welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المحصول في علم الأُصول / ج4*
نویسنده :السيد محمود الجلالي المازندراني*

المحصول في علم الأُصول / ج4

المحصول
في
علم الأُصول

يبحث عن الإستصحاب والقواعد الأربع والتعادل والترجيح

الجزء الرابع

تقريراً لبحوث آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم
السيد محمود الجلالي المازندراني

نشر
مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

كلمة شيخنا المحاضر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله.

نحمده ونشكره على جزيل إنعامه حمداً لا نهاية له، وشكراً لا انقطاع له .

والصّلاة والسّلام على أفضل أنبيائه وأشرف رسله، محمّد والخيرة من عترته.

أمّا بعد: إذا كان الكتاب والسنّة والإجماع والعقل هو الدليل الوحيد على الأحكام الشرعية، فالاجتهاد ـ بمعنى بذل الجهد في تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي ـ استنطاق لتلك الحجج، واستنتاج لتلك الأدلّة، فليس الاجتهاد عندنا ـ معشر الشيعة الإمامية ـ شيئاً من مصادر التشريع، ولا من أدلّة الأحكام، ولكنّه طريق إلى استنباط الأحكام من تلك الأدلّة القطعية.

نعم هو من مصادر التشريع عند من قصرت يده عن الأخذ بأحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، واكتفوا بما رواه الصحابة في مجال الشريعة عن النبيّ الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو لا يتجاوز خمسمائة حديث، فلم يجدوا بدّاً لغاية الإجابة على الأسئلة المتوفرة بهذه الأحاديث القليلة، من جعل نفس الاجتهاد من منابع التشريع ومصادره، مستدلين بما روَوه عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه سأل معاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن، فقال له: بماذا تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: فإن لم تجد في سنّة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: الحمد لله الّذي وفق رسول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لما يرضي رسول الله .(1)


1-الدارمي، السنن: 1 / 70، وعون العبود: 3 / 330 .


(4)

وقد رووا عن الخليفة الثاني أنّه كتب إلى شريح: فإن أتاك بما ليس في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله، ولم يتكلّم فيه أحد، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدّم، وإن شئت أن تتأخّر فتأخّر .(1) وفي ضوء هذين الحديثين، نجم في القرن الثاني العمل بالقياس والاستحسان، وسدّ الذرائع، والمصالح المرسلة، ومذهب الصحابيّ، إلى غير ذلك من الظنون الّتي ما أنزل الله بها من سلطان.

إنّ الشيعة الإمامية في غنىً عن اللجوء إلى هذه المقاييس والاستحسانات، غير أنّ الأدلة الصحيحة تحتاج إلى استنطاق، وهي حجج صامتة، والفقيه بفضل الاجتهاد يستنطقها ويستثمرها، فتأتي ملبية لجميع ما يحتاج إليه الفقيه إلى يوم القيامة. والاجتهاد بهذا المعنى هو الطريقة الموروثة عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ فقد كان لهم موقف مثل الاجتهاد في إرشاد أصحابها إلى كيفية استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة، ولو قام أحد المحقّقين بجمع تلك الشوارد لتجلّى دور الأئمّة في تربية الفقيه في أعصارهم وجاء الكتاب حافلاً بالذكر وجديراً بالمطالعة.

هذا، وقد قدّم سيّدنا الجليل المحقق الذكي، العاكف على الدراسة والكتابة طيلة سنين، الجزء الثاني من المباحث العقلية من علم الأُصول، وبتمامه تمّ البحث حول القطع والظن، والأُصول الأربعة (البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب وكيفية العلاج بين الحجّتين) مضافاً إلى القواعد الأربع: قاعدة اليد، وقاعدة أصالة الصحّة، وقاعدة التجاوز، وقاعدة القرعة.

فنشكر المؤلّف البارع السيد محمود الجلالي المازندراني على ما بذل من جهود في تنظيم المباحث وترتيب الشوارد تنظيماً رائعاً مباركاً مثمراً بإذن الله سبحانه .

قم، الحوزة العلمية

جعفر السبحاني

20 شعبان المعظم 1415 هـ . ق


1-ابن القيم، اعلام الوقعين: 1 / 61 ـ 62 .


(5)

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد أشرف أنبيائه، وأفضل سفرائه وآله الطّيبين الطّاهرين الذين هم أساس الدين وعماد اليقين، صلاة دائمة زاكية غير منقطعة.

ربِّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً.

أمّا بعد، فإنّ استنباط الأحكام الشرعية الكلّية والوظائف العملية من مصادرها القطعية من أشرف الأُمور وأسماها، ففيه التحرّر من ربقة التقليد والاعتصام بالرأي السديد، والتعرّف على الكتاب والسنّة عن كثّب، وبالتالي اجتناء الثمرة من نفس الشجرة الطيّبة المباركة.

ومن أُسسه معرفة الحجج وشرائطها ومواردها ومعارضاتها، وكيفية العلاج بينها، والمتكفّل بمعرفة ذلك هو علم الأُصول الّذي عكف على دراسته العلماء منذ دخل الفقه الإسلامي في مسيرته الصاعدة، وكان تأسيس ذلك العلم نتيجة حتمية لسعة الرقعة الإسلامية الّتي رافقت ظهور أسئلة وموضوعات لم تكن للمسلمين بها معرفة في عصر الرسالة. فصار علم الأُصول هو الركن الوطيد للاجتهاد الصحيح وإعداد الأجوبة لهذه الموضوعات والأسئلة.

وممّن خاض عباب هذا العلم، واستخرج درره اللامعة، شيخنا وأُستاذنا جامع المعقول والمنقول سماحة آية الله الشيخ جعفر السبحاني ـ مدّ ظلّه ـ فقد ألقى محاضرات كثيرة فيهذا المضمار، دورةً بعد دورة، وكل دورة تستغرق ست سنين، يحضرها عشاق


(6)

العلم وطلاّب الفضيلة، وكنت ممّن يحضر تلك الدروس ويحرّرها بجدٍّ وسعي، وقد كتبت من دروسه ـ دام ظلّه ـ الشيء الكثير.

وها أنا أُقدّم في هذا الجزء من كتابنا «المحصول» مباحث الاستصحاب، والتعادل والترجيح، وما استطرقه الأُستاذ من الدراسة حول القواعد الأربع الّتي لا يستغني عنها الفقيه، كلّ ذلك بعبارات موجزة، خالية عن التعقيد، رامية للغرض بأقصر الطرق.

ولمّا كانت لشيخنا الأُستاذ في الدورة الثالثة أفكار أبكار في بعض المواضيع، وتبيين لما أجمله في الدورة الثانية، قمت بضمّ مجموع ما أفاضه في الدورتين في هذا الجزء وما سبقه حول المسائل العقلية، وأرجو منه سبحانه أن يوفقني لنشر ما استفدته منه ـ مدّ ظلّه ـ في مباحث الألفاظ، إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

قم، الحوزة العلمية

السيد محمود الجلالي المازندراني

15 شعبان المعظم 1415 هـ . ق


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الأصل الرابع من الأُصول العمليّة:
الاستصحاب

قد أشبعنا الكلام في الجزء السابق حول الأُصول الثلاثة من الأُصول العملية أعني: البراءة والاحتياط والتخيير . وبقي الكلام في الأخير منها. وقد عرفت في بيان مجاري الأُصول:أنّه في ظرف الشكّ إمّا تلاحظ الحالة السابقة أو لا ؟والثاني هو مجاري الأُصول الثلاثة الماضية سواء كان عدم اللحاظ لأجل عدمها أو لعدم اعتبارها كما في الشكّ في المقتضي عند الشيخ أو الأحكام الشرعية الكليّة عند بعض آخر، والأوّل هو مورد الاستصحاب ومجراه.

وقبل الخوض في المطلب نقدم أُموراً تمهيدية:

الأمر الأوّل:

في تعريف الاستصحاب

قد عرّف الاستصحاب بوجوه:

1ـ ما عرّف به المحقّق القمي : استصحاب الحال: وهو كون حكم أو


(8)

وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق.(1)

وأورد عليه الشيخ الأعظم: بأنّه من قبيل تعريف الشيء بمورده ومحلّه لابنفسه وما ذكره من كون حكم أو وصف كذلك، إنّما هو محقّق مورد الاستصحاب ومحلّه لانفسه.

2ـ ما عرّف به الشيخ الأعظم من «إبقاء ما كان» ووصفه بأنّه أسدّها وأخصرها.(2)

وأورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ لليقين والشكّ دخلاً في حقيقة الاستصحاب ولو باعتبار كون اليقين طريقاً إلى المتيقّن كما أن للشكّ في البقاء دخلاً فيه.

3ـ ما عرّف به المحقّق النائيني : من أنّه عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشكّ في بقاء متعلّق اليقين.(3)

يلاحظ عليه: أنّه تعريف بالنتيجة فإنّ عدم الانتقاض، لأجل حكم الشارع بحرمة نقضه، وهو نتيجة الاستصحاب لانفسه .

وقال المحقّق الخراساني ـ معتذراً عن هذه التعريفات ـ: بأنّ الجميع يشير إلى مفهوم واحد، وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم، شكّ في بقائه.

هذا ما ذكره القوم في المقام.

والحقّ أنّ التعريف يختلف حسب اختلاف المباني في حجّية الاستصحاب، فإنّ الأقوال في كيفية اعتباره ثلاثة:


1-المحقق القمي: القوانين: 2/53، طبعة عبد الرحيم.
2-الشيخ الأنصاري: الفرائد: 318، طبعة رحمة اللّه.
3-المحقق النائيني (تأليف الكاظمي الخراساني): فوائد الأُصول: 4/307.


(9)

1ـ إنّه أمارة عقلائية لكشف حال الشيء في الآن اللاحق، فاليقين السابق، أمارة ظنّية لبقاء الشيء في ظرف الشكّ ، وليس المراد من الشكّّ هو تساوي الطرفين حتى ينافى الظن بالبقاء، بل المراد احتمال الخلاف الجامع معه.

وإن شئت قلت: اليقين السابق طريق إلى متعلّقه في زمان اليقين والشكّ، بمعنى أنّه، كاشف عن وجود متعلّقه في الزمان الأوّل على وجه القطع وفي الزمان الثاني على وجه الظن.

2ـ إنّه أصل عملي اعتبر لصيانة الواقع وحفظه فكما أنّ المولى يحتفظ بمطلوبه بإيجاب الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة، تحريمية كانت أو إيجابية، فهكذا يحتفظ به بإيجاب العمل على طبق الحالة السابقة، لأنّ الغالب على ماكان، هو البقاء دون الزوال.

3ـ إنّه أصل عملي تعبّدي محض، كأصالة الطهارة والحلّية شرِّع في ظرف الشكّ، من دون نظر إلى الواقع. هذه هي الأنظار المختلفة حول حقيقة الاستصحاب.

فعلى النظرية الأُولى ينسلك الاستصحاب في عداد الأمارات العقلائية التي تعتبر تارة حجّة شرعية وليست الأمارة العقلائية إلاّ نفس «كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء، في الآن اللاحق» وعندئذ يكون تعريف المحقّق القمي الذي عدّه الشيخ أزيف التعاريف، أحسنَها. وإن كنت في شكّ فقارن الاستصحاب بخبر الثقة، فهناك أمارة، أعني: قول الثقة، وجعل أو إمضاء من الشارع، وهو الحجّية. وفي المقام أيضاً أمارة عقلائية، وهو كون الحكم أو الوصف، يقيني الحصول... وهو بهذا العنوان صار موضوعاً للحجّية إمضاءً أو تأسيساً.

وحينئذ يكون تعريفه بالإبقاء وغيره ، تعريفاً بعيداً عن حقيقته وتسميته


(10)

(كون الشيء يقيني الحصول...) بالاستصحاب، تسمية الشيء بنتيجته، فإذا عمل المكلّف بالأمارة فكأنّه يستصحب شيئاً من الماضي إلى الآن اللاحق.

وأمّا على القول بكونه أصلاً عمليّاً شرعياً تحفّظيّاً أو تعبّدياً، مأخوذاً من الروايات، فالصحيح تعريفه بما ورد في النصوص: من تحريم نقض اليقين السابق بالشكّ اللاحق، نقضاً تشريعياً لا تكوينياً، لأنّه حاصل ولايحتاج إلى تحصيل، وعندئذ يكون تعريفه بالإبقاء وما أشبهه، تعريفاً باللازم، لانفسه.

الأمر الثاني:

في كون الاستصحاب مسألة أُصولية لاقاعدة فقهية

يظهر من الشيخ الأعظم بعد النقض والإبرام حول موضوع علم الأُصول وعوارضه، أنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية دون الجاري في الشبهات الموضوعية كعدالة زيد ونجاسة ثوبه، فهو قاعدة فقهية كأصالة الطهارة وعدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ.

ووجهه: أنّ الميزان في تمايز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية هو اختصاص إجراء الاستصحاب في الأُولى بالمجتهد. وليس وظيفة للمقلّد، فالحكم ببقاء النجاسة السابقة في الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره مختصّ بالمجتهد، وليس كذلك في الثانية فإنّ إجراء الاستصحاب فيها جائز لهما كالحكم ببقاء عدالة زيد ونجاسة ثوبه. هذا خلاصة كلامه.

وذكر المحقّق النائيني : أنّ نتيجة المسألة الأُصولية إنّما تنفع المجتهد ولاحظّ للمقلّد فيها.وأمّا النتيجة في القاعدة الفقهية فهي تنفع المقلّد (1). وما ذكره


1-المحقق النائيني: فوائد الأُصول:4/309.


(11)

نفس خيرة الشيخ الأعظم لكن بتعبير آخر.

وما ذكره الشيخ وإن كان صحيحاً من حيث النتيجة، ولكن ما ذكر من الفرق بين القاعدتين، غير تام، إذ ليس الفرق بين المسألتين اختصاص الأُولى بالمجتهد دون الثانية. لأنّه منقوض بكثير من القواعد الفقهية التي إجراؤها بيد المجتهد ولا حظّ للمقلّد فيها. كقاعدة: ما يُضمن وما لا يضمن.وقاعدة: الالتزام. وقاعدة: الخراج بالضمان. إلى غير ذلك من القواعد التي لايصلح إجراؤها،إلاّ للمجتهد. فإنّ تشخيص ما يضمن بصحيحه، عمّا لايضمن بصحيحه من وظائف المجتهد، كما أنّ تشخيص ما ألزمته العامة على أنفسهم من خصائصه.

والحقّ أنّ الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية هو ما قدّمناه في مقدّمة مباحث الألفاظ، وهو أنّ المحمول في المسألة الأُصولية ليس حكماً شرعياً عملياً، بخلافه في القاعدة الفقهية فانّه فيها حكم شرعي عملي تندرج تحته عدّة من الأحكام الشرعية حسب الموضوعات المتنوّعة، وإليك توضيحه:

«إذا لاحظنا المسائل المدوّنة في علم الأُصول نرى أنّ المحمول في مسألة ، إمّا ليس حكماً شرعياً أو شرعيّ غير فرعي، كالبحث عن مفاد الأمر والنهي من حيث الدلالة على الوجوب والحرمة، والمرّة والتكرار ، ونظير البحث عن الملازمة بين الوجوبين أو الحرمتين، والبحث عن حجّية قول اللغوي والظواهر وقول الثقة، وعن الوظائف العمليّة للشاكّ إلى غير ذلك من المباحث الواردة في باب الألفاظ والأدلّة العقلية، فالمحمول في الجميع ليس حكماً شرعياً فرعياً بل أحكام عرفية أو مجعولة شرعية غير فرعية تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.

هذا بخلاف القواعد الفقهية، فالمحمول فيها إمّا حكم شرعي متلقى من نفس المعصوم، كقوله ـ عليه السّلام ـ : «إذا شككت في شيء ودخلت في غيره فشكّك


(12)

ليس بشيء»، أو حكم شرعي منتزع من الأحكام الشرعية الكلّية، مثل قول الفقهاء: مايضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فإنّه منتزع من الحكم بالضمان في أبواب البيع والإجارة والمزارعة والمساقاة.والدليل على الضمان في صورة الصحّة، أعني قاعدة «الإقدام» و«على اليد» هو الدليل في صورة البطلان.

وبذلك يظهر أنّ نتيجة الكبرى الكلّية الأُصولية عند التطبيق على المورد لايكون حكماً شرعياًعملياً. غايتها أنّها بعد الانطباق على الصغرى تخرج عن الكلّية ، فإذا قال الشارع: خبر الثقة حجّة، أو الظواهر حجّة، فقام خبر الثقة وجاء بكلام له ظاهر، تكون نتيجة القاعدة الأُصولية حجّية قول هذا الثقة، أو هذا الظاهر. وحجّية قول هذاالثقة أو هذا الظاهر ليس حكماً شرعياً عملياً، بل إنّما ينتهي إلى حكم شرعي عند التحليل، ويستفاد من حجّية هذه الأُمور الحكم الشرعي كوجوب السورة والجمعة.

وهذا بخلاف القواعد الفقهية، فإنّ نتائجها عند التطبيق أيضاً حكم شرعيّ كلّي، فقول القائل:كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، إذا انطبق على مورد، كالبيع، تكون النتيجة، ضمانه في كلتا الصورتين.

وهذا هو واقع الفرق بين الأمرين وخلاصته يرجع إلى الاختلاف الجوهري في نفس المحمول، إذ أنّ المحمول في أحدهما حكم شرعيّ عمليّ، مجعول أو منتزع من الحكم المجعول، بخلاف الآخر، فإنّ المحمول فيه ليس كذلك.

ويمكن تقريب ذلك بوجه آخر وهو:

إنّ إعمال المسألة الأُصولية في موردها، أشبه بالاستنتاج والاستنباط، وتكون المسألة الأُصولية من باب التوسيط للوقوف على علم جديد. ولكن إعمال القاعدة الفقهية من باب التطبيق، والفرق بين الاستنتاج والتطبيق واضح لايحتاج إلى البيان، ففي المورد الأوّل يحصل للإنسان علم جديد من ضمّ الصغرى إلى


(13)

الكبرى. فإذا تبيّنت حجّية قول الثقة، وقام قوله على وجوب السورة، أو حرمة ذبيحة الكتابي، فيتولّد من ضمّ الأمرين علم جديد ويعدّ العلم بالحكم الشرعي وليد ضمّ الصغرى إلى الكبرى. ولايصحّ لنا أن نقول:إنّ العلم بوجوب السورة، أو حرمة ذبيحة الكتابي، كان مندرجاً في الكبرى، أعني: حجّية قول الثقة، ولأجل ذلك قلنا: إنّ لها دور التوسيط.

وهذا بخلاف باب التطبيق، إذ لايوجد فيه علم جديد. بل غاية الأمر ينبسط العلم الإجمالي وينطبق على مورد خاص، فإذا وقف الفقيه على أنّ كلّ ما مضى من صلاة المصلّي وطهوره، يجب إمضاءه ولايعاد. فإذا شكّ في الركوع بعد الدخول في السجود، يذعن بأنّ الوظيفة إمضاء العمل على ما هو. وليس ذاك الإذعان شيئاً جديداً متولّداً من القاعدة، بل غايته انبساط ذاك العلم الإجمالي على المورد الخاص.

وبعبارة أُخرى:أنّ الحكم ببقاء نجاسة الماء المتغيّر الذي ذهب تغيّره بنفسه استناداً إلى قوله:«لاتنقض اليقين بالشكّ» ليس من قبيل تطبيق الكبرى على الصغرى، مثل تطبيق كلّ فاعل مرفوع على زيد في قولنا:«ضرب زيد» بل من قبيل استنتاج حكم من ضمّ الأمرين. فاليقين السابق بنجاسة الماء إذا ضمّ إلى قوله:«لاتنقض» يتفجّر منه علم جديد وهو الحكم بنجاسة ذاك الماء.وهذا بخلاف ما إذا قلنا:كل إنسان ناطق وطبّقناه على زيد وعمرو وبكر، إذ ليس هنا إلاّ بسط ذاك العلم الإجمالي الكلّي لااستنتاجه ولاإيلاده. فلاحظ.

وبهذين الوجهين يمكن تمييز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية . وأمّا الفرق بين القواعد الفقهيّة ومسائلها فقد مرّ البحث في المقدّمة فلاحظ.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاستصحاب من المسائل الأُصولية أمّا إذا قلنا بأنّه من الأمارات العقلائية كبعض الظنون الشخصية المعتبرة في باب القبلة


(14)

والركعات، فواضح.لأنّ مآل البحث إلى حجّية هذا الظن وعدمها. وإن قلنا بأنّه من الأُصول الشرعية ـ احتفاظياً كان أو تعبّدياً ـ هو أيضاً من المسائل الأُصولية.

لأنّ مفاده «هو حرمة نقض اليقين بالشكّ» وهو أشبه بالحكم الإرشادي، أو التمهيدي بالنسبة إلى الأحكام الشرعية الفرعية العمليّة وليس بنفسه حكماً شرعيّاً فرعيّاً عمليّاً كما لايخفى، ولأجل ذلك لايعاقب مرّتين إذا خالف الاستصحاب ولم يعمل به، بل غايته المؤاخذة على ترك الواقع ومخالفته.

هذا كلّه في مورد الأحكام الشرعيّة الكليّة. وأمّا في الموضوعات الجزئية، فبما أنّ النتيجة تكون جزئية وهي طهارة ثوب زيد أو عدالته، فلايعدّ الاستصحاب هنا مسألة أُصولية لأنّ المسائل الأُصولية تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلّية.

ولأجل ذلك قلنا: إنّ ما ذكره الشيخ صحيح نتيجة، وإن كان غير تام من حيث المبنى والطريقة. فلاحظ.

الأمر الثالث:

التعرّف الإجمالي على القواعد الأربع

1ـ قاعدة المقتضي والمانع.

2ـ قاعدة الاستصحاب.

3ـ قاعدة اليقين.

4ـ الاستصحاب القهقري.

إنّ اليقين والشكّ من الحالات النفسانية اللّذين لايجتمعان أبداً. مع أنّ الظاهر من الروايات اجتماعهما في لوح النفس وعدم نقض الشكّ، اليقين. غير أنّ رفع التضاد يحصل بأحد أُمور وكلّ واحد من هذه الأُمور ملاك قاعدة خاصة:


(15)

1ـ أن يكون متعلّق اليقين والشكّ مختلفين بالذات(لامختلفين بالزمان ومتحدّين بالذات) كما إذا تيقّن بصبّ الماء وشكّ في تحقّق الغسل لأجل الشكّ في وجود المانع، أو أذعن برمي السهم وشكّ في القتل لأجل الشكّ في وجود الحاجب عن الإصابة، فمتعلّق اليقين، غير متعلّق الشكّ، وهما متباينان بالذات، فالصبّ الذي تعلّق به اليقين، غير وجود المانع الذي تعلّق به الشكّ، كما أنّ الرمي الذي تعلّق به اليقين، غير وجود الحاجب الذي تعلّق به الشكّ، نعم يتولّد من اليقين والشكّ، شكّ آخر وهو الشكّ في حصول المقتضي، أعني: الغَسْل أو القتل. وربّما يحكم به تمسّكاً بأصالة عدم المانع ولكنّه مثبت، وهذا ما يسمّى بقاعدة المقتضي والمانع.

وهل الأخبار تشمل موارد قاعدة المقتضي والمانع، بأن يقال: العلم بالمقتضي موجود والشكّ في وجود المانع فالأصل عدمه، أو لا؟ سوف نرجع إلى بيانه.

2ـ أن يكون متعلّق اليقين والشك متحدّين بالذات مختلفين بالزمان ، كما إذا أذعن بعدالة زيد يوم الجمعة وشكّ في بقائها يوم السبت. والذي يرفع الغائلة، هو اختلاف زماني المتيقّن والمشكوك فيكون أحدهما متعلّقاً لليقين في زمان والآخر متعلّقاً للشكّ في زمان آخر، وأمّا اليقين والشكّ، فيصحّ أن يحصلا معاً، أو لايحصلا إلاّ بالترتّب سواء قدّم اليقين، أو قدّم الشكّ. وعلى كلّ تقدير فالملاك، التغاير بين المتيقّن والمشكوك من حيث الزمان مع تقدّم زمان المتيقن وهذا هو مجرى قاعدة الاستصحاب.

3ـ أن يتحدّ متعلّق اليقين والشكّ ذاتاً وزماناً، بأن يكون الشي الواحد من حيث الذات والزمان متعلّقاً لليقين في زمان ومتعلّقاً للشكّ في زمان آخر، ولكن يختلف زمان اليقين والشكّ، وإلاّ فكيف يمكن أن يكون شيء واحد مورداً لليقين والشكّ في زمان واحد. وهذا مورد قاعدة اليقين. ولأجل ذلك لا مناص في قاعدة


(16)

اليقين من تعدد زماني الوصفين وإن كان المتعلّقان متحدّين ذاتاً وزماناً.

وبعبارة أُخرى: الشكّ في الاستصحاب شكّ في البقاء بعد الفراغ من ثبوته حدوثاً، وفي قاعدة اليقين شكّ في الحدوث من غير نظر إلى البقاء على فرض الحدوث فإذا كنّا على علم بعدالة زيد يوم الجمعة، ثمّ شككنا بعد ذلك اليوم في بقاء وصف العدالة فهذا هو مورد الاستصحاب، ولو شككنا في نفس عدالته يوم الجمعة وأنّه هل كان مطابقاً للواقع أو كان جهلاً مركّباً من غير نظر إلى حاله بعدهـ، فهذا مورد قاعدة اليقين.

4ـ ثمّ إنّ الغالب على الاستصحاب هو تقدّم زمان المتيقّن على زمان المشكوك كعدالة زيد المتيقّنة في يوم الجمعة المتقدّمة، على عدالته المشكوكة في يوم السبت، وربّما يكون المتيقّن متأخّراً زماناً والمشكوك متقدّماً زماناً. وهذا مورد الاستصحاب القهقريّ، كما إذا علمنا بأنّ الصلاة والصوم كانا حقيقة في لسان الصادقين ـ عليهما السّلام ـ في الماهيّات العبادية، وشككنا في كونهما كذلك في لسان النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو أنّهما كانا في لسانه حقيقة في غير تلك الماهية، ولكن نقلا إليها في الأزمنة المتأخّرة، فنطيل عمر اليقين ونجرّه إلى الزمان السابق وبالنتيجة ويتّحدان حكماً ولكن ببركة أصالة «عدم النقل» وإلاّ فليس الاستصحاب القهقري حجّة في حدّ نفسه وربّما يتمسك بها في تلك المجالات بحجّة أنّ المثبت في الأُصول اللفظية حجّة، لأنّ لازم أصالة عدم النقل كونهما حقيقة في لسان النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على ما كانا حقيقة في لسان الصادقين ـ عليهما السّلام ـ ، كما لايخفى.

ثمّ إنّ الظاهر انصراف روايات الاستصحاب عن الشمول لقاعدة المقتضي والمانع، لما عرفت من تعدّد المتعلّق فيها من حيث الذات وظهور الروايات في وحدته. وسيأتي التفصيل في التنبيهات فارتقب.

نعم ربّما يستدل لها بصحيح زرارة، من الإذعان بالطهارة والشكّ في النوم


(17)

لحدوث الخفقة والخفقتين، فمتعلّق اليقين هو الطهارة ومتعلّق الشكّ هو النوم.وسيوافيك أنّ متعلّقهما واحد وهو الطهارة أيضاً، فانتظر.

الأمر الرابع:

في تقسيمات الاستصحاب

الاستصحاب ينقسم حسب المستصحب تارة، والدليل الدالّ على حكمه أُخرى، ومنشأ الشكّ ثالثة. وإليك بيان الجميع على وجه الإجمال:

أمّا التقسيم باعتبار المستصحب، فإنّه تارةً يكون أمراً وجودياً وأُخرى عدمياً، وعلى كلا التقديرين قد يكون حكماً شرعيّاً وأُخرى موضوعاً لحكم شرعي، ثمّ الحكم قد يكون كلّياً وقد يكون جزئياً، وعلى كلا التقديرين قد يكون من الأحكام التكليفية وأُخرى من الوضعية، وأمثلة الكل واضحة.

وأمّا التقسيم باعتبار الدليل الدالّ عليه، فتارة يكون دليله نقلياً كالكتاب والسنّة، وأُخرى لبّياً كالإجماع والعقل وسيوافيك البحث عن استصحاب الأحكام الشرعية المستنبطة من العقل في التنبيهات.

وأمّا التقسيم من جهة الشكّ المأخوذ فيه، فالشكّ تارة يكون في مقدار استعداد المستصحب للبقاء ويسمّى بالشكّ في المقتضي كالحيوان المردّد بين البقّ والفيل، والماء النجس المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه، واستصحاب الليل والنهار. فالشكّ في الكلّ تعلّق بمقدار استعداد المستصحب وقابلية دوامه.

والظاهر أنّ المراد من الشكّ في المقتضي ذلك. وأمّا ما ذكره المحقّق الحلّي في المعارج ونقله في المعالم والفرائد، فهو بقاعدة المقتضي والمانع أشبه حيث قال: «والذي نختاره في دليل ذلك الحكم فإن كان يقتضيه مطلقاً وجب الحكم باستمرار الحكم، كعقد النكاح فإنّه يوجب حلّ الوطء مطلقاً، فإذا وقع الخلاف


(18)

في الألفاظ التي يقع بها الطلاق، فالمستدل على أنّ الطلاق لايقع بها، لو قال: حلّ الوطء ثابت قبل النطق بهذه فيجب أن يكون ثابتاً بعده، لكان استدلالاً صحيحاً، لأنّ المقتضي للتحليل وهوالعقد اقتضاه مطلقاً ولايعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء فيكون الحكم ثابتاً عملاً بالمقتضي.(1)

وظاهر العبارة، ينطبق على ما أفاده الشيخ الطهراني (2) في محجّته ويمكن أن يكون ناظراً إلى التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في كون الأمر الموجود مقيّداً أو لا. وعند ذلك يخرج عن باب الاستصحاب. فلاحظ.

وأُخرى يكون الشكّ في الرافع مع إحراز قابلية بقائه ودوامه لولا الرافع وذلك على أقسام.لأنّ الشكّ تارة يكون في أصل وجوده كالشكّ في الحدث بعد الوضوء، وأُخرى في رافعية الأمر الموجود وهو على أقسام.لأنّ منشأ الشكّ في رافعية الأمر الموجود:

1ـ إمّا ترّدّد المستحصب بين ما يكون الموجود رافعاً له وما لايكون رافعاً له. كشغل الذمّة المستصحب يوم الجمعة بعد الإتيان بصلاة الظهر، فإنّ الشكّ في رافعية الأمر الموجود (صلاة الظهر) لأجل عدم تعيين المستصحب وتردّده بين كون الواجب هو الظهر أو الجمعة، فعلى الأوّل ارتفع الشغل دون الثاني.

2ـ وإمّا الجهل بحكم الموجود، كالمذي الخارج عن الإنسان فهل هو رافع للطهارة مثل البول، أو لا؟

3ـ أو الجهل بمصداقيّته لرافع معلوم المفهوم كالبول، كالبلل المردّد بين البول والوذي.


1- المحقق الحلّي: المعارج: 148. ط طهران عام 131هـ.
2-المحقّق الشيخ هادي الطهراني من تلاميذ الشيخ الأنصاري صاحب المحجّة وغيرها من الآثار توفي عام 1321هـ.


(19)

4ـ أو الجهل بمصداقيّته لرافع مجهول المفهوم كالتيمّم على الحجر، المجهول كونه مصداقاً للصعيد، المجهول المفهوم، الرافع للحدث. وقد وقع الخلاف في حجية الاستصحاب في هذه الموارد.

هذه التقسيمات الرئيسية ذكرناها توضيحاً للمقام.

الأمر الخامس:

ما هو المعتبر في الاستصحاب؟

يشترط في الاستصحاب من حيث اليقين والشكّ أُمور ثلاثة:

1ـ اجتماع اليقين والشكّ، سواء حدثا معاً أو حدثا متقدّماً ومتأخّراً، وسواء كان اليقين متقدّماً والشكّ متأخّراً أو بالعكس. وبهذا تخرج قاعدة اليقين عن الاستصحاب فإنّ الموجود فيها هو الشكّ دون اليقين لزواله ـ عن لوح نفسه ـ وليس ذلك إلاّ لأنّ متعلّق اليقين والشكّ في القاعدة واحد ذاتاً وزماناً فلايجتمعان أبداً ، بخلافهما فيه، فهما متّحدان ذاتاً لازماناً فيجتمعان.

2ـ سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك كما هو المتبادر من روايات الباب لابالعكس، وإلاّ كان من مقولة الاستصحاب القهقري.

3ـ فعليّة الشكّ واليقين في مقابل كونهما تقديريين لظهور الروايات، في اجتماعهما في لوح النفس في ظرف الشكّ لأنّ الألفاظ موضوعة للفعلي من المعاني دون التقديري. فالإنسان والحجر يطلقان على ما هو موصوف بالوصف العنواني، أعني: الإنسانيّة والحجريّة بالفعل.

وسيوافيك الكلام في الفروع المترتّبة على الأمر الثالث في التنبيه الثاني من تنبيهات المقام.

إذا عرفت هذه الأُمور فيقع البحث في بيان أدلّة حجّية الاستصحاب:


(20)

الكلام في بيان

أدلّة حجّية الاستصحاب

استدلّ على حجّيته بوجوه:

الأوّل: بناء العقلاء

استقرّ بناء العقلاء في الإنسان بل ذوي الشعور في كافّة أنواع الحيوان، على العمل على طبق الحالة السابقة وحيث لم يردع عنه الشارع كان ماضياً.

والاستدلال مبنيّ على ثبوت أمرين:

1ـ استكشاف بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة تعبّداً. لا لأجل الدواعي الأُخر، كما سيوافيك.

2ـ عدم الردع من جانب الشارع.

أمّا الأوّل فغير ثابت، إذ لايبعد أن يكون عملهم عليه لأجل وجود الاطمئنان أو الظن ببقاء الحالة السابقة ، أو لغفلتهم عن الشكّ ، وإن كان موجوداً في خزانة النفس، فعلى الأوّل والثاني يختصّ جواز العمل بحصول الاطمئنان أو الظن ببقاء الحالة السابقة، لامطلقاً، كما هو المطلوب. وعلى الثالث لايجوز العمل به عند الشكّ مع الالتفات(1)، لأنّ بناء العقلاء على الجري على الحالة السابقة، إنّما هو في صورة الغفلة عن الشكّ، والمجتهد المستصحِب ملتفت إلى شكّه.


1-المراد من الشكّ هو الشكّ الأُصولي أي احتمال الخلاف الذي يجتمع مع الاطمئنان والظن بالبقاء، لا الشكّ المنطقي الذي هو بمعنى تساوي الطرفين وبذلك يظهر النظر فيما أفاده المحقّق النائيني في المقام فلاحظ.


(21)

نعم لو ثبت كونه أصلاً تعبّدياً عندهم حيث يعملون به مطلقاً لحفظ النظام، كان دليلاً على حجّية الاستصحاب، ولكن عملهم به في عظائم الأُمور وجلائلها مورد شكّ وتأمّل.

وأمّا في صغائرها فغير منكر، ولو عملوا به في عظائمها فمن المحتمل أن يكون من باب الاحتياط فيختصّ وجوب العمل به إذا كان مطابقاً له لامطلقاً.

أمّا الثاني فقد أفاد المحقّق الخراساني بأنّه يكفي في الردع ما دلّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم وما دلّ على البراءة والاحتياط في مورد الشبهات.

وأورد عليه المحقّق النائيني بأنّ ما ذكره ينافي ما تقدّم منه في حجّية الخبر الواحد، وهو أنّ تلك الآيات لايمكن أن تكون رادعة عن الطريقة العقلائية ، مع أنّ بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة لو لم يكن أقوى من بنائهم على العمل بالخبر الواحد فلاأقلّ من التساوي بين المقامين.(1)

يلاحظ عليه: وجود الفرق بين المقامين، بأنّ قول الثقة في نظر العقلاء مفيد للاطمئنان الذي يعدّ عند العرف علماً ولايشمله عندئذ قوله تعالى:(ولاتَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) هذا بخلاف الاستصحاب فإنّ الظنّ الحاصل منه، لايعدّ اطمئناناً وعلماً عرفياً فتشمله الآيات الناهية عن العمل بغير العلم.

وبالجملة: أنّ العلم العرفي غير العلم المنطقي، فالثاني لايشمل الاطمئنان الحاصل من قول الثقة . بخلاف العلم الوارد في الآيات الناهية، فإنّ المراد منه الأعم من المنطقي والعلم العرفي، ولايختصّ بالمنطقي، ولأجل ذلك لابأس بالقول بالتفصيل وأنّ الآيات لاتصلح للردع عن قول الثقة لأنّ العرف يرى الاطمئنان


1-المحقق النائيني: فوائد الأصول: 4/333.


(22)

علماً بخلاف الظنّ الحاصل من الاستصحاب، فهو عندهم ظنّ وليس علماً فتشمله الآيات.

وعلى أيّ تقدير، فبما أنّ ملاك العمل ومقداره مبهمان، فلايصحّ للفقيه أن يتّكل عليه.

الثاني: الاستصحاب مفيد للظنّ

إنّ الثبوت السابق مفيد للظنّ به في اللاحق وإليه استند شارح المختصر الحاجبي فقال:معنى استصحاب الحال:أنّ الحكم الفلاني قد كان ولم يظنّ عدمه وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.

يلاحظ عليه: بعدم ثبوت الكبرى أوّلاً، لمنع إفادته الظنّ في كلّ مورد. وبعدم الدليل على حجّية هذا الظنّ ثانياً.

الثالث: الإجماع المنقول على حجّيته

واستدل صاحب المبادئ على حجّيته بالإجماع ، كما نقله الشيخ عنه في الفرائد، ولكنّه إجماع منقول لايفيد شيئاً ولو فرض ثبوته أو وقفنا على ذاك الاتّفاق فلايفيد أيضاً، لأنّ سند المجمعين واضح لأنّهم استندوا إلى أحد هذه الوجوه، فإذا كانت غير مفيدة، فلايكون المبنيّ على غير المفيد، مفيداً، على أنّ ثبوت الإجماع ممنوع، لمخالفة عدّة من الفقهاء.

ويمكن تقريره بوجه آخر وهو أمتن من التقرير السابق ـ أعني: الاتّفاق على حجّية الاستصحاب بما هو هو ـ: وهو أنّ من تتبّع في سيرة الشارع في أبواب الفقه، لايجد مورداً في الفقه إلاّ حكم الشارع فيه بالبقاء عند الشكّ، إلاّ إذا كانت هناك أمارة تخالف الأصل. وهذا ما يقال من أنّ الأصل مقدّم على الظاهر إلاّ في


(23)

موارد قليلة كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء، وغسالة الحمام، فإنّ مقتضى الأصل هو الطهارة ولكن مقتضى الظاهر هو النجاسة لغلبة بقاء جزء من البول في المخرج، ولغلبة النجاسة على غسالة الحمام، ونظير الحكم بالصحّة في فعل المسلم المقدّم على مقتضى الأصل الذي هو الفساد وقريب منه تقدّم قاعدة التجاوز على أصالة عدم الإتيان.

ولعلّ التتبّع في أبواب الفقه يورث الاطمئنان بحجّية الاستصحاب إلاّ إذا زاحمه الظاهر.

الرابع: الأخبار المستفيضة

وقد استمرّ الاستدلال بالأخبار من زمان الشيخ الجليل الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي (918ـ 984هـ . ق) فقد استدل ّبها في الكتاب الذي ألّفه للسلطان طهماسب وأسماه بالعِقد الطهماسبي، وهي عدّة روايات:

1ـ مضمرة زرارة

روى الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن حريز عن زرارة، قال:قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة! قد تنام العين ولاينام القلب والأُذن ، فإذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء». قلت: فإن حرّك على جنبه شيء ولم يعلم به؟ «قال: لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجيئ من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ولاتنقض اليقين أبداً بالشكّ وإنّما تنقضه بيقين آخر».(1)

وسند الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح في المشيخة والفهرست، والظاهر


1-الوسائل:1/ح1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء.


(24)

أنّ المراد من حمّاد هو حمّاد بن عيسى المتوفى عام 208هـ ، أو 209هـ عن عمر يناهز التسعين، المعروف بغريق الجحفة، وليس المراد منه حمّاد بن عثمان المتوفّى عام 190هـ، لعدم روايته عنه. وباقي السند معلوم حاله.

والإضمار لايضرّ، لجلالة زرارة عن السؤال عن غير الإمام مع أنّ إتقان المتن يشهد على كونه من كلام المعصوم ـ عليه السّلام ـ (1) على أنّ الأمين الاستر آبادي (1030هـ) وصاحب الحدائق (1186هـ) نقلاها عن الباقر ـ عليه السّلام ـ .(2) ولعلّهما وقفا على مصدرها ولكن الشيخ نقلها في التهذيب في باب «الأحداث الموجبة للطهارة» مضمرة.

وعلى كلّ تقدير فالرواية معتبرة لا غبار عليها.

والمهمّ في فقه الحديث أمران:

الأوّل: تشخيص ما هو مورد السؤال لزرارة وأنّه كان بصدد رفع أيّة شبهة من الشبهات.

الثاني: ما هو الجزاء لقوله:«وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه» لأنّ استفادة الضابطة الكلّية تتوقف على تعيين الجزاء.

الكلام في تعيين مورد السؤال

لاشكّ أنّ الصحيحة تتضمّن سؤالين:

1ـ أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟

2ـ فإن حرّك على جنبه شيء ولم يعلم به؟


1-المحدث البحراني: الحدائق: 1/143، الطبعة الحديثة.
2-المحدث الأسترآبادي: الفوائد المدنية:142 بحث التمسّك بالاستصحاب، والحدائق : 1/143 المقدمة الحادية عشر.


(25)

ومن الواضح أنّ السؤال الثاني كان سؤالاً عن شبهة موضوعية، وهي أنّه هل يمكن الاستدلال بعدم الالتفات عند تحريك شيء على جنبه على أنّه قد نام؟ فأجاب الإمام بماعرفت.

إنّما الكلام في تعيين مفاد السؤال الأوّل وهو يحتمل أُموراً:

أ ـ إنّ الشبهة في مورد الرواية كانت شبهة مفهومية لابمعنى أنّ الراوي كان غير عارف بمفهوم النوم إجمالاً، بل كان يعرفه لكن كان غير عارف بحدّه الدقيق حتى يطبّقه على موارد الشبهة، وكان الشكّ في تحقّق النوم بالخفقة والخفقتين ناشئاً عن عدم التعرّف على مفهومه الدقيق الجامع.

ب ـ كان السؤال عن الناقض وأنّه هل هو المرتبة الكاملة من النوم، أو تكفي المرتبة الضعيفة مع العلم بمفهوم النوم وأنّ له مراتب قويّها ما تتعطّل به القوى الثلاث، وضعيفها ما تتعطّل به العين، أو هي مع السمع ولكن القلب يدرك ولايتعطّل؟

ج ـ كان السؤال عن ناقضية الخفقة والخفقتين مع العلم بأنّها ليست داخلة في النوم، لكنّه يحتمل أن تكون بنفسها ناقضة وإن لم تكن نوماً.

هذه هي محتملات الرواية في بادئ النظر والثالث منها مردود، لأنّ النواقض محدودة، ويبعد عن زرارة أن لايعرفها، ويحتملَ كون الخفقة برأسها ناقضة وإن لم تكن داخلة تحت النوم.

فتعيّن أحد المعنيين فعلى الأوّل الشبهة حكمية مفهومية. وعلى الثاني حكمية محضة. وهو الظاهر بقرينة أنّ الإمام قام بتبيين مراتب النوم وصرّح بأنّ نوم العين والأُذن مع التصديق بأنّه من مراتبه لايكفي وإنّما الناقض هو المرتبة الكاملة منه أي إذا نام الجميع.