welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائلٌ و حوارات*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائلٌ و حوارات

صفحه1
   
   رسائل وحوارات

صفحه2
4
جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ق ـ
      رسائل وحوارات / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1388 .
      ص 710.    ISBN 978 - 964 - 357 - 434 - 5
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ـ ق. ـ ـ الرسائل. 2 . الإسلام ـ ـ مقالات و حوارات. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. العنوان.
4آ 2س/ 3/55 BP    998 / 297
اسم الكتاب:   … رسائل وحوارات
المؤلف:   … العلاّمة الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1431 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    … وزيري
عدد الصفحات:    …576
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه3
يشتمل على مجموعة نفيسة من الرسائل المتبادلة مع المفكّرين والعلماء وطلاب الحق ومريديه ترد فيها على الشبهات الفقهية والعقائدية والكلامية وتحتوي على تقاريظ ومقترحات ومواضيع أُخرى

صفحه4

صفحه5
   

صفحه6

صفحه7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأطهار.
أمّا بعد:
فهذه رسائل مفتوحة وحوارات متبادلة انطلقنا في تدوينها من المثل المعروف «الحقيقة بنت البحث» أو قولهم: «العلم رحم». فقد كانت سيرة العلماء الماضين تبادل الرسائل العلمية والحوارات الفكرية بينهم لتتضح الحقيقة وراء البحث والجدل البنّاء، وقد كانت الحقيقة هي الضالة الّتي ينشدونها ويبحثون عنها هنا وهناك، حتّى إذا ما وجدوها جعلوها نصب أعينهم .
وقد كانت الأواصر العلمية بين علماء الشيعة والسنة وطيدة وراسخة عبر القرون، ولم تمنع الاختلافات الفكرية أو العقائدية من حصول الزمالة بينهم في مجالات العلم والفكر والأدب. وما ذلك إلاّ لوجود مشتركات كثيرة.
وهذا ما دفعني إلى مراسلة أصحاب الفكر والأدب والساسة، في مواضع مختلفة أو قمت بنقد مقالات نشرت لبعضهم في المجالات والدوريات العربية.
فالذي نرجوه من الله سبحانه هو أن يكون لهذه الرسائل تأثير نافع في أوساط المثقفين المسلمين وفي توحيد صفوفهم ولمّ شملهم إنّه على ذلك لقدير.

صفحه8
وسيجد القارئ الكريم إنّ هذه الرسائل يطغى عليها طابَع التقريب ورصّ الصفوف وتوحيد الكلمة حيث تشير إلى المشتركات وتحلل المختلفات ببيان هادئ ودليل واضح، منطلقين من قول شاعر الأهرام :
إنا لتجمعنا العقيدة أُمّةً *** ويضمنا دين الهدى أتباعا
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا
ولمّا كانت الرسائل مترامية الأطراف، ناظرة إلى غير واحد من الموضوعات العقدية والعلمية، آثرنا نشرها في جزء واحد حتّى يتيسّر للجميع الاستفادة منها، ورتّبناها في أبواب أربعة :
الأوّل: الرسائل المفتوحة. يتضمّن رسائلنا المفتوحة إلى البابا وكوفي عنان الأمين العالم للأُمم المتحدة والملك السعودي والشيخ القرضاوي.
الثاني: الرسائل المتبادلة. يتضمن رسائلنا المتبادلة مع علماء الفريقين.
الثالث: ردود ومقترحات. يتضمن رسائلنا إلى العلماء والمؤتمرات العلمية والجاليات الإسلامية .
الرابع: تقاريظ ورسائل العلماء. يتضمن رسائل العلماء وتقاريظهم على كتبنا.
كما جعلت إجازتي من أُستاذي وشيخي العلاّمة المتتبّع آقا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة (قدس سره)تمهيداً وفاتحة خير للكتاب.
وفي الختام ندعو الله سبحانه أن يتقبّل منّا هذا العمل بقبول حسن، وينفع به طلاب الحق ومريديه. والحمد لله أوّلاً وآخراً
جعفر السبحاني

صفحه9
تمهيد: إجازتي من الشيخ آقا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة   
تمهيد

إجازتي من الشيخ آقا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة

استجزت شيخي العلاّمة محمّد محسن المدعو بآقا بزرگ الطهراني (قدس سره)(1293 ـ 1389هـ) فأجازني (رحمه الله).
واعتزازاً به وعرفاناً لحقه عليّ جعلت كتابه الذي بعثه إليّ من النجف الأشرف عام 1368 هـ ق مدخلاً لكتابي هذا.(1)
«الحمد للّه الذي وفّقنا لأخذ معالم ديننا عن العترة الطاهرة، بطرق صحيحة متّصلة، وأسانيد قويّة مسلسلة، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد المصطفى وعلى آله الأئمّة المعصومين أهل الصدق والوفاء، صلاة متواصلة من الآن إلى يوم اللقاء.
أمّا بعد; فإنّ الشيخ الفاضل، البارع الكامل، المشار إليه بالأنامل، من بين الأقران والأماثل، مولانا «الميرزا جعفر بن العالم الجليل الورع التقي الشيخ

1 . وهو من محقّقي القرن الرابع عشر ومؤرّخيهم، وله تآليف رائعة في البيبلوغرافيا والرجال منها; الذريعة إلى تصانيف الشيعة (26 جزءاً)، وطبقات أعلام الشيعة (15 مجلداً)، وغيرهما.

صفحه10
محمّد حسين التبريزي الخياباني»(1) دامت بركاتهما.
ممّن وفقه اللّه تعالى للأخذ عن العترة الطاهرة، إطاعة لما أمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) لصاحب سرّه كميل بن زياد، فقال: «يا كميل! إنّ اللّه تعالى أدّب رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أدّبني، وأنا أُؤدّب الناس، يا كميل! ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة، يا كميل! لا تأخذ إلاّ عنّا، تكن منّا»، وطريق الأخذ عنهم بعد ارتحالهم هو الأخذ من القرى الظاهرة الذين جعلهم اللّه تعالى واسطة بيننا وبينهم، وهم القرى المباركة المذكورة في سورة الإسراء من كتابه الكريم كما نطقت بها الأحاديث المستفيضة المرويّة في تفسير البرهان وغيره، وتلك القرى الظاهرة تتّصل بعضها ببعض، إلى أن يظهر الحجّة (عليه السلام)فوفّقه اللّه تعالى للدخول في هذه السلسلة.
فاستجاز من هذا المسيء بحسن ظنّه، ولا أرى نفسي كما ظـنّه، لكن إجابة مسؤولة دعتني إلى أن استخرت اللّه تعالى، وأجزته أن يروي عنّي جميع ما صحّت لي روايته عن جميع مشايخي من الخاصّة والعامّة بجميع طرقهم وأسانيدهم، ولكثرتها وتشتّتها نقتصر بذكر طريق واحد هو من أعالي الأسانيد، وأقواها، وأقومها، و أمتنها .
وهو ما أرويه بحقّ الإجازة العامّة عن شيخي وملاذي وأوّل من ألحقني بالمشايخ ثالث المجلسيّين الشيخ العلاّمة الحاج ميرزا حسين النوري

1 . محلة من محلات تبريز يطلق عليها «خيابان» باعتبار أنها، كانت شارعاً رئيسياً بالنسبة إلى سائر المحلات.

صفحه11
المتوفّى والمدفون في الغري السري في (1320 هـ) فأنا أروي عنه وعن جميع مشايخه المذكورين في خاتمة المستدرك:
أوّلهم: الشيخ العلاّمة المرتضى الأنصاري التستري المدفون بباب القبلة من الصحن الغروي في (1281هـ)، وهو يروي عن العلاّمة الأوحد المولى أحمد النراقي المدفون في النجف في (1245هـ)، وهو يروي عن أجلّ مشايخه آية اللّه السيّد محمّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي البروجردي النجفي المسكن والمدفن، في مقبرته الخاصّة الشهيرة في (1212هـ)، وهو يروي عن الشيخ الفقيه المحدّث الشيخ يوسف صاحب الحدائق المتوفّى والمدفون بالحائر الشريف الحسيني في (1186هـ)، وهو يروي عن العلاّمة المدرّس المعمّر البالغ إلى ما ئة سنة المجاور للمشهد الرضوي حيّاً وميّتاً توفّي بها (بعد سنة 1150هـ) أعني المولى محمّد رفيع بن فرج الجيلاني، وهو يروي عن شيخه العلاّمة المجلسي مؤلّف بحار الأنوار مولانا محمّد باقر المتوفّى في (1111هـ)،وهو يروي عن والده العلاّمة المولى محمّد تقي المجلسي المتوفّى في (1070هـ)، وهو يروي عن شيخه وشيخ الإسلام الشيخ بهاء الدين محمّد العاملي الاصفهاني المدفون بالمشهد الرضوي في (1030هـ)، وهو يروي عن والده الشيخ عزّ الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي المتوفّى في البحرين في (984هـ)، وهو يروي عن الشيخ السعيد زين الدين العاملي الشهيد في (966هـ)، وهو يروي عن الشيخ الفقيه علي بن عبد العالي الميسي المجاز من سميّه: الكركي، وهو يروي عن الشيخ محمّد بن محمّد بن محمّد بن داود المؤذّن الجزيني ـ ابن عمّ الشهيد ـ ،

صفحه12
وهويروي عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشيخ الشهيد (قدس سره)، وهو يروي عن والده الشيخ شمس الدين محمّد بن مكي العاملي الجزيني الشهيد ظلماً في (786هـ)، وهو يروي عن فخر المحقّقين الشيخ أبي طالب محمد بن الحسن الحلّي المتوفّى (771هـ)، وهو يروي عن والده آية اللّه العلاّمة الحلّي الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي المتوفّى (727هـ)، وهو يروي عن خاله وأُستاذه الشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي المتوفّى (676هـ)، وهو يروي عن الشيخ تاج الدين الحسن بن علي الدربي، وهو يروي عن الشيخ رشيد الدين محمّد بن علي بن شهر آشوب السروي المتوفّى عن ما يقرب مائة سنة (588هـ)، وهو يروي عن السيّد عماد الدين أبي الصمصام ذي الفقار بن محمّد بن معبد الحسيني، وهو يروي عن السيّد الشريف المرتضى علم الهدى المتوفّى (436هـ) وعن شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفّى (460هـ) وعن الشيخ أبي العباس المتوفّى (450هـ)، وكلّهم يروون عن الشيخ السعيد أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد المتوفّى (413هـ)، وهو يروي عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمّي المتوفّى (368هـ)، وهو يروي عن الشيخ ثقة الإسلام الكليني محمّد بن يعقوب المتوفّى (328هـ) أو (329هـ)،وهو يروي كثيراً في كتابه الكافي عن الشيخ الجليل علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي المتوفّى بعد سنة (307هـ) كما يظهر من إجازته لجمع ممّن يروون عنه غير الكليني في هذا التاريخ، وأكثر روايات علي بن إبراهيم عن والده إبراهيم بن هاشم القمّي،

صفحه13
وبقية الإسناد إلى الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) مذكورة في الكتب الأربعة.
فليرو دامت بركاته عنّي بهذا الإسناد لمن شاء وأحبَّ، والرجاء من مكارمه أن يذكرني بالدعاء في خلواته وأعقاب صلواته، و أن يلازم الاحتياط في سائر الحالات فإنّه طريق النجاة.
وفي الختام نحمد اللّه تعالى على مننه، ونشكره على نعمائه، ونصلّي
ونسلّم على خاتم أنبيائه وآله المعصومين الطيّبين الطّاهرين،
حرّره فقير عفو ربِّه، المسيءُ المسمّى بمحسن،
والمدعو بآقابزرگ الطهراني غفر له
ولوالديه، وذلك في العشرين
من جمادى الآخرة
1368 هـ. ق.

صفحه14

صفحه15
الباب الأوّل
الرسائل المفتوحة
ويشتمل على الرسائل التالية:
1. رسالة إلى كوفي عنان الأمين العام لمنظمة الأُمم المتحدة.
2. رسالة إلى الباب بنديكت السادس عشر.
3. رسالة إلى الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود.
4. رسالة إلى الشيخ يوسف القرضاوي.
5. رسالة أُخرى إلى الشيخ القرضاوي.

صفحه16

صفحه17
رسالة مفتوحة إلى كوفي عنان الأمين العام لمنظمة الأُمم المتحدة   
1

رسالة مفتوحة إلى الأمين العام لمنظمة الأُمم المتحدة

السيد كوفي عنان المحترم

حول التعرض للنبيّ الأعظم

في الإعلام الغربي

نرفع إلى حضرتكم أسمى آيات التقدير و الاحترام
إنّ منصب الأمانة العامة للأُمم المتحدة (وهو أعلى منصب في المنظمات الدولية)، الّذي تتسنمون مقامه يستدعي منكم المحافظة على حقوق جميع الشعوب و التصدّي لجميع التجاوزات والانتهاكات الّتي تحدث في العالم واستنكارها.
وفي الآونة الأخيرة قامت مجموعة من الصحف الأُوربية بجرح مشاعر أكثر من مليارد وثلاثمائة مليون مسلم من خلال التعرّض لرمزهم الأوّل «النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)» والإساءة له عبر نشر رسوم مهينة، تحت ذريعة: «حرية الرأي».

صفحه18
 
حرية الرأي أم حرية الإهانة
إنّ ميثاق حقوق الإنسان الصادر عن الأُمم المتحدة والممضى من قبل رؤساء الدول الأعضاء في المنظمة والّذي تضمن الحفاظ على حرية الرأي، أصبح وسيلة يتذرع بها البعض لهتك حرمة المقدّسات الدينية لمليارات المتدينين في العالم. وقد شاهدنا أخيراً بعض الصحف الغربية تنشر رسوماً مهينة لنبي الإنسانية والإسلام النبي الأكرم(نبي الرحمة)، جارحة بذلك مشاعر المسلمين بل جميع المتدينين في العالم، والأنكى من ذلك أنّنا نجد بعض السياسيّين الغربيّين ـ والذين ما كان منتظراً منهم أن يؤيدوا هذا التحرك البغيض ـ قد تصدّوا للدفاع عن ذلك العمل الشنيع وتبريره تحت ذريعة حرية التعبير عن الرأي.
حقاً أنّ مفهوم الحرية مفهوم جذّاب ومحبب إلى النفوس إلاّ أنّه استعمل ـ وللأسف ـ على طول التاريخ ضد الحرية نفسها.
والملاحظ أنّ الّذين دوّنوا قانون حرية الرأي والّذي أمضاه رؤساء دول العالم، لم يرسموا حدود تلك الحرية ولم يبيّنوا الدائرة الّتي تنطلق فيها ولا ينبغي تجاوزها؟! ولذا أصبح ـ ولشديد الأسف ـ خيمة يحتمي فيها العنف بجميع أشكاله وأنواعه!
1. فهل يُباح وتحت مظلة حرية التعبير عن الرأي تشويه سمعة الآخرين وتمكين الجهّال للقيام ضدهم وإهدار حقوقهم المدنية والاجتماعية

صفحه19
وإهانتهم وتعذيبهم وقتلهم؟!
2. وهل يجوز استغلال حرية التعبير عن الرأي للتفريق بين الشعوب والأقوام والدول، وإثارة نار الحقد والكراهية والشحناء في أوساطهم إلى حد نشوب الحروب والقتال بينهم؟!
3. وهل تسمح حرية التعبير عن الرأي بأن يتجاوز البعض على مقدّسات الأُمم ليهينها كالتجاوز على علم الدولة أو الدستور أو القيادة؟!
4. وهل يجوز تحت شعار حرية التعبير عن الرأي الافتراء على الآخرين وشهادة الزور ضدهم لسحق حقوقهم وتشويه صورتهم أمام العالم؟!
5. حدد علماء الأخلاق الكثير من جرائم اللسان وقد أقرّ القانون المدني والدولي الكثير منها، فهل يُراد ياترى ـ و تحت شعار حرية التعبير عن الرأي ـ سحق تلك القوانين والتذرّع بالحرية المذكورة والاختفاء وراء ستارها؟!
6. من المناسب جداً إعادة النظر في ميثاق حقوق الإنسان ودراسته بدقّة ليتضح للجميع هل أنّ ما سنّ هو قانون يتكفّل حرية الرأي، أو هو قانون سنّ لإطلاق الحرية لهتك الحرمات وسحق المقدّسات وكرامة الشعوب والأقوام؟!
لا ريب انّ الشيء المغفول عنه هنا هو التفاوت بين حرية التعبير عن الرأي وبين حرية هتك كرامة الإنسان وإهانته والاستهزاء به.

صفحه20
7. انّ حرية التعبير عن الرأي حق أُعطي لكلّ فرد، ولكن شريطة أن لا يتجاوز على حقوق الآخرين، وإذا كان قانون حرية التعبير عن الرأي لا يخضع لأي قيد أو شرط، فلا ريب انّه لا تكون ثمرة ذلك القانون إلاّ الفساد والهرج والمرج والانفلات، من هنا يجب أن يكون قانون حرية التعبير عن الرأي مقيّداً بأن لا يمس حقوق الآخرين ولا يعتدي عليها. وإذا أراد شخص ما استغلال القانون للتجاوز على حقوق الآخرين، فلابدّ أن يتعامل معه باعتباره مجرماً قانونياً.
8. انّ الذين يحاولون تبرير انتهاك مقدّسات الآخرين تحت ذريعة حرية التعبير عن الرأي، يحجمون عملياً عن السماح للآخرين في المساس بمقدساتهم حتّى لو كانت على مستوى الأفكار والنظريات العلمانية، فلا يسمح للمواطن البريطاني أو غيره المساس بملكة انجلترا، أو بدستور البلاد، أو بعلم الدولة، ويرون أنّ المرتكب لهذه الأعمال أو بعضها متجاوزاً على القانون، بل نراهم يذهبون إلى أكثر من ذلك فلا يسمحون بدراسة قضية تاريخية مثل «محرقة اليهود» الهلوكوست، وان ّ من يقترب منها قد اقترب أو تجاوز الخط الأحمر، وعليه أن يمثُل أمام القضاء والقانون لتنزل بحقه أشدّ العقوبات، والدليل عليه ما شاهدناه أخيراً وتحديداً في الثالث من شباط 2006م من محاكمة المؤرخ الانجليزي السيد ديفيد ايروينج، والحكم عليه بالسجن ثلاث سنين لا لجرم ارتكبه سوى انّه أثار بعض التساؤلات المشروعة حول تلك المحرقة المزعومة.
نعم، هذا شاهد صارخ على ما قلناه من الكيل بمكيالين والتعامل

صفحه21
بازدواجية مع القانون المذكور.
9. وهل ياترى يُباح استغلال قانون حرية التعبير عن الرأي لضرب منافع الشعوب والدول وبثّ شبكات التجسس والعمالة للدول الأجنبية في أوساط الشعوب الأُخرى؟!
10. انّنا نشاهد اليوم أنّ بعض الدول تعترف رسميّاً بأقبح الفواحش الإنسانية والأخلاقية كحرية ممارسة الجنس مع المماثل، أو حرية التعرّي والخلاعة، فهل ياترى يسمح قانون حرية التعبير عن الرأي للآخرين بالتصدّي لهذه الظواهر المستهجنة ولو بالاعتراض الكلامي فقط، أو انّ الّذي يعترض عليها يُعدّ متجاوزاً على حريات الآخرين؟!!
إنّ هذه نماذج أثرناها هنا ليتضح جليّاً أنّ القضية تحمل طابعاً سياسياً، وانّ الذين أهانوا مقدسات المسلمين وحماتهم إنّما تذرّعوا بحرية التعبير عن الرأي، بل اتّخذوها العوبة لنيل الأهداف السياسية الّتي ينشدونها.
وانطلاقاً من الحكمة المعروفة (ربّ ضارة نافعة) أو:
وإذا أراد اللّه نشر فضيلة *** طويت أتاح لها لسان حسود
فإنّ أصحاب الرسوم الكاريكاتورية المهينة ـ بالرغم من فظاعتها وقبحها، ورفضها منّا، وإدانتها ـ إلاّ أنّ الّذي سعى إلى تحقيقه أصحاب تلك الرسوم، لا أنّه لم يتحقّق فحسب، بل أصبح عملهم سبباً لالتفات المسلمين إلى الخطر الّذي يحيط بهم ممّا أدّى إلى إيجاد نوع من الوحدة والانسجام والاتحاد بين الشعوب الإسلامية من شرق الأرض إلى غربها باختلاف

صفحه22
أُصولهم ولغاتهم وأوطانهم حيث وقف الجميع يداً واحدة وصفاً واحداً أمام ذلك التجاوز والانتهاك معلنين إدانتهم ورفضهم لهذا المنطق الأهوج الّذي يعتمده البعض من الغربيين، ولكي يتضح الأمر جليّاً نترجم بعض فقرات الدساتير المعتمدة في الدول الغربية.
 
حدود الحرية في الثورة الفرنسية الكبرى
إنّ مراجعة بعض فقرات القوانين الغربية توضح وبجلاء ما قلناه من أنّ حرية التعبير عن الرأي ليس قانوناً مجرداً عن كلّ قيد وشرط، فقد ورد في المادة الحادية عشرة من القانون الأساسي الفرنسي المصوّب عام 1789م، ما يلي:
«يحق لكلّ مواطن التعبير عن رأيه وطرح أفكاره بحريّة تامة شريطة أن لا يتجاوز الحدود الّتي رسمها القانون».
كما نرى في القانون الأساسي الفرنسي لعام 1889م بعض الفقرات القانونية الّتي سنّها المقنن الفرنسي من قبيل: حفظ الأسرار الطبية (سر المهنة)، الحفاظ على الحرمات الشخصية للأفراد، منع إثارة التمييز العنصري والمذهبي، منع شتم الأفراد والمساس بشخصية الآخرين، ومنع كلّ أنواع التعبير ضد السامية وضد المرأة، ممّا مثل تحديداً وتقييداً لقانون حرية التعبير عن الرأي.
فهل يصح مع كلّ هذه الفقرات القانونية التذرّع بحجّة حرية التعبير عن

صفحه23
الرأي لتبرير قضية الرسوم المسيئة لنبي الرحمة(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
صحيح انّ الغرب قد سلب القداسة عن الدين ولكنّه ألبس بعض الأُمور الأُخرى لباس القداسة، كالهلوكوست واحترام الطفولة والمساواة، وأنّ من ينقد تلك الأُمور في الغرب يُعد بمثابة من يهين المقدّسات.
ثمّ إنّ هذا الأمر ـ وضع الخطوط الحمر ـ لا يختص بالقانون الفرنسي بل ترى ذلك في دساتير الكثير من البلدان الغربية كالقانون الأساسي الدانماركي فانّه يعتبر إهانة بعض الناس بسبب معتقداتهم الدينية أمراً ممنوعاً، ولقد صرّح بتلك الحقيقة رؤساء الكنائس الدانماركية خلال لقائهم بشيخ الأزهر السيد محمد طنطاوي ووزير الأوقاف المصري السيد حمدي زقزوق ومفتي الديار المصرية السيد علي جمعة، بتاريخ 9شباط 2006م.
إنّ هذه الأعمال ترتكب، بالرغم من أنّها وطبقاً لصريح ميثاق حقوق الإنسان المدني والسياسي ـ المصوب يوم 26 ديسمبر1966م، والّذي وجب تنفيذه طبقاً للقرار 2200 المصوب بتاريخ 23 آذار 1976م، والموقَّع عليه من قبل الدول الأعضاء بما فيها الدول الأُوربية وأمريكا ـ تُعد جرائم قانونية. نعم، إنّ ما قامت به الصحف الدانماركية يُعدّ جرماً ومخالفة قانونية صارخة لبنود القوانين الدولية المذكورة حيث تنص الفقرة الثانية من المادة العشرين للميثاق المذكور على: انّ كلّ أنواع الحث على النفرة القومية أو العرقية أو المذهبية والّتي تؤدي إلى الدفع نحو التمييز والعداء والعنف تعد وفقاً للقانون المذكور أمراً محظوراً.

صفحه24

اكره لغيرك ما تكره لنفسك

حقاً انّ هذه الحكمة تكشف عن اعوجاج منطق الغربيّين الذين يريدون من الآخرين احترام عقائدهم وعدم المساس بمقدساتهم وعدم تجاوز الخطوط الحمراء عندهم، والحال انّهم لا يعيرون لمقدّسات الآخرين وحرماتهم وزناً، ففي الوقت الّذي يدعون فيه إلى الحوار والتعددية (الپلوراليسيم) ويعتبرون ذلك من مفاخر ثقافتهم الفكرية والسياسية، نجدهم يناقضون أنفسهم في حصر الحوار والسماح للحرية الفكرية بمن هو على مذهبهم الفكري، أو ممّن يسير على نهجم من الشرقيين المغتربين.
إنّ الغرب وإن ترك وراءه مرحلة الاستعمار المباشر ولكنّه لم يتجرّد عن الفكر الاستعماري لحد هذه اللحظة فهو يعيش إلى الآن فكر الهيمنة والتسلّط على الآخرين ولكن هذه المرّة باسلوب جديد حيث يسعى للهيمنة على أفكار الآخرين وإملاء ما يؤمن به عليهم.
ولا ننسى أن نشير إلى أنّ جريمة الاعتداء على حرم الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في مدينة سامراء، والّتي هي جزء من سلسلة المؤامرات للاعتداء على المقدسات وأهانتها.
إنّه حدث فجيع وعمل وحشي هزّ العالم الإسلامي بأسره ومن الإعماق، وجرح قلوب المحبين للنبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)وأحزنهم حزناً كبيراً.
لقد انكشفت حلقتان من حلقات السيناريو التآمري على الإسلام

صفحه25
والمسلمين وهتك مقدّساتهم، ولا شكّ انّ اليد الخفية الّتي تقف وراء هذه الأعمال الأجرامية هي يد الصهيونية العنصرية والغرب الاستعماري، فتارة يسعون لإثارة الحروب الصليبية بين المسيحيّين والإسلام، وأُخرى يسعون لإثارة الفتنة بين أبناء الدين الواحد الشيعة والسنّة، انّهم حقاً يتصيّدون بالماء العكر.
من هنا يجب على قادة الدول الإسلامية وقادة وعلماء الأديان مواجهة هذا الخطر والقضاء على الخطط الشيطانية، وإخمادها في مهدها، وصيانة حريم الأديان من مخالب ثلة من المجرمين الذين لا يعرفون للإنسانية معنى من خلال رسم خطط وبرامج دقيقة وحوارات بنّاءة.
ولا شكّ انّ منظمة العالم الإسلامي لها الدور الفاعل والمهم في هذا المجال، إذ باستطاعتها أن تلعب دوراً عظيماً، وكذلك الأمين العام للأُمم المتحدة المحترم هو الآخر يمكن أن يمارس دوراً أساسياً في هذا المجال والإسراع في تقديم هؤلاء الجناة إلى المحاكم الدولية للقضاء على هذه الفتنة الّتي يراد إثارتها، وبهذا يكون الأمين العام قد أدّى الأمانة الّتي أُلقيت على عاتقه أمام المنظمة والدول الأعضاء.
وأخيراً نطالب جنابكم بالسعي الجادّ في كشف الجناة وتقديمهم إلى المحاكم الدولية من أجل تعزيز الصلح والسلام العالميين وصيانة حقوق كافة الشعوب والأقوام.
جعفر السبحاني
23 شباط 2006 م

صفحه26
خطاب مفتوح إلى جناب البابا بنديكت السادس عشر   
2

خطاب مفتوح

إلى جناب البابا بنديكت السادس عشر(1)

1 . ألقى البابا بنديكت السادس عشر، يوم الثلاثاء المصادف 12سيبتمبر من عام2006م في جامعة ريجسنبورغ الألمانية كلمة تحت عنوان «الإيمان والعقل والجامعة: ذكريات وتأملات» استمع إليه فيه 000،260ألف شخص.
مقتطفات من الخطاب كما وردت في موقع «شفاف».
بدأ البابا حديثه عن ذكرياته الدارسية في جامعة «بون» عام 1959م فقال:... وكانت تجري حوارات مفعمة بالحيوية بين المؤرخين والفلاسفة وعلماء اللغة وهذا أمرٌ طبيعي بين كليتي اللاهوت اللتين تضمّهما هذه الجامعة... ثمّ قال: وإنّنا كنّا جميعاً نعمل في جميع الميادين على أُسس عقلائية واحدة تتسم بأوجه مختلفة، وأنّنا كنّا نتقاسم المسؤولية عن الاستخدام السليم للعقل، إنّ هذه الحقيقة أصبحت تجربة معاشة... وانّه حتّى بازاء الشك الجذري (في وجود اللّه) فقد ظل ضرورياً ومعقولاً أن نطرح موضوع اللّه عبر استخدام العقل، وان نفعل ذلك في إطار الإيمان المسيحي. بعد هذه المقدمة عرّج للحديث عمّـا قرأه في الكتاب الّذي نشره البروفسور تيودور خوري، لقسم من جدال دار بين الامبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني وفارسي مثقف حول موضوع المسيحية والإسلام وحقيقة كلّ من هذين الإيمانين.
فأشار إلى النقاش ـ السجال ـ السابع. حيث يتطرّق الامبراطور إلى مقولة «الجهاد». فقال: ولابدّ انّ الامبراطور كان مطلعاً على السورة رقم 2 الآية 256 الّتي جاء فيها(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وهذه السورة وردت في الفترة الأُولى «يقصد المكية» حينما لم يكن محمد يملك أيّة سلطة بل كان عرضة للتهديد، ثمّ يضيف البابا: ولكن الامبراطور كان بالطبع مطلعاً على التعليمات الّتي طوّرت لاحقاً وتم تدوينها في القرآن الّتي تتعلق بالجهاد، ثمّ ينقل نص السؤال الّذي وجهه الامبراطور للمثقف الفارسي: «قل لي ما هو الجديد الّذي أتى به محمد، إنّك لن تجد سوى أشياء شريرة ولا إنسانية، مثل الأمر بنشر الإيمان الّذي بشر به بحد السيف؟ بعد ذلك وبفاصلة قصيرة تطرّق إلى مسألة إسرائيل قائلاً: وفي العهد القديم، وصل المسار الّذي بدأ في العلّيقة المحترقة إلى مرحلة نضج جديد في فصل «الهجرة حينما تمّ الإعلان عن أنّ إله إسرائيل ـ إسرائيل الّتي باتت محرومة من أرضها ومن عبادتها ـ هو إله السماوات والأرض ووصف في صيغة بسيطة تحاكي كلمات العلّيقة المحترقة «أنا هو».
وبعد أن يستعرض الأبعاد التاريخية والتحولات الفكرية في الفكر المسيحي يقول: وإذا ما كشفنا من جديد الآفاق الشاسعة للعقل نصبح قادرين على القيام بحوار الحضارات وحوار الأديان الّذي أصبح ضرورة من ضرورات العصر.] اقتطفنا هذه المقاطع من النص الكامل لمحاضرة البابا المنشورة في موقع «شفاف» على الانترنت[.
لقطات إجمالية من حياة البابا بنديكت السادس عشر
من الجدير بالاهتمام انّه وقبل الدخول في مناقشة الأفكار الّتي طرحها البابا في محاضرته أن نلقي الضوء على بعض اللقطات من حياته:
1. الرجل مواطن ألماني وقبل أن يدخل السلك الروحاني كان عضواً في منظمة الشباب النازي، بعدها التحق بكلية اللاهوت فرع الكلام المسيحي ونال شهادته الجامعية في هذا الفرع.
2. الملاحظة من نمط حياته أنّ الرجل سيّء الظن بالإسلام والمسلمين، وحينما انتخب لهذا المنصب صدرت دعوات تحذيرية بسبب عدم انسجامه مع مسلمي العالم ممّا قد يؤدي إلى ظهور بعض المشكلات في هذا المجال، إلاّ أنّ أمريكا وإسرائيل سرعان ما بادرتا إلى مباركة هذا الانتخاب وتأييده.
3. بعد أن انتخب إلى هذا المقام وفي أوّل خطاب له ـ و على خلاف البابا السابق له ـ لم يتحدّث عن الصلح والسلام والمحبة والمحرومين والجياع. بل أكد في خطابه على منهجه في الوقوف أمام البدع والتصدي لها، من هنا شرع بإدخال بعض المقررات الصارمة في الكنيسة وأصدر بصورة رسمية قانوناً يمنع على المطلقين الدخول إلى الكنيسة، كما أنّه لم يبد ارتياحه لمسألة الموسيقى الّتي كانت تتخذ كاسلوب لجلب الشباب إلى الكنيسة.
4. في إحدى سفراته الّتي قام بها إلى بولندا حضر إلى معسكر «آشوتيس» وهناك حاول كسب عطف الصهاينة، فقال: «إلهي!! كيف سمحت لك عدالتك أن ترى تلك الجرائم؟!».
5. من المعروف أنّ الرجل مختص بالكلام المسيحي ولا يملك شهادة دراسية في الأديان الأُخرى، نعم قد تكون لديه مطالعات جانبية في هذا المجال.]أخذنا هذه المعلومات حول حياة الرجل من موقع «شفاف» و «اسلام اَن لاين»[.

صفحه27

صفحه28
بعد السلام
أودّ أن أسترعي انتباهكم إلى الأُمور التالية:
1. انّ الحوار الهادف والبنّاء يقوم على أُسس الاحترام المتبادل، فكان بإمكان سموكم أن تطرحوا نظرياتكم بأُسلوب جذاب وعبارات بعيدة عن التعصب وإهانة الآخرين، وعندها لا يحق لأحد الاعتراض عليكم طبقاً لقانون حرية الكلمة، نعم بإمكان كلّ إنسان أن يرد عليكم بنفس الأُسلوب من باب النقاش الموضوعي، إلاّ أنّه ولشديد الأسف نرى أنّ خطابكم كان خطاباً مهيناً بكلّ أبعاد الكلمة.
2. انّ مسألة «عقلانية الدين» مسألة تخصصية صرفة، من هنا ينبغي أن تطرح في فضاء علمي ينسجم مع عمق الفكرة، فليس من الصحيح والمناسب أن تطرح هذه القضية في فضاء مفتوح يحضره حوالي 000،260ألف إنسان، الكثير منهم حضر بسبب علاقته وحبه لشخصكم ولا يفهم من الأُمور الفلسفية والكلامية شيئاً، من هنا نرى أنّ طرح مثل هذه المسائل في مثل هكذا فضاء بعيد كلّ البعد عن الذوق البلاغي وأدب الخطاب.
3. انّ تخصّصكم في الكلام المسيحي يفسح لك المجال للحديث عن المسيحية، فمن حقّكم الحديث عنها ووصفها بالعقلانية وانّ الدين المسيحي عجين بالعقلانية والتعقّل!!

صفحه29
ولكن دعنا نسألكم أي شهادة أو تحصيل علمي تملكونه حول الدين الإسلامي بحيث يسمح لكم من خلاله الحديث عن الإسلام والديانة الإسلامية؟ والّذي يظهر من خطابكم انّكم لا تملكون شيئاً في هذا المجال، فلا تعرفون عن الإسلام الحقيقي وكتب ومؤلفات العلماء المسلمين الحقيقيّين شيئاً. من هنا نراكم استندتم في إثبات مدعياتكم إلى كلام امبراطور مسيحي باسم «عمانوئيل الثاني» الأمر الّذي يبعث على العجب والحيرة من كلامكم.
لأنّ الواقع التاريخي يثبت أنّ السلاطين وأصحاب الحكومات يستندون في إثبات حقّانيتهم وتوجيه حكوماتهم وشرعية عملهم إلى كلام العلماء والروحانيين وأصحاب الاختصاص في الشأن الديني، أمّا أن ينعكس الأمر فهذا أمرٌ عجيب حقاً، هذا ما وقعتم فيه!! حيث نرى مقاماً دينياً وعلمياً يستند لإثبات نظريته إلى كلام إنسان حكم في القرون الوسطى، متهماً أُمّة كبيرة بالجهل وعدم العقلانية!! وبعبارة أُخرى: انّكم قد خالفتم نص الإنجيل الّذي يقول: «دع ما لقيصر لقيصر وما لعيسى لعيسى»، فما كان يجدر بكم الاستناد إلى كلام حاكم يعيش في القرون الوسطى وقد تحدث عن أمر هو بالكامل خارج عن مجال تخصصه.
4. من الملاحظ في كلّ حوار أو نقاش يدور هناك أخذ ورد من الطرفين، وهنا من المناسب أن يُسأل الامبراطور عمّا أجابه المثقف الإيراني الّذي هو طرف في الحوار، فكيف جاز لك يا سماحة البابا أن تنقل السؤال

صفحه30
فقط وتغض الطرف عن الجواب؟ هل عملكم هذا ينسجم مع روح الحوار والمناظرة العلمية الصحيحة؟!
دع عنك ذلك، من الملاحظ في كلامكم أنّكم لم تذكروا اسم المثقف الإيراني واكتفيتم بوصفه العام، والحال أنّ البحث الموضوعي يقتضي أن يذكر اسم هذا المثقف لنرى مدى صلاحيته للحوار العلمي، وهل يمتلك من المؤهلات والجدارة العلمية ما يسمح له في الخوض في مثل هكذا حوارات معمّقة وتخصّصية؟!
لا شكّ أنّ عملكم هذا لا يؤدي إلاّ إلى الإبهام في الحوار وتشويش الفكر وإضعافه.
5. استنبطتم من كلام الامبراطور حتمية اطّلاعه على قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)وأضفت أنّ هذه الآية وردت في الفترة الأُولى «العهد الملكي» حينما لم يكن محمد يملك ـ حسب تعبيركم ـ أية سلطة بل وكان عرضة للتهديد.
وهنا أرى من الضروري أن أُذكركم بأنّ استنباطكم المذكور ونسبة العلم بواقع الآية إلى الامبراطور بعيدعن الواقع، بل انّه خلاف الواقع، وذلك لأنّ الآية المذكورة(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)هي إحدى آيات سورة البقرة وانّها من السور المدنية، أي أنّها نزلت على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حينما كان (صلى الله عليه وآله وسلم)صاحب دولة وقوة استطاع أن يخضع محيط المدينة وشطراً من الجزيرة العربية لسلطة وحاكمية الدولة الإسلامية وتحت راية التوحيد، وقد ذكر

صفحه31
المفسرون سبب نزول هذه الآية، قال في «مجمع البيان»: نزلت في رجل من الأنصار يدعى أبا الحصين، وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلمّا أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصّـرا ومضيا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل اللّه تعالى: (لاَ إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ).(1)
ومن الواضح والمسلّم به أنّ الدين أمرٌ قلبي لا ينسجم بحال من الأحوال مع الإكراه ، فمن الممكن أن يجبر الإنسان على القيام بعمل ما، ولكن لا يمكن أبداً تغيير ما في القلب وتبديله عن طريق الجبر والإكراه، فهل يمكن إجبار الإنسان أن يعتقد في رائعة النهار انّ الوقت الآن ليل؟ والآية المباركة (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين) ناظرة إلى هذا المعنى.
6. انّ حجة ومستند من ألصقوا بالإسلام تهمة العنف والخشونة تنطلق من القانون المقدّس «قانون الجهاد» فهل فكرت لماذا يستعمل مصطلح «الجهاد» هذا المصطلح الجذاب ولم يستفد من مصطلح «القتال»؟!
فالجهاد بمعنى السعي والمثابرة وبذل الوسع، وهذا يعني على الجميع النهوض والسعي الجاد لتخليص البشرية من مخالب الوثنية وعبادة الأبقار، والحجارة، والكواكب، فالإنسان الّذي هو سيّد المخلوقات لا يمكن أن ينحني أمام البقر أو الحجارة ويخضع لها بالولاء والعبودية!! هذا في الفكر

1 . مجمع البيان:2/162.

صفحه32
الإسلامي، ولكننا نرى في الفكر المسيحي أنّ الكنيسة قد اخترعت مصطلح «الحرب المقدسة» في القرون الوسطى وفي حروبها ضد المسلمين وبقيت هذه الفكرة تعيش في الأوساط الفكرية للكنيسة الكاثوليكية، واستطاعت من خلالها تعبئة الشباب المسيحي وتوجيههم نحو الشرق في حربها الّتي سمّيت بالحروب الصليبية.
فهل يمكنكم يا سماحة البابا إنكار هذا الواقع التاريخي وإسدال الستار على تلك الحروب الّتي انطلقت تحت راية القداسة واصطبغت بالصبغة الدينية؟!
ولا حاجة لنا للحديث عن التاريخ الماضي فقد يناقش تحت أية ذريعة، ولكن الحرب الّتي وقعت قبل ثلاثة أشهر والّتي قام بها الصهاينة تدعمهم الماكنة الحربيّة والسياسية والإعلامية الأمريكية والغربية، ضد شعب أعزل ودولة فقيرة، فراح ضحيتها الكثير من الشباب والأطفال والنساء والرجال وأُريقت دماؤهم ظلماً، في الوقت الّذي لم نرَ من جنابكم أية مبادرة لإدانة هذه الحرب أو السعي لإيقافها، وإذا ما صدرت بعض الكلمات فهي كلمات خجولة لا تعالج موقفاً ولا تحل مشكلة!!
7. انّ الجهاد الإسلامي شأنه شأن الجهاد لدى سائر الأنبياء والمرسلين لم يكن الهدف منه إراقة الدماء وسلب الأموال وانتهاك الأعراض، بل كان في حقيقته أُسلوباً علاجياً للوقوف أمام المتغطرسين والمهيمنين على مقدّرات الناس من الحكام الظلمة الذين يسعون ومن أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية للحيلولة بين عامة الناس وبين المعرفة الدينية ويتصدون للمبلغين

صفحه33
المؤمنين ولا يسمحون لهم بنشر الدين الإلهي، فيوقعون في هؤلاء المبلغين القتل والتنكيل والتعذيب، الأمر الّذي يجعل جهاد هؤلاء الظلمة أمراً ضرورياً لرفع تلك الموانع والعقبات الّتي تعترض طريق الناس، وتحول بينهم وبين الدين وعرض رسالة الدين بصورة واقعية، بعد ذلك يأتي النداء الإلهي:(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر).
فكان من الحري بكم أن تلتفتوا في خطابكم المذكور إلى هذا المعنى الدقيق للجهاد، والّذي يعني رفع الموانع وإزالة العقبات عن طريق الناس والدفاع عن حريم الحرية الشخصية والاجتماعية، لا انّه أُسلوب قهري لفرض العقيدة وتحميل الدين على الناس، ثمّ إنّكم بكلامكم المذكور ونفيكم للجهاد قد أشرتم بأصابع الاتّهام لجميع الكتب السماوية والإلهية.
إنّ عدد سور القرآن الكريم 114 سورة تجد 113سورة منها تبدأ بكلمة «بسم اللّه الرحمن الرحيم»، وهذا يعني أنّ كلّ فرد يقرأ القرآن الكريم يبدأ بمعرفة الرب بصفتي «الرحمن الرحيم» وأن يجعل من حياته مظهراً لتجلّي الصفات الإلهية، فكيف ياترى يصحّ اتّهام الرسول الّذي جاء بمثل هذه التعاليم السامية بالإرهاب والعنف والخشونة؟!
8. لابدّ من التفريق بين الفيلسوف والنبي، فالفيلسوف يبلور نظريته ثمّ يضعها تحت متناول الناس من خلال الكتب أو أي طريق آخر، ولا يهمه نشرها والسعي في إشاعتها، في الوقت الّذي نرى الأنبياء حملة للرسالة الإلهية وأنّهم مأمورون بإيصال هذا النداء إلى مسامع البشرية جمعاء، فهل يصحّ لهؤلاء الرسل الجلوس في زوايا بيوتهم وعدم الاهتمام بنشر الرسالة حتّى إذا لم تصل إلى مسامع البشرية؟!

صفحه34
9. انّ الأديان الثلاثة: المسيحية واليهودية والإسلام هي ديانات إبراهيمية، تتّخذ من إبراهيم (عليه السلام) أُسوة وقدوة لها، وهنا نتساءل: هل كان إبراهيم(عليه السلام)يكتفي بالكلمة فقط لطرح رسالته والأفكار الّتي جاء فيها؟! أم أنّه كان يستعمل القوة إذا اقتضى الأمر، وهذا ما يتجلّى في موقفه من الأصنام حينما دخل بيوت الأصنام وحطمها بمعوله ليثبت للجميع خواءها وذلتها، ولينقذ الناس من الذل والهوان الّذي كانوا عليه من خلال عبادتهم لها.
10. وهنا نتساءل أيضاً، هل الجهاد من التشريعات الّتي تختص بها الرسالة الإسلامية فقط، أم أنّه مشرع في كلّ من الديانتين اليهودية والمسيحية؟
لا أظن أنّ جنابكم يجهل ما جاء في التوراة والإنجيل.
فقد ورد في إنجيل «متى»:
«لا نظن أنّي لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً، فإنّي جئت لأُفرِّق الإنسان ضدَّ أبيه والابنة ضدَّ أُمّها والكنّة ضد حماتها».(1)
كما جاء في الحديث في العهد القديم عن جهاد الأنبياء نكتفي بنموذج واحد وهو المقطع الّذي يتحدث عن جهاد داود(عليه السلام)مع عمالقة عصره:
«وقال داود في قلبه إنّي سأهلك يوماً بيد شاول فلا شيء خيرٌ لي من أن أفلت إلى أرض الفلسطينيين فييأسُ شاول مني فلا يفتش عليَّ بعد في جميع

1 . انجيل متى: الباب10، الآية 34، طبع لندن عام 1838.

صفحه35
تخوم إسرائيل فأنجو من يدهِ، فقام داود وعبر هو والستُّ مئة الرجل الذين معه إلى أخيش بن معوك ملك جتِّ (1) ـ إلى أن قال ـ : وكان عدد الأيّام
الّتي سكن فيها داود في بلاد الفلسطينيين سنة وأربعة أشهر، وصعد
داود ورجاله وغزوا الجشوريين والجرزيين والعمالقة لأنّ هؤلاء من قديم سكان الأرض من عند شور إلى أرض مصر، وضرب داود الأرض ولم يستبق رجلاً ولا امرأة وأخذ غنماً وبقراً وحميراً وجمالاً وثياباً ورجع وجاء إلى أخيش».(2)
إنّ الحديث عن الجهاد والسعي في الإسلام كثير جداً ولا يمكن إعطاء البحث حقّه خلال هذه الرسالة المختصرة، ولكن نلفت نظر سموكم إلى هذه النكتة:
لو أغمضنا النظر عن تاريخ البشرية الطويلة ونركز الحديث على القرن العشرين من عام 1901ـ 2000، لنرى أي الشعوب شهرت سيفها وحركت جحافلها وجيّشت جيوشها وبصورة مستمرة لتحتل تلك الأرض وتهاجم هذا الشعب أو ذاك، ولتنهب خيرات هذه البلاد أو تلك; هل هم المسلمون؟! أم الامبراطوريات المسيحية هي الّتي أشعلت فتيل الحربين العالميتين الأُولى والثانية والّتي راح ضحيتها الملايين من البشرية. فالحرب العالمية الأُولى راح ضحيتها 10 ملايين بين قتيل وجريح ومفقود، والحرب العالمية الثانية قارب العدد فيها المائة مليون!

1 . انجيل متى:474، صموئيل الأوّل 26 و 27 الاصحاح السابع والعشرون الآيات :1ـ3.
2 . إنجيل متى: 475، صموئيل الأوّل 26 و 27 الاصحاح السابع والعشرون الآيات:8ـ10.

صفحه36
فإذا كان هناك جماعة تستحق النصيحة منك فينبغي أن تبدأ بهؤلاء القوم.
كما أنّنا نعيش هذه الأيام في أوليات القرن الواحد والعشرين، وتشاهدون ويشاهد الجميع الجيوش المسلحة بأحدث الأسلحة الفتاكة في كلّ من أفغانستان والعراق ولبنان والسودان و... الأمر الّذي يظهر وبوضوح للجميع أنّ أغلب هذه الحروب يكون رجالاتها ومثيروها هم من المسيحيين.

العقلانية في محاضرتكم

لقد اعتبرتم المسيحية منسجمة مع العقلانية وأنّها مطابقة لمنطق العقل مائة بالمائة، وفي المقابل اعتبرتم الإسلام بعيداً عن العقلانية والتعقّل، ونحن هنا نقف أمام مدّعاكم هذا من زاويتين ونتحدّث معكم في ناحيتين:

1. عقيدة التثليث والعقلانية المسيحية

إنّ كلمات الآباء الروحانيين قد ركّزت ولسنوات طويلة في كتبهم الكلامية على أنّ مسألة التثليث من المسائل الأساسية في الفكر المسيحي، وأنّها من المسائل التعبّدية الّتي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي، لأنّ التصوّرات البشرية لا تستطيع أن تصل إلى فهمه، كما لا تخضع للمقاييس المادية، لأنّها حقيقة فوق المقاييس المادية، فهي منطقة محرمة على العقل، ومع تركيزهم على التثليث في جميع أطوار حياتهم وعصورهم يعتبرون أنفسهم موحّدين ومن أتباع الديانة الإبراهيمية الّتي ما جاءت إلاّ لتحطيم

صفحه37
الشرك ودعوة الناس إلى التوحيد; ويعتقدون بالأقانيم الثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس.
من هنا نلفت نظر سموكم إلى أنّ القول بالتثليث لا ينسجم قطعاً مع التوحيد، لأنّ كون الآلهة ثلاثاً لا يخلو عن إحدى حالتين:
إمّا أن يكون لكلّ واحد من هذه الثلاثة وجود مستقل، وهذا يتنافى مع التوحيد; وإمّا أن تكون هذه الآلهة الثلاثة ذات شخصية واحدة لا متعدّدة، وفي هذه الصورة يستلزم القول بالتثليث، التركيب في الذات الآلهية.
وحينما يواجه الآباء الروحانيون والقساوسة بهذا الإشكال يفرون من الإجابة عنه بإخراج القضية عن حيطة العقل وإدخالها في عالم التعبد والوحي!! ويطلبون الإيمان بها أوّلاً ثمّ التفكير فيها وتعقّلها ثانياً.
والعجيب هنا أنّنا لم نجد من استطاع بعد الإيمان بالفكرة تعبداً أن يحدث توازناً عقلياً بينها وبين منطق العقل ولم يوفق أحد منهم لرفع هذا التضاد.
وهنا نسأل: هل مع وجود هذا التضاد والتناقض يمكن لأحد أن يدّعي الانسجام التام بين الفكر المسيحي ومنطق العقل؟!

2. عيد الميلاد

من الأُمور الّتي يعتقد بها في الفكر المسيحي ميلاد الرب «المسيح» ففي الخامس والعشرين من كانون الأوّل «جنوري» تلد السيدة مريم الرب!!

صفحه38
فهل يوجد توجيه عقلاني لفكرة ولادة الرب؟ فهل الرب الواحد أو الثلاثة مصدر وجود العالم ومبدعه، وكيف بعد خلق العالم وإبداعه من قبل الرب يولد الرب؟!

3. نظرية الفداء

هل يمكن توجيه مسألة فداء المسيح(عليه السلام) من الناحية العقلية؟ اطرح هنا مسألة الفداء الّتي يؤمن بها المسيحيون واطلب من جنابكم توجيهها لي من خلال المنطق. انّ الفكر الكنسي يعتقد أنّ جميع الناس يولدون مذنبين وغير مطهرين، لا لأنّهم اكتسبوا الذنب ووقعوا في الخطيئة بأنفسهم، بل أنّهم يحملون الخطيئة إرثاً من أبيهم آدم!! وبغض النظر عن صحّة هذه النظرية أساساً، ومع التسليم بها، فإنّ الطريق الصحيح للتطهّر من الذنب والخطايا ـ والّذي ينسجم مع العقل ـ هو أن يقوم الإنسان ومن خلال العبادة والتوبة والإنابة إلى اللّه بتطهير نفسه وإزالة الأدران والآثام الّتي لحقت به، ولكن نجد في الفكر الكنسي أنّهم يعالجون القضية من خلال طريق آخر، حيث يقولون: إنّ المسيح(عليه السلام)قد اعتلى قبل 2000 عام خشبة الصلب واختار القتل صلباً ليفدي أُمّته، أي يكون جزاء إيثاره هذا أن يقوم الرب تعالى بالعفو عن ذنوب بني آدم وتطهيرهم. وهنا نتساءل هل من الممكن أن يصلب شخص ليعفى عن الآخرين؟! انّ الإنسان الضعيف من الممكن أن يقوم بتقوية بدنه من خلال ممارسة الرياضة بنفسه، فهل يصحّ ـ ياترى ـ أن يمارس الرياضة شخص ليقتدر غيره ويقوى بدنه؟! وهل يصحّ أن يتناول الطعام اللذيذ والمقوي شخص ويلتذ ويشبع غيره؟!!

صفحه39
 
4. العشاء الرباني
جاء في الفكر الكنسي: إنّ العشاء الرباني الّذي يتكون من خمر وخبز يستحيل إلى جسد ودم السيد المسيح ـ نعم هناك خلاف طويل بين الكنائس ولكنّنا نصوّر الكنيسة الغربية ـ فمن أكل من الخبز وشرب من الخمر فقد أدخل المسيح في جسده بلحمه ودمه، وتلك مسألة لم تجد لها زاوية في عقول الشباب الغربي فثار عليها.(1)
وفي المؤتمر الكنسي الّذي عقد في روما 1215م. أقرّ ما شاع: من أنّ الخبز والخمر في العشاء الرباني يتحوّل إلى جسد ودم السيد المسيح وجعله مبدأ دينياً.(2)
وهنا نسأل جنابكم: أيّ واحد من أجزاء هذه النظرية ينسجم مع العقل والمنطق؟!
من هنا نرى اليوم المفكّر المسيحي والآباء الروحانيين ولبعد تلك الأفكار عن المنطق والعقل، يلوذون للخلاص من الإشكالات المتوجّهة إلى النظرية، بستار التعبّد حيث يخرجون القضية عن حيطة العقل ويضعونها تحت خيمة الإيمان لا العقل ويقولون: إنّ مجال ومحيط الإيمان غير محيط العقل.

1 . أضواء على المسيحية لمتولي يوسف شلبي:129.
2 . نفس المصدر:115.

صفحه40
وقد سلك الآباء الروحانيون لحل هذه التناقضات والإشكالات العلمية المتوجّهة للعهدين، طريق التفريق بين طريقي العلم والإيمان، فللعلم طريقه وللإيمان طريقه، فلا ضير على ما جاء في العهدين من مخالفات للعقل والعلم، لأنّ طريقهما غير طريق العلم. لأنّ منطق الدين غير منطق العلم!!!
5. لقد رفعت الكنيسة في القرون الوسطى راية مواجهة العلم والتصدّي للمخترعين والمكتشفين من خلال محاكم التفتيش العقائدي، حيث أُحرق الكثير من المخترعين والمكتشفين لمخالفة ما توصلوا إليه من خلال البحث العلمي مع ما ورد في العهدين، ولقد أشارت إلى تلك الأحداث المروعة المصادر الّتي كتبت بأقلام مسيحية.(1)
ولا شكّ أنّكم تعلمون بما لا مجال للشك فيه بهذا التناقض الواضح بين منطق الكنيسة ومنطق العلم، ولو أردنا أن نبيّن لكم حقيقة الأمر ونطيل البحث معكم هنا لكنا مصداقاً للمثل العربي:«كناقل التمر إلى هجر» لعلمكم بكلّ خفايا وأبعاد القضية وكلّ ما حدث في تلك البرهة الزمنية من انتهاكات علمية ومواجهة مع منطق الفكر والبحث والتنقيب.
6. كيف يكون «البابا» الّذي هو إنسان كسائر الناس منزّه عن الذنوب والخطايا؟! ونحن إذا ما قلنا بعصمة الأنبياء فإنّما ننطلق في ادّعائنا هذا من كونهم مرتبطين بالوحي وقد تربوا في أحضانه، ولا ندّعي العصمة لكلّ إنسان حتّى إذا كان بمستوى مرجع التقليد أو الحكيم الإلهي.
فهل نظرية التثليث الثانية الّتي ظهرت في الفكر المسيحي والتّي يكون

1 . انظر: قصة الحضارة لويل ديورانت، بحث محاكم التفتيش.

صفحه41
أحد أركانها: جنابكم «البابا»، وركنها الآخر «بولس» الذي استطاع بأفكاره الّتي أثارها تحويل المسيحية البسيطة والشعبية إلى مسيحية لها طقوس خاصة ذات أُبَّهة ملوكية مجلّلة وديانة شركية، والركن الثالث الكنيسة.
فكيف ينسجم ذلك مع العقلانية والتعقّل؟!
7. هل الرهبنة ومنع القساوسة من الزواج وتشكيل الأُسرة يُعد ظاهرة عقلانية؟! فمن المسلّم به أنّ القس إنسان كسائر الناس يحمل ميولاً ورغبات طبيعية وغريزية. وأنّ من الضروري تلبية تلك الرغبات وإشباع تلك الغرائز من خلال الطرق المشروعة، فإنّ الوقوف أمام هذا الأمر الفطري لا ينتج إلاّ الفساد في أوساط القساوسة. وهذه حقيقة ظاهرة للجميع ولا يمكن إخفاؤها.
8. دعنا هنا نسأل جنابكم الكريم هل من منطق العقل أن تتحدّثون باسم المسيحيين جميعاً وأنتم لا تمثلون إلاّ «المسيحية الكاثوليكية» وتتجاهلون المذاهب المسيحية الأُخرى كالبروتستانية والارتودكس، الّذين لم يؤيدوا خطابكم؟!
9. ثم هل من منطق العقل والعقلانية أن توجه سهامك إلى الدين الإسلامي فقط ونبيّه الأكرم وتتجاهل الديانات والمذاهب الأُخرى كاليهودية والديانات الشرقية والغربية والديانات الوثنية المنتشرة في العالم؟!
وإذا كانت الذريعة الّتي تتسترون بها هي الحديث عن الإرهاب والعنف، فهل ياترى أن تلك الأديان خالية من تلك الصفة؟!
إنّ الجدير بمن يتسنّم منصب الأب الروحي أن يتصدّى للعنف

صفحه42
والإرهاب أينما كان ومن أي دين صدر، ويدعو الناس إلى الصلح والسلام والوئام وأن يظهر البعد الرحماني والرحيمي في الدين الإلهي بصورة شفافة، فهل من العقلانية تغافلكم عن كلّ ما تنطوي عليه الأديان الأُخرى من عنف وإرهاب فكري وجسدي، وتصب جام غضبك على الإسلام والمسلمين؟!
10. وهل من العقلانية الحديث عن الحوار وفي الوقت نفسه تتحدّثون مع أتباع الديانات الأُخرى بطريقة استعلائية وبلحن الآمر الناهي ومن جانب واحد، والحال انّ الدعوة إلى الحوار والجدال والنقاش العلمي هي الدعوة الّتي رسمها القرآن الكريم وحددت معالمها الآية المباركة
الشريفة:(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ).(1)
نرجو منكم أن تقارنوا بين لحن هذه الآية وأُسلوب خطابها مع خطابكم، حينها تدرك جيداً أنّ الداعي إلى الحوار والسبّاق إليه هو نبي الإسلام الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لا جنابكم يا حضرة البابا. ولو تأملت في الآية المباركة الّتي جاء بها الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، لوجدتها تتوفر على الخصائص التالية:
أوّلاً: تبدأ الكلام بأُسلوب يحفظ للطرف الآخر احترامه وبأُسلوب الاحترام المتبادل مع أهل الكتاب، داعية الجميع للتمسك بنقطة الاشتراك

1 . آل عمران:64.

صفحه43
والالتقاء المتفق عليها بين جميع الأديان الإلهية والّتي تحمل قيمة عليا لدى الجميع وهي كلمة التوحيد وعبادة الإله الواحد.
ثانياً: التحذير من الغلو في بعض الشخصيات، ووضعها في مصاف الرب أو جعلها هي الرب، الأمر الّذي ينطوي على مخاطر كبيرة ويؤدي إلى نشوء الكثير من الانحرافات العقائدية وغير العقائدية.
ثالثاً: إن استجاب أهل الكتاب لهذه الدعوة المباركة حينها يمدّ لهم المسلمون يد المسالمة والوئام والعيش معاً بسلام وأمان، وإن لووا أعناقهم ولم يذعنوا لهذا الخطاب الإلهي والنداء الرحماني فهنا أيضاً لا يشن عليهم المسلمون الحرب ولا يشهرون بوجوههم السيف، بل يكون الخطاب الإسلامي معهم (فَإِنْ تَوَلَّوا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)يعني انّنا لا نحيد عن إسلامنا وعبادة ربّنا ولا نخضع لدعوة غيرها في الشرك كما لا نجبر أحداً على الإذعان لديننا.
قارن بين هذا الخطاب وبين محاضرتكم الّتي ألقيتموها في جامعة «ريجسنبورغ» ثمّ أحكم أيكما هو السبّاق والداعي إلى الحوار والعقلانية رسول الإسلام أم أنتم وأجدادكم؟!
وهل من المنهج العقلاني أن تركز على شخصية واحد من الآلاف من علماء المسلمين وهي شخصية ابن حزم الظاهري (المتوفّى 456هـ) في الوقت الّذي يعلم الجميع انّه من علماء إحدى فرق المسلمين الّتي عفى عليها الدهر وإنّ أكثر علماء المسلمين قد ردّوا آراء هذه الفرقة ولم يرتضوا

صفحه44
منهجها الفكري، ووضعوها في زاوية الإهمال والنسيان؟
إنّ الجدير بالمنهج العقلاني الّذي تتحدّثون عنه هو أن تستندوا إلى النظرات والآراء المطروحة من قبل كبار علماء المسلمين وفلاسفته كالفارابي وابن سينا وابن رشد ونصير الدين الطوسي وغيرهم من الشخصيات الّتي يعرفها العالم الغربي أكثر منّا.

الإسلام والعقلانية

1. انّ موقفكم من الإسلام والقاعدة الّتي اعتمدتموها في إدانة الإسلام والحكم عليه قاعدة بعيدة كلّ البعد عن الإنصاف والعقلانية، فكان من الأجدر بكم لإثبات عقلانية الإسلام أو عدمها الرجوع إلى المتون الإسلامية لا الاستناد إلى مصنّفات المخالفين للإسلام الّتي صنّفت بطريقة مغرضة هدفها الإساءة للإسلام وتعاليمه السامية، وحتّى لو استندوا إلى المصادر الإسلامية فإنّما يستندون إلى النظريات الخاطئة والآراء الباطلة الّتي لا تمثل رأي الإسلام الحنيف، وإنّما هي آراء لشخصيات إسلامية لم يوفقوا لاكتشاف النظرية الإسلامية بصورة صحيحة، فهي في الحقيقة آراء مسلمين لا رأي الإسلام كدين وكفكر.
2. انّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ومنذ الأيام الأُولى لدعوته دعا الناس إلى الإسلام بأُسلوب عقلي ومنهج برهاني، ولا زالت معجزته الخالدة «القرآن الكريم» كما هي لم تمسّها يد التحريف ولم تتطرق إليها عوامل الزيغ والانحراف، ولم يستطع أحد أن يمسّها بأدنى تحريف.

صفحه45
فقد تحدّى سبحانه وتعالى في السورة الثانية من كتابه المشركين قائلاً: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).(1)
3. من الواضح أنّ جميع الرسل والأنبياء اعتمدوا في دعوتهم المنهج البرهاني والعقلي، والرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن بدعاً من الرسل في هذا المجال فقد انتهج نفس المنهج.
4. انّ نظرة عابرة إلى مصطلحات «العقل» و «الفكر» و «العلم» الواردة في القرآن الكريم تظهر وبوضوح انّ رسول الإسلام يدعو الناس إلى التفكّر والتعقّل، وحسبك أن تعلم بأن:
أ. انّ مادة «العقل» جاءت في القرآن 49مرّة.
ب. وجاءت مادة «الفكر والتفكّر» 22 مرة.
ج. وجاءت مادة «العلم» 779 مرة، بصور مختلفة.
وقد أُمر رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)من قبله تعالى أن يتحدث مع الناس من خلال ثلاثة طرق:
أ. حينما يتحدّث مع المفكرين يعتمد أُسلوب ولغة المنطق والاستدلال والبرهان.
ب. وحينما يتحدّث مع عامة الناس وأصحاب المستوى الفكري المتوسط يعتمد أُسلوب الوعظ والنصيحة والإرشاد.

1 . البقرة:23.

صفحه46
ج. وحينما يتحدّث مع المخالفين يعتمد منهج الحوار والجدال بالتي هي أحسن.
قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ).(1)
فهل يصح بمنطق العقل أن نصف النبي الّذي يعتمد هذا المنهج الراقي ذا الأركان الثلاثة العالية بأنّه إنسان بعيد عن العقلانية ومؤمن بمنطق العنف والإرهاب؟!!
5. انّ البراهن العقلية والمنطقية الّتي وردت في القرآن الكريم لإثبات التوحيد كانت بدرجة من الإتقان والقوّة بحيث أذعن أمامها كبار الفلاسفة.
نشير إلى بعض هذه الآيات:
أ. (لَوْ كَانَ فِيِهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا)(2).
ب. (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ).(2)
ويقول سبحانه في إبطال أصالة المادة، وخلق العالم بنفسه:(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ).(4)
ونحن لو أردنا أن نستعرض جميع الأدلة البرهانية والمنطقية في هذا

1 . النحل:125.   2 . الأنبياء:22.
2 . المؤمنون:91.   4 . الطور:35.

صفحه47
المجال لأحوجنا الأمر إلى تدوين كتاب مستقل.
6. انّ المتتبع لنتاجات المتكلمين المسلمين والذين يعتمدون النمهج العقلي والمنطقي، يجد ما لا حصر له من المصنّفات. وقد دوّن علماء الشيعة وحدهم في هذا المجال أكثر من 12000مصنف، ولو أضفنا إليهم نتاجات علماء سائر المذاهب الإسلامية الأُخرى لازداد العدد زيادة كبيرة ، فكيف وبعد ملاحظة كلّ هذا التراث الحي ـ والّذي تحتفظ المكتبات والمتاحف الأُوروبية بقسم كبير من مخطوطاته والمطبوع منه ـ يمكن وسم الإسلام بأنّه ديانة بعيدة عن المنهج العقلي والمنطقي؟!
7. عامة الحقوقين ورجال القانون الغربيين يعلمون جيداً أنّ «العقل» هو أحد مصادر التشريع الإسلامي، وانّ الأحكام الإسلامية تستنبط عن طريق القرآن والسنة والعقل والإجماع. ومع هذه المنزلة الّتي يوليها الإسلام للعقل هل يصحّ اتّهامه ووصفه بأنّه ديانة مضادة للعقل والعقلانية؟!
8. إنّ محاضرتكم الّتي أُلقيت أمام حشد من الناس أكثرهم بعيد عن المسائل العقلية ولا يملكون تخصصاً في هذا الشأن بالإضافة إلى جهلهم بالتاريخ الإسلامي ومعارفه، لا تعتبر أُسلوباً عقلانياً؟
9. في الوقت الّذي يعيش العالم إرهاصات حرب صليبية جديدة بين الشرق والغرب ووجود الكثير من الأزمات وبؤر الاضطراب بين الطرفين هل كان من المناسب من شخصية روحانية وفي مثل هذه الأجواء المشحونة أن يلقي كلمة يسيء فيها إلى إحدى الديانات الإبراهيمية، فتكون ثمرة هذا

صفحه48
الخطاب دعماً للإرهاب واسناداً للعنف المنافي والبعيد عن الإنسانية بعداً تاماً.
10. يوجد في الوسط الإسلامي والمسيحي رجال يتحرّقون لإعادة السلم والصفاء إلى البشرية مرة أُخرى، وقد بذلوا في هذا الطريق الكثير من الجهود وتحمّلـوا الآلام والمعـاناة، وقامـوا بحـوارات ولقـاءات بنّاءة في هـذا المجال على أمل أن يأتـي اليـوم الذي يـرون فيه أتباع الديانات السماوية تحت خيمة واحدة ينعمون بالصلح والمودّة والسلام، ولكن ولشديد الأسف كان خطابكم وفي هذا المركز العلمي ومقابل مئات الآلاف من عامة المستمعين كان بمثابة المعول الّذي حطم جهود هؤلاء العلماء المخلصين وجعل كلّ جهودهم في مهب الريح.
ولا ريب أنّ سلوككم هذا بعيد عن العقلانية الّتي تتهم بها الآخرين.
إنّك بخطابك هذا لا يمكنك أن تشترك في حوار الأديان، وذلك لأنّ حوار الأديان إنّما يهدف إلى تقريب آراء نظريات أتباع الديانات الإبراهيمية، وأنتم بصدد إبعاد الآراء ووجهات النظر وهو خطوة في طريق الفرقة والتنافر، فكانت نتيجتها أن وضعت العالم على أعتاب حرب صليبية، وقد أثبتّم بسلوككم هذا أنّكم طرف غير جدير للحوار والتقارب.
إنّ الفلاسفة والمتكلّمين المسلمين طرحوا بحوثاً جيدة جذابة وعقلية في مجال صفات اللّه تعالى وأفعاله، كما تتصف تلك الأبحاث بالدقة والعمق، وممّا جعل بعض المفكرين المسيحيين يعترفون بأنّ هذه البحوث

صفحه49
قد استطاعت أن ترفع الكثير من الإبهامات والإشكاليات في هذا المجال، ولو كنتم ومن يسير في ركابكم على علم بهذه البحوث وقيمتها العلمية لا شكّ أنّكم ستدركون أنّ هذه البحوث ترفع الكثير من الإبهامات في الفكر الكنسي في باب صفات اللّه، ولكن ولشديد الأسف أنّ تخصّصكم في الكلام المسيحي وعدم معرفتكم وتخصّصكم بالكلام الإسلامي جعلكم لا تعرفون حقيقة الدين الإسلامي ومفاهيمه.
أختم الحديث معكم عند هذه النقطة، على أمل أن يأتي اليوم الّذي تعترف به بخطأكم وتعتذر لأكثر من مليارد ونصف المليارد من المسلمين.
وأخيراً أنا على استعداد تام لحوار علمي يسوده الودّ والموضوعية، سواء في الفاتيكان أو في إيران أو في أي مكان آخر من أجل تقريب الأفكار والرؤى في أوساط أتباع الديانات الإبراهيمية.
جعفر السبحاني
29 شعبان المعظم 1427 هـ
1/7/1385 هـ . ش

صفحه50
رسالة مفتوحة إلى الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود   
 
3

رسالة مفتوحة

إلى خادم الحرمين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود

سلام عليكم
أمّا بعد، فإنّ الوهابيّة مُنذُ أن سيطرت على الحرمين الشريفين لم تأْلُ جهداً في إزالة آثار النبوّة والرسالة، ومحو كلّ ما هو من علائم الأصالة الإسلامية، من خلال هدم بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وحُجرات وبيوت زوجاته أُمّهات المؤمنين وقبور صحابته وأهل بيته المطهَّرين وبيوتهم ومحالّهم في مكة المكرّمة والمدينة المنورة وما حولهما!! مع أنّ هذه الآثار التاريخية هي في الحقيقة معالم الأصالة الإسلامية، و هي إلى جانب ما تركه رسول الإسلام العظيم من تراث فكريّوثقافيّ تدلّ على واقعيّة الرسالة المحمديّة المباركة، وتجذّرها في التاريخ.
ومن هنا تسعى الأُمم المتحضرة المُعتزَّة والمهتمّة بماضيها وتاريخها بما فيه من شخصيات ومواقف وأفكار إلى الإبقاء على كلّ أثر تاريخي يبقى من ذلك الماضي لتدلِّل على واقعيّة ماضيها وتُبقي على أمجادها وأشخاصها

صفحه51
في القلوب والأذهان.
ولا شكّ أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الإسلامية وخاصّة في مهد الإسلام: مكة، ومهجر النبيّ الأكرم: المدينة المنورة، نتائج وآثاراً سيّئة على الأجيال اللاحقة التي سوف لا تجد أثراً بعد عين، وربما تنتهي ـ في المآل ـ إلى الاعتقاد بأنّ الإسلام قضية مفتعلة ، وفكرة مبتدعة ليس لها أيُّ واقعيّة تاريخيّة، تماماً كما أصبحت قضية السيد المسيح في نظر الغرب الذي بات جُلّ أهله يعتقدون بأنّ المسيح ليس إلاّ قضية أُسطورية حاكتها أيدي القساوسة، لعدم وجود أية آثار مادية ملموسة تدلّ على أصالة هذه القضية، ووجودها التاريخي.
هذا مضافاً إلى أنّ الوهابية جلَبت بفعلها هذا، وبأفكارها إلى الأُمّة الإسلامية، التفرقة والتمزيق و الاختلاف في وقت أحوج ما تكون فيه الأُمّة الإسلامية إلى التضامن والاتحاد لمواجهة التحدّيات الكبرى والهجمة الاستعمارية الحاقدة.
ولذلك لابدّ من تقييم الأفكار والأفعال التي ورثتها هذه الفرقة من محمد بن عبد الوهاب، وسلفه ابن تيمية الحراني الدمشقي، على ضوء القرآن الكريم والسنّة المطهَّرة ليتضح الحقّ، وتزول أسباب التفرقة والخلاف.
ونحن بالمناسبة نقترح أُموراً ثلاثة:
أوّلاً: أن تُكوّنوا لجنة من العلماء وذوي الاختصاص للمحافظة على

صفحه52
الآثار الإسلامية وبخاصة الآثار النبوية الشريفة وآثار أهل بيته الطاهرين، والعناية بها، وصيانتها من الاندثار لما لذلك من تكريم لأمجاد الإسلام، وحفظ لذكرياتها في القلوب والعقول، وإثبات لأصالة هذا الدين.
ثانياً: حثّ علماء الوهابية وكتّابها على مطالعة ما ألّفه علماء الإسلام والتي تثبت في ضوء الكتاب والسنّة وسيرة السلف جواز ما ذهبت الوهابية إلى تحريمه، ورمي فاعله بوصمة الشرك والكفر، وقراءتها قراءة تفهّم وإنصاف، وإبداء رأيهم في ما جاء فيها.
ثالثاً: أن تأمروا بإقامة مؤتمرعالمىّ يحضره علماء الإسلام وعلماء الوهابية ليتحاوروا في هذه المسائل المختلف فيها التي طالما سُفِكت من أجلها الدماء، وزهقت الأرواح، وانتهكت الأعراض وفُرّقت الصفوف، وبعد الوصول إلى النتائج المبرهنة يعلنوا تلكم النتائج على الملأ الإسلامي، خدمة للتضامن والأُخوة الإسلامية.
ونحن انطلاقاً من الحرص على الوحدة الإسلامية على أتم الاستعداد للحضور في ذلك المؤتمر و الاشتراك في هذا النقاش العلمي البنّاء.
ولا شكّ أنّ هذا هو أفضل خطوة لتحقيق التضامن الإسلامي المنشود. ونحن بانتظار ردكم واللّه الموفق وهو نعم المولى و نعم النصير.
رسالة مفتوحة إلى الشيخ يوسف القرضاوي حول تكفير أبي طالب والدفاع عن معاوية   
جعفر السبحاني
1/3/1407هـ

صفحه53
 
رسالتان مفتوحتان إلى الشيخ يوسف القرضاوي

الرسالة الأُولى:

4

الأُستاذ الفاضل الشيخ يوسف القرضاوي المحترم(1)

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
نثمّن جهودكم العلمية وما قدّمتموه للأُمّة الإسلامية من تآليف وآثار قيمة في مختلف المجالات.
نسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدكم لما يحب ويرضى ويوفّقكم لصالح الأعمال، كما نثمِّن مواقفكم الإيجابية في مسألة التقريب والوحدة بين المذاهب الإسلامية.

1 . قام الشيخ يوسف القرضاوي «حفظه اللّه» في بعض خطب صلاة الجمعة بالدفاع عن معاوية ابن أبي سفيان.
وقد كتبنا له هذه الرسالة ألفتنا نظره فيها إلى عدم ضرورة طرح مثل هذه المواضيع والمسلمون في هذا الوقت يعانون ما يعانون من ظلم وإبادة، كما ألفتنا نظره إلى أنّ مواقف معاوية في حياته والّتي يذكرها التاريخ لا تؤهّله لأن يدافع عنه أحد.

صفحه54
ولكن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى بعض الكلمات الّتي صدرت عنكم في بعض المناسبات.
1. قد طرحتم إيمان سيد الأباطح أبي طالب وقلتم إنّه مات كافراً، مع أنّ أفعاله وأعماله طيلة عشر سنين في مكّة المكرمة ، وقصائده الفاخرة، تشهد على أنّه مات مؤمناً، وعاش كعيشة مؤمن آل فرعون، وقد أرسلنا إليكم رسالة حول هذا الموضوع سابقاً، وركزنا على أنّ المسألة ليست من الضروريات حتّى تطرح على المنابر.
2. قرأنا في إحدى الصحف دفاعكم عن معاوية بن أبي سفيان في خطبة صلاة الجمعة.
ولنا أن نتساءل:
ما هي جدوى الانتصار لمعاوية في هذه الأيام الّتي تتعرض فيها الأُمّة الإسلامية إلى تحديات كبيرة وهجمات شرسة؟! ونتطلّع فيها إلى تقديم فهم صحيح للإسلام، وتصوّر واضح لمفاهيمه وأفكاره، وموقف سليم وجريء إزاء قضاياه ورجاله وشخصياته، يُتحرّى في كلّ ذلك الحق، ويُلتزم فيه بالموقف الشرعي والأخلاقي، بعيداً عن التأثيرات العاطفية، والقناعات الّتي ربما نشأت على أساس من المفاهيم المغلوطة والمعلومات المزيّفة.
هل خلا تاريخنا الإسلامي من رجال تبنّوا الإسلام شعاراً وهدفاً ومنهجاً وسلوكاً، واسترخصوا الأرواح والدماءفي سبيله...؟! هل خلا من هؤلاء حتّى يُعمد إلى مثل معاوية ليُبعث من بين هذا الركام الهائل من الخطايا والأخطاء من أجل أن يُبرّأ ويلمّع وجهه البشع؟!

صفحه55
فهذا عليّ والأهازيج باسمه *** تشقّ الفضا النائي فهاتوا معاويا
أعيدوا ابن هند إن وجدتم رُفاته *** رُفاتاً وإلاّ فانشروها مخازيا(1)
لا أدري ماذا يقتبس (جيل النصر المنشود) الّذي يسعى الأُستاذ القرضاوي إلى صُنعه، من معاوية الّذي ناوأ الحقّ، وناجز الهدى، وأراق دماء الصالحين، وأشاع السبّ واللعن، وأدنى الانتهازيّين والنفعيّين وأصحاب القلوب المريضة الذين آثروا الحياة الدنيا على الّتي هي خير وأبقى؟!
هل يُرجى من جيل النصر المنشود إذا زُيّنت له صورة معاوية واقتدى به واقتفى آثاره، أن (تتحقق على يديه الآمال وتستحيل الهزائم والنكسات إلى انتصارات، وينتقل من الغوغائية إلى العلمية، ومن التشاحن إلى التعاون) على حدّ تعبير الدكتور القرضاوي؟!
إنّ معاوية لم يرحل عن دنياه المظلمة بالفتن والأحقاد والمكر والاستبداد حتّى ختمها بجريمة كبرى لا تُغتفر استجابة لنزعة شريرة وأهواء مُضلّة، عبّر عنها بقوله: «لولا هواي في يزيد لأبصرت طريقي».
ونحن نسأل الداعية الكبير وصاحب الروح الشفافة الأُستاذ القرضاوي: هل من الحقّ إسدال الستار على مقترف هذه الجريمة النكراء المتمثّلة بتسليط يزيد الفجور والخمور على رقاب المسلمين؟! وارتكابه تلك المجازر الوحشية بقتل ابن بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وأصحابه، وسفك دماء المسلمين في وقعة الحرّة وانتهاك حرماتهم وأعراضهم؟!
ونودّ أن نذكر هنا بعض ما ورد في حقّ قائد الفئة الباغية معاوية:

1 . للعلاّمة الشاعر الشيخ عبد الحميد السماوي(رحمه الله).

صفحه56
قال الذهبي: وقُتل عمار مع علي، وتبيّن للناس قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): تقتله الفئة الباغية.(1)
قال محقّق الكتاب المذكور: وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولمّا لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنّما قتلَه الذين جاءُوا به، فأجابه علي (عليه السلام)، بأنّ رسول اللّه إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا منه إلزام مفحم لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها.
وروى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال:أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التُّراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبَّه. لأن تكون لي واحدةٌ منهنّ أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعم. سمعتُ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول له، وقد خلَّفهُ في بعض مغازيه، فقال له عليّ: يا رسول اللّه، خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».
وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله»، قال: فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليّاً»، فأُتي به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.
ولمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ)(2) دعا رسول

1 . سير أعلام النبلاء:3/142، ترجمة معاوية برقم 25.
2 . آل عمران:61.

صفحه57
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام) فقال:«اللَّهُمَّ هؤلاءِ أَهْلي».(1)
وقال ابن أبي نجيح، قال: لما حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ووقع معاوية في عليّ، وشرع في سبّه، فزحف سعد ثمّ قال: أجلستني معك على سريرك ثمّ شرعت في سبّ عليّ، واللّه لأن يكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
إلى آخر الحديث، وفيه من قول سعد: وأيم اللّه لا دخلت لك داراً ما بقيت. ونهض.(2)
لقد بدّل معاوية الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، وأخذ البيعة لابنه يزيد على كره من أهل الحلّ والعقد وتحت بوارق الإرهاب وأطماع أهل الشره والشهوات، وقد حجّ في سنة خمسين واعتمر في رجب سنة 56، وكانت الغاية من السفرين أخذ البيعة من المهاجرين والأنصار لولده يزيد، وقد دار بينه و بين أهل الشرف والكرامة من الجيلين كلمات يقف عليها مَن قرأ التاريخ.
ولا نذكر من ذلك شيئاً، لأنّه في متناول الجميع، وقد وقف على ذلك الأصم والأبكم حتى الغربيون.
قال السيد محمد رشيد رضا في المنار: قال أحد كبار علماء الألمان في

1 . صحيح مسلم:1198، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الحديث 6114، دار الفكر، بيروت ـ 1424هـ .
2 . مروج الذهب:3/24; البداية والنهاية:8/83 ، حوادث سنة 55 هـ .

صفحه58
الاستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة:
إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في
ميدان كذا من عاصمتنا(برلين)، قيل له: لماذا؟ قال:لأنّه هو الذي حوّل نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا، عرباً مسلمين.(1)
أليس هو الذي قتل الأبرياء من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم مثل حجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق الخزاعي وشريك بن شداد الحضرمي وغيرهم، وقد كان أصحابه (أَشِداءُ عَلى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ).(2)
ولم يكن لهم أي ذنب سوى أنّهم كانوا من أصحاب علي (عليه السلام)ومحبيه.
وفي هذا الصدد كتب الإمام الطاهر أبيّ الضيم الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام) رسالة إلى معاوية، قال فيها:
«ألست قاتل حُجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟! فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأةً على اللّه واستخفافاً بعهده.
أوَ لستَ بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة،

1 . تفسير المنار:11/260.
2 . الفتح:29.

صفحه59
فقتلتَه من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العُصم نزلت من شعف الجبال؟!
أو لستَ قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد: إنّه على دين عليّ كرّم اللّه وجهه. ودين عليّ هو دين ابن عمّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا، منّةً عليكم».(1)
نعم قام غير واحد من المغفلين بتبرير أعماله بالاجتهاد حتّى أثبتوا له أجراً، معتمدين على القول المعروف: للمصيب أجران وللمخطئ أجرٌ واحد. وقد عزب عنه أنّ هذا لو صحّ فإنّما هو للاجتهاد المعتمد على الكتاب والسنّة الذي هو رمز بقاء الدين وسرّ خلوده لا الاجتهاد في مقابل الأدلّة الشرعية.
فوا عجباً أيُكتب الأجر لمن سنّ سب المرتضى(عليه السلام) صنو النبي وأخيه الذي لم يفارقه منذ نعومة أظفاره إلى أن التحق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى؟!
وللّه درّ الشاعر المبدع الأُستاذ محمد مجذوب، القائل في قصيدته العصماء:
أين القصور أبا يزيد ولهوُها *** والصافناتُ وزهوُها والسؤددُ
أين الدهاء نحرتَ عزّته على *** أعتاب دنيا سحرها لا ينفد
نازعته الدنيا ففزتَ بوِرْدها *** ثمّ انطوى كالحلم ذاك المورد
هذا ضريحك لو بصرتَ ببؤسه *** لأسالَ مدمعَكَ المصيرُ الأسود

1 . الإمامة والسياسة:1/160; جمهرة خطب العرب:2/255، رقم 246.

صفحه60
كُتلٌ من الترب المهين بِخَرْبة *** سكر الذباب بها فراح يُعربد
حتّى المصلّى مظلم فكأنّه *** مذ كان لم يجتز به متعبّد
ما كان ضرّكَ لو كففتَ شواظها *** وسلكتَ نهج الحق وهو معبّد
ولزمتَ ظلّ أبي تراب وهو من *** في ظلّه يُرجى السداد ويُنشَد
ولعلّ في هذه الكلمات القصيرة التي هي غيض من فيض وقليل من كثير تذكرة للأُستاذ المعظم. ودمتم موفقين.
جعفر السبحاني
10 جمادى الأُولى 1424 هـ
رسالة مفتوحة أُخرى للشيخ القرضاوي حول شبهاته المثارة ضد الشيعة وعقائدهم   

صفحه61
 
الرسالة الثانية:
5

جواب الشبهات المثارة حول الشيعة وعقائدهم (1)

سماحة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي دامت بركاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسأل الله تعالى أن يحفظكم رجل توحيد وتقريب بين المسلمين، ويسدد خطاكم لنشر المعارف الإسلامية الحقّة في أوساط الأُمّة الإسلامية.
قرأت البيان الصادر عنكم بتاريخ 13 من شهر رمضان عام 1429 هـ الموافق للثالث عشر من الشهر التاسع عام 2008 م ، والذي تردّون فيه على ما ذكرته وكالة مهر الإيرانية، وعلى العلمين الجليلين: السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمدعلي التسخيري حفظهما الله تعالى.
لا ريب أنّ البيان المذكور يحتوي على أُمور تستحق الثناء والتقدير حيث ذكرتم وبطريقة استدلالية براءة الشيعة من القول بتحريف القرآن،

1 . تمّ تحرير هذه الرسالة بتاريخ 24 رمضان المبارك 1429 هـ ، ونشرت في وسائل الإعلام المختلفة، وتمّ تسليم نسخة منها إلى الشيخ القرضاوي.

صفحه62
وموقفكم الداعم لحق إيران في امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية. فلقد اعتدنا من علمائنا الكبار النظر إلى الأُمور بأُفق رحب وروح منفتحة والإعلان عنها بشجاعة، وهذا ما شاهدناه من جنابكم هنا، بعيداً عن التقوقع الطائفي والنظر إلى الاختلافات الجزئية التي تحجب الرؤية وتؤدي إلى ضيق الأُفق.
لا شك أنّ سماحتكم من رجال التقريب والسعي إلى حفظ وحدة الكلمة، ولكم في هذا المضمار الكثير من المقالات والمحاضرات، وهذا أمر يعرفه الجميع، ولا يمكن أن نتوقع من جنابكم غير الاقتداء بشيخكم الكبير المرحوم محمود شلتوت الأمر الذي يؤدي إلى استحكام حبل التقريب.
لا ريب أنّ الاختلاف بين المسلمين يمتد بجذوره إلى مابعد رحيل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذه الاختلافات قائمة حتى الساعة ولا يمكن معالجتها في يوم أو يومين أو سنة أو سنتين، وإنّما الذي نتوقعه من الرجال الكبار والشخصيات الحكيمة هو التركيز والإصرار على المشتركات وعدم النظر إلى المسائل الخلافية. وطرحها في الملتقيات العلمية بعيداً عن صخب السياسة، ليتسنّى لنا حصرها في دائرة ضيقة ومحدودة.
وهنا أود أن أُذكر سماحتكم ببعض الأُمور التي أراها ضرورية:
1. تعلم سماحة الشيخ كما يعلم سائر المفكّرين أنّ الغرب والصهيونية العالمية ـ ومن أجل إبعاد المسلمين عن الفكر الإسلامي ـ رفعوا ومنذ فترة طويلة شعارات ثلاثة هي:

صفحه63
أ. التخويف والتحذير من الإسلام.
ب. التخويف والتحذير من إيران.
ج . التخويف والتحذير من الشيعة.
ولقد عملت وسائلهم الإعلامية بكل أنواعها وبكل قوة لترسيخ ذلك في أذهان العالم الغربي، بل في أصقاع المعمورة، وكأنّ الإسلام غول يهدد البشرية والسلام العالمي!! في مثل هذه الظروف الحسّاسة لا نرى مبرراً لما قمتم به سماحة الشيخ من لقاء مع صحيفة «المصري اليوم» وما تحدثتم به بخصوص التشيع والتبشير الشيعي ـ حسب تعبيركم ـ في البلدان ذات الغالبية السنية، وتحذيركم من ذلك وإطلاقكم لصفارة الإنذار!! وما هي الحصيلة التي يخرج بها القارئ(حتى لو كانت خلافاً لما تقصدونه)؟ أليس الحصيلة التي يخرج بها هي تأييد موقف المستكبرين والصهاينة وإعطاء الشرعية والمصداقية لما ينشرونه وتبلّغه وسائل إعلامهم المسمومة؟!!
2. لقد أكّدتم ـ سماحة الشيخ ـ من جهة على كون الشيعة مبتدعة، ومن جهة ثانية أكّدتم أنّ الفرقة الناجية هم أهل السنة، مستنداً في ذلك إلى الحديث المعروف:«ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة»، وهنا نسأل سماحتكم ما هي الحصيلة التي يخرج بها شاب متعصب من شباب أهل السنّة؟ أليست هي القيام بربط حزام ناسف من المتفجرات ليقوم بقتل العشرات من الشباب والأطفال والنساء من المؤمنين في مدن العراق وغيرها من البلدان الإسلامية، وهذا ما يقوم به العشرات من الشباب الأردني

صفحه64
والسعودي والأفغاني والمغربي مستندين في عملهم هذا إلى فتاوى تكفيرية ومواقف إقصائية يقوم بها بعض الرجال المحسوبين على العلم والفتوى، حتى وصل الأمر إلى حد تقيم عائلة الانتحاري الأردني الذي فجّر نفسه في أوساط المؤمنين في مدينة الحلة العراقية مجلس عرس تتلقى فيه التهاني والتبريك بتلك المناسبة!!!
سماحة الشيخ، إنّ لكلّ مقام مقالاً كما يقول الحكماء، فهل ياترى كان من المناسب في تلك الظروف العصيبة التي تمر بها أُمّتنا الإسلامية والتي تتكالب فيها قوى الاستكبار العالمي على العالم الإسلامي بأسره، أن يصدر من عالم ومفكّر إسلامي ما يثير النائرة ويشعل نار الحقد والصراع في أوساط المسلمين ممّا قد يؤدي إلى الصراع الداخلي لا سامح الله؟!!!
وإذا كان كل من الإخوة السيد فضل الله والشيخ التسخيري ـ ا للّذين تربطهما بكم علاقة الود وتكن لهما مشاعر الحب والاحترام ـ لم يرتضيا الطريقة التي طرحتم فيها القضية، فإنّهما ينطلقان في واقع الأمر ممّا ذكرناه لكم من أنّ ذلك لا يليق بشأنكم وليس في صالح المسلمين أبداً.
3. اعتبرتم انتقال مجموعة من الشباب السني ـ في بعض البلدان التي يقطنها أهل السنة ـ إلى التشيع تبشيراً شيعياً وخطراً يستحق الوقوف أمامه ودق صفارة الإنذار، وانّ عدم التصدّي له يمثّل مخالفة للدين وخيانة للأمانة التي في عنقكم، ولكن في نفس الوقت غضضتم الطرف عمّا يجري في السعودية والإمارات وغيرها من البلدان السنية من الحملة الشعواء التي تشن على المفكّرين الشيعة والفكر الإمامي، فما من ساعة تمر إلاّ وتجد إصداراً ـ

صفحه65
كتاب أو رسالة ـ ينال منهم، والذي يؤسف له أنّ ما يصدر ما هو إلاّ تكرار للمكرّرات وتهم واهية لا تقوم على دليل ولا تستند إلى برهان; أليس من اللائق بجنابكم الكريم التصدي لمثل هذه الحملة المسعورة التي تنال من طائفة كبيرة من المسلمين!! بل نجد البعض قد تمادى في غيّه وكذبه بحيث صنّف كتباً في ذم الشيعة ونسبها إلى شخصيات شيعية من أمثال المرحوم العلامة السيد العسكري وبعضها نسبوها لي شخصياً موحين للناس أنّنا من المبلّغين للمذهب الوهابي والمهاجمين للتشيع!!
وأخيراً نشر كتاب في موطنكم مصر العزيزة في نقد رأيي الفقهي حول مسألة «الصلاة خير من النوم» امتلأ الكتاب بالسب والشتم والكلام القاذع والافتراء و... وهو من تأليف علاء الدين البصير، ثم طبع هذا الكتاب مرة ثانية ضمن سلسلة «محققو الشيعة في الميزان» وأعطاه ناشروه اسم«جعفر سبحاني...لا محقق مقرب» ومن العجب أن يقدّم لهذا الكتاب أُستاذ من اساتذة جامعة الأزهر وهو الدكتور محمد عبد المنعم البري وهو عميد مركز الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، ورئيس جبهة علماء الأزهر(وقد طبع في مصر ونشر عام2007م، في مركز التنوير بالقاهرة); لا أدري هل البحث الفقهي يستحق كل هذا التحامل والتشنيع والتسقيط؟!!
4. أكّدتم في بيانكم على حديث «ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة» وهنا أود التذكير بأنّ الحديث قد ضعّفه المحقّقون في علم الحديث، وعلى فرض وجود سند معتبر للحديث فلا يصحّ الاستناد إلى حديث آحاد لإثبات مثل هذا الأصل، واعتبار اثنتين وسبعين فرقة من فرق المسلمين من

صفحه66
أصحاب النار وحصر أصحاب الجنة في فرقة واحدة.
إنّ مضمون الحديث يحكي عن عدم صحّته، وأنا هنا لا أتحدّث عن فرق اليهود والنصارى، بل أتساءل أين هي فرق المسلمين الأساسية التي وصلت إلى هذا الحد، وأمّا الفرق الفرعية المذكورة في كتب الملل والنحل فقد تجاوزت الحد قطعاً؟ فهل يمكن أن نجد ذلك العدد من الفرق الإساسية في كتب الملل والنحل؟! وهل يمكن اعتبار الاختلاف في مسألة واحدة مبرراً لتصنيفها فرقة مستقلة؟ إنّ فرق المسلمين الأساسية لا تتجاوز عدد أصابع اليد، من هنا نرى أصحاب كتب الملل والنحل يتشبّثون بأُمور واهية لإثبات العدد المذكور ليكون دليلاً على مصداقية الحديث.
إنّ الأجدر بالإخوة أن يستندوا في عقائدهم إلى الحديث الذي رواه البخاري حيث قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ أُمّتي يدخلون الجنّة إلاّ من أبى. قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».
فقد حدد الحديث الملاك في دخول الجنة والنار في إطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعصيانه، ومن الواضح أنّ العصيان والتمرّد يصدق في حالة كون الإنسان لا يملك الحجة والدليل المعقول على عمله، وليس خفياً عليكم وعلى المفكّرين أنّ الشيعة تستند في المسائل الخلافية إلى الدليل والحجة الكافية وإن كان ذلك غير تام في نظركم.أو ليس الملاك في دخول الإنسان في حظيرة الإيمان، هو ما جاء في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «بني الإسلام على خمس; شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله وإقام

صفحه67
الصلاة، وايتاء الزكاة والحج، وصوم رمضان» ، رواه الشيخان.
فإذا كانت أُصول الدين هي الإيمان بالله ورسوله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، وما فيه من الحساب إلى غير ذلك فجميع المسلمين المتمسّكين بالكتاب والسنة يدخلون تحت هذه الضابطة ، فما هو الوجه لاختفاء القداسة على فرقة وإخراج فرقة أُخرى؟!
مما يجدر بالشيخ العزيز أن يقتدي بإمام أهل السنة الشيخ الأشعري حيث ألف كتاباً في الفرق الإسلامية وأدخل الجميع تحت عنوان كتابه والذي سمّاه : «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» فمنح الجميعَ الصبغةَ الإسلامية وجعل اختلافهم في الفروع فقط بشهادة قوله: «واختلاف المصلين».
يقول أحمد بن زاهر السرخسي الأشعري: لما حضرت الشيخ أبا الحسن الأشعري الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا عليّ أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنّي رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم (1). لقد أشرتم في بيانكم أنّ لدى الشيعة بدعتين:
الأُولى: بدعة نظرية.
الثانية: بدعة عملية.
وأود هنا الإشارة إلى تحليل تلك البدع حسب رأيكم:

1 . اليواقيت والجواهر للشعراني: 58.

صفحه68

الأُولى: البدع النظرية:

1. ادّعاء الوصية لأمير المؤمنين (عليه السلام)

لا شك أنّ أساس التشيع وعماده يقوم على الاعتقاد بأنّ المرجعية والقيادة السياسية والفكرية والعلمية بعد رحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هي من شؤون العترة الطاهرة وعلى رأس العترة أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولقد ثبتت الوصية له من خلال الأحاديث المتواترة أُشير هنا إلى بعضها:
1. لمّا نزل قوله سبحانه:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )(1) دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة وأربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم، فقال لهم: «يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم» . فكرر هذه الجملة ثلاث مرات، وفي كلّ مرة كان علي يقوم ويقول: «أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه» وفي المرة الثالثة ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على يد علي وقال في حقه على رؤوس الأشهاد:«هذا علي أخي ووصيي وخليفتي فيكم».
ولولا خوف الإطالة لأشرت إلى المصادر الكثيرة التي ذكرت هذا الحديث، ولكن اكتفي بالقول: إنّه حتى مثل محمد حسين هيكل قد نقل هذا الحديث في الطبعة الأُولى من كتابه «حياة محمد» وإن حذفت في الطبعات اللاحقة.

1 . الشعراء: 214.

صفحه69
2. حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»ومن المعلوم أنّ استثناء النبوة فقط يحكي عن ثبوت جميع المقامات التي كانت لهارون(عليه السلام) مثل الخلافة والوزارة.
3. حديث «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».
4. حديث «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه». ويكفي في تواتر الحديث أن يكون قد نقله 120 صحابياً وما يقرب من 90 من التابعين، كما نقله 360 عالماً سنياً.
ومع كلّ هذه الأدلة الواضحة التي استندت إليها الشيعة، فعلى أقل تقدير والحد الأدنى المتوقع منكم أن تعذروهم في موقفهم وعقيدتهم لا أن تصفوهم بالمبتدعة، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما تتبنّونه معاشر فقهاء السنة الأعزاء من القول: «للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد» وهنا لابدّ أن يستحق الشيعة الثواب والأجر لا الرمي بالابتداع.
قلتم في بيانكم أنّ الاختلاف في فروع الدين ومسائل العمل وأحكام العبادات والمعاملات، لا حرج فيه، وأُصول الدين هنا تسع الجميع، وما بيننا وبين الشيعة من خلاف هنا ليس أكبر ممّا بين المذاهب السنية بعضها مع بعض.
وهنا أود أن أسأل سماحتكم هل أنّ مسألة الإمامة والخلافة عند أهل السنة من الفروع أو الأُصول؟

صفحه70
لقد أكّد كبار علماء الأشاعرة مثل عضد الدين الإيجي في المواقف وشارحه المير سيد شريف الجرجاني وسعد الدين التفتازاني في «شرح المقاصد» وغيرهم: انّ الإمامة والخلافة من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّه يجب على المسلمين إشاعة المعروف والنهي عن المنكرات، وهذا لا يتحقّق إلاّ في ظل حكومة وقدرة تستطيع إجراء الأحكام وأنّ مركز هذه القدرة والسلطة هو الإمام والخليفة الذي يجب أن يوجد في أوساط المسلمين.
وهذا من الأُمور التي يتفق عليها الشيعة والسنة، إلاّ أنّ الاختلاف وقع في طريقة تشخيص وتحديد الخليفة والإمام حيث طرحت نظريتان:
الف. تعيين الإمام يتم عن طريق شورى المهاجرين والأنصار.
ب. تعيين الإمام يتم بتنصيبه من قبل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
لست هنا في مقام ترجيح إحدى النظريتين على الأُخرى، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف أصبحت إحدى النظريتين عين السنة والأُخرى عين البدعة؟!! والحال أنّ النظرية الأُولى لا تقوم إلاّ على السيرة الناقصة للخلفاء لا أكثر، وأمّا النظرية الثانية فتستند إلى الأدلّة المحكمة والقوية.
إنّ منطق الإنصاف يقتضي ترجيح النظرية الثانية، وعلى أقل تقدير النظر إليهما نظرة واحدة لا اعتبار أصحاب النظرية الأُولى هم أهل السنة وأتباع النظرية الثانية من المبتدعة (تلك إذاً قِسْمَةٌ ضيزى)!!
وأين ذهب التسامح والعيش المشترك في الفروع؟!

صفحه71
الجدير بالذكر أنّ تبريركم لوصف الشيعة بالمبتدعة كان في مقابل من يقول بأنّهم كفرة لا يحل المشكلة أبداً، بل كان من الواجب عليكم أن تنصروا المظلوم وتدفعوا عنه تهمة الكفر والخروج عن الدين لا أن تبدّلوا التهمة بتهمة أُخرى، وهنا أود أن أسأل سماحة الشيخ لو أنّ شخصاً اتّهمكم بتهمة خطيرة هل تسمحون لمن يدافع عنكم أن ينفي عنكم تلك التهمة لكنّه يستبدلها بتهمة هي أقل من الأُولى؟!!

2. علم الأئمة(عليهم السلام) بالغيب

من الأُمور التي اعتبرتموها دليلاً على الابتداع هي قضية «العلم بالغيب»، وهنا أود أن أُشير إلى أنّ العلم بالغيب نوعان:
الف. علم الغيب الذاتي وغير المحدود وهو من مختصات الباري تعالى، قال تعالى في كتابه الكريم:(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأرضَ الغَيْبَ إِلاّ اللّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ)(1) .
ب. علم الغيب الاكتسابي، وهذا النوع محدود أيضاً بالإذن الإلهي، وهذا النوع من الغيب يحصل لغير الله تعالى كثيراً، ولقد جاء في سورة يوسف(عليه السلام) الكثير من الإخبارات الغيبية على لسان كل من يعقوب ويوسف (عليهما السلام); وكذلك جاء في القرآن الكريم الحديث عن مصاحب موسى بقوله تعالى: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا علْماً)(2).

1 . النمل:65 .   2 . الكهف: 66 .

صفحه72
وقد ورد عن أمير المؤمنين أنّه لمّا أخبرَ ببعض الغُيُوب . قال لهُ رجلٌ: أُعطيتَ يا أمير المؤمنينَ(عليه السلام) علمَ الغَيبِ! فقال: «ليس هو بعلم غيب وإنّما هو تعلُّمٌ من ذي علم».
وبما أنّ هذا النوع من العلم محدود فلا يكون هو المعنى الاصطلاحي لعلم الغيب، لأنّ المراد منه هو غير المحدود وهو من مختصات الباري تعالى.
من هنا إذا علم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بالغيب وأخبروا عن المغيبات فهو من النوع الثاني الذي يحصل بإذن الله حتى للصالحين والعارفين الإلهيين الذين بذلوا عمراً طويلاً في طاعة الله تعالى والسير وفقاً لشريعة الإسلام الغرّاء.

3. عصمة العترة

من الأُمور التي اعتبرتموها من البدعة هي القول بعصمة الأئمة; وهنا أقول:
العصمة لا تعني إلاّ حالة قصوى من التقوى تحصل لدى الإنسان تمنعه من ارتكاب ما لا يرضي الله تعالى، وتتجسّم أمامه آثار الذنوب ممّا يصونه عن ارتكابها. فهل من الغريب أن يطوي الإنسان مراحل الكمال الروحي حتى يصل إلى حد يعصم فيه من الذنوب وقد يصل إلى مرحلة أُخرى بحيث لا يصدر الخطأ منه؟

صفحه73
إنّ مريم العذراء(عليها السلام) لم تكن نبية ولكن كانت معصومة ومصونة من الذنب ولقد أشار القرآن الكريم لذلك بقوله:(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرَيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمين)(1) .
ومن المسلم أنّ المراد من التطهير هو تطهير مريم من الذنوب والخصال المذمومة; وهنا نسأل لماذا لا يكون القول بعصمة مريم من البدعة والقول بعصمة أمير المؤمنين(عليه السلام)ـ الذي هو عدل القرآن وفقاً لحديث الثقلين ـ بدعة؟!
إنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة والذي اعتبر فيه الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) العترة عدلاً للقرآن وإنّهما لن يفترقا حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا»، ومن الواضح أنّ مقتضى كون العترة عدلاً للقرآن الكريم أن تكون معصومة كعصمة القرآن الكريم، ولا يمكن أن يحدث بينهما أدنى افتراق أو تناف.
القول بعصمة الأئمة إذا كان غلواً فلماذا لا يكون القول بأنّ صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، كذلك، فهل هذا التعبير صحيح بحق هذا الكتاب مع ما فيه من الشذوذ ومخالفة العقل الحصيف وغير ذلك؟!
هلا يكون حصر المذاهب في الأربعة وطرد سائر المذاهب الأُخرى في مجال العمل والقضاء غلواً مع أنّ الأُمّة الإسلامية عاشت مسلمة ولم يتولد واحد من أصحاب هذه المذاهب، ولم يكن لأحد منهم عين ولا أثر؟!

1 . آل عمران:42 .

صفحه74
ولولا الحفاظ على صفو مياه الود لبسطنا الكلام في هاتيك المواضع التي آخذتم بها الشيعة، ولكن اقتصرنا بذلك حتى ينظر الشيخ الجليل إلى الجميع بعين واحدة وفكرة خاصة.

4. سب الصحابة

الأمر الذي يدعو إلى الحيرة والعجب أن يصدر هذا الكلام من عالم من أمثالكم وإنّما الأنسب صدور هذا الكلام من الناس البعيدين عن العلم والمعرفة. فهل يمكن لطائفة كبيرة أن تحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنها تبغض أصحابه وتشتمهم؟!! إنّ عدد أصحاب النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تجاوز المائة ألف صحابي وانّ الذين ترجم لهم أصحاب الكتب الرجالية بلغ ما يقارب 15 ألف صحابي استشهد بعض منهم في معارك الرسول مثل بدر وأُحد والخندق وخيبر وغيرها، فهل يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينال من هؤلاء العظماء؟!
ثمّ إنّ القسم الأعظم من هؤلاء الصحابة نجهل حالهم ولا نعرف عنهم شيئاً، فهل يسمح الوجدان للإنسان أن يمس أو ينتقص من إنسان لا يعرف حاله؟
من هنا نقول: إنّ مسألة سب الصحابة بالمعنى الذي يتداوله عامة الناس ما هي إلاّ ذريعة يحاول البعض التمسّك بها، انّ منطق الشيعة منطق إمامهم أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي جاء في الخطبة 97 من «نهج البلاغة»، قال صلوات الله عليه:«لقد رأيت أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد

صفحه75
كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كان بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب».
إنّ شيعة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يقتفون كلام إمامهم، حيث إنّه عندما سمع بعض أصحابه وهم يسبون أهل الشام ـ أيام حرب صفين ـ خاطبهم بقوله: «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العُذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به».(1)
فإذا كانت هذه عقيدة إمام الشيعة في حق الصحابة، فكيف لا تكون عقيدة شيعته فيهم كعقيدته.؟!
إنّ السب فعل الجهلة الذين لا يحفظون ألسنتهم عمّا يشينهم، ولذلك أطلب من سماحتكم أن لا تطرحوا القضية بهذه الصورة، نعم انّ الذي تعتقده الشيعة هو أنّ بعض الصحابة والذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد تعاملوا مع أهل بيت النبي بعد رحيله معاملة سيئة ومن هنا تتبرّأ الشيعة منهم لهذا السبب، وهذا ليس أمراً غريباً فهذا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يتبرّأ من عمل خالد بن الوليد ويقول:«اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد».
ولكن ألفت نظركم السامي إلى روايات الارتداد المعروفة بروايات

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 206.

صفحه76
الحوض التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم(1) كيف تفسرون هذه المأثورات عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!

الثانية: البدع العملية:

1. تجديد مأساة الحسين (عليه السلام) كل عام

أشار سماحتكم بعد ذكر البدع النظرية إلى البدع العملية واعتبرتم من ضمنها «تجديد مأساة الحسين(عليه السلام) كل عام» ولا أدري كيف أصبحت التظاهرات المليونية التي تقام لإحياء ذكرى سيدالشهداء وسبط رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وإظهار ظلامته بدعة تستحق اللوم والذم!!
لو اطّلعتم سماحة الشيخ على فلسفة الثورة الحسينية وفكرتم في أبعاد تلك الثورة لقمتم بنفس ما تقوم به الشيعة من إحياء لتلك الواقعة العظيمة، لأنّ التظاهر من أجل مواجهة الظلم ورفض التعدّي على القيم والوقوف أمام الحكومات الجائرة لابد أن يبقى حياً في أوساط الأُمّة الإسلامية، وهذا هو هدف الثورة الحسينية التي ينهل منها الأحرار في العالم مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين ضد الصهاينة الغاصبين.
من هنا يتضح سبب الاهتمام بالثورة الحسينية أكثر من الاهتمام بالمناسبات الأُخرى للأئمة، كشهادة أمير المؤمنين(عليه السلام)وإن كانت تقام مراسم في تلك المناسبات أيضاً إلاّ أنّها لا ترقى في كثرتها زماناً ومكاناً لما يقام

1 . لاحظ: صحيح البخاري: 4 / 67 و 5 / 107، كتاب المغازي.

صفحه77
بمناسبة الثورة الحسينية، إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) تمثل رسالة تحريك وبعث لكل الأجيال التي تقع تحت الظلم والاضطهاد لتضخ فيهم دماء الغيرة والدفاع عن الدين كما فعل سيد شباب أهل الجنة في دفاعه عن دين جده المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم).
كذلك تهدف مجالس العزاء لتعرية تلك الطغمة الفاسدة التي تصدت لأهل البيت وأذاقتهم ألوان العذاب والاضطهاد.

2. ما يحدث عند مزارات آل البيت من شركيات

اتهمتم في بيانكم الشيعة بممارسة الشركيات عند زيارتهم لقبور أهل البيت (عليهم السلام); لكن الجدير بكم أن تشيروا إلى مصاديق تلك الشركيات ولا تبقوا القضية عائمة، فهل أصل الزيارة شرك؟ لا شك أنّ الجواب بالنفي. وهل الدعاء وطلب الشفاعة من النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) شرك؟ من المسلم كلا; لقد كان من الجدير بسماحتكم الاقتداء بإمام الأحناف الكبير، فقد روى مؤلف كتاب «فتح القدير»: انّ الإمام أبا حنيفة وقف أمام قبر النبي الشريف وأنشد قائلاً:
يا أكرم الثقلين يا كنز الورى *** جد لي بجودك وارضني برضاكا
أنا طامع في الجود منك ولم *** يكن لأبي حنيفة في الأنام سواكا(1)
وكأنّ أبا حنيفة اقتدى بالصحابي الجليل سواد بن قارب الذي أنشد قائلاً:

1 . فتح القدير: 2 / 336 .

صفحه78
فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
لقد جاء في بيانك انّ دعاء أهل البيت من دون الله يعد من الشركيات; عذراً سماحة الشيخ أنّ هذا المنطق هو منطق الوهابية الذين قد يستندوا أحياناً لقوله تعالى: (وَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا )(1). ولكن ينبغي أن يتّضح المراد من كلمة «الدعوة» ما هو؟ هل المقصود مخاطبة غير الله؟ لا شك أنّه ليس هو المراد، لأنّ لازم ذلك تكفير جميع البشر، لأنّ الإنسان في حياته يخاطب آلاف الناس ويستعين بهم، نعم المقصود من الدعوة هنا عبادة غير الله بمعنى الخضوع والخشوع أمام موجود بعنوان كونه خالقاً ومدبراً فيكون معنى الآية «انّ المساجد لله فلا تعبدوا مع الله أحداً» ومن حسن الحظ يوجد شاهد على ذلك، وهو قوله تعالى: (وَقالَ رَبّكُم ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ انّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرين)(2).
ففي صدر الآية جاءت كلمة «ادعوني» ولكن في ذيلها جاءت كلمة «عبادتي» وهذا يحكي أنّ الدعاء الخاص بالله تعالى هو الدعاء الذي يحمل صبغة العبادة لا أي نوع من أنواع الدعاء والدعوة، وإلاّ لما وجد على وجه الأرض موحّد أبداً.
جناب الدكتور القرضاوي أنّ القرآن الكريم رسم الطريق لتمييز الموحّد من المشرك بقوله: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ

1 . الجن:18.   2 . غافر:60.

صفحه79
يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِي الْكَبِيرِ )(1).
فهل ياترى أنّ جموع الشيعة وأعداد كبيرة من المصريين الذين يجتمعون عند رأس الإمام الحسين(عليه السلام) وفي مقام السيدة نفيسة والسيدة زينب(عليها السلام) ويتوسلون بهم ليقضي المولى سبحانه حوائجهم، هل هؤلاء عندكم مشركون؟! بمعنى أنّهم انحرفوا عن عبادة الله الواحد الأحد؟ أو يزداد إيمانهم بالله تعالى حينما يتواجدون في تلك الأماكن الشريفة؟ أليس هذا هو منطق التكفيريين الذي طالما انتقدتموه واعتبرتموه فكراً متطرفاً؟!
إلى هنا نمسك عنان القلم عن الجري، راجين من جنابكم الكريم تدارك ما فات ودعوة الجميع للاعتصام بحبل الله المتين والحث على وحدة الكلمة.
فالرجاء من سماحتكم، أن ترفعوا لافتة التقريب وتتدّثروا بدثاره في ظل الأُصول التي ألمح إليها رجال التقريب: وهي: الإيمان بالإله الواحد وما يستلزمه من الإيمان بالغيب والملائكة والكتب والأنبياء واليوم الآخر وما جاء به النبي الخاتم، في الكتاب والسنة، ومااتّفق عليه المسلمون في الأُصول والفروع، إلى غير ذلك من الأُمور المشتركة بين الأُمّة الإسلامية التي لم يختلف فيها اثنان.
كما أنّ رجاء عشّاق التقريب أن تدخلوا ساحة الحوار بأدب الأُسلوب القرآني: (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين)(2).

1 . غافر: 12.   2 . سبأ: 24 .

صفحه80
وما قرأناه في البيان ينافي كلامكم حول العولمة المنشور في مجلة «مجمع الفقه الإسلامي»، و هذا نصّه:
ولكن على الأُمّة أن تعرف أنّها مهددة إذا لم تتجمع ويكون بينها نوع من التآلف والتعاون، ولذلك نحن ندعوكم أيّها الإخوة إلى مصالحة عامة، تجمع كل قوى الأُمّة في هذه المرحلة، لا داعي للتفرقة. هناك أُناس يريدون أن يفرقوا الأُمة، هم أعداؤنا يريدون ذلك، إمّا أن يفرّقوا بينها إذا كان هناك أقليات غير إسلامية، فيثيرون هذه الأقليات، إذا كان هناك أقليات عرقية، هناك عرب وبربر وعرب وأكراد، إذا كان هناك أقليات مذهبية يكون سنة وشيعة، إذا لم يكن هذا وذاك يبقى يمينيين ويساريين، أو ثوريين ورجعيين، نحن نريد أن نجمّع كل قوى الأُمة وندعو إلى مصالحة حتى بين الحكام والعلماء، وبين الحكّام والجماعات الإسلامية، لا داعي الآن أن نفرّق بين الأُمة، الأُمّة يجب أن تكن صفاً واحداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً في ساعة الشدائد لا مجال للاختلاف ولا مجال للمعارك الجانبية ، يجب أن يقف الجميع صفاً واحداً.(1)
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
والحمد لله ربّ العالمين
«اللّهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذلّ بها النفاق وأهله»
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة 14، العدد14، ج4، ص 402.

صفحه81
 
ردود أُخرى على سماحة الشيخ
بعد نشر رسالتنا هذه إلى الشيخ القرضاوي اطّلعنا على عدد كبير من المقالات التي ردّت على ما صرّح به، ونشير بإيجاز إلى نموذجين منها:
1. مقال بقلم نجيب الزامل، بعنوان «هل كان شيخنا القرضاوي محقّاً»، وممّا ورد فيه : أقول ـ ومن نظرة تاريخية ومنطقية في طبيعة الأديان ـ : إنّ وقفة الشيخ القرضاوي في مسألة إيران حول المذهب الشيعي وانتشاره، أفهمها من شيخ جليل سنّي يغار ويحمي مذهبه السنّي، ولست أقول لا أوافقه في وقفته، ولكنّي أفهم أنّ هذا غير مُجد، من يقيني أنّ الأديان تسري وتنتشر كما تجري المياه تحت الأرض تسقي الجذور... فهي دوماً تصل، حتّى لو وافقت إيرانُ الشيخَ القرضاوي ووقعت اتفاقية معلنة أمام الدنيا أنّها لن تصدّر المذهب الشيعي للدول السنية الكبرى أو الصغرى، وحتّى لو التزمت بصرامة بذلك، فإن المذهب لن يتوقف، لأنّ انتشار الأديان والمذاهب ليس مسألة دولية .(1)
2. مقال بقلم المفكّر الإسلامي جمال البنا (2) بعنوان: «ردّاً على القرضاوي: فصل المقال فيما بين الشيعة والسنة من اتصال»(3)، وممّا جاء فيه: أعاد فضيلة الشيخ انتشار الشيعة في مناطق لم يكونوا بها من قبل إلى

1 . نشر المقال على صفحات موقع «صحيفة الاقتصادية الكويتية» بتاريخ 18 / 10 / 2008 م .
2 . وهو شقيق مؤسس حركة الأخوان المسلمين الشهيد (حسن البنا).
3 . نشر المقال على صفحات شبكة راصد الإخبارية بتاريخ 19 / 10 / 2008 م .

صفحه82
خطط وتكتيكات واستراتيجية إيرانية، وهذا غير صحيح، والصحيح أنّ الجماهير أرادت أن تعاقب حكامها بتأييد الشيعة، ولأنّ عدو عدوي صديقي، فليس للشعوب الإسلامية من عدو سوى إسرائيل وحاميتها أمريكا، وهاتان هما عدوتا إيران.
ثم قال: وانتقدَ الشيخُ القرضاوي ما ذهب إليه الشيعة من عصمة الأئمة وتقديسهم، ولكن هل انتفى هذا التقديس من الفكر السلفي السنّي؟ ألا نقول عن البخاري: أصدق كتاب بعد كتاب الله.
ألا ننكفئ على أربعة مذاهب نلتزم بكلام أئمتهم، كأنّ الله تعالى جعل الإسلام محصوراً في هذه الأربعة، فلا يمكن تصور مذهب آخر.
وماذا يعني بالله ـ تطبيقنا اليوم أحكاماً وضعها السلف الصالح منذ ألف عام؟ ألا يعد هذا تقديساً لهؤلاء الأسلاف، والرؤية بعيونهم، والحكم بعقولهم، كأن ليس لنا عقول أو رؤى؟
واستبعد الشيخ دعوة الدكتور كمال أبو المجد لإغلاق هذا الملف، ورأى أنّ ذلك فرار من المواجهة والتصدي (ولكن بالحكمة والاعتدال)، والواقع يقول إنّه لا يمكن التصدي في هذا المجال بحكمة واعتدال، وقد ذكر هو نفسه ما يؤدي إليه التصدي، فقال: «إنّ أوّل ما يقوم به الداعي إلى مذهب اعتقادي، أن يهاجم المذهب الآخر، ويبين أنّه ضلال وباطل، وأنّه ينتهي بصاحبه إلى النار، وأنّه لن ينجيه من النار إلاّ اعتناق المذهب الآخر، وهنا يجد المدعو نفسه مضطراً للدفاع، وخير وسائل الدفاع الهجوم، فيهاجم

صفحه83
مذهب الداعي، ويدلّل على بطلان أُسسه واحداً بعد الآخر».
ويقول الشيخ: «ويستطيع السُّني أن يعلن بكل اعتزاز أنّ مذهبه هو الّذي يتوافق مع تطلّعات البشرية المعاصرة إلى التحرر والمساواة دون تمييز لأسرة لها حق حكمهم بغير اختيارهم، فلا وصية لهم ملزمة من السماء، ولا أحد له حق العصمة فلا يعترض عليه».
وللشيخ الحق من هذه الناحية، ولكنه لا ينفي أنّ المذهب السُّني فيه العديد من المآخذ، سواء كانت في الفقه أو التفسير أو الحديث، وهي الركائز التي قام عليها الفكر السُّني، وكانت من العوامل التي أسهمت في تخلّف المسلمين.
ولكن هذا أمر آخر يطول، وليس هذا مكانه.
فضيلة الشيخ من رواد «فقه الأولويات»، وأُناشده أن يحكِّم هذا الفقه عند تحديد المواقف.
الشيعة يقولون لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، ويصلّون، ويصومون رمضان، ويستقبلون كعبتنا، فهم مسلمون لهم عصمة المسلم ولهم حق على بقية المسلمين، كما أنّ عليهم واجباً نحوهم.
ويعلم الشيخ ويسلِّم أنّنا ندخل معركة قاسية، لا ترحم، تقودها القوى الكبرى التي تتّحد ـ مهما كانت خلافاتها فيما بينها وبين بعضها ـ في عداوة العالم الإسلامي .
أفلا يدعونا هذا إلى توحيد جبهة المسلمين، التي هي جبهة واحدة، إذا

صفحه84
سقط منها قطر تزلزلت الأقطار الأُخرى، كما يكون إيذاناً بزوال قطر ثان وقطر ثالث... الخ.
هل يعقل أن نكون كأهل بيزنطة الذين شغلوا أنفسهم في مناقشات لاهوتية والعدو يحيط بهم حتّى أسقطهم.
لقد وضع السيد رشيد رضا شعار «نتعاون فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه»، وتبنّى الإمام حسن البنّا هذا الشعار.
فلماذا لا نأخذ به في هذا الوقت المريج؟!
إنّ الرهان هو على المصير، أي على حياة أو موت المنطقة، فهل هناك ما هو أهم؟
أُناشدكم ألا يغلب فكركم السلفي فكركم السياسي، فلن يفيدنا الماضي ولا النظر إلى الوراء، وإنّما يفيدنا الحاضر والنظر إلى الأمام.
إنّ شخصاً مثل الشيخ القرضاوي في ذكائه وألمعيته ومنزلته وما يظفر به من تقدّير وما يناط به من آمال، جدير بأن يكون أمام وحدة لا فرقة، ورائد تقدم لا تخلّف، وأن يعمل للتعاون لا للتخاصم، وأن ينظر إلى الأمام ويستهدف المستقبل، لا أن ينظر للوراء ويستسلم للماضي، وهو لهذا أهلٌ، وبه جدير، والله تعالى يوفّقه ويكفل له السداد ويحقّق به وله الآمال.

صفحه85
الباب الثاني
الرسائل المتبادلة
وفيه فصول
الفصل الأوّل: مراسلاتنا مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش
الفصل الثاني: مراسلاتنا مع الأُستاذ حسين محمد علي شكري
الفصل الثالث: مراسلاتنا مع الدكتور عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري
الفصل الرابع: مراسلاتنا مع الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين
الفصل الخامس: مراسلاتنا مع الشريف أنس الكتبي الحسني
الفصل السادس: مراسلاتنا مع الدكتور فاروق حمادة
الفصل السابع: مراسلاتنا مع الدكتور وهبة الزحيلي
الفصل الثامن: مراسلاتنا مع الشيخ حسن الصفّار

صفحه86

صفحه87
مراسلاتنا مع الشيخ صالح الدرويش   
 
الفصل الأوّل:

مراسلاتنا مع الشيخ صالح الدرويش

6

إلى الأخ البارع البصير الشيخ صالح بن عبد اللّه الدرويش ـ دامت معاليه ـ القاضي في المحكمة الكبرى بالقطيف

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد;
فقد جرت بيني و بينكم ـ في سالف الزمان ـ مساجلات ومراجعات طرحت خلالها أفكار وتساؤلات، كان مبعثها ودّ الحقيقة والدفاع عن العقيدة، وقد قيل: «إنّ الحياة عقيدة وجهاد».
وعلى كلّ تقدير فهذه الرسالة الموجزة مرفقة بكتاب «الحجّ» الذي هو جزء من محاضراتي الفقهية حول الحجّ والكتاب يقع في عدة أجزاء، وهو أقوى شاهد على أنّ المشتركات في الحجّ بين المذاهب أكثر، وما أصدق قول

صفحه88
القائل:«ما يجمعنا أكثر ممّا يفرقنا».
ونحن نعتقد أنّ الّذي فرّق بيننا هو الجهل بالآراء والنظريات الّتي يتبنّاها الطرف الآخر، ولو وقف الأخ السنّي على آراء أخيه الشيعي لأذعن أنّه هو الأخ الّذي افتقده عبر قرون.
ودمتم سالمين للإسلام وأهله
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
13 جمادى الآخرة 1425هـ

صفحه89
7

سماحة الشيخ جعفر السبحاني وفقه اللّه

الحمد للّه وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار . وبعد، فعليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته
* فقد سعدت بوصول ردكم إلي والمعنون بـ (حوار مع صالح الدرويش) وقد اطّلعت عليه وقيدت أثناء التصفّح بعض الملحوظات عليه، وارتأيت أنّها كثيرة ترجأ لحينها! ومن أهم ما استوقفني فيه و آسف له، وهو أنّ المؤلف لا يفرق بين من هم (الصحابة) الذين جاءت النصوص في مدحهم والثناء عليهم بأوضح العبارات وأبلغ الآيات، ومن هم (المنافقون) الذين جاءت النصوص بذمّهم وأنّهم في الدرك الأسفل من النار؟!
* ودونك سماحة الشيخ: كتاب اللّه تعالى، تأمل في آياته لترى الصراحة في القصد من الثناء على المهاجرين، ولم يذكر أحد من المؤرخين قاطبة ـ فيما أعلم ـ أي منافق أو علامة للنفاق قبل غزوة بدر!
* وقد رأيت سماحتكم: نحا وسلك مسلكاً آخر في أصل الحوار... ولأجل أنّ الأمر فيه بون شاسع بيني وبينكم ـ وفقكم اللّه ـ حول تحرير أصل المسألة; لذا تركت الرد أو الحوار فيما يتعلق برسالتنا (صحبة رسول اللّه) عليه وعلى آله أزكى تحية وسلام.
* أمّا فيما يتعلق بالحوار حول رسالة (تأمّلات في نهج البلاغة) لمؤلفه

صفحه90
الأُستاذ محمد الصادق ـ وفقه اللّه ـ فسماحتكم يعلم أنّـي إنّما قدّمت للمؤلف... و من ثم جعلتم كلّ الحوار معي وفي مخاطبتي!
* ومن هنا فقد أعطيت حواركم فيه لمؤلفه للنظر فيه وموافاتنا بمرئياته حياله، ولم يوافني ليومي هذا بشيء خاصة وأنّه أخبرني بالطبعة الثانية للرسالة وأنّها تحت الإعداد، هناك رسالة أُخرى في نفس الموضوع وهي قراءة راشدة في نهج البلاغة أتمنّى أن تبحثوا عنها وتنظروا فيها. واللّه الموفق.
* كما أنّه لا يخفى على شريف علمكم الكلام في نسبة الكتاب كلّه إلى أمير المؤمنين رضي اللّه عنه وأرضاه، والصنعة الأدبية ظاهرة على أبوابه ومحتوياته، فيمكن لكم المقارنة بين البلاغة العربية في عهد النبوة وما كان عليه أمير المؤمنين من فصاحة وبلاغة، وكتاب النهج وما فيه من سجع متكلف، وغرائب في بعض الألفاظ وما ساد في بلاغة القرن الرابع ـ زمن جامع الكتاب ـ وأقل ما يقال فيه أنّه: زاد فيه!
وأيضاً انقطاع السند بين جامعه وقائله وبين ذلك خرط القتاد.
ولكني إنّما قدمت للكتيب على قاعدة التسليم في حجة الخصم ـ على افتراض صحتها ـ و كما قيل: «من فمك أُدينك».
* سماحة الشيخ الكريم: أُفيدكم أنّ رسالتكم مع كتابيكم قد وصلتني من يد الشيخ هاني المسكين.
وهي هدية مقبولة أمّا الرسالة فلي عليها ملحوظات يسيرة لا يحسن أن نذكرها من باب حسن الظن بكم.
* هذا وقد التقيت بنخبة من الآيات وبعدد كبير ممّن دونهم

صفحه91
الموسومين بحجة الإسلام، ومع قناعتي التامة بعدم وجود ضابط لديكم نحتكم إليه في ثبوت النصوص من عدم ثبوتها، ولمعرفة المقبول فيُعمل به، والمردود فلا يُعمل به.
* وأنا مع ذلك حريص على الالتقاء ومقابلة العقلاء، فإن زان عقلهم علماً فقد زاد شرفهم فجمعوا بين العقل و العلم... وإنّي أرجو أن يكون سماحتكم من هذا الصنف.
سماحة الشيخ: إنّ من أهم المسائل الّتي يعاني منها كثير من المشايخ الذين التقينا بهم سلفاً هي:
عدم وجود نصوص عن الأئمّة يتفق الشيعة عليها. فهذا يضعف وذاك!! وبالتالي لا تستطيع إلزام أحد بنص إذ يقول وبكلّ سهولة ويسر «أنا أرى ضعف هذه الرواية»!!
وكما قال صاحب مقدمة صحيح الكافي: محمد باقر البهبودي... بـ أنّ الزنادقة...و....
قاموا بوضع مرويات مكذوبة على الأئمّة، وتصل في الكافي إلى أكثر من ... كذا ... وكذا.
وكتابه الآن بعيد عن متناول يدي، فأنا أكتب هذه الرسالة على عجل ـ وأستسمحكم لكثرة مشاغلي ـ ولكنّي أتذكر أنّه قال: يدسون الأكاذيب و الترهات من خلال الصحائف و الأُصول... فيختلط الحق بالباطل.
* لذا فإنّنا من محل المسؤولية وتحمل الأمانة نناشدكم اللّه عزّو جل

صفحه92
أن تجعلوا اهتمامكم بتصحيح الروايات عن الأئمّة، فهذه أكبر خدمة لهم، وهو مصداق محبتهم.
وتأمل معي يا سماحة الشيخ هذا:
كيف يتعبد عوام الشيعة بمرويات لا يعلمون ثبوتها من عدمه، على مر هذه القرون. وما حجتهم في هذا؟
إنّ باب الاجتهاد مفتوح، وعلى المجتهدين أن ينظروا فيها. وهذا عند الأُصوليين أمّا الأخباريين فالأمر لا يخفى على مثلكم.
وإليكم: مثال واحد بسبب عدم الضوابط، ما حصل من خروج الشيخ / أحمد الأحسائي ومن تبعه، ثمّ خروج المعروف بالباب وقرة العين، وما حصل في النجف في ذات التاريخ؟!!
وأخيراً / أعتذر إليكم مرّة أُخرى لعدم تمكنّني من إيفاء الأمر حقّه وذلك لكثرة المشاغل...وبرفقته كتاب فيه دراسة لمسألة النص والإمامة وهو كتاب «الإمامة والنص» (1)، ونأمل أن يتسع وقتكم للاطّلاع عليها وإفادتنا بما ترونه من ملاحظات.
أخوكم: صالح بن عبداللّه الدرويش

1 . أهدى إليّ سماحة الشيخ صالح الدرويش كتاب «الإمامة والنص» وكتب ما هذا نصّه:
«إهداء للشيخ العلاّمة جعفر السبحاني ـ وفّقه اللّه ـ آمل أن يتّسع وقتكم للاطلاع عليه ودراسته بإنصاف وأسأله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإيّاكم بما نسمع ونقرأ ويجعله حجة لنا يوم القيامة لا علينا، اللّهم آمين.
وصلّى اللّه على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين».
القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف   صالح بن عبد اللّه الدرويش

صفحه93
 
8

إلى الأخ البارع البصير الشيخ صالح بن عبداللّه الدرويش

دامت معاليه وتواترت بيض أياديه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد:
فقد وافتني رسالتكم الكريمة ـ عبر الفاكس ـ و الّتي تعرب عن وصول رسالتنا إليكم الّتي كانت مرفقة بالجزء الأوّل من كتاب الحجّ من محاضراتي الفقهية، وكانت الغاية من إرساله إليكم هو الحث على الوقوف على فقه الشيعة ليتّضح لديكم مدى المشتركات بين الفريقين، ولكن المؤسف أنّكم، لم تذكروا شيئاً من انطباعاتكم عنه، والّتي مازلنا ننتظرها بفارغ الصبر.
وأود أن أُشير إلى أُمور تتعلق بما ذكرتموه في رسالتكم الكريمة تلك:
1. ذكرتم: أنّنا في كتابنا «حوار حول الصحبة والصحابة»، لم نفرق بين الصحابة الذين جاءت النصوص في مدحهم والثناء عليهم بأوضح العبارات وأبلغ الآيات، والمنافقين الذين جاءت النصوص بذمهم وأنّهم بالدرك الأسفل من النار.

صفحه94
ولي هنا نظرة وهي: كيف يصف الشيخ الكريم المؤلَف بعدم التفريق بين الفريقين مع أنّ المؤلف قد صنف الصحابة إلى عشرة أصناف اثنان منهم المنافقون والمندسّون، والثمانية الباقون من غيرهم وقد ورد التنديد والذم في الكتاب والسنة بهم وهم:
1. مرضى القلوب (1) .
2. السماعون (2).
3. الذين خلطوا العمل الصالح بغيره (3).
4. المشرفون على الارتداد(2) .
5. الفاسق (5).
6. المسلمون غير المؤمنين (6).
7. المؤلفة قلوبهم (3).
8. المولّون أدبارهم في زحف الكفّار (8).
ولا شكّ أنّ هؤلاء الذين وضعنا البنان عليهم لم يكونوا من المنافقين، فإن وردت أبلغ الآيات في مدح الصحابة والثناء عليهم بأوضح العبارات، فقد وردت أيضاً أبلغ الآيات وأوضح العبارات بالتنديد بهذه الأصناف الثمانية منهم.

1 . الأحزاب: 12.   2 . التوبة: 45ـ 47.   3 . التوبة: 102.
2 . آل عمران:154.   5 . الحجرات:6.   6 . الحجرات:14.
3 . التوبة:60.   8 . الأنفال:15ـ16.

صفحه95
فإذا كانت الآيات بحق الصحابة على قسمين مادحة وذامّة فلا محيص من القول بوجود صالح وطالح، وعادل وفاسق بينهم، ومن يقبل قوله ومن يجب أن يترك قوله، فيكون حال الصحابة كحال التابعين، وهذا هو نفس عقيدة الشيعة الإمامية في حقّ صحابة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. إذا اعترفتم بأنّ صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يشكل لحمتهم وسداهم طائفتان هما الصحابة العدول، والمنافقون المعروفون والمندسّون فيهم الذين لم يكن الناس يعرفونهم، وحتّى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، كذلك لقوله سبحانه:(وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(1).
فإذا كان الأمر كذلك فكيف تعتبرون روايات الصحابة وأحاديثهم بل وآراءهم وسننهم حجة على الإطلاق من دون أن تتعرفوا على أحوالهم وتتأكدوا من انتمائهم إلى الطائفة الأُولى أو الثانية؟!
إنّ في علم الأُصول بحثاً ضافياً حول العلم الإجمالي وأنّه ينجز كالعلم التفصيلي، مثلاً كما أنّ العلم التفصيلي بغصبية شيء ينجز التكليف، فهكذا العلم الإجمالي بوجود الأموال المغصوبة ضمن الأموال الحلال الكثيرة ينجز التكليف أيضاً، فيجب الفحص و التنقيب حتّى يتميز الحلال عن الحرام، وعلى ضوء هذا يجب الفحص عن أحوال الصحابة، ليتميز العادل عن الطالح، والمؤمن عن المنافق، ومن يستدرّ به الغمام، عمن يحبس دعاؤه ولا يستجاب.
لم يكن عدد المنافقين في عصر النبي قليلاً حتّى يغمض عنهم، بل

1 . التوبة:101.

صفحه96
كانوا أُمّة كبيرة يتآمرون على الإسلام ليلاً ونهاراً والدليل على كثرتهم بين الصحابة هو عناية القرآن بذكر أحوالهم والتنديد بأفعالهم في كثير من السور نظير: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، العنكبوت، الأحزاب، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، المنافقون، التحريم، فلو كان عددهم قليلاً وكانوا غير مؤثرين لما اهتمّ القرآن بهم إلى هذا الحدّ.
إنّ القرآن لم يقتصر على التنديد بهم ضمن هذه السور، بل أنّه قد خصّهم بسورة كاملة، أعني (المنافقون).
كما أنّ الكاتب المصري إبراهيم علي سالم قد جمع آيات النفاق والمنافقين على نظم خاص، وادّعى أنّ عدد الآيات الواردة في حقّهم يعادل أجزاءً ثلاثة من أجزاء القرآن الثلاثين.
والعجب أنّه لم يكن لهم أي دور بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيام الخلفاء، وهذه ظاهرة تاريخية تستوجب التوقّف عندها، فلماذا غاب نجمهم وخابت حيلتهم بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
3. ذكرتم أنّه لم يذكر أحد من المؤلفين قاطبة ـ فيما أعلم ـ أيّ منافق أو علامة للنفاق قبل غزوة بدر.
إنّكم بحمد اللّه على سعة من العلم بالتاريخ وتعلمون أنّ نطفة النفاق قد انعقدت يوم نزول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة حيث قابله عبد اللّه بن أُبيّ المعروف برأس المنافقين بقوله: يا هذا اذهب إلى الذين غرّوك وخدعوك وأتوا بك فانزل عليهم ولا تغشنا في ديارنا.(1)

1 . تاريخ الخميس:1/341.

صفحه97
فأصبح هذا نواة النفاق، ثمّ اجتمع حوله جماعة من المتظاهرين بالإسلام، حتّى صاروا كتلة قوية في المدينة المنورة، على نحو يتحدث التاريخ عن كثرتهم، وإليك ما يشهد على ذلك:
إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما خرج من المدينة إلى غزوة أُحد بجيش يناهز الألف نفر، وقع التشاجر بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعبد اللّه بن أُبيّ فرجع هو بثلث الجيش إلى المدينة وتركوا النبي في طريقه إلى أُحد، وهذا يعرب عن بلوغ المنافقين ومَن تأثّر بهم في السنة الثالثة من الهجرة حدّاً يعادل ثلث الناهضين إلى الحرب، فمن العجب القول بأنّه لم يكن للنفاق وجود قبل غزوة بدر مع أنّ الفاصلة الزمنية بين الغزوتين كانت قليلة، لا يمكن خلالها أن يتشكّل حزب النفاق ويصل إلى ذلك المستوى في هذا الزمن القصير. حيث كانت غزوة بدر في رمضان السنة الثانية من الهجرة وغزوة أُحد، في شوال السنة الثالثة.
وان كنت في شكّ من ذلك فاقرأ نص السيرة النبوية لابن هشام يقول: حتّى إذا كان بالشوط الأوّل بين المدينة وأُحد، انعزل عنه عبد اللّه بن أُبي بن سلول بثلث وقال أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيّها الناس فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب.(1)
وقد كان للمنافقين وعلى رأسهم عبد اللّه بن أُبيّ دور في أمر بني قينقاع وكان بعد غزوة بدر، وقبل غزوة أُحد حيث قال للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): أربعمائة

1 . السيرة النبوية:2/64، ط. مصطفى البابي الحلبي.

صفحه98
حاسر، وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة.
وفي حقهم نزل قوله سبحانه: (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلياءُ بَعْض)(1). (2)
كلّ ذلك يعرب عن تغلغل النفاق بين الصحابة عند إجلاء بني قينقاع وكان ذلك بعد غزوة بدر بقليل.
***

حول انعدام النصوص الّتي تتفق عليها الشيعة

الموضوع الثاني الّذي ركزتم عليه في الرسالة هو عدم اتّفاق الشيعة على النصوص، حتّى نحتكم إليها، وقلتم حول ذلك: إنّ من أهمّ المسائل الّتي يعاني منها كثير من المشايخ الذين التقينا بهم سلفاً هي: عدم وجود نصوص عن الأئمّة يتفق الشيعة عليها... فهذا يضعف وذاك!! وبالتالي لا نستطيع إلزام أحد بنص إذ يقول وبكل سهولة ويسر «أنا أرى ضعف هذه الرواية».
وكما قال صاحب مقدمة صحيح الكافي: محمد باقر البهبودي...بـ«أنّ الزنادقة ... و...».
قاموا بوضع مرويات مكذوبة على الأئمّة، وتصل في الكافي إلى أكثر من ... كذا ... وكذا.(2)

1 . المائدة:51.    2 . السيرة النبوية:2/49.
2 . كما ورد في الصفحة الرابعة من رسالتكم.

صفحه99
أقول: ركّزتم ـ حفظكم اللّه ـ على أمرين، ندرسهما واحداً بعد الآخر أمّا عدم وجود كتاب صحيح لدى الشيعة فهذا هو أحد مميزات منهجهم عن السنّة، لأنّ أهل السنّة قد التزموا بكتابين صحيحين بعد كتاب اللّه تعالى وهما صحيحا البخاري ومسلم، وقد اعتقدوا بصحة أحاديثهما، ولاقوا في ذلك ما لاقوا، لأنّ في الصحيحين أحاديث تضاد القرآن الكريم والسنّة النبوية المتواترة والعقل الحصيف الّذي به عرفنا اللّه تعالى.
وإن شئتم أن تتعرفوا على مواضيع هذه الروايات فعليكم بكتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» فقد درسنا فيه أحاديث أربعين صحابياً، ذكرنا روائع أحاديثهم ثمّ أردفناها بأحاديث رويت عنهم تضاد الكتاب والسنة والعقل، ولا يسع المقام هنا لذكر شيء منها وقد طبع الكتاب ووزع في بيروت، ولولا المنع الموجود في الجمارك السعودية لأرسلنا إليكم نسخة منه عن طريق البريد لكي تقفوا على صدق ما عرضنا، ويمكنكم مطالعته عبر موقعنا في الانترنيت على الرابط:
www.imamsadeq.org/book/sub1/al-hadith-al-nabavi/index.htm
وأمّا الشيعة فليس عندهم كتاب صحيح من أوّله إلى آخره سوى كتاب اللّه العزيز الّذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، وهو الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مازاد وما نقص.
ومع ذلك فقد وضع الشيعة ضوابط لتمييز الصحيح عن الزائف، والمقبول عن المردود، وهذه كتبهم في الرجال والدراية والحديث تملأ المكتبات.

صفحه100
ولكن مهما صحّ الحديث سنداً فانّما يؤخذ به في الأحكام العملية والفروع الشرعية، وأمّا العقائد فالمرجع فيها هو الكتاب والسنة المتواترة المفيدة للقطع واليقين والعقل الحصيف.
وهنا يفترق طريق السلفية عن الشيعة، فإنّ الطائفة الأُولى يعتبرون الخبر الواحد حجة في العقائد ويستدلّون به، وأمّا الشيعة فلا يرون للخبر الواحد وإن صحّ أسناده دوراً في مجال المعارف، لأنّ المطلوب فيها هو الاعتقاد وهو رهن أُمور تنتج اليقين وتستوجبه والخبر الواحد ـ مهما صحّ ـ لا يلازم اليقين بخلاف الأحكام العملية فانّ المطلوب فيها هو العمل وهو أمر ممكن مع عدم الإذعان بمطابقتها للواقع.
لقد جرت عادة مشايخكم ـ زادهم اللّه شرفاً وعزاً وعلماً وتُقى ـ على الاحتجاج بروايات الآحاد الصحاح في أكثر الساحات، فصار ذلك سبباً لدخول أُمور منكرة في الشريعة المقدسة، نظير:
1. نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا.
2. الشؤم في المرأة.
3. بول النبي قائماً.
4. سلطان إبليس على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال صلاته.
5. طواف النبي على نسائه التسع في ليلة واحدة.
6. وضع الرب رجله في نار جهنم ليملأها مع أنّه سبحانه وعد بإملائها من الجنة والناس لا بإدخال الرِّجْل.
Website Security Test