welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 19*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 19

صفحه 1
سورة المؤمنون   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 19
(19)

صفحه 2

صفحه 3
19   
الجزء التاسع عشر ويشتمل على تفسير السور التالية:
المؤمنون، النور، الفرقان
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1395 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 579 - 3 (VOL.19)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير / شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1395
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 19
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1395 هـ ش / 1438 هـ . ق / 2016 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 935   تسلسل الطبعة الأُولى: 455
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6
مقدّمة المؤلّف   

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله وعلى آله الطيبين الطاهرين الّذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أمّا بعد
فيسرّنا أن نقدّم ـ بفضل الله تبارك وتعالى ـ للقرّاء الكرام ملازم الجزء التاسع عشر من كتابنا (منية الطالبين في تفسير القرآن المبين) الّذي يشتمل على تفسير السور الثلاث (المؤمنون، والنور، والفرقان)، راجين من الله سبحانه أن يوفقنا لنشر ما بقي ممّا حرّرناه من تفسير سائر السور المباركة، إنّه على ذلك قدير.
ونحن إذ نقدّم هذا الجزء للطبع نستشعر الأسى والأسف لما حلّ اليوم بالعالم الإسلامي، حيث يعيش في معاناة وظروف حرجة لم يعهد مثلها في القرون السابقة.
نعم مرّت على المسلمين فيما مضى بلايا مروّعة ابتلوا بها إمّا لتقصير في الطاعة أو لضعف في التدبير، ونحن نذكر منها حادثتين مُرّتين دمّرت البلاد وأهلكت العباد.
الأُولى: الحروب الصليبية الّتي بدأ فيها النصارى هجومهم على بلاد

صفحه 8
الإسلام من عام (492 هـ )،1 ودامت تلك الهجمات قرابة ثلاثة قرون، ولولا فضل الله عزّ وجلّ لقضى الأعداء على الإسلام وحضارته ورجاله وآثاره ، لكنه سبحانه قيّض رجالاً متحمّسين رفعوا لواء التضحية، فردّوا العدو إلى عقر دارهم.
الثانية: الحروب الوثنية الّتي بدأ بها الوثنيون باسم التتار في أوائل القرن السابع الهجري،ة حيث أعدّوا العُدّة، وعبّأوا كلّ قواهم للقضاء على الإسلام وأهله، وطار شررهم إلى الشرق والغرب فعظمت المصيبة أكثر ممّا كان في الهجمات الصليبية، وقد بلغت مرارة المصيبة وعظم الآلام أن صعب على ابن الاثير الجزري (المؤرّخ المعروف) أن يكتب عن هذه الحوادث المرّة شيئاً، فها هو يقول: لقد بقيتُ عدّة سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدّم إليه ]رجلاً [وأُؤخر أُخرى، فمَن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومَن الّذي يهون عليه ذكر ذلك، فياليت أُمّي لم تلدني، وياليتني مُتّ قبل حدوثها وكنتُ نَسياً مَنسيّاً، إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثمّ رأيتُ أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال القائل: إنّ العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم، وإلى الآن، لم يُبتَلَوْا بمثلها، لكان صادقاً، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها ولا بما يُدانيها .2

1 . الكامل في التاريخ: 10 / 281، حوادث سنة 492 .
2 . الكامل في التاريخ: 12 / 358، حوادث سنة 617 هـ .

صفحه 9
ثم بدا له أن يذكر شيئاً من حوادث تلك السنين، وقد توفّي ابن الأثير عام 630 هـ قبل أن تنتهي هذه الحروب الوثنية في نهاية القرن السابع.
***
نعم هاتان الحادثتان مهما سبّبتا من خسائر فادحة في الأرواح والأموال، بَيْد أنّهما كانتا حرب الصليبيّين والوثنيّين مع الإسلام والمسلمين.
ولكن الّذي يُمضّ النفس ويؤلم القلب هو أنّ المسلمين ابتلوا في القرن الخامس عشر بمجموعات من الإرهابيين يحملون الفكر الوهابي فيكفّرون عامّة المسلمين ويعتبرون أنفسهم وحدهم على خطّ التوحيد، فصار ذلك سبباً لشنّ الغارة على كثير من البلاد الإسلامية وارتكاب المجازر المروّعة بحقّ أهلها، حتّى هجر الملايين من المسلمين بلادهم وأوطانهم ولجأوا إلى بلاد الغرب، حتّى يصونوا بذلك أنفسهم من شرّ ] المسلم[!!
ثم إنّ الغرب المستكبر بقيادة أمريكا اغتنم الفرصة لتأييد هذه الشرذمة المجرمة الخارجة عن الإسلام وحدوده لتدمير البلاد الإسلامية وتقسيمها إلى دول صغيرة وضعيفة حتّى يكونوا آلة طيعة بيد المستعمرين، بل ثمّة معلومات وشواهد وقرائن تؤكّد أنّ أمريكا هي الّتي احتضنت هذه المجموعات ونظّمتها وزوّدتها بالأسلحة، ويؤيد هذا تصريح مرشّح الحزب الجمهوري لرئاسة أمريكا (دونالد ترامب) قبل أيام بأنّ الرئيس الحالي (أوباما) ومرشحّة الحزب الديمقراطي (هيلاري كلينتون) هما مَن قاما بتأسس التنظيم الإرهابي المعروف بـ (داعش).

صفحه 10
ونحن نشكو بثّنا وحزننا إلى الله سبحانه، ونسأله عزّوجلّ أن يعيد للمسلمين وحدتهم ورصّ صفوفهم ويدفع عنهم شرّ هؤلاء الّذين يدّعون الإسلام ومَن جنّدهم لخدمة مصالحه، وأن يُنعم على بلاد المسلمين بالأمن والأمان، ويوفّق العلماء للعمل بواجبهم أمام هذه العصابة المجرمة.
إنّه سميع الدعاء
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
11 ذي القعدة الحرام
ذكرى مولد الإمام الرؤوف علي الرضا (عليه السلام) 1437هـ
سورة المؤمنون   

صفحه 11
سورة المؤمنون   

سورة المؤمنون

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ

صفحه 12
 
يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغ لِلآكِلِينَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين * قَالَ رَبِّ انْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ * ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ

صفحه 13
 
بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبّ ِانْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرى كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة ذَاتِ قَرَار

صفحه 14
 
وَمَعِين * يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ

صفحه 15
 
بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَاب شَدِيد إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ *

صفحه 16
 
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْني فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ * ادْفَعْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَـلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ

صفحه 17
 
إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ).

صفحه 18
سورة المؤمنون: الآيات 1 ـ 11   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «المؤمنون» على نمط الحكاية، أي حكاية لفظ (المُؤْمِنُون)الوارد في الآية الأُولى من السورة، وربّما تُسمّى بـ«سورة المؤمنين» على طريق الإضافة، وفي بعض الألسنة يطلق عليها سورة (قَدْ أَفْلَحَ) باعتبار أوّل السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة مئة وثمان عشرة آية في عدّ الكوفي، وتسع عشرة في عدّ الباقين.
والسورة مكّيّة بالاتّفاق، وورود لفظ الزكاة في قوله:(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)1 لا يدلّ على أنّها مدنية، إذ أُريد بها الصدقة، لا الزكاة حسب الأنصاب التي فُرضت في المدينة في السنة الثانية بعد الهجرة.

أغراض السورة

افتُتحت السورة بذكر خصال المؤمنين وأوصافهم، ثم أشارت إلى خلق الإنسان من بدء وجوده إلى إنشائه خلقاً آخر، وبعد ذلك أخذت في

1 . المؤمنون:4.

صفحه 19
عرض آثار القدرة في السماء والأرض حتى تكون دليلاً على التوحيد في العبادة والتوحيد في التدبير، ولأجل هذه المناسبة استعرضت السورة قصص عدد من الأنبياء مثل نوح وهود وموسى وعيسى(عليهم السلام).
ومن المعلوم أنّ هؤلاء الرسل كانوا في قمّة الكفاح ضدّ الوثنية، والسعي إلى هداية الناس إلى التوحيد في التدبير والعبادة.
وتتمّ السورة بذكر البعث، وقيام الموازين، والتمييز بين من تثقل موازينه ومن تخفّ.
وعلى هذا فالروح السائدة على مجموع آيات السورة ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض ـ هو تحرير الناس من عبادة الأوثان والدعوة إلى الحياة الأُخروية، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بالإنسلاك في عداد المؤمنين الذين ذُكرت أوصافهم في صدر السورة.

الآيات: الإحدى عشرة من أوّل السورة

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ

صفحه 20
الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

المفردات

أفلح: الفلاح: الظفر بالمراد، وأفلح أي دخل في الفلاح، كأبشر: دخل في البشارة.
المؤمنون: من آمن بالله واليوم الآخر وصدّق بما جاء به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
خاشعون: الخاشع: الخاضع المتذلّل مع خوف وسكون للجوارح، وربما يفسّر بمن ينقطع عن غيره بالتوجّه إليه. والظاهر أنّه من صفات القلب، ثم ينسب إلى الجوارح بنوع من العناية.
اللغو: اللغو من الكلام ما لا يعتدّ به، ومن الفعل ما لا فائدة فيه. نعم، هو أمر نسبيّ فربّ فعل هو لغو بالنسبة إلى قوّة، وهو بعينه مفيد بالنسبة إلى قوّة أُخرى، كإدارة المسبحة بدون ذكر، فإنّه لغو بالنسبة لقوة العاقلة وأمّا بالنسبة للقوة الذاتية التي لا تسكن إلاّ بها فلا يُعدّ لغواً، ويمكن أن يقال: كلّ فعل لا ينتفع به الإنسان في الدنيا ولا في الآخرة فهو لغو.
الزكاة: بمعنى المصدر أي الإنفاق المالي، لا نفس المال المخرج، لأنّ قوله: (فاعِلون)يناسب الأوّل دون الثاني.
لفروجهم: الفرج: سَوءة الرجل والمرأة.
حافظون: الحفظ: التعفّف عن الحرام.
ابتغى: طلب.
العادون: المتجاوزون للحدود بالعدوان.

صفحه 21
لأماناتهم: الأمانات: ما أؤتمن عليه من قبل الناس. ويحتمل من قبل الله أيضاً.
عهدهم: العهد (في مصطلح الشرع): ما التزم به بصيغة العهد، وهو شقيق النذر واليمين. ويحتمل أن يراد مطلق ما توجّه إلى الإنسان من التكاليف.
راعون: حافظون.
يحافظون: يواظبون.
الفردوس: الجنة.

التفسير

1.(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ):
بدأ سبحانه ببيان أوصاف المؤمنين الذين يرثون الجنة بلا تعب كما يرث الإنسان مال المورّث كذلك، وقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ): أي ظفروا بمرادهم. والفَلْح في اللغة ـ : الشَّقّ وفي المثَل: الحديد بالحديد يُفلَح، أي يُشقّ، وإطلاقه على الظَّفَر بالمراد لأنّ الإنسان بعمله وسعيه للوصول إلى الهدف المطلوب كأنّه يشقّ الموانع. والمؤمنون ـ كما قلنا ـ من آمن بالله واليوم الآخر وصدّق بما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وللتصديق درجات، فالتصديق إمّا قولي أو قولي وعملي. ثمّ إنّ للتصديق العملي مراتب والجميع داخل في حظيرة الإيمان حسب درجاته، خلافاً للخوارج الذين يكفِّرون من

صفحه 22
ارتكب الكبيرة أي أخلّ بالفريضة أو أتى بالسيئة، وخلافاً للمعتزلة حيث يرون أنّ مرتكب الكبيرة متوسط بين الإيمان والكفر، ولكلٍّ من أصحاب القولين دلائل وبحوث أوضحنا حالها في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».1 وقد ذكر سبحانه لسبب فلاحهم أوصافاً سبعة.

الوصف الأوّل: الخشوع في الصلاة

2. (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ):
إنّ الفلاح والظفر بالمراد في الدنيا والآخرة غاية الآمال ومنتهى الرغبات، فبدأ سبحانه من بين الأوصاف بذكر الخشوع في الصلوات، وهو مرتبة عالية فوق إتيان الصلاة وإقامتها، حيث يتوجّه المصلّي بكلّ كيانه إلى الله سبحانه ويُعرض عن كلّ شيء سواه. وهو فعل قلبيّ يؤثر على الجوارح والأعضاء، فإذا كان القلب خاشعاً ظهر أثره في الجوارح سكوناً واطمئناناً، ويدلّ على ذلك ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته فقال: «أما إنّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه».(2) والقلب بالإعراض عمّا سوى الله سبحانه قلب خاشع، فتتبعه الجوارح من السمع والبصر وغيرهما، وربّما يبلغ الخشوع بالمصلّي درجة لا يسمع معها الأصوات التي حوله وإن كانت قارعة.
قال ابن أبي الحديد، وهو يصف عبادة أمير المؤمنين(عليه السلام): وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على وِزده أن يُبسَط له نطع2 بين الصفَّين ليلة

1 . لاحظ : بحوث في الملل والنحل:3/537.   2 . مجمع البيان: 7/188.
2 . النِّطْع: بساط من الجلد.

صفحه 23
الهرير1، فيصلّي عليه وِرده، والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صِماخَيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرُغ من وظيفته!!2

الوصف الثاني: الإعراض عن اللغو

3. (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ):
إذا كان اللغو هو الكلام أو الفعل غير المعتدّ به والفاقد للهدف، فالمؤمن يُعرض عنه لأنّه سبحانه خلق العالم والإنسان لهدف خاص، فبما أنّه جزء من هذا العالم فأولى أن يعرض عن اللغو قولاً أو فعلاً ولأنّ الحياة رأس مال المؤمن لا يصرفه إلاّ فيما كان له فيه نوع من النفع.
يقول سبحانه:(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) مكان أن يقول: عن اللغو مجتنبون، فالإعراض أشدّ استنكاراً من الاجتناب وكأنّ طبعهم لا ينسجم مع اللغو، هذا حسب الآية، وأمّا حسب الحديث فقد فسّر اللغو بالسماع، روى محمد بن أبي عبّاد وكان مستهتراً بالسماع ويشرب النبيذ قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن السماع فقال: «لأهل الحجاز فيه رأي وهو في حيّز الباطل واللهو، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا).(3) 3
وعلى هذا فيمكن أن يشتمل على سماع الغيبة، ويشهد لذلك إطلاق

1 . هي أشدّ ليالي وقعة صفِّين قتالاً واجتلاداً بالسيوف بين عليّ(عليه السلام) وأصحابه وبين معاوية وفئته الباغية.
2 . شرح نهج البلاغة:1/27.   3 . الفرقان: 72 .
3 . الوسائل:12، الباب99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث19.

صفحه 24
قوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)1.
وحصيلة الكلام: كلّ كلام مشتمل على محرّم كالغيبة أو الاستهزاء بالمؤمن أو ما لا ينتفع به الإنسان فهو لغو. روى الشيخ المفيد في إرشاده عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ قول ليس فيه لله ذكر فهو لغو».2
نعم هذا الكلام بسعته محمول على التنزيه.
ثمّ إنّ اللغو إذا كان بمعنى ما لا يُعنى به لا في نفسه ولا في غايته خرج منه ما يدور بين المؤمنين من المزاح للترفيه والخروج عن التضايق، فإنّ في ذلك عوناً للإنسان على أداء الفرائض، يقول الإمام علي(عليه السلام): «لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ سَاعَات: فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيَما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ».3

الوصف الثالث: الإنفاق المالي(الصدقة)

4. (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ):
يراد بالزكاة الإنفاق المالي، بشهادة قوله: (فَاعِلُونَ). ومن المعلوم أنّه لو أُريد من الزكاة نفس المال المخرَج بعد بلوغه النصاب لا يتعلّق به الفعل، ولذلك من فسّر الزكاة بالمال المخرج فسّر:(فَاعِلُونَ)بقوله: مؤدّون.
إنّ المؤمن له صلة بالله سبحانه عن طريق أداء فرائضه العبادية

1 . القصص:55.
2 . تفسير نور الثقلين:3/529.
3 . نهج البلاغة: قصار الحكم: 390.

صفحه 25
واجتناب مناهيه، وله صلة بالمجتمع الذي يعيش فيه فهو جزء منه، فينبغي أن يحسّ بإحساسه، ويتجاوب في مشاعره مع ذوي الحاجة والفاقة فيه، فيمدّ إليهم يد البذل والعطاء، استشعاراً بالمسؤولية أمام الله وأمام المجتمع.
قال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».1
والظاهر أنّ الآية تحثّ على مطلق الصدقة خصوصاً المستحبّة منها، ويظهر ذلك ـ كما قلنا ـ من نزول السورة في مكّة التي لم تُفرض فيها الزكاة الواجبة.

الوصف الرابع: التعفّف عن الحرام

5 ـ 7. (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ):
أمر سبحانه في هذه الآيات بحفظ الفروج ـ أعمّ من الذكر والأُنثى ـ عن الحرام، وهذا يشمل الزنا واللواط والسحاق والعادة السرية أو الاستمناء. والتعبير بالحفظ في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)كناية عن أنّ الشهوة تثور وتدفع الإنسان إلى ما لا تحمد عقباه، فعليه الإمساك بها وحفظها.

1 . مسند أحمد:4/270.

صفحه 26
ثمّ إنّه سبحانه استثنى صنفين:
1. (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) من غير فرق بين الدائم والمؤقت، كما سيوافيك.
2. (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) يعني الإماء، وملك اليمين كناية عن الإماء التي يتملّكها الإنسان بوجه شرعي.
وعبّر عن صيانة الفروج إلاّ في الموردين بقوله: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)وهو كناية عن وجود اللوم الشرعي في غيرهما، وأمّا من تجاوز هذا الحدّ بنحو من الأنحاء، فقد أُشير إليه بقوله:(فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ): أي طلب ما وراء الأزواج وملك اليمين (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)المتعدّون لحدود الله تعالى.
أمّا في الزنا فإنّ فيه انحلال النظام الأُسري، مضافاً إلى انتشار الأمراض الجنسية الخطرة، وصيرورة المجتمع الإنساني مجتمع الغابة، لا يعرف الابن أباه وبالعكس.
وأمّا اللواط ـ وكذا السحاق ـ فهو يضاد غاية الخلقة، إذ لو اقتصر الإنسان على إطفاء الشهوة بالجنس المماثل فهو ينتهي إلى انقطاع النسل، ولذلك أكّد الإسلام على التعفّف والعفاف وحذّر من الزنا واللواط ونحوهما على نحو محرّر في الكتب الفقهية.
وأمّا العادة السرية فهي أمر محرّم عند الفقهاء، غير أنّ الشيخ القرضاوي، يقول في حديثه عنها: وقد يثور دم الغريزة في الشاب فيلجأ إلى يده يستخرج بها المني من جسده ليريح أعصابه، ويهدّئ من ثورة الغريزة، وهو ما يعرف اليوم «بالعادة السرية».

صفحه 27
وقد حرّمها أكثر العلماء، واستدلّ الإمام مالك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).
والمستمني بيده قد ابتغى لشهوته شيئاً وراء ذلك.
وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه اعتبر المني فضلة من فضلات الجسم فجاز إخراجه كالفصد، وهذا ما أذهب إليه (والكلام لا يزال للشيخ القرضاوي)، وأيّده ابن حزم، وقيّد فقهاء الحنابلة الجواز بأمرين:
الأوّل: خشية الوقوع في الزنا.
والثاني: عدم استطاعة الزواج.
ويمكن أن نأخذ برأي الإمام أحمد في حالات ثوران الغريزة وخشية الوقوع في الحرام، كشاب يتعلّم أو يعمل غريباً عن وطنه، وأسباب الإغراء أمامه كثيرة، ويخشى على نفسه العنت، فلا حرج عليه أن يلجأ إلى هذه الوسيلة يطفئ بها ثوران الغريزة، على ألاّ يسرف فيها ويتّخذها ديدناً.1
أقول: إنّ القول بحلية الاستمناء أو العادة السرية مخالف للذكر الحكيم، والشهرة المحقّقة في المذاهب الفقهية، وما عليه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المجال.
أمّا الذكر الحكيم، فقد نقله الشيخ في كلامه فلا حاجة إلى الإيضاح، حيث إنّه سبحانه أمر بحفظ الفروج في كلّ الحالات إلاّ بالنسبة إلى الزوجة

1 . الحلال والحرام في الإسلام:164ـ 165، ط القاهرة، 1396هـ .

صفحه 28
وملك اليمين، فإذا تجاوز هاتين الحالتين واستمنى كان من العادين المتجاوزين ما أحلّ الله لهم إلى ما حرّمه عليهم.
وأمّا الشهرة المحقّقة، فقد ذهب المالكية والشافعية والزيدية إلى تحريمه، أخذاً بالحصر الوارد في القرآن الكريم. والدليل على الحصر أمران:
أ. الاستثناء: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).
ب. قوله تعالى: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).
وأمّا موقف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فقد روى طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)أنّه قال: «إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) أُتي برجل عبث بذكره، فضرب يده حتى احمرّت ثم زوّجه من بيت المال».1
وروى عمّار بن موسى، عن الإمام الصادق(عليه السلام) في الرجل ينكح بهيمة؟ فقال(عليه السلام):«كلّ ما أنزل به الرجل ماءَه من هذا وشبهه فهو زنا».2
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على حرمة العمل على وجه الإطلاق.
وأمّا ما ذكره الشيخ من أنّه لا حرج أن يلجأ إلى هذه الوسيلة بحيث لا يسرف فيها ولا يتّخذها ديدناً، فعجيب جدّاً، فإنّ العادة السرية أسهل شيء للالتذاذ الجنسي، فكيف يمكن للشابّ أن لا يسرف فيها ولا يتّخذها ديدناً؟!

1 . الوسائل: 18، الباب28 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث3.
2 . الوسائل: 18، الباب26 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث1.

صفحه 29
مضافاً إلى الأضرار التي يذكرها الأطباء في مَن اعتاد على هذا العمل.
وأمّا ما نقله عن الإمام أحمد حيث جوّز ـ حسب نقله ـ أن يرجع إلى هذه الوسيلة ليطفئ بها ثوران الغريزة عند خشية الوقوع في الزنا، فممّا لا يمكن المساعدة عليه، فلعلّ مصدر كلامه القاعدة المعروفة: الضرورات تُبيح المحظورات، ومن المعلوم أنّ مصبّ القاعدة هو ابتلاء الإنسان بها، من غير اختيار، فعندئذ يجوز الارتكاب باختيار أقلّ الضَّررين، أو أخفّ الحرامين، كما إذا ابتُلي الصائم بالعطش المهلك، فيجوز له دفع العطش بشرب الماء لحفظ حياته.
أو فيما لو توقّفت نجاة الإنسان الغريق على التصرّف في مال المسلم.
أو توقّفت الحياة على أكل مال الغير.
ففي هذه الموارد تطبق قاعدة: «الضرورات تُبيح المحظورات» ولكن بشرط أن لا يكون الإنسان عاملاً مؤثراً في إيجاد الضرورة.
وأمّا المقام فالواجب عليه كبح النفس والاجتناب عمّا حرّم الله عليه.
فلو كان ثوران الغريزة وخشية الوقوع في الحرام سبباً لارتكاب الزنا بذات البعل، فهل يمكن الإفتاء بجواز الأخفّ منه؟!
والطريق الأفضل هو ما أرشد إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما نقله المجيب، وأن يذكر عقوبة الله تبارك وتعالى على تلك المعاصي.

الزواج المؤقت داخل في المستثنى

المزوّجة متعة داخلة في قوله سبحانه:(إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) فهي زوجة

صفحه 30
حقيقة لها من الأحكام ما للزوجة الدائمة إلاّ ما استثني بالدليل، وانتفاء بعض الأحكام أو تخصيصها في مورد المؤقّتة لا يسلب عنها عنوان الزوجية.
ومن الغريب قول الشيخ محمد أبو زهرة، وهو يحكم بحرمة المتعة: أنّها ليست زواجاً حتى عند الذين يبيحونها1، وكأنّه لم يقرأ كلام القائلين بإباحتها، وهذا هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي(المتوفّى 460هـ)، يقول عند تفسيره الآية: ولا يخرج من الآية وطء المتمتَّع بها، لأنّها زوجة عندنا...2، بل جاء في روايات كثيرة، كون المتعة زواجاً، على لسان رواة الشيعة في القرن الثاني، ومنها ـ على سبيل المثال ـ ما رواه الكليني بإسناده عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام): جُعلت فداك، الرجل يتزوّج المرأة متعة... .3
إنّ للنكاح المنقطع أركاناً أربعة:
1. الصيغة، 2. المحلّ، 3. الأجَل، 4.المَهر.
الصيغة: وهي الإيجاب والقبول. ويكفي في الإيجاب أحد الألفاظ الثلاثة: زوجتك ومتّعتك وأنكحتك. ويكفي في القبول كلّ لفظ دالّ على الرضا بذلك الإيجاب كقوله: قبلت النكاح أو المتعة.
المحلّ: وهو الزوج أو الزوجة. ويُشترط فيهما ما يشترط في النكاح

1 . زهرة التفاسير:10/5050.
2 . التبيان في تفسير القرآن:7/349.
3 . الكافي:5/458، كتاب النكاح، باب الزيادة في الأجل، ح2. وانظر: ص 460، ح1، و ص 461، ح3 و 4.

صفحه 31
الدائم إلاّ ما استثني، فيشترط أن تكون الزوجة مسلمة، ويجوز أن تكون كتابية على القول الأشهر بين الفقهاء.
وأمّا المسلمة فلا تتمتّع إلاّ بالمسلم خاصّة.
ولا يُدخِل على الزوجة المنقطعة بنت أختها، ولا بنت أخيها إلاّ بإذنها، ولو فعل توقّف على إذنها، فإن ردّت، بطل العقد.
المهر: وهو ركن في عقد المتعة، يبطل العقد بعدم ذكره في العقد، ويشترط أن يكون مملوكاً، معلوماً إمّا بالكيل أو الوزن أو المشاهدة والوصف، ولو وهب الزوج، المدّة لها، قبل الدخول لزمه النصف، ولو دخل استقرّ كلّه.
الأجل: وهو ركن من عقد المتعة، ولو ترك الأجل فهنا قولان: بطل، وقيل ينقلب العقد دائماً، ولابدّ أن يكون معيّناً مصوناً من الزيادة والنقصان.
ويجوز العزل من المتمتَّع بها ولا يقف على إذنها خلافاً للدائمة فلا يجوز العزل إلاّ بإذنها.
وتَبِين المتمتَّع بها بانقضاء الأجل ولا يقع بها طلاق ولا يتوارثان إلاّ مع الشرط في متن العقد.
والزواج المؤقّت كالدائم فيما يحرم بالمصاهرة، فلو عقد على امرأة تمتُّعاً، حرمت عليه أُمّها، مطلقاً، وبنتها مع الدخول، وهكذا سائر المحرّمات المذكورة في باب التحريم بالمصاهرة.
وإذا دخل بها وانقضى أجلها فإنْ كانت من ذوات الحيض، وجب عليها الاعتداد بحيضتين، وإن لم تكن من ذوات الإقراء، وهي في سنهنّ اعتدّتْ بخمسة وأربعين يوماً، وإن لم يكن دخل بها فلا عدّة عليها. ولو

صفحه 32
مات عنها في الأجل اعتدّتْ بأربعة أشهر وعشرة أيام، سواء دخل بها أم لا إن كانت حائلاً، وقيل شهران وخمسة أيام، وإن كانت حاملاً اعتدّتْ بأبعد الأجلين، ولو كانت أمة اعتدّتْ حائلاً بشهرين وخمسة أيام.1
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الزواج المؤقّت لا يفارق ـ ماهية ووجوداً ـ الدائم.
نعم يفارقه في بعض الآثار:
1. الزوجة الدائمة تفارق بالطلاق، وهذه بانقضاء الأجل.
2. الزوجة الدائمة ينفق عليها، دونها.
3. الزوجة الدائمة ترث زوجها وهو يرثها، دونها.
4. الزوجة الدائمة المطلَّقة تعتدّ بثلاثة أشهر أو بثلاث حيضات، وهي تعتدّ بحيضتين أو خمسة وأربعين يوماً.
وهذه الفروض لا تخرجها عن كونها زوجة لها من الأحكام ما لغيرها.
نعم ذهب الشيخ القرضاوي(من المعاصرين) إلى أنّ الزواج المؤقّت غير داخل في آيات الزواج يقول: إنّ الزواج في الإسلام عقد متين وميثاق غليظ يقوم على نيّة العشرة المؤبّدة من الطرفين لتحقّق ثمرته النفيسة التي ذكرها القرآن من السكن النفسي والمودّة والرحمة، وغايته النوعية العمرانية من استمرار التناسل وامتداد بقاء النوع الإنساني، قال تعالى:(وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً)2، أمّا

1 . شرائع الإسلام:2/307; تحرير الأحكام:3/526.
2 . النحل:72.

صفحه 33
زواج المتعة فهو ارتباط الرجل بامرأة لمدّة يحدّدانها لقاء أجر معيّن فلا يتحقّق فيه المعنى الذي أشرنا إليه، وقد أجازه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يستقرّ التشريع في الإسلام، أجازه في السفر والغزوات ثم نهى عنه وحرّمه على التأبيد.1
يلاحظ عليه:

1. استمرار النسل حكمة الزواج لا علّته

أقول: إنّ الشيخ خلط علّة التشريع ومناطه بحكمته، فعلّة الحكم يدور الحكم مدارها، مثل قولك: اجتنب عن المسكر، فمادام المائع مسكراً، له حكمه، فإذا انقلب إلى الخلّ، يرتفع.
وأمّا استمرار النسل وامتداد بقاء النوع الإنساني فهو حكمة النكاح، لكن لا يدور النكاح مدارها، بشهادة أنّ الشارع حكم بصحّة الزواج في موارد فاقدة لهذه الغاية، وهي:
1. يجوز زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. يجوز زواج المرأة العقيم بالرجل المُنجب.
3. يجوز نكاح اليائسة.
4. يجوز نكاح الصغيرة.
5. يجوز نكاح الشابّ من الشابّة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

1 . الحلال والحرام في الإسلام: 180 ـ 181 ; ولاحظ حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي: 101 .

صفحه 34
أفيصحّ للشيخ أن يشطب على هذه الأنكحة بقلم عريض بحجّة افتقادها آثار تكوين الأُسرة؟!

2. التأبيد ليس من مقوّمات الزواج

ذكر الشيخ أنّ التأبيد من مقوّمات الزواج، ولو صحّ ما ذكره لخرجت المتعة عن تعريفه وتدخل في الزنا إذ لا واسطة بين الزواج والزنا إذا كانت الزوجة حرّة، فلازم ذلك أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رخّص الزنا لصحابته في الأرض المقدّسة، فقد رخّصه في فتح مكّة وأذِنَ لهم في متعة النساء، أفيصحّ أن نرمي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بترخيص الفحشاء، مع أنّه سبحانه يقول: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً).1
قد اتّضح ممّا ذكرنا أنّ القيد الأوّل من الحكم والثاني ليس من المقوّمات، وأمّا القيود الأُخرى الواردة في كلامه من السكن النفسي والمودّة والرحمة، فالجميع متحقّق في كلا الزواجين خصوصاً إذا كانت المدّة طويلة، فإنّ صون النفس عن الزنا وحماية الأنساب من الاختلاط، أمر مشترك بين الزواجين، إذ يجب على المتمتّع بها الاعتداد بحيضتين حتى يبرأ رحمها، فإن كانت ذات حمل لا تخرج من العدّة إلاّ بوضع الحمل.
ونَودّ أن ننبّه إلى أنّ المتعة (أو الزواج المؤقّت) دواء لا غذاء شرّعها الله سبحانه لغايات خاصّة وبقيت على حلِّيتها إلى يومنا هذا; والمحقّقون من أهل السنّة يعترفون بحلِّيتها في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لكن يختلفون معنا في

1 . الاسراء:32.

صفحه 35
النسخ وعدمه، بل ثمة روايات عديدة عندهم تُعرب عن أنّه لم يكن هناك نسخ ولا نهي نبويّ، وإنّما كان تحريماً من جانب الخليفة الثاني، ومن هنا خالفه جمع من الصحابة ولم يذعنوا لأمره، منهم: الأئمّة: عليّ والحسن والحسين(عليهم السلام)1، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وابن مسعود، وابن عباس، وأسماء بنت أبي بكر، وأبو سعيد الخدري، وعمران بن الحصين، وسلَمة بن الأكوع، وغيرهم.2
هذا إجمال الكلام في المقام، ومن أراد التفصيل والوقوف على إبطال النسخ، فعليه بكتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف»3.
وفي نهاية المطاف نذكر ما كتبه ابن خلِّكان عن المأمون العباسي الذي أوشك أن يُنادي في أيام حُكمه بتحليل المتعة إلاّ أنّه توقّف خوفاً من الفتنة وتفرّق المسلمين.
قال ابن خلِّكان، نقلاً عن محمد بن منصور أنّه قال: كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما، ومن أنت يا جُعَل حتى تنهى عمّا فعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبوبكر؟ فأومأ أبو العيناء إلى

1 . خلاصة الإيجاز في المتعة للشيخ المفيد:19 (ضمن عدّة رسائل له، المجلد6)، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
2 . انظر: المحلّى لابن حزم:9/519، المسألة 1854، والمحبَّر لمحمد بن حبيب البغدادي:289.
3 . لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/473ـ551.

صفحه 36
محمد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلّمه نحن؟! فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيّراً؟ فقال: هو غمّ يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله عزّ وجلّ، وحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال الله تعالى:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * ـ إلى قوله: ـ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)1 يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين.2
أقول: هل عزب عن ابن أكثم ـ وقد كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت(عليهم السلام)ـ أنّ المتعة داخلة في قوله سبحانه: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) وأنّ عدم الوراثة تخصيص في الحكم، وهو لا ينافي ثبوت الزوجيّة، وكم لها من نظير، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم، وبالعكس، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس، وأمّا الولد في زواج المتعة فيلحق قطعاً، ونفي اللحوق ناشئ إمّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به.
وما أقبح كلامه حيث فسّر المتعة بالزنا وقد أصفقت الأُمّة على تحليلها في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أفحسب ابن أكثم أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حلّل الزنا ولو لمدّة قصيرة؟!

1 . المؤمنون:1ـ7.
2 . وفيات الأعيان:6/149ـ150.

صفحه 37

الوصفان الخامس والسادس: حفظ الأمانة، والوفاء بالعهد

8 . (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ):
هذه الآية تشتمل على وصفين:
1. حفظ الأمانة التي يؤتمنون عليها وتأديتها لأهلها.
2. الوفاء بالعهد إذا عاهدوا.
والأمانة اسم لما يؤتمن عليه الإنسان، وقد وردت في مواضع من القرآن الكريم نحو قوله: (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ)1: أي ما ائتُمنتم عليه، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).2
والجمع (الأمانات) باعتبار تعدّد أنواعها.
والوفاء بأداء الأمانة من أسمى الخصال الحميدة، لأنّ المؤتمَن يلتزم بصيانة شيء نفيس لأخيه من دون أن يطلب عوضاً أو أجراً ثم يصونه ويؤدّيه إليه عندما يستردّه منه، دون أن يغلب عليه طمعه وشحّه.
وعلى هذا فالمراد بالرعاية للأمانات في الآية، هو حفظها وصيانتها وردّها إلى أصحابها، وبما أنّ عمل المودَع عمل تبرّعي فلا يجوز شرط الضمان عليه إذا تلفت الوديعة بلا تفريط ولا تعدٍّ، وذلك لقبح تضمين إنسان تبرّع بقبول وديعة لا ينتفع بها أبداً، بل ربّما يبذل جهده لصيانتها.
ثم إنّ ظاهر اللفظ وإن كان هو الأمانات المودعة للناس عند الأمين

1 . الأنفال:27.
2 . النساء:58.

صفحه 38
ولكن لا يبعد أن يراد به المعنى العام ولا يختص بالودائع المالية، فيشمل الأمانة التي بين الله تعالى وبين عباده، وهي الولاية الإلهية وسلوك طريق الكمال عن طريق التلبُّس بالاعتقاد الحق والعمل بموجبه، بشهادة قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً).1
وأمّا العهد فهو ما التزم به الإنسان أمام الله سبحانه كما في النّذر واليمين والعهد الشرعي، أو أمام الناس كعقود البيع والإجارة والمزارعة وغيرها. ويمكن أن يراد بالعهد مطلق التكليف في كلا المقامين، ولعلّه لذلك جمع الأمانة وأفرد العهد. وقد مرّ ما ينفعك في تفسير قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).2
ولا شكّ في أنّ المجتمع الذي يتمتّع فيه أفراده بهاتين الفضيلتين: رعْيُ الأمانة بحفظها وأدائها إلى أصحابها، ورعْيُ العهد بالالتزام به والثبات عليه، هو مجتمع صالح تسوده الثقة والاستقرار النفسي والانسجام، الأمر الذي يوفر المناخ المناسب للتطوّر والازدهار، ولذلك حثّت الآيات والروايات على التحلّي بهما، ومن ذلك:
قال تعالى:(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً).(3)
عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تزال أُمّتي بخير ما لم يتخاونوا، وأدّوا الأمانة، وآتوا الزكاة، وإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسِّنين».3

1 . الأحزاب:72.
2 . المائدة:1.   3 . الإسراء: 34.
3 . ثواب الأعمال للصدوق: 251، باب عقاب التباغض والتخاون.

صفحه 39
وعن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «لاتغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم، حتى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث، وأداء الأمانة».1

الوصف السابع: المحافظة على الصلاة

9. (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ):
من صفات المؤمن إقامة الصلاة بحدودها والمواظبة عليها في أوقاتها لا تأخيرها عنها، وأفردت الصلاة في الوصف الأوّل أعني قوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ)وجمعت في هذه الآية، ولعلّ الوجه أنّ الخشوع وصف لجنس الصلاة بخلاف المحافظة فإنّها وصف لفرد فرد منها.
هذه هي الأوصاف السبعة التي هي أُصول التقوى والخشية عند المؤمن، فمن جانب يؤكّد صلته بالله سبحانه بالخشوع في الصلاة والمحافظة على أدائها في أوقاتها، وهو يستفيد من عمره ووقته بالإعراض عمّا لا يعتد به من القول والفعل، ومن جانب آخر يؤكّد صلته بالمجتمع بسدّ خلّة الفقراء والمعوزين، ثم بعد هاتين الخصلتين يعدّل الغريزة الشهوية بتعديل خاصّ، وفي الوقت نفسه يتعامل مع الناس معاملة العدل بأداء الأمانة والالتزام بالعهد، فمن وُجدت فيه هذه الخصال نال من الفضائل قمّتها.

1 . الكافي:2/104، باب الصدق والأمانة، ح2.

صفحه 40
10 و 11.(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ):
يبيّن سبحانه مصير المؤمنين الموصوفين بالخصال المذكورة بقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) لكن أجملَ في كلامه ماذا يرثون، فبيّنه بقوله: (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) وهو اسم للجنّة، أو اسم لأشرف مقام فيها، والتعبير عن الأجر بالوراثة إشارة إلى أنّهم ينالون الجنّة بلا تعب لأنّ الإنسان يرث أموال المورث بلا تعب، ويمكن أن يكون إشارة إلى استحقاقهم الجنة كاستحقاق الوارث مال المورّث. ثم أشار سبحانه إلى أنّ هذا المقام ليس مؤقتاً بل (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
سورة المؤمنون: الآيات 12 ـ 16   

الآيات: الثانية عشرة إلى السادسة عشرة

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ).

المفردات

سلالة: سلُّ الشيء من الشيء: نزْعُه كسلّ السيف من الغمد، وهي تكون مقصودة تارة كالزُّبد من اللّبن، وتارة غير مقصودة كقُلامة الظُّفر

صفحه 41
وكُناسة البيت. والظاهر أنّ المراد من (سُلاَلَة مِنْ طِين): أي من الصفو الذي يسلّ من الأرض.
قرار: مستقرّ.
مكين: متمكِّن.
العلقة: قطعة من الدم الغليظ الجامد الرطب.
المضغة: قطعة اللحم.
تبارك الله: تعالى وتقدّس، أو عظمت خيراته ونعمه.

التفسير

لمّا ذكر سبحانه خصائص المؤمنين ومصيرهم، بدأ بذكر مبدئهم لغاية خاصّة وهي البرهنة على المعاد، وأنّ القادر على خلق الإنسان من طين ثمّ التدرّج به في مراحل مختلفة أقدر على أن يبعثه من جديد، فالقادر علـى النشـأة الأُولى لا يعجز عن الأُخرى، فقال:
12 و 13. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين):
اختلف المفسّرون في تفسير الآية الأُولى بل الثانية أيضاً، والأظهر عندنا أنّ الأُولى ناظرة إلى خلقة أبينا آدم(عليه السلام)، والآية الثانية ناظرة إلى خلقة البشر من ولد آدم، وقد جاء بيان كلتا الخلقتين في قوله تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَة مِنْ مَاء مَهِين)1، فعلى هذا فقد

1 . السجدة:7 و8.

صفحه 42
خلق أبانا آدم(عليه السلام) من سلالة من طين، أي عصارة الطين وخلاصته، ويوضحه قوله سبحانه: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب)1: أي ملتصق بعضه ببعض.
قال الشريف الرضي(رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : هذه استعارة لأنّ حقيقة السلالة هي أن تَسُلّ الشيء من الشيء، فكأنّ آدم(عليه السلام) لمّا خُلق من الأرض كان كأنّه استُلّ منها واستخرج من سرّها، وقد صار ذلك عبارة عن محض الشيء ومُصاصه وصفوته ولُبابه، ليس أنّ هناك شيئاً استُلّ من شيء على الحقيقة. وقد تسمّى النطفة سلالة على هذا المعنى، ويسمّى ولَد الرجل سلالة أيضاً على مثل ذلك.2
ثمّ إنّه سبحانه ترك ما مرّت به خلقة آدم من أطوار في مبدأ تكوينه من المادّة الأُولى(التراب) حتى صار آدم أبا البشر اعتماداً على ما جاء في سائر الآيات التي أشارت إلى تلك الأطوار.. من التراب إلى الطين، ثم من الطين إلى الحمأ المسنون، ثمّ إلى الصَّلصال3، ونحن أيضاً نتركها .
إلى هنا تمّ تفسير الآية الأُولى.

مراحل تكوين الجنين

انتقل سبحانه إلى بيان مبدأ خلقة جنس الإنسان ومراحل خلقته، فذكر هنا أنّ له مراحل ست، وإليك بيانها:

1 . الصافات:11.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:152.
3 . انظر: الحِجر:26.

صفحه 43

المرحلة الأُولى

أشار سبحانه إلى تلك المرحلة بقوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين)والضمير يرجع إلى الإنسان لكن بصورة الاستخدام فأُريد من المرجع آدم أبو البشر، ومن الضمير جنس الإنسان فقال: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين).
ونظير الآية: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَة مِنْ مَاء مَهِين) وحاصل الآيتين أنّه سبحانه خلق أبانا آدم من سلالة من طين وجعل استمرار نسله نطفة مستقـرّة في قرار مكين، وأُريد منه الرحم حيث يقع في مكان أمين محفوظ من جميع الجهات لإحاطة أغشية البطن المتعدّدة به. هذا من جانب الوجه، ومن جانب الظهر يحفظه العمود الفقري.
هذا هو المختار في تفسير الآية، وهناك رأي آخر حاصله إرجاع الآيتين إلى خلقة جنس الإنسان ولا صلة له بخلقة آدم.
أمّا الآية الأُولى فتوضيحها: أنّ دم الذكر حين يمرّ على غدَّتي التناسل(الأُنثيين) تفرز من الأُنثيين مادّة دهنية شحمية(النِّطاف) تحتفظ بها، فتلك السلالة مخرجة من الطين لأنّها من الأغذية التي أصلها من الأرض.
كما أنّ دم المرأة إذا مرّ على قناة في الرحم ترك فيها بويضات دقيقة هي بذر الأجنّة. وعلى هذا فمعنى الآية: ولقد خلقنا الإنسان من نطفتي الرجل والمرأة اللّتين هما عصارة الأغذية التي أصلها من الأرض.
وأمّا الآية الثانية فهي ناظرة إلى اجتماع تلك المادّتين في الرحم، عند الجماع، فهذه النطفة تستقرّ في مقرّ مكين.

صفحه 44
وعلى هذا فالآية الأُولى ناظرة إلى كلّ من المادّتين المأخوذتين من الغذاء الذي أصله الطين، والآية الثانية ناظرة إلى اجتماع النطفة والبويضة.1
وما ذكرناه أوضح، وعليه السيد الطباطبائي2.
ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى بقية مراحل تكامل خلق الإنسان، وهو في القرار المكين، فقال:
14. (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ):

المرحلة الثانية

أشار سبحانه إلى المرحلة الثانية بقوله:(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) ولمّا كان بين المرحلتين فاصلة زمانيّة وكان جنس النطفة غير جنس العلقة حسّاً أتى بلفظ «ثمّ» و قال :(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً)حيث إنّها بمرور الأيام تتحوّل إلى دم غليظ ملتصق بجدار الرحم، يبدأ بامتصاص دم الأُم، ولذلك عبّر سبحانه عن تلك المرحلة بالعلقة، وهذا من معاجز القرآن العلمية.

المرحلة الثالثة

أشار سبحانه إلى هذه المرحلة بقوله:(فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً): أي

1 . التحرير والتنوير:18/19، بتصرف وإيضاح.
2 . الميزان في تفسير القرآن :15/19.

صفحه 45
جعلنا ذلك الدم الجامد (مُضْغَةً): أي قطعة لحم بمقدار ما يُمضغ، وعطفت تلك المرحلة على المرحلة السابقة بفاء الترتيب دون «ثمّ»، خلافاً للمرحلة السابقة مع وجود الفاصل الزماني بين المضغة والعلقة، ولعلّ وجه ذلك أنّ اللحم والدم الجامد متقاربان وإن كان كلّ طور من الخلقة بخلاف النطفة والعلقة فهما جنسان مختلفان لا تشابه بينهما.

المرحلة الرابعة

أشار سبحانه إلى هذه المرحلة بقوله:(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا)، حيث تتكون العظام من المضغة. يقول علماء الأجنّة: إنّ القرص المضغي يتكون من ثلاث طبقات من الخلايا، وهي: الأديم الظاهر (المضغة الظاهرة)، والأديم المتوسط، والأديم الباطن، وفي عملية تدعى التخصّص تتحرّك خلايا كلّ طبقة إلى أماكن معيّنة في القرص المضغي. ثم تطوى بعضها فوق بعض لتشكّل أنابيب أو عناقيد. وتنمو هذه الأنابيب والعناقيد إلى أنسجة وأعضاء مختلفة للجسم. وتشكّل خلايا الأديم المتوسط العظام والعضلات والأوتار وغيرها.1

المرحلة الخامسة

أشار إليها سبحانه بقوله: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)وهو الجزء اللَّحيم من الجسم الذي يحيط بالهيكل العظمي ولا تدخل فيه الأعضاء الموجودة في التجويف الجسدي، والمعنى: سترنا تلك العظام باللحم فصار اللّحم كالكسوة لها.

1 . الموسوعة العربية العالمية:7/99ـ 100 و 8/537ـ 538.

صفحه 46
يقول سيد قطب في تفسير قوله:(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا): هنا يقف الإنسان مدهوشاً أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقة إلاّ أخيراً بعد تقدّم علم الأجنة التشريحي. ذلك أنّ خلايا العظام غير خلايا اللحم. وقد ثبت أنّ خلايا العظام هي التي تتكون أوّلاً في الجنين. ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلاّ بعد ظهور خلايا العظام، وتمام الهيكل العظمي للجنين. وهي الحقيقة التي يسجلها النصّ القرآني:(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) فسبحان العليم الخبير.1

المرحلة السادسة

وهي مرحلة نفخ الروح الإنسانية في جسم الإنسان، وهي الأصل في خلقته، وقد أشار إليها بقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)ووصفه بخلق آخر لتميّزه بالشعور والاستشعار، وقد عبّر سبحانه عن هذه المرحلة في موضع آخر بقوله: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).2
ولو أضفنا إليها مرحلة الطين أو السلالة منه تبلغ المراحل إلى سبع، وبما أنّا فرّقنا بين الآيتين وجعلنا الأُولى ناظرة لخلقة آدم والثانية لخلقة الإنسان، جعلنا المراحل ستّاً. وعلى التفسير الأخير الذي عليه ابن عاشور يصير سبعاً، وقد نقل هو رواية عن شرح الموطأ وقال: تناجى رجلان في مجلس عمر بن الخطاب وعليٌّ حاضر فقال لهما عمر: ما هذه المناجاة؟

1 . في ظلال القرآن: 6 / 16 ـ 17 .
2 . الحجر:29، وسورة ص: 72.

صفحه 47
فقال أحدهما: إنّ اليهود يزعمون أنّ العزل هو الموءُودة الصغرى، فقال عليّ: لا تكون موءُودة حتى تمرّ عليها التارات السبع (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين)الآية، فقال عمر لعليّ: صدقت أطال الله بقاءك. فقيل: إنّ عمر أوّل من دعا بكلمة «أطال الله بقاءك».1
وبما أنّ لهذه المرحلة مكانة خاصّة تُغاير ما سبق من المراحل، فقد أثنى سبحانه هنا على نفسه ومجّد ذاته بقوله:(فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)والوصف بصيغة التفضيل يدلّ على عدم اختصاص الخلق به جلّ شأنه، بشهادة أنّه ينسب الخلق إلى النبيّ عيسى(عليه السلام) ويقول: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ).2 وأمّا ما يقال من أنّه ليس هناك من يخلق سوى الله، فـ (أَحْسَنُ)هنا ليست للتفضيل، إنّما هي للحُسن المطلق في خلق الله3، فهو كما ترى.
ثمّ إنّه سبحانه عبّر عن المراحل المتقدّمة بالخلق، وعبّر عن المرحلة الأخيرة بالإنشاء، وهو بمعنى إيجاد الشيء وتربيته، وما ذلك إلاّ لاختلاف هذه المرحلة عن المراحل المتقدّمة حقيقة وجوهراً، فالجنين قبل نفخ الروح الإنسانية فاقد لقابلية التعقّل والشعور بخلاف ما إذا تعلّقت به الروح فيتبدّل جوهره ويصير منشأ للعلم والقدرة، فكلّ ما وقع في طريق التكامل يكون نفس الروح واقع الإنسان، والبدن قشره، ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ

1 . التحرير والتنوير:18/21، ولاحظ: الاستذكار لابن عبد البر: 6/227، بحار الأنوار:40/164.
2 . المائدة:110.
3 . في ظلال القرآن:6/17.

صفحه 48
كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).1
فقوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ) جواب عن قولهم: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ).
وجه الجواب: نفترض أنّ الإنسان ضلّ بدنه وتفرّقت أجزاؤه في الأرض ولكنّه لا يكون مانعاً من البعث، وذلك لأنّ ما هو الأصل وواقع الإنسان هو عندنا محفوظ، وهو الذي تأخذه الملائكة الموكّلة بنزع الأرواح، وهذا يدلّ على أنّ الروح هو اللّبّ، والبدن قشر. نعم، بما أنّ الإثابة والعقاب يتوقّفان على تلبُّس الروح بلباس مادّي بدنيّ، فلا محيص في المعاد من عود الروح إلى البدن وبعثهما معاً، وسيوافيك توضيحه في تفسير سورة السجدة.
نعم، هناك فرق بين خلق الله تعالى وغيره، فهو خالق للمادّة والصورة، وأمّا غيره فهو خالق للصورة بمعنى ضمّ شيء إلى شيء حتى تتولّد منه صورة.
ثمّ إنّ الإشارة إلى مراحل الخلق تستهدف بيان غايتين:
الأُولى: لبيان قدرته سبحانه حيث أخرج من الطين إنساناً عالماً، قادراً على تسخير ما في الأرض والسماء من قوى وطاقات.
الثانية: تهيئة الكلام لما يأتي من الآيات:
سورة المؤمنون: الآيات 17 ـ 22   
15 و 16. (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ):

1 . السجدة:10ـ 11.

صفحه 49
بعد أن أشار سبحانه إلى مراحل خلق الإنسان، ذكر بأنّه لم يخلقه للبقاء في هذا العالم بل هو محكوم بالموت كما يقول: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ). نعم، ذكَر موتَ الإنسان ليكون مقدّمة للآية التالية:(ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) لماذا؟ لأنّ البعث غاية الخلق إذ لو كانت الحياة مقصورة على الحياة الدنيوية دون أن يكون بعدها حساب وعقاب وكتاب، لصار الخلق أمراً لغواً، والله سبحانه منزَّه عن ذلك فهو العليم الحكيم.
وبذلك علم أنّ الإشارة إلى مراحل الخلق تستهدف أمرين:
1. بيان قدرته سبحانه.
2. البرهنة على إمكان البعث ووقوعه.

الآيات: السابعة عشرة إلى الثانية والعشرين

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغ لِلآكِلِينَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ).

صفحه 50

المفردات

سَبعَ طرائق: كناية عن السماوات السبع، وأنّ بعضها فوق بعض، من التطارق.
غافلين: غَفَلَ عنه: تركه وسها عنه إهمالاً.
السماء: السحاب، وكلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء.
بقدَر: بمقدار خاص ينفع ولا يضرّ.
أسكنّاه: جعلناه ثابتاً قارّاً في الأرض.
ذَهاب: الذهاب: الإزالة بالتبخير أو بتغويره في الأرض بحيث لا يمكن استخراجه.
شجرة: أُريد بها شجرة الزيتون.
طُور سَيناء: جبل الطور الذي ناجى فيه موسى(عليه السلام) ربّه تعالى.
صِبغ: الصِّبغ: ما يُغمس فيه الخبز كالخلّ والزيت وغيرهما ويؤتدم به.

التفسير

لمّا كانت الغاية هي الاستدلال على قدرته سبحانه، ذكر سبحانه أوّلاً ـ في البرهنة على ذلك ـ مراحل خلق الإنسان لأنّه أقرب الأشياء إليه، ثمّ انتقل إلى بيان العوالم العلوية لأنّ خلقهنّ أعظم من خلق الإنسان، قال سبحانه: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا).1

1 . النازعات:27.

صفحه 51
17. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ):
الآية تحكي عن أمرين:
أوّلاً:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ) فما هو المراد من سبع طرائق؟ ولماذا سمّيت بذلك؟ هاهنا قولان:
الأوّل: أنّ الطرائق السبع كناية عن السماوات السبع التي جاء ذكرها في سبع آيات من القرآن المجيد، وأنّها سُمّيت بذلك لكون بعضها فوق بعض، لأنّه يقال: طارق بين الثوبين: إذا لبس أحدهما على الآخر. وهذا كقوله تعالى:(الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا)1: أي كلّ سماء فوق الأُخرى.
الثاني: أنّ المراد بها السماوات السبع بقرينة قوله: (فَوْقَكُمْ)، ولكن سمّاها طرائق لأنّها ممرّ الأمر النازل من عنده تعالى إلى الأرض، قال سبحانه: (يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)2، وقال: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ)3 مضافاً إلى السُّبل التي تسلكها الأعمال في صعودها إلى الله والملائكة في هبوطهم وعروجهم، كما قال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)4.5

1 . الملك:3.
2 . الطلاق:12.
3 . السجدة: 5.
4 . فاطر:10.
5 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:15/27.

صفحه 52
وعلى هذا فإطلاق الطرائق على السماوات السبع إمّا لكون بعضها فوق بعض، أو لأنّها ممرّ نزول التدبير والملائكة والأعمال.
ثانياً: قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)فما هو المراد من الخلق؟ هاهنا احتمالان:
1. مطلق المخلوقات، فيكون المعنى أنّه سبحانه هو الخالق والمدبّر لها وفق السنن والقوانين التي تجري تحت هيمنته ورعايته، دون أن يفوّض أمر تدبيرها إلى غيره فيكون غافلاً عنها، بل كلّها خاضعة لإرادته، لا يخرج شيء منها عن أمره وتدبيره.
2. خصوص الإنسان، وهو أنّ خلق الطرائق السبع لغاية انتفاع الإنسان في أسفاره في البرّ والبحر، فخلق هذه الطرائق آية الاهتمام بالإنسان وتلبية حاجته في الحياة، وكون نظام الخلقة صالحاً لانتفاعه، قال سبحانه:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).1
18 و 19.(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ):
كان الموضوع في الآية السابقة هو السماء فانتقل منها إلى الماء الذي ينزل من السماء، فجاءت الآية الأُولى تشير إلى أُمور ثلاثة:
1. (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر): أي بمقدار معلوم، بحيث تصلح به

1 . الأنعام:97.

صفحه 53
الحياة على هذا الكوكب، ويفي بمتطلّباتها، كما يقول في موضع آخر: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم).1
2. (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ) بنفوذه إلى أعماقها واستقراره فيها. وكما يُعدّ إنزال الماء من السماء نعمة، فإنّ تخزينه في الأرض نعمة أُخرى، حيث ينفذ قسم منه إلى أعماق بعيدة من الأرض عبر الصخور المُنفذة، فيُخزن فيها، ثم يخرجه سبحانه بمشيئته على هيئة عيون وينابيع، أو يخرجه الإنسان عن طريق حفر الآبار.
قال الدكتور زغلول النجّار: ومن الثابت علميّاً اليوم أنّ الماء الذي خزن في صخور الأرض بتقدير من الله سبحانه وتعالى، أصله كلّه من ماء المطر الذي أنزله ربنا تبارك وتعالى على فترات متطاولة من الزمن، وأنّ هذا الماء يتحرّك رأسياً في مناطق التشبّع السطحية، ثمّ يتحرّك أفقياً أو مائلاً حتى يخزن في أحد مكامن الماء التي أعدّتها الإرادة الإلهية بحكمة بالغة، لمدّة قد تطول إلى عدّة آلاف من السنين، وقد تتجدّد بماء المطر السنوي أو لا تتجدّد.2
3. (وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ) هذه جملة معترضة بين ما تقدّم وما يأتي من ذكر بعض النِّعم، فهي تُلفت نظر الناس إلى عظم نعمة الماء وأنّه سبحانه قادر على إذهابه بالتبخير أو التغوير في شقوق الأرض، وغيرهما، فعلى الناس أن يشكروا الله على هذه النعمة، وقد أشير إلى مضمون هذه الفقرة في آية أُخرى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء

1 . الحجر:21.
2 . من آيات الإعجاز العلمي، الأرض في القرآن الكريم:480.

صفحه 54
مَعِين)1، يقول صاحب الكشّاف: هذه الآية (وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ)أبلغ في الإيعاد من قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا)... فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء، ويقيّدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفادها إذا لم تُشكر.2
وأمّا ما هو وجه كون الآية الأُولى أبلغ في الإيعاد من الثانية، فقد ذكروا لذلك وجوهاً عديدة.
جاء في «روح المعاني»: ذكر صاحب التقريب ثمانية عشر وجهاً للأبلغية، ثم قال: وقد يزاد على ذلك إلى أن يناهز إلى ثلاثين وجهاً.3
وهؤلاء في ذكر هذه الوجوه في بيان التفاوت رفعوا مكانة آية وخفضوا مكانة آية أُخرى، ولو أنّهم وقفوا على موقف الآيتين لخرجوا بنتيجة واحدة، وعليك بالتعرّف على موقفهما وغايتيهما حتى يتبيّن لك أنّ كلاًّ من الآيتين واقعة موقعها دون نقص أو انتقاص.
ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى بعض ما ينتفع به الإنسان من الماء، التي منها إنشاء الجنّات، والجنّات جمع الجنّة بمعنى المكان ذو الشجر، قال سبحانه: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ): أي الماء (جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب)فأشار سبحانه في هذه الآية إلى صنفين من أنفع الأشجار ثمراً وهي النخيل والأعناب.

1 . الملك:30.
2 . تفسير الكشّاف:3/45.
3 . روح المعاني:18/20.

صفحه 55
فإنّ التمر والعنب يتغذّى بهما الإنسان الجائع فيعدّان طعاماً، كما يتلذّذ بطعمهما من غير قصد القوت، فيوصفان بالفواكه، وهذه من خصائص تلك الثمرتين ولذلك خصّهما سبحانه بالذكر، وأمّا ما في التمر والعنب من الفوائد والفيتامينات فقد تكفّل ببيانها علماء التغذية والزراعة، فلنذكر شيئاً موجزاً عن ذلك:
جاء في الموسوعة العربية العالمية: يوجد أكثر من 2700 نوع من النخيل، وتختلف هذه الأنواع كثيراً في حجم الأشجار وشكل الأزهار والأوراق والثمار التي تنتجها وينمو معظمه عالياً بشكل مستقيم لكن في بعض الأنواع قد يمتد الساق على الأرض... إلى أن قال: يمدّنا النخيل بالظل ومواد البناء (خشب الصناعة الخام والخوص) والوقود، كذلك تعتمد عليه صناعة الحبال والمكانس، كما يمدّنا بمواد التغليف التي تمنع تسرّب المياه بين ألواح السفن. كما تصنع الحصر والقبّعات والسلال من شرائح سعف النخيل المجدولة، وتمدّنا أشجار النخيل أيضاً بالزيت اللازم للطعام والإنارة... ثم قال: وثمار البلح أكثر المنتجات شهرة.1
وحول العنب قالوا: العنب ثمرة عصيرية ناعمة القشرة تنمو على شجرة خشبية، وتنمو ثمار العنب في عناقيد تحتوي على عدد من الثمار العنبية يتراوح عددها بين 6 و 300 ثمرة، وقد تكون الثمار سوداء أو زرقاء أو ذهبية تميل إلى الخضرة أو بنفسجية أو حمراء أو بيضاء اعتماداً على صنفها. ويتميّز عنب المائدة بأنّ ثماره كبيرة حلوة المذاق وتتمتع بلون فاقع.

1 . الموسوعة العربية العالمية:25/284ـ 285.

صفحه 56
القيمة الغذائية للعنب: تعدُّ أنواع الزبيب المختلفة مصدراً جيّداً لفيتامين (أ) وفيتامين(ب) بقسميه، كما يُعدُّ أيضاً مصدراً للمعادن كالكالسيوم والحديد والبوتاسيوم، وتحتوي أيضاً على السكر الذي يعطي الطاقة العاجلة.1
ثمّ أشار سبحانه إلى سائر الأثمار التي يتفكّه بها الإنسان فقال: (لَكُمْ فِيهَا): أي في الجنّات (فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ)للتفكّه (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ): أي للطعام.
20. (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغ لِلاْكِلِينَ):
قوله:(وَشَجَرَةً) عطف على جنّات أي: أنشأنا لكم به (شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)وربّما يعبّر عنه بطور سينين كما في سورة التين، وفيه احتمالان:
1. أن يكون المركّب من المضاف والمضاف إليه اسم للجبل كامرئ القيس وبعلبك.
2. أن يكون الطور اسم للجبل وسيناء اسماً للصحراء.
قيل: هو جبل بفلسطين. وقيل: بين مصر وأيلة، ومنه نودي موسى(عليه السلام). وأمّا ما هي الشجرة التي (تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)؟ فلم يسمّها، وإنّما ذكر وصفين لثمرتها:
1. (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ): أي أنّ ثمرتها ملابسة للدّهن، فيستصبح

1 . الموسوعة العربية العالمية:11/499 و ج16/676.

صفحه 57
به الإنسان، وربما يتداوى به.
2. (وَصِبْغ لِلاْكِلِينَ) : أي إدام للآكلين.فتعيّن أن يكون المراد هو الزيتون.
فصارت ثمرة هذه الشجرة كالعنب والتمر، فكما هما للتفكّه والطعام، وهكذا هذه الثمرة للإدهان والائتدام، فكثيراً من الناس يأكل الخبز بزيت الزيتون فيتّخذه إداماً.
بقي هنا كلام، وهو أنّه سبحانه لماذا لم يذكر اسم الشجرة وإنّما عبّر عنها بقوله: (شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)؟ ولعلّه إشارة إلى منبت هذه الشجرة، وأنّها نبتت أوّل ما نبتت في طور سيناء، فإنّ كثيراً من الأُمور تنسب إلى البلد الذي وجدت فيه أو صنعت أوّل مرّة، فيقال ـ مثلاً ـ المهنّد، للسيف الذي يجلب من الهند. يُذكر إنّه سبحانه ضرب بزيت الزيتون مثلاً لنوره في سورة النور1، كما أقسم بثمرها في سورة التين.2
وجاء في الموسوعة العربية العالمية حول الزيتون قولهم:
الزيتون: شجرة تنمو في الأقاليم شبه المدارية، ويزرع أساساً
لزيته الذي يستخدم في الطهي. وتؤكل أيضاً ثمرته بعد تصنيعها. وقد
زرع الناس الزيتون منذ عصور ما قبل التاريخ. ويُعتقد أنّ شجرة الزيتون نمت أوّلاً في شرق حوض البحر المتوسط. ومنذ قرون مضت، بدأت شجرة الزيتون في النمو بشكل برّيّ حول البحر المتوسط. وقد

1 . لاحظ: سورة النور: 35.
2 . لاحظ: سورة التين:2.

صفحه 58
نقل الأسبان الزيتون إلى أمريكا الجنوبية.
وبالرغم من أنّ شجرة الزيتون توجد اليوم في أجزاء كثيرة من العالم، فإنّ الدول الرائدة في زراعة الزيتون توجد في إقليم البحر المتوسط ]يعني: المغرب، تونس، أسبانيا، إيطاليا، اليونان، الجزائر، مصر، سوريا[.
ثم جاء في نفس المصدر قولهم: تعيش شجرة الزيتون عمراً أطول من معظم الأشجار المثمرة الأُخرى، فبعض أشجار الزيتون زرعها الامبراطور الروماني هادرريان في عام 140م وما زالت حيّة.
كما أنّ هناك أشجار زيتون في فلسطين قد يكون عمرها أكثر من 2000عام.1
21 و 22.(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ):
سورة المؤمنون: الآيات 23 ـ 30   
هاتان الآيتان كالآية السابقة عطف على قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)والنعمة التي أشارت إليها من نتائج الماء وثمراته ولولاه لما وجدت دابّة على وجه الأرض، وقد ذكر سبحانه في هذه الآية للأنعام فوائد مهمّة، والتدبّر فيها يبعث الإنسان إلى الإذعان بقدرته سبحانه وسعة علمه، ولذلك يقول: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً): أي لدليل على قدرته وعلمه، وأمّا ما هي فوائدها فيذكر منها ما يلي:

1 . الموسوعة العربية العالمية:11/691ـ 692.

صفحه 59
1. (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) إشارة إلى الألبان التي ينتفع بها الإنسان.
2. (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ) كشَعرها وصوفها ووبَرها.
3. (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) لحومها.
4. (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) في تنقّلكم وأسفاركم، وقد اشتهر أنّ الإبل سفائن البرّ، كما أنّ الفُلك سفائن البحر.
قوله: (وَعَلَيْهَا) يرجع إلى الأنعام ولكن المراد به الإبل على وجه الاستخدام وذلك لوجود القرينة، لأنّ الذي يُتّخذ للحمل هو الإبل خصوصاً في الصحراء الرملية القاحلة، وأمّا المرجع فالمراد مطلقها باعتبار أنّ إرادة العموم مقتضى الامتنان.

الآيات: الثالثة والعشرون إلى الثلاثين

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين * قَالَ رَبِّ انْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ

صفحه 60
مُغْرَقُونَ * فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ).

المفردات

الملأ: أشراف القوم ووجوههم.
أن يتفضّل عليكم: أي يترأس عليكم حتى تكونوا تبعاً له.
جِنّة: حالة جنون.
فتربّصوا: فانتظروا.
بأعيننا: بحراستنا.
وحْيِنا: أي بأمرنا وإعلامنا إياك كيفية صنعها.
فار: نبع.
التنّور: نوع من المواقد يُخبز فيه.
استويتَ: الاستواء هنا، بمعنى الاستقرار والتمكّن.

التفسير

بدأ سبحانه ـ بعد ما ذكر دلائل باهرة على قدرته الواسعة وتوحيده في التدبير ـ ببيان مواقف بعض حياة الأُمم، من الأنبياء الذين حملوا إليهم

صفحه 61
الدعوة إلى عبادة الله وحده والإيمان باليوم الآخر، وبهذا يظهر وجه الصلة بين هذه الآيات وما سبقها، حيث إنّ الآيات السابقة كانت تركّز على التوحيد وأنّه لا إله إلاّ هو سبحانه، فناسب أن يذكر كفاح الأنبياء ضدّ المنحرفين عن خطّ التوحيد.
وإن شئت قلت: لمّا كانت الآية المتقدّمة موجَّهة إلى المشركين الذين أنكروا نبوّة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ناسب أن يذكر المتقدّمين عليهم من المشركين ليبيّن أنّ مواقفهم من أنبيائهم تماثل موقفهم، ويلفت النظر إلى أنّ منطق الجميع واحد، فليحذر هؤلاء، إذا لم يرعووا، أن يصيبهم مثل ما أصاب أُولئك من عذاب الاستئصال، ومن هنا بدأ بذكر قصة النبي نوح(عليه السلام)، وقال:
23. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ):
ذكر سبحانه اسم النبي نوح(عليه السلام) في ثمانية وعشرين سورة ضمن ثلاث وأربعين آية شريفة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّه كان من الأنبياء الكبار الذين لهم دور مهمّ في الدعوة إلى الإيمان بالله وتوحيده ومكافحة الوثنية، كما أنّه يعتبر الأب الثاني للمجتمع البشري، فقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) وأمّا رسالته فيذكرها بقوله: (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ) ثمّ حذّرهم بقوله: (أَفَلاَ تَتَّقُونَ): أي أفلا تخافون عذاب الله في ترك عبادته، والتوجّه إلى عبادة مخلوقاته؟

صفحه 62

التُّهم والشبهات المثارة حول دعوته(عليه السلام)

لجأ قوم نوح(عليه السلام) إلى اختلاق الذرائع لتبرير كفرهم وتمرّدهم على الحق، وإلى رمي نبيّهم بالتّهم الباطلة، وهي كما يلي:
24. (فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ):

الذريعة الأُولى: كونه بشراً

يظهر من هذه الفقرة أنّ هذه الذريعة اختلقها الملأ وهم وجوه قومه، قال سبحانه: (فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فلا يميّزه عنكم شيء يجعله مؤهَّلاً للاتّصال بالله، وكأنّ حمل الرسالة الإلهية ـ عندهم ـ لا ينسجم مع بشرية الرسول بل يجب أن يكون ملَكاً فوق البشر!! وبما أنّ هذا المدّعي بشر مثلنا فلا مزية له علينا، حتّى يكون رسولاً مطاعاً من الله.
ولا شكّ في سقوط هذه الذريعة، حيث إنّهم يجعلون من نفوسهم المريضة مقاييس ثم يعجبون من جريان الأُمور على خلاف مقاييسهم ونظرياتهم، وأنت ترى أنّ التذرّع بكونه بشراً من هذه المقولة. نعم إنّ النبيَّ نوحاً(عليه السلام) كان بشراً، ولكن أين هو من هؤلاء الكفّار المعاندين؟ لقد عرف(عليه السلام)ربّه سبحانه بفطرته وعقله، وزكّى نفسه، فصار قابلاً لأن يقع طرفاً لخطاب الله تعالى ووحيه.

صفحه 63

الذريعة الثانية: (يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)

وهذه ذريعة ثانية وفي الوقت نفسه اتّهام، فهم يتّهمونه بأنّه يضمر حبّ الرئاسة والاستئثار بغنائم الحياة، وإنّه ـ في زعمهم ـ يتّخذ من دعوته غطاء لتحقيق مآربه ومصالحه الشخصية كما يقول: (يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ).
ثم عادوا إلى تحكيم الذريعة الأُولى وهي أنّ البشرية لا تنسجم مع النبوّة فقالوا: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً): أي لو شاء الله ألا يُعْبد إلاّ هو لأنزل ملائكة تدعونا إليه، ثم أضافوا أمراً آخر وقالو: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا): أي ما يدعو إليه نوح من عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأوثان (فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) والأُمم الماضية.
25. (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين):

الذريعة الثالثة: الاتّهام بالجنون

لمّا كان الملأ خائفين من تأثّر الشباب وعامّة الناس بتبليغ النبيّ نوح(عليه السلام)ودعوته، حاولوا أن يلصقوا به تهمة الجنون حتى يتبعدوا عنه، ولا يعبأوا بكلامه فقالوا: (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ): أي به شيء من الجنون، جنوناً خفيفاً لا تظهر آثاره إلاّ بالدّقة، ولذلك لا يجوز لنا قتله وإنّما الحيلة هي الانتظار حتى يموت كما يقول: (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين).
ثمّ إنّه سبحانه نقل عن النبيّ نوح(عليه السلام) جداله مع قومه وردوده عليهم في غير واحدة من السور1 التي تتضمّن ردوده على تلك التُهم، ولكن

1 . لاحظ : الأعراف:61 و 62; هود:29، الشعراء:114، وغيرها.

صفحه 64
البيان القرآني هنا ترك ذلك واقتصر على ذكر دعائه عليهم.
26. (قَالَ رَبِّ انْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ):
لمّا يئس نوح(عليه السلام) من إيمان قومه ورأى أنّ دعوتهم بفنون مختلفة لا تزيدهم إلاّ كفراً وعناداً، كما حكى ذلك سبحانه عنه بقوله: (وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)1 دعا ربّه أن ينتقم له من هؤلاء المكذّبين وقال: (رَبِّ انْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ) وكأنّه دعاء استئصال، والباء في قوله: (بِمَا كَذَّبُونِ) يحتمل أن يكون للسببية أو للمقابلة، ويدلّ على ذلك ـ أي أنّه دعاء استئصال ـ ما جاء في سورة نوح من بيان محتوى الدعاء، قال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا).2
27. (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ):

1 . نوح:7.
2 . نوح:26ـ 27.

صفحه 65

صنع الفلك وسخرية قومه

هذه الآية وحدَها جامعة للحوادث الكثيرة التي بدأت من صنع السفينة إلى غرق الكافرين، وقد جاء شرح هذه الوقائع في سورة هود من الآية 36 إلى 44.
لمّا تعلقّت إرادته سبحانه باستئصال الكافرين، أمر نبيّه نوحاً بصنع الفلك، حتى يُهلك الكافرين غرقاً وينجي المؤمنين بالركوب فيها. ومن المعلوم أنّ نوحاً(عليه السلام) كان يعيش في أرض بعيدة عن البحر ولم يكن آنذاك في بلاده أيُّ فلك حتى يتعلّم كيفية صنعها، فلابدّ إذاً من تعليمه بوحي من الله كما يقول:(فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) فما هو الموحى؟ هو ما يلي: (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ)والظاهر أنّ (أَن)تفسيرية وليست مصدرية، مستعينـاً (بِأَعْيُنِنَا): أي حراستنا (وَوَحْيِنَا): أي تعليمنا.
قال الشريف الرضي حول هذه الفقرة:(أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا): وهذه استعارة، والقول فيها كالقول في (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْني)1 على حدّ سواء، فكأنّه سبحانه قال: «اصنع الفلك» بحيث نرعاك ونحفظك ونمنع عنك من يريدك، أو يكون المعنى: واصنع الفلك بأعين أوليائنا من الملائكة والمؤمنين، فإنّا نمنعك بهم، ونشدُّك بمعاضدتهم، فلا يصل إليك من أرادك، ولا تبلغك مرامي من كادك.2
قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا): أي حان القضاء الإلهيّ بإبادة الكافرين

1 . طه:39.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:153.

صفحه 66
وإهلاكهم (وَ)قُرن بأمر غريب وهو أنّه إذا (فَارَ التَّنُّورُ): أي فار التنّور الذي هو محلّ النار ـ الذي يُخبز فيه ـ بالماء، فاعلم أنّ هذا أمارة على نزول العذاب عليهم، وعندئذ يلزمك أمران:
1. (فَاسْلُكْ): أي أدخل (فِيهَا): أي في الفلك (مِنْ كُلّ): أي من كلّ نوع من الحيوان (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ): أي ذكر وأُنثى.
2. (وَأَهْلَكَ): أي أدخل أهلك فيها، وأُريد بالأهل أهل بيته وولده خاصّة، واستثنى منهم (إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ): أي من أهلك، والظاهر أنّ الاستثناء متّصل بشهادة قوله: (مِنْهُم)، وعلى هذا يبقى الكلام في عدم استثناء من آمن من قومه فقد استثناه ولم يُذكر في المقام، للاكتفاء بالتصريح به في سورة هود، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ).1
ثمّ إنّه يقع الكلام في معنى الاستثناء أي (إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) فقد فسّروه بكنعان ابنه وأُمّه.
ولا يخلو من تأمّل إذ لو كان المراد هو كنعان وأُمّه، لما دعا ابنه لركوب السفينة معه، كما قال سبحانه:(وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ)(2)، ومن هنا قال السيد الطباطبائي: كان نوح يرى أنّ المستثنى هو زوجته فحسب حتى بيّن الله تعالى أن ابنه ليس من أهله وأنّه عمل غير صالح، فعند ذلك علم أنّه من الذين ظلموا.2

1 . هود: 40.   2 . هود: 42.
2 . الميزان في تفسير القرآن:10/227.

صفحه 67
هذا، وقد قيل أنّ التنّور كان في مسجد الكوفة أي في موضعه عن يمين الداخل من باب كندة، ومع ذلك فهناك احتمالان آخران:
1. أن يكون المراد بقوله: (فَارَ التَّنُّورُ) كناية، كما في قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «الآن حميَ الوطيس»: أي اشتدّت المعركة.
2. أنّ المراد بالتنّور ـ كما روي عن ابن عباس ـ وجه الأرض،1فيكون المعنى: ونبع الماء من وجه الأرض.2
ومهما يكن، فإنّ استئصال القوم بالغرق ومشاهدة نوح أجساد قومه فوق الماء ربما يسبب انكسار قلبه وهيجان عواطفه فيدعو إلى نجاتهم ويبعثه إلى الشفاعة بحقهم ولذلك ينهاه سبحانه بقوله: (وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا): أي لا تكلمني فيهم بشفاعة وإنجاء لهم من الغرق، لماذا؟ (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ): أي مقضيّ عليهم بالإغراق قضاء باتّاً لا بداء فيه.
ويمكن أن يكون سبحانه قد عنى بذلك ابنه، الذي لا يظهر من الآيات أنّ نوحاً(عليه السلام) كان يعلم كفره وأنّ كلمة العذاب قد حقّت عليه بعصيانه وأنّه غير مشمول بما وعده ربّه بقوله له: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ)3، ولذلك نادى(عليه السلام) ربّه في ولده مستنجزاً وعده، وقال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ).4

1 . التبيان في تفسير القرآن: 5/486.
2 . ومن أعجب ما قرأت قول الشيخ محمد أبو زهرة إنّ في قوله: (وَفَارَ التَّنُّورُ) ما يشير إلى أنّ الفلك كانت تسير ببخار الماء. زهرة التفاسير:10/5066.
3 . العنكبوت:33.
4 . هود:45.

صفحه 68
28. (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ):
بعد أن طلب نوح(عليه السلام) الانتصار على قومه واستجاب الله دعاءه، أمره سبحانه بحمده والثناء عليه إذا اطمأنّ في السفينة وقال: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ): أي حصل الاستقرار لك (و)لـ(مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ)فعليك بحمد الله والثناء عليه (فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أنفسهم بالشرك والتمرّد على الحقّ.
وكأنّ الآية تأمر نوحاً أن يشكر الله أمام هذه النعمة الكبرى، حيث كان مبتلىً بصدود واستهتار قوم كافرين نحواً من ألف سنة، فأنجاه الله سبحانه منهم.
ومثل هذه النعمة لا تُترك بلا حمد وشكر وثناء.
ثم أمره سبحانه بأن يتضرّع إليه بدعاء آخر، وهو طلب المنزل المبارك، وقال:
29. (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ):
سورة المؤمنون: الآيات 31 ـ 41   
فقوله: (مُنْزَلاً) يمكن أن يكون اسم مفعول من (أنزله) فيكون بمعنى أنزلني منزلاً أي مكاناً مباركاً، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الإنزال، ولعلّ الثاني أوضح، أي أنزلني إنزالاً فيه خير وبركة، وذلك لاحتمال التعرّض للبلاء بعد النزول من السفينة من أجل الغذاء والمسكن، فأمره سبحانه أن يقول: (رَبِّ أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ).

صفحه 69
ثمّ إنّ الهدف من سرد هذه القصة هي الإشارة إلى سنّة من سنن الله تعالى، كما قال:
30. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ):
أشار في هذه الآية إلى أمرين:
الأوّل:(إِنَّ فِي ذَلِكَ) : أي فيما تقدّم من سرد قصة نوح(عليه السلام) واستئصال قومه (لاَيَات)لمن يعتبر، وأنّ الله سبحانه يُمهل ولكن لا يَهمل ويترك الظالمين يوغلون في ظلمهم.
الثاني: (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ): أي كان من شأننا الابتلاء والامتحان، والابتلاء يشمل العباد كافّة، فيتعرّض له الأولياء وسائر الناس.
أمّا الأولياء من الأنبياء والأوصياء فلترتاض به نفوسهم وتظهر كمالاتهم الغيبية، وأمّا سائر الناس فلكي يتميّز الخبيث من الطيّب، ولكنّ العاقبة للمتقين. ولعلّ في هذه الآية تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ابتلي بقوم يكذّبونه ويؤذونه فإنّ في مثابرة النبيّ إظهاراً لما خفي من كمالات النبي الروحية والدواعي الإلهية.

الآيات: الحادية والثلاثون إلى الحادية والأربعين

(ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ

صفحه 70
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبّ ِانْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

المفردات

قرناً: القَرن: أهل العصر الواحد، فإذا هلك أكثرهم، قيل: انقضى قرنهم.
أترفناهم: وسّعنا عليهم وجعلناهم في تَرَف ونعيم.
لَخاسرون: الخاسر: المتضرّر.
هيهات: بَعُدَ.
ما توعدون: أي البعث والحساب.
بمؤمنين: مصدّقين.
ليصبحنّ: أي عندما يدخلون في الصباح.
الصيحة: الصوت الذي تفزع له القلوب، وأُريد هنا صوت الصاعقة.

صفحه 71

التفسير

تقدّم أنّ الآيات الواردة قبل قصة نوح(عليه السلام) تخاطب المشركين ببيان قدرته وتوحيده، فصار ذلك سبباً للعبرة بمصير بعض الأقوام الذين أنكروا وحدانيّته وتدبيره، فعبدوا الأوثان دون عبادة الله، فذكر مصير قوم نوح ثم عاد البيان القرآني إلى ذكر أقوام آخرين كان مصيرهم مثل مصير قوم نوح، وقال:
31. (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ):
أي أوجدنا من بعد مهلك قوم نوح(عليه السلام) قوماً آخرين، فهنا احتمالان:
الأوّل: أُريد بهم قوم عاد، لأنّه سبحانه بعث بعد نوح(عليه السلام) النبيَّ هوداً(عليه السلام)إلى عاد، فيصير ذلك قرينة على أنّ المراد من قوله: (قَرْنًا آخَرِينَ)هم قوم عاد، وأنّه سبحانه كلّما ذكر قصّة نوح، أردفها بقصّة هود.
الثاني: أنّ المراد هم قوم ثمود لأنّه سبحانه يذكر في هذه السورة الآية (41): (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)فالآية صريحة بأنّ استئصالهم وهلاكهم كان بسبب الصيحة، وهذا من خصائص ثمود (قوم صالح(عليه السلام))، وقد جاء التصريح بذلك في قوله سبحانه: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ).1
وأمّا عادٌ(قوم هود(عليه السلام)) فأُهلكوا بريح عصوف مدمّرة، يقول سبحانه:(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة)،(2) فعلى ذلك نرجّح أن

1 . هود:67 .   2. الحاقّة: 6.

صفحه 72
تكون هذه المجموعة ناظرة لثمود الذين بُعث إليهم نبيّهم صالح(عليه السلام)كما يقول:
32. (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ):
قوله تعالى:(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ): أي في القرن الذين أنشأهم من بعد قوم نوح (رَسُولاً مِنْهُمْ): أي من قبيلتهم، يعني صالحاً(عليه السلام) كما رجّحنا، وهو ثالث الأنبياء المذكورين في القرآن ممّن دعوا إلى التوحيد وكافحوا الشرك بقرينة قوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ). وكانت الوثنية راسخة في هؤلاء القوم فأراد نبيّهم(عليه السلام)تحرير أفكارهم من ربق التقليد الأعمى وتحرير إرادتهم من تسلّط الجبابرة المترفين الذين فرضوا الوثنية على قومهم كما سيأتي في الآية التالية، ولذلك قال لهم: (أَفَلاَ تَتَّقُونَ): أي تخافون عاقبة ترك عبادة الله؟ فخطابه وتهديده مطابقان لخطاب نوح(عليه السلام)وتهديده حيث قال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ).1
33. (وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ):
يظهر من مواضع كثيرة في القرآن المجيد ومنها هذا الموضع

1 . المؤمنون:23.

صفحه 73
(الآيات: 33 ـ 38) أنّ الملأ وأكابر القوم هم الذين كانوا يروِّجون الوثنية ويصدّون الناس عن التوحيد وعبادة الله، ويثيرون الشبهات الباطلة حول الرسالات الإلهية، ويرمون أصحابها بالتّهم الظالمة.
وهذه الآية تصف هؤلاء الكبراء بأُمور ثلاثة:
1. الكفر، ويدلّ عليه قوله: (وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله بعبادة غيره.
2. التكذيب بالبعث، ويدلّ عليه قوله: (وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ): أي بلقاء الحياة الآخرة التي فيها الحساب والثواب والعقاب.
3. التترُّف والتنعّم، ويدلّ عليه قوله:(وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)حيث تحوّل ما أُفيض عليهم من النِّعم إلى حالة من الترف، فصاروا متوغّلين في ملاذّ الدنيا، مستغرقين في أجوائها المادّيّة.
وفي الآية دليل على أنّ الترف يجرّ إلى نسيان الله تبارك وتعالى وإنكار المعاد، وإلى مواجهة الدعوات الإصلاحية ومناهضة أصحابها، دفاعاً عن الأوضاع الاجتماعية الفاسدة التي أتقنوا استغلالها في كسب الامتيازات الطبقية، والعيش في ظلال الترف.
ولكي تقف على ما يستلزمه الترف من الإقدام على المعاصي والآثام، والبغي على الحقّ وأهله، هاك جانباً من رسالة الإمام عليّ(عليه السلام) إلى معاوية زعيم الفئة الباغية:
«وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا. دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا،

صفحه 74
وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا. وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لاَ يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌّ، فَاقْعَسْ عَنْ هذَا الاَْمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلاَ تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ».1
ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى منطقهم في تحريض الناس على عدم الإيمان برسالة نبيّهم صالح(عليه السلام)وهو عبارة عن المقولات التالية:
المقولة الأُولى، قوله تعالى:(مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)هذه هي المقولة الواهية التي كانت سائدةً بين الأقوام الغابرة واللاحقة، وكأنّهم يرون الرسالة فوق أن يتحمّلها إنسان يأكل ويشرب، غافلين عن أنّ البشر المبعوث إليهم ذو عقل واسع وإيمان راسخ يجعله صالحاً لأن يقع مورداً للخطاب.
المقولة الثانية، قوله تعالى:
34. (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ):
وهذه نفس مقولة قوم نوح لكن باختلاف في التعبير حيث قالوا: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ).2
وأمّا هؤلاء فقالوا: (إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ): أي تصيرون تابعين بعد أن كنتم متبوعين.

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 10.
2 . المؤمنون:24.

صفحه 75
المقولة الثالثة، قوله تعالى:
35. (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ):
الآية تحكي أنّ أساس الدين أو مِنْ أُسسه الاعتقاد بالحياة الأُخروية، وكانت الدعوة إليها منطق عامّة الأنبياء ومنهم صالح(عليه السلام)، فكان يدعو الناس إلى الحياة الأُخروية والبعث بعد الموت، ولذلك كان الملأ يتعجّبون من وعده ويقولون: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ) ودفنتم (وَكُنْتُمْ): أي وصرتم (تُرَابًا وَعِظَامًا)قدّم التراب على العظام لأجل أنّ اللحم يتبدّل إلى التراب مع وجود العظام، ولذلك قال:(تُرَابًا وَعِظَامًا)يعِدُكم (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ): أي مبعوثون.
وبما أنّ الآية لم تتضمّن إنكار الملأ صريحاً، جاءت الآية التالية صريحة في الإنكار.
36. (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ):
قوله: (هَيْهَاتَ) اسم فعل نائب عن فعل «بَعُد»، قال ابن مالك:
ما نابَ عن فعل كشَتّانَ و صَهْ *** هُوَ اسْمُ فعل و كذا أوِّهْ و مَهْ
أي بَعُد (لِمَا تُوعَدُونَ) أيّها الناس، لماذا؟الجواب في الآية التالية:
المقولة الرابعة، قوله تعالى:

صفحه 76
37. (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ):
أي إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وليس لنا حياة بعدها، فصار بياناً للاستبعاد الذي جاء في قوله: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) والضمير المؤنث يرجع إلى الحياة، المعلوم من سياق الكلام (نَمُوتُ): أي قوم منّا(وَنَحْيَا): أي يأتي قوم آخرون (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) للحياة الثانية وراء الدنيا.
وعلى هذا التفسير فمتعلّق الحياة والموت، طائفتان.
ويحتمل أن يقال: إنّ المتعلّق واحد، والمراد حياتهم وموتهم، وإنّما قدّم الموت على الحياة وقال: (نَمُوتُ وَنَحيا) ولم يقل: «نحيا ونموت»، لصيانة التطابق بين الفقرتين أعني: (إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)و الّتي(نَمُوتُ وَنَحيا).
المقولة الخامسة، قوله تعالى:
38. (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ):
هذه هي المقولة الخامسة من مقولاتهم الفاجرة، حيث اتّهموا النبيّ صالحاً بالكذب على الله، وقالوا: (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا) بادّعائه الوحي والاتّصال بالغيب، وكأنّهم جعلوا هذا الاتّهام مبرّراً لقولهم: (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) إذ لا ينبغي لنا أن نصدّق الكاذب في ما يقوله، ويدعو إليه.
إلى هنا تمّ ذكر مواصفات المكذِّبين وما تذرّعوا به في رفض دعوة الأنبياء، ويظهر من سائر الآيات أنّهم عبّروا عن تشاؤمهم منه أيضاً و(قَالُوا

صفحه 77
اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)1، وقد اختصر البيان القرآني في سرد قصة قوم صالح مع نبيّهم وأشار إلى موجز من الحوار الذي دار بينه وبينهم عبر سنين حتى أنّه لم يذكر طلب معجزتهم الكبرى، أعني: الناقة، كما لم يذكر إجابة صالح(عليه السلام)لطلبهم، بل اكتفى بقوله:
39. (قَالَ رَبّ ِانْصُرْني بِمَا كَذَّبُونِ):
وقد نطق بهذا القول النبيّ نوح(عليه السلام) من قبل، كما جاء في قصته في الآيات المتقدّمة.(2)
ولو ضُمَّ سائر الآيات الواردة حول قوم صالح لأذعن القارئ بأنّ نبيّهم قد أتمّ عليهم الحجّة ولكنّهم بلغوا في العناد والقسوة مرتبة عالية حتى عقروا ناقة الله التي كانت هي الآية الكبرى من الله لنبيّه(عليه السلام)، فعندئذ استحقّوا العذاب الإلهي باستئصالهم، استجابه لدعاء صالح(عليه السلام)كما يقول:
40. (قَالَ عَمَّا قَلِيل لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ):
قوله:(عَمَّا قَلِيل): أي بعد زمان قليل (لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ): أي عندما يشاهدون طلائع العذاب ومقدّماته.
41. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ):
قوله: (بِالْحَقِّ) الباء للمصاحبة أي (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) أخذاً ملابساً

1 . النمل: 47.   2 . لاحظ : المؤمنون: 26.

صفحه 78
للحقّ ومصاحباً معه، ويظهر من آية أُخرى أنّهم أُهلكوا عند الصباح كما قال: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ).1
وهذا دليل على أنّ قوله في الآية السابقة: (لَيُصْبِحُنَّ) بمعناه اللغوي أي يدخلون فى الصباح نادمين، لا بمعنى الصيرورة.
وفي قوله تعالى:(فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) إشارة إلى شدّة العذاب الذي حلّ بهم وإلى المصير المهين الذي انتهوا إليه، حيث لم يُترك منهم إلاّ حطام يشبه البالي من ورق الشجر الذي يحمله السيل في جريانه السريع (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ): أي بُعداً لهم من الرحمة، وهي كاللّعنة التي هي إبعاد من رحمة الله.
سورة المؤمنون: الآيات 42 ـ 44   

الآيات: الثانية والأربعون إلى الرابعة والأربعين

(ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرا كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ).

المفردات

تترا: مصدر كبَلوى وسَلوى ودعوى، أصله «وترى» قلبت الواو تاءً نظير قولهم: التراث، وكان اللازم أن تكتب «تترى» على الألف المقصورة،

1 . الحجر:83.

صفحه 79
ولكن المصاحف اتّفقت على كتابتها بالممدودة. ثم إنّ هذه الكلمة تستعمل إذا تعاقب شيء مع شيء مع وجود فاصل زماني بينهما، وإذا لم يكن فاصل زماني يستخدم «تدارك».
أحاديث: جمع أُحدوثة، وهي ما يُتحدَّث به تعجّباً على وزن أباطيل وأقاطيع، لكن يظهر من الزمخشري أنّه مشترك بين أمرين، قال: إنّ أحاديث اسم جمع للحديث ومنه أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتكون جمعاً للأُحدوثة التي هي مثل الأُضحوكة والأُلعوبة والأُعجوبة، وهي ممّا يَتحدَّث به الناس تلهِّياً وتعجُّباً.1

التفسير

قصص لوط وشعيب وغيرهما

إنّه سبحانه يحكي بهذه الآيات عن سنَّتين:
الأُولى: أنّه سبحانه خلق الإنسان وما تركه سُدى، ففي كلّ عصر بعَث رسولاً لهداية الناس ودعوتهم إلى الطريق المستقيم، وهذه سنّة ثابتة من الله سبحانه.
الثانية: سنّة التكذيب من المبعوث إليهم، فما زال الأنبياء مبعوثين إلى هذه القرون، وهم أيضاً ثابتون على سنّة تكذيبهم وردّهم، قال:
42. (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ):

1 . تفسير الكشّاف:3/48.

صفحه 80
قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ): أي أوجدنا من بعد هلاك قوم نوح وصالح(عليهما السلام)(قُرُونًا آخَرِينَ) أُمماً آخرين. وأمّا من هي هذه الأُمم؟ فيظهر من القرآن الكريم أنّهم قوم لوط وشعيب وغيرهم من الأقوام التي لم تذكر قصصهم في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ).1
43.(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ):
قوله:(مِنْ أُمَّة) زائدة للتأكيد، والمجرور محلّه الرفع لكونه فاعلاً للفعل: أي ما تتقدّم أُمّة من تلك الأُمم المهلكة(أَجَلَهَا):أي الوقت الذي قدّر لهلاكهم(وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) عنه، فإنّ لكلّ شيء ميقات. وفي هذا وعيد للمشركين.
44. (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرا كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ):
الآية تقرّر ما ذكرنا من وجود سنّتين: سنّة من الله سبحانه، أعني: بعث الأنبياء لهداية الناس، وكما تأتي الأُمم متتابعة، بعضها إثر بعض، كذلك يأتي الرسل متتابعين، كما يقول:(ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرا): أي واحداً بعد الآخر.
سورة المؤمنون: الآيات 45 ـ 49   
وسنّة من المبعوث إليهم وهي سنّة التكذيب، كما قال: (كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ): أي قاموا بتكذيب من بُعث إليهم من عند ربّهم، فعندئذ عمّهم العذاب كما قال: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا): أي أهلكنا بعضهم إثر بعض

1 . النساء:164، ولاحظ : غافر: 78.

صفحه 81
حين كذّبوا الرسل (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) وهو تعبير رائع عن هؤلاء المكذّبين، أي لم يُر لهم أثرٌ في المجتمع إلاّ التحدّث على ألسن الناس، وكأنّه لم يكن لهم وجود ودور!! ونظير هذا قوله سبحانه: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق)1.
ثم قال تعالى: (فَبُعْدًا لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ) بالرُّسل وبما جاءوا به من الحقّ ظلماً وعدواناً، وهذا نظير قوله المتقدّم: (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

الآيات: الخامسة والأربعون إلى التاسعة والأربعين

(ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ).

المفردات

بآياتنا: الآيات هي المعاجز التسع التي أُعطيها موسى(عليه السلام).
سلطان: السلطان: الحجّة والدليل.
عالين: مستكبرين.
عابدون: خادمون منقادون.
الكتاب: أُريد به هنا التوراة.

1 . سبأ:19.

صفحه 82

التفسير

قصة موسى وهارون(عليهما السلام)

استعرض سبحانه هنا بإيجاز قصة موسى وهارون وإرسالهما إلى فرعون، والوجه المشترك بينهما ومن تقدّم من الأنبياء هو وجود سنّتين من الله سبحانه ومن المبعوث إليهم، حيث قضت مشيئته سبحانه بإنقاذ البشر من الجهل وإرشادهم إلى العلم، لكن جرت سنّة المبعوث إليهم ـ إلاّ القليل منهم ـ على تكذيب الأنبياء كما قال:
45. (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين):
قوله:(ثُمَّ) لبيان الترتيب (أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ): أي بعثناهما مزوَّدَين (بِآيَاتِنَا)بمعاجزنا (وَسُلْطَان مُبِين): أي حجّة قاطعة.
46. (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ):
بعث الله سبحانه موسى وأخاه هارون إلى فرعون وملئه أي كبراء ووجهاء بلاطه، واقتصر على ذكر فرعون والملأ مع أنّهما بُعثا للفراعنة جميعاً ; وذلك لأنّ البعث إليهما يلازم البعث إلى غيرهم أيضاً، ولكن كفروا بنعمة الله(فَاسْتَكْبَرُوا) وتجبّروا عن الإجابة لهما، لماذا؟ لأنّهم كما يقول: (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ): أي كانوا متكبّرين بالذات، مستعلين على غيرهم.
وأمّا وجه استعلائهم واستكبارهم فهذا ما تذكره الآية التالية:
47. (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ):

صفحه 83
قد أسفرت الآية عن وجه استكبارهم وهو أنّهم استفهموا في أنفسهم استفهاماً إنكارياً: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا): أي لرسوليهما. وكأنّ الرسالة من الله سبحانه لا تنسجم مع بشرية الرسل، والعجب أنّ هذا هو نفس منطق قوم نوح وقوم صالح. 1
كلّ ذلك يدلّ على طغيانهم وغطرستهم، فإنّ المُرشِد (بالكسر) يجب أن يكون مجانساً للمُرشَد(بالفتح) وإلاّ لم يتمكّن من إرشاده.
هذا هو الوجه الأوّل، وأمّا الوجه الثاني لتكذيبهم فهو ما يبيّنه قوله تعالى: (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)أي أقوام هؤلاء عبيدنا وخدمنا خاضعون لنا ومؤتمرون بأمرنا، فلو صدّقنا رسالة هؤلاء لانقلب الأمر، أي لصار هؤلاء أسياداً ونحن منقادون.
ولعلّ الوجه الثاني هو الأساس لتكذيبهما.
48. (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ):
الآية ناظرة إلى سُنّة من سُنن التاريخ التي وضعها الله سبحانه، وهي أنّه إذا تمّت الحجّة على العباد ولم يستجيبوا لها واستمرّوا على خطّ العناد، عمّهم العذاب كما قال: (فَكَذَّبُوهُمَا): أي كذّبوا موسى وهارون (فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ): أي ممّن قضينا عليهم بالهلاك (غرقاً) كما أُهلكت الأُمم السابقة، ومع ذلك فالله سبحانه لم يترك موسى بعد غرق فرعون وجنوده، بل أمره بقيادة قومه بني إسرائيل وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم ولذلك كرّمه بنزول الكتاب وقال:

1 . لاحظ: المؤمنون: 24 و 133.

صفحه 84
49. (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ):
يراد بالكتاب التوراة، وقد أُنزل ليهتدي بنو إسرائيل بمعارفه وأحكامه إلى الحقّ وسبيل الرشاد، كما قال: (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)ولكنّهم لم يهتدوا ولن يهتدوا بعد أن حرّفوا التوراة واتّبعوا الشهوات، وملأوا الدنيا فساداً وضلالاً.1
وقد اختصر البيان القرآني قصة رسالة موسى وهارون وحوارهما مع فرعون، وكيفية إنجاء بني إسرائيل وسَوقهم إلى صحراء سيناء، لأنّ الغرض هنا هو تسلية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتثبيت قلبه الشريف من جهة أنّ تكذيب قريش ليس أمراً عجيباً، فقد كُذّب رسل الله من قبله.
سورة المؤمنون: الآية 50   

الآية: الخمسون

(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة ذَاتِ قَرَار وَمَعِين):

المفردات

آية: الآية: الحجّة والبرهان.
آويناهما: جعلنا مأويهما ومنزلهما.
رَبْوة: الرَّبوة: ما ارتفع من الأرض دون الجبل.
ذات قرار: أي ذات استقرار.
مَعين: ماء جار.

1 . التفسير الكاشف:5/372.

صفحه 85
 
التفسير

قصة عيسى وأُمّه(عليهما السلام)

50. (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة ذَاتِ قَرَار وَمَعِين):
أشار سبحانه في هذه الآية، التي اختتم بها الآيات التي عرضت لقصص بعض الأنبياء للغاية التي ذكرناها سابقاً، أشار بإيجاز إلى قصة عيسى وأُمّه، وقال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً): أي جعلنا المسيح ابن مريم وأُمّه آية دالّة على عظم قدرتنا حيث إنّها حملت به من دون زوج، فصارا معاً (عيسى وأُمّه)آية دالّة على عظمة الله سبحانه وطلاقة قدرته. قيل: واللفظ (آية) محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية، وأُمّه آية، ثمّ حذفت الأُولى لدلالة الثانية عليها. كما أشار سبحانه إلى ما منّ عليهما من الألطاف وقال: (وَآوَيْنَاهُمَا): أي وجعلنا منزلهما (إِلَى رَبْوَة) مكان مرتفع مستَو واسع. وقد تميّزت بوصفين:
1. (ذَاتِ قَرَار): أي ذات موضع يستقرّ فيه الإنسان ويطمئنّ.
2. (وَمَعِين): أي ماء جار.
وحصيلة الوصفين أنّه سبحانه غمرهما بنعمة كاملة، حيث أنزلهما مكاناً مطمئناً، ذا ثمار وماء، وقد عبّر سبحانه عن هذه النعمة بتعبير آخر وقال: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا

صفحه 86
جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَرّي عَيْنًا)1. وأمّا ما هذا المأوى ففيه أقوال.(2)
سورة المؤمنون: الآيات 51 ـ 56   

الآيات: الحادية والخمسون إلى السادسة والخمسين

(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ).

المفردات

الطيّبات: ما يستطاب ويستلذّ من المآكل والفواكه.
أُمّتكم: شريعتكم.
أُمّة واحدة: ديناً واحداً، أو جماعة تجمعهم عقيدة واحدة كما سيوافيك في التفسير.
فتقطّعوا أمرهم: مزّقوا أمر دينهم.
زُبُراً: الزُّبُر جمع زَبور وهو الكتاب، استعير اسم الكتاب للدين لأنّ شأن الدين أن يكون لأهله كتاب، فيكون كناية عن اتّخاذ كلّ فريق كتاباً، أي ديناً خاصّاً.

1 . مريم:24 ـ 26. والسَّريّ: جدول الماء.   2 . لاحظ : مجمع البيان: 7/205.

صفحه 87
فذَرْهم: فاتركهم.
غمرتهم: الغَمْرة: الماء الذي يغمر مَن ينزل فيه، واستعير لإحاطة الضلالة والجهالة.
حتى حين: أي إلى حين موتهم أو دخولهم في العذاب.

التفسير

51. (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ):
قوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)هذا حكاية لمّا خاطب به سبحانه جميع
الرسل واحداً بعد الآخر لا مرّة واحدة لاختلاف عصورهم، فخاطب كلاًّ بأمرين:
أ. (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ): أي ممّا لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات، واجتنبوا الخبائث. والأمر هنا للإباحة، كقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)1.
ب. (وَاعْمَلُوا صَالِحًا). والعمل الصالح هو العمل الطيّب الذي يُراد به وجه الله، ويكون خيراً محضاً للناس.
والأمر الأوّل امتنان منه سبحانه للأنبياء، وأمّا الأمر الثاني فنوع شكر لهذا الامتنان.

1 . الأعراف:32.

صفحه 88
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:( إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وهو كالتحذير من مخالفة أمره، وفي الفقرة حثٌّ على استشعار التقوى والرقابة الإلهية. ويمكن أن يكون تحريضاً على الاستزادة من الأعمال الصالحة، وأنّ الله سبحانه لا يخفى عليه شيء، فلا يضيع عمل عامل.
وأمّا وجه اتّصال الآية بما قبلها فكأنّه نقد وردّ لقول المكذّبين حيث رفضوا رسالة شعيب بقولهم: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)1، معلناً بأنّ الأكل من الطيّبات الذي هو مقدّمة للعمل الصالح، لا ينافي الرسالة، فليس الأكل والشرب مطلوباً بالذات وإنّما يُطلب لغاية أسمى، وهي العمل الصالح الذي لا يقوم به الإنسان إلاّ بعد الأكل والشرب.
ثمّ إنّ في ذكر العمل الصالح بعد إباحة الأكل من الطيّبات، إشعاراً بوجود الصلة بين أكل الطيب والعمل الصالح، ومن ثمّ يدلّ على وجود الصلة بين أكل الخبائث والعمل السيّئ.
روي عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: أيّها الناس، إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)2.3

1 . المؤمنون:33.
2 . البقرة:172.
3 . صحيح مسلم:461، كتاب باب قبول الصدقة من الكسب الطيّب، برقم 2235. ونقله الطبرسي في مجمع البيان:7/207.

صفحه 89
ولصديقنا المرحوم الشيخ مغنية هنا كلام لطيف يقول فيه: والغرض أن يبيّن سبحانه أنّ الدين الحقّ هو التقوى والعمل الصالح لا التقشّف والامتناع عن الملذّات والطيّبات، وكلّ ما تستلذّه وتميل إليه نفسك فهو طيّب وطاهر عند الله إذا لم ينهَ عنه، تماماً كما هو طيّب عندك، وفي الحديث: إنّ الله جميل يحب الجمال، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يلبس ما تيسّر من الصوف والقطن والبرود اليمانية ولم يردّ طيّباً ولا يتكلّفه، وقد أكل الحلوى والعسل وكان يحبّهما، وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج، وأكل القثّاء والبطيخ بالرُّطب، والتمر بالزُّبد وكان يحبه، وأكل الخبز باللحم، والكبد المشوية، والثريد بالسمن.. وعلى الإجمال كان هَدْيه(صلى الله عليه وآله وسلم) أكل ما تيسّر ولُبس ما تيسّر فإن أعوزه صبر. وأطيب الأشياء على الإطلاق هو الأكل من كدّ اليمين وعرق الجبين، قال الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): من أطيب ما أكل الرجل، من كسبه.1
52. (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ):
الظاهر أنّ الواو عاطفة وليست باستئنافية، والجملة معطوفة على قوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)وهذا خطاب ثان من الله للرسل واحداً بعد آخر، يخاطبهم بقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ)دينكم (أُمَّةً وَاحِدَةً) ديناً واحداً، فإذا كان دينكم يا معشر الأنبياء ديناً واحداً وملّة واحدة وهو الدعوة إلى توحيده سبحانه خالقاً ومدبّراً ومعبوداً (وَأَنَا رَبُّكُمْ): أي وإنّي أنا ربّكم صاحب هذا الدين (فَاتَّقُونِ).

1 . التفسير الكاشف:5/373ـ374.

صفحه 90
هذا على القول بأنّ الأُمّة بمعنى الدين والملّة، واستشهد عليه الطبرسي بشعر النابغة، قال:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *** وهل يأثَمنْ ذو أُمّة وهو طائعُ
أي وهل يحنث حلفه ذو دين وهو طائع.
ولكنّه يُحتمل ـ ولعلّه أنسب بالنسبة إلى سائر الآيات ـ أنّ المراد بالأُمّة الجماعة، إذ لكلّ رسول أُمّة، والشاهد على ذلك أنّه سبحانه كلّما أطلق الأُمّة أراد بها الجماعة إلاّ ما شذّ وندر كقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)1، وسيوافيك ما يدلّ على أنّ المراد من الأُمّة الجماعة ما ستقرأه في الآية التالية.
وعلى هذا فالآية تدلّ على لزوم التمسّك بحبل الوحدة باعتبار أنّ أُمّة كلّ رسول أُمّة واحدة وما يجمعهم أكثر ممّا يفرّقهم، فإنّ الربّ واحد، والنبيّ واحد، والكتاب واحد، والشريعة واحدة. هذا بالنسبة إلى سائر الأُمم، وأمّا الأُمّة الإسلامية فعندهم ما شاء الله من المشتركات التي يتّفق عليها أبناء الأُمّة، فلا وجه لأن تسلّ طائفة سيفها بوجه طائفة أُخرى، فقد جعلهم الله إخوة متلاحمين.
وللشيخ المراغي كلام في تفسير الآية يعجبني نقله:
قال: فيا أتباع الأنبياء، أين عقولكم؟ إنّ الله أرسل إليكم رسلاً فجعلتموهم محلّ الشِّقاق ومثار النزاع، لِمَ هذا؟ هل اختلاف الشرائع مع اتحاد الأُصول والعقائد ينافي المودّة والمحبّة؟ وأين أنتم يا أتباع محمد؟

1 . الزخرف:23.

صفحه 91
ما لكم كيف تفرّقتم أحزاباً؟ هل اختلاف المذاهب كشافعية ومالكية وزيدية وشيعة يفرّق العقيدة؟ وكيف يكون هذا سبب التفرقة؟ فهل تغيّر الدين؟ وهل تغيّر القرآن؟ وهل تغيّرت القبلة؟ وهل حدث إشراك؟ كلا كلا، فإذا كان العيب قد لحق الأُمم المختلفة على تنابذها، فما أجدركم أن يلحقكم الذم على تنابذكم وأنتم أهل دين واحد.
ولا علّة لهذا إلاّ الجهالة الجهلاء، فقد خيّم الجهلُ فوقَ ربوعكم، ومُدّت طُنُبه بين ظهرانَيكم، لأنّكم فرّطتم في كتاب ربّكم، ظننتم أنّ أُسس الدين هي مسائل العبادات والأحكام، وتركتم الأخلاق وراءكم ظِهريّاً، وتركتم آيات التوحيد والنظر في الأكوان، ولو أنّكم نظرتم إلى شيء من هذا لعلمتم أنّ كلّ ذلك من دينكم وأنتم عنه غافلون.1
هذه نصائح رائعة وكلمات قيّمة، ولكن أنّى لها أن تجد آذاناً صاغية وعقولاً واعية في هذه الأيام؟ حيث إنّ أعداء الإسلام رسموا خططاً جهنّمية استهدفت تشتيت المسلمين وتفريقهم بإثارة النزاعات بينهم وإشغال بعضهم ببعض، واستنزاف طاقاتهم في صراعات داخلية، لإبعادهم عن مقارعة العدو الغاشم الذي يعمل جاهداً على تهويد القدس، وطرد المسلمين من أُولى القبلتين، وتكريس وجوده في الأراضي المحتلّة، وقد رأينا كيف تدفّقت إلى سوريا أعداد كبيرة من التكفيريين و المرتزقة من مختلف الجنسيات لأجل القتال فيها وتخريب منشآتها الحيوية وقتل الأبرياء فيها من الأطفال والنساء والرجال أو تشريدهم من ديارهم ولجوئهم إلى بلدان أُخرى، لا لشيء إلاّ لكون سوريا قد رفضت تطبيع

1 . تفسير المراغي: 18/31.

صفحه 92
العلاقات مع الكيان الصهيوني ولم تخضع للهيمنة الأمريكية، وساندت المقاومة في جهادها ضد الاحتلال. وأمّا العلماء في البلاد العربية فهم بين من يتظاهر بالموافقة مع هؤلاء الخونة وبين من يسكت خوفاً من القتل أو التضييق أو العزل من منصبه ومقامه. وأمّا ملوك الدول الإسلامية ورؤساؤها فهم مشتّتون في الأهواء لا يعزفون على وتر واحد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى وكلّ متمسك بكرسيّه وكيانه ويخاف زواله إذا أظهر المخالفة، هذا إذا لم يكن بعضهم ينصرهم خفاءً. والله سبحانه هو الحاكم، وإليه المشتكى.
53. (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ):
الضمير المتّصل في قوله: (فَتَقَطَّعُوا) وفي: (أَمْرَهُمْ) لا يرجع إلى الأنبياء بشهادة عصمتهم بل يرجع إلى أتباع الأنبياء، وهو قرينة على أنّ المراد في الآية السابقة من الأُمّة هو الجماعة التابعون لكلّ نبيّ.
وحاصل الآية: مع أنّا أمرنا بتوحيد الكلمة ورصّ الصفوف ولكنّهم لم يمتثلوا ذلك (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) أي: تفرّقوا (أعني أتباع الأنبياء) وقسّموا الكتاب إلى كتب، والتزم كلّ فريق كتاباً أي ديناً خاصاً(كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ): أي كلّ فريق منهم معجَب بما عنده معتقداً أنّه الحقّ المطلق; وما عنده غيره الباطل المحض، وهذا قرينة على أنّ المراد بالأُمّة هو أتباع كلّ نبيّ، فتكون الآية ناظرة إلى تشعّب أتباع النبيّ موسى والمسيح(عليهما السلام) إلى فرق كثيرة.

صفحه 93
54. (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين):
كان الخطاب في الآيات السابقة موجّهاً إلى أنبياء الله المتقدّمين، وأمّا في هذه الآية فهو موجّه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيأمره سبحانه بأن يترك مشركي قريش فيما هم فيه من ضلال ولا يكترث لهم، كما قال: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ): أي اتركهم ودَعْهم في جهالتهم وضلالتهم التي غطّت عقولهم (حَتَّى حِين): أي إلى موتهم أو إلى يوم القيامة.
وعلى هذا فالآيات التالية ناظرة إلى المجتمع المكّي آنذاك.
55 و 56. (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ):
لمّا أمر سبحانه نبيّه في الآية السابقة بقوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين) صار المراد من هؤلاء هم المختلفون في نبوّة نبيّهم حيث يتَهمونه بالشعر أوّلاً، والكهانة ثانياً، والسحر ثالثاً، والكذب رابعاً، والجنون خامساً إلى غير ذلك من التُّهم، والذين يبثّون هذه التّهم هم الملأ المترفون من قريش فكانوا أصحاب أموال وبنين يتّخذونها ذريعة للزعم بأنّهم على حقّ، بشهادة أنّ الله أكرمهم بهذه النعم، فجاءت الآيتان ردّاً لهذه المزعمة وقال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ): أي أيظنون أنّ الذي نعطيهم إيّاه من الأموال والأولاد، أنّا (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) نعطيهم ثواباً ومجازاة لهم على أعمالهم ولرضائنا عنهم لكرامتهم علينا؟ ليس الأمر كما
يظنّون (بَلْ)هو ابتلاء واستدراج لهم، ولكنّهم (لاَ يَشْعُرُونَ)لسيطرة
الهوى على عقولهم. والاستدراج عبارة عن أخذ الشيء درجة

صفحه 94
فدرجة كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها.
وعلى كلّ تقدير فهؤلاء قد اغترّوا بالأولاد والأموال وظنّوا أنّها ستدوم لهم وما درَوا أنّ الله يمتحنهم بها وأنّها إلى أجل معدود، ثمّ يأخذهم أخذ العزيز المقتدر. قال تعالى:(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)1.
قال الإمام علي(عليه السلام): «فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَالسُّخْطَ بِالْمَالِ وَ الْوَلَدِ جَهْلا بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالاِْخْتِبَارِ (اختيار) فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَالاِْقْتِدَارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحانَهُ وَتَعَالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ). فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ».2
سورة المؤمنون: الآيات 57 ـ 62   

الآيات: السابعة والخمسون إلى الثانية والستين

(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).

1 . آل عمران:178.
2 . نهج البلاغة: الخطبة:192 «القاصعة».

صفحه 95

المفردات

خشية: خوف يشوبه التعظيم.
مشفقون: يقال: أشفقت عليه خِفتُ أن يناله مكروه، فعلى هذا فمعنى (مُشْفِقُونَ): أي حريصون على طاعة الله خوفاً من عذابه.
وَجِلة: خائفة. والوَجَل: استشعار الخوف.
سابقون: متنافسون في الإكثار من أعمال الخير. وقال الراغب: المتقدّمون إلى ثواب الله وجنّته بالأعمال الصالحة.1

التفسير

57. (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ):
لمّا تقدّم ذم مَن تفرّقوا وصاروا شيعاً وفرحوا بما نالوا من مال وبنين وحسبوا أنّ ذلك دليل على قربهم من الله، أخذ البيان القرآني في عرض مواصفات من يخالفهم ويضادّهم، وذكر لهم مواصفات خمسة، وهي:

1. الخشية

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ): أي يخافون من عذاب الله دائبون في طاعته. ولمّا كان لفظ الخشية بمعنى الخوف والشفقة أيضاً بهذا المعنى صار معنى الآية عندهم: أنّهم خائفون من الخوف!! ومن

1 . المفردات: 222، مادة «سبق».

صفحه 96
المعلوم أنّه غير صحيح، ولذلك ذكر بعض المفسّرين أنّ الخشية هي الخوف من العقاب والإشفاق نهاية الخوف. والظاهر أنّ الخشية هي الخوف مع التعظيم وليس مجرد الخوف، وأمّا الإشفاق فالظاهر أنّ معناه القلق وعدم سكون النفس من أن تقبل طاعاتهم فصاروا حريصين على الطاعة.
58. (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ):

2. الإيمان بآيات الله

الظاهر أنّ المراد بالآيات الآيات الكونية الدالّة على قدرته وعلمه وتدبيره، والآيات الدالّة على صدق أنبيائه. ولعلّ الأظهر هو الآيات القرآنية، المعجزة الكبرى للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
59. (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ):

3. الابتعاد عن الشرك

فهؤلاء هم الذين يجتنبون الشرك الخفيّ كالرياء وعدم الإخلاص، وأمّا الشرك الجليّ كعبادة الأصنام فهم بُعداء عنه بشهادة الآية السابقة أعني قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)، فإنّ من آمن بآيات الربّ لا يكون مشركاً وعابداً للأوثان، فتعيّن أنّ المراد هو الشرك الخفيّ.
روى ابن ماجة بإسناده عن شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ أخوف ما أتخوّف على أُمّتي الإشراك بالله. أما إنّي لستُ أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً، ولكن أعمالاً لغير الله، وشهوةً خفيّة».1

1 . سنن ابن ماجة:958، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، برقم 4205.

صفحه 97
وروى الصّدوق بإسناده عن الإمام علي الرضا عن آبائه(عليهم السلام)، قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الدنيا كلّها جهل إلاّ مواضع العلم، والعلم كلّه جهل إلاّ ما عُمل به، والعمل كلّه رياء إلاّ ما كان مخلَصاً، والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يُختَم له».1
60. (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ):

4 و5. الإنفاق المقترن بالوجل

من مواصفات هؤلاء وجود الصلة بينهم وبين الله كما مرّ في الآيات السابقة، ووجود الصلة بينهم وبين الناس، فينفقون مازاد على مؤونتهم وما يقيم حياتهم، على الفقراء، كما قال: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا)(وَ) مع ذلك (قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ): أي هم يستشعرون الخوف من أن يكون إنفاقهم ليس واقعاً على الوجه المطلوب فلا يُقبل، ولإيمانهم بأنّهم سيرجعون إلى ربّهم للحساب فلا يأمنون التقصير كما قال:(أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، وإلى هذا المعنى يشير قوله سبحانه: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيًما وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا).2
وقد روي عن زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام) أنّه كان في التلبية

1 . التوحيد:360، الباب60، برقم 10.
2 . الإنسان:8 ـ10.

صفحه 98
وهو على راحلته، فخرّ مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق، قيل له ذلك، فقال: «خشيت أن يقول لي ربّي: لا لبّيك ولا سعديك».1
61. (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ):
قوله تعالى:(أُولَئِكَ) خبر للموصول، أعني قوله:(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ): أي إنّ هؤلاء الذين ذُكرت أوصافهم في الآيات السابقة هم الذين (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): أي الخيرات العاجلة في الدنيا، وربّما تفسّر الخيرات بالجنة. ولعلّ الأوّل أظهر.
(وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ): أي هؤلاء للخيرات متنافسون، واللام في «لها» بمعنى «إلى»، فهؤلاء المؤمنون يسارعون في الخيرات فرادى فرادى، ويتنافسون إليها مجتمعين.
62. (وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ):
ولمّا كانت هنا مظنّة سؤالين:
1. ربّما يتصوّر أنّ ما يقوم به هؤلاء من الأعمال الكبيرة ربّما يكون فوق الطاقة، فيجيب سبحانه عن ذلك ويقول: (وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا): أي كلّ يعمل في ميدان المباراة حسب طاقته، فالثريّ ينفق حسب طاقته، وغيره ينفق حسب ما يجد.
سورة المؤمنون: الآيات 63 ـ 67   
2. ربّما يُسأل: كيف يمكن محاسبة هؤلاء (من غير فرق بين المؤمن

1 . شرح نهج البلاغة لابن ميثم:3/421.

صفحه 99
والكافر) على أعمالهم؟ فيجيب سبحانه بقوله: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ): أي وعندنا صحائف أعمالهم، حيث يقرأ كلٌّ ما في كتابه، ولذلك ربما يتعجّب القارئ من دقّة هذا الكتاب، حيث: (لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا)،1 فإذا كانت المحاسبة على وفق الكتاب فيصحّ قوله تعالى:(وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ): أي لا يؤاخذون بما لا يفعلونه، ولا ينقصون عمّا استحقّوه.
قال الشريف الرضي(رحمه الله): وما في الآية استعارة، والنطق لا يوصف به إلاّ من يتكلّم بآلة.(2)
وكأنّ الكتاب لأجل ظهوره ونصوصه يقال عُرفاً: الكتاب يتكلّم.

الآيات: الثالثة والستون إلى السابعة والستين

(بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ).

المفردات

مترفيهم: المُترَف: المتوسِّع في النعمة.

1 . الكهف:49.   2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:153.

صفحه 100
يجأرون: من جأرَ الرجل: أي صاح ورفع صوته.
لا تُنصرون: لا يُجيركم أحد ولا ينصركم.
تنكصون: تعرضون عن سماعها، وأصل النكص الرجوع القَهقرى، وهو المشي على الأعقاب إلى خلف.
سامراً: السَّمَر: تبادل الأحاديث وتمضية الليل بلهو وفكاهة، والسامر هو الذي يسمر ويلهو.
تهجرون: الهُجْر: الهَذَيان، أي تذكرون القرآن والطعن فيه في الليل عند اجتماعاتكم.

التفسير

63. (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ):
إنّه سبحانه أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله:(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين)1بتركهم في ضلالتهم التي يُغمرون فيها، ولكن البيان القرآني انتقل في هذه الآية إلى وصفهم بشيء أشدّ من السابق وهو أنّ الضلالة والجهالة قد أحاطتا بقلوبهم فلا تُرجى هدايتهم كما يقول: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِن هذا)وقوله: (مِنْ هذا)إمّا إشارة إلى القرآن كما سيأتي في الآية 66(قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) أو إشارة إلى هذا الحديث الذي

1 . المؤمنون:54.

صفحه 101
تحدّثت به الآيات المتقدّمة عن صفات المؤمنين. وعلى كلّ تقدير فقوله: (مِنْ هذا): أي هم بُعداء إمّا عن القرآن أو عمّا ذُكر من صفات المؤمنين. والدليل على تضمُّنه معنى البعد تقدير لفظة «من».
ثمّ إنّه سبحانه يصفهم بأعمالهم التافهة العابثة وراء عقائدهم الفاسدة ويقول:(وَلَهُمْ): أي للمشركين (أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ): أي من وراء أنّ قلوبهم في غمرة. ويريد أنّ لهم وراء كفرهم أعمالاً ومعاصي (هُمْ): أي المشركون (لَهَا): أي لتلك الأعمال (عَامِلُونَ): أي مستمرّون على القيام بها عن قصد وتصميم. وعلى ما ذكرنا فالآية تصفهم بأمرين:
1. إحاطة الكفر بقلوبهم، وإليه يُشير بقوله:(بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هذا) فهم بُعداء عن القرآن أو عمّا وصفنا به المؤمنين.
2. أنّ لهم أعمالاً خسيسة رذيلة لا يقلعون عنها، فهم كفّار عصاة.
64. (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ):
لفظ (إذا) في صدر الآية ظرفية، وفي الثانية فجائية، والآية تدلّ على أنّ هؤلاء في هذه الدنيا غافلون عن مصيرهم في الآخرة، فإذا جزيناهم بكفرهم وظلمهم وبغيهم، فعندئذ يرفعون أصواتهم بالتضرّع والاستغاثة.
ولمّا كان موضوع الآيات السابقة (54 ـ 56) حول الرؤساء المتنعّمين، خصّ المترفين هذا بالعذاب، حيث إنّهم لانغماسهم في ملذّاتهم وشهواتهم، وحرصهم على أطماعهم وامتيازاتهم، يرفضون دعوات الإصلاح والتغيير، ويقفون منها موقف الرفض والعناد والتمرّد، ويمارسون الضغط على الآخرين ـ بما يمتلكون من أسباب القوة والثراء ـ

صفحه 102
لاتّباعهم في ما هم فيه من كفر وفساد.
65. (لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ):
(لاَ تَجْأَرُوا): أي لا ترفعوا أصواتكم بالاستغاثة (إِنَّكُمْ) أيّها المترفون المتغطرسون (مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ): أي لا تُمنعون من عذابنا، فلا يجديكم جؤار ولا استغاثة.
ولمّا كانت هنا مظنة سؤال يصدر عنهم، عن سبب عدم الاستجابة لصراخهم واستغاثتهم، وافاهم الجواب:
66. (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ):
كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو آيات الله في المسجد الحرام، والمترفون يسمعون آيات الله في الأشهر الحرم وهذا ما يحكيه قوله سبحانه: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) أيّها الكافرون، وأمّا ما هو رد فعلهم لتلاوة الآيات وسماعها فهذا ما يحكيه قوله: (فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ): أي كنتم معرضين متراجعين مكذّبين، والنكوص هو الرجوع القهقرى على الأعقاب، فيكون كناية عن الإعراض التامّ والنفور.

مواقف المستكبرين قبال القرآن

ثمّ إنّه سبحانه يذكر وصف نكوصهم ورجوعهم إلى الوراء بقوله:
سورة المؤمنون: الآيات 68 ـ 74   
67. (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ):

صفحه 103
الآية تحكي عن مواقف المشركين قبال القرآن، وهي:
1. (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ): أي بسبب القرآن عن الإيمان، والضمير في(بِهِ)يرجع إلى الآيات، وتذكيره باعتبار القرآن. وقيل: الباء للتعدية بتضمين الاستكبار معنى التكذيب.
2. (سَامِرًا): أي تتحدّثون في أجواء الليل وظلمته أو في ضوء قمره، وهو حال من ضمير المخاطبين في الآية السابقة.
3. (تَهْجُرُونَ) والهجر ـ بضم الهاء ـ هو الهذيان وكلام اللغو، أي هؤلاء يتحدّثون هُجراً، ويقولون في أمر القرآن كلاماً لغواً بلا فائدة.
وحصيلة الآية: إنّ هؤلاء المترفين يبيتون الليل حول البيت ويتحدّثون في ظلمته أو ضوء قمره ويقولون كلاماً هجراً حول القرآن الكريم، ولذلك لا يستجاب لصراخهم ولا يغاثون.

الآيات: الثامنة والستون إلى الرابعة والسبعين

(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاط

صفحه 104
مُسْتَقِيم * وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ).

المفردات

جِنّة: جنون.
بذكرهم: أُريد القرآن الذي هو فخر لهم.
عن ذكرهم: أي عن القرآن.
خَرجاً: أجراً.
لناكبون: قال الراغب: نكب عن كذا أي مال .1

التفسير

إبطال أعذار المشركين

يذكر سبحانه وتعالى في هذه المجموعة من الآيات أعذار المنكرين لرسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ويبطلها وبذلك يسدّ الطريق أمام هؤلاء، وهي أعذار خمسة ذُكرت بصورة الاستفهام الإنكاري.

العذران: الأوّل والثاني:

68.(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ):

1 . المفردات للراغب: 504، مادة «نكب».

صفحه 105
قوله تعالى:(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) هو العذر الأوّل، وحاصله: أنّهم لم يؤمنوا بما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّهم لم يتدبّروا القرآن، ولكن هذا العذر غير مقبول جدّاً لأنّهم قصّروا في عدم تدبّر آيات القرآن فلو تدبّروا فيها لعلموا أنّه كتاب منزل من الله سبحانه ومن صنعه، لأنّه تحدّى بكتابه عامّة الفصحاء والبلغاء، بل تحدّاهم على أن يأتوا بسورة واحدة مثل سوره، ولو أتوا بها لترك الرسالة، ولكن المقدّم لم يقع فالتالي مثله، ولذلك يقول: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ): أي القرآن الكريم.
وأمّا العذر الثاني فهو قوله: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ) وهو إضراب وانتقال عن العذر الأوّل، وحاصله: أنّ رسولهم جاء بشيء لم يأت آباءهم الأوّلين. وهذا أيضاً باطل لأنّ الله سبحانه بعث رسلاً منذ زمان نوح(عليه السلام)إلى عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يقولون إنّ مجيء الرسل أمر لم تسبق به السنن من قبلهم مع أنّ البيئة المكيّة تعرف أنّ لله رسلاً بين العرب وغيرهم؟! فالله سبحانه أرسل هوداً إلى عاد وصالحاً إلى ثمود وهما من الطوائف العربية، فليست رسالة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً بديعاً ولا جديداً لم يسمعوا به من آبائهم الأوّلين; بل قد جاءت الرسل تترى قبله، واحداً بعد الآخر وهو واحد منهم.

العذر الثالث:

69. (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ):
انتقال وإضراب عن الإنكار السابق إلى استفهام إنكاري آخر، وهو أنّ علّة عدم إيمانهم بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)هو عدم تعرّفهم عليه. وهذا أيضاً مردود لأنّ

صفحه 106
البيئة المكيّة بل غيرها شاهدة على صدقه وطهارته حتى أنّه معروف بينهم بالأمانة، ويشهد لذلك أنّ قريشاً بطوائفهم الأربع اختلفوا في نصب الحجر الأسود في محلّه، فقال شيخ من شيوخ قريش: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخل من باب هذا المسجد (باب الصفا) يقضي بينكم فيه، فقبلوا برأيه أجمع، فكان أوّل مَن دخل منه فتى قريش، ـ أعني: محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فلمّا رأوه ارتفعت هتافاتهم قائلين: هذا الأمين رضينا هذا محمد.
وقد أشار هبيرة بن أبي وهب في أشعاره إلى هذه القضية فقال:
ففاجأنا هذا الأمين محمد *** فقلنا رضينا بالأمين محمدِ
بخير قريش كلّها أمس شيمة *** وفي اليوم مع ما يحدث الله في غدِ
فجاء بأمر لم يرد الناس مثله *** أعم وأرضى في العواقب والبدِ1
وهذا هو أبو طالب يصفه في خطبته عند تزويج خديجة، ويقول: إنّ ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلاّ رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً، وإن كان في المال فإنّ المال ظِل زائل، وأمرٌ حائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، ومحمد من قد عرفتم قرابته.2
وعلى ذلك فلا وجه لرمي الرسول بالكذب والكهانة والسحر. ولذلك يقول أبو طالب في لاميّته:

1 . السيرة النبوية لابن هشام:1/192.
2 . مناقب آل أبي طالب:1/30; السيرة الحلبية:1/139; تاريخ الخميس:1/264.

صفحه 107
الم تعلموا أنّ ابننا لا مكذّب *** لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل1
ولعلّه إلى ذلك يشير سبحانه في قوله: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) ثم يقول:(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ).2

العذر الرابع:

70. (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ):
انتقل إلى عذر رابع ضارباً عن الأعذار السابقة، وهو اتّهام القوم النبيّ الأعظم بالجنون كما يقول: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنّةٌ) يطلق الجِنّة على الجِنّ كقوله: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)(3) ويطلق على الداء اللاحق بالإنسان الذي ينسبه الناس إلى الجِنّ.
فقوله: (بِـهِ جِنّةٌ): أي مجنون. وهذا من أتفه الأعذار، ويشير إليه سبحانه في آية أُخرى بقوله:(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ).(4)
لقد أبطل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا العذر، وإن كانوا ينكرونه في أنفسهم، بفتح مكة، فهل يمكن لإنسان غير عاقل أن يقوم بهذا الفتح الظافر الذي تجلّى فيه رشده وحكمته وحلمه ومروءته، ويدمّر حصون الشرك

1 . إيمان أبي طالب للشيخ المفيد: 21. ولاحظ السيرة النبوية: 1 / 180، طبع مصر.
2 . يونس:16ـ 17.         3 . الناس: 6.   4 . الأعراف:184.

صفحه 108
والأوثان، ويقود جيشاً يناهز عدده عشرة آلاف مقاتل على تدبير ونظام بديع؟
كيف يكون قرآنه كلام مَن به جنّة؟ كلاّ ليس الأمر كما يزعمون (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)الواضح الذي لا يلبسه شيء من الباطل، ومع ذلك لم يؤمنوا به. لماذا؟(وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ).
فإنّ اقتراف الآثام، وارتكاب الأعمال الإجرامية، من قِبَل أُولئك الذين يعيشون الترف والبذخ، ويتكالبون على الأطماع، وينقادون للأهواء والشهوات، يدنّس القلوب ويطبع عليها، الأمر الذي يفضي إلى كره الحقّ وبغضه، لأنّ حبّ الحقّ لا يلامس إلاّ القلوب السليمة، والنفوس الطاهرة. كما أنّ للحقّ تكاليف ومسؤوليات أمام العباد وربّ العباد، والمنساقون وراء الشهوات المحرّمة، والامتيازات الباطلة، والمكاسب غير المشروعة، لا تروق لهم تلك التكاليف والمسؤوليات، لأنّها تقف حاجزاً أمام انفلاتهم من كلّ القيود والحدود، والإيغال فيما تهواه أنفسهم الأمّارة بالسوء.
(وقد نستوحي من الحديث عن كراهة الأكثرية للحقّ، أنّ القرآن يريد نزع فكرة قداسة الأكثرية من الأذهان، باعتبارها أساساً للإيمان بالحقائق، لأنّ الإيمان يمثّل الحركة المضادّة لتيار الشهوات الذي يوافق النفوس، ولذلك فإنّ مَن يتحمّلون ضربات التيار الذي يواجه خطّ الإيمان قليلون، بينما يرتاح للسير مع اندفاع التيار أغلبية الناس، ولكن ليس معنى ذلك أنّ الأكثرية تقف دائماً ضدّ التيار، بل إنّ الحقّ ليس دائماً معها).1

1 . من وحي القرآن:16/673.

صفحه 109
71. (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ هؤلاء كارهون للحقّ، ذكر فساد أهوائهم وطريقتهم (وَ)أنّه(َلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) وهنا بحث، وهو: هل أُريد بالحقّ الله سبحانه؟ أو واقع الأشياء؟ كلاهما محتمل، وإن كان الثاني أظهر.
وحاصل الآية: إنّه لو صحّت آراؤهم حقيقة، للزم الفساد في مواقع ثلاثة:
1. (لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ)
2. (وَالأَرْضُ)
3. (وَمَنْ فِيهِنَّ)
أمّا الأوّل، فلأنّ القول بوجود الآلهة المختلفة المدبّرة للعالم يورث الفساد، كما قال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)1.
وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض)2.
وأمّا الثاني ـ أعني: الأرض ـ فبنفس الدليل، فإنّ الأرض جزء من الكون، ولو دبّ الفساد فيه لدبّ في الأرض أيضاً.

1 . الأنبياء:22.
2 . المؤمنون:91.

صفحه 110
وأمّا الثالث ـ أعني:(وَمَنْ فِيهِنَّ) ـ فلأجل أنّهم يقتلون النفوس ويئدون الأجنّة ويظلمون اليتيم ويرتشون ويأكلون الربا، إلى غير ذلك من الأعمال الخبيثة المهددة للنظام، خصوصاً إذا تفشّى فيهم الزنا والكذب والسرقة، ولهذا يقول:(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ): أي واقع الأشياء ونفس أمرها (أَهْوَاءَهُمْ)آراءهم، لاختلّ النظام.
ثمّ إنّه سبحانه يقول:(بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)وهنا يقع الكلام في ما هو المراد من الذكر؟ هناك احتمالان:
1. المراد بالذكر القرآن الكريم، ويكون معنى الآية: بل جئناهم بالقرآن الذي فيه ذكرهم، أي فخرهم وشرفهم، ولكنّهم أعرضوا عنه كما يقول:(فَهُمْ عَنْ) القرآن الذي يشتمل على (ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ).
2. أُريد من الذكر القرآن، لكن المراد من إضافة الذكر إليهم بمعنى أنّ القرآن يذكّرهم بما فيه صلاحهم، لكن (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ).
وبكلا الوجهين يمكن تفسير قوله سبحانه: (وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)1.
ولعلّ المعنى الثاني أقرب بشهادة أنّه جاء بعد قولهم: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) فالله سبحانه يردّ عليهم أنّ كلامه مذكِّر لكم يذكّركم ما هو الحق في مجالَي العقيدة والعمل، فكيف تصفونه بالجنون؟!
قال السيد الرضي(رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : وهذه استعارة والمراد بها: ولو كان الحقّ موافقاً لأهوائهم لعاد إلى كلّ ضلّة وأوقع في كلّ مضلّة، لأنّ

1 . الزخرف:44.

صفحه 111
الحقّ يدعو إلى المصالح والمحاسن، والأهواء تدعو إلى المفاسد والمقابح، فلو اتّبع الحقّ قائد الهوى لشمل الفساد وعمّ الاختلاط، وخُفضت أعلام الهداية ورُفعت منار الغواية.1

العذر الخامس:

72. (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ):
هذا آخر الأعذار الباطلة التي يمكن أن يتذرّع بها المشركون، وهو أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يطلب منهم الأجر، والداعي إلى الله يجب أن يكون عمله خالصاً منزَّهاً عن أيّ طمع ماديّ، فالله سبحانه يبطله بقوله:(أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا): أي يزعمون أنّك طلبت منهم أجراً فلأجل هذا لا يؤمنون، وهو باطل لأنّك لا تسألهم أجراً (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) ومعه كيف يمكن أن تسألهم (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)؟
وهكذا فنّد سبحانه أعذارهم التي اختلقوها واتّخذوها حججاً لعدم إيمانهم بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
قال الزمخشري: قد ألزمهم الحجّة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعِلَلهم بأنّ الذي أُرسل إليهم رجل معروف أمرُه وحالُه، مخبور سرّه وعلَنُه، خليق بأن يُجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنّه لم يعرض له حتى يدّعي بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سُلّماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلى دين الإسلام الذي هو

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:154.

صفحه 112
الصراط المستقيم، مع إبراز المكنون من أدوائهم، وهو إخلالهم بالتدبّر والتأمّل، واستهتارهم بدين الآباء الضُّلال من غير برهان، وتعلّلهم بأنّه مجنون بعد ظهور الحق، وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيّرة، وكراهتهم للحقّ، وإعراضهم كما فيه حظهم من الذكر.1
73. (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
أي سواء آمن هؤلاء أم لم يؤمنوا فإنّك تدعوهم بهذا الكتاب المنزل عليك إلى صراط مستقيم لا عوج فيه، وتهديهم إلى دين قيّم يصدّقه العقل وتوافقه الفطرة، ويشهد لذلك دعوة الأنبياء السابقين.
روى أبو الجارود عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّ المراد من الصراط المستقيم هو ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام).2
وهذا من باب تطبيق الكلّي على الفرد، فإنّ ولاية أمير المؤمنين من مصاديق الصراط المستقيم، وكيف لا تكون كذلك، وقد ورد في الحديث الصحيح:«عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ»3، وورد فيه أيضاً:«يا عليّ من فارقني فارق الله، ومن فارقك يا عليّ فارقني».4
سورة المؤمنون: الآيات 75 ـ 77   
74. (وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ):

1 . تفسير الكشّاف: 3/52. ولصاحب الكشّاف هنا زلّة حول إيمان أبي طالب، لا تغتفر، وستوافيك جلّية الحال في إيمانه رضوان الله تعالى عليه في الأجزاء الآتية.
2 . تفسير نور الثقلين:3/448.
3 . المستدرك على الصحيحين:3/124.
4 . مجمع الزوائد:9/134ـ 135(وفيه: رواه البزّاز ورجاله ثقات).

صفحه 113
ما في هذه الآية كالمفهوم من الآية السابقة، فإذا كان الموحِّد على صراط مستقيم وإذا كان المؤمن بالله ومعاده على طريق غير مائل، يكون المخالف ناكباً عن الصراط مائلاً عنه، كما يقول:(وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ).

الآيات: الخامسة والسبعون إلى السابعة والسبعين

(وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَاب شَدِيد إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) .

المفردات

للجُّوا: لجَّ في الأمر: تمادى فيه.
يعمهون: يتحيّرون.
استكانوا: ذلّوا وخضعوا.
يتضرّعون: يجدّدون التضرّع.
مُبلسون: آيسون من كلّ خير.

صفحه 114

التفسير

لمّا بيّن سبحانه في الآية المتقدّمة أنّ منكري المعاد ناكبون عن الصراط، أكّد مضمونها بهذه الآية:
75. (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ):
إنّ لفظة (لَو) حرف شرط للماضي ولكن يدلّ السياق على أنّه أُريد به هنا المستقبل، ويحكي سبحانه أنّ عنادهم ولجاجهم بلغ حدّاً أنّه (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ): أي من سوء حال، لاستمرّوا في عنادهم وتمادَوا في جحودهم وعصيانهم وراحوا يتخبّطون فيه، حيارى عن الحقّ، كما يقول: (لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) وهذه هي طريقة من صار العناد طينته وخميرته. نعم، من يصل إلى هذا الحدّ من العناد ربّما يكون العذاب سبباً لرجوعه إلى الحقّ.
والآية ـ كما يظهر ـ ناظرة إلى ضابطة كلّية تصف لنا حال المشركين المتوغّلين في العناد والجهل.
76. (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ):
لمّا أخبر سبحانه في الآية السابقة عن أنّ الترحّم عليهم لا يزيدهم إلاّ طغياناً وكفراً، استدلّ لذلك بواقعة الجدب والقحط الذي أصاب أهل مكة،

صفحه 115
وملخّصها: أنّه بعدما دام عناد القوم ولجاجهم دعا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على قومه: «اللّهم سنين كسني يوسف» فأجدبت الأرض وأصابت قريشاً المجاعة، فلمّا رفع الله عنهم العذاب وكشف عنهم البلاء، ظلّوا مصرّين على عتوّهم وجحودهم، وإليه يشير سبحانه بقوله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ) لغاية رجوعهم من الشرك إلى التوحيد، ويا للأسف (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ): أي فما خضعوا له ولا تواضعوا لجلاله، بل شيمتهم في المستقبل كذلك كما يقول: (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ).
ثمّ إنّ الظاهر أنّ الاستكانة من باب الاستفعال من السكون، فإنّ المتضرع يسكن ويقطع الحركة للدعاء والتضرّع. وفي المجمع: الاستكانة بمعنى الخضوع، وهو استفعل من الكون والمعنى ما طلب الكون على صفة الخضوع. ثم قال وقيل: الاستكانة من السكينة والسكون، إلاّ أنّ الفتحة أُشبعت فنشأت منها ألف، فصار: استكانوا، والأصل استكنوا على افتعلوا.1 فهو على الأوّل من باب الاستفعال، نظير استخرج، وعلى الثاني من باب الافتعال، نظير اكتسب.
77. (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَاب شَدِيد إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) :
الآية تدلّ على بقاء القوم على ضلالهم وعنادهم حتى خروجهم من الدنيا كما يقول: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَاب شَدِيد): أي إذا فوجئوا به وقد كانوا في دعة وراحة وسلامة وعافية، فإذا فوجئوا بهذا العذاب(إِذَا

1 . مجمع البيان:7/214.

صفحه 116
هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ): أي آيسون من رحمة الله.
سورة المؤمنون: الآيات 78 ـ 80   

الآيات: الثامنة والسبعون إلى الثمانين

(وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).

المفردات

ذرَأكم: خلقكم وبثّكم في الأرض.
اختلاف الليل والنهار: تعاقبهما، يقال: فلان يخلف فلاناً. ويمكن أن يكون إشارة إلى نقص الليل والنهار في الفصول الأربعة.

التفسير

انتقل سبحانه في بيانه من أُسلوب إلى أُسلوب آخر، فقد كان كلامه من قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)1 إلى هنا حول الأنبياء وأقوامهم وما جرى بينهم من حوار، وانتقل هنا إلى أُسلوب آخر واستدلّ سبحانه في هذه الآيات الثلاث على توحيده في التدبير، ثم على اختصاصه بالعبادة، بالأُمور التالية:

1 . المؤمنون:22.

صفحه 117
1. إنشاء السمع والأبصار والأفئدة للإنسان.
2. بثّ الإنسان وخلقه في الأرض.
3. قيامه بالإحياء والإماتة.
4. قيامه باختلاف الليل والنهار.
فمن تكون له هذه الأُمور قائماً بها خلقاً وتدبيراً، فهو أحقّ أن يُعبد كما هو أقدر على البعث، وإليك البيان:
78. (وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ):
أشار سبحانه في هذه الآية إلى أدوات المعرفة، فالأُولى والثانية يشترك فيهما الإنسان والحيوان ـ أعني: السمع والأبصار ـ كما يقول:(وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ) وقد أفرد السمع وجمع الأبصار باعتبار متعلّقهما، فإنّ السمع يتعلّق بشيء واحد وهو الأمواج الصوتية بخلاف الأبصار فهو يتعلّق بالأضواء والأشكال والألوان، ويشترك فيهما الإنسان والحيوان ويتميّزان بهما عن الجماد والنبات، فالموجود المجهّز بهاتين الأداتين يتمكّن من معرفة النافع والضارّ والمقصود عن غيره ويفهم كلام الآخرين، لكن الإنسان يختصّ بنعمة كبرى، أعني ما يشير إليه بقوله: (وَالأَفْئِدَةَ) جمع الفؤاد أي القلب، وأُريد به العقل المُدرك. وهذه القوّة تبرهن على العلوم النظرية والمعارف الحقيقية، فلا يبقى في عالم الكون شيء لا يصل إليه سلطان الفؤاد وقوّة العقل إلاّ الله سبحانه، فإنّ ذاته فوق أن يدرك كنهها عقلٌ، فلازم ذلك أن يشكر المنعم عليه، ولكن هؤلاء (قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ).

صفحه 118
قال السيد الطباطبائي: فيه بعض العتاب ومعناه تشكرون شكراً قليلاً.1
وهنا احتمال آخر، وهو أنّ المراد أنّكم لا تشكرون أصلاً، فيقول العرب للكفور الجحود للنعمة: ما أقلّ شكر فلان على نعمتي، على معنى أنّه لم يشكرها، فالمراد هنا: أنّكم لم تشكروه على هذه النِّعم العظيمة، فقد كان ينبغي أن تشكروه عليها في كلّ حين .2 والثاني أرجح لأنّ المراد من الشكر هو إعمال أدوات المعرفة في معرفة الله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته وتخصيصه بالربوبية والعبادة، وهؤلاء المشركون لم يقوموا بذلك أبداً.
79. (وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ):
استدلال آخر على قدرة الله السامية وأنّه لا شريك له في الخلق ليكون مقدّمة لإمكان البعث وقال: (وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ) لم يشاركه أحد في خلقكم، ولأجل صون فعله عن اللَّغوية يقول: (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ): أي الغاية جمع هذا الذرّ والخلق في يوم القيامة، فالله سبحانه يجمع الجميع على صعيد واحد في يوم واحد.
سورة المؤمنون: الآيات 81 ـ 90   
قال الإمام عليّ(عليه السلام):«وَاعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً
وَلَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلا، عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وَأَحْصَى إِحْسَانَهُ
إِلَيْكُمْ، فَاسْتَفْتِحُوهُ، وَاسْتَنْجِحُوهُ، وَاطْلُبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَمْنِحُوهُ، فَمَا قَطَعَكُمْ

1 . الميزان في تفسير القرآن: 15/54.
2 . تفسير المراغي:6/454.

صفحه 119
عَنْهُ حِجَابٌ، وَلاَ أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ».1
80 . (وَهُوَ الذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ):
انتقل سبحانه بعد الاستدلال بإنشاء السمع وما بعده وبعد التذكير بأنّه الخالق للإنسان الجامع له يوم القيامة، انتقل إلى حياة الإنسان وما به قوامه، أمّا الحياة فقال:(وَهُوَ الذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ)فالإحياء والإماتة بيده، كما أنّ بيده ما به قوام حياة الإنسان، أعني: اختلاف الليل والنهار، سواء أُريد به تعاقبهما أو قصر أحدهما وطول الآخر، فالجميع من مبادئ الحياة. وفي نهاية الآية يعاتبهم عتاباً أشدّ من السابق فيقول: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ): أي أنّه سبحانه جهّزكم بأدوات المعرفة التي منها الفؤاد، فلو فكرتم في ملكوت السماوات والأرض لما أنكرتم إمكان المعاد.

الآيات: الحادية والثمانون إلى التسعين

(بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 195.

صفحه 120
تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

المفردات

أساطير: واحدها أُسطورة، كأُعجوبة، بمعنى أُكذوبة.
تتقون: تحذرون عقابه.
ملكوت: مبالغة في المُلك، بمعنى التدبير.
يُجير: يحمي من يستجير به وينصره.
تُسحرون: تُخدعون وتُصرفون عن الرُّشد.

التفسير

لمّا ذكر سبحانه في الآيات المتقدّمة ما ينير الطريق للمشركين في مسألة البعث وأنّهم لو فكّروا في ذلك لسهل لهم التصديق بالمعاد، عاد البيان القرآني إلى ذكر معاذير المنكرين ثم العود لتفنيدها وإبطالها. أمّا المعاذير فتتلخّص في أمرين:

الأوّل: إنكار إمكان المعاد

81 . (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ):
أي أنّ هؤلاء مكان أن يتدبّروا في آيات الله ويستعملوا عقولهم،

صفحه 121
لجأوا إلى المنطق البالي الموروث عن آبائهم كما يقول: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ) وهذا المنطق كان سائداً في عامّة الأزمنة، وحاصله ما سيأتي في الآية التالية:
82 . (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ):
كانوا يتساءلون على وجه الإنكار: إذا متنا وتفتّتت أجزاء أجسامنا وصرنا تراباً وعظاماً بالية كما يقول:(قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا)وقد قدّم التراب على العظام لأنّ غير العظام سوف يُبلى قبل بلوِّها (أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ): أي أئنا لفي خلق جديد؟ إنّ هذا أمر غير ممكن.

الثاني: المعاد أُسطورة

83 . (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ):
إنّ الدعوة إلى الإيمان بالبعث والحياة الجديدة ليست شيئاً جديداً وإنّما هي فكرة موروثة لنا وقد دعا بها السابقون كما يقول: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ): أي من قبل هذا الموعد (إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): أي أنّ الحياة بعد الموت أُكذوبة ليس لها نصيب من الحقيقة.
إلى هنا تمّ ما التجأ إليه القوم من المعاذير التي دعتهم إلى عدم الإيمان بالبعث. ثم إنّ البيان القرآني يعود إلى نقد تلك الفكرة وتدميرها من رأس، وكلّ ذلك جاء بصورة الاستفهام التقريري على نحو يسدّ الطريق على المنكرين.

صفحه 122

السؤال الأوّل:

84 . (قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
أمر الله سبحانه نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأل هؤلاء المنكرين للبعث عن خالق الأرض ومن يعيش فيها قائلاً: (قُلْ): أي يا محمد اسألهم: (لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا)؟ وظاهر الكلام هو السؤال عن مالك الأرض ومن فيها، ولكنّ الواقع هو السؤال عن خالق الأرض ومن فيها، وذلك لأنّ مالكيّته سبحانه للأرض ومن فيها مالكيّة تكوينيّة نابعة عن خالقيّته لهما، فالسؤال عن مالك الأرض، سؤال في الحقيقة عن خالقها، فيكون الجواب بأنّها لله في الحقيقة إقراراً بأنّه الخالق لهما كما سيأتي، والإجابة الصحيحة لهذا السؤال لا تصدر إلاّ من ذوي العقل والعلم، فأَجيبوا عنه (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
85 . (سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ):
قوله:(سَيَقُولُونَ للهِ): أي أنّ الأرض ومن فيها لله، وهو كناية عن أنّه الخالق لأنّ العرب في الجاهلية كانوا موحّدين في الخالقية مشركين في التدبير. ثم يأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ بعد إقرارهم بتلك الحقيقة ـ بأن يوجّه إليهم هذا السؤال التقريعي: (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ): أي إذا كنتم تعترفون بأنّ الله خالق الأرض ومن فيها من إنسان وغيره، فهذا يذكّركم بقدرة الله على إحياء الإنسان، لأنّ من يقدر على خلقه ابتداءً يقدر على إعادته ـ بعد أن يُبلى جسمه ـ إلى ما كان عليه.

صفحه 123

السؤال الثاني:

86 . (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ):
كان السؤال الأوّل ناظراً إلى خالق الأرض ومن فيها، وهذا السؤال أرقى من السؤال الأوّل حيث أمره أن يسألهم عمّن هو (رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) ومن المعلوم أنّ الربّ هو المالك الذي يتولّى تدبير المملوك، يقال: ربّ الدار أو رب الضيعة أو رب الحيوان، فسألهم عن شيئين:
1. (رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ).
2. (رَبُّ الْعَرْشِ).
وكرّر لفظ الربّ وقال: (وَرَبُّ الْعَرْشِ) ترفيعاً لمقامه فإنّ العرش عبارة عن صحيفة الوجود الإمكاني، أو المقام الذي تجتمع فيه أزمّة الأُمور ويصدر عنه كلّ تدبير. وعلى كلّ تقدير فالسؤال عن الربوبيّة لا الخالقية، فأمّا الجواب فيحكيه عنهم سبحانه بقوله:
87. (سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ):
لمّا كان السؤال عن ربّ السماوات وما عطف عليه، كان ظاهر الجواب أن يقال: الله لا (للهِ)غير أنّ المصحّح لهذا النوع من الجواب هو أنّه جواب عن معنى السؤال، وليس عن لفظه، لأنّ معنى مَن ربّ السموات؟

صفحه 124
هو: لمن هذه السموات؟ فالسؤال عن الربوبية يقتضي السؤال عن المُلك، ولذلك صح أن يقال: (لله)، وعند ذلك عوتبوا عتاباً أشدّ من السابق فقيل: (أَفَلاَ تَتَّقُونَ)وتخافون عقابه على جحد توحيده وترك عبادته وإنكار ما أخبر به من البعث والنشور؟

السؤال الثالث:

88 . (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
كان السؤال الأوّل عن مالك الأرض ومن فيها، وكان السؤال الثاني أوسع من الأوّل، وهو سؤالٌ عن ربوبية السماوات السبع ورب العرش، وأمّا السؤال الثالث فهو أوسع من كلا السؤالين وهو السؤال عمّن بيده ملكوت كلّ شيء، والملكوت مبالغة في الملك، أي من بيده مالكية كلّ شيء مالكية يتصرّف فيها كيفما شاء، كما أنّ لفظ (بِيَدِهِ) كناية عن القدرة، لأنّ اليد مظهر القدرة في الإنسان «ومن المهزلة القول بأنّ المراد من اليد ـ استعمالاً وجدّاً ـ هو اليد المعروفة، لكن بلا كيفية» وذلك لأنّ القوم بما أنّهم ينكرون المجاز في القرآن يحملون اليد على معناها اللغوي، ومن المعلوم أنّ المقوّم للمعنى اللغوي هو الكيفية الموجودة في يد الإنسان وغيره، لكنّهم لمّا رأوا أنّه يستلزم التشبيه والتجسيم يفرّون عنه بقولهم: بلا كيف، ومن المعلوم أنّ نفي الكيفية نفي لما هو المقوِّم في استعمالها بالمعنى اللغوي ولذلك صار كلامهم لُغزاً، فمن جانب يقولون استعمل اللفظ في معناه اللغوي وأُريد اليد بكيفيتها، ومن جانب آخر ينفون الكيفية الملازم

صفحه 125
لنفي المعنى اللغوي، وهل هذا إلاّ التناقض؟!
وعلى كلّ تقدير فالله سبحانه المالك التام يتصرّف في كلّ شيء كيفما شاء ( وَهُوَ يُجِيرُ): أي يحمي ويمنع من يشاء من السوء(وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ): أي لا يمكن لأحد أن يحمي ويغيث أحداً منه لو أراده بسوء (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ): أي إن كنتم تعلمون ذلك فأجيبوا.
89 .( سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ):
قوله: (سَيَقُولُونَ للهِ): أي سيجيبون المُلك كلّه والتدبير لله جلّ شأنه (قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ): أي قل لهم: فمن أين تُخدعون وتُصرَفون عن الرُّشد؟!
هذه هي الأسئلة الثلاثة مع أجوبتها، ونلفت نظر القارئ إلى أمرين:
1. إنّ تنظيم الأسئلة يثير الإعجاب، فإنّ كلّ سؤال يمهّد لطروء السؤال اللاحق، وذلك لأنّ المسؤول عنه يُتدرج من الخاصّ إلى العام ومنه إلى الأعمّ، فقد ركّز في السؤال الأوّل على مالك الأرض ومن فيها، وهو أخصّ من السؤال الثاني الذي ركّز على السؤال عمّن له ربوبية السماوات السبع وربّ العرش العظيم، وصار هذا مقدّمة وتمهيداً للسؤال عمّن بيده ملكوت عالم الكون من مادّيّها ومجرّدها.
2. الدقّة في نهايات الأجوبة تعرب عن أنّ الإنكار والتنديد آخذ بالتشدّد شيئاً فشيئاً، فقد جاء في ذيل السؤال الأوّل قوله: (أفَلاَ تَذَكَّرون) و في نهاية السؤال الثاني:(أفَلاَ تَتَّقُون)وفي نهاية السؤال الثالث جاء قوله: (فَأَنّى تُسْحَرُونَ) وهي آكد في الذمّ والنكير.

صفحه 126
90. (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ):
سورة المؤمنون: الآيتان 91 ـ 92   
الآية إضراب ونقد لقولهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) فيقول: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ): أي بالدين الحق (وَإِنَّهُمْ) في رمي ذلك بالأُسطورة (لَكَاذِبُونَ).

الآيتان: الحادية والتسعون والثانية والتسعون

(مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

المفردات

لَعلا: أي يطلب كلٌّ قهر الآخر.
سبحان الله: تنزيه لله عن الولد والشريك.
الغيب: ما غاب عن الحسّ، ويقابله الشهادة.

التفسير

نفي الولد والشريك

91.(مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ):

صفحه 127
تستدلّ الآية الكريمة على أنّه سبحانه منزّه عن اتّخاذ الولد، وعن مشاركة أحد له في الأُلوهية.
أمّا الأوّل فالقول باتّخاذ الولد كان ذائعاً بين المشركين، كما يحكي عنه قوله سبحانه: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا)1، وقد شاع بين النصارى قولهم كما يحكيه سبحانه عنهم: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ)2ومن المعلوم أنّ البنوّة لا تخلو من اشتمال الابن على شيء من حقيقة الأب بحكم كونه منفصلاً عنه، فعندئذ يكون المسمّى بالابن إلهاً ثانياً مولوداً من إلهه، فإذا أُقيم الدليل على وحدة الإله ـ كما سيوافيك ـ فيكون دليلاً على نفي الولد.
ولذلك يأمر سبحانه نبيّه أن يقول: (إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)3.
وبعبارة أُخرى: إذا أُريد من الولد، الولد التشريفي كما عليه اليهود في «عُزير» حيث قالوا: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ)4 فلا مشاحّة فيه، إنّما الكلام فيمن يقولون بالبنوّة الحقيقية التي لا تنفكّ عن انفصال جزء عن جوهر الأب وحقيقته، ونشوئه وكماله فيكون إلهاً ثانياً كالأب، فما يدلّ على وحدة الإله يكون دليلاً على نفي الولد أيضاً ولذلك يقول سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد)دون أن يقيم عليه برهاناً، لأنّ ما أقامه على وحدة الإله يكفيه أيضاً.

1 . الإسراء: 40.
2 . التوبة:30.
3 . الزخرف:81.
4 . التوبة:30.

صفحه 128
ثمّ إنّه سبحانه قدّم المطلوب على الدليل و قال: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد)، ثم قال: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه)، ثم ذكر البرهان وهو مركّب من أمرين:
1. لو تعدّد الإله (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ).
2. (وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض).
وكلٌّ من الجزأين يشكّل جزءاً من البرهان.
وقد اختلفت كلمات المفسّرين في تفسير الآية، واختلف بيانهم في إيضاحها، فمنهم مَن اقتصر على البيان الساذج، ومنهم مَن تعمّق حسب درجاتهم في العلوم العقلية، وها نحن نذكره حسب ما فهمناه.
وقبل بيان البرهان نركّز على أمرين:
الأوّل: إنّ الحكماء والمتكلّمين أقاموا براهين فلسفية على امتناع تعدّد الواجب وأنّه لا يُثنّى ولا يتكثّر، وها نحن نشير إلى رؤوس براهينهم على وجه الإجمال:

1. تعدّد الواجب يستلزم التركيب

بيانه: لو كان هناك واجب وجود آخر، لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود فلابدّ من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك، فيكون كلٌّ مركّباً ممّا يشترك وممّا يميّز، وكلُ مركّب ممكنٌ، لحاجة الكلّ إلى كلّ من جزئيه، وهذا خلاف الفرض.

2. الوجود اللاّ متناهي لا يقبل التعدّد

إنّ واجب الوجود غير متناه لأنّ لازم المحدودية هو العدم خارج

صفحه 129
الحدّ وما هو كذلك لا يكون حقّاً مطلقاً بل حقّاً ملابساً للباطل. هذه هي الصغرى، وأمّا الكبرى: لأنّ فرض تعدّد اللا متناهي يستلزم أن يكون كلٌّ متناهياً من بعض الجهات حتى يصحّ لنا أن نقول: هذا غير ذاك. فالتميّز يوجب التناهي وهو خلاف الفرض.

3. إنّه سبحانه صِرف الوجود

إنّه سبحانه منزّه عن الماهيّة التي تحدّد وجوده فهو وجود خالص، وما هو كذلك لا يثنّى ولا يتكثّر، لأنّ التميّز إمّا بالوجود أو بالماهيّة أو بالعدم، والأوّل غير معقول لأنّ الحقيقة الواحدة ما لم يدخل فيها شيء أجنبيّ لا تتكثّر، وأمّا الثانية فالمفروض عدمها، وأمّا الثالثة فواضحة البطلان لأنّ التكثّر فرع وجود آخر غير الوجود، والمفروض عدمه.
يقول الحكيم السبزواري:
وما له تكثُّرٌ قد حصلا *** ففيه ما سواه أيضاً دَخَلا
إنّ الوجود ما له من ثانِ *** ليس قرى وراء عبّادانِ
الثاني: أنّ القرآن الكريم ليس كتاباً فلسفياً ولا كلامياً، بل هو كتاب يعالج المشاكل الموجودة في عصر الوحي وما بعده، والمفروض أنّ أهل ذلك العصر في البيئات العربية كانوا متّفقين على التوحيد في الخالقية وأنّه لا خالق إلاّ الله سبحانه، وتشهد لذلك الآيات الواردة في هذا الصدد، قال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)1. وعلى هذا فتفسير الآية بخالقَين مستقلَّين ـ كما هو المعروف

1 . الزخرف:9.

صفحه 130
بين المفسّرين ـ لا ينطبق على عقيدة المشركين، فلابدّ أن تفسّر الآية لإبطال عقيدة رائجة بينهم وهي الشرك في التدبير لا الشرك في الخالقيّة.
فإن قلت: كيف يمكن تفسير الآية بالشرك في التدبير مع أنّ ظاهرها هو الشرك في الخالقيّة، كما يقول: (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ)؟
قلت: إنّ هذه الفقرة تشير إلى أنّ تعدّد الإله يورث أن ينفصل كلُّ إله عن الآخر بما خلق من التدبير والتصرّف في المألوه، فالمراد من (خَلَقَ)خلق التدبير، وعلى هذا فلابدّ أن تفسر الآية على هذا النوع من الشرك، ولذلك نقول: إنّ المشركين كانوا يقولون بأنّ الخالق واحد والآلهة كلّهم مخلوقون لله لكن يدبّرون عالم الخلقة، وأنّ كلّ جزء من عالم الوجود يدبَّر بواحد من الآلهة.
إذا علمت ذلك فنقول: إنّ الله سبحانه يبطل تعدّد الآلهة بمعنى كونهم مخلوقين وفي الوقت نفسه يدبّرون جزءاً من العالم ويتصرّفون فيه، وذلك بالبيان التالي:
إنّ هذه الآلهة بما أنّهم متعدّدون فلابدّ أن يتميّز كلٌّ عن الآخر ويتباين كلٌّ عن الآخر، ومن المعلوم أنّ الذات إذا كان متبايناً مع الآخر يكون أثره أيضاً مغايراً لأثر الآخر، فيكون تدبير كلّ مضاداً لتدبير الآخر، فيلزم من تعدّد الآلهة تدبيرات مختلفة، وهو يلازم فقد الانسجام السائد في العالم.
وبعبارة أُخرى: إنّ تعدّد التدبير يوجب فقد الانسجام والاتّساق في الكون وانقطاع الصلة بين أجزاء الكون بعضها عن بعض، وذلك لأنّ كلّ إله يستقلّ بتدبير جزء من العالم منقطعاً عن تدبير الإله الآخر مع أنّا نرى

صفحه 131
الانسجام من المجرّة إلى الذرّة، حتى أنّ القوانين الحاكمة على المجرّات حاكمة على كلّ ذرّة من ذرّات هذا العالم، وكأنّ العالم نسيج واحد يتّصل بعضه ببعض بقوّة وإمساك.
وهذا البيان هو الظاهر أيضاً من قوله سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا) فالشِّقّ الأوّل من آيتنا أعني:(وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ) متّحد مضموناً مع تلك الآية.
وفي كلمات أهل البيت(عليهم السلام) إشارة إلى هذا البرهان.
قال الإمام الصادق(عليه السلام) في جواب هشام بن الحكم الذي سأله عن الدليل على وحدة الربّ، قال: «اتّصال التدبير وتمام الصنع كما قال الله عزّ وجلّ:(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا).1
وفي رواية أُخرى قال(عليه السلام): «فلمّا رأيت الخلق منتظماً والفلك جارياً واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، دلّت صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد».2
هذا كلّه يرجع إلى توضيح الشِّقّ الأوّل من الآية.
وأمّا الشِّقّ الثاني ـ أعني قوله: (وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) ـ فتوضيحه بالبيان التالي:
إنّ في عالم الكون سلسلة من النُّظُم والسُّنن الكونية العامّة التي يوجد بينها سلسلة من النُّظُم الجزئية التي تدار خلالها وأثناءها، فالإنسان

1 . توحيد الصدوق:250.
2 . توحيد الصدوق:244.

صفحه 132
والحيوان والنبات وما يعيش على الأرض ذوات أنظمة صغيرة محدودة خاصّة بها وهي جزء من النظام الكلّي في الكرة الأرضية.
ولكنّ النظام الكلّي للكرة الأرضية هو بدوره يُعدّ جزءاً من النظام الكلّي للعالم، وبهذه النسبة يكون وضع نظام المجموعة الشمسية إذا ما قورن إلى نظام المجرّة. وفي الوقت نفسه المجموع كتلة واحدة ونظام موحّد.
فإذا كان النظام العالي الكلّي للكون مرتبطاً بأحد الإلهين ومحكوماً لتدبيره دون الآخر، ففي هذه الصورة سيتعالى مدبّر النظام الكلّي على مدبِّر النظام الذي يندرج فيه بحيث إذا ذهب وانتفى النظام الكلّي لم يبق للنظام الجزئي المندرج فيه أيّ أثر.
فمثلاً إذا بطل نظام الكرة الأرضية، فإنّه يبطل ـ بالضرورة ـ نظام الإنسان والحيوان وبقية الأحياء ويتعرّض أمرهم للزوال والفناء والخطر، بحكم التبعيّة والارتباط بينهما.
وإذا تعرّض النظام الكلّي للمنظومة الشمسية للخلل، فإنّ من القطعي أن يختلّ كذلك النظام الجزئي للمنظومة مثل نظام الكرة الأرضية على أثر ذلك، ولا يصحّ العكس طبعاً.1
وفي هذه الحالة يصحّ (بحكم تفوّق النظام العالمي الكلّي على النظام الجزئي السفلي) أن يقال إنّ مدبِّر النظام العلوي يتفضّل ويستعلي ويتفوّق على مدبِّر النظام السفلي الجزئي، وتكون نتيجة هذا الفرض أن يستغني

1 . لأنّ فساد الكلّ يستتبع فساد الجزء.

صفحه 133
مدبِّر النظام العلوي الكلّي عن مدبِّر النظام السفلي الجزئي، بينما يستلزم أن يكون مدبّر النظام السفلي الجزئي محتاجاً في إرادته وتدبيره لمخلوقه للمدبِّر الأعلى.
لأنّ الفرض أنّ النظام السفلي مرتبط ـ كمال الارتباط ـ بالنظام العلوي ويستمد من الأخير دائماً، ومعلوم أنّ نتيجة هذا الاستمداد هو أن لا يكون موجد النظام السفلي مستقلاً في تأثيره وتدبيره، بل يكون معتمداً على غيره دائماً وأبداً.
ومن البديهي أنّ الموجود المحتاج إلى غيره في التدبير والإيجاد لا يمكنه أن يكون «الإله الغنيّ».
إنّ القرآن الكريم يشير إلى هذا النحو من الاستدلال بالجملة التالية:(وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) .
وعلّة هذا العلو والاستعلاء هو اعتماد تدبير أحدهما على تدبير الآخر، بحيث لو اختلّ أو انتفى التدبير الكلّي العلوي لانتفى التدبير السفلي الجزئي ولم يعُدْ له أثر ولا خبر دون العكس، ولا ريب أنّ تفوّق التدبير مستلزم لتفوِّق المدبِّر وعلوه.
هذا ما حصّلناه من التدبّر في عقيدة المشركين في الجاهلية، وما أفاده السيد الطباطبائي حول الآية.1
وأمّا ما ذكره المفسّرون فإنّهم نزلوا مضمون الآية على تعدّد الخالق لا تعدّد المدبّر، ولذلك قالوا ما قالوا ممّا لا ينطبق مع عقيدة المشركين.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 15 / 61 .

صفحه 134
وعلى كلّ تقدير، فالله سبحانه لأجل تنزيهه عن تعدّد الآلهة يقول: (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ).
92. (عَالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ):
وهذا برهان آخر على نفي الشريك وهو أنّه سبحانه عالم الغيب والشهادة، وليس في الكون شيء إلاّ وهو عارف به وحاضر لديه. وتقسيم الكون إلى الغيب والشهادة إنّما هو بالنسبة إلينا فإنّ محدوديّة وجودنا تسبِّب أن نصف بعض الأشياء بالحضور، والبعض الآخر بالغيبوبة، وبما أنّه سبحانه موجود غير متناه حاضر لديه حضور صور الأشياء لدى النفس، فهو يشهد (أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)1، ولو كان إله آخر لوقف عليه.
ثمّ إنّ ما ورد في تفسير الآية برهان لنفي تعدّد المدبِّر أيضاً بالنسبة للكون الحاضر.
سورة المؤمنون: الآيات 93 ـ 98   

الآيات: الثالثة والتسعون إلى الثامنة والتسعين

(قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْني فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ * ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ).

1 . آل عمران:18.

صفحه 135

المفردات

هَمَزات الشياطين: خطَراتهم ووساوسهم، واحدتها: هَمْزة، وأُريد تصرّفاتهم في نفس الإنسان، كتحريك القوّة الغضبية وغيرها.
أعوذ: العِياذ: طلب الاعتصام من الشرّ.

التفسير

93 و 94.(قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْني فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ):
في هاتين الآيتين إنذار شديد للمشركين، وأنّهم بتماديهم في العناد واللَّجاج صاروا مظنّة لأن ينزل بهم العذاب، الذي يبلغ حدّاً يخشى معه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من هوله، ولذلك لقّنه سبحانه أن يسأل النجاة لنفسه من هذا الهول وقال: (قُلْ رَبِّ إِمَّا)مركّبة من «إنْ» و «ما»، و «ما» زائدة جاءت لتوكيد فعل الشرط، أي إن أريتني (مَا يُوعَدُونَ) به من العذاب والنقمة (رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْني فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)كناية عن شمول عذابه لهم.
و تسأل: لا شكّ في أنّه سبحانه عادل والنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أعرف الناس بصفاته وأفعاله، وأنّه لا يأخذ البريء بذنب المجرم، فما معنى هذا الدعاء أي (فَلاَ تَجْعَلْني فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)؟
والجواب: إنّ تلقين السؤال والجواب من الله سبحانه، هو لبيان عظمة جرائمهم التي تتبع شمول غضب الله سبحانه لهم، وبما أنّ

صفحه 136
النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بين ظَهرانيَهم صار ذلك مظنّة لدعائه.
95. (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ):
في الآية أيضاً تهديد وتقرير ربّاني بأنّه سبحانه قادر على أن يُري النبيَّ في هذه الدنيا تحقيق إيعاده، كما يقول:(وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ)من العذاب(لَقَادِرُونَ)، فصار ذلك تطييباً لنفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه سيكون بمنأى عمّا يحلّ بهم من العذاب ولن يصيبه شيء منه، بل يكون هو الرائي وهؤلاء هم المرئيّون.
وقد صدّق الخُبر الخَبر، حيث حاق العذاب بصناديد قريش في وقعة بدر، ومُني جيشهم بشرّ هزيمة، فقتل منهم سبعون وأُسر سبعون، وحقّق فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نصراً عظيماً، ولم يصبه شيء.
96. (ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ):
دلّت الآيات السابقة على أنّ العذاب قريب منهم والله سبحانه في مرصد لهم، وأمّا ما هي وظيفة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يضطلع بمسؤولية التبليغ والدعوة إلى سبيل الرشاد، فهذا ما تحدّثت عنه هذه الآية: (ادْفَعْ) ما يصلك منهم من الأذى (بِالتي هِيَ أَحْسَنُ): أي بالخصلة الحسنة التي تتجسّد
فيها مكارم الأخلاق من الكلمة الطيّبة وكظم الغيظ والصفح والتسامح والتجاوز عن الإساءة(السَّيِّئَةَ). وهذا هو خلق الأنبياء جميعاً لا سيما نبيّنا الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث تعاملوا بهذا الأسلوب مع أعدائهم فضلاً عن المؤمنين بهم إذ إحسان المرء إلى من يسيء إليه ربّما يصير سبباً لرجوعه عن العداء، يقول سبحانه: (لاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا

صفحه 137
الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).1
ويقول الشاعر:
أحسِن إلى الناس تستعبدْ قلوبَهمُ *** فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
ويقول أحد المعاصرين: «قالة الجميل قادة السبيل»،(2) ولكن هذا لا يعني أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقابل الإساءة بالإحسان في كلّ الظروف وفي شتّى الموارد، بل كان يردع الشرّ بالشرّ، ويستعمل القوّة مع الذين يصرّون على البغي والعدوان ويدفعهم الإحسان إلى الإيغال في الإساءة، قال الإمام علي(عليه السلام): «الْوَفَاءُ لاَِهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللهِ، وَالْغَدْرُ بِأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللهِ».2
وفي قوله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) تسلية للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يغتمّ لما يصدر عنهم من الأكاذيب وسوء القول، والله عالم بذلك، وسيجزيهم جزاء وصفهم.
ثم أمره سبحانه أن يتعوّذ من أمرين:

الأوّل:

97. (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ):
إنّ النبيّ معصوم والشياطين لا طريق لهم عليه، لأنّه من عباد الله

1 . فصلت: 34.   2 . التعايش السلمي للسيد محمود الموسوي:72.
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 259.

صفحه 138
المخلصين وقد استثنوا عن تسلّط الشيطان عليهم كما قال: (فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)1، ومع ذلك فالله سبحانه يأمر نبيّه بالتعوّذ من تحريك الشيطان داعية الغضب والانتقام.
والجواب: إنّ هذا الدعاء طلب من الله على الاستمرار على عدم تسلّط الشياطين عليه، كما في قوله سبحانه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فالنبيّ يدعو به كما يدعو غيره.

الثاني:

98. (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ):
فقد أمره بالتعوّذ من قربهم، لأنّ اقترابهم لا ينفكّ عن أذاهم.
سورة المؤمنون: الآيتان 99 ـ 100   

الآية: التاسعة والتسعون والآية المئة

(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

المفردات

من ورائهم: أي أمامهم أو من جانب لا يُشعَر.
برزخ: البرزخ: الحاجز بين الشيئين.

1 . ص: 82 ـ 83 .

صفحه 139
التفسير
99. (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ):
أشار سبحانه في الآيات السابقة إلى مصير المشركين في الحياة الدنيا وما أوعدهم به من العذاب فيها بقوله: (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ)، وهنا يصف حالهم عند مجيء الموت وإحساسهم بالندم والجزع وأنّهم عند ذلك ينتبهون من نومة غفلتهم ويتمنّون إعادتهم للحياة لكي يعملوا فيها صالحاً كما يقول: (حَتَّى): أي يبقون على هذا الحال (إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ)وشاهد ما يبعث على الرهبة (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)إلى الدنيا. والخطاب هنا للملائكة الموكّلين بقبض الروح، وقيل للربّ تعالى، ويَردُ على الثاني هذا الإشكال: كيف جاء الخطاب بصيغة الجمع أعني: (ارْجِعُونِ)مع أنّ الرائج هو وحدة الخطاب، أي أن يقول: ربّ ارجعني؟ وأُجيب عنه بأنّ الخطاب بالجمع ليس شاذاً في اللغة العربية بل هو عادة عربية، وربّما يستشهد عليه بقول زوجة فرعون:(قُرَّةُ عَيْن لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ)1، وهذا لا يتمّ، لأنّ الظاهر أنّه خطاب لزوجها وجنوده الذين كانوا يباشرون القتل.
والأرجح أنّ الخطاب في آيتنا للملائكة، وأنّ قول المُحتضِر فيها (رَبّ) ـ بحذف يائه ـ هو من باب الاستغاثة به جلّ شأنه.
هذا، وللإمام عليّ(عليه السلام) كلام يتّسق مع معنى الآية، قال فيه:«فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ،

1 . القصص:9.

صفحه 140
وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ!».1
100.(لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ومِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ):
تمنّى الكافر في حالة النَّزْع الرجوع إلى الدنيا لغاية تدارك ما فاته، كما يقول: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ) وهل المراد من قوله: (فِي مَا تَرَكْتُ)الأموال حتى ينفقها في سبيل البر والإحسان؟ أو المراد الأعمال الصالحة التي تركها من الصلاة والصوم وغيرهما؟ كلٌّ محتمل.
ويجاب بقوله: (كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)يقع الكلام في موردين:
الأوّل: إنّ ما تمنّاه الكافر كان كلاماً لا كلمة؟ فكيف يقول: (إِنَّهَا كَلِمَةٌ)؟ والجواب: أنّه ربّما تطلق الكلمة ويراد بها الكلام، قال ابن مالك: «وكلمة بها الكلام قد يؤم»... فإذا كان موجزاً يعبّر عنه بكلمة.
الثاني: ما هو المراد من قوله: (هُوَ قَائِلُهَا)؟ يحتمل وجهين:
أ. أي لا أثر لها إنّها كلمة هو يقولها، فهو كناية عن عدم استجابة مسألته.
ب. أن يراد أنّها كلمة يقولها هو ولا يعمل بها لو رُدّ، فيكون مشيراً إلى آية أُخرى أي: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)2.
ثمّ إنّه سبحانه ـ تأكيداً لنفي الرجوع ـ يشير إلى وجود حياة أُخرى

1 . نهج البلاغة: الخطبة20(وَهِلتم: من الوَهَل، وهو الخوف والفزع).
2 . الأنعام:28.

صفحه 141
بين الدنيا ويوم البعث، ويقول (وَمِنْ وَرَائِهِمْ): أي أمامهم (بَرْزَخٌ) حائل وحاجز (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)فعلى هذا فالفقرة إشارة إلى كونهم موقوفين في البرزخ إلى يوم البعث لوجود الحائل بينهم وبين يوم القيامة.
وربما يقال: إنّ المراد أنّ بينهم وبين الدنيا حائلاً يمنعهم من الرجوع إلى الدنيا لا إلى يوم القيامة.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان هذا هو المقصود لزمت لغوية قوله: (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) بل يكفي أن يقول: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ) يمنعهم من الرجوع إلى الدنيا، بل الظاهر أنّ هذا البرزخ حائل بين الدنيا ويوم القيامة.
وأمّا التعبير عن الأمام بقوله: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ) ففيه وجهان:
الأوّل: أنّ الوراء وإن كان مستعملاً كثيراً في ضدّ القُدّام ولكن ربّما يطلق ويراد به الأمام، قال تعالى: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا).1
ومع هذا يمكن أن يقال: إنّ كلمة (وَرَاءَ) أُطلقت هنا على الأمام مجازاً، وذلك لأنّ الإنسان إذا أُصيب بلا وعي ولا تصوّر يقال عنه فلان أُصيب من ورائه، أي من حيث لا يشعر، فهكذا المقام فإنّ مقابلة البرزخ وما فيه من العذاب بما أنّه أمر غير مترقّب استعمل فيه كلمة (وراء) ولذلك يقول سبحانه: (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ)2، ولعله إلى ذلك يشير السيد الطباطبائي بقوله: المراد بكونه وراءهم كونه أمامهم محيطاً بهم، وسمّي وراءهم بعناية

1 . الكهف:79.
2 . الجاثية:10.

صفحه 142
أنّه يطلبهم كما أن مستقبل الزمان أمام الإنسان، ويقال: وراءك يوم كذا، بعناية أنّ الزمان يطلب الإنسان ليمرّ عليه وهذا معنى قول بعضهم: إنّ في (وراء) معنى الإحاطة.1
بقي الكلام في الحياة البرزخية.

الحياة البرزخية

الحياة البرزخية أمر تدلّ عليه الآيات الكريمة والسنّة النبوية الشريفة وأحاديث العترة الطاهرة، وإفاضة الكلام فيها رهن تأليف مفرد وقد وفّقنا الله تعالى فأفردنا له مؤلَّفاً باسم «الحياة البرزخية» وهو مطبوع، غير أنّا نختصر الكلام هنا، فنقول:
ظاهر قوله سبحانه:(وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ) أنّ أمامهم مانعاً إلى يوم يبعثون، ومعنى ذلك أنّ هؤلاء موجودون وحاضرون فيه، والحضور رهن وجودهم فيه أحياء، وإلاّ فلو كانوا رميماً في التراب ولم يبق منهم أثر، صار القول: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ) مانع، كلاماً غير صحيح.
هذا من غير فرق بين أن نقول: مانع من الرجوع إلى الدنيا، وقد عرفت بطلانه، أو مانع من الدخول في الآخرة، كما هو الظاهر.
وأمّا ما هي حقيقة الحياة البرزخية، فالحقيقة غير معلومة كمثل الحياة في الدنيا، وإنّما نتعرّف على الحياة بآثارها لا بحقيقتها.
والمهم هو آثار هذه الحياة لا واقعها وحقيقتها.
فيقع الكلام في مقامات ثلاثة:

1 . الميزان في تفسير القرآن:15/68.

صفحه 143
الأوّل: ما هو الدليل على هذه الحياة المتوسطة؟
الثاني: وجود الصلة بين الحياة الدنيوية والبرزخية.
الثالث: ما هي آثارها؟
وإليك دراستها تباعاً.

المقام الأوّل: ما هو الدليل على هذه الحياة المتوسطة؟

بما أنّ المقام هو دراسة قرآنية فسنقتصر على أوضح الآيات وأبينها، وإن كانت الآيات في هذا المضمار كثيرة.
1. قوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ).1
وقد جاء في أسباب نزولها أنّ المشركين كانوا يقولون أنّ أصحاب محمد يقتلون أنفسهم في الحروب بغير سبب ثم يموتون فيذهبون، فأعلمهم الله أنّه ليس الأمر على ما قالوا بل أحياء على الحقيقة إلى القيامة.2
ومعنى الآية: لا تعتقدوا فيهم الفناء والبطلان، فليسوا بأموات بل أحياء ولكن حواسّكم لا تنال ذلك بل حياة متوسطة بين العالمين.
وما ربّما يقال من أنّ المراد كونهم أحياء لما نالوا من جميل الذكر والثناء، فباطل جدّاً، إذ عندئذ لا يصحّ أن يقال: (وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ) إذ كلّ من

1 . البقرة:154.
2 . أسباب النزول للواحدي:27.

صفحه 144
له شيء من اللب يعرف أنّ الشهداء أحياء في الأندية والمجالس وأذهان الناس.
2. قوله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللهِ وَفَضْل وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).1
والآيات هذه صريحة ـ كلّ الصراحة ـ في بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان، وبعد انحلال الأجسام وتفكّكها كما يتّضح ذلك من التمعّن في المقاطع الأربعة الآتية:
1. (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ).
2. (يُرْزَقُونَ).
3. (فَرِحِينَ...).
4. (يَسْتَبْشِرُونَ...).
فالمقطع الثاني يشير إلى التنعّم بالنعم الإلهية، والثالث والرابع يشيران إلى النعم الروحية والمعنوية، وفي الآية دلالة واضحة على بقاء الشهداء أحياء بعد الموت إلى يوم القيامة.
وقد نزلت الآية إمّا في شهداء بدر; أو في شهداء أُحد.
قال الرازي في تفسير الآية: إنّهم في الوقت أحياء كأنّ الله تعالى أحياهم، لإيصال الثواب إليهم، وهذا قول أكثر المفسّرين، وهذا دليل على

1 . آل عمران:169ـ 171.

صفحه 145
أنّ المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور.
ثم أشار إلى التفسيرين الآخرين اللّذين أوعزنا إليهما:
أحدهما: للأصمّ; حيث فسّر الحياة بالحياة الدينية، وأنّهم على هدى من ربّهم ونور.
وثانيهما: لبعض المعتزلة، وأنّ المراد من كونهم أحياء أنّهم سيُحيون.
ثم قال: واعلم أنّ أكثر العلماء على ترجيح القول الأوّل. ثم فنّد الرأيين الأخيرين بوجوه نذكر بعضها:
1. لو كان المراد ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله: (وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ)معنى; لأنّ الخطاب للمؤمنين وقد كانوا يعلمون أنّهم سيُحيون يوم القيامة، وأنّهم على هدى ونور.
2. أنّ قوله: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث، أي: ويستبشرون بأُناس لم يلحقوا بهم وهم في الدنيا، فإذاكان هذا ظرف الاستبشار فيكون هو ظرف الحياة، ويكون قبل البعث.
3. لو كان المراد أحد المعنيّين لا يبقى لتخصيص الشهداء بهذا فائدة، فإنّ غيرهم على نور وهدى من ربّهم.1
ثمّ إنّ كثيراً من مقلِّدة محمد بن عبد الوهاب ينكرون الحياة البرزخية تلويحاً ويتمسّكون بقوله تعالى: (عِنْدَ رَبِّهِمْ)، ولكن هؤلاء غفلوا عن أنّ لفظة «عند» هنا ليس بالمعنى المكاني، فالله سبحانه ليس له مكان، كما ليس

1 . تفسير الرازي: 4 / 164 .

صفحه 146
هو بمعنى في علمه وحكمه لعدم مناسبته للمقام، بل يعني القرب والشرف، أي الشهداء ذوو زلفى ورتبة سامية عند الله .1
3. قوله تعالى: (فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).2
هذه الآية صريحة في أنّه سبحانه صرف عن مؤمن آل فرعون سوء مكرهم فنجا مع موسى(عليه السلام)، لكن أحاط بآل فرعون سوء العذاب، وأمّا كيفية عذابهم فتدلّ الآية على:
أوّلاً: أنّ هناك عرضاً لهم على النار وإدخالاً لهم فيها، والثاني أشدّ من الأوّل.
ثانياً: أنّ العرض على النار قبل قيام الساعة، كما أنّ الإدخال حين قيامها.
وثالثاً: أنّ العرض على النار بعد الموت وقبل قيام الساعة (البرزخ) والتعذيب عند قيام الساعة، بشيء واحد وهو نار الآخرة، لكن العذاب قبل قيامها بالعرض على النار، وبعد قيامها بالدخول فيها، وينتج أنّ البرزخيّين يعذّبون من بعيد وأهل الآخرة بالدخول.
ورابعاً: أنّ آل فرعون وإن ماتوا بالغرق في البحر، لكن موتهم لم يكن بمعنى بطلانهم وفنائهم رأساً، بل بمعنى خروج أرواحهم من أبدانهم

1 . روح المعاني:2/122.
2 . غافر:45ـ 46.

صفحه 147
وانتقالهم إلى عالم آخر حائل بين العالمين، فقُضي عليهم بسوء العذاب إلى يوم القيامة بالعرض على النار، والدخول فيها بعد قيامها، ولو لم يكونوا أحياء، فلا معنى لتعذيب الجماد الفاقد للشعور بالعرض على النار.
وخامساً: أنّ شخصية آل فرعون بأرواحهم لا بأبدانهم، بشهادة بطلان أجسادهم وتشتّت أجزائها، لكنّهم معادون بعدالموت بالعرض على النار، وبالدخول فيها بعد قيام الساعة.

السؤال في القبر نعيمه وعذابه

هذا كلّه حسب الآيات ومن أوضح الأدلّة السؤال في القبر وعذابه ونعيمه، فإذا كانت الحياة البرزخية هي المرحلة الأُولى من الحياة بعد الدنيا، فما اتّفق عليه المسلمون ـ من سؤال الميّت في قبره، وعذابه إن كان ظالماً وإنعامه إن كان مؤمناً صالحاً ـ صحيح لا غبار عليه، وأنّ الإنسان الحيّ في البرزخ مسؤول عن أُمور، ثم معذّب أو منعّم.
قال الشيخ الصدوق: إعتقادنا في المسألة في القبر حقّ لابُدّ منها، ومن أجاب الصواب، فاز برَوح وريحان في قبره، وبجنة النعيم في الآخرة، ومن لم يُجب بالصواب فله نُزُل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة.1
وقال الشيخ المفيد: جاءت الآثار الصحيحة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم، وألفاظ الأخبار بذلك متقاربة، فمنها أنّ ملكين لله تعالى، يقال لهما ناكر ونكير، ينزلان على

1 . رسالة اعتقادات الصدوق: 81 ، الطبعة الحجرية، شرح عقائد الصدوق:44 .

صفحه 148
الميّت فيسألانه عن ربه ونبيّه ودينه وإمامه، فإن أجاب بالحقّ، سلّموه إلى ملائكة النعيم، وإن ارتج سلّموه إلى ملائكة العذاب، وفي بعض الروايات أن اسمي الملكين اللذين ينزلان على الكافر، ناكر ونكير، واسمي الملكين اللذين ينزلان على المؤمن مبشّر وبشير... إلى أن قال: وليس ينزل الملكان إلاّ على حيّ، ولا يسألان إلاّ من يفهم المسألة ويعرف معناها، وهذا يدلّ على أنّ الله تعالى يحيي العبد بعد موته للمسألة، ويديم حياته لنعيم إن كان يستحقّه، أو لعذاب إن كان يستحقّه.1
وقال المحقّق نصير الدين الطوسي: وعذاب القبر واقع، للإمكان، وتواتر السمع بوقوعه.
وقال العلاّمة الحلّي في شرح كلامه: نقل عن ضرار أنّه أنكر عذاب القبر، والإجماع على خلافه.2

أهل السنّة والسؤال في القبر

اتّفق علماء السنّة على المساءلة في القبر، ونعيمه وعذابه، وننقل هنا بعض كلماتهم.
قال أحمد بن حنبل: وعذاب القبر حقّ، يُسأل العبد عن دينه، وعن ربّه، ويرى مقعده من النار والجنة، ومنكر ونكير حقّ.3
وقال التفتازاني: اتّفق المسلمون على حقيّة سؤال منكر ونكير في

1 . شرح عقائد الصدوق:45ـ 46.
2 . كشف المراد: 266، ولاحظ : إرشاد الطالبين: 425.
3 . السنّة: 47، الإبانة للأشعري: 27.

صفحه 149
القبر وعذاب الكفّار وبعض العصاة فيه.1
وقال المحقّق الدوّاني في شرح العقائد العضدية: عذاب القبر للمؤمن والفاسق والكافر حقّ. ثم استدلّ بجمع من الآيات.2
وقال الغزالي: سؤال منكر ونكير حقّ لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): إذا أُقبر الميّت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير... إلى آخر ما ذكره.3
ثمّ إنّ ما ذكروه عصارة روايات متواترة رواها الفريقان في كتبهم، ونحن توخّياً للاختصار ذكرنا كلمات العلماء دون أن نشير إلى الروايات، ولذلك يقول العلاّمة المجلسي: اعلم أنّ الذي ظهر من الآيات الكثيرة والأخبار المستفيضة والبراهين القاطعة هو أنّ النفس باقية بعد الموت إمّا معذبة إن كان ممّن محض الكفر، أو منعّمة إن كان ممّن محض الإيمان، أو يُلهى عنه إن كان من المستضعفين... إلخ.4

حقيقة الحياة البرزخية

ذكرنا في السابق أنّ حقيقة الحياة البرزخية غير معلومة عندنا وإنّما نتعرف عليها بآثارها غير أنّ قسماً من العلماء ذكروا في توضيحها ما يلي:
إنّ الروح تتعلّق بالأجساد المثالية اللطيفة الشبيهة بأجسام الملائكة

1 . شرح المقاصد:5/113.
2 . انظر: بحار الأنوار:6/274.
3 . إحياء علوم الدين: 4/502، طبعة دار المعرفة، بيروت.
4 . بحار الأنوار:6/270.

صفحه 150
المضاهية في الصورة للأبدان الأصلية فينعّم ويعذّب فيها، وبذلك يستقيم جميع ما ورد في ثواب القبر وعذابه واتساع القبر وضيقه ورؤية الأئمّة بأشكالهم ومشاهدة أعدائهم معذّبين، فالمراد بالقبر في أكثر الأخبار ما يكون الروح فيه في عالم البرزخ، وقد وقع في الأخبار تشبيه حالة البرزخ وما يجري فيها بحالة الرؤيا وما يشاهد فيها.

إشكال وإجابة

السؤال: أليس القول بتعلّق الروح بالبدن المثالي قولاً بالتناسخ؟ إذ من أقسامه تعلّق الروح بعد الخروج من بدن ببدن آخر؟
الجواب: التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلّق الأرواح بعد خراب أجسادها، بأجسام أُخر في هذا العالم، وأمّا القول بتعلّقها في عالم آخر، بأبدان مثالية، مدّة البرزخ، إلى أن تقوم قيامتها الكبرى، فتعود إلى أبدانها الأوّلية بإذن مبدعها، فليس من التناسخ في شيء.1
وقال الرازي: إنّ المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردّها إلى الأبدان، لا في هذا العالم، والتناسخية يقولون بقدمها، وردّها إليها، في هذا العالم وينكرون الآخرة والجنة والنار، وإنّما كُفّروا من أجل هذا الإنكار.2
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل، أعني: ما يرجع إلى وجود الحياة البرزخية للأموات، وإليك الكلام في المقام الثاني.

1 . بحار الأنوار:6/277.
2 . نهاية العقول للرازي نقلاً عن بحار الأنوار:6/278.

صفحه 151

المقام الثاني: الصلة بين الحياتين

إنّ بعض الوهابيّين بعدما أذعنوا بوجود الحياة البرزخية صاروا ينكرون وجود الصلة بيننا وبينهم، وما ذلك إلاّ لغاية إبطال زيارة قبور الأولياء والتوسّل بهم، مع أنّ صريح السنّة الشريفة هو وجود الصلة بين الحياتين، وها نحن نذكر ما يدلّ عليه، وأمّا الآيات فقد ذكرنا شيئاً منها في كتابنا «الحياة البرزخية»، فمن أراد فليرجع إلى الآيات التالية: الأعراف: 78ـ 79 حول قصّة النبيّ صالح(عليه السلام)، وأيضاً الأعراف: 91 ـ 93 حول قصّة النبيّ شعيب(عليه السلام)، ولاحظ كتابنا: «الحياة البرزخية»: 54 ـ 58، وإليك ما ورد في السنّة الشريفة دليلاً على وجود الصلة:

1. تكليم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل القليب

بعد أن انتهت معركة بدر بانتصار عظيم للمسلمين أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بإلقاء أربعة وعشرين قتيلاً من صناديد قريش في بئر، ثمّ وقف(صلى الله عليه وآله وسلم)يخاطبهم ويقول: يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أُميّة بن خلف، ويا أبا جهل ـ فعدّد من كان منهم في القليب ـ هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لِما أقول منهم.1

1 . انظر: السيرة النبوية: 1 / 639، وصحيح البخاري:3/9، كتاب المغازي، برقم 3976.

صفحه 152

2. الميّت يسمع قرع النعال

روى البخاري عن أنس بن مالك أنّه حدّثهم: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«إنّ العبد إذا وُضع في قبره، وتولّى عنه أصحابه وإنّه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملَكان...».1
وجه الاستدلال به أنّه قال: «وإنّه ليسمع قرع نعالهم» فالميّت إذا كان يسمع قرع النعال، فالكلام من باب أَولى.

3. قول الميّت عند حمل جنازته

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري(رحمه الله) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا وُضعت الجِنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها، يسمع صوتَها كلُّ شيء إلاّ الإنسان، ولو سمعه صَعِق».2
هذا نزر ممّا يدلّ على وجود الصلة بين الحياتين.

المقام الثالث: آثار الحياة البرزخية

نحن نعرض المسألة على الكتاب العزيز وهو يدلّ صريحاً على انتفاع المؤمن بعمل غيره، وإنْ لم يكن له فيه سعي، ونذكر موردين:

1. استغفار الملائكة للمؤمن

قال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ

1 . صحيح البخاري:1/335، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم 1374.
2 . صحيح البخاري:1/319، باب حمل الرجال الجنازة، برقم 1314.

صفحه 153
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ )1. وقال تعالى أيضاً: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).2

2. دعاء المؤمنين للذين آمنوا

قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)3.
وأمّا الأحاديث الدالّة على انتفاع الميّت بفعل الحيّ، فهي كثيرة نذكر جزءاً منها:

1. انتفاع الميّت بصوم الغير نيابة عنه

روى الشيخان عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفقضيه عنها؟ فقال:«لو كان على أُمّك دَين، أكنتَ قاضيَه عنها؟» قال: نعم. قال: «فدَين الله أحقّ أن يُقضى».4

1 . غافر:7.
2 . الشورى:5.
3 . الحشر:10.
4 . صحيح مسلم:523، باب قضاء الصيام عن الميّت، برقم 2583; وصحيح البخاري:1/481، باب من مات وعليه صوم، برقم 1953.

صفحه 154

2. انتفاع الميّت بحج الغير نيابة عنه

قال محمد بن سيرين: بلغني أنّ سعد بن عبادة قال: يا رسول الله إنّ أُمّ سعد في حياتها كانت تحجّ من مالي وتصدّق وتصل الرحم وتنفق من مالي، وأنّها قد ماتت فهل ينفعها أن أفعل ذلك عنها؟ قال: «نعم».1

3. انتفاع الميّت بالعتق عنه

روى عطاء بن رباح قال: قال رجل: يا رسول الله: أعتق عن أُمّي وقد ماتت؟ فقال: «نعم»، قال: أينفعها؟ قال:«نعم».2
إلى غير ذلك مَنْ الروايات المتضافرة والمتواترة في ذلك.
نعم هناك بعض مَن اتّخذ عقيدة مسبقة فأثار حول هذا الموضوع شبهاً لا تحتاج إلى الطرح والجواب، فمن أراد أن يقف على هذه الشبهة وأجوبتها فليرجع إلى كتابنا «الحياة البرزخية».3
سورة المؤمنون: الآيات 101 ـ 104   

الآيات: الأُولى بعد المئة إلى الرابعة بعد المئة

(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ *

1 . كنز العمّال: 6 / 598، برقم 17050 .
2 . كنز العمّال:6/599 برقم 17054.
3 . لاحظ : الحياة البرزخية:101ـ 113.

صفحه 155
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ).

المفردات

الصور: هو مثل قَرْن يُنفخ فيه، فيجعل الله ذلك سبباً لعَود الصُّوَر والأرواح إلى أجسامها. وهو أيضاً البوق الذي ينفخ فيه للتجمّع والنفير.
ولا يتساءلون: أي لا يسأل بعضهم بعضاً.
موازينه: الموازين: جمع الميزان والموزون، وأُريد هنا الثاني أي: حسناته.
المفلحون: الفائزون.
خسروا أنفسهم: أي غبنوها.
تَلفح: تُحرق.
كالحون: عابسون متقلِّصو الشفاه.

التفسير

101. (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ):
دلّت الآيات القرآنية على وجود نفختين: نفخة تُسمّى بالنفخة الأُولى تموت فيها الأحياء جميعاً، ونفخة أُخرى تُحيا فيها الأموات، يقول سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ

صفحه 156
نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)1 فأُريد من قوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ)النفخة الثانية، فإذا وقعت (فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ): أي لا تنفعهم الأنساب هناك ولا يتواصلون بها، فلا ينجو الولد بنجاة أبيه وبالعكس، قال سبحانه: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ).(2)
قوله تعالى:(وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ): أي لا يسأل القريب قريبه عن خبره وحاله ولا يلتفت إليه لاشتغاله بأمر نفسه كما قال سبحانه: (وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيًما).2
ولا ينافي ذلك ما ورد في قوله تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ)(4) لأنّها ناظرة إلى تساؤل أهل الجنة بعد دخولها، ولا ما ورد في قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ)3 لأنّها ناظرة إلى تساؤل أهل النار (من القادة والأتباع) بعد أن يُساقوا إليها أو بعد دخولها، وهذه الآية الّتي نحن في صدد تفسيرها تنفي التساؤل في وقت الحساب، وهكذا قوله تعالى: (وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ)(6)، كلّ هذا يرجع بعد تماميّة الحساب وتعيّن المصير .
روى الصَّدوق بإسناده عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) أنّه قال: من أحبّ عاصياً فهو عاص، ومن أحبّ مطيعاً فهو مطيع، ومَن أعان ظالماً فهو ظالم، ومن خذل عادلاً فهو ظالم. إنّه ليس بين الله وبين أحد قرابة، ولا ينال أحدٌ ولاية الله إلاّ بالطاعة، ولقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لبني عبد المطلب:

1 . الزمر:68.   2 . عبس:34ـ 36.
2 . المعارج:10.    4 . الصافات: 50.
3 . الصافات: 27 .   6 . ص: 62.

صفحه 157
إئتوني بأعمالكم لا بأحسابكم وأنسابكم، قال الله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ...).1
وممّا يؤيّد ذلك ـ أي انقطاع الأنساب على الإطلاق ـ ما رواه ابن شهر آشوب في مناقبه في الباب الخاص بالإمام زين العابدين(عليه السلام) عن طاووس الفقيه ـ أحد التابعين ـ قال:
رأيته ـ يعني علي بن الحسين(عليهما السلام)ـ يطوف من العشاء إلى سحر ويتعبّد، فلمّا لم ير أحداً رمق السماء بطرفه، وقال: إلهي غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتحات للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدّي محمّد في عرصات القيامة، ثم بكى وقال: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكّ، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرّض، ولكن سوّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترُك المُرخى عليّ، فأنا الآن من عذابك من يستنقذني، وبحبل من اعتصم إن قطعت حبلك عني، فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفّين جوزوا وللمثقلين حُطُّوا، أمع المخفّين أجوز أم مع المثقلين أحطّ; ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن استحي من ربي؟ ثم بكى، ثم أنشأ يقول:
أتحرقني بالنار يا غاية المنى *** فأين رجائي ثم أين محبَّتي
أتيتُ بأعمال قباح رديَّة *** وما في الورى خَلْق جَنى كجنايتي
ثم بكى وقال: سبحانك تُعصى كأنك لاتُرى، وتحلم كأنك لم تعص،

1 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2 / 260، باب 58، برقم 7 .

صفحه 158
تتودّد إلى خلقك بحسن الصنيع كأنّ بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيدي الغنيّ عنهم، ثم خرّ إلى الأرض ساجداً، فدنوت منه وشلت رأسه ووضعته على ركبتي وبكيت، حتى جرت دموعي على خده فاستوى جالساً وقال: من ذا الذي شغلني عن ذكر ربي؟ فقلت: أنا طاووس يابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جافون! أبوك الحسين بن علي، وأُمّك فاطمة الزهراء، وجدّك رسول الله، قال: فالتفت إليّ وقال: هيهات هيهات يا طاووس دع عني حديث أبي وأُمّي وجدّي، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان (عبداً) حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان قرشياً، أما سمعت قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ) والله لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدّمها من عمل صالح».1
وعلى هذا فما روى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي »2، أمّا غير صحيح، أو يُحمَل على معنى صحيح. وعلى كلّ تقدير فتكريم السادة من ذرية الرسول أمر لا صلة له بانقطاع النسب يوم القيامة وعدمه.
ثمّ إنّ هذه الآية سيقت مقدّمة لما يليها من الآيتين.
102. (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ):

1 . مناقب ابن شهر آشوب:4/163ـ164،طبعة دار الأضواء، 1412 هـ . ولاحظ: بحار الأنوار:46/81، وتفسير نور الثقلين:3/536.
2 . المعجم الكبير للطبراني: 3 / 45 برقم 6234. وانظر: الدرّ المنثور: 6 / 117 .

صفحه 159
هذه الآية تحكي عن ثقل الموازين، والآية التالية تحكي عن خفّتها، وفي تفسير الآية وجهان:
الأوّل: أنّ المراد من الموازين هو الموزون من العقائد والأعمال، وأريد من الثقل هو كثرة الطاعات والحسنات، كما أُريد من الخفّة قلّة (أو عُدم) الأعمال الصالحة والطاعات.
الثاني: أنّ الموازين جمع الميزان، فتوضع الموازين يوم القيامة لوزن الأعمال والمقابلة بين الحسنات والسيئات، فمن ثقلت كفّة حسناته ورجحت على كفّة سيئاته(فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): أي الفائزون برضوان اللله ونعيمه.
103. (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ):
وهذه الآية تفسّر أيضاً بأحد الوجهين المذكورين. وعلى كلّ تقدير فمن خفّت موازينه فقد حُكم عليه بأمرين:
الأوّل:(فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) فإنّ الحياة كانت رأس مال لهم وقد ضيّعوها ولم يستثمروها لهذا اليوم.
الثاني: (فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ): أي مؤبّدون.
نعم، روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أنّ الأنبياء والأوصياء، أو أمير المؤمنين والأئمة من ذريته هم الموازين1، ولعلّ المراد أنّ أعمال الناس

1 . بحار الأنوار:7/251 و 252 .

صفحه 160
تقاس بأعمالهم (عليهم السلام)، باعتبارهم حجج الله تعالى في أرضه، فمن كان يسترشد في سلوكه وعمله بأعمالهم تكتب له النجاة، وإن كان على طرف النقيض فيكتب له الهلاك.
ثم إنّه سبحانه يشير إلى حال هؤلاء الخاسرين بعد دخولهم الجحيم ويقول:
104. (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ):
اللفح: مسّ لهب النار الشيء، والمراد ـ كما يظهر ـ أنّها تحرق وجوههم أشدّ حرق بلهبها. وهذه هي الحالة الأُولى لهم، وأمّا الحالة الثانية: (وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ): أي عابسون أو متقلِّصو الشفاه عن الأسنان من أثر هذا اللفح، فإذا مسّت النار الوجه تتقلّص الشفاه بلا اختيار.
سورة المؤمنون: الآيات 105 ـ 116   

الآيات : الخامسة بعد المئة إلى السادسة عشرة بعد المئة

(أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا

صفحه 161
لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).

المفردات

شقوتنا: الشِّقوة والشَّقاوة والشَّقاء: ضد السعادة. ويمكن أن يقال: سوء العاقبة وحسنها.
اخسئوا: اسكتوا سكوتَ ذلّة.
سِخرياً: أي هُزواً.
ذِكري: أي الخوف من عقابي.
لبثنا: اللَّبْث: المكث والإقامة.
العادّين: الحفظة العادّون لأعمار العباد وأعمالهم.

التفسير

حوار مع الخالدين في جهنّم

في هذه الآيات حكاية لحوار يجري مع المجرمين الّذين خفّت موازينهم وسيقوا إلى جهنّم، حيث يُسألون عن سبب سوء مصيرهم، عَبر هذا السؤال التقريعي:

صفحه 162
105. (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ):
فيقال لهم توبيخاً:(أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي): أي آيات القرآن (تُتْلَى عَلَيْكُمْ)وتقرأ على رؤوس الأشهاد (فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) بلا حجّة ولا برهان. وكان من المفترض أن تتأمّلوا ما فيها من أدلّة ومن هدىً ونور حتى لا تواجهوا هذا المصير السيّئ، فأجابوا:
106. (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ):
أي قالوا: ربّنا قد أتممت علينا الحجّة وأتممت علينا النعمة لكن (غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا)فإضافة الشقوة إلى أنفسهم دليل على أنّهم هم السبب للشقوة وأنّهم شَقُوا بأعمالهم، لا أنّه سبحانه خلقهم أشقياء، فهؤلاء هم الذين كسبوا الشقوة لأنفسهم، والشاهد لذلك قولهم: (وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ): أي صرنا ضُلاّلاً عن طريق الحقّ بعد وجود أعلام الهداية. فما يزعمه الجَبريّون من أنّ في هذه الآية دلالة على أنّ الشقاء والسعادة أمران ذاتيان، لا صحّة له، وإنّما الإنسان هو الذي يكتسب السعادة والشقاء.
107. (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ):
وهنا يسألون الله، بعد أن يمسّهم العذاب، إخراجهم من نار جهنم فيقولون: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا): أي من جهنم وارجعنا إلى الدنيا لنؤمن بك ونعمل صالحاً (فَإِنْ عُدْنَا) إلى مثل ما سلف (فَإِنَّا ظَالِمُونَ)لأنفسنا، ونصبح إذ ذاك جديرين بالعقوبة.
ولمّا سألوا ذلك، جاءهم الردّ شديداً عنيفاً .

صفحه 163
108. (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ):
أي انزجروا فيها واسكتوا سكوتاً مقروناً بالذلّة، ولا تكلّموني في رفع هذا العذاب فإنّكم تستحقّونه.
109 و 110 . (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ):
هاتان الآيتان تشيران إلى جريمة أُخرى لأهل النار وراء جرائمهم الّتي ارتكبوها في العقائد والأعمال، فإنّهم وراء أنّهم كفروا بآيات الله ولم يدّخروا شيئاً من الأعمال الصالحة ليوم القيامة كانوا يسخرون من المؤمنين كما يقول: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي) يريد الأنبياء والمؤمنين الذين(يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) وكانوا يطلبون من الله سبحانه المغفرة وحسن العاقبة، فأنتم مكان أن تتّعظوا بكلماتهم صرتم تستهزئون بهم وتسخرون منهم كما يقول: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا)فصار رجال الله عندكم وأولياؤه مادّة للسخرية إلى حدّ (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري)الضمير المتصل في (أَنْسَوْكُمْ)يرجع إلى عباد الله، فيقع الكلام كيف صار العباد سبباً لإنساء هؤلاء ذكر الله؟ ومن المعلوم أنّ الإسناد مجاز، والمراد حتى أنساكم الاستهزاء بهم ذكري، يقول السيد الطباطبائي: ففي نسبة الإنساء إلى المؤمنين دون سخريتهم إشارة إلى أنّه لم يكن للمؤمنين عندهم شأن من الشؤون إلاّ أن يتّخذوهم سخرياً.1 فصاروا بعد السخرية

1 . الميزان في تفسير القرآن: 15/71.

صفحه 164
بهم ما يذكره سبحانه (وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ)فصار الأنبياء والدعاة إلى الهدى والإيمان وسائل للسخرية ثم الضحك منهم.
111. (إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ):
إنّه سبحانه بهذه الآية وما تقدّمها قد أيأسهم من الفوز والخروج من النار، فقد سألهم عن سبب سوء مصيرهم فاعترفوا بكونهم ظالمين، ولمّا طلبوا من الله سبحانه إخراجهم من النار زُجروا وأُهينوا، ثم حاكمهم على جريمة أُخرى وهي السخرية من عباد الله، كلّ ذلك أثبت أنّ الحكم قطعيّ، غير أنّه سبحانه يذكر أن صبر المؤمنين أمام هؤلاء لا يذهب سُدى والله سبحانه يجازيهم بأحسن ما يمكن فيقول: (إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا)على أذاكم وسخريتكم واستهزائكم بهم (أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) أي الناجون دونكم.
إلى هنا تمّ الحوار الذي كانت الغاية منه أخذ الاعتراف منهم على ضلالهم وظلمهم، وبدأ حوار آخر حول مدّة لبثهم في الأرض.

حوار ثان يتعلّق بمكثهم في الأرض

112 و113. (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ):
هل السؤال يتعلّق بمَن حكم عليه بالعقوبة ودخل النار وهم فيها كالحون، أو أنّ السؤال موجّه للمجرمين بعد النفخة الثانية وقبل القضاء عليهم بشيء؟ مقتضى السياق هو الأوّل لكن المضمون يأباه، والظاهر أنّ

صفحه 165
هذه الآية وما بعدها ناظرة إلى قوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ)، ففي مثل هذا الوقت يُسألون عن مقدار لبثهم في الأرض.
ثمّ إنّه يقع الكلام في ما هو المراد من اللبث في الأرض؟ فإنّ اللبث هو التوقّف والإقامة في المكان، فهنا وجهان:
الأوّل: كان السؤال عن مقدار عمرهم في الدنيا، فيكون معنى الآية: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ): أي كم سنة عشتم فوق الأرض (عَدَدَ سِنِينَ)، فأجابوا بقولهم: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم) تقليلاً لمدّة لبثهم فيها.
الثاني: أنّ السؤال عن مدّة مكثهم في البرزخ أي بعد الموت، فيكون معنى الآية: كم لبثتم في الأرض أي القبور أو البرزخ (عَدَدَ سِنِينَ)، فأجابوا و (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم).
والظاهر هو الثاني وذلك لوجهين:
الأوّل: أنّه ورد السؤال عن مدّة لبثهم في البرزخ في آيات أُخرى، قال سبحانه: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ)1، وقال تعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار)2 فيكون قرينة على أنّ السؤال في الآية أيضاً عن اللبث في البرزخ. ويؤيّد ذلك أيضاً أنّ اللَّبث وإن كان موضوعاً لمطلق التوقّف في المكان سواء أكان حيّاً أو ميّتاً، إلاّ أنّه ينصرف عند المكث والإطلاق للتوقّف

1 . الروم:55.
2 . الأحقاف:35.

صفحه 166
الخالي عن الحركة والفعل، ولذلك يصف سبحانه توقّف أصحاب الكهف فيه باللَّبث ويقول: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)1. وهذا يناسب التوقّف في البرزخ لا في الحياة الدنيا.
الثاني: أنّ السؤال عن مدّة حياتهم في الدنيا وإجابتهم عنها بيوم أو بعض يوم لا تترتّب عليه أية فائدة، فإنّ السائل والمسؤول يعلمان مدّة حياتهم في الدنيا، فلأي غاية وغرض يُسأل عنها؟ وهذا بخلاف ما إذا كان السؤال عن مدّة مكثهم تحت الأرض، بعد الموت، فإنّه يترتّب عليه غرض خاص وهو اعترافهم بالحياة الجديدة.
توضيح ذلك: أنّهم كانوا ينكرون الحياة بعد الموت بحجج واهية ذُكرت في القرآن الكريم، فالله سبحانه يريد أن يأخذ منهم الاعتراف بوقوع ما ينكرون، فيسألهم عن المدّة التي كانوا فيها تحت الأرض ميّتين فاقدين لكلّ فعل وحركة وشعور ووعي، فإذا أجابوا بشيء سواء أكان صحيحاً أم غير صحيح، فقد اعترفوا بأنّهم صاروا أحياء بعد ما كانوا أمواتاً، فبطل ما كانوا يزعمون من عدم إمكان الإحياء بعد الإماتة.
نعم يقع الكلام في استقلالهم مدّة مكثهم تحت الأرض مع أنّهم ظلّوا فيها مدّة طويلة، فيمكن ذكر سببين لذلك:
1. لمّا لم يشاهدوا وجود أي فرق بين حياتهم الدنيوية وهذه الحياة، توهّموا أنّهم لم يلبثوا إلاّ هذه المدة اليسيرة، فقالوا: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم).
2. أنّ أهوال القيامة وسوء المصير أفقدتهم القدرة على تشخيص

1 . الكهف:25.

صفحه 167
الفترة التي أمضَوها في البرزخ، فصار ذلك سبباً لحظئهم في التقدير.
وبما أنّهم كانوا غير جازمين في الجواب عن مدّة لبثهم، أحالوا الجواب الصحيح إلى العادّين، فقالوا: (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ): أي المتمكّنين من العدّ والإحصاء، وفُسّر بالملائكة.
114. (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
إنّ قوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ) ليس جواباً حقيقياً لكلامهم، بل الجواب الحقيقي أمر مقدّر وهو: بل لبثتم زمناً طويلاً بشهادة أنّه سبحانه أجاب بهذا النحو في موضع آخر وذلك عندما أمات عُزيراً كما يقول: (فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام)1والآية تشهد على تقدير الجواب بالنحو الماضي، وأمّا أنّه كيف صدّق كلامهم الخاطئ و (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً) فالجواب أنّ المصحّح لذلك ذيل الآية وهو قوله: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) مدّة مكثكم في الآخرة، فعندئذ تستقلّون مدّة وقوفكم في القبر، فمعنى قوله: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ): أي لو تعلمون طول مدّة مكثكم في الآخرة في العذاب لاستقللتم مدّة مكثكم في القبور.
115. (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ):
انتقل البيان القرآني إلى أحد الأصلين الذين ينكرهما مشركو مكّة ومَن كان على ضلالتهم، حيث خصّوا الحياة بالحياة الدنيا وقالوا: إنّما

1 . البقرة:259.

صفحه 168
الحياة الدنيا، وبذلك وصفوا فعل الله سبحانه بالعبث وفقدان الغرض، فردّ الله سبحانه عليهم بقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا): أي لعباً وباطلاً لا لغرض وحكمة، أو يحسب الإنسان أن يترك سدى وأنّكم خُلقتم أن تفعلوا ما تشاءُون (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ): أي لا تحشرون ولا تحاسَبون؟
إنّ هذا الحسبان سوء ظن بالله سبحانه، وهو يضادّ كونه حكيماً لا يعبث، فصار ذلك دليلاً آخر على لزوم المعاد والحياة الجديدة التي كان المشركون ينكرونها.
116. (فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ):
الآية تصف الله سبحانه بصفات أربع، والجميع دليل على توحيده في التدبير وكون فعله مقروناً بالغرض.
وبعبارة أُخرى: دليل على الأصلين اللّذين بُعث الأنبياء لبيانهما للناس، أحدهما: التوحيد في التدبير، والآخر أنّ الموت ليس نهاية الحياة. وإليك بيان الأوصاف الأربعة:
(فَتَعَالَى اللهُ) عمّا يصفه الجاهلون المشركون من الشرك واتّخاذ الولد وكون فعله عبثاً وعن كلّ ما لا يناسب مقامه، لماذا؟ لأنّه:
1. (الْمَلِكُ): أي من بيده أزمّة الأُمور، كما هو الحال في الملوك فهو قاهر على كلّ شيء، وقادر على كلّ شيء فيكون دليلاً على قدرته على الإماتة والإحياء.
سورة المؤمنون: الآيتان 117 ـ 118   
2. (الْحَقُّ): أي الحقّ المطلق وجوداً ووصفاً وفعلاً لا يشوبه البطلان،

صفحه 169
فلو كان فعله مجرّداً عن الغاية يكون فعله ممزوجاً بالباطل.
3. (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) فالإله بمعنى الخالق المتصرّف ليس إلاّ هو. وأمّا تفسيره بالمعبود فقد ذكرنا أنّه غير صحيح.
4. (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) وهو كناية عن قدرته التامّة، لأنّه صاحب العرش الموصوف بالكرامة والعزّة. وأُريد من العرش إمّا صحيفة الوجود، أو المقام الذي تصدر منه الأحكام والتدبيرات.

الآيتان: السابعة عشرة بعد المئة والثامنة عشرة بعد المئة

(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ).

التفسير

قد تقدّم أنّ المشركين يركِّزون على أصلين باطلين:
1. الشرك في التدبير ويستتبع الشرك في العبادة.
2. إنكار الحياة الأُخروية. وقد تقدّم التنديد بالأصل الثاني في قوله:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) فعاد البيان القرآني إلى التنديد بالأصل الأوّل، وقال:
117. (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ

صفحه 170
عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ):
قوله:(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ): أي ومن يعبد مع وجود الله سبحانه (إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ)حال من الموصول في قوله: (وَمَنْ يَدْعُ) والقيد توضيحي. والآية نظير قوله سبحانه: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ)، (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ): أي لا عليك أيها النبيّ، إنّما عليك البلاغ (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ).
وما أحسن هذه الآية، حيث صُدّرت السورة بقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وخُتمت بقوله: (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ).
118. (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ):
وكأنّ الآية إيضاح لقوله: (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ)، وأمّا ما يرجع إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّما هو طلب الغفران والرحمة، كما قال: (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) وهذا النوع من التعبير إعلانٌ عن انتهاء السورة.
***
تمّ تفسير سورة المؤمنون

صفحه 171
سورة النور   

سورة النور

(سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَات بَيِّنَات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَان أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَات بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَات بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ

صفحه 172
 
اللّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ

صفحه 173
 
مِنْ أَحَد أَبَدًا وَلَكِنَّ اللّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَة فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ * قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ

صفحه 174
 
زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَات مُبَيِّنَات وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لاَ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ

صفحه 175
 
نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب * وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّات كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَللّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي

صفحه 176
 
الأَبْصَارِ * وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَع يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَات مُبَيِّنَات وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ

صفحه 177
 
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّات مِنْ قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَات لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْض كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزِينَة وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ

صفحه 178
 
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَلاَ إِنَّ للّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللّهُ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ ).
سورة النور: خصائص السورة   

صفحه 179

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة بسورة «النور» في المصاحف والتفاسير والأحاديث، ووجه التسمية واضح وهو وجود آية النور فيها، أعني قوله سبحانه:(اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)1.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها أربع وستون آية في عدّ العراقي، واثنتان وستون آية في عدّ المدني والمكّي، والمصاحف توافق العدّ الأوّل.
وهي مدنية بلا خلاف، فإنّ مضامينها تشهد على كونها نازلة بعد الهجرة، كما سيظهر.

أغراض السورة

تتلخّص أغراض السورة في أمرين:
الأوّل: حماية اللَّبِنة الأُولى للمجتمع، أعني: الأُسرة، من التصدّع والانهيار، من خلال فرض أحكام تتعلّق بالزاني والزانية ورمي المحصنات بالزنا، وبهذه المناسبة أشارت إلى قصة الإفك الّتي هي من

1 . النور: 35 .

صفحه 180
شقوق رمي المحصنات. وفي إطار هذا الغرض تأتي الدعوة إلى العفاف والنزاهة والنأي بالنفس عن بواعث الفتنة والإغراء، وإلى الالتزام بالإرشادات والتوجيهات الأخلاقية والسلوكية التي وردت في السورة، كآداب الدخول في البيوت المسكونة وغير المسكونة، وغير ذلك.
الثاني: التركيز على المعارف والآيات الدالّة على وحدانيّته وسائر صفاته سبحانه، ابتداءً من قوله: (اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)1 وانتهاءً بقوله: (أَنْزَلْنَا آيَات مُبَيِّنَات )2 .
نعم يوجد في ثنايا الآيات ما يرجع إلى بيان النفاق والتحذير من المنافقين .
سورة النور: الآيات 1 ـ 3    

الآيات: الثلاث الأُولى

(سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَات بَيِّنَات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَان أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).

1 . النور: 35 .
2 . النور: 46 .

صفحه 181

المفردات

سورة: قيل: مأخوذ من السُّور وهو الجدار الّذي يحيط بالبلد ليصونه عن ورود الأشرار والسُّرّاق، وكأن كلّ سورة محدّدة متميّزة عن سورة أُخرى، فكلّ سورة تبتدئ بالبسملة وتستمر إلى أن تأتي سورة أُخرى مبتدئة بالبسملة.
فرضناها: قال الراغب: الفرض: قطع الشيء الصلب كفرض الحديد.1 وأُريد به هنا الإيجاب، لمناسبة بينه وبين قطع الشيء .
فاجلدوا: الجلد: ضرب الجِلْد، والجِلْد قشر البدن، وقد شاع فعل الثلاثي من أسماء الأعيان يقال: رأَسَه وظَهَره وبَطَنه إذا ضرب رأْسه وظهْره وبطْنه.
وعلى كلّ تقدير فالمراد بالجَلْد هو الضرب بالسوط.
جَلدة: مصدر بمعنى ضربة.
رأفة: أشدّ الرحمة.
دين الله: حُكم الله.

التفسير

1. (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَات بَيِّنَات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ):

1 . مفردات الراغب: 376، مادة «فرض».

صفحه 182
الآية تشتمل على أُمور أربعة:
الأوّل: قوله: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا): أي هذه سورة أنزلناها، ومن المعلوم أنّ السور كلّها ينزلها الله سبحانه فلماذا خُصّت هذه السورة بقوله: (أَنْزَلْنَاهَا)؟ ولعلّ الوجه في ذلك، هو دعوة المسلمين عامّة إلى قبول ما فيها من الأحكام الّتي قد تصعب على بعضهم كجلد الزاني والزانية، أو افتراق الزوجين باللعان، وغير ذلك.
الثاني: قوله: (وَفَرَضْنَاهَا): أي أوجبناها. والجملة تحكي عن أنّ ما ورد في هذه السورة أحكام وتشريعات يجب العمل بها ولا يجوز تركها.
الثالث: قوله: (وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَات بَيِّنَات)وهذا بيان لخصوصية ثالثة للسورة. وظاهر الآية أنّ الآيات البيّنات جزء من السورة لا نفسها، فيمكن أن تكون إشارة إلى قوله: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَات مُبَيِّنَات)1 ثم يقول: (اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)2 فهذه الآية وما بعدها هي المقصود من كونها آيات بيّنات.
ومع ذلك يمكن أن يشير إلى عامّة آيات السورة وأنّها مبيّنات أي مُحكَمات لا متشابهات.
الرابع: قوله (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وهويشير إلى أنّ قسماً ممّا ورد فيها ليس أمراً جديداً بل لو تفكّرتم فيه لوقفتم عليه. ولعلّه إشارة إلى أنّ قسماً منها هو الموافق للفطرة الإنسانيّة .

1 . النور: 34 .
2 . النور: 35 .

صفحه 183
2. (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):
ما جاء في هذه الآية هو أحد الأحكام المفروضة، وهو حدّ الزاني والزانية على النحو المذكور في الآية وهو مئة جلدة لكلّ واحد، وعلى هذا فتكون الآية ناسخة لما في سورة النساء من إمساك الزانية في البيت، قال سبحانه: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُـمْ فَـإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً).1
هذا هو حكم المرأة سابقاً، وأمّا حكم الرجل فيظهر من قوله سبحانه أنّ حكمه كان الإيذاء قال تعالى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَـا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيًما)2.
وعلى القول بأنّ المراد من التثنية هما الرجل والمرأة، يكون هذا الحكم مشتركاً بينهما.
وفي «مجمع البيان»: وكان في مبدأ الإسلام إذا فجرت المرأة وقام عليها أربعة شهود حُبِست في البيت أبداً حتّى تموت، ثم نسـخ ذلك بالرجم في المحصنين والجلد في البكرين.3

1 . النساء: 15.
2 . النساء: 16 .
3 . مجمع البيان: 3 / 45 .

صفحه 184
وممّا يؤيّد صحّة القول بالنسخ أنّه سبحانه لم يجعل عقوبة الحبس في البيت حكماً ; بل لفترة خاصة بشهادة قوله بعد الأمر بالإمساك (أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً )1: أي تشريعاً آخر يحلّ مكان إيجاب الإمساك وما هو إلاّ الجلد، فالقول بعدم النسخ في المورد، بعيد.
فــرض الله سبحانـه على: (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني)الحدَّ، وبيّنه بقوله: (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)ولعلّ الحكمة في تقديم الزانية على الزاني هي أنّ الزنا المستحقّ للحدّ لا يمكن أن يتمّ إلاّ بموافقة المرأة، إذا لم يكن بإكراه الـرجل لها، فتكون والحالة هذه سبب الإثم فاستحقّت أن تُذكر قبل الرجل.2 وقدّم العنوان على الحكم وقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا)لأنّ في تقديم العنوان إيجاد رغبة لسماع الحكم، نظير قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)3.
ثم إنّ الآية تخاطب المؤمنين بإجراء الحدّ كما هو الحال أيضاً في آية السرقة، وهذا يدلّ على أنّ للمجتمع، مع غضّ النظر عن الفرد، موضوعية في الأحكام يُخاطَب ويؤمر بشيء من الأحكام على خلاف مَن قال بأنّ المجتمع أمر اعتباري محض ولا واقعية له، وما قاله صحيح إذا نظرنا إليهما بمنظار فلسفي، فللفرد وجود وليس للمجتمع وجود آخر وراء وجود الأفراد.
وأمّا إذا نظرنا إليهما من منظار التقنين والتشريع فيصحّ أن يقال: إنّ

1 . النساء: 15 .
2 . التفسير الحديث:8/364.
3 . المائدة: 38.

صفحه 185
للمجتمع في عالم الحقوق واقعية وله وعليه أحكام، وبما أنّ الزنا كان جريمة عليه أُمر بأن يقيم الحدّ على مرتكبي هذه الفاحشة. نعم، الأحكام المتوجّهة إلى المجتمع إنّما يقوم بها الحاكم نيابة عن الجميع.
ثم إنّ إطلاق الآية يعمّ الأعزب والمتزوّج، وبتعبير آخر: المحصَن وغير المحصَن، وأُريد بالمحصَن البالغ العاقل المتزوّج المتمكّن من وطء زوجته متى شاء. ولكن الحكم في الآية مختصّ بغير المحصَن، أي غير المتزوّج أو المتزوّج الّذي ليس له هذا الشأن. وعلى هذا فإطلاق الآية مقيّد بإجماع المسلمين فيكون الجلد مختصّاً بغير المحصَن وغير المحصَنة، وأما حُكم هذين فهو الرجم حسب السنّة.
ثم إنّ الزنا في مصطلح الجاهلية يقابل البغاء، فلو كان العمل الشنيع بداعي المحبّة وبلا عوض فيسمّونه بالزنا، وأمّا لو كان بداعي العوض فهو البغاء، وإلى هذا القسم يشير قوله سبحانه: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)1 وكان هذا في الإماء أكثر، وكانت الطائف والمدينة تعجّان بذوات الأعلام، وهنّ اللواتي كنّ ينصبن على بيوتهن أعلاماً تدلّ على أنّها بيوت مَن يكتسبن بأعمال الفجور(البغايا).
روى أبو موسى المديني عن تمام بن جُراشة الثقفي، قال: قدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط، فقال: اكتبوا ما بدا لكم ثم إيتوني به، فسألناه في كتابه أن يحلّ لنا الرِّبا والزِّنا، فأبى عليّ رضي الله عنه أن يكتب لنا، فسألناه خالد بن سعيد بن

1 . النور: 33 .

صفحه 186
العاص فقال له عليّ: تدري ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أَولى بأمره. فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال للقارئ: إقرأ، فلمّا انتهى إلى الرِّبا قال: ضع يدي عليها في الكتاب فوضع يده فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)1، ثم محاها وأُلقيت علينا السكينة فما راجعناه، فلمّا بلغ الزِّنا وضع يده عليها «وقال»: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً)(2) ثم محاه وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا.(3)
ففي هذه الأجواء الفاسدة نزل قوله سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)وما هذا إلاّ لصيانة المجتمع من الفساد والضلال.

إجراء الحدّ بلا نقص ولا زيادة

وربّما تستولي الشفقة على مَن يُجري الحدّ فينقص من المئة شيئاً بتصوّر أنّه يعمل إحساناً للمجلود، غافلاً عن أنّه خيانة للمجتمع ; لأنّ التخفيف ربّما يغري المجرم بارتكاب العمل مرّة أُخرى، ولذلك يقول سبحانه: (وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)والمراد من قوله: (فِي دِينِ اللّهِ): أي في شريعة الله وأحكامه، وتقدير الآية: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ... وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ.
روى الرازي في الحديث: يؤتى بوال نقص من الحدّ سوطاً، فيقال له: لِمَ فعلت ذلك؟ فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أنت أرحم بهم منّي؟! فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمَن زاد سوطاً فيقال له: لِمَ فعلت ذلك؟ فيقول:

1 . البقرة: 278 .      2 . الإسراء: 32.   3 . أُسد الغابة: 1 / 216 .

صفحه 187
لينتهوا عن معاصيك، فيقول: أنت أحكم به منّي؟! فيؤمر به إلى النار.1
إنّ تنفيذ الأحكام الإلهية حسب ما أمر الله تعالى أوضح دليل على إيمان مَن يقوم بتنفيذها، بالوحي وبمن جاء به، كما أنّ التدخّل في تشريعه والتأثر بالعاطفة أمام النصّ، أوضح دليل على ضعف الإيمان بالوحي وبمن جاء به.

إجراء الحدّ في مشهد علنيّ

هذا هو الحُكم الثالث بعد الحُكمين اللّذين مرّا من الجلد وعدم الخضوع للعاطفة، وهو أن يقام الحدّ بحضور جمع من الناس، وما هذا إلاّ لأنّ إجراء الحدّ خفاءً وإن كان يؤثّر على المجرم ولكن لا يتّعظ به غيره ممّن غاب عن إجراء الحدّ، وذلك لأنّ حضور عدد من المؤمنين معاقبة الزاني سوف يؤدّي إلى شيوع الخبر بانتقاله من جماعة إلى أُخرى، الأمر الذي يساهم في ردع الآخرين عن ممارسة هذه الفاحشة، وبذلك يصان المجتمع من العدوان على كرامته، ومن الفوضى والفساد، ومن أحد أهمّ عوامل التفكّك والانحلال، ولذلك أوجب سبحانه حضور عدد من المؤمنين في ساحة إجراء الحدّ.
وربّما يتصوّر أنّ حضور ذلك العدد يوجب إهراق ماء وجه الزاني الذي ربّما لم يطّلع على فعلته أحد، فإحضار الجماعة على طرف النقيض من صيانة كرامته، ولكن الإجابة واضحة ; لأنّ الكلام فيمن ثبتت جريمته بالبيّنة، أعني: شهادة أربعة، ولابدّ في قبول الشهادة به من التصريح

1 . تفسير الرازي: 23 / 149 .

صفحه 188
بالمشاهدة لوقوع الفعل على وجه لا ريبة فيه بأن يشهدوا بمعاينة الإيلاج، فهذا الزاني هو الذي أراق ماء وجهه بيده، وخرق ستره، قبل أن يريقه غيره.
وعلى كلّ تقدير فما جاء في هذه الآية من الأحكام الثلاثة أحكام فرضها الله سبحانه، ومن حسن الحظ أنّها جاءت في سورة سُمّيت بسورة النور.

الغرب والحريات الجنسية

إنّ الإسلام لا يجيز للرجل والمرأة أن يقيما أيّة علاقات جنسية أو أن يتمتّعا بأي التذاذ جنسي إلى أن يدخلا في حصن الزواج، ويرتبطا بذلك الرباط الوثيق الذي يصونان به كرامتهما، وفي الوقت نفسه يشبعان غريزتهما الجنسية، ويشكّلان خلية اجتماعية صغيرة تكون نواة للمجتمع الكبير، ويُحفظ بذلك النسل بعيداً عن الاختلاط.
هذه هي رؤية الإسلام، وأمّا الغرب فهو على طرف النقيض، فهو يمنح لكلّ من الجنسين الحرية الكاملة لإشباع الغريزة الجنسية من غير قيد ولاشرط، ولا يعدّ ذلك العمل جريمة عندهم إذا كان برضا منها، فهما حرّان في إعمال الغريزة الجنسية كيفما شاءا إذا لم يكن هناك عنف واغتصاب.
نعم بعدما يتزوّجان، يصبح العمل الجنسي الخارج عن حدود البيت جريمة، لأنّ عقد الزواج تعهّد منهما على أن يختصّ كلٌّ بالآخر، والزِّنا من كلّ منهما يعدّ نقضاً لما تعاهدا عليه، وعلى أساس هذه الرؤية فالرجل والمرأة في حرية كاملة قبل الزواج، وهو يُعدّ لهما معتقلاً يقيّد حريتهما ويمنعهما من الخروج عنه وعن الخيانة الزوجية.

صفحه 189
ونحن نسأل القارئ أيّ الرؤيتين أنفع للمجتمع وأفضل في صيانته عن الفساد؟ لاشكّ أنّ العاقل يحكم بأنّ الرؤية الغربية نظرية ستُغْلَب أمام وطأة الشهوة، لأنّ كلاًّ من الرجل والمرأة إذا نشآ وهما يتمتّعان بالحرية المطلقة في ممارسة هذا العمل وعدّ الزواج قيداً ومعتقلاً لهما سوف يفارق أحدهما الآخر، لأنّ الاقتصار على طعام واحد مع الاعتياد على أطعمة كثيرة يجرّ الإنسان إلى كسر القيود ونقض الحدود.

الزواج المبكر

روي عن الإمام عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «أعدى عدوّ المرء غضبه وشهوته، فمن ملكهما علت درجته وبلغ غايته»1 ولذا أمر الإسلام بالزواج المبكّر; وذلك لأنّ في تأخير الزواج صراعاً بين الفطرة وطلب الطهارة والشهوة الجامحة، فكثيراً ما تغلب الشهوة على طلب الطهارة بتسويلات نفسانية، ولذلك ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَن تزوّج أحرز نصف دينه، فليتقّ الله في النصف الآخر»2.
3. (الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَان أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ):
الآية تشتمل على فقرات ثلاث:
الفقرة الأُولى: تحكي عن حال الزاني وأنّه لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة.

1 . غرر الحكم: 1 / 204 برقم 443.
2 . الكافي: 5 / 329، كتاب النكاح، باب كراهة العزبة، برقم 2.

صفحه 190
الفقرة الثانية: تحكي عن حال الزانية وأنّه لا ينكحها إلاّ زان أو مشرك.
الفقرة الثالثة: تحكم بحرمة ذلك على المؤمنين، أي يحرَّم على الزاني أن يتزوّج مسلمة عفيفة، ويحرَّم على الزانية أن تتزوّج مسلماً عفيفاً، وأنّ عليهما إذا أرادا الزواج أن يتزوّج هو بزانية مثله أو مشركة، وأن تتزوّج هي بزان مثلها أو مشرك، كما قال تعالى: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).
هذا هو مدلول الآية ظاهراً، إنّما الكلام في تفسير الفقرتين الأُوليين، فهناك وجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ الفقرتين ليستا بصدد التشريع بل مسوقة للإخبار عن شأن مرتكبي هذه الفاحشة وأنّ من خبُثت فطرته لا يميل إلاّ لمن يشابهه في الخباثة والتجانس في الفساد، والزاني لا يميل إلاّ إلى الزانية ومَن هي أفسد منها وهي المشركة، وكذلك الزانية لا تميل إلاّ إلى مثلها كالزاني أو مَن هو أفسد منه كالمشرك.
وحصيلة هذا الوجه هو ما جاء في قوله سبحانه: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ)1.
الثاني: ما هو أيضاً قريب من هذا التأويل، وهو أنّ المراد بالآية التقبيح أي اللائق بحال الزاني ألاّ ينكح إلاّ زانية أو من هي دونها كالمشركة، واللائق بحال الزانية أن لا ينكحها إلاّ زان أو من هو دونه كالمشرك .
ولمّا كانت نتيجة هذين الوجهين هو كراهية النكاح دون حرمته وكان ذلك مخالفاً لصريح الفقرة الثالثة، أعني قوله: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)،

1 . النور: 26 .

صفحه 191
قيل: إنّه راجع إلى الآية السابقة، يعني حرمة الزِّنا.
ولا يخفى أنّ كلا الوجهين على خلاف الظاهر، فإنّ إرجاع الذيل إلى الآية السابقة أمر يحتاج إلى دليل، وعلى ذلك فالأساس في الخطأ هو أنّ الفقرتين الأُوليين ليستا بصدد الإخبار لوضوح عدم صحّته ; لأنّ الزاني ربّما يعقد على المؤمنة العفيفة الطاهرة، كما أنّ الزانية ربّما تتزوّج عفيفاً طاهراً، فيلزم التخلّف في الخطاب، فلا مناص من حمل الفقرتين على التشريع وهو أنّه يحرّم على الزاني غير الزانية والمشركة، كما يحرّم على الزانية غير هذين المذكورَين بتلكما الصفتين.
هذا هو صريح الآية ولا يمكن العدول عنه إلاّ بدليل.
نعم، القدْر المتيقَّن من التحريم في كلٍّ من جانب الزاني والزانية هو المجلود مع عدم التوبة، أمّا القيد الأوّل فيستفاد من مجيء الآية بعد الأمر بالجلد فيكون المراد من الزاني هو الذي ثبتت جريمتـه وأُجري عليه الحد، وأمّا القيد الثاني: أي مَن لم يتب فلأجل أنّ التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، فلا مانع من الإفتاء بهذا وإن خالف فيه بعض الفقهاء .
ويؤيّد الحرمة ما رواه الفريقان في ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنّ رجلاً من المسلمين استأذن نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في امرأة يقال لها أُمّ مهزول، كانت تسافح الرجل وتشترط له أن تنفق عليه، وأنّه استأذن فيها نبي الله وذكر له أمرها، قال: فقرأ نبيّ الله: (وَالزّانية...)، أو قال: فأنزلت: (وَالزّانية).1

1 . جامع البيان (تفسير الطبري):18/91 برقم 25744. وانظر: المستدرك على الصحيحين: 2/396.

صفحه 192
وعن مجاهد، قال: رجال كانوا يريدون الزِّنا بنساء زوان بغايا متعالَمات كنّ في الجاهلية، فقيل لهم: هذا حرام، فأرادوا نكاحهنّ، فحرّم الله عليهم نكاحهنّ.1
وأمّا ما روي عن أئمّة أهل البيت، فعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مشهورين بالزّنا، فنهى الله عزّ وجلّ عن أُولئك الرجال والنساء، والناس على تلك المنزلة، فمَن شهر شيئاً من ذلك أو أُقيم عليه الحدّ فلا تزوِّجوه حتى تُعرف توبته».2
وعن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)، قال: «كنّ نسوة مشهورات بالزنا ورجال مشهورون بالزنا قد عرفوا بذلك، والناس اليوم بتلك المنزلة، فمَن أُقيم عليه حدّ الزنا أو شُهر به لم ينبغِ لأحد أن يناكحه حتى يُعرف منه التوبة».3
ولفظ : «لم ينبغِ» محمول على التحريم، وقد ذهب صاحب الحدائق إلى أنّ قوله(عليه السلام): «لم ينبغِ» حقيقة في التحريم لا في الكراهة، وأقام على ذلك شواهد في مقدّمات كتابه «الحدائق».4
سورة النور: الآيتان 4 ـ 5    
ويدلّ على التحريم ما تقدّم عن أبي جعفر (عليه السلام): «فمَن شهر شيئاً من ذلك أو أُقيم عليه الحدّ فلا تزوّجوه حتى تُعرف توبته».

1 . جامع البيان:18/92 برقم 25752.
2 . الكافي: 5 / 355، برقم 3 .
3 . الكافي: 5 / 354، برقم 2. ولاحظ : الوسائل: 14، الباب 13 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
4 . الحدائق الناضرة: 4 / 260 .

صفحه 193
وتخصيص الحرمة بالمشهورات مع إطلاق الحرمة في الآية لأجل بيان أشدّ المصاديق حرمة، وبذلك يُعلم أنّ ما يستفاد من بعض الروايات الكراهة التي نقلها صاحب «الوسائل» في الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، أو في الباب رقم 8 من أبواب المتعة، لابدّ من تأويلها أو ردّ علمها إلى أصحابها ; لأنّها على خلاف الكتاب، ومَن أراد التفصيل في الوقوف على آراء الفقهاء فعليه الرجوع إلى «جواهر الكلام: 29 / 441 ـ 444».

الآيتان: الرابعة والخامسة

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

المفردات

يرمون: يقذفون.
المحصنات: العفائف من النساء.
أصلَحوا: أي أصلَحوا أعمالهم.

صفحه 194

التفسير

4. (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ):
لمّا تقدّم بيان حكم الزاني والزانية من حيث العقوبة والنكاح، بدأ سبحانه ببيان حكم ثالث من الأحكام المفروضة، والغاية من هذا الحكم حفظ الحرمات الطاهرة وصيانة الكرامات من عبث مَن قد يستغلّ عقوبة الزاني والزانية فيتّهم العفائف بهذا العمل الشنيع وبذلك يسقطهنّ من أعين الناس، فلأجل سدّ هذا الباب في وجوه هؤلاء الذين يسيئون الظنّ أو يطلقون التُّهم جُزافاً، قال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
إنّ البيّنة حجّة في الدعاوي والمرافعات، ولكنّ الشريعة الإسلامية شرطت في ثبوت الزنا أربعة شهداء مع أنّه يكفي في ثبوت القتل شهادة عدلين، ولعلّ الوجه فيه أنّ الناس يتعجّلون في الرمي بالزنا بخلاف القتل، ولذلك شدّدت الشريعة على الشهادة في هذا الأمر حفاظاً على حرمات الناس وصيانة لسمعتهم; مضافاً إلى ما ورد في رواية إسماعيل بن حمّاد عن أبي حنيفة، قال: قلت لأبي عبدالله]الصادق[ (عليه السلام): أيّهما أشدّ الزنا أم القتل؟ قال: فقال: «القتل». قال: فقلت: فما بال القتل جاز فيه شاهدان ولا يجوز في الزنا إلاّ أربعة؟ فقال لي: «ما عندكم فيه يا أبا حنيفة؟» قال: قلت: ما

صفحه 195
عندنا فيه إلاّ حديث عُمر أنّ الله أجرى في الشهادة كلمتين على العباد، قال: «ليس كذلك يا أبا حنيفة ولكن الزنا فيه حدّان ولا يجوز أن يشهد كلّ اثنين على واحد، لأنّ الرجل والمرأة جميعاً عليهما الحدّ، والقتل إنّما يقام الحدّ على القاتل، ويدفع عن المقتول».1
ثم إنّه سبحانه حكم على هؤلاء الذين يتلاعبون بسمعة النساء اللّواتي ربّما يكنّ طاهرات إلى آخر العمر بعقوبات ثلاث:
1. (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).
2. (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا).
3. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
فهذه العقوبات بين ما هي عقوبة مادّية، أو عقوبة معنوية. أمّا الأُولى فهي الجلد ثمانين جلدة ليذوق ألم السِّياط كما آلم العفائفَ باتّهامهنّ بالزِّنا.
وأمّـا الفقـرة الثانيـة فهي عقـوبة معنـوية وإليها يشيـر قوله سبحانه: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)فلا تقبل شهادتهم في الموضوعات التي لا تثبت إلاّ بالبيّنة العادلة، كحضورهم في الطلاق أو شهادة على رؤية الهلال أو غير ذلك .
وأمّا الفقـرة الثالثة ـ أعني قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ـ فهل هي عقوبة ثالثة أو تعليل للعقوبة الثانية؟ وتظهر الثمرة فيهما ـ لو قلنا هي عقوبة ثالثة ـ فيما لو تاب، فعندئذ يزول فسقه وتترتّب عليه آثار العدالة،

1 . تفسير نور الثقلين: 3 / 574 .

صفحه 196
ولكن لا تقبل شهادته لأنّه عقوبة مستقلّة لا تدور حول الفسق، وأمّا لو قلنا بأنّ الفقرة الثالثة ليست عقوبة مستقلّة بل هي تعليل لعدم قبول الشهادة فعندئذ يدور عدم قبول شهادته مدار صدق الفسق، فإذا زال الفسق زال عدم القبول. وجهان.
5. (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
في الاستثناء احتمالات ثلاثة:
1. أنّ قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا)يرجع إلى العقوبات الثلاث، فإذا تاب وأصلح يرتفع عنه الجلد وتقبل شهادته ويحكم عليه بالعدالة. وهذا الوجه لم يقل به أحد.
2. أنّه يرجع إلى الأخيرين، فلو تاب تُقبل شهادته ويُحكم عليه بعدم الفسق.
3. أنّه يرجع إلى الأخير فلو تاب وأصلح يُحكم عليه بعدم الفسق فتجوز الصلاة وراءه ويُقبل قضاؤه ولكن لا تقبل شهادته أبداً، وهذا هو الظاهر.
وقلنـا: هـذا هو الظاهـر; لأنّ الفقـرة الثـانية قيـّدت بالتأبيـد، أعنـي قـولـه: (أَبَدًا)، وما ذلك إلاّ لأجل صيانة كرامة الناس حتى لا يعجل أحدٌ في رمي مؤمن أو مؤمنة بالفجور بلا دليل.
ولكن الظاهر من غير واحدة من الروايات الصحيحة قبول توبته.

صفحه 197
روى الكلينـي بسنـد صحيح عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبدالله ]الصادق[(عليه السلام)عن القاذف بعدما يُقام عليه الحدّ، ما توبته؟ قال: «يكذّب نفسه»؟
قلت: أرأيت إن كـذّب نفسـه وتاب، أتُقبل شهادته؟ قال: «نعم».
وروى أيضاً عن القاسم بن سليمان قال: سألت أبا عبـدالله (عليه السلام)عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدّاً ثم يتوب ولا يعلم منه إلاّ خيراً، أتجوز شهادتـه؟ قال: «نعم»، ما يقال عندكم؟ قال: يقولون: توبته فيما بينه وبين الله، ولا تقبل شهادته أبداً، فقال: «بئس مـا قالوا، كان أبي يقول: إذا تاب ولم يعلم منه إلاّ خيراً، جازت شهادته».1
بقـي الكلام في قـولـه تعالى: (وَأَصْلَحُوا)، فما هو المراد منه؟
يقول السيد الطباطبائـي: أي أصْلَحوا أعمالهم، ويُحتمل أن يراد أنّه يكذّب نفسه عند الحاكم; ففي مرسلة يونس] بن عبد الرحمن[ قال: يجيء فيكذِّب نفسه عند الإمام ويقول: قد افتريت على فلانة ويتوب ممّا قال.2إذ لا تُعاد كرامة مَن توجّهت لها التهمة ـ حتّى وإن أُقيم عليه الحدّ ـ إلاّ بتكذيب القاذف نفسه.
إلى هنا تمّ بيان أحكام الموضوعات الثلاثة وهي:
1. حكم الزاني والزانية.
2. نكاح الزاني والزانية.

1 . الوسائل: 18، الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1 و 2 ; ولاحظ سائر روايات الباب، وكذا الباب 37.
2 . الوسائل: 18، الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 4 ; ولاحظ روايات الباب 37.

صفحه 198
3. حكم رمي المحصنات بلا دليل.
بقي الكلام فيما يرتبـط بالزنا في موضوع رابع وهو رمي الإنسان زوجته بالزنا، والفرق بين الثالث والرابع واضـح، فإنّ المرمي بالزنا في الثالث هي الأجنبية على خلاف الرابع فإنّها زوجة الرامي، وهذا هو الـذي يذكره سبحانه في الآيات التالية:
سورة النور: الآيات 6 ـ 10   

الآيات: السادسة إلى العاشرة

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَات بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَات بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ).

المفردات

يرمون أزواجهم: يقذفونهنّ بتهمة الزِّنا.
لعنة الله: الطرد من رحمة الله.
يدرأ: يدفع.
العذاب: الحدّ.
غَضَب الله: البُعد من رحمة الله .

صفحه 199

التفسير

حكم قذف الزوجة بالزنا

تقدّم أن من قذف الأجنبية تترتّب عليه عقوبات ثلاث إذا لم يأت بأربعة شهداء، ولكن استثني من هذا الحكم ما إذا كان القاذف زوجاً، فإنّه إذا رأى عمل الزنا بأُمّ عينيه على النحو المعهود، وليس لديه سبيل لإثباته، أعني: إقامة أربعة شهود ـ كما هو الحال في حكم رمي الأجنبية ـ لأنّه إذا حاول إحضارهم ربّما ينقضي الأمر ويفترقان. هذا من جانب، ومن جانب آخر إذا أمره الشرع بالسكوت ـ كمن يسكت على مَن لم يستطع تقديم الدليل الشرعي على رمي الأجنبية ـ فربّما لا يتحمّل كظم الغيظ، فتكليف الزوج بإحضار الشهود أمر حرجي، وأمره بالسكوت وكظم الغيظ لا يتحمّله الزوج الغيور، فلذلك جاء التشريع الإسلامي بحلّ آخر لهذه المشكلة وهو ما يسمّى باللِّعان، وهو أشبه بالمباهلة، بين زوج يقذف زوجته بالزِّنا ولا شهود لديه على دعواه، وبين زوجة تنفي تهمة الزّنا عن نفسها. والغاية من هذا اللِّعان سقوط الحدّ عن الزوج بسبب القذف، أو نفي الولد عنه. وعلى كلّ تقدير فمَن رمى زوجته بالزنا أو بنفي الولد فعليه حدّ القذف إلاّ أن يقيم البيّنة ـ وهو نادر ـ أو يلاعن، كما يقول سبحانه:
6 . (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَات بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ):
ذكر غير واحد من المحدّثين والمفسّرين روايات مختلفة في سبب

صفحه 200
نزول هذه الآيات، نذكر منها ما أورده علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره.
قال: إنّها نزلت في اللِّعان، وكان سبب ذلك أنّه لمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من غزوة تبوك، جاء إليه عويمر العجلاني1، وكان من الأنصار، فقال: يا رسول الله إنّ امرأتي زنى بها شريك بن السحماء،2 وهي منه حامل، فأعرض عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأعاد عليه القول، فأعرض عنه، حتى فعل ذلك أربع مرّات، فدخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منزله، فنزلت عليه آية اللِّعان، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وصلّى بالناس العصر، وقال لعويمر: ائتني بأهلك، فقد أنزل الله فيكما قرآناً، فجاء إليها وقال لها: رسول الله يدعوك، وكانت في شرف من قومها، فجاء معها جماعة، فلمّا دخلت المسجد، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعويمر: تقدّما إلى المنبر والتعنا، قال: فكيف أصنع؟ فقال: تقدّم وقل: أشهد بالله إنّي لمن الصادقين فيما رميتها به، قال: فتقدّم وقالها، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أعِدْها، فأعادها، ثم قال: أعِدْها حتى فعل ذلك أربع مرات، فقال له في الخامسة: عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به، فقال له في الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين في ما رماها به. ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ اللعنة لموجبة إن كنت كاذباً.
ثمّ قال له: تنحَّ، فتنحّى. ثمّ قال لزوجته: تشهدين كما شهد، وإلاّ أقمت عليك حدّ الله، فنظرت في وجوه قومها، فقالت: لا أُسوِّد هذه

1 . في المصدر: عويمر بن ساعدة. وأظنّ أنّه من سهو القلم. قال ابن الأثير(في ترجمة عويمر بن أبيض العجلاني الأنصاري): صاحب اللِّعان. قال الطبري: هو عويمر بن الحارث بن زيد... العجلاني. وهو الذي رمى زوجته بشريك بن سحماء، فلاعَنَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بينهما، وذلك في شعبان سنة تسع لمّا قدم من تبوك. أسد الغابة:3/431 برقم 4140.
2 . في المصدر: السمحا، خطأً.

صفحه 201
الوجوه في هذه العشيّة، فتقدّمت إلى المنبر، وقالت: أشهد بالله أنّ عويمراً من الكاذبين في رماني به، فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أعيديها، فأعادتها، حتى أعادتها أربع مرّات، فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): العني نفسك في الخامسة: إن كان من الصادقين في ما رماكِ به، فقالت في الخامسة: إنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين في ما رماها به، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ويلك إنّها موجبة إن كنت كاذبة.
ثمّ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لزوجها: إذهب، فلا تحلّ لك أبداً، قال: يا رسول الله، فما لي الذي أعطيتها؟ قال: إن كنت كاذباً، فهو أبعدُ لك منه، وإن كنت صادقاً، فهو لها بما استحللتَ من فرجها... 1
وبعد ذكر شأن النزول فلندخل في تفسير الآيات:
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ)يركّز على عدم وجود الشهداء لما يدّعون وإلاّ فلو كان عند الأزواج شهداء سوى أنفسهم لانتفى موضوع اللِّعان، إنّما اللعان فيما لو كان المدّعي هو الزوج وحده، (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ): أي شهادة الزوج التي تدفع عنه حدّ القذف (أَرْبَعُ شَهَادَات بِاللّهِ): أي أن يشهد أربع شهادات بالله تقوم مقام الشهداء الأربعة(إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) فيما رماها به من الزنا.
وبعبارة أُخرى أن يقول: أشهد بالله إنّي لمن الصادقين فيما رميت به زوجي فلانة، يقول ذلك أربع مرّات، ولكنه لا يكفي في دفع حدّ القذف عنه إلاّ أن يتبعها باللعن على نفسه لو كان من الكاذبين كما يقول سبحانه:

1 . تفسير القمي:2/73ـ 75. وانظر: الموطّأ لمالك بن أنس: كتاب الطلاق، باب ما جاء في اللعان، برقم 1194.

صفحه 202
7 . (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) :
أي بعدما يحلّفه الحاكم فيقول: عليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين.
وبهذه الشهادات الأربع والأمر الخامس يدفع حدّ القذف عن نفسه.
أمّا حكم الزوجة، فهو ما في قوله تعالى :
8 . (وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَات بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ):
ثم تشهد الزوجة بالله أربع مرّات أنّ الزوج لمن الكاذبين فيما رماها به، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: (وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ): أي يدفع عنها الحدّ، هو: (أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَات بِاللّهِ): أي شهادتها أربع مرّات بالله، فالجملة بمنزلة الفاعل لقوله: (وَيَدْرَؤُا): أي أن تشهد (إِنَّهُ)أي الزوج (لَمِنَ الْكَاذِبِينَ)فيما رماها به من الزنا.
9. (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
إنّ شهادة الزوجة على كذب الزوج لا تكفي إلاّ أن تلحقه باللَّعن عليها إذا كان الزوج صادقاً فيما رماها به من الزنا، كما في قوله تعالى: (وَالْخَامِسَةَ)معطوف على (أَرْبَعَ شَهَادَات): أي أن تشهد شهادة خامسة وتقول: (أَنَّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ).
يقول الفقهاء: يجب أن يكونا قائمين عند الملاعنة، ومتى تمّت الملاعنة بشروطها ينفسخ عقد الزواج. وبهذين الأمرين يدفع كلّ من الزوج والزوجة عن أنفسهما الحدّ، بل تحرم المرأة على زوجها الملاعن

صفحه 203
حرمة مؤبّدة، وينتفي الولد عن الزوج شرعاً لا عن الزوجة، فلا يتوارثان ولا تجب نفقة أحدهما على الآخر، وأمّا بالنسبة للمرأة فهو ولدها الشرعيّ، وهي أُمّه الشرعيّة.
10. (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ):
الآية تشتمل على فقرتين:
الأُولى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ).
الثانية: (وَأَنَّ اللّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ).
أمّا الأُولى فهي مشتملة على (وَلَوْلاَ) الامتناعية، وهي تحتاج إلى الجواب، ولعلّها ناظرة إلى الأحكام المذكورة من بداية السورة إلى هنا، أي لولا ما أنعم الله عليكم من نعمة الدين وتوبته لمذنبيكم وتشريعه الشرائع لنظم أُمور حياتكم، لَلزمتكم الشقوة وأهلكتكم المعصية والخطيئة واختلّ نظام حياتكم بالجهالة.1
ويحتمل أن تكون هذه الفقرة ناظرة إلى تشريع اللِّعان، إذ في تشريعه ستر الأمر على الزوجين، إذ لو لم يشرّع فإمّا أن تُردّ شهادة الزوج فعندئذ يجب الحدّ عليه، ولو قبلت لزم الحدّ على الزوجة، وفي كلا الأمرين تكدير لحياة الزوجين إذا بقيا على ما كانا عليه، ولكنّه سبحانه بتشريع اللِّعان حفظ كرامتهما مع الفصل بينهما، وبذلك يظهر معنى قوله: (وَأَنَّ اللّهَ تَوَّابٌ): أي يقبل توبة المذنب (حَكِيمٌ) في تشريعه.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 15 / 83 .

صفحه 204
سورة النور: الآيات 11 ـ 20    

الآيات: الحادية عشرة إلى العشرين

(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).

صفحه 205

المفردات

الإفك: صرف الشيء عن وجهه، ويُكنى به عن أشدّ الكذب.
عصبة: جماعة.
تولّى: تحمّل .
كِبْره: معظم الأمر، وأُريد من كان يذيعه ويشيعه.
لولا: تحضيضية لا امتناعية بمعنى هلاّ، الذي يدلّ على الحثّ على فعل ما بعدها.
أفضتم فيه: خضتم في حديث الإفك.
تلَقّونه: تتلقَّونه ويأخذه بعضكم من بعض، ومنه قوله سبحانه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات)1.
سبحانك: أُريد هنا التعجّب ممّن تفوّه بالإفك.
بهتان: كذبٌ يَبهتُ سامعه.
يعظكم: ينصحكم.
الفاحشة: الخصلة المفرطة في القبح.

التفسير

بعدما ذكر سبحانه في الآيات المتقدّمة قذف الأجنبية أو قذف الزوجة، بدأ في هذه الآيات بالإشارة إلى قصة الإفك التي وردت في

1 . البقرة: 37 .

صفحه 206
التفاسير والروايات، وموضوعها أنّ جماعة تعاضدت على اختلاق القصة، وهي رمي إحدى أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعمل الشنيع. وبينما تؤكّد روايات السنّة أنّ الإفك كان على عائشة وأنّ هذه الآيات نزلت في شأنها، تحدّثت روايات رواها الفريقان الشيعة1 والسنّة2 عن أنّ التّهمة كانت موجهة إلى مارية القبطية، أُمّ إبراهيم، ولكن لم يذكر أحد من مفسّري السنّة أنّ الآيات نزلت في شأنها.
وقد تناول العلاّمة السيد جعفر مرتضى العاملي بالنقد أسانيد الروايات التي تقول إنّ الإفك كان على عائشة، وانتهى بعد تلك الجولة الواسعة فيها إلى النتيجة التالية:
إنّه لا روايات الصحاح ولا غيرها يصحّ الاعتماد عليها سنداً لإثبات حديث الإفك ونسبته إلى عائشة. وإنّ غالب ما ورد في ذلك إمّا مرسل، أو معلّق، أو منقطع.. والمتصل منه ضعيف السند، لا يصحّ الاعتماد عليه.
وأضاف: إنّ عمدة تلك الأحاديث، وجلّها ـ إن لم يكن كلّها ـ ينتهي إلى عائشة، ويبدأ بها... وفضلاً عن أنّها جميعاً لم تسلم أسانيدها من الطعن والتضعيف، فإنّنا قد وجدناها متناقضة.3
ثمّ تناول بالدراسة مضامين تلك الروايات، وأورد عليها مؤاخذات

1 . انظر: تفسير القمّي:2/75ـ76، و 294.
2 . ورد اتّهام مارية في جملة من مصادرهم، منها: صحيح مسلم:1366، كتاب التوبة، باب براءة حرم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الريبة، برقم 6917; مستدرك الحاكم:4/39; الإصابة:3/334; طبقات ابن سعد:8/214 ـ 215; مجمع الزوائد:4/329.
3 . الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم):13/81ـ 82.

صفحه 207
وإشكالات كثيرة جداً، تسقطها عن الاعتبار، كما قال.1
وممّن لم يرتضِ، من السنّة، بعض ما ورد في حديث الإفك المرويّ عن عائشة من مواقف، المفسّر محمد عزّة دَروزة، الذي توقّف فيما روي من موقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من عائشة وما يوهمه من احتمال شكّه فيها، وفيما روي من موقف علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وقال: في نفسنا منه شيء.2
ومهما يكن، فإنّ الآيات لمّا لم يكن غرضها حكاية القصة في بُعدها الشخصي، وإنّما في أبعادها وآثارها الاجتماعية والأخلاقية والإيمانية، فإنّنا نعرض عن تلك الروايات، ونؤثر الدخول في تفسير الآيات مع قطع النظر عمّن نزلت الآيات في شأنها.
11. (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ):
يظهر من الآيات أنّ جماعة معيّنة، يجمعهم سلوك خاص وهو إيذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والطعن في شرفه والنَّيل من كرامته، قد اشتركوا في تلفيق هذه التُّهمة، ومع ذلك كان يرأسهم شخص هو المذيع والباعث لشيوع هذه التهمة بين صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى صدّقه بعض المؤمنين،ولذلك تأتي عتابات خاصّة لمن تأثّر من إرجاف المرجفين، وابتدأ بها بقوله: (لَوْلاَ)وهي بمعنى هلاّ كما سيوافيك، غير أنّ الآيات الأُولى من هذه

1 . نفس المصدر:299.
2 . التفسير الحديث:8/385ـ 386.

صفحه 208
المجموعة تركّزُ على أمر عجيب وهو أنّ هذا الافتراء والكذب لم يكن شرّاً على المؤمنين بل كان خيراً لهم، وهذا من عجائب الأُمور ; وذلك لأنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يجتني الثمرة الحلوة من الشجرة الخبيثة كما سيوافيك بيانه، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ): أي جماعة منكم كأنّهم تواطأوا على نحت هذا الكذب وتعاونوا على إعلانه وإذاعته بين الناس، ومع ذلك يقول سبحانه: (لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ): أي لا تظنّوا أنّ فيه شرّاً وضرراً لمجتمعكم وإن بدا في ظاهره كذلك (بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)بما ترتّب عليه من نتائج إيجابية. وفي قوله: (شَرًّا لَكُمْ) أو (خَيْرٌ لَكُمْ)إيماء إلى أنّ الإيمان يوحّد المجتمع، فإلصاق التهمة بواحدة من المؤمنات كأنّه إساءة إلى المجتمع، فلو عاد خيراً لصار خيراً للمجتمع. وأمّا أنّه كيف صار هذا الشرّ خيراً، فيمكن أن يقال:
إنّ الافتراء وإن أوجد أزمة في المجتمع، وكدّر صفاء أجوائه بما أثار فيها من دخان وغبار الاتّهام الباطل، ولكن لمّا تبيّنت الحقيقة ونزلت الآيات ببراءة المتّهمة، تميّز المؤمنون عن أهل الزيغ والفساد، والمخلصون الصادقون عن ضعاف الإيمان.
كما فتحت هذه القصة باباً لتلقّي التعليمات والإرشادات الربّانية في المجالات الأخلاقية والروحية والاجتماعية، والتي ينبغي للمجتمع المؤمن أن يلتزم بها، ليكون أكثر تماسكاً وأقوى إيماناً وأعمق وعياً في مواجهة ما يستقبله من مشاكل مماثلة تزعزع أمنه واستقراره، ولا يَنساق أفراده وراء الإشاعات الكاذبة، فيطلقون ألسنتهم بها دون تثبّت ودون رادع من تقوى، فالتثبّت أمر لازم لا سيما ما يرجع إلى نواميس المؤمنين وشرفهم.

صفحه 209
ثم إنّه سبحانه يذكر بأنّ كلّ مَن شارك في إذاعة قصة الإفك فهو محكوم بالإثم كما يقول: (لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ): أي جزاء بمقدار ما أذاعها ونشرها من غير فرق بين التكلم ابتداءً والتصديق ثانياً وإظهار السرور ثالثاً إلى غير ذلك، لكن بين تلك العصبة مَن كان مداراً لها فإثمه أكبر من هؤلاء المشاركين كما يقول: (وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم): أي والذي تولّى معظم ذلك الإفك وأشاعه من تلك العصبة (لَهُ): أي للمتولّي (عَذَابٌ عَظِيمٌ)في الآخرة لنصيبه الأوفر في نسج ذلك الإفك أو إطلاق لسانه به.
ثم إنّه سبحانه يعاتب المؤمنين على عدم التثبّت في هذه القصة ويعلمهم دروساً في مكافحة الإشاعة، وهي:
1. (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ).
2. (لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ).
3. (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
4. (وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) .
5. (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
فلنشرع بتفسير الآيات.

صفحه 210
12. (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ):
الآية تندّد بالمؤمنين الذين صدّقوا الخبر أو ظنّوا بصدقه، ولم يظنّوا بالآخرين خيراً، كما يقول: (لَوْلاَ): أي هلاّ (إِذْ سَمِعْتُمُوهُ): أي حين سمعتم هذا الإفك (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا): أي لماذا لم يظنّوا بأنفسهم خيراً؟
والتعبير بالأنفس لأجل أنّ المجتمع الإيماني يمثّل كياناً واحداً وأنّ المؤمنين فيه كنفس واحدة، ونظير هذا التعبير قوله سبحانه: (وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)1، وقوله سبحانه: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)2.
قوله تعالى: (وَقَالُوا): أي ولولا قالوا: (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ): أي لماذا لم يبادروا إلى إنكار ما سمعوه؟
وحصيلة الآية: إنّه سبحانه يوبّخهم بأمرين: جوانحي وجوارحي. أمّا الأوّل، فهو تركهم الإنكار القلبي. وأمّا الثاني فهو الإنكار اللفظي بقولهم: (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)واضح.
13. (لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ):
قوله: (لَوْلاَ)استثناء للتوبيخ، وذلك أنّه سبحانه بيّن حكم القاذف في

1 . الحجرات: 11 .
2 . النور: 61 .

صفحه 211
قوله:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)، فكان الواجب على المؤمنين أن يطلبوا البيّنة من القاذفين، فإذا عجزوا عن إقامة أربعة شهداء فيحكم عليهم بالإفك والكذب، فهذا التنديد لأجل غفلة المجتمع عن التمسّك بالتشريع حيث قال: (لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ): أي لماذا لم يأتوا بدليل يثبت مدّعاهم، وهو شهادة أربعة شهداء، فالآية تدلّ على أنّ قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ)نزلت قبل قصّة الإفك، وأنّ قصّة الإفك وقعت بعد فترة، (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ)كما هو المفروض (فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ): أي كاذبون بحكم الشرع سواء أكانوا صادقين في الواقع أم كاذبين، فمن تصرّف في ناموس من نواميس المجتمع الإسلامي ولم يكن له أي دليل يثبته، فكلامه محكوم بالكذب، وهو محكوم بكونه كاذباً.
14. (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ):
الآية مشتملة على فقرتين:
1. قوله: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
2. (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ):
أمّا الفقرة الأُولى فالظاهر أنّها خطاب للذين تلقّوه بألسنتهم دون تثبّت، وليس خطاباً لمن جاء بالإفك ومَن تولّى كبره، فأصبحوا عصابة ناشزة، ويدلّ على ذلك قوله: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا

صفحه 212
وَالآخِرَةِ)فإنّ فضله ورحمته لم يكن شاملاً لعصبة صانعي الإفك.
وعلى كلّ تقدير فـ (لَوْلاَ) تدلّ على أنّه لولا رحمة الله لمسّ هؤلاء المتأثّرين بتلك العصبة الآثمة فيما خاضوا فيه، عذاب عظيم.
فيقع الكلام في الفقرة الثانية وأنّه ما هو المراد من مسّ العذاب في الدنيا والآخرة؟ قال الزمخشري ]في معناه [: لولا أنّي قضيتُ أن أتفضّل عليكم في الدنيا بضروب النِّعم التي من جملتها الإمهال للتوبة وأترحّم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك .1
15. (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيمٌ):
قوله: (إِذْ)ظرف لما تقدّم في الآية السابقة من قوله: (أَفَضْتُمْ)فيعيّن ظرف الإفاضة والخوض، أي (إذْ تَلَقَّوْنَهُ): أي الإفك (بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ)، وهذا الأمر بنفسه جريمة وهو أن يحكي الإنسان قضية بصورة الجزم وهو شاكّ بها في قلبه (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا)وتظنّون أنّ التفكّه وإذاعة الفحشاء أمر هيّن ويسير (وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيمٌ): أي ذنب عظيم، لأنّه افتراء وتزوير للحقيقة، وفيه إيذاء للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)2.
كيف لا يكون إثماً عظيماً وفيه إساءة للبيت النبوي؟ فإنّ رميَ زوجة

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 65 .
2 . الأحزاب: 57 .

صفحه 213
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالفحشاء إساءة للزوج، فإنّ الزوجة تُعدّ شرفاً للزوج، فالحطّ من مقامها حطّ من مقامه.
وبعبارة أُخرى: هناك فرق بين كفر الزوجة وبين ارتكابها هذا العمل الشنيع، فالأوّل لا يُعدّ إساءة للزوج وليس فيه حطّاً من مقامه، لأنّ العقيدة أمر لا سلطة للزوج عليه، بخلاف العمل الشنيع، فارتكاب الزوجة له أو رميها به يُسيء إلى سمعة الزوج في أعين الناس، وهذه العصبة المؤتفكة نسجت هذه التهمة لكي تسقط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من أعين الناس.
وللشريف الرضي (رحمه الله) كلام في تفسير قوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)يقول فيه: وهذه استعارة والمراد بها ـ والله أعلم ـ : أنّكم تتفاوضون هذا الحديث بينكم، فكأنّ بعض ألسنتكم تتلقّاه عن بعض سروراً بالإفاضة فيه واعتماداً للإذاعة به وذلك كما يقول أحدنا: قد تلقّيت أمر فلان براحتي واستقبلته بكلتا يديّ، إذا كان مخبراً عن شدّة من قبوله له أو سروره به .1
ثم إنّ قوله سبحانه: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا) إشارة إلى أنّ من المحرّمات استصغار الذنوب خصوصاً إذا كان الذنب كبيراً، وقد ورد النهي عنه، قال الإمام علي (عليه السلام): «أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهُ»2، وذلك أنّ استهانته به يستلزم انهماكه فيه واستكثاره منه حتى يصير ملكة، بخلاف ما يستصعبه من الذنوب.3

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 156 .
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 348 .
3 . شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني:5/412.

صفحه 214
16. (وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ):
هذا توبيخ وتنديد ثالث، حيث إنّ جمهور الأصحاب حسبوه أمراً هيّناً ولذا يوبّخهم بقوله: (وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ): أي هلاّ إذ سمعتم ذلك الحديث (قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا): أي لا يحلّ لنا أن نخوض فيه، وما ينبغي لنا أن نتكلّم في أعراض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأعراض الناس.
قوله: (سُبْحَانَكَ): أي تنزّهتَ يا ربّنا أن تبعث رسولاً يتدنّس بيته بالعمل الشنيع (هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)لأنّ فيه مسّ بكرامة المؤمنة وكرامة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ البهتان مطلقاً أمر عظيم تختلف درجاته حسب اختلاف الموضوع.
17 . (يَعِظُكُمُ اللّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ):
يحكم سبحانه بهذه الآية حكماً باتّاً على المؤمنين ألاّ يخوضوا في مثله ويقول: (يَعِظُكُمُ اللّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ): أي: لئلاّ تعودوا إلى مثله عبر حياتكم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): أي مصدّقين بالله ونبيّه وشريعته، ونظير هذا التعبير (أَنْ تَعُودُوا)مكان: لئلاّ تعودوا، قوله سبحانه: (يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)1: أي لئلاّ تضلّوا.
18. (وَيُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):
أي لغاية سعادتكم (يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ)هذه (الآيَاتِ): أي الأحكام

1 . النساء: 176.

صفحه 215
والضوابط (وَاللّهُ عَلِيمٌ)بما فيه خيركم (حَكِيمٌ) في تشريعه .
19. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ):
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ)يحتمل وجهين:
الأوّل: يحبّون أن تشيع الفاحشة نفسها (فِي الَّذِينَ آمَنُوا): أي بينهم، فإنّ الله سبحانه يهدّدهم بقوله: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ).
ومن الواضح أنّ إشاعة الفحشاء بين الأفراد يفضي إلى مخاطر جسيمة، على المستوى الأخلاقي والصحّي والاجتماعي، تهدّد كيان المجتمع وتمهّد الطريق للأجانب بأن يسلبوا ثرواتهم ويستولوا على خيراتهم ومكاسبهم، فالإنسان الغارق في الفحشاء لا يفكر إلاّ في إرضاء غرائزه المنحطّة، فكلّ مجتمع تفشّت فيه الممارسات اللاأخلاقية يحكم عليه بالزوال ويسهل للأجانب الهيمنة عليه، والتحكّم بمقدّراته.
الثاني: أن يراد من إشاعة الفحشاء: إشاعة خبر الفحشاء، وهو أيضاً لا يقلّ خطراً عن الأوّل، وهذا الوجه هو المناسب لسياق الآيات، فإنّ السعي لتشويه سمعة الآخرين يورث العداء ويفصم عرى التماسك.
قوله تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا)فربّما يراد به العقوبات والحدود الشرعية، ويمكن أن يُراد به النتائج السلبية لهذا العمل .
(و) أمّا في (الآخِرَةِ) فهو في المرصاد من عذاب الله تعالى (وَاللّهُ يَعْلَمُ)ما يترتّب على إشاعة الفحشاء من مخاطر (وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)إلاّ بتعليم من الله سبحانه.

صفحه 216
20. (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ):
صدر هذه الآية يماثل ما ورد في الآية العاشرة، ولكن الذيل يختلف، ففي تلك الآية: (وَأَنَّ اللّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ)وفي المقام: (وَأَنَّ اللّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(وَلَوْلاَ) هنا امتناعية بشهادة دخولها على الاسم، والجواب محذوف مثل ما تقدّم في الآية، فالآية تكرار للامتنان ومعناها واضح حسب ما مرّ.
وفي الختام نأتي ببعض الروايات التي تشير إلى حرمة كشف ستر المؤمن.
روى المفضّل بن عمر قال: قال لي أبو عبدالله]الصادق[ (عليه السلام): «من روى على مؤمن رواية يريد بها شَينه وهدم مروّته ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان»1.
سورة النور: الآيات 21 ـ 26    
وعن محمد بن فُضيل، قال: قلت له ـ يعني: أبا الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) ـ : جُعلت فداك، الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه، فأسأله عنه فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات، فقال لي: «يا محمّد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولاً فصدّقه وكذبهم، ولا تذيعنّ عليه شيئاً تشينه به، وتهدم به مروّته، فتكون من الذين قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)».2

1 . الكافي: 2 / 358.
2 . الوسائل: 8 ، الباب 157 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 4.

صفحه 217

الآيات: الحادية والعشرون إلى السادسة والعشرين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَد أَبَدًا وَلَكِنَّ اللّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).

المفردات

خطوات: واحدها خطوة: ما بين القدمين من المسافة، وهي كناية عن الوساوس الشيطانية.

صفحه 218
المنكر: ما تنكره النفوس الطيبة.
زكى: طهُر من دنس الذنوب.
يأتل: من الإلية بمعنى اليمين، يقال: إئتلى وتألّى بمعنى يحلف .
الفضل: الزيادة في الأموال نظير قوله سبحانه: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّهِ)1.
يوفّيهم: يجزيهم أتمّ الجزاء.
دينهم الحقّ: أي جزاءهم الحقّ، فالدين هنا بمعنى الجزاء.

التفسير

لمّا كان رمي المحصنات بلا دليل يعدّ سلوكاً لسُبل الشيطان وطرقه، خصّ سبحانه المؤمنين المصدّقين بعدم اقتفاء آثار خطوات الشيطان وقال:
21. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَد أَبَدًا وَلَكِنَّ اللّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) :
ولقائل أن يقول: نحن لا نرى الشيطان ولا نرى خطواته فكيف

1 . الجمعة: 10 .

صفحه 219
يمنعنا سبحانه عن اقتفاء خطواته؟ والجواب واضح; وهو: أنّ الوساوس الشيطانية التي يستجيب لها الإنسان وتقوده إلى سلوك طريق المآثم هي خطوات للشيطان، يقتفي فيها ذلك الإنسان أثره، ولذا يجب التجنّب عنها، كما قال: (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ).
هذه الفقرة مركّبة من جملة شرطية، أعني قوله: (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ).
وأمّا جزاء الشرط فالظاهر أنّه محذوف، وتقديره ارتكب الفحشاء والمنكر، سدّ مكانه قوله: (فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ). ثم إنّه سبحانه كرّر قوله: (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ) مع إمكان القول: (ومن يتَّبعها)، وذلك للزيادة في التقرير والمبالغة في الموضوع.
ثم بيّن سبحانه عظيم منّته على المجتمع الإيماني بقوله: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَد أَبَدًا)وجه ذلك أنّ الشيطان بالمرصاد دوماً حيث حلف بعزّة الله وقال: (فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)1فصحّ أن يقال: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ)ببعث الرسل وإنزال الكتب وفتح باب التوفيق (مَا زَكَى): أي ما طهُر (مِنْكُمْ مِنْ أَحَد أَبَدًا)فقوله: (مِنْ أَحَد)في حيّز الرفع على الفاعلية، ولفظة (مِنْ) للتأكيد، (وَلكِنّ الله يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ): أي يطهِّر من عباده من يشاء. ومن المعلوم أنّ مشيئة الله ليست بلا شرط، وإنّما هي مشروطة بإقبال العبد على طاعته، والسير على صراطه.
(وَاللّهُ سَمِيعٌ)لأقوالنا (عَلِيمٌ) بما في صدورنا وقلوبنا.

1 . ص: 82 .

صفحه 220
22. (وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
يظهر من الآية أنّ جماعة حلفوا على أن لا يعطوا الخائضين في قصة الإفك شيئاً من المال ولا يساعدونهم تنبيهاً وتنديداً. وظاهر قوله: (وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ)أنّ الحالفين كانوا جماعة لا فرداً خاصّاً كما تذكر بعض الروايات التي عوّل عليها كثير من المفسّرين، كما أنّ المُنفَق عليهم ثلاث فئات من الناس، لا شخص واحد كما تذكر تلك الروايات. وعلى كلّ تقدير فهؤلاء حلفوا على (أَنْ)لا (يُؤْتُوا) الفئات الثلاث: (أُولِي الْقُرْبى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ)شيئاً من الصدقات، ولكن ظاهر قوله: (وَلاَ يَأْتَلِ)نهي عن الحلف، وعلى هذا فالظاهر أنّهم ما حلفوا بل كانوا بصدد الحلف، واطّلع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك فنزل الوحي، وإلاّ فلو كانوا حالفين ثمّ نكثوا تلزمهم الكفّارة.
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّهم بعدما وقفوا على إرشاد الله سبحانه إلى ما هو الأفضل نكثوا أيْمانهم مع الكفّارة.
نعم ذكر الرازي أنّ مذهب جمهور الفقهاء أنّ من حلف على يمين فرأى أنّ غيرها خير منها ينبغي له أن يأتي بالذي هو خير، ثم يكفّر عن يمينه، وقال بعضهم: إنّه يأتي بالذي هو خير وذلك كفّارته .1 ولا يخفى أنّ القول الثاني بلا دليل، والاحتجاج بالآية ضعيف لما ذكرنا من أنّ ظاهر

1 . تفسير الرازي: 23 / 191 .

صفحه 221
الآية أنّهم كانوا بصدد الحلف، ولم يحلفوا، وعلى فرض الحلف فقد كفّروا أخذاً بصريح قوله تعالى: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)1 .
ثم إنّه سبحانه يأمر الحالفين بأمرين ويقول: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا)ولعلّ الفرق بينهما أنّ العفو هو التجاوز عن الذنب مع الالتفات إليه، وأمّا الصفح فهو الإغضاء وفرضه كأن لم يكن.
وعلى كلّ تقدير فهو أمر لهم بأن لا يعاقبوا المسيئين، ثم يعلّله بقوله: (أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ): أي يستر عليكم ذنوبكم جزاءً على عفوكم وصفحكم عنهم؟ (وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
روى ابن شهرآشوب عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)أنّه كان إذا دخل عليه شهر رمضان يكتب على غلمانه ذنوبهم، حتى إذا كان آخر ليلة دعاهم ثم أظهر الكتاب وقال: يا فلان فعلت كذا ولم أُؤذيك، فيقرّون أجمع، فيقوم وسطهم ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا عليّ بن الحسين ربّك قد أحصى عليك ما عملت كما أحصيت علينا، ولديه كتاب ينطق بالحقّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة فاذكرنَّ مقامك بين يدي ربّك الذي لا يظلم ذرة وكفى بالله شهيداً، فأعف واصفح يعفُ عنك المليك لقوله تعالى: (وَليَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ)ويبكي وينوح.2

1 . المائدة: 89 .
2 . مناقب آل أبي طالب: 4 / 171 .

صفحه 222
23. (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ):
عاد البيان القرآني مرّة أُخرى إلى مسألة رمي المحصنات التي جاء ذكرها قبل قصة الإفك في قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) وقد وصف سبحانه المرميّات في هذه الآية بصفات ثلاث:
1. (الْمُحْصَنَاتِ)اللاّتي اشتهرن بالعفاف في المجتمع ولم تُر منهن زلّة.
2. (الْغَافِلاَتِ)عمّا رُمين به، ولعلّه كناية عن سلامة نيّاتهنّ وأنّهنّ لسنَ بماكرات.
3. (الْمُؤْمِنَاتِ)إيماناً قلبيّاً.
وجزاء الذين يسيئون إلى كرامة هؤلاء وسمعتهنّ بالاتّهام الباطل، أنّهم سيعاقبون بألوان العقوبات:
1. (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا).
2. (وَ)لعنوا في (الآخِرَةِ).
3. (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
أمّا اللَّعن في الدنيا فيحكم عليهم بالفسق، وللفاسق أحكام في الشريعة، وأمّا اللعن في الآخرة فهو البعد عن رحمة الله.
وأمّا الثالث فهو عذاب جهنم.

صفحه 223
ثم إنّ ظاهر الآية أنّه حُكم وتشريع إلهي عامّ لا يختصّ بفرد ولا بطائفة. وذكر الصفات الثلاث: الإحصان والغفلة والإيمان، لتصوير فظاعة الاتّهام بالفاحشة.
وبذلك يُعلم أنّ ما نقله الرازي من أنّ المراد زوجة النبي عائشة فقط، أو المراد أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كلام خاضع للرأي المسبق، ولا دليل عليه.1
نعم كلّ ذلك في غير التائب، وأمّا من تاب فلا .
24. (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):
الآية تشير إلى وجود عقاب رابع غير الثلاث السابقة، وهو أنّه إذا حُشر الذين يتّهمون هؤلاء المحصنات يوم القيامة، فالله سبحانه يستنطق أعضاءهم الثلاثة للشهادة على أعمالهم، كما يقول: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
نعم، خصّ الثلاثة من الأعضاء مع أنّ غيرها يشهد في ذلك اليوم أيضاً لقوله سبحانه: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)2، لأنّ لهذه الأعضاء الثلاثة دوراً في نشر البهتان، فهم ينطقون بألسنتهم، ويشيرون بأيديهم، ويسعَون بأرجلهم.

1 . لاحظ : تفسير الرازي: 23 / 193 .
2 . فصلّت: 20 .

صفحه 224
25. (يَوْمَئِذ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ):
أي بعدما نطقت أعضاؤهم بجرائمهم فالله سبحانه (يَوْمَئِذ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ): أي يجزيهم بحسب ما شهدت به أعضاؤهم ويُجزَون بالجزاء الحقّ، فالدين هنا بمعنى الجزاء، والحقّ بمعنى العدل.
ثم إنّ هؤلاء (يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ). أمّا الحقّ في المقام فله وجهان:
الأوّل: أنّ الحقّ في مقابل الباطل، والله سبحانه بما أنّه واجب
الوجود فهو حقّ ثابت لا مرية فيه، فيكون المعنى أنّ الله سبحانه هو الحقّ الواضح.
الثاني: أنّ الحقّ صفة للحكم المحذوف، أي أنّ الله ذو الحُكم الحقّ المبين، فلو جازاهم فإنّما يجازيهم بالعدل لا بالظلم.
26. (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ):
هل المراد من الخبيث والطيّب هو الكافر والمؤمن أو المراد هو الزاني والعفيف؟ أمّا الأوّل فليس بمراد قطعاً، لأنّ قسماً من الأنبياء كنوح ولوط كان تحتهما مَن لم تكن مؤمنة بل كافرة، وقد صرّح به سبحانه في قوله: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ

صفحه 225
عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).1
فتعيّن أن يُراد بهما الزاني والعفيف، والآية تشير إلى سنّة تكوينية، وهي أنّ كلاًّ يطلب شاكلته، فالخبيثات من النساء يطلبن الخبيثين من الرجال، وهكذا العكس، والطيبات من النساء يطلبن الطيبين من الرجال، وبالعكس.
ويُحتمل أن يُراد أنّ كلامه سبحانه ـ وراء كونه إشارة إلى سنّة تكوينية ـ إشارة إلى سنّة تشريعية، فيكون إشارة إلى ما تقدّم من قوله سبحانه: (الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَان أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(2)، وقد روي ذلك عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): هي مثل قوله تعالى: (الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً)إلاّ أنّ أُناساً همّوا أن يتزوّجوا منهنّ فنهاهم الله من ذلك وكره ذلك لهم.2
ثم إنّه سبحانه يقول في رفع مقامهم: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ)في حقّهم، فالإيمان والإحصان يصدّانهما عن اقتراف المعاصي (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): أي والله سبحانه يغفر ذنوبهم ولهم رزق نفيس أي حياة طيّبة في الدنيا، وأجراً حسناً في الآخرة، يقول سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)3.

1 . التحريم: 10 .   2 . النور: 3 .
2 . تفسير نور الثقلين: 3 / 585 .
3 . النحل: 97 .

صفحه 226
إلى هنا تمّ تفسير الآيات التي تتعلّق بعفاف الرجال والنساء في مجموعات أربع، هي:
1. حكم الزاني والزانية.
2. حكم رمي المحصنات.
3. حكم رمي الأزواج.
4. قصة الإفك.

دراسة ما روي حول قصّة الإفك

قد فرغنا بحمد الله من تفسير الآيات الراجعة إلى قصّة الإفك وأوضحنا مراميها ومقاصدها، بقي الكلام في أُمور نذكرها تباعاً:
الأوّل: قد اتّفق علماء الإسلام على طهارة أزواج الأنبياء، وبالأخصّ طهارة نساء نبيّنا المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن الفجور والزنا بكلمة واحدة. وهذا هو الشيخ الطبرسي ـ لسان الإمامية ـ يقول: ما بغت امرأة نبيّ قط، وإنّما كانت خيانة زوجتي نوح ولوط في الدّين، لأنهما كانتا كافرتين فقط .1
ومن شكّ في ذلك أو نسب إلينا غير ذلك فهو كاذب مفتر، وإن تحدّث باسم الشيعة.
كيف وقد اتّفقت الإمامية بل علماء الإسلام عامّة على لزوم طهارة الأنبياء كافّة والنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة عن جميع المنفِّرات حتى يتسنّى للناس الإيمان والاقتداء بهم، فمن طبيعة الناس الابتعاد عمّن تكون زوجته غير لائقة بشأنه.

1 . مجمع البيان: 10 / 69، تفسير سورة التحريم.

صفحه 227
وبما أنّ المسألة واضحة فلا نطيل الكلام في هذا الموضوع.
الثاني: الظاهر أنّ الآية الناظرة إلى قصة الإفك قد نزلت بعد حكم رمي المحصنات، فمَن رمى إحدى المحصنات بالزنا ولم يأت بأربعة شهداء فعليه الحدّ ثمانين جلدة، وعلى هذا فالذين نشروا قصة الإفك ، كان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقيم الحدّ عليهم بلا هوادة، ولكن لم يرد بصورة واضحة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أجرى عليهم الحدّ. نعم جاء في عدّة روايات أنّ حسّان بن ثابت ضُرب الحدّ على قذفه عائشة.1
والظاهر أنّ المصلحة العامّة سبّبت توقّف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن إجراء الحدّ، وذلك لأنّ القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام خصوصاً كان بينهم من يُعدّ من رؤساء القبائل وعماد الطوائف، فالظاهر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عفا عنهم بأمر من الله سبحانه.
الثالث: لاشكّ أنّ عائشة من زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهي بريئة عمّا أُلصق بها على فرض كون قصة الإفك راجعة إليها، فنحن بكلمة واضحة نقول: إنّ نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منزّهات مبرّآت من هذه التهمة.
إنّما الكلام في كون نزول الآيات في حقّها وأنّها كانت محور الإفك، فإنّ الروايات من طرق السنّة تتّفق على ذلك، غير أنّ هناك ـ كما قلنا ـ روايات شيعية وسنّية تذكر أنّ التي اتّهمها أهل الإفك والزور، هي مارية القبطية أُمّ إبراهيم .
فيقع الكلام في موضعين:

1 . انظر: سنن أبي داود:835، باب في حدّ القذف، برقم 4474 و 4475; والمعجم الكبير للطبراني:23/152 برقم 228.

صفحه 228
1. نزول الآيات في حقّ عائشة.
2. صحّة كلّ ما روى عنها البخاري في الحديث التالي.
أمّا الأمر الأوّل: فقد قال به بعض الأكابر من الشيعة كالعلاّمة الحلّيّ في جواب السؤال التالي: ما يقول سيدنا في قصة الإفك والآيات التي نزلت ببراءة المقذوفة؟ هل ذلك عند أصحابنا كان في عائشة أم نقلوا أنّ ذلك كان في غيرها من زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فأجاب: ما عرفت لأحد من العلماء خلافاً في أنّ المراد بها عائشة.1
ما ذكره (قدس سره)وإن كان مشهوراً ولكنّه لم يطلع على خلاف الآخرين وأنّ ثمّة روايات للشيعة تذكر أنّ صاحبة قصة الإفك هي مارية القبطية، كما سنشير إليه في نهاية البحث.
وأمّا الأمر الثاني ـ أي صحة ما روي عنها في صحيح البخاري ـ : فهو بعيد جدّاً لاشتمالها مع ما لا ينسجم مع أُصول الإسلام. ولأجل إيقاف القارئ على تلك الموارد نذكر نصّ البخاري برمّته، ثم نشير إلى موارد الإشكال وإن سعى شرّاح البخاري إلى الدفاع عنها .
ولكن الإشكالات قويّة لا محيص منها، والأجوبة واهنة لا يعتمد عليها.

قصة الإفك في صحيح البخاري

روى البخاري في تفسير قوله سبحانه: (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ...) عن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين

1 . أجوبة المسائل المهنائية: 121.

صفحه 229
أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد ما نزل الحجاب وأنا أُحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمتُ حين آذنوا بالرحيل، فمشيتُ حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رَحلي، فإذا عِقد لي من جَزْع ظَفار 1 قد انقطع، فالتمست عِقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يَرحلون بي فاحتملوا هودجي، فرَحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أنّي فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهنّ اللحم إنّما تأكل المرأة العُلقة 2 من الطعام، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فيمّمت منزلي الذي كنت به فظننتُ أنّهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت.
وكان صفوان بن المعطّل السُّلَمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج 3 فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني

1 . ظفار كقطام بلد باليمن قرب صنعاء، وجزع ظفاري منسوب إليها، والجزع الخرز وهو الذي فيه سواد وبياض.
2 . العلقة من الطعام ما يمسك به الرمق.
3 . أدلج القوم: ساروا الليل كله أو في آخره.

صفحه 230
فخمَّرتُ وجهي بجلبابي، والله ما كلّمني كلمة واحدة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا مُوغِرين في نحر الظهيرة فهلك فيّ مَن هلك.
وكان الذي تولّى الإفك عبدالله بن أُبي بن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يُفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، والذي يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنّما يدخل عليّ فيسلّم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذاك الّذي يريبني ولا أشعر بالشرّ، حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أُمّ مِسْطح قِبَل المناصِع 1 وهو متبرّزنا، وكنّا لا نخرج إلاّ ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتّخذ الكُنُف قريباً من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العرب الأُول في التبرّز قبل الغائط، فكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا.
فانطلقت أنا وأُمّ مِسْطح، وهي ابنة أبي رُهْم بن عبد مناف، وأُمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر، وابنها مِسطَح بن أُثاثة، فأقبلت أنا وأُم مِسْطح قِبَل بيتي قد فرغنا من شأننا، فعثرت أُم مِسْطح في مِرطها 2 فقالت: تَعِس مِسْطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبّين رجلاً شهد بدراً؟ قالت: أي هنتاه3، أوَ لم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك،

1 . المناصع: المواضع يتخلى فيها لبول أو حاجة.
2 . المرط ـ بالكسر ـ كساء واسع يؤتزر به وربما تلقيه المرأة على رأسها وتتلفع به.
3 . خطاب للمرأة، ويقال للرجل يا هناه.

صفحه 231
فازددت مرضاً على مرضي.
فلمّا رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فسلّم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويَّ؟ ـ قالت: وأنا حينئذ أُريد أن أستيقن الخبر من قِبَلهما ـ قالت: فأذن لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجئت أبويّ فقلت لأُمي: يا أُمّتاه ما يتحدّث الناس؟ قالت: يا بنيّة هوّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة، عند رجل يحبّها، ولها ضرائر إلاّ كثّرْن عليها، فقلت: سبحان الله ولقد تحدّث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي.
ودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)علي بن أبي طالب وأُسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستأمرهما في فراق أهله; فأمّا أُسامة فأشار على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودّ فقال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلاّ خيراً; وأمّا علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثيرة وإن تسأل الجارية تَصدُقك، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بَريرة فقال: أي بَريرة هل رأيت شيئاً يريبك؟ قالت بَريرة: لا والذي بعثك بالحقّ إنْ رأيت عليها أمراً أغمصُه عليها أكثر من أنّها جارية حديثة السنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.
فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فاستعذر يومئذ من عبدالله بن أُبيّ بن سَلول، فقال وهو على المنبر: يا معشر المسلمين مَن يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمتُ على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي.

صفحه 232
فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتَنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: كذبت لعمرُ الله ما تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسَيد بن حُضَير، وهو ابن عمّ سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمرُ الله لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان: الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يُخفّضهم حتى سكتوا وسكت.
قالت: فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي.
فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهّد حين جلس ثم قال: أمّا بعد يا عائشة إنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه.
فلمّا قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مقالته قَلَصَ 1 دمعي، حتى ما أُحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: والله ما أدري ما أقول

1 . قلص: اجتمع وانقبض.

صفحه 233
لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت لأُمّي: أجيبي عنّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فقلت وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ كثيراً من القرآن: إنّي والله لقد علمت أنّكم سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلت لكم: إنّي بريئة والله يعلم أنّي بريئة لا تصدّقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنّي منه بريئة لَتُصدّقُنّي، والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلاّ قول أبي يوسف: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)1.
قالت: ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أنّي بريئة، وأنّ الله مبرِّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظنّ أنّ الله منزل في شأني وحياً يُتلى، ولَشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رؤيا يبرِّئني الله بها.
قالت: فوالله ما رام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء عند الوحي حتى أنّه ليتحدّر منه مثل الجُمان من العرق، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي يُنزل عليه، فلمّا سُرّي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سُرّي عنه وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: يا عائشة أمّا الله فقد برّأك، فقالت أُمّي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله عزّ وجلّ، وأنزل الله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)العشر الآيات كلّها.
فلمّا أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح بن أُثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أُنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال

1 . يوسف: 18 .

صفحه 234
لعائشة ما قال، فأنزل الله: (وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَسَاكِينَ ـ إلى قوله ـ رَحِيمٌ)قال أبو بكر: والله إنّي أُحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.
قالت عائشة: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يسأل زينب ابنة جحش عن أمري، فقال: يا زينب ماذا علمتِ أو رأيتِ؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلاّ خيراً، قالت: وهي التي كانت تُساميني من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فعصمها الله بالورع، وطفقتْ أُختها حَمْنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك .1

مناقشة الرواية

الإمعان في هذه الرواية وملاحظتها مع الروايات الأُخرى التي تحكي لنا قصة الإفك يكشف عن وجود إشكالات في نفس هذه الرواية التي تروى عن أُم المؤمنين عائشة.

عائشة هي الراوية الوحيدة للقصة

إنّ قصة الإفك المنقولة بهذه التفاصيل التي مرّت عليك لم تستند إلاّ إلى عائشة نفسها دون غيرها.2 وقد اشتملت على أُمور كثيرة لا يمكن

1 . صحيح البخاري: 1190، برقم 4750، كتاب تفسير القرآن، سورة النور.
2 . ما روي عن غيرها كأنس وأبي هريرة وابن عمر وابن الزبير، مع كونه مختصراً في أكثره ولم يرد في صحاحهم، فإنّه ـ كما أشرنا سابقاً ـ معلول بأكثر من وجه، وإنّ جلّ تلك الروايات ـ إن لم يكن كلّها ـ ينتهي إلى عائشة.

صفحه 235
التصديق بها، لأنّ ما ورد فيها على لسان عائشة من عبارات وأحاسيس ومواقف يكشف عن وجود دسّ في هذه القصّة لا تتمكّن أن تأتي به امرأة حديثة السنّ، بل هو من صنع أديب متمرّس على الكتابة في أمثال هذه المجالات، وإليك نماذج من ذلك :

1. لا أقرأ كثيراً من القرآن

تصف عائشة نفسها في تلك الرواية وتقول: (وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ كثيراً من القرآن) في حين اتّفق أهل السير على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تزوّج بها إثر وفاة خديجة (وكانت وفاتها في السنة العاشرة للبعثة) ودخل بها بعد غزوة بدر أي أواسط السنة الثانية للهجرة، وكانت غزوة بني المصطلق في السنة السادسة،1 فكيف يصدق عليها أنّها لم تقرأ كثيراً من القرآن، مع أنّها عاشت أربع سنوات في بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! وكيف لم تقرأ كثيراً من القرآن بينما تحفظ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر من ألفي حديث؟!

2. ارتياب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمرها

يظهر من غير واحد من مواضع الرواية أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مرتاباً في أمرها، ومن ذلك قولها: إنما يدخل عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فيسلّم ثم يقول: «كيف تيكم» ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشرّ. يقول: ابن حجر في تفسير قوله: كيف تيكم: بالمثناة المكسورة وهي مؤنث مثل ذاكم للمذكر، واستدلّت عائشة بهذه الحالة على أنّها استشعرت منه بعض جفاء، ولكنّها لمّا لم تكن تدري السبب، لم تبالغ في التنقيب عن ذلك، ووقع في

1 . لاحظ : السيرة النبوية: 2 / 257 .

صفحه 236
رواية أبي عبيس: إلاّ أنّه يقول: وهو ] النبي [ مارٌّ: كيف تيكم، ولا يدخل عندي ولا يعودنيويسأل عنّي أهل البيت. وفي حديث ابن عمر: وكنت أرى منه جفوة ولا أدري من أي شيء.1
وأوضح دليل على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مرتاباً في أمرها حسب هذه الرواية، قولها: وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأنها بشيء، قالت: فتشهّد (رسول الله) حين جلس ثم قال: «يا عائشة فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» إلى غير ذلك من موارد أُخرى في الرواية تدلّ بصراحة على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان شاكّاً فيها، وهذا يضادّ ما ينبغي أن يكون عليه موقف المؤمنين ـ فضلاً عن النبيّ الأكرم ـ من الاتّهام، حيث إنّه سبحانه يلوم المرتابين ويوبّخهم في أربعة موارد، منها قوله تعالى: (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)وقوله: (وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)، وأنت ترى أنّ الرواية تُسيء إلى شخصية النبيّ ـ المعصوم من كلّ ذنب صغير أو كبير ـ الذي كان ينبغي له إذا سمع هذا أن يقول: هذا بهتان عظيم، ويبرّئ ساحة المتّهمة عمّا أُلصق بها، ولكنّا نراه ـ والعياذ بالله ـ كسائر الناس يرتاب في أمر زوجته!!
وللسيد الطباطبائي كلام في هذا الشأن ننقله بنصّه، قال:
إنّ المسلَّم من سياقها أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان في ريب من أمر عائشة بعد

1 . فتح الباري: 8 / 374.

صفحه 237
تحقّق الإفك، كما يدلّ عليه تغيُّر حاله بالنسبة إليها في المعاملة باللطف أيام اشتكائها وبعدها حتّى نزلت الآيات، ويدلّ عليه قولها له حين نزلت الآيات وبشّرها بها: بحمد الله لا بحمدك، وفي بعض الروايات أنّها قالت لأبيها وقد أرسله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليبشّرها بنزول العذر: بحمد الله لا بحمد صاحبك الّذي أرسلك، تريد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي الرواية الأُخرى عنها: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا وعظها أن تتوب إلى الله إن كان منها شيء وفي الباب امرأة جالسة، قالت له عائشة: أما تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئاً، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الخطاب المبني على الإهانة والإزراء ما كان يصدر عنها لولا أنّها وجدت النبيّ في ريب من أمرها. كلّ ذلك مضافاً إلى التصريح به في رواية عمر ففيها: «فكان في قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا قالوا».1

3. استشارة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي وأُسامة

قالت: ودعا رسول الله علي بن أبي طالب وأُسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستأمرهما في فراق أهله; فأمّا أُسامة بن زيد فأشار على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودّ، فقال: يا رسول الله: أهلك وما نعلم إلاّ خيراً; وأمّا علي بن أبي طالب (عليه السلام)فقال: يارسول الله لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثيرة.
إنّ أُسامة هو ابن زيد بن حارثة، وكان زيد الّذي تبنّاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حيّاً في زمان قصة الإفك، لأنّه استشهد في غزوة مؤتة الّتي وقعت في جمادى الأُولى من السنة الثامنة، فكيف ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)استشارة الأب

1 . الميزان في تفسير القرآن: 15 / 101 .

صفحه 238
واستشار ابنه ـ أعني: أُسامة ـ الذي كان عمره آنذاك ثلاث عشرة سنة أو نحوها؟!
وما اعتذر به ابن حجر بقوله: وخصّه دون أبيه وأُمّه لكونه كان شابّاً كعليّ وإن كان عليّ أسنّ منه، وذلك أنّ للشباب من صفاء الذهن ما ليس لغيره ; ولأنّه أكثر جرأة على الجواب، بما يظهر له من المسنّ، لأن المسنّ غالباً يحسب العاقبة، فربما أخفى بعض ما يظهر له رعاية للقائل تارة والمسؤول عنه أُخرى .1
وهو كماترى، فإنّ العذر أقبح من الفعل.
ثم إنّ ما نسبته إلى عليّ (عليه السلام)في غاية الوهم ; لأنّه (عليه السلام)أجلّ وأعلى من أن يقترح على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فراق زوجة لم يثبت ذنبها ولا التهمة الّتي أُلصقت بها. على أنّ جواب عليّ (عليه السلام)لا يمتّ بصلة إلى سؤال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان في قلق من التهمة، وعليّ أشار عليه بفراقها، ومعنى ذلك أنّه كان على وشك من اليقين بصدق التهمة.

4. استشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بَريرة

نقلت: أنّ عليّاً بعدما أجاب بما أجاب قال: وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت شيئاً يريبك؟ قالت: بريرة: لا والّذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصُه ] أعيبه [، أكثر من أنّها جارية حديثة السنّ تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.

1 . فتح الباري: 8 / 378 .

صفحه 239
يقول ابن حجر: ما رأيت منها مذ كنت عندها إلاّ أنّي عجنتُ عجيناً لي، فقلت احفظي هذه العجينة حتّى أقتبس ناراً لأخبزها، فغفلت فجاءت الشاة فأكلتها.
والإشكال: كيف يستشير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خاتم النبيين الجارية بَريرة في أمر عائشة مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عاش معها عدّة سنوات؟!!

5. التنازع بين السَّعدَين

تقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على المنبر: يا معشر المسلمين: مَن يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
ثم قالت: فقام: سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد: كذبت لعمرُ الله ما تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد (بن معاذ) فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمرُ الله لنقتلنه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان: الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت.
وفي هذه الفقرة تكذيب لما اتّفق عليه رجال السنّة من عدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم حيث نرى أنّ أُسيد بن حضير يسبّ سعد

صفحه 240
بن عبادة بقوله: فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، مع أنّهم يروون عن رسول الله أنّه قال: لا تسبّوا أصحابي.1
ثم إنّ عائشة تصف سعد بن عبادة بقولها: (وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً)، فلا أدري كيف كان رجلاً صالحاً ولكنّه خرج عن ذلك؟!
وأعجب من ذلك حضور سعد بن معاذ في قصة الإفك الّتي وقعت في السنة السادسة مع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حكّمه في أمر بني قريظة على ما هو المذكور في السيرة، قال ابن إسحاق فلمّا انقضى شأن بني قريظة، انفجر بسعد بن معاذ جُرحه فمات شهيداً. (2) فكيف يحضر من مات في السنة الخامسة قصة الإفك التي وقعت في السنة السادسة؟!
وفي نهاية الكلام نلفت نظر القارئ إلى ما في صدر القصّة وهو: كيف لم يفتقد النبي زوجته وقد سار ليلته تلك إلى الظهيرة؟ وكيف لم يسأل عنها أو عمّا تحتاج إليه طول تلك الفترة؟!
وفي هذه القصة أُمور أُخرى نترك معرفتها للقارئ الكريم.
***
سورة النور: الآيات 27 ـ 29    

الآيات: السابعة والعشرون إلى التاسعة والعشرين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ

1 . صحيح البخاري: 4 / 195; مسند أحمد: 3 / 11 .   2 . السيرة النبوية: 2 / 250 .

صفحه 241
لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَة فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ).

المفردات

حتّى تستأنسوا: كناية عن الاستئذان، كما ستقرأ في التفسير.
تذكَّرون: تتّعظون.
أزكى: أطهر.
جُناح: حَرَج.
متاع: حق تمتع ومنفعة.

التفسير

آداب دخول البيوت

تقدّم منّا في بيان أغراض السورة أنّها تتضمّن تشريع قوانين توثَّق بها روابط المودّة بين أفراد المجتمع، وفي هذه المجموعة من الآيات يبيّن نظام دخول البيوت للتزاور، كما يبيّن في المجموعة التالية كيفية المخالطة والمعاشرة مع النساء والرجال .
ويظهر من التأمّل في الآيات أنّ أبواب البيوت يوم ذاك كانت مفتوحة ولم تكن مقفلة، بحيث يُتاح للزائر أن يدخل بلا استئذان، ولذلك

صفحه 242
نهى الله سبحانه أن يدخل أحدٌ بيتاً غير بيته إلاّ بعد الاستئذان والسلام، وحتّى يسمع منهم الإذن، وذلك لأنّ لكلّ إنسان خصوصيات في بيته لا يحبّ أن يطّلع عليها غيره، فالدخول بلا استئذان يوجب الاطّلاع على تلك الخصوصيات الّتي يخفيها كلّ إنسان .
ويظهر من التأمّل في الآيات أنّ الزائر إذا استأذن للدخول، فهناك حالات ثلاث:
1. الدخول بعد الاستئذان إذا أذن ربّ البيت.
2. عدم الدخول إذا لم يسمح له بالدخول.
3. البيوتات العامّة كحوانيت التجارة والحمّامات والفنادق الّتي لكل إنسان فيها حقّ التمتّع والانتفاع، لا تحتاج إلى الإجازة.
أمّا الحالة الأُولى فيشير إليها سبحانه بقوله:
27. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ):
يخاطب الله سبحانه المجتمع الإيماني بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ)إلاّ بعد أمرين:
1. (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا): أي تستأذنوا، كما في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ )1.

1 . الأحزاب: 53 .

صفحه 243
قال الزمخشري في أحد وجهي تفسير الاستئناس: إنّه من الاستئناس الظاهر الّذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الّذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه فإذا أُذن له استأنس، فالمعنى حتّى يؤذن لكم...، وفي الحديث عن أبي أيوب الأنصاري قلنا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ما الاستئناس؟ قال: «ليتكلَّم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة، ويتنحنح يؤذِن أهلَ البيت»1.
2. (وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا): أي تقولوا: السلام عليكم، أأدخل، يقولها ثلاثاً.
وإنّما أُمروا بالاستئذان والتسليم لقوله: (ذَلِكُمْ): أي الاستئذان والتسليم (خَيْرٌ لَكُمْ)من الدخول بغير إذن، لأنّه بذلك يطيب لصاحب البيت الدخول، كما أنّ الدخول بلا إذن ربّما يوجب كراهته لاستلزامه الاطّلاع على ما لا يحبّ الاطّلاع عليه (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ): أي لتتّعظوا وتعملوا بموجب هذه الآداب الرفيعة. وإنّما قال: (تَذَكَّرُونَ) لأنّ هذا أمر يدركه كلّ إنسان إذا رجع إلى عقله وفطرته.

كيفية الاستئذان وعدده

يظهر من بعض الروايات أنّه على الزائر أن يستأذن ولا يقف مستقبل الباب، فقد روي أنّ أبا سعيد استأذن على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو مستقبل الباب، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب»2. وروى أبو داود عن

1 . انظر: تفسير الكشّاف:3/69.
2 . تفسير الرازي: 23 / 198. ولاحظ : سنن البيهقي: 8 / 339 (وفيه: أنّ سعد بن معاذ استأذن على النبيّ).

صفحه 244
عبد الله بن بُسْر قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: «السلام عليكم، السلام عليكم»، وذلك أنّ الدور لم تكن عليها يومئذ ستور.1
وأمّا عدد الاستئذان، فعن جندب قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع»، وقال الرازي بعد نقل هذه الرواية: واعلم أنّ هذا من محاسن الآداب، لأنّ في أوّل مرّة ربّما منعهم بعض الأشغال من الإذن، وفي المرّة الثانية ربّما كان هناك ما يمنع أو يقتضي المنع أو يقتضي التساوي، فإذا لم يُجب في الثالثة يُستدل بعدم الإذن على مانع ثابت .2

الاستئذان عند الدخول على المحارم

يظهر من بعض الروايات وجوب الاستئذان عند الدخول على الأب، فقد روى محمد بن علي الحلبي قال: قلت لأبي عبدالله] الصادق[ (عليه السلام): الرجل يستأذن على أبيه؟ فقال: «نعم، قد كنت استأذن على أبي وليست أُمّي عنده، وإنّما هي امرأة أبي، توفّيت أُمي وأنا غلام، وقد يكون من خلوتهما ما لا أحبّ أن أفجأهما عليه، ولا يحبّان ذلك منّي، السلام أصوب وأحسن».3
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الأُسوة الحسنة والقدوة التامّة، يستأذن

1 . سنن أبي داود:966، باب كم مرة يسلّم الرجل في الاستئذان؟، برقم 5186.
2 . تفسير الرازي: 23 / 197 ـ 198 .
3 . الكافي: 5 / 528، باب الدخول على النساء، برقم 4.

صفحه 245
عند دخوله على بنته فاطمة، فقد روى جابر بن عبدالله الأنصاري قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يريد فاطمة (عليها السلام)وأنا معه، فلمّا انتهيت إلى الباب وضع يده فدفعه ثم قال: السلام عليكم، فقالت فاطمة(عليها السلام): عليك السلام يا رسول الله، قال: أدخل؟ قالت: أدخل يا رسول الله، قال: أدخل أنا ومن معي؟ فقالت: يا رسول الله ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضلَ ملحفتك فقنّعي به رأسك، ففعلت، ثم قال: السلام عليكم، فقالت: وعليك السلام يا رسول الله، قال: أدخل؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: أنا ومن معي؟ قالت: ومن معك،قال جابر: فدخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ودخلت فإذا وجه فاطمة (عليها السلام)أصفر كأنّه بطن جرادة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مالي أرى وجهك أصفر؟ قالت: يا رسول الله الجوع، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم مشبع الجوعة ودافع الضيعة أشبع فاطمة بنت محمد. قال جابر: فوالله لنظرت إلى الدم ينحدر من قصاصها حتّى عاد وجهها أحمر، فما جاعت بعد ذلك اليوم.1
وروى الكليني عن زرارة عن أبي جعفر] الباقر[ (عليه السلام)، قال: «إنّ سَمُرة بن جندب كان له عِذْق في حائط رجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّ به إلى نخلته ولا يستأذن، فكلّمه الأنصاريُّ أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاريُّ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فشكا إليه وخبّره الخبر، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخبّره بقول الأنصاري وما شكا، وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن فأبى، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنّة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للأنصاري: اذهب

1 . الكافي:5/528، برقم5.

صفحه 246
فاقلعها وارمِ بها إليه فإنّه لا ضرر ولا ضرار».1
28. (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ):
هذه الآية تشتمل على فقرتين:
الأُولى: قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ).
الثانية: قوله تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
أمّا الفقرة الأُولى فهي مكملة للآية المتقدّمة فإنّ الإنسان إذا طرق باب الغير فربّما يكون من يملك الإذن موجوداً في الدار فيأذن له، وربّما لا يكون موجوداً في البيت ولكنّه على مقربة منه فلو سمع صوت الضيف لاستجاب، وهذه الفقرة تشير إلى هذا القسم:(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا)ممّن يملك الإذن (فَلاَ تَدْخُلُوهَا)حتى يصدر الإذن، فعدم وجود صاحب البيت لا يكون مبرّراً للدخول حتى يصدر الإذن ولو بعد فترة.
إلى هنا تمّ حكم الحالة الأُولى، أعني: الاستئذان مع صدور الإذن فوراً أو بعد فترة.
وأمّا الفقرة الثانية فهي ناظرة إلى الحالة الثانية، وهي: لو أنّ الضيف

1 . الوسائل: 17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 3.

صفحه 247
استأذن ولكن لم يؤذن له بالدخول كما يقول: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا)، ثمّ يعلّل ذلك بقوله: (هُوَ أَزْكَى لَكُمْ): أي أن الرجوع أطهر لكم في دينكم ودنياكم ; لأن ربّ البيت قد يتأذّى بوقوف غيره على بابه بعد الأمر بالرجوع. والغاية من الآية ترك بيوت الناس من دون إصرار على الدخول واستحصال الإذن .
قوله تعالى: (وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ): أي عليم بمقاصدكم ونواياكم من دخول البيوت.
وما تضمّنته الآيتان (27 و 28) يحكي عن اهتمام التشريع الإسلامي بالتأدّب بالأدب الرفيع في مراعاة مشاعر الناس والمحافظة على أسرارهم وحرمة بيوتهم. والعجب أنّ كثيراً ممّن لم يعتنقوا الإسلام يحافظون
على هذه التقاليد في سلوكهم مع الناس، فلا يطرقون أبواب الآخرين
إلاّ بعد الاتّصال عن طريق الهواتف واستحصال الإذن، ولو ألجأتهم الضرورة للزيارة ولكن صاحب البيت اعتذر عن استقبالهم لما وجدوا في أنفسهم تضايقاً من عدم استقباله لهم، ولسيد قطب هنا كلام لا بأس بنقله، يقول فيه:
ونحن اليوم مسلمون، ولكن حسّاسيتنا بمثل هذه الدقائق قد تبدّلت وغلظت، وإن الرجل ليهجم على أخيه في بيته، في أية لحظة من لحظات الليل والنهار، يطرقه ويطرقه ويطرقه فلا ينصرف أبداً حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له، وقد يكون في البيت هاتف يملك أن يستأذن عن طريقه، قبل أن يجيء، ليؤذن له أو يعلم أنّ الموعد لا يناسبه، ولكنّه يهمل هذا الطريق ليهجم من غير أوان، وعلى غير موعد، ثم لا يقبل العرف أن يردّ عن

صفحه 248
البيت ـ وقد جاء ـ مهما كره أهل البيت تلك المفاجأة بلا إخطار ولا انتظار.1
ثم قال.. ونرى غيرنا ممّن لم يعتنقوا الإسلام، يحافظون على تقاليد في سلوكهم تشبه ما جاء به ديننا ليكون أدباً لنا في النفس، وتقليداً من تقاليدنا في السلوك، فيعجبنا ما نراهم عليه أحياناً، ولا نحاول أن نعرف ديننا الأصيل، فنفيء إليه مطمئنين .2
إلى هنا تمّ بيان حكم الحالتين: صدور الإذن، والمنع من الدخول، بقي هنا حكم حالة أُخرى وهي البيوتات العامّة التي لكلّ إنسان فيها حقّ الاستفادة كالخانات والحمامات والمراكز التجارية، وهذا ما يشير إليه بقوله:
29. (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَة فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ):
قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ): أي حرج (أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَة): أي غير معدّة للسكن (فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ): أي معدّة ليستفيد منها من يحتاج إليها كائناً من كان (وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) أي واقف على مقاصدكم من دخول البيوت على أقسامها.
سورة النور: الآيتان 30 ـ 31    

1 . في ظلال القرآن: 6 / 91 .
2 . في ظلال القرآن: 6 / 92 .

صفحه 249

الآيتان: الثلاثون والحادية والثلاثون

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

المفردات

يغضُّوا: الغضّ: ربّما يقال: إطباق الجفن على الجفن، ويكون مرادفاً للغمض، ولكن الصحيح أنّه عبارة عن نقصان النظر مقابل التحديق إلى الشيء، أي تحديق النظر إلى ما يحرم النظر إليه .
وعلى هذا يكون كناية عن توجيه النظر إلى غير المرأة كالجوانب والأطراف أو إلى أسفل كالأرض.

صفحه 250
ويدلّ على ما ذكرنا من أنّ الغض هو نقصان النظر لا الغمض والستر أمران:
1. كلمة (مِنْ) في قوله تعالى: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)فلو كان الغضّ بمعنى الغمض لقال: يغضوا أبصارهم.
2. قوله سبحانه حاكياً عن لقمان: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ )1: أي انقص من صوتك.
بخُمرهنَّ: الخُمُر واحدها خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.
جيوبهنَّ: الجيوب: جمع جيب، وهو ـ كما قيل ـ : فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض الجسد، ولكن الظاهر أنّه اسم لجيب البدن ثم قلب استعماله إلى جيب الثوب، وقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أنّ جبرئيل نفخ في جيب مدرعة مريم (عليها السلام)».2
بعولتهنّ: البُعولة جمع بَعْل: الزَّوج.
الإربة: الحاجة . يقول الراغب: الأَرَب: فرْط الحاجة المقتضي للاحتيال في دفعه.3 وأُريد هنا الحاجة إلى النكاح.
يظهروا: من ظهر على الشيء إذا اطّلع، أي لا يعرفون ما العورة ولا يميّزون بينها وبين غيرها. والظاهر أنّهم لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء.

1 . لقمان: 19 .
2 . مجمع البيان: 6 / 417.
3 . المفردات للراغب: 15، مادة «أرب».

صفحه 251
 
التفسير

أحكام المعاشرة

30. (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) :
تتضمّن الآية الأمر بشيئين:
1. ( يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ).
2. (يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ).
ثم يعلّل ذلك بقوله: (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ).
ثم يصف نفسه بقوله: (إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) .
أمّا الأمر الأوّل: فالله سبحانه يأمر نبيّه بقوله: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ): أي يخفضوا أبصارهم غير محدقين النظر إلى ما يحرُم النظر إليه. والمتعلّق وإن لم يُذكر في الآية لكنّه معلوم وهو غير المحارم، فإنّ التساهل في النظر ربّما يؤدِّي إلى ما لا تُحمد عاقبتُه، ففي غضّ البصر سدّ لباب الشرّ ومنع للعواقب غير المحمودة.
وما قلناه من أنّ النظر إلى غير المحارم ربّما يجرّ إلى الشرّ، قد أوضحه الشاعر بقوله:
نظرة فابتسامة فسلام *** فكلام فموعد فلقاءُ

صفحه 252
فلأجل أن لا يقع الرجال في حبائل الشيطان، أمرهم سبحانه بأن ( يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)والفعل المضارع بمعنى الأمر. وقد ورد في الروايات ما يشرح لنا سبب نزول الآية. روى سعد الإسكاف عن أبي جعفر ] الباقر[ (عليه السلام)قال: استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنّعنَ خلف آذانهنّ، فنظر إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان، فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: والله لآتينّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولأخبرنّه، فأتاه فلّما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: ما هذا؟ فأخبره، فهبط جبرئيل (عليه السلام)بهذه الآية: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) .1
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، مَن ترَكها لله عزّ وجلّ لا لغيره أعقبه الله أمناً وإيماناً يجد طعمه»2.
وفي حديث آخر: «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة»3.
وعن الإمام علي الرضا (عليه السلام)فيما كتبه في جواب مسائل محمد بن سنان: وحُرّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وإلى غيرهنّ من

1 . الوسائل: 14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث 4.
2 . الوسائل: 14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث 6 .

صفحه 253
النساء لما فيه من تهييج الرجال، وما يدعو إليه التهييج من الفساد والدخول فيما لا يحلّ ولا يجمل، وكذلك ما أشبه الشعور إلاّ الذي قال الله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزِينَة )1: أي غير الجلباب فلا بأس بالنظر إلى شعور مثلهنّ»2.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني: فهو قوله سبحانه: (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)فإطلاق الآية يدلّ على حفظ الفروج بالستر عن الأنظار أو بحفظها عن الحرام نظير قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)3.
لكنّ الروايات تخصّ هذه الفقرة بالستر، فعن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كلّ آية في القرآن في ذكر الفروج فهي من الزنا، إلاّ هذه الآية فإنّها من النظر...»4.
وفي حديث آخر عن أبي عبدالله(عليه السلام)في تفسير الآية: «فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم، وأن ينظر إلى فرج أخيه ويحفظ فرجه أن ينظر إليه »5.
وأمّا الفقرة الثالثة فهي تختصّ بتعليل غضّ الأبصار وحفظ الفروج،

1 . النور: 60 .
2 . الوسائل: 14، الباب 105 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث 12.
3 . المؤمنون: 5 .
4 . تفسير القمي: 2/77; تفسير نور الثقلين: 3 / 587 .
5 . تفسير نور الثقلين: 3 / 587 .

صفحه 254
أعني قوله تعالى: (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ): أي أطهر من دنس الريبة وأنفع ديناً ودنياً فقد قالوا: النظر بريد الزنا ورائد الفجور.
يقول صديقنا المغفور له الشيخ محمد الكرمي : فإذا ملكت النظرة ذاك الشاب الأنصاري في خبرنا السابق ففاضت دماؤه على صدره وثيابه من حيث لا يشعر بما أصابه لانشغاله التام عن نفسه بمنظوره، على أن مطمح نظره كان في جمال سائر طبيعي لم تنفض عليه الأصابيغ بهجتها ولا الثياب الحريرية المزركشة بتقطيعها الفني جلوتها، فأحرى به أن يذوب من حينه ومكانه إزاء هذه النظرات الخلاّبة والجمال الفتّان .1
وأمّا الفقرة الرابعة من الآية، أعني قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)، فهي في صدد التنبيه إلى استشعار رقابة الله تعالى فيما يأتي به الرجال من أعمال سيئة مثل إجالة النظر والتحديق إلى المحرّمات وكشف السَّوءة، فالله سبحانه مطّلع عليها ولا يخفى عليه شيء منها.
فعلى هذا فليكن كلّ إنسان على حذر لأنّ الله ناظر.
إلى هنا تمّ ما أمر به تعالى الرجال، وأمّا ما هو تكليف النساء فهذا ما تحدّثت عنه الآية التالية:
31. (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ

1 . أُصول الدين الإسلامي: 88 .

صفحه 255
آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ):
لمّا فرغ سبحانه من بيان تكاليف المؤمنين في أمر المعاشرة، أمر المؤمنات أيضاً بنفس الأحكام أو أكثر، والحكمة في الجميع واحدة. وقد فرض الله على النساء الأُمور التالية:
1. غضّ الأبصار.
2. حفظ الفروج.
3. عدم إبداء الزينة.
4. إلقاء الخُمُر على الجيوب.
5. عدم الضرب بالأرجل لإثارة الرجال برنين خلاخيلهنّ.
ثم استثنى سبحانه من حرمة إبداء الزينة اثني عشر عنواناً، وفي نهاية الآية أمر الرجال والنساء بالتوبة إلى الله لغاية الفلاح.
هذا هو إجمال الآية، وإليك التفصيل.
أمّا الحُكم الأوّل فجاء في قوله: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ)وملاك الحكم واضح لما عرفت من المفاسد المترتّبة على

صفحه 256
تحديق النظر، من غير فرق بين نظر الرجل إلى المرأة أو المرأة إلى الرجل، إلاّ ما جرت السيرة عليه، من نظر النساء إلى الواعظ أو المعلّم نظرة عابرة لا نظرة فاحصة.
وما ربّما يُتصوّر من أنّ النساء يجوز لهنّ النظر إلى الرجال، فهو على خلاف الآية لما عرفت من أنّ الحكمة في الجميع واحدة.
وأمّا الحكم الثاني فجاء في قوله تعالى: (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)فيفسّر حسب ما مرّ في الآية المتقدّمة.
وأمّا الحكم الثالث فأُشير إليه في قوله تعالى: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا).
والزينة كما قال الراغب بالقول المجمل ثلاثة: زينة نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة، وزينة بدنية كالقوّة وطول القامة،وزينة خارجية كالمال والجاه .1
الظاهر أنّ الراغب خلط بين الجمال والزينة، فما يرجع إلى الخلقة فهو جمال، وأمّا ما يعرض الخلقة فهو زينة، فبعض ما ذكره جمال لا زينة. نعم ربّما يقال: الزينة قسمان: خَلقية ومكتسبة; فالخَلقية: الوجه والكفّان أو نصف الذراعين، والمكتسبة، وهي سبب التزيّن: اللباس الفاخر والحُليّ والكحل والخضاب وغير ذلك.
وأمّا القرآن الكريم فالظاهر منه أنّه يستعمل الزينة في الأمر الطارئ على الشيء، نظير:

1 . مفردات الراغب: 218، مادة «زين».

صفحه 257
1. زينة السماء بالكواكب، نظير قوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ).1
2. زينة السماء بالمصابيح، نظير قوله تعالى: (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ).(2)
3. زينة القلوب بالإيمان، قال تعالى: (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ).2
وقد استعمل لفظ الزينة في المال والجاه نظير قوله: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ )،(4) وفي الزينة الخارجية كما في قوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ )3.
وعلى ذلك فنحن نشكّ في إطلاق الزينة على أعضاء الإنسان، وإنّما توصف هذه بالجمال. ويؤيّد ذلك ما جاء عن أبي عبد الله الصادق في تفسير (مَا ظَهَرَ مِنْهَا)قال (عليه السلام): «الزينة الظاهرة: الكحل والخاتم».4 والسند معتبر، وإن كان فيه القاسم بن عروة، الذي لم يوثّق صريحاً في الكتب الرجالية، لكنّه من مشايخ المحدّث الجليل ابن أبي عمير. وروى أبو بصير قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا)قال: «الخاتم والمَسَكة وهي القُلب»5.

1 . الصافات: 6.   2 . فصلت: 12 .
2 . الحجرات: 7 .   4 . القصص: 79 .
3 . الأعراف: 32 .
4 . الوسائل: 14، الباب 105 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث 3.
5 . الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث 4.

صفحه 258
وعلى هذا فلا يجب على المرأة ستر ما ظهر من الزينة، ولكن هل يلازم ذلك جواز النظر إلى الوجه والكفين أو لا؟ فيه بحث استوفينا حكمه في بحوثنا الفقهية .1
وعلى كلّ تقدير فالصورتان التاليتان لا يجوز فيهما النظر قطعاً:
1. إذا كان النظر بشهوة وتلذّذ.
2. إذا تزيّنت المرأة.
فلو قيل بجواز النظر فإنّما هو إذا كان مجرّداً عن الريبة والتلذّذ، وكان الوجه والكفان غير مزيَّنَين إلاّ بالخاتم والكحل.
وأمّا الحكم الرابع فقد جاء في قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)والخُمُر جمع خِمار، ويظهر من الآية أنّ النساء كنّ يغطّين رؤوسهنّ بالخُمُر ويسدلنها من وراء الظهر فتبدو نحورهنّ وبعض صدورهنّ كعادة الجاهلية، ونُهين عن ذلك وأُمرن بضرب الخُمُر على الجيوب حتى تكون الرؤوس والجيوب مستورة بالخُمُر.
وهل هذا المقدار من الستر كاف أو هناك شيء آخر، أعني ما تعرّضت له الآية التالية: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا)2.
وكان سيد مشايخنا آية الله السيّد حسين البروجردي (قدس سره)يستدلّ بها

1 . لاحظ : نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغراء: 1 / 36 ـ 58.
2 . الأحزاب: 59 .

صفحه 259
على لزوم ستر الوجه في درسه الشريف عند البحث عن مقدار ما يجب ستره للمرأة في الصلاة، ويقول بأنّ إدناء الجلباب وإرخاءه يلازم ستر الوجه، والمراد: يُدنين جلابيبهنّ إلى جانب وجوههنّ، فتكون النتيجة إسدالها عليها.
إنّ إدناء الجلباب يلازم شيئاً من ستر الوجه إلى جانب الحاجب لا كلّ الوجه، أضف إلى ذلك: أنّ الآية تختصّ بالوجه دون الكفّين. والمهمّ أنّ لسان الآية لسان الإرشاد والاستحباب وأنّ الغاية من إلقاء الجلباب هي التميّز عن الإماء حتى لا يؤذَين في الطرق والشوارع حيث كان الفسّاق يزاحمون الإماء وربّما يتجاوزون إلى مزاحمة الحرائر فأمرهنّ الله بإدناء الجلباب مرشداً إلى أنّ ذلك أدنى أو أقرب إلى أن يُعرفنَ بزيّهنّ أنّهنّ حرائر ولسنَ بإماء فلا يؤذيهنّ أهل الريبة .1
فإذا كان الهدف ذلك فهو يحصل بستر الرؤوس والصدور، مقابل الإماء حيث كنّ يخرجن كاشفات الرؤوس والجيوب، ولا يتوقّف التميّز على ستر ما عداهما من الوجه والكفيّن.
ونختم البحث بنقل ما ذكره الفقيهان المعروفان:
1. السيد أبو الحسن الأصفهاني.
2. السيد الإمام الخميني.
أمّا الأوّل فيقول: ويحرم النظر إلى الوجه والكفّين إذا كان بتلذّذ وريبة، وأمّا بدونهما ففيه قولان بل أقوال: الجواز مطلقاً، وعدمه مطلقاً،

1 . مجمع البيان: 4 / 370 .

صفحه 260
والتفصيل بين نظرة واحدة فالأوّل، وتكرار النظر فالثاني، وأحوط الأقوال بل أقواها أوسطها.1
وأمّا سيدنا الأُستاذ فقد ذكر نفس العبارة إلاّ أنّه جعل الأوسط أحوط الأقوال لا أقواها. وهذا يعرب عن كون الأقوى عنده هو الأوّل .2
وفي ختام تفسير هذه الآية نذكر ما قاله الشريف الرضي (رحمه الله) حول قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ): وهذه استعارة والمراد بها إسبال الخُمُر التي هي المقانع على فرجات الجيوب لأنّها خصاصات إلى الترائب والصدور والثُّديّ والشعور، وأصل الضرب من قولهم: ضربت الفسطاط إذا أقمته، بإقامة أعماده وضرب أوتاده، فاستعير هاهنا كناية عن التناهي في إسبال الخُمُر وإخفاء3 الأُزر.4

سبب فرض الحجاب على النساء

هناك سؤال يطرحه النشء الجديد متأثّراً بما ينشره أعداء الإسلام حول الأحوال الشخصية: لماذا فرض الله سبحانه الحجاب على النساء دون الرجال، فإنّ المفسدة ترتفع بأحد الأمرين، فلماذا خُصّت النساء به؟
قلت: إنّ وجه التخصيص واضح وهو أنّ جسم المرأة، من حيث التركيب، أكثر إغراء وإثارة للغريزة. ثمّ إنّ المرأة بطبيعتها تحافظ على عفّتها

1 . وسيلة النجاة :303، كتاب النكاح.
2 . تحرير الوسيلة: 2 / 243، كتاب النكاح، المسألة 18 .
3 . كذا في المطبوعة، وفي هامشها: لعلّ الأصل: وإعفاء الأُزر، ويُراد به إطالتها.
4 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 157 .

صفحه 261
ولا تُظهر ما في نفسها للرجل، وإن كانت تميل إليه، ولكن قلّما تنبس ببنت شفة; بخلاف الرجل فإنّه بطبيعته يميل إلى المرأة ويعرض نفسه عليها ويدعوها إلى نفسه، وربّما يهجم عليها استجابة للشَّبَق المسيطر عليه، فلأجل ذلك فرض الإسلام الحجاب على المرأة لتصون نفسها عن هجوم الرجال وتعرضهم لها، وإنّما أجاز عدم وجوب ستر الوجه والكفّين فلضرورة اقتضت الجواز، لأنّ المرأة ليست في معزل عن المجتمع، فهي تعمل كالرجل ولو في مجالات خاصّة، فلأجل رفع الحرج سوّغ لها عدم الستر بشروط مذكورة في الفقه، أهمها عدم التزيّن، وبذلك ظهر وجه تخصيص الستر بالمرأة.
ثم إنّه سبحانه بعد أن حرّم على النساء إبداء الزينة، استثنى المحارم وأخرجهم من تحت هذا الحكم، وهم الطوائف التالية:
1. (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ)، فلكلٍّ من الزوجين أن يرى من صاحبه ما يشاء.
2. (أَوْ آبَائِهِنَّ) ويدخل فيهم الأجداد من الأب والأُم.
3. (أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ)ويدخل في آباء الأزواج الأجداد من الأب والأُم.
4. (أَوْ أَبْنَائِهِنَّ)وولد الولد، ذكراً كان أو أُنثى.
5. (أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ)وإنْ نزلوا.
6. (أَوْ إِخْوَانِهِنَّ)من الأُمّ والأب أو من أحدهما.
7. (أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ)وإن نزلوا.
8 . (أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ)كذلك.

صفحه 262
9. (أَوْ نِسَائِهِنَّ)، إضافة النساء إلى ضمير المؤمنات تدلّ على نساء خاصّة، لهنّ صلة بالمرأة، فأقرب المعاني هو النساء المؤمنات لا الكافرات، نظير قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)1: أي من رجال دينكم.
روى الصدوق عن حفص بن البختري عن أبي عبدالله]الصادق[ (عليه السلام)قال: «لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية فإنهنّ يصفن ذلك لأزواجهن»2.
10. (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)من الإماء والجواري. أمّا العبد فلا يجوز أن ينظر إلى سيّدته إلاّ الوجه والكفّين .
روى عبدالله بن جعفر الحِمْيري في «قرب الإسناد» بسنده عن علي (عليه السلام)أنّه كان يقول: «لا ينظر العبد إلى شعر سيّدته» 3.
وقال الشيخ الطوسي: روى أصحابنا في قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ): أنّ المراد به الإماء دون العبيد الذُّكران 4. وفي مقابل هذا توجد روايات ترخّص، والتصديق الفقهي يتوقّف على دراسة الروايات سنداً ومتناً.
11. (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ)أُريد بهم أُولئك الذين يخالطون الأُسرة ويتبعونها في أكثر الأحيان، ولا شهوة لهم في النساء،

1 . البقرة: 282.
2 . من لا يحضره الفقيه: 3/561، برقم 4928; تفسير نور الثقلين: 3 / 593.
3 . الوسائل: 14، الباب 124 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه،الحديث 8 .
4 . الخلاف: 2 / 204، المسألة 5 .

صفحه 263
بسبب بدني كالهرم والعَنَن، أو عقلي كالعَتَه.قال ابن عباس: التابع، هو الذي يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له في النساء.1 وقال علي بن إبراهيم القمّي: هو الشيخ الكبير الفاني الذي لا حاجة له في النساء.2
12. (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ): أي الذين لا يفرّقون بين العورة وغيرها من أعضاء البدن، والمراد بالطفل هو الجنس، ولذلك صارت النسبة إليه بالجمع وقال (الَّذِينَ).
ولعلّ المراد أوسع من ذلك، فربّما يراد به الطفل الذي لم يبلغ الحلم وليس له شهوة.

علّة عدم ذكر العمّ والخال

اتّفق الفقهاء على أن العمَّ والخال من المحارم لكن الآية ساكتة عنهما، مع أنّهما وردا في عداد من يجوز الأكل من بيوتهم، حيث قال: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ)3.
والجواب بوجهين:
أوّلاً: أنّ الآية بصدد بيان من يكثر تردّده إلى البيت ويدخل على

1 . التبيان في تفسير القرآن:7/430.
2 . تفسير القمي:2/77.
3 . النور: 61 .

صفحه 264
النساء كثيراً، والعمّ والخال في درجة ثانية بالنسبة إلى هؤلاء المذكورين.
ثانياً: أنّه سبحانه استثنى ابن الأخ وابن الأُخت في قوله: (أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ)وهذا يدلّ على أنّ الانتساب إلى المرء من جانب واحد كاف في المحرّمية، فيدخل فيه العمّ والخال، لأنّهما ينتسبان إلى المرأة من جانب واحد. أمّا العمّ فمن جانب الأب، وأمّا الخال فمن جانب الأُمّ، فاكتفى بذكرهما عنهما اختصاراً في البيان .
وبعد أن تمّ ما استثناه الله سبحانه من حرمة إبداء الزينة، عاد البيان القرآني إلى ذكر حكم خامس على النساء وهو قوله تعالى: (وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)ويظهر من الآية أنّ النساء كنّ يلبسن الخلاخيل في عصر النزول، وكان بعضهنّ يضربن الأرض بأرجلهن لتهييج الرجال، فنهاهنّ الله عن ذلك. ولعلّ في هذه الفقرة إشارة إلى النهي عن كلّ حركة تثير الشهوة وتوقظ مشاعر الرجال .
وفي ختام الآية يأمر سبحانه المجتمع الإسلامي بالإنابة إلى الله ويقول: (وَتُوبُوا إِلَى اللّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): أي تفوزون. ولعلّ المراد هو الإنابة عمّا سبق من المعاصي، أو المراد الانقطاع إلى الله، ففي الحديث أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يا أيّها الناس توبوا إلى بارئكم فإنّي أتوب إلى الله في كلّ يوم مئة مرّة»1.
سورة النور: الآيات 32 ـ 34    
ومن لطائف هذه الآية أنّها اشتملت على خمسة وعشرين ضميراً ترجع إلى المؤمنات، كما أنّ سورة الشمس تشتمل على ضمائر كثيرة تعود إلى مراجع مختلفة.

1 . مجمع البيان: 7 / 250 .

صفحه 265

الآيات: الثانية والثلاثون إلى الرابعة والثلاثين

(وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللّهِ الذِي آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَات مُبَيِّنَات وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).

المفردات

أنكحوا: زوّجوا.
الأيامى: جمع أيِّم، وهي المرأة الّتي لا زوج لها سواء أكانت بكراً أم ثيّباً، وربّما يطلق على الزوج الّذي لا زوجة له، ولكنّ المراد هنا أعمّ من الذكر والأنثى في مقابل الصالحين الشامل للعبيد والإماء.
واسع: أُريد هنا الواسع إحسانه وفضله.
ليستعفف: أي يطلب العفّة، وأُريد هنا أن يجتهد في العفّة وصون

صفحه 266
النفس ويصبر حتى يغنيه الله من فضله.
الكتاب: يراد به شرعاً إعتاق المملوك بعد أدائه شيئاً من المال منجّماً في مواعيد، فإذا أدّاه عُتق.
فتياتكم: جمع فتاة، وأُريد هنا الإماء.
البغاء: الزّنا مع الأُجرة.
تحصّناً: التحصّن: العفّة.
لتبتغوا: لتكتسبوا.
مبيِّنات: مفسّرات ما يجب من الأحكام.

التفسير

لما نهى سبحانه الرجال والنساء عن الزِّنا والفحشاء ومن المعلوم أنّ النهي لا يكفي في تطهير المجتمع من الفساد، بل يجب وراء ذلك فتح باب آخر حتّى يصون به عفّته وكرامته وليس هو إلاّ الزواج، فلذلك أمر بتزويج من لا زوج له من الأحرار والحرائر، وكذلك العبيد والجواري حتّى يصونوا به نفوسهم ويتقوّوا به على غضّ الأبصار عمّا حرّم الله عليهم، فقال:
32. (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ):
قوله: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ): أي زوّجوا غير المتزوّجين من أحرار رجالكم ونسائكم (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ): أي «و» زوّجوا ما

صفحه 267
تملكون من العبيد والإماء، وقيّد الفقرة الثانية بالصالحين، فما هو المراد بهم؟ قال السيد الطباطبائي: المراد الصالحون للتزويج لا الصالحون في الأعمال .1
إذ لو كان المراد بهم الصالحون بالأعمال يكون القيد غير لازم ; إذ يجب إنكاح هذه الطائفة (الصالحين للتزويج) بطريق أولى، فإنّ الصالح ربّما يصون نفسه عن الحرام دون غيره.
ويحتمل أن يراد مَن يتقبّل المسؤولية في أمر الزواج .
ثم إنّه ربّما يكون فقر الزوج مانعاً عن تزويجه، فإنّ ولي الزوجة قد يطلب أن يكون الزوج ذا ثروة ونعمة، فالله سبحانه يَعدُ هؤلاء الذين يرغبون عن نكاحه لأجل فقره، بقوله: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ)ثم يعلِّله بقوله: (وَاللّهُ وَاسِعٌ): أي واسع النعمة (عَلِيمٌ)بحال عباده.
مضافاً ـ إلى أنّه سبحانه يعد وعداً قطعياً بإغنائه ـ فإنّ الزواج يبعث الزوج على العمل والكدح، بخلاف ما لو بقي مجرّداً فلا يفكر إلاّ في حياته خاصّة، فوعده سبحانه يتحقّق عن ذلك الطريق، فإغناء الله إياهم بالتوفيق في ما يتعاطونه من أسباب الرزق الّتي اعتادوها ممّا يرتبط به سعيهم الخاص من مقارنة الأسباب العامّة أو الخاصّة.
وعلى كلّ تقدير، فالآية حجّة على الأولياء بأنّه يجب عليهم أو يستحبّ مؤكّداً تزويج الحرائر وغيرهم.
روى سماعة بن مهران عن أبي عبدالله] الصادق[ (عليه السلام)قال: «مَن زوّج

1 . الميزان في تفسير القرآن : 15 / 122 .

صفحه 268
أعزباً كان ممّن ينظر الله عزّ وجلّ إليه يوم القيامة».1
وروى السّكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتّى يجمع الله بينهما».2
وربّما يوجد من الأحرار والعبيد مَن لا يملك المهر والنفقة، والأسباب العادية لا تساعدهم على تأسيس البيت، وهؤلاء هم الّذين أمرهم سبحانه بالتعفّف والمصابرة حتّى يوسّع الله تعالى عليهم في الرزق ويتزوّجون، كما في قوله تعالى:
33. (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللّهِ الذِي آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
قوله: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا): أي ليطلب العفّة هؤلاء الذين لا يقدرون على المهر والنفقة ويتحرّزوا عن الوقوع في الزّنا (حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ)الواسع.

1 . الكافي:5/331، باب مَن سعى في التزويج، برقم2.
2 . الكافي: 5/331، باب مَن سعى في التزويج، برقم1.

صفحه 269

توهّم المنافاة بين الفقرتين ورفعه

وربّما يتصوَّر وجود المنافاة بين هذه الفقرة في تلك الآية وما تقدّم في الآية السابقة، حيث إنّها أمرت بالزواج مع الفقر إيماناً بوعد الله سبحانه بأنّه سيخلّصهم من الفقر، مع أنّه في هذه الآية يأمر الفقير بالصبر حتّى يغنيه الله من فضله، ولكن التوهّم باطل فإنّ الآية الأُولى ناظرة إلى الفقير الذي يقدر على النفقة والمهر ولكن ضيق الرزق صار سبباً لوليّ البنت أن لا ينكحه، فهذا هو الّذي أمر الله بتزويجه وأنّه تعالى سيغنيه من فضله.
وأمّا الأمر بالصبر فموجه إلى الّذي لا يملك شيئاً حتّى المهر ولا يتمكّن من الإنفاق فهو مأمور بالصبر حتّى يشمله سبحانه بفضله.

مكاتبة العبيد

حثّ الإسلام على تحرير العبيد والإماء بطرق مختلفة حتّى خصّص قسماً من أموال الزكاة لتحريرهم وقال: (وَفِي الرِّقَابِ)1 ومن طُرق إعتاقهم أنّ العبيد ربّما يسألون مواليهم أن يكاتبوهم على مبلغ من المال يُدفع نجوماً(في أوقات معيّنة) مقابل حرّيتهم، فإذا دفعوا إليهم هذا المبلغ عن طريق الاكتساب بالعمل كان على الموالي أن يجيبوهم، فإنّ هذه الكتابة تعدّ خطوة على طريق نشر الحرية وإلغاء نظام الرّقّ الذي كان يسود العالم آنذاك، كما أنّها تمهّد السبيل لغنى العبد إن كان من ذوي الأزواج حيث إنّه بعد التحرير يكون متجره ومكسبه لنفسه لا للمولى، ولذلك ذكر هذا الموضوع في أثناء الأمر بالنكاح وقال: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ): أي

1 . البقرة: 177 .

صفحه 270
المكاتبة (مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) بيان للضمير المرفوع في (يَبْتَغُونَ): أي الأرقّاء من العبيد والإماء الذين يقترحون على مواليهم المكاتبة على النحو المذكور فيجب على الموالي أو يستحبّ أن يلبّوا رغبتهم كما يقول: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا): أي كونهم قادرين على أداء حقّ المكاتبة. ويمكن أن يقال: إنّ المراد من العلم بالخير فيهم أنّهم بذلك العقد يريدون تحرير أنفسهم دون أن يتّخذوا ذلك وسيلة للإباق.
ثم إنّه سبحانه يأمر الموالي بشيء آخر ويقول: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللّهِ الذِي آتَاكُمْ): أي يأمرهم بالإعانة، ويحتمل وجهين:
1. أي حطّوا عنهم من نجوم الكتابة شيئاً.
2. ردّوا عليهم يا معشر السادة شيئاً من المال الّذي أخذتم منهم.
وهناك احتمال ثالث، وهو أنّه خطاب للمؤمنين الميسورين عامّة، بمعونة المكاتبين على تخليص أنفسهم من أسْر الرِّقّ، كلّ ذلك قابل لأن يراد من الفقرة مفرداً أو جمعاً.

حرمة إكراه الفتيات على البغاء

ثم إنّه سبحانه يعود إلى وسائل تطهير المجتمع من العار الّذي كان لاصقاً بذيله في عصر الرسالة، وهو أنّ الموالي الذين كانوا يملكون الإماء ربّما يتاجرون بهن ويأمرونهنّ بالبغاء لكسب المال، مع أنّ الإماء كنّ مُكْرهات على ذلك غير راضيات به، ولكن تحت سياط السادة وضغطهم يستجبن لذلك، والله سبحانه ينهى عن ذلك العمل الشنيع ويقول: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ)الّذي يجرّ المال للموالي (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)

صفحه 271
وتعفّفاً. ومن المعلوم أنّ أمرهنّ بالبغاء حرام مطلقاً سواء أردن التحصّن أم لا، وإنّما ورد القيد هنا لبيان الواقع، أعني: جريمة الإكراه على ممارسة الفاحشة، فليس هو بشرط حقيقةً وإن كان في صورة الشرط، فإنّه لا يُتصوّر الإكراه على تقدير عدم إرادة التحصّن.
ثمّ كشف سبحانه عن الغاية من الإقدام على هذا الأمر الشنيع، وهي التجارة والاكتساب كما يقول: (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي لا تكرهوهنّ لهذه العلّة.
ثم إنّه سبحانه يعذر هؤلاء الإماء المُكرَهات ويقول: (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ): أي ومَن يجبرهنّ على البغاء من سادتهنّ (فَإِنَّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ)للمكرَهات (رَحِيمٌ)بهنّ.
وقد اعترض عبد الكريم الخطيب على هذا التفسير للفقرة الأخيرة بحجّة أنّ المغفرة والرحمة إنّما تُطلب لمن كان منه ذنب، والأَمة في تلك الحال مكرهة، ولا ذنب عليها.1
وهذا الاعتراض مردود بقوله تعالى:(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلاَ عاد فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(2)
34. (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَات مُبَيِّنَات وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ):
في هذه الآية يتمّ ما بدأه سبحانه من تشريعات ترجع إلى أحكام

1 . التفسير القرآني للقرآن: 9/1276.   2 . البقرة: 173.

صفحه 272
العِشرة، فقد بدأ ببيانها بقوله: (وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَات بَيِّنَات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )1، وختمها هنا بنفس هذا اللفظ فقال: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَات مُبَيِّنَات): أي أحكاماً واضحات. ولم يقتصر على ذلك بل أضاف إليه قوله: (وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)معناه أنزل إليكم مثلاً (أي شيئاً مشابهاً) كائناً من أمثال الذين مضوا من قبلكم، من أُمم الرسل، وجعل ذلك عظة وذكرى للمتقين الذين يجتنبون ما يُسخط الله تعالى.
سورة النور: الآية 35    

الآية: الخامسة والثلاثون

(اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُريٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لاَ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).

المفردات

مشكاة: كُوّة في الحائط غير نافذة، يوضع فيها المصباح ونحوه.
الزجاجة: هي ما يوضع فوق المصباح لتحفظ شعلته، وتزيد نور الشعلة.
دُرّيّ: مضيء متلألئ، يشبه الدرّ في صفائه.

1 . النور: 1 .

صفحه 273
لا شرقية ولا غربية: أي لم تزرع في جانب الشرق أو في جانب الغرب حتّى يمنع وصول أشعة الشمس إليها، بل في وسط البستان.
الأمثال: الأشباه والنظائر.

التفسير

سميّت هذه السورة بسورة النور لأجل هذه الآية الّتي ورد فيها لفظ (نُورُ)ووصفه سبحانه بكونه نور السماوات والأرض. والآية من الآيات المشكلة في القرآن الكريم ولذلك فسّرت بوجوه مختلفة ربّما تناهز العشرة. وبما أنّ الآية جاءت مثلاً، فلا مانع من أن تنطبق على أكثر من معنى. وفي ذيل الآية جاء قوله تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ): أي يضربها للتفكير والتدبّر. والتفكر أدّى بالعلماء إلى أن يذهبوا إلى آراء مختلفة، وقد خاض في تفسير الآية من لم يكن مفسّراً كالشيخ الرئيس والغزالي. وعلى كلّ تقدير فتوضيح الآية رهن أُمور نذكرها قبل التفسير.
1. الآية من أمثال القرآن وهو التمثيل الخامس والثلاثون إذا حسبناها من الفاتحة إلى سورة النور، والمراد من المثل هنا هو الوصف والتعريف لا المثل الاصطلاحي الّذي يردُ في واقعة لمناسبة اقتضت وروده فيها ثم يتداوله الناس في غير واحدة من الوقائع التي تشابهها دون أدنى تغيير لما فيه من وجازة ودقّة في التصوير.
والدليل على أنّ المثل في هذه الآية وأمثالها هو بمعنى الوصف والتصريف لا بالمعنى المصطلح وهو أنّه سبحانه يحكي عن المشركين

صفحه 274
قولهم: (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا)1، ثم يردّ عليهم بقوله: (اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ )2: أي انظر كيف وصفوك .
فأمثال القرآن كلّها مجاز أو استعارة لا صلة لها بالمثل المصطلح .
2. الآية تشتمل على مقاطع ستة:
أ. تصف الله سبحانه بقوله: (اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
ب. تشتمل على مشبّه وهو قوله: (مَثَلُ نُورِهِ).
ج. تشتمل على مشبّه به وهو قوله: (كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُريٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لاَ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور).
د. يقول سبحانه: (يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)وهذا لا صلة له بالمشبّه به.
هـ . يذكر سبحانه أنّ هذه الآية مثل للناس، يقول: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ).
وفي ختام الآية يصف الله سبحانه نفسه بقوله: (وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).
3. لمّا كان المصباح في ذلك اليوم هو أفضل وسيلة لنشر الضوء وإنارة الغرف وساحات البيوت، فقد شبّه سبحانه نوره بنور المصباح، ولذا يجب علينا تبيين ماهيّة المشبّه به، أعني: المصباح في عصر النبوّة، فنقول.

1 . الفرقان: 8 .
2 . الفرقان: 9 .

صفحه 275
المشكاة: الكُوّة في جدار البيت. وسيتّضح وجه جعل المصباح في الكوّة، فانتظر .
المصباح: السراج وهو آلة تتألّف من أُمور أربعة:
أ. وعاء للزيت.
ب. فتيل يشتعل بالزيت .
ج. زجاجة منصوبة عليه.
د. آلة التحكّم بالفتيل.
قوله: (كَوْكَبٌ دُرّيٌّ)يصف الزجاجة كأنّها كوكب مضيء من دراري النجوم وعظامها كالزُّهرة والمشتري.
ثم إنّه سبحانه يصف الزيت الّذي يوقد به المصباح بقوله: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لاَ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة)وما هذا إلاّ لأنّ أفخر أنواع الزيوت هو المستخرَج من شجرة الزيتون المغروسة في مكان تشرق عليه الشمس من كلّ الجوانب حيث يكون زيتها في غاية الصفاء وسريع الاشتعال، بخلاف المغروسة في جانب الشرق أو جانب الغرب فإنّها لا تتعرّض للشمس إلاّ في أوقات معيّنة، وهذا هو المراد من قوله تعالى: (زَيْتُونَة لاَ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة)، يقول العلاّمة الطباطبائي: والمراد بكون الشجرة لا شرقية ولا غربية أنّها ليست نابتة في الجانب الغربي، ولا في الجانب الشرقي حتى تقع الشمس عليها في أحد طرفي النهار، ويغطّيها الظلّ في الطرف الآخر، فلا تنضج ثمرتها جيداً، فلا يصفو الدهن المأخوذ منها، فلا تجود الإضاءة.1

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 15 / 124 .

صفحه 276
قوله سبحانه: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ): أي هو لصفائه وبريقه ولمعانه كأنّه يضيء بنفسه دون أن تمسّه نار، لأنّ الزيت الخالص الصافي إذا رُئيَ من بُعد، يُرى كأنّ له شعاعاً.
قوله: (نُورٌ عَلَى نُور): أي نور متضاعف لا متعدّد، وجه ذلك: أنّ المصباح لو كان في وسط الغرفة انتشر ضوءه وعندئذ لا يكون المصباح متلألئاً، ولأجل كون المصباح وضّاءً متلألئاً يجعل في كوّة محصورة حتى يكون شعاعه منحصراً فيها غير منتشر فيكون أشدّ إضاءة، ثم إذا وُضعت على المصباح زجاجة صافية تضاعف نوره ثانياً.
وكذا كلّما كان زيته نقيّاً صافياً كان أشدّ إسراجاً.
فبما أنّ الغاية وصف السراج بالتلألؤ والتشعشع، أُخذ فيه أُمور ثلاثة: كون المصباح في كوّة، وجعل الزجاجة على المصباح، ثم كون الزيت صافياً.
ثم إنّه سبحانه جعل المشبّه به ذلك المصباح، فلماذا لم يشبَّه بالشمس، فإنّها أشد تلألؤاً واشتعالاً وإنارة؟
والجواب: أنّه سبحانه يريد أن يشبِّه نور الهداية في وسط الظلمة، وهذا لا يمكن تشبيهه بالشمس إذ ليست هي نوراً بين الظلمة أو ضوءاً في وسطها، بل الذي يصلح لذلك أن يشبّه بالمصباح في وسط الظلام.
إلى هنا تمّ ما نحتاج إليه من المقدّمات لتفسير الآية، فلنرجع إلى التفسير.
قوله سبحانه: (اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)فقد عرّف الله سبحانه

صفحه 277
نفسه بأنّه نور هذين الموجودين، ومن المسلّم أنّ المراد غير النور الحسّي، فالله سبحانه أجلّ من أن يكون موجوداً مادّياً كالنور الموجود، والشاهد على ذلك أنّه استُعمل لفظ النور في موارد غير النور الحسّي، نظير:
أ. الإيمان، كما في قوله تعالى: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا).1
ب. القرآن، كما في قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا).(2)
ج. العلم، كما في قوله (عليه السلام): «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء».2
إلى غير ذلك من الموارد التي استعمل فيها لفظ النور في غير النور الحسّي .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان ما هو المقصود من كونه سبحانه: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)فهنا احتمالان أو قولان:
الأوّل: أن حقيقة النور عبارة عن كونه ظاهراً بنفسه مُظهراً لغيره، فلو أُطلق النور على الله سبحانه فهو الظاهر بنفسه أي القائم بذاته المُظهر لغيره، أي مُظهر السماوات والأرض من ظلمة العدم إلى نور الوجود، فيكون معنى الفقرة: الله سبحانه منوّر السماوات والأرض بمعنى خالقها ومخرجها من العدم إلى الوجود، وهذا هو الظاهر من السيد الطباطبائي، وقد اعتمد على هذه الخاصّيّة (الظاهر بنفسه المظهر لغيره) من خواصّ النور، قال:

1 . الأنعام: 122.   2 . النساء: 174 .
2 . بحار الأنوار: 1 / 225.

صفحه 278
فهو سبحانه نور يُظهر به السماوات والأرض، وعلى هذا فيحمل قوله سبحانه: (اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)على منوّرهما.1
وهذا الوجه وإن كان صحيحاً في حدّ نفسه لكنّه لا يناسب سياق الآية، حيث إنّ سياقها ناظر إلى الهداية لا الخلق والإيجاد، وهذا هو الذي نذكره في الاحتمال التالي.
الثاني: أنّ للنور خاصيّة أُخرى وراء كونه ظاهراً بنفسه مُظهراً لغيره، وهي كونه هادياً ومميّزاً للمقصود عن غيره، وهذه الخصوصية من لوازم كونه مظهراً لغيره، فعلى هذا فالظاهر أن يقال: الله سبحانه نور السماوات والأرض إمّا لكونه هادياً لأهل السماوات والأرض، أو كونه هادياً للعالم كلّه علوياً كان أو سفلياً. وسيوافيك أنّ الهداية لا تختصّ بذوي العقول بل العالم بأجمعه حيٌّ ويهتدي بالهداية التكوينية حتى ينتهي إلى ما خلق له.
والذي يؤيد ذلك ـ أنّ الغرض من كونه سبحانه نوراً كونه هادياً ـ ما يأتي في ذيل الآية من قوله تعالى: (يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)وهذا دليل على أنّ محور التشبيه هو الهداية لا الخلق والإيجاد، وأنّ الغرض من التشبيه هو الهداية الإلهية.
وأمّا على الوجه الأوّل فيلزم الاختلاف في سياق الآية فالفقرة الأُولى ـ على القول الأوّل ـ ناظرة إلى الخلق والإيجاد، وأمّا الفقرات التالية إلى آخر الآية فناظرة إلى الهداية الإلهية!! فحفظ وحدة السياق يحملنا على حمل الجميع على معنى واحد.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 15 / 122.

صفحه 279
وقد أُشير إلى الهداية الإلهية في عامّة الكون في غير واحدة من الآيات: قال سبحانه: (رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)1، فقوله: (أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ) ناظر إلى برهان النظم وقوله: (ثُمّ هَدى)ناظر إلى الهداية الإلهية التي هي أيضاً برهان خاص على إثبات الصانع، ونظير الآية قوله سبحانه: (الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى)2 فالآية الأُولى ناظرة إلى برهان النظم، والثانية ناظرة إلى برهان الهداية الإلهية السارية في العالم كلّه.
وأفضل آية تصرّح بوجود الشعور في الكون كلّه، ومن ثم وجود الهداية قوله سبحانه: (وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيًما غَفُورًا)3 ونحن نقتصر على هذه الآيات وإلاّ فالآيات الدالّة على وجود العلم والشعور في العالم كلّه ومن ثم وجود الهداية الإلهية في العلويات والسفليات أكثر من ذلك. وسيوافيك تفصيله في تفسيرنا للآية41 من هذه السورة.
إذا عرفت واقع المشبَّه والمشبّه به، يبقى الكلام في أنّ التشبيه هل هو تشبيه المفرد بالمركّب أو من قبيل تشبيه المركّب بالمركّب؟
الظاهر حسب سياق الآية أنّه من قبيل تشبيه المفرد بالمركّب، أي تشبيه الهداية الإلهية في كافّة الموجودات بـ (كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُري يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لاَ شَرْقِيَّة

1 . طه: 50 .
2 . الأعلى: 2 و 3 .
3 . الإسراء: 44.

صفحه 280
وَلاَ غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور)فقوله: (مَثَلُ نُورِهِ)مشبّه وقوله: (كَمِشْكَاة...) إلى آخر ما ذكرنا، هو المشبّه به، فالمشبّه بسيط وإن كان المشبَّه به مركباً، وله نظائر في الذكر الحكيم، نظير قوله سبحانه: (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا )1.
فالله سبحانه شبّه نور الهداية الذي أودعه في العالم كلّه أو في الإنسان بمصباح متلألئ شديد التلألؤ.. الخ.
فلو قلنا: إنّ المراد من: (مَثَلُ نُورِهِ)هو القرآن أو الأنبياء أو الإيمان، فالجميع من قبيل تشبيه المفرد بالمركّب، فهذه كلّها من مصاديق (مَثَلُ نُورِهِ)شبّهت بمشكاة فيها مصباح، ويدلّ على هذا أنّه سبحانه وصف كتابه بالنور وقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا )،(2) كما أنّه وصف نبيّه بالسراج وقال: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)2، كما أنّه وصف الإيمان بالنور وقال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ)3.
وهذه الوجوه كلّها من قبيل تشبيه المفرد بالمركّب.

نظرية الشيخ الرئيس من مفاد الآية

إنّ الشيخ الرئيس ابن سينا كان حكيماً ولم يكن مفسّراً، ولكنّه ذكر

1 . الحديد: 20 .   2 . النساء: 174 .
2 . الأحزاب: 45 ـ 46 .
3 . الزمر: 22 .

صفحه 281
تطبيقاً للمشبّه وطبّق ما جاء من المشبّه به من المفردات على ما في المشبّه، قال: ومن قواها ـ أي من قوى النفس ـ بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلاً بالفعل، فأُولاها: قوّة استعدادية لها نحو المعقولات، وقد يسمّيها قوم عقلاً هيولائياً، وهي المشكاة، وتتلوها قوّة أُخرى تحصل لها عند حصول المعقولات الأُولى فيتهيّأ بها لاكتساب الثواني، إمّا بالفكرة، وهي الشجرة الزيتونة إن كانت ضعفى، أو بالحدس، فهي زيت أيضاً، إن كانت أقوى من ذلك فتسمّى عقلاً بالملكة. وهي الزّجاجة، والشريفة البالغة منها قوة قدسية، يكاد زيتها يضيء. ثم يحصل لها بعد ذلك قوّة وكمال. أمّا الكمال: فأن يحصل لها المعقولات بالفعل مشاهدة متمثّلة في الذهن، وهو نور على نور; وأمّا القوة: فأن يكون لها أن يحصل المعقول المكتسب المفروغ منه كالمشاهد متى شاءت من غير افتقار إلى اكتساب، وهو المصباح. وهذا الكمال يُسمّى عقلاً مستفاداً، وهذه القوة تُسمّى عقلاً بالفعل، والّذي يخرج من الملكة إلى الفعل التام ومن الهيولائي أيضاً إلى الملكة فهو العقل الفعّال، وهو النّار.1
وتوضيح ما ذكره: أنّ النفس الإنسانيّة قابلة للمعارف والإدراكات المجرّدة، ثم إنّه في أوّل الأمر تكون خالية عن جميع هذه المعارف وهذه تُسمى عقلاً هيولائياً وهو المشكاة.
وفي المرتبة الثانية تحصل فيها العلوم البديهية التي يمكن التوصل بتركيباتها إلى اكتساب العلوم النظرية. ثم إن أمكنه الانتقال إن كانت ضعيفة

1 . الإشارات والتنبيهات: 2 / 353 ـ 354، نشر البلاغة، قم ـ 1375 هـ . ش .

صفحه 282
فهي الشجرة، وإن كانت أقوى من ذلك فهي الزيت، وإن كانت شديدة القوّة فهي الزجاجة التي كأنّها الكوكب الدري، وإن كانت في النهاية القصوى وهي النفس القدسية التي للأنبياء فهي التي (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ).
وفي المرتبة الثالثة يكتسب من العلوم الضرورية العلوم النظرية، إلاّ أنّها لا تكون حاضرة بالفعل، ولكنّها تكون بحيث متى شاء صاحبها استحضارها قدر عليه، وهذا يُسمّى عقلاً بالفعل وهو المصباح.
وفي المرتبة الرابعة أن تكون تلك المعارف حاصلة بالفعل، وهذا يُسمّى عقلاً مستفاداً، وهو نور على نور، لأنّ الحكمة تكون ملكة نور وحصول ما عليه الملكة نور آخر، ثم إنّ هذه العلوم التي تحصل في الأرواح البشرية، إنّما تحصل من جوهر روحاني يُسمّى بالعقل الفعّال.
إلى هنا تمّ بيان التشبيه على وجه الإفراد في المشبّه والتركيب في المشبّه به.
وعلى كلّ تقدير، فالآية قابلة لأكثر من تفسير وتطبيق بحكم أنّها مثَل ووصْف لحال الهداية الإلهية التي تجري على الأشياء عن طريق الأسباب المختلفة.
سورة النور: الآيات 36 ـ 38    
قوله تعالى: (يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)والله سبحانه يهدي بنوره سواء أُريد به القرآن أو الأنبياء أو الإيمان .
والظاهر من صاحبَي الكشّاف والميزان أنّ اللام في قوله: (لِنُورِهِ)بمعنى (إلى)، يقول الأوّل: يهدي الله لهذا النور الثاقب من يشاء من عباده،

صفحه 283
ويضيف: أي يوفِّق لإصابة الحقّ مَن نظر وتدبّر بعين عقله والإنصاف من نفسه.1
وقال الطباطبائي: إن الله إنّما هدى المتلبّسين بكمال الإيمان إلى نوره دون المتلبّسين بالكفر ـ الذين سيذكرهم بعد ـ لمجرّد مشيئته.2
وعلى هذا فالمراد من الموصول في قوله: (مَنْ يَشَاءُ) هم الذين يأتي ذكرهم في الآية التالية.
ومن المعلوم أنّ المراد من الهداية هنا ليست الهداية العامّة فإنّها لا تختصّ بطائفة دون طائفة وإنّما المراد الهداية الخاصّة التي لا ينتفع منها إلاّ مَن انتفع بالهداية الأُولى، يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)3 .
قوله تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ)معناه: يضرب الله الأمثال ـ ومنها هذا المثل ـ للّذين يتدبّرون ما فيها ويعتبرون بها (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة)4، (وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ) فيميّز الجاهل القاصر عن المقصّر، والعنود عن غيره.

الآيات: السادسة والثلاثون إلى الثامنة والثلاثين

(فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 77 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 15 / 125.
3 . محمد: 17 .
4 . الأنفال:42.

صفحه 284
بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب) .

المفردات

بيوت: جمع بيت بمعنى المنزل والمسكن ، قال ابن منظور: بيت الرجل قصره.1
وقال الراغب: أصل البيت مأوى الإنسان بالليل.2
ويؤيّد هذا المعنى أنّ كلمة بيت مشتقة من البيتوتة بمعنى الإقامة في المكان أيضاً، فلو أُطلق لفظ البيت على مسكن الرجل فبسبب أنّه يقضي ليله عادة في ذلك المكان حتّى يصبح. وعلى هذا فتفسير البيوت بالمساجد بعيد عن المعنى اللغوي. ويؤيّد ذلك أن البيت يطلق على البناء المكوّن من الجدران الأربعة مع السقف، والحال أنّه يكفي في إطلاق المسجد وجود الجدران ولا يشترط فيه السقف. وقد أوضحنا معنى ذلك في كتابنا «الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية».3
ويؤيّد ما ذكرنا من أنّ المراد بالبيوت، بيوت الأنبياء، ما رواه ابن

1 . لسان العرب: 2 / 14، مادة «بيت».
2 . المفردات للراغب: 64، مادة «بيت».
3 . انظر: ص 201 ـ 207 من الكتاب المذكور.

صفحه 285
مَرْدُويه عن أنس وبُريدة، قالا: قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الآية: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا)فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: «بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله: هذا البيت منها؟ ] مشيراً إلى [ بيت علي وفاطمة (عليهما السلام)، قال: «نعم، من أفاضلها».1
ترفع: الرفع يحتمل أن يراد به البناء بشهادة قوله سبحانه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ )2.
وعلى هذا فمعنى قوله تعالى: (أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ): أي أمر الله أن تبنى. ويحتمل أن يراد من الرفع تعظيمها والرفع من قدْرها.3
يسبّح: يقدّس.
بالغدوّ: الغدوّ: جمع غُدْوة، وهي أوّل النهار.
الآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار.
تلهيهم: تشغلهم وتصرفهم.
تجارة: التصرّف في رأس المال طلباً للربح، والفرق بينها وبين البيع أنّ التجارة عبارة عن الاشتغال المستمر بالتصرّف برأس المال، بخلاف البيع فربّما يصدق بفرد واحد وإن لم يتابع.
تتقلّب: تتغيّر وتضطرب من الهول والفزع.

1 . تفسير الدر المنثور: 6 / 203 ; روح المعاني: 18 / 174. وفي تفسير القمي:2/79: عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام): «هي بيوت الأنبياء، وبيت عليّ منها».
2 . البقرة: 127 .
3 . تفسير الكشّاف: 3 / 78 ; جامع الأحكام: 2 / 226 ; روح البيان: 6 / 159 .

صفحه 286

التفسير

36. (فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ):
قوله: (فِي بُيُوت)ظرف يحتاج إلى متعلّق، فما هو متعلّقه؟
هنا وجوه:
1. (فِي بُيُوت)من تمام التمثيل فيكون متعلّقاً بشيء ممّا قبله، فقيل: يتعلّق بقوله: (يُوقَدُ): أي يوقد المصباح في بيوت، وقيل: هو صفة لمشكاة، أي: مشكاة في بيوت.
2. أنّه متعلّق بقوله: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) .
ويردُ على الوجه الأوّل أنّ البيوت سواء أفسّرت بالمساجد أو بيوت الأنبياء والأولياء لم يكن فيها المشبّه به بعامّة خصوصياته.
ويردُ على الثاني أنّه يلزم التكرار ; لأنّ كلمة (فِيهَا)ترجع إلى البيوت، وعندئذ يكون المعنى: يسبّح له في البيوت فيها بالغدوّ والآصال.
3. أنّه استئناف لا لبيان حال المشبّه به، بل لحال مَن حصلت لهم الهداية الإلهية.
ثم إنّه سبحانه يذكر خصوصيات البيوت ومَن فيها:
أ. (أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ): أي أذن الله أن تُبنى أو تعظَّم وتكرّم بعد بنائها. وقوله: (أَذِنَ): أي أمر، والاحتمال الثاني أي تعظَّم، أفضل، لأنّ المفروض وجود البيوت، كما هو ظاهر قوله: (فِي بُيُوت)ومعه لا حاجة لبنائها. ثم إنّ

صفحه 287
تعظيم البيوت لغاية قدسيّتها لأنّه يسكن فيها من يُعدّ مناراً للهداية ومعدناً لها. وتعظيم هذه البيوت لأجل قداسة ساكنيها هو عين التوحيد، كما أنّ تعظيم المسجد لأجل عبادة الناس فيه تعظيم للتوحيد، وهكذا تعظيم الكعبة والمشاعر المقدّسة وغيرها.
وبعبارة أُخرى: إنّ البناء بما هو حجر وطين لا احترام له ولكن إذا صار مسكناً لخُزّان الهداية يحكم له بالتكريم.
ب. (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)لعلّه تعليل لوجه التعظيم، أي بما أنّ اسمه سبحانه يُذكر فيها، صار سبباً للأمر برفعها، مضافاً إلى أمر آخر وهو:
(يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ): أي يسبّح لله فيها أوّل النهار وآخره (يُسَبِّحُ)فعل، فاعله (رِجَالٌ)في الآية التالية. والتسبيح هو التنزيه والتقديس ويستعمل تارة باللام كما في المقام وأُخرى بدونها كما في قوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)1 وبما أنّه وقّت التسبيح بالغدوّ والآصال فيحتمل أن يُراد به الصلاة. ثم إنّ التسبيح فيها كما يمكن أن يكون من أوصاف البيوت فيمكن أيضاً أن يكون من أوصاف من يسكنها.
37. (رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ):
قد عرفت أنّ التسبيح في البيوت يصلح أن يكون وصفاً لها، وفي

1 . الأعلى: 1 .

صفحه 288
الوقت نفسه يمكن أن يكون وصفاً لساكنيها من الأنبياء والأولياء، الذين هم مصابيح الهدى وخُزّان أسرار الله تعالى، ولا بُعد في ذلك، حيث أطلق: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)1 وأُريد أهلها.
ج. (رِجَالٌ): أي يسبّح فيها رجال، ويقدّسون وينزِّهون.
د. (لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ): أي لا تشغلهم ولا تصرفهم أعمالهم في التجارة والبيع عن الواجبات المهمّة.
ثم إنّ التعبير بقوله: (لاَ تُلْهِيهِمْ)إشارة إلى أنّ الإسلام لا يرفض التجارة والبيع بل يرفض أن يكونا مُلهيين عن ذكر الله، وإلاّ فلو كان من يتّجر ويبيع وفي الوقت نفسه لا يغفل (عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ)في مواقيتها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) لأصحابها، لكان له مقام مرموق عند الله.
هـ . (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ): أي يخافون في الدنيا يوماً ـ وهو يوم القيامة ـ تضطرب فيه القلوب والأبصار من الهول والفزع. وكيف لا يعيشون حالة الخوف هذه، وقد وصف سبحانه أهوال يوم القيامة بقوله: (وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)2. والقلوب هنا كناية عن النفوس والأرواح.
ونحو هذه الفقرة قوله تعالى، حكاية عن الأبرار:(إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا).3

1 . يوسف: 82 .
2 . الأحزاب: 10 .
3 . الإنسان:10.

صفحه 289
وكان الإمام علي(عليه السلام) يقول عند تلاوة هذه الآية:«إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ وَتَعَالى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاَءً لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ1، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ2، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ، وَمَا بَرِحَ لِلّهِ ـ عَزَّتْ آلاَؤُهُ ـ فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ، عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ. فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَة فِي الاَْبْصَارِ وَالاَْسْمَاعِ وَالاَْفْئِدَةِ، يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اللهِ3، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ، بِمَنْزِلَةِ الاَْدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ. مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ، وَبَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ، وَمَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَشِمَالا ذَمُّوا إِلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَكَانُوا كَذلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَأَدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ.
وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لاََهْلا أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلا، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ، وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ...»إلى آخر كلامه(عليه السلام).4
38. (لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب) :
الآية تشتمل على أمرين:

1 . الوَقرة: الثِّقل في الأُذُن.
2 . العَشوة: ضعف البصر.
3 . أي بالأيّام التي كانت فيها النقمة بالعصاة.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 222.

صفحه 290
1. الظاهر أنّ اللام في قوله تعالى: (لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ)لام الغاية، أي هؤلاء يقومون بما ذكر من الأفعال والأوصاف لغاية الجزاء. ويحتمل أن تكون اللام لام العاقبة أي يترتّب على أعمالهم وأوصافهم جزاء الله، وإن لم تكن أعمالهم لتلك الغاية، نظير قوله سبحانه: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَنًا )1 .
2. (أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا): أي يجزيهم بإزاء عملهم في كلّ باب جزاء أحسن عمل في ذلك الباب، فلو كان في عملهم نقص فالله سبحانه يزكّي عملهم ويرفع نقصهم، فيعدّ عملهم غير الكامل عملاً كاملاً.
والشاهد على ذلك قوله: (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)فهو كما يشمل الزيادة الكميّة يشمل الزيادة الكيفية، أي يزيد في كيفية العمل برفع نقصه (وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب)ولازم ذلك الصفح عمّا في الحسنات من النقص، ونظير الآية قوله سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)2.
إلى هنا تمّ تفسير الآيات، ولكن ثمّة سؤال قد يخطر للبعض، وهو: كيف يمكن للتاجر أو العامل أو الفلاح حينما ينشغل فكره بعمله أن يحافظ على ذكر الله ولا يغفل عنه؟ فكيف يقول سبحانه: (رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ)؟
سورة النور: الآيتان 39 ـ 40    
يقال: إنّ مَن ذاق حلاوة العبادة وحلاوة ذكر الله تعالى، لا يخطر له هذا السؤال، فإنّ ذكره سبحانه إذا صار هو المُنى والغاية القصوى للإنسان،

1 . القصص: 8 .
2 . النحل: 97 .

صفحه 291
فإنّه في عامّة الحالات لا ينساه، فهو في ظاهره ينشغل بالتجارة والبيع، ولكنّ ذكر الله تعظيماً وتبجيلاً لا يغيب عن قلبه، كما أنّ لسانه يلهج بذكره سبحانه تحميداً وتسبيحاً وتهليلاً وتكبيراً.
وإن أردت إيضاح ذلك فلنذكر مثالاً:
نفترض أنّ إنساناً يتطلّع بحبّ شديد إلى منصب من المناصب الدنيوية وله ولع خاص للحصول عليه، ولكن طال الزمان على تحقّق تلك الأُمنيّة، فإذا جاء من يبشّره بنيله هذا المنصب فإنّه سوف يطير من الفرح والسرور، فهو وإن اشتغل في ذلك الوقت وبعده بأُموره الحياتية المعتادة، ولكنّه في نفس الوقت لا ينسى تلك اللحظات السارّة، فلا يشغله استغراقه في أعماله عن التفكير فيما ناله.
وهكذا عباد الله المخلصين، فهم في حال انشغالهم بالتجارة والبيع لا ينسون الله ويداومون على ذكره.

الآيتان: التاسعة والثلاثون والأربعون

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور).

صفحه 292

المفردات

السراب: هو الشعاع الّذي يُرى نصف النهار عند اشتداد الحرّ في البرّ يُخيّل للناظر أنّه ماء سارب .1 ويظهر السراب عندما تقوم حرارة الشمس بتسخين الأرض والهواء الذي فوقها مباشرة، وأثناء دخول شعاع الضوء ـ الوارد من السماء ـ طبقة الهواء الأكثر سخونة، تزيد سرعة الضوء، فيتغير اتّجاه الشعاع بانحنائه للأعلى قبل وصوله إلى سطح الأرض بقليل.2
قال الشاعر:
فلمّا كففنا البحر كانت عهودكم *** كلمع سراب في الفلا متألِّقِ
بقيعة: قيعة: جمع قاع، وهو الواسع من الأرض المنبسطة.
لجّيّ: لجّة البحر: تردّد أمواجه، ولجّة الليل: تردّد ظلامه.
وربما تفسّر بالعمق، يقال: (فِي بَحْر لُجِّيّ)عميق كثير الماء منسوب إلى اللُّج وهو معظم ماء البحر، ولا منافاة بين التفسيرين، لأنّ تردّد الأمواج وركوب بعضها على بعض إنّما يتحقّق في المواضع العميقة من البحر دون الضَّحْل.
يغشاه: يغطّيه.

1 . مجمع البيان: 7 / 274 .
2 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:12/215.

صفحه 293

التفسير

إنّ الله سبحانه تبارك وتعالى بعدما ذكر أنّه يجزي المؤمنين أحسن ما عملوا، أعقب ذلك بذكر أعمال الكافرين الحسنة والسيئة، حيث كانوا يترقّبون من الله أن يجزيهم بحسناتهم كعمارة المسجد الحرام وإطعام الطعام إلى غير ذلك، والله سبحانه يشبّه أعمالهم في هاتين الآيتين بما سيوافيك بيانه، ولكنّه شبّه أعمال الكافرين في سورة إبراهيم بوجه آخر وقال: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيء ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ)1 .
وفي سورة الفرقان جاء هذا التشبيه بتعبير آخر وقال: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)2.
أمّا التشبيه الثالث فسيأتي بيانه في محلّه، وإنّما نركّز هنا على هذين التمثيلين.
ففي التشبيه الأوّل يشبّه أعمالهم بالسَّراب، وفي التشبيه الثاني يشبّه أعمالهم بالظلمات، وأكثر المفسّرين يجعلون المشبَّه في كلتا الآيتين جميع أعمالهم، ولكنّ الظاهر أنّ المشبَّه في الآية الأُولى هو حسناتهم كإقراء الضيف وعمارة البيت وإطعام الفقراء وسقي الحجاج وغير ذلك.
فللأعمال هذه صور حسنة ولكن لا حقيقة لها فهي أشبه بالسَّراب، وأمّا المشبّه في الآية الثانية فهو جرائمهم وهي شبيهة بالظلمات .

1 . إبراهيم: 18 .
2 . الفرقان: 23.

صفحه 294
وعلى كلّ تقدير، فالله سبحانه لا يقيم لأعمال الكافرين حتّى حسناتهم وزناً ولا قيمة، وسيتّضح ذلك، حيث يقول:

تمثيلان لأعمال الكافرين

39. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) :
ابتدأ بالموصول وقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ)ولم يقل: أعمال الذين كفروا، لما في التعبير بالموصول من إيجاد الرغبة إلى معرفة ما سيذكر من شؤونهم، مضافاً إلى الإشعار بأنّ للكفر تأثيراً خاصّاً لما يذكر من الشؤون، فليس الموضوع هو العمل الحسن بل العمل الحسن الصادر من الكافر. ثم إنّ أعمالهم وإن كانت تتراءى في بادئ الأمر أنّها حسنة لكن
هذا الحسن (كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ)العطشان من بعيد (مَاءً)
ولكنه خيال باطل، فهو عند الوصول إلى حيث كان يُخيَّل إليه أنّه ماء، لم يجده كما يقول: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ)الضمير يرجع إلى السَّراب أو المتراءى من بعيد (شَيْئًا)فهؤلاء الذين يتعاطون أعمالاً في دنياهم ويتصوّرون أنّها حسنة، هي في الواقع كالسراب، ظاهره حسن وباطنه خلو عن الحقيقة.
ثم إنّ البيان القرآني يقول إنّ الكافر عندما يصل إليه لم يجده شيئاً (وَ) لكن (وَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ): أي وجد الله عند عمله، (فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ): أي

صفحه 295
جازاه الله في الآخرة، حيث إنّ الكافر عندما يُساق إلى موقف الحساب لم يجد شيئاً ممّا خُيِّل إليه أنّه عمل مبرور، ولكن يجد الله محاسباً له على عمله، موفّياً حسابه، (وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ). سئل الإمام علي(عليه السلام): كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم؟ فقَالَ(عليه السلام): «كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ».1
إلى هنا تمّ تفسير التشبيه الأوّل. بقي الكلام في تشبيه آخر وهو ما نذكره تالياً:
40. (أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور):
قد تقدّم منّا أنّ الأوفق بسياق هذه الآية أنّها بصدد تمثيل أعمال الكافرين السيّئة بظلمات فوقها ظلمات وفوقها أيضاً ظلمات، فهؤلاء كلّما أوغلوا في الكفر اعتقاداً والمعاصي عملاً كلّما غرقوا في الضلالة والظلام وانقطعوا عن النور أكثر، فمثلهم كمثل من يتيه في بحر عميق تتلاطم أمواجه فلا يرى ساحله، يعلوها سحاب مدلهمّ يحجب أنوار النجوم، وهكذا تحيط به الظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض حتّى أنّه لا يكاد يرى يده التي هي أقرب الأشياء إليه، كما يقول: (أَوْ كَظُلُمَات)ولم تستعمل الظلمة في القرآن الكريم إلاّ بصيغة الجمع، وهي نتيجة عوامل متعدّدة.
1. (فِي بَحْر لُجِّيّ): أي عميق تتردّد أمواجه.

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 300.

صفحه 296
2. (يَغْشَاهُ مَوْجٌ): أي يغطّيه موج، والبحر إذا كان عميقاً يكون موجه عظيماً كالجبال.
3. (مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ)يركب كلٌّ فوق الآخر.
4. (مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ)كثيف.
فتصير نتيجة ذلك (كَظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض)على نحو لا يوجد هناك بصيص من النور حتى أنّ ذلك الإنسان الذي تكتنفه هذه الظلمات (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)ذكر اليد لأنّها أقرب الأشياء إلى الإنسان .
وهنا بيان آخر وهو أنّ الآية تشير إلى ظلمات ثلاث:
1. ظلمة البحر.
2. ظلمة الأمواج المتلاطمة الراكبة بعضها فوق بعض.
3. ظلمة السحاب الأسود.
فتراكم هذه الظلمات يحجب كلّ نور من الوصول، هذا حال المشبَّه به، وأمّا المشبّه أي أعمال الكافر فهي في ظلمات ثلاث:
1. ظلمة الاعتقاد .
2. ظلمة القول.
3. ظلمة العمل.
سورة النور: الآيات 41 ـ 46    
ويمكن أن يقال: ظلمة القلب، وظلمة البصر، وظلمة السمع .
وهناك احتمال ثالث: ظلمة الجهل، وظلمة الجهل بالجهل، وظلمة تصوّر الجهل علماً.1

1 . تفسير الرازي: 24 / 8 ـ 9 .

صفحه 297
فصدق قوله سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور)، لأنّه سبحانه هو مصدر نور الهداية الذي يُشرق في القلب، ومَن حرم نفسه منه بتمرّده وعصيانه، تخبّط في ظلمات الجهل و الضلال.

الآيات: الحادية والأربعون إلى السادسة والأربعين

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّات كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ* وَللّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ * وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَع يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَات مُبَيِّنَات وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).

صفحه 298

المفردات

يسبّح: التسبيح: التقديس والتنزيه لله تعالى عن كلّ عيب ونقص.
صافّات: في المراد به قولان:
1. باسطات أجنحتها في الهواء، وصفُّهنّ أجنحتهنّ حين الطيران.
2. المصطفّات، من غير فرق بين الصفيف والدفيف.
فعلى الأوّل يختص بقسم واحد كالعقاب والشاهين، وعلى الثاني يعم حتّى الحمام والعصفور وغير ذلك .
ويظهر من الراغب أنّه اختار الوجه الثاني حيث قال: (وَالطَّيْرُ صَافَّات)وقال:(فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ)1، أي مصطفَّة .2
يزجي: يسوق برفق وسهولة، يقال: أزجى الإبل إزجاءً .
يؤلّف: أي يجمع بين أجزائه وقِطَعه.
رُكاماً: مجتمعاً يركب بعضه بعضاً.
الوَدْق: المطر الّذي يخرج من خلال السحاب.
البَرَد: شيء ينزل من السحاب يشبه الحصى، ويسمّى حَبّ الغمام، وحبّ المزن، قيل: وإنّما سمّي برداً لأنّه يبرّد وجه الأرض. وفي الحقيقة هو عبارة عن القطع الثلجية الصغيرة.
سنا: السَّنا(مقصوراً): الضوء، وهو (بالمدّ) الرفعة.

1 . الحج: 36 .
2 . مفردات الراغب: 282، مادة «صف».

صفحه 299
يقلّب: يتصرّف في الليل والنهار، بالطول والقصر.
الأبصار: أُريد هنا البصائر، أي العقلاء.

التفسير

كان الكلام في الآيات السابقة في ضلال الكافرين وحرمانهم من هداية الله، وختم الكلام بقوله: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور)، وهنا عاد البيان القرآني إلى الإشارة إلى بعض الحقائق التوحيدية.

سريان التسبيح إلى عامّة الموجودات

إن هدايته سبحانه التكوينية، بل التشريعية، شملت عامّة الكون، ولكن الكافر حُرم من تلك الهداية، أو حرم نفسه من الاستضاءة بها، ولذلك عاد يشير إلى سريان الشعور في الكون ومن ثمّ سريان التسبيح والتحميد والدعاء والسجود فيه أيضاً، وكأنّه توبيخ للكافر بأنّه انحطّ حتّى عن مشابهة الجمادات وغير ذلك.
وما ذكره سبحانه في هذه الآيات يُعدُّ من الحقائق العلمية الّتي كشف عنها الذكر الحكيم دون أن تتوصّل إليها يد العلم والبحث. نعم يُذكر أنّه يوجد بين العرفاء من يسمع تسبيح الموجودات لأجل بلوغه درجة من الكمال انفتحت معها أسماعه لسماع هذه الأصوات وإن كنّا غير سامعين لها، فتسبيح الكون بأجمعه يتردّد في الجوّ والهواء، وثمّة أُناس قادرون على سماعه ولكنّ أكثر الناس محرومة منه.
ومثال ذلك: أنّ الأمواج الأثيرية التي تبثّها الفضائيات، كلّها موجودة

صفحه 300
حولنا في الجوّ بَيدَ أنّنا لا نسمعها إلاّ بجهاز خاص، فكأنّه يرفع المانع من سماعها، وهكذا تسبيح الكون جماداً ونباتاً وحيواناً وإنساناً أمر محقّق موجود لكن نحن لا نفقهه، لفقدان الحسّ الذي به يسمع الأنبياء والأولياء، يقول سبحانه:
41. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّات كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ):
الظاهر أنّ الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه سبحانه أراه تسبيح مَن في السماوات والأرض، كما أرى الناس تسبيح الحصاة في كفّه(صلى الله عليه وآله وسلم). وعلى هذا فالرؤية بمعناها اللغوي. ولو قلنا بأنّ الخطاب عام فيلزم أن تفسّر الرؤية بالعلم. ومن الواضح أنّه لا يحصل هذا العلم بالعين المجرّدة بل يحصل بالتعقّل والتدبّر. وعلى كلّ تقدير، فالآية تذكر أُموراً أربعة:
1. تسبيح من في السماوات والأرض لله سبحانه، كما يقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)وأُريد بالموصول الملائكة، والجنّ والناس، المؤمنون منهم دون الكافرين، لما سيوافيك من أنّ هذا التسبيح عن وعي وشعور، والمفروض أنّهم لا يسبّحون بهذا النحو، بل يسبّحون تكويناً.
2. تسبيح الطير، كما يقول: (وَالطَّيْرُ صَافَّات): أي والطير المصطفّة، وهي معطوفة على (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ). وخصّ الطير بالذكر من بين المخلوقات للمقابلة بين مخلوقات الأرض والسماء، بذكر مخلوقات في

صفحه 301
الجوّ بين السماء والأرض، ولذلك وصفها بـ (صَافَّات): أي تطير في الجوّ منتظمة في صفوف بإلهام منه سبحانه. وهذه الفقرة أخبرت عن تسبيح هؤلاء، وأمّا الفقرة التالية فتخبر وراء التسبيح عن صلاة الكلّ، ويقول: (كُلٌّ)من هؤلاء (قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ)، فالآية تحدّثت عن أمرين:
التسبيح والصلاة.
نعم تحدّثت الآيات الأُخرى عن التحميد أيضاً، يقول سبحانه: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)1. ويظهر من آيات أُخرى أمر رابع لما عليه الكون، يقول سبحانه: (وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ )2 .
وعلى هذا فنتيجة الآيات هي تسبيح ما في الكون وتحميده وصلاته وسجوده، فعلينا أن نشرح كلاًّ من هذه المفاهيم حتّى يتميّز كلّ عن الآخر.
أمّا التسبيح فهو عبارة عن تنزيهه سبحانه عن كلّ نقص، فمرجع التسبيح عبارة عن تنزيهه عمّا نسمّيه الصفات السلبية في مقابل الصفات الثبوتية.
وإن شئت قلت: صفات الجلال في مقابل الجمال، فالكون بعامّة أجزائه حسب درجة وجوده ينزّه الله سبحانه عن النقص والعيب والجهل والحاجة.
والّذي نلفت نظر القارئ إليه هو أنّ ظاهر الآيات أنّ هذا التسبيح عن

1 . الإسراء: 44.
2 . النحل: 49.

صفحه 302
وعي وشعور، بشهادة قوله: (وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)وبذلك يظهر عدم صحّة تفسير تسبيحهم بأنّ النظام السائد على الكون حاك عن تجرّد الخالق عن النقص والعيب، إذ أنّ التسبيح بهذا المعنى وإن كان صحيحاً ولكنّه خلاف ظاهر الآيات، إذ لو كان المراد هذا النوع من التسبيح فالعقلاء كلّهم والموحّدون بأجمعهم يفقهون هذا التسبيح، ولذا يجب حمل التسبيح على معنى قائم بكلّ جزء من الكون على نحو لا نفقهه.
وأمّا التحميد: فقد أُشير إليه في سورة الإسراء كما مرّ، وأُريد به وصفه سبحانه بكلّ كمال وجمال وهو بمنزلة الصفات الثبوتية، فكل جزء في الكون كما يقدّسه وينزّهه، يَحمَده ويصفه بكلّ كمال يناسب مقامه كالعلم والقدرة.
وأمّا الصلاة: فالظاهر أنّه يراد بها الدعاء لا الصلاة بالمعنى المصطلح، وأمّا حقيقة دعائهم فهي خفيّة علينا.
كما أنّ الأمر الرابع، أعني: سجودهم عن وعي وشعور، خفيّ علينا أيضاً، وإلاّ فالسجود التكويني بمعنى خضوعهم لأمر الخلقة فهو شيء ظاهر لنا، وليس ببعيد أن يلهمهم الله سبحانه الدعاء كما يلهمهم كيفية سجودهم .
ثم ختم الآية بقوله: (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) : أي عليم بتسبيح ما في الكون ودعائهم وإن كان غير الله لا يعلم ذلك .
42. (وَللّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ):
هذه الآية تشتمل على فقرتين:

صفحه 303
الأُولى: قوله: (وَللّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
الثانية: (وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ).
الظاهر أنّ الفقرة الأُولى تعليل لما مرّ في الآية السابقة من تسبيح الموجودات وتحميدها ودعائها وسجودها، فبما أنّ الكون ملك لله وحده، فله أن يتصرّف فيه بما شاء وأن يعطي لكلّ شيء ما يليق، ولذلك أعطى كلّ موجود خلقه ثم هداه إلى تسبيحه وتحميده ودعائه والسجود له.
وأمّا الفقرة الثانية، فهي مترتّبة على كونه مالكاً للكون فيكون المصير والانتهاء إليه سبحانه.
43. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ):
إنّ الكفّار والمشركين هم الذين يمرّون على آيات الله في الكون فيعرضون عنها ولو تدبّروا فيها لقادهم نورها وهداها إلى الإيمان بوجود الله سبحانه ووحدانيّته، ومن ثم إلى الخضوع له وإخلاص العبادة له. وهذه الآية تكفّلت بالإشارة إلى بعض تلك الآيات:
1. تكوّن السُّحب الركامية ونزول المطر منها.
2. نزول البَرَد من تلك السُّحب التي على هيئة الجبال.
3. شدّة لمعان برق السحاب.

صفحه 304
أمّا الأوّل فيشير إليه سبحانه بقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ)قوله: (أَلَمْ تَرَ)يحتمل أن يكون خطاباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه الواقف على الحقائق الكونية الّتي تتكفّل ببيانها الآية دون الناس، ولو كان الخطاب لغيره أيضاً فالرؤية بمعنى العلم (أَنَّ اللّهَ يُزْجِي)يسوق (سَحَابًا): أي يدني بعض أجزاء السحاب إلى البعض الآخر فيكون الحاصل قوله: (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ)بما أنّ السحاب ذو أجزاء كثيرة صحّ أن يقال: (يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ)فتكون نتيجة ذلك الإزجاء والتأليف قوله: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا): أي يتراكم بعضه فوق بعض، وفي آية أُخرى يعبر عنه بقوله: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ)1 فعند تراكم أجزاء السحاب بعضه على بعض (فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ): أي فترى المطر يخرج من خلال السحاب المتراكم.
وفي آية أُخرى يذكر ذلك المشهد الكوني بقوله: (اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ)2.
وفي آية ثالثة قال تعالى: (وَاللهُ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت )3.
وبما أنّ الأسباب الطبيعية جنود الله سبحانه فتارة ينسب سوق السحاب إلى نفسه ويقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحَابًا)وأُخرى ينسبه إلى الرياح ويقول: (فَتُثِيرُ سَحَابًا)كما في الآيتين المذكورتين، وهذا دليل على

1 . الطور: 44.
2 . الروم: 48 .
3 . فاطر: 9 .

صفحه 305
أنّ العالم عالم الأسباب. وقد تكفّلت الآية ببيان نزول المطر غِبَّ عوامل طبيعية قبل أن يطّلع عليه البشر في العصور الأخيرة عن طريق الأجهزة. وحاصل معنى الفقرات الثلاث هو: أنّ السبب الطبيعي للمطر هو أنّ المياه الموجودة على سطح الأرض في البحار والأنهار والبحيرات والمستنقعات تتبخر، أي تستحيل إلى بخار طول مدّة الصيف، فتصعد إلى الجوّ ولا تظهر فيه بسبب شدّة الحرارة، فإذا جاء البرد تكاثفت تلك الأبخرة وظهرت وارتفعت إلى مسافات عالية من الجو وبقيت فيه أو اندفعت مع الرياح، فإذا تراكمت على جوّ جهة من الجهات وأدركتها هنالك برودة شديدة استحالت إلى حالتها الأصلية، أي إلى ماء، فيسقط ذلك الماء ـ لثقله ـ وينزل إلى الأرض .1
وتتوقّف طبيعة سقوط المطر ـ فيما إذا كان ثلجاً أو مطراً ـ على درجات الحرارة السائدة في الأجزاء العليا من السحابة، ودرجات الحرارة السائدة بينها وبين سطح الأرض، فإذا كانت درجة الحرارة تحت نقطة التجمّد، تساقط الثلج، وإلاّ ذابت البلورات ـ وهي في طريقها إلى سطح الأرض ـ وتساقط المطر ماء. وسقوط المطر من العناصر الرئيسية في حالة الطقس، وعامل له أهمية في تقسيم حياة النبات والحيوان. والعوامل الّتي تسيطر على توزيع سقوط المطر هي درجة حرارة الهواء، ومقدار الرياح المحمّلة بالرطوبة، وتيار المحيط، وبُعد الأرض عن السواحل، وسلاسل الجبال.2

1 . دائرة معارف القرن العشرين: 9 / 246.
2 . الموسوعة العربية الميسّرة: 4 / 2290 ـ 2291، دار الجيل، 2001 م .

صفحه 306
إلى هنا تمّ الكلام في الفقرة الأُولى وإليك الكلام حول الفقرة الثانية.
قال سبحانه: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ).
هذه الفقرة تشتمل على أمرين:
أ. إنزال البَرَد من سحاب أمثال الجبال
وعلى هذا فـ (مِنَ) في قوله: (مِنَ السَّمَاءِ)للابتداء، وهكذا في قوله: (مِنْ جِبَال)والجبال بدل من السماء، وأمّا قوله: (مِنْ بَرَد)فهي مزيدة في الإثبات، وتقدير الآية: ينزل من سحاب أمثال الجبال برداً، وعندئذ يقع الكلام: ما هو المراد من السماء وما هو المراد من جبال؟ أمّا السماء فأُريد هناك السحاب لأن السماء عبارة عمّا علا الإنسان وأظلّه، والسحاب كذلك.
وأمّا ما هو المراد من جبال؟ فأكثر المفسّرين على أنّه من مقولة المجاز، يقال: فلان جبل علم أو جبل سياسة.
ولكن الظاهر أنّ السحاب المتراكم في الجو بعضه فوق بعض يشبه الجبال حقيقة في هيئتها. وللسيد الرضيّ(رحمه الله) كلام حول قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال)سنذكره بنصّه، قال:
وهذه استعارة على بعض التأويلات لأنّ الجبال هاهنا يراد بها السحاب الثقال تشبيهاً لها بكثائف أطوادها ومشارف هضابها، ويكون الضمير في قوله سبحانه: (مِنْ جِبَال) فيها عائداً على السماء لا على الجبال، فكان التقدير: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد)يريد من السحاب المشبهة بالجبال .

صفحه 307
وتكون الفائدة في قوله: من جبال في السماء تخصيص تلك الجبال من جبال الأرض لأنّا لو جعلنا الضمير الّذي فيها عائداً على الجبال أوهم أنّها جبال تنزل إلى الأرض من السماء، فإذا جعلنا الضمير عائداً إلى السماء اُمِن من الالتباس، وكان في ذلك أيضاً تعجيب لنا من وصف جبال في السماء على طريق التشبيه، لأنّ الجبال على الحقيقة لا تكون إلاّ في قرارات الأرض وصفحات الترب.1
ويقول سيد قطب: ومشهد السُّحب كالجبال لا يبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها، فإذا المشهد مشهد الجبال حقّاً بضخامتها ومساقطها وارتفاعاتها وانخفاضاتها وإنّه لتعبير مصوّر للحقيقة التي لم يرها الناس إلاّ بعد ما ركبوا الطائرة.2
وعلى كلّ تقدير، فالسحاب المركوم بعضه فوق بعض إذا ثقل ينزل منه الودق (المطر)، وينزل منه ـ بفعل تجمّد قطرات المطر ـ البَرَد، وهو مطر جامد ينزل على شكل كتل جليدية كروية، أو غير منتظمة، ويتراوح حجم هذه الكتل بين حجم حبّة البازلاّء، وحجم البرتقالة، ويمكن أن يكون أكبر من ذلك.3

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 41 .
2 . في ظلال القرآن: 5 / 287 .
3 . الموسوعة العربية العالمية:4/317، وفيها: أكبر حبّة بَرَد في السجلات سقطت على مدينة كوفيفل في ولاية كنساس ـ بأمريكا ـ يوم 3/9/1970م، وبلغ وزنها رطلاً وثلثي الرطل (76,0 كغم)».

صفحه 308

ب. إصابة البرد لمن يشاء

يقول سبحانه: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ)الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى البرد، لا إلى الودق ـ أعني: المطر ـ وبما أنّ نزول البرَد يفسد الزرع والثمار عبّر عنه سبحانه بقوله: (َيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ)فإنّ مادة الإصابة تستعمل في الحادثة المكروهة، فإنّه سبحانه ينزل البرَد على مَن يشاء ويصرفه عمّن يشاء.
وأمّا الفقرة الثالثة ـ أعني: شدّة لمعان برق السحاب ـ : فهي في قوله تعالى: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ)والضمير في (بَرْقِهِ)يرجع إلى السحاب، والمراد: كاد يذهب بالبصر ضوء برق السحاب ويخطفه لشدّة لمعانه كما قال سبحانه في آية أُخرى: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ).1
وعلى هذا فالسحاب مصدر نزول المطر والبرَد، وفي الوقت نفسه يتكوّن البرق فيه، وقوة ضيائه تكاد تذهب بالأبصار.
وأمّا حقيقة البرق فقد عرّفه علماء الفيزياء بقولهم: تفريغ كهربائي في الجوّ نوره خاطف، ينطلق من جسم مرتفع أو بارز، وحين يكون الجو مشحوناً يتكوّن بين الجسم المذكور والهواء جهد كهربي له من القوّة ما يحدث التفريغ المذكور.
44. (يُقَلِّبُ اللّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ):

1 . البقرة: 20 .

صفحه 309
بدأ تبارك وتعالى في الآيتين المتقدّمتين ببيان مشاهد من قدرته وعلمه ما يوقظ القلوب حيث أشار إلى تسبيح الكون عامّة ثم إلى نزول المطر من السحاب مع ما يتبعه من نزول البرد وظهور البرق، وفي هذه الآية إلفات إلى مشهد آخر، وهو تقليب الليل والنهار كما يقول: (يُقَلِّبُ اللّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) إذ يبدّل سبحانه أحدهما من الآخر، فيأتي بالنهار عقيب الليل، وبالليل عقيب النهار. ويظهر أنّه تعبير آخر عن الاختلاف الذي ورد في خمسة مواضع، منها: قوله تعالى: (وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)1، أي تعاقبهما.
وبما أنّ هذه المشاهد الطبيعية توقظ القلوب وتثير التفكير في أسبابها وعللها وغاياتها يقول سبحانه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ)حيث إنّ لفظة (عِبْرَةً) تعني العبور أو المرور من جانب إلى جانب، فالله سبحانه يطلب منّا العبور من رؤية هذه الظواهر إلى التأمّل في عللها ومبادئها وأغراضها، لكنّ كثيراً من الناس غافلين عنها.
45. (وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَع يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ):
الآية تشتمل على فقرات ثلاث:
الأُولى: ( خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء )

1 . المؤمنون:80.

صفحه 310
وعندئذ يقع الكلام في ما هو المراد من الماء؟ فقد ذهب غير واحد من المفسّرين إلى أنّ المراد من الماء هو ماء التناسل (النطفة). ويدلّ على ذلك، التقسيم الّذي جاء في الآية كما سيوافيك.
يُذكر أنّ الكائنات الحيّة أُحادية الخلية (مثل البكتيريا) لا تُخلق من ماء التناسل، بل من انقسام الخلية بطريقة تُسمّى الانشطار الذاتي، ولذلك ركّز سبحانه في الآية الكريمة على الدابّة.
ويمكن أن يقال: إنّ المراد من الماء هو ماء الحياة، فتكون هذه الفقرة بمنزلة قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَىّ)1.
وعلى هذا فكل ما يطلق عليه (حيّ) دابّة كان أم غيرها خُلق من الماء، وأنّ أصل الحياة هو الماء وأنّها تكوّنت أول مرّة في الماء، ولذلك ذهب العلماء إلى أنّ أوّل عنصر حيّ، قد ظهر في البحار.
وربّما يقال بأنّ الفقرة ناظرة إلى أمر آخر، وهو أنّ الماء يشكّل نسبة كبيرة من أجسام الكائنات الحيّة، ولذلك يهدّد سبحانه الكافرين بقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين)2.
وبهذا ظهر أنّ للآية احتمالات ثلاثة:
1. كون المراد من الماء ماء التناسل (النطفة) وأن كلّ دابّة خُلقت منه.
2. أنّ أساس الحياة هو الماء، وأنّ الحياة تكوّنت في أوّل مرّة في البحار.

1 . الأنبياء: 30 .
2 . الملك: 30 .

صفحه 311
3. أنّ الماء قوام تكوين الكائنات الحيّة، وأنّه يشكّل العنصر الأساسي في بناء أجسامها.
والاحتمال الأوّل هو الأرجح.

إكمال:

إنّ حقيقة الحياة أمر غير معلوم، ولذلك لم تتّفق كلمة العلماء حول تعريفها. نعم، المتّفق عليه هو مظاهر الحياة الّتي هي قدرة الوحدة العضوية على مباشرة الوظائف الضرورية لحفظ الحياة، ووظيفة التكاثر، إلى غير ذلك من الآثار.
ثم إنّ قوله سبحانه: (خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء)أو: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَىّ) يدلّ على مبدأ الحياة، وأمّا أنّ مبدأ الحياة تكوّن في البحار ثم تنوّعت وتكاملت حسب ما يقول أتباع نظرية تطور الأنواع، فلا دلالة للآيتين عليهما، بل هما بالنسبة إلى ثبات الأنواع أو تكاملها سيّان، فمن حاول أن يستغلّ هاتين الآيتين لتأييد ما يتبنّاه من فكرة تطوّر الأنواع، فقد فسّر القرآن برأيه.

الفقرة الثانية: تقسيم الدوابّ

تذكر الآية تعلّق مشيئة الله سبحانه باختلاف طرائق تحرّك الدوابّ، فيقول سبحانه:(فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ)كما هو شائع في الديدان، وفي العديد من الزواحف كالحيّات (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ)كالأناسي والطيور (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَع)كالبهائم، والسِّباع، والتماسيح وبعض السَّحالي (وهما من الزواحف).

صفحه 312
ثم إنّه يقع الكلام: ما هو السرّ في هذا الترتيب؟
فيمكن أن يقال: إنّه قدّم ما هو أعجب وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع.
وإنّما اقتصر سبحانه على هذه الثلاثة للإيجاز، بمعنى حصول الغرض بذكرها.
فإن قيل: إنّه سبحانه لم يستوف القسمة، لأنّ هناك ما يمشي على أكثر من أربع كالعناكب والعقارب وغيرها ممّا يقع تحت شعبة خاصة تعرف باسم شعبة مفصليات الأقدام.
قلت: ولكنّه سبحانه أشار إليها بقوله: (يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَاءُ).
وأمّا الفقرة الثالثة (الأخيرة)، أي قوله: (إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)ففيها إشارة إلى قدرته المطلقة وأنّه يخلق ما يشاء ولا يمنعه منه أيّ مانع ودافع.
46. (لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَات مُبَيِّنَات وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
سورة النور: الآيات 47 ـ 54    
ما هو المراد من آيات مبيّنات في قوله: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَات مُبَيِّنَات)؟ فهل المراد الآيات السابقة أو آيات القرآن كلّها؟ ويشهد للثاني أنّه لم يعطف عليه شيئاً، على خلاف ما في الآية الرابعة والثلاثين من نفس السورة حيث قال: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَات مُبَيِّنَات وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) فصار عطف قوله: (وَمَثَلاً)قرينة على أنّ المراد هو الآيات الواردة في نفس السورة.

صفحه 313
واحتمل السيد الطباطبائي أنّ المراد آية النور وما بعدها.1
وعلى كلّ تقدير، فالله سبحانه أتمّ الحجّة بالآيات المبيّنات ومع ذلك يقول: (وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) .
نعم مشيئته تعالى مطلقة.. يهدي مَن أراد ويضلّ من أراد، لكن ليست مشيئته بلا ملاك، فللّه سبحانه مشيئتان تعلّقت الأُولى بهداية كلّ الناس حتّى الطواغيت منهم، لكن مشيئته الثانية تعلّقت بمن اهتدى بالهداية الأُولى كما تكشف عن ذلك آيات عديدة، منها: قوله تعالى: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)2.
ومع أنّه سبحانه أنزل آيات مبيّنات لكن فريقاً اهتدوا وفريقاً ضلّوا.
ونعم ما قال الشاعر المشهور الأمير أبو فراس الحمداني:
إذا لم يُعِنكَ الله فيما تريدُه *** فليس لمخلوق إليه سبيلُ
وإنْ هو لم يَدللك في كلّ مسلك *** ضللتَ، ولو أنّ السِّماك3 دليل

الآيات: السابعة والأربعون إلى الرابعة والخمسين

(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ

1 . الميزان في تفسير القرآن: 15 / 139 .
2 . الرعد:27.
3 . السِّماك الرّامح: نجم شديد اللَّمعان.

صفحه 314
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَ مَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).

المفردات

يتولّى: من التولّي بمعنى الإعراض أي يُعرض.
مذعنين: الإذعان: الانقياد من غير إكراه.
مرض: المراد به هنا ضعف الإيمان.
ارتابوا: من الرَّيب، وهو الشكّ.

صفحه 315
يحيف: الحَيف: الجور والظلم.
الظالمون: أُريد هنا من يريد ظلم الناس وجحد حقوقهم.
يخش الله: الخشية: خوف يشوبه تعظيم.
يتَّقْهِ: التقوى: الحذر من مخالفة الله، والأصل: يتّقيه، فحذفت الياء للجزم، لأنّه معطوف للمجزوم على المجزوم أعني يُطع الله .
جَهْد: مفعول مطلق لقوله: (وَأَقْسَمُوا): أي حلفوا بالله أغلظ أيمانهم وقدر طاقتهم .

التفسير

هذه المجموعة من الآيات نزلت في جمع من المنافقين تأثّروا باليهود، قال الطبرسي:(قيل: نزلت الآيات في رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود حكومة، فدعاه اليهودي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف1. وحكى البلخي: أنّه كانت بين علي وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي (عليه السلام)فخرجت فيها أحجار وأراد ردّها بالعيب فلم يأخذها، فقال: بيني وبينك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال الحكم بن أبي العاص: إن حاكمته إلى ابن عمّه يحكم له، فلا تحاكمه إليه ، فنزلت الآيات; وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)أو قريب منه).2

1 . قاله مقاتل. انظر: تفسير مقاتل بن سليمان:3/204ـ 205.
2 . مجمع البيان: 7 / 280 ـ 281. نقله عن الشيخ الطوسي، باستثناء العبارة الأخيرة (وهو المروي...). انظر: التبيان في تفسير القرآن:7/450.

صفحه 316
وقد سجّل محمد عزة دروزة هذه الملاحظة على القول الأوّل: أنّ هذا القول قد ورد في مناسبة آيات سورة النساء(60ـ 65) وأنّ كعب بن الأشرف قد قُتل على ما ترويه روايات السيرة في الشهر الخامس والعشرين من الهجرة النبوية إلى المدينة، بينما نخمّن أنّ هذه الآيات نزلت بعد ذلك بمدّة طويلة.1
هذا، وأخرج السيوطي عن الحسن البصريّ، قال: إنّ الرجل كان يكون بينه وبين الرجل خصومة أو منازعة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا دُعي إلى النبي وهو محقّ أذعن وعلم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)سيقضي له بالحقّ، وإذا أراد أن يظلم فدُعي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أعرض وقال: انطلق إلى فلان فأنزل الله: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)إلى قوله: (هُمُ الظَّالِمُونَ) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن كان بينه وبين أخيه شيء فدعاه إلى حكم من أحكام المسلمين فلم يجب، فهو ظالم لا حقّ له» 2.
وعلى أي تقدير، فالآية تصف لنا صفات المنافقين وضعاف الإيمان.
ومن أبرز صفاتهم أنّ الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت عليهم معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون، كما قال الإمام الحسين (عليه السلام).3
فهؤلاء المنافقون يتظاهرون بالإيمان في المواقع التي تلتقي فيها مصالحهم الشخصية مع أحكام الإسلام، فإذا اصطدمت معها تجرّدوا عنه

1 . انظر: التفسير الحديث:8/433.
2 . تفسير الدر المنثور: 6 / 212.
3 . لاحظ : بحار الأنوار : 44 / 195 .

صفحه 317
ونبذوا تلك الأحكام، وهذا هو الّذي تحكيه عنهم الآية التالية:
47. (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَ مَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ):
قوله: (وَيَقُولُونَ)معطوف على قوله: (وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، فإنّه لمّا ذكر في الآية السابقة حال عباده المهديّين، عطف عليه من يدّعون الإيمان بألسنتهم ويؤكّدون ذلك بالعمل على وفقه، كما يقول: (آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا)وهم يستمرّون على ذلك ما دامت ظروف الواقع تساعدهم، وأمّا إذا واجهوا المشكلات والمواقف الصعبة التي تنشأ من الصراع بين الحقّ والباطل، أو امتُحنوا بالأحكام التي لا تنسجم مع أهوائهم ومنافعهم، فعندئذ ينكصون على أعقابهم ويُعرضون عن الحقّ، كما يقول: (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): أي من بعد قولهم آمنّا.
قوله تعالى: (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)لأنّ المؤمن الصادق هو من استقرّ الإيمان في قلبه، وأمّا هؤلاء فلم يجاوز الإيمان ألسنتهم إلى قلوبهم.
قالَ الإمام عليّ(عليه السلام):«فَمِنَ الاِْيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ1 بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ، إِلَى أَجَل مَعْلُوم».2
48. (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ):

1 . جمع عارية وعاريّة: ما تعطيه غِيرَك على شرط أن يعيده لك.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 189 .

صفحه 318
الآية دليل على قوله: (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)والشاهد على ذلك أنّهم (وَإِذَا دُعُوا): أي هؤلاء المنافقون (إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ): أي إلى كتاب الله وسنّة رسوله (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)في مخاصماتهم (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)عن قبول الحقّ واتّباع حُكمه، فصاروا مصداقاً لقول الإمام (عليه السلام): «الدين لَعْقٌ على ألسنتهم» .
وليست هذه الآية هي الوحيدة في وصف المنافقين بالانتهازية وإنّما هناك آية أُخرى، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)1.
49. (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ):
ثم إنّ هؤلاء المُعرضين عن حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ فيما لو كان الحقّ عليهم ـ إذا عرفوا أنّ الحكم الحقّ يتّفق مع مصالحهم أعربوا عن طاعتهم وانقيادهم، كما يقول: (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ): أي كان الحقّ موافقاً وجارياً مع مصالحهم (يَأْتُوا إِلَيْهِ): أي إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (مُذْعِنِينَ)منقادين. وهذا هو عين النفاق.
50. (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ):
لمّا كان تولّيهم تارة وانقيادهم أُخرى أمراً عجيباً إذ كيف يعمد العاقل إلى التولّي تارة والانقياد أُخرى، جاء البيان القرآني لإيضاح دواعي ذلك

1 . النساء: 61 .

صفحه 319
التذبذب، ولذلك جاء عَرضها بصيغة استفهام بعد استفهام ثلاث مرات.
وليس الغرض من الاستفهام طلب الجواب وإنّما هو إلفات نظر المتلقّي إلى هذه العلل الّتي غزت قلوب المنافقين وضعاف الإيمان. وإليك تلك الاستفهامات:
1. (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)الظاهر أنّ المراد من المرض ضعف الإيمان. ويشهد لذلك قوله: (فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )1والمريض هنا أعمّ من المنافق. إذ لا يختصّ الطمع بالمنافق، ويشهد لذلك أيضاً أنّه سبحانه قرن الذين في قلوبهم مرض بالمنافقين وقال: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ )2 .
نعم ربّما يقال بأنّه مستعار للكفر والنفاق، والظاهر عدم صحّته لأنّه سبحانه صرّح بكفرهم ونفاقهم في الآية المتقدّمة وقال: (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)ومع ذلك لا حاجة للاستفهام.
2. (أَمِ ارْتَابُوا): أي عرض لهم الشكّ في نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو صلاحيته للحكم بالعدل؟
3. (أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ): أي يخافون من جَوره وظلمه سبحانه؟
وأنت ترى أنّ التدرّج هنا تدرّج من ضعف إلى قوّة، فإنّ المريض من في قلبه أدنى إيمان بخلاف الشاكّ والمرتاب، وأقوى منه من يتوهّم

1 . الأحزاب: 32.
2 . الأحزاب: 60 .

صفحه 320
الجور في حكم الله سبحانه وحكم رسوله.
والله سبحانه في نهاية الأمر يعرض عن تلك الاستفهامات الثلاثة ويحكم حكماً قاطعاً يكشف فيه عن العلّة الحقيقية، فيقول: (بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): أي المتعدّون على الحقّ.
وقد أكّد تعالى ظلمهم، بالجملة الاسمية، وبقصرهم على الظلم وقصر الظلم عليهم، وبضمير الفصل (هم) المؤكِّد لظلمهم.1
هذا، وقد فسّر الرازي الفقرة الأخيرة: (بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) بقوله: لا يخافون أن يحيف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عليهم لمعرفتهم بأمانته وصيانته وإنّما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وهم له جحود، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم يأبون المحاكمة إليه .2
51. (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ):
إذا كانت طبيعة المنافق وضعيف الإيمان هي التذبذب في طاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فتارة يتولى وأُخرى ينقاد، ففي مقابل تلك تتجلّى طبيعة المؤمن الذي من مقتضيات وآثار إيمانه: التسليم وعقد القلب على حكمه وقضائه من غير فرق بين أن يكون القضاء محقّقاً لمصالحه أو لا، كما يقول: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ)ـ وسيأتي مقول القول ـ (إِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ): أي يقضي بينهم، فمقول قولهم عامّة: (أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا)قول

1 . انظر: زهرة التفاسير:10/5212.
2 . تفسير الرازي: 23 / 21.

صفحه 321
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(وَأَطَعْنَا)أمره (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): أي الفائزون. وهذه الفقرة تقابل قول الله في حقّ المنافقين: (بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
قال الإمام علي(عليه السلام):«إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ ـ وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ 1ـ مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ».2
لا شكّ في أنّ التسليم أمام قضاء الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)هو آية الإيمان، كما أنّ التقدّم على الله والرسول آية النفاق أو الإيمان المتزلزل، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)3 والمراد من قوله: (لاَ تُقَدِّمُوا): أي لا تتقدّموا.
وفي آية أُخرى قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا).(4)
وسئل الإمام علي (عليه السلام)عن الإسلام؟ فقال: «الاِْسْلاَمُ هُوَ التَّسْلِيمُ».4
52. (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ):
لمّا سبق الحكم على المؤمنين الذين (إِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)بأنّهم هم المفلحون، جاءت هذه الآية بمنزلة

1 . كَرَثَه: اشتدّ عليه وبلغ منه المشقّة.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 125.
3 . الحجرات: 1 .   4 . الأحزاب: 36 .
4 . نهج البلاغة: قصار الحكم: 125 .

صفحه 322
الضابطة الكلّية، بأنّ الفلاح من نصيب من اجتمعت فيه هذه الصفات:
1. (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ) في أقواله وأفعاله ومواقفه، فلا يتركون أداء الفرائض والالتزام بالسُّنن، وإذا دعوا إلى الجهاد وإلى بذل الأرواح والأموال، يلبّون الدعوة.
2. (وَيَخْشَ اللّهَ)ويخافونه باطناً مع التعظيم، فالإطاعة فريضة قائمة بالجوارح، وهذه فريضة قائمة بالجوانح.
3. (وَيَتَّقْهِ)ويجعلوا وقاية بينهم وبين عذاب الله بامتثال أوامره تعالى واجتناب نواهيه.
وعلى هذا فهذه الأوصاف الثلاثة ـ أعني: الطاعة والخشية والاتّقاء ـ هي الملاك للفلاح في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).
ثم إنّ الزمخشري فسّر الخشية على ما مضى من ذنوبه، وفسّر (يَتَّقْهِ)بما يستقبل، وتبعه الآلوسي في روح المعاني،1 ولا دليل عليه .
53. (وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ):
إنّ من صفات المنافقين ومرضى القلوب اتّخاذ الأيمان جُنّة لأكاذيبهم، يقول سبحانه: (اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)2.

1 . لاحظ : تفسير الكشّاف: 3 / 81 ; روح المعاني: 18 / 198 .
2 . المنافقون: 2 .

صفحه 323
وفي هذا المقام أقسموا بأغلظ أيمانهم ومبلغ جهدهم وطاقتهم بأنّهم على استعداد لامتثال أمره(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يقول: (وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)والجَهد بالفتح بمعنى الطاقة، وأمّا المقسَم عليه فهو قولهم: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ)وقد اختلفت كلمة المفسّرين فيما هو المراد من الخروج:
الأوّل: المراد بهذا الخروج، الخروج للجهاد، وهذا هو خيرة الشيخ الطوسي(من المتقدّمين)، والسيد الطباطبائي(من المتأخّرين) الذي قال: الظاهر أنّ المراد بقوله: (لَيَخْرُجُنَّ): الخروج إلى الجهاد على ما وقع في عدّة من الآيات كقوله: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً)1.2
الثاني: الخروج من الأموال والديار. وهذا الاحتمال بعيد لأنّه لا يلائم التصريح السابق بردّهم الدعوة إلى الله ورسوله ليحكم بينهم كما مرّ في قوله: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)ومعه كيف يقسمون بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لو أمرهم في حُكمه بالخروج من ديارهم وأموالهم ليخرجنّ؟3
وعلى كلّ تقدير فالمنافقون وضعفاء الإيمان صلفون، لا يهمّهم بأن يحلفوا كذباً، ولذلك أمر سبحانه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالردّ عليهم بقوله: (قُلْ لاَ تُقْسِمُوا).

1 . التوبة: 46 ـ 47 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 15 / 149 .
3 . لاحظ المصدر نفسه.

صفحه 324
وأمّا قوله سبحانه: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ)ففيه وجهان:
الأوّل: أنّ الفقرة خبر لمبتدأ محذوف وهو الضمير الراجع إلى الخروج، والمعنى: الخروج إلى الجهاد طاعة معروفة، وهو واجب لا حاجة إلى إيجابه بيمين مغلّظة. وعلى هذا فُسّر قوله : (إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)بأنّه إن كان إقسامكم لإرضاء الله ورسوله فالله خبير بما تعملون لا تغرّه الأيمان المغلظّة .
الثاني: أنّ معنى قوله: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ): طاعتكم معروفة لنا، فهي طاعة باللِّسان فحسب، من غير مواطاة القلب لها ولا يجهلها أحد من الناس. وعلى هذا فقوله: (طَاعَةٌ) خبر لمبتدأ محذوف، والمعنى: طاعتكم طاعة معروفة بأنّها باللِّسان دون القلب، على ما مرّ.
ويترتّب عليه أيضاً قوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ): أي أن أَيمانكم أَيمان لا حقيقة لها.
54. (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ):
سورة النور: الآيات 55 ـ 57    
أمر الله سبحانه نبيّه في الآية المتقدّمة بالردّ عليهم بأن لا يقسموا وتوعّدهم على أَيمانهم الكاذبة بأنّه خبير بما يعملون.
وأمّا في هذه الآية فقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بإرشادهم بأنّ الفلاح في طاعة الله وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كما قال: (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ): أي

صفحه 325
مُرهم بالإطاعة والإخلاص لله تعالى ورسوله.
ثم إنّه سبحانه أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يذكّرهم بشيء آخر، وهو أنّ وظيفة النبي ورسالته هي الإبلاغ، فتولّيكم ونكوصكم لا يضرّه بل يضرّكم أنتم أنفسكم، كما يقول: (فَإِنْ تَوَلَّوْا): أي فإن تتولّوا عن طاعة الله وطاعة الرسول (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ): أي الرسول (مَا حُمِّلَ)من أداء الرسالة وتبليغها، وعندئذ (وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)من القيام بالتكاليف، فالرسول قد قام بوظيفته وبقي الأمر عليكم (وَإِنْ تُطِيعُوهُ): أي تطيعوا رسوله (تَهْتَدُوا)لأنّ ذلك هو الطريق الموصل إلى الهداية والسعادة (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)، وقد أدى الرسالة بما لا مزيد عليه، وإنّما بقي ما عليكم.
وبمضمون الآية قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)1.
فحاصل الآية: أنّ الله سبحانه أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بإبلاغ الرسالة وأمر الناس بإخلاص الطاعة.
أمّا الرسول فقد قام بما أُمر به بأفضل ما يمكن، بقي الأمر في غيره فمن أطاع فقد اهتدى ومن أهمل فلا يضرّ الرسول وإنّما يكون حساب أعماله عليه (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) .

الآيات: الخامسة والخمسون إلى السابعة والخمسين

(وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ

1 . النحل: 82 .

صفحه 326
دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

المفردات

ليستخلفنّهم: جواب لقسم محذوف. والمراد جعلهم خلفاء عن الأُمم السابقة.
وليمكنّن: التمكين عبارة عن التثبيت والترسيخ، وفي المقام كناية عن الشيوع والانتشار.
معجزين: المعجز الّذي يُعجز غيره ويجعله عاجزاً، ويطلق على معاجز الأنبياء لأنّها تعجز غيرهم.
مأواهم: المأوى: المنزل.

التفسير

صلة هذه الآيات الّتي تبشّر بمستقبل زاهر للمسلمين بما قبلها، هو ما أذاعه المنافقون المذكورون قبل هذه الآية بأنّهم سوف يخرجون المسلمين من المدينة حتّى قال عبدالله بن أُبيّ: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ

صفحه 327
لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ )1 فجاء البيان القرآني يبشّر المؤمنين بتمكين دينهم وتبديل خوفهم بالأمن.
55. (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ):
إنّه سبحانه وعد الذين آمنوا من المؤمنين وعملوا الصالحات بأُمور:
1. (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
2. (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ).
3. (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا).
4. (يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا).
وفي ذيل الآية وصف (وَمَنْ كَفَرَ)الوارد في (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ)بقوله: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
هذه هي الفقرات الخمس الّتي يجب أن يبيّن مفادها وما قصد منها .
أمّا الموضوع فيذكره بقوله: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)وكأنّه ضابطة كلّية لا تختصّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحابته، فأي أُمّة

1 . المنافقون: 8 .

صفحه 328
آمنت بالله والتزمت بشريعته، فالله سبحانه وعدها بالمواعيد المذكورة.
وربّما يستظهر منه اختصاصها بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه بشهادة قوله: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)فإنّه خطاب للمؤمنين في عصر الرسالة، ولكنّ الظاهر أنّ الخطاب لهم لا باعتبار أشخاصهم وأعيانهم بل بما هم عليه من صفات الإيمان والعمل الصالح .
وعلى هذا لا تختصّ الآية بعصر الرسالة، يقول السيد الطباطبائي في هذا الصدد: وقد فرّق بين الخطابات الفردية والخطابات الاجتماعية: ففي الأوّل الخطاب متوجّه إلى أشخاص القوم بما هم أشخاص بأعيانهم، وفي الثاني الخطاب متوجّه إليهم بما هم قوم على نعت كذا، فالخطاب في القسم الأوّل لا يتعدّى إلى غير أشخاصهم، ولا يتعدّى الوعد والوعيد المتوجّه إليهم إلى غيرهم.
وأمّا الثاني فهو يتعدّى إلى كلّ مَن اتّصف بما ذكر من الأوصاف، والآية من القسم الثاني، ومن هذا القبيل أغلب الخطابات القرآنية المتوجّهة إلى المؤمنين والكافرين .1
وممّن ذهب إلى شمول الخطاب، محمد عزّة دروزة، حيث قال: وإذا كان الخطاب في الآيات هو لسامعي القرآن مباشرة من المؤمنين الأوّلين في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ما تفيده كلمة (مِنْكُمْ) أيضاً فضلاً عن ظروف زمانها، فإنّ مداها عام لجميع المؤمنين الذين يعملون الصالحات كما هو المتبادر، فكلّ خطاب مثل هذا الخطاب في القرآن هو عام شامل لكلّ

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 15 / 155ـ156 .

صفحه 329
المسلمين في كلّ ظرف على ما نبّهنا عليه في مناسبات سابقة.1
وبما ذكرنا يظهر أنّ تطبيق الآية على عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)غير مانع من تطبيقها على العصور المتأخّرة إذا اجتمعت الشرائط فيها.
وبذلك يُعلم ضعف ما ذكره الآلوسي في نفي شمول الآية لها حيث قال: وحمل الماضي على ما يعمّ الماضي والمستقبل خلاف الظاهر، ثم استشهد على اختصاصه بعصر الرسالة بقوله: روي عن أُبيّ بن كعب قال: لمّا قدم رسول الله المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلاّ في السلاح ولا يصبحون إلاّ فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتّى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلاّ الله تعالى فنزلت: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)2.
أقول: ما ذكره لا يخرج عن كون عصر الرسالة من مصاديق الآية، وأمّا انحصاره به فلا تدلّ عليه الآية ولا حديث أُبيّ بن كعب.
وبعبارة علمية: أنّه ومَن قبله ومَن تبعه جعلوا الآية من القضايا الخارجية، نحو قول القائل: قتل مَن في العسكر ونهب ما في الدار، وغفلوا عن أنّ الآية من قبيل القضايا الحقيقية الّتي تشمل المصاديق الموجودة
في عصر النزول والمصاديق المتحقّقة عبر الزمان، على أنّنا نماشي
القوم في شمول الآية لعصر الرسالة، ولكن القرائن الموجودة في الآية
كما سنذكرها تدلّ على أنّها واردة في مجتمع طاهر، اجتمعت فيه الفضائل

1 . التفسير الحديث:8/437ـ 438.
2 . روح المعاني: 18 / 202 .

صفحه 330
وتنزّه عن الرذائل، كما سيوافيك بيانه.
وأمّا الوعود، فإليك بيانها فيمايلي:

الوعد الأوّل: الاستخلاف في الأرض

قال تعالى: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، يستعمل الاستخلاف في القرآن الكريم تارة بمعنى إعطاء الخلافة الإلهية كما ورد في آدم (عليه السلام)، قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً )1 وورد أيضاً في داود (عليه السلام)، قال تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ )2، وأُخرى بمعنى خلافة اللاحقين للسابقين وجعلهم عوضاً منهم وخلَفاً، قائمين بمسؤولية إدارة شؤون الأرض التي يسيطرون عليها، كما ورد في قوله تعالى ـ حكاية عن موسى(عليه السلام)ـ :(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ)3.
أمّا المعنى الأوّل فبعيد عن سياق اللفظ، حيث إنّه سبحانه لا يعبّر عن الخلافة الإلهية بقوله: (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)فلا محيص من القول بالمعنى الثاني، وأنّه هو المراد به في الآية. وبما أنّ المشبّه هم الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات وهم الذين سيشكّلون المجتمع المؤمن الصالح، فلابد أن يكون المشبّه به مثل ذلك وليس إلاّ الأُمم الصالحة من أُمم الأنبياء الماضين.

1 . البقرة: 30 .
2 . ص: 26 .
3 . الأعراف:129.

صفحه 331

الوعد الثاني: تمكين الدين في مجتمعهم

قال تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ)، المراد من الدين الّذي ارتضى لهم هو دين الإسلام بشهادة قوله: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )1، فالله سبحانه يعدهم بأنّه سيجعل دين الإسلام راسخاً ثابت القدم في قلوبهم وحياتهم ومجتمعهم دون أن يكون بينهم اختلاف في المعارف والأُصول، إذ أنّ الاختلاف فيهما آية عدم تمكّن الدين.
ومن المعلوم أنّ هذا الوعد قد تحقّق نسبياً في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حين «اسْتَقَرَّ الاِْسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ، وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ»2، وسيتحقّق التمكين التام للدين في الأرض، كلّ الأرض، عندما تكون أُصوله ومعارفه سائدة على القلوب، وفروعه وأحكامه حاكمة على الأعمال، ومثل هذا المجتمع يكون مجتمعاً مثالياً لم تر عين الدهر مثله.

الوعد الثالث: تبديل حالهم من الخوف إلى الأمن

قال تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)عطف على قوله (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ): أي وليبدلنّ خوفهم أمناً، والمراد من الخوف هو الخوف الذي يعتري المؤمنين نتيجة سياسة العنف والقمع والبطش التي تمارسها القوى الظالمة ضدّهم. وحين يسود الإسلام أقطار الأرض وأطراف الدنيا، ولا يبقى فيها صوت إلاّ للإسلام ولا قوّة ولا قدرة إلاّ له، ففي مثل هذه الحالة يبدّل الخوف أمناً.

1 . المائدة: 3.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 56.(جِران البعير: مقدَّم عنقه. وهذا لفظ مجازي من باب الاستعارة، والمعنى: ثابتاً متمكّناً، كالبعير يُلقي جرانه على الأرض).

صفحه 332

الوعد الرابع: عبادة الله مجرّدة عن الشرك

قال تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)الجملة حالية من الضمير في : (لَيُبَدِّلَنَّهُمْ): أي يعبدونني عبادة مجرّدة عن الشرك لأجل سيادة الأمن، أي خالصة عن الشرك الخفيّ كالرياء والسمعة، والشرك الجليّ، فلاترى في ذاك المجتمع أي أثر من الشرك، وذلك لأن المجتمع قد بلغ القمّة في النزاهة والطهارة من الذنوب والآثام بحيث يتجنّب الشرك حتّى أخفاه. فلو كان للمدينة الفاضلة الّتي أخبر عنها أفلاطون الإغريقي حقيقة وواقعية فهي الّتي يخبر سبحانه عن تحقّقها في حقبة من حقب الزمان، وما هذا إلاّ لتكامل عقولهم وأحلامهم بحيث يتجلّى حكم الفطرة في معاشهم بعض مع بعض، والخاسر هو الّذي كفر بهذه النعمة كما يقول: (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ)الاستخلاف والتمكين والأمن (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): أي الخارجون عن طاعته سبحانه.
وبهذا البيان يظهر أنّ الآية تنطبق على عصر الظهور، أي عند قيام المهدي من آل محمد، فيبسط العدل والقسط في الأرض، ويزيل عنها الظلم والجور، حسب ما ورد في الأحاديث المروية من طرق السنّة والشيعة. روى العيّاشي بإسناده عن علي بن الحسين (عليهما السلام)أنّه قرأ الآية، وقال: «هم والله شيعتنا أهل البيت. يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منّا، وهو مهدي هذه الأُمّة، وهو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يلي رجل من عترتي اسمه إسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً» 1.

1 . مجمع البيان:7/239.

صفحه 333
والحديث النبويّ المذكور«لو لم يبق من الدنيا...» روى نحوه الترمذي بإسناده عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن صحيح.1
قال محمد بن الحسين الآبُريّ الشافعيّ (المتوفّى 363هـ) في كتابه «مناقب الشافعي»: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) في المهديّ، وأنّه من أهل بيته....2
وحصيلة الكلام: أنّه سبحانه يخبر عن المجتمع المؤمن العامل بالصالحات في زمن تسود فيه الفضائل والمكارم وتزول فيه الرذائل والجرائم .
وقد عرفت أنّ الموعود بهذا الوصف لم يتحقّق كليّاً وإن تحقّق نسبياً. وعلى هذا فالمراد ليس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا صحابته ولا أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بل المراد المجتمع الطيّب الّذي يعاصر المهدي(عليه السلام) وينضوي تحت قيادته ، وينشر العدل ويجعل رايته عالية خفّاقة، ويكافح الظلم ويجعل رايته منتكسة .
وعلى ما ذكرنا يُعلم أنّ أكثر ما قاله الآلوسي في تفسيره غير صحيح، حيث يقول: إنّ الأئمة الآخرون «غير علي» الذين ولدوا بعد فلا احتمال لإرادتهم من الآية، إذ ليسوا بموجودين حال نزولها، ولم يحصل لهم التسلّط في الأرض، ولم يقع رواج دينهم المرتضى لهم وما كانوا آمنين بل كانوا خائفين من أعداء الدين، متّقين منهم.3 لما عرفت من أنّ الموعود به

1 . سنن الترمذي:650، كتاب الفتن، باب ما جاء في المهدي، برقم 2237.
2 . تهذيب الكمال:25/149، برقم 5181; فتح الباري: 6 / 493 ـ 494 .
3 . روح المعاني: 18 / 205 .

صفحه 334
ليس ما ذُكر، بل المجتمع الواقع وراء إمامهم المهدي (عليه السلام)، والشاهد على ذلك نفس الرواية الّتي رواها الآلوسي عن الطبرسي، وقد مرّت بلفظها فجاء فيها: أنّ علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما قرأ الآية فقال: هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل ذلك بهم على يد رجل منّا وهو مهديّ هذه الأُمّة.
56. (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ):
هل أنّ قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ)عطف على قوله: (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)1، كما عليه الزمخشري معتذراً عن وجود الفاصل بقوله: وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل، وإنْ طال، لأنّ حقّ المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه.2
أو عطف على قوله: (يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا)3. وذلك لأنّ الجملة الفعلية بمعنى الأمر، أي: اعبدوني ولا تشركوا وأقيموا الصلاة.
وجهان، وإنْ كان الثاني أقرب.
سورة النور: الآيات 58 ـ 60    
ثم إنّ سبحانه ذكر من الفروع الصلاة والزكاة، وقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)لأنّ الصلاة هي صلة أفراد المجتمع بالله، وأمّا الزكاة فهي صلة أفراد المجتمع فيما بينهم.

1 . النور: 54 .
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 82 .
3 . النور: 55 .

صفحه 335
ثم يعمّم ويقول: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)في كلّ ما يأمركم وينهاكم (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)حيث ختم الآية بالترجّي لعدم العلم القاطع بالفلاح، إذ رُبّ عمل صالح يأتي بعده ما يبطله ويحبطه.
57. (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ):
لمّا وعد سبحانه معشر المسلمين إذا آمنوا وعملوا الصالحات بوعود عظيمة ربّما كان مظنّة ذلك أنّ الكفّار ما زالوا على عدائهم مع المسلمين، فالله سبحانه يقطع هذا الرجاء ويقول: (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ): أي يعجزوا الله في الأرض فيحولوا بين مشيئته وبين تحقيق وعوده تلك، لأنّ ما في الكون بيد قدرته فلا مرجع في الأرض إلاّ إليه، وأمّا مآل الكافرين فيكشف عنه سبحانه بقوله: (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، واللام في (وَلَبِئْسَ): أي وبالله لبئس المصير.

الآيات: الثامنة والخمسون إلى الستين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّات مِنْ قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَات لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْض كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ

صفحه 336
الآيَاتِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزِينَة وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

المفردات

ملكت أَيمانكم: ملك اليمين عبارة عن العبيد والإماء.
الحلم: زمان البلوغ ووقته.
تضعون: تخلعون.
الظهيرة: وقت اشتداد الحرّ حين ينتصف النهار.
عورات: جمع عَورة، والمراد: الأوقات الّتي يسوء الإنسان مشاهدة الغير له.
جُناح: إثم وذنب.
طوّافون عليكم: يدخلون عليكم للخدمة والمخالطة الضرورية.
القواعد: جمع قاعد، والمراد العجائز لأنهنّ قعدنَ عن النكاح.
لا يرجون نكاحاً: أي لا يطمع أحد بنكاحهنّ.
متبرّجات: التبرّج: إظهار المرأة محاسنها وما يجب عليها ستره، مشتق من البرج وهو البناء العالي لظهوره.

صفحه 337

التفسير

عاد البيان القرآني إلى ذكر أحكام العِشرة والمخالطة، والجميع من فروع العفاف، وقد مرّ أنّ هذه السورة هي سورة العفاف .
وقد مرّت أحكام تُعدّ من شؤونها، ولذلك ذكر في الآية التالية أحكام الأطفال الذين لهم اختلاط شديد بالوالدين، فأمر المؤمنين أن يكلّفوهم بالاستئذان في أوقات ثلاثة، وذكر معهم استئذان العبيد والإماء، فقال:
58. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّات مِنْ قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَات لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْض كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):
كلّف سبحانه العبيد والإماء كما كلّف الأطفال غير البالغين عن طريق إلزام الوالدين إيّاهم بأن لا يدخلوا على البيت المختصّ بالوالدين في أوقات خاصّة، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)عبيداً كانوا أم إماء، وإن كان الأمر في العبيد أشدّ (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ): أي الصبيان الّذين لم يبلغوا شرعاً ولكنّهم يميّزون بين العورة وغيرها، يجب عليهم الاستئذان (ثَلاَثَ مَرَّات): أي في ثلاثة أوقات:

صفحه 338
1. (مِنْ قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ)وخصّ هذا الوقت بالاستئذان إذ ربّما يكون الإنسان عرياناً أو في حال لا يحبّ أن يراه أحد عليها، والآية تدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّه لا نوم بعد صلاة الفجر وإلاّ للغى التقييد بما قبل صلاة الفجر.
2. (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ)وخصّ هذا الوقت بالاستئذان أيضاً ; لأنّ الإنسان يضع فيه ثيابه فيكون في حال لا يحبّ أن يراه الناس عليها.
3. (وَمِنْ بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ): أي حين يأوي الرجل إلى امرأته ويخلو بها.
فأمر الله سبحانه المؤمنين أن يأمروا الغلمان والمملوكين بأن يستأذنوا في هذه الساعات الثلاث.
نعم يجوز لهم الدخول بلا استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة، وما ذلك إلاّ لأنّ العبيد والإماء أو الأطفال إمّا يخدمون المؤمنين والمؤمنات أو يدخلون عليهم لبعض الحاجات فيشقّ عليهم الاستئذان في كلّ وقت، وهذا ما يشير إليه تعالى بقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ) هذا بيان للفرق بين الأوقات الثلاثة وغيرها، فإنّ الأوقات الثلاثة مظنّة انكشاف ما لا يحبّ كشفه، وأمّا غير هذه الأوقات فيقول: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ): أي إثم (بَعْدَهُنَّ): أي في غير هذه الأوقات، لماذا؟ لأنّهم (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْض)أي تتردّدون عليهم ويتردّدون عليكم ولا غنى لأحدكم عن الآخر، فيتعذّر عليهم الاستئذان في كلّ وقت.
وحاصل الكلام: إنّ هؤلاء يتقلّبون فيكم ليلاً ونهاراً بعضكم على

صفحه 339
بعض، فالتكليف بالاستئذان أمر شاقّ (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ)الدالّة على الأحكام (وَاللّهُ عَلِيمٌ)بما يصلحكم (حَكِيمٌ)في تشريعه.
إلى هنا تمّ بيان أحكام العبيد والإماء والأطفال غير البالغين في مورد الاستئذان، حيث أُمروا به في أوقات ثلاثة ورُخّص لهم الدخول بلا استئذان في غير هذه الأوقات لكثرة المخالطة والمعاشرة والدخول والخروج.
بقي الكلام في الأطفال البالغين، وهذا هو الّذي تذكره الآية التالية:
59. (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):
أكّدت الآية المتقدّمة على استئذان الأطفال غير البالغين في أوقات ثلاثة، وأمّا الأطفال الذين بلغوا الحلم فهؤلاء حكمهم غير حكم مَن لم يبلغ الحلم فعليهم الاستئذان في كلّ الأوقات عند الدخول على أهل البيت كما يقول: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ): أي الذين عرفوا الشعور الجنسي فهم مكلّفون في جميع الأوقات (فَلْيَسْتَأْذِنُوا)إذا كان الوالدان في غرفة مخصّصة دونما إذا كانوا في غرفة عامّة، فالآية منصرفة عنه.
(كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)إشارة إلى الكبار الذين يجب عليهم الاستئذان من الوالدين حين الدخول إلى غرفتهما.
فتحصّل أنّ الطفل والعبد والأمة يستأذنون في الأوقات الثلاثة،

صفحه 340
والبالغ من الأطفال يستأذن في كلّ الأوقات نظير الكبار تماماً (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ)الدالّة على أحكام المعاشرة (وَاللّهُ عَلِيمٌ)بما تفعلون (حَكِيمٌ)في تشريعه .
60. (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزِينَة وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):
سورة النور: الآية 61    
الظاهر أنّ صلة هذه الآية بما قبلها هو ما ذكرنا من أنّ هذه السورة هي سورة العفاف، وبما أنّ السورة فرضت على النساء ضرب الخُمُر على الجيوب، ومن ثمّ أمرتهنّ بالستر، استثنت منهنّ القواعد من النساء وهي جمع قاعد كالحامل والحائض اللتين لا يستعملان إلاّ في النساء، وعرّف القواعد بقوله: (لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا)وهل المراد القعود عن المحيض، أو هو أكثر من ذلك؟ وهو أن تبلغ النساء مبلغاً من العمر لا يطمعنَ في الرجال ولا الرجال فيهن وإلاّ فمجرد القعود عن المحيض لا يكفي ما لم يصل إلى تلك الدرجة الّتي يشير إليها قوله: (لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا)فبروزهنّ وعدم سترهنّ لا يثير الشهوة ولا الريبة في الرجال، وعلى ذلك (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ): أي إثم (أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ)التي تلبس في الشوارع والأسواق، وقد فُسّر في الروايات بالخِمار والجلباب، فقد روى الحلبي عن أبي عبدالله ] الصادق[(عليه السلام)أنّه قرأ: (أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ)قال: «الخمار والجلباب».1
كلّ ذلك مشروط بما يذكر (غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزِينَة): أي لا يقصدن

1 . تفسير نور الثقلين: 3 / 623 .

صفحه 341
بذلك إظهار زينتهنّ للرجال لينظروا إليهنّ، وإن لم تكن لذلك أهلاً. يقول الطبرسي: أي غير قاصدات من وضع ثيابهنّ إظهار زينتهنّ، ولكن يقصدنَ به التخفيف عن أنفسهن، فإظهار الزينة لهنّ ولغيرهنّ محظور.1
ويحتمل أن يراد أنّه يجوز لهنّ أن يخرجنَ إلى الشارع دون التزيُّن بزينة من تحمير وتبييض في الوجوه وغير ذلك ممّا تتزيَّن به المرأة.
فبما أنّ الآية تحتمل كلا المعنيين، فالواجب هو الجمع بين السترين: ألاّ يبدين زينتهنّ من السوار والقلادة والساعة، وألاّ يخرجنَ وهن متزيّنات بالكحل ونحوه.
ومع ذلك فهذا الحكم حكم إرفاقي، والأفضل لهنّ أيضاً هوما في قوله تعالى: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ)فالأَولى بالعجوز ألاّ تخلع ثيابها أمام الأجانب وإن جاز لها ذلك، لأنّ الترك أبعد عن التّهمة (وَاللّهُ سَمِيعٌ) يسمع أقوالكم (عَلِيمٌ) بما في صدوركم.

الآية: الحادية والستون

(لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ

1 . مجمع البيان: 7 / 289 .

صفحه 342
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

المفردات

حرَج: ضيق وأُريد به هنا الإثم.
ما ملكتم مفاتحَه: ما يقع تحت تصرّفكم بطريق الوكالة أو الحفظ.
جميعاً: مجتمعين.
<