welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائلٌ و حوارات*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائلٌ و حوارات

صفحه1
   
   رسائل وحوارات

صفحه2
4
جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ق ـ
      رسائل وحوارات / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1388 .
      ص 710.    ISBN 978 - 964 - 357 - 434 - 5
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ـ ق. ـ ـ الرسائل. 2 . الإسلام ـ ـ مقالات و حوارات. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. العنوان.
4آ 2س/ 3/55 BP    998 / 297
اسم الكتاب:   … رسائل وحوارات
المؤلف:   … العلاّمة الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1431 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    … وزيري
عدد الصفحات:    …576
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه3
يشتمل على مجموعة نفيسة من الرسائل المتبادلة مع المفكّرين والعلماء وطلاب الحق ومريديه ترد فيها على الشبهات الفقهية والعقائدية والكلامية وتحتوي على تقاريظ ومقترحات ومواضيع أُخرى

صفحه4

صفحه5
   

صفحه6

صفحه7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأطهار.
أمّا بعد:
فهذه رسائل مفتوحة وحوارات متبادلة انطلقنا في تدوينها من المثل المعروف «الحقيقة بنت البحث» أو قولهم: «العلم رحم». فقد كانت سيرة العلماء الماضين تبادل الرسائل العلمية والحوارات الفكرية بينهم لتتضح الحقيقة وراء البحث والجدل البنّاء، وقد كانت الحقيقة هي الضالة الّتي ينشدونها ويبحثون عنها هنا وهناك، حتّى إذا ما وجدوها جعلوها نصب أعينهم .
وقد كانت الأواصر العلمية بين علماء الشيعة والسنة وطيدة وراسخة عبر القرون، ولم تمنع الاختلافات الفكرية أو العقائدية من حصول الزمالة بينهم في مجالات العلم والفكر والأدب. وما ذلك إلاّ لوجود مشتركات كثيرة.
وهذا ما دفعني إلى مراسلة أصحاب الفكر والأدب والساسة، في مواضع مختلفة أو قمت بنقد مقالات نشرت لبعضهم في المجالات والدوريات العربية.
فالذي نرجوه من الله سبحانه هو أن يكون لهذه الرسائل تأثير نافع في أوساط المثقفين المسلمين وفي توحيد صفوفهم ولمّ شملهم إنّه على ذلك لقدير.

صفحه8
وسيجد القارئ الكريم إنّ هذه الرسائل يطغى عليها طابَع التقريب ورصّ الصفوف وتوحيد الكلمة حيث تشير إلى المشتركات وتحلل المختلفات ببيان هادئ ودليل واضح، منطلقين من قول شاعر الأهرام :
إنا لتجمعنا العقيدة أُمّةً *** ويضمنا دين الهدى أتباعا
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا
ولمّا كانت الرسائل مترامية الأطراف، ناظرة إلى غير واحد من الموضوعات العقدية والعلمية، آثرنا نشرها في جزء واحد حتّى يتيسّر للجميع الاستفادة منها، ورتّبناها في أبواب أربعة :
الأوّل: الرسائل المفتوحة. يتضمّن رسائلنا المفتوحة إلى البابا وكوفي عنان الأمين العالم للأُمم المتحدة والملك السعودي والشيخ القرضاوي.
الثاني: الرسائل المتبادلة. يتضمن رسائلنا المتبادلة مع علماء الفريقين.
الثالث: ردود ومقترحات. يتضمن رسائلنا إلى العلماء والمؤتمرات العلمية والجاليات الإسلامية .
الرابع: تقاريظ ورسائل العلماء. يتضمن رسائل العلماء وتقاريظهم على كتبنا.
كما جعلت إجازتي من أُستاذي وشيخي العلاّمة المتتبّع آقا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة (قدس سره)تمهيداً وفاتحة خير للكتاب.
وفي الختام ندعو الله سبحانه أن يتقبّل منّا هذا العمل بقبول حسن، وينفع به طلاب الحق ومريديه. والحمد لله أوّلاً وآخراً
جعفر السبحاني

صفحه9
تمهيد: إجازتي من الشيخ آقا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة   
تمهيد

إجازتي من الشيخ آقا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة

استجزت شيخي العلاّمة محمّد محسن المدعو بآقا بزرگ الطهراني (قدس سره)(1293 ـ 1389هـ) فأجازني (رحمه الله).
واعتزازاً به وعرفاناً لحقه عليّ جعلت كتابه الذي بعثه إليّ من النجف الأشرف عام 1368 هـ ق مدخلاً لكتابي هذا.(1)
«الحمد للّه الذي وفّقنا لأخذ معالم ديننا عن العترة الطاهرة، بطرق صحيحة متّصلة، وأسانيد قويّة مسلسلة، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد المصطفى وعلى آله الأئمّة المعصومين أهل الصدق والوفاء، صلاة متواصلة من الآن إلى يوم اللقاء.
أمّا بعد; فإنّ الشيخ الفاضل، البارع الكامل، المشار إليه بالأنامل، من بين الأقران والأماثل، مولانا «الميرزا جعفر بن العالم الجليل الورع التقي الشيخ

1 . وهو من محقّقي القرن الرابع عشر ومؤرّخيهم، وله تآليف رائعة في البيبلوغرافيا والرجال منها; الذريعة إلى تصانيف الشيعة (26 جزءاً)، وطبقات أعلام الشيعة (15 مجلداً)، وغيرهما.

صفحه10
محمّد حسين التبريزي الخياباني»(1) دامت بركاتهما.
ممّن وفقه اللّه تعالى للأخذ عن العترة الطاهرة، إطاعة لما أمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) لصاحب سرّه كميل بن زياد، فقال: «يا كميل! إنّ اللّه تعالى أدّب رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أدّبني، وأنا أُؤدّب الناس، يا كميل! ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة، يا كميل! لا تأخذ إلاّ عنّا، تكن منّا»، وطريق الأخذ عنهم بعد ارتحالهم هو الأخذ من القرى الظاهرة الذين جعلهم اللّه تعالى واسطة بيننا وبينهم، وهم القرى المباركة المذكورة في سورة الإسراء من كتابه الكريم كما نطقت بها الأحاديث المستفيضة المرويّة في تفسير البرهان وغيره، وتلك القرى الظاهرة تتّصل بعضها ببعض، إلى أن يظهر الحجّة (عليه السلام)فوفّقه اللّه تعالى للدخول في هذه السلسلة.
فاستجاز من هذا المسيء بحسن ظنّه، ولا أرى نفسي كما ظـنّه، لكن إجابة مسؤولة دعتني إلى أن استخرت اللّه تعالى، وأجزته أن يروي عنّي جميع ما صحّت لي روايته عن جميع مشايخي من الخاصّة والعامّة بجميع طرقهم وأسانيدهم، ولكثرتها وتشتّتها نقتصر بذكر طريق واحد هو من أعالي الأسانيد، وأقواها، وأقومها، و أمتنها .
وهو ما أرويه بحقّ الإجازة العامّة عن شيخي وملاذي وأوّل من ألحقني بالمشايخ ثالث المجلسيّين الشيخ العلاّمة الحاج ميرزا حسين النوري

1 . محلة من محلات تبريز يطلق عليها «خيابان» باعتبار أنها، كانت شارعاً رئيسياً بالنسبة إلى سائر المحلات.

صفحه11
المتوفّى والمدفون في الغري السري في (1320 هـ) فأنا أروي عنه وعن جميع مشايخه المذكورين في خاتمة المستدرك:
أوّلهم: الشيخ العلاّمة المرتضى الأنصاري التستري المدفون بباب القبلة من الصحن الغروي في (1281هـ)، وهو يروي عن العلاّمة الأوحد المولى أحمد النراقي المدفون في النجف في (1245هـ)، وهو يروي عن أجلّ مشايخه آية اللّه السيّد محمّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي البروجردي النجفي المسكن والمدفن، في مقبرته الخاصّة الشهيرة في (1212هـ)، وهو يروي عن الشيخ الفقيه المحدّث الشيخ يوسف صاحب الحدائق المتوفّى والمدفون بالحائر الشريف الحسيني في (1186هـ)، وهو يروي عن العلاّمة المدرّس المعمّر البالغ إلى ما ئة سنة المجاور للمشهد الرضوي حيّاً وميّتاً توفّي بها (بعد سنة 1150هـ) أعني المولى محمّد رفيع بن فرج الجيلاني، وهو يروي عن شيخه العلاّمة المجلسي مؤلّف بحار الأنوار مولانا محمّد باقر المتوفّى في (1111هـ)،وهو يروي عن والده العلاّمة المولى محمّد تقي المجلسي المتوفّى في (1070هـ)، وهو يروي عن شيخه وشيخ الإسلام الشيخ بهاء الدين محمّد العاملي الاصفهاني المدفون بالمشهد الرضوي في (1030هـ)، وهو يروي عن والده الشيخ عزّ الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي المتوفّى في البحرين في (984هـ)، وهو يروي عن الشيخ السعيد زين الدين العاملي الشهيد في (966هـ)، وهو يروي عن الشيخ الفقيه علي بن عبد العالي الميسي المجاز من سميّه: الكركي، وهو يروي عن الشيخ محمّد بن محمّد بن محمّد بن داود المؤذّن الجزيني ـ ابن عمّ الشهيد ـ ،

صفحه12
وهويروي عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشيخ الشهيد (قدس سره)، وهو يروي عن والده الشيخ شمس الدين محمّد بن مكي العاملي الجزيني الشهيد ظلماً في (786هـ)، وهو يروي عن فخر المحقّقين الشيخ أبي طالب محمد بن الحسن الحلّي المتوفّى (771هـ)، وهو يروي عن والده آية اللّه العلاّمة الحلّي الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي المتوفّى (727هـ)، وهو يروي عن خاله وأُستاذه الشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي المتوفّى (676هـ)، وهو يروي عن الشيخ تاج الدين الحسن بن علي الدربي، وهو يروي عن الشيخ رشيد الدين محمّد بن علي بن شهر آشوب السروي المتوفّى عن ما يقرب مائة سنة (588هـ)، وهو يروي عن السيّد عماد الدين أبي الصمصام ذي الفقار بن محمّد بن معبد الحسيني، وهو يروي عن السيّد الشريف المرتضى علم الهدى المتوفّى (436هـ) وعن شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفّى (460هـ) وعن الشيخ أبي العباس المتوفّى (450هـ)، وكلّهم يروون عن الشيخ السعيد أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد المتوفّى (413هـ)، وهو يروي عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمّي المتوفّى (368هـ)، وهو يروي عن الشيخ ثقة الإسلام الكليني محمّد بن يعقوب المتوفّى (328هـ) أو (329هـ)،وهو يروي كثيراً في كتابه الكافي عن الشيخ الجليل علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي المتوفّى بعد سنة (307هـ) كما يظهر من إجازته لجمع ممّن يروون عنه غير الكليني في هذا التاريخ، وأكثر روايات علي بن إبراهيم عن والده إبراهيم بن هاشم القمّي،

صفحه13
وبقية الإسناد إلى الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) مذكورة في الكتب الأربعة.
فليرو دامت بركاته عنّي بهذا الإسناد لمن شاء وأحبَّ، والرجاء من مكارمه أن يذكرني بالدعاء في خلواته وأعقاب صلواته، و أن يلازم الاحتياط في سائر الحالات فإنّه طريق النجاة.
وفي الختام نحمد اللّه تعالى على مننه، ونشكره على نعمائه، ونصلّي
ونسلّم على خاتم أنبيائه وآله المعصومين الطيّبين الطّاهرين،
حرّره فقير عفو ربِّه، المسيءُ المسمّى بمحسن،
والمدعو بآقابزرگ الطهراني غفر له
ولوالديه، وذلك في العشرين
من جمادى الآخرة
1368 هـ. ق.

صفحه14

صفحه15
الباب الأوّل
الرسائل المفتوحة
ويشتمل على الرسائل التالية:
1. رسالة إلى كوفي عنان الأمين العام لمنظمة الأُمم المتحدة.
2. رسالة إلى الباب بنديكت السادس عشر.
3. رسالة إلى الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود.
4. رسالة إلى الشيخ يوسف القرضاوي.
5. رسالة أُخرى إلى الشيخ القرضاوي.

صفحه16

صفحه17
رسالة مفتوحة إلى كوفي عنان الأمين العام لمنظمة الأُمم المتحدة   
1

رسالة مفتوحة إلى الأمين العام لمنظمة الأُمم المتحدة

السيد كوفي عنان المحترم

حول التعرض للنبيّ الأعظم

في الإعلام الغربي

نرفع إلى حضرتكم أسمى آيات التقدير و الاحترام
إنّ منصب الأمانة العامة للأُمم المتحدة (وهو أعلى منصب في المنظمات الدولية)، الّذي تتسنمون مقامه يستدعي منكم المحافظة على حقوق جميع الشعوب و التصدّي لجميع التجاوزات والانتهاكات الّتي تحدث في العالم واستنكارها.
وفي الآونة الأخيرة قامت مجموعة من الصحف الأُوربية بجرح مشاعر أكثر من مليارد وثلاثمائة مليون مسلم من خلال التعرّض لرمزهم الأوّل «النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)» والإساءة له عبر نشر رسوم مهينة، تحت ذريعة: «حرية الرأي».

صفحه18
 
حرية الرأي أم حرية الإهانة
إنّ ميثاق حقوق الإنسان الصادر عن الأُمم المتحدة والممضى من قبل رؤساء الدول الأعضاء في المنظمة والّذي تضمن الحفاظ على حرية الرأي، أصبح وسيلة يتذرع بها البعض لهتك حرمة المقدّسات الدينية لمليارات المتدينين في العالم. وقد شاهدنا أخيراً بعض الصحف الغربية تنشر رسوماً مهينة لنبي الإنسانية والإسلام النبي الأكرم(نبي الرحمة)، جارحة بذلك مشاعر المسلمين بل جميع المتدينين في العالم، والأنكى من ذلك أنّنا نجد بعض السياسيّين الغربيّين ـ والذين ما كان منتظراً منهم أن يؤيدوا هذا التحرك البغيض ـ قد تصدّوا للدفاع عن ذلك العمل الشنيع وتبريره تحت ذريعة حرية التعبير عن الرأي.
حقاً أنّ مفهوم الحرية مفهوم جذّاب ومحبب إلى النفوس إلاّ أنّه استعمل ـ وللأسف ـ على طول التاريخ ضد الحرية نفسها.
والملاحظ أنّ الّذين دوّنوا قانون حرية الرأي والّذي أمضاه رؤساء دول العالم، لم يرسموا حدود تلك الحرية ولم يبيّنوا الدائرة الّتي تنطلق فيها ولا ينبغي تجاوزها؟! ولذا أصبح ـ ولشديد الأسف ـ خيمة يحتمي فيها العنف بجميع أشكاله وأنواعه!
1. فهل يُباح وتحت مظلة حرية التعبير عن الرأي تشويه سمعة الآخرين وتمكين الجهّال للقيام ضدهم وإهدار حقوقهم المدنية والاجتماعية

صفحه19
وإهانتهم وتعذيبهم وقتلهم؟!
2. وهل يجوز استغلال حرية التعبير عن الرأي للتفريق بين الشعوب والأقوام والدول، وإثارة نار الحقد والكراهية والشحناء في أوساطهم إلى حد نشوب الحروب والقتال بينهم؟!
3. وهل تسمح حرية التعبير عن الرأي بأن يتجاوز البعض على مقدّسات الأُمم ليهينها كالتجاوز على علم الدولة أو الدستور أو القيادة؟!
4. وهل يجوز تحت شعار حرية التعبير عن الرأي الافتراء على الآخرين وشهادة الزور ضدهم لسحق حقوقهم وتشويه صورتهم أمام العالم؟!
5. حدد علماء الأخلاق الكثير من جرائم اللسان وقد أقرّ القانون المدني والدولي الكثير منها، فهل يُراد ياترى ـ و تحت شعار حرية التعبير عن الرأي ـ سحق تلك القوانين والتذرّع بالحرية المذكورة والاختفاء وراء ستارها؟!
6. من المناسب جداً إعادة النظر في ميثاق حقوق الإنسان ودراسته بدقّة ليتضح للجميع هل أنّ ما سنّ هو قانون يتكفّل حرية الرأي، أو هو قانون سنّ لإطلاق الحرية لهتك الحرمات وسحق المقدّسات وكرامة الشعوب والأقوام؟!
لا ريب انّ الشيء المغفول عنه هنا هو التفاوت بين حرية التعبير عن الرأي وبين حرية هتك كرامة الإنسان وإهانته والاستهزاء به.

صفحه20
7. انّ حرية التعبير عن الرأي حق أُعطي لكلّ فرد، ولكن شريطة أن لا يتجاوز على حقوق الآخرين، وإذا كان قانون حرية التعبير عن الرأي لا يخضع لأي قيد أو شرط، فلا ريب انّه لا تكون ثمرة ذلك القانون إلاّ الفساد والهرج والمرج والانفلات، من هنا يجب أن يكون قانون حرية التعبير عن الرأي مقيّداً بأن لا يمس حقوق الآخرين ولا يعتدي عليها. وإذا أراد شخص ما استغلال القانون للتجاوز على حقوق الآخرين، فلابدّ أن يتعامل معه باعتباره مجرماً قانونياً.
8. انّ الذين يحاولون تبرير انتهاك مقدّسات الآخرين تحت ذريعة حرية التعبير عن الرأي، يحجمون عملياً عن السماح للآخرين في المساس بمقدساتهم حتّى لو كانت على مستوى الأفكار والنظريات العلمانية، فلا يسمح للمواطن البريطاني أو غيره المساس بملكة انجلترا، أو بدستور البلاد، أو بعلم الدولة، ويرون أنّ المرتكب لهذه الأعمال أو بعضها متجاوزاً على القانون، بل نراهم يذهبون إلى أكثر من ذلك فلا يسمحون بدراسة قضية تاريخية مثل «محرقة اليهود» الهلوكوست، وان ّ من يقترب منها قد اقترب أو تجاوز الخط الأحمر، وعليه أن يمثُل أمام القضاء والقانون لتنزل بحقه أشدّ العقوبات، والدليل عليه ما شاهدناه أخيراً وتحديداً في الثالث من شباط 2006م من محاكمة المؤرخ الانجليزي السيد ديفيد ايروينج، والحكم عليه بالسجن ثلاث سنين لا لجرم ارتكبه سوى انّه أثار بعض التساؤلات المشروعة حول تلك المحرقة المزعومة.
نعم، هذا شاهد صارخ على ما قلناه من الكيل بمكيالين والتعامل

صفحه21
بازدواجية مع القانون المذكور.
9. وهل ياترى يُباح استغلال قانون حرية التعبير عن الرأي لضرب منافع الشعوب والدول وبثّ شبكات التجسس والعمالة للدول الأجنبية في أوساط الشعوب الأُخرى؟!
10. انّنا نشاهد اليوم أنّ بعض الدول تعترف رسميّاً بأقبح الفواحش الإنسانية والأخلاقية كحرية ممارسة الجنس مع المماثل، أو حرية التعرّي والخلاعة، فهل ياترى يسمح قانون حرية التعبير عن الرأي للآخرين بالتصدّي لهذه الظواهر المستهجنة ولو بالاعتراض الكلامي فقط، أو انّ الّذي يعترض عليها يُعدّ متجاوزاً على حريات الآخرين؟!!
إنّ هذه نماذج أثرناها هنا ليتضح جليّاً أنّ القضية تحمل طابعاً سياسياً، وانّ الذين أهانوا مقدسات المسلمين وحماتهم إنّما تذرّعوا بحرية التعبير عن الرأي، بل اتّخذوها العوبة لنيل الأهداف السياسية الّتي ينشدونها.
وانطلاقاً من الحكمة المعروفة (ربّ ضارة نافعة) أو:
وإذا أراد اللّه نشر فضيلة *** طويت أتاح لها لسان حسود
فإنّ أصحاب الرسوم الكاريكاتورية المهينة ـ بالرغم من فظاعتها وقبحها، ورفضها منّا، وإدانتها ـ إلاّ أنّ الّذي سعى إلى تحقيقه أصحاب تلك الرسوم، لا أنّه لم يتحقّق فحسب، بل أصبح عملهم سبباً لالتفات المسلمين إلى الخطر الّذي يحيط بهم ممّا أدّى إلى إيجاد نوع من الوحدة والانسجام والاتحاد بين الشعوب الإسلامية من شرق الأرض إلى غربها باختلاف

صفحه22
أُصولهم ولغاتهم وأوطانهم حيث وقف الجميع يداً واحدة وصفاً واحداً أمام ذلك التجاوز والانتهاك معلنين إدانتهم ورفضهم لهذا المنطق الأهوج الّذي يعتمده البعض من الغربيين، ولكي يتضح الأمر جليّاً نترجم بعض فقرات الدساتير المعتمدة في الدول الغربية.
 
حدود الحرية في الثورة الفرنسية الكبرى
إنّ مراجعة بعض فقرات القوانين الغربية توضح وبجلاء ما قلناه من أنّ حرية التعبير عن الرأي ليس قانوناً مجرداً عن كلّ قيد وشرط، فقد ورد في المادة الحادية عشرة من القانون الأساسي الفرنسي المصوّب عام 1789م، ما يلي:
«يحق لكلّ مواطن التعبير عن رأيه وطرح أفكاره بحريّة تامة شريطة أن لا يتجاوز الحدود الّتي رسمها القانون».
كما نرى في القانون الأساسي الفرنسي لعام 1889م بعض الفقرات القانونية الّتي سنّها المقنن الفرنسي من قبيل: حفظ الأسرار الطبية (سر المهنة)، الحفاظ على الحرمات الشخصية للأفراد، منع إثارة التمييز العنصري والمذهبي، منع شتم الأفراد والمساس بشخصية الآخرين، ومنع كلّ أنواع التعبير ضد السامية وضد المرأة، ممّا مثل تحديداً وتقييداً لقانون حرية التعبير عن الرأي.
فهل يصح مع كلّ هذه الفقرات القانونية التذرّع بحجّة حرية التعبير عن

صفحه23
الرأي لتبرير قضية الرسوم المسيئة لنبي الرحمة(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
صحيح انّ الغرب قد سلب القداسة عن الدين ولكنّه ألبس بعض الأُمور الأُخرى لباس القداسة، كالهلوكوست واحترام الطفولة والمساواة، وأنّ من ينقد تلك الأُمور في الغرب يُعد بمثابة من يهين المقدّسات.
ثمّ إنّ هذا الأمر ـ وضع الخطوط الحمر ـ لا يختص بالقانون الفرنسي بل ترى ذلك في دساتير الكثير من البلدان الغربية كالقانون الأساسي الدانماركي فانّه يعتبر إهانة بعض الناس بسبب معتقداتهم الدينية أمراً ممنوعاً، ولقد صرّح بتلك الحقيقة رؤساء الكنائس الدانماركية خلال لقائهم بشيخ الأزهر السيد محمد طنطاوي ووزير الأوقاف المصري السيد حمدي زقزوق ومفتي الديار المصرية السيد علي جمعة، بتاريخ 9شباط 2006م.
إنّ هذه الأعمال ترتكب، بالرغم من أنّها وطبقاً لصريح ميثاق حقوق الإنسان المدني والسياسي ـ المصوب يوم 26 ديسمبر1966م، والّذي وجب تنفيذه طبقاً للقرار 2200 المصوب بتاريخ 23 آذار 1976م، والموقَّع عليه من قبل الدول الأعضاء بما فيها الدول الأُوربية وأمريكا ـ تُعد جرائم قانونية. نعم، إنّ ما قامت به الصحف الدانماركية يُعدّ جرماً ومخالفة قانونية صارخة لبنود القوانين الدولية المذكورة حيث تنص الفقرة الثانية من المادة العشرين للميثاق المذكور على: انّ كلّ أنواع الحث على النفرة القومية أو العرقية أو المذهبية والّتي تؤدي إلى الدفع نحو التمييز والعداء والعنف تعد وفقاً للقانون المذكور أمراً محظوراً.

صفحه24

اكره لغيرك ما تكره لنفسك

حقاً انّ هذه الحكمة تكشف عن اعوجاج منطق الغربيّين الذين يريدون من الآخرين احترام عقائدهم وعدم المساس بمقدساتهم وعدم تجاوز الخطوط الحمراء عندهم، والحال انّهم لا يعيرون لمقدّسات الآخرين وحرماتهم وزناً، ففي الوقت الّذي يدعون فيه إلى الحوار والتعددية (الپلوراليسيم) ويعتبرون ذلك من مفاخر ثقافتهم الفكرية والسياسية، نجدهم يناقضون أنفسهم في حصر الحوار والسماح للحرية الفكرية بمن هو على مذهبهم الفكري، أو ممّن يسير على نهجم من الشرقيين المغتربين.
إنّ الغرب وإن ترك وراءه مرحلة الاستعمار المباشر ولكنّه لم يتجرّد عن الفكر الاستعماري لحد هذه اللحظة فهو يعيش إلى الآن فكر الهيمنة والتسلّط على الآخرين ولكن هذه المرّة باسلوب جديد حيث يسعى للهيمنة على أفكار الآخرين وإملاء ما يؤمن به عليهم.
ولا ننسى أن نشير إلى أنّ جريمة الاعتداء على حرم الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في مدينة سامراء، والّتي هي جزء من سلسلة المؤامرات للاعتداء على المقدسات وأهانتها.
إنّه حدث فجيع وعمل وحشي هزّ العالم الإسلامي بأسره ومن الإعماق، وجرح قلوب المحبين للنبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)وأحزنهم حزناً كبيراً.
لقد انكشفت حلقتان من حلقات السيناريو التآمري على الإسلام

صفحه25
والمسلمين وهتك مقدّساتهم، ولا شكّ انّ اليد الخفية الّتي تقف وراء هذه الأعمال الأجرامية هي يد الصهيونية العنصرية والغرب الاستعماري، فتارة يسعون لإثارة الحروب الصليبية بين المسيحيّين والإسلام، وأُخرى يسعون لإثارة الفتنة بين أبناء الدين الواحد الشيعة والسنّة، انّهم حقاً يتصيّدون بالماء العكر.
من هنا يجب على قادة الدول الإسلامية وقادة وعلماء الأديان مواجهة هذا الخطر والقضاء على الخطط الشيطانية، وإخمادها في مهدها، وصيانة حريم الأديان من مخالب ثلة من المجرمين الذين لا يعرفون للإنسانية معنى من خلال رسم خطط وبرامج دقيقة وحوارات بنّاءة.
ولا شكّ انّ منظمة العالم الإسلامي لها الدور الفاعل والمهم في هذا المجال، إذ باستطاعتها أن تلعب دوراً عظيماً، وكذلك الأمين العام للأُمم المتحدة المحترم هو الآخر يمكن أن يمارس دوراً أساسياً في هذا المجال والإسراع في تقديم هؤلاء الجناة إلى المحاكم الدولية للقضاء على هذه الفتنة الّتي يراد إثارتها، وبهذا يكون الأمين العام قد أدّى الأمانة الّتي أُلقيت على عاتقه أمام المنظمة والدول الأعضاء.
وأخيراً نطالب جنابكم بالسعي الجادّ في كشف الجناة وتقديمهم إلى المحاكم الدولية من أجل تعزيز الصلح والسلام العالميين وصيانة حقوق كافة الشعوب والأقوام.
جعفر السبحاني
23 شباط 2006 م

صفحه26
خطاب مفتوح إلى جناب البابا بنديكت السادس عشر   
2

خطاب مفتوح

إلى جناب البابا بنديكت السادس عشر(1)

1 . ألقى البابا بنديكت السادس عشر، يوم الثلاثاء المصادف 12سيبتمبر من عام2006م في جامعة ريجسنبورغ الألمانية كلمة تحت عنوان «الإيمان والعقل والجامعة: ذكريات وتأملات» استمع إليه فيه 000،260ألف شخص.
مقتطفات من الخطاب كما وردت في موقع «شفاف».
بدأ البابا حديثه عن ذكرياته الدارسية في جامعة «بون» عام 1959م فقال:... وكانت تجري حوارات مفعمة بالحيوية بين المؤرخين والفلاسفة وعلماء اللغة وهذا أمرٌ طبيعي بين كليتي اللاهوت اللتين تضمّهما هذه الجامعة... ثمّ قال: وإنّنا كنّا جميعاً نعمل في جميع الميادين على أُسس عقلائية واحدة تتسم بأوجه مختلفة، وأنّنا كنّا نتقاسم المسؤولية عن الاستخدام السليم للعقل، إنّ هذه الحقيقة أصبحت تجربة معاشة... وانّه حتّى بازاء الشك الجذري (في وجود اللّه) فقد ظل ضرورياً ومعقولاً أن نطرح موضوع اللّه عبر استخدام العقل، وان نفعل ذلك في إطار الإيمان المسيحي. بعد هذه المقدمة عرّج للحديث عمّـا قرأه في الكتاب الّذي نشره البروفسور تيودور خوري، لقسم من جدال دار بين الامبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني وفارسي مثقف حول موضوع المسيحية والإسلام وحقيقة كلّ من هذين الإيمانين.
فأشار إلى النقاش ـ السجال ـ السابع. حيث يتطرّق الامبراطور إلى مقولة «الجهاد». فقال: ولابدّ انّ الامبراطور كان مطلعاً على السورة رقم 2 الآية 256 الّتي جاء فيها(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وهذه السورة وردت في الفترة الأُولى «يقصد المكية» حينما لم يكن محمد يملك أيّة سلطة بل كان عرضة للتهديد، ثمّ يضيف البابا: ولكن الامبراطور كان بالطبع مطلعاً على التعليمات الّتي طوّرت لاحقاً وتم تدوينها في القرآن الّتي تتعلق بالجهاد، ثمّ ينقل نص السؤال الّذي وجهه الامبراطور للمثقف الفارسي: «قل لي ما هو الجديد الّذي أتى به محمد، إنّك لن تجد سوى أشياء شريرة ولا إنسانية، مثل الأمر بنشر الإيمان الّذي بشر به بحد السيف؟ بعد ذلك وبفاصلة قصيرة تطرّق إلى مسألة إسرائيل قائلاً: وفي العهد القديم، وصل المسار الّذي بدأ في العلّيقة المحترقة إلى مرحلة نضج جديد في فصل «الهجرة حينما تمّ الإعلان عن أنّ إله إسرائيل ـ إسرائيل الّتي باتت محرومة من أرضها ومن عبادتها ـ هو إله السماوات والأرض ووصف في صيغة بسيطة تحاكي كلمات العلّيقة المحترقة «أنا هو».
وبعد أن يستعرض الأبعاد التاريخية والتحولات الفكرية في الفكر المسيحي يقول: وإذا ما كشفنا من جديد الآفاق الشاسعة للعقل نصبح قادرين على القيام بحوار الحضارات وحوار الأديان الّذي أصبح ضرورة من ضرورات العصر.] اقتطفنا هذه المقاطع من النص الكامل لمحاضرة البابا المنشورة في موقع «شفاف» على الانترنت[.
لقطات إجمالية من حياة البابا بنديكت السادس عشر
من الجدير بالاهتمام انّه وقبل الدخول في مناقشة الأفكار الّتي طرحها البابا في محاضرته أن نلقي الضوء على بعض اللقطات من حياته:
1. الرجل مواطن ألماني وقبل أن يدخل السلك الروحاني كان عضواً في منظمة الشباب النازي، بعدها التحق بكلية اللاهوت فرع الكلام المسيحي ونال شهادته الجامعية في هذا الفرع.
2. الملاحظة من نمط حياته أنّ الرجل سيّء الظن بالإسلام والمسلمين، وحينما انتخب لهذا المنصب صدرت دعوات تحذيرية بسبب عدم انسجامه مع مسلمي العالم ممّا قد يؤدي إلى ظهور بعض المشكلات في هذا المجال، إلاّ أنّ أمريكا وإسرائيل سرعان ما بادرتا إلى مباركة هذا الانتخاب وتأييده.
3. بعد أن انتخب إلى هذا المقام وفي أوّل خطاب له ـ و على خلاف البابا السابق له ـ لم يتحدّث عن الصلح والسلام والمحبة والمحرومين والجياع. بل أكد في خطابه على منهجه في الوقوف أمام البدع والتصدي لها، من هنا شرع بإدخال بعض المقررات الصارمة في الكنيسة وأصدر بصورة رسمية قانوناً يمنع على المطلقين الدخول إلى الكنيسة، كما أنّه لم يبد ارتياحه لمسألة الموسيقى الّتي كانت تتخذ كاسلوب لجلب الشباب إلى الكنيسة.
4. في إحدى سفراته الّتي قام بها إلى بولندا حضر إلى معسكر «آشوتيس» وهناك حاول كسب عطف الصهاينة، فقال: «إلهي!! كيف سمحت لك عدالتك أن ترى تلك الجرائم؟!».
5. من المعروف أنّ الرجل مختص بالكلام المسيحي ولا يملك شهادة دراسية في الأديان الأُخرى، نعم قد تكون لديه مطالعات جانبية في هذا المجال.]أخذنا هذه المعلومات حول حياة الرجل من موقع «شفاف» و «اسلام اَن لاين»[.

صفحه27

صفحه28
بعد السلام
أودّ أن أسترعي انتباهكم إلى الأُمور التالية:
1. انّ الحوار الهادف والبنّاء يقوم على أُسس الاحترام المتبادل، فكان بإمكان سموكم أن تطرحوا نظرياتكم بأُسلوب جذاب وعبارات بعيدة عن التعصب وإهانة الآخرين، وعندها لا يحق لأحد الاعتراض عليكم طبقاً لقانون حرية الكلمة، نعم بإمكان كلّ إنسان أن يرد عليكم بنفس الأُسلوب من باب النقاش الموضوعي، إلاّ أنّه ولشديد الأسف نرى أنّ خطابكم كان خطاباً مهيناً بكلّ أبعاد الكلمة.
2. انّ مسألة «عقلانية الدين» مسألة تخصصية صرفة، من هنا ينبغي أن تطرح في فضاء علمي ينسجم مع عمق الفكرة، فليس من الصحيح والمناسب أن تطرح هذه القضية في فضاء مفتوح يحضره حوالي 000،260ألف إنسان، الكثير منهم حضر بسبب علاقته وحبه لشخصكم ولا يفهم من الأُمور الفلسفية والكلامية شيئاً، من هنا نرى أنّ طرح مثل هذه المسائل في مثل هكذا فضاء بعيد كلّ البعد عن الذوق البلاغي وأدب الخطاب.
3. انّ تخصّصكم في الكلام المسيحي يفسح لك المجال للحديث عن المسيحية، فمن حقّكم الحديث عنها ووصفها بالعقلانية وانّ الدين المسيحي عجين بالعقلانية والتعقّل!!

صفحه29
ولكن دعنا نسألكم أي شهادة أو تحصيل علمي تملكونه حول الدين الإسلامي بحيث يسمح لكم من خلاله الحديث عن الإسلام والديانة الإسلامية؟ والّذي يظهر من خطابكم انّكم لا تملكون شيئاً في هذا المجال، فلا تعرفون عن الإسلام الحقيقي وكتب ومؤلفات العلماء المسلمين الحقيقيّين شيئاً. من هنا نراكم استندتم في إثبات مدعياتكم إلى كلام امبراطور مسيحي باسم «عمانوئيل الثاني» الأمر الّذي يبعث على العجب والحيرة من كلامكم.
لأنّ الواقع التاريخي يثبت أنّ السلاطين وأصحاب الحكومات يستندون في إثبات حقّانيتهم وتوجيه حكوماتهم وشرعية عملهم إلى كلام العلماء والروحانيين وأصحاب الاختصاص في الشأن الديني، أمّا أن ينعكس الأمر فهذا أمرٌ عجيب حقاً، هذا ما وقعتم فيه!! حيث نرى مقاماً دينياً وعلمياً يستند لإثبات نظريته إلى كلام إنسان حكم في القرون الوسطى، متهماً أُمّة كبيرة بالجهل وعدم العقلانية!! وبعبارة أُخرى: انّكم قد خالفتم نص الإنجيل الّذي يقول: «دع ما لقيصر لقيصر وما لعيسى لعيسى»، فما كان يجدر بكم الاستناد إلى كلام حاكم يعيش في القرون الوسطى وقد تحدث عن أمر هو بالكامل خارج عن مجال تخصصه.
4. من الملاحظ في كلّ حوار أو نقاش يدور هناك أخذ ورد من الطرفين، وهنا من المناسب أن يُسأل الامبراطور عمّا أجابه المثقف الإيراني الّذي هو طرف في الحوار، فكيف جاز لك يا سماحة البابا أن تنقل السؤال

صفحه30
فقط وتغض الطرف عن الجواب؟ هل عملكم هذا ينسجم مع روح الحوار والمناظرة العلمية الصحيحة؟!
دع عنك ذلك، من الملاحظ في كلامكم أنّكم لم تذكروا اسم المثقف الإيراني واكتفيتم بوصفه العام، والحال أنّ البحث الموضوعي يقتضي أن يذكر اسم هذا المثقف لنرى مدى صلاحيته للحوار العلمي، وهل يمتلك من المؤهلات والجدارة العلمية ما يسمح له في الخوض في مثل هكذا حوارات معمّقة وتخصّصية؟!
لا شكّ أنّ عملكم هذا لا يؤدي إلاّ إلى الإبهام في الحوار وتشويش الفكر وإضعافه.
5. استنبطتم من كلام الامبراطور حتمية اطّلاعه على قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)وأضفت أنّ هذه الآية وردت في الفترة الأُولى «العهد الملكي» حينما لم يكن محمد يملك ـ حسب تعبيركم ـ أية سلطة بل وكان عرضة للتهديد.
وهنا أرى من الضروري أن أُذكركم بأنّ استنباطكم المذكور ونسبة العلم بواقع الآية إلى الامبراطور بعيدعن الواقع، بل انّه خلاف الواقع، وذلك لأنّ الآية المذكورة(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)هي إحدى آيات سورة البقرة وانّها من السور المدنية، أي أنّها نزلت على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حينما كان (صلى الله عليه وآله وسلم)صاحب دولة وقوة استطاع أن يخضع محيط المدينة وشطراً من الجزيرة العربية لسلطة وحاكمية الدولة الإسلامية وتحت راية التوحيد، وقد ذكر

صفحه31
المفسرون سبب نزول هذه الآية، قال في «مجمع البيان»: نزلت في رجل من الأنصار يدعى أبا الحصين، وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلمّا أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصّـرا ومضيا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل اللّه تعالى: (لاَ إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ).(1)
ومن الواضح والمسلّم به أنّ الدين أمرٌ قلبي لا ينسجم بحال من الأحوال مع الإكراه ، فمن الممكن أن يجبر الإنسان على القيام بعمل ما، ولكن لا يمكن أبداً تغيير ما في القلب وتبديله عن طريق الجبر والإكراه، فهل يمكن إجبار الإنسان أن يعتقد في رائعة النهار انّ الوقت الآن ليل؟ والآية المباركة (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين) ناظرة إلى هذا المعنى.
6. انّ حجة ومستند من ألصقوا بالإسلام تهمة العنف والخشونة تنطلق من القانون المقدّس «قانون الجهاد» فهل فكرت لماذا يستعمل مصطلح «الجهاد» هذا المصطلح الجذاب ولم يستفد من مصطلح «القتال»؟!
فالجهاد بمعنى السعي والمثابرة وبذل الوسع، وهذا يعني على الجميع النهوض والسعي الجاد لتخليص البشرية من مخالب الوثنية وعبادة الأبقار، والحجارة، والكواكب، فالإنسان الّذي هو سيّد المخلوقات لا يمكن أن ينحني أمام البقر أو الحجارة ويخضع لها بالولاء والعبودية!! هذا في الفكر

1 . مجمع البيان:2/162.

صفحه32
الإسلامي، ولكننا نرى في الفكر المسيحي أنّ الكنيسة قد اخترعت مصطلح «الحرب المقدسة» في القرون الوسطى وفي حروبها ضد المسلمين وبقيت هذه الفكرة تعيش في الأوساط الفكرية للكنيسة الكاثوليكية، واستطاعت من خلالها تعبئة الشباب المسيحي وتوجيههم نحو الشرق في حربها الّتي سمّيت بالحروب الصليبية.
فهل يمكنكم يا سماحة البابا إنكار هذا الواقع التاريخي وإسدال الستار على تلك الحروب الّتي انطلقت تحت راية القداسة واصطبغت بالصبغة الدينية؟!
ولا حاجة لنا للحديث عن التاريخ الماضي فقد يناقش تحت أية ذريعة، ولكن الحرب الّتي وقعت قبل ثلاثة أشهر والّتي قام بها الصهاينة تدعمهم الماكنة الحربيّة والسياسية والإعلامية الأمريكية والغربية، ضد شعب أعزل ودولة فقيرة، فراح ضحيتها الكثير من الشباب والأطفال والنساء والرجال وأُريقت دماؤهم ظلماً، في الوقت الّذي لم نرَ من جنابكم أية مبادرة لإدانة هذه الحرب أو السعي لإيقافها، وإذا ما صدرت بعض الكلمات فهي كلمات خجولة لا تعالج موقفاً ولا تحل مشكلة!!
7. انّ الجهاد الإسلامي شأنه شأن الجهاد لدى سائر الأنبياء والمرسلين لم يكن الهدف منه إراقة الدماء وسلب الأموال وانتهاك الأعراض، بل كان في حقيقته أُسلوباً علاجياً للوقوف أمام المتغطرسين والمهيمنين على مقدّرات الناس من الحكام الظلمة الذين يسعون ومن أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية للحيلولة بين عامة الناس وبين المعرفة الدينية ويتصدون للمبلغين

صفحه33
المؤمنين ولا يسمحون لهم بنشر الدين الإلهي، فيوقعون في هؤلاء المبلغين القتل والتنكيل والتعذيب، الأمر الّذي يجعل جهاد هؤلاء الظلمة أمراً ضرورياً لرفع تلك الموانع والعقبات الّتي تعترض طريق الناس، وتحول بينهم وبين الدين وعرض رسالة الدين بصورة واقعية، بعد ذلك يأتي النداء الإلهي:(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر).
فكان من الحري بكم أن تلتفتوا في خطابكم المذكور إلى هذا المعنى الدقيق للجهاد، والّذي يعني رفع الموانع وإزالة العقبات عن طريق الناس والدفاع عن حريم الحرية الشخصية والاجتماعية، لا انّه أُسلوب قهري لفرض العقيدة وتحميل الدين على الناس، ثمّ إنّكم بكلامكم المذكور ونفيكم للجهاد قد أشرتم بأصابع الاتّهام لجميع الكتب السماوية والإلهية.
إنّ عدد سور القرآن الكريم 114 سورة تجد 113سورة منها تبدأ بكلمة «بسم اللّه الرحمن الرحيم»، وهذا يعني أنّ كلّ فرد يقرأ القرآن الكريم يبدأ بمعرفة الرب بصفتي «الرحمن الرحيم» وأن يجعل من حياته مظهراً لتجلّي الصفات الإلهية، فكيف ياترى يصحّ اتّهام الرسول الّذي جاء بمثل هذه التعاليم السامية بالإرهاب والعنف والخشونة؟!
8. لابدّ من التفريق بين الفيلسوف والنبي، فالفيلسوف يبلور نظريته ثمّ يضعها تحت متناول الناس من خلال الكتب أو أي طريق آخر، ولا يهمه نشرها والسعي في إشاعتها، في الوقت الّذي نرى الأنبياء حملة للرسالة الإلهية وأنّهم مأمورون بإيصال هذا النداء إلى مسامع البشرية جمعاء، فهل يصحّ لهؤلاء الرسل الجلوس في زوايا بيوتهم وعدم الاهتمام بنشر الرسالة حتّى إذا لم تصل إلى مسامع البشرية؟!

صفحه34
9. انّ الأديان الثلاثة: المسيحية واليهودية والإسلام هي ديانات إبراهيمية، تتّخذ من إبراهيم (عليه السلام) أُسوة وقدوة لها، وهنا نتساءل: هل كان إبراهيم(عليه السلام)يكتفي بالكلمة فقط لطرح رسالته والأفكار الّتي جاء فيها؟! أم أنّه كان يستعمل القوة إذا اقتضى الأمر، وهذا ما يتجلّى في موقفه من الأصنام حينما دخل بيوت الأصنام وحطمها بمعوله ليثبت للجميع خواءها وذلتها، ولينقذ الناس من الذل والهوان الّذي كانوا عليه من خلال عبادتهم لها.
10. وهنا نتساءل أيضاً، هل الجهاد من التشريعات الّتي تختص بها الرسالة الإسلامية فقط، أم أنّه مشرع في كلّ من الديانتين اليهودية والمسيحية؟
لا أظن أنّ جنابكم يجهل ما جاء في التوراة والإنجيل.
فقد ورد في إنجيل «متى»:
«لا نظن أنّي لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً، فإنّي جئت لأُفرِّق الإنسان ضدَّ أبيه والابنة ضدَّ أُمّها والكنّة ضد حماتها».(1)
كما جاء في الحديث في العهد القديم عن جهاد الأنبياء نكتفي بنموذج واحد وهو المقطع الّذي يتحدث عن جهاد داود(عليه السلام)مع عمالقة عصره:
«وقال داود في قلبه إنّي سأهلك يوماً بيد شاول فلا شيء خيرٌ لي من أن أفلت إلى أرض الفلسطينيين فييأسُ شاول مني فلا يفتش عليَّ بعد في جميع

1 . انجيل متى: الباب10، الآية 34، طبع لندن عام 1838.

صفحه35
تخوم إسرائيل فأنجو من يدهِ، فقام داود وعبر هو والستُّ مئة الرجل الذين معه إلى أخيش بن معوك ملك جتِّ (1) ـ إلى أن قال ـ : وكان عدد الأيّام
الّتي سكن فيها داود في بلاد الفلسطينيين سنة وأربعة أشهر، وصعد
داود ورجاله وغزوا الجشوريين والجرزيين والعمالقة لأنّ هؤلاء من قديم سكان الأرض من عند شور إلى أرض مصر، وضرب داود الأرض ولم يستبق رجلاً ولا امرأة وأخذ غنماً وبقراً وحميراً وجمالاً وثياباً ورجع وجاء إلى أخيش».(2)
إنّ الحديث عن الجهاد والسعي في الإسلام كثير جداً ولا يمكن إعطاء البحث حقّه خلال هذه الرسالة المختصرة، ولكن نلفت نظر سموكم إلى هذه النكتة:
لو أغمضنا النظر عن تاريخ البشرية الطويلة ونركز الحديث على القرن العشرين من عام 1901ـ 2000، لنرى أي الشعوب شهرت سيفها وحركت جحافلها وجيّشت جيوشها وبصورة مستمرة لتحتل تلك الأرض وتهاجم هذا الشعب أو ذاك، ولتنهب خيرات هذه البلاد أو تلك; هل هم المسلمون؟! أم الامبراطوريات المسيحية هي الّتي أشعلت فتيل الحربين العالميتين الأُولى والثانية والّتي راح ضحيتها الملايين من البشرية. فالحرب العالمية الأُولى راح ضحيتها 10 ملايين بين قتيل وجريح ومفقود، والحرب العالمية الثانية قارب العدد فيها المائة مليون!

1 . انجيل متى:474، صموئيل الأوّل 26 و 27 الاصحاح السابع والعشرون الآيات :1ـ3.
2 . إنجيل متى: 475، صموئيل الأوّل 26 و 27 الاصحاح السابع والعشرون الآيات:8ـ10.

صفحه36
فإذا كان هناك جماعة تستحق النصيحة منك فينبغي أن تبدأ بهؤلاء القوم.
كما أنّنا نعيش هذه الأيام في أوليات القرن الواحد والعشرين، وتشاهدون ويشاهد الجميع الجيوش المسلحة بأحدث الأسلحة الفتاكة في كلّ من أفغانستان والعراق ولبنان والسودان و... الأمر الّذي يظهر وبوضوح للجميع أنّ أغلب هذه الحروب يكون رجالاتها ومثيروها هم من المسيحيين.

العقلانية في محاضرتكم

لقد اعتبرتم المسيحية منسجمة مع العقلانية وأنّها مطابقة لمنطق العقل مائة بالمائة، وفي المقابل اعتبرتم الإسلام بعيداً عن العقلانية والتعقّل، ونحن هنا نقف أمام مدّعاكم هذا من زاويتين ونتحدّث معكم في ناحيتين:

1. عقيدة التثليث والعقلانية المسيحية

إنّ كلمات الآباء الروحانيين قد ركّزت ولسنوات طويلة في كتبهم الكلامية على أنّ مسألة التثليث من المسائل الأساسية في الفكر المسيحي، وأنّها من المسائل التعبّدية الّتي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي، لأنّ التصوّرات البشرية لا تستطيع أن تصل إلى فهمه، كما لا تخضع للمقاييس المادية، لأنّها حقيقة فوق المقاييس المادية، فهي منطقة محرمة على العقل، ومع تركيزهم على التثليث في جميع أطوار حياتهم وعصورهم يعتبرون أنفسهم موحّدين ومن أتباع الديانة الإبراهيمية الّتي ما جاءت إلاّ لتحطيم

صفحه37
الشرك ودعوة الناس إلى التوحيد; ويعتقدون بالأقانيم الثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس.
من هنا نلفت نظر سموكم إلى أنّ القول بالتثليث لا ينسجم قطعاً مع التوحيد، لأنّ كون الآلهة ثلاثاً لا يخلو عن إحدى حالتين:
إمّا أن يكون لكلّ واحد من هذه الثلاثة وجود مستقل، وهذا يتنافى مع التوحيد; وإمّا أن تكون هذه الآلهة الثلاثة ذات شخصية واحدة لا متعدّدة، وفي هذه الصورة يستلزم القول بالتثليث، التركيب في الذات الآلهية.
وحينما يواجه الآباء الروحانيون والقساوسة بهذا الإشكال يفرون من الإجابة عنه بإخراج القضية عن حيطة العقل وإدخالها في عالم التعبد والوحي!! ويطلبون الإيمان بها أوّلاً ثمّ التفكير فيها وتعقّلها ثانياً.
والعجيب هنا أنّنا لم نجد من استطاع بعد الإيمان بالفكرة تعبداً أن يحدث توازناً عقلياً بينها وبين منطق العقل ولم يوفق أحد منهم لرفع هذا التضاد.
وهنا نسأل: هل مع وجود هذا التضاد والتناقض يمكن لأحد أن يدّعي الانسجام التام بين الفكر المسيحي ومنطق العقل؟!

2. عيد الميلاد

من الأُمور الّتي يعتقد بها في الفكر المسيحي ميلاد الرب «المسيح» ففي الخامس والعشرين من كانون الأوّل «جنوري» تلد السيدة مريم الرب!!

صفحه38
فهل يوجد توجيه عقلاني لفكرة ولادة الرب؟ فهل الرب الواحد أو الثلاثة مصدر وجود العالم ومبدعه، وكيف بعد خلق العالم وإبداعه من قبل الرب يولد الرب؟!

3. نظرية الفداء

هل يمكن توجيه مسألة فداء المسيح(عليه السلام) من الناحية العقلية؟ اطرح هنا مسألة الفداء الّتي يؤمن بها المسيحيون واطلب من جنابكم توجيهها لي من خلال المنطق. انّ الفكر الكنسي يعتقد أنّ جميع الناس يولدون مذنبين وغير مطهرين، لا لأنّهم اكتسبوا الذنب ووقعوا في الخطيئة بأنفسهم، بل أنّهم يحملون الخطيئة إرثاً من أبيهم آدم!! وبغض النظر عن صحّة هذه النظرية أساساً، ومع التسليم بها، فإنّ الطريق الصحيح للتطهّر من الذنب والخطايا ـ والّذي ينسجم مع العقل ـ هو أن يقوم الإنسان ومن خلال العبادة والتوبة والإنابة إلى اللّه بتطهير نفسه وإزالة الأدران والآثام الّتي لحقت به، ولكن نجد في الفكر الكنسي أنّهم يعالجون القضية من خلال طريق آخر، حيث يقولون: إنّ المسيح(عليه السلام)قد اعتلى قبل 2000 عام خشبة الصلب واختار القتل صلباً ليفدي أُمّته، أي يكون جزاء إيثاره هذا أن يقوم الرب تعالى بالعفو عن ذنوب بني آدم وتطهيرهم. وهنا نتساءل هل من الممكن أن يصلب شخص ليعفى عن الآخرين؟! انّ الإنسان الضعيف من الممكن أن يقوم بتقوية بدنه من خلال ممارسة الرياضة بنفسه، فهل يصحّ ـ ياترى ـ أن يمارس الرياضة شخص ليقتدر غيره ويقوى بدنه؟! وهل يصحّ أن يتناول الطعام اللذيذ والمقوي شخص ويلتذ ويشبع غيره؟!!

صفحه39
 
4. العشاء الرباني
جاء في الفكر الكنسي: إنّ العشاء الرباني الّذي يتكون من خمر وخبز يستحيل إلى جسد ودم السيد المسيح ـ نعم هناك خلاف طويل بين الكنائس ولكنّنا نصوّر الكنيسة الغربية ـ فمن أكل من الخبز وشرب من الخمر فقد أدخل المسيح في جسده بلحمه ودمه، وتلك مسألة لم تجد لها زاوية في عقول الشباب الغربي فثار عليها.(1)
وفي المؤتمر الكنسي الّذي عقد في روما 1215م. أقرّ ما شاع: من أنّ الخبز والخمر في العشاء الرباني يتحوّل إلى جسد ودم السيد المسيح وجعله مبدأ دينياً.(2)
وهنا نسأل جنابكم: أيّ واحد من أجزاء هذه النظرية ينسجم مع العقل والمنطق؟!
من هنا نرى اليوم المفكّر المسيحي والآباء الروحانيين ولبعد تلك الأفكار عن المنطق والعقل، يلوذون للخلاص من الإشكالات المتوجّهة إلى النظرية، بستار التعبّد حيث يخرجون القضية عن حيطة العقل ويضعونها تحت خيمة الإيمان لا العقل ويقولون: إنّ مجال ومحيط الإيمان غير محيط العقل.

1 . أضواء على المسيحية لمتولي يوسف شلبي:129.
2 . نفس المصدر:115.

صفحه40
وقد سلك الآباء الروحانيون لحل هذه التناقضات والإشكالات العلمية المتوجّهة للعهدين، طريق التفريق بين طريقي العلم والإيمان، فللعلم طريقه وللإيمان طريقه، فلا ضير على ما جاء في العهدين من مخالفات للعقل والعلم، لأنّ طريقهما غير طريق العلم. لأنّ منطق الدين غير منطق العلم!!!
5. لقد رفعت الكنيسة في القرون الوسطى راية مواجهة العلم والتصدّي للمخترعين والمكتشفين من خلال محاكم التفتيش العقائدي، حيث أُحرق الكثير من المخترعين والمكتشفين لمخالفة ما توصلوا إليه من خلال البحث العلمي مع ما ورد في العهدين، ولقد أشارت إلى تلك الأحداث المروعة المصادر الّتي كتبت بأقلام مسيحية.(1)
ولا شكّ أنّكم تعلمون بما لا مجال للشك فيه بهذا التناقض الواضح بين منطق الكنيسة ومنطق العلم، ولو أردنا أن نبيّن لكم حقيقة الأمر ونطيل البحث معكم هنا لكنا مصداقاً للمثل العربي:«كناقل التمر إلى هجر» لعلمكم بكلّ خفايا وأبعاد القضية وكلّ ما حدث في تلك البرهة الزمنية من انتهاكات علمية ومواجهة مع منطق الفكر والبحث والتنقيب.
6. كيف يكون «البابا» الّذي هو إنسان كسائر الناس منزّه عن الذنوب والخطايا؟! ونحن إذا ما قلنا بعصمة الأنبياء فإنّما ننطلق في ادّعائنا هذا من كونهم مرتبطين بالوحي وقد تربوا في أحضانه، ولا ندّعي العصمة لكلّ إنسان حتّى إذا كان بمستوى مرجع التقليد أو الحكيم الإلهي.
فهل نظرية التثليث الثانية الّتي ظهرت في الفكر المسيحي والتّي يكون

1 . انظر: قصة الحضارة لويل ديورانت، بحث محاكم التفتيش.

صفحه41
أحد أركانها: جنابكم «البابا»، وركنها الآخر «بولس» الذي استطاع بأفكاره الّتي أثارها تحويل المسيحية البسيطة والشعبية إلى مسيحية لها طقوس خاصة ذات أُبَّهة ملوكية مجلّلة وديانة شركية، والركن الثالث الكنيسة.
فكيف ينسجم ذلك مع العقلانية والتعقّل؟!
7. هل الرهبنة ومنع القساوسة من الزواج وتشكيل الأُسرة يُعد ظاهرة عقلانية؟! فمن المسلّم به أنّ القس إنسان كسائر الناس يحمل ميولاً ورغبات طبيعية وغريزية. وأنّ من الضروري تلبية تلك الرغبات وإشباع تلك الغرائز من خلال الطرق المشروعة، فإنّ الوقوف أمام هذا الأمر الفطري لا ينتج إلاّ الفساد في أوساط القساوسة. وهذه حقيقة ظاهرة للجميع ولا يمكن إخفاؤها.
8. دعنا هنا نسأل جنابكم الكريم هل من منطق العقل أن تتحدّثون باسم المسيحيين جميعاً وأنتم لا تمثلون إلاّ «المسيحية الكاثوليكية» وتتجاهلون المذاهب المسيحية الأُخرى كالبروتستانية والارتودكس، الّذين لم يؤيدوا خطابكم؟!
9. ثم هل من منطق العقل والعقلانية أن توجه سهامك إلى الدين الإسلامي فقط ونبيّه الأكرم وتتجاهل الديانات والمذاهب الأُخرى كاليهودية والديانات الشرقية والغربية والديانات الوثنية المنتشرة في العالم؟!
وإذا كانت الذريعة الّتي تتسترون بها هي الحديث عن الإرهاب والعنف، فهل ياترى أن تلك الأديان خالية من تلك الصفة؟!
إنّ الجدير بمن يتسنّم منصب الأب الروحي أن يتصدّى للعنف

صفحه42
والإرهاب أينما كان ومن أي دين صدر، ويدعو الناس إلى الصلح والسلام والوئام وأن يظهر البعد الرحماني والرحيمي في الدين الإلهي بصورة شفافة، فهل من العقلانية تغافلكم عن كلّ ما تنطوي عليه الأديان الأُخرى من عنف وإرهاب فكري وجسدي، وتصب جام غضبك على الإسلام والمسلمين؟!
10. وهل من العقلانية الحديث عن الحوار وفي الوقت نفسه تتحدّثون مع أتباع الديانات الأُخرى بطريقة استعلائية وبلحن الآمر الناهي ومن جانب واحد، والحال انّ الدعوة إلى الحوار والجدال والنقاش العلمي هي الدعوة الّتي رسمها القرآن الكريم وحددت معالمها الآية المباركة
الشريفة:(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ).(1)
نرجو منكم أن تقارنوا بين لحن هذه الآية وأُسلوب خطابها مع خطابكم، حينها تدرك جيداً أنّ الداعي إلى الحوار والسبّاق إليه هو نبي الإسلام الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لا جنابكم يا حضرة البابا. ولو تأملت في الآية المباركة الّتي جاء بها الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، لوجدتها تتوفر على الخصائص التالية:
أوّلاً: تبدأ الكلام بأُسلوب يحفظ للطرف الآخر احترامه وبأُسلوب الاحترام المتبادل مع أهل الكتاب، داعية الجميع للتمسك بنقطة الاشتراك

1 . آل عمران:64.

صفحه43
والالتقاء المتفق عليها بين جميع الأديان الإلهية والّتي تحمل قيمة عليا لدى الجميع وهي كلمة التوحيد وعبادة الإله الواحد.
ثانياً: التحذير من الغلو في بعض الشخصيات، ووضعها في مصاف الرب أو جعلها هي الرب، الأمر الّذي ينطوي على مخاطر كبيرة ويؤدي إلى نشوء الكثير من الانحرافات العقائدية وغير العقائدية.
ثالثاً: إن استجاب أهل الكتاب لهذه الدعوة المباركة حينها يمدّ لهم المسلمون يد المسالمة والوئام والعيش معاً بسلام وأمان، وإن لووا أعناقهم ولم يذعنوا لهذا الخطاب الإلهي والنداء الرحماني فهنا أيضاً لا يشن عليهم المسلمون الحرب ولا يشهرون بوجوههم السيف، بل يكون الخطاب الإسلامي معهم (فَإِنْ تَوَلَّوا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)يعني انّنا لا نحيد عن إسلامنا وعبادة ربّنا ولا نخضع لدعوة غيرها في الشرك كما لا نجبر أحداً على الإذعان لديننا.
قارن بين هذا الخطاب وبين محاضرتكم الّتي ألقيتموها في جامعة «ريجسنبورغ» ثمّ أحكم أيكما هو السبّاق والداعي إلى الحوار والعقلانية رسول الإسلام أم أنتم وأجدادكم؟!
وهل من المنهج العقلاني أن تركز على شخصية واحد من الآلاف من علماء المسلمين وهي شخصية ابن حزم الظاهري (المتوفّى 456هـ) في الوقت الّذي يعلم الجميع انّه من علماء إحدى فرق المسلمين الّتي عفى عليها الدهر وإنّ أكثر علماء المسلمين قد ردّوا آراء هذه الفرقة ولم يرتضوا

صفحه44
منهجها الفكري، ووضعوها في زاوية الإهمال والنسيان؟
إنّ الجدير بالمنهج العقلاني الّذي تتحدّثون عنه هو أن تستندوا إلى النظرات والآراء المطروحة من قبل كبار علماء المسلمين وفلاسفته كالفارابي وابن سينا وابن رشد ونصير الدين الطوسي وغيرهم من الشخصيات الّتي يعرفها العالم الغربي أكثر منّا.

الإسلام والعقلانية

1. انّ موقفكم من الإسلام والقاعدة الّتي اعتمدتموها في إدانة الإسلام والحكم عليه قاعدة بعيدة كلّ البعد عن الإنصاف والعقلانية، فكان من الأجدر بكم لإثبات عقلانية الإسلام أو عدمها الرجوع إلى المتون الإسلامية لا الاستناد إلى مصنّفات المخالفين للإسلام الّتي صنّفت بطريقة مغرضة هدفها الإساءة للإسلام وتعاليمه السامية، وحتّى لو استندوا إلى المصادر الإسلامية فإنّما يستندون إلى النظريات الخاطئة والآراء الباطلة الّتي لا تمثل رأي الإسلام الحنيف، وإنّما هي آراء لشخصيات إسلامية لم يوفقوا لاكتشاف النظرية الإسلامية بصورة صحيحة، فهي في الحقيقة آراء مسلمين لا رأي الإسلام كدين وكفكر.
2. انّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ومنذ الأيام الأُولى لدعوته دعا الناس إلى الإسلام بأُسلوب عقلي ومنهج برهاني، ولا زالت معجزته الخالدة «القرآن الكريم» كما هي لم تمسّها يد التحريف ولم تتطرق إليها عوامل الزيغ والانحراف، ولم يستطع أحد أن يمسّها بأدنى تحريف.

صفحه45
فقد تحدّى سبحانه وتعالى في السورة الثانية من كتابه المشركين قائلاً: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).(1)
3. من الواضح أنّ جميع الرسل والأنبياء اعتمدوا في دعوتهم المنهج البرهاني والعقلي، والرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن بدعاً من الرسل في هذا المجال فقد انتهج نفس المنهج.
4. انّ نظرة عابرة إلى مصطلحات «العقل» و «الفكر» و «العلم» الواردة في القرآن الكريم تظهر وبوضوح انّ رسول الإسلام يدعو الناس إلى التفكّر والتعقّل، وحسبك أن تعلم بأن:
أ. انّ مادة «العقل» جاءت في القرآن 49مرّة.
ب. وجاءت مادة «الفكر والتفكّر» 22 مرة.
ج. وجاءت مادة «العلم» 779 مرة، بصور مختلفة.
وقد أُمر رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)من قبله تعالى أن يتحدث مع الناس من خلال ثلاثة طرق:
أ. حينما يتحدّث مع المفكرين يعتمد أُسلوب ولغة المنطق والاستدلال والبرهان.
ب. وحينما يتحدّث مع عامة الناس وأصحاب المستوى الفكري المتوسط يعتمد أُسلوب الوعظ والنصيحة والإرشاد.

1 . البقرة:23.

صفحه46
ج. وحينما يتحدّث مع المخالفين يعتمد منهج الحوار والجدال بالتي هي أحسن.
قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ).(1)
فهل يصح بمنطق العقل أن نصف النبي الّذي يعتمد هذا المنهج الراقي ذا الأركان الثلاثة العالية بأنّه إنسان بعيد عن العقلانية ومؤمن بمنطق العنف والإرهاب؟!!
5. انّ البراهن العقلية والمنطقية الّتي وردت في القرآن الكريم لإثبات التوحيد كانت بدرجة من الإتقان والقوّة بحيث أذعن أمامها كبار الفلاسفة.
نشير إلى بعض هذه الآيات:
أ. (لَوْ كَانَ فِيِهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا)(2).
ب. (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ).(2)
ويقول سبحانه في إبطال أصالة المادة، وخلق العالم بنفسه:(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ).(4)
ونحن لو أردنا أن نستعرض جميع الأدلة البرهانية والمنطقية في هذا

1 . النحل:125.   2 . الأنبياء:22.
2 . المؤمنون:91.   4 . الطور:35.

صفحه47
المجال لأحوجنا الأمر إلى تدوين كتاب مستقل.
6. انّ المتتبع لنتاجات المتكلمين المسلمين والذين يعتمدون النمهج العقلي والمنطقي، يجد ما لا حصر له من المصنّفات. وقد دوّن علماء الشيعة وحدهم في هذا المجال أكثر من 12000مصنف، ولو أضفنا إليهم نتاجات علماء سائر المذاهب الإسلامية الأُخرى لازداد العدد زيادة كبيرة ، فكيف وبعد ملاحظة كلّ هذا التراث الحي ـ والّذي تحتفظ المكتبات والمتاحف الأُوروبية بقسم كبير من مخطوطاته والمطبوع منه ـ يمكن وسم الإسلام بأنّه ديانة بعيدة عن المنهج العقلي والمنطقي؟!
7. عامة الحقوقين ورجال القانون الغربيين يعلمون جيداً أنّ «العقل» هو أحد مصادر التشريع الإسلامي، وانّ الأحكام الإسلامية تستنبط عن طريق القرآن والسنة والعقل والإجماع. ومع هذه المنزلة الّتي يوليها الإسلام للعقل هل يصحّ اتّهامه ووصفه بأنّه ديانة مضادة للعقل والعقلانية؟!
8. إنّ محاضرتكم الّتي أُلقيت أمام حشد من الناس أكثرهم بعيد عن المسائل العقلية ولا يملكون تخصصاً في هذا الشأن بالإضافة إلى جهلهم بالتاريخ الإسلامي ومعارفه، لا تعتبر أُسلوباً عقلانياً؟
9. في الوقت الّذي يعيش العالم إرهاصات حرب صليبية جديدة بين الشرق والغرب ووجود الكثير من الأزمات وبؤر الاضطراب بين الطرفين هل كان من المناسب من شخصية روحانية وفي مثل هذه الأجواء المشحونة أن يلقي كلمة يسيء فيها إلى إحدى الديانات الإبراهيمية، فتكون ثمرة هذا

صفحه48
الخطاب دعماً للإرهاب واسناداً للعنف المنافي والبعيد عن الإنسانية بعداً تاماً.
10. يوجد في الوسط الإسلامي والمسيحي رجال يتحرّقون لإعادة السلم والصفاء إلى البشرية مرة أُخرى، وقد بذلوا في هذا الطريق الكثير من الجهود وتحمّلـوا الآلام والمعـاناة، وقامـوا بحـوارات ولقـاءات بنّاءة في هـذا المجال على أمل أن يأتـي اليـوم الذي يـرون فيه أتباع الديانات السماوية تحت خيمة واحدة ينعمون بالصلح والمودّة والسلام، ولكن ولشديد الأسف كان خطابكم وفي هذا المركز العلمي ومقابل مئات الآلاف من عامة المستمعين كان بمثابة المعول الّذي حطم جهود هؤلاء العلماء المخلصين وجعل كلّ جهودهم في مهب الريح.
ولا ريب أنّ سلوككم هذا بعيد عن العقلانية الّتي تتهم بها الآخرين.
إنّك بخطابك هذا لا يمكنك أن تشترك في حوار الأديان، وذلك لأنّ حوار الأديان إنّما يهدف إلى تقريب آراء نظريات أتباع الديانات الإبراهيمية، وأنتم بصدد إبعاد الآراء ووجهات النظر وهو خطوة في طريق الفرقة والتنافر، فكانت نتيجتها أن وضعت العالم على أعتاب حرب صليبية، وقد أثبتّم بسلوككم هذا أنّكم طرف غير جدير للحوار والتقارب.
إنّ الفلاسفة والمتكلّمين المسلمين طرحوا بحوثاً جيدة جذابة وعقلية في مجال صفات اللّه تعالى وأفعاله، كما تتصف تلك الأبحاث بالدقة والعمق، وممّا جعل بعض المفكرين المسيحيين يعترفون بأنّ هذه البحوث

صفحه49
قد استطاعت أن ترفع الكثير من الإبهامات والإشكاليات في هذا المجال، ولو كنتم ومن يسير في ركابكم على علم بهذه البحوث وقيمتها العلمية لا شكّ أنّكم ستدركون أنّ هذه البحوث ترفع الكثير من الإبهامات في الفكر الكنسي في باب صفات اللّه، ولكن ولشديد الأسف أنّ تخصّصكم في الكلام المسيحي وعدم معرفتكم وتخصّصكم بالكلام الإسلامي جعلكم لا تعرفون حقيقة الدين الإسلامي ومفاهيمه.
أختم الحديث معكم عند هذه النقطة، على أمل أن يأتي اليوم الّذي تعترف به بخطأكم وتعتذر لأكثر من مليارد ونصف المليارد من المسلمين.
وأخيراً أنا على استعداد تام لحوار علمي يسوده الودّ والموضوعية، سواء في الفاتيكان أو في إيران أو في أي مكان آخر من أجل تقريب الأفكار والرؤى في أوساط أتباع الديانات الإبراهيمية.
جعفر السبحاني
29 شعبان المعظم 1427 هـ
1/7/1385 هـ . ش

صفحه50
رسالة مفتوحة إلى الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود   
 
3

رسالة مفتوحة

إلى خادم الحرمين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود

سلام عليكم
أمّا بعد، فإنّ الوهابيّة مُنذُ أن سيطرت على الحرمين الشريفين لم تأْلُ جهداً في إزالة آثار النبوّة والرسالة، ومحو كلّ ما هو من علائم الأصالة الإسلامية، من خلال هدم بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وحُجرات وبيوت زوجاته أُمّهات المؤمنين وقبور صحابته وأهل بيته المطهَّرين وبيوتهم ومحالّهم في مكة المكرّمة والمدينة المنورة وما حولهما!! مع أنّ هذه الآثار التاريخية هي في الحقيقة معالم الأصالة الإسلامية، و هي إلى جانب ما تركه رسول الإسلام العظيم من تراث فكريّوثقافيّ تدلّ على واقعيّة الرسالة المحمديّة المباركة، وتجذّرها في التاريخ.
ومن هنا تسعى الأُمم المتحضرة المُعتزَّة والمهتمّة بماضيها وتاريخها بما فيه من شخصيات ومواقف وأفكار إلى الإبقاء على كلّ أثر تاريخي يبقى من ذلك الماضي لتدلِّل على واقعيّة ماضيها وتُبقي على أمجادها وأشخاصها

صفحه51
في القلوب والأذهان.
ولا شكّ أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الإسلامية وخاصّة في مهد الإسلام: مكة، ومهجر النبيّ الأكرم: المدينة المنورة، نتائج وآثاراً سيّئة على الأجيال اللاحقة التي سوف لا تجد أثراً بعد عين، وربما تنتهي ـ في المآل ـ إلى الاعتقاد بأنّ الإسلام قضية مفتعلة ، وفكرة مبتدعة ليس لها أيُّ واقعيّة تاريخيّة، تماماً كما أصبحت قضية السيد المسيح في نظر الغرب الذي بات جُلّ أهله يعتقدون بأنّ المسيح ليس إلاّ قضية أُسطورية حاكتها أيدي القساوسة، لعدم وجود أية آثار مادية ملموسة تدلّ على أصالة هذه القضية، ووجودها التاريخي.
هذا مضافاً إلى أنّ الوهابية جلَبت بفعلها هذا، وبأفكارها إلى الأُمّة الإسلامية، التفرقة والتمزيق و الاختلاف في وقت أحوج ما تكون فيه الأُمّة الإسلامية إلى التضامن والاتحاد لمواجهة التحدّيات الكبرى والهجمة الاستعمارية الحاقدة.
ولذلك لابدّ من تقييم الأفكار والأفعال التي ورثتها هذه الفرقة من محمد بن عبد الوهاب، وسلفه ابن تيمية الحراني الدمشقي، على ضوء القرآن الكريم والسنّة المطهَّرة ليتضح الحقّ، وتزول أسباب التفرقة والخلاف.
ونحن بالمناسبة نقترح أُموراً ثلاثة:
أوّلاً: أن تُكوّنوا لجنة من العلماء وذوي الاختصاص للمحافظة على

صفحه52
الآثار الإسلامية وبخاصة الآثار النبوية الشريفة وآثار أهل بيته الطاهرين، والعناية بها، وصيانتها من الاندثار لما لذلك من تكريم لأمجاد الإسلام، وحفظ لذكرياتها في القلوب والعقول، وإثبات لأصالة هذا الدين.
ثانياً: حثّ علماء الوهابية وكتّابها على مطالعة ما ألّفه علماء الإسلام والتي تثبت في ضوء الكتاب والسنّة وسيرة السلف جواز ما ذهبت الوهابية إلى تحريمه، ورمي فاعله بوصمة الشرك والكفر، وقراءتها قراءة تفهّم وإنصاف، وإبداء رأيهم في ما جاء فيها.
ثالثاً: أن تأمروا بإقامة مؤتمرعالمىّ يحضره علماء الإسلام وعلماء الوهابية ليتحاوروا في هذه المسائل المختلف فيها التي طالما سُفِكت من أجلها الدماء، وزهقت الأرواح، وانتهكت الأعراض وفُرّقت الصفوف، وبعد الوصول إلى النتائج المبرهنة يعلنوا تلكم النتائج على الملأ الإسلامي، خدمة للتضامن والأُخوة الإسلامية.
ونحن انطلاقاً من الحرص على الوحدة الإسلامية على أتم الاستعداد للحضور في ذلك المؤتمر و الاشتراك في هذا النقاش العلمي البنّاء.
ولا شكّ أنّ هذا هو أفضل خطوة لتحقيق التضامن الإسلامي المنشود. ونحن بانتظار ردكم واللّه الموفق وهو نعم المولى و نعم النصير.
رسالة مفتوحة إلى الشيخ يوسف القرضاوي حول تكفير أبي طالب والدفاع عن معاوية   
جعفر السبحاني
1/3/1407هـ

صفحه53
 
رسالتان مفتوحتان إلى الشيخ يوسف القرضاوي

الرسالة الأُولى:

4

الأُستاذ الفاضل الشيخ يوسف القرضاوي المحترم(1)

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
نثمّن جهودكم العلمية وما قدّمتموه للأُمّة الإسلامية من تآليف وآثار قيمة في مختلف المجالات.
نسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدكم لما يحب ويرضى ويوفّقكم لصالح الأعمال، كما نثمِّن مواقفكم الإيجابية في مسألة التقريب والوحدة بين المذاهب الإسلامية.

1 . قام الشيخ يوسف القرضاوي «حفظه اللّه» في بعض خطب صلاة الجمعة بالدفاع عن معاوية ابن أبي سفيان.
وقد كتبنا له هذه الرسالة ألفتنا نظره فيها إلى عدم ضرورة طرح مثل هذه المواضيع والمسلمون في هذا الوقت يعانون ما يعانون من ظلم وإبادة، كما ألفتنا نظره إلى أنّ مواقف معاوية في حياته والّتي يذكرها التاريخ لا تؤهّله لأن يدافع عنه أحد.

صفحه54
ولكن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى بعض الكلمات الّتي صدرت عنكم في بعض المناسبات.
1. قد طرحتم إيمان سيد الأباطح أبي طالب وقلتم إنّه مات كافراً، مع أنّ أفعاله وأعماله طيلة عشر سنين في مكّة المكرمة ، وقصائده الفاخرة، تشهد على أنّه مات مؤمناً، وعاش كعيشة مؤمن آل فرعون، وقد أرسلنا إليكم رسالة حول هذا الموضوع سابقاً، وركزنا على أنّ المسألة ليست من الضروريات حتّى تطرح على المنابر.
2. قرأنا في إحدى الصحف دفاعكم عن معاوية بن أبي سفيان في خطبة صلاة الجمعة.
ولنا أن نتساءل:
ما هي جدوى الانتصار لمعاوية في هذه الأيام الّتي تتعرض فيها الأُمّة الإسلامية إلى تحديات كبيرة وهجمات شرسة؟! ونتطلّع فيها إلى تقديم فهم صحيح للإسلام، وتصوّر واضح لمفاهيمه وأفكاره، وموقف سليم وجريء إزاء قضاياه ورجاله وشخصياته، يُتحرّى في كلّ ذلك الحق، ويُلتزم فيه بالموقف الشرعي والأخلاقي، بعيداً عن التأثيرات العاطفية، والقناعات الّتي ربما نشأت على أساس من المفاهيم المغلوطة والمعلومات المزيّفة.
هل خلا تاريخنا الإسلامي من رجال تبنّوا الإسلام شعاراً وهدفاً ومنهجاً وسلوكاً، واسترخصوا الأرواح والدماءفي سبيله...؟! هل خلا من هؤلاء حتّى يُعمد إلى مثل معاوية ليُبعث من بين هذا الركام الهائل من الخطايا والأخطاء من أجل أن يُبرّأ ويلمّع وجهه البشع؟!

صفحه55
فهذا عليّ والأهازيج باسمه *** تشقّ الفضا النائي فهاتوا معاويا
أعيدوا ابن هند إن وجدتم رُفاته *** رُفاتاً وإلاّ فانشروها مخازيا(1)
لا أدري ماذا يقتبس (جيل النصر المنشود) الّذي يسعى الأُستاذ القرضاوي إلى صُنعه، من معاوية الّذي ناوأ الحقّ، وناجز الهدى، وأراق دماء الصالحين، وأشاع السبّ واللعن، وأدنى الانتهازيّين والنفعيّين وأصحاب القلوب المريضة الذين آثروا الحياة الدنيا على الّتي هي خير وأبقى؟!
هل يُرجى من جيل النصر المنشود إذا زُيّنت له صورة معاوية واقتدى به واقتفى آثاره، أن (تتحقق على يديه الآمال وتستحيل الهزائم والنكسات إلى انتصارات، وينتقل من الغوغائية إلى العلمية، ومن التشاحن إلى التعاون) على حدّ تعبير الدكتور القرضاوي؟!
إنّ معاوية لم يرحل عن دنياه المظلمة بالفتن والأحقاد والمكر والاستبداد حتّى ختمها بجريمة كبرى لا تُغتفر استجابة لنزعة شريرة وأهواء مُضلّة، عبّر عنها بقوله: «لولا هواي في يزيد لأبصرت طريقي».
ونحن نسأل الداعية الكبير وصاحب الروح الشفافة الأُستاذ القرضاوي: هل من الحقّ إسدال الستار على مقترف هذه الجريمة النكراء المتمثّلة بتسليط يزيد الفجور والخمور على رقاب المسلمين؟! وارتكابه تلك المجازر الوحشية بقتل ابن بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وأصحابه، وسفك دماء المسلمين في وقعة الحرّة وانتهاك حرماتهم وأعراضهم؟!
ونودّ أن نذكر هنا بعض ما ورد في حقّ قائد الفئة الباغية معاوية:

1 . للعلاّمة الشاعر الشيخ عبد الحميد السماوي(رحمه الله).

صفحه56
قال الذهبي: وقُتل عمار مع علي، وتبيّن للناس قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): تقتله الفئة الباغية.(1)
قال محقّق الكتاب المذكور: وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولمّا لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنّما قتلَه الذين جاءُوا به، فأجابه علي (عليه السلام)، بأنّ رسول اللّه إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا منه إلزام مفحم لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها.
وروى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال:أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التُّراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبَّه. لأن تكون لي واحدةٌ منهنّ أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعم. سمعتُ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول له، وقد خلَّفهُ في بعض مغازيه، فقال له عليّ: يا رسول اللّه، خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».
وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله»، قال: فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليّاً»، فأُتي به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.
ولمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ)(2) دعا رسول

1 . سير أعلام النبلاء:3/142، ترجمة معاوية برقم 25.
2 . آل عمران:61.

صفحه57
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام) فقال:«اللَّهُمَّ هؤلاءِ أَهْلي».(1)
وقال ابن أبي نجيح، قال: لما حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ووقع معاوية في عليّ، وشرع في سبّه، فزحف سعد ثمّ قال: أجلستني معك على سريرك ثمّ شرعت في سبّ عليّ، واللّه لأن يكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
إلى آخر الحديث، وفيه من قول سعد: وأيم اللّه لا دخلت لك داراً ما بقيت. ونهض.(2)
لقد بدّل معاوية الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، وأخذ البيعة لابنه يزيد على كره من أهل الحلّ والعقد وتحت بوارق الإرهاب وأطماع أهل الشره والشهوات، وقد حجّ في سنة خمسين واعتمر في رجب سنة 56، وكانت الغاية من السفرين أخذ البيعة من المهاجرين والأنصار لولده يزيد، وقد دار بينه و بين أهل الشرف والكرامة من الجيلين كلمات يقف عليها مَن قرأ التاريخ.
ولا نذكر من ذلك شيئاً، لأنّه في متناول الجميع، وقد وقف على ذلك الأصم والأبكم حتى الغربيون.
قال السيد محمد رشيد رضا في المنار: قال أحد كبار علماء الألمان في

1 . صحيح مسلم:1198، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الحديث 6114، دار الفكر، بيروت ـ 1424هـ .
2 . مروج الذهب:3/24; البداية والنهاية:8/83 ، حوادث سنة 55 هـ .

صفحه58
الاستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة:
إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في
ميدان كذا من عاصمتنا(برلين)، قيل له: لماذا؟ قال:لأنّه هو الذي حوّل نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا، عرباً مسلمين.(1)
أليس هو الذي قتل الأبرياء من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم مثل حجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق الخزاعي وشريك بن شداد الحضرمي وغيرهم، وقد كان أصحابه (أَشِداءُ عَلى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ).(2)
ولم يكن لهم أي ذنب سوى أنّهم كانوا من أصحاب علي (عليه السلام)ومحبيه.
وفي هذا الصدد كتب الإمام الطاهر أبيّ الضيم الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام) رسالة إلى معاوية، قال فيها:
«ألست قاتل حُجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟! فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأةً على اللّه واستخفافاً بعهده.
أوَ لستَ بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة،

1 . تفسير المنار:11/260.
2 . الفتح:29.

صفحه59
فقتلتَه من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العُصم نزلت من شعف الجبال؟!
أو لستَ قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد: إنّه على دين عليّ كرّم اللّه وجهه. ودين عليّ هو دين ابن عمّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا، منّةً عليكم».(1)
نعم قام غير واحد من المغفلين بتبرير أعماله بالاجتهاد حتّى أثبتوا له أجراً، معتمدين على القول المعروف: للمصيب أجران وللمخطئ أجرٌ واحد. وقد عزب عنه أنّ هذا لو صحّ فإنّما هو للاجتهاد المعتمد على الكتاب والسنّة الذي هو رمز بقاء الدين وسرّ خلوده لا الاجتهاد في مقابل الأدلّة الشرعية.
فوا عجباً أيُكتب الأجر لمن سنّ سب المرتضى(عليه السلام) صنو النبي وأخيه الذي لم يفارقه منذ نعومة أظفاره إلى أن التحق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى؟!
وللّه درّ الشاعر المبدع الأُستاذ محمد مجذوب، القائل في قصيدته العصماء:
أين القصور أبا يزيد ولهوُها *** والصافناتُ وزهوُها والسؤددُ
أين الدهاء نحرتَ عزّته على *** أعتاب دنيا سحرها لا ينفد
نازعته الدنيا ففزتَ بوِرْدها *** ثمّ انطوى كالحلم ذاك المورد
هذا ضريحك لو بصرتَ ببؤسه *** لأسالَ مدمعَكَ المصيرُ الأسود

1 . الإمامة والسياسة:1/160; جمهرة خطب العرب:2/255، رقم 246.

صفحه60
كُتلٌ من الترب المهين بِخَرْبة *** سكر الذباب بها فراح يُعربد
حتّى المصلّى مظلم فكأنّه *** مذ كان لم يجتز به متعبّد
ما كان ضرّكَ لو كففتَ شواظها *** وسلكتَ نهج الحق وهو معبّد
ولزمتَ ظلّ أبي تراب وهو من *** في ظلّه يُرجى السداد ويُنشَد
ولعلّ في هذه الكلمات القصيرة التي هي غيض من فيض وقليل من كثير تذكرة للأُستاذ المعظم. ودمتم موفقين.
جعفر السبحاني
10 جمادى الأُولى 1424 هـ
رسالة مفتوحة أُخرى للشيخ القرضاوي حول شبهاته المثارة ضد الشيعة وعقائدهم   

صفحه61
 
الرسالة الثانية:
5

جواب الشبهات المثارة حول الشيعة وعقائدهم (1)

سماحة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي دامت بركاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسأل الله تعالى أن يحفظكم رجل توحيد وتقريب بين المسلمين، ويسدد خطاكم لنشر المعارف الإسلامية الحقّة في أوساط الأُمّة الإسلامية.
قرأت البيان الصادر عنكم بتاريخ 13 من شهر رمضان عام 1429 هـ الموافق للثالث عشر من الشهر التاسع عام 2008 م ، والذي تردّون فيه على ما ذكرته وكالة مهر الإيرانية، وعلى العلمين الجليلين: السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمدعلي التسخيري حفظهما الله تعالى.
لا ريب أنّ البيان المذكور يحتوي على أُمور تستحق الثناء والتقدير حيث ذكرتم وبطريقة استدلالية براءة الشيعة من القول بتحريف القرآن،

1 . تمّ تحرير هذه الرسالة بتاريخ 24 رمضان المبارك 1429 هـ ، ونشرت في وسائل الإعلام المختلفة، وتمّ تسليم نسخة منها إلى الشيخ القرضاوي.

صفحه62
وموقفكم الداعم لحق إيران في امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية. فلقد اعتدنا من علمائنا الكبار النظر إلى الأُمور بأُفق رحب وروح منفتحة والإعلان عنها بشجاعة، وهذا ما شاهدناه من جنابكم هنا، بعيداً عن التقوقع الطائفي والنظر إلى الاختلافات الجزئية التي تحجب الرؤية وتؤدي إلى ضيق الأُفق.
لا شك أنّ سماحتكم من رجال التقريب والسعي إلى حفظ وحدة الكلمة، ولكم في هذا المضمار الكثير من المقالات والمحاضرات، وهذا أمر يعرفه الجميع، ولا يمكن أن نتوقع من جنابكم غير الاقتداء بشيخكم الكبير المرحوم محمود شلتوت الأمر الذي يؤدي إلى استحكام حبل التقريب.
لا ريب أنّ الاختلاف بين المسلمين يمتد بجذوره إلى مابعد رحيل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذه الاختلافات قائمة حتى الساعة ولا يمكن معالجتها في يوم أو يومين أو سنة أو سنتين، وإنّما الذي نتوقعه من الرجال الكبار والشخصيات الحكيمة هو التركيز والإصرار على المشتركات وعدم النظر إلى المسائل الخلافية. وطرحها في الملتقيات العلمية بعيداً عن صخب السياسة، ليتسنّى لنا حصرها في دائرة ضيقة ومحدودة.
وهنا أود أن أُذكر سماحتكم ببعض الأُمور التي أراها ضرورية:
1. تعلم سماحة الشيخ كما يعلم سائر المفكّرين أنّ الغرب والصهيونية العالمية ـ ومن أجل إبعاد المسلمين عن الفكر الإسلامي ـ رفعوا ومنذ فترة طويلة شعارات ثلاثة هي:

صفحه63
أ. التخويف والتحذير من الإسلام.
ب. التخويف والتحذير من إيران.
ج . التخويف والتحذير من الشيعة.
ولقد عملت وسائلهم الإعلامية بكل أنواعها وبكل قوة لترسيخ ذلك في أذهان العالم الغربي، بل في أصقاع المعمورة، وكأنّ الإسلام غول يهدد البشرية والسلام العالمي!! في مثل هذه الظروف الحسّاسة لا نرى مبرراً لما قمتم به سماحة الشيخ من لقاء مع صحيفة «المصري اليوم» وما تحدثتم به بخصوص التشيع والتبشير الشيعي ـ حسب تعبيركم ـ في البلدان ذات الغالبية السنية، وتحذيركم من ذلك وإطلاقكم لصفارة الإنذار!! وما هي الحصيلة التي يخرج بها القارئ(حتى لو كانت خلافاً لما تقصدونه)؟ أليس الحصيلة التي يخرج بها هي تأييد موقف المستكبرين والصهاينة وإعطاء الشرعية والمصداقية لما ينشرونه وتبلّغه وسائل إعلامهم المسمومة؟!!
2. لقد أكّدتم ـ سماحة الشيخ ـ من جهة على كون الشيعة مبتدعة، ومن جهة ثانية أكّدتم أنّ الفرقة الناجية هم أهل السنة، مستنداً في ذلك إلى الحديث المعروف:«ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة»، وهنا نسأل سماحتكم ما هي الحصيلة التي يخرج بها شاب متعصب من شباب أهل السنّة؟ أليست هي القيام بربط حزام ناسف من المتفجرات ليقوم بقتل العشرات من الشباب والأطفال والنساء من المؤمنين في مدن العراق وغيرها من البلدان الإسلامية، وهذا ما يقوم به العشرات من الشباب الأردني

صفحه64
والسعودي والأفغاني والمغربي مستندين في عملهم هذا إلى فتاوى تكفيرية ومواقف إقصائية يقوم بها بعض الرجال المحسوبين على العلم والفتوى، حتى وصل الأمر إلى حد تقيم عائلة الانتحاري الأردني الذي فجّر نفسه في أوساط المؤمنين في مدينة الحلة العراقية مجلس عرس تتلقى فيه التهاني والتبريك بتلك المناسبة!!!
سماحة الشيخ، إنّ لكلّ مقام مقالاً كما يقول الحكماء، فهل ياترى كان من المناسب في تلك الظروف العصيبة التي تمر بها أُمّتنا الإسلامية والتي تتكالب فيها قوى الاستكبار العالمي على العالم الإسلامي بأسره، أن يصدر من عالم ومفكّر إسلامي ما يثير النائرة ويشعل نار الحقد والصراع في أوساط المسلمين ممّا قد يؤدي إلى الصراع الداخلي لا سامح الله؟!!!
وإذا كان كل من الإخوة السيد فضل الله والشيخ التسخيري ـ ا للّذين تربطهما بكم علاقة الود وتكن لهما مشاعر الحب والاحترام ـ لم يرتضيا الطريقة التي طرحتم فيها القضية، فإنّهما ينطلقان في واقع الأمر ممّا ذكرناه لكم من أنّ ذلك لا يليق بشأنكم وليس في صالح المسلمين أبداً.
3. اعتبرتم انتقال مجموعة من الشباب السني ـ في بعض البلدان التي يقطنها أهل السنة ـ إلى التشيع تبشيراً شيعياً وخطراً يستحق الوقوف أمامه ودق صفارة الإنذار، وانّ عدم التصدّي له يمثّل مخالفة للدين وخيانة للأمانة التي في عنقكم، ولكن في نفس الوقت غضضتم الطرف عمّا يجري في السعودية والإمارات وغيرها من البلدان السنية من الحملة الشعواء التي تشن على المفكّرين الشيعة والفكر الإمامي، فما من ساعة تمر إلاّ وتجد إصداراً ـ

صفحه65
كتاب أو رسالة ـ ينال منهم، والذي يؤسف له أنّ ما يصدر ما هو إلاّ تكرار للمكرّرات وتهم واهية لا تقوم على دليل ولا تستند إلى برهان; أليس من اللائق بجنابكم الكريم التصدي لمثل هذه الحملة المسعورة التي تنال من طائفة كبيرة من المسلمين!! بل نجد البعض قد تمادى في غيّه وكذبه بحيث صنّف كتباً في ذم الشيعة ونسبها إلى شخصيات شيعية من أمثال المرحوم العلامة السيد العسكري وبعضها نسبوها لي شخصياً موحين للناس أنّنا من المبلّغين للمذهب الوهابي والمهاجمين للتشيع!!
وأخيراً نشر كتاب في موطنكم مصر العزيزة في نقد رأيي الفقهي حول مسألة «الصلاة خير من النوم» امتلأ الكتاب بالسب والشتم والكلام القاذع والافتراء و... وهو من تأليف علاء الدين البصير، ثم طبع هذا الكتاب مرة ثانية ضمن سلسلة «محققو الشيعة في الميزان» وأعطاه ناشروه اسم«جعفر سبحاني...لا محقق مقرب» ومن العجب أن يقدّم لهذا الكتاب أُستاذ من اساتذة جامعة الأزهر وهو الدكتور محمد عبد المنعم البري وهو عميد مركز الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، ورئيس جبهة علماء الأزهر(وقد طبع في مصر ونشر عام2007م، في مركز التنوير بالقاهرة); لا أدري هل البحث الفقهي يستحق كل هذا التحامل والتشنيع والتسقيط؟!!
4. أكّدتم في بيانكم على حديث «ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة» وهنا أود التذكير بأنّ الحديث قد ضعّفه المحقّقون في علم الحديث، وعلى فرض وجود سند معتبر للحديث فلا يصحّ الاستناد إلى حديث آحاد لإثبات مثل هذا الأصل، واعتبار اثنتين وسبعين فرقة من فرق المسلمين من

صفحه66
أصحاب النار وحصر أصحاب الجنة في فرقة واحدة.
إنّ مضمون الحديث يحكي عن عدم صحّته، وأنا هنا لا أتحدّث عن فرق اليهود والنصارى، بل أتساءل أين هي فرق المسلمين الأساسية التي وصلت إلى هذا الحد، وأمّا الفرق الفرعية المذكورة في كتب الملل والنحل فقد تجاوزت الحد قطعاً؟ فهل يمكن أن نجد ذلك العدد من الفرق الإساسية في كتب الملل والنحل؟! وهل يمكن اعتبار الاختلاف في مسألة واحدة مبرراً لتصنيفها فرقة مستقلة؟ إنّ فرق المسلمين الأساسية لا تتجاوز عدد أصابع اليد، من هنا نرى أصحاب كتب الملل والنحل يتشبّثون بأُمور واهية لإثبات العدد المذكور ليكون دليلاً على مصداقية الحديث.
إنّ الأجدر بالإخوة أن يستندوا في عقائدهم إلى الحديث الذي رواه البخاري حيث قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ أُمّتي يدخلون الجنّة إلاّ من أبى. قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».
فقد حدد الحديث الملاك في دخول الجنة والنار في إطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعصيانه، ومن الواضح أنّ العصيان والتمرّد يصدق في حالة كون الإنسان لا يملك الحجة والدليل المعقول على عمله، وليس خفياً عليكم وعلى المفكّرين أنّ الشيعة تستند في المسائل الخلافية إلى الدليل والحجة الكافية وإن كان ذلك غير تام في نظركم.أو ليس الملاك في دخول الإنسان في حظيرة الإيمان، هو ما جاء في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «بني الإسلام على خمس; شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله وإقام

صفحه67
الصلاة، وايتاء الزكاة والحج، وصوم رمضان» ، رواه الشيخان.
فإذا كانت أُصول الدين هي الإيمان بالله ورسوله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، وما فيه من الحساب إلى غير ذلك فجميع المسلمين المتمسّكين بالكتاب والسنة يدخلون تحت هذه الضابطة ، فما هو الوجه لاختفاء القداسة على فرقة وإخراج فرقة أُخرى؟!
مما يجدر بالشيخ العزيز أن يقتدي بإمام أهل السنة الشيخ الأشعري حيث ألف كتاباً في الفرق الإسلامية وأدخل الجميع تحت عنوان كتابه والذي سمّاه : «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» فمنح الجميعَ الصبغةَ الإسلامية وجعل اختلافهم في الفروع فقط بشهادة قوله: «واختلاف المصلين».
يقول أحمد بن زاهر السرخسي الأشعري: لما حضرت الشيخ أبا الحسن الأشعري الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا عليّ أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنّي رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم (1). لقد أشرتم في بيانكم أنّ لدى الشيعة بدعتين:
الأُولى: بدعة نظرية.
الثانية: بدعة عملية.
وأود هنا الإشارة إلى تحليل تلك البدع حسب رأيكم:

1 . اليواقيت والجواهر للشعراني: 58.

صفحه68

الأُولى: البدع النظرية:

1. ادّعاء الوصية لأمير المؤمنين (عليه السلام)

لا شك أنّ أساس التشيع وعماده يقوم على الاعتقاد بأنّ المرجعية والقيادة السياسية والفكرية والعلمية بعد رحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هي من شؤون العترة الطاهرة وعلى رأس العترة أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولقد ثبتت الوصية له من خلال الأحاديث المتواترة أُشير هنا إلى بعضها:
1. لمّا نزل قوله سبحانه:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )(1) دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة وأربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم، فقال لهم: «يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم» . فكرر هذه الجملة ثلاث مرات، وفي كلّ مرة كان علي يقوم ويقول: «أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه» وفي المرة الثالثة ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على يد علي وقال في حقه على رؤوس الأشهاد:«هذا علي أخي ووصيي وخليفتي فيكم».
ولولا خوف الإطالة لأشرت إلى المصادر الكثيرة التي ذكرت هذا الحديث، ولكن اكتفي بالقول: إنّه حتى مثل محمد حسين هيكل قد نقل هذا الحديث في الطبعة الأُولى من كتابه «حياة محمد» وإن حذفت في الطبعات اللاحقة.

1 . الشعراء: 214.

صفحه69
2. حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»ومن المعلوم أنّ استثناء النبوة فقط يحكي عن ثبوت جميع المقامات التي كانت لهارون(عليه السلام) مثل الخلافة والوزارة.
3. حديث «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».
4. حديث «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه». ويكفي في تواتر الحديث أن يكون قد نقله 120 صحابياً وما يقرب من 90 من التابعين، كما نقله 360 عالماً سنياً.
ومع كلّ هذه الأدلة الواضحة التي استندت إليها الشيعة، فعلى أقل تقدير والحد الأدنى المتوقع منكم أن تعذروهم في موقفهم وعقيدتهم لا أن تصفوهم بالمبتدعة، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما تتبنّونه معاشر فقهاء السنة الأعزاء من القول: «للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد» وهنا لابدّ أن يستحق الشيعة الثواب والأجر لا الرمي بالابتداع.
قلتم في بيانكم أنّ الاختلاف في فروع الدين ومسائل العمل وأحكام العبادات والمعاملات، لا حرج فيه، وأُصول الدين هنا تسع الجميع، وما بيننا وبين الشيعة من خلاف هنا ليس أكبر ممّا بين المذاهب السنية بعضها مع بعض.
وهنا أود أن أسأل سماحتكم هل أنّ مسألة الإمامة والخلافة عند أهل السنة من الفروع أو الأُصول؟

صفحه70
لقد أكّد كبار علماء الأشاعرة مثل عضد الدين الإيجي في المواقف وشارحه المير سيد شريف الجرجاني وسعد الدين التفتازاني في «شرح المقاصد» وغيرهم: انّ الإمامة والخلافة من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّه يجب على المسلمين إشاعة المعروف والنهي عن المنكرات، وهذا لا يتحقّق إلاّ في ظل حكومة وقدرة تستطيع إجراء الأحكام وأنّ مركز هذه القدرة والسلطة هو الإمام والخليفة الذي يجب أن يوجد في أوساط المسلمين.
وهذا من الأُمور التي يتفق عليها الشيعة والسنة، إلاّ أنّ الاختلاف وقع في طريقة تشخيص وتحديد الخليفة والإمام حيث طرحت نظريتان:
الف. تعيين الإمام يتم عن طريق شورى المهاجرين والأنصار.
ب. تعيين الإمام يتم بتنصيبه من قبل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
لست هنا في مقام ترجيح إحدى النظريتين على الأُخرى، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف أصبحت إحدى النظريتين عين السنة والأُخرى عين البدعة؟!! والحال أنّ النظرية الأُولى لا تقوم إلاّ على السيرة الناقصة للخلفاء لا أكثر، وأمّا النظرية الثانية فتستند إلى الأدلّة المحكمة والقوية.
إنّ منطق الإنصاف يقتضي ترجيح النظرية الثانية، وعلى أقل تقدير النظر إليهما نظرة واحدة لا اعتبار أصحاب النظرية الأُولى هم أهل السنة وأتباع النظرية الثانية من المبتدعة (تلك إذاً قِسْمَةٌ ضيزى)!!
وأين ذهب التسامح والعيش المشترك في الفروع؟!

صفحه71
الجدير بالذكر أنّ تبريركم لوصف الشيعة بالمبتدعة كان في مقابل من يقول بأنّهم كفرة لا يحل المشكلة أبداً، بل كان من الواجب عليكم أن تنصروا المظلوم وتدفعوا عنه تهمة الكفر والخروج عن الدين لا أن تبدّلوا التهمة بتهمة أُخرى، وهنا أود أن أسأل سماحة الشيخ لو أنّ شخصاً اتّهمكم بتهمة خطيرة هل تسمحون لمن يدافع عنكم أن ينفي عنكم تلك التهمة لكنّه يستبدلها بتهمة هي أقل من الأُولى؟!!

2. علم الأئمة(عليهم السلام) بالغيب

من الأُمور التي اعتبرتموها دليلاً على الابتداع هي قضية «العلم بالغيب»، وهنا أود أن أُشير إلى أنّ العلم بالغيب نوعان:
الف. علم الغيب الذاتي وغير المحدود وهو من مختصات الباري تعالى، قال تعالى في كتابه الكريم:(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأرضَ الغَيْبَ إِلاّ اللّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ)(1) .
ب. علم الغيب الاكتسابي، وهذا النوع محدود أيضاً بالإذن الإلهي، وهذا النوع من الغيب يحصل لغير الله تعالى كثيراً، ولقد جاء في سورة يوسف(عليه السلام) الكثير من الإخبارات الغيبية على لسان كل من يعقوب ويوسف (عليهما السلام); وكذلك جاء في القرآن الكريم الحديث عن مصاحب موسى بقوله تعالى: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا علْماً)(2).

1 . النمل:65 .   2 . الكهف: 66 .

صفحه72
وقد ورد عن أمير المؤمنين أنّه لمّا أخبرَ ببعض الغُيُوب . قال لهُ رجلٌ: أُعطيتَ يا أمير المؤمنينَ(عليه السلام) علمَ الغَيبِ! فقال: «ليس هو بعلم غيب وإنّما هو تعلُّمٌ من ذي علم».
وبما أنّ هذا النوع من العلم محدود فلا يكون هو المعنى الاصطلاحي لعلم الغيب، لأنّ المراد منه هو غير المحدود وهو من مختصات الباري تعالى.
من هنا إذا علم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بالغيب وأخبروا عن المغيبات فهو من النوع الثاني الذي يحصل بإذن الله حتى للصالحين والعارفين الإلهيين الذين بذلوا عمراً طويلاً في طاعة الله تعالى والسير وفقاً لشريعة الإسلام الغرّاء.

3. عصمة العترة

من الأُمور التي اعتبرتموها من البدعة هي القول بعصمة الأئمة; وهنا أقول:
العصمة لا تعني إلاّ حالة قصوى من التقوى تحصل لدى الإنسان تمنعه من ارتكاب ما لا يرضي الله تعالى، وتتجسّم أمامه آثار الذنوب ممّا يصونه عن ارتكابها. فهل من الغريب أن يطوي الإنسان مراحل الكمال الروحي حتى يصل إلى حد يعصم فيه من الذنوب وقد يصل إلى مرحلة أُخرى بحيث لا يصدر الخطأ منه؟

صفحه73
إنّ مريم العذراء(عليها السلام) لم تكن نبية ولكن كانت معصومة ومصونة من الذنب ولقد أشار القرآن الكريم لذلك بقوله:(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرَيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمين)(1) .
ومن المسلم أنّ المراد من التطهير هو تطهير مريم من الذنوب والخصال المذمومة; وهنا نسأل لماذا لا يكون القول بعصمة مريم من البدعة والقول بعصمة أمير المؤمنين(عليه السلام)ـ الذي هو عدل القرآن وفقاً لحديث الثقلين ـ بدعة؟!
إنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة والذي اعتبر فيه الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) العترة عدلاً للقرآن وإنّهما لن يفترقا حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا»، ومن الواضح أنّ مقتضى كون العترة عدلاً للقرآن الكريم أن تكون معصومة كعصمة القرآن الكريم، ولا يمكن أن يحدث بينهما أدنى افتراق أو تناف.
القول بعصمة الأئمة إذا كان غلواً فلماذا لا يكون القول بأنّ صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، كذلك، فهل هذا التعبير صحيح بحق هذا الكتاب مع ما فيه من الشذوذ ومخالفة العقل الحصيف وغير ذلك؟!
هلا يكون حصر المذاهب في الأربعة وطرد سائر المذاهب الأُخرى في مجال العمل والقضاء غلواً مع أنّ الأُمّة الإسلامية عاشت مسلمة ولم يتولد واحد من أصحاب هذه المذاهب، ولم يكن لأحد منهم عين ولا أثر؟!

1 . آل عمران:42 .

صفحه74
ولولا الحفاظ على صفو مياه الود لبسطنا الكلام في هاتيك المواضع التي آخذتم بها الشيعة، ولكن اقتصرنا بذلك حتى ينظر الشيخ الجليل إلى الجميع بعين واحدة وفكرة خاصة.

4. سب الصحابة

الأمر الذي يدعو إلى الحيرة والعجب أن يصدر هذا الكلام من عالم من أمثالكم وإنّما الأنسب صدور هذا الكلام من الناس البعيدين عن العلم والمعرفة. فهل يمكن لطائفة كبيرة أن تحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنها تبغض أصحابه وتشتمهم؟!! إنّ عدد أصحاب النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تجاوز المائة ألف صحابي وانّ الذين ترجم لهم أصحاب الكتب الرجالية بلغ ما يقارب 15 ألف صحابي استشهد بعض منهم في معارك الرسول مثل بدر وأُحد والخندق وخيبر وغيرها، فهل يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينال من هؤلاء العظماء؟!
ثمّ إنّ القسم الأعظم من هؤلاء الصحابة نجهل حالهم ولا نعرف عنهم شيئاً، فهل يسمح الوجدان للإنسان أن يمس أو ينتقص من إنسان لا يعرف حاله؟
من هنا نقول: إنّ مسألة سب الصحابة بالمعنى الذي يتداوله عامة الناس ما هي إلاّ ذريعة يحاول البعض التمسّك بها، انّ منطق الشيعة منطق إمامهم أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي جاء في الخطبة 97 من «نهج البلاغة»، قال صلوات الله عليه:«لقد رأيت أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد

صفحه75
كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كان بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب».
إنّ شيعة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يقتفون كلام إمامهم، حيث إنّه عندما سمع بعض أصحابه وهم يسبون أهل الشام ـ أيام حرب صفين ـ خاطبهم بقوله: «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العُذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به».(1)
فإذا كانت هذه عقيدة إمام الشيعة في حق الصحابة، فكيف لا تكون عقيدة شيعته فيهم كعقيدته.؟!
إنّ السب فعل الجهلة الذين لا يحفظون ألسنتهم عمّا يشينهم، ولذلك أطلب من سماحتكم أن لا تطرحوا القضية بهذه الصورة، نعم انّ الذي تعتقده الشيعة هو أنّ بعض الصحابة والذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد تعاملوا مع أهل بيت النبي بعد رحيله معاملة سيئة ومن هنا تتبرّأ الشيعة منهم لهذا السبب، وهذا ليس أمراً غريباً فهذا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يتبرّأ من عمل خالد بن الوليد ويقول:«اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد».
ولكن ألفت نظركم السامي إلى روايات الارتداد المعروفة بروايات

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 206.

صفحه76
الحوض التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم(1) كيف تفسرون هذه المأثورات عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!

الثانية: البدع العملية:

1. تجديد مأساة الحسين (عليه السلام) كل عام

أشار سماحتكم بعد ذكر البدع النظرية إلى البدع العملية واعتبرتم من ضمنها «تجديد مأساة الحسين(عليه السلام) كل عام» ولا أدري كيف أصبحت التظاهرات المليونية التي تقام لإحياء ذكرى سيدالشهداء وسبط رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وإظهار ظلامته بدعة تستحق اللوم والذم!!
لو اطّلعتم سماحة الشيخ على فلسفة الثورة الحسينية وفكرتم في أبعاد تلك الثورة لقمتم بنفس ما تقوم به الشيعة من إحياء لتلك الواقعة العظيمة، لأنّ التظاهر من أجل مواجهة الظلم ورفض التعدّي على القيم والوقوف أمام الحكومات الجائرة لابد أن يبقى حياً في أوساط الأُمّة الإسلامية، وهذا هو هدف الثورة الحسينية التي ينهل منها الأحرار في العالم مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين ضد الصهاينة الغاصبين.
من هنا يتضح سبب الاهتمام بالثورة الحسينية أكثر من الاهتمام بالمناسبات الأُخرى للأئمة، كشهادة أمير المؤمنين(عليه السلام)وإن كانت تقام مراسم في تلك المناسبات أيضاً إلاّ أنّها لا ترقى في كثرتها زماناً ومكاناً لما يقام

1 . لاحظ: صحيح البخاري: 4 / 67 و 5 / 107، كتاب المغازي.

صفحه77
بمناسبة الثورة الحسينية، إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) تمثل رسالة تحريك وبعث لكل الأجيال التي تقع تحت الظلم والاضطهاد لتضخ فيهم دماء الغيرة والدفاع عن الدين كما فعل سيد شباب أهل الجنة في دفاعه عن دين جده المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم).
كذلك تهدف مجالس العزاء لتعرية تلك الطغمة الفاسدة التي تصدت لأهل البيت وأذاقتهم ألوان العذاب والاضطهاد.

2. ما يحدث عند مزارات آل البيت من شركيات

اتهمتم في بيانكم الشيعة بممارسة الشركيات عند زيارتهم لقبور أهل البيت (عليهم السلام); لكن الجدير بكم أن تشيروا إلى مصاديق تلك الشركيات ولا تبقوا القضية عائمة، فهل أصل الزيارة شرك؟ لا شك أنّ الجواب بالنفي. وهل الدعاء وطلب الشفاعة من النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) شرك؟ من المسلم كلا; لقد كان من الجدير بسماحتكم الاقتداء بإمام الأحناف الكبير، فقد روى مؤلف كتاب «فتح القدير»: انّ الإمام أبا حنيفة وقف أمام قبر النبي الشريف وأنشد قائلاً:
يا أكرم الثقلين يا كنز الورى *** جد لي بجودك وارضني برضاكا
أنا طامع في الجود منك ولم *** يكن لأبي حنيفة في الأنام سواكا(1)
وكأنّ أبا حنيفة اقتدى بالصحابي الجليل سواد بن قارب الذي أنشد قائلاً:

1 . فتح القدير: 2 / 336 .

صفحه78
فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
لقد جاء في بيانك انّ دعاء أهل البيت من دون الله يعد من الشركيات; عذراً سماحة الشيخ أنّ هذا المنطق هو منطق الوهابية الذين قد يستندوا أحياناً لقوله تعالى: (وَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا )(1). ولكن ينبغي أن يتّضح المراد من كلمة «الدعوة» ما هو؟ هل المقصود مخاطبة غير الله؟ لا شك أنّه ليس هو المراد، لأنّ لازم ذلك تكفير جميع البشر، لأنّ الإنسان في حياته يخاطب آلاف الناس ويستعين بهم، نعم المقصود من الدعوة هنا عبادة غير الله بمعنى الخضوع والخشوع أمام موجود بعنوان كونه خالقاً ومدبراً فيكون معنى الآية «انّ المساجد لله فلا تعبدوا مع الله أحداً» ومن حسن الحظ يوجد شاهد على ذلك، وهو قوله تعالى: (وَقالَ رَبّكُم ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ انّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرين)(2).
ففي صدر الآية جاءت كلمة «ادعوني» ولكن في ذيلها جاءت كلمة «عبادتي» وهذا يحكي أنّ الدعاء الخاص بالله تعالى هو الدعاء الذي يحمل صبغة العبادة لا أي نوع من أنواع الدعاء والدعوة، وإلاّ لما وجد على وجه الأرض موحّد أبداً.
جناب الدكتور القرضاوي أنّ القرآن الكريم رسم الطريق لتمييز الموحّد من المشرك بقوله: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ

1 . الجن:18.   2 . غافر:60.

صفحه79
يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِي الْكَبِيرِ )(1).
فهل ياترى أنّ جموع الشيعة وأعداد كبيرة من المصريين الذين يجتمعون عند رأس الإمام الحسين(عليه السلام) وفي مقام السيدة نفيسة والسيدة زينب(عليها السلام) ويتوسلون بهم ليقضي المولى سبحانه حوائجهم، هل هؤلاء عندكم مشركون؟! بمعنى أنّهم انحرفوا عن عبادة الله الواحد الأحد؟ أو يزداد إيمانهم بالله تعالى حينما يتواجدون في تلك الأماكن الشريفة؟ أليس هذا هو منطق التكفيريين الذي طالما انتقدتموه واعتبرتموه فكراً متطرفاً؟!
إلى هنا نمسك عنان القلم عن الجري، راجين من جنابكم الكريم تدارك ما فات ودعوة الجميع للاعتصام بحبل الله المتين والحث على وحدة الكلمة.
فالرجاء من سماحتكم، أن ترفعوا لافتة التقريب وتتدّثروا بدثاره في ظل الأُصول التي ألمح إليها رجال التقريب: وهي: الإيمان بالإله الواحد وما يستلزمه من الإيمان بالغيب والملائكة والكتب والأنبياء واليوم الآخر وما جاء به النبي الخاتم، في الكتاب والسنة، ومااتّفق عليه المسلمون في الأُصول والفروع، إلى غير ذلك من الأُمور المشتركة بين الأُمّة الإسلامية التي لم يختلف فيها اثنان.
كما أنّ رجاء عشّاق التقريب أن تدخلوا ساحة الحوار بأدب الأُسلوب القرآني: (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين)(2).

1 . غافر: 12.   2 . سبأ: 24 .

صفحه80
وما قرأناه في البيان ينافي كلامكم حول العولمة المنشور في مجلة «مجمع الفقه الإسلامي»، و هذا نصّه:
ولكن على الأُمّة أن تعرف أنّها مهددة إذا لم تتجمع ويكون بينها نوع من التآلف والتعاون، ولذلك نحن ندعوكم أيّها الإخوة إلى مصالحة عامة، تجمع كل قوى الأُمّة في هذه المرحلة، لا داعي للتفرقة. هناك أُناس يريدون أن يفرقوا الأُمة، هم أعداؤنا يريدون ذلك، إمّا أن يفرّقوا بينها إذا كان هناك أقليات غير إسلامية، فيثيرون هذه الأقليات، إذا كان هناك أقليات عرقية، هناك عرب وبربر وعرب وأكراد، إذا كان هناك أقليات مذهبية يكون سنة وشيعة، إذا لم يكن هذا وذاك يبقى يمينيين ويساريين، أو ثوريين ورجعيين، نحن نريد أن نجمّع كل قوى الأُمة وندعو إلى مصالحة حتى بين الحكام والعلماء، وبين الحكّام والجماعات الإسلامية، لا داعي الآن أن نفرّق بين الأُمة، الأُمّة يجب أن تكن صفاً واحداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً في ساعة الشدائد لا مجال للاختلاف ولا مجال للمعارك الجانبية ، يجب أن يقف الجميع صفاً واحداً.(1)
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
والحمد لله ربّ العالمين
«اللّهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذلّ بها النفاق وأهله»
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة 14، العدد14، ج4، ص 402.

صفحه81
 
ردود أُخرى على سماحة الشيخ
بعد نشر رسالتنا هذه إلى الشيخ القرضاوي اطّلعنا على عدد كبير من المقالات التي ردّت على ما صرّح به، ونشير بإيجاز إلى نموذجين منها:
1. مقال بقلم نجيب الزامل، بعنوان «هل كان شيخنا القرضاوي محقّاً»، وممّا ورد فيه : أقول ـ ومن نظرة تاريخية ومنطقية في طبيعة الأديان ـ : إنّ وقفة الشيخ القرضاوي في مسألة إيران حول المذهب الشيعي وانتشاره، أفهمها من شيخ جليل سنّي يغار ويحمي مذهبه السنّي، ولست أقول لا أوافقه في وقفته، ولكنّي أفهم أنّ هذا غير مُجد، من يقيني أنّ الأديان تسري وتنتشر كما تجري المياه تحت الأرض تسقي الجذور... فهي دوماً تصل، حتّى لو وافقت إيرانُ الشيخَ القرضاوي ووقعت اتفاقية معلنة أمام الدنيا أنّها لن تصدّر المذهب الشيعي للدول السنية الكبرى أو الصغرى، وحتّى لو التزمت بصرامة بذلك، فإن المذهب لن يتوقف، لأنّ انتشار الأديان والمذاهب ليس مسألة دولية .(1)
2. مقال بقلم المفكّر الإسلامي جمال البنا (2) بعنوان: «ردّاً على القرضاوي: فصل المقال فيما بين الشيعة والسنة من اتصال»(3)، وممّا جاء فيه: أعاد فضيلة الشيخ انتشار الشيعة في مناطق لم يكونوا بها من قبل إلى

1 . نشر المقال على صفحات موقع «صحيفة الاقتصادية الكويتية» بتاريخ 18 / 10 / 2008 م .
2 . وهو شقيق مؤسس حركة الأخوان المسلمين الشهيد (حسن البنا).
3 . نشر المقال على صفحات شبكة راصد الإخبارية بتاريخ 19 / 10 / 2008 م .

صفحه82
خطط وتكتيكات واستراتيجية إيرانية، وهذا غير صحيح، والصحيح أنّ الجماهير أرادت أن تعاقب حكامها بتأييد الشيعة، ولأنّ عدو عدوي صديقي، فليس للشعوب الإسلامية من عدو سوى إسرائيل وحاميتها أمريكا، وهاتان هما عدوتا إيران.
ثم قال: وانتقدَ الشيخُ القرضاوي ما ذهب إليه الشيعة من عصمة الأئمة وتقديسهم، ولكن هل انتفى هذا التقديس من الفكر السلفي السنّي؟ ألا نقول عن البخاري: أصدق كتاب بعد كتاب الله.
ألا ننكفئ على أربعة مذاهب نلتزم بكلام أئمتهم، كأنّ الله تعالى جعل الإسلام محصوراً في هذه الأربعة، فلا يمكن تصور مذهب آخر.
وماذا يعني بالله ـ تطبيقنا اليوم أحكاماً وضعها السلف الصالح منذ ألف عام؟ ألا يعد هذا تقديساً لهؤلاء الأسلاف، والرؤية بعيونهم، والحكم بعقولهم، كأن ليس لنا عقول أو رؤى؟
واستبعد الشيخ دعوة الدكتور كمال أبو المجد لإغلاق هذا الملف، ورأى أنّ ذلك فرار من المواجهة والتصدي (ولكن بالحكمة والاعتدال)، والواقع يقول إنّه لا يمكن التصدي في هذا المجال بحكمة واعتدال، وقد ذكر هو نفسه ما يؤدي إليه التصدي، فقال: «إنّ أوّل ما يقوم به الداعي إلى مذهب اعتقادي، أن يهاجم المذهب الآخر، ويبين أنّه ضلال وباطل، وأنّه ينتهي بصاحبه إلى النار، وأنّه لن ينجيه من النار إلاّ اعتناق المذهب الآخر، وهنا يجد المدعو نفسه مضطراً للدفاع، وخير وسائل الدفاع الهجوم، فيهاجم

صفحه83
مذهب الداعي، ويدلّل على بطلان أُسسه واحداً بعد الآخر».
ويقول الشيخ: «ويستطيع السُّني أن يعلن بكل اعتزاز أنّ مذهبه هو الّذي يتوافق مع تطلّعات البشرية المعاصرة إلى التحرر والمساواة دون تمييز لأسرة لها حق حكمهم بغير اختيارهم، فلا وصية لهم ملزمة من السماء، ولا أحد له حق العصمة فلا يعترض عليه».
وللشيخ الحق من هذه الناحية، ولكنه لا ينفي أنّ المذهب السُّني فيه العديد من المآخذ، سواء كانت في الفقه أو التفسير أو الحديث، وهي الركائز التي قام عليها الفكر السُّني، وكانت من العوامل التي أسهمت في تخلّف المسلمين.
ولكن هذا أمر آخر يطول، وليس هذا مكانه.
فضيلة الشيخ من رواد «فقه الأولويات»، وأُناشده أن يحكِّم هذا الفقه عند تحديد المواقف.
الشيعة يقولون لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، ويصلّون، ويصومون رمضان، ويستقبلون كعبتنا، فهم مسلمون لهم عصمة المسلم ولهم حق على بقية المسلمين، كما أنّ عليهم واجباً نحوهم.
ويعلم الشيخ ويسلِّم أنّنا ندخل معركة قاسية، لا ترحم، تقودها القوى الكبرى التي تتّحد ـ مهما كانت خلافاتها فيما بينها وبين بعضها ـ في عداوة العالم الإسلامي .
أفلا يدعونا هذا إلى توحيد جبهة المسلمين، التي هي جبهة واحدة، إذا

صفحه84
سقط منها قطر تزلزلت الأقطار الأُخرى، كما يكون إيذاناً بزوال قطر ثان وقطر ثالث... الخ.
هل يعقل أن نكون كأهل بيزنطة الذين شغلوا أنفسهم في مناقشات لاهوتية والعدو يحيط بهم حتّى أسقطهم.
لقد وضع السيد رشيد رضا شعار «نتعاون فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه»، وتبنّى الإمام حسن البنّا هذا الشعار.
فلماذا لا نأخذ به في هذا الوقت المريج؟!
إنّ الرهان هو على المصير، أي على حياة أو موت المنطقة، فهل هناك ما هو أهم؟
أُناشدكم ألا يغلب فكركم السلفي فكركم السياسي، فلن يفيدنا الماضي ولا النظر إلى الوراء، وإنّما يفيدنا الحاضر والنظر إلى الأمام.
إنّ شخصاً مثل الشيخ القرضاوي في ذكائه وألمعيته ومنزلته وما يظفر به من تقدّير وما يناط به من آمال، جدير بأن يكون أمام وحدة لا فرقة، ورائد تقدم لا تخلّف، وأن يعمل للتعاون لا للتخاصم، وأن ينظر إلى الأمام ويستهدف المستقبل، لا أن ينظر للوراء ويستسلم للماضي، وهو لهذا أهلٌ، وبه جدير، والله تعالى يوفّقه ويكفل له السداد ويحقّق به وله الآمال.

صفحه85
الباب الثاني
الرسائل المتبادلة
وفيه فصول
الفصل الأوّل: مراسلاتنا مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش
الفصل الثاني: مراسلاتنا مع الأُستاذ حسين محمد علي شكري
الفصل الثالث: مراسلاتنا مع الدكتور عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري
الفصل الرابع: مراسلاتنا مع الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين
الفصل الخامس: مراسلاتنا مع الشريف أنس الكتبي الحسني
الفصل السادس: مراسلاتنا مع الدكتور فاروق حمادة
الفصل السابع: مراسلاتنا مع الدكتور وهبة الزحيلي
الفصل الثامن: مراسلاتنا مع الشيخ حسن الصفّار

صفحه86

صفحه87
مراسلاتنا مع الشيخ صالح الدرويش   
 
الفصل الأوّل:

مراسلاتنا مع الشيخ صالح الدرويش

6

إلى الأخ البارع البصير الشيخ صالح بن عبد اللّه الدرويش ـ دامت معاليه ـ القاضي في المحكمة الكبرى بالقطيف

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد;
فقد جرت بيني و بينكم ـ في سالف الزمان ـ مساجلات ومراجعات طرحت خلالها أفكار وتساؤلات، كان مبعثها ودّ الحقيقة والدفاع عن العقيدة، وقد قيل: «إنّ الحياة عقيدة وجهاد».
وعلى كلّ تقدير فهذه الرسالة الموجزة مرفقة بكتاب «الحجّ» الذي هو جزء من محاضراتي الفقهية حول الحجّ والكتاب يقع في عدة أجزاء، وهو أقوى شاهد على أنّ المشتركات في الحجّ بين المذاهب أكثر، وما أصدق قول

صفحه88
القائل:«ما يجمعنا أكثر ممّا يفرقنا».
ونحن نعتقد أنّ الّذي فرّق بيننا هو الجهل بالآراء والنظريات الّتي يتبنّاها الطرف الآخر، ولو وقف الأخ السنّي على آراء أخيه الشيعي لأذعن أنّه هو الأخ الّذي افتقده عبر قرون.
ودمتم سالمين للإسلام وأهله
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
13 جمادى الآخرة 1425هـ

صفحه89
7

سماحة الشيخ جعفر السبحاني وفقه اللّه

الحمد للّه وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار . وبعد، فعليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته
* فقد سعدت بوصول ردكم إلي والمعنون بـ (حوار مع صالح الدرويش) وقد اطّلعت عليه وقيدت أثناء التصفّح بعض الملحوظات عليه، وارتأيت أنّها كثيرة ترجأ لحينها! ومن أهم ما استوقفني فيه و آسف له، وهو أنّ المؤلف لا يفرق بين من هم (الصحابة) الذين جاءت النصوص في مدحهم والثناء عليهم بأوضح العبارات وأبلغ الآيات، ومن هم (المنافقون) الذين جاءت النصوص بذمّهم وأنّهم في الدرك الأسفل من النار؟!
* ودونك سماحة الشيخ: كتاب اللّه تعالى، تأمل في آياته لترى الصراحة في القصد من الثناء على المهاجرين، ولم يذكر أحد من المؤرخين قاطبة ـ فيما أعلم ـ أي منافق أو علامة للنفاق قبل غزوة بدر!
* وقد رأيت سماحتكم: نحا وسلك مسلكاً آخر في أصل الحوار... ولأجل أنّ الأمر فيه بون شاسع بيني وبينكم ـ وفقكم اللّه ـ حول تحرير أصل المسألة; لذا تركت الرد أو الحوار فيما يتعلق برسالتنا (صحبة رسول اللّه) عليه وعلى آله أزكى تحية وسلام.
* أمّا فيما يتعلق بالحوار حول رسالة (تأمّلات في نهج البلاغة) لمؤلفه

صفحه90
الأُستاذ محمد الصادق ـ وفقه اللّه ـ فسماحتكم يعلم أنّـي إنّما قدّمت للمؤلف... و من ثم جعلتم كلّ الحوار معي وفي مخاطبتي!
* ومن هنا فقد أعطيت حواركم فيه لمؤلفه للنظر فيه وموافاتنا بمرئياته حياله، ولم يوافني ليومي هذا بشيء خاصة وأنّه أخبرني بالطبعة الثانية للرسالة وأنّها تحت الإعداد، هناك رسالة أُخرى في نفس الموضوع وهي قراءة راشدة في نهج البلاغة أتمنّى أن تبحثوا عنها وتنظروا فيها. واللّه الموفق.
* كما أنّه لا يخفى على شريف علمكم الكلام في نسبة الكتاب كلّه إلى أمير المؤمنين رضي اللّه عنه وأرضاه، والصنعة الأدبية ظاهرة على أبوابه ومحتوياته، فيمكن لكم المقارنة بين البلاغة العربية في عهد النبوة وما كان عليه أمير المؤمنين من فصاحة وبلاغة، وكتاب النهج وما فيه من سجع متكلف، وغرائب في بعض الألفاظ وما ساد في بلاغة القرن الرابع ـ زمن جامع الكتاب ـ وأقل ما يقال فيه أنّه: زاد فيه!
وأيضاً انقطاع السند بين جامعه وقائله وبين ذلك خرط القتاد.
ولكني إنّما قدمت للكتيب على قاعدة التسليم في حجة الخصم ـ على افتراض صحتها ـ و كما قيل: «من فمك أُدينك».
* سماحة الشيخ الكريم: أُفيدكم أنّ رسالتكم مع كتابيكم قد وصلتني من يد الشيخ هاني المسكين.
وهي هدية مقبولة أمّا الرسالة فلي عليها ملحوظات يسيرة لا يحسن أن نذكرها من باب حسن الظن بكم.
* هذا وقد التقيت بنخبة من الآيات وبعدد كبير ممّن دونهم

صفحه91
الموسومين بحجة الإسلام، ومع قناعتي التامة بعدم وجود ضابط لديكم نحتكم إليه في ثبوت النصوص من عدم ثبوتها، ولمعرفة المقبول فيُعمل به، والمردود فلا يُعمل به.
* وأنا مع ذلك حريص على الالتقاء ومقابلة العقلاء، فإن زان عقلهم علماً فقد زاد شرفهم فجمعوا بين العقل و العلم... وإنّي أرجو أن يكون سماحتكم من هذا الصنف.
سماحة الشيخ: إنّ من أهم المسائل الّتي يعاني منها كثير من المشايخ الذين التقينا بهم سلفاً هي:
عدم وجود نصوص عن الأئمّة يتفق الشيعة عليها. فهذا يضعف وذاك!! وبالتالي لا تستطيع إلزام أحد بنص إذ يقول وبكلّ سهولة ويسر «أنا أرى ضعف هذه الرواية»!!
وكما قال صاحب مقدمة صحيح الكافي: محمد باقر البهبودي... بـ أنّ الزنادقة...و....
قاموا بوضع مرويات مكذوبة على الأئمّة، وتصل في الكافي إلى أكثر من ... كذا ... وكذا.
وكتابه الآن بعيد عن متناول يدي، فأنا أكتب هذه الرسالة على عجل ـ وأستسمحكم لكثرة مشاغلي ـ ولكنّي أتذكر أنّه قال: يدسون الأكاذيب و الترهات من خلال الصحائف و الأُصول... فيختلط الحق بالباطل.
* لذا فإنّنا من محل المسؤولية وتحمل الأمانة نناشدكم اللّه عزّو جل

صفحه92
أن تجعلوا اهتمامكم بتصحيح الروايات عن الأئمّة، فهذه أكبر خدمة لهم، وهو مصداق محبتهم.
وتأمل معي يا سماحة الشيخ هذا:
كيف يتعبد عوام الشيعة بمرويات لا يعلمون ثبوتها من عدمه، على مر هذه القرون. وما حجتهم في هذا؟
إنّ باب الاجتهاد مفتوح، وعلى المجتهدين أن ينظروا فيها. وهذا عند الأُصوليين أمّا الأخباريين فالأمر لا يخفى على مثلكم.
وإليكم: مثال واحد بسبب عدم الضوابط، ما حصل من خروج الشيخ / أحمد الأحسائي ومن تبعه، ثمّ خروج المعروف بالباب وقرة العين، وما حصل في النجف في ذات التاريخ؟!!
وأخيراً / أعتذر إليكم مرّة أُخرى لعدم تمكنّني من إيفاء الأمر حقّه وذلك لكثرة المشاغل...وبرفقته كتاب فيه دراسة لمسألة النص والإمامة وهو كتاب «الإمامة والنص» (1)، ونأمل أن يتسع وقتكم للاطّلاع عليها وإفادتنا بما ترونه من ملاحظات.
أخوكم: صالح بن عبداللّه الدرويش

1 . أهدى إليّ سماحة الشيخ صالح الدرويش كتاب «الإمامة والنص» وكتب ما هذا نصّه:
«إهداء للشيخ العلاّمة جعفر السبحاني ـ وفّقه اللّه ـ آمل أن يتّسع وقتكم للاطلاع عليه ودراسته بإنصاف وأسأله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإيّاكم بما نسمع ونقرأ ويجعله حجة لنا يوم القيامة لا علينا، اللّهم آمين.
وصلّى اللّه على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين».
القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف   صالح بن عبد اللّه الدرويش

صفحه93
 
8

إلى الأخ البارع البصير الشيخ صالح بن عبداللّه الدرويش

دامت معاليه وتواترت بيض أياديه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد:
فقد وافتني رسالتكم الكريمة ـ عبر الفاكس ـ و الّتي تعرب عن وصول رسالتنا إليكم الّتي كانت مرفقة بالجزء الأوّل من كتاب الحجّ من محاضراتي الفقهية، وكانت الغاية من إرساله إليكم هو الحث على الوقوف على فقه الشيعة ليتّضح لديكم مدى المشتركات بين الفريقين، ولكن المؤسف أنّكم، لم تذكروا شيئاً من انطباعاتكم عنه، والّتي مازلنا ننتظرها بفارغ الصبر.
وأود أن أُشير إلى أُمور تتعلق بما ذكرتموه في رسالتكم الكريمة تلك:
1. ذكرتم: أنّنا في كتابنا «حوار حول الصحبة والصحابة»، لم نفرق بين الصحابة الذين جاءت النصوص في مدحهم والثناء عليهم بأوضح العبارات وأبلغ الآيات، والمنافقين الذين جاءت النصوص بذمهم وأنّهم بالدرك الأسفل من النار.

صفحه94
ولي هنا نظرة وهي: كيف يصف الشيخ الكريم المؤلَف بعدم التفريق بين الفريقين مع أنّ المؤلف قد صنف الصحابة إلى عشرة أصناف اثنان منهم المنافقون والمندسّون، والثمانية الباقون من غيرهم وقد ورد التنديد والذم في الكتاب والسنة بهم وهم:
1. مرضى القلوب (1) .
2. السماعون (2).
3. الذين خلطوا العمل الصالح بغيره (3).
4. المشرفون على الارتداد(2) .
5. الفاسق (5).
6. المسلمون غير المؤمنين (6).
7. المؤلفة قلوبهم (3).
8. المولّون أدبارهم في زحف الكفّار (8).
ولا شكّ أنّ هؤلاء الذين وضعنا البنان عليهم لم يكونوا من المنافقين، فإن وردت أبلغ الآيات في مدح الصحابة والثناء عليهم بأوضح العبارات، فقد وردت أيضاً أبلغ الآيات وأوضح العبارات بالتنديد بهذه الأصناف الثمانية منهم.

1 . الأحزاب: 12.   2 . التوبة: 45ـ 47.   3 . التوبة: 102.
2 . آل عمران:154.   5 . الحجرات:6.   6 . الحجرات:14.
3 . التوبة:60.   8 . الأنفال:15ـ16.

صفحه95
فإذا كانت الآيات بحق الصحابة على قسمين مادحة وذامّة فلا محيص من القول بوجود صالح وطالح، وعادل وفاسق بينهم، ومن يقبل قوله ومن يجب أن يترك قوله، فيكون حال الصحابة كحال التابعين، وهذا هو نفس عقيدة الشيعة الإمامية في حقّ صحابة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. إذا اعترفتم بأنّ صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يشكل لحمتهم وسداهم طائفتان هما الصحابة العدول، والمنافقون المعروفون والمندسّون فيهم الذين لم يكن الناس يعرفونهم، وحتّى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، كذلك لقوله سبحانه:(وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(1).
فإذا كان الأمر كذلك فكيف تعتبرون روايات الصحابة وأحاديثهم بل وآراءهم وسننهم حجة على الإطلاق من دون أن تتعرفوا على أحوالهم وتتأكدوا من انتمائهم إلى الطائفة الأُولى أو الثانية؟!
إنّ في علم الأُصول بحثاً ضافياً حول العلم الإجمالي وأنّه ينجز كالعلم التفصيلي، مثلاً كما أنّ العلم التفصيلي بغصبية شيء ينجز التكليف، فهكذا العلم الإجمالي بوجود الأموال المغصوبة ضمن الأموال الحلال الكثيرة ينجز التكليف أيضاً، فيجب الفحص و التنقيب حتّى يتميز الحلال عن الحرام، وعلى ضوء هذا يجب الفحص عن أحوال الصحابة، ليتميز العادل عن الطالح، والمؤمن عن المنافق، ومن يستدرّ به الغمام، عمن يحبس دعاؤه ولا يستجاب.
لم يكن عدد المنافقين في عصر النبي قليلاً حتّى يغمض عنهم، بل

1 . التوبة:101.

صفحه96
كانوا أُمّة كبيرة يتآمرون على الإسلام ليلاً ونهاراً والدليل على كثرتهم بين الصحابة هو عناية القرآن بذكر أحوالهم والتنديد بأفعالهم في كثير من السور نظير: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، العنكبوت، الأحزاب، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، المنافقون، التحريم، فلو كان عددهم قليلاً وكانوا غير مؤثرين لما اهتمّ القرآن بهم إلى هذا الحدّ.
إنّ القرآن لم يقتصر على التنديد بهم ضمن هذه السور، بل أنّه قد خصّهم بسورة كاملة، أعني (المنافقون).
كما أنّ الكاتب المصري إبراهيم علي سالم قد جمع آيات النفاق والمنافقين على نظم خاص، وادّعى أنّ عدد الآيات الواردة في حقّهم يعادل أجزاءً ثلاثة من أجزاء القرآن الثلاثين.
والعجب أنّه لم يكن لهم أي دور بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيام الخلفاء، وهذه ظاهرة تاريخية تستوجب التوقّف عندها، فلماذا غاب نجمهم وخابت حيلتهم بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
3. ذكرتم أنّه لم يذكر أحد من المؤلفين قاطبة ـ فيما أعلم ـ أيّ منافق أو علامة للنفاق قبل غزوة بدر.
إنّكم بحمد اللّه على سعة من العلم بالتاريخ وتعلمون أنّ نطفة النفاق قد انعقدت يوم نزول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة حيث قابله عبد اللّه بن أُبيّ المعروف برأس المنافقين بقوله: يا هذا اذهب إلى الذين غرّوك وخدعوك وأتوا بك فانزل عليهم ولا تغشنا في ديارنا.(1)

1 . تاريخ الخميس:1/341.

صفحه97
فأصبح هذا نواة النفاق، ثمّ اجتمع حوله جماعة من المتظاهرين بالإسلام، حتّى صاروا كتلة قوية في المدينة المنورة، على نحو يتحدث التاريخ عن كثرتهم، وإليك ما يشهد على ذلك:
إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما خرج من المدينة إلى غزوة أُحد بجيش يناهز الألف نفر، وقع التشاجر بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعبد اللّه بن أُبيّ فرجع هو بثلث الجيش إلى المدينة وتركوا النبي في طريقه إلى أُحد، وهذا يعرب عن بلوغ المنافقين ومَن تأثّر بهم في السنة الثالثة من الهجرة حدّاً يعادل ثلث الناهضين إلى الحرب، فمن العجب القول بأنّه لم يكن للنفاق وجود قبل غزوة بدر مع أنّ الفاصلة الزمنية بين الغزوتين كانت قليلة، لا يمكن خلالها أن يتشكّل حزب النفاق ويصل إلى ذلك المستوى في هذا الزمن القصير. حيث كانت غزوة بدر في رمضان السنة الثانية من الهجرة وغزوة أُحد، في شوال السنة الثالثة.
وان كنت في شكّ من ذلك فاقرأ نص السيرة النبوية لابن هشام يقول: حتّى إذا كان بالشوط الأوّل بين المدينة وأُحد، انعزل عنه عبد اللّه بن أُبي بن سلول بثلث وقال أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيّها الناس فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب.(1)
وقد كان للمنافقين وعلى رأسهم عبد اللّه بن أُبيّ دور في أمر بني قينقاع وكان بعد غزوة بدر، وقبل غزوة أُحد حيث قال للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): أربعمائة

1 . السيرة النبوية:2/64، ط. مصطفى البابي الحلبي.

صفحه98
حاسر، وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة.
وفي حقهم نزل قوله سبحانه: (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلياءُ بَعْض)(1). (2)
كلّ ذلك يعرب عن تغلغل النفاق بين الصحابة عند إجلاء بني قينقاع وكان ذلك بعد غزوة بدر بقليل.
***

حول انعدام النصوص الّتي تتفق عليها الشيعة

الموضوع الثاني الّذي ركزتم عليه في الرسالة هو عدم اتّفاق الشيعة على النصوص، حتّى نحتكم إليها، وقلتم حول ذلك: إنّ من أهمّ المسائل الّتي يعاني منها كثير من المشايخ الذين التقينا بهم سلفاً هي: عدم وجود نصوص عن الأئمّة يتفق الشيعة عليها... فهذا يضعف وذاك!! وبالتالي لا نستطيع إلزام أحد بنص إذ يقول وبكل سهولة ويسر «أنا أرى ضعف هذه الرواية».
وكما قال صاحب مقدمة صحيح الكافي: محمد باقر البهبودي...بـ«أنّ الزنادقة ... و...».
قاموا بوضع مرويات مكذوبة على الأئمّة، وتصل في الكافي إلى أكثر من ... كذا ... وكذا.(2)

1 . المائدة:51.    2 . السيرة النبوية:2/49.
2 . كما ورد في الصفحة الرابعة من رسالتكم.

صفحه99
أقول: ركّزتم ـ حفظكم اللّه ـ على أمرين، ندرسهما واحداً بعد الآخر أمّا عدم وجود كتاب صحيح لدى الشيعة فهذا هو أحد مميزات منهجهم عن السنّة، لأنّ أهل السنّة قد التزموا بكتابين صحيحين بعد كتاب اللّه تعالى وهما صحيحا البخاري ومسلم، وقد اعتقدوا بصحة أحاديثهما، ولاقوا في ذلك ما لاقوا، لأنّ في الصحيحين أحاديث تضاد القرآن الكريم والسنّة النبوية المتواترة والعقل الحصيف الّذي به عرفنا اللّه تعالى.
وإن شئتم أن تتعرفوا على مواضيع هذه الروايات فعليكم بكتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» فقد درسنا فيه أحاديث أربعين صحابياً، ذكرنا روائع أحاديثهم ثمّ أردفناها بأحاديث رويت عنهم تضاد الكتاب والسنة والعقل، ولا يسع المقام هنا لذكر شيء منها وقد طبع الكتاب ووزع في بيروت، ولولا المنع الموجود في الجمارك السعودية لأرسلنا إليكم نسخة منه عن طريق البريد لكي تقفوا على صدق ما عرضنا، ويمكنكم مطالعته عبر موقعنا في الانترنيت على الرابط:
www.imamsadeq.org/book/sub1/al-hadith-al-nabavi/index.htm
وأمّا الشيعة فليس عندهم كتاب صحيح من أوّله إلى آخره سوى كتاب اللّه العزيز الّذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، وهو الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مازاد وما نقص.
ومع ذلك فقد وضع الشيعة ضوابط لتمييز الصحيح عن الزائف، والمقبول عن المردود، وهذه كتبهم في الرجال والدراية والحديث تملأ المكتبات.

صفحه100
ولكن مهما صحّ الحديث سنداً فانّما يؤخذ به في الأحكام العملية والفروع الشرعية، وأمّا العقائد فالمرجع فيها هو الكتاب والسنة المتواترة المفيدة للقطع واليقين والعقل الحصيف.
وهنا يفترق طريق السلفية عن الشيعة، فإنّ الطائفة الأُولى يعتبرون الخبر الواحد حجة في العقائد ويستدلّون به، وأمّا الشيعة فلا يرون للخبر الواحد وإن صحّ أسناده دوراً في مجال المعارف، لأنّ المطلوب فيها هو الاعتقاد وهو رهن أُمور تنتج اليقين وتستوجبه والخبر الواحد ـ مهما صحّ ـ لا يلازم اليقين بخلاف الأحكام العملية فانّ المطلوب فيها هو العمل وهو أمر ممكن مع عدم الإذعان بمطابقتها للواقع.
لقد جرت عادة مشايخكم ـ زادهم اللّه شرفاً وعزاً وعلماً وتُقى ـ على الاحتجاج بروايات الآحاد الصحاح في أكثر الساحات، فصار ذلك سبباً لدخول أُمور منكرة في الشريعة المقدسة، نظير:
1. نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا.
2. الشؤم في المرأة.
3. بول النبي قائماً.
4. سلطان إبليس على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال صلاته.
5. طواف النبي على نسائه التسع في ليلة واحدة.
6. وضع الرب رجله في نار جهنم ليملأها مع أنّه سبحانه وعد بإملائها من الجنة والناس لا بإدخال الرِّجْل.

صفحه101
7. انّه سبحانه ليس بأعور.
إلى غير ذلك من أُمور لا يقيم لها وزناً من له أدنى إلمام بالمعارف الإسلامية السامية.
وإن أردتم الاطّلاع على عقائد الشيعة الإمامية في مختلف المجالات فبإمكانكم الرجوع إلى كتابنا «العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت»، والّذي اتبعنا فيه منهجاً شفافاً موجزاً، وتستطيعون مطالعته من خلال موقعنا في الانترنيت على الرابط:
www.imamsadeq.org/book/sub3/al-aghibeh/index.htm
إنّ كاتب هذه السطور مستعد للقائكم في أيّ مكان تريدون من غير فرق بين المدنية المنورة أو مكة المشرفة، لنجري الحوار حول عقائد الشيعة الّتي اتفقت عليها فطاحل علمائهم وعظمائهم.
وأمّا الأمر الثاني: أعني الاستدلال بما رواه محمد باقر البهبودي ـ حفظه اللّه ـ بأنّ الزنادقة قاموا بوضع روايات مكذوبة على الأئمّة... الخ.
فهو من أخطاء الشيخ البهبودي، فلو صحت القضية وقلنا بحجية قول الفاسق أو الكافر كابن أبي العوجاء فهو إنّما دسّ في كتب حمّاد بن سلمة الّذي كان ربيباً له، لا في كتب الشيعة فأين هو من كتب الشيعة؟!
وإن شئت توضيحاً أكثر، نقول:
روى المرتضى في أماليه أنّه لما قبض على عبد الكريم بن أبي العوجاء، محمد بن سليمان وهو والي الكوفة من قبل المنصور وأحضره

صفحه102
للقتل، وأيقن بمفارقة الحياة قال: «لئن قتلتموني فقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة».(1)
وهنا نكتتان نلفت نظركم السامي إليهما:
1. أفيصح الاستدلال بقول الفاسق فضلاً عن الكافر؟! ومن المعلوم أنّ الإنسان الآيس من الحياة المحكوم عليه بالقتل والصلب يطول لسانه ويأتي بالغث والسمين ويثير غضب الحاكم من دون أن يكون ملتزماً بصدق مقاله وقد قيل:
إذا يئس الإنسان طال لسانه كسنّور مغلوب يصول على الكلب.
2. لو صحّ ما نقله المرتضى فإنّما أراد القائل الدسّ في حديث أهل السنّة، وقد صرّح بذلك ابن الجوزي في كتاب «الموضوعات» انّ ابن أبي العوجاء كان ربيباً لحماد بن سلمة المتوفّى عام (167 أو 169هـ) وقد دسّ في كتب حماد (الموضوعات: 37 طبع المدينة المنورة). كما نص على ذلك الذهبي في ميزانه (ج1، ص 590ـ595) وابن حجر في تهذيبه(ج3، ص 11ـ 16).
والجميع ينصّون على أنّ الرجل قد دسّ ما دسّ في كتب من ربّاه الّذي كان من محدّثي السنّة، وأين ذلك من الدس في كتب الشيعة؟!
ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!

1 . أمالي السيد المرتضى: 1/128.

صفحه103
 
التشكيك في نسبة نهج البلاغة إلى الإمام علي (عليه السلام)
كان في كلامكم إلماعاً إلى الشك والترديد في نسبة نهج البلاغة كلّه إلى أمير المؤمنين علي(رضي اللّه عنه و أرضاه) قلتم في رسالتكم:... والصنعة الأدبية ظاهرة على أبوابه ومحتوياته، فيمكن لكم المقارنة بين البلاغة العربية في عهد النبوة وما كان عليه أمير المؤمنين من فصاحة وبلاغة... وكتاب النهج وما فيه من سجع متكلف، وغرائب في بعض الألفاظ وما ساد في بلاغة القرن الرابع ـ زمن جامع الكتاب ـ وأقل ما يقال فيه أنّه: زاد فيه، وأيضاً انقطاع السند بين جامعه وقائله وبين ذلك خرط القتاد.(1)
أقول: ما ذكرتم من التشكيك أمر قد سبقكم إليه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر المعروف بابن خلكان المولود في مدينة اربل عام 608، فهو أوّل من أثار الشكوك في قلوب الباحثين بنسبته الكتاب إلى الشريف الرضي تأليفاً.
ثمّ جاء بعده الصفدي وهو من كتّاب التراجم إلى أن انتقلت الشبه إلى الكتّاب المعاصرين، وهم يدّعون القول بأنّ الكتاب من صنع جامعه وتأليفه بأدلّة منها ما ذكرتم من ظهور الصنعة الأدبية، والسجع المتكلّف.
وقد تحدثنا عن ذلك في الحوار الأوّل معكم بالتفصيل في ص 14ـ 20 وممّا قلناه هناك:

1 . الصفحة الثانية من الرسالة.

صفحه104
بأنّ الشريف الرضي ليس أوّل من جمع كتب الإمام ورسائله وكلماته، بل سبقه جمهور من الكتاب ذكرنا أسماءهم وكتبهم، وقد صدر عنها وعن غيرها الشريف الرضي. حتّى أنّ الشريف الرضي قد ذكر مصادر بعض خطبه ورسائله وكلماته، وترك ذكر مصادر الكثير وما ذلك إلاّ لكون الشريف الرضي كان على ثقة بصحة سائر ما ذكره فلم يرَ حاجة لذكر المصادر. وإنّما ذكر بعض المصادر فيما لم يكن على ثقة بصدوره. وأمامكم كلام الكاتب الكبير الرحالة المسعودي (المتوفّى عام 345هـ) ـ قبل أن يولد الرضي ـ مؤلف «مروج الذهب» يقول: والّذي حفظ الناس عن الإمام من خطبه في سائر مقاماتهم هو أربعمائة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة تداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً.(1)
وقد أشبعنا الكلام في ذلك في الحوار المذكور. والمظنون أنّه لم تتح الفرصة لكم لمطالعة الحوار الأوّل وعاقتكم عن ذلك كثرة المشاغل، وقد أشرتم إلى ذلك في رسالتكم حيث قلتم: «إنّي أكتب هذه الرسالة على عجل واستسمحكم لكثرة مشاغلي».
فلنرجع إلى ما ذكرتم من وسائل التشكيك: أعني: ظهور الصنعة الأدبية:
وهذا هو أحد الإشكالات الأربعة التي جمعها المحقّق محمد محيي الدين المصري الّذي كتب مقدمة لشرح نهج البلاغة لمحمد عبده (المطبوع في مصر) وقال: الثاني: إنّ فيه من السجع والنميق اللفظي وآثار الصنعة ما لم

1 . مروج الذهب:2/45.

صفحه105
يعهده عصر علي، ولا عرفه، وإنّما ذلك شيء طرأ على العربية بعد العصر الجاهلي وصدر الإسلام، وافتتن به أُدباء العصر العباسي و الشريف الرضي جاء من بعد ذلك على ما ألفوه فصنّف الكتاب على نهجهم وطريقتهم.
وقد أجاب هو عن هذا الإشكال في ذات المقدمة قائلاً: وأمّا عن السبب الثاني فليس ما في الكتاب كله سجعاً، وما فيه من السجع فهو ممّا لم تدع إليه الصنعة، ولا اقتضاه الكلف بالمحسنات، وأكثره ممّا يأتي عفواً بلا كد خاطر ولا تجشم هول، ومثله في عبارات عصره واقع، ومن عرف أنّ ابن أبي طالب كان حامي عرين الفصاحة وابن بجدتها لم يعسر عليه التسليم.(1)
ونضع أمام الشيخ نموذجاً من السجع المتكلّف الرائج في العصر العباسي حتّى يعلم أنّ ما جاء في نهج البلاغة نتج عفواً وبلا تكلّف.
هذا هو الحريري أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري صاحب «المقامات» المشهور، وتعمقه في الصناعة يغنينا عن إيراد كثير من نثره ونظمه. فمن نثره قوله:
«فمذ اغبر العيش الأخضر، وازوّر المحبوب الأصفر، اسودّ يومي الأبيض، وابيض فؤادي الأشيب، حتّى رثى لي العدو الأزرق، فياحبذا الموت الأحمر».
فيا شيخنا القاضي بالحق: قسْ هذا الكلام بقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)في عدم الاغترار بالدنيا أعني قوله: فإنّ الدنيا قد أدبرت، وآذنت بوداع، وإنّ

1 . نهج البلاغة شرح الإمام محمد عبده، المقدمة، ص «و».

صفحه106
الآخرة قد أشرفت باطّلاع، ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار، أفلا تائب من خطيئته قبل منيته؟(1)
وكأن المشكّكين ينكرون على أصحاب المواهب أن يبتكروا ويجودوا بعطاءاتهم الفذة، وأمير المؤمنين ـ كما أصفق الجميع ـ من العباقرة الذين جاءوا في زمن غير زمانهم، ويُبدعوا فلا بِدْعَ أن يكون عطاؤه متميزاً في النحو (وهو مؤسسه) والبلاغة والفقه والكلام والتفسير وغيرها من المجالات.
وأنت ترى أنّ أرباب الأدب و اللغة والفصاحة والبيان من لدن جمعه إلى وقتنا الحاضر قد وقفوا مبهورين أمام سحر تلك الألوان والصور الّتي أبدعتها ريشة أمير البيان وسيد البلغاء وهو ينظم تلك الفرائد.
ولا اعتقد أنّ أحداً ممن يحترم ذوقه وأدبه لا يعشو إلى تلك الأنوار الّتي تتلألأ بها تلك الفرائد، ويخضع لجلالها.
إنّ الشريف الرضي الجامع لنهج البلاغة، قد ألف كتاباً باسم «المجازات النبوية» وقد طبع غير مرة، والفرق بينه و بين «نهج البلاغة» هو انّ الأوّل ألّف باسم النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) والثاني ألّف باسم تلميذه وربيب القرآن، ولم يشك في الأوّل أي مشكك دون الثاني!!
فما هو الوجه، والمؤلف واحد، وكلا التأليفين على غرار فارد؟!
وفي الختام أقدّم اعتذاري عن الإسهاب في الكلام، راجياً من

1 . نهج البلاغة، الخطبة:27.

صفحه107
سماحتكم الإمعان في هذه الرسالة وما تقدمها من الحوارين فإنّ الحقيقة بنت البحث.
وتقبّلوا فائق احترامي وخالص سلامي لكم ولكافة الأخوة المؤمنين الذين من حولكم، وأرجو منكم الدعاء في أيام شهر رمضان ولياليه المباركة، لخلاص المسلمين من الظلم والعدوان، ودسائس الكفار....
وفقكم اللّه
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
3 رمضان المبارك 1425هـ

صفحه108
 
9

سماحة الأخ في اللّه الشيخ صالح بن عبد اللّه الدرويش

حفظه اللّه ورعاه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في صلاح وفلاح وسرور وحبور، وفي خدمة الدين الحنيف وإصلاح المجتمع.
جعلكم اللّه مصباحاً منيراً للدرب، وأخذ بيدكم إلى ما فيه رضاه.
استلمت بيد التكريم والتبجيل قبل بضعة أيّام (عاشر شوال المكرم) هديتكم، أعني الكتاب الموسوم بـ«الإمامة والنص» وقلت: في نفسي هدية حلوة من بلاد التمور والحلويّات، وفتحت الغلاف فاستوقف نظري إليه في بادئ الأمر خطكم الشريف والّذي جاء فيه: «إهداء للشيخ العلاّمة جعفر السبحاني ـ وفقه اللّه ـ آمل أن يتّسع وقتكم للاطلاع عليه ودراسته بإنصاف...».
ثم لاحظت تقريظ الكتاب بقلم الشيخ سعد بن عبد اللّه الحميد حيث ابتدأ كلامه ـ بعد البسملة والحمد ـ بقوله: فإنّ من الأُمور الّتي يبغضها اللّه

صفحه109
لأهل الإسلام الفرقة والاختلاف كما قال سبحانه: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ)إلى أن قال:«وكل غيور على دين اللّه ينفر من الاختلاف ويكرهه ويسعى إلى درئه ما استطاع».
فتفألت بمستهل التقريظ وقلت في نفسي: إنّ المقرّظ من دعاة التقريب، والكتاب المهدى في طريقه، ثمّ سبرت فهرس الموضوعات فأخذتني الحيرة بين التعبير الماضي للمقرّظ ومحتويات الكتاب، فأيقنت أنّ المقرظ من رجال التفرقة وحماتها، وانّه اتّخذ التعبير المذكور واجهة لدعمه موقف الكتاب، الّذي يفرّق ولا يجمع، ويشتّت ولا يلمّ، ويؤجج نار الشحناء والعداء بين المسلمين، ولا يعمل على توطيد علائق الأُخوة بينهم.
وممّا لفت انتباهي عند سبر فهرس الموضوعات عنوان «تعظيم الشيعة لليهود و النصارى» فتحيّرت: كيف ينسب الكاتب إلى الشيعة تعظيم اليهود والنصارى مع أنّ إمام الشيعة وإمام المسلمين علي بن أبي طالب(عليه السلام) هو الذي استأصل شأفة اليهود في قلاعهم، وسقاهم كؤوس الذلّ بسيفه وسنانه، وقتل أبطالهم، وفي مقدّمتهم مرحب الخيبري مرتجزاً:
أنا الّذي سمتني أُمّي حيدرة *** ضرغام آجام وليث قسورة
وقد كرّمه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بعثه لقتال الخيبريين بقوله: «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله يفتح على يديه ، كرار غير فرار»، وقد أطاح بقوله: «غير فرار» باللذَيْن أخذا الراية، من قبَل ثمّ رجعا منهزمينَ، واتُّهما بالجبن والفرار.

صفحه110
ثم عدتُ إلى متن الكتاب حتّى أقرأ ذلك الفصل عن كثب وأتعرّف على حقيقة هذه الدعوى، دعوى «تعظيم الشيعة لليهود والنصارى» أو ليس رجال الشيعة هم الذين أخرجوا اليهود عن الوطن الإسلامي ـ في جنوب لبنان ـ صاغرين، وبذلك صاروا أسوة لأبطال فلسطين وقدوة لأبناء الحجارة وعلّموهم بأنّ التحرّر من ذلّ العدوان الصهيوني لا يُكتب إلاّ بالتضحية والعمليات الاستشهادية؟!
كنت أفكر بهذا الموضوع، فقرأت ذلك الفصل فلم أجد فيه سوى أنّ جماعة من اليهود سألوا الإمام عليّاً (عليه السلام) عن مسائل فأجابهم وأقنعهم فأسلموا غبّ ذلك وقالوا: «أشهد أن لا إله اللّه و...»، وكانت نتيجة الإجابة هي رفضهم للديانة اليهودية أو النصرانية ودخولهم حظيرة الإسلام.
شيخنا الجليل! أطال اللّه بقاءَك هل أنّ هذه الروايات ـ سواء أصّحت أم لم تصحّ ـ تدلّ على تعظيم الشيعة لليهود والنصارى؟ أو أنّها تدلّ على سعة علم الوصيّ وإخضاعه اليهود والنصارى بالبيان الرصين لقبول الإسلام واللجوء إليه؟ ولا غرو في ذلك وهو(عليه السلام)باب علم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأقضى الأُمّة، نطقت بذلك الآثار والأخبار واحتفلت به المجامع والكتب.
باللّه عليك! لو كانت هذه الروايات واردة في حقّ واحد من الصحابة أو أحد الشيخين، وكانت تشير إلى أنّ جماعة من اليهود أو النصارى سألوا أبا بكر أو عمر عن مسائل فأجاب عنها بأجوبة انتهت إلى إسلام السائلين، هل كان الكاتب عندئذ يتهم أهل نحلته بتعظيم اليهود والنصارى؟!
قليلاً من الإنصاف! قليلاً من الوعي!

صفحه111
وقد قال اللّه سبحانه: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى).(1)
فلو صحّ ما ادّعاه الكاتب من أنّ إسلام اليهود والنصارى على ضوء بيان الوصي(عليه السلام)، دليل على تعظيم الشيعة لليهود والنصارى، فالقرآن الكريم أوّل من عظّم اليهود والنصارى. حيث وصفَ لفيفاً منهم بالإيمان غبَّ سماع
الآيات القرآنية، قال سبحانه: (لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحينَ).(2)
قل لنا يا أيّها الأخ في اللّه هل يصحّ لإنسان عاقل أن يتّهم الذكر الحكيم بتعظيم اليهود والنصارى بحجة أنّه يصفهم بقوله:
(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بآياتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ)(3)؟!
لقد فرّق سبحانه وتعالى بين اليهود والنصارى ووصف الطائفة الثانية بأنّهم أقرب مودّة إلى المؤمنين وقال: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَّهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا

1 . المائدة:8.
2 . آل عمران:13ـ 14.   3 . آل عمران:199.

صفحه112
الَّذِينَ قَالُوا إِنّا نَصَارى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ).(1)
إنّ القرآن الكريم يأمر المشركين بسؤال أهل الكتاب للتعرف على سمات الأنبياء ويقول: (وَمَا أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).(2)
لا شكّ أنّ لأهل الذكر مفهوماً واسعاً يعم الأحبار والرهبان وغيرهم، ولكنّهما بلا شكّ من مصاديق الآية حسب سياقها، أفيكون الأمر بسؤالهم تعظيماً لليهود والنصارى؟!
لا أدري ولا المنجم يدري ولا القرّاء يدرون!!

كعب الأحبار وعاء العلم!

والحقيقة أنّ بعض الصحابة هم الذين عظّموا اليهود والنصارى، ـ على وفق الضابطة التي ذكرها المؤلف ـ هذا هو كعب بن ماتع الحميري الذي قالوا في حقّه: هو من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر، وقدم من اليمن في خلافة عمر، فأخذ عنه الصحابة وغيرهم، وأخذ هو من الكتاب والسنّة عن الصحابة، وتوفّي في خلافة عثمان، وروى عنه جماعة من التابعين، وله شيء في صحيح البخاري وغيره.
قال الذهبي: العلاّمة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)،

1 . المائدة:82 .
2 . الأنبياء:7.

صفحه113
وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر، فجالس أصحاب محمد فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب.
إلى أن قال: حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن التابعي وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب.
وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً.
وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي.(1)
وترى الذهبي في كتابه «تذكرة الحفاظ» يعرفه أيضاً بأنّه من أوعية العلم.(2)
ومعنى ذلك أنّ الصحابة كانوا يعتقدون أنّه موئل العلم والفضل، ولهذا السبب أخذ عنه الصحابة وغيرهم. وعندئذ نسأل: إذا أخذ عنه الصحابة وغيرهم على أنّه من أوعية العلم، فما هو ذاك الذي أخذوه عنه؟ هل أخذوا عنه سوى الإسرائيليات المحرّفة والكاذبة؟! فإنّه لم يكن عنده ـ على فرض كونه صادقاً ـ سوى تلك الأساطير والقصص الموهومة. فهل تسعد أُمّة

1 . سير أعلام النبلاء: 3/489. ولاحظ تفسير ابن كثير:3/339 سورة النمل حيث قال ـ بعد ما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان ـ : والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب، سامحهما اللّه تعالى في ما نقلاه إلى هذه الأُمّة، من أخبار بني إسرائيل من الأوابد و الغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّا حرِّف وبدِّل ونسخ، وقد أغنانا اللّه سبحانه عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ.
2 . تذكرة الحفاظ:1/52.

صفحه114
أخذت معالم دينها عن المحدّث اليهودي، المتظاهر بالإسلام المعتمد على الكتب المحرفة بنص القرآن الكريم؟! وهذا، مع افتراض كونه صادقاً، أمّا إذا كان كاذباً فالخطب أفدح وأجل، ولا يقارن بشيء!!
والمطالع الكريم في روايات كعب يقف على أنّه يركز على القول بأمرين: التجسيم والرؤية، وقد اتّخذهما بعض أهل الحديث من الآثار الصحيحة، فبنوا عليهما العقائد الإسلامية وكفّروا المخالف.
والعجب أنّ عثمان بن عفان ربما كان يستفتيه في بعض الأُمور، فقد سأله عن المال المجتمع المؤداة زكاته هل هو من الكنز أو لا؟ وصار ذلك سبباً للمشاجرة بينه و بين أبي ذر وانتهى ذلك إلى تسيير أبي ذر الغفاري إلى الربذة.(1)

وهب بن منبه ناشر الإسرائيليات

وليس كعب الأحبار هو أوّل من أخذ عنه الصحابة، فقد ابتلى المسلمون بعد كعب الأحبار بكتابيّ آخر قد بلغ الغاية في بثّ الإسرائيليات بين المسلمين حول تاريخ الأنبياء والأُمم السالفة، وهو وهب بن منبه اليماني. قال الذهبي: ولد في آخر خلافة عثمان ، كثير النقل عن كتب الإسرائيليات، توفّي سنة 114 هـ و قد ضعّفه الفلاس.(2)
وقال في تذكرة الحفاظ: عالم أهل اليمن، ولد سنة أربع وثلاثين وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإنّه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه

1 . مروج الذهب:2/349وغيره.   2 . ميزان الاعتدال:4/352ـ 353.

صفحه115
في الصحيحين عن أخيه همام.(1)
وترجمه أبو نعيم في حلية الأولياء ترجمة مفصلة استغرقت قرابة ستين صفحة، وبسط الكلام في نقل أقواله وكلماته القصار.(2)
وقد خدع عقول الصحابة بأفانين المكر، حيث صار يعرّف نفسه بأنّه أعلم ممّن قبله وممّن عاصره بقوله لبعض حضّار مجلسه: يقولون عبد اللّه بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما؟ يعني نفسه.(2)
وقد تسنّم الرجل، منبر التحدّث عن الأنبياء والأُمم السالفة يوم كان نقل الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ممنوعاً وأخذ بمجامع القلوب فأخذ عنه من أخذ، وكانت نتيجة ذلك التحدّث، انتشار الإسرائيليات حول حياة الأنبياء في العواصم الإسلامية، وقد دوّن ما ألقاه في مجلد واحد، أسماه في كشف الظنون «قصص الأبرار وقصص الأخيار».(4)
وكم هناك من مستسلمة أهل الكتاب صاروا مصادر للقصص والتفسير كتميم بن أوس الداري راوية الأساطير، وها هي الصحاح والسنن مليئة برواياتهم...وتذكر قصصهم.
فإذا صحّ زعم الكاتب أنّ إيمان أهل الكتاب ـ بعد ما أتم الإمام علي (عليه السلام) ، الحجة عليهم ـ دلل على تعظيمهم، فليكن عكوف الصحابة

1 . تذكرة الحفاظ:1/100ـ 101.   2 . حلية الأولياء:1/23ـ81.
2 . تذكرة الحفاظ:1/101.   4 . كشف الظنون:2/223، مادة قصص.

صفحه116
والتابعين ومن ثمّ المحدثين على أبواب هؤلاء من أفضل الأدلة على تعظيمهم.
لماذا نُؤْمِنُ بِبَعض وَنَكْفُر بِبَعض؟!

الأخبار المتواترة ونقد أسانيدها

إنّ الكاتب يصبّ جهوده على تضعيف رواة الأحاديث المتواترة أو المتضافرة كما في الروايات الواردة حول آيتي الإكمال والبلاغ(ص563ـ 596، من نفس الكتاب).
فقد نقل فيه قرابة خمسين حديثاً وبذل جهوده لتضعيف أسانيد الروايات، ذاهلاً عن أنّ الضابط في الحديث المتواتر أو المتضافر هو «إخبار جماعة عن واقعة يفيد إخبارهم العلم» سواء أكانوا ثقاة أم لا، وإذا ضم إلى هذه الروايات الهائلة ما أخرجه أهل السنّة حول نزول الآيتين يوم الغدير لتجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها. وتكون دراسة سند الأحاديث أمراً زائداً.

المؤلف وأبجدية رجال الشيعة

وممّا يثير العجب أنّ الرجل وهو بصدد تضعيف أحاديث الشيعة حول الإمامة أخذ ينقض ويبرم وهو لا يعرف مشاهير رجال الشيعة فضلاً عن غيرهم.
يقول حول رواية العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «والعلاء لم يصرح أحد بوثاقته وتوثيق الخوئي له إنّما لوروده في اسناد كامل

صفحه117
الزيارات»(لاحظ ص 569).
أقول: إنّ العلاء بن رزين من مشاهير رواة الشيعة وهو راوية محمد بن مسلم الثقفي وقد ورد في أسانيد الكتب الأربعة بهذا العنوان في (392) مورداً، يقول النجاشي: «روى عن أبي عبد اللّه، وصحب محمد بن مسلم وتفقه عليه وكان ثقة وجهاً»(رجال النجاشي، رقم 809)، وقال الشيخ الطوسي: «العلاء بن رزين القلاء، ثقة جليل القدر، له كتاب وهو أربع نسخ» (الفهرست للشيخ، رقم 500).
والسيد المحقق الخوئي نقل هذه الكلمات وليس في كلامه أي إشارة إلى أنّ توثيقه لوروده في أسانيد كامل الزيارات وإن ورد في أسانيده، لكن وثاقته أوضح من الشمس، وأبين من الأمس، هذا هو معجم رجال الحديث لسيدنا الأُستاذ الخوئي، لاحظ الجزء 11 ص 167، رقم الترجمة 7763.
والعجب أنّه أحال إلى الجزء 5/184 من معجم رجال الحديث للسيد الخوئي، ولم نجد أيّ أثر ممّا ذكره هناك!!

اعتذار

إليك ـ أيّها الأخ في اللّه ـ أرفع آيات الاعتذار عمّا جرى به قلمي ولم يكن إلاّ نفثة مصدور، تجلّت على هذه الصحائف، وما دفعني إلى كتابتها سوى حبّ الإصحار بالحقيقة واستعتاب الشاغب لئلا ينطلي عليه أنّ ما نسجه حقائق راهنة. بل هو علبة السبّ ووعاء الشتم، يشبّه علماء الشيعة ـ الذين خدموا الحضارة الإسلامية في مختلف الأصعدة ـ بالذباب الّذي يتتبع

صفحه118
مواضع الدم والجروح!!... كبرت كلمة خرجت من فمه.
وقد تبيّن عندي طيلة حياتي:
إنّ لكلّ شيء دليلاً إلاّ الافتراء على الشيعة.
ولكلّ شيء نهاية إلاّ الكذب على الشيعة.
وليس في العالم الإسلامي ـ و فلسطين ترزح تحت العدوان الصهيوني ـ مشكلة سوى مشكلة الشيعة، ولذلك لم تزل تدور الردود والأُطروحات في الجامعات حول نقد عقائد الشيعة.
(قُلْ كُلٌّ مَتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى).(1)
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
23 شوال 1425 هـ

1 . طه:135.

صفحه119
 
10

سماحة الشيخ آية اللّه العظمى جعفر السبحاني

وفقه اللّه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
وبعد..
فقد وصلني كتابيكم الكريمين(1) الأوّل فيما يتعلق بالرد على رسالتي لكم، ومع كلّ أسف رأيت سماحتكم ترك صلب الموضوع والفكرة التي طرحتها، وجعلتم محور رسالتكم للنقاش والرد، ولست من أصحاب الجدل واستعراض القوى، وأسأل اللّه سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإيّاك من الناصرين لسنّة نبيّه الكريم السائرين على خطاه، المتمسّكين بسنّته العاملين بهديه.
لذا تركت الرد حتّى في بيان المغالطات العلمية التي وردت في الرسالة ومنها زعمكم ظهور النفاق قبل غزوة بدر حيث إنّكم ذكرتم قصة ابن أبي سلول مستدلّين بها على وجود النفاق قبل بدر والرجل في ذلك الوقت معلناً كفره ولم يعلن الإسلام بعد، والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) زاره ليدعوه للإسلام فلا نفاق قبل

1 . كذا في أصل الرسالة بالبريد الالكتروني، والصحيح كتاباكم الكريمان.

صفحه120
بدر لا من المهاجرين ولا من الأنصار!!!!!
هذا على سبيل المثال فقط ولا أُريد الإطالة في مثل هذا لسابق ما ذكرت لكم أنّي لست في صدد الجدل والنقاش. ومع هذا أطلب من سماحتكم لكي تشعر بأهمية الفكرة والموضوع أطلب من سماحتكم أن تدلّني على كتاب جمع أقوال أئمة أو بعضهم اتفق الشيعة على صحتها وقطعوا بما فيها، لكي أقرأ فيها ويقرأ فيها غيري من المثقفين الشيعة ليتعبد بها وكله ثقة في صدورها عن الأئمّة (عليهم السلام).
فأنت أعلم مني بالمكتبة الشيعية ويكفي من مئات المجلدات مجلدين(1) أو مجلد في جمع الصحيح المقطوع صدوره من الأئمّة عليهم سلام اللّه فيها الكلام الخاص المصفى ولعل الفكرة وصلتكم ولا تحتاج إلى مزيد توضيح أو بيان.
وقد أعجبني كلام سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد حسين فضل اللّه وفقه اللّه عند زيارتي له خلال الصيف الماضي حينما ذكر أنّ طرح هذه الأفكار ومناقشتها من الضرورة والأهمية بمكان ويجب العمل عليها وإخراجها للواقع لترى النور فيتميز الحق من الباطل والصحيح من السقيم والمتصل من المنقطع.
كما أشار جمع من الفضلاء من علماء الحوزة العلمية بأهمية هذا الموضوع وضرورته، وأنّ الموقف السلبي من التراث والجمود أمامه لا

1 . الفتاوى الحديثية: 86.

صفحه121
يخدم إلاّ أصحاب المصالح الشخصية، وسماحتكم فيما سمعنا عنكم أنّكم من أبعد الناس عن هذه النظرة الجامدة.
وما يدلك على بعد كبار المحققين والمراجع العلمية من تحقيق التراث عملياً مع دعوتهم إليه نظرياً ما تجده في كتب سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد الشيرازي فهو في كتاباته وأطروحاته الفكرية يدعو بقوة إلى إعمال العقل والنظر في التراث كما يدعو للتجديد، وإذا ما نظرت إلى مؤلفاته الفقهية والعقدية تجده يستدل بالروايات دون تمييز!!!
أمّا خطابكم الثاني المتعلق بالنص والإمامة لمؤلفه فيصل نور فقد قمت بإيصال ملاحظاتكم إلى صاحب المصنف وهو من الشباب الجادين في البحث والتحقيق، وعنده طموحات كبيرة في إخراج مجموعة من المصنفات حول الموضوع، وهذا يعد أوّل نتاجه العلمي وهو باكورة إنتاجه في التصنيف، وميزته وفقه اللّه الحرص على اتباع الحق وتواضعه في قبول كلّ نقد وتوجيه، ومن خلال معرفتي به فإنّه لا يضيره أن يعترف بالخطأ والرجوع عنه هذا ما نحسبه واللّه حسيبه ولا نزكي على اللّه أحداً.
وقد رد على كتابكم المحتوي على الملاحظات حول مؤلفه والتي تجدونها مرفقة مع رسالتي لكم وليس لي من الأمر إلاّ أنّي ناقل لكم منه ومنه لكم وفقكم اللّه تعالى لمرضاته وأحسن لنا ولكم الختام.
أخوكم
صالح بن عبداللّه الدرويش

صفحه122
 
11

عنوان الفضل والفضيلة ورمز الأدب والأخلاق

الأخ في اللّه الشيخ صالح بن عبد اللّه الدرويش
دامت معاليه وتواترت بيض أياديه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
نسأل اللّه لكم التوفيق في خدمة الدين وإصلاح المجتمع ولمّ الشعث وتوحيد الكلمة....
وصلني كتابكم الكريم مرفقاً برسالة من الشاب الجادّ في البحث والتحقيق ـ كما ذكرتم ـ فأشكر اللّه سبحانه على هذا التواصل وهذه العلاقات العلمية التي ستثمر في نهاية الأمر، وإن كانت في بدايتها مقترنة بالصعوبة.
أمرتم ـ وإليكم الأمر والنهي ـ أن أدلّكم على كتاب يجمع أقوال الأئمّة (عليهم السلام)أو بعضهم، اتّفق الشيعة على صحة هذه الأقوال وقطعوا بما فيها لكي تقرأوا فيها... الخ.
أنار اللّه برهانكم; فقد اعتذرنا عن ذلك في رسالتنا المؤرخة 3رمضان المبارك 1424 هـ ، و كنا قد قلنا هناك إنّه لا يوجد عند الشيعة كتاب اتّفق

صفحه123
علماؤهم على صحته من أوّله إلى آخره، سوى القرآن الكريم.
والضابطة عندهم هي:
إنّ العقائد والمعارف لا يحتج فيها إلاّ بخبر مفيد للعلم الجازم نظير: الخبر المتواتر أو الخبر الواحد المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع واليقين.
وأمّا الأحكام العملية فيحتج فيها بهما وبالخبر الصحيح، وإن لم يفد العلم.
ووجه الفرق هو: انّ المطلوب في العقائد هو تحصيل اليقين، وهو رهن القسمين الأوّلين أو حكم العقل الحصيف.
بخلاف المطلوب في الأحكام فالمطلوب فيها هو العمل، وِفْقَ حجة شرعية، والخبر الصحيح أحد الحجج الشرعية.
ومع ذلك فقد بلغ فقهاء الشيعة النهاية في حقل الفقه فميّزوا الصحيح عن غيره.
فهذا هو المحقّق الشيخ حسن بن الشهيد الثاني(959ـ 1011هـ) قد ألف كتابه «منتقى الجمان في الصحاح والحسان».
كما ألف العلاّمة المجلسي(1037ـ 1110هـ) كتابه «مرآة العقول» فميز فيه بين الروايات بالتقسيم الرباعي الموجود في علم الدراية عند الشيعة من الصحيح والموثق والحسن والضعيف، وكذلك تجد في سائر الكتب الفقهية الإشارة عند الاستدلال بالرواية إلى صحّة السند وضعفه.

صفحه124
فإن كنتم تريدون قسم الصحيح وغيره في الفقه فهذا أمر ميسر، وإن أردتم القسم الصحيح فيما ورد حول العقائد فليس عندنا كتاب جامع لهذا الموضوع.
ومع ذلك كلّه فكاتب هذه السطور يفتخر بتلبية طلباتكم في حقل العقائد والأحكام وأدلتهما من الكتاب والسنة المتواترة أو المحفوفة بالقرائن أو الخبر الصحيح....
إنّ باب الحوار الذي فتحتموه باب نافع للأُمّة الإسلامية إذ به يرتفع حجاب الجهل عن البصر و البصيرة ، ويقف المسلمون على ما عند الطوائف الأُخرى من ثقافة وعلم وأدب بشرط أن يكون هذا الحوار واجداً لشرائطه وأن يكون الهدف منه تحري الواقع وكشف الحقيقة.
وبعين الحق أنّ أكثر الطوائف ـ بالنسبة إلى عقائد الإمامية ـ أُمّيون لا يعرفون منها شيئاً، هذا هو القصيمي صاحب كتاب «الصراع بين الإسلام والوثنية» يصف شيعة آل البيت (عليهم السلام) بالوثنية; ويأتي آخر فيقرّض هذا الكتاب بشعره لا بشعوره قائلاً:
فما للقوم دين أو حياءٌ *** ويكفيهم من الخزي «الصراع»
ومن أعجب التهم ـ و ما عشت أراك الدهر عجباً ـ اتهام شيعة آل البيت (عليهم السلام)بمهزلة «خان الأمين» مع أنّ هذا هو شعار اليهود بالنسبة للمسلمين لا شعار الشيعة.
فاليهود خذلهم اللّه هم القائلون بخان الأمين، ويعتقدون أنّ أمين

صفحه125
الوحي نزل بالوحي إلى أولاد إسماعيل وكان مأموراً بحفظه في عقب إسحاق ويعقوب كما حكاه الرازي في تفسيره ... انظر كيف حرّفوا الكلم!!
ولا أزيدك بياناً سوى أنّي أذكر ما لاقيته عام 1375هـ ـ عُقْب وفاة الملك عبد العزيز بسنة ـ في مكّة المعظمة وكنا قد استأجرنا دار أحد المدرسين في الحرم الشريف وقد سألني عند زيارته لنا في منزلنا، فقال: شيخنا السبحاني هل للشيعة تأليف؟ قلت في نفسي يا سبحان اللّه هذا هو مدرس الحرم الشريف ويعيش في أُمّ القرى، وفي كلّ سنة يزور الكعبة آلاف من الشيعة ووفود عديدة منهم من أقطار الأرض كيف لا يعلم أنّ للشيعة جامعات ومكتبات ومدارس علمية ومؤلفات؟!!
عندما أرجع إلى نفسي وأتذكر هذه الذكريات المرة، فأنّي أثمّن الحوار الذي فتحتم بابه وولجتم منه إلى فسيح العلم والمعرفة.
هذا ما يتعلّق برسالتكم، أمّا ما يرجع إلى رسالة مؤلف كتاب «الإمامة والنص» فسنرفقها مع هذه الرسالة إن شاء اللّه.
حفظكم اللّه من كلّ سوء ورعاكم وجعلكم مصباحاً منيراً للدرب وأخاً رؤوفاً لي وأباً عطوفاً لعامة المسلمين.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
السبت رابع ذي الحجة الحرام عام 1425 هـ

صفحه126
 
12

سماحة آية اللّه العظمى جعفر السبحاني وفقه اللّه(1)

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
وبعد:
فتجدون برفقه مرفقين حول الإجابة على رسالتكم كما تجدون مرفقاً آخر حول ملاحظاتكم على كتاب «الإمامة والنص» نسأل المولى أن يوفقنا وإياكم للحق والسداد ودمتم بخير وعافية.
أخوكم
صالح بن عبد اللّه الدرويش

1 . بعد أن وصلت رسالتنا في نقد كتاب «الإمامة والنص» إلى يد المؤلف عن طريق العلاّمة الشيخ صالح الدرويش كتب المؤلف رسالة مطوّلة خرج فيها عن موضوع الحوار وتطرق إلى مواضيع لا صلة لها بالمقام،ولذا نعتذر عن نشرها كاملة ونكتفي بذكر ما له صلة بموضوع الحوار، ضمن جوابنا عليه، وقد قام الشيخ صالح الدرويش مشكوراً بإرسال رسالة المؤلف إلينا وكتب لنا هذه الرسالة المختصرة.

صفحه127
 
13

الأخ الوجيه سماحة الشيخ صالح الدرويش حفظه اللّه(1)

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
تهنئة عطرة، بمناسبة عيد الأضحى ذلك اليوم الّذي جعله اللّه سبحانه عيداً للمسلمين.
نسأل اللّه لكم التوفيق لما يرضاه.
أرجو أن تصل رسالتي هذه إلى من تتعلق، وسماحتكم أعرف به منّي.
أمّا بعد:
فقد وصلتني رسالته المفصلة والمؤرخة 23شوال 1425 هـ ، المرفقة مع رسالة سماحة الشيخ صالح الدرويش حفظه اللّه تعالى.
وكانت الرسالة جواباً عما ذكرتُ من المآخذ والإشكالات على فصل واحد من كتابه المسمّى بالإمامة والنصّ.
وما قرأت من هذا الكتاب إلاّ ذلك الفصل وكلّ ما ذكرته يرجع إليه دون سائر الفصول وذلك لأنّي لم أوفق لقراءة غيره إلاّ عابراً.

1 . وقد أجبنا عن ملاحظات مؤلف كتاب «الإمامة والنص»، وكان خطابنا في هذا الجواب موجهاً للشيخ صالح الدرويش باعتباره هو المرسل إلينا.

صفحه128
وقبل أن أُشير إلى الأُمور والنكات التي ترفع الستار عمّا قلت، أُذكّره بضابطة كلية حول الحوار.
فالحوار المفيد عبارة عن التركيز على الموضوع المطروح والاجتناب عمّا لا علاقة له بالموضوع، وإلاّ فيعود الحوار غير مفيد ولا ناجع ويشبه المحاضرات الّتي ينتقل المتكلم فيها من موضوع إلى موضوع ويصير الحوار مظهراً للمثل السائر (الكلام يجر الكلام) وعلى ضوء تلك الضابطة في رسالتي السابقة ألفتنا نظره إلى أُمور:

1. وجود التناقض بين التقريظ ومحتويات الكتاب

إنّ التقريظ يعرب عن أنّ المقرّظ يحمل هموم المسلمين وينفر عن التفرقة، ويحب لمّ الشعث ووحدة الكلمة، ولكنّه في الوقت نفسه يقرّض كتاباً يؤدّي إلى خلاف ذلك.
هذا هو الإشكال الّذي أخذت على المقرِّظ فقط. وليس في رسالتي أيّ شيء ممّا نسبَه المؤلف إليّ، أعني «إظهاركم الحرص على التقريب» و «جمع كلمة المسلمين ونبذ الفرقة»....
وبعبارة أوضح: أنّ مصب الإشكال هو وجود التناقض بين الأمرين، والإشكال إمّا وارد أو غير وارد، فكان عليه بيان تلك النقطة لا توجيه الإشكال إلى الكاتب، فإنّه غير مطروح.
وأمّا وصفه كتبي بأنّها «ممّا يفرّق ولا يجمع» فهو ادّعاء على الغائب «والغائب على حجّته» (الأصل المسلم في القضاء) لا يحكم عليه بشيء حتّى يحضر.

صفحه129
 
2. تعظيم الشيعة لليهود
إنّ ما نقله من الروايات في الفصل الخاص المعنون بـ«تعظيم الشيعة لليهود والنصارى» لا يدلّ على ذلك العنوان، فالروايات أصحّت أم لم تصحّ إنّما تشير إلى سعة علم الإمام(عليه السلام) وقوة منطقه حتّى أسلَمَ في ظل بيانه جماعة من اليهود والنصارى كما أسلَمَ بيد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبفضل رصانة منطقه، جموع من المشركين وغيرهم، فتأثير الدعوة والبيان من الإمام لا صلة له بهذا العنوان.
إنّ في وسع المحقّق، نقد هذه المرويات سنداً ومضموناً لكن ليس له ذلك الاستنتاج الخاطئ إلاّ إذا كان ذا رأي مسبق.
ولكنّه زعم أنّي أردت أن أرميه بالطعن في أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
ولكنّي لم أكن بصدد هذا الطعن، إذ من الواضحات انّ أهل السنة من محبي أهل البيت(عليهم السلام)من غير حاجة إلى دليل وبرهان.
وما ذكرت حول مستسلمة أهل الكتاب نظراء «كعب الأحبار» فقد خفي عليه صلته بالمقام، فهؤلاء هم الكافرون حقاً والمظهرون للإسلام خداعاً لعقولنا، فقد لعبوا في التاريخ والحديث، فأدخلوا الإسرائيليات والمسيحيات، بل المجوسيات، في الحديث والتاريخ إلى حدّ شوهوا كتبنا، ولذا قام غير واحد من الباحثين بإخراجها عن كتب الحديث.
فهذا ابن كثير قد أظهر أسفه من إدخال هذه الأكاذيب في المصادر

صفحه130
الإسلامية، ومع ذلك فقد تضافر المدح من علماء الرجال في حقّهم غافلين عن مقاصدهم الفاسدة، فهل يصحّ أن نصف أهل السنّة بتعظيم اليهود؟!!

3. الخطأ في ترجمة العلاء بن رزين

وممّا الفت نظره إليه هو الخطأ في ترجمة العلاء بن رزين فقد سلّم بما ذكرت، ونعم ما فعل فالنسيان رفيق الإنسان، والمعصوم هو من عصمه اللّه سبحانه: (وَما أُبرئ نَفسي).

4. نقد الأخبار المتواترة

وممّا ذكرتُ في الرسالة أنّ الروايات المتواترة المتضافرة لا تخضع للنقد، وهذا أمر واضح لمن له أدنى إلمام بأُصول الحديث وأحكامه، ولكنّه بدل تصديق الإشكال أو نقده; ذكره في جوابه (هل يرى الشيخ ذلك في روايات تحريف القرآن عن طرق الشيعة التي أورد الطبرسي منها في فصل الخطاب أكثر من 1112رواية).
وبما أنّ روايات التحريف وقعت ذريعة للإطاحة بالشيعة ـ وإن نادوا وصرخوا بملء أفواههم بالبراءة من هذه الوصمة، وأنّ رأي واحد من علمائهم ليس دليلاً على رأي الطائفة ولا يُعبّر عن موقفهم في المسألة ـ نلفت نظره إلى أنّ قسماً كبيراً من هذه الأحاديث ـ و أكثرها مراسيل ـ أُخذت من تفاسير السنّة، وأمّا القسم الآخر فأكثره مأخوذ من كتب لا قيمة لها عند أهل العلم والحديث، وهاك أسماء بعض هذه الكتب:

صفحه131
1. رسالة مجهولة النسب نسبت إلى أُناس; كسعد بن عبد اللّه الأشعري (المتوفّى 301 هـ) أو محمد بن إبراهيم النعماني (المتوفّى360هـ) أو السيد المرتضى (المتوفّى 436هـ).
2. كتاب القراءات لأحمد بن محمد السياري(المتوفّى 268هـ) وهو ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو الرواية، كثير المراسيل.
3. تفسير أبي الجارود زياد بن المنذر السرحوب (المتوفّى150هـ)، والّذي ورد لعنه على لسان الإمام الصادق(عليه السلام).
4. كتاب الاستغاثة لعلي بن أحمد الكوفي (المتوفّى 322هـ) الّذي قال عنه النجاشي: غلا في آخر عمره وفسد مذهبه، وصنف كتباً كثيرة أكثرها على الفساد.
5. التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام)، الّذي هو ليس منه وإنّما نسب إليه.
فإذا كانت الروايات الهائلة منقولة من هذه الكتب ونظائرها فلا قيمة لها ولا يصدق عليها وصف التواتر للعلم بضعف المصدر وانتهاء الروايات إلى أُناس لا عبرة بكتبهم.
ونحن لا نريد المقابلة بالمثل فإنّ اتهام كلّ طائفة، الأُخرى، بمعنى انعقاد الإجماع المركب من الطائفتين على تحريف القرآن وهو يتم لصالح الأعداء لا لصالح المسلمين، ولكن أُريد أن أُوقفه شخصياً بأنّه لو كان وجود الروايات دليلاً على التحريف فليكن وجود روايات التحريف عند السنّة

صفحه132
دليلاً على عقيدتهم بالتحريف، وإن كان في شك فليطالع الموارد الموجودة في هذه القائمة في المعاجم الحديثية(الصحاح والسنن) والتفاسير لأهل السنّة.
1. آية الرجم.
2. آية الرغبة.
3. آية الجهاد.
4. آية الفراش.
5. القرآن (1027000) حرف.
6. قد ذهب منه قرآن كثير.
7. ذهاب القرآن بذهاب حملته يوم اليمامة.
8. زيادة كانت في مصحف عائشة.
9. آية الرضعات أكلها داجن البيت.
10. آيتان من سورة البيّنة.
11. آيتان لم تكتبا في المصحف.
12. سورة كانت تعادل براءة وأُخرى تشبه المسبحات.
13. سورة الأحزاب كانت أطول من البقرة.
14. دعاء القنوت.
وهكذا دواليك.

صفحه133
وانّي أجلّ علماء السنة وفطاحلهم من القول بالتحريف.
وأمّا تفسير هذه الروايات الواردة في كتب السنّة بوفرة عن طريق منسوخ التلاوة فهو مهزلة، أشبه بمنطق الصبيان، إذ لسائل يسأل لماذا نسخت؟ هل كان الإشكال في المحتوى فالمفروض أنّ الحكم باق كآية الرجم وغيرها، أو كان الإشكال في التعبير والركاكة في اللفظ فالمصيبة أعظم، واللّه سبحانه مبدأ الكمال والجمال، أجل من أن ينزل آية فيها ركاكة.
وكلّ من كتب حول عقيدة الشيعة ـ في السعودية ـ بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، استمات لإثبات انّ «تحريف الكتاب العزيز من عقائد الشيعة، معتمداً في ذلك على كتاب الشيخ النوري» وهؤلاء يرون القذى في عين الغير، ولا يرون الجذع في عيونهم، غافلين عن وجود أمثال هذا الكتاب في كتب أهل نحلتهم.
وإن كنت في شكّ ممّا ذكرت فاستمع إلى قول الشيخ محمد المدني رضي اللّه عنه عميد كلية الشريعة في الأزهر الشريف يقول:
«وأمّا الإمامية فمعاذ اللّه أن يعتقدوا نقص القرآن،وإنّما هي روايات رُويت في كتبهم كما رُوي مثلها في كتبنا، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيّفوها وبيّنوا بطلانها، وليس في الشيعة الإمامية أو الزيدية من يعتقد ذلك كما أنّه ليس في السنّة من يعتقده.
ويستطيع من شاء أن يرجع إلى مثل كتاب الإتقان للسيوطي ليرى فيه أمثال هذه الروايات الّتي نضرب عنها صفحاً.

صفحه134
وقد ألّف أحد المصريين في سنة 1948م كتاباً اسمه «الفرقان» ملأه بكثير من أمثال هذه الروايات السقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلاً إيّاها عن الكتب والمصادر عند أهل السنّة، وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بيّن بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فيه، فاستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرت الكتاب، فرفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضاً، فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها.
أفيقال: إنّ أهل السنّة ينكرون قداسة القرآن؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان؟ أو لكتاب ألّفه فلان؟ فكذلك الشيعة الإمامية، إنّما هي روايات في بعض كتبهم كالرّوايات الّتي في بعض كتبنا...».
ومع أنّ الكتاب صودر، يوم ذاك، فقد انتشرت نسخه في المكتبات.
وأمّا انتقاده كلامي بتعريف ابن تيمية بما نقلت فأُحيل جوابه إلى كلام الحافظ ابن حجر الّذي يقول في كتابه «الفتاوى الحديثية»:
«ابن تيميّة عبدٌ خذله اللّه وأضلّه وأعماه وأصمّه، وبذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبو الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة وأهل عصرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه ـ ابن تيميّة ـ على متأخّري الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنهما ـ .

صفحه135
والحاصل: أنّه لا يقام لكلامه وزن، يرمي في كلّ وعر وحَزَن، ويعتقد فيه أنّه مبتدع ضالّ مضلّ غال عامَله اللّه بعدله وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله ـ آمين ـ ».(1)
وكم للفطاحل من علماء السنّة كلمات تعرب عمّا ذكرنا وليس المقام مناسباً لنقلها.
ونشير في الختام إلى أمرين:
1. كانت في رسالته إشارة إلى أنّ بعض ما تكتبه الشيعة ينطلق من باب التقية.
وهذه فكرة خاطئة جداً، لأنّ التقية من الأُمور الشخصية وهي سلاح الضعيف أمام العدو الغاشم الذي صادر حريّاته فيتدرع بالتقية فيظهر الموافقة، فإذا انتهت الظروف الحرجة فالرجل على حالته الأُولى.
هذه هي التقية التي وردت في الكتاب ونص عليها أئمّة الفقه في غير واحد من الموارد.
فلو كانت التقيّة أمراً مرغوباً عنه، فالوزر على من حمل الشيعة عليها، فلو لم يصادر حرياتهم، ولم يهدد حياتهم، لما رأيت أثراً من التقية في قاموس حياة الشيعة.
وأمّا تأليف كتاب على نسق التقية فهذا كذب وفرية، وعطف الباطنية على الإمامية خطأ بعد خطأ، فالشيعة الإمامية بفضل اللّه تبارك وتعالى

1 . الفتاوى الحديثية: 86 .

صفحه136
وبجهادهم العلمي لم يكتبوا كتاباً واحداً على هذا المنوال.
فلو نص علماء الشيعة على عدم التحريف فهو نابع من صميم فكرهم لا من باب التقية، وهذه التهمة شنشنة أعرفها من كلّ من لم يعرف معنى التقية وحدودها.
2. إنّ التعرف على وثاقة الشخص تارة يحصل من تقليد علماء الرجال كما هو الرائج بين الفريقين، وأُخرى من جمع القرائن والشواهد الحاكية على نفسية الشخص ووثاقته وضبطه ومدى اهتمامه بالحديث وغير ذلك.
فقد فتح ذلك الباب منذ أربعة قرون عدد من العلماء منهم:
1. الشيخ محمد الأردبيلي مؤلف كتاب «جامع الرواة» المطبوع في مجلدين ضخمين.
2. السيد المحقّق البروجردي أُستاذنا الكبير البارع في الفقه والرجال، فقد أكمل ما بدأ به الرجالي الأردبيلي بموسوعة كبيرة.
وبذلك يُعلم أنّ وثاقة المشايخ كإبراهيم بن هاشم الكوفي ثمّ القمي ثابتة من هذا الطريق والتفصيل في محله.
والطريق الثاني طريق اجتهادي والأوّل طريق تقليدي ولكلّ أهل.
والسلام على عباد اللّه الصالحين ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
10 ذي الحجة الحرام 1425 هـ

صفحه137
 
14

الأخ في الله الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو من الله سبحانه أن تكونوا في صحة وعافية .
اغتنم فرصة سفر الشيخ هاني المسكين إلى الديار المقدسة لأكتب لكم هذه الرسالة راجياً لكم الخير والتوفيق.
ونحن على أعتاب شهر الله شهر رمضان الّذي أُنزل فيه القرآن نبارك لكم هذه الأيّام ونهديكم خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في آخر جمعة من شهر شعبان المعظم والّتي جمع فيها فضائل هذا الشهر، وقد رواها الشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ) بسنده إلى الإمام علي الرضا (عليه السلام)عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين علي(عليهم السلام)قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبنا ذات يوم فقال:
أيُّها الناس إنّهُ قد أقبل إليكم شهرُ اللهِ بالبركَةِ والرّحمةِ والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيّامه أفضل الأيّام ولياليه أفضل اللّيالي وساعاتهُ أفضل الساعات، هو شهرٌ دعيتم فيه إلى ضيافة اللهِ وجعلتم فيه من أهل كرامةِ

صفحه138
اللهِ، أنفاسكم فيه تسبيحٌ ونومكم فيه عبادةٌ وعملكم فيه مقبولٌ ودعاؤكم فيه مستجابٌ، فسلوا الله ربَّكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوةِ كتابه، فإنَّ الشقي من حرم غُفران اللهِ في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوعَ يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقّروا كباركم وارحموا صغاركم وصلوا أرحامكم واحفظوا ألسنتكم وغضّوا عمّا لا يحلُّ النظر إليه أبصاركم وعمّا لا يحلُّ الاستماع إليه أسماعكم، وتحنَّنوا على أيتام الناس يتحنَّن على أيتامكم، وتوبوا إليه من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم، فإنَّها أفضل الساعات، ينظر الله عزَّ وجلَّ فيها بالرحمة إلى عبادهِ، يجيبهم إذا ناجوهُ ويلبيهم إذا نادوه ويستجيب لهم إذا دعوهُ.
أيُّها الناس انَّ أنفسكم مرهونةٌ بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم وظهوركم ثقيلةٌ من أوزاركم فخفّفوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أنّ الله تعالى ذكره، أقسم بعزتهِ أن لا يُعذب المصلين والساجدين وأن لا يروّعهم بالنار يوم يقوم الناسُ لربّ العالمين .
أيُّها الناس من فطر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان لهُ بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرةٌ لما مضى من ذنوبه. قيل: يا رسول الله وليس كلنا يقدر على ذلك. فقال صلى الله عليه وآله: اتقوا النّار ولو بشق تمرة، اتقوا النّار ولو بشربة من ماء....» وللحديث صلة.
الشيخ العزيز: كنّا ـ فيما سبق ـ قد أرسلنا اليكم كتابين ألا وهما:

صفحه139
«كتاب الحج» و «كتاب الميراث»، نتمنى أن يكونا قد وصلا إليكم كما نوّد أن نتعرف على انطباعاتكم حولهما، ولو راجعتم الكتابين لتجلى لكم أن ما يجمع بين الشيعة والسنة أكثر ممّا يفرقهم.
تقبلوا سلامنا وتحياتنا
   ولا تنسونا من صالح دعائكم في ليالي وأيّام شهر رمضان المبارك .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
22 شعبان المعظم 1426 هـ

صفحه140
 
15

فضيلة الشيخ صالح بن عبداللّه الدرويش حفظه اللّه

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في صلاح وفلاح وفي خير وسعادة.
لفَتَ نظري كتابُ «حقيقة وليس افتراء» تأليف أبي معاذ الإسماعيلي وقد صُدِّر بتقديمكم وسرّني ما جاء في التقديم من دعوتكم إلى توحيد الكلمة بين المسلمين وضرورة وقوفهم صفّاً واحداً أمام اليهود والنصارى وسائر الكفّار.
ولما قرأت صحائف من الكتاب وجدته على خلاف ما دعوتم إليه، ففي الكتاب سبّ لاذع لكبار العلماء وقادة الفكر، فها هو يصف نصير الدين الطوسي بقوله: «أمّا نصير الدين الطوسي فتعامله مع التتار لا ينكره أحد من علماء الشيعة، بل يذكرون كونه سبباً في جريان دماء المسلمين كالأنهار في نكبة التتار...إلى أن قال: والأولى تسميته بخائن الدين صاحب مذبحة بغداد».(1)

1 . حقيقة وليس افتراء:66.

صفحه141
ويقول في مكان آخر: «وهناك ضربة قاصمة لظهر الشيخ المفيد».(1)
ويقول في موضع ثالث: «ليُدرك خزعبلات وخرافات السيد جعفر مرتضى بشكل خاص»(2) إلى أمثال ذلك من الكلمات البائسة الّتي لا تصدر إلاّ من كاتب ناقم، ذي نفس داكنة وقلب مريض. فلو كانت الغاية تحقيق الموضوع لما احتاج إلى مثل هذه الكلمات. وبما أنّ الرجل أهان إمام العلم ومفخرة المسلمين ـ أعني: نصير الدين الطوسي ـ نذكر شيئاً موجزاً حول هجوم المغول على بغداد، ليُبصر مَن له عينان أنّ عدم كفاءة الخليفة ومن حوله من الوزراء والأُمراء، وانغماسهم في الشهوات واللذائذ، هو الّذي أدّى إلى سقوط الخلافة العباسية:
يقول ابن كثير: «وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كلّ جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتُضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الّذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: «إذا أراد اللّه انفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم»، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرة الستائر على دار الخلافة.(3)
هب أنّ نصير الدين الطوسي هو السبب لسقوط الخلافة العباسية

1 . المصدر نفسه:61.
2 . المصدر نفسه:34.
3 . البداية والنهاية:13/213.

صفحه142
وسيلان الدماء في عاصمتها، فما هو سبب ذلك الدمار الواسع والانهيار الشامل الّذي عمّ البلاد من أقصى المشرق الإسلامي إلى العاصمة بغداد، وها هو ابن الاثير (المتوفّى عام 630هـ) أي قبل سقوط الخلافة الإسلامية بست وعشرين سنة يصف تلك الداهية العظمى بالنحو التالي:
«من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فياليت أُمّي لم تلدني، ويا ليت متُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً إلاّ انّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثمّ رأيت أن ترك ذلك لا يُجدي نفعاً فنقول:
هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال القائل: إنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتل بمثله لكان صادقاً، فإنّ التاريخ لم يتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ـ إلى أن قال: ـ هؤلاء لم يُبقوا أحداً، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون. فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون ثم منها إلى بلاد ماوراء النهر مثل سمرقند وبُخارى وغيرها فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها مُلكاً وتخريباً وقتلاً، ثمّ يتجاوزونها إلى الريّ وهَمَدان وبلاد الجبل وما فيها من البلاد إلى حد العراق، ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية ويخربون ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله.(1)

1 . الكامل في التاريخ:12/358ـ 359. ولكلامه ذيل من أراد فليرجع.

صفحه143
وهنا نسأل الكاتب: هل كانت يد المحقّق الطوسي تلعب في كلّ هذه الخطوات المرّة من وراء الستار؟ أو أنّ للدمار عوامل تكمن في حياة المسلمين عبر السنين، حيث اشتغلوا بالخلافات الداخلية وانصرف الخلفاء إلى اللهو واللعب، وشرب الخمور و عزف المعازف وسماع المغنيّات، وقد تبعهم الرعاع والسوقة فذهبت الخيمة الإسلامية التي سيطرت على العالم في أوائل قرون العصر الإسلامي.
كان المحقق الطوسي مقيماً مع الإسماعيليّين في «قلعة ألموت» الّتي قاومت الهجوم إلى أن سقطت بيد التتار، فأُخذ أسيراً، ولمّا علموا بفضله خصوصاً بالنسبة إلى النجوم والفلكيات، وقد كان للتتر رغبة كبيرة في هذه العلوم، صار ذلك سبباً لقربه من الحاكم فكان يدفع عاديتهم عن المسلمين مهما أمكن.
يقول الصفدي: كان رأساً في علم الأوائل لا سيّما في الارصاد والمجسطي ووصفه بالجود والعلم وحسن العشرة والدهاء.(1)
وقال بروكلمان الألماني: هو أشهر علماء القرن السابع وأشهر مؤلفيه إطلاقاً.(2)
وقد خدم الثقافة الإسلامية وحفظها من شر التتار بدهائه وحنكته حيث رغّب التتار في حفظ العلوم حتّى وُفِّق لجمع العلماء المختفين في أكناف العالم إلى بناء قبة ورصَدَ عظيم في «مراغة» وتأسيس مكتبة كبيرة، احتوت

1 . الوافي بالوفيات:1/779، برقم 112.
2 . طبقات الفقهاء:7/243.

صفحه144
على أربعمائة ألف مجلّد، فوفد إليها العلماء من النواحي حتّى أنّ ابن الفوطي صنف في ذلك كتاباً سماه «من صعد الرصد».
يقول الدكتور مصطفى جواد البغدادي في مقدمته لكتاب «مجمع الآداب في معجم الألقاب»: أنشأ نصير الدين الطوسي دار العلم والحكمة والرصد بمراغة من مدن آذربيجان، وهي أوّل مجمع علمي حقيقي«أكاديمية» في القرون الوسطى بالبلاد الشرقية، فضلاً عن الأقطار الغربية الجاهلة أيامئذ.(1)
وقال الأُستاذ عبد المتعال الصعيدي في كتابه (المجتهدون في الإسلام) وهو يتحدث عن نصير الدين الطوسي: ولم يمت إلاّ بعد أن جدّد ما بليَ في دولة التتر من العلوم الإسلامية، وأحيا ما مات من آمال المسلمين.
هذا وقد ألف بعض المحقّقين ـ من أهل السنّة ـ حول هذه الفرية الشائنة كتاباً أثبت فيه براءة المحقّق ممّا اتّهمه به سماسرة الأهواء من المؤرخين الذين يرمون العظماء بتهمة واضحة لا تليق بمن هو أدنى من المحقّق الطوسي في العلم والتُّقى.
والحاقدون على الطوسي بدل أن يبحثوا عن العلل الحقيقية للهزيمة وعواملها، حاولوا أن يصبّوا جام غضبهم على معلم الأُمّة وحافظ تراثها، وهو (رحمه الله)قد لقى ربّه الّذي لا تخفى عليه خافية، وسوف يحكم بينه و بين خصمائه الذين رموه عن جهل أو ضغينة.

1 . مجمع الآداب في معجم الألقاب:20.

صفحه145
وأمّا الشيخ المفيد وما أدراك ما المفيد، فهذا هو اليافعي يعرفه بقوله: في سنة 413هـ توفي عالم الشيعة وعالم الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية. قال ابن أبي طي: وكان كثير الصدقات عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم خشن اللباس.(1)
وقال ابن كثير بعد الإشارة إلى كتبه وكنيته: وكان يحضر مجلسه خلق عظيم من جميع طوائف الإسلام.(2)
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي تعرب عن جلالة الرجل وعظمته عند الجميع.
وأمّا العالم الثالث، أعني: الأُستاذ الجليل السيد جعفر مرتضى العاملي فهو محقّق بارع، له باع طويل في الرجال والحديث والتاريخ، فقد ألف كتاباً حول «الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)»، والذي آثار حفيظة الكاتب أنّه أثبت فيه كثيراً من الحوادث التاريخية الّتي لا تلائم فكرته.
وعلى كلّ تقدير، فنحن ننزّه الشيخ الجليل الدرويش عن مباركة ما يسوّده هؤلاء الكتّاب من صحائف، تسيء إلى الحق وأصحابه، وتعكّر صفو الأُخوّة بين المسلمين.
وها أنا أكتب هذه السطور، ووكالات الأنباء تحكي بكلمة واحدة

1 . مرآة الجنان:3/1338، طبع الهند.   2 . البداية والنهاية:12/15، طبع مصر.

صفحه146
قصف المدنيين الأبرياء والأطفال والنساء في لبنان وهدم الأبنية ومشاريع الخدمات العامة حتّى محطات الكهرباء، بيد الصهاينة المجرمين المحتلين للأراضي الإسلامية وقتل المسلمين في لبنان وفلسطين.
والعجب أنّ هذه الجنايات تقوم بها دولة إسرائيل بمباركة من بعض زعماء المسلمين وسكوت أكثر المفتين وعلماء المسلمين خوفاً من حكوماتهم، فواللّه لم أزل أتعجب من سكوت العلماء في البلاد الإسلامية حتّى نقلت بعض الإذاعات أنّ بعض المفتين حرّم إغاثة هؤلاء المظلومين في لبنان العزيز بحجة أنّ من يقاتل إسرائيل هو كذا وكذا...!!
فلنرجع إلى تحرير مسألة زواج أُمّ كلثوم بنت الإمام علي(عليه السلام) بعمر بن الخطاب فهل هي أُسطورة أو لها حقيقة؟ وعلى الثاني هل كان هناك تزويج عن طيب نفس أو كانت هناك عوامل ألجأت آل البيت إلى الإجابة لمثل هذا الزواج.
فها هنا نظريات نطرحها على صعيد التحليل:

الأُولى: إنكار التزويج

ذهب الشيخ المفيد وغيره إلى إنكار هذا التزويج، وأنّه لم يثبت عن طريق موثوق به، وإليك نصّ كلامه:
إنّ الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين(عليه السلام) ابنته من عمر غير ثابت، وطريقه من الزبير بن بكّار ولم يكن موثوقاً به في النقل وكان متّهماً فيما يذكره، وكان يبغض أمير المؤمنين(عليه السلام)وغير مأمون فيما يدّعيه على بني

صفحه147
هاشم. وإنّما نشر الحديثَ إثباتُ أبي محمد الحسن بن يحيى صاحب النسب ذلك في كتابه، فظن كثير من الناس أنّه حق لرواية رجل علوي له، وهو إنّما رواه عن الزبير بن بكّار.
والحديث بنفسه مُختلف فتارة يُروى أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) تولى العقد له على ابنته، وتارة يُروى أنّ العباس تولى ذلك عنه.
وتارة روي أنّه لم يقع العقد إلاّ بعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم.
وتارة يُروى أنّه كان عن اختيار و إيثار.
ثمّ إنّ بعض الرواة يذكر أنّ عمر أولدها ولداً أسماه زيداً.
وبعضهم يقول: إنّه قُتِلَ قبل دخوله بها.
وبعضهم يقول: إنّ لزيد بن عمر عقباً.
ومنهم من يقول: إنّه قتل ولا عقب له.
ومنهم من يقول: إنّه وأُمّه قُتلا.
ومنهم من يقول: إنّ أُمّه بقيت بعده.
ومنهم من يقول: إنّ عمر أمهر أُمّ كلثوم أربعين ألف درهم.
ومنهم من يقول: أمهرها أربعة آلاف درهم.
ومنهم من يقول: كان مهرها خمسمائة درهم.
وبدوّ هذا الاختلاف فيه يبطل الحديث، فلا يكون له تأثير على حال.(1)

1 . مصنفات الشيخ المفيد، ج7، المسائل السروية: 86 ـ 90، قم ـ1413هـ.

صفحه148
وأورد عليه الكاتب بأنّ «اختلاف الروايات في مهر أُمّ كلثوم ووفاتها مع ابنها زيد في يوم واحد وقتلهما من عدمه، هذا الاختلاف بين المؤرخين لا يعني عدم حدوث الزواج، فلا علاقة تربط بينهما، لقد اختلف العلماء والمؤرخون وكتّاب السير في يوم دفن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا اختلفوا في تواريخ معارك وأحداث ووفيات كثير من المشاهير و العظماء بل ومولدهم أيضاً، فهل هذا يعني عدم وجودهم أصلاً؟
يلاحظ عليه: أنّ اضطراب الروايات في جوانب قضية واحدة إلى حدّ يناهز إلى اثني عشر قولاً ، يوجب الشك والتردد في صحة الواقعة، إذ لا معنى أن تختلف الأقوال حول حادثة واحدة إلى هذا الحد من الاختلاف. ولا تركن النفس إلى حديث ظهر فيه الاضطراب إلى هذا الحد الهائل.
وأمّا قياس المقام بالاختلاف بيوم دفن النبي فقياس مع الفارق، فالدفن أمر محقق لا يرتاب فيه أحد وانّما الاختلاف في زمانه، وعلى كلّ تقدير فهذا قول الشيخ المفيد ومن تبعه وهذا دليله.

الثانية: أُمّ كلثوم كانت ربيبة علي (عليه السلام)

هناك من اختار أنّ أُمّ كلثوم الّتي تزوج بها عمر كانت ربيبة علي(عليه السلام) ، وهي بنت أسماء بنت عميس الّتي تزوجها أبو بكر ـ بعد موت زوجها، جعفر بن أبي طالب ـ ورُزق منها ولدان:
1. محمد بن أبي بكر.
2. أُمّ كلثوم بنت أبي بكر.

صفحه149
ولمّا توفّي أبو بكر وتزوجها علي (عليه السلام) انتقلت إلى بيت علي(عليه السلام) مع ولديها محمد بن أبي بكر وأُمّ كلثوم، فتزوّج عمر بن الخطاب بربيبة علي لابنته من صلبه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ أصحاب المعاجم لم يذكرو لأسماء بنت عميس ولداً من أبي بكر إلاّ محمد بن أبي بكر.
قال ابن الأثير: هاجرت أسماء بنت عميس إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فولدت له بالحبشة عبد اللّه وعوناً ومحمّداً ثمّ هاجرت إلى المدينة. فلمّا قتل عنها جعفر بن أبي طالب(عليه السلام)تزوّجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر، ثمّ مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب(عليه السلام)فولدت له يحيى.(2)
نعم كانت لأبي بكر بنت اسمها أُمّ كلثوم، لكن أُمّها بنت وليد بن خارجة يقول ابن الأثير:
أُمّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وأُمّها بنت وليد بن خارجة، وقد تزوجت هي بطلحة بن عبيد اللّه.(3)
نعم ذكر عمر رضا كحالة:
أُمّ كلثوم بنت أسماء راوية من راويات الحديث، روت عن عائشة وأُمّ سلمة وروى عنها ابنها موسى بن عقبة.(4)

1 . ينسب هذا القول إلى السيد الجليل: السيد ناصر حسين الموسوي الهندي (المتوفّى 1387هـ).
2 . أُسد الغابة:5/395.   3 . أُسد الغابة:5/612.   4 . أعلام النساء:4/250.

صفحه150
ولكن لم يعلم أنّ أسماء هذه من هي؟ فهل هي أسماء بنت عميس أو غيرها؟ وعلى كلّ تقدير فهل هي زوجة أبي بكر أو زوجة غيره؟

الثالثة: التزويج عن كُره

هذه النظرية تعترف بصحّة الزواج، ولكنها ترى أنّ التزويج لم يكن عن طيب نفس، بل كانت هناك عوامل سبّبت ذلك التزويج على وجه لولاها لما فوّض الإمام أمر بنته إلى العباس، وإليك ما يدلّ على ذلك على نحو لو تدبر فيه المحقّق لوقف على صحّتها:

1. ما هو السبب للزواج؟

ذكر ابن سعد أنّ الحافز إلى ذلك الزواج أنّ عمر بن الخطاب قال: سمعت عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: كلّ نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلاّ نسبي وسببي، وكنت قد صحبته فأحببت أن يكون هذا أيضاً.(1) فهذا هو الّذي سبّب رغبة الخليفة إلى التزوج بسبط النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن الظاهر أنّه يكمن هناك سبب آخر، وهو أنّ عمر بن الخطاب حاول بذلك الأمر أن يغطي على ما صدر عنه بالنسبة إلى بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيتها، حيث كشف بيت فاطمة وهدّدها بالإحراق كما سيوافيك بيانه، وقد سبّب ذلك العمل جُرحاً في قلوب أبناء فاطمة لا يندمل أبداً، فأراد بذلك استمالتهم حتّى يندمل الجرح بالزواج على عادة العرب حيث كان التزويج يُنسي ما سبق. فاعتذر الإمام

1 . طبقات ابن سعد:8/463; وفي الاستيعاب:4/1954: انّها صغيرة.

صفحه151
بوجوه مختلفة لكي يترك عمر هذا الموضوع، وإليك ما اعتذر به:

2. اعتذار الإمام بطرق ثلاثة

أ. لما خطب عمر بن الخطاب إلى علي ابنته أُمّ كلثوم قال له: يا أمير المؤمنين إنّها صبية.
فأجاب عمر: انّك واللّه ما بك من ذلك ولكن قد علمنا ما بك.(1)
وقال الدولابي: خطب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب(عليه السلام) بنته أُمّ كلثوم، فأقبل علي عليه فقال: هي صغيرة، فقال عمر: لا واللّه ما ذلك، ولكن أردت منعي.
ب. ولمّا تكرّرت الخطبة، فعاد علي(عليه السلام) يعتذر بعذر آخر، فقال: إنّما حبست بناتي على بني جعفر(عليه السلام)فقال عمر: أنكحنيها يا علي فواللّه ما على ظهر الأرض رجل يرصد من حسن صحابتها ما أرصد.(2)
ولعلّ الخليفة يشير بكلامه إلى أنّه يحسن معاشرته معها لما اشتهر من فظاظته وغلظته خاصّة بالنسبة إلى النساء.
ج. خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أُمّ كلثوم فأجاب بأنّه يستشير

1 . الذرية الطاهرة لأبي بشر محمد بن أحمد بن حماء الأنصاري الرازي، (224ـ 310هـ) ص 55، مؤسسة الأعلمي، بيروت; وطبقات ابن سعد:8/464. وما أجاب به عمر يكشف عن أنّ ما اعتذر به الإمام كان عذراً ظاهرياً للفرار عن الزواج حتّى وقف عليه الخليفة فقال ما قال بالرمز والإشارة.
2 . الطبقات لابن سعد: 8/464.

صفحه152
العباس وعقيلاً والحسين ولما استشارهم الإمام خالف عقيل هذا الأمر.
قال ابن حجر الهيتمي: فقال عليُّ للحسن والحسين زوجا عمّكما، فقالا: هي امرأة من النساء تختار لنفسها.(1)
كلّ ذلك يعرب عن أنّ البيت العلوي لم يكن راضياً بذلك الزواج، حتّى أنّ الحسنين أظهرا عدم رضاهما بقولهما: هي امرأة من النساء تختار لنفسها، ولعلّ مشاورة الإمام علي مع هؤلاء كان لكسب ذريعة للامتناع، ومع ذلك كلّه كان من الخليفة الإصرار ومن البيت العلوي الامتناع.
تمّ إلى هنا ما نقله الحفاظ من السنّة، وهناك شيء آخر تفرد به الإماميّة وهو ما رواه الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام): لما خطب إليه قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّها صبية، قال: فلقى العباس فقال له: مالي؟ أبيّ بأسٌ؟ قال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردّني. أما واللّه لأعورنّ زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلاّ هدمتها ولأقيمنّ عليه شاهدين بأنّه سرق ولأقطعن يمينه، فأتاه العباس فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه، فجعله إليه.(2)

أُمور يندى لها الجبين

هذا ما حفظته يد التاريخ، مع ما في المصادر من أُمور لا يصحّ أن تنسب إلى الرعاة والسوقة، فقد نسبوا إلى علي (عليه السلام) وإلى الخليفة أُموراً غير

1 . مجمع الزوائد:4/272ـ 273، كتاب النكاح باب في الشريفات. دار الكتاب العربي، بيروت. (بتلخيص).
2 . الكافي:5/346، كتاب النكاح، باب تزويج أُمّ كلثوم، الحديث2.

صفحه153
معقولة: نذكر شيئاً منها:
إنّ علياً دعا أُمّ كلثوم وأعطاها حلّة، فقال: انطلقي بهذه إلى أمير المؤمنين: يقول لك أبي كيف ترى هذه الحلّة، فأتته بها فقالت له ذلك، فأخذ عمر بذراعها، فاجتذبتها منه، فقالت: أرسل، فأرسلها فقال: حصان كريم انطلقي وقولي له ما أحسنها وأجملها، وليست واللّه كما قلت، فزوّجها إياه.(1)
وفي الاستيعاب: بعثها علي إليه ببرد وقال له: قد رضيت رضى اللّه عنك، ووضع يده على ساقها، فقالت: أتفعل هذا؟ لولا أنّك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، ثمّ خرجت حتّى جاءت أباها، فأخبرته الخبر، وقالت: بعثتني إلى شيخ سوء فقال لها: يا بنية، انّه زوجك....(2)
وقال أيضاً: إنّ عمر بن الخطاب خطب إلى علي ابنته أُمّ كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل له: ردّك، فعاوده فقال له علي: ابعث بها إليك فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها فقالت: مه واللّه لولا إنّك أمير المؤمنين للطمت عينك.(3)
هذه الأُمور ما ذكرنا وما لم نذكره، تكشف عن أنّ للوضاعين دوراً حول هذا الخبر، أمّا في أصله أو فروعه، حاولوا بذلك الإساءة إلى آل البيت، وانّه لم يكن لعلي(عليه السلام) أي اهتمام بحفظ كرامة بنته، فيرسلها إلى بيت الرجل، وهو يعاملها بما يثير غضب هذه الكريمة وتقول له ما قالت.
***

1 . الذرية الطاهرة:154.   2 . الاستيعاب:4/1955.   3 . الاستيعاب:4/1955.

صفحه154
هذا ما حفظته يد التاريخ مع وجود الهيمنة عليه في العصرين الأموي والعباسي وهو يدل ـ بوضوح ـ على أنّ البيت العلوي كان يرغب عن هذا التزويج ويعتذر مرّة بعد أُخرى لكي يتخلّص منه.
وحول الموضوع ملابسات لو تأمل فيها الباحث النابه لأذعن بأنّ تحقّق النكاح عن طوع ورغبة أمر بعيد غايته، فالحادثة إمّا لم تتحقّق، أو تحقّقت لكن عن كراهة ودون طيب نفس، وإليك تلك الملابسات:

الأوّل: أُمّ كلثوم وتهديد بيت أُمّها بالإحراق

دلت النصوص القطعية على أنّ عمر بن الخطاب هدّد بيت فاطمة ـ ريحانة الرسول ـ بالإحراق لأخذ البيعة لأبي بكر، وهذا أمر لا يمكن للباحث إنكاره إذا وقف على مصادره ومداركه. وإن كنت في شكّ فيما ذكرنا فاستمع لكلمات المحدّثين والمؤرخين مسندة ومرسلة.
1. ما رواه ابن أبي شيبة ـ شيخ البخاري ـ بسند صحيح قال: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبيد اللّه بن عمر، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم أنّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان عليٌّ والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول اللّه فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلمّـا بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتّى دخل على فاطمة فقال:
يا بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) واللّه ما من أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، إن أمرتهم أن يُحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاءوها،

صفحه155
فقالت: تعلمون أنّ عمر قد جاءني وقد حلف باللّه لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم اللّه ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين.(1)
2. روى البلاذري في ضمن بحث مفصل عن أمر السقيفة: لمّا بايع الناس أبا بكر اعتزل علي والزبير... إلى أن قال: إنّ أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر معه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرّقاً عليّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك.(2)
وقد نقل تلك الحادثة غير واحد من أعلام التاريخ والحديث نقتصر على ذكر أسمائهم وأسماء كتبهم ومواضع نقلهم لها:
1. ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ص 12ـ 13.
2. الطبراني في تاريخه: 2/43، ط بيروت.
3. ابن عبد ربه في العقد الفريد:4/87.
4. ابن عبد البر في الاستيعاب:3/975.
5. ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة:2/45.
6. أبو الفداء في المختصر في أخبار البشر:1/156.
7. النميري في نهاية الإرب في فنون الأدب:19/40، ط القاهرة.
8. السيوطي في مسند فاطمة:36، طبع مؤسسة الكتب الثقافية.

1 . المصنف:8/752، ط دار الفكر، بيروت.
2 . أنساب الأشراف:1/586، طبع دار المعارف القاهرة.

صفحه156
9. المتقي الهندي في كنز العمال: 5/651برقم 14138.
10. الدهلوي في إزالة الخفاء:2/178.
11. محمد حافظ إبراهيم، صاحب القصيدة العمرية، التي جاء فيها:
وقولة لعلي قالها عمر *** أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرّقتُ داركَ لا أُبقي عليك بها *** إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها *** أمام فارس عدنان وحاميها
إلى غير ذلك من المصادر الّتي اقتصرت على ذكر أصل التهديد مع التكتم على ما بعده.
وهناك رجال شجعان رفعوا الستر عن وجه الحقيقة وذكروا أنّ القوم الذين هدّدوا البيت بالحرق قد دخلوا البيت وكشفوه حتّى أنّ أبا بكر أظهر الندم على هذا العمل القبيح الّذي وقع بأمره ورضاه وعلى مرأى ومسمع منه، وقال في أواخر أيام حياته ما يُشير إلى ذلك.
روى أبو عبيد عن عبد الرحمن بن عوف قال دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفّي فيه فسلّمت عليه، وقلت: ما أرى بك بأساً، والحمد للّه، ولا تأس على الدنيا، فواللّه إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً.
فقال: إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهُن ، وودتُ أنّي لم

صفحه157
أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددتُ انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم. فأمّا التي فعلتها ووددت انّي لم أفعلها، فوددتُ أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا، لعلة ذكرها ـ قال أبو عبيد: لا أريد ذكرها ـ ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة، فكان أميراً وكنت وزيراً، ووددت انّي حيث كنت وجّهت خالداً إلى أهل الردة أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا وإلاّ كنت بصدد لقاء أو مدد. الخ.(1)
ثمّ إنّ أبا عبيد صاحب «الأموال» وإن لم يصرح بلفظ الخليفة وكره التلفّظ به، لكن غيره جاء بنفس النص الذي أدلى به الخليفة يوم كان طريح الفراش.
قال المبرد عن عبد الرحمن بن عوف أنّه قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه، فسلمت وسألته: كيف به؟ فاستوى جالساً، إلى أن قال: قال أبو بكر: أما إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتُهن وددتُ انّي لم أفعلهنّ، وثلاث لم أفعلهن وددت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه عنهن.
فأمّا الثلاث الّتي فعلتها: وددت أنّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلق على حرب.(2)
وليس المبرد المتفرد في نقل هذا القول بل نقله غيره، نظراء:

1 . الأموال:193ـ 194، مكتبة الكليات الأزهرية.   2 . الكامل:1/11.

صفحه158
1. الطبراني في المعجم الكبير:1/62 برقم 43.
2. ابن عبد ربه في العقد الفريد:4/93.
3. ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق:13/122.
4. ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:2/46.
5. الذهبي في تاريخ الإسلام:3/117ـ 118.
6. نور الدين الهيتمي في مجمع الزوائد:5/202.
7. ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان:4/188.
8. المتقي الهندي في كنز العمال:5/631 برقم 14113.
إلى غير ذلك من رواة الأخبار ومحققي التاريخ الّذين قد ذكروا ندم الخليفة عند موته لأجل كشف بيت فاطمة الّذي قام به عمر بن الخطاب.
إنّ المخطوبة ـ أُمّ كلثوم ـ و إن كانت صغيرة عند هذه الواقعة ولكن الحديث ممّا تناولته الألسن في البيت العلوي وهي تسمع ما يدور فيه، وطبيعة الحال تقتضي أن تكون غاضبة على من هدّد بيتها بالإحراق أوّلاً، ثمّ كشف البيت وهتك حرمته ثانياً، أيتصور أن تكون مع هذه الأجواء المحيطة بها راضية بالنكاح طيبة نفسها به؟

الثاني: أنّ الخاطب معروف بالفظاظة

إنّ عمر بن الخطاب كان رجلاً خشناً فظاً على الإطلاق خصوصاً بالنسبة للنساء، ولذلك لما انتخب للخلافة من قبل أبي بكر اعترضه الصحابة.

صفحه159
قال أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم البغدادي(1) صاحب أبي حنيفة في «الخراج» ما لفظه:
حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد بن الحارث، عن ابن سابط، قال: لما حضرت الوفاة أبا بكر، أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: أتستخلف علينا فظاً غليظاً، لو قد مَلِكَنا كان أفظ وأغلظ، فماذا تقول لربك إذا لقيتَه وقد استخلفت علينا عمر، قال: أتخوفونني ربي، أقول: اللّهم أمّرت عليهم خير أهلك.(2)
وفـي الطبقات في ترجمة أبي بكر في قصة استخلاف أبي بكر لعمر ما لفظه: وسمع بعض أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته، فقال أبو بكر: اجلسوني، أباللّه تخوفوني؟ خاب من تزوّد من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك.(3)
وقال أبو بكر عبد اللّه بن محمد العبسي المعروف بابن أبي شيبة في كتابه المصنف: حدثنا وكيع، وابن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن

1 . أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري البغدادي مات 182، فقيه أُصولي مجتهد محدث حافظ عالم بالسير والمغازي وأيام العرب. تاريخ بغداد:14/242; الكامل لابن الأثير:6/53; تذكرة الحفاظ:1/269; البداية والنهاية:10/180; تاريخ التراجم:60; مفتاح السعادة:100.
2 . الخراج:100.    3 . الطبقات الكبرى:3/199.

صفحه160
زبيد بن الحرث، أنّ أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه فقال الناس:
تستخلف علينا فظاً غليظاً، ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر(1). وهل تطيب نفسك أن تزوّج بنتك لرجل شديد الخلق ، قسيّ القلب وهي وردة حياتك.

الثالث: بنت أبي بكر تردّ خطبة عمر

إنّ عمر بن الخطاب خطب بنتاً لأبي بكر اسمها أُمّ كلثوم، ولكنّها ردت طلبه معتذرة بأنّه رجل خشن.
روي أنّ رجلاً من قريش قال لعمر بن الخطاب: ألا تتزوج أُمّ كلثوم بنت أبي بكر فتحفظه بعد وفاته وتخلفه في أهله؟فقال عمر: بلى إنّ لأُحبّ ذلك فاذهب إلى عائشة فاذكر لها ذلك وعُد إليّ بجوابها. فمضى الرسول إلى عائشة فأخبرها بما قال عمر. فأجابته إلى ذلك وقالت له: حباً وكرامة، ودخل عليها عقب ذلك المغيرة بن شعبة فرآها مهمومة، فقال لها: مالك يا أُمّ المؤمنين؟ فأخبرته برسالة عمر وقالت: إنّ هذه جارية حدثة وأردت لها ألين عيشاً من عمر.
فقال لها: عليّ أن أكفيك، وخرج من عندها فدخل على عمر، فقال: بالرفاء والبنين فقد بلغني ما أتيته من صلة أبي بكر في أهله وخطبتك أُمّ

1 . المصنف:5/449.

صفحه161
كلثوم. فقال: قد كان ذاك، قال: إلاّ أنّك يا أمير المؤمنين رجل شديد الخلق على أهلك وهذه صبية حديثة السن فلا تزال تُنكر عليها الشيء فتضربها فتصيح فيغمك ذلك، وتتألم له عائشة ويذكرون أبا بكر فيبكون عليه فتجدد لهم المصيبة مع قرب عهدها في كلّ يوم...الخ.(1)

الرابع: عدم التناسب في السن

إنّ أُمّ كلثوم كانت صبية لا يتجاوز عمرها عن عشر سنين أو إحدى عشرة سنة، وأمّا الخاطب فقد خطبها وعمره يناهز الستين، ومن الواضح أنّ حفظ المناسبات العرفية ممّا يعتبر في رغبة البنت للزواج، والعجب أنّ عمر بن الخطاب قال للناس: لينكح الرجل لُمته.
قال الفيروز آبادي في لغة اللؤم: وقول عمر لينكح الرجل لمته بالضم أي شكله ومثله.(2)
فهل كانت السيدة أُمّ كلثوم وهي زهرة فاطمة الزهراء وهي في أوان تفتحها مِثلاً لمن طعن في السن؟!

الاحتكام إلى روح علي (عليه السلام) ووجدانه

بلغ الإمام علي القمة في سموّ روحه ونُبله، وكان قلبه يتفجّر رحمة

1 . أعلام النساء:4/250. نقلها عن المصادر التالية: تهذيب التهذيب لابن حجر، التهذيب للذهبي، الإصابة لابن حجر، العقد الفريد لأبي عبد ربه إلى غير ذلك من المصادر.
2 . القاموس المحيط :4/174، مادة «لؤم».

صفحه162
وعطفاً وحناناً، وهو من عُرف بحدَبِهِ على المسلمين عامة وعلى أبنائه، وبمراعاته لموازين العدل وأحكام الوجدان في كلّ شأن وقضية.
كما عُرف ببشاشة وجهه، وكثرة تبسّمه، وسجاحة خلُقه، ورقّة روحه، فهل يُعقل وهو بهذه الصفات والخلال أن يعرّض ريحانته للذبول والجفاف، وأن يدفع بإحدى قواريره الّتي يعتزّ بها لتنالها يد العنف والشدة؟!
هذا إذا أعرضنا عن الأجواء السلبية الّتي كانت تحكم العلاقة بين البيتين، والظروف الّتي كانت تسودها آنذاك.
كلّ هذه الأُمور تثير الشكّ في أصل تحقّق الأمر وإن ذكره غير واحد من المؤرخين والمحدثين، لما هو المحقّق في محله من أنّه كان للأمويين الدور الأوّل في حركة تدوين الحديث والتاريخ بما يخدم مصالح النظام الأموي و اتجاهاته السياسية والفكرية والغلبة على فكر أهل البيت (عليهم السلام)وكرامتهم.
وعلى فرض تحقّقه فلا محيص من القول: إنّه كانت هناك عوامل سبّبت وقوع النكاح ودفعت البيت العلوي إلى التسليم، ولا يُعدّ مثل هذا الزواج دليلاً على وجود التلاحم بين البيتين، والجرح بعدُ لم يندمل.
جعفر السبحاني
5 رجب المرجب 1427هـ
مراسلاتنا مع الأُستاذ حسين محمد علي شكري   

صفحه163
الفصل الثاني:

مراسلاتنا مع الأُستاذ حسين محمد علي شكري

16

حضرة العلاّمة الأُستاذ جعفر السبحاني الموقر(1)

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
فقد تواصلت معكم الصلة بما وقفت عليه من بعض مؤلفاتكم، وبما حمله إليّ مشكوراً مأجوراً الفاضل المحب الشيخ رضواني من كتابكم «العقيدة الإسلامية» ففرحت بما حمل وسعدت بالهدية منكم.
لقد جلت بين صفحات الكتاب ووقفت فيه على عجالة على فوائد

1 . أهدى صديقنا الوفي الأُستاذ الفاضل الشيخ حسين الرضواني ممثل قائد الجمهورية الإسلامية في المدينة المنوّرة نسخة من كتابنا «العقيدة الإسلامية» إلى الأُستاذ حسين محمدعلي شكري الّذي حقّق كتاب «الإشاعة لأشراط الساعة» تأليف محمد بن الرسول البرزنجي الحسيني مع تعليقات محمد زكريا الكاندهلوي.
وبعد أن اطّلع الأُستاذ الفاضل حسين محمد علي شكري على كتابنا أرسل لنا هذه الرسالة والتي ذكر فيها انطباعاته عنه.

صفحه164
غالية ومعلومات جديرة بالتقدير والإشادة، وصارت لدي رغبة ملحة في الحصول على ما تسطره يراعتكم من مؤلفات جعل اللّه فيها النفع للمسلمين وتوحيد كلمتهم ورفع رايتهم.
ولقد قيل: العلم رحمٌ بين أهله، ووسيلة الصلة هي المراسلات العلمية والإهداءات لتلك الكتب الحاملة للفوائد. فلا حرمنا الوصل والصلة وجعل اللّه عملنا وعملكم لوجهه الكريم.
ودمتم بخير محفوظين
محب الصلة بكم
حسين محمد علي شكري
10/5/1426هـ

صفحه165
17

الأُستاذ الفاضل حسين محمد علي شكري المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في سلامة وعافية وأن يوفقكم لنشر المآثر والآثار القيّمة الّتي تركها لنا السلف من العلماء الأبرار.
لقد وافتني رسالتكم الميمونة، مرفقة بكتاب «الإشاعة لأشراط الساعة»(1) تأليف العلاّمة محمد بن الرسول البرزنجي الحسيني مع تعليقات محمد زكريا الكاندهلوي رحمهما اللّه. وقد سُررت بنشره ووقفت على ما تحملتم من جهود مشكورة في تقويم النص وإخراجه بصورة جميلة تهفو إليه النفوس وتستسيغ قراءته.
غير أنّ هذا لا يصدّنا عن إبداء النظر في بعض المواضيع، إذ النقاش العلمي المجرّد عن الهوى والعصبية، سيرة السلف الصالح ودعامة حفظ الدين عن التحريف وهديّة علمية هي من أغلى الهدايا وأثمنها يقدّمها القارئ المستفيد إلى المؤلف المفيد، المشكور جهده، أو المحقّق المقبول سعيه.

1 . قام مؤلف هذا الكتاب بإماطة اللثام عن عدد من الحقائق وخرق الأقنعة الّتي صنعها المتزلفون إلى الأمويين والعباسيين، ومع ذلك رأيت في الكتاب عثرة لا تستقال، وكان المرجو من محقّق الكتاب أن يعلّق عليها شيئاً، قياماً بواجب التحقيق، ولأجل ذلك بعثت إليه بهذه الرسالة .

صفحه166
نقل عن بعض الأعلام(1): «إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وصْمة محاباة أهل الكتابين، المؤدية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتّى اتضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف».
وانطلاقاً من هذا المبدأ نذكر انطباعتنا عن هذا السِفْر القيّم راجين الإمعان والدقة في السطور التالية:
لقد أماط السيد المؤلف(رحمه الله) اللثام عن عدد من الحقائق، ومزّق في عدة مواضع الأقنعة الّتي صنعها الطامعون والمتزلّفون والمرتجفون لإخفاء الصورة الحقيقية لأسيادهم الطغاة وأعوانهم، الذين قفزوا إلى السلطة بالبغي والمكر والعدوان، فاستبدّوا بالحكم، واستأثروا بالأموال، وغرقوا في المتَع والشهوات، وضلّوا وأضلّوا، وأردوا جموعاً من المسلمين، واللّه تعالى سائلهم عن ذلك في يوم تشخص فيه الأبصار، وينادى فيه: (أَلا لَعْنَةُ اللّهِ عَلى الظَّالِمينَ).
ومن المواضع الّتي أبدى فيها المؤلف شجاعة أدبية، حديثه الصريح المعزّز بالروايات والأخبار عن بني أُمية الذين أطفأوا البسمة من على شفتي نبيّنا الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، حينما رآهم ينزون على منبره الشريف كما تنزوا القردة،

1 . الناقل هو شيخ الشريعة الإصفهاني أحد أعلام النجف الأشرف ومراجع الفتيا، المتوفّى عام 1339 هـ .

صفحه167
فما رئي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضاحكاً مستجمعاً حتّى توفّي (ص 61ـ 62 من الكتاب).
وأنّى له(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فدته نفسي ونفوس العالمين ـ أن فتّـر ثغره عن ضحكة، وهو يعلم ـ بإخبار اللّه تعالى له ـ ما سيرتكبه هؤلاء في حقّ دينه وأُمّته وذريّته من جرائم وموبقات. أشنعها قتلُ سبطه وريحانتِه من الجنة، الحسين الشهيد وأهل بيته الذين ما كان على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه، على حدّ تعبير الحسن البصري (ص 68).
وليت المؤلف(رحمه الله) الّذي تحدّث عمّـا لحق بأهل البيت من ظلم واضطهاد، وروى في علامات ظهور المهدي أنّ منادياً ينادي من السماء: انّ الحقّ في آل محمد (ص224)... ليته كان أكثر إنصافاً في حديثه عن شيعة آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين استضاءوا بنورهم وانتهلوا من علومهم وسلكوا منهاجهم.
وكم كان حريّاً به أن يزيح بعض الستائر الّتي وضعتها يد السياسة والأهواء والأطماع لحجب الرؤى وإرباك الأفكار وتزييف الحقائق.
وكم كان جديراً به أن يكشف بعض الحيف والظلم والقهر الّذي أصابهم ، كما أصاب من قبل أئمتهم من أهل البيت (عليهم السلام).
وإنّـي أرى أنّ المؤلف ـ غفر اللّه تعالى لي وله ـ قد أحسن الظنّ ببعض من كتب عن الإمامية جهلاً أو تعصّباً وعناداً، فأورد في كتابه هذا بعض كلماتهم الّتي لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
ومنها: أنّ الإمامية تقول إنّ المهدي دخل سرداب سامراء طفلاً صغيراً، وهم ينتظرونه كلّ يوم، ويقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به: أن أخرج يا مولانا... ثمّ يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم...ولقد أصبح

صفحه168
هؤلاء عاراً على بني آدم، وضحكة يسخر منها كلّ عاقل.(ص230).
إنّ هذا الكلام الّذي نقله المؤلف ـ كما يبدو ـ عن ابن حجر في صواعقه الّتي أحرقته ـ حسب تعبير أحد الأعلام ـ ولم يذكر مستنده ما هو إلاّ افتراء، يُراد منه التشنيع على الإمامية ، والحطّ عليهم لمآرب شيطانية، وإلاّ ما معنى هذا الإصرار على نسبة مثل هذه الأُمور إلى الإمامية، وهم يبرأون منها وينفونها عن أنفسهم قولاً وعملاً.
إنّ واضع هذه الأسطورة حاكها في غير موضعها فإنّ سامراء مدينة سنيّة من عصر العباسيين إلى يومنا هذا، لا يوجد فيها من الشيعة إلاّ القليل الذين ليس لهم شأن، فكيف يمكن لهم أن يقفوا بالخيل على باب السرداب ويصيحوا عليه أن أخرج يا مولانا؟!
وما أشبه هذه الأسطورة بكذبة إخوة يوسف حيث أتوا بقميص سالم من أي خرق أو شق وعليه دماء يوسف يدّعون....
إنّ ما يقوم به الشيعة، هو زيارة مرقد الإمامين العسكريين في سامراء والصحن الّذي فيه السرداب (الّذي يكثر وجوده في بيوت العراق القديمة)، لأنّها كانت مصلاّهم ومحل عبادتهم(عليهم السلام)، وموضع سكناهم، وهم يعبّرون بزيارتها عن حبّهم ووفائهم لأهلها، وينشدون تعزيز الروابط الروحية معهم، مجسّدين بذلك ما قاله الشاعر:
أمرّ على الديار ديار ليلى *** أُقبِّل ذا الجدار وذار الجـدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حبّ من سكن الديارا

صفحه169
وممّا جانب فيه المؤلف الحقيقة، قوله: وظهر بهذا كذب الرافضة وافتراؤهم أنّ علياً واطأ أبا لؤلؤة في قتل عمر رضي اللّه عنهما، وانّه انّما قتله عن أمر علي رضي اللّه عنه(ص 39).
ولم يذكر المؤلف المصدر الّذي اعتمده في نقل هذا الكلام السقيم، ومن هو هذا الحاقد الّذي نسجتْ مخيّلتُه المريضة هذا الكذب المحض. وكان المتوقع من محقّق الكتاب، التعليق على هذه المواضع الّتي ليس لها مسحة من الحقّ ولا لمسة من الصدق.
ومع كلّ هذا أرى أنّ طبع هذا الكتاب أو نشره في المملكة العربية السعودية، يُعدّ خطوة متقدّمة على طريق الانفتاح على الحقائق التاريخية، والتأشير على المواضع السوداء في صفحات التاريخ.
وانّ مثل هذه الأعمال ستساهم ـ بلا ريب ـ في تعزيز إيمان ووعي المسلمين، وتنأى بهم عن الجمود والتحجّر أو الانصياع لبعض الرؤى وإن حفلت بالمتناقضات، وقيّدت من آفاق النظر.
فشكراً لجهودكم يا سماحة العلاّمة الشيخ حسين محمدعلي شكري وبارك اللّه تعالى فيكم وسدّد خطاكم، وأملنا أن تشيروا في المستقبل إلى مثل هذه الموارد الّتي تسيء لإخوانكم، وتعلّقوا عليها في الهامش، انتصاراً للحق، وسعياً وراء تمتين الروابط بين المسلمين وتعزيز العلاقات بينهم، ودمتم بكلّ خير.
المخلص لكم
جعفر السبحاني
18 جمادى الآخرة 1426 هـ

صفحه170
 
18

حضرة الفاضل المحقّق الشيخ جعفر السبحاني

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
لقد سعدت بتواصلكم وتحميلكم ثنايا رسالتكم ما أبديتموه، كما أفدتموني كلاماً نفيساً عالي القيمة والأثر.
ولقـد تضمّنت رسالتكـم تنبيهـات ومساءلات أرى من منطلق ما أفدتمونيه من كلام أحد علمائكم أن تكون عدم المحاباة أساس البحث والمناظرة، فلذا سأجعل جوابي إليكم مفصّلاً بعض الشيء، وأرجو أن يتسع له صدر المتلقي.
1. بالنسبة لموضوع ما جرى من بني أُمية خلال حكمهم، وما فعله يزيد ـ قاتله اللّه ـ ابن سيدنا معاوية ، فهذا ممّا لا نشك في انتقام اللّه منه، ومن أعوانه الظلمة عاملهم اللّه بعدله.
2. لكن لماذا لا نكون منصفين للّه ثمّ لتاريخنا، ماذا فعل بنو العباس في آل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل الوصول إلى سدة الحكم والبقاء فيها مع بني عمـومتهـم، ومـن هـم أحـق بالخلافة منهـم؟ أليس مـا فعلوه بهم كـان

صفحه171
ممكنـاً فعلـه مـع سيدنا الحسين (عليه السلام) وآل بيته؟، أليس جرائمهم في آل البيت أكثر وأشنع؟
فعلينا أن نكون منصفين، ولا نجعل مسألة الكارثة التي حلت بسيدنا الحسين وآل بيته عليهم سلام اللّه ورضوانه شيئاً لا يمكن أن يفعله غير بني أُمية، بل يفعله كلّ من بغى وتطلع للحكم دون مراعاة لأي رابطة. ثمّ هذا المؤلف من آل البيت تكلم بما هو من الإنصاف، وكما قيل: صاحب الدار أدرى بما فيه، وهو من ذرية الإمام الحسين(عليه السلام). فما قولكم؟!
3. ما المقصود من قولكم شيعة آل محمد. فهذا المصطلح غير واضح عندنا في عرفكم، فأمّا هو عندنا فنحن نطلقه على جميع من يحبهم وينصر قضيتهم دون أن يكون متمذهباً بمذهب آل البيت، سواء كان إمامياً، أو زيداً، أو إسماعيلياً، أو، أو... إلخ.
ونحن أهل السنّة نستمد من علومهم ونتدارس سيرتهم ومناقبهم، ونربي صغارنا على وجوب حبهم جميعاً، ولكن ليس مضيقين ذلك مثلكم في الأئمة الاثني عشر فقط، بل مفهوم آل البيت عندنا واسع يشمل نسل سيدا شباب أهل الجنة(عليهم السلام) جميعاً.
4. لقد أكبرت غفلتكم عن مصدر ما نقله السيد الإمام البرزنجي ـ ونحن نعتبره من علماء آل البيت من أهل السنة ـ حول مسألة الإمام المهدي المشار إليها ص230 من كتاب الإشاعة، مع العلم بأنّ المؤلف (رحمه الله)تعالى قد

صفحه172
ذكر في ص 229 المصدر، وختم كلامه ص 231 بقوله: انتهى ملخصاً بمعناه».
فهلا تأنيتم في القراءة وبعدتم عن التسرع الذي مصدره: حاجة في نفس يعقوب. ثمّ ما نقلتموه عن أحد الأعلام، قد سمعنا عن عدة أعلام أنّ صواعق يمينه قد أحرقت; وسَلِمَت.
5. قلتم: إنّ مدينة سامراء هي مدينة سنية منذ عصر العباسيين حتى يومنا هذا، وهذه المعلومة ليست ذات فائدة في موضوع البحث، فلم يقل أحد بأنّ سامراء مدينة شيعية أو سنية حتى يكون لذلك علاقة في وجود شعائر لأي طائفة، إلاّ إن كان عندكم أنّ المدينة الشيعية تكون صبغتها الدينية وعباداتكم بها غير ما يعرفه المسلمون.
ثمّ قلتم بعد استنكاركم أن يفعل الشيعة ما ذكر، وقلتم أنّ زيارة الشيعة لمرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في سامراء والصحن الذي فيه السرداب، هو تعبير حبهم ووفائهم، لكن كيف حورتم في الكلام وقلتم بأنّ الصحن يكثر وجوده في بيوت العراق القديمة، ولم تبينوا هل عند الشيعة، أم عند غيرهم قصدتم.
ثمّ أين الإمام الغائب إن لم تقول الشيعة أو الرافضة أنّه دخل السرداب، فأين غاب؟!
6. ما ذكرتم من مجانبة المؤلّف للحقيقة في ردّه على الرافضة ـ ما هو الفرق عندكم بين مصطلح الرافضة والشيعة ـ ص 39، أرى من الواجب أن

صفحه173
تفيدوا بما هو الحق عندكم، وما هو موقفكم مما ذكر من قول الرافضة مما لم تكملوا نقل عبارته عن المؤلف كاملة؟
7. معلومة أخيرة أحب إفادتكم عنها أنّ الكتاب قد طبع في لبنان وليس بالسعودية، وهو يوزع على نطاق واسع بالعالم الإسلامي، وتوجد له عدة طبعات داخل المملكة وخارجها وليس هو محظور في المملكة العربية السعودية.
أرجو في ختام هذه العجالة أن لا يضيق صدركم، وأن يكون عملي هذا مطابقاً لقولكم في هذه الأعمال تنأى عن الجمود والتحجّر، أو الانصياع لبعض الرؤى وإن حفلت بالمتناقضات، وقيدت من آفاق النظر.
نصر اللّه الحق وأهله ووفق لما يحبه اللّه سبحانه وتعالى ورسوله عليه وعلى آله أجمعين الصلاة والسلام.
ودمتم بخير
خادم العلم وطلابه
بمدينة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)
حسين محمدعلي شكري
15/شعبان/1426هـ

صفحه174
19

الأُستاذ الكريم حسين محمدعلي شكري أعزكم اللّه تعالى

السلام عليكم ورحمة وبركاته
انتهز فرصة الإجابة عن رسالتكم المؤرخة في 15/شعبان/1426هـ لأعبّر لكم عن أطيب تحياتي، وأصدق دعواتي بقبول صيامكم وأورادكم في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان المكرّم، راجين المولى جلّ شأنه أن يسدّد خطاكم على طريق الخير والفلاح.
أمّا بعد;
فنحن نشاطركم رأيكم السديد الّذي أبديتموه في رسالتكم بشأن ما فعله بنو العباس من جرائم مع بني عمومتهم من أجل الوصول إلى سدة الحكم والبقاء فيها.
ولا ريب في أنّ الحكام المستبدّين منهم قد فاقوا حكّام الشجرة الملعونة في القرآن في ظلم واضطهاد المسلمين عامة، والعلويين بشكل خاص، ومنهم أئمّة أهل البيت الذين عاصروا تلك الفترة (جعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري(عليهم السلام))(1) الذين تعتقد الشيعة الإمامية بإمامتهم وعصمتهم، ويجلّهم

1 . كان المتوكل العباسي قد أحضر الإمام علي الهادي من المدينة وأقرّه بسامراء(وتسمّى العسكر)، فعُرف (هو وابنه الحسن) بالعسكري، وغلبت هذه النسبة على ابنه أكثر. قال اليافعي في ترجمة (علي بن محمد الهادي): كان متعبّداً فقيهاً إماماً. مرآة الجنان:2/159ـ 160(سنة 254هـ).

صفحه175
سائر المسلمين ويُشيدون بفضائلهم ومناقبهم ومكانتهم العلمية والدينية.
إنّ الحقّ الّذي صدعتم به وصدع به الواعون من أبناء الأُمّة سيعلو بلا شك على الرغم من كلّ المساعي الّتي بُذلت وتُبذل للتغطية على تلك الجرائم أو تبريرها، وستملأ الأسماع تلك الصرخة الّتي أعلنها منذ مئات السنين الشاعر الفحل والفارس المغوار أبو فراس الحمداني، وهو يتحدّث عن المآسي الّتي لحقت بآل عليّ وأهل البيت(عليهم السلام) على أيدي بني العباس، فيقول من جملة قصيدة في ذلك:
ما نالَ منهم بنو حرب وإن عظُمت *** تلك الجرائر، إلاّ دون نيلِكُم
كم غدرة لكُم في الدين واضحة *** وكم دم لرسول اللّه عندكمُ
أأنتم آلُهُ فيما ترون، وفي *** أظفاركم من بنيه الطاهرين دم
لا يطغَينَّ بني العباس ملكهُمُ *** بنو عليّ مواليهم وإن رغموا
أتفخرون عليهم لا أبا لكمُ *** حتّى كأنّ رسول اللّه جدُّكمُ
وما توازنَ يوماً بينكم شرف *** ولا تساوتْ بكم في موطن قدم
ليس الرشيد كموسى في القياس ولا *** مأمونكم كالرضا إن أنصفَ الحكم
باءوا بقتل الرضا من بعد بيعته *** وأبصروا بعض يوم رُشْدَهم وعَموا

صفحه176
كما أنّ جمهور الناس كان ينشد هذا البيت الساخر الّذي اشتهر في عصرهم:
يا ليت جور بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في النار
وإنّني إذ أُقدّر قولكم (فعلينا أن نكون منصفين)، وجسّدتموه فعلاً في موقفكم من يزيد ـ قاتله اللّه ـ و الطغاة من بني العباس، آمل أن يكون هذا الإنصاف، هو المنطلق في نظرتكم إلى معاوية بن أبي سفيان أيضاً.
فيزيد المتفق على فسقه وفجوره، لم يكن ليقترف ما يقترف من جرائم، لولا سعي أبيه الجادّ وبكل الوسائل غير النزيهة ـ كما حفلت بذكر ذلك التواريخ ـ إلى تنصيبه ملكاً، وتسليطه على المسلمين.
والداهية الكبرى، هي أنّ أباه كان يعلم علم اليقين بما تنطوي عليه شخصية ولده من رجس ودنس، ولكنّ عدم مبالاته بالأُمّة واستهزائه بالشريعة وهواه في ولده (كما أعرب هو بنفسه عن ذلك بقوله: لولا هواي في يزيد لأبصرت قصدي ـ أو طريقي ـ)(1) ، كلّ ذلك وغيره، هو الّذي دفعه إلى اتخاذ هذا الموقف المُشين.
ليت شعري، هل كان خفيَ عليه ما قاله ولده يزيد في الجيش الّذي أصابه الجوع والمرض عند غزوه للقسطنطينية، وكان يزيد قد تخلّف عنه، فأنشا يقول:
ما إن أُبالي بما لاقت جموعهمُ *** بالفرقدونة من حمّى ومن مومِ

1 . تاريخ مدينة دمشق:65/395، برقم 8349(ترجمة يزيد).

صفحه177
إذا اتكأتُ على الأنماط مرتفقا *** بديْر مرّان عندي أُمّ كلثوم(1)
فطوبى لك يا أبا يزيد، إذ مكّنتَ يزيد الابنَ المدلّل المائع من العرش، ليزيد في عدد صفحات حياتك السوداء، وليكن موبقة من موبقاتك الكثيرة، والّتي لم يذكر منها الحسن البصري سوى أربعة، وكفى بها لمن أبصر واعتبر، قال(رحمه الله): (أربع خصال كنّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمة بالسيف حتّى أخذ الأمر من غير شورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حُجراً وأصحابه، فيا ويلاً له من حُجر! ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر).(2)
إنّ انتزاءه على هذه الأُمّة بالسيف، وقيادته للفئة الباغية(3) على الخليفة الشرعي الإمام علي (عليه السلام)(الّذي بايعه المهاجرون والأنصار وسائر المسلمين) قد أثخن الأُمة بالجراح وأوهنها وأطمع فيها المتربصين بها، وكأنّ في أُذنيه وقراً عن سماع ما هتف به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)من فضائل أمير المؤمنين ومناقبه الجمّة، والّتي لو حظي بواحدة منها (معاوية) لتبجّح بها ليله ونهاره، ولذا راح المتزلفون والمتعصّبون ينسجون الروايات الكاذبة في فضائله، ولكنّ اللّه

1 . الكامل في التاريخ:3/458ـ 459(سنة 49هـ)، وفيه: أنّ أُمّ كلثوم امرأته، وهي ابنة عبد اللّه بن عامر.
2 . تاريخ الأُمم والملوك:3/232(سنة 51هـ)، الكامل في التاريخ:3/487(سنة 51هـ).
3 . قال الذهبي: وقُتل عمّار مع عليّ، وتبيّن للناس قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : تقتله الفئة الباغية. سير أعلام النبلاء:3/119، برقم 25(ترجمة معاوية).

صفحه178
تعالى قيّض من تصدّى لدحضها وتزييفها.
ولعلّ في قصة الحافظ أبي عبد الرحمن النسائي خير دليل على عقم تلك الجهود، إذ بان الصبح لكلّ ذي عينين لما قال (وقد سُئل في دمشق عن فضائل معاوية): ما أعرف له فضيلة إلاّ «لا أشبع اللّه بطنه»(1)، ولكن كلمة الحقّ هذه جعلته يدفع الثمن باهضاً، إذ داسه الجامدون وعُبّاد الرجال وأخرجوه من المسجد، فلم يزل عليلاً إلى أن توفّـي(رحمه الله).(2)
أمّا الملاحظات والتساؤلات الّتي وردت في رسالتكم، فنمرّ عليها مروراً سريعاً، لأنّ المجال لا يتسع لأكثر من ذلك:
الفائدة من معلومة أنّ مدينة سامراء سُنيّة، هي أنّ تلك الشعائر المنسوبة كذباً للشيعة، لو كان لها نصيب من الواقع لتحدّث عنها أهل تلك المدينة ولشاعت بين أهل العراق، ولكنّنا لا نجد من يتحدّث عنها (في العصور الماضية) سوى من نأى عن ذلك البلد وعن أهله، وتحكّم به التعصّب المقيت، ثمّ كيف يتأتّى للشيعة ممارسة شعائرهم عصر كلّ يوم في مدينة ليس لهم فيها تواجد عبر القرون، لا سيما في عصر مختلق هذه الفرية؟؟!! وهذا هو المراد من قولنا: إنّ مدينة سامراء مدينة سنيّة.
وأرغب إليك ـ عزيزي الشيخ ـ أن تحسن الظنّ بإخوانك الشيعة الذين ينفون عن أنفسهم ممارسة تلك الشعائر التافهة، وليس ثَمّة عبادات

1 . رواه الطيالسي في مسنده: برقم 2688.
2 . انظر: وفيات الأعيان: 1 / 77 برقم 29; سير أعلام النبلاء: 14 / 125 برقم 67.

صفحه179
عندهم يؤدونها في مدنهم غير ما يعرفه المسلمون.
كما أنّنا لم نلجأ إلى تحوير الكلام، وإنّما كان قصدنا انّ السراديب ـ لا الصحون كما فهمتم ـ يكثر وجودها في بيوت العراقيين، ومن هنا ينتفي تساؤلكم حول وجودها في بيوت الشيعة أو في بيوت غيرهم.
ومن الغريب قولكم: أين الإمام الغائب إن لم تقل الشيعة أو الرافضة أنّه دخل السرداب، فأين غاب؟!
فكأنّ الأمر منحصر في طريق واحد، وكأنّ قدرة اللّه تعالى ـ إذا اقتضت حكمته جلّ شأنه حفظ إنسان لمصلحة رسالية ـ محدودة وليست مطلقة، ولنا في تاريخ الأنبياء والأولياء شواهد عديدة تعلمونها.
أمّا الفرق بين مصطلح الرافضة والشيعة، فنحن لا نستعمل مصطلح الرافضة، ولا تجد شيعياً واحداً يُطلق على نفسه هذا المصطلح الّذي استحدثه بعض المتعصبين والمغرضين، وأُلصق بالشيعة الّذين ناهضوا الطغاة والفجّار في محاولة منهم لتشويه سمعتهم، وإبعادهم عن ساحة الحياة، وتهميش أو إلغاء دورهم فيها.
وأمّا عن مصطلح شيعة آل محمد، فهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وقد تولّى فريق من علماء الشيعة الإمامية ـ قديماً وحديثاً ـ عرض عقائد الشيعة وأفكارهم وشرحها وتبيينها بشكل واف، وبإمكانكم الرجوع إليها والاطلاع عليها.
ولست أدري كيف ترون: أنّ مفهوم آل البيت واسع، يشمل نسل

صفحه180
سيدي شباب أهل الجنة(عليهم السلام)؟!
ولعلكم ـ سماحة الشيخ ـ لم تلتفتوا إلى الآية الكريمة(إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(1) وغيرها من الآيات والأحاديث الّتي خصّصت أهل البيت بأفراد معينين،(2) وإلاّ فإنّ جمعاً غفيراً جداً من ذرية السبطين(عليهما السلام)، ستشمله ـ حسب المفهوم الّذي ذكرتموه ـ هذه الآية وغيرها، ويصبحون جميعهم مُبرَّأين من الإثم مطهّرين من مذامّ الأخلاق،(3) وهذا أمر لا يقبله المنطق، ولا يؤيده الواقع.
أمّا بشأن التأنّي في القراءة والابتعاد عن التسرّع، فهو أمر لازم لكلّ باحث موضوعي، ومن هنا يتسع صدره لمن يُذكّره به، بيد أنّ النصّ الموجود في (ص 320) من كتاب الإشاعة قد تمّت قراءته جيّداً، وأوردناه كما هو، ولم ننسبه للمؤلف، بل صدّرناه بقولنا(وإنّي أرى المؤلف قد أحسن الظن ببعض من كتب عن الإمامية، فأورد في كتابه هذا بعض كلماتهم)،

1 . الأحزاب:33.
2 . أخرج مسلم بسنده عن عائشة، قالت: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غداة، وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال: (إِنّما يريد...) الآية. انظر: صحيح مسلم برقم (2424)، وحديث الكساء هذا رواه أحمد في مسنده:6/298 و 304; والترمذي برقم (3205) و (3787) وغيرهما.
3 . قال ابن حجر: ثمّ هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم، حيث ابتدأت بـ(إنّما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الّذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنهم ويطهرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة. الصواعق المحرقة:144، الباب الحادي عشر، الفصل الأوّل.

صفحه181
والاشتباه فقط في المصدر الّذي نقل عنه المؤلف، ولا نرى كبير أهمية لذلك، لأنّ كليهما (ابن حجر الهيتمي وصاحب ذلك المصدر) سيّان في التعصب على الشيعة والتحامل عليهم والتحدث عنهم بغير دليل ولا برهان.
والأمر الّذي كنّا قد رجوناه، ونعتب فيه عليكم، هو مروركم على مثل هذه الخرافة دون التحقيق فيها والتعليق عليها، والعتب علامة الحبّ كما تعلم.
أُحييكم مرة أُخرى، ولكم مني وافر التقدير والاحترام.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
6 رمضان المبارك1426هـ

صفحه182
مراسلاتنا مع الدكتور عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري   
 
الفصل الثالث:

مراسلاتنا مع الدكتور عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري

20

فضيلة الشيخ / جعفر السبحاني الموقر
المدير العام لمؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
تلقيت رسالتكم الكريمة بالفرحة والسرور لما تنم عنه من صدق المحبة والثقة العلمية فيما بيننا (فالعلم رحم بين أهله)، وما استفسرتم عنه في مسألة القبض في الصلاة على مذهب الإمام مالك، بأنّه: ليس بحرام، ولكنه مكروه في الفرض، مسنون في النفل، وسبب ذلك أنّ الإمام مالك نظر في أحاديث القبض فوجدها مضطربة متناً ـ أي لم يأت الخطاب فيها متحد الكيفية ـ لذلك حكم عليها بالاضطراب، أمّا حديث وائل بن حجر الذي في

صفحه183
الموطأ وفي صحيح مسلم وفي البيهقي فهو حديث صحيح سنداً مضطرباً متناً كما قرره مفتي المالكية الشيخ محمد عابد وغيره من علماء الفن.
وقد أرفقت بهذا الخطاب رسالة الشيخ محمد عابد (القول الفصل في تأييد سنة السدل) في هذه الرسالة.
شاكرين لكم حسن تعاونكم معنا
وتفضلوا بقبول وافر الشكر والتقدير
الدكتور عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري
عميد كلية الإمام مالك للشريعة والقانون
دبي
10 ربيع الآخر 1427 هـ

صفحه184
 
21
سماحة الدكتور عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد تسلمنا بيد الشكر والتقدير كتاب العلاّمة السخاوي مع تقديم رائع بقلم سماحتكم.
وقد اطّلعنا على التقديم وبقيت قراءة الجزء الثاني، فشكر الله مساعيكم في نشر مآثر آل البيت والدعوة إلى حبهم.
غير أن هناك أُموراً أُحب أن أعرضها عليكم:
1. قمنا بترجمة حياة العلاّمة السخاوي في موسوعة طبقات الفقهاء(1)وأوردنا فيها آثاره، وذكرنا في الهامش المصادر الّتي جاء فيها ذكر
السخاوي .
2. ذكرتم في الصفحات الأُولى من الجزء الأوّل أشعاراً تتضمن مدح النبي الأكرم والخلفاء من بعده وفاطمة الزهراء وغيرهم، ولكن الّذي

1 . موسوعة طبقات الفقهاء: 10 / 240 ـ 242 .

صفحه185
استوقفني هو أنكم قد أفضتم البيان في ذكر مآثر الخلفاء الثلاثة وأوجزتم فيما يخص الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)الّذي هو باب مدينة علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأخوه.
وكانت أشعاركم في ذلك لا تتجاوز الأربعة أبيات، ولذا أحببت مشاركتكم في هذا الميدان، وأبعث إليكم الأبيات التالية لتكون متممة لما كتبتم وإليكم هذه الأبيات، الّتي نفضّل أن تكون بعد البيتين التاليين:
ويليه في الفضل المبين مهنّد *** صنو الرسول وقوسه الختميُّ
قد جاء في غرر المواكب رفعة *** والختم في الأُخرى به حتميّ
***
كم موقف نكص الأشاوسُ دونه *** قد خاضه زينُ الهداة: عليُّ
ومشى إلى الموت الزؤام كأنّه *** أرْيٌ لديهِ، سائغ وشهيُّ
فاق الورى علماً، وبذّ أولي النُّهى *** حُكماً، وإنْ شئت الندى فَسَريُّ
آخاه من دون الأنام محمدٌ *** أمرٌ رواه المسلمون جليُّ
وغدا ربيعَ العدل في قيظ الدُّنى *** يزهو، ويعبق عطره المسكيُّ

صفحه186
لا غَرْوَ أن عانى هَواكَ سَلامةٌ (1) *** حتّى بدا، وكأنه شيعيُّ
فهواك ريحانُ المحبّ ورَوْحُهُ *** وهواك وحدك حلمُهُ الورديُّ
3. ذكرتم في المطلب الثالث الاختلاف في مفهوم آل البيت عند المفسرين وأن هناك اتجاهات، والحق أن يقال أن هنا اتجاهاً واحداً، ويعلم ذلك من التدقيق في الآية الكريمة، بالبيان التالي:
انّه سبحانه يقول: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكَاةَ وَ أَطِعْنَ اللهَ وَ رَسُولَهُ).(2)
ثم يقول سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (3).
فالفقرة الأُولى من الآية تشير إلى بيوت ولها أهلها وهن أزواج النبي.
والفقرة الثانية تشير إلى بيت واحد وله أهله.
فمعنى المقابلة أنّ أهل ذلك البيت غير أهالي البيوت المتبقية. ومع هذا فكيف يحتمل دخول أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مفهوم أهل البيت الّذي أشرتم إليه في الاتجاه الأوّل.

1 . هو الشاعر المسيحيّ المفلق بولس سلامة، صاحب الملحمة الشعرية الرائعة في أهل البيت(عليهم السلام) .
2 . الأحزاب: 33 .   3 . الأحزاب: 33.

صفحه187
إنّ اللام في أهل البيت لام عهد تشير إلى بيت معهود فيجب أن نبحث عن هذا البيت المعهود، وليست اللام هي لام الجنس كما هو معلوم. والروايات تفسر وتحدد هذا البيت كما هو واضح لمن تدبر الروايات الواردة حول الآية.
إن أوّل من سمّى متابعي «علي» بالشيعة هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ورد في ذلك قرابة أربعين حديثاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نقل بعضها الحافظ السيوطي في تفسير قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)(1) .
4. لقد أفضتم الكلام حول الرفض والروافض وذكرتم أنّ وجه تسمية الشيعة بالروافض هو أنّهم طلبوا من زيد بن علي أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر. وقال رداً عليهم: «كانا وزيري جدّي، وحكما فعدلا» فتركوه ورفضوه، وارفَضُّوا عنه، فسميت الرافضة والنسبة رافضي.
والحق أنّ الرواية غير صحيحة، كما أنّ ما ذكرتم أنّ الروافض كل جُند تركوا قائدهم، مثل السابق.
بل الرفض مصطلح سياسي لا يختص بمن رفض الشيخين، أو تركوا قائدهم.
ان مصطلح الرافضة كان قد استُعمل قبل أن يولد زيد بن علي ومن بايعه من أهل الكوفة، وهو يطلق على كل جماعة لم تقبل الحكومة القائمة،

1 . البيّنة: 7 .

صفحه188
سواء أكانت حقاً أو باطلاً.
هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان ـ الذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب (عليه السلام)وسلطته ـ بالرافضة، ويكتب في كتابه إلى «عمرو بن العاص» وهو في البيع في فلسطين أمّا بعد: فإنّه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبدالله في بيعة علي وقد حبست نفسي عليك حتّى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً.(1)
وأنت ترى أن معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة وهؤلاء كانوا أعداء علي ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأن هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك.
5. ذكرتم في الصفحة (161) قولاً بأن غلاة الشيعة يعترضون على أغلب صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وينكرون جهودهم، وان الناس ارتدوا غير أربعة أو غير ستة.
نقول: إنّ وزان رواية ارتداد الصحابة نظير ما رواه البخاري عن أبي هريرة، الّذي كان يحدث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّؤون عن الحوض، فأقول: يارب أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».(2)

1 . وقعة صفين: 29 .
2 . صحيح البخاري: 4 / 228، برقم 6585 .

صفحه189
وهناك تسع روايات أُخرى تحمل هذا المعنى، والفريقان أمام هذه الروايات شرع سواء.
وبما أنّ البحث في هذا الموضوع غير مفيد في ظروفنا الحالية الّتي تحالف فيها الكفر على ضرب الإسلام والنيل من المسلمين بدون تمييز بينهم، فلا نطيل البحث، والحرّ تكفيه الإشارة.
شكر الله مساعيك إذ أديت حق البحث في آل البيت وفي الدفاع عن الشيعة خصوصاً في مسألة التحريف.
وكان الأَولى ترك البحث في فرق الشيعة والخوارج، والتركيز بدلاً من ذلك على الهدف الّذي كنت ترومه من نشر كتاب العلاّمة السخاوي.
جعلنا الله وإياكم ممن تناله شفاعة محمد وآله الطاهرين
والسلام عليكم وعلى من حولكم من الأعزاء
 
جعفر السبحاني
24 ربيع الثاني 1429 هـ

صفحه190
مراسلاتنا مع الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين   
الفصل الرابع:

مراسلاتنا مع الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين

22

سماحة العالم الجليل الشيخ صالح بن عبد الرحمن
المحترم دامت معاليه
رئاسة شؤون الحرمين الشريفين
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن يوفّقكم لما فيه مرضاته، ويسدّد خطاكم في سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية إنّه على ذلك قدير.
كان للقائي بفضيلتكم في مكة المكرمة ـ زادها اللّه شرفاً ـ تأثير بالغ في نفسي إذ وجدت فيكم الوعي والانفتاح وبالتالي حمل هموم الأُمّة الإسلامية، فلم أزل أذكركم بين الزملاء والأساتذة بالخير.
الّذي دعاني إلى كتابة هذه الرسالة، هو التأكد ممّا نُقل عن بعض

صفحه191
المحاضرين في الحرم الشريف، ليلة الثالث عشر من رجب 1424هـ أنّه أجاب عن حلّية ذبيحة من يزور القبور أوّلاً، ويذبح لها ثانياً:
«إنّ هذا الشخص مشرك ولا تحلّ ذبيحته».
لا أظنّ أنّ الجواب كان على هذا الوجه، وانّ فضيلتكم ـ بحمد اللّه ـ أعلم بحدود التوحيد والشرك والإيمان والكفر، ولعل السامع اشتبه عليه لفظ المحاضر، وعلى كلّ تقدير فالجواب خاضع للردّ.
وذلك أوّلاً: إنّ زيارة القبور أمر مستحب أجمع عليه العلماء، وإن اختلفوا في زيارة النساء لها. ونحن لا نناقش في الاستثناء.
وأمّا الذبح لأصحاب القبور والضرائح أو الأنبياء والأئمّة، فله صورتان:
1. أن يكون الذبح باسم أصحاب القبور، فلا شكّ في أنّه من الشرك، لأنّ الذبح لغيره سبحانه أمر محرّم يشمله قوله سبحانه:(وَمَا ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ).(1)
لكن، لا أظن أنّ أحداً من المسلمين يذبح لأصحاب القبور والضرائح بهذا المعنى.
2. أن يكون الذبح للّه سبحانه والغاية منه انتفاع الأموات بثوابه. وهذا لا مانع فيه، ومثال ذلك أن يقول الشخص مثلاً: إن عوفيتُ من هذا المرض، فللّه عليّ أن أذبح شاة للنبي، فالنذر للّه، والمنتفع منه هو النبي.
وهذا هو سعد بن عبادة سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا نبي اللّه إن أُمّي قد

1 . المائدة: 3 .

صفحه192
افتلتت وأعلم أنّها لو عاشت لتصدقت أفإن تصدّقت عنها أينفعها ذلك؟
قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«نعم». فسأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أيّ الصدقة أنفع يا رسول اللّه؟ قال: «الماء». فحفر بئراً، وقال: هذه لأُمّ سعد.
واللام في قوله: «هذه لأُمّ سعد» لبيان من يهدي إليه الثواب، كاللام في قول الناذر: للنبيّ أي ثوابه له.
وليست من قبيل اللام الداخلة على المعبود المتقرب إليه، مثل قولنا: «نذرت للّه»، بل اللام في قوله«لأُمّ سعد» للانتفاع أو الاختصاص مثل اللام الواردة في قوله تعالى: (إِنّما الصَّدقَاتُ لِلْفُقَراءِ).(1)
فاتّضح انّ اللام في قوله:«هذا للنبي أو للوليّ» كاللام في قوله : هذه لأُمّ سعد، فالقوم ـ على ضوء هذا الحديث ـ سعديون لا وثنيون، فالذبح مطلقاً للّه والمنتفع به من ذبح له لأجل انتفاعه بثوابه. والرائج عند من ينذر للنبي أو الوليّ هو هذا الصنف لا غير.
والروايات(2) في هذا المضمار أكثر من أن تُذكر في هذه الرسالة.
سبحان اللّه!! تؤكل ذبيحة اليهودي والنصراني في الحرمين الشريفين، مع أنّها ذبيحة لم يذكر عليها اسم اللّه(وانّهُ لَفِسْقٌ)، لكن لا تباح ذبيحة من آمن باللّه رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً وبالكعبة قبلة؟!

1 . المائدة: 60 .
2 . للوقوف على مصادر هذه الروايات: يلاحظ: صحيح مسلم، كتاب النذر: 5 / 73 و 78 ; كنز العمال: 15 / 15 ; جامع الأُصول: 8 ; والموطأ; والتوسّل والزيارة في الشريعة الإسلامية للشيخ الفقي: 229 وغيرها.

صفحه193
أحرام على بلابله الدو *** ح وحلال للطير من كل جنس
وأنتم يا صاحب الفضيلة تعلمون أنّ هذه الأسئلة مدروسة وذات أغراض سياسية مريضة تطرح لغاية التفريق بين المسلمين في وقت، نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة والتآلف والوئام.
ونحن نعتقد أنّكم تنظوون على رغبة صادقة في تعزيز العلاقات بين البلدين فليقتد سائر المحاضرين بكم. فالحذر الحذر من الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة الّذي يثير الخلاف، ويعكّر الصفو.
إنّ المنقول عن هذا المحاضر، هو نفس ما أفتى به عبد اللّه بن جبرين إثر استفتاء مدروس، وقد قمنا بدراسته في رسالة طبعت ضمن كتاب «الإيمان والكفر» نقدّمه إليكم مع هذه الرسالة المتواضعة.
فالرجاء الأكيد، مذاكرة المحاضر في الموضوع ودعوته إلى اتخاذ موقف صحيح، حول هذه المسائل الحسّاسة التي تثير الحفائظ، وتشتت الشمل.
ودمتم للمسلمين
جعفر السبحاني
22 رجب 1424 هـ

صفحه194
23

سماحة العالم الجليل الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين المحترم دامت معاليه

رئاسة شؤون الحرمين الشريفين

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن يوفّقكم لما فيه مرضاته، ويسدِّد خُطاكم، على طريق تحقيق الوحدة الإسلامية إنّه على ذلك قدير.
تقديراً لأخلاقكم السامية وعزيمتكم الصادقة في تقريب الخطى بين المسلمين أُهدي إليكم الجزء الأوّل من كتاب الحج، و هو جزء من محاضراتي في الفقه المقارن في الحوزة العلمية. والنظرة الثاقبة في المسائل المعنونة في هذا الجزء تكشف عن أنّ المشتركات بين الفريقين أكثر من غيرها، وما أصدق قول القائل: «ما يجمعنا أكثر ممّا يفرقنا».
أرجو من اللّه سبحانه لفضيلتكم الصحّة والعافية والسعي وراء الصالح العام للمسلمين.
ودمتم سالمين للإسلام وأهله.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني    11 جمادى الآخرة 1425 هـ

صفحه195
24

سماحة العلاّمة النحرير الفقيه المحقّق الشيخ
جعفر السبحاني دام علاه

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
وأدعو اللّه أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية، وقد تلقّيت رسالتكم اللطيفة بتاريخ 11 جمادى الثانية 1425هـ ومعها هديتكم القيمة(الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء ) ولا شكّ كما تفضّلتم بأنّ عبادة الحجّ تتميز بكثرة مسائلها وتشعّب فروعها وأكثر مسائلها غير مأنوس ولا متكرر، كما لا أشك أنّ هذا الكتاب القيّم وإن لم تتح لي قراءته بعد، فإنّه ينطبق عليه الوصف «وافر المقاصد جمّ المطالب»، كيف لا وهو تحرير عالم واسع الاطّلاع، عميق التفكير، صبور على مكابدة البحث، حريص على ما يجمع ولا يفرّق.
وكما دعا السيد المحقّق البروجردي فإنّي أدعو اللّه أن يؤلّف بين قلوب المسلمين ويجعلهم يداً على من سواهم ويوجّههم إلى أن يعملوا بقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا) وأن يجزيكم على ما قدمتم عظيم الأجر والثواب.
أُكرر شكري لكم وتقبّلوا لائق التحية والسلام من أخيكم
صالح بن عبد الرحمن الحصين   في 6/7/1425

صفحه196
25
سماحة العالم الجليل الشيخ صالح بن عبدالرحمن
الحصين دامت معاليه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو من الله سبحانه أن يديم نعمة الصحة والعافية وأن يرزقنا زيارة بيته الحرام والمشاعر المشرّفة.
أُرفق رسالتي الأخوية هذه باهداء كتاب «تاريخ الفقه الإسلامي» والّذي يتعرض لدراسة ما مرّ به الفقه الإسلامي من المراحل، والكتاب بحق خير وسيلة في سبيل تعزيز الوحدة الإسلامية، حيث تضمّن بيان أدوار الفقه الشيعي إلى جنب الفقه السني، والتقدير لجهود علمائنا في إيناع ثمار ذلك الميراث عبر قرون.
أُكرر شكري لكم وتقبلوا منا التحية والتقدير
جعفر السبحاني
3 ربيع الأوّل 1427 هـ

صفحه197
مراسلتنا مع الشريف أنس الكتبي الحسني   
الفصل الخامس:

مراسلتنا مع الشريف أنس الكتبي الحسني

26

الفاضل الفقيه الشريف أنس الكتبي الحسني حفظه اللّه

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه الصحة والعافية لكم ولمن حولكم من الأعزاء.
أخبرني الصديق العزيز الأُستاذ «رضواني» حفظه اللّه أنّ جنابكم بصدد تأليف كتاب حول المذاهب الإسلامية، مضيفاً إلى المذاهب الأربعة المذهب الإمامي والمذهب الزيدي.
فسررت بسماع ذلك فكيف بمشاهدته إن شاء اللّه تعالى، وهو خطوة كبيرة على طريق التقريب بين المذاهب الإسلامية.
إنّ الفقه الإسلامي ثروة كبيرة تركها فقهاء الإسلام جيلاً بعد جيل حتّى وصل إلى القمّة من الكمال وهو بحمد اللّه مستعد لحلّ الأزمات القانونية

صفحه198
الّتي يعاني منها الغرب والشرق.
وقد أرسلنا إليكم عن طريق الصديق كتاب «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف» في أجزائه الثلاثة، والّذي يتناول المسائل الفقهية الّتي اختلف فيها الفريقان تماماً وطرحنا هناك أدلة المذهب الإمامي فليكن هذا مساهمة صغيرة في مشروعكم السامي.
والّذي اقترحه عليكم هو أن تتخذوا مساعداً في تدوين هذا المشروع خصوصاً بما يتعلق بالمذهب الإمامي والزيدي ليركزوا على الرأي السائد بينهم لا على كتاب خاص، وهذا أمر تخصصي لا يقوم به إلاّ الأمثل فالأمثل في حق الفقه الإمامي.
وختاماً أسألكم الدعاء في مواقع إجابته خاصة في الحرم النبوي الشريف سلام اللّه على صاحبه سلاماً لا نهاية له ولا أمد.
والسلام عليكم ورحمة اللّه بركاته
جعفر السبحاني
18 ذي القعدة الحرام 1425 هـ

صفحه199
27
سماحة آية الله الشيخ جعفر السبحاني دام ظله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من جوار قبر المصطفى وأهل بيته الأطهار أئمة الهدى في بقيع الغرقد عليهم الصلاة والسلام. وتلك الروضة الشريفة والقبة الخضراء، وذكريات الرعيل الأوّل من بيت النبوة حيث بيت النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)ودار الزهراء وزوجها الإمام المرتضى ابن عم المصطفى ومحلة الهاشميين وانطلاق الدعوة وهم منبع الرسالة ومعدن الحكمة، الشجرة اليانعة الّتي أحكمت عروقها فصلى الله على محمد وآل محمد وعجل فرجهم.
بهذه العبارات بدأت هذه الرسالة وتلك المعاني الّتي يجهلها كثير من المسلمين ولا يعرفون حقيقة الأمر، فأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزقنا وإيّاكم محبة نبيه وأهل بيته الخالصة إلى يوم الدين.
لقد سعدت كثيراً برسالتكم التي سلّمني إياها الأُستاذ رضواني حفظه الله وتمعنت بها، وقد كانت دافعاً وتشجيعاً كبيراً للاستمرار في العمل على إخراج موسوعتي الفقهية على المذاهب المشتهرة، وأقول ـ ولو أنّنا لم نلتقي من قبل ـ لكني أعرفك جيداً وليَّ بك صلة وثيقة ممّا تعلمته من مؤلفاتك النافعة وموسوعاتك الدينية التي وصلت إلى أيدينا وعرفتنا الكثير من الحقائق، ومنها أحببنا الشيخ السبحاني ذلك العلاّمة الّذي أغنى المكتبة

صفحه200
الإسلامية بالمؤلفات النافعة وهو إضافة إلى ذلك يعد في مقدمة علماء العصر.
سماحة الشيخ أود أن أوضح لكم أنّ عملي في الموسوعة يعتمد على أُصول الكتب، وهو بصفة مبسطة إلى جميع طبقات المجتمع، فقد اعتمدت على أُمّهات الكتب لأُصول المذاهب، وقد أضفت أخيراً إلى المذاهب الستة المذهب السابع الإسماعيلي لتقاربه في كثير من الأحكام والعبادات والمعاملات مع المذاهب الستة .
وإنّني على عجل أكتب لكم هذه الرسالة وسوف أثقل عليكم قليلاً بأنّي حال انتهائي من الكتاب سوف أُرسله لكم لأتشرف بمراجعتكم، ووضع الملاحظات إن وجدت .
على كلّ حال أُؤكد لكم مدى سعادتي بالتخاطب معكم وأتمنى أن يكتب الله لكم الزيارة للمدينة المنورة في موسم العمرة لنتشرف بخدمتكم سائلاً المولى أن يحفظكم من كل سوء. وأُوصيكم أن لا تنسوني من الدعاء في الخلوات والجلوات، وصلى الله على محمد وآل محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حرر وجرى بمدينة خير الورى
دار المجتبى
كتبه على عجل ابن الحسنين
الشريف أنس بن يعقوب الكتبي الحسني
يوم الغدير وعيد الولاية
18 ذي الحجة 1425 هـ

صفحه201
مراسلاتنا مع الدكتور فاروق حمادة   
الفصل السادس:

مراسلاتنا مع الدكتور فاروق حمادة

28

الحمد لله وحده .
الأخ الكبير، العلاّمة آية الله جعفر السبحاني، رعاه الله(1)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد أطيب التحية بطلعة شهر رمضان المبارك، وكل عام وأنتم بخير.
فإني أسأل الله تعالى أن تكونوا ومن حولكم ممتعين بالصحة والسلامة.
أخي العزيز:
لما كنت في مدينة قم، زرت مكتبة آية الله المرعشي، واستقبلنا الدكتور

1 . هذه الرسالة بعثها لنا الدكتور فاروق حمادة وهو أُستاذ علم الحديث في الأكاديمية الملكية في المغرب.

صفحه202
محمود المرعشي، وتجولت في قسم المخطوط، فوقع في يدي تفسير (أبي الحكم بن برجان) المغربي الصوفي، في مجلدين ضخمين، وسألتهم أيمكن تصويره ؟ فقالوا: نعم، ولكن وقتنا كان قصيراً، وبقيت النفس تتشوف إليه ولا تزال.
فأرجو أن تكلفوا من طلابكم النابهين من ترونه أهلاً للبحث عنه، وتصوير الأوراق الأُولى منه، في حدود 30 صفحة.
مع شكرنا لكم، وشوقنا لرؤياكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
الأُستاذ الدكتور فاروق حمادة
القنيطرة بالمغرب الأقصى
26 شعبان 1425 هـ

صفحه203
 
29
أخي العلامة آية الله جعفر السبحاني، رعاه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد عاطر التحية والتقدير.
فأبارك لكم عيد الفطر سائلاً المولى تعالى أن يجعله رحمة ونهوضاً لأُمّة الإسلام .
وإنّي إذ أشكر لكم مودتكم وتهانيكم أُخبركم بأنّي للتو عدت للمغرب وسأتصل بصديقنا الدكتور ساجدي، لأخذ الكتب وإخباركم بذلك، وهذه ليست بأوّل مكارمكم، وسأوافيكم بكتابنا الجديد الذي حدثتكم عنه «العلاقات الإسلامية النصرانية في العهد النبوي».
مع خالص المحبة
أخوكم
د. فاروق حمادة

صفحه204
 
30
حضرة الأُستاذ الفاضل الدكتور فاروق حمادة
ـ دامت معاليه ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو من الله سبحانه أن تكونوا ومن يلوذ بفضيلتكم في صحة وسعادة، وسداد وعافية.
كما أشكركم لما أوليتموني به من حسن الضيافة والحفاوة التي استقبلت بها.
سيدي: فقد بعثت إليكم الكتب التالية بالبريد المسجل:
1. الخلاف للشيخ الطوسي جزءان: الخامس والسادس.
2. مكاتيب الرسول في ثلاثة أجزاء، وهوكتاب ممتع جداً.
3. الشفاعة في الكتاب والسنة، وقد ركزنا فيها على طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء .
4. التوسل.

صفحه205
والرجاء الأكيد إعلامنا بوصولها إليكم.
وهذه الرسالة مرفقة بشيء يسير من الزعفران أرجو أن ينال موقع القبول.
كما أرجو أن ترسلوا الينا نسخة من مغازي ابن إسحاق المدني.
بلّغوا سلامي إلى الاخوان والأساتذة الذين تشرفنا بزيارتهم في بيتكم العامر الرفيع وأخص بالذكر الأُستاذ المفضال المفسر، والأُستاذ المتكلم الماهر، حفظهم الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ودمتم موفقين
جعفر السبحاني
1 صفر 1425 هـ

صفحه206
 
31

الأُستاذ الفاضل: الدكتور فاروق حمادة المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في صحة وعافية.
اغتنم فرصة سفر العلاّمة الحجة الأُستاذ الفاضل: السيّد محمد رضا الجلالي ـ دامت بركاته ـ إلى الديار المغربية لإلقاء محاضرات فيها، لأكتب لكم هذه الرسالة، وبما أنّنا في شهر رمضان المبارك فأودّ أن أهديكم خطبة الرسول الّتي خطبها في آخر جمعة من شهر شعبان المعظم والّتي جمع فيها فضائل هذا الشهر، وقد رواها الشيخ الصدوق (306ـ 381هـ) بسنده إلى الإمام علي الرضا(عليه السلام)عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين علي(عليهم السلام) قال: «إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبنا ذات يوم فقال:
أيّها الناس إنّه قد أقبل إليكم شهرُ اللّه بالبركَة والرّحمةِ والمغفرة، شهر هو عند اللّه أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل اللّيالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهرٌ دعيتم فيه إلى ضيافة اللّه وجعلتم فيه من

صفحه207
أهل كرامة اللّه، أنفاسكم فيه تسبيحٌ، ونومكم فيه عبادةٌ، وعملكم فيه مقبولٌ، ودعاؤكم فيه مستجابٌ، فاسألوا اللّه ربّكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفّقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإنّ الشقي من حرم غُفران اللّه في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوعَ يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقّروا كباركم وارحموا صغاركم وصلوا أرحامكم واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عمّا لا يحلُّ النظر إليه أبصاركم وعمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم، وتحنَّنوا على أيتام الناس يتحنَّن على أيتامكم، وتوبوا إليه من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدّعاء في أوقات صلاتكم، فإنّها أفضل الساعات، ينظر اللّه عزّ وجلّ فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيّها الناس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم، وظهوركم ثقليةٌ من أوزاركم فخفّفوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أنّ اللّه تعالى ذكره أقسم بعزته أن لا يُعذب المصلين و الساجدين وأن لا يروّعهم بالنار يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
أيّها الناس من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند اللّه عتق نسمة ومغفرةٌ لما مضى من ذنوبه. قيل: يا رسول اللّه وليس كلنا يقدر على ذلك. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء...». هذا و للحديث صلة.
وصديقنا المعزز: السيد الجلالي غني عن التعريف و البيان وهو كاتب قدير وله مواقف مشكورة، وآثار وتصانيف ثمينة، وهو ـ مع ما له من مكانة

صفحه208
عالية في الفقه والأُصول ـ خبير في علمي الرجال والدراية، أسأل اللّه سبحانه أن يوفقه في هذه الرحلة لما يحب ويرضاه.
وأود أن ترسلوا لي كتابكم حول حياة الأئمة الاثني عشر، فإنّه دليل على ولائكم الخالص إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
كما أخبركم بأنّه لم يصل من مجلة بصائر الرباط إلاّ العدد الأوّل منها، ونحن ننتظر بفارغ الصبر سائر الأعداد.
وقد أرسلنا إليكم مقالاً حول «اكتشاف كذب الرواية في التاريخ» ، راجياً نشره ـ و لو مع النقد ـ على صفحات المجلة.
وهذه الرسالة مرفقة بكتاب «أُصول الحديث وأحكامه»، أرجو أن يحظى برضاكم.
بلّغوا سلامي إلى الأهل والعيال، ولا تنسونا من صالح دعواتكم في أسحار شهر رمضان.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
7 رمضان المبارك 1426 هـ

صفحه209
 
32
الأخ الكريم، الأُستاذ الفاضل الدكتور
فاروق حمادة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحيّيكم أحسن تحية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأقدّم لكم أسمى التهاني وأزكى التبريكات بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، مبتهلاً إلى المولى جلّ شأنه أن يُسعدكم بسابغ نعمائه، ووافر فضله وعطائه، وأن يُعيده عليكم وعلى المؤمنين بالسلامة، والغنيمة من كل برّ كما أدعوه تعالى أن يمنّ على المسلمين بما يصلح أمرهم، ويرفع شأنهم، ويعزّز كرامتهم ووحدتهم. إنّه بالأجابة جدير .
بلغوا سلامي الوافر إلى الأهل والأولاد خاصة ولدكم البار، ومن حولكم من الأصدقاء الأعزاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
9 ذي الحجة 1426 هـ

صفحه210
 
33
الأخ العلامة الكبير آية الله جعفر السبحاني رعاه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد التحية والمودة والسؤال عن طيب خاطركم، فاشكر لكم مبادرتكم وسبقكم إلى الخيرات، وتهنئتكم بالعيد، أعاده الله عليكم وعلى المسلمين باليمن والبركة.
أخي الكريم، صدر لي بعض الكتب سأوافيكم به قريباً إن شاء الله، وأجدد شكري للأحبة الذين لم يسعفني القدر برؤيتهم في شهر رمضان، وأتحفوني بهداياكم وهداياهم الغالية، والتحية والمودة لكل من يلوذ بكم من الأهل والأحباب وكل عام وأنتم بخير
أخوكم فاروق حمادة
10 / 1 / 2006 م
9 ذي الحجة الحرام 1426 هـ

صفحه211
مراسلاتنا مع الدكتور وهبة الزحيلي   
الفصل السابع:

مراسلاتنا مع الدكتور وهبة الزحيلي

34

فضيلة الأُستاذ الدكتور وهبة الزحيلي أعزكم الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في هذه الأجواء المعطرة بنفحات ذكرى مولد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، أودّ أن أزف إليكم أجمل التهاني، وأسمى التبريكات بهذه المناسبة الطيّبة .
وأود أيضاً أن أزجي لكم كتاب «القصص القرآنية» مشفوعاً بصادق ودادي، وخالص دعائي لكم بالتوفيق والسعادة والحياة الهانئة في ظلال القرآن الكريم، وأن يجعلني وإياكم من حفظته وأتباعه .
أحمد الله تعالى على ما منّ به من التوفيق لارتياد آفاقه الواسعة، راجياً أن أكون قد أسهمت في خدمة هذا الكتاب الخالد، الّذي نتطلّع إلى أن تهتدي أمتنا الإسلامية بأنواره، وتحكّمه في شؤون حياتها، وتسترشد به في مواقفها

صفحه212
في هذا المنعطف الخطير، الّذي يتكالب فيه الأعداء للإجهاز على الإسلام ومبادئه السامية، وتحطيم شخصية أمتنا العريقة، وصولاً إلى الهدف الخبيث المعلن: إقامة الشرق الأوسط الكبير، وفق مقاساتهم الشيطانية، اعتماداً على نشر ما يسمّونه: الفوضى البنّاءة .
لقد بذل أعلامنا وأساتذتنا الكرام أمثال السيد حسين الطباطبائي البروجردي، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ عبدالمجيد سليم، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمهم الله تعالى، وغيرهم من الأعلام الذين اتسموا بالإخلاص واتّساع الأُفق والهمم العالية، بذلوا جهوداً مشتركة جبارة في توعية الأُمّة وإرشادها إلى النهج القويم ودعوتها إلى الوحدة والتآلف والتضامن، وصيانتها من التفكّك والتمزّق .
ونحن إذ نذكر ذلك، نتمنى أن يواصل الأعلام في هذه الأيام العصيبة، حمل لواء التقريب والوئام بين أبناء المذاهب الإسلامية، لدرء الفتنة الّتي تسعى لإثارتها أمريكا والكيان الصهيوني وأذنابهما، والّتي تستهدف بث الشقاق، وتأكيد الخلاف بين أبناء الأُمة الواحدة من خلال تحريض المنتفعين والجهلة وقاصري النظر على إصدار أقوال وارتكاب أعمال سفيهة، يُراد منها تأجيج الصراع وإشعال المنطقة برمّتها وصولاً إلى الهدف المذكور آنفاً، وصدق شاعر حلب الكبير أبو فراس الحمداني، في قوله:
وقد يكبر الخطب اليسير وتجتني *** أكابر قوم ما جناه الأصاغر
ومهما تآمر الأعداء على أُمّتنا، فكلّي أمل وتفاؤل، بأنّ أُمّتنا، ستُفشل مخططاتهم وتُخيِّب مساعيهم، وستبقى أُمّة واحدة كالجسد الواحد، ما دام

صفحه213
فيها رجال مخلصون، من الطائفتين، تنبض قلوبهم غيرة على الإسلام، ويتواصلون بينهم في محبة واستشعار بأخوة الإيمان.
وأرى أنّكم ـ أخي المفضال ـ أحد الأعلام الذين يُعوَّل عليهم في هذا الميدان. وفقكم الله تعالى وسدّد خطاكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
20 ربيع الأوّل 1428 هـ

صفحه214
35
صاحب الفضيلة الشيخ الجليل آية الله جعفر
السبحاني أيده الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أسأله سبحانه أن يتم عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يحميكم من كل سوء، ويحفظ عليكم نعمة الإيمان والصحة والسلامة في الدين والدنيا والآخرة.
ثم إنّني لشاكر فضلكم بإرسال هدية «القصص القرآنية» الجزء الأوّل في ثوب قشيب وجديد بتتبع قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحسب التسلسل التاريخي، وهو أحد إنجازاتكم العلمية المبتكرة الّتي يمطرها عليّ فضلكم العظيم بالهدايا المتتابعة الدالة على وفائكم وصفاتكم الطيبة والّتي غرست حبي وتقديري لسماحتكم منذ تشرفي بزيارتكم في مركزكم العلمي العامر.
وقد بشرني سماحة آية الله سفيركم الكبير في دمشق بأنّه سيعقد مؤتمر للعلماء في سورية يجمع طوائف العلماء من كل بلد، وأنكم في

صفحه215
طليعة المدعوين، وأنتظر ذلك، ويشرفني الاجتماع بكم في دمشق .
نحن كما ذكرتم ـ أهل العلم ـ واجبنا الاتفاق على مرضاة الله، والحفاظ على قيم الإسلام الكبرى فيما يخص اجتماعنا على الحق لمواجهة باطل المستعمرين الدخلاء والمستكبرين الذين يزرعون الفتن بين الطوائف الإسلامية، والله ناصرنا بفضله ومشيئته .
حقق الله الآمال، وأيدكم بروح من عنده، والله يحب المحسنين .
أخوكم
وهبة مصطفى الزحيلي
دمشق
12 من ربيع الآخر سنة 1428 هـ
29 / 4 / 2007 م

صفحه216
مراسلاتنا مع الشيخ حسن الصفار   
الفصل الثامن:

مراسلاتنا مع الشيخ حسن الصفار

36

سماحة حجة الإسلام الشيخ حسن الصفار

ـ دامت إفاضاته ـ
السلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته
أمّا بعد، فالرجاء من الله سبحانه أن يوفّقكم لما فيه رضاه ويسدّد خطاكم في نشر الشريعة وتوعية الجيل الحاضر.
أخبركم بأنّه وصلت إلينا رسائل النادي الرياضي، كما وصلتنا الأوراق الكبيرة الّتي تحتوي على ما جرى في المؤتمر الّذي أقامه ولي العهد في الرياض .
وقد سررت بعد قراءتي لما أتيتم به من تحليل لمسألة تقريب الخطى

صفحه217
والاستماع لصوت الآخرين خصوصاً الجيل الشيعي مهضوم الحقوق جزاكم الله خير الجزاء.
كما أرسلت إليكم الكتابين التاليين:
1. المذاهب الإسلامية.
2. أدوار الفقه الإمامي.
وأزيد عليهما بثالث وهو «التحسين والتقبيح العقليين»..
أرجو أن لا تنسونا من صالح دعواتكم في شهر رمضان القادم كما أنّني لا أنساكم فيه.
بلغوا سلامي إلى الإخوان جميعاً.
ودمتم موفّقين
جعفر السبحاني
التاسع عشر من شعبان المعظم 1424 هـ

صفحه218
 
37
سماحة آية الله العلاّمة المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
قضيت وقتاً ممتعاً ثميناً في فناء مدرسة عطائكم العلمي الوفير،حيث وفقني الله للإطلاع على الجزأين الأوّل والثاني من موسوعة (معجم طبقات المتكلمين)، وأمعنت النظر في قراءة المقدمتين الضافيتين اللتين رشح بهما قلمكم الشريف.
سماحة الشيخ الفقيه: لقد شهدت ساحة الأُمّة في هذا العصر، بداية تواصل معرفي يبشّر بالخير بين نخبها العلمية والفكرية لكنّها اتّجهت غالباً صوب المجالين الفقهي والثقافي. ففي المجال الفقهي صدرت عام 1961 م موسوعة جمال عبدالناصر الفقهية من القاهرة، لتذكر آراء المذاهب الإسلامية في مسائل الفقه جنباً إلى جنب، المذاهب الأربعة والمذهب الظاهري ومذهب الشيعة ومذهب الزيدية ومذهب الاباضية. وصدرت مجموعة من الكتب الفقهية التي تتناول آراء مختلف المذاهب في جميع أبواب الفقه الإسلامي أو بعضها، ككتاب (الفقه على المذاهب الخمسة) للشيخ محمد جواد مغنية، وموسوعة (الفقه الإسلامي وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي، وكتاب (الأحوال الشخصية) للشيخ محمد أبو زهرة، وكتاب (أحكام الأسرة

صفحه219
في الإسلام) للدكتور محمد مصطفى شلبي، وغيرها كثير.
وكان تأسيس (مجمع الفقه الإسلامي) بالقرار الصادر عن مؤتمر القمة الإسلامي الثالث المنعقد بمكة المكرمة، بتاريخ 22 ربيع الأوّل 1401 هـ الموافق 28 يناير 1981 م خطوة رائدة على هذا الصعيد. حيث يتكون هذا المجمع من علماء وفقهاء يمثلون كل الدول الإسلامية الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي بمذاهبها المختلفة، من السنة والشيعة والزيدية والاباضية. وينتظم أعضاؤه في شعب متخصصة لها لجان فرعية، ومن شعبه شعبة التقريب بين المذاهب، وفي كل دورة من دورات المجمع تناقش قضية أو أكثر من قضايا الفكر والفقه الإسلامي، حسب تخطيط مسبق من قبل الأعضاء المشاركين. كما تصدر عن المجمع مجلة تتضمن البحوث المقدمة والمداخلات والتعقيبات، بعنوان (مجلة مجمع الفقه الإسلامي) وقد صدر منها أربعون مجلداً.
ومن الانجازات الطيبة التي قام بها مجمع الفقه الإسلامي لتفعيل حركة التواصل المعرفي بين المذاهب الإسلامية، ما قرره المجمع في دورته الثالثة المنعقدة بعمان ـ الاردن بتاريخ 8 صفر 1407 هـ من تشكيل لجنة لدراسة مشروع تحت اسم (معلمة القواعد الفقهية) يستهدف الدراسة المقارنة للقواعد الفقهية في شتى المذاهب، وبعد سنوات عقدت ندوة خاصة لمتابعة المشروع انتهت بالاتفاق على مقترح للوفد الإيراني يتلخص في أن يقوم ممثلو كل مذهب بانتخاب عمدة الكتب الأصيلة الفقهية والأُصولية لديهم، ثم استخلاص القواعد منها، مع الإشارة إلى المصادر في كل كتاب. ويعتمد ذلك مرجعاً ومصدراً لرأي المذهب على هذا الصعيد. وقد أنجز الجانب

صفحه220
الإيراني مهمته بتشكيل لجنة من الحوزة العلمية قامت بإعداد كتاب جامع للقواعد الأُصولية والفقهية للمذهب الإمامي طبع في ثلاثة مجلدات، هذا العام 1425 هـ ـ 2004 م .
أمّا على الصعيد الثقافي فحركة التواصل بين مفكري الأُمّة وعلمائها ومثقفيها من مختلف المذاهب والتيارات أقوى وانشط، فهناك أكثر من مؤتمر ولقاء يعقد كل عام في مختلف أنحاء العالم، لتناول قضايا الإسلام وأوضاع الأُمّة، وهناك عدد من المجلات الفكرية الثقافية العامة أو المتخصصة التي يشارك في تحريرها كتاب من مختلف الاتجاهات والمذاهب في الأُمّة. لكن مجال البحوث العقدية، وميدان علم الكلام هو ما تشكو فيه حركة التواصل المعرفي بين مذاهب الأُمّة وتياراتها من الخمول والركود. حيث لا زال هذا الميدان ساحة للصراع، ومعتركاً للنزاع، تسود أجواءه حالة التوتر، وتسيطر على حركته حالة التشنّج. ويبدو لي أنّ العلماء الناضجين في الأُمّة لم يولوا هذا المجال ما يستحق من عناية واهتمام، وتركوه لتفاعلات تراث العصور الماضية، بما فيه من خصومات وخلافات، فأصبح ساحة للقوى المتطرّفة المتعصّبة من مختلف المدارس والمذاهب. وأكبر شاهد على ذلك كتابات التهريج ضد هذا المذهب أو ذاك، وفتاوى التكفير ضد هذه الطائفة أو تلك، والمناظرات غير العلمية التي تبثها بعض الفضائيات، والمشتملة على كثير من الإثارات والمهاترات التي تؤجّج نار العداوة والبغضاء بين المسلمين. ولا شك أنّ القضية العقدية هي الأكثر أهمية على المستوى الديني، فهي أساس الدين وجوهره وعمقه وأصله، كما أنّ لها تأثيرها الكبير على مشاعر الإنسان وتوجّهاته السلوكية والعملية.

صفحه221
وإذا كان التعارف والتواصل مطلوباً بين أبناء الأُمّة في مختلف المجالات، فهو في المجال العقدي أكثر أهمية وفائدة، وذلك للأسباب التالية:
أوّلاً: يساعد الإنسان المسلم على اكتشاف الحق ومعرفة الصواب في مسائل العقيدة، عن طريق اطّلاعه على مختلف الآراء، وفهمه لأدلّتها، فليس صحيحاً أن يسترسل الإنسان في معتقداته مع ما ورثه من آبائه وأجداده، أو ما ألفه في بيئته ومحيطه، دون بحث وتمحيص، ودليل وبرهان.
ثانياً: إن القراءة الموضوعية لآراء الفرق والاتجاهات العقدية الأُخرى، تمكّن الإنسان من معرفة الآخرين على حقيقتهم وواقعهم، بينما تكون القطيعة المعرفية سبباً للجهل بالآخر، ورسم صورة غير دقيقة عن توجّهاته.
إنّ بعض المسلمين يسيئون الظن ببعضهم الآخر، ويحكمون عليهم أحكاماً جائرة، بناءً على مقدمات خاطئة، ومعلومات مغلوطة. قد تؤخذ عن طريق مناوئيهم وخصومهم. وهذا ما حذر منه القرآن الكريم: (فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة)(1) ولعل أكثر المصادر التي تتحدث عن الملل والنحل، والمذاهب والفرق، مصابة بهذا الخلل الكبير، والمؤسف جداً أنّ مصدراً حديثاً هو (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة) أصدرته مؤسسة إسلامية عالمية هي (الندوة العالمية للشباب الإسلامي) وروجته بشكل مكثف وبطبعات متكررة، لكنّه يقدم سائر المذاهب والاتجاهات الإسلامية المخالفة للنهج السلفي، بصورة مشوهة، وبأسلوب

1 . الحجرات: 6 .

صفحه222
يقطر حقداً وتعصباً. وكأنّ الجهة التي أصدرته تريد نشر الخصومة والعداوة بين أجيال الأُمّة المعاصرة. إن مثل هذه الجهود البغيضة تؤكد ضرورة الانفتاح والتواصل المعرفي المباشر بين المدارس الكلامية والاتجاهات العقدية في الأُمّة، وخاصة على صعيد النخبة العلمية.
ثالثاً: أنّ التواصل العلمي وتدارس القضايا بموضوعية وإخلاص على أي صعيد ديني ومعرفي يتيح المجال لبلورة الرأي، وتكامل الفكر، وحل العُقَد، ومعالجة الثغرات. وكما يمكن التقارب والتكامل في معالجة قضايا الفقه والثقافة، فإنّه يمكن الوصول إلى بعض المعالجات وتصحيح بعض الآراء في المسائل الكلامية والعقدية. خاصة وأنّ بعض الخلافات كانت تغذّيها عوامل سياسية ومصلحية، في التاريخ الماضي، وقد تجاوزتها الأُمّة.
رابعاً: هناك مسائل جديدة في علم الكلام تشكل تحدياً أمام العقيدة الإسلامية ككل، وهي تستوجب تعاوناً بين علماء الأُمّة المتخصصين من مختلف المذاهب، لتوضيح الرؤية الإسلامية تجاه هذه المسائل المطروحة في أذهان الجيل المسلم المعاصر. لهذه الأسباب وغيرها يتوجب الاهتمام ببعث حركة علمية معرفية للتواصل والانفتاح بين علماء الأُمّة المهتمين ببحوث العقيدة وعلم الكلام، من مختلف المدارس والمذاهب.
سماحة الشيخ السبحاني: إنّ قراءتي لمؤلفاتكم النافعة في
ميدان العقيدة وعلم الكلام، كموسوعتكم الهامة حول (الملل
والنحل) وموسوعتكم الجديدة (معجم طبقات المتكلمين) وكتابكم
القيّم (الإلهيات) وسائر الأبحاث التي أثريتم بها المكتبة الإسلامية، أقول: إنّ قراءتي لعطائكم الثري، أثار في ذهني بعض المقترحات لتفعيل حركة

صفحه223
التواصل العلمي في معارف العقيدة بين المذاهب والمدارس الإسلامية، أودّ عرضها بين يدي سماحتكم:
1. إنشاء كلية لدراسة العقائد وعلم الكلام المقارن على نسق دراسة علم الفقه المقارن.
2. تشكيل مؤسسة علمية إسلامية تهتم بالدراسات والبحوث العقدية بمشاركة علماء ومفكرين يمثلون مختلف المدارس الكلامية في الأُمّة على غرار مجمع الفقه الإسلامي. ونتمنى تكرار التجربة الرائدة لمجمع الفقه الإسلامي التي سبقت الإشارة إليها من تكليف ممثلي كل مذهب بتقديم رأي مذهبهم على صعيد القواعد الأُصولية والفقهية.
نتمنى حصول مثل ذلك على الصعيد العقدي أيضاً بأن يقدم العلماء من كل مذهب آراءهم العقدية والكلامية بأُسلوب علمي موثق، ليكون ذلك هو المصدر والمرجع المعتمد لدى الآخرين عنهم.
3. إصدار مجلة متخصّصة ببحوث علم الكلام والدراسات العقيدة تنفتح على مختلف التوجّهات بنشر كتاباتها العلمية وإجراء الحوارات مع شخصياتهم المعرفية.
4. عقد مؤتمرات تخصّصية تناقش قضايا العقيدة وعلم الكلام، تشارك فيها مختلف المدارس، ويبحث كل مؤتمر قضية محددة، مثلاً: مسألة العصمة، أو القضاء والقدر، أو أسماء الله وصفاته، أو الإمامة... وكذلك بحث المسائل الجديدة في علم الكلام كالتعددية الدينية، والعلاقة بين الدين والعلم، والهرمنوتيك أو تفسير النصوص..

صفحه224
قد يقال: إنّ ما تواجهه الأُمّة من تحديات سياسية واقتصادية أولى بالاهتمام من هذه البحوث النظرية، لكنّي أُجيب ـ مع إدراكي لخطورة التحديات المذكورة ـ بأنّ إهمال ساحة البحث العقدي، يسبب الكثير من عوامل الخلل والإضعاف لقدرة الأُمّة على مواجهة تلك التحديات، ومن مظاهر الخلل إتاحة الفرصة للمتعصبين والمغرضين، ليعبثوا بوحدة الأُمّة، ويمزقوا صفوفها بطروحاتهم الطائفية المتشنّجة، فلابد من مواجهتهم بالطروحات العلمية الموضوعية. كما أنّ لقضايا العقيدة تأثيراً لايمكن إنكاره وتجاهله في نفوس أبناء الأُمّة، وتشكيل فكرهم الديني، وعلاقاتهم مع بعضهم، فلماذا نترك هذه القضايا الهامة خاضعة لتأثير الموروث التاريخي، وضمن حالة المفاصلة والقطيعة، ولغة الانفعال والعاطفة؟ أليس من الأفضل الارتقاء بالشأن العقيدي إلى لغة العلم والمعرفة، وضمن أفق التواصل والحوار.
بارك الله في جهود شيخنا الأُستاذ السبحاني، ونفعنا بالمزيد من عطائه العلمي، ولاحرمنا الله من صالح دعواته، والسلام عليه وعلى الباحثين العاملين معه في مؤسسته الرائدة (مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)) ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله رب العالمين
حسن بن موسى الصفار
القطيف / المنطقة الشرقية
المملكة العربية السعودية
14 / 7 / 1425 هـ 31 / 8 / 2004 م

صفحه225
 
38

سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ حسن الصفار

زيد عزّه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نرجو من الله سبحانه أن تكونوا في صلاح وفلاح ويوفّقكم للأخذ بحقوق الطائفة المهضومة في المنطقة الشرقية عبر قرون.
قرأت ما دار بينكم وبين مندوب مجلة الجسور فوجدت فيه نكات وعبر، غير أنّ اللازم عدم التصريح بما يثير مشاعر بعض المعاصرين غير الواقفين على موقفكم في الدفاع عن الشيعة، والظروف التي تتحدثون فيها.
ولقد بعثت إليكم بيد الأخ العزيز الشيخ العواد كتاب «رسائل ومقالات» في أربعة أجزاء والكتاب ليس كشكولاً فاقداً للنظام بل أنّ كلّ جزء منه مؤلف من فصول وفي كلّ فصل مقالات متسلسلة ومرتبة، وهي حصيلة جهود أكثر من عشرين سنة قضيناها ونحن بالمرصاد لكلّ من يكتب شيئاً على خلاف آراء الطائفة.

صفحه226
وهذه الرسالة مرفقة بالجزء الثالث من كتاب «طبقات المتكلّمين»، وقد أشرنا في مقدمته إلى ما تعانيه الأُمّة الإسلامية اليوم من الإرهاب والتكفير، أتمنّى أن أقف على انطباعاتكم حول هذه المقدمة، وكتاب «رسائل ومقالات».
بلغوا سلامنا إلى الإخوان جميعاً بالأخص مدير الحوزة العلمية في القطيف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
18 شعبان المعظم عام 1425 هـ

صفحه227
 
39

سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني دام ظله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بسيد الشهداء أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، وشكراً لتفضّلكم بالمراسلة والتواصل ممّا يؤكّد الشعور بأبوّتكم الحانية على أبنائكم من الطلبة والسائرين في طريق التبليغ، حفظكم الله ورعاكم ذخراً وملاذاً.
وأبشركم بأنّ موسم عاشوراء هذا العام كان حافلاً جداً بالحضور الجماهيري الضخم في المآتم والمواكب، وبالنشاط الثقافي المتنوع من كتب ونشرات ومعارض للرسم ومسرحيات تمثيل الواقعة الأليمة.
أشكر اهتمامكم بترجمة كتاب (الأوقاف وتطوير الاستفادة منها)، كما سأبعث لكم ما ذكرتم من كتب مع أقرب مسافر إن شاء الله.
وبالمناسبة كنت مسافراً إلى جدة للمشاركة في تكريم الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة أمين عام مجمع الفقه الإسلامي، حيث اقتصر الحفل

صفحه228
على كلمتي وكلمته إضافة إلى كلمة الافتتاح لراعي الحفل الشيخ عبدالمقصود خوجة، والمداخلات في نهاية البرنامج، وكان الحضور كبيراً ونوعياً من قناصل وممثلي الدول الإسلامية في منظمة المؤتمر الإسلامي، ومن العلماء والأكادميين والمثقفين، وبقيت في جدة عدة أيام استفدت منها في اللقاءات والاجتماعات التي تهدف التقارب والوحدة والتعاون. وتعرفت في الحفل على المندوب الجديد للجمهورية الإسلامية الدكتور بروجردي.
أكرر شكري وتقديري لسماحتكم والتماسي لصالح دعواتكم .
والسلام عليكم وعلى من يلوذ بكم ورحمة الله وبركاته
حسن بن موسى الصفار
27 محرم 1429 هـ
5 فبراير 2008 م

صفحه229
الباب الثالث
ردود ومقترحات
ويشتمل على الرسائل التالية:
1. رسالة إلى محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف
2 ـ 3. مكاتباتنا مع الشيخ القرضاوي
4. رسالتنا إلى سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية
5. رسالة إلى سفير المملكة العربية السعودية
6 ـ 8 . رسائل إلى الدكتور محمد عبده يماني
9. رسالة إلى الدكتور ناصر القفاري
10. رسالة إلى السيد طاهر هاشمي
11. رسالة إلى الدكتور أحمد راسم النفيس
12. رسالة إلى الدكتور محمد الكايد رئيس تحرير صحيفة الرأي
13 ـ 14. رسالتان إلى الأُستاذ حسن التل رئيس تحرير صحيفة اللواء الأردنية

صفحه230
15 ـ 17. رسائل ثلاث إلى الأُستاذ قيس ظبيان مدير تحرير مجلة الشريعة
18. رسالة إلى الأُستاذ بسام ظبيان رئيس تحرير مجلة الشريعة
19. تعليق على مقال الدكتور عبدالكريم عكيوي
20. رسالة جوابية إلى الشيخ زين العابدين قرباني حول طلاق المرأة وهي حائض
ورسائل أُخرى إلى شخصيات إسلامية بارزة من الفريقين وإلى بعض الجاليات الإسلامية وإلى بعض المهرجانات العلمية والتجمعات الإسلامية...

صفحه231
   

رسالة إلى محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف

40
فضيلة الأُستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت
شيخ «الأزهر» الشريف (دام عزّه)(1)
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد; فإنّي أتقدّم إليكم بأسنى التحيات لما أبديتم فيه من تضامن مع علماء قم و مراجع الحوزة حيال ما يجري في إيران خصوصاً مداهمة طغمة الشاه الحاكمة الجامعة الإسلامية.

1 . الشيخ محمود شلتوت (1310 ـ 1383 هـ) المصري، أحد شيوخ الأزهر الشريف، فقيه، عالم، مفسر، من رجال الإصلاح ودعاة الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية، ألف كتباً ورسائل عديدة في مختلف المواضيع الإسلامية. وهذه الرسالة كنّا قد بعثناها إلى فضيلته بعد أن داهمت طغمة الشاه الحاكمة الجامعة الإسلامية في مدينة قم المقدسة عام 1383هـ، وكان قد أبرق فضيلته ببرقية إلى علماء قم عبر فيها عن انزعاجه لما اقترف من انتهاكات صارخة في حقّ الجامعة الإسلامية ولا سيما مراجعها وعلمائها، كما عبر عن تضامنه معهم.
وقد بادرت شخصياً ببعث رسالة شكرته فيها على عواطفه حيال علماء الإسلام، ومع الأسف الشديد لم أحتفظ بنص البرقية التي بعثها الشيخ شلتوت. وهذه هي رسالتي إلى فضيلته.

صفحه232
وأنا بدوري كأحد أعضاء الجامعة الإسلامية في مدينة قم المقدسة أشكركم على نواياكم الحسنة.
وأودّ أن أُطلعكم إلى أنّ رجال الدين وعلماء الحوزة مازالوا يتعرضون لضغط شديد من قبل جهاز الشاه وقد أودع بعضهم السجن، ولم يزل الجهاز الحاكم يمارس الكبت والاضطهاد والإرهاب ضد المؤسسة الدينية بكلّ ما أُتيح له من وسائل إعلامية وعسكرية كي يوفر لنفسه البقاء على سدة الحكم لفترة أطول.
وفي الختام أرجو أن توصلوا نداء استغاثتنا للعالم كي يطلع على ما يمارس من جرائم وحشية في حقّ الشعب الإيراني المسلم الذي ينشد تطبيق الإسلام على صعيد واقعه العملي، كما أرجو أن تكون على اتصال وثيق بما يجري في إيران من حوادث مريرة .
جزاكم اللّه عن الإسلام وأهله خير الجزاء
جعفر السبحاني
قم ـ الجامعة الإسلامية
7 جمادى الأُولى من شهور عام 1383 هـ

صفحه233

مكتباتنا مع الشيخ القرضاوي(1)

41

فضيلة الأُستاذ الجليل الشيخ يوسف القرضاوي

حفظه اللّه ورعاه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
نسأل اللّه لكم دوام الصحّة والتوفيق لخدمة الإسلام والمسلمين.
أمّا بعد; فقد وقفنا في إحدى المجلات الإسلامية على مقالة رثائية قيّمة لكم بمناسبة رحيل المفكِّر الإسلامي القـديـر الشيـخ الغـزالي ـ رحمه اللّه ـ تحت عنوان: «النجم الساطع».
ولقد كان الشيخ الغزالي حقاً ـ كما وصفتموه ـ العقل الذكي، والقلب النقي، وصاحب الرشد في الفكر والشجاعة في الحق، والغيرة على الدين

1 . كُتبت هذه الرسالة جواباً لمحاضرة الشيخ يوسف القرضاوي التي ألقاها في إحدى جامعات قطر.

صفحه234
فقد صدع بما يرى أنّه الحق غير آبه بما يُثيره رأيه الصريح، من انتقادات واعتراضات، لأنّه كان ـ كما قلتم ـ حرّ الفكر والضمير، حرّ اللسان والقلم، ولأنّه رفض الخضوع لأهواء العوام كما فعل أدعياء العلم الذين يحسبهم الناس دعاةً !!
ولقد طالعنا في نفس الوقت رسالتكم القيمة إلى الندوة الثانية للتقريب بين المذاهب الإسلامية بالرباط (12 ـ 14 ربيع الثاني 1417هـ) التي انطلقت من روح متوقّدة متطلّعة إلى عزّة المسلمين وفهم عميق ومنطقي للقرآن والسنّة.
وقد أعجبتنا فيها رؤيتكم الصائبة حولَ ما يحول دون تحقيق الوحدة الإسلامية الكبرى والتقريب بين فصائل المسلمين وطوائفهم، وأبرز ذلك فراغ نفوس المسلمين من الهموم الكبيرة والآمال العظيمة، واعتراكهم على المسائل الصغيرة والهامشية من فروع العقيدة أو الفقه، وقد كان من الواجب ـ كما قلتم فيها ـ على الدعاة والمفكرين الإسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أُمّتهم الكبرى وليلفتوا أنظارهم وقلوبهم وعقولهم إلى ضرورة التركيز عليها والتنبيه لها.
والحق كما تفضّلتم: مشكلة المسلمين اليوم ليست في الذي يؤوِّل آيات الصفات وأحاديثها بل في مَن ينكر الذات والصفات الإلهية جميعاً ويدعو إلى العلمانية والإلحاد، ومشكلة المسلمين ليست في مَن يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤُها في الصلاة، ولا في مَن يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، إنّما مشكلة المسلمين في من لا ينحني يوماً للّه راكعاً ولا

صفحه235
يخفض جبهته للّه ساجداً ولا يعرف المسجد ولا يعرفه ...
ولا ... ولا .. . انّما انّما .....
وبالتالي انّ المشكلة حقاً هي: وهن العقيدة في النفوس، وتعطيل الشريعة في الحياة، وانهيار الأخلاق في المجتمع، وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات واتّباع الشهوات، وشيوع الفاحشة، وانتشار الرشوة، وخراب الذمم، وسوء الإدارة، وترك الفرائض الأصلية، وارتكاب المحرمات القطعية، وموالاة أعداء اللّه ورسوله والمؤمنين.
إنّ مشكلة المسلمين ـ كما تفضّلتم فيها ـ تتمثل في إلغاء العقل وتجميد الفكر وتخدير الإرادة، وقتل الحرية، وإماتة الحقوق، ونسيان الواجبات، وفشوّ الأنانية، وإهمال سنن اللّه في الكون والمجتمع.
وهي بالضبط وعلى التحديد كل هذا، وبخاصة ما ذكرتموه في أرقام سبعة تحت عنوان هموم سبعة أساسية.
ولقد أعجبتنا كل هذه الرؤى جملةً وتفصيلاً، وتمنّينا لو كان مثل هذه الرؤية والبصيرة شائعة بين مفكري الإسلام وعلمائه اليوم سنةً وشيعةً ومن جميع الفرق والمذاهب، وكان هناك تعاون صادق وعميق ومتواصل لحلّ هذه المشكلات ما دامت كل هذه الفرق والمذاهب متفقة على وحدانية اللّه، ورسالة النبي الخاتم محمّد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأركان الإسلام العملية، ومكارم الأخلاق، وأُمور كثيرة أُخرى تفوق الحصر، وتستعصى على العدّ والإحصاء.

صفحه236
وتمنّينا لو كان المسلمون يكفّون ـ إلى جانب ذلك ـ عن التراشق بسهام الاتهام فيما بينهم، ويتحرّرون من عقدة الطائفية وأساليبها الجاهلية، ويقوموا ـ بدل ذلك ـ بدراسة نقاط الخلاف والاختلاف بروح أخوية ونهج علمي، وأُسلوب رصين، ويفسحون للجميع فرصة التعبير عن مذهبه، والإدلاء بأدلّته، وبراهينه في جوّ ملؤُه رحابة الصدر واتساع الفكر والسماحة، ويتركون إثارة ما يبعد القلوب بعضها عن بعضها، ويكدر الصفو، ويفسد المودة.
***
غير أنّه بلغنا أنّكم في محاضرة لكم في «قطر» تعرضتم بسوء لشيخ الأباطح ناصر الإسلام وحامي نبيه الأكبر أبي طالب ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ الذي تكفّل رسولَ اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وآواه، وحامى عنه بعد ابتعاثه بالرسالة، وضحى في سبيل دعوته براحته، ونفسه، وبأولاده وأفلاذ كبده، كاتماً إيمانه، ومتّقياً قومه العتاة ليبقى على منصبه، من أجل أن يخدم في ظلِّه الرسولَ والرسالة، ويدفع به عنهما أذى معارضيهما، وكيدهم كما فعل مؤمن آل فرعون طوال أربعين سنة، بلا انقطاع.
فهل ترى كان حقيقاً بأن يُنكر فضله، وتُتجاهل خدمته؟ وهو الذي صرّح بصحة الرسالة المحمدية وصدق الدعوة النبوية الخاتمة في قصائده، وأشعاره وترجم إيمانه، بالوقوف الصريح ـ هو وأبناؤه الغرّ ـ إلى جانب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث يقول:

صفحه237
كَذَبتُم وبيتِ اللّه نُبْزَى محمّداً *** ولما نُطاعِن دونَهُ ونناضل (1)
ونُسلِمُه حتّى نُصرَّعَ حولَهُ *** وَنَذهَل عن أبنائنا والحلائِل
لَعمري لقد كلِّفتُ وجداً بأَحمد *** وإخوته دأبَ المحبِّ المواصل
فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها *** وزَيناً لمن والاه ربُّ المشاكل (2)
فَمنْ مثلُه في الناس أيُّ مؤمَّل *** إذا قاسَهُ الحُكّام عند التفاضل
حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش *** يُوالي إلاهاً ليس عنه بغافِلِ
لقد علِمُوا أنَّ ابْننا لا مكذَّبٌ *** لدينا ولا يُعنى بقولِ الأَباطِل
فأصبَحَ فينا أحمدٌ في أُرومة *** تقصّـر عنه سَورةُ المتطاول (2)
حَدِبْتُ بنفسي دونَه وحميته *** ودافعتُ عنه بالذُّرا والكلاكل (3)
فَأيّدَهُ ربُّ العباد بنصره *** وأظهرَ ديناً حقُّه غير باطل (4)
نقل ابن هشام في سيرته أربعة وتسعين بيتاً من هذه القصيدة، فيما أورد ابن كثير الشامي في تاريخه «اثنين وتسعين بيتاً» وأورد أبو هفان العبدي الجامع لديوان «أبي طالب» مائة وواحد وعشرين بيتاً منها في ذلك الديوان ولعلّها تمام القصيدة وهي في غاية العذوبة والروعة، وفي منتهى القوة

1 . أي نُغلَبَ عليه.   2 . المشاكل: العظيمات من الا ُمور.
2 . السَورة: الشدة والبطش.
3 . الذرا: جمع ذروة وهي أعلى ظهر البعير.
4 . راجع السيرة النبوية: 1/272 ـ 280.

صفحه238
والجمال، وتفوقُ في هذه الجهات كلَّ المعلّقات السبع التي كان عرب الجاهلية يفتخرون بها ويعدّونها من أرقى ما قيل في مجال الشعر.
وله وراء هذه اللامية، قصيدة أُخرى ميميّة فهو (رضي الله عنه) يصرح فيها بنبوة ابن أخيه وأنّه نبي كموسى وعيسى (عليهما السلام)إذ يقول:
لِيعلم خيارُ الناس أنَّ محمّداً *** نبيٌ كموسى والمسيح بن مريم
أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكلٌّ بأمرِ اللّهِ يهدي ويعصم (1)
ونظيرها قصيدته البائيّة وفيها:
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً *** نبياً كموسى خط في أوّل الكتب (2)
أفبعد هذه البلاغات والتصريحات يصحّ لإنسان واع أن يكفّر سيد الأباطح أو يشك في إيمانه؟
وعلى فرض التسليم، فهل هذه هي واقعاً مشكلة الأُمّة الإسلامية اليوم وأنتم الأدرى بمشاكل الأُمّة، وهل التنكيل بحامي الرسول، والإيقاع فيه من ما يخدم الأُمّة؟!
هل يكون أبو طالب مع كل تلكم المواقف المشرفة ومع كل تلك الإثارة الصريحة الكاشفة عن عمق إيمانه بالرسالة المحمديّة مشركاً، وأبو سفيان الذي أشعل حروباً وقام بمؤامرات مدة عشرين سنة وأبناؤه الذين

1 . مجمع البيان: 7/37; مستدرك الحاكم: 2/623.
2 . مجمع البيان: 7/36، وقد نقل ابن هشام في سيرته: 1/352 خمسة عشر بيتاً من هذه القصيدة.

صفحه239
كانوا أساس المشكلة ومبدأ الانحراف في المسار الإسلامي، مسلمين موحّدين يستحقون كل تقدير وكل احترام منّا ؟!
وهل ترى لو كان أبو طالب والداً لغير علي (عليه السلام) كان يرى هذا الحيف من قِبَل أبناء الإسلام؟!
هلاّ كنتم يا فضلية الأُستاذ ـ وأنتم على ما أنتم عليه من مستوى رفيع ومرموق في الرؤية والبصيرة ـ على نهج زميلكم الراحل الفقيد الشيخ الغزالي ـ رحمه اللّه ـ من الصدع بالحق، وعدم الخضوع للمرويّات الباطلة.
نحن ـ وقد وقفنا على قسم من مؤلفاتكم القيمة الزاخرة بالفكر المشرق ـ كنا ولا نزال نأمل أن تنصفوا الحقيقة ولا تقعوا فيما وقع فيه الأوّلون من غمطها وتجاهلها والجناية عليها، وأن تكونوا المرجعَ الأمينَ لشباب هذا العصر في تصحيح التاريخ، وتنقيته من الأباطيل، ورفع الضيم والظلم عن المظلومين.
ورحم اللّه ابن أبي الحديد القائل:
ولولا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصاً وقاما
فهذا بمكة أوى وحامى *** وذاك بيثرب ذاق الحماما
كل ذلك لو كان النبأ الواصل إلينا عن محاضرتكم صادقاً، وأرجو أن لا يكون كذلك.
***

صفحه240
هذا ونرسل إليكم ما قمنا به من دراسة لإيمان أبي طالب في ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ، وقد طبع ضمن دراستنا لحياة وتاريخ سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثم إنّنا انطلاقاً من ضرورة السعي لإيجاد المزيد من التفاهم والتقارب نرسل إليكم كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنّة، و حكم الأرجل في الوضوء، والأسماء الثلاثة ، وأملنا أن تكون هذه الكتب خطوات على سبيل تحصيل التقارب بين الفقهين.
وختاماً نقول: إنّكم في رسالتكم للمؤتمر رجّحتم قول الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن، وما كان قوله إلاّ بـ «قدم القرآن» ، وكيف يكون هذا القول هو القول الأرجح وليس القديم إلاّ اللّه سبحانه، فيكون القرآن عندئذ إلهاً ثانياً، وهو يضاد أصل التوحيد ؟!
ولو أُريد من قِدم القرآن قدمُ علمه سبحانه فهذا أمر لا سترة عليه ولا نزاع فيه.
والجدير بالإمام أحمد الذي يأخذ العقائد من الكتاب والسنّة أن لا يخوض في هذا الموضوع بحجة أنّ الكتاب والسنّة لم يذكرا شيئاً حول قدم القرآن و حدوثه لو لم نقل انّه تبنّى حدوثه.
وتقبلوا في الختام أسمى تحياتنا، وأفضل تمنياتنا، وفقكم اللّه لصالح العلم والعمل والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
جعفر السبحاني
تحريراً في 15/11/1417 هـ ق

صفحه241
 
42
الأُستاذ الجليل: الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
أعزه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد; أرجو من الله سبحانه أن تكونوا في صحة وعافية.
أودُّ أن أخبركم بأنّي قد أرسلت إليكم عن طريق الأخ عبدالحميد مكارم مستشار ونائب رئيس البعثة في سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كتابين، وهما:
1. الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف.
2. الحديث النبوي بين الرواية والدراية.
وقد أخبرني الأخ مكارم بأنّه تشرّف بزيارتكم وسلّم إليكم الكتابين وقد سُررت بذلك، وأرجو من فضيلتكم إبداء الرأي حولهما وما رسمته لهما من خطوط عريضة.
ودمتم موفقين لمرضاة الله
مع تقديم فائق الاحترام
جعفر السبحاني   1 جمادى الآخرة 1424 هـ

صفحه242
 
رسالتنا إلى وزير الخارجية في المملكة العربية السعودية
 
43
صاحب السمو الملكي معالي وزير الخارجية
الأمير«سعود الفيصل» (حفظه اللّه ورعاه)
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد، أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا بخير وصلاح وأن يسدد خطاكم في سبيل خدمة الإسلام ويلمّ بكم شعث المسلمين ويوحّد كلمتهم ويجعلهم صفاً واحداً أمام أعدائهم.
غير خفي على سموكم أنّ المسلمين في الأقطار الإسلامية يعانون من التشتّت والتفرّق، وما هذا إلاّ لعدم الإلمام بالمشتركات التي تجمعهم في الأُصول والفروع ممّا حدا إلى تكفير بعضهم البعض واتهام طائفة أُخرى بالشرك، كلّ ذلك نتيجة عدم وقوفهم على حدّ الإيمان والكفر أو حدّ التوحيد والشرك بدقة.

صفحه243
وانطلاقاً من الحرص على وحدة المسلمين، أتقدّم إليكم بأُطروحة كانت تخامرني منذ سنوات عديدة والأمل يحدوني في أنّها سوف تجد أُذناً صاغية لها. وهي إقامة مؤتمر يضم كافة أكابر علماء الإسلام من مختلف الفرق والنحل بغية البحث والتشاور حول موضوعين:
الأوّل: الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة.
الثاني: التوحيد والشرك في القرآن الكريم.
ويكون هدف المؤتمر صياغة أُطر محددة للإيمان والكفر والشرك والتوحيد.
فالمسلمون بحمد اللّه على نحو ما يصفهم شاعر الأهرام بقوله:
انّا لتجمعنا العقيدة أُمة *** ويضمّنا دين الهدى أتباعاً
ويؤلف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعاً
وفي الختام تقبلوا منّا أسمى آيات التحيّة والثناء.
جعفر السبحاني
12 شعبان المعظم 1420هـ

صفحه244
 
ملحق

اقتراح عقد مؤتمرين حول التوحيد

والشرك والإيمان والكفر (1)
يعاني المسلمون عامة والشيعة الإمامية خاصة من أمرين:
الأوّل: تدمير الآثار الإسلامية بعناوين مختلفة، فتارة باسم الشرك والبدعة، وأُخرى باسم توسعة الحرمين الشريفين ، مع أنّ الآثار الإسلامية تحتضن هوية إسلامية لأُمّة عريقة في الحضارة، فتدميرها وهدمها طمس لهويتها وأصالتها.
الثاني: تكفير بعض السلفيين لبعض الطوائف الإسلامية وفي طليعتهم الشيعة الإمامية الذين لا ذنب لهم سوى حبّ أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً وعدّهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عِدْلَ القرآن وقرينه، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي ـ واعتناق مذهبهم والاقتداء بهم وأخذ الأُصول والفروع عنهم .
وحرصاً على تقريب الخطى والحط من المضاعفات السيئة التي

1 . ملحق لرسالتنا إلى وزير الخارجية السعودي.

صفحه245
يمكن أن يتركها كلا الأمرين فقد بذلنا الوسع في الإفصاح عن التوحيد والإيمان و ما يقابلهما عبْر كتابين أحدهما يحمل عنوان: «التوحيد والشرك في القرآن الكريم » والآخر تحت عنوان: «الإيمان والكفر في القرآن والسنّة».
هذا وإكمالاً للمهمة التي شرعنا بها فقد قمنا بزيارة الحرمين الشريفين والالتقاء بعدد من الشخصيات منهم الدكتور محمد عبده يماني ودار بيني وبينه حوار حول هذا الموضوع واتفقنا على أن أكتب شيئاً في هذا الموضوع إلى المعنيين بالأمر في المملكة العربية السعوديّة لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمراً.
وحيث إنّ هذه الرسائل تعد وثائق تاريخية مهمة توخّينا نشرها على صفحات الكتاب لتبقى أثراً خالداً، ولتكون دليلاً ساطعاً على انفتاح الشيعة في كلّ عصر على كلّ حوار علمي هادئ.

صفحه246
 
رسالة إلى سفير المملكة العربية السعودية
44

صاحب السعادة: سفير المملكة العربية السعودية المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
بعد تقديم فائق الاحترام: يؤسفنا جدّاً أن نبلغكم توزيع رسائل وكتيبات ضدّ الشيعة الإمامية في موسم الحجّ عامنا هذا، وقد وصلت إلينا عدّة نسخ منها و نخص بالذكر رسالة: «الخطوط العريضة للأُسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية، لكاتبها محب الدين الخطيب». و قد حاول مؤلّفها فيها الحط من سمعة الشيعة، بافتعالات وأكاذيب بيّنة، كأنّه يحدث عن أُمة بائدة ليس لها من يدافع عن كيانها أو يكتب عن جماعة تعيش في أقاصي العالم، لا تصل إليهم اليد، وقد أوجد ذلك العمل استياء وقلقاً شديداً في الأوساط الدينية وغيرها لأنّه:
أوّلاً: هذه الرسائل مليئة بافتراءات وأكاذيب ألصقها المؤلّف بالشيعة الإمامية بلا تنقيب ولا اكتراث وهم بريئون من هذه التهم و الموضوعات،

صفحه247
شهدت بذلك كتبهم حول عقائدهم، و نستطيع الآن أن نقدّم إليكم الدلائل على بطلان تلكم النسب المفتعلة والموضوعات الشائنة.
ثانياً: أنّ المسلمين اليوم في أشدّ حاجة إلى الاتحاد والترابط والتآخي من أيّ وقت مضى، لأنّهم اليوم يواجهون الصهاينة المعتدين والاستعمار الغاشم. فلا شكّ أنّ نشر هذه الرسائل المكذوبة، يجلب النفاق والافتراق، ويضر بمصالح الإسلام والمسلمين، ولا يبعد انّ يد الاستعمار الغاشم، تلعب خلف الستار في نشر هذه الأوراق.
ثالثاً: أنّ المملكة العربية السعودية مازالت مهتمة بالدعوة إلى الاتحاد والترابط الإسلامي والتآخي بين الأُمّة المسلمة، ونشر مثل هذه الكتب ينافي تلك الخطة التي درجت عليها مملكتكم الشقيقة، فإنّها ـ بلا شكّ ـ تضرّبالاتحاد والوحدة الإسلامية، و تميت روح التآخي، و تفرق صفوف المسلمين و تشق عصاهم.
رابعاً: أنّ الحكمة في تشريع الحجّ هو إيجاد التجاوب والتقارب وإزالة أسباب التفرق وسوء التفاهم بين الأُمّة الإسلامية ومحو التخطيطات العدوانية المضرة بوحدة المسلمين وتوحيد كلمتهم.
فهذا العمل ـ في حرم اللّه الذي سواء العاكف فيه و الباد والذي من دخله كان آمناً ـ يضادّ هذه الحكمة.
أو ما كان في وسع ناشري هذه الأوراق لا سيما في هذه الأيّام التي اشتدت فيها الروابط بين شعوب العالم، أن يتصلوا بأحد المراكز والجامعات الدينية الشيعية ويطّلعوا على أوضاعهم عن كثب، ليعرفوا أنّه لا قرآن للشيعي

صفحه248
غير هذا القرآن، و انّ الشيعة الإمامية براء من تلكم التهم والافتراءات التي رموهم بها، بدل تسويد صحائف ونشرها بين الناس. و مع ذلك فنحن على استعداد لذلك في كلّ موطن و زمان. و نرحب بكلّ من أراد الاستطلاع على حقيقة الأمر.
وختاماً نرجو من سماحتكم إبلاغ المراجع المسؤولة في المملكة العربية السعودية نصّ هذا الكتاب، فلعلّ في ذلك تلافياً لما أحدثه ذلك العمل من أثر سيء في الأوساط الإسلامية.
وإنّ السيرة المحمودة من الدولة العربية السعودية في تكريم حجاج حرم اللّه سبحانه عامة والإيرانيين خاصة ترخص لنا أن نطلب من الدولة الشقيقة الإسلامية إصدار أوامر مؤكدة لصدّ مثل هذا العمل في مستقبل الأيّام.
وتفضّلوا بقبول فائق الاحترام
حرر في تاريخ 26 من ذي الحجة الحرام 1389 هـ
رسائلنا إلى الدكتور محمد عبده يماني   

صفحه249
 
رسائلنا إلى الدكتور محمد عبده يماني
45

سعادة الأخ الدكتور محمد عبده يماني (دامت معاليه)

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد، فأرجو من اللّه سبحانه أن يوفّقكم لمرضاته، وأن يسدّد خطاكم في سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة.
بالإشارة إلى ما دار بيننا و بينكم في اللقاء الأخير عند تشرفي للعمرة في شهر جمادى الأُولى من أنّ الوضع السائد على البقيع يؤلم قلوب المسلمين لا سيما الشيعة المحبين لأهل بيت النبوة (عليهم السلام)الذين يقصدون هذه البقاع المباركة من أقصى نقاط العالم ويشهدون مثوى العديد من الصحابة والتابعين وأئمّة أهل البيت بوضع مؤسف للغاية في حين انّ نظيرتها «المعلى» في مكة المكرمة تتميز بوضع مناسب.
فالرجاء الوافر أن تحظى مقبرة البقيع بنفس العناية والاهتمام التي تحظى بها نظيرتها المعلى.

صفحه250
فنحن نقترح على الحكومة الراشدة في العربية السعودية أن تبذل مزيداً من الاهتمام بالبقيع من خلال رصفه بالأحجار ونصب لوحات للوقوف على أسماء أصحاب القبور، وبناء مظلة لزوار هذه البقعة المباركة.
كلّ ذلك خدمة لصحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والتابعين وأئمّة أهل البيت، وحفظاً للهوية الإسلامية من الاندثار والاندراس علماً بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أقام حجراً كبيراً على قبر عثمان بن مظعون للتعرّف عليه.
هذا هو اقتراحنا واقتراح عامة المسلمين، على أمل أن يصل اقتراحنا هذا إلى أيدي المسؤولين في البلدة المباركة كي يلاقوا اللّه سبحانه و تعالى بوجوه مشرقة ويرضى عنهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون كافة.
مع تقديم فائق الاحترام
جعفر السبحاني
7 جمادى الآخرة 1421 هـ

صفحه251
 
46

سعادة الأخ الدكتور محمد عبده يماني (دامت معاليه)

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد، فقد أعجبني كتابك حول فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة(عليها السلام)سيّدة نساء العالمين التي يجب أن يحتذى بها.
وقد وقفت على أنّكم بصدد البحث والكتابة حول أُمّها خديجة الكبرى(عليها السلام)التي هي أوّل من آمنت بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)من النساء.
وأود أن أزيدكم اطلاعاً أنّه ثمة بحوث هامة حول السيدة خديجة (عليها السلام)استللناها من كتاب سيّد المرسلين نرسلها إليكم عسى أن تنتفعوا بها.
وبما أنّا لمسنا من ثنايا كتبكم انّكم تهتمون بوحدة الكلمة ولمِّ شمل المسلمين، فأُخبركم بأنّا قد بعثنا إلى صاحب السمو الملكي معالي وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل رسالة في هذا الموضوع عن طريق السفارة في الرياض عندما كان السيد النوري سفيراً للجمهورية الإسلامية هناك، وقد قام السفير مشكوراً بتسليمها إلى الأمير، وعلى الرغم من ذلك لم يصل

صفحه252
جوابها لحدّ الآن.
ونحن نبعث إليكم نسخة ثانية من هذه الرسالة عسى أن تثمر عن نتائج إيجابية وتتحقّق الأُمنية الكبرى ألا و هي عقد مؤتمر يتبنّى مسودة عمل تتضمن الموضوعات التالية:
1. الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة.
2. التوحيد والشرك في القرآن الكريم.
مع جزيل الشكر
جعفر السبحاني
7 جُمادى الآخرة 1421 هـ

صفحه253
47

فضيلة الأُستاذ الدكتور محمد عبده يماني (دامت معاليه)

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد; لقد وصلتني رسالتكم الكريمة مرفقة بكتاب «فاطمة الزهراء (عليها السلام)» ريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ووجدته دليلاً ساطعاً على ولائك الصادق، والكتاب جدير بالترجمة إلى سائر اللغات.
بيد أنّ هناك وقفات جديرة بالتأمّل.
هي ما نقلتم حول إيمان أبي طالب و ربما يلوح من الكتاب أنّه مات كافراً ولم يؤمن، وإن ذكرتم أنّه قال: أموت على دين عبدالمطلب، وفي هذا بلاغ لمن ألقى السمع وهو شهيد; وقد ذكرتم ـ أنار اللّه برهانكم ـ في ص 138 إيمان عبد المطلب باللّه وأنّه كان يعبد اللّه على دين إبراهيم (عليه السلام)، فلو مات على دينه، فقد مات موحّداً غير مشرك باللّه.
الوقوف على سيرة الرجل رهن الرجوع إلى ما ترك من تراث، ففيما تركه شيخ الأباطح ناصر الإسلام وحامي نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خير شاهد على إيمانه، كيف و قد صرح بصحّة الرسالة المحمدية وصدق الدعوة النبوية الخاتمة في قصائده وأشعاره، وترجم إيمانه من خلال دعمه الصريح ـ هو وأبناؤه الغر ـ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يقول:

صفحه254
كَذَبتُم وبيتِ اللّه نُبْزي محمّداً *** ولما نُطاعِن دونَهُ ونناضل
ونُسلِمُهُ حتّى نُصرَّعَ حولَهُ *** وَنَذهَل عن أبنائنا والحلائِل
لَعَمري لقد كُلِّفتُ وجداً بأحمد *** وإخوته دأبَ المحبِّ المواصل
فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها *** وزَيناً لمن والاه ربُّ المشاكل
فمن مثلُه في الناس أيُّ مؤمَّل *** إذا قاسَهُ الحُكّام عند التفاضل
حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش *** يُوالي إلهاً ليس عنه بغافِلِ
لقد علِمُوا أنّ ابننا لا مكذَّبٌ *** لدينا ولا يُعنى بقولِ الأباطل
فأصبَحَ فينا أحمدُ في أُرومة *** تقصّر عنه سَورةُ المتطاول
حَدِبْتُ بنفسي دونَه وحميته *** ودافعتُ عنه بالذُّرا والكلاكل
فأيّدهُ ربُّ العباد بنصره *** وأظهرَ ديناً حقُّه غير باطل
نقل ابن هشام في سيرته(1/272ـ280) أربعة وتسعين بيتاً من هذه القصيدة، فيما أورد ابن كثير الشامي في تاريخه «اثنين وتسعين بيتاً»، و أورد أبو هفان العبدي الجامع لديوان «أبي طالب» مائة وواحداً وعشرين بيتاً منها في ذلك الديوان، ولعلّها تمام القصيدة وهي في غاية العذوبة والروعة، وفي منتهى القوة والجمال، وتفوقُ في هذه الجهات كلَّ المعلّقات السبع التي كان عرب الجاهلية يفتخرون بها ويعدّونها من أرقى ما قيل في مجال الشعر.
وله وراء هذه اللامية، قصيدة أُخرى ميميّة، فهو سلام الله عليه يصرح فيها بنبوّة ابن أخيه وأنّه نبي كموسى وعيسى (عليهما السلام)، إذ يقول:
لِيعلم خيارُ الناس أنّ محمّداً *** نبيٌ كموسى والمسيح بن مريم

صفحه255
أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكلٌّ بأمرِ اللّهِ يهدي ويعصم(1)
ونظيرها قصيدته البائيّة وفيها:
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً *** نبيّاً كموسى خط في أوّل الكتب(2)
أفيصحّ لأحد بعد كلّ هذه البلاغات والتصريحات أن يكفّر سيد الأباطح أو يشككّ في إيمانه؟!
و للمزيد نذكر ما يلي:
إنّكم بحمد اللّه ممّن يحيطون علماً انّ من رمى أبا طالب ـ شيخ الأباطح ـ مؤمن قريش بالشرك، فإنّما تبع الروايات التي حاكها أبناء البيت الأموي بغية التحامل على أبي تراب (عليه السلام) من خلال تكفير والده.
فهل يكون أبو طالب مشركاً مع كلّ تلكم المواقف المشرفة ومع كلّ تلك الإشارات الصريحة الكاشفة عن عمق إيمانه بالرسالة المحمديّة، وأبو سفيان الذي أشعل نائرة الفتن وحاك مؤامرات عديدة هو و أبناؤه الذين كانوا أساس المشكلة ومبدأ الانحراف عن المسار الإسلامي، مسلمين موحدين يستحقون كلّ تقدير وتبجيل؟!!!
هذا قليل من كثير.
وفي الختام تقبلوا منّا أطيب التحيات وأجمل الأُمنيات راجين لكم من اللّه أن يسدد خطاكم في سبيل خدمة الإسلام والمسلمين.
جعفر السبحاني   22 رجب المرجّب 1420هـ

1. مستدرك الحاكم: 2/623.   2 . سيرة ابن هشام:1/352.

صفحه256
رسالة إلى الدكتور ناصر القفاري   
 
رسالتنا إلى الدكتور القفاري حول كتابه
48

الدكتور ناصر القفاري

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد; فقد وصلني كتاب «أُصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية» فقرأته حسب ما سمح لي الوقت، وها أنا ذا أذكر انطباعاتي حول هذا الكتاب.
إنّ المؤلّف لم يستخدم الأُسلوب الصحيح في نقد عقائد هذه الطائفة وذلك من جهات:
الأُولى: زعم أنّ الرواية في كتب المحدّثين دليل على العقيدة ، مع أنّ العقيدة تطلب لنفسها دليلاً مفيداً لليقين، وخبر الواحد لا يفيد علماً، وهذا هو أساس الزلّة التي وقع بها في هذا الكتاب، فإنّ العقيدة شيء، والرواية شيء آخر، و بينهما من النسبة عموم و خصوص من وجه.
الثانية: أنّي لا أتّهم المؤلّف شخصياً ولكن أُسلوب الكتابة ينمّ عن تحامل شديد على الشيعة وعدم نزاهة في البحث.

صفحه257
وهذا الأُسلوب منبوذ عند العقلاء شرعاً وعقلاً، والقرّاء يستهجنون هذا النوع من الكتابة. ولا يؤثر في العقول الحرّة، لأنّ السبّ والهجو آية العجز عندهم.
الثالثة: لو قام القارئ بجمع الشتائم الموجودة في هذا الكتاب لخرج بصحائف سوداء.
ولهذا وذاك قمت بتأليف كتاب جمعت فيه أُصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، التي هي نفس أُصول العقيدة الإسلامية، بعبارات موجزة، وأشرت إلى دلائلها فلو كان لديكم نقد على تلك الأُصول فنحن مستعدون للمناقشة والمناظرة في أيّ مدينة شئتم، سواء أكان في «الرياض» أو «المدينة المنورة» أو «مكّة المكرمة» أو «جدّة».
ونعلن أنّ أُصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية هي ما جاء في هذا الكتاب وهي واضحة المعالم، مشرقة البراهين لا ما جاء في الكتاب السابق ذكره.
ونرجو أن ينال هذا الاقتراح موضع القبول شريطة أن يسود الحوار روح الموضوعية والتجرد والحرية وترأسه لجنة من علماء الإسلام، ونحن بفارغ الصبر في انتظار تلبية هذا الاقتراح.
جعفر السبحاني

صفحه258
   
 
رسالة إلى السيد طاهر هاشمي
49

حضرة الأخ الماجد فضيلة السيد طاهر هاشمي دام مجده

بعد السلام والتحيّة أرجو أن تكونوا بخير وفلاح.
لقد وافتني رسالتكم التي قمتم فيها بنقل ما ذكره ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب حول أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية، وفيه من الإطراء والثناء عليه .
و لكن نود أن نلفت نظركم السامي إلى أنّ الوقوف على شخصيّته وحقيقته لا يمكن إلاّ بأحد أمرين:
الأوّل: الرجوع إلى الآثار العلمية التي تركها.
الثاني: الرجوع إلى ما ذكره الآخرون من معاصريه في حقّه. ولا يصحّ الاكتفاء بإطراء واحد، وثنائه عليه.
أمّا الأوّل فيكفي فيه الرجوع إلى كتابه «منهاج السنة» و هو كتاب فيه

صفحه259
تحكّمات فظيعة وإنكار للمسلّمات وأكاذيب واضحة، ويكفي في ذلك الرجوع إلى المواضع التالية:
1. قوله: من حماقات الشيعة انّهم يكرهون التكلّم بلفظ العشرة وذلك لبغضهم العشرة المبشرة إلاّ علي بن أبي طالب، ومن العجب انّهم يوالون لفظ التسعة وهم يبغضون التسعة من العشرة (راجع ج1، ص 9).
فهل هو كذلك؟ أيّها السيد الجليل وأنت تعيش في أحضان الشيعة وبين ظهرانيهم؟
2. قوله: تجد الرافضة يعطلون المساجد التي أمر اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه (راجع ج1، ص 131).
فهل هو كذلك أيّها السيّد الجليل؟
3. قوله: قد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترىً، انّ هذه الآية (إِنّما وَليّكُمُ اللّه وَرَسُولهُ ) إلى آخرها، نزلت في علي (عليه السلام)لما تصدّق بخاتمه في الصَّلاة و هذا كذب بإجماع أهل العلم .(لاحظ ج1، ص 156).
فهل هو كذلك يا صاحب الفضيلة، وقد رواها ستة وستون من أعلام السنّة آخرهم على ما نعلم الشيخ عبد القادر بن محمد السعيد الكردستاني (المتوفّى عام 1304هـ) في «تقريب المرام في شرح تهذيب الكلام للتفتازاني»، ج2، ص 329 طبعة مصر، وتكلم فيه كبقية المتكلّمين ، مخبتاً إلى اتّفاق المفسرين، على أنّها نزلت في حقّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) .
هذه بعض أكاذيبه أيّها السيد الجليل.

صفحه260
وأمّا عقائده الباطلة فيكفي للوقوف عليها مراجعة رسائله الكبرى المطبوعة بمصر، و إلى غيرها.
وأمّا الطريق الثاني فيكفي في ذلك كلمة الحافظ ابن حجر حوله، في كتابه «الفتاوى الحديثية» حيث قال في صفحة 86: ابن تيمية عبد خذله اللّه وأضلّه، وأعماه وأصمّه وأذلّه، و بذلك صرح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام الغر ابن جماعة، وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه على متأخري الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنهما ـ . (إلى أن قال:) إنّه قائل بالجهة وله في إثباتها جزءٌ، ويلزم أهل هذا المذهب، الجسميةُ والمحاذاة والاستقرار... إلى آخر ما أفاده.
وليس ابن حجر بالوحيد في اعتراضه هذا على ابن تيمية، بل نقل مؤلف «دفع الشبَه»( ص 45ـ 47) والشيخ محمد زاهد الكوثري في «تكملة السيف الصقيل» (ص 190) ما أصدره الشاميون من الفتوى حول ابن تيمية التي تتضمن تكفيره، ويكفي في ذلك ما كتبه معاصره: الذهبي في خطابه إيّاه، وقد نقل الخطاب الكوثري في تكملته ففيها من التعبيرات ما يوقف الباحث على ما انطوى عليه ذلك الشيخ من الجهل والضلال، وفيه بعد ملامته: أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ فإذاكان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الوادّ فكيف

صفحه261
حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك ـ واللّه ـ فيهم صلحاء وعقلاء و فضلاء ، كما أنّ أولياءك فيهم فَجَرَة، وكَذَبة وجَهَلَة ، وبَطَلَة، وعُورٌ، وبُقْر؟!
هذا بعض ما حضرني عاجلاً حول هذا الشيخ ، شيخ البدَع والضلال، وكنت أودّ لو سَمَح لي الوقت بأن أُؤلِّف رسالة كاملة تتضمن بدعه، ومخاريقه، وقد أودعنا كلمات المحقّقين في حقّه في موسوعتنا «بحوث في الملل و النحل» الجزء الرابع، فلاحظ.
وفي الختام أرجو أن لا تنساني من الدعاء
جعفر السبحاني

صفحه262
 
رسالة إلى الدكتور أحمد راسم النفيس
50

معالي الدكتور أحمد راسم النفيس المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
تحيّة طيّبة مباركة مرفقة بباقات من ورود الإخلاص والمودّة الإسلامية الصافية في سبيل اللّه وحبّ آل البيت (عليهم السلام).
أهدى إليّ بعض الأُخوان نسخة من مقالتكم القيمة في جريدة القاهرة تحت عنوان «المؤّرخ الزرقاوي والمصير الاصفهاني»، وأودّ أن أُضيف إن القوم ـ مكان أن يحقّقوا علل الهزيمة وعواملها التي تكمن في سيرة الخلفاء العباسيين ووزرائهم وحواشيهم عبر القرون ـ حاولوا أن يصبُّوا جام غضبهم تارة على ابن العلقمي ـ هذا الوزير الذي سعى في صد عاتية التتار بحزمه وعقله ولم يتوفّق لذلك بسبب مخالفة مَن أحاطوا بالخليفة ـ و أُخرى على معلم الأُمة وحافظ التراث بعد إقالة التتار نصير الدين الطوسي.
وها نحن نذكر هنا بعض النصوص التاريخية ـ مضافاً إلى ما ذكرتم ـ

صفحه263
ليعلم المغفّل أن سبب الهزيمة كان موجوداً في داخل الخلافة.
* هب أنّ الوزير العلقمي أو نصير الدين الطوسي هو السبب لسقوط الخلافة العباسية وسيلان الدماء في عاصمتها، فما هو السبب للدماء التي بدأت تسيل من أقصى المشرق الإسلامي إلى العاصمة بغداد، فها هو ابن الأثير (المتوفّى عام 630هـ) قبل سقوط الخلافة الإسلامية بخمس وعشرين سنة يصف تلك الداهية العظمى بالنحو التالي:
«من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يُجدي نفعاً فنقول:
هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال القائل:إنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتل بمثله لكان صادقاً، فإنّ التاريخ لم يتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ـ إلى أن قال: ـ هؤلاء لم يُبقوا أحداً، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون. فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون، ثمّ منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبُخارى وغيرها فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها مُلكاً وتخريباً وقتلاً، ثمّ يتجاوزونها إلى الريّ وهَمَدان وبلاد الجبل وما فيها من البلاد إلى حدّ العراق، ثمّ

صفحه264
يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية ويخربون ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله.(1)
فها نحن نسأل الكاتب: هل كانت يد العلقمي أو نصير الدين تلعب في هذه الحوادث المرّة تحت الستار؟ أو أنّ للدمار عللاً تكمن في سيرة الخلفاء والأُمراء عبر سنين حيث اشتغلوا بالخلافات الداخلية، واشتغل الخلفاء باللهو واللعب، وشرب الخمور وعزف المعازف وسماع المغنيّات، وقد تبعهم الرعاع والسوقة فذهبت الخيمة الإسلامية التي سيطرت على العالم في أوائل قرون العصر الإسلامي.
يقول ابن كثير: أحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كلّ جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمّى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانـزعج الخليفـة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الّذي أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب:«إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه وقدره أذهب ذوي العقول عقولهم» فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرت الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكوخان بجنوده كلها ـ و كانوا نحو مائتي ألف مقاتل ـ إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة.(2)
نشكركم على هذه المواقف الشجاعة دفاعاً عن الحق والحقيقة.

1 . الكامل في التاريخ:12/358ـ 359. ولكلامه ذيل من أراد فليرجع إليه .
2 . البداية والنهاية:13/200ـ 213.

صفحه265
أخي العزيز عندي بحث في توضيح حقيقة «أبي هريرة» ودور السيد شرف الدين العاملي في هذا التوضيح، ومراسلاته مع شيوخ الأزهر ومنهم الشيخ عبد المتعال الصعيدي، ويعوزني في هذا المجال، مقالاته المطبوعة في مجلة «الرسالة» المصرية وردود الشيخ عبد المتعال الصعيدي ومداخلات السيد شرف الدين عليها، هي منشورة في مجلة الرسالة، السنة الخامسة عشرة، عدد715(ص 323)، بتاريخ 17/3/1947، و 718(ص409) بتاريخ 7/4/1947، وعدد 721 بتاريخ 28/4/1947، وعدد 724(ص 575) بتاريخ 19/5/1947، وعدد 725 بتاريخ 26/5/1947.
لو تفضلتم عليّ بالحصول على هذه المقالات من أرشيف إحدى المكتبات المصرية وإرسالها إليّ تكون منّة كبيرة، ونعمة جسيمة لا تنسى أبداً.(1)
وكذلك وصلنا خبر نشر كتبكم على الانترنت بمشاركة إحدى دور النشر اللبنانية، فنهنئكم عليها ونسأل اللّه لكم مزيد التوفيق والتسديد، إنّه عليّ قدير.
ودمتم سالمين غانمين.
أخوكم في الإيمان
الشيخ جعفر السبحاني
الخامس من شهر رجب 1426هـ

1 . وقد قام الدكتور حفظه الله ـ من بعد ـ مشكوراً بإرسال الجميع عن طريق الانترنت، شكر اللّه مساعيه الجميلة.

صفحه266
المؤرخ الزرقاوي والمصير الأصفهاني   
 
ملحق

المؤرخ الزرقاوي والمصير الأصفهاني (1)

الدكتور أحمد راسم النفيس
جريدة القاهرة بتاريخ 26/7/2005
لا زال الأخ أبو مصعب الزرقاوي حامي حمى العروبة والإسلام والبوابة الشرقية للأُمّة العربية يُتحفنا بدرره العلمية والأخلاقية فضلاً عن تلك الجهادية التي أصبحنا نعرفها جيداً.
الأخ أبو مصعب ورغم انشغاله بالمسلخ البشـري الذي نصبه في العراق لم ينصرف عن واجبه في تنوير الأُمّة وتعريفها بما غاب عن وعيها من علم ومعرفة!!
من بين تلك الدرر وصفه للشيعة في بياناته التاريخية بالعلقميين!
فما هي حكاية العلقميين هذه؟؟!!

1 . نشرت وسائل الإعلام وشبكات الانترنيت كلمة الزرقاوي المقبور وقد أباح فيها قتل الشيعة وسفك دمائهم، وممّا جاء فيها اتّهام الوزير «العلقمي» بأنّه سبب سقوط بغداد وسفك دماء المسلمين، وقد كرر هذه الفرية في كلمته أكثر من مرة، وهذا الاتّهام ليس بدعاً منه و لكنّه قد أخذه عمن سبقه.
وقد ردّ على هذه التهمة الدكتور أحمد راسم النفيس المصري في مقال نشر على صفحات الانترنيت، وبالنظر لأهميته وإكباراً لكاتبه ننشره هنا مع تعقيب لنا بعده.

صفحه267
يزعم المؤرخ الكبير أبو مصعب الزرقاوي أنّ الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي وكان من الشيعة هو من قام بتسليم مفاتيح بغداد للغزاة المغول، وبالتالي فالرجل ومن ثم الشيعة أجمعون من يومها إلى يوم الدين هم المسؤولون عن كارثة سقوط بغداد فضلاً عن نكسة يونيو حزيران عام 1967.
ولو أنّ الرجل توقف برهة عن سفك الدماء وكلّف خاطره قراءة التاريخ لعلم أنّ بغداد لم تسقط في يد التتار منذ اللحظة الأُولى حيث حاول البعض ومن بينهم ابن العلقمي منع هذا السقوط المحتوم، ولكنّها سقطت بعد ذلك بسبب الفساد والتفكك اللّذين عانى ولا زال يعاني منهما عالمنا الإسلامي المريض، حيث يروي ابن أبي الحديد وكان معاصراً لتلك الكارثة (وكان مدبر أمر الدولة والوزارة في هذا الوقت هو الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد العلقمي ولم يحضر الحرب «أي أنّه لم يكن قائداً للجيش»، بل كان ملازماً ديوان الخلافة يمد العسكر الإسلامي من آرائه وتدبيراته بما ينتهون إليه ويقفون عنده فحملت التتار على عسكر بغداد حملات متتابعة ظنوا أن واحدة منها تهزمهم، لأنّهم قد اعتادوا أن لا يقف عسكر من العساكر بين أيديهم فثبت اللّه لهم عسكر بغداد مما اضطر التتار للانسحاب من حولها).
أمّا السبب الحقيقي في الهجمة التترية على العالم الإسلامي الذي يجهله المؤرخ الزرقاوي فكان حمق بعض حكام المسلمين وطغيانهم، ويكفي أن نورد شهادة المؤرخ المصري المعاصر الدكتور يوسف زيدان ـ الذي نقل عن ابن الأثير في حوادث سنة 617 هجرية ما نصه:(فإنّ هؤلاء

صفحه268
التتر انّما استقام لهم الأمر لعدم المانع، وسبب عدمه أنّ محمد خوارزمشاه كان قد استولى على البلاد وقتل ملوكها وأفناهم، وبقى هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلمّا انهزم من التتر لم يبق في البلاد من يمنعهم ولا من يحميها).
لا فارق بينه وبين حامي حمى البوابة الشرقية للأُمّة العربية سيِّئ الذكر التكريتي (1)!!
ويكمل الدكتور زيدان فيقول:(دفعتني هذه الملاحظة إلى التأمل فيما كان من أمر محمد خوارزمشاه، فوجدته حاكماً عربياً شديد المعاصرة! كان خوارزمشاه قد ملك المنطقة الممتدة من فرغانة إلى بحر آرال، ومن نهر سيحون (سرداريا) إلى أفغانستان، وهي منطقة واسعة تستغرق الرحلة فيها اليوم بالطائرات ساعات. ومع ذلك دفعه الطيش وسطوة السلطة إلى الاستيلاء على بغداد، فأرسل لها جيشاً سيطر أولاً على همذان، ثم انطلق منها قاصداً بغداد... وفي كردستان هبت عاصفة ثلجية شديدة فبدّدت شمل الجيش

1 . المقصود به: صدام حسين التكريتي، هذا السفّاح الّذي حكم العراق لمدة 35 سنة (1969 ـ 2003 م) بالحديد والنار وأذاق شعبه الويل والثبور وعظائم الأُمور، وخاض حربين ظالمتين ضد الجمهورية الإسلامية في إيران والكويت أدّتا إلى مقتل مئات الآلاف من أبناء الشعب العراقي والإيراني والكويتي ووجّه ضربة قاصمة للأُمّة الإسلامية والعربية ولازالت آثارهما السلبية على العراق والمنطقة أجمع إلى الآن، وقد استمر هذا الطاغية بغيّه وسياسته الرعناء حتّى سلّم العراق للغزاة الطامعين الأمريكان على طبق من ذهب، والأنكى من ذلك أنّه سلّم بغداد العاصمة للمحتلّين بدون مقاومة وفرّ هارباً ذليلاً هو وأعوانه من دون أن يطلق حتّى ولو إطلاقة واحدة!! وليقبض عليه بعد ذلك في جحر لاذ به في أعماق الأرض وهو في حالة مزرية بائسة.

صفحه269
وقتلت الألوف، وتخطف الأكراد ما تبقى من فلول الجيش فلم يعد منهم إلى خوارزم إلاّ عدد قليل، ولم يهدأ محمد خوارزمشاه بعد هذه الواقعة وإنّما واصل رعونته وأحلامه التوسعيّة، ونجح في استفزاز أقوى قوة عسكريّة في العالم آنذاك جنكيز خان.. بدأ الأمر باتصال بينهما وتبادل سفارات وإبداء الرغبة في التعاون بين البلدين المملكة الخوارزميّة والدولة المغوليّة التي كان جنكيز خان قد أقامها على أنقاض امبراطوريّة الصين التي احتلها، وكان خوارزمشاه يحلم بامتلاكها وبدأ النشاط التجاري بين الدولتين بقافلة أرسلها جنكيزخان مع هدايا لخوارزمشاه ورسالة تقول ضمن كلمات تودّد: إنّه لا يخفى علي عظيم شأنك وما بلغت من سلطان وإنّي أرى مسالمتك من جملة الواجبات وأنت عندي مثل أعز أولادي. ولا يخفى عليك أيضاً أنّني ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد خضعت لي قبائلهم.. فإن رأيت أن تهيئ للتجار في الجهتين سبيل التردّد والحركة عمّت المنافع وشملت الفوائد.
واعتقد خوارزمشاه أنّ جنكيزخان أهانه! لأنّه وصفه بأنّه (مثل أعز أولادي) فأرسل لحاكم مدينة (أوترار) الواقعة على الحدود بينهما بأن يتم الاستيلاء على القافلة التجاريّة التي بادر جنكيزخان بإرسالها وتُباع حمولتُها (خمسمائة جمل تحمل سلعاً تجارية) ويُرسل المال إلى خوارزمشاه! بل أكثر من ذلك، يقتل جميع أفراد القافلة.. فقتلوا جميعاً (كانوا450رجلاً، كلهم من المسلمين).
وبالطبع استشاط جنكيزخان غضباً ولم يصدق أنّ خوارزمشاه يفعل ذلك، فأرسل له سفارة مؤلفة من ثلاثة رجال أحدهما مسلم والآخران

صفحه270
مغوليّان ومعهم خطاب احتجاج على ما جرى من الغدر بالقافلة، فما كان من خوارزمشاه إلاّ أن قتل المبعوث المسلم، وحلق لحية زميليه المغوليين إمعاناً في إذلالهما.
وهكذا اندفع جنكيزخان بجيوشه ليجتاح مشرق العالم الإسلامي وانتقم لكرامته بقتل كلّ ما كان حيّاً في البلاد التي صادفته الناس الحيوان الشجر، ومات مئات الأُلوف من المسلمين رجالاً ونساء وأطفالاً، أمّا خوارزمشاه نفسه.. فقد هرب!!
هذا هو تاريخنا الذي لم يقرأه أحد اكتفاء بقصة واإسلاماه وتحميل الوزير العلقمي مأساة احتلال بغداد، فضلاً عن تحميل الصول إسماعيل مأساة نكبة يونيو 1967م.

المسلمون والصراعات الطائفية والغزو المغولي

يحكي لنا ابن أبي الحديد واقعة أُخرى عن الطريقة التي تصرف ولا يزال المسلمون يتصرفون بها في عصور الانحطاط فيقول: (ولم يبق للتتار إلاّ أصفهان حيث نزلوا عليها مراراً سنة 633هـ فحاربهم أهلها ، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة، ولم يبلغوا منها غرضاً حتى اختلف أهل أصفهان على طائفتين حنفية وشافعية وبينهم حروب متواصلة، فخرج قوم من الشافعية إلى من يجاورهم من ملوك التتار فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم، فأرسل إليهم جيوشاً والصراع على أشده بين الأحناف والشوافع، وفتح الشافعية أبواب المدينة على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا

صفحه271
عن الشافعية، فلمّا دخلوا المدينة بدأوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً ولم يقفوا مع العهد الذي عاهدوه، ثم قتلوا الحنفية ثم قتلوا سائر الناس وسبوا النساء وشقوا بطون الحبالى ونهبوا الأموال وصادروا الأغنياء ثم أضرموا النار في أصفهان حتى صارت تلاًّ من الرماد).

التتار يحكمون مصر!!

الذي لا يعرفه الكثيرون أيضاً أنّ التتار قد حكموا مصر بالفعل وان (الملك العادل زين الدين كتبغا) الذي تسلّط على عرش مصر سنة 693هـ كان جندياً في جيش هولاكو أسر في واقعة «عين جالوت» ثم دارت به وبنا الأيام ليصبح هذا العبد التتري ملكاً لمصر.
أمّا الأسوأ من هذا فهو التمادي في وصف المخالفين في المذهب والرأي بتهم الخيانة والعمالة وتسليم مفاتيح بغداد لا لشيء سوى أنّهم فعلوا الممكن واجتهدوا في حقن دماء المسلمين الذين أسلمهم حكامهم للتتار، وهو ما لم يكن قاصراً على مسلمي البوابة الشرقية في بغداد، بل هو نفس ما فعله شيوخ دمشق ومن بينهم ابن تيمية.
ففي العام 698هـ غزا التتار بلاد الشام على عهد السلطان محمد بن قلاوون حيث كان كثير من قيادات الجيش المملوكي المصري أو (الغز) من التتر المتعاونين مع عدوهم غازان ملك التتار آنئذ وهزم الجيش المصري يومها وكاد التتار يدخلون دمشق والعهدة على ابن تغري بردي (لما بلغ أهل دمشق كسرة السلطان، عظم الضجيج والبكاء وخرجت المخدرات حاسرات

صفحه272
لا يعرفن أين يذهبن والأطفال بأيديهن وصار كلّ واحد في شغل عن صاحبه إلى أن ورد الخبر أنّ ملك التتار «قازان» مسلم وأن غالب جيشه على ملة الإسلام وأنّهم لم يتبعوا المهزومين وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحداً ممن وجدوه وإنّما يأخذون سلاحه ومركوبه ويطلقونه، فسكن بذلك روع أهل دمشق قليلاً، فاجتمعوا وتشاوروا وأرسلوا وفداً يطلب الأمان من قازان حيث حضر الوفد من الفقهاء: قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة خطيب جامع دمشق، والشيخ زين الدين الفارقي، والشيخ تقي الدين ابن تيميه، وقاضي قضاة دمشق نجم الدين ابن صصرى، والصاحب فخر الدين بن الشيرجي، وغيرهم).
لا حاجة بنا أن نوغل في التفاصيل المتعلّقة بتلك التهمة الافتراء عن خيانات ابن العلقمي المزعومة، ويكفينا شهادة ابن الأثير عن السبب المباشر لاجتياح التتار للعالم الإسلامي، وكلّ ما يمكننا قوله :إنّ الزرقاويّين يصرون على مواصلة التصرف على طريقة المتحاربين من أهل أصفهان، ممّا أدى في النهاية إلى هلاكهم وهلاك مدينتهم، ولا شك أنّ ما يفعله هؤلاء من تأجيج نيران الصراعات الطائفية جميعاً إلى مصير مشابه على الطريقة الأصفهانية.
الدكتور أحمد راسم النفيس
19/7/2005 م
   

صفحه273
 
رسالة إلى الدكتور محمد الكايد رئيس تحرير صحيفة الرأي
51

السيد الدكتور محمد الكايد

رئيس تحرير صحيفة الرأي المحترم
السلام عليكم و رحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد، فقد طالعنا على صفحات الرأي مقالاً يحمل عنوان «إشكالية الاعتقاد و التاريخ لدى الشيعة» بقلم ذياب شقيرات، بتاريخ 20/2/2000م، وهو يحاول في مقاله هذا أن يعطي انطباعاً بأنّ عقائد الشيعة ليست متأصلة بل مستحدثة صنعها التاريخ ولم تكن موجودة من ذي قبل. وقد ساق شواهد على مدّعاه هذا، و هي كالتالي:
1. معتقد التقية 2. معتقد عصمة الأئمّة
3. معتقد الإمامة 4. معتقد الرجعة
وقام بتحليلها حتى خرج بحصيلة أنّ هذه المعتقدات لم تكن من

صفحه274
عقائد الشيعة الإمامية، وإنّما دفعتهم الظروف الحرجة إلى الاعتقاد بها عبر التاريخ، و بما أنّ القرّاء الكرام لصحيفة «الرأي» قد طالعوا هذه المقالة، فنحن نرى أنفسنا في غنى عن إعادة ما ذكره بنصه، ونكتفي بتحليل هذه المعتقدات الأربعة كي يتضح أنّها من صميم عقائد الشيعة الإمامية من دون أن يستحدثها التاريخ.
وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نودّ أن نشير إلى أمرين:
1. انّ صحيفة الرأي صحيفة سياسية والطابع العام الذي يسودها هو الطابع السياسي، فما هو الحافز لطرح هذه البحوث الكلامية أو التاريخية في هذه الصحيفة ...يا ترى؟
2. انّ الكاتب يرمي من مقاله تحليل عقائد طائفة كبيرة أطلَّت على العالم بتاريخها وحضارتها وعلمائها ومشاهيرها، وخدمت الحضارة الإنسانية خدمة جليلة، وهو لم يذكر في مجموع ما كتب أيّ مصدر لما ينقل عنه أو يرميهم به، وهذا يحطّ بطبيعة الحال من القيمة العلمية للمقال المذكور.
إنّ المذهب الإمامي كسائر المذاهب أُقيمت دعائمه على أمرين:
الأوّل: العقائد والمعارف الإلهية وهي ثوابت لا تمسّ كرامتها الأحداث والمستجدّات، لأنّها نتاج الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه، والسنة النبوية والبراهين العقلية وبذلك لا يمكن أن يتطرق إلى معتقد قد صيغ على هذه الأُسس الثلاثة أيُّ تغيّر و تبدّل.
الثاني: الأحكام الشرعية العملية وهي بين ثوابت لا تتغير عبر التاريخ،

صفحه275
ومقررات موضوعة حسب الحاجات، والأحكام الثابتة هي رمز خلود الإسلام و خاتمية الشريعة المحمدية والمقررات المتغيرة هي رمز تفاعلها مع مستجدات الأحداث ومتطوراتها، و قد فصّلنا الكلام في ذلك في موسوعتنا القرآنية المنتشرة باسم «مفاهيم القرآن» فليرجع إلى الجزء الرابع.
هذه هي عقيدة الشيعة الإمامية في الثوابت والمتغيّرات ، فلو كان هنا معتقد فإنّما هو نتاج الدليل القطعي لا نتاج التاريخ والأحداث المريرة التي مرّت بها هذه الطائفة، و من أراد أن يقف على عقائد الشيعة الإمامية في القرنين الأوّلين فليرجع إلى كتبهم.
وبعد أن فرغنا من هذه المقدمة الموجزة، فلنتناول الشواهد التي سردها الكاتب تأييداً لمدّعاه، وهي أربعة:

1. معتقد التقية

شرِّعت التقية بنص القرآن الكريم حيث وردت في جملة من الآيات،
أعني: قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْره وَقَلبُهُ مُطْمَئنٌّ بالإِيمان)(1) ، وقوله سبحانه: (لا يَتَّخِذ المُؤْمِنُونَ الكافِرينَ أَولياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شيء إلاّ أن تتَّقوا منهم
تُقاة
)(2). وقوله سبحانه: (وَ قالَ رَجلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَون يَكْتُمُ إِيمانَه)(2).

1. النحل: 106 .   2 . آل عمران: 28 .
2. غافر: 45 .

صفحه276
وهذا ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين ولكن الكاتب رأى أنّ الشيعة تمارس هذا الأصل في مقابل أهل السنّة، مع أنّ مورد الآيات هم الكفّار، ويقول: «لم يستخدم الشيعة هذا المعتقد ويمارسوه إلاّ مع أهل السنّة والجماعة».
وممّا يؤخذ عليه أنّ مورد الآيات وإن كان هم الكفّار، ولكن المورد ليس بمخصص، وقد قال بالتعميم لفيف من محقّقي أهل السنّة، و هذا هو الرازي يقول:
ظاهر الآية: (إِلاّ أن تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاة) على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار إلاّ أنّ مذهب الشافعي (رضي الله عنه)انّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس(1).
وبما أنّ التقية سلاح الضعيف أمام القوي فلا فرق بين قوي كافر وبين مسلم ظالم متسلّط.
الشيعة لم تمارس هذا الأصل مع إخوانهم أهل السنّة، بل مارسته مع الخلفاء الجائرين من الأمويين والعباسيين الذين قتلوا الشيعة تحت كل حجر ومدر، ويكفيك شاهداً على ما نقول ذلك البيان الذي أصدره معاوية بن أبي سفيان في حقّ شيعة علي:
انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحب عليّاً وأهل بيته، فأمحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه و رزقه. ثمّ شفع ذلك البيان ببيان آخر وهو من

1. مفاتيح الغيب: 2 / 13 في تفسير الآية ; وعلى ذلك جرى جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل: 4 / 108، والمراغي في تفسيره: 3 / 136 .

صفحه277
اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكِّلوا به وأهدموا داره...(1)
ثمّ إنّ الكاتب أضاف قائلاً: فإخواننا الشيعة يبررون قبول علي بن أبي طالب (عليه السلام) بخلافة الثلاثة الذين سبقوه بأنّها على سبيل التقية. وفي هذا طعن مزدوج بعلي نفسه و بالخلفاء الثلاثة...
لكن فات الكاتب أنّ عليّاً لم يبايع الخلفاء طيلة عمره لما كان يرى نفسه أحقّ بهذا الأمر من غيره بتنصيص من الرسول في غير موقف من المواقف سواء أكان في بدء الدعوة، عند نزول قوله سبحانه: (وَأَنْذِرْ عَشيرتَكَ الأَقْرَبين)(2) أم في غزوة تبوك عندما خاطبه، بقوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لانبيّ بعدي»(3) أم في محتشد عظيم عند منصرف النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجّة الوداع حيث أدلى بخطابه إلى عامة المسلمين، وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» (حديث متواتر رواه من الصحابة ما يربو على 120 صحابيّاً) إلى غير ذلك من المواقف، ولكنّه لما رأى أنّ الأمر قد تم للآخرين و رأى أنّ الشر قد أحاط بالإسلام والمسلمين، من جانب أهل الردة وغيرهم رأى أنّ المصلحة تكمن في معاضدة القوم، وها هو يصرح بذلك في كتابه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاّه إمارتها، حيث قال: «فواللّه ما كان يُلْقى في روعي، ولا يخطر ببالي أنّ العرب تُزعِج هذا الأمر من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنَحُّوهُ عني من بعده، فما

1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11 / 400 ـ 446 .
2. الشعراء: 214 .
3. صحيح مسلم: 7 / 120، باب من فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام).

صفحه278
راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله ان أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاعُ أيام قلائل» إلى أن يقول: فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدِّين و تنهنه».(1)
وهذا هو موقف علي من البيعة لا ما نسبه الكاتب إلى عليّ (عليه السلام) و إن كان في شكّ ممّا نقلناه فليقرأ ما رواه ابن قُتيبة في تاريخ الخلفاء ، حيث يقول:
إنّ علياً كرم اللّه وجهه أُتي به إلى أبي بكر، وهو يقول: أنا عبد اللّه أخو رسول اللّه، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايع وأنتم أولى بالبيعة لي...إلى أن يقول: فقال له عمر: أنت لست متروكاً حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلباً لك شطره، وشُدّ له اليوم يرده عليك غداً، ثمّ قال: واللّه يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك(2).
نعم اشتهر بين أهل السنّة أنّ الإمام بايع الخلفاء بعد وفاة بضعة المصطفى فاطمة الزهراء(عليها السلام). ولكن هذه الشهرة من الوهن بمكان وأقل ما يمكن أن يقال فيها أنّ فيها طعناً مزدوجاً بعلي نفسه وبالخلفاء الثلاثة.
أمّا بعلي نفسه فلأنّه إذا تمت الخلافة لواحد من الصحابة وكانت خلافة شرعية، فلماذا تخلّف علي، وأمّا بالخلفاء فهو غني عن البيان.

1. نهج البلاغة، قسم الرسائل: 62 .
2. تاريخ الخلفاء الراشدين، لابن قتيبة: 1 / 11 .

صفحه279
ولعمري إنّ الخوض في هذه المباحث يجرح العواطف ويشتّت الصفوف، فهي أحداث شرب عليها الدهر وأكل، ولولا أنّ الكاتب نبش هذه القضايا لم نكن نستعرض هذه الأحداث التاريخية المريرة.
ثمّ قال صاحب المقالة:«إنّ التقية مبدأ فرضه التاريخ على جملة المبادئ و الثوابت لتفسير وتبرير صحة تسلسل الأئمة وتعارض آرائهم في بعض القضايا المتشابهة».
وملخّص كلامه: أنّ الشيعة اتخذت التقية ذريعة لأمرين:
1. صحّة تسلسل الأئمّة.
2. تعارض آرائهم في بعض القضايا المتشابهة.
أمّا الأمر الأوّل فقد أجمل فيه الكلام و لم يبيّن ماهي الصلة بين التقية وصحة تسلسل الأئمة، وكان عليه أن يوضح ذلك غير أنّ تسلسل الأئمة إلى اثني عشر خليفة منصوص في صحاح السنة.
فقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عددهم وتسلسلهم إلى اثني عشر خليفة فيما أخرجه مسلم عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثمّ قال كلمة لم أفهمها، قال: قلت لأبي، ما قال؟ قال: كلّهم من قريش(1).
وقد أخرج مسلم هذه الرواية بأسانيد مختلفة، وللقارئ الكريم أن يتدبّر في معنى الحديث حتى يظهر له المراد من هؤلاء الخلفاء الاثني عشر

1. صحيح مسلم: 6 / 3، باب الناس تبع لقريش .

صفحه280
الذين أُنيطت بهم عزة الإسلام، وقد جاءوا واحداً تلو الآخر عبر الزمان، وهو لا ينطبق إلاّ على الأئمّة الاثني عشر، أوّلهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)و آخرهم القائم المهدي (عليه السلام) .
فهل يتصوّر الكاتب أنّ هؤلاء هم الأمويون أو العباسيون الذين ضرّجوا الأرض بدماء الأولياء والصلحاء، و هل يزيد بن معاوية أحد من أُنيط به عزّ الإسلام وهو الذي يشرب الخمر و يرفع عقيرته، ويقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القرم من ساداتهم *** وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لأَهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثمّ قالوا: يا يزيد لا تشل
لست من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء و لا وحي نزل
وأمّا الأمر الثاني أي تعارض آراء الأئمّة (عليهم السلام) ، فنقول: نعم كان للتقية دور في الإفتاء وفق هوى الجهاز الحاكم صيانة لأنفسهم وأنفس شيعتهم، حيث إنّ الجهاز الحاكم قد مارس ضغوطاً على الأئمّة(عليهم السلام) وشيعتهم للحد من نشاطهم، وقد أعمل فيهم السيف بغية صهر هويتهم، و في مثل هذه الظروف العصيبة والقاسية يبيح العقل والنقل الإفتاء على وجه التقية، وقد كان الضغط على أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)بمكان يفرض عليهم بعض الأحيان الانصياع لحكم الحاكم في يوم الشكّ من شوال، فقد أفطر الإمام الصادق (عليه السلام)وهو يعلم أنّه يوم من شهر رمضان، فسئل عن إفطاره، فقال: «إفطاري يوماً

صفحه281
وقضاؤه، أيسر عليَّ من أن تضرب عنقي»(1).

2. معتقد عصمة الأئمّة (عليهم السلام)

هذا هو الشاهد الثاني الذي زعم الكاتب أنّ التاريخ فرضه على الشيعة ولم يكن من صلب عقائدهم.
إنّ الاعتقاد بعصمة الإمام وعدم عصمته، نابع من اختلاف التفكير في ماهية الإمامة والخلافة، فذهبت السنّة إلى أنّ الإمام كرئيس دولة ينتخبه الشعب أونواب الأُمّة أو يتسلّط على رقابهم بانقلاب عسكري، فالإمام وفق هذه النظرية لا يشترط فيه سوى الكفاءة الاجتماعية، ولذلك لا ينخلع بفسقه وظلمه وغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود ولا يجب عليه الخروج. (2)
فالإمام عند أهل السنة كرئيس الدولة، والذي يصفه التفتازاني، بقوله: ولا ينعزل الإمام بالفسق أو بالخروج عن طاعة اللّه، والظلم على عباد اللّه، لأنّه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة، والسلف كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجمعة والأعياد بإذنه ولا يرون الخروج عليه(3).
وفي هذه النظرة لا يشترط في الإمام العصمة ولا العدالة ولا العلم ولا سائر المواصفات إلاّ الكفاءة على إدارة البلد وعمرانه و توزيع الأرزاق

1. الوسائل: 7 / 95 .
2. التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني: 108 .
3. شرح العقائد النسفية: 185.

صفحه282
والذب عن الحدود.
وأمّا الإمامة عند الشيعة فهي استمرار لوظائف الرسالة ـ لا نفس الرسالة ـ التي كانت على عاتق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من تفسير القرآن الكريم، والإجابة على المستجدات، والدفاع عن حياض العقائد، مضافاً إلى الكفّاءة على إدارة البلد، فالإمام في هذه النظرة بحكم انّه يقوم بوظائف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب أن يكون معصوماً كنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
دلت الآيات على عصمة الإمام، كآية الابتلاء في قوله سبحانه: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيمَ ربُّهُ بِكَلمات فَأَتَمَهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتي قالَ لا ينالُ عَهدِي الظالِمين)(1).
و أمّا دلالتها على عصمة الإمام ، فإليك بيانها موجزاً .
إنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على طوائف أربع:
1. من كان طيلة عمره ظالماً.
2. من كان طاهراً ونقياً طيلة عمره.
3. من كان ظالماً في بداية عمره وتائباً في آخره.
4. من كان طاهراً في بداية عمره وظالماً في آخره.
عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم (عليه السلام) الذي سأل الإمامة لبعض ذريته، أي طائفة منها أراد.

1. البقرة: 124 .

صفحه283
حاشا إبراهيم أن يسأل الإمامة للطائفة الأُولى أو الرابعة من ذريته، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره أو الموصوف به أيّام تصدّيه للإمامة لا يصلح لأن يؤتمن عليها.
فبقيت الطائفتان الثانية والثالثة، وقد نص سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم، و الظالم في هذه العبارة لا ينطبق إلاّ على الطائفة الثالثة، أعني من كان ظالماً في بداية عمره وكان تائباً حين التصدي.
فإذا خرجت هذه الطائفة بقيت الطائفة الثانية وهي من كان نقي الصحيفة طيلة عمره لم ير منه لا قبل التصدي لمنصب الإمامة ولا بعده أي انحراف عن جادة الحقّومجاوزة للصراط السوي وهو يلازم العصمة.
إنّ الدليل على عصمة الإمام لا ينحصر بالآية، بل آية التطهير أوضح دليل على عصمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم من الدنس، قال سبحانه: (إِنَّما يُريدُ اللّهُ ليُذهبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً)(1).
والآية بحكم تذكير الضمائر لا صلة لها بنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هي راجعة إلى الذين عيّنهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديثه المتواتر بالكساء حيث ألقى الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال: اللّهمّ لكلّ نبي أهل بيت، وهؤلاء أهل بيتي.(2) والمراد من الرجس، هو الذنب كما لا يخفى. وإذهاب الرجس كناية عن عصمتهم، و إرادته سبحانه في الآية تكوينية

1. الأحزاب: 33 .
2. تفسير الطبري: 22 / 5 ـ 7، الدر المنثور: 5 / 198 ـ 199 .

صفحه284
خاصة بأهل البيت لا تشريعية عامة لجميع الناس.
على أنّ حديث الثقلين المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل العترة أعدال القرآن وقرناءه، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي» كاف في إثبات عصمتهم.
لأنّه إذا كانت العترة عدل القرآن، والقرآن معصوم من الزلل، فالعترة مثله، وإلاّ لم تكن جديرة بأن تصبح عدل القرآن وتكون هادية بعده إلى يوم القيامة.
ومنه يتضح أنّ الذي فرض العصمة على الإمام هو القرآن أوّلاً والحديث النبوي ثانياً، لا التاريخ، كما زعم الكاتب .
والظاهر أنّ الكاتب تأثر إلى حد بعيد بالأفكار التي بثّها بعض المستشرقين أمثال «دونالدسن» الذي احتمل أن تكون فكرة العصمة قد ظهرت في عصر الصادق (عليه السلام) (1) .

3. معتقد الإمامة

إنّ الإمامة عند الشيعة الإمامية ليست وراثية، سواء أُريد منها وراثة الابن عن الأب، أو الأخ الأصغر عن أخيه الأكبر، وإنّما هي بالتنصيص من اللّه سبحانه عن طريق نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فملاك الإمامة هو المؤهلات الذاتية؟
فإمامة الحسن(عليه السلام) ليست وراثة عن أبيه، وإنّما هي بتنصيص

1. عقيدة الشيعة، دونادسن: 328 .

صفحه285
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما أنّ إمامة الحسين (عليه السلام) ليست وراثة عن أخيه، وإنّما هي تنصيص لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): الحسن والحسين ابناي إمامان سواء قعدا أو قاما، وهكذا إمامة سائر الأئمّة (عليهم السلام) .
نعم تعلّقت إرادته سبحانه بتسلسل الإمامة في عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على النحو المألوف.
وعلى أيّة حال فقد بدت محاولة الكاتب عقيمة لما سرد الحالات في تسلسل الإمامة التي خرجت عن المألوف كي يخرج بحصيلة أنّ الإمامة معتقد استحدثه التاريخ فقال:
«انتقاض التسلسل في إمامة الحسين بعد أخيه الحسن رغم أنّ إمامة الحسن جاءت بعد إمامة أبيه و كان مقتضى الضابطة تسلسل الإمامة في أعقاب الحسن(عليه السلام)ولكنّها تحوّلت إلى أخيه الحسين (عليه السلام)».
والإشكال نابع عن فكر مسبق وهو أنّ الإمامة أمر وراثي كخلافة الأمويين والعباسيين فكيف انتقلت الخلافة من الحسن إلى أخيه دون أعقاب الأوّل؟!
و منه يظهر خلل آخر في كلامه لمّا قال:
«إمامة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بعد أبيه رغم أنّ الإمامة كانت لأخيه عبد اللّه الأفطح، وقيل لأخيه إسماعيل ولكن وفاة عبد اللّه الأفطح في حياة أبيه خلقت إشكالية في سلسلة الأئمّة».
«فالإمام بعد الإمام الصادق (عليه السلام) ـ حسب وجهة نظر الكاتب ـ هو ابنه الأكبر عبد اللّه الأفطح أو ابنه إسماعيل و مع ذلك تولى الإمامة نجله الأصغر

صفحه286
الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) ».
والحقيقة أنّ النص كان من الإمام الصادق (عليه السلام) على شخص معين، وهو موسى الكاظم (عليه السلام)دون أيّ شخص آخر وكانت بطانته عارفة بذلك، وإنّما اشتبه الأمر على السُّذّج من الناس واجتمعوا حول عبد اللّه الأفطح، إلاّ أنّه سرعان ما تبيّن الحق فرجع أكثر القائلين بإمامة الأفطح إلى إمامة موسى الكاظم(عليه السلام) .
ونود أن نشير إلى خطأ وقع فيه الكاتب، وهو قوله: «إنّ عبد اللّه الأفطح مات في حياة أبيه الصادق (عليه السلام) » مع أنّ الذي مات في حياة أبيه هو إسماعيل بن جعفر لا عبد اللّه الأفطح، فإنّه مات بعد أبيه بمضي 70 يوماً باتّفاق المؤرّخين وأصحاب المقالات.
ثمّ إنّ الكاتب رأى غيبة الإمام الثاني عشر عند الشيعة أمراً لا ينسجم مع الإمامة، و نحن نكشف الستر عن وجه الحقيقة بوجه موجز ونقول:
إنّ الإمام المهدي (عليه السلام)قضية إسلامية اتّفقت الشيعة والسنّة على خروجه في آخر الزمان، و ليس لأحد إنكارها بعد ورود روايات متواترة من الفريقين، وإنّما الكلام في الأُمور التالية:
الأوّل: هل ولد الإمام المهدي(عليه السلام) و هو اليوم ممّن يرزق بأمر اللّه سبحانه كما عليه الشيعة الإمامية ولفيف من محقّقي السنّة أو هو لم يولد؟
وهذه قضية تاريخية لا يسع المجال لطرحها واستقصاء دلائل الولادة إلاّ أنّنا نحيل الكاتب إلى الكتب التي أُلّفت في هذا المضمار.

صفحه287
وأقول باختصار: إنّ هناك 140 عالماً سنّياً نص على ولادته في بيت الإمام العسكري (عليه السلام) ، فلو حاول الكاتب أن يقف على نصوصهم وكلماتهم، فعليه الرجوع إلى كتاب «موسوعة الإمام المهدي»، فقد جاء مؤلفه بنفس النصوص معيناً اسم الكتاب والمؤلف و رقم الصفحة.
الثاني: زعم الكاتب أنّ القول بحياة الإمام الثاني عشر يشكل إشكالية يستحيل تفسيرها، فهل أراد اللّه للعالم أن يمكث ردحاً من الزمان دون إمام ولماذا؟ وهل ينسجم هذا مع كون الإسلام خاتم الأديان والرسالة الخالدة إلى جميع البشر ولماذا؟
حاصل كلامه يرجع إلى أمرين:
الأوّل: أنّ الغيبة لا تنسجم مع الإمامة
والجواب: أنّ للّه سبحانه أولياء فهم بين ظاهر في أوساط الناس يقومون بما خوّل إليهم من أمر الهداية، وغائب عن الأنظار بمعنى أنّ الناس لا يعرفوه ولكنّه يقوم بما خوّل إليه حسب الإمكان.
و هذا كمصاحب موسى فقد كان ولياً من أوليائه سبحانه رُزق من العلم ما لم يرزقه موسى الكليم (عليه السلام)فأراد أن ينهل من نمير علم مصاحبه ، فقال: (هَلْ أَتَّبعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (1) .
فصاحَبَه فترة فعرف أنّه ولي مستور، ولكنّه يقوم بوظائفه بأحسن ما يرام. وقد ذكر القرآن الكريم من أعماله ما يحير العقول، والإمام الثاني عشر كهذا الولي المستور فهو إمام بين الأُمّة وقد فوّضت إليه وظائف يقوم بها في

1. الكهف: 66 .

صفحه288
أوساط الناس دون أن يعلموا به.
والكاتب لبعده عن عقائد الشيعة وكتبهم، تصور أنّ الإمام الغائب يعيش بعيداًعن الناس أو في عالم آخر غير عالمنا لا يمت إلينا بصلة، فقال: هل أراد اللّه للعالم أن يمكث ردحاً من الزمان دون إمام و لما ذا؟!
فنقول: ما أراد اللّه ذلك، بل أراد أن يكون للأُمة إمام يمكث معهم ويقوم بما فوض إليه من وظائف الإمامة من دون أن يعرفه الناس.
وليس الاختفاء عن الناس أمراً بديعاً في أوليائه سبحانه، فقد اختفى موسى عن أعين الأُمّة نازلاً في ميقاته أربعين ليلة فكان هو نبياً رسولاً ، قال سبحانه: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْر فَتَمَّ ميقاتُ رَبِّهِ أرْبعينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لأخيهِ هارُونَ اخْلُفني في قَومي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبيلَ المُفْسِدِين)(1).
الثاني: أنّ القول بغيبة الإمام الثاني عشر لا ينسجم مع كون الإسلام خاتم الأديان والرسالة الخالدة إلى جميع البشر.
لا شكّ انّ الكلام المذكور يكتنفه كثير من الغموض، لأنّه لم يبين وجه الملازمة بين غيبة الإمام الثاني عشر وعدم كون الإسلام خاتم الأديان والرسالة الخالدة إلى جميع البشر، فأي صلة بين الأمرين، فلا شكّ أنّ الإسلام خاتم الشرائع وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء، وأنّ القرآن خاتم الكتب، فأيّ ملازمة بين القول بذلك و كون الإمام ظاهراً بين الناس وقائماً

1. الأعراف: 142.

صفحه289
بينهم، فليس الإمام الثاني عشر رسولاً ولا نبياً، وإنّما هو خليفة رسول اللّه بعد أحد عشر خليفة، ولم تكن البيئة آنذاك مستعدة لظهوره بين الناس وكان الجهاز العباسي الحاكم يتحين الفرص للانقضاض عليه وقتله، فاقتضت المصلحة الإلهية أن تخفيه عن الأنظار رغم وجوده بينهم.
وبذلك يعلم انّ الاعتقاد بإمامة الإمام الثاني عشر أمر موافق للقرآن الكريم والسنن الإلهية في الأُمم السابقة وليس هذا أمراً استحدثه التاريخ بل كانت أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) متنبئين بولادته ثمّ غيبته ثمّ ظهوره قبل أن يولد الإمام بسنين كثيرة، وهذا مذكور في العديد من الكتب التي أُلّفت حول الإمام المهدي(عليه السلام) .

4. معتقد الرجعة

قام الكاتب بتفسير الرجعة بالنحو التالي: وهو الإيمان بعودة الأئمّة (عليهم السلام)في آخر الزمان ليتمكنوا من تولي السلطة والخلافة التي حرموا منها.
إنّ القول بالرجعة أي رجوع طائفة من الناس بعد موتهم إلى الدنيا قبل يوم القيامة ممّا نصّ به القرآن الكريم، يقول سبحانه: (وَيَومَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمّة فَوجاً مِمَّنْ يُكَذِّب بآياتنا فهُم يُززَعُون) (1)، فهذا الحشر غير الحشر يوم القيامة، فإنّ الحشر الثاني يعم الناس جميعاً: (ويومَ يحشُرهُمْ جمِيعاً)(2).

1. النمل: 83 .   2 . الأنعام: 128 .

صفحه290
غير أنّ الوارد في هذه الآية هو حشر خصوص المكذبين، والوارد في الروايات هوحشر قليل من المؤمنين، وفي طليعتهم بعض أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)كالحسين (عليه السلام)، هذا هو واقع الرجعة عند الشيعة وليس أمراً بديعاً، فقد جرت سنّته سبحانه على إعادة لفيف من الناس إلى الدنيا قبل يوم القيامة،
يقول سبحانه: (أَوْ كَالَّذي مَرَّ على قَرية وَهِيَ خاويةٌ عَلى عُروشِها قالَ أَنّى يُحيِي هذهِ اللّهُ بَعْدَ مَوتِها فَأَماتَهُ اللّهُ مِائةَ عام ثُمَّ بعثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يوماً أوْ بَعْضَ يَوم قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَة عام فَانْظُر إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّه وَانْظُر إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آية لِلنّاسِ وَانْظُر إِلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيء قَدير)(1).
وقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحياهُمْ إِنَّ اللّه لَذُو فَضْل عَلى النّاسِ وَلكنَّ أكْثَر النّاسِ لا يَشْكُرُون)(2)
والعجب أنّ الكاتب يسخّف فكرة الرجعة مع أنّ الخليفة الثاني هو أوّل من طرح فكرة الرجعة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
روى ابن هشام و غيره لما توفّي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام عمر بن الخطاب، فقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد

1. البقرة: 259 .
2. البقرة: 243 .

صفحه291
توفي، وإنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، و واللّه ليرجعنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مات.(1)
ولا يسعني في هذا المختصر سرد أسماء المصادر التاريخية والكلامية التي تتناول تاريخ تلك المعتقدات بالتفصيل إلاّ أنّني على استعداد للدخول في مناظرة مع الكاتب في أي قاعة يرغب بها من قاعات الأُردن الكبيرة و أمام محتشد غفير من الناس لكي أنقل له ما ذكرناه في هذه المقالة بالتفصيل من مصادرها وقد ألقيت محاضرتين حول عقائد الشيعة في سالف الزمان في مؤسسة «عبدالحميد شومان».
ثمّ إنّ الكاتب قد نحا نفس المنحى في مقال آخر له تحت عنوان «الشيعة والتجديد» وخرج منه بنفس النتيجة التي خرج بها في هذا المقال، وانّ هناك معتقدات للشيعة استحدثها التاريخ تلبية للمستجدات والتطورات. تظهر الحال فيه ممّا ذكرناه في المقام. كلّ ذلك يعرب عن قصور باع الكاتب في الإحاطة بعقائد الشيعة من مصادرها، ودلائلها وعذره انّه لم يتعرّف على دخائل الشيعة ولم يجالس علماءهم ولم يستبطن ثقافتهم. وفي الختام، تقبلوا منّا خالص التحية والثناء.
جعفر السبحاني
6 ذي الحجة الحرام 1420هـ

1. السيرة النبويّة: 4 / 655 .

صفحه292
رسالة إلى الأُستاذ حسن التل رئيس تحرير صحيفة اللواء الأردنية   
 
رسالتان إلى الأُستاذ حسن التل رئيس تحرير صحيفة اللواء الأردنية
52

«حضرة الأُستاذ حسن التل»

رئيس تحرير صحيفة اللواء الأُردنية، الموقّر
أتقدم لكم بالتحية الخاصة متمنياً دوام التوفيق .
أمّا بعد: فقد قرأنا في العدد 1211 والمؤرَّخ في 24 / 7 / 96 مقالاً قيّماً حول التقيّة بعنوان: التقية رخصة شرعية بقلم الأُستاذ الفاضل أُسامة عبد الكريم الكساسبة من قسم الدراسات الإسلامية بجامعة مؤتة . (1)
ونحن إذ نقدّر منكم ومن الأُستاذ الكاتب لذلك المقال ، هذه الخطوة الهادفة إلى التقريب بين المذاهب نسأل الله سبحانه أن ينصر المسلمين

1 . نشرنا هذه المقالة كاملة في رسائل ومقالات: 1 / 609 .

صفحه293
ويعيد إليهم عزّتهم وكرامتهم على أيدي المخلصين من أبناء أُمّتنا الإسلامية .
إنّ المقال المذكور تضمّن ـ ولله الحمد ـ أدلّة مشرقة أثبتت أنّ للتقية أُصولاً وجذوراً في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة والتاريخ الإسلامي ، فهو بحق مقال علمي كشف القناع عن وجه التقية وبيّن الفرق بينها وبين النفاق بشكل واضح .
بيد أنّه جاء في آخر المقالة عبارة مجملة هي: «وإذا كان البعض قد أساء فهم مدلول التقية فانّ الخطأ لم يكمن في القاعدة أو الحكم إنّما الخطأ يكمن في الخطأ في العمل والتطبيق» .
فإذا كان مقصود الكاتب من هذه العبارة ـ كما فهمنا أو احتملنا ـ هو اختصاص أدلّة مشروعة التقيّة باتقاء المسلم من الكافر ، فلا يشمل اتّقاء المسلم من المسلم فهو غير صحيح ، لأنّ الغرض من تشريع التقيّة عند الابتلاء بالكفّار ليس إلاّ صيانة النفس والمال من الشرّ والضرر ، فإذا ابتُلي المسلم بمسلم ظالم صادر حرّيته ، ومنعه من إظهار عقيدته من دون خوف بحيث لو أظهر عقيدته نكّل به واستباح دمه وماله ، حكم العقل والنقل هنا بصيانة النفس والمال بواسطة التقيّة ، وعدم إظهار المعتقد ، ومماشاة من يهدّد حياته أو ماله ، وحينئذ لا يكون اللوم متوجّهاً إلى المسلم المقهور بل إلى الآخر الذي صادَرَ حرّيته ، وقهره بمنعه من إظهار معتقده .
وقد صرح بهذا (أي مشروعيّة التقيّة حتّى عند المسلم) طائفة من أعلام المسلمين ، نشير إلى عبارات بعضهم في هذا المجال:

صفحه294
1 . يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: (إلاّ تتقوا منهم تقاة)ظاهر الآية يدل على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين إلاّ أنّ مذهب الشافعي أنّ الحالة بين المسلمين ، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال ؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قُتِل دون ماله فهو شهيد» . (مفاتيح الغيب: 8 / 13) .
2 . نقل جمالُ القاسمي عن الإمام المرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الحق» مانصّه: «وزاد الحقّ غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف التقية عند ذلك بنصّ القرآن وإجماع أهل الإسلام ، ومازال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق وقد صحّ عن أبي هريرة انّه قال في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعائين أمّا أحدهما فبثثته في الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقُطع هذا البلعوم . (محاسن التأويل: 4 / 82) .
3 . قال المراغي في تفسير قوله سبحانه: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان): ويدخل في التقية مداراة الكفر والظلمة والفسقة ، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم وبذل المال لهم لكفّ أذاهم وصيانة العِرض منهم ، ولا يُعدّ هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع ، فقد أخرج الطبراني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما وقى المؤمن به عرضَه فهو صدقة» . (تفسير المراغي: 3 / 136 ) .
وهكذا يذهب اعلام من المسلمين إلى مشروعيّة إتقاء المسلم من

صفحه295
المسلم إذا خاف على نفسه وحتى ماله من الهلاك والضياع ، ولا إثم على المسلم إذا اتقى أخاه المسلم وعامَلَه بالتقية وأخفى عنه معتقده إذا لم يسمح له أخوه المسلم بأن يظهر عقيدته بدافع العصبية والطائفية .
فالذي ينبغي أن يسعى إليه المسلمون وبخاصة المهتمون بشؤونهم هو فتح آفاق الحوار البنّاء ، والسماح للجميع بإظهار عقائدهم ، بعيداً عن الإرهاب والإرعاب، والتكفير والتفسيق لتعود الأُمّة الإسلامية قوّة متراصة الصفوف، متكاتفة حتى مع الاختلاف في الاجتهادات، والآراء .
وعلى كلّ حال نعود لنثمن جهدكم وجهدَ الكاتب الفاضل هذا .
وفقكم الله وأخذ بأيديكم لما فيه صالح المسلمين .
جعفر السبحاني
20 / 4 / 1417 هـ

صفحه296
 
53

حضرة الأخ العزيز الأُستاذ حسن التلّ المدير العام

و رئيس التحرير المسؤول لصحيفة اللواء الأُردنية، الموقر
السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته
أتقدّم إليكم بالتحية و السلام ، و أرجو من اللّه سبحانه مزيد التوفيق لكم و لمن حولكم من الأعزاء.
منذ مدّة و نحن نقرأ في صحيفتكم الغرّاء مقالات بقلم الأُستاذ الفاضل محمد الآلوسي حول عقائد الشيعة و تاريخها، و قد امتازت هذه المقالات بالبحث الموضوعي و الدراسة الهادئة بعيداً عن المهاترات، والاتهامات وبمعزل عمّا لا يليق بالكاتب الإسلامي، فشكر اللّه مساعيه وكثّر في المجتمع الإسلامي أمثاله، إذ طالما نقرأ في الصحف والمجلات أو في الكتب المنشورة حول الشيعة مقالات بأقلام بذيئة، لا تنتج عند القارئ إلاّ النفور من الكاتب و إساءة الظن به وبأهدافه، فإنّ البحث العلمي يرتفع عن إقرانه بالشتم و السب غير أنّ كاتبنا ـ وللّه الحمد ـ مستثنـى من تلك الزمـرة، فهو كاتب مؤدب، ذو صدر رحب، و لهجة مهذبة.

صفحه297
لكن الذي بعثنا على أن نسجل شيئاً أو هامشاً على بعض مقالاته ما قرأناه في صحيفة اللواء المؤرّخة في 10 جمادى الآخرة 1417 هجري، الموافق لـ22 تشرين الأول 1996م، العدد 1222 السنة الخامسة و العشرون.
ففي الصفحة 24 كتب الأخ تحت عنوان «الخلافة والإمامة عند الشيعة» أُموراً لنا فيها تأمّلات و مناقشات يرجى نشرها على صفحات اللواء لتكون الصحيفة منبر الإسلام الحرّ، و معرضاً لمختلف الآراء، و فرصة لتلاقح الأفكار الذي منه ينبثق النور، و يضاء الطريق، و قد قيل: الحقيقة بنت البحث.
و إليك موجز كلامه:
قال الأُستاذ الآلوسي:
إنّ أهمّ نصّ استدل به الشيعة و توصلوا من خلاله إلى عصمة من قالوا بعصمتهم هو قوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللّه لِيُذهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً)(1).
فقد قالوا: إنّها نزلت بشأن علي و زوجته فاطمة و ولديهما الحسن والحسين وقد جمعهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إثر نزول الآية و ألقى عليهم كساء و قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً... » و عليه يكون المقصود بأهل البيت هم هؤلاء الأربعة فقط و ذرّيتهم من بعدهم دون غيرهم، لأنّ كلمة إنّما تفيد الاختصاص الدالّ على الحصر...و هذا الحديث والرواية بشأن نزول الآية هي إحدى الروايات المشهورة عند أهل السنّة أيضاً

1 . الأحزاب : 33 .

صفحه298
في مصادرهم المعتمدة كالسيوطي و الطبري و ابن كثير والآلوسي في تفاسيرهم و كثيرون غيرهم، و قالوا أيضاً إنّ قوله تعالى في الآية: (إِنَّما يُريد)يفيد الإرادة الإلهية القدرية النافذة و من ثمّ دلّت على حصول الشيء فعلاً وهو التطهير و ذهاب الرجس عن الأربعة «رضي اللّه عنهم» و هو ما يعرف عند المتكلّمين بالإرادة الكونية للّه الذي يقول للشيء إذا أراده (كُنْ فيكون).
ثمّ ناقش استدلال الشيعة الذي نقله بوجوه نأتي بها:
1. انّ أهل السنة قالوا: إنّ المقصود بأهل البيت هم نساء النبي و ليس الأربعة رضي اللّه عنهم، و انّ الّذي رجّح عندهم هذه الرواية هو سياق الآيات التي سبقتها، و السياق له اعتباره في استنباط الأحكام ثمّ نقل الآيات المتقدمة على آية التطهير والمتأخرة عنها و كلّها نازلة في نساء النبي.
2. انّ الخطاب في آية التطهير و إن جاء بصيغة المذكر: (عنكم أهل البيت و يطهركم...)خلافاً للضمائر الواردة في سائر الآيات التي سبقتها والتي أعقبتها ، فهي بصيغة المؤنث. لكنّه لا يصير دليلاً على التغاير، و انّ المقصودين من آية التطهير غير المقصودين من سائر الآيات، و ذلك لأنّه يجوز في لغة العرب مخاطبة جمع المؤنث بصيغة جمع المذكر تعبيراً لعلو المقام والمبالغة.
3. انّ حديث الرسول جاء بصيغة الطلب «اللّهمّ اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» و هي صيغة تفيد عدم شمول الأربعة وقت نزول النصّ، فدعا الرسول ربه أن يشملهم أيضاً بحكمه، و لو كانوا هم المقصودين لكان

صفحه299
الرسول ناجى ربّه بصيغة الشكر لا بصيغة الطلب.
4. انّ الإرادة الواردة في الآية هي الإرادة التشريعية أي الأمر الذي لا يسلب المخاطب القدرة على الاختيار، و ليست إرادة كونية ـ التي تدّعيها الشيعة ـ و التي تتعلق بكلّ قضايا الخلق و الإيجاد فقد خُلِقتْ من دون اختيار، و ذلك لأنّه عندئذ تصبح طهارتهم ـ عصمتهم ـ أمراً خارجاًعن الاختيار ولا تكون خاضعة للثواب و العقاب.
هذه هي الأدلة التي استدل بها على نزول الآية في نساء النبيّ ، و لكن الأُستاذ ـ أنار اللّه برهانه ـ لم يتجرّد عن عقيدته في تفسير الآية، ولو كان ناظراً إليها وما حولها و ما فيها من القرائن المتصلة و المنفصلة الدالّة على نزولها في آل العباء والكساء، لما عدل عن مقتضاها، و لما اختار ما اختار.
إنّ استدلال الشيعة بهذه الآية على عصمة آل الكساء مبني على أُمور تنتج مختارهم بوضوح:

الأوّل: ما هوالمراد من الإرادة في الآية؟

إنّ الإرادة المتعلّقة بالإيجاد و التكوين إرادة تكوينية و هي لا تنفك عن المراد إذا كان المريد هو اللّه سبحانه كقوله سبحانه:(إِنَّما أمره إذا أراد شيئاً أَنْ يقول لهُ كُنْ فَيَكُون)(1) فخلق السماوات و الأرض مراد بإرادة كونية.
وأمّا الطلب الموجّه إلى البشر الحاكي عن تعلّق إرادته سبحانه بقيام الناس بالوظائف فهي إرادة تشريعية و لم يكتب عليها عدم التفكيك، فانّه

1 . يس : 82 .

صفحه300
سبحانه أراد الطاعة من الإنسان، وكم هناك إنسان كافر أو عاص للّه سبحانه.
و هذا التقسيم ممّا لا غبار عليه.
إنّما الكلام هو في الإرادة الواردة في آية التطهير و أنّها من أي القسمين، والأُستاذ ذهب إلى أنّها تشريعية، و لكن الدليل يسوقنا إلى أنّها كونية، و ذلك لأنّها إذا كانت تشريعية كان من لوازمها انّها لاتختص بفئة دون فئة، بدليل أنّه سبحانه أراد التطهير و التطهّر من كلّ شين و رين و طلبه من جميع الناس، من دون تخصيص و حصر. قال سبحانه:
(وَ َلِكْن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم)(1).
(وَ يُنَزّلُ عَلَيْكُمْ منَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهّرَكُم بهِ)(2).
(إِنّ اللّهَ يُحِبُّ التَّّوابينَ و يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ) (2).
(فيه رِجَالٌ يُحِبُّون أَنْ يَتَطَهّروا و اللّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ) (4).
وحبه سبحانه علامة بعثه و طلبه، و إرادته التشريعية المتعلّقة بتطهير كل المؤمنين عامة لا جماعة خاصة.
و سؤالنا هو : لو كانت الإرادة الواردة في الآية المبحوثة كالإرادة الواردة في هذه الآيات فما هو وجه التخصيص بأُمور خمسة:
ألف: بدأ قوله سبحانه بحرف (إنّما)المفيدة للحصر.

1 . المائدة : 6 .   2 . الأنفال : 11 .
2 . البقرة : 222 .   4 . التوبة : 108 .

صفحه301
ب: قدّم الظرف وقال:(ليذهب عنكم الرجس) و لم يقل ليذهب الرجسَ عنكم، و ذلك لأجل أنّ التقديم يفيد التخصيص .
ج: بيّن من تعلّقت الإرادة بتطهيرهم بصيغة الاختصاص و قال: (أهل البيت)أي أخصُّكم أهل البيت مثل قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن معاشر الأنبياء...».
وقول قائلهم: نحن العرب أسخى من بَذَل.
د: أكد المطلوب بتكرير الفعل و قال: (و يطهّركم) الذي هو تأكيد لمعنى إذهاب الرجس المتقدّم عليه.
هـ : أرفقه بالمفعول المطلق و قال: (تطهيراً) .
فهذه الوجوه الخمسة آية أنّ هذه الإرادة إرادة خاصّة بأهل البيت لا يشاركهم فيها أحد من الأُمّة، و إلاّ لكانت تلك العناية البالغة في مجال التخصيص و الاختصاص لغواً مضراً بالبلاغة، وغير لائقة بكلام ربّ العزة.
ثمّ إنّ تعلّق إرادته التكوينية بطهارة أهل البيت من الذنب ليس بأمر جديد، فقد جاء نظيره في مريم سلام اللّه عليها ، قال اللّه سبحانه: (إنّ اللّهَ اصطَفَاكِ وَطَهَّركِ واصْطَفَاكِ على نِسَاءِ العَالَمِينَ)(1).
و ليس هذا الإصطفاء و التطهير بالإرادة التشريعيّة، فإنّ مريم و غيرها أمام هذه الإرادة سواسية، بل هناك إرادة خاصّة تعلّقت بمريم دون غيرها فطهّرتها من الذنوب و حصّنتها من اقتراف المعاصي.
و سيوافيك انّ تعلّق الإرادة التكوينية بالطهارة من الذنب لا ينافي

1 . آل عمران : 42 .

صفحه302
الاختيار على الاستجابة و الرفض، والثواب و العقاب، والفعل و الترك.
***

الثاني: ما هو المراد من الرجس؟

هذا هو الأمر الثاني الذي يجب الإمعان فيه حتّى يكون الدليل منتجاً لا عقيماً و قد غفل الأُستاذ عن تبيين تلك الناحية في كلامه فنقول: إنّ الرجس استعمل في الذِّكر الحكيم، في الخمر و الميسر والأنصاب و الأزلام (1) كما
استعمل في الميتة و الدم و لحم الخنزير (2) وفي الأوثان (2) و في
المنافقين (4) و في المشركين(3) و في غير المؤمنين (4) إلى غير ذلك من موارد استعماله في الكتاب والسنّة النبوية واللغة العربية، فينتقل الإنسان من مجموع هذه الموارد إلى أنّ الرجس عبارة عن كلّ قذارة ظاهرية كالدم و لحم الخنزير، أو باطنية و روحية كالشرك و النفاق وفقد الإيمان. و بالجملة مساوئ الأخلاق، و الصفات السيئة والأفعال القبيحة التي يجمعها الكفر و النفاق والعصيان.
فالمنفي في الآية المبحوثة عنها هو هذا النوع من الرجس، فهو بتمام معنى الكلمة ممّا أذهبه اللّه عن أهل البيت.

1 . المائدة : 90 .   2 . الأنعام : 145 .
2 . الحجّ : 3 .   4 . التوبة : 95 .
3 . يونس : 100 .
4 . الأنعام : 125 .

صفحه303
فإذا كان أهل البيت منزهين عن النفاق و الشرك و الأعمال القبيحة و ما يراد منها، فهم معصومون من الذنب مطهّرون من الرجس، بإرادة منه سبحانه.
وقد ربّاهم اللّه سبحانه و جعلهم معلّمين للأُمّة هادين للبشر، كما ربّى أنبياءه و رسله لتلك الغاية.
فهل الأُستـاذ ـ حفظه اللّه ـ يوافقنـا على هذا التفسير أم أنّ له في تفسير الرجس مذهباً آخر فليبينه لنا؟ ولا أظن أن يفسره بغير ما يفسره القرآن.
وعلى ضوء ذلك فأهل البيت ـ كانوا من كانوا ـ معصومون بنصّ هذه الآية، مطهّرون من الذنب والعثرة في القول و العمل بإذن من اللّه سبحانه وإرادة حاسمة. وقد اتّفقت الأُمّة على أنّ نساء النّبي لسنَ بمعصومات، فانّ الآيات الواردة في سورة الأحزاب، أوّلاً ثمّ في سورة التحريم ثانياً حيث
يقول سبحانه:(إِنْ تَتُوبَا إِلِى اللّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا و إن تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صَالِحُ المُؤمِنِينَ والملائكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ )(1)تثبت ذلك.
و هذا لا يعني أن نبخس حقّهن، و نترك تكريمهن فإنّهن أُمّهات المؤمنين لهنّ من الحقوق ما شرعها اللّه في كتابه و سنة نبيّه المطهّرة.
***

1 . التحريم : 4 .

صفحه304
 
الثالث: ما هوالمراد من «البيت»؟
لا شكّ انّ (البيت) في هذه الآية محلاّة باللام و هي تستعمل في تعريف الجنس، والاستغراق، والعهد فيجب التدبّر في مفادها، فهل هي هنا لتعريف الجنس أو لبيان الاستغراق، أو انّها تشير إلى بيت معهود بين المتكلّم و المخاطَب؟
أمّا الأوّل والثاني فلا سبيل إليهما، لأنّه سبحانه ليس بصدد بيان انّ إرادته الحكيمة تعلقت باذهاب الرجس عن أهل جنس البيت أو كلّ البيوت في العالم، و ذلك واضح لا يحتاج إلى الاستدلال إذ تكون حينئذ شاملة لبيوت عامة المؤمنين.
فتعيّن الثالث، و هو كون المراد (بيت واحد) معيّن معهود، بين المتكلّم والمخاطب (أي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)).
و عندئذ يجب علينا أن نحاول فهم ذلك البيت المعهود و انّه ما هو؟
و لا يمكن لنا أن نطبقه على بيوت نساء النبي بشهادة أنّه سبحانه عند ما يذكر بيوتهنّ فانّه يذكرها بصيغة الجمع إذ أنّ لهنّ بيوتاً لا بيت واحد.
و الآية تركز على البيت الواحد، و الدليل على تعدّد بيوتهنّ:
قوله سبحانه: (وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْن تَبَرّج الجاهليّةِ الأُولى)(1).

1 . الأحزاب : 33 .

صفحه305
و قوله سبحانه: (واذكُرْنَ ما يُتلَى في بُيُوتِكُنَّ من آياتِ اللّهِ والحكمَةِ)(1).
فإنّنا نرى هنا انّه لم يكن لنساء النبي بيت واحد بل بيوت عديدة.
و لم يكن للنبيّ أيضاً بيت واحد.
قال سبحانه: (يا أيُّها الذينَ آمَنْوا لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النبيّ إلاّأن يُؤذَنَ لَكُم)(2).
فإنّنا نرى هنا انّه لم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا لنسائه بيت واحد بل بيوت عديدة فما هو المراد ـ ياترى ـ بالبيت الذي جاء بصيغة المفرد؟
فعندئذ يجب على المفسّر المحقّق المجرّد من كلّ عقيدة مسبّقة تبيين هذا البيت و تعيينه، فهذا البيت ليس من بيوت نسائه، ولا بيوت نفس النبيّ بشهادة ما مضى من أنّ القرآن عندما يتحدّث عن أزواج النبي و نفس النبي إنّما يتحدّث عن بيوت لهن لا عن البيت الواحد. فلا محيص عن تفسيره ببيت واحد معهود فأيّ بيت ذاك؟ فعلى الأُستاذ تعيينه.
هذا إذا كان المراد من البيت هو البيت المحسوس ، أي البيت المادي وهناك احتمال آخر و هو أن يكون المراد منه هو مركز الشرف و مجمع السيادة و العزّ ، وإن شئت قلت: إذا أُريد منه بيت النبوّة و بيت الوحي و مركز أنوارهما فلا يصحّ أن يراد منه إلاّ المنتمون إلى النبوّة و الوحي بوشائج

1 . الأحزاب: 34.
2 . الأحزاب: 53.

صفحه306
روحيّة خاصة على وجه يصحّ مع ملاحظتها، عدّهم أهلاً لذلك البيت، و تلك الوشائج عبارة عن النزاهة في الروح و الفكر.
ولا يشمل كل من يرتبط ببيت النبوّة عن طريق السبب أو النسب فحسب، و في الوقت نفسه يفتقد الأواصر الروحيّة الخاصة، و لقد تفطّن العلاّمة الزمخشري صاحب التفسير لهذه النكتة، فهو يقول في تفسير قوله تعالى:(أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)(1):
لأنّها كانت في بيت الآيات و مهبط المعجزات و الأُمور الخارقة للعادات فكان عليها أن تتوقّر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوّة، و أن تسبّح اللّه و تمجّده مكان التعجّب، و إلى ذلك أشارت الملائكة في قولها:(رَحْمَةُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ...)أرادوا أنّ هذه و أمثالها ممّا يكرمكم به ربّ العزّة و يخصّكم بالأنعام به يا أ هل بيت النبوّة.(2)
و على ذلك لا يصح تفسير الآية بكل المنتمين عن طريق الأواصر العائلية إلى بيت خاص حتى بيت فاطمة إلاّ أن تكون هناك الوشائج المشار إليها.
ولقد جرى بين «قتادة» ذلك المفسّر المعروف و بين أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام)مناظرة لطيفة أرشده الإمام فيها إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه قال ـ عند ما جلس الإمام الباقر (عليه السلام) ـ : لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام

1 . هود : 70 .
2 . ميزان الاعتدال : 3 / 93 ـ 97 ; سير أعلام النبلاء : 5 / 18 ـ 22 .

صفحه307
ابن عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك. قال له أبوجعفر الباقر (عليه السلام): ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي(بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الآصالِ* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَ إيتاءِ الزَّكاةِ) (1) فأنت ثم و نحن أُولئك. فقال قتادة: صدقت و اللّه جعلني اللّه فداك، و اللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين. (2)
و ما جاء في كلام باقر الأُمّة (عليه السلام) يحضّ المفسّر فيها على البحث والتحقيق عن الذين يرتبطون بذلك البيت الرفيع بأواصر روحيّة معينة و بذلك يظهر وهن القول بأنّ المراد من البيت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه لم تكن تلك الوشائج الخاصة ـ باتفاق المسلمين ـ بينهـنّ ، و أقصى ما عندهنّ أنّهنّ كنّ مسلمات مؤمنات.
***

الرابع: الضمائر

نرى أنّه سبحانه عندما يتحدث عن أزواج النبي و نسائه يذكرهنّ بصيغة جمع المؤنث، ولا يذكرهنّ بصيغة الجمع المذكر ، فإنّه سبحانه يأتي في تلك السورة من الآية 28 إلى الآية 34 باثنين و عشرين ضميراً مؤنثاً مخاطباً بها نساء النبي وإليك الإيعاز إليها:

1 . النور : 36 ـ 37 .
2 . الشرح الحديدي : 4 / 102 ; سير أعلام النبلاء : 4 / 421 ـ 427 .

صفحه308
1. كنتنّ; 2. تردن; 3. تعالين; 4. امتعكنّ; 5. أُسرّحكنّ (1).
6. كنتنّ; 7. تردن; 8. منكنّ (2).
9. منكنّ (2).
10. منكنّ (3).
11. لستنّ; 12. اتقيتنّ; 13. فلا تخضعنَ; 14. و قلنَ (5).
15. وقرنَ ; 16. بيوتكنَّ; 17. تبرّجنَ; 18. اقمنَ; 19. آتينَ; 20. اطعنَ(4).
21. و اذكرنَ; 22. في بيوتكنَّ (7).
نرى أنّه سبحانه عندما يتحدّث عن نساء النبي يذكرهن بهذه الضمائر، مع انّا نرى انّه سبحانه عند ما يذكر أهل البيت يذكرهم بضمائر المذكر، ويقول: (ليذهب عنكم) ، (و يطهّركم).
فما هو وجه العدول في هذه الآية عن السياق الوارد في الآيات المتقدمة والمتأخرة عنها؟
و ما يقوله الأُستاذ من أنّ أهل السنة يجوّزون في لغة العرب مخاطبة الجمع المؤنث، بصيغة جمع المذكر تعبيراً لعلوّ المقام، والمبالغة، لو كانت صحيحة، فما هو وجه العدول في مورد واحد عمّا ورد في اثنين وعشرين مورداً؟!

1 . الأحزاب : 28 .   2 . الأحزاب: 29.
2 . الأحزاب: 30.
3 . الأحزاب: 31.   5 . الأحزاب: 32.
4 . الأحزاب: 33.   7 . الأحزاب: 34.

صفحه309
أليس هذا العدول لذلك التبرير المزعوم موجباً للالتباس و وقوع المخاطب في الاشتباه؟
إلى هنا ثبت أنّ الآية لا تهدف إلى نساء النبي، و إنّما تهدف إلى بيت واحد وإلى أهله خاصّة.
فعند ذلك يجب علينا أن نميط الستر عن وجه الحقيقة عن طريق السنة النبوية.

السنّة النبوية تميط الستر عن وجه الحقيقة

إنّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عناية وافرة بتعريف أهل البيت لم ير مثلها إلاّفي أُمور نادرة حيث قام بتعريفهم بطرق مختلفة ، و إليك بيانها على سبيل الإيجاز والاختصار .
لقد قام النبيّ بتعريف أهل البيت بطرق ثلاثة:
أوّلاً: صرّح بأسماء من نزلت الآية في حقّهم، حتى يتعين المنزول فيه باسمه و رسمه.
ثانياً: قد أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء و منع من دخول غيرهم.
ثالثاً: كان يمر ببيت فاطمة عدّة شهور كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).

صفحه310
و نذكر من كلّ طائفة نماذج:
أما الأُولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): نزلت الآية في خمسة: فيّ وفي علي رضي اللّه عنه وحسن رضي اللّه عنه ، وحسين رضي اللّه عنه، و فاطمة رضي اللّه عنها، (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيراً) .
و قد رويت في هذا المجال روايات فمن أراد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي.
و أمّا الثانية: فقدروى السيوطي و أخرج ابن أبي شيبة و أحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: خرج رسول اللّه غداة و عليه مرط مرجّل من شعر أسود فجاء الحسن و الحسين رضي اللّه عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه ثمّ قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيراً) .
ولو لم تذكر فاطمة في هذا الحديث فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي قال: و أخرج ابن جرير و الحاكم و ابن مردويه عن سعد قال: نزل على رسول اللّه الوحي فأدخل علياً و فاطمة و ابنيهما تحت ثوبه، قال: اللّهمّ انّ هؤلاء أهلي وأهل بيتي.
و في حديث آخر جاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى فاطمة و معه حسن وحسين، و علي حتى دخل فأدنى علياً و فاطمة فأجلسهما بين يديه و أجلس حسناً و حسيناً كل واحد منهما على فخذه ثمّ لف عليهم ثوبه و أنا مستدبرهم

صفحه311
ثمّ تلا هذه الآية : (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .
وأمّا الطائفة الثالثة : فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول الصلاة أهل البيت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيراً)..
و للوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ تفسير الطبري ، ج22، ص 5ـ7، و الدر المنثور:ج5، ص 198ـ 199، و الروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، و رواها من عيون الصحابة: أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الاسقع، أبو الحمراء أعني هلال بن حارث، أُمّهات المؤمنين عائشة و أُمّ سلمة.
و رواه من أصحاب الصحاح: مسلم في صحيحه :ج7، ص 122ـ123 و الترمذي في سننه.
ولاحظ جامع الأُصول لابن الأثير ج 10 ، ص 103.
و بالإمعان في ما ذكرنا من النصوص تقف على ضعف قول الأُستاذ حيث يقول: إنّ حديث الرسول جاء بصيغة الطلب، اللّهمّ اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، و هي تفيد عدم شمول الآية للأربعة وقت نزول النص، فدعا الرسول ربّه بأن يشملهم أيضاً بحكمه.
فانّ ما ذكره الأُستاذ إنّما جاء في بعض صور هذا الحديث، و لكن الكثير على خلاف هذا فانّ صيغة (أذهِب) جاءت في قليل من النصوص

صفحه312
والصور، و أمّا الأكثر فمشتمل على أنّ النبي جللهم تحت الكساء و تلا الآية المذكورة.
فقد أخرج مسلم عن عائشة أنّها قالت: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه مرط مرجل أسود فجاءه الحسن فأدخله، ثمّ جاءه الحسين فأدخله، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيراً).
ولو افترضنا صحّة ما ورد من صيغة الطلب، فهذا لا يدل على عدم الشمول، وإنّما هو دعاء على استمرار الشمول كقوله سبحانه: (إهدنا الصراط المستقيم)فانّه يتلوه النبي و الوصي والمؤمنون كلهم، وليس معناه خروجنا عن الصراط المستقيم حتى يهدينا اللّه سبحانه إليه.
بقي هنا كلام و هو أنّ لفيفاًمن التابعين ذكروا انّ الآية نزلت في حقّ نساء النبي و أزواجه ، ولكن هذه الرواية تصل إلى عكرمة الخارجي الحروري (1) و عروة ابن الزبير المعروف بالانحراف عن علي (عليه السلام)(2) ومقاتل بن سليمان (3) الذي يعد من أركان المشبّهة.

1 . ميزان الاعتدال : 3 / 93 .
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 4 / 69 .
3 . ميزان الاعتدال : 4 / 173 .

صفحه313
 
عود إلى بدء
قد تعرفت على منطق الشيعة في نزول الآية في آل العباء و الكساء ودلالتها على عصمتهم من الذنب و العصيان، غير انّ الكاتب القدير محمد الآلوسي قد استبعد نزولها في حقّهم بأُمور ربما مضى تحليلها في ثنايا البحث و لإيضاح المطلب نرجع إلى تحليل ما استند إليه ثانياً.
قد مضى أنّه استند في تقريب مختاره إلى الأُمور التالية:
1. سياق الآيات يمنع عن نزولها في غير أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2.انّ تذكير الضميرين في آية التطهير مع أنّ المقصود هو نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو لأجل الإشعار بعلو المقام و المبالغة.
3. حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)جاء بصيغة الطلب، و هذا دليل على عدم شمول الآية لآل العباء و لو شملت الآية لهم لجاء بصيغة الشكر.
4. الإرادة التكوينية المتعلقة بالعصمة تسلب الاختيار عن المعصوم ولا يكون عمله خاضعاً للثواب و العقاب.
وإليك تحليل تلك الأُمور:

الف: مشكلة السياق

إنّ القول بنزول الآية في آل الكساء لا توجد أيّ مشكلة في سياقها شريطة الوقوف على أُسلوب البلغاء في كلامهم و خطاباتهم. فإنّ من عادتهم

صفحه314
الانتقال من خطاب إلى غيره ثمّ العود إليه مرّة أُخرى.
قال صاحب المنار: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالإنسان من شأن إلى شأن ثمّ يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة. (1)
و قد اعترف الكاتب بهذه الحقيقة أيضاً عند بحثه في آية الولاية التي سيوافيك البحث عنها بعد الفراغ من آية التطهير حيث قال ما هذا نصّه:
الأصل عند أهل السنّة انّ الآية تعتبر جزءاً من سياقها إلاّ إذا وردت القرينة على أنّـها جملة اعتراضية تتعلّق بموضوع آخر على سبيل الاستثناء وهو اسلوب من أساليب البلاغة عند العرب جاءت في القرآن الكريم على مستوى الإعجاز.
وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) : «إنّ الآية من القرآن يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء». (2)
فعلى سبيل المثال، أنّه سبحانه يقول في سورة يوسف حاكياً عن العزيز أنّه بعدما واجه الواقعة في منزله قال: (إنّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هذا و اسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إنّكِ كُنتِ من الخاطِئين)(3).
ترى أنّ العزيز يخاطب زوجته بقوله: (إنّه من كيدكن)و قبل أن يفرغ من كلامه معها يخاطب يوسف بقوله:(يوسف أعرض عن هذا) ثمّ يرجع

1 . تفسير المنار : 2 / 451 .
2 . الكاشف : 6 / 217 .   3 . يوسف : 28 ـ 29 .

صفحه315
إلى الموضوع الأوّل، و يخاطب زوجته بقوله:(واستغفري لذنبكِ)فقوله: (يوسف أعرض عن هذا) جملة معترضة، وقعت بين الخطابين، و المسوّغ لوقوعها بينهما كون المخاطَب الثاني أحدَ المتخاصمين و كانت له صلة تامّة بالواقعة التي رفعت إلى العزيز.
و الضابطة الكلية لهذا النوع من الخطاب هو وجود التناسب المقتضي للعدول من الأوّل إلى الثاني ثمّ منه إلى الأوّل، وهي موجودة في الآية فانّه سبحانه يخاطب نساء النبي بالخطابات التالية:
1. (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحِشَة ُمَبِيّنَة يُضاعَفْ لَها العَذَابُ ضِعْفَيْن)(1) .
2. (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ إنِ اتّقَيْتُنّ) (2) .
3. (و قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّج َالجَاهِلِيّةِ الأُولى)(3).
فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراًو ذلك لوجهين:
1. تعريفهن على جماعة بلغوا في التورع و التقى الذروة العلياء و في الطهارة عن الرذائل والمساوئ، القمةَ، و بذلك استحقوا أن يكونوا أُسوة في الحياة و قدوة في مجال العمل، فيلزم عليهنّ أن يقتدين بهم،و يستضئن بنورهم.
2. كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) محوراً للطائفتين المجتمعتين حوله (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . الأحزاب : 30 .   2 . الأحزاب: 32.   3. الأحزاب: 33.

صفحه316
الأُولى: أزواجه و نساؤه.
الثانية: بنته و زوجها و أولادها.
فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الرابط الذي تنتهي إليه تلك المجموعتان، فنحن ننظر إلى كلّ طائفة مجرّدةً عن الأُخرى و لأجل ذلك نرى انقطاع السياق، إذا فسرنا أهل البيت بفاطمة و زوجها و بنيها.
ولكن لما كان المحور للمجموعتين هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)واللّه سبحانه يتحدث فيما يرتبط بالنبي من بيوتو أهلها، فعند ذلك تتراءى المجموعتان كمجموعة واحدة حول النبي و هو الرابط بينهما ، فيعطى لكل جماعة حكمها فيتحدث عن نسائه بقوله :(يا أيّها النبي قل لأزواجك. يا نساء النبي من يأت. يا نساء النبي لستنّ)الخ.
كما أنّه يتحدث عن المجموعة الأُخرى الموجودة في تلك الجماعة بقوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم) .
فالباعث للجمع بين الطائفتين في تلك المجموعة من الآيات و في ثنايا آية واحدة إنّما هو انتساب الكلّ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وحضورهما حوله، وليس هناك أي مخالفة للسياق.

ب: تذكير الضمائر لأجل التعبير عن علو المقام

قد تعرفت في ثنايا الكلام ضعف هذا الاعتذار، والواجب أن لا نعود إليه.
وقد عرفت أنّ مجموعة الآيات الواردة في هذا المضمار تشتمل على

صفحه317
اثنين وعشرين ضميراًبصيغة الجمع المؤنث كلّها ترجع إلى نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فعند ذلك يطرح هذا السؤال فأي سبب دعا المتكلم إلى الإيعاز لعلو مقامهم و المبالغة في تكريمهم في هذا المورد دون الموارد الأُخرى مع أنّ المورد لا يقتضي الإيعاز إلى علو مقامهم، فترى أنّ المتكلّم يتشدد في كلامه معهنّ حيث يقول:
(يا نِساءَ النَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعفَيْنِ ... )(1).
و يقول: (يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأحَد مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ َفَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ...)(2).
و يقول: (وَ قَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِليَّةِ الأُولى...) (3). أفي هذا المقام الذي أخذ المتكلم يندد بهنّ و يطلب منهنّ أن لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأُولى يستحق الإيعاز بتكريمهن و بيان علو مقامهن!
ترى أنّ لحن الكلام لحن التشدد و التنديد و مثل هذا المقام لا يناسب الإيعاز بعلو مقامهنّ و الإشارة إلى تكريمهنّ خصوصاً أنّ العدول يوجب الالتباس والذي دعا الكاتب إلى التمسك بهذا الحبل الموهن هو صيانة عقيدته التي نشأ عليها منذ نعومة أظفاره إلى يومه هذا، وإلاّ فالأُستاذ كاتب قدير يعلم مواقف التكريم والتقدير عن غيرها.

1 . الأحزاب: 30.
2 . الأحزاب: 32.   3 . الأحزاب: 33.

صفحه318
 
ج: حديث الرسول جاء بصيغة الطلب
يقول الأُستاذ الآلوسي: إنّ حديث الرسول جاء بصيغة الطلب، و قال: «اللهمّ اذهب» و لو كانت الآية شاملة لهم لكان المناسب هو صيغة الشكر لا صيغة الطلب.
يلاحظ عليه: أنّ الأُستاذ انتقى من أحاديث الرسول ما جاء فيها صيغة الطلب و ترك غيرها و قد عرفت لفيفاً من الأحاديث و كيف أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)تكلم فيها مخبراً عن ذهاب الرجس عنهم لا طالباً، و فيما مضى كفاية.

د: الإرادة التكوينية تسلب الاختيار

هذا هو السبب المهم لما ذهب إليه الأُستاذ من أنّ الإرادة في الآية تشريعية لا تكوينية، و ذلك لأنّ الإرادة التكوينية تسلب الاختيار و بالتالي لا تصبح العصمة فخراً، لأنّ الإنسان مع هذه الإرادة يصبح بلا اختيار.
يلاحظ على هذا الكلام: أنّ القول بالعصمة لو كان سالباً للاختيار، فالإشكال يسري إلى جميع الأنبياء والمرسلين و على رأسهم سيد المرسلين فإنّهم معصومون من الخطأ في إبلاغ الأحكام و من العصيان في تطبيق الشريعة على الساحة باتفاق الأُمة إلاّ من شذ ممن لا يعبأ به فلو كانت العصمة سالبة للاختيار فما قيمة عصمتهم و ما قيمة اجتنابهم عن المعاصي.
و هذا الإشكال ليس جديداً و إنّما هو مطروح في الموسوعات

صفحه319
الكلامية والكتب التفسيرية و قد قام المحقّقون من علماء الإسلام بالإجابة عنه و قالوا:
إنّ العصمة لا تسلب الاختيار عن الإنسان، فإنّ المعصوم قادر على اقتراف المعاصي وارتكاب الخطايا حسب ما أُعطي من القدرة و الحرية غير أنّ وصوله إلى الدرجة العليا من التقوى واستشعاره بعظمة الخالق يصدّه عن اقترافها.
وإن شئت قلت: إنّ المعصوم قد بلغ في العلم بآثار المعاصي مرحلة يشاهد آثارها السيئة مشاهدة حضورية لا يتسرب إليها الشك و الترديد، يقول سبحانه:
(كلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ * لتَرَوُنَّ الجَحِيم) (1).
و مثل هذا العلم يصدّ الإنسان عن ارتكاب المعاصي، و لأجل تقريب الفكرة نأتي بالمثال التالي:
إنّ الوالد العطوف بالنسبة إلى قتل ولده معصوم لا يقدم عليه، و مع ذلك هو قادر عليه، أمّا أنّه قادر فلا شكّ انّ بإمكانه أن يأخذ بالسكين و يذبحه كما يذبح الكبش، وأمّا أنّه لا يقدم عليه و لو أُعطي له الكنوز المكنوزة والمناصب المرموقة، لأنّ عطفه و حنانه قد ملئ بهما قلبه فلا يبادله
بشيء.
فالعلم بآثار الموبقات تعطي ملكة العصمة، و لكن لا تغير الطبيعة

1 . التكاثر : 5 ـ 6 .

صفحه320
الإنسانية ، المختارة في أفعالها الإرادية، ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار.
هذا إجمال ما أوضحناه في موسوعتنا التفسيرية. (1)

آية الولاية و زعامة الإمام علي (عليه السلام)

قال الأُستاذ الآلوسي:
لم تزل الشيعة عن بكرة أبيهم يستدلّون على إمامة الإمام علي و قيادته وزعامته بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله سبحانه:(إِنّما وَلِيُّكُمُ اللّه و رَسُولُهُ و الّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَة و يُؤتُونَ الزّكاَة و هُمْ راكِعُون)(و قد سقط في نص المقال جملة «و يؤتون الزكاة)» (و مَن َيَتَوَّل اللّهَ و رَسُولَهُ والّذِينَ آمَنُوا فإنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغالِبُون)(2).
و إليك عرضاً موجزاً لاستدلالهم:
استدلت الشيعة بهذه الآية على أنّ عليّاً (عليه السلام) وليّ المسلمين بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قائلين بأنّ الآية تعد الولي ـ بعد اللّه و رسوله ـ الّذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة في حال الركوع، و قد تضافرت الروايات بأنّ عليّاً (عليه السلام)تصدّق بخاتمه و هو راكع فنزلت الآية.
أخرج الحفاظ و أئمّة الحديث عن أنس بن مالك و غيره أنّ سائلاً أتى

1 . مفاهيم القرآن :3/401ـ405.
2 . المائدة: 55 ـ 56.

صفحه321
مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عليٌّ (عليه السلام) راكعٌ فأشار بيده للسائل أي اخلع الخاتم من يدي.
قال رسول اللّه : يا عمر وجبت. قال: بأبي أنت و أُمّي يا رسول اللّه ما وجبت؟! قال: وجبت له الجنّة واللّه، و ما خلعه من يده حتّى خلعه اللّه من كلِّ ذنب و من كلِّ خطيئة. قال: فما خرج أحدٌ من المسجد حتّى نزل جبرئيل
بقوله عزّ وجلّ: (إنّما وليّكم اللّهُ و رسوله و الّذين آمنوا الّذين يُقيمون الصَّلاة و يُؤتون الزَّكاة و هُمْ راكعون) . فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:
أبا حسن تفديك نفسي و مهجتي *** و كلّ بطيء في الهدى و مسارع
أيذهب مدحي و المحبّين ضايعاً؟! *** وما المدح في ذات الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكعٌ *** فدتك نفوس القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيّد *** و يا خير شار ثمّ يا خير بائع
فأنزل فيك اللّه خير ولاية *** و بيَّنها في محكمات الشرائع (1)
و قد أخرجه ابن جرير الطبري (2) والحافظ أبوبكر الجصاص الرازي في أحكام القرآن (3)و الحاكم النيسابوري (المتوفّـى 405 هـ) (4) والحافظ أبو

1 . رواه السيد البحراني عن الحافظ أبو نعيم الاصبهاني عن كتابه الموسوم بـ «نزول القرآن في أمير المؤمنين» : 106.
2 . تفسير الطبري: 6/186.
3 . أحكام القرآن:2/542 و رواه من عدة طرق.
4 . معرفة أُصول الحديث: 102.

صفحه322
الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفّـى 468 هـ) (1) وجار اللّه الزمخشري (المتوفّـى 538 هـ) إلى غير ذلك من أئمّة الحفاظ و كبار المحدثين ربما ناهز عددهم السبعين ، وهم بين محدّث ومفسّر و مؤرخ و يطول بنا الكلام لو قمنا بذكر أسمائهم ونصوصهم، و كفانا في ذلك مؤلّفات مشايخنا في ذلك المضمار. (2)
و لا يمكن لنا إنكار هذه الروايات المتضافرة لو لم تكن متواترة، فإنّ اجتماعهم على الكذب أو على السهو و الاشتباه أمر مستحيل.
و المراد من الولي في الآية المباركة هو الأولى بالتصرف كما في قولنا : فلان وليّ القاصر، و قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما امرأة نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» وقد صرّح اللغويّون و منهم الجوهري في صحاحه بأنّ كلّ من ولي أمر أحد فهو وليّه ، فيكون المراد: انّ الّذي يلي أُموركم فيكون أولى بها منكم إنّما هو اللّه عزّوجلّ و رسوله و من اجتمعت فيه هذه الصفات: الإيمان و إقامة الصلاة، و إيتاء الزكاة في حال الركوع. و لم يجتمع يوم ذاك إلاّ في الإمام علي حسب النصوص المتضافرة.
و في حقّه نزلت هذه الآية.
و الدليل على أنّ المراد من الولي هو الأولى بالتصرف أنّه سبحانه أثبت في الآية الولاية لنفسه و لنبيه و لوليه على نسق واحد، وولاية اللّه عزّوجلّ

1 . أسباب النزول: 148.
2 . لاحظ المراجعات للسيد شرف الدين العاملي، المراجعة الأربعون، ص 162ـ 168 و الغدير لشيخنا الأميني :3/162 و قد رواه من مصادر كثيرة.

صفحه323
عامة فولاية النبي و الولي مثلها و على غرارها. غير انّ ولاية اللّه، ولاية ذاتية وولاية الرسول والولي مكتسبة معطاة، فهما يليان أُمور الأُمّة بإذنه سبحانه.
ولو كانت الولاية المنسوبة إلى اللّه تعالى في الآية غير الولاية المنسوبة إلى الّذين آمنوا لكان الأنسب أن تفرد ولاية أُخرى للمؤمنين بالذِّكر، دفعاً للالتباس كما نرى نظيرها في الآيات التالية:
قال تعالى: (قُلْ أُذُنٌ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ باللّهِ و يُؤْمِنُ للمُؤمِنِين ) (1).
نرى أنّه سبحانه كرر لفظ الإيمان، و عدّاه في أحدهما بالباء، و في الآخر باللاّم لاختلاف في حقيقة إيمانه باللّه، و للمؤمنين حيث إنّ إيمانه باللّه سبحانه إيمان جدّي و تصديق واقعي، بخلاف تصديقه للمؤمنين المخبرين بقضايا متضادة حيث لا يمكن تصديقهم جميعهم تصديقاً جدياً، و الذي يمكن هو تصديقهم بالسماع و عدم الرفض و الرد، ثمّ التحقيق في الأمر، وترتيب الأثر على الواقع المحقّق.
و ممّا يكشف عن وحدة الولاية في الآية المبحوثة انّه سبحانه أتى بلفظ «وليكم» بالافراد ، و نسبه إلى نفسه و إلى رسوله و إلى الّذين آمنوا، و لم يقل: «وإنّما أولياؤكم» وما هذا إلاّ لأنّ الولاية في الآية بمعنى واحد و هو: الأولى بالتصرف، غير أنّ الأولوية في جانبه سبحانه بالأصالة و في غيره بالتبعية.
وعلى ضوء ذلك يُعلم انّ القصر والحصر المستفاد من قوله:«إنّما»

1 . التوبة: 61.

صفحه324
لقصر الإفراد ، و كأنّ المخاطبين يظنون أنّ الولاية عامّة للمذكورين في الأُمّة و غيرهم، فأُفرد المذكورون للقصر، و أنّ الأولياء هؤلاء لا غيرهم.
ثمّ يقع الكلام في تبيين هؤلاء الّذين وصفهم اللّه سبحانه بالولاية و هم ثلاثة:
1. اللّه جلّ جلاله.
2. و رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهما غنيان عن البيان.
وأمّا الثالث فبما أنّه كان مبهماً بيّنه بذكر صفاته و خصوصياته الأربع:
1.( الّذين آمنوا).
2.( الّذين يقيمون الصلاة).
3. (و يؤتون الزكاة) .
و لا شكّ أنّ هذه السمات، سمات عامة لا تميز الولي عن غيره.
فالمقام بحاجة إلى مزيد توضيح يجسّد الولي و يحصره في شخص خاص لا يشمل غيره، و لأجل ذلك قيّده بالسمة الرابعة أعني قوله:(و هم راكعون) .
وهي جملة حاليّة لفاعل يؤتون، وهو العامل فيها. وعند ذلك انحصر في شخص خاص على ما ورد في الروايات المتضافرة.
هذا هو منطق الشيعة في تفسير الآية لا تتجاوز في تفسيرها عن ظاهرها قيد أنملة.

صفحه325
نعم نقل الكاتب القدير نظرية أُخرى و هي لأهل السنة فقال: إنّ هذه الآية لم تنزل بهذا السبب رغم ورود هذه الرواية (نزولها في حقّ عليّ) عندهم، و في كتبهم و تفاسيرهم، مرجحين في ذلك روايات أُخرى تفيد نزولها بحقّ الّذين كانت بينهم و بين اليهود في المدينة تحالفات عُقِدت قبل الإسلام و قبل الهجرة فمنهم من رفض فكّ ارتباطه باليهود حرصاً منه على موالاتهم، و منهم من أنهى هذا التحالف قائلاً بولاية اللّه و رسوله و المؤمنين عليه معززين رأيهم الذي رجحوه على جملة اعتبارات:
منها انّ كلمة الولاية مشتركة في معانيها، فهي مثلما تعني الرئاسة والزعامة تعني الولاء والنصرة والحب والود والتحالف وانّ هذا المعنى الأخير هو المرجح عند نزول الآية لوجود تحالف كان قائماً فعلاً، و عدم وجود ولاية لليهود في جنبه بمعنى الزعامة والقيادة.
و لذلك رأى أهل السنّة أنّ هذا الترجيح أقرب لواقع الحال في حينه.
إضافة إلى ذلك فإنّ السياق و هو الآيات التي سبقت هاتين الآيتين والآيات التي أعقبتها جاءت تحذر من كيد اليهود و تندد بمن أصر على استمرار التحالف معهم، أمثال عبد اللّه بن أُبي، زعيم المنافقين في حينه. والأصل عند أهل السنة أنّ الآية تعتبر جزءاً من سياقها إلاّإذا وردت القرينة على أنّها جملة اعتراضية تتعلق بموضوع آخر على سبيل الاستثناء، وهو أُسلوب من أساليب البلاغة عند العرب جاءت في القرآن الكريم على مستوى الإعجاز.

صفحه326
 
عرض و تحليل
هذا نصّ الأُستاذ وحاصله يرجع إلى أمرين:
1. انّ لفظ الولاية مشترك بين عدّة معان، فلا سبيل إلى حملها على القيادة والزعامة إلاّ بدليل.
2. انّ سياق الآيات يؤكد على حملها على ذلك المعنى أي النصرة و الود والحب و التحالف.و الأخير هو المناسب.
هذا عرضاً موجزاً لمقاله و إليك تحليله:
يلاحظ على الوجه الأوّل:
نحن نفترض أنّ الولاية مشتركة بين المعاني المختلفة، و لكن القرائن القاطعة تدل على أنّ المراد منها هو التصرف، لما عرفت.
أوّلاً: أنّ الولاية بالمعنى الواحد نسب إلى اللّه و إلى رسوله و الّذين آمنوا.
أفيصحّ لنا أن نحصر ولاية اللّه سبحانه بالنصر و الود و الحب والتحالف، فانّ ولايته سبحانه ولاية عامة تشمل جميع ما يعدّ مظاهر لها.
فإذا كانت الولاية منسوبةً بمعنى واحد إلى الثلاثة فيجب أن تفسر بمعنى واحد،لا أن تُفرز الولاية المنسوبة إلى اللّه عمّا نسبت إلى الآخرين.
وثانياً: لو فسرنا الولاية بالنصر و الود و التحالف، فيلزم اتحاد الولي

صفحه327
والمولّـى عليه، إذ لو كان المؤمنون المصلّون المزكّون أولياء فمن المولّى عليه إذن؟
و بعبارة أُخرى: أنّه سبحانه يعدّ جميع المؤمنين أولياء فيجب أن يكون هناك مولّى عليه غيرهم و ليس هناك شيء... و « لا قرية وراء عبادان».
ثالثاً: لو فسرنا الولاية بالنصر و الود و التحالف، فالمؤمنون كلّهم في صفّ واحد، فلماذا قيد الولاية بالزكاة في حالة الركوع ؟
فلو افترضنا أنّ مؤمناً صلّى و زكّى في غير حال الصلاة ـ و ما أكثرهم ـ أو يصح لنا إخراجهم عن عداد الأولياء.
كلّ ذلك يدلنا بوضوح على أنّ الآية وردت في جمع أو فرد خاص عبّر عنه بصيغة الجمع، و ما أكثر نظيره في القرآن حيث عبر عن المفرد بالجمع.
قال سبحانه: (الّذِينَ قَالُوا إنَّ اَللّه فَقِيرٌ و نَحنُ أغنِياء)والقائل هو فتحاس اليهودي (1).
قال سبحانه: (و منهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ و يَقُولُونَ هُوَ أُذُن) (2). نزل
في رجل من المنافقين (2).
إلى غير ذلك من الآيات التي يطول المقام بنقلها.
فقد وردت صيغة الجمع في عشرين آية وأُريد منها شخص واحد.
فهذه الوجوه الثلاثة تصدنا عن تفسير الولاية بغير الزعامة و القيادة،

1 . راجع تفسير القرطبي: 4/294.   2 . التوبة: 61.
2 . تفسير القرطبي: 8/192.

صفحه328
فانّها المعنية بقوله سبحانه: (أمِ اتّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ فاللّهُ هُوَ الوَلِيُّ)(1).
وقال سبحانه: (مالَكُم مِن دُونِهِ مِن وَلِيّ و لاَ شَفِيع أفَلاَ تَتَذَكَُّرون)(2).
و قال سبحانه: (أنتَ وَلِيّي فِي الدُّنيا وا لآخِرَة ) (3).
وقال سبحانه: (فما لَهُ مِن وَلِيّ مِن بَعْدِه) (2).
وقال سبحانه: (و اللّهُ وَلِيُّ المُؤمِنين)(5).
غير أنّ ولاية اللّه سبحانه ولاية ذاتية، و ولاية غيره بالجعل و النصب والافاضة.
و يشير إلى ولاية الرسول بقوله: (النَّبِيُّ أَوْلَى بالْمُؤْمِنِينَ من أَنْفُسِهِم)(3).
و إلى ولاية الرسول وأُولي الأمر بقوله: (أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُوْلي الا َمْرِ مِنْكُمْ)(7).
و من يريد تفسير ولاية اللّه و الرسول بالحب و الحلف و قصرها في إطار ضيق بالنصر، فقد أخرج الآية عن ذروة البلاغة إلى حدّ نازل.
فكما أنّ السياق جزء من التفسير، و سبب يستعان به على كشف المراد، فكذلك الخصوصيات الموجودة في نفس الآية أدلّ دليل يرشد القارئ إلى التعمق في مراده سبحانه.

1 . الشورى: 9.   2 . فصلّت: 4.   3 . الشورى:101.
2 . الشورى: 44.   5 . آل عمران: 68.
3 . الأحزاب: 6.   7 . النساء: 59.

صفحه329
فعلى من يفسر الآية بغير الأولوية في التصرف فعليه الإجابة عن الأُمور الثلاثة السالفة.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل و أمّا الكلام في السياق الذي تمسك به فنقول:

مشكلة السياق عند الكاتب

إنّ الكاتب القدير إنّما ترك الروايات المتضافرة لأجل صيانة السياق، وإليك توضيح دليله و تحليله:
قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (1).
وقال سبحانه: (إِنّما وَلِيُّكُمُ اللّه و رَسُولُهُ و الّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَة و يُؤتُونَ الزّكاَةَ وَهُمْ راكِعُونَ)(2).
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَ الْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَ اتَّقُواْ اللّهَ إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ)(2).
ذكر المفسرون أنّ نزول الآية الأُولى في حقّ عبادة بن صامت

1 . المائدة: 51.   2 . المائدة: 55.
2 . المائدة: 57.

صفحه330
الخزرجي و عبد اللّه بن أُبي حيث إنّ الأوّل تبّـرأ من أوليائه من اليهود، بخلاف الثاني فإنّه لم يتبّـرأ من ولاية اليهود، و قال: لأنّي أخاف الدوائر.
و ذكروا في سبب نزول الآية الثانية: انّه لما تصدّق عليّ (عليه السلام) بخاتمه في الصلاة و هو راكع نزلت الآية الكريمة.
و ذكروا في سبب نزول الآية الثالثة أنّها نزلت في رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث اللّذين أظهرا إسلامهما ثمّ نافقا، و كان رجال من المسلمين يوادونهما فنزلت الآية.
فبما انّ الولايةَ في الآية الأُولى ليست بمعنى الزعامة بل بمعنى الود والنصر أو الحلف كما هو الحال في الآية الثالثة، فمقتضى السياق يقتضي تفسير الآيةَ الثانية بهما لا بالزعامة.
هذا ما يتبناه الكاتب و قد سبقه الرازي في تفسيره. (1) غير انّا نركز على أمرين و بهما يتجلّى أنّ تفسير الولاية في الآية الثانية بالزعامة لا يستلزم مخالفة السياق:
الأوّل: أنّ الغوص في غمار اللغة و مجاميع الأدب وجوامع العربية يدفعنا إلى القول بأنّه ليس للولي في الآيات الثلاث إلاّ معنى واحد و هو الأولى بالشيء و لو أُطلق على الناصر والمحب والزعيم فانّما أُطلق بمعنى واحد، و لو كان هناك اختلاف فإنّما هو في جانب المتعلّق.
و بعبارة واضحة: ليس للولي معان مختلفة وضع لها اللفظ بأوضاع

1 . التفسير الكبير : للفخر الرازي:12/26.

صفحه331
متعددة حتى يصبح اللفظ مشتركاً لفظياً بين المعاني المتباينة. بل هو موضوع لمعنى واحد جامع بين مصاديق و موارد مختلفة، فلو كان هناك اختلاف فإنّما هو في المتعلق والمورد، لا في المفهوم والمعنى.
فالربّ ولي لأنّه أولى بخلقه من أي قاهر عليهم حيث خلق العالمين كما شاءت حكمته و يتصرف فيهم بمشيئته.
و كل من المحب و الناصر ولي، لأنّ كلاًّ منهما أولى بالدفاع عمّن أحبه و نصره.
و الزعيم و القائد ولي، لأنّه أولى بأن يتصرف في مصالح من تولّـى أمره.
فإذا كان للفظ معنى واحد فلا يكون هناك أي اختزال مهما ذهبنا إلى التفريق بين الآيات الثلاثة، فإنّ المفروض أنّ لكلّ شأناً و سبباً للنزول، و بينها جامع و هو الأولوية المطلقة كما في الآية الثانية، والمقيدة كما في الآية الأُولى والثالثة.
هذه حقيقة لغوية قد نصّ عليها المحقّقون. قال الإمام أبو الفتح المطرزي: الولي: كلّ من ولي أمر واحد فهو وليه، و منه ولي اليتيم أو القتيل: مالك أمرهما، و والي البلد: ناظر أُمور أهله و مصدرهما الولاية (بالكسر). (1)
و ألفت نظر الأُستاذ السامي إلى أنّ النهي عن تولّي اليهود والنصارى

1 . المغرب للمطرزي: 2 / 372.

صفحه332
والكفّار في الآيات التي تقدّمت أو تأخّرت، لا يرجع إلى التولي المجسّد في مجرد العطف القلبي و لا يتلخص في الحنان الروحي، فإنّهما أمران قلبيان خارجان عن الاختيار ، فإنّ حب الأب أو الأُم و إن كانا كافرين أمر جبلي لا يصحّ النهي عنه بل يرجع إلى التولي المستعقب، للتصرف في أُمور المسلمين والتدخل في مصالحهم الذي ليس إلاّ من شأنه سبحانه و رسوله ومن عيّنه الرسول بأمر منه.
فالآيات بأجمعها سبيكة واحدة، تصد المؤمنين عن اتخاذ أيّ ولي ـ غير اللّه و رسوله ـ يتصرف في أُمورهم و إن كان سببه التحالف فلو صار الحلف بين المسلمين والكافرين سبباً لولاية الكفّار على المسلمين وتدخلهم في أُمورهم فهو ممنوع، لأنّه لا ولي للمؤمنين إلاّ اللّه و من نصبه سبحانه.
و الذي يرشدنا إلى أنّ الولاية في الآية: (إنّما وليكم اللّه و رسوله...)بمعنى الزعامة و القيادة، هو انّه سبحانه يقول بعدها: (وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (1)، فيطرح حزب اللّه أوّلاً، ثمّ غلبته على سائر الأحزاب، والكلّ يناسب القيادة والزعامة، لا مجرد الحب والود، أو النصر والحلف.
الثاني: أنّ في نفس الآيات الثلاثة قرينة واضحة على الاختلاف في تفسير الولي (لو قلنا بأنّه اختلاف في المفهوم)، و ذلك أنّه سبحانه يجمع لفظ الولي في الآية الأُولى و الثالثة.

1 . المائدة: 56.

صفحه333
فقال في الأُولى: (لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ و النَّصَارى أَوْلِيَاءَ) .
وقال في الثالثة: (و الكفّار أولياء) .
و لكنّه نرى أنّه سبحانه أتى بها بلفظ المفرد في ثانية الآيات.
وقال: (إِنّما وليّكم اللّه...) فما هو الوجه في الإتيان بالجمع في الآيتين والإفراد في الثانية؟
و الإمعان فيه يدلنا على التغاير في تطبيق معنى الولي، و ذلك لأنّ الولاية في الآيتين ترجع إلى الحب والنصر و بما أنّها متعددة حسب تعدد المحب و الناصر فهناك ولايات و أولياء، و لأجل ذلك أتى سبحانه بلفظ الجمع.
وأمّا الآية الثانية فهناك ولاية إلهية سماوية خصّها سبحانه بالذات لنفسه وأفاضها بالتشريع على رسوله و من جاء بعده و لذلك أتى بلفظ المفرد فيحمل على الولاية الملازمة للقيادة والزعامة.
و آخر كلمة أُقدّمها إلى الأُستاذ، انّه لو كانت الولاية بمعنى الحب والنصر فما معنى تقييد الولي بإيتاء الزكاة و هم راكعون، فإنّ كلّ مؤمن يقيم الصلاة و يؤتي الزكاة ولي لأبناء أُمّته، زكّى في حال الركوع أم لا ، مع أنّنا نرى أنّه سبحانه يشير إلى الولي بعلامة خاصة تميّزه عن غيره و هو إيتاء الزكاة في حال الركوع، و الركوع حقيقة في الصورة المعلومة منه في الصلاة لا في مطلق الخضوع، إذ مع أنّه خلاف الظاهر، ينافيه قوله سبحانه:(يقيمون الصّلاة).

صفحه334
على أنّ الأُستاذ تفرد في تفسير الولاية بالتحالف، فإنّ أهل السنة يفسرونها بالودّ و الحب و النصر. لاحظ التفسير الكبير للرازي.
هذا غيض من فيض و قليل من كثير ممّا أفاضه علماؤنا و أصحابنا في تفسير الآية و إن كان ما ذكرناه مقتبساً من أنوار علومهم. غفر اللّه للماضين من علماء الإسلام و حفظ اللّه الباقين منهم و رزقنا اللّه توحيد الكلمة كما رزقنا كلمة التوحيد.
والسلام عليكم وعلى من حولكم من الدعاة إلى الوحدة الإسلامية لترفرف في ظلّها راية الإسلام خفاقة في ربوع العالم وأرجاء الدنيا بإذن منه سبحانه.
جعفر السبحاني
1 شعبان المعظم 1417 هـ
   

صفحه335
 
رسائل إلى الأُستاذ قيس ظبيان مدير تحرير مجلة الشريعة
54

إلى فضيلة الأُستاذ قيس ظبيان المحترم

مدير تحرير مجلّة الشريعة الغرّاء
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد، فلقد وصلني العدد 339 من مجلة الشريعة، فتصفّحت مواضيعها، واسترعى انتباهي ما أجاب به فضيلة الشيخ عبد اللّه بن منيع عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، حينما وجهت إليه مجموعة من الأسئلة، إلاّ أنّني لا أُشاطره الرأي في جواب السؤال التاسع والحادي عشر، وإليك نصّ كلامه:

السؤال التاسع: لماذا سمّيت حجّته بحجّة الوداع؟

فأجاب بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تُوفي بعد أربعة أشهر من هذا الحجّ فكانت وداعاً منه (صلى الله عليه وآله وسلم)لأُمّته.

صفحه336
أقول: الصحيح أن يقول ثلاثة أشهر لا أربعة أشهر، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) توفّي في الثاني عشر من ربيع الأوّل حسب رأي أهل السنّة، والفترة بين الثاني عشر من ذي الحجّة الذي تنتهي فيه أعمال الحجّ، إلى الثاني عشر من ربيع الأوّل، لا تتجاوز عن ثلاثة أشهر.

السؤال الحادي عشر: هل زيارة المسجد النبوي الشريف من مكمِّلات الحجّ؟

فأجاب (حفظه اللّه): بأنّ من استكمل في حجّه أركان الحجّ وواجباته ولم يقم بزيارة المسجد النبوي، فحجّه صحيح وقد فاته فضل الزيارة.
ألفت نظر فضيلة الشيخ والقرّاء إلى أمرين:
الأمر الأوّل: انّ زيارة المسجد النبوي مستحبة في جميع أيّام السنة، وإقامة ركعة فيه تعادل ألف ركعة أو أزيد من غير فرق بين أيّام الحجّ وغيرها، وهذا ممّا لا خفاء فيه ولا تحوم حوله الشكوك.
الأمر الثاني: تضافرت الروايات على استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مطلقاً، بالأخص عند شدّ الرحال إلى الحجّ ويبلغ عدد الروايات ما يربو على العشرين، ونذكر منها ما يلي:
1. روى عبد اللّه بن عمر مرفوعاً إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من زار قبري وجبت له شفاعتي.
2. روى عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من جاءني زائراً لا تحمله إلاّ زيارتي

صفحه337
كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.
3. روى عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من زار قبري بعد وفاتي كمن زارني في حياتي.
4. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني.
5. عن عبد اللّه بن عمر: من حجّ حجّة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلّى عليَّ في بيت المقدس لم يسأله اللّه عزّ وجلّ فيما افترض عليه.
إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مطلقاً أو عند حجّ بيت اللّه الحرام.
وقد أخرج هذه الروايات، الأثبات من أئمّة الحديث وحفاظه وصحّحوا أسنادها، وعلى رأسهم تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي(المتوفّى756هـ) وقد ذكر طرق هذه الأحاديث في «شفاء السقام» في أوائل الكتاب، كما تكلم فيها السيد نور الدين عبد اللّه الشافعي القاهري السمهودي (المتوفّى 911هـ) في كتاب «وفاء الوفا» إلى غير ذلك، كما ألّفت رسائل خاصّة في هذا المضمار.
ونحن لا نحوم حول هذه الأحاديث وأسانيدها ومصادرها، وإنّما نلفت نظر القارئ إلى نكتة مهمة وهي:
إنّ هذه الأحاديث والفتاوى المتضافرة على زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)خصوصاً ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني» صار

صفحه338
سبباً لإثارة هذا السؤال عند بعض الناس: وهو هل زيارة قبر النبي من مكمّلات الحجّ؟
فهذا السؤال هو الذي يتبادر إلى الأذهان ـ من هذه الأحاديث ـ وتتناوله الألسن، لا انّ زيارة مسجد النبي من مكمِّلات الحجّ، إذ لا يتبادر منها انّ مجرّد زيارة المسجد من مكملات الحجّ حتى يجيب عليه فضيلة الشيخ، لأنّ لسان الروايات هو زيارة قبر النبي في أيّام الحجّ لا زيارة مسجده، فلو كان ثمة سؤال فإنّما يتعلّق بزيارة قبر النبي لا بمسجده، وسيوافيك تصريح بعض الأعلام أنّ زيارة قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)من كمالات الحجّ.
والذي أظن أنّ السؤال كان على النحو الذي طرحناه، ولكن لما كانت زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و شدّ الرحال إليه لا تنسجم مع وجهة نظر المجيب بدّل السؤال من «زيارة قبر النبي» إلى «زيارة مسجد النبي».
وعلى أيّة حال فإذا كان السؤال هو الدارج بين بعض الناس فالجواب عنه كالتالي:
إنّ زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليست من مكمّلات الحجّ، ومن حجّ البيت واستكمل أركانه وواجباته ولم يقم بزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فحجّه صحيح، ولكن فاتته فضيلة كبيرة حثّت عليها السنّة النبويّة والسيرة العملية للمسلمين.
أمّا السنّة النبوية فقد وقفت على شيء قليل منها، وقد بلغ ما روي حول زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ما يربو على عشرين حديثاً حتى أنّ الأئمّة الأربعة أفتوا

صفحه339
باستحباب زيارته، حيث اتّفقت عليه كلمات أعلام فقهاء المذاهب الأربعة(1)وقالوا: إنّ زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل المندوبات. وقد ورد فيها أحاديث ثمّ ذكروا ستة منها، وجملة من أدب الزّائر وزيارة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأُخرى للشيخين.(2)
وأمّا السيرة: فقد حكاها غير واحد من أئمّة الفقه والحديث نقتصر على النزر اليسير منها.
1. قال أبو الحسن الماوردي(المتوفّى 450هـ): فإذا عاد وليّ الحاج، سار به على طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه ليجمع لهم بين حجِّ بيت اللّه عزّوجلّ، وزيارة قبرِ رسول اللّه رعايةً لحرمته وقياماً بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروضِ الحجّ، فهو من مندوبات الشرع المستحبّة وعبادات الحجيج المستحبة.(3)
2. يقول الإمام النووي (631ـ 676هـ): فصل في زيارة قبر رسول اللّه وأذكاره
اعلم أنّه ينبغي لكلّ من حجّ أن يتوجّه إلى زيارة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء كان ذلك في طريقه أو لم يكن، فإنّ زيارته (صلى الله عليه وآله وسلم)من أهمّ القربات وأربحِ المساعي وأفضلِ الطلبات، فإذا توجّه للزيارة أكثر من الصلاة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا

1. انظر كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:1/590.
2. انظر كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:1/590.
3. الأحكام السلطانية:105.

صفحه340
وقع بصره على أشجار المدينة وحرمها و ما يُعرف بها، زاد من الصلاة والتسليم عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)وسأل اللّه أن ينفعه بزيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) و أن يُسعِدَه بها في الدارين، وليقل: «اللّهمّ افتح عليّ أبواب رحمتك وارزقني في زيارة قبر نبيّك(صلى الله عليه وآله وسلم) ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك واغفر لي وارحمني يا خير مسؤول».(1)
3. وقال ابن الحاج محمد بن محمد العبدوي القيرواني المالكي (المتوفّى 737هـ): وأمّا عظيم جناب الأنبياء والرسل (عليهم السلام) فيأتي إليهم الزائر ويتعيّن عليه قصدهم من الأماكن البعيدة، فإذا جاء إليهم فليقف بالذلِّ والانكسار، والمسكنة والفقر، والفاقة والحاجة، والاضطرار و الخضوع، ويُحضر قلبَه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره، لأنّهم لا يبلون ولا يتغيرون.(2)
4. قال شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي (المتوفّى 925هـ): يستحبّ لمن حجّ أن يزور قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسلم عليه، وعلى صاحبيه بالمدينة المشرّفة.(3)
5. قال الشيخ زين الدين عبد الرؤوف المناوي (المتوفّى 1031هـ): وزيارة قبره الشريف من كمالات الحجّ.(4)

1 . الأذكار النووية:333، طبعة دار ابن كثير، 1407هـ.ق.
2. المدخل: 1/257، فضل زيارة القبور.
3. أسنى المطالب في شرح روض الطالب: 1/501.
4. شرح الجامع الصغير: 6/140.

صفحه341
وهو يعدُّه من كمالات الحجّ لا من مكمّلات الحجّ وشتان بينهما.
6. قال الشيخ علاء الدين الحصكفي الحنفي (المتوفّى 1088هـ): وزيارة قبره (صلى الله عليه وآله وسلم) مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة، ويبدأ بالحجّ لو فرضاً، ويُخيّر لو نفلاً ما لم يمرّ به، فيبدأ بزيارته لا محالة، ولينو معه زيارة مسجده (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)
7. قال الشيخ إبراهيم الباجوري الشافعي (المتوفّى 1277هـ): وتُسنّ زيارة قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)ولو لغير حاج ومعتمر كالذي قبله، ويُسن لمن قصد المدينة الشريفة لزيارته (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يُكثِر من الصلاة والسلام عليه في طريقه، ويزيد في ذلك إذا رأى حرم المدينة وأشجارها، ويسأل اللّه أن ينفعه بهذه الزيارة ويتقبلها منه.(2)
8 . وقال الشيخ عبد الباسط بن الشيخ علي الفاخوري مفتي بيروت: وهي (زيارة النبي) متأكدة مطلوبة ومستحبة ومحبوبة ـ إلى أن قال: ـ وتحصل الزيارة في أي وقت وكونها بعد تمام الحجّ أحب.(3)
9. قال الشيخ عبد المعطي السقافي: زيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد الحاج أو المعتمر الانصراف من مكة ـ أدام اللّه تشريفها وتعظيمها ـ طلب منه أن يتوجّه إلى المدينة المنورة للفوز بزيارته عليه الصلاة والسلام، فإنّها من أعظم القربات وأفضل الطاعات، وأنجح المساعي المشكورة، ولا يختص طلب

1. الدر المختار في شرح تنوير الأبصار: آخر كتاب الحجّ.
2. في حاشية على شرح ابن الغزي على متن الشيخ أبي شجاع في الفقه الشافعي:1/347.
3. الكفاية لذوي العناية: 125.

صفحه342
الزيارة بالحاج غير أنّها في حقّه آكد.
والأولى تقديم الزيارة على الحجّ إذا اتّسع الوقت، فإنّه ربما يعوقه عنها عائق، و قد ورد في فضل زيارته (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث كثيرة.(1)
10. قال السيد محمد بن عبد اللّه الجرداني الدمياطي الشافعي (المتوفّى 1307هـ): فزيارة قبره (صلى الله عليه وآله وسلم) من أعظم الطاعات وأفضل القربات فينبغي أن يُحرص عليها و ليحذر كلّ الحذر من التخلّف عنها مع القدرة خصوصاً بعد حجّة الإسلام، لأنّ حقّه (صلى الله عليه وآله وسلم)على أُمّته عظيم.(2)
هذه كلمات الأثبات الحفّاظ أتينا بها كنموذج لما لم نذكر وما تركناه أكثر ممّا نقلناه، وقد انتقينا هذه الكلمات لأنّها تركّز على زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لمن أراد الحجّ.
إنّ هذه الكلمات تعرب عن اتّفاق الأُمّة بكافة مذاهبها على استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لمن زار البيت، و تؤكد ـ في الوقت نفسه ـ على أنّها ليست من مكمّلات الحجّ، فكان اللازم على الشيخ المجيب طرح السؤال والجواب على النحو الذي قررناه.
وممّا ينبغي الإشارة إليه هو انّ الذي دعاني إلى تعقيب هذه الفتوى سؤالاً وجواباً، هو ما لمست من التحريف الذي تطرق إلى كتاب «الأذكار» للإمام يحيى النووي لا سيما فيما يرجع إلى استحباب زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

1. الإرشادات السنية: 260.
2 . مصباح الظلام: 2/145.

صفحه343
للحاج، فقد حرّف بعضُ من ينتمي إلى السلفية عنوان الفصل ومحتواه، ولمزيد الإيضاح أقول:
طبع هذا الكتاب مرّة في القاهرة عام 1375هـ ، ثمّ أُعيد طبعه ثانياً في دار ابن كثير عام 1407هـ ، ولما أُعيد طبعه ثالثاً في دار الهدى للنشر والتوزيع حرّف عنوان الفصل فقد كان العنوان في الطبعتين الأُوليين هكذا: «فصل في زيارة قبر رسول اللّه وأذكارها»، وجاء في الطبعة الثالثة مكانه: «فصل في زيارة مسجد رسول اللّه».
كما حرّف مضمون الفصل ومحتواه حيث جاء في الطبعتين الأُوليين ـ بعد العنوان ـ قوله: «اعلم أنّه ينبغي لكلّ من حجّ أن يتوجّه إلى زيارة رسول اللّه سواء كان ذلك في طريقه أو لم يكن، فإنّ زيارته من أهمّ القربات و أربح المساعي وأفضل الطلبات، فإذا توجّه للزيارة أكثر من الصلاة عليه في طريقه، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة...».
لكن جاء في الطبعة الثالثة مكان تلك العبارة ما يلي:«يستحبّ من أراد زيارة مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يكثر الصلاة عليه في طريقه، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة».
والمختلق المسكين مع أنّه خان الأمانة العلمية لم يستطع أن يسدل الستار على خيانته، فإنّ ما جاء به عقب العنوان، حتى بصورته المحرّفة، لا يناسب عنوان الفصل المجعول.
فإنّ العنوان حسب جعله منصبّ على زيارة المسجد، وما أعقبه ـ مع

صفحه344
تحريفه ـ يركز على الصلاة على الرسول و يقول: «من أراد زيارة مسجد رسول اللّه أن يكثر من الصلاة عليه في طريقه»، فإنّ هذه العبارة تناسب حال من أراد زيارة قبره لا مسجده.
وها أنا أُهيب بالأحرار من المثقّفين في البلاد العربية أن لا يسمحوا لأهل التحريف أن يتلاعبوا بالتراث الذي خلفه السلف الصالح.
وممّا أدهشني أنّ محقّق الكتاب ـ في الطبعة الثالثة ـ هو عبد القادر الأرناووط السوري، وهو معروف بأمانته العلمية ولا أدري لماذا سمح بطروء التحريف إلى ما حقّقه، ولا أظن أنّه قام بهذا التحريف.
(وليسئلنّ يوم القيامة عمّا كانوا يفترون) (1).
واللّه من وراء القصد
جعفر السبحاني

1. العنكبوت:13.

صفحه345
 
55

فضيلة الأُستاذ قيس تيسير ظبيان

المدير العام لمجلة «الشريعة» المحترم
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد;
أتقدّم لكم بالشكر الجزيل لما قمتم به من نشر محاضرتي التي ألقيتها في جامعة «الاردن» على صفحات مجلّتكم الغراء«الشريعة» في عددها الصادر برقم 394 من شهر تشرين الأوّل 1998م، وبذلك أكدتم أواصر الأُخوَّة بين المسلمين وقد كانت المحاضرة حول عناصر الوحدة الإسلامية وموانعها .
قرأت العدد الآنف الذكر بما فيه من مقالات متنوعة حسب ما سمح لي الوقت، وأخصُّ بالذكر من بينها، الأسئلة التي تصدّى للأجابة عنها فضيلة الشيخ عبد المنصف عبد الفتاح فكانت الأجوبة مقنعة في أغلب مواردها لكن استرعى انتباهي السؤالَ الذي طرحه أحد القراء بالشكل التالي، وقال:
ضربتُ زوجتي ذات يوم فتركتْ المنزل وذهبتْ إلى بيت أُسرتها فلم

صفحه346
ألبث ان ذهبتُ إليها لكي أصالحها ولكي تطمئن إلى عدم ضربي لها مرّة ثانية، قلت لها: عليَّ الطلاق لن أضربك مرّة أُخرى، فهل إذا ضربتُها لأمر ما، تكون طالقاً أم ماذا؟
وأجاب فضيلته عن هذا السؤال بما هذا ملخصه:
هذا النوع من الطلاق على قسمين:
تارة يريد القائل بهذا النوع من الكلام الحملَ على فعل شيء أو تركه أو التهديد أو التخويف، لا إيقاع الطلاق بالفعل.
وأُخرى يريد بذلك إنشاء الطلاق بالحلف إذا حصلت المخالفة.
ففي الأوّل نَقَل عن ابن تيمية وابن قيم أنّ الطلاق المعلّق الذي فيه معنى اليمين، غير و اقع وتجب فيه كفارة اليمين.
وفي الثاني تقع طلقة واحدة رجعية وللزوج أن يراجعها قبل انقضاء العدة.(انتهى).
***

الطلاق المعلّق لا كفّارة فيه ولا فراق

أقول: إنّ الاجتهاد الحرّ المستمد من الكتاب والسنة من دون التزام بمذهب إمام دون إمام يجرّنا إلى القول بخلاف ما أجاب به فضيلة الشيخ (مدّ اللّه في عمره) في كلا القسمين و انّه لا كفارة في الصورة الأُولى ولا فراق في الصورة الثانية .
وبكلمة موجزة : الطلاق المعلّق لا يترتب عليه أيُّ أثر وإن كان المختار

صفحه347
لدى أئمّة المذاهب الأربعة غير ذلك. وإليك توضيح كلا الأمرين.
أمّا الأوّل (لا كفارة): فلأنّ الدليل على كفارة اليمين هي الآية المباركة التالية.
قال سبحانه: (لا يُؤاخِذكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ في أَيمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ فَكفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرةِ مَساكينَ مِنْ أَوسطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْليكُمْ أَوْ كِسْوتُهُمْ أَوْ تَحْريرُ رَقَبَة فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَصيامُ ثَلاثَةِ أَيّام ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانكُم كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). (1)
والآية توجب الكفّارة المترتبة على من نكث يمينه، ولكنّها ظاهرة في اليمين بلفظ الجلالة أو ما يعادله ويقاربه من الأسماء المقدسة، وليس الحلف بالطلاق داخلاً في الآية المباركة حتى يستلزم نقضُه،الكفارة، بل هي قضية شرطية كعامة القضايا الشرطية المجرّدة عن معنى الحلف باللّه سبحانه كما لو قال: لئن كشفت سرّي، فأنا أيضاً أفعل كذا.
وتصور أنّ الطلاق المعلّق يتضمن معنى الحلف باللّه تصور خاطي إذ لا يتبادر منه الحلف باللّه أوّلاً، وعلى فرض تضمّنه فليس هو ممّا قصده المتكلم بكلامه ثانياً. وعلى فرض تسليمهما فالموضوع لوجوب الكفارة، هو الحلف الصريح بشهادة قوله سبحانه: (بِما عَقَدْتُمُ الأَيمان) لا الحلف الضمني.

1 . المائدة: 89.

صفحه348
ولذلك يطلقون الفقهاء على هذا النوع من الحلف، اليمين بالطلاق، لا الحلف باللّه سبحانه ولو ضمنياً.
وأمّا الثاني: أي وقوع الطلاق إذا كان قاصداً إنشاء الطلاق المعلق فهو لا يصمد امام النقاشات التالية:
الأوّل: أنّ عناية الإسلام بنظام الأُسرة الذي أُسُسُها النكاح والطلاق، يقتضي أن يكون الأمر فيها منجَّزاً لا معلقاً، فإنّ التعليق ينتهي إلى مالا تُحمد عاقبته من غير فرق بين النكاح والطلاق، فالمرء إمّا أن يقدم على النكاح والطلاق أو لا. فعلى الأوّل فينكح أو يطلِّق بتاتاً، وعلى الثاني يسكت حتى يحدث بعد ذلك أمراً، فالتعليق في النكاح والطلاق لا يناسب ذلك الأمر الهام، قال سبحانه:
(وَلَنْ تَسْتَطيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَميلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تَصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحيماً) (1).
واللّه سبحانه يُشبِّه المرأة التي يترك الزوجُ أداء واجبها بـ«المعلّقة» التي هي لا ذات زوج ولا أيّم. وعلقة الزوجية علقة مقدسة لا تخضع لأهواء الزوج فهو إمّا أن يطلقها ويسرّحها، أو يتركها ولا يمسُّ كرامتها، والزوجة في الطلاق المعلّق أشبه شيء بالمعلقة الواردة في الآية، فهي لا ذات زوج ولا أيّم.
الثاني: أنّ هذا النوع من الطلاق يقوم به الزوج في حالات خاصة دون

1 . النساء: 129.

صفحه349
أن يشهده عدلان، والإشهاد على الطلاق شرط لصحة وقوعه ومتى فقد لم يقع الطلاق من دون فرق بين المنجّز والمعلّق، ويدلّ عليه قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا النّبيّ إِذا طلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَ لِعِدَتِهنَّ...* فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوف أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدل مِنْكُمْ وَأَقيمُوا الشَّهادةَ للّهِ)(1).
فقوله سبحانه: (وَأَشْهِدُوا ذوي عدل) قيد للطلاق والرجعة على قول أو لخصوص الأوّل على قول آخر. وإليك دراسة كلا القولين.

الإشهاد في الآية راجع إلى الطلاق والرجوع

فهناك من ذهب إلى كونه قيداً لهما، وقد نقل هذا القول عن عدة من الصحابة والتابعين: نقل عن ابن عباس: انّه فسرها بالطلاق والرجعة. (2)
وقال السيوطي: أخرج عبد الرزاق عن عطاء، قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود.
وسئل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد؟ قال:بئس ما صنع طلق في بدعة وارتجع في غير سنّة فليشهد على طلاقه ومراجعته وليستغفر اللّه.(2)
قال القرطبي: قوله تعالى: (وأَشْهِدُوا)أمرنا بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة .(4)

1 . الطلاق: 1 ـ 2.   2 . تفسير الطبري:28/88.
2 . الدر المنثور:6/232.             4 . الجامع لأحكام القرآن:18/157.

صفحه350
وقال الآلوسي: (وَأَشْهِدُوا ذَوي عَدْل مِنْكُم)عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبريّاً عن الريبة. (1)
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية.
وممّن قال برجوع القيد إلى الطلاق والرجعة الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي المصري . قال بعد ما نقل الآيتين من أوّل سورة الطلاق:والظاهر من سياق الآيتين أنّ قوله: (وَأَشْهدوا)راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معاً والأمر للوجوب، لأنّه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب ـ كالندب ـ إلاّ بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيّد حمله على الوجوب ـ إلى أن قال: ـ فمن أشهد على طلاقه، فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، و من أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدّى حدود اللّه الذي حدّه له فوقع عمله باطلاً، لا يترتّب عليه أي أثر من آثاره . (2)

الإشهاد في الآية راجع إلى الطلاق خاصة

وهناك من يذهب إلى أنّ قوله: (وَأَشْهِدُوا ذويْ عَدْل مِنْكُم)يرجع إلى خصوص الطلاق، فقط، قائلاً بأنّ السورة بصدد بيان أحكام الطلاق، وقد افتتحت بقوله : (يا أَيُّهَا النَّبيّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساء)، فذكرت للسورة عدّة أحكام:
1. أن يكون الطلاق لعدتهن.
2. إحصاء العدة.

1 . روح المعاني:28/134.   2 . نظام الطلاق في الإسلام: 118ـ 119.

صفحه351
3. عدم خروجهن من بيوتهن.
4. خيار الزوج بين الإمساك والمفارقة عند اقتراب عدّتهن من الانتهاء.
5. إشهاد ذوي عدل منكم.
6. عدّة المسترابة.
7. عدّة من لا تحيض وهي في سن من تحيض.
8. عدّة أُولات الأحمال.
وإذا لاحظت مجموع آيات السورة من أوّلها إلى الآية السابقة تجد أنّها بصدد بيان أحكام الطلاق، لأنّه المقصود الأصلي، لا الرجوع المستفاد من قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ)وقد ذكر تبعاً.
وقال أبو زهرة: قال فقهاء الشيعة الإمامية الاثني عشرية والإسماعيلية: إنّ الطلاق لا يقع من غير إشهاد عدلين لقوله تعالى «في أحكام الطلاق وإنشائه في سورة الطلاق»: (وَأَشْهِدُوا ذويْ عَدْل مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادة للّه ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ومن يتّق اللّه يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر
إنشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وانّ تعليل الإشهاد بأنّه يوعظ به من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر يرشّح ذلك ويقويه، لأنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فيكون لها مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى اللّه سبحانه وتعالى.

صفحه352
وأنّه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين. (1)
ويؤيد رجوع الأمر بالاشهاد إلى خصوص الطلاق لا الرجعة هو أنّ الطلاق حلال مبغوض عند اللّه سبحانه، والشريعة الإسلامية شريعة اجتماعية لا ترغب في أي نوع من أنواع الفرقة لا سيما في العائلة والأُسرة، بعد ما أفضى كلّ من الزوجين إلى الآخر بما أفضى، فالشارع بحكمته يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثّر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أنّ الشيء إذا كثرت قيوده، عزّ أو قلّ وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أوّلاً وللتأخير والأناة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الأُلفة كما أشير إليه بقوله تعالى: (لا تَدري لعلَّ اللّهُ يحدث بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً)، وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شكّ انّها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً إلى الفوائد الأُخر، وهذا كلّه بعكس قضية الرجوع فإنّ الشارع يريد التعجيل به ولعلّ في التأخير آفات فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط.
وحاصل الكلام بما أنّه حلف بالطلاق مجرّداً عن الاشهاد، فلا يترتّب عليه الأثر بحكم الآية المباركة سواء أقلنا بأنّ المراد بالإشهاد يرجع إلى الطلاق والرجعة أو إلى الأوّل فقط.
***

1 . الأحوال الشخصية: 365، كما في الفقه على المذاهب الخمسة:131.

صفحه353
الثالث: أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أفتوا ببطلان الطلاق المعلق، فقد روى أبو أُسامة الشحام عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال له: إنّ لي قريباً أو صهراً حلف إن خرجت امرأته من الباب فهي طالق، فخرجت وقد دخل صاحبها منها ما شاء من المشقة فأمرني أن أسألك.
فأجاب (عليه السلام): «مرّه فليمسكها فليس بشيء» ثمّ التفت إلى القوم فقال سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوج ولها زوج. (1)
وقد اشتهر عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)إنكار الأُمور الثلاثة التالية:
1. طلاق المرأة وهي حائض.
2. الطلاق دون إشهاد عدلين.
3. الحلف على الطلاق.
وثمّة سؤال يتوجه إلى فضيلة الشيخ بأنّه لماذا اختار في الإجابة مذهب ابن تيمية وابن قيم الجوزية مع أنّ المذهب المشهور بين فقهاء السنة انّه يقع الطلاق إذا حنث في يمينه دون فرق بين الصورتين.
قال السبكي: وقد أجمعت الأُمّة على وقوع المعلق كوقوع المنجز فإنّ الطلاق ممّا يقبل التعليق.فلو قال: إن كلّمتِ فلاناً فأنتِ طالق، وهو الذي يقصد به الحثّ أو المنع، فإذا علق الطلاق على هذا الوجه ثمّ وجد المعلَق عليه ،وقع الطلاق.
ثمّ قال: وقد لبّس ابن تيمية بوجود خلاف في هذه المسألة وقد نقل

1 . وسائل الشيعة:15، الباب 18 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 3.

صفحه354
إجماع الأُمّة على ذلك أئمّة لا يرتاب في قولهم ولا يتوقف في صحّة نقلهم.(1)
ولذلك كان الأولى لفضيلة الشيخ الاجتهاد في المسألة ثمّ الإفتاء وفق اجتهاده من دون أن يتبع فتوى إمام دون إمام، وإلاّ فما هو المرجح للإفتاء بقول إمامين دون سائر الأئمّة من أهل السنة.
وفي الختام نلفت نظركم السامي إلى الكلمة التالية لبعض علمائنا.
إنّ الإمامية يُضيّقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود، ويفرضون القيود الصارمة على المطلِّق والمطلقة، وصيغة الطلاق وشهوده، كلّ ذلك لأنّ الزواج عصمة مودة ورحمة وميثاق من اللّه قال تعالى: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْض وَأَخَذْن مِنْكُمْ ميثاقاً غَليظاً) (2)، وقال سبحانه: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة) (3) إذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة،
وهذا العهد والميثاق إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لايداخله شك بأنّ الشرع قد حلّ الزواج ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.(3) وليس اليمين بالطلاق ـ مع وجود الاختلاف الكثير بين الفقهاء ـ من هذه المقولة فعلى الزوج أن يمسك بعصمتها مالم يدل دليل قاطع على الطلاق الشرعي.
جعفر السبحاني

1 . الدرة المضيئة: 55 ـ 56.
2 . النساء: 21.   3 . الروم: 21.
3 . الفقه على المذاهب الخمسة: 214 للمغفور له الشيخ محمد جواد مغنية.

صفحه355
 
56

الأُستاذ قيس ظبيان المدير العام لمجلة الشريعة المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه أن تكونوا بخير وعافية، وتكون مجلتكم الغرّاء مشعة مضيئة، وهادية إلى السبيل الأقوم.
كما ندعو اللّه تعالى أن يوصل ثواب هذه المجلة الدينية إلى مؤسسها المغفور له تيسير ظبيان (رحمه الله)، الّذي سنّ هذه السنة الحسنة الّتي تجري كجري الشمس والقمر.
وقد قرأنا في مجلتكم الغرّاء (العدد 474، ربيع الثاني 1426هـ) جواباً للفقيه المعاصر الشيخ يوسف القرضاوي عن سؤال هو:
هل صحيح أنّ الإمام الشافعي جعل من حق الأب أن يزوّج ابنته البالغة بغير رضاها؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل يتفق هذا مع المنهج الإسلامي العام في اشتراط موافقة الفتاة المسبقة؟
وحاصل ما أجاب به سماحته هو:
أوّلاً: أنّ هنا قاعدة أساسية لا يختلف فيها اثنان وهي انّ كلّ مجتهد

صفحه356
يُصيب ويُخطئ، وأنّ كلّ واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلاّ المعصوم. والإمام الشافعي بشر غير معصوم.
ثانياً: من الإنصاف للمجتهدين أن نضع آراءهم في إطارها التاريخي فإنّ المجتهد أعرف ببيئته وزمنه، ولا يمكن إغفال العنصر الذاتي للمجتهد.
وقد عاش الشافعي في عصر قلّما كانت تعرف فيه الفتاة عمّن يتقدّم لخطبتها شيئاً إلاّ ما يعرفه أهلها عنه، لهذا أُعطي والدُها خاصة حق تزويجها ولو بغير استئذانها.
ثمّ قال: ومن يدري لعل الشافعي لو عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم وانّها أصبحت قادرة على التمييز بين الرجال الذين يتقدمون إليها ربّما غيّر رأيه.

على هامش جواب الشيخ القرضاوي

انطلاقاً من القول المشهور: «الحقيقة بنت البحث» لنا حول هذا الجواب مناقشات نطرحها على طاولة البحث، وربّما يكون لدى الأُستاذ جواب عنها.

المناقشة الأُولى

إنّ رسالة الإسلام رسالة أبدية وكتابها القرآن الكريم خاتم الكتب، فلابدّ أن تكون هذه الشريعة بشكل يوافق فطرة الإنسان ويواكب عامة الحضارات في مختلف العصور.

صفحه357
وقد اختلفت كلمات الفقهاء في لزوم الاستئذان وعدمه، فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وجماعة: لابدّ من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر على أحد القولين عنه.(1)
فلابدّ في تمييز ما هو الصواب من الآراء، من عرض المسألة على الكتاب والسنة، فالسنة المروية تدعم الرأي الثاني. وقد ألمح إلى هذه الروايات الأُستاذ في ثنايا جوابه.
روى أبو هريرة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لا تنكح الأيّم حتّى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتّى تُستأذن.
فقالوا: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): كيف إذنها؟ قال: إذا سكتت.
وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس: أنّ جارية بكر أتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة فخيّرها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
والروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تدعم القول الثاني.
روى منصور بن حازم عن الإمام الصادق(عليه السلام):«تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلاّ بأمرها».(3)
إلى غير ذلك من الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الّتي تؤكد

1 . بداية المجتهد:2/5، كتاب النكاح.
2 . لاحظ الخلاف للطوسي كتاب النكاح ، المسألة10; بداية المجتهد:2/5، كتاب النكاح; المغني لابن قدامة:6/516.
3 . الوسائل:14، الباب9 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.

صفحه358
شرطية إذن المرأة في نكاحها.
أضف إلى ذلك: انّ التزويج هو النواة الأُولى لتأسيس المجتمع الكبير، فهل يجوز في منطق العقل الحصيف أن يكون للأب حق التزويج من دون استئذان البنت؟ هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا العقد ليس قصيراً، بل قد يدوم إلى خمسين سنة أو أكثر، فكيف نتصور إلزامها على هذه الحياة من دون أن تعلم أو تفكر أو تأذن فيها؟!
إنّ البيع هو إنشاء علاقة بين مالين، والنكاح إنشاء علاقة بين نفسين، واللّه سبحانه يشترط التراضي في صحة التجارة ويقول:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ).(1)
فهل يسوغ في منطق العقل أن تكون صحة التجارة منوطة بالتراضي دون النكاح؟!
وهل البيع والتجارة أسمى وأهم من النكاح والزواج الّذي عليه يقوم المجتمع؟!
هذا من الجانب الفقهي ولا نطيل فيه، وقد فصلنا الكلام فيه في كتابنا «نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء»، ج1، ص 172ـ 193.

المناقشة الثانية

لو افترضنا أنّ التشريع الإسلامي في حقّ الفتاة هو جواز إنكاحها بغير إذنها وجواز إجبار الأب إياها للنكاح وإن كانت غير راضية به، كما عليه فتوى

1 . النساء:29.

صفحه359
الإمام الشافعي والإمام مالك على أحد قوليه.
فلو كان التشريع على هذا الحال فكيف يمكن أن يتغير حكمه بتغير الظروف، مع أنّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة؟
وما اعتذر به الأُستاذ من وجود الثقافة والعلم عند الفتاة المعاصرة دون مثلها الّتي عاشت في عصر الشافعي، غير وجيه، لأنّ معنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي موضوع للأُميّات والجاهلات ولا يعم المثقّفات والعارفات.
هب أنّ الأُستاذ نجح في توجيه هذه الفتوى فكيف يفسّر رأياً آخر للإمام الشافعي حول لمس المرأة الأجنبية الّذي عدّه من نواقض الوضوء؟ وإليك نص الفتوى.
وقال الشافعية: إذا لمس المتوضّئ امرأة أجنبية بدون حائل انتقض الوضوء.
وبعبارة أُخرى: مباشرة النساء من غير حائل إذا كنّ غير ذوات محارم تنقض الوضوء بشهوة كانت أو بغير شهوة، باليد كانت أو بالرجل أو بغيرهما من الجسد، عامداً أو ناسياً.(1) ومن المعلوم أنّ هذا الرأي غريب من وجهين:
1. انّه لا رصيد له من الكتاب والسنّة، فقوله سبحانه في آية الوضوء: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)(2) كناية عن الدخول والجماع كما هو الحال في آيات

1 . الأُمّ:1/15; المبسوط:1/67، أحكام القرآن للجصاص:2/369 إلى غير ذلك من المصادر.
2 . المائدة:6.

صفحه360
الطلاق، قال سبحانه: (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)(1) ، وقال:(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)(2).
2. إنّ هذه الفتيا لا تنسجم مع كرامة المرأة ومنزلتها في الشريعة الإسلامية، حيث إنّ الذكر العزيز قد وصف المرأة بأنّها عِدْل للزوج وأنّه يسكن إليها ، قال سبحانه: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها).(3)
إنّ التشريع الإسلامي يعتمد في أُصوله الكلية على الفطرة البشرية ولا يتغير حكمه بتغير الزمان والمكان، فما دام هذا الإنسان موجوداً على ظهر هذا الكوكب فالحكم الشرعي يواكب فطرته ولا يشذ عنه قيد شعرة فلابدّ أن يكون مستمراً ودائماً وأبدياً.
نعم قد ثبت في محله أنّ لعنصري الزمان والمكان دوراً في الاستنباط والاجتهاد، ولكن ذلك لا يعني نسخ الأحكام وإخراجها من الساحة وإحلال حكم آخر مكانها لأجل ذينك العنصرين، بل بمعنى أنّ الحضارة والتقدم قد تؤثر في الموضوع بإخراجه عن موضوع حكم وإدخاله تحت موضوع حكم آخر مع التحفظ على كلا الحكمين في موردهما ولنأت بمثال.
إنّ بيع الدم حرام في الفقه الإسلامي لعدم الانتفاع به في أمر محلّل، إذ كان الانتفاع ربما منحصراً في الأكل، ولكن التقدم الحضاري مكّن الطبيب من الانتفاع به انتفاعاً حلالاً وذلك في عمليات نقل الدم من إنسان لآخر محتاج إليه في المستشفيات.

1 . البقرة:236.   2 . البقرة:237.   3 . الروم:21.

صفحه361

المناقشة الثالثة

إنّ قول الأُستاذ بأنّ الإمام الشافعي لو كان قد عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم لعلّه لو رأى ذلك لغيّر رأيه، فإنّ ذلك يدفعنا إلى التسليم بضرورة الرجوع إلى المجتهد الحي في عامة المسائل، وذلك لنفس النكتة الّتي ذكرها الأُستاذ، ذلك لأنّ فقهاء الإسلام مع الاعتراف بأنّهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، لا فرق بين من لحق بالرفيق الأعلى منهم، ومن هو حيٌّ يُرزق. لكن المجتهد الحي أعرف بالظروف السائدة في المجتمع، وانطلاقاً من قول القائل:«الشاهد يرى ما لا يراه الغائب»، فهو يعرف مقتضيات الزمان والمكان ، على نحو لو كان الفقيه الفقيد حاضراً في هذا الزمان لربما عدل عن رأيه وأفتى بغير ما أفتى به سابقاً، وهذا ما يدفع الفقهاء إلى ترويج تقليد المجتهد الحي أو اللجنة الفقهية المتشكّلة من الأحياء وترك تقليد غيرهم بتاتاً.
نعم هذا الاقتراح ربّما يكون ثقيلاً على من اعتاد تقليد غير الأحياء، ولكنّه ينسجم مع الفطرة الإنسانية التي بُنيت عليها أُسس الدين الإسلامي، وليس ذلك أمراً بعيداً عن حياة البشر، فإنّ المجتمع في حاجاته يرجع إلى الأطباء والمهندسين الأحياء، لأنّهم أعرف بحاجات العصر وبالداء والدواء.
هذا بالإضافة إلى أنّه لم يدل دليل على انحصار المذاهب الفقهية في الأربعة، وقد كان المسلمون يعملون بالشريعة ولم يُولد أحد من الأئمة ولم يثبت أنّهم أعلم وأفضل من كل من جاء ولحق بهم من الفقهاء العظام ـ رضوان اللّه عليهم ـ لو لم يثبت خلافه.

صفحه362
إنّ مواهبه سبحانه ورحمته الواسعة لا تختص بجيل دون جيل ولا بعصر دون عصر وقد تكامل الفقه بيد عشاق الفقه في كلّ عصر، حتّى ربما صار المتأخّر، أبصر وأدق من المتقدم.
لا شكّ انّ الاستنباط الجماعي أوثق من الاستنباط الفردي، وأنا أقترح على فقهاء المذاهب في كلّ صقع، أن يشكّلوا مجمعاً فقهياً حراً يضم إلى جنبه، فقهاء كباراً من عامة البلاد، فيكون هو المرجع في المسائل الخلافية، قديمة كانت أو حادثة.
وبتعبير آخر: أن يدرسوا عامة المسائل الخلافية من جديد، وإذا خرج الجميع، أي الأكثر منهم برأي، يكون هو المفزع لعامة الناس، سواء أوافق أحد المذاهب الأربعة أم لا.
إنّ الجمود على فتوى إمام خاص ربما يُوقع الحجاج في حرج شديد، فإنّ بعض المذاهب: يفرض رمي الجمار باليوم العاشر من مطلع الشمس إلى دلوكها ولا يجوّز بعد الظهر بخلاف اليومين التاليين فلا يرخص فيهما صباحاً، بل يفرض أن يكون الرمي بعد الظهر.
إنّ هذا التضييق في وقت الرمي يورث حرجاً شديداً على الحجاج وينتهي إلى قتل العشرات منهم بفعل الازدحام. مع أنّ في بعض المذاهب رخصة أوسع من ذلك حيث يجوز الرمي من مطلع الشمس إلى مغربها.
هذا هو المقترح ولكنّ الموانع ربّما تحول بين الإنسان وأُمنيته.
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه *** .....................
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني   2 جمادى الآخرة 1426 هـ

صفحه363
 
رسالة إلى الأُستاذ بسام ظبيان رئيس تحرير مجلة الشريعة
57

الأُستاذ الفاضل بسام ظبيان المحترم

رئيس تحرير مجلة «الشريعة» الغرّاء
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
وصلنا العدد(479) من مجلتكم القيّمة الّتي تلمع في سماء المطبوعات لمعان البرق في طيّات السحاب.
ولذا نقدم لكم الشكر الجزيل، ولنا مع مجلتكم وقفة قصيرة.
فقد جاء في قسم الفتاوى أسئلة مختلفة أجاب عنها الأساتذة ـ حفظهم اللّه تبارك وتعالى ـ. ومن تلك الأسئلة تسمية الولد بعبد المسيح أو عبد الرسول أو غير ذلك وأُجيب عنه بوجوه ثلاثة، نركِّز على الوجه الأوّل منها (لأنّ الوجهين الآخرين يختصان بعبد المسيح ولا كلام لنا فيهما). والوجه الأوّل هو ما قال فيه المجيب:«انّ كلّ اسم معبِّد لغير اللّه تحرم التسمية به بإجماع المسلمين».

صفحه364
لكن المجيب لم يوضح معنى العبد في قولهم: «عبد الرسول» و لو قام بإيضاحه لما ادّعى الإجماع على حرمته، لأنّ العبودية تطلق ويراد بها معان مختلفة ويختلف حكمها حسب اختلاف الموارد وهذا بيانه:
1. العبودية التكوينية، وهي بهذا المعنى ناشئة من المملوكية التكوينية التي تعمّ جميع العباد، ومنشأ المملوكية كونه سبحانه خالقاً، والإنسان مخلوقاً. فالعبودية إذا كانت رمزاً للملوكية الناشئة من الخالقية، فهي لا تضاف إلاّ إلى اللّه سبحانه كما يقول سبحانه: (إِنْ كُـلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِى الرَّحمن عَبْداً).(1)
وقال سبحانه حاكياً عن المسيح:(إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيّاً).(2)
2. العبودية الوضعية الناشئة من غلبة إنسان على إنسان في الحروب، وقد أمضاها الشارع تحت شرائط معينة مذكورة في الفقه.
فأمر الأُسارى ـ الذين يقعون في الأسر بيد المسلمين ـ موكول إلى الحاكم الشرعي فهو مخيّر بين إطلاق سراحهم بلا عوض أو بأخذ مال منهم أو استرقاقهم.
فإذا اختار الثالث فيكون الأسير عبداً للمسلم، ولذلك ترى أنّ الفقهاء عقدوا باباً باسم «العبيد والإماء».

1 . مريم:93.
2 . مريم:30.

صفحه365
قال سبحانه:(وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ).(1)
تجد أنّه سبحانه ينسب العبودية والإمائية إلى الذين يتملكونهم ويقول (عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)فيضيف العبد إلى غير اسمه جلّ ذكره.
3. العبودية بمعنى الطاعة وبها فسرها أصحاب المعاجم.(2)
والمعنى الثالث هو المقصود من تلك الأسماء فيسمُّون أولادهم باسم عبد الرسول أي مطيع الرسول، وعبد الحسين أي مطيعه وكلّ مسلم مطيع للرسول والأئمّة من بعده، ولا شكّ انّه يجب إطاعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأُولي الأمر.
قال سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).(3)
فعرّف القرآنُ النبيَ بأنّه مطاعاً والمسلمين مطيعين، ولا عتب على الإنسان أن يظهر هذا المعنى في تسمية أولاده وفلذات كبده.
نعم المسمّى بعبد الرسول هو عبد للرسول وفي الوقت نفسه عبد للّه أيضاً، ولا منافاة بين النسبتين لما عرفت من أنّ العبودية في الصورة الأُولى هي العبودية التكوينية النابعة من الخالقية، ولكنّها في الصورة الثانية والثالثة ناجمة عن تشريعه سبحانه حيث جعل الغالب مولى والأسير عبداً، كما جعل النبي مطاعاً وغيره عبداً أي مطيعاً وشتان ما بينهما وبين المعنى الأوّل، ولا

1 . النور:32.
2 . لسان العرب: مادة عبد، وكذلك القاموس المحيط في نفس المادة.
3 . النساء:59.

صفحه366
أجد مسلماً على أديم الأرض يسمّي اسمَ ولده بعبد الرسول ويقصد به العبودية التكوينية للرسول، وانّما يقصد المعنى الثالث وهو كونه مطيعاً للرسول. وغاية ما يمكن أن يقال يقصد العبودية التشريفية والتنزيلية بضرب من المجاز وتشبيهاً بالعبودية الرائجة بين الموالي العرفية وعبيدهم.
وفي الختام: ندعو لأُسرة التحرير وفي مقدمتهم قيس الظبيان المدير العام ولكم بالخير والعافية.
***
جعفر السبحاني
16 ذي الحجة 1426 هـ
***
وقد قامت المجلة مشكورة بنشر الرسالة في العدد(484) مرفقة بالشكر المتواصل حيث جاء فيها:
الشكر الموصول للعلاّمة جعفر السبحاني، وأن أُسرة تحرير مجلة الشريعة تثمن عالياً اهتمامات سماحته في متابعة ما يكتب فيها من مواضيع دينية وحرصه على تقديم الإيضاحات خدمة للقراء... فجزاه اللّه عنا وعنهم كلّ الخير.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
تعليق على مقال الدكتور عبدالكريم عكيوي «تعقيب على تعقيب»   

صفحه367
58

تعليق على مقال الدكتور عبدالكريم عكيوي

«تعقيب على تعقيب»
قرأت في مجلة «بصائر الرباط» الّتي تُصدرها «دائرة الرباط العلمية للبحث والدراسات الإسلامية» في المغرب، مقالاً يحمل عنوان: «تعقيب على تعقيب» بقلم د. عبد الكريم عكيوي، وقد نُشر المقال في العدد الثاني، المحرم 1427هـ الموافق لـ فبراير 2006م. وكان المقال تعقيباً على مقالي الّذي نشر في نفس هذا العدد، وهو بدوره كان تعقيباً على مقال الدكتور الّذي نشر في العدد الأوّل من المجلة.
وكان الأحرى بالمجلة اتّباع الاسلوب المتعارف في المجلات، بالفصل بين المقال وما يكتب تعقيباً عليه . ولكن خُولف هذا الأُسلوب فنُشر المقالُ والتعقيب في عدد واحد.
ونحن إذ نشكر هذا النفس الطويل لكاتبنا العزيز الّذي استغرق تعقيبه إحدى وعشرين صفحة، نذكر فيما يلي خلاصة ما جاء فيه ممّا يتعلق بموضوعنا، مع تعقيبها بالتحليل:

صفحه368
 
الأمر الأوّل
ذكر الدكتور أنّ منهج البحث العلمي يقتضي ذكر كلّ مسألة في موضعها وبيانها في موطنها المناسب، فلا يجمع بين مفترقين. حيث إنّ بحثه كان في اختبار كذب الراوي عن طريق التاريخ وأمّا تعقيبنا فكان في مسألة عرض متن الحديث على التاريخ ليعلم كذبه أو علّته، وهما مسألتان متمايزتان، فلا معنى لتعقيب المسألة الأُولى (الّتي هي موضوع البحث للدكتور) بالمسألة الثانية الّتي هي موضوع التعقيب.

تحليلنا

لقائل أن يقول: إنّ هنا مسألة واحدة، لها صورتان:
أمّا المسألة فهي عرض الحديث ـ سنداً ومضموناً ـ على التاريخ. والحديث ـ الّذي يعتمد عليه ـ يتألف من السند والمتن، فالراوي تارة يَكْذِب في جانب السند عن طريق التدليس، فيُظهر المرسَل مسنداً، والموقوف مرفوعاً، إلى غير ذلك من أساليب التدليس. وأُخرى يَكْذِب في المضمون، فيسند إلى المعصوم ما لم يقله. فإذا عرضنا الحديث على التاريخ، فتارة يُستكشف كذب الراوي في جانب السند، وأُخرى كذبه في مضمون الحديث حيث أسند إلى المعصوم ما لم يقله.
فهاتان صورتان لمسألة واحدة، وهي عرض الحديث على التاريخ

صفحه369
بسنده ومضمونه. فكما يمكن عدُّهما مسألتين ، كذلك يصح لقائل أن يجعلهما صورتين لمسألة واحدة. ولا مشاحة في اختلاف الاعتبار، إذا كان هناك اتفاق في المعتبَر.
وها نحن نمثل لكلّ من الصورتين حتّى يتّضح أنّهما وجهان لشيء واحد.
أمّا الصورة الأُولى: فنأتي بنفس المثال الّذي كتبه الدكتور، وهو ما أخرجه الخطيب البغدادي بسنده عن عفير بن معدان الكلاعي، قال: قدم علينا عمرو بن موسى حمص، فاجتمعنا إليه في المسجد فجعل يقول: حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر علينا، قلت له: من شيخنا الصالح هذا سمّه لنا نعرفه؟ فقـال: خالد بن معدان. قلت له: في أيّ سنة لقيتَه. قال: سنة ثمان ومائة، قلت: فأين لقيته؟ قال: لقيته في غزاة أرمينية. فقلت له: اتق اللّه يا شيخ ولا تكذب، مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة، وأنت تزعم أنّك لقيته بعد موته بأربع سنين.
فهنا كشفَ التاريخُ عن كذب الراوي فيما ورد السند.
وأمّا الصورة الثانية: فنأتي بمثال ثالث غير ما كتبته في مقالتي السابقة، وهو أنّه إذا أسند إلى الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)أحد سماسرة الأهواء ممن أشار إليهم الرسول الكريم في قوله:لا تكذبوا عليّ، فإنّ من كذب عليّ فليلج في النار(1)، وقال: إنّ قوله سبحانه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَولُهُ فِي الْحَياةِ

1 . رواه البخاري. لاحظ: فتح الباري:1/199برقم 38.

صفحه370
الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ)(1)، نزل في علي بن أبي طالب، وأنّ قوله سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ)(2) نزل في عبد الرحمن بن ملجم، فإنّنا نستكشف من التاريخ كذب الحديث، إذ لم يكن عبد الرحمن بن ملجم صحابياً ولم ير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى
في صغره، حيث إنّه هاجر في خلافة عمر.(2)
ولعل القارئ الكريم يتعجب من هذا الحديث الموضوع وربما يرى أنّه لم يتفوه به أحد، ولكن العجب في غير مورده، فإنّ من وقف على حياة المنحرفين عن الإمام عليّ يسهل عليه تصديق ذلك.
ويكفيك ما رواه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك ان تسُبَّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنَّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبَّهُ. لأن تكون لي واحدةٌ منهنَّ أحبُّ إليَّ من حُمُر النِّعم. سمعتُ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول له وقد خلَّفه في بعض مغازيه، فقال له عليٌّ: يا رسول اللّه خلَّفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):« أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي» وسمعتُهُ يقول يوم خيبر: «لأُعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسوله ويحبهُ اللّه ورسوله» قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً. فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح اللّه عليه، ولمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)(4) دعا رسول

1 . البقرة:204.   2 . البقرة: 207.
2 . الاعلام للزركلي:3/339.   4 . آل عمران:61.

صفحه371
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً حسيناً (عليهم السلام)فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».(1)
فإذا كان هذا حال كاتب الوحي وخال المؤمنين ـ حيث يحرّض سعداً على سبّ الإمام علي ويتعجب من امتناع «سعد» عنه ـ فما ظنك بحال غيره من محرفي الكلم عن مواضعه، فترى أنّه يحدث بأن آية النفاق نزلت في حقّ الإمام علي وآية الإيثار نزلت في عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي(عليه السلام)!!
فدع عنك نهباً صِيح في حَجَراته *** ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

الأمر الثاني

ذكر الدكتور قائلاً: والّذي ظهر لي أنّ صاحب التعليق أراد أن يفهمنا أنّ المحدثين ـ ويقصد أهل السنّة خاصة ـ غاية جهدهم ومنتهى طاقتهم النظر في الأسانيد والتعليق على الرواة، ولا شأن لهم بالمعاني والمتون، أي لا يعرفون شيئاً عن مسألة النقد الداخلي. ثمّ استشهد بكلامي وقال: هذا ما يفهم من قوله: «لا شكّ أنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني للعقيدة والشريعة وأنّ المسلمين بذلوا جهودهم لجمع ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) من قول أو فعل أو تقرير بنحو لا مثيل له في الأُمم السابقة، ولكن هذا لم يكن مانعاً من وضع ضوابط لتمييز الصحيح من السنة عن السقيم، «وقد لجأ الأكثرون» في تمحيص السنة المتداولة إلى سبيل النقاش في أسانيد الحديث ورجاله، وخرجوا بنتائج باهرة، وصار التوفيق حليفاً لهم إلى حدّ ما.

1 . صحيح مسلم: 7 / 120، باب فضائل علي بن أبي طالب .

صفحه372

تحليلنا

إنّما نسبه إليّ بقوله: «إنّ المحدثين غاية جهدهم ومنتهى طاقتهم النظر في الأسانيد، ولا شأن لهم بالمعاني والمتون، ولا يعرفون شيئاً عن مسألة النقد الداخلي»، لا يوافق نص كلامي حيث قلت:«وقد لجأ الأكثرون» في تمحيص السنة المتداولة إلى سبيل النقاش في أسانيد الحديث»، وأين هذا من السالبة الكلية الّتي نسبها إلي؟ وقد أخذ مقالي موضوعاً للنقد.
وحاصل كلامي في المقال، وفي كتابي المنشور باسم «الحديث النبوي بين الرواية والدراية»: أنّ المحدثين ركّزوا على مناقشة الأسانيد دون المتون، وأنّ أكثر جهودهم كانت منصبّة على الأسانيد، وهذا لا ينافي وقوع النقد الداخلي في بعض الأحايين. وقد ذكر الدكتور موارد منها.
والشاهد على ذلك أنّ المحدثين ألّفوا موسوعات كبيرة، أشبه بالمحيطات، حول الرجال، من عصر يقارب تدوين الحديث إلى يومنا هذا.
فلاحظ ما ألّفه البخاري في هذا المجال باسم تاريخه، والرازي باسم الجرح والتعديل، وما جاء بعد ذلك من عشرات المؤلفات إلى عصر الذهبي وابن حجر وغيرهما.
وأمّا النقد الداخلي فلم يؤلف فيه أي كتاب مفرد في ذلك. ولو كان لهم نقاش فانّما يذكرونه أحياناً بعد إيراد الحديث.
نعم، في الآونة الأخيرة، ألف الأُستاذ المصري، أبو رية، كتاباً باسم «أضواء على السنّة المحمدية»، وجاء بعده الأُستاذ محمد الغزالي فكتب كتاباً

صفحه373
باسم «الحديث النبوي بين أهل النقل والفهم»، فأحدث الكتابان ضجة كبرى في المجامع العلمية، حتّى أنّ أكثر خطباء الجمعة في السعودية، صبّوا جام سخطهم عليهما، وكأنّ الرجلين خرجا من دين اللّه تعالى، لمجرد مناقشتهم لمتون بعض الأحاديث.
وهذا ليس بمعنى أنّ كلّ ما ناقشوه صحيح، ولكنّهما شقّا طريقاً لتمييز الصحيح عن غيره، بهذين التأليفين.
ولو كان النقد الداخلي كالنقد السندي، لما اتَّسم كتابا البخاري ومسلم بالصحة والقدسية لكلّ ما ورد فيهما.
وهذا هو حديث الجساسة المروي في صحيح مسلم عن تميم الداري(1)، لا يقبله العقل ولا النقل، ولكن الاعتقاد بقدسية الكتابين، حال دون نقدهما.

الأمر الثالث

ذكر الدكتور: انّ المؤاخاة الّتي كانت في المدينة انّما هي من آثار الأُخوّة في الدين ومن فوائدها، فحصولها في المدينة لا يفيد أبداً أنّ الأُخوّة بين المهاجرين والأنصار منتفية قبل ذلك وانّما هي الوجه العملي التطبيقي للاخوة، فقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه:«تآخوا في اللّه أخوين أخوين» لا يدل بوجه من الوجوه على أنّه ينفي عنهم الأُخوّة قبل الهجرة.
ثمّ فرّع على ذلك أنّه لا تعارض بين حصول المؤاخاة بين المهاجرين

1 . صحيح مسلم:8/203.

صفحه374
والأنصار بالمدينة وبين قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر (في مكة): «أنت أخي».
ولا تعارض أيضاً بين قوله: أنت أخي وهما في المدينة وبين قوله له ذلك في مكة، لأنّه لا معنى للقول أنّه لمّا قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر: أنت أخي في المدينة فلا يمكن أن يكون قد سبق أنّه قال مثل ذلك بمكة من قبل.(1)

تحليلنا

ما ذكره الدكتور ـ حفظه اللّه ـ أمر صحيح لا يخفى على من له إلمام بأساليب الكلام ولكنه أجنبي عن كلامي ومرامي ومقالي، وكأنّه ـ حفظه اللّه ـ لم يمعن النظر فيما كتبت، وإلاّ لمّا أطنب الكلام في نقدهذه الفقرة قرابة ست صحائف، وأقول صريحاً: إنّ ما نسبه إليّ ]من اعتقادي بوجود التعارض بين حصول المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في المدينة وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي بكر:«أنت أخي»[. في مكة إلى آخر ما ذكره، غير صحيح جدّاً وإنّما هو استنباط شخصي له من كلامي، قادته إليه عاطفتـه الّتي طغـت أحيـاناً، فصغـت بـه عن منهـج البحـث العلمـي، ودفعتـه إلى التجنّي في بعض الموارد، كقوله: أم أنّ صاحب التعليق غرضه أن يوصل إلينا....
ونحن لا نؤاخذه بشيء من ذلك، فصدرنا قد اتّسع ويتسع لأكثر منه، وإنّما فقط نسجّل عتبنا عليه.
إذا ذهب العتابُ فليس ودٌّ *** ويبقى الودّ ما بقيَ العتابُ

1 . مجلة بصائر الرباط، العدد2، ص 138ـ 139.

صفحه375
هذا ومن الواضح أنّ إثبات الأُخوّة في ظرف لا ينافي إثباتها في ظرف آخر متقدّم عليه، خصوصاً إذا كان الموضوع مختلفاً بالعموم (المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار) والخصوص (المؤاخاة بين النبي وأبي بكر).
ولإيضاح مرامنا نذكر أُموراً نتمنى من الدكتور أن يمعن النظر فيها ثمّ يكتب ما يريد:
الأوّل: أنّ الاخوة الدينية المطروحة في الحوار وردت في مواضع ثلاثة:
أ. ما رواه البخاري عن عروة أنّ النبي خطب عائشة إلى أبي بكر فقال له أبو بكر: إنّما أنا أخوك، فقال له: إنّما أنت أخي في دين اللّه وكتابه، وهي لي حلال.
هذا الحديث يُشكِّل موضوع البحث، وقد قلنا :إنّ التاريخ لا يصدقه وسيوافيك توضيحه.
ب. ما تضافرت عليه كتب الحديث من أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) آخى في المدينة بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وبين الزبير وعبد اللّه بن مسعود إلى آخر ما ذكرناه في مقالنا السابق.
ج. ما رواه البخاري في باب فضائل أبي بكر عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس وقال: إنّ اللّه خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند اللّه، قال: فبكى أبو بكر فعجبنا لبُكائه أن يُخبر

صفحه376
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن عبد خُيّر فكان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ من أمّن الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخوّة الإسلام ومودّته لا يبقينّ في المسجد بابٌ إلاّ سُدَّ إلاّ باب أبي بكر.(1) ورواه مسلم(2)ونص الحديث يكشف عن أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قاله في مرض موته أو قُبيل ذلك الوقت، ومن حُسن الحظ أنّ هذا الحديث لم يُرم بما رُمي به حديث الكتف والدواة الذي رواه البخاري في غير موضع واحد من صحيحه فلاحظ.
والحوار بيننا وبين الدكتور مركز على الحديث الأوّل فقط دون الثاني والثالث ولو ورد الكلام حولهما فانّما هو لغاية الإيضاح أو الاستشهاد.
الثاني: الأُخوّة الدينية الإسلامية على وجهين:
أ. الأُخوّة الدينية الإسلامية الّتي عزز بها سبحانه الأُمة الإسلامية تشمل عامة المؤمنين، قال سبحانه: (إِنّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ثمّ رتّب عليه آثاراً من قوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)وقوله: (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم) ، وقوله: (وَلا تَنابَزُوا بِالأَلْقابِ)(3) إلى غير ذلك من الآثار المترتبة على الأُخوّة الدينية العامة.
وهذا الوجه من الأُخوّة لا يختص بالمهاجرين ولا بالأنصار، بل يشمل كلّ من يستظل بظل الإيمان باللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . صحيح البخاري:5/4، باب لو كنت متخذاً خليلاً. ط مصر.
2 . صحيح مسلم: 5 / 108، كتاب فضائل الصحابة.
3 . الحجرات:10ـ12.

صفحه377
وما ورد من أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعمر يا أخي، أو لزيد: أنت أخونا، ولأُسامة: أنت أخي، فإنّما يراد به تلك الأُخوّة الواردة في الآية الكريمة، أعني قوله سبحانه: (إِنّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).(1)
ب. الأُخوّة الدينية الإسلامية الخاصة الّتي تنعقد بين مسلمين، كالتي تمتّ بعد هجرة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة المنورة، وكانت على أساس المشاكلة والمماثلة بين كلّ اثنين في الدرجات النفسية، ولذلك وقعت المؤاخاة فيها بين المهاجرين والأنصار حتّى بين المهاجرين أنفسهم. روى الحاكم في «المستدرك»: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)آخى بين أصحابه فآخى بين أبي بكر وعمر، و بين طلحة والزبير، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقال علي(عليه السلام) : يا رسول اللّه انّك قد آخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى يا علي أن أكون أخاك؟ قال ابن عمر: وكان علي جلداً شجاعاً، فقال علي: بلى يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت أخي في الدنيا والآخرة».(2)
ترى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يضم الشكل إلى الشكل ويؤلف بينهما ويؤاخي بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وادّخر (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً لنفسه فخصّه بذلك.
وكان من آثار تلك الأُخوة التوارث.
ذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي إلى جماعة من التابعين قالوا: لمّا قدم النبي المدينة آخى بين المهاجرين وآخى بين المهاجرين والأنصار على

1 . الحجرات:10.
2 . مستدرك الحاكم: 3 / 14 ، كتاب الهجرة; فتح الباري:7/271.

صفحه378
المواساة، وكانوا يتوارثون وكانوا تسعين نفساً بعضهم من المهاجرين وبعضهم من الأنصار، وقيل: كانوا مائة، فلمّا نزل (وَأُولُوا الأَرْحامِ)بطلت المواريث فيهم بتلك المؤاخاة.
الثالث: انّ الخُلّة المنفية في الحديث الثالث أي ما ذكره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في مرض وفاته وقال:«ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخوّة الإسلام ومودته» هي الخلّة الخاصة لا الخُلّة العامة وإلاّ فهي ثابتة للمؤمنين عامة قال سبحانه:(الأَخِلاّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)(1) ، وفي الوقت نفسه يكون قرينة على أنّ المراد من الأُخوّة في ذيل الحديث هي الأُخوّة الدينية العامة ولذلك قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ولكن أُخوّة الإسلام ومودّته». ولم يقل أنت أخي.
***
إذا تبين ما ذكرنا فلنعد إلى دراسة الحديث الأوّل وهو أنّ الحديث يتضمن أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب عائشة إلى أبي بكر فقال له أبو بكر: إنّما أنا أخوك، فقال له: «إنّما أنت أخي في دين اللّه وكتابه وهي لي حلال».
فعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من الأُخوّة المطروحة في كلام أبي بكر فهنا احتمالان:
1. أن يراد بها الأُخوّة الدينية العامة، لكنّها احتمال بعيد جدّاً... إذ لا يخفى على مسلم أنّ هذا الوجه من الأُخوّة غير مانع من التزويج، وإلاّ لبطل

1 . الزخرف:67.

صفحه379
نكاح المسلمين مع المسلمات قاطبة.
2. أن يريد به الأُخوّة الخاصة الّتي تنعقد بين شخصين التي جسّدها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار حتّى بين أبي بكر وعمر، فهذا النوع من الأُخوّة يصلح أن يكون ذريعة للامتناع من التزويج بأن تقوم الأُخوّة الاعتباريّة مكان الأُخوّة النسبية كما قامت الأُخوّة الرضاعية مكان النسبية، وبهذا يفسر قول زيد بن حارثة انّ بنت حمزة بنت أخي.(1)
وقد ورد أنّ النبي آخى بينهما في المدينة المنورة.
وهذا الاحتمال لو ثبت يكون للحديث معنى صحيح، لكنّه بعيد من وجهين:
أوّلاً: ننزه أبا بكر عن الاعتقاد بأنّ الأُخوّة الاعتبارية بين شخصين تمنع عن التزويج وتقوم مقام الأُخوّة النسبية.
وأمّا إيجابها التوارث، فإنّما ثبت بنص النبي وبيانه في دار الهجرة، ولولا تصريحه بذلك، لما تبادر إلى ذهن أحد ترتّب التوارث على هذا النوع من الأُخوّة.
نعم قد يحتمل حرمة التزويج ، الإنسانُ البسيط الغافل عن الشريعة وتعاليمها.
ثانياً: سلّمنا أنّ أبا بكر كان يعتقد بأنّ الأُخوّة الاعتبارية تمنع عن تزويج البنت للأخ لكن التسليم انّما يفيد لو تحقّق ذلك النوع من الأُخوّة

1 . فتح الباري:7/271.

صفحه380
بين النبي وأبي بكر قبل الهجرة، وهو في غاية البعد، إذ لو كانت لاشتهرت بين الصحابة، لأنّها فضيلة رابية لا تدانيها فضيلة أُخرى. ولكن لم يرد في حديث مسند أو مرسل أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) آخى بينه وبين أبي بكر كما آخى في المدينة بينه و بين علي(عليه السلام). نعم نقل ابن حجر عن عبد البرّ انّه كانت المؤاخاة مرتين، مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة، ومرّة بين المهاجرين والأنصار.(1) ولو صحّ ما ذكره فقد كانت المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم، لا بين النبي وشخص آخر على أنّ عبد البرّ تفرد في نقله هذا ولم نقف على سنده، وعلى فرض الصحة فقد آخى بين المسلمين بمكة لا بين نفسه وشخص آخر، ولو أنّه اختار أبا بكر أخاً لنفسه لاشتهر وبان.
هذا ما قصدناه في مقالنا.
وحصيلة الكلام أوّلاً: أنّ المؤاخاة العامة لا تصلح أن تكون ذريعة للامتناع من التزوج، وأمّا المؤاخاة الخاصة فهي تصلح أن تكون مانعة لكن عند بعض البسطاء لا عند مثل أبي بكر.
وثانياً: لو تنزّلنا وقلنا بأنّه كان يعتقد بأنّ حرمة تزويج البنت من آثار الأُخوّة الاعتبارية التنزيليّة لكن وجود الموضوع ( الأُخوّة) بعيد جداً، إذ لو كان لاشتهر وبان.(2)

1 . فتح الباري:7/271.
2 . نطلب من سماحة الدكتور، ان لا يذهب يميناً ولا يساراً بل، يبييّن آراءه ونظرياته حول ما ذكرناه.

صفحه381

الأُخوّة العرفية

يظهر من بعض مواضع كلام الدكتور أنّ مراد أبي بكر من قوله: «إنّما أنا أخوك»ما يمكن أن يعبر عنه بالأُخوّة العرفية حيث قال: «فأخوة أبي بكر لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحبته له أشهر من أن يحتاج أبو بكر إلى موقف خاص يشهد له: فهو بمنزلة أخيه لقرب سنيهما ولقوة صحبتهما وكثرة اجتماعهما حتّى كأنّهما أخوان من أب واحد تحت سقف واحد. ومن وجوه هذا قصة الهجرة حين اشتد الأذى على رسول اللّه استأذنه أبو بكر في الخروج ـ ثمّ ذكر حديث خروجه من مكة إلى المدينة ـ ثمّ يقول: ومن هذا الحديث يقول السيد جعفر السبحاني: «انّ ما هو مسلم به هو أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أمضى هو وأبو بكر ليلة الهجرة وليلتين أُخريين بعدها في غار ثور الّذي يقع جنوب مكة في النقطة المحاذية للمدينة المنورة» ـ إلى أن قال ـ و قد خلد الذكر الحكيم هذا المقام لأبي بكر فهو يُتلى ويتعبد بتلاوته إلى أن تقوم الساعة.

تحليلنا

إنّ تفسير الأُخوّة بالنحو الّذي عُلم من كلام الدكتور لا يمنع من التزويج عند العقلاء، فالمعاشرة القريبة بين الشخصين لا تجعلهما أخوين على نحو تحرم بنت أحدهما على الآخر عرفاً حتّى تكون مانعاً عن التزويج عند أبي بكر.
ثمّ إنّ ما نقله عنا حيث قال: «وعن هذا الحديث يقول السيد جعفر السبحاني إلى آخره» ليس له في مقالنا المنشور في المجلة عين ولا أثر ولو

صفحه382
نقله عن مصدر آخر كان عليه الإشارة إلى مصدر النقل.
إنّ الّذي حدا بالكاتب إلى الإسهاب، والتعرض للمسائل الجانبية، هو العاطفة الدينية، وإلاّ فأيّة صلة بين دراسة الحديث وبين هذا التفصيل في موضوع هجرة أبي بكر مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ إذ كان يكفي الإشارة إليه والحديث عنه بإيجاز.
ولولا خشية الابتعاد عن الموضوع، وخدش العواطف، لتناولنا بالدراسة الآية الّتي خصّت النبي بالسكينة في غار ثور (فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَمْ تَرَوْها)(1) ، والآيات الّتي تحدّثت عن نزول السكينة على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين، في بعض المواقف، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ)(2)، وقوله: (فأَنْزَلَ اللّهُ
سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ
).(2)
ولكن حفظاً للوئام وان لا تُكَّدر مياه الصفو، تركنا الكلام فيها.

الأمر الرابع

قال الدكتور: الحديث الثاني أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا نبي اللّه ثلاثٌ أعطنيهن، قال: نعم. قال: عندي أحسن العرب وأجمله أُم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين

1 . التوبة:40.   2 . التوبة:26.
2 . الفتح:26.

صفحه383
يديك. قال: نعم. قال: وتؤمّرني حتّى أُقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم. وقد جزم السيد جعفر السبحاني أنّ الحديث موضوع لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج أُم حبيبة قبل إسلام أبيها أبي سفيان بزمن طويل. وأورد الدكتور في هذا المقام ما هذا حاصله:
«إنّ الجزم بالوضع والقطع به لا يكون إلاّ عندما يتبين صريحاً، ولم يكن للحديث محمل من الوهم والغلط بوجه من الوجوه. وهذا الحديث ليس بهذه الصفة. فجهة الإشكال فيه إنّما في تسمية أم حبيبة فقط. أمّا باقي العناصر فليس فيها إشكال. أمّا زواج النبي من بنت أبي سفيان فهو ثابت مقرر، وأمّا كون معاوية كاتباً فلا اعتراض عليه، وأمّا جهاد أبي سفيان بعد إسلامه فحاصل في مشاهد مختلفة في زمن النبوة وبعده».
«ثم قال: ولما انحصر الإشكال في تسمية أُم حبيبة، نظر المحدثون في سائر ملابسات الحديث والظروف المتصلة به فوجدوا أنّ زواجه(صلى الله عليه وآله وسلم) من أُم حبيبة ثابت صحيح، ووجدوا أيضاً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عرضت عليه بنت أُخرى لأبي سفيان وهي أُخت أُم حبيبة. فقوي بذلك احتمال حصول الوهم لأحد رواة الحديث».
«فعند مسلم (ح2626) عن أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان قالت: دخل عليّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلتُ له: هل لك في أُختي بنت أبي سفيان؟ فقال: أفعل ماذا؟ قلت: تنكحها، قال: أو تحبين ذلك؟ قلت: لست لك بمخلية وأحبُّ من شركني في الخير أُختي، قال: فإنّها لا تحلُّ لي. قلت: فإنّي أُخبرت أنّك تخطب درَّة بنت أبي سلمة. قال: بنت أُمّ سلمة! قلت: نعم، قال: لو أنّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي إنّها ابنةُ أخ من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبةُ

صفحه384
فلا تعرضن عليَّ بناتكنَّ ولا أخواتكنَّ».
«فإذا ثبت أنّ أُمّ حبيبة عرضت أُختها على رسول اللّه، فالاحتمال قائم على أن تكون هي الّتي عرضها أبوها أيضاً غاية الأمر أنّ ذكر اسم «أُمّ حبيبة» وهم. ثم استشهد بكلام الصنعاني بأنّ في الحديث غلط ووهم في اسم المخطوب لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي عزّة ـ بفتح العين المهملة وتشديد الزاء ـ وهي أُخت أُمّ حبيبة، فخطب أبو سفيان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بها وخطبته لها أُختها، كما ثبت في الصحيحين فأخبرها بتحريم الجمع بين الأُختين».

تحليلنا

1. ما نسبه الدكتور إليّ من كون الحديث موضوعاً غير صحيح وانّما قلت: عليل، وإليك نص كلامي في مقالي المطبوع في المجلة وفي نفس العدد.
«لا يشك أي باحث متضلع في التاريخ الإسلامي أنّ الحديث عليل، لاتّفاق المسلمين على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تزوج بأُمّ حبيبة قبل فتح مكة».(1)
وكونه عليلاً واضح جدّاً بشهادة أن أقطاب الحديث صاروا إلى تصحيحه بوجوه مختلفة أفضلها عند الدكتور طروء الوهم والغلط على الحديث وانّ المخطوب لها كانت أُخت أُمّ حبيبة لا نفسها.
2. روى مسلم في صحيحه أنّ أُمّ حبيبة قالت للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): هل لك في

1 . بصائر الرباط، العدد:2 ص 124.

صفحه385
أُختي بنت أبي سفيان، فقال: أفعل ماذا؟ قلت: تنكحها... الخ.
وهذا عليل مضموناً، فكيف يكون شاهداً لتصحيح الخبر السابق؟ ذلك أنّ اقتراح أُمّ حبيبة كان بعد عام الفتح الّذي أسلم فيه أبو سفيان وهو العام الثامن من الهجرة، فهل يتصور أن تجهل زوجة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)حكم الجمع بين الأُختين حتّى تخطب أُختها لرسول اللّه؟! كيف وقد أمر سبحانه زوجات النبي بالقعود بالبيت وتلاوة كتاب اللّه وقال:(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ لَطِيفاً خَبيراً).(1)
وقد ملأ أسماع المسلمين قوله سبحانه: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً).(2)
وليست مسألة الجمع بين الأُختين من المسائل الّتي لا تتعلق بالنساء حتّى يستسهل جهلهن بها، بل هي من المسائل التي لها مساس بحياتهن العائلية.
فإذا كان حال الشاهد فكيف حال المشهود له؟!
3. انّ الدكتور أشار في غير موضع من كلامه بحسن إسلام أبي سفيان فقال في موضع: وأمّا جهاد أبي سفيان بعد إسلامه فحاصل من مشاهد مختلفة في زمن النبوة وبعدها، وفي موضع آخر: وإسلام أبي سفيان ودخوله في صف المجاهدين مع رسول اللّه بعد إسلامه معروف.
يلاحظ عليه: كان على الدكتور رعاية ما لفت نظرنا إليه، بقوله: «انّ نقاد

1 . الأحزاب:34.   2 . النساء:23.

صفحه386
الحديث يستحضرون كلّ ما يتصل بالحديث من الظروف العامة والملابسات واللوازم وكلّ ما له صلة بمضمون الحديث من قريب وبعيد... ولهذا فإنّ التحقيق في الخبر يوجب النظر فيه موصولاً بغيره من الحوادث السابقة واللاحقة، مضموماً إلى ما سواه في الأخبار والحوادث المتصلة بالزمان الّذي يتعلق به، والمكان الّذي يجري فيه»... إلى آخر ما ذكر، فياليت الدكتور استحضر هذا أو بعضه، في موضوع تاريخي له صلة بأبي سفيان الّذي تحدّى الرسالة الإسلامية منذ بزوغ فجرها، ووقف في وجهها معانداً ومحرّضاً ومحارباً، وآذى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه أشد الإيذاء، وجرّعهم أنواع الغصص هو وأصحابه الطغاة، وقاد كتائب الشرك لقتالهم وإطفاء نور اللّه الّذي أبى جلّ شأنه إلاّ أن يتمّه ولو كره المشركون.
فهل تمّ التحقيق في الخبر الوارد في شأنه موصولاً بهذه الحوادث السابقة؟
وهل درس مضموماً إلى ما سواه من الأخبار الّتي تتحدث عن تاريخه (النضالي) ضد الإسلام والمسلمين؟!
قال الذهبي وهو يترجم لأبي سفيان: رأس قريش، وقائدهم يوم أُحد ويوم الخندق، وله هنات وأُمور صعبة، لكن تداركه اللّه بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكرَه خائف. ثمّ بعد أيّام صلح إسلامه.(1)
لقد يئس أبو سفيان من قدرته على مقاومة الزحف الإسلامي المقدّس، وأحسّ بموازين القوى وهي تتغير لصالح الإسلام، وقد عبّر عن ذلك يوم

1 . سير أعلام النبلاء:2/105برقم 13.

صفحه387
فتح مكة بقوله: «يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به»(1)، ولذا استسلم (أو أسلم شبه مكره خائف) ممّا دعا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن يتألّفه بإعطائه حصة من الغنائم.
وأنّى للباحث المنصف غير المُنساق مع ميوله أن يثبت القول بأنّه (صلح إسلامه)، وقد (كان يحب الرئاسة والذكر)(2) ويُعرب في كلّ فرصة يجدها مناسبة عن نواياه غير السليمة تجاه الإسلام والمسلمين وقضاياهم المختلفة، في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، ولا سيما في عهد خلافة ابن عمه عثمان، والّتي كان له فيها سُورة ]أي منزلة[ كبيرة على حد تعبير الذهبي.
وإليك شيئاً من أفعاله وأقواله بعد إسلامه في حياة النبي وبعدها:
أ. لما انهزم المسلمون في غزوة حنين ـ والحديث ذو شجون ـ قال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. (2) وقال كلدة بن الحنبل: ألا بطل السحر.(4)
ب. لما بويع عثمان دخل إليه بنو أبيه حتّى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان: «أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا. قال: يا بني أُمية تلقفوها تلقّف الكرة، فوالّذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة».(3)
ج. مرّ أبو سفيان بقبر حمزة وضربه برجله وقال: يا أبا عمارة إنّ الأمر اجتلدنا عليه بالسيف، أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به.(4)

1 . الكامل في التاريخ:2/246.   2 . هذا الوصف للذهبي نفسه.
2 . السيرة النبوية لابن هشام:4/443.                      4 . نفس المصدر.
3 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:9/53 نقلاً عن كتاب السقيفة للجوهري.
4 . المصدر السابق:16/136.

صفحه388
د. روى أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة: كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث أبا سفيان ساعياً ورجع من سعايته وقد مات رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فلقيه قوم فسألهم، فقالوا: مات رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: من ولي بعده؟ قالوا: أبو بكر، قال: أبو فضيل! قالوا: نعم، قال: فما فعل المستضعفان: عليٌّ والعباس! أما والّذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما.
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز وذكر الراوي ـ وهو جعفر بن سليمان ـ أنّ أبا سفيان قال شيئاً آخر لم تحفظه الرواة; فلما قدم المدينة قال: إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم! قال: فكلّم عمر أبا بكر، فقال: إنّ أبا سفيان قد قدم. وإنّا لا نأمن شرّه، فدفع له ما في يده، فتركه فرضى.
وروى أحمد بن عبد العزيز، قال: جاء أبو سفيان إلى علي(عليه السلام)، فقال: وليتم على هذا الأمر أذلّ بيت في قريش، أما واللّه لئن شئت لأملأنها على أبي فضيل خيلاً ورجلاً، فقال علي(عليه السلام): طالما غششت الإسلام وأهله فما ضررتم شيئاً! لا حاجة لنا إلى خيلك ورجالك.(1)
هذه بعض أقواله وسيرته ولو جمعت من هنا وهناك لرسمت لنا نفسية هذا الرجل وصلته بالإسلام.
هذا ما سمح به المجال لتحليل ما كتبه الدكتور، ونعتذر إليه وإلى القراء من الإسهاب في المقام.
نحمده ونشكره ونستعين به ونصلّي ونسلم على نبيه وآله الطاهرين.
رسالة جوابية إلى الشيخ زين العابدين قرباني حول طلاق المرأة وهي حائض   
جعفر السبحاني    30 جمادى الآخرة 1427 هـ

1 . شرح نهج البلاغة، 9/53. وفي تاريخ ابن الأثير:2/326: فزجره عليّ، وقال: واللّه إنّك ما أردت بهذا إلاّ الفتنة. وإنّك واللّه طالما بغيت للإسلام شرّاً!

صفحه389
 
رسالة جوابية إلى الشيخ زين العابدين قرباني حول طلاق
المرأة وهي حائض
59
سماحة العلاّمة الحجّة الشيخ زين العابدين قرباني
دامت معاليه وتواترت بيض أياديه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
وصل إلينا من مكتبكم سؤال عبر الفاكس فنزلنا عند رغبة المكتب وقمنا بتحرير الجواب التالي:

طلاق المرأة وهي حائض وتزويجها ـ بعد العدة ـ برجل آخر

مسألة: لو طُلّقت المرأةُ وهي حائض ـ مع الجهل بالحكم ـ ثم تزوّجت ـ بعد خروج العدّة ـ برجل ودخل بها فولدت، فما حكمها بالنسبة إلى زوجها الثاني وما حكم ولدها.
الجواب: الطلاق باطل، والعقد وقع على ذات البعل، والدخول محكوم بالشبهة، والولد ولد حلال يرث ويُورث.
وإليك التفاصيل:
أمّا الأوّل: أي انّ الطلاق باطل، فلأنّ طلاق الزوجة وهي حائض باطل

صفحه390
عند الإمامية وعند بعض فقهاء أهل السنة، وإطلاق الدليل يقتضي البطلان من غير فرق بين العلم بالحكم والجهل به، فيكفي في ثبوت الإطلاق، ما ورد في الكتاب والسنّة حول شرطية الطهارة من الحيض لصحّة الطلاق.
ففي الكتاب قوله سبحانه:(يا أَيُّهَا النَّبِي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ).(1)
فإن قلنا: بأنّ العدّة عبارة عن الأطهار الثلاثة، فدلالة الآية على شرطية الطهارة لصحّة الطلاق واضحة، و«اللام» إمّا بمعنى «في» أي طلّقوهنّ في الزمان الّذي يصلح لئن يعتددن، أو بمعنى «لام الغاية» أي طلّقوهنّ لغاية الاعتداد. وإطلاق الآية كاف في ثبوت شرطية الطهارة من الحيض في حالتي العلم والجهل.
وإن قلنا بأنّ العدة عبارة عن الحيضات الثلاث، فبما أنّ الحيضة الّتي تطلق المرأة فيها لا تحسب من العدة إجماعاً من عامّة الفقهاء ـ وإن صحّ الطلاق عند بعضهم ـ يكون المراد مستقبلات لعدتهن، ولا يصدق الاستقبال للعدة (الحيضات الثلاث) إلاّ إذا وقع الطلاق في الطهر، حتّى تكون مستقبلة لها.
وعلى كلّ تقدير فالآية مطلقة، يؤخذ بها ما لم يدل دليل على التقييد.
على أنّ الإجماع منعقد على اشتراك العالم والجاهل في الأحكام إلاّ في موضعين كالإتمام مكان القصر (لا العكس) والجهر مكان المخافته وبالعكس.

1 . الطلاق:1.

صفحه391
أمّا السنّة فقد تضافرت الروايات من الفريقين على أنّ عبد اللّه بن عمر طلق زوجته ثلاثاً وهي حائض، فأبطله رسول اللّه.
ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): قال من طلق امرأته ثلاثاً في مجلس وهي حائض فليس بشيء، وقد ردّ رسول اللّه طلاق عبداللّه بن عمر إذ طلّق امرأته ثلاثاً وهي حائض وأبطل رسول اللّه ذلك الطلاق وقال: «كلّ شيء خالف كتاب اللّه فهو ردّ إلى كتاب اللّه» وقال: «لا طلاق إلاّ في عدّة».(1)
ويظهر من الذيل أنّ وجه الإبطال وقوع الطلاق في الحيض الّتي لا تحسب عدة في عامة المذاهب. واحتمال كون الإبطال لأجله تعدد الطلاق في مجلس واحد، مرفوض، لأنّ الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد صحيح لكن يحسب واحداً. ـ مضافاً ـ إلى أنّ ذيل الحديث صريح في أنّ وجه البطلان وقوعه في ا لحيض الذي لا يحسب عدة وإنّما يحسب إذا وقع الطلاق في الطهر فتكون الحيضة الأُولى عدة.
وقد روى حديث طلاق ابن عمر زوجته في الحيض وإبطال رسول اللّه إيّاه البيهقي في سننه.(2) ولم يكن طلاقه عن علم بالحكم، بل عن جهل به كما هو واضح.
فإن قلت: إذا شككنا في شرطية الطهارة عن الحيض عند الجهل

1 . وسائل الشيعة:15، الباب8 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث7. ولاحظ في نفس الباب رقم 1و 4 و 8 و 9.
2 . لاحظ : سنن البيهقي: 7 / 324 ـ 325.

صفحه392
بحكمها يكون المورد مجرى لقوله: «رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون» فيحكم بصحّة الطلاق حينئذ.
قلت: دليل البراءة محكوم بالدليل الاجتهادي في المقام عموماً وخصوصاً.
أمّا الأوّل فلإطلاق دليل شرطية الطهارة عن الحيض لصحّة الطلاق في الكتاب والسنّة.(1) وليس لدليل المشروط نظير قوله(عليه السلام): «الطلاق أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق(2) إطلاق حتّى يتحقق التعارض بين إطلاق دليل الشرط الدالّ على شرطية الطهارة في صورة الجهل، وإطلاق دليل المشروط الدال بإطلاقه على عدم الشرطية في هذه الحالة.
وأمّا الثاني، فلحديث ابن عمر المتضافر، فقد حكم النبي ببطلان طلاقه مع جهله بالحكم كما مرّ.
***
أمّا الثاني: أي أنّ العقد وقع على ذات البعل فقد اتّضح ممّا ذكرنا فإذا كان الطلاق باطلاً تكون المرأة في حبال الزوج السابق، ومن عقد عليها فقد عقد على ذات البعل، وحكمه واضح وهو أنّه لو تزوجها ـ وهي ذات بعل ـ مع العلم بالموضوع، فالتزوّج باطل وهي محرمة عليه مؤبداً سواء دخل بها أم لم يدخل.

1 . وسائل الشيعة: 15، الباب8 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
2 . وسائل الشيعة: 15، الباب16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث7.

صفحه393
ولو تزوّجها مع الجهل بالموضوع لم تحرم عليه إلاّ بالدخول بها.
وقد ألحق المشهور التزويج بذات البعل بالتزويج في العدة في التفصيل المذكور إمّا من باب القياس الأولويّ، لأنّ علاقة الزوجية أقوى من علاقة الاعتداد. أو بالنصوص الواردة في المسألة، (التزويج بذات البعل) وهي على قسمين:
تارة ينزّل العقد على المعتدّة مكان العقد على ذات البعل.
وأُخرى يبيّن حكم العقد على ذات البعل من دون تعرّض للتنزيل.
أمّا الأوّل: فهو ما رواه حمران بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة تزوجت في عدّتها بجهالة منها بذلك... ـ إلى أن قال: ـ إن كانت تزوجته في عدة لزوجها الّذي طلقها عليها، فيها الرجعة فإنّي أرى أنّ عليها الرجم»(1)، فالرواية تتلقى العقد على المعتدة أنّه عقد على ذات البعل، ويكون الحكم في المنزّل عليه أقوى من الحكم في المنزل، فإذا ثبت الحكم في المنزّل يثبت في المنزّل عليه بوجه أولى.
ومن المعلوم أنّ العقد على المعتدة مع الجهالة إذا كان مع الدخول تحرم أبداً، فيكون العقد على ذات البعل في هذه الصورة مثل العقد على المعتدّة.
وأمّا الثاني: أي ما يبيّن حكم العقد على ذات البعل من دون تعرض للتنزيل فقد وردت فيه روايات أربع، اثنتان منها واردة في العقد على المعتدّة

1 . وسائل الشيعة :14، الباب17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث17.

صفحه394
مع الجهل بالموضوع، ومقتضى إطلاقهما نشر الحرمة مطلقاً سواء دخل بها أو لا، والأُخريان وردتا في نفس الموضوع لكن تخصّ الحرمة بصورة الدخول، ومقتضى القاعدة تخصيص الأُوليين بالأُخريين.
أمّا الأُولتان فهما:
1. موثق أديم الحرّ قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «الّتي تزوجت ولها زوج يفرق بينهما ثمّ لا يتعاودان».(1)
2. مرفوعة أحمد بن محمد: انّ رجلاً تزوج امرأة وعُلِم أنّ لها زوجاً فُرّق بينهما ولم تحل أبداً.(2)
ومصب الروايتين، هو الجاهل بالموضوع، إذ من البعيد، بل النادر أن يعقد المسلم في المجتمع الإسلامي على ذات البعل، وإنّما يعقد عليها لأجل الجهل به، كما إذا أتاه الخبر بأنّه مات زوجها أو طلقها فحصل اليقين بعدم المانع فعقد عليها ثمّ تبيّن الخلاف.
وهاتان الروايتان مطلقتان تعمّان صورة الدخول وعدمه.
وأمّا الأُخريان فهما صحيحتان لزرارة أو موثقتان له.
3. عن أبي جعفر(عليه السلام) في امرأة فُقِد زوجها أو نُعي إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلّقها قال: «تعتد منهما جميعاً ثلاث أشهر عدة واحدة وليس للآخر أن يتزوجها أبداً».(3)

1 . وسائل الشيعة:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث1.
2 . وسائل الشيعة:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث10.
3 . وسائل الشيعة: 14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث2.

صفحه395
ومصبّ الرواية هو الجاهل بالموضوع المقرون بالدخول بشهادة قوله: «تعتد منهما» وليس في الرواية شيء يشكل سوى الحكم بكفاية عدة واحدة وهو على خلاف المشهور.
4. عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:إذا نُعي الرجل إلى أهله أو أخبروها أنّه قد طلقها فأعتدت ثم تزوّجت فجاء زوجها الأوّل فإنّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخير دخل بها أم لم يدخل بها، وليس للآخر أن يتزوجها أبداً، ولها المهر بما استحلّ من فرجها».(1)
ومورد الرواية هو المدخول بها بشهادة قوله:«ولها المهر بما استحل من فرجها».
وأمّا قوله: «دخل بها أم لم يدخل بها» فالتسوية راجعة إلى ما تقدّم، أعني: «فإنّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخير» وليست راجعة إلى قوله:«وليس للآخر أن يتزوجها أبداً» بل هو مختص بصورة الدخول.
فمقتضى القواعد تقييد إطلاق الأُوليين بما ورد من القيد في الأخيرين، فتكون النتيجة هي التفصيل في صورة الجهل بين الدخول فتحرم أبداً، وعدمه فلا تحرم.
هذا حكم الجاهل، وأمّا العالم بالموضوع فحكمه هو أنّها تحرم مطلقاً دخل بها أم لم يدخل، أخذاً بالتنزيل فإنّ العقد على المعتدّة مع العلم يورث الحرمة مطلقاً، فكذلك ما هو أولى منه أعني العقد على ذات البعل.

1 . وسائل الشيعة: 14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث6.

صفحه396
وقد عرفت في رواية حمران أنّ الإمام نزّل المعتدّة منزلة ذات البعل.
بقي هنا روايتان ربما يتوهم كونهما معارضين لما سبق، وهما:
1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم، فطلقها الأوّل أو مات عنها، ثمّ علم الأخير، أيراجعها؟ قال: «لا، حتّى تنقضي عدّتها».(1)
والظاهر عدم المعارضة، لأنّ الرواية خاصة بالجاهل بالموضوع بشهادة قوله:«ثم علم الأخير»، ومطلقة تعم صورتي الدخول وعدمه، وعندئذ يفيد إطلاقها بما ورد في الأخيرتين من الحرمة الأبدية في صورة الدخول.
2. صحيحة الآخر: قال سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة، ثم استبان له بعد ما دخل بها انّ لها زوجاً غائباً فتركها، ثمّ إنّ الزوج قدم فطلقها أو مات عنها، أيتزوجها بعد هذا الّذي كان تزوجها، ولم يعلم انّ لها زوجاً، قال (عليه السلام): «ما أحب له أن يتزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره».(2)
وجه المعارضة:
1. انّ قوله:«ما أحبّ له أن يتزوّجها» ظاهر في الكراهة، وأين هي من الحرمة الأبدية؟!
2. تجويز التزوّج بها، بعد أن تنكح زوجاً غيره.
يلاحظ على الأوّل: أنّ هذا التعبير في لسان أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أعمّ من

1 . وسائل الشيعة:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث3.
2 . وسائل الشيعة:14، الباب16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث4.

صفحه397
الكراهة المصطلحة كما في نظيره:«لا ينبغي»، فقد ادّعى صاحب الحدائق ظهوره في الحرمة، أو عدم ظهوره في الكراهة المصطلحة.
يلاحظ على الوجه الثاني: بأنّه وإن كان ظاهراً في جواز التزويج، لكن لا يمكن الأخذ بهذه الرواية لاشتمالها على ما يخالف الإجماع أو القدر المتيقن من هذه الروايات، وذلك لأنّ ظاهر الرواية انّ المرأة كانت عالمة بالموضوع غير جاهلة به حيث قال:«ثم استبان له بعد ما دخل بها انّ لها زوجاً غائباً فتركها» حيث خصّ الاستبانة بالزوج دون الزوجة، ومن المعلوم حرمة التزويج بذات البعل عند العلم مطلقاً، فكيف مع الدخول، فالرواية معرض عنها.
قال السيّد الاصفهاني: يلحق بالتزويج في العدّة في إيجاب الحرمة الأبدية، التزويج بذات البعل فلو تزوّجها مع الجهل لم تحرم عليه إلاّ مع الدخول بها.(1)
وأمّا الثالث: أي انّ الدخول محكوم بالشبهة وليس من أقسام الزنا، فلأنّه دخل بها على أنّها زوجته الشرعية. فيكون من مقولة الوطء بالشبهة، فتكون الثمرة أيضاً، ولداً شرعياً، فهو يَرثُ ويُورث. واللّه العالم.
جعفر السبحاني
20 رجب المرجب 1427 هـ

1 . وسيلة النجاة، فصل النكاح في العدّة، المسألة5، ص 333، الطبعة الثامنة.

صفحه398
   
 
60

بيعتان في بيعة

صاحب الفضيلة حجة الإسلام السيد عبد الفتاح نواب ـ دامت معاليه ـ
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في صلاح وفلاح، كما أرجو أن يكون أخونا الكريم الأُستاذ الفذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم في صحة وعافية.
ذكرتم أنّ الأُستاذ ـ حفظه اللّه ـ قد طلب منكم رأي فقهاء الشيعة الإمامية في مسألة «البيعتين في بيعة واحدة»، واقترحتم عليّ أن أُحرّرها، فقمت ـ تلبية لاقتراحاتكم ـ بتحرير المسألة بوجه موجز، ولا نقول: إنّه رأى عامة فقهائنا، إذ ليس لهم في المسألة رأي موحَّد والتفصيل يطلب من مظانّه.
اختلفت كلمة الفقهاء في تفسير هذا العنوان (بيعتان في بيعة واحدة) الّذي ورد في روايات السنّة والشيعة. ولنذكر ما رواه الفريقان أوّلاً، ثمّ ندخل في صلب الموضوع:

صفحه399

1. ما رواه الفريقان في المقام:

1. روى الترمذي في سننه في باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة، عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيعتين في بيعة.
وقال في شرح الحديث: وقد فسّره بعض أهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين....(1)
2. رووا أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع وشرط.(2)
وأمّا الشيعة الإماميّة فقد أخرج الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460هـ) في كتاب «التهذيب» عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:
3.نهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك.(3)
وروى محمد بن بابويه الصدوق (المتوفّى 381هـ) عن الصادق(عليه السلام)عن آبائه(عليهم السلام) في مناهي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال (عليه السلام): نهى عن بيعين في بيع.(4)
4. روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: بعث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً من أصحابه والياً فقال: إنّي بعثتك إلى أهل اللّه ـ يعني أهل مكة ـ فأنههم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع، وعن ربح ما لم يضمن.

1 . سن الترمذي: ج3، كتاب البيوع، الباب18، رقم الحديث1232.
2 . المهذب للشيرازي: 1/275; العزيز في شرح الوجيز:4/105; المغني:4/308، الشرح الكبير: 4/56 ولم أقف على نص الحديث في الصحاح والسنن لقلّة التتبع.
3 . التهذيب:7/230، حديث رقم1005.   4 . من لا يحضره الفقيه:4/4رقم1.

صفحه400

2. ما هو المقصود من الحديث؟

قد فُسّر الحديث بوجوه وإليك سردها إجمالاً:
الأوّل: أن يبيع الرجل السلعة فيقول: هي نقداً بكذا ونسيئة بكذا، وبطبيعة الحال يكون الثمن الثاني أكثر من الأوّل.
وهذا على قسمين: فتارة يفترق المتبايعان مع الالتزام في النهاية بأحد الثمنين، وأُخرى يفترقان على الإبهام من دون أن يلتزما بأحد الثمنين.
الثاني: أن يتبايعا مع تردّد المبيع أو الثمن بين شيئين، كأن يقول: اشتريت بالدينار شاةً أو ثوباً، أو يقول: بعت السلعة بدينار أو بشاة.
الثالث: أن يبيع السلعة بمائة إلى سنة على أن يشتريها بعد البيع حالاً بثمانين.
الرابع: أن يشترط بيعاً أو شرطاً في بيع كأن يقول: بعتك هذه الدار بألف على أن تبيع دارك منّي بكذا، أو يبيـع ا لدار ويشترط عليه أن يسكنه إلى شهر....
الخامس: أن يشتري حنطة بدينار نقداً سلماً إلى شهر، فلما حلّ الأجل، قال البائع: اشتري منك الصاع الّذي بذمّتي بصاعين إلى شهرين.
السادس: أن يجمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد، كبيع وسلف ، أو إجارة وبيع، أو نكاح وإجارة.
هذه هي الوجوه التي فُسّر بها الحديث النبويّ، وبذلك ربّما عاد

صفحه401
الحديث مجملاً في مفهومه، لا يصحّ الاستدلال به على واحد من هذه المحتملات، إلاّ إذا عاضدته قرينة معيّنة، إذ من البعيد أن يكون الجميع مقصوداً للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم). وسيوافيك ما هو الأقرب منها إلى مضمون الحديث في آخر المقال.
إذا تبين ذلك، فنحن ندرس عامة المحتملات على ضوء القواعد العامة المستفادة من الكتاب والسنّة، ثمّ نعود إلى تفسير ما روي في المقام، فنقول: إنّ القضاء الحاسم في هذه الصور رهن بيان الأمرين التاليين:

1. الأصل صحّة كلّ عقد وبيع عقلائي

دلّت الآيات والروايات على صحّة كلّ عقد وبيع عقلائي، يتعلّق به الغرض ولا يعدُّ لغواً، إلاّ ما دلّ الدليل الشرعي على عدم صحّته. فلو شكّ في صحّة عقد، أو بيع في مورد، فيحكم بصحّته أخذاً بإطلاق الآيات التالية:
1. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).(1)
2. (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).(2)
3. (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض).(2)
فإنّ مفاد الآيات: انّ كلّ ما صدق عليه العقد أو البيع، أو التجارة عن

1 . المائدة:1.   2 . البقرة:275.
2 . النساء:29.

صفحه402
تراض وجب الوفاء به، وهو ممّا أحلّه اللّه، ولا يعد أكلاً بالباطل.
فكلّ مورد شكّ في صحّة عقد أو بيع، وجواز أكل شيء، فالصحّة محكّمة إلاّ إذا دلّ الدليل على بطلانه، فما لم يرد في الشريعة، نهي عن عقد أو بيع، أو لم ينطبق عليه أحد العناوين المحرّمة في الشرع فالعقد نافذ والبيع ماض، والأكل به حلال إلاّ إذا دلّ الدليل على خروجه عن الإطلاقات كالعقد الربوي، وبيع الخمر، وثمن الفحشاء وإن رضي الطرفان، فعندئذ يُحكم عليه بالحرمة، وأحياناً بالفساد.
فكما أنّ مقتضى الآيات هو صحّة كلّ عقد أو بيع شكّ في صحته، فهكذا مقتضى إطلاق السنة، في مورد شك في صحّته، نظير:
1. الناس مسلّطون على أموالهم.
2. لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه.
فالإنسان مسلّط على أمواله، فله أن يبيع ماله ويهبه بأي نحو شاء، وليس لأحد منعه عن التقلب في أمواله. إلاّ إذا ورد النهي عنه في الشريعة المقدسة.
وبه تظهر كيفية الاستدلال بالحديث الثاني، فالملاك في الحلية، هو طيب النفس في أيِّ مورد، فإذا كان المالك راضياً وطابت نفسه لتصرف الآخر، يكون نافذاً وصحيحاً وممضي عند الشرع، إلاّ إذا دلّ الدليل على بطلانه.
هذا حال العقود والبيوع وإليك الكلام في الشروط.

صفحه403
 
2. الأصل صحّة كلّ شرط عقلائي
الأصل في الشروط أيضاً الصحة والنفوذ إلاّ إذا قام الدليل على عدم صحّته، والمراد من الشرط هو طلب فعل من البائع أو المشتري على غرار قوله:(عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَانِيَ حِجَج)(1). حيث شرط في نكاح بنته من موسى، خدمة ثماني حجج.
نعم لا يكون الشرط نافذاً وصحيحاً وواجب الوفاء، إلاّ إذا كان جامعاً للأُمور التالية:
1. أن يكون داخلاً تحت القدرة.
2. أن يكون سائغاً وجائزاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ المسلمين عند شروطهم إلاّ شرطاً حرم حلالاً أو أحلّ حراماً».(2) فلو باعه شيئاً واشترط في ثمن العقد أن يشتري منه شيئاً معيناً، أو يبيعه شيئاً آخر، أو يُقرضه، شيئاً معيناً، أو يستقرضه صحّ، لإطلاق قوله: «المسلمون عند شروطهم» إلاّ ما خرج بالدليل.
3. أن يكون عقلائياً، لا سفهياً، كما إذا شرط الكيل بميزان معيّن، مع مساواته بسائر الموازين الصناعية الدقيقة.
4. أن يكون داخلاً تحت القدرة، فخرج ما ليس في قدرة المشترَط عليه.

1 . القصص:27.
2 . وسائل الشيعة :12، الباب 6 من أبواب الخيارات، الحديث5.

صفحه404
5. أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة، ككون الطلاق بيد الزوجة أو اشتراط إرث أجنبي.
6. أن لا يكون مخالفاً لمقتضى العقد، كما لو باع بلا ثمن أو آجر بلا أُجرة، فإنّ ماهية العقود مخالفة لماهية البيع، فالبيع ربط بين المالين وتبادل بينهما، والإجارة ربط بين العين والأُجرة أو بين العمل والأُجرة. وعلى كلّ تقدير يتقوّمان بمالين أو بعمل ومال، فالبيع بلا ثمن أو بلا أُجرة أشبه بأسد بلا رأس ولا ذنب.
7. أن لا يكون مجهولاً جهالة توجب الغرر، لاستلزامه جهالة العوضين، كما إذا باع شيئاً وشرط على المشتري أن يبني له جداراً مبهماً من حيث الطول والعرض، فإنّ الشرط كالجزء من العوضين فيكون محكوماً بالبطلان.
هذا بعض ما يعتبر في صحّة الشروط ونفوذها في البيع وسائر العقود، وربّما ذكرت هناك شروط أُخرى لنفوذها لا حاجة لذكرها في المقام، وقد بسطنا الكلام فيها في كتابنا «المختار في أحكام الخيار» .(1)
فظهر ممّا ذكرنا أمران:
أ. الأصل في العقود والبيوع هو الصحّة والمضيّ، إلاّ إذا قام دليل شرعي على عدم اعتباره في الشريعة المقدسة، كالبيع الربوي، وغيره.
ب. الأصل في العقود هو الصحة إذا كان واجداً للشروط المعتبرة فيها.

1 . لاحظ المختار في أحكام الخيار: 449 ـ 500.

صفحه405
وأنّه يجب الالتزام بها، ما لم يكن مؤدِّياً إلى جهالة المبيع أو الثمن أو مخالفاً للكتاب والسنة، إلى غير ذلك من الشروط الّتي مضى أكثرها.
فعلى هذا فالضابطة في صحّة الشرط، هو أنّه إذا لم يكن مؤدّياً إلى جهالة المبيع أو الثمن أو مخالفاً للكتاب والسنة إلى غير ذلك من الشروط، صحّ كلّ شرط في العقود.
وعلى ذلك فاللازم أوّلاً: عرض هذه الوجوه المحتملة الستة على هذه القواعد العامة واستخراج حكمها على ضوئها.
وثانياً: العود إلى دراسة ما روى في المقام الّذي أوعزنا إليه في صدر البحث والتأمّل فيه، كي يظهر مدى انسجامه مع القواعد العامة. وإليك البيان.
أمّا الوجه الأوّل: وهو أن يبيع الرجل السلعة نقداً بكذا ونسيئة بكذا، فقد مرّ أنّ طبيعة الحال تقتضي أن يكون الثمن الثاني أكثر من الأوّل.
وقد مرّ أنّ لهذا المحتمل صورتين: تارة يفترق المتبايعان بعد الإيجاب والقبول من دون أن يلتزما بأحد الثمنين. وأُخرى يفترقان مع تعيين أحد الثمنين في قبول المشتري.
أمّا الأوّل: فقد ذهب جماعة كالشيخ الطوسي في «المبسوط» وابن إدريس الحلي في «السرائر» إلى بطلان العقد والبيع لجهالة الثمن، لتردّده بين درهم ودرهمين، وقد مرّ أنّ الجهالة من أسباب بطلان الشرط.
وإن شئت قلت: يبطل للغرّ، وللإبهام الناشئ من الترديد، القاضي بعدم تملّك البائع حال العقد أحد الثمنين بالخصوص، وهو مناف لمقتضى سببية

صفحه406
العقد لتملك البائع الثمن مقابل تملك المشتري المثمن.
هذا مقتضى القاعدة ولكن رُوي عن علي(عليه السلام) أنّه يكون للبائع أقلّ الثمنين في أبعد الأجلين(1). وقد عمل بالحديث جماعة من فقهاء الإمامية.(2)
وكان وجهه: انّه إن رضي بالأقل فليس له الأكثر في البعيد، وإلاّ لزم الربا، لأنّه قَبَض الزيادة في مقابل تأخير الثمن لا غير.
ومع ذلك فإنّ مضمون الحديث ينافي الضوابط العامة، لأنّ الإلزام بالأقل إلى الأجل الأبعد ليس تجارة عن تراض، والعمل به أمر مشكل والقول بالبطلان أقوى، وفي الوقت نفسه أحوط. والرواية حسنة وليست بصحيحة، وبمثلها لا يصحّ الخروج عن الضوابط العامّة.
ويؤيّد البطلان ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا يحل صفقتان في واحد».(3)
هذا كلّه إذا أمضى البائع البيع، دون أن يختار المشتري أحد الفرضين.
وأمّا الثاني أي ما إذا اختار المشتري أحدهما في قبوله فالظاهر صحّة البيع والعقد، لأنّ الجهالة ترتفع بقبول المشتري أحد الفرضين، فإمّا أن يقول

1 . وسائل الشيعة: 12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، الحديث 1، 2. و تسمية الحال أجلاً باعتبار ضمّه إلى الأجل في التثنية وهو قاعدة مطردة ومنه الأبوان والقمران.
2 . الجواهر:2/103ـ 104.
3 . وسائل الشيعة: 12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.

صفحه407
قبلت البيع بدرهم نقداً أو بدرهمين إلى أجل، ولا دليل على أنّ الجهالة حال الإيجاب وارتفاعها عند القبول مورث للبطلان، فمقتضى القاعدة صحّة البيع والعقد حسب ما يلتزم به المشتري.
وأمّا الوجه الثاني: وهو أن تبايعا مع تردد المبيع أو الثمن بين شيئين كأن يقول: اشتريت بالدينار شاةً أو ثوباً، أو يقول: بعت السلعة بدينار أو شاة، ويأتي في هذه الصورة ما ذكرناه في الصورة المتقدمة، فإن تم الإيجاب والقبول بلا التزام بأحد الفرضين فالبيع باطل لجهالة أحد العوضين، وإلاّ فالظاهر الصحة لارتفاعها بقبول المشتري أو إيجاب البائع متأخّراً ولا دليل على اشتراط المعلومية أزيد من ذلك.
وأمّا الوجه الثالث: أعني أن يبيع السلعة بمائة إلى شهر على أن يشتريها بعد البيع حالاً بثمانين. وبعبارة أُخرى: أن يبيع الشيء بثمن مؤجل بمائة بشرط أن يشتريه البائع من المشترى ثانياً بثمن حالّ أقل من ثمنه، فهذا هو بيع العينة، فكلّ من قال بفساد بيع العينة يقول بفساده. وهو يعد من حيل الربا فإنّ السلعة رجعت إلى صاحبها.. وثبت له في ذمة المشتري مائة مع أنّه دفع إليه ثمانين.
والذي عليه أكثر فقهاء الإمامية:
إنّه إذا اشترط تأخير الثمن إلى أجل، ثم ابتاعه البائع قبل حلول الأجل دون أن يشترط في البيع الأوّل جاز مطلقاً، بزيادة كان أو بنقصان، حالاً أو مؤجلاً ـ بخلاف ما إذا اشترط في ضمن العقد، فقد اختارت جماعة البطلان

صفحه408
في هذه الصورة (صورة الاشتراط).
وقد ذكروا في وجه البطلان عندئذ أمرين:
1. استلزامه الدور، لأنّ بيع المشتري للبايع، يتوقف على ملكه له، المتوقف على بيعه للبايع.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ المشتري يملك بمجرد العقد، ولا يتوقف ملكه على العمل بالشرط، أي بيعه للبائع والّذي يتوقف عليه، هو لزوم البيع الأوّل لا تملكه.
2. عدم قصد الخروج عن ملكه، بشهادة انّه يشترط شراءَه من المشتري ثانياً، وليس الغرض إلاّ تملك الفائض.
يلاحظ عليه: بأنّه ربما يتحقّق القصد لغرض تملك الفائض، حيث يبيع بمائة ويشتري بثمانين.
والمهم انّه ذريعة محلّلة للربا، وللبحث صلة تطلب في محلّها.
وأمّا الوجه الرابع: أعني: أن يشترط بيعاً في بيع كأن يقول: بعتك هذه الدار بألف على أن تبيع دارك بكذا. فهذا على قسمين: فتارة يشترط البيع الآخر ولا يحدد ثمن المبيع الثاني وهذا باطل لأجل الجهالة، وأُخرى يشترط في البيع بيعاً آخر ويحدد المبيع والثمن كأن يقول بعتك داري هذه بألف على أن تبيعني دارك بألف وخمسين، وهذا صحيح لعدم الجهالة.

1 . تذكرة الفقهاء :10/251.

صفحه409
والحاصل: أنّ المدار في الصحة والبطلان هو وجود الجهالة في أحد العوضين وعدمها، والمفروض عدمها.
وأمّا الوجه الخامس: أعني: أن يشتري حنطة بدينار نقداً سلماً إلى شهر: فلمّا حلّ الأجل قال البائع: أشتري منك الصاع الّذي بذمتي بصاعين إلى شهرين.
والظاهر بطلان البيع، لأنّه بيع كال بكال أوّلاً، وبيع ربوي بجنسه متفاضلاً.
وأمّا الوجه السادس: أعني: أن يجمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد (كبيع وسلف)، كما إذا قال: بعتك هذا العبد وعشرة أقفزة حنطة موصوفة بكذا، مؤجلاً إلى كذا بمائة درهم، أو «إجارة وبيع» كما إذا قال: آجرتك الدار وبعتك العبد بكذا، أو «نكاح وإجارة» كما إذا قال: أنكحتك نفسي وآجرتك الدار بكذا، فالظاهر الصحة لصدق العقد عليه، ولم يدل دليل على خروجه عن إطار الآيات والروايات.
وهذا العقد في الظاهر عقد واحد وفي المعنى عقدان أو عقود، ولذا يجري عليه حكم كلّ منهما لنفسه من غير مدخلية للآخر، فلو جمع بين البيع والإجارة فخيار المجلس للأوّل دون الثاني.
ولو احتيج إلى أن يقسط العوض لتعدّد المالك قسّط على النحو المقرّر في باب الأُروش.
نعم تأمّل المحقّق الأردبيلي في صحّة هذا النوع من العقد، من جهتين:

صفحه410
1. الشكّ في صحّة مثل هذا العقد (بيع وإجارة)، حيث لا يدخل في اسم كلّ منهما، فهو لا بيع، ولا إجارة.
2. انّ الجهالة والغرر وإن ارتفعا بالنسبة إلى هذا العقد، إلاّ أنّهما متحقّقان بالنسبة إلى البيع والإجارة، وقد نهى الشارع عنهما في كلّ منهما.
وارتفاع الجهالة بالنسبة إلى المجموع غير مجد.(1)
يلاحظ على الأوّل: بما عرفت في صدر البحث، أنّ الموضوع للصحة هو العقد، وقوله: آجرتك تلك الدار وبعتك العبد بمائة دينار، عقد عقلائي كفى في دخوله تحت قوله سبحانه: (أَوْفُوا بالعُقُودِ).
ويلاحظ على الثاني: أنّ الجهالة بالنسبة إلى كلّ من ثمن البيع وأُجرة الإجارة وإن كانت متحقّقة لكنّها إنّما تضرّ إذا كان البيع أو الإجارة عقداً مستقلاً لا جزء عقد، فعموم قوله سبحانه:(أَوفُوا بِالعُقُودِ) كاف في ثبوت مشروعيته.
وليست اللام في «العقود» إشارة إلى العقود المتعارفة في عصر نزول الآية، بل هي ضابطة كلية، في عالم التشريع تأمر المكلّفين بالوفاء بكلّ ما يصدق عليه عقد عرفي عقلائي إلاّ ما خرج من الدليل.(2)
هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أي عرض المحتملات على الضوابط العامّة المستفادة من الكتاب والسنّة.

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/531.
2 . جواهر الكلام :23/234.

صفحه411
 
دراسة الحديث
بقي الكلام في الأمر الثاني وهو دراسة الحديث ومدى موافقته للقواعد.
وإجمال الكلام فيه: أنّ الحديث بعد سريان الاحتمالات إليه، صار مجملاً من حيث الدلالة، مبهماً من حيث المقصود، فلا يمكن الاحتجاج به على واحد من هذه الصور المختلفة، ومن البعيد أن يكون الجميع مقصوداً للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلأجل إجمال الحديث وتطرق الاحتمالات المتنوعة إليه، يسقط عن الاحتجاج به، ويرجع في كلّ مورد إلى القواعد والضوابط العامة.
***
ومع ذلك كلّه يمكن أن يقال: إنّ أقرب الاحتمالات إلى مفهوم الحديث النبوي هو الوجه الأوّل، أي البيع نقداً بكذا ونسيئة بكذا، على وجه أصفق عليه البائع، من دون أن يلتزم المشتري بأحد الثمنين، وقد عرفت وجه البطلان لوجود الجهالة والغرر.
وأبعد الاحتمالات هو الوجه الرابع وهو أن يبيع شيئاً أو يشتريه ويشترط أحد المتبايعين شرطاً، فإنّ جواز مثل هذا النوع من البيع أظهر من الشمس وأبين من الأمس، لجريان السيرة على الاشتراط من الجانبين.
وممّا يقضي منه العجب ، أن تقع مثل هذه المسألة: باع شيئاً مع الشرط،

صفحه412
مثاراً للخلاف بين الفقهاء، على وجه حتّى روي عن أبي حنيفة والشافعي بطلان البيع والشرط.(1) ودونك ما نقله الشيخ الطوسي وغيره في المقام. قال (قدس سره):
المسألة40: من باع بشرط شيء، صحّ البيع والشرط معاً إذا لم يناف الكتاب والسنة. وبه قال ابن شبرمة.
وقال ابن أبي ليلى: يصحّ البيع، ويبطل الشرط.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطلان معاً.
وفي هذا حكاية رواها محمّد بن سليمان الذهلي، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: دخلت مكة فوجدت بها ثلاثة فقهاء كوفيين، أحدهم أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة.
فصرت إلى أبي حنيفة فقلت: ما تقول في مَن باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع فاسد، والشرط فاسد. فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت ما تقول في رجل باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع جائز، والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة، فقلت: ما تقول في مَن باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع جائز، والشرط جائز.
قال: فرجعت إلى أبي حنيفة فقلت: إنّ صاحبيك خالفاك في البيع.
فقال: لست أدري ما قالا؟ حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع وشرط.

1 . الخلاف:3/29ـ 30، لاحظ المحلى لابن حزم:8/415; وبداية المجتهد:2/158ـ 159.

صفحه413
ثمّ أتيت ابن أبي ليلى فقلت: إنّ صاحبيك خالفاك في البيع، فقال: ما أدري ما قالا؟ حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّها قالت: لما اشتريت بريرة جاريتي شرط عليّ مواليها أن أجعل ولاءها لهم إذا أعتقتها، فجاء النبي فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولاء لمن أعتق» فأجاز البيع، وأفسد الشرط.
فأتيت ابن شبرمة فقلت: إنّ صاحبيك قد خالفاك في البيع فقال: لا أدري ما قالا؟ حدّثني مسعر، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد اللّه قال: ابتاع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منّي بعيراً بمكة ، فلمّا نقدني الثمن شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة، فأجاز النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) البيع والشرط.
والظاهر أنّ مرادهم من الشرط، هو القسم الفاسد، كما يظهر من رواية «عائشة»، وإلاّ فاشتراط الصحيح منه في العقود، أمر رائج بين العقلاء وعليه جرت سيرة المسلمين.
هذا ما أسعف به الوقت في تحرير هذه الرسالة
وتمت يوم السابع والعشرين من شهر رجب المرجب من شهور عام 1425هـ
الحمد للّه الّذي بنعمته تتم الصالحات
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه414
   
 
إجابة عن شبهات في الفقه والعقائد
61

أُختي في اللّه ابتسام سالم زبن العطيات

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
لقد وافتني رسالتك المؤرخة 15 جمادى الأُولى 1419هـ ، وهي تكشف عن عنايتك بالبحث عن الحقيقة ، وتجردك عن التعصب، ولا شكّ انّ الموضوعية هي مفتاح كشف الحقيقة، وقد طرحتِ فيها عدة أسئلة أقوم بالإجابة عليها بنحو موجز وأُحيل التفصيل إلى الكتب التي سأُشير إليها في آخر الرسالة أو أرسلها إليك مرفقة بها.
1. جاء في رسالتك انّ الدكتور موسى الموسوي نقل انّ الإمام الخميني أدخل اسمه في الأذان....
الجواب: انّ الدكتور المذكور قد انتقل إلى الدار الآخرة ولا أقول في حقّه شيئاً عملاً بالحديث المعروف:«اذكروا موتاكم بخير» ولكنّه ـ سامحه اللّه ـ قد افتعل و افترى وبإمكانكم الاستماع إلى أذان إذاعة الجمهورية الإسلامية ليلاً ونهاراً.

صفحه415
نعم الشعار الثوري للأُمّة المسلمة الإيرانية في غير الأذان والإقامة هو «اللّه أكبر، خميني رهبر» ولا صلة لهذا الشعار بهما و إنّما يهتفون به في ساحات الوغى وفي التظاهرات الشعبية، والعجب انّ الملك خالد عاهل المملكة السعودية آنذاك طرح هذا السؤال على الإمام الخميني(رحمه الله)فأجاب بقوله: معاذ اللّه أن يدخل مسلم في الشريعة ما ليس منها فانّها بدعة محرمة لا يخضع لها الشعب المسلم.
2. صلاة الجمعة تقام في حضور الإمام وفي غيبته، وهي صلاة عبادية سياسية مقرونة ولا يقام إلاّ بإذن الإمام المعصوم أو الفقيه العادل الجامع للشرائط، ولذلك فالشيعة في عصر الغيبة تقيم صلاة الجمعة في جميع المدن والقرى، ومن قال بأنّ الشيعة عطلت صلاة الجمعة فهو مفتر لا يقام لكلامه وزن ولا قيمة.
وبإمكانكِ الرجوع إلى مبحث الأذان وصلاة الجمعة من كتاب «تحرير الوسيلة» ، وهو كتاب فقهي للإمام الخميني في جزءين كبيرين يوجدان في الملحق الثقافي للسفارة الإيرانية في الأُردن .
أُختي في اللّه لقد وظّف الجهاز الحاكم في عصر الأمويين والعباسيين ومن والاهم إلى يومنا هذا وسائل الأعلام بغية الافتراء على الشيعة وتشويه سمعتها بما لا يسع المجال لذكر معشار ما ارتكبوه من الأعمال في حقّ الشيعة، ونعم الحكم اللّه.
3. مسألة الإمام المهدي (عليه السلام)أصل اعتقادي اتّفق عليها المسلمون، وانّه

صفحه416
يظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت جوراً وظلماً، وإنّما الاختلاف بين الشيعة والسنة في أمر آخر ، وهو انّ الشيعة تعتقد بولادته عام 255هـ في سامراء و عاش في أحضان والده ووالدته خمس سنين وغاب عن الأبصار بعد وفاة أبيه عام 260 بأمر من اللّه سبحانه وهو حيّ يرزق في هذا العالم، وليس هذا ببعيد عن قدرته تبارك و تعالى .
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أنّ للّه سبحانه حجّتين ظاهرة وغائبة في عصر واحد، أمّا الظاهرة فكموسى (عليه السلام) ، وأمّا الغائبة فكمصاحبه الخضر (عليه السلام)الذي لم يكن موسى يعرفه و إنّما تعرّف عليه بتعريف من اللّه سبحانه، وقد نهل من معين علمه على ما ورد في سورة الكهف الآية (60ـ 82) فقد كان مصاحب موسى وليّاً من أوليائه سبحانه متصرفاً في أُمور الناس و لم يكن الناس يعرفونه.
فالإمام المهدي(عليه السلام) من تلك الفئة إمام غائب عن الأبصار متصرف في أُمور الناس قائم بوظائف الإمامة وإن كان الناس لا يعرفونه وسيظهر بأمر من اللّه سبحانه، و هومصلح كبير وعد اللّه به الأُمم وأخباره متفشية في العهدين وغيرهما، مضافاً إلى الأحاديث النبوية المتواترة التي نقلها علماء الفريقين .
4. مدينة قم مدينة مقدسة فيها مدفن كريمة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر بن محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) و في تلك البلدة الطيّبة ضريحها وضريح العديد من أعلام الشيعة من القرن الثاني إلى يومنا هذا من المحدّثين الكبار والفقهاء العظام، وقامت فيها جامعة إسلامية كبيرة زهت بالعديد من طلاّب

صفحه417
العلم والمعرفة يربو عددهم إلى ثلاثين ألف طالب.
وتُدرس في هذه الجامعة مختلف العلوم الإسلامية وفيها أيضاً جامعة أُخرى للبنات تدعى جامعة الزهراء (عليها السلام)تتقاطر إليها الطالبات من مختلف الأمصار الإسلامية.
ومؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) فرع من تلك الجامعة الكبيرة الا ُولى التي تختص بالدراسات الكلامية حيث تزوّد خريجيها بشهادات عليا مضافاً إلى ما تقوم به من نشر التراث الإسلامي وسدّ الفراغ بتأليف الكتب الدراسية ، والتبليغية .
5. الزواج بين المذاهب الإسلامية جائز والمسلم كفء المسلم بلا فرق بين فرقة وأُخرى فمادام الجميع يتمسكون بأهداب الإسلام و يشهدون بتوحيده سبحانه ورسالة نبيّه الخاتم ويوم جزائه فالجميع على حد سواء.
6. ذكرتم شيئاً من الاحتفالات التي تُقام في الأُردن حول ضريح سيدنا جعفر بن أبي طالب (عليهما السلام) في مدينة الكرك الأُردنية، ولكنّها نموذج صغير بالنسبة إلى ما يقام في العراق وإيران من الاحتفالات، فهو فوق أن يذكر ، والهدف من ورائها إحياء المنهج الذي رسمه السبط الأطهر حسين العظمة، حسين الإباء والشهادة، حسين التضحية، فهو منهج حي ومبدأ قيّم يجب الحفاظ عليه ليشبّ عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، وليترنّم الجميع بكلامه (عليه السلام) الخالد «انّ الحياة عقيدة وجهاد» فالاستسلام أمام العدو الغاشم على النقيض من منهج الحسين الثوري .

صفحه418
ولو كان منهج الحسين سائداً بين أوساط المسلمين لما عمّهم الذل والهوان ولما اغتُصِبت أراضيهم من قِبَل شُذّاذ الآفاق.
وقد بعثنا إليكم مع الرسالة السابقة قصيدة حول ثورة الحسين (عليه السلام)وطلبنا منك تفسيرها وتشقيق معانيها والتي كانت مطلعها.
أناخت على قلبي الكآبة والكرب *** عشية زمّ العيسَ للظَّعنِ الركبُ
إلى أن قال:
رزّيةُ قوم يمُّموا أرض كربلا *** فعاد عبيراً منهم ذلك التُّربُ
7. غسل الرجلين أو مسحهما في الوضوء مسألة فقهية اختلفت فيها آراء السنة و الشيعة، فأغلب السنّة على الغسل والشيعة على المسح وكتاب اللّه معهم والمستفاد من ظاهره انّ الوضوء «غسلتان » و «مسحتان» كما قاله ابن عباس، وصبّه بحر العلوم في قالب شعري في منظومته المسماة بالدرة النجفية حيث قال:
انّ الوضوء غسلتان عندنا *** ومسحتان والكتاب معنا
قال سبحانه:
(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) (1).
وقال:
(فَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ) (2).

1 . المائدة: 6.    2. المائدة: 6.

صفحه419
فالشيعة تقول بأنّ لفظ الأرجل معطوف على الرؤوس سواء قُرئ بالجر فيكون معطوفاً على اللفظ، أو بالنصب فيكون معطوفاً على المحل، لأنّ الرؤوس مفعول ومحلّه النصب، فكلتا القراءتين مطابقتان للقواعد العربية، وعلى ذلك فيجب المسح على كلتا القراءتين.
وأمّا السنة القائلون بالغسل فقد وقعوا في ورطة عجيبة في تفسير القراءتين حتى اعترف قسم كبير منهم بأنّ ظاهر الآية هو المسح وذلك:
بما انّهم يقولون بغسل الأرجل فقد مالوا يميناً و شمالاً في تفسير قراءتي الجرّ والنصب فقالوا:
على قراءة الجـرّ ـ فهومجرور بالجوار ـ مكـان القـول بأنّه معطـوف على لفظ الرؤوس ـ نظيـر قـول الشاعر: «جحر ضبّ خرب» فلفظ «خرب» خبر يجب أن يرفع لكنّه صار مجروراً لوقوعه في جوار «ضب» المجرور ، وعلى قراءة النصب فهو منصوب، لأنّه معطوف على «أيديكم» في الجملة المتقدّمة.
والتأمل في التفسير يثبت بطلان النظرين.
أمّا الجرّ: فالتفسير الصحيح أنّه معطوف على الرؤوس، لا الجرّ بالجوار و ذلك أنّ الجر بالجوار أمر شاذ في لغة العرب وربما تدعو الضرورة إلى هذا النوع من الجرّ ، ولا يصحّ لنا تفسير كلام اللّه على ضوء تلك القاعدة الشاذة، مضافاً إلى أنّ الجرّ بالجوار إنّما يصحّ إذا لم يكن هناك التباس كما في البيت إذ من المعلوم انّ الخرب وصف لجحر لا لضبّ.بخلاف الآية فإنّ الجر

صفحه420
بالجوار يوجب الالتباس إذ القارئ يتصور انّه معطوف واقعاً على الرؤوس فتكون النتيجة هو المسح عليها مع أنّ الفرض أنّها معطوفة على الأيدي.
وأمّا قراءة النصب فالإشكال أوضح، فأهل السنة تذهب إلى أنّها معطوفة على الأيدي الواردة من الجملة المتقدمة مكان العطف على الرؤوس التي هي بجنب «أرجلكم» وهذا شيء لا يرضى به الخبير بأساليب اللغة العربية فمثلاً إذا قال:
أكرمت زيداً وعمراً.
ثمّ قال:
ضربت بكراً وخالداً.
فهل يخطر ببال أحد انّ «خالداً» عطف على «عمراً»، بل الجميع يقولون إنّه عطف على «بكراً».
وفي الآية فعلان: أحدهما: (اغسلوا )و له مفعولان : الوجوه والأيدي.
والثاني: (فامسحوا) وقد جاء بعده أمران: الرؤوس والأرجل.
أفيصح أن نقول بأنّ الأرجل ليست معطوفة على الرؤوس بل معطوفة على الأيدي مع أنّه وقع بين المعطوف والمعطوف عليه جملة معترضة يغاير فعلها (فامسحوا) مع فعل الجملة الأُولى (اغسلوا) .
والعجب إنّكِ طرقتِ كلّ باب إلاّ باب القرآن فما رجعتِ إليه حتى تأخذين حكم اللّه من الآية المباركة.

صفحه421
وأمّا حديث عبد اللّه بن عمر فهو على خلاف الغَسْل أدل إذ جاء فيه قول ابن عمر «نتوضأ ونمسح على أرجلنا» أفيمكن أن يتوضأ ابن عمر ويمسح رجليه ــ و هو في أحضان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبمرأى ومسمع منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ من جانب نفسه، وهذا يدل على انّ عمل الصحابة كان على المسح.
وأمّا الجملة الأخيرة «ويل للأعقاب من النار» فليس فيها دلالة على وجوب الغسل عند الوضوء، بل الويل، لأجل انّ الأعراب كانوا عراة حفاة بوالين على أعقابهم من دون مبالاة بإصابة البول لها، فكانوا يمسحون على الأرجل النجسة، فناداهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «ويل للأعقاب من النار». إذ كان عليهم أن يغسلوا أعقابهم أوّلاً ثمّ يمسحوا عليها.
ولعمر الحق لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد بيان الحكم الشرعي وهو انّ الواجب في الأرجل هو الغسل لا المسح كان عليه أن يعبّر عن تلك الحقيقة بعبارة واضحة وينادي بقوله: أيّها المسلمون اغسلوا أرجلكم ولا تمسحوا بها، من دون أن يتفوّه بكلمة لا يفهم منها الغسل إلاّ بتفسير النووي وغيره.
كلّ ذلك يدل على أنّ الحديث على فرض صحته يعني أمراً آخر كما ذكرنا، وعلى تقدير دلالته على الغسل فما قيمة حديث يعارض الذكر الحكيم ولا يصحّ نسخ الكتاب بخبر الواحد لا سيما أنّ الآية في سورة المائدة وهي آخر سورة نزلت في المدينة.
8. مسألة الخلافة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مسألة عصيبة إذ ما سُلّ سيف بين المسلمين مثلما سُلّ في أمر الإمامة، فلنترك هذا البحث إلى ذمّة التاريخ

صفحه422
والحديث وعلم الكلام.
ويكفيك في ذلك مراجعة كتاب «العقيدة الإسلامية» ففيه من الدلائل المشرقة على أنّ الخلافة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)منصب تنصيبي لا اختياري ولا انتخابي، وقد قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بنصب خليفته تارة في بدء الدعوة، وأُخرى في غزوة خيبر حيث شبه عليّاً بهارون وأثبت له جميع المناصب إلاّالنبوة، وثالثة عند منصرفه عن حجّة الوداع حيث قام في غدير خم بتنصيب علي (عليه السلام)للخلافة والقيادة بأمر من اللّه سبحانه الواردة في الآية التالية:
(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فَإِنْ لَمْ تَفعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ) (1) و قد نقل غير واحد من أعلام السنة نزولها في غدير خمّ.
أنشدكِ باللّه ما هذا الموضوع الذي كان عدم تبليغه بمنزلة عدم تبليغ الرسالة بأجمعها؟! وهل يصح تفسير الآية بإبلاغ الأحكام الشرعية؟ كلاّ، ولا، بل لابدّ من تفسيرها بأمر خطير يعد دعامة للإسلام ، ورمزاً لبقائه وليس هو إلاّ تعيين الخليفة والوصيّ من بعده وإن أثار حفيظة الآخرين وقد قال سبحانه: (واللّه يعصمك من الناس) .
وبما أنّ الموضوع ذو شجون أكتفي بهذا المقدار وألفت نظرك إلى موضوع التقريب ونقول:
لقد قرأت مقالك في صحيفة الدستور وأعجبني اهتمامك بمسألة

1 . المائدة: 67.

صفحه423
التقريب التي هي أهمّ الأُمور في هذه الأعصار.
كيف والمسلمون يد واحدة وما يجمعهم أكثر مما يفرّقهم ، ونحن كما يقول شاعر الأهرام:
انا لتجمعنـا العقيـدة أُمّـة *** ويَضمُنا دينُ الهدى أتباعا
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنـا *** مهمـا ذهبنا في الهواء أشياعا
كما وكتبت في رسالتك الا ُولى بأنّ الإمام الخميني سمّى الخليفتين بصنمي قريش في كتابه كشف الأسرار، ص 111، 114، 117 ولم أجد في الصفحات المستنسخة التي أرسلتِها إليّ شيئاً من تلك الكلمات.
نعم جاء في التعليقة للمترجم، ص 126«انّ الخميني وشيعته ينعتان الخليفتين بصنمي قريش» والتعليقة لا يحتج بها لا سيما و انّ كاتبها قد ملأ كتابه بالسب و الشتم على المجاهد الذي أفنى عمره في الذبّ عن حياض الإسلام ، ومكافحة الاستعمار والصهيونية وتأسيس دولة إسلامية متكاملة الجوانب.
وانّي بما أنا شيعي وقد ناهزت من العمر 73 عاماً وألّفت ما يفوق المائة كتاب لم أجد تلك الكلمة في كتاب وإنّما سمعته من شيخ سعودي كان ينسبه إلى الشيعة.
وأمّا الأمر الثاني الذي طلبتِ منّا وهو مصدر قول الخليفة ـ حينما طلب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)القلم والدواة ـ قال الخليفة: لقد هجر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ذكرتِ في ظهر الصفحة المستنسخة ما رواه البخاري في باب مرض

صفحه424
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وفيها قوله، فقال بعضهم: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه. (1).
ثمّ كتبتِ : لا نرى إشارة إلى أنّ سيدنا عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) قال ما ورد في كتاب كشف الأسرار.
أقول: إنّ البخاري نقل الحديث في غير موضع من كتابه وإليك الصور الأُخرى.
2. روى البخاري في الجزء الأوّّل، باب كتابة العلم من كتاب العلم، ص30، مطبعة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر، الحديث التالي:
عن ابن عباس، قال: لما اشتدّ بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وجَعُه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، قال عمر: إنّ النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا عني .
تجد أنّ الحديث ينص على أنّ القائل بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)غلبه الوجع هو عمر بن الخطاب.
وبذلك يعلم أنّ المراد من البعض فيما رواه البخاري في باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو نفس عمر بن الخطاب غير أنّه صرح باسم القائل في باب كتابة العلم وكنى عنه بـ «البعض» في باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما نقلتِ.

1 . صحيح البخاري: 5/138.

صفحه425
3. روى البخاري في الجزء الرابع، باب جوائز الوفد من كتاب باب فضل الجهاد و السير، ص 69 و70، الحديث بالنحو التالي.
عن ابن عباس أنّه قال: اشتدّ برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً.
فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تنازع، فقالوا: هجر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وعلى ذلك فالبخاري نقل الحديث بهذه الصور الثلاثة التي يفسر بعضها بعضاً.
ففي باب كتابة العلم قال عمر: إنّ النبي غلبه الوجع، وفي باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال بعضهم: انّ رسول اللّه قد غلبه الوجع.
وفي باب جوائز الوفد، فقالوا: هجر رسول اللّه.
فقد صرح البخاري باسم القائل في الأوّل دون الثاني والثالث، ومنه يعلم انّ القائل واحد.
والظاهر انّ اللفظ الصادر هو: «هجر رسول اللّه» ولكن البخاري غيّره إلى قوله :«قد غلبه الوجع» تهذيباً للعبارة وتقليلاً للاستهجان.
ولأجل ذلك لما رواه أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة أشار إلى تلك النكتة في نقله، وقال: لما حضرت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول اللّه : ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده، قال: فقال عمر كلمة معناها: «انّ الوجع قد غلب

صفحه426
على رسول اللّه ثمّ قال: عندنا القرآن حسبنا كتاب اللّه».
هذا ما في البخاري.
وأمّا مسلم فقد رواه في صحيحه بصور ثلاث:
الصورة الأُولى: ... اشتد برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي فتنازعوا وما ينبغي عند نبي التنازع.
وقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه؟، قال: دعوني.
الصورة الثانية: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً.
فقالوا: إنّ رسول اللّه يهجر.
الصورة الثالثة: فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلون بعده.
فقال عمر: إنّ رسول اللّه قد غلب عليه الوجع و عندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه.
(صحيح مسلم، الجزء الرابع، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، ص 75ـ 76، طبعة مصر، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده).
فبمقارنة هذه الأحاديث بعضها ببعض يعلم أنّ القائل في الحديث الأوّل (ما شأنه أهجر، استفهموه) و الحديث الثاني (انّ رسول اللّه يهجر) هو القائل في الحديث الثالث الذي صرح مسلم باسمه(انّ رسول اللّه قد غلب

صفحه427
عليه الوجع، وعندكم القرآن).
ويعلم أيضاً أنّه عندما كان التعبير مستهجناً كنوا بالقائل، و عندما كان خفيف الوطأة صرحوا باسمه، وإن كان التعبير الثاني (قد غلبه الوجع) نفس التعبير بأنّه (هجر) نظير قول القائل: (أنت أو ابن أُخت خالتك).
ثمّ إنّ هنا سؤالاً يطرح نفسه وهو، لما ذا حال الصحابة العدول بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)و أُمنيّته، ولماذا منعوه من كتابة، كتابه، وما هو السر وراء ذلك؟!
والجواب يفهمه كلّ من له إلمام بالحوادث الواقعة قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده.
فدع عنك نهباً صيح في حجراته *** ولكن حديثاً ما حديث الرواحل
ثمّ هل يصحّ لمسلم واع أن يقول: حسبنا كتاب اللّه، وهل كتاب اللّه الأعظم واف بتفاصيل التشريع؟!
هذا قليل من كثير قدمته إليكِ نزولاً عند رغبتكِ، وإن كان إثارة هذه المسائل توجب الخدشة في العواطف وتشتت الصفوف، ولكن إصرارك الأكيد دفعني إلى كتابة هذه السطور.
رزقنا اللّه توحيد الكلمة كما رزقنا كلمة التوحيد
جعفر السبحاني

صفحه428

رسالتنا إلى المؤمنين في اليابان

62
الحمد للّه ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه المنتجبين
إلى إخواننا المسلمين في اليابان وفقهم اللّه لمرضاته.
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
وصلتنا بعض المنشورات التي تتبنى إيجاد الفرقة بين المسلمين مكان الدعوة إلى الاعتصام بحبل اللّه والتمسك بالكتاب والسنّة، والعيش تحت ظلال الإيمان باللّه تبارك وتعالى، ورسالة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، اللّذين يربطان عامّة المسلمين بعضهم ببعض.
في العصر الذي ترزح فيه أُولى القبلتين تحت وطأة الصهاينة، وأصبحت بلاد الوحي والرسالة مركزاً لجيوش الغزو الغربي، و تجري في البوسنة والهرسك مذابح عامة للمسلمين، نسائهم وأطفالهم.
وفي هذا العصر الذي يهاجم فيه الغرب المسلمين ويقتل مفكريهم وشبابهم ويفسد أخلاقهم ويدمر كيانهم قامت عدة من العملاء بفصل طائفة كبيرة من المسلمين عن كيان الأُمّة الإسلامية وكأنّ الهجوم على أتباع أئمّة أهل البيت وتكفيرهم ورميهم بالابتداع هو الدواء الناجع .

صفحه429
إنّ المسلمين اليوم بحاجة ماسة إلى التماسك والوحدة ورصِّ الصفوف أمام الهجوم الثقافي والفكري، فمن دعا إلى الوحدة والاعتصام فقد اقتفى الذكر الحكيم، قال سبحانه: (واعْتَصِمُوا بِحَبلِ اللّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرّقُوا) (1) ومن دعا إلى الفرقة فقد ابتعد عمّا دعا إليه الكتاب واقتفى سنّة المشركين قال سبحانه: (... ولاَ تَكُونُوا مِن المُشْـرِكِينَ * مِنَ الّذِينَ فَرَُّقوا دِينَهُم وكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْب بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُون)(2) ولكنا نمرّ على كلماتهم وأعمالهم مـرور الكـرام ونركز على تحليـل مسألتيـن في ضوء الكتاب والسنّة حتى يتبين المبتدع من المتمسك بهما وهما:
1ـ الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
2ـ تكفير أهل القبلة.
فقد استعرض الأُولى الشيخ صالح بن غانم السدلان وزميله الدكتور فهد السنيدي فتكريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم ميلاده وتعزيره عندهم بدعة وقد نَشرت مجلة الشرق الأوسط ما أدليا به، وليس في كلاميهما شيء جديد سوى ما في كلام شيخهما ابن تيمية ومجدد مذهبه محمد بن عبد الوهاب وقد عاد المحاضران يجترّان نفس ما ورثاه من إماميهما.
ومن العجب جداً انّ اقامة الاحتفال لميلاد الملوك والرؤساء تكريماً لهم أمرٌ غير محظور ولكن تكريم ميلاد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر مبتَدع حرام وكأنّهم لم يسمعوا قوله سبحانه: (فالّذِينَ آمنُوا بِهِ وعَزّرُوهُ ونَصرُوه) (3). فتعزيره غير نصره، وغير الإيمان به فكما أنّ الإيمان به لا يختص بوقت دون

1 . آل عمران: 103.   2 . الروم : 31 ـ 32.   3 . الأعراف : 157.

صفحه430
وقت فكذلك تكريمه وتعظيمه، فهذه الآية الداعية إلى تكريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مطلقة غير محددة بزمان خاص من حيث الدعوة وتخصيصه بيوم الميلاد من جهة ملابسات تُسهِل للمسلمين تجسيد الآية في ذلك اليوم.
إنّه سبحانه يصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقول: (ورفعنا لك ذكرك)(1)فالمحتفلون يوم ميلاده يجسدون ذلك الترفيع.. أفيمكن أن يكون ترفيعه اتباعاً للذكر الحكيم حراماً؟!
وأمّا الثانية: فإنّ القائلين بتكفير بعض الطوائف الإسلامية هم الذين لا يرغبون في وحدة المسلمين، وهم لا يكفّرون الشيعة فحسب بل يكفّرون قاطبة المسلمين سوى أتباع محمد بن عبد الوهاب غير أنّهم كانوا يجهرون بتكفير جميع المسلمين في الأزمنة السابقة ويغزونهم ويقتلونهم وينهبون أموالهم ولكنهم اليوم يتقون ولا يبدون كل ما يضمرون غير تكفير الشيعة فهذا «موسى بايكي» أحد العملاء للوهابية أخذ يكفر الشيعة ويحرم ذبائحهم، فهل درس القرآن الكريم والسنّة النبوية في تحديد الإيمان والكفر أو أنّه أخذ مقياساً من عندِ نفسه دعماً لمبدئه فصار يكفر شيعة آل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ؟ وها نحن ندرس في هذه الرسالة المتواضعة حدود الكفر والإيمان، حتى يقف القارئ على أنّ الطوائف الإسلامية المشهورة بين السنّة والشيعة كلّهم مسلمون مؤمنون حسب الضابطة التي نص عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجرى عليها السلف الصالح طيلة القرون الماضية وإليك البيان:

1 . الانشراح: 4.

صفحه431
 
1

الاحتفال بمولد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، من مظاهر حب النبي الأكرم الذي حبّه وتكريمه وتعزيره أصل في الكتاب والسنّة.
إنّ لحب نبي الإسلام مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرفاته، بل انّ من خصائص الحب أن يظهر أثره على جسم الإنسان وملامحه، وعلى قوله وفعله، بصورة مشهورة وملموسة.
فحب اللّه ورسوله الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه، والاستنان بسنّته، والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محباً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أشدَّ الحب، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولا يرضيه، فمن ادّعى حباً في نفسه وخالفه في عمله فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين.
ولنعم ما روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مدّعي الحب الإلهي كذباً:
تعصي الإله وأنتَ تظهر حبَّه *** هذا لعمري في الفعال بديع

صفحه432
لو كان حبك صادقاً لأطعتَه *** إنّ المحب لمن يحب مطيع (1)

للحبِّ مظاهر وراء الاتباع:

نعم لا يقتصر أثر الحب على هذا، بل له آثار أُخرى في حياة المحب، فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه ويزيل حاجته، ويذبّ عنه، ويدفع عنه كل كارثة ويهيئ له ما يريحه ويسره إذا كان حياً.
وإذا كان المحبوب ميتاً أو مفقوداً حزن عليه أشد الحزن، وأجرى له الدموع كما فعل النبي يعقوب (عليه السلام) عندما افتقد ولده الحبيب يوسف (عليه السلام)فبكاه حتى ابيضّت عيناه من الحزن، وبقي كظيماً حتى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود، هشَّ له وبشَّ، وهفا إليه شوقاً وحبّاً.
بل يتعدّى أثر الحب عند فقد الحبيب وموته هذا الحد، فنجد المحب يحفظ آثار محبوبه، وكل ما يتصل به، من لباسه وأشيائه كقلمه ودفتره وعصاه ونظارته. كما ويحترم أبناءه وأولاده، ويحترم جنازته ومثواه، ويحتفل كل عام بميلاده وذكرى موته، ويكرمه ويعظمه حباً به ومودة له.
إلى هنا ثبت، أنّ حب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتكريمه أصل من أُصول الإسلام لا يصح لأحد إنكاره، ومن المعلوم أنّ المطلوب ليس الحب الكامن في القلب من دون أن يُرى أثره على الحياة الواقعية، وعلى هذا يجوز للمسلم القيام بكل ما يعد مظهراً لحب النبي شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ولا يكون منكراً في الشريعة، نظير:

1 . سفينة البحار: مادة «حب».

صفحه433
1ـ تنظيم السنّة النبوية، وإعراب أحاديثها وطبعها ونشرها بالصور المختلفة، والأساليب الحديثة، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت وأحاديثهم.
2ـ نشر المقالات والكلمات، وتأليف الكتب المختصرة والمطولة حول حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته، وإنشاء القصائد بشتى اللغات والألسن في حقّهم، كما كان يفعله المسلمون الأوائل.
فالأدب العربي بعد ظهور الإسلام يكشف عن أنّ إنشاء القصائد في مدح رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان ممّا يعبّر به أصحابها عن حبهم لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
فهذا هو كعب بن زهير ينشئ قصيدة مطولة في مدح رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)منطلقاً من إعجابه وحبه له (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول في جملة ما يقول:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيّم إثرها لم يُفد مكبول
نُبِّئتُ أنّ رسول اللّه أوعدني *** والعفو عند رسول اللّه مأمول
ويقول:
مهلاً هداك الذي أعطاك نا *** فلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
إنّ الرسول لنور يستضاء به *** مهنّد من سيوف اللّه مسلول (1)
وقد ألقى هذه القصيدة في مجلس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، ولم ينكر عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

1 . السيرة النبوية: 2/513.

صفحه434
وهذا هو حسّان بن ثابت الأنصاري يرثي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويذكر فيه مدائحه، ويقول:
بطيبة رسم للرسول ومَعْهَد *** مُنير وقد تعفو الرسومُ وتهمدُ
إلى أن قال:
يدل على الرحمن من يقتدي به *** وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهداً *** معلّم صدق إن يطيعوه يَسْعدُوا(1)
وهذا هو عبد اللّه بن رواحة ينشئ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:
خلّوا بني الكفار عن سبيله *** خلّوا فكل الخير في رسوله
يا رب إنّي مؤمن بقيله *** أعرف حق اللّه في قبوله (2)
هذه نماذج ممّا أنشأها الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.
ولو قام باحث بجمع ما قيل من الأشعار والقصائد في حق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلدات.
إنّ مدح النبي كان الشغلَ الشاغل للمخلصين والمؤمنين منذ أن لبّى

1 . السيرة النبوية: 2/666.
2 . السيرة النبوية: 2/371.

صفحه435
الرسول دعوة ربّه، ولا أظن أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة نال من المدح بمقدار ما ناله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدح بمختلف الأساليب والنظم.
وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائل النبي ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة في هذا المجال، فشكر اللّه مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.
3ـ تقبيـل كل ما يمـت إلى النبي بصلة كباب داره، وضريحه وأستار قبره انطلاقاً من مبدأ الحب الذي عرفت أدلّته.
وهذا أمر طبيعي وفطري فبما أنّ الإنسان المؤمن لا يتمكّن بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من تقبيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) فيقبّل ما يتصل به بنوع من الاتصال، وهو كما أسلفنا، أمر طبيعي في حياة البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو المجنون العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار، بل يقصد تقبيل صاحب الجدار ، يقول:
أمرّ على الديار ديار ليلى *** أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
فما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا
4ـ إقامة الاحتفالات في مواليدهم وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم وذكر جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنّة، شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات بالمنهيات والمحرمات.

1 . دخل أبو بكر حجرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبَّله ثم بكى فقال: بأبي أنت يا نبي