welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 19*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 19

صفحه 1
سورة المؤمنون   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 19
(19)

صفحه 2

صفحه 3
19   
الجزء التاسع عشر ويشتمل على تفسير السور التالية:
المؤمنون، النور، الفرقان
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1395 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 579 - 3 (VOL.19)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير / شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1395
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 19
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1395 هـ ش / 1438 هـ . ق / 2016 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 935   تسلسل الطبعة الأُولى: 455
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6
مقدّمة المؤلّف   

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله وعلى آله الطيبين الطاهرين الّذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أمّا بعد
فيسرّنا أن نقدّم ـ بفضل الله تبارك وتعالى ـ للقرّاء الكرام ملازم الجزء التاسع عشر من كتابنا (منية الطالبين في تفسير القرآن المبين) الّذي يشتمل على تفسير السور الثلاث (المؤمنون، والنور، والفرقان)، راجين من الله سبحانه أن يوفقنا لنشر ما بقي ممّا حرّرناه من تفسير سائر السور المباركة، إنّه على ذلك قدير.
ونحن إذ نقدّم هذا الجزء للطبع نستشعر الأسى والأسف لما حلّ اليوم بالعالم الإسلامي، حيث يعيش في معاناة وظروف حرجة لم يعهد مثلها في القرون السابقة.
نعم مرّت على المسلمين فيما مضى بلايا مروّعة ابتلوا بها إمّا لتقصير في الطاعة أو لضعف في التدبير، ونحن نذكر منها حادثتين مُرّتين دمّرت البلاد وأهلكت العباد.
الأُولى: الحروب الصليبية الّتي بدأ فيها النصارى هجومهم على بلاد

صفحه 8
الإسلام من عام (492 هـ )،1 ودامت تلك الهجمات قرابة ثلاثة قرون، ولولا فضل الله عزّ وجلّ لقضى الأعداء على الإسلام وحضارته ورجاله وآثاره ، لكنه سبحانه قيّض رجالاً متحمّسين رفعوا لواء التضحية، فردّوا العدو إلى عقر دارهم.
الثانية: الحروب الوثنية الّتي بدأ بها الوثنيون باسم التتار في أوائل القرن السابع الهجري،ة حيث أعدّوا العُدّة، وعبّأوا كلّ قواهم للقضاء على الإسلام وأهله، وطار شررهم إلى الشرق والغرب فعظمت المصيبة أكثر ممّا كان في الهجمات الصليبية، وقد بلغت مرارة المصيبة وعظم الآلام أن صعب على ابن الاثير الجزري (المؤرّخ المعروف) أن يكتب عن هذه الحوادث المرّة شيئاً، فها هو يقول: لقد بقيتُ عدّة سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدّم إليه ]رجلاً [وأُؤخر أُخرى، فمَن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومَن الّذي يهون عليه ذكر ذلك، فياليت أُمّي لم تلدني، وياليتني مُتّ قبل حدوثها وكنتُ نَسياً مَنسيّاً، إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثمّ رأيتُ أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال القائل: إنّ العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم، وإلى الآن، لم يُبتَلَوْا بمثلها، لكان صادقاً، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها ولا بما يُدانيها .2

1 . الكامل في التاريخ: 10 / 281، حوادث سنة 492 .
2 . الكامل في التاريخ: 12 / 358، حوادث سنة 617 هـ .

صفحه 9
ثم بدا له أن يذكر شيئاً من حوادث تلك السنين، وقد توفّي ابن الأثير عام 630 هـ قبل أن تنتهي هذه الحروب الوثنية في نهاية القرن السابع.
***
نعم هاتان الحادثتان مهما سبّبتا من خسائر فادحة في الأرواح والأموال، بَيْد أنّهما كانتا حرب الصليبيّين والوثنيّين مع الإسلام والمسلمين.
ولكن الّذي يُمضّ النفس ويؤلم القلب هو أنّ المسلمين ابتلوا في القرن الخامس عشر بمجموعات من الإرهابيين يحملون الفكر الوهابي فيكفّرون عامّة المسلمين ويعتبرون أنفسهم وحدهم على خطّ التوحيد، فصار ذلك سبباً لشنّ الغارة على كثير من البلاد الإسلامية وارتكاب المجازر المروّعة بحقّ أهلها، حتّى هجر الملايين من المسلمين بلادهم وأوطانهم ولجأوا إلى بلاد الغرب، حتّى يصونوا بذلك أنفسهم من شرّ ] المسلم[!!
ثم إنّ الغرب المستكبر بقيادة أمريكا اغتنم الفرصة لتأييد هذه الشرذمة المجرمة الخارجة عن الإسلام وحدوده لتدمير البلاد الإسلامية وتقسيمها إلى دول صغيرة وضعيفة حتّى يكونوا آلة طيعة بيد المستعمرين، بل ثمّة معلومات وشواهد وقرائن تؤكّد أنّ أمريكا هي الّتي احتضنت هذه المجموعات ونظّمتها وزوّدتها بالأسلحة، ويؤيد هذا تصريح مرشّح الحزب الجمهوري لرئاسة أمريكا (دونالد ترامب) قبل أيام بأنّ الرئيس الحالي (أوباما) ومرشحّة الحزب الديمقراطي (هيلاري كلينتون) هما مَن قاما بتأسس التنظيم الإرهابي المعروف بـ (داعش).

صفحه 10
ونحن نشكو بثّنا وحزننا إلى الله سبحانه، ونسأله عزّوجلّ أن يعيد للمسلمين وحدتهم ورصّ صفوفهم ويدفع عنهم شرّ هؤلاء الّذين يدّعون الإسلام ومَن جنّدهم لخدمة مصالحه، وأن يُنعم على بلاد المسلمين بالأمن والأمان، ويوفّق العلماء للعمل بواجبهم أمام هذه العصابة المجرمة.
إنّه سميع الدعاء
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
11 ذي القعدة الحرام
ذكرى مولد الإمام الرؤوف علي الرضا (عليه السلام) 1437هـ
سورة المؤمنون   

صفحه 11
سورة المؤمنون   

سورة المؤمنون

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ

صفحه 12
 
يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغ لِلآكِلِينَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين * قَالَ رَبِّ انْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ * ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ

صفحه 13
 
بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبّ ِانْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرى كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة ذَاتِ قَرَار

صفحه 14
 
وَمَعِين * يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ

صفحه 15
 
بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَاب شَدِيد إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ *

صفحه 16
 
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْني فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ * ادْفَعْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَـلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ

صفحه 17
 
إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ).

صفحه 18
سورة المؤمنون: الآيات 1 ـ 11   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «المؤمنون» على نمط الحكاية، أي حكاية لفظ (المُؤْمِنُون)الوارد في الآية الأُولى من السورة، وربّما تُسمّى بـ«سورة المؤمنين» على طريق الإضافة، وفي بعض الألسنة يطلق عليها سورة (قَدْ أَفْلَحَ) باعتبار أوّل السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة مئة وثمان عشرة آية في عدّ الكوفي، وتسع عشرة في عدّ الباقين.
والسورة مكّيّة بالاتّفاق، وورود لفظ الزكاة في قوله:(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)1 لا يدلّ على أنّها مدنية، إذ أُريد بها الصدقة، لا الزكاة حسب الأنصاب التي فُرضت في المدينة في السنة الثانية بعد الهجرة.

أغراض السورة

افتُتحت السورة بذكر خصال المؤمنين وأوصافهم، ثم أشارت إلى خلق الإنسان من بدء وجوده إلى إنشائه خلقاً آخر، وبعد ذلك أخذت في

1 . المؤمنون:4.

صفحه 19
عرض آثار القدرة في السماء والأرض حتى تكون دليلاً على التوحيد في العبادة والتوحيد في التدبير، ولأجل هذه المناسبة استعرضت السورة قصص عدد من الأنبياء مثل نوح وهود وموسى وعيسى(عليهم السلام).
ومن المعلوم أنّ هؤلاء الرسل كانوا في قمّة الكفاح ضدّ الوثنية، والسعي إلى هداية الناس إلى التوحيد في التدبير والعبادة.
وتتمّ السورة بذكر البعث، وقيام الموازين، والتمييز بين من تثقل موازينه ومن تخفّ.
وعلى هذا فالروح السائدة على مجموع آيات السورة ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض ـ هو تحرير الناس من عبادة الأوثان والدعوة إلى الحياة الأُخروية، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بالإنسلاك في عداد المؤمنين الذين ذُكرت أوصافهم في صدر السورة.

الآيات: الإحدى عشرة من أوّل السورة

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ

صفحه 20
الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

المفردات

أفلح: الفلاح: الظفر بالمراد، وأفلح أي دخل في الفلاح، كأبشر: دخل في البشارة.
المؤمنون: من آمن بالله واليوم الآخر وصدّق بما جاء به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
خاشعون: الخاشع: الخاضع المتذلّل مع خوف وسكون للجوارح، وربما يفسّر بمن ينقطع عن غيره بالتوجّه إليه. والظاهر أنّه من صفات القلب، ثم ينسب إلى الجوارح بنوع من العناية.
اللغو: اللغو من الكلام ما لا يعتدّ به، ومن الفعل ما لا فائدة فيه. نعم، هو أمر نسبيّ فربّ فعل هو لغو بالنسبة إلى قوّة، وهو بعينه مفيد بالنسبة إلى قوّة أُخرى، كإدارة المسبحة بدون ذكر، فإنّه لغو بالنسبة لقوة العاقلة وأمّا بالنسبة للقوة الذاتية التي لا تسكن إلاّ بها فلا يُعدّ لغواً، ويمكن أن يقال: كلّ فعل لا ينتفع به الإنسان في الدنيا ولا في الآخرة فهو لغو.
الزكاة: بمعنى المصدر أي الإنفاق المالي، لا نفس المال المخرج، لأنّ قوله: (فاعِلون)يناسب الأوّل دون الثاني.
لفروجهم: الفرج: سَوءة الرجل والمرأة.
حافظون: الحفظ: التعفّف عن الحرام.
ابتغى: طلب.
العادون: المتجاوزون للحدود بالعدوان.

صفحه 21
لأماناتهم: الأمانات: ما أؤتمن عليه من قبل الناس. ويحتمل من قبل الله أيضاً.
عهدهم: العهد (في مصطلح الشرع): ما التزم به بصيغة العهد، وهو شقيق النذر واليمين. ويحتمل أن يراد مطلق ما توجّه إلى الإنسان من التكاليف.
راعون: حافظون.
يحافظون: يواظبون.
الفردوس: الجنة.

التفسير

1.(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ):
بدأ سبحانه ببيان أوصاف المؤمنين الذين يرثون الجنة بلا تعب كما يرث الإنسان مال المورّث كذلك، وقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ): أي ظفروا بمرادهم. والفَلْح في اللغة ـ : الشَّقّ وفي المثَل: الحديد بالحديد يُفلَح، أي يُشقّ، وإطلاقه على الظَّفَر بالمراد لأنّ الإنسان بعمله وسعيه للوصول إلى الهدف المطلوب كأنّه يشقّ الموانع. والمؤمنون ـ كما قلنا ـ من آمن بالله واليوم الآخر وصدّق بما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وللتصديق درجات، فالتصديق إمّا قولي أو قولي وعملي. ثمّ إنّ للتصديق العملي مراتب والجميع داخل في حظيرة الإيمان حسب درجاته، خلافاً للخوارج الذين يكفِّرون من

صفحه 22
ارتكب الكبيرة أي أخلّ بالفريضة أو أتى بالسيئة، وخلافاً للمعتزلة حيث يرون أنّ مرتكب الكبيرة متوسط بين الإيمان والكفر، ولكلٍّ من أصحاب القولين دلائل وبحوث أوضحنا حالها في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».1 وقد ذكر سبحانه لسبب فلاحهم أوصافاً سبعة.

الوصف الأوّل: الخشوع في الصلاة

2. (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ):
إنّ الفلاح والظفر بالمراد في الدنيا والآخرة غاية الآمال ومنتهى الرغبات، فبدأ سبحانه من بين الأوصاف بذكر الخشوع في الصلوات، وهو مرتبة عالية فوق إتيان الصلاة وإقامتها، حيث يتوجّه المصلّي بكلّ كيانه إلى الله سبحانه ويُعرض عن كلّ شيء سواه. وهو فعل قلبيّ يؤثر على الجوارح والأعضاء، فإذا كان القلب خاشعاً ظهر أثره في الجوارح سكوناً واطمئناناً، ويدلّ على ذلك ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته فقال: «أما إنّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه».(2) والقلب بالإعراض عمّا سوى الله سبحانه قلب خاشع، فتتبعه الجوارح من السمع والبصر وغيرهما، وربّما يبلغ الخشوع بالمصلّي درجة لا يسمع معها الأصوات التي حوله وإن كانت قارعة.
قال ابن أبي الحديد، وهو يصف عبادة أمير المؤمنين(عليه السلام): وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على وِزده أن يُبسَط له نطع2 بين الصفَّين ليلة

1 . لاحظ : بحوث في الملل والنحل:3/537.   2 . مجمع البيان: 7/188.
2 . النِّطْع: بساط من الجلد.

صفحه 23
الهرير1، فيصلّي عليه وِرده، والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صِماخَيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرُغ من وظيفته!!2

الوصف الثاني: الإعراض عن اللغو

3. (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ):
إذا كان اللغو هو الكلام أو الفعل غير المعتدّ به والفاقد للهدف، فالمؤمن يُعرض عنه لأنّه سبحانه خلق العالم والإنسان لهدف خاص، فبما أنّه جزء من هذا العالم فأولى أن يعرض عن اللغو قولاً أو فعلاً ولأنّ الحياة رأس مال المؤمن لا يصرفه إلاّ فيما كان له فيه نوع من النفع.
يقول سبحانه:(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) مكان أن يقول: عن اللغو مجتنبون، فالإعراض أشدّ استنكاراً من الاجتناب وكأنّ طبعهم لا ينسجم مع اللغو، هذا حسب الآية، وأمّا حسب الحديث فقد فسّر اللغو بالسماع، روى محمد بن أبي عبّاد وكان مستهتراً بالسماع ويشرب النبيذ قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن السماع فقال: «لأهل الحجاز فيه رأي وهو في حيّز الباطل واللهو، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا).(3) 3
وعلى هذا فيمكن أن يشتمل على سماع الغيبة، ويشهد لذلك إطلاق

1 . هي أشدّ ليالي وقعة صفِّين قتالاً واجتلاداً بالسيوف بين عليّ(عليه السلام) وأصحابه وبين معاوية وفئته الباغية.
2 . شرح نهج البلاغة:1/27.   3 . الفرقان: 72 .
3 . الوسائل:12، الباب99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث19.

صفحه 24
قوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)1.
وحصيلة الكلام: كلّ كلام مشتمل على محرّم كالغيبة أو الاستهزاء بالمؤمن أو ما لا ينتفع به الإنسان فهو لغو. روى الشيخ المفيد في إرشاده عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ قول ليس فيه لله ذكر فهو لغو».2
نعم هذا الكلام بسعته محمول على التنزيه.
ثمّ إنّ اللغو إذا كان بمعنى ما لا يُعنى به لا في نفسه ولا في غايته خرج منه ما يدور بين المؤمنين من المزاح للترفيه والخروج عن التضايق، فإنّ في ذلك عوناً للإنسان على أداء الفرائض، يقول الإمام علي(عليه السلام): «لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ سَاعَات: فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيَما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ».3

الوصف الثالث: الإنفاق المالي(الصدقة)

4. (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ):
يراد بالزكاة الإنفاق المالي، بشهادة قوله: (فَاعِلُونَ). ومن المعلوم أنّه لو أُريد من الزكاة نفس المال المخرَج بعد بلوغه النصاب لا يتعلّق به الفعل، ولذلك من فسّر الزكاة بالمال المخرج فسّر:(فَاعِلُونَ)بقوله: مؤدّون.
إنّ المؤمن له صلة بالله سبحانه عن طريق أداء فرائضه العبادية

1 . القصص:55.
2 . تفسير نور الثقلين:3/529.
3 . نهج البلاغة: قصار الحكم: 390.

صفحه 25
واجتناب مناهيه، وله صلة بالمجتمع الذي يعيش فيه فهو جزء منه، فينبغي أن يحسّ بإحساسه، ويتجاوب في مشاعره مع ذوي الحاجة والفاقة فيه، فيمدّ إليهم يد البذل والعطاء، استشعاراً بالمسؤولية أمام الله وأمام المجتمع.
قال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».1
والظاهر أنّ الآية تحثّ على مطلق الصدقة خصوصاً المستحبّة منها، ويظهر ذلك ـ كما قلنا ـ من نزول السورة في مكّة التي لم تُفرض فيها الزكاة الواجبة.

الوصف الرابع: التعفّف عن الحرام

5 ـ 7. (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ):
أمر سبحانه في هذه الآيات بحفظ الفروج ـ أعمّ من الذكر والأُنثى ـ عن الحرام، وهذا يشمل الزنا واللواط والسحاق والعادة السرية أو الاستمناء. والتعبير بالحفظ في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)كناية عن أنّ الشهوة تثور وتدفع الإنسان إلى ما لا تحمد عقباه، فعليه الإمساك بها وحفظها.

1 . مسند أحمد:4/270.

صفحه 26
ثمّ إنّه سبحانه استثنى صنفين:
1. (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) من غير فرق بين الدائم والمؤقت، كما سيوافيك.
2. (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) يعني الإماء، وملك اليمين كناية عن الإماء التي يتملّكها الإنسان بوجه شرعي.
وعبّر عن صيانة الفروج إلاّ في الموردين بقوله: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)وهو كناية عن وجود اللوم الشرعي في غيرهما، وأمّا من تجاوز هذا الحدّ بنحو من الأنحاء، فقد أُشير إليه بقوله:(فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ): أي طلب ما وراء الأزواج وملك اليمين (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)المتعدّون لحدود الله تعالى.
أمّا في الزنا فإنّ فيه انحلال النظام الأُسري، مضافاً إلى انتشار الأمراض الجنسية الخطرة، وصيرورة المجتمع الإنساني مجتمع الغابة، لا يعرف الابن أباه وبالعكس.
وأمّا اللواط ـ وكذا السحاق ـ فهو يضاد غاية الخلقة، إذ لو اقتصر الإنسان على إطفاء الشهوة بالجنس المماثل فهو ينتهي إلى انقطاع النسل، ولذلك أكّد الإسلام على التعفّف والعفاف وحذّر من الزنا واللواط ونحوهما على نحو محرّر في الكتب الفقهية.
وأمّا العادة السرية فهي أمر محرّم عند الفقهاء، غير أنّ الشيخ القرضاوي، يقول في حديثه عنها: وقد يثور دم الغريزة في الشاب فيلجأ إلى يده يستخرج بها المني من جسده ليريح أعصابه، ويهدّئ من ثورة الغريزة، وهو ما يعرف اليوم «بالعادة السرية».

صفحه 27
وقد حرّمها أكثر العلماء، واستدلّ الإمام مالك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).
والمستمني بيده قد ابتغى لشهوته شيئاً وراء ذلك.
وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه اعتبر المني فضلة من فضلات الجسم فجاز إخراجه كالفصد، وهذا ما أذهب إليه (والكلام لا يزال للشيخ القرضاوي)، وأيّده ابن حزم، وقيّد فقهاء الحنابلة الجواز بأمرين:
الأوّل: خشية الوقوع في الزنا.
والثاني: عدم استطاعة الزواج.
ويمكن أن نأخذ برأي الإمام أحمد في حالات ثوران الغريزة وخشية الوقوع في الحرام، كشاب يتعلّم أو يعمل غريباً عن وطنه، وأسباب الإغراء أمامه كثيرة، ويخشى على نفسه العنت، فلا حرج عليه أن يلجأ إلى هذه الوسيلة يطفئ بها ثوران الغريزة، على ألاّ يسرف فيها ويتّخذها ديدناً.1
أقول: إنّ القول بحلية الاستمناء أو العادة السرية مخالف للذكر الحكيم، والشهرة المحقّقة في المذاهب الفقهية، وما عليه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المجال.
أمّا الذكر الحكيم، فقد نقله الشيخ في كلامه فلا حاجة إلى الإيضاح، حيث إنّه سبحانه أمر بحفظ الفروج في كلّ الحالات إلاّ بالنسبة إلى الزوجة

1 . الحلال والحرام في الإسلام:164ـ 165، ط القاهرة، 1396هـ .

صفحه 28
وملك اليمين، فإذا تجاوز هاتين الحالتين واستمنى كان من العادين المتجاوزين ما أحلّ الله لهم إلى ما حرّمه عليهم.
وأمّا الشهرة المحقّقة، فقد ذهب المالكية والشافعية والزيدية إلى تحريمه، أخذاً بالحصر الوارد في القرآن الكريم. والدليل على الحصر أمران:
أ. الاستثناء: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).
ب. قوله تعالى: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).
وأمّا موقف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فقد روى طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)أنّه قال: «إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) أُتي برجل عبث بذكره، فضرب يده حتى احمرّت ثم زوّجه من بيت المال».1
وروى عمّار بن موسى، عن الإمام الصادق(عليه السلام) في الرجل ينكح بهيمة؟ فقال(عليه السلام):«كلّ ما أنزل به الرجل ماءَه من هذا وشبهه فهو زنا».2
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على حرمة العمل على وجه الإطلاق.
وأمّا ما ذكره الشيخ من أنّه لا حرج أن يلجأ إلى هذه الوسيلة بحيث لا يسرف فيها ولا يتّخذها ديدناً، فعجيب جدّاً، فإنّ العادة السرية أسهل شيء للالتذاذ الجنسي، فكيف يمكن للشابّ أن لا يسرف فيها ولا يتّخذها ديدناً؟!

1 . الوسائل: 18، الباب28 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث3.
2 . الوسائل: 18، الباب26 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث1.

صفحه 29
مضافاً إلى الأضرار التي يذكرها الأطباء في مَن اعتاد على هذا العمل.
وأمّا ما نقله عن الإمام أحمد حيث جوّز ـ حسب نقله ـ أن يرجع إلى هذه الوسيلة ليطفئ بها ثوران الغريزة عند خشية الوقوع في الزنا، فممّا لا يمكن المساعدة عليه، فلعلّ مصدر كلامه القاعدة المعروفة: الضرورات تُبيح المحظورات، ومن المعلوم أنّ مصبّ القاعدة هو ابتلاء الإنسان بها، من غير اختيار، فعندئذ يجوز الارتكاب باختيار أقلّ الضَّررين، أو أخفّ الحرامين، كما إذا ابتُلي الصائم بالعطش المهلك، فيجوز له دفع العطش بشرب الماء لحفظ حياته.
أو فيما لو توقّفت نجاة الإنسان الغريق على التصرّف في مال المسلم.
أو توقّفت الحياة على أكل مال الغير.
ففي هذه الموارد تطبق قاعدة: «الضرورات تُبيح المحظورات» ولكن بشرط أن لا يكون الإنسان عاملاً مؤثراً في إيجاد الضرورة.
وأمّا المقام فالواجب عليه كبح النفس والاجتناب عمّا حرّم الله عليه.
فلو كان ثوران الغريزة وخشية الوقوع في الحرام سبباً لارتكاب الزنا بذات البعل، فهل يمكن الإفتاء بجواز الأخفّ منه؟!
والطريق الأفضل هو ما أرشد إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما نقله المجيب، وأن يذكر عقوبة الله تبارك وتعالى على تلك المعاصي.

الزواج المؤقت داخل في المستثنى

المزوّجة متعة داخلة في قوله سبحانه:(إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) فهي زوجة

صفحه 30
حقيقة لها من الأحكام ما للزوجة الدائمة إلاّ ما استثني بالدليل، وانتفاء بعض الأحكام أو تخصيصها في مورد المؤقّتة لا يسلب عنها عنوان الزوجية.
ومن الغريب قول الشيخ محمد أبو زهرة، وهو يحكم بحرمة المتعة: أنّها ليست زواجاً حتى عند الذين يبيحونها1، وكأنّه لم يقرأ كلام القائلين بإباحتها، وهذا هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي(المتوفّى 460هـ)، يقول عند تفسيره الآية: ولا يخرج من الآية وطء المتمتَّع بها، لأنّها زوجة عندنا...2، بل جاء في روايات كثيرة، كون المتعة زواجاً، على لسان رواة الشيعة في القرن الثاني، ومنها ـ على سبيل المثال ـ ما رواه الكليني بإسناده عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام): جُعلت فداك، الرجل يتزوّج المرأة متعة... .3
إنّ للنكاح المنقطع أركاناً أربعة:
1. الصيغة، 2. المحلّ، 3. الأجَل، 4.المَهر.
الصيغة: وهي الإيجاب والقبول. ويكفي في الإيجاب أحد الألفاظ الثلاثة: زوجتك ومتّعتك وأنكحتك. ويكفي في القبول كلّ لفظ دالّ على الرضا بذلك الإيجاب كقوله: قبلت النكاح أو المتعة.
المحلّ: وهو الزوج أو الزوجة. ويُشترط فيهما ما يشترط في النكاح

1 . زهرة التفاسير:10/5050.
2 . التبيان في تفسير القرآن:7/349.
3 . الكافي:5/458، كتاب النكاح، باب الزيادة في الأجل، ح2. وانظر: ص 460، ح1، و ص 461، ح3 و 4.

صفحه 31
الدائم إلاّ ما استثني، فيشترط أن تكون الزوجة مسلمة، ويجوز أن تكون كتابية على القول الأشهر بين الفقهاء.
وأمّا المسلمة فلا تتمتّع إلاّ بالمسلم خاصّة.
ولا يُدخِل على الزوجة المنقطعة بنت أختها، ولا بنت أخيها إلاّ بإذنها، ولو فعل توقّف على إذنها، فإن ردّت، بطل العقد.
المهر: وهو ركن في عقد المتعة، يبطل العقد بعدم ذكره في العقد، ويشترط أن يكون مملوكاً، معلوماً إمّا بالكيل أو الوزن أو المشاهدة والوصف، ولو وهب الزوج، المدّة لها، قبل الدخول لزمه النصف، ولو دخل استقرّ كلّه.
الأجل: وهو ركن من عقد المتعة، ولو ترك الأجل فهنا قولان: بطل، وقيل ينقلب العقد دائماً، ولابدّ أن يكون معيّناً مصوناً من الزيادة والنقصان.
ويجوز العزل من المتمتَّع بها ولا يقف على إذنها خلافاً للدائمة فلا يجوز العزل إلاّ بإذنها.
وتَبِين المتمتَّع بها بانقضاء الأجل ولا يقع بها طلاق ولا يتوارثان إلاّ مع الشرط في متن العقد.
والزواج المؤقّت كالدائم فيما يحرم بالمصاهرة، فلو عقد على امرأة تمتُّعاً، حرمت عليه أُمّها، مطلقاً، وبنتها مع الدخول، وهكذا سائر المحرّمات المذكورة في باب التحريم بالمصاهرة.
وإذا دخل بها وانقضى أجلها فإنْ كانت من ذوات الحيض، وجب عليها الاعتداد بحيضتين، وإن لم تكن من ذوات الإقراء، وهي في سنهنّ اعتدّتْ بخمسة وأربعين يوماً، وإن لم يكن دخل بها فلا عدّة عليها. ولو

صفحه 32
مات عنها في الأجل اعتدّتْ بأربعة أشهر وعشرة أيام، سواء دخل بها أم لا إن كانت حائلاً، وقيل شهران وخمسة أيام، وإن كانت حاملاً اعتدّتْ بأبعد الأجلين، ولو كانت أمة اعتدّتْ حائلاً بشهرين وخمسة أيام.1
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الزواج المؤقّت لا يفارق ـ ماهية ووجوداً ـ الدائم.
نعم يفارقه في بعض الآثار:
1. الزوجة الدائمة تفارق بالطلاق، وهذه بانقضاء الأجل.
2. الزوجة الدائمة ينفق عليها، دونها.
3. الزوجة الدائمة ترث زوجها وهو يرثها، دونها.
4. الزوجة الدائمة المطلَّقة تعتدّ بثلاثة أشهر أو بثلاث حيضات، وهي تعتدّ بحيضتين أو خمسة وأربعين يوماً.
وهذه الفروض لا تخرجها عن كونها زوجة لها من الأحكام ما لغيرها.
نعم ذهب الشيخ القرضاوي(من المعاصرين) إلى أنّ الزواج المؤقّت غير داخل في آيات الزواج يقول: إنّ الزواج في الإسلام عقد متين وميثاق غليظ يقوم على نيّة العشرة المؤبّدة من الطرفين لتحقّق ثمرته النفيسة التي ذكرها القرآن من السكن النفسي والمودّة والرحمة، وغايته النوعية العمرانية من استمرار التناسل وامتداد بقاء النوع الإنساني، قال تعالى:(وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً)2، أمّا

1 . شرائع الإسلام:2/307; تحرير الأحكام:3/526.
2 . النحل:72.

صفحه 33
زواج المتعة فهو ارتباط الرجل بامرأة لمدّة يحدّدانها لقاء أجر معيّن فلا يتحقّق فيه المعنى الذي أشرنا إليه، وقد أجازه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يستقرّ التشريع في الإسلام، أجازه في السفر والغزوات ثم نهى عنه وحرّمه على التأبيد.1
يلاحظ عليه:

1. استمرار النسل حكمة الزواج لا علّته

أقول: إنّ الشيخ خلط علّة التشريع ومناطه بحكمته، فعلّة الحكم يدور الحكم مدارها، مثل قولك: اجتنب عن المسكر، فمادام المائع مسكراً، له حكمه، فإذا انقلب إلى الخلّ، يرتفع.
وأمّا استمرار النسل وامتداد بقاء النوع الإنساني فهو حكمة النكاح، لكن لا يدور النكاح مدارها، بشهادة أنّ الشارع حكم بصحّة الزواج في موارد فاقدة لهذه الغاية، وهي:
1. يجوز زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. يجوز زواج المرأة العقيم بالرجل المُنجب.
3. يجوز نكاح اليائسة.
4. يجوز نكاح الصغيرة.
5. يجوز نكاح الشابّ من الشابّة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

1 . الحلال والحرام في الإسلام: 180 ـ 181 ; ولاحظ حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي: 101 .

صفحه 34
أفيصحّ للشيخ أن يشطب على هذه الأنكحة بقلم عريض بحجّة افتقادها آثار تكوين الأُسرة؟!

2. التأبيد ليس من مقوّمات الزواج

ذكر الشيخ أنّ التأبيد من مقوّمات الزواج، ولو صحّ ما ذكره لخرجت المتعة عن تعريفه وتدخل في الزنا إذ لا واسطة بين الزواج والزنا إذا كانت الزوجة حرّة، فلازم ذلك أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رخّص الزنا لصحابته في الأرض المقدّسة، فقد رخّصه في فتح مكّة وأذِنَ لهم في متعة النساء، أفيصحّ أن نرمي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بترخيص الفحشاء، مع أنّه سبحانه يقول: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً).1
قد اتّضح ممّا ذكرنا أنّ القيد الأوّل من الحكم والثاني ليس من المقوّمات، وأمّا القيود الأُخرى الواردة في كلامه من السكن النفسي والمودّة والرحمة، فالجميع متحقّق في كلا الزواجين خصوصاً إذا كانت المدّة طويلة، فإنّ صون النفس عن الزنا وحماية الأنساب من الاختلاط، أمر مشترك بين الزواجين، إذ يجب على المتمتّع بها الاعتداد بحيضتين حتى يبرأ رحمها، فإن كانت ذات حمل لا تخرج من العدّة إلاّ بوضع الحمل.
ونَودّ أن ننبّه إلى أنّ المتعة (أو الزواج المؤقّت) دواء لا غذاء شرّعها الله سبحانه لغايات خاصّة وبقيت على حلِّيتها إلى يومنا هذا; والمحقّقون من أهل السنّة يعترفون بحلِّيتها في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لكن يختلفون معنا في

1 . الاسراء:32.

صفحه 35
النسخ وعدمه، بل ثمة روايات عديدة عندهم تُعرب عن أنّه لم يكن هناك نسخ ولا نهي نبويّ، وإنّما كان تحريماً من جانب الخليفة الثاني، ومن هنا خالفه جمع من الصحابة ولم يذعنوا لأمره، منهم: الأئمّة: عليّ والحسن والحسين(عليهم السلام)1، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وابن مسعود، وابن عباس، وأسماء بنت أبي بكر، وأبو سعيد الخدري، وعمران بن الحصين، وسلَمة بن الأكوع، وغيرهم.2
هذا إجمال الكلام في المقام، ومن أراد التفصيل والوقوف على إبطال النسخ، فعليه بكتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف»3.
وفي نهاية المطاف نذكر ما كتبه ابن خلِّكان عن المأمون العباسي الذي أوشك أن يُنادي في أيام حُكمه بتحليل المتعة إلاّ أنّه توقّف خوفاً من الفتنة وتفرّق المسلمين.
قال ابن خلِّكان، نقلاً عن محمد بن منصور أنّه قال: كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما، ومن أنت يا جُعَل حتى تنهى عمّا فعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبوبكر؟ فأومأ أبو العيناء إلى

1 . خلاصة الإيجاز في المتعة للشيخ المفيد:19 (ضمن عدّة رسائل له، المجلد6)، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
2 . انظر: المحلّى لابن حزم:9/519، المسألة 1854، والمحبَّر لمحمد بن حبيب البغدادي:289.
3 . لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/473ـ551.

صفحه 36
محمد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلّمه نحن؟! فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيّراً؟ فقال: هو غمّ يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله عزّ وجلّ، وحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال الله تعالى:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * ـ إلى قوله: ـ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)1 يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين.2
أقول: هل عزب عن ابن أكثم ـ وقد كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت(عليهم السلام)ـ أنّ المتعة داخلة في قوله سبحانه: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) وأنّ عدم الوراثة تخصيص في الحكم، وهو لا ينافي ثبوت الزوجيّة، وكم لها من نظير، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم، وبالعكس، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس، وأمّا الولد في زواج المتعة فيلحق قطعاً، ونفي اللحوق ناشئ إمّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به.
وما أقبح كلامه حيث فسّر المتعة بالزنا وقد أصفقت الأُمّة على تحليلها في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أفحسب ابن أكثم أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حلّل الزنا ولو لمدّة قصيرة؟!

1 . المؤمنون:1ـ7.
2 . وفيات الأعيان:6/149ـ150.

صفحه 37

الوصفان الخامس والسادس: حفظ الأمانة، والوفاء بالعهد

8 . (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ):
هذه الآية تشتمل على وصفين:
1. حفظ الأمانة التي يؤتمنون عليها وتأديتها لأهلها.
2. الوفاء بالعهد إذا عاهدوا.
والأمانة اسم لما يؤتمن عليه الإنسان، وقد وردت في مواضع من القرآن الكريم نحو قوله: (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ)1: أي ما ائتُمنتم عليه، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).2
والجمع (الأمانات) باعتبار تعدّد أنواعها.
والوفاء بأداء الأمانة من أسمى الخصال الحميدة، لأنّ المؤتمَن يلتزم بصيانة شيء نفيس لأخيه من دون أن يطلب عوضاً أو أجراً ثم يصونه ويؤدّيه إليه عندما يستردّه منه، دون أن يغلب عليه طمعه وشحّه.
وعلى هذا فالمراد بالرعاية للأمانات في الآية، هو حفظها وصيانتها وردّها إلى أصحابها، وبما أنّ عمل المودَع عمل تبرّعي فلا يجوز شرط الضمان عليه إذا تلفت الوديعة بلا تفريط ولا تعدٍّ، وذلك لقبح تضمين إنسان تبرّع بقبول وديعة لا ينتفع بها أبداً، بل ربّما يبذل جهده لصيانتها.
ثم إنّ ظاهر اللفظ وإن كان هو الأمانات المودعة للناس عند الأمين

1 . الأنفال:27.
2 . النساء:58.

صفحه 38
ولكن لا يبعد أن يراد به المعنى العام ولا يختص بالودائع المالية، فيشمل الأمانة التي بين الله تعالى وبين عباده، وهي الولاية الإلهية وسلوك طريق الكمال عن طريق التلبُّس بالاعتقاد الحق والعمل بموجبه، بشهادة قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً).1
وأمّا العهد فهو ما التزم به الإنسان أمام الله سبحانه كما في النّذر واليمين والعهد الشرعي، أو أمام الناس كعقود البيع والإجارة والمزارعة وغيرها. ويمكن أن يراد بالعهد مطلق التكليف في كلا المقامين، ولعلّه لذلك جمع الأمانة وأفرد العهد. وقد مرّ ما ينفعك في تفسير قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).2
ولا شكّ في أنّ المجتمع الذي يتمتّع فيه أفراده بهاتين الفضيلتين: رعْيُ الأمانة بحفظها وأدائها إلى أصحابها، ورعْيُ العهد بالالتزام به والثبات عليه، هو مجتمع صالح تسوده الثقة والاستقرار النفسي والانسجام، الأمر الذي يوفر المناخ المناسب للتطوّر والازدهار، ولذلك حثّت الآيات والروايات على التحلّي بهما، ومن ذلك:
قال تعالى:(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً).(3)
عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تزال أُمّتي بخير ما لم يتخاونوا، وأدّوا الأمانة، وآتوا الزكاة، وإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسِّنين».3

1 . الأحزاب:72.
2 . المائدة:1.   3 . الإسراء: 34.
3 . ثواب الأعمال للصدوق: 251، باب عقاب التباغض والتخاون.

صفحه 39
وعن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «لاتغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم، حتى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث، وأداء الأمانة».1

الوصف السابع: المحافظة على الصلاة

9. (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ):
من صفات المؤمن إقامة الصلاة بحدودها والمواظبة عليها في أوقاتها لا تأخيرها عنها، وأفردت الصلاة في الوصف الأوّل أعني قوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ)وجمعت في هذه الآية، ولعلّ الوجه أنّ الخشوع وصف لجنس الصلاة بخلاف المحافظة فإنّها وصف لفرد فرد منها.
هذه هي الأوصاف السبعة التي هي أُصول التقوى والخشية عند المؤمن، فمن جانب يؤكّد صلته بالله سبحانه بالخشوع في الصلاة والمحافظة على أدائها في أوقاتها، وهو يستفيد من عمره ووقته بالإعراض عمّا لا يعتد به من القول والفعل، ومن جانب آخر يؤكّد صلته بالمجتمع بسدّ خلّة الفقراء والمعوزين، ثم بعد هاتين الخصلتين يعدّل الغريزة الشهوية بتعديل خاصّ، وفي الوقت نفسه يتعامل مع الناس معاملة العدل بأداء الأمانة والالتزام بالعهد، فمن وُجدت فيه هذه الخصال نال من الفضائل قمّتها.

1 . الكافي:2/104، باب الصدق والأمانة، ح2.

صفحه 40
10 و 11.(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ):
يبيّن سبحانه مصير المؤمنين الموصوفين بالخصال المذكورة بقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) لكن أجملَ في كلامه ماذا يرثون، فبيّنه بقوله: (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) وهو اسم للجنّة، أو اسم لأشرف مقام فيها، والتعبير عن الأجر بالوراثة إشارة إلى أنّهم ينالون الجنّة بلا تعب لأنّ الإنسان يرث أموال المورث بلا تعب، ويمكن أن يكون إشارة إلى استحقاقهم الجنة كاستحقاق الوارث مال المورّث. ثم أشار سبحانه إلى أنّ هذا المقام ليس مؤقتاً بل (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
سورة المؤمنون: الآيات 12 ـ 16   

الآيات: الثانية عشرة إلى السادسة عشرة

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ).

المفردات

سلالة: سلُّ الشيء من الشيء: نزْعُه كسلّ السيف من الغمد، وهي تكون مقصودة تارة كالزُّبد من اللّبن، وتارة غير مقصودة كقُلامة الظُّفر

صفحه 41
وكُناسة البيت. والظاهر أنّ المراد من (سُلاَلَة مِنْ طِين): أي من الصفو الذي يسلّ من الأرض.
قرار: مستقرّ.
مكين: متمكِّن.
العلقة: قطعة من الدم الغليظ الجامد الرطب.
المضغة: قطعة اللحم.
تبارك الله: تعالى وتقدّس، أو عظمت خيراته ونعمه.

التفسير

لمّا ذكر سبحانه خصائص المؤمنين ومصيرهم، بدأ بذكر مبدئهم لغاية خاصّة وهي البرهنة على المعاد، وأنّ القادر على خلق الإنسان من طين ثمّ التدرّج به في مراحل مختلفة أقدر على أن يبعثه من جديد، فالقادر علـى النشـأة الأُولى لا يعجز عن الأُخرى، فقال:
12 و 13. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين):
اختلف المفسّرون في تفسير الآية الأُولى بل الثانية أيضاً، والأظهر عندنا أنّ الأُولى ناظرة إلى خلقة أبينا آدم(عليه السلام)، والآية الثانية ناظرة إلى خلقة البشر من ولد آدم، وقد جاء بيان كلتا الخلقتين في قوله تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَة مِنْ مَاء مَهِين)1، فعلى هذا فقد

1 . السجدة:7 و8.

صفحه 42
خلق أبانا آدم(عليه السلام) من سلالة من طين، أي عصارة الطين وخلاصته، ويوضحه قوله سبحانه: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب)1: أي ملتصق بعضه ببعض.
قال الشريف الرضي(رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : هذه استعارة لأنّ حقيقة السلالة هي أن تَسُلّ الشيء من الشيء، فكأنّ آدم(عليه السلام) لمّا خُلق من الأرض كان كأنّه استُلّ منها واستخرج من سرّها، وقد صار ذلك عبارة عن محض الشيء ومُصاصه وصفوته ولُبابه، ليس أنّ هناك شيئاً استُلّ من شيء على الحقيقة. وقد تسمّى النطفة سلالة على هذا المعنى، ويسمّى ولَد الرجل سلالة أيضاً على مثل ذلك.2
ثمّ إنّه سبحانه ترك ما مرّت به خلقة آدم من أطوار في مبدأ تكوينه من المادّة الأُولى(التراب) حتى صار آدم أبا البشر اعتماداً على ما جاء في سائر الآيات التي أشارت إلى تلك الأطوار.. من التراب إلى الطين، ثم من الطين إلى الحمأ المسنون، ثمّ إلى الصَّلصال3، ونحن أيضاً نتركها .
إلى هنا تمّ تفسير الآية الأُولى.

مراحل تكوين الجنين

انتقل سبحانه إلى بيان مبدأ خلقة جنس الإنسان ومراحل خلقته، فذكر هنا أنّ له مراحل ست، وإليك بيانها:

1 . الصافات:11.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:152.
3 . انظر: الحِجر:26.

صفحه 43

المرحلة الأُولى

أشار سبحانه إلى تلك المرحلة بقوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين)والضمير يرجع إلى الإنسان لكن بصورة الاستخدام فأُريد من المرجع آدم أبو البشر، ومن الضمير جنس الإنسان فقال: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين).
ونظير الآية: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَة مِنْ مَاء مَهِين) وحاصل الآيتين أنّه سبحانه خلق أبانا آدم من سلالة من طين وجعل استمرار نسله نطفة مستقـرّة في قرار مكين، وأُريد منه الرحم حيث يقع في مكان أمين محفوظ من جميع الجهات لإحاطة أغشية البطن المتعدّدة به. هذا من جانب الوجه، ومن جانب الظهر يحفظه العمود الفقري.
هذا هو المختار في تفسير الآية، وهناك رأي آخر حاصله إرجاع الآيتين إلى خلقة جنس الإنسان ولا صلة له بخلقة آدم.
أمّا الآية الأُولى فتوضيحها: أنّ دم الذكر حين يمرّ على غدَّتي التناسل(الأُنثيين) تفرز من الأُنثيين مادّة دهنية شحمية(النِّطاف) تحتفظ بها، فتلك السلالة مخرجة من الطين لأنّها من الأغذية التي أصلها من الأرض.
كما أنّ دم المرأة إذا مرّ على قناة في الرحم ترك فيها بويضات دقيقة هي بذر الأجنّة. وعلى هذا فمعنى الآية: ولقد خلقنا الإنسان من نطفتي الرجل والمرأة اللّتين هما عصارة الأغذية التي أصلها من الأرض.
وأمّا الآية الثانية فهي ناظرة إلى اجتماع تلك المادّتين في الرحم، عند الجماع، فهذه النطفة تستقرّ في مقرّ مكين.

صفحه 44
وعلى هذا فالآية الأُولى ناظرة إلى كلّ من المادّتين المأخوذتين من الغذاء الذي أصله الطين، والآية الثانية ناظرة إلى اجتماع النطفة والبويضة.1
وما ذكرناه أوضح، وعليه السيد الطباطبائي2.
ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى بقية مراحل تكامل خلق الإنسان، وهو في القرار المكين، فقال:
14. (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ):

المرحلة الثانية

أشار سبحانه إلى المرحلة الثانية بقوله:(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) ولمّا كان بين المرحلتين فاصلة زمانيّة وكان جنس النطفة غير جنس العلقة حسّاً أتى بلفظ «ثمّ» و قال :(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً)حيث إنّها بمرور الأيام تتحوّل إلى دم غليظ ملتصق بجدار الرحم، يبدأ بامتصاص دم الأُم، ولذلك عبّر سبحانه عن تلك المرحلة بالعلقة، وهذا من معاجز القرآن العلمية.

المرحلة الثالثة

أشار سبحانه إلى هذه المرحلة بقوله:(فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً): أي

1 . التحرير والتنوير:18/19، بتصرف وإيضاح.
2 . الميزان في تفسير القرآن :15/19.

صفحه 45
جعلنا ذلك الدم الجامد (مُضْغَةً): أي قطعة لحم بمقدار ما يُمضغ، وعطفت تلك المرحلة على المرحلة السابقة بفاء الترتيب دون «ثمّ»، خلافاً للمرحلة السابقة مع وجود الفاصل الزماني بين المضغة والعلقة، ولعلّ وجه ذلك أنّ اللحم والدم الجامد متقاربان وإن كان كلّ طور من الخلقة بخلاف النطفة والعلقة فهما جنسان مختلفان لا تشابه بينهما.

المرحلة الرابعة

أشار سبحانه إلى هذه المرحلة بقوله:(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا)، حيث تتكون العظام من المضغة. يقول علماء الأجنّة: إنّ القرص المضغي يتكون من ثلاث طبقات من الخلايا، وهي: الأديم الظاهر (المضغة الظاهرة)، والأديم المتوسط، والأديم الباطن، وفي عملية تدعى التخصّص تتحرّك خلايا كلّ طبقة إلى أماكن معيّنة في القرص المضغي. ثم تطوى بعضها فوق بعض لتشكّل أنابيب أو عناقيد. وتنمو هذه الأنابيب والعناقيد إلى أنسجة وأعضاء مختلفة للجسم. وتشكّل خلايا الأديم المتوسط العظام والعضلات والأوتار وغيرها.1

المرحلة الخامسة

أشار إليها سبحانه بقوله: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)وهو الجزء اللَّحيم من الجسم الذي يحيط بالهيكل العظمي ولا تدخل فيه الأعضاء الموجودة في التجويف الجسدي، والمعنى: سترنا تلك العظام باللحم فصار اللّحم كالكسوة لها.

1 . الموسوعة العربية العالمية:7/99ـ 100 و 8/537ـ 538.

صفحه 46
يقول سيد قطب في تفسير قوله:(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا): هنا يقف الإنسان مدهوشاً أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقة إلاّ أخيراً بعد تقدّم علم الأجنة التشريحي. ذلك أنّ خلايا العظام غير خلايا اللحم. وقد ثبت أنّ خلايا العظام هي التي تتكون أوّلاً في الجنين. ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلاّ بعد ظهور خلايا العظام، وتمام الهيكل العظمي للجنين. وهي الحقيقة التي يسجلها النصّ القرآني:(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) فسبحان العليم الخبير.1

المرحلة السادسة

وهي مرحلة نفخ الروح الإنسانية في جسم الإنسان، وهي الأصل في خلقته، وقد أشار إليها بقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)ووصفه بخلق آخر لتميّزه بالشعور والاستشعار، وقد عبّر سبحانه عن هذه المرحلة في موضع آخر بقوله: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).2
ولو أضفنا إليها مرحلة الطين أو السلالة منه تبلغ المراحل إلى سبع، وبما أنّا فرّقنا بين الآيتين وجعلنا الأُولى ناظرة لخلقة آدم والثانية لخلقة الإنسان، جعلنا المراحل ستّاً. وعلى التفسير الأخير الذي عليه ابن عاشور يصير سبعاً، وقد نقل هو رواية عن شرح الموطأ وقال: تناجى رجلان في مجلس عمر بن الخطاب وعليٌّ حاضر فقال لهما عمر: ما هذه المناجاة؟

1 . في ظلال القرآن: 6 / 16 ـ 17 .
2 . الحجر:29، وسورة ص: 72.

صفحه 47
فقال أحدهما: إنّ اليهود يزعمون أنّ العزل هو الموءُودة الصغرى، فقال عليّ: لا تكون موءُودة حتى تمرّ عليها التارات السبع (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين)الآية، فقال عمر لعليّ: صدقت أطال الله بقاءك. فقيل: إنّ عمر أوّل من دعا بكلمة «أطال الله بقاءك».1
وبما أنّ لهذه المرحلة مكانة خاصّة تُغاير ما سبق من المراحل، فقد أثنى سبحانه هنا على نفسه ومجّد ذاته بقوله:(فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)والوصف بصيغة التفضيل يدلّ على عدم اختصاص الخلق به جلّ شأنه، بشهادة أنّه ينسب الخلق إلى النبيّ عيسى(عليه السلام) ويقول: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ).2 وأمّا ما يقال من أنّه ليس هناك من يخلق سوى الله، فـ (أَحْسَنُ)هنا ليست للتفضيل، إنّما هي للحُسن المطلق في خلق الله3، فهو كما ترى.
ثمّ إنّه سبحانه عبّر عن المراحل المتقدّمة بالخلق، وعبّر عن المرحلة الأخيرة بالإنشاء، وهو بمعنى إيجاد الشيء وتربيته، وما ذلك إلاّ لاختلاف هذه المرحلة عن المراحل المتقدّمة حقيقة وجوهراً، فالجنين قبل نفخ الروح الإنسانية فاقد لقابلية التعقّل والشعور بخلاف ما إذا تعلّقت به الروح فيتبدّل جوهره ويصير منشأ للعلم والقدرة، فكلّ ما وقع في طريق التكامل يكون نفس الروح واقع الإنسان، والبدن قشره، ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ

1 . التحرير والتنوير:18/21، ولاحظ: الاستذكار لابن عبد البر: 6/227، بحار الأنوار:40/164.
2 . المائدة:110.
3 . في ظلال القرآن:6/17.

صفحه 48
كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).1
فقوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ) جواب عن قولهم: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ).
وجه الجواب: نفترض أنّ الإنسان ضلّ بدنه وتفرّقت أجزاؤه في الأرض ولكنّه لا يكون مانعاً من البعث، وذلك لأنّ ما هو الأصل وواقع الإنسان هو عندنا محفوظ، وهو الذي تأخذه الملائكة الموكّلة بنزع الأرواح، وهذا يدلّ على أنّ الروح هو اللّبّ، والبدن قشر. نعم، بما أنّ الإثابة والعقاب يتوقّفان على تلبُّس الروح بلباس مادّي بدنيّ، فلا محيص في المعاد من عود الروح إلى البدن وبعثهما معاً، وسيوافيك توضيحه في تفسير سورة السجدة.
نعم، هناك فرق بين خلق الله تعالى وغيره، فهو خالق للمادّة والصورة، وأمّا غيره فهو خالق للصورة بمعنى ضمّ شيء إلى شيء حتى تتولّد منه صورة.
ثمّ إنّ الإشارة إلى مراحل الخلق تستهدف بيان غايتين:
الأُولى: لبيان قدرته سبحانه حيث أخرج من الطين إنساناً عالماً، قادراً على تسخير ما في الأرض والسماء من قوى وطاقات.
الثانية: تهيئة الكلام لما يأتي من الآيات:
سورة المؤمنون: الآيات 17 ـ 22   
15 و 16. (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ):

1 . السجدة:10ـ 11.

صفحه 49
بعد أن أشار سبحانه إلى مراحل خلق الإنسان، ذكر بأنّه لم يخلقه للبقاء في هذا العالم بل هو محكوم بالموت كما يقول: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ). نعم، ذكَر موتَ الإنسان ليكون مقدّمة للآية التالية:(ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) لماذا؟ لأنّ البعث غاية الخلق إذ لو كانت الحياة مقصورة على الحياة الدنيوية دون أن يكون بعدها حساب وعقاب وكتاب، لصار الخلق أمراً لغواً، والله سبحانه منزَّه عن ذلك فهو العليم الحكيم.
وبذلك علم أنّ الإشارة إلى مراحل الخلق تستهدف أمرين:
1. بيان قدرته سبحانه.
2. البرهنة على إمكان البعث ووقوعه.

الآيات: السابعة عشرة إلى الثانية والعشرين

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغ لِلآكِلِينَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ).

صفحه 50

المفردات

سَبعَ طرائق: كناية عن السماوات السبع، وأنّ بعضها فوق بعض، من التطارق.
غافلين: غَفَلَ عنه: تركه وسها عنه إهمالاً.
السماء: السحاب، وكلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء.
بقدَر: بمقدار خاص ينفع ولا يضرّ.
أسكنّاه: جعلناه ثابتاً قارّاً في الأرض.
ذَهاب: الذهاب: الإزالة بالتبخير أو بتغويره في الأرض بحيث لا يمكن استخراجه.
شجرة: أُريد بها شجرة الزيتون.
طُور سَيناء: جبل الطور الذي ناجى فيه موسى(عليه السلام) ربّه تعالى.
صِبغ: الصِّبغ: ما يُغمس فيه الخبز كالخلّ والزيت وغيرهما ويؤتدم به.

التفسير

لمّا كانت الغاية هي الاستدلال على قدرته سبحانه، ذكر سبحانه أوّلاً ـ في البرهنة على ذلك ـ مراحل خلق الإنسان لأنّه أقرب الأشياء إليه، ثمّ انتقل إلى بيان العوالم العلوية لأنّ خلقهنّ أعظم من خلق الإنسان، قال سبحانه: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا).1

1 . النازعات:27.

صفحه 51
17. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ):
الآية تحكي عن أمرين:
أوّلاً:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ) فما هو المراد من سبع طرائق؟ ولماذا سمّيت بذلك؟ هاهنا قولان:
الأوّل: أنّ الطرائق السبع كناية عن السماوات السبع التي جاء ذكرها في سبع آيات من القرآن المجيد، وأنّها سُمّيت بذلك لكون بعضها فوق بعض، لأنّه يقال: طارق بين الثوبين: إذا لبس أحدهما على الآخر. وهذا كقوله تعالى:(الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا)1: أي كلّ سماء فوق الأُخرى.
الثاني: أنّ المراد بها السماوات السبع بقرينة قوله: (فَوْقَكُمْ)، ولكن سمّاها طرائق لأنّها ممرّ الأمر النازل من عنده تعالى إلى الأرض، قال سبحانه: (يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)2، وقال: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ)3 مضافاً إلى السُّبل التي تسلكها الأعمال في صعودها إلى الله والملائكة في هبوطهم وعروجهم، كما قال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)4.5

1 . الملك:3.
2 . الطلاق:12.
3 . السجدة: 5.
4 . فاطر:10.
5 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:15/27.

صفحه 52
وعلى هذا فإطلاق الطرائق على السماوات السبع إمّا لكون بعضها فوق بعض، أو لأنّها ممرّ نزول التدبير والملائكة والأعمال.
ثانياً: قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)فما هو المراد من الخلق؟ هاهنا احتمالان:
1. مطلق المخلوقات، فيكون المعنى أنّه سبحانه هو الخالق والمدبّر لها وفق السنن والقوانين التي تجري تحت هيمنته ورعايته، دون أن يفوّض أمر تدبيرها إلى غيره فيكون غافلاً عنها، بل كلّها خاضعة لإرادته، لا يخرج شيء منها عن أمره وتدبيره.
2. خصوص الإنسان، وهو أنّ خلق الطرائق السبع لغاية انتفاع الإنسان في أسفاره في البرّ والبحر، فخلق هذه الطرائق آية الاهتمام بالإنسان وتلبية حاجته في الحياة، وكون نظام الخلقة صالحاً لانتفاعه، قال سبحانه:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).1
18 و 19.(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ):
كان الموضوع في الآية السابقة هو السماء فانتقل منها إلى الماء الذي ينزل من السماء، فجاءت الآية الأُولى تشير إلى أُمور ثلاثة:
1. (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر): أي بمقدار معلوم، بحيث تصلح به

1 . الأنعام:97.

صفحه 53
الحياة على هذا الكوكب، ويفي بمتطلّباتها، كما يقول في موضع آخر: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم).1
2. (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ) بنفوذه إلى أعماقها واستقراره فيها. وكما يُعدّ إنزال الماء من السماء نعمة، فإنّ تخزينه في الأرض نعمة أُخرى، حيث ينفذ قسم منه إلى أعماق بعيدة من الأرض عبر الصخور المُنفذة، فيُخزن فيها، ثم يخرجه سبحانه بمشيئته على هيئة عيون وينابيع، أو يخرجه الإنسان عن طريق حفر الآبار.
قال الدكتور زغلول النجّار: ومن الثابت علميّاً اليوم أنّ الماء الذي خزن في صخور الأرض بتقدير من الله سبحانه وتعالى، أصله كلّه من ماء المطر الذي أنزله ربنا تبارك وتعالى على فترات متطاولة من الزمن، وأنّ هذا الماء يتحرّك رأسياً في مناطق التشبّع السطحية، ثمّ يتحرّك أفقياً أو مائلاً حتى يخزن في أحد مكامن الماء التي أعدّتها الإرادة الإلهية بحكمة بالغة، لمدّة قد تطول إلى عدّة آلاف من السنين، وقد تتجدّد بماء المطر السنوي أو لا تتجدّد.2
3. (وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ) هذه جملة معترضة بين ما تقدّم وما يأتي من ذكر بعض النِّعم، فهي تُلفت نظر الناس إلى عظم نعمة الماء وأنّه سبحانه قادر على إذهابه بالتبخير أو التغوير في شقوق الأرض، وغيرهما، فعلى الناس أن يشكروا الله على هذه النعمة، وقد أشير إلى مضمون هذه الفقرة في آية أُخرى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء

1 . الحجر:21.
2 . من آيات الإعجاز العلمي، الأرض في القرآن الكريم:480.

صفحه 54
مَعِين)1، يقول صاحب الكشّاف: هذه الآية (وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ)أبلغ في الإيعاد من قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا)... فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء، ويقيّدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفادها إذا لم تُشكر.2
وأمّا ما هو وجه كون الآية الأُولى أبلغ في الإيعاد من الثانية، فقد ذكروا لذلك وجوهاً عديدة.
جاء في «روح المعاني»: ذكر صاحب التقريب ثمانية عشر وجهاً للأبلغية، ثم قال: وقد يزاد على ذلك إلى أن يناهز إلى ثلاثين وجهاً.3
وهؤلاء في ذكر هذه الوجوه في بيان التفاوت رفعوا مكانة آية وخفضوا مكانة آية أُخرى، ولو أنّهم وقفوا على موقف الآيتين لخرجوا بنتيجة واحدة، وعليك بالتعرّف على موقفهما وغايتيهما حتى يتبيّن لك أنّ كلاًّ من الآيتين واقعة موقعها دون نقص أو انتقاص.
ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى بعض ما ينتفع به الإنسان من الماء، التي منها إنشاء الجنّات، والجنّات جمع الجنّة بمعنى المكان ذو الشجر، قال سبحانه: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ): أي الماء (جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب)فأشار سبحانه في هذه الآية إلى صنفين من أنفع الأشجار ثمراً وهي النخيل والأعناب.

1 . الملك:30.
2 . تفسير الكشّاف:3/45.
3 . روح المعاني:18/20.

صفحه 55
فإنّ التمر والعنب يتغذّى بهما الإنسان الجائع فيعدّان طعاماً، كما يتلذّذ بطعمهما من غير قصد القوت، فيوصفان بالفواكه، وهذه من خصائص تلك الثمرتين ولذلك خصّهما سبحانه بالذكر، وأمّا ما في التمر والعنب من الفوائد والفيتامينات فقد تكفّل ببيانها علماء التغذية والزراعة، فلنذكر شيئاً موجزاً عن ذلك:
جاء في الموسوعة العربية العالمية: يوجد أكثر من 2700 نوع من النخيل، وتختلف هذه الأنواع كثيراً في حجم الأشجار وشكل الأزهار والأوراق والثمار التي تنتجها وينمو معظمه عالياً بشكل مستقيم لكن في بعض الأنواع قد يمتد الساق على الأرض... إلى أن قال: يمدّنا النخيل بالظل ومواد البناء (خشب الصناعة الخام والخوص) والوقود، كذلك تعتمد عليه صناعة الحبال والمكانس، كما يمدّنا بمواد التغليف التي تمنع تسرّب المياه بين ألواح السفن. كما تصنع الحصر والقبّعات والسلال من شرائح سعف النخيل المجدولة، وتمدّنا أشجار النخيل أيضاً بالزيت اللازم للطعام والإنارة... ثم قال: وثمار البلح أكثر المنتجات شهرة.1
وحول العنب قالوا: العنب ثمرة عصيرية ناعمة القشرة تنمو على شجرة خشبية، وتنمو ثمار العنب في عناقيد تحتوي على عدد من الثمار العنبية يتراوح عددها بين 6 و 300 ثمرة، وقد تكون الثمار سوداء أو زرقاء أو ذهبية تميل إلى الخضرة أو بنفسجية أو حمراء أو بيضاء اعتماداً على صنفها. ويتميّز عنب المائدة بأنّ ثماره كبيرة حلوة المذاق وتتمتع بلون فاقع.

1 . الموسوعة العربية العالمية:25/284ـ 285.

صفحه 56
القيمة الغذائية للعنب: تعدُّ أنواع الزبيب المختلفة مصدراً جيّداً لفيتامين (أ) وفيتامين(ب) بقسميه، كما يُعدُّ أيضاً مصدراً للمعادن كالكالسيوم والحديد والبوتاسيوم، وتحتوي أيضاً على السكر الذي يعطي الطاقة العاجلة.1
ثمّ أشار سبحانه إلى سائر الأثمار التي يتفكّه بها الإنسان فقال: (لَكُمْ فِيهَا): أي في الجنّات (فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ)للتفكّه (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ): أي للطعام.
20. (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغ لِلاْكِلِينَ):
قوله:(وَشَجَرَةً) عطف على جنّات أي: أنشأنا لكم به (شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)وربّما يعبّر عنه بطور سينين كما في سورة التين، وفيه احتمالان:
1. أن يكون المركّب من المضاف والمضاف إليه اسم للجبل كامرئ القيس وبعلبك.
2. أن يكون الطور اسم للجبل وسيناء اسماً للصحراء.
قيل: هو جبل بفلسطين. وقيل: بين مصر وأيلة، ومنه نودي موسى(عليه السلام). وأمّا ما هي الشجرة التي (تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)؟ فلم يسمّها، وإنّما ذكر وصفين لثمرتها:
1. (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ): أي أنّ ثمرتها ملابسة للدّهن، فيستصبح

1 . الموسوعة العربية العالمية:11/499 و ج16/676.

صفحه 57
به الإنسان، وربما يتداوى به.
2. (وَصِبْغ لِلاْكِلِينَ) : أي إدام للآكلين.فتعيّن أن يكون المراد هو الزيتون.
فصارت ثمرة هذه الشجرة كالعنب والتمر، فكما هما للتفكّه والطعام، وهكذا هذه الثمرة للإدهان والائتدام، فكثيراً من الناس يأكل الخبز بزيت الزيتون فيتّخذه إداماً.
بقي هنا كلام، وهو أنّه سبحانه لماذا لم يذكر اسم الشجرة وإنّما عبّر عنها بقوله: (شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)؟ ولعلّه إشارة إلى منبت هذه الشجرة، وأنّها نبتت أوّل ما نبتت في طور سيناء، فإنّ كثيراً من الأُمور تنسب إلى البلد الذي وجدت فيه أو صنعت أوّل مرّة، فيقال ـ مثلاً ـ المهنّد، للسيف الذي يجلب من الهند. يُذكر إنّه سبحانه ضرب بزيت الزيتون مثلاً لنوره في سورة النور1، كما أقسم بثمرها في سورة التين.2
وجاء في الموسوعة العربية العالمية حول الزيتون قولهم:
الزيتون: شجرة تنمو في الأقاليم شبه المدارية، ويزرع أساساً
لزيته الذي يستخدم في الطهي. وتؤكل أيضاً ثمرته بعد تصنيعها. وقد
زرع الناس الزيتون منذ عصور ما قبل التاريخ. ويُعتقد أنّ شجرة الزيتون نمت أوّلاً في شرق حوض البحر المتوسط. ومنذ قرون مضت، بدأت شجرة الزيتون في النمو بشكل برّيّ حول البحر المتوسط. وقد

1 . لاحظ: سورة النور: 35.
2 . لاحظ: سورة التين:2.

صفحه 58
نقل الأسبان الزيتون إلى أمريكا الجنوبية.
وبالرغم من أنّ شجرة الزيتون توجد اليوم في أجزاء كثيرة من العالم، فإنّ الدول الرائدة في زراعة الزيتون توجد في إقليم البحر المتوسط ]يعني: المغرب، تونس، أسبانيا، إيطاليا، اليونان، الجزائر، مصر، سوريا[.
ثم جاء في نفس المصدر قولهم: تعيش شجرة الزيتون عمراً أطول من معظم الأشجار المثمرة الأُخرى، فبعض أشجار الزيتون زرعها الامبراطور الروماني هادرريان في عام 140م وما زالت حيّة.
كما أنّ هناك أشجار زيتون في فلسطين قد يكون عمرها أكثر من 2000عام.1
21 و 22.(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ):
سورة المؤمنون: الآيات 23 ـ 30   
هاتان الآيتان كالآية السابقة عطف على قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)والنعمة التي أشارت إليها من نتائج الماء وثمراته ولولاه لما وجدت دابّة على وجه الأرض، وقد ذكر سبحانه في هذه الآية للأنعام فوائد مهمّة، والتدبّر فيها يبعث الإنسان إلى الإذعان بقدرته سبحانه وسعة علمه، ولذلك يقول: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً): أي لدليل على قدرته وعلمه، وأمّا ما هي فوائدها فيذكر منها ما يلي:

1 . الموسوعة العربية العالمية:11/691ـ 692.

صفحه 59
1. (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) إشارة إلى الألبان التي ينتفع بها الإنسان.
2. (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ) كشَعرها وصوفها ووبَرها.
3. (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) لحومها.
4. (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) في تنقّلكم وأسفاركم، وقد اشتهر أنّ الإبل سفائن البرّ، كما أنّ الفُلك سفائن البحر.
قوله: (وَعَلَيْهَا) يرجع إلى الأنعام ولكن المراد به الإبل على وجه الاستخدام وذلك لوجود القرينة، لأنّ الذي يُتّخذ للحمل هو الإبل خصوصاً في الصحراء الرملية القاحلة، وأمّا المرجع فالمراد مطلقها باعتبار أنّ إرادة العموم مقتضى الامتنان.

الآيات: الثالثة والعشرون إلى الثلاثين

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين * قَالَ رَبِّ انْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ

صفحه 60
مُغْرَقُونَ * فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ).

المفردات

الملأ: أشراف القوم ووجوههم.
أن يتفضّل عليكم: أي يترأس عليكم حتى تكونوا تبعاً له.
جِنّة: حالة جنون.
فتربّصوا: فانتظروا.
بأعيننا: بحراستنا.
وحْيِنا: أي بأمرنا وإعلامنا إياك كيفية صنعها.
فار: نبع.
التنّور: نوع من المواقد يُخبز فيه.
استويتَ: الاستواء هنا، بمعنى الاستقرار والتمكّن.

التفسير

بدأ سبحانه ـ بعد ما ذكر دلائل باهرة على قدرته الواسعة وتوحيده في التدبير ـ ببيان مواقف بعض حياة الأُمم، من الأنبياء الذين حملوا إليهم

صفحه 61
الدعوة إلى عبادة الله وحده والإيمان باليوم الآخر، وبهذا يظهر وجه الصلة بين هذه الآيات وما سبقها، حيث إنّ الآيات السابقة كانت تركّز على التوحيد وأنّه لا إله إلاّ هو سبحانه، فناسب أن يذكر كفاح الأنبياء ضدّ المنحرفين عن خطّ التوحيد.
وإن شئت قلت: لمّا كانت الآية المتقدّمة موجَّهة إلى المشركين الذين أنكروا نبوّة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ناسب أن يذكر المتقدّمين عليهم من المشركين ليبيّن أنّ مواقفهم من أنبيائهم تماثل موقفهم، ويلفت النظر إلى أنّ منطق الجميع واحد، فليحذر هؤلاء، إذا لم يرعووا، أن يصيبهم مثل ما أصاب أُولئك من عذاب الاستئصال، ومن هنا بدأ بذكر قصة النبي نوح(عليه السلام)، وقال:
23. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ):
ذكر سبحانه اسم النبي نوح(عليه السلام) في ثمانية وعشرين سورة ضمن ثلاث وأربعين آية شريفة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّه كان من الأنبياء الكبار الذين لهم دور مهمّ في الدعوة إلى الإيمان بالله وتوحيده ومكافحة الوثنية، كما أنّه يعتبر الأب الثاني للمجتمع البشري، فقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) وأمّا رسالته فيذكرها بقوله: (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ) ثمّ حذّرهم بقوله: (أَفَلاَ تَتَّقُونَ): أي أفلا تخافون عذاب الله في ترك عبادته، والتوجّه إلى عبادة مخلوقاته؟

صفحه 62

التُّهم والشبهات المثارة حول دعوته(عليه السلام)

لجأ قوم نوح(عليه السلام) إلى اختلاق الذرائع لتبرير كفرهم وتمرّدهم على الحق، وإلى رمي نبيّهم بالتّهم الباطلة، وهي كما يلي:
24. (فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ):

الذريعة الأُولى: كونه بشراً

يظهر من هذه الفقرة أنّ هذه الذريعة اختلقها الملأ وهم وجوه قومه، قال سبحانه: (فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فلا يميّزه عنكم شيء يجعله مؤهَّلاً للاتّصال بالله، وكأنّ حمل الرسالة الإلهية ـ عندهم ـ لا ينسجم مع بشرية الرسول بل يجب أن يكون ملَكاً فوق البشر!! وبما أنّ هذا المدّعي بشر مثلنا فلا مزية له علينا، حتّى يكون رسولاً مطاعاً من الله.
ولا شكّ في سقوط هذه الذريعة، حيث إنّهم يجعلون من نفوسهم المريضة مقاييس ثم يعجبون من جريان الأُمور على خلاف مقاييسهم ونظرياتهم، وأنت ترى أنّ التذرّع بكونه بشراً من هذه المقولة. نعم إنّ النبيَّ نوحاً(عليه السلام) كان بشراً، ولكن أين هو من هؤلاء الكفّار المعاندين؟ لقد عرف(عليه السلام)ربّه سبحانه بفطرته وعقله، وزكّى نفسه، فصار قابلاً لأن يقع طرفاً لخطاب الله تعالى ووحيه.

صفحه 63

الذريعة الثانية: (يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)

وهذه ذريعة ثانية وفي الوقت نفسه اتّهام، فهم يتّهمونه بأنّه يضمر حبّ الرئاسة والاستئثار بغنائم الحياة، وإنّه ـ في زعمهم ـ يتّخذ من دعوته غطاء لتحقيق مآربه ومصالحه الشخصية كما يقول: (يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ).
ثم عادوا إلى تحكيم الذريعة الأُولى وهي أنّ البشرية لا تنسجم مع النبوّة فقالوا: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً): أي لو شاء الله ألا يُعْبد إلاّ هو لأنزل ملائكة تدعونا إليه، ثم أضافوا أمراً آخر وقالو: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا): أي ما يدعو إليه نوح من عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأوثان (فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) والأُمم الماضية.
25. (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين):

الذريعة الثالثة: الاتّهام بالجنون

لمّا كان الملأ خائفين من تأثّر الشباب وعامّة الناس بتبليغ النبيّ نوح(عليه السلام)ودعوته، حاولوا أن يلصقوا به تهمة الجنون حتى يتبعدوا عنه، ولا يعبأوا بكلامه فقالوا: (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ): أي به شيء من الجنون، جنوناً خفيفاً لا تظهر آثاره إلاّ بالدّقة، ولذلك لا يجوز لنا قتله وإنّما الحيلة هي الانتظار حتى يموت كما يقول: (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين).
ثمّ إنّه سبحانه نقل عن النبيّ نوح(عليه السلام) جداله مع قومه وردوده عليهم في غير واحدة من السور1 التي تتضمّن ردوده على تلك التُهم، ولكن

1 . لاحظ : الأعراف:61 و 62; هود:29، الشعراء:114، وغيرها.

صفحه 64
البيان القرآني هنا ترك ذلك واقتصر على ذكر دعائه عليهم.
26. (قَالَ رَبِّ انْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ):
لمّا يئس نوح(عليه السلام) من إيمان قومه ورأى أنّ دعوتهم بفنون مختلفة لا تزيدهم إلاّ كفراً وعناداً، كما حكى ذلك سبحانه عنه بقوله: (وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)1 دعا ربّه أن ينتقم له من هؤلاء المكذّبين وقال: (رَبِّ انْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ) وكأنّه دعاء استئصال، والباء في قوله: (بِمَا كَذَّبُونِ) يحتمل أن يكون للسببية أو للمقابلة، ويدلّ على ذلك ـ أي أنّه دعاء استئصال ـ ما جاء في سورة نوح من بيان محتوى الدعاء، قال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا).2
27. (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ):

1 . نوح:7.
2 . نوح:26ـ 27.

صفحه 65

صنع الفلك وسخرية قومه

هذه الآية وحدَها جامعة للحوادث الكثيرة التي بدأت من صنع السفينة إلى غرق الكافرين، وقد جاء شرح هذه الوقائع في سورة هود من الآية 36 إلى 44.
لمّا تعلقّت إرادته سبحانه باستئصال الكافرين، أمر نبيّه نوحاً بصنع الفلك، حتى يُهلك الكافرين غرقاً وينجي المؤمنين بالركوب فيها. ومن المعلوم أنّ نوحاً(عليه السلام) كان يعيش في أرض بعيدة عن البحر ولم يكن آنذاك في بلاده أيُّ فلك حتى يتعلّم كيفية صنعها، فلابدّ إذاً من تعليمه بوحي من الله كما يقول:(فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) فما هو الموحى؟ هو ما يلي: (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ)والظاهر أنّ (أَن)تفسيرية وليست مصدرية، مستعينـاً (بِأَعْيُنِنَا): أي حراستنا (وَوَحْيِنَا): أي تعليمنا.
قال الشريف الرضي حول هذه الفقرة:(أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا): وهذه استعارة، والقول فيها كالقول في (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْني)1 على حدّ سواء، فكأنّه سبحانه قال: «اصنع الفلك» بحيث نرعاك ونحفظك ونمنع عنك من يريدك، أو يكون المعنى: واصنع الفلك بأعين أوليائنا من الملائكة والمؤمنين، فإنّا نمنعك بهم، ونشدُّك بمعاضدتهم، فلا يصل إليك من أرادك، ولا تبلغك مرامي من كادك.2
قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا): أي حان القضاء الإلهيّ بإبادة الكافرين

1 . طه:39.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:153.

صفحه 66
وإهلاكهم (وَ)قُرن بأمر غريب وهو أنّه إذا (فَارَ التَّنُّورُ): أي فار التنّور الذي هو محلّ النار ـ الذي يُخبز فيه ـ بالماء، فاعلم أنّ هذا أمارة على نزول العذاب عليهم، وعندئذ يلزمك أمران:
1. (فَاسْلُكْ): أي أدخل (فِيهَا): أي في الفلك (مِنْ كُلّ): أي من كلّ نوع من الحيوان (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ): أي ذكر وأُنثى.
2. (وَأَهْلَكَ): أي أدخل أهلك فيها، وأُريد بالأهل أهل بيته وولده خاصّة، واستثنى منهم (إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ): أي من أهلك، والظاهر أنّ الاستثناء متّصل بشهادة قوله: (مِنْهُم)، وعلى هذا يبقى الكلام في عدم استثناء من آمن من قومه فقد استثناه ولم يُذكر في المقام، للاكتفاء بالتصريح به في سورة هود، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ).1
ثمّ إنّه يقع الكلام في معنى الاستثناء أي (إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) فقد فسّروه بكنعان ابنه وأُمّه.
ولا يخلو من تأمّل إذ لو كان المراد هو كنعان وأُمّه، لما دعا ابنه لركوب السفينة معه، كما قال سبحانه:(وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ)(2)، ومن هنا قال السيد الطباطبائي: كان نوح يرى أنّ المستثنى هو زوجته فحسب حتى بيّن الله تعالى أن ابنه ليس من أهله وأنّه عمل غير صالح، فعند ذلك علم أنّه من الذين ظلموا.2

1 . هود: 40.   2 . هود: 42.
2 . الميزان في تفسير القرآن:10/227.

صفحه 67
هذا، وقد قيل أنّ التنّور كان في مسجد الكوفة أي في موضعه عن يمين الداخل من باب كندة، ومع ذلك فهناك احتمالان آخران:
1. أن يكون المراد بقوله: (فَارَ التَّنُّورُ) كناية، كما في قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «الآن حميَ الوطيس»: أي اشتدّت المعركة.
2. أنّ المراد بالتنّور ـ كما روي عن ابن عباس ـ وجه الأرض،1فيكون المعنى: ونبع الماء من وجه الأرض.2
ومهما يكن، فإنّ استئصال القوم بالغرق ومشاهدة نوح أجساد قومه فوق الماء ربما يسبب انكسار قلبه وهيجان عواطفه فيدعو إلى نجاتهم ويبعثه إلى الشفاعة بحقهم ولذلك ينهاه سبحانه بقوله: (وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا): أي لا تكلمني فيهم بشفاعة وإنجاء لهم من الغرق، لماذا؟ (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ): أي مقضيّ عليهم بالإغراق قضاء باتّاً لا بداء فيه.
ويمكن أن يكون سبحانه قد عنى بذلك ابنه، الذي لا يظهر من الآيات أنّ نوحاً(عليه السلام) كان يعلم كفره وأنّ كلمة العذاب قد حقّت عليه بعصيانه وأنّه غير مشمول بما وعده ربّه بقوله له: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ)3، ولذلك نادى(عليه السلام) ربّه في ولده مستنجزاً وعده، وقال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ).4

1 . التبيان في تفسير القرآن: 5/486.
2 . ومن أعجب ما قرأت قول الشيخ محمد أبو زهرة إنّ في قوله: (وَفَارَ التَّنُّورُ) ما يشير إلى أنّ الفلك كانت تسير ببخار الماء. زهرة التفاسير:10/5066.
3 . العنكبوت:33.
4 . هود:45.

صفحه 68
28. (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ):
بعد أن طلب نوح(عليه السلام) الانتصار على قومه واستجاب الله دعاءه، أمره سبحانه بحمده والثناء عليه إذا اطمأنّ في السفينة وقال: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ): أي حصل الاستقرار لك (و)لـ(مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ)فعليك بحمد الله والثناء عليه (فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أنفسهم بالشرك والتمرّد على الحقّ.
وكأنّ الآية تأمر نوحاً أن يشكر الله أمام هذه النعمة الكبرى، حيث كان مبتلىً بصدود واستهتار قوم كافرين نحواً من ألف سنة، فأنجاه الله سبحانه منهم.
ومثل هذه النعمة لا تُترك بلا حمد وشكر وثناء.
ثم أمره سبحانه بأن يتضرّع إليه بدعاء آخر، وهو طلب المنزل المبارك، وقال:
29. (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ):
سورة المؤمنون: الآيات 31 ـ 41   
فقوله: (مُنْزَلاً) يمكن أن يكون اسم مفعول من (أنزله) فيكون بمعنى أنزلني منزلاً أي مكاناً مباركاً، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الإنزال، ولعلّ الثاني أوضح، أي أنزلني إنزالاً فيه خير وبركة، وذلك لاحتمال التعرّض للبلاء بعد النزول من السفينة من أجل الغذاء والمسكن، فأمره سبحانه أن يقول: (رَبِّ أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ).

صفحه 69
ثمّ إنّ الهدف من سرد هذه القصة هي الإشارة إلى سنّة من سنن الله تعالى، كما قال:
30. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ):
أشار في هذه الآية إلى أمرين:
الأوّل:(إِنَّ فِي ذَلِكَ) : أي فيما تقدّم من سرد قصة نوح(عليه السلام) واستئصال قومه (لاَيَات)لمن يعتبر، وأنّ الله سبحانه يُمهل ولكن لا يَهمل ويترك الظالمين يوغلون في ظلمهم.
الثاني: (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ): أي كان من شأننا الابتلاء والامتحان، والابتلاء يشمل العباد كافّة، فيتعرّض له الأولياء وسائر الناس.
أمّا الأولياء من الأنبياء والأوصياء فلترتاض به نفوسهم وتظهر كمالاتهم الغيبية، وأمّا سائر الناس فلكي يتميّز الخبيث من الطيّب، ولكنّ العاقبة للمتقين. ولعلّ في هذه الآية تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ابتلي بقوم يكذّبونه ويؤذونه فإنّ في مثابرة النبيّ إظهاراً لما خفي من كمالات النبي الروحية والدواعي الإلهية.

الآيات: الحادية والثلاثون إلى الحادية والأربعين

(ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ

صفحه 70
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبّ ِانْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

المفردات

قرناً: القَرن: أهل العصر الواحد، فإذا هلك أكثرهم، قيل: انقضى قرنهم.
أترفناهم: وسّعنا عليهم وجعلناهم في تَرَف ونعيم.
لَخاسرون: الخاسر: المتضرّر.
هيهات: بَعُدَ.
ما توعدون: أي البعث والحساب.
بمؤمنين: مصدّقين.
ليصبحنّ: أي عندما يدخلون في الصباح.
الصيحة: الصوت الذي تفزع له القلوب، وأُريد هنا صوت الصاعقة.

صفحه 71

التفسير

تقدّم أنّ الآيات الواردة قبل قصة نوح(عليه السلام) تخاطب المشركين ببيان قدرته وتوحيده، فصار ذلك سبباً للعبرة بمصير بعض الأقوام الذين أنكروا وحدانيّته وتدبيره، فعبدوا الأوثان دون عبادة الله، فذكر مصير قوم نوح ثم عاد البيان القرآني إلى ذكر أقوام آخرين كان مصيرهم مثل مصير قوم نوح، وقال:
31. (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ):
أي أوجدنا من بعد مهلك قوم نوح(عليه السلام) قوماً آخرين، فهنا احتمالان:
الأوّل: أُريد بهم قوم عاد، لأنّه سبحانه بعث بعد نوح(عليه السلام) النبيَّ هوداً(عليه السلام)إلى عاد، فيصير ذلك قرينة على أنّ المراد من قوله: (قَرْنًا آخَرِينَ)هم قوم عاد، وأنّه سبحانه كلّما ذكر قصّة نوح، أردفها بقصّة هود.
الثاني: أنّ المراد هم قوم ثمود لأنّه سبحانه يذكر في هذه السورة الآية (41): (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)فالآية صريحة بأنّ استئصالهم وهلاكهم كان بسبب الصيحة، وهذا من خصائص ثمود (قوم صالح(عليه السلام))، وقد جاء التصريح بذلك في قوله سبحانه: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ).1
وأمّا عادٌ(قوم هود(عليه السلام)) فأُهلكوا بريح عصوف مدمّرة، يقول سبحانه:(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة)،(2) فعلى ذلك نرجّح أن

1 . هود:67 .   2. الحاقّة: 6.

صفحه 72
تكون هذه المجموعة ناظرة لثمود الذين بُعث إليهم نبيّهم صالح(عليه السلام)كما يقول:
32. (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ):
قوله تعالى:(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ): أي في القرن الذين أنشأهم من بعد قوم نوح (رَسُولاً مِنْهُمْ): أي من قبيلتهم، يعني صالحاً(عليه السلام) كما رجّحنا، وهو ثالث الأنبياء المذكورين في القرآن ممّن دعوا إلى التوحيد وكافحوا الشرك بقرينة قوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ). وكانت الوثنية راسخة في هؤلاء القوم فأراد نبيّهم(عليه السلام)تحرير أفكارهم من ربق التقليد الأعمى وتحرير إرادتهم من تسلّط الجبابرة المترفين الذين فرضوا الوثنية على قومهم كما سيأتي في الآية التالية، ولذلك قال لهم: (أَفَلاَ تَتَّقُونَ): أي تخافون عاقبة ترك عبادة الله؟ فخطابه وتهديده مطابقان لخطاب نوح(عليه السلام)وتهديده حيث قال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ).1
33. (وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ):
يظهر من مواضع كثيرة في القرآن المجيد ومنها هذا الموضع

1 . المؤمنون:23.

صفحه 73
(الآيات: 33 ـ 38) أنّ الملأ وأكابر القوم هم الذين كانوا يروِّجون الوثنية ويصدّون الناس عن التوحيد وعبادة الله، ويثيرون الشبهات الباطلة حول الرسالات الإلهية، ويرمون أصحابها بالتّهم الظالمة.
وهذه الآية تصف هؤلاء الكبراء بأُمور ثلاثة:
1. الكفر، ويدلّ عليه قوله: (وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله بعبادة غيره.
2. التكذيب بالبعث، ويدلّ عليه قوله: (وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ): أي بلقاء الحياة الآخرة التي فيها الحساب والثواب والعقاب.
3. التترُّف والتنعّم، ويدلّ عليه قوله:(وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)حيث تحوّل ما أُفيض عليهم من النِّعم إلى حالة من الترف، فصاروا متوغّلين في ملاذّ الدنيا، مستغرقين في أجوائها المادّيّة.
وفي الآية دليل على أنّ الترف يجرّ إلى نسيان الله تبارك وتعالى وإنكار المعاد، وإلى مواجهة الدعوات الإصلاحية ومناهضة أصحابها، دفاعاً عن الأوضاع الاجتماعية الفاسدة التي أتقنوا استغلالها في كسب الامتيازات الطبقية، والعيش في ظلال الترف.
ولكي تقف على ما يستلزمه الترف من الإقدام على المعاصي والآثام، والبغي على الحقّ وأهله، هاك جانباً من رسالة الإمام عليّ(عليه السلام) إلى معاوية زعيم الفئة الباغية:
«وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا. دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا،

صفحه 74
وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا. وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لاَ يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌّ، فَاقْعَسْ عَنْ هذَا الاَْمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلاَ تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ».1
ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى منطقهم في تحريض الناس على عدم الإيمان برسالة نبيّهم صالح(عليه السلام)وهو عبارة عن المقولات التالية:
المقولة الأُولى، قوله تعالى:(مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)هذه هي المقولة الواهية التي كانت سائدةً بين الأقوام الغابرة واللاحقة، وكأنّهم يرون الرسالة فوق أن يتحمّلها إنسان يأكل ويشرب، غافلين عن أنّ البشر المبعوث إليهم ذو عقل واسع وإيمان راسخ يجعله صالحاً لأن يقع مورداً للخطاب.
المقولة الثانية، قوله تعالى:
34. (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ):
وهذه نفس مقولة قوم نوح لكن باختلاف في التعبير حيث قالوا: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ).2
وأمّا هؤلاء فقالوا: (إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ): أي تصيرون تابعين بعد أن كنتم متبوعين.

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 10.
2 . المؤمنون:24.

صفحه 75
المقولة الثالثة، قوله تعالى:
35. (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ):
الآية تحكي أنّ أساس الدين أو مِنْ أُسسه الاعتقاد بالحياة الأُخروية، وكانت الدعوة إليها منطق عامّة الأنبياء ومنهم صالح(عليه السلام)، فكان يدعو الناس إلى الحياة الأُخروية والبعث بعد الموت، ولذلك كان الملأ يتعجّبون من وعده ويقولون: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ) ودفنتم (وَكُنْتُمْ): أي وصرتم (تُرَابًا وَعِظَامًا)قدّم التراب على العظام لأجل أنّ اللحم يتبدّل إلى التراب مع وجود العظام، ولذلك قال:(تُرَابًا وَعِظَامًا)يعِدُكم (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ): أي مبعوثون.
وبما أنّ الآية لم تتضمّن إنكار الملأ صريحاً، جاءت الآية التالية صريحة في الإنكار.
36. (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ):
قوله: (هَيْهَاتَ) اسم فعل نائب عن فعل «بَعُد»، قال ابن مالك:
ما نابَ عن فعل كشَتّانَ و صَهْ *** هُوَ اسْمُ فعل و كذا أوِّهْ و مَهْ
أي بَعُد (لِمَا تُوعَدُونَ) أيّها الناس، لماذا؟الجواب في الآية التالية:
المقولة الرابعة، قوله تعالى:

صفحه 76
37. (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ):
أي إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وليس لنا حياة بعدها، فصار بياناً للاستبعاد الذي جاء في قوله: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) والضمير المؤنث يرجع إلى الحياة، المعلوم من سياق الكلام (نَمُوتُ): أي قوم منّا(وَنَحْيَا): أي يأتي قوم آخرون (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) للحياة الثانية وراء الدنيا.
وعلى هذا التفسير فمتعلّق الحياة والموت، طائفتان.
ويحتمل أن يقال: إنّ المتعلّق واحد، والمراد حياتهم وموتهم، وإنّما قدّم الموت على الحياة وقال: (نَمُوتُ وَنَحيا) ولم يقل: «نحيا ونموت»، لصيانة التطابق بين الفقرتين أعني: (إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)و الّتي(نَمُوتُ وَنَحيا).
المقولة الخامسة، قوله تعالى:
38. (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ):
هذه هي المقولة الخامسة من مقولاتهم الفاجرة، حيث اتّهموا النبيّ صالحاً بالكذب على الله، وقالوا: (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا) بادّعائه الوحي والاتّصال بالغيب، وكأنّهم جعلوا هذا الاتّهام مبرّراً لقولهم: (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) إذ لا ينبغي لنا أن نصدّق الكاذب في ما يقوله، ويدعو إليه.
إلى هنا تمّ ذكر مواصفات المكذِّبين وما تذرّعوا به في رفض دعوة الأنبياء، ويظهر من سائر الآيات أنّهم عبّروا عن تشاؤمهم منه أيضاً و(قَالُوا

صفحه 77
اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)1، وقد اختصر البيان القرآني في سرد قصة قوم صالح مع نبيّهم وأشار إلى موجز من الحوار الذي دار بينه وبينهم عبر سنين حتى أنّه لم يذكر طلب معجزتهم الكبرى، أعني: الناقة، كما لم يذكر إجابة صالح(عليه السلام)لطلبهم، بل اكتفى بقوله:
39. (قَالَ رَبّ ِانْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ):
وقد نطق بهذا القول النبيّ نوح(عليه السلام) من قبل، كما جاء في قصته في الآيات المتقدّمة.(2)
ولو ضُمَّ سائر الآيات الواردة حول قوم صالح لأذعن القارئ بأنّ نبيّهم قد أتمّ عليهم الحجّة ولكنّهم بلغوا في العناد والقسوة مرتبة عالية حتى عقروا ناقة الله التي كانت هي الآية الكبرى من الله لنبيّه(عليه السلام)، فعندئذ استحقّوا العذاب الإلهي باستئصالهم، استجابه لدعاء صالح(عليه السلام)كما يقول:
40. (قَالَ عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ):
قوله:(عَمَّا قَلِيل): أي بعد زمان قليل (لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ): أي عندما يشاهدون طلائع العذاب ومقدّماته.
41. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ):
قوله: (بِالْحَقِّ) الباء للمصاحبة أي (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) أخذاً ملابساً

1 . النمل: 47.   2 . لاحظ : المؤمنون: 26.

صفحه 78
للحقّ ومصاحباً معه، ويظهر من آية أُخرى أنّهم أُهلكوا عند الصباح كما قال: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ).1
وهذا دليل على أنّ قوله في الآية السابقة: (لَيُصْبِحُنَّ) بمعناه اللغوي أي يدخلون فى الصباح نادمين، لا بمعنى الصيرورة.
وفي قوله تعالى:(فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) إشارة إلى شدّة العذاب الذي حلّ بهم وإلى المصير المهين الذي انتهوا إليه، حيث لم يُترك منهم إلاّ حطام يشبه البالي من ورق الشجر الذي يحمله السيل في جريانه السريع (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ): أي بُعداً لهم من الرحمة، وهي كاللّعنة التي هي إبعاد من رحمة الله.
سورة المؤمنون: الآيات 42 ـ 44   

الآيات: الثانية والأربعون إلى الرابعة والأربعين

(ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرا كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ).

المفردات

تترا: مصدر كبَلوى وسَلوى ودعوى، أصله «وترى» قلبت الواو تاءً نظير قولهم: التراث، وكان اللازم أن تكتب «تترى» على الألف المقصورة،

1 . الحجر:83.

صفحه 79
ولكن المصاحف اتّفقت على كتابتها بالممدودة. ثم إنّ هذه الكلمة تستعمل إذا تعاقب شيء مع شيء مع وجود فاصل زماني بينهما، وإذا لم يكن فاصل زماني يستخدم «تدارك».
أحاديث: جمع أُحدوثة، وهي ما يُتحدَّث به تعجّباً على وزن أباطيل وأقاطيع، لكن يظهر من الزمخشري أنّه مشترك بين أمرين، قال: إنّ أحاديث اسم جمع للحديث ومنه أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتكون جمعاً للأُحدوثة التي هي مثل الأُضحوكة والأُلعوبة والأُعجوبة، وهي ممّا يَتحدَّث به الناس تلهِّياً وتعجُّباً.1

التفسير

قصص لوط وشعيب وغيرهما

إنّه سبحانه يحكي بهذه الآيات عن سنَّتين:
الأُولى: أنّه سبحانه خلق الإنسان وما تركه سُدى، ففي كلّ عصر بعَث رسولاً لهداية الناس ودعوتهم إلى الطريق المستقيم، وهذه سنّة ثابتة من الله سبحانه.
الثانية: سنّة التكذيب من المبعوث إليهم، فما زال الأنبياء مبعوثين إلى هذه القرون، وهم أيضاً ثابتون على سنّة تكذيبهم وردّهم، قال:
42. (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ):

1 . تفسير الكشّاف:3/48.

صفحه 80
قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ): أي أوجدنا من بعد هلاك قوم نوح وصالح(عليهما السلام)(قُرُونًا آخَرِينَ) أُمماً آخرين. وأمّا من هي هذه الأُمم؟ فيظهر من القرآن الكريم أنّهم قوم لوط وشعيب وغيرهم من الأقوام التي لم تذكر قصصهم في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ).1
43.(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ):
قوله:(مِنْ أُمَّة) زائدة للتأكيد، والمجرور محلّه الرفع لكونه فاعلاً للفعل: أي ما تتقدّم أُمّة من تلك الأُمم المهلكة(أَجَلَهَا):أي الوقت الذي قدّر لهلاكهم(وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) عنه، فإنّ لكلّ شيء ميقات. وفي هذا وعيد للمشركين.
44. (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرا كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ):
الآية تقرّر ما ذكرنا من وجود سنّتين: سنّة من الله سبحانه، أعني: بعث الأنبياء لهداية الناس، وكما تأتي الأُمم متتابعة، بعضها إثر بعض، كذلك يأتي الرسل متتابعين، كما يقول:(ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرا): أي واحداً بعد الآخر.
سورة المؤمنون: الآيات 45 ـ 49   
وسنّة من المبعوث إليهم وهي سنّة التكذيب، كما قال: (كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ): أي قاموا بتكذيب من بُعث إليهم من عند ربّهم، فعندئذ عمّهم العذاب كما قال: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا): أي أهلكنا بعضهم إثر بعض

1 . النساء:164، ولاحظ : غافر: 78.

صفحه 81
حين كذّبوا الرسل (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) وهو تعبير رائع عن هؤلاء المكذّبين، أي لم يُر لهم أثرٌ في المجتمع إلاّ التحدّث على ألسن الناس، وكأنّه لم يكن لهم وجود ودور!! ونظير هذا قوله سبحانه: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق)1.
ثم قال تعالى: (فَبُعْدًا لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ) بالرُّسل وبما جاءوا به من الحقّ ظلماً وعدواناً، وهذا نظير قوله المتقدّم: (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

الآيات: الخامسة والأربعون إلى التاسعة والأربعين

(ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ).

المفردات

بآياتنا: الآيات هي المعاجز التسع التي أُعطيها موسى(عليه السلام).
سلطان: السلطان: الحجّة والدليل.
عالين: مستكبرين.
عابدون: خادمون منقادون.
الكتاب: أُريد به هنا التوراة.

1 . سبأ:19.

صفحه 82

التفسير

قصة موسى وهارون(عليهما السلام)

استعرض سبحانه هنا بإيجاز قصة موسى وهارون وإرسالهما إلى فرعون، والوجه المشترك بينهما ومن تقدّم من الأنبياء هو وجود سنّتين من الله سبحانه ومن المبعوث إليهم، حيث قضت مشيئته سبحانه بإنقاذ البشر من الجهل وإرشادهم إلى العلم، لكن جرت سنّة المبعوث إليهم ـ إلاّ القليل منهم ـ على تكذيب الأنبياء كما قال:
45. (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين):
قوله:(ثُمَّ) لبيان الترتيب (أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ): أي بعثناهما مزوَّدَين (بِآيَاتِنَا)بمعاجزنا (وَسُلْطَان مُبِين): أي حجّة قاطعة.
46. (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ):
بعث الله سبحانه موسى وأخاه هارون إلى فرعون وملئه أي كبراء ووجهاء بلاطه، واقتصر على ذكر فرعون والملأ مع أنّهما بُعثا للفراعنة جميعاً ; وذلك لأنّ البعث إليهما يلازم البعث إلى غيرهم أيضاً، ولكن كفروا بنعمة الله(فَاسْتَكْبَرُوا) وتجبّروا عن الإجابة لهما، لماذا؟ لأنّهم كما يقول: (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ): أي كانوا متكبّرين بالذات، مستعلين على غيرهم.
وأمّا وجه استعلائهم واستكبارهم فهذا ما تذكره الآية التالية:
47. (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ):

صفحه 83
قد أسفرت الآية عن وجه استكبارهم وهو أنّهم استفهموا في أنفسهم استفهاماً إنكارياً: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا): أي لرسوليهما. وكأنّ الرسالة من الله سبحانه لا تنسجم مع بشرية الرسل، والعجب أنّ هذا هو نفس منطق قوم نوح وقوم صالح. 1
كلّ ذلك يدلّ على طغيانهم وغطرستهم، فإنّ المُرشِد (بالكسر) يجب أن يكون مجانساً للمُرشَد(بالفتح) وإلاّ لم يتمكّن من إرشاده.
هذا هو الوجه الأوّل، وأمّا الوجه الثاني لتكذيبهم فهو ما يبيّنه قوله تعالى: (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)أي أقوام هؤلاء عبيدنا وخدمنا خاضعون لنا ومؤتمرون بأمرنا، فلو صدّقنا رسالة هؤلاء لانقلب الأمر، أي لصار هؤلاء أسياداً ونحن منقادون.
ولعلّ الوجه الثاني هو الأساس لتكذيبهما.
48. (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ):
الآية ناظرة إلى سُنّة من سُنن التاريخ التي وضعها الله سبحانه، وهي أنّه إذا تمّت الحجّة على العباد ولم يستجيبوا لها واستمرّوا على خطّ العناد، عمّهم العذاب كما قال: (فَكَذَّبُوهُمَا): أي كذّبوا موسى وهارون (فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ): أي ممّن قضينا عليهم بالهلاك (غرقاً) كما أُهلكت الأُمم السابقة، ومع ذلك فالله سبحانه لم يترك موسى بعد غرق فرعون وجنوده، بل أمره بقيادة قومه بني إسرائيل وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم ولذلك كرّمه بنزول الكتاب وقال:

1 . لاحظ: المؤمنون: 24 و 133.

صفحه 84
49. (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ):
يراد بالكتاب التوراة، وقد أُنزل ليهتدي بنو إسرائيل بمعارفه وأحكامه إلى الحقّ وسبيل الرشاد، كما قال: (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)ولكنّهم لم يهتدوا ولن يهتدوا بعد أن حرّفوا التوراة واتّبعوا الشهوات، وملأوا الدنيا فساداً وضلالاً.1
وقد اختصر البيان القرآني قصة رسالة موسى وهارون وحوارهما مع فرعون، وكيفية إنجاء بني إسرائيل وسَوقهم إلى صحراء سيناء، لأنّ الغرض هنا هو تسلية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتثبيت قلبه الشريف من جهة أنّ تكذيب قريش ليس أمراً عجيباً، فقد كُذّب رسل الله من قبله.
سورة المؤمنون: الآية 50   

الآية: الخمسون

(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة ذَاتِ قَرَار وَمَعِين):

المفردات

آية: الآية: الحجّة والبرهان.
آويناهما: جعلنا مأويهما ومنزلهما.
رَبْوة: الرَّبوة: ما ارتفع من الأرض دون الجبل.
ذات قرار: أي ذات استقرار.
مَعين: ماء جار.

1 . التفسير الكاشف:5/372.

صفحه 85
 
التفسير

قصة عيسى وأُمّه(عليهما السلام)

50. (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة ذَاتِ قَرَار وَمَعِين):
أشار سبحانه في هذه الآية، التي اختتم بها الآيات التي عرضت لقصص بعض الأنبياء للغاية التي ذكرناها سابقاً، أشار بإيجاز إلى قصة عيسى وأُمّه، وقال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً): أي جعلنا المسيح ابن مريم وأُمّه آية دالّة على عظم قدرتنا حيث إنّها حملت به من دون زوج، فصارا معاً (عيسى وأُمّه)آية دالّة على عظمة الله سبحانه وطلاقة قدرته. قيل: واللفظ (آية) محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية، وأُمّه آية، ثمّ حذفت الأُولى لدلالة الثانية عليها. كما أشار سبحانه إلى ما منّ عليهما من الألطاف وقال: (وَآوَيْنَاهُمَا): أي وجعلنا منزلهما (إِلَى رَبْوَة) مكان مرتفع مستَو واسع. وقد تميّزت بوصفين:
1. (ذَاتِ قَرَار): أي ذات موضع يستقرّ فيه الإنسان ويطمئنّ.
2. (وَمَعِين): أي ماء جار.
وحصيلة الوصفين أنّه سبحانه غمرهما بنعمة كاملة، حيث أنزلهما مكاناً مطمئناً، ذا ثمار وماء، وقد عبّر سبحانه عن هذه النعمة بتعبير آخر وقال: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا

صفحه 86
جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَرّي عَيْنًا)1. وأمّا ما هذا المأوى ففيه أقوال.(2)
سورة المؤمنون: الآيات 51 ـ 56   

الآيات: الحادية والخمسون إلى السادسة والخمسين

(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ).

المفردات

الطيّبات: ما يستطاب ويستلذّ من المآكل والفواكه.
أُمّتكم: شريعتكم.
أُمّة واحدة: ديناً واحداً، أو جماعة تجمعهم عقيدة واحدة كما سيوافيك في التفسير.
فتقطّعوا أمرهم: مزّقوا أمر دينهم.
زُبُراً: الزُّبُر جمع زَبور وهو الكتاب، استعير اسم الكتاب للدين لأنّ شأن الدين أن يكون لأهله كتاب، فيكون كناية عن اتّخاذ كلّ فريق كتاباً، أي ديناً خاصّاً.

1 . مريم:24 ـ 26. والسَّريّ: جدول الماء.   2 . لاحظ : مجمع البيان: 7/205.

صفحه 87
فذَرْهم: فاتركهم.
غمرتهم: الغَمْرة: الماء الذي يغمر مَن ينزل فيه، واستعير لإحاطة الضلالة والجهالة.
حتى حين: أي إلى حين موتهم أو دخولهم في العذاب.

التفسير

51. (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ):
قوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)هذا حكاية لمّا خاطب به سبحانه جميع
الرسل واحداً بعد الآخر لا مرّة واحدة لاختلاف عصورهم، فخاطب كلاًّ بأمرين:
أ. (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ): أي ممّا لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات، واجتنبوا الخبائث. والأمر هنا للإباحة، كقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)1.
ب. (وَاعْمَلُوا صَالِحًا). والعمل الصالح هو العمل الطيّب الذي يُراد به وجه الله، ويكون خيراً محضاً للناس.
والأمر الأوّل امتنان منه سبحانه للأنبياء، وأمّا الأمر الثاني فنوع شكر لهذا الامتنان.

1 . الأعراف:32.

صفحه 88
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:( إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وهو كالتحذير من مخالفة أمره، وفي الفقرة حثٌّ على استشعار التقوى والرقابة الإلهية. ويمكن أن يكون تحريضاً على الاستزادة من الأعمال الصالحة، وأنّ الله سبحانه لا يخفى عليه شيء، فلا يضيع عمل عامل.
وأمّا وجه اتّصال الآية بما قبلها فكأنّه نقد وردّ لقول المكذّبين حيث رفضوا رسالة شعيب بقولهم: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)1، معلناً بأنّ الأكل من الطيّبات الذي هو مقدّمة للعمل الصالح، لا ينافي الرسالة، فليس الأكل والشرب مطلوباً بالذات وإنّما يُطلب لغاية أسمى، وهي العمل الصالح الذي لا يقوم به الإنسان إلاّ بعد الأكل والشرب.
ثمّ إنّ في ذكر العمل الصالح بعد إباحة الأكل من الطيّبات، إشعاراً بوجود الصلة بين أكل الطيب والعمل الصالح، ومن ثمّ يدلّ على وجود الصلة بين أكل الخبائث والعمل السيّئ.
روي عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: أيّها الناس، إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)2.3

1 . المؤمنون:33.
2 . البقرة:172.
3 . صحيح مسلم:461، كتاب باب قبول الصدقة من الكسب الطيّب، برقم 2235. ونقله الطبرسي في مجمع البيان:7/207.

صفحه 89
ولصديقنا المرحوم الشيخ مغنية هنا كلام لطيف يقول فيه: والغرض أن يبيّن سبحانه أنّ الدين الحقّ هو التقوى والعمل الصالح لا التقشّف والامتناع عن الملذّات والطيّبات، وكلّ ما تستلذّه وتميل إليه نفسك فهو طيّب وطاهر عند الله إذا لم ينهَ عنه، تماماً كما هو طيّب عندك، وفي الحديث: إنّ الله جميل يحب الجمال، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يلبس ما تيسّر من الصوف والقطن والبرود اليمانية ولم يردّ طيّباً ولا يتكلّفه، وقد أكل الحلوى والعسل وكان يحبّهما، وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج، وأكل القثّاء والبطيخ بالرُّطب، والتمر بالزُّبد وكان يحبه، وأكل الخبز باللحم، والكبد المشوية، والثريد بالسمن.. وعلى الإجمال كان هَدْيه(صلى الله عليه وآله وسلم) أكل ما تيسّر ولُبس ما تيسّر فإن أعوزه صبر. وأطيب الأشياء على الإطلاق هو الأكل من كدّ اليمين وعرق الجبين، قال الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): من أطيب ما أكل الرجل، من كسبه.1
52. (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ):
الظاهر أنّ الواو عاطفة وليست باستئنافية، والجملة معطوفة على قوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)وهذا خطاب ثان من الله للرسل واحداً بعد آخر، يخاطبهم بقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ)دينكم (أُمَّةً وَاحِدَةً) ديناً واحداً، فإذا كان دينكم يا معشر الأنبياء ديناً واحداً وملّة واحدة وهو الدعوة إلى توحيده سبحانه خالقاً ومدبّراً ومعبوداً (وَأَنَا رَبُّكُمْ): أي وإنّي أنا ربّكم صاحب هذا الدين (فَاتَّقُونِ).

1 . التفسير الكاشف:5/373ـ374.

صفحه 90
هذا على القول بأنّ الأُمّة بمعنى الدين والملّة، واستشهد عليه الطبرسي بشعر النابغة، قال:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *** وهل يأثَمنْ ذو أُمّة وهو طائعُ
أي وهل يحنث حلفه ذو دين وهو طائع.
ولكنّه يُحتمل ـ ولعلّه أنسب بالنسبة إلى سائر الآيات ـ أنّ المراد بالأُمّة الجماعة، إذ لكلّ رسول أُمّة، والشاهد على ذلك أنّه سبحانه كلّما أطلق الأُمّة أراد بها الجماعة إلاّ ما شذّ وندر كقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)1، وسيوافيك ما يدلّ على أنّ المراد من الأُمّة الجماعة ما ستقرأه في الآية التالية.
وعلى هذا فالآية تدلّ على لزوم التمسّك بحبل الوحدة باعتبار أنّ أُمّة كلّ رسول أُمّة واحدة وما يجمعهم أكثر ممّا يفرّقهم، فإنّ الربّ واحد، والنبيّ واحد، والكتاب واحد، والشريعة واحدة. هذا بالنسبة إلى سائر الأُمم، وأمّا الأُمّة الإسلامية فعندهم ما شاء الله من المشتركات التي يتّفق عليها أبناء الأُمّة، فلا وجه لأن تسلّ طائفة سيفها بوجه طائفة أُخرى، فقد جعلهم الله إخوة متلاحمين.
وللشيخ المراغي كلام في تفسير الآية يعجبني نقله:
قال: فيا أتباع الأنبياء، أين عقولكم؟ إنّ الله أرسل إليكم رسلاً فجعلتموهم محلّ الشِّقاق ومثار النزاع، لِمَ هذا؟ هل اختلاف الشرائع مع اتحاد الأُصول والعقائد ينافي المودّة والمحبّة؟ وأين أنتم يا أتباع محمد؟

1 . الزخرف:23.

صفحه 91
ما لكم كيف تفرّقتم أحزاباً؟ هل اختلاف المذاهب كشافعية ومالكية وزيدية وشيعة يفرّق العقيدة؟ وكيف يكون هذا سبب التفرقة؟ فهل تغيّر الدين؟ وهل تغيّر القرآن؟ وهل تغيّرت القبلة؟ وهل حدث إشراك؟ كلا كلا، فإذا كان العيب قد لحق الأُمم المختلفة على تنابذها، فما أجدركم أن يلحقكم الذم على تنابذكم وأنتم أهل دين واحد.
ولا علّة لهذا إلاّ الجهالة الجهلاء، فقد خيّم الجهلُ فوقَ ربوعكم، ومُدّت طُنُبه بين ظهرانَيكم، لأنّكم فرّطتم في كتاب ربّكم، ظننتم أنّ أُسس الدين هي مسائل العبادات والأحكام، وتركتم الأخلاق وراءكم ظِهريّاً، وتركتم آيات التوحيد والنظر في الأكوان، ولو أنّكم نظرتم إلى شيء من هذا لعلمتم أنّ كلّ ذلك من دينكم وأنتم عنه غافلون.1
هذه نصائح رائعة وكلمات قيّمة، ولكن أنّى لها أن تجد آذاناً صاغية وعقولاً واعية في هذه الأيام؟ حيث إنّ أعداء الإسلام رسموا خططاً جهنّمية استهدفت تشتيت المسلمين وتفريقهم بإثارة النزاعات بينهم وإشغال بعضهم ببعض، واستنزاف طاقاتهم في صراعات داخلية، لإبعادهم عن مقارعة العدو الغاشم الذي يعمل جاهداً على تهويد القدس، وطرد المسلمين من أُولى القبلتين، وتكريس وجوده في الأراضي المحتلّة، وقد رأينا كيف تدفّقت إلى سوريا أعداد كبيرة من التكفيريين و المرتزقة من مختلف الجنسيات لأجل القتال فيها وتخريب منشآتها الحيوية وقتل الأبرياء فيها من الأطفال والنساء والرجال أو تشريدهم من ديارهم ولجوئهم إلى بلدان أُخرى، لا لشيء إلاّ لكون سوريا قد رفضت تطبيع

1 . تفسير المراغي: 18/31.

صفحه 92
العلاقات مع الكيان الصهيوني ولم تخضع للهيمنة الأمريكية، وساندت المقاومة في جهادها ضد الاحتلال. وأمّا العلماء في البلاد العربية فهم بين من يتظاهر بالموافقة مع هؤلاء الخونة وبين من يسكت خوفاً من القتل أو التضييق أو العزل من منصبه ومقامه. وأمّا ملوك الدول الإسلامية ورؤساؤها فهم مشتّتون في الأهواء لا يعزفون على وتر واحد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى وكلّ متمسك بكرسيّه وكيانه ويخاف زواله إذا أظهر المخالفة، هذا إذا لم يكن بعضهم ينصرهم خفاءً. والله سبحانه هو الحاكم، وإليه المشتكى.
53. (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ):
الضمير المتّصل في قوله: (فَتَقَطَّعُوا) وفي: (أَمْرَهُمْ) لا يرجع إلى الأنبياء بشهادة عصمتهم بل يرجع إلى أتباع الأنبياء، وهو قرينة على أنّ المراد في الآية السابقة من الأُمّة هو الجماعة التابعون لكلّ نبيّ.
وحاصل الآية: مع أنّا أمرنا بتوحيد الكلمة ورصّ الصفوف ولكنّهم لم يمتثلوا ذلك (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) أي: تفرّقوا (أعني أتباع الأنبياء) وقسّموا الكتاب إلى كتب، والتزم كلّ فريق كتاباً أي ديناً خاصاً(كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ): أي كلّ فريق منهم معجَب بما عنده معتقداً أنّه الحقّ المطلق; وما عنده غيره الباطل المحض، وهذا قرينة على أنّ المراد بالأُمّة هو أتباع كلّ نبيّ، فتكون الآية ناظرة إلى تشعّب أتباع النبيّ موسى والمسيح(عليهما السلام) إلى فرق كثيرة.

صفحه 93
54. (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين):
كان الخطاب في الآيات السابقة موجّهاً إلى أنبياء الله المتقدّمين، وأمّا في هذه الآية فهو موجّه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيأمره سبحانه بأن يترك مشركي قريش فيما هم فيه من ضلال ولا يكترث لهم، كما قال: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ): أي اتركهم ودَعْهم في جهالتهم وضلالتهم التي غطّت عقولهم (حَتَّى حِين): أي إلى موتهم أو إلى يوم القيامة.
وعلى هذا فالآيات التالية ناظرة إلى المجتمع المكّي آنذاك.
55 و 56. (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ):
لمّا أمر سبحانه نبيّه في الآية السابقة بقوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين) صار المراد من هؤلاء هم المختلفون في نبوّة نبيّهم حيث يتَهمونه بالشعر أوّلاً، والكهانة ثانياً، والسحر ثالثاً، والكذب رابعاً، والجنون خامساً إلى غير ذلك من التُّهم، والذين يبثّون هذه التّهم هم الملأ المترفون من قريش فكانوا أصحاب أموال وبنين يتّخذونها ذريعة للزعم بأنّهم على حقّ، بشهادة أنّ الله أكرمهم بهذه النعم، فجاءت الآيتان ردّاً لهذه المزعمة وقال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ): أي أيظنون أنّ الذي نعطيهم إيّاه من الأموال والأولاد، أنّا (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) نعطيهم ثواباً ومجازاة لهم على أعمالهم ولرضائنا عنهم لكرامتهم علينا؟ ليس الأمر كما
يظنّون (بَلْ)هو ابتلاء واستدراج لهم، ولكنّهم (لاَ يَشْعُرُونَ)لسيطرة
الهوى على عقولهم. والاستدراج عبارة عن أخذ الشيء درجة

صفحه 94
فدرجة كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها.
وعلى كلّ تقدير فهؤلاء قد اغترّوا بالأولاد والأموال وظنّوا أنّها ستدوم لهم وما درَوا أنّ الله يمتحنهم بها وأنّها إلى أجل معدود، ثمّ يأخذهم أخذ العزيز المقتدر. قال تعالى:(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)1.
قال الإمام علي(عليه السلام): «فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَالسُّخْطَ بِالْمَالِ وَ الْوَلَدِ جَهْلا بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالاِْخْتِبَارِ (اختيار) فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَالاِْقْتِدَارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحانَهُ وَتَعَالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ). فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ».2
سورة المؤمنون: الآيات 57 ـ 62   

الآيات: السابعة والخمسون إلى الثانية والستين

(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).

1 . آل عمران:178.
2 . نهج البلاغة: الخطبة:192 «القاصعة».

صفحه 95

المفردات

خشية: خوف يشوبه التعظيم.
مشفقون: يقال: أشفقت عليه خِفتُ أن يناله مكروه، فعلى هذا فمعنى (مُشْفِقُونَ): أي حريصون على طاعة الله خوفاً من عذابه.
وَجِلة: خائفة. والوَجَل: استشعار الخوف.
سابقون: متنافسون في الإكثار من أعمال الخير. وقال الراغب: المتقدّمون إلى ثواب الله وجنّته بالأعمال الصالحة.1

التفسير

57. (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ):
لمّا تقدّم ذم مَن تفرّقوا وصاروا شيعاً وفرحوا بما نالوا من مال وبنين وحسبوا أنّ ذلك دليل على قربهم من الله، أخذ البيان القرآني في عرض مواصفات من يخالفهم ويضادّهم، وذكر لهم مواصفات خمسة، وهي:

1. الخشية

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ): أي يخافون من عذاب الله دائبون في طاعته. ولمّا كان لفظ الخشية بمعنى الخوف والشفقة أيضاً بهذا المعنى صار معنى الآية عندهم: أنّهم خائفون من الخوف!! ومن

1 . المفردات: 222، مادة «سبق».

صفحه 96
المعلوم أنّه غير صحيح، ولذلك ذكر بعض المفسّرين أنّ الخشية هي الخوف من العقاب والإشفاق نهاية الخوف. والظاهر أنّ الخشية هي الخوف مع التعظيم وليس مجرد الخوف، وأمّا الإشفاق فالظاهر أنّ معناه القلق وعدم سكون النفس من أن تقبل طاعاتهم فصاروا حريصين على الطاعة.
58. (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ):

2. الإيمان بآيات الله

الظاهر أنّ المراد بالآيات الآيات الكونية الدالّة على قدرته وعلمه وتدبيره، والآيات الدالّة على صدق أنبيائه. ولعلّ الأظهر هو الآيات القرآنية، المعجزة الكبرى للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
59. (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ):

3. الابتعاد عن الشرك

فهؤلاء هم الذين يجتنبون الشرك الخفيّ كالرياء وعدم الإخلاص، وأمّا الشرك الجليّ كعبادة الأصنام فهم بُعداء عنه بشهادة الآية السابقة أعني قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)، فإنّ من آمن بآيات الربّ لا يكون مشركاً وعابداً للأوثان، فتعيّن أنّ المراد هو الشرك الخفيّ.
روى ابن ماجة بإسناده عن شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ أخوف ما أتخوّف على أُمّتي الإشراك بالله. أما إنّي لستُ أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً، ولكن أعمالاً لغير الله، وشهوةً خفيّة».1

1 . سنن ابن ماجة:958، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، برقم 4205.

صفحه 97
وروى الصّدوق بإسناده عن الإمام علي الرضا عن آبائه(عليهم السلام)، قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الدنيا كلّها جهل إلاّ مواضع العلم، والعلم كلّه جهل إلاّ ما عُمل به، والعمل كلّه رياء إلاّ ما كان مخلَصاً، والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يُختَم له».1
60. (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ):

4 و5. الإنفاق المقترن بالوجل

من مواصفات هؤلاء وجود الصلة بينهم وبين الله كما مرّ في الآيات السابقة، ووجود الصلة بينهم وبين الناس، فينفقون مازاد على مؤونتهم وما يقيم حياتهم، على الفقراء، كما قال: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا)(وَ) مع ذلك (قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ): أي هم يستشعرون الخوف من أن يكون إنفاقهم ليس واقعاً على الوجه المطلوب فلا يُقبل، ولإيمانهم بأنّهم سيرجعون إلى ربّهم للحساب فلا يأمنون التقصير كما قال:(أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، وإلى هذا المعنى يشير قوله سبحانه: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيًما وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا).2
وقد روي عن زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام) أنّه كان في التلبية

1 . التوحيد:360، الباب60، برقم 10.
2 . الإنسان:8 ـ10.

صفحه 98
وهو على راحلته، فخرّ مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق، قيل له ذلك، فقال: «خشيت أن يقول لي ربّي: لا لبّيك ولا سعديك».1
61. (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ):
قوله تعالى:(أُولَئِكَ) خبر للموصول، أعني قوله:(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ): أي إنّ هؤلاء الذين ذُكرت أوصافهم في الآيات السابقة هم الذين (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): أي الخيرات العاجلة في الدنيا، وربّما تفسّر الخيرات بالجنة. ولعلّ الأوّل أظهر.
(وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ): أي هؤلاء للخيرات متنافسون، واللام في «لها» بمعنى «إلى»، فهؤلاء المؤمنون يسارعون في الخيرات فرادى فرادى، ويتنافسون إليها مجتمعين.
62. (وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ):
ولمّا كانت هنا مظنّة سؤالين:
1. ربّما يتصوّر أنّ ما يقوم به هؤلاء من الأعمال الكبيرة ربّما يكون فوق الطاقة، فيجيب سبحانه عن ذلك ويقول: (وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا): أي كلّ يعمل في ميدان المباراة حسب طاقته، فالثريّ ينفق حسب طاقته، وغيره ينفق حسب ما يجد.
سورة المؤمنون: الآيات 63 ـ 67   
2. ربّما يُسأل: كيف يمكن محاسبة هؤلاء (من غير فرق بين المؤمن

1 . شرح نهج البلاغة لابن ميثم:3/421.

صفحه 99
والكافر) على أعمالهم؟ فيجيب سبحانه بقوله: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ): أي وعندنا صحائف أعمالهم، حيث يقرأ كلٌّ ما في كتابه، ولذلك ربما يتعجّب القارئ من دقّة هذا الكتاب، حيث: (لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا)،1 فإذا كانت المحاسبة على وفق الكتاب فيصحّ قوله تعالى:(وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ): أي لا يؤاخذون بما لا يفعلونه، ولا ينقصون عمّا استحقّوه.
قال الشريف الرضي(رحمه الله): وما في الآية استعارة، والنطق لا يوصف به إلاّ من يتكلّم بآلة.(2)
وكأنّ الكتاب لأجل ظهوره ونصوصه يقال عُرفاً: الكتاب يتكلّم.

الآيات: الثالثة والستون إلى السابعة والستين

(بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ).

المفردات

مترفيهم: المُترَف: المتوسِّع في النعمة.

1 . الكهف:49.   2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:153.

صفحه 100
يجأرون: من جأرَ الرجل: أي صاح ورفع صوته.
لا تُنصرون: لا يُجيركم أحد ولا ينصركم.
تنكصون: تعرضون عن سماعها، وأصل النكص الرجوع القَهقرى، وهو المشي على الأعقاب إلى خلف.
سامراً: السَّمَر: تبادل الأحاديث وتمضية الليل بلهو وفكاهة، والسامر هو الذي يسمر ويلهو.
تهجرون: الهُجْر: الهَذَيان، أي تذكرون القرآن والطعن فيه في الليل عند اجتماعاتكم.

التفسير

63. (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ):
إنّه سبحانه أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله:(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين)1بتركهم في ضلالتهم التي يُغمرون فيها، ولكن البيان القرآني انتقل في هذه الآية إلى وصفهم بشيء أشدّ من السابق وهو أنّ الضلالة والجهالة قد أحاطتا بقلوبهم فلا تُرجى هدايتهم كما يقول: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِن هذا)وقوله: (مِنْ هذا)إمّا إشارة إلى القرآن كما سيأتي في الآية 66(قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) أو إشارة إلى هذا الحديث الذي

1 . المؤمنون:54.