welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 2*
نویسنده :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 2

صفحه 5
الذكرى المئوية السابعة لرحيل العلاّمة الحلّي (قدس سره)   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 2

الذكرى المئوية السابعة

لرحيل العلاّمة الحلّي (قدس سره)

إنّ تقدير العلماء وتخليد ذكرهم يُعدّ من صفات الأُمم الراقية والمجتمعات الواعية، لأنّه يُساهم في تكريس قيمة العلم، وإعلاء دوره ومكانته، وفي جعل العالِم في موضع الأُنموذج والقدوة الّتي تُحتذى، ممّا يحفِّز هِمم الأجيال الصاعدة للتسابق إلى كسب العلم، وإحراز المواقع المتقدّمة في ميادينه.
كما أنّ تجديد ذكرى العلماء المتميّزين يوجّه أنظار أبناء الأُمّة إلى آرائهم وعطائهم ومواقفهم، فتصبح محوراً للدراسة والاهتمام، ومورداً للبحث والاستلهام.
ولأجل ذلك، نرى المجتمعات المتقدّمة تبتكر مختلف الأساليب والوسائل لتقدير وتخليد عظمائها وعلمائها، كعقد المؤتمرات لدراسة أفكارهم وآرائهم، ورصد الجوائز التقديرية بأسمائهم، والسعي إلى إبرازهم على

صفحه 6
المستوى العالمي كرموز وشخصيات عالمية تستقطب الاهتمام والاحترام على الصعيد البشري العامّ.
وفي تاريخ أُمّتنا الإسلامية الحضاري والعلمي كفاءات عظيمة وشخصيات رائدة لكنّها لم تنل ما يناسب حقّها ومكانتها من الاحترام والتقدير، فأغلب تلك الكفاءات واجهت في حياتها المشاكل والصعوبات من قبل الحاكمين المستبدين، والحاسدين الحاقدين، والجهلاء الغوغائيين; وبعد وفاتها قوبلت بالتجاهل والإهمال.
لقد ضاع كثير من تراث علمائنا السابقين، ولا يزال قسم كبير منه مخطوط يتراكم عليه الغبار، ولم تتح له فرصة النشر والظهور.
وكم من أفكار عميقة، وآراء دقيقة، ونظريات ثريّة، تفتقت عنها أذهان علماء أفذاذ ، تستحق الدراسة والبحث، وأن تعقد حولها المؤتمرات، ولكنّها بقيت مركونة مهملة بسبب أجواء التخلّف الّتي أبعدتنا عن الاهتمام بتقدير العلماء وتخليد ذكراهم، فكان في ذلك حرمان لأجيال الأُمّة، وخسارة لمستقبلها في العلم والمعرفة.
وفي طليعة علماء الأُمّة الأفذاذ الذين يستحقّون أعلى درجات التقدير والتمجيد والتخليد، نابغة عصره ونادرة دهره آية الله العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الأسدي (648 ـ 726 هـ).
لقد ظهر نبوغه العلمي في حداثة سنه، وانتهت إليه زعامة الشيعة الإماميّة الذين لا يلقون أزمة أُمورهم ومرجعيتهم الدينية إلاّ للمتفوّق على أهل زمانه في العلم والفضل.

صفحه 7
كان (رحمه الله) كتلة من النشاط والحركة العلمية الدائبة طوال حياته الشريفة، لم يترك البحث والتأليف حتّى في حالة السفر وركوب الدابة.
ومن أهم نقاط تميّزه العلمي، عمق أبحاثه ودقّة تحقيقاته وثراء عطائه في مجال الأُصولين: أُصول الدين وأُصول الفقه، حيث تبلغ مؤلّفاته في هذين الحقلين أكثر من ثلاثين كتاباً، بعضها يقع في عدة مجلدات، إضافة إلى كتاباته المختلفة في سائر مجالات العلوم، كمؤلّفاته الكثيرة العميقة في الفقه الإسلامي.
ولو لم يكن من عطاء العلاّمة الحلّي إلاّ كتابه (نهاية الوصول إلى علم الأُصول) لكفى ذلك في إظهار عبقريته، وإبراز تفوّقه، وكشف عمق تفكيره وسعة معارفه، وإحاطته بالآراء المطروحة في المسائل الأُصولية في زمانه.
كما يكشف الكتاب عن مستوى أخلاقي متقدّم لدى العلاّمة الحلّي يتجلّى في أمانة نقله لآراء الآخرين، واجتهاد في فهم مقولاتهم على أفضل فروض الصحة ما أمكن، ثم التزام النهج العلمي والموضوعية في مناقشة الآراء بعيداً عن التعصّب والانحياز، إلاّ إلى ما يقود إليه الدليل الصادق والبرهان الصحيح.
إنّ هذا النهج في البحث العلمي والحوار الموضوعي الّذي سلكه العلاّمة الحلّي وأرسى قواعده في كتاباته المختلفة، لهو النهج الّذي تحتاجه الأُمّة لتجاوز حالات القطيعة والنزاع بين طوائفها واتّباع مذاهبها الإسلامية المختلفة.
فالتعارف الصحيح الّذي يوضح صورة كلّ طرف أمام الآخر على حقيقتها، وليس من خلال الإشاعات والاتّهامات الباطلة، هو الأرضية المناسبة للتقارب والتواصل بين فئات الأُمّة على تنوّع مشاربها ومذاهبها، كما يقول الإمام

صفحه 8
شرف الدين (رحمه الله): إنّ المسلمين إذا تعارفوا تآلفوا.
كما أنّ الحوار العلمي الموضوعي شرط ضروري لإثراء المعرفة، وبلورة الرأي والاقتراب من موقع الحقيقة والصواب .
ومن توفيق الله تعالى لمؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)أن تقوم بتحقيق هذا الكتاب وتقديمه إلى عالم الفكر والمعرفة بطباعة أنيقة جميلة .
ooo
ونودّ الإشارة أخيراً إلى أنّ هذا العامّ (1426 هـ) يصادف الذكرى المئوية السابعة لوفاة العلاّمة الحلّي سنة (726 هـ) لذا نهيب بحوزاتنا العلمية، ومؤسّساتنا الدينية، أن تستثمر هذه المناسبة في الاحتفاء بذكرى هذا الطود العظيم في العلم والمعرفة، الّذي كرّس حياته للدفاع عن خط أهل البيت(عليهم السلام)وتبيين معالم مدرستهم في العقيدة والشريعة.
ومن أهم مظاهر الاحتفاء بذكرى العلاّمة الحلي الاهتمام بتحقيق وطبع تراثه العلمي ونتاجه المعرفي على شكل موسوعة كاملة، وترجمة بعض مؤلّفاته إلى اللغات العالمية الحيّة، ليرى المفكرون المعاصرون سعة أُفق الفكر الإسلامي وعمق مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّ عقد مؤتمر علميٍّ في هذه المناسبة لدراسة حياة هذا الرجل العظيم وقراءة أفكاره وآرائه، سيبعث حركة وموجاً ثقافياً فكرياً في أوساطنا العلمية وساحتنا الإسلامية.
رحم الله العلاّمة الحلّي وأعلى درجته ومقامه، ووفق الله العاملين في

صفحه 9
خدمة الدين والعلم، لمواصلة مسيرته المقدسة، وتخليد ذكراه العطرة، بإحياء آثاره وعلومه.
وفي الختام يتقدّم المؤسس بالشكر الجزيل للعلاّمة الحجة الشيخ إبراهيم البهادري الّذي قام بتحقيق هذا الكتاب على أحسن وجه، شكر الله مساعيه الجميلة ووفقه لأعمال علمية أُخرى .
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة
10 ربيع الأوّل 1426 هـ

صفحه 10

صفحه 11
شبهات وإيضاحات حول أُصول الفقه للشيعة الإماميّة   

شبهات وإيضاحات

حول أُصول الفقه

للشيعة الإماميّة

لقد قمنا بزيارة المملكة المغربية في مستهلّ عام 1425 هـ ، وتعرّفت على رجال الفكر والثقافة في تلك البلاد من خلال إلقاء المحاضرات في غير واحدة من جامعاتها وحول مواضيع مختلفة. وقد دُوّنت خاطراتنا حول هذه الرحلة في كتاب سمّي «على ضفاف جبل طارق» وسيصدر قريباً إن شاء الله تعالى .
وممّا يجب ذكره: إنّي قد ألقيت محاضرة حول تطوّر أُصول الفقه عند الإمامية في جامعة القرويين في مدينة فاس بتاريخ 4 محرم الحرام 1425 هـ ، وذكرت فيها التطوّر الّذي أحدثه علماء الإمامية في علم الأُصول عبر القرون على نحو لا يُرى نظيره في المدارس الأُخرس، وذكرنا نماذج من تقدم الحركة الأُصولية، وقد أعقبت هذه المحاضرة مناقشات واستفسارات أجبنا عنها حسب ما سمح لنا الوقت بذلك.

صفحه 12
وفي اليوم الأخير من سفرنا والّذي غادرنا فيه المملكة المغربية زرنا صباحاً مؤسسة «دار الحديث الحسنية» الّتي يديرها الدكتور أحمد الخمليشي، وقد استقبلونا بحفاوة وتكريم، وتعرّفنا هناك على عدد من الأساتذة المحترمين من أصحاب الاختصاصات المتنوّعة، وقد دار الحديث خلال هذه الزيارة في مواضيع عديدة لا يسع المجال لذكرها هنا.
كلّ ذلك كان بفضل ربنا سبحانه وتعالى حيث التقينا بشخصيات علمية بارزة، ولمسنا منهم حب المعرفة والاطّلاع على مذهب الشيعة الإماميّة والتقريب بين المسلمين، والاهتمام بالتبادل الثقافي بين الجمهورية الإسلامية والمملكة المغربية.
ooo
وقد وقفنا في هذه الأيام على مقال نشر في العدد الثاني من مجلة «الواضحة»، الصادرة عن «دار الحديث الحسنية» في المغرب المؤرخ في 1425 هـ ـ 2004 م تحت عنوان «أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية ـ تقديم وتقويم» بقلم: الدكتور أحمد الريسوني، الأُستاذ في جامعة محمد الخامس في الرباط.
ومن حسن الحظ أنّا قد التقينا بصاحب المقال مرتين :
الأُولى: خلال إلقاء محاضرة في كلية الآداب والعلوم الإسلامية جامعة محمد الخامس، والّتي كان موضوعها: «الفقه الإسلامي وأدواره التاريخية».
الثانية: كانت خلال الحفل الّذي أُقيم في سفارة الجمهورية الإسلامية في المغرب لتكريم ضيفها.
ونشكر الله الّذي هيّأ لنا هذه اللقاءات الأخوية.

صفحه 13
وقد قرأت المقال ووجدت أنّ المواضيع الّتي تخضع للبحث والنقاش فيه عبارة عمّا يلي:
1. تأخّر الشيعة في تدوين علم الأُصول عن السنّة.
2. أدلّة الأحكام عند الشيعة الإمامية، ومنها سنّة الأئمة الاثني عشر والإجماع.
3. الإمامية ترفض الأخذ بالقياس والاستصلاح لأنّها أدلّة ظنية، وفي الوقت نفسه يعملون بالظنّيات كالعمل بأخبار الآحاد.
4. الإمامية يقولون بحجّية الدليل العقلي بينما يرفضون القياس وهو من بديهيات العقول وأوّلياتها.
5. الإمامية ترفض حجّية المصلحة؟! ولكنّهم يأخذونها بأسماء وأشكال متعدّدة.
هذه هي المحاور الّتي يدور عليها مقال الدكتور الّذي مارس النقد البنّاء، واستعرض وجهة نظره بعبارات مهذّبة ، ونحن نتناول تلك الأُمور بالبحث والمناقشة ضمن فصول، خضوعاً لما أفاده في مقدّمة مقاله قائلاً:
على أنّني حين أضع هذا المقال في سياق التقريب والسعي نحو التفاهم، فإنّي لا أنفي حتمية النقاش الصريح والنقد الحر المتبادل، لأنّ التقريب المنشود لا يمكن أن يبنى على المجاملة أو المحاباة، ولكنّه بحاجة إلى تحسين الظن، وتهذيب الخطاب، وتحمّل النقد بحثاً عمّا فيه من حق لقبوله، لا بحثاً ـ فقط ـ عمّا فيه من مداخل لنقضه وتسفيهه .

صفحه 14
 
1
التقدّم في التأسيس أو التدوين
إنّ واقع العلم المنتشر قائم بأمرين:
1. إلقاء الأفكار الّتي تقدح في أذهان المؤسّسين إلى تلاميذهم.
2. تدوين الأفكار من قبل المؤسّسين أو تلاميذهم الذين اقتبسوا من أضوائهم واستلهموا تلك الأفكار.
وليس علم الأُصول شاذّاً عن هذه القاعدة.
إذا كانت الغاية من علم الأُصول هو تعليم الفقيه كيفية إقامة الدليل
على الحكم الشرعي واستنطاق الأدلّة الشرعية لاستنباط الحكم الشرعي
في الحقول المختلفة، فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ـ لاسيّما الإمامين الباقر
والصادق (عليهما السلام)ـ هم السابقون في هذا الميدان، فقد أملوْا على أصحابهم قواعد كلّيّة تتضمّن قواعد أُصولية تارة وقواعد فقهية تارة أُخرى، فربّوا جيلاً كبيراً من الفقهاء في مجال الاجتهاد والاستنباط حفلت معاجم الرجال والتراجم بأسمائهم وآثارهم.
فمن سبَر ما وصل إلينا من آثار الفقهاء في القرن الثاني والثالث ممّن تربّوا في أحضان أهل البيت(عليهم السلام)، يقف على مدى رقيّهم في سلم الاجتهاد، فمن باب

صفحه 15
المثال انظر إلى ما بقي إلى هذا الوقت من اجتهادات تلاميذ الإمامين الصادقين (عليهما السلام)، نظير:
1. زرارة بن أعين (المتوفّى عام 150 هـ) الّذي يقول في حقّه ابن النديم: زرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً.
2. محمد بن مسلم الثقفي (المتوفّى عام 150 هـ).
3. يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى عام 208 هـ) .
4. الفضل بن شاذان (المتوفّى عام 260 هـ)، مؤلف كتاب «الإيضاح» المطبوع .
إلى غيرهم من الفقهاء البارزين، الذين تركوا تراثاً فقهياً مستنبطاً من قواعد أُصولية وفقهية على نحو يبهر العقول، وقد ذكرنا شيئاً من فتاواهم واجتهاداتهم في كتابنا (تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره ج 1 ص 195 ـ 202).
وقد كانت اجتهاداتهم واستنباطاتهم على ضوء قواعد تلقّوها عن أئمتهم(عليهم السلام)واستضاءوا بنور علومهم. وقد جاءت هذه القواعد مبثوثة في ضمن أحاديث موجوده في جوامعنا الحديثية.
وقد قام جماعة من المحدّثين بفصل هذه الروايات وجمعها في مكان واحد، نذكر منهم:
1. فقد جمعها العلاّمة المجلسي (1037 ـ 1110 هـ) ضمن موسوعته الكبيرة «بحار الأنوار»، في كتاب العقل والعلم .1

1 . بحار الأنوار: 2 / 266 ـ 283 .

صفحه 16
2. ألّف الشيخ الحر العاملي (المتوفّى 1104 هـ) كتاباً مستقلاً في هذا المضمار أسماه «الفصول المهمة في أُصول الأئمة» وقد اشتمل على 86 باباً أودع فيها الأحاديث الّتي تتضمّن قواعد أُصولية وفقهية ممّا يبتنى عليها الاستنباط.
3. صنّف المحدث الخبير السيد عبد الله شبّر (المتوفّى 1242 هـ) كتاباً أسماه «الأُصول الأصلية والقواعد الشرعية» يحتوي على مائة باب، وقد طبع الكتاب في 340 صفحة.
4. أخيرهم لا آخرهم العلاّمة الفقيه السيد محمد هاشم الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318 هـ) الّذي خاض بحار الأحاديث وصرف برهة من عمره في جمع هذا النوع من الروايات المروية عن أهل البيت(عليهم السلام)(والّتي تتضمن الأُصول والقواعد الّتي يبتنى عليها الاستنباط) في كتاب سماه «أُصول آل الرسول» وأورد فيه خمسة آلاف حديث من هذا النوع، ولو أسقطنا المتكرر منها لكان في الباقي غنى وكفاية، وهذا يشهد على تقدّم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في تأسيس الفكرة وهداية الأُمّة إلى تلك القواعد والأُصول.
هذا وإنّ كثيراً من أئمة الفقه كانوا سبّاقين في التأسيس لا في التدوين، وإنّما قام بالتدوين تلاميذ منهجهم. ومن المعلوم أنّ الفضل للمؤسّس لا للمدوّن.
هذا الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (80 ـ 150 هـ) أحد أئمة المذاهب الأربعة، ومؤسّس الفقه الحنفي قد أسّس مدرسة فقهية توسّعت على يد تلاميذه، وأخصّ بالذكر منهم: تلميذه المعروف محمد بن الحسن الشيباني (131 ـ

صفحه 17
189 هـ)، وتلميذه الآخر القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (113 ـ 182 هـ)، وهذان الفقيهان اتّصلا بأبي حنيفة وانقطعا إليه وتفقّها على يديه وبهما انتشر المذهب، والفضل للمؤسّس لا للمدّون.
وهذا هو أحمد بن محمد بن حنبل (164 ـ 241 هـ) الحافظ الكبير حيث لم يصنّف كتاباً في الفقه يُعدّ أصلاً ومرجعاً، وإنّما جمع أُصوله تلميذ تلميذه «الخلال» من الفتاوى المتشتّتة الموجودة بين أيدي الناس ، وجاء من جاء بعده فاستثمرها وبلورها حتى صارت مذهباً من المذاهب.
يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ أحمد لم يصنّف كتاباً في الفقه يُعدّ أصلاً يؤخذ منه مذهبه ويُعدّ مرجعه ولم يكتب إلاّ الحديث .1
ومع هذا فقد صقل تلاميذه مذهبه وألّفوا موسوعة فقهية كبيرة، كالمغني لابن قدامة...
وأمّا مسألة التدوين فهي وإن كانت أمراً مهماً قابلاً للتقدير لكن لا نخوض فيها، على الرغم من وجود تآليف في أُصول الفقه للشيعة الإمامية يعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري.
ومن سبر تاريخ الحديث والفقه ودور الأئمة الاثنى عشر وخاصّة الباقر والصادق (عليهما السلام)في حفظ سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتوعية الناس، يقف على أنّ حضور مجالسهم كان واسعاً جداً، فكان يحضر فيها فئات مختلفة من طوائف المسلمين، وكانت خطاباتهم موجهة إلى عامّة الحاضرين.. فإنّ الفوارق الّتي نشاهدها اليوم بين السنّة والشيعة لم تكن في عصر الإمامين (عليهما السلام)على حد تصد

1 . ابن حنبل حياته وعصره لأبي زهرة: 168 .

صفحه 18
غير شيعتهم عن الاختلاف إلى مجالسهم ومحاضراتهم، فقد كان يشهد حلقات دروسهم فريق من التابعين وتابعي التابعين، من غير فرق بين من يعتقد بإمامتهم وقيادتهم أو من يرى أنّهم مراجع للعقائد والأحكام.
هذا هو التاريخ يحكي عن أنّ حلقة درس الإمام الصادق كانت تضم عدداً كبيراً من رجال العلم، وها نحن نذكر فيما يلي أسماء البارزين منهم:
1. النعمان بن ثابت (المتوفّى 150 هـ) صاحب المذهب الفقهي المعروف. يقول محمود شكري الآلوسي في كتابه «مختصر التحفة الاثنى عشرية»: هذا أبو حنيفة (رضي الله عنه)وهو من بين أهل السنّة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان: لولا السنتان لهلك النعمان، يريد السنتين اللتين صحب فيهما ـ لأخذ العلم ـ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).1
يقول أبو زهرة: وأبو حنيفة كان يروي عن الصادق كثيراً، واقرأ كتاب الآثار لأبي يوسف، والآثار لمحمد بن الحسن الشيباني فإنّك واجد فيهما رواية عن جعفر بن محمد في مواضع ليست قليلة .2
2. مالك بن أنس (المتوفّى 179 هـ) وكانت له صلة تامّة بالإمام الصادق (عليه السلام)، وروى الحديث عنه، واشتهر قوله: ما رأت عين أفضل من جعفر بن محمد.
3. سفيان الثوري (المتوفّى 161 هـ) من رؤساء المذهب وحملة الحديث

1 . مختصر التحفة: ص 8 طبع عام 1301 هـ .
2 . الإمام الصادق: 38 .

صفحه 19
وكان له اختصاص بالإمام الصادق، وقد روى عنه الحديث، كما روى كثيراً من آدابه وأخلاقه ومواعظه.
4. سفيان بن عيينة (المتوفّى 198 هـ) وهو من رؤساء المذاهب البائدة.
5. شعبة بن الحجاج (المتوفّى 160 هـ)، خرّج له أصحاب الصحاح والسنن.
6. فضيل بن عياض (المتوفّى 187 هـ)، أحد أئمة الهدى والسنّة. خرّج له البخاري.
7. حاتم بن إسماعيل (المتوفّى 180 هـ) خرج له البخاري ومسلم، أخذ عن الصادق (عليه السلام)وأخذ عنه خلق كثير.
8. حفص بن غياث (المتوفّى 194 هـ) روى عن الصادق (عليه السلام)وروى عنه أحمد وغيره .
9. إبراهيم بن محمد أبو إسحاق المدني (المتوفّى 191 هـ) روى عن الصادق .
10. عبد الملك بن جريج القرشي (المتوفّى 149 هـ).
هذه عشرة كاملة ومن أراد أن يقف على حملة علمه وتلامذة منهجه من السنّة، فعليه بكتاب «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» لأسد حيدر ج 1 ص 400 ـ 421 .
هذه نبذة ممّن استناروا بنور الصادق (عليه السلام)الوهّاج وانتهلوا من نميره العذب وتلقّوا عنه الفقه والحديث كما تلقّاهما عنه غيرهم من شيعته.
ooo

صفحه 20
 
2
أدلّة الأحكام عند الإماميّة
اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ منابع الفقه ومصادره لا تتجاوز الأربعة، وهي:
1. الكتاب .
2. السنّة.
3. الإجماع.
4. العقل .
وما سواها إمّا ليست من مصادر التشريع، أو ترجع إليها.
هذا هو فقيه القرن السادس محمد بن إدريس الحلي (543 ـ 598 هـ) يذكر الأدلّة الأربعة في ديباجة كتابه (السرائر) ويُحدّد موضع كل منها، ويقول: فإنّ الحق لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب الله سبحانه، أو سنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)المتواترة المتّفق عليها1، أو الإجماع، أو دليل العقل; فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في

1 . اشتراط التواتر نظرية خاصّة لقليل من علماء الإمامية، فالجمهور منهم يعملون بخبرالعدل أيضاً .

صفحه 21
المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها .1

تقسيم الأدلّة إلى اجتهادية وأُصول عملية

تقسيم الأدلّة إلى اجتهادية وأُصول عملية من خصائص الفقه الشيعي، وأمّا الفرق بينهما فهو كالتالي:
وهو انّه لو كان الملاك في اعتبار شيء حجّة على الحكم الشرعي هو كونه أمارة للواقع وطريقاً إليه عند المعتبر فهو دليل اجتهادي كالأدلّة الأربعة. فإنّ الملاك في حجّيتها هو ما ذكرنا، فإنّ كلاًّ من الكتاب والسنّة حتّى الخبر الواحد منها طريق إلى الواقع وكاشف عنه إما كشفاً تاماً كما إذا أفاد القطع، أو كشفاً غير تام كما في خبر العدل ، وعلى كلّ تقدير فالملاك لاعتباره حجّة هو كاشفيته عن الواقع.
وأمّا إذا كان الملاك بيان الوظيفة ووضع حلول عملية للمكلّفين عند قصور يد المجتهد عن الواقع فهو أصل عملي، فالملاك لاعتبار هذا القسم من الأدلّة هو رفع التحيّر وإراءة الوظيفة عند اليأس عن العثور على دليل موصل للواقع، ولذلك أُخذ في لسان حجّيتهم الجهل بالواقع وعدم توفر طريق في

1 . السرائر: 1 / 46 .

صفحه 22
متناوله. وهذه الأُصول العامّة الّتي تجري في عامّة أبواب الفقه لا تتجاوز الأربعة، وهي:
1. أصالة البراءة.
2. أصالة الاشتغال.
3. أصالة التخيير.
4. أصالة الاستصحاب.
ولكلّ منها مجرى خاص:
أمّا الأُولى: فمجراها هو الشكّ في التكليف، فإذا كان المجتهد شاكّاً في أصل الوجوب أو الحرمة، وتفحّص عن مظانّ الأدّلة ولم يقف على دليل وحجّة على الحكم الشرعي، فوظيفته الحكم بالبراءة عن التكليف. كما إذا شكّ مثلاً في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلاً أو ما أشبهه ذلك، والأصل له رصيد قطعي وهو:
أ. قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن أُمّتي تسعة... وما لا يعلمون.
ب. حكم العقل بقبح عقاب الحكيم دون بيان واصل.
وأمّا الثانية: فمجراها فيما إذا علم بالحكم الشرعي ولكن تردّد الواجب أو الحرام بين أمرين، فيجب عليه الجمع بين الاحتمالين بالإتيان بهما عند تردّد الواجب، والاجتناب عنهما عند تردّد الحرام .
مثلاً إذا علم بفوت صلاة مردّدة بين المغرب والعشاء يجب عليه الجمع بينهما، أو إذا علم نجاسة أحد الإنائين من غير تعيين يجب الاجتناب عن كليهما.

صفحه 23
وأمّا الثالثة: إذا دار حكم الشيء بين الوجوب والحرمة ولم يقف على دليل شرعي يوصله إلى الواقع، فالوظيفة العملية هي التخيير.
وأمّا الرابعة: وهو ما إذا علم بوجوب شيء أو بطهارته لكن شك في بقاء الحكم أو بقاء الموضوع وتفحّص ولم يقف على بقائه أو زواله، فالمرجع هو الأخذ بالحالة السابقة أخذاً بقول الإمام الصادق (عليه السلام)«لا يُنقض اليقين بالشك».
هذه هي الأُصول العملية الأربعة الّتي استنبطها المجتهدون من الكتاب والسنّة، وليس لها دور إلاّ عند فقد النص على الحكم الشرعي، ولكلّ مجرى خاصّ وليس الملاك في اعتبارها كونها كاشفة عن الواقع بل كونها مرجعاً للوظيفة الفعلية.

تقسيم الأُصول إلى محرز وغير محرز

إنّ الأُصول العملية تنقسم إلى: أُصول محرزة. وأُصول غير محرزة، والمراد من الإحراز، هو إحراز الواقع والكشف عنه، وذلك لأنّ بعض الأُصول فيه جهة كشف عن الواقع، كشفاً ضعيفاً، لكن العقلاء لا يعتبرون في معاملاتهم وسياساتهم كونه حجّة لهذه الجهة، بل الملاك لاعتباره هو تسهيل الأمر في الحياة ووضع حلول عملية في ظرف الجهل والشكّ، كما أنّ الشارع الّذي أمضاه واعتبره حجّة في الفقه، لم يعتبره لهذه الغاية حتى يكون أمارة عقلانية كخبر الثقة.
ومثّلوا لذلك بالأُصول العملية الثلاثة:
1. الاستصحاب .

صفحه 24
2. قاعدة اليد.
3. قاعدة التجاوز.
فالأوّل منها أصل عام يجري في عامّة أبواب الفقه، بخلاف الأخيرين فإنّهما خاصان ببعض الأبواب.
وما سوى ذلك أصل غير محرز كأصالة البراءة والاشتغال والتخيير.
هذه هي أدلّة الأحكام عند الشيعة الإمامية، فهلمّ معي ندرس ما ذكره الأُستاذ حول أدلّة الأحكام عند الشيعة لنرى فيه مواقع الخطأ والالتباس على ضوء الدراسة الصحيحة لأُصول الفقه عند الإمامية.

1. مسلك الشيعة هو مسلك الغزالي

يقول الأُستاذ: جعلت الشيعة أدلّة الأحكام المعتمدة أربعة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، ثم قال: ولا يخفى على الدارس أنّ هذا هو مسلك الإمام الغزالي في باب الأدلّة .1
يلاحظ عليه: لا نظن أنّ الأُستاذ يتّهم الشيعة بمتابعتهم الغزالي في حجّية الكتاب والسنّة، فإنّ المسلمين قاطبة يقولون بذلك. وإنّما مظنّة التهمة قولهم بحجّية العقل.
فنقول: هناك فرق واضح بين المسلكين: الإمامي والغزّالي، فإنّ الأوّل يعتمد على التحسين والتقبيح العقليين، والغزّالي تبعاً لإمام مذهبه يرفض ذلك

1 . الصفحة: 86 من المجلة المذكورة.

صفحه 25
ويقول: إنّ لله عزَّوجلَّ إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق، لأنّه متصرّف في ملكه... 1
والعقل الّذي هو مصدر التشريع عند الإمامية أو كاشف عن التشريع الإلهي ـ على الاصح ـ هو العقل المعتمد على حكمين ينبعان من صميم العقل .
1. التحسين والتقبيح العقليان.
2. الملازمات العقلية.
وأين الغزّالي ومنهاج أُستاذه عن القول بهما؟!
وتضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على حجّية العقل قبل أن يولد الغزالي بقرون، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حجّة الله على العباد النبي، والحجّة فيما بين العباد وبين الله، العقل».2
وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)(المتوفّى : 183 هـ) مخاطباً هشام بن الحكم: «يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة; فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأمّا الباطنة فالعقول ».3
إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أعطوا للعقل أهمية كبيرة، فهذا هو الإمام الباقر (عليه السلام)يقول: «إنّ الله لمّا خلق العقل استنطقه ـ إلى أن قال : ـ وعزّتي وجلالي ما
خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملتك إلاّ في مَن أُحب، أما إنّي إيّاك

1 . قواعد العقائد: 60 و 204 .
2 . الكليني: الكافي: 1 / 25، كتاب العقل والجهل، الحديث 22 .
3 . الكافي: 1 / 16، كتاب العقل والجهل، الحديث 12 .

صفحه 26
آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أُعاقب وإيّاك أُثيب» .1
فكان المترقب من الأُستاذ المحترم أن لا يقضي في الموضوع إلاّ بعد الإحاطة بأُصول الشيعة الإماميّة.

2. تقييم تعريفه للأدلّة الاجتهادية والأُصولية العلمية:

قد تعرّفت على ما هو الفرق بين الأدلّة الاجتهادية والأُصولية العملية، وعلى تقسيم الأُصول إلى أصل محرز وغير محرز .
وللأُستاذ كلام في هذا الصدد نأتي به:
أ. الأدلّة الأربعة المعتمدة المشار إليها آنفاً تسمى الأدلة المحرزة ـ الكتاب، السنّة، العقل، والإجماع ـ ويقابلها الأُصول العملية باعتبارها تعطي حلولاً عملية للمكلّفين حين يتعذر عليها إحراز الحكم الشرعي من دليله .
يلاحظ عليه: أنّه أصاب في التفريق بين الأدلة الأربعة والأُصول العملية إلاّ أنّ وصفَ الأدلّة الأربعة بالأدلّة المحرزة، خلاف المصطلح وإنّما يوصف بها بعض الأُصول، فمنها أصل محرز ومنها غير محرز. كما تقدّم في كلامنا، وإنّما توصف الأدلّة الأربعة، بالأدلّة الاجتهادية.
ب. ويدخل ضمن هذه الأُصول العملية جملة قواعد: أهمها قاعدة الاحتياط، انطلاقاً من أنّ الأصل هو شغل الذمّة بالتكليف وانّ لله في كلّ نازلة حكماً يتعيّن الالتزام به، وقاعدة البراءة الأصلية، انطلاقاً من أنّ الأصل براءة

1 . الكافي: 1 / 10، كتاب العقل والجهل، الحديث 1 .

صفحه 27
الذمّة من التكليف، قاعدة الاستصحاب الّتي تقضي بإبقاء ما كان على ما كان انطلاقاً من أنّ اليقين لا يرتفع بالشكّ.1
يلاحظ عليه: أنّ قاعدة الاحتياط تنطلق من العلم القطعي بنفس التكليف في الواقعة بلا تردد فيه، والجهل بالموضوع، كما إذا علم بفوت إحدى الصلاتين المغرب أو العشاء، فيجب عليه قضاؤهما، وما ذكره من المنطلق يعني أنّ «الأصل هو شغل الذمّة بالتكليف» له لا صلة له بقاعدة الاحتياط، بل أساسه هو العلم بالتكليف والجهل في المتعلّق.
والعجب انّه عندما يفسّر قاعدة الاحتياط عند الإمامية، يقول: الأصل شغل الذمّة بالتكليف.
وعندما يفسّر قاعدة البراءة عندهم بقوله: الأصل براءة الذمّة من التكليف، وهذا هو نفس التناقض، فلو كان الأصل هو الاشتغال فما معنى كون الأصل هو البراءة؟!
وهذا يكشف عن أنّ الأُستاذ لم يكن ملمّاً بأُصول الفقه عند الإمامية حيث ارتكب في بيانها التناقض .
كما أنّ ما ذكره: «أنّ لله في كلّ نازلة حكماً يتعيّن الالتزام به» وجعله منطلقاً للاحتياط عجيب جداً، لأنّ العلم بأنّ لله في كلّ نازلة حكماً لا يسبب الاحتياط،وإذ من المحتمل أن يكون حكم الله في المورد هو الإباحة أو الكراهة، أو الاستحباب.

1 . مجلة الواضحة: 87 بتلخيص .

صفحه 28
 
3
هل سنّة وراء سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)
السنّة هي المصدر الثاني للعقيدة والشريعة، سواء أكانت منقولة باللفظ والمعنى، أو كانت منقولة بالمعنى فقط، إذا كان الناقل ضابطاً في النقل .
وقد خصّ الله بها المسلمين دون سائر الأُمم حيث إنّهم اهتموا بنقل ما أُثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من قول وفعل وتقرير، وبذلك صارت السنّة من مصادر التشريع الإسلامي.
وقد أكد أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على أنّ السنّة الشريفة هي المصدر الرئيسي بعد الكتاب، وأنّ جميع ما يحتاج الناس إليه قد بيّنه سبحانه في الذكر الحكيم أو ورد في سنّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم).
قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً». 1
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «ما مِنْ شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة». (2)

1 و 2 . الكليني: الكافي: 1 / 59 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، الحديث 2، 4.

صفحه 29
وروى سماعة عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) ، قال: قلت له: أكل شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه، أو تقولون فيه؟
قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه». 1
روى أُسامة، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) وعنده رجل من المغيرية 2، فسأله عن شيء من السنن؟ فقال: «ما من شيء يحتاج إليه ولد آدم إلاّ وقد خرجت فيه سنّة من اللّه ومن رسوله، ولولا ذلك، ما احتجّ علينا بما احتج؟»
فقال المغيري: وبما احتج؟
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «قوله: (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)3 فلو لم يكمل سنّته وفرائضه وما يحتاج إليه الناس، ما احتجّ به». 4
روى أبو حمزة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبته في حجّة الوداع: «أيّها الناس اتّقوا اللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّوقد نهيتكم عنه وأمرتكم به». 5
إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من التأكيد على السنّة والركون إليها.

1 . الكافي: 1 / 62 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، الحديث 10.
2 . هم أصحاب المغيرة بن سعيد، الذي تبرّأ منه الإمام الصادق (عليه السلام) .
3 . المائدة: 3.
4 . المجلسي: البحار: 2/168ح3.
5 . البحار: 2/171 ح11.

صفحه 30
 
أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حفظة سنن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يقوم بأُمور ومهام لها صلة بالجوانب المعنوية ـ بالإضافة إلى إدارة دفّة الحكم ـ وهي :
1. تبيين الأحكام الشرعية والإجابة عن الحوادث المستجدَّة الّتي لم يُبيّن حكمها في الكتاب ولا في السنّة الصادرة إلى يومها.
2. تفسير القرآن الكريم وتبيين مجملاته وتقييد مطلقاته وتخصيص عموماته .
3. الردّ على الشبهات والتشكيكات الّتي يطلقها أعداء الإسلام من اليهود والنصارى بعد الهجرة.
ومن المعلوم أنّ من يقوم بهذه المسؤوليات، سوف يُورث فقده فراغاً هائلاً في نفس هذه المجالات، ومن الخطأ أن نتّهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ والعياذ بالله ـ أنّه قد ارتحل من دون أن يفكّر في ملءِ تلك الثغرات المعنوية الحاصلة برحيله...
فإذا رجعنا إلى أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نقف على أنّه قد سدّ هذه الثغرات باستخلاف مَنْ جعلهم قرناء الكتاب وأعداله، وأناط هداية الأُمّة بالتمسّك بهما، ونذكر نماذج من كلماته (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا المجال:
1. روى ابن الأثير الجزري في «جامع الأُصول» عن جابر بن عبد اللّه، قال:
رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء

صفحه 31
يخطب، فسمعته يقول:«إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي».1
2. وأخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، قال:
قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خماً بين مكة والمدينة، وحمد اللّه وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثمّ قال:
أمّا بعد : ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به فحثّ على كتاب اللّه ورغب فيه.
ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي.2
3. أخرج الترمذي في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة يوم عرفة على ناقته القصواء يخطب فسمعته، يقول: يا أيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي.3
4. أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود إلى السماء

1 . جامع الأُصول: 1/424.
2 . صحيح مسلم: 2 / 325.
3 . سنن الترمذي:5/662، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 32
والأرض، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.1
وهذا الحديث المعروف بحديث الثقلين رواه عن النبي أكثر من ثلاثين صحابياً، ودوّنه ما يربو على ثلاثمائة عالم في كتبهم في مختلف العلوم والفنون، وفي جميع الأعصار والقرون، فهو حديث صحيح متواتر بين المسلمين، وقد عيّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ببركة هذا الحديث من يسدّ هذه الثغرات ويكون المرجع العلمي بعد رحيله وليس هو إلاّ أهل بيته.
وبهذا يتبين أن العترة(عليهم السلام)عيبة علم الرسول وخزنة سننه وحفظة كَلِمه، تعلموها بعناية من الله تبارك وتعالى كما تعلّم صاحب موسى بفضل من الله دون أن يدرس عند أحد، ولذلك تمنّى موسى (عليه السلام)أن يعلمه ممّا عُلّم .
قال سبحانه حاكيا عن لسان نبيه موسى (عليه السلام): (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)2.
وعلى ضوء ذلك فليس لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)سنّة ولا تشريع، وما أثر عنهم من قول وفعل أو تقرير فإنّما يعتبر، لكونهم حفظة سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يصدرون ولا يحكمونَ إلاّ بسنّته .
فلو قيل: إنّ قول الإمام (عليه السلام)أو فعله أو تقريره سنّة إنّما يراد به أنّهم تراجم سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأقواله وأفعاله.
فما قاله العلاّمة الشيخ المظفر (قدس سره)من أنّ المعصوم من آل البيت(عليهم السلام)يجري

1 . مسند أحمد: 3 / 14.
2 . الكهف: 66 .

صفحه 33
قوله مجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من كونه حجة على العباد، إنّما يريد ذلك وما أحسَن قوله «يجري مجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)»، فلو كان أئمة أهل البيت(عليهم السلام)هم أصحاب سنن في عرض سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فلماذا قال «يجري قولهم مجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)»؟!
هذه عقيدة الإمامية من أوّلهم إلى آخرهم ; فالتشريع لله سبحانه فقط، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)هو المبلّغ عن الله سبحانه في ما شرّعه، وأئمة أهل البيت خلفاء رسول الله وحفظة سننه وتراجم كلمه، والمبلّغون عنه السنن حتى يجسّدوا إكمال الدين في مجالي العقيدة والشريعة.
وحين قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)1 فإنّما هو لأجل نصب علي (عليه السلام)أوّل أئمة أهل البيت(عليهم السلام)للخلافة لكي يقوم بنفس المسؤوليات الّتي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قائماً بها طيلة أيّام رسالته، ويملأ الثغرات الّتي أعقبتها رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم)غير أنّه نبي يوحى إليه وهذا وصي حافظ لسننه.

سنّة الصحابة في مقابل سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد تبيّن لنا أنّ الأُستاذ قد عجب من وجود سنّة لأهل البيت(عليهم السلام)، وقد فسّرنا معنى ذلك عند الإماميّة، وقلنا بأنّه ليس للأئمة سنّة سوى ما سنّه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن أُلفت نظره إلى أنّ أهل السنّة قد قالوا بوجود سنن أُخرى بعد سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك ما يشير إلى ذلك:

1 . المائدة: 3 .

صفحه 34
1. الحديث المعروف عندهم: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ».
يقول ابن قيم الجوزية في تفسير الحديث: فقد قرن سنّة خلفائه بسنّته وأمر باتّباعها كما أمر باتباع سنّته، وهذا يتناوله ما أفتوا به وسنّوه للأُمّة وإن لم يتقدّم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فيه شيء وإلاّ كان ذلك سنّة .1
فالرواية تدل على أنّ للصحابة سنّة كسنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعندهم سنّة أبي بكر وسنّة عمر وسنّة عثمان وسنّة علي.
2. روى السيوطي قال حاجب بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته: على أنّ ما سنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنّا نرجئه .2
أبعد هذه النصوص يصحّ للأُستاذ أن يستغرب من وجود سنّة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام): أعلام الهدى ومصابيح الدجى وقرناء الكتاب، وثاني الثقلين...
ولولا المخافة من تكدير مياه الصفاء لبسطنا القول في ذلك.

طُرق علم الأئمة بالسنّة

قد أشرنا إلى أنّه ليس لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)سنّة خاصّة، بل هم حفظة سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولسائل أن يسأل: ما هي طرقهم إلى سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأكثرهم لم

1 . إعلام الموقعين: 4 / 140 .
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي: 160 .

صفحه 35
يعاصروه ولم يسمعوها عنه مباشرة. ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد عاصره الإمام علي والإمامان الحسن والحسين(عليهم السلام)، فقط ؟
والإجابة عن هذا السؤال واضحة لمن عرف أحاديث الشيعة وأنس بجوامعهم، فإنّ لهم(عليهم السلام)طرقاً إلى سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نأتي ببعضها:

الأوّل: السماع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الأئمة(عليهم السلام)يروون أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سماعاً منه بلا واسطة أو بواسطة آبائهم، ولذلك ترى في كثير من الروايات أن الإمام الصادق (عليه السلام)يقول: حدّثني أبي عن زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن علي أمير المؤمنين عن الرسول الأكرم .
وهذا النمط من الروايات كثير في أحاديثهم.
فأئمة أهل البيت(عليهم السلام)رووا أحاديث كثيرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن هذا الطريق دون أن يعتمدوا على الأحبار والرهبان أو على مجاهيل أو شخصيات متسترة بالنفاق .

الثاني: كتاب علي (عليه السلام)

كان لعلي (عليه السلام)كتاب خاص بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد حفظته العترة الطاهرة(عليهم السلام) و صدرت عنه في مواضع كثيرة ونُقِلتْ نصوصه في موضوعات مختلفة، وقد بث الحرّالعاملي في موسوعته الحديثية، أحاديث ذلك الكتاب

صفحه 36
حسب الكتب الفقهية من الطهارة إلى الديات، ومن أراد فليرجع إلى تلك الموسوعة.
وإليك شذرات من أقوال الأئمة بشأن هذا الكتاب الّذي كانوا يتوارثونه وينقلون عنه ويستدلّون به:
قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام): «إنّ العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه بحذافيره، ومنه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّ وهو عندنا مكتوب، بإملاء رسول الله وخطّ علي بيده».1
وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لأحد أصحابه ـ أعني حمُران بن أعين ـ و هو يشير إلى بيت كبير: «يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ علي (عليه السلام) وإملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لو وُلّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه، لم نعدُ ما في هذه الصحيفة».
وقال (عليه السلام) أيضاً لبعض أصحابه: يا جابر إنّا لو كنّا نحدِّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)».
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سئل عن الجامعة: «فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّ فيها حتّى أرش الخدش».
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في تعريف كتاب علي (عليه السلام) : «فهو كتاب
طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من فَلقِ فيِه، وخط علي بن أبي
طالب (عليه السلام)بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة، حتّى أنّ

1 . الاحتجاج: 2 / 6 ; بحار الأنوار: 89 / 47 .

صفحه 37
فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة».1
ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:«إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا،ً إملاء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وخطّ عليّ (عليه السلام) بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّوهو فيها حتّى أرش الخدش».
وقد كان علي (عليه السلام) أعلم الناس بسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف لا يكون كذلك، وهو القائل: «كنت إذا سألت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أعطاني، وإذا سكت ابتدأني».2

الثالث: انّهم محدَّثون

لأجل إيقاف القارئ على المحدَّث في الإسلام ومفهومه نذكر شيئاً في توضيحه .
«المحدَّث» مَن تكلّمه الملائكة بلا نبوّة ورؤية صورة، أو يُلهم له ويُلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره.
فالمحدّث بهذا المعنى ممّا أصفقت الأُمّة الإسلامية عليه، بيد أنّ الخلاف في مصاديقه، فالسنّة ترى عمر بن الخطاب من المحدَّثين، والشيعة ترى علياً وأولاده الأئمة منهم .

1 . قد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الأثر حول كتاب علي في موسوعته بحار الأنوار: 26 / 18ـ 66 تحت عنوان، باب جهات علومهم وما عندهم من الكتب، الحديث12، 1، 10، 20.
2 . المستدرك: 3 / 125 .

صفحه 38
أخرج البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): لقد كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء; فإن يكن من أُمّتي منهم فعمر .1
وقد أفاض شرّاح صحيح البخاري الكلامَ حول المحدّث .2
وللمحدّثين من أهل السنّة كلمات حول المحدَّث نأتي بملخّصها:
يقول القسطلاني حول الحديث: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة .3
وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قد كان في الأُمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: اختلف تفسير العلماء للمراد بـ «محدَّثون» فقال ابن وهب: ملهمون، وقيل: يصيبون إذا ظنّوا فكأنّهم حُدّثوا بشيء فظنّوه، وقيل: تكلّمهم الملائكة وجاء في رواية مكلّمون .4
وقال الحافظ محب الدين الطبرسي في «الرياض»، ومعنى «محدّثون» ـ والله أعلم ـ أن يلهموا الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدّثهم

1 . صحيح البخاري: 4 / 200، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، دار الفكر، بيروت .
2 . لاحظ: إرشاد الساري، شرح صحيح البخاري للقسطلاني: 6 / 99 .
3 . ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 5 / 431 .
4 . شرح صحيح مسلم للنووي: 15 / 166، دار الكتاب العربي، بيروت.

صفحه 39
الملائكة لا لوحي، وإنّما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة .1
وحصيلة الكلام: انّه لا وازع من أن يخصّ سبحانه بعض عباده بعلوم خاصّة يرجع نفعها إلى العامّة من دون أن يكونوا أنبياء، أو معدودين من المرسلين، واللّه سبحانه يصف مصاحب موسى بقوله: (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمةً من عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْما) ولم يكن المصاحب نبيّاً، بل كان وليّاً من أولياء اللّه سبحانه وتعالى بلغ من العلم والمعرفة مكانةً، دعت موسى ـ وهو نبيّ مبعوث بشريعة ـ إلى القول : (هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدا). 2
ويصف سبحانه وتعالى جليس سليمان ـ آصف بن برخيا ـ بقوله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّـا رَآه مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّـي).3
وهذا الجليس لم يكن نبيّاً، ولكن كان عنده علم من الكتاب، وهو لم يحصّله من الطرق العاديّة التي يتدرّج عليها الصبيان والشبان في المدارس والجامعات، بل كان علماً إلـهياً أُفيض عليه لصفاء قلبه وروحه، ولأجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه ويقول: (هذا من فضل ربّي) .4
والإمام علي والأئمة من بعده، الذين أُنيطت بهم الهداية في حديث

1 . الرياض النضرة: 1 / 199 .
2 . الكهف: 66.
3 . النمل: 40 .
4 . الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 2 / 365 ـ 366 .

صفحه 40
الثقلين، ليسوا بأقلّ من مصاحب موسى (عليه السلام)، أو جليس سليمان، فأي وازع من أن يقفوا على سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن طريق الإشراقات الإلهية .

الرابع: الاستنباط من الكتاب والسنّة

هذا هو الطريق الرابع، فقد كانوا(عليهم السلام)يستدلّون على الأحكام الإلهية بالكتاب والسنّة بوعي متميز يبهر العقول ويورث الحيرة، ولولا خشية الإطالة في المقام لنقلنا نماذج كثيرة من ذلك، ونكتفي هنا بانموذج واحد وهو: قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله،وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكّل إلى الإمام علي الهادي (عليه السلام)1 يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: يُضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلة، فكتب (عليه السلام): (بسم الله الرحمن الرحيم * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الّتي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)2.
فأمر به المتوكل فضرب حتى مات .3
إنّ الإمام الهادي ببيانه هذا شقّ طريقاً خاصّاً لاستنباط الأحكام من الذكر الحكيم، طريقاً لم يكن يحلم به فقهاء عصره، وكانوا يزعمون أنّ مصادر

1 . الإمام العاشر وهو علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق (عليهما السلام) .
2 . غافر: 84 ـ 85 .
3 . مناقب آل أبي طالب: 4 / 405 .