welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 4*
نویسنده :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 4

صفحه 1
   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 4
 
4

صفحه 2

صفحه 3
للإمام جمال الدين أبي منصور الحسن بن
يوسف بن المطهّر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ )
الجزء الرابع
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
العلاّمة الحلّي ، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق .
نهاية الوصول إلى علم الأُصول / جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي ; اشراف آية الله جعفر السبحاني ; تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).ـ قم: موسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1428 ق . = 1386 .
ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 239 - 0 (دوره)
ISBN 978 - 964 - 357 - 284 - 6 (ج.4)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1 ـ أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 8 ق . الف . سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1347 هـ . ق ـ ، مشرف . ب . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ج. عنوان .
9ن8ع/ 8/158BP    312 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   نهاية الوصول إلى علم الأُصول
الجزء:    الجزء الرابع
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
إشــراف:   العلاّمة المحقّق آية الله العظمى جعفر السبحاني
تحقيق:   اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعــة:   الأُولى ـ 1428 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5
(وَمَا كَـانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَـآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَـرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مّنْهُمْ طَآئفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 6

صفحه 7
مقدمة: التشريع الإسلامي والمسائل المستجدّة   

التشريع الإسلامي

و

المسائل المستجدّة

كلّما تكاملت الحضارة الإنسانية وتعددت ألوانها واجه التشريع الإسلامي أحداثاً جديدة لا عهد للأزمنة السابقة بها ولم تتعرض لها المصادر فلذلك صارت حاجة المجتمع إلى تأسيس أُصول جديدة أمراً قطعياً لا ينكر وذلك لأنّ نصوص الكتاب والسنّة محدودة وحوادث المجتمع غير محدودة ; فكيف يمكن أن تفي النصوص المحدودة بالحوادث الطارئة غير المتناهية؟
هذا ما دعا الفقهاء العظام ـ أنار الله برهانهم ـ إلى سد هذا الفراغ في التشريع الإسلامي بتأسيس أُصول وقواعد يستنبط منها أحكام هذه الموضوعات ومن أهم هذه الأُصول هو القياس.

صفحه 8
وهذا الجزء الّذي يزّفه الطبع إلى القراء الكرام أخذ على عاتقه البحث عن القياس وقد أغرق في البحث فلم يبق في القوس منزعاً.
فناسب أن أُقدّم شيئاً حول القياس حتّى يقف القارئ الكريم على موقف الفقه الإمامي من هذه القاعدة الّتي هي الركن الركين للفقه السنّي وأُشير في هذا التقديم إلى أقسام القياس وأنّ موضع الفقه الإمامي بالنسبة إليه هو القول الوسط فلا يرفضه بتاتاً ولا يأخذ به بدون شرط وقيد، ولعلّ القارئ الكريم يلمس ما ذكرنا من قراءة هذه المقدمة المتواضعة.
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً تسلّط الضوء عليه.

1. القياس لغة

القياس لغة يستعمل في معنيين:
1. التقدير: قال في «لسان العرب»: قاس الشيء يقيسه قيساً إذا قدّره على مثاله، والمقياس المقدار.1
ومن ذلك يقال: قاس الثوب بالذراع إذا قدّره به.
2. المساواة: يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي لا يساوى به.
قال الإمام علي(عليه السلام): «لا يقاس بآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الأُمّة أحد».2أي لا يساوى بهم أحد.

1 . لسان العرب: مادة «قاس».
2 . نهج البلاغة: الخطبة2.

صفحه 9
ويمكن إرجاع المعنى الثاني إلى المعنى الأوّل، لأنّ الحكم بالمساواة وعدمها يلازم التقدير قبله، فمعنى قول الإمام: أي لا يقدر أحد بآل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يصحّ أن يقال: علم فلان مثل علم الإمام أو جزء منه، ويؤيد ذلك ما ذكره أبو الحسين أحمد بن فارس في «مقاييس اللغة» الّذي ألّفه لتوحيد أُصول المعاني قال: قوس، أصل واحد يدلّ على تقدير شيء بشيء ثمّ يصرّف فتقلب واوه ياءً، المعنى في جميعه واحد.
فالقوس الذراع، وسمّيت بذلك لأنّه بها يقدر بها المذروع.1
وبذلك يعلم أنّ ما ذكروه له من معان أُخرى، كالاعتبار والتمثيل والتشبيه والمماثلة كلّها مشتق من معنى واحد.

2. القياس اصطلاحاً

قد عرّف القياس بتعاريف مختلفة منذ زمن قديم إلى يومنا هذا،ومن هذه التعاريف:
1. حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما.2
2. مساواة فرع بأصل في علّة حكمه. وهو خيرة الآمدي في «الإحكام».3

1 . مقاييس اللغة:5/40، مادة «قوس».
2 . تقريب الوصول إلى علم الأُصول:122. وقد ذكر محقّق الكتاب في الهامش أنّ هذا التعريف لأبي بكر الباقلاني ووافقه عليه أكثر المالكية.
3 . الإحكام في أُصول الأحكام:3/170.

صفحه 10
3. إثبات حكم مثل المقيس عليه للمقيس.وهو خيرة السيّد المرتضى في «الذريعة»1 والشيخ الطوسي في «العُدّة».(2)
4. إثبات مثل حكم الأصل في الفرع بعلّة جامعة بينهما. وهو خيرة أبي الحسين البصري في «المعتمد».2
5. إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علّة الحكم. وهو خيرة الغزالي في «شفاء الغليل».(4)
وأوضح التعاريف هو أن يقال: استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصّ من حكم واقعة ورد فيها نصّ، لتساويهما في علّة الحكم ومناطه وملاكه.
وعامّة التعاريف تشير إلى حقيقة واحدة، ولا جدوى في النقض والإبرام وانّها غير جامعة ولا مانعة.

3. اصطلاح آخر في القياس

وهناك اصطلاح آخر للقياس صار مهجوراً بين الأُصوليّين، وهو: التماس العلل لغاية تصحيح النصوص وعرضها عليها، والقياس بهذا المعنى كان رائجاً في عصر الإمام الصادق(عليه السلام).
وقد استعمل هذا المصطلح في رواية أبان قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون». قلت:قطع ثلاثاً؟ قال:

1 . الذريعة:2/669.   2 . العدة:2/647.
2 . المعتمد: 2 / 446.   4 . شفاء الغليل: 18.

صفحه 11
«ثلاثون». قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون». قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول: إنّ الّذي جاء به شيطان.
قال(عليه السلام): «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».1
والقياس في هذا الحديث هو بهذا المعنى، أي التماس العلل، ثمّ عرض النصوص على العلل المستنبطة والقضاء فيها بالقبول إن وافق، والرد إن خالف. وهذا النوع من القياس محظور في الشريعة الإسلامية، وأنّى للعقول هذه المنزلة.
وعلى هذا الأصل رفض الشيطان السجود لآدم قائلاً بأنّه أفضل منه ومخاطباً اللّه سبحانه وتعالى:(أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طين)2، ولو قيل: إنّ أوّل من قاس هو الشيطان، فالمراد به، هو القياس بهذا المعنى المهجور.
 
4. إمكان التعبّد بالقياس
اختلفت كلمة الفقهاء في شأن العمل بالقياس، وأهمّ المذاهب في ذلك مذهبان:

1 . الوسائل: ج19، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
2 . الأعراف:12.

صفحه 12
الأوّل: القياس أصل من أُصول التشريع ومصدر لاستنباط الأحكام الشرعية يجوز التعبّد به عقلاً وشرعاً. وهو رأي جمهور أهل السنّة سلفاً وخلفاً.
الثاني: جواز التعبّد به عقلاً، ولكنّه ممنوع في الشريعة . وهو مذهب الإمامية.
قال المرتضى: والّذي نذهب إليه أنّ القياس محظور في الشريعة استعماله، لأنّ العبادة لم ترد به، وإن كان العقل مجوّزاً ورود العبادة باستعماله.1
وعلى هذا درج الإمامية عبر العصور، ونكتفي هنا بما قاله الشيخ الطوسي (385ـ 460هـ) في هذا المجال ، وتبعه فيه السيد ابن زهرة الحلبي (511ـ 585هـ)، إذ صرّحا بجواز التعبّد به عقلاً ، وإليك النصّ : ويجوز من جهة العقل التعبّد بالقياس في الشرعيات، لأنّه يمكن أن يكون طريقاً إلى معرفة الأحكام الشرعية ودليلاً عليها، ألا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم النبيذ المسكر مثلاً بين أن ينصّ الشارع على تحريم جميع المسكر، وبين أن ينصّ على تحريم الخمر بعينها، وينص على أنّ العلّة في هذا التحريم الشدّة.
ولا فرق بين أن ينص على العلّة، وبين أن يدلّ بغير النص على أنّ تحريم الخمر لشدّتها، أو ينصب لنا أمارة تغلب في الظن عندها انّ تحريم

1 . الذريعة في أُصول الشريعة:2/675.

صفحه 13
الخمر لهذه العلّة مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلّها، لأنّ كلّ طريق منها، يوصل إلى العلم بتحريم النبيذ المسكر،ومن منع من جواز ورود العبادة بأحدها كمن صنع من جواز ورودها بالباقي.1
هذان المذهبان هما المهمان، وهناك مذاهب أُخرى أشار إليها الشيخ الطوسي في «العدّة» فمن أراد التفصيل فليرجع إليها.2
وخلاصة الكلام: أنّ القياس دليل ظنّي كسائر الظنون: مثل خبر الواحد، والإجماع المنقول به، فكما يجوز ـ عند العقل ـ أن يأمر الشارع بالعمل بهما، كذلك القياس، والمحاذير المتوهمة في العمل بالقياس، أعني:
المحاذير الملاكية.
والمحاذير المبادئية.
والمحاذير الخطابية.3
مشتركة بين عامّة الأدلّة الطبيعية، وقد فرغنا من حلّها في أبحاثنا العليا

1 . غنية النزوع:386، قسم الأُصول، الطبعة الحديثة. قوله:«يوصل إلى العلم» أي إذا كان الدليل الدالّ على هذه التسوية دليلاً قطعيّاً.
2 . عدة الأُصول:2/650ـ 692; ولاحظ الذريعة:2/675ـ 680.
3 . إذا كان الحكم الواقعي هو وجوب شيء، ودلّ خبر الواحد أو القياس ـ على القول بحجّيته ـ على حرمته فتتوهم عندئذ محاذير ثلاثة:
أ. المحذور الملاكي: اجتماع المصلحة باعتبار كون الحكم الواقعي هو الوجوب، والمفسدة باعتبار كون الحكم المستفاد منهما هو الحرمة.
ب. المحذور المبادئيّ: اجتماع الإرادة أو الحب في نفس المشرّع باعتبار كونه واجباً، والكراهة والبغض باعتبار كونه حراماً.
ج. المحذور الخطابي: اجتماع الوجوب والحرمة وهو بمنزلة اجتماع الضدين في شيء واحد.

صفحه 14
في مبحث الجمع1 بين الحكم الواقعي والظاهري، وفي وسع القارئ أن يرجع إلى المصدر أدناه.
وبذلك يعلم عدم صحّة ما ذكره الدكتور عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي مؤلف كتاب «مباحث العلّة في القياس عند الأُصوليّين» حيث نسب إلى جمهور الإمامية والظاهرية، انّ التعبّد بالقياس مستحيل عقلاً وشرعاً.2
أمّا الإماميّة فإنّهم مجمعون على الإمكان العقلي، ولكن ينكرون وقوعه شرعاً. وأما الظاهرية، فتقع صحّة النسبة إليهم على عاتق مؤلّف «مباحث العلّة في القياس».

5. أقسام القياس

القياس ينقسم إلى منصوص العلّة ومستنبطها.
فالأوّل: عبارة عمّا إذا نصّ الشارع على علّة الحكم وملاكه على وجه عُلِم، انّه علّة الحكم الّتي يدور الحكم مدارها، لا حكمتُه الّتي ربّما يتخلّف الحكم عنها.
والثاني: عبارة عمّا إذا لم يكن هناك تنصيص من الشارع عليها، وإنّما قام الفقيه باستخراج علّة الحكم بفكره وجُهده، فيطلق على هذا النوع من القياس، مستنبط العلّة.

1 . إرشاد العقول:3/112ـ 127.
2 . مباحث العلّة في القياس: 43.

صفحه 15
وينقسم مستنبط العلّة إلى قسمين:
تارة يصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استخرجه علّة الحكم ومناطه، وأُخرى لا يصل إلاّ إلى حدّ الظن بكونه كذلك.
وقلّما يتّفق لأحد أن يقطع بأنّ ما وصل إليه من العلّة هو علّة التشريع ومناطه واقعاً، وانّه ليس فيه ضمائم أُخرى لها مدخلية في الحكم، وراء ما أدرك.
وسيوافيك أنّ القياس في منصوص العلّة خارج عن محط النزاع، إذ ليس هو من باب ضم الفرع إلى الأصل، أو استخراج حكم الفرع من حكم الأصل بجهة جامعة بينهما، بل هو عمل بالنصّ في كلا الموردين، دون أن يتشكل هناك فرع وأصل.

6. الفرق بين علّة الحكم وحكمته

التفريق بين العلّة والحكمة هو أحد الأُمور الّتي يجب على الفقيه أن يميّز بينها. و الفرق بينهما كالتالي:
أ. لو كان الحكم دائراً مدار شيء وجوداً وعدماً فهو علّة الحكم ومناطه، كالإسكار بالنسبة إلى الخمر، ولذلك لو انقلب الخمر خلاً لحلّ شربه.
فإن قلت: اتّفق الفقهاء على أنّ ما يُسكِر كثيره فقليله أيضاً حرام. وعلى هذا فالقليل من الخمر ـ كالقطرة ـ حرام، ولكنّه ليس بمسكر، فصار الحكم أعمّ من العلّة.

صفحه 16
قلت: قد دلّ الدليل الخارجي على حرمته، ولولاه لما قلنا بحرمته. وإنّما حرّم الشارع القليل منه، لأنّ الإنسان إذا شرب القليل فسوف تدعوه نفسه إلى شرب أكثر وربّما ينتهي الأمر إلى شرب ما يُسكر.
ب. إذا لم يكن الحكم دائراً مدار ما يتوهم أنّه علّة، بل كان أوسع منها، فهي حكمة الحكم، وهذا كما في المثال التالي:
إنّه سبحانه تبارك وتعالى فرض على المطلّقة تربص ثلاثة قروء بُغية استعلامِ حالها من حيث الحمل وعدمه، وأضاف سبحانه بأنّها لو كانت حاملاً فعدتها وضع حملها. قال تعالى:
(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ).1
وقال في آية أُخرى: (وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).(2)
ولكن ليس استعلام حال المطلقة ملاكاً للحكم وعلّة لوجوب الاعتداد، وإنّما هو من حِكَمِ الحُكْم الّتي تلازمه في أكثر موارده. ولذلك لو علم حال المطلقة وخلوِّ رحمها عن الحمل بسبب غيبة زوجها عنها مدّة سنة، أو انكشفت حالها بواسطة الطرق العلمية المفيدة لليقين، فمع ذلك كلّه يجب عليها الاعتداد، وليس لها ترك الاعتداد بحجة أنّ رحمها خال عن الحمل فلا فائدة في الاعتداد.

1 . البقرة:228.   2 . الطلاق:4.

صفحه 17
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الاستعلام يمثّل حكمة الحكم لا علّته، فليس الحكم دائراً مداره.
قال أبو زهرة: الفارق بين العلّة والحكمة، هو أنّ الحكمة غير منضطبة، بمعنى أنّها وصف مناسب للحكم يتحقّق في أكثر الأحوال، وأمّا العلّة فهي وصف ظاهر منضبط محدود، أقامه الشارع أمارة على الحكم.1
ومن ذلك يعلم فساد من حرّم المتعة أو الزواج المؤقّت بتوهّم أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكون الأُسرة وإيجاد النسل وهو يختص بالنكاح الدائم دون المنقطع الّذي لا يترتّب عليه سوى الاستجابة للغريزة الجنسية وصبّ الماء وسفحه.
قال الدكتور الدريني: شُرّع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة ترجع كلّها إلى تكوين الأُسرة الفاضلة الّتي تشكّل النواة الأُولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة والطهر والولاية والنصرة والتكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: إنّ اللّه إذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الّذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأُسرة الّتي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.
وعلى هذا الأساس فإنّ الاستمتاع مجرّداً عن الإنجاب وبناء الأُسرة، يُحبط مقصد الشارع من كلّ أصل تشريع النكاح.2

1 . أُصول الفقه:223، ولاحظ أيضاً ص 233منه.
2 . الدكتور الدريني في تقديمه لكتاب «الأصل في الأشياء الحلية».

صفحه 18
أقول: عزب عن الدكتور أنّ الإنجاب وتشكيل الأُسرة من فوائد النكاح ومصالحه، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يصحّ الزواج مع القطع بعدم الإنجاب، كما في الصور التالية:
1. زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. زواج المرأة العقيم بالرجل المُنجب.
3. زواج العقيمين.
4. زواج اليائسة.
5. زواج الصغيرة.
6. نكاح الشاب بالشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.
ولأجل انقسام ما يدلل به الأحكام إلى قسمين: علّة وحكمة، اختلف الفقهاء في تفسير الحكمة الواردة في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الهرّة: «إنّها ليست بنجس، إنّها من الطّوافين عليكم و الطّوافات».1
فلو كان المفهوم من الرواية أنّ الطواف علّة الحكم وأنّه يدور مداره صحّ إلحاق الحيوانات الأُخرى كالفأرة وغيرها بها، وأمّا لو قلنا بأنّه حكمة الحكم لا علّته لتوقف الإلحاق.

1 . سنن الترمذي:1/154، كتاب الطهارة، رقم الحديث92.

صفحه 19
 
7. منصوص العلّة والعمل بالسنّة
إذا نصّ الشارع على علّة الحكم وملاكه، أي ما يدور الحكم مداره على نحو لا يتخلّف الحكم عنه، كما إذا قال الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق سائر المسكرات به ليس عملاً بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة والضابطة الكلية، ولنذكر مثالاً على ذلك:
روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضا(عليه السلام)، أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يُفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فيُنزح حتّى يذهب الريح، ويطيب طعمه، لأنّ له مادة».1
فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» بما أنّه تعليل لقوله: «لا يفسده شيء» يكون حجّة في غير ماء البئر أيضاً، فيشمل التعليل بعمومه، ماء البئر، وماء الحمام والعيون وصنبور الخزّان الكرّ وغيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة لا بالقياس، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته دفعة واحدة.
وبعبارة أُخرى: يكون العمل بالملاك المنصوص، عملاً بظاهر السنّة لا بالقياس، وشأن المجتهد وعمله ليس إلاّ تطبيق الضابطة الّتي أعطاها الشارع على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل ولا فرع، ولا

1 . وسائل الشيعة1، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

صفحه 20
انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحتها.
وإن شئت قلت: هناك فرق بين استنباط الحكم عن طريق القياس وبين استنباط الحكم عن طريق تطبيق القاعدة المعطاة على مواردها.
ففي الأوّل ـ أي استنباط الحكم عن طريق القياس ـ يتحمّل المجتهد جُهداً في تخريج المناط، ثمّ يجعل الموضوع الوارد في الدليل أصلاً، والّذي يريد إلحاقه به فرعاً.
وأمّا الثاني فيكفي فيه فهم النصّ لغة بلا حاجة إلى الاجتهاد، ولا إلى تخريج المناط، فيكون النصّ دالاً على الحكمين بدلالة واحدة.
يقول سبحانه:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ)1 دلّت الآية على وجوب الاعتزال في المحيض، وعلّل بكونه أذى، فلو دلّت الآية على كونه تمام الموضوع للحكم فيتمسّك بها في غير المحيض إذا كان المسّ أذى كالنفاس وليس ذلك من مقولة العمل بالقياس، بل من باب تطبيق الضابطة على مواردها.
وبذلك يعلم ما في كلام الأُستاذ:«محمد أبو زهرة» حيث زعم أنّ نفاة القياس يرفضون النص وقال: إنّ تعليل النصوص هو أساس الخلاف بين مثبتي القياس ونفاته، فنفاته نفوا التعليل فقصروا النصوص على العبارة،

1 . البقرة:222.

صفحه 21
ومثبتوه أثبتوا التعليل، فاعتبروا القياس إعمالاً للنصوص.
وقال أيضاً: وفي الحق أنّ نفاة القياس قد أخطأوا إذ تركوا تعليل النصوص، فقد أدّاهم إهمالهم إلى أن قرّروا أحكاماً تنفيها بداهة العقول، فقد قرّروا أنّ بول الآدمي نجس للنصّ عليه، وبول الخنزير طاهر لعدم النص، وأنّ لعاب الكلب نجس، وبوله طاهر، ولو اتّجهوا إلى قليل من الفهم لفقه النص ما وقعوا في مناقضة البديهيات على ذلك النحو.1
أقول: ما ذكره من أنّ نفاة القياس تركوا تعليل النصوص، كلام مجمل.
فإن أراد الموضع الّذي كان الحكم معلّلاً في نفس النصّ ودلّ الدليل أو القرائن المفيدة للعلم، بأنّه علّة تامة للحكم وليس بحكمة، فيعمل به نفاة القياس، إذ لا يرونه من أقسام القياس، بل عملاً بالنص، إذ ليس هناك أصل ولا فرع، بل الجميع داخل تحت التعليل مرة واحدة، فإذا قال: علّة حرمة الخمر هي الإسكار، فالنبيذ والخمر وغيرهما من المسكرات داخلة تحت التعليل على نسق واحد دون أن يكون هناك أصل وفرع.
وإن أراد الموضع الّذي ورد النص على الحكم ولم يشتمل على التعليل وإنّما توصّل المجتهد بجهده وكدّه إلى العلة ومع ذلك لا يعلم أنّها علّة الحكم أو حكمته، وعلى فرض أنّها علّة هل هي علة تامة أو علة ناقصة ؟ فلو أراد هذا فنفاة القياس ما تركوا النص في مورده، وإنّما تركوه فيما ليس مورداً له.

1 . أُصول الفقه:212.

صفحه 22
وأمّا ما ذكره من أنّ نفاة القياس قرّروا أحكاماً تنفيها بداهة العقول كطهارة بول الخنزير والكلب، فلا أظن أنّ لهؤلاء نصيباً من الفقه، ولو أنّهم رجعوا إلى أئمّة أهل البيت لوقفوا على أنّ الجميع نجس دون أن يكون هناك حاجة إلى القياس.
فهذا هو الإمام الصادق يقول(عليه السلام):«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه».1

8. تقسيم العلّة باعتبار المناسبة إلى أقسام:

ثمّ إنّهم قسّموا العلل باعتبار المناسبة إلى أقسام أربعة:
1. المناسب المؤثر.
2. المناسب الملائم.
3. المناسب الملغى.
4. المناسب المرسل.
وفسّروا الأوّل بما اعتبره الشارع علّة بأتمّ وجوه الاعتبار، ودلّ صراحة وإشارة على ذلك.
يقول عبد الوهاب خلاّف: مادام الشارع دلّ على أنّ هذا المناسب هو علّة الحكم، فكأنّه دلّ على أنّ الحكم نشأ عنه وأنّه أثر من آثاره، ولهذا سمّاه الأُصوليون «المناسب المؤثر»، وهو العلّة المنصوص عليها، ولا خلاف بين

1 . وسائل الشيعة:2، الباب8 من أبواب النجاسات، الحديث2. ولاحظ بقية أحاديث الباب.

صفحه 23
العلماء في بناء القياس على المناسب المؤثر، ويسمّون القياس بناءً عليه قياساً في معنى الأصل.1
أقول: لو كان محط النزاع هو هذا القسم فهو ليس من القياس بشيء، فإنّه إذا نصّ الشارع بأنّ الحكم نابع عن هذا الأصل، فلا يبقى هناك شكّ في أنّ الحكم يدور مداره من غير فرق بين الأصل والفرع بل لا أصل ولا فرع.
وفسّروا الثاني ـ أي المناسب الملائم ـ بأنّه هو الّذي لم يعتبره الشارع بعينه علّة لحكمه في المقيس عليه وإن كان قد اعتبره علّة لحكم من جنس هذا الحكم في نص آخر، ومثّلوا له بالحديث القائل: «لا يُزوِّجُ البكرَ الصغيرة إلاّ وليّها» ففي رأي أصحاب القياس أنّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منهما صالح للتعليل وهو الصغر والبكارة، وبما أنّه علّل ولاية الولي على الصغيرة في المال في آية: (وَابْتَلُوا الْيَتامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)(2)، ومادام الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على المال، والولاية على المال والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد هو الولاية، فيكون الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، وبهذا يقاس على البكر الصغيرة من في حكمها من جهة نقص العقل وهي المجنونة أو المعتوهة، وتقاس عليها أيضاً الثيّب الصغيرة.

1 . مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه:45.   2 . النساء:6.

صفحه 24
أقول: وبذلك أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث مع إمكان، أن تكون جزءاً من التعليل، كما هو مقتضى جمعها مع الصغر لو أمكن استفادة التعليل من أمثال هذه التعابير.1
وفسّـروا الثالث بما ألغى الشارع اعتباره مع أنّه مظنّة تحقيق المصلحة، أي بناء الحكم عليه من شأنه أن يحقّق مصلحة، ولكن دلّ
دليل شرعي على إلغاء اعتبار هذا المناسب ومنع بناء الحكم الشرعي
عليه.
ومثّلوا له بفتوى من أفتى أحد الملوك بأنّ كفّارته في إفطار شهر رمضان هو خصوص صيام شهرين متتابعين، لأنّه وجد أنّ المناسب مع تشريع الكفّارات ردع أصحابها عن التهاون في الإفطار العمدي، ومثل هذا الملك لا تهمّه بقية خصال الكفّارة لتوفّر عناصرها لديه، فإلزامه بالصيام أكثر مناسبة لتحقيق مظنّة الحكمة من التشريع.2
يلاحظ عليه: بأنّ التعيين يخالف حكم الشارع الذي جعل وجوب الخصال الثلاث من باب التخيير لمطلق المكلّفين، ملوكاً كانوا أو رعية; فمثل هذا يعدّ نوعاً من التقدّم بين يدي اللّه سبحانه قال تعالى: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ).3

1 . الأُصول العامة للفقه المقارن:298.
2 . مصادر التشريع الإسلامي لخلاف:46.
3 . الحجرات:1.

صفحه 25
أضف إلى ذلك أنّه من قبيل القياس المهجور، أي التماس العلل وعرض النصوص عليها والتصرف فيها حسب ما يناسب العلل المستنبطة، وهذا المستنبط تخيّل له أنّ الغاية الوحيدة من إيجاب الخصال هو تعذيب المفطر لكي لا يعود إلى الإفطار وهو لا يحصل إلاّ بإيجاب صيام شهرين متتابعين، فنفى التخيير وأوجب عليه التعيين، لكنّه تصرّف خاطئ، إذ ليس للعقول التماس العلل والكشف عن واقعها ثمّ تطبيق النصوص عليها، فكأنّ العقل مشرّع، له ان يقيّد إطلاق النص، دون أن يكون هناك اضطرار أو حرج أو ضرر، بل أقصى ما هناك مصلحة متخيّلة، وقد تكون الغاية أحد هذين الأمرين:
1. ردع المتهاون في الإفطار العمدي.
2. إطعام الفقراء وإشباع بطونهم أو كسوتهم.
وفسّروا الرابع(أي المناسب المرسل) بأنّه هو الّذي يظهر للمجتهد أنّ بناء الحكم عليه لابدّ أن يحقّق مصلحة ما، مع أنّ الشارع لم يُقم على اعتباره أو إلغائه أي دليل.
أقول: إنّ هذا داخل في البحث عن المصالح المرسلة ولا يمتّ إلى القياس بشيء.
فاتّضح من ذلك أنّ القسم الأوّل خارج عن محط النزاع، وهو عمل بالنص في كلا الموردين.
كما أنّ القسم الثاني الذي مثّلوا له بالحديث الآنف الذكر مخدوش

صفحه 26
بعدم العلم بكون الصِّغَر علّة تامة في كلا الموردين، بل يحتمل أن يكون للبكارة في النكاح مدخلية وإن لم يكن كذلك في مورد المال.
وأمّا القسم الثالث فهو من قبيل التماس العلل لصرف النصوص عليها، وهو محظور عقلاً وشرعاً.
وأمّا الرابع فهو الوصف الذي لم يرتّب الشارع حكماً على وفقه ولم يدلّ دليل شرعي على اعتباره ولا على إلغاء اعتباره فهو مناسب أي يحقّق مصلحة، ولكنّه مرسل أي مطلق عن دليل اعتبار ودليل إلغاء، وهذا هو المسمّى بالمصالح المرسلة1 الّتي سيوافيك بيانها.

9. قياس الأولوية

إنّ للأُصوليّين مصطلحات ثلاثة متقاربة، وهي:
أ. لحن الخطاب.
ب. فحوى الخطاب.
ج. دليل الخطاب.
أمّا الأوّل فهو ما حذف من الكلام شيء ولا يستقل المعنى إلاّ
به، كقوله سبحانه: (فَأَوحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ).2

1 . علم أُصول الفقه: 82.
2 . الشعراء:63.

صفحه 27
أي ضرب فانفلق.
وأمّا الثاني فهو ما يسمّى أيضاً بتنبيه الخطاب ومفهوم الموافقة، وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى، وهو نوعان:
1. تنبيه بالأقل على الأكثر كقوله سبحانه: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ).1
فإذاحرم التأفيف، حرم الشتم والضرب بطريق أولى.
ومثله قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأمَنْهُ بِدِينار لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ).2
فإذا كان الرجل غير مأمون بدينار، فأولى أن يكون كذلك بالنسبة إلى ألف دينار.
2. وتنبيه بالأكثر على الأقل، كقوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ).3
فمن كان يؤتمن على القنطار، فأولى أن يكون كذلك في الأقلّ منه.
وأمّا الثالث ـ أعني: دليل الخطاب ـ فهو مفهوم المخالفة الّذي يبحث عنه في باب المفاهيم.
والّذي يهمّنا في المقام أنّ فحوى الخطاب أو مفهوم الموافقة أو قياس الأولوية ليس عملاً بالقياس بل هو عمل بالحجة، لأنّ المفهوم الموافق مدلول عرفي يقف عليه كلّ مَن تدبّر في الموضوع.

1 . الإسراء:23.
2 . آل عمران:75.
3 . آل عمران:75.

صفحه 28
وبذلك يعلم أنّ بعض ما استدلّ به على حجّية القياس، من مقولة القياس الأولوي، كقوله(عليه السلام): «فدين اللّه أحقّ بالقضاء»، كما سيوافيك.

10. تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف وخصوصيات لا يراها العرف دخيلة في الموضوع ويتلقّاها من قبيل المثال، كما إذا ورد في السؤال: رجل شكّ في المسجد بين الثلاث والأربع فأجيب بأنّه يبني على كذا، فإنّ السائل وإن سأل عن الرجل الّذي شكّ في المسجد، لكنّ العرف يتلقّى تلك القيود، مثالاً، لا قيداً للحكم، أي بأنّه يبني على كذا، فيعمّ الرجل والأُنثى، ومَن شكّ في المسجد والبيت.
إنّ تنقيح المناط إذا كان في حدّ يساعده الفهم العرفي، فممّا لا إشكال فيه، ولا صلة له بالقياس كما في المثال السابق، إذ لا أصل ولا فرع، بل الحكم يعمّ الرّجل والأُنثى، والشاك في المسجد والبيت، بنفس الدليل مرة واحدة.
ولعلّ من هذا القبيل قصة الأعرابي الذي قال: هلكت يا رسول اللّه، فقال له: «ما صنعت؟» قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، قال: «اعتق».1
والعرف يساعد على إلغاء القيدين وعدم مدخليتهما في الحكم.
1. كونه أعرابياً.

1 . صحيح مسلم، كتاب الصيام، الحديث187. وقد روي بطرق مختلفة وباختلاف يسير في المتن.

صفحه 29
2. مواقعة الأهل.
فيعمّ البدوي والقروي ومواقعة الأهل وغيرها، فيكون الموضوع من أفطر بالوقاع في صوم رمضان.
إنّ تنقيح المناط من المزالق للفقيه، فربّما يُلغي بعض القيود باستحسان، أو غيره مع عدم مساعدة العرف عليه، ومن هنا ينبغي الاحتياط التام في تنقيح موضوع الحكم والاقتصار على ما يساعد عليه فهم العرف على إلغاء القيد، وإن شك في مساعدة العرف على الإلغاء وعدمها، فليس له تعميم الحكم.
وعلى كلّ حال، فهذه التعميمات، لا صلة لها بالقياس، وإنّما هي استظهار مفاد الدليل واستنطاقه حسب الفهم العرفي.
وهذا ما يعبر عنه في الفقه الإمامي، بإلغاء الخصوصية، أو مناسبة الحكم والموضوع، مضافاً إلى التعبير عنه بـ«تنقيح المناط».
وليعلم أنّ قسماً من الأحكام المستنبطة باسم القياس عند أهل السنّة داخل في هذا العنوان، أي إلغاء الخصوصية حسب فهم العرف دون أن يكون هناك أصل وفرع، وقد مرّ أنّ مثل هذا من مقولة المداليل العرفية وإن لم تكن مصرحاً بها، وإليك بعض الأمثلة:
1. دلّ قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إِلى ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)1، على ترك البيع وقت النداء.

1 . الجمعة:9.

صفحه 30
ومن المعلوم أنّ ذكر البيع من باب المثال الشائع والعلّة هو كونه شاغلاً عن الصلاة، فعندئذ فلا فرق بين البيع والإجارة والرهن أو أي معاملة من المعاملات وقت النداء، بل كلّ فعل يُشغل الإنسان عن الصلاة وإن كان مذاكرة علمية، وليس هذا من مقولة القياس كما توهّمه الأُستاذ عبد الوهاب خلاف.1
2. قد ثبت بالنص أنّ قتل الوارث مورّثه لغاية الحصول على الإرث عاجلاً يحرمه من الإرث. فلو فرضنا وجود نفس تلك الغاية في قتل الموصى له للموصي يكون محروماً من مال الوصية، لأنّ قتله فيه كان لأجل استعجال الشيء قبل أوانه، فيرد عليه قصده ويعاقب بحرمانه. هذا إذا ثبت أنّ القتل كان لتلك الغاية.
3. لو ورد في النصّ أنّ الورقة الموقع عليها بالإمضاء حجّة على الموقّع فيلحق بها الورقة المبصومة بالأصبع، وذلك لأنّ الميزان في الحجية هو العلم بشخصية الممضي وهو تارة يحصل بإمضائه وأُخرى ببصمة إصبعه.
فعلى القائلين بالقياس إخراج هذه الأمثلة ـ الّتي يساعد العرف على إلغاء الخصوصية فيها ـ عن مقولة القياس.

1 . علم أُصول الفقه:60.

صفحه 31
 
11. التشابه غير التماثل
من الأُمور الّتي يجب أن يركّز عليها هو الفرق بين تشابه الأمرين وتماثلهما. فالتماثل عبارة عن دخول شيئين تحت نوع واحد وطبيعة واحدة، فالتجربة في عدة من مصاديق طبيعية واحدة يفيد العلم بأنّ النتيجة لطبيعة الشيء لا لأفراد خاصة، ولذلك يقولون: إنّ التجربة تفيد العلم، وذلك بالبيان التالي:
مثلاً: إذا أجرينا تجربة على جزئيات من طبيعة واحدة، كالحديد، تحت ظروف معينة من الضغط الجوي، والجاذبية، والارتفاع عن سطح البحر، وغيرها مع اتّحادها جميعاً في التركيب، فوجدنا أنّها تتمدد مقداراً معيناً، ولنسمّه(س)، عند درجة خاصة من الحرارة ولنسمّها (ح). ثمّ كررنا هذه التجربة على هذه الجزئيات، في مراحل مختلفة، في أمكنة متعددة، وتحت ظروف متغايرة، ووجدنا النتيجة صادقة تماماً: تمدد بمقدار (س) عند درجة (ح). فهنا نستكشف أنّ التمدد بهذا المقدار المعين، معلول لتلك الدرجة الخاصة، فقط، دون غيرها من العوامل، وإلاّ لزم أن تكون ظاهرة التمدد بمقدار(س) معلولة بلا علّة، وحادثة بلا جهة، لصدق النتيجة في جميع الظروف، والأمكنة، وهو أمر محال، لأنّ المفروض وحدة الأفراد في جميع الخصوصيات، إلاّ الزمان، والمفروض عدم تأثيره في الحكم. وعلى هذا يحكم العقل بأنّ الحديد، بجميع جزئياته وتراكيبه، يتمدد بمقدار (س) عند درجة (ح).

صفحه 32
وأمّا التشابه فهو عبارة عن وقوع فردين مختلفي الطبيعة تحت صفة واحدة توجب التشابه بينهما، وهذا كالخمر والفقاع فإنّهما نوعان وبينهما تشابه وهو الإسكار.
وأوضح من ذلك مسألة الاستقراء، فإنّ ما نشاهده من الحيوانات البرية والبحرية، أنواع مختلفة. فلو رأينا هذا الحيوان البري وذلك الحيوان البحري كلّ يحرك فكّه الأسفل عند المضغ نحكم بذلك على سائر الحيوانات من دون أن تكون بينها وحدة نوعية أو تماثل في الحقيقة، والدافع إلى ذلك التعدّي في الحكم هو التشابه والاشتراك الموجود بين أنواع الجنس الواحد رغم اختلافها في الفصول والأشكال، ومن هنا لا يمكن الجزم بالحكم والنتيجة على وجهها الكلي لإمكان اختلاف أفراد نوعين مختلفين في الحكم.
وبذلك يعلم أنّ القياس عبارة عن إسراء حكم مشابه إلى مشابه لا حكم مماثل إلى مماثل، ومن المعلوم أنّ إسراء الحكم من طبيعة إلى طبيعة أمر مشكل لا يصار إليه إلاّ إذا كان هناك مساعدة من جانب العرف لإلغاء الخصوصية، وإلاّ يكون الإسراء فعلاً بلا دليل، مثلاً دلّ الكتاب العزيز على أنّ السارق والسارقة تقطع إيديهما، والحكم على عنوان السارق، فهل يلحق به النبّاش الّذي ينبش القبر لأخذ الأكفان؟
إنّ التسوية بين العنوانين أمر مشكل، يقول السرخسي:
لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النبّاش بالسارق في حكم

صفحه 33
القطع، لأنّ القطع بالنصّ واجب على السارق، فالكلام في إثبات السرقة حقيقة، وقد قدّمنا البيان في نفس التسوية بين النبّاش والسارق في فعل السرقة.1
والحاصل: أنّ هناك فرقاً واضحاً بين فردين من طبيعة واحدة، فيصحّ إسراء حكم الفرد إلى الفرد الآخر لغاية اشتراكهما في الإنسانية، وأنّ حكم الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحد، لكن بشرط أن يثبت أنّ الحكم من لوازم الطبيعة لا الخصوصيات الفردية.
وأمّا المتشابهان فهما فردان من طبيعتين ـ كالإنسان والفرس ـ يجمعهما التشابه والتضاهي في شيء من الأشياء، فهل يصحّ إسراء حكم نوع إلى نوع آخر؟ كلاّ، ولا، إلاّ إذا دلّ الدّليل على أنّ الوحدة الجنسية سبب الحكم ومناطه وملاكه التام.

12. تخريج المناط

إذا قضى الشارع بحكم في محل من دون أن ينصّ بمناطه، مثلاً: إذا حرّم المعاوضة في البُرّ إلاّ مثلاً بمثل، فهل يصحّ تعميم الحكم إلى الشعير وسائر الحبوب بمناط أنّ الجميع مكيل أو موزون أو لا؟وهذا هو بيت القصيد في القياس، فلو أمكن للمستنبط استخراج العلّة التامة للحكم فله أن يقيس، لأنّ المعلوم ـ أي الحكم ـ لا يتخلّف عن علّته. إنّما الكلام في كون المجتهد متمكّناً من استخراج مناط الحكم من الدليل استخراجاً قطعياً لا

1 . أُصول السرخسي:2/157.

صفحه 34
ظنياً، إذ لا عبرة بالظن ما لم تثبت حجّيته، وقد ذكروا لاستخراج المناط طرقاً مختلفة، أشهرها السبر والتقسيم.
قال الأُستاذ عبد الوهاب خلاّف: السبر معناه الاختبار، ومنه المسبار. والتقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة لأن تكون علّة في الأصل، وترديد العلّة بينها بأن يقال: العلّة إمّا هذا الوصف أو هذا الوصف، فإذا ورد نصّ بحكم شرعي في واقعة ولم يدلّ نص ولا إجماع على علّة هذا الحكم، سلك المجتهد للتوصل إلى معرفة علّة هذا الحكم مسلك السبر والتقسيم: بأن يحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم،وتصلح لأن تكون العلّة وصفاً منها،ويختبرها وصفاً وصفاً على ضوء الشروط الواجب توافرها في العلّة، وأنواع الاعتبار الّذي تعتبر به، بواسطة هذا الاختبار يستبعد الأوصاف الّتي لا تصلح أن تكون علّة، ويستبقي ما يصلح أن يكون علّة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف علّة.1
وما ذكره الأُستاذ خلاّف سهل في مقام البيان، ولكنّه شاق في مقام التطبيق، وإليك توضيح ذلك:
أوّلاً: يُحتمل أن يكون الحكم في الأصل معللاً عند اللّه بعلّة أُخرى غير ما ظنّه القائس، ففي قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزوّج البكر الصغيرة إلاّ وليّها» جُعل الملاك في صغر السنّ أو قصور العقل، ولذا ألحق بها أصحاب القياس الثيب الصغيرة، بل المجنونة والمعتوهة، وذلك بتخريج المناط وانّه هو

1 . علم أُصول الفقه :84.

صفحه 35
قصور العقل وليس للبكارة مدخلية في الحكم، فهل يمكن ادّعاء القطع بذلك، وقد قال سبحانه: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَليلاً)؟1
إذ الإنسان لم يزل في عالم الحسّ تنكشف له أخطاؤه، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام ومناطاتها المستورة عن العقل إلاّ في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ وأمّا ما يرجع إلى العبادات والمعاملات خصوصاً فيما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية وإن كان يظن شيئاً.
قال ابن حزم: وإن كانت العلّة غير منصوص عليها، فمن أيّ طريق تعرف ولم يوجد من الشارع نصّ يبين طريق تعرفها؟ وترك هذا من غير دليل يعرّف العلّة ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا أنّ القياس ليس أصلاً معتبراً، وإمّا أنّه أصل عند اللّه معتبر ولكن أصل لا بيان له وذلك يؤدي إلى التلبيس،وتعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، فلم يبق إلاّ نفي القياس.
ثانياً: لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين يعلم أنّها تمام العلّة، ولعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضم إليه في الواقع ولم يصل القائس إليه؟
ثالثاً: احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئاً أجنبياً إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه.

1 . الإسراء:85.

صفحه 36
رابعاً: احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم وقد غفل عنها القائس، ويعلم ذلك بالتدبّر في الأمثلة التالية:

1. قياس الولاية في النكاح بالميراث

يقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في الميراث    المقيس عليه
فيقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح    المقيس
فإنّ علّة التقديم في الميراث امتزاج الإخوة   وهو الجامع

2. قياس الجهل في المهر بالبيع

إنّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتّفاق   المقيس عليه
فالجهل بالمهر يفسد النكاح   المقيس
لوجود المعاوضة والجهل فيها   الجامع

3. قياس ضمان السارق بالغاصب

إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تحت يده   المقيس عليه
والسارق أيضاً يضمن وإن قطعت يده   المقيس
تلف المال تحت اليد العادية   الجامع
فإنّ تخريج المناط في هذه الموارد وعشرات من أمثالها تخريجات ظنية وهي بحاجة إلى قيام الدليل، وإلاّ فيمكن أن يكون للميراث

صفحه 37
خصوصية غير موجودة في النكاح أو يكون الجهل بالعوض مفسداً في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين المالين بخلاف النكاح فإنّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، والمهر ليس عوضاً.
وبسبب المخاطر الناجمة عن سلوك هذا الطريق، إذ كيف يتأتّى للعقل الفردي الإحاطة بأسرار التشريع ومناطاته حتّى يقف عن طريق السبر والتقسيم على ما هو المناط، نرى أنّ الإمام الشافعي يتشدّد في هذا الأمر قائلاً: ليس للحاكم أن يقبل، ولا للوالي أن يدع أحداً، ولا ينبغي للمفتي أن يفتي أحداً إلاّ متى ما يجتمع له أن يكون عالماً علم الكتاب... وعالماً بلسان العرب، عاقلاً يميز بين المشتبه، ويعقل القياس، فإن عدم بعضاً من هذه الخصال لم يحل له أن يكون قياساً.
ثمّ إنّ أبا زهرة بعد أن نقل كلام الشافعي هذا، يقول: وفي الحقّ أن تعرّف العلل واستخراجها من النصوص والأحكام هو عمل الفقيه الحاذق الّذي عالج النصوص وتحرى فهمها فهماً عميقاً، وتعرَّف مقاصد الشريعة في عمومها وفي خصوصها.1
والّذي يغرّ القائلين بالقياس في إمكان استخراج المناط هو الاستشهاد بأمثلة يكون المناط فيها واضحاً، كما فعل الغزالي حيث قال وهو يتحدث عن تنقيح المناط: مثاله: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب ينوطه به وتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن

1 . أُصول الفقه:230.

صفحه 38
درجة الاعتبار حتّى يتسع الحكم: مثاله إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع مع أهله فإنّا نلحق به أعرابياً آخر بقوله(عليه السلام): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، أو بالإجماع على أنّ التكليف يعمّ الأشخاص ولكنّا نلحق التركي والعجمي به، لأنّا نعلم أنّ مناط الحكم وقاع مكلّف لا وقاع أعرابي ونلحق به من أفطر في رمضان آخر، لأنّا نعلم أنّ المناط هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك الرمضان، بل نلحق به يوماً آخر من ذلك الرمضان; ولو وطأ أمته أوجبنا عليه الكفّارة، لأنّا نعلم أنّ كون الموطوءة منكوحة لا مدخل له في هذا الحكم، بل يلحق به الزنا، لأنّه أشدّ في هتك الحرمة، إلاّ أنّ هذه إلحاقات معلومة تنبئ على تنقيح مناط الحكم بحذف ما علم بعادة الشرع في موارده ومصادره في أحكامه أنّه لا مدخل له في التأثير.1
أقول: ما ذكره من المثال خارج عن محط النزاع لما عرفت من أنّ حذف الخصوصية في حديث الأعرابي إنّما هو من المداليل العرفية.
إنّما الكلام في الموارد الصعبة الّتي يُحار العقل في استخراج مناط الحكم فيها، وهل أنّ ما استخرجه هو المناط بعينه أو أنّ المناط غيره؟
وعلى فرض كونه مناطاً فهل هو مناط تام، أو جزء المناط؟ وبذلك يعلم أنّ أكثر من يستدلّ على حجّية القياس بإمكان استخراج مناطه يمثل بالخمر والنبيذ.

1 . المستصفى:2/232، ط مصر.

صفحه 39
قال الأُستاذ خلاّف: وكذا ورد النصّ بتحريم شرب الخمر ولم يدلّ نص على علّة الحكم، فالمجتهد يردّد العلية بين كونه من العنب أو كونه سائلاً أو كونه مسكراً، ويستبعد الوصف الأوّل لأنّه قاصر، والثاني لأنّه طردي غير مناسب، ويستبقي الثالث فيحكم بأنّه علّة.1

خاتمة المطاف: في مرتبته في الحجّية

إنّما يحتج بالقياس ـ على القول بحجّيته ـ إذا لم يكن هناك دليل نقلي كالكتاب والسنّة، أو إجماع من الفقهاء على حكم الموضوع، لأنّ حجّية القياس محدّدة بـ «ما لا نصّ فيه»، ولو افترضنا وجود النص، ينتفي القياس بانتفاء موضوعه.
قال عبد الوهاب خلاف: مذهب جمهور علماء المسلمين أنّ القياس حجّة شرعية على الأحكام العملية، وأنّه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص أو إجماع، وثبت أنّها تساوي واقعة نُصَّ على حكمها، في علّة هذا الحكم، فإنّها تقاس بها ويحكم فيها بحكمها، ويكون هذا حكمها شرعاً، ويسع المكلّف اتّباعه و العمل به، وهؤلاء يطلق عليهم: مثبتو القياس.2
وقال الأُستاذ محمد مصطفى شلبي: كان على المجتهد الباحث عن أحكام اللّه إذا لم يجد الحكم في كتاب اللّه أو في سنّة رسول اللّه أو فيما

1 . علم أُصول الفقه:85.
2 . علم أُصول الفقه:61.

صفحه 40
أجمع عليه في عصر سابق، أن يبحث في الوقائع الّتي ثبت لها حكم بواحد من الأدلّة الثلاثة السابقة، عن واقعة تشبه الّتي يبحث عن حكمها، فإذا وجدها بحث عن المعنى الّذي من أجله شُـرّع حكمها وهو المسمّى في الاصطلاح بعلّة الحكم، فإذا عرفه ووجد أنّه موجود في الواقعة الجديدة غلب على ظنّه أنّهما متساويان في الحكم بناء على تساويهما في العلّة فيلحقها بها ويثبت لها حكمها.
وهذه العملية هي الّتي تسمّى القياس. وهو دليل نصبه الشارع لمعرفة الأحكام، لكنّه لا يلجأ إليه إلاّ إذا لم يجد ما هو أقوى منه، ولذلك كان في المرتبة الرابعة في قائمة الأدلّة.1
هناك عدّة ملاحظات:
الأُولى: إذا كان القياس دليلاً في ما لم يكن هناك دليل شرعي من الكتاب والسنّة والإجماع، فكيف يخصّص به عموم الكتاب وإطلاقه حيث ذهب الأئمّة الأربعة والإمام الأشعري وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي الحسين البصري إلى جوازه2، مع أنّ موضوعه ما لا نصّ فيه، والإطلاق والعموم دليل في المسألة.
وتوهّم أنّ القياس خاص، والخاص يقدّم على العام، غير تام، وذلك لأنّ الخاص إنّما يقدّم على العام فيما إذا ثبتت حجّيته في مقابل الكتاب،

1 . أُصول الفقه الإسلامي:189.
2 . لاحظ الإحكام للآمدي:2/213; تيسير التحرير:1/321.
Website Security Test