welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المحصول في علم الأُصول / ج4*
نویسنده :السيد محمود الجلالي المازندراني*

المحصول في علم الأُصول / ج4

المحصول
في
علم الأُصول

يبحث عن الإستصحاب والقواعد الأربع والتعادل والترجيح

الجزء الرابع

تقريراً لبحوث آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم
السيد محمود الجلالي المازندراني

نشر
مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

كلمة شيخنا المحاضر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله.

نحمده ونشكره على جزيل إنعامه حمداً لا نهاية له، وشكراً لا انقطاع له .

والصّلاة والسّلام على أفضل أنبيائه وأشرف رسله، محمّد والخيرة من عترته.

أمّا بعد: إذا كان الكتاب والسنّة والإجماع والعقل هو الدليل الوحيد على الأحكام الشرعية، فالاجتهاد ـ بمعنى بذل الجهد في تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي ـ استنطاق لتلك الحجج، واستنتاج لتلك الأدلّة، فليس الاجتهاد عندنا ـ معشر الشيعة الإمامية ـ شيئاً من مصادر التشريع، ولا من أدلّة الأحكام، ولكنّه طريق إلى استنباط الأحكام من تلك الأدلّة القطعية.

نعم هو من مصادر التشريع عند من قصرت يده عن الأخذ بأحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، واكتفوا بما رواه الصحابة في مجال الشريعة عن النبيّ الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو لا يتجاوز خمسمائة حديث، فلم يجدوا بدّاً لغاية الإجابة على الأسئلة المتوفرة بهذه الأحاديث القليلة، من جعل نفس الاجتهاد من منابع التشريع ومصادره، مستدلين بما روَوه عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه سأل معاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن، فقال له: بماذا تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: فإن لم تجد في سنّة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: الحمد لله الّذي وفق رسول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لما يرضي رسول الله .(1)


1-الدارمي، السنن: 1 / 70، وعون العبود: 3 / 330 .


(4)

وقد رووا عن الخليفة الثاني أنّه كتب إلى شريح: فإن أتاك بما ليس في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله، ولم يتكلّم فيه أحد، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدّم، وإن شئت أن تتأخّر فتأخّر .(1) وفي ضوء هذين الحديثين، نجم في القرن الثاني العمل بالقياس والاستحسان، وسدّ الذرائع، والمصالح المرسلة، ومذهب الصحابيّ، إلى غير ذلك من الظنون الّتي ما أنزل الله بها من سلطان.

إنّ الشيعة الإمامية في غنىً عن اللجوء إلى هذه المقاييس والاستحسانات، غير أنّ الأدلة الصحيحة تحتاج إلى استنطاق، وهي حجج صامتة، والفقيه بفضل الاجتهاد يستنطقها ويستثمرها، فتأتي ملبية لجميع ما يحتاج إليه الفقيه إلى يوم القيامة. والاجتهاد بهذا المعنى هو الطريقة الموروثة عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ فقد كان لهم موقف مثل الاجتهاد في إرشاد أصحابها إلى كيفية استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة، ولو قام أحد المحقّقين بجمع تلك الشوارد لتجلّى دور الأئمّة في تربية الفقيه في أعصارهم وجاء الكتاب حافلاً بالذكر وجديراً بالمطالعة.

هذا، وقد قدّم سيّدنا الجليل المحقق الذكي، العاكف على الدراسة والكتابة طيلة سنين، الجزء الثاني من المباحث العقلية من علم الأُصول، وبتمامه تمّ البحث حول القطع والظن، والأُصول الأربعة (البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب وكيفية العلاج بين الحجّتين) مضافاً إلى القواعد الأربع: قاعدة اليد، وقاعدة أصالة الصحّة، وقاعدة التجاوز، وقاعدة القرعة.

فنشكر المؤلّف البارع السيد محمود الجلالي المازندراني على ما بذل من جهود في تنظيم المباحث وترتيب الشوارد تنظيماً رائعاً مباركاً مثمراً بإذن الله سبحانه .

قم، الحوزة العلمية

جعفر السبحاني

20 شعبان المعظم 1415 هـ . ق


1-ابن القيم، اعلام الوقعين: 1 / 61 ـ 62 .


(5)

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد أشرف أنبيائه، وأفضل سفرائه وآله الطّيبين الطّاهرين الذين هم أساس الدين وعماد اليقين، صلاة دائمة زاكية غير منقطعة.

ربِّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً.

أمّا بعد، فإنّ استنباط الأحكام الشرعية الكلّية والوظائف العملية من مصادرها القطعية من أشرف الأُمور وأسماها، ففيه التحرّر من ربقة التقليد والاعتصام بالرأي السديد، والتعرّف على الكتاب والسنّة عن كثّب، وبالتالي اجتناء الثمرة من نفس الشجرة الطيّبة المباركة.

ومن أُسسه معرفة الحجج وشرائطها ومواردها ومعارضاتها، وكيفية العلاج بينها، والمتكفّل بمعرفة ذلك هو علم الأُصول الّذي عكف على دراسته العلماء منذ دخل الفقه الإسلامي في مسيرته الصاعدة، وكان تأسيس ذلك العلم نتيجة حتمية لسعة الرقعة الإسلامية الّتي رافقت ظهور أسئلة وموضوعات لم تكن للمسلمين بها معرفة في عصر الرسالة. فصار علم الأُصول هو الركن الوطيد للاجتهاد الصحيح وإعداد الأجوبة لهذه الموضوعات والأسئلة.

وممّن خاض عباب هذا العلم، واستخرج درره اللامعة، شيخنا وأُستاذنا جامع المعقول والمنقول سماحة آية الله الشيخ جعفر السبحاني ـ مدّ ظلّه ـ فقد ألقى محاضرات كثيرة فيهذا المضمار، دورةً بعد دورة، وكل دورة تستغرق ست سنين، يحضرها عشاق


(6)

العلم وطلاّب الفضيلة، وكنت ممّن يحضر تلك الدروس ويحرّرها بجدٍّ وسعي، وقد كتبت من دروسه ـ دام ظلّه ـ الشيء الكثير.

وها أنا أُقدّم في هذا الجزء من كتابنا «المحصول» مباحث الاستصحاب، والتعادل والترجيح، وما استطرقه الأُستاذ من الدراسة حول القواعد الأربع الّتي لا يستغني عنها الفقيه، كلّ ذلك بعبارات موجزة، خالية عن التعقيد، رامية للغرض بأقصر الطرق.

ولمّا كانت لشيخنا الأُستاذ في الدورة الثالثة أفكار أبكار في بعض المواضيع، وتبيين لما أجمله في الدورة الثانية، قمت بضمّ مجموع ما أفاضه في الدورتين في هذا الجزء وما سبقه حول المسائل العقلية، وأرجو منه سبحانه أن يوفقني لنشر ما استفدته منه ـ مدّ ظلّه ـ في مباحث الألفاظ، إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

قم، الحوزة العلمية

السيد محمود الجلالي المازندراني

15 شعبان المعظم 1415 هـ . ق


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الأصل الرابع من الأُصول العمليّة:
الاستصحاب

قد أشبعنا الكلام في الجزء السابق حول الأُصول الثلاثة من الأُصول العملية أعني: البراءة والاحتياط والتخيير . وبقي الكلام في الأخير منها. وقد عرفت في بيان مجاري الأُصول:أنّه في ظرف الشكّ إمّا تلاحظ الحالة السابقة أو لا ؟والثاني هو مجاري الأُصول الثلاثة الماضية سواء كان عدم اللحاظ لأجل عدمها أو لعدم اعتبارها كما في الشكّ في المقتضي عند الشيخ أو الأحكام الشرعية الكليّة عند بعض آخر، والأوّل هو مورد الاستصحاب ومجراه.

وقبل الخوض في المطلب نقدم أُموراً تمهيدية:

الأمر الأوّل:

في تعريف الاستصحاب

قد عرّف الاستصحاب بوجوه:

1ـ ما عرّف به المحقّق القمي : استصحاب الحال: وهو كون حكم أو


(8)

وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق.(1)

وأورد عليه الشيخ الأعظم: بأنّه من قبيل تعريف الشيء بمورده ومحلّه لابنفسه وما ذكره من كون حكم أو وصف كذلك، إنّما هو محقّق مورد الاستصحاب ومحلّه لانفسه.

2ـ ما عرّف به الشيخ الأعظم من «إبقاء ما كان» ووصفه بأنّه أسدّها وأخصرها.(2)

وأورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ لليقين والشكّ دخلاً في حقيقة الاستصحاب ولو باعتبار كون اليقين طريقاً إلى المتيقّن كما أن للشكّ في البقاء دخلاً فيه.

3ـ ما عرّف به المحقّق النائيني : من أنّه عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشكّ في بقاء متعلّق اليقين.(3)

يلاحظ عليه: أنّه تعريف بالنتيجة فإنّ عدم الانتقاض، لأجل حكم الشارع بحرمة نقضه، وهو نتيجة الاستصحاب لانفسه .

وقال المحقّق الخراساني ـ معتذراً عن هذه التعريفات ـ: بأنّ الجميع يشير إلى مفهوم واحد، وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم، شكّ في بقائه.

هذا ما ذكره القوم في المقام.

والحقّ أنّ التعريف يختلف حسب اختلاف المباني في حجّية الاستصحاب، فإنّ الأقوال في كيفية اعتباره ثلاثة:


1-المحقق القمي: القوانين: 2/53، طبعة عبد الرحيم.
2-الشيخ الأنصاري: الفرائد: 318، طبعة رحمة اللّه.
3-المحقق النائيني (تأليف الكاظمي الخراساني): فوائد الأُصول: 4/307.


(9)

1ـ إنّه أمارة عقلائية لكشف حال الشيء في الآن اللاحق، فاليقين السابق، أمارة ظنّية لبقاء الشيء في ظرف الشكّ ، وليس المراد من الشكّّ هو تساوي الطرفين حتى ينافى الظن بالبقاء، بل المراد احتمال الخلاف الجامع معه.

وإن شئت قلت: اليقين السابق طريق إلى متعلّقه في زمان اليقين والشكّ، بمعنى أنّه، كاشف عن وجود متعلّقه في الزمان الأوّل على وجه القطع وفي الزمان الثاني على وجه الظن.

2ـ إنّه أصل عملي اعتبر لصيانة الواقع وحفظه فكما أنّ المولى يحتفظ بمطلوبه بإيجاب الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة، تحريمية كانت أو إيجابية، فهكذا يحتفظ به بإيجاب العمل على طبق الحالة السابقة، لأنّ الغالب على ماكان، هو البقاء دون الزوال.

3ـ إنّه أصل عملي تعبّدي محض، كأصالة الطهارة والحلّية شرِّع في ظرف الشكّ، من دون نظر إلى الواقع. هذه هي الأنظار المختلفة حول حقيقة الاستصحاب.

فعلى النظرية الأُولى ينسلك الاستصحاب في عداد الأمارات العقلائية التي تعتبر تارة حجّة شرعية وليست الأمارة العقلائية إلاّ نفس «كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء، في الآن اللاحق» وعندئذ يكون تعريف المحقّق القمي الذي عدّه الشيخ أزيف التعاريف، أحسنَها. وإن كنت في شكّ فقارن الاستصحاب بخبر الثقة، فهناك أمارة، أعني: قول الثقة، وجعل أو إمضاء من الشارع، وهو الحجّية. وفي المقام أيضاً أمارة عقلائية، وهو كون الحكم أو الوصف، يقيني الحصول... وهو بهذا العنوان صار موضوعاً للحجّية إمضاءً أو تأسيساً.

وحينئذ يكون تعريفه بالإبقاء وغيره ، تعريفاً بعيداً عن حقيقته وتسميته


(10)

(كون الشيء يقيني الحصول...) بالاستصحاب، تسمية الشيء بنتيجته، فإذا عمل المكلّف بالأمارة فكأنّه يستصحب شيئاً من الماضي إلى الآن اللاحق.

وأمّا على القول بكونه أصلاً عمليّاً شرعياً تحفّظيّاً أو تعبّدياً، مأخوذاً من الروايات، فالصحيح تعريفه بما ورد في النصوص: من تحريم نقض اليقين السابق بالشكّ اللاحق، نقضاً تشريعياً لا تكوينياً، لأنّه حاصل ولايحتاج إلى تحصيل، وعندئذ يكون تعريفه بالإبقاء وما أشبهه، تعريفاً باللازم، لانفسه.

الأمر الثاني:

في كون الاستصحاب مسألة أُصولية لاقاعدة فقهية

يظهر من الشيخ الأعظم بعد النقض والإبرام حول موضوع علم الأُصول وعوارضه، أنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية دون الجاري في الشبهات الموضوعية كعدالة زيد ونجاسة ثوبه، فهو قاعدة فقهية كأصالة الطهارة وعدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ.

ووجهه: أنّ الميزان في تمايز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية هو اختصاص إجراء الاستصحاب في الأُولى بالمجتهد. وليس وظيفة للمقلّد، فالحكم ببقاء النجاسة السابقة في الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره مختصّ بالمجتهد، وليس كذلك في الثانية فإنّ إجراء الاستصحاب فيها جائز لهما كالحكم ببقاء عدالة زيد ونجاسة ثوبه. هذا خلاصة كلامه.

وذكر المحقّق النائيني : أنّ نتيجة المسألة الأُصولية إنّما تنفع المجتهد ولاحظّ للمقلّد فيها.وأمّا النتيجة في القاعدة الفقهية فهي تنفع المقلّد (1). وما ذكره


1-المحقق النائيني: فوائد الأُصول:4/309.


(11)

نفس خيرة الشيخ الأعظم لكن بتعبير آخر.

وما ذكره الشيخ وإن كان صحيحاً من حيث النتيجة، ولكن ما ذكر من الفرق بين القاعدتين، غير تام، إذ ليس الفرق بين المسألتين اختصاص الأُولى بالمجتهد دون الثانية. لأنّه منقوض بكثير من القواعد الفقهية التي إجراؤها بيد المجتهد ولا حظّ للمقلّد فيها. كقاعدة: ما يُضمن وما لا يضمن.وقاعدة: الالتزام. وقاعدة: الخراج بالضمان. إلى غير ذلك من القواعد التي لايصلح إجراؤها،إلاّ للمجتهد. فإنّ تشخيص ما يضمن بصحيحه، عمّا لايضمن بصحيحه من وظائف المجتهد، كما أنّ تشخيص ما ألزمته العامة على أنفسهم من خصائصه.

والحقّ أنّ الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية هو ما قدّمناه في مقدّمة مباحث الألفاظ، وهو أنّ المحمول في المسألة الأُصولية ليس حكماً شرعياً عملياً، بخلافه في القاعدة الفقهية فانّه فيها حكم شرعي عملي تندرج تحته عدّة من الأحكام الشرعية حسب الموضوعات المتنوّعة، وإليك توضيحه:

«إذا لاحظنا المسائل المدوّنة في علم الأُصول نرى أنّ المحمول في مسألة ، إمّا ليس حكماً شرعياً أو شرعيّ غير فرعي، كالبحث عن مفاد الأمر والنهي من حيث الدلالة على الوجوب والحرمة، والمرّة والتكرار ، ونظير البحث عن الملازمة بين الوجوبين أو الحرمتين، والبحث عن حجّية قول اللغوي والظواهر وقول الثقة، وعن الوظائف العمليّة للشاكّ إلى غير ذلك من المباحث الواردة في باب الألفاظ والأدلّة العقلية، فالمحمول في الجميع ليس حكماً شرعياً فرعياً بل أحكام عرفية أو مجعولة شرعية غير فرعية تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.

هذا بخلاف القواعد الفقهية، فالمحمول فيها إمّا حكم شرعي متلقى من نفس المعصوم، كقوله ـ عليه السّلام ـ : «إذا شككت في شيء ودخلت في غيره فشكّك


(12)

ليس بشيء»، أو حكم شرعي منتزع من الأحكام الشرعية الكلّية، مثل قول الفقهاء: مايضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فإنّه منتزع من الحكم بالضمان في أبواب البيع والإجارة والمزارعة والمساقاة.والدليل على الضمان في صورة الصحّة، أعني قاعدة «الإقدام» و«على اليد» هو الدليل في صورة البطلان.

وبذلك يظهر أنّ نتيجة الكبرى الكلّية الأُصولية عند التطبيق على المورد لايكون حكماً شرعياًعملياً. غايتها أنّها بعد الانطباق على الصغرى تخرج عن الكلّية ، فإذا قال الشارع: خبر الثقة حجّة، أو الظواهر حجّة، فقام خبر الثقة وجاء بكلام له ظاهر، تكون نتيجة القاعدة الأُصولية حجّية قول هذا الثقة، أو هذا الظاهر. وحجّية قول هذاالثقة أو هذا الظاهر ليس حكماً شرعياً عملياً، بل إنّما ينتهي إلى حكم شرعي عند التحليل، ويستفاد من حجّية هذه الأُمور الحكم الشرعي كوجوب السورة والجمعة.

وهذا بخلاف القواعد الفقهية، فإنّ نتائجها عند التطبيق أيضاً حكم شرعيّ كلّي، فقول القائل:كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، إذا انطبق على مورد، كالبيع، تكون النتيجة، ضمانه في كلتا الصورتين.

وهذا هو واقع الفرق بين الأمرين وخلاصته يرجع إلى الاختلاف الجوهري في نفس المحمول، إذ أنّ المحمول في أحدهما حكم شرعيّ عمليّ، مجعول أو منتزع من الحكم المجعول، بخلاف الآخر، فإنّ المحمول فيه ليس كذلك.

ويمكن تقريب ذلك بوجه آخر وهو:

إنّ إعمال المسألة الأُصولية في موردها، أشبه بالاستنتاج والاستنباط، وتكون المسألة الأُصولية من باب التوسيط للوقوف على علم جديد. ولكن إعمال القاعدة الفقهية من باب التطبيق، والفرق بين الاستنتاج والتطبيق واضح لايحتاج إلى البيان، ففي المورد الأوّل يحصل للإنسان علم جديد من ضمّ الصغرى إلى


(13)

الكبرى. فإذا تبيّنت حجّية قول الثقة، وقام قوله على وجوب السورة، أو حرمة ذبيحة الكتابي، فيتولّد من ضمّ الأمرين علم جديد ويعدّ العلم بالحكم الشرعي وليد ضمّ الصغرى إلى الكبرى. ولايصحّ لنا أن نقول:إنّ العلم بوجوب السورة، أو حرمة ذبيحة الكتابي، كان مندرجاً في الكبرى، أعني: حجّية قول الثقة، ولأجل ذلك قلنا: إنّ لها دور التوسيط.

وهذا بخلاف باب التطبيق، إذ لايوجد فيه علم جديد. بل غاية الأمر ينبسط العلم الإجمالي وينطبق على مورد خاص، فإذا وقف الفقيه على أنّ كلّ ما مضى من صلاة المصلّي وطهوره، يجب إمضاءه ولايعاد. فإذا شكّ في الركوع بعد الدخول في السجود، يذعن بأنّ الوظيفة إمضاء العمل على ما هو. وليس ذاك الإذعان شيئاً جديداً متولّداً من القاعدة، بل غايته انبساط ذاك العلم الإجمالي على المورد الخاص.

وبعبارة أُخرى:أنّ الحكم ببقاء نجاسة الماء المتغيّر الذي ذهب تغيّره بنفسه استناداً إلى قوله:«لاتنقض اليقين بالشكّ» ليس من قبيل تطبيق الكبرى على الصغرى، مثل تطبيق كلّ فاعل مرفوع على زيد في قولنا:«ضرب زيد» بل من قبيل استنتاج حكم من ضمّ الأمرين. فاليقين السابق بنجاسة الماء إذا ضمّ إلى قوله:«لاتنقض» يتفجّر منه علم جديد وهو الحكم بنجاسة ذاك الماء.وهذا بخلاف ما إذا قلنا:كل إنسان ناطق وطبّقناه على زيد وعمرو وبكر، إذ ليس هنا إلاّ بسط ذاك العلم الإجمالي الكلّي لااستنتاجه ولاإيلاده. فلاحظ.

وبهذين الوجهين يمكن تمييز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية . وأمّا الفرق بين القواعد الفقهيّة ومسائلها فقد مرّ البحث في المقدّمة فلاحظ.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاستصحاب من المسائل الأُصولية أمّا إذا قلنا بأنّه من الأمارات العقلائية كبعض الظنون الشخصية المعتبرة في باب القبلة


(14)

والركعات، فواضح.لأنّ مآل البحث إلى حجّية هذا الظن وعدمها. وإن قلنا بأنّه من الأُصول الشرعية ـ احتفاظياً كان أو تعبّدياً ـ هو أيضاً من المسائل الأُصولية.

لأنّ مفاده «هو حرمة نقض اليقين بالشكّ» وهو أشبه بالحكم الإرشادي، أو التمهيدي بالنسبة إلى الأحكام الشرعية الفرعية العمليّة وليس بنفسه حكماً شرعيّاً فرعيّاً عمليّاً كما لايخفى، ولأجل ذلك لايعاقب مرّتين إذا خالف الاستصحاب ولم يعمل به، بل غايته المؤاخذة على ترك الواقع ومخالفته.

هذا كلّه في مورد الأحكام الشرعيّة الكليّة. وأمّا في الموضوعات الجزئية، فبما أنّ النتيجة تكون جزئية وهي طهارة ثوب زيد أو عدالته، فلايعدّ الاستصحاب هنا مسألة أُصولية لأنّ المسائل الأُصولية تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلّية.

ولأجل ذلك قلنا: إنّ ما ذكره الشيخ صحيح نتيجة، وإن كان غير تام من حيث المبنى والطريقة. فلاحظ.

الأمر الثالث:

التعرّف الإجمالي على القواعد الأربع

1ـ قاعدة المقتضي والمانع.

2ـ قاعدة الاستصحاب.

3ـ قاعدة اليقين.

4ـ الاستصحاب القهقري.

إنّ اليقين والشكّ من الحالات النفسانية اللّذين لايجتمعان أبداً. مع أنّ الظاهر من الروايات اجتماعهما في لوح النفس وعدم نقض الشكّ، اليقين. غير أنّ رفع التضاد يحصل بأحد أُمور وكلّ واحد من هذه الأُمور ملاك قاعدة خاصة:


(15)

1ـ أن يكون متعلّق اليقين والشكّ مختلفين بالذات(لامختلفين بالزمان ومتحدّين بالذات) كما إذا تيقّن بصبّ الماء وشكّ في تحقّق الغسل لأجل الشكّ في وجود المانع، أو أذعن برمي السهم وشكّ في القتل لأجل الشكّ في وجود الحاجب عن الإصابة، فمتعلّق اليقين، غير متعلّق الشكّ، وهما متباينان بالذات، فالصبّ الذي تعلّق به اليقين، غير وجود المانع الذي تعلّق به الشكّ، كما أنّ الرمي الذي تعلّق به اليقين، غير وجود الحاجب الذي تعلّق به الشكّ، نعم يتولّد من اليقين والشكّ، شكّ آخر وهو الشكّ في حصول المقتضي، أعني: الغَسْل أو القتل. وربّما يحكم به تمسّكاً بأصالة عدم المانع ولكنّه مثبت، وهذا ما يسمّى بقاعدة المقتضي والمانع.

وهل الأخبار تشمل موارد قاعدة المقتضي والمانع، بأن يقال: العلم بالمقتضي موجود والشكّ في وجود المانع فالأصل عدمه، أو لا؟ سوف نرجع إلى بيانه.

2ـ أن يكون متعلّق اليقين والشك متحدّين بالذات مختلفين بالزمان ، كما إذا أذعن بعدالة زيد يوم الجمعة وشكّ في بقائها يوم السبت. والذي يرفع الغائلة، هو اختلاف زماني المتيقّن والمشكوك فيكون أحدهما متعلّقاً لليقين في زمان والآخر متعلّقاً للشكّ في زمان آخر، وأمّا اليقين والشكّ، فيصحّ أن يحصلا معاً، أو لايحصلا إلاّ بالترتّب سواء قدّم اليقين، أو قدّم الشكّ. وعلى كلّ تقدير فالملاك، التغاير بين المتيقّن والمشكوك من حيث الزمان مع تقدّم زمان المتيقن وهذا هو مجرى قاعدة الاستصحاب.

3ـ أن يتحدّ متعلّق اليقين والشكّ ذاتاً وزماناً، بأن يكون الشي الواحد من حيث الذات والزمان متعلّقاً لليقين في زمان ومتعلّقاً للشكّ في زمان آخر، ولكن يختلف زمان اليقين والشكّ، وإلاّ فكيف يمكن أن يكون شيء واحد مورداً لليقين والشكّ في زمان واحد. وهذا مورد قاعدة اليقين. ولأجل ذلك لا مناص في قاعدة


(16)

اليقين من تعدد زماني الوصفين وإن كان المتعلّقان متحدّين ذاتاً وزماناً.

وبعبارة أُخرى: الشكّ في الاستصحاب شكّ في البقاء بعد الفراغ من ثبوته حدوثاً، وفي قاعدة اليقين شكّ في الحدوث من غير نظر إلى البقاء على فرض الحدوث فإذا كنّا على علم بعدالة زيد يوم الجمعة، ثمّ شككنا بعد ذلك اليوم في بقاء وصف العدالة فهذا هو مورد الاستصحاب، ولو شككنا في نفس عدالته يوم الجمعة وأنّه هل كان مطابقاً للواقع أو كان جهلاً مركّباً من غير نظر إلى حاله بعدهـ، فهذا مورد قاعدة اليقين.

4ـ ثمّ إنّ الغالب على الاستصحاب هو تقدّم زمان المتيقّن على زمان المشكوك كعدالة زيد المتيقّنة في يوم الجمعة المتقدّمة، على عدالته المشكوكة في يوم السبت، وربّما يكون المتيقّن متأخّراً زماناً والمشكوك متقدّماً زماناً. وهذا مورد الاستصحاب القهقريّ، كما إذا علمنا بأنّ الصلاة والصوم كانا حقيقة في لسان الصادقين ـ عليهما السّلام ـ في الماهيّات العبادية، وشككنا في كونهما كذلك في لسان النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو أنّهما كانا في لسانه حقيقة في غير تلك الماهية، ولكن نقلا إليها في الأزمنة المتأخّرة، فنطيل عمر اليقين ونجرّه إلى الزمان السابق وبالنتيجة ويتّحدان حكماً ولكن ببركة أصالة «عدم النقل» وإلاّ فليس الاستصحاب القهقري حجّة في حدّ نفسه وربّما يتمسك بها في تلك المجالات بحجّة أنّ المثبت في الأُصول اللفظية حجّة، لأنّ لازم أصالة عدم النقل كونهما حقيقة في لسان النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على ما كانا حقيقة في لسان الصادقين ـ عليهما السّلام ـ ، كما لايخفى.

ثمّ إنّ الظاهر انصراف روايات الاستصحاب عن الشمول لقاعدة المقتضي والمانع، لما عرفت من تعدّد المتعلّق فيها من حيث الذات وظهور الروايات في وحدته. وسيأتي التفصيل في التنبيهات فارتقب.

نعم ربّما يستدل لها بصحيح زرارة، من الإذعان بالطهارة والشكّ في النوم


(17)

لحدوث الخفقة والخفقتين، فمتعلّق اليقين هو الطهارة ومتعلّق الشكّ هو النوم.وسيوافيك أنّ متعلّقهما واحد وهو الطهارة أيضاً، فانتظر.

الأمر الرابع:

في تقسيمات الاستصحاب

الاستصحاب ينقسم حسب المستصحب تارة، والدليل الدالّ على حكمه أُخرى، ومنشأ الشكّ ثالثة. وإليك بيان الجميع على وجه الإجمال:

أمّا التقسيم باعتبار المستصحب، فإنّه تارةً يكون أمراً وجودياً وأُخرى عدمياً، وعلى كلا التقديرين قد يكون حكماً شرعيّاً وأُخرى موضوعاً لحكم شرعي، ثمّ الحكم قد يكون كلّياً وقد يكون جزئياً، وعلى كلا التقديرين قد يكون من الأحكام التكليفية وأُخرى من الوضعية، وأمثلة الكل واضحة.

وأمّا التقسيم باعتبار الدليل الدالّ عليه، فتارة يكون دليله نقلياً كالكتاب والسنّة، وأُخرى لبّياً كالإجماع والعقل وسيوافيك البحث عن استصحاب الأحكام الشرعية المستنبطة من العقل في التنبيهات.

وأمّا التقسيم من جهة الشكّ المأخوذ فيه، فالشكّ تارة يكون في مقدار استعداد المستصحب للبقاء ويسمّى بالشكّ في المقتضي كالحيوان المردّد بين البقّ والفيل، والماء النجس المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه، واستصحاب الليل والنهار. فالشكّ في الكلّ تعلّق بمقدار استعداد المستصحب وقابلية دوامه.

والظاهر أنّ المراد من الشكّ في المقتضي ذلك. وأمّا ما ذكره المحقّق الحلّي في المعارج ونقله في المعالم والفرائد، فهو بقاعدة المقتضي والمانع أشبه حيث قال: «والذي نختاره في دليل ذلك الحكم فإن كان يقتضيه مطلقاً وجب الحكم باستمرار الحكم، كعقد النكاح فإنّه يوجب حلّ الوطء مطلقاً، فإذا وقع الخلاف


(18)

في الألفاظ التي يقع بها الطلاق، فالمستدل على أنّ الطلاق لايقع بها، لو قال: حلّ الوطء ثابت قبل النطق بهذه فيجب أن يكون ثابتاً بعده، لكان استدلالاً صحيحاً، لأنّ المقتضي للتحليل وهوالعقد اقتضاه مطلقاً ولايعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء فيكون الحكم ثابتاً عملاً بالمقتضي.(1)

وظاهر العبارة، ينطبق على ما أفاده الشيخ الطهراني (2) في محجّته ويمكن أن يكون ناظراً إلى التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في كون الأمر الموجود مقيّداً أو لا. وعند ذلك يخرج عن باب الاستصحاب. فلاحظ.

وأُخرى يكون الشكّ في الرافع مع إحراز قابلية بقائه ودوامه لولا الرافع وذلك على أقسام.لأنّ الشكّ تارة يكون في أصل وجوده كالشكّ في الحدث بعد الوضوء، وأُخرى في رافعية الأمر الموجود وهو على أقسام.لأنّ منشأ الشكّ في رافعية الأمر الموجود:

1ـ إمّا ترّدّد المستحصب بين ما يكون الموجود رافعاً له وما لايكون رافعاً له. كشغل الذمّة المستصحب يوم الجمعة بعد الإتيان بصلاة الظهر، فإنّ الشكّ في رافعية الأمر الموجود (صلاة الظهر) لأجل عدم تعيين المستصحب وتردّده بين كون الواجب هو الظهر أو الجمعة، فعلى الأوّل ارتفع الشغل دون الثاني.

2ـ وإمّا الجهل بحكم الموجود، كالمذي الخارج عن الإنسان فهل هو رافع للطهارة مثل البول، أو لا؟

3ـ أو الجهل بمصداقيّته لرافع معلوم المفهوم كالبول، كالبلل المردّد بين البول والوذي.


1- المحقق الحلّي: المعارج: 148. ط طهران عام 131هـ.
2-المحقّق الشيخ هادي الطهراني من تلاميذ الشيخ الأنصاري صاحب المحجّة وغيرها من الآثار توفي عام 1321هـ.


(19)

4ـ أو الجهل بمصداقيّته لرافع مجهول المفهوم كالتيمّم على الحجر، المجهول كونه مصداقاً للصعيد، المجهول المفهوم، الرافع للحدث. وقد وقع الخلاف في حجية الاستصحاب في هذه الموارد.

هذه التقسيمات الرئيسية ذكرناها توضيحاً للمقام.

الأمر الخامس:

ما هو المعتبر في الاستصحاب؟

يشترط في الاستصحاب من حيث اليقين والشكّ أُمور ثلاثة:

1ـ اجتماع اليقين والشكّ، سواء حدثا معاً أو حدثا متقدّماً ومتأخّراً، وسواء كان اليقين متقدّماً والشكّ متأخّراً أو بالعكس. وبهذا تخرج قاعدة اليقين عن الاستصحاب فإنّ الموجود فيها هو الشكّ دون اليقين لزواله ـ عن لوح نفسه ـ وليس ذلك إلاّ لأنّ متعلّق اليقين والشكّ في القاعدة واحد ذاتاً وزماناً فلايجتمعان أبداً ، بخلافهما فيه، فهما متّحدان ذاتاً لازماناً فيجتمعان.

2ـ سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك كما هو المتبادر من روايات الباب لابالعكس، وإلاّ كان من مقولة الاستصحاب القهقري.

3ـ فعليّة الشكّ واليقين في مقابل كونهما تقديريين لظهور الروايات، في اجتماعهما في لوح النفس في ظرف الشكّ لأنّ الألفاظ موضوعة للفعلي من المعاني دون التقديري. فالإنسان والحجر يطلقان على ما هو موصوف بالوصف العنواني، أعني: الإنسانيّة والحجريّة بالفعل.

وسيوافيك الكلام في الفروع المترتّبة على الأمر الثالث في التنبيه الثاني من تنبيهات المقام.

إذا عرفت هذه الأُمور فيقع البحث في بيان أدلّة حجّية الاستصحاب:


(20)

الكلام في بيان

أدلّة حجّية الاستصحاب

استدلّ على حجّيته بوجوه:

الأوّل: بناء العقلاء

استقرّ بناء العقلاء في الإنسان بل ذوي الشعور في كافّة أنواع الحيوان، على العمل على طبق الحالة السابقة وحيث لم يردع عنه الشارع كان ماضياً.

والاستدلال مبنيّ على ثبوت أمرين:

1ـ استكشاف بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة تعبّداً. لا لأجل الدواعي الأُخر، كما سيوافيك.

2ـ عدم الردع من جانب الشارع.

أمّا الأوّل فغير ثابت، إذ لايبعد أن يكون عملهم عليه لأجل وجود الاطمئنان أو الظن ببقاء الحالة السابقة ، أو لغفلتهم عن الشكّ ، وإن كان موجوداً في خزانة النفس، فعلى الأوّل والثاني يختصّ جواز العمل بحصول الاطمئنان أو الظن ببقاء الحالة السابقة، لامطلقاً، كما هو المطلوب. وعلى الثالث لايجوز العمل به عند الشكّ مع الالتفات(1)، لأنّ بناء العقلاء على الجري على الحالة السابقة، إنّما هو في صورة الغفلة عن الشكّ، والمجتهد المستصحِب ملتفت إلى شكّه.


1-المراد من الشكّ هو الشكّ الأُصولي أي احتمال الخلاف الذي يجتمع مع الاطمئنان والظن بالبقاء، لا الشكّ المنطقي الذي هو بمعنى تساوي الطرفين وبذلك يظهر النظر فيما أفاده المحقّق النائيني في المقام فلاحظ.


(21)

نعم لو ثبت كونه أصلاً تعبّدياً عندهم حيث يعملون به مطلقاً لحفظ النظام، كان دليلاً على حجّية الاستصحاب، ولكن عملهم به في عظائم الأُمور وجلائلها مورد شكّ وتأمّل.

وأمّا في صغائرها فغير منكر، ولو عملوا به في عظائمها فمن المحتمل أن يكون من باب الاحتياط فيختصّ وجوب العمل به إذا كان مطابقاً له لامطلقاً.

أمّا الثاني فقد أفاد المحقّق الخراساني بأنّه يكفي في الردع ما دلّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم وما دلّ على البراءة والاحتياط في مورد الشبهات.

وأورد عليه المحقّق النائيني بأنّ ما ذكره ينافي ما تقدّم منه في حجّية الخبر الواحد، وهو أنّ تلك الآيات لايمكن أن تكون رادعة عن الطريقة العقلائية ، مع أنّ بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة لو لم يكن أقوى من بنائهم على العمل بالخبر الواحد فلاأقلّ من التساوي بين المقامين.(1)

يلاحظ عليه: وجود الفرق بين المقامين، بأنّ قول الثقة في نظر العقلاء مفيد للاطمئنان الذي يعدّ عند العرف علماً ولايشمله عندئذ قوله تعالى:(ولاتَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) هذا بخلاف الاستصحاب فإنّ الظنّ الحاصل منه، لايعدّ اطمئناناً وعلماً عرفياً فتشمله الآيات الناهية عن العمل بغير العلم.

وبالجملة: أنّ العلم العرفي غير العلم المنطقي، فالثاني لايشمل الاطمئنان الحاصل من قول الثقة . بخلاف العلم الوارد في الآيات الناهية، فإنّ المراد منه الأعم من المنطقي والعلم العرفي، ولايختصّ بالمنطقي، ولأجل ذلك لابأس بالقول بالتفصيل وأنّ الآيات لاتصلح للردع عن قول الثقة لأنّ العرف يرى الاطمئنان


1-المحقق النائيني: فوائد الأصول: 4/333.


(22)

علماً بخلاف الظنّ الحاصل من الاستصحاب، فهو عندهم ظنّ وليس علماً فتشمله الآيات.

وعلى أيّ تقدير، فبما أنّ ملاك العمل ومقداره مبهمان، فلايصحّ للفقيه أن يتّكل عليه.

الثاني: الاستصحاب مفيد للظنّ

إنّ الثبوت السابق مفيد للظنّ به في اللاحق وإليه استند شارح المختصر الحاجبي فقال:معنى استصحاب الحال:أنّ الحكم الفلاني قد كان ولم يظنّ عدمه وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.

يلاحظ عليه: بعدم ثبوت الكبرى أوّلاً، لمنع إفادته الظنّ في كلّ مورد. وبعدم الدليل على حجّية هذا الظنّ ثانياً.

الثالث: الإجماع المنقول على حجّيته

واستدل صاحب المبادئ على حجّيته بالإجماع ، كما نقله الشيخ عنه في الفرائد، ولكنّه إجماع منقول لايفيد شيئاً ولو فرض ثبوته أو وقفنا على ذاك الاتّفاق فلايفيد أيضاً، لأنّ سند المجمعين واضح لأنّهم استندوا إلى أحد هذه الوجوه، فإذا كانت غير مفيدة، فلايكون المبنيّ على غير المفيد، مفيداً، على أنّ ثبوت الإجماع ممنوع، لمخالفة عدّة من الفقهاء.

ويمكن تقريره بوجه آخر وهو أمتن من التقرير السابق ـ أعني: الاتّفاق على حجّية الاستصحاب بما هو هو ـ: وهو أنّ من تتبّع في سيرة الشارع في أبواب الفقه، لايجد مورداً في الفقه إلاّ حكم الشارع فيه بالبقاء عند الشكّ، إلاّ إذا كانت هناك أمارة تخالف الأصل. وهذا ما يقال من أنّ الأصل مقدّم على الظاهر إلاّ في


(23)

موارد قليلة كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء، وغسالة الحمام، فإنّ مقتضى الأصل هو الطهارة ولكن مقتضى الظاهر هو النجاسة لغلبة بقاء جزء من البول في المخرج، ولغلبة النجاسة على غسالة الحمام، ونظير الحكم بالصحّة في فعل المسلم المقدّم على مقتضى الأصل الذي هو الفساد وقريب منه تقدّم قاعدة التجاوز على أصالة عدم الإتيان.

ولعلّ التتبّع في أبواب الفقه يورث الاطمئنان بحجّية الاستصحاب إلاّ إذا زاحمه الظاهر.

الرابع: الأخبار المستفيضة

وقد استمرّ الاستدلال بالأخبار من زمان الشيخ الجليل الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي (918ـ 984هـ . ق) فقد استدل ّبها في الكتاب الذي ألّفه للسلطان طهماسب وأسماه بالعِقد الطهماسبي، وهي عدّة روايات:

1ـ مضمرة زرارة

روى الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن حريز عن زرارة، قال:قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة! قد تنام العين ولاينام القلب والأُذن ، فإذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء». قلت: فإن حرّك على جنبه شيء ولم يعلم به؟ «قال: لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجيئ من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ولاتنقض اليقين أبداً بالشكّ وإنّما تنقضه بيقين آخر».(1)

وسند الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح في المشيخة والفهرست، والظاهر


1-الوسائل:1/ح1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء.


(24)

أنّ المراد من حمّاد هو حمّاد بن عيسى المتوفى عام 208هـ ، أو 209هـ عن عمر يناهز التسعين، المعروف بغريق الجحفة، وليس المراد منه حمّاد بن عثمان المتوفّى عام 190هـ، لعدم روايته عنه. وباقي السند معلوم حاله.

والإضمار لايضرّ، لجلالة زرارة عن السؤال عن غير الإمام مع أنّ إتقان المتن يشهد على كونه من كلام المعصوم ـ عليه السّلام ـ (1) على أنّ الأمين الاستر آبادي (1030هـ) وصاحب الحدائق (1186هـ) نقلاها عن الباقر ـ عليه السّلام ـ .(2) ولعلّهما وقفا على مصدرها ولكن الشيخ نقلها في التهذيب في باب «الأحداث الموجبة للطهارة» مضمرة.

وعلى كلّ تقدير فالرواية معتبرة لا غبار عليها.

والمهمّ في فقه الحديث أمران:

الأوّل: تشخيص ما هو مورد السؤال لزرارة وأنّه كان بصدد رفع أيّة شبهة من الشبهات.

الثاني: ما هو الجزاء لقوله:«وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه» لأنّ استفادة الضابطة الكلّية تتوقف على تعيين الجزاء.

الكلام في تعيين مورد السؤال

لاشكّ أنّ الصحيحة تتضمّن سؤالين:

1ـ أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟

2ـ فإن حرّك على جنبه شيء ولم يعلم به؟


1-المحدث البحراني: الحدائق: 1/143، الطبعة الحديثة.
2-المحدث الأسترآبادي: الفوائد المدنية:142 بحث التمسّك بالاستصحاب، والحدائق : 1/143 المقدمة الحادية عشر.


(25)

ومن الواضح أنّ السؤال الثاني كان سؤالاً عن شبهة موضوعية، وهي أنّه هل يمكن الاستدلال بعدم الالتفات عند تحريك شيء على جنبه على أنّه قد نام؟ فأجاب الإمام بماعرفت.

إنّما الكلام في تعيين مفاد السؤال الأوّل وهو يحتمل أُموراً:

أ ـ إنّ الشبهة في مورد الرواية كانت شبهة مفهومية لابمعنى أنّ الراوي كان غير عارف بمفهوم النوم إجمالاً، بل كان يعرفه لكن كان غير عارف بحدّه الدقيق حتى يطبّقه على موارد الشبهة، وكان الشكّ في تحقّق النوم بالخفقة والخفقتين ناشئاً عن عدم التعرّف على مفهومه الدقيق الجامع.

ب ـ كان السؤال عن الناقض وأنّه هل هو المرتبة الكاملة من النوم، أو تكفي المرتبة الضعيفة مع العلم بمفهوم النوم وأنّ له مراتب قويّها ما تتعطّل به القوى الثلاث، وضعيفها ما تتعطّل به العين، أو هي مع السمع ولكن القلب يدرك ولايتعطّل؟

ج ـ كان السؤال عن ناقضية الخفقة والخفقتين مع العلم بأنّها ليست داخلة في النوم، لكنّه يحتمل أن تكون بنفسها ناقضة وإن لم تكن نوماً.

هذه هي محتملات الرواية في بادئ النظر والثالث منها مردود، لأنّ النواقض محدودة، ويبعد عن زرارة أن لايعرفها، ويحتملَ كون الخفقة برأسها ناقضة وإن لم تكن داخلة تحت النوم.

فتعيّن أحد المعنيين فعلى الأوّل الشبهة حكمية مفهومية. وعلى الثاني حكمية محضة. وهو الظاهر بقرينة أنّ الإمام قام بتبيين مراتب النوم وصرّح بأنّ نوم العين والأُذن مع التصديق بأنّه من مراتبه لايكفي وإنّما الناقض هو المرتبة الكاملة منه أي إذا نام الجميع.


(26)

ما هو الجزاء لقوله:«وإلاّ فانّه على يقين من وضوئه»؟

فنقول: هنا احتمالات:

الأوّل: إنّ الجزاء محذوف، وهو «فلايجب عليه الوضوء» ويؤيّده قوله قبل هذه الجملة: «فإذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء» وعلى هذا يكون قوله:«فإنّه على يقين من وضوئه ولاتنقض اليقين أبداً بالشكّ»، صغرى وكبرى بمنزلة التعليل للجزاء المحذوف.

فإن قلت: إنّ الأوسط في الصغرى هو «على يقين من وضوئه» وعليه يكون الأوسط في الكبرى هو اليقين بالوضوء ويكون اللام للعهد لاللجنس، فيكون التعليل عندئذ راجعاً بباب الوضوء ولايشمل غيره.

قلت: أوّلاً: لادليل على أنّ «من وضوئه» من متعلّقات «على يقين» حتّى يختصّ اليقين بباب الوضوء، بل من المحتمل أن يكون «من وضوئه» متعلّقاً بلفظ«من طرف» أو «من جانب» ويكون المفاد أنّه كان من طرف وضوئه على يقين وعندئذ يكون الأوسط في الصغرى لفظ «على يقين» لا اليقين بالوضوء، ويكون الأوسط في الكبرى أيضاً هو جنس اليقين، ويصحّ انتزاع قاعدة كلّية من المقدّمتين.

ويؤيّد ذلك أنّه لو كان المراد من اليقين والشكّ، في الصغرى والكبرى هو اليقين المتعلّق بالوضوء والشكّ فيه، يلزم أن يكون التعليل نفس المعلّل، ويكون الكلام بمنزلة أن يقال: فإن لم يجيئ من ذلك أمر بيّن، لايجب الوضوء، لأنّه على يقين من وضوئه. ولاينقض اليقين بالوضوء أبداً بالشكّ فيه.

وهذا بخلاف ما إذا جعلنا المعلول عدم وجوب الوضوء وجعلنا العلّة، هو مطلق اليقين والشكّ، فيصحّ التعليل ويكون المعلّل من مصاديق القاعدة الكلّية


(27)

وهو عدم جواز نقض اليقين مطلقاً بالشكّ مطلقاً.

وثانياً: سلّمنا أنّ الأوسط في المقدّمتين هو اليقين بالوضوء ولكن التعليل لمّا كان بأمر ارتكازيّ، وهو أنّ اليقين شيء ذو صلابة ولاينقضه شيء ذو رخوة كالشكّ صحّ للعرف انتزاع قاعدة كلّية من المورد، وهو أنّ الشكّ كالقطن لايمكن له أن ينقض اليقينَ الذي هو كالحجر، وعلى ذلك فما هو الدخيل في التعليل هو نفس اليقين والشكّ، لااليقين بالوضوء والشكّ فيه. ولو كان الحال كما توهم لكان للإمام، التنبيه عليه. وبذلك تتمّ صحّة الاستدلال بسائر الأخبار التي وردت فيها تلك الكبرى.

وقال المحقّق النائيني: إنّ جعل الجزاء مقدّراً يستلزم التكرار في الجواب من دون تكرار في السؤال وهو لايخلو عن حزازة، إذ لو قدّر الجزاء في قوله:«وإلاّ» قوله:«فلايجب عليه الوضوء» فقد مضى نظيره قبل هذه الجملة الشرطية حيث قال: فإن حرّك على جنبه شيء ولم يعلم به. قال: لاحتّى يستيقن «أي لايجب الوضوء حتّى يستيقن».(1)

يلاحظ عليه: أنّ النكتة على التكرار، هو التركيز على عدم الوجوب ومعه لااستهجان فيه، أضف إلى أنّ التكرار يعدّ مستهجناً إذا أتى بنفس الجملة الثانية، لاما إذا كانت مقدّرة.

فتلخّص أنّ جزاء القضية الشرطية محذوفة أُقيمت العلّة مكانها، والجزاء عبارة عن عدم وجوب الوضوء، والتعليل عبارة إمّا عن عدم نقض مطلق اليقين بمطلق الشكّ، أو اليقين المضاف إلى الوضوء. ولو كان التعليل هو الثاني حسب الظاهر، يتلقّى العرف أنّ المناط لعدم النقض، هو صلابة اليقين ورخاوة الشكّ ولادخالة للمتعلّق فيه.


1-المحقق النائيني: فوائد الأصول: 4/336.


(28)

الثاني: إنّ الجزاء قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه» اختاره المحقّق النائيني ـ قدّس اللّه سرّه ـ فقال: لاينبغي الإشكال في كون الجزاء هو نفس قوله: «فانّه على يقين من وضوئه» بتأويل الجملة الخبريّة إلى الجملة الإنشائية فمعنى قوله ـ عليه السّلام ـ : «فانّه على يقين من وضوئه» هو أنّه يجب البناء والعمل على طبق اليقين بالوضوء.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الجملة الاسمية إمّا أن تكون باقية على معناها الحقيقي وهو الإخبار عن كونه على يقين من وضوئه، أو خارجة عنه وأُريد منها معنى إنشائي، وكلّ من الوجهين غير مفيد.

أمّا الأوّل: فلأنّ الجزاء لابدّ أن يترتّب على الشرط ويكون وقوعه مترتّباً على وقوعه لاقبله، بحيث يكون الشرط علّة وسبباً لوقوعه. والجملة الاسمية لاتكون مترتّبة على الشرط، لأنّ يقينه من وضوئه ليس مترتّباً على الشرط: أعني: «وإن لم يجيئ... » فسواء جاء بأمر بيّن أو لا فهو كان على يقين من وضوئه يقيناً سابقاً على بروز هذا الاحتمال.

وأمّا الثاني: فانّه لايصحّ إلاّ إذا فسّر بوجوب البناء والعمل على طبق اليقين بالوضوء ولكنّه بعيد عن الأذهان العادية المخاطبة بهذا الكلام.

نعم أُورد على هذا الشقّ بأنّها لاتدلّ على وجوب المضيّ والجري العملي على طبق اليقين، بل تكون طلباً للمادّة أي اليقين بالوضوء كما أنّ الجملة الفعلية في مقام الطلب تكون طلباً للمادّة فانّ قوله: «أعاد أو يعيد» طلب للإعادة فيكون قوله ـ عليه السّلام ـ :فإنّه على يقين من وضوئه طلباً لليقين بالوضوء، ولامعنى له، لكونه متيقّناً بالوضوء على الفرض.(2)


1-المصدر نفسه.
2-المحقق الخوئي: مصباح الأُصول:3/17.


(29)

يلاحظ عليه: أنّ المحمول ليس هو طلب نفس اليقين بل الاستمرار والاستقرار على اليقين وهو ليس طلباً للحاصل، فإنّ قوله ـ عليه السلام ـ: «فهو على يقين من وضوئه» بمعنى أنّه يستقرّ على يقينه السابق ولاينقضه. فالمحمول المطلوب هو الاستمرار والاستقرار، كما هو المتبادر من قوله: الغائب على حجّته أي يستمرّ ويمضي عليه.

الثالث: أن يكون الجزاء قوله:«لاينقض اليقين أبداً بالشكّ» ويكون قوله:«فانّه على يقين من وضوئه» توطئةً للجواب، فهو ضعيف غايته، إذ لم تعهد دخول العاطف (الواو) على الجزاء.

نعم الجزاء عند الأُدباء في هذه الموارد هو نفس الجملة التالية للشرط وعليه يكون الجزاء هو قوله ـ عليه السلام ـ: «فإنّه على يقين من وضوئه» لكن حملهم بذلك على حسب الظاهر وإلاّ فالجزاء لبّاً هو المقدّر وهم يدرّسون حسب ظاهر الكلام .

كلام للمحقّق النائيني

ثمّ إنّ المحقّق النائيني اختار أنّ الاستدلال بالرواية على حجّية الاستصحاب في غير باب الوضوء لايتوقّف على تعيين جزاء الشرط من أنّه نفس قوله ـ عليه السّلام ـ : «فإنّه على يقين من وضوئه» أو أنّ ذلك علّة للجزاء المقدّر وهو «فلايجب عليه الوضوء»، أو أنّ الجزاء هو قوله ـ عليه السّلام ـ :«ولاينقض اليقين بالشكّ»، والتعليل ذكر توطئة للجزاء.(1)

أقول: إنّ الاستدلال يتوقّف على أمر واحد، وهو كون اللام في «اليقين» في قوله:«ولاتنقض اليقين أبداً بالشكّ» للجنس دون العهد.حتّى تنتزع منه قاعدة كلّية، ولكن ذلك يتحقّق بسهولة لو قلنا باستقلال الجملتين وأنّهما بمنزلة البرهان


1-المحقق النائيني: فوائد الأصول: 4/336.


(30)

للجزاء المحذوف. فكأنّ الإمام ـ عليه السّلام ـ قال:

وإن لم يجئ من ذلك أمر بيّن فلايجب عليه الوضوء وكأنّ سائلاً يسأل لماذا؟ فأجاب بقوله:

«فإنّه على يقين من وضوئه ولاتنقض اليقين أبداً بالشكّ». فإذا كانت الجملتان مستقلّتين تصلحان للتعليل ويصحّ أن يقال إنّ ذكر الوضوء في المقام لكونه مورداً لسؤال ولا مدخلية له، وأمّا إذا قلنا بأنّ الجزاء هو «فانّه على يقين» فعندئذ يكون قوله ـ عليه السّلام ـ :«ولاتنقض» معطوفاً على الجزاء، فيخرج عن كونه تعليلاً له ومثله إذا قلنا بأنّ الجزاء هو قوله ـ عليه السّلام ـ : «ولاتنقض اليقين» فيبقى الحكم بلاتعليل.

2ـ الصحيحة الثانية لزرارة:

روي في علل الشرائع في الباب الثمانين تحت عنوان «علّة غسل المني إذا أصاب الثوب» عن أبيه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال:قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ .ورواه الشيخ في التهذيب مضمرة عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن حريز، عن زرارة قال:قلت له...(1)وعلى ذلك فلاغبار على الرواية سنداً ، أضف إليه ما ذكرناه في المضمرة السابقة في حقّ زرارة. والرواية مشتملة على ستة أسئلة وسبعة أجوبة، فإنّ للسؤال السادس شقّان في كلام الإمام بهما صارت الأجوبة سبعة وإليك الأسئلة والأجوبة واللفظ للتهذيب:

1ـ أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من منيّ فعلّمت أثره إلى أن أُصيب له من الماء، فأصبتُ وحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصلّيت ثمّ


1- الشيخ الطوسي: التهذيب: 1/421 ح1335، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات والوسائل: 2/1053و1061و1605، ح1و2، الباب 41 و44 و37 من أبواب النجاسات.


(31)

إنّي ذكرت بعد ذلك.

قال:تعيد الصلاة وتغسله.

2ـ قلت: فإنّي لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنّه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلمّا صلّيت وجدته؟

قال:تغسله وتعيد.

3ـ قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أر شيئاً ثمّ صلّيت فرأيت فيه؟

قال: تغسله ولاتعيد الصلاة. قلت: لم ذلك؟

قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً.

4ـ قلت: فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله.

قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتّى تكون على يقين من طهارتك.

5ـ قلت: فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟

قال:لا ولكنّك إنّما تريد أن تذهب الشكّ الذي وقع في نفسك.

6ـ قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟

(فأجاب الإمام بأنّ له صورتين):

أ ـ قال:تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته.

ب ـ وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة لأنّك لاتدري لعلّه شيء أوقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ.

يقع البحث حول الرواية في مقامين:

الأوّل: فقه الحديث.


(32)

الثاني: كيفية الدلالة.

المقام الأوّل: في بيان فقه الحديث

إنّ اللازم في المقام هو توضيح السؤال الثالث والسادس فنقول:

أمّا الثالث: فهو عبارة عمّا إذا ظنّ الرجل بوجود النجاسة في الثوب وتفحّص عنها ولم ير شيئاً فصلّى فرأى فيه، أي رأى ما ظنّه بعد الصلاة، فحكم الإمام فيه بعدم الإعادة قائلاً بأنّه كان على يقين من طهارته فشكّ فيها (قبل الصلاة) وليس ينبغي له أن ينقض اليقين بالشكّ.

وأمّا السادس: فقد عرفت أنّ الإمام ذكر في الجواب صورتين:

الأُولى: إذا شك في طروء النجاسة حين الشروع ولم ير شيئاً ثمّ راها في أثناء الصلاة وعلم أنّ المرئي هي التي شكّ في وجودها حين الصلاة، وإليه يشير بقوله:«إذا شككت في موضع منه ثم رأيته» أي شككت في أنّ موضعاً من الثوب أصابه شيء من النجس، ومع ذلك صلّيت ورأيته حين الصلاة، وبعبارة أُخرى:لم يكن قبل الصلاة إلاّ الشكّ في النجاسة (لا العلم الإجمالي بالنجاسة مع الشكّ في موضعها).

الثانية: هو الرؤية في الأثناء وعدم الشكّ قبل الشروع فحكم في الأُولى بالإعادة دون الثانية.

اشكالات حول الرواية

ثمّ إنّه أُورد على الرواية إشكالات عديدة:

الأوّل : إنّ التعليل في الجواب عن السؤال الثالث يناسب الحكم بجواز الدخول في الصلاة، لا عدم الإعادة، لأنّ اليقين بالطهارة والشكّ فيها يختصّ


(33)

بحالة الدخول. وأمّا بعد الفراغ فهناك يقين بوقوع الصلاة في النجاسة.

الثاني : ما الفرق بين الصورة الثالثة، والشقّ الأوّل من الصورة السادسة، مع اشتراكهما في وجود الشك في النجاسة قبل الصلاة ومع ذلك لو وقع تمام الصلاة فيها حكم بالصحّة كما في الصورة الثالثة، دون ما وقع بعضها فقد حكم بالإعادة كما في الشق الأوّل من الصورة السادسة مع أنّهما متساويان في جميع الجهات غير وقوع تمام الصلاة أو بعضها في النجاسة، مع أنّ الثاني أولى بالصحّة؟

الثالث: ما الفرق بين شقي الصورة السادسة حيث حكم بالصحّة في الثاني دون الأوّل، مع أنّه لافرق بينهما إلاّ تقدّم الشكّ على الصلاة في الأوّل وعدمه في الثاني، مع أنّ ما تحقّق فيه الشكّ الفعلي أوفق بالاستصحاب عمّا لايتحقّق فيه؟ .

هذه هي الإشكالات المتصورة في المقام:

الإجابة عن الإشكال الأوّل:

وأُجيب عن الإشكال الأوّل بوجوه:

1ـ ما نقله الشيخ الأعظم عن بعضهم، وهو أنّ الحكم لأجل اقتضاء امتثال الأمر الظاهري الإجزاء، فتكون الصحيحة دليلاً على القاعدة.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً لكن الصحيحة لم تستدل على الصحّة بقاعدة الاقتضاء، بل استدل عليها بأنّ الإعادة نقض لليقين بالشكّ، مع أنّه ليس كذلك.

2ـ لمّا كان الشرط للصلاة هو إحراز الطهارة، لانفسها وقد أُحرزت في بدء الصلاة أو لمّا كان المانع هو العلم بالنجاسة وهو بعد لم يحصل، حكم الإمام بعدم الإعادة.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً. لكن الإمام لم يعلّل الصحّة بما


(34)

ذكر من أنّ الشرط هو إحراز الطهارة وقد أُحرزت ، أو أنّ المانع هو العلم بالنجاسة ولم تعلم، وإنّما حكم بالصحّة لأجل أنّ الإعادة نقض لليقين بالشكّ مع أنّ الإعادة ليست نقضاً له بالشكّ بل باليقين، فكون الشرط إحراز الطهارة لانفسها أو أنّ المانع العلم بالنجاسة لانفسها،لاصلة له بالتعليل.

3ـ أنّ التعليل وإن كان راجعاً إلى عدم الإعادة حسب الظاهر. لكنّه في اللب راجع إلى بيان المنشأ الذي صار دليلاً لعدم الإعادة.

توضيحه: أنّ الحكم بعدم الإعادة لايصحّ بدون التصرّف في الشرط أو المانع إذ لو كان الشرط، ذات الطهارة الواقعية لايصحّ الحكم بالصحّة لفقدان الشرط كما أنّه لو كان المانع نفس النجاسة الواقعية لايصحّ الحكم بها، لوجودها، فالصحّة معلول للتصرّف في ظاهر دليل الشرطية مثل قوله:«صلّ في طاهر» مثلاً، إمّا بجعل الشرط هو إحرازها ولو بالأصل، أو جعل المانع إحراز النجاسة كذلك. وما أشار إليه الإمام ـ عليه السّلام ـ بقوله:«لأنّك كنت على يقين من طهارتك، ثمّ شككت...» دليل على أنّ الشرط هو إحراز الطهارة وقد أُحرزت، أو أنّ المانع إحراز النجاسة وهي بعد لم تحرز.، فعند ذلك يكون المأتي به مطابقاً للمأمور به، الملازم بعدم الإعادة، وبعد هذا لو قلنا بوجوب الإعادة بعد الوقوف على النجاسة يلزم عدم اعتبار الاستصحاب قبل الدخول في الصلاة وجواز نقض اليقين بالشكّ فالإعادة بعد الصلاة، معناها جواز نقض اليقين بالشكّ قبل الصلاة مع أنّه لايجوز.

وإن شئت قلت: إنّ حكم الإمام ـ عليه السّلام ـ بالإعادة في الصورتين الأُوليين كان موافقاً للقاعدة، لفقدان الصلاة، الشرط، أو اشتمالها على المانع وإن كان ناسياً، ومقتضى ذلك الحكم بها أيضاً في الصورة الثالثة لحديث فقدان الشرط أو الاشتمال على المانع، ولمّا حكم الإمام ـ عليه السّلام ـ بالصحّة، تعجّب زرارة عن


(35)

التفريق، فصار الإمام ـ عليه السّلام ـ بصدد الجواب بوجود الفرق بين الأُوليين والثالثة وهو عدم وجود الاستصحاب المحرز للشرط فيهما، وهذا بخلاف الثالثة، فانّ الاستصحاب فيها محرز لوجود الشرط وهو كاف ولايلزم الطهارة الواقعية، فالتعليل سيق لبّاً، لأجل بيان منشأ الحكم بالصحّة وعدم الإعادة وهو وجود الشرط اللازم أو إحراز عدم المانع في عامّة حالات الصلاة وعند ذاك يكون المأتي به موافقاً للمأمور به، ولو حكم بالإعادة لكان ذلك دليلاً على عدم اعتبار الاستصحاب قبل الدخول. هذا كلّه حول الإشكال الأوّل.

الجواب عن الإشكال الثاني:

إنّ الإجابة عنه تتوقّف على توضيح المراد من الفقرة السادسة ففيها احتمالان:

الأوّل: ما استظهره شارح الوافية من أنّ المراد ما لو علم الإصابة وشكّ في موضعها ولم يغسلها نسياناً.(1) ولو كان المراد هذا ، فالإشكال منتف موضوعاً للفرق الجوهري بين الصورة الثالثة، التي حكم فيها بعدم الإعادة والصورة السادسة التي حكم فيها بالإعادة لأنّ الأُولى وردت في مورد الشبهة البدوية إلى آخر الصلاة، والثانية وردت في مورد سبق العلم بالنجاسة مع عروض النسيان ولايلزم من الحكم بعدم الإعادة في الأُولى، الحكم به في الثانية.

غير أنّ الذي يردّه، أنّه خلاف ظاهر الفقرة السادسة بقرينة ما جاء في الفقرة اللاحقة من قوله ـ عليه السّلام ـ : «وإن لم تشكّ ثمّ رأيته» الظاهر في أنّ الشكّ في السادسة كان ممحضاً في أصل الإصابة، لا في الشكّ في موضعها مع العلم بأصل الإصابة.


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد: 331، طبعة رحمة اللّه.


(36)

الثاني: ما استقربناه من أنّ المراد من قوله ـ عليه السّلام ـ : «إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته» هو الشكّ البدوي، وحاصله أنّه شكّ في وقوع النجاسة في موضع من لباسه ولم ير شيئاً ولكنّه وقف عليها في الأثناء وعلم أنّها هي التي شكّ في وجودها في ابتداء الصلاة من دون أن يكون علم إجمالي بوجود النجاسة في الثوب مع الجهل بموضعها، بل لم يكن هناك سوى الشكّ. ويدلّ على أنّ المراد منه ذلك عدّة أُمور:

1ـ تعبيره ـ عليه السّلام ـ عن الشق الثاني للسؤال السادس، بقوله:«وإن لم تشكّ» الظاهر في أنّ الميزان هو الشكّ وعدمه، لا العلم الإجمالي بوجودها فيه والشكّ في محلّها كما هو الاحتمال الثاني.

2ـ ظاهر الرواية أنّ الحكم بالإعادة لأجل رؤية النجاسة في أثناء الصلاة، دون العلم الإجمالي المتقدّم، ولو كان هناك علم إجمالي متقدّم لكان البطلان مستنداً إليه، كما في الصورة الثانية حيث قال: قلت:فإنّي لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنّه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلمّا صلّيت وجدته؟ قال:«تغسله وتعيد».

3ـ إنّ السؤال السادس مترتّب على السؤال الخامس وكان السؤال في الخامس، عن الشبهة البدوية حيث قال:قلت: فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟

قال:لا... فعند ذلك خطر بباله أنّه لو كان الوضع كذلك. ولكن رأى النجاسة في الأثناء فماذا يفعل، فعند ذلك أجاب الإمام ـ عليه السّلام ـ بأنّه لو علم بأنّ المرئي هو المشكوك الذي لم يقف عليه إلاّ في أثناء الصلاة ولايحتمل أنّه شيء أوقع عليه في الأثناء، يعيد وإلاّ فلا.

وهذه الوجوه الثلاثة تقتضي حمل الفقرة الأُولى على الشكّ البدئي.

إذا عرفت ذلك فنقول: فقد أُجيب عن توهّم التهافت بين الصورة الثالثة


(37)

وهذه الفقرة بأنّ وجوب الإعادة حكم تعبّدي لايعلم ملاكه حتّى يتمسّك بالأولوية، فلعلّه كانت خصوصية تقتضي عدم وجوب الإعادة فيما لو وقع جميع أجزاء الصلاة مع النجاسة وعلم بها بعد الصلاة، وكانت تلك الخصوصية مفقودة فيما لو رآها في الأثناء.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذا مفيد في مقام الثبوت لا في مقام الإثبات فإنّ العرف ـ ما لم يقف على الفرق بين الصورتين ـ يتلقّى الحكمين متهافتين ويقول:أيّ فرق بين وقوع الكلّ والبعض، بل الثاني أولى، ولأجل ذلك يجب إبداء الفرق بين الحكمين.

ويمكن إبداء الفرق بين الصورتين، بأنّ المانع عند الشروع هو النجاسة المعلومة على المكلّف قبل الفراغ عن الصلاة، وبما أنّه وقف عليها بعد الصلاة في الصورة الثالثة، تكون الصلاة فاقدة للمانع ولما وقف عليها في الصورة السادسة في أثناء الصلاة صارت الصلاة مقرونة بالمانع ولأجله فصّل الإمام ـ عليه السّلام ـ ، بين ما إذا علم بسبق النجاسة وما لم يعلم، فتبطل في الأُُولى دون الصورة الثانية إذ لايجري الاستصحاب في أُوليهما دون الثانية.

الجواب عن الإشكال الثالث:

وبذلك يظهر الجواب عن الإشكال الثالث، فإنّ الفرق بين شقّي الصورة السادسة جوهريّ، وليس الفرق منحصراً بظهور الشك في الأوّل حين الصلاة دون الآخر. بل هناك فرق آخر، وهو العلم بأنّ المرئي هو الذي شكّ في وجوده حين الصلاة وأنّه ليس شيئاًطارئاً كما في الشقّ الأوّل منها وقد عرفت أنّه لو كان الشرط عدم التقارن مع النجاسة في مجموع الصلاة تكون مثلها فاقدة للشرط، بخلاف


1-المحقق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/52.


(38)

الشقّ الثاني فانّه يحتمل أن يكون المرئي أمراً طارئاً عليه حين الرؤية أو قبلها بقليل، وتكون واجدة للشرط.

ولأجل ذلك لو شكّ حين الشروع في الصلاة ورأى في الأثناء واحتمل أنّه شيء طرأ عليه، يحكم بالصحّة.

إلى هنا تمّ الكلام حول فقه الرواية، بقي الكلام في بيان كيفية الدلالة وهو المقام الثاني.

المقام الثاني: في بيان كيفية الاستدلال

الاستدلال بالحديث يتوقّف على تحقّق أركان الاستصحاب فيه، وهو بقاء اليقين في ظرف الشك وإلاّ فلو كان اليقين مرتفعاً في ذلك الظرف، يكون دليلاً على قاعدة اليقين.

وبعبارة أُخرى: يجب أن يكون اليقين بوجوده الحدوثي محفوظاً وإن كان بوجوده البقائي مخدوشاً، وعلى ضوء هذا تجب دراسة كلتا الفقرتين الماضيتين فنقول:

1ـ ماجاء في السؤال الثالث «قلت»: فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئاً ثمّ صلّيت فرأيت فيه؟ قال: «تغسله ولاتعيد الصلاة» قلت: لم ذلك؟ قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً».

ما هو المراد من اليقين في قوله ـ عليه السّلام ـ :«لأنّك كنت على يقين من طهارتك...»؟.

فهل المراد: اليقين بطهارة الثوب قبل حدوث حادثة الرعاف، أو المراد: اليقين الحاصل بعد حدوث الحادثة وظنّ الإصابة، والنظر فيه وعدم رؤية شيء من


(39)

الدم في الثوب؟

فلو كان المراد هو الأوّل، لانطبق على الاستصحاب، لبقائه حتّى بعد العلم بوجود النجاسة من بدء الصلاة إلى انتهائها فكيف قبلها؟!

وأمّا لو كان المراد هو الثاني، فينطبق على قاعدة اليقين لزواله برؤية النجاسة والإذعان بوجودها من بدئها.

وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني بقوله:«إنّ الاستدلال إنّما يصحّ لو كان المراد من اليقين في قوله ـ عليه السّلام ـ :«لأنّك كنت على يقين من طهارتك» هو اليقين بالطهارة قبل ظن الإصابة كما هو الظاهر، فانّه لو كان المراد منه اليقين الحاصل بالنظر والفحص بعده الزائل بالرؤية بعد الصلاة، كان مفاده قاعدة اليقين».(1)

ولكن الذي يُعَيِّن الأوّل، هو عدم وجود اليقين بعد ظنّ الإصابة غاية الأمر عدم الرؤية ، لا اليقين بالعدم. فلو أُريد منه اليقين بعد ظن الإصابة، يكون أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع فلاينطبق على كلتا القاعدتين، بخلاف ما إذا أُريد منه اليقين قبل ظنّ الإصابة فهو منطبق على الاستصحاب لعدم سراية الشك إلى نفس اليقين بوجوده الحدوثي قبل العلم بوجود النجاسة وبعده.

2ـ ماجاء في الشق الثاني من السؤال السادس حيث قال:«وإن لم تشك ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لاتدري لعلّه شيء أوقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً» لاشكّ أنّ في المورد يقينين:

الأوّل: اليقين الحدوثي، وهو الحاصل قبل العزم إلى الصلاة.

الثاني: اليقين البقائي لهذا، وهو المستفاد من قوله:«وإن لم تشكّ، ثمّ رأيته


1- المحقق الخراساني: الكفاية:2/290.


(40)

رطباً...».

فهناك احتمالان:

1ـ وجود النجاسة من بدء الصلاة إلى أثنائها الذي رأى فيه النجاسة في ثوبه.

2ـ حدوث النجاسة في آن الالتفات كما احتمل الإمام ـ عليه السّلام ـ .

وبما أنّ وجودها في أوّل الصلاة، أمر محتمل، فلايمكن أن يراد من اليقين، اليقين البقائي في بدء الصلاة المستفاد من قوله:«وإن لم تشكّ » ، لانتقاضه باحتمال وجود النجاسة في أوّل الأمر. وإن لم يتيقّن بالخلاف، فلامحيص من إرادة اليقين، قبل العزم إلى الصلاة.

نعم، لو كان ظرف الاستصحاب هو أوان بدء الصلاة، فاليقين موجود غير منقوض بالاحتمال. وأمّا إذاكان أوسع منه حتّى بعد الصلاة، فلامحيص من صرف اليقين، من اليقين الحاصل قبل العزم إلى الصلاة الباقي مطلقاً حتّى بعد تسرّب الاحتمال إلى اليقين بالطهارة في بدء الصلاة.

3ـ الصحيحة الثالثة لزرارة:

قلت له: من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين؟ قال:«يركع بركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولاشيء عليه.

و إذا لم يدر في ثلاث هو أو أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أُخرى، ولاشيء عليه، ولاينقض اليقين بالشكّ ، ولايدخل الشكّ في اليقين، ولايخلط أحدهما بالآخر، ولكنّه ينقض الشكّ باليقين، ويتمّ على اليقين فيبني عليه، ولايعتدّ بالشكّ في حال من الحالات».(1)


1- الوسائل: 5/323 ح3، الباب 11، من أبواب الخلل ، وص321ح3، الباب 10، وهو حديث واحد فرّقه صاحب الوسائل في بابين.


(41)

والحديث حاك عن كون الشكّ بين الثلاث و الأربع والثنتين والأربع من الشكوك الصحيحة لا من الشكوك الباطلة.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام حول الصحيحة يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في فقه الحديث

وفيه جهات من البحث:

الجهة الأُولى: إنّ للفقهاء في باب الشكوك، اصطلاحاً وهو قاعدة اليقين بالبراءة أو الفراغ، وقد أشار إليه الشيخ الأعظم في فرائده، ومصدرها موثقة عمّار الساباطي قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن شيء من السهو في الصلاة، فقال ـ عليه السّلام ـ : «ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟» قلت: بلى، قال: «إذا سهوت فابن على الأكثر فإذا فرغت وسلّمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، وإن ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صلّيت تمام ما نقصت».(1)

وعلى ذلك هناك قواعد متقاربة: قاعدة الاستصحاب وقاعدة اليقين، المعبّر عنها بالشكّ الساري وقاعدة اليقين بالبراءة والفراغ الواردة في أبواب الخلل.

الجهة الثانية : إنّ في متن الرواية ما يوهم خلاف هذه القاعدة وأنّه يعالج الخلل المشكوكة بالركعات المتصلة لا المنفصلة وذلك في موضعين:

الأوّل: في الفقرة الأُولى... وقد أحرز الثنتين قال:«يركع بركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولاشيء عليه» حيث لم يقل:يسلّم ثمّ


1-الوسائل: 5/318 ح3، الباب8 من أبواب الخلل في الصلاة.


(42)

يركع بركعتين وأربع سجدات.

الثاني: في الفقرة الثانية: وقد أحرز الثلاث: قام فأضاف إليها أُخرى، ولاشيء عليه. حيث لفظ الإضافة ظاهرة في الإتيان بالركعة المتّصلة. ولأجله يتقوّى ورودها في مورد التقية.

فإن قلت: كيف وردت الصحيحة موضع التقيّة ـ مع قوله ـ عليه السّلام ـ : «وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد» ـ أليس ذلك ظاهراً في كون الركعتين يأتي بهما مفصولتين وإلاّ لما كان لإيجاب الفاتحة وجه إذ تكفي التسبيحات الأربعة بل هي أفضل؟

قلت: هذا إنّما يتمّ لو لم تكن قراءة الفاتحة متعيّنة عند العامّة في الثالثة والرابعة من الركعات مع أنّ المشهور عندهم هو تعيّنها كما في المُحلّى لابن حزم عن الأوزاعي والشافعي. وعلى ذلك فلايكون هذا دليلاً على نفي التقية. نعم في الفقرات الآتية، جمل لو تأمّل فيها الراوي، لوقف على الحكم الواقعي، وأنّه يجب أن يأتي بها مفصولة لا موصولة. وسيوافيك بيانه.

الجهة الثالثة: إنّ في قوله:«ولاينقض اليقين بالشكّ» احتمالات:

الأوّل: المراد عدم نقض اليقين بعدم الإتيان بالركعة المشكوكة بالشكّ بالإتيان بها، وكأنّه دليل لما ورد قبله «قام فأضاف إليها أُخرى ولاشيء عليه» ـوكأنّ قائلاً يقول: ـ لما ذا؟ فعلّل ـ عليه السّلام ـ بأنّه لاينقض اليقين بعدم الإتيان مع الشكّ فيه، وهذا هو المتبادر من الرواية ولكن يقتضي هذا أن تأتي بالركعة المشكوكة موصولة والإجماع على خلافه وسيأتي الذبّ عنه.

الثاني: ما ذكره الشيخ في الفرائد:المراد من اليقين هو تحصيل اليقين بالبراءة والفراغ. فيكون المراد وجوب الاحتياط بالبناء على الأكثر وفعل صلاة مستقلّة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه وقد أُريد (في غير واحد من الأخبار) من اليقين هذا


(43)

المعنى مثل قوله ـ عليه السّلام ـ :

«إذا شككت فابن على اليقين» قال:قلت: هذا أصل؟قال:«نعم».(1)

وعندئذ لا صلة للحديث بقاعدة الاستصحاب بل هو بصدد بيان قاعدة اليقين بالبراءة.

ويلاحظ عليه بوجهين:

1ـ إنّ المتبادر من قوله:«ولاينقض اليقين» هو عدم نقض اليقين الموجود الفعلي بالشكّ وهو ينطبق على الاستصحاب دون قاعدة اليقين بالبراءة لأنّ اليقين بالبراءة ليس شيئاً موجوداً بالفعل . بل هو أمر يحصّله المكلّف في المستقبل بالإتيان بالصلاة المفصولة.

2ـ إنّ الإتيان بالركعة المشكوكة، موصولة ليس نقضاً لليقين، بل نقضاً لحكم العقل بوجوب تحصيل البراءة باليقين، وهو لا يحصل إلاّ بالإتيان بالركعة مفصولة، مع أنّ ظاهر الرواية نسبة النقض إلى نفس اليقين، لا إلى حكم العقل.

الثالث: إنّ المراد من قوله ـ عليه السلام ـ: «لاينقض اليقين بالشكّ» أنّه لايبطل الركعات المحرزة بسبب الشكّ في غيرها، بأن يستأنف الصلاة ولايعتدّ بها، بل يجب عليه الاعتداد بها وفرضها صحيحة وعلى هذا المعنى يكون معنى سائر الجمل الواقعة بعده هو أنّه لايُدخِلُ الركعة المشكوكة في المتيقّنة، ولايخلط المشكوكة بالمتيقّنة.

يلاحظ عليه: أنّ حمل اليقين على المتيقّن غير واضح، بل خلاف الظاهر ولو أُريد ذاك المعنى لكان التصريح به بقوله:ولايبطل عمله، أولى وأظهر.


1-الوسائل: 5/318 ح2، الباب 8 من أبواب الخلل.


(44)

أضف إليه:أنّ هذا الاحتمال لايتناسب مع قوله ـ عليه السلام ـ:«ولكنّه ينقض الشكّ باليقين» فيلزم التفكيك في معنى اليقين والشكّ في فقرات الرواية.

والظاهر هو المعنى الأوّل ويؤيّده ورود الكبرى المذكورة في الصحاح والروايات الأُخر التي لا يراد منها سوى الاستصحاب.

الجهة الرابعة: لو كان مفاد قوله ـ عليه السّلام ـ :«ولاينقض اليقين بالشكّ» هو الاستصحاب فلازم ذلك، الإتيان بالركعة موصولة لامفصولة، لأنّه تقتضي تنزيل الشاكّ في الإتيان مكان المتيقّن بعدمه، فكما أنّ الثاني يأتي بالركعة متّصلة فهكذا الشاكّ . وهو خلاف الحديث، وقد ذبّ عن الإشكال بوجوه:

1ـ ما أفاده الشيخ الأعظم: وهذا توضيحه وتنقيحه:أنّ التقيّة في تطبيق الكبرى على المورد، لا في نفس الكبرى، وكم لها من نظير في الفقه، وليس في نفس الكبرى أي عدم نقض اليقين بالشكّ أيّة تقيّة، والتقيّة إنّما هي في تطبيق هذا على المورد أي الشكّ في الأربع وقد أحرز الثلاث.(1)

وأمّا النظائر في الفقه فقوله ـ عليه السّلام ـ :للمنصور: «ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا».(2) وقوله ـ عليه السّلام ـ في صحيحة البزنطي في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطّلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟فقال: «لا، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه وما لم يطيقوا وماأخطأؤا».(3)

فإن قلت:إنّ التمسّك بقاعدة لاتنقض، إمّا لإعادة بيان الإتيان بالركعة الرابعة. أو لبيان الإتيان بها موصلة، وبعبارة أُخرى إمّا لبيان أصل الإتيان أو لبيان


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد:332، طبعة رحمة اللّه.
2-الوسائل: 7/95 ح5، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.
3-الوسائل: 16/164 ح12، الباب 12 من أبواب الإيمان .


(45)

كيفيّته، أمّا الأوّل فلم تكن هناك حاجة إلى ا لتعليل لاتفاق المذاهب على الأصل.

وأمّا الثاني: فلم يكن هناك داع لبيان كيفية الصلاة فضلاً عن بيان الإتيان بها متصلة حتّى يقع الإمام ـ عليه السّلام ـ في إطار التقيّة.

وعلى الجملة : إذا كان ملاك التقيّة هو في انطباق الكبرى على الصغرى فيسأل ما هو الداعي للإتيان بأصل الكبرى حتّى تترتّب عليه التقيّة، فانّ أصل الإتيان أمر مفروغ عنه، والكيفية لم تكن مورد الحاجة فضلاً عن بيانها بنحو يناسب التقيّة.

الجواب: أنّ زرارة كان من الفقهاء وكان يطلب من الإمام ـ عليه السّلام ـ علّة الحكم كما في الصحيحة السابقة، فجاء الإمام ـ عليه السّلام ـ بالأحكام بعللها وقد قال ـ عليه السلام ـ : «قام فأضاف إليها ركعة ولاشيء عليه» وكأنّ قائلاً قال: لماذا؟ فقال ـ عليه السلام ـ: «ولاينقض اليقين بالشكّ».

فإن قلت: لو كان الإمام ـ عليه السّلام ـ في مقام التقيّة، فهو يناسب الاختصار في الكلام، لا الإطناب والإفاضة في القول. مع أنّ الإمام ـ عليه السّلام ـ نرى أنّه يفيض في القول ويأتي بجمل ستّ أو سبع.

والجواب: أنّ الإطناب لأجل تنبيه زرارة على كيفية صلاة الاحتياط، وأنّ ظاهر «...لاينقض» وإن كان يقتضي الاتصال، لكنّه ليس بمراد بشهادة قوله ـ عليه السلام ـ: «فلايُدخل الشكّ في اليقين، ولايخلط أحدهما بالآخر...».

نعم على هذا يجب التفكيك بين المراد من اليقين والشكّ في جملة «لاينقض» والجمل التالية، فالمراد منهما في القضية الأُولى نفسهما وفي الجمل التالية: الركعة المشكوكة والركعة المتيقّنة.

هذا غاية توضيح لمقاصد الشيخ في فرائده.


(46)

2ـ إجابة المحقّق الخراساني عن الإشكال

ما أفاده المحقّق الخراساني في كفايته وقال: إنّ أصل الإتيان بالاستصحاب، غاية الأمر إتيانها بوصف الانفصال، ينافي إطلاق «النقض». وقد قام الدليل على التقييد في الشكّ في الركعة الرابعة وغيره وأنّ المشكوكة لابدّ أن يؤتى بها مفصولة.(1)

3ـ ما أفاده المحقّق النائيني:

إنّ اتّصال الركعة المشكوكة ببقيّة الركعات إنّما يقتضيه إطلاق الاستصحاب لا أنّ مدلول الاستصحاب ذلك، بل مدلول الاستصحاب إنّما هو البناء العملي على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة، وأمّا الوظيفة بعد ذلك، من الإتيان بها موصولة فهو ممّا لايقتضيه عدم نقض اليقين بالشكّ.

نعم إطلاق الاستصحاب يقتضي الإتيان بها موصولة; فغاية ما يلزم في الرواية هو تقييد قوله ـ عليه السّلام ـ :«ولاينقض اليقين بالشكّ» بفعل ركعة الاحتياط مفصولة عن سائر الركعات وقد أشار الإمام ـ عليه السّلام ـ في ذيل الرواية إلى ذلك.(2)

وما ذكره ـ قدّس سرّه ـ قريب ممّا ذكره المحقّق الخراساني فانّه قال: إنّ مقتضى الاستصحاب ليس إلاّ الحكم بعدم الإتيان وأمّا الإتيان بالركعة المشكوكة متّصلة أو منفصلة فهو خارج عن مقتضاه. وأمّا المحقّق النائيني فانّه جعل الإتيان بها متّصلة أثر إطلاق الاستصحاب المنصرف إلى كونها متّصلة، لأنّها لاتحتاج إلى قيد


1- المحقق الخراساني: الكفاية: 2/295.
2-المحقق النائيني: فوائد الأصول: 4/362ـ363.


(47)

زائد بخلاف الإتيان بها منفصلة فانّها تحتاج إلى بيان زائد.

يلاحظ على كلا التقريرين: أنّ الاستصحاب من الأُصول التنزيلية ومعناها هو تنزيل الشاكّ في الإتيان ، منزلة المتيقّن بعدم الإتيان ، فكما أنّ المتيقّن بعدم الإتيان يحكم عليه بالإتيان بالركعة متّصلة فهكذا الشاكّ فيكون الإتيان بها متّصلة مقتضى نفس الاستصحاب، لامقتضى لفظ «النقض» فقط ولامقتضى إطلاقه، بل مقتضى نفس الاستصحاب فالحكم بالإتيان منفصلة ربّما يعدّ معارضاً لمقتضاه.

نعم يمكن أن يقال: إنّ هناك تنزيلين:

1ـ تنزيل الشاكّ منزلة المتيقّن في عدم الإتيان.

2ـ تنزيله منزله في الكيفيّة.

ومقتضى إطلاق دليل التنزيل هو كلا الأمرين إلاّ أنّه ترفع اليد عن الثانية بواسطة الأخبار الواردة في بيان كيفيّة صلاة الاحتياط.

وبعبارة أُخرى: أنّ للاستصحاب أثرين: الإتيان أوّلاً، والإتيان موصولة ثانياً، فترفع اليد عن الثاني لأجل الأخبار الصريحة الواردة، فلامانع من الأخذ بالأثرين في مورد، وبالأثر الواحد في مورد آخر.

الجهة الخامسة:لزوم التفكيك في الفقرات على فرض استفادة الاستصحاب، حيث إنّه يحمل اليقين والشكّ في قوله ـ عليه السلام ـ: «لاينقض اليقين بالشكّ» وقوله ـ عليه السلام ـ : «ولكنّه ينقض الشكّ باليقين» على نفس معانيهما، أعني: الحالة النفسانية، ولكنّهما في قوله ـ عليه السّلام ـ : «ولايدخل الشكّ في اليقين» على الركعات المشكوكة والمتيقّنة نظير قوله:«ويتمّ على اليقين» حيث يحمل على الركعة المتيقّنة، وباعث التفكيك هو أنّ الإمام ـ عليه السّلام ـ كان بصدد إفادة الأمرين:البناء على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة ، وأنّه يجب الإتيان بها مفصولة.وهذا أوجب التفكيك في


(48)

الفقرات، وحمل بعضها على الحالة النفسانية والبعض الآخر على متعلّقاتها من الركعات.

الجهة السادسة: لو تمّت دلالة الصحيحة، إنّما تكون دليلاً على حجّية الاستصحاب في خصوص الشكّ في الركعات لا في عامّة الموارد.

وأُجيب بأنّه إنّما يرد إذا قرئت الجمل المتعاطفة بصيغة المعلوم فيكون اليقين والشكّ المشيرين إلى اليقين والشكّ المتعلّقين بالركعات. بخلاف ما إذا قرئت بصيغة المجهول الظاهر في أنّ المناط والملاك لعدم النقض هو ذات اليقين والشكّ وذكر المتعلّق لأجل بيان حكم المورد.

ولكن الظاهر عدم الفرق بين القراءتين والعرف يتلقّى أنّ الملاك هو صلابة اليقين ورخاء الشكّ، أعني: عدم صحّة نقض اليقين بالأمر الليّن مثل الشكّ.

أضف إليه قوله في ذيل الفقرات:«ولا يُعتدّ بالشكّ في حال من الحالات» فانّه ضابطة عامّة تعمّ جميع الموارد. فلاحظ.

هذه هي الجهات المهمّة في فقه الحديث ولنذكر كيفية الاستدلال:

المقام الثاني: في كيفية الاستدلال بالحديث

إذا عرفت ما ذكرنا تظهر كيفية الاستدلال على حجّية الاستصحاب وهو أنّ الكبرى الواردة فيها هي الكبرى الواردة في الصحيحتين المتقدّمتين، فيتّحد الجميع مفهوماً ومدلولاً وهو عدم نقض اليقين بالشكّ، واليقين السابق تعلّق بعدم الإتيان بالركعة الرابعة قبل الإتيان بالركعة المردّدة بين الثالثة والرابعة فعليه أن لاينقضه بالشكّ بالإتيان.

والمستصحب في المقام هو عدم الإتيان بالركعة الرابعة ويكفي في صحّة الاستصحاب تعلّق الأثر بالوجودي وهو نفس الركعة الرابعة الواجبة بالوجوب


(49)

النفسي ـ على ما عرفت ـ أو الضمني كما عليه القوم.

ثمّ انّ المحقّق العراقي أورد على الاستدلال بالحديث بوجهين:

الأوّل: إنّ المستصحب الذي تعلّق به اليقين والشكّ هو عنوان الرابعة المردّدة بين الشخصين، فهذا المردّد بما هو معلوم إجمالاً لا أثر له. وماله الأثر ليس إلاّ شخص المعيّن الواقعي الدائر أمره بين ما هو معلوم البقاء أو معلوم الارتفاع. وحينئذ فما هو متعلّق اليقين والشكّ هو الرابعة المردّدة بين الشخصين وهو بهذا العنوان لا أثر له، وإنّما الأثر لواقع ما هو رابعة من أحد الشخصين المعلوم ارتفاعه أو بقاؤه.

ونحن نس(1)تعين في فهم مراده بما ذكره تلميذه المحقّق الميرزا هاشم الآملي في محاضراته وهو يقرّر كلام أُستاذه العراقي.

«إنّه إذا شك بين الثلاث والأربع كان له قبل هذا الشك، اليقين بعدم الإتيان بالرابعة، فهذه الركعة إن كانت رابعة في الواقع يكون يقينه منقوضاً، وإن لم تكن الرابعة في الواقع، بل كانت ثالثة فعدم الإتيان بالرابع يكون يقينياً وعنوان الركعة لاأثر له،وشخصها يكون مردّداً بين الوجود والعدم ومن المعلوم عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردّد».(2)

يلاحظ عليه: أنّ الفرد المردّد كالحيوان المردّد بين البقّ والفيل، وإن كان غير قابل للاستصحاب، لأنّ أمره دائر بين قطعي الارتفاع والبقاء والجامع بينهما كالحيوان إنّما يجوز استصحابه إذا ترتّب عليه الأثر، وهو في المقام منتف لعدم ترتّب الأثر على الركعة المطلقة وحسب تعبيره عنوان الرابعة المردّدة.

إلاّ أنّه إذا كان تردّد ما بيده من الركعة بين الثالثة والرابعة، مبدءاً لحدوث


1-فوائد الأُصول: 4/359،قسم التعليقة.
2-الشيخ الآملي: مجمع الأفكار: 4/55.


(50)

شكّ ثان وهو أنّ المكلّف هل أتى بالركعة الرابعة الواقعية أو لا، كفى ذلك في استصحاب عدمه لترتّب الأثر على وجود الركعة الرابعة.

نعم نسلّم أنّ ما بيده لو كان ركعة ثالثة فالرابعة قطعية البقاء وإن كان رابعة فهي قطعية الانتفاء إلاّ أنّه صار ذلك سبباً للشكّ في أصل الإتيان بالرابعة الواقعية وبما أنّ وجودها منشأ للآثار يصحّ استصحاب عدمها.

الثاني: أنّ استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لايثبت أنّ ما يأتى به ركعة رابعة إلاّ بناءً على الأصل المثبت ومعه لايمكن تصحيح العمل لأنّه وإن كان إحراز أنّ المأتي به ركعة رابعة غير لازم ولكنّه بالنسبة إلى الأجزاء الأُخر كالتشهد والتسليم لازم لأنّه يشترط إحراز وقوعهما في الركعة الرابعة.(1)

توضيحه: أنّ استصحاب عدم الإتيان بالركعة لايثبت كون ما يأتى به ركعة رابعة إلاّ على القول بالأصل المثبت، وإحراز كونها ركعة رابعة بهذا الوصف، وإن لم يكن واجباً، لكنّه يجب أن يكون التشهد والسلام واقعتين في الركعة الرابعة، فإذا كان إحراز عنوان الرابعة بالأصل المثبت لاينفع في إثبات كونهما واقعين فيها، فيكون الاستصحاب مثبتاً .

يلاحظ عليه : أنّ الواجب وقوع التشهد والتسليم بعد الركعة الرابعة لا فيها. وبعبارة أُخرى: أنّ الواجب هو الترتيب في العمل أي ترتّبهما على الركعة الرابعة لا كونها طرفاً لهما. أضف إليه أنّ اللازم عندئذ جعل الرواية على حجّية الأصل المثبت بهذا المقدار الذي دلّت الرواية عليه.

4ـ موثقة عمّار

عن أبي الحسن الأوّل قال ـ عليه السّلام ـ : «إذا شككت فابن على اليقين»


1-المحقق العراقي: نهاية الأفكار:4/60.


(51)

قال: قلت: هذا أصل؟قال: «نعم».(1)

وسند الصدوق إلى عمّار صحيح. وهو أيضاً فطحي ثقة، نعم في الفقيه: وروي عن إسحاق بن عمّار المشعر بأنّ الرواية مرسلة وما ذكر في المشيخة من السند راجع إلى ما نقل عن كتابه، لاما روى عنه مرسلة.

وعلى كل تقدير فلحن الرواية يعرب عن كونها من روايات المعصومين. ولكن الكلام في دلالتها ففيها احتمالات:

الأوّل: أنّ الرواية ناظرة إلى ما عليه العامّة من البناء على الأقلّ المتيقّن عند الشكّ، على خلاف الخاصّة فهم يبنون على الأكثر، ثمّ يعالجون احتمال النقص بركعة مفصولة. وعلى هذا تكون واردة مورد التقيّة، أو محمولة على الشكّ في بعض الأفعال قبل التجاوز عنها.

لكنّه احتمال ناش من ذكر صاحب الوسائل الرواية في الباب المنعقد لخلل الصلاة، عند الشكّ في الأقلّ والأكثر.ولولا ذكره في ذاك الباب، لايتبادر ذلك المعنى إلى الذهن.

الثاني: ما اختاره الشيخ ـ قدّس سرّه ـ: من أنّ المراد هو وجوب الاحتياط وتحصيل اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر والإتيان بصلاة مستقلّة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه.

ولا يخفى ضعف الاحتمال وإن قوّاه الشيخ، لأنّ الظاهر أنّ المراد هو البناء على اليقين الموجود الفعلي وعلى ما فسّره، ليس اليقين موجوداً وإنّما سيحصّله المكلّف حسب عمله. وذكر الصدوق الرواية في باب خلل الصلاة لايثبت لها ظهوراً في هذا المورد.


1-الفقيه: 1/231 ح42، الوسائل: 5/318 ح2، الباب 8 من أبواب الخلل.


(52)

الثالث: الرواية ناظرة إلى قاعدة الاستصحاب والمراد من اليقين والشكّ ما هو المعتبر في الاستصحاب، أعني: ما يكون متعلّقهما واحداً بالذات ومختلفاً بالزمان. فلو كان متيقّناً بعدالة زيد يوم الجمعة وشاكّاً في بقائه يوم السبت فليبن على اليقين.

الرابع: ظهور الرواية في مورد قاعدة اليقين بأن يكون المتعلّقان واحدة بالذات والزمان.

ويمكن ترجيح الثالث على الرابع بوجهين:

1ـ ظاهر القضية فعلية اليقين والشكّ، وهو كذلك في الاستصحاب لا في قاعدة اليقين فانّه فيها زائل، لسريان الشكّ إلى نفس ما تعلّق به اليقين لما عرفت من اتّحادهما ذاتاً وزماناً.

فإن قلت: إنّ اليقين في القاعدة أيضاً فعلي حسب ظرفه وإطلاق المبادئ فضلاً عن المشتقّات باعتبار ظرف التلبّس والمفروض وجوده في ذلك الظرف.

قلت: نعم ولكن ظاهر الرواية كون اليقين فعلياً في ظرف البناء على اليقين لا في ظرفه الواقعي الماضي، المعبّر عنه بظرف التلبّس.

وبالجملة الظاهر أنّ الاتّصاف بكونه ذا يقين باعتبار ظرف البناء وزمانه لاباعتبار ظرف التلبّس وزمانه.

2ـ إنّ الرواية بقرينة وحدة لسانها مع سائر الروايات، ظاهرة في الاستصحاب ، أضف إليه أنّ الاستصحاب أمر ارتكازي بين العقلاء فيحمل عليه، دون قاعدة اليقين فتستفاد منها، قاعدة كلّية في جميع الأبواب.

5ـ حديث الأربعمائة

والمراد منه ما علّم أمير المؤمنين أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب ممّا


(53)

يصلح للمسلم في دينه ودنياه ورواه الصدوق بسند صحيح عن أبي بصير ومحمّد ابن مسلم في أبواب المائة فما فوقه: «إحسبوا كلامَكُمْ مَنْ أعْمالكُِمْ ، ليقلّ كلامكم إلاّ في خير، أنفقوا ممّا رزقكم اللّه عزّ وجلّ، فإنّ المنفق بمنزلة المجاهد في سبيل اللّه فمن أيقن بالخلف جادَّ وسخت نفسه بالنفقة، من كان على يقين ثمّ شكّ ، فليمض على يقينه فإنّ الشكّ لاينقض اليقين، لاتشهدوا قول الزور».(1)

والسند نقيّ إلاّ محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني والقاسم بن يحيى. والأوّل ضعّفه ابن الوليد أُستاذ الصدوق واستثناه مع عدّة تبلغ إلى 27 نفراً من رجال كتاب «محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري». ولكنّ النجاشي ردّ عليه بقوله:«وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه وتبعه أبو جعفر بن بابويه ـ رحمه اللّه ـ في ذلك إلاّ في محمّد بن عيسى بن عبيد فلا أدري ما رأيه فيه لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة».

والثاني أي القاسم بن يحيى الأشعري فضعّفه ابن الغضائري قال البهبهاني: ولاوثوق بتضعيفه وروايات الأجلّة عن مثل أحمد بن محمّد بن عيسى تشير إلى الاعتماد عليه، وقد تبع العلاّمة ابن الغضائري في تضعيفه.

والرواية معتبرة لا غبار في سندها. أمّا الدلالة ففيها احتمالان:

الأوّل : الرواية ناظرة إلى قاعدة اليقين

يظهر من الشيخ وغيره أنّ الرواية ناظرة إلى قاعدة اليقين وأيّدوه بوجوه ثلاثة:

1ـ ظهور الرواية في تقدّم اليقين على الشكّ بشهادة لفظ «كان» وهو


1-الخصال: 619، طبع الغفاري،طهران،ولاحظ الوسائل:1/ح6، الباب1 من أبواب نواقض الوضوء.


(54)

يناسب قاعدة اليقين إذ فيها يتقدّم اليقين على الشكّ زماناً، بخلاف الاستصحاب فلايشترط فيه التقدّم، بل يصحّ العكس أو حصولهما معاً كما أوضحناها.

وقد أُجيب عن هذا التأييد بوجوه:

أ : إنّ خصوصية تقدّّم اليقين على الشكّ ، ليست قيداً حتّى لاتنطبق على الاستصحاب، بل من باب الغلبة فانّه مقدّم على الشكّ فيه غالباً، وقلّما يتقدّم الشكّ أو يحصلان معاً فالقيد غالبي، لاملاكي.

ب: ما أفاده المحقّق العراقي (1) من أنّ الرواية لاتدلّ على أزيد من التقدّم، وهو أعمّ من الزماني والرتبي وعلى الاكتفاء بالرتبي، فاليقين مقدّم في الاستصحاب على الشكّ من حيث الرتبة.

يلاحظ عليه:أنّ التقدّم الرتبيّ أمر فلسفيّ لايتوجّه إليه العرف مضافاً إلى أنّ ظهوره في التقدّم الزماني لمكان قوله «ثمّ شكّ».

ج: ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ وجه تقدّم اليقين على الشكّ بملاحظة اختلاف زمان الموصوفين وسرايته إلى الوصفين لما بين اليقين والمتيقّن من نحو من الاتّحاد (2).

وحاصله: أنّ المتيقّن لمّا كان متقدّماً زماناً على المشكوك في الاستصحاب دائماً، اكتسب وصفهما، اليقين والشكّ المتعلّقان بهما، اكتساب المرأة حكمَ المرئيّ.

يلاحظ عليه: أنّه توجيه ذوقي لايستند إلى الاستظهار العرفي والأولى هو الوجه الأوّل من حيث الغلبة.

2ـ ظهور الرواية في وحدة متعلّق اليقين والشكّ من جميع الجهات ذاتاً


1- المحقق العراقي:نهاية الأفكار: 4/63.
2-المحقق الخراساني: الكفاية: 2/296.


(55)

وزماناً، وهذا ينطبق على القاعدة دون الاستصحاب لاختلافهما زماناً كما لا يخفى.

يلاحظ عليه: أنّه يكفي في الوحدة اتّحادهما ذاتاً وإن اختلفا زماناً، وليس في الحديث ما يشعر بالوحدة من جميع الجهات، ولامناص في توحيد القضيتين من إلغاء الزمان.

3ـ ادّعاء أنّ معنى قوله:«ثمّ شكّ» أي بطل اليقين وانحلّ من الأساس فينطبق على القاعدة دون الاستصحاب.

يلاحظ عليه: أنّه ادّعاء محض، فانّ الشكّ بعد اليقين يتصوّر على قسمين: فتارة بانحلال اليقين السابق، وأُخرى بالصيانة عليه والشكّ في بقائه.

الثاني: الرواية ناظرة إلى الاستصحاب

ذهب بعضهم إلى أنّها ناظرة إلى الاستصحاب وذلك لأنّ قوله ـ عليه السّلام ـ : «فليمض على يقينه» ظاهر في المضيّ على اليقين بعد فرض وجوده وانحفاظه في زمان العمل، وهذا لاينطبق إلاّ على الاستصحاب فانّ الذي يكون اليقين بالحدوث فيه محفوظاً في زمان العمل هو الاستصحاب وأمّا القاعدة فهو ينعدم فيها.

يلاحظ عليه: أنّه ليس له مثل هذا الظهور لو لم نقل بالعكس فانّ الظاهر زوال اليقين عند الشكّ لا فعليّته عنده. وأنّ المضي على اليقين باعتبار وجوده قبل الشكّ.

والظاهر أنّ هذه الوجوه لاتورث اطمئناناً. والحقّ الاستعانة في توضيح المراد منها بما ذكرنا في الموثقة السابقة من كون الصحاح السابقة، كالقرينة المنفصلة لمثل هذه الرواية ومن باب أنّ مفاد الاستصحاب أمر ارتكازيّ دون مفاد القاعدة فهي على التصريح أحوج دون الاستصحاب.


(56)

إمكان استفادة القاعدتين

وهل يمكن استفادة مفاد القاعدتين بأن يقال: من كان على يقين ثمّ شك، سواء أكان الشكّ في الحدوث أم في البقاء فليمض ولايعتنى به أبداً؟ فيترتّب أثر الحدوث في ظرف الشكّ كمايترتّب أثر البقاء فيه أيضاً.

الظاهر، لا لوضوح أنّ الرواية سيقت لجريان الوظيفة العملية في ظرف الشكّ وأنّه في ذلك الظرف يعامل مع الشاكّ معاملة المتيقّن، وهذا ينطبق على الاستصحاب بخلاف قاعدة اليقين. إذ فيها تصحيح العمل الصادر في زمن اليقين وقت الشكّ وليست فيها أيّة وظيفة عملية للشاكّ، بل أقصاها تصحيح الأعمال الصادرة في ظرفه.وعدم الحاجة إلى إعادة الصلاة والطلاق، ونفوذ شهادته وغير ذلك من الآثار المترتبة على العدالة. وهل هذا المقدار من الوظائف كاف في إعمال التعبّد أو لا ؟ فيه تأمّل، وسنرجع إلى استفادة القاعدتين من الرواية في خاتمة الاستصحاب فانتظر.

6ـ مكاتبة القاساني

وهي مكاتبة علي بن محمّد القاساني قال:كتبت إليه وأنا بالمدينة أسأله عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان هل يصام أم لا؟فكتب: «اليقين لايدخل فيه الشكّ صم للرّؤية، وأفطر للرّؤية».(1)

ومبنى الاستدلال جعل المراد من «اليقين» هو اليقين بأنّ اليوم الماضي كان من شعبان أو اليقين بعدم دخول رمضان.

وقد جعله الشيخ أظهر ما في الباب قائلاً: بأنّ تفريع تحديد كلّ من الصوم


1-الشيخ الحر العاملي: الوسائل: 7/184 ح13، من كتاب الصوم، الباب 3من أبواب أحكام شهر رمضان.


(57)

والإفطار على رؤية هلالي رمضان وشوّال لايستقيم إلاّ بإرادة عدم جعل اليقين السابق مدخولاً بالشكّ أي مزاحماً به.(1) فقوله: اليقين لايدخل فيه الشكّ أي لا يزاحمه والدخول كناية عن النقض ولعلّه لأجل أنّ دخول شيء في شيء يوجب انتقاض وحدته وتفرّق أجزائه.

أضف إليه أنّه لايحتمل فيه إرادة قاعدة اليقين، أو عهدية اللام في اليقين.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ مراجعة الأخبار الواردة في يوم الشكّ، يشرف على القطع بأنّ المراد من اليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان وأراد به أنّه يعتبر في وجوب الصوم ووجوب الإفطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه وأين هذا من الاستصحاب فراجع ما عقد في الوسائل لذلك في الباب تجده شاهداً عليه.(2)

وحاصله: أنّه يستفاد من الروايات أنّ لصوم شهر رمضان خصوصية، بها يمتاز عن سائر العبادات فانّ الصلاة تقبل الظنّ والشكّ، ولكن صوم شهر رمضان، لايقبلهما، بل يبتدئ باليقين ويختتم به .

فعن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ :«إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولابالتظنّي ولكن بالرؤية».(3)

وعن سماعة (رفاعة):صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظنّ (4) وفي كتاب علي ـ عليه السّلام ـ :«صم لرؤيته وأفطر لرؤيته وإيّاك والشّك والظنّ فإن خفي عليكم فاتمّوا الشهر الأوّل ثلاثين».

وعلى ضوء ذلك فمعنى الرواية اليقين في شهر رمضان لايدخله الشكّ بل


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد:334، طبعة رحمة اللّه.
2-الوسائل: 7/ الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.
3-المصدر نفسه: ح2، 6، 11 و غيرها.
4-المصدر نفسه: ح2، 6، 11 و غيرها.


(58)

يجب تحصيله.

يلاحظ عليه:أوّلاً: أنّه لاوجه لإرجاع هذه الرواية من حيث المفاد والمقصد إلى سائر الروايات ومجرّد نقل صاحب الوسائل الرواية في الباب الخاص لاتجعلها ظاهرة فيه.

مع أنّ حمل قوله ـ عليه السّلام ـ «اليقين لايدخل فيه الشكّ» على لزوم تحصيل اليقين في صيام شهر رمضان وعدم كفاية الشكّ، يحتاج إلى قرينة وإلاّ فالذهن الخالي عن مفاد سائر الروايات لاينتقل إلى ذاك المعنى، والظاهر أنّ القاساني لم يكن مطّلعاً على سائر الروايات حتّى يقف على هذا المعنى بقرينة منفصلة.

وبعبارة أُخرى: أنّ ظاهر قوله ـ عليه السلام ـ:«اليقين لايدخل فيه الشكّ» في مقام إعطاء الضابطة الكلّية، وهو تعبير آخر عن معنى اليقين لاينقضه الشكّ.

وثانياً:على ما ذكره الشيخ يفسّر قوله ـ عليه السلام ـ :«اليقين لايدخل فيه الشكّ»، بأنّه لاينقضه الشكّ، وهو معنى واضح وعلى ما ذكره المحقّق الخراساني يكون معناه اليوم المشكوك لايدخل في شهر رمضان ولا يجعل منه وهو خلاف الظاهر.

ثمّ إنّ المحقّق العراقي أورد على الاستدلال بها على الاستصحاب بأنّه مثبت وحاصله: أنّ الأثر (وجوب الإمساك أو الإفطار) يترتّب على كون ذاك اليوم من شهر رمضان أو كون هذا اليوم من شوّال على مفاد كان الناقصة، فيترتّب على نفي ذاك الموضوع ـ بالنفي الناقص ـ عدم ذينك الأثرين.

ولكنّه ليس لهذا النفي بهذا المفاد حالة سابقة، إذ لم يتحقّق اليوم المشكوك في ظرف من الظروف متّصفاً بأنّه لم يكن من شهر رمضان، حتّى يستصحب الموصوف بوصفه، بل كان اليوم المشكوك من أوّل تحقّقه مشكوكاً بأنّه من رمضان أو لا.

نعم عدم الموضوع على نحو النفي التام له حالة سابقة، أي لم يكن هذا


(59)

اليوم شهر رمضان، لأجل عدم وجوده، في ظرف «أمس» ولكن استصحابه لايجدي، لعدم ترتّب الأثر على مفاد كان التامّة، حتّى يستصحب عدمه ويترتّب عليه عدم الأثر (1).

يلاحظ عليه: أنّه مانع من الاستصحاب العدمي، ولايكون مانعاً من الاستصحاب الوجودي أي استصحاب بقاء شهر شعبان، فيقال: كان الزمان متّصفاً بكونه شهر شعبان والأصل بقاؤه وهكذا في اليوم المشكوك من آخر شهر رمضان فلاحظ.

7ـ صحيحة عبد اللّه بن سنان

قال:سأل أبي أباعبد اللّه ـ عليه السّلام ـ وأنا حاضر: إنّي أُعير الذمّي ثوبي وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، فيردّه عليّ، فأغسله قبل أن أُصلّي فيه؟فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : صلّ فيه ولاتغسله من أجل ذلك، فانّك أعرته إيّاه وهو طاهر، ولم تستيقن أنّه نجّسه، فلابأس أن تصلّي فيه حتّى تستيقن أنّه نجّسه».(2)

وظهوره في التمسّك بالاستصحاب لاينكر، ولم يعلِّل الإمام طهارته بعدم العلم بالنجاسة، بل بأنّك كنت على يقين من طهارة ثوبك وشككت في التنجيس، وما لم تستيقن أنّه نجّسه، لايصحّ الحكم على خلاف اليقين السابق.

والمورد وإن كان خاصّاً، لكنّه غير مخصّص، لظهور الرواية في إعطاء الضابطة مع كونه مطابقاً للارتكاز.

هذه مهمّات روايات الباب ويؤخذ روايات أُخر في مختلف أبواب الفقه


1-المحقق العراقي: نهاية الأفكار :4/65 ـ 66.
2-الوسائل: 2/1095 ح1، الباب 74، من أبواب النجاسات.


(60)

ونحن نكتفي بذلك.

الاستدلال بروايات ثلاث

نعم ربما يستدلّ بما ورد في باب طهارة ما لم يعلم نجاسته، أو حلّية مالايعلم حرمته. ولكن دلالتها قاصرة، ولابأس بالتعرّّض إليها إجمالاًً.

الأولى: ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت ، فقد قذر، ومالم تعلم فليس عليك».(1)

ولعلّ الجاري في لسان الفقهاء:«كلّ شيء طاهر» متّخذ من هذا الحديث.

الثانية: ما رواه حّماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر».(2)

الثالثة: مارواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك».(3)

فقد اختلفت الأنظار في موارد دلالة هذه الروايات وإليك استعراضها إجمالاًً:

1ـ إنّها بصدد إفادة قاعدتي الطهارة والحلّية الظاهريتين فقط.

2ـ إنّ الصدر بصدد إفادة قاعدتي الطهارة والحلّية والذيل بصدد إفادة الاستصحاب. اختاره صاحب الفصول.

3ـ إنّ الصدر لبيان الحكم الواقعي للأشياء، أعني: الطهارة والحلّية لها بما هي هي والذيل لبيان استصحاب ذاك الحكم الواقعي. اختاره المحقّق الخراساني


1-الوسائل:2/1054 ح4، الباب 37، من أبواب النجاسات.
2-الوسائل: 1/100 ح5، الباب 1 من أبواب الماء المطلق .
3-الوسائل: 12/60 ح4، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به.


(61)

في كفايته.

4ـ ما اختاره ذلك المحقّق في تعليقته على الرسائل من استفادة قواعد ثلاث: الحكم بالطهارة والحلّية الواقعيّتين والظاهريتين واستصحابهما. وإليك التفصيل:

توضيح المعنى المشهور

قد فهم المشهور أنّها بصدد إفادة قاعدة الطهارة أو الحلّية الظاهريتين ، أي المضروب على الشيء المشكوك طهارته أو حلّيته، من غير فرق بين أن تكون الغاية قيداً للموضوع أي «كلّ شيء حتّى تعلم أنّه قذر»، نظيف أو قيداً للمجعول:بأن يكون المجعول هو الطهارة والحلية المغياة بتلك الغاية.

وهذا هو المتبادر إلى الذهن، والذيل أقوى شاهد على أنّ الروايات في مقام بيان الوظيفة العملية للشاكّ، ولأجل ذلك قال:فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك، أو «حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه» والمراد أنّ الشيء المشكوك حلّيته وطهارته حكماً أو موضوعاً، طاهر وحلال.

فإن قلت: لماذا لا يحمل الصدر على بيان الحكم الواقعي فيكون مساقه مساق الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام الواقعية للأشياء بعناوينها الأوّّلية كقوله; (هو ا لذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً).(البقرة/29)

قلت: إنّ الغاية إمّا أن تكون غاية للجعل الشرعي، أو غاية للطاهر والحلال الخارجيين، والغاية في الأوّّل، هو ورود النسخ عليهما. فيرتفع المجعول لاالعلم بالقذارة والحرمة، والغاية في الثاني هو صيرورته قذراً وحراماً بالانقلاب تارة كصيرورة الخلّ خمراً أو بالتلويث والسراية كانفعال الماء القليل بالنجس. وعلى كلّ تقدير فليس العلم بالقذارة والحرمة غاية للطهارة والحلّية الواقعيتين


(62)

حكماً وموضوعاً. نعم هو غاية لهما بوصف كونهما ظاهريتين.

1ـ نظرية صاحب الفصول حول الروايات

إنّ صاحب الفصول ذهب إلى جواز استفادة القاعدتين من الرواية :قاعدة الطهارة أو الحلّية واستصحابهما وقال:إنّ الرواية تدل على أصلين :أحدهما: أنّ الحكم الأوّلي للأشياء ظاهراً هي الطهارة مع عدم العلم بالنجاسة وهذا لاتعلّق له بالاستصحاب. والثاني: أنّ هذا الحكم مستمرّ إلى زمن العلم بالنجاسة وهذا من موارد الاستصحاب وجزئياته.(1)

ويرد عليه أوّلاً: أنّ الاستصحاب عبارة عن جرّ الحكم الواقعي الثابت للموضوع بما هو هو إلى ظرف الشكّ حتّى يحصل اليقين بخلافه لاجرّ الحكم الظاهري الثابت للموضوع بما هو مشكوك الحكم كما في المقام، مثلاً لو دلّ دليل على أنّ المسوخ طاهر بالذات، وصلاة الجمعة واجبة، فإذا شككنا في برهة من الزمان في بقاء الحكمين ـ يحكم بالبقاء بحكم الاستصحاب . أمّا لو قلنا بأنّ مشكوك الطهارة والحلّية طاهر وحلال فجرّ هذا الحكم الظاهري الثابت للموضوع في ظرف الشكّ ليس استصحاباً، فكأنّه زعم أنّ كلّ استمرار استصحاب.فظهر أنّ الاستصحاب استمرار أو جرّ الحكم الواقعي الثابت للموضوع بما هو هو، لا الثابت له بما هو مشكوك كما في المقام. وعلى ذلك فلو دلّت الروايات على أنّ كلّ شيء مشكوك الطهارة والحلّ طاهر وحلال، فلايعدّ بقاؤه وإن طال استصحاباً أبداً.

وثانياً: أنّ ثبوت الحكم الظاهري في الآنات المتلاحقة يستفاد من نفس


1-نسبه رحمة اللّه الكرماني (في تعليقته على الفرائد) إلى النراقي ـ رضوان اللّه عليه ـ ولكن العبارة التي نقلها الشيخ موجودة في الفصول بتفاوت يسير فلاحظ، راجع الفرائد:335.


(63)

القاعدة أيضاً ولا يحتاج إلى الاستصحاب أبداً، لأنّه يكفي صرف الشكّ في ثبوت الطهارة والحلّية في الآنات المتلاحقة ولايحتاج إلى لحاظ الحالة السابقة، وجرّّه إلى الحالة اللاحقة، لأنّ ملاكهما صرف الشكّ وهو موجود في الآن السابق واللاحق بلاتفاوت.

ومثله باب الاشتغال ففي كلّ مورد يكفي صرف الشكّّ في ثبوت الحكم، فالقاعدة فيه حاكمة على الاستصحاب حكومة قاعدة الاشتغال على الاستصحاب، مثل حكومة قاعدتي الطهارة والحلّية على استصحابهما، فالقواعد الثلاث: الاشتغال والطهارة والحلّية، خفيفة المؤنة، يكفي في ثبوت المحمول صرف الشكّ، بخلاف الاستصحاب في مجاريها إذ يلزم وراء الشكّ، لحاظ الحالة السابقة وجرّّها، والبسيط يتحقّق قبل تحقّق المركّب.

وثالثاً: يلزم استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنيين في جانب المحمول، أعني: «طاهر» فيراد منه تارة أصل ثبوته وأُخرى استمراره بحيث يكون أصل ثبوته مفروغاً عنه (1) فلو كان قوله:«طاهر» خبراً لكلّ شيء الذي شكّ في طهارته ونجاسته، يكون بمعنى الحكم بالطهارة.وفي الوقت نفسه ـ لو كان راجعاً إلى استمرار حكم هذه القاعدة ـ يكون معناه الحكم باستمرار الطهارة التي ثبتت بقاعدة الطهارة وما هذا إلاّ استعمال اللفظ في معنيين .

اللّهمّ إلاّ أن يقدّر «وهذه الطهارة مستمرة حتى تعلم أنّه قذر» وهو خلاف الظاهر.

ورابعاً: أنّ كلاً من القاعدة والاستصحاب مغيّى بقوله :«حتى تعلم» فلو كان غاية للأ ُولى لايبقى شيء يدلّ على الاستصحاب، وإن جعل غاية للاستصحاب بتفسيره بإنّ «هذه الطهارة مستمرّة، حتّى تعلم» تبقى القاعدة


1-لاحظ: تعليقة المحقّق الخراساني:160.


(64)

بلاغاية وإن جعل بوحدته لكليهما، يلزم كون شيء واحد متقدّماً إذا كان غاية للأُولى ومتأخّراً، إذا كان غاية للثانية.

وبعبارة أُخرى: أنّ الغاية إمّا أن تكون من متمّمات القاعدة أو من متمّمات الاستصحاب وبما أنّها من متمّمات القاعدة، لايمكن أن تكون ناظرة إلى الاستصحاب وإن كان من متمّمات الاستصحاب، فتكون القاعدة بلامغيّى وليس هنا غايتان حتّى يكون كلّ متعلّقاً بواحد منهما.

وبعبارة ثالثة: أنّ الحكم باستمرار الحكم المستفاد من القاعدة، يتوقّف على تمامية القاعدة من حيث المغيّى والغاية .فلو جعلت متمّماً للقاعدة لايبقى لما يدلّ على الاستصحاب.

ولو جعلت راجعة إلى بيان الاستصحاب، يلزم إمّا جعل نفس هذا من متمّمات القاعدة فيلزم تقدّمه وتأخّره في آن واحد، وإن جعلت قرينة لتقدير غاية أُخرى فهو على خلاف الظاهر.

وقد عبّر الشيخ عن الإشكال بقوله: «بأنّه يلزم كون الغاية (حتى تعلم أنّه قذر) من حدود الموضوع وقيوده» أي كلّ شيء حتى تعلم أنّه قذر طاهر «لاغاية لاستمرار حكمه».

2ـ نظرية المحقّق صاحب الكفاية

وحاصل كلامه أنّ الأخبار تدلّ على قاعدة اجتهادية وأصل عملي فهو بصدد بيان الطهارة والحلّية الواقعيتين لذات الأشياء واستمرارها إلى العلم بالخلاف وإليك نص كلامه في الكفاية:إنّ الغاية فيها إنّما هي لبيان استمرار ما حكم على الموضوع واقعاً من الطهارة والحلّية، ظاهراً(1) مالم يعلم بطروء ضدّه أو


1-متعلّق بقوله:(استمرارها).


(65)

نقيضه لالتحديد الموضوع كي يكون الحكم بهما قاعدة مضروبة لما شكّ في طهارته وحلّيته وذلك لظهور المغيّى فيها في بيان الحكم للأشياء بعناوينها لابما هي مشكوكة الحكم.

فهو (أي الحكم بالطهارة) وإن لم يكن له بنفسه مساس بذيل القاعدة ولاالاستصحاب إلاّ أنّه بغايته دلّ على الاستصحاب حيث إنّها ظاهرة في استمرار ذاك الحكم الواقعي ظاهراً مالم يعلم بطروء ضدّه أو نقيضه كما أنّه لو صار مغيّىً بغاية مثل الملاقاة بالنّجاسة أو ما يوجب الحرمة لدلّ على استمرار ذاك الحكم واقعاً ولم يكن له حينئذ بنفسه ولابغايته دلالة على الاستصحاب.(إذ ليس كلّ استمرار استصحاباً).

ولايلزم على ذلك استعمال اللفظ في معنيين أصلاً، وإنّما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود الموضوع وقيوده غاية لاستمرار حكمه ليدلّ على القاعدة (قاعدة الطهارة) والاستصحاب من غير تعرّض لبيان الحكم الواقعي للأشياء أصلاً ووضوح ظهور مثل كل شيء حلال أو طاهر في أنّه لبيان حكم الأشياء بعناوينها الأوّلية ومثله: الماء، كلّه طاهر وظهور الغاية في كونها حدّاً للحكم لالموضوعه.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: إن أُريد من الحكم بالطهارة، الحكمُ الواقعي الكلّي، فالأحكام الكلّية من غير فرق بين الطهارة وغيرها، مغيّاة بورود الفسخ وإعلام الرفع، لا العلم بالقذارة.

وإن أُريد، الحكمُ الجزئي فغايته هو طروء القذارة، إمّا بالملاقاة على القول بانفعال الماء القليل، أو تغيّر أوصافه الثلاثة، لا العلم بالقذارة إلاّ على مذهب من


1-المحقق الخراساني: الكفاية: 2/298ـ300.


(66)

جعل العلم جزء لثبوت حكم النجاسة الواقعية وهو احتمال لم نجد من جنح إليه.

وثانياً : أنّ قوله:«طاهر» إذا كان من متمّمات الحكم بالطهارة الواقعية للأشياء يكون معناه الحكم بالطهارة، وإن كان من متمّمات الاستصحاب فيكون معناه مستمرّ. وهو عين الاستعمال في معنيين بلاقرينة.

نعم لايرد عليه الإشكال الرابع المتوجّه إلى صاحب الفصول إذ على مختاره يجب أن يكون هناك غايتان إحداهما لقاعدة الطهارة والأ ُخرى للاستصحاب. وعلى مختار المحقّق الخراساني تكفي غاية واحدة للحكم الواقعي وهو نفس الاستصحاب، ولايحتاج الحكم بالطهارة الواقعية، إلى غاية وراء الاستصحاب.

وثالثاً: ليس كل استمرار استصحاباً فلو قال: الماء طاهر حتّى يلاقي النجاسة لايعدّ دليلاً على الاستصحاب إنّما الاستصحاب هو استمرار الحكم في ظرف طروء الشكّ بعد اليقين وليس في الرواية ما يدلّ على وجود الشكّ إلاّ إطلاق قوله ـ عليه السّلام ـ :«حتى يعلم » أي سواء كان هناك شكّ أم لا إلى أن يعلم فيكون عندئذ مشعراً بالاستصحاب.

واستفادة القاعدة مبنيّة على عدم كونها كذلك، وملاحظة شيء واحد، مفروض الوجود وغيره جمع بين المتنافيين.

استفادة القواعد الثلاث من الرواية

ذهب المحقّق الخراساني إلى إمكان استفادة القواعد الثلاث من قوله ـ عليه السّلام ـ : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» وأنّ الإشكال الذي وجهّه الشيخ إلى صاحب الفصول إنّما يرد إذا جعلنا المغيى والغاية معاً دليلاً على القاعدة والاستصحاب لأنّه يلزم:


(67)

1ـ أن يكون طاهر بمعنى أصل ثبوته تارة واستمراره أُخرى.

2ـ أن تكون الغاية، غاية للحكم بثبوته مرّة، وللحكم باستمراره أُخرى، وأمّا إذا أُريد أحدهما من المغيّى والآخر من الغاية فلا.

توضيح ذلك: أنّ قوله ـ عليه السّلام ـ : «كل شيء طاهر» ـ مع قطع النظر عن الغاية ـ ، يدلّ بعمومه على طهارة الأشياء بعناوينها الواقعية كالماء والتراب وغيرهما فيكون دليلاً اجتهادياً على طهارة الأشياء، وبإطلاقه بحسب حالات الشيء التي منها حالة كونه بحيث يشتبه طهارته ونجاسته بالشبهة الحكمية أو الموضوعية،تدلّ على قاعدة الطهارة فيما اشتبهت طهارته كذلك(1).ـ إلى أن قال ـ:

وأمّا الاستصحاب فبأنّ قضية جعل العلم بالقذارة التي ينافي الطهارة، غاية لها في الرواية هو بقاؤها واستمرارها مالم يعلم بالقذارة كما هو الشأن في كلّ


1-في كلامه هنا تقريب آخر لاستفادة القاعدتين تركنا ذكره. لبعده عن الأذهان، فلاحظ إن شئت .


(68)

غاية، ولكن لو كانت الغاية من الأمور الواقعية كقولنا:«الماء طاهر حتّى يلاقي النجس» يكون مقتضاها هو استمرار المغيّى وبقاؤه واقعاً إلى زمان تحقّقها (ولاصلة له بالاستصحاب) ولو كانت هي العلم بانتفاء المغيّى، يكون مقتضاها هو بقاؤه واستمراره تعبّداً مالم يعلم بانتفائها ولانعني بالاستصحاب إلاّ ذلك.

فدلّ على ثبوت الطهارة واقعاً وظاهراً، وعلى بقائها تعبّداً عند الشكّ في البقاء من دون لزوم محذور استعمال اللفظ في المعنيين، وقد عرفت أنّ استفادة مفاد القاعدة من إطلاقه أو عمومه بضميمة عدم الفصل من غير حاجة إلى ملاحظة الغاية، واستفادة مفاد الاستصحاب من الغاية من جهة دلالتها على استمرار المغيّى كما هو شأن كلّ غاية إلاّ أنّها لمّا كانت هي العلم بانتفاء المغيّى كان مفاده استمراره تعبّداً كما هو الشأن في كلّ مقام جعل ذلك غاية للحكم من غير حاجة في استفادته إلى إرادته من اللفظ الدال على المغيّى(طاهر) وإلاّ يلزم ذلك في كلّ غاية ومغيّى كما لايخفى مثلاً«الماء طاهر حتّى يلاقي النجس» لابدّ أن يراد منه على هذا، طاهر بمعنى ثبوت الطهارة ومعنى استمرارها كليهما مع أنّه ليس يلازم لاستفادة الاستمرار من نفس الغاية كما لايخفى.(1)

ويلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ جعل القواعد الثلاث في مورد الطهارة لغو، إذ يكفي جعل الطهارة الواقعية على الأشياء عند عدم الشكّ والطهارة الظاهرية في ظرف الشكّ، ولاحاجة إلى الاستصحاب. نعم جعل الاستصحاب لايغني عن قاعدة الطهارة لإمكان عدم العلم بالحالة السابقة.

وثانياً : أنّ المراد من الإطلاق كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم وعدم مدخلية حيثية سواه وعلى ذلك فالموضوع حتّى على القول بالإطلاق الأحوالي، هو ذات الشيء لا الشيء بما أنّه مشتبه الحكم، وثبوت الحكم في ذلك الظرف ليس دليلاً على كونه محكوماً بالطهارة بهذا العنوان، وقد تكرر منّا كثيراً أنّ الإطلاق رفض القيود لا جمع القيود وإلاّ لزم تكثّر الأحكام حسب تكثّر الأحوال إذ لاتختصّ الأحوال بكونها مشتبه الحكم حتّى يكون هنا حكمان.

وثالثاً: أنّ الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري في عالم الإثبات والدلالة غير ممكن لاقتضاء الأوّّل كون الموضوع هو الشيء بما هو هو. واقتضاء الثاني كونه هو الشيء بما هو مشكوك الحكم، فيمتنع في مقام الجعل والإنشاء الإتيان بالموضوع عارياً عن القيد وجامعاً معه.

تفاصيل في حجّية الاستصحاب

قد تعرّضنا للأدلّة الدالة على حجّية الاستصحاب إجمالاً فحان وقت البحث عن مفادها تفصيلاً. وأنّها هل تدلّ على الحجّية على وجه الإطلاق أو لا ؟


1-تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 191ـ192.


(69)

أقول: إنّ القائلين بحجّيته بين مطلق ومفصّل والتعرّّض للتفاصيل التي نقلها الشيخ التي تناهز التسعة وراء القولين الدائرين بين الإثبات المطلق والنفي كذلك فصارت الأقوال أحد عشر موجب للتطويل فلنقتصر على المقدار اللازم وإليك رؤوسها:

1ـ التفصيل بين الشكّ في الرافع والشكّ في المقتضي بالالتزام بحجّية الاستصحاب في الأوّل دون الثاني وهو خيرة الشيخ الأعظم.

2ـ التفصيل في الشكّ في الرافع بين الشكّ في وجود الرافع والشكّ في رافعية الموجود بالالتزام بحجّية الاستصحاب في الأوّل دون الثاني. اختاره المحقّق السبزواري.

3ـ التفصيل في الشكّ في الرافعية بين كون مبدأ الشكّ إجمال المفهوم، كما إذا شكّ في رافعية الاستتار للنهار لأجل إجمال مفهوم الغروب فلايكون الاستصحاب حجّة فيه أو كون مبدؤه إجمال المصداق، كما إذا شكّ في رافعية البلل المشتبه لأجل تردّده مصداقاً بين البول وغيره فيكون حجّة كما عليه المحقّق الخونساري.

4ـ التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية فالاستصحاب حجّة في الأوّل دون الثاني.

5ـ التفصيل بين الحكم الشرعي المستند إلى دليل شرعي فيستصحب دون المستند إلى حكم عقلي.

6ـ التفصيل بين الأحكام الشرعية الكلّية الإلهيّة وغيرها من الأحكام الجزئيّة والموضوعات الخارجيّة فالاستصحاب حجّة في الأخيرين دون الأوّل وهو خيرة المحقّق النراقي، والمحقّق الخوئي من المتأخّرين، وعلى هذا يكون الاستصحاب قاعدة فقهية تعالج الشبهات الموضوعية نظير قاعدتي الطهارة والفراغ.


(70)

والتفصيلان الأخيران يأتي البحث عنهما في التنبيهات.

هذه هي التفاصيل المهمّة على وجه الإجمال.

فالكلام يقع في التفاصيل الأربعة:

الأوّل:

التفصيل بين الشكّ في المقتضي والرافع

ويتمّ البحث ببيان المراد من المقتضي والرافع.

قد اضطربت كلماتهم في تبيين المراد من المقتضي بوجوه وإليك بيانها:

1ـ ما أشرنا إليه عند تقسيمات الاستصحاب وهو الذي استظهره الشيخ الأعظم من كلام المحقّق في المعارج وقد قلنا إنّ محصّله هو التمسّك بإطلاق الدليل عند الشك في المقيِّد وهو ليس بمقصود في المقام.

2ـ إنّ المراد من المقتضي هو المصطلح بين أرباب المعقول من تركّب العلّة التامّة بأُمور ثلاثة: السبب، والشرط وعدم المانع، فالسبب هو المقتضي كالنّار بالنسبة إلى احتراق القطن والشرط هو الأمر اللازم في تأثير المقتضي، كالمحاذاة، وعدم المانع، ما يكون بوجوده مانعاً كالرطوبة لتأثير المقتضي.

يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك عدم جريان الاستصحاب في الأُمور العدمية التي ليس فيها عن المقتضي بمعنى السبب عين ولا أثر.

3ـ المراد منه هو الملاكات والمصالح، للأحكام الكلّية.

يلاحظ عليه: لو كان المراد ذلك يلزم سدّ باب الاستصحاب لعدم إمكان إحراز الملاك حين الشكّ في بقاء الحكم.

4ـ ما يظهر من الأمثلة الواردة للشكّ في المقتضي أو الرافع في كلمات الشيخ و تلاميذه وهو قياس الأحكام على الأُمور الكونية. فكما أنّ الأُمور الكونية


(71)

على قسمين: قسم يحرز استعداده كالشاب، القابل لأن يعيش إلى ستين وسبعين سنة، ولكن شكّ في حياته لأجل طروء الطوارئ والحوادث، وقسم يشكّ في استعداده للبقاء، كالشيخ الفاني الذي أبلته نوازل الدهر ومراراته فشكّ في بقائه لأجل الشكّ في استعدداه للحياة في هذه الفترة.

فهكذا الأحكام الشرعية فقسم منها مستعد للبقاء في طول الزمان غير زائلة إلاّ بالرافع كالملكيّة والطهارة في الوضعية، و وجوب الصلاة والصوم والحجّ في الأحكام الكلّية التكليفية فلا يزول إلاّ بالامتثال في الجزئية وبالنسخ في الكلّية، وقسم منها مشكوك البقاء لأجل الشكّ في استعداده له في الآنات المتأخّرة، كالخيار المجعول للمغبون بعد علمه بالغبن وتمكّنه من إعمال خياره، فيشكّ في بقائه لا لأجل رافع له، بل لأجل الشكّ في اقتضائه للبقاء، بعد العلم والتأخير في إعمال الخيار.

فإن قلت: هل الشكّ في حصول الغاية في النكاح المنقطع، ووجوب الصلاة المحدّد بغروب الشمس، من قبيل الشكّ في المقتضي أو من قبيل الشكّ في الرافع؟

قلت: لو شكّ في العقد المنقطع في بذل المدّة مع كونها أطول ممّا مضى فهو من قبيل الشكّ في الرافع ولو شكّ في حصول الغاية لأجل الشكّ في مقدار الأجل فهو من قبيل الشكّ في المقتضي، وأمّا مثل وجوب الصلاة، فهو من قبيل الشكّ في المقتضي سواء كانت الشبهة موضوعية كما إذا كان في السماء غيم وشكّ في تحقّق الغروب فالشكّ يرجع إلى طول اليوم وقصره أم حكمية كما إذا شكّ في أنّ المغرب يتحقّق باستتار الشمس أو بزوال الحمرة المشرقية فمآل الشكّ إلى امتداد اليوم وقصره.

وباختصار: كلّ حكم أو موضوع لو ترك لبقى إلى أن يرفعه الرافع فهو من قبيل الشكّ في الرافع، وكل حكم أو موضوع لو ترك لانتهى بنفسه وإن لم يرفعه


(72)

رافع فهو من قبيل الشكّ في المقتضي.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه ذهب الشيخ الأعظم إلى اختصاص حجّية الاستصحاب بالشكّ في الرافع دون المقتضي، وقد استدل على ذلك بالروايات الماضية وذلك بطريقين، فتارة عن طريق التمسّك بمادة النقض، وأُخرى عن طريق التمسّك بالهيئة، وإليك بيان كلا الطريقين.

أمّا الأوّل، فقال: إنّ حقيقة النقض هو رفع الهيئة الاتّصالية كما في قوله:«نقضت الحبل»، وقال سبحانه: ( وَ لا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنكَاثاً) (النحل/92) والمعنى الحقيقي في المقام ممتنع لعدم اشتمال اليقين على الهيئة الاتّصالية فلابد من حمله على المعنى المجازي. والأقرب إليه هو ما أُحرز المقتضي للبقاء فيه وشكّ في رافعه لا ما شكّ في أصل اقتضائه للبقاء مع صرف النظر عن الرافع، وبما أنّ أقرب المعاني هو الأوّّل لا الثاني، فلابد أن يحمل عليه أخذاً بقاعدة إذا تعذّرت الحقيقة (اليقين بمعناه اللغوي) فيحمل على أقرب المجازات وهو رفع الشيء القابل للاستمرار لا مطلق رفع اليد عن الشيء.

وأمّا الثاني، فقال: أنّ النهي عن انتقاض اليقين أمر غير ممكن، لانتقاضه بالشك قهراً، فلابدّ أن يتوجّه النهي إلى المتيقّن ، وقدعرفت أنّ المتيقّن على قسمين، فأقربه إلى مفهوم النقض هو ما أُحرز استعداده للبقاء، لامطلق الشيء، وإن شكّ في استعداده، وبذلك يكون النقض بمادّته وهيئته قرينة على كون الخصوص هو المراد من المتعلّق، وتكون النتيجة تحريم نقض ما كان على يقين منه، أو ما تعلّق به اليقين من حكم أو موضوع ذي حكم، فيجب أن يكون ما تعلّق به اليقين ذا اقتضاء، كالطهارة وحياة زيد.(1)

يلاحظ عليه: أنّ كلا التقريرين غيرتام، أمّا الأوّّل، فلم يثبت في اللغة كونه


1- الشيخ الأنصاري: فرائد الأُصول: 336 ط رحمة اللّه، بتلخيص وتقرير منّا.


(73)

حقيقة في رفع الهيئة الاتّصالية، حتّى لاتصحّ نسبته إلى اليقين لعدم اشتماله عليها، بل هو عبارة عن هدم الأمر المبرم والمستحكم سواء أكان أمراً حسّياً أم أمراً قلبياً، والشاهد على ذلك نسبة النقض إلى اليمين والميثاق والعهد، في الذكر الحكيم. قال تعالى: (ولا تَنْقُضُوا الأيمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)(النحل/91)، وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) (الرعد/25) وقال سبحانه: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللّهِ...) (النساء/155) حتّى أنّ الفيوميّ في المصباح المنير فسّره أحياناً بمعنى أبطل، قال:يقال:انتقضت الطهارة أي بطلت، وانتقض الأمر بعد التئامه أي فسد.

واليقين كالميثاق واليمين والعهد من الأمور النفسانية المبرمة، والمستحكمة، ولأجل ذلك لا يقابله الشكّ والظن، فهما مغلوبان ، بخلاف اليقين فانّه الغالب، وكأنّه ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ اليقين أمر مبرم كالحجر فكما أنّه لاينقضه القطن، فهكذا اليقين لاينقضه الشكّ، وعلى ذلك لاحاجة في الإسناد، إلى تفسير اليقين بالمتيقّن، حتّى يؤخذ منه أقرب المعاني إلى النقض، فنفس اليقين هو المتعلّق، وتعلّقه به حقيقي.

وأمّا الطريق الثاني، فانّ النهي عن نقض اليقين بالشكّ كما هو خارج عن الاختيار، فهكذا نقض المتيقّن فانّه إمّا هو الحكم، فنقضه وعدمه بيد الشارع، وإمّا الموضوع للحكم فهو أيضاً تابع للعلّة التكوينية كحياة زيد وبقاء الطهارة، فاليقين والمتيقّن إثباتاً ورفعاً خارجان عن الاختيار، وأمّا ما هو الداخل تحت الاختيار هو نقض اليقين بحسب ما له من الآثار من حيث البناء والعمل، فكما أنّ الإنسان المتيقّن يجري في ضوء يقينه، فهكذا يجب أن يمشي على ضوئه مع الشكّ ما لم ينقضه يقين آخر، فيجوز له الدخول في الصلاة بالطهارة المستصحبة، ويحرم تقسيم مال زيد إذا كانت حياته مشكوكة.


(74)

فإن قلت: يلزم على هذا ترتيب آثار نفس اليقين، إذا كان موضوعاً للأثر على نحو الموضوع التام وهو خلاف مورد الروايات، فانّ المقصود منها إثبات الحكم المترتّب على متعلّق اليقين كحياة زيد وطهارة نفسه عن الحدث، لا مثل وجوب التصدّق المترتّب على اليقين بالحياة ومع ذلك كيف تقول المقصود النهي عن نقض اليقين بما له من الآثار.

قلت: المقصود من ترتيب آثار اليقين هو اليقين الملحوظ مرآة وطريقاً لااستقلالياً وموضوعياً فيكون المقصود إبقاء متعلّق اليقين سواء كان حكماً أو موضوعاً لذي حكم فعند ذاك ينطبق على مورد الاستصحاب.

تقريب آخر من المحقّق الهمداني

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني أيّد تفصيل الشيخ الأعظم بوجه آخر فقال:إنّ إضافة النقض إلى اليقين في الاستصحاب ليس باعتباره وجوده السابق، بل باعتبار تحقّقه في زمان الشكّ بنحو من المسامحة والاعتبار إذ لايرفع اليد عن اليقين السابق وإن قلنا بعدم حجّية الاستصحاب، بل غاية الأمر يرفع اليد عن حكمه في زمان الشكّ (إذا قلنا بعدم حجّيته). فلابدّ في تصحيح إضافة النقض إليه بالنسبة إلى زمان الشكّ من اعتبار وجود تقديري له بحيث يصدق عليه بهذه الملاحظة أنّ الأخذ بالحالة السابقة عمل باليقين، ورفع اليد عنه، نقض له. ومن المعلوم أنّ تقدير اليقين مع قيام مقتضيه هيّن عرفاً بل لوجوده التقديري حينئذ وجود حقيقي يطلق عليه لفظ اليقين، ألا ترى أنّ العرف يقولون: ما عملت بيقيني ـ أمّا تقدير اليقين في موارد الشكّ في المقتضي فبعيد لايساعد عليه استعمال العرف أصلاً.(1)


1-المحقق الهمداني: الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية:151.


(75)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ ما ذكره خلاف ما يتبادر من صحيحة زرارة الأُولى، فإنّ الظاهر أنّها تريد التعبّد باليقين السابق المتحقق في ظرفه وتقول:«فانّه على يقين من وضوئه» و«لاينقض اليقين بالشكّ أبداً» والمراد من اليقين في الكبرى، هو اليقين السابق، لااليقين المقدّر الاعتباري.

وثانياً: أنّ مقتضى وحدة القضيتين:المتيقّنة والمشكوكة، التأكيد على اليقين الواحد لكن بإلغاء قيد الزمان والنظر إلى المتيقّن بما هو هو، من غير تقسيمه إلى مايتعلّق منه بالسابق أو اللاحق.وما ذكره من اعتبار تعدّد اليقين، كأنّه يهدم وحدة القضيتين.وتكون القضية المشكوكة ـ مع فصلها عن سابقتها ـ متيقّنة بيقين اعتباريّ ومشكوكة بشكّ حقيقي، غاية الأمر أنّ الاعتباري لاينقض بالحقيقي. وهو كما ترى.

الثاني:

التفصيل بين الشكّ في الرافع والشكّ في رافعية الموجود (1)

ذهب المحقّق السبزواري إلى أنّ اختصاص الحجّية بالشكّ، في أصل الرافع، لا في رافعية الشيء سواء أكانت الشبهة شبهة موضوعية كما دار أمر البلل بين البول والمذي أم شبهة حكمية كما إذا شك في أنّ الرعاف ناقض للوضوء أو لا. قال في وجه التخصيص ما هذا حاصله:إنّ الصحيحة تدلّ على النهي عن نقض اليقين بالشكّ وذلك إنّما يعقل في القسم الأوّل أي الشكّ في أصل الرافع دون غيره لأنّ غيره لو نقض الحكم بوجود الأمر الذي شكّ في كونه رافعاً، لم يكن النقض بالشكّ بل إنّما يحصل باليقين بوجود ما


1-عنونه الشيخ عند البحث في القول العاشر حول حجّية الاستصحاب.


(76)

شكّ في كونه رافعاً أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه لابالشكّ.(1)

ويلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ اللازم في جريان الاستصحاب بعد اليقين السابق، وجود الشكّ فيما تعلّق به اليقين وهو في مورد التفصيل موجود وإن كان مبدؤه اليقين بوجود ما يشكّ في رافعيته، لأنّه وإن تعلّق اليقين بوجود ما يشكّ في رافعيته، لكنّه غير مانع من تعلّق الشكّ ببقاء المتيقّن، فلو تيقّن بالطهارة عن الحدث وتيقّن بوجود بلل مردّد بين البول والمذي. حدث عند ذاك في ذهنه، الشكّ في بقاء الحالة السابقة وهو كاف في صحّة الاستصحاب، والنهي عن نقضه بالشكّ.

وأمّا اليقين بوجود ما يشكّ في رافعيته، فهو منشأ لحدوث الشكّ لأنّ الشكّ من الطوارئ التي يطلب لنفسه سبباً وعلّة، وليس له منشأ سوى هذا اليقين.

ثانياً: أنّ اليقين الناقض عبارة عن تعلّقه بما هو ناقض، وليس المقام كذلك، لأنّ اليقين الأوّل تعلّق بالطهارة عن الحدث، واليقين الثاني تعلّق بوجود شيء، يشكّ في رافعيته، وليس مثل هذا اليقين ناقضاً لليقين الأوّّل. كما أنّه ليس مصداقاً لقوله:بل تنقضه بيقين آخر.

ثالثاً: أنّ قوله: باليقين بوجود ما يشكّ في كونه رافعاً، يشتمل على مغالطة، فإنّ اليقين بالموضوع، أعني: البلل، غير ناقض لليقين ولايورث إلاّ الشكّ، وأمّا كونه رافعاً أو لا، فهو أمر مشكوك لايصحّ أن ينقض به اليقين السابق. فأين هذا من قبيل نقض اليقين باليقين؟!

وباختصار: اليقين بالموضوع لاصلة له بالبحث.وأمّا وصفه فهو مشكوك لايصلح للنقض فلا وجه لإخراج المورد عن تحت الأدلّة.


1- الشيخ الأنصاري: الفرائد: 362، عند بيان القول العاشر .


(77)

الثالث:

التفصيل في خصوص رافعية الشيء الموجود
بين الموضوعية والحكمية(1)

قد عرفت أنّ الشيخ خصّ الحجّية بالشكّ في الرافع دون الشكّ في المقتضي كما أنّ المحقق السبزواري أخرج الشك في الرافعية عن تحت الأدلّة وخصّها بالشكّ في أصل وجود الرافع.

وأمّا المحقّق الخونساري، فهو يفصّل في الشكّ في الرافعية ، بين ما كان الشكّ في رافعية شيء مستنداً إلى الأمور الخارجية فيقول بحجّية الاستصحاب فيه لا ما إذا كان الشكّ في رافعيته مستنداً إلى إجمال مفهوم الرافع.فلايقول بحجّيته فيه وإليك المثالين:

إذا علمنا أنّ البول ناقض والمذي ليس بناقض و دار أمر البلل بين كونه بولاً أو مذياً، فالشكّ في رافعية الأمر الموجود ليس مستنداً إلى إجمال مفهومي البول أو المذي، بل إلى ضعف الحس والتشخيص. فيصحّ استصحاب الطهارة.

وأمّا إذا علمنا أنّ الغروب غاية لوجوب الصلاة، و دار مفهومه بين كونه مجرّّد الاستتار أو هو مع زوال الحمرة المشرقية، فالشكّ في رافعية مجرّد الاستتار وسقوط القرص، ناشئ من إجمال مفهوم الغروب رافعاً وغاية فاستصحاب النهار ليس حجّة. ولايترتّب عليه أثر النهار وقس عليه النظائر.

وقد نسبه الشيخ إلى المحقّق الخونساري والتصديق بصحّة النسبة يحتاج إلى المراجعة والدقّة في العبارات التي نقلها عنه الشيخ الأعظم عند التعرّض للقول الحادي عشر.


1-عنونه الشيخ عند البحث في القول الحادي عشر حول حجّية الاستصحاب.


(78)

وعلى أيّ تقدير سواء أقال به المحقّق الخونساري أم لا فهذا التفصيل وجيه:

أمّا وجه التفصيل: ـ بعد القول بجريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية الكلّية وإلاّ فعلى القوم بعدم جريانه فيها لاحاجة للبحث عن هذا القسم خصوصاً ـ فهو أنّ مصبّ الاستصحاب كما هو الواضح من الأمثلة الواردة في الصحاح وألسن العلماء، هو رفع الإبهام عن الخارج فإذا كان حياة زيد كبقاء طهارته مشكوكين يرفع به الإبهام عنهما ويحكم ببقائهما، وأمّا إذا انعكس الأمر فكان الخارج واضحاً كلّ الوضوح وكان الإبهام هناك في نقطة أُخرى كإبهام المعنى اللغوي للفظ فلايستخدم الاستصحاب لرفع الشكّ عنهما، وذلك لأنّ وضع الخارج معلوم جدّاً وهو أنّه سقط القرص واستتر، والحمرة المشرقية بعدُ باقية، وإنّما الشكّ في موضع آخر لاصلة له بوضع الخارج وهو أنّ الموضوع له للفظ الغروب، هل هو مجرّد الاستتار أو هو بضميمة زوال الحمرة، فالترديد في سعة الموضوع له أو ضيقه صار سبباً للشكّ في بقاء النهار فبما أنّ مبدأ الشكّ في بقاء النهار حقيقة، لايرجع إلى إبهام الوضع الخارج، بل إلى وجود الإبهام في سعة الموضوع له وضيقه ففي مثله لايستخدم الاستصحاب.

ومثله ما إذا علمنا أنّ زيداً كان عالماً وطرأ عليه النسيان، فشكّ في كونه مصداقاً للعالم أو لا فلايصحّ استصحاب صدق العالم عليه قبل عروضه، وذلك لأنّ وضع الخارج وكيفيته معلوم وهو أنّ زيداً كان عالماً وطرأ عليه النسيان وإنّما الشكّ في سعة الموضوع له وضيقه، فبما أنّ منشأ الشكّ في كون زيد عالماً ليس إبهام الخارج، بل إبهام أمر الواضع، فلايصحّ استصحاب صدق العالم وترتيب أثره عليه.

وبالجملة: يجب أن يكون إبهام الخارج منشأ للشكّ، لاشيء آخر، وفي مثل الثاني لايصحّ استصحاب النهار أو صدق العالم وترتيب آثارهما من كون الصلاة


(79)

أداء و وجوب تكريمه، وغيرهما لأنّه خلاف المنصرف من أدلّته .

الرابع:

التفصيل بين التكليفية والوضعية

نقل الشيخ عن الفاضل التوني التفصيل بين الأحكام الوضعية والتكليفية ، والتفصيل مبنيّ على عدم كون الأحكام الوضعية مجعولة شرعاً فلأجل ذلك ينبغي البحث عن كونهما قابلتين للجعل مطلقاً أو عدم كونهما قابلتين لذلك كذلك، أو التفصيل بين أقسامها وبذلك يعلم قيمة التفصيل.

ولابأس بتوضيح معنى الحكم، وتبيين المعنى المشترك بين التكليفية والوضعية فنقول:

قال في المقاييس: الحكم له أصل واحد وهو المنع، وسميت حَكَمة الدابة لأنّها تمنعها، قال جرير:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إنّي أخاف عليكم أن أغضبا

والحكمة هذا قياسها، لأنّها تمنع من الجهل.(1)

ويظهر منه أنّ سائر ما يستعمل فيه ذلك اللفظ بصوره المختلفة يرجع إلى هذا المنع حتّى توصيفه سبحانه بالحكيم ، وتوصيف فعل القاضي بالحكم، فإذا كان الحكيم من يحسن دقائق الصناعات ويتقنها، فهو بعمله يمنع عن تطرّّق الفساد إليه كما أنّ القاضي بحكمه يمنع المتخاصمين عن الانحراف والزيغ.

وسمّى الوظائف المقرّرة من الشرع حكماً، لأنّ التشريع ، يمنع المكلّف عن الجنوح إلى غيره، فإطلاقه على التكليفية واضح وأمّا إطلاقه على الوضعية كالوكالة


1-ابن فارس: المقاييس: 2/91.


(80)

والجزئية فلأجل أنّ كلّ مقرّر شرعي، تحديد للوظيفة ومنع للمكلّف عن التخلّي عنها.

وإن أبيت عن عدم صدق الحكم بمعنى المنع على جميع الأحكام الوضعية، فلامناص من القول: بأنّ الإطلاق لأجل كون الحكم بمعنى الفصل والقضاء، والأحكام حتّى الحكومة والولاية والخلافة والإمامة، حتّى المهيّات المخترعة من الصلاة والصوم، ممّا حكم به الشارع وقضى به فانّ صيرورة الأجزاء المختلفة صلاة، والإمساك من الأمور المفطرة صوماً، بحكم الشارع وتقريره، فإطلاق الحكم على الجميع بمعنى واحد، وهو القضاء والقول الفصل الموجود في كلا القسمين.

أمّا الفرق المفهومي بين الحكمين فهو أنّ كل حكم يشمل على البعث والزجر الأعم من المنع عن الخلاف أو لا، أو على جعل الترخيص، فهو حكم تكليفي، وما عداه ممّا يرجع بنحو إلى المكلّف إمّا إلى فعله كأجزاء الصلاة أو متعلّق فعله كطهارة الماء، فهو حكم وضعيّ، هذا كلّه حول الفرق المفهومي.

وأمّا الفرق المصداقي، فكلّ حكم وضعي يستتبع حكماً تكليفاً، حتّى الوكالة، وأمثالها. إذ يجوز معها بيع مورد الوكالة، أو عقده من الغير، فضلاً عن مثل الزوجية، ولاعكس، إذ ربّما يتحقّق حكم تكليفي، بلا وضعيّ كما في الأنهار الكبيرة التي يملكها الأفراد فانّه يجوز للناس، الانتفاع منها. من دون تملّك شيء منه.

إذا عرفت هذا فيقع الكلام في كون الوضعيات من الأحكام، مجعولة أو منتزعة من التكليفيات أو التفصيل. وتظهر الثمرة في جواز استصحابها على القول بكونها مجعولة بالأصالة أو منتزعة من التكليفيات. بخلاف ما إذا كانت غير قابلة للجعل.


(81)

وقد عرفت أنّه يشترط في الاستصحاب كون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي وإلاّ فأدلّته قاصرة عن شموله لغير هذين.

إذا عرفت هذا: فاعلم أنّ المحقّق الخراساني جعل الأحكام على أقسام ثلاثة:

فالأوّل: ما لاتناله يد الجعل لاتبعاً ولا استقلالاً ، والثاني: ما تناله يد الجعل لكن تبعاً لا استقلالاً ويكون منتزعاً من الحكم التكليفي، والثالث: ما تناله يد الجعل استقلالاًً، وتبعاً وانتزاعاً (1) وإليك تحليل كلامه في الأقسام الثلاثة :

القسم الأوّل:

ما لاتناله يد الجعل مطلقاً

إنّ سببية التكليف وشرطيّته ومانعيّته ورافعيّته لما هو سبب التكليف وشرطه ومانعه و رافعه ممّا لا تناله يد الجعل مطلقاً، و ذلك لأنّ اتّصاف هذه الموضوعات بهذه العناوين متقدّم على التكليف وهو متأخّر عنها ذاتاً وحدوثاً، كما في الشرطيّة والسببيّة وارتفاعاً كما في المانعيّة. وذلك لأنّ اتّصاف هذه الموضوعات بهذه العناوين لأجل الخصوصية التكوينية الموجودة فيها، للزوم وجود الرابطة بين السبب (دلوك الشمس) والمسبّب (وجوب الصلاة عنده) وتلك الخصوصية لاتكاد توجد فيها بمجرّد إنشاء مفاهيم هذه العناوين ضرورة بقاء الدلوك على ما هو عليه قبل إنشاء السببيّة له، من كونه واجداً لخصوصية مقتضية لوجوبها أو فاقداً لها، وأنّ الصلاة لاتكاد تكون واجبة عند الدلوك مالم يكن هناك مايدعو إلى وجوبها ومعه تكون واجبة لامحالة وإن لم تنشأ السببيّة (للدلوك أصلاً).(2)


1-سيوافيك أنّ هذا القسم مجرّد تصور عند المحقّق الخراساني والمختار عنده عدم قبوله الجعل التبعي وإنّما يقبل الاستقلالي فقط.
2-المحقق الخراساني: الكفاية 2/303.


(82)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ـ قدّس سرّه ـ : من أنّ توصيف أشياء بعنوان السبب والشرط والمانع لأجل اشتمال ذواتها على خصوصية تكوينية إنّما يتمّ في الأسباب التكوينية، فانّ سببيّة النار للإحراق لاتحصل بمجرّد إنشاء مفهوم السببيّة، مالم يكن بينها وبين الإحراق رابطة، وخصوصية تقتضي الإحراق.ففي مثل ذاك المورد يتمّ قوله:السببيّة متقدّمة على الأثر ـ أي الإحراق ـ فكيف تنتزع منه، إذ أنّ السببيّة لأجل أنّ النار مشتملة على خصوصية تكوينية، وتلك الخصوصية لاتتحقّق بالإنشاء ضرورة بقاء النار عليها قبل الإنشاء وبعده.

وأمّا الأسباب الاعتبارية ، فلايراد منها إلاّ كون الشيء موضوعاً للحكم، فالدلوك موضوع لوجوب الصلاة كما أنّ قوله:أنتِ طالق، موضوع لحلّ عقدة الزوجيّة، أو قوله:«بعت واشتريت» موضوع للتمليك، ولكن سببيّة كلّ منها لمسبباتها ليست أمراً تكوينياً بل اعتبارياً، بلحاظ الشارع أو المقنن العرفي، فلولا الاعتبار لما صحّ إطلاق السبب عليها فكيف بالسببيّة، فإذا كانت السببيّة في هذه الموارد باللحاظ والاعتبار، يصحّ جعلها مستقلّة، كأن يقال:جعلت الدلوك سبباً لوجوب الصلاة ـ عند اجتماع سائر الشرائط ـ أو قول الزوج «أنتِ طالق» سبباً لحلّ علقة الزوجيّة، كما يصحّ انتزاعها، من إيجاب الصلاة عنده والحكم بحلّها عند التنطّق بها.

ويرشدك إلى كون سببيّة هذه الأُمور قائمة بالاعتبار أمران:

الأوّل : أنّ التنطق بهذه الأسباب ليس مؤثّراً شرعاً قبل تصويب الشارع، أو عرفاً قبل تصويب العقلاء وذلك آية كونها أمراً مجعولاً.

الثاني: أنّ الوجوب والملكيّة وحلّ العقد من الأُمور الاعتبارية، فيجب أن يكون سببيّة أسبابها أيضاً أُموراً اعتبارية، لاتكوينية، لامتناع كون التكوين سبباً حقيقياً للاعتبار، مالم يقع التكوين في إطار الاعتبار، و لامعنى لكون التكوين سبباً


(83)

حقيقياً للأمر الاعتباري فلاحظ.

ولو تمّ ما ذكره لتمّ في مثل العقل الذي هو شرط البعث الجدّي النفساني، أو النوم والإغماء اللذين هما من موانع التكليف، بمعنى إرادة البعث النفسانية لاالتكليف الاعتباري الإنشائي.

نظرية المحقّق النائيني

ثمّ إنّ المحقّق النائيني قال بامتناع جعل السببيّة أيضاً، لكن ببيانين آخرين:

1ـ لو قلنا بجعل السببيّة في التكليف كجعل السببيّة للدلوك، أو في الوضع كجعلها للعقد المركّب من الإيجاب والقبول، يلزم أن لايكون الوجوب في الأوّل والملكية في الثاني فعلاً إختيارياً للشارع، بل كانا من الأمور الحاصلة قهراً بلاإنشاء من الشارع، فانّ ترتب المسبّب على سببه أمر قهري لايعقل فيه التخلّف ولايمكن أن يدخله الاختيار.

2ـ إنّ المجعول إنّما هو ذات السبب، وأمّا السببيّة فهي من لوازم ذاته كزوجية الأربعة فانّ السببيّة عبارة من الرشح والإفاضة القائمة بذات السبب التي تقتضي وجود المسبّب، وهذا الرشح والإفاضة من لوازم الذات لايمكن أن تنالها يد الجعل التكويني فضلاً عن الجعل التشريعي، بل هي كسائر لوازم الماهيّة، تكوينها إنّما يكون بتكوين الماهيّة وإفاضة الوجود إلى الذات، فعلّية العلّة وسببيّة السبب كوجوب الواجب وإمكان الممكن وامتناع الممتنع، إنّما تكون من خارج المحمول، تنتزع عن مقام الذات ليس لها ما بحذاء، لا في وعاء العين ولافي وعاء الاعتبار.فالعلّية لاتقبل الإيجاد التكويني فضلاً عن الإنشاء التشريعي.(1)


1-المحقق النائيني: فوائد الأُصول :4/394ـ395


(84)

أقول: يرد على البيان الأوّل: أنّ الكلام في إمكان الجعل وعدمه وما ذكره لايثبت إلاّ عدم الوقوع، لأنّ القول بجعل السببيّة، يستلزم الغناء عن جعل المسببّات والأحكام مع أنّ الواقع خلافه وهذا كما ترى لايدلّ على امتناع جعلها.

وعلى ما أفاده أخيراً، أوّلاً: أنّ كون السببية من لوازم الذات كزوجية الأربعة التي تكوينها بإفاضة الوجود إلى ذات العلّة إنّما يصحّ في العلل التكوينية فالجاعل يجعل النار، لا سببيّتها للإحراق، لأنّ سببيّتها أمر قهري وتنتزع من جعل الموضوع، كالإمكان المنتزع من مقام الذات، وأمّا الأسباب الاعتبارية، فجعل ذات السبب، بلااعتبار وصف السببيّة له، لايصحّ انتزاعها من مقام ذات المسبّب ولايغني جعله عن جعلها، ولامناص عن أحد أمرين:

1ـ جعل السببيّة للدلوك أو العقد المركّب من الإيجاب والقبول، كأن يقول:جعلت الدلوك سبباً لوجوب الصلاة، والعقد سبباً للملكيّة، فعندئذ يغني جعلها عن جعل التكليف والوضع. أي الوجوب والملكيّة.

2ـ جعل المسبّب من الوجوب والملكيّة، كما قال سبحانه:(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيلِ) فتكون السببيّة أمراً انتزاعياً مجعولاً بالتبع، كما أنّها على الأوّل يكون أمراً مجعولاً أصالة.

وثانياً: أنّ ما ذكره من كون السببيّة من قبيل لوازم الماهيّة ومن الخارج المحمول، قريب ممّا أفاده المحقّق الخراساني من كون السببيّة من الخصوصيات التكوينية الموجودة في الأسباب تكويناً وإيجاد الأسباب جعل لهذه الخصوصية تكويناً. ومثل ذلك لا يحتاج إلى الجعل الاعتباري لأنّ مناط الجعل هو الفقر والحاجة، وما هو موجود تكويناً وعيناً لاحاجة له إلى الجعل والاعتبار.

والكلّ من قبيل خلط الأُمور الاعتبارية بالتكوينية وكم له من نظير في العلوم العربية والإنسانية، فلعلّ كان الهدف في بدء الأمر من هذا التشبيه،


(85)

هو التقريب والتمثيل إلى أن صار أصلاً في الفقه والأُصول وبعض العلوم. وأوّل من نبّه على لزوم التفكيك، هو المحقّق الاصفهاني في تعاليقه على الكفاية وأوضحه تلميذه الجليل العلاّمة الطباطبائي، وألّف كتاباً خاصاً في الحقائق والاعتباريات.وإن كانت للمسألة جذور في الفلسفة المتعالية.

القسم الثاني:

ما تناله يد الجعل تبعاً لااستقلالاً

إنّ القسم الثاني عبارة عن الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة والقاطعيّة، لما هو جزء المكلّف به وشرطه ومانعه وقاطعه، فقد اختار أنّه لايتطرّق إليها الجعل التشريعي بالأصالة.فلايصحّ جعلها ابتداء. وإنّما يجعل تبعاً للأحكام التكليفية ـ قال في وجه ذلك: ـ إنّ اتّصاف شيء بجزئيّة المأمور به أو شرطيّته أو غيرهما لايكاد يكون إلاّ بالأمر بجملة أُمور مقيّدة بأمر وجودي أو عدميّ، ولايتّصف شيء بذلك أي كونه جزءاً أو شرطاً للمأمور به إلاّ بتبع ملاحظة الأمر بما يشتمل عليه مقيّداً بأمر آخر، ومالم يتعلّق به الأمر كذلك لما صحّ وصفه بالجزئيّة أو الشرطيّة وإن أنشأ الشارع له الجزئيّة أو الشرطيّة.

وجعل الماهيّة وأجزائها ليس إلاّ تصوير مافيه المصلحة المهمّة الموجبة للأمر بها. فتصوّرها بأجزائها وقيودها لايوجب اتّصاف شيء منها بجزئيّة المأمور به أو شرطيّته قبل الأمر بها، فالجزئيّة للمأمور به أو الشرطيّة له إنّما ينتزع لجزئه أو شرطه بملاحظة الأمر به بلاحاجة إلى جعلها له، وبدون الأمر به لا اتّصاف بها أصلاً وإن اتّصف بالجزئيّة أو الشرطيّة للمتصوّر.(1)

وحاصل ما أفاده : أنّ أمر هذه الأُمور دائر بين كون الجعل فيها محالاً، أو


1- المحقق الخراساني: الكفاية:2/305.


(86)

تحصيلاً للحاصل، فلو استقلّ بالجعل قبل الأمر بالمأمور به فهو محال، لعدم اتّصاف الأجزاء بالمأمور به قبل الأمر ولو قام بالجعل بعد الأمر بالكلّ، فهو أمر لغو ، وتحصيل للحاصل لاتّصافها بها بعد الأمر بالكلّ.

يلاحظ عليه: أنّ البحث أشبه بالنزاع اللفظي فانّ فرض جعل الجزئيّة للشيء بما أنّه جزء للمأمور به بالفعل، قبل الأمر بالمأمور به، أشبه بفرض المتناقضين، فانّ التناقض محال في التكوين وفرضه في الأُمور الاعتبارية وإن كان غير محال، لكنّه لغو، لايعتدّ به عند العقلاء، ولو كان الكلام في هذا الفرض لاشكّ أنّه يجوز جعلها مستقلاّ ً قبل الأمر بالمأمور به بشرط أن يقول:جعلت الحمد جزءاً للصلاة التي سوف آمر بها.

ولو سلّمنا كون النزاع في نفس ما ذكره فللجاعل، أن يأمر بشيء له أجزاء ثمانية ، ثمّ يضيف إليه ، جزءاً تاسعاً وعاشراً سواء أكان الأمر والنهي بلسان التكليف الإرشادي إلى الجزئيّة والمانعيّة مثل قوله سبحانه:(وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (1) وقوله ـ عليه السّلام ـ : «لاتصلّ في وبر ما لايؤكل لحمه»، أم كان جعل الجزئيّة والمانعيّة رأساً كأن يقول: التوجّه إلى شطرالمسجد الحرام جزء، أو وبر ما لا يؤكل لحمه مانع، وبما أنّ الأمر الأوّل تعلّق بثمانية أجزاء، لايمكن أن يقال: إنّ جزئيّة التوجّه إلى القبلة أو مانعيّة وبر ما لا يؤكل لحمه ينتزعان من ذلك، لأنّ الأمر الأوّل قاصر عن الشمول لما أُضيف إليه أخيراً.

نعم لو لم يكن في المقام أمر ما، بعدّة أجزاء، لايكون للجزئيّة والشرطيّة مفاد إلاّ تصوّّر ما فيه المصلحة المهمّة الموجبة للأمر بها. وأمّا إذا تعلّق الأمر بشيء إجمالاًً، فيمكن جعل الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة لما لم يقع تحت الأمر ابتداء.


1-البقرة/144.


(87)

فإن قلت: إنّ المقرّر في محلّه هو أنّ جعل الأُمور الانتزاعيّة بجعل مناشئها كالفوقيّة والتحتيّة المجعولتين بجعل الفوق والتحت ولاتنالهما يد الجعل استقلالاً أبداً.

قلت: نعم ولكنّه مخصوص بالمنتزعات في الأُمور التكوينيّة فإيجاد الفوق يغني عن إيجاد الفوقية.ومن المعلوم أنّ مناط الجعل هو الفقر والحاجة وهو غير موجود بعد جعل المنشأ، وأمّا جعل الأُُمور الاعتبارية فيمكن انتزاعها من الأمر بالكلّ، كما يمكن جعلها أصالة على ما عرفت.

القسم الثالث:

ما تناله يد الجعل استقلالاً

ربّما يقال: هناك عدّة أُمور صالحة لكلا الجعلين الأصلي والتبعي، فيصحّ جعلها مستقلاّ ً كما يصحّ انتزاعها من الأحكام والآثار الشرعيّة الموجودة في مواردها كالقضاء والولاية والنيابة والحرّية والرقّية والزوجيّة والملكيّة.

لكنّه اختار ـ قدّس سرّه ـ أنّها مجعولة مستقلّة، وليست منتزعة عن الأحكام حتّى تكون جعلها تبعاً. واستدل على ذلك بأُمور:

1ـ إنّه يصحّ انتزاع الملكيّة والزوجيّة والطلاق والعتاق بمجرّد العقد أو الإيقاع ممّن بيده الاختيار بلاملاحظة التكاليف والآثار ولو كانت منتزعة عنها لما كاد يصحّ اعتبارها إلاّ بملاحظتها.

2ـ للزم أن لايقع ما قصد، ووقع مالم يقصد.لأنّ المقصود في العقود والإيقاعات إنشاء نفس هذه المفاهيم وحصولها، لا آثارها.

3ـ لايصحّ انتزاعها عن مجرّد التكليف في موردها فلاينتزع الملكيّة عن إباحة التصرّفات، ولا الزوجيّة من جواز الوطء وهكذا سائر الاعتبارات في العقود


(88)

والإيقاعات.(1)

تحقيق في القسم الثالث

لاشكّ أنّ الخلافة والحكومة والقضاء والولاية وأمثالها قابلة للجعل الاستقلالي كما هو الظاهر من الكتاب والسنّة قال سبحانه: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ ولاتَتَّبِعْ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ) (ص/26). وقال الصادق ـ عليه السّلام ـ في رواية أبي خديجة: «فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً».(2) وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه».(3)

وأمّا الزوجيّة والملكيّة فلايصحّ انتزاعهما من الآثار الموجودة في موضعهما كجواز الوطء، لأنّ بين الأمرين والأثرين عموماً من وجه، فلايصحّ جعل الثاني منشأ للأوّل، لأنّ جواز الوطء أعم من الزوجيّة كما في الأمة المحلّلة، كما أنّ الزوجيّة لاتلازم جواز المسّ كما في الزوجة الصغيرة.ومثله الملكيّة بالنسبة إلى جواز التصرّف فربّما يجوز التصرّف بلاحدوث ملكيّة كما في الأكل من البيوت الواردة في قوله سبحانه: (ولاعَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ...)(النور/61). وربّما يكون على العكس فيكون هناك ملكيّة من دون جواز التصرّف كما في تصرّف الصغير والسفيه والمفلس وغيرهم.

فلأجل ذلك لامحيص من القول بكونهما مجعولين أصالة واستقلالاًً.

وأمّا الضمان والكفالة فلاشكّ في إمكان جعلهما أصالة، قال سبحانه حاكياً عن قول القائل: (وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ) (يوسف /72).


1- المحقق الخراساني: الكفاية: 2/306.
2- الشيخ الحرّ العاملي: الوسائل: 18/4 ح5، الباب 1،من أبواب صفات القاضي، وص100ح 6، والباب 11 منها .
3-حديث متواتر مثل قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يا علي أنت وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة».


(89)

نعم: بعض الأحكام الوضعية ربّما تكون مجعولة من جانب الشرع مسبوقةً بفعل تكويني أو بسبب اعتباري كالعقد، فالأوّّل كجعل الضمان بعد التلف عن تقصير أو الإتلاف، وكحقّ السبق والتحجير عند تحقّقهما ومالكيّة الرهان بعد السبق بالخف والحافر، أو الإصابة للهدف في الرماية بالسهم ، والملكيّة بعد الإحياء.

والثاني كالضمان بعد عقده، والكفالة بعد إنشائها .

بقي هنا أُمور لابدّ من التنبيه عليها:

1ـ إنّ الحجّية بمعنى إفاضة صلاحية الاحتجاج للشيء، بعد مالم يكن حجّة، ممّا تصحّ جعلها مستقلاً، فإذا قال: خبر الثقة حجّة، أو ما أدّيا عنّي، فعنِّي يؤدّيان، فقد جعله حجّة على وجه الاستقلال، كما يصحّ انتزاعها من جعل الآثار الملازمة لحجّيته، كإلزام العمل به والإجزاء في مقام الإطاعة.

2ـ إنّ التنجّز والتعذّر من الأحكام العقليّة ، فلو كان البيان واصلاً، يكون الحكم منجّزاً ولايمكن أن لايكون منجّزاً إذا كان البيان واصلاً، ومعه لاحاجة إلى جعله، وإن لم يكن واصلاً، فلايتنجّز بحكم العقل فالتنجّز وعدمه يدوران مدار الوصول وعدمه.

3ـ الكاشفية والطريقية من الأُمور التكوينية لاتنالها يد الجعل لاأصالة ولاتبعاً. ولامعنى لاعتبار الطريقية لما ليس طريقاً ، أو لتتميم كاشفيته أو طريقيته اعتباراً، وإن كان الاعتبار خفيف المؤنة. ولكنّه لاينفكّ عن ملاك عقلائي.

4ـ الطهارة والنجاسة تطلقان على النظيف والقذر بالذات، فهما بهذا المعنى من الأُمور التكوينية الخارجة عن حدود الجعل الاعتباري، قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنَا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) (الفرقان /48).

وقال سبحانه: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة/57). وأمّا الطهارة


(90)

والنجاسة الشرعيّتان، فهما أعمّ من النظيف والقذر بالذات فقد حكم الشارع بطهارة ما يعدّ قذراً عند العرف كطهارة عرق البدن والديدان والوذي والمذي، والدم المتخلِّف في عروق الحيوان، وهذا يكشف عن أنّ الطهارة عند الشرع أوسع بما عند العرف، كما أنّه حكم بنجاسة ما لايعدّه العرف قذراً كنجاسة الكافر وأولاده وإن كانوا نظفاء، ونجاسة الخمر. وهذا يكشف عن كون دائرة النجاسة الشرعية أوسع من القذر ذاتاً، فلامحيص عن القول بجعلهما إمّا أصالة أو بتبع آثارهما.

5ـ: الصحّة فيما إذا كان المأتي به مطابقاً للمأمور به يكون أمراً عقليّاً لاشرعيّاً، وأمّا في ما عداه فهي قابلة للجعل الاستقلاليّ كما في العمل المأتي به بالأمر الظاهري مثل مجاري قواعد الفراغ والتجاوز والصحّة، فإنّ الظاهر من قوله ـ عليه السلام ـ :«كلّما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّراً فامضه ولاإعادة عليك فيه».(1) «وهو جعل الصحّة للعمل المشكوك إذا تجاوز المصلّي عن محلّه كما يصحّ انتزاعها من نفس العمل إذاكان مأموراً به، كما هو الحال في العبادات والمعاملات المأتي بهما بالأمر الواقعي.

6ـ أمّا الرخصة والعزيمة فالظاهر أنّهما أمران انتزاعيان من حكم الشارع بجواز الترك أو لزومه، فالأوّل كسقوط الأذان والإقامة لمن دخل المسجد وقد تمّت صلاة الجماعة. والثاني كسقوط الركعتين في حال السفر.

وحصيلة البحث أنّه لافرق في جريان الاستصحاب بين الأحكام التكليفيّة والوضعيّة، لأنّ الكلّ إمّا مجعولات شرعيّة أو منتزعة من الأحكام التكليفيّة، ويكفي في صحّته، ذلك.


1- الشيخ الحرّ العاملي: الوسائل: 1/331 ح6، الباب 42 من أبواب الوضوء.


(91)

بقي في المقام تفصيلان:

1ـ التفصيل بين الحكم الشرعي المستند إلى الدليل الشرعي، والحكم الشرعي المستند إلى الدليل العقلي.

2ـ التفصيل بين الموضوعات والأحكام الكلّية الشرعية.

وسيوافيك الكلام فيهما في التنبيهات.

تنبيهـات

التنبيه الأوّل:

في لزوم كون متعلّق الشك فعلياً أو لا

هل يختصّ دليل الاستصحاب بما إذا كان متعلّق الشكّ أمراً فعلياً أو يعمّ ما إذا كان استقبالياً، كما إذا شكّ صاحب العذر في بقاء عذره إلى آخر الوقت، مثل فقدان الساتر! ونجاسته، فيستصحب إلى آخر الوقت، ويترتّب عليه جواز البدار في أوّل الوقت كما إذا علم ببقاء عذره إليه؟

ربّما يقال بالأعم فإنّ أركان الاستصحاب متحقّقة ، ومنها وجود اليقين والشكّ الفعليان،وأمّا كون المشكوك حالياً أو استقبالياً فليس على تعيّن الأوّل دليل.

وإن شئت قلت: إنّ الملاك ترتّب الأثر على المستصحب، والمفروض ترتّبه وهو جواز البدار. نعم خرج عنه المعذور في الطهارة الحدثية، كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال:سمعته يقول: «إذا لم تجد ماءً وأردت التيمّم فأخّر التيمّم إلى آخر الوقت فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض».(1)


1-الشيخ الحرّ العاملي: الوسائل: 2/993 ح1، الباب 22 من أبواب التيمّم.


(92)

ومع ذلك فالشكّ في شمول الإطلاقات لمثل هذا النوع من الاستصحاب قائم، لعدم عرفيته، وكون الصحيحة ونظائرها في باب التيمّم يشعر بالضابطة بأنّ ما له بدل، لايبادر إليه، لعدم فوت الفريضة، على كلّ تقدير، لأنّ العذر إمّا يرتفع فيأتي بالمبدل أو لا فيأتي بالبدل.

التنبيه الثاني:

في اشتراط فعلية اليقين والشكّ

أركان الاستصحاب لاتتجاوز عن أربعة:

1ـ اليقين بالحدوث.

2ـ الشكّ في البقاء .

3ـ وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة.

4ـ ترتّب الأثر على بقاء المتيقّن.

ولنقدّم الكلام في الأمرين الأوّلين وسيوافيك الكلام في الركنين الأخيرين في بعض التنبيهات، أمّا لزوم اليقين بالحدوث، وعدم كفاية الكون السابق من دون يقين، فلأنّه الظاهر من صحاح الروايات، أعني: «لاتنقض اليقين بالشكّ» وأنّه لاينقض اليقين.أضف إلى ذلك أنّ الاستصحاب شيء يحتجّ به كلّ من المولى والعبد على الآخر، ولامعنى للاحتجاج بيقين لم يكن موجوداً، وكون اليقين مأخوذاً طريقاً إلى المتيقّن لاينافي كونه مأخوذاً على وجه الموضوعية في مقام الاحتجاج ولأجل ذلك لو قامت الأمارة على حلّية شيء وكان حراماً في الواقع، وارتكبه المكلّف من دون الاستناد إلى الأمارة لغفلته عنها، يعدّ عاصياً ولاتكون الأمارة بوجودها الواقعي، حجّة.

وأمّا قوله ـ عليه السلام ـ في صحيحة ابن سنان: «فإنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم


(93)

تستيقن أنّه نجّسه » فليس دليلاً على عدم اعتبار اليقين بتوهّم أنّه ـ عليه السلام ـ قال:«وهو طاهر» ولم يقل:«إنّك متيقّن بطهارته» وذلك لأنّ الذيل، أعني: «ولم تستيقن» دليل على تقدير اليقين في الصدر، أي أنّك كنت متيقّناً بطهارته ولم تستيقن أنّه نجّسه.

وأمّا الركن الثاني: أي وجود الشكّ في البقاء، فلنفس ما ذكر من ظهور الروايات في لزوم وجود الأمرين أوّلاً، وكون الحجّة عبارة عن عدم نقض اليقين بالشكّ ثانياً.

أضف إلى ذلك أنّ الاستصحاب حكم ظاهري وهو متقوّم بالشكّ فلامعنى لجعله مع عدمه.

وعلى ذلك قالوا: تعتبر في الاستصحاب فعليّة الشكّ واليقين فلااستصحاب مع الغفلة لعدم الشكّ بالفعل ولو فرض أنّه لو التفت ، لشكّ.

ثمّ إنّهم فرّعوا على ذلك فروعاً.

الفرع الأوّل

من أحدث ثمّ غفل وصلّى ثمّ شكّ في أنّه تطهّر قبل الصلاة أو لا؟ فقالوا: بالصحّة.لعدم جريان استصحاب الحدث حين الصلاة لغفلته وعدم وجود الشكّ، فتجري قاعدة الفراغ فتحكم بالصحّة.

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر جريان الاستصحاب بعد الصلاة وعدم جريان القاعدة. أمّا الأوّل: فليس لأجل أنّ الشكّ التقديري كاف في جريانه لما علمت من لزوم فعليته، بل لكفاية الشكّ بعد الصلاة في أنّه هل تطهّر بعد الحدث وقبل الصلاة أو لا.فيحكم بعد الصلاة ببقاء الحدث السابق من لدن حدوثه إلى الحالة التي توجّه إلى كيفية وقوع العمل. وليس هذا من قبيل الاستصحاب القهقري لأنّه عبارة عن جرّ المتيقّن حالياً إلى الأزمنة السابقة المتقدّمة ككون الأمر حقيقة في


(94)

الوجوب فعلاً، فيحكم بكونه كذلك إلى عصر الرسالة ولكن المقام من قبيل جرّ الحالة السابقة(الحدث المتيقّن قبل الصلاة) إلى الحالة اللاحقة أي من قبل الصلاة إلى حالتها وختامها، فالشكّ وإن كان حادثاً بعد الصلاة، لكن المتيقّن وهو الحدث، متقدّم على الصلاة فيحكم ببقائه إلى بعد الصلاة.

وأمّا الثاني: أي عدم جريان القاعدة، فلاختصاص القاعدة بما إذا كانت الغفلة محتملة فيرفع احتمالها بأنّ الإنسان حين العمل أذكر. وأمّا إذا كانت الغفلة معلومة كما في المقام واحتمل وقوع العمل صحيحاً(باحتمال التوضّؤ) من باب الاتّفاق فالأدلّة منصرفة عنه.

ولأجل ذلك لا يحكم بصحّة الوضوء فيما لو توضّأ والخاتم على إصبعه ولم يحرّكه وشكّ بعد العمل في أنّه هل جرى الماء تحته أو لا. وذلك للعلم بالغفلة حين العمل وأنّه لو جرى عليه الماء لكان من باب الصدفة والاتّفاق.

ومثله لو علم بكون أحد المائين مضافاً ثمّ توضّأ غفلة وشكّ بعد العمل في أنّه هل توضّأ بالماء المطلق أو بالمضاف فلاتجري القاعدة.

فقد اتضح ممّا ذكرنا أنّ الحقّ هو بطلان الصلاة تمسّكاً بالاستصحاب.

الفرع الثاني

من أحدث ثمّ شكّ في ارتفاعه ثمّ غفل وصلّى، ثمّ شكّ في أنّه توضّأ أم لا. فحكم الشيخ والمحقّق الخراساني ببطلان الصلاة لحدوث الشكّ قبل الصلاة وإن غفل عنه. لكنّه كان موجوداً في خزانة ذهنه، وعدم جريان قاعدة الفراغ لاختصاصها بما إذا كان الشكّ حادثاً بعد العمل والمفروض حدوثه قبله ولكنّه غفل عنه.

أقول: إنّ الصلاة باطلة على كلّ تقدير أمّا إذا قلنا بكفاية الشكّ المذهول


(95)

عنه، الموجود في خزانة النفس بحجّة أنّ الشكّ قد يكون موجوداً ولايكون ملتفتاً إليه، فيجري الاستصحاب بملاك ذاك الشكّ فتكون الصلاة محكومة بفقدان الطهارة.

وأمّا إذا لم نقل بكفايته يكون التوجّه إلى الشكّ المذهول عنه بعد الصلاة كافياً في جريان الاستصحاب فيحكم ببقاء الحدث من لدن وجوده إلى زمان الفراغ من الصلاة كما تقدّم في الفرع المتقدّم.

وأمّا القاعدة فلاتجري بوجهين:

1ـ إنّ ملاكها هو الشكّ في البطلان شكّاً حادثاً بعد العمل لافي مثل المقام الذي يعدّ عوداً إلى الشكّ قبله.

2ـ إنّ مجراها هو احتمال ترك الجزء أو الشرط مستنداً إلى احتمال الغفلة فيدفع بالأذكريّة حين العمل لافي مثل المقام الذي كانت الغفلة محرزة واحتمال الصحّة مستنداً إلى الصدفة والاتفاق كما مرّ.

الفرع الثالث

إذا كان المكلّف عالماً بالطهارة ثمّ شكّ في بقائها، ثمّ غفل وصلّى ثمّ شكّ في بقاء الطهارة حال الصلاة فيجري استصحاب الطهارة، لكون الشكّ فعلياً موجوداً في خزانة النفس وإن لم يكن ملتفتاً إليه، ولاتجري القاعدة وإن كانت موافقة المضمون معه، لما عرفت من كون الملاك فيه هو الشكّ الحادث بعد الصلاة لاقبلها.(1)

الفرع الرابع

إذا كان عالماً بالطهارة ثمّ شكّ في بقائها، ثمّ غفل وصلّى وحصل له بعد


1-الفرع الثالث خلاف الفرع الثاني ويعلم حكمه من بيان حكم الثاني، فلاحظ.


(96)

الصلاة العلم بتوارد الحالتين عليه من الطهور والحدث قبل الصلاة مع عدم معرفة المتقدّم منهما عن المتأخّر. فربّما يقال بجريان استصحاب الطهارة إمّا لكون الشكّ فعلياً ـ على ما عرفت ـ أو لكفاية التقديري منه، وعدم جريان القاعدة لكون الشكّ ليس حادثاً بعد الصلاة بل هو نفس الشكّ السابق.(1)

ولا يخفى أنّه لا يجري الاستصحاب في المقام لأنّه قد انقطع اليقين بالطهارة وعلم المكلّف بارتفاعها قطعاً وذلك بسبب العلم الإجمالي بتوارد الحالتين عليه بعد الشكّ، فالطهارة السابقة المتيقّنة ارتفعت قطعاً، إمّا لتوسّط الحدث بين الطهارتين، وإمّا لوقوعه بعدهما، وعلى كلّ تقدير فالطهارة المتيقّنة الأُولى، قطعية الارتفاع فتدخل المسألة في باب توارد الحالتين المختلفتين مع العلم بالحالة السابقة، وسيوافيك بيانه.

التنبيه الثالث:

إذا كان المتيقّن محرزاً بالأمارة و شكّ في بقائه

قد عرفت أنّ اليقين بالحدوث من أركان الاستصحاب، ففيما إذا كان المتيقّن محرزاً باليقين يكون هذا الركن محرزاً. إنّما الكلام فيما إذا كان محرزاً بالأمارة وشكّ في بقائه. كما إذا دلّت على وجوب شيء في حال وشكّ في بقائه في حالة أُخرى. أو دلّت البيّنة على حياة زيد، أو كونه مالكاً فشكّ في بقاء مدلولها.فهل يحكم بالبقاء أو لا ؟

وجه الإشكال أنّه لايقين بالحدوث فكيف يحكم بالبقاء، فإذا لم يكن يقين بالحدوث فلاشكّ أيضاً.

وذلك لأنّ مفاد حجّية الأمارات ليس إنشاء أحكام فعليّة شرعيّة ظاهرية،


1-هذا الفرع من المحقّق العراقي ـ قدّس سرّه ـ.


(97)

بل المجعول فيها هو التنجيز، لدى المطابقة والتعذّر لدى المخالفة، فإذا قامت الأمارة على الحكم فبما أنّه غير معلوم الموافقة فلاعلم بالثبوت والحدوث حتّى يصحّ استصحابه عند الشكّ.غاية الأمر وجود حكم العقل بلزوم المتابعة لكونه منجّزاً لدى المصادفة ومعذِّراً لدى المخالفة ففيه الأمان على كلّ تقدير.

وقد أجاب المحقّق الخراساني عن الإشكال بأنّه يكفي في الاستصحاب، الشكّ في البقاء على تقدير الثبوت، والاستصحاب حكم مجعول في مرحلة البقاء لافي مرحلة الحدوث.لذا، ـ لو لم يكن للمستصحب أثر في مرحلة الحدوث وكان له أثر في مرحلة البقاء يجري الاستصحاب ويترتّب عليه الأثر.

وإليك نص عبارته بتلخيص:

«إنّ اعتبار اليقين إنّما هو لأجل أنّ التعبّد والتنزيل شرعاً(أي في الاستصحاب) إنّما هو في البقاء لا في الحدوث، فيكفي الشكّ فيه على تقدير الثبوت فيتعبّد به، وعلى هذا التقدير فيترتّب عليه الأثر فعلاً فيما كان هناك أثر، وبذلك يمكن الذبُّ عمّا في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارات المعتبرة على مجرّد ثبوتها، وقد شكّ في بقائها على تقدير ثبوتها من الإشكال ـ وجه الذبّ ـ أنّ الحكم الواقعي الذي هو مؤدّى الطريق حينئذ محكوم بالبقاء، فتكون الحجّة على ثبوته حجّة على بقائه تعبّداً للملازمة بينه وبين ثبوته واقعاً(أي على فرض ثبوته واقعاً).

ثمّ أورد على نفسه بأنّه يعتبر اليقين بالشيء في التعبّد بالبقاء، فأجاب: بأنّه لاموضوعية لليقين وإنّما أُخذ مرآةً لثبوته ليكون (أي ليمكن) التعبّد في بقائه، والتعبّد مع فرض ثبوته إنّما يكون في بقائه.(1)


1-المحقق الخراساني: الكفاية:2/3.


(98)

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ماذكره يلزم بطلان ما ذكره في التنبيه المتقدّم عليه من اشتراط فعليّة اليقين والشكّ وعدم كفاية التقديري منهما. فكما أنّه لااستصحاب مع الغفلة لعدم الشكّ كذلك لااستصحاب مع عدم اليقين.

وما ذكره في ذيل كلامه من أنّ اليقين أُخذ كشفاً ومرآةً لثبوته لكي يتحقق التعبّد بالبقاء، يرجع إلى إنكار لزوم فعليّة اليقين و لازمه كفاية التقديري أوّلاً، وإلى إنكار لزوم فعليّة الشكّ ثانياً. إذ لقائل أن يقول: إنّ الشكّ أُخذ رمزاً للتعبّد ببقاء ما فرض ثبوته، فالاستصحاب جعل الملازمة بين ذات الشيء حدوثاً وذاته بقاء من دون دخالة لليقين والشكّ فيكفي ولو لم يكن الشكّ فعلياً.

وبعبارة أُخرى: الاستصحاب جعل الملازمة الظاهرية بين ثبوت الشيء وبقائه وجعل الملازمة، لاتتوقّف على ثبوت المتلازمين فلامانع من التعبّد بالبقاء على تقدير الثبوت.وهو كما ترى.

نعم ما جاء في تقرير الإشكال غير تامّ مثل الجواب حيث إنّ مفاد الأمارات وإن لم يكن إنشاء أحكام فعلية شرعية ظاهرية ولكن المجعول ليس التنجّز والتعذّر ، لأنّهما من الإدراكات العقليّة. إذ لو كان التكليف واصلاً، يكون التكليف منجّزاً قهراً، ولو لم يكن واصلاً، يكون المكلّف معذوراً عند العقل بلاحاجة إلى جعل المعذّرية من جانب الشارع. وقد أوضحناه عند البحث عن الأحكام الوضعية.

إجابة المحقّق النائيني عن الإشكال

أجاب المحقّق النائيني عن الإشكال بقوله: إنّ منشأ الإشكال توهّم كون المجعول فيها نفس المنجّزية والمعذوريّة لاالإحراز والوسطيّة في الإثبات، فإذا كان المجعول فيها هو الثاني تكون حال الأمارات حال العلم في صورة المصادفة


(99)

والمخالفة ويكون المؤدّى محرزاً ويجري فيه الاستصحاب عند الشكّ كما لو كان محرزاً بالعلم الوجداني بلاإشكال أصلاً.(1)

وأوضحه تلميذه الجليل المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ : بأنّ المجعول في باب الطرق والأمارات إنّما هو وصف الطريقية والإحراز فالشارع جعل الأمارة محرِزة للواقع تعبّداً فصار للعلم فردان وجداني وتعبّدي. وعلى هذا يكون المكلّف بعد قيام الأمارة محرِزاً للواقع وعالماً به. غاية الأمر أنّه كذلك تعبّداً وبما أنّ اليقين لم يؤخذ بما هو وصف قائم في النفس، بل لوحظ طريقاً صحّ قيام الأمارة مقام اليقين.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره مبنيّ على كون حجّية الأمارات أمراً تأسيسياً، فعندئذ يقع البحث فيما هو المجعول وأنّه هل هو المنجّزية و المعذوريّة أو الوسطيّة في الإثبات و الطريقية والإحراز؟ وأمّا إذا كان حديثها حديث الإمضاء وتصديق ما عليه العرف من العمل بالأمارات من باب كونها مفيدة للاطمئنان، فالبحث عمّا هو المجعول ساقط جدّاً.

وثانياً: أنّ الطريقية بالمعنى التكويني غير قابلة للجعل، وبالمعنى الاعتباري لاحاجة إليه لكون الأمارة واجدة لها ولو بنحو الناقصة فلا ملاك للجعل والاعتبار.

والتحقيق في الجواب أن يقال:إنّ المراد من اليقين في أحاديث الاستصحاب، هو الحجّة الشرعية، لا خصوص اليقين بمعنى الاعتقاد الجازم على ما هو المصطلح في علم المنطق والشاهد على ذلك أمران:

الأوّل: استعمال العلم في كثير من أحاديث أبواب الكافي في الحجّة الشرعية


1-الكاظمي: فوائد الأُصول: 4/404 بتحرير منّا.
2-المحقق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/99.


(100)

فلاحظ الأبواب التالية في التعليقة:(1)

فليس المقصود من العلم في هذه الأبواب إلاّ الحجج الشرعية بإضافة العلم الوجداني الذي هو أيضاً حجّة شرعية أي يحتجّ به المولى في الشرع على العبد وهو عليه.

الثاني: ملاحظة روايات الاستصحاب ففي الصحيحة الأُولى:«فانّه على يقين من وضوئه ولاينقض اليقين أبداً بالشكّ». ولم يكن لزرارة علم وجداني بالطهارة بل كان مبنياً على طهارة بدنه ولباسه وحلّية مائه، وهذه كلّها كانت حاصلة من طرق الأُصول والأمارات ومثله قوله ـ عليه السّلام ـ في الصحيحة الثانية:«لأنّك كنت على يقين من طهارتك (طهارة الثوب) فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً». ولم يكن زرارة واقفاً على طهارة ثوبه إلاّ من الطرق الشرعيّة كإجراء أصالة الطهارة في الماء القليل الذي غسل به ثوبه، وإن غسله في ماء كرّ أو جار فقد علّقه على الشدّ للجفاف ولم يعلم طهارته بالوجدان إلى غير ذلك من أسباب الشكّ، على أنّه من البعيد أن يقوم زرارة بنفسه بغسل ثيابه في الشطّ والماء الكثير مع غسل جميع بدنه وما يتعلّق بالغسل.

هذا كلّه حول استصحاب مفاد الأمارات.وأمّا استصحاب مفاد الأُصول، فالظاهر عدم صحّته لأنّ الأُصول بدلالتها اللفظية متعرّضة لحكم الموضوع في الحالة الثانية، فلاحاجة بعد إلى الاستصحاب.فلو حكمنا بطهارة الثوب في الحالة الأُولى لأجل كونه مشكوك الطهارة والنجاسة، فهذا الملاك موجود في الحالة الثانية، فليست إحدى الحالتين، أصلاً والأُخرى فرعاً. ولأجل ذلك تقدّم أصالة الطهارة على استصحابها وقاعدة الاشتغال والتخيير على استصحابهما. إلى غير


1-الكافي: 1/42، 46، أبواب النهي عن القول بغير علم و النهي عن الاستيكال بالعلم، والنهي عن الافتاء بغير علم.


(101)

ذلك.

وإن شئت قلت: إنّ القواعد المزبورة أخفّ مؤنة من الاستصحاب فيكفي فيها صرف الشكّ، بخلاف الاستصحاب فيحتاج وراء الشكّ إلى لحاظ الحالة السابقة والبسيط موضوعاً مقدّم على المركّب منه.

التنبيه الرابع:

في استصحاب الكلّي

ولنقدّم ـ قبل الخوض في المقصود ـ أُموراً:

1ـ ما هو المراد من استصحاب الكلّي؟

المراد منه هو التعبّد ببقاء الجامع بين فردين من الحكم إذا كان الاستصحاب حكمياً، أو الجامع بين الموضوعين إذا كان الاستصحاب موضوعياً .

2ـ في بيان أقسام استصحاب الكلّي

وقد ذكر الشيخ وتبعه المحقّق الخراساني له أقساماً ثلاثة وزاد المحقّق الخوئي عليها قسماً رابعاً نذكره:

أ: إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد معيّن ثمّ شكّ في بقائه وارتفاعه، فلامحالة يشكّ في بقاء الكلّي وارتفاعه. كما إذا علم بوجود زيد في الدار فنعلم بوجود الإنسان فيها فيجري الاستصحاب في جانب الفرد كما يجري في جانب الكلّي.

ب : إذا علم بوجود الكلّي في ضمن فرد مردّد بين متيقّن الارتفاع ومتيقّن البقاء. كما إذا علم بوجود إنسان في الدار مردّد بين زيد وعمرو فلو كان زيداً فهو قطعي الارتفاع وإن كان عمرواً فهو متيقّن البقاء. وكما إذا علم بخروج رطوبة


(102)

مشتبهة بين البول والمني، فتوضّأ ولم يغتسل، فلو كان الفرد هو الحدث الأصغر فقد ارتفع قطعاً، ولو كان الحدث الأكبر فهو قطعي البقاء، فيستصحب بقاء الجامع أي الحدث المطلق ومثله ما إذا اغتسل ولم يتوضّأ فالحدث الأكبر على فرض حدوثه، قطعي الارتفاع دون الحدث الأصغر فهو على فرض حدوثه قطعي البقاء ولايكون الغسل رافعاً له، لأنّ الغسل إنّما يكون رافعاً للحدث الأصغر إذا كانت الجنابة قطعية، لامحتملة كما هو المفروض في المقام. فلايكون الغسل عن الجنابة المحتملة رافعاً للحدث الأصغر المفروض وجوده.

ومثله ما إذا كان المستصحب مردّداً بين متيقّن الارتفاع ومحتمل البقاء، كما إذا كان الفرد الثاني محتمل البقاء لا متيقّنه، لأنّ احتمال البقاء كاف في جريان الاستصحاب مع اليقين السابق بوجود الكلّي في البيت. فلو احتمل في المثال المزبور ـ عند ما توضّأـ أنّه اغتسل أيضاً. فلو كان الحادث هو الحدث الأكبر فهو محتمل الارتفاع. نعم لو كان الحدث الأصغر فهو قطعي الارتفاع.

ج : إذا علم بوجود الكلّي في الدار في ضمن فرد معيّن وعلم بارتفاعه ولكن احتمل وجود فرد آخر مقارن مع وجود الفرد الأوّل، أو مقارن مع ارتفاعه، كما إذا علم بوجود زيد في الدار وعلم بخروجه منها، لكن احتمل كون عمرو معه عند ما كان زيد فيها أو احتمل دخوله فيها عند خروجه منها.

هذه الأقسام الثلاثة هي التي ذكرها الشيخ.ولكن المحقّق الخوئي في المصباح أضاف قسماً رابعاً وإليك بيانه:

د: إذا علم بوجود فرد معيّن وعلمنا بارتفاع هذا الفرد ولكن علمنا بوجود معنون بعنوان يحتمل انطباقه على الفرد الذي علمنا ارتفاعه ويحتمل انطباقه على فرد آخر. فلو كان العنوان المذكور منطبقاً على الفرد المرتفع فقد ارتفع الكلّي، وإن كان منطبقاً على غيره، فالكلّي باق. كما لو علم بوجود زيد في الدار وعلمنا بوجود


(103)

قرشي فيها، ثمّ علمنا بخروج زيد ولكن احتملنا بقاء الإنسان فيها لاحتمال أن يكون القرشي غير زيد.(1)

والفرق بين القسم الثالث والرابع، واضح جدّاً. فانّه ليس في القسم الثالث إلاّ علم واحد متعلّق بوجود فرد معيّن.غاية الأمر: يحتمل تقارن فرد آخر مع حدوثه أو مع ارتفاعه بخلاف القسم الرابع فانّ المفروض فيه علمان: علم بوجود فرد معيّن، وعلم بوجود ما يحتمل انطباقه على هذا الفرد وغيره.

مثاله: في الأحكام الشرعية ما إذا علمنا بالجنابة ليلة الخميس مثلاً واغتسلنا منها، ثمّ رأينا المني في ثوبنا يوم الجمعة مثلاً، فنعلم بكوننا جنباً حين خروج هذا المني ولكن يحتمل أن يكون هذا المني من الجنابة التي اغتسلنا منها وأن يكون من غيرها.

3ـ إنّ الأثر تارة يترتّب على الفرد بما له من الخصوصية لا بما هو مشتمل على الجامع كحرمة المكث في المسجد والعبور عن المسجدين. فانّه مترتّب عليالمحدث بالحدث الأكبر من الجنابة والحيض وأُخرى يترتّب على نفس الكلّيو لايكون للخصوصية أيّ تأثير فيه كحرمة مسّ القرآن و الدخول في الصلاة.

فعلى الأوّل لايكفي استصحاب الكلّي، بل لابدّ من استصحاب الفرد بخصوصياته. وعلى الثاني لاوجه لاستصحاب الفرد بخصوصيته، بل يكفي استصحاب الجامع بين الحدثين الأكبر والأصغر.

إذا عرفت هذه المقدمات فلنرجع إلى بيان أحكام الأقسام الأربعة:


1-المحقق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/104.


(104)

القسم الأوّل: من أقسام استصحاب الكلّي

فيجوز في هذا القسم استصحاب الفرد، كما يجوز فيه استصحاب الكلّي ويترتّب على كلّ آثاره ففي المحدِث بالحدث الأكبر، كما يجوز استصحاب بقاء الجنابة فيحرم عليه المكث في المساجد والعبور عن المسجدين، يجوز فيه استصحاب الجامع بين الأحداث فيحرم عليه مسّ كتابة القرآن.

فإن قلت: إذا كان الكلّي موجوداً في فردمعيّن كالإنسان في ضمن زيد، وكالحدث في مثل الجنابة، فعندئذ يرجع فيه استصحاب الكلّي إلى استصحاب نفس الفرد، لأنّ المفروض أنّ الكلّي تشخّص في مصداق خاص.

قلت: هذا ما ذكره سيّدنا البروجردي ـ قدّس سرّه ـ في درسه الشريف ويمكن أن يقال: المراد من الكلّي هو النظر إلى الطبيعة الخارجية مجرّدة عن الخصوصيات الحافّة بها، فالإنسان في ضمن زيد وإن تشخّصت وتعيّنت وخرجت عن الكلّية، لكن يمكن تجريدها عنها ولحاظها لامعها وهذا ما نسمّيه بالجامع والكلّي والقدر المشترك، وكلّ فرد من أفراد الإنسان في الخارج كما يشتمل على الخصوصيات ، يشتمل على الإنسانية، لكن اتحدت في الخارج معها. وهذا لاينافي لحاظها مجرّدة عنها.

وعلى ذلك فالمراد من الكلّي غير ما هو المصطلح في المنطق، أي المفهوم الصادق لأفراد كثيرة، وغير المصطلح في الفلسفة أي الوجود الوسيع كاللّه سبحانه والمجرّدات.بل المراد ذات الطبيعي في الخارج، إذا لوحظت مجرّدة عن القيود والمشخصات الخارجية.

فإن قلت: هذا إنّما يتمّ في الاستصحاب الموضوعي وأمّا الحكمي فمشكل إذ ليس الجامع مجعولاً، وإنّما المجعول هو الفرد.


(105)

قلت: لاشكّ أنّ الكلّي ـ أي ذات الكلّي لا مع وصف الكلّية ـ متكثّر حسب تكثّر أفراده. فجعل الفرد جعل له أيضاً.

ثمّ إنّه لاشكّ أنّ استصحاب الكلّي لايغني عن استصحاب الفرد، لأنّ الملازمة عقلية، لأنّه الحاكم بأنّ الكلّي لايتحقق إلاّ في ضمن الفرد، وأمّا استصحاب الفرد فهل هو يغني عن استصحاب الكلّي إذا كان الأثر المترتّب على بقاء الفرد، غير الأثر المترتب على بقاء الكلّي، كما إذا نذر أنّه لو كان زيد موجوداً في الدّار، فعليه الدينار، ولو كان إنسان فيها، فعليه الدرهم، فهل يكفي استصحاب الفرد عن استصحاب الكلّي، فيجب عليه الدينار والدرهم باستصحاب واحد.

ذهب سيدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ إلى عدم الإغناء قائلاً: بأنّ حيثية الكلّي غير حيثية الخصوصيات الفردية في عالم الاعتبار ومقام تعلّق الأحكام بالموضوعات، فاعتبار إيجاب إكرام كلّ إنسان، غير إكرام زيد وعمرو، فالحكم قد تعلّق في الأوّل بحيثية إنسانية كلّ فرد، وهو غير الخصوصيات الفردية عرفاً. فإسراء الحكم من أحد المتّحدين في الوجود والمختلفين في الحيثية (إلى الآخر) بالاستصحاب، لايمكن إلاّ بالأصل المثبت.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الفرد ليس نفس الخصوصيات الفردية حتّى يكون الطبيعي، زائداً عليه تصوّراً متّحداً معه عيناً، بل الفرد عبارة عن الطبيعي المتعيّن بحدود، والمتشخّص بخصوصيات، فهو عند التحليل جزء الفرد. وليس ملازماً له أو متّحداً معه. والفرد مركّب عند التحليل من شيئين: الطبيعي، والخصوصية، وليس استصحاب الفرد يغني عن استصحاب الخصوصية فقط، بل معناه استصحاب كلا الجزأين عند التحليل ، فلايكون إثبات الطبيعي إلاّ نظير إثبات


1-الإمام الخميني: الرسائل: 1/126.


(106)

أحد الجزأين باستصحاب الكلّ وهو ليس مثبتاً، وعلى فرض كونه مثبتاً فليس من قبيل إثبات أحد المتّحدين باستصحاب المتّحد الآخر. بل من قبيل استصحاب الأمر البسيط في نظر العرف وإثبات جزئه العقلي أعني الطبيعي.

القسم الثاني: من أقسام استصحاب الكلّي

إذا وقف إجمالاً على أنّ في الدار حيواناً مردَّداً بين قصير العمر كالبقِّ أو طويله كالفيل، فقد وقف تفصيلاً على وجود حيوان فيها وإن كانت المشخّصات مجهولة ومبهمة فيصحّ استصحاب الكلّي إذا مضى زمان يقطع فيه بانتفاء الفرد القصير. ومثاله من الأُمور الشرعية ما إذا كان متطهّراً وخرج بلل مردّد بين البول والمني فعندئذ حصل علم تفصيلي بالحدث الكلّي، ثمّ إذا توضّأ بعده فعلم بانتفاء أحد الفردين على فرض ثبوته، كالحدث الأصغر، ومع ذلك لايقطع بعدم الحدث، لاحتمال كون الحادث طويل العمر فيصح استصحابه، ويترتّب عليه أثر الكلّي وإن لم يترتّب عليه أثر كل واحد من الفردين.

وباختصار: أنّ الباقي على فرض بقائه هو نفس ما حدث أوّلاً وليس غيره فتتّحد القضيّة المشكوكة مع المتيقّنة وبهذا يفترق عن القسم الثالث ، فانّ الباقي هناك على فرض بقائه غير ما حدث أوّلاً قطعاً. كما سيوافيك تفصيله.

إشكالان على استصحاب القسم الثاني

ثم إنّه استشكل على هذا الاستصحاب بوجهين ذكرهما المحقق الخراساني في الكفاية:

الأوّل: أنّ الفرد مردّد بين قطعي الارتفاع ومشكوك الحدوث، والثاني محكوم بعدم الحدوث وبما أنّ الكلّي وجوده بنفس وجود الفرد، فإذا كان هذا حال الفرد، فيكون حال الكلّي مثله.


(107)

ثمّ أجاب عنه بقوله: بأنّ التردّد ضائر باستصحاب الفرد، فأحد الفردين قطعي الارتفاع، والآخر مشكوك الحدوث وهو محكوم بعدم حدوثه من رأس ولايكون معارضاً لأصالة عدم الفرد الآخر، لعدم ترتّب الأثر عليه لفرض ارتفاعه قطعاً فيجري الأصل في الآخر بلا معارض. وأمّا استصحاب الكلّي المجرّد عن التلوّن بأحد اللونين فتردّده غير ضائر له، بل يكفي في ذلك، وجود أركان الاستصحاب من اليقين السابق والشكّ اللاحق.

الثاني: أنّ هنا أصلاً حاكماً على استصحاب الكلّي فانّ الشكّ في بقاء الكلي مسبّب عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل، المحكوم بعدم حدوثه من رأس، فإذا جرى الاستصحاب في السبب بطل الأصل في المستصحب المسبّب.

وقد أجاب عنه بوجوه ثلاثة:

1ـ إنّ بقاء الكلّي (الحيوان) أو ارتفاعه ليس من لوازم حدوث الفرد الطويل أو عدم حدوثه حتّى ينفى البقاء بنفي حدوث الفرد الطويل.

بل بقاء الحيوان من لوازم كون الحادث، ذاك المتيقّن البقاء، وعدمه من لوازم كون الحادث ذاك المتيقّن الارتفاع. وبعبارة أُخرى: البقاء متوقّف على كون الحادث هو الفرد الطويل والارتفاع متفرّع على كون الحادث هو القصير.

وعلى هذا، الارتفاع ـ الذي يركّز عليه المستشكل ـ من آثار ثبوت كون الحادث الفرد القصير، وليس له حالة سابقة لأنّه ليس في المقام زمان يكون الحادث متّصفاً بكونه في ضمن القصير، بل هو من أوّل الأمر متردّد بين الطويل والقصير. وليس الارتفاع من آثار عدم حدوث الطويل حتّى يقع العدم مجرى للأصل.(1)

2ـ انّ بقاءالقدر المشترك إنّما هو بعين بقاء الخاص الذي في ضمنه لا أنّه


1-هذا هو مراد صاحب الكفاية. وأمّا تفسيره بما في مصباح الأُصول فغير منطبق على العبارة فلاحظ الكفاية: 2/311ـ312.


(108)

من لوازمه وحديث السببيّة والمسببيّة فرع الاثنينية وهي منتفية .

3 ـ لـو سلّمنا أنّ البقاء و الارتفاع من لوازم حدوث المشكوك وعدمه، فلاشكّ أنّ إجراء الأصل في تلك الناحية والقول بأصالة عدم حدوث الحادث الخاص المشكوك (الطويل) لايثبت الارتفاع شرعاً، لأنّ الملازمة بين عدم حدوث الحادث الخاص (الطويل) وارتفاع الحيوان عقلي لاشرعي. إذ العقل يحكم بأنّ الطبيعي يجب أن يوجد في ضمن فرد، فالفرد القصير محكوم بالعدم وجداناً، والفرد الطويل محكوم به حسب الأصل فعندئذ يجب أن ترتفع الحيوانية لعدم وجود الفرد الذي يتحقّق في ضمنه.

يلاحظ على ما أفاده في الجواب الثاني: أنّه إذا كان نفي الفرد (طويل العمر) كافياً في نفي الكلّي على القول بكون الكلّي من لوازم الفرد، فهو على القول بعينية الكلّي مع الفرد، يكون أكفى، فما ذكره في الجواب، مؤيّد للإشكال لا جواب عنه.

اللّهمّ إلاّ أن يكون غرضه صرف المناقشة في التعبير باللازم.

نعم ما ذكره في الجواب الثالث هو القالع للإشكال، أعني: كون الملازمة عقليّة حسب الشرائط الموجودة، فإذا كان القصير مفروض الارتفاع و الطويل مرتفعاً حسب الأصل ولم يكن في الدار غيرهما حيوان، فالحيوانيّة منتفية قطعاً، بحكم العقل.

وأجاب عن الإشكال الثاني المحقّق النائيني بما هذا حاصله: أنّ أصالة عدم حدوث الفرد الباقي معارضة بأصالة عدم حدوث الفرد الزائل فيتعارضان ويتساقطان فيبقى استصحاب بقاء الكلّي والقدر المشترك بحاله.

وتوهّم عدم جريان الأصل في الفرد الزائل لخروجه عن مورد الابتلاء بامتثال أو تلف أو نحو ذلك فلا معارض لأصالة عدم حدوث الفرد الباقي، فاسد فانّه بمجرّد العلم بحدوث أحد الفردين والشكّ فيما هو الحادث تجري أصالة عدم


(109)

حدوث كلّ منهما وتسقط بالمعارضة وخروج أحد الفردين عن مورد الابتلاء بعد ذلك لايوجب رجوع الأصل في الفرد الباقي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الفرد الباقي مصداق لدليل الاستصحاب وإنّما المانع من شموله عليه هو التعارض فإذا ارتفع بخروج الفرد الزائل عن محلّ الابتلاء، شمله الدليل.

وبالجملة :فرق بين عدم شمول دليل الاستصحاب صورة التعارض من رأس فعند ذلك لايعود الفرد الباقي، تحته وبين شموله لهما، لكن منع التعارض عن فعلية الشمول معاً فإذا ارتفع المانع شمله الدليل المقتضي كما لايخفى.

تطبيقات

ثمّ إنّ هنا مسائل تتفرّع على جريان الاستصحاب في القسم الثاني وإليك بيانها:

1ـ لو كان متطهّراً، وخرج منه بلل مردّد بين البول والمني فتوضّأ فنقول:

إنّ العلم الإجمالي في المقام منجّز، لأنّه محدث للتكليف على تقدير كونه محدثاً بالحدث الأصغر أو الأكبر وبذلك يصير الأصلان متعارضين فيتساقطان فيجري استصحاب الحدث الذي تعلّق به العلم المنجّز، ويكون محكوماً بالجمع بين الطهارتين، لأنّ العلم تعلّق بموضوع ذي أثر على كلّ تقدير.

2ـ لو كان محدثاً بالحدث الأصغر، فخرج منه بلل مردّد بين البول والمني ثمّ توضّأ.

إنّ العلم الإجمالي في المقام غير منجّز لأنّه لايكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير لأنّه لو كان بولاً لايكون محدثاً له لأنّ المفروض أنّه محدث بالحدث الأصغر،


1-المحقّق النائيني: الفوائد: 4/418.


(110)

فلا يجري في جانبه الأصل، للعلم بكونه محدثاً بالحدث الأصغر ويجري الأصل في الجانب الآخر أي أصالة عدم كونه محدثاً بالحدث الأكبر...ولايجري استصحاب الكلّي، لأنّه لم يتعلّق العلم بموضوع مؤثّر ومحدِث للتكليف على كلّ تقدير. فيكفي الوضوء بلاحاجة إلى الغسل في رفع الحدث.

ونظير ذلك:إذا علم أنّه محدث بالحدث الأكبر، ثمّ خرجت منه رطوبة مردّدة بين البول والمني فهذا العلم الإجمالي ليس بمنجّز، لعدم ترتّب الأثر على خروج البول بعد الجنابة، كما لا أثر للمني الجديد، فالغسل كاف على كلا الاحتمالين.

3ـ لو كانت الحالة السابقة مجهولة، فخرج منه بلل مردّد بين البول والمني فتوضأ.

والمورد من مقولة الشبهة المصداقية للعلم الإجمالي المنجّز لأنّه لو كان متطهّراً، كان منجّزاً ومحدثاً للتكليف كما تقدّم فيجب عليه عندئذ الجمع بين الوضوء والغسل ولو كان محدثاً بالحدث الأصغر لم يكن منجّزاً على كلّ تقدير على ما مرّ ، فلم يتعلّق العلم بموضوع (الحدث) ذي أثر ويكفي عندئذ الوضوء ولو كان محدثاً بالحدث الأكبر كان كذلك إلاّ أنّه يجب عليه الغسل ، لوجوب إحراز الطهارة ولو بحجّة شرعية لدى الدخول في الصلاة وهو لايحصل إلاّ بالجمع بين الطهارتين، وبما أنّ الحالة السابقة مجهولة فلامحيص عن الجمع بين الوضوء والغسل لإحراز الطهارة.

4ـ إذاتردّدت نجاسة شيء بين الذاتية والعرضية كالصوف المردّد بين كونه صوف خنزير أو صوف غنم متنجّس، ثمّ غسل فيصحّ استصحاب الجامع، لاجتماع الاحتمالين في زمان واحد، وحصل العلم بالجامع في ذلك الزمان.

5ـ لو شكّ في نجاسة صابون لاحتمال اتخّاذه من دهن غير المذكّى فهو


(111)

محكوم بالطهارة بقاعدتها ثمّ إذا عرضت عليه النجاسة وأُزيلت فهل يجري استصحاب النجاسة بوجه كلّي لأنّه من قبيل تردّد الجامع بين تحقّقه في فرد مقطوع الارتفاع(النجاسة العرضية) ومقطوع البقاء(النجاسة الذاتية) أو لا يجري؟ التحقيق هو الثاني ، لأنّه إنّما يجري إذا كان الاحتمالان متحقّقين في زمان واحد، ويكون معه علم بالجامع في نفس الزمان وليس المقام كذلك ففي ظرف احتمال النجاسة الذاتية المنتفي بالأصل، لم يكن هناك أيّ احتمال للنجاسة العرضية فضلاً عن العلم بها. وعند عروض النجاسة العرضية، لم يكن هناك علم بالجامع بين النجاستين بل علم بالجامع المتحقّق في ضمن النجاسة العرضية والمفروض إزالتها قطعاً والنتيجة أنّه لم يتحقّق زمان علم فيه بوجود النجاسة الجامعة المردّدة بين النجاستين.

6ـ لو علم إجمالاً بملاقاة شيء مع البول أو الدم ثمّ غسل مرّة فيشكّ لامحالة في ارتفاع نجاسته بالغسل مرّة واحدة وعدمه للزوم التعدّد في تطهير المتنجس بالبول، فاستصحاب النجاسة على الوجه الثاني مستلزم غسله مرّة ثانية.

وتصور جريان استصحاب حاكم وهو أصالة عدم ملاقاة الثوب مع البول غير تام لأنّه استصحاب أزلي ولانقول به.

7ـ إذا علم بنجاسة أحد طرفي العباء، ثمّ غسل طرفه الأعلى، ومسح بيده كلا الطرفين فيلزم على القول بجريان استصحاب النجاسة على الوجه الكلّي الحكم بنجاسة الملاقي قطعاً، مع أنّه لاقى مشكوك النجاسة ومقطوع الطهارة فيلزم زيادة الفرع على الأصل، مع أنّ مقتضى القاعدة عدم نجاسة الملاقي لأنّه لاقى مقطوع الطهارة ومشكوك النجاسة، أعني: أحد طرفي العلم الإجمالي (وقد مرّ أنّ ملاقي أحد الأطراف محكوم بالطهارة) ولكن لازم استصحاب النجاسة على الوجه الكلّي نجاسة الملاقي بناء على أنّ ملاقي مستصحب النجاسة نجس،


(112)

فيلزم الحكم بنجاسة ملاقي مقطوع الطهارة ومشكوك النجاسة.(1)

فقد أجاب عنه المحقّق النائيني على ما في تقريرات الكاظمي: بأنّه ليس من استصحاب الكلّي بل هو من قبيل استصحاب الفرد المردّد عند ارتفاع أحد فردي الترديد وليس من الاستصحاب الكلّي.

توضيحه: أنّ محلّ الكلام في استصحاب الكلّي إنّما هو فيما إذا كان نفس المتيقّن السابق بهويّته وحقيقته مردّداً بين ما هو مقطوع الارتفاع وما هو مقطوع البقاء كالبلل المردّد بين البول والمني بعد التوضّؤ والحيوان المردّد بين الفيل والبق.وأمّا إذا كان الترديد في محلّ المتيقّن وموضوعه لا في نفسه وهويّته فهذا لايكون من الاستصحاب الكلّي، بل يكون كاستصحاب الفرد المردّد الذي قد تقدّم المنع عن جريان الاستصحاب فيه عند ارتفاع أحد فردي الترديد(2) فلو علم بوجود الحيوان الخاصّ في الدار وتردّد بين أن يكون في الجانب الشرقي أو في الجانب الغربي ثمّ انهدم الجانب الغربي واحتمل أن يكون الحيوان تلف بانهدامه، أو علم بوجود درهم خاصّ لزيد فيما بين هذه الدراهم العشر ثمّ ضاع أحد الدراهم واحتمل أن يكون هو درهم زيد. أو علم بإصابة العباء نجاسة خاصّة وتردّد محلّها بين كونها في الطرف الأسفل أو الأعلى ثمّ طهّر طرفها الأسفل ففي جميع هذه الأمثلة، استصحاب بقاء المتيقّن لايجري (أي استصحاب بقاء الحيوان وعدم كون الدرهم المضاع درهم زيد أو بقاء النجاسة) ولا يكون من الاستصحاب


1-وهذا الإشكال منقول عن السيد إسماعيل الصدر المتوفى عام1338هـ.ق ـ والد السيد صدرالدين نزيل قم، و كان من أصحاب السيد الميرزا الشيرازي ـ و هو المعروف بالشبهة العبائية.
2-وقال :إذا علم المكلّف بوجوب إحدى الصلاتين من الظهر أو الجمعة وقد صلّى الظهر أو علم بصدور أحد الحدثين من الأصغر والأكبر، وقد فعل ما يوجب رفع الأصغر، لايجري فيه الاستصحاب الشخصي والفرد المردّد للعلم بارتفاع أحد فردي الترديد وأمّا استصحاب الكلّي، فلاينبغي الإشكال في جريانه لوجود المقتضي وفقد المانع، راجع الجزء الرابع، ص131.


(113)

الكلّي لأنّ المتيقّن السابق أمر جزئي حقيقي لاترديد فيه وإنّما الترديد في المحلّ والموضوع، فهو أشبه باستصحاب الفرد المردّد عند ارتفاع أحد فردي الترديد وليس من الاستصحاب الكلّي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من منع استصحاب الفرد المردّد صحيح، ضرورة أنّه بعد التوضّؤ، أو مرور ثلاثة أيام لا يعيش البق أكثر منها، أو بعد تطهّر الطرف الأسفل من العباء ينقطع الترديد ولا مجال للاستصحاب المردّد.

لكن المستصحب في المقام ليس هو استصحاب ذاك، بل المستصحب هو الأمر الكلّي من غير تعيّن في ضمن فرد. وهو استصحاب الحيوان في الدار، والنجاسة في العباء ووجوب الصلاة على الذمّة وفيما مثّله من اليقين بوجود حيوان متردّد بين كونه في الجانب الشرقي أو الغربي بعد العلم بانهدام البيت في الجانب الغربي يتصوّر استصحابان: استصحاب الفرد المردّد بين الجانبين فهو غير جار لارتفاع التردّد بعد انهدام الجانب الغربي والعلم بموته لو كان فيه، واستصحاب مطلق الحيوان فهو جار بلا إشكال.

وباختصار:ليس النزاع في التسمية، بل النزاع في جريان الاستصحاب على وجه الإطلاق، سواء سمّي باستصحاب الفرد المردّد أو الكلّي، فلو منع الأوّل لارتفاع الترديد لم يكن الثاني ممنوعاً. وعند ذلك يعود الإشكال.فانّ القول بجريانه يستلزم بنجاسة ملاقيه، لكون ملاقي مستصحب النجاسة نجس وهو لا يجتمع مع القول بطهارة ملاقي أحد الأطراف.

وما ذكر من الميزان بين المقام والاستصحاب الكلّي غير تام سواء أكان الإبهام في الموضوع وهويّته، كما في الحيوان المردّد بين الفيل والبق، أم كان الموضوع مشخصاً وكان الإبهام في محلّه كما في الحيوان المردّد بين الجانب الشرقي والغربي


1-الفوائد: 4/421ـ 422.


(114)

بعد العلم بانهدام الغربي، فيجري استصحاب الكلّي والاختلاف في هذه الجهة لايضرّ بالمقصود.

جواب ثان لصاحب المصباح:

إنّا نلتزم بنجاسة الملاقي لأنّ القول بطهارته إنّما إذا لم يكن هناك أصل حاكم على نجاسته كما في المقام، حيث إنّ استصحاب الجامع يقتضي بنجاسة ملاقيه.نعم يلزم منه عدم الحكم بنجاسة الملاقى والحكم بنجاسة الملاقي وهو ليس بمحذور، لإمكان التفكيك بين المتلازمين في مؤدّيات الأُصول فيحكم بنجاسة الملاقي دون الملاقى.(1)

جواب لبعض الأعلام:

هناك جواب ثالث لبعض الأعلام المعاصرين(2)وهو أنّ استصحاب الجامع وإن كانت أركانه تامّة لكن لايترتّب على مؤدّاه نجاسة اليد الملاقية مع الطرفين إلاّ بالملازمة العقليّة، لأنّ نجاسة الجامع لو فرض محالاً وقوعها على الجامع، وعدم سريانها إلى هذا الطرف أو ذاك، لاتسري إلى الملاقي لأنّ نجاسة الملاقي موضوعها، نجاسة هذا الطرف أو ذاك الطرف، لا الجامع بما هو جامع، وإثبات نجاسة أحد الطرفين بخصوصه بنجاسة الجامع يكون بالملازمة العقليّة.

جواب رابع:

وقد أجبنا عن الشبهة في الدورة السابقة ما هذا حاصله:


1-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/112ـ113.
2-الشهيد السيد محمّد باقر الصدر ـ قدّس سرّه ـ على ما في تقريراته : 6/254.


(115)

إنّ من أركان الاستصحاب، وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة.وليس المقام كذلك.لأنّ كل نقطة من العباء في الزمان السابق كان محتمل النجاسة، وممكن الإشارة. أي أنّ كلّ جزء منه يحتمل أن يكون نجساً، وهذا بخلاف ما إذا غسل الطرف الأعلى وترك الأسفل إذ لايصلح لأن يشير إلى الطرف الأعلى بأنّه يحتمل أن يكون نجساً بل هو طاهر قطعاً، وعندئذ تكون القضية المشكوكة مغايرة مع المتيقّنة. وهذا نظير العلم بنجاسة أحد الإنائين في زمان واحد مع إراقة واحد منهما، فالإناء الآخر وإن كان واجب الاجتناب بحكم العلم الإجمالي السابق، لكنّه لايصحّ معه الاستصحاب.

القسم الثالث: من أقسام استصحاب الكلّي

ومورد هذا القسم هوالشكّ في بقاء الكلّي لأجل احتمال قيام فرد آخر مقام الفرد المعلوم الارتفاع، وله صور:

1ـ إذا كان الشكّ في بقاء الكلّي لأجل احتمال معيّة فرد مع الفرد المعلوم الارتفاع كما إذا علمنا بوجود زيد في الدار واحتملنا مصاحبة عمرو معه في الدار، ثمّ علمنا بخروج زيد فيستصحب بقاء الإنسان ، بعد الشك.

2ـ تلك الصورة لكن احتملنا قيام فرد مقامه، كما إذا علمنا بخروج زيد واحتملنا مقارنة ورود عمرو في الدار مع خروجه منها.

3ـ إذا كان الشكّ في بقاء الكلّي لأجل احتمال حدوث مرتبة من مراتب وجودها بعد العلم بارتفاع مرتبة أُخرى كما إذا علمنا بارتفاع السواد الشديد، واحتملنا بحدوث مرتبة ضعيفة منه.

فهل يجري الاستصحاب مطلقاً أو لا يجري مطلقاً، أو التفصيل بين الأوّلين والأخير ولايجري إلاّ في الأخير كما هو خيرة الشيخ الأعظم؟


(116)

الصورة الأُولى:

ربّما يقال بجريان الاستصحاب فيها قائلاً: بأنّ العلم بوجود الفرد الخاص في الخارج يلازم العلم بحدوث الكلّي خارجاً، فبارتفاع الفرد الخاص يشكّ في ارتفاع الكلّي لاحتمال قيام الكلّي بفرد آخر، لاحتمال مصاحبته معه فلم يختل أركان الاستصحاب من اليقين السابق والشكّ اللاحق.

يلاحظ عليه: أنّه ليس المراد من الكلّي، هو الكلّي المنطقي، أي مفهوم نفس الكلّي، ولا الكلّي العقلي أي الإنسان الكلّي الذي لاتقرّر له إلاّ عند العقل، بل المراد منه ذات الطبيعي الموجود في الخارج، المتقيّد بقيود، والمتشخّص بحدود، لكن ملاحظته بما هو هو ، لا بقيوده وخصوصياته والطبيعي بهذا المعنى يتعدّد حسب تعدّد الأفراد، يتكثّر بتكثره، فعندئذ تختلّ أركان الاستصحاب، إذ الطبيعي المتحقّق في ضمن الفرد الأوّل قد علم بارتفاعه، والثاني منه مشكوك الحدوث. فبقاء الكلّي لا يخلو إمّا أن يكون بمعنى بقاء المفهوم المجرّد (الإنسان) فليس هو موضوعاً للحكم، ولاأثر لحدوثه وبقائه. وإمّا أن يكون بمعنى المحقّق في الخارج فقد تبدّل وارتفع.

وما يقال من أنّه مع العلم بارتفاع الفرد يحتمل بقاء الجامع في ضمن فرد آخر من الإنسان، مدفوع بأنّه لو كان المراد من الجامع المفهوم المجرّد فبقاءه محتمل باحتمال وجود فرد آخر معه. ولكنّه ليس موضوعاً للحكم، وإن أُريد به المحقَّق في الخارج فقد علم ارتفاعه ولو كان هنا فرد آخر، فهو جامع وطبيعي وإنسان آخر، لاصلة له بالأوّل، فالباقي على فرض بقائه غير ما حدث وارتفع، بخلاف القسم الأوّل فإنّ الباقي على فرض بقائه عين ما حدث أوّلا، والقضية المتيقّنة نفس المشكوكة.

وبذلك تقف على عدم صحّة استصحاب الحدث إذا نام واحتمل احتلامه


(117)

في المقام وتوضّأ بعد الانتباه قائلاً: بأنّ ارتفاع الحدث الأصغر، بالوضوء لايضرّ ببقاء الجامع، لاحتمال وجود فرد آخر معه كالجنابة حال النوم، لما عرفت من أنّ مفهوم الحدث ليس موضوعاً للحكم وإنّما الموضوع واقع الحدث وهو متعدّد حتّى على فرض حدوث الجنابة في المنام.

الصورة الثانية

فيظهر ممّا تقدّم، عدم جريانه فيها بطريق أولى. فإذا كان جريان الاستصحاب مع احتمال معيّة الفرد الآخر مشكلاً فجريانه فيما إذا علمنا عدم وجوده معه، ولكن يحتمل حدوثه عند ارتفاع الفرد الأوّل أشكل، للتباين والتغاير الموجود بين القضيّة المتيقّنة والمشكوكة.

وبذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده الشيخ من أنّ العلم بانتفاء الفرد إنّما يمنع عن استصحاب الفرد دون الكلّي، وذلك لأنّ المراد من الكلّي ليس هو مفهوم الإنسان المجرّد عن كلّ قيد، بل المراد ما يشار به إلى الخارج المتحقّق في ضمن الفرد والمفروض ارتفاعه. وأمّا تسمية كونه كلّياً أو جامعاً أو قدراً مشتركاً، فالمراد صلاحيته لانتزاع مفهوم كلّي أو مفهوم جامع، أو مفهوم مشترك، وإلاّ فهو حسب الفرض شيء متحقّق في الخارج، غاية الأمر لايلاحظ خصوصياته، ومثله لايسمّى كلّياً وإن كان يصحّ عدّه منشأ لانتزاعه.

وبذلك يعلم الفرق بين ثاني الأقسام وثالثها، فإنّ الباقي في الثاني على فرض بقائه، هو نفس ما حدث بخلاف الباقي في الثالث فهو على فرض بقائه غير الأوّل قطعاً.

الصورة الثالثة

وهي ما إذا احتمل تبدّل الفرد المتيقّن ـ حدوثاً وارتفاعاً ـ إلى مرتبة من


(118)

مراتبه وعدم تبدّله، فهل يجري استصحاب الكلّي أو لا ؟ كما إذا كان هناك سواد شديد فعلمنا بارتفاعه، ولكن نحتمل تبدّله إلى السواد الخفيف أو إلى البياض. ومثاله في الأحكام الشرعية ما إذا علمنا بكون الشخص كثير الشكّ، ووقفنا بارتفاعه ولكن احتملنا انقلابه إلى المرتبة الخفيفة منه، فهل يصحّ استصحاب كونه كثير الشكّ بلاتقيّد بالمرتبة أو لا ؟ ذهب الشيخ الأعظم والمحقّق النائيني إلى الجريان، والمحقّق الخراساني إلى خلافه.

والظاهر، التفصيل بين عدّ المرتبة المشكوكة غير مغاير عرفاً مع السابقة بحيث تعدّ استمراراً لوجود المرتبة السابقة وبين خلافه. وعلى ذلك يصحّ الاستصحاب في مجالي السواد وكثرة الشكّ، لأنّ السواد الضعيف عند العرف ليس فرداً مغايراً في الوجود مع السواد الشديد وإن كان يختلف عنه في الحدّ، بل يعدّان شيئاً واحداً مختلفاً من حيث الحدّ فليس الشديد والضعيف فردان منه، بل شيء واحد تختلف حالاته، ومثله كثرة الشكّ، فالشكّ موضوع والكثرة والقلّة من حالاته. وليس منه إذا علمنا بوجوب شيء ثمّ علمنا بارتفاعه واحتملنا كونه محكوماً بالاستحباب فليس لنا استصحاب الطلب، لأنّ الوجوب والندب فردان مغايران للطلب.

القسم الرابع : من أقسام استصحاب الكلّي

وهو ما إذا علم بوجود إنسان في الدار، وعلم أيضاً بفرد القرشي فيها أيضاً، واحتمل قيام العنوانين بوجود واحد أو بوجودين.ويمتاز هذا القسم عن الثاني أنّ الفرد هناك مردّد بين نوعين وهذا بخلاف المقام، فانّ الفرد معيّن من حيث النوع. غاية الأمر أنّه يحتمل انطباق عنوان آخر عليه، كما يمتاز عن الثالث بعد اشتراكهما في احتمال تقارن فرد آخر مع هذا الفرد المعيّن الذي علمنا ارتفاعه، أنّه ليس في القسم الثالث علمان بل علم واحد متعلّق بوجود فرد معيّن، غاية الأمر


(119)

يحتمل تقارن فرد آخر مع حدوثه أو مع ارتفاعه. بخلاف القسم الرابع، فإنّ فيه علمان:علم بوجود فرد معيّن، وعلم بوجود ما يحتمل انطباقه على هذا الفرد وغيره.

ومثاله: إذا علمنا بالجنابة يوم الخميس مثلاً وقد اغتسلنا منها، ثمّ رأينا يوم الجمعة في ثوبنا منيّاً نعلم بكوننا جنبنا حين خروج هذا المني، ولكن نحتمل أن يكون هذا المني من الجنابة التي اغتسلنا منها وأن يكون من غيرها فنستصحب كلّي الجنابة مع إلغاء الخصوصية.نعم هو معارض باستصحاب الطهارة الشخصية فانّ المغتسل يوم الخميس على يقين بالطهارة حين ما اغتسل من الجنابة ولاعلم بارتفاعها، لاحتمال كون المني المرئي من تلك الجنابة فيقع التعارض فيتساقطان، ولابدّ من الرجوع إلى أصل آخر(وهو الاشتغال). وأمّا فيما لامعارض كما إذا علمنا بوجود زيد وعلمنا بوجود متكلّم ويحتمل انطباقه عليه وعلى غيره، فلا مانع من استصحاب الإنسان الكلّي ـ مع القطع بخروج زيد عنها ـ إذا كان له أثر شرعي.(1)

يلاحظ عليه: أمّا موضوعاً: فالظاهر أنّه داخل في القسم الثالث وأنّ التفاوت المذكور لايؤثّر ولايوجد فرقاً جوهرياً لأنّ هنا علماً بالجنابة القائمة بفرد متيقّن الارتفاع، والشكّ في بقائه لأجل احتمال بقاؤها بفرد آخر فلايرتفع بارتفاع الفرد الأوّل. والعلم بوجود عنوان آخر وإن كان موجوداً في هذا القسم دون القسم الثالث لكن ذلك العلم غير مؤثّر في جريان الاستصحاب.

وأمّا حكماً،لأجل ما ذكرناه من عدم جريانه في القسم الثالث من أنّ الطبيعي في ظرف الشكّ على فرض وجوده، غير الطبيعي الأوّل الذي علم بحدوثه وارتفاعه، وليس المراد من الطبيعي، مفهوم الإنسان حتّى تكون نسبته إلى الأوّل والثاني سواسية، بل المفهوم الذي يشار به إلى الخارج وعندئذ يتعدّد الطبيعي.


1-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/118.


(120)

أضف إلى ذلك أنّ مثاله لاينطبق على المورد، لأنّه لا علم له بعنوان ثان مغاير للعنوان الأوّل، فإذا علم بالجنابة يوم الخميس فهذا عنوان، وإذا رأى المنيّ في لباسه يوم الجمعة فقد علم بالجنابة إثر خروجه، ولكن يحتمل أن يكون ذلك العنوان متّحداً مع نفس العنوان المعلوم يوم الخميس، لا مغايراً. وهذا بخلاف العلم بوجود إنسان، والقرشي في البيت أيضاً فانّ فيه علمين بالعنوانين المغايرين، غاية الأمر يحتمل و حدة المصداق. وأمّا مثال الجنابة، فليس فيها علمان: علم بالجنابة يوم الخميس وعلم بالجنابة إثر خروج المني، بعدما يحتمل كونها نفس السابقة منها، ومعه كيف يكون علمان بالجنابة.

التنبيه الخامس:

في استصحاب الزمان والزمانيات

إنّ الاستصحاب تارة يجري في نفس الزمان وأُخرى في الشيء الواقع فيه.

أمّا الأوّل: فكما إذا كان الزمان موصوفاً بكونه ليلاً أو نهاراً فشككنا في بقاء ذلك الوصف، فهل يجري الاستصحاب أو لا ؟

وأمّا الثاني: فالشيء الواقع فيه على قسمين:تارة يكون مثل الزمان أمراً غير قارّ الذات، كالحركة والتكلّم وسيلان الماء، وقذف الرحم الدم، وبعبارة أُخرى يكون الزمان داخلاً في ذاته، وأُخرى لايكون كذلك في ذاته، لكن لما صار مقيّداً بالزمان عرض له السيلان بالعرض كالجلوس في المسجد من الصبح إلى الظهر.فيقع البحث في مواضع ثلاثة:

الموضع الأوّل:

في استصحاب نفس الزمان مثل بقاء الليل والنهار

فقد استشكل فيه بوجهين:


(121)

1ـ إنّ الزمان شيء غير قارّ الذات ولايتصوّر له البقاء بل سنخ تحقّقه، هو الوجود بعد العدم وما هذا شأنه ليس له إلاّ الحدوث فقط، ولايتصوّر له البقاء، وعليه فالليل والنهار من الأُمور ذات الأجزاء وكل جزء منهما لايعدّ فرداً منهما بل هو جزء منهما.

وأُجيب بأنّه لو كان الشكّ في البقاء معتبراً في الاستصحاب أمكن أن يقال:إنّ مثل الزمان والزمانيات المتصرّمة خارج عن العنوان المذكور لعدم تصوّر البقاء لها إلاّ بالمسامحة العرفية، لكن هذا العنوان لم يرد في الأدلّة بل يكفي اليقين بالشيء والشكّ فيه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ مقتضى شرطيّة فعليّة اليقين والشكّ، لزوم وجود اختلاف في المتعلّق ولو من حيث الحدوث والبقاء ولولا ذلك لايصحّ أن يكون شيء واحد متعلّقاً لليقين والشكّ معاً بالفعل، وبعبارة أُخرى: أنّ لزوم كون الشكّ متعلّقاً بالبقاء لازم لاجتماع اليقين والشكّ في آن واحد، وكونهما متعلّقين بشيء واحد وعلى ذلك فهو مدلول التزامي للروايات لا مدلول مطابقي.

مع أنّ اجتماع اليقين والشكّ بما هو أمر محال لابدّ أن يصحح بأحد وجهين إمّا باختلاف زمانيهما، فعندئذ ينطبق على قاعدة اليقين والشكّ الساري أو باختلاف متعلّقهما، وهو لا يحصل إلاّ بتعلّق أحدهما بالحدوث والآخر بالبقاء.

والتحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الزمان مقدار الحركة، فكما أنّ للحركة بقاءً واستمراراً، فللزمان الذي هو مقدارها بقاء واستمرار.غير أنّ بقاء كلّ شيء بحسبه، فلأُمور القارّة بقاء وانقضاء، ولغير القارّة منها أيضاً بقاء وزوال، فالزمان كالنهار والليل عند العرف أشبه بالإنسان الذي تطرأ عليه حالات من الصبا والشباب والكبر، فكما أنّ الإنسان في كبره، هو الإنسان في حال صباه فهكذا النهار


1-الشيخ عبد الكريم الحائري: درر الأُصول: 2/176.


(122)

في وسطه وآخره نفس النهار في أوّله وله بقاء كبقاء الإنسان.

وبعبارة أُخرى: أنّ البعد الزماني في بقائه كالبعد المكاني، كالخط، فكما أنّ للثاني وجوداً واحداً لكن متفرّق الأجزاء في نقطه. فهكذا البعد الزماني، فله وجود غير مجتمع الأجزاء فليس ملاك الوحدة اجتماع أجزاء الشيء في زمان واحد أو مكان واحد. بل ملاكها (كما سيوافيك) اتصال الأجزاء وتلاصقها سواء كانت مجتمعة في مكان أو زمان أو لا.وهذا الملاك موجود في البعد المكاني والزماني معاً.

وقد قصّر المستشكل نظره إلى انبثاث الأجزاء وتفرّقها فزعم أنّ الزمان فاقد للبقاء وغفل عن ملاك الوحدة العرفية في الأُمور المتصرّمة وأنّ ملاكها، هو تلاصق الأجزاء وتلاحقها بحيث لايقع فيها فصل لا اجتماعها في محلّ واحد.هذا كلّه حسب حكم العرف وأمّا عقلاً فهو موكول إلى محلّه.(1)

2ـ إنّ استصحاب بقاء الليل والنهار بصورة القضيّة التامّة لايثبت كون الجزء المشكوك نهاراً أو ليلاً إلاّ عقلاً لاشرعاً للملازمة العقليّة بين بقاء النهار والليل على الوجه التام وبين كون الجزء المشكوك نهاراً أو ليلاً، كبقاء الكرّية، المستلزم لكون الماء المعيّن الموجود في البيت كرّاً.وأمّا استصحابه بصورة كان الناقصة فليس لها حالة سابقة، لأنّ الجزء المعيّن المشكوك كونه ليلاً أو نهاراً لم يكن موجوداً في السابق بوصفه حتّى يستصحب، فقولك:هذا الجزء كان نهاراً كلام كاذب.

يلاحظ على الإشكال:أمّا على الصورة الأُولى فلإمكان دفعه بخفاء الواسطة بحيث يرى العرف الأثر لذي الواسطة (المستصحب) لا لها نفسها. فكون الصلاة


1-حاصله: أنّ الزمان ليس مركّباً ومقسّماً إلى أجزاء بالفعل وإلاّ يلزم تركّبه من الجزء الذي لايتجزّى وهو أمر محال. وعلى ذلك لا معنى لانقسام الزمان إلى آنات وأنّه يتركّب من آنات وأنّ انقضاء الزمان بمعنى تتالي الآنات، فانّ ذلك كلّه يستلزم الجزء الذي لايتجزّى، بل الزمان متّصل غير قارّ الذات ، نحو وجوده وتحقّقه على وجه لا تجتمع أجزاؤه بالقوّة في مكان واحد.


(123)

واقعاً في النهار أو الليل، يترتّب على كون النهار والليل باقيان لا على اتّصاف الجزء بالنهارية والليلية.

وإن شئت قلت: إنّ التعبّد ببقاء النهار والليل عين التعبّد بكون هذا الجزء نهاراً أو ليلاً، لاشيئاً غيره.

وأمّا تصوير الاستصحاب بصورة مفاد كان الناقصة فيكفي في ذلك أنّ الجزء اللاحق من الزمان، المشكوك كونه ليلاً أو نهاراً امتداد للجزء السابق منه وبقاء له لا أمر مغاير فإذا أحرز اتصافه بأحد الوصفين من الليل والنهار سابقاً جاز استصحابه بهذا الوصف إلى أن يحصل اليقين بخلافه، والإشكال إنّما يتأتى على الدّقة العقليّة وأنّ الجزء اللاحق شيء، والسابق شيء آخر.

ثمّ إنّ هنا استصحاباً آخر ربّما يغنينا عن استصحاب الليل والنهار وهذا فيما إذا كان وجوب الفعل أو جوازه مقيّداً بعدم حدوث حادث، كتعلّق وجوب الإمساك أو جواز الأكل، على عدم غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، فيكفي في إثبات وجوب الأوّل، وجواز الثاني هذا النوع من الاستصحاب. وهو استصحاب عدم حدوث الحادث فيماإذا كان وجوب الفعل أو جوازه مقيّداً بعدم حدوثه.

نعم لو كانا معلّقين على أمر وجودي كوصف النهار والليل، فلامناص عن استصحابهما بأحد الوجهين المتقدّمين.

الموضع الثاني:

استصحاب الأُمور التدريجية

إذا كان المستصحب ممّا لا استقرار لوجوده بل يتجدّد شيئاً فشيئاً على التدريج كالتكلّم والكتابة والمشي وسيلان دم الحيض والماء فهل يجري فيها الاستصحاب إذا طرأ عليها الشكّ أو لا.


(124)

فالإشكال فيها مثل الإشكال في الزمان، والجواب نفس الجواب، من كون ملاك الوحدة هو العرف، وهو يرى حركة السيّارة أو تكلّم الخطيب شيئاً واحداً ممتدّاً. فلكلّ من الحركة والتكلّم حدوث وبقاء وليس حركة السيّارة أمراً مركّباً من الآنات المتلاحقة ومثلها التكلّم.

وإن شئت قلت:إنّ للحركة وحدة واقعية لاعرفية، فانّها تنقسم إلى توسّطية وقطعية. فالأُولى عبارة عن كون المتحرّك بين المبدأ والمنتهى وهو أمر انتزاعي ذهني والثانية ـ التي هي واقع الحركة ـ عبارة عن انطباق هذه الحالة الموجودة في الجسم على الحدود وأجزاء المسافات، وعند ذاك تصبح الحركة أمراً حقيقياً مستمرّ الوجود باقية بعين شخصيته المتدرجة وهويّته المتقضّية المتصرّمة.

وبالجملة: بقاء كلّ شيء بحسبه فإذا كانت حقيقة الوجود قارّاً فبقائه باجتماع جميع أجزاء وجوده في زمان واحد أو مكان خاص. وأمّا إذا كانت خصيصة وجوده أمراً متصرّماً ومتدرّجاً كان بقاؤه ببقاء استمراره وامتداده على الحدود وأجزاء المسافات، فالوجود الممتدّ باق بامتداده التصرّمي، وثابت بوحدته التجدّدية ولولا ذلك بطلت هويّته وزالت شخصيته.

وباختصار لابدّ في توصيف الشيء بالوحدة والبقاء ملاحظة سنخ وجود الشيء وخصوصيته، فالوجود القارّ له بقاء، والوجود المتصرّم له بقاء، بقاؤه ببقاء استمراره ودوام تقضّيه. وعلى هذا يكون البقاء حقيقياً لاعرفياً.

وإنّما سرى توهّم عدم بقاء الحركة والزمانيات لأحد وجهين:إمّا لعدم اجتماع أجزائه المتّصلة في زمان واحد، وإمّا لتصوّر تركّب الحركة من أجزاء وتخلّل السكنات بين أجزائها، ومعنى هذا أنّ الزمان عبارة عن تتالي الآنات، والحركة هي الأجزاء المتخلّلة فيها السكنات، وكلا الوجهين غير تام:أمّا الأوّل فلأنّ بقاء الشيء وعدمه يتبع الخصوصية الوجودية للشيء فللقارّ بقاء ولغيره بقاء آخر وكلّما


(125)

اختلفت الخصوصية الوجودية اختلفت كيفية البقاء.

وأمّا تركّب الحركة من الأجزاء والزمان من الآنات فقد أبطله من أبطل الجزء الذي لايتجزّى ولو فرضت صحّته، فإنّما هو (تركّب الحركة من أجزاء متكثّرة) حكم عقلي مغفول عنه عند العرف فلاحظ. فإذن ليست للحركة أجزاء ولا الزمان مركّب من آنات وهو واضح لمن له إلمام.

واعلم أنّه إذا كان المرجع للوحدة هو العرف فملاك الحكم بالوحدة كثير.

منها: القرار والثبات كما في الجمادات.

منها: التلاحق والتلاصق كما في الحركة.

منها: اجتماع الأجزاء الكثيرة تحت مفهوم اعتباري تترتّب عليه أعراض كحركة عقرب الساعة الذي يشكّل حركته الدورية ستّين دقيقة أو ساعة واحدة.

منها: وحدة الداعي إلى إيجاد الأشياء الكثيرة كالتكلّم على منبر الخطابة، فيعتبر المجموع كلاماً واحداً، مع أنّها كلامات وجمل، تخلّلت فيها فواصل.ولمّا كان المجموع أُلقي بداع واحد، سمّي الجميع كلاماً واحداً. إلى غير ذلك من الملاكات المختلفة التي تصبغ الكثرات بصبغة الوحدة.

أقسام الشكّ في الأُمور التدريجية

إنّ الشكّ في الزمانيات تارة يكون في وجود المانع بعد إحراز المقتضي، كما إذاكان من أوّل الأمر قاصداً للسفر إلى أربع فراسخ لكن يحتمل عروض مانع من برد أو حر، وأُخرى يكون الشكّ في أصل المقتضي، كما إذا شككنا في حدّ داعيه، هل كان قاصداً للسفر بمقدار أربع فراسخ أو أقلّ، وثالثة يكون الشكّ في حدوث المقتضي الجديد بعد العلم بارتفاع المقتضي الأوّل كما إذا كان قاصداً للسفر إلى أدنى مسافة شرعية لكن يحتمل عروض داع جديد إلى السير بأزيد منها.


(126)

الكلام في الصورة الأُولى:

أمّا جريان الاستصحاب في الصورة الأُولى فلا غبار عليه خصوصاً في مثل الحركة التي لها اتصال حقيقي عقلي وعرفي كالمشي وحركة السيّارة ، ففي مثله يجري الاستصحاب الشخصي لأنّ الحركة من بدء وجودها إلى ختامها شيء واحد سنخ وجودها السيلان والجريان، لا الثبات والجمود.

وهل يجري فيما إذا علمنا بتخلّل السكون اليسير بعد الحركة كما هو مختار المحقّق الخراساني قائلاً: بأنّ المناط في الاستصحاب هو الوحدة العرفية ولايضرّ السكون القليل لوحدة الحركة. أو لا يجري إذ لا فرق بين العقل والعرف في المقام، فانّ المتحرّك إذا سكن ولو قليلاً لايصدق عليه أنّه متحرّك عرفاً لصدق الساكن عليه، ولايمكن اجتماع عنوان الساكن والمتحرّك في نظر العرف وعليه لو شككنا في الحركة بعد السكون لما جرى الاستصحاب فلامحيص عن التفصيل بين استصحاب الحركة والسيلان بعدم جريانه فيهما لو تخلّل (عدم) وجريانه مالم يعلم بتخلّله.

وبين غيرهما كالكتابة والتكلّم وغيرهما من الأشياء التي يقع بين أجزائها فصل فهي وإن كانت فاقدة للوحدة الحقيقية، لكنّها واجدة للوحدة العرفية ولايضرّ التنفّس القليل لوحدته عرفاً.

والاستصحاب في المقام من قبيل استصحاب الفرد الحقيقي ولو قلنا بجريان استصحاب الكلّي فيه فهو من قبيل القسم الأوّل من أقسامه الثلاثة أو الأربعة.

فإن قلت: لازم ما ذكرت من جريان استصحاب الفرد الحقيقي، هو وجود الكلّ بتحقّق أوّل جزء منه، ولازم ذلك، تحقّق الفرد بتحقّق بعض أجزائه مع أنّه مستحيل، لعدم تحقّق الكلّ(الفرد الحقيقي )إلاّ بتحقّق جميع أجزائه، وبعبارة


(127)

أُخرى: أنّ الفرد إمّا أن يتحقّق بتحقّق أوّل جزء منه أو لا، فعلى الأوّل يكون الجزء المشكوك فرداً آخر، وعلى الثاني يلزم عدم تحقّق الحركة إلاّ بتحقّق آخر جزء منه وهو كما ترى.

قلت: أمّا الكتابة والتكلّم اللذين تتخلّل بين أجزائهما فجوة فيُعدّ الكلّ فرداً واحداً بالمسامحة وهي مؤلّفة من أجزاء تسمّى الجميع فرداً واحداً.

وأمّا الحركة فنختار الشقّ الأوّل، وحديث عدم تحقّق الفرد إلاّ بتحقّق جميع أجزائه إنّما هو في الفرد القارّ الذات كالحجر والشجر. وأمّا غيره كالحركة والزمان فتحقّق الفرد فيه بتحقّق أوّل جزء منه، ولكن لمّا كانت أجزاؤه الأُخرى متعاقبة، يعدّ الجميع فرداً واحداً ، ويرتفع الإشكال إذا قيس البعد الزماني بالبعد المكاني والانبساط والانبثاث في البعدين لاينافيان الوحدة الحقيقية .

الكلام في الصورة الثانية:

إذا كان الشكّ في بقاء الزماني ناشئاً عن بقاء المقتضي وعدمه كأن لم يعلم مقدار داعيه في السفر فجريان الاستصحاب يتوقّف على القول بالإطلاق في أدلّة الاستصحاب وعدمه، وقد عرفت الحقّ فيه.

الكلام في الصورة الثالثة:

وهي عبارة عمّا إذا كان الشكّ في قيام داع آخر بعد ارتفاع الداعي الأوّل، كما إذا احتمل طروء داع لمسافر بعد إنهاء المقتضي الأوّل. فهل يجري الاستصحاب أو لا ؟ فاختار المحقّق الثاني عدمه قائلاً: بأنّ وحدة السير عرفاً بوحدة الداعي فيتعدّد السير بتعدّده فيشكّ في حدوث فرد آخر للسير مقارن لارتفاع الفرد الأوّل عند احتمال قيام داع آخر في النفس بعد القطع بارتفاع ما كان مقدّماً في النفس.


(128)

يلاحظ عليه: أنّ المقام أشبه بدعامتين لخيمة واحدة ، فكما أنّ تبديل الدعامة بدعامة أُخرى لايضرّ بقيام الخيمة فهكذا المقام فإنّ انضمام داع ثان بداع أوّل، لايجعل السفر، سفرين فيصحّ استصحابه عند احتمال بقائه لأجل حدوث داع آخر.

فإن قلت: إنّ استصحاب بقاء السفر معارض بأصالة عدم حدوث داع آخر، بل الثاني حاكم عليه.

قلت: الحكومة ممنوعة، لعدم الترتّب الشرعي في المقام، بل الترتّب عقلي لأنّ العقل يحكم بوجود المعلول (السفر) عند وجود العلّة (الداعي)وبعدمه عند عدمها.

فإذا كان الترتّب في جانب الوجود أمراً عقلياً، يكون الترتّب في جانب العدم مثله، فلايترتّب على عدم وجود داع ثان، عدم بقاء الحركة والسير إلاّ بالأصل المثبت.

الموضع الثالث:

استصحاب الأمر القارّ المقيّد بالزمان

فهنا بحثان:

الأوّل: إذا شككنا في حصول الغاية أي الليل، فهل يجري الاستصحاب أو لا ؟

الثاني: إذا شككنا في بقاء الوجوب بعد حصول الغاية أيضاً فهل يجري الاستصحاب أو لا؟

والمناسب للبحث عنه في هذا التنبيه هو الأوّل دون الثاني.

لأنّ ما أوجب عقد ذاك التنبيه ، هو تصوّر أنّ المتصرّمات والمتدرّجات ممّا لابقاء له عقلاً فلا تشمله أدلّة الاستصحاب، فصار الشيخ بصدد دفعه بأنّ المدار


(129)

هو البقاء العرفي لا العقلي والزمان والزمانيات بقسميهما لهما بقاء عرفاً.

وأمّا إمكان بقاء الحكم بعد حصول الغاية وعدمه فليست الشبهة فيه لأجل كونه أمراً متصرّماً منقضياً حتّى يبحث عنه بهذا الملاك،بل الشبهة لأجل تعارض الاستصحاب الوجودي مع العدمي كما ذكره النراقي ودفعه الشيخ.

وبذلك يعلم أنّ طرح البحث الثاني في المقام ونقل كلام النراقي والإجابة عنه، كلّها خارج عن هدف التنبيه.

ثمّ إنّ الشبهة في بقاء النهار تارة تكون موضوعية وأُخرى حكمية. وقد سبق الكلام في الأوّل بكلتا القضيتين: التامّة والناقصة، وقلنا بجريانه فيهما.

إنّما الكلام فيما إذا كان الشكّ حكمياً ناشئاً من إجمال المفهوم كالنهار غير المعلوم وضعه لما بين طلوع الفجر ومغرب الشمس أو بينه وبين ذهاب الحمرة فلو غربت الشمس وبقيت الحمرة ،فلايجوز الاستصحاب لا الحكمي ولا الموضوعي.

أمّا الحكمي كأن يقال كان الصوم واجباً والأصل بقاؤه لعدم وحدة القضيتين لأنّه كان واجباً والزمان كان متّصفاً بالنهارية ولكنّه الآن مشكوك جدّاً.

وأمّا الموضوعي أي بقاء النهار لما عرفت سابقاً من أنّ الاستصحاب لدفع الشبهة عن وجه القضايا الخارجية لا لتعيين مفاهيم الألفاظ ومعانيها وليس لها في الخارج أيّ شكّ متعلّق بنفس ماتعلّق به اليقين بل هنا يقينان: يقين بغروب الشمس ويقين بعدم زوال الحمرة المشرقية، وليس أيّ شكّ حتّى يكون مجرى للاستصحاب. نعم الشك كلّ الشكّ في بقاء صدق اللفظ وسعته وضيقه وهو ليس بمتعلّق لليقين.

فإن قلت: كان هنا يقين بالنهار وشككنا في بقائه وإن كان لأجل الجهل بمعناه، فالأصل بقاؤه، فتعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين.

قلت: هذا ظاهر القضية ولكنّه عند التحليل يرجع إلى غير ما تعلّق به اليقين باطناً فانّ هنا يقيناً بغروب الشمس وعدم ذهاب الحمرة المشرقية، وليس فيه شكّ وإنّما الشكّ في سعة الموضوع له للفظ النهار وضيقه.فعلى الأوّل النهار باقي دون الثاني فيكون متعلّق الشك غير متعلّق اليقين.


(130)

التنبيه السادس:

في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية

قد عرفت أنّ البحث في بقاء الوجوب بعد حصول الغاية لاصلة له بالبحث عن جريان الاستصحاب في الزمان والزمانيات بل هو أمر مستقلّ عقدنا له هذا التنبيه.

إنّ التشكيك في عموم دليل الاستصحاب لبقاء الحكم الشرعي الكلّي لوجهين:

الأوّل : تصوّر قصور الأدلّة وعدم إطلاقها للشبهات الحكمية خصوصاً إذا لوحظ أنّ الأمثلة الواردة في الروايات كلّها من قبيل الشبهة الموضوعية لا الحكمية.

ويندفع بأنّه لاقصور فيها لأنّ الصحاح اعتمد في تقريب لزوم التعبّد بالبقاء بأنّ الشك لاينقض اليقين، وأنّ صلابة اليقين مانعة عن انتقاضه بالشكّ،وهو موجود في كلا الموردين.

الثاني: تصوّر معارضة الحكم الوجودي مع العدمي الأزلي الذي أبدعه المحقّق النراقي حسب مانقله الشيخ الأعظم فقال: إذاعلم أنّ الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة وعلم أنّه واجب إلى الزوال ولم يعلم وجوبه فيما بعد، فاستصحاب وجوبه بعده معارض بعدم وجوبه مطلقاً قبل التكليف فخرج الجلوس قبل الزوال وبقى بعده تحت عدم الوجوب الأزليّ.


(131)

وقد أجاب الأعلام عن استدلال النراقي بوجوه نذكرها وما يمكن أن يقال فيها:

الأوّل: ما أجاب به الشيخ الأعظم من التفريق بين كون الزمان في دليل المستصحب قيداً للموضوع ومفرِّداً له وبين كونه ظرفاً للفعل.وحاصله: أنّ الزمان إن أُخذ ظرفاً للشيء فلايجري إلاّ استصحاب وجوده لأنّ العدم انتقض بالوجود المطلق وقد حكم عليه بالاستمرار بمقضتى أدلّة الاستصحاب، وإن أُخذ قيداً له فلا يجري إلاّ استصحاب العدم لأنّ انتقاض عدم الوجود المقيّد لايستلزم انتقاض المطلق والأصل عدم الانتقاض.(1)

وقد أورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ بأنّه لامعنى لأخذ الزمان ظرفاً لاقيداً بل الزمان المأخوذ في لسان الدليل يكون قيداً دائماً، وحاصل ما أفاده أنّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول، فالأمر بالشيء إمّا أن يكون مطلقاً وإمّا أن يكون مقيّداً بزمان خاصّ ولاتتصوّر الواسطة بينهما، ومعنى كونه مقيّداً بذلك الزمان الخاص عدم وجوبه بعده، فأخذ الزمان ظرفاً للمأمور به ـ بحيث لاينتفي المأمور به بانتفائه قبالاً لأخذه قيداً للمأمور به ـ ممّا لايرجع إلى معنى معقول، فانّ الزمان بنفسه ظرف لايحتاج إلى الجعل التشريعي، فإذا أُخذ زمان خاصّ في المأمور به فلامحالة يكون قيداً له، فلا معنى للفرق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً فانّ أخذه ظرفاً ليس إلاّ عبارة أُخرى عن كونه قيداً.(2)

يلاحظ عليه: أنّه يمكن تصوير كون الزمان ظرفاً إذ المراد منه ليس عدم


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد: 377، طبعة رحمة اللّه،وقريب منه ما أفاده المحقّق الخراساني وحاصله: أنّ جريان كلا الاستصحابين مبنيّ على اتخاذ الزمان ظرفاً حتى يجري الاستصحاب الوجودي، وقيداًحتّى يجري الاستصحاب العدمي، والدليل الواحد لايمكن أن يتكفّل كلا اللحاظين لكمال المنافاة بينهما ولايكون في أخبار الباب ما بمفهومه يعمهما، راجع الكفاية: 2/318.
2-المحقّق الخوئي:مصباح الأُصول: 3/131ـ132.


(132)

دخالته أبداً لاحدوثاً ولابقاءً، وإلاّ لزم أخذه في لسان الدليل لغواً، لأنّه ـ كما ذكره ـ دام ظلّه ـ ـ بنفسه ظرف لا يحتاج إلى الجعل التشريعي، بل المراد دخالته حدوثاً لابقاءً مقابل دخالته حدوثاً وبقاءً، فعلى الأوّل يكون الزمان ظرفاً وعلى الثاني يكون قيداً كما هو الحال في تغيّر الماء بأحد أوصافه الثلاثة حيث تستصحب نجاسته بعد زواله بنفسه إذ من المحتمل أن يكون التغيّر مؤثّراً حدوثاً لابقاءً فيكفي ذلك في احتمال البقاء وشمول دليل المستصحب.

وإن شئت قلت:يحتمل أن يكون واسطة في الثبوت لاواسطة في العروض، إذ الأوّل من الوسائط ما يكون وجوده آناً ما كافياً في بقاء الحكم إلى الأبد، ولكن الثاني منها ما يكون الحكم دائراً مدار وجوده حدوثاً وبقاءً، كجريان الماء على الميزاب المصحِّح لنسبته إلى نفس الميزاب بحيث لو انقطع الماء لبطلت النسبة الثانية.

الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني وحاصله: منع جريان الاستصحاب العدمي حتّى فيما كان الزمان قيداً قائلاً: بأنّ العدم الأزلّي يختصّ بما إذا كان الموضوع مطلقاً، لامقيّداً بالزمان، قال: إنّ العدم الأزلي هو العدم المطلق الذي يكون كلّ حادث مسبوقاً به وانتقاضه إنّما يكون بحدوث الحادث فلو ارتفع بعد الحدوث لم يكن العدم الثاني هو العدم الأزلي، بل هو عدم حادث بعد وجود الشيء .

وبعبارة أُخرى: العدم المقيّد بقيد خاص من الزمان أو الزمانيّ إنّما يكون متقوّماً بوجود القيد، كما أنّ الوجود المقيّد بقيد خاص، إنّما يكون متقوّماً بوجود القيد، ولايعقل أن يتقدّم العدم أو الوجود المضاف إلى زمان خاص عنه، فلايمكن أن يكون لعدم وجوب الجلوس في يوم السبت تحقّق في يوم الجمعة.

وبعبارة أُخرى: وجوب الجلوس بعد الزوال وإن كان حادثاً مسبوقاً بالعدم،


(133)

إلاّ أنّ العدم المسبوق به ليس هو العدم الأزلي، لانتقاض العدم الأزلي بوجوب الجلوس قبل الزوال، فلابدّ وأن يكون العدم المسبوق به هو العدم آن الزوال أو بعد الزوال لو فرض أنّ آن الزوال كما قبل الزوال يجب الجلوس فيه، فقبل الزوال ليس الوجوب المقيّد بما بعد الزوال متحقّقاً ولا عدم الوجوب المقيّد بذلك متحقّقاً إلاّ على نحو السالبة بانتفاء الموضوع.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الجلوس كما هو محكوم بعدم الوجوب بالعدم الأزلي، فهكذا الجلوس المقيّد بما بعد الزوال أيضاً محكوم بعدم الوجوب بالعدم الأزلي، وكون أحدهما مطلقاً، والآخر مقيّداً لايوجد في ذلك تفاوتاً،وتقيّد الموضوع بما بعد الزوال، لايستلزم أن لايكون مسبوقاً بالعدم الأزلي وعدم الموضوع في الخارج إنّما يمنع عن فعلية الحكم لا عن إنشائه للفرق بين نفس الحكم وفعليته فالأوّل منهما غير متوقّف على حدوث الزوال وبعده بل يكفي تصوّر الموضوع كلّياً وحمل عدم الوجوب عليه، والثاني يتوقّف على حلول الزوال، فالحاجة إلى القيد خارجاً، إنّما في مقام الفعلية لا في مقام الإنشاء.

الثالث: ما أفاده شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدّس سرّه ـ قال: إنّ استصحاب الوجوب لايعارضه استصحاب العدم الأزلي فانّ مقتضى استصحاب عدم وجوب الجلوس المقيّد بالزمان الخاص، أنّ هذا المقيّد بما هو مقيّد ليس مورداً للوجوب على نحو لوحظ الزمان قيداً ولاينافي وجوب الجلوس في ذلك الزمان الخاص على نحو لوحظ الزمان ظرفاً للوجوب.

وبعبارة أُخرى: أنّه لامانع من جريان الاستصحابين وكون الجلوس بعد الزوال محكوماً بحكمين مختلفين فهو بما أنّه جلوس ومن مصاديق مطلق الجلوس وأفراده، محكوم بالوجوب وبماأنّ جلوسه مقيّد، محكوم بعدمه. وهذا من الإمكان


1-المحقّق النائيني: فوائد الأصول: 4/445ـ446.


(134)

بمكان بل لا مانع من حصول القطع بذينك الحكمين، فلا غرو من أن نقطع بوجوب الجلوس بعد الزوال، بما أنّه جلوس ومن مصاديقه، وبعدمه بما أنّه جلوس مقيّد.(1)

فإن قيل: لو فرضنا تعلّق الوجوب بالجلوس قبل الزوال وشككنا في بقائه، فهو محكوم بالوجوب، لأجل الاستصحاب الوجودي، وبعدمه حسب العدم الأزلي، فهل يصح له أن يتمسك بالاستصحاب الثاني أو لا ؟

قلت: إذا كان العمل بغير الواجب مزاحماً للأمر الواجب لايعدّ تقدّم الواجب عليه دليلاً على بطلان الثاني فكلّ من الاستصحابين حجّة.غير أنّ العمل بالحكم غير الواجب لمّا كان مزاحماً للحكم الواجب يقدّم الثاني في مقام العمل كما لايخفى.

الرابع: انصراف أدلّة الاستصحاب عن العدم الأزلي، وعدم صدق نقض اليقين بالشكّ إذا لم يؤخذ به، فإنّ الظاهر، من دليل الاستصحاب، هو الأمر بحفظ اليقين المتعلّق بشيء يقع في أُفق الحياة وفي إطار الآجال والأزمان التي يعيش الإنسان فيها، وأمّا العدم السابق على الآجال والأزمان فالدليل منصرف عنه.

نظرية المحقّق الخوئي في المقام

ثمّ إنّ المحقق الخوئي ـ دام ظلّه ـ أحيى إشكال المحقّق النراقي ببيان جديد، وكأنّه تلّقى أنّ الأجوبة الماضية غير مغنية ولاقالعة للإشكال وحاصل كلامه وقوع التعارض بين استصحاب الأمر المجعول (الوجوب) فيما بعد الزوال،واستصحاب عدم جعله له، قال في تقرير ذلك:


1-الشيخ عبد الكريم حائري: درر الفوائد: 2/179ـ180.


(135)

إنّ الشكّ في الحكم الشرعي تارة يكون راجعاً إلى مقام الجعل ولو لم يكن المجعول فعلياً لعدم تحقّق موضوعه في الخارج كما إذا علمنا بجعل الشارع القصاص ولو لم يكن الحكم به فعلياً لعدم تحقّق القتل ، ثمّ شككنا في بقاء هذا الجعل، فيجري استصحاب بقاء الجعل ويسمّى باستصحاب عدم النسخ وهذا الاستصحاب خارج عن محلّ الكلام.

وأُخرى يكون الشكّ راجعاً إلى المجعول (سعته) بعد فعليّته بتحقّق موضوعه في الخارج.

والشكّ في المجعول في الشبهات الحكمية على قسمين:

1ـ ما كان الزمان مفرّداً للموضوع وكان الحكم انحلالياً كحرمة وطء الحائض حسب أفراده كوطئه قبل النقاء،أو بعده وقبل الاغتسال، وهي أفراد طولية حسب امتداد الزمان، فلايصحّ جريان الاستصحاب فيها حتّى على القول بجريانه في الأحكام الإلهية.لأنّ هذا الفرد من الوطء، أعني: الفرد المحقّق بعد النقاء وقبل الاغتسال لم تعلم حرمته من أوّل الأمر.فيكون استصحاب حكم الفرد المتقدّم إلى الفرد اللاحق من قبيل إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر.

2ـ ما إذا لم يكن الزمان مفرّداً، ولم يكن الحكم انحلالياً كنجاسة الماء القليل المتمّم كرّاً، فانّ الماء شيء واحد غير متعدّد حسب امتداد الزمان في نظر العرف ونجاسته حكم واحد مستمرّ من أوّل الحدوث إلى آخر الزوال، فاستصحاب النجاسة مبتلى بالمعارض، لأنّا إذا شككنا في بقاء نجاسة الماء المتمّم كرّاً فلنا يقين متعلّق بالمجعول، ويقين متعلّق بالجعل فبالنظر إلى المجعول يجري استصحاب النجاسة، وبالنظر إلى الجعل يجري استصحاب عدم النجاسة في هذا الظرف، إذ المتيقّن جعلها للماء النجس غير المتمّم كرّاً.وأمّا جعلها مطلقاً حتّى للقليل المتمّم فهو مشكوك فيه. فيستصحب عدمه فتقع المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول


(136)

واستصحاب عدم الجعل وكذا الملكيّة والزوجيّة.فإذا شككنا في بقاء الملكيّة بعد رجوع أحد المتبايعين فباعتبار المجعول يجري استصحاب بقاء الملكيّة وباعتبار الجعل يجري استصحاب عدم الملكيّة.ويكون المقام من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر فنأخذ بالأقل لكونه متيقّناً ونجري الأصل في الأكثر لكونه مشكوكاً فيه.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ جريان استصحاب المجعول مبنيّ على أخذ الزمان ظرفاً حتّى يكون الموضوع، الجلوس في المسجد، وجريان استصحاب عدم الجعل مبنيّ على أخذه قيداً للموضوع بفصله ممّا قبله، وتلقّيه موضوعاً مستقلاّ ً وهو يناسب القيدية لا الظرفية وما هو الموضوع إمّا نفس الجلوس بقاءً أو الجلوس المقيّد وعلى كل تقدير يجري استصحاب واحد لا استصحابان.

والحاصل : أنّ مفاد الظرفية إلغاء غير ذات الجلوس من القيود بقاءً وإن كان له دخالة في الحدوث فعند ذلك لامعنى للحاظ كلّ قطعة من الزمان موضوعاًخاصّاً، والتمسّك في غير ما ورد في لسان الدليل بعدم الجعل، واستصحاب عدم الجعل في القطعة الخاصّة يناسب القيديّة لا الظرفيّة.

وثانياً: لامعارضة بين الاستصحابين حسب ما أفاده شيخ مشايخنا العلامة الحائري ـ قدّس سرّه ـ إذ لامانع من أن يكون الماء النجس المتمّم كرّاً نجساً باعتبار النجاسة السابقة المحمولة على الماء بما هو ماء وغير نجس في هذا الظرف الخاص أعني: كونه متمّماً كرّاً، فإنّ هذين الحكمين غير متعارضين في صورة القطع بهما فكيف إذا كانا بحكم الاستصحابين.ومثله الصورة السابقة.

فالمرأة التي انقطع دمها محكومة بحرمة الوطء بما هي امرأة كانت ترى الدم من غير لحاظها بكونها انقطع دمها، وغير مجعولة لها الحرمة، باعتبار لحاظها متقيّدة


1-المحقق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/37ـ 39.


(137)

بانقطاع الدم.

التنبيه السابع:

في الاستصحاب التعليقي

قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

1ـ إذا كان مفاد الهيئة في الإنشائيات عارياً عن القيد فالحكم تنجيزيّ وإلاّ فتعليقي من غير فرق بين التعبير عنه بالجملة الخبرية المقصودة منه الإنشاء كما في قولك:والعصيرالعنبي حرام إذا غلى، أو بالجملة الإنشائية مثل قوله:اجتنب عن الخمر أو اجتنب عن العنب إذا غلى،وقد قدّمنا، إمكان تقييد مفاد الهيئة بلا إشكال.

2ـ إنّ الشكّ في بقاء الحكم الشرعي تارة ينشأ من الشكّ في بقاء موضوعه كحياة زيد، أو بقاء المائع على الخمرية وهذه هي الشبهة الموضوعية، وأُخرى ينشأ عن بقاء نفس الحكم الشرعي وذلك على قسمين فتارة يكون الشكّ في سعة الجعل وضيقه كما إذا احتملنا اختصاص الحكم بزمان خاص، واحتملنا رفعه بالنسخ، وأُخرى: نعلم سعة الجعل وأنّ الحكم باق إلى يوم القيامة لكن يحتمل ارتفاعه في مورد لأجل ارتفاع عنوان مأخوذ في الموضوع يحتمل مدخليته في الحكم وهذا ما يعبّر عنه بالشكّ في سعة المجعول به وضيقه لأجل عدم مدخلية القيد المرتفع أومدخليته كما إذا صار العنب زبيباً، والماء المضاف ماءً مطلقاً.

3ـ إنّ العنوان المأخوذ في الموضوع على أقسام: فتارة يدور الحكم مداره كقولنا:الكلب نجس والخمر حرام فلو انقلبا ملحاً أو خلاّ ً ارتفع الحكمان، وأُخرى يدور مدار ذات الشيء لاعنوانه كالحنطة حلال فالحكم ثابت وإن انقلب دقيقاً وخبزاً، وثالثة يشكّ ويحتمل أحد الأمرين كما هو الحال في الماء المتغيّر


(138)

بالنجاسة حيث لا يعلم أنّ الحكم دائر مدار وجود التغيّر، أو دائر مدار ذات المعنون ويكفي حدوث التغيّر آناً مّا، والحاجة إلى الاستصحاب إنّما هو في الشقّ الثالث دون الأوّلين لعدم الشك فيهما، فلو كان زوال العنوان غير موجب لتبدّل الموضوع إلى موضوع آخر في نظر العرف الدقيق يجري الاستصحاب وإلاّ فلا، بلا إشكال وإن شئت قلت: إذا كان تبدّل الموضوع سبباً لارتفاع وحدة القضيتين: المتيقّنة والمشكوكة فلا يجري الاستصحاب دون ما إذا لم يكن كذلك.

4ـ إنّ المثال المعروف للاستصحاب التعليقي هو قولهم:العنب حرام إذا غلى فلو جفّ العنب وصار زبيباً، فبما أنّ الرطب والجفاف من حالات الموضوع فيستصحب ويحكم بحرمته إذا غلى.

وللمناقشة في المثال مجال: لأنّ الموضوع للحرمة ، ليس هو العنب ، بل العصير العنبي، أي الماء الموجود في العنب إذا غلى يحرم، وهو غير باق قطعاً إذا جفَّ وصار زبيباً فانّ المغلي عندئذ هو الماء الموجود في القدر المختلط مع أجزاء الزبيب ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان: عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ كلّ عصير أصابته النّار فهو حرام حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه».(1) وفي صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «لايحرم العصير حتّى يغلى» .(2)

والمثال غير عزيز:فلو تغيّر عنوان المسجد بأن غُصب وجعل داراً أو صار خراباً بحيث لايمكن تعميره ولا الصلاة فيه فيقع الكلام في حرمة تنجيسه ووجوب إزالة نجاسته فإن قلنا: بأنّ أحكام المسجد، مترتّبة على ما يقال إنّه مسجد بالفعل فما لم يكن كذلك لا يحكم عليه بشيء من الأحكام فيجوز التنجيس ولا تجب الإزالة، وإن قلنا: إنّها مترتّبة على ما هو المسجد واقعاً وإن لم


1-الوسائل: 17/224 ح1، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة.
2-الوسائل: 17/229 ح1، الباب 3 من أبواب الأشربة المحرّمة.


(139)

يكن بالفعل مسجداً فيترتّب عليه كلا الحكمين وسائر الأحكام وإن لم يعلم واحد من الأمرين يرجع إلى الأصل ومقتضاه تنجيزاً هو الحرمة في الأوّل وتعليقاً هو الوجوب في الثاني، فيقال:كان تنجيس هذا المكان سابقاً حراماً والأصل بقاؤه، ويقال أيضاً: كان هذا المكان لو تنجّس وجب تطهيره والأصل بقاؤه. ومنشأ الشكّ هو خروج المكان عن المسجدية بالفعل. ولأجل كون الاستصحاب التعليقي عند المحقّق النائيني(1) وتلاميذه ليس بحجّة، أفتوا بحرمة التنجيس ولم يفتوا بوجوب الإزالة بل احتاطوا فيه.ومثله إذا قلنا: كان الجلوس في هذا المكان حراماً إذا كان الجالس جنباً والأصل بقاؤه.

5ـ إنّ التعليق تارة يرجع إلى المحمول كما إذا قال:العصير العنبي حرام إذا غلا، أو قال: الماء لايفسده شيء إذا كان كرّاً. وأُخرى: يرجع إلى الموضوع، كما إذا قال:العصير المغليّ حرام أو الماء الكرّ لاينجّسه شيء. وأُخرى :يرجع إلى جعل السببيّة والملازمة بين الغليان والحرمة، والكرّية وعدم النجاسة.

6ـ إنّ البحث فيما إذا ورد حكم تعليقي في الشرع كما عرفت، ثمّ طرأ التغيّر في بعض حالات موضوعه فيشكّ في بقاء الحكم وعدمه فهل يصحّ إبقاء الحكم الشرطي الشرعي على النحو الوارد أو لا ؟ وأمّا ارجاع الحكم التعليقي إلى التنجيزي وجعل الموضوع مركّباً من جزئين أحدهما موجود دون الآخر بأن يقال:المستصحب: العنب المغلي حرام وفرض وجود العنب دون الغليان فهو خارج عن محطّ البحث.

إذا عرفت ما قدّمناه من المقدّمات فاعلم أنّ الكلام يقع في مقامين:


1-السيد محمد الكاظم الطباطبائي اليزدي: العروة الوثقى: أحكام النجاسات، فصل يشترط في صحّة الصلاة إزالة النجاسة عن البدن، المسألة 13، لاحظ تعليقة المحقّق النائيني وغيره.


(140)

المقام الأوّل:

في تمامية أركان الاستصحاب ومقوّمات جريانه

قد استشكل عليه في هذا المقام بوجهين:

1ـ لاوجود للمعلَّق قبل وجود ما علِّق عليه:

لعلّ السيّد الطباطبائي (بحر العلوم) أوّل من تمسّك بالاستصحاب التعليقي في حرمة العصير الزبيبي، وردّ عليه تلميذه صاحب الرياض وتبعه ولده في المناهل، وأوردا عليه:بأنّه يشترط في حجّية الاستصحاب ثبوت أمر أو حكم وضعي أو تكليفي في زمان من الأزمنة قطعاً. ثمّ حصل الشكّ في ارتفاعه بسبب من الأسباب، ولايكفي مجرّد قابليّة الثبوت باعتبار من الاعتبارات، فاختلّ أحد أركان الاستصحاب.

وهذا الإشكال هو الذي ردّه عليه الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني وإليك كلام الأخير قال:إنّ المعلّق (الحرمة) قبل الغليان إنّما لايكون موجوداً فعلاً لا أنّه لايكون موجوداً أصلاً ولو بنحو التعليق كيف والمفروض أنّه مورد فعلاً للخطاب بالتحريم مثلاً أو الإيجاب فكان على يقين منه قبل طروء الحالة فيشكّ فيه بعده، ولايعتبر في الاستصحاب إلاّ الشكّ في بقاء شيء كان على يقين من ثبوته واختلاف نحو ثبوته لايوجب تفاوتاً في ذلك.(1)

مع أنّ كلام المحقّق الخراساني تامّ لكن المحقّق النائيني لم يقتنع به واستوجه الإشكال ونحن نأتي بكلامه على ما في تقريرات الكاظمي:إنّ الحكم المترتّب على الموضوع المركّب إنّما يكون وجوده وتقرّره بوجود الموضوع بماله من الأجزاء،


1-المحقق الخراساني: كفاية الأصول : 2/320.


(141)

والشرائط لأنّ نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول ولايعقل أن يتقدّم الحكم على موضوعه، والموضوع للنجاسة والحرمة في مثال العنب إنّما يكون مركّباً من جزئين:العنب والغليان من غير فرق بين أخذ الغليان وصفاً للعنب كقوله:«العنب المغليّ يحرم وينجس أو أخذه شرطاً له كقوله:«العنب إذا غلى يحرم وينجس» لأنّ الشرط يرجع إلى الموضوع ويكون من قيوده فقبل فرض غليان العنب لايمكن فرض وجود الحكم ومع عدم فرض وجود الحكم لامعنى لاستصحاب بقائه لما تقدّم من أنّه يعتبر في الاستصحاب الوجودي أن يكون للمستصحب نحو وجود وتقرّر في الوعاء المناسب له، فوجود أحد جزئي الموضوع المركّب كعدمه لايترتّب عليه الحكم الشرعي مالم ينضمّ إليه الجزء الآخر.

وما يقال: (1) إنّ العنب قبل غليانه وإن لم يكن معروضاً للحرمة والنجاسة الفعليّة لعدم تحقّق شرط الموضوع إلاّ أنّه معروض للحرمة والنجاسة التقديريّة فهما ثابتتان للعنب قبل غليانه فيشكّ في بقائهما عند صيرورته زبيباً فعدم حصول الغليان إنّما يمنع عن الشكّ في بقاء الحرمة والنجاسة الفعليتين واستصحابهما لا عن الشكّ في بقاء التقديريّة منهما.

مدفوع بأنّه لامعنى للتقديريّة منهما إلاّ عبارة عن أنّ العنب لو انضمّ إليه الغليان لترتّبت عليه النجاسة والحرمة وهذا مضافاً إلى أنّه أمر عقلي لازم جعل الحكم على الموضوع المركّب الذي وجد أحد جزئيه، مقطوع البقاء لا معنى لاستصحابهما.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لاوجه لإرجاع القيود كلّها إلى الموضوع،وإرجاع القضايا الشرطية إلى القضايا التنجيزية ، فانّ الشروط كما أوضحناها في محلّه


1-ناظر إلى كلام المحقّق الخراساني كما عرفت.
2-المحقّق النائيني: فوائد الأُصول: 4/466ـ 468.


(142)

تختلف حسب طبائعها ومدخليتها في المصالح والمفاسد فإذا قال الشارع:العصير العنبي يحرم إذا غلى ،فلا دليل على إرجاعه إلى أنّ العصير المغلي حرام. حتى يترتّب عليه منع استصحابه.

وثانياً: أنّ إتعاب النفس بإرجاع القيود إلى الموضوع ليس أمراً مؤثّراً لما يهمّه، فانّ العرف يتلقّى القضيتين على نمط فسواء قال القائل: العنب المغليّ حرام، أو قال: العنب حرام إذا غلى، فهو يحكم بأنّه لولا الغليان لما كان العنب محكوماً بالحرمة الفعليّة. والتفريق بين جعله قيداً للموضوع أو الحكم أشبه بما عليه الشيخ فيما إذا باع فرساً عربياً فبان عجمياً ففرّق بين جعله وصفاً للفرس، أو جعله شرطاً فلو قال:بعتك الفرس العربي فبان عجمياً فهو يعدّ من المبائن. ولو قال:بعتك الفرس بشرط أن يكون عربياً، فلو تخلّف فهو من قبيل تخلّف الشرط، وعلى الأوّل فالعقد باطل إذا وقع على الفرس الخارجيّ، وعلى الثاني للمشتري خيار تخلّف الشرط.

وثالثاً: قد عرفت أنّ محطّ البحث هو إبقاء القضية التعليقية في لسان الشرع بحالها إذا طرأ على الموضوع حالات متخالفة ومتبادلة فيقال:هل يجوز استصحاب الحكم الشرعي التعليقي عند طروء بعض الحالات أو لا والمسألة ذات قولين: فمن مانع لأجل عدم بقاء الموضوع أو معارضته بالاستصحاب التنجيزي، ومن مجوّز مجيب عن الإشكالات على ما سيوافيك.

وأمّا منع ذلك لأجل عدم فعليّة الحكم المستصحب، بإرجاع القضايا التعليقية إلى التنجيزية وجعل الشرط جزء الموضوع ، وعدم فعليّة الحكم لأجل عدم تمامية الموضوع ، فهو خروج عن موضوع البحث، لأنّ البحث هواستصحاب نفس الحكم التعليقي الشرعي، لا الحكم التنجيزي حتّى يعتذر، بعدم الحكم الفعلي لفقدان بعض أجزاء الموضوع.


(143)

فإن قلت: ما فائدة استصحاب الحكم التعليقي عند طروء بعض الحالات .

قلت: فائدته فعليّة الحكم عند وجود المعلّق عليه كما هو الحال في نفس العنب قبل طروء بعض الحالات ولايعدّ مثل ذلك مثبتاً، لأنّ الترتّب شرعي. والذي دلّ عليه الدليل، هو أن يكون المستصحب حكماً شرعياً مجعولاً يكون التعبّد ببقائه أمراً غير لغو وهو موجود في المقام لكون التعليق أمراً شرعياً ، والتعبّد غير لغو، كما عرفت وأمّا كونه حكماً فعلياً بمعنى اجتماع جميع أجزاء وجود الموضوع المركّب وترتّب حكمه فلم يدلّ عليه دليل، بل يجب أحد الأمرين إمّا هذا، أو الحكم الشرعي التعليقي.

وعلى ذلك فالحكم الكلّي التعليقي فعلي لورود البيان من الشارع وأمّا الحكم الشرعي في مورد العنب الجزئي الخارجي فهو شرعي تعليقي يصحّ التعبّد ببقائه عند طروء بعض الحالات، وتكون النتيجة ترتّب الحكم الشرعي عند حصول المعلّق عليه.

ورابعاً: أنّ ما ذكره من أنّه لامعنى للحكم التقديري إلاّ أنّ العنب لو انضمّ إليه الغليان، لترتّب عليه الحرمة وهذا مضافاً ـ إلى أنّه أمر عقلي ـ مقطوع البقاء ، فهو يرجع إلى إشكالين:أحدهما : أنّه أمر عقلي، وثانيهما: أنّه أمر مقطوع البقاء وكلاهما غير تامّين.

أمّا الأوّل: فلأنّه خلط بين المُنشأ والمنتزع والمُنشأ هو الحكم الشرعي الشرطي أي حرمة العنب التوأم مع الغليان وهو أمر حقيقي وما ذكره من أنّ معناه أنّ العنب لو انضمّ إليه الغليان لترتّب عليه الحرمة، فهو أمر انتزاعيّ وليس نفس الحكم المنشأ.

وأمّا الثاني : أي كونه مقطوع البقاء فانّما هو إذا كان الموضوع هو العنب الكليّ، وأمّا إذا لوحظ العنب الخارجي بماله من الحالات والمراتب فالحكم مشكوك


(144)

البقاء في بعض الحالات ، أعني: ما إذا جفّ ماؤه وصار زبيباً وسيتّضح ذلك عند البحث عن الإشكال الثاني.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيّد الصدر حيث ذكر: أنّ ما تصوّره المحقّق العراقي وتلميذه صاحب المستمسك من كلام المحقّق النائيني ليس مراده، ثمّ قام بتفسير مقالته وقال:إنّ الصحيح في توضيح مقاله هو أنّه إن أراد استصحاب الجعل فالمفروض أنّه قطعي البقاء وإن كان المراد استصحاب المجعول الفعلي فلايقين بحدوثه لأنّ الحكم الفعلي كالحرمة لايثبت إلاّ بعد تحقّق تمام قيود الحكم وفعليتها في الخارج والمفروض عدم تحقّق بعضها وإن كان المراد استصحاب الحرمة الثابتة على نهج القضايا الشرطية فهو أمر منتزع عن جعل الحرمة على موضوعها المقدّر الوجود ولا أثر للتعبّد به وإنّما الأثر والتنجيز يترتّب على منشأ انتزاعه وهو الحكم الشرعي من الجعل والمجعول.(1)

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشق الأخير وهو الحرمة المجعولة على الموضوع المقدّر الوجود فلانسلّم أنّه أمر منتزع وإنّما هو نفس المجعول الشرعي في القضايا الشرطية. نعم إنّما يصير أمراً منتزعاً لو قلنا بإرجاع القضايا الشرطية إلى قضايا حملية ويكون الحكم الشرعي: العنب المغليّ حرام، وينتزع منه الحرمة على تقدير موضوعها المقدّر وأمّا لو قلنا بأنّ الحرمة المشروطة هي المجعول فلايصير أمراً انتزاعياً.

هذا كلّه إذا كان المستصحب هو الحكم التكليفي، أعني: الحرمة، وهناك وجه أشارإليه الشيخ الأعظم وهو استصحاب الملازمة بين الغليان والحرمة.

وأورد عليه المحقّق النائيني بأنّ الملازمة والسببيّة لايعقل أن تنالها يد الجعل الشرعي فلا يجري استصحاب بقاء الملازمة والسببيّة لأنّ المستصحب إمّا أن يكون


1-الشهيد السيد الصدر: بحوث في علم الأصول: 6/284.


(145)

حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي.

يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صحّة الاستصحاب كون أمر المستصحب بيد الشارع وضعاً ورفعاً وفي المقام كذلك لأنّها منتزعة من حكمه بالحرمة عند الغليان وهذا كاف في اتّصاف المستصحب بالأمر الشرعي كاستصحاب الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة من الأحكام المتعلّقة بالشرط والجزء والمانع.

2ـ الاستصحاب التعليقي إسراء حكم من موضوع إلى موضوع

هذا هو الوجه الثاني لعدم تمامية أركان الاستصحاب وحاصله أنّ مفهومي العنب والزبيب، مفهومان متغايران، فإسراء حكم الأوّل إلى الثاني أشبه بالقياس، ولا أجد من يتسامح، ويقول إنّ المفهوم من الزبيب هو نفس المفهوم من العنب.

هذا هو الإشكال المهمّ في استصحاب الأحكام الكلّية كإسراء حكم الماء المتغيّر إلى الماء الزائل عنه التغيّر، والمستطيع إلى من زالت عنه الاستطاعة.ولكن الإشكال نشأ من تصوّر أنّ المقصود هو إسراء حكم عنوان إلى عنوان آخر، ومن المعلوم أنّ التشريع الأوّل حتّى بفضل الاستصحاب، لايقوم بذلك لأنّ المفاهيم مثار الكثرة والحكم المجعول على موضوع، يمتنع أن يسري إلى موضوع آخر، إلاّ بدليل ثان.

لكن الاستصحاب ليس مبنيّاً على ذلك بل أساسه، هو أنّ الحكم الكلّي المجعول على العنب إذا انطبق على العنب الخارجي وصار المصداق محكوماً بذلك الحكم، يكون هو الموضوع للاستصحاب فيشار إليه عند الاستصحاب ويقال: هذا الشيء الخارجي كان محكوماً بالحرمة عند الغليان والآن بعد ما جفّ ماؤه يشكّ في بقائه فالأصل هو بقاؤه ، وبعبارة أُخرى:العنب والزبيب وإن كانا مفهومين متغايرين، لكن الهدف ليس إسراء الحكم من مفهوم العنب إلى مفهوم


(146)

الزبيب بل الهدف إسراء حكم الشيء الخارجي إذا تبدلّ من حالة إلى حالة أُخرى ولم يكن التغيّر على حدّ يجعلهما متغايرين في الهوية الخارجية وهذا يكفي في تمامية أركان الاستصحاب ومن المعلوم أنّ الزبيب حسب الهوية (لا المفهوم) نفس العنب ولاتفاوت بينهما إلاّ بالجفاف وعدمه.

وبذلك يعلم حال إسراء حكم الماء المتغيّر إلى ما زال عنه تغيّره فلو كان مجال الاستصحاب هو المفاهيم الكلّية وإسراء حكم مفهوم كالمتغيّر إلى مخالفه كغير المتغيّر فلا شكّ أنّه أشبه بالقياس وأمّا لو كان مجاله هو الماء الخارجي المتغيّر، فيشار إليه ويقال: إنّه كان نجساً قبل التغيّر وشكّ في بقائه بعد زواله، فإذا كانت الهوية الخارجية محفوظة، يحكم بالبقاء. فالحاجة إلى الدليل الاجتهادي إنّما في اتّصاف العنب الخارجي بالحكم فإذا اتّصف به، فلاحاجة إليه في اتّصاف الزبيببه .

وهذا هو المفتاح الوحيد لحلّ مشكلة الاستصحاب في الأحكام الكلّية التعليقية فالحاجة إلى الدليل الاجتهادي إنّما هو قبل الانطباق وأمّا بعده فالمستنبط في غنى عنه ويلتفت إلى جانب المصداق الخارجي ويشار إليه بالثبوت والبقاء إذا كان التغيّر في الأحوال، لا في الذوات.

وما ذكرناه هو نتيجة ما ذكر سيّد مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدّس سرّه ـ.

المقام الثاني:

في كون التعليقي معارضاً بالتنجيزيّ

قد عرفت أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب التعليقي وأنّ أركانه تامة فالمقتضي موجود، فعندئذ يقع الكلام في وجود المانع وهو معارضته مع الاستصحاب التنجيزي.


(147)

تقرير التعارض

مقتضى الاستصحاب التعليقي وإن كان حرمة العصير الزبيبي بعد الغليان، ولكن مقتضى الاستصحاب التنجيزي حلّيته فانّه كان حلالاً قبل الغليان وشكّ في بقائه وحلّيته بعده، فمقتضى الاستصحاب بقاؤها فيقع التعارض بين الاستصحابين.

وأجاب عنه الشيخ الأعظم على وجه الإجمال وقال: إنّ استصحاب الحرمة على تقدير الغليان حاكم على استصحاب الإباحة قبل الغليان.

وقد أوضحه المحقّق الخراساني في تعليقته(1) والمحقّق النائيني في فوائده.(2)

وإليك التوضيح:

إنّ الشكّ في الحلّية والحرمة في الزبيب المغليّ مسبّب عن الشكّ في كيفية جعل الحرمة للعنب المغليّ وأنّ الشارع هل رتّب الحرمة على العنب المغليّ مطلقاً في جميع مراتبه المتبادلة(وإن صار العنب زبيباً) أو أنّ الشارع رتّب الحرمة على خصوص العنب ولايعمّ الزبيب، فالاستصحاب التعليقي يقتضي كون الحرمة مترتّباً على الأعم ويثبت به حرمة الزبيب المغليّ، فلايبقى مجال للشكّ في الطهارة والحلّية.

وأورد عليه: بأنّ مجرّد الترتّب لايكفي في تقدّم الأصل السببي على المسبّبي بل هو مشروط بكون التعبّد بالسببي تعبّداً شرعاً بنقض الأصل المسبّبي، كما أنّ التعبّد بكرّية الماء المغسول فيه الثوب النجس، تعبّد بنقض استصحاب النجاسة وطهارة كلّ ما غسل فيه.ولكنّ المقام ليس كذلك فانّ التعبّد ببقاء الحرمة، ليس


1-التعليقة على الفرائد: 212ـ213.
2-فوائد الأصول: 474.


(148)

تعبّداً شرعاً بارتفاع الحلّية بل هو كذلك عقلاً إذ الضدّان لا يجتمعان عقلاً، لاشرعاً. مع أنّ مقتضى الاستصحاب التعليقي وإن كان حرمة العصير الزبيبي بعد الغليان، ولكن مقتضى الاستصحاب التنجيزي حلّيته فقد كان حلالاً قبل الغليان وشكّ في بقائها بعده فمقتضى الاستصحاب بقاؤها، فيقع التعارض بين الاستصحابين.

وأُجيب بأنّ اللازم على قسمين:قسم يكون لازماً للوجود الواقعي منالمستصحب كإنبات اللحية المترتّب على الحياة الواقعي فلايثبت به حتّى يترتّب عليه أثره الشرعي كما إذا نذر إعطاء درهم للفقير إذا نبتت لحية زيد، وقسميكون مترتّباً على وجود المستصحب الأعم من الوجود الواقعي أو التنزيلي كللازم للشيء الأعم من وجوده الواقعي أو الظاهري كما في المقام فانّ الحرمة سواءكانتواقعية أو ظاهرية ، لاتجتمع مع حلّية الشيء وقد أشار إليه المحقّقالخراساني في التعليقة(1) حيث قال:وإنّما لا يكون بمجرّد الترتّب العقلي حكومة ما لميكنفي البين ترتّب شرعي لو كان المترتّب عليه عقلاً، خصوص الواقع الحقيقي المستصحب لا الأعم منه ومن الواقع الجعلي الناشئ من الاستصحاب.

وأجاب المحقّق النائيني بأنّ عدم أحد الضدّين وإن كان من اللوازم العقلية لوجود الآخر والأُصول العملية لاتثبت اللوازم العقلية ، إلاّ أنّ هذا فيما إذا لم يكن التعبّد بعدم أحد الضدّين ممّا يقتضيه التعبّد بوجود الضدّ الآخر كما في ما نحن فيه، فإنّ تعبّد بحرمة العنب المغليّ بماله من المراتب التي منها مرتبة كونه زبيباً ـ كما هو مفاد الاستصحاب التعليقي ـ يقتضي التعبّد بعدم حلّيته إذ لامعنى للتعبّد بالحرمة إلاّ إلغاء احتمال الحلّية فيكون استصحاب الحرمة التعليقية حاكماً


1-التعليقة : 213.


(149)

على استصحاب الحلّية.(1)

جواب المحقّق الخراساني عن التعارض:

وقد أجاب عنه في الكفاية بجواب آخر وحاصله(2): أنّ استصحاب الحلّية المغياة بالغليان لايضرّ باستصحاب الحرمة المعلّقة على الغليان.

توضيحه: أنّ الزبيب عند ما كان عنباً كان محكوماً بحكمين: الحلّية قبل الغليان، والحرمة بعده.وإذا صار زبيباً نقطع ببقاء الحلّية ، ولكن نشكّ في بقاء الحرمة على الوجه الذي كان عليه، فيحكم ببقاء الحكمين على النحو الذي كان عليه فالقطع ببقاء الحكمين لايضرّ فكيف الحكم ببقائهما بالاستصحاب.

وباختصار:أنّه يحكم قبل الغليان بحكمين: 1ـ الحلّية المغياة.2ـ الحرمة المعلّقة على الغليان، ولايمكن الحكم ببقاء الحلّية، لحصول الغاية بل يحكم بالحرمة لحصول المعلّق عليه.

و ربما يورد على هذا الجواب: بأنّ حلّية العنب كانت مغياة بالغليان لاحلّية الزبيب إذ لم يثبت كونها مغياة بالغليان حتّى يقال بارتفاعها، لحصول الغاية، وإن شئت قلت: إنّ الحلّية المستصحبة هي ذات الحلّية الثابتة بعد الجفاف، وقبل الغليان، ولايحكم بأنّها مغياة، لاحتمال عدم الحرمة بالغليان بعد الجفاف. وبعبارة أُخرى المستصحب هو الحلّية التنجيزية لا المغياة.

يلاحظ عليه: أنّ المقطوع عدم تطرّق إباحة جديدة للعنب بعد ما صار زبيباً، بل الحلّية الفعلية، هي نفس الحلّية السابقة المغياة لا غير وتكون الحلّية في كلتا المرحلتين حلّية مغياة لاأنّ الثانية تكون مطلقة.


1-فوائد الأصول: 2/477.
2-كفاية الأصول : 2/322.


(150)

التنبيه الثامن:

في استصحاب أحكام الشرائع السابقة

إنّ الشكّ في النسخ تارة متعلّق ببقاء أحكام الشريعة الإسلامية، وأُخرى يتعلّق ببقاء أحكام الشرائع السالفة.

أمّا الأوّل: فيتصوّر على وجوه نذكر المهمّ منها:

1ـ أن يشكّ في بقاء نفس الجعل لا في سعته وضيقه بل مع العلم بسعته إلى يوم القيامة لكن يحتمل ورود النسخ عليه.ولاشكّ في جواز استصحابه، وقد ادّعى الأمين الاستر آبادي الاتّفاق عليه من الموافق والمخالف.

2ـ أن يشكّ في سعة المجعول وشموله لقطعة من الزمان وعدمه، كما في مورد صلاة الجمعة إذا شكّ في سعة المجعول لعصر الغيبة بحيث لو ظهر الإمام الحجّة ـ عليه السّلام ـ كان الحكم نافذاً، فيستصحب المجعول الكلّي على حدّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

وقد عرفت تحليل الإشكال بالمعارضة، وأنّ استصحاب الجعل أو المجعول لايعارضهما استصحاب عدم الجعل للزمان المحتمل فيه بقاء الحكم .وقلنا بأنّه لامانع من كون الشيء واجباً بعنوان عام، وغير واجب بعنوان خاص على ما أوضحه شيخ مشايخنا العلامة الحائري.

فإن قلت: إنّ الاستصحاب في القسم الثاني من أقسام الشكّ في النسخ فاقد لبعض أركانه، وهو وحدة القضية المشكوكة مع المتيقّنة، لأنّ المتيقّن ثبوت الحكم على أفراد عصر الحضور، والمشكوك إثباته على أفراد عصر الغيبة، فالموضوع متعدّد ومعه لا مجال للاستصحاب.

قلت: قد أجاب عنه الشيخ: بأنّا نفترض أنّ مكلّفاً أدرك الزمانين فيثبت


(151)

الحكم في حقّه بأصالة عدم النسخ وفي حقّ غيره بقاعدة الاشتراك.

يلاحظ عليه: أنّ مصبَّ قاعدة الاشتراك هي الأحكام الواقعية، فالنّاس كلّهم مشتركون فيها.وأمّا الأحكام الظاهرية فهي تابعة لثبوت موضوعاتها، فمن شكّ في أصل الحكم تجري في حقّه البراءة ، لا مطلق المكلّف فمن أدرك الزمانين وأيقن بحكم من الأحكام ثمّ شكّ، يحكم عليه به بالاستصحاب وبقاعدة الاشتراك، يحكم على كلّ من كان بهذا الوصف، لا كلّ الناس وإن لم يكن متيقّناً ولاشاكّاً.

وقد أجاب الشيخ عن الإشكال بجواب ثان وحاصله: المستصحب هو الحكم الكلّي الإلهي الموضوع على المكلّف بما هو مكلّف، لاالحكم الجزئي الموضوع على ذاك الفرد أو هذا الفرد.

وإن شئت قلت: الحكم الموضوع على نسج القضايا الحقيقية التي يجعل فيها الحكم على العنوان الصادق على الأفراد المحقّقة والمقدّرة، أو العنوان المحقّق الوجود أو مقدّره. وعلى هذا لافرق بين القضيتين إلاّ من ناحية الزمان وهو غير فارق للزوم الاختلاف فيه.

وأورد عليه صاحب مصباح الأُصول: بأنّ المقام من موارد قاعدة البراءة لا الاستصحاب، لأنّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول، فإمّا أن يكون الحكم المجعول مطلقاً غير مقيّد بزمان ومعتبراً إلى الأبد، أو يكون مجعولاً ممتدّاً إلى وقت معيّن. وعليه فالشكّ في النسخ شكّ في سعة المجعول وضيقه من جهة احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور.

وكون الأحكام على نحو القضايا الحقيقية، معناه عدم دخل خصوصية الأفراد في ثبوت الحكم، لا عدم اختصاص الحكم بحصّة دون حصة. فانّا نشكّ في أنّ التكليف مجعول لجميع المكلّفين أو مختص بمدركي زمان الحضور. فيكون


(152)

احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكّاً في ثبوت التكليف لا في بقائه ـ ثمّ قال: ـ إنّ هذا الإشكال لارافع له وأنّ استصحاب عدم النسخ لاأساس له، فإن كان لدليل الحكم عموم أو إطلاق فهو المتّبع، أو كان هناك دليل من الخارج يدلّ على استمرار الأحكام فيؤخذ به، وإلاّ فلا يمكن إثبات الاستمرار باستصحاب عدم النسخ.(1)

ويلاحظ عليه: أنّ القضايا باعتبار وجود موضوعها تنقسم إلى ذهنية وخارجية وحقيقية ، والحكم في الذهنية من القضايا على الموجود في الذهن فقط مثل:كل اجتماع النقيضين مغاير لاجتماع المثلين.

وأمّا الثانية والثالثة، فالحكم فيهما مجعول على العنوان الكلّي بما هو كلّي، غاية الأمر أنّ العنوان في الخارجية لاينطبق إلاّ على الخارج المحقّق وفي الحقيقية على الأعم من المحقّق والمقدّر. وعلى كلّ تقدير، فالحكم ليس مجعولاً على الأفراد، وإن كانت الأفراد هي المقصودة حقيقة، ولكن فرق بين كونها موضوعة للحكم في لسان الدليل ومقام التشريع، وبين كونها المقصودة من الجعل. والملاك في مقام الاحتجاج هو الأوّل (لسان الدليل) وعلى ذلك فنحن نعلم أنّ عنوان (الذين آمنوا) كان متحمّلاً لحكم السعي إلى ذكر اللّه في يوم الجمعة وشكّ في بقاء ذلك الحكم بعد مضي زمان. فالأصل بقاؤه شأن كلّ أمر متيقّن شكّ في بقائه.

وما ذكره من عدم إمكان الإهمال في الواقع وأنّ الحكم إمّا ممتدّ إلى الأبد أو محدود بأمد. وإن كان صحيحاً لكنّه يورث الشكّ في بقاء الحكم ويكون منشأ له، فانّ الشكّ لابدّ وأن يكون له منشأ.

وما ذكره من أنّ الشك في النسخ شكّ في سعة المجعول وضيقه من جهة


1- المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/148ـ 149.


(153)

احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور....

أو ما ذكره من أنّا نشكّ في أنّ التكليف مجعول لجميع المكلّفين أو هو مختصّ بمدركي زمان الحضور فيكون احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكّاً في ثبوت التكليف لا في بقائه....

كلّ ذلك ناشئ من تصوّر أنّ الموضوع في القضايا الحقيقية هي الأفراد وأنّها على صنفين صنف محكوم بالحكم قطعاً، وصنف مشكوك كونه محكوماً به فيكون مجرى للبراءة.

وأمّا إذا قلنا إنّ الأفراد الخارجية ليست موضوعة للأحكام حتّى ينقسم إلى المدركين وغيرهم، ويجعل الأوّل متيقّناً والآخر مشكوكاً، بل هي مجعولة على العنوان الكلّي أعني: (الذين آمنوا) أو الإنسان البالغ العاقل فعندئذ ليس فيه عن المدرك وغير المدرك أثر حتّى يتّخذ أحدهما متيقّناً والآخر مشكوكاً.(1)

ثمّ إنّ هذا الإشكال مشترك بين استصحاب الأحكام الشرعية في الشريعة الإسلامية، واستصحاب أحكام الشرائع السالفة.والجواب عن الإشكال سقيماً وغير سقيم واحد، فالتشبّث بمن أدرك الشريعتين غير تام والتمسّك بالقضية الحقيقية قالع للإشكال.

أمّا الثاني: أي استصحاب أحكام الشرائع السابقة فنقول:

إنّ استصحاب أحكام الشرائع السابقة كاستصحاب أحكام الشريعة الإسلامية حرفاً بحرف، غير أنّ ذاك الاستصحاب يختصّ ببعض الملاحظات نذكر ذيلاً:

الأوّل: ما ذكره الشيخ في الفرائد: كيف يصحّ استصحاب أحكام الشرائع


1-لاحظ أيضاً فوائد الأُصول:4/ 479.


(154)

السالفة مع العلم الإجمالي بنسخ كثير منها، والمعلوم تفصيلاً قليل في الغاية، فيعلم بوجود المنسوخ في غيره.

يلاحظ عليه: أنّه نفس الإشكال في العمل بالعام بعد العلم بورود التخصيص عليه، والعمل بالبراءة مع العلم بتكاليف كثيرة.

والجواب في الجميع واحد، وهو أنّ الاستصحاب يجري بعد انحلال العلم الإجمالي بالوقوف بمقدار معتدّ به مما نسخت به أحكام الشرائع السابقة.ويكون الشكّ في هذا المورد شكّاً بدوياً.أضف إليه أنّه لاتأثير لذاك العلم، لمعلوميّة أحكام سائر الأطراف في شرعنا سواء كان المعلوم هنا نفس حكم الشريعة السابقة أو ناسخها، وعلى هذا تخرج سائر الأطراف عن محلّ الابتلاء ويجري الاستصحاب في محلّ الابتلاء.

الثاني: أنّ تبدّل الشريعة السابقة لو كان بمعنى نسخ جميع الأحكام السابقة، لما كان للاستصحاب وجه للعلم بارتفاع الحالة السابقة.وإن كان بمعنى نسخِ بعضِ أحكامها وإبقاء كثير منها، فبقاء الحكم الذي كان في الشريعة السابقة، وإن كان محتملاً إلاّ أنّه يحتاج إلى الإمضاء من الشريعة اللاحقة.ومع عدم ثبوت الإمضاء لا جدوى للاستصحاب، ولايمكن إثبات الإمضاء باستصحاب عدم النسخ إلاّ على القول بالأصل المثبت.

وأورد عليه صاحب المصباح: بأنّه يكفي في الإمضاء عموميّة أدلّة الاستصحاب، لأنّه حكم ظاهري ثبت في شريعتنا يدلّ بعمومه بإبقاء كلّ ما ثبت حتّى الأحكام الواردة في الشريعة السابقة.(1)

الثالث: أنّ هنا إشكالاً آخر لم يذكره القوم: وهو أنّ ظاهر الآيات


1-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/150.


(155)

اختصاص نبوّة موسى الكليم وعيسى المسيح ـ عليهما السّلام ـ ببني إسرائيل أو بأوسع منهم بقليل كالسوريين والفلسطينيين كقوله سبحانه:(وَ إِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ * وَ إِذْ قَالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنَّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) . (الصف/5ـ6)

فالآيات ظاهرة في كون النبوّة خاصّة ببني إسرائيل والتعميم يحتاج إلى الدليل، كما أنّ ظاهر بعض الآيات أنّ التشريع الوارد في العهد القديم كان مختصّاً بهم، قال سبحانه:(وَ عَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر وَ مِنَ البَقَرِ وَ الغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الحَوايا (1) أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْم ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنَّا لَصَادِقُون) .(الأنعام/147)

وأمّا عدّهما من أنبياء أُولي العزم، فليس معناه كون شريعتهما عالميّة، بل له معنى آخر أوضحناه في أبحاثنا التفسيرية(2) فراجع، وعلى هذا لايصحّ استصحاب أحكام الشرائع السالفة.

وباختصار: لم يثبت ـ حسب الدليل ـ وجود شريعة عالميّة سوى شريعة سيّدنا الخاتم ـ عليه وآله السلام ـ وإن كان المشهور كون شرائع الخمسة عالميّة هذا. وأمّا التطبيقات فقد ذكر الشيخ جملة منها في الفرائد وناقش فيها فلاحظ.

***


1-الحوايا: الشحم المجتمع في المعدة.
2-المحقّق جعفر السبحاني: مفاهيم القرآن: 3/99ـ 106.


(156)

التنبيه التاسع:

في الأصل المثبت

قد اشتهرت بين المتأخّرين حجّية مثبتات الأمارات دون مثبتات الأُصول.خلافاً لما يظهر منهم في كثير من المسائل الفقهية. وقبل الخوض في المقصود نعرّف المراد من الأصل المثبت وهو عبارة عن أحد الأمور التالية:

1ـ إجراء الاستصحاب وإثبات اللوازم العقلية للمستصحب لأجل إثبات آثارها الشرعية، ولولا تلك الآثار الشرعية، لما كان وجه لإثبات تلك اللوازم.

2ـ إثبات ملازمه، فيما إذا كان المستصحب والملازم معلولين لعلّة ثالثة.

3ـ إثبات ملزومه إذا كان المستصحب معلولاً له. والهدف من إثبات الملازم أو الملزوم، ليس إثبات أنفسهما بل إثبات آثارهما الشرعية، كما عرفت في إثبات اللوازم العقلية.

ثمّ إنّ محلّ البحث هو اللوازم الحادثة في حال البقاء لا الموجودة في زمان الحدوث كما إذا رأى زيداً وهو ابن عشر سنين فشكّ في حياته بعد عشر، فيستصحب حياته لغاية إثبات نبات لحيته ليترتّب عليه أثره الشرعي فخرج ما إذا كان اللازم بنفسه متعلّقاً لليقين والشكّ كما إذا رآه ملتحياً وشكّ في بقائه بعد سنين . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل:

في الفرق بين مثبتات الأمارات والأُصول

ما هو الفرق بين الأمارات والأُصول؟ حيث ذهبوا إلى حجّية مثبتات الأُولى دون الثانية.


(157)

أقول: قد اختلفت كلماتهم في تقرير الفرق بين الأُصول والأمارات وإليك نقلها وتحليلها:

1ـ ما أفاده الشيخ الأعظم: أنّ معنى عدم نقض اليقين والمضي عليه هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بواسطته للمتيقّن. ووجوب ترتيب تلك الآثار من جانب الشارع لايعقل إلاّ في الآثار الشرعية المجعولة من الشارع لذلك الشيء لأنّها القابلة للجعل.دون غيرها من الآثار العقليّة والعادّية، فالمعقول من حكم الشارع بحياة زيد، ترتيب آثار الحياة في زمان الشكّ، هو حكمه بحرمة تزويج زوجته والتصرّف في ماله. لا حكمه بنموّه ونبات لحيته، لأنّ هذه غير قابلة لجعل الشارع. نعم لو وقع نفس النموّ ونبات اللحية مورداً للاستصحاب أو غيره من التنزيلات الشرعيّة، أفاد ذلك، جعل آثارهما الشرعيّة دون العقليّة والعادّية.لكن المفروض ورود الحياة مورداً له.(1)

يلاحظ عليه: أنّه ليس في روايات حجّية الاستصحاب ما يدلّ على أنّ المقصود من منع نقض اليقين السابق، هو ترتّب الآثار حتّى يقال: إنّ القابل للجعل هو الآثار الشرعية دون العقليّة والعادّية.

غاية ما هناك هو تنزيل المستصحب منزلة المتيقّن وهو يتصوّر على أقسام ثلاثة:

1ـ تنزيله بما له من الأثر الشرعي المترتّب عليه بلاواسطة.

2ـ تنزيله مع لوازمه العقليّة والعادّية ، ليترتّب على المستصحب آثاره، وعلى لوازمه، آثارها.

3ـ تنزيله بما له من طبيعة الأثر الشرعي ومطلقه سواء ترتّب عليه بلاواسطة أو معها. وليس هذا أمراً محالاً في عالم الثبوت، بل البحث في مقام الدلالة


1-الفرائد: 383، طبعة رحمة اللّه.


(158)

والإثبات.

2ـ ما أفاده المحقّق الخراساني: أنّ الأخبار إنّما تدلّ على التعبّد بما كان على يقين منه فشكّ بلحاظ ما لنفسه من آثاره وأحكامه، ولا دلالة لها بوجه على تنزيله بلوازمه التي لاتكون كذلك، ولا على تنزيله بلحاظ ما له من الأثر الشرعي مطلقاً ولو بالواسطة فانّ المتيقّن هو لحاظ آثار نفسه، وأمّا آثار لوازمه، فلا دلالة هناك على لحاظها أصلاً.

وأمّا حجّية مثبتات الأمارة فلأنّها تحكي عن الواقع وتشير إليه، وعليه فهي تحكي عن أطرافه من ملزومه ولوازمه وملازماته، ولذلك كان مقتضى إطلاق دليل اعتبارها، لزوم تصديقها في حكايتها وحجّية مثبتاتها وهذا بخلاف الاستصحاب إذ لا دلالة له إلاّ على التعبّد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره (1).

يلاحظ عليه: أوّلاً : أنّ ما ذكره من القدر المتيقّن إنّما يضرّ بالإطلاق إذا كان موجوداً في ذهن المخاطب لا مطلقاً وإلاّ لا يصحّ الأخذ بالإطلاق أبداً، لأنّ لكلّ مطلق عند التأمّل، قدر متيقّن.

ثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ الأمارة تحكي عن الواقع ولوازمه وملازماته وملزوماته، غير تام. لأنّه إن أراد أنّ المتكلّم يحكي عنها، فهو كما ترى لأنّ الدلالة التصوّرية وإن لم تكن تابعة لإرادة المتكلّم ، غير أنّ التصديقية منها تابعة لإرادته، وربّما لايكون المخبر، عالماً بلوازمه وملزوماته وملازماته فكيف يكون مخبراً عنها.

وإن أراد أنّه حجّة فيها بشهادة أنّه لو قامت البيّنة على أنّه سقى فلاناً السمّ، فيؤخذ بلوازمه من كونه قاتلاً، لكنّه لا صلة له بالحكاية بل لأجل أنّها مفيدة للاطمئنان، والاطمئنان بالملزوم يولّد اطمئناناً آخر باللازم كما سيجيئ.


1-كفاية الأصول: 2/326ـ327ـ 329.


(159)

3ـ ما أفاده المحقّق النائيني: أنّ الأمارة ، إنّما تحكي عن نفس المؤدّى ولاتحكي عن لوازم المؤدّى وملزوماته الشرعية بما لها من الوسائط العقليّة أو العادّية فانّ البيّنة أو الخبر الواحد إنّما يقوم على حياة زيد أو موت عمرو، فهو إنّما يحكي عن نفس الحياة والموت ولايحكي عن إنبات اللحية وماتستتبعه من الآثار الشرعيّة أو العقليّة والعادّية بداهة أنّ المخبر بالحياة ربّما لايلتفت إلى نبات اللحية فضلاً عمّا يستتبعه، والحكاية عن الشيء فرع الالتفات إليه، فليس الوجه في اعتبار مثبتات الأمارة كونها حاكية عن لوازم المؤدّى وملزوماته بل الوجه فيه هو:

أنّ الأمارة إنّما تكون محرزة للمؤدّى وكاشفة عنه كشفاً ناقصاً، والشارع بأدلّة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها فصارت الأمارة ببركة اعتبارها كاشفة ومحرزة كالعلم، وبعد انكشاف المؤدّى يترتّب عليه جميع ما للمؤدّى من الخواص والآثار على قواعد سلسلة العلل والمعلولات واللوازم والملزومات كما هو الحال إذا أحرز الملزوم بالعلم الوجداني، وأمّا الأصول العملية فلمّا كان المجعول فيها مجرّد تطبيق العمل على المؤدّى بلاتوسيط الإحراز فهو لايقتضي أزيد من إثبات نفس المؤدّى أو ما يترتّب عليه من الحكم الشرعي بلا واسطة عقليّة أو عادّية فانّه لابد من الاقتصار على ما هو المتعبّد به، والمتعبّد به في الأُصول العملية مجرّد تطبيق العمل على مؤدّى الأصل، والمؤدّى إن كان حكماً شرعياً فهو المتعبّد به، وإن كان موضوعاً خارجياً فالمتعبّد به إنّما هو ما يترتّب عليه من الحكم الشرعي، فانّ الموضوع بما هو غير قابل للتعبّد به.(1)

وأورد عليه تلميذه الجليل أوّلاً: بالفرق بين العلم الوجداني والعلم التعبّدي بأنّه في الأوّل يتولّد من العلم بالملزوم، العلم باللازم بعد الالتفات إلى الملازمة، وهذا بخلاف العلم التعبّدي المجعول فانّه لايتولّد منه العلم الوجداني باللازم


1-المحقّق النائيني: فوائد الأصول : 4/487ـ 488.


(160)

وهو واضح ـ ثم ـ استثنى من بين الأمارات قول الثقة لأجل قيام السيرة من العقلاء على ترتيب اللوازم على الإخبار بالملزوم ولو مع الوسائط.

وثانياً: أنّ المجعول في باب الاستصحاب أيضاً هو الطريقية واعتبار غيرالعالم عالماً فانّه الظاهر من الأمر بإبقاء اليقين وعدم نقضه بالشكّ فلا فرق بين الأمارة والاستصحاب من هذه الجهة.(1)

ويمكن ذبّ الإشكالين:

أمّا الأوّل: فلأنّه من المحتمل أن يكون مقصوده من العلم التعبّدي، هو الوثوق النوعي أو الشخصي فيتولّد من الوثوق بالملزوم، وثوق باللازم والملازم والملزوم ولأجله لو أخبر رجل بطلوع الصبح يحصل منه الوثوق بانجلاء الهواء وارتفاع الظلام، ولأجله يحتجّ العقلاء بقيام الأمارة على الملزوم وعلى لوازمه، ولاتختصّ حجّية المثبتات بخبر الثقة، بل كلّ أمارة مفيدة للوثوق والاطمئنان يحصل منه الوثوق باللوازم ويصحّ الاحتجاج به.

وأمّا الثاني: فللفرق بين القول:«ألغِ احتمال الخلاف» أو «أنّك لست بشاكّ وبين إيجاب التعبّد باليقين السابق في ظرف الشكّ ومع التحفّظ به وأنّه لاينقض هذا ذاك وكأنّه ينظر إلى كليهما ويراهما موجودين في لوح النفس ثمّ يأمر بعدم النقض، وهذا بخلاف باب الأمارة فكأنّه لايرى فيه سوى الواقع ولاينظر إلاّ إليه ويقول: «ما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان».

وما في كلام التلميذ الجليل بأنّ الموضوع في الأمارات هو الشكّ لقوله تعالى: (فاسْأَلوا أهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاتَعْلَمُون) غير تام إذ فرق بين كون الجهل ظرفاً ومورداً لجعل الحجّية كما في مورد الأمارة وبين كونه موضوعاً للجعل، فالشكّ في


1-المحقّق الخوئي:مصباح الأُصول: 3/154ـ155.


(161)

المورد الأوّل ظرف والهدف من جعلها حجّة رفع الشكّ بقرينة الآية السابقة فانّ الأمر بالسؤال في ظرف عدم العلم لغاية الاستيلاء على العلم وتحصيله.وهذا بخلاف الأصل، فالشكّ موضوع ومع حفظه جعل الأصل حجّة.

ففي الأوّل ورد قوله ـ عليه السلام ـ : «العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان».(1) ترى أنّه يلغي احتمال الخلاف، وفي الثاني ورد قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام». أي أنت مادام شاكّاً يجب عليك العمل بهذا الأصل.

وأمّا قوله ـ عليه السلام ـ :ولايعتدّ بالشكّ في حال من الحالات، فالمتبادر منه هو عدم الاعتداد من حيث الجري العملي لا لكونه واقفاً على الواقع.والحاصل أنّ تصوّر كون الاستصحاب أمارة حيث لا أمارة أشبه بالخيال من الواقع.

نظرنا في الموضوع

وجه عدم حجّية مثبتات الأُصول هو ماأشار إليه المحقّق الخراساني في صدر كلامه. لكنّه أعرض عن تحريره تفصيلاً وانتهى كلامه إلى أمر آخر: وهو كون القدر المتيقّن هو الآثار الشرعية لا العادّية ولا العقليّة ولكنّه لو كان مكتفياً بما صدّر كلامه به لكان أسدّ حيث قال:إنّ الأخبار إنّما تدلّ على التعبّد بما كان على اليقين منه فشكّ بلحاظ ما لنفسه من آثاره وأحكامه.

توضيحه: أنّ اليقين بالملزوم (كالحياة) غير اليقين باللوازم (كنبات اللحية)، وهما غير اليقين بالملازم العقلي (كضربان القلب). وهناك يقينان أو يقينات ثلاث يميّز كلّ عن الآخر بمتعلّقه إذا عرفت ذلك، فقوله ـ عليه السلام ـ: «لا تنقض اليقين


1-الوسائل: 18/100 ح4، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، وفي ذيل الحديث: «وما قالا لك فعنّي يقولان فاسمع لهما وأطعهما فانّهما الثقتان المأمونان».


(162)

بالشكّ» إيجاب لحفظ اليقين الطريقي في مقام العمل. ومن المعلوم أنّ اليقين السابق تعلّق بالحياة، لابنبات اللحية، ولو تعلّق به يقين لكان هو يقيناً آخر. ولميرد الأمر بحفظ ذاك اليقين. وبالجملة ما ورد الأمر بحفظ يقينه هواليقين المتعلّق بالحياة ومانريد حفظه على القول بحجّية مثبتات الأُصول هو حفظ اليقين المتعلّق بنبات اللحية ولم يرد أمر بحفظه.

وهذا هو السرّ في عدم حجّية مثبتات تلك الأُصول لا انصراف الأدلّة وكون غير المثبت هو القدر المتيقّن.

فإن قلت: على هذا يجب أن لاتترتّب عليه الآثار الشرعية المستحدثة المترتّبة على المستصحب بقاءً لاحدوثاً.كما إذا مات أبوه وهو مشكوك الحياة فالحكم بكونه مالكاً لما ورثه من أبيه ـ على فرض الحياة ـ لم يكن مترتّباً عليه في زمان اليقين لأنّ المفروض حياتهما معاً، فلو لزم الاكتفاء بما تعلّق به اليقين لزم الاكتفاء بالآثار الشرعية السابقة، لا المستحدثة اللاحقة كما في المثال.

قلت: إنّ دور الاستصحاب في الشبهة الحكمية هو إحراز نفس الحكم وفي الموضوعات هو إحراز نفس الموضوع فقط. ولا دور له سوى هذا.فاستصحاب حياة زيد، لاشأن له إلاّ إحراز المصداق وهو كون زيد حيّاً، وأمّا الآثار الشرعية فإنّما تترتّب عليه ببركة الدليل الاجتهادي الذي أحرز موضوعه بفضل الاستصحاب، وحيث تبيّن بالحجّة الشرعية أنّه حيّ، يحرم تزويج زوجته وتقسيم أمواله ويَمْلِكُ ما ورّثه مورّثه إلى غير ذلك من الأحكام الكلية التي دلّت الأدلّة الاجتهادية عليها.

فاستصحاب حياة الولد يدخله في الكبرى الكلّية الواردة في الذكر الحكيم، أعني: قوله سبحانه:(يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَين) (النساء/11). فإذا ورث ملك، فإذا فرض أنّه صار مالكاً يصحّ بيعه وعتقه


(163)

لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«لابيع إلاّ في ملك ولاعتق إلاّ في ملك» .

وبذلك يتبيّن لك أمران:

الأوّل: إذا كان دور الاستصحاب في الشبهات الموضوعية دور إحراز الموضوع وأنّ الأثر يترتّب عليه بالدليل الاجتهادي الوارد في النقل، ولولاه لما كان للاستصحاب أيّ أثر، فيصحّ عدم حجية الأُصول المثبتة بوجه آخر.وذلك لأنّ استصحاب حياة زيد يترتّب عليه بقاء ماله في ملكه وزوجته في حبالته وذلك لأجل الأدلّة الاجتهادية.ولكنّه لايترتّب عليه نبات اللحية لعدم الكبرى الشرعيّة في المقام إذ لم يدلّ دليل اجتهادي على أنّه كلّ ما كان زيد حيّاً نبتت لحيته. حتّى يترتّب عليه أثره الشرعي فما لم يحرز هذا الأثر العاديّ لايترتّب عليه الأثر الشرعي من إعطاء الدرهم للفقير.

الثاني: أنّه كما يترتّب الأثر الشرعي المباشري، يترتّب عليه أثر الأثر. وأثر الأثر أثر إذا كانت الآثار شرعيّة مترتّبة شرعاً.لأنّ كلّ أثر متقدّم يحرز الأثر المتأخّر.

وإن شئت قلت: إنّ الاستصحاب الموضوعي، يحرز صغرى لكبرى شرعيّة ثمّ تقع نتيجته الحاصلة من انطباق الكبرى على ا لصغرى موضوعاً لكبرى شرعيّة ثانية.ثمّ تقع نتيجة ذلك الانطباق، موضوعاً لكبرى شرعيّة ثالثة. وهكذا تترتّب الآثار واحداً بعد واحد من دون أن تكون هناك رائحة المثبتية.

مثلاً إذا كانت عدالة زيد مستصحبة، وشهد على رؤية هلال شوّال أو هلال رمضان قبل مضي ثلاثين يوماً وضمّ إليه عادل آخر، يترتّب عليه وجوب الإفطار، ويدخل تحت قوله:إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم(1) فتقع النتيجة أعني: كون ذلك اليوم،


1-الوسائل: 7/199 ح1، الباب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان.


(164)

يوم الفطر، صغرى لكبرى شرعيّة من لزوم صلاة العيدين لقوله ـ عليه السّلام ـ : «صلاة العيدين فريضة» (1) أو لزوم دفع الفطرة لقوله: «إعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل».(2)

إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل وإليك الكلام في المقام الثاني.

المقام الثاني:

في حجّية بعض مثبتات الأُصول

إنّ الشيخ الأعظم استثنى من عدم حجّية الأُصول المثبتة خفاء الواسطة وقال:إنّ بعض الموضوعات الخارجية المتوسّطة بين المستصحب والحكم الشرعي، من الوسائط الخفيّة بحيث تعدّ في العرف الأحكام الشرعية المترتّبة عليها، أحكاماً لنفس المستصحب، وهذا المعنى يختلف وضوحاً وخفاءً، باختلاف مراتب خفاء الواسطة عن أنظار العرف ثمّ مثّل بأمثلة.

ووافقه المحقّق الخراساني قائلاً: بأنّه لايبعد ترتيب خصوص ما كان منها محسوساً بنظر العرف من آثار نفسه لخفاء ما بوساطته بدعوى أنّ مفاد الأخبار عرفاً ما يعمّه أيضاً.

وأورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ خفاء الواسطة أو المرتكزات العرفية لو أعطى ظهوراً للدليل الشرعي في كون الأثر (تنجّس الجاف)، أثر المستصحب (بقاء النجاسة في الملاقي) لا أثر الواسطة (السراية) فعندئذ لاحاجة إلى التشبّث بخفاء الواسطة، بل يكفي صرف الاستصحاب كسائر المقامات، وإلاّ فإن كان الدليل قاصراً عن عدّه أثر المستصحب فلا عبرة بعدّ العرف وخطئه في المقام


1-الوسائل: 5/95 ح1، الباب 1 من أبواب صلاة العيدين.
2-الوسائل: 6/247 ح1، الباب 12، من أبواب زكاة الفطرة.


(165)

لكون العرف حجّة في باب تعيين المفاهيم وحدودها، لا التطبيق وتشخيص المصاديق ففي استصحاب رطوبة النجس من المتلاقيين مع جفاف الآخر لإثبات نجاسة الطاهر منهما لايخلو الأمر من صورتين:

1ـ إمّا أن يدلّ الدليل على كفاية مجرّد مماسّته للنجس الرطب في مجرّد النجاسة.

2ـ أو يدلّ على أنّه لابدّ من انتقال النجاسة إلى الطاهر.

فعلى الأوّل يدخل المثال في باب الموضوعات المركّبة المحرزة بعض أجزائها بالوجدان (كالملاقاة) والآخر بالأصل(النجس الرطب)، وعلى الثاني لايكفي الاستصحاب لأنّ ذلك من اللوازم العقلية لبقاء الرطوبة في أحد المتلاقيين فالواسطة جليّة ويكون من أردأ أنحاء الأصل المثبت.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الشارع يخاطب الناس بلسانهم وعقولهم، فهو عند المخاطبة ليس حكيماً ولافيلسوفاً بل ينزّل نفسه منزلة العرف فيكلّمهم ويخاطبهم وعلى ذلك فكما أنّ فهم العرف متّبع في تحديد المفاهيم والمعاني، فهكذا متّبع في تشخيص المصاديق، فلو كان لون الدم دماً عند أصحاب المختبرات أو الحكماء ولم يكن كذلك عند العرف فلاتشمله الأدلّة والخطاب، وبالجملة التفكيك في مرجعية العرف بين المفاهيم والمصاديق مشكل جدّاً. خصوصاً على ما عرفت في باب الوضع أنّ المصاديق هي المبادئ لوضع المفاهيم.نعم ليس المقصود من العرف، العرف المتسامح غير المبالي بل العرف الدقيق المستعد لدرك المفاهيم وتشخيص المصاديق حسب ما أُعطي من قوّة وذكاء.

وثانياً: أنّ دليل الحكم وإن كان قاصراً عن إثبات النجاسة للملاقى الجاف


1-فوائد الأصول: 4/494ـ495.


(166)

إذ ليس الأثر مترتّباً لنفس الملاقاة، بل على الملاقاة الناقلة، لكن إذا كان خفاء الواسطة سبباً عند العرف لصدق نقض اليقين بالشكّ عند عدم ترتيب أثر النجاسة، يكفي ذلك في جريان الاستصحاب،وقد عرفت أنّ نظر العرف محكّم في المصاديق كما هو محكّم في المفاهيم.

وباختصار:إذاكان ترتّب الأثر على الواسطة بوضوح لايقبل الخفاء.فلاشكّ أنّ ترك استصحاب المستصحب أو عدم ترتيب الأثر عليه لايعدّ نقضاً لليقين بالشكّ عند العرف المسامح، فضلاً عن العرف الدقيق.

وأمّا إذا كان وجود الواسطة على نحو يعدّ العرف الدقيق فضلاً عن المسامح، ترك الاستصحاب وترك ترتيب الأثر عليه نقضاً لليقين بالشكّ، فلا شكّ أنّه يكون فهم العرف في ذاك المجال حجّة. وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني في تعليقته على الفرائد: أنّ ذلك من باب تعيين مفهوم الخطاب بفهم العرف لامن باب تطبيق المفاهيم على المصاديق العرفية خطأ أو مسامحة كما توهّمه بعض السادة من الأجلّة.(1)

نعم ما ذكر من تأثير خفاء الواسطة لايتمّ على المسلك الذي سلكناه لما عرفت من أنّ دور الاستصحاب هو إحراز الصغرى، وأمّا الأثرالشرعي فهو متوقّف على تطبيق الكبرى على المحرَز منها، فلو كان الدليل الاجتهادي شاملاً للمورد ودلّ على أنّ الأثر أثر المستصحب (بقاء الرطوبة)، وإلاّ فلايفيد الاستصحاب إحراز الصغرى مع عدم انطباق الكبرى عليها.

ما استثناه المحقّق الخراساني من عدم الحجية

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني استثنى مورداً آخر ويلحق بذلك، أي خفاء


1-لاحظ تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد:212.


(167)

الواسطة جلائها ووضوحها فيما كان وضوحه بمثابة يورث الملازمة بينهما في مقام التنزيل عرفاً بحيث كان دليل تنزيل أحدهما دليلاً على تنزيل الآخر كما هو كذلك في المتضائفين، لأنّ الظاهر أنّ تنزيل أُبوّة زيد لعمرو مثلاً يلازم تنزيل بنوّة عمرو له، فيدلّ تنزيل أحدهما على تنزيل الآخر ولزوم ترتيب ما له من الأثر، وهو ما إذا كان التلازم بين الشيئين على وجه يوجب التلازم ولاينفكّ تنزيل أحدهما عن تنزيل الآخر، وهذا يوجب لحاظهما شيئاً واحداً ذا وجهين، فيكفي إذا كان له الأثر بأحد الوجهين، أو لحاظهما إثنين موضوعين لأثر واحد، وهذا كالأُبوّة والبنوّة، فيكفي استصحاب الأُبوّة بلحاظ أثر البنوّة، وليس هذا من قبيل الخطاء في مقام التطبيق، بل من باب دعوى المفهوم من الخطاب ما ينطبق عليه بالتدقيق.(1)

وأورد عليه صاحب المصباح: بأنّ مورد البحث فيماإذا كان الملزوم مورداً للتعبّد ومتعلّقاً لليقين والشكّ والمتضائفان كلاهما مورد للتعبّد الاستصحابي فانّه لايمكن اليقين بأُبوة زيد لعمرو بلا تيقّن ببنوّة عمرو لزيد، وكذا سائر المتضائفات فيجري الاستصحاب في نفس اللوازم بلااحتياج إلى القول بالأصل المثبت.(2)

يلاحظ عليه: أنّ مورد كلامه فيما إذا كان الأثر مترتّباً لأحد المتضائفين دون الآخر، فهل يمكن الاكتفاء باستصحاب ما ليس له أثر، لإثبات الملازم الآخر وترتيب أثره الشرعي أو لا. نعم في وسعه أن يترك ذاك الاستصحاب ويحرز المتضائف الذي يترتّب عليه الأثر.

وإلى ما ذكرنا يشير قوله في الكفاية:لايبعد ترتيب ماكان بوساطة ما لا يمكن التفكيك عرفاً بينه وبين المستصحب تنزيلاً كما لاتفكيك بينهما واقعاً (3)


1-المحقّق الخراساني: تعليقة الخراساني على الفرائد: 213.
2-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/160.
3-هنا في النسخة المطبوعة جملة (لوساطة ما) وهي زائدة.


(168)

لأجل وضوح لزومه له أو ملازمته معه بمثابة عدّ أثره أثراً لهما فانّ عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه، يكون نقضاً ليقينه بالشكّ حسب مايعلم من النهي عن نقضه عرفاً.(1)

والأوّل كاستصحاب عدم الإتيان بالفريضة الملازم عرفاً، لعنوان الفوت الذي يترتّب عليه القضاء، ولكن لمّا كان التفكيك بين العنوانين مشكلاً يكفي استصحاب عدم الإتيان.

والثاني: كالأُبوّة والبنوّة المعلولين لعلّة ثالثة أي تخلّق أحدهما من ماء الآخر.

تطبيقات في المقام

إنّ جمعاً من المتقدّمين أفتوا بأحكام مبنية على الاستصحاب المثبت فلابأس بالبحث عن بعض هذه الفروع.

1ـ إذا شكّ في وجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة حين الاغتسال، فربّما يقال بعدم الاعتناء به نظراً إلى جريان أصالة عدم الحاجب والمانع من وصول الماء إليها.

وأُورد عليه: أنّ الأثر الشرعي وهو رفع الحدث مترتّب على غسل البشرة ووصول الماء إليها لا على رفع الحاجب، نعم عدم الحاجب يلازم عقلاً وصول الماء إلى البشرة وغسلها به فيترتّب عليه رفع الحدث وهو الأثر الشرعي، فعلى القول بحجّية الأصل المثبت مطلقاً، أو عند خفاء الواسطة يترتّب الأثر الشرعي وهو رفع الحدث.

وأمّا على المختار، فلا يجري، لما ذكرنا من أنّ دور استصحاب الموضوعي


1-المحقّق الخراساني: كفاية الأصول: 2/327.


(169)

الخارجي هو إحراز الصغرى ولابدّ من الكبرى الشرعيّة حتّى تنضمّ إليها فالكبرى ليست بموجودة إذ لم يدلّ دليل على أنّه كلّما كان الحاجب غير موجود، كان الحدث مرتفعاً.

2ـ لو اتّفق الوارثان على إسلام أحدهما في أوّل شعبان والآخر في غرّة رمضان. فإذا اختلفا في موت المورِّث فقال أحدهما: مات في أثناء شعبان حتّى يحرم الآخر عن الإرث، وقال الآخر: مات في أثناء رمضان حتّى يرثه أيضاً. فقال المحقّق: كان المال بينهما نصفين،لاستصحاب بقاء حياة المورِّث إلى أثناء رمضان.

وأُورد عليه: بأنّ الموضوع للوراثة هو موت المورِّث عن وارث مسلم، وبقاء حياته إلى أثناء رمضان لايستلزم بنفسه موت المورِّث عن حال إسلام الوارث إلاّ عقلاً، وذلك بضميمة علمنا بإسلام الوارث في غرّة رمضان وموته بعد الغرّة، فينتجان موته بعد إسلامه.

هذا ويحتمل أن يكون موضوع الوراثة مركّباً من أمرين:إسلام الوارث في حياة المورِّث والجزء الأوّل محرز بالوجدان والآخر بالأصل.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ كلاً من الجزئين وإن كان محرزاً لكن الظرفية، وتحقّق إسلام الوارث في ظرف حياة المورِّث لازم عقلي لبقاء حياته إلى مابعد غرّة رمضان والأصل لايثبت إلاّ وجود الحياة في غرّة رمضان، وأمّا كون إسلامه في حياة الوارث فلايثبت إلاّ بالأصل المثبت.

وهذا الإشكال جار في كلّ مركّب موضوعاً ويكون أحدهما محرزاً بالوجدان والآخر بالأصل كاستصحاب بقاء النهار والصلاة معه فانّه لايثبت كون الصلاة واقعة في النهار.والظاهر خروج هذا النوع من الدقّة عن حريم الاستصحاب المثبت.

وبذلك يظهر الحال فيما ذكره المحقّق النائيني من أنّ الموضوع التوارث


(170)

الناشئ من اجتماع حياة المورِّث وإسلام الوارث في الزمان فيندرج في الموضوعات المركّبة المحرزة أحد جزئيهما بالوجدان وهو إسلام الوارث في غرّة رمضان، والآخر بالأصل وهو حياة المورِّث إلى غرّة رمضان فيجتمعان في الزمان وهذا يكفي في التوارث ويلزمه تنصيف المال بين الوارثين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المحرز بالوجدان إسلام الوارث في غرّة رمضان والمحرز بالأصل حياة المورِّث في غرّته.ولكن الموضوع لا هذا وحده ولا ذاك وحده ولا هما بذواتهما. بل الموضوع إسلام الوارث في «حياة المورِّث» والظرفية ليست لها حالة سابقة، ولايثبته، استصحاب حياة المورّث كما لا يخفى. إلاّ على ما ذكرناه.

3ـ استصحاب رطوبة النجس من المتلاقيين مع جفاف الآخر. فإن قلنا بأنّ موضوع التنجّس مركّب من أمرين:الملاقاة، والرطوبة في الملاقا فأحد الجزئين، أعني: الملاقاة، محرز بالوجدان، والآخر أعني: الرطوبة في الملاقا بالأصل.

وإن قلنا بأنّ الموضوع للتنجيس هو تأثّر الملاقي من نجاسة الملاقا وسرايتها منه إليه، فمن المعلوم أنّ استصحاب بقاء الرطوبة في الملاقا لايثبت سراية النجاسة من الملاقا إلى الملاقي وتأثّره منه إلاّ على القول بالأصل المثبت.

هذا كلّه إذا كان الملاقي يابساً وشكّ في بقاء الرطوبة في الملاقا. وأمّا إذاكان رطباً كما إذا طار الذباب من النجس الرطب ووقع على الثوب الرطب فلا شكّ أنّه يحكم بنجاسة الملاقا.لأنّ المفروض أنّ الحيوان كان نجساً وشكّ في بقاء نجاسته لاحتمال طهارته بالجفاف فيحكم ببقاء نجاسته ومن المعلوم أنّ ملاقاة المحكوم بالنجاسة مع الشيء الرطب موجبة للنجاسة.

وباختصار: إذا كان الشيء محكوماً بالنجاسة لا يحكم على ملاقاه بالنجاسة إلاّ ثبت سرايتها من الملاقي إلى الملاقا. فلو كان الملاقا يابساً يكون استصحاب


1- الفوائد: 4/501.


(171)

بقاء الرطوبة النجسة في الملاقي ملازماً عقلاً لتأثيرها في الملاقا وسرايتها منه إليه فيكون أصلاً مثبتاً.

وأمّا إذا كان الملاقا رطباً فاستصحاب نجاسة الملاقي يكفي في الحكم بنجاسة الملاقا للكبرى الكلّية الشرعيّة في أنّ ملاقاة الشيء الرطب مع المحكوم بالنجس سبب للنجاسة.

4ـ إذا وقع الاختلاف بين الجاني وليّ الميّت فادّعى الوليّ موته بالسراية، وادّعى الجاني موته بسبب آخر كشرب السمّ مثلاًً. وكذا الحال في الملفوف باللحاف الذي قُدَّ نصفين فادّعى الوليّ أنّه كان حيّاً قبل القدّ، وادّعى الجاني موته.

ذهب العلاّمة إلى القول بالضمان، والمحقّق اختار عدم الضمان. وعن الشيخ التردّد نظراً إلى معارضة أصالة عدم الضمان مع أصالة عدم سبب آخر في المثال الأوّل وأصالة بقاء الحياة في المثال الثاني .

ولايخفى أنّ أصالة عدم الضمان هوالمحكَّم قصاصاً أو ديةً. وأمّا أصالة عدم سبب آخر في المثال الأوّل، وبقاء الحياة في المثال الثاني، فلا يثبتان عنوان القتل الذي هو الموضوع في الآيات.قال سبحانه:(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إلاّ أنْ يَصَّدَّقُوا) . (النساء/92)

ومن المعلوم أنّ أصالة عدم حدوث سبب آخر أو بقاء الحياة، يلازمان ذلك العنوان ولايثبت كون الموت مستنداً إلى الجناية لا السبب الآخر، ولا إلى القدّ.

5ـ إذا تلف مال أحد تحت يد شخص آخر فادّعى المالك الضمان وأنّه كان بلا إذن منه ، فتلفه يكون مع الضمان.وادّعى الآخر كونه أمانة في يده فلا ضمان عليه. فهل يمكن أن يقال:إنّ أصالة عدم كونه مأذوناً يثبت كونه يد عادية ويترتّب عليه الضمان أو لا ؟


(172)

فقد قيل في توجيه الضمان أُمور ليست بتامّة:

1ـ التمسّك بعموم قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» فانّها مخصصة باليد المأمونة.

يلاحظ عليه: أنّه عندئذ يكون من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

2ـ التمسّك بقاعدة المقتضي وعدم المانع لأنّ اليد تقتضي الضمان والإذن مانعه والأصل عدمه.وقد عرفت عدم الدليل على حجّية القاعدة.

3ـ ما ذكره المحقّق النائيني: من أنّ الموضوع للضمان مركّب من اليد وعدم إذن صاحب المال وهما عرضان لمحلّين:أحدهما: صاحب اليد، وثانيهما: صاحب المال; ولا جامع بينهما إلاّ الاجتماع في الزمان فيكفي إحراز أحدهما بالأصل والآخر بالوجدان فاليد محرزة بالوجدان وعدم الإذن محرز بالأصل فيتحقّق موضوع الضمان.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع للضمان ليس ذات الأمرين:بما هما هما وإن لم يكن بينهما صلة ولا ربط، بل الموضوع هو الاستيلاء على الشيء بلا رضاؤه وليست له حالة سابقة، وإنّما لازم اجتماع عدم الرضا في الزمان مع الاستيلاء كون أحدهما متّصفاً بالآخر.

وقد ذكر سابقاً أنّ إحراز حياة المورّث في غرّة رمضان بالأصل مع إحراز إسلام الوارث فيها بالوجدان لايكفي في ترتّب الأثر إلاّ إذا قلنا بخروج أمثال ذلك عن الأصل المثبت.

وإن شئت قلت:إنّ المسبوق بالعدم هو ا لرضا مع عدم الاستيلاء وليس موضوعاً للحكم، وما هو موضوع للحكم كون الاستيلاء بلا رضا ولا يثبت الثاني


1-فوائد الأصول: 4/503.


(173)

باستصحاب الأوّل.

والذي يمكن أن يقال:إنّ الضمان هو الحكم الطبيعي الأوّل للمال، وهو لايحتاج إلى الدليل، وإنّما المحتاج هو عدمه. وله نظائر في الفقه. ككون الأصل في بيع الوقف هو البطلان.ولايجري فيه أصالة الصحّة نظير بيع مال اليتيم، فلايصحّ إحراز صحّة بيع مالهما بالأصل.

ونظير ما ذكرنا النظر إلى المرأة المردّدة بين الأجنبية وغيرها.فالأصل في النظر هو الحرمة.والجواز يحتاج إلى الدليل وهذا هو الأصل الذي عليه الفقهاء في فتاواهم وإن كانوا غير ناصّين بالقاعدة بمثل ما ذكرناه.

وبذلك يظهر حال فرع آخر وهو ما إذا اتّفقا على إذن المالك .فقال صاحب المال :بعتك مالي بكذا، وقال الآخر: وهبتني إيّاه. فهو محكوم بالضمان للأصل الذي ذكرناه.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده صاحب المصباح حيث إنّه بعد ماقال: فيتعارض عدمُ البيع مع عدم الهبة قال:بأنّ الأصل الجاري هو عدم الضمان.فانّه غفلة عمّا ذكرناه من القاعدة في باب الأموال.

6ـ إذا شكّ في يوم أنّه آخر شهر رمضان أو أوّل شهر شوّال. فلاريب أنّه يجب صومه بمقتضى بقاء شهر رمضان أو عدم وصول شهر شوّال. ولكن الكلام في أنّه هل يثبت بذلك كون اليوم الذي بعده أوّل شهر شوّال ليترتّب عليه أثره من حرمة الصوم ولزوم الإتيان بالفريضة الماليّة والعباديّة أو لا ؟ الظاهر لا، لأنّ الأوّل عبارة عن عنوان بسيط ينتزع من وجود يوم غير مسبوق بمثله، فالأوّلية بهذا المعنى ليست بمسبوق باليقين.

وبذلك يظهر أنّه لايثبت به كون اليوم الثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، و العاشر عيد الأضحى....


(174)

التنبيه العاشر:

فيمااستثناه المحقّق الخراساني
من الأصل المثبت موضوعاً

قد عرفت أنّه استثنى المحقّق الخراساني من عدم حجّية الأُصول المثبتة ما إذا كان هناك تلازم بين الشيئين واقعاً وتنزيلاً، وكان ذلك استثناء عن حكم الأصل المثبت مع الاعتراف بكونه منه موضوعاً، لكنّه عقد تنبيهين لبيان ما ليس منه موضوعاً فاستثنى في التنبيه الثامن أُموراً حيث قال:إنّ الأثر تارة يكون مترتّباً على نفس المستصحب كما إذا وجب إكرام زيد وشكّ في بقائه فلاشكّ في جواز استصحابه وترتيب آثاره عليه.

وأُخرى يكون مترتّباً عليه بوساطة انطباق عنوان كلّي ينطبق عليه بالحمل الشائع ويتّحد معه وجوداً وهو على أقسام ثلاثة:

1ـ يكون العنوان منتزعاً عن مرتبة ذاته.

2ـ يكون العنوان منتزعاً عنه بملاحظة بعض عوارضه ممّا يوصف بأنّه الخارج عن حقيقة الشيء، لكنّه المحمول عليه بلاضمّ ضميمة.

3ـ ما إذا كان منتزعاً بملاحظة بعض عوارضه ممّا كان محمولاً عليه بالضميمة.

والأوّل: كالإنسانيّة بالنسبة إلى زيد، فاستصحابه يكفي في ترتيب أثرها.

والثاني: كالغصبيّة والملكيّة بالنسبة إلى العين المغصوبة والمملوكة وكلتا الصورتين تشتركان في أنّه لايكون بحذاء ذلك الكلّي في الخارج سوى الذات.

وبعبارة أُخرى: الطبيعي في القسم الأوّل إنّما يوجد بعين وجود فرده، كما أنّ العرض في القسم الثاني لاوجود له إلاّ بمعنى وجود منشأ انتزاعه فالفرد (كزيد) أو


(175)

منشأ الانتزاع في الخارج(العين) هما نفس ما رتّب عليه الأثر لا شيء آخر فاستصحاب الفرد أو منشأ الانتزاع كاستصحاب بقاء زيد أو العين المغصوبة أو المملوكة كاف في ترتيب ما رتّب عليه الأثر (كالإنسانيّة والغصبيّة والملكيّة).

وأمّا الثالث أعني: ما إذا كان المنتزع مغايراً مع المنشأ ويسمّى المحمول بالضميمة كالسواد والبياض، فلايصحّ استصحاب الجسم لغاية ترتيب آثارهما ويعدّ أصلاً مثبتاً للمغايرة بين المستصحب وما هو الموضوع للأثر.

وحاصل الفرق بين الثاني والثالث أنّه إذا كان الأثر مترتّباً على المستصحب بواسطة أمر انتزاعي منطبق عليه، كالشيء المغصوب الذي ينتزع منه عنوان الغصبية فيترتّب آثار ذاك العنوان على المنشأ إذا وقع في مجال الاستصحاب وليس ذلك بأصل مثبت، إذ ليس في مقابل ذاك الأمر الانتزاعي شيء وراء منشأ انتزاعه، فليست الواسطة أمراً مغايراً مع المنشأ.

وهذا بخلاف ما إذا كان الأثر مترتّباً على عنوان الأبيض العارض على الجسم، فلايصحّ ترتّب آثار ذلك العنوان على المستصحب، أعني: الجسم، لكون الأبيض مغايراً مع الجسم.والفرق بين الغصبية والأبيض: أنّ الأوّل من قبيل المحمول من صميمه، والثاني بالضميمة.

يلاحظ عليه: أنّ عدّ الغصبيّة والملكيّة من المحمول بالصميمة غير صحيح لأنّه عبارة عن المحمول الذي يكفي في انتزاعه وضع الموضوع كالإمكان بالنسبة إلى الإنسان، وليست الغصبية والملكيّة، بالنسبة إلى ذات المال كذلك بل تحتاج إلى اعتبارات عرفية وراء ذات الشيء كوقوع الشيء في حيازته أو كونه موروثاً، في الملكية والاستيلاء والحيلولة بين الشيء ومالكها الواقعي في الغصبية.

وبذلك يتّضح أنّ استصحاب بقاء ذات الشيء المغصوب لايثبت به الغصبيّة حتّى تترتّب آثار الغصبيّة على المستصحب، لما عرفت من أنّ الغصبيّة


(176)

لا تنتزع من ذات الشيء وإنّما تنتزع منه بعد لحاظ عدّة اعتبارات عقلائية فكيف تثبت به فضلاً عن ترتّب آثارها عليه.

ويظهر من المحقّق الخوئي الفرق بين استصحاب بقاء المغصوب فلاتثبت به الغصبيّة حتّى تترتّب على المستصحب آثارها، والملكيّة والزوجيّة والولاية، حيث يثبت باستصحاب بقاء الملك والزوج والوليّ، تلك الأُمور فتترتّب آثارها على المستصحب بواسطتها.

وجه الفرق: أنّ الغصبية أمر انتزاعي فلا يثبت باستصحاب منشأ انتزاعه، بخلاف الأُمور الثلاثة فانّها أحكام وضعية مجعولة شرعيّة تثبت باستصحاب موضوعاتها ويترتّب على تلك الموضوعات، أثر تلك الأحكام الوضعية.

فباستصحاب بقاء الملك تترتّب عليه الملكيّة ثمّ تترتّب عليه آثارها من جواز التصرّف للمالك وحرمته لغيره ، ومثله استصحاب بقاء الزوج والولي فتثبت الزوجيّة والولاية، ويترتّب أثرهما على المستصحب.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذه المفاهيم في الأُمور الاعتبارية ، أشبه بالمحمول بالضميمة فلايصحّ انتزاع الولاية أو الزوجيّة أو الملكيّة من ذات الوليّ والزوج والملكيّة، فلافرق بينها وبين استصحاب الجسم وترتيب أثر البياض أو السواد، وعلى ذلك فاللازم هو التفصيل بين استصحاب ذات موضوعاتها من زيد وعين بلا تقييدهما بشيء، وبين استصحاب بقاء العين المغصوبة وزيد الزوج والولي والوكيل، فعلى الأوّل لايثبت باستصحاب الذوات المطلقة العناوين المنتزعة التي يترتّب عليها الأثر، فيكون من الأُصول المثبتة، وعلى الثاني يكون هذا النوع من الاستصحاب من الأُصول المحرزة لموضوع الدليل الاجتهادي، فهو في نظر العرف


1-مصباح الأُصول:3/173.


(177)

نفس استصحاب الغصبية والزوجية والولاية فلاحظ.

4ـ لاتفاوت في الأثر المستصحب أو المترتّب عليه بين أن يكون مجعولاً بنفسه كالأحكام التكليفية أو بعض الأحكام الوضعية كالولاية والحجّية، أو مجعولاً بمنشأ انتزاعه كبعض أنحائها كالجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة، لأنّها مجعولة ولو بمنشأ انتزاعها فلامانع من استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطيّة أو المانعيّة لأنّها آثار شرعيّة بالمعنى الذي عرف.

يلاحظ عليه: أنّ الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة ليست من آثار الجزء، والشرط والمانع، بدليل أنّها ليست منتزعة من ذوات هذه الأشياء. بل منتزعة من الأثر بالكلّ المقيّد بوجود الجزء والشرط أو عدم المانع كما إذا قال :صلّ مع الطهور، أو بفاتحة الكتاب، أو لاتصلّ فيما لايؤكل، أو من الأوامر والنواهي الإرشادية إلى الاشتراط والجزئيّة والمانعيّة، مثل قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِق) .(المائدة/6) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعليّ ـ عليه السلام ـ :«يا علي لاتصلّ في جلد ما لايشرب لبنه ولايؤكل لحمه».(1)

وعلى ذلك فالجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة أُمور انتزاعية من تلك الأُمور وهي مجعولة بالفرض، لكنّها ليست من آثار ذوات هذه الأُمور فكيف يمكن تصحيح استصحاباتها لهذه الأُمور الانتزاعية المجعولة بالتبع.ولو سلّمنا أنّها عبارة عن نفس الحكم الشرعي المترتّب على الجزء والشرط المانع من وجوب الإتيان به، أو جواز الدخول في الصلاة، أو حرمة الدخول معه فيها، فيكفي استصحاب الذوات فيها لغاية هذه الأحكام من دون حاجة إلى استصحابها لهذه الأُمور الانتزاعية.

والحقّ أن يقال: إنّ استصحاب هذه الأُمور صحيحة، لأنّها تحرز صغرى


1-الوسائل:3/251 ح 6، الباب 2 من أبواب المصلّي، ولاحظ أحاديث الباب.


(178)

لكبرى شرعية كلّية، فاستصحاب بقاء الطهور وطهارة الثوب، صحيحان لأجل أنّ إحرازهما يوجب انطباق كبرى شرعيّة عليهما.

فمن صلّى طاهراً من الحدث والخبث صحّت صلاته. أو من كان طاهراً، يجوز له الدخول في الصلاة إلى غير ذلك من الكبريات الشرعيّة.

5ـ إنّه لافرق بين أن يكون المستصحب أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً. كما أنّه لافرق بين أن يكون الأثر المترتّب عليه وجودياً أو عدمياً، إذ ليس هناك ما يدلّ على اعتباره بعد صدق نقض اليقين بالشكّ برفع اليد عنه كصدقه برفعها عن ثبوته.ثمّ نقل عن الشيخ إشكالاً في استصحاب البراءة من التكليف وعدم المنع من أنّ عدم استحقاق العقاب ليس من الآثار الشرعيّة بل من الأحكام العقليّة ،وردّه بالوجهين التاليين.

الأوّل: أنّ عدم المنع في المقام أمر شرعي. فلايتوقف جريان الاستصحاب فيه إلى وجود أثر شرعي يتوقّف عليه.

الثاني: أنّ عدم العقاب ليس من آثار عدم الحرمة الواقعية، حتّى لايترتّب على عدم الحكم المحرز بالأصل، بل من آثار عدمه واقعاً وظاهراً، فيترتّب عليه لابحكم الاستصحاب بل بوجود الموضوع لحكم العقل بعدم استحقاق العقاب، إذ كلّما كان موضوع حكمه موجوداً سواء كان بالوجدان أو بالأصل، يترتّب حكمه عليه.

يلاحظ عليه: أنّ الشيخ لم يرد الاستصحابين: البراءة، وعدم المنع لأجل كونهما عدميين(1) حتّى يحتاج إلى بيان عدم التفرقة بل لأجل الإشكالين الأخيرين، فلاحاجة إلى هذا الاستثناء.


1-إلاّ ما يظهر منه في التنبيه الثاني لقاعدة «لاضرر» .


(179)

التنبيه الحادي عشر:

قد عرفت أنّه لايثبت بالاستصحاب، الأثر العقلي، ولا العادي. كما لايثبت الأثر الشرعي المترتّب على المستصحب بواسطتهما. فلايثبت باستصحاب الحياة وجود اللحية كما لايثبت به وجوب التصدّق المترتّب عليه.

نعم يثبت به أمران:

1ـ الأثر الشرعي المترتّب على وجود المستصحب بلا واسطة.

2ـ الأثر الشرعي المترتّب على المستصحب بواسطة الأثر ا لشرعي كجواز التزويج المترتّب على صحّة الطلاق المترتّب على استصحاب العدالة وقد عرفت كيفية هذا الترتّب.

هذا كلّه فيما إذا كان الأثر أثراً للمستصحب بوجوده الواقعي، وأمّا الآثار التي تترتّب على مطلق وجود المستصحب واقعياً كان أو ظاهرياً فيترتّب عليه شرعياً كان أو عقلياً.أمّا الشرعي فواضح. أمّا العقلي فلوجود موضوعه.ولأجل ذلك يترتّب على الوجوب المستصحب ، وجوب الموافقة أو حرمة المخالفة كما يترتّب عدم العقاب على عدم الحكم المستصحب.

التنبيه الثاني عشر:

لايشترط في جريان الاستصحاب في الموضوعات إلاّ ترتّب الأثر حين البقاء. وأمّا ترتّبه عليها في زمان اليقين، فليس بلازم. لأنّ الميزان في جريان الاستصحاب أن لايكون إعمال التعبّد لوجود اليقين في حال الشكّ، أمراً غير لغو.ويكفي فيه ترتّب الأثر على البقاء كالموردين التاليين:

1ـ استصحاب عدم التكليف فانّه وإن لم يكن حكماً مجعولاً في الأزل إلاّ أنّه حكم مجعول فيما لايزال.


(180)

2ـ استصحاب حياة الولد المترتّب عليه الأثر الشرعي بقاء.

التنبيه الثالث عشر:

لاشكّ أنّه إذا حصل اليقين بوجود الشيء ثم طرأ الشكّ في بقائه فالحكم هو الحكم ببقائه.وإذا كان الشكّ في أصل تحقّقه فالحكم هو الحكم بعدمه. ويترتّب أثر الوجود عليه في الأوّل وأثر عدمه في الثاني، هذا إذا لم يكن هناك قياس وإضافة.

وأمّا إذا كان وجود الشيء محقّقاً وكان الشكّ في تقدّمه وتأخّره،فهنا مبحثان:

الأوّل: أن يلاحظ تقدّمه أو تأخّره بالنسبة إلى أجزاء الزمان كما إذا علم بحدوث الكرّية ولكن شكّ في حدوثها يوم الخميس أو تأخّرها عنه.

الثاني: أن يلاحظ بالنسبة إلى حادث آخر علم حدوثه أيضاً ولكن شكّ في تقدّم ذاك عليه أو تأخّره عنه، كما إذا علم بموت متوارثين وشكّ في المتقدّم والمتأخّر منهما. وله أقسام ستوافيك.

المبحث الأوّل:

إذا قيس الحادث إلى أجزاء الزمان

إذا لوحظ بالقياس إلى أجزاء الزمان وشكّ في تقدّمه وتأخّره بالنسبة إليه، فهو على أقسام ثلاث:لأنّه إمّا أن يقطع بالبقاء على فرض الحدوث في الزمان الأوّل، أو يقطع بالارتفاع على التقدير المذكور، أو يشكّ. وإليك بيان حكم القسم الأوّل ومنه يظهر حكم القسمين الآخرين.

أمّا الأوّل: فإذا شكّ في حدوث الكرّية في أحد اليومين (الخميس والجمعة) مع القطع بأصل وجودها وبقائها بعد حدوثها، فلاشكّ أنّه يجري أصالة عدم


(181)

وجودها إلى يوم الخميس.والآثار التي يترقّب ترتّبها عليها عبارة عن:

1ـ أثر عدم الكرّية في ذاك اليوم.

2ـ أثر مطلق وجودها ولو بعنوان البقاء يوم الجمعة.

3ـ أثر تأخّر الكرّية عن الخميس.

4ـ أثر حدوثها يوم الجمعة.

أمّا الأوّل : فيترتّب لإحراز موضوعه بالاستصحاب.

وأمّا الثاني: أعني: أثر مطلق الوجود فهو يترتّب لكن لا بالاستصحاب بل لأجل العلم الوجداني بكونه كرّاً يوم الجمعة إمّا لكونها حادثة فيه أو كون وجودها فيه بقاء لما حدث.فلو غُسل لباس نجس يوم الخميس يحكم بنجاسته، دون ما إذا غُسِل يوم الجمعة.

وأمّا الثالث: فلايترتّب عليه، لأنّ التأخّر ليس مسبوقاً حتّى يستصحب. بل هو من اللوازم العقليّة لعدم حدوثها يوم الخميس بحكم الاستصحاب.

نعم يصحّ ترتّب أثر التأخّر على استصحاب العدم بأحد وجهين على وجه مانعة الخلو.

إمّا أن تكون الواسطة (التأخّر) خفيّة بأن يكون الأثر المترتّب على التأخّر، مترتّباً في نظر العرف على نفس عدم حدوث الكرّية ، أو تكون هناك ملازمة عرفية بين التنزيلين بأن يعدّ العرف الحكم بعدم تحقّقها في يوم الخميس ملازماً مع تأخّرها عنه، وتحقّقها في يوم الجمعة.

وأمّا الرابع ، أعني: ترتيب آثار حدوثها يوم الجمعة، فلو قلنا بكون الحدوث مفهوماً بسيطاً، فلايثبت بأصالة العدم.وإن قلنا بكونه مركّباً من أمرين:(العدم السابق، والوجود اللاحق)فيثبت لإحراز أحد الجزئين بالأصل والآخر بالوجدان على تأمّل فيه، إذ ليس الحدوث نفس هذين الأمرين، بل هو كون الوجود بعد


(182)

العدم، وهو بهذا العنوان ليست له حالة سابقة.

هذا كلّه حول القسم الأوّل من الصورة الأُولى، أعني: العلم ببقاء الحادث بعد حدوثه سواء حدث في يوم الخميس أو الجمعة.

وأمّا القسمان الآخران ، أعني: العلم بارتفاعه بعد حدوثه أو الشكّ في بقائه وارتفاعه. فيشتركان في جميع الأحكام مع القسم الأوّل إلاّ في ترتّب أثر الكرّية يوم الجمعة، فانّه قطعي في القسم الأوّل. فيحكم بطهارة ثوب غسل في ذاك الماء في يوم الجمعة بخلاف القسمين الأخيرين.إذ لا علم بالكرّية فيه.لأنّه من المحتمل حدوث الكرّية في يوم الخميس وارتفاعها قطعاً ـ عندئذ ـ في يوم الجمعة، كما في القسم الثاني، أو احتمال ارتفاعه عندئذ كما في القسم الثالث. ومع هذا الاحتمال لا قطع وجداني بالكرّية فيه، حتى يترتّب عليه آثارها.(1)

المبحث الثاني:

إذا قيس الحادث بالنسبة إلى حادث آخر

والبحث يقع في مقامين:

الأوّل: أن يكون كلّ من الحادثين مجهول التاريخ.

الثاني: أن يكون أحدهما مجهولاً و الآخر معلوماً.

المقام الأوّل:

فيما إذا كان الحادثان مجهولي التاريخ

إذا علم بعروض حكمين متضادّين لشيء واحد. فالصور المتصوّرة فيه


1-إلاّ أن يقال بترتّب الأثر في القسم الثالث بثبوت الكريّة في يوم الجمعة شرعاً إمّا لحدوثها يوم الجمعة، أو لحدوثها يوم الخميس و يحكم ببقائها إلى يوم الجمعة بالاستصحاب و بعبارة أُخرى: لوحدث يوم الجمعة و إلاّ فلو حدث يوم الخميس يحكم ببقائها بالاستصحاب.


(183)

أربعة، لأنّ الأثر إمّا مترتّب على وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر أو على عدمه، وعلى كلّ تقدير فإمّا أن يترتّب على وجوده أو عدمه بالمعنى التام أو بالمعنى الناقص وإليك التفصيل:

1ـ أن يترتّب الأثر على وجود الشيء عند وجود الحادث الآخر على نحو مفاد كان التامّة.

2ـ أن يترتّب الأثر على وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر على نحو مفاد كان الناقصة.

3ـ أن يترتّب الأثر على عدم الحادث عند وجود حادث آخر على نحو مفاد النفي الناقص.

4ـ أن يترتّب الأثر على عدم الحادث عند وجود حادث آخر على نحو مفاد النفي التام.(1)

وإليك البحث عن جميع الصور الأربعة:

الصورة الأُولى: أعني ما إذا ترتّب الأثر على وجود الشيء عند وجود شيء آخر على نحو مفاد كان التامّة فعلى أقسام ثلاثة:

1ـ أن يترتّب الأثر على وجود أحد الحادثين دون الحادث الآخر، وأن يترتّب على حالة واحدة منه كالسبق دون الحالات الأُخر منه من التقارن والتأخّر.(2)

2ـ أن يترتّب الأثر على وجود كلّ واحد من الحادثين.


1-وإلى ذينك القسمين المتأخّرين أشار المحقق الخراساني بقوله: «و أُخرى كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر» لاحظ ص335 طبعة المشكيني. وأخّرنا النفي التام تبعاً لما في الكفاية حتى تسهل الدراسة.
2-و إليه يشير المحقق الخراساني بقوله: «لا للآخر، و لا له بنحو آخر» أي لا لوجود الحادث الآخر، ولا بنحو آخر من وجود الحادث الأوّل، بأن يكون الأثر مترتّباً على التقدّم فقط، دون التأخّر أو التقارن.


(184)

3ـ أن يترتّب الأثر على واحد من الحادثين دون الحادث الآخر ولكن على حالتين منه كالسبق والتأخّر.

أمّا القسم الأوّل: فلو كان الأثر مترتّباً على وجود أحد الحادثين دون الآخر بالثبوت التام، فينفي ما يترتّب عليه الأثر باستصحاب العدم دون الآخر لعدم ترتّب الأثر عليه وذلك كما إذا علمنا بموت أخوين أحدهما ذو ولد، دون الآخر، فذو الولد يرثه أولاده سبق موته على ذلك الأخ أو تقارن أو تأخّر، فلا يترتّب على واحد من الحالات منه أثر، وأمّا الأخ(الذي لا ولد له) فلو سبق موته على ذلك الأخ ذي الولد يرثه، ثمّ يرثه أولاده، فالأثر مترتّب على سبق موته، لا على سبق موت الأخ الآخر الذي كان ذا ولد، وعلى حالة واحدة منه وهو السبق، دون التقارن والتأخّر. فينفي موضوعه بالاستصحاب العدمي ويقال: الأصل عدم سبق موته.وهذا يكفي في عدم توارث الأخ الآخر الذي مات بعده ولا حاجة لنا إلى إثبات التقارن والتأخّر. بل نفي السبق يكفي في نفي الأثر.

أمّا القسم الثاني: أعني إذا كان الأثر مترتّباً على وجود كلّ من الحادثين كما إذا علمنا بموت الولد، والوالد، والمفروض أنّ سبق موت كلّ واحد على الآخر موضوع للأثر.فلو كان موت الولد سابقاً على موت الوالد، يرثه الوالد مثل السدس، والباقي لسائر الورثة، ولو كان موت الوالد سابقاً، يرثه الولد من تركته ويرثه سائر أولاده.

ففي هذه الصورة حكم المحقّق الخراساني بجريان الاستصحاب والتساقط لأجل التعارض.

والحقّ التفصيل بين العلم بوجود السبق بين الموتين أو عدمه، فعلى الأوّل يتساقطان بالتعارض للعلم بكذب أحد الأصلين.وعلى الثاني لامانع من جريانهما لعدم العلم بكذبهما لاحتمال موتهما متقاربين ويترتّب عليهما أثر كلّ واحد.


(185)

وأمّا القسم الثالث: أعني: ما إذا كان الأثر مترتّباً على الحالتين من الحادث الواحد، كما إذا ترتّب على السبق على الآخر وعلى تأخّره منه أيضاً، وكان كلّ منهما مورداً للأثر كما لو نذر أنّه لو سبق زيد على عمرو، أعطى له درهماً، ولو تأخّر منه أعطى لعمرو درهماً. فيجري فيه التفصيل السابق.فأمّا ان لانعلم السبق واحتملنا التقارن، فيجري كلّ من الأصلين في مورد السبق والتأخّر ويقال أصالة عدم سبقه على الآخر، وأصالة عدم تأخّره عنه. ولايلزم العلم ببطلان أحد الأصلين، لأنّ انتفاء السبق والتأخّر يستلزم التقارن، ومن المحتمل أن يكون الحادثان متقاربين.

نعم لو علمنا بسبق أحد الحادثين على الآخر يتعارض الأصلان للعلم بكذبهما.

هذا كلّه حول الصورة الأُولى من المقام الأوّل وإليك الكلام في الصورة الثانية منه.

الصورة الثانية: أن يترتّب الأثر على وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر، على نحو مفاد كان الناقصة، والمقصود نفي الموضوع بالأصل، بخلاف الصورتين الباقيتين فإنّ المقصود هو إثبات الموضوع العدمي به.(1) فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم جريانه لعدم اليقين السابق.ولأجل ذلك لم يشر إلى الأقسام المتصوّرة في الصورة الأُولى، من ترتّب الأثر على واحد من الحادثين، أو ترتّبه على كلّ واحد منهما، أو ترتّبه على حالتين من الحادث الواحد.

والفرق بين الإثبات على الوجه التام، والإثبات على الوجه الناقص، عبارة عن كون الموضوع في الأوّل هو سبق موت الوالد على موت الابن، بخلافه في الثاني فانّ الموضوع عندئذ هو موت الوالد المتّصف بالسبق على موت الولد. وكم فرق


1-وإلى هذا القسم أشار المحقّق الخراساني: وأمّا إن كان مترتّباً على ما إذا كان متّصفاً بالتقدّم أو بأحد ضدّيه الذي كان مفاد كان الناقصة....


(186)

بين كون الموضوع «سبق موت الوالد» عند موت الولد وكونه «موت الوالد المتّصف بالسبق عند موت الولد» وعندئذ هل يمكن نفي ذاك الموضوع باستصحاب العدم أو لا ؟

فاختار المحقّق الخراساني عدم الجريان لعدم اليقين السابق.لأنّ موت الوالد المتّصف بالسبق عند موت الولد، ليس مسبوقاً بالعدم، حتّى يتعلّق به اليقين، وتكون له حالة سابقة، وما له حالة سابقة، هو عدم موت الوالد حين حياة الولد. لاعدم موته متّصفاً بالسبق عند موت الولد.

يلاحظ عليه: أنّه لو ترتّب الأثر على السالبة المحصّلة فهي كما تصدق مع فقدان المحمول تصدق مع فقدان الموضوع، فعند ما كان الوالد والولد حيّين، كانت القضية السالبة المحصّلة صادقة أي لم يكن موت الوالد المتّصف بالسبق عند موت الولد ولو باعتبار عدم وجود واحد منهما، فإذا فرضنا انقلاب الموضوع إلى الوجود، وتحقق موت الوالد والولد وشكّ في تحقّق الاتّصاف يصحّ نفي الاتّصاف بالسالبة المحصّلة إذ قد كان لها مصداقان وقد انتفى أحدهما، وهو الصدق باعتبار عدم الموضوع ونشكّ في بقاء الآخر ، أعني: الصدق بانتفاء المحمول.

وباختصار: أنّ الاتّصاف وإن لم تكن له حالة سابقة لكن سلب ذاك الاتّصاف له حالة سابقة.

فإن قلت: ما الفرق بين قولنا:«عدم موت الوالد المتّصف بالسبق عند موت الولد» وقولنا:«المرأة إذا لم تكن قرشية» فقد تقدّم في مبحث العام والخاص أنّه لايصحّ إحراز أحد الجزئين بالوجدان أي المرأة والآخر بالأصل أي «لم تكن قرشية» إذ لا حالة سابقة له. لأنّ المحرز، هو كلّ واحد من الجزئين، وأمّا الاتّصاف فلا.


(187)

قلت: الفرق واضح لأنّ المستصحب في مورد المثال الثاني، هو نفس القضيّة، وقد تقدّم أنّ الاتّصاف ليست له حالة سابقة، وهذا بخلاف المقام فانّ المستصحب هو عدم القضيّة المتّصفة،وله حالة سابقة قطعاً، وفقدان الإيجاب الحالة السابقة، غير كون السلب فاقداً لها.

ومع هذا السعي البالغ فالأصل مثبت، لأنّ المتيقّن هو السالبة بانتفاء الموضوع، والمشكوك هو المنتفية بالمحمول.

والمستصحب: لم يكن موت الوالد متّصفاً بالسبق على موت الولد متحقّقاً .وهو يصدق مع كون الوالد والولد حيّين. ولكن المقصود إثبات موت الوالد المتحقّق غير المسبوق على موت الولد. وهو نفس الأصل المثبت.

والحقّ مع المحقّق الخراساني في عدم جريان الأصل في الصورة الثانية بخلاف الأُولى.

الصورة الثالثة: إذا ترتّب الأثر على عدم الحادث عند وجود الحادث الآخر على وجه النفي الناقص(1)فقد نفى المحقّق الخراساني صلاحية المورد للاستصحاب إذاكان الأثر مترتّباً على عدم الحادث في زمان حدوث الآخر بنحو الوصفية ككون الماء متّصفاً بعدم الكرّية في زمان حدوث الملاقاة لعدم اليقين السابق بحدوثه كذلك حتّى يستصحب.

وإن شئت قلت: إنّ الموضوع للأثر هو القضية المعدولة كما إذا قلنا:الماء غير ا لكرّ أو المسبوق بعدم الكرّية عند ملاقاة النجس ينجس. أو القضية الموجبة المعدولة المحمول كما إذا قلنا: الماء الذي لم يكن كرّاً عند الملاقاة ينجس.فانّ كلاًّ


1-قدّم المحقّق الخراساني البحث عن النفي الناقص على النفي التام على خلاف ما تقدّم في ترتّب الأثر على موجود حادث عند الحادث الآخر، ونحن آثرناه. وقد أشار المحقّق الخراساني إلى هذه الصورة بقوله: وأُخرى كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر....


(188)

من القضيتين لايصدق إلاّ بوجود الموضوع، والمفروض أنّ الماء بهذا الشكل ليس له حالة سابقة.

والحاصل: أنّ قوام الصورة الثانية بالسلب وهو هيّن ـ مع قطع النظر عن كونه مثبتاً ـ بخلاف الثالث منها فانّ قوامها بالإيجاب، وهو يتوقّف على وجود الموضوع أي وجود الماء المتّصف بعدم الكرّية حين الملاقاة، وهذا ليس متعلّقاً لليقين حتّى يستصحب في ظرف الشكّ.

وأمّا الصورة الرابعة: فهي عبارة عمّا إذا ترتب الأثر على عدم وجود حادث عند وجود حادث آخر لكن على مفاد النفي التام (1) كالتنجيس المترتّب على عدم كرّية الماء عند الملاقاة فقد منع المحقق الخراساني جريان الاستصحاب مستدلاّ ً بأنّ من شرائط جريان الاستصحاب إحراز اتّصال زمان الشكّ باليقين ولكنّه ليس بمحرز، وإليك التوضيح بوجهين:

أ ـ ما أوضحه المحقّق المشكيني في تعليقته. بيانه: أنّ الظاهر من قوله:لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت، هو اعتبار اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين في حرمة نقضه بالشكّ، فلايصحّ التمسّك به في الموارد التي لم يحرز فيها اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين سواء أُحرز عدم الاتّصال بأن توسّط يقين ثان، بين اليقين الأوّل والشكّ الطارئ، أم شكّ في توسّطه، أمّا الصورة الأُولى فواضح لأنّه يكون من قبيل نقض اليقين بمثله، ولأجل ذلك لو أذعن بوجوب الجلوس إلى الزوال، ثمّ شكّ في بقائه بعده فلا يصحّ ـ عند القوم ـ استصحاب عدم الوجوب المعلوم أزلاً، لفصل اليقين الثاني، بين اليقين الأوّل، والشكّ الطارئ. وأمّا الصورة الثانية: فلأنّ احتمال توسّط يقين ثان بين الأوّل والثاني،


1-وإلى هذه الصورة أشار المحقّق الخراساني بقوله: وكذا فيما كان مترتّباً على نفس عدمه في زمان الآخر واقعاً....


(189)

يجعله من قبيل الشبهة المصداقية، لقوله:«لاتنقض اليقين بالشكّ» ويكون مآله إلى الشكّ في أنّه هل هو نقض اليقين باليقين أو بالشكّ ومع هذا لايصحّ التمسّك بالعام، ومورد المثال من قبيل الصورة الثانية.

توضيحه: أنّ هنا ثلاث ساعات، ففي الساعة الأُولى، لم تكن كرّية ولاملاقاة، وعلم بحدوث إحداهما في الساعة الثانية بلاتعيين وفي الثالثة علم بحدوث الأُخرى، وعندئذ أنّ لعدم الكرّية صورتين:

1ـ استصحاب عدم الكرّية المطلقة بالنسبة إلى الساعة الثانية.

2ـ استصحاب عدم الكرّية بالنسبة إلى زمان العلم بالملاقاة.

أمّا الأُولى، فلاإشكال في جريانه. لعدم تخلّل شيء بين زمان اليقين والشكّ فيجري إلى نهاية الساعة الثانية.

وأمّا الثانية، أعني ما إذا لوحظ بالنسبة إلى الملاقاة وأُريد استصحاب عدم الكرّية المقيّدة بزمان الملاقاة فلايجري الاستصحاب، وذلك لأنّ زمان الملاقاة في نفس الأمر متردّد بين الساعة الثانية والثالثة فلا يقين بالاتّصال.

لأنّ زمان الملاقاة لو كان هو الساعة الثالثة، فلااتصال في البين لتخلّل وجود الكرّية حينئذ بين المتيقّن والمشكوك.

وإن كان الثانية، فالاتّصال موجود أي اتّصال عدم الكرّية بين الزمانين وحيث إنّ الواقع غير معلوم، يكون التمسّك بدليل الاستصحاب من قبيل التمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية.

وإلى ذلك الوجه يشير المحقّق الخراساني بقوله: لعدم إحراز اتّصال زمان شكّه وهو زمان حدوث الآخر (أي الملاقاة)بزمان يقينه أي اليقين بعدم كلّ من الحادثين، لاحتمال انفصال زمان المشكوك عن زمان المتيقّن. باتّصال حدوثه أي وجود الكرّية.


(190)

يلاحظ عليه بأمرين:

1ـ أنّه لو تمّ ذلك يلزم سدّ باب الاستصحاب بتاتاً. إذ ما من استصحاب إلاّ ويحتمل معه انقلاب المتيقّن فيه إلى ضدّه في زمان الشكّ، ولولا هذا الاحتمال، لما حصل الشكّ، فاحتمال حدوث الكرّية في الساعة الثانية وانقلاب عدمها إلى نقيضها، لا يضرّ به إذ ليس أزيد من احتمال عدم بقاء المتيقّن وانقلابه إلى ضدّه أو نقيضه الذي هو الحاكم في جميع الموارد، وبالجملة المعتبر في الاستصحاب وجود يقين وشكّ فعلي وأنّه لو رجع القهقري أن لايقف على متيقّن متضادّ مع المتيقّن السابق، لا أن لايحتمله. وهذا الشرط حاصل واحتمال تقدّم الكرّية وإن كان حاصلاً لكنّه ليس بأمر متيقّن، بل محتمل فلايعتنى به إذ الاعتناء يستلزم رفع اليد عن الأمر اليقيني بأمر مشكوك ولعلّ منشأ هذا الاشتباه، شدّة اتصال اليقين بالمتيقّن فيكون احتمال انفصال المتيقّن بين زمان اليقين والشكّ، موجباً لزعم احتمال انفصال اليقين.

2ـ أنّه لاينطبق على عبارة الكفاية، لأنّه يركّز على فصل زمان الشكّ عن زمان اليقين، وما ذكر من البيان يركّز على احتمال تبدّل المتيقّن إلى ضدّه واحتمال بقائه وأين هو من فصل زمان الشكّ عن زمان اليقين .

ب ـ ما يستفاد من كلامه في الكفاية عند الجواب عن الإشكال الذي أورده على نفسه وإليك بيان الإشكال وجوابه الواردين في الكفاية.

لايقال: إذا كان على يقين في عدم حدوث واحد منهما في ساعة وصار على يقين من حدوث أحدهما بلاتعيين في ساعة أُخرى بعدها، وحدوث الأُخرى ساعة ثالثة، كان زمان الشكّ في حدوث كلّ منهما تمام الساعتين لا حصول أحدهما فيتّصل زمان الشكّ إلى زمان اليقين فزمان اليقين: الساعة الأُولى، وزمان الشكّ: الساعتان مجموعاً وهما متّصلتان بالأوّل.


(191)

فانّه يقال: إذا قيس كلّ حادث بالنسبة إلى الزمان فالساعتان زمان الشكّ، وأمّا إذا قيس إلى الحادث الآخر فظرف الشكّ هو الساعة الثالثة فقط دون الثانية، فيكون اليقين في الساعة الأُولى والشكّ في الساعة الثالثة وتكون الثانية غير متعلّقة لالليقين، ولاللشكّ (1).

بيان ذلك: الشكّ في كلّ منها بالإضافة إلى زمان حدوث الآخر لايحصل إلاّ في الساعة الثالثة فإنّه مالم يعلم بحدوث كلّ من الحادثين لايكاد يحصل الشكّ في المتقدّم والمتأخّر منهما، وموطن العلم بحدوث كلّ منهما إنّما يكون الساعة الثالثة والاستصحاب يتبع زمان الشكّ فالساعة الثانية تكون فاصلة بين زمان اليقين وزمان الشكّ.

وبعبارة أُخرى: أنّ الشكّ في بقاء عدم الكرّية إلى زمان الملاقاة لايحصل إلاّ بعد العلم بالملاقاة، ولا يحصل العلم بها إلاّ في الساعة الثالثة ويكون الشكّ حاصلاً حين العلم بالملاقاة وليس إلاّ الساعة الثالثة ، فتكون الساعة الثانية خاليةً عن اليقين والشكّ أمّا اليقين بأحدهما المعيّن فواضح، وأمّا الشكّ فلأنّه فرع حصول المتعلّق أعني: الملاقاة.

وهذا ما يستفاد من عبارته وقد أوضحه المحقّق النائيني أيضاً.(2)

وباختصار:

1ـ إنّ الشكّ في المتقدّم والمتأخّر لايحصل إلاّ بعد العلم بحدوث الحادثين.

2ـ العلم بحدوث الحادثين حاصل في الساعة الثالثة فيكون موطن الشكّ هو الساعة الثالثة.

3ـ فالاستصحاب يتبع الشكّ ولايتقدّم عليه فاستصحاب عدم تقدّم كلّ


1-كفاية الأصول: 2/336.
2-الفوائد:4/517.


(192)

إنّما يجري في الساعة الثالثة.

4ـ وعلى ذلك لايكون زمان الشكّ متّصلاً بزمان اليقين لأنّ موطن اليقين هو الساعة الأُولى وموطن الشكّ هو الساعة الثالثة،فالساعة الثانية تكون فاصلة بين اليقين والشكّ.

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: أنّ مفاد استصحاب عدم الكرّية إلى زمان وجود الملاقاة، ليس بمعنى زمان العلم بالملاقاة حتّى لايتحقق الشكّ بهذا النحو إلاّ في الساعة الثالثة وتكون الساعة الثانية خالية عنه، بل المراد استصحابه في كلّ زمان تحقّقت فيه الملاقاة، ومن المعلوم أنّه كما يحتمل تحقّق وجودها في الساعة الثالثة كذلك يحتمل تحقّقها في الساعة الثانية، ربّما يمكن فرض وجود كلّ منهما في الساعة الثانية فيكون الشكّ في كلّ من الحادثين متّصلاً بيقينه ويجري استصحاب عدم كلّ منهما في زمان الشكّ في كلّ من الحادثين.

الثاني: سلّمنا، انفصال الشكّ عن اليقين، لكن لادليل على شرطيّة ذلك الاتّصال وإنّما المضرّ، هو انفصال يقين مضادّ لليقين بينه وبين حدوث الشكّ، وأمّا أنّه يحب أن يتّصل الشكّ بزمان اليقين فلا دليل عليه، والمقام أشبه بمن أيقن، ثمّ نام أو غشي عليه ثمّ استيقظ وشكّ، وما في قوله ـ عليه السلام ـ :«لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت» محمول على الغالب لما عرفت سابقاً من أنّه يمكن حصول الشكّ قبل اليقين.

فالحقّ جريان الاستصحاب في كلّ من مجهولي التاريخ إذا ترتّب الأثر على كلّ منهما، كما إذا أذن المرتهن لبيع العين المرهونة ثمّ رجع عن إذنه وشكّ في تاريخ كلّ من البيع والرجوع عن الإذن أو واحد منهما إذا ترتّب الأثر على واحد منهما كما في استصحاب عدم الكرّية عند وجود الملاقاة. فيجري الأوّل ويحكم بنجاسة الماء


(193)

المتمّم كرّاً بماء طاهر.

ثمّ إنّ المحقق الخوئي ـ دام ظلّه ـ قد نقل بياناً لتوضيح مقصود صاحب الكفاية وهو ليس أمراً جديداً بل يرجع إلى ما ذكره المحقّق النائيني ـ قدّس سرّه ـ غير أنّ فيه أمراً زائداً وهو أنّه لمّا كان ظرف الشكّ هو يوم السبت وهو متيقّن بحدوث الكرّية ومعه كيف يمكن استصحاب عدمها إلى الزمان الذي يعلم بحدوثها؟ وعليه لايجري الاستصحاب، لوجهين: انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين أوّلاً، وتبدّل الحالة السابقة إلى أمر مقطوع به ثانياً ومعه لايكون رفع اليد نقضاً لليقين بالشكّ بل نقضاً بيقين مثله.(1)

يلاحظ عليه: أنّه ليس أمراً جديداً بل نفس تقرير أُستاذه المحقّق النائيني غير أنّه أضاف إليه شيئاً وهو أنّ الساعة الثالثة ظرف اليقين بنقض الحالة السابقة، ولكنّه لايضرّ بالاستصحاب، إذ ليس الهدف منه، الحكم بعدم الكرّية في الساعة الثالثة حتّى يقال:إنّ الكرّية فيها متحقّقة بل الهدف إسرائه إلى الساعة الثانية وهو يجتمع مع العلم بالكرّية في الثالثة.والحاصل أنّ العلم بنقض الحالة السابقة في الساعة الثالثة، لايضرّ باستصحابها إلى نهاية الساعة الثانية.

وبعبارة أُخرى: أنّ الغاية للاستصحاب هو زمان الملاقاة حسب ظرفه الواقعي، لا حسب العلم به فانّ مفاد الثاني هو عدم حصول الكرّية إلى يوم السبت الذي هو ظرف اليقين بتحقّق كلا الحادثين: الملاقاة والكرّية، ومفاد الأوّل، عدم حصول الكرّية إلى زمان تحقّق الملاقاة واقعاً. وليس في هذا الظرف يقين بحصول الكرّية فالخلط حصل بين كون الغاية حصول العلم بوجود الملاقاة وبين كونها تحقّق الملاقاة، وغاية الاستصحاب هو الثاني دون الأوّل،وليس فيه علم بحصول الكرّية.


1-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول:3/200.


(194)

إلى هنا تبيّن أنّ التمسّك بالاستصحاب في المقام ليس من قبيل الشبهة المصداقية لقاعدة «لاتنقض» كما في التقرير الأوّل، ولا أنّ زمان الشكّ منفصل عن زمان اليقين كما في التقرير الثاني، ولاأنّ زمان الشكّ علم بانتقاض اليقين السابق بمثله.وانّ هذه التقارير الثلاثة لاتسمن ولاتغني من جوع.

وعلى ضوء ذلك فالمحقّق الخراساني فصّل في القول بجريان الاستصحاب في الصور الأربعة. فقال بالجريان في الصورة الأُولى فقط ونفاه في الصور الأُخرى إمّا لعدم الحالة السابقة كما في الصورتي الثانية والثالثة، أو لعدم اتصال زمان الشكّ باليقين كما في الصورة الرابعة و إليك بيانها:

1ـ لو ترتّب الأثر على وجود الشيء عند وجود شيء آخر بنحو كان التامة، يجري الاستصحاب إذا لم يكن معارضاً كما إذا كان الأثر مترتّباً على حالة واحدة من الشيء ، لا على حالتين من الشيء ولا على وجود الشيئين المعلوم تحقّقهما والمشكوك تقدّمهما.

2ـ تلك الصورة ولكن على نحو مفاد كان الناقصة فقال بعدم الجريان لعدم اليقين السابق.

3ـ إذا ترتب الأثر على العدم عند وجود الحادث الآخر بنحو النفي الناقص فقال بعدم الجريان لعدم اليقين بحدوثه كذلك في زمان.

4ـ تلك الصورة ولكن بنحو النفي التام فقال بعدم الجريان لأجل عدم اتّصال زمان الشكّ باليقين.وقد عرفت أنّ الحقّ معه إلاّ في الصورة الأخيرة.حيث قلنا بجريان الاستصحاب فيها.

تمّ الكلام في المقام الأوّل وإليك الكلام في المقام الثاني ، أعني: ما إذا كان أحدهما مجهول التاريخ فنقول:


(195)

المقام الثاني:

فيما إذا كان أحدهما مجهول التاريخ

إذا كان أحدهما معلوم التاريخ والآخر مجهوله فله مثل المقام السابق صور أربعة:

1ـ أن يكون الأثر مترتّباًعلى وجود الشيء عند وجود الآخر على نحو مفاد كان التامّة، كإرث الولد المترتّب على سبق موت الوالد على موت الولد. وإرث الوالد المترتّب على سبق موت الولد على موت الوالد. وقد علم تاريخ موت الولد وأنّه كان يوم الجمعة وشكّ في تاريخ موت الوالد.وأنّه هل كان مقدّماً على موت الولد أو لا ؟

فلاكلام أنّه يجري الأصل في مجهول التاريخ ويحكم بعدم سبق موت الوالد على الولد، فلو لم يجر الأصل في معلومه يحكم بإرثه من الولد.إنّما الكلام في جريانه في معلوم التاريخ.فالظاهر من المحقّق الخراساني جريانه فيه أيضاً فقال:فلا إشكال في جريان استصحاب عدمه لولا المعارضة باستصحاب العدم في طرف الآخر أو طرفه(1) (كما إذاترتّب الأثر في مجهول التاريخ على سبقه وتأخّره أيضاً).

ولكن الشيخ الأعظم قال بعدم جريانه وأوضحه المحقّق النائيني بقوله:إنّ حقيقة الاستصحاب ليس إلاّ جرّ المستصحب في الزمان الذي يشكّ في بقائه فيه. ففي كلّ زمان شكّ في بقاء الموجود أو حدوث الحادث، فالاستصحاب يقتضي بقاء الأوّل وعدم حدوث الثاني.وأمّا لو فرض العلم بزمان الحدوث فلا معنى لأصالة عدمه لعدم الشكّ في زمان الحدوث مع أنّ الاستصحاب هو جرّ المستصحب إلى زمان الشكّ، فلابدّ وأن يكون في البين زمان يشكّ في بقاء المستصحب فيه.ففي معلوم التاريخ لامحلّ للاستصحاب.(2)


1-المحقّق الخراساني: كفاية الأصول: 2/337.
2-المحقّق النائيني: فوائد الأصول: 4/508.


(196)

يلاحظ عليه: أنّ موت الولد، معلوم من جهة، ومجهول من جهة. أمّا من جهة نفسه بما هو هو فمعلوم أنّه اتّفق يوم الجمعة، فلا موضوع للاستصحاب بمعنى إطالة عمر اليقين.ومن جهة الإضافة إلى موت الوالد، وحدوثه في زمانه فمجهول.فحدوثه في زمان حدوث موت الوالد أمر مشكوك.وليس موضوع الأثر موته يوم الجمعة حتّى يقال بأنّه معلوم.وإنّما الموضوع موته عند موت والده فيستصحب عدم موت الولد إلى موت والده.

2ـ أن يكون الأثر مترتّباً على وجود الشيء عند وجود الآخر على نحو مفاد كان الناقصة كما إذا كان الأثر مترتّباً على الموت المتّصف بالسبق على ما مرّ، وكان موت الولد معلوماً والوالد غير معلوم فقد ذهب الشيخ وتبعه المحقّق الخراساني إلى عدم الجريان. قال الأوّل:«وأمّا وجوده في زمان الآخر، فليس معلوماً بالعدم» وأوضحه المحقّق النائيني بأنّه إن أُريد من لحاظ معلوم التاريخ بالإضافة إلى حدوث الآخر، لحاظه مقيّداً بزمان حدوث الآخر فهو وإن كان مشكوكاً للشكّ في وجوده في زمان وجود الآخر إلاّ أنّه لا تجري أصالة عدم وجوده في ذلك الزمان لأنّ عدم الوجود في زمان حدوث الآخر بقيد كونه في ذلك الزمان لم يكن متيقّناً سابقاً فلا يجري الأصل.(1)

وقد عرفت أنّه الحقّ وأنّ استصحاب القضية السالبة بانتفاء الموضوع لايثبت موضوع الأثر.

3ـ إذاترتّب الأمر على عدم الحادث عند وجود الحادث الآخر على نحو مفاد النفي الناقص.ككون الماء مسبوقاً بعدم الكرّية في زمان حدوث الملاقاة، وهذا القسم لم يذكره المحقّق الخراساني وكان عليه أن يذكره مثل ما ذكره في المقام الأوّل.وعلى ما ذكره في المقام لا يجري في المجهول، فكيف المعلوم، لعدم الحالة


1-المحقّق النائيني: فوائد الأصول: 4/508.


(197)

السابقة.

4ـ أن يكون الأثر مترتّباً على عدمه الذي هو مفاد النفي التام في زمان الآخر كما إذا فرضنا أنّ التنجس ترتّب على عدم كرّية الماء عند حدوث الملاقاة وكان زمان الملاقاة معلوماً دون الكرّية فقال بجريانه في مجهول التاريخ دون معلومه.

فله دعويان:

الأُولى: جريانه في مجهول التاريخ وعلّله باتّصال زمان شكّ بزمان يقينه.

الثانية: عدم جريانه في معلومه وعلّله بانتفاء الشكّ فيه في زمان وإنّما الشكّ فيه بإضافة زمانه إلى الآخر.

يلاحظ على الأُولى: أنّه لافرق بين الصورة الرابعة من المقام الأوّل، وهذه الصورة (الرابعة أيضاً) من المقام الثاني فانّ التقريرين المذكورين هناك جاريان هنا أيضاً.

أمّا ما ذكره المحقّق المشكيني من احتمال انقلاب المستصحب في زمان الشكّ إلى نقيضه فهو جار في المقام بالبيان التالي:

ففي الساعة الأُولى لم تكن كرّية ولاملاقاة وفي الساعة الثالثة حدثت ملاقاة قطعاً، لكن لاندري هل الكرّية حدثت في الساعة الثانية، أو الرابعة، فاستصحاب عدم الكرّية إلى نهاية الساعة الثالثة معارض باحتمال انقلابه إلى الوجود في تلك الساعة الثانية.

وأمّا ما استظهرناه من عبارة الكفاية وأوضحه المحقّق النائيني فهو أيضاً جار في المقام لأنّ ظرف اليقين لعدم الحادثين هو ا لساعة الأُولى، وظرف الشكّ لنفس الكرّية هو الساعة الثانية، وأمّا الساعة الرابعة فهو ظرف الشكّ في حدوث الكرّية بالإضافة إلى الآخر أي الملاقاة، لأنّه مالم يحصل العلم بالملاقاة لاتصحّ إضافة عدم الكرّية إليها والعلم بها يحصل في الساعة الثالثة، فعند ذاك صار فصل


(198)

بين اليقين، بعدم كلّ منهما في الساعة الأُولى، والشكّ في حدوث الكرّية بالإضافة إلى الآخر، بالساعة الثانية.

ويلاحظ على الثانية: بأنّه مناقض لما ذكره في الصورة الأُولى من المقام الثاني من أنّ الأصل يجري في المعلوم والمجهول، غير أنّه يتعارضان، مع أنّ الإشكال الذي ذكره مشترك بين الصورتين ، وهو عدم الشكّ في زمانه وإنّما الشكّ فيه بإضافة زمانه إلى الآخر. وقد عرفت الملاحظة عند تقرير كلام الشيخ الأنصاري من أنّ المعلومية من جهة لاتنافي الشكّ من جهة أُخرى. ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذكر ملخّص مرامه في المقام الثاني بقوله:«وقد عرفت جريانه فيهما تارة...» (كما في الصورة الأُولى) و«عدم جريانه كذلك أُخرى» (كما في الصورة الثانية والثالثة) وكان عليه أن يشير إلى التفصيل الأخير بين معلوم التاريخ ومجهوله كما في الصورة الرابعة.

وأمّا المراد من قوله:«فانقدح أنّه لافرق بينهما...».الظاهر أنّ العبارة راجعة إلى الصورة الأُولى من المقام الثاني وأنّه يجري الأصل فيها من غير فرق بين كون الحادثين مجهولي التاريخ ومختلفيه، ولا بين مجهوله ومعلومه في المختلفين.

والدليل على أنّه راجعة إلى الصورة الأُولى، قوله:«فيما اعتبر في الموضوع خصوصية ناشئة من إضافة أحدهما إلى الآخر، بحسب الزمان من التقدّم أو أحد ضدّيه أو نشكّ فيها...».

تطبيقـات وفروع

الفرع الأوّل:

لو ترتّب الأثر على وجود كلّ من الحادثين منفرداً، سواء كان هناك حادث آخر أو لا ؟ ولكن لم يعلم المتقدّم والمتأخّر منهما. كما إذاتطهّر عن حدث،


(199)

وأحدث ولم يعلم حال كلّ من حيث التقدّم والتأخّر فله صور:

أ ـ أن تكون الحالة السابقة على عروض الحالتين مجهولة.

ب ـ أن تكون الحالة السابقة على عروضهمامعلومة.

وعلى كلّ تقدير فإمّا أن يكونا مجهولي التاريخ، أو يكون أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً.

وقبل بيان أحكام هذه الصور نشير إلى الأقوال في المسألة، فانّها لاتتجاوز عن ثلاثة:

1ـ ذهب المشهور إلى لزوم إحراز الطهارة الحدثية للدخول في الصلاة لتعارض الاستصحابين فلا مناص عن لزوم إحراز الطهارة للدخول فيها.

2ـ التفصيل بين الجهل بالحالة السابقة على طروء الحادثين، والعلم بها، فالعمل بقول المشهور على الأوّل والأخذ بضدّ الحالة السابقة على الثاني.(1)

3ـ ذلك التفصيل لكن في مجهولي التاريخ، وأمّا إذا علم تاريخ أحدهما فإنّما يؤخذ بضدّ الحالة السابقة إذا علم كون المعلوم ضدّها لا مثلها وإلاّ فيعمل بقول المشهور كما عليه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ والقول الثاني هو الأظهر، وتحقيقه يتوقّف على بيان أمرين:

الأوّل: أنّ السبب تارة يكون سبباًفعلياً وأُخرى سبباً شأنياً واقتضائياً ففيما إذا كان الإنسان متطّهراً ونام، يكون النوم سبباًفعلياً موجباً للعلم بالمسبّب، بخلاف ما إذا كان محدثاً ونام فليس النوم فيه سبباً فعلياً بل هو سبب شأني ولايوجب العلم بالسبب الشأني علماً بالمسبّب من ناحيته بل العلم بالمسبّب حاصل من السبب الأوّل. ويكون وجوده وعدمه سيّان بالنسبة إليه.


1- المحقّق الحلّي: المعتبر: 1/171.


(200)

الثاني: أنّ من شرائط تنجيز العلم الإجمالي كونه مؤثّراً على كلّ تقدير، وموجباً للأثر الشرعي على كلّ فرض، فالعلم الإجمالي بحدوث النوم إمّا قبل الوضوء، أو بعده إنّما ينجّز إذا كان مؤثّراً في كلّ الحالات، فلو كان مؤثّراً في بعضها دون البعض فلايكون مثله مؤثّراً وهكذا العلم الإجمالي بأنّه كان متوضّئاً إمّا قبل النوم أو بعده، إنّما يكون منجِّزاً إذاكان محدثاً للأثر على كلّ تقدير سواء كان قبل النوم أو بعده، وإلاّ فلو كان موضوعاً للأثر على فرض دون آخر فلايكون منجّزاً.

إذا عرفت ذلك فلنذكر صور المسألة وأحكامها ويتّضح دليل الأقول الثلاثة:

الصورة الأُولى:

إذا كانت الحالة السابقة مجهولة، فالظاهر جريان الاستصحاب في كلتا الحالتين سواء كانتا مجهولتي التاريخ أم كانت أحديهما معلومة والأخرى مجهولة ويكون المرجع بعد التعارض لزوم إحراز الطهارة الحدثية للصلاة.

الصورة الثانية:

إذاكانت الحالة السابقة على طروء الحالتين معلومة من الطهارة والحدث وكانت الحالتان مجهولتي التاريخ، يؤخذ بضد الحالة السابقة وذلك لتأثير العلم الإجمالي في جانب الضدّ دون المثل.

مثلاً إذا كان في أوّل النهار متطهّراً، ثمّ علم بطروء الحالتين من الطهارة والنوم، يحكم بكونه محدثاً، وذلك للعلم بانتقاض الطهارة قطعاً بلاإشكال إمّا بتوسّط النوم بين الطهارتين أو بوقوعه بعد الطهارة الثانية، وعلى كلّ تقدير يعلم بعروض الحدث، ويشكّ في ارتفاعه فيستصحب.

وأمّا استصحاب الطهارة، فلا علم بها لاتفصيلاً ولاإجمالاً فانّ الطهارة


(201)

المعلومة أوّل النهار قد زالت يقيناً فهو قطعيّ الارتفاع، وأمّا عروضها مجدّدة بعد النوم فهو مشكوك بالشكّ البدوي.

ويقال مثله في عكس المثال:إذا كان أوّل النهار محدثاً، ثمّ علم بطروء الحالتين من الطهارة والنوم فيحكم بكونه متطهّراً ، للعلم بأنّ الحالة الأُولى قد زالت، وانقلبت إلى الحالة الأُخرى أي الطهارة فهي محقّقة الحدوث، وإنّما الشكّ في ارتفاعها وأمّا الحالة الحدثية فلاعلم تفصيلي بها ولاإجمالي، للعلم بأنّها زالت بالعلم بطروء الطهارة، وعروضها بعد الطهارة مشكوك بدوي.

وإن شئت قلت:إذا كانت الحالة السابقة هو الطهارة فالعلم بطروء الطهارة والحدث إجمالاً يتركّب من علمين إجماليين أحدهما فاقد لشرط التنجّز دون الآخر، فالعلم بالطهارة فاقد دون العلم بالحدث، إذ لو كانت الطهارة قبل النوم فليس بمؤثّر، بخلاف ما إذا كانت بعده، وأمّا النوم فهو موضوع للأثر كان قبل الطهارة الثانية أو بعدها.

كما أنّه إذا كانت الحالة السابقة هو الحدث، وعلم بطروء الطهارة و الحدث، ولم يعلم المتقدّم والمتأخّر منهما، فهو أيضاً مركّب من علمين إجماليين، أحدهما فاقد لشرط التنجّز، وهو العلم بالنوم، لأنّه لو كان قبل الوضوء، فليس بموضوع للأثر بخلاف ما إذا كان بعده، والآخر واجد له، وهو العلم الإجمالي بالطهارة، فلو كان قبل الحدث الثاني، فرافع للحدث الأوّل، ولو كان بعده، فهو رافع للحدث الثاني، فترفع اليد عن العلم الإجمالي غيرا لمؤثّر ويؤخذ بالعلم الإجمالي المؤثّر، وليس بدّ إلاّ الأخذ بضدّ الحالة السابقة في كلّ مورد ، فالأخذ بضدّ الحالة السابقة نتيجة تلك القاعدة الكلّية.

فإن قلت: إنّ المكلّف يعلم إجمالاً بوجود الحدث بعد السبب الثاني وإن لميعلم بأنّه من السبب الأوّل أو من الثاني، فيستصحب الحدث الكلّي ولايرفع


(202)

اليد عنه.

قلت أوّلاً: إنّ السبب الثاني أمارة على وجود المسبّب بعده ولا علم بتأثيره الفعلي، إذ لو كان السببان متعاقبين لما كان للسبب الثاني تأثر ولكن ذاك العلم الإجمالي ينحلّ إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي، إذ الحدث الذي دلّ السبب على وجوده، لو كان هو الحدث السابق فقد ارتفع قطعاً وزال حتماً. وحدوثه بعد الوضوء مشكوك فيه، والقول بأنّه يعلم بوجود الحدث بعد السبب الثاني يرجع إلى القول بأنّه يعلم بطروء الحدث إمّا قبل الوضوء أو بعده فلو طرأ قبله، فقد ارتفع قطعاً، ولو طرأ بعده يكون مؤثّراً، ولكنّه مشكوك جدّاً.

هذا نظير ما إذا أجنب واغتسل ثمّ رأى في ثوبه أثر الجنابة فليس له أن يقول:إنّي أعلم بحدوث الجنابة بعد حدوث الأثر وأشكّ في ارتفاعه، لأنّ الأثر الحاصل في ثوبه إن كان من الجنابة السابقة فقد ارتفع، وإن كان من الجنابة الجديدة فهو وإن كان مؤثّراً لكنّه مشكوك الحدوث. فليست الجنابة معلومة الحدوث بعد الأثر، بل الجنابة قبل الغسل معلومة ومرتفعة تفصيلاً، وحدوثها بعده مشكوك.

وثانياً: إذا كان محدثاً في أوّل النهار ثمّ علم بعروض الحالتين المتعاقبتين، لايصحّ له استصحاب الحدث، لأنّه لو أُريد استصحاب الفرد، فالأركان مختلّة، فانّ الفرد الأوّل مقطوع الارتفاع، والفرد الثاني مشكوك الحدوث. وإن أراد استصحاب الكلّي من الحدث، فهو أيضاً مثله، لأنّه إنّما يجري لو احتمل مقارنة حدوث فرد ثان عند زوال الفرد الأوّل.كما في الإنسان الموجود في البيت المعلوم خروجه، المحتمل دخول فرد آخر عند خروج الفرد الأوّل، فاحتمال التقارن موجب للعلم بزوال الحالة السابقة، واحتمال الانفصال وتوسّط الطهارة يوجب عدم الاتّصال بين زوال الفرد الأوّل واحتمال حدوث الفرد الآخر. وفي مثله لايكون شكّاً


(203)

في البقاء.

الصورة الثالثة:

فيما إذا كانت الحالة السابقة معلومة وكان تاريخ إحدى الحالتين، معلوماً وإن كانت الحالة المعلومة ضدّ الحالة السابقة على طروء الحالتين.فلاشكّ في لزوم الأخذ بضدّ الحالة السابقة، فلو كان في أوّل النهار محدثاً، وعلم بالطهارة في أوّل الظهر، وعلم بالنوم إمّا قبل الطهارة أو بعدها.فبما أنّ العلم بالنوم ليس علماً بالسبب الفعلي، بل أقصاه، العلم بوجود الحدث بعده إمّا من السبب السابق أو منه نفسه.والمستند إلى الأوّل مقطوع الارتفاع وحدوثه في السبب الثاني مشكوك فلا يكون مؤثّراً.وهذا بخلاف الطهارة الحاصلة في أوّل الظهر فالعلم بها علم بالسبب الفعلي وأنّها أزالت الحالة السابقة إنّما الشكّ في ارتفاعها فيحكم بالبقاء.

الصورة الرابعة:

إذا كان معلوم التاريخ مماثلاً للحالة السابقة كما إذا علم في المثال المذكور بأنّه صدر منه حدث كالنوم في أوّل الظهر، ولم يعلم تقدّمه على الطهارة أو تأخّره، فهذا هو الذي ذهب إليه السيد الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ بالرجوع إلى قول المشهور من لزوم إحراز الطهارة وذلك بحجّة أنّ استصحاب الكلّي لامانع معه لأنّ الكلّي من أوّل الزوال معلوم التحقّق ومحتمل البقاء وأنّه في أوّل الظهر عالم بأنّه محدث فيستصحب كلّي الحدث.(1)

وقد عرفت أنّ استصحاب الكلّي غير جار هنا. لأنّه مردّد بين كونه في ضمن قطعي الارتفاع ومشكوك الحدوث. وليس من قبيل احتمال قيام فرد مكان الفرد الأوّل المرتفع، لأنّ القيام على وجه التقارن، غير مؤثّر، بل يرتفع أثره بالطهارة


1-الإمام الخميني: الرسائل: 1/203.


(204)

القطعية المتأخّرة، وعلى وجه التأخّر، يضرّ الاستصحاب لحدوث الفصل الزماني بين المنوب والنائب.

فالحقّ أنّه يؤخذ بضدّ الحالة السابقة مثل الصور السابقة، إذ لا علم في أوّل الزوال بالسبب المؤثّر، غايته كونه أمارة على وجود الحدث في هذا الزمان. لكنّه لو كان مستنداً إلى السبب الأوّل فهو مقطوع الارتفاع. وحدوثه بالسبب الثاني مشكوك فينحلّ العلم الإجمالي.وعلى الجملة:فكلّ سبب نعلم بكونه محدثاً للأثر على كلّ تقدير يؤخذ بأثره وهو الطهارة.وأمّا السبب الذي يؤثّر على تقدير دون تقدير كالنوم، فبما أنّه ليس بمنجّز، فلايصحّ الأخذ بأثره إذ لا علم به. هذا كلّه حول الفرع الأوّل.

الفرع الثاني:

إذا كان ثوبه نجساً بالدم، ثمّ علم بطروء دم آخر عليه وغسل بالماء الطاهر.فبما أنّ العلم بورود الدم ليس علماً بالموضوع المؤثّر، فلايؤثّر ذاك العلم الإجمالي من حيث كونه متقدّماً على الغسل أو متأخّراً، بخلاف العلم بالغسل فانّه يعلم بطروء طهارة على الثوب بعده، فيشكّ في ارتفاعها فيحكم بالبقاء.

الفرع الثالث:

إذا كان ثوبه نجساً بالدم، ثمّ علم بطروء نجاسة شديدة كالبول الذي يحتاج إلى الغسل مرّّتين وغسل، فيختلف حكمه عن الصورة السابقة.لأنّ كلاّ ً من شقّي العلم الإجمالي مؤثّر، فلو كان البول بعد الدم وقبل التطهير فقد أثّر في كيفية الغسل وشدّدها للزوم غسل ما لاقى البول مرّتين بخلاف الدم، فيجب الغَسل مرّة أُخرى أيضاً. ولو كان بعد التطهير فقد نجس الثوب، فالعلم الإجمالي مؤثّر على كلّ تقدير، كما أنّ العلم بالتطهير مؤثّر مطلقاً، توسّط بين الدم والبول، أو كان


(205)

بعدهما إذ لو توسّط فقد طهر الثوب ولو تأخّر عنهما فقد أثّر على وجه لو غسله مرّة أُخرى يكون الثوب طاهراً فهناك يتعارض الأصلان، أعني: أصالة عدم عروض البول قبل الطهارة ،وأصالة عدم عروض الطهارة قبل البول فيتساقطان.

ومع ذلك كلّه فبما أنّه يعلم بوجود النجاسة المشدّدة التي لاترتفع بالغسل مرّة واحدة، يجب عليه الغسل أيضاً مرّتين حتّى يرتفع اليقين بالنجاسة.لأنّه لو كان إصابة البول،قبل التطهير يجب الغسل مرّة أُخرى.ولو كان بعد التطهير يجب الغسل مرّتين.ولأجل ذلك العلم، يجب عليه الغسل إلى حدّ يرتفع معه اليقين بالنجاسة. وبذلك يعلم الفرق بين الفرعين وأنّه يؤخذ في السابق بضدّ الحالة دون هذا، لعدم العلم بالارتفاع في المقام .

الفرع الرابع:

لو كان هناك ماء قليل طاهر، ثمّ علم بعروض كلّ من الكرّية والنجاسة عليه، وشكّ في تقدّم عروض الكرّية على عروض النجاسة حتّى يحكم بطهارته أو تقدّم عروض النجاسة على الكرّية حتّى يحكم بنجاسته ـ بناء على أنّ تتميم الماء النجس كرّاً لايوجب طهارته.

فالظاهر جريان الاستصحابين وتساقطهما.لأنّ لكلّ من العلمين أثراً شرعياً، فلو كان عروض الكرّية متقدّماً على الملاقاة تثبت له العاصمية، ولو تأخّرت، تكون الملاقاة مؤثّرة.ومثله لو كانت الملاقاة متقدّمة، أثّرت في النجاسة.ولو كانت متأخّرة كان الماء عاصماً ولم ينجّسه شيء، وهو حكم شرعي لقوله:الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء، فيتعارضان ويتساقطان. ويرجع في مورد الماء إلى قاعدة الطهارة في جميع الصور لما عرفت من جريان الاستصحاب في جميع الصور، سواء كانا مجهولي التاريخ أم و كان أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً.


(206)

ولايأتي هنا حديث الأخذ بضدّ الحالة السابقة، لأنّه فيما إذا علم نقضها كما في طروء الحدث والطهارة لا في المقام، إذ لا علم بارتفاع طهارة الماء لاحتمال طروء النجاسة بعد عروض الكرّية.

ثمّ إنّ الظاهر من المحقق النائيني ـ قدّس سرّه ـ نجاسة الماء في جميع الصور قائلاً: بأنّ الظاهر من قوله ـ عليه السّلام ـ :«إذا بلغ الماء قدر كرّ لاينجّسه شيء» هو أنّه يعتبر في العاصمية وعدم تأثير الملاقاة سبق الكرّية ولو آناً ما، فانّ الظاهر منه كون الكرّية موضوعاً للحكم بعدم تنجيس الملاقاة، وكلّ موضوع لابدّ وأن يكون مقدّماً على الحكم فيعتبر في الحكم بعدم تأثّر الملاقاة من سبق الكرّية، و ـ لذلك ـ بنينا على نجاسة المتمّم للكرّ.لأنّه يتّحد زمان الكرّية والملاقاة، فلامحيص عن القول بنجاسة الماء مطلقاً. وذلك لأنّ مقتضى عدم الكرّية إلى زمان الملاقاة يقتضي عدم تحقّق موضوع الطهارة.(1) وأمّا أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرّية لاتثبت سبق الكرّية أو تأخّر الملاقاة عنها ومع عدم إثبات ذلك لم يحرز موضوع الطهارة مع أنّه لابدّ منه، فانّ تعليق الحكم على أمر وجودي يقتضي إحراز وجوده في ترتّب الحكم عليه ومع الشكّ في وجوده يبنى على عدم الحكم من غير فرق بين الشكّ في أصل وجود الموضوع أو الشكّ في وجوده في الزمان الذي يعتبر وجوده فيه، كما فيما نحن فيه فانّه وإن كان قد علم بالكرّية إلاّ أنّه يشكّ في وجودها قبل الملاقاة لل(2)نجاسة.

يلاحظ عليه: أنّ الحديث بصدد بيان أنّ الكريّة تعصم الماء عن الانفعال، وأمّا اشتراط سبقها فلايظهر منه وهذا نظير قولنا: الرطوبة تمنع عن اشتعال


1-يريد أنّ عدم الكرّية إلى زمان الملاقاة كاف في إثبات الانفعال، بخلاف الأصل الآخر فانّه لايكفي في العاصمية.
2-المحقّق النائيني: فوائد الأصول: 4/528ـ 530.


(207)

الحطب، أو أنّ الريح تمنع عن اشتعال المصباح. فالمقصود هو بيان التضادّ بينهما فقط فيكفي في المقام عدم ثبوت الملاقاة وقت القلّة، وتكفي في ذلك، أصالة عدم الملاقاة حين القلّة أو إلى زمان الكرّية.ولايتوقّف على إحراز سبقها. نعم تعارضها أصالة عدم الكرّية إلى زمان الملاقاة ولأجل ذلك قلنا بالتعارض والتساقط.والرجوع إلى أصل آخر غير معارض وهو قاعدة الطهارة.

وإليك تطبيقات أُخر نذكرها بلا تفصيل:

1ـ إذا ادّعى الزوج الرجوع في عدّة المطلّقة الرجعية وادّعت الزوجة تأخّره عنها.

2ـ إذا ادّعى أحد المتعاملين في بيع الحيوان كون الفسخ في الثلاثة والآخر كونه بعد انتهاء الثلاثة.

3ـ إذا أذن المرتهن في البيع ثمّ رجع عن إذنه، وباع الراهن فاختلفا في كون البيع قبل الرجوع أو بعده.

4ـ إذا تطهّر وصلّى وعلم بصدور حدث منه وشكّ في تقدّم الحدث على الصلاة أو بعدها.إذا لم يمكن إجراء قاعدة الفراغ، لأجل اشتراط الأذكرية المفقودة في المقام.

إلى غير ذلك من الفروع التي يمكن استخراج أحكامها ممّا ذكرناه.

التنبيه الرابع عشر:

في جريان الاستصحاب في الأُمور الاعتقادية

قد عرفت أنّ من أركان الاستصحاب ترتّب الأثر على الإبقاء وعدم كونه أمراً لغواً وذلك إمّا بأن يكون نفس المستصحب حكماً شرعياً أو كونه موضوعاً لأثر شرعي. فإذا كان هذا ملاكه، فلا يكون هناك فرق بين كون المورد راجعاً إلى


(208)

الجوارح أو الجوانح. فلو كان الأكل والشرب عملاً للمكلّف حسب الجوارح، فالاعتقاد وعقد القلب والتصديق عمل له بحسب الجوانح فلا تنافي تسمية الاستصحاب أصلاً عملياً مع جريانه في الأُمور الاعتقادية بعد كون الكلّ عملاً له، أو أنّ التسمية بحسب الغالب، أو أنّ المتّبع هو الدليل لا التسمية.

ثمّ إنّ المطلوب في باب الاعتقاد تارة يكون تعلّق فعل القلب بنفس الواقع على ما هو عليه، من دون أن يكون العلم مأخوذاً في موضوعه وذلك كالتصديق بما جاء به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والاعتقاد بما يجري على الإنسان من الأحوال بعد الموت من سؤال القبر ثمّ النشر والحشر، ومحاسبة الأعمال بالميزان و عندئذ يكون العلم وسائر الحجج من الأمارات والأُصول المحرزة للواقع طرقاً إليه.

وأُخرى يكون المطلوب تعلّقه بالواقع المعلوم بحيث يكون العلم جزءاً للموضوع، فلا يكفي الاعتقاد بالواقع بما هو عليه بل يجب الاعتقاد بالواقع الثابت عن علم كالاعتقاد باللّه وصفاته وأنبيائه وخلفائه.

أمّا القسم الأوّل: فيجري فيه الاستصحاب موضوعاً وحكماً ويكون كلّ واحد من الموضوع والحكم، موضوعاً لوجوب الاعتقاد، لعدم اعتبار العلم بل يكفي الاعتقاد به إذا أُحرز الواقع بوجه من الوجوه.

فلو شككنا في أنّ سؤال القبر من دين اللّه أو لا، بعد ما كان كذلك، فيستصحب ويتعلّق به الالتزام والاعتقاد.

أو شككنا في جواز المتعة بعد كونه من أحكامه سبحانه، فيستصحب فيثبت الموضوع لوجوب الالتزام بحكم اللّه سبحانه.

وأمّا القسم الثاني فقد فصّل المحقّق الخراساني بين جريان الاستصحاب في الموضوع وجريانه في الحكم فلا يجري في الأوّل كالشكّ في حياة إمام فانّ وجوب المعرفة تعلّق بإمام مقطوع حياته مثل قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد


(209)

مات ميتة جاهلية» ويجري في الثاني فلو كان متيقّناً لوجوب تحصيل القطع بشيء كتفاصيل القيامة في زمان وشكّ في بقاء وجوبه يستصحب وجوب تحصيل القطع.

وجه الفرق واضح، وهو أنّ الاعتقاد في كلا الموردين يطلب القطع، لكنّه إن اكتفى في الأوّل بالاستصحاب، لايثمر، للخلف وفي الثاني يتمسك بالاستصحاب لوجوب تحصيل القطع المفروض اشتراطه في المورد، فيتحصّله.

ولايخفى أنّ مكان هذا البحث، هو مبحث الظنّ الباحث عن كفاية الظنون في العقائد وعدمه، غير أنّ الذي دعا لعقد هذا البحث هو ما حكاه صاحب القوانين من أنّ بعض الكتابيين أجرى مناظرة مع بعض السادة بين النجف وكربلاء، فتمسّك الكتابي بالاستصحاب لإثبات نبوة نبيّ مذهبه وعدم كونها منسوخة فصار ذلك سبباً لعقد هذا التنبيه.

فنقول:إنّ المحقّق الخراساني فصّل بين كون الشكّ في بقاء نبوّة النبيّ السابق هو احتمال انحطاط النفس عن تلك المرتبة، فلايجري الاستصحاب للعلم بكونهم معصومين وبين احتمال انتهاء منصب النبوّة المجعولة كالولاية، فيجوز الاستصحاب لكن بشرط أن يكون للاستصحاب عند الكتابي دليل وراء كونه وارداً في مذهبه وإلاّ لدار.

يلاحظ عليه: إذاكان الموضوع ممّا يعتبر فيه القطع واليقين مطلقاً فكيف يكتفي فيه بالاستصحاب إن هذا إلاّ خلف.مع أنّ التمسّك بالاستصحاب لايخلو من وجهين:

الأوّل: أن يكون دليلاً إقناعياً لنفسه.

الثاني: أن يكون دليلاً إلزامياً على الخصم المنكر لنبوّة نبيّه كالكليم والمسيح ـ عليهما السلام ـ .

أمّا الأوّل: فالمتمسّك به إمّا أن يكون مذعناً بنبوّة نبيّه أو شاكّاً فالأوّل


(210)

مستغن عن الاستصحاب والثاني يجب عليه التفحّص لأنّ باب العلم مفتوح في الأُصول والعقائد.

ولو فرضنا عدم ارتفاع الشكّ بالفحص فلايفيده التمسّك بالاستصحاب. لأنّ الدليل على حجّيته إمّا نفس الشريعة السابقة أو الشريعة اللاحقة.فلو كان الأوّل يلزم الدور.لأنّ التمسّك به فرع بقاء الشريعة السابقة فلو ثبت بقاؤها به لزم الدور. ولو كان الثاني يلزم الخلف، لأنّ التمسّك بحكم شريعته فرع الاعتراف بكونها حقّة، والاعتراف بها يستلزم منسوخية الشريعة السابقة وهو خلاف ما يدّعيه المتمسّك.

أمّا الثاني: فلأنّ الإلزام إنّما يصحّ إذا ثبتت الأُمور التالية:

1ـ إذا كان الخصم شاكّاً في منسوخية نبوّة النبيّ السابق.

2ـ إذا كان معترفاً بحجّية الاستصحاب في الأُصول.

3ـ إذا كانت هناك حالة سابقة.

والكلّ غير موجود.

إنّ المُسْلِم لايشكّ في أنّ الشرائع السابقة قد نسخت، وارتفعت.وأنّ الشريعة الإلهية العالمية ليست إلاّ الشريعة المحمّدية، فلا موضوع للاستصحاب.

كما لايشكّ في أنّ الاستصحاب ليس حجّة إلاّ في الفروع لا في الأُصول.وأنّ المرجع في الثاني عند الشكّ هو التفحّص وتحصيل العلم الجديد.

وأمّا العلم بالحالة السابقة: فالمسلم لم يقف على صحّة نبوّتهما إلاّ عن طريق القرآن الكريم، وإخبار النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . ولولا هذا فليس له علم بنبوّتهما ورسالتهما. أمّا مسألة التواتر فليس بمنتج، فانّ الذي ثبت بالتواتر، وجود الكليم والمسيح وادّعائهما النبوّة، لاصحّة ادّعائهما، وأمّا العهدان فالموجود منهما لاتصحّ نسبته إلى النبيّ الموحى إليه.


(211)

وعلى ذلك فإذا ثبت نبوّتهما عن طريق القرآن وإخبار النبيّ الأكرم، فالثابت هو أنّهما نبيّان مضت مدّة رسالتهما ونسخت شريعتهما ومع ذلك فكيف يمكن لليهود إلزام المسلم باستصحاب نبوّة الكليم أو المسيح.

وإلى ما ذكرنا ينظر كلام الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ في مناظرته مع الجاثليق حيث سأله الجاثليق بقوله:ما تقول في نبوّة عيسى وكتابه وهل تلتزم منها شيئاً؟ فأجاب: «إنّا نقرّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشّر به أُمّته وأقرّت به الحواريون.وننكر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد وكتابه ولم يبشّر به أُمّته». (1)

فليس مقصوده كون عيسى كلّياً، يعترف بفرد منه ولايعترف بفرد آخر حتّى يقال: إنّ عيسى علم لشخص واحد. فلايصحّ إلاّ أن يكون معترفاً أو منكراً.بل مراد الإمام تضييق المصدَّق به، وأنّ المسيح المشخّص لم يعترف بنبوّته على الإطلاق، بل اعترف بنبوّته بهذه الخصوصيات.

فلاحظ وتدبّر.

التنبيه الخامس عشر:

في بيان تمييز الموارد التي يرجع فيها
إلى استصحاب حكم المخصص عن الموارد التي
يرجع فيها إلى عموم العام

إذا ورد التخصيص على عموم دليل وعلم بخروج فرد عن تحته في قطعة من الزمان . لكن شكّ في أنّ خروجه مختصّ بتلك القطعة أو أنّ الخروج مستمرّ في جميع الأزمنة؟ مثاله قوله: سبحانه:(أَوفوا بالعُقُود) وقد خرج عنه العقد الغبني عند ظهوره فهل الخروج مختصّ بزمان ظهوره حتّى يكون الخيار فورياً أو يعمّ جميع


1-المحقّق الطبرسي: الاحتجاج: 2/202، ط. النجف.


(212)

الأزمنة حتّى يكون استمرارياً؟

وبالجملة: البحث فيما إذا كان التخصيص أزمانيّاً لاأفراديّاً، أي خرج الخاص بعد دخوله فيه مدّة، في قطعة خاص من الزمان، وشكّ في بقاء حكمه .

وبعبارة أُخرى: فهل المرجع هو عموم العام فيما بعد تلك القطعة، أو استصحاب حكم المخصّص.وليس المراد دوران الأمر بين التمسّك بعموم الدليل الاجتهادي، أو العمل بالاستصحاب، إذ لاشكّ في أنّ الأوّل بما هو دليل اجتهادي مقدّم على الأصل العملي، بل المراد تشخيص المورد، وأنّه هل داخل تحت العام فيعمل به أو لا فيعمل بالحكم المتيقّن السابق، أعني: المخصّص؟

ذهب الشيخ الأعظم إلى التفصيل في خصوص ناحية العموم، بين كون الزمان ظرفاً في ناحية العام ومأخوذاً لأجل بيان استمرار الحكم، وبين كونه قيداً للموضوع ومفرّداً ومكثّراً له فعلى الأوّل: يكون الفرد الواحد في جميع الأزمنة فرداًواحداً للعام ولايلزم من خروجه في الآن الأوّل فقط أو الآنات الأُخر إلاّ تخصّص واحد، ولأجل ذلك يرجع عند الشكّ بعد مضيّ القطعة، إلى استصحاب حكم المخصّص لعدم استلزامه تخصيصاً ثانياً وثالثاً.

وعلى الثاني: يكون الفرد في كلّ آن موضوعاً مستقلاّ ً والزمان يكون مفرِّداً للموضوع، فيلزم من خروجه بعد مضيّ القطعة، تخصيص ثان وثالث.ولأجله يرجع عند الشكّ إلى العام، لأنّ المرجع عند التخصيص الزائد هو العام وعلى هذا تكون الأقسام ثنائية.

والمحقّق الخراساني عدل عن ثنائية الأقسام إلى رباعيّتها بتصوير ما ذكره في العام، في الخاص أيضاً. وأنّ الزمان فيه تارة يؤخذ لأجل بيان استمرار الحكم وأُخرى لبيان تكثير ا لموضوع وتفريده فتكون الصور المتصوّرة أربعة:

الأوّل: إذا كان الزمان مأخوذاً في كلا الجانبين لبيان استمرار الحكم، فشكّ


(213)

في بقاء حكم المخصّص بعد مضيّ الزمان، فلايرجع إلى عموم العام ويكون المرجع إلى ا ستصحاب حكم المخصّص.

وباختصار:انّ هنا حكماً واحداً منبسطاً على مجموع الأزمنة من المبدأ إلى المنتهى، وقد فرض ارتفاعه بالمخصّص ولا معنى للتمسّك بعموم العام، حتّى لو لم يصحّ التمسّك باستصحاب حكم المخصّص لما صحّ التمسك بعمومه لخروجه عنه ولا وجه لعوده إليه إلاّ بدليل.

الثاني: أن يكون الزمان في كلّ من العام و المخصّص مكثِّراً للحكم ومفرِّداً للموضوع حسب تعدد آنات الزمان، فحينئذ لامناص عن التمسّك بعموم العام، لأنّ ارتفاع حكم في آن لايكون دليلاً على ارتفاعه في الآن الآخر.وقد فرضنا موضوعين مستقلّين، ولايصحّ التمسّك باستصحاب حكم المخصّص لانفضاض وحدة القضيتين : المتيقّنة والمشكوكة.

الثالث: إذا كان الزمان مأخوذاً لبيان استمرار الحكم في ناحية العام ولتكثير الحكم وتفريد الموضوع في جانب المخصّص فلايصحّ التمسّك بالعام. لأنّ المفروض أنّه حكم واحد منبسط على جميع الزمان وقد ارتفع بالمخصّص فعوده إليه مجدّداً يحتاج إلى الدليل، كما لايصحّ التمسك باستصحاب المخصّص لانفضاض الوحدة بأخذ الزمان مفرّداً للموضوع.

الرابع: عكس الثالث بأن يكون الزمان مأخوذاً لتكثر الحكم وتفريد الموضوع في جانب العام.ولبيان استمراره في ناحية الخاص. فيرجع إلى عموم العام إذ لولاه يلزم التخصيص الزائد، وأنّ خروج فرد، لايكون دليلاً على خروج فرد آخر ومع وجود الدليل الاجتهادي لا مجال للتمسّك باستصحاب حكم المخصّص وإن كانت أركانه موجودة.لكنّه محكوم للدليل الاجتهادي.

وعلى هذا فقد خالف المحقّق الخراساني إطلاق الشيخ الأعظم في موردين


(214)

كلاهما يرجع إلى إطلاق القول بالتمسّك باستصحاب حكم المخصّص.

الأوّل : حكم الشيخ بأنّه إذا كان الزمان مأخوذاً في ناحية العام لبيان استمرار الحكم، يكون المورد من موارد التمسّك باستصحاب حكم المخصّص مطلقاً، وقد خالفه المحقّق الخراساني وخصّه بما إذا كان الزمان مأخوذاً أيضاً في ناحية المخصّص مثل ما أخذ في ناحية العام بأن يكون لبيان استمرار الحكم. وأمّا لو كان لبيان تكثير الحكم وتفريد الموضوع، فلايصحّ التمسّك بالعام، لخروج المورد عن تحت العام ودخوله فيه يحتاج إلى دليل ولا بالمخصّص لعدم وحدة القضيتين.

الثاني: أنّ التمسّك باستصحاب حكم المخصّص(فيما إذا كان الزمان في ناحية العام لبيان الاستمرار إنّما يصحّ إذا كان التخصيص وارداً في الوسط كما هو الحال في المعاملة الغبنية فانّ خروجها عن تحت قوله تعالى:(أوفوا بالعقود) إنّما هو عند ظهور الغبن، فقبل ظهوره فالمعاملة داخلة تحت العام ففي مثله يرجع إلى استصحاب حكم المخصّص.وأمّا إذا كان التخصيص وارداً من أوّل الأمر، كما هو الحال في خيار المجلس، فانّ البيّعين بالخيار من أوّل زمان انعقاد البيع، فلو شكّ في بقائه بعد الافتراق الإكراهي إلى زمان، يصحّ التمسّك بعموم العام وإن كان الزمان مأخوذاً لبيان استمرار الحكم، لأنّ المفروض أنّ التخصيص زماني لا أفرادي، والمرتفع استمرار الحكم لا أصله.فيجب الرجوع في ظرف الشكّ إلى العام.وإلاّ يلزم أن يكون التخصيص أفرادياً لاأزمانياً ويكون عقد البيع خارجاً عن عموم (أوفوا بالعقود) من رأس، لا في بعض الأزمنة وهو خلف.

وبالجملة: فرض كون التخصيص أزمانيّاً لا أفرادياً، يطلب لنفسه، فرديّة الخاص للعام وبقائه تحته في زمان من الأزمان، والمفروض خروجه من أوّل العقد، ولو امتدّ الخروج حتّى بعد الشكّ في بقاء حكم الخاص، لزم خروجه عن تحت


(215)

العام وهو إنّما يناسب التخصيص الأفرادي لا الأزماني.

نظرية المحقّق النائيني

وحاصلها :هو الفرق بين أن يكون الزمان قيداً مأخوذاً في ناحية متعلّق الحكم فالمرجع هو عموم العام ولاتصل النوبة معه إلى استصحاب حكم المخصِّص، أو يكون الزمان قيداً مأخوذاً في ناحية نفس الحكم فالمرجع هو استصحاب حكم المخصِّص.

وبعبارة أُخرى: الفرق بين كون الحكم وارداً على الاستمرار ومحمولاً عليه، وكون الاستمرار محمولاً على الحكم، فالأوّل مجرى التمسّك بالعام. والثاني مجرى التمسّك بالاستصحاب.

فإذاكان الاستمرار قيداً للمتعلّق كما في شرب الخمر والصوم يكون الحكم عارضاً على الاستمرار كما في قوله:لاتشرب الخمر أبداً، وصم إلى الليل.فإذا خرج منه حال الضرورة والمرض وشكّ بعد ارتفاعهما في جواز الشرب والإفطار، فيتمسّك بعموم «لاتشرب أبداً» ولاتصل النوبة إلى استصحاب حكم المخصّص إذ المفروض أنّ الاستمرار معروض الحكم ومركبه، فالشكّ في خروج قطعة أُخرى من تحت الاستمرار كالشكّ في خروج عمرو وراء زيد، فكما أنّ خروج زيد من تحت العام لايمنع من التمسّك به في مورد الشكّ فهكذا خروج قطعة من الزمان عن تحته لايمنع عن التمسّك به في غيرها.

وأمّا إذا كان الاستمرار قيداً للحكم، وعارضاً عليه، فيكون الحكم موضوعاً، والاستمرار العارض عليه محمولاً، ومن المعلوم أنّ عروض شيء لشيء فرع ثبوت المعروض في الخارج، ومن المعلوم أنّ الدليل المثبت للحكم لايمكن أن يثبت استمراره، بل لابدّ من دليل آخر فإذا خرج يوم ظهور الغبن، فشكّ في خروج الآن


(216)

اللاحق وعدمه، فالشكّ في الحقيقة راجع إلى وجود الحكم ومع الشكّ فيه، كيف يمكن أن يتمسّك بالاستمرار المستفاد من مقدمات الحكمة، وما هذا إلاّ إثبات الموضوع بالحكم.(1)

ويلاحظ عليه: أنّ قوله سبحانه: (أوفوا بالعقود) ينحلّ إلى قضيتين شرعيّتين. الأُولى: وجوب الوفاء بكلّ عقد من أفراد العقود. وهذا هو المدلول المطابقي للآية.والثانية: استمرار وجوب الوفاء بكلّ عقد في جميع الأزمنة، وكأنّه قال:وجوب الوفاء بكلّ عقد مستمرّ في جميع الأزمنة.وحينئذ يجب أن يعيّن الموضوع للاستمرار ، فهل الموضوع هو وجوب الوفاء بصورة القضية المهملة أو المجملة، بأن يكون وجوب الوفاء على نحو الإجمال موجوداً وإن لم يحرز وجوده في مورد الشكّ، أو الموضوع هو وجوب الوفاء على نحو القضية المطلقة المحرزة في كلّ مورد حتّى في مورد الشكّ؟ فإن كان الأوّل:فالموضوع محرز، وعنده يكون قوله:«مستمرّاً» دليلاً على سريان الحكم مورد الشكّ.وإن كان الثاني: فمضافاً إلى أنّه يكون المحمول أمراًزائداً مستغنى عنه، يلزم انقلاب القضية الإمكانية إلى الضرورية ويكون مآل القضية: وجوب الوفاء المستمرّ ، مستمرّ .

نظرنا في الموضوع

لكن الظاهر الرجوع إلى العام مطلقاً، لأنّه إذا كان الدليل ظاهراً في استمرار الحكم الواحد وعامّاً لجميع الأزمنة، يجب التمسّك به في غير ما علم خروجه قطعاً كما هو الحال في غيره.

وإن شئت قلت:إمّا أن يكون العام عاماً أفرادياً فقط، أو يكون معه عاماً أزمانياً أيضاً، بأن يكون الدليل دالاّ ً على استمرار الحكم كما إذا قال: أكرم العلماء


1-المحقّق النائيني: فوائد الأصول: 4/537 ـ 539.


(217)

شهراً إلاّ زيداً يوم الجمعة.والأوّل خارج عن البحث، والثاني حجّة في جميع الأزمنة في حقّ زيد وغيره إلاّ يوم الجمعة في خصوصه.فلا وجه لرفع اليد عن الحجّة الظاهرية بالاحتمال.

وبعبارة ثالثة:حال احتمال خروج زيد يوم السبت كحال احتمال خروج عمرو يوم الجمعة.فكما أنّ العام حجّة في وجوب إكرامه يوم الجمعة، فهكذا هو حجّة في لزوم إكرام زيد يوم السبت. والفرق بين الاحتمالين غير فارق وهو أنّ احتمال خروج عمرو، احتمال في عرض القطع بخروج زيد، ولكن احتمال خروج زيد بعد الجمعة احتمال في طول العلم بخروجه.وذلك لأنّ الملاك هو الظهور المنعقد للعام في الأفراد الطولية كالأزمنة المتعاقبة، والعرضية كالأفراد المحقّقة في زمان واحد.

وإن شئت التوضيح فنقول:

إنّ الزمان يلاحظ على أنحاء ثلاثة:

1ـ أن يكون مفرّداً للموضوع كما إذا قال:أكرم العلماء كلّ يوم. وهذا عبارة عن العام الأُصولي، والمطلوب إكرام كلّ واحد مستقلاّ ً ولاتضرّ مخالفة مورد للإطاعة في مورد آخر.

2ـ أن يكون الزمان ملحوظاً بنحو العام المجموعي وهو أن يكون إكرام الأفراد في مجموع الزمان طاعة واحدة ومعصية مثلها، فلو عصى أو خرج فرد في يوم من الأيّام لسقط أمره في باقي الأزمنة، كما هو الحال في العام المجموعي في الأفراد.

وهذان القسمان خارجان عن محطّ البحث لوضوح أنّ المرجع على الأوّل هو العام، وعلى الثاني ، هو استصحاب حكم المخصّص.

3ـ أن يكون إكرام كلّ فرد في تمام الشهر مطلوباً واحداً لا مطلوباً كثيراًولكن مطلوباً مستمرّاً. ولو أطاع وامتثل في مجموع الشهر تكون له إطاعة


(218)

واحدة. ولو عصى وخالف في قسم من الشهر، لما سقط أمره في باقي الأيّام.بل يجب عليه القيام بالإكرام لابطلب مستقلّ، بل بنفس المطلوبية السابقة كما هو الحال في الصوم الذي أفطر الإنسان بلا عذر فيجب عليه الإمساك في باقي اليوم. نظيره قوله:لا تهن العلماء. فلو أهانهم يوماً يجب عليه الانتهاء في باقي الأيّام، لابتكليف جديد بل بالمطلوبية السابقة المستمرّة.

هذا من غير فرق بين كون الاستمرار مستفاداً من اللفظ كما إذا قال:أكرم العلماء مستمرّاً، أو من مقدّمات الحكمة كما هو الحال في قوله سبحانه: (أوفوا بالعقود) فانّ قوام الحياة بالوفاء بها مستمرّاً، لايوماً واحداً. والمطلوب هو استمرار الوفاء على نحو لو تخلّف لما سقط وجوب الوفاء المستمرّ عن المطلوبية لكن لابأمر جديد. بل بنفس المطلوبية السابقة.

وما ذكرناه سابقاً من أنّه إذا خرج الفرد عن تحت العام فرجوعه تحت العام يحتاج إلى دليل جديد صحيح إذا كان التخصيص أفرادياً لاأزمانياً، ففي الأوّل يكون الفرد خارجاً عن تحت العموم من رأس، فعوده إلى تحت العموم يحتاج إلى دليل. وأمّا إذا كان التخصيص أزمانياً، كما في المقام فالفرد باق تحت العام والتخصيص ورد على العموم الزماني، وليس المراد عوده إلى الفرد السابق من الزمان.بل المراد عدم شمول التخصيص لما بعد الزمان.وحجّية العام فيه لظهوره في استمرار الحكم.

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم طرح في المقام استصحاب الصحّة عند الشكّ في طروء المفسد.وربّما يبحث أيضاً عن استصحاب وجوب بعض أجزاء المركّب عند تعذّر بعضها.ولكنّا استقصينا الكلام في الأمرين في تنبيهات الاشتغال ولانعودإليها.


(219)

التنبيه السادس عشر:

ما هو المراد من الشكّ في لسان الأدلّة؟

أقول : يطلق الشكّ ويراد منه تارة: الاحتمال المساوي في مقابل الظنّ (وهو الاحتمال الراجح)، والوهم(وهو الاحتمال المرجوح)، وأُخرى في مقابل اليقين، فيعمّ الحالات الثلاثة المذكورة.

والمراد من الشكّ في لسان الأدلّة هو الثاني، لوجوه:

1ـ إنّ المتبادر من الشكّ هو ذاك، وتفسيره بالحالة المساوية، اصطلاح خاص للمنطقيين، فيطلق عند العرف لمطلق التزلزل في مقابل الثبات. وقد استعمل الشكّ في غير واحد من الآيات في مطلق الترديد وخلاف اليقين لا الاحتمال المساوي، قال سبحانه: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ) (يونس/94) وقال تعالى: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَواتِ وَ الأرْض) (إبراهيم/10)، إلى غير ذلك من الآيات.

2ـ ما ورد في صحيحة زرارة (وقد سأل زرارة بقوله:فإن حرّك في جنبه شيء وهو لايعلم) وفي قوله ـ عليه السّلام ـ : «لا حتّى يستيقن أنّه قد نام» مع أنّ التحريك في جنب الإنسان منضماً إلى عدم علمه أمارة أنّه قد نام، وـ مع ذلك ـ فلم يستفصل الإمام بين إفادته الظنّ بالنوم وعدمه.

3ـ جعل الغاية في ذلك الكلام:الاستيقان، لا الظنّ بالخلاف سواء كان من الظنون الممنوعة كالقياس والاستحسان المفيدين للظنّ بخلاف الحالة السابقة، أو كان من الظنون المشكوكة حجّيتها.

4ـ ما ورد في الصحيحة الأُولى لزرارة في قوله ـ عليه السلام ـ : «ولاينقض اليقين أبداً بالشكّ ولكن ينقضه بيقين آخر». فانّ الذيل يفسّر المراد من الشكّ، وأنّ معناه


(220)

خلاف اليقين بأقسامه الثلاثة.

أضف إلى ذلك ما قد سبق من أنّ المراد من اليقين، هو الحجّة الشرعيّة وذلك يكون قرينة على أنّ المراد من الشكّ هو اللاّحجّة ويكون معنى الحديث: «لاتنقض الحجّة باللاّحجّة» سواء كان مورده، مظنوناً أو موهوماً أو متساوي الطرفين، فالملاك في الجميع عدم وجود الحجّة من دون نظر إلى كونه راجحاً أو مرجوحاً أو متساوياً.

وبهذا البيان تستغني عن البيان الذي أفاده الشيخ حول الظنون الممنوعة أو المشكوكة.

خاتمة :

في شرائط جريان الاستصحاب

إنّ هناك شرائط جعلها بعضهم من شرائط العمل بالاستصحاب، وجعلها الشيخ الأعظم من شرائط الجريان.والفرق بين القسمين واضح فبانتفاء شرط الجريان ينتفي الاستصحاب بانتفاء موضوعه، بخلاف شرط العمل فهو يجري لكن يتساقط لأجل التعارض وغيره، وعلى ذلك فوحدة القضيتين من شرائط الجريان، فلولاه لما يجري أبداً.وأمّا خلوّ المورد عن جريان أصل آخر، فهو من شرائط العمل.

وعلى كلّ تقدير يعتبر في جريان الاستصحاب أُمور:

الشرط الأوّل:

وحدة القضيّة المشكوكة مع القضيّة المتيقّنة

وقد عبّر عنها الشيخ ببقاء موضوع المستصحب ومعروضه، واستدلّ عليه بأنّه إن أُريد إبقاء المستصحب العارض المتقوّم به، فإمّا أن يبقى بلامحلّ وموضوع


(221)

فهو محال وإمّا أن يبقى في موضوع غير الموضوع السابق فهو ـ مضافاً إلى أنّه ليس إبقاء لنفس العارض وإنّما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد ـ محال لاستلزامه انتقال العرض.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ اللائح من عبارته أنّ المستصحب هو المحمول دون مجموع القضيّة وهو غير تامّ لوضوح أنّ اليقين لايتعلّق بالمفردات، أعني: الموضوع أو المحمول، أو نفس النسبة التصوّريّة بل يتعلّق بمفاد القضيّة بمفهومها التصديقيّة سواء كانت مصوغة على مفاد كان التامّة أو مفاد كان الناقصة.

فإذا قلت: القيام موجود على نعت الوجود المحمولي أو قلت:زيد قام على نعت الوجود الرابط فاليقين يتعلّق بالقضيّة لا بالأُمور التصوّريّة، لأنّها غير قابلة للتصديق، حتّى يتعلّق به الشكّ ثانياً، فإذا كان متعلّق اليقين هو مفادها الجمعي يكون المستصحب هو ذاك المجموع لا العارض كما يظهر من عبارة الشيخ.

وثانياً: أنّ حاجة العرض إلى الموضوع، إنّما هو إذا كان الهدف هو إثبات وجود تكويني له، ومن المعلوم أنّ الاستصحاب أقصر من ذلك والمطلوب منه هو التعبّد ببقاء العرض حتّى يترتّب عليه الأثر، وهو لا يحتاج إلى إحراز الموضوع، بل يصحّ الترتّب مالم يعلم عدم الموضوع الملازم للعلم بعدم العرض الساقط معه الاستصحاب كما لا يخفى.

وثالثاً: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان المحمول أمراً وجودياً لا عدمياً ومن المعلوم أنّ القضايا السالبة ، تصدق مع عدم الموضوع كما إذا ترتّب الأثر على قولنا:ليس زيد بقائم.

وعلى ذلك فلابدّ من التعبير عن هذا الشرط بوحدة القضيّة المشكوكة مع المتيقّنة التي لولاها لما يصدق النقض على رفع اليد عن الحالة السابقة ، فلأجل


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد:400، طبعة رحمة اللّه.


(222)

التحفّظ عليها يجب أن تكون القضيّتان متّحدتين موضوعاً ومحمولاً ونسبة، فلو كانت عدالة زيد متيقّنة، ولكنّه شكّ في عدالة عمرو، أو كانت عدالة زيد متيقّنة وشكّ في اجتهاده، لايصدق على رفع اليد، النقض، فلو كانت القضيّة السابقة مع قيودها المهمّة محفوظة في الآن اللاحق وشكّ في بقائها لأمر من الأمور، ولم يكن رفع اليد عنه بحجّة شرعيّة، يقال: نقض يقينه بالشكّ، سواء كان الشكّ راجعاً إلى بقاء الموضوع أو المحمول، أو كليهما.

ومن هنا يعلم أنّ اشتراط بقاء الموضوع أمر مستدرك.لأنّه لو كان النقض صادقاً حتّى فيما إذا كان الشكّ في بقاء الموضوع، يجب ترتيب الأثر وعدم رفع اليد، ولو لم يكن صادقاً لما صحّ ترتيب الأثر وإن كان الموضوع باقياً كما لا يخفى.

ولأجل توضيح المقام نستعرض عليك في ما يلي صور الشكّ في الاستصحابات الموضوعية و الحكمية.

أمّا الأُولى: فتارة يكون المحمول فيها من المحمولات الأوّلية التي تعرض الماهية من حيث هي هي كالوجود والعدم، وأُخرى من المحمولات الثانوية العارضة على الشيء بعد وجوده، كالكتابة والعدالة والفسق،والتعجّب والضحك.

فلو كان الشكّ متعلّقاً بالقسم الأوّل من المحمولات أي وجود الشيء وعدمه، فيجري الاستصحاب على المختار لوحدة القضيتين فيقال: كان زيد موجوداً والأصل بقاؤه. وأمّا على مختار الشيخ، فالأمر مشكل، إذ لا موضوع في الخارج للوجود المستصحب، وتصوّر أنّ الموضوع هو الماهية المجرّدة عن الوجود والعدم، التجاءٌ إلى الفكر الفلسفي في الأُمور العرفية ولاتتحمله الخطابات المتوجّهة إلى عموم الناس.

وأمّا لو كان الشكّ في المحمولات الثانوية كالشكّ في عدالته فله صور:


(223)

1ـ أن يكون الشكّ في بقاء وجود الموضوع.

2ـ أن يكون الشكّ في بقاء محموله وحده.

3ـ أن يكون الشكّ في الموضوع والمحمول معاً سواء كان منشأ الشكّ في المحمول هو الشكّ في الموضوع أو كان أمر آخر.

أمّا الصورة الأُولى فيجري فيها الاستصحاب وهي في الحقيقة من أقسام الشكّ في المحمولات الأوّلية.

كما يجري في الصورة الثانية، لإحراز الموضوع على مختار الشيخ و وحدة القضيتين على المختار.

وأمّا الصورة الثالثة: فيجري الاستصحاب في كلّ واحد من المشكوكين، مستقلاّ ً، غير أنّ استصحاب خصوص المحمول أعني: كونه عادلاً، من دون ضمّ استصحاب الموضوع عليه يجري على فرض بقاء الموضوع على كلا المبنيين أي كان زيد عادلاً، وهو الآن ـ على فرض وجوده ـ عادل.

كما يجري في نفس القضيّة من دون تحليل إلى استصحابين ويقال: كان زيد عادلاً والأصل بقاء هذه القضية على النحو الذي كانت، أو أنّ زيداً كان متّصفاً بالعدل والأصل بقاء الاتّصاف.

وبذلك يعلم أنّ اشتراط بقاء الموضوع شرط مستدرك، بل يكفي في ذلك وحدة القضيتين.

فإن قلت: كيف يجري الاستصحاب في بقاء وجوده مع أنّه لا أثر له، وإن أُريد من استصحابه إثبات المحمول فهو مثبت.

قلت: يكفي في جواز استصحابه، عدم كون التعبّد له لغواً.والمفروض أنّ استصحاب موضوعه إذا انضمّ إلى استصحاب محموله، يكون المجموع موضوعاً للأثر الشرعي.


(224)

هذا كلّه إذا كان المتيقّن موضوعاً من الموضوعات، وأمّا إذا كان المتيقّن حكماً من الأحكام ومع ذلك تعلّق به الشكّ فله صور:

الأُولى: أن يكون الطارئ مغيّراً للموضوع وموجباً لانهدام الوحدة بين القضيتين كما إذا صار الكلب ملحاً، والميّت سبخاً من غير فرق بين أن يكون المرجع هو الدليل، أو العقل، أو العرف الدقيق أو المسامح، فيعدّ الفاقد مغايراً للواجد فلا يجري الاستصحاب.

الثانية: أن تعدّ الخصوصية الزائلة من حالات الموضوع وغير موجب لانهدام الوحدة كما إذا صارالماء النجس الحارّ بارداً، فانّ البرودة والحرارة حسب المناسبات من الطوارئ فيجري.

الثالثة: أن لايعلم أحد الوجهين فيحتمل أن تكون الخصوصية الزائلة من مقوّماته كما يحتمل أن يكون من حالاته كما في الخشب المتنجّس، إذا صار رماداً، فهل الموضوع حسب تعبير الشيخ، أو ملاك الوحدة حسب المختار، هو الصورة النوعية الخشبية الزائلة، أو الصورة الجسمية الباقية فلايجري على الأُولى ويجري على الثانية قطعاً، فإذا جهلت الحال يكون من قبيل الشبهة المصداقية لقاعدة الاستصحاب، لأنّه على فرض كونها من قيوده ومقوّماته، لايكون مجرى له، وعلى فرض كونها من حالاته يكون من مصاديقه، ومع الشكّ لايجري فيه الاستصحاب.

هذا كلّه إذا كان الشكّ في بقاء الحكم الكلّي. وأمّا إذا كان الشكّ في بقاء الحكم الجزئي لأجل الشكّ في بقاء موضوعه كما إذا شكّ في أنّ الخمر الموجود في الإناء هل صار خلاً أو لا ؟ ربّما يقال بجريان الاستصحاب فيه موضوعاً لاحكماً فيقال:كان هذا المائع خمراً والأصل بقاؤه.

والظاهر عدم جريان الاستصحاب الحكمي لا لعدم إحراز موضوعه، أي الخمر، أو لعدم إحراز الوحدة، لاحتمال أن يكون الموضوع هو المائع في الإناء،


(225)

وكونه خمراً من الحيثيات التعليلية لاالتقييدية، بل عدم الجريان لكونه محكوماً بالأصل الموضوعي.

واتّضح بهذا البحث الضافي أنّ الالتزام ببقاء الموضوع من قبيل لزوم ما لايلزم لو لم يكن مخلاّ ً والحقّ الالتزام بلزوم وحدة القضيتين كما أوضحناه.

ما هو المرجع في تشخيص وحدة القضيتين

قد تبيّن ممّا ذكرناه أنّ اللازم في صدق النقض هو وحدة القضيتين المتيقّنة والمشكوكة.وعندئذ يقع الكلام في تعيين ما هو المرجع في تشخيص وحدة القضيتين، أو ما هو المرجع في تعيين الموضوع والحكم ببقائه على حدّ تعبير الشيخ ـ قدّس سرّه ـ.

قال الشيخ الأعظم في فرائده:إنّ الميزان في تشخيص الوحدة أحد أُمور:

1ـ أن يكون المرجع هو العقل فيلزم أن تكون جميع القيود، قيوداً للموضوع مأخوذة فيه فيكون الحكم ثابتاً لأمر واحد يجمعها، وذلك لأنّ كلّ قضية وإن كثرت قيودها، المأخوذة فيها، راجعة في الحقيقة إلى موضوع واحد ومحمول واحد، فإذا شكّ في ثبوت الحكم السابق بعد زوال بعض تلك القيود، فلا يجوز الاستصحاب لأنّه إثبات عين الحكم السابق لعين الموضوع السابق ولايصدق هذا مع الشكّ في أحدهما فالاستصحاب في الحكم الشرعي لايجري إلاّ في الشكّ من جهة الرافع ذاتاً أو وصفاً.(1)

2ـ أن يرجع في معرفة الموضوع للأحكام إلى الأدلّة ويفرق بين قوله:«الماء المتغيّر نجس» وقوله:«الماء يتنجّس إذاتغيّر». فيجعل الموضوع في الأوّل الماء المتلبس بالتغيّر فلايصحّ الاستصحاب وفي الثاني نفس الماء فيستصحب.


1-الفرائد:401، طبعة رحمة اللّه.


(226)

3ـ أن يرجع في ذلك إلى العرف، فكلّ مورد يصدق عرفاً أنّ هذا كان كذا سابقاً جرى فيه الاستصحاب وإلاّ فلا.

ويلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فانّ احتمال كون المرجع في تعيين الموضوع أو وحدة القضيتين هو العقل. احتمال زائف جدّاً لاينبغي أن يطرح. لأنّ العقل مرجع في أحكامه الخاصة به، فهو المرجع في تعيين الموضوع والمحمول وكيفية النسبة لاغير.فهو القاضي الوحيد في الأحكام العقليّة في الحكمة العمليّة من الحسن والقبح، وأمّا الأحكام الشرعيّة المستندة إلى الوحي، فلاطريق له إلى تعيين الموضوع والشرائط والمعدّات، وماله دخل، وما ليس له دخل في الحكم، وعلى الرجوع إلى العقل وإرجاع كلّ القيد إلى الموضوع يلزم عدم جريان الاستصحاب حتّى في الشكّ في الرافع والرافعية، لأنّ الحكم أعني: «متطهّر» محمول على المتوضّئ والذي لم يصدر منه الحدث، وهذا القيد غير محرز في الحالة اللاحقة، فلايجوز الاستصحاب مع الشكّ في تحقّق القيد، فما ربّما يتصوّر من أنّه يلزم حينئذ الاقتصار في الاستصحاب على الشكّ في الرافع في غير محلّه، بل لا يجوز حتّى في هذه الصورة.

وثانياً: أنّه لامقابلة بين الاحتمال الثاني والثالث وذلك لأنّه إن أُريد منه أخذ الموضوع من ظاهر اللفظ من دون ملاحظة المناسبات المغروسة في أذهان العرف لكان للإثنينية وجهاً، وأمّا لو أُريد منه فهم الموضوع عن لسان الدليل حسب المناسبات المغروسة في الذهن، فعند ذلك، يرجع الوجه الثاني إلى الثالث فالدليل الاجتهادي المتكفّل للحكم الكلّي الأوّلي هو المرجع لكن حسب ما يفهم العرف منه، سواء قال: الماء إذا تغيّر ينجس. أو قال:الماء المتغيّر نجس، فما يستظهر منه العرف حسب المناسبات المغروسة في ذهنه، هو المحكّم، فإن استظهر منه أنّ الماء هو الموضوع والتغيّر واسطة في الثبوت، وأنّ التغيّر آناً ما يكفي في الحكم بالنجاسة


(227)

على الماء مطلقاً، يكون المورد صالحاً للاستصحاب لبقاء الموضوع .وإن استظهر منه أنّ الموضوع هو الماء المقيّد وأنّ التغيّر واسطة في العروض لما صلح المورد له لعدم بقاء الموضوع.

وثالثاً: أنّ تعيين موضوع الدليل لايكفي في جريان الاستصحاب، بل لابدّ مع ذلك من صدق النقض عرفاً، وقد أشبع الشيخ الكلام في الأمر الأوّل وأجمله في الثاني مع أنّه لايقصر في الأهميّة عنه، وقد تقدّم أنّ كلّ مورد يعدّ رفع اليد عنه عرفاً أنّه نقض لليقين بالشكّ، يجري فيه الاستصحاب، وكلّ مورد لايعدّ رفع اليد عنه نقضاً له فلايجري فيه، وبذلك يعلم:أنّ تعيين موضوع الدليل عن طريق العرف يكون مقدّمة لتشخيص كون المورد مصداقاً للنقض وعدمه أو مقدّمة للحكم بوحدة القضيّة المتيقّنة مع المشكوكة.

ثمّ إنّ للمحقّق الخراساني بياناً في خصوص استصحاب الأحكام الكلّية وإسرائها من موضوعاتها إلى موضوعات أُخرى كإسراء حكم العنب إلى الزبيب.فحاصله: أنّ العرف حسب ما يرتكز في أذهانهم ويتخيّلونه من المناسبات بين الحكم وموضوعه يجعلون الموضوع للحرمة ما يعمّ الزبيب ويرون العنبيّة والزبيبيّة من حالاته المتبادلة.

يلاحظ عليه:أنّ إسراء حكم العنب إلى الزبيب أشبه بالقياس لو لم نقل نفسه، ولامعنى لإسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر بالتخيّلات الباطلة الموجودة في أذهان العرف.

والطريق الصحيح لإجراء الاستصحاب في هذه الموارد، هو ما ذكرناه عند البحث عن الاستصحاب التعليقي.وحاصله:أنّه إذا انطبق الحكم الكلّي على مصداق من مصاديق العنب وصار محكوماً بأنّه إذا غلى يحرم، فإذا جفّ يقال: هذا إذا غلى يحرم والأصل بقاؤه، والتفاوت أنّه بعد الانطباق يكون الموضوع هو الوجود


(228)

الخارجي، وهو محفوظ في كلتا الحالتين، غاية الأمر: أنّه يرى العنبية والزبيبية من حالات الموضوع وأنّ التفاوت بالرطوبة و الجفاف.والفرق بين المحاولتين واضح لأهله فانّ التباين بين المفهومين أوضح من أن يبيّن بخلافه في الموضوع الخارجي.

الشرط الثاني:

اتحاد متعلّق الشكّ و اليقين

يعتبر في جريان الاستصحاب أن يتعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين وإلاّ فهو خارج عن مورد الاستصحاب، مثلاً إذا كان المقتضي لوجود الشيء موجوداً وتعلّق الشكّ بوجود المانع، كما إذا صبّ الماء على اليد وشكّ في وجود المانع على البشرة، فهل يحكم بالمقتضى ـ بالفتح ـ و هو غسل البشرة، بإحراز المقتضي وجداناً وعدم المانع بالأصل أو لا ؟ وعلى كلّ تقدير فلا صلة له بالاستصحاب بل هو من مصاديق قاعدة المقتضي والمانع الدائر في الألسن.فهذه القاعدة غير قاعدة الاستصحاب. ولايصحّ تطبيق كبرياته عليها، وذلك لأنّ متعلّق اليقين في القاعدة غير متعلّق الشكّ، فاليقين تعلّق بوجود المقتضي والشكّ بوجود المانع وأين هو من الاستصحاب، فقد تعلّق فيه الشكّ بنفس ماتعلّق به اليقين، ولو كان هنا اختلاف في القضيتين فإنّما هو من حيث الحدوث والبقاء، فتطبيق تلك الكبريات على قاعدة المقتضي والمانع غير صحيح.

ويؤيّد اعتبار وحدة المتعلّق، لفظ النقض المقتضي وحدتهما،والضمائر الواردة في الصحاح الحاكية عن كون الشكّ متعلّقاً بنفس ما تعلّق به اليقين فلاحظ.

الشرط الثالث:

بقاء اليقين في ظرف الشكّ

يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون اليقين محفوظاً في ظرف


(229)

الشكّ، وإلاّ فلو سرى إلى نفس ما تعلّق به اليقين فهو من مصاديق قاعدة اليقين وهل الروايات تشمل الاستصحاب والقاعدة أو لا، تحقيق ذلك يتوقّف على بيان الفرق بينهما بوضوح وان تقدّم الكلام فيه عند البحث عن أدلّة الاستصحاب. فنقول الفرق بينهما بوجهين:

الأوّل: أنّ الشكّ في الاستصحاب في البقاء دون الحدوث فانّ الحدوث مسلّم لا شكّ فيه.بخلاف القاعدة فانّ الشكّ فيها في الحدوث، والبقاء مغفول عنه،فلوكان مذعناً بعدالة زيد يوم الجمعة ثمّ شكّ فيها بالنسبة إلى يوم الجمعة من غير نظر إلى عدالته يوم السبت، فهو مجرى القاعدة، ولأجل ذلك يطلق عليه الشكّ الساري بخلاف ما إذا تيقّن بعدالته يوم الجمعة، وتعلّق الشكّ ببقائها يوم السبت، من غير نظر إلى عدالته يوم الجمعة فهو مجرى للاستصحاب.

الثاني: أنّ اليقين في الاستصحاب في ظرف الشكّ فعلي، فهو في وقت واحد، مذعن بالعدالة حدوثاً وشاكّ فيها بقاءً بخلاف القاعدة، فهو شاكّ في الحدوث فقط وقد زال يقينه.

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في عموم الروايات لقاعدة اليقين وعدمه.

فاعلم أنّ القول باختصاص الأدلّة كلّها بالقاعدة باطل لصراحة صحاح الروايات في الاستصحاب.إنّما الكلام في عموميتها له، ولقاعدة اليقين حتّى يستفاد منها أُمور ثلاثة:

1ـ الحكم ببقاء ما يكون حدوثه متيقّناً في ظرف الشكّ.

2ـ الحكم بحدوث ما كان متيقّناً بحدوثه وقد زال اليقين.

3ـ الحكم ببقاء هذا بعد التعبّد بحدوثه.

والبحث في شمول الروايات للقاعدة والاستصحاب يتوقّف على الكلام في مقامين:


(230)

المقام الأوّل:

في إمكان الجمع بين الاستصحاب

والقاعدة ثبوتاً في مقام اللحاظ

إنّ الشيخ وغيره من المحقّقين استظهروا عدم إمكان استفادة القاعدتين من الحديث(1) بوجوه:

الأوّل: ما أفاده الشيخ الأعظم: أنّ المضيّ في الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء المتيقّن سابقاً من غير تعرّض لحال حدوثه والمضيّ في القاعدة هو الحكم بحدوث ما تيقّن حدوثه من غير تعرّض للبقاء فلاتصحّ إرادة المعنيين من قوله ـ عليه السلام ـ :«من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه» لتغاير المعنيين.

ولكنّه أجاب بما حاصله: أنّ معنى المضيّ عدم التوقّف من أجل الشكّ العارض وفرض الشكّ كعدمه. وهذا يختلف باختلاف متعلّق الشكّ فالمضيّ مع الشكّ في الحدوث بمعنى الحكم بالحدوث، ومع الشكّ في البقاء بمعنى الحكمبه.

ولكنّه استشكل في عموميّتها للقاعدة بوجه آخر و هو.

أنّ شمول الحديث لكل واحد من القاعدة، والاستصحاب متفرّع على كون اليقين في القاعدة غيره في الاستصحاب، حتّى يعمّ قوله ـ عليه السلام ـ :«من كان على يقين فشكّ» كليهما على نحو شمول القضيّة الحقيقية لأفرادها المختلفة ولكن متعلّق اليقين فيهما واحد وهو العدالة وإنّما يختلف باللحاظ والاعتبار، المتأخّرين عن اليقين، أعني: أخذ الزمان قيداً في القاعدة، وظرفاً في الاستصحاب وليس اليقين بتحقّق مطلق العدالة في يوم الجمعة، واليقين بعدالته المقيّدة بيوم الجمعة


1-من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه فانّ الشكّ لاينقض اليقين.


(231)

فردين من اليقين، داخلين تحت عموم الخبر، بل هو بمثابة أن يقال:«من كان على يقين من عدالة زيد أو فسقه أو غيرهما من حالاته فشكّ فليمض على يقينه» والحاصل: أنّ الطوارئ المتأخّرة عن اليقين، اللاحقة له، لايقتضي تعدّد اليقين، مع وحدة المتعلّق.(1)

يلاحظ عليه: أنّ تغاير أفراد اليقين وكثرته، كما يكون بتغاير المتعلّق كما مثّل، يكون بتعدّد المحلّ القائم به اليقين، فاليقين القائم بزيد، غير اليقين القائم بعمرو، سواء أكان المتعلّق واحداً أم متعدّداً، فلو تعلّق يقين زيد على عدالة شخص مقيّدة بيوم الجمعة، ثمّ شكّ في نفس حدوثها في ذلك اليوم، وتعلّق يقين عمرو على عدالته المطلقة يوم الجمعة فشكّ في بقائها، يكون هنا فردان من اليقين فيعمّهما قوله:«من كان على يقين فشكّ».

الثاني: ما أفاده شيخ مشايخنا العلامة الحائري و نقله صاحب مصباح الأُصول عن المحقّق النائيني وحاصله: أنّ القائل إذا قال:«إذا تيقّنت بشيء ثمّ شككت فيه» فإمّا أن يلاحظ الزمان قيداً للمتيقّن أو يلاحظ ظرفاً له، وإمّا أن يهمل الزمان رأساً. فعلى الأوّل ينطبق على القاعدة لأجل كون الشكّ في حدوثه، والبقاء لايكون ملحوظاً، وعلى الثاني والثالث ينطبق على الاستصحاب لأنّ إلغاء الزمان رمز صدق النقض ووحدة القضيتين وإلاّ لما صدق النقض ولا اتحدت القضيتان.(2)

إنّ الاستدلال مبنيّ على أمرين:

1ـ انّ اليقين بمعنى المتيقّن فيدور الزمان بين كونه ظرفاً له أو قيداً ولايمكن الجمع بينهما.


1-الفرائد: 405، فوائد الأُصول، للكاظمي: 4/588.
2-الشيخ عبد الكريم الحائري : درر الأُصول: 2/216.


(232)

2ـ إنّ التفاوت بين القاعدة والاستصحاب، هو أنّ الزمان قيداً في الأُولى للمتيقّن وظرفاً له في الآخر.وكلا الوجهين غير ثابتين.

أمّا الأوّل: فانّ اليقين بمعنى نفسه والنقض منسوب إليه لاإلى المتيقّن وبذلك صحّ شموله للشكّ في المقتضي، وعند ذلك يصبح الزمان في كلا الموردين ظرفاً، إذ لا معنى لجعله قيداً لليقين.

وأمّا الثاني: فلأنّ الفرق بينهما بتعلّق الشكّ بحدوثه في الأوّل، من غير نظر إلى بقائه فيمكن أن يكون بقاؤه متيقّناً على فرض الحدوث أو متيقّن العدم أو مشكوكهما وتعلّق الشكّ ببقائه، في الثاني، وتعلّقه بالحدوث في القاعدة لايلازم كون الزمان قيداً، إذ من رأى زيداً يوم السبت، ولم يره قبله ولابعده، لايكون الزمان قيداً للرؤية بل أقصاه أنّه لم يره في غير ذلك اليوم لاأنّه رآه مقيّداً بذلك اليوم.

الثالث: ما ذكره المحقّق النائيني: و هو أنّ الظاهر من الأخبار هو فعلية اليقين في ظرف الشكّ، وعلى ذلك فإن كان إطلاق اليقين بلحاظ زمان الشكّ، فالمفروض أنّه غير موجود في مورد القاعدة وإن كان موجوداً في الاستصحاب وإن كان بلحاظ حال التلبّس فهو موجود في كلا الموردين إلاّ أنّ وجوده في زمان التلبّس لايصحّح وجوب الجري على طبقه بعد ذلك الزمان، لأنّ اليقين الوارد في لسان الدليل إنّما لوحظ من حيث كونه طريقاً وكاشفاً عن المتيقّن لا من حيث كونه صفة خاصّة قائمة بنفس المكلّف، وعليه فوجوب الجري وجوداً وعدماً يدور مدار وجود اليقين وعدمه ولا طريق في ظرف عدمه حتى يجب الجري على طبقه فإنّ طريقيته ذاتية له فترفع بارتفاعه.(1)

وبعبارة أُخرى: أنّ قوله:«لاتنقض اليقين بالشكّ» ناظر إلى جهة طريقية اليقين كما أنّها ذاتية له فلايشمل موارد القاعدة لأنّ طريقية اليقين فيها قد زالت


1-المحقّق الخوئي: مباني الاستنباط: 275.


(233)

بتبدّله بالشكّ الساري. (1)

يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من ارتفاع الطريقية، ارتفاع الطريقية التكوينية، فهي مشتركة بين القاعدة والاستصحاب لأنّ اليقين كما هو مرتفع في القاعدة من رأس، كذلك هو مرتفع في الاستصحاب بالنسبة إلى زمان الشكّ. لأنّ اليقين فيه تعلّق على الحدوث ولم يتعلّق بالبقاء، وكون اليقين مرتفعاً في القاعدة مطلقاً ومرتفعاً في خصوص البقاء في الاستصحاب لايوجد تفاوتاً في النتيجة، فكما أنّ طريقية اليقين المعدوم مرتفعة بارتفاع موضوعه بالنسبة إلى زمان الحدوث، فكذلك طريقية اليقين الموجودة مرتفعة بالنسبة إلى زمان البقاء.

وإن أُريد الطريقية التعبّدية فهي بمكان من الإمكان إذ لا مانع من أن يكون حدوث اليقين آناً ما سبباً لتجويز التعبّد ببقائه حدوثاً، أو بقاءً.

الرابع: ما ذكره أيضاً المحقّق النائيني: و هو أنّ المتيقّن في مورد الاستصحاب مفروض الوجود وإنّما الشكّ في بقائه، وهذا بخلاف مورد القاعدة فانّ المتيقّن فيه ليس بمفروض الوجود إذ المفروض أنّ أصل حدوثه فيه مشكوك فيه، وعليه فلايمكن التعبّد بالمتيقّن في مورد كلّ من الاستصحاب والقاعدة في دليله ضرورة عدم إمكان الجمع بين تصوّر الشيء مفروض الوجود وبين تصوّره مشكوكاً فيه في لحاظ واحد لرجوعه إلى الجمع بين المتناقضين. (2)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الخصوصيتين يرجع إلى تمييز القاعدة من الاستصحاب، ولكنّه لايكون مانعاً من لحاظ القاعدتين في زمان واحد وذلك لأنّه لو كان النقض


1-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 2/242.
2-المحقّق الخوئي: مباني الاستنباط: 279.


(234)

منسوباً إلى المتيقّن لكان لما ذكر مجال، وأنّه يدور الأمر بين كونه مفروض الوجود ليعمّ الاستصحاب، وعدمه ليعمّ القاعدة، وأمّا إذا كان النقض متوجّهاً إلى اليقين، من غير نظر إلى كون المتيقّن مفروض الوجود وعدمه، فيكفي ثبوت اليقين ووجوده آناً ما وفي زمان من الأزمان ويكون الجامع «من كان على يقين » سواء أكان المتيقّن مفروض الوجود أم لا، وسواء أكان اليقين على وجه الإجمال باقياً أم لا.

المقام الثاني:

في الإثبات واستظهار مفاد الأخبار

قد عرفت أنّه لامانع عقلاً من الجمع بين القاعدة والاستصحاب في مقام اللحاظ.إنّما الكلام في تعيين ما هو المتبادر منها.

والظاهر منها بل الصريح هو الاستصحاب، لما أوضحنا في إحدى التنبيهات(1) من أنّ المتبادر من الروايات هو فعليّة اليقين في ظرف الشكّ ولأجل ذلك يحكم بأنّ الثاني لاينقض الأوّل وهو لاينطبق إلاّ على الاستصحاب.

ولأجل ذلك لو توضّأ بمائع متيقّناً أنّه ماء مطلق وصلّى به، ثمّ شكّ في كونه مطلقاً أو لا، فلايمكن الحكم بصحّة الصلاة استناداً إلى القاعدة، وأمّا تصحيحها بقاعدة الفراغ فهو أمر آخر.

نعم ربّما يتوهم أنّ ما رواه الصدوق في الخصال ينطبق على القاعدة دون الاستصحاب لما ورد فيه: «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه فانّ الشكّ لاينقض اليقين»وفي رواية أُخرى:«من كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه فانّ اليقين لايدفع بالشكّ» ـ وجه التوهم ـ أنّ تخلل إلفاء حاك عن تأخّر الشكّ عن اليقين.وهو ظاهر في القاعدة لكون التأخّر من مقوّماتها، وهذا بخلاف الاستصحاب إذ لا يعتبر فيه التأخّر، بل يمكن أن يحصلا دفعة واحدة أو يتقدّم


1-لاحظ التنبيه الثاني.


(235)

الشكّ على اليقين كما ذكرناه.

يلاحظ عليه: أنّ القيد وارد مورد الغالب فانّ الغالب في الاستصحاب هو ذاك. أضف إليه أنّ الدليل ظاهر في الاستصحاب فانّ قوله:«اليقين لايدفع بالشكّ» أو «أنّ الشكّ لاينقض اليقين» وارد في الصحاح الماضية لزرارة ولاشكّ أنّ مواردها الاستصحاب فلاحظ.

وربّما يقال: التعبّد بالقاعدة والاستصحاب معاً يوجب التعبّد بالمتناقضين. كما إذا كانت الحالة السابقة لزيد هو الفسق،وحصل اليقين بعدالته يوم الجمعة ثمّ سرى الشكّ إلى نفس المتيقّن. فالحكم بالقاعدة يقتضي التعبّد بعدالته في ذلك اليوم. مع أنّ مقتضي الاستصحاب هو كونه محكوماً بالفسق.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان مثل هذا تعبّداً بالمتناقضين لكان التعبّد بالدليلين اللذين بينهما عموم وخصوص من وجه، تعبّداً بهما مع أنّه ليس كذلك فربّما يتمحّض المورد للاستصحاب، كما إذا كانت الحالة السابقة هي العدالة، فشكّ في البقاء، وربّما يكون على العكس كما إذا كانت الحالة السابقة مجهولة، وأذعن بالعدالة في يوم الجمعة، ثمّ شكّ في أصل الحدوث، وربّما يكون صالحاً لهما كما مثل، فلابدّ من إخراج المورد عن تحت أحدهما وإدخاله تحت الآخر أو الحكم بسقوطهما والرجوع إلى دليل آخر على تفصيل سيوافيك حكمه عند البحث عن التعادل والترجيح.

الشرط الرابع:

أن يكون المستصحب مشكوك البقاء

يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون المستصحب غير محرز البقاء من غير فرق بين الإحراز الوجداني أو الإحراز التعبّدي كما في مورد الأمارات والطرق


(236)

فلايجري الاستصحاب في مواردها وهذا أمر مسلّم، إنّما الكلام في وجه تقدّمها عليه، وجه التسليم أنّ دليل حجيّة الأمارة، مطلق من جميع الجهات غير مغيى بشيء، بخلاف دليل حجّية الاستصحاب فانّه مغيى إلى حصول يقين مثله فعند ما قامت الأمارة على شيء، فقد حصلت الغاية إمّا حقيقة، أو تعبّداً.

وعلى كلّ تقدير ففي وجه التقديم احتمالات:

الأوّل: أن يكون تقديم الأمارة على الاستصحاب بتخصيص دليل الأمارة، دليل الاستصحاب.

الثاني: أن يكون بالتوفيق العرفي أي أنّ العرف يجمع بينهما بالعمل بالاستصحاب فيما إذا لم يكن هناك أمارة.

الثالث: أن يكون تقديمها عليه من باب الورود.

الرابع: أن يكون التقدّم من باب الحكومة.

لا طريق إلى الاحتمال الأوّل والثاني ودار الأمر بين كون تقديمها عليه من باب الورود على ما ذهب إليه صاحب الكفاية، أو من باب الحكومة كما ذهب إليه الشيخ الأعظم واختاره صاحب مصباح الأُصول.

أمّا أنّه لا طريق إلى الأوّل فلأنّ التخصيص عبارة عن التصرّف في المحمول مع حفظ الموضوع فإذا قال:أكرم العلماء، ثم قال:لاتكرم العالم الفاسق، فقد تصرّف في المحمول بإيجاد الضيق عليه، بلاتصرّف في الموضوع فالعالم الفاسق مع الاعتراف بكونه عالماً وداخلاً في موضوع العام، لا يجب إكرامه، ومن المعلوم أنّ مثل هذا لا يجري في المقام، لأنّ معنى تقديم الأمارة على الاستصحاب من باب التخصيص، هو تجويز نقض اليقين بالشكّ في مورد قيامها مع أنّ التعليل الوارد في أدلّة الاستصحاب تعليل بالأمر الارتكازي الذي لايقبل التخصيص .

وبالجملة: العمل بالأمارة أو البيّنة لو كان من قبيل نقض اليقين بالشكّ،


(237)

فهو محكوم بنفس التعليل الوارد في أدلّة الاستصحاب، فلايكون ذاك الجمع مقبولاً عند العرف.

وأمّا الثاني فلأنّ وفق العرف بين الدليلين لابدّ أن يكون بملاك من التخصيص أو الورود أو الحكومة، ولا معنى للجمع بلا ملاك فهو يرجع إلى أحد الأُمور الثلاثة.

وقد ظهر بطلان التخصيص فيدور الأمر بين كون التقديم من باب الورود أو الحكومة وقبل البحث نقدّم بيان أُمور:

الأوّل: أنّ النسبة بين دليل حجّية الأمارة، ودليل حجّية الاستصحاب، في بدء النظر عموم وخصوص من وجه.فمقتضى إطلاق دليل حجّية الأمارة هو العمل بها، سواء وافق مضمونها مقتضى الاستصحاب أو لا. كما أنّ مقتضى أدلّة الاستصحاب هو الجري على طبق اليقين السابق ما لم يحصل يقين على خلافه، سواء أقامت الأمارة على خلافه أم لا. وإذا كان اليقين السابق على خلاف مفاد الأمارة،لابدّ من العلاج بتقديم أحدهما على الآخر بأحد الملاكين. هذا في بدء النظر ولكن عند الإمعان، الأمر على وجه آخر سيوافيك .

الثاني: لاشكّ أنّ نفس الأمارة أعني: قول زرارة، ونفس الاستصحاب أي الأخذ بالحالة السابقة متساويتان بالنسبة إلى المورد،ولايمكن استظهار تقدّم إحداهما على الأُخرى.فالبيّنة القائمة على كون المرأة ذات بعل مع كون اليقين السابق على خلافها متخالفان لايمكن استظهار تقدّم أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه بعد اشتراكهما في كونهما من الحجج الشرعيّة.

نعم يصحّ الاستظهار إذا نظرنا إلى دليل حجّية الأمارة، ودليل حجّية الاستصحاب.فعند ذلك يصحّ الاستظهار وترجيح أحدهما على الآخر. فالتعارض وإن كان بين الأمارة والاستصحاب إلاّ أنّ ملاك الحلّ هو الرجوع إلى لسان أدلّتهما،


(238)

من السيرة العقلائية وآية النبأ أو غير ذلك في باب الأمارة، وقوله: «لاتنقض اليقين بالشكّ» في مورد الاستصحاب.

الثالث: أنّ الحكومة والورود اصطلاحان وجدا في عصر الشيخ أو قبله بقليل.

وحاصل الفرق بين الورود والحكومة : أنّ الدليل إذا كان ناظراً إلى عقد الوضع وكان رافعاً لموضوع الدليل الآخر حقيقة أو تعبّداً بعناية الشرع يسمّى وروداً. كما هو الحال إذا قيس دليل حجّية الأمارة إلى الأُصول العقليّة فانّ موضوعها، هو عدم ورود البيان من الشرع، والأمارة بعد إفاضة الحجّية عليها إن لم يكن بياناً بالنسبة إلى الحكم الواقعي لكنّه بيان بالنسبة إلى الحكم الظاهري.(1) والموضوع في الأُصول العقليّة ، عدم ورود البيان لاواقعاً ولاظاهراً.

وأمّا الحكومة فهي تتقوّم بالنظارة والمراقبة، بالتصرّف التفسيري في عقد الوضع أو عقد الحمل بالتوسيع والتضييق كما سيوافيك تفصيله في محلّها، ففيما إذا كان الدليل ناظراً إلى عقد الوضع، يكون رافعاً لموضوع الدليل المحكوم ادّعاءً لاواقعاً وحقيقة وذلك مثل قوله:«لاشكّ لكثير الشكّ» بالنسبة إلى قوله:«إذا شككت فابن على الأكثر» أو قوله:«لاربا بين الوالد والولد أو بين الزوج والزوجة» بالنسبة إلى قوله تعالى:(وحَرَّمَ الرّبَا) ومن المعلوم أنّ شكّ كثير الشكّ غير مرتفع، وما يأخذه الوالد من الفائض، ربا قطعاً، ولكنّ الشارع بقوّة التعبّد، يحكم بعدم الموضوع ادّعاءً لكي لايترتّب عليه أثر الشكّ أو الرّبا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه ذهب المحقق الخراساني إلى كون التقديم من باب الورود وأفاد في توضيحه:أنّ رفع اليد عن اليقين السابق بسبب أمارة معتبرة على خلافه، ليس من نقض اليقين بالشكّ بل باليقين.وعدم رفع اليد عنه مع


1-تقسيم الحكم إلى الظاهري والواقعي حسب اصطلاح القوم لا على المختار، فلاحظ.


(239)

الأمارة على وفقه ليس لأجل أن لايلازم نقضه بالشكّ.بل من باب لزوم العمل بالحجّة، ثمّ أُورد على نفسه وقال:هذا إذا أُخذ بدليل الأمارة، ولم لا يجوز الأخذ بدليل الاستصحاب في موردها.

وأجاب بأنّ الأخذ بدليله في مورد دليلها، لايمكن إلاّ من جانب التخصيص أي تخصيص دليلها به، بخلاف العكس، فانّ التقدّم هناك لأجل حصول الغاية.والتخصيص فرع اعتبار الاستصحاب في موردها، ولو أثبت الاعتبار بالتخصيص لزم الدور.(1)

وأورد المحقق الخوئي عليه بوجهين:

1ـ إنّ النقض بالأمارة ليس إلاّ نقضاً بالشكّ والظاهر في قوله ـ عليه السّلام ـ : «ولاينقض اليقين أبداً بالشكّ ولكن ينقضه بيقين آخر». هو انحصار ناقض اليقين في اليقين، ومن الظاهر أنّ نقضه بالأمارة ليس نقضاً له باليقين لوجود الشكّ في الأمارة وجداناً، وعليه فلا تكون الأمارة رافعة لموضوع الاستصحاب بالوجدان حتّى تكون واردة عليه.

2ـ إنّ المتبادر من نقض اليقين باليقين، هو وحدة متعلّق اليقينين والاختلاف في الإيجاب والسلب فقط. وأمّا إذا تعلّق اليقين الأوّل بشيء وتعلّق اليقين الثاني بشيء آخر، فلايشمل دليل جواز نقض اليقين باليقين لعدم اتّحاد المتعلّق، والمقام كذلك، فانّ اليقين تعلّق بنجاسة الثوب، واليقين الآخر تعلّق بحجّية البيّنة الدالّة على طهارته.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المراد من اليقين ليس هو اليقين المصطلح في المنطق ضرورة أنّ زرارة راوي الصحيحة لم يكن عالماً بطهارة ثوبه إلاّ من الطرق الشرعية


1-المحقّق الخراساني: كفاية الأصول: 2/350.
2-المحقّق الخوئي: مباني الاستنباط: 288ـ 289.


(240)

كاليد وغيرها. وقد مرّ بعض الروايات الدالّة على استعمال اليقين في الحجّة، وعلى ذلك فالغاية لقاعدة الاستصحاب حصول الحجّة الشرعيّة على خلافه، ومن الحجج هو البيّنة وسائر الأمارات، ومع حصول الغاية يكون دليلها وارداً عليه لرفع موضوعه بدليل حجّية الأمارة.

وثانياً: أنّه قد يتولّد من اليقين بحجّية الأمارة مطلقاً، سواء كان هناك يقين سابق على خلافه أو لا، يقين بمضمونها، أعني: طهارة الثوب فيكون اليقين، الأوّل أعني: النجاسة، منقوضاً باليقين بالطهارة وهما لاتفترقان إلاّ في الإيجاب والسلب، وتظهر وحدة متعلّق اليقينين من جميع الجهات إلاّ الإيجاب والسلب، إذاكان متعلّقهما الحكم التكليفي فإذا كان الشيء واجب الاجتناب سابقاً وقامت الأمارة على عدم وجوب الاجتناب، فيتولّد من اليقين بالحجّية ، يقين آخر، على عدم وجوبه،فيتّحد متعلّق اليقينين إلاّ في الإيجاب والسلب.

هذا من غير فرق بين الاستناد في حجّية الأمارة إلى دليل لفظي، أو دليل عقلي بشيء .

مختار الشيخ في وجه تقدّم دليل الأمارة

ذهب الشيخ إلى كون التقدّم من باب الحكومة وقال: معنى الحكومة على ما يجيئ في باب التعادل والتراجيح أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عمّا يقتضيه الدليل الآخر، لولا هذا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم لايقتضيه دليله لولا الدليل الحاكم.(1) وفيما نحن فيه إذا قال الشارع: إعمل بالبيّنة في نجاسة ثوبك، والمفروض أنّ الشكّ موجود مع قيام البيّنة على نجاسة الثوب. فانّ الشارع حكم في دليل وجوب العمل بالبيّنة، برفع اليد عن آثار


1-كما في قوله: «الطواف على البيت صلاة» فيعتبر فيه كلّ ما يعتبر في صحّة الصلاة.


(241)

الاحتمال المخالف للبيّنة التي منها استصحاب الطهارة.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ لسان الحكومة لسان التفسير والتشريح، سواء أكان تصرّفاً في عقد الوضع، أم تصرّفاً في عقد الحمل. فإذا قال: لاشكّ لكثير الشكّ.فهو يتصرّف في موضوع أدلّة الشكوك بنفي موضوعه ادّعاءً. أو إذا قال: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحجّ/78) فهو يتصرّف في عقد الحمل، فينفى وجوب الحج والوضوء الحرجيين وكذا كلّ موضوع حكم بالوجوب إذا كان الحكم حرجيّاً.

وعلى كلّ تقدير فالحاكم لسانه، لسان التفسير بالتصرّف في عقد الوضع أو الحمل، وليس هذا الشرط موجوداً في أدلّة حجّية الأمارة كالخبر الواحد.

أمّا الأدلّة اللفظيّة كآية النبأ والنفر والآيات الأُخر فلا نظر لها إلى أدلّة الاستصحاب، وأمّا الأدلّة اللبيّة كالسيرة والإجماع، فحالها أوضح من أن يبيّن.ومع ذلك كيف يمكن القول بالحكومة.

وثانياً :لو قلنا بأنّ مفاد حجّية الدليل هو إلغاء الطرف المخالف، فهو مشترك بين دليل الأمارة والاستصحاب لأنّ مفاد كلّ دليل هو إلغاء الطرف المخالف من غير فرق بين قوله:«صدّق العادل» وقوله:«لاتنقض اليقين بالشكّ» فتكون النتيجة هو المطاردة بين الأمارة والاستصحاب.

والأشبه هو القول بالورود دون الحكومة كما لا يخفى.

نظرية المحقّق الخوئي

ذهب المحقّق الخوئي إلى أنّ التقدّم من باب الحكومة وفسّرها برفع أحد


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد: 407.


(242)

الدليلين موضوع الدليل المحكوم عليه في عالم التعبّد والاعتبار وقال:بأنّ الشكّ في الحكم الواقعي بما أنّه مأخوذ في موضوع الأحكام الظاهرية فقيام الأمارة عليه يوجب ارتفاع الشكّ لكن في عالم التشريع لاتكويناً، ضرورة أنّ قيام البيّنة على نجاسة الثوب هو الحكم بثبوت المؤدّى وفرضه ثابتاً واقعاً إلاّ أنّ ذلك إنّما هو في عالم التشريع والتعبّد لا التكوين والوجدان.

فإذا كان الشكّ في بقاء الحالة السابقة قد اعتبر في موضوع دليل الاستصحاب وبقيام الأمارة المعتبرة على عدم بقائها، يرتفع الشكّ، غاية الأمر أنّ الارتفاع في عالم التشريع.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ لسان الحكومة، لسان التفسير والشرح، ولسان النظارة.فلو كان لسان دليل الأمارة، أنّه لا شكّ مع قيام الأمارة صحّ ما ادّعاه في الحكومة مثل قوله:«لاشكّ لكثير الشكّ» والمفروض أنّه لا لسان لفظي له أبداً كما إذا قلنا بأنّ مدرك حجّيتها هو السيرة، أو له لسان غير هذا، ومع ذلك فكيف يصحّ أن يقال إنّ الأمارة حاكمة على الاستصحاب، وكون الأمارة رافعة للشكّ تعبّداً غير كون لسان دليل حجّيتها ذلك. والحكومة قائمة باللسان.ولأجل ذلك يقدّم الأضعف إذا كان حاكماً على الأقوى إذا كان محكوماً.

وثانياً: أنّ العرف يتعامل مع الأمارة، معاملة العلم واليقين فيتلقّاه علماً عرفياً ووثوقاً قابلاً للاطمئنان فمثل ذلك يعدّ وارداً على الاستصحاب المأخوذ في لسانه الشكّ، فهو يرفع الشكّ حقيقة، بعناية الشارع.

وإذا وصل الكلام إلى هنا وتبيّنت نسبة الأمارة إلى الأُصول، يجب إكمالاً للبحث، الخوض في بحوث أُخر:

1ـ ما هو نسبة الاستصحاب مع الأُصول العقليّة.


1-المحقّق الخوئي: مباني الاستنباط:289.


(243)

2ـ ما هو نسبة الاستصحاب مع الأُصول الشرعيّة.

3ـ ما هو المرجع في تعارض الاستصحابين.

4ـ ما هوالنسبة بين الاستصحاب والقواعد الأربع: اليد، أصالة الصحّة، قاعدة الفراغ، والقرعة.

ولقد اتّخذ الشيخ مسألة بيان النسبة، حجّة للخوض في تبيين حدود هذه القواعد ونتائجها ـ قدّس اللّه سرّه ـ فأُصوله مزيج بالفقه وهكذا يجب أن يكون علم الأُصول.

وإليك الكلام في الجميع واحداً بعد الآخر.

المقام الأوّل:

في بيان نسبة الاستصحاب مع الأُصول العقلية

الظاهر كون الاستصحاب وارداً عليها لأنّ موضوع البراءة العقليّة هو عدم البيان، وموضوع الاشتغال هو احتمال العقاب، وموضوع التخيير هو تساوي الطرفين من حيث الاحتمال، فالاستصحاب بما هو حجّة ظاهرية يكون بياناً في المورد، ومؤمّناً من العقاب المحتمل، ومرجّحاً لأحد طرفي الاحتمال.

وليس المراد من البيان في المقام، بيان الحكم الواقعي، بل الأعم من الواقعي والظاهري، بشهادة أنّ الموضوع لقبح العقاب بلا بيان، هو مطلق عدم البيان.

المقام الثاني:

في بيان نسبته مع الأُصول الشرعيّة

الظاهر أنّه أيضاً وارد عليها. وذلك يظهر ببيان ما هو الموضوع في هذه الأُصول:


(244)

أمّا البراءة الشرعية فأوضح الأدلّة فيها هو حديث الرفع فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«رفع عن أُمّتي ما لايعلمون» وليس المراد من العلم، هو العلم القطعي، لعدم وجوده في أغلب الموارد، وعليه فالمراد من العلم هو الحجّة الشرعية، فيكون الموضوع للبراءة الشرعيّة هو عدم الحجّة العقليّة أو الشرعيّة.

كما أنّ المراد من الغاية في أصالتي الطهارة والحلّية هو الأعم، فقوله ـ عليه السلام ـ :«حتّى تعلم أنّه قذر» أو «أنّه حرام» ناظر إلى أنّ الجري عليهما مغياة بعدم حصول الحجّة من العقل كالعلم الجازم أو الشرع، فلو حصلت الغاية لبطل الجري عليهما.

وعلى ذلك، فجري البراءة والطهارة والحلّية، مغيى بحصول الحجّة الشرعيّة أو العقليّة بخلافها، وقوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» حجّة شرعية أُلقيت في ظروف الجري عليها ، أعني: البراءة والطهارة الحلّية، وبه تحصل الغاية المعتبرة في أدلّتها فيكون وارداً عليها.

فإن قلت: كما أنّ أدلّة الأُصول مغياة بظهور حجّة على خلافها، فهكذا أدلّة الاستصحاب مغياة بظهور يقين على خلاف اليقين السابق.فإذا فسّر اليقين بمعنى الحجّة، فتكون الأُصول حجّة على خلاف اليقين السابق فتقدّم.

قلت: إنّ الاستصحاب مغياة بظهور يقين على خلاف اليقين السابق، بحيث يكون اللاحق، مثل السابق ومن المعلوم أنّ البراءة ليست على هذا الحدّ، فانّ اليقين السابق ربما يكون يقيناً وجدانياً أو اطمئناناً عرفياً يعدّ بمنزلة العلم.

بقيت هنا نكتتان:

الأُولى: إنّ سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ احتمل أن يكون تقدّم الاستصحاب على أصالتي الطهارة والحلّية من باب الحكومة. وفسّرها بتعرّض أحد الدليلين لحال


(245)

الدليل الآخر قائلاً: بأنّ الأصلين حكم في ظرف الشكّ ومع حفظه، والاستصحاب حكم في ظرف إلغاء الشكّ.وأنّه ممّا لايترتّب عليه أثر من الآثار، وعليه يكون مقدّماً على الأُصول لكونه متعرّضاً لحال موضوع أدلّة البراءة والحلّية.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من التعرّض هو التعرّض في لسان الدليل كما في قوله ـ عليه السلام ـ :«لاشكّ لكثير الشكّ» بالنسبة إلى قوله ـ عليه السلام ـ :«إذا شككت فابن على الأكثر» أو قوله ـ عليه السلام ـ :«الصلاة على البيت طواف» بالنسبة إلى قوله ـ عليه السلام ـ :«لاصلاة إلاّ بطهور».

ومن المعلوم أنّ دليل الاستصحاب ليس بهذه المنزلة، أي ليس له أيّ نظر أو إيماء وإشارة إلى القاعدتين أو غيرهما.

الثانية: يظهر من بعض المحقّقين أنّ الاستصحاب أمارة حيث لاأمارة، والوجه فيه أنّه كاشف عن الواقع ومثبت له في ظرف الشكّ، وأنّ المجعول فيه هو الطريقية وتتميم الكشف، لأنّ الظاهر من قوله ـ عليه السلام ـ :«ولاينقض اليقين أبداً بالشكّ» وقوله ـ عليه السلام ـ :«ولايعتدّ بالشك في حال من الحالات» هو إلغاء احتمال الخلاف وفرض المؤدّى ثابتاً واقعاً كما هو كذلك في الأمارات، وهذا بخلاف الأُصول فانّها ليست كاشفة عن الواقع أصلاً. فانّ المجعول فيها إمّا تنزيل أحد طرفي الشكّ منزلة الواقع، والبناء والعمل على ثبوته كما في الأُصول المحرزة، وإمّا مجرّد تطبيق العمل على مؤدّى الأصل، والجري على طبقه ظاهر عند الشك.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاستصحاب إن أُخذ من الظنّ فما هو المفيد للظنّ بالبقاء إنّما هو الثبوت اللاحق، لانفس الاستصحاب الذي هو فعل المكلّف، وإن أُخذ من الأخبار، فما استظهره من الروايات غير ثابت، لأنّ الظاهر منها حفظ اليقين والشكّ والحكم بتقديم الأوّل على الثاني... وأنّه لايعتدّ بالشكّ.لاأنّه يلقى الشكّ،


1-المحقّق الخوئي: مباني الاستنباط:293.


(246)

أو أنّك لست بشاكّ، فليس اللسان لسان الأمارة بل لسان الأصل، وهو الحكم مع لحاظ الشكّ لاإلقائه.

وباختصار: أنّ لسان الأمارة، رفع الشكّ، ولسان أخبار الاستصحاب حفظ الشكّ، ولكن تطبيق العمل على اليقين وأين هذا من الأمارة.

المقام الثالث:

في تعارض الاستصحابين (1)

إنّ التنافي بين الدليلين تارة يرجع إلى مقام الجعل والإنشاء بحيث يلزم من صدق أحد الدليلين، كذب الآخر، ومن تعلّق الإرادة بأحدهما، عدم تعلّقها بالآخر.كما إذا دلّ دليل على وجوب شيء والآخر على حرمته. أو دلّ دليل على وجوب القصر والآخر على وجوب الإتمام، مع العلم بعدم وجوب أزيد من صلاة عند دلوك الشمس.

وقد يرجع التنافي إلى مقام الامتثال والفعليّة كما في إنقاذ الغريقين في وقت واحد فانّ التنافي ليس في مقام الجعل إذ لامانع من تعلّق الإرادة بإنقاذ كلا الغريقين إلاّ أنّه لمّا كانت قدرة المكلّف قاصرة عن إنقاذ كليهما، جاء التزاحم والتنافي بين إطاعة الأمرين.

فالبحث عن الأوّل يرجع إلى باب التعادل والترجيح وحكم التعارض إذا لم يكن هناك جمع عرفي وهو الرجوع إلى المرجّح، غاية الأمر التخيير بناء على تواتر رواياته أو تضافره كما ادّعاه الشيخ الأعظم في مبحث التعادل والترجيح كما أنّ البحث في المقام الثاني يرجع إلى باب المتزاحمين ، أعني: باب الترتّب أو باب


1-قد بحث الشيخ الأعظم عن تعارض الاستصحابين ، بعد بيان النسبة بينه وبين القواعد الأربع، ولكنّا قدّمناه عليه حفظاً للمناسبة.


(247)

اجتماع الأمر والنهي ويعالج بالأخذ بأقوى الملاكين إن وجد أو التخيير إذا تساويا.

وعلى ضوء هذا البيان فالبحث عن الاستصحابين المتنافيين في المقام مختصّ بما إذا كان التنافي راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء كما إذا علمنا بإصابة قطرة من الدم إلى أحد الإنائين الطاهرين، فالحكم بطهارة كلا الإنائين لا يجتمع مع جعل التنجيس بقطرة الدم.

وأمّا إذا كان راجعاً إلى مقام الامتثال كما إذا ضاق وقت الصلاة وشاهد نجاسة في المسجد ولايكفي الوقت إلاّ لأحد الامتثالين.فاستصحاب وجوب كلّ وإن كانا متنافيين لكن التنافي يرجع إلى قصور قدرة العبد، لا إلى عدم إمكان جعل الوجوب لكلا الموردين.ولأجل ذلك لو تمكّن المكلّف من الامتثال بقوّة غيبية فيجمع بين الإتيان بالصلاة مع إزالة النجاسة لما كان هناك إشكال.

إذا عرفت ذلك فنقول:إنّ الشكّ في أحد الأصلين إمّا أن يكون ناشئاً من الشكّ في الآخر.أو يكون الشكّان ناشئين من أمر ثالث، وعلى التقدير الأخير إمّا أن تلزم من العمل بالأصلين مخالفة عملية أو لا ؟ فهذه صور ثلاثة وإليك البيان:

1ـ إذا كان الشكّ في أحد الأصلين مسبّباً عن الآخر

وهي على صور، لأنّ السببيّة أي ترتّب أحدهما على الآخر، تارة يكون شرعاً وأُخرى عقلاً وثالثة عادة، ولاكلام في القسمين الأخيرين، لأنّه يشترط أن يكون الترتّب شرعياً لا غير. فإحراز السبب العقلي أو العادي لايكون دليلاً شرعاً على وجود المسبّب.

فانحصر الكلام في الترتّب الشرعي فنقول:

إنّ إثبات تقدّم الأصل السببي على المسبّبي يتوقّف على تبيين دور الأصل


(248)

الموضوعي على وجه الإطلاق سواء كان هناك أصل مسبّبي أو لا، فلو وقفنا على منزلته يسهل حلّ مشكلة الأصل السببي والمسبّبي.وإليك الكلام في ذلك.ثمّ نعود إلى ما نحن فيه.

دور الأصل الموضوعي في إثبات الأحكام

لاشكّ أنّه يترتّب عند استصحاب حياة شخص نحتمل موته، آثارها من بقاء أمواله في ملكه، وزوجته في حبالته إلى غير ذلك من آثارها إنّما الكلام في وجه ترتّبها على ذلك الموضوع المحرز بالاستصحاب فهل الترتّب بنفس الاستصحاب أو بالكبرى الشرعيّة الكلّية.

ربّما يتصوّر الأوّل، بل هو المعروف قائلاً بأنّ معنى «لاتنقض اليقين بالشكّ» هو ترتّب الأثر أي رتِّب الأثر على المتيقّن المحرز بالاستصحاب في ظرف الشكّ.

يلاحظ عليه:أنّ لسان «لاتنقض» في مورد الموضوع والحكم المستصحبين واحد، فلو كان مفاده في الأوّل هو «ترتيب الأثر» يجب أن يكون كذلك في مورد الثاني أي عند استصحاب الحكم كوجوب الشيء، مع أنّه لامعنى لترتّب الأثر على الحكم، إذ لا أثر للوجوب شرعاً إلاّ نفسه.

وبذلك يتبيّن أنّه لا دور للاستصحاب إلاّ في إحراز نفس المشكوك شرعاً، فلو كان المحرز حكماً شرعيّاً فيستقلّ العقل بامتثاله وإطاعته ، مثل الأحكام المحرزة بالعلم، وإن كان موضوعاً فلابدّ من التماس دليل آخر لترتيب الأثر عليه ولايكفي الاستصحاب في ذاك المجال.

وعلى ضوء هذا البيان : فلو كان هناك دليل اجتهادي يقع المحرَز بالاستصحاب صغرى له، يترتّب عليه الحكم الشرعي ببركة ذلك الدليل، وإلاّ


(249)

فلا يترتّب عليه أثر أبداً.

وذلك كاستصحاب الحياة فيترتّب عليه بقاء زوجته على حبالته، لأنّ التسريح إمّا بالطلاق فالمفروض عدمه أو بالموت والمفروض حياته.كما يترتّب عليه بقاء أمواله في ملكه، لأنّ الوراثة تترتّب على قوله تعالى:«إن ترك خيراً» والمفروض أنّه حيّ.ولم ينتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة.

ومثله: استصحاب العدالة:تترتّب عليه صحّة الطلاق عنده وذلك لأنّ إحرازها بالاستصحاب يجعله صغرى لقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا العِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللّهَ رَبَّكُمْ لاتُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة وَ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذِلِكَ أَمْراً) إلى أن قال:(وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ اليَوْمِ الآخِرِ).(الطلاق/1ـ2)

فإذا ثبت ببركة الأصل والدليل الاجتهادي أنّها طلّقت عند شهود عدل فيثبت موضوع دليل اجتهادي آخر، أعني:(وَالمَطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء). (البقرة/228) فيثبت وجوب التربّص، فإذا تربّصت ثلاثة قروء يثبت الموضوع لسائر الحجج الشرعيّة، أعني: جواز تزويجها بعد خروج عدّتها، فإذا تزوّجت تصير زوجته تجب عليها إطاعة زوجها كما يجب على الزوج نفقتها.

وعلى ذلك فلا دور للاستصحاب الموضوعي إلاّ تهيئة الموضوع وتنقيحه للكبريات الشرعيّة.

إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ تقدّم استصحاب الأصل السببي على الأصل المسبّبي، فيما إذا كان الترتّب شرعيّاً من هذا القبيل: فإذا غسل الثوبَ النجس بماء مسبوق بالطهارة، فانّ استصحاب طهارة الماء ينقّح موضوعاً لكبرى شرعيّة، وهي


(250)

أنّ كلّ نجس غسل بماء محكوم بالطهارة فهو طاهر، وعندئذ لايبقى شكّ في طهارة الثوب لأجل الدليل الاجتهادي، ومعه لاموضوع لاستصحاب نجاسة الثوب. وليس العكس كذلك، فانّ استصحاب نجاسة الثوب لايترتّب عليه أثر سوى نجاسة الملاقي لوجود الدليل الاجتهادي في نجاسته، وأمّا نجاسة الماء الذي غسل به فليس هناك دليل إجتهادي يدلّ على نجاسته، وبالجملة لو أدخل الثوب النجس في الماء القليل ينجس ولو كان قطعي الطهارة، إنّما الكلام فيما إذا غسل به وأُريق عليه، فلادليل على نجاسته، وكونه نجساً لأجل أنّه صار غسالة النجس لايضرّ، لأنّ الحكم كذلك وإن كان الماء طاهراً بالوجدان.

والعجب أنّ الشيخ الأعظم تنبّه لذلك الوجه ولكنّه لم يستقرّ عليه في مقام البرهنة وعاد إلى برهنة المطلب بوجوه أُخر، حيث قال:إنّ نقض يقين النجاسة (إنّماهو) بالدليل الدالّ على أنّ كلّ نجس غُسل بماء طاهر فقد طهر، وفائدة استصحاب الطهارة إثبات كون الماء طاهراً به، بخلاف نقض يقين الطهارة بحكم الشارع بعدم نقض يقين النجاسة.

بيان ذلك: أنّه لو عملنا باستصحاب النجاسة كنّا قد طرحنا اليقين بطهارة الماء من غير ورود دليل شرعي على نجاسته، لأنّ بقاء النجاسة في الثوب لايوجب زوال الطهارة عن الماء، بخلاف ما لو عملنا باستصحاب طهارة الماء فانّه يوجب زوال نجاسة الثوب بالدليل الشرعي وهو ما دلّ على أنّ الثوب المغسول بالماء الطاهر يطهر.فطرح اليقين بالنجاسة بقيام الدليل على طهارته.(1)

ويدلّ على ماذكرنا من أنّ ملاك التقدّم هو كون الأصل في جانب السببي منقّحاً لموضوع الدليل الاجتهادي، أنّه لو أحرز طهارة الماء بقاعدة الطهارة، تقدّم على استصحاب نجاسة الثوب، مع أنّ الاستصحاب حاكم على أصالة الطهارة


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد: 425.


(251)

وـ ما هذا ـ إلاّ لأجل أنّ الحاكم هو الدليل الاجتهادي، لانفس الأصل.

هذا وقد استدلّ الشيخ الأعظم على تقدّم السببي على المسبّبي بوجوه:

أحدها: الإجماع وحاله معلوم خصوصاً في المسائل غير المعنونة في زمان المعصومين إلاّ أن يقال: بأنّه يظهر الاتفاق على التقدّم من خلال التتبع في الفتاوى المختلفة.

ثانيها: أنّ فرديّة أحد الشيئين إذا توقّف على خروج الآخر المفروض الفردية عن العموم، وجب الحكم بعدم فرديّته ولم يجز رفع اليد عن العموم لأنّ رفع اليد حينئذ عنه يتوقّف على شمول العام لذلك الشيء المفروض توقّف فرديّته على رفع اليد عن العموم وهو دور محال.

يلاحظ عليه: أنّ شمول أدلّة الاستصحاب للشكّ المسبّبي، يتوقّف على وجود ما هو ملاك الشمول في الأصل السببي في المسبّبي أيضاً وليس إلاّ اليقين السابق والشكّ اللاحق، وهو بالفرض موجود فيه كما هو موجود في السببي فلامانع من إطلاق العام لكلّ من السببي والمسبّبي، والسرّ في ذلك أنّ مفاد الأصل المسبّبي ليس منافياً بالذات مع الأصل السببي، فأيّ منافاة بين الحكم بطهارة الماء ونجاسة الثوب مع كون الحكمين في موضوعين غير أنّ الحكم بطهارة الماء لمّا كان ملازماً مع ارتفاع النجاسة في الثوب المغسول، يقع التعارض بينهما بالفرض، ومثل هذا لايكون دليلاً على عدم كون المسببي فرداً.

والأمر في مقام العلاج يدور بين تخصيص دليل الاستصحاب في مورد المسبّبي أو تقييده في جانب الأصل السببي حيث إنّ الحكم بطهارة الماء له آثار كثيرة منها: جواز شربه وبيعه والتوضّؤ به فيترتّب جميع الآثار عليه إلاّ طهارة الثوب، وليس أحدهما أولى من الآخر.

ثالثها: أنّ حكم العام من قبيل لازم الوجود للشكّ السببي كما هو شأن


(252)

الحكم الشرعي وموضوعه فلا يوجد في الخارج إلاّ محكوماً، والمفروض أنّ الشكّ المسبّبي أيضاً من لوازم وجود ذلك الشكّ فيكون حكم العام والشكّ المسبّبي لازمين لملزوم واحد وهو الشكّ السببي وفي مرتبة واحدة، وحينئذ لايصحّ أن يكون الشكّ المسبّبي موضوعاً للحكم الشرعي أعني: «لاتنقض» للزوم تقدّم الموضوع وتأخّر الحكم رتبة مع أنّهما في رتبة واحدة.

يلاحظ عليه: أنّ الشكّ السببي والمسبّبي من حيث الزمان في حدّ واحد وتقدّم أحدهما على الآخر في الرتبة العقليّة لايوجب شمول العام لأحدهما قبل الآخر، لأنّ الأشياء موضوعات للأحكام بوجودها الخارجية، لابرتبتها العقليّة.

ثمّ إنّ للشيخ في المقام دليلاً رابعاً، يظهر حاله ممّا ذكرنا.وكان عليه أن يقف على ما استند إليه أوّلاً.

2ـ إذا كان الشكّان مسبّبين عن أمر ثالث

إذا كان الشكّ في كلّ من الموضوعين ناشئاً عن أمر ثالث كما هو الحال في الإنائين المشتبهين فإنّ الشكّ في طهارة كلّ منهما مسبّب عن العلم الإجمالي بورود النجاسة على واحد منهما و هذا القسم مقابل لما إذا كان الشكّ في طهارة أحدهما مسبّباً عن الشكّ في طهارة الآخر.

فنقول: ذهب الشيخ إلى عدم جريانها، وتبعه المحقق النائيني .استدل الشيخ الأعظم بأنّ العلم الإجمالي بانتقاض أحد اليقينين يوجب خروجهما عن مدلول «لاتنقض» لأنّ قوله:«لاتنقض اليقين بالشكّ ولكن تنقضه بيقين مثله» يدلّ على حكمين:

1ـ حرمة نقض اليقين بالشكّ.

2ـ وجوب نقض اليقين باليقين.


(253)

فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلايجوز إبقاء كلّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشكّ، لأنّه مستلزم لطرح ذيل الحديث، وهو الحكم بنقض اليقين بمثله، ولاإبقاء أحدهما المعيّن لاشتراك الآخر معه في مناط الدخول من غير مرجّح، وأمّا أحدهما المخيّر فليس من أفراد العام إذ ليس فرداً ثالثاً غير الفردين المتشخصين في الخارج فإذا أخرجا لم يبق شيء.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبنيّ على جعل اليقين في الذيل أعم من اليقين التفصيلي والإجمالي فعندئذ تلزم من إجراء الاستصحاب في كلا الطرفين مع العلم الإجمالي بالخلاف، مناقضة الصدر مع الذيل.وأمّا إذا قلنا بأنّ المراد منه هو التفصيلي أو الحجّة التفصيلية بقرينة أنّ المراد من اليقين الوارد في الصدر هو التفصيلي، فلايلزم أيّ مناقضة لعدم حصول الغاية أي نقض اليقين بمثله.

أضف إليه:أنّ دليل الاستصحاب لايختصّ بالقضية المذيّلة بل هناك روايات خالية عن هذا الذيل فتأمّل.

دليل المحقق النائيني على عدم الجريان في خصوص الأُصول المحرزة

اختار المحقّق النائيني التفصيل بين الأُصول المحرزة وغيرها بعدم الجريان في الأُولى دون الثانية والمقصود من المحرزة هو ما يكون المجعول فيها هو البناء العملي على ثبوت الواقع في أحد طرفي الشكّ كالاستصحاب، وقاعدة الفراغ والتجاوز، وأصالة الصحّة. والمراد من غيرها هو ما يكون المجعول فيها هو مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ من دون أن يكون الجعل متكفّلاً لثبوت الواقع في أحد الطرفين كالبراءة والاحتياط، وأصالتي الحلّ والطهارة.


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد: 429.


(254)

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الوجه في عدم جريان الأُصول المحرزة في أطراف العلم الإجمالي هو أنّ التعبّد ببقاء الواقع في كلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدها، فالتعبّد ببقاء الطهارة في كلّ من الإنائين، يناقض العلم الوجداني، وهذا بخلاف الأُصول غير المحرزة، فانّه لمّا كان المجعول فيها هو مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ، فلا مانع من التعبّد بها في أطراف العلم الإجمالي إذا لم تلزم مخالفة عملية.

ثمّ قال: إنّ المانع من جريان الأُصول المحرزة في أطراف العلم الإجمالي إنّما هو عدم قابلية المجعول فيها لأن يعمّ جميع الأطراف لالقصور أدلّة اعتبارها، فانّه لامانع من شمول قوله ـ عليه السّلام ـ :«لاتنقض اليقين بالشكّ» لكلّ واحد من اليقين والشكّ المتعلّق بكلّ واحد من الأطراف، فما يظهر من الشيخ ـ قدّس سرّه ـ من أنّ المانع من جريان الأُصول في الأطراف هو عدم شمول الدليل لها لأنّه يلزم أن يناقض صدر الدليل الذيل لا يخلو عن إشكال.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ العلم بالتنافي يحصل بعد الجريان، والمانع لابدّ أن يكون موجوداً قبله.

توضيحه: أنّه لو كان الأصل الجاري في مورد ناظراً إلى المورد الآخر، ويكون مقتضى كلّ أصل طهارة مورده والمورد الآخر، كان لما ذكره من التنافي وجه.وأمّا إذا كان مفاد كلّ أصل، طهارة مورده الخاص من دون نظر إلى المورد الآخر، لما كان جريان الأصل في كلّ واحد ـ وقت الجريان ـ مقروناً بالمانع وإنّما يحصل العلم به بعد الجريان وهو غير كاف.

وإن شئت قلت: مفاد الأصل في كلّ واحد، طهارة ذلك الإناء سواء كان الآخر طاهراً أو نجساً، فعند ذلك لايلزم من جريانه في كلّ واحد المحذور


1-المحقّق النائيني: فوائد الأصول:4/693ـ 694.


(255)

المذكور. نعم يحصل بعد الجريان العلم بكون أحد الأصلين على خلاف الواقع، وبما أنّه أمر متأخّر، لايعدّ مانعاً منه.

وبعبارة أُخرى: أنّ المانع حسب نصّه هو « أنّ التعبّد ببقاء الواقع في كلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي، ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدها» ومن المعلوم أنّ أحد طرفي المنافاة و هو العلم الوجداني بارتفاع الواقع في أحدهما و إن كان حاصلاً قبل جريان الاستصحاب، لكن الطرف الآخر (التعبّد ببقاء الواقع...) يحصل بعد جريانه، فيكون المانع متولّداً بعده لاقبله، مع أنّ مقتضى كلامه، من أنّ المقام ليس من قبيل فقد المقتضي بل من قبيل وجود المانع، أن يكون المانع موجوداً قبل الشمول، لا متولّداً بعده.

وثانياً: أنّه قد سبق منّا أنّ قاعدة الطهارة حاكمة على أدلّة الشرائط، ومعنى الحكومة، هو توسيع مفاد الشرط بجعل المصداق لها، فإذا ورد:لاصلاة إلاّ بطهور وقلنا بشموله للطهارة الحدثية والخبثية يكون الثوب بفضل تلك القاعدة مصداقاً للشرط ويستشكف أنّ الشرط أعم من الواقعي والظاهري، وهذا لايناسب مع كونه أصلاً غير محرز. كما لا يخفى.

التفصيل بين استلزامه المخالفة العمليّة وعدمها

وربّما يفصّل بين ما إذا استلزم جريان الأُصول المخالفة العمليّة وعدمها، فلا تجري الأُصول في أطراف العلم الإجمالي لاستلزامه الترخيص في المخالفة ، إذا جرى الأصل في كلا الطرفين، وجريانه في واحد بعينه دون الآخر ترجيح بلامرجّح، وجريانه في واحد مخيّراً يحتاج إلى الدليل لأنّ لسان كلّ أصل كونه محكوماً بالبقاء معيّناً، لامخيّراً بينه وبين غيره. وأمّا أحدهما لابعينه فليس له مصداق في الخارج بل هو مصداق ذهني.


(256)

نعم إذا لم يستلزم الجريان المخالفة العمليّة كما إذا كان الإناءان محكومين بالنجاسة فعلم بطهارة أحدهما، فانّ استصحاب النجاسة لايستلزم المخالفة العملية فلا مانع من الشمول، كما لايخفى.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان هناك علم إجمالي وجداني بوجوب الاجتناب عن النجس الواقعي، فلا شكّ أنّه مع ذاك العلم الوجداني لا معنى لإجراء الأصل، لأنّ العلم القطعي بالتكليف لا يجتمع مع احتمال جواز مخالفته، فضلاً عن جواز القطع بالمخالفة، كما إذا أسلم أحد الأخوين الكافرين، فانّ استصحاب جواز القتل لا يجتمع مع العلم بلزوم حفظ دم المسلم.

ولكن هذا الفرض خارج عن محلّ الكلام إنّما البحث فيما إذا كان التكليف مستفاداً من الإطلاق الشامل للعلم التفصيلي بالموضوع، والعلم الإجمالي له، كما إذا قال:اجتنب عن الدم الشامل لكلتا الصورتين، فمثل هذا لايعدّ علماً بالتكليف، بل يعدّ علماً بالحجّة التي يجب امتثالها، إذ لا فرق بين الحجّة التفصيلية والإجمالية.

لكن ليس العلم بالحجّة كالعلم بالتكليف في عدم إمكان الترخيص في أطرافها إذ من الممكن، تقييد إطلاقها بصورة العلم التفصيلي وإخراج العلم الإجمالي منها، ففي مثل ذلك يجوز الترخيص في كلا الطرفين فضلاً عن الطرف الواحد. ولايعدّ ذلك في نظر العقل ترخيصاً في المعصية، بل تضييقاً في موضوع الحكم الذي قامت الحجّة عليه وتخصيصه بما علم تفصيلاً.

ما هو المختار

قد سبق منّا بيان المختار في مبحثي القطع والاشتغال ولاحاجة إلى الإعادة والتكرار. ومحصّله:


(257)

أنّ العلم الإجمالي الوجداني بوجود محرّم في أحد الطرفين على وجه لا يرضى الشارع بتركه أبداً وفي حال من الحالات لايقع مجرى للأصل كيف واحتمال مثل ذلك التكليف منجّز فكيف القطع به، وإلاّ يلزم القطع بجعل تشريعين متضادّين.

وأمّا إذا كان العلم الإجمالي متولّداً من إطلاق الدليل ففي مثله يقع الكلام في مقامين: الثبوت والإثبات.

أمّا الثبوت فلا مانع من جريانه في الطرفين غاية الأمر يكون كاشفاً عن ورود تقييد لإطلاق الدليل الاجتهادي وإن لم يكن الأصل بنفسه مقيّداً.

وأمّا الاثبات، فالظاهر عدم الشمول لحصول الغايات الواردة في أدلّة الأُصول، أمّا أدلّة البراءة فقد عرفت أنّ المراد من العلم في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«رفع عن أُمّتي ما لايعلمون» هو العلم الأعم من الوجداني وغيره ، أعني: الحجّة على التكليف، والمفروض حصول هذه الحجّة ومعها لايكون مجال للبراءة غيرها من الأُصول، فانّ العلم الإجمالي هو الحجّة الإجمالية، وإطلاق الغاية يعمّ التفصيلي والإجمالي بلاتفاوت بينهما.

وبذلك يعلم ضعف ما ربّما يقال: من أنّه يجوز جريان الأصل في كلّ واحد بذاته، لأنّ التكليف مشروط بالوصول، وهو بعد غير واصل لتردّده بين الإنائين. وذلك لأنّه لو أُريد من الوصول، وصول الكبرى فالمفروض ورودها ووصولها بيد المكلَّف، وإن أُريد وصول الصغرى أي العلم بوجود الدم فيما يبتلى به المكلّف فهو أيضاً مفروض الوجود، وإن أُريد منه العلم بأنّ الصغرى موجود في هذا الاناء بعينه، فهو ممنوع بإطلاق الدليل الشامل لما علم تفصيلاً أو إجمالاً.

وعلى ما ذكرنا تكون موارد العلم الإجمالي خارجة عن مجاري الأُصول، لحصول الغايات المحددة لجريانها.وتخصيص الغايات بالعلم التفصيلي، خلاف


(258)

إطلاقها، وقد سبق منّا التأمّل فيما أورده المحقّق الخراساني على شيخه الأنصاري في مسألة تعارض الذيل مع الصدر فلاحظ.

تمّ الكلام في قاعدة الاستصحاب

ويليها البحث عن القواعد الأربع بإذن اللّه سبحانه.


(259)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة على نبيّه وآله الطاهرين

قاعدة اليد

إنّ اليد والاستيلاء على الشيء عند العقلاء آية الملكيّة إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافها. كيد الغاصب والسارق والمستعير وعلى ذلك استقرّت السيرة في جميع الأعصار وأمضاها الشارع كما سيوافيك بيانه.

اعلم أنّ قاعدة «اليد» غير قاعدة «على اليد» فالأُولى سبب الملكيّة تارة، ودليلها وآيتها أُخرى، فالأوّل كالحيازة للمباح فانّها سبب الملكيّة فتحدث رابطة اعتباريّة عقلائيّة بين المحيز والمحاز، ولاتنتفي إلاّ بالإعراض أو بالنقل بأحد الوجوه الناقلة أو الانتقال القهري كالإرث.

والثاني، ما كان مسبّباً عن أحد النواقل الشرعيّة، فالاستيلاء فيه ليس سبباً للملكيّة بل مسبّب عنها وعند الشكّ في بقائها بعد مضيّ زمان ـ تكون اليد آية ودليلاً عليها وقد تتخلّف أماريتها كيد الغاصب وما أكثر التخلّف في الأمارات.

نعم استيلاء كلّ شيء بحسبه، فربّما يلازم التصرّف في المستولى عليه، وأُخرى لايلازم، فمن حمى أرضاً لنفسه استولى عليها وإن لم يتصرّف فيها بزرع أو رعي أو بناء.

وأمّا الثانية: فهي سبب الضمان ولزوم التدارك ويشير إليها النبويّ


(260)

المعروف: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».

وكلتا القاعدتين من أدوات القضاء وأسبابه، فبالأُولى يعرف المدّعي من المنكر، ومن له السلطة يوافق قوله الظاهر ويعدّ منكراً. والمخالف مدّعياً.وبالثانية يحكم على ضمان من تلف العين أو المنافع تحت يده حسب ما ذكروه في محلّه.

وليعلم أنّ المسألة، «قاعدة فقهية» لامسألة فقهية ولا مسألة أُصولية، لانطباق ميزان القاعدة الفقهية عليها لما عرفت في الأمر الأوّل من مقدّمات الجزء الأوّل، أنّ القواعد الفقهية تمتاز عن المسائل الأُصولية بوجهين أو أكثر:

1ـ إنّ محمولات مسائل الأُصول ليست أحكاماً شرعيّة عمليّة، ولامنتزعة عنها، مثل قولنا:1ـ الأمر ظاهر في الوجوب.2ـ النهي ظاهر في التحريم.3ـ وجود الملازمة بين المقدّمة وذيها في الحكم. هذا بخلاف القواعد الفقهية، فالمحمول فيها، إمّا حكم شرعي، مثل:الصلح جائز بين المسلمين أو منتزع من أحكام شرعيّة عمليّة مثل: كلّ ما يضمن بصحيحه (كالبيع والإجارة) يضمن بفاسده.

وعلى ضوء هذا، فالمحمول في قولنا: اليد دليل الملكيّة، هو الحكم الشرعي، أي ذو اليد مالك، وهو حكم شرعي عملي.

2ـ إنّ المجتهد والمقلّد في مقابل القواعد الفقهية سواسية، والمقام من هذا القبيل، فكما يجوز الإفتاء بالحكم الشرعي الجزئي والقول بأنّ هذا ملك لزيد يجوز الإفتاء بصورة الحكم الكلّي والقول: بأنّ اليد دليل الملكيّة، فيعمل المقلّد بالثاني مثل الأوّل.وهذا بخلاف المسألة الأُصولية. فانّ إجراءها بيد المجتهد دون المقلّد، لأنّ الفحص عن المعارض وتشخيص مورد الأمارات والأُصول من وظائف المجتهد.

ومع ذلك كلّه فليس العمل بالقاعدة الفقهية رمية لكلّ فرد وعملاً سهلاً لكلّ عوام فلاحظ.


(261)

إذا عرفت ما ذكر فاعلم أنّه يقع الكلام في مقامات:

المقام الأوّل:

ما هو المقصود من اليد في القاعدة؟

إنّ اليد في اللغة بمعنى الجارحة المعلومة لكنّها أُستعيرت في المقام للاستيلاء على الشيء، وذلك لأنّ تخصيص اليد بالاستيلاء من بين سائر الأعضاء لأجل أمرين:

الأوّل: إنّ اليد أشدّ دوراً من بين سائر الأعضاء في اكتساب الخير والشر وإنجاز الأعمال والاستيلاء على الأشياء، ولأجل ذلك ينسب المعاصي إلى الأيدي مع أنّها تتحقّق بالرجل و العين والسمع واللسان يقول سبحانه: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ وأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم للعَبِيد) (آل عمران/182)، (ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس).(الروم/41).وقال عزّ من قائل:(وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَهْلُكَة). (البقرة/194) مع أنّ الإلقاء في التهلكة يتحقّق بسائر الأعضاء أيضاً ولكن لمّا كان اكتساب الأُمور بالأيدي أشدّ وأكثر من سائرها نسبت المعاصي إليها.

الثاني: إنّ الإنسان في القرون الخالية كان يعيش بأبسط الوجوه والطرق فكانت وسيلته الوحيدة لتخصيص شيء من مظاهر الطبيعة هي اليد، فيصيد بيده ويجتبي الثمرة بها، فيتسلّط على ما حازه بتلك الأداة ويرى نفسه أولى به من غيره، وتجاوز الغير إليها ظلماً وجوراً حتّى صار ذلك مبدأً لاعتبار الملكيّة وراء الاختصاص.

ولأجل ذلك نرى أنّ الإمام ـ عليه السّلام ـ يعبّر عن استيلاء المجاهدين على ما في المعسكر بالاجتناء باليد، ويقول لعبد اللّه بن زمعة: إنّ هذا المال ليس لي ولا لك فإنّ شركتهم في حربهم كان لك مثل حظّهم وإلاّفجناة أيديهم لايكون لغير


(262)

أفواههم.(1)

وفي ضوء ذلك استعير لمطلق الاستيلاء لفظ اليد لما له الدور الوحيد في العصور الغابرة في تخصيص الأشياء بصاحبها وملكيتها له.

ومن المعلوم أنّ دائرة القاعدة أوسع من كون الاستيلاء باليد بل استيلاء كلّ شيء بحسبه، فالاستيلاء على الفرس بالركوب عليه والاستيلاء على البيت بأخذ مفتاحه إذا لم يكن مقروناً بالمانع، والاستيلاء على الحديقة والمعدن والسيّارة والطائرة بحسبها.

نعم لايكتفون في الأشياء الخطيرة كالدار، والمعمل، والقرية والسيّارة ومايضاهيها بمجرّد الاستيلاء، بل يتطلبون تسجيل الدار والقرية في دائرة ثبت الأملاك ، وكأنّهم يحتاطون في عظائم الأُمور، ولأجل ذلك وضعوا قوانين خاصّة في بيع المعامل والسيّارات وما أشبههما.

المقام الثاني:

في اعتبــارهـا

لا أظنّ أحداً يعيش عيشة اجتماعية، أن يتردّد في اعتبار اليد والاستيلاء بين العقلاء، كيف واعتبارها من دعائم الحياة، وقوام نظام المعاملات والمبادلات، ولو رفضت اليد وسقطت عن الاعتبار، لاختلّ السوق العالمي، وانهدمت العلاقات التجاريّة إذ من الأمر المحال، أن يقيم كلّ إنسان شاهداً على ما تحت يده، أو يسجّل كلّ شيء ممّا يملكه في دائرة خاصّة.

والظاهر أنّ وجه اعتبار اليد والاستيلاء، هو أنّه كان الطابع الغالبي على ما كان يستولي البشر عليه، هو الابتعاد عن الظلم والجور، والنهب خصوصاً بين


1-نهج البلاغة: الخطبة232.


(263)

الخارجين عن دائرة الحكم والسلطة، وكانت الحيازة، أو المبادلات بين الشخصين هو السبب الغالب على الاستيلاء فاعتبروه ضابطة في حياتهم وبنوا عليه معاملاتهم ومبادلاتهم بلا تردّد إلاّ إذا قام الدليل على خلافه، أو كان الطابع الغالبي عليه، الجور والعدوان.

وقد صار هذا سبباً لإمضاء الشرع تلك السيرة العقلائيّة قولاً وتقريراً، وعلى ذلك فالدليل الواضح هو تلك السيرة، لا السيرة المتشرّعة ولا إجماع الفقهاء وأصحاب الفتوى فانّ الكلّ يرجع إلى السيرة العقلائيّة كما لايخفى.

نعم السيرة، لا لسان لها، فلايمكن منها استظهار كون اعتبار اليد من باب الأمارة أو الأصل المحرز أو الأصل التعبّدي. والطريق السهل لاستظهار واحد منها هو الروايات والأحاديث، وهذا هو الذي نطرحه في المقام الثالث.

المقام الثالث:

في أنّ اليد أمارة وليست أصلاً تنزيليّاً ولا أصلاً تعبديّاً

تدلّ على كونها أمارة سيرة العقلاء لما عرفت من أنّ الغالب على الاستيلاء، هو الصحّة والمشروعيّة والاستيلاء بالغصب بالنسبة إليها قليل نادر، فيكون بالطبع كاشفاً عن مشروعيّته ولمّا كانت اليد الأمانيّة قليلة بالنسبة إلى اليد المالكيّة، يستدلّ بها عند العقلاء على الملكيّة والاختصاص. إلاّ إذا كانت أمارات على عدمها، كما هو الحال في استيلاء السمسار وغيره .وأظنّ أنّ في السيرة العقلائيّة دلالة كافية على أماريّتها إذ من الواضح أنّ العقلاء يعاملون مع ذي اليد معاملة المالك ويرتّبون عليها أثر الملك لامن باب التعبّد بل من باب كشفها عنه كما لا يخفى.

وأمّا الأخبار فهناك طوائف من الروايات تدلّ بعضها على مجرّد اعتبارها. وبعضها الآخر على كونها أمارة للملك وبعضها الثالث ما يستشم منها كونها


(264)

أصلاً. وإليك الطوائف:

الطائفة الأُولى:

ما يدلّ على اعتبار اليد فقط

وإليك بيانها:

1ـ ما رواه العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال:سألته عن مملوك ادّعى أنّه حرّ ولم يأت ببيّنة على ذلك أشتريه؟ قال: «نعم».(1)

2ـ ما رواه حمزة بن حمران قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : أدخل السوق وأُريد أشتري جارية فتقول: إنّي حرّة، فقال: «اشترها إلاّ أن تكون لها بيّنة».(2)

3ـ مكاتبة محمّد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمّد ـ عليه السّلام ـ : رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا ؟ فوقّع ـ عليه السّلام ـ : «يتّقي اللّه ويعمل في ذلك بالمعروف ولايضرّ أخاه المؤمن».(3)

واليد في الروايتين الأُوليين، يد الملكيّة، وفي الثالثة يد التمتّع والانتفاع من النهر والاستفادة منه وهي معتبرة في مورد المنافع ولا يجوز لمالك الماء تغيير مجراه أو الإضرار بأخيه.

الطائفة الثانية:

ما يدلّ على كونها أمارة الملكيّة

وإليك بيانها:

4ـ احتجاج الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ على أبي بكر عندما سأله ـ عليه السّلام ـ


1-الوسائل: 13/30 ح1، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان.
2-الوسائل: 13/31 ح2، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان.
3-الوسائل: 17/343 ح1، كتاب إحياء الموات، باب 15.


(265)

البيّنة على كون فدك ملكاً له وكان في تصرّفه وتحت سلطته قال لأبي بكر: «أتحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين»؟ قال:لا. قال: «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادّعيت أنا فيه، من تسأل البيّنة»؟ قال: إيّاك كنت أسأل البيّنة على ما تدّعيه على المسلمين. قال: «فإذا كان في يدي شيء فادّعى فيه المسلمون تسألني البيّنة على ما في يدي، وقد ملكته في حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده، ولم تسأل المؤمنين البيّنة على ما ادّعوا عليّ كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم ـ إلى أن قال:ـ وقد قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر».(1)

فانّ تقديم «يد المسلمين» على قوله«يملكونه» مشعر ودالّ على أنّ الاستيلاء أمارة على كون صاحبها مالكاً. ومثله قوله ـ عليه السلام ـ :«على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ » وبذلك ظهر عدم إتقان ما ربّما يقال من أنّ الرواية لاتدلّ على أكثر من أنّ البيّنة ليست على ذي اليد بل على المدّعي وهذا لا ربط له بكون اليد حجّة على الملكيّة.

وجه الضعف: أنّ الإتيان بلفظ «يملكونه» بعد قوله ـ عليه السّلام ـ : «في يد المسلمين شيء» وبلفظ «ملكته» بعد قوله ـ عليه السّلام ـ «ما في يدي» دليل أنّ الملكيّة من آثار اليد، وإلاّ فمن أين علم كونهم أو كونه ـ عليه السّلام ـ مالكاً.ولو كانت المالكية مفروضة عن غير طريق اليد، لما كان لإقامة الدعوى وجه.

5ـ عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق؟ فقال: «إن كانت معمورة، فيها أهلها، فهي لهم وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».(2)


1-الوسائل: 18/215 ح3، كتاب القضاء، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم.
2-الوسائل: 17/354 ح1، الباب 5من أبواب اللقطة.


(266)

6ـ روايته الأُخرى عن أحدهما ـ عليه السّلام ـ قال: وسألته عن الورق يوجد في دار؟ فقال: «إن كانت معمورة فهي لأهلها، فإن كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت».(1)

7ـ رواية القاضي نعمان البصري عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن الورق توجد في الدار؟ فقال: «إن كانت عامرة فهي لأهلها وإن كانت خراباً فسبيلها سبيل اللقطة».(2)

8 ـ وفي المقنع للصدوق: «وإن وجدت لقطة في دار وكانت عامرة فهي لأهلها، وإن كانت خراباً فهي لك».(3)

والظاهر اتّحاد الرواية الخامسة والسادسة والثامنة.

9ـ صحيحة جميل بن صالح قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ رجل وجد في منزله ديناراً؟ قال: «يدخل منزله غيره»؟ قلت: نعم كثير، قال: «هذا لقطة» قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً؟ قال: « يُدْخِل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئاً»؟ قلت: لا.قال: «فهو له».(4)

فقد فرّق الإمام بين الدار غير المختصّة لأهلها، فجعلها لقطة، لعدم دلالة اليد والسلطة في مثلها على أنّ ما فيها لمالكها، لكثرة تردّد الأفراد واختلافهم إليها، وبين الصندوق الذي لايدخل غير المالك يده فيه، فجعل ما فيه ملكاً لصاحبه لأنّ السلطة والاستيلاء، أمارة الملكيّة وأيّ تعبير أوضح من قوله: فهو له.

10ـ عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في امرأة تموت قبل


1- الوسائل: 17/355 ح2، الباب 5 من أبواب اللقطة.
2-مستدرك الوسائل: 17/128 ح1، الباب 4 من أبواب اللقطة.
3- المقنع: 127.
4- الوسائل: 17/353 ح1، الباب 3من أبواب اللقطة.


(267)

الرجل أو رجل قبل المرأة؟ قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شيء منه فهو له».(1)

ويكفي في دلالتها على كون الاستيلاء أمارة الملكيّة مطلقاً زوجاً كان أو زوجة أوغيرهما، متاعاً كان أو غيره قوله ـ عليه السلام ـ :«ومن استولى على شيء منه فهو له» واشتماله على ضمير منه عائداً إلى المتاع لايخصّصها بالمورد فالعرف يتلقّى القاعدة الكلّية ، واللام في قوله:«له» للملكيّة سواء كان من خصائص الزوج أو الزوجة، وإنّما يستدلّ بمتاع الرجل على أنّه له ومتاع النساء على أنّه لها، إذا لم يكن لأحدهما استيلاء تامّ عليه. وأمّا إذا كان هناك استيلاء فهو مقدّم على الاستدلال بتخصيص المتاع لأحدهما.

وعلى ذلك فالاختصاص إحدى الأمارات على الملكيّة إذا لم يكن هناك استيلاء. وأمّا معه فالاستيلاء أمارة الملكيّة من غير فرق بين الأشياء المختصّة وغيرها.

ويحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى متاع البيت المشترك الذي حكم فيه الإمام بالتقسيم بالمناصفة وأنّ الاشتراك دليل على ملكيّتهما، لولا استيلاء واحد منهما على شيء منه وإلاّ فهو للمستولي. وعلى ذلك، فيستدلّ بالاستيلاء بعد التخصيص ، على نفي الاشتراك.

وربّما يقال: إنّ قوله ـ عليه السلام ـ :«ومن استولى على شيء منه فهو له» لايدلّ إلاّ على ترتيب آثار الملكيّة على ما استولى عليه وهذا المعنى يجتمع مع الأماريّة والأصليّة.(2)


1-الوسائل: 17/525 ح3، كتاب المواريث، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، ولم يرد في الرواية الصنف المختصّ بالرجال، كالسيف والقلنسوة والميزان ونحوها كما جاء في الفتوى المنقولة عن النخعي في الرواية الآتية.
2-المحقّق البجنوردي: القواعد الفقهية: 1/115.


(268)

يلاحظ عليه: أنّ مفاد قوله:«فهو له» هو أنّه ملك له، أي واقعاً، لأجل الطريق وهو الاستيلاء لا أنّه يبنى على كونه مالكاً ويؤخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه الواقع، كما هو حال الأصل المحرز.

وحصيلة الكلام:أنّه إذا كان الاستيلاء لدى العقلاء أمارة على الملكيّة يكون مفاد الروايات إمضاءً لما في أيديهم، وإمضاؤها على غير النحو المألوف عندهم يحتاج إلى تصريح منبّه للإنسان بأنّ الممضى لدى الشرع غير الرائج لدى العقلاء وليس في الروايات أثر من ذلك.

11ـ ما رواه الكليني عن عبد الرحمان بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال:سألني هل يقضي ابن أبي ليلى بالقضاء ثمّ يرجع عنه؟فقلت له:بلغني أنّه قضى في متاع الرجل والمرأة إذ مات أحدهما فادّعاه ورثة الحيّ وورثة الميّت أو طلّقها رجل فادّعاه الرجل وادّعته المرأة بأربع قضايا فقال: «وما ذاك»؟ قلت: أمّا أُولاهنّ :

1ـ فقضى فيه بقول إبراهيم النخعي: كان يجعل متاع المرأة الذي لايصلح للرجل للمرأة.ومتاع الرجل الذي لايكون للمرأة للرجل وما كان للرجال والنساء بينهما نصفين.

2ـ ثمّ بلغني أنّه قال: إنّهما مدّعيان جميعاً فالذي بأيديهما جميعاً يدّعيان جميعاً بينهما نصفان.

3ـ ثمّ قال:الرجل صاحب البيت والمرأة الداخلة عليه وهي المدّعية، فالمتاع كلّه للرجل إلاّ متاع النساء الذي لايكون للرجال فهو للمرأة.

4ـ ثمّ قضى بقضاء بعد ذلك لولا أنّي شهدته لم أروه عنه، ماتت امرأة منّا ولها زوج وتركت متاعاً فرفعته إليه فقال:أُكتبوا المتاع، فلما قرأه قال للزوج: هذا يكون للرجال والمرأة فقد جعلناه للمرأة إلاّ الميزان فانّه من متاع الرجل فهو لك.


(269)

فقال ـ عليه السّلام ـ فعلى أيّ شيء هو اليوم؟ فقلت: رجع إلى أن قال بقول إبراهيم النخعي أن جعل البيت للرجل(1).

ثمّ سألته ـ عليه السّلام ـ عن ذلك فقلت: ما تقول أنت فيه؟فقال: «القول الذي أخبرتني أنّك شهدته (القضاء الرابع) وإن كان قد رجع عنه» فقلت: يكون المتاع للمرأة؟ فقال: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج»؟ فقلت: شاهدين فقال: «لو سألت من بين لابتيها يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكّة لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يهدي علانية من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به، وهذا المدّعي فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».(2)

والبحث في الرواية من وجوه:

الأوّل: أنّ حاصل الرواية هو أنّ ابن أبي ليلى قضى في متاع الرجل والمرأة ـإذا مات أحدهما ـ بقضايا أربع:

1ـ جعل مختصّات الرجل للرجل، والمرأة للمرأة وجعل المتاع المشترك بينهما نصفين.

2ـ جعل كلاّ ً منهما مدّعيين فحكم أنّ الجميع بينهما نصفين.

3ـ جعل المرأة مدّعية والرجل منكراً فحكم أنّ المتاع كلّه للرجل إلاّ مختصّات النساء.

4ـ جعل الكلّ للمرأة إلاّ مختصّات الرجل كالميزان.

الثاني: انّ الرواية حسب نقل الكليني ـ ره ـ تضمّنت قولين لإبراهيم


1-ليس هذا قضاء خامساً بل هو عبارة عن نفس القضاء الثالث الذي مرّ ذكره في كلامه.
2-الوسائل: 17/523 ح1، كتاب المواريث، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، ولاحظ الكافي: 7/130 وبين النقلين اختلاف جزئي.


(270)

النخعي.

1ـ جعل مختصّات كلّ منهما لهما والمشتركات بينهما.

2ـ جعل البيت كلّه للرجل إلاّ متاع النساء الذي لايكون للرجال وهو نفس القضاء الثالث من الأقضية الأربعة.

الثالث: إذا كان لإبراهيم النخعي في المسألة قولان صحّ ما في الكافي(1) والتهذيب(2) في باب الميراث، وأمّا إذا قلنا بأنّه لم يكن له إلاّ قول واحد يلزم زيادة قوله(بعد نقل الأقضية الأربع)«رجع إلى أن قال بقول إبراهيم النخعي»، بل الصحيح«ورجع إلى أن جعل البيت للرجل»، كما في قضاء التهذيب.(3)

الرابع: إنّ مختار الإمام في هذا الحديث لايوافق ما تقدّم منه في رواية يونس من جعل غير المختصّ مشتركاً بينهما مع أنّه جعل في هذه الرواية غير المختصّ للمرأة. وحمله على ما لا يصلح إلاّ للنساء كما عليه العلاّمة المجلسي في مرآة العقول(4) لايوافق الحديث حيث قال:«هذا يكون للرجال والمرأة، فقد جعلناه للمرأة فانّ الظاهر منه كون المتاع من المشتركات لا من المختصات».

الخامس: لا دلالة في الحديث على اعتبار اليد. وإنّما اعتمد الإمام على الشهود التي رأوا أنّ الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت زوجها فهي التي جاءت به.ومقتضى الاستصحاب بقاؤه في ملكها ولأجل ذلك جعل الإمام الزوج مدّعياً لزعمه أنّه أحدث شيئاً فليأت عليه البيّنة.

الطائفة الثالثة:

ما يستشمّ منه كونها أصلاً

12ـ ما رواه حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قال له


1-الكافي: 7/130، كتاب الميراث.
2-التهذيب: 9/301، كتاب الميراث.
3-التهذيب: 6/297، كتاب القضاء.
4-مرآة العقول: 4/154.


(271)

رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟قال:نعم، قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره، فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «أفيحلُّ الشراء منه»؟ قال:نعم، فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك»؟ ثمّ قال أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».(1)

وجه الاستدلال أنّ الإمام ـ عليه السلام ـ علّل تنفيذ اليد بأنّه لولاه يلزم العسر والحرج فلأجل رفعهما، أنفذها الشارع وجعلها أمارة للملكيّة.

والإمعان في الصدر يعرب عن كونها أمارة عليها وذلك لأنّ شبهة السائل كانت ناشئة عن كون الشهادة مأخوذة من الشهود وهو المعاينة، والذي يعاينه الإنسان، هو كونه في يده لا أنّه ملكه فأجاب الإمام بالنحو التالي.

أنّه إذا اشترى منه، يقول: إنّه ملكه، ويحلف عليه، فلم لا يجوز له أن ينسبه إلى من انتقل منه؟ فإذا جازت الشهادة على الفرع فكيف لا يجوز على الأصل، مع أنّ ملكيّته، متفرّعة على ملكيّة البائع فلو لم تجز الشهادة على كون الأوّل مالكاً، لم يجز الاشتراء ولا القول بأنّه ملك للمشتري ولا الحلف عليه. وليس المصدر لهذه الأحكام إلاّ اليد، فهي أمارة ملكيّة ذيها على ما استولى عليه.

وبعبارة أُخرى: لمّا توقّف الراوي في الشهادة على الملكيّة، لأجل تصوّر أنّ


1-الوسائل: 18/215 ح2، كتاب القضاء، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، السند مشتمل على القاسم بن يحيى ولم يوثّق، وعلى سليمان بن داود المنقري الثقة، وعلى حفص بن غياث الذي قال الشيخ الطوسي في حقّه في الفهرست: له كتاب معتمد، وقال أيضاً في العدّة: عملت الطائفة بما رواه فيما لم ينكروه، ولم يكن عندهم خلافه. العدّة: 1/56.والحديث لإتقانه يشهد على كونه من أحاديثهم ـ عليهم السّلام ـ .


(272)

الشهادة لاتجوز إلاّ على الأمر الواقعي وهو بعد لم يثبت. نبّهه على أنّ انكشاف الواقع تارة بالعلم الجزمي، وأُخرى باليد والاستيلاء، بدليل أنّ الرجل بعد الشراء يعرف نفسه مالكاً واقعياً، ويحلف عليه، وليس هذا إلاّ كون اليد أمارة عليها. هذا هو الجواب الواقعي.

وأمّا الذيل، فليس ناظراً إلى كون اعتبار اليد أصلاً، بل هو ناظر إلى أنّ عدم تنفيذ مثل هذا الأمر موجب لانحلال السوق واختلال أمر الحياة، وهو يجتمع مع كون اليد أصلاً وأمارة، بل الحكمة لاعتبار أكثر الأمارات كون عدم تنفيذها موجباً للفساد، واختلال النظام كحجّية الظواهر وقول الثقة، وأهل الخبرة والتخصص.

وربّما يقال: إنّ جواز الشراء والشهادة مستنداً إلى اليد أعم من الأماريّة وكونها أصلاً محرزاً ويجتمع مع كلّ واحد منهما حتّى أنّ جواز الحلف والشهادة الذي أخذ العلم في موضوعهما لاينافي أصليّتها، لأنّ الأُصول التنزيلية تقوم مقام العلم كالأمارات.(1)

يلاحظ عليه: أنّ لسان الأمارة، يغاير لسان الأصل محرزاً كان أو غير محرز، ولسان الأوّل يطارد الشكّ ويكافئه ويعامل معه معاملة من لاشكّ له ويقول: «ما أدّيا عنّي فعنّي يؤديّان» ولسان الثاني، يحكم على الشيء في حالة الشكّ مع حفظه من غير فرق بين أن يجعل أحد طرفي الشكّ على أنّه الواقع كما هو حال الأصل المحرز أو كما في غيره.

وليس أساس الاستدلال، هو مجرّد الشراء والحلف والشهادة كما قيل، بل أساسه هو أنّ الإمام قال بأنّه في ظلّ اليد، يحكم عليه: «أنّه ملكه» و«أنّه له» أي واقعاً لأجل الطريق، لاأنّه يبنى على أنّه ملكه وأنّه له، مع الشكّ في كونه كذلك


1-المحقّق البجنوردي: القواعد الفقهية: 1/115.


(273)

أو لا. ولسان الحديث طرد الشكّ، لا الحكم مع حفظه.

فإن قلت: كيف استدل الإمام بجواز الشراء على كونه مالكاً، مع أنّه أعم منه لجواز الشراء عن الوكيل والوليّ وكونهما مالكين.

قلت: المفروض في سؤال السائل دوران يده بين كونها يد مالكة أو يد عادية، فإذا انتفت الثانية تتعيّن الأُولى، وإلاّ فلو تردّدت بين عناوين مختلفة فلايكون جواز الشراء دليلاً على الملكيّة.

13ـ ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك، قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».(1)

وجه الاستدلال أنّ الصدر على وجه راجع إلى قاعدة اليد، وعلى وجه آخر، إلى أصل البراءة فلو جعلنا قوله: «هو لك» وصفاً لقوله:«كل شيء» وقوله: «حلال» ، خبراً للمبتدأ يكون دليلاً على قاعدة اليد ويكون المعنى:

كلّ شيء بوصف أنّه لك (أي في اختيارك، كالثوب والعبد والزوجة) حلال حتّى تعلم أنّه حرام.والإمام سلّم كون الشيء في اختيار الرجل فعندئذ يعامل معه معاملة الملك كالثوب والعبد، أو الزوجية كالمرأة ففي هذه الحالة حكم على هذا الشيء بهذا القيد، أنّه حلال وجعل اليد حجّة في ظرف الشكّ وهذا يهدف إلى كونها أصلاً.

ولو جعلنا قوله: «هو» ـ الذي هو ضمير فصل ـ مبتدأ ثانياً وقوله:«حلال»


1-الوسائل: 12/60 ح2، كتاب التجارة، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، وفي السند هارون بن مسلم بن سعدان، وهو ثقة ولم يوثّق مسعدة بن صدقة بالخصوص.


(274)

خبراً له، والجارّ والمجرور أعني: قوله:«لك» من متعلّقات الخبر والمجموع خبراً لكلّ شيء فينطبق على قاعدة البراءة فيكون معنى الرواية كلّ شيء ـ هو ـ لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه.

والاستدلال بها على قاعدة اليد مبني على التفسير الأوّل دون الثاني، مع أنّ الأخير أوضح وعندئذ لاصلة للعبارة بقاعدة اليد.

نعم لو قلنا بالأوّل يكون مشعراً على حجّية اليد في ظرف الشكّ كالاستصحاب وذلك أنّ ترتيب الأثر على يد بائع الثوب والرّق، مع الشكّ في الحلّية والحرمة إلى أن يعلم خلافه دليل كونها أصلاً وحجّة في ظرف الشكّ، لاطارداً لها، ولكنّ الكلام في تعيّن التفسير الأوّل، أوّلاً، ومقاومة هذا الإشعار لما سبق من الظهور في كونها أمارة ثانياً، والتفسير المزبور ليس ظاهراً، وعلى فرض ظهوره فالدلالة لاتخرج عن حدّ الإشعار وهو لايقاوم، ما هو الصريح في الباب.

المقام الرابع:

في صحّة الاستيلاء على المنافع

إنّ الاستيلاء على العين لأجل الانتفاع منها، ولو كانت العين غير صالحة له، لايرغب إليها الإنسان. إنّما الكلام في صحّة الاستيلاء على المنفعة فهل الاستيلاء عليها، في طول الاستيلاء على العين أو في عرضها، أو لا استيلاء عليها؟ التحقيق هو الأوّل، بمعنى أنّ الاستيلاء على العين، يعدّ عند التحليل، استيلاء على منافعها أيضاً، فمالك العين في ضمن الاستيلاء عليها مستول على منافعها.

وبعبارة أُخرى: أنّ العين لمّا كانت رمزاً لمنافعها، فيعدّ التسلّط عليها، تسلّطاً على المنافع في ضمنها وهذا هو المراد من أنّ الاستيلاء على المنافع في طول الاستيلاء على العين، فليس هنا استيلاءان، أحدهما عرضيّ والآخر طولي بل


(275)

استيلاء واحد، ينحلّ عند التحليل إلى الاستيلاء على المنافع أيضاً.

وأمّا ما ربّما يقال بعدم إمكان الاستيلاء على المنافع أصلاً قائلاً بأنّ المنفعة من الأُمور التدريجية غير قارّة الذات لايوجد جزء إلاّ بعد انعدام جزء آخر، ومثل ذلك لايمكن أن يقع طرفاً للإضافة بين الإنسان ومنافع العين. لامتناع تحقّق الإضافة بين الموجود والمعدوم.

فغير تامّ لأنّه إنّما يتمّ إذا قلنا بالاستيلاء بالمعنى الثاني، وهو وقوع المنافع تحته مستقلاّ ً وفي عرض الاستيلاء على العين، وأمّا إذا كان الاستيلاء عليها من طريق الاستيلاء على العين، فلا يرد الإشكال، لأنّ مصحّح الإضافة هو كون وجود العين، رمزاً لوجود المنافع وتحقّقها.

فإن قلت: إنّ الإجارة عبارة عن تسلّط الغير على المنافع، أو تمليك منافع العين له في مدّة معيّنة فلو صحّ ما ذكره فما معنى هذا التسليط المشعر على إمكان تجرّد الاستيلاء على المنافع عن العين.

قلت: الإجارة أيضاً عبارة عن تسليط الغير على العين لغاية الانتفاع، كما أنّ البيع عبارة عن تسليطه عليها لغاية التملّك أو ترتيب آثاره، فلو صحّ التسلّط عليها، فإنّما هو في ضمن التسلّط على العين.

نعم ربّما تكون المنفعة من الأعيان، كالثمرة على الشجرة أوالزرع على الأرض، فلايستولى عليها إلاّ في ضمن الاستيلاء على العين.

وليعلم أنّ الاستيلاء على المنافع إنّما ينفع ويعدّ دليلاً على الملكيّة في مقابل الأجنبي الذي يدّعى كون المنافع له مثل المستولي فاستيلاء أحد الطرفين عليها يكون دليلاً على كونه منكراً والآخر مدّعياً. لا في مقابل المالك وذلك لأنّ ادّعائه بكون العين له، اعتراف ضمني بكون المنافع له أيضاً فيجب عليه أن يثبت الانتقال، وإلاّ فهو، بعد ذاك الاعتراف مدّع.


(276)

وبعبارة أُخرى: استيلاؤه على العين ـ بعد ذاك الاعتراف ـ يكون ناقصاً فلايعدّ دليلاً على كون المنافع له.

المقام الخامس:

في الاستيلاء على الحقوق

يتحقّق الاستيلاء على الحقوق كتحقّقه بالنسبة إلى المنافع ، فكما أنّ اليد تجري على المنافع بتبع جريانها على العين، فهكذا الحقوق المتعلّقة بالأعيان فلا تقع تحت اليد إلاّ بتبعها كحقّ الاختصاص بالخمر والميتة إذا كان مستولياً عليهما. والحقّ أمر اعتباري يعتبره الشارع بين الإنسان (من له الحقّ) والعين، وتفارق المنفعة فانّها أمر واقعي قائم بالعين.

مضافاً إلى ما ورد من النهي عن تغيير مجرى الماء إذا انتهى إلى تعطيل الرحى للغير، وإن كان الماء لصاحب القرية لا لصاحب الرحى وما هذا إلاّ لاستيلاء صاحب الرحى على الماء عرفاً على وجه يثبت له حقّاً. ففي صحيحة محمّد بن الحسين قال:كتبت إلى أبي محمّد ـ عليه السّلام ـ : رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويُعَطِّلَ هذه الرحى، أله ذلك أم لا ؟ فوقّع ـ عليه السّلام ـ : «يتّقي اللّه ويعمل في ذلك بالمعروف ولايضرّ أخاه المؤمن».(1)

وبذلك يتبيّن جريانه في النسب والأعراض، فلو تنازع شخص مع آخر في زوجة تحت أحدهما أو ولد في بيته، فيحكم بكونها زوجته وأنّ الولد، ولده حتّى يثبت الآخر.

وما ذكرناه في وجه اعتبار اليد والاستيلاء جار هنا، وهو أنّ طبيعة الاستيلاء


1-الوسائل: 17/343 ح1، الباب 15 من أبواب إحياء الموات.


(277)

في هذه الموارد على الصحّة إلاّ ما خرج بالدليل وهو قليل في الأعراض والأولاد بالنسبة إلى باب الأموال.

المقام السادس:

فيما إذا شكّ ذو اليد في مالكيّته لما تحت يده

لاشكّ أنّ اليد حجّة في حال الشكّ لغير ذي اليد.فيحكم بكون العين ملكاً لذيها. إنّما الكلام في اعتبارها بالنسبة إلى نفسه إذا شكّ في كون ما استولى عليه ملكاً له أو أمانة أو غير ذلك.

ذهب المحقّق النراقي في عوائده إلى عدم الجريان لوجوه ثلاثة:

1ـ انصراف العمومات عن هذه الصورة وقصورها عن الشمول لها.

2ـ ما رواه جميل بن صالح قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : رجل وجد في منزله ديناراً، قال: «يدخل منزلَه غيره»؟قلت: نعم كثير، قال: «هذا لقطة»، قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً، قال: «يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئاً»؟قلت: لا، قال: «فهو له».(1)

وجه الدلالة من وجهين:

أحدهما: أنّه حكم ما وجده في داره مع كونه مستولياً عليه أنّه ليس له وما هذا إلاّ لأجل الشكّ في كونه مالكاً له أو لا.

ثانيهما: علّل كون ما وجد في الصندوق له، بما يفيد العلم بأنّه ليس لغيره، وهو أنّه لا يدخل أحد غيره يده فيه أو لا يضع فيه شيئاً، ولم يعلِّله باليد. وهذا يعرب عن عدم اعتبارها.


1-الوسائل: 17/353 ح1، الباب 3 من أبواب اللقطة.


(278)

3ـ ما رواه إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم ـ عليه السّلام ـ عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة فلم تزل معه ولم يذكرها حتّى قدم الكوفة كيف يصنع؟قال: «يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها»، قلت:لم يعرفوها، قال:«يتصدّق بها».(1)

فلو كان الاستيلاء حجّة في صورة الشكّ لحكم بأنّها لأهل المنزل الذين نزلوا معهم بعض بيوتات. وهذا دليل على أنّ اليد لاتكفي في حكم ذي اليد لأجل نفسها إن لم يعلم ملكيّته.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لاقصور في قوله:«من استولى على شيء منه فهو له» فهو يعمّ صورة الشكّ، وقد عرفت أنّه لا دخالة للمتاع.

وثانياً: أنّ عدم الحكم بكون الدينار لصاحب المنزل، لأجل عدم صدق الاستيلاء، لأنّ المفروض أنّ الدار لم تكن خالصة لصاحبها، بل كان يختلف إليها كثير من الناس ، ففي مثل المورد لا يكون الاستيلاء دليلاً على الملكيّة. ولأجل ذلك لو وجد في الفنادق والأمكنة المعدّة للإجارة للزوّار شيء، لا يحكم بكونها لصاحبها.

وأمّا تعليل الحكم بأنّه له في الصندوق الذي لايدخل أحد غيره يده فيه، فليس أيضاً مفيداً للعلم بكونه له، لاحتمال أن يكون أمانة لغيره أخذه من الغير وجعله في صندوقه وغفل عن وضع علامة عليه.

وبذلك يظهر الجواب عن رواية إسحاق بن عمّار فلانطيل، لأنّ بيوت مكّة حكم الفنادق والبرّانية للمراجع فلايعدّ الاستيلاء دليلاً على الملكيّة لصاحب البيت.


1-الوسائل: 17/355 ح3، الباب 5 من أبواب اللقطة.


(279)

المقام السابع:

في حجّية اليد فيما إذا علم عنوانها حدوثاً

لاشكّ في حجّية اليد إذا لم يعلم حالها واحتمل أنّها حدثت في ملك صاحبها بانتقال المال عن مالكه إليه وهذا هو القدر المتيقّن من موارد اعتبار اليد، فتكون اليد حاكمة على الاستصحاب، استصحاب بقاء العين في ملك صاحبه الأوّل. وهذا ما قاله الإمام ـ عليه السلام ـ بأنّه لو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق. وجه الحكومة أنّ الاستصحاب موضوعه الشكّ واليد رافعة له، بخلاف قاعدة اليد، فالشكّ ليس موضوعاً فيها، بل مورداً لها. وكم فرق بين كونه موضوعاً وكونه مورداً، فرفع الشكّ في الأوّل ، مساوق لارتفاع الحكم، بخلافه في الثاني، فازالته بالأمارة ـ مع كون الشكّ مورداً لها ـ لاتكون سبباًلارتفاع حكمها. فقد اعتبر الشارع اليد في ظرف الشكّ ليكون رافعاً له، لامثبتاً له، وبهذا البيان يستغنى عمّا ذكره المحقّق النائيني في وجه الحكومة.(1)

إنّما الكلام في غير هذه الصورة وله صورتان:

1ـ إذا كان حال حدوثها معلوم العنوان بأن كانت يد عارية أو أمانة أو إجارة ثمّ احتمل انتقال المال إلى ذي اليد بناقل شرعي.

2ـ أن لا يعلم حال اليد وكيفية حدوثها، ولكن علم أنّ المال المستولى عليه كان وقفاً قبل وضع اليد ولكن احتمل انتقاله إليه بإحدى مجوّزات بيع الوقف.

أمّا الصورة الأُولى: فقد حكم فيها المحقّق النائيني: بسقوط اليد والعمل بما يقتضيه استصحاب حال اليد فانّ اليد إنّما تكون أمارة على الملك إذا كانت مجهولة الحال غير معنونة بعنوان الإجارة أو الغصب ونحوهما واستصحاب حال


1-لاحظ فوائد الأصول: 4/604.


(280)

اليد يوجب تعنونها بعنوان الاجارة أو الغصب، فلا تكون كاشفة عن المكليّة.(1)

وبعبارة أُخرى:أنّ اليد إنّما تكون أمارة على الملكيّة إذا لم يعلم حالها والاستصحاب يرفع موضوع اليد، فتكون النتيجة حكومة الاستصحاب على اليد، إذا كان المستصحب حال اليد.

وأورد عليه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ بأنّ تحكيم الاستصحاب على بعض الأدلّة بتنقيح ورفع إنّما يتصوّر في بعض الأدلّة اللفظية لا في مثل بناء العقلاء، فإنّه إن كان غير ثابت أو غير محقق في المورد، تسقط اليد عن الحجّية من دون حاجة إلى الاستصحاب، وأمّا إذا كان ثابتاً فلاتأثير للاستصحاب.(2)

يلاحظ عليه: أنّ أدلّة حجّية اليد لاتنحصر ببناء العقلاء لما عرفت من الأخبار المتضافرة في هذا المقام الدالّة على اعتبارها فعندئذ يصحّ أن يقال: إنّ الاستصحاب ينقّح الموضوع ويعنونه بعنوان الغصب والإجارة ومعه لاتشملها الأخبار لأنّها مختصّة بما إذا كان الحدوث مجهول العنوان.

وإن شئت قلت: انصرافها إلى ما إذا كان وجه الانتقال مجهول السبب أو معلومه وكان مملِّكاً ولكن شكّ في انتقاله إلى الغير مع كونه في تصرّفه، كما إذا انتقل إليه بالبيع والإرث، وأمّا إذا كان السبب معلوماً وكان غير مشروع كالاستيلاء العدواني أو كان مشروعاً لكن لم يكن مملِّكاً كما في الاستيلاء، أمانة أو إجارة فلا تعمّه الأخبار.

والظاهر عدم حجّية اليد في هذه الصورة أعني: ما إذا كان في أوّل حدوثها معلوم العنوان، وأنّها كانت يد عارية أو أمانة لكن لا من باب حكومة استصحاب حال اليد على قاعدتها، بل من باب عدم شمول بناء العقلاء لمثل


1-لاحظ فوائد الأصول: 4/604.
2- الإمام الخميني: الرسائل: 282.


(281)

هذه الصورة ومعه لايثبت للأخبار إطلاق، لأنّها إمضاء لما في يد العرف وبناء العقلاء.

وإن شئت قلت:إنّما يحتجّ باليد إذا كان بطبعها مقتضية للملكيّة، فخرج ما كانت عادية من أوّل الأمر أو عارية فمثل ذلك الاستيلاء لقصورها من أوّل الأمر، لايُعدُّ دليلاً على الملكيّة فتسقط اليد عن الاعتبار، ويرجع إلى الأصل.

أمّا الصورة الثانية، أعني: ما إذا كان حال حدوثها مجهول العنوان، ولكن كانت العين معلومة الحال من قبل وأنّها من الأعيان التي لايجوز بيعها، لكن نحتمل الانتقال إليه بمجوّز شرعي، فلايكون الاستيلاء أيضاً أمارة على الملكيّة إذ كما يشترط أن يكون الاستيلاء صالحاً لدلالته على الملكيّة، فهكذا يجب أن يكون المستولى عليه صالحا للتملك ذاتاً وطبعاً والعين الموقوفة غير صالحة للانتقال ذاتاً والغالب عليها بحسب الطبع هو الفساد وعروض الانتقال عليه شاذ لا يعبأ به حسب الطبع الغالب.

وعلى الجملة: يشترط في أماريّة اليد عند العقلاء أمران:

1ـ عدم إحراز كون نفس الاستيلاء استيلاءً فاسداً فلو أحرز فساده كما في الاستيلاء عدواناً، أو قصوره كالأمانة أو الإجارة، بالنسبة إلى تملّك العين، فلا تكون اليد أمارة الملكيّة والحال هذه.

2ـ عدم إحراز كون المستولى عليه غير قابل للانتقال حسب الطبع الأوّلي، ولو أحرز أنّه محبوس، لايباع ولايملك إلاّ في الأحوال الشاذة، فلايكون الاستيلاء، أمارة للانتقال ويحكم بأنّه داخل في المستثنى منه ويكون ذلك قرينة على انصراف الروايات عن مثل هذا المورد وهذا يغني الفقيه عن استصحاب حالة اليد السابقة كما لا يخفى.

وبذلك يظهر أنّ الاستيلاء على الخمر والكلاب والعذرة لايدلّ على الملكيّة


(282)

باحتمال انقلاب الخمر خلاّ ً أو صيرورة الكلاب، كلب الصيد، والعذرة تسميداً.

لأنّ دعوى الانقلاب أمر يحتاج إلى دليل. وأقصى ما تثبته اليد، هو الاختصاص دون المالكيّة، لأنّ تلك الأشياء صالحة للاستيلاء عليها على وجه الاختصاص يوم حدوثها لا على وجه الملكيّة كما لا يخفى.

وأمّا الأراضي المفتوحة عنوة فإن قلنا بما جاء في رواية محمّد الحلبيّ من أنّها محبوسة موقوفة في أيدي المسلمين لايجوز بيعها وشرائها وإنّما يؤخذ الخراج قال:سئل أبو عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن السواد ما منزلته؟فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ولمن لم يخلق بعد»(1) واحتملنا عروض مجوِّز للبيع كالوقف يكون حاله حال الوقف في عدم الاعتبار لليد، ويكون المستولى عليه بالطبع غير قابل له إلاّ في فترات خاصّة، وأمّا إذا قلنا: إنّه ملك للمسلمين ويقبل النقل والانتقال، غاية الأمر الناقل هو الوليّ العام حسب ما اقتضته المصلحة النوعية.فهو يفارق الوقف، لكون صلاحية المستولى عليه محرزة، ولم يحرز فساد نفس الاستيلاء لكون الحدوث مجهول العنوان فيصحّ الاستناد إليها.

المقام الثامن:

فيماإذا كان هناك من يدّعي الملكيّة في مقابل ذي اليد

إذا كان هناك من يدّعي الملكية في مقابل ذي اليد فيرجع الأمر إلى الحاكم وله صور:

1ـ إذا كان للمدّعي بيّنة على أنّه انتقل منه إليه بإحدى المملّكات يؤخذ منه ويدفع إليه أخذاً بقوله ـ عليه السّلام ـ : «البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر».(2)


1-الوسائل: 17/346ح1، الباب 18 من أبواب إحياء الموات.
2-الوسائل: 18/215 ح3، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم.


(283)

2ـ إذا كان الحاكم عالماً بأنّه كان للمدّعي سابقاً ولكن يحتمل أن يكون الاستيلاء صحيحاً وأنّه انتقل إليه بسبب من الأسباب المملّكة.

3ـ إذا لم يكن هناك علم بملكيّة المدّعي ولكن قامت البيّنة على أنّ المدّعي كان مالكاً سابقاً لكن يحتمل انتقاله بسبب شرعي إلى ذي اليد، ففي هاتين الصورتين يكون الاستيلاء أيضاً دليلاً على الملكيّة ولاأثر لعلمه ولالبيّنته.إذ أقصى ما يثبته العلم والبيّنة هو الملكيّة السابقة وهي لاتنافي الملكيّة الفعلية للمستولي.

واستصحاب الملكيّة السابقة، محكوم باليد لكونها أمارة، وعليه لاتنتزع العين من ذي اليد ولاتسلم إلى المدّعي سواء شهدت البيّنة بالملكيّة السابقة فقط، أو ضمّت إلى ذلك، عدم العلم بالانتقال منه إليه إذ لاأثر لعدم العلم. نعم هو بعد الشهادة بالملكيّة السابقة موضوع للاستصحاب، وقد عرفت أنّه محكوم بقاعدة اليد.

4ـ لو شهدت بالملكيّة الفعليّة ولكن علم كون مصدر الشهادة، هو الاستصحاب وهذه الصورة مثل ما سبق لما عرفت من كونه محكوماً باليد ولو صحّت تلك الشهادة، لصحّ للحاكم استصحاب كون العين باقية على ملك المدّعي على أنّ الشهادة على أساس الاستصحاب، شهادة زور وتدليس في مقابل اليد.نعم لو لم تكن أمارة مثل اليد وشكّ في بقاء العين في ملك مالكه السابق، لجازت الشهادة بالاستصحاب كما أفاده المحقق في الشرائع كما تجوز الشهادة بالاستصحاب إذا كانت العين في يد ثالث لاادّعاء له عليها ويدّعيها شخصان وكان المال ملكاً لأحدهما سابقاً فتجوز الشهادة بالاستصحاب.

5ـ إذا أقرّ ذو اليد بكون العين ملكاً للمدّعي فقط من دون أن يقرّ انتقالها منه إليه أو إلى غيره، فلايفارق هذه الصورة حكم علم الحاكم بكونه ملكاً للمدّعي سابقاً، أو قيام البيّنة على الملكيّة السابقة. لأنّ ثبوت الملكيّة السابقة لا ينافي الملكيّة


(284)

الفعليّة لذي اليد واستصحابها محكوم لقاعدة «اليد».ولاتسقط عن الاعتبار ما لم يدّع انتقالها إليه مباشرة، إذ من المحتمل انتقالها إليه بواسطة أو بوسائط.

6ـ إذا أقرّ ذو اليد بأنّها كانت ملكاً للمدّعي وقد انتقلت منه إليه. فالمشهور على أنّه تنقلب الدعوى وتنتزع العين من ذي اليد، فعليه البيّنة وإلاّ فعلى الطرف الآخر الحلف.

توضيحه: أنّ ذا اليد مادام لم يدّع كونها ملكاً للطرف الآخر يعدّ منكراً، فتكون وظيفته اليمين ولكنّه إذا ضمّ إلى إنكاره دعوى أُخرى وقال بأنّها كانت له وقد انتقلت منه إليه، انقلبت الدعوى، وبما أنّ دعوى الانتقال مخالفة للأصل العملي الموجود في القضية، فيقدّم قول منكرِ الانتقال لكونه موافقاً له.

وبالجملة: الذي أوجب انقلاب الدعوى هو إقراره الثاني لاإنكاره الأوّل، فلولا الثاني، كانت الدعوى من حيث تعيين المنكر والمدّعي باقية بحالها فكان ذو اليد منكراً لموافقة قوله الأصل أي الدليل السائر في المورد، والطرف الآخر مدّعياً، وأمّا إذا ادّعى ـ وراء الإنكار ـ انتقالها منه إليه، انقلبت الدعوى، لأنّ دعواه هذه، تخالف الأصل، وهو أصالة عدم الانتقال، فعليه الإثبات.

قال المحقّق النائيني:إنّ انقلاب الدعوى ليس من آثار الواقع بل من آثار نفس الإقرار، حيث إنّ المرء مأخوذ بإقراره، ولو مع العلم بمخالفته للواقع كما إذا أقرّ بعين لاثنين على التعاقب فانّه تدفع العين للمقرّ له الأوّل، وتغرم قيمة العين للثاني; ففرق بين العلم بكون المال كان ملكاً للمدّعي سابقاً وبين إقرار ذي اليد بذلك، ففي الأوّل لاتنقلب الدعوى ولايصير ذو اليد مدّعياً وفي الثاني تنقلب الدعوى.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القول بالانقلاب أنّما يصحّ على بعض المباني في تمييز


1-فوائد الأصول: 4/613.


(285)

المدّعي عن المنكر، دون البعض بل عليه يبقى المدّعي والمنكر على ما كانا عليه من الأوصاف وإليك بيان المباني:

1ـ إذا قلنا بأنّ الميزان في تمييز المنكر عن المدّعي، هو موافقة الأصل وعدمها، وأنّ الميزان في الموافقة والمخالفة ليس مصبّ الدعوى، بل مآلها ونتيجتها، فيصحّ ما ذكر وبما أنّ الأصل ـ بعد الإقرار بأنّه كان ملكاً له في السابق ـ عدم الانتقال، يصبح المدّعي منكراً، والمنكر مدّعياً وتنقلب الدعوى، فعندئذ ترجع مآلها إلى أنّ ذا اليد يدّعي الشراء والآخر ينكره فيصحّ الانقلاب على هذا.

2ـ أمّا لو أنكرنا واحداً من الأمرين: (كون الميزان في تشخيص المدّعي عن المنكر هو مخالفة الأصل وموافقته، ثمّ الميزان في تشخيص الموافقة والمخالفة، مرجع الدعوى ومآلها لا مصبّها) لما صحّ الانقلاب، مثلاً لو قلنا بأنّ الميزان هو الموافقة للأصل والمخالفة له لكن الموضوع لهما هو مصبّ الدعوى وعنوانها، فيبقى المدّعي والمنكر بحالهما.

3ـ أو قلنا بأنّ المدّعي والمنكر، من المفاهيم العرفية كسائر المفاهيم، فلابدّ في التحديد والتفسير مفهوماً، والتمييز مصداقاً، من الرجوع إلى العرف، لاغير. وعندهم المدّعي من لو ترك، تركت الدعوى، والمنكر على العكس من لو ترك لم تترك الدعوى (فلو قلنا بذلك) فالمدّعي باق على ادّعائه والمنكر على إنكاره قبل الإقرار وبعده ولايصير المنكر بإقراره مدّعياً.ولايلزم الانقلاب أصلاً.

4ـ أو قلنا بأنّ المنكر من وافق قوله الظاهر، فالظاهر مع ذي اليد، سواء أقرّ بكونه مالكاً سابقاً أو لا. وعلى ذلك فليس القول بالانقلاب إلاّ نتيجة القول بالأمر الأوّل دون الأُمور الثلاثة الأخيرة.

ثمّ إنّ بعض المحقّقين ذهب إلى أنّ هناك دعويين . فصاحب اليد بالنسبة إلى الدعوى الأُولى منكر، والآخر مدّع، وأمّا بالنسبة إلى الدعوى الثانية الأمر على


(286)

العكس لمخالفة قوله الأصل، أعني: أصالة عدم الانتقال.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الأصل الذي اعتمد عليه محكوم بالأمارة على الملكيّة، فكيف يعتمد عليه معها، والاعتراف بالملكيّة السابقة، لاينافي الملكيّة الفعليّة، والتمسّك بالاستصحاب لإثبات الملكيّة الفعليّة للمدّعي في مقابل الأمارة. كما ترى.

والحقّ أن يقال:بأنّ الدعوى إذا استلزمت تولّد دعوى أُخرى تعدّ أصلاً للدعوى الأُولى، يهتمّ القاضي لحلّ الدعوى الأصلية، ولايهتمّ بالدعوى الأُولى فلأجل ذلك لامناص من حل الدعوى الأصليّة، وعندئذ فهل اليد في أمثال المقام حجّة وأمارة لترفع اليد من الاستصحاب أو لا ؟ الظاهر هو الثاني وذلك لأجل أنّ أماريّة اليد ليست أماريّة تعبّدية يؤخذ بها في كلّ الأحوال سواء كانت مفيدة للاطمئنان أم لا ؟ سواء كانت مرببة أو لا؟ وإنّما هي أمارة عقلائيّة فيما إذا لم تكن اليد مريبة ومظنونة الخلاف كيد السارق والغاصب والمغير على الناس. وما ورد في الروايات إمضاء لما عليه العرف، ولايصحّ ادّعاء الإطلاق فيها، فإذا سقطت اليد عن الأماريّة يعود الأصل إلى الساحة ويكون الحاكم هو أصالة عدم الانتقال. وبالجملة: هذا النوع من اليد نظير يد السارق والسمسار الذي يكون محلّه معدّاً لأخذ أموال الناس وبيعها من جانبهم، فوجود هذا النوع من اليد كعدمه، فإذا أقرّ بأنّه كان للغير وقد انتقل منه إليّ، فلايعبأ بمثله، فعدم الاعتداد لأجل ذلك، لا للانقلاب.

سؤال وإجابة

إذا قلنا بانقلاب الدعوى بالإقرار المنضمّ إلى الإنكار، أو قلنا بعدم أماريّة


1-القواعد الفقهية، للمحقّق البجنوردي: 1/115.


(287)

اليد، في هذه الصورة يتوجّه إلينا سؤال، وهو أنّه روى حمّاد بن عثمان عن الصادق ـ عليه السّلام ـ أنّ الإمام اعترض على الخليفة عند ما طلب منه البيّنة بقوله ـ عليه السلام ـ : «أتحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟» قال:لا، قال ـ عليه السلام ـ : «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادّعيت أنا فيه، من تسأل البيّنة؟» قال: إيّاك كنت أسأل على ما تدّعيه.قال ـ عليه السّلام ـ : «فإذا كان في يدي شيء فادّعى المسلمون، تسألني البيّنة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده، ولم تسأل المؤمنين البيّنة على ما ادّعوا عليّ كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم؟».(1)

توضيح السؤال: أنّ الإمام ـ عليه السّلام ـ ادّعى كون «فدك» كان ملكاً حكومياً لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نحلها له أو لبنته، فلازم الإقرار بالملكيّة السابقة ثمّ دعوى الانتقال، انقلاب الدعوى وصيرورة الإمام مدّعياً، وعندئذ يصبح طلب البيّنة منه مطابقاً مع الأصل والقاعدة ولايكون موضعاً للاعتراض منه على طلبها مع أنّ الإمام يعترض عليه في ذلك في صدر كلامه، إذ لو صحّ كونه ملكاً لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أوّلاً وصحّ أنّه لايورِّث كسائر الأنبياء، كان لوليّ المسلمين طلب البيّنة على الانتقال والتمليك في حال الحياة فصار الإمام مدّعياً.

وقد أُجيب بوجوه أوضحها: أنّه إنّما يلزم الانقلاب لو كان الطرف الآخر منكراً لما يدّعيه ذو اليد، لا جاهلاً ومتردّداً والقوم ـ حسب الظاهر ـ كانوا شاكّين ومتردّدين في النحل والتمليك لا مدّعيين بالعدم، وفي مثل ذلك يكون الاستيلاء حجّة ممضاة عند العقلاء والشرع. وليست قضيّته مثل ما إذا كان الآخر منكراً للانتقال وذو اليد مدّعياً له وللملكيّة الفعليّة.

وأضعف الأجوبة ما قيل من أنّه كانت هيهنا دعويان: إحداهما دعوى الانتقال وبالنسبة إلى هذه الدعوى هي ـ سلام اللّه عليها ـ مدّعية وعليها البيّنة،


1-الوسائل: 18/215 ح2، كتاب القضاء، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم.


(288)

والأُخرى: دعوى الملكيّة فهي ـ سلام اللّه عليها ـ بالنسبة إليها منكر حيث كانت ذات يد فكانت البيّنة على طرفها أي : أبي بكر وكان احتجاج الإمام بالنسبة إلى الدعوى الأخيرة وكانت الأُولى مسكوتاً عنها.(1)

يلاحظ عليه:أنّ الظاهر من خبر حمّاد بن عثمان أنّه ـ عليه السّلام ـ طرح كلتا الدعويين على بساط المحاجّة في زمان واحد كما هو ظاهر قوله بعد الاعتراض:«وقد ملكته في حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ »وكأنّ المجيب لم يلاحظ متن الخبر.

خاتمة:

قد سبق منّا أنّ كون الاستيلاء أمارة الملكيّة، لأجل أنّه تعلو الصحّة عليها غالباً، فمقتضى الاستيلاء حسب طبعه الأوّلي كونه ناشئاً من سبب شرعي يقتضي كون المستولي مالكاً. و هذه هي الجهة التي دعت العقلاء إلى عدّها أمارة الملكيّة.

وبذلك يعلم أنّه إذا فقد الاستيلاء تلك الجهة وانقلب طبع اليد عن كون الاستيلاء مسبّباً عن سبب مشروع، أو عن كونه أمارة على الملكيّة إلى جهة تخالفها، لايعدّ أمارة لها، وذلك في الموارد التالية:

1ـ يد السارق والغاصب والمتّهم في أمواله، وإن احتمل خصوص شيء منه منتقلاً إليه عن سبب شرعي. لكن لمّا كان الغالب على أموالهم عدم الملكيّة، فلايعدُّ ما تحت أيديهم عند الشكّ ملكاً لهم.

وهذه سيرة المتشرّعين الملتزمين بالشريعة وربّما يؤيّد بما رواه حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً، واللصّ مسلم هل يردّ عليه؟ فقال: «لايردّه فإن أمكنه


1-المحقّق البجنوردي: القواعد الفقهية:1/123.


(289)

أن يردّه على أصحابه فعل، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولاً فإن أصاب صاحبها ردّها عليه وإلاّ تصدّق بها».(1)

ولكن التأييد في غير محلّه لأنّها واردة في مورد العلم بأنّ ما في يده مال للغير كما هو ظاهر قوله ـ عليه السلام ـ :«فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل».

2ـ يد الأُمناء. كالسمسار والدلال ممّن تغلب أموال الغير على أموالهم، فلايصحّ ترتيب آثار الملكيّة عليها، ولو مات، لايقسم بين الورثة، اللّهمّ إلاّ إذا نصّ على كونه ماله، كالمال الواقع تحت يد الودعي، فيقبل قوله لكونه أميناً.

3ـ ولاة الزكاة والخمس، والظلمة ووكلائهم حيث إنّ الغالب على أموالهم، كونها أموالاً للغير، فلايقسم أموال المرجع الديني بموته بين الورثة... إلى غير ذلك من الموارد الّتي لاتكون اليد أمارة للملكيّة عند العرف والعقلاء.

وبما أنّ البحث عن قاعدة اليد كان استطرادياً، نكتفي بهذا المقدار، وهناك مطالب مفيدة مبثوثة في أبواب الفقه وكتبه فلاحظ.

تمّ الكلام في قاعدة« اليد» وتليه قاعدة التجاوز

***


1-الوسائل: 17/368 ح1، الباب 18 من أبواب اللقطة.


(290)

قاعدتا التجاوز والفراغ

من القواعد المهمّة الجارية في أبواب الفقه: قاعدة «الفراغ». ولتوضيح مفاد القاعدة وبيان نسبتها مع الاستصحاب نبحث عن أُمور:

الأمر الأوّل:

الفرق بين قاعدتي التجاوز و أصالة الصحّة

أقول: إنّ مجرى أصالة الصحّة هو فعل الغير. و مجرى هذه القاعدة هو فعل النفس. و هما عند العقلاء ليستا قاعدتين مختلفتين، بل كلتاهما من فروع قاعدة واحدة، وهي حمل العمل الصادر عن إنسان عاقل غير غافل وهو يريد براءة ذمّته من التكليف، على الصحّة سواء أكان فعل النفس أم فعل الغير. وإلى ذلك يشير فخر المحققين في إيضاحه وهو أنّ الأصل في فعل العاقل المكلّف الذي يقصد براءة ذمّته بفعل صحيح وهو يعلم الكميّة والكيفية، الصحّة.(1)

وإنّما عدّتا قاعدتين، لأجل كثرة الروايات الواردة في مجال فعل نفس الإنسان ولأجل ذلك خصّ بالبحث مستقلاّ ً.

الأمر الثاني:

إنّ قاعدة التجاوز قاعدة فقهية

إنّ قاعدة التجاوز قاعدة فقهية وليست بمسألة أُصولية. وذلك لما مرّ في


1-فخر المحقّقين: إيضاح القواعد: 1/41، في مسألة الشكّ في بعض أفعال الطهارة.


(291)

أوائل الأُصول أنّ الفرق الجوهري بينهما إنّما هو في المحمول، فمحمول القواعد الفقهية، أحكام تكليفيّة أو وضعيّة ككون الأصل في الأشياء الطهارة وفي اللحوم أو الدماء والأعراض والأموال الحرمة إلى غير ذلك من القواعد الفقهية، وفي المقام يكون المأتي به محكوماً بالصحّة إذا شكّ فيها بعد التجاوز عنه. والصحّة من الأحكام الوضعية، بخلاف المحمول في المسائل الأُصولية فانّه فيها، إمّا حكم عقلي كالمباحث العقليّة من حجّية الظنّ، والبراءة والاشتغال و... أو أمر لغوي يقع في طريق الاستنباط، ككون الأمر موضوعاً للوجوب والنهي للحرمة أو غير ذلك.

هذا ما اخترناه من المعيار في تميزهما وأمّا على المعايير الأُخر، فهي أيضاً قاعدة فقهية: منها، أنّ القاعدة يستعملها المجتهد والمقلّد بعد الإحاطة بحدودهاـ عن طريق التعلّم ـ بخلاف المسألة الأُصولية فانّها يختصّ إعمالها بالمجتهد. ولاشكّ أنّ القاعدة من قبيل القسم الأوّل. ومثله ما ربّما يقال في الفرق بينهما من أنّ القاعدة الفقهية، لاتقع في طريق الاستنباط، بل تطبق على موردها،كانطباق الإنسان على زيد في التصوّرات، وانطباق كلّ نار حارّة على مصداقها، وهذا بخلاف المسألة الأُصولية فانّها تقع في طريق الاستنباط، بفضل الجهد والسعي.

وهذان المعياران وإن كانا عندنا غير مرضيين ـ لكن على القول بهما ـ، يحكم على قاعدة التجاوز بأنّها قاعدة فقهية.

ثمّ إنّ بحوثاً نطرحها بعد الفراغ من إقامة الدليل على أصل القاعدة، ككونها أصلاً أو أمارة، وأنّ قاعدة التجاوز والفراغ قاعدتان، أو قاعدة واحدة إلى غير ذاك ممّا تصل النوبة إليه بعد الفراغ عن إثبات حجّيتها وحدودها ولايمكن القضاء القطعي في أمثال هذه المسائل إلاّ بعد دراسة الروايات الواردة حول القاعدة.


(292)

الأمر الثالث:

في بيان مصدر القاعدة ومدركها

قد وردت في المقام روايات يختصّ بعضها بباب الطهارة وبعضها الآخر بباب الصلاة وبعضها الثالث بباب الطواف. لكن يستفاد منها أنّها قاعدة مطّردة في أبواب الفقه وتظهر حقيقة الحال، بنقلها.

1ـ ما ورد عن زرارة بسند صحيح قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟، قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر؟، قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ قال:«يمضي»، قلت: شكّ في القراءة وقد ركع قال: «يمضي»، قلت: شكّ في الركوع وقد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته»، ثمّ قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(1)

والرواية وإن وردت في مورد الصلاة.لكن المستفاد من الذيل أنّها بصدد إعطاء ضابطة كلّية في جميع المجالات، وأنّ المكلّف إذا قام بعمل سواء كان مركّباً، أو بسيطاً، عبادياً كان، أو معاملياً، وخرج منه، ثمّ شكّ لايلتفت إليه، وجعل الصدر قرينة على أنّ المراد من الشيء، هو الصلاة خلاف ما يتبادر من أمثال المقام من التعليلات.

2ـ صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ : «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شيء شكّ فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».(2)


1-الوسائل: 5/336 ح1، الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة.
2-الوسائل: 4/937ح4، الباب 13 من أبواب الركوع .


(293)

ورواها في الوسائل تارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ كما في أبواب الركوع، وأُخرى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ كما في أبواب السجود.(1) وجابر بن إسماعيل يروي عن كلا الإمامين كما ذكره النجاشي (2).

وعلى كلّ تقدير فالمتبادر من الذيل، الضابطة الكلّية من غير اختصاص بباب الصلاة فضلاً عن اختصاصها بالركوع والسجود، وليس قوله ـ عليه السّلام ـ : «وكلّ شيء شكّ فيه مما قد جاوزه... الخ» بأقلّ من ظهور قوله:«لاتنقض اليقين بالشكّ» في ضرب القاعدة الكلّية وإن كان مصدَّراً بالسؤال عن الوضوء.

3ـ موثّقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه».(3)

والذيل بصدد إعطاء القاعدة الكلّية، وكون الصدر مشتملاً على الوضوء لايكون قرينة على الاختصاص.ولأجل ذلك ورد نظيره في باب الصلاة كما في صحيح زرارة الماضي.

وبما أنّهم اتّفقوا على أنّه لا تجري قاعدة التجاوز في أجزاء الوضوء مادام مشتغلاً، فاللازم رجوع الضمير في قوله:«وقد دخلت في غيره» إلى الوضوء لا إلى الشيء.

نعم ينافيه قوله في الذيل:«إذا كنت في شيء لم تجزه» حيث إنّ الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى الشيء، الذي أُريد منه بعض واجبات الوضوء، فلو أُريد من الشيء الوارد في صدر الرواية نفس ذلك المعنى، يلزم جواز جريان قاعدة التجاوز


1-الوسائل: 4/968ح1، الباب 14من أبواب السجود.
2-النجاشي: الرجال: برقم 71.
3-الوسائل: 1/330 ح2، الباب 42 من أبواب الوضوء.


(294)

في أثناء الوضوء وهو مخالف للإجماع. وإن أُريد من الشيء الوارد في الصدر غير ما أُريد من الشيء في الذيل، لزم التفكيك بين الصدر والذيل وهو خلاف الظاهر. وسيوافيك الكلام في فقه الحديث.

4ـ موثّقة بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشكّ بعد ما يتوضّأ؟ قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».(1)

والتعليل بأمر ارتكازي يجعله قاعدة عامّة لجميع الأبواب وقد ذكرنا عن الإيضاح كلمة تشير إلى ذلك الأمر.وبذلك يعلم عدم دخالة الوضوء.وأنّ الملاك كون الفاعل أذكر حين العمل من حين الشكّ.

5ـ رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: «إذا شكّ الرجل بعد ما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمَّ لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك».(2) والانصراف كناية عن التسليم، والتعليل بأمر ارتكازي يفيد كونه قاعدة عامّة، ولولاه لاختصّ بباب الشكوك في الصلاة.

6ـ صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ في الرجل يشكّ بعد ما ينصرف من صلاته؟ قال: فقال: «لايعيد، ولاشيء عليه».(3)

7ـ صحيحته الثانية عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «كلّ ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولاتعد».(4)

8ـ صحيحة زرارة والفضيل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها أنّك لم تصلها


1-الوسائل: 1/331 ح7، الباب 42 من أبواب الوضوء.
2-الوسائل: 5/343 ح3، الباب 27 من أبواب الخلل.
3-الوسائل:5/342 ح1و2، الباب 27 من أبواب الخلل.
4-الوسائل:5/342 ح1و2، الباب 27 من أبواب الخلل.


(295)

صلّيتها، وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت».(1)

وهذا يعرب عن كون عدم الاعتناء بعد الوقت بالشكّ من مصاديق قاعدة التجاوز، ويشعر بذلك لفظ «الحائل».

9ـ ما رواه ابن إدريس في «مستطرفات السرائر) نقلاً من كتاب حريز بن عبد اللّه، عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «إذا جاء يقين بعد حائل، قضاه، ومضى على اليقين ويقضي الحائل والشكّ جميعاً، فإن شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يصلّي العصر قضاها، وإن دخله الشكُّ بعد أن يصلِّي العصر فقد مضت، إلاّ أن يستيقن لأنّ العصر حائل فيما بينه وبين الظهر، فلايدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين». (2)

والظاهر أنّ المراد من الحائل في هذه الرواية ـ بخلاف ما أُريد من السابقة ـ الصلاة المترتّبة على الأُخرى كالعصر، فلو أذعن بعد الإتيان بها، أنّه لم يأت بالظهر قضى كليهما، وأمّا قوله:«والشكّ جميعاً» فالمراد منه هو الصلاة المترتّب عليها كالظهر . وإطلاق الشكّ عليه لعلّه لأجل كونها مشكوكة أو لا، ثمّ صارت مورد اليقين فتأمّل.

والرواية من أدلّة القول بأنّه لو شكّ في الظهر بعد الإتيان بالعصر، لايجب عليه الإتيان به وإن كان الوقت باقياً لأنّ العصر حائل فيما بينه وبين الظهر.فلايدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين.

والتعليل يعرب عن عدم اختصاص الحكم بباب دون باب.

10ـ ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن رجل


1-الوسائل: 3 /205 ح1، الباب 60 من أبواب المواقيت.
2-الوسائل: 3/ 205 ح2، الباب 60 من أبواب المواقيت.


(296)

طاف بالبيت فلم يدر أستّة طاف أو سبعة طوافه فريضة؟ قال: «فليعد طوافه» قيل: إنّه قد خرج وفاته ذلك؟ قال: «ليس عليه شيء».(1)

11ـ ما رواه منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستّة طاف أم سبعة؟ قال: «فليعد طوافه» قلت: ففاته؟ قال: «ما أرى عليه شيئاً والإعادة أحبّ إليّ وأفضل».(2)

وثبوت الحكم في باب الطواف مضافاً إلى ثبوته في أبواب الوضوء والصلاة يشرف الفقيه على كون قاعدة التجاوز والفراغ، قاعدة مطّردة في أبواب الفقه، كما لا يخفى.

12ـ ما رواه محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ يقول:«كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّراً فامضه ولاإعادة عليك فيه».(3)

13ـ ما رواه زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: رجل ترك بعض ذراعه، أو بعض جسده من غسل الجنابة؟فقال: «... فإن دخله الشكّ وقد دخل في صلاته فليمض في صلاته ولا شيء عليه».(4)

14ـ ما رواه حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : أشكّ وأنا ساجد فلاأدري ركعت أم لا ؟ قال: «امض».(5)

15ـ ما رواه فضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : أستتمّ قائماً فلاأدري ركعت أم لا ؟ قال: «بلى قد ركعت فامض في صلاتك». (6)


1-الوسائل: 9/433 ح1، الباب 33 من أبواب الطواف.
2- الوسائل: 9/435 ح8، الباب 33 من أبواب الطواف.
3- الوسائل: 1/331 ح6، الباب 42 من أبواب الوضوء.
4-الوسائل: 1/ 524 ح2، الباب 41 من أبواب الجنابة.
5-الوسائل: 4/936 ح1، الباب 13 من أبواب الركوع .
6-الوسائل: 4/ 936 ح3، الباب 13 من أبواب الركوع.


(297)

16ـ ما رواه عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ : رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: «قد ركع».(1)

17ـ ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:« كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(2)

18ـ دعائم الإسلام: عن جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال:«من شكّ في شيء من صلاته بعد أن خرج منه، مضى في صلاته، إذا شكّ في التكبير بعد ما ركع مضى، وإن شكّ في الركوع بعد ما سجد مضى، وإن شكّ في السجود بعد ما قام أو جلس للتشهّد مضى».

19ـ فقه الرضا ـ عليه السّلام ـ : «وإن شككت في أذانك، وقد أقمت الصلاة فامض، وإن شككت في الإقامة بعد ما كبّرت فامض، (وإن شككت في القراءة بعد ما ركعت فامض) (3) وإن شككت في الركوع بعد ما سجدت فامض، وكلّ شيء تشكّ فيه وقد دخلت في حالة أُخرى فامض، ولاتلتفت إلى الشكّ إلاّ أن تستيقن، فانّك (إذا استيقنت أنّك) (4) تركت الأذان ـ إلى أن قال: ـ وإن نسيت الحمد حتّى قرأت السورة، ثمّ ذكرت قبل أن تركع، فاقرأ الحمد وأعد(5) السورة، وإن ركعت فامض على حالتك».

21ـ كتاب درست بن أبي منصور: عن عبيد بن زرارة، قال :قال أبو عبداللّه ـ عليه السّلام ـ : «إذا شككت في شيء من صلاتك، وقد أخذت في مستأنف، فليس بشيء، امض».(6)


1-الوسائل: 4/ 937 ح6، الباب 13 من أبواب الركوع.
2-الوسائل: 5/336 ح3، الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة.
3-ما بين القوسين ليس في المصدر.
4-ما بين القوسين ليس في المصدر.
5-في المصدر: عدا.
6-انظر فيما نقلناه عن دعائم الإسلام وفقه الرضا وكتاب درست بن أبي منصور، مستدرك الوسائل: 6/417 ح1ـ3 ، الباب 20 من أبواب الخلل، الطبعة الحديثة.


(298)

واعلم أنّه يمكن جمع هذه الروايات بنوعين:

1ـ التنظيم الموضوعي:

أ : ما ورد في المضي بعد خروج الوقت أو دخول الحائل.

ب : ما ورد في المضي في أثناء العمل.

ج : ما ورد في المضي بعد الفراغ عن العمل.

2ـ التنظيم حسب أبواب الفقه

أ: ما ورد في باب الطهارات: الوضوء والغسل.

ب : ما ورد في باب الصلاة.

ج: ما ورد في باب الطواف.

د: ما ورد من غير أن يكون مصدّراً بشيء يلحقه بباب دون باب وإن كان احتمال التقطيع فيه قويّاً.

وقد تركنا الجمع بأحد النوعين والتنظيم به على عاتق القارئ.

الأمر الرابع:

في وحدة القاعدتين أو تعدّدهما

قد عرفت الأحاديث الوافرة الّتي يمكن بها الاستدلال على حجّية القاعدة فعندئذ يقع الكلام في أنّ مفادها قاعدة واحدة باسم قاعدة التجاوز، أو أنّ مفادها قاعدتان هي مع قاعدة الفراغ أو قواعد ثلاث هما مع قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت وإليك ما يمكن أن يكون وجهاً لتعدّد المجعول: قاعدة التجاوز، وقاعدة الفراغ. وقد ذكر لإمكان التعدّد الوجوه التالية:

1ـ مصبّ قاعدة التجاوز هو الشكّ في أصل الإتيان، وأمّا قاعدة الفراغ


(299)

فمصبّها الشكّ في الصحّة مع اختصاصها بالفراغ عن العمل.

وإن شئت قلت: مفاد الشكّ في الأُولى يرجع إلى الشكّ في وجود الشيء بمفاد كان التامّة. وفي الثانية إلى الشكّ في وجود الشيء بمفاد كان الناقصة. وهذا ما يظهر من المحقق النائيني ـ قدّس سرّه ـ كما ستعرف.

2ـ إنّ الأُولى راجعة إلى الشكّ في أصل الإتيان، والثاني إلى الشكّ في الصحّة، ولكن لاتختصّ قاعدة الفراغ بما بعد العمل. بل تجري عند الشكّ في صحّة الجزء ولو كان في الأثناء كما إذا شكّ في صحّة القراءة بعد الدخول في الركوع، فلأجل ذلك يكون التجاوز في الأُولى عن المحلّ، وفي الثانية عن نفس الجزء. ولأجل تعدّد نوع التجاوز يصار إلى تعدّد القاعدتين. وهذا هو المستفاد من كلام المحقّق الخوئي على ما في مصباح الأُصول.(1)

3ـ اشتراط الدخول في الغير في قاعدة التجاوز دون الفراغ استناداً إلى قوله ـ عليه السّلام ـ «إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره».(2)

4ـ اختصاص الأُولى بالصلاة وعمومية الثانية، لجميع أبواب الفقه. كما عليه المحقّق الهمداني.

هذه الوجوه هي التي بها يمكن تشريع قاعدتين وأمّا الأقوال:

1ـ فقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى وحدة القاعدتين وقال بأنّ القائلين بالتعدّد، يخصّون قاعدة التجاوز بالشكّ في وجود الشيء كالشكّ في الركوع بعد ما سجد في الأثناء وقاعدة الفراغ بالشكّ في صحّة الشيء الموجود، كالشكّ في الصلاة المأتي بها بعد الفراغ. ولكنّه أجاب عنه في الموضع السادس من كتابه


1-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول:3/277.
2-الشيخ الحرّ العاملي: الوسائل:5/336 ح1، الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة، ولاحظ رقم 1 ممّا أسلفناه من الأحاديث.


(300)

بقوله: إنّ الشكّ في صحّة الشيء المأتي به ، حكمه حكم الشكّ في الإتيان بما هو هو، لأنّ مرجعه إلى الشكّ في وجود الشيء الصحيح(1) وعلى هذا فقد أنكر الشيخ الأنصاري قاعدة الفراغ بالمرّة وأرجعها إلى قاعدة التجاوز، وأنّ الشكّ في صحّة العمل راجع إلى الشكّ في وجود العمل الصحيح وعدمه.

2ـ ذهب المحقّق النائيني ـ في صدر كلامه ـ إلى تعدّدهما وأنّه يمتنع عقلاً جعل قاعدة واحدة تجمع كلا الأمرين لكنّه عدل عنه في آخر كلامه وذهب إلى القول بالوحدة.

3ـ فصّل المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ بين مقام الثبوت والإثبات، وأنّه لامانع من إمكان جعل قاعدة واحدة حسب الثبوت، لكن الإثبات لايساعد الوحدة، بل يلائم التعدّد.

إذا علمت ذلك فيقع الكلام في موضعين:

الأوّل: في مقام الثبوت وأنّه هل يمكن جعل قاعدة واحدة بملاك واحد تعمّ جميع الموارد، سواء كان الشكّ في أثناء العمل أو بعده، وكان الشكّ في أصل الإتيان، أو في وصف المأتي به، أو لا؟

الثاني: في مقام الإثبات والاستظهار وذلك بعد الفراغ عن إمكان جعل كبرى واحدة تشمل الجميع، فهل الأدلّة، ظاهرة في تعدّد الجعل أو لا ؟ وإليك الكلام في المقامين:

الكلام في مقام الثبوت:

استدلّ المحقق النائيني على امتناع تشريع كبرى واحدة تكون شاملة لكلتا القاعدتين وتنطبق على مواردهما بوجوه:

الأوّل: أنّ متعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز إنّما هو وجود الشيء بمفاد كان التامّة وفي قاعدة الفراغ يرجع إلى الشكّ في الوجود بمفاد كان الناقصة، ولا جامع


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد:414.


(301)

بينهما فلايمكن إندراجهما تحت كبرى واحدة.(1)

ويرد عليه أوّلاً: أنّ قاعدة التجاوز لاتختص بالشكّ في وجود الشيء، بل ربّما تعمّ الشكّ في صحّة الشيء الموجود، كما إذا شكّ في تحقّق الموالاة في الحمد وعدمه بعد ما ركع، أو شكّ في صحّة التلفّظ بالضالّين وعدمها وأنّه هل أدّى حرف «ض» من مخرجها أو لا، وإرجاعها إلى الشكّ في وجود الشيء وعدمه، كما ترى لأنّه تكلّف، والمتبادر إلى الذهن في هذه الموارد أنّه شكّ في تحقّق الشيء صحيحاً وعدمه.

وثانياً: أنّ المجعول هو الأمر الكلّي العام الشامل لكلا الأمرين. وهو أنّ الشكّ بعد التجاوز عن الشيء بوجه عام لايعتدّ به. وأمّا كون الشكّ راجعاً إلى وجوده أو صحّته، فهما من الخصوصيات الفرديّة، لاتلاحظ في إعطاء الضابطة حتّى يتصوّر أنّه لايصحّ الجمع بينهما في عبارة واحدة. فإذا قلنا:كلّ ممكن فهو زوج تركيبي من ماهية ووجود، فهو يعمّ العلل والمعاليل الواقعة بين الممكنات، لكن بجامع الإمكان. وأمّا الخصوصيات الأُخر من العلّية والمعلوليّة فهما خارجتان عن موضوع القاعدة وتعدّان من الخصوصيات الفرديّة.

***

وأمّا الإجابة عن الاستدلال بما أفاده الشيخ من أنّ الشكّ في قاعدة الفراغ يرجع إلى الشكّ في الوجود بمفاد كان التامّة، غايته أنّ متعلّق الشكّ هو وجود الصحيح لامطلق الوجود.

فيلاحظ عليه: بما ـ عن المحقّق النائيني ـ من أنّه ربّما تمسّ الحاجة بإثبات الصحّة بمفاد كان الناقصة، كما في مورد الوضعيات إذا شكّ في صحّة العقد في باب الأنكحة والبيوع فانّ المفيد هو إثبات صحّة العقد الموجود، لا إثبات وجود


1-فوائد الأُصول: 4/621.


(302)

العقد الصحيح على الوجه المطلق.(1)

بل ربّما تكون الحال كذلك في باب العبادات فإذا شكّ في ترك سجدة عن سهو فإثبات الصحّة للصلاة المعيّنة أثر لنفي قضاءالسجدة أو عدم وجوب سجدتي السهو.

على أنّ نفس الإرجاع أمر على خلاف الارتكاز فانّ للإنسان نوعين من الشكّ، تارة يتعلّق بنفس الوجود، وأُخرى بوجوده صحيحاً فلا ملزم لإدغام أحدهما في الآخر.

الثاني: أنّ متعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز إنّما هو أجزاء المركب، وفي قاعدة الفراغ، يكون المتعلّق نفس المركّب بما له من الوحدة الاعتبارية ولفظ «الشيء» في قوله ـ عليه السّلام ـ : «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه»(2) لايمكن أن يعمّ الكلّ والجزء في مرتبة واحدة بلحاظ واحد فانّ لحاظ الجزء شيئاً بحيال ذاته، إنّما يكون في الرتبة السابقة على تأليف المركّب لأنّه في مرتبة التأليف(3) لايكون الجزء شيئاً بحيال ذاته في مقابل الكلّ بل شيئية الجزء تندكّ في شيئيّة الكلّ ويكون لحاظه تبعياً، فلايمكن أن يراد من لفظ «الشيء» في الرواية ما يعمّ الجزء والكلّ بل إمّا أن يراد الجزء فتختص الرواية بقاعدة التجاوز وإمّا أن يراد الكلّ فتختص بقاعدة الفراغ.

وحاصله: أنّه لو أُريد الجزء والكلّ يلزم اجتماع لحاظين مختلفين في الجزء فبما أنّه يشمل الجزء مستقلاًّ، يجب أن يلاحظ مستقلاّ ً، وبما أنّه شامل للكلّ يجب أن


1-فوائد الأُصول: 4/621 ولكن يظهر من المحقّق الخوئي كفاية إحراز الوجود العقد الصحيح في ترتّب الأثر وفراغ الذمّة لاحظ مصباح الأُصول: 3/270ـ 271. ومع صحّة ما أفاده، يلزم تسليم كثير من الأُصول المثبتة بالاستصحاب، فلاحظ.
2-لاحظ الحديث برقم 3. ولاحظ أيضاً الوسائل: 1/330 ح2، الباب 42 من أبواب الوضوء.
3-أي عند شمول الحديث للكل.


(303)

يلاحظ الجزء تبعاً، فيلزم اجتماع اللحاظين المختلفين فيه.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الموضوع في الرواية هو الشيء بمعناه الوسيع، من دون تقيّد بالجزئيّة والكلّية، وإنّما تعرضانه في مقام التطبيق، فهو بإطلاقه شامل للقسمين وقد أُريد منه، المفهوم المطلق الشامل لمصاديقه العامّة قهراً.

وإن شئت قلت: إنّ الإطلاق إنّما هو رفض القيود لاالجمع بين القيود فشموله للمركّب والجزء لايتوقّف على أخذ عنواني الجزء والكلّ في مفهوم الشيء.

الثالث: يلزم التناقض في مدلول قوله ـ عليه السّلام ـ :«إنّما الشكّ في شيء لم تجزه» لو كان يعمّ الشكّ في الجزء والكلّ، فانّه لو شكّ المصلّي في الحمد وهو في الركوع، فباعتبار الشكّ في الحمد بعد ما جاوز محلّه فلايجب عليه العود، و باعتبار الشكّ في صحّة الصلاة لم يتجاوز عنها، لأنّه بعد في الأثناء فيجب عليه العود.

يلاحظ عليه: أنّ الأصل الجاري في جانب الجزء حاكم على الأصل الجاري في ناحية الكل ّولعلّه لوضوح ضعفه أمر بالتأمّل. وجه الحكومة، هو أنّ الشكّ في صحّة المجموع إذا كان ناشئاً من الشكّ في وجود الجزء في محلّه، فإذا ثبت التعبّد بأنّه قد ركع، فلا وجه للشكّ في صحّة الصلاة.

الرابع: التجاوز في قاعدة التجاوز إنّما يكون بالتجاوز عن محلّ الجزء المشكوك فيه، وفي قاعدة الفراغ إنّما يكون بالتجاوز عن نفس المركّب لا عن محلّه.(1) ولايمكن إرادة كلا المعنيين عن لفظ واحد.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تخصيص قاعدة التجاوز بالتجاوز عن محلّ الشيء، الذي يعود الشكّ فيه إلى الشكّ في أصل الوجود، لا الوجود الصحيح، غير تامّ، بل ربّما يكون الشكّ فيه، شكاً في الوجود الصحيح، ويكون التجاوز، تجاوزاً عن


1-المحقّق النائيني: فوائد الأصول: 4/623.


(304)

نفس الشيء، كما إذا شكّ ـ بعد التجاوز ـ في أداء الحرف عن مخرجه وعدمه، وأنّه أتى بذكر الركوع في حال استقراره أو لا، والكلام في مقام الثبوت وسيوافيك عند البحث عن الإثبات أنّ إطلاق الروايات يعمّ القسمين.

وثانياً: أنّ التجاوز استعمل في واحد من المعنيين، أمّا التجاوز عن نفس الشيء أو التجاوز عن محلّه، فأيّهما أُريد يلحق القسم الثاني به بدليل مستقلّ، لأنّ المفروض ورود الدليل على التجاوز على كلا القسمين فالكبرى لو كانت مستعملة في واحد من القسمين، يلحق القسم الآخر بدليل خاص.

هكذا أجاب المحقِّق العراقي على ما في تعليقاته على فوائد الأُصول ولكنّه غير كاف لدفع المحذور في مقام الثبوت، وإنّما يكفي لدفع المحذور في مقام الإثبات ودلالة الدليل. فالأولى أن يجاب بأنّ الميزان ثبوتاً هو التجاوز عن محلِّ الشي وهو جامع موجود في كلا القسمين:كان الشكّ في أصل الوجود، أو في الوجود الصحيح. ولأجل ذلك صرنا إلى أنّ الأصل في قاعدة التجاوز هو التجاوز عن محلّ الشيء سواء كان الشكّ في أصل وجوده أو في صحّته، ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن هذه الوجوه، وما ذكرناه أوضح وأقرب إلى الأفهام من أجوبته فلاحظ. إلى هنا تبيّن أنّه لامانع من جعل قاعدتين مستقلّتين ثبوتاً فيقع الكلام في مقام الاستنباط والاستظهار فنقول:

الكلام في مقام الإثبات

إنّ المحقق الخوئي اختار من الفوارق بين القاعدتين، الفارق الأوّل، وقال باختصاص قاعدة التجاوز بما إذا شكّ في أصل الوجود، لا في صحّته، وخصَّ قاعدة الفراغ بما إذا شكّ في صحّته بعد الفراغ من وجوده غير أنّه عمّم قاعدة الفراغ إلى الشكّ في صحّة الكلّ، والشكّ في صحّة الجزء أيضاً بعد الفراغ عن


(305)

وجوده كما إذا شكّ في صحّة التكبير بعد الدخول في القراءة فانّ مثل قوله ـ عليه السّلام ـ في موثقة ابن بكير «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» يشمل الشكّ في صحّة الجزء لأنّ لفظ الشيء يعمّ الجزء والكلّ.(1)

ومع أنّه قال بإمكان جعل قاعدة واحدة تشمل جميع الموارد:الشكّ في الوجود والشكّ في الصحّة، ذهب إلى أنّ مقتضى مقام الإثبات هو التعدّد بالملاك الذي عرفته، فالشكّ في الشيء بمفاد كان التامّة أثناء العمل أو بعد الفراغ عن العمل هو مورد قاعدة التجاوز، والشكّ في صحّة الأمر الموجود، جزء كان المشكوك أو كلاّ ً، هو مورد قاعدة الفراغ. وقال: الفرق بينهما إنّما هو باختصاص قاعدة الفراغ بالشكّ في الصحّة مع فرض الوجود، واختصاص قاعدة التجاوز بالشكّ في الوجود دون الصحّة.

وأفاد في تبيين ذلك: أنّ الروايات الواردة في قاعدة الفراغ بين ما يختصّ بباب الطهارة أو بباب الصلاة أو لايختصّ ويعمّ الطهارة والصلاة وغيرهما والظاهر من المضيّ فيما له مفهوم عام هو مضيّ الشيء المشكوك فيه، حقيقة.

كروايتي محمّد بن مسلم: 1ـ سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ يقول:«كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّراً فامضه ولا إعادة عليك فيه» (2). 2ـوقال أبوجعفر ـ عليه السلام ـ: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» (3).

فإذا كان اللفظ ظاهراً في مضيّ نفس الشيء فحمله على مضيّ محلّ المشكوك فيه بتقدير لفظ المحلّ أو من باب الإسناد المجازي يحتاج إلى قرينة فيكون مفادهما، عدم الاعتناء بالشكّ في الشيء بعد مضيّ هذا الشيء المشكوك


1-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/277.
2-الوسائل: 1/331 ح6، الباب 42 من أبواب الوضوء و ج5/336 ح3، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، لاحظ رقم 12 و16 من الأحاديث الماضية.
3-الوسائل: 1/331 ح6، الباب 42 من أبواب الوضوء و ج5/336 ح3، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، لاحظ رقم 12 و16 من الأحاديث الماضية.


(306)

ولايصدق المضيّ إلاّ بعد الوجود.

فيكون مفادهما قاعدة الفراغ دون قاعدة التجاوز ولو كنّا وهذين الخبرين لم نستفد منهما قاعدة التجاوز إلاّ أنّه هناك، روايتان تدلاّن على قاعدة التجاوز، الأُولى صحيحة زرارة (1) والثانية موثقة إسماعيل بن جابر (2) ومن المعلوم أنّ المراد من الخروج في الصحيحة هو الخروج عن محلّه.كما أنّ المراد من التجاوز هو التجاوز عن محلّه فيكون مفادهما قاعدة التجاوز بمعنى عدم الاعتناء بالشكّ في شيء عند التجاوز عن محلّه.(3)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ وحدة التعبير أو قربه آية وحدة القاعدتين:

فالتعبير الوارد في روايتي قاعدة الفراغ العامّتين هو:

1ـ كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّراً فامضه كما هو.

2ـ كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو.

والتعبير الوارد في قاعدة التجاوز في روايتي إسماعيل بن جابر وزرارة ما يلي.

3ـ كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه.

4ـ رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة قال:يمضي، وقد تكرّرت كلمة «يمضي» في الأخير خمس مرّات وقال في آخره: «يا زرارة إذاخرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» أي تمضي فقرابة التعبير أو وحدته تكشف عن وحدة المجعول.

وليس هنا مانع عن وحدة القاعدتين في مقام الإثبات سوى اختلاف متعلّق المضيّ فهو في قاعدة الفراغ نفس الشيء وفي قاعدة التجاوز محلّه. فيمكن


1-الوسائل: 5/336 ح1، الباب 23 من أبواب الخلل، لاحظ رقم 1.
2-الوسائل: 4/937 ح4، الباب 13 من أبواب الركوع، لاحظ رقم 2.
3-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/278ـ 279.


(307)

دفعه.

بأنّ الأصل في المضيّ هو مضي نفس الشيء، المختصّ بالشكّ في الصحّة ولكن دلّ الدليل الآخر كروايتي زرارة وإسماعيل بن جابر على أنّ مضيّ المحلّ، مضيّ نفس الشيء، وأنّ الميزان، هو المضيّ عن الشيء مطلقاً عن نفسه أو محلّه، وهذا هو الحقّ فالملاك التجاوز عن المحلّ سواء كان هناك تجاوز عن الشيء أو لا ومع إمكان الجعل التنزيلي لاحاجة إلى جعل قاعدتين.

والداعي للمضيّ في كلتا الصورتين، هو كون الفاعل حين العمل أذكر وهو إلى الحقّ أقرب، فلو شكّ في الوجود وقد مضى محلّه، فقد أتى بها، لكونه بصدد الخروج عن عهدة التكليف، ولوشكّ في صحّة المأتي فقد أتى صحيحاً إذا تجاوزه.

جعل قاعدتين مستقلّتين لغو

إنّ القول بوجود قاعدتين مستقلّتين يتوقّف على وجود ملاكين مستقلّين للجعل، ثبوتاً وإثباتاً، و وجود الملاك في مقام الثبوت وإن كان متصوّراً كما تقدّم لكن الاستظهار من الأدلّة أمر مشكل، فلو ثبت إطلاق قاعدة التجاوز لعامّة الصور حتّى لمورد قاعدة الفراغ لأصبح جعل قاعدتين مستقلّتين أمراً لغواً وإليك بيان ذلك:

إنّ الفرق المعروف بين القاعدتين هو اختصاص قاعدة التجاوز بالشكّ في أصل وجود الشيء والفراغ بالشكّ في الصحة ولكن إطلاق أدلّة القاعدة الأُولى يهدم هذا الفرق.

وذلك لأنّ قوله ـ عليه السّلام ـ في صحيحة زرارة:« إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» فإنّه بالنسبة إلى الأمثلة الواردة في صدرها وإن كان منطبقاً على الشكّ في الوجود ولكنّه مع قطع النظر عنه ظاهر في الشكّ


(308)

في الصحّة بدليل تعلّق الخروج عن الشيء والدخول في غير هذا الشيء المفروض الوجود، فللجمع بين ما ورد في الصدر الظاهر في كون الشكّ في الوجود، وبين ظهور نفس الذيل الظاهر في كون الشك في الصحة لامحيص عن القول بأنّ الكبرى مطلقة تعمّ كلتا الصورتين وليس ذلك من قبيل استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى بل المستعمل فيه أمر كلّي والخصوصيات من الخروج عن محلّه أو نفسه تعلم من القرائن.

وبذلك تعلم عمومية ما ورد في ذيل صحيحة إسماعيل بن جابر حيث قال:«كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» بنفس البيان الماضي في صحيحة زرارة.

والحاصل أنّ الأمثلة وإن كانت من مصاديق الشكّ في الوجود، ولكن الكبرى ظاهرة في الصحّة، فمقتضى الجمع هو حمله على مطلق الخروج عن الشيء أو التجاوز عنه من غير تقييده بخصوصية، وإنّما الخصوصيات تعلم من الخارج.

وبذلك تعلم عمومية الكبرى الواردة في رواية محمّد بن مسلم أعني: قول أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ :«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(1) فانّه عام للشكّ في الوجود والصحّة كما هو عام من جهة كون الشكّ في الأثناء وبعد العمل.

فإذا تبيّنت عمومية أدلّة قاعدة التجاوز لكلا الموردين فلا ملاك لجعل قاعدة أُخرى باسم الفراغ.

وأمّا الملاك الثاني لجعل قاعدتين وهو تخصيص قاعدة التجاوز بالشكّ في الأثناء وقاعدة الفراغ بالشكّ بعد العمل فذلك أيضاً، غير تامّ برواية محمّد بن مسلم الماضية فانّه بوحدتها تعمّ الأثناء وبعد العمل وتخصّصها ببعد العمل حتّى


1-لاحظ: رقم 17 من الأحاديث الماضية.


(309)

يكون من أدلّة قاعدة الفراغ غير تام.

وممّا يدلّ على جريان قاعدة التجاوز بعد العمل موثّقة ابن أبي يعفور أعني: قوله ـ عليه السّلام ـ :«إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه».(1)

والرواية من أدلّة قاعدة التجاوز، وقد اتّفقت كلمتهم على أنّها لاتجري إذا شكّ في الأثناء بل تجري إذا شكّ بعد العمل ، فهي تجري بعد العمل باسم قاعدة التجاوز لاقاعدة الفراغ وسيوافيك فقه الحديث.

و أمّا الفرق الثالث وهو تخصيص قاعدة التجاوز بالصلاة فهو ممّا لادليل عليه مع سعة الكبرى الواردة في روايتي زرارة وإسماعيل بن جابر ومحمّد بن مسلم، وقد ورد في رواية أُخرى لمحمّد بن مسلم عطف الطهور على الصلاة وهو يقول كلّما ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّراً فامضه، ولاإعادة عليك فيه.(2)

ومعناه كلّ ما شككت في وجوده جزءاً كان أو شرطاً أو نفس العمل ممّا قد مضى محلّه المقرّر الشرعي فامضه كما هو.

وأمّا الملاك الرابع أعني: اشتراط الدخول في الغير في قاعدة التجاوز دون الفراغ فهو أيضاً غير تامّ لما سيوافيك أنّ الدخول في الغير ليس بشرط مطلقاً إلاّ إذا كان محقِّقاً للتجاوز كما في الشكّ في الوجود، وأمّا الشكّ في الصحّة فلايشترط فيه الدخول في الغير، بل يكفي صرف الفراغ عن الجزء كالحمد والشكّ فيه ولو في الآية الأخيرة منها، وإن لم يدخل في تلاوة السورة.

إذا وقفت على عدم صحّة هذه الفوارق وأنّ قاعدة التجاوز أعمّ منها يتبيّن


1-لاحظ رقم 3 من الروايات الماضية.
2-لاحظ رقم 12 من الروايات السابقة.


(310)

لك عدم صحّة جعل قاعدتين مستقلّتين لشمول قاعدة التجاوز لجميع موارد قاعدة الفراغ.

فإن قلت: إذا شكّ في الجزء الأخير من الصلاة أعني: التسليم من دون أن يدخل في شيء آخر فلا تجري قاعدة التجاوز وتجري قاعدة الفراغ.

قلت: إذا كان الشكّ في صحّة السلام فتجري في قاعدة التجاوز لصدقه وأمّا إذا شكّ في وجوده فلا تجري القاعدتان لعدم التجاوز عن المحلّ وعدم العلم بحصول الفراغ.

وبذلك يتبين أنّ بعض ما استدلّ به على قاعدة الفراغ فإنّما هو جزئي من جزئيات قاعدة التجاوز مثل ما ورد في رواية محمّد بن مسلم: فيما إذا شكّ الرجل بعد ما صلّى فلم يدر أثلاثاً أم أربعاً، فقال الإمام ـ عليه السّلام ـ :وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك.(1)

ومثله قول أبي جعفر في صحيحة محمّد بن مسلم: «كلّ ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد» (2) فهو لبيان مورد من موارد قاعدة التجاوز.

ومثله ما ورد من الشكّ في الطواف بعد الفراغ عنه، أو الشكّ في الصلاة بعد دخول الحائل فكلّها من موارد قاعدة التجاوز من غير فرق بين أثناء العمل وبعده كما مرّ.

الأمر الخامس:

في اشتراط الدخول في الغير وعدمه

هل يشترط الدخول في الغير في القاعدة سواء أكانت جارية في الأثناء أم بعد الفراغ عن العمل وجهان بل قولان:


1-لاحظ رقم 5 من الروايات.
2-لاحظ رقم 7 من الروايات.


(311)

من قائل بالاشتراط لكونه مأخوذاً في صحيحة زرارة(1) وموثّقة (2) إسماعيل ابن جابر وبهما يقيد سائر الروايات الّتي لم يرد فيه الدخول في الغير لأنّ المذكور فيهما هو الخروج عن الشيء والتجاوز عنه ولايتصوّر الخروج عن الشيء حقيقة والتجاوز كذلك مع فرض الشكّ في وجوده، فلامحالة يكون المراد الخروج عن المحلّ والتجاوز عنه من باب الإسناد المجازي.ولايتحقّق ذلك، إلاّ بعد الدخول في غيره فيكون ذكر الدخول في الغير بعد الخروج في الصحيحة وبعد التجاوز في الموثقة قيداً توضيحياً.(3)

ومن قائل بأنّ تمام الموضوع للحكم هو التجاوز وذلك بوجهين:

الأوّل: أنّ نكتة التشريع ليس هو تسهيل الأمر على العباد، بل لأجل أنّ الإنسان حين العمل أقرب إلى الحقّ، وأذكر في الإتيان بالعمل على وجهه وعلى ذلك فتمام الموضوع للقاعدة ، هو الفاعل الأذكر في حال الشكّ، وأنّ المكلّف الذاكر يأتي بما هو الوظيفة فإذا تجاوز عن المحلّ، لايلتفت إلى شكّه لكونه قبل الشكّ أذكر منه حين الشكّ فتمام الموضوع للقاعدة هو التجاوز دخل في الغير أم لا.

الثاني: إنّ موثّقة ابن أبي يعفور مع ذكرها الدخول في الغير في صدرها، لم يذكره في الذيل واكتفى بنفس التجاوز وقال:«إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه».(4)

وبذلك يعلم أنّه لايستفاد من صحيحتي زرارة و إسماعيل بن جابر قيديّة


1-لاحظ الحديثين برقم 1ـ2 ولا أرى لتوصيف رواية إسماعيل بن جابر بالموثقة وجهاً بل هي صحيحة وليس في سندها غير إمامي وسند الشيخ إلى كتاب سعد الذي منه أخذ الحديث أيضاً صحيح.
2-لاحظ الحديثين برقم 1ـ2 ولا أرى لتوصيف رواية إسماعيل بن جابر بالموثقة وجهاً بل هي صحيحة وليس في سندها غير إمامي وسند الشيخ إلى كتاب سعد الذي منه أخذ الحديث أيضاً صحيح.
3-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 2/282.
4-لاحظ الحديث رقم 3.


(312)

الدخول في الغير، بل ذكر لأجل كونه محقّقاً للخروج في صحيحة زرارة، والتجاوز في صحيحة إسماعيل بن جابر.

ما ذكرناه إنّما هو دليل القولين المختلفين والأقوى هو الثاني، لما عرفت من كون نكتة التشريع هو الأذكرية وعدم الغفلة حين العمل، وكونه أقرب إلى الحقّ من زمان الشكّ، ويكفي في الفصل بين الحالتين التجاوز ويكون الدخول في الغير، أمراً لا دخالة له في النكتة.وعلى ضوء ذلك فلو كان الدخول في الغير، محقّقاً للتجاوز، فلامناص من اعتباره بخلاف ما إذا لم يكن كذلك.

وبناءً على ذلك لو شكّ في الأثناء، فان شكّ في أصل وجود الجزء، فلايصدق التجاوز عن المحلّ إلاّ بالدخول في الغير وإن شكّ في صحّة الجزء المأتي به، فيكفي المضيّ والتجاوز وإن لم يدخل فيه.

مثلاً لو شكّ في التسليم وجوداً، فلايصدق التجاوز عن المحلّ، إلاّ إذا قلنا بأنّ الكون في غير حالة الصلاة يعدّ دخولاً في الغير.

وإن شكّ في صحّته، فالفراغ عنه، تجاوز عنه وإن لم يشتغل بعمل غير الصلاة.

وإن شكّ في صحّة الصلاة كلاّ ً لجهة من الجهات فيكفي في جريانها، التجاوز عن الصلاة كلّها.

فظهر أنّ الميزان هو التجاوز إلاّ إذا توقّف صدقه على الدخول في الغير، كما في الشكّ في أصل وجود الجزء في الأثناء، دون الشكّ في صحّة الشيء المأتي به، وباختصار الفرق بين الشكّ في أصل الإتيان والشكّ في صحّة الشيء الموجود، فالدخول في الغير محقّق للتجاوز في الأوّل دون الثاني.بل صرف الفراغ عنه، يعدّ تجاوزاً وخروجاً.


(313)

ما هو المراد من الغير

وعلى فرض شرطيّة الدخول في الغير مطلقاً أو في القسم الخاص على المختار، فما هو المراد من الغير؟ وجوه:

1ـ التجاوز عن محلّ تدارك الأجزاء المنسيّة، بحيث لو نسي لما كان له العود، فيختّص بالأركان.

2ـ الأجزاء الواجبة الأصلية دون مقدّماتها.

3ـ أو الجزء الذي، عدّ في الشرع مترتّباً على وجود الشيءالمشكوك في لسان الأدلّة.

وعلى هذا فلايكفي الذكر المطلق في الصلاة إذ ليس هو مترتّباً على وجود الجزء السابق، ولكن يعمّ كلّ جزء واجب أو مستحب، جاءا في لسان الأدلّة مترتّبين على المشكوك كالقنوت بالنسبة إلى السورة، والتعقيبات بالنسبة إلى الصلاة.

4ـ ذلك الاحتمال لكن مع تضييق خاص وهو أنّ المراد من مضيّ محلّ الشيء بالدخول في شيء آخر، ما اعتبر ترتّب أحد الشيئين على الآخر بأن يكون سبق الأوّل على الثاني معتبراً في صحّة الثاني، وترتّب الثاني على الأوّل معتبراً في صحّة الأوّل بحيث لو لم يترتّب الثاني لكان الأوّل باطلاً، ولو لم يسبق الأوّل لكان الثاني باطلاً، كأجزاء الصلاة بعضها بالنسبة إلى بعض فانّ ترتّب القراءة مثلاً على التكبيرة، معتبر في صحّة التكبيرة كما أنّ سبق التكبيرة على القراءة معتبر في صحّتها، وهكذا بقية الأجزاء.وإلاّ فلامعنى لمضيّ محلّ شيء بالدخول في شيء آخر لاربط بينهما.

والفرق بين الثالث والرابع واضح إذ على الوجه الأخير لايتحقّق المضيّ للجزء الأخير من الصلاة والوضوء أو الغسل بالدخول في الغير، أمّا إذا كان غير


(314)

مترتّب عليه كالأكل والنوم فواضح.وأمّا إذا كان مترتّباً كالتعقيبات لكن ترتّبها ليس شرطاً في صحّة التسليم، ومثله الصلاة بالنسبة إلى الجزء الأخير من الوضوء والغسل، إذ ليس صحّة الصلاة شرطاً في صحّتهما، ضرورة أنّ المسح على الرجل اليسرى، صحيح وإن لم يترتّب عليه شيء.

تحليل النظريات الأربع

يلاحظ على الأوّل ـ مضافاً إلى أنّه لادليل على قياس صورة الشكّ بصورة النسيان وتوحيدهما ـ: أنّه محجوج برواية زرارة حيث حكم عند الشكّ في الأذان حين الإقامة، أو في التكبير حين القراءة بعدم الاعتناء مع أنّه ليس كذلك في صورة النسيان.

وأمّا القول الثاني أي اختصاص الغير بالواجب الأصلي، دون المقدّمات فقد استدلّ الشيخ الأنصاري عليه برواية إسماعيل بن جابر وقال:«إنّ الظاهر من الغير في صحيحة إسماعيل بن جابر» إن شكّ في الركوع بعد ما سجد، وإن شكّ في السجود بعد ما قام، «فليمض» بملاحظة مقام التحديد ومقام التوطئة للقاعدة المقرّرة بقوله بعد ذلك:«كلّ شيء شكّ فيه...» كون السجود والقيام حدّاً للغير الذي يعتبر الدخول فيه وأنّه لاغير أقرب من الأوّل بالنسبة إلى الركوع، ومن الثاني بالنسبة إلى السجود، إذ لو كان الهوي للسجود كافياً عند الشكّ في الركوع، والنهوض للقيام كافياً عند الشكّ في السجود، قبح في مقام التوطئة للقاعدة الآتية، التحديد بالسجود والقيام ولم يكن وجه لجزم المشهور بوجوب الالتفات إذا شكّ قبل الاستواء قائماً.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بما ورد من الاكتفاء بالهوي إلى الركوع وذلك في حديثين:


1-الشيخ الأنصاري: الفرائد:411، طبعة رحمة اللّه.


(315)

1ـ رواية عبد الرحمان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ . قال: «قد ركع».(1)

وتفسير الهوي إلى الدخول في حدّ السجود كما ترى.

2ـ ما رواه فضيل بن يسار قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ استتمّ قائماً فلا أدري ركعت أم لا؟ قال: «بلى قدركعت فامض في صلاتك فإنّما ذلك من الشيطان».(2)

فانّ المراد من الاستتمام قائماً، هو العلم بانحنائه للركوع ثمّ استتمامه القيام، مع الشكّ أنّه ركع أم لا، ولعلّ كون الشكّ في هذه الموارد خارجاً عن العادة، قال: إنّه من الشيطان، فانّ الإنسان المتعارف لايعرضه الشكّ في هذه الحالة.

واحتمال كون المراد هو استتمامه بعد السجود الثاني فشكّ في ركوع الركعة السابقة فبعيد، ولايصحّ توصيفه بأنّه من الشيطان لوقوع مثل ذلك الشكّ.

وثانياً: أنّ التحديد بالسجود عند الشكّ في الركوع جاء في رواية زرارة، ولكن التحديد لم يرد في لسان الإمام، وإنّما ورد في لسان الراوي وهو لايكون حجّة.

نعم التحديد بالسجود، عند الشكّ في الركوع، وبالقيام عند الشكّ في السجود وإن ورد في لسان الإمام في رواية إسماعيل بن جابر، لكن عدم التعرّض للهوي في الأوّل، وللنهوض في الثاني لأجل عدم حصول الشكّ في هذه الحالات للإنسان إلاّ إذا كان الإنسان وسواسياً، وهذا لايعني أنّه لو حصل الشكّ للإنسان العادي في وقت من الأوقات، يجب عليه الاعتناء بل عليه المضيّ، أخذاً بالإطلاقات الواردة في باب الدخول في الغير. أي إذا خرجت من شيء ودخلت في


1-الوسائل: 4/937 ح6، الباب 13 من أبواب الركوع.
2-الوسائل: 4/ 936 ح3، الباب 13 من أبواب الركوع.


(316)

غيره أيّ غير كان.

ومع ذلك كلّه ففي النظر فيما أوردناه على الشيخ مجال:

وذلك أنّ المحتمل في رواية عبد الرحمان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ ورودها في كثيرالشكّ، والإنسان الوسواس، بقرينة رواية فضيل حيث قال الإمام ـ عليه السلام ـ : «فامض في صلاتك فإنّما ذلك من الشيطان» ولأجل ذلك لايصحّ الاعتماد عليهما في غير القدر المتيقّن والشاكّ غير المتعارف.

وممّا يدلّ على ورودهما في مورد خاص، أنّ لنفس عبد الرحمان رواية في خصوص النهوض عن السجود تدلّ على العود والإتيان وهو محمول على الإنسان المتعارف.قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ رجل رفع رأسه عن السجود فشكّ قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: «يسجد».قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائماً ، فلم يدر أسجد أم لم يسجد.قال: «يسجد».(1)

وعلى ضوء ما ذكرنا يكون ما ذكره الشيخ أقوى. وإن كان دليله قاصراً عن إثبات ما رامه لما عرفت من أنّ عدم الذكر لأجل عدم الابتلاء.

ومع ذلك كلّه فيمكن القول بكفاية الكلّ من الواجب الأصلي والمقدّمي بالبيان التالي:

إنّ ظاهر الروايات كفاية مطلق الدخول في الغير سواء كان أصلياً أو مقدّمياً ولامعنى لرفع اليد عن الإطلاق بلادليل قاطع، وقد تبيّن ضعف ما استند إليه الشيخ. وأمّا الرواية الأخيرة الدالة على العود، فاقصى ما يلزم هو التزام التخصيص في مورد السجود ويبقى الباقي تحت الإطلاق، والعلم باشتراك النهوض والهوي في الحكم غير حاصل لنا كما لايخفى.


1-الشيخ الحرّ العاملي: الوسائل: 4/972ح6، الباب 15 من أبواب السجود.


(317)

وأمّا القول الثالث: أي الدخول في الشيء المترتّب على المشكوك سواء كان واجباً أم مستحبّاً فهو أقرب الوجوه لأنّ المفروض أنّ الواجب ذو أجزاء واجبة أو أجزاء كمالية ، مترتّب بعضها على بعض فلو قيل ـ والحال هذه ـ «خرجت من شيء ودخلت في غيره» يفهم منه الدخول في الجزء الذي يجب أو يستحبّ الإتيان به في ذلك المجال، من غير فرق بين الواجب والمستحب .وعلى ذلك فلو شكّ في القراءة بعد ما قنت فقد دخل في الغير.هذا كلّه إذا شكّ في الأثناء وأمّا إذا شكّ في الجزء الأخير من المركّب، فلامعنى لتفسير الدخول في الغير بالشيء المترتّب بل يعمّ كلّ شيء غير المركّب حتّى حالة الفراغ من الصلاة فضلاً عن التعقيبات.

وأمّا الوجه الرابع: فلم أجد شيئاً صالحاً يؤيّده من الأخبار.

فتلخّص أنّ الأقرب هو ثالث الوجوه واللّه العالم.

الأمر السادس:

ما هو المراد من «المحلّ»

قد عرفت أنّ التجاوز عن الشيء عبارة عن التجاوز عنه بعد الإذعان بوجوده، وأمّا التجاوز عنه مع الشكّ في أصل وجوده فليس تجاوزاً عن الشيء إلاّ ادّعاءً ومصحّحه هو أنّ التجاوز عن المحلّ المقرّر، يعدّ تجاوزاً عن الشيء أيضاً ادّعاء فهو فرد ادّعائي للتجاوز، ولولا تعميم الروايات، مسألة التجاوز إلى التجاوز عن محلّ الشيء لاقتصرنا بالتجاوز، عن نفس الشيء حقيقة، ولكن التعميم فيها، صار سبباً بتصوير فرد ادّعائي له، وهو التجاوز عن محلّ الشيء، وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من المحلّ، الذي صار التجاوز عنه مصحِّحاً لاستعمال كلمة التجاوز فيه.

وعلى ذلك فالمحلّ، وإن لم يكن مفهوماً من الروايات بالمعنى المطابقي، لكنّه مفهوم بالمعنى الالتزامي. وقد اختلفت كلماتهم في تفسيره على احتمالات


(318)

نذكرها:

1ـ المحلّ الشرعي.

2ـ المحلّ العقلي.

3ـ المحلّ العرفي.

4ـ المحلّ العادي.

فالأوّل منها واضح المراد ضرورة أنّ الصلاة مثلاً من مخترعات الشارع وقد جعل لكلّ جزء محلاً خاصّاً، فجعل محلّ التكبيرة، قبل القراءة وهي قبل الركوع وهكذا.

والمراد من الثاني هو المحلّ المقرّر له بحكم العقل ومثّل له الشيخ الأعظم بالراءالساكنة في التكبيرة.فانّ محلّها بعد الباء بلافصل ولولاه لزم الابتداء بالسكون وهو محال.

كما أنّ المراد من الثالث، هو الطريقة المألوفة عند العرف في إنجاز ا لعمل الخاص، كالقراءة ، فانّ الفصل الطويل بين المفردات أو الجمل مرغوب عنه عرفاً، بل يوجب خروج الكلام عن كونه كلامه.

ولك أن ترجع الاحتمالين الأخيرين إلى الأوّل، فانّ المحلّ العقلي محلّ شرعي أيضاً، لأنّ الشرع الذي أمرنا بالتنطق بالتكبير إنّما يأمر به بالصورة الممكنة لاالمحالة.والمفروض أنّ الفصل يوجب التنطق به محالاً، كما أنّ الشرع إذا أمر بالقراءة إنّما أمر بها على الوجه المألوف عرفاً لا الخارج عنه فالمحلّ العرفي، محلّ شرعي أيضاً.

والمراد من العادي هو ما جرى عادة الناس أو عادة الشخص، كإنجازالغسلات الثلاثة متوالية عند الغسل عن الجنابة وغيرها، فالفصل فيها وإن كان جائزاً شرعاً لكنّه على خلاف عادة المغتسل، فإذا شكّ في الجزء الأخير


(319)

من الغسل بعد ما خرج من الحمام فقد مضى عن محلّه العادي دون الشرعي فهل يمكن الاكتفاء بهذا القدر من المضي والخروج والتجاوز أو يجب الرجوع لبقاء المحلّ الشرعي.

ذهب سيّدنا الأُستاذ تبعاً لبعض المشايخ إلى عدم الكفاية قائلاً بأنّ المراد من المحلّ هو المحلّ الشرعي لا العادي لأنّ الشارع المقنن إذا قرّر للأشياء محلاّ ً فجعل محلّ القراءة بعد التكبير وقبل الركوع وهكذا ثمّ جعل قانوناً آخر بأنّ كلّ ما مضى محلّه فامضه لايفهم العرف والعقلاء منه إلاّ ما هو المحلّ المقرّر الجعلي لا ما صار عادة للأشخاص أو النوع فانّ العادة إنّما تحصل بالعمل وهي لاتوجب أن يصير المحلّ العادي محلاً للشيء.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر المتبادر في بدء الأمر هو ما أفاده ـ دام ظلّه ـ لكنّ الإمعان في النكتة الواردة في الروايات أعني: قوله «لأنّه حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» أو قوله: «لأنّه حين ينصرف أقرب إلى الحقّ » يقتضي التعميم.وذلك لأنّ القاصد للامتثال كما يسعى أن يأتى بالشيء في محلّه الشرعي كذلك يسعى أن يأتي به في محلّه العاديّ.

وبعبارة أُخرى: أنّ القاصد للشيء ، المريد لإبراء ذمّته عنه يسعى في الإتيان بالمأمور به ويتجنّب عن الترك. فالترك إمّا مستند إلى الغفلة فممنوع، لأنّ المفروض كونه قاصداً للإتيان به في محلّه العادي، أو إلى العمد وهو يخالف كونه بصدد إبراء الذمّة.

وبالجملة : الدور الذي يقوم المحلّ الشرعي يقوم به المحلّ العادي أيضاً، فليس دوره إلاّ إعطاء الجهة للقصد وجذبه إلى نفسه حتّى يأتي به ولايتركه، فهذا بنفسه موجود في نفس المحلّ العادي، وهو يجذب القصد إلى نفسه والفعل الذي


1-الإمام الخميني: الرسائل: 297.


(320)

اعتاد به فيه.

وعلى ذلك يمكن أن يقال لافرق بين التجاوز عن المحلّ الشرعي أو العادي لكن مشروطاً بإنجاز عمل وشكّ في كماله ونقصانه، كما مثّلناه. وأمّا لو شكّ في أصل الإتيان بالعمل كمن اعتاد بالإتيان بالصلاة في أوّل الوقت وشكّ فيه قبل الغروب فلايجوز المضيّ والوقت باق.

ولعلّ العقلاء يفرّقون بين الصورتين هذا غاية ما يمكن التوجيه لكفاية التجاوز عن المحلّ العادي.وهو بعدُ يحتاج إلى مزيد تدبّر.

الأمر السابع:

هل المضيّ عزيمة أو رخصة

لاشكّ في تضافر الأمر بالمضيّ في الروايات(1) فهل يستفاد منه الوجوب واللزوم أخذاً بظاهر الأمر، أو لا، لكونه وارداً في مظانّ توهّم الحظر، فلايستفاد منه إلاّ الجواز.

والظاهر هو الأوّل، وهو أنّ ظاهر الروايات، هوالتعبّد بوقوع المشكوك أو صحّته على ما مرّ من قوله: بلى قد ركع، أو ركعت، أوغير ذلك. فالتجاوز مع الأذكرية حين العمل إمّا أمارة إلى وجود المشكوك في محلّه وكاشف عنه، أو أصل محرز، بصدد التعبّد بوجوده أو صحّته . ومع ذلك فالرجوع إليه يستلزم الزيادة بحكم تعبّد الشارع فيشمله قوله: من زاد في صلاته فعليه الإعادة.

وباختصار: أنّ الزيادة الواقعية ـ عند الرجوع ـ وإن كانت غير محرزة، لكن الزيادة حسب التعبّد محرزة، فالشارع حكم بوجود الركوع والسجود في محلّهما ومع حكمه بهما، فالإتيان بهما ثانياً زيادة في الأركان أو زيادة في الفريضة عمداً والكلّ


1-لاحظ الأحاديث برقم 1، 2، 7، 12، 13، 15، 17، 18، 19، 20 وغير ذلك .


(321)

مبطل.

أضف إلى ذلك ما ورد من النهي عن الإعادة في بعض الروايات(1) الحاكية عن إجزاء الصلاة وسقوط أمرها ومعه تكون الإعادة تشريعاً محرّماً تستثنى منه إعادة الطواف فقد ورد فيه قوله ـ عليه السلام ـ : والإعادة أحبّ إليّ وأفضل.(2)

الأمر الثامن:

في جريانها في الأجزاء غير المستقلّة

لاشكّ في جريان قاعدة التجاوز في المستقلّة من الأجزاء لعموم القاعدة لمجموع العمل وأجزائها المستقلّة كالشكّ في الركوع والسجود، والأذان والإقامة، والقراءة. مضافاً إلى ورودها في النصوص السابقة.

إنّما الكلام في شمولها للأجزاء غير المستقلّة، كالشكّ في بعض فصول الأذان والإقامة إذا تجاوز عنه بالاشتغال بفصل آخر. أو الشكّ في آيات السورة، وقد تجاوز عنها بالاشتغال بالآيات الأُخر، والظاهر عموم القاعدة لأنّ العناوين الواردة فيها هو الشيء والتجاوز، والخروج والدخول في الغير، والكلّ صادق، فلو شكّ في الفصل الأوّل من الأذان أو الإقامة، وهو شاغل بقراءة الفصل الثاني، فقد تجاوز عن محلّ الفصل الأوّل ومثله آيات الحمد، وآيات السورة التي يقرأها بعدها ولايجوز الرجوع بناء على القول بالعزيمة.

نعم قال الشيخ: إنّ الأظهر عند الفقهاء كون الفاتحة فعلاً واحداً، بل جعل بعضهم القراءة فعلاً واحداً، وقدعرفت النصّ في الروايات على عدم اعتبار الهويّ للسجود والنهوض للقيام وممّا يشهد لهذا التوجيه، إلحاق المشهور الغسل والتيمّم بالوضوء في هذا الحكم ولاوجه له ظاهراً إلاّ ملاحظة كون الوضوء أمراً واحداً


1-لاحظ رقم 6ـ12.
2-لاحظ رقم 11.


(322)

يطلب منه أمر واحد غير قابل للتبعيض أعني: الطهارة(1). وما ذكره لايخلو عن تأمّل.

نعم إجراء القاعدة في أجزاء كلمة واحدة، أو في كلمات متقاربة كـ «ربّ العالمين» لايخلو من تأمّل. لأنّ المتبادر من الروايات اختصاصها بما إذا حصل الفصل الموجب لمحو صورة العمل عن ذهن المصلّي، وهذا لايحصل غالباً في أجزاء كلمة واحدة، فلايصدق في الكلمات المتقاربة، أنّه مضى محلُّ الحرف أو الكلمة الأُولى أو أنّه فيه أذكر منه حين يشكّ، بل يعدّ المصلّي أنّه بعد في المحلّ لم يتجاوزه.(2)

الأمر التاسع:

جريانها في الشكّ في صحّة الجزء المأتي به

قد عرفت أنّ الشكّ يتعلّق تارة في الإتيان بالمأمور به، وأُخرى بصحّة المأتي به، فذهب المحقّق الخوئي إلى أنّ روايات ناظرة إلى الصورة الأُولى، دون الثانية، وجعل الثاني مجرى لقاعدة الفراغ قائلاً بعدم اختصاص مفادها بصورة الفراغ عن العمل بل تجري في الأثناء وبعد الفراغ.(3)

أمّا الشيخ الأعظم فقال: بجريانها في كلا الموردين قائلاً بأنّ مرجع الشكّ في الصحّة إلى الشكّ في وجود الشيء الصحيح ـ ثمّ قال: إنّ محلّ الكلام مالايرجع فيه الشكّ إلى الشكّ في ترك بعض ما يعتبر في الصحّة كما لو شكّ في تحقّق الموالاة في حروف الكلمة أو حروف الآية.


1-الشيخ الأنصاري: فرائد الأصول:413، طبعة رحمة اللّه.
2-لاحظ الرواية، برقم 1و19.
3-المحقّق الخوئي:مصباح الأُصول: 3/277.


(323)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ إرجاع الشكّ في الصحّة إلى الشكّ في الوجود، أمر على خلاف الارتكاز، إذ لنا نوعان من الشكّ، لاشكّ واحد.

وثانياً: أنّ الشكّ في الصحّة دائماً ينشأ من احتمال ترك جزء أو شرط أو وصف، لجزء المأمور به أو نفسه فلو كانت هذه الصورة خارجة يكون البحث لغواً.

والحقّ أنّه لافرق بين الشكّ في أصل الإتيان، والشكّ في صحّة المأتي به وأنّ الكبريات الواردة تعمّ الجميع بلسان واحد فانّ الأمثلة الواردة ـ قبل الكبرى ـ كما في رواية زرارة وإسماعيل بن جابر ـ وإن كانت ظاهرة في الشكّ في الوجود لكن الكبرى الواردة فيهما، لو لم تكن ظاهرة في الشكّ في الصّحة لا أقلّ أنّه عام لكلتا الصورتين فلاحظ قوله ـ عليه السّلام ـ في صحيحة زرارة: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» أو قوله ـ عليه السّلام ـ في رواية إسماعيل بن جابر: «كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه وقد دخل في غيره، فلميض». ومثلهما موثقة ابن أبي يعفور فانّ الكبرى الواردة فيها ظاهرة في الشكّ في صحّة الوضوء الموجود قال: إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه «ففرض الشيء محقّقاً ثمّ فرض التجاوز عنه».

أضف إلى ذلك أنّ التعليلات بالأذكريّة والأقربيّة إلى الحقّ تعمّ كلا القسمين.

بل يمكن ادّعاء الأولوية فإذا جرت القاعدة في الشكّ في الإتيان ففي الشكّ في الصحّة بطريق أولى.

والقول المذكور مبنيّ على تعدّد القاعدتين باختصاص قاعدة الفراغ بالشكّ في الصحّة بعد العمل، وقاعدة التجاوز بالشكّ في الإتيان في الأثناء، وقد عرفت عدم تماميته بل هنا قاعدة واحدة وهي قاعدة التجاوز، تجري في الأثناء، وبعد العمل، كان الشكّ في أصل الوجود أو وصفه.


(324)

الأمر العاشر:

في جريانها في الشروط

إنّ حقيقة الشرط ترجع إلى تأثير شيء خارج عن ماهية المأمور به، في صحّتها أو كمالها وهو بذاته خارج عن ماهية المأمور به ولكن التقيّد داخل فيها.

وهو على أقسام:

1ـ ما يكون محقّقاً لاتّصاف العمل بالصلاتية أو لانطباق عنوان المأمور به عليه من الظهر والعصر.

2ـ ما يكون لذات القيد محلّ شرعي مختصّ به كالأذان بالنسبة إلى الإقامة أو هما بالنسبة إلى الصلاة.

3ـ ما لايكون لذات القيد محلّ شرعي كالستر والاستقبال فهما بذاتهما قيدان والتقيّد اشتمال الصلاة على الخصوصية الحاصلة من إيجاد الستر والاستقبال.

أمّا القسم الأوّل: أي ما يكون دخيلاً في تحقق عنوان الصلاة أو المأمور به، فلو شكّ وهو في حال الصلاة أنّه نوى الصلاة أو لا ؟ أو نوى كونها ظهراً أو صلاة نافلة؟ فالقول بجريان القاعدة أمر مشكل، لأنّ جريانها فرع إحراز كون العمل متّصفاً بالصلاة أو بالمأمور به فلو شكّ في جزء أو شرط منه يكتفي بالتجاوز، وأمّا مع الشكّ في أصل العنوان فهو مشكل إلاّ أن يقال: يكفي في جريان القاعدة إحراز الموضوع في حال الشكّ كأن رأى نفسه في حالة الصلاة، أو صلاة الظهر وإن كان العنوان في طرف المشكوك غير محرز. فتأمّل.

وأمّا القسم الثاني : أي ما يكون لذات القيد محلّ شرعي مختصّ به كالأذان بالنسبة إلى الإقامة أو هما بالنسبة إلى الصلاة.فلو قلنا بوجوب واحد منهما أو كليهما، تكون صحّة المأمور به متوقّفة على وجودهما. فلو شكّ في غير محلّهما


(325)

لا يعتدّ به لقاعدة التجاوز.

ومنه: ما إذا شكّ في الإتيان بالظهر مع كونه في صلاة العصر فبما أنّ سبق صلاة الظهر شرط في صحّة صلاة العصر ومحلّها قبل الإتيان بالعصر فالقاعدة تجري في مورد الشرط ويحكم بتقدّمها على صلاة العصر وأنّها حائز للشرط.

نعم الحكم بسبق صلاة الظهر على العصر وتحقّقها ليس بمعنى إحراز وجودها مطلقاً، حتّى يستغني عن الإتيان بها، بعد صلاة العصر، بل الإحراز على الحدّ الذي تتوقّف عليه صحّة صلاة العصر، وعليه يجب عليه الإتيان بالظهر بعدها.

وباختصار: الإحراز نسبي وحيثي، لاعلى وجه الإطلاق والشمول. ووجهه: أنّ لصلاة الظهر جهتين جهة كونها مقدّمة لصلاة العصر. وجهة كونها واجبة في حدّ ذاتها. فالذي تتوقّف عليه صحّة العصر، هو الأُولى منهما، لا الثانية، فلادلالة لأخبار التجاوز على إحرازها من تلك الجهة أيضاً.

فإن قلت: إنّ قاعدة التجاوز لو كانت أمارة، تكشف عن وجه الواقع وأنّه أتى بالظهر واقعاً وإن كانت أصلاًمحرزاً، فهي وإن لم تكشف عن وجه الواقع، لكنّها تفرض القول بوجود صلاة الظهر في ظرفها، كما هو الظاهر من قوله:«قد ركعت» ومعه لايجب الإتيان بالظهر.

قلت: كونها أصلاً محرزاً بمعنى كونها محرزة لوجود الشرط أي صلاة الظهر بما هو شرط، في محلّها بمعنى واجدية صلاة العصر شرطها وهو سبق الظهر عليها ولذلك يصلح جعل ما بيده عصراً لابمعنى إحرازها مطلقاً سواء كانت شرطاً أم لا ولاملازمة بين كونها محرزة لشرط صلاة العصر وكونها محرزة لصلاة الظهر مطلقاً وفراغ ذمّته منها.

وأمّا القسم الثالث: لايكون لذات القيد محلّ شرعي، كالستر والاستقبال،


(326)

فهما بذاتهما قيدان، والتقيّد، اشتمال الصلاة على الخصوصية الحاصلة من إيجاد الستر والاستقبال، فالواجب هو إحراز تلك الخصوصية من أوّل الصلاة إلى آخرها.وحينئذ لو شكّ فله صور:

1ـ أن يشكّ بعد الفراغ عن العمل في أنّه هل كان مستقبل القبلة أم لا، فلاشكّ في جريانها بعده، غاية الأمر أنّه إذا بان الخلف أو كان الشرط واقعياً يعيد كالاستقبال وإلاّ فلا.

2ـ أن يكون شاكّاً في الأثناء بالنسبة إلى الركعة السابقة ـ وفي الوقت نفسه ـ إمّا أن يكون قاطعاً بوجوده حال الشكّ أو قاطعاً بعدمه، أو شاكّاً. فعلى الأوّل تجري القاعدة، وعلى الثاني تبطل الصلاة، للعلم بعدم الشرط فعلاً سواء صحّت الركعة الأُولى أو لا. وعلى الثالث تبطل أيضاً لأنّه لم يتجاوز عن محلّ الشرط فيجب أن يحرز ومع عدمه تبطل.

فإن قلت: ما الفرق بين الأذان والإقامة وبين الستر والاستقبال.فانّ الذوات غير واجبة، وإنّما الواجب هو الخصوصية الحاصلة منهما في الصلاة، سواء تقدّم الذات كما في الأوّل، أو قارن كما في الثاني.

قلت: الفرق هو تعيين محلّ الأوّل قبل الصلاة، حسب الشرع دون الثاني، فلايجب الأذان إلاّ قبل الصلاة، بخلاف الاستقبال فهو واجب في كلّ الآنات.

الكلام في الطهارة الحدثية

بقي الكلام في الطهارة كالوضوء فلو شكّ في أثناء الصلاة في كونه متطهّراً أو لا فهل تجري القاعدة لتصحيح ما سبق من العمل وما بقي أو لا؟

والمسألة مبنية على تمييز ما هو الشرط للصلاة.

فإن قلنا بأنّ الشرط ـ حسب قوله سبحانه ـ :(يا أيُّها الّذينَ آمَنوا إذا قُمْتُمْ


(327)

إلى الصلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ...) (المائدة/6) هو نفس الغسلات والمسحات مع قصد القربة فلاشكّ أنّه من الشرائط التي لها محلّ خاص، فالشكّ في الأثناء، شكّ بعد تجاوز المحلّ، لا في المحلّ، وعلى ضوء ذلك تكون النتيجة أنّ الصلاة واجدة للشرط اللازم،فيمضي في صلاته.ومع ذلك كلّه، لايثبت بها أنّه متطهّر فليس له الاكتفاء بهذا المقدار من الإحراز بل يجب له، إحراز الطهارة وجداناً أو بالأمارة بالنسبة إلى الصلوات الأُخر.

فإن قلت: إذا ثبت أنّه متطهّر ولو نسبياً، فلماذا لايصحّ الإتيان بالصلوات الأُخر، بالاستصحاب.

قلت: إنّ الاستصحاب للشاكّ، فهو بالنسبة إلى الطهارة الواقعية، ليس بمتيقّن حتّى يشكّ، وأمّا الطهارة المستفادة من قاعدة التجاوز فهو بوصف النسبية متيقّن غير مشكوك وبوصف الإطلاق، مشكوك الجعل من أصل.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ منع دلالة الآية على أنّها بصدد بيان محلّ الشرط وقال:إنّها إرشاد إلى اشتراط الصلاة بالوضوء ومثلها قوله ـ عليه السّلام ـ :افتتاح الصلاة الوضوء فيكون مثل الاستقبال والستر وأمثالهما ممّا ليس له محلّ شرعي بل يكون شرطاً معتبراً فيها، ولكنّ العقل يحكم بلزوم إحرازها قبل الصلاة، وليس للشارع حكم في هذه الجهة فيكون الشكّ فيها غير مشمول لأدلّة التجاوز لعدم تجاوز محلّها بالنسبة إلى الأجزاء الآتية .(1)

يلاحظ عليه: أنّه لامانع من كون الآية إرشاداً إلى ما ذكره، وإلى أنّ محلّ تحصيله هو قبل الصلاة لا أثناءها ولابعدها، ولامانع من الدلالة على الأمرين.

وإن قلنا: إنّ الشرط هو الطهارة النفسانية المسببّة عنه، فيكون شرطاً لمجموع الصلاة ومحلّه هو المجموع فما دام المصلّي لم يفرغ من صلاته لا يصدق عليه


1- الإمام الخميني: الرسائل :310.


(328)

التجاوز.

إلاّ أن يقال: إنّ الشرط وإن كان هو الطهارة النفسانية المستمرّة مع الصلاة، لكنّ الشارع جعل محلّ إحرازها منحصراً بما قبل الصلاة، فالشاكّ في أثناء الصلاة تجاوز عن المحلّ الذي أمر بتحصيله عقلاً وشرعاً وإن لم يتجاوز عن محلّ الشرط ولعلّه يكفي في شمول المورد للقاعدة ، وإلاّ فلو لوحظ نفس الشرط بما أنّه شرط للأجزاء جميعاً، أو لوحظ نفس الأجزاء المشروطة به، فالتجاوز فيه غير صادق قطعاً.

والذي يساعده العرف هو الوجه الأوّل، فلايتلقّى من الأمر بالوضوء قبل الصلاة، إلاّ مثل الأمر بالأذان والإقامة قبل الصلاة، فإذا تجاوز عن محلّ إمكان تحصيله، فيحكم بالتجاوز عنه من دون التفات إلى أنّ الشرط بوجوده المسببي بعد لم يتجاوز عنه، فالأحوط عدم الالتفات بالشكّ، وإتمام ما بيده من الصلاة ثمّ إعادتها ثانياً.

الأمر الحادي عشر:

في خروج الطهارات الثلاث عن حريم القاعدة

حكى غير واحد الاتّفاق على خروج الطهارات الثلاث عن حريم قاعدة التجاوز، وأنّه لو شكّ في الأثناء يجب عليه الالتفات، وقد ورد النصّ به في الوضوء والحق به الغُسل ببعض الاعتبارات كما ألحق به التيمّم. خصوصاً إذا كان بدلاً من الوضوء والمهمّ في المقام هو البحث عن أصل الحكم وهو عدم جريان قاعدة التجاوز في أثناء الوضوء، وأمّا البحث عن لحوق الغسل والتيمّم به فنتركه إلى محلّه، فنقول: دلّت على الحكم روايات:

1ـ صحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:

أ: «إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد


(329)

عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله، أو تمسحه ممّا سمّى اللّه مادمت في حال الوضوء.

ب: فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أُخرى في الصلاة أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمّى اللّه ممّا أوجب اللّه عليك فيه وضوءه، لاشيء عليك فيه.

ج: فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللاً فامسح بها عليه، وعلى ظهر قدميك، فإن لم تصب بللاً فلاتنقض الوضوء بالشكّ وامض في صلاتك.

وإن تيقّنت أنّك لم تتمّ وضوءك فأعد على ما تركت يقيناً حتّى تأتي على الوضوء».(1)

ودلالة الرواية على المطلب واضحة. وأمّا قوله في الفقرة الثالثة:«فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللاً» فالشكّ فيها شكّ بعدالفراغ والمسح ببلل اللحية استحبابي، بقرينة قوله في الفقرة الرابعة:«وإن لم تصب بللاً، فلاتنقض الوضوء بالشكّ وامض في صلاتك». فإنّ المضيّ في الصلاة قرينة على حدوث الشكّ في تلك الحالة، أو مقارناً لها، أي بعد التجاوزعن المحلّ.

2ـ موثّقة بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشكّ بعد ما يتوضّأ ؟ قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».(2) ودلالته بالمفهوم حيث خصّ السائل السؤال ببعد الوضوء وجاء الجواب على طبق السؤال. وبماأنّ التخصيص في كلام السائل تكون دلالتها على الرجوع في الأثناء ضعيفة.

3ـ مرسلة أبي يحيى الواسطي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: جعلت


1-الوسائل: 1/330 ح1، الباب 42 من أبواب الوضوء.
2-الوسائل: 1/ 331 ح7، الباب 42 من أبواب الوضوء.


(330)

فداك، أغسل وجهي ثمّ أغسل يدي ويشكّكني الشيطان أنّي لم أغسل ذراعي ويدي قال: «إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلاتعد».(1)

وجه الدلالة أنّه لو كان الشكّ في الأثناء مشمولاً للقاعدة لما تمسّك الإمام في الحكم بعدم العود بالأمارة الظنيّة.

لكن في الرواية ملاحظتان:

أ ـ أنّها مرسلة لايصحّ الاحتجاج بها.

ب ـ يمكن أن يقال:إنّ الشكّ في أثناء الوضوء مشمول لقاعدة التجاوز وأمّا أنّ الإمام لم يتمسّك بها بل تمسّك بالأمارة الظنيّة لأجل إزالة شكّ السائل، فلأجل كونه كثير الشكّ بشهادة قوله:«ويشكّكني الشيطان» وليس التمسّك بها دليلاً على عدم جريان القاعدة في الأثناء.

4ـ موثقة ابن أبي يعفور ـ ذكرها الشيخ في عداد ما يدلّ على لزوم الالتفات إذا شكّ في الأثناء ـ عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال:«إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء إنّما الشكّ إذاكنت في شيء لم تجزه».(2)

والرواية جديرة بالبحث صدراً وذيلاً.

أمّا الصدر أعني قوله ـ عليه السّلام ـ : «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره».

فإن رجع الضمير إلى «شيء» يلزم كفاية التجاوز عن محلّ غسل العضو، وإن لم يفرغ من الوضوء فيكون مخالفاً لما سبق والإجماع المدّعى، وإن رجع إلى الوضوء كان الصدر موافقاً لما مرّ من روايتي زرارة وأبي يحيى الواسطي.


1-الوسائل: 1/331 ح4، الباب 42 من أبواب الوضوء.
2-الوسائل: 1/330 ح2، الباب 42 من أبواب الوضوء.


(331)

أمّا الذيل فالضمير يرجع إلى «شيء» والمراد منه نفس ما أُريد من الصدر ولازم إطلاقه كفاية التجاوز عن محلّ غسل العضو وإن لم يفرغ عن العمل.

وقد ذبّ الشيخ عن الإشكال بقوله: إنّ الوضوء تمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسبّبه وهي الطهارة فلا يلاحظ كلّ فعل منه بحاله ولايلاحظ بعض الأجزاء كغسل اليد مثلاً شيئاً مستقلاّ ً حتّى يشكّ في بعض أجزائه قبل تجاوزه أو بعده .وبالجملة إذا فرض الوضوء فعلاً واحداً لم يلاحظ أجزاءه أفعالاً مستقلّة يجري فيها حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ.(1)

وحاصل الدفع: أنّه إذا فرض الوضوء أمراً بسيطاً اعتباراً فلايتصوّر فيه التجاوز إلاّ بالفراغ منه والدخول إلى غيره، وعندئذ فلايكون الحديث مخالفاً للروايتين حتّى وإن عاد الضمير في الصدر إلى شيء، لأنّه بحكم كونه بمنزلة الأمر البسيط، لايتصوّر التجاوز عنه إلاّ بالفراغ عن الوضوء، والاشتغال بشيء آخر.

يلاحظ عليه أوّلاً: بالنقض، فلو كانت وحدة المسبّب دليلاً على ملاحظة المركّب أمراً واحداً، فليكن الصلاة كذلك لوحدة مسبّبها، كالمعراج.

وثانياً: أنّ ما ذكره إنّما يدفع الإشكال.إذا كان المخاطب مثل ابن أبي يعفور واقفاً عليه، فعندئذ لا ينتقل عند سماع الرواية من التجاوز في الصدر والذيل إلاّ إلى الدخول في غير الوضوء ولكن المفروض خلافه، ومعه فالإشكال باق صدراً وذيلاً.

وأمّا ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ الخروج من باب التخصّص لاختصاص قاعدة التجاوز لأجزاء الصلاة بخلاف قاعدة الفراغ، فانّها عامّة لها ولغيرها من أبواب الفقه.


1-الشيخ الأنصاري: فرائد الأصول 413، بتلخيص.


(332)

فيلاحظ عليه: بما عرفت من أنّه ليس هنا إلاّ قاعدة واحدة، وهي قاعدة التجاوز، وهي عامّة من الجهتين تعمّ الصلاة وغيرها وحين العمل وبعده.

والأولى أن يقال: إنّ الصدر مطلق يعمّ الشكّ في الأثناء والشكّ بعده، لأنّ قوله ـ عليه السّلام ـ :«وقد دخلت في غيره» (على القول بعود الضمير إلى الشيء) له صورتان: الشكّ في جزء من الوضوء قبل الفراغ منه، والشكّ فيه بعد الفراغ منه. فيقيّد إطلاق الصدر ببركة الأدلّة السابقة ويختصّ الإطلاق ببعد الوضوء لافيه، ومثله الذيل.

وليس هذا من قبيل إخراج المورد حتّى يستهجن بل من قبيل تقييد الإطلاق، وبما ذكرنا تستغني عن كثير ممّا أُفيد في المقام.

الأمر الثاني عشر:

في اختصاص القاعدة بما إذا كان
الإخلال عن سهو لاعن عمد

لو احتمل كون الترك مستنداً إلى العمد، فهل يصحّ التمسّك بالقاعدة أو لا؟ يظهر من الشيخ في ذيل الموضع السابع جوازه قال: ـ في إثبات أنّ حكم الشكّ في صحّة المأتي به حكمه حكم الشكّ في الإتيان بما هو هو ـ ما هذا لفظه:«يمكن استفادة الحكم من قوله:«هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» فانّه بمنزلة صغرى لقوله:«فإذا كان أذكر فلايترك ممّا يعتبر في صحّة عمله الذي يريد براءة ذمّته. لأنّ الترك سهواً خلاف فرض الذكر وعمداً خلاف إرادة الإبراء».(1)

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ الأذكرية إنّما تعالج احتمال الترك سهواً، لااحتمال تركه عمداً، لأنّ كثيراً من الذاكرين يتركون الواجب أصله وفرعه، ودفع الاحتمال


1-الشيخ الأنصاري: فرائد الأصول:413.


(333)

الثاني، بأنّه يباين كونه في مقام الإبراء غير تام، إذ لم يحرز كونه في مقام الإبراء مائة بالمائة، بشهادة أنّه يحتمل أن يترك بعض الأجزاء عمداً وإن كان لايترك أصل العمل قطعاً كما هو المشهود في كثير من المصلّين، حيث لايتركون الصلاة ولكن لايهتمّون بالشرائط اللازمة.

وثانياً: أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبّدية محضة حتّى يؤخذ بإطلاقها، بل وردت في موضع فيه ارتكاز العقلاء على عدم الاعتناء في بعض صور الشكّ، فعند ذلك يصلح أن يكون الارتكاز قرينة حالية متّصلة لعدم الإطلاق، ومن المعلوم أنّها ليست حينئذ مرجع الشكّ لو كان المحتمل ترك الشيء عمداً، فليس هنا أصل عقلائي على عدم الالتفات، ولأجل ذلك يجب الرجوع إلى القواعد الأُخر من الاشتغال إذا شكّ في الأثناء أو بعد الفراغ، في ترك الجزء عمداً إذا كان في الوقت، وإلى البراءة من القضاء إذا كان خارجه، وقد تقدّم أنّ أصالة عدم الإتيان بالواجب في وقته، لايثبت عنوان الفوت الوجودي بل تكون بالنسبة إليه أصلاً مثبتاً. أو إلى استصحاب عدم المفطّر لو شكّ في استعمال مفطّر عمداً.

وباختصار أنّ احتمال الترك العمدي إمّا غير معقول عمّن هو بصدد أداء الوظيفة، وعلى فرض احتماله فالقاعدة عنه منصرفة والأذكريّة في مقابل النسيان لا في مقابل العمد وهذا آية الانصراف.

الأمر الثالث عشر:

في اختصاص القاعدة بالشكّ الحادث بعد العمل

إنّ مصبَّ القاعدة هو الشكّ الطارئ بعد مضيّ العمل أو نفسه. وأمّا لو كان الشكّ موجوداً قبل الغفلة لكنّه ذهل عنه، ثمّ التفت إلى الشكّ السابق، فلاتجزي فيه القاعدة وإليك بعض ما يترتّب عليه.


(334)

1ـ لو كان المكلّف مستصحب الحدث قبل الصلاة لكنّه غفل عنه ودخل في الصلاة وأتمّها وشكّ في صحّتها ولايحتمل أنّه توضّأ وصلّى، فلاتجري القاعدة قطعاً، لأنّ مجراها هو الشكّ الحادث والشكّ في المقام هو نفس الشكّ الموجود قبل الصلاة، لكنّه غفل عنه عبر الصلاة ثمّ عاد نفسه.

و هل المحكَّـم ـ بـعد عدم جريان القاعدة ـ هو استصحاب الحدث، أو قاعدة الاشتغال، وإن لم تترتّب عليه ثمرة عمليّة؟ يظهر من المحقق النائيني كون المحكم هو الأوّل حيث قال: إنّ قاعدة الفراغ إنّما تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري بعد العمل لاعلى الاستصحاب الجاري قبل العمل.(1)

وذهب سيّدنا الأُستاذ إلى عدم جريانه، وقال:«ولايجري الاستصحاب في حال الغفلة عن الشكّ لأنّ حجّية الاستصحاب متوقّفة على الشكّ الفعليّ الذي يكون ملتفتاً إليه ليكون الاستصحاب مستنداً للفاعل في عمله كما هو الشأن في كلّية الحجج عقلاً، فلا يكون الاستصحاب حجّة وجارياً في حال الغفلة عن الشكّ أو اليقين.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الشكّ ليس معدوماً في النفس بل موجود فيها مغفول عنه، موجوداً بالفعل لابالقوّة، وهذا يكفي في الاستصحاب، وأمّا ما أفاد من أنّ اتّصافه بالحجّية فرع التفات الشخص إليه والمفروض أنّه غير ملتفت إليه، فيدفع بأنّه يكفي التفات المجتهد إلى حال أمثاله كلّياً وأنّه يفترض إنساناً ذا يقين وذا شكّ موجود في خزانة نفسه وإن كان هو غافلاً عنه، لغفلة الإنسان عن علمه، وبما أنّ حامل اليقين والشكّ عامي لايعرف الاستصحاب ينوب عنه المجتهد فيحكم في حقّه على أنّه محدث.


1-المحقّق النائيني: فوائد الأصول: 4/649ـ650.
2-الإمام الخميني: الرسائل: 318.


(335)

2ـ لو احتمل أنّه ـ بعد الشكّ والغفلة عنه ـ توضّأ وصلّى فذهب المحقق النائيني إلى أنّه تجري القاعدة لكون الشكّ الحادث بعد الصلاة، ليس نفس الشكّ الموجود المغفول عنه قبلها، بل طرأ لأجل احتمال أنّه توضّأ وصلّى، فلايزيد حكمه عمّا إذا علم بالحدث واحتمل بعد الفراغ من الصلاة، أنّه توضأ وصلّى فكما تجري القاعدة هناك فهكذا المقام بل بطريق أولى.

يلاحظ عليه: بما ذكر في الصورة السابقة وهو أنّ اليقين والشكّ، موجودان في نفسه، غير معدومين، غاية الأمر ليسا بملتفت إليهما، وما قيل من أنّه يشترط في الاستصحاب وجود يقين وشكّ فعليين، لايهدف إلى أكثر من الموجود في المقام فكم فرق بين من شكّ وغفل ومن لو التفت لشكّ ولكنّه ما التفت ولم يشكّ، فأدلّة الاستصحاب منصرفة عن الثاني دون الأوّل.

وأمّا كون الشكّ الحادث بعد الصلاة وإن كان شكّاً جديداً مسوّغاً لجريان قاعدة التجاوز وحاكماً على الاستصحاب الجاري بعد الصلاة، لكن الاستصحاب الجاري قبل الصلاة حاكم على القاعدة.

وما أفاده من أنّ حكمه لايزيد على ما إذا علم بالحدث واحتمل بعد الفراغ من الصلاة أنّه توضّأ وصلّى، فغير تام للفرق بين المقيس والمقيس عليه، لعدم اكتمال أركان الاستصحاب في الثاني دون الأوّل، لأنّه ليس في المقيس عليه إلاّ اليقين فقط وهو غير كاف في الاستصحاب بخلاف المقيس إذ فيه وراء اليقين وجود الشكّ وإن ذهل عنه بعده.

3ـ لو كان متطهّراً، ثمّ شكّ في الطهارة وذهل وصلّى، وشكّ بعدها فالاستصحاب قبل الصلاة، وبعدها والقاعدة كلّها موافقة المضمون ولاتترتّب ثمرة عمليّة لتعيين واحد منها للجريان وإن كان معلوماً لأهله.


(336)

الأمر الرابع عشر:

في اختصاص القاعدة بالذاكر مع احتمال عروض الغفلة
دون الغافل القطعي

الظاهر اختصاص القاعدة بالوارد إلى العمل عن ذكر إجمالي، ولكنّه يحتمل عروض الغفلة عليه فيترك الجزء أو الشرط، وأمّا لو كان غافلاً حين العمل ولكنّه يحتمل الصحّة من باب الصدفة والاتّفاق، فلايحكم بالصحّة، فلو غسل اليد عن ارتماس وغفل عن تدوير خاتمه ثمّ شكّ بعد الوضوء هل انغسل بالارتماس أو لا؟ بحيث لو انغسل كان الانغسال من باب الصدفة، لامن باب كون المكلّف مريداً لأداء ما في الذمّة، فله العود إلى العمل ثانياً.

والدليل عليه أُمور:

الأوّل: ما ذكرناه في البحث السابق من أنّ القاعدة وإن لم ترد بعنوان إمضاء ما في يد العرف حتّى يتبعه سعة وضيقاً، كحجّية خبر الواحد، ولكنّه ورد في موضع فيه حكم العقلاء بعدم الالتفات أيضاً، وبما أنّ حكمهم مختصّ بما إذا كان المكلّف ملتفتاً إلى الحكم والموضوع وكان بصدد أداء ما في الذمّة، لكنّه يحتمل عروض الغفلة على التفاته فيحكم عندهم بعدم الاعتناء، ولايعمّ ما إذا كان غافلاً حين العمل بحيث لو صحّ، فإنّما يصحّ من باب الصدفة، لا من باب كون المكلّف بصدد إبراء الذمّة، وهذا يمنع عن انعقاد إطلاق في عمومات الروايات، والأخذ به ولو سلّم كونها في مقام البيان من هذه الجهة ولكن حكم العقل قرينة حالية متّصلة بها توجب انصرافها إلى حال الذكر والالتفات ولايعمّ حال الغفلة.

الثاني: ما ورد في حديث الأذكريّة والأقربيّة حيث إنّ مفادهما أن يتفاوت حاله حين العمل مع حاله بعده وهو فرع وجوب الالتفات في الأوّل، وأمّا إذا كانا


(337)

متساويين كما في المقام فلا، وحمل النكتة في الروايات على الحكمة، لا على كونه ملاكاً ومناطاً، غير ظاهر، وعلى فرض تردّده يمنع عن انعقاد الإطلاق لصلاحيتها لأن تكون قرينة على كونه مناطاً وملاكاً للحكم، ومع هذا، لايمكن الأخذ بالإطلاق لصلاحيتها للقرينة، وإن لم تكن قرينيّتها قطعيّة.

وعلى هذا فلو صلّى إلى جانب من دون تفحّص وتحقيق ثمّ شكّ بعد الفراغ في أنّ الجهة التي صلّى إليها هل كانت قبلة أو لا ؟ أو إذا توضّأ بأحد الإنائين اللذين يعلم كون واحد منهما مضافاً، فيحتمل كون التوضّؤ من الماء المطلق صدفة، فلاتجري القاعدة لوحدة حالتيه، سواء كانت صورة العمل محفوظة، كما إذا حفظ الجهة التي صلّى إليها والإناء التي توضأ منه، أو لم تكن محفوظة، كما إذا نسي الجهة التي صلّى إليها أو الإناء الذي توضّأ منه.

وباختصار: أنّ الظاهر من الروايات أنّ الحكم بالصحّة يجب أن يكون ناشئاً من سعيه لإبراء ذمّته، لا من احتمال كون المأتي به مطابقاً للواقع من باب التصادف.

الثالث: إنّ الظاهر من الروايات كون الشكّ ممحضاً في الجهل بكيفية العمل، والشكّ في انطباقه على الواقع وعدمه، وأمّا إذا كانت الكيفية معلومة كأن علم بأنّه لم يدور الخاتم وأنّه صلّى إلى هذه الجهة، أو توضّأ بأحد المائعين اللذين يعلم بكون أحدهما مضافاً بلاتحقيق وكان الشكّ في نفس الانطباق، لأجل احتمال وصول الماء صدفة أو أنّ الجهة التي صلّى إليها نفس القبلة أو غيرها، أو الماء الذي توضّأ منه ماء مطلق وهذا خارج عن مورد الروايات.

ثمّ إنّ المحقق النائيني ذهب إلى صحّة التمسّك بالإطلاق في الروايات وحمل ما ورد من الأذكريّة على أنّه من قبيل الحكمة لا من قبيل العلّة فلايكون الحكم دائراً مدار وجوده بل ربّما يكون أوسع وأعمّ.


(338)

يلاحظ عليه: أنّ التعليل بأمر ارتكازي، ومثله يعدّ مناطاً للتشريع أو علّة له.

ثمّ إنّه يظهر من بعض الروايات عدم وجوب الاعتناء، فيما أتى بالعمل غفلة، وساوت الحالتان من حيث الأذكريّة وعدمها وهو رواية الحسين بن أبي العلا قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ عن الخاتم إذا اغتسلت؟ قال: «حوّله من مكانه» وقال في الوضوء:«تدره فإن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة».(1)

ورواه الصدوق وقال: إذا كان مع الرجل خاتم فليدوره في الوضوء ويحوّله عند الغسل.قال: وقال الصادق ـ عليه السّلام ـ :«فإن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد» (2).

وأجاب المحقق الخوئي بعدم دلالة الخبر على المدّعى إذ ليس فيه ما يدلّ على أنّ السؤال أيضاً كان من جهة الشكّ في وصول الماء وأنّ الحكم بالتحويل والإدارة إنّما كان من هذه الجهة بل ظاهره ـ كون التحويل في الغسل ـ والإدارة في الوضوء مطلوباً في نفسه لا لرفع الشكّ في وصول الماء وإلاّ لم يكن لذكر خصوص التحويل في الغسل والإدارة في الوضوء وجه لكفاية العكس أيضاً في إيصال الماء، بل يكفي كلّ واحد من التحويل والإدارة فيهما فاعتبار هذه الخصوصية يشهد بكونهما مطلوبين في نفسهما، غاية الأمر أنّه علم من الخارج عدم وجوبهما في الغسل والوضوء... والحاصل ليس الخبر راجعاً إلى الشكّ في وصول الماء فإذا شكّ في وصول الماء يجب تحصيل العلم بوصوله بنزع الخاتم أو تحريكه.(3)


1-الشيخ الحرّ العاملي: الوسائل: 1/329 ح2، الباب 41 من أبواب الوضوء.
2-الشيخ الحرّ العاملي: الوسائل: 1/329 ح3، الباب 41 من أبواب الوضوء.
3-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 2/308.


(339)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الأمر بالتحويل والتدوير لأجل كونهما مقدّمتين لانغسال ما تحت الخاتم، فالسؤال عن نسيان التحويل والتدوير يرجع إلى الشكّ في انغسال ما تحته، والأمر بعدم الإعادة يرجع إلى الحكم بالصحّة مع الشكّ في الانغسال. وتوضّحه رواية علي بن جعفر والعمركي في نفس الباب، والمجموع ظاهر في أنّ السؤال يدور حول كون الخاتم مانعاً عن وصول الماء أو لا ؟ فاحتمال كون السؤال عن وجوبهماالنفسين والجواب عن نفيهما خلاف ما يتبادر في هذه الموارد، وتؤيّد ذلك رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ : قال: سألته عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها لاتدري يجري الماء تحته أم لا كيف تصنع إذا توضّأت أو اغتسلت؟قال: «تحرّكه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه» وعن الخاتم الضيق لايدري هل يجري الماء تحته إذا توضّأ أم لا كيف تصنع؟ قال: «إن علم أنّ الماء لايدخله فليخرجه إذا توضّأ».(1)

والأولى في الجواب أن يقال: إنّ السند لايصلح للاحتجاج لانتهائه إلى الحسين بن أبي العلاء وهو إمامي ممدوح ولم تثبت وثاقته. نعم نقل في جامع الرواة رواية عدّة من الأعاظم عنه كصفوان والقاسم بن محمّد الجوهري، وعلي بنالحكم، وعلي بن النعمان ويحيى بن عمران، ومحمّد بن أبي عمير إلى غير ذلك وله في الجوامع الحديثية قرابة إحدى وعشرين رواية (2) وهذا لايوصله إلى حدّ الوثاقة.

والحاصل أنّ الرواية تنتهي إلى الحسين بن أبي العلاء ولم تثبت وثاقته ويحتمل أن يكون الحكم بعدم الإعادة لأجل مشاهدة الإمام الخاتم وأنّه لم يكن مانعاً من الانغسال.


1-الشيخ الحرّ العاملي: الوسائل: 1/329 ح1، الباب 41 من أبواب الوضوء.
2-المحقّق التستري: قاموس الرجال:3/410.


(340)

الأمر الخامس عشر:

في كون الشكّ ممحضاً في الشكّ في الانطباق،لا غير

الظاهر من الروايات أن يكون هناك شكّ واحد وهو الشكّ في انطباق العمل للمأمور به وعدمه. وكان منشأ الشكّ هو احتمال طروء السهو والنسيان على المكلّف أثناء العمل، وأمّا لو انضمّ إلى هذا الشكّ، شكّ آخر، وهو الجهل بحكم اللّه الشرعي، وصار ذلك منشأ لاحتمال الانطباق وعدمه فهو خارج عن مصبِّ الروايات.

والفرق بين هذا الأمر، وما تقدّم واضح، لأنّ البحث في الأمر المتقدّم كان مركّزاً على أنّه يشترط في جريانها كون العامل ذاكراً لاغافلاً محضاً، وبعبارة أُخرى يشترط كونه ذاكراً ولكن يحتمل عروض الغفلة عليه فلايجري فيما كان غافلاً قطعاً، ولكن يحتمل الصحة صدفة.

وأمّا البحث في المقام فهو مركّز على أنّه يشترط أن يكون مستند الشكّ، هو احتمال الغفلة والسهو، لاشيء آخر، وراء الغفلة، كالجهل بالحكم الشرعي، فلاتجري فيما لو كان مبدأ الشكّ كونه جاهلاً بالحكم، ولو صحّ لكان من التصادف، نعم يجمعهما أنّ الصحّة في الموردين الخارجين عن تحت القاعدة، على خلاف طبع العمل أو ليس من طبعه، بل هي مستندة إلى الصدفة الخارجة عن الاختيار كما يجمعهما أنّ مستند الشكّ هو الجهل إمّا بالموضوع كما في الأوّل أو بالحكم كما في الثاني وإليك بعض الأمثلة:

1ـ إذا كان جاهلاً بوجوب القصر على المسافر، فصلّى ثمّ شكّ في أنّه أتمّ أو قصّر، فهو بطبع الحال يتمّ، ولكن يحتمل القصر لعلّة من العلل كماإذا زعم أنّ ما بيده ركعة رابعة مع أنّها كانت ثانية أو قصّر إمامه وهو تبعه صدفة أو غير ذلك.

2ـ إذا اعتقد أنّ المسافر مخيّر بين التمام والقصر، ويحتمل أنّه اختار القصر،


(341)

لكونه أخفّ.

3ـ إذا صلّى باعتقاد أنّه لاتجب السورة أو جلسة الاستراحة بين السجدتين وغفل عن صورة العمل، فلايدري هل صلّى مع السورة أو لا؟ هل صلّى مع الاستراحة بين السجدتين أو لا؟

4ـ إذا قامت البيّنة على أنّ الجهة الخاصّة قبلة فصلّى إليها، ثمّ تبيّن فسق الشاهدين، فشكّ في صحّة الصلاة وانطباقها على المأمور به، لاحتمال كذب قولهما، أو عمل بخبر الواحد، ثمّ تبيّن كون الراوي ضعيفاً أو الخبر معارضاً بأقوى منه.(1)

وذلك لأنّ مورد الروايات فيما إذا كانت الصحّة راجحة وكان الفساد مرجوحاً وذلك بحكم الأذكريّة فعند ذلك يمضي بانياً على الصحّة. لا فيما إذا كان الفساد راجحاً والصحّة مرجوحة كما في المثال الأوّل أو كانت الصحّة والفساد متساويين كما في باقي الأمثلة.

وإن شئت قلت:إنّ مورد الروايات فيما إذا كان الشكّ في الصحّة، ناشئاً من احتمال عروض الغفلة والسهو والنسيان، وأمّا إذا كان الشكّ ناشئاً من الجهل بالحكم أو الموضوع بحيث لولاه لما شكّ في عمله، كما في الأمثلة السابقة فلاتعمّه الروايات.

نعم أنّ المحقّق الهمداني ذهب إلى جريان القاعدة في هذا القسم من الشكّ قال:إنّ العمدة في حمل الأعمال الماضية الصادرة من المكلّف على الصحيح، هي السيرة القطعيّة وأنّه لولا ذلك لاختلّ نظام المعاش والمعاد، ولم يقم للمسلمين سوق فضلاً عن لزوم العسر والحرج المنفيين في الشريعة إذ ما من أحد إذا التفت إلى أعماله الصادرة منه في الأعصار المتقدّمة من عباداته ومعاملاته إلاّ ويشكّ في


1-الشكّ في الأمثلة الثلاثة الأوّل مستند إلى الجهل بالحكم بخلاف هذا القسم فانّ الشكّ مستند إلى الجهل بالموضوع فلاحظ .


(342)

كثير منها، لأجل الجهل بأحكامها واقترانها بأُمور لو كان ملتفتاً إليها لكان شاكّاً فلو لم يحمل عملهم على الصحيح وبنى على الاعتناء بالشكّ الناشئ من الجهل بالحكم ونظائره لضاق عليهم العيش، وهذا الدليل وإن كان لبيّاً يشكل استفادة عموم المدّعى منه إلاّ أنّه يعلم منه عدم انحصار الحمل على الصحيح بظاهر الحال، فلايجوز رفع اليد عن الأخبار المطلقة بسبب التعليل المستفاد من قوله:«هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» لأنّ جعله قرينة على التصرّف في سائر الأخبار فرع استفادة العلّية المنحصرة منه والمفروض عدم الانحصار هذا مع أنّ دلالته عليه في حدّ ذاته لايخلو عن تأمّل فلاينبغي الاستشكال في جريان القاعدة في جميع موارد الشكّ.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لايلزم من عدم جريان قاعدة التجاوز فيما إذا كان مبدأ الشكّ الجهل بالحكم الشرعيّ، الاختلال في النظام، لأنّ الشكّ إمّا في العبادات، أو المعاملات الماضية، أمّا الأوّل فلو كان الشكّ في مثل الصلاة والوضوء فلاشكّ أنّ عدم جريان قاعدة التجاوز لايستلزم القضاء، لأنّه بأمر جديد والأصل فيه عدمه، واستصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في ظرفه، لايثبت عنوان القضاء وموضوعه أي الفوت. ومثلها الزكوات والأخماس، فانّ الغالب دفعهما إلى أصحاب الصلاحيّات من المراجع ووكلائهم، وبذلك يصبح الشكّ لأجل احتمال الجهل بالأحكام الشرعيّة قليل الأثر، ومثله لايوجب اختلال النظام.

وأمّا المعاملات، فاستصحاب عدم تحقّق العقد الجامع للشرائط بنحوالنفي الناقص فاقد للحالة السابقة وبنحوالنفي التامّ مثبت على ما قلناه، وعلى فرض جريانه بنحو أصالة بقاء كلّ عين في ملك صاحبه فبما أنّ الشكّ في صحّة المعاملة لأجل الجهل بالأحكام قليل جدّاً، لايوجب الاعتناء بالشكّ


1-راجع تعليقة المحقّق الهمداني على الفرائد.


(343)

اختلالاً على أنّ الرضا بالتصرّف من كلا الطرفين حاصل على وجه الإطلاق غالباً سواء أصحّت المعاملة الخاصّة أم لا.

وأمّا الشكّ في النكاح والطلاق لأجل الجهل بالأحكام غير واقع، بل نادر، لأجل كون المجري لهما علماء الأُمّة، وهم عارفون بالأحكام.

الأمر السادس عشر:

في تقدّم القاعدة على الاستصحاب

لاشكّ في تقدّم القاعدة على الاستصحاب، بشهادة أنّ الإمام قدّمها على الاستصحاب في صحيحتي زرارة وإسماعيل بن جابر حيث إنّ الأصل كان يقتضي عدم تحقق الركوع والسجود، وإنّما الكلام في وجه التقدّم وقد ذكر فيه وجوه:

1ـ رائحة الأماريّة في القاعدة، فقد علّل الحكم بالصحّة في رواية بكير بن أعين «بأنّه حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».(1) وكما علّل في رواية محمّد بن مسلم بقوله ـ عليه السّلام ـ :«وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك».(2)

ويؤيّده ما في رواية عبدالرحمان عن أبي عبد اللّه: في من أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال:«قد ركع».(3) وفي رواية فضل بن يسار: بلى قد ركعت.(4) وفي رواية حمّاد بن عثمان بعد السؤال بقوله: أشكّ وأنا ساجد فلاأدري أركعت أم لا ؟ قال: «امض».(5)

فانّ الإخبار عن تحقّق الشيء المشكوك لدى المصلّي، يناسب مع كونها أمارة، وليس لأماريّتها وجه إلاّ كون المكلّف مستعداً لإبراء الذمّة، وبالنتيجة صارت أصالة عدم الغفلة أمارة عقلائيّة عن تحقق المطلوب على ما أمر به المولى.


1-راجع إلى ما ورد تحت الرقم 4، 5، 16، 15، 14 من الأحاديث التي مرّ ذكرها.
2-راجع إلى ما ورد تحت الرقم 4، 5، 16، 15، 14 من الأحاديث التي مرّ ذكرها.
3-راجع إلى ما ورد تحت الرقم 4، 5، 16، 15، 14 من الأحاديث التي مرّ ذكرها.
4-راجع إلى ما ورد تحت الرقم 4، 5، 16، 15، 14 من الأحاديث التي مرّ ذكرها.
5-راجع إلى ما ورد تحت الرقم 4، 5، 16، 15، 14 من الأحاديث التي مرّ ذكرها.


(344)

2ـ إنّ تقديم الاستصحاب على القاعدة يستلزم لغوية تشريعها، لأنّ موردها لا يخلو من حالات ثلاث: إمّا أن تكون الحالة السابقة مستلزمة للفساد، أو للصحّة، أو تكون مجهولة لأجل تعاقب الحالتين كما إذا توضّأ وأحدث ولم يعلم المتقدّم منهما ولاالمتأخّر ولم تكن الحالة السابقة عليهما معلومة فانّ الاستصحاب لا يجري لأجل التعارض، فإن كانت مقتضية للفساد كما هو الغالب في موردها، كالشكّ في الإتيان، أو الإتيان على الوجه الصحيح، فلو قدّم الاستصحاب ينحصر مورد القاعدة بالقسمين الأخيرين، وفي القسم الثاني لا حاجة إلى القاعدة لأنّ الأصل مقتضي للصحّة، كما إذا شكّ في الطهور مع كون الحالة السابقة هو الطهارة فينحصر موردها بالقسم الثالث.وهو ما إذا جهلت الحالة السابقة لأجل تعاقب الحدث والطهور، ولم يعلم المتقدّم من المتأخّر.وهو فرد نادر، ولايسوّغ تشريع قاعدة على التفصيل الذي لاحظته عند فرض الروايات.

3ـ إنّ لسان روايات القاعدة، هو نفي الشكّ، ولسان الاستصحاب هو الحكم مع فرض وجود الشكّ، فتقدّم عليه، من باب الحكومة.وقد عرفت قوله ـ عليه السّلام ـ : «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه»، أو قوله ـ عليه السّلام ـ :«فشكّك ليس بشيء» فمفادها أنّه إذا جاوزت، ليس لك شكّ، إذ لايترتّب على شكّك أيّ حكم، ومثل هذا يقدّم على قوله:«لاتنقض اليقين بالشكّ» الذي يفترض فيه اليقين والشكّ موجودين، ولكن يقدّم الأوّل على الثاني، فالقاعدة تعدم ـ ادّعاءً ـ موضوع الأصل وأنّه ليس هنا شكّ حتّى يترتّب عليه تقدّم اليقين، وهذا ما يعبّر عنه بالحكومة مثل قوله ـ عليه السّلام ـ : «لاشكّ لكثير الشكّ» أو «لاشكّ للإمام مع حفظ المأموم» أو أنّه: «لا ربا بين الوالد والولد. والزوج والزوجة».

فإن قلت:إنّ شرط الحكومة كون تشريع الحاكم لغواً، لولا المحكوم كقوله ـ عليه السّلام ـ :«إذا شككت فابن على الأكثر...» لكونه شارحاً له بمدلوله


(345)

اللفظي، إذ لو لم يكن للشكّ حكم من الأحكام لكان قوله ـ عليه السّلام ـ : «ولاشكّ لكثير الشكّ» لغواً، والمقام ليس كذلك إذ قوله: «بل قد ركع» ليس شارحاً لقوله:«إن كنت على يقين من طهارتك فلاتنقض اليقين بالشكّ» بحيث لو لم يكن قوله: «لاتنقض اليقين بالشكّ» لم يلزم أن يكون قوله: «بل قد ركع» لغواً.(1)

قلت: إنّ الحكومة ليست مصطلحاً شرعياً حتّى يتبع في السعة والضيق ما اصطلح عليه الشارع وإنّما هو لفظ يتوسّل به إلى بيان كيفية تقدّم أحد الدليلين على الآخر، وعلى ضوء ذلك فلو كان أحد الدليلين متصرّفاً في موضوع الدليل الآخر بالتوسيع والتضييق، فيكون التقدّم، تقدّماً حكومياً.ودليل القاعدة بالنسبة إلى دليل الاستصحاب كذلك، حيث عرفت أنّها تنفي موضوعه بأنّه لاشكّ، حتّى يتقدّم اليقين عليه.

وذلك لأنّ لسان المخصِّص ليس لسان نفي الموضوع بل إخراج الموضوع عن تحت حكم العام لا عن موضوعه فالعالم الفاسق مع الاعتراف بأنّه عالم داخل تحت موضوع «أكرم العلماء» محكوم بعدم الإكرام، ومع هذا الفرق فكيف يجعل القاعدة مخصِّصاً، لعموم الاستصحاب لا حاكماً.

وأمّا ما أفاده صاحب مصباح الأُصول(2) بأنّ تقديم القاعدة على الاستصحاب من باب التخصيص لأنّ أغلب موارد العمل بالقاعدة يكون مورداً لجريان الاستصحاب فغير تام، وذلك لأنّ لسان المخصّص لسان إخراج الموضوع عن الحكم مع حفظ الموضوع، فإذا قال: أكرم العلماء ثمّ قال:لاتكرم العالم الفاسق، فهو مع تسليم كون الفاسق عالماً وواجداً للمبدأ حكم برفع الحكم ونفيه عنه، وأين هذا من لسان قاعدة التجاوز حيث ينفي موضوع الاستصحاب وهو الشكّ، ويقول: «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه».


1-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/264و265.
2-المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 3/264و265.


(346)

القاعدة الثالثة:

قاعدة الصحّة في عمل الغير

هذه هي القاعدة الثالثة التي جرى البحث عنها إستطراداً لبيان حالها مع الاستصحاب. وتنقيح مفادها يستدعي رسم أُمور:

الأمر الأوّل:

ما هو الصلة بين أصالة الصحّة وقاعدة التجاوز ؟

الظاهر أنّ الجامع بين الأصلين هو حمل فعل الفاعل المريد، على الصحّة، سواء كان في فعل النفس أو في فعل الغير، والوجه في الحمل في الموردين أمر واحد، سيوافيك بيانه، واختصاص الحمل في فعل النفس بصورة التجاوز عن محلّ المشكوك أو بعد الفراغ عن العمل، بخلافه في فعل الغير، فانّه يجري مط