welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : منية اللبيب في شرح التهذيب/ج 1*
نویسنده :السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي*

منية اللبيب في شرح التهذيب/ج 1

صفحه 1
    منية اللبيب في شرح التهذيب/ج1
   

صفحه 2

صفحه 3
 
 
1

صفحه 4
 

صفحه 5
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ
 
 
 
تأليف
السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي (بعد681 ـ كان حيّاً 740هـ)
الجزء الأوّل
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
اعرجى، عبدالمطلب بن محمد، 681 ـ 754 ق
منية اللبيب في شرح التهذيب / تأليف ضياء الدين عبدالله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي ; اشراف وتقديم جعفر السبحانى، تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1388 .
      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 423 - 9 (دوره)
ISBN 978 - 964 - 357 - 422 - 2 (ج. 1)
كتابنامه.
1. علامه حلى، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق. تهذيب الوصول إلى علم الأُصول ـ. ـ. نقد وتفسير. اصول فقه شيعه ـ ـ قرن 8 ق . الف. علامه حلى. حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق . تهذيب الوصول إلى علم الأُصول. شرح. ب. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، مشرف. ج. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). د. عنوان. هـ : عنوان: تهذيب الوصول إلى علم الأُصول. شرح.
312/297    1388 9022ت8ع/ 8/158 BP
اسم الكتاب:   … منية اللبيب في شرح التهذيب
الجزء:    …الجزء الأوّل
المؤلف:   … السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   …1431 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
القطع:   … وزيري
عدد الصفحات:   … 632 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
? 7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 7
   
مقدمة المشرف
بسم الله الرحمن الرحيم

أُصول الفقه

ومناهجه عبر العصور
عُرّف علم الأُصول بالعلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية، ولمّا كان هذا التعريف مختصّاً بالموارد التي يستنبط المجتهد فيها الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة، ولا يشمل ما يستنبطه المجتهد بما يعد وظيفة فعلية للشاك في التكليف كأصل البراءة والاحتياط وغيرهما من الأُصول العملية، أضاف المتأخّرون من الأُصوليين على التعريف قيداً آخر، وهو:«أوما ينتهي إليه المستنبط في مقام العمل ».
وعلى كلّ تقدير فأُصول الفقه في كلا الحقلين يقع في خدمة الفقه، ويوصف بالطريق الموصل إليه، فلذلك يعدّ من المبادئ التصديقية للقواعد والمسائل الفقهية، ويراد من المبادئ التصديقية القضايا التي يتوقّف التصديق بالنسب الموجودة في العلم (الفقه) عليها.
وهذا التعريف للمبادئ التصديقية ينطبق تماماً على أُصول الفقه مثلاً قد وردت في الكتاب والسنّة أوامر ونواهي، والتصديق بوجوب ما أمر به أو حرمة ما

صفحه 8
نهي عنه موقوفٌ على ثبوت المسألة الأُصولية، وهو أنّ الأمر يدلّ على الوجوب وضعاً أو عقلاً، والنهي يدلّ على الحرمة كذلك، وهكذا سائر المسائل الأُصولية التي لها دور في استنباط الأحكام الشرعية.
إنّ أبواب المفاهيم لها دور في استنباط الحكم الشرعي، فلو ثبت في علم الأُصول أنّ الجملة الشرطية والوصفية تدلاّن على الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء تستخدم المسألة الأُصولية في استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الجمل الشرطية والوصفية الواردة في الكتاب العزيز. ويحكم على الحكم الشرعي في قوله:«الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء » بالثبوت لدى ثبوت القيد والانتفاء عند انتفائه.
مقدّمة المشرف: أُصول الفقه ومناهجه المختلفة   
ونظير ذلك باب العام والمطلق فإنّ حجّية عموم العام وإطلاق المطلق عند الشك في التخصيص والتقييد مسألة أُصولية يستنبط منها الحكم الشرعي الفرعي، وذلك إذا ورد عام أو مطلق وشككنا في خروج فرد أو طائفة من تحتهما. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي لها دور في استنباط الأحكام.
فإذا كان لعلم الأُصول ذلك الشأن فلا محيص من الاهتمام به ودراسته وتدريسه وتدوينه، إلى غير ذلك ممّا يزيد في تكامل العلم وتساميه.

أُصول الفقه في أحاديث العترة

لم يكن علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه في عصر الأئمّة(عليهم السلام)، فقد أملى الإمام الباقر(عليه السلام) وأعقبه الإمام الصادق(عليه السلام) على أصحابهما قواعد كليّة في الاستنباط، رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث أُصول الفقه.
ونخصّ بالذكر الكتب الثلاثة التالية:

صفحه 9
1. الفصول المهمة في أُصول الأئمة للمحدث الحرّ العاملي(المتوفّى 1104هـ.).
2. الأُصول الأصلية للعلاّمة السيد عبد الله شبر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242هـ.).
3. أُصول آل الرسول، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318هـ.).
فقد بدأ نشاط تدوين علم أُصول الفقه عند الإمامية على ضوء القواعد الكلية الموجودة في أحاديث أئمتهم بالنحو التالي:
فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208هـ.) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله » وهو نفس باب التعادل والترجيح في الكتب الأُصولية.
كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي(237ـ 311هـ.) كتاب الخصوص والعموم، والأسماء والأحكام، وإبطال القياس.
إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي فألّف كتاب «خبر الواحد والعمل به ». وهذه هي المرحلة الأُولى لنشوء علم أُصول الفقه عند الشيعة القدماء.
وبذلك يعلم أنّ أئمّة الشيعة(عليهم السلام) سبقوا غيرهم في إملاء القواعد الأُصولية على أصحابهم، كما أنّ تلامذتهم شاركوا الآخرين في حلبة التأليف والتصنيف.

أُصول الفقه ومناهجه المختلفة

لمّا ألّف الشافعي رسالته في أُصول الفقه وذاعت بين الفقهاء، عمد فقهاء أهل السنّة إلى تدوين مسائل الأُصول على طريقتين: اختصّ المتكلّمون بطريقة، وفقهاء الأحناف بطريقة أُخرى.

صفحه 10

الطريقة الأُولى: طريقة المتكلّمين

فقد تميّزت كتبهم بأمرين:
1. هؤلاء نظروا إلى علم الأُصول نظرة استقلاليّة، وأنّه علم برأسه، فصاروا يقتنصون قواعده من هنا وهناك من دون نظر إلى فتوى فقيه دون فقيه، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً كسائر العلوم يخدم الفقه بما أنّه من مبادئه التصديقية، وبه توزن فتوى الفقيه فإن وافقت القاعدة فقد أصاب، وإن خالفت فقد أخطأ.
2. سيادة الطابَع العقلي على مؤلّفهاتهم الأُصولية فأدخلوا فيه مسائل كلامية، كالحسن والقبح العقليّين وجواز تكليف ما لا يطاق وعدمه، إلى غير ذلك من المسائل العقلية .
فما بال علم باض وفرّخ بيد أهل المعقول الذين لا يصدرون في علومهم ومعارفهم إلاّ عن البرهان، فلا محالة تتسم آراء الأُصوليين بالطابع العقلي .
فأوّل من بدأ التأليف على هذا النمط هو أبو بكر الصيرفي (المتوفّى 330 هـ.)، قال القفّال في حقّه: ما رأيت أعلم بالأُصول بعد الشافعي من أبي بكر الصيرفي، له في الأُصول كتاب «البيان في دلائل الأعلام على أُصول الأحكام » وكتاب في الإجماع.
وقد تتابع التأليف على هذا النمط إلى أواخر القرن الثامن، فألّف جمال الدين الأسنوي شيخ الإسلام ورئيس الشافعية بالديار المصرية (المتوفّى 772 هـ.) «نهاية السؤول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأُصول » المطبوع المنتشر، وله أيضاً كتاب الزوائد وهو تلخيص للكتب الثلاثة: «المحصول » للرازي، و «الإحكام » للآمدي و «مختصر الأُصول » لابن الحاجب.

صفحه 11
وممّا يجدر ذكره أنّ الكتب الأُم لهذه الطريقة لا تتجاوز ثلاثة:
1. المعتمد لأبي الحسين البصري (المتوفّى 436 هـ.).
2. البرهان لإمام الحرمين الجويني (المتوفّى 478 هـ.).
3. المستصفى للغزالي (المتوفّى 505 هـ.).
وأمّا سائر الكتب فتتمتع بالتلخيص، فقد لخّص هذه الكتب الثلاثة فخر الدين الرازي (المتوفّى 606 هـ.) وأسماه بالمحصول، كما قام بهذا العمل وزاد على الثلاثة شيئاً أبو الحسين المعروف بالآمدي (المتوفّى 621 هـ.) في كتابه المعروف بالإحكام في أُصول الأحكام، حتّى أنّ «منتهى السؤل والأمل في علم الأُصول والجدل » لابن الحاجب (المتوفّى 643 هـ.) هو تلخيص لكتاب الإحكام للآمدي.
وقد كان هذا النوع من التأليف أي الجمع والتلخيص عملاً شائعاً بين الأُصوليّين في تلك المرحلة.

الطريقة الثانية: طريقة الأحناف

هذه الطريقة على خلاف ما عليه أصحاب الطريقة الأُولى حيث نظروا إلى علم أُصول الفقه نظرة آلية لا استقلالية، فلم يعمدوا إلى جمع مسائله وشوارده من هنا وهناك، بل عمدوا إلى جمع المسائل الفقهية الموافقة لفتوى أبي حنيفة فانتزعوا منها قاعدة أُصولية، فصارت القاعدة خاضعة للفروع لا حاكمة عليها، ولذلك لاترى في هذا النمط من الآثار بحثاً عقلياً أو مسألة كلامية.
وقد ظهرت هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألّف على وفقها هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي (المتوفّى 220 هـ.) فله في الأُصول رسالة مطبوعة ذكر فيها الأُصول الّتي عليها مدار كتب أصحاب أبي حنيفة.

صفحه 12
ثم تبعه أبو منصور الماتريدي (المتوفّى 333 هـ.) شيخ أهل السنّة في المشرق الإسلامي وله كتاب «مآخذ الشرائع في الأُصول » .1
ثم تلاه أبو بكر الجصّاص (المتوفّى 370 هـ.) وقد ألّف كتاباً في أُصول الفقه باسم «أُصول الجصاص » وقد تتلمذ على أبي الحسن الكرخي.
وجاء بعده أبو زيد الدبّوسي السمرقندي (المتوفّى 430 هـ.) له كتاب «تأسيس النظر » وهو مطبوع.
وتلاه فخر الإسلام البزدوي (المتوفّى 482 هـ.) فألف في الأُصول كتاب «كنز الوصول إلى معرفة الأُصول » وهو كتاب سهل العبارة يعدّ أوضح كتاب ألّف وفقاً لهذه الطريقة.
وتلاه شمس الأئمة السرخسي (المتوفّى 483 هـ.) له كتاب «تمهيد الفصول في الأُصول » 2 .
وآخر من ألّف على هذا النمط الحافظ النسفي (المتوفّى 790 هـ.) ومن تصانيفه «منار الأنوار » و «كشف الأسرار في شرح المنار » المطبوعان.
ولعلّ هناك مَن ألّف على هذه الطريقة ولم نقف عليه .

الطريقة الثالثة: الجمع بين الطريقتين

لمّا كانت لكل من الطريقتين مزيّة حيث إنّ النظرة إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية والاستدلال عليها بالبرهنة تعدّ من مزايا هذه الطريقة غير أنّه تعوزها الصلة بين القاعدة والفروع المستنبطة، فالطالب يدرس أُصول الفقه كقواعد جافّة من دون أن يطّبقها على مواردها والفروع الّتي تترتب عليها، بخلاف الطريقة

1 . لاحظ كتابنا: بحوث في الملل والنحل: 3 / 11 .
2 . الفوائد البهية: 158 ; الجواهر المضيئة: 2 / 28 .

صفحه 13
الثانية، فإنّ الصلة بين القاعدة والفروع قويمة حيث إنّ القاعدة تنتزع من جمع الفروع من هنا وهناك غير أنّه تفقد شمولية القاعدة لسائر المذاهب الفقهية، لأنّ المفروض أنّ القاعدة منتزعة من فتوى الإمام المعين كأبي حنيفة، فكيف يمكن أن يستند إليها فقهاء سائر المذاهب؟
ولهذا حاول بعض المتأخّرين الجمع بين الطريقتين بمعنى تأسيس القاعدة والبرهنة عليها ثم تطبيقها على الفروع الكثيرة الواردة في الكتب الفقهية، وهذا نمط ثالث جدير بالتقدير، فإنّ القواعد الأُصوليّة كالقواعد الرياضية لا ينتفع بها المتعلم إلاّ بالتمرّن وحلّ المسائل على ضوء القواعد.
وممّن وفّق للتأليف على هذا النمط الفقيه المعروف بابن الساعاتي (المتوفّى 694 هـ.) له مصنّفات في الفقه والأُصول، منها «بديع النظام في أُصول الفقه »، جمع فيه بين طريقتي الآمدي في كتابه الإحكام الّذي عنى فيه بذكر القواعد دون التطبيق على الفروع، وطريقة فخر الإسلام البزدوي في كتابه الّذي عنى فيه بالشواهد الجزئية الفرعية.
وتلاه صدر الشريعة البخاري (المتوفّى 747 هـ) له كتاب «تنقيح الأُصول » المطبوع وشرحه «التوضيح » المطبوع أيضاً، جمع فيه بين ثلاثة كتب من أُصول البزدوي الحنفي المؤلّف على الطريقة الثانية والمحصول للرازي ومنتهى السؤل والأمل لابن الحاجب المؤلّفين على طريقة المتكلمين.
إلى غير ذلك من الكتب المؤلّفة على النمط الثالث.

الطريقة الرابعة: تخريج الفروع على الأُصول وتخريج الفروع على القواعد العربية

قد تعرفت على الطرق الثلاثة في تأليف أُصول الفقه، وهناك طريقة رابعة ربّما تكون أجمل وأكمل من الطريقة الثالثة، وهي تخريج الفروع على الأُصول

صفحه 14
على الطريقة الثالثة وتخريج الفروع على القواعد العربية، وهذا هو الّذي يميّز تلك الطريقة عن الطريقة الثالثة، حيث خرّج الفروع الفقهية على ضوء العلمين:
1. أُصول الفقه.
2. القواعد العربية.
وما أُلف على هذا النمط قليل جدّاً، نذكر منه:
1. الكوكّب الدّري للأسنوي الشافعي (المتوفّى 772 هـ).
2. تمهيد القواعد الأُصولية، والعربية للشهيد الثاني (المتوفّى 966 هـ) .
فقد جمع الشهيد فيه بين تخريج الفروع على الأُصول وتخريجها على القواعد العربية، فذكر من القسم الأوّل مائة قاعدة أُصولية يستنبط منها أحكام فقهية، كما ذكر من القسم الثاني مائة قاعدة عربية لها مدخلية تامّة في استنباط الأحكام. والكتاب جدير بالمطالعة، ومن حسن الحظ أنّه طبع أخيراً في المشهد الرضوي بتحقيق أنيق، فشكر الله مساعي القائمين بإنجاز الكتاب بصورة بهيّة .

منهج الإمامية في تدوين أُصول الفقه

إنّ أُصول الفقه لدى الأحناف ـ في الحقيقة ـ علم بالقواعد الفقهية حيث إنّ الفقيه يضمّ مسألة إلى مسألة ثم يوحّد بينهما وبين المسائل الأُخرى وينتزع من الجميع قاعدة فقهية. مثلاً إنّ الفقيه لمّا وقف على أنّ صحيح الإجارة وفاسدها يوجب الضمان ووقف أيضاً على أنّ البيع صحيحه وفاسده يوجب الضمان، إلى غير ذلك من المسائل الّتي فيها مبادلة مالين أو مال وانتفاع، فينتزع من الجميع قاعدة فقهية كلية ويقول: «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » وهذا غير علم الأُصول الّذي يستعين الفقيه به في استنباط الحكم الشرعي فلذلك نرى أنّ

صفحه 15
أصحابنا الإمامية منذ العصور الأُولى ألّفوا على طريقة المتكلّمين، فطرحوا أُصولاً وقواعد لها دور في استنباط الحكم الشرعي وربّما ألجأتهم الظروف إلى إدخال المسائل الكلامية، وهذا النمط هو السائد على ما ألّفه أصحابنا الإمامية من العصور المتقدمة إلى زماننا هذا، وفي الوقت نفسه ميّزوا القواعد الفقهية عن القواعد الأُصولية فألّفوا في ذينك الحقلين كتباً كثيرة. نذكر بعض مَنْ ألّف في علم الأُصول:
1. الشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ.) له كتاب «التذكرة في أُصول الفقه » .
2. الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ.)له كتاب «الذريعة إلى أُصول الشريعة ».وقد قامت مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) بتحقيقه ونشره مجدداً في مجلد واحد، عام 1429هـ. .
3. سلاّر الديلمي (المتوفّى 448 هـ.)له كتاب «التقريب في أُصول الفقه » .
4. الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ.)له كتاب «العدّة في أُصول الفقه ».
5. ابن زهرة الحلبي (المتوفّى 558 هـ.)له كتاب «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع » .
6. سديد الدين الحمصي (المتوفّى 600 هـ.)له كتاب «المصادر في أُصول الفقه ».
7. نجم الدين المحقّق الحليّ (المتوفّى 676 هـ.)له كتاب «المعارج في أُصول الفقه ». شكر الله مساعيهم.
إلى أن وصلت النوبة لنادرة الآفاق وعلاّمة العراق الحسن بن يوسف بن المطهر (المتوفّى 726 هـ.) المعروف بالعلاّمة الحلي فغار في بحار هذا العلم

صفحه 16
وغاص في عبابها فأخرج لآلئها وإليك أسماء ما صنّفه في هذا العلم على وجه الإجمال:
1. «غاية الوصول وأيضاح السبل » في شرح مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأُصول والجدل لابن الحاجب (المتوفّى 646 هـ.)، ذكره المصنّف في «خلاصة الرجال »، وقد حقّق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)وطبع الجزء الأوّل منه عام 1430هـ.، والجزء الثاني قيد الطبع.
2. «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول » مطبوع ذكره المصنّف لنفسه في «الخلاصة ». وفي إجازته للسيد المهنّا.
3. «منتهى الوصول إلى علم الكلام والأُصول » ذكره المصنّف في الخلاصة وفي إجازته للسيد المهنّا، فرغ منه يوم الجمعة السادس عشر من شهر جمادى الأُولى سنة 687 هـ .
4. «نهج الوصول إلى علم الأُصول »، ذكر المصنّف في الخلاصة وإجازته للسيد المهنّا.
5. «نهـاية الـوصـول إلى علم الأُصول » فقد حُقّقت في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ونشرت في خمسة أجزاء ما بين الأعوام 1425ـ 1429هـ. .
6. «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول » المطبوع المنتشر، ولم يزل هذا الكتاب موضع اهتمام منذ تأليفه إلى يومنا هذا، وتشهد على ذلك كثرة الشروح والتعاليق عليه الّتي ذكرها شيخنا المجيز آغا بزرگ الطهراني (المتوفّى 1389 هـ.) في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة: فقد بلغ عدد الشروح 23 شرحاً، كما بلغ عدد التعاليق خمسة .
وربّما يوجد في المكتبات شروح وتعاليق أُخرى لم يقف عليها شيخنا

صفحه 17
المجيز، والكتاب يتميّز بالإيجاز في التعبير والرصانة في المعنى على نحو يناسب الكتب الدراسية .
وممّن قام بشرحه في عصر المؤلف أو بعد رحيله بقليل، الأخوان العالمان الكبيران والكوكبان المضيئان ابنا أُخت المؤلف، أعني:
1. ضياء الدين ابن الأعرج:مؤلف هذاالكتاب، ستأتي ترجمته .
2. عميد الدين ابن الأعرج: عبدالمطلب بن محمد بن علي بن محمد بن الأعرج الحسيني المعروف بالسيد عميد الدين أبوعبدالله الحلي البغدادي (681 ـ 754 هـ.) ابن أُخت العلاّمة الحلي وتلميذه.
ولد عميد الدين ليلة النصف من شعبان سنة 681 هـ.، وتتلمذ على خاله العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر.
روى عن جده فخر الدين علي (المتوفّى 702 هـ.)، وأبيه مجد الدين أبي الفوارس محمد، وابن خاله فخر الدين محمد بن العلاّمة.روى عنه الشهيد الأوّل في الأربعين حديثاً، 12 حديثاً.
وبرع وتميّز عن أقرانه وصار من كبار العلماء في الفقه والأُصول والكلام، وبلغ درجة الاجتهاد.
صنّف كتاب «المباحث العليّة في القواعد المنطقية »، و«المسائل النافعة للمباحث الجامعة » لأقسام الورّاث، وقد طبعت.
وله شروح على بعض كتب خاله العلاّمة الحلّي نشير إليها:
1. كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد في الفقه.
2. غاية السؤول في شرح مبادئ الأُصول في أُصول الفقه.

صفحه 18
3. النقول في شرح تهذيب الوصول إلى علم الأُصول.
4. تبصرة الطالبين في شرح نهج المسترشدين في أُصول الدين.
5. شرح أنوار الملكوت في شرح كتاب الياقوت في الكلام.
توفّي عميد الدين ببغداد 10 شعبان 754 هـ. ، وحملت جنازته إلى مشهد أمير المؤمنين(عليه السلام)بالنجف الأشرف.1
   

منية اللبيب من تأليف السيد ضياء الدين لا عميد الدين

اختلفت كلمات الأعلام في نسبة كتاب «منية اللبيب في شرح التهذيب » إلى أحد الأخوين وتباينت آراؤهم; فمنهم من ينسبه إلى عميد الدين ـ كصاحب الروضات ـ2 مدّعياً شهرته باسم شرح العميدي، وكذلك اشتهار نسبته إليه بين الطلبة; ومنهم مَن يحتمل هذه النسبة ويرجّحها، كصاحب الرياض3; ومنهم من ينسبه إلى السيد ضياء الدين كصاحب الذريعة كما سيوافيك.
ولكنّنا بعد المتابعة الدقيقة للمصادر وكتب التراجم وكذلك النسخ الخطية النفيسة التي عثرنا عليها يمكننا القول وبضرس قاطع: إنّ كتاب «منية اللبيب » هو من تأليف السيد ضياء الدين، وذلك للأُمور التالية:
1. حصلنا على نسخة نفيسة من مركز إحياء التراث الإسلامي في قم فالجزءَ الأوّل منها وبعض صفحات من الجزء الثاني بخط المؤلّف نفسه أشار إلى ذلك في نهاية الجزء الأوّل(ص 211 من المخطوطة) قائلاً: وليكن هذا آخر الجزء

1 . لاحظ ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء: 8 /118 برقم 2745 .
2. روضات الجنات:4/267. ولاحظ أيضاً خاتمة المستدرك:2/401.
3. رياض العلماء:3/241.

صفحه 19
الأوّل من شرح التهذيب ويتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى قال قدس الله روحه: المقصد السابع في الإجماع. والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وكتب مصنّفه عبد الله بن الأعرج الحسيني حامداً لله تعالى ومصلّياً على سيد رسله محمد النبي وآله الطاهرين.
وقد نسخ بقية الجزء الثاني بخط عبد الله بن حسين بن محمد بن حسن بن النجار وفرغ من كتابته يوم السبت 23شهر رمضان سنة 766هـ..
وقد أشار آقا بزرگ الطهراني في ذريعته إلى عين ما ذكرناه حول هذه النسخة قائلاً: والمجلد الأوّل مع بعض صفحات من المجلد الثاني بخط المؤلف وبقية المجلد الثاني بخط عبد الله بن حسين بن محمد بن حسن بن النجار، فرغ من الكتابة يوم السبت 23شهر رمضان سنة 766هـ.، وهذه النسخة عند السيد جلال الدين المحدّث بطهران.1 وهذا تأكيد وإمضاء لما توصّلنا إليه.
2. نسب شيخنا المجيز «منية اللبيب » إلى ضياء الدين وقال: والشرحان كلاهما موجودان في الخزانة الرضوية، وهما مختلفان عبارة ومطلباً وتاريخاً.
ويتميّز شرح عميد الدين عن شرح ضياء الدين، فإن الأوّل كتب شرحه في حياة خاله العلاّمة الحلّي كما يظهر من دعائه وليس له عنوان خاص يعرف به .
وأمّا شرح ضياء الدين فقد ألّفه بعد وفاة خاله حيث كتب في آخره: فرغ من تسويده العبد الفقير إلى الله تعالى عبدالله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي الأعرج الحسيني في الخامس والعشرين من رجب أو ظهر الأربعاء خامس عشر شهر رجب سنة 740 هـ .2

1. الذريعة:23/208.
2. الذريعة:23/207 برقم 8653.

صفحه 20
وهذا عين ما جاء في آخر النسخة التي تحدّثنا عنها آنفاً.1
3. ذكر ابن الفوطي أنّ اسم كتاب عميد الدين هو:«النقول في شرح تهذيب الأُصول إلى علم الأُصول ».2 بينما أشار مؤلّف هذا الكتاب في آخر مقدّمته إلى اسم كتابه بالعبارة التالية:«فوضعت هذا الكتاب المسمّى بـ«منية اللبيب في شرح التهذيب »... .3
4. إنّ الشهيد الأوّل جمع بين الشرحين في كتاب سمّاه «جامع البين من فوائد الشرحين » .
يقول شيخنا المجيز: جمع الشهيد فيه بين فوائدهما وزاد عليهما فوائد أُخرى، ثم ينقل عن كشف الحجب: إن الشهيد ألّفه في أوائل شبابه ولم يراجع المسودّة فبقيت النسخة غير منقحّة، فوجدها الشيخ عزالدين حسين بن عبدالصمد والد الشيخ بهاء الدين (المتوفّى 984 هـ) فأصلحها في سنة 941 هـ.، وقال بعد تمام الإصلاح: «ثم إنّ الشيخ الشهيد ميّز ما اختص به شرح الضياء بعلامة (ض) وما اختص به شرح العميد بعلامة (ع) وأنا تابعته في ذلك، وما كان زائداً عليهما، كتبت في أوّله لفظة (زيادة) وفي آخره (هـ.)، فصارت هذه النسخة مميّزة مختصات الشرحين والزائدة عليهما ومختصّة بمزيد الإصلاح والتصحيح، ثم ينقل عن كشف الحجب أيضاً أنّه ظفر بحمدالله على نسخة خط الشيخ حسين بن عبدالصمد. أوّله: «أحمدك اللهم على سوابغ نعماءك وأبلغ محامدك وأسألك المزيد من فضلك »(4).

1. لاحظ السطر العاشر من صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ب »: ص 30.
2. راجع موسوعة طبقات الفقهاء:8/119برقم 2745.
3. راجع مقدمة المؤلّف ص 38.   4 . الذريعة: 5 / 43 ـ 44 .

صفحه 21
وقد حقّق الكتاب مكتب الإعلام الإسلامي وهو قيد الطبع. وليس ما بأيديهم من النسخ ما يميّز أحدهما عن الآخر.
ثمّ إنّ الشهيد الأوّل نقل عن شيخه وأُستاذه عميد الدين في (المقصد الثاني: في اللغات) نصاً نأتي به: «قال شيخنا عميد الدين في شرحه: بل اليسير أولى، لأنّه أكثر مبالغة فإنّه إذا كان الأقل الأضعف آية، فما ظنّك بالأقوى والأعجب؟ » وقد بحثنا عن هذا القول بدقة في كتابنا هذا فلم نجد نصه ولا معناه، وهذا يكون قرينة على أنّ كتاب «منية اللبيب » ليس لعميد الدين، وإلاّ لوجدنا ما نقله تلميذه عنه.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ كتاب «منية اللبيب في شرح التهذيب » هو من تأليف السيد ضياء الدين عبدالله ابن الأعرج الحسيني.

ترجمة المؤلّف1

هو السيد ضياء الدين عبدالله بن الفقيه محمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن علي بن عبدالله بن أبي الحسن علي بن عبيد الله بن الأعرج بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسيني الحلّي، أخو الفقيه عميد الدين عبد المطلب، وهما ابنا أُخت العلاّمة الحلّي.
كان فقيهاً إمامياً، أُصوليّاً، متكلّماً، مشهوراً.
ولد بعد سنة إحدى وثمانين وستمائة، في أُسرة علمية جليلة.
وقد ذكر في كتب الأنساب أنّ أبا الحسن علي بن عبيد الله الجد الأعلى لهذا السيد كان كبيراً في الغاية، وكانت إليه رئاسة العراق، وكان مستجاب الدعوة، وقد

1. لاحظ ترجمته في: رياض العلماء:3/240; أعيان الشيعة:8/69; الفوائد الرضوية:256; طبقات أعلام الشيعة(القرن الثامن):3/124، موسوعة طبقات الفقهاء:8/117 برقم 2744.

صفحه 22
كان هذا مذكوراً في كتب الرجال ومدحوه كثيراً فيها، ولهذا الجد اختصاص تام بالإمامين الكاظم والرضا(عليهما السلام).
روى عن: خاله العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر، وعن ابن خاله فخر الدين محمد بن العلاّمة الحلّي .
وروى عنه: تاج الدين محمد بن القاسم بن المعيّة الحسني (المتوفّى 776 هـ.)، والشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي (المتوفّى 786 هـ.)، والحسن بن أيوب الشهير بابن نجم الأطراوي العاملي.
ترجمة المؤلف ومنهجه في شرحه   
له مصنّفات، منها: كتاب «التحفة الشمسية في المباحث الكلامية »، وشرح تهذيب الوصول إلى علم الأُصول لخاله العلاّمة الحليّ سمّاه: «منية اللبيب في شرح التهذيب » فرغ من تأليفه في 15 رجب سنة 740 هـ بمشهد أمير المؤمنين بالنجف الأشرف، ورسالة في أُصول الدين نقل عنها الشيخ زين الدين القاضي في بعض مؤلّفاته.
ولم نظفر بوفاته، وهو أصغر من أخيه عبدالمطلب المعروف بعميد الدين بن الأعرج المتقدّمة ترجمته والمتوفّى سنة 754هـ. .

منهج المؤلف في شرحه

إنّ المؤلّف الشارح(قدس سره) يعتمد كثيراً في نقل الآراء والأفكار على الكتب الثلاثة التالية:
1. الذريعة للسيد المرتضى.
2. المحصول للرازي.

صفحه 23
3. نهاية الوصول في علم الأُصول للعلاّمة الحلّي.
ويناقش آراء السيد المرتضى، كما يناقش ما ينقله عن الرازي، وكثيراً ما يدعم نظرية خاله العلاّمة الحلّي. نعم ربّما ينقل عن المعتمد لأبي الحسين البصري، والإحكام للآمدي، وغيرهما.
كما قام باستعراض آراء الأُصوليين ; كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبي بكر الصيرفي، وأبي هاشم الجبّائي، وأبي علي الجبّائي، والقاضي عبد الجبار، وابن فورك، والأشعري، والقفّال، وإمام الحرمين، وغيرهم; على اختلافها وتنوّعها وقام بمناقشتها وردّها أو التوقّف والتنظّر فيها.
والكتاب يعطينا صورة واضحة عن تكامل علم الأُصول في أواسط القرن الثامن عند الشيعة الإمامية.

صفحه 24
 
شكر وتقدير
وفي الختام لا يسعني إلاّ تقديم أسمى آيات الشكر والامتنان إلى المحقّقين الأعلام في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، وهم:
1. السيد عبد الكريم الموسوي.
2. محمد عبد الكريم بيت الشيخ.
3. الشيخ محمد چياد الكناني.
فقد قام هؤلاء الأعزّاء الأفاضل ـ وفقهم الله ـ بتحقيق الكتاب على أكمل وجه وبجميع مراحله، وبذلوا جهودهم في مقابلة نسخه الخطية، وتقويم نصّه وضبطه، وتخريج مصادره وأقواله، وإعراب آياته، وترتيب عناوينه وفصوله، وحلّ معضلاته والتعليق عليها، وتنظيم فهارس كاملة للكتاب في آخره، وتصحيح الكتاب بدقّة حتى ظهر بهذا الشكل اللائق، فشكر الله سعيهم ووفقّهم للمزيد من البذل والعطاء وخدمة الإسلام.
كما أُقدّم شكري وامتنانيللشيخ الجليل: محمود باقرپور الذي قام بطبع الكتاب وإخراجه فنياً، وبذل غاية جهده ليخرج بهذه الحلّة القشيبة.
أمّا منهج التحقيق فأتركه لقلم المحقّقين.
   

النسخ المعتمدة

اعتمدنا في عملنا على النسخ الخطّية التالية:
1. النسخة الخطية المحفوظة في مركز إحياء التراث الإسلامي في قم برقم 218.
تمّ الانتهاء من كتابتها يوم الأحد المصادف للثامن عشر من شهر رمضان

صفحه 25
المبارك من سنة أربع وسبعين وتسعمائة(974هـ.)، كتبها غياث الدين محمد بن تاج الدين حسين بن نظام الدين علي الحسيني في بلدة قزوين. والنسخة تحتوي على 319 صفحة، وكل صفحة على 23سطراً، ذات أبعاد: 5/18×12سم. وقد رمزنا لها بالحرف: «أ ».
2. النسخة الخطية المحفوظة في مركز إحياء التراث الإسلامي برقم 2879. وهي نسخة نفيسة جداً، كتب المؤلّف الجزء الأوّل وعدّة صفحات من الجزء الثاني(216صفحة من صفحاتها الـ 392) بخط يده، وأتمّ كتابتها عبد الله بن حسين بن محمد بن حسن بن النجار، يوم السبت23 شهر رمضان من سنة ست وستين وسبعمائة(766هـ.). والنسخة تحتوي على 392صفحة، وكل صفحة تحتوي على 25 سطراً ذات أبعاد 22×5/14 سم. والنسخة ناقصة البداية، ويوجد فيها تقديم وتأخير، وما كتبه المؤلف أكثره غير منقط، ولكن هذا لا يضر بأهمية النسخة وجودتها. وقد رمزنا لها بالحرف «ب ».
3. النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قم برقم 26. كتب الجزء الأوّل منها عبد الخالق الزين ليلة السبت نسخ ربيع الثاني من شهور سنة 981هـ. .
وأمّا الجزء الثاني فليس في آخره من تاريخ النسخ عين ولا أثر.
والنسخة تحتوي على 233صفحة، تحتوي كل صفحة على 21سطراً، وذات أبعاد:8×14سم. وقد رمزنا لها بالحرف:«ج ».1

1. وعليها تملّك المشرف عام 1368ق. قال ـ دام ظله ـ : وما كنت أحلم يوم تملّكتها، أنّه سيكون لي شرف الإشراف على تحقيقها وإخراجها بهذه الحُلّة، وما هذا إلاّ فضله سبحانه يمنّ به على من يشاء من عباده.

صفحه 26
4. النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي في قم برقم 2336. كتبها علاء الدين بن فتح الله البسطامي، وفرغ من نسخها نسخ ربيع الثاني من سنة إحدى وثمانين وتسعمائة(981هـ.). والنسخة تحتوي على 202صفحة، كل صفحة تتكون من 23سطراً، ذات أبعاد:24×5/17سم. وهي نسخة جيدة من حيث سلامة المتن وقلّة الأخطاء، علاوة على جودة الخط، لكنّها لا تخلو من هفوات. وقد رمزنا لها بالحرف:«م ». وهي تتفق كثيراً مع نسخة «ب ».
5. الطبعة الحجرية المطبوعة في لكهنو سنة 1316هـ.، وتحتوي على 388 صفحة. وقد رمزنا لها بالحرف: ل.
6. اعتمدنا على كتاب «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول » المطبوع بتحقيق السيد محمد حسين الرضوى الكشميري ونشرته مؤسسه الإمام علي(عليه السلام) في لندن سنة 1421هـ. في تصحيح المتن الموجود في النسخ الخطية، وقد رمزنا له بـ :المطبوع.

منهج التحقيق

1. بعد تهيئة النسخ قمنا بمقابلتها، وقد اعتمدنا على نسخة «ب »، لأنّها كما ذكرنا في الصفحة السابقة أنّ الجزء الأوّل وعدة صفحات من الجزء الثاني كتبه المؤلّف نفسه بخط يده، وما بقي من الجزء الثاني كُتب على نسخة المؤلّف، ولكنّنا لم نستغن عن بقية النسخ ـ وعلى الخصوص نسخة «م » ـ لأنّ نسخة «ب » ناقصة البداية ويوجد فيها تقديم وتأخير وأكثر من نصف صفحاتها غير منقطة، وقد أشرنا إلى اختلاف النسخ في المواقع الضرورية فقط.
2. بعد الانتهاء من مقابلة النسخ الخطية قمنا بتقويم نص الكتاب وضبطه وتنقيحه.

صفحه 27
3. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
4. تخريج الأحاديث والروايات وأقوال الصحابة الواردة في متن الكتاب وإرجاعها إلى مصادرها الرئيسية.
5. تخريج أقوال العلماء واستعراض آرائهم مع ذكر مصادر هذه الأقوال.
6. كتابة بعض التعاليق الضرورية حول مواضيع الكتاب المختلفة وعلى الخصوص المتعلّقة بالأُمور العقائدية والكلامية.
7. كلّ ما بين المعقوفتين[   ] فهو إضافة منا لضرورة يقتضيها سياق العبارة.
8. قمنا بكتابة عناوين استنتاجية ووضعها بين معقوفتين تسهيلاً للقارئ الكريم، وتنظيماً لمطالب الكتاب ومحتوياته.
9. إتماماً للفائدة قمنا بترجمة الأعلام الذين ذكرهم المؤلف في متن كتابه.
10. وفي الختام قمنا بتنظيم مجموعة من الفهارس الفنية ـ تأتي في آخر الجزء الثاني ـ تسهّل على القارئ الكريم الاستفادة من مطالب الكتاب المختلفة، وتساعده على الوصول إلى ما يبتغيه بسرعة ويسر.
***
هذا نصّ المحقّقين الكرام حول منهج التحقيق، شكر الله مساعي الجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم المقدّسة
8شوال المكرم1430هـ.

صفحه 28
الصفحة الأُولى من نسخة«ب » المحفوظة في مركز إحيـاء التراث الإسلامي في قـم، وهـي بخط المؤلف
   

صفحه 29
الصفحة الأخيرة من الجزء الأوّل من نسخة«ب »بخط المؤلف وقد ذكر اسمه في السطر قبل الأخير.

 

صفحه 30
الصفحة الأخيرة من نسخة«ب » ويظهر فيها اسم المؤلف في السطر العاشر.

صفحه 31
الصفحة الأُولى من نسخة«ج » المحفوظة في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قم

صفحه 32
الصفحة الأخيرة من نسخة «ج »

صفحه 33
الصفحة الأُولى من نسخة«م » المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي

صفحه 34
الصفحة الأخيرة من نسخة«م »

صفحه 35
الصفحة الأُولى من نسخة«أ » المحفوظة في مركز إحياء التراث الإسلامي

صفحه 36
الصفحة الأخيرة من نسخة«أ »

صفحه 37
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ربّ يسّر
اللهمّ إنّي أحمدك حمداً لا يقدر حصره، ولا يحصر قدره، ولا ينسى ذكره، ولا يطوى نشره، ولا ينتهي عدده، ولا ينقضي أمده; وأشهد أن لا إله إلاّ الله شهادة موجبة لجميل الأجر، سالبةً لثقيل الوزر، جالبة لغزير الثواب، خالية من الشك والارتياب; وأُصلّي على سيّد المرسلين وخاتم النبيين محمد المصطفى وعلى آله الأئمّة الطاهرين، صلاة باقية إلى يوم الدين.
أمّا بعد; فإنّ الالتفات إلى علم أُصول الفقه، وصرف الهمّة إلى عرفانه، وإمعان النظر فيه والبحث عن أقسامه وأفنانه، وبذل الوسع والطاقة في إيضاحه وبيانه من الأُمور الواجبة والفروض اللازمة، إذ يتعذّر بدونه امتثال الأوامر الإلهية واستعمال القوانين الشرعية. وكان شيخنا الأعظم ورئيسنا المعظم، أفضل العلماء على الإطلاق، وأكمل الفضلاء في الآفاق، قدوة أرباب التدقيق، مرجع أُولي التنقيب والتحقيق، أعلم المتأخّرين، لسان المتقدّمين، حجّة الله على العالمين، جمال الملّة والحق والدين، سديد الإسلام والمسلمين، أبو منصور الحسن بن مطهّر الحلي ـ قدّس الله نفسه، ونوّر رمسه، وأنار برهانه، وأعلى شأنه، ورفع في الجنان مقامه ومكانه ـ قد صنّف في هذا العلم كتباً كثيرة، مختصرات ومطوّلات، وكان

صفحه 38
أقلّها حجماً وأكثرها علماً وأحسنها ترتيباً ونظماً كتابه المسمّى بـ «تهذيب الوصول [إلى علم الأُصول » ]، فإنّه قد اشتمل على الحاصل من المحصول ، واحتوى على النهاية من علم الأُصول ، لكنّه لغزارة علمه ونزارة حجمه يحتاج الناظر فيه إلى الشرح والتنبيه; أحببتُ أن أُملي عليه شرحاً موضحاً لمسائله، مقرّراً لدلائله، ممهّداً لقواعده، مشيّداً لمقاصده من غير تطويل يفضي إلى الملل، أو تقليل يوجب الإهمال والخلل، فوضعت هذا الكتاب المسمّى بـ «منية اللبيب في شرح التهذيب » راجياً من الله تعالى حسن التوفيق والهداية إلى سواء الطريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
***

صفحه 39
   قال المصنّف بعد الخطبة:
   ورتّبت هذا الكتاب على مقاصد:

[ المقصد ] الأوّل:

في المقدّمات

                                                   وفيه فصول:

صفحه 40

صفحه 41

[ الفصل ] الأوّل:

في مباحث مهمة

تصـوّر المـركـب يستلزم تصوّر مفرداته، لا مطلقاً، بل من حيث هي صالحة للتركيب.*
* أقول: المقاصد جمع مقصد وهو موضع القصد.
والمقدّمات جمع مقدّمة، والمقدّمة عبارة عن قضية جعلت جزء قياس أو حجة، والمراد بها هاهنا ما يجب تقديمه من المباحث قبل الخوض في مسائل الكتاب.
والفصول جمع فصل، وهو لغة القطع ويطلق على المميز الذاتي، والمراد به هاهنا ما يفصل المباحث بعضها عن بعض.
إذا تقرّر هذا فنقول: كلّ طالب أمر من الأُمور لا يجب أن يكون متصوّراً له ولو باعتبار ما، فإنّ طلب ما ليس بمتصوّر أصلاً محال وأن يكون متصوراً لغايته وإلاّ لكان طلبه عبثاً، ولهذا بدأ المصنّف بتعريف هذا العلم ثم ذكر غايته ـ أعني: الغرض المطلوب منه ـ وإنّما قدّم الأوّل على الثاني لتقدّم ذي الغاية عليها في الوجود الخارجي وإن كانت الغاية متقدّمة

صفحه 42
على ذي الغاية في الوجود الذهني. ولأنّ العلم بالغاية من حيث إنّها غاية بشيء معين إنّما يتحقّق بعد العلم بذلك الشيء بالضرورة.
ولمّا كانت أُصول الفقه مركّباً من الأُصول والفقه وهما جزآه الماديان، ومن إضافة الأوّل إلى الثاني وهو جزؤه الصوري مهّد قاعدة كلية لكلّ مركّب، وهي: أنّ تصوّره أي حصول صورته في العقل مستلزم لتصوّر أجزائه، لا مطلقاً أي لا من كلّ وجه، بل من حيث صلاحيتها للتركيب. كالنجار مثلاً إذا تصوّر الكرسي وجب أن يتصوّر أجزاءَه من الخشب والحديد، لا من كلّ وجه بحيث يعلم كونهما مركّبين من المادة والصورة، أو1 الجواهر الأفراد2، أو كونهما قديمين أو حادثين، بل من حيث صلاحيتهما للتركيب والتأليف. وهذا المدعى ـ أعني: استلزام تصوّر المركب لتصوّر أجزائه ـ ظاهر، لأنّ حصول المركّب في العقل منفكّاً عن أجزائه محال، لاستحالة تحقّق الكل بدون جزئه بالضرورة.
قيل عليه: إن أردت بتصوّر المركّب التصوّر التام استلزم تصوّر أجزائه كذلك، ولم يكف تصوّرها من الوجه المذكور وحده، وإن أردت التصوّر مطلقاً ولو بوجه ما لم يستلزم تصوّر شيء من أجزائه فضلاً عن تصوّرها أجمع من الوجه المذكور.
وأُجيب بأنّ هنا قسماً آخر هو المراد، وهو تصوّر المركّب من حيث التركيب، فإنّه يستلزم تصوّر أجزائه من هذه الحيثية.

1. في «م » :و.
2. في «أ »:الفردية، وفي «ج »: الفردة.

صفحه 43
قال قدس الله روحه: فالأُصول لغةً: مايبنى عليها غيرها، وعرفاً: الأدلة. والفقه لغةً:الفهم. وعرفاً: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستدل على أعيانها، بحيث لا يُعلم كونها من الدين ضرورة. فخرج: العلم بالذوات، وبالأحكام العقلية، وكون الإجماع وخبر الواحد ونظائرهما حجّة، وعلم المقلِّد، والأُصول الضرورية كالصلاة والزكاة. *

*[  الأُصول والفقه لغة واصطلاحاً ]

أقول: لمّا ذكر أنّ تصوّر المركب يستلزم تصوّر مفرداته، وكان أُصول الفقه مركباً من الأجزاء الثلاثة المذكورة، أشار إلى تعريف كلّ واحد منها على ترتيبها.
فالأُصول لغة ما يبنى عليها غيرها.
وفي عرف الأُصوليّين عبارة عن الأدلّة لابتناء العلم بالمدلولات عليها.
وأمّا الفقه فهو بحسب الوضع اللغوي عبارة عن الفهم، قال الله تعالى: (فَهُمْ لا يَفْقَهُون)1أي لا يفهمون، وقال:(وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحهُمْ)2 أي لا تفهمونه.
والفهم قيل: هو العلم، وقيل3: هو جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب المطالب.

1. التوبة:87; المنافقون:3.
2. الإسراء:44.
3. القائل هو الآمدي في الإحكام:1/9.

صفحه 44
ويضعف الأوّل، لصدق الفهم على العامي الفطن وكذب العلم عليه. وأمّا في عرف الأُصوليّين فهو عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستدل على أعيانها، بحيث لا يُعلم كونها من الدين ضرورة، فالعلم كالجنس يشترك فيه جميع العلوم.
وتقييده بتعلّقه بالأحكام يخرج العلم المتعلّق بالذوات والصفات الحقيقية.
وتقييد الأحكام بالشرعية يخرج العلم المتعلّق بالأحكام العقلية، كالتماثل والاختلاف والحسن والقبح عند من يجعلهما عقليين.
وتقييدها بالفرعية يخرج العلم المتعلّق بالأحكام الشرعيّة الأُصولية، ككون الإجماع وخبر الواحد ونظائرهما كالقياس والاستصحاب والاستحسان حجّة.
وتقييدها بكونها مستدلاً على أعيانها يخرج علم المقلِّد، فإنّه يعلم كثيراً من الأحكام الشرعية الفرعية لكن لا بالاستدلال على أعيانها، بل من حيث إنّ المفتي أفتاه به، وكلّ ما أفتاه المفتي به فهو حكم الله تعالى في حقّه، فلهذا لا تسمّى علومه1 فقهاً.
وتقييدها بكونها بحيث لا يعلم ثبوتها2 من الدين ضرورة يخرج العلم المتعلّق بالأُصول الضرورية، كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم الخمر والميتة فإنّها اشتهرت في الدين حتى صارت معلومة الثبوت من دين الإسلام بالضرورة، وإن كانت في الابتداء ممّا يصحّ الاستدلال عليها.

1. في «م »: علمه.
2. في«أ » و «ج »: كونها.

صفحه 45
قال قدس الله روحه: وظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم. *
وفيه نظر لعدم خروج علم المقلِّد بما ذكر من القيد، فإنّ الأحكام المعلومة للمقلّد يستدلّ المجتهد على أعيانها فيصدق عليه حينئذ الحد المذكور فإنّها أحكام شرعية فرعية يستدلّ1 على أعيانها وإن كان المستدل غيره .
ويدخل أيضاً في هذا الحدّ علم واجب الوجود تعالى، وعلم الملائكة(عليهم السلام)، وعلم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالأحكام المتلقّاة من الوحي بهذا الوجه المذكور، فإذن هذا الحد غير مطّرد.
ولو قيّد فيه حصول العلم بتلك الأحكام بالاستدلال كما فعله جماعة من المتأخّرين; اندفع النقض المذكور بعلم واجب الوجود وعلم الملائكة وعلم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلم المقلِّد أيضاً، إلاّ أن يقال: المقلِّد أيضاً يستدلّ على عين كلّ حكم يعلمه تقليداً بأنّه أفتاه المفتي، وكلّ ما أفتاه به المفتي فهو حكم الله تعالى في حقّه وإن كانت صورة دليله(2) في الكل واحدة.
* أقول: هذا جواب عن سؤال مقدّر يورد2 على حد الفقه المذكور، وتقرير(4) السؤال أن يقال: إنّ الفقه من باب الظنون، فإنّ أكثر طرقه كخبر الواحد والقياس والاستصحاب إنّما يفيد الظن فكيف يجعلون(5) جنسه العلم مع المباينة بين العلم والظن؟

1. في«أ » و «ج »: مستدل.   2 . في«أ » و «ج »: استدلاله.
2. في «م »: يرد.   4 . في «أ » و «م »: تقدير.   5. في«أ » و «ج »: يجعل.

صفحه 46
قال قدس الله روحه: وليس المراد العلم بالجميع فعلاً، بل قوة قريبة منه. *
والجواب: المنع من كونه من باب الظنون، بل هو معلوم والظنّ واقع
في طريقه، وذلك لأنّ المجتهد إذا غلب على ظنه1 حكم شرعي بأحد الطرق الشرعية حصل عنده مقدّمتان قطعيتان:
إحداهما: أنّ الحكم الفلاني مظنون الثبوت بالطريق الشرعي، وهذه مقدّمة وجدانية، فإنّ حصول الظن للظان معلوم له بالوجدان .
والثانية: أنّ كلّ مظنون الثبوت بالطريق الشرعي يجب العمل به وهذه مقدّمة إجماعية، فإنّ الإجماع واقع على وجوب العمل بالظن الحاصل من الطريق الشرعي، وهما ينتجان وجوب العمل بذلك الحكم، فقد ظهر أنّ الحكم معلوم والظن واقع في طريقه، لأنّه في تصوّرات المقدّمتين لا في النسبة الحكمية.
فإن قلت: نتيجة هذا القياس المركّب من هاتين المقدّمتين إنّما هو وجوب العمل بالحكم قطعاً، وذلك لا يستلزم كون الحكم معلوماً والنزاع إنّما هو فيه.
قلت: المراد بكون الحكم معلوماً كون وجوب العمل به معلوماً.
* أقول: هذا جواب سؤال آخر يورد على حدّ الفقه المذكور أيضاً، وتقرير السؤال أن يقال:إنّ المراد بالأحكام في قولكم: الفقه هو
العلم بالأحكام، إن كان بعض الأحكام لم يطّرد، بل يصدق الحد
بدون المحدود، كما في المقلِّد إذا علم بعض الأحكام الشرعية بالاستدلال

1. في«م » بزيادة: أنّه.

صفحه 47
قال قدس الله روحه: وإضافة اسم المعنى يفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه.*
على عينه، فإنّه لا يكون بذلك فقيهاً مع صدق الحدّ المذكور عليه، وإن كان المراد جميع الأحكام لم ينعكس، بل يصدق المحدود بدون الحدّ، فإنّ كثيراً من الفقهاء لا يحيطون علماً بجميع الأحكام الشرعية، حتى أنّ مالكاً سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري.1
والجواب: إنّا نختار القسم الثاني وعدم الانعكاس إنّما يلزم على تقدير أن يراد العلم بالجميع بالفعل2 وليس ذلك مراداً، وأمّا على تقدير أن يراد بالعلم بالجميع بالقوة القريبة من الفعل بحيث يكون متمكّناً من استخراج الأحكام الشرعية من أدلّتها الشرعية وهو الواقع فلا، فإنّ الانعكاس ثابت.
* أقول: لمّا فرغ من تعريف جزأي أُصول الفقه المادّيين ـ أعني: الأُصول والفقه ـ شرع في تعريف جزئه الصوري، وهو إضافة الأوّل منهما إلى الثاني.
واعلم أنّ الاسم ينقسم إلى اسم العين وهو ما لمسمّاه جثة كرجل وفرس، وإلى اسم المعنى وهو ما ليس لمسمّاه جثة كعلم وظن، وكلّ منهما ينقسم إلى اسم غير صفة كما ذكرناه في المثال فيهما، وإلى اسم هو صفة كقائم وراكب في الأوّل، وصادق وكاذب في الثاني.

1. لاحظ: المغني: 11/384، باب شروط الاجتهاد; المستصفى:2/389، في تجزّؤ الاجتهاد; الإحكام في أُصول الأحكام:4/164، في المجتهدين.
2. في«أ »: بالعقل.

صفحه 48
قال قدس الله روحه: فأُصول الفقه مجموع طرق الفقه على الإجمال، وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدل بها.*
إذا تقرّر هذا فنقول: المصنّف ـ قدس الله روحه ـ أشار إلى تعريف الإضافة المذكورة بتعريف مطلق إضافة اسم المعنى إلى شيء ما، لاندراج هذه الإضافة التي هي جزء أُصول الفقه تحتها، لكون الأُصول من أسماء المعاني، فهي فرد من أفرادها تخصّصت باعتبار تخصّص1 متعلّقها، أعني: المضاف وهو الأُصول ، والمضاف إليه وهو الفقه.
وعرّفها بغايتها وهي إفادتها اختصاص المضاف بالمضاف إليه.
وينبغي التقييد بقولنا في المعنى الذي عيّنت له لفظة المضاف كما ذكره فخر الدين الرازي2 في «المحصول »3 فإنّا إذا قلنا:«مكتوب زيد » لم يكن المكتوب مختصاً بزيد إلاّ في كونه مكتوباً له فقط، لا في كونه محسوساً ولا منظوراً إليه ولا غير ذلك ممّا يظهر مشاركة غيره له فيه، وحينئذ نقول: إضافة الأُصول إلى الفقه تفيد اختصاص الأُصول بالفقه في كونها أُصولاً له.
* أقول: لمّا فرغ من تعريف أجزاء أُصول الفقه شرع في تعريفه نفسه،

1. في«أ » و «ج »: و«م »: تخصيص.
2. هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي، المفسّر الأُصولي، أصله من طبرستان ومولده في الري سنة 544هـ وإليها نسبته، ويقال له: ابن خطيب الري، رحل إلى خوارزم وماوراء النهر وخراسان، وتوفّي في هراة سنة 606هـ . له تصانيف كثيرة، منها: مفاتيح الغيب ـ ط، لوامع البيّنات في شرح أسماء الله تعالى والصفات ـ ط، معالم أُصول الدين ـ ط، المحصول في علم الأُصول ـ ط، وغيرها. الأعلام:6/313.
3. المحصول في علم أُصول الفقه:1/11.

صفحه 49
قال قدس الله روحه: ورسمه ـ باعتبار العَلَمية ـ :العلم بالقواعد التي تُستنبط منها الأحكام الشرعية الفرعية.*
ولمّا كانت الفاء موضوعة للتعقيب كان قوله: «فأُصول الفقه » يشعر بلزوم تعريفه لما ذكر أوّلاً من تعريف الأجزاء.
وقوله: «مجموع طرق الفقه » احتراز عن الطريق الواحد من طرق الفقه، فإنّه وإن كان من أُصول الفقه إلاّ أنّه ليس إيّاه ضرورة تحقّق المغايرة بين الشيء وجزئه وطرق الفقه تشمل الأدلّة والأمارات.
وقوله: «على الإجمال » معناه كون تلك الأدلّة أدلّة في الجملة من غير اعتبار كونها أدلّة في الصور المخصوصة المعينة، فإنّا إذا قلنا: إنّ الإجماع حجّة مثلاً لا نذكر أنّه حجّة في المسألة الفلانية أو أنّه وجد في المسألة الفلانية، فإنّ ذلك ليس من أُصول الفقه.
وقوله: «وكيفية الاستدلال بها » يريد بها الشرائط التي يصحّ معها الاستدلال بتلك الطرق مثل كونها سالمة عن المعارض أو راجحة عليه.
وقوله: «وكيفية حال المستدل بها » أراد به البحث عن المفتي والمستفتي والاجتهاد وأحكامه وأحكام المجتهدين; فإنّ الطالب لحكم الله تعالى إن كان عامياً وجب عليه الاستفتاء وإن كان عالماً وجب عليه الاجتهاد.
* أقول: لفظ أُصول الفقه مركب إضافي من الأُصول والفقه، وكلّ واحد من جزأيه قد وضع في اللغة لمعنى واستعمل في العرف في معنى آخر، كما تقدّم بيانه.

صفحه 50
ثمّ إنّ مجموع هذين اللفظين صار علماً على علم مخصوص، فصار لهذا العلم بهذا الاعتبار تعريفان:
أحدهما بحسب الإضافة والتركيب، وهو يتوقّف على معرفة معاني الأجزاء التي تركّب منها، لأنّه متألّف من تعريفات أجزائه لاستحالة معرفة المركّب بدون معرفة أجزائه، وقد تقدّم ذلك.
والثاني باعتبار كون هذين اللفظين علماً على هذا العلم، وهذا لا التفات فيه إلى الأجزاء من حيث دلالتها على ما وضعت له لغة وعرفاً، وإنّما الالتفات فيه إلى الاستعمال الطارئ وهو كونه عَلَماً على هذا العلم المخصوص.
إذا عرفت هذا فنقول: رسم هذا العلم بهذا الاعتبار، أعني: باعتبار كون مجموع لفظي أُصول الفقه علماً على ما ذكره المصنّف وهو العلم بالقواعد التي يستنبط منها الأحكام الشرعية الفرعية، فقولنا: «العلم جنس » وتقييده بتعلّقه بالقواعد يخرج العلم المتعلّق بغيرها. والمراد بالقواعد الأُمور الكلية التي يبنى1 عليها غيرها.
وقوله: «التي يستنبط منها الأحكام » يخرج العلم بالقواعد التي يستنبط منها معرفة الماهيات والصفات .
وتقييـده الأحكـام بالشـرعيـة ليخـرج القـواعد التـي يستنبـط منهـا الأحكـام العقليـة، وتقييدها بالفـرعيـة يخـرج القـواعـد التي يستنبط منهـا الأحكـام الشـرعيـة الأصلية، مثـل كـون 2 الإجماع حجّـة وجعـل

1.في«أ » و «ج »: يبتني.
2. في«أ » بزيادة هذا.

صفحه 51
قال قدس الله روحه: ومعرفته واجبة على الكفاية، لتوقّف العلم بالأحكام الواجبة كذلك عليه.*
المصنّف هذا التعريف رسماً لهذا العلم، لأنّه تعريف له بالجنس والعوارض الخارجة1 عنه.
فإن قلت: هذا الرسم ليس باعتبار العَلَمية فإنّه صادق على هذا العلم وإن لم يعتبر صدق لفظ أُصول الفقه عليه باعتبار العلمية أو غيرها، بل وإن فرضنا عدم كونه علماً. نعم هذا رسم له باعتبار غايته.
قلت: المراد بقوله: «باعتبار العلمية » رسمه من غير الالتفات إلى مدلول اللفظين المضاف أحدهما إلى الآخر ـ أعني: أُصول الفقه لا بحسب اللغة ولا بحسب العرف ـ لا رسمه من حيث هو مسمّى بأُصول الفقه، وحينئذ لا ينافي ذلك كون الرسم باعتبار الغاية.
* أقول: معرفة هذا العلم واجبة ووجوبها على الكفاية، بمعنى أنّ الشارع تعلق غرضه بحصولها لا من مباشر بعينه، فإذا أتى بها بعض المكلفين سقط عن الباقين، أمّا كونها واجبة في الجملة فلأنّه قد ثبت في علم الكلام وجوب التكليف ووجوب العلم التصديقي بما وقع التكليف به ـ أعني: الأحكام الشرعية ـ وذلك لا يتم إلاّ بهذا العلم، إذ العلم التصديقي بالأحكام إنّما يستفاد من أدلتها وهي إنّما تتبين في هذا العلم، وما لا يتم الواجب المطلق إلاّ به فهو واجب، وإلاّ لزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً، أو تكليف ما لا يطاق، وكلاهما محالان.

1. في «م »: الخارجية.

صفحه 52
قال قدس الله روحه: ومرتبته بعد علم الكلام واللغة والنحو والصرف.*
وأمّا كون وجوبها على الكفاية فلأنّ ما لأجله وجبت معرفة هذا العلم هو الفقه، ووجوبه إنّما هو على الكفاية، فيكون هذا أولى بكونه على الكفاية، لأنّه تابع له والتابع لا يكون أشدّ من متبوعه بالضرورة.

* [ في مرتبة علم الأُصول ]

أقول: أمّا تأخّر هذا العلم عن علم الكلام، فلأنّ هذا العلم باحث عن أدلّة الأحكام الشرعية وكونها مفيدة لها شرعاً، وذلك متوقّف على معرفة الله تعالى، فإنّ معرفة الحكم الشرعي بدون معرفة الشارع محال، وعلى معرفة صفاته من كونه قادراً عالماً مريداً مرسلاً للرسل، وعلى صدق الرسول وعصمته. وذلك إنّما يبيّن1 في علم الكلام، إذ هو المتكفّل ببيان هذه الأُصول، فلا جرم كان هذا العلم متوقّفاً على علم الكلام، فكان بعده.
وأمّا تأخّره عن اللغة والنحو، فلأنّ الأدلّة الشرعية التي يبحث عنها في هذا العلم إنّما تستفاد من الكتاب والسنّة وهما عربيان، فيتوقّف معرفتهما على معرفة اللغة العربية وعلى معرفة النحو، لاختلاف معاني اللفظ الواحد العربي عند اختلاف حركاته الإعرابية، كما تقول: ما أحسن زيداً وما أحسن زيدٌ وما أحسن زيد.
فإنّ الأوّل تعجّب، ومعناه: أي شيء أحسن زيداً.
والثاني خبر، ومعناه: ما صار زيد ذا حسن.

1. في «أ »: يتبيّن.

صفحه 53
قال قدس الله روحه: وغايته: معرفة أحكام الله تعالى، لتحصيل السعادة الأبدية بامتثالها.*
والثالث استفهام، ومعناه: أي خلق من أخلاق زيد وأي عضو من أعضائه أحسن.
ودلالة هذه الحركات على هذه المعاني إنّما تستفاد من علم النحو، فكان هذا العلم متأخّراً عن اللغة والنحو أيضاً .
واعلم أنّا لا نريد بتأخّر 1 هذا العلم عن هذه العلوم أنّه متأخّر
عن جميع مسائل كلّ علم من هذه العلوم، بل على ما يتوقّف عليه منها خاصّة; فإنّ المتكلّم يبحث مثلاً عن الأعراض هل هي باقية أم لا؟ وهل اللون البسيط عبارة عن السواد والبياض خاصة أو عنهما وعن الحمرة والخضرة والصفرة؟ وهل يجوز خلوّ الجسم من اللون والطعم والرائحة أم لا؟ ولا تعلّق لهذا العلم بهذه المسائل وأمثالها أصلاً فلا يكون متأخّراً عنها.

* [ غاية علم الأُصول ]

أقول: لمّا ذكر تعريف أُصول الفقه ووجوبه ومرتبته، شرع في ذكر غايته والغرض المطلوب منه.
واعلم أنّ الشيء قد يراد لذاته فلا يكون له غاية وراء ذاته، بل غايته هي ذاته، وقد يراد لغيره فيكون ذلك الغير غاية له، ثمّ ذلك الغير قد يراد

1.في «أ »: بتأخير.

صفحه 54
قال قدس الله روحه: ومبادئُه التصديقية: من الكلام واللغة والنحو، والتصورية: من الأحكام.*
لذاته وقد يراد لأمر آخر، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أمر يراد لذاته فيكون ذلك الأمر هو الغاية الذاتية، والمتوسطات بينه وبين ذي الغاية غايات بالعرض.
ولمّا كان هذا العلم باحثاً عن أدلّة الفقه وكيفية استنباط الأحكام الشرعية منها، كانت غاية هذا العلم هي الفقه أي معرفة أحكام الله تعالى.
وغاية الفقه والغرض المطلوب منه تحصيل السعادة الأبدية والخلاص عن الشقاوة السرمدية، بامتثال1 أوامر الله تعالى والانزجار عن نواهيه; وتحصيل السعادة والخلاص عن الشقاوة مقصوداً2 لذاته، فهو الغاية الذاتية، والفقه أُدخل في الغاية الذاتية من هذا العلم، ولا امتناع في كون بعض العلوم غاية لعلم آخر كما لا امتناع في كونه آلة له.

* [ في مبادئ علم الأُصول ]

أقول: لكلّ علم على الإطلاق مسائل يبحث عنها ومباد لتلك المسائل، وهي قسمان: تصوّرات، وتصديقات.
فالمبادئ التصوّرية هي حدود3 أشياء تستعمل في ذلك العلم; وهي إمّا حدّ موضوع العلم، أو حدّ أجزائه، أو حدّ جزئياته إن كانت له جزئيات،

1. في «أ » و «ج »: لامتثال.
2. في«أ »: مقصودة.
3. في «م »: حدوث.

صفحه 55
أو حدّ أعراضه الذاتية.
وأمّا المبادئ التصديقية فهي مقدّمات يتوقّف ذلك العلم عليها، وهي قد تكون ضرورية، وقد تكون كسبية يتكفّل ببيانها علم آخر يكون مسائل منه.
فالمبادئ التصوّرية لهذا العلم هي معرفة الأحكام من حيث التصوّر، فإنّ الناظر في هذا العلم إنّما ينظر في أدلّة الأحكام الشرعية فيجب أن يكون متصوّراً لها.
قالوا: ولا يجوز أن يكون إثبات هذه الأحكام من جملة مبادئ هذا العلم وإلاّ لزم الدور; لأنّ العلم بثبوت هذه الأحكام إنّما يستفاد من أدلّتها، فلو توقّفت الأدلّة عليه دار.
وفيـه نظـر، فـإنّ المستفـاد من أدلّة الأحكام إنّما هو إثبات تلك الأحكام في الصور1 المعيّنـة المخصـوصة على سبيـل التفصيـل، وذلك يمنـع2 أن يكون من المبادئ لما ذكـروا مـن لـزوم الـدور، أمّـا إثبـات الأحكام فـي صـور ما على سبيل الإجمـال فليس مستفـاداً مـن أدلّتهـا، بل هـو معلوم بالضرورة من الدين، وحينئذ لا يلزم من كونه من مبادئ هذا العلم دور.
وفي انحصار المبادئ التصوّرية لهذا العلم في الأحكام نظر، يُعرف ممّا تقدّم من تقسيم المبادئ التصوّرية.
وأمّا التصديقية فمن الكلام واللغة والنحو .

1. في «أ »: الصورة.
2. في «أ » و «ج » و«م »: يمتنع.

صفحه 56
قال قدس الله روحه: وموضوعه: طرق الفقه على الإجمال. ومسائله: المطالب المثبتة فيه. *
أمّا الكلام، فلأنّ العلم بأدلّة الأحكام الشرعية وكونها مفيدة لها شرعاً يتوقّف على معرفة الله تعالى، فإنّ معرفة الوجوب الشرعي بدون الموجب محال; وعلى معرفة صفاته تعالى، ككونه قادراً عالماً مريداً; وعلى معرفة رسوله عليه السلام، وعلى ثبوت صدقه المتوقّف على دلالة المعجزة عليه. والبحث في هذه الأُمور إنّما يكون في علم الكلام.
وأمّا اللغة والنحو، فلأنّ الأدلّة مأخوذة من الكتاب والسنّة وهما عربيان، والاستفادة من الألفاظ إنّما يكون بعد العلم بموضوعاتها اللغوية من جهة: الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والانفراد والاشتراك، والحذف والإضمار وغير ذلك; وبعد معرفة مدلولات الحركات الإعرابية والصيغ المختلفة والتصاريف المتباينة بحسب الوضع، وغير ذلك ممّا يبيّن في علم اللغة والنحو.

* [ موضوع علم الأُصول ومسائله ]

أقول: موضوع كلّ علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، وهي اللاحقة له لذاته أو لجزئه أو لعرض يساوي ذاته، كالتعجّب والحركة بالإرادة والضحك للإنسان.
ولمّا كان هذا العلم باحثاً عن الأحوال العارضة لأدلّة الأحكام الشرعية وأقسامها، وكيفية استنباط الأحكام منها على سبيل الإجمال، كالعمـوم والخصـوص والأوامـر والنواهي والمجمل والمبيّن وغير ذلك

صفحه 57
   قال قدس الله روحه: والدليل: ما تفيد معرفته العلم بشيء آخر، إثباتاً أو نفياً. والأمارة: ظنّه. *
من العوارض الذاتية للأدلة، لا جرم كان موضوع هذا العلم هو أدلّة الفقه على الإجمال.
وإنّما قال: «على الإجمال » لما عرفت أنّه لا يبحث عن عوارض الأدلة من حيث دلالتها على الصور المخصوصة، بل يبحث عنها من حيث هي أدلّة للأحكام الشرعية في الجملة كما تقدّم.
وأمّا مسائل العلم فهي المطالب التي تثبت في ذلك العلم نسبة محمولها إلى موضوعها بالبرهان; فمسائل أُصول الفقه هي المطالب المثبتة فيه بالبرهان، مثل كون الإجماع حجّة، والنص مقدّم على القياس، وما شابه ذلك.

* [ في الدليل والأمارة ]

أقول: لمّا ذكر أنّ أُصول الفقه عبارة عن أدلّة الفقه والكيفيتين المذكورتين، وجب عليه أن يبيّن معنى الدليل. وهو في اللغة يطلق على الدال وهو الناصب للدليل والذاكر له، ويطلق أيضاً على كلّ ما فيه دلالة وإرشاد.
وأمّا بحسب العرف فقد عرّفه المصنّف بأنّه الذي تفيد معرفته العلم بشيء آخر إثباتاً أو نفياً، وهو تعريف له بحسب غايته. ومراده بالعلم هنا العلم التصديقي خاصّة، وأشار إلى ذلك بقوله: إثباتاً أو نفياً، إذ لو كان المراد العلم التصوّري أو الشامل للتصوّري والتصديقي لم يطرد، لصدقه

صفحه 58
على الحد فإنّ معرفته تفيد العلم بشيء آخر وهو المحدود وليس بدليل، بل وعلى سائر الماهيّات الملزومة لأشياء أُخر لزوماً بيّناً فإنّ معرفتها مفيدة للعلم بلوازمها وليست أدلّة بحسب العرف، وهذا الحد غير منعكس لخروج الدليل الثاني بعد إيراد الدليل الأوّل منه، لأنّه حينئذ لا تفيد معرفته1 العلم بشيء آخر لاستحالة تحصيل الحاصل واجتماع الأمثال مع صدق الدليل عليه.
والعلم والمعرفة مترادفان وبعضهم فرّق بينهما فجعل العلم ما تعلّق بالماهيّات المركّبة، والمعرفة ما تعلّق بالحقائق البسيطة ولهذا يقال: عرفت الله ولا يقال: علمت الله.
وآخرون جعلوا المعرفة ما تعلّق بالجزئيات والعلم ما تعلّق بالكلّيات.
وينقسم الدليل إلى لمّي وإنّي.
فالأوّل: الاستدلال بالعلّة على المعلول كما يقول: زيد متعفّن الأخلاط، وكلّ متعفّن الأخلاط فهو محموم. ينتج: أنّ زيداً محموم، فقد استدللنا على حمى زيد بتعفّن أخلاطه، وهو علّة حماه.
والثاني: الاستدلال بالمعلول على العلّة أو بأحد المعلولين على الآخر.
فالأوّل كقولنا: زيد محموم، وكلّ محموم فهو متعفّن الأخلاط، ينتج: زيد متعفّن الأخلاط. فقد استدللنا بحماه على تعفّن أخلاطه الذي هو علّتها.

1. في «أ » و «ج » و «م »: يفيد معرفة.

صفحه 59
والثاني كقولنا: زيد به حمى الغب، وكلّ من به حمى الغب فله قشعريرة، ينتج: زيد له قشعريرة. فقد استدللنا بحماه المذكورة وهي التي تنوب في كلّ يومين مرة على قشعريرته1، وهما معاً معلولا علّة واحدة، وهي تعفّن أخلاطه2 وحصولها خارج عروقه. وهذا القسم ـ أعني: الثالث ـ مركّب من الأوّلين، فإنّ وجود أحد المعلولين دليل على وجود علّته بالطريق الثاني، ووجود علّته يدلّ على وجود معلوله الآخر بالطريق الأوّل، وقد يخصّ لفظ الدليل بالقسم الثاني ـ أعني: الاستدلال بالمعلول على العلّة ـ فهو إذن مشترك3 بينه و بين المعنى الأوّل الشامل له ولقسميه اشتراكاً لفظياً .
وينقسـم الدليـل أيضـاً إلى عقلي، وهو ما يكون مقدّماته عقلية محضـة كما ذكـرناه مـن الأمثلـة. وقـد يكون نقليـاً وهـو مـا تكـون إحـدى مقدّمتيـه نقلية والأُخرى عقلية، وذلك كسائر السمعيات فإنّا إذا استدللنا على وجـوب أمر مثلاً، قلنا: الأمرالفلاني قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّه واجب، وكلّ ما قـال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّه واجـبفهو واجب. فالأُولى سمعيـة، والثانية عقلية.
وهل يتركّب من النقليات المحضة دليل؟
قال الأكثرون: لا، لأنّ النقل إنّما يكون حجّة إذا كان المنقول عنه صادقاً، وكونه صادقاً مقدّمة عقلية.

1. في «أ » و «م »: قشعريرة.
2. في«م »: الأخلاط.
3. في «أ » و «ج » و «م »: مشترك.

صفحه 60
ويمكن أن يقال: إنّه لمّا ثبت صدق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع إخباراته، أمكن أن يتألّف من تلك الإخبارات مقدّمات متناسبة منتجة لمطلوب ما وإن كان لابدّ من انتهاء تلك المقدّمات في آخر الأمر إلى المقدّمات العقلية بالطريق المذكور، إلاّ أنّه لا يلزم من انتهائها إلى المقدّمات العقلية أن لا يتألّف منها دليل، كما لا يلزم من انتهاء القضايا النظرية إلى القضايا الضرورية أن لا يتألّف من النظريات دليل.
وأيضاً الدليل ينقسم إلى ما يفيد العلم بالإثبات، وإلى ما يفيد العلم بالنفي.
فالأوّل كقولنا: كلّ وضوء عبادة، وكلّ عبادة تجب فيها النية. ينتج: كلّ وضوء تجب فيه النية.
والثاني كقولنا: صلاة الوتر تؤدّى على الراحلة، ولا شيء من الصلوات المفروضات يؤدّى على الراحلة. ينتج: صلاة الوتر ليست من الصلوات المفروضات.
وبعض الفقهاء عرّف الدليل بأنّه الذي يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري1، فبالإمكان يدخل الدليل الذي لم ينظر فيه ولم يتوصّل به، فإنّ عدم التفطّن له والتوصّل به لا يخرجه عن كونه دليلاً على مدلوله، واحترز بالصحيح عن النظر الفاسد، وتقييد المطلوب بالخبري ليخرج عنه الحد، فإنّه يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب إلاّ

1. ذكره الرازي في المحصول:1/15، والآمدي في الإحكام:1/13، والشهيد الثاني في حقائق الإيمان:142، والشيخ البهائي في زبدة الأُصول:42، وغيرها.

صفحه 61
قال قدس الله روحه: والعلم لا يُحدّ وإلاّ جاء الدور. *
أنّه ليس خبرياً.
وأمّا الأمارة فقد عرّفها المصنّف بأنّها الذي يفيد معرفته ظن شيء آخر، وأشار إلى ذلك بقوله: «والأمارة ظنّه » عطفاً على قوله: «والدليل ما تفيد معرفته العلم بشيء آخر » والهاء في قوله: «ظنّه » عائدة إلى الشيء الآخر.
وقيل1: الأمارة ما يمكن أن يتوصّل بصحيح النظر فيها إلى الظن.

* [ في حد العلم ]

أقول: اختلف الناس في ذلك فذهب المحقّقون إلى أنّ العلم غني عن التعريف، لأنّه من الكيفيات الوجدانية التي يجدها كلّ عاقل من نفسه، كالألم واللذة والجوع والشبع والفرح والغم، وغيرها من الوجدانيات.
واستدلّ فخر الدين الرازي2 على استحالة تعريفه بأنّ العلم لو كان معرفاً لكان المعرِّف له إمّا نفسه أو غيره، والقسمان باطلان فكونه معرفاً باطل، أمّا الملازمة فظاهرة.
وأمّا بطلان القسم الأوّل من قسمي التالي فلأنّ المعرِّف للشيء يجب أن يكون متقدّماً3 على المعرف في المعرفة وأجلى منه، والشيء يستحيل أن يكون متقدّماً في المعرفة على نفسه وأن يكون أجلى من نفسه.

1. القائل هو فخر الدين الرازي في المحصول:1/15.
2. المحصول في علم الأُصول:1/12.
3. في«ج » و «م » مقدماً.

صفحه 62
وأمّا بطلان القسم الثاني، فلأنّ ذلك الغير لا يعرف إلاّ بالعلم، لأنّ ما عدا العلم لا يعلم إلاّ به فلو كان معرِّفاً للعلم كان كلّ واحد منهما معرِّفاً لصاحبه، وهو دور محال، ويلزم كون كلّ منهما أعرف من الآخر وأجلى منه، وذلك ملزوم لكون كلّ منهما أعرف وأجلى من نفسه وأنّه محال.
وفيه نظر، فإنّ لمانع أن يمنع من بطلان القسم الثاني من قسمي التالي.
قوله: لأنّ ذلك الغير لا يعلم إلاّ بالعلم.
قلنا: إن أردت به أنّه يعلم بالعلم بمعنى كون العلم حدّاً أو رسماً له، فهو ظاهر الفساد.
وإن أردت أنّ ذلك الغير لا يكون معلوماً حتى يحصل صفة العلم المتعلّق به في النفس، فهو مسلّم لكن الدور غير لازم حينئذ، لأنّ حصول صفة العلم في النفس لا يتوقّف على الحدّ إنّما يتوقّف على الحدّ العلم بحقيقة العلم الحاصل كغيره من الصفات النفسانية، كالإرادة والقدرة مثلاً، فإنّ كون الشيء مراداً أو مقدوراً إنّما يتوقّف على قيام الإرادة والقدرة المتعلّقين به بالنفس لا على العلم بحقيقتهما. هذا إن كان المراد بالعلم المدّعى استحالة تعريفه العلم بالمعنى الأعم الشامل للتصوّرات والتصديقات بأسرها.
وإن كان المراد به العلم بالمعنى الأخصّ ـ أعني: الاعتقاد الجازم المطابق الثابت. وهو الظاهرمن كلام المتكلّمين في تعريفاتهم له حيث قالوا في تعريفه:إنّه اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس.1 أو

1. وهو قول المعتزلة.

صفحه 63
قال قدس الله روحه: والنظر ترتيب أُمور ذهنية ليتوصّل بها إلى آخر. *
معرفة المعلوم على ما هو به مع طمأنينة النفس.1 أو اعتقاد يقتضي سكون النفس2 ـ لم يصدق قوله:«إنّما عدا العلم لا يعلم إلاّ بالعلم »، لأنّ العلم بالماهيّات والحقائق وسائر المعاني بمعنى التصوّر لا يتوقّف على العلم بالمعنى الأخصّ المذكور، وهي مواد الحدود والرسوم فيجوز أن يكون حدّ العلم مؤلّفاً منها ولا دور.

* [ في النظر ]

أقول: هذا أجود تعريفات النظر فإنّه مركّب، وأجود رسوم المركّب ما كان باعتبار علله الأربع ـ أعني: المادية والصورية والفاعلية والغائية ـ وهو هنا كذلك، فإنّ الأُمور الذهنية تجري مجرى المادة للنظر، فإنّه إنّما يتحصّل منها.

1. وهو قول القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بابن الباقلاني(المتوفّى سنة 403هـ) في كتابه«التقريب والإرشاد الصغير »:1/174.
2. وهو قول السيد المرتضى في الذريعة:42، تحقيق مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1429هـ; والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/12.
وتوجد أقوال أُخرى في تحديد العلم في حدّه، منها ما قال أبو الحسن الأشعري: العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالماً. لاحظ المنخول للغزّالي: 94.
وقال بعض الأشاعرة: العلم تبيّن المعلوم على ما هو به. لاحظ البرهان في أُصول الفقه للجويني: 1/97. وقال الغزالي في المستصفى:1/67: الأشياء الظاهرة يعسر تحديدها وإنّما نشرح معناها بتقسيم ومثال.
وقال أبو بكر ابن فورك الأنصاري: العلم ما يصحّ من المتّصف به إحكام الفعل وإتقانه. نقله عنه الجويني في البرهان:1/98. نكتفي بهذا المقدار، ومن أراد المزيد فليراجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول للعلاّمة الحلّىّ:1/77 ومابعدها، والإحكام للآمدي:1/14.

صفحه 64
قال قدس الله روحه: والظن اعتقاد راجح يجوز معه النقيض. ومرجوحه الوهم. والشك سلب الاعتقادَين. والجهل البسيط عدم العلم، والمركب كذلك مع اعتقاده. *
والترتيب العارض لتلك الأُمور ـ أعني: التأليف المخصوص ـ يجري مجرى الصورة. والتوصّل بها إلى آخر هو الغاية وفي قوله: «ليتوصّل » ضمير الفاعل وهو شامل للنظر في التصوّرات والتصديقات، سواء كانت علوماً أو ظنوناً أو غير ذلك، فإنّ الأُمور الذهنية تشمل المعاني المفردة التصوّرية، أعني الأجناس والفصول والخواص التي يتألّف منها الحدود والرسوم والتصديقات، أعني: القضايا التي يتألّف منها الحجج والتوصّل إلى آخر خاصة للنظر يتميز بها عن غيره من الأقوال.
ولمّا لم يكن ثبوت محمول المطلوب بالنظر لموضوعه أو سلبه عنه بيّناً وإلاّ لم يكن نظرياً، بل كان بديهياً افتقر إلى وسط بانضمامه إلى موضوع المطلوب يتحصّل مقدّمة وبانضمامه إلى محمول المطلوب يتحصّل أُخرى افتقر كلّ نظر إلى مقدّمتين، فإن كانتا علميتين فالنتيجة يجب كونها علمية وإلاّ فلا.

*[  في الظن والشك والجهل ]

أقول: الاعتقاد عبارة عن حكم الذهن بأمر على آخر، وعلى هذا يكون جنساً للعلم والظن والجهل المركّب واعتقاد المقلد، والمتكلّمون ينكرون ذلك ويجعلونه نوعاً مغايراً للعلم والظن مبايناً لهما، والصواب هو الأوّل.

صفحه 65
فإذن الظن: اعتقاد راجح يجوز معه النقيض1، فقولنا: «اعتقاد » جنس شامل للأقسام المذكورة، وقولنا: «راجح » يخرج به الشك إن جعلناه من قبل الاعتقادات، وقولنا: «يجوز معه النقيض » يخرج به العلم والجهل المركب واعتقاد المقلد المقارن للجزم. وجواز النقيض لا يريد به الجواز في نفس الأمر، بل في اعتقاد المعتقد; ولا يريد به التجويز الحقيقي، فإنّ الظان قد يغفل عن نقيض المظنون، بل ما هو أعم من ذلك بحيث يشمل التجويز التقديري.
وينقسم الظنّ إلى صادق وهو المطابق، وكاذب وهو ما ليس بمطابق.
ومرجوح الظن ـ أعني:الطرف المقابل للمظنون ـ هو الوهم.
وأمّا الشك فقيل هو سلب الاعتقادين.
وفيه نظر، فإنّ الغافل عن الشيء غير معتقد لأحد طرفيه مع أنّه لا يسمّى شاكّاً، والأولى أن يقال: إنّه تساوي الاعتقادين مع خطورهما بالبال.
والجهل يقال على بسيط، وهو عدم العلم. وينقسم إلى: مجهول التصوّر، ومجهول التصديق. ومركّب وهو عدم العلم مع اعتقاد العلم. فـإذن المعنى الأوّل جـزء من الثاني، فلا يكون من التصوّر المحض جهـل

1. عرّف الشريف المرتضى الظن في الذريعة:44 قائلاً: هو ما يقوى كون ما ظنّه على ما يتناوله الظن، وإن جوّز خلافه. وقد عرّفه الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/17: وأمّا الظن فعندنا وإن لم يكن أصلاً في الشريعة تُستند الأحكام إليه، فإنّه تقفُ أحكام كثيرة عليه... وحدّه: ما قوي عند الظان كون المظنون كما ظنّه، ويجوز مع ذلك كونه على خلافه. وعرّفه الرازي في المحصول:1/14 بأنّه اعتقاد رجحان اللاّ وقوع، فإن كان مطابقاً للمظنون، كان ظناً صادقاً، وإلاّ كان ظناً كاذباً.
وعرّفه الآمدي في الإحكام:1/15 بأنّه عبارة ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير قطع.

صفحه 66
قال قدس الله روحه: واعتقاد الرجحان جنس للاعتقاد الراجح الخالي عن الجزم.*
مركب بهذا المعنى.
* أقول: الرجحان تارة يكون للمعتقد وذلك بأن يكون أحد طرفي الممكن أولى بالوقوع من الآخر بأن يحصل أكثر أسباب وجوده وشرايطه، كنزول المطر عند وجود الغيم الرطب في الزمان المعهود نزوله فيه فإنّ نزوله يكون أرجح من عدم نزوله، ثم اعتقاد هذا الرجحان تارة يكون علماً بأن يكون جازماً مطابقاً ثابتاً، وتارة يكون ظناً كما إذا تجرّد عن الجزم، فهو إذن جنس لهما.
وتارة يكون الرجحان للاعتقاد نفسه، وذلك بأن يكون عند المعتقد اعتقاد نزول المطر واعتقاد عدم نزوله، وكلّ منهما جائز ولكن اعتقاد نزوله أقوى وأرجح، فيكون ذلك الاعتقاد الراجح ظناً لما عرفت من أنّ الظنّ اعتقاد راجح يجوز معه النقيض.
والأوّل وهو اعتقاد الرجحان جنس للثاني ـ أعني: الاعتقاد الراجح الخالي عن الجزم ـ كما بيّنّاه.
واعلم أنّ كون اعتقاد الرجحان جنساً1 للاعتقاد الراجح الخالي عن الجزم إنّما يتحقّق عند اتّحاد المتعلّق، بأن يكون متعلّق الاعتقاد الراجح ذلك الرجحان المعتقد بحيث يصير الأوّل اعتقاداً مطلقاً معلّقاً بالرجحان أعمّ من أن يكون جازماً أو غير جازم والثاني اعتقاداً مقيداً بالرجحان والخلو عن الجزم.

1. في «م »: ظناً.

صفحه 67
قال قدس الله روحه: ويستجمع العلم الجزم والمطابقة والثبات. ولا ينتقض بالعاديات، لحصول الجزم وإمكان النقيض باعتبارين. *
* أقول: الاعتقاد إمّا أن يكون جازماً، أو لا يكون.
والثاني الظن. والأوّل إمّا أن يكون مطابقاً، أو لا.
والثاني الجهل.1 والأوّل إمّا أن يكون تامّاً، أي لموجب من حسّ أو عقل أو مركب منهما، أولا.
والثاني اعتقاد المقلّد للحق. والأوّل العلم فقد استجمع العلم ثلاثة أشياء: الجزم وهو عبارة عن اعتقاد أنّ الشيء كذا مع امتناع أن لا يكون كذا، والمطابقة والثبات.
قيل عليه: إنّ ذلك منقوض بالعلوم العادية مثل كون الجبل لم ينقلب ذهباً، والبحر لم ينقلب دماً، والأواني التي في بيوتنا لم تصر عند غيبتنا عنها أشخاصاً مدققين في علم المنطق والهندسة، فإنّ انتفاء هذه الأُمور معلوم لنا بالضرورة مع انتفاء الجزم بها، لأنّ الله تعالى قادر على كلّ مقدور، فجاز أن يجعل الجبل ذهباً والبحر دماً والأواني عند غيبتنا أشخاصاً موصوفين بالأوصاف المذكورة.
والجواب: المنع من عدم الجزم بانتفاء هذه الأُمور، بل هو حاصل بالنظر إلى العادة، فإنّ هذه الأُمور ممتنعة بالنظر إليها وإن جاز وقوعها بالنظر إلى ذواتها الممكنة، وقدرة الله تعالى المتعلّقة بجميع الممكنات فانّ ذلك اعتبار آخر مغاير للأوّل.

1. في «أ » بزيادة: المركب، وفي حاشية«ج »: أي المركب.

صفحه 68
في الحكم الشرعي   
قال قدس الله روحه:

الفصل الثاني

في الحكم الشرعي

الحكم: خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع. والاقتضاء: قد يكون للوجود مع المنع من النقيض، فيكون وجوباً. ولا معه، فيكون ندباً. وقد يكون للعدم مع المنع من النقيض، فيكون حراماً. ولا معه، فيكون مكروهاً. والتخيير: الإباحة، والوضع: الحكم على الوصف بكونه شرطاً، أو سبباً، أو مانعاً. وربما رجع بنوع من الاعتبار إلى الأوّل. *
* أقول: اختلف الأشاعرة في تعريف الحكم الشرعي فقال الغزّالي1: الحكم خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلّفين. 2

1. هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزّالي، ولد سنة 450هـ في الطابران ـ و هي قصبة من قصبات طوس ـ وتوفّي فيها سنة 505هـ. رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل عند من يقول بتشديد الزاي، أو إلى غزالة (من قرى طوس) لمن قال بالتخفيف، صنّف كتباً كثيرة، منها: المستصفى في أُصول الفقه (مطبوع)، المنخول من تعليقات الأُصول(مطبوع)، شفاء العليل في أُصول الفقه، إحياء علوم الدين (مطبوع)، تهافت الفلاسفة(مطبوع)، مقاصد الفلاسفة(مطبوع)، المنقذ من الضلال(مطبوع)، فضائح الباطنية المعروف بفضائح المعتزلة(مطبوع). الأعلام:7/22.
2. المستصفى في علم الأُصول:1/112.

صفحه 69
والخطاب هو اللفظ المفيد المقصود به الإفهام. فباللفظ خرجت الإشارة والعقود والنصب، وبالمفيد خرج المهمل، وبقولنا: «المقصود به الإفهام » خرج كلام الساهي والنائم.
ونقض في طرده بقوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)1، وأمثاله كقوله: (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبير).2 فإنّ الحدّ المذكور صادق عليه لكونه خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين وليس حكماً شرعياً اتّفاقاً، فزاد بعض المتأخّرين في الحدّ المذكور لدفع هذا النقض قوله: بالاقتضاء أو التخيير. 3
والاقتضاء هو الطلب، وهو قد يكون للوجود مع المنع من نقيضه الذي هو الترك وهو الوجوب، أو لا مع المنع من الترك وهو الندب، وقد يكون للعدم وهو الترك فإمّا مع المنع من نقيضه الذي هو الفعل وهو التحريم، أو لا مع المنع من نقيضه وهو الكراهة. والتخيير: الإباحة.
ونقض في عكسه يكون الشيء سبباً وشرطاً ومانعاً، كما تقول: الدلوك سبب للصلاة والطهارة شرط لها والنجاسة مانعة منها فإنّ الحدّ المذكور غير متناول لها ولا صادق عليها مع كونها أحكاماً شرعية فزاد بعضهم فيه لدفع هذا النقض. قوله: أو الوضع بحيث تندرج هذه الأُمور فيه فإنّ كون الدلوك سبباً للصلاة والطهارة شرطاً لها والنجاسة مانعة منها إنّما هو بوضع الشارع، وهذا الحدّ بعد التتمة هو المذكور في الكتاب.

1. الصافات:96.
2. البقرة:234 و 271; آل عمران:180; الحديد:10; المجادلة:3 و 11; التغابن:8.
3. المحصول في علم الأُصول:1/15.

صفحه 70
قال قدس الله روحه: والواجب ما يُذم تاركه. ولا يرد المخيّر والموسَّع والكفاية، لأنّ الواجب في المخيّر والموسّع الأمر الكلي، وفي الكفاية فعل كلّ واحد يقوم مقام الآخر، فكأنّ التارك فاعل، أو يزاد في الحدّ لا إلى بدل. ويرادفه الفرض، والمحتوم، واللازم. *
   
ومن الناس من دفع هذا الأخير بأن منع من كون هذه الأُمور أحكاماً شرعية، بل هي اعلام للأحكام.
وآخرون بأنّها عائدة بنوع من الاعتبار إلى الأوّل ـ أعني: الاقتضاء أو التخيير ـ فإنّه لا معنى لكون الدلوك سبباً للصلاة إلاّ وجوب الصلاة عنده، ولا معنى لكون الطهارة شرطاً لها إلاّ وجوب إيقاع الصلاة مع الاتّصاف بها، ولا معنى لكون النجاسة مانعة من الصلاة إلاّ تحريم الصلاة معها. وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: وربّما رجع بنوع من الاعتبار إلى الأوّل.
وفي عبارة المصنّف نظر، وذلك لأنّه قسّم اقتضاء العدم إلى الحرام والمكروه،والأجود تقسيمه إلى التحريم والكراهية كما قسم اقتضاء الوجود إلى الوجوب والندب دون الواجب والمندوب وقال: التخيير الإباحة ولم يقل المباح، وذلك لأنّ الحرام والمكروه معروضا هذا النوع من الاقتضاء لا من جزئياته المنقسم إليها، بل المنقسم إليها عوارضها، أعني: التحريم والكراهة .

* [ في حقيقة الوجوب وما يتعلّق به ]

أقول: لمّا ذكر تعريف الحكم الشرعي وأقسامه شرع في ذكر تعريف متعلّقات تلك الأقسام من حيث تعلّقها بها وبدأ بالواجب لتعلّق الطلب

صفحه 71
المؤكّد بوجوده.
واعلم أنّ الوجوب في اللغة يقال على الثبوت والاستقرار، كقوله(عليه السلام):«إذا وجب المريض فلا تبكين عليه باكية » أي استقر وزال عنه التزلزل والاضطراب.1
ويطلق أيضاً على السقوط، قال الله تعالى:(فَإذا وَجَبَتْ جُنُوبُها)2 أي سقطت.3 فإذن الواجب إمّا الثابت وإمّا الساقط.
وأمّا في عرف الفقهاء فالوجوب عبارة عمّا تقدّم في تقسيم الحكم، وهو الخطاب الشرعي المتعلّق بأفعال المكلّفين باقتضاء الوجود المانع من العدم، فالواجب حينئذ الفعل الّذي تعلّق به الوجوب.
وقد كان هذا القدر كافياً في تعريفه، وكذا متعلّقات باقي أقسام الحكم فإنّ التقسيم السالف مع تقدّم تعريف الحكم الشرعي الذي هو جنس للأحكام كاف في تعريفها، لكن المصنّف لم يكتف بذلك بل جرى على عادة أهل هذا العلم في ذكر رسومها المنقولة عن أوائلهم.4
وأجود رسوم الواجب ما نقل عن القاضي أبو بكر5 وهو قوله:

1. ذكره بهذا المعنى الآمدي في الإحكام:1/72. أمّا في معاجم اللغة فقد جاء فيها: وَجَبَ الرجل وُجوباً: ماتَ، والوجوب: الموت. راجع لسان العرب:1/794، مادة «وجب ». وأمّا في المصادر الحديثية فقد جاءت عبارة:«وجب المريض » أي مات. راجع: سنن أبي داود:2/60 برقم 3111; سنن النسائي:4/13; سنن البيهقي:4/70; مستدرك الحاكم:1/352.
2. الحج:36.
3. لاحظ لسان العرب:1/794، مادة «وجب ».
4. لاحظ: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/91ـ94.
5. هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر، القاضي الباقلاني، أشعري من علماء الكلام، ولد في البصرة سنة338هـ، وسكن بغداد فتوفّي فيها سنة 403هـ . وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. من كتبه: دقائق الكلام، الملل والنحل، التمهيد في الرد على الملحدة والمعطّلة والخوارج والمعتزلة (مطبوع)، التقريب والإرشاد (مطبوع). الأعلام:6/176.

صفحه 72
الواجب ما يذمّ تاركه شرعاً على بعض الوجوه. فقولنا: «ما يذم » أجود من قولنا: ما يعاقب، لأنّ الله تعالى قد يعفو عن تارك الواجب ولا يقدح ذلك في وجوبه، وخير من قولنا: ما يخاف العقاب على تركه، لأنّ ما ليس بواجب قد يخاف على تركه عند الشك في وجوبه.
وقوله: «شرعاً » ليخرج الواجب العقلي الذي يذم تاركه عقلاً عند من يقول به.
وقوله: «على بعض الوجوه » ليتناول التعريف الواجب الموسّع والمخيّر والكفاية. فإنّ الموسّع يذم تاركه على بعض الوجوه وهو ما إذا تركه في جميع وقته، والواجب المخيّر إذا أخلّ بجميع الخصال، والكفاية إذا تركه المكلّفون بأسرهم.1
وهذا الرسم ارتضاه فخر الدين الرازي وأكثر المتأخّرين من الأشاعرة.2
واعترض بأنّه غير مطرد فإنّ الساهي والنائم والمسافر وغيرهم من ذوي الأعذار لا يجب عليهم الصوم مثلاً ويذمّون على تركه شرعاً، بل على بعض الوجوه وهو تقدير انتفاء أعذارهم.
فإن أُجيب بأنّ الوجوب ثابت على ذلك التقدير وإنّما يسقط بالنوم والسهو والسفر.

1. الإرشاد والتقريب:1/293.
2. المحصول:1/18. أمّا عند المعتزلة فالواجب ما يستحقّ تاركه الذم، أو ما يستحقّ العقاب بتركه، أو ما يكون على صفة باعتبارها يستحقّ فاعله المدح وتاركه الذم، أو ما يكون تركه في جميع وقته سبباً للذمّ. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/91.

صفحه 73
قلنا: فالواجب على الكفاية والموسّع والمخيّر يسقط بفعل البعض وبفعله في آخر الوقت وبفعل بدله، فلا حاجة إلى القيد فيها كما لا حاجة إلى القيد في الساهي والنائم والمسافر. 1
والمصنّف (قدس سره) حذف من الحدّ المذكور هذا القيد ـ أعني: قوله: «على بعض الوجوه » ـ كذلك واقتصر على ما قبله مع حذف قوله: «شرعاً »، لأنّ الوجوب عنده قد يكون عقلياً كما يكون شرعياً فيذم تاركه عقلاً.
ولا يرد عليه النقض2 في عكسه بالواجب المخيّر والموسّع والكفاية لتحقّق الوجوب فيها مع أنّ تاركها لا يذم، لأنّ الواجب في المخيّر الأمر الكلّي الصادق على الخصال المتعدّدة، فبأيّها أتى المكلّف كان آتياً به فلا يتحقّق تركه للواجب مع إتيانه بخصلة ما من الخصال وإن ترك الباقيات.
وكذا نقول في الموسّع فإنّ الواجب عليه إيقاع العبادة في الوقت، وهذا أمر كلّي صادق على إيقاعها في أوّل الوقت ووسطه وآخره.
وأمّا الواجب على الكفاية ففعل كلّ واحد من المكلّفين قائم مقام الباقين لحصول غرض الشارع وهو وقوعه من كلّ مكلّف ما، فكأنّ التارك للفعل فاعل له باعتبار وجود ما هو قائم مقامه وهو وقوعه من غيره، وإذا أردنا دفع النقض المذكور من غير تكلّف جوابه زدنا في الحد المذكور قولنا: لا إلى بدل.
واعلم أنّه كان ينبغي أن يضاف إلى قوله: في الحدّ المذكور ما يذم

1. ذكر الاعتراض والجواب عنه في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/92.
2. في«م » و «ج »: النقص.

صفحه 74
تاركه، قوله: «على تركه »، لأنّه بدونه غير مطرد لصدقه على المباح، بل وعلى الحرام إذا تركه تارك واجب أو فاعل محرم آخر. ولمّا حذف المصنّف من الحدّ لفظة «شرعاً » لم يبق مطرداً، لصدقه على كثير من الأفعال المباحة والمحرمة والمندوبة فإنّ تاركها قد يذم بأن يذمّه غير الشارع على تركها إمّا لتعلّق غرض الذام له بإيقاعها لأمر دنيوي، أو لكونه كافراً يرى ترك ذلك حراماً.
إذا تقرر هذا فاعلم أنّ الذم قول أو فعل أو ترك فعل أو ترك قول يبنى عن اتّضاع الغير حال الغير، والاتّضاع انخفاض المنزلة. ويرادف الواجب اللازم والمحتوم والفرض.
خلافاً للحنفية فإنّهم خصّوا الفرض بما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، قالوا: لأنّ الفرض التقدير، قال الله تعالى:(فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ)1 أي قدّرتم، والوجوب: السقوط، فخصّصنا الفرض بما عرف وجوبه بدليل قطعيّ، لأنّه الذي علم منه تعالى أنّه قدّره علينا، وأمّا الذي عرف وجوبه بظني فإنّه الواجب، لأنّه الساقط علينا، ولا نسمّيه فرضاً لعدم علمنا بأنّه تعالى قدّره علينا. 2
وهذا الكلام لا يخفى على المتأمّل ضعفه، فإنّ الفرض التقدير، سواء كان طريق معرفته علماً أو ظناً، كما أنّ الساقط الواجب من غير اعتبار طريق ثبوته، ولكن لا مشاحة في الاصطلاح.

1. البقرة:237.
2. المحصول:1/19; الكاشف عن المحصول:1/244; رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب:1/494.

صفحه 75
قال قدس الله روحه: والمحظور هو الذي يذم فاعله. ويرادفه الحرام، والمزجور عنه، والمعصية، والذنب، والقبيح. *

* [ المحظور لغةً واصطلاحاً ]

أقول: الحظر في اللغة: المنع، يقال: حظرت عليه كذا إذا منعته منه. ويطلق أيضاً على القطع، ومنه الحظيرة: وهي البقعة المنقطعة التي يأتي إليها المواشي.1 ويقال أيضاً على ما كثرت آفاته كما يقال: لبن محظور2أي كثير الآفة.
وأمّا بحسب الاصطلاح فقد عرّفه المصنّف بأنّه الذي يذمّ فاعله. وهو غير مطرد، لصدقه على الأفعال المباحة والواجبة إذا ذمّ فاعلها غير الشارع من غير استحقاق، كما قلناه في الواجب. وكان ينبغي أن يضم إليه ما يدلّ على أنّ الذم على الفعل، وإلاّ لصدق على الأفعال الواجبة والمندوبة والمباحة أنّها محظورة إذا صدرت عن فاعل محرّم أو تارك واجب.
ويرادفه الحرام والمزجور عنه بمعنى أنّ الله تعالى زاجر عنه. والمعصيـة أي فعـل مـا كـرهـه الله تعالى على رأي أصحابنا، والمعتزلة مـن أنّـه تعالى كاره للمعاصي3، وعند الأشاعرة: المعصية فعل ما نهى الله

1. لسان العرب:4/202، مادة «حظر ».
2. كذلك ورد في الإحكام:1/82، ونهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/197، والصحيح: لبن محضور، وهو اسم مفعول للفعل حَضَرَ، والعرب تقول: اللبن مُحْتَضَرٌ ومَحْضُورٌ فغطّه، أي كثير الآفة يعني يحضره الجن والدواب وغيرها من أهل الأرض. راجع لسان العرب:4/199، مادة «حضر ».
3. نقله عنهم الرازي في المحصول:1/19.

صفحه 76
قال قدس الله روحه: والمندوب هو الراجح فعله مع جواز تركه، وهو المرغّب فيه والنافلة والمستحب والتطوّع والسنة والإحسان. وأمّا المباح فهو ما تساوى وجوده وعدمه، وهو الجائز والحلال والطلق. والمكروه وهو الراجح تركه، ولا عقاب على فعله. ويُطلق على الحرام وترك الأولى بالاشتراك. *
عنه.1
والذنب وهو المنهي عنه الذي يتوقّع عليه العقوبة والمؤاخذة.
والقبيح ومعناه الذي على صفة مؤثرة في استحقاق فاعله الذم أو الذي نهى عنه شرعاً، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.

* [ في المندوب والمباح والمكروه ]

أقول: هذه تعريفات متعلقات باقي الأحكام فالمندوب في اللغة مأخوذ من الندب وهو الدعاء إلى أمر مهم. ومنه قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا2
وأمّا في العرف فهو عبارة عمّا ذكره المصنّف: «وهو الراجح فعله مع

1. المحصول:1/19.
2. خزانة الأدب:7/414. والبيت لقريط بن أنيف العنبري التميمي، الشاعر الجاهلي قاله ضمن قصيدة عندما أغار ناس من بني شيبان عليه فأخذوا له ثلاثين بعيراً، فاستنجد قومه فلم ينجدوه فأتى مازن تميم، فركب معه نفر فأطردوا لبني شيبان مائة بعير، فدفعوها إليه، فقال هذه القصيدة التي مطلعها:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلى *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا الأعلام:5/195.

صفحه 77
جواز تركه ».1 فالراجح فعله جنس له وللواجب، وتقييده بجواز تركه فصل يفصله عن الواجب.
وفيه نظر، فإنّ أنواع الرجحان كثيرة مختلفة فإن أراد واحداً منها بعينه، وهو الرجحان بالنظر إلى طلب الشارع أو غيره مع عدم إتيانه بلفظ يدلّ عليه، لم يجز، إذ المقصود من الحد الإيضاح والبيان.
وإن أراد مطلق الرجحان فلم يطرد، فإنّ الفعل الراجح باعتبار كونه مراداً لتحصيل مصلحة دنيوية أو دفع مفسدة كذلك، أو باعتبار كونه مشتهى كالأكل والشرب والوقاع قبل الشرع يصدق عليه الحد المذكور وليس مندوباً.
وأيضاً فإنّ لفظ الجواز يصدق على الإمكان الخاص، وعلى إذن الشارع في الشيء، وعلى عدم اشتمال الشيء على صفة موجب الذم; وهذه معان مختلفة، وليس في اللفظ ما يدلّ على أحدها فتحقّق الإجمال وهو غير جائز في الحدود.
وأيضاً فرجحان الفعل قد يكون على الترك وقد يكون على فعل آخر، فالإجمال متحقّق من هذا الوجه أيضاً .
ويقال للمندوب: المرغّب فيه، لأنّ الشارع وعد المكلّف على فعله الثواب.

1. وقد عرّفه في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/96 قائلاً: ما يكون فعله راجحاً على تركه رجحاناً غير مانع من النقيض. وعرّفه الرازي في المحصول:1/20: هو الذي يكون فعله راجحاً على تركه في نظر الشرع، ويكون تركه جائزاً. وقال الآمدي في الإحكام:1/86: هو المطلوب فعله شرعاً من غير ذمٍّ على تركه مطلقاً. وقيل: هو ما فعله خير من تركه، وقيل: ما يمدح على فعله ولا يذم. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/96.

صفحه 78
والنافلة ومعناه: أنّه طاعة غير واجبة، وأنّ للمكلّف أن يفعله من غير حتم.
والمستحب ومعناه عرفاً: أنّ الله تعالى أحبّه.
والتطوّع ومعناه: أنّ المكلّف انقاد إلى الله بفعله مع أنّه قربة من غير حتم.
والسنّة: وهو ما يعدّ عرفاً كونه طاعة غير واجبة، ولفظ السنّة يختصّ في العرف بالمندوب لحسن قولهم: هذا الفعل واجب أو سنّة.
وبعض الناس يقولون1: إنّ لفظ السنّة لا يختص بالمندوب، بل يتناول كلّما علم وجوبه أو ندبيّته بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو بإدامته واستمراره على فعله، فإنّ السنّة مأخوذة عن الإدامة، ولهذا يقال:«الختان من السنّة »2 ولا يراد به أنّه غير واجب.
والإحسان وذلك إذا كان نفعاً موصلاً إلى الغير مع القصد إلى إيقاعه.
وأمّا المباح فهو في اللغة مأخوذ من الإباحة وهي الإعلان، ومنه باح فلان بسرّه.
وأمّا في العرف فقد عرّفه المصنّف بما تساوى وجوده وعدمه وكان

1. راجع المحصول:1/21.
2. أخرج أحمد في مسنده:5/75 باسناده عن أبي المليح بن أُسامة عن أبيه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء ». وقد جاء الحديث بهذا النص في الكثير من كتب الفريقين. راجع: سنن البيهقي:8/325; المعجم الكبير للطبراني:7/273 و 274، الجامع الصغير للسيوطي:1/636برقم 4129; كنز العمال:16/435 برقم 45305; تهذيب الأحكام:7/445برقم 1783; مكارم الأخلاق:229; وسائل الشيعة:21/442برقم 27535، الباب 58 من أبواب أحكام الأولاد; مستدرك الوسائل:13/94 برقم 14872، الباب16 من أبواب ما يكتسب به.

صفحه 79
ينبغي أن يضم إليه قوله: في أنّه لا صفة له زائدة على حسنه1 أو بالنظر إلى خطاب الشارع، إذ لولا تعيّن ما فيه التساوي لم يطّرد لصدقه على جميع الأفعال الممكنة سواء كانت واجبة أو مندوبة أو محرمة. ويقال للمباح: الحلال، والطِلْق، والجائز.
وأمّا المكروه فهو في اللغة مأخوذ من الكراهية، وهي الشدة في الحرب.
وأمّا في العرف فقد عرّفه المصنّف بأنّه الراجح تركه ولا عقاب على فعله. فقوله: «الراجح تركه » جنس له وللحرام. وقوله: «ولا عقاب على فعله » يخرج الحرام. وهو منتقض في طرده بالحرام إذا عفا الله تعالى عن فاعله، وبالمحرمات الصغائر فإنّ تركها راجح ولا عقاب على فعلها لكونها تقع مكفّرة.
وهو ـ أعني: اللفظ المكروه ـ مشترك بين ثلاثة معان: ما نهى عنه نهي تنزيه، وهو ما علم فاعله، أو دلّ على أنّ تركه خير من فعله وإن لم يكن على فعله عقاب. والمحظور. وترك الأولى كترك النافلة ويسمّى تركها مكروهاً لا باعتبار كونه منهياً عنه، بل لكثرة الفضل في فعلها. 2

1. وهو قول المعتزلة. وعرّفه الرازي في المحصول:1/20بقوله: هو الذي أُعلم فاعله أو دُلّ على أنّه لا ضرر في فعله وتركه ولا نفع في الآخرة. وقال قوم: إنّه ما خيّر المرء فيه بين فعله وتركه شرعاً. وقيل: ما استوى طرفاه في عدم الثواب والعقاب. وقيل: ما دلّ الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل. وهو قول الآمدي في الإحكام:1/89. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/95.
2. وهو مختار الرازي في المحصول:1/21. وأضاف بعضهم معنى رابعاً وهو: ما وقعت الريبة والشبهة في تحريمه. راجع المستصفى:1/130، الإحكام:1/88.

صفحه 80
في تقسيم الفعل   
قال قدس الله روحه:

الفصل الثالث:

في تقسيم الفعل

وهو على وجوه: الأوّل: الفعل قد يوصف بالصحّة، وهو في العبادات ما وافق الشريعة، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء، فصلاة من ظنّ الطهارة صحيحة على الأوّل خاصة، وفي العقود ما ترتب أثر السبب عليه. وقد يوصف بالبطلان، وهو ما قابل الاعتبارين، وهو مرادف للفاسد، خلافاً للحنفية حيث جعلوا الفاسد مختصاً بالمنعقد بأصله دون وصفه، كالربا المشروع من حيث إنّه بيع، الممنوع من حيث الزيادة. *
في تقسيم الفعل   
* أقول: عرّف المعتزلة الفعل بأنّه ما وجد بعد أن كان مقدوراً1، والأوائل بأنّه مبدأ التغيير في آخر2، وبعض العلماء بأنّه صرف الشيء من الإمكان إلى الوجوب وتقسيمه يكون من وجوه متعدّدة، والذي يجب

1. وإليه ذهب الشريف المرتضى في الذريعة:391، والشيخ الطوسي في التمهيد:98، والمحقق الحلّي في المسلك في أُصول الدين:77.
2. شرح المقاصد في علم الكلام:2/43.

صفحه 81
ذكره هاهنا ما يتعلّق بالأحكام الشرعية والتقاسيم التي ذكرها المصنّف كذلك. وهو من وجوه:
الأوّل: تقسيم الفعل باعتبار الصحّة والبطلان، فإنّهما عارضان للأفعال التي يمكن وقوعها على الوجهين وتلك الأفعال المعروضة لهما قد تكون من العبادات، وقد تكون من المعاملات.
فالمصنّف عرّف الفعل الموصوف بالصحّة من حيث هو موصوف بها إذا كان من العبادات بما عرّفه به المتكلّمون وهو ما وافق الشريعة، وقالت الفقهاء: إنّه ما أسقط القضاء.1
وفائدة الخلاف تظهر في صلاة من ظن الطهارة مع كذب ظنّه، فإنّها صحيحة على التقدير الأوّل لكونها موافقة للشريعة من حيث هو متعبّد بظنّه والقضاء وجب بأمر جديد، وباطلة على التقدير الثاني لعدم إسقاطها القضاء.
ويرد على طرد الأوّل ما لا يوصف بالصحة من الأفعال الموافقة للشريعة، كالختان مثلاً. وعلى عكس الثاني ما لا قضاء له من الفرائض كصلاة العيدين والنذر المطلق والقضاء نفسه ومن النوافل كغير المرتبة فإنّها ليست مسقطة للقضاء مع اتّصافها بالصحّة.
وأمّا إذا كان من العقود فالصحيح منها هو ما ترتّب عليه أثره، أي حصلت منه غايته، والغرض المقصود منه كالبيع مثلاً فإنّ غايته انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، فما أفاد ذلك فهو الصحيح.

1. وهو تعريف متّفق عليه . راجع زبدة الأُصول:77; قوانين الأُصول للميرزا القمي:158; الفصول الغروية في الأُصول الفقهية:140; المستصفى:1/178; المحصول:1/26; وغيرها.

صفحه 82
وأمّا الباطل فهو مفسّر بما قابل الصحيح فيهما، فهو في العبادات بتفسير المتكلّمين: ما لم يوافق الشريعة، وبتفسير الفقهاء: ما لم يسقط القضاء، وفي العقود: ما لم يترتّب عليه أثره، أي لم يحصل الغرض المطلوب منه.
   
وهذا التعريف ـ أعني: تعريف الصحيح في العقود ـ غير مطّرد، لصدقه على ما لا يوصف بالصحة; كترتّب أثر السبب العقلي عليه، مثل ترتّب الشبع على الأكل، والري على الشرب; وكترتّب أثر بعض الأشياء الشرعية عليه، كترتّب وجود الحدّ على الزنا، وترتّب القصر على الخوف، ومنه ظهر عدم اطّراد التعريف المذكور للباطل منها.
ويرادف الباطل الفاسد في المشهور خلافاً للحنفية1 فإنّهم جعلوا الفاسد ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه كالربا، فإنّه مشروع من حيث إنّه بيع، وغير مشروع من حيث اشتماله على الزيادة، والباطل ما ليس مشروعاً بأصله ولا وصفه كبيع الحصى. وهذا تكلّف لا حاجة إليه إلاّ أنّه لا حجر في الإطلاق.
وفي عبارة المصنّف نظر، وذلك أنّ ضمير هو في قوله: «وهو في العبادات ما وافق الشريعة » إمّا أن يكون راجعاً إلى الفعل وهو الظاهر، أو إلى مصدر يوصف.
   
فإن كان الأوّل كان قوله بعد ذلك: «وفي العقود[ ما ] ترتّب أثر السبب عليه » يقتضي تعريفه: الفعل الصحيح في العقود بترتّب أثر السبب عليه. وهو فاسد، لعدم صدقه عليه ووجوب صدق المعرَّف على المعرِّف.

1. نقله عنهم فخر الدين الرازي في المحصول:1/26، والغزالي في المستصفى:1/179.

صفحه 83
قال قدس الله روحه: الثاني: الفعل قد يكون حسناً، وهو ما للفاعل القادر عليه العالم به أن يفعله، أو الذي لم يكن على صفة تؤثر في استحقاق الذم، وقد يكون قبيحاً، وهو الذي ليس له فعله، أو الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذم. وهو قول، أو فعل، أو ترك قول، أو ترك فعل ينبئ عن اتّضاع حال الغير. والحق أنّهما عقليان، خلافاً للأشاعرة; للعلم الضروري بقبح الظلم والكذب الضار والجهل، وحسن الصدق النافع والإحسان والعلم، ولهذا يحكم به من لا يتديّن بالشرائع; ولأنّه لولا ذلك لصحّ إظهار المعجز على يد الكاذب، فيمتنع العلم بصدق المحقّ، فتنتفي فائدة النبوة، ولجاز الكذب عليه تعالى، فينتفي الوثوق بوعده ووعيده فتنتفي فائدة التكليف; ولأنّه يؤدي إلى إفحام الأنبياء; ولأنّا نعلم قطعاً اختيار العاقل الصدق لو خير بينه وبين الكذب مع تساويهما من كلّ جهة.*
وإن كان الثاني كان قوله أوّلاً: «وهو في العبادات ما وافق الشريعة » يقتضي تعريف وصف الصحّة بذلك، وهو أيضاً باطل بمثل ما قلناه .

* [ في أنّ الحسن والقبح عقليان ]

أقول: هذا هو التقسيم الثاني من تقاسيم الفعل وهو باعتبار اتّصافه بالحسن والقبح، إذ هما عارضان له يوصف بهما، فإنّ الفعل قد يكون حسناً وقد يكون قبيحاً، وكان الأليق تقديمه على القسم الذي قبله، لأنّ موضوع هذا التقسيم أعم فإنّه يشمل فعل الله تعالى وأفعال المكلّفين بأسرها; ولا كذلك موضوع التقسيم السابق، فإنّه إنّما يتناول ما يمكن وقوعه على وجهين من أفعال المكلّفين، ولهذا قال في الأوّل: «الفعل قد

صفحه 84
يوصف بالصحّة » وقد دليل على التقليل.
أمّا الحسن فله عند المعتزلة تفسيران: أحدهما: ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله. وثانيهما: الذي لم يكن على صفة مؤثرة في استحقاق الذم.
وأمّا القبيح فله تفسيران يقابلان تفسيري الحسن وهو إمّا ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله. أو الذي على صفة مؤثرة في استحقاق الذم.1
فالذم قول أو فعل أو ترك قول أو ترك فعل ينبئ عن اتّضاع حال الغير. والاتّضاع انخفاض المنزلة. فالأوّل كالشتم من الرئيس لذي المروة، والثاني كالضرب منه، والثالث كتركه ردّ السلام عليه، والرابع كترك القيام له مع أهليته لذلك.
قيل على تفسير القبيح المذكور: ما الذي تريدون بقولكم ليس له أن يفعله، فإنّ ذلك صادق على العاجز عن الفعل، كالزمن بالنسبة إلى المشي; وعلى القادر الممنوع منه حبساً كالمقيّد، وعلى القادر المخلّى مع النفرة، وعلى القادر المزجور عنه شرعاً. والأوّلان غير مرادين قطعاً، ولا الثالث لأنّه قد يكون حسناً كشرب الدواء المرّ عند الحاجة، والأخير يلزم عوده إلى الشرع وأنتم لا تقولون به، ولا القدر المشترك بين هذه المعاني لانتفائه، لأنّ معنى الأوّل سلب القدرة وهو عدمي، ومعنى الرابع وهو ما يعاقب على تركه وهو وجودي ولا يشترك2 بين النقيضين.
وأيضاً ما المراد بقولكم: «استحقاق الذم » فإنّه قد يقال للأثر أنّه

1. ذكره الرازي في المحصول:1/22 نقلاً عن أبي الحسين البصري المعتزلي.
2. في«م » و «ج »: مشترك.

صفحه 85
يستحق المؤثر بمعنى افتقاره إليه، وللمالك أنّه يستحق الانتفاع بملكه بمعنى أنّه يحسن منه ذلك. والأوّل ظاهر الفساد، والثاني يلزم منه الدور لتوقّف معرفة الحسن على معرفة الاستحقاق حيث قالوا: الحسن ما لم يكن على صفة مؤثّرة في استحقاق الذم وبالعكس.
وأُجيب بمنع الحصر في الأقسام المذكورة: وأنّ المراد أنّه ليس له أن يفعله من حيث الحكمة لما يتبعه من الذم، والاستحقاق بمعنى الاستيجاب، وهو استحقاق المؤثّر أثره.
واعلم أنّ الأوّل من تفسيري الحسن أخص من الثاني، لصدق الثاني على القبيح لذاته، لا لصفته، فإنّه ليس له صفة مؤثرة في استحقاق فاعله الذم وكذب الأوّل عليه، إذ ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله. وتفسير القبيح بالعكس فإنّ الأوّل منهما وهو ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله شامل لما كان قبحه لذاته أو لصفته، والثاني وهو ما له صفة مؤثرة في استحقاق الذم لا يصدق على ما قبحه لذاته. وقد ظهر من هذا انتقاض كلّ واحد من التعريفين الثاني للحسن والتعريف الأوّل للقبح. لكن الأوّل في طرده والثاني في عكسه.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحسن والقبح قد يراد بهما: ملائمة الطبع ومنافرته، فيقال لما يلائم الطبع كالشيء اللذيذ أنّه حسن، ولما ينفر منه الطبع أنّه قبيح.
وقد يراد بهما: كون الشيء صفة كمال أو نقص كما نقول:«العلم حسن والجهل قبيح » وهما عقليان اتفاقاً. 1

1. الحسن والقبح بهذين المعنيين متّفق عليهما بين العدلية والأشاعرة. راجع المحصول:1/29.

صفحه 86
وقد يراد بهما: كون الفعل متعلّق المدح والذم وهو محل النزاع بين المعتزلة والأشاعرة، فالمعتزلة يقولون: إنّه عقلي وإنّ الأشياء إنّما تحسن أو تقبح لكونها تقع على وجوه مخصوصة يستحق فاعلها باعتبارها المدح أو الذم، وتلك الوجوه قد تعلم بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضارّ، وقد تعلم بالاستدلال كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع، وقد لا يستقل العقل بإدراكه ضرورة ولا نظراً بل يحتاج إلى مساعدة الشرع، كقبح صوم العيد ووجوب صوم اليوم الذي قبله. وهذا هو مذهب الإمامية.1
والأوائل من المعتزلة ذهبوا إلى أنّ حسن الأشياء وقبحها إنّما هو لذواتها لا باعتبار صفاتها ولا باعتبار وجوه يقع عليها.2
وخالف الأشاعرة في ذلك فزعموا أنّ الحسن والقبح سمعيان، وأنّ الفعل إنّما يكون حسناً إذا أمر الله تعالى به وانّما يكون قبيحاً إذا نهى الله تعالى عنه، ولو أمر الله بالقبيح لانقلب حسناً ولو نهى عن الحسن لانقلب قبيحاً. 3
والمختار الأوّل. ولنا وجوه ذكر المصنّف في هذا الكتاب منها خمسة:

1. وإليه ذهب جميع الإمامية والكرامية والخوارج والبراهمة والثنوية وغيرهم سوى الأشاعرة، حتى أنّ الفلاسفة حكموا بحسن كثير من الأشياء وقبح بعضها بالعقل العملي. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/118ـ119، والإحكام:1/61.
2. نقله عنهم الآمدي في الإحكام :1/61 وأضاف قائلاً: ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية، ومنهم من فصّل وأوجب ذلك في القبح دون الحسن.
3. راجع: المستصفى:1/113; المحصول:1/24 و 29; الإحكام:1/60ـ61.

صفحه 87
الأوّل: أنّا نعلم بالضرورة حسن الصدق النافع والعدل والإنصاف والعلم وردّ الوديعة; وقبح الكذب الضار والظلم والجور والجهل ومنع الوديعة وتكليف ما لا يطاق، مثل تكليف الأعمى نقط المصاحف وإعرابها، وتكليف الزمن الطيران في الهواء. وانّ من صدر منه ذلك أطبق العقلاء على ذمّه من غير ملاحظة الشرع، وإلاّ لما حكم به منكرو الشرائع كالبراهمة1 وغيرهم، ولو كان ذلك لمجرد الشرع لجرى مجرى غيره من الأحكام الشرعية كتحريم الزنا وشرب الخمر ووجوب الصلاة والزكاة، ومن المعلوم الضروري أنّه ليس كذلك.
الثاني: أنّه لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لم يقبح من الله تعالى شيء، ولو لم يقبح من الله شيء لصحّ منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، وذلك يوجب امتناع العلم بصدق المحقّ وينتفي الفرق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب عند المكلّفين فتنتفي فائدة النبوة والغرض المقصود منها، إذ المراد منها اتّباع الموصوف بها وامتثال أوامره باطناً وظاهراً، وذلك لا يمكن إلاّ إذا حصل العلم بصدقه، وهو ممتنع على ذلك التقدير، لعدم دلالة العام وهو ظهور المعجزة الذي يشترك فيه الصادق والكاذب على

1. البراهمة: قوم من الهند، انتسبوا إلى رجل منهم يقال له «براهم »، وقد مهّد لهم نفي النبوّات أصلاً وقرر استحالة ذلك في العقول. وقد ظن جماعة من الناس أنّهم سمّوا براهمة لانتسابهم إلى إبراهيم(عليه السلام)، ذلك خطأ، فإنّ هؤلاء هم المخصوصون بنفي النبوّات أصلاً ورأساً فكيف يقولون بنبوة إبراهيم(عليه السلام)؟! والبراهمة على أصناف: فمنهم (أصحاب البددة) ومعنى (البدّ) عندهم: شخص في هذا العالم لا يولد ولا ينكح ولا يطعم ولا يشرب ولا يهرم ولا يموت، وأوّل (بد) ظهر في العالم اسمه (شاكمين) يعني السيد الشريف. ومنهم (أصحاب الفكرة) وهم الذين يعظمون الفكر ويقولون هو المتوسط بين المحسوس والمعقول. ومنهم (أصحاب التناسخ)، وللمزيد من التقاصيل راجع الملل والنحل للشهرستاني:2/250ـ255.

صفحه 88
الخاص وهو الصادق، وذلك باطل بالاتفاق.
الثالث: أنّه لو لم يقبح من الله تعالى شيء لصحّ منه وقوع الكذب في إخباراته، وذلك يرفع الوثوق بوعده ووعيده فتنتفي فائدة التكليف، لأنّ الغرض المقصود منه تعريض المكلّف بالثواب، وذلك إنّما يتم لو كان مستحقاً بفعل الطاعة وترك المعصية وكان المكلّف عارفاً1 بذلك، وهو ممتنع على تقدير جواز الكذب في خبره ووعده ووعيده، لأنّه إنّما يعلم كون الطاعة طاعة بالوعد بالثواب على فعلها أو بالعقاب على تركها، وكون المعصية معصية بالتوعّد بالعقاب على فعلها، أو بإخباره تعالى بكون الفعل واجباً أو حراماً، وعلى تقدير جواز الكذب في ذلك يجوّز المكلّف فيما وعد الله تعالى على فعله الثواب أن يكون معصية، وفيما توعّد على فعله بالعقاب أن يكون طاعة، وفيما أخبر بوجوبه كونه حراماً، وفيما أخبر بتحريمه كونه واجباً، ويمتنع جزمه بشيء من الأحكام، وذلك باطل اتفاقاً.
الرابع: لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لزم إفحام الأنبياء. والتالي باطل فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ الوجوب لا يكون متحقّقاً قبل الشرع على ذلك التقدير، فإذا طلب النبي من المكلّف اتّباعه; فللمكلّف أن يقول: لا يجب علىّ اتباعك إلاّ إذا علمت صدقك، ولا أعلم صدقك إلاّ بالنظر في معجـزتك، ولا أنظر في معجزتك إلاّ إذا وجـب علي النظر، والنظر لا يجب علي إلاّ بقولك، وقولك قبل ثبوت صدقك ليس بحجّـة، فينقطع النبي .

1. في «م »: جازماً.

صفحه 89
قال قدس الله روحه: احتجّوا بأنّ أفعال العباد اضطرارية فينتفي الحسن والقبح العقليان، ولقوله تعالى:(وماكُنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً). والجواب: المنع من صغرى القياس، وقد كذّبناها في كتبنا الكلامية، والسمع متأوّل بما ذكرناه في نهاية الوصول . *
الخامس: لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لما كان العاقل إذا خيّر بين الصدق والكذب المتساويين من جميع الوجوه، سواء كان أحدهما كذباً والآخر صدقاً يختار الصدق، والتالي باطل فالمقدّم مثله والملازمة ظاهرة. وأمّا بطلان التالي فهو معلوم بالضرورة، فإنّا نعلم قطعاً اختيار العاقل الصدق على الكذب المساوي له في جميع ما عدا كونه صدقاً.1

* [ في أدلّة الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين والرد عليها ]

أقول: لمّا ذكر الحجج على مطلوبه شرع في ذكر ما يعارضها وهو حجّتان للأشعرية: إحداهما عقلية، والأُخرى سمعية.
أمّا الحجّة العقلية فتقريرها أن يقال: أفعال العباد اضطرارية، ومتى كانت اضطرارية انتفى الحسن والقبح العقليان.
أمّا الأوّل فلأنّ العبد لو كان قادراً على الفعل لكان ترجيح الفعل على الترك إمّا أن يتوقّف على مرجّح، أو لا يتوقّف على مرجّح.
والثاني محال، لاستحالة ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح.

1. وقد ذكر العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/121ـ124 وجوهاً أُخرى، فراجع.

صفحه 90
وأمّا الأوّل فإمّا أن يكون ذلك المرجّح من فعله، أو من فعل الله تعالى.
والأوّل محال، لأنّا ننقل الكلام إلى فعل ذلك المرجّح فإنّه إن لم يترجّح على تركه استحال تحقّقه، لما ذكرنا من استحالة الترجيح من غير مرجّح. وإن ترجّح فذلك المرجّح الآخر إن كان من فعله تسلسل وهو محال، وإن كان من فعل الله تعالى لزم الجبر والاضطرار، لأنّ الله تعالى إن فعل المرجّح وجب الفعل، وإن لم يفعله امتنع الفعل فلا قدرة على الواجب ولا على الممتنع. وأمّا الثاني فبالاتّفاق.
وأمّا الحجّة السمعية فتقريرها أن يقال: لو كان الحسن والقبح عقليين لزم حصول التعذيب قبل بعثة الرسل. والتالي باطل فالمقدّم مثله.
بيان الملازمة: انّ التعذيب لازم للوجوب على تقدير تركه وللحرام على تقدير فعله، فإذا كانت الأحكام عقلية لم يتوقّف على بعثة الرسل فيتحقّق قبل الشرع ويتحقّق لزومها معها، أعني: التعذيب والمدح والذم. وأمّا بيان بطلان التالي فلقوله تعالى: (وما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1فإنّه نفى التعذيب من دون بعثة الرسل.
والجواب عن الحجّة الأُولى بالمنع عن صغرى القياس، وهو كون أفعال العباد اضطرارية، وما ذكر لبيان صدقها فهو باطل، لجواز ترجيح القادر لأحد الطرفين ـ أعني: الفعل والترك على الآخر ـ لا لمرجّح، كالهارب من السبع إذا عرض له طريقان متساويان. وأيضاً لو صحّ هذا

1. الإسراء:15.

صفحه 91
الدليل لزم نفي قدرة الله تعالى، وهو باطل بالاتّفاق.
وعن الحجّة الثانية بتأويل المقدّمة السمعية بما ذكره المصنّف في كتابه المسمّى بـ «نهاية الوصول » وهو أنّ المراد وما كنّا معذّبين بالأوامر السمعية، أو بجعل الرسول إشارة إلى العقل، للمناسبة بينهما باعتبار المشاركة في الهداية و الإرشاد. 1
وهذان الاحتمالان وإن كانا مرجوحين لمخالفتهما الأصل من حيث إنّ الأوّل تخصيص والثاني مجاز إلاّ أنّهما صارا بانضمام ما دلّ على ثبوت الأحكام بالعقل أرجح من إجراء اللفظ على ظاهره.
ولقائل أن يقول: نمنع لزوم التعذيب للوجوب والتحريم. أمّا العقليان فظاهر، إذ العقل لا يقتضي ترتّب العقاب على ترك الواجب وفعل الحرام بمجرده وإنّما يقتضي ترتّب الذم على كلّ واحد منهما. وأمّا الشرعيان فلأنّه تعالى قد يعفو عن تارك الواجب وفاعل الحرام ولا يخرجان بذلك عن الوجوب والتحريم.
فإن قالوا: استحقاق التعذيب هو اللازم لهما لا نفس التعذيب.
قلنا: فالآية إنّما دلّت على نفي التعذيب لا على نفي الاستحقاق الذي هو اللازم بزعمكم، وحينئذ لا يدل على نفي الوجوب وأيضاً لا يلزم من نفي التعذيب إلى غاية معينة وهي بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفي التعذيب مطلقاً لاحتمال التعذيب بعدها.

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/133.

صفحه 92
قال قدس الله روحه: تذنيبان: الأوّل: لو لم يجب شكر المنعم عقلاً بالضرورة لم يجب المعرفة، لعدم الفرق بينهما عقلاً والتالي باطل وإلاّ لزم إفحام الأنبياء، فالمقدّم مثله. ولأنّه معلوم بالضرورة للعقلاء، ولأنّه دافع للخوف.احتجّت الأشاعرة بأنّ الوجوب لا لفائدة عبث، والفائدة إن كانت عاجلة فهي منتفية، لأنّ العاجل التعب، وإن كانت آجلة أمكن إيصالها بدونه فكان عبثاً. والجواب: لِمَ لا يجب لكونه شكراً إذ لا يلزم فائدة أُخرى، وإلاّ لزم التسلسل; أو: لِمَ لا يكون لفائدة آجلة ولا يمكن إيصالها على جهة الاستحقاق بدون الشكر. *

* [ في أنّ شكر المنعم واجب عقلاً ]

أقول: التذنيب: التفريع. والتذنيبان المذكوران بحث الأشاعرة مع المعتزلة فيهما على تقدير تسليم قول المعتزلة بالحسن والقبح والوجوب العقلي، فهما فرعان على هذا القول.
واعلم أنّ أصحابنا الإمامية والمعتزلة ذهبوا إلى أنّ شكر المنعم واجب عقلاً، وخالف في ذلك جمهور الأشاعرة. 1
احتجّت الإمامية والمعتزلة على ذلك بوجوه، ذكر المصنّف في هذا الكتاب منها ثلاثة وجوه:
الأوّل: لو لم يجب شكر المنعم عقلاً لم تجب المعرفة بالله تعالى عقلاً. والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/134; المستصفى من علم الأُصول:1/120; المحصول:1/40; الإحكام في أُصول الأحكام:1/66.

صفحه 93
بيان الملازمة: أنّ العقل الصريح قاض بأنّ الشكر والمعرفة متساويان، وأنّه لا فرق بينهما فيجب تساويهما في حكم العقل، فإذا لم يقض العقل بوجوب الشكر استحال أن يقضي بوجوب المعرفة، وإلاّ لزم الترجيح من غير مرجّح وأنّه محال.
وأمّا بيان بطلان التالي فلأنّه يلزم إفحام الأنبياء، لأنّهم(عليهم السلام)إذا أظهروا المعجزات كان للمكلّف أن يقول لهم لا يجب عليّ النظر في معجزتكم إلاّ بالشرع، والشرع لا يستقر ولا يجب عليّ اتّباعه إلاّ بالنظر في معجزتكم، فينقطعون بذلك، وهو المراد بالإفحام.
واعلم أنّ في كلام المصنّف موضع نظر، وذلك أنّه جعل عدم وجوب شكر المنعم عقلاً بالضرورة ملزوماً لعدم وجوب المعرفة مطلقاً، واستدلّ على اللزوم1 المذكور بعدم الفرق بينهما، وهو غير دال على اللزوم المذكور، بل إن دلّ فإنّما يدلّ على لزوم عدم وجوب المعرفة عقلاً بالضرورة، وهذا اللازم أعمّ من الأوّل وغير مستلزم له لعدم استلزام العام للخاص وليس باطلاً حتى يستدل ببطلانه على بطلان ملزومه، أعني: عدم وجوب شكر المنعم عقلاً بالضرورة، بل هو حق متّفق على حقيّته، فإنّ أحداً لم يذهب إلى أنّ وجوب المعرفة ضروري ولا يلزم من تحقّقه إفحام الأنبياء، ويمكن أن يكون قوله: «بالضرورة » في قوله: «لو لم يجب شكر المنعم عقلاً بالضرورة » بياناً لكيفية لزوم التالي المذكور للمقدّم ولا يكون جزءاً من المقدّم ولا من التالي.

1. في «م »: التلازم.

صفحه 94
الثاني: أنّ وجوب شكر المنعم معلوم للعقلاء علماً ضرورياً.
الثالث: أنّه دافع للخوف، وكلّما كان دافعاً للخوف فهو واجب عقلاً.
أمّا الصغرى فلأنّ المكلّف يجوّز المؤاخذة على ترك شكر المنعم فيحصل له خوف، وذلك الخوف يندفع عنه بالشكر قطعاً.
وأمّا الكبرى وهو أنّ كلّ ما كان دافعاً للخوف فهو واجب عقلاً، فهو معلوم بالضرورة .
احتجّت الأشاعرة بأنّ شكر المنعم لو كان واجباً عقلاً لكان وجوبه إمّا أن يكون لا لفائدة، أو لفائدة. والتالي بقسميه باطل، فالمقدّم مثله. أمّا الملازمة فظاهرة. وأمّا بطلان القسم الأوّل من قسمي التالي فلأنّه عبث، والعبث عندكم قبيح عقلاً، فكيف يكون واجباً؟!
وأمّا الثاني فلأنّ تلك الفائدة إمّا أن تكون عائدة إلى الله تعالى، أو إلى الشاكر.
والأوّل محال، لاستغنائه تعالى عن كلّ شيء واستعلائه عن جلب النفع ودفع الضرر.
والثاني محال أيضاً، لأنّها إمّا أن تكون عاجلة أو آجلة. والأوّل محال إذ العاجل ليس إلاّ التعب والمشقة بأداء الشكر، والثاني محال أيضاً لإمكان إيصال تلك الفائدة الآجلة بغير توسّط الشكر فيكون توسّطه عبثاً. وأيضاً العقل لا يقتضي ترتّب فائدة أُخروية على الشكر بحيث يترتّب الوجوب عليها.

صفحه 95
والجواب: أنّ وجوبه لكونه شكراً لا لأمر آخر مغايراً له كما في جلب النفع ودفع الضرر فإنّه مطلوب لنفسه لا لأمر آخر، ولا يجب في كلّ أمر أن يكون مطلوباً لفائدة مغايرة له وإلاّ لزم التسلسل، لأنّ تلك الفائدة حينئذ تكون مطلوبة لفائدة أُخرى، والأُخرى لأُخرى، وهكذا لا إلى نهاية وأنّه محال.
أو نقول: لِمَ لا يجب لفائدة آجلة ولا يكون توسّطه عبثاً، لأنّ حصولها على وجه الاستحقاق أمر مطلوب وهو غير ممكن إلاّ بتوسط الشكر، أو لفائدة عاجلة وهي دفع الخوف عن النفس الحاصل في العاجل بسبب تجويز الضرر الآجل بتركه.
والحق أن يقال: إن أردتم بوجوب الشكر كونه بحيث يستحق فاعله المدح وتاركه الذم فذلك أمر لازم له لذاته أو لصفة لازمة لذاته، كحسن الصدق وقبح الكذب ومقابلة الوجود للعدم وبالعكس فلا يصحّ أن يقال فيه: إمّا أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، كما لا يصحّ أن يقال في نظائره.
وإن أردتم به أنّ إتيان المكلّف بالشكر الواجب إمّا أن يكون لفائدة أو لا لفائدة.
قلنا: إنّه لفائدة هي دفع ضرر الذم اللاحق له بتركه وجلب نفع المدح الحاصل له بفعله أمّا الترديد في نفس الوجوب فإنّه إنّما يتصوّر إذا قلنا إنّه شرعي كما ذهب إليه الأشاعرة من حيث إنّه صادر عن الله تعالى فيقال: إيجاب الله تعالى الشكر إمّا أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، ونسوق الكلام إلى آخره.

صفحه 96
قال قدس الله روحه: الثاني: ذهب جماعة من الإمامية. ومعتزلة بغداد إلى تحريم الأشياء التي ليست اضطرارية قبل ورود الشرع، وذهب معتزلة البصرة إلى أنّها على الإباحة، وتوقّف الأشعري. والحق الثاني، لأنّها منفعة خالية عن أمارات المفسدة، ولا ضرر على المالك، فوجب حسنه كالاستظلال بحائط الغير.
احتج المانع بأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه، وكان حراماً. وجوابه: الإذن معلوم عقلاً كالاستظلال. *

* [ حكم الأشياء قبل الشرع ]

أقول: هذا هو التذنيب الثاني من التذنيبين اللّذين بحث الأشاعرة مع المعتزلة فيهما على تقدير تسليم القول بالحسن والقبح العقليين وهو البحث عن حكم الأشياء قبل ورود الشرع.
واعلم أنّ ما ينتفع به المكلّف إمّا أن يكون اضطرارياً، أي يضطر إليه في معاشه بحيث لا يمكن حياته من دونه، كالنفس في الهواء، وتناول الماء عند العطش العظيم، وأمثال ذلك; وإمّا أن لا يكون كذلك، كتناول الفاكهة، واستعمال الطيب وما شابههما.
والأوّل يجب القطع بعدم تحريمه إلاّ عند من يجوّز التكليف بما لا يطاق.
وأمّا الثاني فإمّا أن يدرك بضرورة العقل حسنه أو قبحه، كالصدق

صفحه 97
النافع والكذب الضار، أو لا. والثاني هو المقصود بالبحث هاهنا فذهب جماعة من الإمامية ومعتزلة بغداد1 وأبو علي بن أبي هريرة2 من فقهاء الشافعية إلى أنّها محرمة3، وذهب معتزلة البصرة4 وطائفة من فقهاء الشافعية والحنفية إلى أنّها مباحة5، وذهب أبوالحسن الأشعري6 وأبو

1. ينقسم المعتزلة إلى مدرستين: مدرسة البصرة، ومدرسة بغداد التي تأسّست في أواخر القرن الثاني في عاصمة الخلافة العباسية بغداد بعد مهاجرة أحد خرّيجي مدرسة البصرة إليها وهو بشر بن المعتمر (المتوفّى 210هـ) فظهر هناك رجال مفكّرون على منهج الاعتزال، وأثار التعدّد والبعد المكاني خلافات بين خرّيجي المدرستين في الكثير من المسائل الفرعية بعد الاتّفاق على المسائل الرئيسية، والمدرسة البغدادية توافق الشيعة أكثر من مدرسة البصرة، وقد ألّف الشيخ المفيد رسالة في ذلك سمّاها المقنعة. ومن أعلام هذه المدرسة: ثمامة بن الأشرس، جعفر بن حرب، جعفر بن مبشر، أبو الحسين الخياط، أبو القاسم البلخي. راجع بحوث في الملل والنحل للسبحاني:3/396.
2. هو أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وشرح مختصر المزني وله مسائل في الفروع، توفّي في رجب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. وفيات الأعيان:2/75 برقم 159.
3. راجع: التبصرة:532; عدة الأُصول:2/742.
4. معتزلة البصرة أو المدرسة البصرية تمثّل مهد الاعتزال ومغرسه، وفيها ظهرت المعتزلة إلى الوجود بواسطة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، ومن أعلامهم أبو الهذيل العلاّف والنظّام والجاحظ وعباد بن سليمان وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار. راجع بحوث في الملل والنحل للسبحاني:3/396ـ398.
5. وهـو مـذهب أبي علـي وأبي هاشـم الجبّائيين والقاضي أبي حامد والسيد المرتضى والعلامة الحلّي. راجع الذريعة: 545; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/140; المعتمد:2/532; التبصرة:533.
6. هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري من نسل أبي موسى الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة سنة 260هـ. ، تلقّى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ثم رجع وجاهر بخلافهم، توفّي ببغداد سنة 324هـ. ، له مصنّفات، منها: مقالات الإسلاميين ـ ط، الإبانة عن أُصول الديانة ـ ط، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ـ ط، وغيرها. الأعلام:4/ 263.

صفحه 98
بكر الصيرفي1 وجماعة من الفقهاء إلى أنّها على الوقف.2
ثم إنّ هذا الوقف فسّره قوم بأنّه لا حكم فيه أصلاً. ودلّ هذا التفسير بأنّه ليس وقفاً بل قطعاً بعدم الحكم.
وآخرون بأنّا لا ندري هل فيها حكم أو لا؟ ولو جوّزنا أنّ فيها حكماً، لم نعلم هل هو تحريم أو إباحة؟
واختار المصنّف المذهب الثاني وهو أنّها على الإباحة. واحتجّ عليه بما ذكره أبو الحسين البصري3 وهو أنّ تناول الفاكهة مثلاً منفعة خالية عن أمارات المفسدة، ولا ضرر على المالك فيه، فوجب القطع بكونه حسناً.
أمّا أنّه منفعة فظاهر. وأمّا خلوّه عن أمارات المفسدة، فلأنّا إنّما نتكلّم على تقديره. وأمّا أنّه لا ضرر على المالك فيه فبيّن. وأمّا أنّه متى كان كذلك وجب القطع بحسنه، فلأنّه يحسن منّا الاستظلال بحائط الغير عند

1. هو أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي، فقيه شافعي من أهل بغداد، له كتب منها: البيان في دلائل الأعلام على أُصول الأحكام في أُصول الفقه، والفرائض. توفّي سنة 330هـ. الأعلام:6/224.
2. الوقف هنا بمعنى تجويز كل واحد من الأمرين فيه وينتظر ورود السمع بواحد منهما. وهذا المذهب كان ينصره الشيخ المفيد في التذكرة بأُصول الفقه:43، وقوّاه الشيخ الطوسي في عدّة الأُصول:2/742، وإليه ذهب أهل السنّة والجماعة، وهو قول أبي علي الطبري الشافعي، واختاره الغزالي والرازي والآمدي وأبو إسحاق الشيرازي. راجع: التبصرة:532; المستصفى:2/219; المحصول:1/47; الإحكام:1/68; الذريعة:545 .
3. هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري، المتكلم على مذهب المعتزلة، وهو أحد أئمتهم، له تصانيف منها: المعتمد في أُصول الفقه ومنه أخذ فخر الدين الرازي كتاب المحصول، وله: تصفّح الأدلّة، غرر الأدلة، وشرح الأُصول الخمسة. سكن بغداد وتوفّي بها سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ودفن في مقبرة الشونيزي. وفيات الأعيان:4/271 برقم 609.

صفحه 99
كونه موصوفاً بالصفات المذكورة، أعني: كونه نافعاً خالياً عن أمارات المفسدة ولا ضرر فيه على مالكه.
وعلّة حسنه هو كونه موصوفاً بتلك الصفات لدورانه معها وجوداً وعدماً، وهذه العلّة متحقّقة في محل النزاع، فوجب القول بحسنه لوجوب وجود الحكم عند تحقّق العلّة.
واعترض بمنع الحكم في الأصل، أعني: حسن الاستظلال بحائط الغير وكونه معلّلاً بالأوصاف المذكورة، والدوران غير دال على العلّيّة على ما يأتي. وأيضاً لا يلزم من ثبوت الحكم في الأصل وكونه معلّلاً بالأوصاف المذكورة وتحقّقها في محل النزاع ثبوت الحكم فيه لجواز وجود شرط الحكم في الأصل دون الفرع أو وجود مانع منه في الفرع دون الأصل.
احتجّ أهل المذهب الأوّل على التحريم بأنّ ذلك تصرّف في ملك الغير بدون إذنه فيكون قبيحاً كما في الشاهد.
والجواب: المنع من عدم الإذن فإنّ وجوده معلوم عقلاً، أي بدليل العقل كالاستظلال بحائط الغير، والفرق بين الشاهد والغائب متحقّق وهو تضرر المالك في الشاهد بالتصرّف في ملكه بخلاف الغائب، ومع ظهور الفرق يبطل القياس. والهاء في قول المصنّف: «فوجب حسنه » راجع إلى مجموع الأشياء وإن لم يكن ملفوظاً، ولو قال: «حسنها » بحيث ترجع إلى الأشياء أو إلى المنفعة كان أليق.

صفحه 100
قال قدس الله روحه: الوجه الثالث: الفعل قد يكون مجزياً بمعنى أنّ الإتيان به كاف في سقوط التعبّد به. وإنّما يحصل ذلك لو أتى المكلّف به مستجمعاً لجميع الأُمور المعتبرة فيه شرعاً. وقد لا يكون كذلك إذا لم يوقعه المكلّف على وجهه المطلوب منه. وإنّما يصحّ وصف الفعل بالإجزاء إذا أمكن وقوعه على وجهين أو على جهات، أمّا ما لا يقع إلاّ على وجه واحد كالمعرفة، فلا يصح وصفه به. *
* أقول: هذا تقسيم ثالث للفعل باعتبار كونه مجزياً وكونه غير مجز، ولمّا كان مورد هذا التقسيم أخصّ من موردي التقسيمين اللّذين تقدّما أخّره عنهما.
واعلم أنّ العبادة توصف تارة بكونها مجزية كالصلاة الجامعة للأركان والشرائط، وتارة بكونها غير مجزية كالصلاة الخالية عنها. وإنّما يصحّ وصف الفعل بالإجزاء إذا أمكن أن يقع على وجهين أو وجوه يكون باعتبار بعضها مشتملاً على حكمة، وباعتبار بعضها لا يكون كذلك كالصلاة. وأمّا ما لا يكون كذلك ـ كمعرفة الله تعالى وردّ الوديعة ـ فلا يوصف بالإجزاء ولا بعدمه، لأنّه لا يقع إلاّ على وجه واحد.
إذا تقرّر هذا فنقول: معنى كون الفعل مجزياً أنّ الإتيان به كاف في سقوط التعبّد به إذا أتى به المكلّف مستجمعاً لجميع الأُمور المعتبرة فيه من حيث وقع التعبّد به. (ومعنى كونه غير مجز أنّ الإتيان به غير كاف في سقوط التعبّد به)1، وإنّما يكون(2) كذلك إذا أوقعه لا على وجه المطلوب شرعاً.

1. ليس في «م ».   2 . في «م »: لا يكون.