباً وافتراءً، حيث كان المشركون يصفونه بالاختلاق ويقولون (إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ )2 ولو كنّا آمنين من وقوع هذا الوهم لقلنا بأنّ القرآن مخلوق لله سبحانه وليس بقديم وإلاّ للزم تعدّد القديم، وهو نفس القول بتعدّد الواجب.
يُشار إلى أنّه حتى ابن تيمية الذي قال بأنّ التكلُّم من صفات ذاته، ذهب إلى أنّ نوع التكلُّم قديم ومصاديقه حادثة، قال: وسابعها: قول من يقول: إنّه لم يزل متكلّماً إذا شاء بكلام يقوم به وهو متكلّم بصوت يُسمع، وإنّ نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعيّن قديماً. وهذا هو المأثور عن أئمّة الحديث والسنّة، وبالجملة أهل السنّة والجماعة أهل الحديث.3
ولا يخفى ما في كلامه من أنّ تكلّمه سبحانه قديم نوعاً، إذ تتوجّه إليه هذه المحذورات:
أوّلاً: إذا كان التكلّم الذي هو واقع وجوده الحدوث والتجدّد قائماً بالذات (كما هو المفروض في كلامه من أنّ التكلُّم من صفات الذات)، فلازم ذلك حدوث الذات، لأنّ حدوث الجزء يلازم حدوث الكلّ، إلاّ أن

1 . أوائل المقالات:18ـ 19.
2 . سورة ص:7.
3 . منهاج السنة:2/362.

صفحه 28
يرجع التكلّم إلى صفة الفعل، كما عليه العدلية من المعتزلة والشيعة.
ثانياً: كيف ينسب مختاره إلى جمهور المسلمين، مع أنّ جمهور المسلمين هم الأشاعرة والماتريدية والإمامية والمعتزلة، والجميع يتبرّأون من تلك النسبة، بل هم بُراء منها براءة يوسف ممّا اتّهم به، وهذا هو أبو المظفر الإسفرائيني(المتوفّى 471هـ) شيخ الأشاعرة في عصره يقول(عند بيان عقائد أهل السنّة والجماعة): وأن تعلم أنّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، لأنّ الحرف والصوت يتضمّنان جواز التقدّم والتأخّر، وذلك مستحيل على القديم سبحانه.1
ثالثاً: لو كان تكلّمه سبحانه مع كلّ فرد من المكلّفين بالحروف والأصوات، فلا يكون أسرع الحاسبين بل أبطأهم مع أنّه سبحانه يقول: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)2.
ثمّ إنّ الشيخ أبا الحسن الأشعريّ لمّا فسّر كلامه سبحانه بالكلام النفسي القائم بذاته سبحانه، قال: المسموع هو الكلام القديم، وكما أنّ ذاته تعالى لا تشبه سائر الأشياء، مع أنّ الدليل دلّ على أنّها معلومة ومرتّبة، فكذا كلامه منزّه عن مشابهة الحروف والأصوات مع أنّه مسموع.3
سورة الشعراء: الآيات 7 ـ 9   
يلاحظ عليه: أنّ الجمع بين كون النداء من مقولة الكلام النفسي مع كونه مسموعاً لموسى، جَمْع بين الضدّين، فإنّ القائم بالذات ليس من مقولة الحروف والأصوات، والمسموع من تلك المقولة، فكيف يجمع

1 . التبصير في الدين:167، تحقيق كمال يوسف الحوت، طبعة عالم الكتب، بيروت.
2 . الأنعام:62.
3 . لاحظ : تفسير الرازي:24/121.

صفحه 29
بينهما؟! فيا لله وللوعي.

الآيات: السابعة إلى التاسعة

(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):

المفردات

أو لم يروا: أي أو لم ينظروا، بتضمين مفهوم النظر في الفعل بشهادة تعديته بحرف الجرّ «إلى».
زوج: الزوج: النوع أو الصنف، نظير قوله سبحانه: (وَ مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)1، ونظيره أيضاً قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَات شَتَّى ).(2)
كريم: يحتمل أن يراد به المرضيّ في حسنه وجماله، أو فيما يتعلّق به من المنافع، أو النفيس من نوعه.

التفسير

7. (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم):
تحدّثت الآية الخامسة عن إعراض المشركين عن آيات الله، فناسب إراءة آية محكمة تدلّ على أنّه المدبّر وفي الوقت نفسه تدلّ على إمكان

1 . الرعد:3.   2 . طه:53.

صفحه 30
البعث، ولكنّهم بدل أن يتأمّلوا فيها ويستدلّوا بها على توحيده وربوبيّته كانوا يُعرضون عنها بل يكذّبون ويستهزئون، وبذلك صار وصفهم بالإعراض مقروناً بالدليل والبرهان، ولأجل ذلك ابتدأ الآية بالاستفهام الإنكاري وقال: (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ): أي أو لم ينظروا إلى الأرض حتى يشاهدوا (كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا): أي في الأرض (مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم): أي صنف جامع للصفات الحسنة النافعة.فهذه هي الأشجار الخضراء المثمرة بأنواع مختلفة يشبه بعضه بعضاً، وهذه هي الأزهار التي تفغم الأنوف بشذاها، وأريجها العَبِق.
ونعم ما قال الشاعر في وصف النرجس:
تأمّل في رياض الورد وانظر *** إلى آثار ما صنعَ المليكُ
عيون من لُجَين شاخصات *** على أهدابها ذهب سبيكُ
على قُضُب الزِّبَرجد شاهدات *** بأنّ الله ليس له شريكُ
وقال صفيّ الدين الحلّي:
رعى اللهُ ليلَتنا بالحِمى *** وأمواه أعينه الزاخره
وقد زِين حسنُ سماء الغصون *** بأنجم أزهارها الزاهره

صفحه 31
وللنّرجس الغضّ ما بيننا *** وجوه بحضرتنا ناضره
كأنّ تَحَدُّقَ أزهارها *** عيون إلى ربّها ناظره
كلّ ذلك يدلّ على أمرين:
1. أنّ المدبّر واحد، وهو الله سبحانه، ولا مدبّر غيره وإلاّ للزم التخلّف في التدبير بتعدّد المدبِّر.
2. إمكان البعث وإحياء الموتى، فالله سبحانه يُحيي الأرض الميتة في كلّ سنة. فلو نظروا إلى هذه الآيات بعيون باحثة فاحصة، وقلوب مفتوحة للحقّ، لرجعوا عن كفرهم وضلالهم كما يقول:
8 . (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ):
إنّ الرؤية العلمية الفاحصة إلى المزارع والحقول تورث الإيمان بوحدة المدبِّر وإمكان البعث، كما يقول:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً) وتنكير آية للتعظيم، ولكنّ المشركين ـ يا للأسف ـ لا يؤمنون بهذه الآيات كما يقول: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ): أي لا يصدّقون ولا يعترفون بها عناداً وتقليداً أعمى للأسلاف.
إنّما الكلام في موضع (كَانَ) فذهب سيبويه إلى أن (كَانَ) هنا مزيدة وتقدير الكلام: «وما أكثرهم مؤمنين». والأَولى أن يقال: إنّها للتأكيد. وقد نسب عدم الإيمان إلى الأكثر لأنّ بعضهم يؤمنون في المستقبل، ومعنى الفقرة أنّهم لا يؤمنون بهذه الآية ونظائرها.

صفحه 32
ثمّ إنّ الآلوسي فسّر قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) بقوله: أي وما كان في علم الله تعالى ذلك.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره على خلاف السياق، لأنّ الآية ناظرة إلى مشركي عصر الرسالة بشهادة قوله:(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا...)(2) فالإخبار عن سبق علمه سبحانه بعدم إيمانهم، في الأزَل، على خلاف السياق، فالقول بأنّ لفظ «كان» جاء للتأكيد، أفضل.
9.(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
أي إنّ ربّك أمام هؤلاء المشركين قويّ لا يُغلب، ومع ذلك فهو عظيم الرحمة بعباده إن انتهوا عن كفرهم وظلمهم. وقدّم العزيز على الرحيم لاقتضاء المقام، فإنّ الكلام في مقابل المشركين، فالأنسب أن تذكر العزّة قبل الرحمة، والقدرة قبل الرأفة لئلاّ يُتوهَّم عجزُه عن عقوبتهم.
سورة الشعراء: الآيات 10 ـ 17   

الآيات: العاشرة إلى السابعة عشرة

(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْري وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ

1 . روح المعاني:19/62.   2 . الشعراء:7.

صفحه 33
أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ).

المفردات

نادى: يطلق النداء ويراد به الصوت المجرّد دون المعنى الذي يقتضيه تركيب الكلام. ويطلق أيضاً على المركّب الذي يُفهم منه المعنى1، وهو المراد هنا. ونداء الله موسى عبارة عن الوحي إليه بكلام سمعه من غير واسطة مَلَك.
يضيق: الضيق: ضدّ السِّعة، ولعلّه أراد الغضب.
ذنب: تَبِعة.

التفسير

1. قصة موسى (عليه السلام) وقومه

ذكر سبحانه قصة موسى(عليه السلام) على وجه التفصيل وهكذا قصة إبراهيم(عليه السلام)، كلّ ذلك تسلية للرسول وتحريضاً له(صلى الله عليه وآله وسلم) على الصبر، وليكون على ثقة مؤكّدة أنّه سبحانه سيؤيّده، وقال:
10 و11. (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ):
قدّم سبحانه قصة موسى على إبراهيم(عليه السلام) مع سبق زمان الثاني وتأخّر

1 . انظر: المفردات في غريب القرآن:486، مادة «ندا».

صفحه 34
زمان الأوّل، إمّا لأجل كون المشركين قريبي العهد بقصة موسى مع فرعون إضافة إلى وجود أتباعه(عليه السلام) (أعني: اليهود) في يثرب وخيبر وغيرهما، وإمّا لأجل وجود شبه كبير بين آل فرعون (الذين أُرسل إليهم موسى(عليه السلام)) وقوم نبيّنا الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث الأمراض الخلقية... تكبّراً وصلفاً وغطرسة، وإصراراً عنيداً على التكذيب بالمعجزات الباهرات التي زوّد الله تعالى بها كلا النبيّين(عليهما السلام).
قوله سبحانه: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى): أي اذكر إذ نادى ربّك موسى، والشاهد على تقدير «اذكر»، قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ)1. ثم قال: (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) هذا هو مضمون النداء، وعبّر في المقام بلفظة إئت، وفي مورد آخر: (اِذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)2 ولكلٍّ وجه، أمّا الأوّل فباعتبار أنّه سبحانه يرصد ظلم الظالمين فينادي موسى(عليه السلام)ويقول:(أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وأمّا الأمر بالذهاب فباعتبار كونه مقتضى مقام الآمرية حيث إنّ الآمر يخاطب المأمور في هذه الموارد بقوله: إذهب. ثم إنّه سبحانه يركِّز على عنوان الظالمين ويقول: (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تبييناً لعلّة الأمر بالإتيان ثم يعرّفهم بقوله: (قَوْمَ فِرْعَوْنَ) ثم يتمّ الآية بقوله:(أَلاَ يَتَّقُونَ)كلام مستأنف قاله سبحانه للإنذار وتسجيلاً عليهم بالظلم، أي أما آن لهم أن يتّقوا ويدفعوا عن أنفسهم عذاب الله تعالى؟ نظير قوله سبحانه: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ)3.

1 . الشعراء:69.
2 . طه:43.
3 . الحديد:16.

صفحه 35
12 و 13 و 14. (قَالَ رَبِّ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْري وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ):
قرأ الجمهور قوله:(وَيَضِيقُ)و(وَلاَ يَنْطَلِقُ) بالرفع فيكونان عطفاً على ( أَخَافُ) وقرأ غيرهم بالنصب فيكونان عطفاً على (يُكَذِّبُونِ)، فيكون المعنى: أخاف أن يكذّبون، وأخاف أن يضيق صدري ولا ينطلق لساني عندئذ، وبما أنّ السبب في طرح هذه العوائق التي تحول دون إنجاز ما كُلِّف به على أكمل وجه، هو طلب تشريك أخيه هارون معه في الأمر كما سيوافيك، فعلى القراءة بالنصب يكون السبب في قوله:(إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْري وَلاَ يَنْطَلَقُ لِسَاني)أمراً واحداً، وهو الخوف من التكذيب الذي يترتّب عليه ضيق الصدر وطروء العقدة على اللسان في تلك الحالة(حالة إبلاغ الرسالة)، فيكون المعنى: ويضيق صدري من حين يكذّبوني ولا ينطلق لساني. وعندئذ يصبح موافقاً لما في سورة القصص حيث صار السبب أمراً واحداً، وهو خوف التكذيب فقط كما قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُني إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)1.
هذا كلّه على قراءة النصب.
وأمّا على قراءة الرفع فيكون كلّ من التكذيب وضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان سبباً مستقلاً لما يطلبه، وعندئذ يكون معنى قوله: (وَلاَ

1 . القصص:34.

صفحه 36
يَنْطَلِقُ لِسَاني)هو عدم الانطلاق الموجود في لسانه منذ طفولته، لا عدم الانطلاق المترتّب على الخوف واستيلاء الغضب.
وعلى كلّ تقدير، فلأجل هذه العوائق قال(عليه السلام) مخاطباً ربّه: (فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ)قال موسى ذلك وهو في طريقه إلى مصر ـ و هارون كان في مصر ـ والمراد: أرسل ملَكاً بالوحي إلى هارون ليكون معي.1
ثم أشار إلى عائق رابع وقال: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ)إشارة إلى قتل القبطيّ في مصر الذي صار سبباً لخروجه من مصر ونزوله (مَدْين)، ووصفه بالذنب لأنّه بمعنى التَّبعة، فخاف(عليه السلام) من الشرّ الذي سيترتّب على فعله، بأن يقتصّوا منه، كما قال: (فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ).
وبما أنّه جعل الخوف من الاقتصاص منه عائقاً رابعاً أو ثانياً (على اختلاف القراءتين)، فهو يدلّ على أنّ العوائق الثلاثة التي قدّمها أيضاً لم تكن خوفاً من قتله بل خوفاً من عدم التمكّن من تأدية الرسالة، كما أنّ خوفه من القتل لم يكن خوفاً على نفسه بل خوفاً على فوات مصلحة الرسالة وانتشار أمرها، ولذلك نرى أنّه سبحانه يخاطب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)حتى يكون على ثقة من عدم قتله.
15. (قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ):
لمّا تقدّم قلق موسى(عليه السلام) من فوات مصلحة الرسالة، وافاه الجواب من الله سبحانه بأنّه يدفع عنهما شرّ الأعداء وقال: (قَالَ) سبحانه (كَلاَّ): أي ليس الأمر كذلك (فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا): أي المعاجز والدلائل الباهرة (إِنَّا مَعَكُمْ

1 . انظر: التحرير والتنوير:19/122.

صفحه 37
مُسْتَمِعُونَ) يفسّره قوله سبحانه: (قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرى)،1والخطاب في قوله: (مَعَكُمْ) لموسى وهارون مع أنّهما اثنان علّله سيبويه بأنّهما(عليهما السلام) لشرفهما وعظمتهما عند الله تعالى عوملا بالخطاب معاملة الجمع.(2)
ويمكن أن يقال: إنّ الاثنين وما فوقهما جماعة، ولا خصوصية لموسى وهارون (عليهما السلام)بشهادة أنّ ضمير التثنية تكرر في قوله: (فَاذْهَبَا)، (فَأْتِيَا)، (فَقُولاَ).
ثمّ إنّ المراد من المعيّة هي المعيّة القيّومية، فالله سبحانه مع عامّة المخلوقات بلا دخول فيها ولا خروج عنها تماماً، يقول سبحانه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)2 وبما أنّ المجسّمة ومن يذهب مذهبهم تصوّروا أنّ الله سبحانه على العرش فوق السماوات، فسّروا المعيّة هنا بالمعيّة العلميّة.
16.(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
أفرد سبحانه الرسول ولم يقل: رسولا رب العالمين، وذلك باعتبار كلّ واحد منهما، وربّما يقال: بأنّ الرسول قد يكون في معنى الجمع، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
ألِكْنِي إليها وخير الرسو *** ل أعلَمهم بنواحي الخبرْ

1 . طه:46.   2 . انظر: البحر المحيط:7/8 .
2 . المجادلة:7. وسيأتي فيها مزيد بيان حول هذا الموضوع.

صفحه 38
أي «وخير الرسل».1
17. (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ):
بعد أن كلّفهما سبحانه بالذهاب إلى فرعون، أمرهما أن يبلّغاه هذا الأمر: (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا): أي أطلق (بَنِي إِسْرَائِيلَ) من إسارك واستعبادك لنذهب إلى فلسطين. قالوا: إنّ بني إسرائيل قد استُعبدوا أربعمئة سنة، وكانت عدّتهم حين أُرسل موسى(عليه السلام) ستمئة وثلاثين ألفاً.
وهذا القول فيه مبالغة واضحة، فلا ينبغي التعويل عليه.(2)
سورة الشعراء: الآيات 18 ـ 22   

الآيات: الثامنة عشرة إلى الثانية والعشرين

(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).

المفردات

نربّك: التربية تنشئة الشيء حالاً بعد حال.
وليداً: الوليد يقال لمن قرب عهده بالولادة، فإذا كبر الولد سقط عنه هذا الاسم.

1 . التبيان في تفسير القرآن:8/11.   2 . انظر: تفسير المراغي: 19 / 67 .

صفحه 39
تمُنّها: المِنّة :النعمة الثقيلة.
عبّدتَ: قال الراغب: عبّدت فلاناً إذا ذلّلته وأخذته عبداً.

التفسير

إنّ أُسلوب القرآن الكريم في نقل القصص هو حذف ما يُعلم من القرائن، ومثله المقام، فلمّا أمر الله سبحانه رسوليه بالذهاب إلى فرعون، فطبع الحال يقتضي أنّهما قاما بما أُمرا به، فعلى هذا فتقدير الكلام أنّهما أتيا فرعون وبلّغاه الرسالة على ما أمرهما الله تعالى به، فعندئذ قال فرعون مجيباً لموسى(عليه السلام) تاركاً مخاطبة هارون.
18. (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ):
طبع الحال يقتضي أنّ موسى أتمّ عليه الحجّة ولم يجد فرعون في مقارعة الحجّة إلاّ بشيء يرجع إلى ماضي موسى(عليه السلام) وإنعامه عليه، فذكر أُموراً ثلاثة:
الأوّل: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا): أي ألم نحضنك وليداً ونربّك غلاماً.
الثاني: (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ): أي أقمت في قصرنا أعواماً.
19. (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ):
هذا هو الأمر الثالث: أي أنّك قتلت منّا رجلاً وهربت خائفاً، أهكذا تجحد نعمتنا وتكفر بإحساننا وفي الوقت نفسه تدّعي أنّك رسول الله. أتريد أن تكون سيداً مطاعاً ونصير لك عباداً مطيعين؟

صفحه 40
وبهذا تبيّن أنّه سبحانه رفع مقام موسى وأخيه هارون وجعلهما رسولين منه، وفي الوقت نفسه حاول فرعون أن يصغِّر من قَدْر موسى بذكر إنعامه عليه حينما كان صغيراً، وذكرِ قتله القبطيّ.
20 و 21.(قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ):
قدّم موسى(عليه السلام) الإجابة عن الأمر الثالث الذي قدح به فرعون في نبوّته(عليه السلام) وأخّر الجواب عن الأوّلَين، ولذلك قال: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ).
ثمّ إنّ كثيراً من المفسّرين فسّروا قوله:(وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) بمعنى الجهل أو الغفلة عمّا يترتّب على هذا العمل، بمعنى أنّي كنت من الذاهلين عن معرفة أنّ وكزتي تؤدّي إلى القتل، بل إنّي قصدت بها الردع والتأديب، ولذلك لا يُعدّ ذنباً لي، لأنّ العَمْد هو الركن الأساسي من أركان الجناية عند أهل التشريع.
وربما يفسَّر الضلال بالنسيان، كما فُسّر به قوله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى)1، فيكون المعنى: فعلتها ناسياً أنّ الوكز ممّا يُفضي إلى القتل عادةً.
وعلى هذا فمعنى قوله:(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ) هو: أنّه لمّا لم تكن لي بيّنة على أنّي لم أقصد قتل القبطيّ عمداً وإنّما انتهى إليه من غير اختيار، فلم

1 . البقرة:282.

صفحه 41
أجد بُدّاً إلاّ الفرار منكم لئلاّ تعاملوني معاملة المجرم المتعمِّد (فـ) لذلك (فَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ)ولكن شاء سبحانه أن يتولاّني ـ بعد الفرار منكم ـ بالتكريم (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا): أي علماً أُصيب به حقائق الأُمور وسداداً في الحكم عليها (وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ) وهو جواب عن استغراب فرعون من أن يكون(عليه السلام) مبعوثاً سماوياً، مع أنّهم يعرفونه حقّ المعرفة، حيث نشأ في كنفهم.
ثم بدأ بالإجابة عن الأمرين الأوّلين ـ أعني: تربيته في قصر فرعون، ولبثه فيه سنين ـ فقال:
22. (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ):
والكلام بصورة الاستفهام الإنكاري، وأصله: أتمنّ عليّ يا فرعون بتربيتك إيّاي وليداً ولبثي في قصرك سنين، مع أنّ هذا كان نتيجة جورك وظلمك واتّخاذك قومي بني إسرائيل عبيداً، حيث إنّ أُمّي خوفاً من جلاوزتك قذفتني في البحر حتى أدّى الأمر إلى أن أنشأ في قصرك وأُقيم بين أظهركم؟ وبذلك أُفحم فرعون، ولم يجد ما يقابل به الحجّة إلاّ تغيير مجرى الحوار إلى شيء آخر، كما سيوافيك.
ثمّ إنّ جمع الضمير في (مِنْكُمْ) و (خِفْتُكُمْ) مع إفراده في (تَمُنُّهَا) و (عَبَّدْتَ) لأجل أنّ الخوف والفرار لم يكونا منه وحده بل منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله بدليل قوله: (إِنَّ الْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ)1، وأمّا الامتنان والتعبيد فمنه وحده.(2)

1 . القصص:20.   2 . تفسير الكشّاف: 3/111.

صفحه 42
ولإلقاء مزيد من ضوء التفسير على هذه المجموعة من الآيات، ننقل هنا ما قاله السيّد الطباطبائي في هذا المجال، ملخّصاً في أمرين:
الأوّل: أنّ تفسير الضلال بالجهل أو النسيان على النحو المذكور اعتراف بالجرم والمعصية، وآيات سورة القصص ناصّة على أنّ الله سبحانه آتاه حكماً وعلماً قبل واقعة القتل، وهذا لا يجامع الضلال بهذا المعنى من الجهل.1
أقول: قد عنى(رحمه الله) بآيات سورة القصص قوله تعالى:(لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ).(2)
سورة الشعراء: الآيات 23 ـ 33   
ثمّ إنّه(قدس سره) فسّر الآية بما حاصله: أنّ موسى(عليه السلام) تكلّم بكلام أشبه بالمعارضة والتورية، فمن جانب لم يعترف بالجرم والمعصية ومن جانب آخر أقنع فرعون، يقول: إنّ قوله:(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا)من تمام الجواب عن القتل فيتقابل الحكم والضلال، ويتّضح حينئذ أنّ المراد بالضلال الجهل المقابل للحكم، والحكم إصابة النظر في حقيقة الأمر وإتقان الرأي في تطبيق العمل عليه، فيرجع معناه إلى القضاء الحق في حسن الفعل وقبحه وتطبيق العمل عليه، وهذا هو الذي كان يؤتاه الأنبياء، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ)2، فالمراد أنّي فعلتها

1 . الميزان في تفسير القرآن:15/262ـ263.   2 . القصص:14 و 15.
2 . النساء:64.

صفحه 43
حينئذ والحال أنّي في ضلال من الجهل بجهة المصلحة فيه والحقّ الذي يجب أن يُتَّبع هناك، فأقدمت على الدفاع عمّن استنصرني، ولم أعلم أنّه يؤدّي إلى قتل الرجل، ويؤدّي ذلك إلى عاقبة وخيمة تُحوجني إلى خروجي من مصر وفراري إلى مَدين والتغرّب عن الوطن سنين.1
الثاني: قوله: (وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ) جواب عن قول فرعون: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) الذي يريد به الاعتراض عليه من جهة دعواه الرسالة. وذكر في وجه كونه جواباً عن الأمرين (التربية، واللَّبث فيهم مدّة طويلة) هو أنّ المعترض زعم أنّ الرسالة أمر اكتسابي، فعندئذ كيف يكون موسى(عليه السلام)رسولاً مع أنّه عاش بين ظهرانينا إذ كان في رعاية بلاط فرعون وعاش فيه إلى أن صار رجلاً مكتملاً، فأجاب موسى بأنّ رسالته ممّا وهبه الله سبحانه له وليست اكتسابية فلا منافاة بين الأمرين وكونه رسولاً من الله سبحانه.2

الآيات: الثالثة والعشرون إلى الثالثة والثلاثين

(قَالَ فِرْعَوْنُ وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ

1 . الميزان في تفسير القرآن:15/262.
2 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:15/264.

صفحه 44
وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ).

المفردات

ثُعبان: الثعبان: الحيّة العظيمة.

التفسير

إذا أمعن القارئ النظر في هذه المجموعة من الآيات وما قبلها يجد أنّها تشتمل على حوارات متعدّدة جرت بين موسى(عليه السلام) وفرعون، وعلى بعض المواقف المهمّة، وكما يلي:
الأوّل: حينما قال موسى(عليه السلام): (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) اعترض عليه فرعون بقوله:(أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا) .
الثاني: لمّا(قَالَ) فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) أجابه موسى(عليه السلام): (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا).
الثالث: عندما(قَالَ) فرعون: (لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ) إنكاراً لجواب موسى وإشارة إلى خفّة عقله، أجابه موسى (عليه السلام): (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ).

صفحه 45
الرابع: لمّا(قَالَ) فرعون: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)أجاب موسى (عليه السلام):(رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا).
الخامس: لمّا ضاق صدر فرعون بالحوار تهدّد موسى بقوله:(لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) فأجابه(عليه السلام): (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين).
السادس: حينما قال موسى(عليه السلام) لفرعون: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين)أجابه فرعون بقوله:(فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وعندئذ أبدى موسى ما آتاه ربّه من تلك المعجزتين الباهرتين(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ). وهنا قطع فرعون كلامه مع موسى وتحوّل إلى الملأ، متّهماً موسى بما سيأتي ذكره.
وبما أنّهم استسلموا لقول فرعون بأنّ ما أتى به موسى هو سحر، قاموا بدعوة السحرة للإتيان بمثله، على ما سيأتي تفسيره في المجموعة التالية.
بعد أن وقفنا على رؤوس هذه الحوارات والمواقف، نشرع الآن ببيان صلة الأجوبة بالأسئلة الواردة فيها، من خلال تفسير الآيات التي اشتملت عليها.
23. (قَالَ فِرْعَوْنُ وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ):
لمّا قارع موسى(عليه السلام) اعتراض فرعون بحجج دامغة، حوّل فرعون وجه الكلام إلى أمر آخر وهو أنّ موسى(عليه السلام) لما عرّف نفسه في الآية رقم 16 بقوله:(إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) صار هذا سبباً لسؤال فرعون عن حقيقة

صفحه 46
ربّ العالمين. ولمّا كان الوقوف على حقيقته أمراً محالاً على البشر (إذ كنهُه في غاية الخفاء) عاد موسى إلى بيان أوصافه من أنّه (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أو (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ) أو (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا).
ويظهر من الرازي أنّ الحوار بين موسى(عليه السلام) وطاغية مصر يدور حول إثبات الصانع ولذلك ذكر احتمالات، نذكر منها ما يلي:
1. أنّ إنكاره وجود ربّ العالمين كان أمراً ظاهرياً، فإنّه كان عارفاً بالله لكنّه كان يستأكل قومه بما يظهره من إلهيّته.
2. أنّه كان على مذهب الدهرية من أنّ الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحرّكة لذواتها وأنّ حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم.1
وحاصل بعض احتمالاته أنّ الحوار كان يدور في وجود الصانع وإثباته من جانب موسى(عليه السلام)وإنكاره من جانب فرعون.
ولا يخفى أنّ تفسير الأسئلة والأجوبة بهذا النحو الذي ذكره ويذكره كثير من المفسّرين لا ينسجم مع ما هو المعروف من عقيدة الوثنيّين في حقّه سبحانه، فإنّ الاعتقاد بوجود خالق واحد واجب الوجود لم يكن أمراً مختلَفاً فيه، ولم يكن فرعون ولا أتباعه منكرين له، إذ لا يوجد في صحيفة الكون بين الوثنيّين من ينكر وجود واجب الوجود الذي لا يُحدّ ولا يعرف كنهه حتى يسأل عن فرعون ويجيب موسى ببيان صفاته. فعلى ما ذكره المفسّرون يكون الحوار أمراً لغواً، إذ ليس القول بأنّه ربّ العالمين بهذا

1 . تفسير الرازي:24/127ـ 128.

صفحه 47
المعنى أي خالق الكون بأجمعه مورد إنكار حتى يقوم موسى ببيان أوصافه، فلذلك يلزم تفسير قول موسى(عليه السلام)وسؤال فرعون بشكل ينسجم مع عقيدة الوثنيّين، ويدور الحوار حول أمر يثبته موسى وينكره فرعون، ولذلك عمد السيد الطباطبائي إلى تفسير الحوارات بشكل منسجم مع عقيدة الوثنيّين ونحن نأتي به ببيان منّا:
اتّفقت الوثنية على وجود خالق للكون، لكنّه منعزل عن التدبير وإنّما التدبير بيد موجودات نورية أو نارية كالملائكة والجنّ، وقد عدّوا منهم الملوك وأصحاب السلطة وأنّ بيدهم التدبير فإذاً فالنقطة التي كان النبي موسى(عليه السلام) وفرعون يتعارضان فيها هي ربوبية موجود واحد يتكفّل بتدبير العالم، هذا ما يدّعيه موسى(عليه السلام) ويقول: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ويستنكره فرعون ويقول:(وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ): أي ما معنى وجود موجود يتكفّل بتدبير العالم كلّه ويلغي تدبير سائر الآلهة التي منهم: أنا .
وربّما يُستغرب أنّ فرعون يدّعي من جانب أنّه الرب الأعلى ويقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)1 ومن جانب آخر يوصي الملأ فرعون بقتل موسى ويقول: (وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)2، أي يستغرب كيف يكون رباً أعلى من جانب، ومن جانب آخر له آلهة، ولكنّ الاستغراب يرتفع إذا درس عقائد الوثنيّين فإنّ وجود خالق الكون لم يكن مورد اختلاف وإنّما الوثنية مبنية على تقسيم ربوبية العالمين بين الموجودات ولا مانع من كون فرعون ربّاً أعلى بالنسبة

1 . النازعات:24.
2 . الأعراف:127.

صفحه 48
إلى الفراعنة ومدبّراً لهم، وفي الوقت نفسه له آلهة يعبدها أرفع منه وأفضل.1
وبذلك ظهر أنّ ادّعاء موسى(عليه السلام) (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) على طرف النقيض من عقيدة الوثنيين ومنهم فرعون لذلك استنكر وقال: (وَما رَبُّ الْعَالَمِينَ) الذي بوحدته يدبّر الكون أجمع.
وكان في قول موسى (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) دلالة ضمنية على التوحيد الرُّبوبي لأنّ انسجام العالمين واتّصال أجزائها ودعم بعضها بعضاً يدلّ على وحدة الربّ المدبّر، ولمّا لم يقف فرعون على وجه الدلالة أوضحه النبيّ موسى في الآية التالية:
24. (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ):
إنّ الدليل الواضح على وحدة المدبّر هو الانسجام والاتصال الوطيد بين السماوات والأرض والموجود بينهما، فوحدة التدبير والاتّصال تحكي عن وحدة المدبّر، فقال: (رَبّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي مدبّر السماوات على سعتها والأرض وما بينهما، فالتدبير الوحيد يشهد على أنّ لها مدبّراً واحداً، لكن لا يفهمه إلاّ الموقنون السالكون سبيل اليقين، وإليه أشار بقوله:( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).
25 و 26.(قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:15/266ـ267.

صفحه 49
آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ):
قد وقف فرعون بدهائه على برهان موسى(عليه السلام) على وحدة المدبِّر، وقد شطب على ألوهية سائر الآلهة المكذوبة ومنهم فرعون حيث لا يمكن تقسيم التدبير في هذا العالم العظيم بين الآلهة إذ يورث ذلك اختلال النظام وفساد العالم، ولذلك اتّجه فرعون إلى التمويه على الحقّ الذي لاح من كلام موسى(عليه السلام) فـ (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ) حيث يدّعي رسالة ربّ العالمين، فعندما أسأله عن (ربّ العالمين) يقول: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) حيث يعرّف نفسه أنّه رسول رب العالمين!! فإذا سألته (مَا ربّ العالمين)؟ يجيبني بقوله: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) هو نفس ربّ العالمين!! وعندئذ جاء موسى بجواب ثالث وقال: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ) بأنّه ربّ صحيفة الوجود حتى أنّه ربّكم وربّ آبائكم الأوّلين، أي ربّ الإنسانية من الأقدمين الغائبين إلى الموجودين الحاضرين.
وبذلك جاءت الأجوبة الثلاثة منصبّة على أمر واحد، فسواء أقال ربّ العالمين أو ربّ السماوات والأرض أو (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ)فالجميع إشارة إلى أنّ التدبير منصبّ على الموجودات والاتصال بين أجزاء العوالم وعدم طروء الاختلال . وهذا كلّه أوضح دليل على بطلان الوثنية وتقسيم التدبير بين المخلوقات الممكنة.

وصف موسى (عليه السلام)بالجنون

27 و 28.(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ):

صفحه 50
أشار فرعون إشارة خفيّة إلى الاختلال في عقل المدّعي حيث قال: (أَلاَ تَسْتَمِعُونَ)، ثم ثار غيظه فصار يصرّح بذلك ويقول: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وشهادة جنونه أنّه لا يجيب على السؤال بصورة واضحة مطابقة له، بل يبدّل لفظاً مكان لفظ، فتارة يقول: (رَبُّ العالَمين)وأُخرى( رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ).
أمّا موسى(عليه السلام) فلم يعتدّ باتّهام فرعون له بالجنون، بل استمرّ في استدلاله على أنّ للكون ربّاً واحداً وقال:(رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)وأراد بالمشرق والمغرب شروق الشمس وغروبها وطلوع الأجرام النيـّرة وغروبها على نظام خاص، كلّ ذلك يدلّ على وجود التدبير في العالم تدبيراً منسجماً متّسقاً يتّصل بعضه بالبعض الآخر، فكيف تدّعي أنت يا فرعون أنّك أنت المدبِّر؟! أو أنّ هاهنا آلهة مدبّرات؟! إذ لو كان تدبير العالم مفوَّضاً إلى عقول مختلفة وذوات متباينة تكون النتيجة وجود الاختلاف في التدبير، ولذلك أتمّ كلامه بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)فلو تعقّلتم فيما ذكرت من الإجمال إلى التفصيل من ربّ العالمين إلى ربّ السماوات والأرض، إلى ربّكم وربّ آبائكم وربّ المشرق والمغرب، لوقفتم على أنّه لا إله إلاّ الله ولا معبود سواه ولا مدبِّر إلاّ هو، فلذا يجب أن تطرح هذه الاعتقادات في سلّة المهملات، وتؤمنون بالله الواحد.
ولمّا بلغ الأمر إلى هذا الحدّ لم يجد فرعون بُدّاً من مقارعة منطق موسى(عليه السلام) بالقوّة، إذ لم يجد في نفسه شيئاً يفحم به موسى(عليه السلام) إلاّ أن يهدّده بالسجن.

صفحه 51

تهديد موسى (عليه السلام)بالسجن

29. (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ):
أي لو كنت مصرّاً على أنّك رسول من ربّ العالمين تاركاً أُلوهيّتي كما قال:(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْري) وهو كناية عن ترك أُلوهية فرعون : (لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) الذين اشتهر سوء حالهم ومصيرهم. إذ فرق بين أن يقول: أعتقلك، وبين أن يقول: لأجعلنّك من المعتقلين الذين عرفتَ أحوالهم، حيث يُطرح المسجون في بئر عميقة فرداً لا يُبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أشدّ من القتل.1
ولمّا وقف موسى على أنّ التهديد أمر جدّي التجأ إلى منطق آخر وهو إظهار آيتين من الخوارق التي تدلّ على صدق ارتباطه بعالم الغيب، حتى يبهر عيون الملأ ويدهش عقولهم.
30 و 31. (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
وكأنّه يريد أن يقول: كيف تجعلني من المسجونين، مع أنّ دعوتي مقرونة بدلائل واضحة تورث الإيمان بصدق كلامي وهو الإتيان بخوارق العادات التي لا يقدر أحد من الناس على معارضتها ومخالفتها، كما قال:(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين)؟ ولم يكن ببال فرعون أنّ موسى(عليه السلام)يملك برهاناً ساطعاً على نبوّته ولذلك جعل ردّه على طلب الإتيان

1 . تفسير الرازي:24/231.

صفحه 52
بآية بصيغة الشكّ، و(قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)والآية تدلّ على أنّ تلك الحالة، هي الأُولى التي يشاهد فيها فرعون تلكما المعجزتين اللّتين أُوتيهما موسى(عليه السلام)ليلة الطور.
32 و 33. (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ):
كان فرعون والملأ الذين حوله قد رأوا كيف تبدّلت العصا اليابسة إلى حيّة عظيمة كما قال: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) فوصف الثعبان بالمبين أي أنّه حيّة عظيمة حقيقية لا تمويه فيها ولا تخييل، ولا يختلف في حقيقتها اثنان.
وهاهنا سؤال: وهو أنّه سبحانه وصف معجزة موسى (عليه السلام)هنا بأنّها:(ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، وفي سورة أُخرى بأنّها (حَيَّةٌ تَسْعَى)1 وفي سورة ثالثة: (كَأَنَّهَا جَانٌّ)(2) والجانّ: الحيّة الصغيرة، والثعبان: الحيّة الضخمة، فكيف يتمّ التوفيق بينها؟
والجواب: الحيّة اسم جنس يشمل الثعبان والجانّ، فهي ثعبان في ضخامته وعظمه، ولذلك ابتلع ما جاء به السحرة، ولكنّه يشبه الجانّ في اضطرابه وخفّة حركته.
سورة الشعراء: الآيات 34 ـ 42   
ولم يقتصر موسى(عليه السلام) على ذلك بل (وَنَزَعَ يَدَهُ): أي بعد أن أدخلها في جَيبه كما يقول: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ )2،(فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ) متلألئة

1 . طه:20.   2 . النمل:10.
2 . النمل:12.

صفحه 53
كشعاع الشمس (لِلنَّاظِرِينَ) إليها. ولعلّ فرعون قال لموسى هل لك وراءها آية أُخرى قال: نعم(وَنَزَعَ يَدَهُ).

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى الثانية والأربعين

(قَالَ لِلْمَلاَِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّار عَلِيم * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لاََجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ).

المفردات

الملأ: أشراف القوم.
عليم: خبير في فنّ السِّحر، حاذق في تلك الصنعة.
فماذا تأمرون: أي بمَ تشيرون؟ والعجب أنّ فرعون يقول: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) فيعرّف نفسه عبداً يأتمر بأمر الموالي، والظاهر أنّه بمشاهدة هاتين الآيتين أخذته الهزّة وأحسّ بالحقارة فنسي أنّه ملك من شأنّه الأمر لا الائتمار. وهذا حال سائر الجبابرة إذا استنزلوا عن قمّة العزّة، ولذلك يفسّرونه بـ «تشيرون».

صفحه 54
أرجهْ وأخاه: مشتق من الإرجاء، وهو التأخير، والقراءة المعروفة: (أرجه)، والأصل (أرجِئْه): أي أخِّر أمر موسى وأخيه ولا تعاجلهما بالعقوبة.
حاشرين: الحَشر: الجَمْع والسَّوْق.
سحّار: مَن يتعاطى السِّحر.

التفسير

34. (قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ):
لمّا خرج موسى(عليه السلام) مرفوع الرأس بعد ذلك الحوار، وخاف فرعون من أن يتأثّر الملأـ وهم وزراؤه وأهل بلاطه ـ بما شاهدوا من المعجزتين، بادر إلى وصف ما أتى به موسى(عليه السلام) بالسحر و(قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) فقد عرّف موسى بأنّه ساحر حاذق.
ولم يُرد فرعون بقوله: (عَلِيمٌ) مدح موسى(عليه السلام)، وإنّما أراد به التأكيد على مهارته في السِّحر لئـلاّ يتأثّر الملأ بموسى(عليه السلام) ويدركوا أنّ ما جاء به من آيات الله ربّ العالمين.
هذا، ويظهر من موضع آخر في القرآن أنّ الملأ وصفوه بالساحر العليم، قال تعالى:(قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ)1 ولا منافاة بينهما، وذلك بالبيان الآتي: أنّ فرعون ابتدأ بإطلاق هذه التهمة، فأيّده فيها

1 . الأعراف:109.

صفحه 55
الملأ وبادروا إلى ترديدها بعده تزلُّفاً إليه، كما هو شأن حاشية كلّ طاغ مستبدّ، حيث يُعربون عن التسليم المطلق لكلّ ما يقول دفاعاً عن مصالحهم الشخصية، وخوفاً عليها من الذهاب.
35. (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ):
حاول فرعون أن يثبت أنّ الغاية من إعمال هذا السحر أن يأخذ بقلوب الناس حتى يكثر أعوانه وأتباعه ويغلبكم على دولتكم ويسيطر على بلادكم ويطردكم منها، كما يقول: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ)ومعلوم أنّ مفارقة الوطن أصعب الأُمور، فنفّرهم عنه بذلك، وهذا نهاية ما يفعله المبطل في التنفير من الحق، فعندئذ خاطب الملأ بقوله: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ): أي بماذا تشيرون؟ وبذلك حاول إشراكهم في مقابل هذه الظاهرة حتى يحرّضهم ضد موسى(عليه السلام).
36. (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ):
لمّا طلب فرعون مشورة الملأ(قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ): أي اتّفقوا على أمر واحد وهو أن يؤخّر أمر موسى وأخيه ولا يعاجلهما بالعقوبة (وَابْعَثْ)عساكرك (فِي الْمَدَائِنِ) التي تحت سلطتك في مصر (حَاشِرِينَ): أي جامعين، من الحشر بمعنى الإخراج إلى مكان بإزعاج أي يُخرجون السَّحَرة بالإكراه.
37. (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّار عَلِيم):
أي يأتونك بكلّ من وجدوه أنّه سحّار حاذق وقال:(سَحَّار) ولم

صفحه 56
يقل «ساحر» إشارة إلى حذقه ومهارته. وروي أنّ فرعون أراد قتله فقال الملأ: لا تفعل فإنّك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة، ولكن أرجئه وأخاه إلى اليوم المعلوم.1
38. ( فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم):
قد أشرنا غير مرّة إلى أنّ القرآن الكريم يذكر ما هو المهمّ من القصة وأمّا ما يُعلم من القرائن فلا يذكره، ولذلك ففي الآية إيجاز وتلخيص بشهادة ما جاء في سورة طه، يقول:(قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتَيِنَّكَ بِسِحْر مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لاَ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)2، فقوله سبحانه في المقام: ( فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم)فيه إيجاز وإجمال لما جاء في سورة طه.
والعطف بالفاء في قوله: (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ) دليل على أنّ إحضار السحرة وقع في أسرع وقت فصاروا حاضرين (لِمِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم): أي الموعد الذي حُدّد له وقت معيَّن للمباراة، وهو يوم الزينة المذكور في سورة طه.
39. (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ):
بما أنّ جمع السحرة لم يُعيّن فاعله: (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ) فهكذا لم يذكر

1 . تفسير الرازي:24/132.
2 . طه:57ـ 59.

صفحه 57
فاعل مَن خاطب الناس وأعلن نبأ المبارة، كما قال:(وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) وكأنّ الجامع خصوصاً القائل، إنسان محايد يريد اكتشاف الحقيقة، ولذلك فهو يدعو الناس إلى الاجتماع على سبيل العرض لا الإلزام، ثم يقول:
40. (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ):
والمراد باتّباع السحرة اتّباعهم في دينهم، ومن المعلوم أنّهم كانوا متظاهرين بعبادة فرعون، قال الزمخشري: في دينهم إن غلبوا موسى ولا نتّبع موسى في دينه وليس غرضهم باتّباع السحرة، وإنّما الغرض الكلّي ألاّ يتّبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق الكناية لأنّهم إذا اتّبعوهم لم يكونوا متَّبعين لموسى(عليه السلام)1.
41 و 42. (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لاَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ):
جاء مضمون هاتين الآيتين في سورة الأعراف بالنحو التالي:(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لاَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)2.
والاختلاف أنّ لفظة «إنّ» مقرونة بهمزة الاستفهام في المقام كما قال: (أَئِنَّ) ومجرّدة عنها في سورة الأعراف.

1 . تفسير الكشّاف:3/114.
2 . الأعراف:113ـ 114.

صفحه 58
وقُرن قوله: (لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) بإذاً في سورتنا هذه، حيث قال: (إذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) وجُرّد عنها في سورة الأعراف وقال: (وَإنّكُم لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) فجاء الجواب في هاتين الآيتين أكمل ممّا في سورة الأعراف، وهو أنّ كونهم مقرَّبين مشروط بالغلبة. وأُريد بالقربى أنّهم سيكونون من خاصّته وذوي الجاه لديه.
سورة الشعراء: الآيات 43 ـ 51   

الآيات: الثالثة والأربعون إلى الحادية والخمسين

(قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ).

المفردات

بعزة فرعون: العزّة: القوّة التي يمتنع بها من لحاق ضيم لعلوّ منزلتها.

صفحه 59
عصيّهم: العِصيّ: جمع عصا.
تلقف: تبتلع بسرعة.
يأفكون: الإفك هو صرف الشيء عن واقعه، حيث إنّ السحرة بسحرهم يقلبون الشيء عن وجهه الواقعي إلى وجهه المتوهَّم.
من خلاف: أي قطع الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى.
لا ضَير: لا ضرر.
منقلبون: راجعون.

التفسير

43. (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ):
يظهر من قوله: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) أنّ موسى طلب منهم الإلقاء، وقال:(أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) غير أنّ الظاهر ممّا في سورة الأعراف أنّ موسى(عليه السلام) طلب منهم الإلقاء بعد أن خيّروه قائلين: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ)1، ولم يذكر هذا في سورتنا هذه للاختصار.
وهاهنا سؤال: كيف جاز لموسى(عليه السلام) أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟
والجواب: إنّ الأمر بالإلقاء لم يكن مقصوداً بنفسه، حتى يكون أمراً غير جائز، بل كان هذا مقدّمة لإرشاد الناس وكشف تمويه السحرة وإبطال

1 . الأعراف:115.

صفحه 60
كيدهم، فلا محيص إلاّ أن يأمرهم بالإلقاء لكي يتبعه الإبطال، وهذا نظير حوار المحقّ مع المبطل، حيث يفسح المجال له حتى يبطله في أعين الناس ومسامعهم.
44. (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ):
أي طرحوا ما كان معهم من الحبال والعصيّ ( وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) وهذا من كلام السَّحَرة.
ولم يذكر في الآية كيفية سحرهم غير أنّه سبحانه وصف سحرهم في آية أُخرى بقوله: (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْر عَظِيم)1، وفي سورة طه قال تعالى: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ).(2)
45.(فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ):
يظهر من قوله سبحانه في سورة طه أنّ الله سبحانه أوحى إليه بالإلقاء حيث يقول: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِر وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى).2
يقول المفسّرون: لمّا ألقى عصاه صارت حيّة، فطافت حول الصفوف حتّى رآها الناس كلّهم، ثمّ قصدت الحبال والعِصيّ فابتلعتها كلّها

1 . الأعراف:116.   2 . طه:66.
2 . طه:69.

صفحه 61
على كثرتها، ثم أخذها موسى فعادت عصاً كما كانت.
46. (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ):
وعندما تناولت حيّة موسى حبالهم وعصيّهم بسرعة وابتلعتها ثم عادت إلى صورتها الأُولى، أذعن السَّحرة أنّ الذي جاء به موسى خارج عن حدود السحر، وذلك لأنّهم كانوا عارفين بواقع السحر، وأدركوا أنّ ما أتى به راجع إلى قوّة إلهية وأنّه غلبهم بتلك القوّة، ولذلك سجدوا لربّ العالمين كما يقول: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) لأنّهم وقفوا على أنّه مبعوث من الله سبحانه فخرّوا سُجّداً لله.
47 و 48. (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ):
أي (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الذي دعا إليه موسى وأنّ للكون ربّاً واحداً; لأنّ ما في الكون مربوبون. ثمّ أتمّوا كلامهم بقولهم: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ).
وهم بهذا القول قد عزلوا فرعون عن الربوبية، وخلعوا العزّة التي صنعها لنفسه، وبذلك حصحص الحقّ وبان الصبح لكلّ ذي عينين.
ومن المعلوم أنّ إيمان السَّحرة في يوم الزينة الذي اجتمع الناس فيه للتعرّف على الحقّ صار دليلاً قاطعاً على بطلان ما يدّعيه الفراعنة، عبر سنين متمادية، من الربوبية، ولذلك ثار غضبه،وانطلق يهدّد السَّحرة.

تهديد فرعون السحرة

49. (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ

صفحه 62
السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلاَُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ):
إنّ الطواغيت حينما تنقطع بهم السبل يتوسّلون بأُمور:
1. تجريم من يؤمن بما هو على خلاف عقيدتهم قبل إذنهم:(آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ).
2. منطق القوّة والتهديد بالقتل، كما قال:(لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ).
3. توجيه عملهم واتّهامهم بالافتراء والتآمر، كما قال: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ).
وأين موسى(عليه السلام) من هؤلاء السَّحرة حتى يكون كبيرهم الذي علمهم السِّحر، فقد كان بعيداً عن مصر مقيماً في (مَدْين) وقد دخل مصر قبل أيام، وهؤلاء السَّحرة كانوا منتشرين في مدن مصر بعيداً عن العاصمة، فكيف يمكن أن يكون موسى(عليه السلام)معلّماً وهؤلاء متعلّمين؟!
والأعجب من ذلك اعتراضه على السَّحرة بأنّهم آمنوا بموسى قبل أن يأذن لهم فرعون، فكأنّ التديّن بشيء فرع إذن الملك فهو مالك الرِّقاب والأرواح والأعمال القلبية. وأمّا أنّه هل قام بما أوعدهم به أو لا؟ فلا يظهر من الآيات شيء.

جواب السحرة لفرعون

50 و 51. (قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ

صفحه 63
يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ):
لمّا أوعد فرعون السَّحرة بأمرين شديدين وهما: قطع الأيدي والأرجل من خلاف ثم الصَّلب على جذوع النخل، وكان إيمان السحرة بصحّة دعوة موسى(عليه السلام) إيماناً راسخاً في القلوب، قاموا بوجه فرعون و(قَالُوا لاَ ضَيْرَ) لا ضرر،أي لا يضرّنا وعيدك، إذ ليس تعذيبك إلاّ عدّة لحظات سوف تنتهي إلى النعيم الدائم كما يقول: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ)راجعون، وبما أنّ السَّحرة صرفوا مقداراً من أعمارهم في الوثنية وقد ظهرت علائم بطلانها، طلبوا من الله سبحانه أن يغفر لهم ما ارتكبوا من الخطايا كما قال: (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا). ولفظ (نَطْمَعُ)يستعمل في الظنّ الراجح (أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)من أتباع فرعون بربوبيّته سبحانه، وبموسى مرسَلاً منه تعالى.
ثمّ إنّ المعنى المتبادر من قولهم: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ)هو الرجوع إلى إلهيّة ربّ العالمين وترك الاعتقاد بإلهيّة فرعون، وأنّ إيمانهم وسجودهم لله أمام فرعون يدلّ على طهارة فطرتهم وأنّهم كانوا مستعدّين للهداية الإلهية، غير أنّ الرازي غلا في حقّهم وفسّر قولهم:(إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) بقوله: فيه نكتة شريفة وهي أنّهم بلغوا في حبّ الله تعالى أنّهم ما أرادوا شيئاً سوى الوصول إلى حضرته، وأنّهم ما آمنوا رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب، وإنّما مقصودهم محض الوصول إلى مرضاته والاستغراق في أنوار معرفته، وهذا أعلى درجات الصدّيقين.1

1 . تفسير الرازي:24/136.

صفحه 64
ولا يخفى أنّ ما ذكره الرازي لا يخلو من غلوّ.
قوله: (أَنْ) وما في حيّزها منصوب بحذف الخافض، أي: لأن كنّا، فهو بمنزلة التعليل للطمع والظنّ بأن يغفر ربّهم خطاياهم، لأجل أنّهم صاروا أوّل المؤمنين.
سورة الشعراء: الآيات 52 ـ 68   

الآيات: الثانية والخمسون إلى الثامنة والستين

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَكُنُوز وَمَقَام كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَ مَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

المفردات

أَسرِ: سِرْ بهم ليلاً.

صفحه 65
متَّبعون: يتبعكم فرعون بجنده.
لَشِرذمة: الشِّرذمة: جمعه شراذم، الطائفة القليلة من الناس.
غائظون: فاعلون ما يغيظنا. والغيظ: شدّة الغضب.
حاذرون: جمع حاذِر، وهو المُحترِز المتيقِّظ.
فأتبعوهم: فلَحِقوهم.
مُشرقين: داخلين في وقت شروق الشمس، أو قاصدين جهة الشرق، يقال: أشرق فلان إذا دخل في أرض الشرق .
الجَمعان:الفريقان.
لَمدرَكون: لَمُلحَقون.
انفلق: انشقّ.
فِرْق: الفِرْق: القطعة المنفصلة من الشيء.
كالطود: الطَّوْد: الجبل.
أزلفنا: قرّبنا.

التفسير

52. (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ):
أوحى الله سبحانه إلى موسى(عليه السلام) أن يقود بني إسرائيل ويهاجر بهم ليلاً لئلاّ يطّلع جلاوزة فرعون على خروجهم كما يقول: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)، ولكن أخبره بأنّهم (مُتَّبَعُونَ): أي سيتبعكم فرعون

صفحه 66
بجنده ليمنعوكم من الرحيل عن مصر.
ولا يخفى أنّ الآية تشير إلى قصة أُخرى، بينها وبين ما سبق فصول لم تذكر في هذه السورة، حيث إنّه بعد ما خرج موسى(عليه السلام) من ساحة المباراة منتصراً وآمن به السَّحرة، وقعت رجّة في مصر وتداولت الألسن الأخبار، ومع ذلك بقي موسى سنين في مصر يطلب إطلاق بني إسرائيل حتى يمضي بهم إلى الأرض الموعودة، والذي يشهد على ذلك أنّ بين الأمر بالإسراء وبين ايمان السَّحرة أحداثاً كثيرة لم تُذكر هنا، وقد أشار إليها سبحانه في غير واحدة من السور، منها: نزول البلاء تلو البلاء على آل فرعون1 وحوارات مؤمن آل فرعون مع قومه2، وكلّ ذلك قد حدث بعد قصة يوم الزينة.
وقد مرّ أنّ القرآن الكريم ينقل من القصة ما يهمّه، ولذلك لم يذكر الأحداث الواقعة بين غلبة موسى وخروج بني إسرائيل من مصر لعدم تعلّق الغرض بذكرها هنا. وعلى كلّ تقدير فقد خرج بهم موسى(عليه السلام)ليلاً، ولكن هنا نكتة وهو أنّ خروج بني إسرائيل (مهما كان عددهم) بالليل لم يتحقّق إلاّ بعد أن أخبرهم موسى بهذا الأمر الخطير، وطلب منهم أن يستعدّوا ويتهيّأوا له، ولا شكّ في أنّ عدم اطّلاع جند فرعون وأنصاره، على أخبار تلك الاستعدادات، يدلّ على غاية الاحتياط في كتمانها وعدم إذاعتها، وهو رهن تخطيط دقيق ومنظّم يقلّ نظيره في التاريخ.

1 . انظر: غافر:28ـ 34، و38ـ 45.
2 . انظر: الأعراف:130ـ 135.

صفحه 67
53 ـ 56. (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ):
المهمّ بيان صلة هذه الآيات بما قبلها، فإنّ الآية السابقة دلّت على أنّه سبحانه أمر موسى(عليه السلام) بترك مصر ليلاً والتوجّه إلى البحر، فبعدما انتشر خبر مسير بني إسرائيل حاول الطاغية أن يمنعهم من الخروج ولم يكن في مقرّ ملكه جند كثير يصدّهم عن طيّ الطريق، فلذلك بعث رُسله ليجمعوا له الجند من الأطراف والأكناف وهم يحملون بلاغ فرعون، كما يقول: (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ): أي يحشرون الناس ويجمعون الجيوش لفرعون، وهؤلاء الرُّسل ينادون في البلاد:(إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ): أي إنّ بني إسرائيل جماعة قليلة لا يعتدّ بهم، ولكنّهم يثيرون غضبنا الشديد بمخالفتهم لنا وتمرّدهم علينا، كما يقول:(وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ)بَيد أنّنا جميعاً (حاكماً، ورجال دولة، وجنداً) متيقّظون منتبهون لخطرهم (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ).
ولقد فضح فرعون نفسه بهذه المعاذير، فمن جانب يصفهم بأنّهم قليلون لا يُعبأ بهم، ومن جانب آخر يبعث رُسلَه ليسوقوا له ما يستطيعون سَوقه من الجند فيتّبعوهم ويردّوهم إلى مصر، وهذه هي شيمة المستكبرين إذا هُدِّدت عروشهم بالخطر، فتراهم يفتقدون المنطق الصحيح ويتخبّطون في الدفاع عن كيانهم.
هذا ما دبّره فرعون، ولكن تدبير الله سبحانه كان فوق تدبير فرعون حيث جمع جيوشه للتنكيل ببني إسرائيل، ولكن صار مصيرهم جميعاً

صفحه 68
الإغراق والإهلاك، كما يقول:
57 و 58. (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَكُنُوز وَمَقَام كَرِيم):
أي أخرجناهم من جنّات غنّاء وعيون فيّاضة، كما أخرجناهم من مقام نفيس. والمراد بالمقام المساكن والقصور.
59. (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ):
قوله:(كَذَلِكَ): أي كانت أخبارهم كما وصفناها (وَأَوْرَثْنَاهَا) الضمير يرجع إلى ما قبلها من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم (بَنِي إِسْرَائِيلَ).
ظاهر الآية أنّ ما كان لفرعون وقومه من الأموال والعقار والمساكن والديار أعطاه لبني إسرائيل، وفي موضع آخر قال تعالى:(كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم * وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)1، وفي موضع ثالث قال: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا).(2) فالآية التي نحن في صددها ظاهرة في أنّ الوارث للنِّعم الموفورة هم بنو إسرائيل، والآية في الثاني فيها إبهام حيث قال: (كَذلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)، والآية في الموضع الأخير تدلّ على أنّ بني إسرائيل ورثوا مشارق الأرض ومغاربها وراء ما كان لفرعون من جنّات وعيون، ولذلك ذهب غير واحد من المفسّرين إلى أنّ الله سبحانه ردّ بني إسرائيل إلى مصر بعد ما أغرق فرعون

1 . الدخان:25ـ 28.   2 . الأعراف:137.

صفحه 69
وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والعقار والمساكن والديار.1
لكن ظاهر الآيات التي تحكي مصير بني إسرائيل لا ينسجم مع عودتهم إلى مصر، فإنّ ظاهر قوله تعالى:(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْم يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَام لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ )،(2) أنّهم نزلوا سيناء وهم يتخبّطون في جهلهم ومادّياتهم حتى أنّهم طلبوا من موسى(عليه السلام)أن يجعل لهم صنماً يعبدونه!! ولذلك قال رادّاً عليهم:(إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)ثم تلت ذلك حوادث تترى أشار إليها القرآن الكريم منها: إنزال المنّ والسّلوى عليهم2، وتفجير اثنتي عشرة عيناً على قدر فرقهم،3 ومجيء موسى(عليه السلام)إلى ميقات ربّه،4 إلى أن انتهى الأمر إلى اتّخاذهم العجل إلهاً5، وإلى عصيانهم الأمر بدخول الأرض المقدّسة6 حتى تمّ لهم البقاء تائهين في صحراء سيناء أربعين سنة عقوبة لهم على عصيانهم7، وقد توفّي موسى(عليه السلام) قبل أن تنتهي الأربعون سنة، فأين رجوعهم إلى مصر؟ ولذلك

1 . لاحظ: مجمع البيان:7/355.   2 . الأعراف:138ـ 140.
2 . انظر: البقرة:57.
3 . انظر: الأعراف:160.
4 . انظر: الأعراف:143.
5 . انظر: البقرة:51.
6 . انظر: المائدة:21.
7 . انظر:المائدة:26.

صفحه 70
ذهب غير واحد من المفسّرين إلى أنّ المراد (من الآيات الثلاث) أنّ الله تعالى ملّك بني إسرائيل جنات وعيوناً مماثلة لِما في مصر، في أرض الميعاد التي ساروا إليها.1
60. (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ):
ما إنْ بزغت شمس الصباح حتى لحق بهم فرعون وجنوده كما يقول:(فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) وفي هذه اللحظات ضاقت الدنيا بأعين بني إسرائيل وأحسّوا بالخطر يقترب منهم، فاستغاثوا بموسى(عليه السلام) كما يقول:
61. (فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ):
أي لمّا قابل كلّ فريق صاحبه، استغاث أصحاب موسى(عليه السلام) كما يقول: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ): أي سيدركنا ويَلحقنا جيش فرعون ولا طاقة لنا به.
قال الشريف الرضيّ: وهذه استعارة والمراد بها العبارة عن التقارب والتداني، وإنّما قلنا إنّ هذا اللفظ مستعار لأنّه قد يحسن أن يوصف به الجمعان وإن لم يرَ بعضهم بعضاً بالموانع من مثار العجاج ورَهج الطِّراد، لأنّ المراد به تقارب الأشخاص لا تلاحظ الأحداق، وذلك كقولهم في الحيَّين المتقاربين تتراءى ناراهما أي تتقابل وتتقارب لكون النارين بحيث لو كان بدلاً منهما إنسانان لرأى كلّ واحد منهما صاحبه.2

1 . لاحظ: تفسير المراغي:7/67، وغيره.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:167.

صفحه 71
62. (قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ):
وهنا يتجلّى إيمان موسى(عليه السلام) بربّه وتتأكّد ثقته بوعده (قَالَ كَلاَّ): أي لن يدركوننا (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ): أي يرشدني إلى طريق النجاة، وقد تحقّق ذلك بمعجزة إلهية، كما يقول:
63. (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ):
قوله تعالى:(فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى): أي أوحينا إليه (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ) فضربه (فَانْفَلَقَ): أي فانشقّ عن طريق فيه، وارتفع الماء على جانبيه كما يقول: (فَكَانَ كُلُّ فِرْق): أي كلّ قطعة من البحر (كَالطَّوْدِ)الجبل (الْعَظِيمِ): أي صار اجتماع ذلك الماء فوق كلّ طرف منه كالجبل العظيم، وعندئذ سلك الإسرائيليون الطريق الذي فُتح لهم وعبروا من الشاطئ الغربيّ إلى الشاطئ الشرقيّ، ولمّا رآهم فرعون وجنوده ساروا على إثرهم كما يقول:
64. (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ):
أي أدنَينا هناك الآخرين، والمراد من الآخرين ما يقابل بني إسرائيل، وأبقى الله تعالى تلك المسالك على حالها حتى قرُب منها فرعون وجيشه وطمعوا في أن يتخلّصوا من البحر كما تخلّص موسى، وعندئذ انطبق البحر عليهم وأغرقهم.
ثمّ إنّه سبحانه نسب الإزلاف إلى نفسه وقال:(وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ)

صفحه 72
واستُشكل عليه بأنّ اجتماعهم هناك في طلب موسى(عليه السلام) كفر، فكيف نسبه إلى نفسه؟
والجواب واضح، وهو أنّ المراد: قرّبناهم إلى المكان الذي كان فيه بنو إسرائيل حتى يتوهّموا أنّ ما عبرهُ موسى وبنو إسرائيل مسالك عاديّة، فيدخلوا فيها ثم يكون مصيرهم إلى الإغراق، فليس في هذا الإزلاف شيء منكر إلاّ كونه مقدّمة لعذاب الاستئصال.
65. (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ):
ولم يبق أحد منهم إلاّ وقد خرج من البحر، وأمّا مصير فرعون وجنوده فيقول عنه:
66. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ):
أي أغرقنا فرعون وجنوده يقول سبحانه: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ).1
ثمّ إنّه سبحانه اقتصر في بيان قصة موسى على هذا المقدار، وأمّا ما كان من مصير بني إسرائيل بعد عبور البحر، فقد جاء تفصيله في سور أُخرى.
67 و 68. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):

1 . يونس:90.

صفحه 73
أي(إِنَّ فِي ذَلِكَ) الذي حدث في البحر وإنجاء موسى ومن معه وإغراق عدوّ الله وأتباعه (لاَيَةً)وعبرة لمن يعتبر (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ)مع ما رأوا من الآيات والمعجزات، وفي ذلك إشارة إلى وجود المشاكلة والتشابه بين قوم فرعون وكبراء قريش في مكّة، فالجميع رأوا الآيات الباهرات ومع ذلك لم يؤمن أكثرهم، قوله:(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)إعادة لما في صدر السورة حيث قال:(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).1
قدّم وصف العزيز على الرحيم لكونه مقتضى المقام، حيث إنّه سبحانه أخذ بعزّته فرعون وجنوده، وفي الوقت نفسه هو رحيم، ولكلٍّ موضع ومظهر. وربّما لا يهلك ويُمهل.
والله سبحانه يذكر هاتين الآيتين في ختام قصة كلّ من الأنبياء السبعة مشيراً إلى أنّ الأُمم السابقة كان أُسلوبهم في مواجهة الأنبياء العظام على وتيرة واحدة كما يحكي عنه قوله تعالى: (وَ مَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) وأنّ موقفه سبحانه من الجميع واحد كما يدلّ عليه قوله تعالى:(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).2
بقي هنا كلام وهو ما هو المراد من البحر، الذي عبّر عنه سبحانه في مقام آخر باليمّ، قال: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)3؟
قال الشيخ عبد الوهاب النجّار: أعتقد أنّ خليج السويس كان يمتدّ في تلك الأزمان إلى البحيرة المُرّة أو يقرب منها، وفي هذا الخليج كان

1 . الشعراء: 9 .
2 . لاحظ: الشعراء:67 ـ 68، 121ـ 122، 139 ـ 140، 158ـ 159، 173ـ 174، 190ـ 191.
3 . طه:78.

صفحه 74
عبورهم. وأضاف: وبين يديّ أطلس تاريخي للأُستاذ محمد رفعت، رسم فيه طريق عبور بني إسرائيل بين السويس وبين البحيرة المُرّة، ورسم خطَّين يدلاّن على أنّ خليج السويس كان متصلاً بالبحيرة المُرّة، وأحسب أنّه على صواب.1
يُذكر أنّ خليج السويس، هو أحد فرعَي الطرف الشمالي للبحر الأحمر، والفرع الآخر هو خليج العقبة، وتقع شبه جزيرة سيناء بين الخليجين.
سورة الشعراء: الآيات 69 ـ 89   

الآيات: التاسعة والستون إلى التاسعة والثمانين

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ *

1 . قصص الأنبياء:203ـ 204.

صفحه 75
وَاجْعَلْني مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأَبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم).

المفردات

فنظلّ: ظلَّ بمعنى دام، أي نقيم على عبادتها طوال ليلنا ونهارنا. وربّما يفسّر بالعبادة في جميع النهار دون الليل لأجل كونهم يعبدون الكواكب، فإذا جاء الليل عبدوا الكواكب الطالعة، ولا يخلو من تأمّل كما سيوافيك.
عاكفين: ملازمين، وتضمّن معنى العبادة.
حُكماً: أي إصابة النظر والرأي في المعارف الاعتقادية والعملية الكلّية وتطبيق العمل عليها، ويعبّر عنها بالحكمة، وقد ورد نظيره في قصّة موسى(عليه السلام) قال: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا)1.
لسانَ صِدق: المراد باللِّسان هنا الثناء، وإضافته إلى الصدق من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، أي لساناً صادقاً، والمعنى: أن يُبقي له في الدنيا الثناء الحسن والذكر الجميل. هكذا قيل، وسوف يأتي معنى آخر لهذه الفقرة عند التفسير.
الآخِرين: يقابل الأوَّلين.
تُخزني: الخِزي: الانكسار الطارئ على الإنسان إمّا من نفسه أو من غيره.
سليم: الموصوف بالسلامة، العاري من الآفات الظاهرة والباطنة.

1 . الشعراء:21.

صفحه 76

التفسير

2. مناظرة إبراهيم(عليه السلام) مع عبدة الأصنام

يذكر القرآن الكريم أربعة مواقف لإبراهيم(عليه السلام) في دعوته للتوحيد، اشتملت على مناظرات مع عَبدَة الأجرام السماوية1، ومع الملك (النَّمرود)،2 ومع أبيه آزر خاصّة3 ومع أبيه منضمّاً إلى قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام، وهذا الموقف الأخير هو الذي تناولته هذه المجموعة من الآيات.
وكانت الوثنية قد غطّت بيئة بابل(موطن إبراهيم(عليه السلام) قبل هجرته) على نحو أنّ أقرب الناس إلى إبراهيم(عليه السلام) كان وثنياً ومدافعاً عنها بشدّة، ومن سنن الله تبارك وتعالى أن يخرج داعية التوحيد من وسط أحضان الوثنية.

الربّ الحقيقي عند الوثنيين

هل كان الصنم الخشبي أو المعدني أو الحجري عندهم هو الربّ الواقعي؟ أو أنّ الربّ الواقعي عندهم أُمور روحانية خارجة عن عالم الأجسام، منزَّهة عن خواصّ المادّة وآثارها؟ إذ لمّا كان من الصعب ـ عندهم ـ التوجّه إليها لكونها خارجة عن أُفق الإدراك توسّلوا إلى ذلك باتّخاذ صور وتماثيل جسمانية تمثّل بأشكالها وهيئاتها ما هناك من

1 . انظر:الأنعام:75ـ 81 .
2 . انظر: البقرة:258.
3 . انظر: مريم:42ـ 47.

صفحه 77
المعنويات1، إذ من البعيد على أيّ إنسان مهما تسافل أن يعبد الأجسام الفارغة من الروح والإدراك إلاّ إذا كان مجنوناً.
وعلى ذلك ظهرت الوثنية وتطوّرت وانتشرت في البلاد، فالأرباب الحقيقيون أُمور روحانية بعيدة عن الإدراك، وأمّا الأصنام الجامدة فمظهر لها. نعم كان الحال على هذا الأساس، وكلّما مرّ الزمان وتجذّرت الوثنية في النفوس وغلبت الأوهام على العقول غفل عبّاد الأصنام عن الفلسفة التي بُنيت عليها الوثنية في أوّل الأمر، وكثير منهم غفلوا عن الربّ الواقعي، واتّخذوا هذه الأصنام أرباباً.2 وعلى هذا الأساس نرى أنّه سبحانه أمر نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتلو على مشركي قريش نبأ إبراهيم(عليه السلام).
69.(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ):
أُريد بنبأ إبراهيم حواره(عليه السلام) ومناظرته مع الوثنيين، وقد اختار سبحانه عرض قصة إبراهيم بعد قصة موسى(عليه السلام) لوجود التشابه بين قوم إبراهيم الخليل(عليه السلام) وقوم النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) من جهتين:
الأُولى: التوغّل في الوثنية، فإنّ كلا القومين هبط إلى الحضيض في هذه الظاهرة، وأثبتا أنّهما في غاية الجهل والسفاهة.
الثانية: أنّه سبحانه أمهل قوم إبراهيم(عليه السلام) ولم يعذّبهم في الدنيا، وكذلك كان الحال مع قوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث أمهلهم ولم يعذّبهم بعذاب سماويّ، نعم قُتل عدد من كبرائهم في معركة بدر.

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:15/281.
2 . انظر: تفسير الرازي: 17/59ـ 60.

صفحه 78
70. (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ):
سأل إبراهيم(عليه السلام) في بداية المناظرة عن حقيقة معبودهم بقوله: (مَا تَعْبُدُونَ)؟ والسؤال هذا من تجاهل العارف، حيث وضع(عليه السلام) نفسه ـ لغاية يقصدها ـ موضع مَن لا يعرف شيئاً عن حقيقتها وسائر شؤونها، سبيلَ من يريد أن يبيّن الخصمُ حقيقة مدّعاه وسائر شؤونه حتى يأخذه بما سمع من اعترافه، وهذا من أساليب المناظرة. وعندئذ أجابه القوم بما يلي:
71. (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ):
أي نعبد هذه الأصنام ونستمرّ على عبادتها ليل نهار.
ولمّا كانت عبادة الأصنام لغاية الانتفاع بها أو دفع الضرر بواسطتها، ولولا هذه الغاية لما خضع أحد لشيء، ورد عليهم إبراهيم(عليه السلام) من هذا الباب ليحتجّ عليهم بالحقيقة التالية:
72 و73. (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ):
فسألهم عن استماع الأصنام لدعائهم، إذ لولا الاستماع لما انتفع الداعي بعبادته ودعوته، وقال: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ): أي هل يسمعون دعاءكم(إِذْ تَدْعُونَ)؟ ثم انتقل إلى أنّها على فرض الاستماع هل (يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ)؟ ولمّا لم يكن لدى القوم إزاء هذه الأسئلة جواباً مقنعاً التجأوا إلى إلقاء المسؤولية في ذلك على عاتق آبائهم وأجدادهم وقالوا:
74. (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ):

صفحه 79
وهذا إقرار ضمنيّ بأنّهم لا ينتفعون بعبادة الأصنام، وأنّ تقديسهم لها لا يستند إلى أي برهان، ولكن لمّا كان الآباء على هذه السيرة قالوا: نحن نقتفي أثرهم في تقديسها!!وحينئذ سألهم إبراهيم(عليه السلام)منكراً عليهم تقليد الآباء والأجداد، فقال:
75 ـ 77.(قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ):
ولمّا بلغ الحوار هذا المقام وثبت أنّ هذه الأصنام لا تنفع ولا تضرّ، عند ذلك أعلن إبراهيم(عليه السلام)البراءة من الأصنام وعبدتها، الحاضرة والقديمة وقال: (أَفَرَأَيْتُمْ): أي أخبروني عن حال (مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) عبر سنين (أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ)فإنّهم عدوّ لي فلا تنفع عبادتها بل تضرّ. ووصفها بالعداوة التي لا تكون إلاّ من العقلاء، هو من باب التشبيه البليغ، حيث إنّ الإنسان يصوّر من يأتي منه الضّرر عدوّاً، والأصنام ممّا يأتي منها الضّرر لأنّها مضلّة لمن يعبدها، فالنبي إبراهيم(عليه السلام)حينما عدّ الأصنام بأنّها عدوّ لنفسه أعلن أنّها عدوّ لكلّ من يعبدها، فقال إنّي أتبرّأ منها وأُعلن براءتي منها وعداوتي لها، لماذا؟ لأنّ عبادتها ضارّة لديني مهلكة لنفسي فهي ليست إلاّ عدوّ لي، فأتبرّأ من كلّ ما تعبدون (إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ)، والظاهر أنّ الاستثناء منقطع لأنّه استثناء من قوله:(فَإِنَّهُمْ) أي الأصنام (عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ).
ثم ابتدأ(عليه السلام) ببيان صفات ربّ العالمين التي ينكرها الوثنيون، ومع إثبات هذه الصفات لله سبحانه، لا يَعبد أيّما إنسان صنماً من الأصنام، لأنّ

صفحه 80
الغاية من عبادتها حاصلة بعبادة ربّ العالمين. واختار من بين صفاته ما يعرب عن انفراد الله تعالى بالتصرّف في عالم الكون، فأشار إلى جميع أُصول النِّعم حتى انتهى إلى بعث الخلائق يوم القيامة وهي عبارة عمّا يأتي في الآيات التالية:

أ. خلقه وهدايته

78.(الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ):
قوله:(الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ) كلمة جامعة ليس فوقها كلمة، أشار بها إلى أنّه سبحانه بعد ما خلقه لم يفوض أمر تدبيره إلى موجود آخر، بل هو الذي يهدي كلّ ما خلق إلى ما يحقّق كماله، كما قال سبحانه:(قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى )1.

ب. رزّاق لما خلق

79. ( وَالذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ):
فالله سبحانه حينما خلق ماخلق لم يترك رزقه لغيره، وإنّما تكفّل بهما هو ـ عظُمت آلاؤه ـ بإيجاد أسبابهما، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا)2. ومن أسباب رزقه وسوابغ رحمته سبحانه بخلقه أنّه يرسل الرياح مبشِّرات بنزول المطر الذي يحيي، بقدرة الله، الأرض وتنبت به ألوان الزروع والثمار رزقاً للعباد.

1 . طه:50.
2 . هود:6.

صفحه 81

ج. الإنعام بالشفاء

80 . (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ):
الآية تحكي عن أنّ الوثنيين يستشفون بأصنامهم وقد أدّبهم إبراهيم(عليه السلام) بأنّ الشافي هو الله تبارك وتعالى قائلاً: بأنّه هو الذي يُنعم عليّ بالشفاء إذا مرضت، وقد أسند المرض إلى نفسه ليكون مقدّمة لقوله: (فَهُوَ يَشْفِينِ)، مضافاً إلى أنّ كثيراً من أسباب المرض يحدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه ولذلك أضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربّه تعالى.

د. الإحياء بعد الإماتة

81 . (وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ):
إنّ الوثنيّين ينكرون البعث ولا يؤمنون بحياة جديدة خوفاً ممّا يلاقونه هناك من جزاء على ظلمهم وجرائمهم التي ارتكبوها في دنياهم، ولذلك ركّز إبراهيم(عليه السلام) على هذا الأصل وقال: (وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ)، ومن المعلوم أنّ كلّ هذه الأفعال:(يَهْدِينِ)، و(يَسْقِينِ)، و(يَشْفِينِ)، و(يُحْيِينِ) حذفت عنها ياءات المتكلم حفظاً للفواصل لأنّ الفواصل في الآيات غالباً على النون.

هـ . رجاء المغفرة في الآخرة

82 . (وَالذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ):
كانت الوثنية تطلب المغفرة من الأصنام، والله سبحانه يؤكّد على أنّ

صفحه 82
غفّار الذنوب هو الله سبحانه، قال عزّ وجلّ:(وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ)1.
لقد طلب(عليه السلام) من الله سبحانه مغفرة الخطيئة يوم الدين (القيامة) وإنّما خصّصها بيوم الدين، لأنّ أثرها يظهر في ذلك اليوم، كما أنّه لم يقل:
هو الذي يغفر خطيئتي، بل قال: (أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)وما ذلك إلاّ لأنّ الغفران تفضُّل من الله سبحانه، ومثله لا يطلب على وجه الجزم.
ثمّ إنّ نسبة الخطيئة إلى نفسه وهو نبيٌّ معصوم دليل على أنّ المراد بها غير المعصية، بمعنى مخالفة الأمر المولوي، فإنّ للخطيئة والذنب مراتب تتقدّر حسب حال العبد في عبوديته، كما قيل: حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، وقد قال تعالى لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ )2 فالخطيئة من مثل إبراهيم(عليه السلام) (هي) اشتغاله عن ذكر الله محضاً بما تقتضيه ضرورات الحياة كالنوم والأكل والشرب ونحوها وإن كانت بنظر آخر طاعة منه(عليه السلام)، كيف؟ وقد نصّ تعالى على كونه مخلصاً لله لا يشاركه تعالى فيه شيء، إذ قال: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَة ذِكْرى الدَّارِ )3.4
واللاّفت في أدعية إبراهيم(عليه السلام) أنّه أشار في هذه الصفات إلى أُصول النِّعم التي يتمتّع بها الإنسان من لدن ولادته إلى خروجه من الدنيا، فإذا كانت هذه الصفات راجعة إلى الله سبحانه فهو الأَولى بالعبادة.

1 . آل عمران:135.
2 . غافر:55.
3 . ص: 46.
4 . الميزان في تفسير القرآن:15/285.

صفحه 83
إلى هنا تمّ حوار إبراهيم(عليه السلام) مع الوثنيّين، ثم إنّه بعد ما أثنى على ربّه بما أثنى، سأله أُموراً تأتي في الآيات التالية:
83 . (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ):
لمّا فرغ إبراهيم من الثناء على ربّ العالمين، طلب منه عزّ وجلّ أُموراً فيها كمال نفسه وروحه، وفيه إشارة إلى أدب الدعاء وهو تقديم الثناء عليه، وهذه الأُمور عبارة عن:
أ. (هَبْ لِي حُكْمًا) الظاهر أنّ المراد من الحُكم هي الحكمة التي أُوتيها لقمان قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)1 والمراد كمال القوّة العلمية والفكرية التي تجعله مُسدَّداً في حكمه على الأُمور مصيباً في معرفة الحقائق في باب المعارف والوقائع. وتفسيره بالنبوّة غير صحيح لأنّه يدعو وهو نبيّ، فلا وجه لتحصيل الحاصل.
ب. (وَأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ) ولعلّ هذه الفقرة بصدد طلب إعطاء كمال في العمل حتى يتمّ له الكمال في مقامَي العلم والعمل، فالإنسان الكامل عبارة عمّن بلغ القمّة في التفكير والعمل، فإذا وصل الإنسان إلى هذا المقام ينطلق إلى الصلاح والفلاح.
وما ذُكر من التفسير مبنيّ على تفسير الفقرة الأُولى بالكمال العلمي، والثانية بالكمال العملي، لكن يمكن أن يقال إنّ المراد من الحكمة هو الكمال في مجالي العلم والعمل، وأمّا دعاؤه(عليه السلام) بأن يكون في زمرة الصالحين، فالغاية منه طلب استمرار هذه النعمة وعدم سلبها عنه كما هو

1 . لقمان:12.

صفحه 84
الحال في قولنا: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)1 فإنّ الغاية هي البقاء على الصراط المستقيم.
84 . (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ):
ج. (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق): أي الذكر الجميل والثناء الحسن(فِي الآخِرِينَ) في الأجيال التالية حتى يستدلّ به على محبة الله له ورضاه عنه، هكذا فسِّرت الآية.
غير أنّ استفادة هذا المعنى من الآية بعيد، ولو أراد ذلك كان له أن يقول: واجعل لي ذكراً جميلاً في الآخرين، إذ لا يتبادر إرادة معنى الجميل من الصدق.
وقد جاء مضمون الفقرة في سورة الصافات حيث قال سبحانه بعد ذكر إبراهيم(عليه السلام):(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ)2 وجاء أيضاً في سورة مريم بعد ذكر عدد من الأنبياء كزكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم وموسى وهارون قوله:(وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق عَلِيًّا)3، فمرجع هذه الآيات إلى أمر واحد، فلو كانت الإضافة من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، يكون المراد: واجعل لي لساناً صادقاً، فيرجع إلى أنّ المراد أنّه سبحانه يبعث في الأجيال الآتية رجالاً يصدّقون دعوتي وينشرونها، فيطلب من الله سبحانه بعث الأنبياء في ذريته حتى يكون كل لسان صادقاً عنه، كما يقول بعد بناء

1 . الحمد:5.
2 . الصافات:108.
3 . مريم:50.

صفحه 85
الكعبة:(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ)1.
85 . (وَ اجْعَلْني مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ):
وفي هذا الطلب انقطع نظر إبراهيم(عليه السلام) عن الدنيا وتوجّه إلى
الدار الآخرة وطلب سعادة الآخرة بعد طلب سعادة الدنيا وقال: (وَاجْعَلْني مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ)، فعبّر عن كونه من أهل الجنة بأنّه (مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ)لأجل أنّ الإرث يقال لكلّ شيء حصل للإنسان من غير تعب، كما قاله الراغب، قال تعالى:(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ)2.
نعم تلك الجنة إنّما هي في مقابل الأعمال الصالحة النابعة عن العقيدة الصحيحة، ولكن أين هذا الثمن من جنة النعيم التي عرضها كعرض السماوات والأرض؟
إلى هنا تمّت أدعيته الخاصّة بنفسه، وبعدها ذكر أباه آزر الذي كان غارقاً في الوثنية التي عاقبتها الحرمان من مغفرة الله سبحانه، ولذلك طلب من الله سبحانه أن يغفر له وقال:
86 . (وَاغْفِرْ لأَبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ):
يطلب(عليه السلام) الغفران لأبيه والغرض من طلبها فتح قلبه لقبول التوحيد،

1 . البقرة:129.
2 . المؤمنون:10ـ 11.

صفحه 86
لأنّ المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب الأُولى يلازم طلب الثانية، وقد صدر منه هذا الدعاء وأبوه حيّ، وعلى هذا فمعنى قوله: (إِنَّهُ كَانَ): أي كان قبل الدعاء بزمان (مِنَ الضَّالِّينَ) والشاهد على أنّ الدعاء صدر منه وهو حيّ أنّه(عليه السلام)تبرّأ منه حينما شاهد أنّه مات كافراً، قال سبحانه:(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).1
ويمكن أن يقال: إنّ الآية الأُولى أي طلبه غفران الله له كان في وقت يُرجى فيه الإيمان والتوبة، وأمّا الآية الأُخرى أي التبرّؤ منه فهي بعدما يئس من إيمانه، من غير فرق بين كونه حيّاً أو ميّتاً.
87 . ( وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ):
عدم خزيه يوم البعث. والخزي: ما يلحق الإنسان من انكسار إمّا
من نفسه أو من غيره، والذي يلحقه من غيره يقال: هو ضَرْب
من الاستخفاف كما ذكره الراغب، لكن تفسيره بالذلّ والهوان
أوضح، فإبراهيم(عليه السلام) يطلب من الله سبحانه ألاّ يصيبه ذلّ ولا هوان يوم القيامة ويوم يُبعث العباد، كما يقول:(وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ) وهذا الدعاء بمعنى طلب التسديد والاستقامة في طريق الحق، فكلّ ممكن لا يأمن من الخزي يوم القيامة إلاّ بتأييد من الله سبحانه، من غير فرق بين النبيّ المعصوم وغيره.

1 . التوبة:114.

صفحه 87
88 .(يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ):
هذا من تتمّة كلام إبراهيم(عليه السلام) بشهادة أنّه بدَل من قوله: (يَوْمَ يُبْعَثُونَ)فيصف يوم البعث باليوم الذي لا ينفع أحداً مال ولا بنون، أي لا ينفعه ما تركه من محاسن الدنيا وزينتها. وذكر المال والبنون من باب المثال لأنّهما من أعظم ما يتعلّق به الإنسان. وليست الآية بصدد ذمّ المال والبنين، كيف؟ والله سبحانه يذكرهما بأنّهما من أعظم نعمه على الإنسان، قال على لسان نوح:(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ)1; بل المراد أنّ مجرّد كون الإنسان ذا مال وبنين لا ينقذه يوم القيامة، فليس للإنسان أن يعتمد عليهما يوم ذاك، وإنّما يعتمد على ما يأتي في الاستثناء.
89 . (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم):
لا شكّ أنّ الاستثناء منقطع لعدم دخوله في المال والبنين، والمعنى: لكن ما ينفع وينجي يوم القيامة قلب سليم من الشرك والغِلّ وسائر الرذائل، مليء بالتوحيد والإخلاص، عامر بالطاعة والصلاح. وهذا التعبير من أروع التعابير حيث أتى بكلمة موجزة تحتها معان كثيرة، فالنجاة لمن سلم قلبه من الشرك والشكّ، وبرئ من الحقد والغشّ والرياء، وتزيّن بالحبّ والخير.
روى الكليني بإسناده عن سفيان بن عُيينة، قال: سألته ـ يعني الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ـ عن قول الله عزّ وجلّ: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم)، قال: «القلب السليم الذي يلقى ربّه، وليس فيه أحد سواه. قال: وكلّ قلب فيه

1 . نوح:12.

صفحه 88
شرك أو شكّ فهو ساقط، وإنّما أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة».1
ويؤيّده قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «حب الدنيا رأس كلّ خطيئة».2
وروى أيضاً بإسناده عن أبي حمزة الثُّمالي، عن أبي جعفر] الباقر[(عليه السلام)، قال: «القلوب ثلاثة: قلب منكوس لا يعي شيئاً من الخير، وهو قلب الكافر; وقلب فيه نكتة سوداء فالخير والشرّ فيه يعتلجان3، فأيّهما كانت منه غلب عليه; وقلب مفتوح فيه مصابيح تزهر، وهو لا يُطفَأ نورُه إلى يوم القيامة، وهو قلب المؤمن».4
إلى هنا تمّت قصة إبراهيم(عليه السلام) بأكملها كما تمّت قبلها قصة موسى(عليه السلام)، والغرض من ذكر تينك القصتين هو تسلية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه قد ابتلي بما ابتلي به الأنبياء السابقون من إعراض أقوامهم عمّا جاءوا به من البيّنات عناداً واستكباراً، وعانَوا كما عانى.
سورة الشعراء: الآيات 90 ـ 104   

الآيات: التسعون إلى الرابعة بعد المئة

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ

1 . الكافي:2/16، باب الإخلاص، برقم3.
2 . مجمع البيان:7/360.
3 . الاعتلاج: المصارعة وما يشابهها.
4 . الكافي:2/423، باب في ظلمة قلب المنافق، برقم 3.

صفحه 89
أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

المفردات

أُزلفت: قال ابن فارس: زلف: يدلّ على اندفاع وتقدّم في قرب إلى شيء، يقال من ذلك:ازدلف الرجل تقدّم، وسمّيت مزدلفة بمكة لاقتراب الناس إلى مِنى بعد الإفاضة من عرفات، وعلى هذا: أُزلفت الجنة أي أُدنيت.
بُرّزت: من التبريز، وهو الإظهار.
للغاوين: جمع غاو، وهو الضالّ عن طريق الحق.
كُبكبوا: من كبّ يكبّ، وهو الإلقاء على الوجه، ومعناه: أُلقوا على وجوههم مرّة بعد أُخرى.
يختصمون: يتجادلون.
نسوِّيكم: نجعلكم مساوين.
كرّة: رجعة.

صفحه 90

التفسير

لمّا مرّ ذكر يوم القيامة وأنّه لا ينفع فيه مال ولا بنون، عاد البيان القرآني إلى بيان المنتفعين في ذلك اليوم والمتضرِّرين فيه، وقال:
90. (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ):
عبّر عن الجنة بالإدناء إشارة إلى أنّها تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها، وتقرّ أعينهم بأنّهم سيدخلونها، فلا يتجشّمون مشقّة السَّير إليها. وبكلمة واضحة: التعبير كناية عن حضور النعمة. ويحتمل إرادة المعنى الحقيقي لأنّ السُّنن الجارية يومذاك غير معلومة لنا.
91. (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ):
أي أُظهرت النار لأهل الضلال والفساد التاركين سبيل الرشاد، بحيث تكون بمرأى منهم.
92 و 93.(وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ):
بعد أن تُبرَّز الجحيم وتظهرت الكآبة على وجوه الغاوين، يسألهم سائل ـ على وجه التوبيخ والتأنيب ـ عن منزلة آلهتهم التي كانوا عاكفين على عبادتها حيث لا ينتفعون بهم مثقال ذرة كما يقول:(وَ قِيلَ لَهُمْ): أي للغاوين (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)في الدنيا (تَعْبُدُونَ) تستمرّون على عبادتها (مِنْ دُونِ اللهِ) فـ(هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ)بدفع العذاب (أَوْ يَنْتَصِرُونَ)بدفع العذاب عن

صفحه 91
أنفسهم، لأنّهم وآلهتهم وقود النار كما يأتي في الآية التالية. والآية تدلّ على أنّ المراد من الآلهة المكذوبة هو الأصنام.
94 و95. (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ):
الآيتان تدلاّن على أنّ الذين يُلقَون على وجوههم في النار ثلاثة أقسام:
الأوّل: الأصنام كما يقول: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا): أي أُلقي فيها الآلهة على وجوههم، وأُكّد الضمير المتصل في الفعل بضمير منفصل أعني (هُمْ)، وكلا الضميرين للعقلاء وقد استُعملا في الأصنام، لأنّ المشركين يعبدونها، ومن شأن المعبود أن يكون عاقلاً، حتى تكون له القدرة على النفع والضرّ.
الثاني: (الْغَاوُونَ): أي عبدة الآلهة، والتعبير بالغواية إشارة إلى إلقائهم في النار.
الثالث: (جُنُودُ إِبْلِيسَ): أي الشياطين ويحتمل أن يراد متّبعوه من عصاة الجنّ والإنس.
96. (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ):
فعندئذ تقع المنازعة والمجادلة بين عبدة الآلهة المكذوبة.
97. (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين):
يقسمون بالله أنّهم كانوا في ضلال عن صراط الحقّ، واضح لا لبس فيه.

صفحه 92
98. (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ):
الآية تبيّن وجه ضلالهم وأنّهم كانوا حين يعبدون الآلهة يجعلونها مثل ربّ العالمين في الربوبية والعبادة لا في خصوص العبادة، لأنّ تخصيص العبادة للآلهة رهن وجود ملاك للعبادة في الآلهة، وليس إلاّ تصوّر أنّهم يدبّرون أُمورهم، ولذلك صاروا يعبدونها.
وفي قوله سبحانه:(إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) دليل على أنّ عبدة الأصنام كانوا مشركين في العبادة والربوبية معاً، وبذلك يبطل قول من يقول: «بأنّ عبدة الأصنام كانوا مشركين في العبادة، موحّدين في الربوبية، فلا يعبدون الأصنام إلاّ ليشفعوا لهم يوم القيامة»، وهذه فكرة خاطئة وإن أكّد عليها محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، إذ مضافاً إلى هذه الآية، فقد كانوا ينتصرون بالأصنام في الحروب، قال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)1 وكانوا يطلبون العزّة منهم، قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)2، حتى كانوا يستمطرون بالأنواء، وأمّا قوله سبحانه:(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى )3 فسوف يوافيك توضيحه في تفسير سورة الزمر.
99 ـ 101.(وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم):

1 . يس:74.
2 . مريم:81.
3 . الزمر:3.

صفحه 93
قوله تعالى: (وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ) أُريد بهم القادة والزعماء. فهؤلاء الغاوون قد أكّدوا ندمهم على ما فرَط منهم في الدنيا، فقد عبدوهم بزعم أنّهم يشفعون لهم، والآن قد بانَ أنّه ليس لهم اليوم شفيع يشفع أو صديق مشفق يُعين، كما حكى عنهم تعالى بقوله:(فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم).
وفي موضع آخر أظهروا ندمهم بصورة أُخرى فقالوا: (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)1.
102. (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):
فلمّا يئسوا من شفاعة الشافعين وعون الصديق، رجعوا وتمنّوا شيئاً غير واقعيّ وقالوا: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً): أي رجعة إلى الدنيا(فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ): أي الموحّدين، والله سبحانه ردّ على أمثال هذا التمنّي بقوله:(وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)2.
ثمّ إنّه سبحانه يسلّي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً:
103 و 104. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ):
أي إنّ في قصة إبراهيم(عليه السلام) وما جرى بينه وبين قومه لآية واضحة على أنّه لا ربّ إلاّ إيّاه، ومع هذا (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ).

1 . الأعراف:53.
2 . الأنعام:28.

صفحه 94
قوله سبحانه: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أشار فيه بالعزّة إلى كونه قادراً على الانتقام، كما أشار باسم (الرَّحِيمُ) إلى أنّه سبحانه يمهلهم رحمة منه.
إلى هنا تمّت قصة موسى وقصة إبراهيم(عليهما السلام) وقد عرفت أنّ الغاية تسلية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوة الآخرين إلى الاعتبار. ثم إنّه سبحانه بدأ بذكر قصة نوح(عليه السلام).
سورة الشعراء: الآيات 105 ـ 122   

الآيات: الخامسة بعد المئة إلى الثانية والعشرين بعد المئة

(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّني وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

صفحه 95

المفردات

قوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرَهْط ونَفَر، يذكّر ويؤنّث. ويظهر من صاحب الكشّاف التأنيث بشهادة أنّه يصغَّر على قويمة، والتصغير يُرجِع الأشياء إلى أُصولها.
أخوهم: يراد به من هو واحد منهم، لا الأخ بالمعنى الواقعي، فيستعمل في هذه الموارد بمعنى المنسوب إلى القبيلة. ويشهد لذلك أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) لمّا أخبر ببعض الملاحم، قال له بعض أصحابه: لقد أُوتيتَ يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك(عليه السلام) وقال للرجل وكان كلبيّاً:«يَا أَخَا كَلْب، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب...».1 وعنى الواحد منهم والمنسوب إليهم.
قال الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا
الأرذلون: جمع أرذل من الرَّذالة بمعنى الخِسّة والدناءة.
المرجومين: المقتولين رمياً بالحجارة.
افتح: الفتح: إزالة الأغلاق كفتح الأبواب والأقفال. وأُريد به هنا الحكومة أي احكم بمناسبة أن فيه إزالة الأغلاق الموجودة بين المتحاكمين، قال تعالى:(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).2

1 . نهج البلاغة: الخطبة 128.
2 . الأعراف:89.

صفحه 96
الفُلك: السفينة.
المشحون: المملوء.

التفسير

3. قصّة نوح(عليه السلام) وقومه

تحدّث القرآن الكريم في هذه المجموعة من الآيات عن تكذيب قوم نوح(عليه السلام) نبيّهم، وقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره، لأنّه كان يدعو قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وما يأتي من إصرار هؤلاء على كفرهم وتمرّدهم فيه تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:
105. (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ):
المعروف أنّ نوحاً هو شيخ الأنبياء وبه ابتدأ بعثهم، فكيف يقول: إنّ قوم نوح كذّبوا المرسلين مع أنّهم كذّبوا واحداً منهم؟ ربّما يقال: لأنّ من كذّب رسولاً واحداً من رسل الله فقد كذّب الجميع; لأنّ كلّ رسول يأمر بتصديق جميع الرسل.1
ويمكن أن يقال: إنّ ملاك تكذيب قوم نوح(عليه السلام) هو أنّهم كذّبوا أن يكون الرسول من الله بشراً كما يحكي عنهم سبحانه:(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ)2، فعلى هذا فكلّ من جاء بعد نوح

1 . مجمع البيان:7/363.
2 . الأعراف:63.

صفحه 97
كان بشراً مرسلاً من الله سبحانه، فتكذيب قوم نوح به يلازم تكذيب هؤلاء بوحدة الملاك.
106. (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ):
قد تقدّم في تفسير المفردات أنّ التعبير بالأخ بمعنى الانتساب إلى نفس القبيلة التي ينتسب إليها القوم. وربّما يقال: إنّ التعبير بكلمة الأخ تعبير يبيّن منتهى المحبّة والعلاقة الحميمة على أساس المساواة، دون أن يطلب التفوّق والاستعلاء عليهم، بل كان يدعوهم إلى تقوى الله في منتهى الخضوع.
يلاحظ عليه: أنّ التعبير بالأخ إنّما هو في كلامه سبحانه لا في كلام نوح(عليه السلام)، والله يقول:(إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ) ولم يخاطبهم نوح بهذا اللفظ، وقد ورد لفظ الأخ في قصص أنبياء آخرين كهود وصالح. وعلى كلّ تقدير فخطاب نوح(عليه السلام) لقومه بقوله: (أَلاَ تَتَّقُونَ) حاك عن تقدّم كلام له معهم، وقد أشار إليه سبحانه في موضع آخر، بقوله:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)1، ثم عبّر عن إشفاقه عليهم، فحضّهم على اتّقاء عقاب الله بنبذ الشرك والإيمان بوحدانيته كما قال:(أَلاَ تَتَّقُونَ): أي ألا تخافون عقاب الله حيث تجعلون له شريكاً؟
وبذلك ظهر أنّ كلمة (أَلاَ) هنا تحضيضية، نظير قوله سبحانه: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ)2.

1 . المؤمنون:23.
2 . التوبة:13.

صفحه 98
وجوّز بعضهم أنّها مركّبة من حرفين: همزة استفهام، ولا النافية، وهذه الصيغة تستعمل للإنكار، وهو يكشف عن صدودهم عنه، وعدم الاستجابة لدعوته.
107. (إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ):
وصف نفسه بأنّه(رَسُولٌ أَمِينٌ) ـ وقد كان مشهوراً عندهم بالأمانة ـ ليكون تعليلاً للتحضيض السابق في قوله: (أَلاَ تَتَّقُونَ) عذاب الله حيث تعبدون غيره، فإنّ المخبر عن الله رسول أمين لا يكذب ولا يخدع.
ومن لطيف القول: إنّ هذا التعبير(أعني: الوصف بالأمانة) قد جاء في كلام سائر الأنبياء الذين وردت قصصهم في هذه السورة، كما سيمرّ عليك لاحقاً.1
ولعلّ التركيز على أمانة الأنبياء هو لاشتهارهم بها في حياتهم قبل البعثة، فمن لم يكذب عَبر حياته ولم يخن، لا يمكن أن يكذب على الله ويخون في إخباره عنه سبحانه. وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يلقّبه قومه بالأمين، وقد أُثر عن أبي جهل أنّه قال: إنّ محمّداً لم يكذب علينا، فلا يكذب على الله.
108. (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ):
أي خافوا عقاب الله في إصراركم على الشرك، وأطيعوني في ما أدعوكم إليه من الحقّ والخير والصلاح.

1 . لاحظ: الآيات:125، 142، 160.

صفحه 99
109. (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ):
أتمّ نوح(عليه السلام) كلامه مع قومه بالإعلان عن تنزّهه عن طلب الأجر على تبليغه الرسالة فقال: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر) وما ذلك إلاّ لأنّ عملي لله، وكلّ عمل لله لو ترتّب عليه أجر فإنّما يُطلب أجره منه تعالى. وفي هذا دلالة على إخلاصه في دعوته وتفانيه من أجل أهدافها، بعيداً عن أيّ مطمع دنيوي أو مأرب شخصيّ، وهذه هي شيمة الأنبياء جميعاً.
110. (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ):
كرّر نوح(عليه السلام) هذه الفقرة زيادة في التأكيد. ويظهر أنّ الإعلان عن تجرّده من أيّ غرض دنيويّ مع تحمّله تبعات الدعوة، هو الذي اقتضى أن يعيد عليهم هذه الفقرة، لتترك أثرها في نفوسهم.

الاعتذار عن عدم الإيمان

111. (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ):
الآية تحكي عن وجود طبقتين في ذلك المجتمع: طبقة مستضعَفة مسحوقة تكابد الفقر، وطبقة مترفة ذات جاه ونفوذ، وكان أهل الطبقة الأُولى سبّاقين إلى الإيمان به، فصار ذلك ذريعة لتحاشي أهل الطبقة الثانية عن الإيمان بدعوته متعلّلين بأنّ من حوله هم الأرذلون، فالإيمان به يجمعهم مع الفقراء المستضعفين، وهذا يوجب انحطاط مقامهم في المجتمع.

صفحه 100
والعجب أنّ هذه الذريعة تمسّك بها أيضاً كفّار قريش، حيث طلبوا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)طرد الفقراء من حوله وجعلوا ذلك شرطاً لإيمانهم، قال تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)1، وقد أشار سبحانه إلى تلك الذريعة من قِبَل قوم نوح في موضع آخر، وقال:(فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ).2
والفرق بين ما تذرّعوا به في المقام وما تقدّم في سورة هود، هو أنّهم تذرّعوا هنا بأنّه (عليه السلام) قد اتّبعه الأرذلون، ولكنّهم تذرّعوا في سورة هود بأُمور أربعة:
1. كون الرسول بشراً، (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا).
2. كون التابعين هم من الأراذل الذين أسرعوا إلى تصديقك دون تأمّل.
3. لا مزيّة لكم علينا(وَمَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل).
4. الشكّ في صدق دعوتكم(بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ).
ثمّ إنّ النبيّ نوحاً(عليه السلام) أجاب عن الذريعة الأُولى في سورتنا هذه بقوله:
112. (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):

1 . الأنعام:52.
2 . هود:27.

صفحه 101
كأنّهم وصفوا المؤمنين به بأنّهم لم يؤمنوا به عن نظر وبصيرة وإنّما عن هوىً وطمع، فأجاب نوح بقوله: (وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): أي وما علمي بما تقولون في حقّ هؤلاء ولم أُكلَّف ذلك وإنّما كُلِّفت أن أدعوهم إلى الله، وقد أجابوني إليه، ولو صحّ ما تقولون عنهم فليس عليّ حسابهم، بل:
113. (إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ):
أي إنّ الذي يحاسبهم هو خالقهم، فلو كانوا يقترفون ذلك فهو العالم بظاهر أعمالهم وبباطنهم (لَوْ تَشْعُرُونَ) إشارة إلى غرورهم وإعجابهم بأنفسهم، والمعنى: لو فكّرتم في ذلك لشعرتم أنّ حسابهم على الله لا عليّ أنا، ولكن أنّى لكم الشعور بهذه الحقيقة؟
وقد حكى سبحانه هذا المعنى عنه بقوله:(وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ )1.
114 و 115. (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ):
(وَمَا أَنَا) لأجل ما تقولون(بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) لأنّ المحاسِب هو الله، وأمّا أنا فمسؤوليتي هي الإنذار فقط، كما قال: (إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)فقد بُعثت لأُبيـّن ما يورث بأس الله وشديد عذابه، فمن أطاعني كان منّي، شريفاً كان أو وضيعاً، جليلاً كان أو حقيراً.

1 . هود:29.

صفحه 102

تهديد النبي نوح بمنطق القوّة

116. (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ):
لمّا طال مقامه بين قومه وهو يعظهم ليل نهار ويخوّفهم بأس الله سرّاً وعلانية، لم يجدوا وسيلة لإطفاء دعوته إلاّ بتهديده بالرَّجم كما هو سلاح المُبطلين إذا عجزوا عن إجابة المنطق بالمنطق فـ(قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ)عمّا تقول وتدعو (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) بالحجارة.
ولمّا تمّت الحجّة عليهم ويئس نوح(عليه السلام) من إيمانهم، دعا الله سبحانه كما في قوله تعالى:
117 و 118. (قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّني وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):
أمّا قوله: (إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ) فهو مقدّمة لدعائه، حتى يستجيب الله سبحانه دعاءه لأنّهم كذّبوه فصار مظلوماً، وعند ذلك طلب من الله أمرين:
الأوّل: الحكم بالحقّ كما يقول:(فَافْتَحْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا).
الثاني: نجاته ونجاة المؤمنين كما يقول: (وَنَجِّني وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
فاستجاب الله كلتا دعوتيه.
فأمّا استجابة الدعوة الثانية، فأشار إليها سبحانه بقوله:
سورة الشعراء: الآيات 123 ـ 140   
119. (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ):

صفحه 103
أي خلّصناه ومَن معه من المؤمنين في السفينة المملوءة بأهله وأصحابه وبالحيوانات، ويدلّ عليه لفظ (الْمَشْحُونِ).
وأمّا استجابة الدعوة الأُولى، فأشار إليها سبحانه بقوله:
120. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ):
نعم كان الإنجاء والإغراق في زمن واحد، والتعبير بـ(ثُمّ) في قوله: (ثُمَّ أَغْرَقْنَا) ترتيب في الإخبار.
121 و 122.(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
هذه هي المرة الرابعة التي يكرّر فيها سبحانه هاتين الآيتين، أي إنّ في قصة نوح وقومه آية لقريش وكلّ من يكذّب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فليحذروا من نزول العذاب عليهم وإنجاء النبيّ ومن حوله من المؤمنين.

الآيات: الثالثة والعشرون بعد المئة إلى الأربعين بعد المئة

(كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي

صفحه 104
أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ * وَجَنَّات وَعُيُون * إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

المفردات

عاد: اسم أب القبيلة الأكبر، فإنّ القبيلة إذا كانت عظيمة يعبّر عنها باسم الأب، أو يقال بني فلان أو آل فلان.
ريع: الرِّيع: المكان المرتفع من الأرض وجمعه أرياع، ومنه الريع في الطعام باعتبار ارتفاعه بالزيادة والنماء.
تعبثون: العبث: العمل فيما ليس له فائدة تُرجى منه، أو ليس فيه غرض صحيح لفاعله.
مصانع: القصور والحصون. وربّما يفسّر بمخازن المياه.
بطشتم: البطش: الأخذ بالعنف.
جبّارين: الجبّار: إذا وصف به الإنسان فهو بمعنى المتسلِّط العاتي بلا رأفة ولا شفَقة.
أمدّكم: أصل المدّ الجرّ، بمعنى إتباع الثاني ما قبله شيئاً فشيئاً على

صفحه 105
انتظام، قال سبحانه:(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ )1. قال الراغب: وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، والمدّ في المكروه.(2)

التفسير

4. قصّة قوم عاد

بعد ما أهلك سبحانه قوم نوح بذنوبهم، أنشأ من بعدهم أُمماً منهم قوم عاد (وهم من ذرية نوح(عليه السلام)) الذين أخبر سبحانه أنّهم يمتَّعون ثم يعذَّبون بسبب طغيانهم .2
وكان قوم عاد يسكنون الأحقاف قال سبحانه:(وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ)(4) والأحقاف تقع في شمال حضرموت وفي شمال الربع الخالي، وفي شرقها عُمان.
وكان قوم عاد ذوي بسطة في الخَلق، وأولي قوّة وبطش شديد، وكان لهم تقدّم في المدنية والحضارة، ولهم بلاد عامرة وأراض خصبة ذات جنات ونخيل وزروع ومقام كريم.3
وكانوا غافلين عن عبادة الله سبحانه، غارقين في لذّاتهم ومجالس لهوهم، فبعث الله سبحانه هوداً من أنفسهم لأجل هدايتهم، وما أجابوه إلاّ بالتكذيب كما يقول:

1 . نوح:12.   2 . المفردات للراغب:465، مادة «مدّ».
2 . لاحظ: الأعراف:65.   4 . الأحقاف:21.
3 . الميزان في تفسير القرآن:20/280.

صفحه 106
123. (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ):
الآية تدلّ بظاهرها على أنّهم كذّبوا غير واحد من المرسلين مع أنّهم لم يكذّبوا إلاّ رسولاً واحداً، وقد عرفت معنى ذلك ممّا مرّ في تكذيب قوم نوح المرسلين.
124 ـ 127. (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ):
ما ورد في هذه الآيات هو نفس ما ورد على لسان نوح(عليه السلام)، وهذا يدلّ على أنّ منطق الأنبياء في كافّة الأزمنة كان واحداً، وبيان الأوّل منهم كان هو نفس بيان الثاني والثالث وهكذا. كما أنّ ردود أفعال أقوامهم من دعواتهم كانت متشابهة، حيث قام كبراء قوم كلٍّ من نوح وهود بالتكذيب.
128.(أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تَعْبَثُونَ):
سيمر عليك في تفسير هذه الآيات أنّ النبيّ هوداً(عليه السلام) حذّرهم من أمرين:
الأوّل: حذّرهم من العبث الذي كانوايفعلونه والمتجسّد في بناء الأبنية الرفيعة في قمم الجبال.
الثاني: حذّرهم من تعاملهم مع الضعفاء بالظلم والبطش.
وذكّرهم بأمر ثالث، وهو نِعَم الله التي أمدّهم بها من الأنعام والبنين.

صفحه 107
وفي الختام عطف نظرهم إلى عذاب يوم عظيم، وهو مردّد بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولكن سيتبيّن أنّه أراد عذاب
الاستئصال.
هذه خلاصة ما في هذه المجموعة من الآيات، وإليك التفصيل.

التحذير من العبث

هذه الآية تحكي أنّهم كانوا يبنون على قلل الجبال وكلّ مرتفع من الأرض أبنية كما يقول: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع) لكن كانت تلك الأبنية كالأعلام يتنزّهون فيها ويتفاخرون بها من غير ضرورة تدعوهم لذلك بل لهواً واتّباعاً للهوى.
إنّما الكلام ما هو المراد من تشبيه الأبنية بالآية بمعنى العلامة؟ قال الراغب: وقيل للبناء العالي آية.1
وربما يقال: المراد العلَم وكانوا ممّن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتّخذوا في طرقهم أعلاماً طوالاً، فعبثوا بذلك لأنّهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.2
يلاحظ عليه: أنّ الحاجة كانت ماسّة لوضع الأعلام، لوجود الغيوم والغبار في غير واحدة من الليالي والأيام، وليس مثل هذا عبثاً، فالمراد هو القصور المشيّدة، ولعلّ المراد بـ(آيَةً) أي علامة على عظمة الباني وتجبّره وتكبّره.

1 . المفردات للراغب، 33، مادة (آية).
2 . تفسير الكشّاف:3/121.

صفحه 108
129. (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ):
أي القصور المشيّدة والحصون، ولعلّ الفرق بين القصور هنا وهناك هو أنّ الأُولى كانت مبنيّة فوق الجبال، وهذه في السفوح أو الوديان.
وربّما يخطر بالبال أنّ الانتفاع بالنعم الإلهية أمر غير محظور، فكيف يعاب عليهم؟
والجواب ما جاء في آخر الآية، وهو أنّهم يعملون الحصون المنيعة والقصور المشيّدة شأن من يرجو الخلود في الحياة الدنيا، كما يقول: (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ)، فكلّ بناء رفيعاً كان أو وضيعاً إذا صار سبباً لنسيان الله تعالى فهو وبال على صاحبه، وكلّ بناء يذكر عليه اسم الله سبحانه وكانت الغاية منه رفع الحاجة، فهو أمر محبوب أمر به الله تعالى.

التحذير من البطش

130. (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ):
الآية تحكي عن أنّهم كانوا عصاة عتاة، فكانوا يتعاملون مع الضعفاء بالتعسّف والظلم، كما يقول:(وَإِذَا بَطَشْتُمْ) بأحد تريدون عقوبته (بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ): أي عاقبتم عقوبة من يريد التجبّر، دون من يريد التأديب أو أخذ الحقّ.
فمن جانب كانوا مظهراً لحبّ الاستعلاء وحبّ الذات ببناء القصور الشامخة، ومن جانب آخر كانوا مظهراً للطغيان والتكبّر. ومن المعلوم أنّ من يمارس هذين الأمرين لا يدخل الإيمان قلبه، وإنّما يؤمن بآيات الله من

صفحه 109
كان في قلبه شيء من الخضوع للحقّ، وهم قد سدّوا قلوبهم عنه.
131. (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ):
أي خافوا عقاب الله تعالى بترك هذه الأعمال العابثة وممارسة الظلم والعنف، وأطيعوني فيما أُوصيكم به وأنهاكم عنه بأمر ربّي.

التذكير بنعم الله

132. (وَاتَّقُوا الذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ):
ذكّرهم بنعم الله سبحانه على وجه الإجمال والإيجاز ليكون سبباً لعطف عقولهم نحو الله سبحانه وقال: (وَاتَّقُوا الذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ) وهو تذكير إجمالي بالنّعم التي أنعمها الله عليهم، وهم عارفون بها.
ثم إنّه ذكر تفصيل هذه النعم في الآيتين التاليتين.
133 و 134. (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ * وَ جَنَّات وَعُيُون):
إنّ الحضارة والتطوّر والتقدّم يعتمد على الأركان التالية:
1. وسائط النقل.
2. القوة البشرية.
3. الأراضي الخصبة.
4. المياه.
فأشار سبحانه إلى الأوّل بقوله: (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام)، وإلى الثاني بقوله: (وَبَنِينَ) وإلى الثالث والرابع بقوله: (وَ جَنَّات وَعُيُون).

صفحه 110
ولازم التذكير بهذه النعم هو الإذعان لله سبحانه بالطاعة والعبودية.
ولمّا لم يظهر منهم شيء في هذا الصدد ختم هود(عليه السلام) كلامه بتهديدهم بالعذاب فقال:
135. (إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم):
وسيوافيك أنّ المراد من (عَذَابَ يَوْم عَظِيم) هو عذاب الإهلاك والاستئصال.
ويظهر ممّا حذّرهم منه هود أنّ الغالب على قومه هو طلب الاستعلاء والبقاء والتفرعُن والتجبّر.

اتّهام دعوته بأنّها من الأساطير

أدّى النبيّ هود(عليه السلام) رسالته على الوجه الأكمل وكابد في سبيلها أنواع المشاق، لكنّ قومه واجهوه بأمرين:
136. (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ):
الأمر الأوّل: أي لا تتعب نفسك يا هود فإنّا لا نرجع عمّا نحن فيه من سيرة الآباء فـ(سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ). وكان حقّ الكلام أن يقولوا: أم لم تعظ، وفي العدول عنه إلى قوله:(أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ)نفي لأصل كونه واعظاً، ففيه من المبالغة في عدم التأثّر.
قال أبو حيّان الأندلسيّ: جعلوا قوله وعظاً على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوّفهم به، إذ لم يعتقدوا صحّة ما جاء به، وأنّه كاذب فيما ادّعاه.1

1 . البحر المحيط:7/33.

صفحه 111
الأمر الثاني: اتّهام دعوته بأنّها من الأساطير والخرافات، فقالوا:
137. (إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ):
أي ليس هذا الذي تدعونا إليه إلاّ ما جرت به عادة المتقدّمين زماناً ممّن كانوا يدّعون الرسالة، وأنّ ما تقوله مثل ما قالوه من خرافات وأباطيل.
قال الراغب: الخَلْقُ والخُلُقُ في الأصل واحد، كالشَرْب والشُرْب والصَّرم والصُّرم، لكن خُصّ الخَلْق بالهيئات والأشكال والصور المدرَكة بالبصر، وخُصّ الخُلُقُ بالقُوى والسجايا المدرَكة بالبصيرة، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم )1.2
وليس اتّهام دعوة النبيّ هود(عليه السلام) بأنّها من أساطير الأوّلين هي التهمة الوحيدة، بل رمَوه بتهم أُخرى ذُكرت في سور أُخرى، منها:
1. السفاهة، قالوا:(إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَة ).3
2. الاتّهام بالكذب، قالوا:(وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ).4
3. الخبل، كانوا يزعمون أنّ بعض آلهتهم قد مسّت هود(عليه السلام) بضرّ لسبّه إيّاها، فصار يهذي بكلام غير معقول، وكانوا يقولون: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء )5.

1 . القلم:4.
2 . المفردات للراغب:158، مادة «خلق».
3 . الأعراف:66.
4 . الأعراف:66.
5 . هود:54.

صفحه 112
138. (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ):
وبعد إعرابهم عن عدم المبالاة بما يقول وإيكال التّهم إليه، زعموا أنّهم غير معذَّبين!! ولكن من أين علموا أنّهم ليسوا بمعذَّبين؟! والجواب ـ كما تنمّ عليه الآية المتقدّمة ـ لاعتقادهم بأنّ كلّ ما جاء به نبيّهم كذب وأساطير، ومنه ما أنذرهم به من العذاب (دنيوياً كان أم أُخروياً)، غير أنّ المستقبل أثبت وهنَ هذا الظنّ، كما يقول:
139 و 140. (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
لمّا أتمّ سبحانه حجّته عليهم ولم يكن نصيب نبيّه منهم إلاّ إيكال التّهم إليه والتكذيب بما أتى به، فعندئذ استحقّوا عذاب الاستئصال إذ لم يبق هنا بصيص رجاء لإيمانهم كما يقول: (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ).وأمّا كيفية إهلاكهم فقد تضمّنها قوله سبحانه في موضع آخر:(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّام نَحِسَات لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ)1.
ثمّ إنّه سبحانه أكمل قصة هود بالآيتين اللّتين وردتا في ختام قصص الأنبياء المتقدّمين.
سورة الشعراء: الآيات 141 ـ 159   

1 . فصلت:16. ولاحظ: سورة المؤمنون:40.

صفحه 113

الآيات: الحادية والأربعون بعد المئة إلى التاسعة والخمسين بعد المئة

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَنَخْل طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَعْلُوم * وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْم عَظِيم * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

المفردات

ثمود: قوم كانوا يقطنون بين الحجاز والشام شمالي وادي القرى. وقال كثير من المفسّرين: إنّ الحِجر في قوله: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ )1 هو اسم البلد الذي كانوا فيه.(2)

1 . الحجر:80 .   2 . التفسير الكاشف:4/186.

صفحه 114
طلعها: الطَّلْع: الطَّلع في الأصل: غلاف يشبه الكوز، ينفتح عن حبٍّ منضود فيه مادّة إخصاب النخلة، ثمّ أُطلق على كلّ ما يطلع في الشجر من ثمر، توسّعاً الطلع.
هضيم: متداخل منضمّ بعضه إلى بعض، أو يانع نضيج.
تنحتون: النَّحْت: النَّجْر. يقال: نحَتَ الحجَر: سوّاه وأصلحه، ونحَت الخشبة: نجَرها، ونحَت الجبل: حفَره.
فارهين: الفَرَه: شدّة الفرح.
المسحّرين: الذين سُحِروا فذهبت عقولهم.
شِرب: الشِّرب: النصيب والحظ.
عقروها: عَقَر البعير: قطع إحدى قوائمه بالسيف، نَحَره. وجُعل النَّحْر عَقْراً لأنّ العقر سبب لنحره، وناحر البعير يعقره ثمّ ينحره.

التفسير

5. قصة صالح(عليه السلام) وقومه ثمود

هذه هي القصة الخامسة التي يذكرها القرآن الكريم في هذه السورة بعد قصة موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود(عليهم السلام).
وقوم ثمود كانوا عرباً كقوم هود، يسكنون بين الحجاز والشام شمالي وادي القرى، وكانت مساكنهم معروفة لدى قريش حيث
يرونها بأعينهم في رحلتهم الصيفية إلى الشام. وقد دعا صالح(عليه السلام)قومه
إلى عبادة الله ونهاهم عن عبادة الأصنام، ولكن كان مصيرهم كمصير

صفحه 115
قوم هود(عليه السلام)ابتداءً ونهاية.
141ـ145. (كَذَّبَتْ ثَمُودٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ):

منطق النبيّ صالح(عليه السلام)

الكلام في هذه الآيات كالقول في نظائرها التي مرّت في أوائل قصص نوح وإبراهيم وهود(عليهم السلام)، والغاية تسلية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ تكذيب قومه ليس أمراً بديعاً بل كان سنّة سيئة في الأقوام السابقة، والتكرار يدلّ على أنّ منطق الأنبياء واحد، أوّلهم كآخرهم.
ورث قوم ثمود الأرض من بعد قوم عاد كما يظهر من خطاب نبيهم صالح(عليه السلام) لهم، قائلاً:(اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَاد )1 وأرسل الله إليهم نبيّهم صالحاً، وهو ثالث الأنبياء بعد نوح وهود ممّن دعوا إلى التوحيد وناهضوا الشرك.
ويظهر ممّا نقله سبحانه عن النبيّ موسى(عليه السلام) أنّ هاتين الأُمّتين العربيتين ـ أعني: عاداً وثمود ـ قد بادتا وانقطعت أخبارهما ولم يبق في أيدي الناس إلاّ شيئاً قليلاً من أخبارهم، يقول سبحانه على لسان موسى(عليه السلام): (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ

1 . الأعراف:74.

صفحه 116
حَمِيدٌ * أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ).1
ثمّ إنّ صالحاً(عليه السلام) بعد أن بلّغ قومه رسالة ربّه لم يكن نصيبه إلاّ التكذيب كما يشير إليه قوله سبحانه:(كَذَّبَتْ ثَمُودٌ الْمُرْسَلِينَ)، وأمّا الآيات الباقية فقد مرّ تفسيرها في قصة نوح وقصة هود(عليهما السلام).
146. (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ):
قوله: (أَتُتْرَكُونَ) ضُمِّنَ معنى الظنّ. قوله: (هَا هُنَا) إشارة إلى ما يأتي من (جَنَّات وَعُيُون)، أي أتظنّون أنّكم تتركون فيما آتاكم الله من النّعم (آمِنِينَ) من تصرّف حالات الدنيا، ومن سلب ما ركنتم إليه منها؟ بل ستزول هذه النِّعم وتُسألون عنها في يوم آخر. قال الإمام علي(عليه السلام) من خطبة له في التزهيد في الدنيا:«فَإِنَّهَا وَاللهِ عَمَّا قَلِيل تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الاْمِنَ»2.
ثمّ إنّه سبحانه فصّل ما في قوله : (هَا هُنَا) وقال:
147ـ149.( فِي جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَنَخْل طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ):
قوله: (فِي جَنَّات): أي بساتين مليئة بالشجر (وَعُيُون) جارية فيها (وَزُرُوع وَنَخْل) خصّ النخل بالذكر لأنّه أنفس الأشجار عند سكّان شبه

1 . إبراهيم:8 ـ 9.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 103.

صفحه 117
الجزيرة العربية وكانوا يهتمّون بها أكثر من غيرها (طَلْعُهَا): أي ثمرها (هَضِيمٌ)متداخل منضمّ بعضه إلى بعض، أو يانع ناضج.
قال الشريف الرضي: الهضيم: الذي قد ضمر1 بدخول بعضه في بعض فكأنّ بعضه هضم بعضاً لفرط تكاثفه وشدّة تشابكه. وقيل: الهضيم اللطيف وذلك أبلغ في صفة الطلع الذي يراد للأكل، وذلك مأخوذ من قولهم: فلان هضيم الحشا أي لطيف البطن، ومنه قوله تعالى: (فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا)2 أي نقصاً وثلماً. وقيل: الهضيم الذي قد أينع وبلغ.3
قوله: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) أي تتّخذون بيوتاً جبلية للفره والفرح، فليس المذموم هو اتخاذ البيوت المنحوته في الجبال وإنّما المذموم بواعث اتّخاذ تلك البيوت، وهي الأشر والبطر وحبّ العلوّ في الأرض.
وحاصل كلامه التذكير بنعم الله سبحانه من جنات وعيون وزروع وثمار النخل أوّلاً، ثم التنديد بتلك البواعث المريضة لبناء البيوت الجبلية ثانياً، فمكان أن يشكروا الله سبحانه على ما أنعم به عليهم، أترفتْهم تلك النّعم وأبطرتهم، فعتوا عن الحقّ، واستكبروا عن طاعة الله وعبادته.
150ـ 152. (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ):

1 . في متن الكتاب: ضمن. وفي هامشه: لعلّ الأصل ضمر.
2 . طه:112.
3 . انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن:168.

صفحه 118
ثمّ دعاهم(عليه السلام) إلى تقوى الله وإطاعة رسوله وقال: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) لأنّ إطاعة الرسول كإطاعة الله سبحانه، ومن أطاع الرسول فلا يطيع المسرفين كما يقول:(وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) ثم عرّف المسرفين بقوله: (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ) أبداً. ويستفاد من قوله: (وَلاَ يُصْلِحُونَ) أنّ المفسدين على قسمين: قسم يفسد ويصلح، وقسم يفسد ولا يصلح أبداً، وهؤلاء هم المسرفون.
إلى هنا تمّ خطاب صالح(عليه السلام) لقومه، بقي الكلام في ردّ فعل القوم لخطابه وتحذيراته.

منطق قوم ثمود

153 و154. (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
حاصل ما ردّ به قوم ثمود دعوة نبيّهم صالح(عليه السلام)، يرجع إلى أُمور ثلاثة:
1. (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ): أي ممّن غلب السحر على عقله ففسد.
2. (مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا) فكيف تكون رسولاً من الله؟
3. (فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ): أي بمعجزة تثبت صلتك بالله سبحانه.
أمّا التهمة الأولى، أي اتّهامه بكونه مسحوراً قد سُلب عقله فلا يدري

صفحه 119
ما يقول، فهو تعبير آخر عن كونه مجنوناً، وقد مرّ صالح(عليه السلام) على هذه التهمة مرور الكرام; لأنّ الإجابة عنها نوع اهتمام بالتهمة ولم يزل المصلحون يُرمَون بهذه التهمة، وقد مضى أنّ قوم عاد اتّهموا نبيّهم هوداً(عليه السلام) بقولهم: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء )1.
وأمّا الأمر الثاني وهو كونه بشراً والرسول يجب أن يكون ملَكاً جامعاً لصفات الكمال، فقد جاءوا بمثل ما جاء به قوم عاد، وكأنّهم ينطلقون ـ في هذه النظرة ـ من واقع نفسيّاتهم الخالية من كلّ الفضائل والسجايا الفاضلة، ولم يتصوّروا أنّ الأنبياء يحملون من الخصائص الكريمة والمواهب الرفيعة ما يجعلهم قادرين على حمل أمانة الرسالة الإلهية والدعوة إليها بكلّ جدارة.
وأمّا الأمر الثالث، أي طلب المعجزة والدليل على صلته بالله فقد استجاب لطلبهم هذا، وذلك أنّ مصلحة الدعوة تقتضي أحياناً إجابة بعض هذه الطلبات، ولذلك أرسل الله لهم ناقة كمعجزة من المعجزات الخارقة للقوانين الطبيعية المعروفة، بل روي أنّهم سألوه أن يُخرج لهم من إحدى الصخور ناقة مخترجة جوفاء وبراء (والمخترجة ما شابه البخت من الإبل) وقالوا: إن فعلت صدّقناك وآمنّا بك، فسأل صالح الله سبحانه ذلك فانصدعت الصخرة صدعاً كادت عقولهم تطير منه، ثمّ اضطربت كالمرأة يأخذها الطلق ثم انصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء2، وقد أوحى الله تعالى إليه بأنّه سيرسل الناقة اختباراً لهم ليتميّز المطيع من العاصي، والطيّب

1 . هود:54.
2 . مجمع البيان:2/441(تفسير الآية 73 من سورة الأعراف).

صفحه 120
من الخبيث كما يقول: (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ).1 وقد أدّى صالح(عليه السلام) ما أوحى الله إليه كما يقول:
155 ـ 157. (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَعْلُوم * وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْم عَظِيم * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) :
الظاهر من الآيات أنّ صالحاً(عليه السلام) اشترط على القوم أن يكون الماء بين الناقة وبينهم مناصفة تَرِده يوماً ويَرِدونه يوماً آخر، وإليه يشير بقوله: (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَعْلُوم) وقاله(عليه السلام) بأمر من الله كما يقول: (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْب مُحْتَضَرٌ).2
ثمّ إنّ النبيّ صالحاً(عليه السلام) نهى عن الفتنة وعن مسّ الناقة بسوء وقال: (وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء): أي أذىً (فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْم عَظِيم): أي يأخذكم الله بعذابه.
ولكن أسفر الامتحان والاختبار عن النتيجة التي كانت متوقّعة حيث إنّهم آذوا الناقة ومسّوها بسوء بل (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ): أي نحروها ثمّ ندموا على فَعلتهم عندما رأوا أمارات حلول العذاب بهم.

نزول عذاب الاستئصال

158 و 159. (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ

1 . القمر:27.
2 . القمر:28.

صفحه 121
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
قوله تعالى:(فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ): أي أهلكهم بعذاب الاستئصال ولم يبق منهم أحداً، ولم ينفعهم الندم; لأنّه كان عند معاينة أمارات العذاب، كما قلنا آنفاً. وربّما يتوهّم في بعض الأذهان أنّ هذا العذاب الذي شمل ثمود أكبر من الجريمة التي ارتكبوها، ولكن الإجابة واضحة وهي أنّ الإقدام على عقر الناقة كان جرأة على الله واستهانة بآياته وبيّناته، وقد عبّروا عن شديد عدائهم للحق وغوايتهم بأن طلبوا من نبيّهم بأن يأتي بآية دالّة على صدقه ومع ذلك قاموا بعقر الناقة.
إنّها لجريمة كبرى أن تُنال بسوء آية الله التي تتجلّى فيها عظمته سبحانه فتُحرم الأُمّة من خيرها ونفعها، ومن هنا وُصف عاقر الناقة بأنّه أشقى الأوّلين، ووصف من اغتال الآية الكبرى ووصي المصطفى (صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما) بأنّه أشقى الآخرين.
روى الثعلبي في تفسيره بإسناده مرفوعاً إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يا علي أتدري من أشقى الأوّلين؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال:«عاقر الناقة»، قال: «أتدري من أشقى الآخرين؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «قاتلك» وفي رواية أُخرى قال: «أشقى الآخرين من يخضب هذه من هذه» وأشار إلى لحيته ورأسه.1
وذكر نحوه ابن أبي الحديد المعتزليّ، وعدّه من الأحاديث الثابتة.2

1 . مجمع البيان:2/443.
2 . شرح نهج البلاغة:9/117.

صفحه 122
ثمّ إنّه سبحانه نسب عقر الناقة إلى القوم جميعاً مع أنّ العاقر كان واحداً منهم، وما ذلك إلاّ لأنّهم كانوا راضين بعمله ومحرِّضين له، يقول الإمام علي(عليه السلام):«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَى وَالسُّخْطُ. وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَى، فَقَالَ سُبْحانَهُ : (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ)، فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الاَْرْضِ الْخَوَّارَةِ».1
ويظهر من مجموع ما مرّ: أنّ الغالب على قوم صالح هو اللّذات الحسّيّة، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيّبة.
إلى هنا تمّت قصة قوم ثمود، ثمّ عاد البيان القرآني إلى الاستنتاج وذكر الفائدة من بيانها وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي في قصة قوم ثمود (لاَيَةً): أي عبرة (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)وقد مرّ تفسير هاتين الآيتين، التي ختمت بهما القصة كما ختمت بهما قصة نوح وهود (عليهما السلام) .
سورة الشعراء: الآيات 160 ـ 175   

الآيات: الستون بعد المئة إلى الخامسة والسبعين بعد المئة

(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 201.

صفحه 123
مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّني وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ).

المفردات

الذُّكران: جمع ذَكر.
عادون: جمع عاد، والعادي: المتعدّي في ظلمه، المتجاوز فيه الحدّ.
تَذَرون: تَتركون.
القالين: جمع القالي، وهو المبغِض.
الغابرين: جمع الغابر، بمعنى الباقي.

التفسير

6. النبي لوط(عليه السلام) في أرض المؤتفكات

هذه هي القصّة السادسة في هذه السورة، وسيوافيك في
تفسير سورة العنكبوت الحديث ـ مفصّلاً ـ عن لوط(عليه السلام) وهو ابن
أخي إبراهيم الخليل(عليه السلام)، وقد استقرّ في إحدى مدن الأردن المجاورة

صفحه 124
للبحر الميّت، وتسمّى (سَدُوم).
وقد عاصر(عليه السلام) قوماً يرتكبون أقبح الأعمال وأشنعها، حيث كانوا يقطعون الطريق على المارّة ويمارسون معهم ذلك العمل القبيح حتى أنّهم كانوا يتعاطون في مجالسهم كل منكر.
160ـ 164. (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ):
ذكر سبحانه أنّ قوم لوط كذّبوا المرسلين مع أنّ الكلام عن رسول واحد، وتأويل ذلك أنّ دعوات المرسلين واحدة في جوهرها، وأنّهم متّفقون في الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، وبهذا يكون تكذيب واحد منهم تكذيباً لسائر المرسلين.
وقد بدأ لوط خطاباته الرسالية بنفس ما بدأ به سائر النبيّين كنوح وهود وصالح(عليهم السلام) لأنّ منطق الأنبياء ـ ابتداء ونهاية ـ واحد، وأنّ شعار الجميع هو: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر).
نعم كان لوط(عليه السلام) عبرانياً ولم يكن من أهل سدوم، وكان قوم لوط من أهل فلسطين من الكنعانيّين، ولكن لمّا استوطن بلادهم وعاش بينهم صار في الظاهر أخاً لهم. ويحتمل أن يكون التعبير بالأخ لوجود المصاهرة بينه وبينهم.
165 و166. (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا

صفحه 125
خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ):
قوله: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) الاستفهام إنكاري وتوبيخي، والإتيان كناية عن العمل الشنيع وقوله: (مِنَ الْعَالَمِينَ) يحتمل أن يكون حالاً من ضمير الفاعل في (أَتَأْتُونَ) والمراد أتأتون أنتم من بين العالمين هذا العمل الشنيع، فيكون بمنزلة قوله: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ)1.
ويمكن أن يكون قيداً للذكران، والمعنى على هذا: أتنكحون من بين العالمين ـ على كثرتهم واشتمالهم على النساء ـ الرجال فقط؟
قوله: (وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ) يحتمل أن يراد بالموصول (مَا) فروج النساء التي خلقها الله تعالى للذكران، ويحتمل أن يراد به النساء الذي يفسره قوله: (مِنْ أَزْوَاجِكُمْ)، وحاصل الآية: إنّ الله سبحانه خلق النساء للرجال لا لأمثالهن من النساء، كما خلق الرجال للنساء لا لأمثالهم، وجعل سبحانه جاذبية خاصّة بين الرجل والمرأة، وهذه تشهد على أنّ كلاًّ خُلق للآخر، فالعدول عن هذه القاعدة عدول عن مقتضى حكم الفطرة، ولذلك قال: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ): أي متجاوزون للحدود التي تقرّها العقول والشرائع، بعيدون عن حكم السجيّة والطبيعة والفطرة.
ثمّ الظاهر من الآيات التالية أنّ لوطاً لم يُكتب له النجاح في ردعهم عن هذا العمل الشنيع، وهذا يكشف عن تحوّل هذا العمل إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة وإلى مرض وبيل سرى في نفوسهم إلى حدٍّ لم يَعُد ينفع

1 . الأعراف:80.

صفحه 126
معه أي علاج سوى إزهاق تلك الأنفس الملوّثة بالأرجاس.
وقد بلغت شناعة هذا العمل إلى حدٍّ لم نجد معه القرآن الكريم يركّز على الجانب الاعتقادي لقوم لوط ولم يتطرّق إلى المعبودات التي كانوا يعبدونها، بل ذكر بإيجاز دعوة لوط إيّاهم إلى تقوى الله وطاعة نبيّه الذي كان يحرص على هدايتهم ولا يبغي على ذلك منهم أجراً.
167. (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ):
يظهر من قولهم هذا أنّ ردّ فعلهم كان مثل ردّ فعل قوم نوح(عليه السلام)، فكما أنّ قوم الثاني هدّدوا نبيّهم بقولهم: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ)1 فهكذا هدّد قوم لوط نبيّهم أيضاً بقولهم:(لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ)عمّا تدعونا إليه وتنهانا عنه (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)من مدينتنا!!
168. (قَالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ):
لم يكترث لوط(عليه السلام) لتهديد قومه بإبعاده قسراً، بل عبّر بصوت عال عن سخطه وبغضه الشديد لعملهم الشنيع، و (قَالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ)المبغضين، فقد أعلن عن بغضه في مقابل عملهم لا في مقابل تهديدهم.
169. (رَبِّ نَجِّني وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ):
قام النبي لوط(عليه السلام) بمهمّتة الرسالية على أتمّ وجه، حيث وعظ قومه وحاورهم ونصحهم ونهاهم عن ارتكاب هذا العمل الرِّجس، ولكنّهم لم

1 . الشعراء:66.

صفحه 127
يتّعظوا بعظاته ولم يبالوا تحذيراته، فلما يئس من إصلاحهم دعا الله تعالى بقوله: (رَبِّ نَجِّني وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) وطلب منه أن ينجيه وينجي أهله من مغبّة ما يعمل قومه.
ويظهر من بعض الآيات أنّه لم يكن في القرية بيت يجتنب تلك الخطايا والفواحش غير بيت لوط(عليه السلام)، قال تعالى: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ)1.
170 و171. (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ):
قضت مشيئته سبحانه بتطهير الأرض من الفاسقين الذين لم يبق بصيص من الأمل في انتشالهم من هذا العمل، ولذلك نجّى الله لوطاً وأهله أجمعين باستثناء امرأته المسنّة، التي صارت من الباقين فيمن هلك من القوم لكفرها وخيانتها لزوجها (بإعانة الفاسقين عليه)، كما جاء في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا)2.
172. (ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ):
أي أهلكنا الباقين، وأمّا كيفية إهلاكهم فتبيّنه الآية التالية:
173. (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ):

1 . الذاريات:36.
2 . التحريم:10.

صفحه 128
المطر هو الماء النازل من السحاب، وأُريد هنا نزول الحجارة، شُبّه بالمطر لنزولها من الجوّ إلى الأرض، ويفسِّر الآية قوله سبحانه:(فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل)1، فهي تدلّ على أنّ المنزَّل من السماء هو الحجارة لا الماء، وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن.
ثمّ إنّه سبحانه ختم قصة النبيّ لوط(عليه السلام) بما ختم به قصص الأنبياء من قبل، كموسى ونوح وهود وصالح(عليهم السلام) وقال:
174 و 175. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
وقد تقدّم تفسيرهما فيما تقدّم.

دروس وعبر في قصّة لوط(عليه السلام)

بعد أن تمّ تفسير هذه الآيات وغيرها ممّا ورد في السور الأُخرى، يمكن استفادة العبر والدروس التالية:
1. إنّ المجتمع الّذي يتمادى في ممارسة الشهوات واتّباع الأهواء(كقوم لوط(عليه السلام))، يُحرِق مواهبَ أبنائه وطاقاتهم وقدراتهم الخـلاّقة، ويُخمد جذوة هممهم في التطلّع إلى الرُّقيّ والرفعة في شتى مجالات الحياة، ويدفع بهم إلى الانسياق وراء الأُمور التافهة، والأشياء الرخيصة، ويُغلق عليهم منافذ التفكير في تسخير هذه الطاقات فيما يعود عليه وعليهم بالنفع والخير والرفاه.

1 . الحجر:74.

صفحه 129
2. إنّ الأعمال السيئة الّتي يقوم بها بعض الأفراد، قد تستشري في المجتمع بأكمله وتُصبح ظاهرة عامّة فيه، ومرضاً مستعصياً ينهش روحه، وحينها يعجز أطباء النفوس عن معالجته ودرء خطره، مهما أُوتوا من علم وحكمة، وتميّزوا به من صدق وإخلاص.
ومن هنا تتأكد الحاجة إلى وضع حلول مناسبة لمعالجة الانحرافات السلوكية لدى بعض الأفراد قبل أن يتّسع مداها في المجتمع، وإلى اتّخاذ إجراءات رادعة، تعمل على استئصالها أو تقليصها ومحاصرتها في دائرة ضيّقة، وعدم السماح لها بأن تُمارس في الهواء الطلق.
ومن الوسائل الناجعة في هذا المجال، تفعيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس، وتنمية الشعور بالمسؤولية تجاه قضايا المجتمع ومصالحه العامّة.
3. إنّ المجتمع الّذي يألف ممارسة الأعمال القبيحة، ويأنس بحياة اللهو والعبث، ولا يكترث إلاّ للرغائب التافهة... هذا المجتمع سوف تنعدم لديه المقاييس الصحيحة، وتبرز بدلها مقاييس أُخرى خاطئة، يحكم بها على القضايا المختلفة بصورة مقلوبة، الأمر الّذي يُفقده الكثير من المكاسب والمغانم الحقيقية في المجالين المادّي والمعنوي، ويُفضي به إلى التصدّع والانهيار وملاقاة مصيره القاتم.
ولا غرابة في مثل هذا المجتمع أن تصبح الشجاعة والإقدام فيه تهوّراً، والجُبن والاستسلام تعقّلاً، والركون إلى الظالم واقعيةً، والتملّق لباقة وحسن سياسة، والطهر والعفاف تشدّداً وانغلاقاً، والفسق والفجور تحضّراً وانفتاحاً.

صفحه 130
اقرأ معي هاتين الآيتين، لتدرك مستوى الانحدار الذي يصل إليه المجتمع عند ضياع الموازين الصحيحة:
(أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)!!1
(قَالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ)!!2
4. إنّ الأمراض النفسية والخلقية شأنها في المعالجة شأن الأمراض الجسمية، فإذا ما أُصيب ـ مثلاً ـ جزء من أحد أعضاء الإنسان بمرض ما، فإنّ علاجه قد يتمّ باستئصال ذلك الجزء، وأمّا إذا استفحل المرض وسرى إلى العضو كلّه، فإنّ الأطباء لن يجدوا مناصاً من بتره أو استئصاله ليضمنوا بذلك سلامة الجسم بأكمله.
والمجتمع الّذي تتفشّى فيه الأمراض النفسية والخلقية ويُصاب بكلّ كيانه، ويتلاشى الأمل في إصلاحه، فإنّ الحكمة تستدعي محوه من خارطة الوجود، لأنّ بقاءه يؤثر سلباً على باقي المجتمعات ويصيبها بالعدوى. ومن هنا استأصل سبحانه قوم لوط، ولم يُبق أحداً منهم، لئلاّ يؤثّر على سائر الأقوام.
سورة الشعراء: الآيات 176 ـ 191   

الآيات: السادسة والسبعون بعد المئة إلى الحادية والتسعين بعد المئة

(كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا

1 . الأعراف:82.
2 . الحجر:70.

صفحه 131
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

المفردات

الأيكة: الغَيضة ذات الشجر الملتفّ، والجمع: الأيك.
المُخسِرين: المُنقِصين.
تبخسوا: البخس: نقص الشيء على سبيل الظلم، أي لا تنقصوا.
تعثَوا: من العيث بمعنى الفساد، أي لا تفسدوا.
الجِبلّة: الخليقة التي طبع عليها الشيء، قال الشاعر:
والموت أعظم حادث *** ممّا يمرّ على الجبلّة
كِسَفاً: قِطَعاً، واحدها كسْفة كقطعة وزناً ومعنى.
الظُّلّة: السحابة التي استظلّوا بها بزعم أنّها تحمل الماء.

صفحه 132

التفسير

7. قصة أصحاب الأيكة ونبيهم شعيب(عليه السلام)

176ـ 180.(كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ):
يظهر من ذكر قصة شعيب بعد قصة لوط أنّه بعث إليهم بعد إهلاك قوم لوط(عليه السلام)، وقد ذكر سبحانه قصة أصحاب الأيكة بعد قصة قوم لوط في سورة الحِجر أيضاً، حيث قال: (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَام مُبِين).1
وهذا يدلّ على أنّ مدينة أصحاب الأيكة كانت بطريق يؤمّ ويتَّبع ويُهتدى به. فسمّي الطريق إماماً لأنّ الإنسان يؤمّه.2
اختلف المفسّرون في أنّ أصحاب الأيكة هم أصحاب مدين الذين جاءت قصتهم في سورة الأعراف،3 أو غيرهم الذين جاءت قصتهم في سورة الشعراء.4

1 . الحجر:78ـ 79.
2 . مجمع البيان:3/241.
3 . لاحظ: الأعراف:85 ـ 86 ، سورة هود: 84 ـ 86.
4 . لاحظ: الشعراء:146ـ 184.

صفحه 133
قال الطبرسي في تفسير قوله: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ): وهم أهل مدين، عن ابن عباس; وقيل: إنّهم غيرهم، عن قتادة، وقال: إنّ الله سبحانه أرسل شعيباً إلى أُمّتين(إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ) ولم يقل أخوهم لأنّه لم يكن من نسبهم وكان من أهل مدين، ولذلك قال في ذلك الموضع (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا).1
والذي يؤيّد الوحدة هو وحدة عظاته ونهيه عن المفاسد الاقتصادية في كلا الموردين.2
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ كلا القبيلتين كانتا في الفساد على وتيرة واحدة.
ومهما يكن، فإنّ بيان شعيب(عليه السلام) يماثل بيان مَن سبقه من الأنبياء حيث حضّهم على اتّقاء عقاب الله تعالى بقوله:(أَلاَ تَتَّقُونَ) وهو يُشعر بأنّ موقفهم ممّا يدعوهم إليه من التوحيد في العبادة، والذي حكاه عنه سبحانه بقوله:(يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)3، كان يتّسم بالرفض والعناد. ثمّ وصف(عليه السلام) نفسه بأنّه (رَسُولٌ أَمِينٌ)لا يكذب ولا يخون، وفيه إشارة إلى أنّه كان مشهوراً بالأمانة بين قومه. وبما أنّ كونه رسولاً أميناً، يقتضي منهم الاستجابة لما يبلّغهم به عن ربّه، قال لهم:(فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) فيما أدعوكم إليه. ثمّ قال لهم: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْري إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ).
ثم تعرّض إلى بعض المفاسد التي شاعت بينهم في حياتهم الاقتصادية وقال:

1 . مجمع البيان:7/373.
2 . لاحظ: الأعراف:85.
3 . الأعراف:84.

صفحه 134
181 ـ 183. (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ):
أمرهم بشيئين، ونهاهم عن ثلاثة أُمور.
أمّا الأمر الأوّل فقال: (أَوْفُوا الْكَيْلَ).
وأمّا الثاني فقال: (وَ زِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ).
وأمّا ما نهى عنه فهو:
1. (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ).
2. (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ).
3. (وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).
والظاهر كما سيوافيك أنّ كلاًّ من النَّهيين متمِّم لما سبقه من الأمر، وأمّا النهي الثالث فهو نهي عام يشمل كلّ جريمة وعمل محرّم من غير فرق بين الكيل والوزن وغيرهما.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآيات.
قوله تعالى: (أَوْفُوا الْكَيْلَ) الميزان والمكيال آلتان لتعيين قدر المبيع كيلاً ووزناً، فبعض الأشياء تباع بالكيل وبعض آخر بالوزن حسب العادة بين الناس، فأمرهم(عليه السلام) بإيفاء الكيل بمعنى إذا بعتم للناس فكيلوا لهم الكيل كاملاً (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ): أي المنقصين والمطففين، وبهذا عُلم أنّ النهي مؤكّد للأمر، وقد جاء هذا المضمون في قوله سبحانه: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ

صفحه 135
وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ )1 أي إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم يُخسرون ويُنقصون حقّهم، وهذا يؤيّد ما ذكرنا من أنّ قوله: (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ)متمِّم للأمر بإيفاء الكيل وليس شيئاً جديداً، ولذلك اقتصر في سورة «المطَفِّفين» على لفظ (يُخْسِرُونَ).
وأمّا الأمر الثاني ـ أعني قوله:(وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)ـ فأمر بأن يزن الناس بالعدل في الأخذ والإعطاء وقال: (وَ زِنُوا بِالْقِسْطَاسِ): أي الميزان (الْمُسْتَقِيمِ): أي العدل.
وأمّا قوله: (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) البخس: نقص الشيء على سبيل الظلم، فيمكن أن تكون الفقرة مشيرة إلى النهي عن وصف سلعة الناس بالرداءة، بأن يقول بأنّ سلعتك رديئة ليصرف عنها الراغبين حتى يشتريها هو برخص.
والحاصل أنّهم كانوا إذا باعوا يخسرون في الكيل والوزن، وبما أنّ البيع والشراء في تلك الظروف كان مبنياً على تبديل عين بعين ومال بمال، فكانوا يطفِّفون في الكيل والوزن لصالحهم وينقصون من حقوق الناس، كما أنّ مدينتهم كانت في طريق القوافل إلى الشام والحجاز فكانوا يصفون أمتعة الآخرين بالرداءة ليشتروها بقيمة نازلة.
هذا ويظهر من سورة «المطَفِّفين» أنّ قريشاً كانت مبتلاة بهذه الجريمة، فإذا أرادوا الشراء يستوفون الكيل والوزن، وأمّا إذا أرادوا البيع يطفِّفون، ومن المعلوم أنّ كلّ من ابتلي بهذه الجريمة لا يلاحظ العدل في

1 . المطففين:3.

صفحه 136
غير هذا المورد فيكون متعدِّياً لسائر الحقوق.
ثمّ إنّ شعيباً أتى بكلمة جامعة تشمل المورد وغيره وقال: (وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) وهو يعمّ القتل والغارة وقطع الطريق والسَّلب والنَّهب.
184. (وَاتَّقُوا الذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ):
وهنا يُلفت شعيب(عليه السلام) نظر قومه إلى مَن تقدّمهم من الخلائق الذين كانوا أشدّ منهم قوّة وأكثر أموالاً كقوم هود وصالح، ويقول:(وَاتَّقُوا الذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ): أي الأُمم السابقة، وهذا الخطاب ينطوي على تهديد بالإشارة، أي إنّ الله الذي أهلك المفسدين من القرون الماضية هو الذي خلقكم ويمكن أن يشملكم إهلاكه.
إلى هنا تمّت خطاباته ونصائحه التي جاءت في المقام بصورة الإيجاز، وجاءت مبسوطة في سورة هود.1
185 و 186.(قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ):

ردّ فعل القوم

كان على القوم أن ينتفعوا بما اشتملت عليه أقوال شعيب(عليه السلام) من توجيه وإرشاد وإنذار، ولكنّهم لم يكترثوا لها، بل تمادوا في غطرستهم

1 . لاحظ: هود:86 ـ 93.

صفحه 137
وتذرّعوا في ردّها بأُمور ثلاثة:
1. اتّهامه بفساد العقل، كما يقول: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ)وأرادوا بوصفه مسحَّراً: فساد عقله وذهاب دركه، وكأنّ سحر الساحر أثّر في عقله. وقد مرّ نظيره في قصة النبيّ صالح(عليه السلام)، حيث اتّهم بكونه من المسحّرين.1
2. كونه بشراً، كما يقول: (وَمَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا): أي فلا مزيّة لك علينا.
3. الظنّ بكذبه، كما يقول:(وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ).
والتعبير بالظنّ لئلاّ يطالَبوا بالدليل، إذ لو قالوا:أنت من الكاذبين لاحتاجوا إلى الدليل.
ثمّ إنّ القوم لم يكتفوا بإيكال هذه التهم التي شاعت في الأُمم السابقة بالنسبة إلى أنبيائهم بل طلبوا منه نوعاً خاصّاً من العذاب فقالوا:
187. (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
هؤلاء المغفَّلون لم ينتبهوا من نومتهم وغفلتهم، وأصرّوا على السخرية والتكذيب بقولهم: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ): أي أن يسقط عليهم من السماء قطعة بعد قطعة إن كان صادقاً ومحقّاً في دعواه. وهذا يدلّ على شدّة طغيانهم الذي بلغ بهم درجة أن يختاروا كيفية العذاب، ولكنّ الأمر لله وحده يعذِّبهم كيف يشاء، كما حكى

1 . لاحظ: الشعراء:153.

صفحه 138
الله عنه ذلك بقوله:
188. ( قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ):
أي إنّ الله عالم بعملكم فهو يعلم ما تستحقون من العذاب كمّه وكيفه.
189. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْم عَظِيم):
قوله: (فَكَذَّبُوهُ) تعليل لما يأتي من نزول العذاب، أي صار تكذيبهم سبباً لقوله: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) والظلّة هي السحابة التي أظلَّتهم، وكانت فيها صواعق متتابعة أصابتهم فأهلكتهم.1 وقد عبّر القرآن الكريم في آيات أُخرى عن نوع العذاب الذي أصابهم بالرجفة2 والصيحة.3
قوله: (إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْم عَظِيم): أي عظيم عذابه.
ولم يذكر هنا إنجاء شعيب والذين آمنوا معه، بل جاء التصريح به في سورة هود، قال تعالى: ( وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ).4
سورة الشعراء: الآيات 192 ـ 199   
190 و191. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ

1 . انظر: التحرير والتنوير:19/192.
2 . لاحظ: الأعراف:190، العنكبوت:37.
3 . هود:94.
4 . هود:94.

صفحه 139
رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
أتمّ سبحانه قصة شعيب بما أتمّ به قصص سائر الأنبياء في هذه السورة من نوح وهود وصالح ولوط. وهذا يدلّ على أنّ منطق الأنبياء ـ بداية ونهاية ـ واحد.

الآيات: الثانية والتسعون بعد المئة إلى التاسعة والتسعين بعد المئة

(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبيٍّ مُبِين * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ).

المفردات

تنزيل: مصدر بمعنى المنزَّل.
الروح الأمين: لقب جبريل(عليه السلام) في القرآن الكريم، ووصف بكونه أميناً لأنّ الله أمّنه على وحيه.
على قلبك: أُريد به العقل أو النفس.
زبر الأوّلين: كتب السالفين.
الأعجمين: جمع الأعجمي، وهو من في لسانه عجمة عربيّاً كان أو غير عربيّ. وكانت القاعدة أن يقال: الأعجميين حذفت ياء النسبة

صفحه 140
للتخفيف، نظير قول أبي طالب:
وحيث ينيخ الأشعرون رحالهم *** بملقى السيول بين صاف ونائلِ
أي الأشعريون.
وعلى هذا فالعجمي نقيض العربي، والأعجمي نقيض الفصيح.
قال ابن عطية: هو جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان عربيَّ النسب، والعجمي هو نسبته إلى العجم خلاف العرب وإن كان أفصح الناس.1

التفسير

عاد البيان القرآني إلى ما افتتحت به السورة، أعني قوله:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)ليسجّل ما هو كالتعليق على ما تضمّنته القصص السبع المتقدّمة من أخبار الأنبياء(عليهم السلام) مع أقوامهم واحتجاجاتهم عليهم، وذلك بالتأكيد على أنّ هذا القرآن الذي يتلوه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والذي اشتمل على هذه القصص، وتحدّى به خطباء العرب بفصاحته العذبة وبلاغته الخلاّبة، يتميّز بهذه الأوصاف:
الأوّل:
192. (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
وُصف القرآن هنا بالمصدر، أي التنزيل بمعنى المنزَّل، للمبالغة،

1 . روح المعاني:19/178.

صفحه 141
وكأنّ القرآن نفس التنزيل، نزل من (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وفيه ردّ على تهمة بعض المشركين للنبيّ بأنّ ما يتلوه عليهم من الآيات، هو من تلقّيات الشياطين، كما سيأتي في قوله تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ).1
الثاني:
193 و 194.(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ):
التعبير بـ(نَزَلَ) مكان (جاء) فيه تنويه برفعة وسموّ مقام المنزَّل، ولذلك يقول: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ): أي جبريل(عليه السلام) وهو أمين على الوحي فيما يحمل ويبلّغ، حافظ للأمانة غير خائن. ولعلّ وصفه بالأمانة لردّ مزعمة اليهود حيث يصفونه بالخيانة.
وممّا يثير العجب ما روي عن الشعبي(المتوفّى 103هـ) أنّه قال: واليهود تبغض جبريل وتقول هو عدوّنا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط جبريل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب.2
لا شكّ أنّ الرواية باطلة سنداً ومتناً، أمّا سنداً ففي سندها عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل وهو مجروح عند نقّاد السنّة، قال أحمد والدارقطني: متروك. وقال أبو داود: كذّاب، وقال مرّة: يضع الحديث.3
وأمّا متناً فإنّ تلقيب الشيعة بالرافضة بدأ عند قيام زيد بثورته على

1 . الشعراء:210.
2 . العقد الفريد:2/249ـ 250.
3 . ميزان الاعتدال:2/584، برقم 4949.

صفحه 142
الحكم الأمويّ (عام 122هـ) أي بعد وفاة الشعبي بنحو 19 عاماً، فكيف ورد هذا اللقب في كلامه؟!
وأخيراً نقول: إنّ الشيعة يقولون من على منائر مساجدهم وفي صلواتهم: أشهد أنّ محمداً رسول الله، فكيف يؤمنون بهذه القصة المفتعلة؟!
والعجب اعتماد الجزيري في كتابه «الفقه على المذاهب الأربعة» على هذه النسبة المفتعلة، حيث يقول في مبحث محرّمات النكاح لاختلاف الدين: ومنه الرافضة الذين يعتقدون أنّ جبريل غلط في الوحي، فأوحى إلى محمد مع أنّ الله أمره بالإيحاء إلى علي(عليه السلام).1
كان على الجزيري الفحص عن صدق هذه النسبة قبل أن يسوّد بها بحثه، فإنّ الشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية برمّتهم برآء من هذه التّهمة الكاذبة التي اختُلقت في ذلك العهد الذي طغى عليه التعصّب المقيت والنزاع بين المسلمين.
وأمّا شعار خان الأمين، فهو شعار اليهود، فلاحظ تفسير الرازي عند تفسير قوله سبحانه: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ)2،3 تجد فيه منشأ القول بخيانة الأمين.
قوله تعالى:(عَلَى قَلْبِكَ) أراد بالقلب النفس أو العقل وهو أداة

1 . الفقه على المذاهب الأربعة(كتاب النكاح): 75.
2 . البقرة:98.
3 . تفسير الرازي:3/194.

صفحه 143
الإدراك، والشاهد على أنّ المراد به غير القلب الصنوبري قوله سبحانه:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)1. فمن المعلوم أنّ كلّ إنسان سواء ألقى السمع أم لا، له قلب صنوبري، فأُريد به إذاً العقل وأدوات المعرفة، حتى يصحّ الشرط (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) لأنّ الإنذار من وظائف الأنبياء، قال تعالى:(فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)2.
الثالث:
195. (بِلِسَان عَرَبيٍّ مُبِين):
أي نزل بلغة عربية واضحة المعنى، فإعراض مشركي قريش عنه نابع من استكبارهم لا من عدم فهمهم لتعاليمه، وعدم إدراكهم لحججه وبراهينه.
الرابع:
196. (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ):
الضمير في قوله: (إنّهُ) يرجع إلى القرآن، ومعنى الآية:إنّ ما في القرآن الكريم من إيمانيات ووصايا ومبادئ أخلاقية موجود ـ بوجه عام ـ في كتب الأنبياء السابقين، ويشهد لذلك قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)3، وقوله

1 . ق: 37.
2 . البقرة:213.
3 . البقرة:183.

صفحه 144
سبحانه ـ بعد أن ذكر فلاح من زكّى نفسه وذكر الله وصلّى ـ : (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).1
ويمكن أن يكون الضمير راجعاً إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون معنى الآية: إنّ صفاته(صلى الله عليه وآله وسلم) والبشارة به مسطورة في الكتب السابقة، ويشهد لذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ)2، وقوله سبحانه: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ).3
ولعلّ الإتيان بهذه الآية لأجل الاستدلال على أنّ القرآن وحيٌّ من الله، لأنّه ذكر هذه القصص السبع على النحو الموجود في زبر الأوّلين من غير تفاوت مع أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُقبل على التعلّم ولم يتلقّ العلم عن أحد من البشر، وذلك دليل على أنّه تنزيل من ربّ العالمين.
الخامس:
197. (أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ):
الضمير في (أَنْ يَعْلَمَهُ) يرجع إلى القرآن أو إلى نزوله على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي: «أو لم يكن علم علماء بني إسرائيل بنزول القرآن آية دالّة على صحّة نبوّته» لأنّ العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل كانوا يصدّقون

1 . الأعلى: 18ـ 19.
2 . الأعراف:157.
3 . الصف:6.

صفحه 145
ذكره في كتبهم، وكانت اليهود قبل بعثة النبيّ تبشّر بظهوره وتستفتح به(أي تستنصر) على العرب، وكان ذلك سبب إسلام الأوس والخزرج،1 قال سبحانه:(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)2.
والذي يدلّ على أنّ علماء بني إسرائيل يعرفونه أشدّ المعرفة قوله سبحانه في وصف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)3.
198 و199. (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ):
ربما يفسَّر(الأَعْجَمِينَ) بمعنى من لا يُفصح من العرب أي تكون في لسانه عُقدة، وربما يفسَّر بغير العربيّ أي كان عجمياً غير عربيّ أصلاً.
والظاهر أنّ المراد هو الثاني، والمراد أنّه لو أنزلناه على غير عربي ولكن قرأه عليهم بطريقة خارقة للعادة، ما كانوا به مؤمنين. ويكون معنى الآية: إنّ عدم إيمانهم بالقرآن ليس لأجل تصوّر أنّه مصنوع من قبل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بل لاتّخاذهم الموقف السلبي من أوّل الأمر انطلاقاً من العناد، ولذلك لو أنزلنا هذا القرآن على من لا يحسن العربية ولكن قرأه عليهم

1 . مجمع البيان:7/377.
2 . البقرة:89.
3 . البقرة:146، الأنعام:20.

صفحه 146
إعجازاً ما كانوا به مؤمنين مع وجود الدليل الواضح على أنّه ليس من صنع القارئ وإنشائه لأنّه ليس من أهل اللغة حتّى يقدر على صنعه كما يدّعون.
ومن هنا يعلم أنّه لا صلة للآية بتعصّب العرب للغتهم وقوميّتهم، إذ ليست الآية بصدد أنّ عدم إيمانهم لأجل كونه أعجمياً حتّى يكون دليلاً على تعصّبهم، بل إنّ عدم إيمانهم لأجل العناد والمكابرة، ولذلك لو جاء هذا القرآن بطريق خارق للعادة بحيث يقطع عذرهم (أنّه من صنع القارئ) لما آمنوا به. فما ربما يُرى في بعض التفاسير من الحديث عن تعصّب العرب، لا مجال له في المقام.
وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه:(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبيٌّ مُبِينٌ)1، فالآيتان نظير ما في سورتنا حيث تركّزان على أنّ القرآن كلام الله سبحانه نزّله روح القدس، ثم يردّ على إدّعاء المشركين بأنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) تعلّم القرآن من غيره، والله سبحانه يردّ تلك التهمة ببيان أنّ لسان الذي ينسبون إليه التعليم، أعجمي، أي ليست لغتُه لغةَ العرب.
سورة الشعراء: الآيات 200 ـ 212   
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي فسّر الآية بما يلي:(بِلِسَان عَرَبي) : ظاهر العربية واضح الدلالة ليؤمنوا به ولا يتعلّلوا بعدم فهمهم مقاصده(وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ) بلسان أعجمي ما كانوا به مؤمنين وردّوه بعدم فهم مقاصده.2

1 . النحل:102ـ 103.
2 . الميزان في تفسير القرآن:15/321.

صفحه 147
ولا يخفى أنّ تفسير الآية بما ذكره بعيد جداً، لأنّ عدم إيمانهم يكون معلولاً لعدم فهمهم قول القارئ فيكونون معذورين ولا يتوجّه إليهم أيّ لوم مع أنّ الآية بصدد الإنكار عليهم، فلا محيص من تفسيرها بما ذكرناه من نزول القرآن العربي على قارئ لا يحسن العربية ولكن يقرأه بإعجاز خارق للعادة، فعندئذ يكون عدم إيمانهم غير مقبول لامتناع نسبة الكتاب إلى قارئه.

الآيات: المئتان إلى الثانية عشرة بعد المئتين

(كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ).

المفردات

سلكناه: أدخلناه.
المجرمين: المراد بهم هنا المشركون.
بغتة: فَجأة.

صفحه 148
مُنظَرون: مؤخَّرون أو مُمْهَلون.
ذكرى: تذكرة وعبرة للغير. وأُريد المذكِّر أو المذكِّرون، كما سيأتي في التفسير.
ما يستطيعون: لا يقدرون.
لمعزولون: أي لممنوعون بالشهب.

التفسير

الآيات تشير إلى أنّ التكذيب بالقرآن صار متمكّناً في قلوبهم أشدّ التمكّن وصار كالأمر الجبلّي الذي لا يمكن تغييره. وما يحتجّون به من أنّه من صنع النبي، أو أنّه تعلّمه من الآخرين، ليس إلاّ أعذاراً ظاهرية يُراد بها التغطية على الدوافع الحقيقية للإنكار والتكذيب، وهي العناد والمكابرة والخوف على المصالح الشخصية.
200. (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ):
قوله: (كَذَلِكَ) يشير إلى عدم الإيمان واستمرار التكذيب(سَلَكْنَاهُ)أدخلناه(فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ)وهذا الإدخال من آثار التكذيب، فإنّ الإنسان إذا تمادى في التكذيب واستمرّ عليه مدّة طويلة دخل في قلبه والتصق به، حتى يصبح كأنّه مجبول عليه. ونسبته إلى الله سبحانه كنسبة سائر أفعال الإنسان إليه، قال الزمخشري:... وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها، فكيفما فُعل بهم وصُنع وعلى أي وجه

صفحه 149
دُبّر أمرهم فلا سبيل أن يتغيّروا عمّا هم عليه من جحوده وإنكاره، كما قال: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)1.(2)
وحاصله: إنّ الإنكار لفرط العناد وممارسة الآثام صار كالطبيعة الثانية لهم.
ويشهد لما ذكرناه من معنى الآية، قوله سبحانه:(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ )2، والضمير يرجع إلى الاستهزاء المرادف للتكذيب المشار إليه في الآيات التي نحن في صدد تفسيرها.
201. (لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ):
أي لا يؤمنون بالقرآن لعنادهم إلى أن يحلّ يوم القيامة وعندئذ يؤمنون، ولكنْ قضى سبحانه أنّه: (لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)3. والشاهد على أنّ المراد من العذاب في الآية هو عذاب الآخرة قوله تعالى:
202.(فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ):
أي يأتيهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه فجأة(وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)

1 . الأنعام:7.   2 . تفسير الكشّاف:3/127.
2 . الحجر:11 ـ12.
3 . الأنعام:158.

صفحه 150
بمجيئه. قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)1 وعندئذ يتمنّون الإمهال كما يقول:
203.(فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ):
فعند رؤيتهم للعذاب الأليم يتمنّون الإمهال حتى يؤمنوا كما يقول:(فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ): أي مؤخَّرون حتى نؤمن؟ والاستفهام هنا بمنزلة التمنّي. ومن المعلوم أنّه تمنٍّ لأمر لن يتحقّق أبداً.
وبما أنّ المشركين كثيراً ما طلبوا نزول العذاب قائلين: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)2 حيث جعلوا تأخُّر العذاب دليلاً على عدم وجوده، ندّد بهم سبحانه بقوله:
204.(أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ):
أي (أَفَبِعَذَابِنَا) كانوا(يَسْتَعْجِلُونَ) استهزاءً واتّكالاً على الأمل الطويل.
205ـ 207.(أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ):
حاصل هذه الآيات: هبْ أنّ الأمر لو صار كما يتمنّون وأمهلناهم في هذه الدنيا، فإنّ ذلك لا يجديهم نفعاً كما يقول:(أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ):

1 . الأنعام:31.
2 . يونس:48.

صفحه 151
أي طوّلنا أعمارهم، وفي نهاية الأمر(ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا): أي العذاب الذي (كَانُوا يُوعَدُونَ) فعندئذ (مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ): أي لا يغني عنهم طول عيشهم في النعيم، إذ لم تتغيّر حالهم عمّا قبل التمنّي، فهم على وتيرة واحدة في الإنكار والتكذيب «فَيَالَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَة أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ!».1
208 و 209.(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ):
قوله:(لَهَا مُنْذِرُونَ) حال من (قَرْيَة). قوله: (ذِكْرى)حال من ضمير الجمع في (مُنْذِرُونَ) فيكون معناه: مذكّرين. وجوّز بعضهم أن تكون مفعولاً لأجله، على معنى أنّهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة.
والآيتان تذكيران لقريش بأنّ الله سبحانه ما أهلك الأُمم الخالية إلاّ بعد قيام الحجّة عليهم كما قال: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ): أي أنبياء ينذرون الناس (ذِكرى): أي مذكّرين بطاعة الله تعالى (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ)في إهلاكهم بعد إتمام الحجّة عليهم.
210.(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ):
لما تقدّم في قوله سبحانه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) عطف عليه قوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ)و«ما» نافية، وكان عتاة المشركين يزعمون أنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) كاهن، وما ينزل عليه من جنس ما تتنزّل به الشياطين من أخبار

1 . نهج البلاغة: الخطبة 64.

صفحه 152
الغيب على الكهنة، فنفى سبحانه هذا الزعم بقوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ). ثمّ علّل ذلك بأُمور ثلاثة:

الأوّل والثاني:

211. (وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ):
السبب الأوّل: قوله: (وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ): أي وما يتأتّى للشياطين ولا يتيسّر لهم أن يتنزّلوا به لأنّهم أشرار ولا يصدر منهم إلاّ ما يناسب طبيعتهم، وأين منها القرآن الحقّ، الهادي إلى الخير، الحاكم بالعدل، الداعي إلى الكمال؟
السبب الثاني: قوله: (وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) الوصول إليه، لأنّه كلام سماويّ تتلقّاه الملائكة من ربّ العزّة، ومنذ صدوره عن ربّ العزّة إلى وصوله إلى قلب سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم) تحفّه الملائكة ويمنعون الشياطين من التدخُّل فيه، قال سبحانه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا)1.

الثالث:

212. (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ):
السبب الثالث: قوله (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ): أي عن استماع ما يجري في العالم العلوي (لَمَعْزُولُونَ): أي لممنوعون، ولو استرق واحد منهم السمع

1 . الجن:26ـ 28.

صفحه 153
رُمي بشهاب ثاقب، قال تعالى: (لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب)1 .
ثمّ إنّ هنا شبهة أثارها الرازي وهي شبهة الدَّور، وحاصلها: إنّ كون الشياطين ممنوعين عن سماع كلام أهل السماء، لا يثبت إلاّ بخبر النبيّ الصادق(عليه السلام)، ولا يمكن تصديقه في ذلك إلاّ إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن استماع أخبار السماء.2
وحاصل الإشكال: إنّ القرآن الكريم ينفي أن يكون ما أخبر به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الغيبيّات ممّا أوحاه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الشياطين، كما قال:(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ).
ثمّ إنّ السائل يسأل: من أين نعلم أنّ الشياطين لم ينزلوا بها على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيجاب بقوله تعالى: (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ)، ومن المعلوم أنّ الجواب إنّما ينفع لمن آمن بالقرآن، وأمّا من لم يؤمن به فلا يفيده الجواب، وعند ذلك يكون الجواب غير كاف لقلع الشبهة.
ثمّ إنّ الرازي أجاب عن الشبهة قائلاً: لا نسلِّم أنّ العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يستفاد إلاّ من قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لأنّا نعلم بالضرورة أنّ الاهتمام بشأن الصديق أقوى من الاهتمام بشأن العدوّ، ونعلم بالضرورة أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم، فلو كان هذا الغيب إنّما حصل من إلقاء الشياطين لكان الكفّار أَولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم، فكان يجب أن يكون اقتدار الكفّار على مثله

1 . الصافات:8.
2 . تفسير الرازي:24/172.

صفحه 154
أَولى، فلمّا لم يكن كذلك علمنا أنّ الشياطين ممنوعون عن ذلك، وأنّهم معزولون عن تعرّف الغيوب.1
ويمكن أن يجاب بوجه أكثر اختصاراً وهو: أنّ التجربة المتكرّرة أثبتت أنّ الشياطين معزولون عن سماع أخبار السماء، وذلك لأنّ الكهنة هم الذين يتّصلون بالشياطين ويخبرون بأخبار غيبية استناداً إلى أخبار الشياطين، ثم يظهر فيها الكذب والخطأ في كثير من الموارد، فكيف يمكن لهم أن يأتوا بأخبار غيبية واردة في القرآن الكريم قد ثبت صدقها ولم تنحرف عنه قيد شعرة؟!
سورة الشعراء: الآيات 213 ـ 220   

الآيات: الثالثة عشرة بعد المئتين إلى الآية العشرين بعد المئتين

(فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) .

المفردات

عشيرتك: الأدنَون من القبيلة، و(الأَقْرَبِينَ) صفة.
اخفض: الخَفض ضد الرفع، ويكون كناية عن تليين الجانب

1 . تفسير الرازي:24/172.

صفحه 155
والانقياد. والطائر إذا أراد الطيران رفع جناحيه وإذا أراد النزول خفضهما، كما يخفض جناحيه أيضاً عند احتضانه لفراخه.
تقلُّبك: قلب الشيء: تصريفه وصرفه من وجه إلى وجه كقلب الثوب، فيكون معنى التقلّب: التصرّف من حال إلى حال.

التفسير

وكأنّ السورة قد فرغت من بيان الغاية المتوخاة من سرد قصص الأنبياء السبعة ونقد ما ربّما يوصف به القرآن الكريم، وعندئذ خرجت باستنتاج، فأتمّ سبحانه الموضوع بتوجيهات للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)اشتملت على نهي، وأوامر أربعة تتعلّق بعلاقته(صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين.
أمّا النهي فقوله: (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ).
وأمّا الأوامر الأربعة، فقوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ).
وقوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
وقوله: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ).
وقوله:(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ).
هذا موجز لما في هذه الآيات، وإليك تفسيرها:
213. (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ):
كانت مواجهة الأنبياء المذكورين في هذه السورة مع أقوامهم حول التوحيد في العبادة، فقد كان أقوامهم غارقين في الوثنية، وهذا يعرب عن أنّ الخط الأصيل المشترك بين عامّة الأنبياء هو التوحيد في العبادة الذي لا

صفحه 156
يمكن العدول عنه مطلقاً، وإنّ الإسلام يعترف بكلّ شريعة تحترم خط التوحيد، وأمّا الوثنية فلا يرى لها احتراماً، ولذلك نراه يخاطب نبيّه نبيّ التوحيد الذي لم يسجد لصنم طيلة عمره بحفظ هذا المنهج في غير واحدة من الآيات، منها ما نقرأ في هذه السورة، ومنها قوله: (لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً)1، وقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)،(2) وكون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)موحِّداً معصوماً لا يمنع من توجّه تلك الخطابات له، إذ ليس صدور المعصية عنه أمراً محالاً وإلاّ لما كانت للعصمة فضيلة; بل هي أمر ممكن غير واقع بالنظر إلى الملكات الفاضلة التي تحلّى بها، على أنّ التأكيد على التوحيد في ضمن الخطاب الموجّه للنبي المعصوم يسبّب يأس المشركين من تراجع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن هذا الأصل، فيصحّ خطابه لنبيّه بقوله: (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ): أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر (فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ).
إلى هنا تمّ الكلام في النهي، وإليك تفسير ما أُمر به.

الأمر الأوّل:

214. (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ):
أمر سبحانه نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بإنذار عشيرته، فقال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ)وخصّ منهم (الأَقْرَبِينَ):أي المنتمين إليه انتماء قريباً .
ومعنى الآية واضح، إنّما الكلام فيما روي حولها، وسوف يوافيك ذلك بعد تفسير هذه المجموعة من الآيات.

1 . الإسراء:22.   2 . الزمر:65.

صفحه 157

الأمر الثاني:

215.(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):
أمره سبحانه بخفض الجناح والحنوّ على المؤمنين بعد الأمر بإنذار الأقربين وقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) واجعل الجميع تحت رأفتك ورحمتك كما يجمع الطير أفراخه بخفض جناحيه .
قال الرازي: اعلم أنّ الطائر إذا أراد أن ينحطّ للوقوع كسَر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجُعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلاً في التواضع ولين الجانب.1
والمراد من المتابعة هي المتابعة في الدين فكأنّ خفض الجناح لأجل إيمانهم.

الأمر الثالث:

216. (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ):
لمّا أُمر(صلى الله عليه وآله وسلم) بإنذار عشيرته الأقربين، فطبع الحال يقتضي أنّ منهم من يستجيب لأمره ويُظهر إيمانه، ومنهم من يعصيه ويتمرّد عليه كأبي لهب وغيره، ولذلك أمره سبحانه أن يعلن عن موقفه الحاسم من هؤلاء العاصين، وذلك بالبراءة من أعمالهم كما قال: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) من آثام كعبادة الأوثان وأكل الميتة وأمثال ذلك. والأمر بالبراءة

1 . تفسير الرازي:24/173.

صفحه 158
كاشف عن أنّ الواجب على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو إظهارها لا الاحتفاظ بها في نفسه.

الأمر الرابع:

217. (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ):
لمّا كان في عَرض الإسلام على الأقربين وغيرهم مظنّة توجّه الأذى إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن لا يؤمن، أمره سبحانه بالتوكّل على الله وقال:(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) واختار من أسمائه ذينك الاسمين، فهو بعزته يعذّب العاصين، وبرحمته ينجي المؤمنين.
ويحتمل أنّه يكون إشارة إلى أنّه بعزّته سيظهره على أعدائه، وبرحمته يعصمه من شرّهم، وقد ورد الاسمان في آخر كلّ قصة جاءت في هذه السورة.
218 و 219.(الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ):
الآيتان تحكيان أنّه سبحانه يرى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حين يقوم متهجّداً في جوف الليل، ويراه في صلاته مع المؤمنين الذين يؤمّهم.
ففي الآية الأُولى:(الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) قلنا إنّها ناظرة إلى صلاته في جوف الليل، ويشهد لذلك قوله سبحانه:(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ).1

1 . المزمل:20.

صفحه 159
وأمّا الآية الثانية: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) فالمراد منها أنّه يرى تقلّبك في الساجدين إذا صلّيتَ في جماعة.
ولعلّ المراد من رؤية الله سبحانه هو كونه تحت رعايته وحمايته، فلا يصل إليه أيُّ سوء من الآخرين.
قال السيد الشريف الرضي(رحمه الله): وقوله سبحانه:(وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ): وهذه استعارة وليس هناك تقلّب منه على الحقيقة، وإنّما المراد به تقلّب أحواله بين المصلّين وتصرّفه فيهم بالركوع والسجود والقيام والقعود، وذهب بعض علماء الشيعة في تأويل هذه الآية مذهباً آخر فقال: المراد بذلك تقلّب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في أصلاب الآباء المؤمنين، واستدلّ بذلك على أنّ آباءه إلى آدم(عليه السلام) مسلمون لم تختلجهم خوالج الشرك، ولم تضرب فيهم أعراق الكفر تكريماً له(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أن يجري إلاّ في منزَّهات الأصلاب ومطهَّرات الأرحام، وهذا الوجه يخرج به الكلام عن أن يكون مستعاراً.1
220. (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ):
الظاهر أنّ ما في هذه الآية علّة لقوله:(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)فإذا كان سميعاً وعليماً كفاك المهمّ من أمرك، ودرأ عنك شرّ الأعداء.
***

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:168.

صفحه 160

بحث روائي حول آية الإنذار

روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين أنزل الله:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)، قال: «يا معشر قريش، ـ أو كلمة نحوها ـ اشتروا أنفسكم لا أُغني عنكم من الله شيئاً، يا بَني عبد مناف، لا أُغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أُغني عنك من الله شيئاً، ويا صفيّة عمّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لا أُغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) سليني ما شئت من مالي لا أُغني عنك من الله شيئاً».1
أقول: لقد أسلم أبو هريرة بعد فتح خيبر، أي في السنة السابعة من الهجرة، ولم يكن في أوائل البعثة موجوداً في مكّة، فكيف يروي هذه الحادثة؟ ثمّ إنّ الآية تأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بإنذار عشيرته الأقربين فلا معنى لقوله: «يا معشر قريش» التي تضمّ الطوائف الأربع؟ وأسوأ من ذلك ما روي عنه أيضاً، قال: لمّا نزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قريشاً وعمّ وخصّ فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإنّي لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً، يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإنّي لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإنّي لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإنّي لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً، يا فاطمة بنت محمّد أنقذي نفسك من النار فإنّي لا أملك لك ضرّاً ولا نفعاً، إلاّ أنّ لكم رَحِماً وسأَبُلُّها بِبَلالِها».2

1 . صحيح البخاري:3/254، برقم 4771، كتاب تفسير القرآن.
2 . الدر المنثور:6/324.

صفحه 161
والرواية لا تخلو من إشكال.
أوّلاً: لأنّ الآية تأمره بإنذار عشيرته الأقربين، والعشيرة ـ كما تقدّم ـ هم الأَدْنَون من القبيلة، وأين هؤلاء الأقوام من عشيرته الأقربين؟ فإنّهم من الأبعدين.
وثانياً: أنّ فاطمة(عليها السلام) بنت المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) ولدت في السنة الخامسة من البعثة(وهو المشهور بين علمائنا)، أو في السنة الثانية منها (كما يقول به عدد من علماء الفريقين)، ونزلت الآية في أوائل البعثة، فكيف يخاطب بنته فاطمة كما في الرواية؟! فهي(عليها السلام) إمّا أن تكون حينذاك غير مولودة، أو كانت رضيعة.
وعلى كلّ حال فلو صحّت هذه الرواية فهي تتعلّق بمناسبة متأخّرة عن مناسبة نزول آية الإنذار.
وأظن أنّ الغرض من إيراد الروايتين المتقدّمتين وما يماثلهما بمناسبة آية الإنذار، هو التعمية على الرواية الصحيحة التي وردت في تفسير هذه الآية ونقلَها جمع من المحدّثين من السنّة والشيعة.

الحديث الصحيح حول الآية

روى المفسّرون والمحدّثون أنّ الله تعالى لمّا أمر نبيّه بإنذار عشيرته الأقربين، كلّف(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام)أن يصنع له طعاماً وأن يدعو له بني عبد المطلب، فدعاهم (عليه السلام)، وهم يومئذ نحو أربعين رجلاً، وعزم(صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يبوح لضيوفه ويكشف لهم من أمر رسالته في خلال تلك الضيافة إلاّ أنّه ـ وللأسف ـ ما أن انتهوا من الطعام حتى بادر أبولهب فتكلّم بكلمات

صفحه 162
سخيفة قبل أن يتحدّث النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا جعل الجوّ غير مناسب لأنْ يطرَح النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)موضوع رسالته عليهم، فانفضّ المجلس دون تحقيق هذا الغرض.
ولمّا كان من غد أمر النبيُّ عليّاً(عليه السلام) بإعداد الطّعام ثانية، وكرّر دعوة تلك الجماعة دون أبي لهب، إلى ضيافة أُخرى، وبعد أن فرغوا من الطعام تكلّم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:
«إنّ الرائد لا يَكذبُ أهْلهُ وَالله الَّذي لا إله إلاّ هُو إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ خاصّة وإلى النّاسِ عامّة، وَالله لَتمُوتُنَّ كما تَنامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَما تَسْتَيْقظُون، وَلَتُحاسِبُنَّ بِما تَعْمَلُون، وَإنّها الجَنَّةُ أبداً والنّارُ أبداً».
ثم قال:
«يا بَني عَبْدِ المُطَّلِب إنّي وَالله ما أَعْلَمُ شابّاً في العَرَب جاءَ قومَهُ بأفضَل مِمّا جِئْتُكُمْ به، إنّي قَدْ جِئْتُكُم بِخير الدُّنيا والآخرةِ وَقَدْ أمرَني الله عَزَّ وجلَّ أن أدْعُوكُمْ إليه فَأيُّكُمْ يُؤمنُ بي ويؤازرُني عَلى هذا الأمر على أنْ يَكونَ أخي وَوَصِيّي وَخَليفَتي فِيكُمْ»؟
ولمّا بلغَ النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه النقطة ـ و بينما أمسك القوم وسكتُوا عن آخرهم إذ كان كلُّ واحد منهم يفكِّرُ في ما يؤولُ إليه هذا الأمر العظيمُ، وما يكتنفهُ من أخطار ـ قام «عليّ»(عليه السلام) فجأة، وهو آنذاك في الثالثة أو الخامسة عشرة من عمره، وقال وهو يكسر بكلماته الشجاعة ـ جدار الصمت والذهول ـ :
«أنا يا رسُولُ الله أكونُ وَزيركَ عَلى ما بَعثَكَ الله».

صفحه 163
فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إجلسْ، ثم كرّر دعوته ثانية وثالثة، وفي كلّ مرّة يحجم القومُ عن تلبية مطلبه، ويقوم «عليّ» ويعلن عن استعداده لمؤازرة النبيّ، ويأمره رسولُ الله بالجلوس حتى إذا كان في المرّة الثالثة أخذ رسول الله بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الأقربين وقال:
«إنّ هذا أخي وَوَصيّي وَخَليفَتي فيكُمْ فاسْمَعُوا لَهُ، وَأطِيعُوا».
فقامَ القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: «قد أمرك أن تسمع لابنكَ وتطيعَ وجعله عليك أميراً».1
إنّ ما كتبناه هو ـ في الحقيقة ـ صياغة لحديث مفصَّل رواه كثير من المحدّثين والمفسّرين والمؤرّخين بعبارات مختلفة، منهم: أبو جعفر الإسكافي المعتزليّ وصحّحه، وأحمد بن حنبل (بإسناد رجاله ثقات، كما يقول الهيثمي)، والنّسائيّ، وابن جرير الطبري وصحّحه في كتابه «تهذيب الآثار»، ومحمد بن العباس بن الماهيار المعروف بابن الحجّام، وغيرهم.2

النبوّة والإمامة توأمان

إنّ الإعلان عن وصاية عليّ(عليه السلام) وخلافته في مطلع عهد الرسالة وبداية أمر النبوّة يفيد ـ بقوّة ووضوح ـ أنّ هذين المنصبين ليسا بأمرين منفصلين، ففي اليوم الّذي يعلن فيه رسولُ الله عن رسالته ونبوّته، يعيّن خليفته ووصيّه من بعده، وهذا يشهد ـ بجلاء ـ بأنّ النبوّة والإمامة يشكِّلان

1 . انظر: تاريخ الطبري:2/62 و 63; الكامل في التاريخ:2/40 و 41; مسند أحمد:1/111 و159; خصائص أمير المؤمنين للنسائي:51، برقم 66; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/244ـ 245.
2 . راجع: واحة اليقين لحيدر البغدادي الطحّان:371ـ 375.

صفحه 164
قاعدة واحدة، وأنّ هذين المنصبين إن هما إلاّ كحلقتين متّصلتين لا يفصل بينهما شيء.
كما أنّ هذه الحادثة تكشف ـ من جانب آخر ـ عن مدى الشجاعة الروحية التي كان يتحلّى بها الإمام أمير المؤمنين «عليّ بن أبي طالب»(عليه السلام)، حيث قام ـ في مجلس أحجم فيه الشيوخ الدّهاة والسادة المجرَّبون عن قبول دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خوفاً وتهيّباً ـ وأعلن بكلّ شجاعة مؤازرته للنبيّ، واستعداده للتضحية في سبيل دينه ورسالته وهو آنذاك غلامٌ في ربيعه الثالث أو الخامس عشر، وما حابى أعداء الرسالة ولا ماشاهم كما يفعل المصلحون من الساسة والزعماء المتخوّفون على مصالحهم ومراكزهم آنذاك!!!
صحيح أنّ «عليّاً»(عليه السلام) كان في ذلك اليوم أصغر الحاضرين سنّاً إلاّ أنّ معاشرته الطويلة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هيّأت قلبه لتقبُّل الحقائق التي تردّد شيوخ القوم في قبولها، بل عجزوا عن دركها وفهمها!!
ولقد أعطى أبو جعفر الإسكافي الكلام حقّه في هذا المجال إذ قال:
سورة الشعراء: الآيات 221 ـ 227   
فهل يُكلَّف عملُ الطعام، ودعاء القوم صغيرٌ غير مميّز، وغِرّ غير عاقل، وهل يؤتمَن على سرّ النبوّة طفلٌ... وهل يُدعى في جملة الشيوخ والكهول إلاّ عاقل لبيب، وهل يضع رسولُ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يده في يده، ويعطيه صفقة يمينه بالأُخوّة والوصيّة، والخلافة، إلاّ وهو أهل لذلك، بالغ حدّ التكليف، محتمل لولاية الله، وعداوة أعدائه، وما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه ولم يلصق بأشكاله، ولم يُر مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه، وهو كأحدهم في طبقته، كبعضهم في معرفته، وكيف لم ينزع إليهم في

صفحه 165
ساعة من ساعاته... بل ما رأيناه إلاّ ماضياً على إسلامه، مصمِّماً في أمره، محقّقاً لقوله بفعله، قد صدّق إسلامه بعفافه وزهده، ولصق برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من بين جميع من بحضرته، فهو أمينه وأليفه في دنياه وآخرته.1

الآيات: الحادية والعشرون بعد المئتين إلى آخر السورة

(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَاد يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ).

المفردات

الشياطين: جمع شيطان، وهو مشتق من شطن أي تباعد والنون فيه أصلية، وربما يقال إنّه مشتق من شاط يشيط بمعنى احترق غضباً، والمشهور هو الأوّل. وأُريد من الشياطين أشرار الجنّ.
أفّاك: كذّاب، من أَفِكَ بمعنى كذَب.
أثيم: كثير الإثم.

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:13/245.

صفحه 166
يلقون السمع: السمع هو الجارحة المعروفة، والإلقاء كناية عن شدّة الإصغاء، وكأنّهم يلقون آذانهم لما يقال.
الغاوون: الضالّون المنحرفون عن السنن القويمة.
واد: الوادي: المكان المنخفض بين الجبال.
يهيمون: يقال: هامَ على وجهه، إذا ذهب لا يدري أين يتوجّه. والهائم: المتحيّر.
منقلب: المنقلَب: المَرجِع.

التفسير

كان المشركون يتّهمون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكهانة تارة وبالشعر أُخرى كما يحكيه عنهم سبحانه بقوله:(فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِن وَلاَ مَجْنُون * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ).1
والكاهن هو الذي يخبر عن الحوادث في مستقبل الزمان ويدّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنة كشِقّ وسَطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ ورئِيّاً يلقي إليه الأخبار.
وأمّا الشعر فيطلق على الموزون المقفّى من الكلام، والشاعر هو المختصّ بصناعته، وربّما يطلق على غير المنظوم من الكلام كالقصص الخيالية أو الحماسيّة، ففي هاتين الآيتين نفي لتهمة كون النبيّ كاهناً يتعاطى

1 . الطور:29ـ 30.

صفحه 167
الأخبار من الجنّ، ولتهمة كونه شاعراً له كلام منظوم يجذب القلوب بصناعته وحلاوة ألفاظه، وفي هذه المجموعة من الآيات ردّ على كلتا التهمتين.

ردّ الاتهام بالكهانة

فقوله سبحانه: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) ردّ على اتّهام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه كاهن، وأمّا قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) فردّ على التهمة الثانية وهي كونه شاعراً. وقد تقدّم ردّ التهمة الأُولى في قوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ).1
إذا عرفت ذلك فلنعرّج على تفسير الآيات.
221. (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ):
الاستفهام صوري، وهو إنشاء بمنزلة الإخبار، والمعنى: سأخبركم ـ أيّها المشركون الذين تتّهمون النبيّ بالكهانة ـ عمّن تتنزّل عليهم الشياطين بالأخبار.
222.(تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاك أَثِيم):
أي تتنزّل الشياطين على كلّ كذّاب غارق في مستنقع الإثم، فهم ينزلون على أمثالهم دون النبي الصادق الطاهر. فكيف يصفونه بالكاهن الذي يتنزّل عليه الشيطان؟!

1 . الشعراء:210.

صفحه 168
223. (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ):
الظاهر أنّ الضمير في كلا الموردين: (يُلْقُونَ) و(أَكْثَرُهُمْ) يرجع إلى الشياطين، والمراد أنّهم يصغون أشدّ الإصغاء إلى الملأ الأعلى ثم يمزجون ما تلقّفوه بأكاذيب ويلقونها إلى الكهنة الذين عبّر عنهم سبحانه بقوله:(كُلِّ أَفَّاك أَثِيم)فقد روي أنّهم كانوا ـ قبل أن يُحجبوا بالرجم ـ يسّمّعون إلى الملأ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلم به الملائكة ممّا اطّلعوا عليه من الغيوب ثم يوحون به إلى أوليائهم(الكهنة) وأكثرهم كاذبون فيما يوحى به إليهم لأنّهم يُسمعونهم ما لم يَسمَعوا.
وربّما يُفسَّر السمع بالمسموع، أي يلقون المسموع من الملائكة إلى أوليائهم ـ أعني: الكهنة ـ ممزوجاً بالكذب.
هذا هو الظاهر، وللمفسّرين أقوال أُخرى ذكرها الطبرسي في مجمعه1 والرازي في تفسيره2 نذكر واحداً منها:
أنّ الضمير في كلا الموردين يرجع إلى الكهنة ـ أعني: ـ (كُلِّ أَفَّاك أَثِيم) ـ أي إنّ الأفّاكين يلقون السمع إلى الشياطين وأكثرهم يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم.3 والفرق بين الوجهين واضح، فإنّ الوصفين على الوجه الأوّل من صفات الشياطين، وعلى الثاني من صفات الكهنة.
وعلى كلّ تقدير فالله سبحانه يردّ على من زعم أنّ رسول الله كاهن

1 . لاحظ: مجمع البيان:7/383.
2 . لاحظ: تفسير الرازي:24/175.
3 . تفسير الرازي:24/175.

صفحه 169
ببيان أنّ الغالب على سائر الكهنة الكذب، فلو كان حال الرسول مثل حالهم يجب أن يظهر الكذب في أخباره مع أنّه لم يظهر في إخباره عن المغيَّبات إلاّ الصدق، وثبت أنّه بعيد عن الكهانة بُعد المشرقَين.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ الشريف الرضيّ اختار الوجه الأوّل، غير أنّه احتمل في لفظة السمع احتمالين:
1. أن يكون السمع بمعنى الأُذن.
2. أو يكون السمع بمعنى المسموع. وقال ما هذا نصّه:
وهذه استعارة على أحد التأويلين وهو أن يكون المراد بها أنّهم يشغلون أسماعهم ويديمون إصغاءهم ليسمعوا من أخبار السماء ما يموّهون به على الضلاّل من أهل الأرض وهم عن السمع بمعزل وعن العلم بمدحر، وذلك كقول القائل لغيره: قد ألقيت إليك سمعي، أي صرفته إلى حديثك ولم أشغله بشيء غير سماع كلامك.
والتأويل الآخر: أن يكون السمع هاهنا بمعنى المسموع كما يكون العلم بمعنى المعلوم، فيكون التأويل أنّ الشياطين يلقون ما يدّعون أنّهم يستمعونه إلى أفّاك أثيم من أعداء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على طريق الوسوسة واعتماد القدح في الشريعة، وهذا الوجه يخرج الكلام عن حدّ الاستعارة.1
إلى هنا تمّ رد فرية الكهانة وأنّ اتّهام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بها ينافي ما هو المعروف عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) خلال حياته قبل البعثة من الطهر والنقاء، والأمانة

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:169. ويريد من الاستعارة: المجاز، وهذا مصطلحه في مواضع الكتاب عامّة.

صفحه 170
والصدق في القول والعمل.

نقد اتّهام النبيّ بأنّه شاعر

224. (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ):
ثمّ إنّ المشركين اتّهموا القرآن بأنّه شعر والنبيّ شاعر، وقد وردت هاتان التهمتان في آيات عديدة، منها قوله سبحانه: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ)1، وقوله:(أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِر مَجْنُون)2 إلى غير ذلك من الآيات .3
وهذه الآية والآيتان اللّتان تليها، تنطوي على ردّ على التهمة الثانية، أي الزعم بأنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)شاعر، وليس برسول من ربّ العالمين، وفيها بيان للصفات الذميمة الغالبة على أكثر الشعراء، فقوله سبحانه: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) ناظر إلى أُولئك الشعراء الذين يطلقون القول بدافع من أهوائهم وأطماعهم وشهواتهم، ولا يتّبعهم إلاّ الغاوون المنحرفون عن جادة الحقّ، المائلون إلى الفساد، فالمتبوع ضالّ ومن يتّبعونه ضالّون.
ثمّ إنّه يعلِّل ما وصف به الشعراء بوجهين:

الأوّل:

225. (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَاد يَهِيمُونَ):

1 . الأنبياء:5.
2 . الصافات:36.
3 . لاحظ: الطور:30، الحاقة:41.

صفحه 171
الاستفهام تقريري يبيّن لنا حال الشعراء، وأنّهم يندفعون مع خيالاتهم وأوهامهم ومصالحهم ومنافعهم الدنيوية في كلّ اتّجاه ولا يستقّرون على حال، وهم لأجل ذلك يبالغون في مدح من يُجيزهم، ويسرفون في هجاء من يمنعهم أو يخاصمهم، ويموّهون بخيالاتهم حقائق الأُمور، فيظهر الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، إلى غير ذلك، وأين هذا من الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا يقول إلاّ الحق والصدق، ولا يدعو إلاّ إلى ما فيه رضا الله سبحانه وتعالى، ويرغّب في الفضائل وينهى عن الرذائل؟
قال الشريف الرضي(رحمه الله) حول الآيتين: إنّ الشعراء يذهبون في أقوالهم المذاهب المختلفة ويسلكون الطرق المتشعّبة، كما يقول الرجل لصاحبه إذا كان مخالفاً له في رأي أو مباعد له في كلام: أنت في واد وأنا في واد، ومثل ذلك قولهم: فلان يهبّ مع كلّ ريح، ويطير بكلّ جناح، ومجيباً لكلّ ناعق.1

الثاني:

226. (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ):
وهذه سمة من يغلب عليه الهوى، فهم يدعون إلى الخير وهم بُعداء عنه، ويصفون العدل وهم يمدحون الظلمة، ويرغِّبون في الجود وهم يبخلون بمالهم إلى غير ذلك، فقولهم يعارض فعلهم.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:169.

صفحه 172
227. (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ):
لمّا ذمّ سبحانه فئة الشعراء المتّصفين بالوصفين المذكورين، استثنى منهم الشعراء الذين يتحلّون بالصفات التالية:
1. الإيمان بالله تعالى الذي يترتّب عليه الانقياد لأمره ونهيه، قال تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا).
2. العمل الصالح وهو ثمرة الإيمان، قال تعالى:(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).
3. الاستغراق في ذكر الله لساناً وقلباً، قال تعالى:(وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا).
4. الانتصار ممّن أوقع عليهم الظلم، وبغوا على الحقّ ومناصريه، قال تعالى: (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا).
ومن المعلوم أنّ شعر هذا القسم يدعو إلى الأخلاق والمثل العليا وصلاح المجتمع، وإلهاب شعور الجماهير لمكافحة الظالمين والمنافحة عن المظلومين، فهؤلاء هم الذين استثناهم الله تعالى.
كلام في الشعر والشعراء   
وفي ختام السورة هدّد المشركين بسوء منقلبهم ومرجعهم على وجه الإجمال قائلاً: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ): أي إلى أيّ معاد يعودون إليه، هل يعودون إلى نار سجّرها سبحانه أو إلى جهنم لا يَسْكن لهيبها ولا يُطفأ سعيرها. وهذه الآية يتذاكر بها الوعّاظ من على منابرهم، يقول الزمخشري في «الكشّاف»: وكان السلف الصالح يتواعظون ويتنادرون شدّتها ثم قال: اللهم اجعلنا ممّن جعل هذه الآية بين عينيه فلم

صفحه 173
يغفل عنها، وعلم أنّ من عمل سيئة فهو من الذين ظلموا.1
وربّما يفسّر الظلم بالكفر، وهو بعيد عن إطلاق اللفظ.

كلام في الشعر والشعراء

إنّ الشعر سواء أكان في قالب القصة أو قالب الكلام المنظوم، موهبة إلهية يخصّ بها سبحانه لفيفاً من عباده، فهي أشبه بنفائس مكنوزة تحت الأرض أو معادن مستورة بركام من التراب، حيث تخرجها من الخفاء إلى الظهور الحوادث التي تواجه الشاعر في حياته وتؤثّر في روحه وعقله، فعند ذلك تتوقّد القريحة إلى جهة صالحة أو فاسدة.
ثمّ إنّ للإنسان نزوعاً إلى هذا النوع من الكلام، وقد يبلغ به تهييج العواطف والتذاذ الأسماع بمكان أنّه ربّما يفقد وعيه. والشعر في الوقت نفسه سلاح شديد الوقع، فإنِ استعمله الشاعر في الحماسة هاجت النفس لاقتحام ساحات الردى والهلكة، وإن استغله في الاستعطاف والاستعطاء حرّك العواطف وأجّجها.
وإن استعان به في التشبيب أغرى الأفئدة بالهوى والمجون، إلى غير ذلك من غايات خاصّة للشعر على وجه الإطلاق، كما أنّه سلاح ذو حدّين، فالشعر الهادف هو ما يبني المجتمع ويوقظ الشعب ويسوقه نحو العلم والصلاح والفلاح، وغير الهادف منه هو ما يكرّس النزعات الأنانية في المجتمع ويسير به نحو هاوية الانحطاط، ويبعثه نحو الانحلال الخلقي، ولله در الشيخ محمد رضا الشبيبي شاعر العراق الفحل إذ يقول:

1 . تفسير الكشّاف:3/131.

صفحه 174
كفـى الشعـر ذمّـاً إنّ للشعــر قائــلاً *** وما هو إلاّ قائلٌ غير فاعلِ1
ولا خير في شعر إذا لم يقم به *** خمولُ نبيه أو نباهةُ خامل
إذا قلت إنّ الشعر بحر غَبنتَه *** متى يستقيم البحر من غير ساحل
قرائحنا منها بحورٌ خضارمٌ *** ومنها إذا جرَّبتَ رشحُ الجداول
وأجمعُ أقوال الرجال أسدُّها *** معان كبارٌ في حروف قلائل2
فالحقّ ـ كما قال الشبيبي ـ أنّ قيمة الشعر بمعناه وبتأثيره الفاعل في إيقاظ المجتمع، فربَّ قصيدة كثيرة الأبيات لا تجد فيها كلمة حكيمة تُسعد الإنسان في حياته أو تصدّه عن مزالقه.
وربّ بيت واحد يفضَّل على قصيدة، لأنّه يشفّ عن حكمة بالغة تأخذ بيد الإنسان إلى طريق السعادة، وتُجنّبه مزالق الحياة، وقد أشار إلى ذلك الشاعر المذكور بقوله:
موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الشعر والشعراء   
وقد يبلغ البيت البليغ قصيدة *** مطوّلة لكن على غير طائلِ

1 . إشارة إلى قوله سبحانه:(أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَاد يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ)(الشعراء:225ـ 226).
2 . محمد جمال الهاشمي: الأدب الجديد: 1ـ2، طبعة النجف الأشرف.

صفحه 175
وقد يبلغ اللفظ القصير رسالة *** إذا عدّت الألفاظ روح الرسائل
وقال المعاصر الشاعر المفلق السيد محمود الموسوي:
لا شعـرَ لا شعـرَ إلاّ ما يسيل رؤىً *** وحكمةً كالضُّحى الزاهي وريحانا
كأنّه وحنايا القلب تَرشُفُه *** فرحانةٌ لَقيتْ في الحبّ فرحانا
ويتحدّث الخطيب الدكتور أحمد الوائلي(رحمه الله) عن رسالة الشعر ودوره في إثارة المشاعر، فيقول:«الكلمة التي تكون مقفّاة وموزونة فإنّ وقعها على النفوس لا حدّ لتأثيره، وفي التراث التاريخي والواقع المعاصر من الشواهد ما هو كفيل بالتدليل على ما ذكرنا. إنّ الكلمة الشعرية بالإضافة إلى كونها مكهربة عاطفياً، فإنّها تأخذ وضعاً ملتزماً إذا أُحسن توظيفها في مسارها الإديولوجي، وبذلك تخرج عن كونها مجرد إفراز عاطفي، لتصبح ثمرة لمعاناة مقصودة ذات هدف محدّد، ولا منافاة بين ذلك ووظيفتها الجمالية أو الفنيّة كما يتصوّر البعض، بداهة أنّ تغليب الجانب الفني الجمالي على الجانب الرسالي أو العكس إنّما يحدّده التأكيد على أحد الجانبين، دون أن يطمس هذا التأكيد معالم الجانب الآخر.1

موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الشعر والشعراء

روي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أصحاب القرائح في المدينة بقوله: اهجوا بالشعر فإنّ المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمّد بيده كأنّما تنضحونهم بالنَّبل،(2) وفي لفظ آخر: فكأنّما ترمونهم به نضْحُ النَّبل.

1 . ديوان الوائلي، المقدمة:7.   2 . مسند أحمد:3/456، 460.

صفحه 176
ويشهد تاريخ الأدب العربي على أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يثمّن شعر كلّ شاعر فيه صلاح المجتمع وترسيخ للقيم الأخلاقية فيه، ولذلك نرى أنّه عندما أنشد شاعر من كنانة شعره أمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:
لك الحمد والحمد ممّن شكرْ *** سُقينا بوجه النبيّ المطرْ
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«يا كنانيّ بوّأك الله بكل بيت قلته بيتاً في الجنة».1
ولمّا استسقى(صلى الله عليه وآله وسلم) وسقوا بالمطر الغزير، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «لله درّ أبي طالب لو كان حيّاً لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟».
فقام عمر بن الخطاب، فقال: عسى أردت يا رسول الله:
وما حملت من ناقة فوق ظهرها *** أبرّ وأوفى ذمّة من محمّدِ
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ليس هذا من قول أبي طالب، هذا من قول حسّان بن ثابت».
فقام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وقال: كأنّك أردت يا رسول الله:
وابيض يُستسقى الغمام بوجهه *** ثِمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
تلوذُ به الهُلاّك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضلِ

1 . أمالي الشيخ الطوسي:75، الحديث 110،المجلس الثالث.

صفحه 177
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أجل».1
وهذا هو كعب بن زهير الذي قدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تائباً وأنشد قصيدته المعروفة التي مستهلها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ *** متيّم إثرها لم يفدَ مكبولُ
قال ابن هشام: وذكر لي عن علي بن زيد بن جدعان قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيم إثرها لم يفد مكبولُ
قال ابن هشام: ويقال أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: حين أنشد:
«لولا ذكرت الأنصار بخير، فإنّهم لذلك أهل».فنظم كعب قريضاً خصّ الأنصار بالمدح وقال:
من سرّه كرم الحياة فلا يزل *** في مِقْنب من صالحي الأنصارِ
ورثوا المكارم كابراً عن كابر *** إنّ الخيار همُ بنو الأخيارِ(2)
قال العلاّمة الأميني: وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يثوّر شعراءه إلى الجدال بنبال النظم وحسام القريض، ويحرّضهم إلى الحماسة في مجابهة الكفّار في قولهم المضادّ لمبدئه القدسيّ، ويبثّ فيهم روحاً دينياً قويّاً، ويؤكّد فيهم حميّة تجاه الحميّة الجاهلية، وكان يوجد فيهم هياجاً ونشاطاً في النشر والدعاية، وشوقاً مؤكّداً إلى الدفاع عن حامية الإسلام المقدّس، ورغبةً في المجاهدة بالنظم بمثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) للشاعر: «اهجُ المشركين، فإنّ روح القدس معك ما

1 . أمالي الشيخ الطوسي:75، الحديث 110، المجلس الثالث.   2 . السيرة النبوية:1/503ـ 515.

صفحه 178
هاجيتهم».1 وقوله: «اهجُهم، فإنّ جبريل معك»2.3
موقف الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من الشعر والشعراء   

موقف الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من الشعر والشعراء

إنّ موقف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من الشعر الملتزم والشعراء الهادفين هو نفس موقف جدّهم المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك. وكان الشعراء الموالون يقصدون بيوتهم وينشدون قريضهم لهم تقرّباً إلى الله تبارك وتعالى، فيحظَون بمباركتهم ودعائهم، وربّما عقد بعض الأئمّة(عليهم السلام)مجلساً لإنشاد الشعر.
وهذا هو شاعر أهل البيت الكميت بن زيد الأسدي(60ـ 126هـ) له ميمية معروفة أنشدها عند الإمام الباقر(عليه السلام) في المدينة، مطلعها:
من لقلب متيَّم مُستهامِ *** غير ما صبوة و لا أحلامِ
روى المسعودي في «مروج الذهب»: قدم الكميت المدينة فأتى أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي(عليهم السلام) فأذن له ليلاً وأنشده، فلما بلغت الميمية قوله:
وقتيل بالطف غودر منه *** بين غوغاء أمّة وطَغامِ
بكى أبوجعفر(عليه السلام) ثم قال: «يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لحسّان: «لازلت مؤيّداً بروح القدس ما

1 . مسند أحمد4/298; مستدرك الحاكم:3/487.
2 . مسند أحمد:4/299، 302، 303.
3 . الغدير:2/8. وسيوافيك مزيد بيان موقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الشعر والشعراء في سورة «يس» في تفسير قوله سبحانه:(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)(يس:69).

صفحه 179
ذببت عنّا أهل البيت».1
وكان الإمام الصادق(عليه السلام) يستنشد شعر السيد إسماعيل الحميري(رحمه الله)ويحتفل به.
روى المرزباني، قال: حدّثني فضيل بن عمر الحبّال، قال: دخلت على أبي عبد الله(عليه السلام) بعد قتل زيد(عليه السلام) فجعل يبكي ويقول: «رحم الله زيداً أنّه العالم الصدوق، ولو ملك أمراً لعرف أين يضعه».
فقلت: أنشدك شعر السيّد؟ فقال: «أمهل قليلاً»، وأمر بستور، فسُدلت، وفُتحت أبواب غير الأُولى،ثم قال: «هات ما عندك» فأنشدته:
لأُمّ عمرو باللّوى مرتعُ *** طامسة أعلامه بلقعُ2
وهذا هو دعبل الخزاعي (الشهيد عام 246هـ) صاحب التائية المعروفة التي مطلعها:
تجاوبن بالإرنان والزفراتِ *** نوائح عُجم اللفظ والنطقاتِ
وجاء فيها:
مدارس آيات خلتْ من تلاوة *** ومنزلُ وحي مقفر العرصاتِ
وقد أنشدها بين يدي الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) في خراسان. يقول: دخلت على الإمام الرضا(عليه السلام)فقال: أنشدني ممّا حدثت؟
فأنشدته:

1 . مروج الذهب:3/254.
2 . أخبار شعراء الشيعة:159.

صفحه 180
مدارس آيات...
حتى انتهيت إلى قولي:
إذا وُتروا مدّوا إلى واتريهم *** أَكفّاً عن الأوتار منقبضات
فبكى حتى أُغمي عليه، وأومأ إليّ خادم كان على رأسه: أن اسكت، فسكتّ، فمكث ساعة ثمّ قال لي: «أعِدْ» فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً، فأصابه مثل الذي أصابه في المرّة الأُولى، وأومأ إليّ الخادم: أن اسكت... ثم قال دعبل: حتى أنهيت إلى آخرها، فقال لي أحسنت ـ ثلاث مرات ـ ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضُرب باسمه، لم تكن دفعت إلى أحد بعد.1
***
تمّ تفسير سورة الشعراء

1 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام):2/294، الحديث 34.

صفحه 181
تفسير سورة النمل   

سورة النمل

(طَس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين * هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيم عَلِيم * إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَاب قَبَس لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوء فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء فِي تِسْعِ آيَات إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ *

صفحه 182
 
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ الَّنمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْني بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ * وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّي بِسُلْطَان مُبِين * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيد فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين * إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ

صفحه 183
 
مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اِذْهَبْ بِكِتَابي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُوني مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُوني فِي أَمْري مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأْس شَدِيد وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُري مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّة فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَال فَمَا آتَانيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ  أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ

صفحه 184
 
كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْم كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْط يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ *فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *

صفحه 185
 
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوط مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * أمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ *بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ

صفحه 186
 
الأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين * إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ *إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ * وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ *حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ *أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ *

صفحه 187
 
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَع يَوْمَئِذ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).

صفحه 188
تفسير سورة النمل: خصائص السورة   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة في المصاحف بسورة «النمل» لورود قصة النملة مع سليمان فيها، وربّما تُسمّى بسورة «سليمان» لورود قصته(عليه السلام) فيها على وجه التفصيل، بينما وردت قصص سائر الأنبياء الأربعة على وجه الإيجاز.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها في عدّ الحجازي خمس وتسعون آية، وفي عدّ الشامي أربع وتسعون، وفي عدّ الكوفي ثلاث وتسعون آية. والسورة مكّية بالاتّفاق، تشهد لذلك مضامينها حيث نبّهت على إعجاز القرآن في صدرها، وركّزت على قصص الأنبياء الخمسة في ثناياها، وعلى المبدأ والمعاد في مختتمها، وكلّ ذلك يتناسب مع الفترة المكّية.

أغراض السورة

سورة النمل: الآيات 1 ـ 6    
في السورة تنبيه على إعجاز القرآن وتوكيد لربّانيّته وأنّه موحى من الله إلى نبيّه ولم يفتعله هو(صلى الله عليه وآله وسلم)بتعلُّم من أحد، أو اقتباس من كتاب، ثم تعرض مشاهد من قصة موسى (عليه السلام)، ثم تتوسّع في بيان قصة سليمان(عليه السلام)، الّذي بلغت البلاد في عهده أوج القوّة والعزّة والرفعة، وتذكر قصة صالح ولوط(عليهما السلام)للعبرة، وتختم السورة بما يتعلق بالمبدأ والمعاد.
ومن عجيب القول ما ذكره القرطبي في تفسير قوله:(وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ

صفحه 189
فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ)،1 قال: نسختها آية القتال.2
يلاحظ عليه: أنّ النسخ عبارة عن رفع حكم وارد في القرآن الكريم بنحو من الدلالات، وليس في الإخبار بأنّه من المنذَرين أن لا يقوم في المستقبل بالسيف حتى تكون الآية الثانية ناسخة للأُولى. على أنّ السيف الذي استعمله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن للدعوة إلى الإيمان والإخلاص، بل لرفع الحواجز والموانع التي كان يضعها العتاة المجرمون لمنع بلوغ الدعوى إلى الناس، فإذا أُزيلت تلك الحواجز وأُتيح للناس أن يتدبّروا فيها فعندئذ (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)3 والتفصيل في محلّه.

الآيات: الست الأُولى

(طَس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين * هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيم عَلِيم).

1 . النمل:92.
2 . الجامع لأحكام القرآن المعروف بتفسير القرطبي:13/264.
3 . الكهف:29.

صفحه 190

المفردات

يعمهون: العَمَه: التردّد في الأمر من التحيّر.1 يقال: عَمِهَ يَعْمَه عَمَهاً، فهو عَمِه وعامه: أي حائر عن الحقّ.

التفسير

1 و 2 . (طَس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين * هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ):
قوله تعالى:(طَس): من الحروف المقطّعة، وللمفسّرين فيها آراء، وسيوافيك تفصيل ذلك في السور الآتية وخصوصاً في سورة الأحقاف. والمختار عندنا أنّها إشارة إلى إعجاز القرآن وأنّه مؤلّف من تلك الحروف ومقابلاتها في الأوصاف، والجميع في متناول فصحاء العرب وبلغائهم، فلو صحّ القول بأنّه من صنع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فليجيبوا عن التحدّي الذي يواجههم به القرآن، بالإتيان بمثله، ولذلك يقول سبحانه في الآية السادسة من هذه السورة: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيم عَلِيم).
قوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين) إشارة إلى ما أُوحي إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي للتعظيم ولبيان سموّ مكانة آيات القرآن، تماماً كما في قوله سبحانه: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ).(2)
ثمّ إنّه سبحانه وصف الآيات بصفات أربع:

1 . المفردات للراغب: 348 ، مادة «عمه».   2 . البقرة: 2.

صفحه 191
1. (الْقُرْآنِ)
2.(كِتَاب مُبِين)
3.(هُدًى )
4.(بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)
قوله: (تِلْكَ)مبتدأ، وقوله: (آيَاتُ الْقُرْآنِ) خبره. أمّا الوصف الأوّل فهو كون الآيات مقروءة، وأمّا الثاني فهي كونها مكتوبة.
ثمّ إنّ الآية الأُولى وردت في مستهل سورة «الحِجر» باختلاف يسير، قال تعالى:(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين )1، حيث قدّم القرآن وأخّر الكتاب في آيتنا هذه على عكس ما في سورة «الحِجر»، وأيضاً عرّف القرآن ونكر الكتاب هنا على خلاف ما في سورة «الحجر».
وقد أجاب عن الأمر الثاني القرطبي وقال: إنّ القرآن والكتاب اسمان يصلح لكلّ واحد منهما أن يُجعل معرفة وأن يُجعل صفة.2
والجواب غير واف، لأنّ السؤال لماذا اختار المعرفة في المقام وخلافها في سورة «الحِجر»، وما هو الوجه في ذلك؟
ويمكن الإجابة عن الأوّل بأنّ المقام هنا مقام التنويه بالقرآن ومتّبعيه المؤمنين، والقراءة تناسب حال المؤمنين والمتقبّلين لآياته، ولذلك قدّم القرآن وأدخل اللام، ثم عطف عليه قوله:(وَكِتَاب مُبِين)ليكون جامعاً لأوصافه بأنّه مقروء ومكتوب.

1 . الحجر:1.
2 . الجامع لأحكام القرآن:13/155.

صفحه 192
وأمّا ما في أوّل سورة «الحِجر» فبما أنّه في مقام التحسير للكافرين فناسب أن يبتدأ باسم الكتاب المشتقّ من الكتابة دون القرآن لأنّهم بمعزل عن قراءته ولكنّه مكتوب، فلذلك عرّف الكتاب وقدّمه بخلاف القرآن.1
هذا كلّه حول الوصفين الأوّلين وهما كونه قرآناً وكتاباً، وأمّا الوصف الثالث والرابع فهو قوله تعالى: (هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) فالمصدران حالان من الكتاب وكلاهما بمعنى الفاعل أي هادياً ومبشّراً للمؤمنين، وقد خصّ أمرهما بالمؤمنين لأنّهم هم المنتفعون بهدايته كما أنّ البشرى مختصّة بهم، وهذا لا ينافي أن يكون القرآن هادياً لعامّة الناس كما يقول سبحانه:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)2وذلك لأنّ الدعوة النبوية كانت دعوة عامّة موجّهة إلى البشر كافّة.
ثمّ إنّه سبحانه ـ إشارة لمقام المؤمنين ـ عرّفهم في الآية التالية وقال:
3. (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ):
ذكر في تعريف المؤمنين أُموراً ثلاثة:
أمّا الأول: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ)فالمؤمنون يؤدّون الصلاة مستوفية لحدودها وسُننها وخشوعها كما يقول سبحانه:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ)3، بخلاف المشركين الذين يقول في حقهم:(مَا

1 . التحرير والتنوير:19/218ـ 219، بتوضيح منا.
2 . البقرة:185.
3 . المؤمنون: 1و 2.

صفحه 193
سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ).1
وأمّا الأمر الثاني: (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)فالمؤمنون يزكّون أموالهم بخلاف الكافرين، فهم يمنعون منها قال سبحانه:(وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * اَلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).2
فالصلاة تجعل المؤمن على صلة وثيقة ودائمة بالله سبحانه، وأمّا الزكاة فهي تعبير عن صلته بالمجتمع، وهي من أقوى الأسباب الباعثة على بنائه وتماسكه، بالإضافة إلى تأثيرها في نفس الفرد بتطهيرها من دنَس البُخل، وبما أنّ السورة مكّية فالمراد بالزكاة هنا هو مطلق التصدّق على الفقراء، وأمّا الزكاة حسب المعنى المصطلح فقد شرّعت بالمدينة في أوائل الهجرة.
بقي الكلام في الأمر الثالث وهو الاعتقاد الجازم الذي لا يعروه شكّ بالآخرة كما قال: (وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)، فقد عبّر عن الأمرين الأوّلين بالجملة الفعلية، وأمّا الأمر الثالث فعبّر عنه بالجملة الاسمية، ثم فصَل بين المبتدأ والخبر بضمير الفصل(هُمْ) وقال:(هُمْ يُوقِنُونَ)كلّ ذلك للاهتمام بالمضمون، وذلك لأنّ الإيمان بالآخرة أحد الأُصول الثلاثة، ولولا الإيمان بالمعاد لا يصدق على المعتقَد وصف الدين وإنّما يوصف بالمسلك، فمن وحّد الله سبحانه دون أن يعتقد بالمعاد ودعا الناس إلى معتقده، فهو رجل إصلاحي وليس رجل ديني لأنّ أساس الدين هو كون الدنيا مزرعة للآخرة.

1 . المدثر:42ـ 43.
2 . فصلت: 5 ـ 6.

صفحه 194
4. (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ):
قد مرّ أنّ الإيمان بالآخرة أساس الدين، ولولاه لما صحّ أن توصف أيّة دعوة إصلاحية بالدين، ولذلك أخذ البيان الإلهي يصف أحوال المنكرين للمعاد بقوله:(إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)من غير فرق بين الشاكّ والمُنكر، فهم على الوصف التالي: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ)، وأنت ترى أنّه سبحانه قد نسب، في هذه الفقرة، تزيين أعمالهم السيئة إلى ذاته المقدّسة، فهل يجوز الأخذ بهذا المعنى الظاهر منها، مع أنّه قد نسب التزيين في مواضع من كتابه المجيد إلى الشيطان، كما في قوله سبحانه: (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )1. وإذا لم يجز ذلك فما هو المراد إذاً من هذه الفقرة؟
والجواب:أنّ النفس الإنسانية إذا خُلّيت وطبيعتها مالت إلى الشهوات واللّذات، وعندئذ يغريها الشيطان بالاسترسال فيها والاستغراق في حياة اللّهو والعبث وممارسة الأعمال السيئة، وذلك بتزيينها وإعطاء عناوين برّاقة وخادعة لها، فتتلقّى النفس ـ مثلاً ـ المجون والفجور تحضّراً وانفتاحاً، والطهرَ والعفاف تشدّداً وانغلاقاً، والظلم والاستبداد قوّة وحزماً والخضوع للغزاة والمحيلّين رؤية سياسية، إلى غير ذلك من القبائح التي يخلع عليها الشيطان ثياباً جميلة.
و لاشكّ في أنّ عدم الإيمان بالبعث واليوم الآخر، يُفضي بالكافرين

1 . الأنعام:43.ولاحظ أيضاً: 137، الأنفال:48، النحل:63، العنكبوت:38.

صفحه 195
إلى مخالفة أوامر الله تعالى ونواهيه، والتعدّي على حدوده، ومن ثمّ إلى التمادي في ارتكاب الأعمال السيّئة، الأمر الذي يجعلهم لا يبصرون قبحَها، بل يَرونها مزيّنة جميلة.
ولمّا كانت هذه النتيجة التي يصل إليها المكذّب بالآخرة، أعني أن يرى سوء عمله حسناً، سنّة من سنن الله العادلة في خلقه من البشر، وقانوناً من قوانينه الصالحة فيهم، أسند سبحانه التزيين إلى نفسه.
وقد يجاب عن ذلك بالقول: إنّ النزوع إلى الفساد والانقطاع عن المُثُل العليا يقطع صلة الإنسان بالله سبحانه، فتكون النتيجة، وقد خلّى الله بينه وبين اختياره تزيين القبائح من عند الله، وهو نظير نسبة الضلال إلى الله سبحانه، فإنّ الإضلال من الله هو انقطاع الصلة بين الإنسان وهداية الله فيكون ضالاً والله مضلّ بهذا المعنى.
ثمّ إنّه سبحانه وصف غير المعتقدين باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، بقوله: (فَهُمْ يَعْمَهُون)والعَمَه ـ كما مضى ـ هو التردّد في الأمر من التحيّر، فهؤلاء يضلّون عن طريق الهدى، ويخبطون سادرين في التِّيه، حيث فقدوا البصيرة فلا يعرفون الحقّ من الباطل.
5. (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ):
الآية ناظرة إلى بيان نتيجة رفض الإيمان باليوم الآخر، فأشارت إلى أنّ لهم عذابين:
1. (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ) أعاد المبتدأ بقوله: (أُولَئِكَ) لغاية تمييزهم عن المؤمنين.

صفحه 196
فلو كانت الفقرة ناظرة إلى مشركي قريش فقد أُريد به ما لحقهم من النكال والقتل يوم بدر، وإن أُريد بها مطلق المشركين والكافرين فلعلّ المراد به الاضطراب النفسي خصوصاً بعد أن يتركوا الدنيا.
2. (وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) ولعلّ وجه كونهم أخسر الناس أنّ سائر العصاة لهم صحائف أعمال مثبتة فيها سيئاتهم وحسناتهم يُجازون بها، وأمّا هؤلاء فسيئاتهم محفوظة عليهم يجازون بها وأمّا حسناتهم فهي هابطة.1
6. (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيم عَلِيم):
أي إنّك لتعطى القرآن من لدن إله حكيم عليم، وإدخال (لَدُنْ) في الآية للإشارة إلى كمال القرب وشدّة الانتساب إلى الله، وأمّا الملقي فقد وصف بوصفين:
1. إله حكيم، مُتقن لفعله تشريعاً وتكويناً.
2. إله عليم، لا حدّ لعلمه ولا نهاية.
والقرآن كلام ذلك الحكيم العليم فيكون مشتملاً على الحكمة والعلم.
سورة النمل: الآيات 7 ـ 14    
والآية ناظرة إلى صدر السورة حيث قال:(تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين).
ثمّ إنّ في الآية تصريحاً كاملاً بأنّ القرآن من صنع الله سبحانه وهو

1 . الميزان في تفسير القرآن:15/340.

صفحه 197
المعطي، والنبيّ هو الآخذ دون أن يكون له(صلى الله عليه وآله وسلم) أي تأثير فيه، كأن يقول شيئاً لم يؤمر به، أو يغيّر شيئاً فيه من تلقاء نفسه. وفي ذلك ردّ للتُّهم التي ألصقها المشركون بالقرآن الكريم كما في قولهم:(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا )1.

الآيات: السابعة إلى الرابعة عشرة

(إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَاب قَبَس لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوء فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء فِي تِسْعِ آيَات إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).

1 . الفرقان:5 و6.

صفحه 198

المفردات

آنستُ: أبصرت. والإيناس: وجدان الشيء الذي يُؤنَس به ويُطمأنّ إليه.
بخبر: أي من المكان الذي تلوح النار منه. ولعل المراد الاهتداء إلى الطريق.
بشهاب: بشعلة ساطعة من النار.
قبس: قطعة من النار تُقتبس، أي تؤخذ من معظم النار.
تصطلون: تستدفئون.
قال الشاعر:
النار فاكهة الشتاء فمن يُرِدْ *** أكْلَ الفواكه شاتياً فَلْيصطلِ
جانّ: حيّة صغيرة سريعة الحركة.
ولّى مدبراً: أي رجع إلى ورائه.
لم يعقِّب: أي لم يرجع، وكلّ راجع معقّب. والمفسرون يقولون: لم يلتفت.
مبصرة: ظاهرة بيّنة.
جحدوا: الجحد: الإنكار القائم على المكابرة والعناد.

صفحه 199

التفسير

تعرض هذه الآيات مشهداً من مشاهد قصة موسى(عليه السلام)، وهو رجوعه مع أهله من (مدين) إلى بلاده (مصر) التي خرج منها خائفاً من أن يطلبه جند فرعون ليقتلوه بالفرعوني الذي ضربه(عليه السلام) ضربة كان حتفه فيها، كما فُصِّل ذلك في سورة القصص1 الآتية. إذا عرفت ذلك فلنشرع في تفسير الآيات التي نحن في صددها، والتي تتحدّث عن ابتداء نبوّته(عليه السلام)، وتكليفه بالرسالة.
7. (إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَاب قَبَس لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ):
لمّا تقدّم قوله سبحانه:(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيم عَلِيم)أتى بهذه القصة لما فيها من الحكمة والعلم والعبرة للمؤمنين وقال: (إذْ): أي اذكر الذي (قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ): أي لزوجته وأولاده، قال بعض المفسرين: لم يكن معه إلاّ زوجة وابنان صغيران.2(إنِّي آنَسْتُ نَارًا): أي أبصرت ناراً، وقد مرّ أنّ الإيناس هو وِجدان الشيء الذي يؤنس به. قال الشريف الرضيّ: هذه استعارة على القلب، والمراد بها ـ والله أعلم ـ إنّي رأيتُ ناراً فآنستني، فنقل فعل الإيناس إلى نفسه على معنى: إنّي وجدتُ النار مؤنسة لي...

1 . لاحظ: القصص:14ـ 28.
2 . التحرير والتنوير:19/224; أضواء البيان:6/279. وجاء في سِفر الخروج:4/24 و 25: أنّ موسى(عليه السلام) ذهب إلى مصر مع امرأته وابنيه، وأنّ اسم ولده الأكبر جِرشوم، واسم الأصغر أليعازر. انظر: قاموس الكتاب المقدس: 113 و 259، الطبعة (10)، دار الثقافة بالقاهرة.

صفحه 200
وحقيقة الإيناس هي الإحساس بالشيء من جهة يؤنس بها، وما آنستَ به فقد أحسستَ به مع سكون نفسك إليه.1
وأمّا وجه إيناسه بها فيكشف عنه قوله: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَاب قَبَس لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون)ذكر أنّه بالذهاب إلى النار التي رآها أنّه يقوم بأحد أمرين: إمّا أن يأتي بخبر والمراد به: خبر الطريق، والظاهر أنّه ضلّ الطريق فاحتمل أن يجد عند النار أحداً يدلّه على الطريق، والشاهد على ذلك قوله سبحانه في سورة طه: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَس أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)،(2) فإنّ قوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)قائم مقام قوله:(سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر)، أو يأتي بقطعة من النار ليستدفئوا بها كما يقول:(أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَاب قَبَس) و أُريد به القطعة المضيئة كما جاء في سورة القصص: (أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ).
وحاصل الآية: أنّ موسى(عليه السلام) كان يسير في ليلة ظلماء مع أهله إلى مصر وكانت ليلة باردة، وعند ذلك أبصر ناراً، فطلب من أهله المكثَ مدّة قليلة حتى يذهب إلى محلّ النار، وهو إمّا أن يهتدي إلى الطريق لوجود مَن يدلّه عليه هناك، أو يجد هناك علامة ترشده إليه، وإلاّ فيرجع بجذوة من النار يصطلون بها ويحصلون من خلالها على الدفء، وبذلك أقنع أهله بالمكث والبقاء في مكانهم، وأن ينطلق هو وحده إلى جانب النار.
8 . (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ):

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 195.   2 . طه: 10 .

صفحه 201
(فَلَمَّا جَاءَهَا): أي جاء النار، فقد كانت ناراً في ظاهرها(كما رآها) ونوراً في باطنها أوجده الله بقدرته (نُودِيَ)بالكلام التالي: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) يقع الكلام في تفسير هذه الجملة في أُمور ثلاثة:
1. ما هو المراد من قوله: (بُورِكَ)؟
2. ما هو المراد من قوله:(مَنْ فِي النَّارِ)؟
3. ما هو المراد من قوله: (وَمَنْ حَوْلَهَا)؟
الظاهر أنّ المراد من قوله: (بُورِكَ) هو تقدّس، والشاهد على ذلك ما ورد في سورة طه أعني قوله: (نُودِيَ يَا مُوسَى * إنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى).1
وأمّا المراد من قوله: (مَنْ فِي النَّارِ) فالظاهر أنّه موسى نفسه لإحاطة النار به.
وأمّا المراد من قوله:(وَمَنْ حَوْلَهَا) هو الأرض المقدّسة حيث إنّه سبحانه يصف تلك المنطقة بالبركة بقوله سبحانه: (سُبْحَانَ الذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)(2) والتعبير عن الأرض المباركة بالموصول المختص بالعاقل (مَنْ) تنزيلاً لها منزلة العاقل لقداستها وبركاتها.
ويؤيّد ما ذكرنا أيضاً من أنّ المراد من قوله: (وَمَنْ حَوْلَهَا) هو الأرض المقدّسة قوله: (نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).(3)

1 . طه:11ـ 12.      2 . الإسراء: 1.   3 . القصص: 30.

صفحه 202
ويحتمل أن يراد منه جبريل(عليه السلام) الذي أرسل إليه بما نودي به. وقيل في تفسير الجملة أقوال أُخرى ذكرها المفسّرون، فلاحظ . (وَسُبْحَانَ اللهِ): أي تنزّه الله عمّا لا يليق به،لماذا؟ لأنّه (رَبِّ الْعَالَمِينَ)ومَن كان خالقاً للعالمين ومدبّراً لهم أَولى بأن يكون منزّهاً عن العجز والنقص، وإنّما أتى بهذه الفقرة لدفع ما ربّما يخطر بالبال أنّه سبحانه موجود في هذا المكان ومتحيّز به، حيث سمع موسى ما يأتي في الآية التالية:
9. (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
وصف نفسه هنا بالعزّة والحكمة، أمّا الأوّل (الْعَزِيزُ) فيناسب ما سيأمره به من الذهاب إلى الطاغية فرعون وأنّه(عليه السلام) يَغلب ولا يُغلب ; لأنّ مرسله عزيز قادر لا يُعجزه شيء.
وأمّا الثاني فيناسب الهدف من الرسالة التي كلّفه سبحانه بإبلاغها إلى فرعون وقومه، فبما أنّه سبحانه حكيم في جميع أفعاله، عليم بوجه الصواب في التدبير، فإنّ الرسالة التي بُعث بها(عليه السلام) حكيمة، تُرشد إلى الحق، وتهدي من الضلالة.
10. (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ):
ذكر سبحانه هذا المشهد من القصّة أيضاً في سورتي طه والقصص، وفصّل فيهما واختصر هنا، وعلى هذا فقبل أن يأمره بإلقاء العصا ـ كما في آيتنا هذه ـ شرّفه بالرسالة كما في سورة طه وقال: ( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا

صفحه 203
يُوحَى)إلى أن قال: (أَلْقِهَا يَا مُوسَى)، فعلى ضوء ما جاء في سورة طه فلابدّ في المقام من تقدير أنّه شرّفه بالرسالة وكلّفه بمسؤولية الدعوة إلى الله تعالى، فعندئذ يجب أن يكون مزوّداً بالمعجزة حتى يثبت بها صدق نبوّته وصلته بالله سبحانه، ولأجل هذا زوّده في نفس المكان بمعجزتين: العصا، واليد البيضاء، وبما ذكرنا تظهر صلة الآية بما قبلها.
أمّا الأُولى1، فيشير إليها بقوله: (وَأَلْقِ عَصَاكَ) وأُريد بالعصا ما ورد ذكرها في سورة طه حيث قال: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرى)2 فلمّا أمره سبحانه بإلقائها على الأرض وأطاع(عليه السلام) الأمر، إذا هي تصير حيّة تتلوّى وتضطرب بشدّة، كما يقول:(فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ): أي كأنّها حيّة صغيرة في خفّة حركتها فإنّ الحيّة الصغيرة تهتزّ بشدّة دون الكبيرة التي يقال لها ثعبان. وهذا لا ينافي ما ورد في موضع آخر من تبدّل العصا إلى ثعبان عندما ألقاها أمام فرعون وملئه: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ )3، فالعصا انقلبت ثعباناً في ضخامته، ولكنّه كالحيّة الصغيرة في سرعة حركته واضطرابه. ولمّا رآها موسى(عليه السلام) كذلك، استولى الخوف عليه وانهزم، كما يقول: (وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)أي: ولم يرجع بعد الإدبار، فخوطب بقوله:(يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)، وليس هذا أمراً مُشيناً لموسى، وذلك لأنّ الأنبياء مع ما لهم من المقامات السامية هم أُناس لهم ما لهم من الأحكام، فإنّ

1 . وستأتي الثانية في قوله سبحانه:(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ)(الآية12).
2 . طه:17ـ 18.
3 . الأعراف:107.

صفحه 204
انقلاب العصا اليابسة إلى ثعبان مهتزّ يورث في بادئ النظر أثراً في النفس. ولصديقنا المرحوم العلاّمة محمد جواد مغنية كلام لطيف في المقام، يقول: إنّ موسى إنسان، ومن طبيعة الإنسان الخوف... ومن الذي لا يخاف إذا تحوّل القميص الذي على بدنه إلى حيوان مفترس، والخاتم الذي في إصبعه إلى عقرب، والعصا التي في يده إلى ثعبان؟! خاف موسى لأنّه إنسان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فأمّنه الله سبحانه، وقال له: أنت رسولي، وجميع رسلي في أمان وسلام.1
11. ( إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوء فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ):
لا شكّ أنّ الأنبياء معصومون قبل البعثة وبعدها، حسب الأدلّة العقلية والنقلية، وعلى ذلك يقع الكلام عمّا هو المراد من هذا الاستثناء؟ فهنا وجهان:
الأوّل: ما يظهر من الزمخشريّ من جعل (إِلاَّ) بمعنى «لكن» وقال: ويوشك أن يقصد بهذا التعريف بما وجد من موسى وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها، وسمّاه ظلماً كما قال موسى(عليه السلام):(رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي )،(2) والحسن والسوء حسن التوبة وقبح الذنب.2
وحاصل كلامه: أنّ الفقرة تنطبق على موسى(عليه السلام) حيث إنّه لما(فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)(4)، ثمّ إنّ موسى وصفه بأنّه عمل الشيطان وأنّه بهذا العمل ظلم

1 . التفسير الكاشف:6/9.   2 . القصص:17.
2 . تفسير الكشّاف: 3/135.   4 . القصص:15.

صفحه 205
نفسه، والله سبحانه غفر له.1 فيكون معنى الآية: لكن (مَنْ ظَلَمَ): أي موسى نفسه (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا): أي تاب (بَعْدَ سُوء فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وما ذكره الزمخشريّ ينطبق على بعض الأنبياء(غير موسى(عليه السلام)) الذين صاروا مبادئ للمعاصي الصغيرة حسب تعبيره، أو لترك الأَولى حسب تعبيرنا.
ومع ذلك فللآية معنى آخر وهو:
الثاني: كون (إلاّ) للاستثناء لكنّه استثناء منقطع، قال السيد الطباطبائي: إنّ الآية السابقة لمّا أخبرت عن أنّ المرسلين آمنون لا يخافون، فُهم منه أنّ غيرهم من أهل الظلم غير آمنين لهم أن يخافوا، استدرك في هذه الآية حال أهل التوبة من جملة أهل الظلم فبيّن أنّهم لتوبتهم وتبديلهم ظلمهم ـ وهو السوء ـ حُسناً بعد سوء مغفور لهم مرحومون فلا يخافون أيضاً. فالاستثناء من المرسلين وهو استثناء منقطع، والمراد بالظلم مطلق المعصية، وبالحسن بعد السوء التوبة بعد المعصية أو العمل الصالح بعد السيّئ، والمعنى: لكن من ظلم باقتراف المعصية ثم بدّل ذلك حسناً بعد سوء وتوبة بعد معصية أو عملاً صالحاً بعد سيّئ فإنّي غفور رحيم، أغفر ظلمه وأرحمه فلا يخافنّ بعد ذلك شيئاً.2
12. (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء فِي تِسْعِ آيَات إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ):

1 . لاحظ : القصص:15.
2 . الميزان في تفسير القرآن:15/345.

صفحه 206
قلنا: إنّه سبحانه زوّد موسى(عليه السلام) في ذلك المكان بمعجزتين: إحداهما: انقلاب العصا إلى ثعبان، والثانية: ما جاء في هذه الآية وهو أن يدخل يده في جيب قميصه فإذا أدخلها فيه ثم أخرجها بدت بيضاء متلألئة كتلألؤ الشمس، كما يقول: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ) لكن (مِنْ غَيْرِ سُوء): أي من غير مرض كما في المبتلى بالبرَص. وفيه تعريض لما في التوراة المتداولة في هذا الموضع من القصة والتي ورد فيها: ثم قال له الربّ أيضاً أدخلْ يدك في عبئك، فأدخلَ يده في عبئه ثم أخرجها فإذا يده برصاء مثل الثلج.1
نعم، زوّده في ذلك المكان بمعجزتين لكن زوّده بأكثر من ذلك عندما قابل فرعون كما يقول: (فِي تِسْعِ آيَات) حال من قوله: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ): أي كونه آية من (تِسْعِ آيَات إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
وأمّا الآيات التسع فهي عبارة عن: العصا، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدَّم، والقحط، وانفلاق البحر.
وقد ذكر الفيروز آبادي في مادة «تسع» البيت التالي الذي يتضمّن أسماء الآيات التسع:
عصا، سِنَة، بحر، جراد، وقمّل *** يَدٌ، ودم بعد الضفادع، طوفان
قد جرينا في تفسير قوله تعالى: (مِنْ غَيرِ سُوء) وَفق ما ذكره المفسّرون، وتبعناهم أيضاً في كتابنا «القصص القرآنية»،(2) غير أنّ لصديقنا

1 . سفر الخروج: الإصحاح الرابع: الفقرة 6.   2 . لاحظ: القصص القرآنية:2/53.

صفحه 207
السيد مجتبى الموسوي اللاري(رحمه الله) تحقيق في تفسير الآية نشرناه في مجلتنا الكلام الإسلامي، العدد(73)، ونأتي بحاصل تحقيقه:
إنّ موسى(عليه السلام) كان بصدد التحدّي أمام السحرة الذين استخدمهم فرعون للمعارضة وكان التحدّي في يوم الزينة، أي اليوم الذي يجتمع فيه الناس كما في قوله تعالى:(قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)1 فانقلاب العصا إلى ثعبان مهتز معجزة كبيرة، وأمّا إردافها بيد بيضاء يكون بياضها كبياض يد الأبرص لكن من غير سوء لا يُعدّ شيئاً مهمّاً حتى يخضع السحرة وغيرهم أمام إعجازه، بل يجب أن يكون أمراً عظيماً يملأ العيون.
أضف إلى ذلك: أنّه سبحانه عبّر عنه بقوله: (بَيْضَاء) وربّما تفسّر البيضاء في اللغة بمعنى الشمس، فعلى هذا يمكن أن يقال بأنّه لمّا أخرج يده من جيبه تشعشع منها النور، بل أعظم من تشعشع الشمس، فعند ذلك خضع له العامّة وعلى رأسهم السحرة، فهذا النوع من المعجزة الباهرة يورث الإيمان والاطمئنان بأنّ موسى مبعوث من الله سبحانه، ولكن لما كان هذا النور والتشعشع أشدّ تلألؤاً من نور الشمس، ومن المعلوم أنّ هذا النور إذا أصاب عين الإنسان ربّما يسبّب تمزّق الشبكية في العين حتى أنّ الإنسان إذا ركّز نظره على قرص الشمس قد يسبّب ضعفاً في النظر أو أذى فيها، فالله سبحانه يشير بقوله: (مِنْ غَيْرِ سُوء) إلى أنّ هذا التشعشع وإن كان فوق نور الشمس، لكنّه كان خالياً من كلّ سوء ولم يورث أذى ولا مرضاً في عيون الناظرين.

1 . طه:59.

صفحه 208
13. (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ):
ثمّ إنّ المترقّب من مشاهدة تلك المعجزات الباهرة والدلائل الساطعة أن يؤمن بها من لم يكن في قلبه عناد للحق، ولذلك آمن السحرة، وأمّا فرعون وملأه فقد وصفوها بالسحر كما قال: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً): أي واضحة بيّنة (قَالُوا): أي فرعون وقومه، تبريراً لموقفهم المناهض للحقّ ودلائله، وسعياً وراء صدّ الناس عن التأثّر بها(هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ): أي سحر ظاهر لا شكّ فيه.
وفي إسناد الإبصار إلى الآيات مجاز عقليّ، ويجوز أن يكون مجازاً مُرسلاً والعلاقة سببية، لأنّها سبب الإبصار.
14. ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ):
أي عرفوا هذه الآيات وعلموا بصحّتها قلباً، ولكن لم يخضعوا للحق كما يقول:(وَجَحَدُوا بِهَا)بألسنتهم (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ): أي قلوبهم، وما ذلك إلاّ لوجهين: (ظُلْمًا) من أنفسهم (وَعُلُوًّا): أي طلباً للعلوّ والتكبّر (فَانْظُرْ) يا رسول الله (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) حيث غرقوا في البحر بأجمعهم.
سورة النمل: الآيتان 15 ـ 16    

الآيتان: الخامسة عشرة والسادسة عشرة

(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا

صفحه 209
أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ).

المفردات

ورث:الوراثة والإرث: انتقال قُنية إليك من غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد، وسمّي بذلك، المنتقل عن الميّت، فيقال: للقنية الموروثة: ميراث وإرث.
منطق الطير: فهم كلّ ما يريده كلّ طائر إذا صوّت.
ونودّ قبل التفسير أن نتطرّق إلى التعريف بالنبيَّين داود وسليمان(عليهما السلام)على وجه الإيجاز، فداود هو من أنبياء بني إسرائيل حاز بعد النبوّة مقام الإمامة، فصار نبيّاً، ملكاً، مدبّراً لأُمورهم، وورد اسمه في القرآن الكريم ست عشرة مرّة، وذكرت قصته في السور التالية: البقرة، الأنبياء، سبأ، ص، وسيمرّ عليك شيء من حياته في سورتي سبأو ص، وقد أوجز سبحانه ذكره في المقام وإنّما ركّز على قصة سليمان ضمن ثلاثين آية.
وأمّا سليمان فهو من الأنبياء العظام، ذوي المنزلة الرفيعة والمقام الكريم عند الله تبارك وتعالى، وقد خصّه سبحانه بفضله العميم حتى سخّر له الجنّ والطير والقوى الطبيعية، وذكر اسمه ست عشرة مرّة في ست سور.

صفحه 210

التفسير

هذه هي القصّة الثانية في سورتنا، من قصص الأنبياء التي تلقّى فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبارها وما فيها من حكمة وعلم من لدن الحكيم العليم جلّ شأنه، فقال:
15. (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ):
بما أنّ في قصة داود وسليمان من خوارق العادة وعجائب الأُمور والمخاطب ربّما يتردّد في صحّتها، ابتدأ الآية بلام القسم وحرف التحقيق (وَلَقَدْ) حتى يزيل ريبه وشكّه (آتَيْنَا): أي أعطينا، وفيه دلالة واضحة على أنّه كان علماً مفاضاً من الله سبحانه، فهو في منزلة قوله في مصاحب موسى(عليه السلام): (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا )1، (دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ) مرّ عليك التعريف بهما (عِلْمًا) التنكير للتضخيم، فكان الأب وابنه من عباد الله الشاكرين، فشكرا الله سبحانه على ذلك التفضّل (وَقَالاَ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) ظاهر الآية أنّ كلّ واحد منهما حمد الله على النحو الوارد في الآية بأن قال كلٌّ (الْحَمْدُ للهِ الَّذي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ). وأُريد من قوله: (فَضَّلَنَا) الوالد وولده، ويعلم وجه التفضيل مضافاً إلى العلم المفاض، ممّا سيأتي من قصة سليمان في هذه السورة وما سيوافيك عن داود في سورة ص. وعلى كلّ تقدير فكلٌّ من النبيَّين نالا منزلة رفيعة.

1 . الكهف:65.

صفحه 211
16. (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ):
ذكر سبحانه في قصة سليمان أُموراً:
1. وراثته المال والمُلك عن أبيه داود.
2. العلم بمنطق الطير.
3. أنّ الله أعطاه وأباه من كلّ شيء.
4. تسخير الجنّ والإنس والطير لخدمته.
5. عبوره وادي النمل وسماع كلام النملة.
6. قصته مع الهدهد وملكة سبأ.
نعم جاء في غير هذه السورة أُموراً أُخرى، كتسخير الريح وغير ذلك، فهو خارج عن تفسير هذه السورة. وتمّ بيان كلّ ذلك إلى الآية رقم 44، ثم يبدأ بذكر قصة صالح(عليه السلام).

1. وراثة سليمان أباه داود

أمّا الأمر الأوّل ـ أعني: وراثة سليمان لداود ـ فقد أشار إليه سبحانه بقوله:(وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ)، وقد كان داود يتمتّع بأُمور أربعة: 1. العلم، 2. النبوّة، 3. المُلك، 4. المال.
أمّا الأوّل فلم يرثه سليمان من داود ; وذلك لأنّ العلم غير قابل للإيراث، مضافاً إلى أنّ الآية المتقدّمة: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا)صرّحت بأنّه سبحانه أفاض عليهما العلم من دون أن يرث أحدهما الآخر.

صفحه 212
وأمّا الثاني، أعني: النبوّة فهي أيضاً غير قابلة للإيراث ; لأنّها رهن ملَكات وقابليات خاصّة حتّى يختاره الله سبحانه للنبوّة، فلو كان فاقداً لها يمتنع أن يكون نبيّاً، ولو كان واجداً لاختاره الله للنبوّة من دون حاجة إلى أن يرثها عن الآخر.
وأمّا الثالث ـ أعني: الملك ـ فإن أُريد به الإمامة ـ كما هو الظاهر ـ المتمثّلة في تدبير أمر الأُمّة دنيوياً وأُخروياً فهو أيضاً مقام تنصيصي يفاض من الله سبحانه، قال تعالى:(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )1، فليست هي قابلة للإيراث لما ذكر في أمر النبوّة.
ولو فرضنا أنّ المراد بالمُلك هو التدبير بلا تنصيب من الله سبحانه فهو قابل للوراثة.
وأمّا الرابع ـ أعني: المال ـ فهو من أظهر مصاديق الوراثة، فكلّما أطلقت الوراثة ينصرف إليه، ولو استعمل في غيره فإنّما هو نوع من التشبيه كما في قوله تعالى:(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التي أُورِثْتُمُوهَا)2، وعلى هذا فمقتضى إطلاق الآية أنّ سليمان ورث من داود المال أو هو مضافاً إلى مقام الملك، ولا وجه لتخصيصه بالملك.
قال السيد الطباطبائي: وأمّا قول بعضهم: المراد به وراثة النبوّة والعلم، ففيه: أنّ النبوّة لا تقبل الوراثة لعدم قبولها الانتقال، والعلم الذي يختصّ به

1 . البقرة:124.
2 . الزخرف:72.

صفحه 213
الأنبياء والرسل كرامة من الله لهم، والنبيّ لا يرث علمه من نبيّ آخر ولا من غير نبيّ.1
ثمّ إنّ كثيراً من مفسّري مدرسة الخلفاء لمّا تلقّوا ما نُسب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة»2، حديثاً صحيحاً عمدوا إلى تأويل الآية، فيقول الراغب الإصفهاني، مثلاً، في تفسير قوله تعالى: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ )3 فإنّه يعني: وِراثة النبوّة والعلم والفضيلة دون المال، فالمال لا قَدْر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه، بل قلّما يقتنون المال ويملكونه.(4)
وتبعه ابن عاشور ففسّر الآية بقوله: فخلفه سليمان فهو وارث ملكه والقائم مقامه في سياسة الأُمّة وظهور الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم، فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي.4
ونسأل هؤلاء ومن تبعهم: هل النبوّة أو العلم ممّا يورثان؟ فكيف تقولون قام سليمان مقام داود في الحكمة والنبوّة؟
إنّ الأمر يدور بين تفسير الوراثة بوراثة المُلك وسياسة الأُمّة أو هو مع المال، والوراثة في الثاني أظهر، والقول بالجمع هو المتّبع، فلا دليل على خروج المال من تحت الوراثة. وأمّا قول الراغب: أنّ المال لا قدر له عند الأنبياء فهو يناقض قوله سبحانه، الذي يصف فيه المال بالخير: (إِنْ

1 . الميزان في تفسير القرآن:15/349.
2 . صحيح البخاري:4/264، برقم 6727، كتاب الفرائض; سنن أبي داود:568 برقم 2976، كتاب الخراج والإمارة والفيء.
3 . مريم: 6.   4 . المفردات للراغب: 519، مادة «ورث».
4 . التحرير والتنوير:19/234.

صفحه 214
تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ).1 نعم إنّ المال يوصف بالخير إذا كان بيد الصالحين وأنفقوه في وجوه البِرّ والإحسان والمعروف، وبالشرّ إذا كان بيد الطالحين وعملوا به في المعاصي والآثام.
أضف إلى ذلك: أنّ قول سليمان في ذيل الآية: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)أفضل دليل على وراثة ما كان يملكه داود، وإلاّ لكان معدماً غير غنيّ، ومعه كيف يقول:(وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)؟
ثمّ إنّ الدليل على أنّ الأنبياء يورثون لا يختصّ بهذه الآية، بل هناك دليلان آخران نشير إليهما إجمالاً:
الأوّل: إطلاقات الكتاب في مورد الميراث، يقول سبحانه:(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(2) فإنّ إطلاقه حجّة ما لم يدلّ دليل قاطع على إخراج الأنبياء من الإطلاق، وليس هناك دليل صالح، فالخبر المذكور خبر واحد لا يخصّص به العموم القرآني.
الثاني: أنّه سبحانه ذكر دعاء زكريا وطلبه من الله سبحانه لأن يرزقه ولداً وقال:(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)(3) فالمراد هو وراثة المال لا النبوّة بشهادة قوله: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)إذ لو كان المراد وراثة النبوّة، فالنبيّ يمتنع أن لا يكون رضيّاً، وقد مرّ تفصيل ذلك في تفسير تلك السورة.
نعم ربّما يتصوّر أنّ الآيات منسوخة بما نسب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال بصور ثلاثة:

1 . البقرة:180.      2 . النساء:11.   3 . مريم: 5.

صفحه 215
1. إنّ الأنبياء لا يورثون.
2. إنّ النبي لا يورث.
3. لا نورث، ما تركناه صدقة.
والجواب عنه بوجهين:
1. لو صحّت الرواية، فالمراد هو أنّ شأن الأنبياء هو إيراث الإيمان والحكمة والعلم والسنّة لا المال، وهذا غير أنّه إذا ترك حصيراً أو إناء أو سجادة فهو ينتقل إلى الأُمّة لا إلى الأولاد، لِما قلنا من أنّ موقف هذه الرواية هو تفكيك شأن الأنبياء عن سائر الملوك وطلاّب الدنيا فهم يتركون الأموال المكدّسة والكنوز الممتلئة، ويدلّ على ذلك ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً ولكنّا نورث الإيمان والحكمة والعلم والسنّة».1
ويؤيّد هذا المضمون ما رواه الكليني عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): «إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما أَورثوا أحاديث من أحاديثهم....(2)
كلّ ذلك يرشدنا إلى أنّ مصبّ الروايات هو مصبّ السلب النسبي وهو تبيين شأن الأنبياء عن غيرهم من أصحاب الدنيا لا أنّه، لا يورث مطلقاً حتى ما ملكه من الحوائج الأوّلية التي لا مناص للإنسان منها.
ثمّ إنّ هنا تأمُّلاً واضحاً في صحّة صدور الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لو كان في صدد الإخبار عن أنّ الأنبياء لا يورّثون المال، لأخبر(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك

1 . شرح نهج البلاغة:16/213.   2 . الكافي:1/32، برقم 2، كتاب فضل العلم.

صفحه 216
من يرثه، أعني: ابنته فاطمة(عليها السلام)،ولَما تركها تبتلى بما ابتليت به في قصة ميراثها من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وانصرافها من أبي بكر مغضبة متظلِّمة، فعدم إخبار بضعته الطاهرة بذلك، وإخبار غيرها، أمر لا ينسجم مع شأن النبوّة.
نقل ابن أبي الحديد عن كتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري: أنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله، وهما حينئذ يطلبان أرضه بفدك وسهمه بخيبر، فقال لهما أبو بكر: إنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، إنّما يأكل آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)من هذا المال، وإنّي والله لا أُغيّر أمراً رأيتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يَصنعه إلاّ صنعته. قال: فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت.1
ثمّ لا شكّ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ترك بيوتاً لأزواجه وهي ملك له ولكن بقيت في يد أزواجه دون أن تُصادَر، كما كان عند عليّ سيف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وخاتمه وبعض ما يختص به، فلم يُطلب ولم يُصادَر، وهذا دليل على أنّ مصادرة فدك كانت ترتبط بقضية سياسية، ولذلك اختلفت سيرة الخلفاء بين ردّها إلى أولاد فاطمة وبين أخذها، يقول ابن أبي الحديد: ولمّا ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن بن علي(عليهما السلام)، فلم يزالوا يتداولونها حتّى خلصت كلّها لمروان بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز.

1 . شرح نهج البلاغة:16/218. ورواه البخاري بإسناده عن عروة عن عائشة:4/264، برقم 6725 و 6726.

صفحه 217
فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كانت أوّل ظُلامة ردّها، دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) ـ وقيل: دعا علي بن الحسين(عليهما السلام)ـ فردّها إليه، وكانت بيد أولاد فاطمة(عليها السلام)مدّة ولاية عمر بن عبد العزيز، فلمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم، وكان الأمر على هذا النحو إلى أيام العباسيّين.
وكان الأمر في عهد العباسيّين مثله أيام الأمويّين، فتارة كانت بيد الحاكم وأُخرى بيد أبناء فاطمة(عليها السلام)إلى أن جاء عصر المأمون فكتب إلى عامله على المدينة قثم بن جعفر الرسالة التالية:
أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين بمكانه من دين الله، وخلافة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)والقرابة به أولى من استنّ سنّته، ونفذ أمره وسلم لمن منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته، وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فدك وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تزل تدعى منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ويسلّمها إليهم تقرّباً إلى الله تعالى بإقامة حقّه وعدله وإلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عمّاله، فلأن كان ينادى في كلّ موسم بعد أن قبض الله نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر كلّ من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عِدته، أنّ فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدَّق قولها فيما جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لها، وقد كتب أمير المؤمنين  إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت

صفحه 218
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق والغَلاّت وغير ذلك وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إيّاهما القيام بها لأهلها، فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) واعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاّتها إن شاء الله والسلام. وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة عشر ومائتين، فلمّا استخلف المتوكّل على الله أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون.1
وبذلك تقف على صحّة ما في خطبة الزهراء(عليها السلام) حيث كانت تقول: «يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فريّاً. أفعلى عمد تركتم كتاب الله فنبذتموه وراء ظهوركم و... وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا؟ أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل ملَّتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟ فدونكهما مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعمَ الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون».(2)
وللعالم المصري الشيخ محمود أبوريّة كلمة قيّمة في هذا الموضوع، يقول فيها:

1 . فتوح البلدان للبلاذري:46ـ 47.   2 . شرح نهج البلاغة:16/251; الاحتجاج للطبرسي:1/138.

صفحه 219
بقي أمر لابدّ من أن نقول فيه كلمة صريحة، ذلك هو موقف أبي بكر من فاطمة بنت الرسول رضي الله عنها، وما فعل معها في ميراث أبيها، لأنّنا إذا سلّمنا بأنّ خبر الآحاد الظنّي يخصّص الكتاب القطعيّ، وأنّه قد ثبت أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال إنّه لا يورث وإنّه لا تخصيص في عموم هذا الخبر، فإنّ أبا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة رضي الله عنها بعض تركة أبيها كأن يخصّها بفدك، وهذا من حقّه الذي لا يعارضه فيه أحد، إذ يجوز للخليفة أن يخصّ مَن شاء بما شاء، وقد خصّ هو نفسه الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة وغيرهما ببعض متروكات النبي، على أنّ فدك التي منعها أبو بكر من فاطمة لم تلبث أن أقطعها الخليفة عثمان لمروان.1
ثمّ إنّ الكلام في المقام أوسع ممّا ذكرنا، وقد فصلنا الكلام فيه في كتابنا المؤلَّف باللغة الفارسية حول الإمام علي(عليه السلام).(2)

2. العلم بمنطق الطير

وهذا هو الأمر الثاني من الأُمور الخمسة، وقد تقدّم أنّ داود وابنه سليمان(عليهما السلام) حمدوا الله على تفضيلهما على كثير من عباده المؤمنين، والغاية من ذلك هو التحدّث بنعم الله تعالى عليهما، لا التفاخر وحبّ الظهور، ومن هذه النِّعم العلم بمنطق الطير(وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)، فسليمان النبي أوّل من رفع الستر عن أنّ للطير لغة تتفاهم بها، كما خُصّ بمعجزة أُخرى وهي معرفة لغة النمل، كما ستوافيك.
إنّ من الأُمور الملموسة أنّ للطيور أصواتاً مختلفة فصوتها في مورد

1 . مجلة الرسالة، العدد518، السنة 11، ص 457.   2 . لاحظ : فروغ ولايت.

صفحه 220
نداء الذكور لإناثها يختلف عن صوتها حينما يمسكها ماسك وهذا لا يختصّ بالطيور، فالقطط مثلاً لها أصوات كثيرة مختلفة كلٌّ يدلّ على مقصد من مقاصدها.
وممّا جاء في الموسوعة العربية العالمية حول أصوات الطيور: تتصل الطيور بعضها مع بعض بعدّة طرق مختلفة، أهمها الاتصال الصوتي من الحنجرة بوساطة النداء والتغريد. وتستخدم الطيور في الغالب نداءها كإشارات لطيور أُخرى، وتنادي صغار الطيور بإحدى الطرق لتخبر والديها أنّها جائعة، وبطريقة أُخرى لتخبرهما بأنّها جريحة أو خائفة، بينما يستخدم الطائر كامل النضج نداءً محدّداً ليميّز به شريكه، ونداءات أُخرى ليميّز بها كلّ مجموعة من الطيور، وقد تحذّر النداءات المجموعة من الخطر، ومثل هذا النداء عادة ما ينبّه أو يحذّر أكثر من نوع واحد من الطيور. ويبدو للأذن الإنسانية أن تغريد كل الطيور من أحد الأنواع، له الصوت نفسه، ولكن في الواقع يختلف صوت كل طائر عن صوت الطيور الأُخرى من النوع نفسه، وحتى في المستعمرات المزدحمة، يستطيع الوالدان ان يتعرّفا على صوت فراخهما، كما تستطيع الفراخ التعرّف على أصوات والديها.1
النطق في التعارف على ما في مفردات الراغب: الأصوات المقطّعة التي يظهرها اللسان وتعيها الآذان، قال تعالى: (مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ)2 ولا يكاد يقال إلاّ للإنسان ولا يقال لغيره إلاّ على سبيل التَّبع.3

1 . الموسوعة العربية العالمية:15/386ـ387.
2 . الصافات: 92 .
3 . مفردات الراغب: 496 ، مادة «نطق».

صفحه 221
إنّ القرآن يستعمل تلك اللفظة في معنى أوسع ممّا ذكره الراغب، قال تعالى:(وَقَالُوا لجُلُوِدِهمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْء)1، ومنه قوله سبحانه في المقام: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ).
إنّما الكلام ما هو المراد من منطق الطير الذي علمهما الله سبحانه، إذ لا شكّ في أنّ لكلّ صنف أو نوع من الحيوانات أصواتاً ساذجة خاصة في حالاتها حسب تنوّع اجتماعاتها كحال الهياج للسفاد، وحال المغالبة، وحال الوحشة والفزع، وحال التضرّع أو الاستغاثة إلى غير ذلك، من غير فرق بين الطير وغيره، حسب ما مرّ.
ولكن منطق الطير الوارد في الآية غير ذلك بدليل أنّ قول سليمان يرشد إلى تخصيص معرفة منطق الطير لنفسه ولوالده، فلو أُريد هذه الأصوات المختلفة فهذا معلوم لكلّ إنسان، وعلى ذلك لابدّ أن يقال: إنّ لكلّ طير منطقاً خاصّاً تتفاهم به، وهذا هو الذي علمه سبحانه هذين النبيَّين(عليهما السلام).
والذي يدلّ على ذلك حوار سليمان(عليه السلام) مع الهدهد وإخبار ذلك الطير عن قوم سبأ وأنّهم كانوا يعبدون الشمس وأنّ لملكتهم عرشاً عظيماً، وبعد ذلك كتب سليمان كتاباً إليهم وأمر الهدهد أن يلقيه إليهم ويأتي بالجواب، كلّ ذلك يدلّ على أنّ المراد المنطق الخاص الموجود بين الطيور الذي علّمه سبحانه داود وسليمان. وسيوافيك توضيح ذلك في كلام النملة.

1 . فصلت:21.

صفحه 222
وما ذكرناه هو المتبادر من الآية وقد أخبر عنه الوحي لكنّ الرازي لمّا استغرب أن يكون للطير منطق خاصّ يعلمه النبي دون غيره ذكر في المقام: إنّ الله تعالى جعل الطير في أيامه ممّا له عقل، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصّت بالحاجة إليها، أو خصّها الله بها لمنافع العباد كالنمل وغيره1. وقد تبيّن ممّا ذكرنا عدم صحّته.
أضف إلى ذلك: أنّ سليمان يقول: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ): أي الجنس منه، من غير فرق بين طيور أيامه وما قبله ومابعده. وسيوافيك توضيحه في تفسير الآيات التالية.

3. إعطاؤهم كلّ شيء

قال: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء) هذا هو الأمر الثالث الذي يحكي عن عناية الله سبحانه بنبيّه سليمان(عليه السلام)حيث أعطاه كلّ شيء، والقرينة تدلّ على أنّ المراد الكثرة لا الاستغراق، فمَن أُعطي له تسخير الجنّ والإنس والطيور والرياح وغيرها التي يتمكّن بها من بناء حضارة كبيرة غير مسبوقة، صحّ أن يقال في حقّه: أُوتي من كلّ شيء.
سورة النمل: الآيات 17 ـ 19    
ثمّ إنّ وزان قوله :(وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء) وزان ما جاء على لسان الهدهد واصفاً ملكة سبأ، حيث قال: (وَأُوتِيت مِنْ كُلِّ شَيْء) فالعموم في كلا المقامين للاستغراق العرفي، أي ما يحتاج إليه الحاكم في حكومته.
ثمّ إنّ سليمان صار في مقام التحدّث بنعم الله التي أُوتيها، حيث قال:

1 . تفسير الرازي:24/187.

صفحه 223
(إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)، وربّما يتصوّر أنّه من كلامه سبحانه، ولكنّه بعيد عن السياق.

الآيات: السابعة عشرة إلى التاسعة عشرة

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْني بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).

المفردات

حُشر: الحَشْر: الجمع. وفي المفردات: إخراج الجماعة عن مقرِّهم وإزعاجُهم عنه إلى الحرب ونحوها... قال سبحانه: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)1.2
يوزعون: الوَزْع: الكفّ والمنع، فقوله:(فَهُمْ يُوزعون): أي يُمنعون من التفرّق والتشتّت، أو يوقفون ليلحق بأوّل الجيش آخرُه، فيكونون مجتمعين.

1 . الكهف:47.
2 . المفردات للراغب: 119 ، مادة «حشر».

صفحه 224
لا يَحْطمنَّكم: الحَطْم: كسر الشيء مثل الهشم ونحوه، والحُطام: الشيء اليابس بعد تكسّره.
جنوده: الجنود: جمع الجند، يقال للعسكر: الجند، اعتباراً بالغلظة من الجَندأي الأرض الغليظة التي فيها الحجارة، ثم يقال لكلّ مجتمع: جُند، قال تعالى: (إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ )1.
أوزعني: ألهِمْني، وتأويله في اللغة: كُفّني عن الأشياء إلاّ عن شكر نعمتك وكُفَّني عمّا يباعدني عنك، قاله الزّجّاج.2

التفسير

17.(وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ):

4. استعراض الجنود وقول النملة

الآية تحكي عن الأُمر الرابع من الأُمور الستة التي مضى ذكرها في صدر النَّصّ، وهو أنّ سليمان(عليه السلام)أحضر جنوده استعداداً للمسير إلى موضع معيّن، ولذلك يقول:(وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ) وأمّا الحاشر فالظاهر أنّه وزيره ومن يقوم ببعض الأُمور ولذلك جاء الفعل بصيغة المجهول، وأمّا صنوف جيشه فيقول عنهم سبحانه: (مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ) قدّم الجن

1 . الصافات:173.
2 . لسان العرب: 8 / 391، مادة «وزع».

صفحه 225
على الإنس لأنّ تسخيره أمر عجيب، وقدّم الإنس على الطير مع أنّ تسخيرها عجيب لأجل التقابل بينهما، ولمّا كانت أعداد الجنود كثيرة أمر المتقدّم من الجيش أن يتوقّف حتى يلحقه المتأخّر كما يقول:(فَهُمْ يُوزَعُونَ): أي يُمنعون من التحرّك حتى يحصل النظم بأن يلحق بالأوائل من تأخّر منهم.
ويحتمل أن يراد من قوله: (يُوزَعُونَ): أي كونهم ممنوعين من التخلّف فيأتمرون بما أُمروا ويجتنبون عمّا نهوا عنه. وعلى كلّ تقدير فالآية تكشف عن دولة قوية ذات نظام صارم وقوّة عسكرية كبيرة لم يسبق أن تهيّأت لأحد من قبل سليمان(عليه السلام) ولا من بعده.
18. (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ الَّنمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ):
هذا هو الأمر الخامس ـ أعني: عبوره وادي النمل ـ وقد تقدّم منّا أنّ قوله: (وَحُشِرَ لِسُليْمانَ) يدلّ على أنّه استعرض الجيش لغاية المسير إلى وجهة خاصّة، وآيتنا هذه تدلّ على أنّه سار بجيشه ووصل إلى مشارف وادي النمل كما يقول: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ الَّنمْلِ) دون أن يقول: (إلى واد النمل)، فيدلّ على أنّهم كانوا على مشارف الوادي ولم يدخلوه بعد، ويكشف عن ذلك ما أنذرت به النملة جماعتها، كما سيوافيك. والآية تدلّ على أنّ وادي النمل كان معروفاً آنذاك وإن عرض عليه الإبهام.
كان سليمان يسير بجيشه فبلغ سمعه قول نملة، كما يقول: (قَالَتْ

صفحه 226
نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)وهذه الفقرة تدلّ على أُمور:
1. أنّ النملة نطقت بذلك وتكلّمت به. وعلى ما ذكرنا فلا مانع من أن يكون للنمل في عامة أقطار العالم ذلك المنطق لأنّ معرفتنا بحياتها وخصوصياتها قليلة.
ولمّا استبعد الرازي أن يكون لكلّ نملة ذلك الشعور قال: إنّ الله تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق.1 وقد عرفت أنّه خلاف ذلك وسيوافيك توضيحه.
2. أنّ النملة مثل الحمامة والشاة يطلق على الذكر والأُنثى لأنّه اسم جنس، يقال: نملة ذكر ونملة أُنثى، كما يقال: حمامة ذكر وحمامة أنثى، فلفظها مؤنّث، ومعناه يحتمل الجنسين (ذكراً أو أُنثى)، فيمكن أن تؤنّث لأجل لفظها وإن كانت واقعة على ذكر، بل هذا هو الفصيح المستعمل. وعلى هذا فقوله تعالى:(قَالَتْ نَمْلَةٌ) روعي فيه تأنيث اللفظ، وأمّا المعنى فيحتمل على حدّ سواء.2
3. دعت النملة قومها إلى الدخول إلى مساكنهم كما قال: (ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) وبيّنت السبب لهذا الأمر بقولها: (لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ)لأنّ النَّمل لصغره لا يكاد يُشاهد ولا يُرى، فيحطَّم بحوافر الدوابّ وأقدام المشاة.

1 . تفسير الرازي:24/187.
2 . انظر: إعراب القرآن وبيانه:7/178.

صفحه 227
ثمّ إنّها أخبرت النَّمل بأنّهم سيقومون بتحطيمهم من دون قصد منهم، كما قالت:(وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الجيش قد بلغ من التقوى مرتبة، تحجزه حتى عن قتل الحشرات بلا سبب ولا مجوِّز.
وموقفنا في إخبار النملة كموقفنا في منطق الطير، وهو أنّ للنمل في كلّ عصر تلك القابليات والمواهب، ولكن نحن لا ندركها على وجه التفصيل، ولا نعرف الكثير من أسرارها، خلافاً لما ذهب إليه الرازي.
يقول الشيخ الطوسي: إنّه لا يمتنع أن تعرف البهيمة هذا الضرب من الأُمور، كما تعرف كثيراً مما فيه نفعها وضرّها، فمن معرفة النملة أنّها تكسر الحبّة بقطعتين لئلا تنبت إلاّ الكزبرة1، فإنّها تكسرها بأربع قطع لأنّها تنبت إذا كسرت بقطعتين، فمن هداها إلى هذا، هو الذي يهديها إلى ما يحطمها ممّا لا يحطمها.2
ونحن نجد أنّ البحوث العلمية قد كشفت عن وجود شعور عند النمل على نحو يثير الحيرة، كما أنّ ذكاء الحيوانات ومهارتها في أعمالها أمر لا يخفى على أكثر الناس، فهي تدّخر لشتائها في صيفها، وتبني بيوتاً تناسب حياتها، وهي تعرفها من بعيد، وربما تقطع طريقاً طويلاً ثم ترجع إلى نفس مكانها السابق، كما قد تتنبّأ بالحوادث المستقبلية، كلّ ذلك يثبت أنّ في عالم الحيوان مجاهيل كثيرة لا يعرفها البشر، وليكن منها قول النملة

1 . الكُزْبَرة: عُشبة حولية تنمو في بلدان حوض البحر المتوسط، لها أزهار بيضاء، ولبذورها الناضجة رائحة عطرة ومذاقها حلو عندما تجفّف.
2 . التبيان:5/84ـ85 .

صفحه 228
لجماعتها وسماع سليمان كلامها.
وقد أشار الإمام علي(عليه السلام) إلى فهمها وشعورها بوجه بليغ، فقال: «انْظُرُوا إِلَى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا. تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا. مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا; لاَ يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ، وَلاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَلَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ! وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا، فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ. وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ الَّنمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ».1
19.(فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْني بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ):
الآية تتضمّن أُموراً:
1. أنّ سليمان تبسّم شارعاً في الضحك، أي تجاوز من التبسم إلى

1 . نهج البلاغة: الخطبة 185.

صفحه 229
الضحك، وأمّا وجه إعجابه وتبسّمه، فهنا احتمالان:
أ. ابتهاجه بما وهبه الله من نعم جزيلة، ومنها إدراك كلام النملة وفهم غرضها.
ب. سروره بمعرفة النملة به(عليه السلام) وبجنده، وثنائها عليهم بالعدل والرحمة كما يدلّ على ذلك قولها: (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
كلّ ذلك صار سبباً للتبسّم المنتهي إلى الضحك.
2. أنّ سليمان استشعر أنّ له وظيفة خاصّة أمام هذه النِّعم، فطلب من الله سبحانه أُموراً ثلاثة تتدرّج من الأدنى إلى الأرفع، وهي:
الأوّل: سأل الله سبحانه أن يوفّقه لشكر نعمته (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) وقد عطف والديه على نفسه ; لأنّ الإنعام عليهما كان إنعاماً على سليمان بوجه، لأنّه ورث ما لأبيه (داود) من المُلك والمال، وأمّا الأُمّ فقد كان لها دور في تربيته وتنشئته على الإيمان والاستقامة والصلاح.
وهذه الفقرة تدلّ على أنّ أُمّه كانت مؤمنة صالحة ولذلك يدعو الله لها.
وأمّا العهد القديم فيذكر في حقّ والده ما يندى له الجبين، وحاصل ما جاء فيه هو أنّ داود عشق امرأة جميلة كانت زوجة لأحد جنوده، ولأجل ذلك أرسل داود رسالة إلى قائد جيشه يأمره فيها أن يجعل زوجها في مقدّم الجيوش ليقتل ففعل ذلك فقتل، فلمّا سمعت امرأة أُوريّا أنّه قد مات أُوريّا رجلُها، ندبت بعلها، ولمّا مضت المناحة أرسل داود وضمّها إلى بيته

صفحه 230
وصارت امرأة له وولدت له ابناً، وأمّا الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الربّ».1
الثاني: طلب سليمان من الله سبحانه أن يوفّقه للعمل الصالح أي ما يفيد نفسه وأُمّته في الدنيا والآخرة. ومن المعلوم أنّ المطلوب الثاني أرفع شأناً لأنّ الشكر يتحقّق باللسان أيضاً ولكن المطلوب الثاني لا يتحقّق إلاّ ببذل الجهد والقيام بالعمل الصالح، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ ملك سليمان كان ذريعة ومقدّمة للعمل الصالح لا للتفاخر والتكاثر، وقد كتب الإمام علي(عليه السلام) إلى بعض عمّاله: «وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَة وَلكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ».2
سورة النمل: الآيات 20 ـ 26    
الثالث: طلب صلاح الذات وصلاح النفس الذي هو أرفع قدراً من صلاح العمل، وأنَ صلاح العمل ينشأ من صلاح الذات، والدخول في عباد الله الصالحين يجعله من مصاديق قوله سبحانه:(وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)3.

الآيات: العشرون إلى السادسة والعشرين

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *

1 . لاحظ: العهد القديم، صموئيل الثاني، الإصحاح الحادي عشر، ص: 497ـ 499، طبعة دار الكتاب المقدس.
2 . نهج البلاغة: الكتب والرسائل، برقم 5.
3 . النساء:69.

صفحه 231
لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُبِين * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيد فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين * إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).

المفردات

تفقّد: قال الراغب: التفقّد: التعهّد، لكن حقيقة التفقّد تعرّف فقدان الشيء، والتعهّد تعرّف العهد المتقدّم.1
الهدهد: طائر معروف وجمعه هداهد. وهو طائر أصفر ـ ورديّ اللون، له تاج رائع من الريش على رأسه، وخطوط سوداء وبيضاء على جناحيه وذيله.(2)
سبأ: أرض في اليمن مدينتها مأرب بينها وبين صنعاء مسافة تقدّر بنحو 173 كيلومتراً.2 يقول العرب: تفرقوا كأيادي سبأ، وذلك لأنّ سيل

1 . مفردات الراغب: 383 ، مادة: «فقد».    2 . الموسوعة العربية العالمية: 26/93.
2 . معجم البلدان:3/413; معجم بلدان اليمن وقبائلها:3/413.

صفحه 232
العرم فرّق أهل هذه الأرض في البلاد وصارت كلّ طائفة منهم إلى جهة فضرب العرب بهم المثل فقيل: ذهب القوم أيادي سبأ، أي متفرّقين. ويطلق سبأ ويراد به تارة المكان كما في الآية وقد يراد به القوم كما في قوله:(لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ).1
الخبء: يقال لكلّ مدَّخر مستور.

التفسير

20. (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ):
هذا هو الأمر السادس وذلك لما حُشر لسليمان جنوده فلم ير فيهم الهدهد، وهذا يعرب عن أنّه كان طيراً واحداً من هذا الجنس، (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ)فلم ير بينها الهدهد (فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرى الْهُدْهُدَ) وهذا يدلّ على دقّة نظر سليمان حيث إنّه بنظرة واحدة إلى الجيش الكبير المحتشد لم ير طيراً واحداً هو الهدهد. وبما ذكرنا لا حاجة إلى ما ذكره المفسّرون من سبب تفقّده، حيث ذكروا هناك وجوهاً ثلاثة:
1. أخلّ بالنوبة التي كان ينوبها ولذلك تفقّده.
2. تفقّده لأنّ مقاييس الماء كانت إليه وكان يعرف الفصل بين قريبه وبعيده، فلحاجة سليمان إلى ذلك طلبه وتفقّده.

1 . سبأ: 15.

صفحه 233
3. أنّه كان يظلّله من الشمس فلمّا فقد ذلك تفقّده.1
وما ذكره وجوه لا دليل عليها.
ثمّ إنّ قوله: (مَا لِيَ لاَ أَرى الْهُدْهُدَ)يشير إلى أنّه لمّا نظر لم يرَ الهدهد، ولكنّه لم يجزم بعدم وجوده، بل أورد على نفسه الشكّ في ذلك، فيُحتمل أنّه موجود، وهو لا يراه، ويُحتمل أنّه غائب:(أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ)، وهذا هو شأن المؤمن المتثبّت الذي لا يعجل في إصدار الأحكام. ثمّ لمّا تبيّن له أنّه غائب توعّده ـ إن كان غيابه بلا عذر ـ بإحدى العقوبتين التاليتين (على حسب جريمته):
21. (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُبِين):
والآية تدلّ على عدل سليمان وأنّه ليس من الملوك الجبابرة الذين يعاقبون الرعيّة بالظِّنّة والتخمين، ولذلك احتمل أوّلاً أنّه موجود وهو لا يراه، ثم أضرب عنه باحتمال أنّه من الغائبين، وعلى ذلك فلو كان قد غاب بلا عذر فيحكم عليه بأحد أمرين:
1. (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا) والله يعلم ما أراد من التعذيب الشديد، وهل المراد إيداعه في القفص، أو التفريق بينه وبين إلفه، أو غير ذلك ممّا ذُكر في بعض التفاسير، ولا دليل على أيٍّ منها؟
2. ( أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ): أي أقتله.

1 . تفسير الرازي:24/189.

صفحه 234
وإنْ كان غيابه بسبب مقبول فلا شيء عليه، كما يقول: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُبِين): أي بحجّة واضحة تسوِّغ غيابه، وفيها نجاته وخلاصه.
22. (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيد فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين):
لم يمض وقت طويل على تفكير سليمان(عليه السلام) في أمر الهدهد بين الأُمور الثلاثة، حتى حضر الهدهد ملقياً إليه بنبأ عظيم غيّر تفكيره كما يقول: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيد) كناية عن قصر المدّة (فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ)فقد تكلّم مع سليمان دون أن يصفه بما يوصف به الملوك والسلاطين، بل خاطبه بأمر عجيب، وهو أنّه يعلم بشيء لم يعلم به سليمان، و قال: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ)من معلومات، وفيه دلالة على أنّ أضعف مخلوقات الله تعالى ربّما يطّلع على شيء لم يُطلع عليه نبيّه، وهذا لا يورث شيناً في النبوّة.
ثمّ إنّ الهدهد أكّد ما اطّلع عليه بقوله: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ): أي أرض سبأ (بِنَبَإ يَقِين) ليس فيه أي شبهة وريب.
واستخدم كلمة نبأ دون الخبر للدلالة على عظمته، فإنّ الخبر لا يدلّ على عظمة المخبر به، كما أنّ مجيء لفظ (نبأ) بعد لفظ (سبأ)، وهما متجانسان، زاد الكلام حُسناً ورقّة.
23 و 24. (إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ

صفحه 235
دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ):
لمّا أخبر الهدهد سليمان أنّه أتى بنبأ عظيم صار ذلك سبباً
لانتباه سليمان وإصغائه لقوله، فذكر أوصاف قوم في أرض سبأ ضمن أُمور:
1. (إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ): أي تحكمهم، واسم هذه المرأة ـ كما يقول المؤرّخون ـ بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن، وكانت هي وقومها وثنيّين. والضمير في قوله: (تَمْلِكُهُمْ)يرجع إلى سبأ وأُريد به القوم، وقد مرّ في المفردات أنّ لفظ سبأ تارة يطلق على الأرض وأُخرى على القوم.
2. (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء) ممّا لا تقوم الحكومة إلاّ به، من المال والسلاح والجيش، وقد مرّ أنّ قوله: (كُلِّ شَيْء) هنا مثل قول سليمان:(وَأُوتِيَنا مِنْ كُلِّ شَيْء) وليست المقابلة دليلاً على أنّ ملكة سبأ تملك النبوّة أيضاً، لِما مرّ من أنّ المراد ما يُعتبر في قوام الحكومة.
3. (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) وهو السرير الذي تستقرّ عليه، وحوله الوزراء لتدبير أُمور البلد. ولعلّ العظمة ترجع إلى ضخامته وما رصِّع به من الجواهر.
4. أنّهم من الوثنيّين الذين يعبدون الشمس كما قال:(وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ)، فهو يُنكر عليهم شركهم. وفيه تعزيز لإرادة سليمان لأن يغزوهم، لأنّ الوثنية أمر غير مقبول في حياة الأنبياء. وهذا لا

صفحه 236
ينافي قوله سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )1 لأنّ الوثنية ليست ديناً، وإنّما الدين ما يقوم على أساس التوحيد.
5. (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) حيث استرسلوا مع أهوائهم في ارتكاب قبائح الأعمال، وزيّنها لهم الشيطان فاغترّوا به وتمادوا في اجتراحها، فركب بهم الزلّل وصرَفهم ـ باتّباعهم له ـ عن طريق الحق وإخلاص العبادة لله، كما قال:(فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ). وبذلك يُعلم معنى قوله بعد ذلك (فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ): أي ماداموا منقادين لإغواء الشيطان فلا يهتدون السبيل.
25.(أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ):
الظاهر أنّ هذا من كلام الهدهد، ويحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً للتعريض بالمشركين.
كما أنّ قوله: (أَلاَّ) بمعنى هلاّ، وهي كلمة تحضيض، يقول ابن مالك:
وبهما(لولا ولوما) التَّحضيضَ مِزْ وهَلاّ *** ألاّ ألا وأوْلِيَنْهَـا الْفِعْـلا
ووجه الحضّ على الانصراف عن عبادة الشمس إلى عبادة الله، هو أنّهم يعظّمون الشمس بما لها من الخيرات، فالله سبحانه أَولى بأن يُعبد لأنّه هو الذي يُخرج الأشياء والقوى والطاقات الكامنة في هذا الكون، كما قال:

1 . البقرة:256.

صفحه 237
(أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ): أي كلّ مخبوء ومستور في السماوات والأرض كالمطر والنبات والمعادن وغيرها (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)فالفقرة الأُولى: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ) إشارة إلى سعة قدرته، وهذه الفقرة إشارة إلى سعة علمه. ثم ختم كلامه بقوله:
26.(اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ):
وكأنّ الآية بصدد بيان خلاصة كلامه وأنّه لابدّ من رفض عبادة الشمس والتوجّه إلى عبادة الإله الموصوف بوصفين:
1. (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) فإنّ العبادة من خصائص الإله وليس إلاّ هو، وأمّا الشمس فليس إلهاً بل مخلوقاً.
2. (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فعرش تدبيره أعظم بكثير من عرش ملكة سبأ، حيث صحيفة الوجود عرش الرحمن .
إلى هنا تمّ حوار الهدهد مع سليمان(عليه السلام)، ولمّا كان سليمان من الأنبياء العظام لم يتّخذ من كلام الهدهد موقفاً سلبياً ولا إيجابياً بل وضعه في بقعة الاحتمال ; لأنّ لكلّ من الطرفين لوازم خاصّة، فلا يمكن الأخذ به بلا دليل ولا برهان.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً، وهو أنّ سليمان(عليه السلام) كان في الشام فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة من الشام إلى اليمن ثم رجع إليه؟ والجواب: أنّ السائل فرض أمراً لم يثبت، وهو أنّ سليمان كان في الشام، بل الآية تذكر أنّه كان على مشارف وادي النمل وهو لم يتبيّن بعد، ولعلّه كان في أرض الحجاز.
ثمّ إنّ قوله: كيف رجع في تلك اللحظة إليه؟ أمر غير صحيح إذ ليس

صفحه 238
في الآية ما يشير إلى أنّه رجع في تلك اللحظة بل يحتمل أنّه كان غائباً مدّة مديدة قبل استعراض الجنود، فإنّما وصل إليه بعد أيام قضاها في السفر ذهاباً وإياباً.
وهذا أمر غير بعيد.
ثمّ إنّ قسماً من الطيور في الزمان الحاضر تقطن قرب قطبي الأرض الشمالي والجنوبي، ثم تهاجر من الشمال إلى الجنوب في الشتاء وفي الصيف بالعكس، كلّ ذلك نراه بأُمّ أعيننا.
سورة النمل: الآيات 27 ـ 37    

الآيات: السابعة والعشرون إلى السابعة والثلاثين

(قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اِذْهَبْ بِكِتَابي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ *قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُوني مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُوني فِي أَمْري مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّة وَأُولُو بَأْس شَدِيد وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُري مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّة فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَال فَمَا آتَانيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ

صفحه 239
أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ).

المفردات

فألقه: اللقاء: مقابلة الشيء ومصادفته معاً. وأمّا الإلقاء فهو بمعنى الطرح، يقول سبحانه: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا)1.
تولّ: إذا عُدّي«التولّي» بـ «عن» لفظاً كما في الآية، أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض وترك قربه، يقول سبحانه: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ).(2)
الملأ: الأشراف من الناس، وربما يفسر بالرؤساء.
أفتوني: الفتوى والفتيا: الجواب فيما يُشكل، يقال: استفتيته فأفتاني بكذا. يقول سبحانه: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ).2
بأس: البأس: الشدّة والشجاعة في الحرب.

التفسير

27. (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ):
لمّا أخبر الهدهد عن إحاطته بشيء لم يحط به سليمان(عليه السلام) وأنّه جاء

1 . طه: 19ـ 20.   2 . آل عمران: 63 .
2 . النساء: 127.

صفحه 240
من سبأ بنبأ يقين، صار ذلك مبدأً في تحقيق إخباره ولذلك قال: (سَنَنْظُرُ): أي نفكّر فيما ادّعيت (أَصَدَقْتَ) قدّم احتمال الصدق على ضدّه تقليلاً لروع الهدهد، مضافاً إلى أنّ مقتضى الأدب هو تقديم التكريم على التكذيب، (أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ولم يقل: أكذبت، بل نسب احتمال كونه كاذباً إلى الماضي، يقول الطبرسي: هذا ألطف وألين في الخطاب من أن يقول: أم كذبت.1
28. (اِذْهَبْ بِكِتَابي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ):
يتّبع القرآن عند سرد القصص أُسلوب التلخيص فلا يتعرّض لذكر ما يُعلم من القرائن، ولذلك ترى في سرده هذه القصة يوجز في أكثر مواردها، ولا يتمّ الكلام فيه إلاّ بضمّ ما يُعلم من القرائن إليه، ففي المقام حُذف ما يُعلم، وهو أنّ سليمان كتب كتاباً وختمه بخاتمه وأمر الهدهد بحمله إلى سبأ: (اِذْهَبْ بِكِتَابي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ)اتّفق المفسّرون على أنّ الهاء في (ألْقِهِ)هاء السكت وليس ضمير المفعول، ومع أنّ المخاطب بالكتاب كان هو الملكة، ولكنّ سليمان(عليه السلام) قال:(أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ) لإشراك الجميع في الدعوة إلى التسليم. وبما أنّ الغاية من إرسال الكتاب إليهم هو الاطّلاع على ما يتّخذونه من موقف أمام مضمون الكتاب، فلذلك أمر سليمان الهدهد بقوله: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ): أي ابتعد عنهم ولا ترجع حتى تقف على موقفهم كما يقول: (فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ): أي ماذا يردّون من الجواب. والظاهر أنّ

1 . مجمع البيان:7/402.

صفحه 241
سياق الآية سياق تامّ دون أن يكون فيه تقديم وتأخير، حيث أمر سليمان الهدهد بالتولّي عنهم والابتعاد قليلاً حتى ينظر ما هو ردّ فعلهم ممّا جاء في الكتاب.
وربّما يقال إنّ في الآية تقديماً وتأخيراً، وتقدير الآية: فانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم.
يلاحظ عليه: بأنّه لو كان هذا هو المراد للزم أن يقول: ثمّ ارجع إلينا، دون أن يقول: ثم تولّ عنهم.
29. (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ):
قلنا: إنّ القرآن يتبع عند سرد القصص أُسلوب التلخيص وهنا أيضاً كذلك، فسياق الكلام يدلّ على أنّ الهدهد حمل الكتاب وطار به إلى مملكة سبأ، فألقاه إلى الملكة (بلقيس)، فلمّا قرأته: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ): أي قالت الملكة مخاطبة لأهل مجلسها بقولها(يَا أَيُّهَا الْمَلأُ): أي أشراف قومي (إنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ)سُلّم إليّ(كِتَابٌ كَرِيمٌ) وذيل الآية يدلّ على أمرين:
الأوّل: أنّ الكتاب سُلّم إلى الملكة دون حضور أعيان مملكتها ورجال دولتها وإلاّ ما خاطبتهم بقولها:(أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ)، لأنّهم على هذا الفرض قد رأوا استلامها للكتاب.
الثاني: أنّها وصفت الكتاب بالكريم.
إنّما الكلام ما هو المراد بكونه كريماً نفيساً، نظير قوله سبحانه:(لَهُمْ

صفحه 242
مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )1 وما ذلك إلاّ لأنّ سليمان ابتدأ رسالته بالبسملة (باسم الله) ثمّ وصفه بوصفين (الرحمن الرحيم)، وهذا هو الذي دعاها إلى وصف الكتاب بأنّه كريم.
وربما يقال: بأنّ الكتاب بأناقته وخطّه وختمه يعدّ من نفيس ما يرسله الملوك من كتب، ولذلك صار سبباً لوصفه بالكريم.
والوجه الأوّل هو الذي ذكره الطبرسي، وأمّا الوجه الثاني أي حسن خطّه وجودة بيانه فنسبه إلى القيل.(2)
30 و 31. (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُوني مُسْلِمِينَ):
الظاهر أنّ الملكة ابتدأت كلامها بقولها:(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ) وذلك لأنّها فتحت الكتاب وعرفت الكاتب من خاتمه. وربّما يقال: إنّه جواب عن سؤال مقدّر، حيث سأل بعض الأشراف بقوله: ممّن الكتاب؟ فأجابت بقولها: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ).
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك أن تقول (إِنَّهُ بِسْمِ اللهِ) دون أن تقول: (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ).
ثمّ الظاهر أنّ الكتاب منقول بالمعنى، والشاهد عليه هو أنّه ابتدأ الكتاب بعد البسملة بقوله: (أَلاَّ تَعْلُوا) وهي كلمتان «أن» المصدرية الناصبة و «لا» الناهية فأُدغمت النون في اللام فصارت ألاّ. ومن المعلوم أنّ الكتاب

1 . الأنفال:74.   2 . مجمع البيان: 7 / 377 ـ 378 .

صفحه 243
لا يبتدئ بهذا النحو، بل يقال: «لا تعلُوا».
قال الزمخشري: إنّ نسخة الكتاب كانت هكذا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد (أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُوني مُسْلِمِينَ).
وعلى كلّ تقدير، فالكتاب أفضل دليل على أنّه ينبغي للكاتب أن لا يطيل الكلام ولا يُسهب فيه، بل يختصر بما يؤدي المقال.
وعلى كلّ حال، فالكتاب كان مشتملاً على ثلاثة أُمور:
1. البسملة كما قال: (بِسْمِ الله الرّحمن الرّحيم).
2. (أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيّ): أي لا تترفّعوا ولا تتكبّروا عليّ.
3. (وَأْتُوني مُسْلِمِينَ): أي منقادين طائعين لأمري فيما أدعوكم. ولا تذهب نفسك أنّ النبي سليمان(عليه السلام) أمرهم بالخضوع والانقياد لنفسه بما أنّه ملك وذو سلطة، بل الغاية من النهي عن التكبّر هو إطاعتهم له حتى ينسلكوا في عداد الموحّدين وعباد الله المؤمنين، ولذلك أكّده بقوله: (وَأْتُوني مُسْلِمِينَ): أي مستسلمين.
ومن الطبيعي أنّ مثل هذا النوع من الخطاب الحازم الشديد اللهجة إذا وجِّه إلى رئيس البلد ومن حوله من الملأ وهم ذوو قوة وقدرة، يكون كوقع الصاعقة عليهم، ولذلك بدأت الملكة بالحوار معهم لأنّ الجميع أحسّوا بالخطر القريب، فخاطبتهم:
32. (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُوني فِي أَمْري مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ):

صفحه 244
تحكي الآية عن أنّ الملكة كانت امرأة عارفة بكيفية إدارة المُلك، وأنّه لا يقوم على أساس الاستبداد ورفض آراء الآخرين، ولذلك: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ) لتسترشد بآرائهم في الموضوع الذي أشارت إليه بقولها: (أَفْتُوني فِي أَمْري) وهذا يعني أنّها واجهت أمراً مشكلاً، لأنّ كلمة الاستفتاء تستعمل في أمر مُشكل لا يرتفع إلاّ بالتدبّر والتعقّل.
ثمّ أضافته إلى نفسها وقالت: (أَمْري) لأنّها هي الأميرة والمسؤولة عن أُمور البلاد المهمّة.
وفي النهاية قالت: ( مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا): أي لا أقضي في المهمّات أمراً إلاّ بالاستشارة (حَتَّى تَشْهَدُونِ): أي تحضرون، وهي كناية عن المشاورة وتبادل الآراء والأفكار. والآية تدلّ على أنّ للشورى جذوراً في الأُمم المتحضّرة السابقة.
قال الشريف الرضي: قوله: (قَاطِعَةً أَمْرًا) استعارة والمراد بقطع الأمر ـ والله أعلم ـ الرجوع بعد إجالة الآراء ومخض الأقوال إلى رأي واحد يصحّ العزم على فعله والعمل عليه دون غيره، تشبيهاً بالإسداء والإلحام1 في الثوب النسيج، ثمّ القطع له بعد الفراغ منه، فكأنّها أجالت الرأي عند ورود ما ورد عليها من دعاء سليمان(عليه السلام) لها إلى الإيمان به والاتّباع له.2
وسياق الآيات يحكي عن أنّه كان لها رأي خاص كتمته عن الملأ وما أبدته إلاّ بعد ما وقفت على آرائهم كما يقول سبحانه:

1 . أسدى الثوب، أقام سَداه، وهو ما مُدّت خيوطه طولاً. وألحم الثوب: مدّ خيوطه عرضاً.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:170ـ 171.

صفحه 245
33.(قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأْس شَدِيد وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُري مَاذَا تَأْمُرِينَ):
اتّخذ الملأ موقفاً واحداً أعربوا فيه عن قدرتهم على مواجهة هذا الخطر الذي يتهدّد مملكتهم، واعتمدوا في ذلك على أمرين، كما حكاهما عنهم سبحانه بقوله:
1. (قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّة) ذوو سلاح فتّاك وقتّال وجيش جرّار.
2. (وَأُولُوا بَأْس شَدِيد) أصحاب شدّة في الحرب وشجاعة في منازلة العدو.
لقد أظهروا بهذين الأمرين: (سلاح وجيش، وشدّة على العدو)، استعدادهم للحرب والدفاع عن البلد، ومع ذلك احترموا مقام الملكة، وقالوا:(وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُري مَاذَا تَأْمُرِينَ) وهذا هو الرسم الدارج في البلاد التي لا يكون فيها الحاكم مستبدّاً، ذا سلطة مطلقة في إصدار القرارات، وإنّما يُشارك في تبادل الرأي فيها الوزراء والمستشارون، ولكنّهم يفوّضون الأمر في النهاية إلى الحاكم، ليتّخذ فيه القرار المناسب.
وهذا النوع من الاستشارة لا بأس به بشرط أن يختار المستشير أحسن الآراء وأفضلها، وهذا هو الظاهر من القرآن الكريم حيث يقول: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )1، حيث إنّه سبحانه يأمر نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالمشاورة، ولكن يجعل القرار النهائي بيده(صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . آل عمران:159.

صفحه 246
34. (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ):
الآية تحكي عن أنّ الملكة كانت ترجّح جانب السّلم على جانب الحرب الذي يوحي به رأي الملأ، وذلك لأنّ الحرب لا تنتج إلاّ الخراب والدمار والهوان، من غير فرق بين أن يكون المنتصر هو سليمان أو أهل سبأ، فإذا أمكن حلّ العقدة بالطريق السّلمي، فهو أَولى من حلّها بالسلاح وإراقة الدماء، وهذا يحكي عن كمال عقلها وحُسن تدبيرها، كما (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا): أي احتلّوا (قَرْيَةً): أي بلداً (أَفْسَدُوهَا): أي دمّروا ما فيها من عمران (وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً)، ولم تقل: ويذلّونهم; لأنّ الأوّل آكد في الدلالة على تحقّق الذلّة حيث يدلّ على تلبّسهم بصفة الذلّة، فاستدلّت بما وقفت عليه من أحوال الملوك، على أنّه لو كانت هناك حرب لترتّب عليها كلا الأمرين، ويُحتمل خمسون بالمئة أن يكون سليمان هو المنتصر ونحن المغلوبون، وكأنّ من طبيعة الملوك الاستبداد والتخلّي عن الأخلاق والمُثُل، حيث لا يرى المَلك إلاّ شيئاً واحداً وهو أنّ العالم خُلق له وهو سيّد العالم والناس كلّهم مملوكون له، ومعلوم أنّ الرئاسة والإدارة بهذه الفكرة لا تنتج إلاّ فساد البلاد، وذلّة العباد.
ثمّ إنّ قولها:(وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) استدلال على أنّ هذه الطبيعة أمر مستمر في الحال والمستقبل ولا يختصّ بالأزمنة الغابرة.
35. (وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّة فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ):

صفحه 247
المفهوم من الآية السابقة أنّ الملكة ـ كما قلنا ـ جنحت إلى جانب السّلم ولكنّها لم تختره في بدء الأمر بل قدّمت عليه شيئاً آخر وهو اختبار سليمان بإرسال الهدايا الغالية، فإن رفض تلك الهدايا ولم يعتدّ بها وأصرّ على موقفه فليس هو ملكاً بل هو نبي من أنبياء الله ; وذلك لأنّ هذه سيرتهم حيث إنّ الدنيا وما فيها حقيرة في نظرهم، ولا يساومون على عقيدتهم ويضحّون من أجلها بكلّ عزيز ونفيس، ومثلهم لا تجوز محاربتهم وتصعب مقاومتهم. وأمّا إذا ما قبل فيُعلم أنّه ملك من الملوك، ومثل هذا يمكن إرشاؤه بها ودفع شرّه عن البلد.
وهذا هو المفهوم من الآية، حيث قال: (وَ إنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ) إلى سليمان وضمير الجمع إمّا للتعظيم، أو المراد سليمان ومن حوله من الوزراء (فَنَاظِرَةٌ): أي مترقِّبة ومنتظرة(بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)حتى أقوم وفق ما رجعوا به.
وقولها: (المُرسَلُون) يدلّ على أنّ الملكة بعثت إلى سليمان(عليه السلام) وفداً يحمل معه تلك الهدايا.
36. (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَال فَمَا آتَانيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ):
اتّبع القرآن أيضاً ـ كما تقدّم ـ أُسلوب التلخيص في سرد القصّة وترك ما يُعلم من القرائن، وهو أنّ الملكة أوفدت وفداً وجهّزتهم بالغالي من الهدايا وبعثتهم إلى سليمان(عليه السلام)، فلمّا قاموا بين يديه(عليه السلام)وقدّموا إليه الهدايا الغالية، خاطبهم بلهجة شديدة كما يقول:(فَلَمَّا جَاءَ): أي الوفد إلى

صفحه 248
(سُلَيْمانَ قَالَ)سليمان لرسول الملكة منكراً عليهم هذا الفعل بقوله: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَال فَمَا آتَانيَ اللهُ)من النعم الجزيلة (خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ)فلا أتطلّع إلى هذا المال الزائل الذي لا قدْر له عندي. ثمّ قال موبِّخاً لهم على سرورهم بهديتهم لاستعظامهم لها وإعجابهم بها (بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)، والآية تحكي عن أنّه ردّ الهدايا ولم يقبل شيئاً منها، بل لم يقتصر على ذلك وإنّما توعّدهم وهدّدهم بأنّه سيغزوهم بجيش لا طاقة لهم به.
سورة النمل: الآيات 38 ـ 44    
37. (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ):
قوله:(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ) الخطاب لرئيس الوفد، أي ارجع إليهم بهديّتهم وأخبرهم (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَ قِبَلَ): أي لا طاقة (لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا)من بلادهم (أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) مُهانون.
ثمّ إنّ القرآن طوى ذيل القصّة وهو أنّ الرسول رجع بالهدية إلى ملكة سبأ وأخبرها بتهديد سليمان بمهاجمتهم إن لم يأتوا إليه مستلسمين طائعين، وعندئذ لم تجد الملكة أمامها إلاّ أن تستجيب للأمر فارتحلت إليه مع خاصّتها وكبراء قومها، وبلغ خبرها سليمان(عليه السلام). وتشهد على ذلك المجموعة التالية من الآيات.

الآيات: الثامنة والثلاثون إلى الرابعة والأربعين

(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ

صفحه 249
مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ *وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْم كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

المفردات

عفريت: العِفْريت: النافذ في الأمر مع دهاء.
أن تقوم من مقامك: بما أنّه يطلب ذلك مخاطباً للملأ فيكون المراد: قبل انفضاض المجلس.
قبل أن يرتد إليك طرفك: قال الشريف الرضي: المراد بارتداد الطرف هاهنا التقاء الجفنين بعد افتراقهما، وذلك أبلغ ما يوصف به في السرعة،

صفحه 250
وكأنّ انفتاح الجفنين قائم مقام الخروج، والانطباق مقام الرجوع.1
نكّروا لها: تنكير الشيء: جعله بحيث لا يُعرف.
صدّها: الصدّ: الحيلولة بين الشيئين.
الصرح: بيت عال كقوله: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا)،(2) وربّما يطلق على الموضع المنكشف من غير سقف كصحن الدار.
لُجّة: لجّة البحر تردّد أمواجه، ولجّة الليل تردّد ظلامه، قال تعالى: (فِي بَحْر لُجِّيٍّ )2.
مُمرّد: أي أملس، من قولهم: شجرة مرداء إذا لم يكن عليها ورق.
قوارير: القوارير: الزجاج، واحدها قارورة.

التفسير

38. (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ):
تدلّ الآية على أنّ سليمان(عليه السلام)، قد علم أنّ موكب الملكة في طريقه إليه، فطلب ممّن حوله من كبار مساعديه إحضار عرشها قبل أن تصل إليه، فـ : (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ)، وقد أراد بذلك أن يُريها بعض ما خصّه الله به من عظيم القدرة حتى يكون سبباً

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:171.   2 . غافر:36.
2 . النور:40.

صفحه 251
لقبول نبوّته، ومن ثمّ دخولها في صفوف الموحّدين.
وهنا انبرى اثنان من معاونيه لتحقيق طلبه:
الأوّل: عفريت من الجنّ، كما في قوله:
39. (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ):
قوله:(قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) العفريت يطلق على العاتي المارد من هذا الصنف، و:(أَنَا آتِيكَ)الظاهر أنّه صيغة فاعل وإن احتمل بعضهم كونه فعل مضارع (قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ): أي قبل انفضاض المجلس حيث إنّ سليمان كان يجلس للقضاء بين الناس وموعظتهم، وقد مرّ أنّ جيش سليمان يتشكّل من ثلاثة أصناف:(الجنّ والإنس والطير).
ثمّ أضاف هذا العفريت:(وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ) لا يجهدني ثقل العرش (أَمِينٌ)لا أخونك فيما أقول، أولا أخونك في الشيء الذي أحمله.
40.( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ كَرِيمٌ):
وأمّا الثاني: الذي تعهّد بالإتيان بالعرش، فهو الذي يعرّفه سبحانه بقوله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ) فما هو المقصود من علمه بالكتاب؟

صفحه 252
قال المفسّرون: المراد به جنس الكتب السماوية أو اللّوح المحفوظ. وأضافوا: إنّ هذا القائل كان يعلم اسم الله الأعظم، ذلك الاسم الذي يخضع له كلّ شيء ويمنح الإنسان قدرة خارقة للعادة.
لكن قد ثبت في محلّه أنّ الاسم الأعظم ليس من قبيل الألفاظ والمفاهيم، وإنّما هو كمال نفساني يوجد في الإنسان فيصبح بواسطته مظهراً لذلك الاسم الأعظم.
فما روي عن ابن عباس وقتادة من أنّه يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وما قيل من أنّ ذلك الاسم، هو: الله والذي يليه الرحمن، أو: يا حيّ يا قيّوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: إنّه يا إلهنا وإله كلّ شيء إلهاً واحداً لا إله إلاّ أنت، كلّها محمول على أنّه اسم للاسم الأعظم، فما ذكروه اسم للاسم لا نفسه، وعلى ذلك فيكون معنى قوله: (عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ)أنّ القائل وصل، إثر علم شيء من الكتاب، مرتبة عالية نفسية، بحيث تؤثر إرادته في الكون ويخضع له عالم الوجود بإذن من الله سبحانه. وبذلك يفسَّر أيضاً ما يقوم به الأنبياء من عجائب الأُمور وغرائب الآثار من إحياء الموتى وخلق الطيور.. كلّ ذلك إثر إرادة نفس طاهرة خاضعة لله نقيّة وصلت إلى حدٍّ إذا أراد، أراد الله سبحانه، وإذا طلب، تحقّق.
وقد تعدّدت أقوال المفسّرين في اسم هذا الذي عنده علمٌ من الكتاب، والذي ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وغيرهم أنّه آصَف بن بَرْخِيا.1

1 . تفسير نور الثقلين:4/48.

صفحه 253
قوله: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) قد مرّ تفسيره في «المفردات»، وقلنا: ارتداد الطرف هو التقاء الجفنَين بعد افتراقهما، والمعنى: أنا أُحضره لك في مدة لا تتجاوز ردّ جفنَيكَ إلى الإطباق بعد انفراجهما، فصارت النتيجة:
(فَلَمَّا رَآهُ) سليمان (مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) شكر الله سبحانه و(قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي): أي كرامة من الله لي من دون استحقاق (لِيَبْلُوَني): أي ليختبرني (أَأَشْكُرُ)هذه النعمة بالطاعة والانقياد له سبحانه والإقرار بفضله (أَمْ أَكْفُرُ)بها وأتنكّر لمُنعِمها؟ (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لأنّ النتيجة تعود إليه، نظير قوله سبحانه:(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا )1. ولا شكّ في أنّ الابتلاء بالنِّعم، لا سيما مثل تلك النِّعم التي أفاضها على سليمان(عليه السلام)ومنها تسخير تلك القوى الهائلة له، يعدّ من أشدّ الابتلاءات والامتحانات، لأنّها مدعاة للشعور بالزهو والغرور، واستغلالها في تأكيد الذات والاستطالة بها على الآخرين.
قوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ) عن شكر العباد غير محتاج إليه (كَرِيمٌ) متفضِّل على عباده شاكرِهم وكافرِهم.
هذا هو تفسير الآية بحرفيّتها، وهناك أبحاث لابدّ من بيانها:
الأوّل: حكى سبحانه قول القائل الثاني بدون واو العطف، وكان السياق يقتضي أن يقول:(وقال الذي)؟
والجواب: أنّ فيه إشعاراً بمكانته ومقامه السامي، ولذلك فصل كلامه

1 . الإسراء:7.

صفحه 254
عن كلام العفريت ولم يعطفه عليه، لئلاّ يتوهّم اتّحاد مقامهما.
الثاني: أنّ سياق الآية يدلّ على أنّ سليمان(عليه السلام) كان جالساً على كرسيّه وهذان الشخصان حوله، فوجّه خطابه إلى من حوله، فأجاب عفريت من الجنّ بأنّه مستعدّ لذلك، ثم أجاب الثاني بأنّه مستعدّ لما يطلب في أقلّ مدّة يمكن تصوّرها، ومقتضى الحوار هو أنّ المجيب الثاني شخص غير سليمان النبي(عليه السلام)، بشهادة قوله: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)فالضمائر الثلاثة ترجع إلى سليمان قطعاً بشهادة أنّ الضمير في قول(عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ) يرجع إلى سليمان(عليه السلام).
لكن ذهب الفخر الرازي إلى أنّ الشخص الثاني هو نفس سليمان، وأيّده بوجوه أربعة غير وافية نذكر منها الوجه الرابع الذي هو أقوى الكلّ، حيث قال: إنّ سليمان(قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان.1
يلاحظ عليه: بأنّ سبب الشكر لا يختصّ بقيام سليمان بنفسه بهذا العمل، وتحقّقه بدعائه، بل يكفي كون أحد أصحابه قادراً على هذا العمل، ولذلك شكر الله سبحانه.
الثالث: أنّ سليمان نفسه كان قادراً على ذلك العمل، فلماذا أوكله إلى غيره؟ والجواب: لعلّ الوجه أنّه (عليه السلام) أراد بذلك أن يبيّن مكانة وصيّه ووزيره للجميع في هذه اللحظة الحسّاسة. وهذا ليس ببعيد، فإنّ الأساتذة ربّما

1 . تفسير الرازي:24/198. وقد سبقه إلى هذا الرأي الجُبّائي، كما نقل عنه ذلك الشيخ الطوسي في تبيانه:8/96.

صفحه 255
يطلبون من تلاميذهم أُموراً شاقّة، فمن قام بها بأحسن وجه فهو الذي يُقدّر.
قال الإمام علي الهادي(عليه السلام) في جواب هذا السؤال: «(الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ) فهو آصف بن برخيا، ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرفه آصف، لكنّه(عليه السلام) أحبّ أن تعرف أُمّته من الإنس والجنّ أنّه الحجّة من بعده، وذلك من علم سليمان أودعه الله آصف بأمر الله تعالى، ففهّمه الله ذلك لئلا يختلف في إمامته ودلالته».1
الرابع: كيف تصرّف سليمان في عرش الملكة وهي غير راضية وأتى به إلى مملكته؟
والجواب: أنّ قيام سليمان بهذه الأفعال العجيبة لم يكن صادراً عن هوىً، بل كان لغرض الهداية وإرعاب العدو حتّى يستسلم لأمر سليمان ويترك عبادة ما سوى الله وينقاد لعبادته سبحانه. وله الولاية التامّة في الأموال والنفوس في طريق دعوته.
الخامس: ربّما يُطرح سؤال وهو: كيف تحقّق الإتيان بالعرش مع ما بين البلدين من البعد الكبير؟
والجواب: ورد في بعض الروايات أنّ اسم الله الأعظم على ثلاث وسبعين حرفاً وأنّه كان عند آصف منها حرف واحد وتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين.(2)

1 . مجمع البيان:7/413.   2 . مجمع البيان:7/410ـ411.

صفحه 256
وفي رواية أُخرى: أنّ الأرض طُويت له، وهو المروي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام).1
وهناك احتمال آخر، وهو أن يكون من قبيل الإعدام والإيجاد بأمر من الله سبحانه الذي إذا قال لشيء كن فيكون.
ثمّ إنّ في الجواب الثاني غموضاً فإنّ طيّ الأرض بمعنى ضدّ نشرها كيف يتحقّق للحامل دون أن يتحقّق للآخرين الذين يعيشون فوق نفس الأرض؟
41. (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ):
مرّ أنّ الملكة لمّا بلغها تهديد سليمان(عليه السلام)، أزمعت الحضور بنفسها لديه، والانقياد لحكمه وسلطانه، ولذلك تجهّزت للسفر بمركب يليق بمثلها، لكنّ سليمان(عليه السلام) أراد أن يجرّب حِذقها وذكاءها، فأمر أعوانه بإجراء بعض التغييرات على العرش، وذلك بتغيير بعض أوصافه(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا): أي غيّروه عن الحالة السابقة له، ثمّ إنّه بيّن سبب ذلك وقال: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي): أي أتعلم أنّه هو (أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ): أي يختلط الأمر عليها بسبب هذا التغيير، فلا تصل إلى معرفته؟
42. (فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ):

1 . مجمع البيان:7/410ـ411.

صفحه 257
فلمّا جاءت الملكة بموكبها إلى مجلس سليمان(عليه السلام) واطّلعت على العرش قيل لها(أَهَكَذَا عَرْشُكِ)؟ ولم يُقل: أهذا عرشك؟ زيادة في التنكير، فأجابت بما يدلّ على رجاحة عقلها، و(قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) فلم تجزم بأنّه هو نفسه، لاحتمال أن يكون مثله، ولم تنفِ ذلك، لوجود التشابه بينهما. ثمّ اعترفت بحقيقة أرضتْ بها سليمان(عليه السلام)، وقالت:(وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ).
ظاهر السياق أنّ هذه الفقرة من تتمة كلام الملكة، ذلك أنّها أحسّت أنّ سليمان(عليه السلام) أراد بإحضار العرش إظهار القدرة الخارقة للتدليل على صدق نبوّته، فقالت: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ) بقدرة سليمان (مِنْ قَبْلِهَا): أي قبل هذه الحالة، وإنّ قدومنا إلى سليمان، والنزول على حكمه قبل هذه المفاجأة الغريبة (إحضار العرش) دليل على انقيادنا وطاعتنا، كما يقول سبحانه على لسانها:(وَكُنَّا مُسْلِمِينَ).
43. (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْم كَافِرِينَ):
اختلف المفسّرون في المراد من (مَا) في قوله:(مَا كَانَتْ) فهنا قولان:
1. المراد عبادة الشمس، وعندئذ يكون محلّ (مَا) مرفوعاً لكونها فاعل الفعل، والمعنى: وصدّها ما كانت تعبد (أي عبادة الشمس) عن الإيمان بالله تعالى.
وهذا يدلّ على تأثير تقاليد المجتمع ومعتقداته على الإنسان، فالذي صدّ الملكة عن الإيمان بالله ومنعها من التسليم له هو أنّها نشأت وعاشت

صفحه 258
في جو مشبع بالكفر، كما يقول: (إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْم كَافِرِينَ).
2. المراد من الموصول هو سليمان، وعلى هذا يكون محله منصوباً، والمعنى: وصدّها سليمان عمّا كانت تعبده من دون الله، وحال بينها وبينه ومنعها عنه.
والظاهر أنّ الوجه الأوّل هو الأظهر بالنسبة إلى السياق، لأنّ مآل الوجه الثاني أنّها أسلمت وتركت عبادة الشمس مع أنّها صرّحت بذلك في الآية التالية، وهو يعرب عن أنّها لم تسلم بعد، أو لم تظهر إسلامها باللسان على الأقلّ.
44. (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
يدلّ ظاهر الآية أنّه كان لسليمان قصر وله صحن مفروش بزجاج شفاف صاف والماء يجري من تحته، بحيث إنّ من ألقى إليه نظره، من دون علم سابق، يتخيّل أنّه لُجّة ماء، ولأجل أن يصل سليمان(عليه السلام)إلى هدفه الأكبر، وهو هداية الملكة إلى التوحيد من خلال إراءتها قدرته العظيمة الدالّة على ارتباطه بالغيب، دعاها أحد أتباعه إلى أن تدخل الصَّرح، كما قال سبحانه: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ) وبناء الفعل للمجهول دليل على أنّ القائل غير سليمان، وقوله:(ادْخُلِي)يدلّ على أنّ المراد من الصَّرح هو الصَّحن لا القصر وإلاّ لقيل لها: اصعدي.
فلمّا دخلت تفاجأت بما يُرى كأنّه لجّة، فرفعت ثيابها ظنّاً منها أنّها

صفحه 259
تريد أن تخوض الماء، كما يقول: (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا)وعندئذ(قَالَ) سليمان(عليه السلام) (إِنَّهُ صَرْحٌ) صحن (مُمَرَّدٌ)مملّس (مِنْ قَوَارِيرَ): أي من زجاج صاف، وليس بماء. ولمّا رأت ما لسليمان من القدرة الخارقة للعادة، أعلنت عن توبتها وقالت: (رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) بعبادة غيرك (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)لأنّها وقفت على صلته بالله تعالى، فآمنت بما آمن به.
ثمّ إنّ الغاية من دعوتها إلى دخول الصَّرح هو إراءة عظمة القدرة، وأمّا تخيّلها كونه ماءً والكشف عن ساقيها فلم يكن مطلوباً لسليمان، وإنّما صار من لوازم تخيّلها، ومن هنا يُعلم أنّ ما جاء في تفسير الرازي من أنّ الجنّ كرهوا أن يتزوّجها فقالوا: إنّ في عقلها نقصاناً وأنّها شَعْراء الساقين ورجلها كحافر حمار، فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش، واتّخذ الصَّرح ليتعرّف على ساقها، فلما كشفت عنها فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً.1
كلّ ذلك خرافات إسرائيلية، وليس ما ورد في هذا المشهد هو الوحيد في تاريخ سليمان، بل حيكت حول قصته(عليه السلام)الكثير من الأساطير والخرافات، ومن راجع التفاسير خصوصاً القسم الروائي منها كالدرّ المنثور وغيره، يرى فيها غرائب وعجائب يحكم العقل ببطلانها وعدم صحّتها، وهي من الإسرائيليات التي تسرّبت إلى كتب التفسير والحديث.
هذا، ومن يقرأ حياة سليمان في القرآن الكريم يعرف أنّه كان عبداً مؤمناً شاكراً أوّاباً، موصوفاً بالعلم والحكمة، متمتّعاً بقدرة فائقة على التدبير

1 . تفسير الرازي:24/201.

صفحه 260
والإدارة، وأنّه كان يبتغي في كلّ أقواله وأعماله مرضاة الله تعالى.
ثمّ إنّ بعض المتقشِّفين غير العارفين بمقامات الأنبياء والأولياء ربّما يستشكلون على سليمان(عليه السلام)جمعه للأموال والحرس، وتشييده للمباني الفخمة وغير ذلك، وهذا الإشكال نابع عن تصوّر خاطئ ونظرة سطحية للدنيا، فللإنسان إذا أقبل على الدنيا أو أقبلت عليه، موقفان:
الأوّل: أن يجعل الدنيا أكبر همِّه، ويؤثرها على آخرته، فيتكالب على حطامها، ويهيم بعشقها، ويغرق في ملاذّها. وهذه هي الدنيا الغَرور، التي تعميه وتطغيه، وتصرف وجهه عن طاعة الله.
الثاني: أن يجعلها مزرعة لآخرته، ووسيلة لغايات وأهداف سامية كنشر العدل وبسط التوحيد، وإعانة البائسين، والتزوّد من الخيرات والأعمال الطيّبة. وهذه هي الدنيا المطلوبة التي دعا إليها جميع الأنبياء والأولياء. قال الإمام علي(عليه السلام) في صفة الدنيا:«مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ».1
سورة النمل: الآيات 45 ـ 53    

الآيات: الخامسة والأربعون إلى الثالثة والخمسين

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 82 .

صفحه 261
فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْط يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ).

المفردات

يختصمون: يجادل بعضهم بعضاً.
السيئة: العقوبة، وإنّما سمّيت سيئة لأنّها تسوء صاحبها.
الحسنة: ضد السيئة، ما يستحسنه صاحبها.
لولا: تحضيضية بمعنى: هلاّ، وليست ابتدائية.
اطَّيّرْنا:تشاءمنا بك. وأصل التطيّر من زَجْر العرب في الجاهلية للطّير(أي الإشارة إليه بيده أو بعصاً ليطير)، فإذا طار إلى جهة اليمين تفاءلوا، وإذا طار إلى جهة الشمال تشاءموا.
رهط: الرَّهط: العصابة من الثلاثة إلى ما دون العشرة، وقيل الأربعين.
تُفتَنون: تُختبَرون.
تقاسموا: أي احلفوا.
لنبيّتنّه: البَيات: مباغتة العدو ومفاجأته بالإيقاع به ليلاً.
وليّه: من له حق القصاص.

صفحه 262
مَهلِك: مصدر ميمي أو اسم مكان أو اسم زمان، بمعنى الهلاك.
مكروا مكراً: المكر: التدبير الخفيّ لعمل الشرّ.
خاوية: خالية.
التفسير

القصّة الثالثة

تتضمّن هذه الآيات بيان قصّة ثالثة ـ بعد قصة موسى وسليمان(عليهما السلام) ـ تتعلّق بنبيّ الله صالح(عليه السلام)وقومه ثمود، وقد ذكرت دعوته لقومه في السور التالية: الأعراف، هود، الحجر، الشعراء، النمل، فصّلت، الذاريات، النجم، القمر، الحاقّة، الشمس، وورد اسم النبي صالح(عليه السلام) تسع مرّات، فالإحاطة بجميع خصوصيات دعوته مع ما لاقاه من مصاعب في طريق إبلاغ مهمّته وما انتهى إليه لجاج قومه، رهن جمع الآيات في مكان واحد، وقد استوفينا الكلام في ذلك في كتابنا «القصص القرآنية».1 ونحن نقتصر هنا على ما ورد في هذه الآيات.
45. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ):
ابتلي النبيّ صالح(عليه السلام) بقوم مشركين فدعاهم إلى عقيدة التوحيد كما قال:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) ونداء النبي صالح(عليه السلام)هو عين نداء الأنبياء الذين سبقوه والذين جاءوا من بعده، كنوح وهود

1 . لاحظ: القصص القرآنية:1/163ـ184.

صفحه 263
وإبراهيم ومحمّد صلوات الله عليهم أجمعين.
انقسم القوم أمام دعوته إلى فريقين: فريق اقتفوا أثر النبيّ(عليه السلام) اقتناعاً بدلائله وبيّناته، وفريق آخر اقتفوا أثر آبائهم عناداً واستكباراً، كما قال تعالى: (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ)، والتعبير بالجمع مكان أن يقول يختصمان هو لأجل اشتمال كلّ فريق على جماعة، نظير قوله سبحانه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).1
46. (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ):
يظهر من بعض الآيات أنّ النبيّ صالح(عليه السلام) ـ بعدما بلّغهم رسالة ربّه ونصح لهم ـ قد توعّدهم بالعذاب وأنّهم كانوا يبادرون إلى طلبه بسرعة استهزاءً وسخرية، كما يقول سبحانه حكاية عنهم:(فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ )،(2) ويردّ عليهم صالح(عليه السلام)متعجّباً من موقفهم مترفّقاً بهم:(قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ): أي إنّ الله قد مكّنكم من الوصول إلى رحمته وثوابه فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه؟ وعلى هذا فالمراد بالسيئة العذاب، وبالحسنة الاستغفار بشهادة قوله: (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: هلاّ تسألون الله أن يغفر لكم شرككم وآثامكم، فالله يرحم المستغفرين التائبين إليه.
وحصيلة الكلام: إنّ أمامكم أمران:
1. الرجوع من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق والاستغفار عمّا

1 . الحجرات: 9.   2 . الأعراف: 70.

صفحه 264
صدر عنكم من السيئات، ففي هذا الحسنة والثواب.
2. البقاء على الوثنية وطلب العذاب من الله سبحانه، وهذا أمر عجيب منكم، إذ تطلبون الثاني وتتركون الأوّل.
47. (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ):
تمادياً منهم في العناد والبغي ورفض الاستماع لدعوة الحقّ والخير، اتّخذ قوم صالح(عليه السلام) من نبيّهم موقفين ظالمَين:

الأوّل: التشاؤم بالنبيّ

نسب قوم صالح ما أصابهم من محن ومكاره إلى شؤم نبيّهم(عليه السلام)وشؤم الذين آمنوا به و(قَالُوا) له: (اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ): أي تشاءمنا بك، لأنّ ما حلّ بنا من ضرّاء، إنّما هو لشؤمك وشؤم من معك. ثمّ إنّ صالحاً(عليه السلام)أجاب عن تصوّرهم الفاسد هذا بقوله: (قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ): أي ما يصيبكم من الشرّ هو نتيجة أعمالكم عند الله سبحانه، فهؤلاء المترفون العتاة بدل أن يتعرّفوا على الأسباب الحقيقية لما يصيبهم، علّقوا كلّ ما نزل بهم من محن ومصائب على مِشْجَب خصومهم وهم النبي صالح(عليه السلام)والمؤمنون به.
ثمّ إنّ صالحاً(عليه السلام) عدل عن هذا الجواب إلى جواب آخر بقوله: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ): أي تُختبرون بالخير والشرّ، والغاية من الافتتان تمييز المؤمن عن الكافر، أو تنبيه الكافر ليرجع إلى الإيمان.

صفحه 265
48. (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْط يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ):

الأمر الثاني: التآمر على قتل صالح(عليه السلام)

تآمر أشرار قوم ثمود فيما بينهم على قتل صالح (عليه السلام)، وحلفوا بالله على تنفيذ هذه الجريمة، لكن بمباغتته وأهله ليلاً ـ لكي لا يراهم أحد ـ وقتلهم جميعاً، فإذا طولبوا بدمه يجيبونهم بأنّهم لم يقتلوه ولا يدرون من قتله، كما يقول:(وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْط يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ)، ولمّا كان الرهط يطلق على الثلاثة إلى مادون العشرة جاءت كلمة تسعة لتعيين العدد، وعلى هذا فالرهط بمعنى الجماعة أو بمعنى الأنفس، وقد ذكر الزمخشري أسماء التسعة وهم الذين خططوا لقتل صالح(عليه السلام) وهم الذين عقروا الناقة. وكان هؤلاء من الأشرار.
49. (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ):
(قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ): أي احلفوا على مباغتة صالح(عليه السلام) وأهله ليلاً. و«التقاسم» تفاعل من القسَم، أي: قال بعضهم لبعض ليُقسمْ كلٌّ منّا بالله، و«البيات» مباغتة العدو ليلاً على خلاف الصباح فهو مباغتة العدو صباحاً ولذلك يقولون: واصباحاه. (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ): أي إذا شاع قتله في القرية وجاء وليّه لأخذ ثأره أنكرنا أي علاقة لنا بقتلهم كما يقول:(لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ): أي هلاكهم، (وَإِنَّا) في قولنا هذا (لَصَادِقُونَ).

صفحه 266
لكنّه سبحانه أحبط مؤامرتهم وأفشل مخطّطهم، كما يقول:
50.(وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ):
المكر من المجرم عبارة عن التخطيط الخبيث كما يقول: (وَمَكَرُوا مَكْرًا) وأمّا المكر من الله فهو إبطال التخطيط كما يقول: (وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).والمراد من مكره سبحانه هو هلاكهم كما تشعر بذلك الآية التالية:
51. (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ):
قوله:(فَانْظُرْ) خطاب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن أُريد به اعتبار المشركين المعاصرين له(صلى الله عليه وآله وسلم)(كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ) فهم أرادوا قتل النبي صالح(عليه السلام)فجوزوا بتعجيل هلاكهم وتدميرهم كما يقول: (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) كلّ ذلك مجازاة لأعمالهم السيئة.
52. (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَعْلَمُونَ):
سورة النمل: الآيات 54 ـ 58    
لمّا أخبرت الآية السابقة أنّ الله سبحانه أهلكهم، أشارت هذه الآية إلى أنّ مساكنهم كانت مشهورة لقريش ولو عن بُعد، ذلك أنّها تقع على طريق قريش في رحلتهم إلى الشام، أي بين المدينة وتبوك، حتى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في مسيره إلى تبوك نهى المسلمين أن يشربوا من آبارهم إلاّ البئر

صفحه 267
الّتي شربت منها ناقتهم، فلذلك يقول: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا): أي خالية منهم بسبب ظلمهم(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَعْلَمُونَ): أي في ذلك عبرة وعظة لمن يتّعظ . وفي ذلك تهديد لمشركي قريش بأنّهم قد يحلّ بهم العذاب لو تمادوا في العناد.
ولمّا كان هنا سؤال في ذهن السامع والقارئ أنّ مسكن هؤلاء كان مسكناً للمؤمنين بصالح(عليه السلام)، فإهلاك هؤلاء لا ينفكّ عن إهلاك المؤمنين أجاب سبحانه بقوله:
53. (وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ):
أي (وَأَنْجَيْنَا) من عذابنا الذي حلّ بثمود (الَّذِينَ آمَنُوا) وهم رسولنا صالح ومن آمن به، لماذا؟ لقوله سبحانه: (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) ويصدّقون بالنبي(عليه السلام) ويأتمرون بأمره.
وهاهنا نكتة هي أنّه سبحانه ذكر بعد قصة سليمان قصّة صالح وأردفهما بقصة لوط ـ كما سيأتي ـ وما ذلك إلاّ لأنّ الجميع كانوا في منطقة واحدة أي منطقة الشام أو قريباً منها.

الآيات: الرابعة والخمسون إلى الثامنة والخمسين

(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ *أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوط مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ

صفحه 268
الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ).

المفردات

الفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال.
الغابرين: الماكثين، ومنه الغُبرة: البقية في الضَّرع من اللَّبن.

التفسير

القصة الرابعة

كان لوط(عليه السلام) وهو ابن أخي إبراهيم(عليه السلام) ـ كما في كتب الأنساب وغيرها ـ قد آمن بدعوة إبراهيم الخليل(عليه السلام) الذي بعث في أرض بابل من العراق، ثم رافقه في هجرته إلى الأرض المباركة فلسطين، قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)1 ولكنّه (أي لوط(عليه السلام)) أستقرّ في إحدى مدن الأردن التي تسمّى سدوم. قال المسعودي: أرسل الله لوطاً(عليه السلام)إلى سدوم وقراها الخمس وهي: صبغة وعمرة وأدما وسبوغ وبالع.2
وممّا يُذكر أنّه سبحانه ذكر قصة لوط تارة على وجه الإيجاز، وأُخرى على وجه التفصيل في سور كثيرة، وقد أجمل الكلام هنا وذكر ممارسات القوم للخبائث وقال:

1 . العنكبوت:26.
2 . نقله السيد عبد الصاحب الحسني العاملي في كتابه الأنبياء وحياتهم وقصصهم:158.

صفحه 269
54. (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ):
قوله: (وَ) أي اذكر (لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) أي الفعلة القبيحة الشنيعة (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ): أي عياناً بحيث يبصر بعضكم بعضاً عند ارتكابها، وهذه الفقرة نظير قوله سبحانه:(وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ).1
55. (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ):
إنّ إطفاء الغريزة الجنسية عن طريق الجنس الموافق يضادّ حكمة خلق الذكر والأُنثى ويؤدّي بالنسل البشري إلى الانقطاع، فالغريزة الجنسية نعمة من الله سبحانه لكلّ إنسان ليصون بها نسله ووجوده في المجتمع وقد جعل الله هذه الغريزة في الزوجين المتخالفين في الجنس، فإعمالها في الجنس الموافق انحراف عن الفطرة وصرف للنعمة في غير موردها، كما يقول سبحانه حاكياً عن قوم لوط:(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ) والاستفهام هنا إنكاري توبيخي. ثمّ وصفهم بقوله: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، وفي آية أُخرى وصفهم بقوله: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ )2، وفي آية ثالثة: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ)3. والجهل بالشيء يُطلق على عدم العلم به، ولا شكّ في أنّ ممارسة هذه الفعلة مع معاينة قبحها وشناعتها جهل، كما يطلق الجهل على السَّفَه والحُمق، وهم بشذوذهم عن الطبيعة السويّة،

1 . العنكبوت:29.
2 . الأعراف:81.
3 . الشعراء:166.

صفحه 270
سفهاء أيضاً، وحمقى.
ويظهر من بعض الآيات أنّه ما نزا ذكر على ذكر قبل قوم لوط، كما يقول سبحانه حاكياً عن لوط: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ )1.

معارضة القوم لنبيّهم لوط

قام النبي لوط (عليه السلام) بمهمته الرسالية على أتمّ وجه وخوّفهم من بأس الله تعالى، لكن كان رد فعل القوم تهديده بالإبعاد من بلدهم كما قال:
56. (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوط مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ):
وكان على القوم أن يتفكّروا في دعوته ونصحه لهم، ولكنّهم قابلوه بالعنف وقالوا: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوط مِنْ قَرْيَتِكُمْ)والمراد بهم لوط (عليه السلام) وأهله، بحجة (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ): أي أنّهم يتنزّهون عن أفعال هؤلاء وطرائقهم. لقد بلغ جهل هؤلاء وحمقهم درجة أن صار الأمر الحسن عندهم قبيحاً، فالتنزّه عن الفحشاء الّذي كان سمة آل لوط صار قبيحاً عندهم وسبّب إبعادهم عن مأواهم ومنزلهم، فالمجرم يقيس كل شيء بالمقاييس التي اختارها، وهذا المستوى الهابط يلحق الإنسان بالدوابّ كما يقول الله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)2. ولمّا أتمّ لوط(عليه السلام) الحجّة على قومه فترة بعد فترة ولم يرتدعوا

1 . الأعراف:80.
2 . الأنفال:22.

صفحه 271
عن قبائحهم، اقتضى ذلك استعمال آخر الدواء، وهو الكيّ وتطهير الأرض من هؤلاء الفسقة الذين يفسدون النسل، كما قال:
57. (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ):
أي أنجاه الله سبحانه وأهله المؤمنين به. وهذا يعني أنّه لم يكن ثمّة من آمن به إلاّ أهله، ويشهد لذلك قول الملائكة المأمورين بإهلاك قوم لوط:(فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ)1 واستثنى من جملة أهله امرأته وقال: (إِلاَّ امْرَأَتَهُ)وذلك لخيانتها له، حيث كانت توافق الفاسقين على هذا الشذوذ، كما يرشد إلى ذلك قوله سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ )2.
وأمّا كيفية هلاكهم فذكرته الآية التالية:
58. (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ):
وظاهر الآية يحكي عن إنزال المطر عليهم أي الماء. ولكن الآيات الأُخرى تكشف عمّا هو المراد من الإمطار، منها قوله: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل)3.

1 . الذاريات:36.
2 . التحريم:10.
3 . الحجر:74.

صفحه 272
سورة النمل: الآيات 59 ـ 66    

الآيات: التاسعة والخمسون إلى السادسة والستين

(قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ *بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ).

صفحه 273

المفردات

حدائق: جمع حديقة، وهي البستان يكون عليه حائط يحدق به أي يحوطه.
يعدلون: من العدول، وهو الانحراف من الحقّ إلى الباطل.
قراراً: مستقَرّاً.
خلالها: بين أماكنها، واحدها خَلَل.
رواسيَ: جبالاً ثابتة، جمع راسية.
حاجزاً: الحاجز: الفاصل بين الشيئين.
المضطرّ: الذي أصابته الشدّة وتضرّع إلى الله سبحانه.
خلفاء: من الخلافة والنيابة.
يهديكم: يرشدكم.
بين يدي رحمته: أي الرياح المرسلة أمام المطر.
ادّارك: تتابع وتلاحق، وأصله تدارك، فقلبت التاء دالاً لقرب مخرجهما، ولأجل صعوبة الابتداء بالساكن لحقت به الهمزة فصار: ادّارك.
عَمون: جمع عم بمعنى أعمى. والأصل عميون استثقلت الضمّة على الياء فنُقلت إلى الميم بعد حذف كسرتها.

صفحه 274

التفسير

تشتمل هذه المجموعة من الآيات على أربعة عشر موضوعاً طُرحت بأُسلوب الاستفهام ضمن أسئلة تثيرها أمام المشركين، والغاية من هذه الأسئلة هي الاستدلال على التوحيد في الخالقية والربوبية وأنّه لا خالق إلاّ الله كما لا مدبّر إلاّ هو عزّ وجلّ.
والإقرار بوحدانيته فيهما يستلزم توحيده في العبادة أيضاً ; لأنّ الخالق المدبّر هو وحده من يستحقّها، ومَن ليس له دور في صحيفة الوجود أو في حياتنا لا يليق بأن يُعبد، فالمشركون يلزمهم، إذا أقرّوا بالحقائق التي أشارت إليها هذه الأسئلة، أن يوحّدوه في العبادة ولا يجعلوا له شريكاً فيها. وهذه المجموعة قليلة النظير في القرآن الكريم، وإليك عناوين هذه المواضيع:
1. من خلق السماوات والأرض؟
2. من أنزل لكم من السماء ماء؟
3. من أنبت الحدائق ذات البهجة؟
4. من جعل الأرض قرارًا؟
5. من جعل خلال الأرض أنهارًا؟
6. من جعل للأرض رواسي؟
7. من جعل بين البحرين حاجزًا؟
8. من يجيب المضطر إذا دعاه؟
9. من يجعلكم خلفاء الأرض؟

صفحه 275
10. من يهديكم في ظلمات البر والبحر؟
11. من يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته؟
12. من يبدأُ الخلق ثم يعيده؟
13. من يرزقكم من السماء والأرض؟
14. من يعلم غيب السماوات والأرض؟
وبما أنّ الله سبحانه هو وحده المتفرّد بهذه الأُمور من الخلق، والتدبير، وعلم الغيب، فكيف يُعدَل عنه إلى غيره؟ واختصاصه بهذه الأُمور يستلزم توحيده في العبادة، لأنّ المتفرّد بخلق السماوات والأرض والمالك لها دون غيره ، والمختصّ بعلم الغيب هو اللائق بالعبادة المستحقّ لها.
ثمّ إنّ قوله: (أمَّن) أصله: أم مَن، فأدغمت الميمان فصار (أمَّن)، ومن المعلوم أنّ السؤال في هذه الآيات بحاجة إلى جواب، فيقدّر الجواب في جميعها قوله سبحانه في الآية 59: (آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ)، فيقال مثلاً في صدر جميع الأسئلة قوله:(آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) أمّن خلق السماوات والأرض... إلخ.
وهكذا أمّن جعل الأرض قراراً...، خير أمّا يشركون.
إذا تقرّرت هذه الحقيقة فلنبدأ بتفسير الآيات.
59. (قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ):
الظاهر أنّ الآية كلام مستأنف جاء تمهيداً لما يلقيه سبحانه من الأسئلة ضمن الآيات التالية، والشاهد على أنّه كلام مستأنف أنّه ابتدأ بقوله:

صفحه 276
(قُلِ)دون أن يقول: فقل، فأمر الرسول بأن ينطق بحمد الله لسانه وقال: (قُلِْ الْحَمْدُ للهِ) فحصر ذلك في الله لأنّ الحمد إنّما هو لكلّ فعل جميل اختياري، ومن المعلوم أنّ كلّ جمال وكمال لكلّ موجود، هو من صنعه سبحانه، ولذلك يرجع الحمد في الحقيقة إلى الله سبحانه، سواء أكان بالمباشرة أو بالواسطة.
ثمّ أمره بالتسليم على مَن اختارهم من عباده أئمة للتقى وأدلّة للرشاد، وقال: (وَ) قل(سَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى): أي الذين اجتباهم لهداية الناس وإنقاذهم من الجهالة والضلالة، ثم نجّاهم عند نزول العذاب على أقوامهم الذين مرّ ذكرهم في الآيات المتقدمة.

السؤال الأوّل

أخذ سبحانه في تقريع المشركين بأُسلوب الاستفهام، مبتدئاً بالسؤال الآتي: (آللهُ خَيْرٌ): أي الواجب الوجود الجامع لعامّة صفات الجمال والكمال (أَمَّا يُشْرِكُونَ): أي ما يفتقد لأي صفة كمال وجمال؟ فكأنّ هذه الفقرة ضابطة كليّة وهي أنّ الموصوف بالكمال والجمال هو المتعيّن للأُلوهية دون غيره. ثم شرع في الآيات التالية ببيان الكمالات التي اتّصف بها سبحانه في مقام الفعل، وقال:

السؤال الثاني

60. (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا

صفحه 277
أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ):
الآية تتضمّن موضوعات ثلاثة على سبيل الاستفهام الإنكاري. وقد سبق منّا في المفردات أنّ قوله: (أَمَّنْ)مركّب من لفظين «أم» و«من» والظاهر أنّ «أم» هنا بمعنى: بل وهو إضراب عن سؤال (آلله)إلى سؤال آخر، وهكذا إلى نهاية الآيات. وتقدير الآية: بل مَن (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) ولم يشارك في خلقهما أي مخلوق سواه خير أم آلهتكم التي تعكفون عليها؟
(وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) السماء ـ على ما ذكره ابن عباس ـ كلّ ما علاكَ وأظلَّك، وأُريد بها هنا السحاب. ومن غريب القول ما ذكره الرازي في تفسير الآية: جعل السماء مكاناً للماء، والأرض للنبات.1
(فَأَنْبَتْنَا بِهِ): أي بالماء(حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة): أي ذات منظر حسن يورث البهجة والسرور لدى الناظر إليه، ومثل هذا الإنبات بالماء النازل من السماء، حيث تهتزّ به هوامد الأرض، وتزهو بما أُلبست من حُلل زاهية، لا يقدر عليه إلاّ الله سبحانه. ثمّ إنّ في قوله:(فَأَنْبَتْنَا بِهِ) دليل على تأكيد القرآن على تأثير العلل الطبيعية في معاليلها، (أي قانون العلّة والمعلول في صفحة التكوين)، وكأنّ صحيفة الوجود علل ومعاليل تنتهي إلى الله سبحانه فهو علّة العلل، ومع ذلك فليس هو في رأس العلل الطبيعية حتى يكون منعزلاً عنها، بل هو جلّ شأنه دان في عين علوّه، داخل في الأشياء لا بالممازجة، خارج عنها لا بالمباينة.
(مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا): أي ليس للإنسان دور إلاّ تهيئة

1 . تفسير الرازي:24/206.

صفحه 278
المقدّمات كحرث الأرض وإلقاء البذور فيها وسقي الماء، وأين هذا كلّه من الإنبات الذي تتحوّل فيه البذور الصغيرة بما أودع الله فيها من قدرة على الإنبات عند توافر الظروف الملائمة (الماء والأُوكسجين ودرجات الحرارة المناسبة) إلى أشجار عظيمة ذات أزهار وثمار متنوعة؟(أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) عن الحقّ إلى الباطل جهلاً وعناداً. وفي الآية دليل على أنّ الإله بمعنى الخالق المدبِّر لا المعبود، وأنّ تفسيره بالثاني تفسير باللازم، فالإله ولفظ الجلالة يشيران إلى معنى واحد غير أنّ الأوّل ليس بعلَم، والثاني علَم.

السؤال الثالث

61. (أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ):
الآية تتضمّن موضوعات أربعة أي:(آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ)، (أَمْ مَنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا) فقد دحاها وسوّاها للاستقرار ولم يجعلها صلبة كما لم يجعلها رخوة، ففي الصلابة يمتنع الزرع والإنبات، وفي الرخوة يغوص فيها الإنسان والحيوان، (وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا) الضمير يرجع إلى الأرض، أي جعل بين مسالكها ونواحيها أنهاراً جارية ينبت بها الزرع ويحيا بها الخلق، من غير فرق بين ما يجري من الجبال بسبب ذوبان الجليد بشكل روافد ثم أنهاراً كبيرة، أو ما يخرج من داخل الأرض على شكل عيون جارية تجتمع وتشكّل غدراناً وروافد،(وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ): أي جبالاً ثابتة

صفحه 279
لها دور في استقرار الأرض وجعلها صالحة للحياة، حيث إنّ الجبال على سطح الأرض لها امتدادات عميقة(جذور) تخترق الغلاف الصخري للأرض، وهي تُعين على تثبيت الأرض وإرسائها، والتقليل من ترنّحها ومَيَدانها في دورانها حول محورها، كما تقاوم الجزْر والمدّ اللّذين يحصلان بتأثير جاذبية الشمس والقمر دون أن يتفكّك سطح الأرض وقشرتها.
(وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا): أي جعل بين الماء العذب والماء الملح حاجزاً يمنع من اختلاط أحدهما بالآخر، فعندما يصبّ الماء العذب (الذي يجري في الأنهار) في الماء الملح (البحار والمحيطات)، فإنّهما لا يمتزجان بسبب اختلاف درجة كثافة كلّ منهما، وعندئذ يسأل الله سبحانه: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ) فعَلَ هذا كلّه وقدّره ذلك التقدير المحكم؟ (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) عظَمة الله في الخلق والتدبير. ووجه جعلهم أنّهم لا يتقنون النظر في دقائق هذه المصنوعات وخصائصها، هو أنّهم ألِفوا رؤية هذه الأشياء، فصار ذلك سبباً لذهولهم عمّا فيها من بدائع الدلائل على التوحيد، ولذلك يأمر القرآن المؤمنين بالتفكّر في خلق السماوات والأرض، ويقول مادحاً لهم: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )1.

السؤال الرابع

62.(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ

1 . آل عمران:191.

صفحه 280
خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ):
أُشير في هذه الآية إلى موضوعين:

1. إجابة المضطرّ إذا دعا الله وقت اضطراره

إذا ضاقت الأُمور بالمضطرّ من مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر ودعاه ذلك إلى التضرّع إليه سبحانه، فمَن المجيب لهذا الملتجئ إذا دعا الله سبحانه، كما يقول:(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ): أي البؤس المحدق به؟ لا شكّ أنّ الله سبحانه هو القادر على كشف السوء ورفع البؤس لا غيره، ولذلك نرى الناس حينما تضطرب بهم الفُلك يدعون الله مخلصين له الدين لعلمهم بأنّ ما دونه سبحانه ليس بقادر على إنجائهم. وكأنّ الالتجاء إلى القدرة الغيبية أمر فطري للإنسان، يغشاها الانهماك في الأُمور المادية على نحو تصير ستراً على الفطرة، وأمّا إذا انقطعت الأسباب المادية عن التأثير ووجد الإنسان نفسه تحت مطارق الشدّة والعُسر انكشف الستر عن الفطرة والتجأ إلى الله تعالى.
وقد طرح الرازي في المقام سؤالاً وقال: وكم من مضطرّ يدعو فلا يُجاب؟ وأجاب عنه بقوله: إنّ المفرد المعرّف (المضطرّ) لا يفيد العموم وإنّما يفيد الماهيّة فقط، والحكم المثبت للماهية يكفي في صدقه ثبوته في فرد واحد من أفراد الماهيّة. ثم أضاف قائلاً: إنّه تعالى وعد بالاستجابة ولم يذكر أنّه يستجيب في الحال.1
أقول: أمّا الجواب الثاني فليس بشيء، فإنّ الاشكال باق، إذ ربّما

1 . تفسير الرازي:4/208ـ 209.

صفحه 281
لايجاب المضطرّ عبر امتداد سنيّ عمره، وأمّا الأوّل فلو صحّ فلا يصحّ في قوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ)1، فإنّه ظاهر في الملازمة بين الدعوة والإجابة.
وأجاب ابن عاشور: أنّ الإجابة منوطة بإرادة الله تعالى وحسب ما يقتضيه حال الداعي وما يقتضيه معارضه من أُصول أُخرى، والله أعلم بذلك.2
ولو قال: إنّ لاستجابة الدعاء شرائط وقيوداً تعرّضت لها الروايات والأخبار لكان أصرح وأفضل، إذ رُبّ دعاء على خلاف السنّة الإلهية، ورُبّ دعاء ليس لمصلحة الداعي، فعدم الإجابة يستند إلى فقدان شرط من شروط الاستجابة.
وللسيد الطباطبائي هنا جواب آخر، يقول فيه: إنّه سبحانه قيّده بقوله: (إِذَا دَعَاهُ)للدلالة على أنّ المدعو يجب أن يكون هو الله سبحانه، وإنّما يكون ذلك عندما ينقطع الداعي عن عامّة الأسباب الظاهرية ويتعلّق قلبه بربّه وحده، وأمّا من تعلّق قلبه بالأسباب الظاهرية فقط أو بالمجموع من ربّه ومنها، فليس يدعو ربّه وإنّما يدعو غيره، فإذا صدق في الدعاء وكان مدعوّه ربُّه وحده فإنّه تعالى يجيبه ويكشف السوء الذي اضطرّه إلى المسألة، كما قال تعالى:(ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ)3 فلم يشترط للاستجابة إلاّ أن يكون هناك دعاء حقيقة وأن يكون ذلك الدعاء متعلّقاً به وحده، وقال

1 . غافر60.
2 . التحرير والتنوير:19/289.
3 . غافر60.

صفحه 282
أيضاً: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ )1.2
وللإمام علي بن الحسين، سيّد العابدين(عليه السلام)، أدعية كثيرة تتّصل بهذه الفقرة من الآية، منها:
قوله(عليه السلام): يا مَن تُحَلُّ به عُقَدُ المكاره، ويا مَن يُفثَأُ به3 حدّ الشدائد، ويا مَن يُلتَمسُ منه المخرَجُ إلى رَوح الفَرَج، ذلّتْ لقدرتكَ الصِّعابُ، وتَسَبَّبتْ بلُطفكَ الأسبابُ... أنت المدعوّ للمهمّات، وأنت المَفزَع في المُلمّاتِ، لا يندفع منها إلاّ ما دفعتَ، ولا ينكشفُ منها إلاّ ما كشفتَ.(4)
وقوله: اللّهمّ يا مَن برحمتهِ يستغيثُ المذنبونَ، ويا مَن إلى ذِكرِ إحسانِهِ يَفزَعُ المضطرُّونَ، ويا مَن لخيفَتهِ يَنتحِبُ الخاطئونَ، يا أُنسَ كلِّ مُستوحِشِ غريب، ويا فَرَجَ كلِّ مكروب كئيب، ويا غَوثَ كُلِّ مخذول فريد، ويا عَضُدَ كُلِّ محتاج طريد.4

2. خلافة الأرض ومالكيّتها

يظهر من قوله: (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ)، أنّه سبحانه جعل الإنسان خليفة له في الأرض لإعمارها، وقد يُراد منه أنّه جعل كلّ جيل من البشر في عصر متأخّر يخلف جيلاً متقدّماً في الزمن، قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ )،(6)

1 . البقرة:186.
2 . الميزان في تفسير القرآن:15/381.
3 . يُفثأُ به: يُسكَن به.   4 . الصحيفة السجّادية: 67، دعاؤه في المهمّات.
4 . الصحيفة السجادية: 99، دعاؤه (عليه السلام)في الاستقالة والتضرّع في طلب العفو.   6 . هود:61.

صفحه 283
فتعلّق السؤال بالذي جهّز الإنسان بمقدرة مادية وعلمية يتمكّن من خلالها من الانتفاع بالأرض، فمن الذي أقدره على ذلك؟ ولذلك يسأل باستفهام إنكاري ويقول: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ).
قد تقدّم أنّ المراد بالخلافة هو خلافة الإنسان عن الله الذي وهبه مختلف القوى والاستعدادات اللازمة لإعمار الأرض وإخراج مكنوناتها واستثمار ثرواتها، لكن جلال الدين السيوطي حمل اللفظ على المعنى المصطلح أي السلطة على الناس خلافة من الله سبحانه، واستشهد بالرواية التالية: عن سعد بن جنادة: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مَن فارق الجماعة فهو في النار على وجهه; لأنّ الله تعالى يقول:(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ)فالخلافة من الله عزّ وجلّ، فإن كان خيراً فهو يذهب به، وإن كان شرّاً فهو يؤخذ به. عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله به.1
أقول: على مثل هذه الرواية وأمثالها بنى جلّ محدّثي مدرسة الخلفاء رأيهم في لزوم إطاعة السلطان الجائر والصبر على ظلمه وطغيانه، مع أنّه سبحانه يقول: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).2
وعلى أساس هذه الروايات المختلقة المخالفة للذكر الحكيم، صوّبوا الحكم الأموي والعباسي وشايعوا حكّامهم الذين خضبوا الأرض بدماء الأبرياء وسوّدوا صحائف تاريخ حياتهم. وقد فصلّنا الكلام في الموضوع

1 . الدر المنثور:6/373.
2 . الكهف:28.

صفحه 284
في موسوعتنا: بحوث في الملل والنحل.1

السؤال الخامس

63. (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ):
أُشير في هذا السؤال إلى موضوعين:
1. الهادي في ظلمات البر والبحر.
2. مرسل الرياح أمام المطر.
أمّا الأوّل فقال فيه سبحانه: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ): أي في الليل المظلم الذي لا يُرى فيه بصيص من النور، وقد أجاب عنه سبحانه في بعض الآيات بقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ )2 فهذا النظام الثابت للنجوم والكواكب في السماء لا يمكن أن يكون من صنع الإنسان ولا من غيره كالأصنام والأوثان، فالله هو الخالق.
وأمّا الثاني فقال فيه سبحانه:(وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ): أي قُدّام رحمته، كما يقدّم الشيء بين يدي الإنسان؟ والمراد بالرحمة هنا المطر لأنّه أثر من آثارها.
وقد أجاب عنه سبحانه في آية أُخرى وقال: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ

1 . لاحظ : الملل والنحل: 1 / 241 ـ 257، «إطاعة السلطان بين الوجوب والحرمة».
2 . الأنعام:97.

صفحه 285
بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)1. ثم أتمّ السؤال بقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)أي هل ثمّة خالق ومتصرّف مع الله سبحانه في هذا الوجود؟
وهذه الفقرة كنظيرتها دليل على أنّ الإله بمعنى الخالق والمدبِّر أو ما يقوم مقامها من الألفاظ التي تعبِّر عمّا في نفوس الناس من معنى الإله.

السؤال السادس

64. (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
هذه الآية تتحدّث عن موضوعين:
1. مَن المبدئ والمعيد؟
2. مَن الرازق من السماء والأرض؟
أمّا الأوّل فتناولته الفقرة التالية: (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، وهي تشتمل على نعمتين : نعمة الإيجاد في الحياة الدنيا، ونعمة إعادة الحياة في الآخرة، فأشار إلى الأوّل بقوله: (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ) و إلى الثاني بقوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ)، وهناك سؤال وهو: أنّ المشركين لم يكونوا معتقدين بالإعادة، فكيف يؤخذ منهم الاعتراف؟
والجواب: أنّ ما مرّ من الدلائل والحجج الساطعة على قدرته سبحانه في عالم الكون كاف لإثبات قدرته على الإعادة، ولازم ذلك الاعتراف بصدق إخبار الأنبياء بها.

1 . الأعراف:57.

صفحه 286
ثم إنّ التعبير بالإعادة من لطائف البيان، حيث يدلّ على أنّه لا بطلان في الوجود وأنّ ما أوجده الله سبحانه سيعيده، وأنّ البعث من قبيل إعادة الموجود لا إعادة المعدوم.
نعم عنوَن الفلاسفة جواز إعادة المعدوم وعدمه، وذهب الأكثر منهم إلى امتناعه قائلاً:
إعادة المعدوم ممّا امتنعا *** وبعضهم فيه الضرورة ادّعى
لكن هذا البحث الفلسفي لا صلة له بالمعاد.
وأمّا الثاني فقد أشار إليه بقوله تعالى:(وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) فإنّ المصدر الأساسي لغذاء الناس هو النباتات (الحبوب والفواكه والخضروات) والحيوانات التي تتغذّى بالنباتات، وهذه تحتاج إلى الماء النازل من السماء، والهواء، وضوء الشمس، والأملاح المعدنية في التربة، وكلّ ذلك من النّعم السماوية والأرضية التي هي من مواهب الخالق القادر الحكيم.
وبعد أن دمغهم بهذا البرهان الدالّ على وحدانيته، وبّخهم بقوله:(أَإلهٌ مَعَ اللهِ)؟
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بكلمة دُرّيّة وقال: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وهذه الفقرة من الآية تدلّ على أنّ العقيدة الإسلامية تعتمد على البرهان والدليل وفي الوقت نفسه تطلب من الخصم البرهان على صدق ما يتقوّل به، فتكون نتيجة الجميع أنّ على الإنسان أن لا يقبل شيئاً إلاّ بالدليل والبرهان، وقد ذكر الشيخ الرئيس في بعض كتبه: أنّ من خضع لقول قائل

صفحه 287
بلا دليل ولا برهان فقد خرج عن الفطرة الإنسانية. وبذلك يُعلم أنّ ما اشتهر من تعاليم المسيحية من لزوم الإيمان بالتثليث مجرّداً عن البرهان، على خلاف الفطرة وخلاف العقل الحصيف.
فإذا سئل القُسّ: كيف يجتمع التثليث مع الاعتقاد بالتوحيد؟ لأجاب: يجب عليك الإيمان بالتثليث وإن لم يقم عليه برهان، بل وإن قام على بطلانه.
65. (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ):
قوله: (أَيَّانَ) مركّب من كلمتين هما: «أيّ» و «آن» فصارت (أيّان) بمعنى متى.
وصياغة هذه الآية تختلف عمّا سبق من الآيات المتقدّمة الّتي كان فيها السؤال على نحو الاستفهام التقريري، ولكن صياغة هذه الآية فاقدة للسؤال، ومع ذلك تُعدّ برهاناً مستقلاً على حصر الربوبية بالله تعالى، ولذلك جعلنا هذه الآية جزءاً من المجموعة السابقة.
وحاصل البرهان: إنّ الله هو الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ولا يوجد في صحيفة الوجود من يعلم الغيب فيهما، غيره، وهذا دليل على أُلوهيته وبطلان أُلوهية غيره كالملائكة، ولو كان أمر الخلق والتدبير بيد هذه الآلهة لَلزمهم الاطّلاع على ما فيهما من الأسرار، ولعلموا وقت الساعة، والمفروض عدمه، فثبت كونهم مخلوقين لا خالقين ولا مدبِّرين، كما يقول: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ)والظاهر أنّ المراد من

صفحه 288
الغيب مطلق ما غاب عن الحسّ، ومنه العلم بيوم الساعة، فقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)والضمير في كلا الفعلين يرجع إلى (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)من غير فرق بين المشرك وغيره. وأمّا الاستثناء في قوله: (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إلاّ اللهُ) فلا يراد منه كونه سبحانه في السماوات والأرض حتى يلزم التجسيم والجهة، وذلك من وجهين:
1. أنّ مَن قال إنّ لله تعالى مكاناً وجهة زعم أنّه فوق السماوات لا في السماوات والأرض كما هو ظاهر الاستثناء في الآية.
2. الظاهر أنّ قوله:(مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) بمنزلة مَن يقول: لا يعلم أحد الغيب إلاّ الله سبحانه. وعلى هذا يكون الاستثناء متّصلاً من دون دلالة على كونه سبحانه ممّن في السماوات والأرض، وهذا النوع من الاستثناء شائع، كما في قول القائل: ما أتاني زيد إلاّ عمرو، وما أعانه إخوانكم إلاّ إخوانه، قال ابن مالك: إنّ الأصل فيها: ما أتاني أحد إلاّ عمرو، وما أعانه أحد إلاّ إخوانه، فجعل مكان (أحد) بعض مدلولاته وهو (زيد) و (إخوانكم).1
ثمّ لو قلنا بأنّ المراد من الغيب هو علم الساعة كما هو المتبادر من سياق الآيات فالحصر حقيقي، وأمّا لو قلنا بإطلاق الغيب وشيوعه فالمراد هو العلم الذاتي بلا اكتساب ولا واسطة ولا محدود بحدّ ولا كيف، فهذا النوع من العلم يختصّ بالله سبحانه.
وبذلك يُعلم أنّ ما ربّما يخبر به المرتاضون أو بعض السالكين المكرّمين فلا يُعدّ تخصيصاً للآية وذلك لكون علمهم محدوداً ومكتسباً

1 . روح المعاني:20/9.

صفحه 289
بالرياضة والسلوك الديني، كما أنّ ما يخبر به المنجّمون من زمني الكسوف والخسوف إنّما هو نتيجة حسابات علمية لا دخل لها بعلم الغيب، فرُبّ طبيب يخبر عن وضع المريض صحّة وسقماً، ومَن قرأ سورة يوسف يقف أنّ فيها أُموراً غيبية أخبر عنها الوالد (يعقوب) والولد (يوسف)، ولا يعدّ ذلك نقضاً لحصر علم الغيب بالله.
66. (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ):
قوله:(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ) أقول: (ادَّارَكَ): أصله تدارك فأُدغمت التاء في الدال وأُدخلت ألف الوصل في أوّله ليمكن النطق بالساكن الذي بعده، وقد وردت هذه اللفظة بصيغة الجمع في آية أُخرى، قال سبحانه: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ)1 واتّفق المفسّرون أنّ المراد هنا: تلاحقوا واجتمعوا.
إذا وقفت على ذلك فاعلم أنّه سبحانه يصف منكري البعث بأُمور أربعة:
1. (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).
2. (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ).
3.(بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا).
4. (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ).

1 . الأعراف:38.

صفحه 290
ثمّ إنّ هذه الإضرابات الثلاثة يجب أن تكون إضراباً من الأضعف إلى الأقوى أو من الفظيع إلى الأفظع، وقد شغل بال المفسّرين بيان كيفية الإضراب في المقام، وقيل هنا وجوه نذكر منها ما هو الأظهر:
قد عرفت أنّ لفظة (ادَّارَكَ) بمعنى تلاحقَ وتتابعَ وبلغ النهاية، فعلى هذا فالمراد: تتابع علمهم وتلاحق إلى حدٍّ انتهى ولم يبق منه شيء بشأن الآخرة، وعلى هذا فلفظة (فِي) في قوله: (في الآخرة)بمعنى الباء أي: بل ادّارك علمهم وتلاحق إلى نهايته بالآخرة.
عندئذ يصحّ الإضراب من قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) إلى قوله: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ)، ففي الفقرة الأُولى يصفهم بالجهل، وفي الفقرة الثانية يصفهم بجهل أفحش بمعنى فناء علمهم وانقطاعه وزواله.
لا أقول:إنّ قوله (ادَّارَكَ) بمعنى فنيَ أو انقطع، بل هما لازم تلاحق علمهم ومجيء بعضه مع بعض إلى آخره كما هو الحال في قوله: (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ): أي إذا تمّ مجيئهم وصاروا مجتمعين. وقريب ممّا ذكرنا ما ذكره السيد الطباطبائي، حيث قال: بأنّ التدارك عبارة عن تتابع أجزاء الشيء بعضها بعد بعض حتى تنقطع ولا يبقى منها شيء، ومعنى تدارك علمهم في الآخرة أنّهم صرفوا ما عندهم من العلم في غيرها حتى نفد علمهم فلم يبق منه شيء يدركون به أمر الآخرة على حدّ قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ )1،(2) فقوله: (ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ): أي لا

1 . النجم:29ـ 30.   2 . الميزان في تفسير القرآن: 15/386ـ387.

صفحه 291
علمَ لهم بها كأنّها لم تقرَع سمعهم.
نعم هناك وجهان آخران لا بأس بهما لكنهما دون الوجه السابق، وهما:
الأوّل: أنّ (ادَّارَكَ) بمعنى استحكم وتكامل لكن وصفهم به من باب التهكّم بهم كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمَك على سبيل الهزء، ومآل التهكّم المذكور نفي علمهم بذلك كما في الوجه السابق لكن على الوجه الأبلغ.
والإضرابان من باب الترقّي من الوصف بالفظيع إلى الوصف بالأفظع.
الثاني: أنّ (فِي الآخِرَةِ) متعلّق بـ(ادَّارَكَ) وعلى هذا استحكمَ علمُهم (فِي الآخِرَةِ) بما جهلوا في الدنيا حيث رأوا ذلك عياناً، وكان الظاهر أن يقول:«يتدارك» بصيغة الاستقبال إلاّ أنّه جاء بصيغة الماضي لتحقّق الوقوع.1
ويؤيّد هذا الوجه قوله: (في الآخرة) الذي هو ظاهر في كونه ظرفاً للفعل(ادَّارَكَ)فتكون الفقرة ناظرة إلى الآخرة، لكن الذي يُبعده أنّه على خلاف سياق الآية، فإنّ المتبادر أنّ الأُمور الأربعة كلّها ناظرة إلى الحياة الدنيا بشرط القول بأنّ (في) بمعنى الباء كما في الوجه الأوّل .
قوله:(بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا).
هذه الفقرة من باب الترقّي من الفظيع إلى الأفظع وهو أنّهم وُصفوا

1 . مجمع البيان:7/424.

صفحه 292
في الفقرة السابقة بنفاد علمهم وانقطاعه وزواله بالنسبة إلى الآخرة، لكنّه في هذه الفقرة يصفهم بشيء أفظع وهو أنّه قد قُرع سمعهم بشيء لكن ارتابوا كما يقول: (بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا) أي من الآخرة.
قوله:(بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) انتقال إلى الأفظع من السابق وهو أنّهم فاقدو البصيرة، فهم في عمىً عن رؤية البيّنات والدلائل الّتي تهدي إلى الحقّ وترشد إلى الإيمان بالآخرة، وأيّ فظاعة أكثر من أن يضرب الله سبحانه على بصيرتهم.
وهنا نكتة ذكرها الشريف الرضيّ، قال:
وهذه استعارة لأنّ العمى هاهنا ليس يراد به فقد الجارحة المخصوصة وإنّما يراد به التعامي عن الحقّ والذهاب صفحاً عن النظر والفكر، أمّا قصداً وتعمّداً أو جهلاً وعمياً، وإنّما أجرى الجهل مجرى العمى في هذا المعنى ; لأنّ كلّ واحد منهما يمنع بوجوده من إدراك الشيء على ما هو عليه، إذ الجهل مضادّ للعلم والمعرفة، والعمى مناف للنظر والرؤية، وإنّما قال سبحانه: (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) ولم يقل (عنها) لأنّ المراد أنّهم يشكّون فيها ويمترون في صحّتها فهم في عمىً منها، ولا يصلح أن يكون في هذا الموضع (عنها)، لأنّه ليس المراد ذكر عماهم عن النظر إليها، وإنّما القصد ذكر عماهم بالشكّ فيها، وهذا من لطائف المعاني.1
سورة النمل: الآيات 67 ـ 75    

الآيات: السابعة والستون إلى الخامسة والسبعين

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:172.

صفحه 293
وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين).

المفردات

ضَيق: حرَج الصدر.
ردف: قال الراغب: الرِّدْف: التابع، والتَّرادُف التتابع، والرادِف المتأخِّر، والمُردِف المتقدّم الذي أردف غيره. قال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ)1.
تُكنّ: الكِنّ: ما يحفظ فيه الشيء، وخُصّ بما يُستر ببيت أو ثوب.
غائبة: قال الزمخشري: سمّي الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية، فكانت التاء فيها بمنزلتها في العاقبة والعافية والنطيحة والذبيحة والرمية، في أنّها أسماء غير صفات.

1 . الأنفال:9.

صفحه 294

التفسير

67 و 68.(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة موقف المشركين من البعث، عطف عليه
ما يحتجّون به على امتناعه، وتضمّنت الآيتان بيانين لهم في هذا المضمار، وعبّر عن المشركين المنكرين بالكافرين، ليكون دليلاً على سبب
إنكارهم.
أمّا البيان الأوّل فكما يقول:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ) فتحوّلُ ترابنا وتراب آبائنا إلى إنسان جديد، أمر محال.
وقد تكرّر منهم هذا القول القائم على التعجّب والاستبعاد في غير واحدة من السور، قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ )1، وأُجيب عن هذا القول بقوله سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ )2 فالقادر على الإبداء قادر على الإعادة بطريق أَولى.
وأمّا البيان الثاني فهو قولهم:(لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)وحاصل هذه الشبهة: هو أنّ القول بالبعث وإعادة

1 . يس:78.
2 . يس:79.

صفحه 295
الأموات له جذور في التاريخ، وهو من القصص الخرافية، ولم يزل يُطرح في كلّ عصر، ولكنّنا لم نجد أحداً ممّن مات في العصور الماضية قد بُعث، فهو من قبيل الأساطير والخرافات القديمة.
ثمّ إنّه سبحانه ذكر هاتين الشبهتين في سورة «المؤمنون» باختلاف يسير، قال: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ )1.
والموضعان يختلفان في أنّ اسم الإشارة جاء متأخّراً في سورة «المؤمنون»، وتقدّم في سورتنا هذه.
وبما أنّه سبحانه أجاب عن ترّهاتهم في غير واحدة من السور، انتقل إلى تهديدهم بأن يسيروا وينظروا نظر اعتبار إلى آثار المكذبين بالمعاد من قبلهم، وكيف أهلكهم الله ودمّرهم تدميراً. ولعلّ الصورة العملية لنتيجة التكذيب أوقع في النفوس من البرهنة عليها، ولذلك قال:
69.(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ):
أمر الله سبحانه رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول لهم: (سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا)إلى عاقبة الذين كذّبوا الأنبياء وكذّبوا بالبعث كما قال: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) حيث أُهلكوا وبادت مساكنهم وصارت خاوية. وقد جعل السيد الطباطبائي ما ورد في هذه الآية حجّة على المعاد وقال: إنّ

1 . المؤمنون: 82ـ 83.

صفحه 296
انتهاء عاقبة أمر المجرمين إلى عذاب الاستئصال دليل على أنّ الإجرام والظلم من شأنه أن يؤاخذ عليه وأنّ العمل إحساناً كان أو إجراماً محفوظ على عامله سيحاسب عليه، وإذ لم يقع هذا الحساب والجزاء ـ وخاصّة على الأعمال الصالحة ـ في الدنيا فذلك لا محالة في نشأة أُخرى وهي الدار الآخرة، فتكون الآية في معنى قوله تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)1.2
ولا يخفى أنّ ما ذكره يعدّ من البراهين الدالّة على لزوم البعث، وأمّا كون الآية ناظرة إليه فبعيد عن سياقها، بل ظاهر الآية هو التهديد وإراءة مصير المكذِّبين.
70. (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ):
الآية تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه حيث كان صلوات الله عليه يحرص كلّ الحرص على هداية الناس، ويستشعر الحزن عليهم لرغبتهم عنها، فجاءت هذه الآية توصيه بأمرين:
الأوّل: النهي عن الحزن عليهم فقال: (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) لأنّك أتممت الحجّة عليهم وأوقفتهم على ما يترتّب على أعمالهم من نتائج، ومثل هؤلاء المُعرضين عن آيات الله ليسوا بأهل لأنْ تغتمّ لأجلهم.
الثاني: أن لا ينتابه القلق من مخططاتهم الكيدية ضد دعوته، ذلك القلق الذي كان يضغط عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)فيضيق صدره ممّا يدبّرونه في الخفاء،

1 . ص: 28.
2 . الميزان في تفسير القرآن:15/388.

صفحه 297
والله سبحانه يطمئنه من مكرهم ويقول له: (وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ)فالله سبحانه يدمِّر مكرهم ويبطله.
71. (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
لمّا أنكروا إمكان البعث بالشبهتين الماضيتين، عطفوا على كلامهم السابق تعلّة يتذرّعون بها للإنكار، وهي السؤال عن وقت العذاب كما قال: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ): أي ما أُنذروا به من العذاب، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). والمتبادر من قولهم: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) هو وعد الآخرة وعذابها، لكن الآية التالية تدلّ على أنّ المراد هو أعمّ منه، وكأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أوعدهم بكلا العذابين فجاءت لتبلغهم، قال تعالى:
72. (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ):
قوله:(قُلْ) أمر للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول لهم: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ): أي قرُب منكم (بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ)ولعلّه إشارة إلى الخسائر الفادحة التي ستصيب قريشاً في غزوة بدر ونحوها. إنّما الكلام في معنى الترجّي في قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ)، فالترجّي هو آية الجهل بوقوع المرجوّ، والله سبحانه منزّه عنه، فكيف جاء في كلامه؟ وقد أجاب عنه الزمخشري بقوله: إنّ عسى و لعلّ في وعد الملوك ووعيدهم تدلّ على صدق الأمر وجدِّه، وما لا مجال للشكّ بعده، وإنّما يعنون بذلك إظهار وقارهم وأنّهم لا يعجلون بالانتقام لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم أنّ عدوّهم لا يفوتهم، وأنّ الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم، فعلى ذلك

صفحه 298
جرى وعد الله ووعيده.1
وهناك وجه آخر، وهو التفريق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدّي وهو أنّ هذه الأسماء وهكذا ما يدلّ على التمنّي يستعمل حسب الإرادة الاستعمالية في نفس المعنى، لكن الغاية أي المراد الجدّي يختلف، ففي مثله سبحانه الغاية هي الدلالة على المطلوبية، وأنّه يرغب في تحقّق المرجوّ، نظير قوله سبحانه:(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(2) فأتى بلعلّ في نفس المعنى اللغوي الذي يلازم الجهل، ولكن صار كناية عن كون النفر أمراً مطلوباً ومحبوباً لله سبحانه. وللسيد الطباطبائي بيان آخر، فمن أراد فليرجع إلى الميزان.2
وقبل الانتقال إلى الآية التالية، ننقل كلام الشريف الرضيّ عن معنى (الردف) في الآية حيث قال: وهذه استعارة لأنّ حقيقة الردف هي حمل الإنسان غيره ممّا يلي ظهره على مركوب تحته، والفرق بين الردف والتابع أنّ في التابع معنى الطلب لمرافقة الأوّل وليس ذلك في الردف، فالمراد بقوله تعالى: (رَدِفَ لَكُمْ) هاهنا ـ والله أعلم ـ أي عسى أن يكون العذاب الذي تتوقّعونه قد قرُب منكم وهو في آثاركم ولاحق بكم. وقد قيل أيضاً: إنّ المراد بردف لكم أي رَدِفَكم فصار العذاب في الالتصاق بكم كالمرادف لكم، والمعنى واحد.3

1 . تفسير الكشّاف:3/151.   2 . التوبة:122.
2 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:15/389.
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:172.

صفحه 299
73. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ):
لمّا كانت هنا مظنّة سؤال وهو: لماذا يُمهل سبحانه هؤلاء ولا يعجّل لهم العذاب، أُجيب عنه بقوله:(وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ): أي متفضّل عليهم بتأخير العقوبة زمناً يُتاح لهم فيه أن يراجعوا أنفسهم، بَيد أنّ أكثرهم لا يعرفون هذه النعمة ولا يشكرونها، إذ في ظل التأخير ربّما يؤمن بعضهم ويدخل في حظيرة الإسلام (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ): أي لا يعرفون قَدْر هذه النعمة، ويستعجلون بالعذاب.
وقد نبّه الإمام علي بن الحسين، زين العابدين(عليه السلام) إلى هذه النعمة التي تشمل المؤمن أيضاً، بقوله في أحد أدعيته:
وأعجب من ذلك أناتُكَ عنّي، وإبطاؤكَ عن مُعاجلتي، وليس ذلك من كَرَمي عليك، بل تأنّياً منك لي، وتفضُّلاً منك عليَّ لأنْ ارتدعَ عن معصيتك المُسخِطة، وأُقلعَ عن سيّئاتي المُخلِقة، ولأنّ عفوكَ عنّي أحبُّ إليك من عقوبتي.1
74. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ):
لمّا دلّ قوله:(وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ) بأُسلوب الكناية أنّه سبحانه يَعِده بالنصر وأنّ مكرهم لا يصل إليه، ونهاه عن الإحساس بالكرب والضيق من مكرهم، أتمّ الوعد في هذه الآية بأنّه سبحانه يحيط

1 . الصحيفة السجادية: 101، دعاؤه في الاستقالة والتضرّع في طلب العفو.

صفحه 300
بكلّ ما يخفون وما يعلنون وقال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ): أي ما يضمرونه من أفكار وأعمال(وَمَا يُعْلِنُونَ): أي يظهرون، فالله سبحانه عالم بما يخفون من نوايا سيّئة وما يدبّرون من كيد في الخفاء ضدّ الرسول ودعوته، وما يعلنون، ولكنّه يحفظ رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) من شرورهم جميعاً، وينصر رسالته.
75. (وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين):
قد مرّ في المفردات أنّ الشيء الذي يغيب ويخفى يوصف بالغائبة والخافية، والتاء للمبالغة.
سورة النمل: الآيات 76 ـ 81    
ولمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ الله سبحانه عالم بما يظهره الطغاة المجرمون من العداء وما يخفون، انتقل البيان القرآني إلى ضابطة عامّة وهي إحاطة علمه سبحانه بكلّ ما في الكون الغائب والظاهر، وأنّ كلّ ذلك مسطور في كتاب قال: (وَمَا مِنْ غَائِبَة): أي خافية مكنونة (فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)قبل أن تُخلق محفوظة عند الله (فِي كِتَاب مُبِين) والآية دليل على سعة علمه بكل أمر جزئيّ، وأنّ علمه كما يتعلّق بالكليات سبباً يتعلّق بالجزئيات، والتغيير في المعلوم الذي صار بيد بعض الفلاسفة لنفي علمه سبحانه بالجزئيات، مردود بأنّ التغيير في المعلوم لا يوجب التغيير في العلم، وأصرح آية في علمه سبحانه بكلّ أمر جزئيّ ـ وراء هذه الآية ـ قوله سبحانه: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّة فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْب وَلاَ يَابِس إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين)1.

1 . الأنعام:59.

صفحه 301

الآيات: السادسة والسبعون إلى الحادية والثمانين

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ).

المفردات

يقصّ: القَصّ: تتبُّع الأثر، يقال: قصصت أثره، والقصص الأثر، قال تعالى: (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ)1، والمراد هنا: يتحدّث، فإنّ في التحديث تتبّع الآثار.
يقضي: القضاء: فصل الأمر.
بحكمه: بعدله، لأنّه لا يقضي إلاّ بالعدل.
مسلمون: مخلصون، نظير قوله: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ )،2 أي جعله سالماً لله خالصاً له.

1 . القصص: 11.
2 . البقرة:112.

صفحه 302

التفسير

76. (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ):
لمّا تقدّم ذكر قصص الأنبياء الخمسة في هذه السورة بين موجز ومفصّل، وأنّ بني إسرائيل يختلفون في هذه القصص خصوصاً فيما يرجع إلى سليمان(عليه السلام)، جاء البيان القرآني بأنّ هذا الكتاب هو المرجع في تصحيح تاريخهم وقصص أنبيائهم ويقول: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ)يحدّث (عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، فالآية تأمر بني إسرائيل أن يرجعوا إلى القرآن فيما فيه يختلفون من المعارف والأحكام ومسائل العقيدة، نظير اختلافهم في المسيح، فالنصارى يقولون إنّه ثالث ثلاثة، وبعضهم يقول إنّه نبي كسائر الأنبياء، وأمّا اليهود فيتّهمونه بالكذب في دعواه النبوة وينسبون إلى أمّه ما هي منزّهة عنه.
ثمّ إنّهم اختلفوا في الأحكام الفرعية فاليهود على حرمة أكل الخنزير، وقالت النصارى بحلّه، وهذان المقالان أُنموذجان لاختلافهم.
وعلى هذا فالقرآن الكريم هو المرجع في تصحيح ما جاء في العهدين القديم والجديد في التكوين والتشريع والتاريخ، فلو أراد علماء العهدين التصحيح، فعليهم أن يجعلوا القرآن مقياساً لرفع الاختلاف الموجود بينهم، ولذلك يصف سبحانه الكتاب في الآية التالية بقوله:
77. (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ):

صفحه 303
وقد جاءت تلك الآية أيضاً في صدر السورة باختلاف يسير، حيث قال: (هُدًى وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ).
78.(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ):
(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ): أي بين المختلفين(بِحُكْمِهِ) العدل فيفرّق بين الحقّ والباطل (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ): أي عزيز لا يُغلب في قضائه، وعليم لا يفوته الحقّ.
79.(فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ):
لمّا سبق في الآية السابقة أنّ الله سبحانه يقضي بين المختلفين في شأن القرآن وشأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، عاد البيان القرآني إلى تقوية قلب النبي بأن يطمئنّ ويتوكّل على الله ويفوّض تدبير الأُمور إليه فإنّه سبحانه يقضي بعلمه بينه وبينهم، ولكنّه سبحانه قضى للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة(إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)فمن كان مخالفاً للحقّ الواضح فهو محكوم وغيره حاكم.
80 .(إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ):
يشبّه سبحانه العتاةَ المشركين في هذه الآية وما بعدها بالموتى أوّلاً، وبالصُّمّ ثانياً، وبالعُمي ـ في الآية التالية ـ ثالثاً، والغاية من كلّ هذا هو قطع طمع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في هدايتهم ودخولهم حظيرة الإيمان، ووجه الشَّبه هو عدم انتفاعهم بتذكير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتلاوة الآيات، كما لا ينتفع بها الموتى والصُّمّ.

صفحه 304
هذا هو ملخص المعنى الجملي للفقرتين، وإليك تفسيرهما:
لمّا تقدّم في الآيات السابقة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان حزيناً من تولّي قومه عن دعوته وكان مصرّاً على هدايتهم، أخبره سبحانه بأنّك قد أتممت الحجّة عليهم ولكنّهم لا يهتدون، فدعوة هؤلاء كدعوة الموتى، فكما أنّ الموتى لاينتفعون بالدعوة فهكذا هؤلاء كما قال: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، ثم شبّههم بالصُّمّ (وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) إذ لا يسمعون كلامك حتى ينتفعوا به.
وحصيلة الكلام:إنّ هؤلاء قد بلغوا في العناد والعداء والإعراض عن الحقّ درجة تمنعهم من أي تأثّر بآيات الله وبيّناته، فحال هؤلاء حال الموتى وحال الصُّمّ(إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) قَيْد للصُّمّ لا للموتى، فإنّ الأصمّ إذا أدبر وأعطى ظهره لا يمكن أن يفهم شيئاً، بخلاف ما إذا كان مقبلاً غير مدبر فيمكن أن يفهم من خلال الإشارة أو من حركة الشفتين ببعض الكلمات.
81 . (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ):
شبّه سبحانه في الآية السابقة حال هؤلاء المعاندين بالموتى في عدم الانتفاع بكلام الناصح أوّلاً، وبالصمّ في عدم استماعهم ثانياً، وشبّههم في هذه الآية بالعُمي في عدم التمييز، حيث لا يميّزون بين الحقّ والباطل، فهم كالموتى في عدم الانتفاع، وكالصُّمّ في عدم السماع وعدم الفهم والإدراك عند الابتعاد، وكالعميان في عدم التمييز بين الحقّ والباطل.
وفي مقابل هؤلاء هناك طائفة قال عنهم: (إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ

صفحه 305
بِآيَاتِنَا): أي كان مستعدّاً للإيمان قلبُه، فاستعدّ لسماع كلمة الحقّ (فَهُمْ مُسْلِمُونَ): أي مخلصون ومسلّمون الأمر لله سبحانه ومنقادون للحقّ.
***
قد عرفت أنّ وجه تشبيه المشركين بالأُمور الثلاثة هو عدم الانتفاع لا عدم السماع بشهادة أنّ الصُّمّ قد يفهمون إذا لم يُدبروا مبتعدين، ولذلك قيّد الحكم بقوله سبحانه:(إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، فهذه الآيات بمنزلة قوله سبحانه:(إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )1.
وكان مقتضى الظاهر أن يقول: والموتى لا يسمعون، ولكن قال: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ). وهذا دليل على أنّ وجه التشبيه هو الانتفاع الذي يعبّر عنه بالاستجابة وعدم الانتفاع الذي يحكم عليه بالعذاب يوم القيامة.
وبذلك يُعلم أنّ استدلال الوهابييّن بهذه الآيات وأمثالها على عدم سماع الموتى واقع في غير مورده، كيف والآيات القرآنية دلّت على أنّ نبيَّين عظيمين تكلّما مع جثث الموتى من قومهما الذين هلكوا بدعائهما عليهم، قال سبحانه حاكياً عن هلاك قوم النبي صالح: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ).(2) ترى أنّ صالحاً يخاطب قومه بعد هلاكهم ويقول: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ...).
ونظير ذلك خطاب شعيب في نفس السورة قال سبحانه: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ

1 . الأنعام:36.   2 . الأعراف: 78 ـ 79.

صفحه 306
وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ)1 فكلّ من النبيَّين العظيمين خاطبا قومهما بعد هلاكهم وصيرورتهم جثثاً ملقاة على الأرض. نعم لم يخاطبا الجثث المادّية الفاقدة لكلّ روح، وإنّما خاطبا الأرواح.
وسيوافيك تفصيل ذلك عند تفسير قوله تعالى:(فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ).(2)
ومن أوضح ما يدلّ على سماع الموتى، ما تضافر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يزور بقيع الغرقد ويخاطبهم بقوله: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية.2
سورة النمل: الآيات 82 ـ 85    
وظاهر الآيات والروايات أنّ الخطاب مع روح الميّت المحشور ببدنه البرزخي لا بالبدن المدفون تحت التراب، والخطاب للأموات عند قبورهم رمز للخطاب مع أرواحهم، وبذلك يعلم ضعف ما ذكره ابن تيمية، إذ قال: وقد تُعاد الروح إلى البدن في غير وقت المسألة كما في الذي صحّحه ابن عبد البرّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ما من رجل يمرّ بقبر رجل، الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلِّم عليه إلاّ ردّ الله عليه روحه حتى يردّ عليه السلام».3
ولا يخفى ما فيه، فإنّ معنى ذلك أنّ روح الميّت تعود إلى الجسد إذا

1 . الأعراف:92ـ93.   2 . الروم: 52.
2 . صحيح مسلم: كتاب الجنائز، الحديث 102 و 103 و 104.
3 . مجموعة الفتاوى لابن تيمية: 4 / 295 .

صفحه 307
سُلّم عليه، فإذا انقطع السلام تخرج منه ثم تعود إليه في المرة الثانية إذا زاره آخر وهكذا، وهذا أشبه بالمهزلة، فبما أنّ القوم لم يتعمّقوا المسائل العقلية وحياة الروح مع الجسد البرزخية، لجأوا إلى هذا الحلّ مستندين إلى رواية لم تثبت عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

الآيات: الثانية والثمانون إلى الخامسة والثمانين

(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ *حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ).

المفردات

وقعَ القول: الوقوع: ثبوت الشيء وتحقّقه، نحو قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)1 ووقوع القول: حصول مضمونه، قال تعالى: (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا): أي وجب العذاب الذي وُعدوا به لظلمهم.
دابّة: كلّ ما يدبّ في الأرض ويأكل ويمشي ولا يختصّ بغير الإنسان بل يعمّه، لقوله سبحانه:(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة).(2)

1 . الواقعة:1.   2 . النحل:61.

صفحه 308
فوجاً: الفوج: الجماعة، جمعه أفواج قال تعالى: (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا )1.
يوزعون: يُحبس أوّلهم ليلحق آخرهم لكثرتهم، من قولهم: وزعته أي كففته.

التفسير

تمهيد

إنّ هذه المجموعة من الآيات يحوطها إبهام خصوصاً الآية الأُولى ـ أعني قوله: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ...) ـ حيث إنّها هي الآية الوحيدة في القرآن فلا تجد فيه ما يفسّرها ولذلك بقيت على إبهامها، وأمّا الروايات حولها ففيها من غرائب الأُمور وعجائبها ممّا لا يصدّقه العقل الحصيف، ولا يصحّ لعاقل أن ينسبها إلى النبي الصادع بالحق(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام).
أمّا الإبهام حول هذه الآيات فمن أُمور:
1. ما هي هذه الدابّة؟ هل هي حيوان كما يتبادر من لفظة دابّة؟ أو إنسان؟
2. ما هي أوصافها وخصائصها، حيث وردت في الروايات أُمور غريبة عنها؟

1 . النصر:2.

صفحه 309
3. كيف تخرج من الأرض؟
4. من أي أرض تخرج؟
5. كيف تستطيع دابّة واحدة أن تكلّم الناس، إذا أُريد به العموم، لا جماعة خاصّة؟
6. هل تخرج قبل القيامة أو عند وقوعها؟
7. ما هو المراد بالآيات في قوله: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ)... إلى غير ذلك من الأسئلة المطروحة حولها.

من أشراط الساعة

82 . (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ):
سياق الآيات يدلّ على أنّ خروج الدابّة من أشراط الساعة لا عند قيام الساعة، بشهادة أنّه يأتي الحديث عن يوم القيامة في الآية السابعة والثمانين يقول:(وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ).1 وعلى هذا فمعنى قوله: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ): أي ثبت وتحقّق ما وعد به من الآيات التي تبيّن لهم الحقّ قبل موعد القيامة، فعندئذ (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ)، ولعلّ إخراج الدابّة من الأرض ليري الذين ينكرون البعث كيف يحيي الله الموتى، وعندئذ كلامها مع الناس آية حلول الوعيد الذي أُنذروا به.

1 . النمل:87.

صفحه 310
وأمّا قوله سبحانه: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ)، فهنا أمران:
1. هل هذا هو من كلام الدابّة؟ أو من كلامه سبحانه؟ ظاهر السياق أنّه من كلام الدابّة، ولكن قوله: (كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ) يرجّح القول أنّه من كلام الله سبحانه، وأنّه تعليل لوقوع القول عليهم،وذلك بتقدير الباء، أي بسبب أنّ الناس لم يكونوا موقنين بالله سبحانه ولا مطيعين لأوامره ونواهيه.
2. ما هو المراد بالآيات؟
ذهب السيد الطباطبائي إلى أنّ المراد هو الآيات السماوية والأرضية على ما في قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)1، وربّما يقال إنّ المراد هو الآيات القرآنية.2
والظاهر أنّه يراد بالآيات كلّ ما يدلّ على توحيده سبحانه ورسالة أنبيائه وبعث الناس بعد الخروج من الدنيا، وهي بين ما هي آيات كونية أو آيات تشريعية.
هذا هو توضيح الآية حسب ما يمكن، وأمّا الروايات التي وردت حول الآية فلا يمكن الاعتماد عليها، فنرجئ علمها إلى أصحابها. ولقد أحسن العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية إذ قال: أمّا الدابّة فقد كثر الكلام فيها، والله سبحانه لم يبيّن لنا ما هي؟ والحديث عن المعصوم في بيانها لم يثبت، حتى ولو صحّ سنده لم نعمل به لأنّه خبر واحد، وهو حجّة في

1 . فصلت:53.
2 . الميزان في تفسير القرآن:15/395.

صفحه 311
الأحكام الفرعية، لا في الموضوعات وأُصول العقيدة، والقول بغير علم حرام، فلم يبق إلاّ الأخذ بظاهر الآية الذي يدلّ على أنّ الله سبحانه عند ما يحشر الناس للحساب يُخرج من الأرض مخلوقاً يعلن أنّ الكافرين جحدوا الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته، ونبوّة رسله.1
83 . (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ):

رجعة جمع من المكذّبين قبل القيامة

قوله:(وَيَوْمَ) منصوب على تقدير اذكر، أي(وَ) اذكر (يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا) وهذا حشر خاص قبل حشر جميع الخلق المذكور في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ)، ومن فسّره بأنّه حشر خاص بعد حشر الجميع فقد خالف السياق، إذ لو كان هذا الحشر بعد قيام القيامة فما وجه ذكره هنا؟ بل كان عليه أن يؤخّره. ولمّا كانت الآية من أدلة القول بالرجعة في الدنيا، نرى أنّ المخالف يجهد في ذكر وجه للتقديم.
والدليل على أنّ هذا الحشر قبل حشر الجميع، مضافاً إلى أنّ ذكر حشر الجميع يأتي في الآيات اللاحقة، هو قوله: ( نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا)فيخصّ الحشر بجماعة خاصّة، ولو كانت الآية ناظرة إلى يوم القيامة

1 . التفسير الكاشف:6/40.

صفحه 312
لما كان معنى لقوله: (مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا) فإنّ الحشر يوم القيامة يتعلّق بالجميع، قال سبحانه: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا )1.
ثمّ إنّ «مِنْ» في قوله: (مِنْ كُلِّ أُمَّة) للتبعيض ولكنّها في قوله: (مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا)للتبيين، مثلها في قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)2. والمراد بالآيات كلّ ما أقامه لهم من دلائل وبيّنات دالّة على قدرته على الخلق والإعادة.
ثمّ إنّ بعد الحشر (فَهُمْ يُوزَعُونَ): أي تمنعهم الملائكة من الذهاب يمنة ويسرة، فالآية تدلّ على أنّ المكذِّبين بآيات الله من كلّ أُمّة يُحشرون قبل حلول يوم القيامة.
والآية تدلّ على رجعة أفواج من المكذِّبين إلى هذه الدنيا قبيل يوم القيامة فقط، وأمّا رجعة جماعة من المؤمنين المخلصين إلى هذه الدنيا فالآية ساكتة عنه، فلابدّ إذاً من الرجوع فيه إلى الروايات.
84 . (حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءُوا): أي حضروا في موضع الخطاب فيخاطبون بالقول: (أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي)التي دلّت على التوحيد وإرسال الرسل والبعث في يوم القيامة إلى غير ذلك ممّا يدلّ على مسؤولية الإنسان أمام الله سبحانه: (وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) جملة حالية، أي: كذّبتم بالآيات حال عدم إحاطتكم

1 . الكهف:47.
2 . الحج:30.

صفحه 313
بها علماً، لأجل تولّيكم وإعراضكم عن سماعها أو التدبّر فيها(أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): أي بأيّ شيء كنتم تشغلون أنفسكم غير التكذيب؟
85 . (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ):
بما أنّ المكذّبين صاروا مُدانين في المحكمة الإلهية، فقد صدر الحكم عليهم بالعذاب في هذا الحشر كما يقول: (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا): أي حقّ عليهم العذاب في الدنيا قبل يوم القيامة بسبب ظلمهم حيث كذّبوا بما أظهر لهم من آيات وبيّنات دالّة على الحق (فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ): أي لم يكن عندهم اعتذار وجواب عمّا حكم به عليهم.
وأمّا ما هو مصير هؤلاء في هذا الحشر فالآية ساكتة عنه.

كلام في الرجعة

ما ذكرنا هو حصيلة الآية، وقد قلنا: إنّ الآية تدلّ على حشر المكذِّبين وتقريعهم وتعذيبهم قبل وقوع يوم القيامة، وأمّا رجوع قسم من المؤمنين المخلصين، فالآية ساكتة عنه.
ثمّ إنّ الرجعة بمعنى أنّ الله تعالى سيعيد عند قيام الإمام المهدي(عج) قوماً ممّن تقدّم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقّونه من العقاب بالقتل أو الذلّ والخزي بما يشاهدون من علوّ كلمته، أمر مقدور لله سبحانه. نعم ليس كلّ مقدور واقع.
أمّا أنّه مقدور وواقع في الأُمم السابقة فيكفي للتدليل عليه ما يلي:

صفحه 314
1. إحياء نبيّ الله عُزير(عليه السلام)، قال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ...).1
2. إحياء جماعة خرجوا من ديارهم خوفاً من الموت، قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ )2.
3. إحياء المقتول من بني إسرائيل، قال سبحانه:(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).3
4. إحياء مَن كان مع موسى(عليه السلام) في الميقات، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).4
5. إحياء الموتى بالإعجاز، حيث زوّد الله سبحانه المسيح(عليه السلام) بمعاجز منها إحياء الموتى، كما يقول: (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي).5
وهذه الآيات تدلّ على إعادة الموتى إلى الحياة الدنيا لغاية من الغايات، إنّما الكلام في وقوعها في الأُمّة الإسلامية.

1 . البقرة:259.
2 . البقرة:243.
3 . البقرة:72ـ 73.
4 . البقرة:55ـ56.
5 . المائدة:110.

صفحه 315
فالمرجع هنا هو الروايات الكثيرة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وقد جمعها العلاّمة المجلسي في الجزء الثالث والخمسين من موسوعة «بحار الأنوار»، وإجمال القول في الرجعة ما في قول الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّ الرجعة ليست بعامّة، وهي خاصّة، لا يرجع إلاّ مَن مَحَض الإيمان محضاً، أو محض الشرك محضاً».1
ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع.
هذا، وللسيد الآلوسي اعتراضات على مسألة الرجعة، نأتي بها مع التحليل:
الأوّل: يقول: إنّ أوّل من قال بالرجعة عبد الله بن سبأ ولكن خصّها بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتبعه جابر الجعفي في أوّل المئة الثانية فقال برجعة الأمير كرّم الله تعالى وجهه أيضاً لكن لم يوقّتها بوقت، ولمّا أتى القرن الثالث قرّر أهله من الإمامية رجعة الأئمة كلّهم وأعدائهم وعيّنوا لذلك وقت ظهور المهدي، واستدلّوا على ذلك بما رووه عن أئمّة أهل البيت.2
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ أوّل من قال بالرجعة هو عمر بن الخطاب، حيث روى ابن إسحاق: قال الزهري: وحدّثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: لمّا توفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قام عمر بن الخطّاب فقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تُوفّي، وإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه

1 . بحار الأنوار:53/39.
2 . روح المعاني:20/27.

صفحه 316
أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما رجع موسى، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)]قد [مات.1
وثانياً: أنّ ما نسبه إلى عبد الله بن سبأ أمر فنّده المحقّقون، وأنّ الرواية سندها مظلم ينتهي إلى يزيد الفَقسي (وهو مجهول ذاتاً ووصفاً)، وفي طريقه سيف بن عمر ذلك الرجل الضعيف الكذّاب.2
وثالثاً: أنّ ما نسبه إلى الإمامية من أنّهم قالوا بالرجعة في القرن الثالث يردّه ما روي فيها عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، وأنّ القول بالرجعة يستند إلى ما روي عن هذين الإمامين في القرن الثاني.
الثاني: أنّه سبحانه يوبّخ هؤلاء(مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا) على تكذيبهم بآياته سبحانه (مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا) والمعروف من الآيات لمثل ذلك هو يوم القيامة.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره استحسان لا يعادل السياق، فأيّ مانع أن يوبّخهم سبحانه في الرجعة التي هي من أشراط الساعة بمثل ما يوبّخهم يوم القيامة؟
الثالث: الظاهر استمرار حياتهم وعذابهم بعد هذا الحشر ولا يتسنّى ذلك إلاّ إذا كان حشر يوم القيامة.

1 . السيرة النبوية لابن هشام:4/655.
2 . انظر: الأسطورة السبئية للسيد مرتضى العسكري:1/41، وواحة اليقين لحيدر الطحان البغدادي:150ـ 151.

صفحه 317
يلاحظ عليه: أنّ الآية ساكتة عن استمرار حياتهم أو موتهم ولا دليل على بقائهم أحياء إلى يوم القيامة.
الرابع: أنّ في الرجعة راحة لهؤلاء في الجملة حيث يفوت به ما كانوا به من عذاب البرزخ الذي هو للمكذّبين كيف ما كان أشدّ من عذاب الدنيا.
يلاحظ عليه: أنّ الغرض من حشر هؤلاء هو الانتقام منهم فينالوا بعض ما يستحقّونه من العقاب بالقتل على أيدي شيعته أو الذلّ والخزي بما يشاهدون من علوّ كلمته. ومن أين علم المعترض بأنّ العذاب البرزخي هو أشدّ من هذا؟
الخامس: أنّ في الآيات ما يأبى، ذلك منه قوله تعالى:(قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )1.
يلاحظ عليه: أنّ الآية التي ذكرها ناظرة إلى ردّ مَن طلب الرجوع إلى الدنيا، وأمّا مَن يرجعون في الرجعة فهم الذين أراد الله رجوعهم إلى الدنيا، فالموضوع في المرحلتين مختلف. على أنّك قد عرفت فيما سبق رجوع جماعة كثيرة بعد الموت إلى الدنيا، فتكون هذه الآيات كالمخصِّصة لما دلّ على عدم الرجوع .
وحصيلة الكلام: إنّ ما هو المتّفق عليه من الرجعة هو رجوع طائفة من الصالحين والطالحين إلى الدنيا عند ظهور الإمام المهدى(عج) للترحيب أو التعذيب، وأمّا ما وراء ذلك فليس مورد إجماع ولا اتّفاق.

1 . المؤمنون:99ـ100.

صفحه 318
سورة النمل: الآيات 86 ـ 90    

الآيات: السادسة والثمانون إلى التسعين

(أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَع يَوْمَئِذ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):

المفردات

مبصراً: مضيئاً للأبصار. قال الشريف الرضي: والمراد بوصف النهار بالإبصار، إبصار أهله فيه.1
الصُّور: مثل قَرن يُنفخ فيه، فيجعل الله ذلك سبباً لعود الأرواح إلى أجسامها.
ففزع: الفَزَع: انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع، ولا يقال: فزعتُ من الله، كما يقال: خِفتُ منه.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:174.

صفحه 319
داخرين: أذلاّء صاغرين.
جامدة: ثابتة في مكانها.
أتقنَ: أحكمَ، يقال: رجل تِقْن ـ بكسر التاء وسكون القاف ـ أي حاذق بالأشياء.
كُبّتْ: أُلقيت منكوسة.

التفسير

86 . (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ):
هل الآية ناظرة إلى التوحيد في التدبير، أو ناظرة إلى إمكان المعاد، أو إلى كليهما؟
أمّا الأوّل، فيقال فيه: إنّ تعاقب الليل والنهار، الذي يشهد بدقّة النظام ولطف التدبير، هو ضروري للحياة، حيث جعل سبحانه الليل مظلماً حتى يسكن فيه الإنسان ويخلد إلى الراحة والنوم ليستعيد نشاطه الجسمي والذهني، كما قال:(أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ)مظلماً (لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَ) جعلنا (النَّهَارَ مُبْصِرًا)مضيئاً ليعمل فيه الإنسان ويكدّ من أجل القيام بتكاليف استخلافه في الأرض من تنمية حياته وترقيتها وعمارة الأرض واستثمار القوى المختلفة في هذا الكون (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)فالإنسان من جانب موجود حيوي يحتاج في حياته إلى تحصيل أُمور يقيم بها

صفحه 320
حياته وهي فرع وجود النور، ومن جانب آخر يحتاج إلى السكون والهدوء حتى يستريح من تعب الأعمال اليومية، فالله سبحانه جعل الليل مظلماً لتلك الغاية، والنهار مبصراً للغاية الأُخرى، فحياة الإنسان وبقاؤه بيد المدبّر سبحانه فهو أَولى بالعبادة. وهذه الآيات لا يدرك دلالاتها إلاّ الذين يملكون الاستعداد للإيمان بالحقّ إذا قادتهم الأدلّة إليه.
وأمّا الثاني، فيمكن أن يقال فيه: إنّ تعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص لا يكون إلاّ بقدرة قادرة، وإنّ من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادة واحدة قدر على إبدال الموت بالحياة في مواد الأبدان.1
87 . (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ):

مقدّمات القيامة

يظهر من مجموع الآيات الواردة حول مقدّمات القيامة، وجود النفخات الثلاث:
الأُولى: النفخ في الصور عند نهاية الدنيا وقبل القيامة، وفيها يفزع مَن في السماوات والأرض إلاّ مَن شاء الله. وإلى هذا يشير قوله سبحانه: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ): أي خاف وذُعر (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ)خائفاً من الله سبحانه.
الثانية: النفخة المميتة وهي نفخة الصَّعق التي يموت الجميع من

1 . روح المعاني:20/29.

صفحه 321
سماعها، وسمّيت أيضاً بالصيحة.
الثالثة: نفخة البعث وقيام القيامة، وهي التي يحيا الناس بها جميعاً. وإلى النفختين الأخيرتين يشير قوله سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ).1
وبما أنّ هذه الآية بصدد البيان، ولم تتحدّث إلاّ عن نفخة واحدة قبل القيامة، فيمكن أن يقال بوحدة النفخة الأُولى مع الثانية، فقوله سبحانه: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ)يحتمل أن يكون ناظراً إلى النفخة الأُولى أو إليها وإلى الثانية بناءً على وحدتهما .
ثمّ إنّه سبحانه يستثني ممّن يفزع بقوله: (إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ) والظاهر أنّ المراد من الموصول مَن يأتي في الآية (89) أعني قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَع يَوْمَئِذ آمِنُونَ)، لكن قوله سبحانه: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ): أي أذلاّء، يحكي عن حشر الجميع من غير فرق بين المستثنى والمستثنى منه على صورة الذلّ، وعندئذ يقع السؤال: كيف تشمل الذلّة عباد الله الصالحين؟ يقول السيد الطباطبائي في الجواب عن هذا السؤال: ونسبة الدخور و الذلّة إلى أوليائه تعالى لا تنافي ما لهم من العزّة عند الله، فإنّ عزّة العبد عند الله ذلّته، وغناه بالله فقره إليه. نعم ذلّة أعدائه بما يرون لأنفهسم من العزّة الكاذبة ذلّة وهوان.(2)
ثمّ إنّه يقع الكلام في الجمع بين قوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) الدالّ على

1 . الزمر:68.   2 . الميزان في تفسير القرآن: 15/400.

صفحه 322
رجوع جميع مَن في السماوات والأرض حتى المستثنين من حكم الفزع وحضورهم عنده تعالى، مع قوله: (فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ)1 حيث إنّ ظاهره خروج عباد الله المخلَصين عن الحضور.
ويمكن الجواب: أنّ آيتنا هذه ناظرة إلى البعث، والحضور بهذا المعنى يعمّ الجميع، وأمّا ما في سورة الصافات فهو ناظر إلى الحضور للحساب والسؤال، والمخلَصون مستثنَون عنه.
88 . ( وَتَرى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ):
تعرض هذه الآية لأحد المظاهر الّتي تتجلّى فيها قدرة الله تعالى، ولكنْ هل الآية ناظرة إلى التوحيد في التدبير، ومن ثمّ تكون آية معجزة تحكي عن حقيقة كونية علمية كشف عنها الفلكيون في العصور الأخيرة، أو ناظرة إلى مقدّمات القيامة، والّتي جاء مضمونها في آيات أُخرى نظير قوله: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)،2 وقوله: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا)؟3
وممّا يؤيّد الوجه الثاني سياق الآيات، حيث إنّ الآية المتقدّمة تتضمّن نفخ الصور وإحياء الموتى فتكون قرينة على تفسير هذه الآية بنحو يناسب الحوادث الطارئة يوم البعث.

1 . الصافات:127 ـ 128 .
2 . الكهف:47.
3 . الطور: 9ـ10.

صفحه 323
ومع ذلك فالقول الأوّل هو الأقوى بشهادة الأُمور التالية:
أوّلاً: أنّ قوله: (وَ تَرى الْجِبَالَ) عطف على قوله: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ) فكما أنّ الآية ناظرة إلى بيان النظام البديع الكاشف عن وحدة المدبّر، فهكذا هذه الآية.
وثانياً: لو أُريد من الآية ما ورد في الآيات الأُخرى من صيرورة الجبال كالعهن المنفوش، لماذا عبّر عنه بقوله: (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)؟
وثالثاً: أنّه سبحانه يخاطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (وَتَرى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً): أي ساكنة (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) وظاهر الخطاب أنّ ظرف الرؤية هو الدنيا في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يوم القيامة.
ورابعاً: أنّ ذيل الآية يصف الجبال بـ(صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء)وهذه الفقرة لا تناسب أحداث يوم القيامة، إذ فيه تدبير للصنع.
إذا عرفت ذلك فلو قلنا بأنّ الآية تدلّ على حركة الأرض حركة دورانية أو انتقالية فليس ببعيد. وسرعة حركة الأرض في الحركة الدورانية يقرب من (30) كيلومتراً في الدقيقة، ومعدّل سرعة حركتها حول الشمس يقدّر بـ(200/107)كيلومتر في الساعة. ومن المعلوم أنّ حركة الجبال لا تنفكّ عن حركة الأرض، وعلى هذا فالأرض مع جبالها تتحرك وتمرّ مرّ السَّحاب في دورة يوميّة حول نفسها، وفي دورة سنوية حول الشمس، من دون إحراج للساكن.
ولا شكّ في أنّ سبق القرآن بالإشارة إلى هذه الحقيقة التي كشف عنها الفلكيّون وعلى رأسهم غاليلو الإيطالي(المتوفّى 1642م) في أوائل

صفحه 324
القرن السابع عشر الميلادي، يثبت بنحو جازم أنّه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنّ النبيّ الأُمّي تلقّاه من ربّه بوساطة الوحي، كما قال سبحانه مخاطباً نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيم عَلِيم )1.
وأمّا قوله في ذيل الآية: (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) فهو وإن كان قرينة ضمنية على أنّ الآية راجعة إلى يوم القيامة، ولكن يمكن تفسيره بشكل آخر، وهو أنّ القادر على خلق الجبال والقادر على تسييرها سيراً سُجُحاً، قادر على الوقوف على أعمالكم، وعالم بما يصدر منكم.
89 . (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَع يَوْمَئِذ آمِنُونَ):
لمّا تقدّم بيان حال الخلائق عند نفخ الصور في قوله سبحانه: (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ)، جاءت هذه الآية لبيان المستثنى، وأنّ الإتيان بالحسنة كما قال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ)أيّة حسنة كانت، يترتّب عليه أمران:
الأوّل: (فَلَهُ خَيْرٌ): أي جزاء خير من حسنته، لأنّ الله سبحانه يزيده من فضله وإحسانه، كما قال: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا )2.
سورة النمل: الآيات 91 ـ 93    
الثاني: ما أشار إليه بقوله: (وَهُمْ مِنْ فَزَع يَوْمَئِذ آمِنُونَ) فقد قضت مشيئته سبحانه بطمأنينتهم من أيّ شيء مخيف. وروي في الخبر أنّ

1 . النمل:6.
2 . الأنعام:160.

صفحه 325
الشهداء من جملة الخلق الذين لا يفزعون ذلك اليوم.1
90. (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
لمّا دلّت الآية السابقة على مصير مَن جاء بالحسنة، دلّت هذه الآية على مصير مَن جاء بالسيئة، فهؤلاء هم الذين تمحّضوا للسيئات كالمشركين والكافرين أو غلب شقاؤهم وما يقترفون من جرائم على أعمالهم، فمصير هؤلاء كما يقول: ( فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) نسبَ الكبّ إلى الوجوه لأنّها أوّل ما يصل من الإنسان إلى الأرض عند الكبّ والنَّكْس، فمعنى الآية: فكبّوا في النار على وجوههم.
ولمّا كانت هناك مظنة سؤال، وهو أنّ هذا الجزاء هل يوافق عدله سبحانه؟ يقول تعالى:(هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) عدل من الغيبة إلى الخطاب تبكيتاً وتقريعاً. وحاصل الجواب: إنّ جزاءهم هذا هو نفس عملهم المجسّم في الآخرة، وكأنّ لعقائدهم وأعمالهم ظهورَين: ظهور في الدنيا، وظهور في الآخرة، فالانكباب على الوجوه في النار وجود تمثيلي لجرائمهم التي ارتكبوها في الدنيا.

الآيات: الحادية والتسعون إلى الثالثة والتسعين

(إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ

1 . التبيان في تفسير القرآن:8/123.

صفحه 326
اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).

المفردات

البلدة: هي مكّة المكرّمة.
أتلوا القرآن: أي على الناس لغاية الهداية.
من المنذرين: من المخوّفين.

التفسير

91. (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ):
تضمّنت الآيات السابقة كثيراً من مطاعن المشركين كما تضمّنت الدلائل الواضحة الدالّة على التوحيد والبعث والوعيد، فجاء البيان القرآني كالختام للسورة وفصل الخطاب، حيث أمر الله سبحانه نبيّه في هذه المجموعة من الآيات بأُمور أربعة وهي:
1. عبادة ربّ البلدة الحرام.
2. أن يكون في عداد المسلمين.
3. أن يتلو القرآن على الناس.

صفحه 327
4. أن يحمد الله سبحانه الذي له كلّ المحامد.
وإليك تفاصيل هذه الأُمور.
قوله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ) هذا هو الأمر الأوّل الذي أمر به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان اللازم أن يقول: أن أعبد ربّ العالمين، ولكن خصّ رب البلد الحرام بالذكر لينبّه قريشاً إلى النعمة التي أنعمها الله عليهم حيث أسكنهم في هذه البلدة التي لها شؤون خاصّة، وإليها يرجع كلّ ما يفتخرون به، ولو جُرّدوا عنها لم يكن لهم أيّة مفخرة، ومع ذلك أعرضوا عن عبادة ربّ هذه البلدة وعكفوا على عبادة الأصنام. ثم إنّه سبحانه يشير إلى تشريف هذه البلدة بوجهين:
1. ما سبق، حيث أضاف الرب إلى البلدة.
2. ما أشار إليه بقوله: (الذِي حَرَّمَهَا)، فعن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«ألا إنّ الله قد حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لا يُنفّر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلي خلالها، ولا تحلَ لَقطتُها إلاّ لمنشد».1
وروى ابن هشام أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب في حجّة الوداع وقال: «هل تدرون أيّ بلد هذا؟ قال: فيصرخ به، قال: «فيقولون البلد الحرام، قال: فيقول: قل لهم: إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقَوا ربّكم كحرمة بلدكم هذا».2

1 . الكافي:4/226.
2 . السيرة النبوية لابن هشام:2/605.

صفحه 328
ولمّا كان ثمّة توهّم أنّه سبحانه يملك البلدة فقط، دفع هذا التوهّم بقوله:(وَلَهُ كُلُّ شَيْء).
قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ): أي من الذين أسلموا لله بتوحيده وإخلاص العبادة له، واستسلموا له. وهذا هو الأمر الثاني، ولم يقل: وأمرت أن أكون مسلماً، لأنّ المقصود أن يكون في عداد المسلمين كما قاله إبراهيم الخليل(عليه السلام): (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).1
92. (وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ):
أمره سبحانه بتلاوة القرآن على رؤوس الأشهاد لا لنفسه بشهادة ذيل الآية من أنّ الغاية هداية الناس. وهذا هو الأمر الثالث الذي أُمر به(صلى الله عليه وآله وسلم)، والفرق بين القراءة والتلاوة أنّ الأُولى رهن وجود مكتوب يرتله القارئ وفق المتن، سواء أكان المكتوب أمام عينيه أو رآه وحفظه ويقرأ على وفقه، ولولا المكتوب السابق لما صدقت عليه القراءة، ولا يصحّ الأمر بالقراءة بدونه(وسيمرّ توضيحه في تفسير سورة العلق)، بخلاف التلاوة فإنّها تتحقّق بكلتا الصورتين. وبما أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما قرأ وفق الصحيفة التي أراه جبرئيل إيّاها أمره سبحانه بقوله:(إقرأ) وأمّا المقام فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في مقام التبليغ ـ يقرأ عن حفظ القلب ولذلك قال:

1 . الأنعام:162ـ163.

صفحه 329
(وَ)أمرت (أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ) وأمّا ما هي الغاية من التلاوة، فأشار إليها بالأمرين التاليين:
1. (فَمَنِ اهْتَدَى) إلى الحقّ والعمل بما فيه(فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ)وليس له المنّة عليّ لأنّه ينتفع بهدايته.
2. (وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) سياق الآية يقتضي أن يقول: (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا)، كما في قوله سبحانه: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا)1 وإنّما عدل عن هذا التعبير، فكأنّه إشارة إلى ما سبق في السورة نفسها بقوله:(فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)2 ويحتمل أن يكون وجه العدول هو الإشعار باستمرار الإنذار، وأنّه لا يتركهم بمجرّد أنّه ليس له عليهم سلطان.
ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل).3
93. (وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ):
هذا هو الأمر الرابع، حيث أمره سبحانه بحمد الله سبحانه الذي له المحامد كلّها (وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ)، وما من محمدة لغيره إلاّ وهي في الحقيقة

1 . يونس:108، الإسراء:15.
2 . النمل: 79 ـ 80 .
3 . الزمر:41.

صفحه 330
محمدة لله سبحانه، حيث إنّ كلّ جمال وكمال في غيره ويوجب تكريمه، فإنّما هو نابع من جماله وجلاله.
ولمّا كان قوله: (أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) يوهم أنّه سبحانه سيتركهم في المستقبل، جاءت الآية لإيعادهم وإنذارهم، وقال: (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ)، فهل المراد بها الآيات الدالّة على توحيده التي وردت في قوله سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)1، أو المراد آيات العذاب، وقد أراهم الله سبحانه تلك الآيات في الفترة المدنية، وعندئذ يعرفون صدق دعوتك وصحّة رسالتك؟ ويؤيّد الاحتمال الثاني قوله: (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ) ; بل هو على كلّ شيء شهيد، فالفقرة تتضمّن الإنذار والتهديد والوعيد، فيناسب أن يكون المراد بالآيات آيات العذاب، وفي الوقت نفسه تستهدف هذه الفقرة تطييب نفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتعزيز روحه.
***
تمّ تفسير سورة النمل

1 . فصلت:53.

صفحه 331
تفسير سورة القصص   

سورة القصص

(طَسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَني إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْن لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ

صفحه 332
 
الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُب وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَني كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي

صفحه 333
 
مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْني وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ

صفحه 334
 
يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُني إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتَُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَ قَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْري فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ * وَ أَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ

صفحه 335
 
الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلّ كَافِرُونَ * قُلْ فَأْتُوا بِكِتَاب مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا

صفحه 336
 
أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ * إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ * وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ * وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا

صفحه 337
 
يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِي مَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ

صفحه 338
 
فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيم * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَل مُبِين * وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين