welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 1*
نویسنده :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 1

صفحه 5
أُصول الفقه بين الماضي والحاضر   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 1

أُصول الفقه

بين الماضي والحاضر

الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان بالله سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.
والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة، تجمعها العناوين التالية: العبادات، والمعاملات، والإيقاعات والسياسات.
فالمتكلّم الإسلامي مَنْ تكفّل ببيان العقيدة، وبرهن على الإيمان بالله سبحانه وصفاته الجمالية والجلالية، وأفعاله من لزوم بعث الأنبياء ونصب الأوصياء لهداية الناس وحشرهم يوم المعاد.
كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعيّة الكفيلة بإدارة الفرد والمجتمع، والتنويه بوظيفتهما أمام الله سبحانه ووظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.
بيد أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم

صفحه 6
في مجال العقيدة أبطال الفكر وسنامه، وفي مجال التشريع أساطين الفقه وأعلامه، ولهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعدة.
فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين ففهمها واستخراجها من الكتاب والسنّة رهن أُمور، أهمها: العلم بأُصول الفقه، وهو العلم الذي يُرشد إلى كيفيّة الاجتهاد والاستنباط، ويذلّل للفقيه استخراج الحكم الشرعي من مصادره الشرعيّة.
إنّ كلّ علم يوم حدوثه ونشوئه لم يكن إلاّ مسائل عديدة لا تتجاوز عدد الأصابع شغلت بال الباحث أو الباحثين، ولكنّها أخذت تتكامل وتتشعّب عبر الزمان حتّى صارت علماً متكامل الأركان، له خصوصيّات كلّ علم، أعني: تعريفه، وموضوعه، ومسائله.
وهذه خصيصة كلّ علم من العلوم الّتي تسير مع تكامل الإنسان.
وأمامك علم المنطق; فقد نقل الشيخ الرئيس في آخر منطق الشفاء عن أرسطوطاليس أنّه قال: إنّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلاّ ضوابط غير مفصّلة. وأمّا تفصيلها وإفراد كلّ قياس بشروطه وضروبه وتمييز المنتج عن العقيم إلى غير ذلك من الأحكام، فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا وأسهرنا أعيننا حتّى استقام على هذا الأمر، فإن وقع لأحد ممّن يأتي بعدنا فيه زيادة أو إصلاح فليصلحه، أو خلل فليسدّه 1.
هذا هو نفس العلم، وفي جانب كلّ علم، بحث آخر ربّما يسمّى بتاريخ

1 . شرح المنظومة للحكيم السبزواري: 5 ـ 6. نقلاً عن منطق الشفاء للشيخ الرئيس ابن سيناء.

صفحه 7
العلم، وهو غير العلم نفسه، حيث يستعرض الباحث في تاريخ العلم الأسباب الّتي أدّت إلى نشوئه، أو صارت سبباً لتكامله خلال العصور، و الإلماع إلى العلماء الذين كان لهم دور في تطوّر العلم ، إلى غير ذلك من المباحث الّتي تناسب تاريخ العلم.
وهنا نفترض أنّ سفينة تجري على ضفاف البحر، وتشقّ الأمواج العاتية في وسطه، متقدّمةً إلى الأمام، فهناك راكب فيها، كما أنّ هناك ناظر إليها من بعيد، ولكلٍّ بالنسبة إلى السفينة رؤية خاصّة، فالراكب إذا أراد وصفها فسوف يصف معدّاتها الداخلية وما فيها من غرف الملاّحين، ومخازن الأطعمة والأشربة، ومقاعد الركاب وغرفهم، إلى غير ذلك ممّا يقع نظره عليه .
وأمّا الآخر فهو ينظر إليها بما أنّها مصنوع قام بصنعها كبار المهندّسين ومهرة العمّال وفق تخطيط دقيق باستخدام أدوات مختلفة، وموادّ متنوعة، حتّى صارت جاهزة تُقلّ الركّاب وتنقل البضائع من ميناء إلى ميناء .
فالنظرة الأُولى نظرة فاحصة متعلّقة بما في داخل السفينة، والنظرة الثانية نظرة فاحصة تتعلق بخارجها.
وعلى ضوء هذا المثال يمكن التفريق بين نفس العلم وتاريخه، فالنظر إلى داخل العلم بما له من موضوعات ومسائل وغايات، هي دراسة لنفس العلم.
كما أنّ النظر إليه من حيث نشوئه وتكامله بيد أساتذته عبر الزمان، هي دراسة لتاريخ العلم وسيره من بداية نشوئه إلى الحد الّذي بلغه .
وعلى هذا فـ «أُصول الفقه» علم له تعريفه وموضوعه ومسائله وغاياته، وقد أفاض فيه علماء الأُصول في بحوثهم ودراساتهم وكتبهم، ونحن هنا

صفحه 8
لا نخوض فيه، بل ننتقل إلى الجانب الثاني ـ أعني : دراسة تاريخ هذا العلم ـ والأسباب التي أدّت إلى نشوء هذا العلم وتدوينه بصورة رسائل وكتب.

حاجة الفقيه إلى أُصول الفقه:

إنّ الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان بالله سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.
والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة تجمعها العناوين التالية:
«العبادات، المعاملات، الإيقاعات، والسياسات». فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين، فلم يترك الدين شيئاً يحتاج إليه المجتمع في عاجله وآجله، وأغنى الإنسان المسلم عن كلّ تشريع وضعي سوى ما شرّعه الدين.
يرشدنا إلى إغناء التشريع الإسلامي عن كلّ قانون سواه، لفيف من الآيات والروايات، ونكتفي بما يلي:
1. قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)1.
2. قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه، وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه».(2)

1 . المائدة: 3 .         2 . الكافي: 1 / 59، باب الرّد إلى الكتاب والسنّة.

صفحه 9
3. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة» .1
4. وقال أبو الحسن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في جواب من سأله: أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه.
قال: «بلى كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه».(2)
هذا من جانب، ومن جانب آخر، أنّه كلّما توسّع نطاق الحضارة، وبلغ الإنسان منها ما بلغ، احتاج في تنظيم حياته إلى تشريعات خاصّة أزيد ممّا كان يحتاج إليها في الظروف الغابرة; وبما أنّ الحضارة الإنسانيّة مازالت تتوسّع وتتكامل، فذلك يستتبع حاجة الإنسان إلى تشريعات جديدة تستنبط من الكتاب والسنّة مع سائر الأدلّة.
وهذان الأمران هما:
1. استغناء المسلم عن كلّ تشريع سوى تشريع السماء .
2. تزايد الحاجة إلى التشريعات الجديدة.
فهذان الأمران يفرضان على الفقيه الدقّة والإمعان في الكتاب والسنّة، واستنطاقهما مع سائر الأدلّة في الحوادث المستجدّة، وهذا هو نفس الاجتهاد الّذي فتح الله بابه على الأُمّة الإسلاميّة منذ رحيل الرسول إلى يومنا هذا.
ومن المعلوم: أنّ استنطاق الأدلّة الأربعة يجب أن يكون تابعاً لنظام منطقيّ يصون المجتهد عن الخطأ في الاستنباط. وهذا هو علم «أُصول الفقه» فإنّ دوره هو تعليم المجتهد كيفيّة استنطاق الدليل الشرعي لاستنباط الحكم الإلهي في حقول مختلفة.

1 و 2 . الكافي: 1 / 59، باب الرّد إلى الكتاب والسنّة.

صفحه 10
إنّ إغناء الكتاب والسنّة والإجماع والعقل عن كلّ تشريع سواه، رهن اشتمالها على مادّة حيويّة وأُصول وقواعد عامّة تفي باستنباط آلاف من الفروع الّتي يحتاج إليها المجتمع البشري عبر القرون والأجيال .
وهذه الثروة العلميّة من مواهبه سبحانه للأُمّة بين سائر الأُمم.
ومن المعلوم أنّ تبسيط المادة الحيويّة وتهيئتها للإجابة على مورد الحاجة دون نظام خاص يسهّل إنتاج الأحكام الفرعية من هذه الموادّ والأُصول، يوجد الفوضى في حقل الاستنباط .
فوزان علم الأُصول بالنسبة إلى الفقه، وزان علم المنطق إلى الفلسفة، فكما أنّ المنطق يعلّم الباحث كيفية الاستدلال والبرهنة على المسائل العقليّة أو الكونيّة أو المعارف الإلهية، فهكذا علم الأُصول يرشد المجتهد إلى كيفيّة ردّ الفروع إلى الأُصول .

المسلمون الأوائل والمسائل المستجدّة:

واجه المسلمون في فتوحاتهم واحتكاكهم مع الأُمّم الأُخرى مسائل وموضوعات مستجدّة لم يجدوا حلّها في الكتاب والسنّة بصراحة ـ مع العلم بكمال الدين في حقلي العقيدة والشريعة ـ فأخذ كلّ صحابي أو تابعي بالإجابة وفق معايير خاصّة ، دون أن يكون هناك منهج خاص يصبّ تمام الجهود على مورد واحد، فمسّت الحاجة إلى تدوين أُصول وقواعد تضفي على الاجتهاد منهجيّة ونظاماً خاصّاً يخرجه عن الفوضى في الإفتاء، فعند ذلك جاء دور أُصول الفقه المتكفّل لبيان المنهج الصحيح للاستنباط .

صفحه 11
 
جذور علم الأُصول في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)
إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)لا سيّما الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)أملوا على أصحابهم قواعد كلّيّة في الاستنباط يقتنص منها قواعد أُصوليّة أوّلاً وقواعد فقهيّة ثانياً على الفرق المقرّر بينهما. وقد قام غير واحد من علماء الإماميّة بتأليف كتاب في جمع القواعد الأُصوليّة والفقهيّة الواردة في أحاديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ونخصّ بالذكر الكتب الثلاث التالية:
أ ـ الفصول المهمة في أُصول الأئمّة: للمحدّث الحرّ العاملي (المتوفّى 1104 هـ).
ب ـ الأُصول الأصليّة: للعلاّمة السيّد عبد الله شبّر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242 هـ).
ج ـ أُصول آل الرسول، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318 هـ).
وبمحاذاة تلك الحركة بدأ نشاط تدوين علم أُصول الفقه عند الإماميّة على ضوء القواعد الكلّية الواردة في أحاديث أئمّتهم، مضافاً إلى ما جادت به أفكارهم.
فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 هـ) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله» وهو نفس باب التعادل والترجيح في الكتب الأُصوليّة.
كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237 ـ 311 هـ) كتاب: الخصوص والعموم، والأسماء والأحكام، وإبطال القياس .

صفحه 12
إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي، فألّف كتاب: «خبر الواحد والعمل به». وهذه هي المرحلة الأُولى لنشوء علم أُصول الفقه عند الشيعة القدماء.
وبذلك يعلم أنّ أئمّة الشيعة(عليهم السلام)سبقوا غيرهم في إملاء القواعد الأُصولية، كما أنّ تلامذتهم شاركوا الآخرين في حلبة التأليف والتصنيف .
وأمّا الآخرون فقد اشتهر أنّ أوّل مَن ألّف في أُصول الفقه هو الإمام الشافعي.
قال الإمام الرازي: اتّفق الناس على أنّ أوّل من صنّف في هذا العلم ـ أي أُصول الفقه ـ الشافعي، وهو الّذي رتّب أبوابه، وميّز بعض أقسامه في بعض، وشرح مراتبها في القوة والضعف. 1.
وما ذكره الرازي موضع تأمّل، وإن اشتهر بين المتأخّرين أنّ الإمام الشافعي أوّل من ألّف في علم الأُصول والّذي طبع باسم «الرسالة»، وذلك:
1. أنّ أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفّى (عام 182 هـ) أوّل من ألّف في أُصول الفقه على وفق مذهب أُستاذه أبي حنيفة. 2
2. أنّ محمد بن حسن الشيباني المتوفّى (عام 189 هـ) هو أحد من ألّف في أُصول الفقه، كما صّرح به ابن النديم3، فلم يعلم تقدّم الشافعي على العالمين لو لم نقل بتقدّمهما عليه.

1 . مناقب الإمام الشافعي للرازي: 56 ـ 57 .
2 . وفيات الأعيان لابن خلكان: 6 / 383 .
3 . فهرست ابن النديم: 258 .

صفحه 13
وعلى كل تقدير فنحن نقدر ونثمن جهود الفقهاء الّتي بذلوها في تنمية أُصول الفقه وإظهاره للوجود ثم تطويره وتكامله، وهو من مواهب الله سبحانه.

تعريف أُصول الفقه:

إنّ البحث السابق رفع الستار عن واقع أُصول الفقه وبالتالي عن تعريفه.
وهو عبارة عن: العلم بالقواعد الّتي يتوصّل بها الفقيه إلى استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها، أو ينتهي إليها المجتهد بعد اليأس من العثور على الأدلّة الشرعيّة، وهذا كالأُصول العمليّة من البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب، فالمستنبط يلتجئ إليها عند اليأس من العثور على الدليل التفصيلي.
فالمجتهد تارة يستنبط الحكم الشرعي الواقعي، كما إذا كان في المسألة دليل من الكتاب والسنّة ; وأُخرى يرشد المكلّف إلى وظيفته الفعلية من العمل بالبراءة والاحتياط وغيرها. والفرق بين الأمرين واضح لمن مارس أُصول الفقه لدى الإماميّة.

موضوع علم الأُصول:

المشهور أنّ موضوع أُصول الفقه هو الأدلّة الأربعة، أو الحجّة في الفقه; والثاني هو الأظهر، لاختلاف الفقهاء في تحديد الأدلّة بالأربعة، وهناك مَن يحتجّ بالعقل، ومنهم من لا يحتجّ به .
وبما أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، فللأُصولي

صفحه 14
أن يبحث في أُصول الفقه عن عوارض «الحجّة في الفقه»، وعندئذ يقع الكلام في العوارض الّتي تعرض على «الحجّة في الفقه» والأُصولي يبحث عنها؟ وهذا ما يحتاج إلى بيان زائد، وهو:
إنّ العارض على قسمين :
أ ـ عارض خارجيّ يخبر عن عروض شيء على المعروض خارجاً، كالبحث عن عوارض الأجسام الخارجيّة كما في الفيزياء، أو الداخليّة كما في الكيمياء، إلى غير ذلك من الأعراض.
ب ـ عارض تحليلي وعقلي، وهذا نظير ما يبحث عنه الحكيم في الفلسفة عن تعيّنات الموجود بما هو موجود، حيث إنّ الموضوع لهذا العلم هو الوجود المطلق العاري عن كلّ قيد، فالحكيم يبحث عن تعيّناته وتشخّصاته، فصار يقسّمه إلى واجب وممكن، وعلّة ومعلول، ومادّي ومجرّد، وواحد وكثير.
وعلى ضوء هذا، فالموضوع في علم أُصول الفقه هو «الحجّة في الفقه»، فإنّ الفقيه يعلم وجداناً بأنّ بينه وبين ربّه حججاً تتضمّن بيان الشريعة والأحكام العمليّة. فيبحث عن تعيّنات هذه الحجج المعلومة بالإجمال، وأنّها هل تتشخّص بخبر الواحد أو لا؟ وبالقياس وعدمه، إلى غير ذلك.
فقولنا: خبر الواحد حجّة أو القياس حجّة، يرجع واقعهما إلى تعيّن الحجّة الكليّة غير المتشخّصة في خبر الواحد والقياس وغيرهما، حتّى أنّ البحث عن كون الأمر ظاهراً في الوجوب، والنهي في الحرمة، يرجع لبُّ البحث فيه إلى وجود الحجّة على لزوم إتيان الأمر الفلاني، أو وجود الحجّة على تركه.1

1 . رسائل ومقالات: 4 / 349 ـ 350 .

صفحه 15
 
اتّجاهان في تدوين أُصول الفقه
قام بتدوين أُصول الفقه في أوّل الأمر طائفتان هما: المتكلّمون والفقهاء.
الطائفة الأُولى: كانت تمثّل المذهب الشافعي في الفقه .
والطائفة الثانية: كانت تمثّل مذهب الإمام أبي حنيفة.
ولأجل التعرّف على كلا الاتّجاهين عن كثب، نذكر شيئاً منهما، ثم نشير إلى أسماء الكتب الّتي أُلّفت في هذين المضمارين .

طريقة المتكلّمين

تمتّعت طريقة المتكلّمين بالأُمور التالية:
أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة استقلاليّة، حتى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهيّة، فأخذوا بالفروع لما وافق الأُصول وتركوا مالم يوافق، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً غير خاضع للفروع التي ربّما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأُصول .
ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابَع عقلي واستدلالي أسْتُخدِمتْ فيه أُصول مسلّمة في علم الكلام، فترى فيها البحث عن الحسن والقبح العقليّين، وجواز تكليف ما لا يطاق وعدمه، إلى غير ذلك .
ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوائل القرن الرابع.
يقول الشيخ أبو زهرة في وصف هذه المدرسة: «الاتّجاه الّذي

صفحه 16
سمّي أُصول الشافعيين أو أُصول المتكلّمين، كان اتّجاهاً نظرياً خالصاً، وكانت عناية الباقين فيه متّجهة إلى تحقيق القواعد وتنقيحها من غير اعتبار مذهبّي، بل يدُلّ انتاج أقوى القواعد، سواء أكان يؤدّي إلى خدمة مذهبهم أم لا يؤدّي ـ إلى أن قال ـ وقد كثرت في هذا المنهاج، الفروض النظريّة والمناحي الفلسفيّة والمنطقيّة، فتجدهم قد تكلّموا في أصل اللغات، وأثاروا بحوثاً نظرية، ككلامهم في التحسين العقلي والتقبيح العقلي، مع اتّفاقهم جميعاً على أنّ الأحكام في غير العبادات معلّلة معقولة المعنى.
ويختلفون كذلك في أنّ شكر المنعم واجب بالسمع والعقل، مع اتّفاقهم على أنّه واجب.
وهكذا يختلفون في مسائل نظريّة لا يترتب عليها عمل، ولا تسن طريقاً للاستنباط، ومن ذلك اختلافهم في جواز تكليف المعدوم.1
بل إنّهم لم يمتنعوا عن أن يخوضوا في مسائل من صميم علم الكلام، ولا صلة لها في الفقه إلاّ من ناحية أنّ الكلام فيها كلام في أصل الدين، ومن ذلك كلامهم في عصمة الأنبياء قبل النبوّة، فقد عقدوا فصلاً تكلّموا فيه في عصمة الأنبياء قبل النبوة».2
ثمّ أضاف وقال: وإنّ ذلك الاتّجاه أفاد علم الأُصول في الجملة، فقد كان البحث فيه لا يعتمد على تعصّب مذهبي، ولم تخضع فيه القواعد الأُصوليّة للفروع المذهبيّة، بل كانت القواعد تدرس على أنّها حاكمة على الفروع، وعلى

1 . الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي: 1 / 219 .
2 . أُصول الفقه لأبي زهرة: 16 .

صفحه 17
أنّها دعامة الفقه، وطريقة الاستنباط، وأنّ ذلك النظر المجرّد قد أفاد قواعد أُصول الفقه، فدرست دراسة عميقة بعيدة عن التعصّب في الجملة، فصحبه تنقيح وتحرير لهذه القواعد، ولاشك أنّ هذه وحدها فائدة علميّة جليلة، لها أثرها في تغذية طلاّب العلوم الإسلاميّة بأغزر علم وأدقّه .1
وسوف توافيك قائمة بأسماء بعض الكتب التي أُلّفت على هذا المنهاج، مع الإشارة إلى الفصول الّتي لا تقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي.

طريقة الفقهاء

وهناك طريقة أُخرى تمتاز بما يلي :
أ. إنها تنظر إلى أُصول الفقه نظرة آلية، بمعنى أنّ الملاك في صحّة الأُصول وعدمها هو مطابقتها للفروع التي عليها إمام المذهب، فكانوا يقرّرون القواعد الأُصوليّة طبقاً لما قرّره أئمة المذهب في فروعهم الاجتهادية الفقهيّة، وتكون القاعدة الأُصوليّة منسجمة مع الفروع الفقهيّة، فلو خالفتها لما قام لها وزن وإن أيّده البرهان وعضده الدليل; فتجد كثرة التخريج تشكّل الطابع العام في كتبهم التي أُلفت على هذه الطريقة.
ب. خلوّ هذه الطريقة من الأساليب العقليّة والقواعد الكلاميّة .
ج. ظهور هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألفّ على هذا الأسلوب هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي (المتوفّى 220 هـ).

1 . أُصول الفقه لأبي زهرة: 17 .

صفحه 18
قال أبو زهرة في تبيين ذلك الاتّجاه: الاتّجاه الثاني هو الاتّجاه المتأثر بالفروع، وقد اتّجه فيه الباحثون إلى قواعد الأُصول ليقيسوا بها فروع مذهبهم، ويثبتوا سلامتها بهذه المقاييس. وبذلك يصحّحون بها استنباطها ويزودون بها في مقام الجدل والمناظرة، فكانت دراسة الأُصول على ذلك النحو صورة لينابيع الفروع المذهبيّة وحججها، ولقد قال بعض العلماء: إنّ الحنفيّة أوّل من سلكوا هذه الطريقة ولم تكن لهم أُصول فقهية نشأت في عهد الاستنباط1.

نظرة إلى طريقة الفقهاء:

إذا كانت الغاية من تدوين علم الأُصول هي التعرّف على قواعد تسهّل الاستنباط، وتأخذ بيد المجتهد إلى استنباط الحكم الشرعي; فيجب أن تكون القواعد الأُصوليّة حاكمة على الفروع ودعامة للفقه، وطريقة للاستنباط، وهذا لا ينطبق إلاّ على طريقة المتكلّمين.
وأمّا إذا كانت الغاية هي تصحيح الفروع التي أفتى بها الإمام ومخرجو مذهبه، فيكون حينئذ قليلة الجدوى، لأنّه يصبح دفاعاً عن مذهب معيّن، فلو وافقها أخذ به، وإن خالفها رفضها.
والحاصل أنّ علم الأُصول هو العلم الذي يُعدّ منهاجاً للاستنباط وطريقاً إليه، وأمّا إذا كانت الغاية منه تأييد المذهب والدفاع عنه، فيصبح علم الأُصول أداة طيّعة لفتوى الإمام، ولا يكون منهاجاً للاجتهاد.

1 . نفس المصدر: 18 .

صفحه 19
ولأجل هاتين الرؤيتين المختلفتين، نرى اختلافاً واضحاً بين الأُصوليّين لأتباع أئمّة المذاهب.
نعم الذي يؤاخذ على طريقة المتكلّمين هو أن الكتب الأُصوليّة عندهم، قد أصبحت مقتصرة على ذكر القواعد والأُصول دون تطبيقها على مصاديقها، وبذلك أصبحت لا تنفع للفقيه، من حيث التطبيق والتدريب. نعم قام بعضهم بالجمع بين الأمرين في بعض كتبهم .
وهذا الإشكال ـ ذكر القواعد بلا تطبيقات وتمرينات ـ داء منتشر ولا يختصّ بكتب علم الأُصول فقط، بل يعمّ كتب النحو والصرف والمعاني والبيان، فيجد المتعلّم فيها قواعد جافّة دون أن يطبقها على موارد في الكتاب والسنّة، أو كلمات البلغاء وأشعار الفصحاء.
ولأجل أن يقف القارئ على نماذج ممّا أُلّف في هذين المضمارين، نشير إلى بعض من ذلك .

المؤلّفون على طريقة المتكلّمين:

قام غير واحد من الأُصوليّين بتأليف كتب أُصوليّة على هذه الطريقة، ونشير إلى أسمائهم مع كتبهم على وجه الإيجاز:

1. أبو بكر الصيرفي (المتوفّى 330 هـ):

مؤلّف : «البيان في دلائل الاعلام على أُصول الأحكام» .

صفحه 20

2. محمد بن سعيد القاضي (المتوفّى 346 هـ) :

مؤلف : «الهداية» وكان علماء خوارزم يتداولونه .

3. القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ):

مؤلف: «التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد».

4. قاضي القضاة عبد الجبار (324ـ415هـ):

مؤلّف: «النهاية» و «العمد».

5. أبو الحسين البصري محمد بن علي بن الطيب (المتوفّى 436هـ):

مؤلّف: «المعتمد».

6. أبو الوليد الباجي (المتوفّى 474 هـ):

مؤلف كتاب «إحكام الفصول في أحكام الأُصول».

7. أبو إسحاق الشيرازي (المتوفّى 476هـ):

مؤلّف: «اللمع» وكتاب «التبصرة».

8 . أبو نصر أحمد بن جعفر بن الصباغ (المتوفّى 477هـ):

مؤلّف: «العدّة» و «تذكرة العامل» و «الطريق السالم ».

صفحه 21

9. إمام الحرمين عبد الملك بن عبد اللّه الجويني (المتوفّى 478هـ):

مؤلّف: «الورقات» ، وكتاب «البرهان ».

10. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي (المتوفّى 505 هـ):

مؤلّف: «المستصفى»، و «المنخول من تعقليات الأُصول» .

11. أحمد بن علي بن برهان البغدادي (المتوفّى 518 هـ):

مؤلّف: كتاب «الوصول إلى علم الأُصول».

12. فخر الدين محمد بن عمر الرازي (المتوفّى 606 هـ):

مؤلّف: «المحصول في علم أُصول الفقه» .

13. سيف الدين الآمدي (المتوفّى 631 هـ):

مؤلّف: «الإحكام في أُصول الأحكام».

14. ابن الحاجب المالكي (المتوفّى 646هـ):

مؤلّف: «منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل»، وكتاب «مختصر المنتهى».
إلى غير ذلك من المؤلّفات على هذا الطراز .
إنّ التأليف على هذا الغرار وإن دام قروناً، ولكن أكثر ما كتب تلخيص لكتب ثلاثة:

صفحه 22
1. «المعتمد» لأبي الحسين البصري.
2. «البرهان» لإمام الحرمين الجويني.
3. «المستصفى» للغزالي.
وهناك ملاحظة أُخرى، وهي أن مؤلّفي أكثر هذه الكتب قد أدخلوا في علم الأُصول ما لا يمّت له بصلة إلاّ على وجه بعيد، فهذا هو الآمدي قد أدخل في كتاب «الإحكام في أُصول الأحكام» ـ الّذي طبع في أربعة أجزاء ـ كثيراً من المباحث الكلاميّة نظير :
1. التعرّف على مبدأ اللغات وطرق معرفتها.
2. التكليف بما لا يطاق.
3. تكليف المعدوم.
4. في عصمة الأنبياء(عليهم السلام) .
5. في حقيقة الخبر وأقسامه.
6. في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان متعبداً بالاجتهاد فيما لا نصّ فيه.
7. جواز الاجتهاد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
إلى غير ذلك من المباحث، التي ليس لها علاقة بأُصول الفقه، ولا تُمثّل تكاملاً لهذا العلم، بل هي بحوث زائدة إذا لم تكن مضرّة به .
وقد وقف أبو الحسين البصري (المتوفّى 436 هـ) على ما ذكرنا وقال في مقدّمة كتابه «المعتَمد»: ثم الّذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أُصول الفقه، بعد شرحي «كتاب العمد» واستقصاء القول فيه، أنّي سلكتُ في «الشرح» مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، وشرح أبواب لا تليق

صفحه 23
بأُصول الفقه من دقيق الكلام، نحو القول في أقسام العلوم وحدّ الضروري منها والمكتسب، وتوليد النظر العلمَ ونفي توليده النظرَ، إلى غير ذلك. فطال الكتاب بذلك وبذكر ألفاظ «العمد» على وجهها، وتأويل كثير منها.
فأحببتُ أن أؤلّف كتاباً مرتّبة أبوابه غير مكرّرة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأُصول الفقه من دقيق الكلام. إذ كان ذلك من علم آخر، لا يجوز خلطه بهذا العلم، وإن يعلق به من وجه بعيد. فإنّه إذا لم يجز أن يُذكَر في كتب الفقه التوحيدُ والعدل ـ وأُصول الفقه، مع كون الفقه مبنياً على ذلك مع شدة اتّصاله به ـ ، فبأن لا يجوز ذكر هذه الأبواب في أُصول الفقه، على بُعد تعلّقها بها، ومع أنّه لا يقف عليها فهم الغرض بالكتاب، أولى.
وأيضاً فإنّ القارئ لهذه الأبواب في أُصول الفقه إن كان عارفاً بالكلام، فقد عرفها على أتمّ استقصاء، وليس يستفيد من هذه الأبواب شيئاً. وإن كان غير عارف بالكلام، صعب عليه فهمها، وإن شرحتُ له، فيعظم ضجره ومَلله، إذ كان قد صرَف عنايتَه وشغَل زمانه بما يصعب عليه فهمه. وليس بمدرك منه غرضه. فكان الأولى حذف هذه الأبواب من أُصول الفقه .1

الكتب المؤلّفة على طريقة الفقهاء:

قد تقدّم أنّ طائفة من الأُصوليّين نهجوا منهجاً غير منهج السابقين فألّفوا كتباً أُصوليّة طبقاً لما قرّره أئمّة المذهب في فروعهم الفقهيّة، وهذا النوع خال

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 1 / 3 .

صفحه 24
من الأساليب العقليّة والقواعد الكلاميّة. وقد قام غير واحد من المهتمّين بأُصول الفقه بتأليف كتب على هذا الغرار، نظير:

1. أبو الحسن الكرخي (المتوفّى 340 هـ) :

وله رسالة في الأُصول.

2. أبو منصور الماتريدي (المتوفّى 333 هـ) :

مؤلّف: «مآخذ الشرائع في الأُصول» .

3. أبو زيد عبيد الله بن عمر القاضي (المتوفّى 340 هـ ):

مؤلّف: «تقويم الأدلّة».

4. أبو بكر الجصّاص (المتوفّى 370 هـ) :

مؤلّف: «أُصول الجصّاص».

5. فخر الإسلام البزدوي (المتوفّى 482 هـ) :

مؤلّف كتاب: «كنز الوصول إلى معرفة الأُصول ».

6. شمس الأئمة السرخسي (المتوفّى 482 هـ):

مؤلّف: «تمهيد الفصول في الأُصول».

صفحه 25

7. الحافظ النسفي (المتوفّى 701 هـ) :

مؤلّف: «منار الأنوار في أُصول الفقه ».
وقد عمدوا إلى الفروع يؤلّفونها إلى مجاميع يُوجد بينها التشابه، ثمّ يستنبطون منها الضوابط والقواعد .
وعلى ضوء ذلك، فأُصول الفقه عندهم أشبه بالقواعد الفقهيّة، حيث إنّ الفقيه يضمّ مسألة إلى مسألة ثم يوحّد بينهما وبين الآخرين، وينتزع من الجميع قاعدة فقهيّة تعمّ الجميع.
مثلاً إنّ الفقيه إذا وقف على أنّ صحيح الإجارة وفاسدها يوجب الضمان، كما أنّ البيع أيضاً يوجب فاسده وصحيحه الضمان، إلى غير ذلك من المسائل الّتي فيها مبادلة بين المالين أو بين المال والمنفعة، فينتزع من الجميع قاعدة كلّية ويقول: كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
فالقواعد الفقهيّة أشبه بطريقة الفقهاء، وعندئذ فكلّ قاعدة لا تنسجم مع ما وقف عليه الفقيه في ثنايا استنباطه تكون مردودة، وإن كان البرهان يوافقه .

طريقة الإماميّة في تدوين الأُصول:

وأمّا طريقة الإماميّة فالموجود مابين أيدينا من القرن الرابع أشبه بطريقة المتكلّمين، مستمدّين من بعض الأحاديث عن الأُصول والقواعد الواردة في أحاديث الأئمة الطاهرين(عليهم السلام)، فإنّهم طرحوا أُصولاً وقواعد لها دور في استنباط الحكم الشرعي، وربّما ألجأتهم الظروف إلى إدخال المسائل الكلاميّة في
كتبهم، نظراء:

صفحه 26

1. محمد بن محمد النعمان (المتوفّى 413 هـ) :

مؤلّف كتاب: «التذكرة في أُصول الفقه ».

2. الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ) :

مؤلّف: «الذريعة ».

3. سلاّر الديلمي (المتوفّى 448 هـ) :

مؤلّف: «التقريب في أُصول الفقه ».

4. محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460 هـ) :

مؤلّف: «العدة في أُصول الفقه» .

5. ابن زهرة الحلبي (المتوفّى 558 هـ) :

مؤلّف: «الغنية».

6. سديد الدين الحمصي (المتوفّى حوالي 600 هـ) :

مؤلّف: «المصادر في أُصول الفقه ».

7. نجم الدين الحلي (المتوفّى 676 هـ) :

مؤلّف: «المعارج في أُصول الفقه» .

صفحه 27

8 . العلاّمة الحلّي نابغة العراق الحسن بن مطهر (المتوفّى 726 هـ) :

مؤلّف: عدة كتب في الأُصول، أعظمها: «نهاية الوصول إلى علم الأُصول».

9. عميد الدين الأعرجي (المتوفّى 754 هـ):

مؤلّف: «منية اللبيب في شرح التهذيب».

10. ضياء الدين الأعرجي (كان حياً 740 هـ) :

مؤلّف: «النقول في تهذيب الأُصول» .

11. فخر المحقّقين محمد بن الحسن الحلّي (المتوفّى 771 هـ) :

مؤلّف: «غاية الأُصول في شرح تهذيب الأُصول» .

12. الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي (المتوفّى 786 هـ) :

مؤلّف: «القواعد والفوائد» ويشتمل على قواعد أُصولية وفقهيّة.

13. المقداد بن عبد الله السيوري (المتوفّى 826 هـ) :

مؤلّف: «نضد القواعد».

14. زين الدين بن نور الدين الشهيد الثاني (المتوفّى 965 هـ):

مؤلّف: «تمهيد القواعد».

صفحه 28
إلى هنا تمّت المرحلة الأُولى الّتي طواها علم الأُصول .
وبعد أن ظهرت الحركة الأخباريّة في أواخر القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر، عمّ الركود على الفكر الأُصولي عبر قرنين. إلى أن برز المحقّق البهبهاني إلى الساحة، فقام بالرد على فكرة الأخباريّة وإبطال أسسهم، واستطاع أن يشيّد للأُصول أركاناً جديدة ودعامات رصينة، فنهض بالأُصول من خموله الّذي دام قرنين.
وبذلك انتهى عصر الركود، وبدأ عصر الإبداع والابتكار من زمانه إلى نهاية القرن الرابع عشر، ففي هذه الفترة بلغ علم الأُصول ذروة التكامل، فأسّست قواعد ومسائل لم يكن لها أيّ أثر في زبر السابقين، سنّة وشيعة.
إلى أن صار علم الأُصول الحديث عند الإماميّة بالنسبة إلى القديم منه، كأنهما علمين مختلفين، أو أن أحدهما بداية الأُصول والآخر نهاية.
وها نحن نذكر شيئاً من ابتكارات علمائنا في القرنين الأخيرين بما يدهش العقول ويبهر النفوس :

صفحه 29
تطوّر علم الأُصول عند الإماميّة   

تطوّر علم الأُصول عند الإماميّة

نحن نقدّر ما كابده علماء الفريقين في سبيل هذا العلم إبداعاً وابتكاراً، أو بياناً وإيضاحاً حتّى أوصلوه إلى القمّة، ومع ذلك كلّه لا نرى مانعاً من بيان ما يختصّ بالإماميّة من تنشيط وتصعيد الحركة الأُصوليّة عبر القرون، وقد تمّ تحقيق هذا التنشيط بإحداث قواعد وضوابط تُمِدُّ المستنبط في مختلف الأبواب، وها نحن نشير إلى بعضها:

1. تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق:

إنّ تقسيم الواجب إلى مطلق كمعرفة اللّه، ومشروط كالصلاة بدخول الوقت، تقسيم معروف.
وأمّا تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق، فهو من خصائص أُصول الفقه للإماميّة.
والفرق بينهما: أنّ القيد في الأوّل يرجع إلى الهيئة، وفي الثاني يرجع إلى المادة.
وبعبارة أُخرى: كلا الواجبين مقيّدان، إلاّ أنّ القيد في الواجب

صفحه 30
المشروط قيد للوجوب، كالوقت بالنسبة إلى الصلاة، فما لم يدخل الوقت لا وجوب أصلاً. ولكنّه في الواجب المعلّق قيد للواجب، فالوجوب حاليّ لكن الواجب مقيّد بوقت متأخر.
وهذا نظير مَن استطاع الحجّ، فوجوب الحجّ مشروط بالاستطاعة، فلا وجوب قبلها، وبحصولها يكون الوجوب فعلياً، ولكن الواجب استقبالي مقيّد بظرفه، أعني: أيّام الحجّ.
ويترتّب على التقسيم ثمرات مذكورة في محلّها، ونقتصر على ذكر ثمرة واحدة.
إنّ تحصيل مقدّمة الواجب المشروط غير لازم، لأنّ وجوب المقدّمة ينشأ من وجوب ذيها، فإذا كان ذو المقدّمة غير واجب، فلا تجب مقدّمته شرعاً ، فلا يجب تحصيلها.
هذا بخلاف مقدّمة الواجب المعلّق، فبما أنّ الوجوب فعليٌّ ـ بحصول الاستطاعة ـ يجب تحصيل مقدّمات الحجِّ، وإن كان الواجب استقبالياً.

2. دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة:

لقد بذل الأُصوليون جهودهم في إثبات دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة،دلالة تضمنيّة أو التزاميّة، وطال النقاش بين الموافق والمخالف، ولكن المحقّقين المتأخّرين من الإماميّة دخلوا من باب آخر، وهو أنّ السيرة المستمرّة بين العقلاء هي: أنّ أمر المولى ونهيه لا يترك بدون جواب ـ رغم عدم

صفحه 31
دلالتهما على الوجوب والحرمة لفظاً ـ و كيفيّة الجواب عبارة عن لزوم الإتيان في الأوّل، والترك في الثاني. وهو عبارة عن الوجوب والحرمة.
كما أنّ العقل يدعم موقف العقلاء فيؤكِّد على متابعة الأمر والنهي حذراً من احتمال المخالفة.
وبالرغم من أنّ أمر المولى على قسمين: واجب ومندوب، كما أنّ نهيه كذلك: حرام و مكروه، ومع ذلك يلزم العقل العبد المكلّف على الامتثال حذراً من المخالفة الاحتماليّة.

3. الترتّب أو الأمر بالضدّين مترتّباً:

إنّ ثمرة القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، هو بطلان الضدّ المنهيّ عنه إذا كان عبادة، وهذا كما إذا وقعت المزاحمة بين واجب مضيّق، وآخر موسّع، كإزالة النجاسة عن المسجد، والفريضة الموسّع وقتُها، فالأمر بالأولى يقتضي النهي عن الثانية، وتكون الثمرة بطلانها لأنّ الصحّة والزجر عن الفعل لا يجتمعان.
وربما قيل ببطلان الثمرة وانّ الصلاة باطلة، ولا يحتاج في بطلان الفريضة إلى تعلّق النهي بها، إذ يكفي في البطلان عدم تعلّق الأمر بها ـ عند تعلّق الأمر بالإزالة ـ لأنّ الأمر بها وإن لم يلازم النهي عن الصلاة، لكنّه يلازم عدم الأمر بها، وإلاّ يلزم طلب الضدّين. وبما أنّ طلبهما باطل، فلا محيص عن عدم تعلّق الأمر بالصلاة وهو يكفي في البطلان.

صفحه 32
ثمّ إنّ جماعة سلّموا بطلان الثمرة، لكنّهم حاولوا تصحيح الصلاة بالأمر بهما عن طريق الترتب، بأن يكون الأمر بالضدّ، مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل، ويقال:أزل النجاسة عن المسجد، وإن عصيت فصلّ.
وهذه هي المسألة المعروفة بالترتّب، ولها دور في استنباط قسم من الأحكام، واطلب تفاصيلها عن المحصول.1

4. العام بعد التخصيص ليس بمجاز:

الرأي المعروف عند الأُصوليين أنّ العام المخصَّص مجاز، لأنّ المخصِّص قرينة على استعماله في غير المعنى الموضوع له، ولكن المحققين من أصحابنا أثبتوا أنّه بعد التخصيص أيضاً حقيقة مطلقاً، سواء كان المخصّص متصلاً أم منفصلاً، بتصوير أنّ للمتكلّم إرادتين: إرادة استعماليّة، وارادة جديّة، والعام مطلقاً مستعمل بالإرادة الاستعماليّة في المعنى الموضوع له، والتخصيص إنّما يتوجّه إلى الإرادة الجدّية، فهو يستعمل العامّ في المعنى الموضوع، ثمّ يشير بدليل آخر إلى أنّ قسماً منه ليس بمراد جدّاً، ولا يلزم لاستعمال العام من بدء الأمر في الخصوص.
ويترتّب على ذلك ثمرة أُصوليّة وهي صحّة التمسك بالعام عند الشك في وجود تخصيص زائد، لأنّ العام حسب الفرض، استعمل في العموم بالإرادة الاستعماليّة، وانعقد ظهوره فيه، وهو حجّة فيه، ولا يصحّ رفع اليد عنه إلاّ بمقدار ما قام الدليل على خلافه، والمفروض عدم قيامه إلاّ في مورد واحد.

1 . المحصول الّذي هو تقرير لأبحاثنا الأُصوليّة بقلم السيّد الجلالّي حفظه الله : 2 / 75 ـ 80 .

صفحه 33
 
5. دلالة المطلق على الشيوع عقليّة:
عرّف الأُصوليّون القدماء المطلق بأنّه ما دلّ على معنى شائع في جنسه، وظاهر ذلك أنّ دلالة المطلق على الفرد الشائع دلالة لفظيّة، وليست كذلك ، لأنّ البيع ـ مثلاً ـ في قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)موضوع للطبيعة المعرّاة عن كلّ قيد، وليس فيه ما يدلّ على الشيوع ولا على فرد منها، بل مدلولها نفس الطبيعة. هذامن جانب، ومن جانب آخر: أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام مطلوبه ومراده، فلو كان متعلّق التحليل بيع خاص لبيّنه.
فانضمام هذين الأمرين، يثبت أنّ الامتثال يحصل بإتيان أيّ فرد من أفراد الطبيعة، لأنّها توجد بفرد ما ، فالشيوع بمعنى كفاية إتيان كلّ فرد في مقام الامتثال حكم عقلي لا لفظي.

6. التمسك بالعام في الشبهة المصداقية:

كان الرائج بين قدماء الأُصوليين، جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص، مثلاً إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، و ثبت أنّ زيداً عالم، ولم يثبت أنّه غير فاسق، فالرائج عنه هو التمسك بالعام وإثبات وجوب إكرامه.
والشاهد على ذلك افتاؤهم فما لو تلف مال الغير عند شخص، وشكّ في أنّ يده كانت يداً أمانية أو غيرها، فيحكم عليه بالضمان، تمسكاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.

صفحه 34
مع أنّه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، لخروج اليد الأمانية عنه، حيث إنّ الأمين لا يضمن ما لم يكن هناك تفريط، فالأمر دائر في بقاء زيد تحت العام إذا كانت يد غير أمانية، وخروجها عنه ودخولها تحت المخصّص إذا كانت أمانية. ومع دوران الأمر بين الأمرين فكيف يصحّ التمسك بالعام، وعلى ضوء ذلك ذهب أصحابنا إلى عدم صحّة التمسك بالعام إلاّ إذا ثبت بنحو من الأنحاء عدم عنوان المخصّص، والتفصيل في محلّه. وللمسألة دور كبير في الفقه، يقف عليه من كان ممارساً للفقه.

7. الإطلاق فرع كون المتكلّم في مقام البيان:

إذا وقع لفظ كلّي تحت دائرة الحكم ـ كما إذا قال: أعتق رقبة ـ يحكم الفقهاء بأنّ الموضوع مطلق، فلا فرق في مقام الامتثال بين كونها مؤمنة أو كافرة. فجعلوا دلالة المطلق على الاجتزاء بكلّ فرد منه، دلالة عقليّة بمعنى: أنّ الموضوع عند المشرّع هو ذات المطلق، فلو كان الموضوع مركباً من شيئين: المطلق و قيده، لزم أن يركّز عليه المشرّع، فسكوته دليل على عدم مدخليته.
لكن الركن الركين في جواز التمسّك بالمطلق ـ عند الإماميّة ـ كون المتكلّم في مقام بيان للموضوع من جزء أو شرط، ولولا إحرازه لم يتمّ التمسّك بالمطلق.
وعلى هذا فلو قال: الغنم حلال، لا يصحّ التمسك بإطلاقه لإثبات حليّة مطلق الغنم (مملوكه ومغصوبه، الجلاّل وغيره،) بحجّة أنّ المتكلّم اتّخذ الغنم موضوعاً لحكمه وهو صادق على القسمين، وذلك لأنّ المتكلّم بصدد

صفحه 35
بيان حكم الغنم بما هوهو، لا بما إذا اقترن مع العوارض.
نرى أنّ بعض الفقهاء أفتوا بجواز أكل ما أمسكته كلاب الصيد دون وجوب أن يغسل مواضع عضّها، تمسّكاً بقوله سبحانه: (فكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ)1 ولم يقل: فكلوا بعد غسل مواضع العض.
ولكن التمسّك بإطلاق الآية غفلة عن الشرط اللازم للمطلق، أعني: كون المتكلّم في مقام البيان ، فليست الآية إلاّ بصدد بيان حلّية ما اصطادته الجوارح، وأنّه ليس من مقولة الميتة، وأمّا أنّه يؤكل بغير غسل، أو معه، فليست الآية في مقام بيانه حتّى يستدلّ سكوته على عدم شرطيّته.
وبالتدبّر في هذا الأصل يظهر بطلان كثير من التمسّكات بالإطلاق في كثير من أبواب الفقه، وهو غير صالح للتمسّك.

8 . الملازمات العقلية :

لقد طال البحث في دلالة الأمر على وجوب المقدّمة، والنهي على حرمة مقدّمته، وحاول كثير من الأُصوليين إثبات الدلالة اللفظية بنحو من الأنحاء
الثلاثة.
ولكن الإماميّة طرقوا باباً آخر في ذلك المجال، وانتهوا إلى نفس النتيجة، لكن من طريق أوضح، وهو: وجود الملازمة العقلية بين إرادة الشيء وإرادة مقدّمته، من غير فرق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، فكما أنّ إرادة

1 . المائدة: 4 .

صفحه 36
الصعود إلى السطح لا تفارق إرادة تهيئة السلّم واستخدامه، فهكذا الإرادة التشريعيّة بمعنى تعلّق إرادته بصعود الغير إلى السطح.
وقد استفاد الأُصوليّون من هذه القاعدة ـ الملازمة العقلية ـ في غير واحد من أبواب أُصول الفقه، كالملازمة بين الأمر بالشيء و إجزائه عن الإتيان به ثانياً، والنهي عن العبادات وفسادها، والنهي عن المعاملات وفسادها عند تعلّق النهي بما لا يجتمع مع صحتها، كالنهي عن أكل ثمنها، كما إذا قال: ثمن الميتة سحت، أو ثمن المغنّية سحت.

6. التعارض والتزاحم والفرق بينهما:

إنّ التنافي بين الدليلين إذا كان راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء بأن يستحيل من المقنّن الحكيم، صدورُ حكمين حقيقيين لغاية الامتثال فهو المسمّى بالتعارض، مثلاً يستحيل جعل حكمين باسم: «ثمن العذرة سحت، ولا بأس ببيع العذرة»، فلو كان تنافي الخبرين من تلك المقولة، فهذا ما يبحث عنه في باب التعادل والترجيح، ويرجّح أحد الخبرين على الآخر بمرجّحات منصوصة أو مستنبطة.
وأمّا إذا كان التنافي راجعاً إلى مقام الامتثال دون مقام الجعل والإنشاء، وهذا كما إذا ابتلي الإنسان بغريقين، فالتنافي في المقام يرجع إلى عجز المكلّف عن الجمع بينهما، لأنّ صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر، فهذا ما يعبّر عنه بالتزاحم.وإلاّ فلا تنافي في مقام التشريع بأن يجب إنقاذ كلّ غريق فضلاً عن غريقين.

صفحه 37
وبذلك ظهر الفرق بين التعارض والتزاحم بوجه آخر، وهو أنّ ملاك التشريع والمصلحة موجود في أحد المتعارضين دون الآخر، بخلاف المتزاحمين فالملاك موجود في كل من الطرفين كإنقاذ كلّ من الغريقين، ولكن المانع هو عجز المكلّف، وعند ذلك يجب رفع التزاحم بالتخيير إذا كانا متساويين، أو بالترجيح كما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر .
وبذلك يستطيع الفقيه رفع التنافي بين كثير من الأدلّة التي يظهر فيها التنافي لعجز قدرة المكلّف، مع كون الحكمين ذا ملاك. ورفع التنافي رهن إعمال مرجّحات خاصة بباب التزاحم، وها نحن نذكر رؤوسها دون تفصيل:
1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.
2. تقديم المضيّق على الموسّع.
3. تقديم الأهمّ بالذات على المهمّ.
4. سبق أحد الحكمين زماناً.
5. تقديم الواجب المطلق على المشروط.
والتفصيل موكول إلى محله.
ولنمثل لإعمال الترجيح مثالاً يوضح المقصود:
قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيويّة، التي يتوقّف عليها نظام الطب الحديث، فلا يتسنّى تعلم الطب إلاّ بالتشريح والاطّلاع على خفايا أجهزة الجسم وأمراضها.
غير أنّ هذه المصلحة تصادمها، مصلحة احترام المؤمن حيّهِ وميّتهِ،

صفحه 38
إلى حدّ أوجب الشارع، الإسراع في تغسيله وتكفينه وتجهيزه للدفن، ولا يجوز نبش قبره إذا دفن، ولا يجوز التمثيل به وتقطيع أعضائه، بل هو من المحرّمات الكبيرة، والذي لم يجوّزه الشارع حتى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامّة وتقدّم العلوم، جعلته يسوّغ ممارسة هذا العمل لتلك الغاية، مقدّماً بدن الكافر على المسلم، والمسلم غير المعروف على المعروف منه، وهكذا....

10. تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام:

إنّ تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام ثلاثة ـ أعني: كونه قاطعاً بالحكم، أو ظانّاً، أو شاكّاً فيه ـ تقسيم طبيعي في مورد الحكم الشرعي، بل بالنسبة إلى كلّ شيء يفكر الإنسان فيه ويلتفت إليه، فهو بين قاطع وظان وشاك.
لا شكّ أنّ القاطع يعمل بقطعه، ولا يمكن نهيه عن العمل بالقطع، لأنّه يرى نفسه مصيباً للواقع، إنّما الكلام في الشقين الأخيرين، فالإماميّة لا يعتقدون بحجّية الظنون في مورد استنباط الأحكام إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّيته، ويستدلّون على ذلك بأنّ الشكّ في حجّية الظنّ يوجب القطع بعدم الحجّية، ولعلّ بعض الناس يتلقاه لُغزاً، إذ كيف يتولّد من الظنّ بالحجّية، القطع بعدمها،ولكنّه تظهر صحته بأدنى تأمّل، وذلك لأنّ المراد من الظنّ هو الظنّ بالحكم الشرعي، هذا من جانب، ومن جانب آخر، العمل به مع التردد في الحجّية مصداق للبدعة، والبدعة حرام قطعي لا مزية فيه.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت البدعة عبارة عن إدخال ما لم يعلم كونه

صفحه 39
من الدين في الدين، فإذا عمل المكلّف بالظنّ، مع الشك في حجّيته
وإذن الشارع بالعمل به ، فقد أدخل بعمله هذا، ما لم يعلم كونه من الدين
في الدين، فإذا قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غير عالم بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال، فقد نسب إليه حكماً ما لم يعلم كونه منه، ولذلك أصبحت الضابطة الأُولى عند الإماميّة حرمة العمل بالظنّ إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّته، كخبر الثقة الضابط، و البيّنة، و قول أهل الخبرة، إلى غير ذلك من الظنون التي ثبتت حجّيتها من جانب الشرع.
وأمّا حكم الشاك فهذا هو بيت القصيد في المقام .أقول: الشكّ على أقسام أربعة:

ألف. الشكّ في شيء له حالة سابقة:

إذا شككنا في بقاء حكم أو بقاء موضوع كنّا جازمين به سابقاً، وإنّما نشك في بقائه، فهنا يؤخذ بالحالة السابقة، ويسمّى باصطلاح الأُصوليين بالاستصحاب عملاً بالسنّة: «لا تنقض اليقين بالشك».

ب. الشكّ في أصل تشريع الحكم:

إذا شككنا في حرمة شيء أو وجوبه وليس له حالة سابقة، كالشك في حرمة التدخين أووجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وأمثال ذلك، فالمرجع هنا هو البراءة، لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ويعضده ما ورد في الشرع من قوله سبحانه:(وَمَا كُنّا مُعذّبين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1 وبعث الرسول كناية عن بيان

1 . الإسراء: 15 .

صفحه 40
الوظائف في العقائد والأحكام، وقول النبيّ الأكرم:«رفع عن أُمّتي تسعة: ما لا يعلمون...».
وهذا (الشكّ في أصل الحكم) يسمّى في مصطلح الأُصوليّين بالشبهة البدويّة.

ج. إذا كان عالماً بالحكم وجاهلاً بالمكلّف به:

إذا كان المكلّف عالماً بالحكم الشرعي وجاهلاً بالمكلّف به، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر ولم يعرف القبلة، فيحكم العقل بالاشتغال ولزوم تحصيل البراءة اليقينية وهو الصلاة إلى أربع جوانب ليعلم أنّه صلّى إلى القبلة.
من غير فرق بين كون الجهل متعلّقاً بالموضوعات الخارجية كالمثال المذكور، أو بمتعلّقات الأحكام، كما إذا علم بأنّه فات منه صلاة واحدة مردّدة بين المغرب والعشاء، فالعقل يحكم بوجوب الجمع بينهما، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية،وعلى هذا الأصل فرّعوا فروعاً كثيرة.

د. تلك الصورة ولكن لم يكن الاحتياط ممكناً:

كما إذا دار أمر الشيء بين كونه واجباً أو حراماً، فالمرجع هاهنا هو التخيير.
وبذلك ظهر أنّ علاج الشكّ في الموضوع، أو الحكم الشرعيين، يتحقّق بإعمال القواعد الأربع حسب مظانّها وهي:
أ. الاستصحاب، عندما كانت هناك حالة سابقة.
Website Security Test