welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3

صفحه 1
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهيّة
3

صفحه 2

صفحه 3
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهية
تشتمل على إيضاح ودراسة عشر قواعد فقهية
الجزء الثالث
 
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السُّبْحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1394.
3 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 541 - 0 (VOL.1)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 542 - 7 (3VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1. فقه ـ ـ قواعد. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام) . ب. عنوان .
9الف2س/ 5/169 BP   324 / 297
1394
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران قم ; سـاحة الشهداء
?37745457 32925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   … الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة
الجزء:   … الثالث
تأليف:   … آية الله جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى
تاريخ الطبع :   … 1437 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 915   تسلسل الطبعة الأُولى: 447
حقوق الطبع محفوظة

صفحه 5
   
    الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة / ج 3

صفحه 6

صفحه 7
مقدمة   

مقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة، والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه محمّد وآله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا «الإيضاحات السنيّة للقواعد الفقهية» نقدّمه للقرّاء الكرام راجين منهم التسديد والتجاوز عن الهفوات.
ويشتمل هذا الجزء على الفصل السابع الذي خصصناه لدراسة القواعد المحدّدة للإطلاقات والعمومات، وهو يشتمل على عشر قواعد:
1. قاعدة نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين.
2. قاعدة ليس ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه (قاعدة الاضطرار).
3. قاعدة الجبّ (الإسلام يجب ما قبله).
4. قاعدة نفي السبيل على المؤمنين.
5. قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

صفحه 8
6. قاعدة الرفع ومعذورية الجاهل غير الشاكّ.
7. قاعدة لزوم الوفاء بالنذر والعهد واليمين.
8. قاعدة لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبيّ وآله.
9. قاعدة التقيّة في كلّ ما يضطر إليه ابن آدم.
10. قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الختام أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا الجزء طلبة العلم والمحقّقين الأفاضل، راجين أن يقع موقع القبول.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
غرّة ربيع الثاني ـ 1437 هـ

صفحه 9
 
القواعد المحدّدة للإطلاقات والعمومات   

الفصل السابع

القواعد المحدّدة للإطلاقات والعمومات

امتازت الشريعة الإسلاميّة أنّها شريعة خاتمة للشرائع السماوية، خالدة إلى يوم القيامة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن المعلوم أنّ المجتمع البشري لم يزل في تطوّر وتغيّر عقبى الحضارات المتعدّدة، وعندئذ يطرح هنا السؤال التالي: كيف يتسنّى للشريعة الثابتة أن تدير المجتمع المتبدّل قرناً بعد قرن؟ وهذا هو الإشكال الذي ربّما يثار حول الخاتمية؟
وقد أُجيب عن الإشكال بوجه أوضحناه في كتابنا «مفاهيم القرآن»1وقلنا: إنّ ممّا صار سبباً لبقاء الشريعة إلى يوم القيامة هو حكومة العناوين الثانوية على العناوين الأوّلية.
فإنّ للثانوية دوراً واضحاً في تحديد أحكام العمومات والمطلقات بحيث تعطي للشريعة مرونة قابلة للتطبيق على عامّة الحضارات والحالات فقد أمر الشارع بالوضوء والغسل والصوم والصلاة والحج والجهاد إلى عشرات الموضوعات التي وقعت محكومة بأحكام وجوبية أو شرعية، وهي في حدّ نفسها تعمّ الحالات الطارئة أيضاً :

1. لاحظ : مفاهيم القرآن: 3 / 241 ـ 249 .

صفحه 10
1. كون العمل حرجياً.
2. كون العمل ضررياً.
3. كون العمل ممّا ربّما يسبب الخوف على النفس والنفيس.
4. كون العمل يوجب تسلّط الكافر على المسلم.
فهذه العناوين الثانوية تضيّق دائرة أحكام العناوين الأوّلية، وتخصّصها بغير هذه الحالات، فلو أضر التوضّؤ أو الاغتسال، فعلى المسلم العدول إلى التيمّم; ولو كانت الصلاة من قيام حرجة على مَن يشكو من آلام الظهر، فعليه العدول الى الصلاة من جلوس، وهكذا سائر الموضوعات، وعلى هذا فللعناوين الثانوية دور واضح في تحديد أحكام العناوين الأوّلية وتضييق سعتها، كما سيتّضح لك عمّا قريب.
إنّ العناوين الثانوية الواردة في الكتاب والسنّة والتي تحدّد أحكام العناوين الأوّلية، تضفي على الشريعة الإسلامية مرونة وقابلية للتطبيق على جميع الحضارات الإنسانية في كلّ زمان ومكان، وقد اصطلح عليها الفقهاء بالأدلّة الحاكمة لأجل حكومتها وتقدّمها على كلّ حكم ثبت لموضوع بما هوهو، فقوله سبحانه:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)1 حاكم على كلّ تشريع استلزم العمل به حرجاً لا يتحمّل عادة للمكلّف، كما أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا ضرر ولا ضرار» حاكم على كلّ تشريع يورث الضرر. نعم تشخيص الحاكم عن المحكوم وما يرجع إلى الحاكم من الشروط، يحتاج إلى التفقّه والاجتهاد، وهذا ما سندرسه في هذا الفصل.

1. الحج:78.

صفحه 11
وقد اخترنا في هذا الفصل دراسة هذه العناوين التي تحدّد أحكام العناوين الأوّلية، وهي:
1. قاعدة نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين.
2. قاعدة ليس ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه (قاعدة الاضطرار).
3. قاعدة الجبّ (الإسلام يجب ما قبله).
4. قاعدة نفي السبيل للكافرين على المؤمنين.
5. قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
6. قاعدة الرفع ومعذورية الجاهل غير الشاكّ.
7. قاعدة لزوم الوفاء بالنذر والعهد واليمين.
8. قاعدة لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبيّ وآله.
9. قاعدة التقيّة في كلّ ما يضطر إليه ابن آدم.
10. قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

صفحه 12
قاعدة نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين   
القواعد الفقهية
      68

قاعدة

نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين
1. تفسير مفردات القاعدة.
2. دليل القاعدة من الكتاب العزيز.
3. الاستدلال على القاعدة بالسنّة الشريفة، وفيه ثمان روايات.
4. التعارض بين نفي الحرج مع وجوده في كثير من الأحكام .
   إجابة السيد الطباطبائي، والمحقّق النراقي، ومناقشة جوابيهما.
   ما هو الحق في رفع الاشكال؟
   حكومة القاعدة على الأحكام الأولية
5. الرفع عزيمة لا رخصة.
6. حكومة القاعدة على الواجبات والمحرّمات.
7. العبرة بالحرج الشخصي لا النوعي.
8 . حكم التعارض بين دليلي الحرج والضرر.
9. تطبيقات القاعدة.
من القواعد الفقهية الّتي لم تزل قديماً وحديثاً، دليلاً على الحكم الشرعي رفعاً أو وضعاً، هي قاعدة نفي الحرج والعسر ، وقد اتّخذت القاعدة

صفحه 13
من النص الوارد في الذكر الحكيم، أعني قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)1.
وستعرف أنّ هذه الآية هي الآية الوحيدة الدالّة على القاعدة، وأمّا الآيات الأُخرى فهي ناظرة إلى أمر آخر، وربّما تكون مؤيّدة للقاعدة لا دليلاً عليها.
وبما أنّ الآية هي الدليل القويم للقاعدة فيلزم علينا شرحها وتفسيرها أداءً لحقّها.
أقول: إنّ الآية تتضمّن أحد عشر خطاباً، فالمخاطب هو المسلمون ثم ورد في ثنايا الآية ما يعدّ تكريماً للمؤمنين فقال: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ)عطف على قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)وبهذا ترتقي الأوامر إلى أربعة. وقيّد الجهاد بقوله: (فِي اللهِ) أوّلاً، و(حَقَّ جِهَادِهِ)ثانياً، والظاهر أنّ الثاني تأكيد للأوّل، وعندئذ أُريد بالقيدين أحد الأمرين:
1. أن يكون الباعث هو أمره سبحانه.
2. الإتيان بالفرائض عامّة والاجتناب عن المحرّمات كذلك دون تبعيض.
وعلى الأوّل فهل المراد من الجهاد هو جهاد النفس، أو جهاد العدو، أو الجميع؟

1. الحج: 78 .

صفحه 14
أقول: بما أنّ آيات السورة مزيجة من آيات مكّية ومدنيّة كما هو الظاهر لمن قرأها وتدبّر في مضامين آياتها، فإنّ قسماً منها مكّية قطعاً كالآيات التي يخاطب بها الناس مثل قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)،1 أو قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ)،2 وقسم منها مدنية قطعاً كالآيات الشارحة لخصال الحج وأحكامه.
وأمّا الآية فيلوح عليها كونها مكّية، حيث يصف إبراهيم بأنّه أباهم، والظاهر أُريد به قريش والعرب العدنانيون، وأمّا العرب المدنيّون فهم من العرب القحطانيين، وعلى هذا فالظاهر أُريد بالجهاد هو مع النفس.
ثمّ إنّه سبحانه يخاطب المسلمين بأُمور نذكرها تباعاً:
أ. (هُوَ اجْتَبَاكُمْ): أي اختاركم من بين سائر الأُمم وخصّكم بأفضل الرسل وأكمل الشرائع، فصرتم أفضل الأُمم لو شعرتم بذلك.
ب. (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) وهذه الخصيصة الثانية للشريعة الإسلامية حيث إنّ أحكامها سهلة سمحة، ولذلك أكد ذلك في آية أُخرى بقوله:(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)3.وسيوافيك بيانه بعد الفراغ عن تفسير الآية.
ج. لمّا تقدّمت كلمة الدين في قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)أوضحه بأنّ المراد هو الشريعة الإبراهيمية كما قال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ)و (مِلَّةَ) منصوب بالاختصاص أي: أخصّ ملّة إبراهيم، ويحتمل أن يكون

1. النساء: 1 .
2. الحج: 5 .
3 . البقرة:185.

صفحه 15
منصوباً بفعل مضمر أي: اتبعوا ملّة إبراهيم. وقد وصف تعالى إبراهيم بالأب; لأنّ العرب العدنانيّين هم الذين كانوا مسلمين، كانوا من نسل إسماعيل. وبما أنّ أكثر المؤمنين في زمان الخطاب كانوا من ولد إبراهيم جاز ذلك.
د. (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) الفقرة تدلّ على تسمية المؤمنين بالمسلمين، وأمّا من هو المسمّي فهل هو إبراهيم(عليه السلام) أو الله تعالى؟ ظاهر السياق هو الأوّل بشهادة أنّ الضمير ـ أعني: (هُوَ)ـ يرجع إلى أقرب المراجع وهو إبراهيم(عليه السلام)، وعلى هذا فالمراد من قوله:(مِنْ قَبْلُ) أي قبل القرآن، فالأُمة الإسلامية موسومون في الكتب السماوية بالمسلمين، ويدلّ على ذلك قوله تعالى:(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)1، ولا ينافي ما ذكرنا أنّه سبحانه رضي الإسلام ديناً لنا، وقوله عزّ وجلّ: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)2.
ويشير إلى ما ذكرنا ما ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)3.
هـ . ثم أشار سبحانه إلى تسميتهم بالمسلمين في القرآن أيضاً بقوله: (وَفي هذا): أي في القرآن كقوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)4،

1 . البقرة:128.
2 . المائدة: 3.
3 . البقرة: 130 ـ 132.
4 . يونس:72.

صفحه 16
وقوله:(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) كأنّه تعليل لما تقدّم من الأوامر الأربعة ـ أعني: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا...)ـ والفقرة تدلّ على أمرين:
1. الرسول شهيد على المسلمين.
2. المسلمون شهداء على سائر الناس.
إنّما الكلام في مَ هو المراد من الشهادة؟
إنّ قسماً من المفسّرين قالوا بأنّ المراد من شهادة الرسول هو شهادته يوم القيامة بأنّه قد بلّغهم من الله ما أُوحي إليه، كما أنّ المراد من شهادة المسلمين على الناس هو شهادتهم على أنّ رسلهم قد بلّغوا ما أُوحي إليهم. وربّما يستشهد على هذا بما ورد من أنّه يؤتى بالأُمم وأنبيائهم فيقال لأنبيائهم هل بلّغتم أُممكم؟ فيقولون: نعم بلّغناهم، فينكرون (أي أُممهم) فيؤتى بهذه الأُمّة فيشهدون قد بلّغوا(الرسل السابقون) فيقول لهم الأُمم: مِن أين عرفتم؟ فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى بلسانه الناطق على لسان نبيّه الصادق.1
وعلى هذا فيكون معنى(شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، أي شهادة المسلمين على أُمم الرسل السابقين بأنّ أنبياءهم قد بلّغوا رسالات الله عليهم.
هذا ما لدى هؤلاء.
يلاحظ عليه: أنّ شهادة النبي على أُمّته أمر لا سترة فيه يقول سبحانه:(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).2

1 . تفسير الكشّاف :2/41; تفسير القرطبي:12/101; روح المعاني:17/211.
2 . الفرقان:30.

صفحه 17
وقد روي أنّ أعمال الأُمّة تعرض عليه وهو في البرزخ في كلّ أُسبوع أو أكثر أو أقلّ إنّما الكلام في شهادة المسلمين على سائر الأُمم كما يدلّ عليه قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)فإنّ الشهادة من الشهود وهو الإخبار عن حسٍّ والمفروض أنّهم فاقدون لهذا العلم، والاعتماد في الشهادة بإخبار الله تعالى شهادة على الشهادة لا شهادة على الأُمم، ثمّ إنّه سبحانه أعظم من أن يشهد على شهادته، غيره.
وهذا ما يدفعنا بدراسة الآية بشكل آخر وهو أنّ المراد من الشهادة هو الشهادة على الأعمال الواضحة والخفية والنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حائز لذلك المقام بشهادة قوله سبحانه:(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).1
إنّما الكلام في الشهود على سائر الناس فظاهر الخطاب وإن كان هم المسلمين ولكن أُريد منهم صنف خاص الذين بلغوا في الكمال والقرب إلى درجة يرون أعمال الناس حال حياتهم وبعد لقائهم، وعلى هذا يفسّر قوله سبحانه:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).2
فهذه الآية نظير آية الحجّ فالرسول شهيد على أُمّته والمخاطبون في قوله: (لِتَكُونُوا) هم المسلمون بالإرادة الاستعمالية وجماعة خاصّة قد بلغوا الدرجة العليا من الكمال حسب الإرادة الجدّية، وأمّا مَن هؤلاء الجماعة فعلى

1 . التوبة:94.
2 . البقرة:143.

صفحه 18
القارئ الكريم أن يدرس ذلك من طريق قراءة القرآن والتاريخ والحديث.
فإن قلت: إذا كان الشهود هو الصنف الخاص من المسلمين فكيف ينسبه القرآن إلى عامّة المسلمين ويقول في سورة الحجّ (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) وفي سورة البقرة: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)؟
قلت: لا مانع من ذلك إذا كان هذا الصنف جماعة ممتازة من المسلمين فيصحّ نسبة أمرهم إلى عامّتهم، نظير قوله سبحانه:(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ).1 فمن المعلوم أنّ كلّ واحد من بني إسرائيل لم يكن ملكاً، بل كان قسم قليل منهم ملوكاً ومع ذلك نسبهم إلى الجميع.
وممّا يدلّ على أنّ المراد من الشهود على سائر الأُمم ليس عامّة المسلمين قاطبة، ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) في نقد هذا القول، فقال: «قال الله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) فإن ظننت أنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ مَن لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية، كلاّ لم يَعْن الله مثل هذا من خلقه، يعني الأُمّة التي وجبت لها دعوة إبراهيم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وهم الأُمّة الوسطى وهم خير أُمّة أخرجت للناس».2
وحاصل الكلام: أنّ للآية ظاهراً وهو أنّ الضمائر الإحدى عشر ترجع إلى عامّة المسلمين فالرسول شهيد عليهم، وهؤلاء أيضاً شهداء على سائر

1 . المائدة:20.
2 . تفسير نور الثقلين:1/112.

صفحه 19
الناس; ولكن للآية حقيقة غير ذلك تعلم بالتأمّل، وهي أنّ ضمائر الخطاب خطاب بالإرادة الاستعمالية للأُمّة الإسلامية وخطاب بالإرادة الجدّية لجمع خاصٍّ منهم، وليس ذلك تأويلاً للآية بل تحقيقاً لمفاد الآية وما ورد في سورة البقرة.
ثمّ إنّه سبحانه لأجل أنّه خصّ المسلمين بهذه الكرامة أمرهم بالأعمال العبادية والمالية، ويقول:(فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ) في جميع الأحوال (هُوَ مَوْلاَكُمْ): أي أولى بكم (فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) فأتمّ السورة بما فيه تطييب لنفوس المؤمنين، وتقوية لقلوبهم.
***
قد تقدّم في ثنايا الآية الأخيرة أمران:
الأوّل: ذكر الجهاد في سبيل الله حقّ جهاده. وقد مرّ أنّ المراد هو جهاد النفس لا جهاد العدوّ.
الثاني: أنّه سبحانه ما جعل على الأُمّة الإسلامية حكماً حرجياً، بل الشريعة الإسلامية شريعة سهلة سمحة.
فلنأخذ كلاًّ من الموضوعين بالدراسة إجمالاً:

جهاد النفس

ذاع استعمال «جهاد النفس» بين المحدّثين وخاصّة بين علماء الأخلاق، والظاهر أنّهم اتّبعوا قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حسب ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه (إبراهيم بن هاشم)، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث بسرية فلمّا رجعوا قال: مرحباً بقوم

صفحه 20
قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس».1 والحديث موثّق، فإنّ النوفلي والسكوني وإن كانا عاميّين لكنّهما صدوقين، وقد عمل الأصحاب برواياتهما; كما ذكره الشيخ في العُدّة قال: عملت الطائفة بما رواه: حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن درّاج والسكوني وغيرهم من العامة عن أئمّتنا(عليهم السلام) فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه.2
هذا حال السند، وأمّا المضمون: فالسرية طائفة من الجيش، وفي مصطلح أهل السير فئة من الجيش يبعثها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويعيّن لهم قائداً وأميراً، على خلاف الغزوة فإنّها عبارة عن الجيش الذي يقوده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بنفسه، ولذلك تربو غزوات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على سبع وعشرين غزوة، وأمّا السرايا فربّما تناهز سبعاً وخمسين سرية.
وأمّا الجهاد فقد ذكر الراغب الأصفهاني في «المفردات» بأنّه استفراغ الوسع في مدافعية العدو. 3 ويظهر من الآيات القرآنية أنّ للنفس ثلاث حالات:
1. أمّارة      2. لوّامة      3. مطمئنة
وربّما تكون أكثر من الثلاثة ككونها راضية ومرضية.
والحقيقة أنّ هنا نفساً واحدة وهي النفس الإنسانية، وهذه الصفات الخمس من حالاتها لا أنّ هناك نفوساً خمساً، فيقع الكلام تارة في التعرّف

1 . الكافي:5/12، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد، ح3.
2 . عدة الأُصول:1/149.
3. المفرادت: 101، مادة «جهد».

صفحه 21
على تلك الحالات، وثانياً في كيفية الجهاد مع النفس الأمّارة حتى يبلغ الإنسان إلى النفس المطمئنة.
إلى هنا تمّ الكلام في الأمر الأوّل وإليك الكلام في الأمر الثاني ـ أعني: جعل الحرج في الشريعة ـ وتحقيق الحال يقتضي البحث في أُمور:

1. تفسير مفردات القاعدة

اللازم قبل كلّ شيء هو تفسير مفردات القاعدة.
الحرج والعسر لغة
قال ابن فارس: له أصل واحد وهو معظم الباب وإليه مرجع فروعه، وذلك: تجمع الشيء وضيقه، فمنه الحرج جمع حرجة وهي مجتمع شجر ويقال في الجمع حرجات، ومن ذلك الحرج: الإثم، والحرج: الضيق، قال الله تعالى:(وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا )1.2
قـال ابن الأثير: حرج، فيه: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»3:

1. الأنعام: 125 .
2. مقاييس اللغة: 2 / 50، مادة «حرج».
3. الظاهر أنّ هذا الحديث مكذوب على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.
والرجلان من تلاميذ كعب الأحبار وقد جاءت الأخبار بأنّ حفيد العاص أصاب يوم اليرموك ضامنتين من علوم أهل الكتاب فكان يحدّث منها بأشياء كثيرة من الإسرائيليات فقد قال فيها الحافظ ابن كثير: أنّ منها المعروف والمشهور والمذكور والمردود. والذي يدلّ على كونه مكذوباً ما رواه البخاري من حديث الزهري عن ابن عباس أنّه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب تقرأونه محضاً لم يشب وقد حدّثكم أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً. إلى غير ذلك من الروايات الّتي نقلها الباحث محمود أبو رية في كتابه «أضواء على السنّة النبوية» تحت عنوان: هل تجوز رواية الإسرائيليات:154ـ 155، الطبعة الثانية.

صفحه 22
الحرج في الأصل: الضيق ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق .1
وقال الفيروزآبادي: الحرج «محرّكة»: المكان الضيّق، الكثير الشجر، كالحرج ككتف والإثم، كالحرج بالكسر.2
وأنت إذا لاحظت سائر القواميس تجد هذه التعابير المتماثلة فيه، والإمعان فيما ذكره هؤلاء وغيرهم يفيد أنّ الحرج موضوع للضيق واستعماله في كثرة الشجر لأجل كون العبور بينها أمراً ضيّقاً; لأنّ الفواصل بين الأشجار قليلة، كما أنّ إطلاقه على الإثم بمعنى العصيان من هذا القبيل، لوجود مناسبة بينه وبين المعنى اللغوي حيث حبس نفسه عن رحمة الله .
وممّا يشهد على أنّ المراد من الحرج هو الضيق أي التكليف الشاق الذي يورث الضيق في نفس المكلّف أو حياته، هو قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ).3
هذا كلّه حول الحرج بقي الكلام حول العسر، لأنّ الفقهاء يعطفون أحدهما على الآخر، والعسر، لا أظن أنّه بحاجة إلى تفسير لأنّه ضد اليسر، ومع ذلك نذكر كلمات اللغويين.
قال ابن فارس: العسر يدلّ على صعوبة وشدّة، نقيض اليسر.(4)

1. النهاية: 1 / 361، مادة «حرج».
2. القاموس المحيط: 1 / 189، مادة «حرج».
3. النور: 61 .   4 . مقاييس اللغة: 4 / 319، مادة «عسر».

صفحه 23
وقال ابن الأثير: عُسر: سميت غزوة تبوك جيش العسرة; لأنّ الناس ندبوا إلى الغزو في شدّة القيظ وكان وقت إيناع الثمرة وطيب الظلال، فعسر ذلك عليهم وشقّ، والعسر ضد اليسر وهو الضيق والشدّة والصعوبة .1
وقال الفيروزآبادي: العسر: ضد اليسر، والعسرى ضد الميسرة، يقال: تعاسر واستعسر: اشتدّ والتوى.2
فتلخّص من ذلك: أنّ العسر والحرج متقاربا المفهوم، إذ في العسر ضيق كما أنّ في العسر سعة.
ويطلق الحرج على الضيق ويراد به أحد المعاني التالية:
1. ما ذكره النراقي وقال: ما كان متضمّناً لتحميل ما هو خارج عن الوسع والطاقة، أعني: كان تكليفاً بما لا يطاق، ولا يمكن الإتيان به 3.
ولا شكّ أنّ هذا القسم خارج عن محطّ بحث الفقهاء، لأنّ التكليف بما لا يطاق أمر قبيح، قال سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)4 ومن المعلوم أنّ دليل «لا حرج» دليل امتناني ولا امتنان في رفع التكليف بالمحال.
2. الضيق الذي يورث اختلال النظام، كالاحتياط التام قبل الاجتهاد بين عامّة الشبهات الوجوبية والتحريمية حسب ما حُرّر في مبحث الانسداد. ومن المعلوم أنّ رفع هذا النوع من الضيق ـ أيضاً ـ لا يعدّ امتناناً لأنّ الشارع هو الذي أمـر بحفظ النظام بسياساته وأحكامه، كأحكام الشهادة والقضاء والحدود

1. النهاية: 3 / 235، مادة «عسر».
2. القاموس المحيط: 2 / 127 .
3. عوائد الأيام: 173، العائدة: 19 .
4. البقرة: 286 .

صفحه 24
والقصـاص والدّيات إلى غير ذلك من الأحكام حول الأحوال الشخصية وأحكام التجارة وآدابها. ومثل هذا لا يقبل الوضع لكونه مضادّاً لحفظ النظام، فلا يعدّ رفعه امتناناً منه. وبعبارة أُخرى: ومعه لا يعدّ رفع الحرج المضادّ لمطلوبه امتناناً.
ولذا فيتعيّن المعنى الثالث، وهو:
3. الحرج هو الذي لا يخرج العمل عن كونه مقدوراً، غاية الأمر لا يتحمّله أكثر الناس إلاّ على مضض، على نحو لو عمّت الأحكام الأوّلية لهذه الصورة لرغب الناس عن الدين إلاّ القليل منهم. وهذا هو المقصود في المقام.
وأمّا ما سبق نقله عن «النهاية» من أنّه عبارة عن أضيق الضيق، فهو اجتهاد من القائل، ولعلّ المراد الضيق الذي يصعب تحمّله على أكثر الناس.
ومن هنا يظهر بُعد ما ذكره الطبرسي في تفسير الآية 78 من سورة الحج: أنّ الله سبحانه لم يضيّق عليكم أمر الدين فلن يكلّفكم ما لا تطيقون، بل كلّف دون الوسع فلا عذر لكم في تركه.1 لماعرفت من أنّ هذا القسم ـ الذي يرجع إلى المعنى الأوّل ـ خارج عن مصبّ القاعدة والآية، إذ لا امتنان في عدم التكليف بما لا يطاق.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة ما استدل به على القاعدة .

2. دليل القاعدة

استدلّ على القاعدة بالكتاب والسنّة وربّما بالإجماع والعقل، والمهم هنا المصدران الرئيسيّان للتشريع.

1. مجمع البيان: 7 / 185 .

صفحه 25

1. الاستدلال بالكتاب العزيز

أ. مرّ عليك قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).1
إنّ الآية ناظرة إلى نفي وجود الحرج في دين الله، أي في أحكامه وسننه، وقد أُريد من الدين مجموع الأُصول والفروع، فالجميع خال من الضيق .
ثم إنّه سبحانه يفسّر الدين بقوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ): أي شريعة ابراهيم، لأنّ شريعته داخلة في شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).2
وفي الختام نقول: نحن وإن رجّحنا أنّ المراد بالجهاد، هو جهاد النفس ولكن لا مانع من إرادة الأعمّ لو كانت الآية مدنيّة.
وقد مرّ منّا أنّ هذه الآية هي الآية الوحيدة الّتي تدلّ بصراحتها على عدم تشريع الضيق على المؤمنين، فإذا سبَّب الحكم الشرعي بقاءً، الضيقَ على المكلّف أو المكلّفين، يكون الحكم المجعول مرفوعاً أو غير موضوع من أوّل الأمر، وأنّ شمول إطلاق الحكم كان صورياً لا واقعياً.
ب. استدلّ السيد المراغي على القاعدة بآية الوضوء، أعني قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)3.

1. الحج: 78 .
2. مجمع البيان: 7 / 184، بتصرّف.
3. المائدة: 6 .

صفحه 26
مورد الاستدلال هو قوله سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)ولكن التدبّر في الآية يثبت أنّها تهدف إلى معنى آخر، وهو أنّ قوله:(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)تعليل لكلّ ما ورد في الآية بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة، والغسل من الجنابة والتيمم عند عدم الماء أو تعذّر استعماله، أي ما شرع ذلك ليلزمكم في دينكم من ضيق، ولا يعنتكم فيه، ولكن يريد بما فرض عليكم من الوضوء والغسل ليطهّركم وينظف أجسادكم بذلك، وعلى هذا فالآية تهدف إلى أنّ أمره سبحانه ـ بما في الآية ـ ليس لغاية الضيق، بل لغاية التطهير.1 وأين هذا من نفي الحرج في عامّة تشريعاته؟!
وأقصى ما يستفاد من الآية أنّ تشريع هذه الأحكام ليس لأجل إيجاد الضيق، وما كان فيها من ضيق فهو لغاية مهمة وهي تنظيف الأجساد وتطهيرها، وأين هذا المعنى من الدلالة على أنّ الله لم يشرّع حكماً حرجياً، بل ظاهر الآية أنّه شُرّع في المقام حكم فيه ضيق لكن لمصلحة عامّة.
نعم يمكن استفادة القاعدة لكن بالبيان التالي: وهو أن يكون قوله: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)علّة لخصوص قوله: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)حيث خصّ الغسل بالوجه واليدين وأسقط الرأس والرجلين، حتّى أنّه اكتفى من الأيدي ببعضها أي من الزند إلى أطراف الأصابع، وما ذلك إلاّ لأجل أنّ الله (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)ولمّا كان في مساواة التيمم بالوضوء في المواضع حرج رفعه الله سبحانه.
ج. قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات

1. مجمع البيان: 3 / 337 ـ 338 .

صفحه 27
مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)1.
وجه الاستدلال هو أنّ الله سبحانه لم يوجب الصوم على المريض والمسافر، لما فيه من العسر; لأنّ الله يريد بكم اليسر (وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)فلو قلنا بعموم العلّة، تكون دليلاً على عامّة الأحكام، وأنّه سبحانه لم يرد العسر بل أراد اليسر.
والعجب من الطبرسي الذي جعل الآية دليلاً على بطلان قول المجبّرة فقال: لأنّه بيّن أنّ في أفعال المكلّفين ما يريده سبحانه وهو اليسر، وفيها ما لا يريده وهو العسر، ولأنّه إذا كان لا يريد بهم العسر، فأن لا يريد تكليف ما لا يطاق، أولى .2
وقد عرفت أنّ مسألة التكليف بما لا يطاق خارجة عن حدود هذه الآيات، اللهم إلاّ أن يستدلّ بالأولوية بأن يقال: إنّه إذا كانت هذه المرحلة غير مجعولة فالمرحلة العليا أولى بأن تكون كذلك.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالكتاب العزيز، وإليك ما استدلّ به على القاعدة من السنّة الشريفة.

2. الاستدلال بالسنّة الشريفة

قد ورد الاحتجاج بنفي الحرج في غير واحدة من الروايات، إمّا بنحو

1. البقرة: 185 .
2. مجمع البيان: 2 / 35.

صفحه 28
الحكمة أو بنحو التعليل، والتمييز بينهما راجع إلى ذوق الفقيه، ونذكر من هذه الروايات ما هو المهم:
الرواية الأُولى: روى الشيخ بإسناده عن عبدالأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: «يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)امسح عليه »1.
والإسناد صحيح، فرجاله كلهم ثقات، حتّى الراوي عن الإمام ـ أعني: عبدالأعلى مولى آل سام ـ فإنّه عبارة عن عبدالأعلى بن أعين العجلي، ذكره الطوسي في رجال الصادق (عليه السلام)، وقال المفيد: هو من فقهاء أصحاب الصادقين والأعلام والرؤساء، المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، والذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأُصول المدوّنة والمصنّفات المشهورة،2 وهذا فوق التوثيق فضلاً عن المدح.
وجه الدلالة: أنّ الإمام (عليه السلام)اتّخذ الآية كبرى لحكم شرعي وهو المسح على المرارة .
وهذا دليل على أن كلّ حكم شرعي سبَّبَ الحرج فهو مرفوع، كما أنّ المسح على البشرة هنا سبب الحرج فصار مرفوعاً.
نعم غاية ما يدلّ عليه الاستدلال بالكبرى هو رفع لزوم المسح على البشرة، وأمّا المسح على المرارة فلا تدلّ عليه الكبرى الشرعية، وإنّما أمر به الإمام (عليه السلام)وليس استنباطاً من الآية.

1. الوسائل: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 4.
2. لاحظ معجم رجال الحديث: 10 / 276 برقم 6231.

صفحه 29
الرواية الثانية: روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن ابن مسكان قال: حدّثني محمد بن ميسّر قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد أن يغتسل
منه، وليس معه إناء يغرف به، ويداه قذرتان؟ قال: «يضع يده، ثم يتوضّأ،
ثمّ يغتسل، هذا ممّا قال الله عزوجل: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَج
)»1.
والرواية صحيحة فرجال السند كلّهم ثقات، والمفروض في الرواية كون الماء قليلاً غير كر، وفرض أنّ يديه قذرتان، فإن كان المراد من القذرة هو القذارة الشرعية فتكون الرواية دليلاً على عدم انفعال الماء القليل .
وإن كان المراد القذارة العرفية، فتدلّ الرواية على نفي الحكم الاستحبابي ـ في الظروف الخاصة ـ وهو غسل اليدين خارج الماء قبل الاغتراف منه.
وعلى كلّ تقدير فالرواية تدلّ على أنّ قوله سبحانه كبرى لنفي حكم شرعي يورث الحرج، والحكم المرفوع إما نجاسة الماء القليل ـ على خلاف المشهور ـ أو لزوم غسل الأيدي خارج الماء قبل الاغتراف من الماء القليل لأجل الوضوء.
وبما أنّ الاحتمال الأوّل على خلاف المشهور، فالرواية محمولة على الاحتمال الثاني.
الرواية الثالثة: ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد الأهوازي عن ابن

1. الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

صفحه 30
سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يحمل الركوة 1 أو التور2، فيدخل أصبعه فيه؟ قال: فقال: «إن كانت يده قذرة فأهرقه، وإن كان لم يصبها قذر، فليغتسل منه، هذا ممّا قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)»3.
فالإمام (عليه السلام)فصّل بين ما لو كانت يده قذرة (أي نجسة) فأمر بإهراق الماء لانفعال الماء القليل كما يشير إليه قوله: «وإن كان لم يصبها قذر»، وأمّا إذا لم يصبها به فأجاز الاغتسال منه، وجعل مبدأ الحكم قوله سبحانه: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) .
فإن قلت: إذا فرضنا أنّه لم تصب أصبعه قذارة فما هي الحاجة إلى الاستدلال بالآية؟
قلت: لاحتمال وجود النجاسة، لافتراض أنّ الرجل جنب، وإصابة القذارة أمر محتمل. فردّ التوقّف والاحتياط بنفي الحرج.
الرواية الرابعة: ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة بن مهران، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّا نسافر فربّما بُلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فيكون فيه العذرة ويبول فيه الصبي وتبول فيه الدابة وتروث، فقال: «إن عرض في قلبك منه شيء فقل هكذا ـ يعني أفرج الماء بيدك ـ ثم توضّأ، فإنّ

1. الركوة: إناء صغير من الجلد يشرب به الماء، والجمع ركاء.
2. التور: إناء من صفر أو حجارة قد يتوضأ منه.
3. الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 11 .

صفحه 31
الدين ليس بمضيّق، فإنّ الله عزوجل يقول: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)»1.
والسند جميل وفيه الحسين بن عثمان وهو عبارة عن الحسين بن عثمان بن شريك، قال النجاشي عنه: ثقة. ويحتمل اتّحاده مع الحسين بن عثمان الرواسي الذي وصفه الكشّي بأنّ حمّاداً وجعفراً والحسين أبناء عثمان بن زياد الرواسي كلّهم فاضلون خيار ثقات.
والظاهر أنّ الماء كان كرّاً بشهادة كونه غديراً، وهو لا ينفك غالباً عن الكرّية.
وبما أنّه كانت فيه العذرة عرض في قلب الراوي شيء عاقه عن أن يتوضّأ منه، فأمر الإمام بإفراج الماء بيده حتّى يتوضّأ بالماء الأسفل، وجعل الإمام (عليه السلام)التوسعة مستفادة من الآية الكريمة.
الرواية الخامسة: ما رواه الكليني بسند صحيح عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: في الرجل الجُنب يغتسل فينتضح من الماء في الإناء، فقال: «لا بأس (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)»2.
ولعلّ وجه السؤال هو امتزاج الماء الذي يغتسل به بغسالة الحدث الأكبر، فتكون الرواية دليلاً على جواز الاغتسال إذا كان ما ينتضح قليلاً، استناداً إلى الآية الكريمة.
الرواية السادسة: ما رواه عبدالله بن جعفر الحميري عن مسعدة بن

1. تهذيب الأحكام: 1 / 417، في أبواب المياه وأحكامها من كتاب الطهارة، الحديث 1316 / 35 ; الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 14.
2. الوسائل: 1 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل، الحديث 5.

صفحه 32
صدقة قال: حدّثني جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ممّا أعطى الله أُمّتي وفضّلهم على سائر الأُمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ نبيّ (نبيّاً)، وذلك أنّ الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيّاً قال له: إجتهد في دينك ولا حرج عليك، وإنّ الله تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) يقول: من ضيق» .1
وظاهر الرواية أنّ رفع الحرج في الأُمم السابقة كان مختصّاً بأنبيائهم، ولكنّه عمّ الأُمّة الإسلاميّة جميعاً بقوله تعالى: (عَلَيْكُمْ) .
الرواية السابعة: ما رواه المجلسي في «بحار الأنوار» عن كتاب عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )2؟ فقال: «في الصلاة والزكاة والصيام والخير أن تفعلوه»3.
وفيه دلالة على أنّ المراد من الجهاد، هو السعي في طاعة أوامره ونواهيه سعياً جادّاً كاملاً.
والرواية ناظرة إلى سعة القاعدة بالنسبة إلى كافّة الأحكام الشرعية.
***
هذه هي الروايات الّتي استدلّ بها الإمام (عليه السلام)على الحكم الشرعي بآية لا حرج، وبما أنّها وردت في غير مورد من الموارد تكون حجّة كلّية في عامّة

1. قرب الإسناد: 84، برقم 277.
2. الحج: 77 ـ 78 .
3. بحار الأنوار: 1 / 55 .

صفحه 33
الأبواب، وهناك روايات خلت من الاستدلال بالآية لكن تدلّ على القاعدة نظير:
الرواية الثامنة: ما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناد صحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألته ] الإمام الكاظم (عليه السلام)[ عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلّي بها؟ فقال: «نعم، ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر (عليه السلام)كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك» .1 وكان سوق المسلمين آية التذكية.
ولعلّ هذا المقدار من الروايات كاف في البرهنة على القاعدة .
وقد جمع المحقّق النراقي ما يمكن أن يستدلّ به من الروايات في المقام فناهزت الثماني عشرة رواية .2
وفيما ذكرنا غنى وكفاية.

3. الاستدلال بحكم العقل

إنّ السيد المراغي هو ممّن استدلّ على نفي الحرج والعسر بدليل عقلي فقال: يمكن أن يقال: إنّ قضية العقل السليم عدم وقوعهما في التكاليف، نظراً إلى أنّ المتّفق عليه عند أصحابنا وجوب اللطف على الله سبحانه، ومعناه: التقريب من الطاعة والتبعيد عن المعصية الّتي هي المهلكة العظمى، ولا ريب أنّ التكليف البالغ حدّ الحرج يُبعّد عن الطاعة ويكون باعثاً إلى كثرة المخالفة،

1. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
2. عوائد الأيام: 174 ـ 178 .

صفحه 34
والله سبحانه أرحم بعباده من أن يفتنهم بما يوقعهم في العذاب غالباً.
وكما أنّ التكليف بما لا يطاق ممتنع عليه تعالى، للزوم القبح والخروج عن العدل، فكذلك التكليف بالحرج، فإنّه مناف للّطف والرحمة.1
وربّما يعترض عليه بأنّ التكليف بما لا يطاق بمعنى عدم القدرة على امتثال التكليف أمر قبيح عقلاً ولكنّه لا صلة له بقاعدة لا حرج; لأنّ ظاهر القاعدة أنّه تبارك وتعالى في مقام الامتنان على هذه الأُمّة، ولا امتنان في رفع ما لا يمكن جعله ووضعه .2
يلاحظ عليه: بأنّ السيد المراغي لم يستدلّ في المقام بقبح التكليف بما لا يطاق حتّى يتوجّه إليه ما ذكر، وإنّما جمع بين أمرين لكن كلاًّ بملاك خاص: التكليف بما لا يطاق وهو على خلاف العدل; والتكليف الحرج فإنّه على خلاف اللطف، ويبعّد عن الطاعة ويكون باعثاً إلى كثرة المخالفة، وهو ينافي اللطف والرحمة، ولا شكّ أنّ رفعه لطف وامتنان.
ويؤيد ما ذكره المراغي، قولُه سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ
)3.
والإصر في اللغة هو الثقل، وربّما يستعمل بمعنى العهد والهمّ، ولكن المراد هنا هو الأوّل.

1. العناوين: 1 / 286 .
2. القواعد الفقهية للسيد البجنوردي: 1 / 252 ـ 253 .
3. البقرة: 286 .

صفحه 35
روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سأل الله سبحانه في ليلة المعراج عدم المؤاخذة على الأُمور التالية:
1. النسيان: (لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا).
2. الخطأ: (أَوْ أَخْطَأْنَا).
3. الإصر: (وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) .
ربّما يقال: بأنّ الخطأ والنسيان من الأُمور غير الاختيارية فلا تصحّ المؤاخذة عليها فكيف طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عدم المؤاخذة عليها؟
والجواب: أنّهما اختياريان عن طريق مقدّماتهما، فمن الممكن أن يتّخذ الإنسان أُسلوباً في الحياة لا يخطأ ولا ينسى فيما يرجع إلى الشريعة.
وأمّا الإصر فيحتمل أن يكون هو التكليف الثقيل، والله سبحانه قد رفعه عن هذه الأُمّة، دون الأُمم السابقة.
وأمّا قوله: (مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ)فلا يدلّ على اختصاصه بالأُمّة، إذ الظاهر أن المراد به هو العذاب، عاجلاً أو آجلاً.
وعلى كلّ تقدير فقوله: (وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا)يكون مؤيّداً لما نحن فيه .1

3. إشكال وإجابة

ربّما قال: كيف يقول سبحانه: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) مع أنّا نلمس الحرج في التكاليف الشاقّة والأحكام الصعبة، وأهل العرف يعدّونه عسراً وحرجاً وضيقاً، كالصوم في اليوم الحار الطويل، والحجّ للنائي، ولزوم

1. لاحظ: الميزان في تفسير القرآن: 2 / 444; ومجمع البيان: 2 / 286 .

صفحه 36
الثبات في مقابلة الكفّار، وحرمة الفرار، والتوضّؤ بالماء البارد في الشتاء وفي السفر، ومجاهدة النفس، والسعي في طلب العلم في البلاد البعيدة، وعدم الخوف من لومة لائم في بيان أحكام الله وإجراء حدوده، والجهاد في سبيله، ونظائر ذلك.
وقال المحقّق النراقي: إنّ نفيهما بعنوان العموم كيف يجتمع مع ما يُشاهد من التكاليف الشاقّة والأحكام الصعبة الّتي لا يشكّ العرف في كونها عسراً أو صعبة، بل حرجاً وضيقاً، كالتكليف بالصيام في الأيام الحارة الطويلة، وبالحج، والجهاد ومقارعة السيف والسنان، والأمر بالقرار في مقابلة الشجعان، والنهي عن الفرار من الميدان، وعدم المبالاة بلوم اللوّام في إجراء الأحكام، والوضوء بالمياه الباردة في ليالي الشتاء، لا سيّما في الأسفار.
وأشدّ منها الجهاد الأكبر مع أحزاب الشيطان، والمهاجرة عن الأوطان لتحصيل ما وجب من مسائل الحلال والحرام، وترك الرسوم والعادات المتداولة بين الأنام، المخالفة لما يرضى به الملك العلاّم، إلى غير ذلك .1
وكأنّ الشيخ الحرّ العاملي التفت إلى الإشكال وحمل نفي الحرج على التكليف بما لا يطاق .
وقال: نفي الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق، وإلاّ لزم رفع جميع التكاليف .2
حيث التزم بأنّ عامّة التكاليف لا تخلو من حرج وعسر، فكيف يمكن لنا نفي الحرج في الدين؟

1. عوائد الأيام: 187.
2. الفصول المهمّة: 249 .

صفحه 37
فتكون الأدلّة مجملة لا يحتجّ بها إلاّ فيما هو المتيقّن، أعني: الخارج عن قدرة الإنسان.
ولا يخفى أنّه لو صحّ ما ذكره يلزم إنكار القاعدة من رأس، فإنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلاً لا يحتاج إلى إقامة دليل من الكتاب والسنّة، وأمّا ما سواه فقد اعترف القائل بأنّ الجميع من مصاديق الحرج.
ثم إنّ المحقّق النراقي قال: ولم أعثر على مَن تعرّض لذلك المقال إجمالاً ولا تفصيلاً إلاّ طائفة من المتأخّرين. ثم ذكر قولين أحدهما من السيد الطباطبائي بحر العلوم، والآخر من صاحب القوانين، ثم أجاب هو جواباً آخر، ولا بأس بالتعرّض لما أجاب به السيد الطباطبائي.
أمّا الأوّل فقد قال: ذكر بعض سادة مشايخنا طاب ثراه في فوائده، قال (قدس سره)بعد بيان نفي الحرج: وأمّا ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة، كالحج، والجهاد، والزكاة بالنسبة إلى بعض الناس، والدية على العاقلة، ونحوها، فليس شيء منها من الحرج، فإنّ العادة قاضية بوقوع مثلها، والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض، كالمحارب للحميّة، أو بعوض يسير، كما إذا أُعطي على ذلك أُجرة، فإنّا نرى أنّ كثيراً يفعلون ذلك بشيء يسير.
وبالجملة: فما جرت العادة بالإتيان بمثله والمسامحة وإن كان عظيماً في نفسه، كبذل النفس والمال، فليس ذلك من الحرج في شيء.
نعم تهذيب النفس، وتحريم المباحات، والمنع عن جميع المشتبهات، أو نوع منها، على الدوام حرج وضيق، ومثله منتف في الشرع.1

1. فوائد الأُصول: 118، الفائدة 36.

صفحه 38
ولا يخفى أنّ هذا الجواب على طرف النقيض ممّا ذكره الحرّ العاملي، الذي هو في جانب الإفراط وهذا الجواب في جانب التفريط، إذ لا يسلّم وجود الحرج في عامّة التكاليف إلاّ في موارد خاصّة، كتهذيب النفس، وتحريم المباحات، والمنع عن جميع المشتبهات أو نوع منها على الدوام، فقال: فيها حرج وضيق ومثله منتف في الشرع.
إذ كيف يمكن إنكار وجود الحرج في جهاد العدو في ساعات العسرة، أو في السير إلى الحج بقطع الفيافي القاحلة على ظهور الجمال والدواب في الصيف الحار أو الشتاء والبرد القارص، وعلى أي حال فهذا الجواب يخالف عمل الفقهاء (بقاعدة لا حرج) في أبواب الفقه المختلفة والّتي هو ينكر وجود الحرج فيها.
ثم إنّه (قدس سره)نقل عن صاحب القوانين جواباً آخر، وبما أنّ هذا الجواب مجمل تركنا التعرّض له؟ فمن اراد فليرجع إلى قوانين الأُصول.1
والمهمّ ما تبّناه صاحب العوائد من الجواب وقال: إنّ أدلّة نفي العسر والحرج تدلاّن على انتفائهما كلّية; لأنّهما لفظان مطلقان واقعان موقع النفي فيفيدان العموم، وقد ورد في الشرع: التكليف ببعض الأُمور الشاقّة والتكاليف الصعبة أيضاً، ولا يلزم من وروده إشكال في المقام، كما لا يرد بعد قوله سبحانه: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ )2 إشكال في تحريم كثير ممّا وراءه، ولا بعد قوله: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا )3 إلى آخره، تحريم أشياء

1. لاحظ : قوانين الأُصول: 2 / 49 .
2. النساء: 24.
3. الأنعام: 145.

صفحه 39
كثيرة، بل يخصّص بأدلّة تحريم غيره عموم ذلك. فكذا هاهنا، فإنّ تخصيص العمومات بمخصّصات كثيرة ليس بعزيز، بل هو أمر في أدلّة الأحكام شائع، وعليه استمرت طريقة الفقهاء .
فغاية الأمر: كون أدلّة نفي العسر والحرج عمومات يجب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصّص، وبعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص، فلا يرد شيء من الإشكالين .1
يلاحظ عليه: أنّ دليل نفي الحرج إمّا أصل أو دليل اجتهادي، فعلى الأوّل يجب أن يكون الشك مأخوذاً في لسانه، مع أنّ ما أوردناه من الأدلّة خال عن أخذ الشك فيه، فتعيّن أن يكون دليلاً اجتهادياً دالاًّ على عدم تشريع الحرج في الدين مطلقاً، وأمّا تخصيصه بـ «إلاّ ما خرج بالدليل» فغير صحيح من وجهين:
أوّلاً: أنّ لسان الدليل آب عن التخصيص، إذ يستهجن أن يقال: ما جعل الله في الدين حرجاً إلاّ في موضع كذا وكذا وكذا.
وثانياً: أن لازم ما ذكره كون القاعدة مخصَّصة بمخصّصات كثيرة مثل ما ذكره من الأمثلة، والتخصيص الأكثر مستهجن جدّاً.
وبذلك يعلم ضعف ما التزم به بعض الأعلام حيث قال ـ بعد نفي الحرج عن كثير من الموارد المتوهمة: ـ ومنها ما يبقى من الموارد النادرة التي يمكن التزام تخصيص القاعدة بها إذا كان دليله أخصّ من أدلّة نفي الحرج، أو بمنزلة الأخص كالجهاد الذي فيه من المشقّة والحرج ما لا يخفى.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في صدر جوابه من نفي الحرج المتوهّم في

1. عوائد الأيام: 192 ـ 193 .

صفحه 40
أكثر الموارد أمر مقبول، ولكن ما التزم به في ذيل كلامه من التخصيص غير تام، لما عرفت من أنّ لسان الدليل آب عن التخصّيص.

ما هو الحقّ في الجواب؟

الحقّ أن يقال: إنّ الأحكام الشرعية التي تقترن بالحرج على أقسام ثلاثة:
الأوّل: ما يكون الناس هم السبب في جعل تلك الأحكام حفظاً للأمن والسلام، نظير الأحكام المشرّعة في الحدود والقصاص والديات، إذ لولا هذه الأحكام لسادت الفوضى في المجتمع، وما دلّ على نفي الحرج منصرف عن هذا القسم من الأحكام، إذ الحرج جاء من جانب الناس لا من جانب التشريع ، وهذا نظير مَن ألقى نفسه من على شاهق فيحكم عليه في الطريق بالقتل الفظيع، فالحكم به نابع من عمله لا من جانبنا ولا من جانب الله سبحانه .
الثاني: الأحكام الّتي بنيت على الحرج والعسر، بحيث يُعدّ الحرج موضوعاً لها ومقوّماً لها، وهذا كالأمر بالجهاد والحج والمرابطة، فإنّ هذه الأحكام خصيصتها الحرج والعسر. وقد ذكر الشيخ وغيره أنّ حديث لا ضرر لا يشمل الأحكام الّتي شرّعت على أساس الضرر كإعطاء الفرائض المالية والكفّارات وغيرها، فإنّ تشريع هذه الأحكام مبني على فرض وجود الحرج والعسر فيها.
فلو قال الشارع: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)ناظر إلى غير هذه الأحكام الّتي خصيصتها الحرج، والشاهد على ذلك أنّ الشارع شرع الجهاد والحج والفرائض المالية في عصر الرسالة وفي الوقت نفسه خاطبهم بقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).

صفحه 41
وإن شئت قلت: إنّ تشريع هذه الأحكام من باب الامتنان، إذ لولا الجهاد في سبيل الله، يكون المسلمون فريسة للكافرين، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)1.
وقال الإمام علي (عليه السلام): «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ. وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصِّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالاِْسْهَابِ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ»2.
واعطف عليه ما يترتّب على الحج من فوائد وعوائد يستثمرها المسلمون في هذا التجمّع العظيم، أو ما يترتّب على دفع الضرائب المالية من إقامة حكومة عادلة تحمي الضعيف وتؤمن الطريق إلى غير ذلك من الآثار، فأهمية الملاك سببت تشريع هذه الأحكام الّتي جوهرها الحرج والعسر، فإي حكم كان كذلك فهو خارج عن مدلول الآية كما هو الحال في لا ضرر، إذ ليس الإسلام هو الدين الوحيد الذي شرّع الجهاد أو فرض الضرائب، فكلّ الأنظمة في العالم يتبنون هذه الأحكام الّتي تعود على المجتمع بفوائد ومنافع لا تذكر، ولا يدور في خلد أحد أنّها تكاليف باهضة أو حرجية.
نعم هذا القسم الثاني الذي أُسس على أساس الحرج والعسر إذا سبب العمل به حرجاً وعسراً فوق ما يقتضيه نفس التكليف فيمكن القول برفعه،

1. الأنفال: 24.
2. نهج البلاغة: الخطبة رقم 27 .

صفحه 42
وفي كلام المحقّق القمي إشارة إلى ذلك، يقول: والذي يقتضيه النظر
بعد القطع بأنّ التكاليف الشاقّة والمضار الكثيرة واردة في الشريعة، وعلى
هذا فالمراد بنفي العسر والحرج والضرر، نفي ما هو زائد على ما هو لازم
تلك التكليفات الثابتة بالنسبة إلى طاقة أوسط الناس المبرّئين عن
المرض.1
الثالث: تكاليف ليس طبعها الحرج والعسر، يتلقّاها المكلّفون برحابة صدر كالوضوء والغسل والصلاة إلى غير ذلك من الأحكام من الزواج والطلاق، غير أنّه ربّما يطرأ عليها في بعض الأحوال الحرج الذي لا يتحمّل عادة، فعندئذ يكون الحكم المذكور مرفوعاً بهذه القاعدة، وبذلك يعلم أنّ القاعدة محكمة غير مخصّصة.

4. حكومة القاعدة على الأحكام الأوّلية

اختلفت كلمة الفقهاء فيما هو المرفوع في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار» فهل المرفوع الحكم الضرري كما عليه الشيخ الأنصاري، أو المرفوع رفع الموضوع الضرري كناية عن رفع الحكم كما هو خيرة صاحب الكفاية؟
ثم إنّ لاختلافهم في قاعدة «لا ضرر» وجهاً لأنّ متعلّق النفي هو الضرر فيأتي فيه احتمالان، لكن المرفوع في قاعدة «لا حرج» شيء يرجع إلى الشارع من أمر الجعل، فهل شأنه جعل الأحكام أو جعل الموضوع؟ ولاشكّ أنّ شأنه هو جعل الأحكام، سواء أكانت أحكاماً تكليفية أم أحكاماً وضعية كالطهارة والنجاسة والولاية والحرية والرقيّة والزوجية وأمثال ذلك، فالآية تخبر بأنّ ما

1. قوانين الأُصول: 2 / 49.

صفحه 43
يرجع إلى الشارع ـ أعني: مسألة الجعل ـ فهو منفي في مواضع الحرج والعسر.
وبذلك يتّضح كون القاعدة حاكمة على أدلّة الأحكام الأولية، وليس ميزان الحكومة إلاّ أحد أمرين:
1. كون الحاكم ناظراً إلى حال المحكوم.
2. جعل الحاكم بلا جعل للمحكوم يعدّ أمراً لغواً وكلتا الضابطتين موجودتان في المقام، فالآية تحكي عن وجود الدين الذي هو مجموع المعارف والأحكام، ثم يصفه بالسهل وعدم الحرج فيكون الثاني ناظراً، إلى الدين بمعنى مجموع المعارف والأحكام.
وكذلك: إذ لولا الدين بمعنى جعل الأحكام، لكان الإخبار عن عدم جعل الحكم الحرجي أمراً لغواً».
فإن قلت: أي أثر فقهي يترتّب على القولين: المرفوع هو الحكم الشرعي الحرجي، أو المرفوع الموضوع الحرجي كالوضوء في البرد القارص؟
قلت: يظهر الأثر فيما إذا كان نفس الحكم غير ضرري ولكن كان مردّداً بين عدّة أحكام يكون الجمع بينها حرجياً، فعندئذ لا تكون القاعدة حاكمة على لزوم الجمع بين المحتملات; لأنّ المفروض أنّ الحكم الواقعي غير حرجي. وأمّا الجمع بين المحتملات فليس موضوعاً لحكم شرعي بل هو حكم عقلي.
وقد أشار المحقّق الخراساني إلى ما ذكرنا من النتيجة في البحث في دليل الانسداد فيما إذا كان الاحتياط بالجمع بين المحتملات فعلاً أو تركاً ـ عند الانسداد ـ حرجياً فهل يمكن لنا القول بحكومة (قاعدة لاحرج) على

صفحه 44
وجوب الاحتياط عقلاً في هذه الصورة الّتي يكون الاحتياط فيها حرجياً، فيه وجهان:
1. لو قلنا بأنّ الموضوع هو الحكم الشرعي، تكون النتيجة عدم وجوب الاحتياط ورفض حكم العقل بوجوبه، وذلك لأنّ العسر والحرج في هذه الصورة مسبّبان من قِبل الأحكام الواقعية المجعولة، فإذا صارت قاعدة (لا حرج) حاكمة على تلك الأحكام ومحدّدة لها ينتفي وجوب الاحتياط عقلاً; لأنّ منشأه فعلية الأحكام الواقعية عند الجهل بالواقع، والمفروض تحديدها وعدم فعليتها في هذه الصورة فلا يكون هنا سنداً للحكم بوجوب الاحتياط.
2. لو قلنا بأنّ المرفوع هو الموضوع الحرجي ـ أعني: الاحتياط الحرجي ـ فمن المعلوم أنّ الاحتياط الحرجي ليس محكوماً بحكم شرعي حتّى تكون القاعدة حاكمة عليه، بل محكوم بحكم عقلي ـ أعني: وجوب الاحتياط ـ والحاكم والمحكوم يجب أن يكون من سنخ واحد.1
وإليك نصّ عبارته:عدم حكومة قاعدة نفي العسر والحرج على قاعدة الاحتياط، وذلك لما حقّقناه في معنى ما دلّ على نفي الضرر والعسر من أنّ التوفيق بين دليلهما ودليل التكليف أو الوضع المتعلّقين بما يعمّهما هو نفيهما بلسان نفيهما فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان بحكم العقل لعدم العسر في متعلّق التكليف وإنّما هو في الجمع بين محتملاته احتياطاً.
نعم لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر كما قيل لكانت قاعدة نفيه محكمة على قاعدة الاحتياط، لأنّ العسر حينئذ يكون من قبل

1. يلاحظ : كفاية الأُصول:2/120.

صفحه 45
التكاليف المجهولة فيكون منفيّاً بنفيه.1
***

5. هل الرفع عزيمة أو رخصة؟

إذا كان العمل العبادي أمراً حرجيّاً كالتوضّؤ في البرد القارص، فهل يصح عمله إذا تحمّل الحرج أو لا؟ وهذا ما يعبّر عنه أنّ الرفع عزيمة فيبطل، أو رخصة فيصح.
لاشكّ أنّه لو دلّ الدليل على أنّ الرفع عزيمة فلاشكّ أنّ العمل لا يقبل، وهذا نظير الصيام في السفر; روى الشيخ باسناده عن سماعة قال: سألته عن الصيام في السفر؟ فقال: «لا صيام في السفر، قد صام أناس على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فسمّاهم العصاة، فلا صيام في الحج إلاّثلاثة أيام الّتي قال الله عزوجل في الحج» 2.
وقد ورد نظير ذلك في صلاة المسافر; روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال سمعته يقول: «إن الله عزوجل تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن ترد عليه».
وفي رواية أُخرى عن أبي عبدالله(عليه السلام): «مَن صلّى في سفره أربع ركعات فأنا إلى الله منه بريء».3
وقد دلّ الدليل على أنّ الرفع في هذين المقامين عزيمة لا رخصة.

1. كفاية الأُصول:2/120.
2. الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.
3. الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7 و 8 ، و لاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 46
ومن حسن الحظ أنّ روايات أهل السنّة متّفقة على أنّ القصر في السفر عزيمة، فقد أخرج مسلم في صحيحه أحاديث تسعة كلّها تدلّ على العزيمة نقتصر بذكر واحد منها.
أخرج مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم(صلى الله عليه وآله وسلم)في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة .1
وأخرج أيضاً عن جابر بن عبدالله: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتّى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر الناس إليه ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام، فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة»2.
إنّما الكلام فيما لو لم يدلّ دليل من الخارج على أحد الأمرين، فهل الرفع عزيمة أو رخصة؟ فيه قولان:
الأوّل: أنّه عزيمة. وهو خيرة صاحب الجواهر، قال في حكم صيام الشيخ والشيخة وذي العطاش ما هذه عبارته: ثم لا يخفى عليك أنّ الحكم في المقام ونظائره من العزائم لا الرّخص; ضرورة كون المدرك فيه نفي الحرج ونحوه ممّا يقضي برفع التكليف، مع عدم ظهور خلاف فيه من أحد من أصحابنا عدا ما عساه يظهر من المحدّث البحراني، فجعل المرتفع التعيين خاصّة تمسّكاً بظاهر قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ )3.

1. صحيح مسلم:2/143، باب صلاة المسافرين وقصرها.
2. صحيح مسلم:3/141، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
3. جواهر الكلام: 17 / 150 .

صفحه 47
لمّا كان الواجب لكلّ يوم مدّاً، دعا سبحانه المتطوّعين إلى الخير بأن يطعموا الواحد أكثر من مدّ، أو يطعموا أكثر من مسكين واحد.
ثمّ إنّ استدلال صاحب الحدائق بذيل الآية مبني على رجوعه على المطيقين ولكنّه غير ظاهر، بل يرجع إلى مجموع الأصناف الواردة في الآية .
توضيحه: أنّ المكلّفين على أصناف:
1. مَن شهد الشهر وهو سالم مقيم، فليصمه.
2. مَن كان مريضاً أو على سفر فعليه أن يصوم في أيام أُخر، كما قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ) فإنّ الواجب عليهم من أوّل الأمر هو الصيام في أيام أُخرى، وما ربّما يظهر من تفسير بعض أهل السنّة من تقدير لفظة فأفطر قبل قوله: (فَعِدَّة) فلا دليل عليه، وإنّما الداعي إلى تقدير الجملة لأجل الانتصار لمذهبهم، من كون الإفطار أمراً جائزاً.
3. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ): أي الذين يصومون بمشقّة وجهد، فعليهم الإفطار والتكفير بمدّ طعام للمسكين عن كلّ يوم (فَمَنْ تَطَوَّعَ) بأكثر من مدّ، أو تطوّع لأكثر من مسكين فهو خير له.
إذا تمّت هذه الأصناف الثلاثة أو الأربعة، يعود البيان القرآني ليذكر (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ): أي أن تصوموا على النحو المذكور من أوّل الآية إلى آخرها، (خَيْرٌ لَكُمْ) فالشاهد يصوم والمسافر والمريض يصومان في أيام أُخر، والمطيق يفطر ويكفّر بمد طعام.
وبذلك ظهر أنّ الاستدلال على أنّ صيام المطيق اختياري كما عن المحدّث البحراني، أو صيام المسافر كما عليه أهل السنّة لا صلة له بمدلول الآية.

صفحه 48
وقد دعيت في سالف الأيام لمؤتمر عقد في تركيا حول أحكام المسافر، ودار الحديث عن صوم المسافر، فالحاضرون من السنّة كانوا مقلّدين لإمام مذهبهم فأجمعوا على جواز الصوم في السفر محتجّين بذيل الآية، غافلين أنّ ذيل الآية لو رجع إلى المسافر لرجع إلى المريض أيضاً، فهل يصحّ لفقيه أن يفتي بصحّة صوم المريض سواء أكان مضراً أو لا؟! أضف إلى ذلك: أنّ ذيل الآية نوع تلخيص لمجموع ما ورد في الآية من الأحكام .
الثاني: أنّه رخصة. وهو خيرة المحقّق الهمداني، قال: إنّ التيمّم في الموارد الّتي ثبت جوازه بدليل نفي الحرج، رخصة لا عزيمة، فلو تحمّل المشقّة الشديدة الرافعة للتكليف وأتى بالطّهارة المائيّة صحّت طهارته، كما تقدّمت الإشارة إليه في حكم الاغتسال لدى البرد الشديد، فإنّ أدلة نفي الحرج لأجل ورودها في مقام الامتنان وبيان توسعة الدين لا تصلح دليلاً إلاّ لنفي الوجوب لا لرفع الجواز .1
وتظهر من السيد صاحب العروة موافقة صاحب المصباح حيث فرّق بين كون استعمال الماء مضرّاً فأفتى ببطلان الوضوء، وأمّا إذا لم يكن استعمال الماء مضرّاً بل موجباً للحرج والمشقّة كتحمّل ألم البرد أو الشين فلا تبعد الصحّة وإن كان يجوز معه التيمم; لأنّ نفي الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، ولكن الأحوط ترك الاستعمال وعدم الاكتفاء به على فرضه فيتيمّم أيضاً.2
ولكن الحقّ هو القول الأوّل; لأنّ لسان دليل قاعدة «لا حرج» هو تحديد الحكم الواقعي وإثباته في غير مورد الحرج ونفيه في مورده، فكأنّ التوضّؤ

1. مصباح الفقيه: 463، كتاب الطهارة.
2. العروة الوثقى: فصل في التيمم، المسألة 18.

صفحه 49
شُرع في صورة واحدة، وهي كونه غير حرجيّ، دونما إذا كان حرجيّاً ومع ذلك فكيف يمكن أن يوصف بالصحّة ويصلّي به مع أنّه فاقد للطهور؟!
هذا كلّه في الوضوء الحرجي، وأمّا الوضوء الضرري فالبطلان من وجهين:
1. كونه أمراً محرّماً غير قابل للتقرّب.
2. ما ذكرناه في قاعدة لا حرج فكأنّ الوجوب في الوضوء محدّد بغير صورة الضرر، وأمّا فيه فلا حكم لا إنشاءً ولا فعلياً.
أضف إلى ذلك: لو قلنا بصحّة الوضوء الحرجي معنى ذلك أنّ الرجل مخيّر بين التيمّم والوضوء، وهذا أمر لم يقل به أحد.
وأمّا الاكتفاء بهذا الوضوء بحجّة أنّه فاقد للأمر دون الملاك، فهو كماترى، إذ كيف نعلم أنّ هذا النوع من الوضوء الذي لم يشرّع واجد للملاك.
وحصيلة الكلام: أنّ الإطلاقات والعمومات إذا صارتا محدّدتين إلى حدّ العناوين الثانوية فإذا عرضت يسقط الأمر المستفاد من الأمر والإطلاق، ومعه كيف يمكن أن يقال: إنّ الفعل الحرجي واجد للملاك؟!
فإن قلت: ذهب غير واحد ـ ممّن منع الترتّب ـ إلى صحّة الصلاة في الوقت الموسّع إذا ابتلي بالأمر بالأهم قائلاً بوجود المصلحة التامّة فيها، غاية الأمر زاحمه الأمر بالأهم.
قلت: فرق بين مورد المقيس عليه والمقيس، فإنّ الأمر بالمهم واجد للمصلحة التامّة وشمله الأمر به غاية الأمر زاحمه الأمر بالأهم فصار مانعاً لا نافياً المصلحة التامّة، فإذا أتى بالمهم فقد أتى بما فيه مصلحة تامّة، وهذا

صفحه 50
بخلاف المقام فإنّ ظاهر قوله:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ)نفي التشريع، ومعه كيف يمكن القول ببقاء الملاك؟!
***

6. حكومة القاعدة على الواجبات والمحرّمات

إنّ القاعدة حاكمة على أدلّة الواجبات على النحو المذكور، فإذا كان في الإلزام بإتيان الواجب ضيق وحرج لا يتحمّل عادة، يكون الوجوب مرفوعاً، إنّما الكلام في حكومتها على أدلّة المحرّمات صغيرة أو كبيرة. مثلاً: لو صام في الجو الحار، واشتدّ عطشه بحيث خاف على نفسه، أو كان البقاء على تلك الحال موجباً لحرج شاق لا يتحمّل عادة ففي ذلك المورد يصلح أن يكون «لا حرج» رافعاً للتكليف بمقدار يرتفع الحرج، كما عليه الرواية فيمن أصابه العطش.
روى المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّ لنا فتيات وشباباً لا يقدرون على الصيام من شدّة ما يصيبهم من العطش؟ قال: «فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون»1.
وهكذا سائر المحرّمات إنّما الكلام في حكومة «لا حرج» على المحرّمات الكبائر كالزنا واللواط والقتل إلى غير ذلك ممّا نعلم أنّ الشارع غير راض بوجود واحد من هذه الأعمال في عامّة الحالات، فلا أظن أن فقيهاً يفتي بجواز هذه الأعمال إذا كان في تركها حرجاً، ويقرب منها القمار وشرب الخمر وغير ذلك.

1. الوسائل: 7، الباب 16 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1. وقد عملنا في هذا الموضوع رسالة ذكرنا حدود جواز الشرب.

صفحه 51

7. هل العبرة بالحرج الشخصي أو النوعي؟

هل الميزان في رفع الحكم الحرجي كون الحكم حرجياً على نوع المكلّفين أو حرجياً على الشخص، وإن لم يكن حرجياً على نوعهم؟ الظاهر هو الثاني، لوجود الفرق بين مقام التشريع ومقام التطبيق، فالميزان في الأوّل هو نوع المكلّفين، فإذا صار نوعهم قادرين على الفعل ينشأ الحكم على النوع وإن كان بعضهم غير قادرين غاية الأمر يستثنى المعذورون.
وأمّا مقام التطبيق فالميزان هو نفس الشخص الذي يريد امتثال الحكم، فالإنسان الضعيف يكون عليه الوضوء في البرد القارص حرجياً دون البطل الذي يقاوم الحرج والبرد بقوّة، فلا يمكن أن يقال إنّ وظيفة الثاني هي نفس وظيفة الأوّل.
وهاهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي: أنّ كون الملاك هو الحرج الشخصي إنّما يختصّ بمقام التطبيق، وأمّا مقام التشريع فالملاك في تشريع الأحكام هو الحرج النوعي، ونأتي بمثالين:
1. قد عُلل عدم انفعال الماء الكرّ بلزوم الحرج والعسر، فلذلك يعمّ الحكم، حتى في زمان كثر الماء الجاري وقلّت الحاجة إلى ماء الكر.
2. يجب القصر والإفطار في السفر، لكونهما للمسافر أمراً حرجياً نوعاً، فيقصر ويفطر من ليس له حرجياً، لأنّ الميزان في مقام التشريع هو ملاحظة النوع، وبذلك يندفع ما ربّما يقال: لماذا نقصّر ولماذا نفطر، مع أنّ الإتمام والصيام ليس أمراً حرجياً لقسم من الأشخاص، غافلين عن أنّ الميزان في مقام التشريع هو الحرج النوعي.

صفحه 52

8. حكم التعارض بين دليلي الحرج والضرر

يظهر من الشيخ الأنصاري في فرائده أنّه ربّما يقع التعارض بين نفي الضرر والحرج، كما إذا كان تصرّف المالك في ملكه موجباً للضرر على الجار وعدم التصرّف مستلزماً للحرج عليه (لكثرة العائلة وضيق المكان) فاحتمل الشيخ سقوط القاعدتين والرجوع إلى عموم «الناس مسلّطون على أموالهم»، ثم احتمل الرجوع إلى قاعدة نفي الحرج; لأنّ منع المالك لدفع ضرر الغير حرج وضيق عليه، إمّا لحكومته ابتداءً على نفي الضرر، وإمّا لتعارضها والرجوع إلى الأصل.1
وما ذكره أوّلاً أولى بالاتّباع لأنّ كلتا القاعدتين على مستوى
واحد وشرّعتا لأجل تحديد الأدلّة الأوّلية، فلا وجه لحكومة إحداهما على الآخر.
ومع ذلك كلّه ففي الرجوع إلى قانون السلطنة على إطلاقه مشكل جدّاً فيما إذا كان تضرّر الجار تضرّراً كبيراً، وقد أشار إلى ذلك المحقّق السبزواري في كفايته وقال: ويشكل جواز ذلك فيما إذا تضرّر الجار تضرّراً فاحشاً، كما إذا حفر في ملكه بالوعةً ففسد بها بئر الغير، أو جعل حانوته في صف العطّارين حانوت حدّاد، أو جعل دارهُ مدبغةً أو مطبخة.2
ولذلك قامت الدول المتحضّرة بتفكيك المحلاّت السكنية عن التجارية كما عيّن لبعض الحرف مكاناً خاصّاً حتى لا يتضرّر به الآخرون،

1. فرائد الأُصول: 2 / 467 .
2. كفاية الأحكام: 241 نقلاً عن فرائد الأُصول للشيخ الأنصاري: 2 / 468 .

صفحه 53
كالمذابح والمعامل ذات الأصوات العالية.
وقد راج في عصرنا أنّ صاحب البيت يهدم بيته القديم ويبني بيتاً جديداً بعشر طبقات بحيث يوجب سقوط البيوت المجاورة عن القيمة إمّا بسبب الاستظلال، أو الإشراف على ساحات البيوت، فعلى الحكومة الإسلاميّة وضع حد لهذا النوع من التصرّف، صادراً عن الولاية، فالقول
بأنّ المرجع هو عموم السلطنة مع استلزامه الضرر الكثير على الجيران، كما ترى.
نعم لو كان الضرر على الجار قليلاً يتحمّل أو قابلاً للعلاج فعموم السلطة حاكم .
***

9. تطبيقات القاعدة

ذكر السيد المراغي فروعاً كثيرة مستنبطة من القاعدة غير أنّ لقسم من الفروع المذكورة روايات خاصّة، ونحن نذكر ما هو المهم منها:
يقول: يترتّب على نفي جعل الحكم الحرجي الفروع التالية:
1. عدم نجاسة البئر بالملاقاة.
2. العفو عن دم الجرح والقرح الذي لا يسري.
3. العفو عن الدم ما دون الدرهم البغلي.
4. جواز الصلاة في ثوب المربية للصبي.
5. جواز الصلاة في ثوب نجس لا تتمّ الصلاة به.

صفحه 54
6. طهارة آلات البئر كالعصير ـ أي أواني العصير إذا ذهب ثلثاه، على القول بالنجاسة ـ .
7. رخصة المبطون ومن بحكمه في الصلاة.
8. عدم لزوم الاحتياط في الشبهة غير المحصورة.
9. صحّة بيع الصبي فيما جرت به العادة.
10. الرخصة لكثير الشكّ.
11. طهارة ماء الاستنجاء.
12. عدم لزوم الترتيب في القضاء إلاّ في المتربتين كالظهرين والعشائين.
13. عدم لزوم العلم بصحّة أفعال الناس.
14. عدم اعتبار الشكّ بعد الفراغ.
15. القصر في السفر.
16. عدم لزوم قضاء الصلاة على الحائض.
17. إباحة الإفطار للحامل والمرضع والشيخ والشيخة وذي العطاش .
18. إباحة المحظورات عند الضرورات.
19. جواز قطع الصلاة لأُمور.
20. كفاية شهادة الواحد في الوصية.
إلى غير ذلك من الفروع الّتي لأكثرها دليل خاص، ولا ينافي وجود دليل خاص كون هذه الأحكام صادرة عنهم لأجل هذه القاعدة.
يقول السيد المراغي في هذا المضمار: لاشكّ في وجود النصوص

صفحه 55
الخاصّة في هذه المسائل عن الأئمة الأطهار ولكن لا ريب أنّهم يحكمون على وفق كتاب الله الذي فيه تبيان كلّ شيء، ولعلّ ذلك كلّه حكموا به من جهة نفي الحرج .1
***
تمّ الكلام في قاعدة
نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين

1. العناوين: 1 / 297 ـ 298 .

صفحه 56
 
قاعدة ليس شيء ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه   
القواعد الفقهية
   69

قاعدة

ليس شيء ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه

الاستدلال على القاعدة بعدد من الآيات الكريمة .
الاستدلال على القاعدة بروايات تناهز عشرين رواية.
استنباط قاعدة كلية من الروايات الّتي وردت في مواضع متنوّعة.
تطبيقات القاعدة تناهز 17 مورداً .
حكومة القاعدة على وجوب الواجبات وحرمة المحرّمات.
عدم جريان القاعدة فيما لو كان ملاك الحرام أقوى من ملاك الاضطرار.
إنّ من القواعد الفقهية كون الاضطرار رافعاً للتكليف.
ولهذه القاعدة دليل قرآني، في عدد من الآيات الكريمة:
1. قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ

صفحه 57
لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)1
2. مثلها ما في سورة النحل الآية 115.
فقد أجاز سبحانه للمضطر رفع الاضطرار بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير اسم الله، بشرط ألاّ يكون باغياً ولا عادياً، فالآية تختصّ بالاضطرار إلى أكل اللحم لأجل حفظ النفس أو الحرج الشديد الذي لا يتحمّل. والباغي هو مَن يأكل للالتذاذ لا لسد الجوع، والعادي مَن يتجاوز عن سد الجوع .2
3. قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقُ... ـ إلى أن يقول: ـ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لإِثْم فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)3.

تفسير الآية

الإهلال في الذبيحة: رفع الصوت بالتسمية ومعنى أهّل لغير الله به ما ذكر غير اسم الله، كأن يقول: باسم اللات والعزى.
(الْمُنْخَنِقَةُ): الموت بالخناق.
(الْمَوْقُوذَةُ): ما تضرب حتى تموت.

1. البقرة: 173 .
2. مجمع البيان: 1 / 514 .
3. المائدة: 3 .

صفحه 58
(النَّطِيحَةُ) وهي التي ينطحها غيرها فتموت.
(وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) للأوثان تقرّباً إليها، وبذلك يفترق معناه عن قوله:(وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ).
وأمّا الاستقسام بالأزلام فحاصله:روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين(عليهما السلام): أنّ الأزلام عشرة: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها، فالتي لها أنصباء: الفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى، فالفذ له سهم، والتوأم له سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم. والتي لا أنصباء لها: السفيح والمنيح والوغد، وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّئونه أجزاء، ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على مَن تخرج له التي لا أنصباء لها، وهو القمار، فحرّمه الله تعالى.1
فقد أجاز في المجاعة الانتفاع باللحوم المحرّمة بشرط أن لا يكون عاصياً، إمّا بأن يكون باغياً أو عادياً .
4. قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )2.
ولعلّ المراد من قوله: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)ما مرّ في سورة المائدة حيث ذكر فيها تحريم أزيد من عشرة أنواع من اللحوم. وكون سورة الأنعام مكّية، والمائدة مدنيّة، لا ينافي ذلك، لاحتمال كون خصوص هذه الآية

1. تفسير القمّي: 1 / 161 .
2. الأنعام: 119، ولاحظ الآية 145 .

صفحه 59
مدنية أمر النبي بوضعها في سورة الأنعام، وكم لها من نظير.
ويلاحظ أنّ مصبّ الآيات هو تحليل ما حرّم من اللحوم، وأمّا تحليل غير اللحوم فلا يستفاد من الآيات إلاّ بإلغاء الخصوصية، ولذلك فنحن بحاجة لأجل تعميم القاعدة إلى دراسة ما ورد من الروايات، والكلّ يصب على مصبّ واحد وهو تحديد الأحكام الأوّلية بغير صورة الاضطرار، ويكون حاكماً على الإطلاقات.
1. روى الشيخ باسناده عن عمّار بن موسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت: فإن مات رجل مسلم وليس معه رجل مسلم ولا امرأة مسلمة من ذوي قرابته، ومعه رجال نصارى ونساء مسلمات ليس بينه وبينهن قرابة؟ قال: «يغتسل النصارى ثم يغسّلونه فقد اضطر».1
حيث إنّ المسلم لا يغسّله إلاّ مسلم غير أنّ الاضطرار رفع هذا الشرط واكتفي بغسل الكتابيّ، وإن لم يكن مسلماً، هذا مع غضّ النظر عن نجاسة أهل الكتاب.
2. روى الشيخ باسناده عن محمد الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلّي فيه إذا اضطر إليه .2
فقد صار الاضطرار سبباً لرفع شرطية طهارة الساتر.
3. قال المفيد في «المقنعة»: سئل عن الرجل يجدّ به السير أيصلّي على

1. الوسائل: 2، الباب 19 من أبواب غسل الميّت، الحديث 1 .
2. الوسائل: 2، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 7 .

صفحه 60
راحلته؟ قال: لا بأس بذلك ويؤمي إيماءً، وكذلك الماشي إذا اضطر إلى الصلاة.1
ومن المعلوم أنّ كتاب «المقنعة» هو الفقه المنصوص محذوف الاسناد، فقد صار الاضطرار سبباً لسقوط الركوع والسجود والانتقال إلى الإيماء .
4. روى الشيخ باسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه؟ فقال: «لا، إلاّ أن يكون مضطراً ليس عنده غيرها وليس شيء ممّا حرّم الله، إلاّ وقد أحلّه لمن اضطر إليه».2
وهنا صار الاضطرار سبباً لسقوط شرط السجود على النحو المألوف، بل يكفي تقديم شيء ممّا يصحّ السجود باتّجاه جبهته.
5. روى الكليني عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل والمرأة يذهب بصره فيأتيه الأطباء فيقولون: نداويك شهراً أو أربعين ليلة مستلقياً، كذلك يصلّي؟ فرخصّ في ذلك، قال: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ).3
إنّ الإمام (عليه السلام)استدلّ على الحكم بما ورد في تحليل الميتة عند الاضطرار، وهذا يدلّ على أنّ الكبرى المذكورة لا تختصّ بموردها.
6. روى الصدوق باسناده عن إسماعيل بن جابر، أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن المحرم إذا اضطر إلى سعوط فيه مسك من ريح تعرض له في وجهه وعلّة

1. الوسائل: 3، الباب 16 من أبواب القبلة، الحديث 7 .
2. الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب القيام، الحديث 7 .
3. الوسائل: 4، الباب 7 من أبواب القيام، الحديث 1.

صفحه 61
تصيبه؟ فقال: «استعط به».1
وكأنّ السائل ابتلى بورم في وجهه يداوى بالسعوط وفيه مسك، فقد صار الاضطرار سبباً لرفع حرمة الطيب على المحرم.
7. روى الشيخ باسناده عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا اضطر المحرم إلى القباء ولم يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً، ولا يدخل يديه في يدي القباء».2
8. روى الكليني بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «وإن اضطر إلى قباء من برد ولا يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً ولا يدخل يديه في يدي القباء».3
9. روى ابن إدريس في «مستطرفات السرائر» عن جميل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَن اضطر إلى ثوب وهو محرم وليس له إلاّ قباء، فلينكِّسه وليجعل أعلاه أسفله وليلبسه»4.
10. روى الشيخ في «التهذيب» عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «وأي محرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله أن يلبس الخفّين إذا اضطر إلى ذلك، والجوربين يلبسهما إذا اضطر إلى لبسهما»5.
11. روى الكليني بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل

1. الوسائل: 8، الباب 19 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 3. والسعوط دواء يجعل في الأنف.
2. الوسائل: 9، الباب 44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1 .
3. الوسائل: 9، الباب 44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 5.
4. الوسائل: 9، الباب 44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 8 .
5. الوسائل: 9، الباب 51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 2.

صفحه 62
هلكت نعلاه ولم يقدر على نعلين؟ قال: «له أن يلبس الخفّين إن اضطر إلى ذلك وليشقّه عن ظهر القدم».1
12. روى الصدوق باسناده عن رفاعة بن موسى أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن المحرم يلبس الجوربين؟ قال: «نعم والخفّين إذا اضطر إليهما».2
13. روى الكليني عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن المحرم يضطر فيجد الميتة والصيد أيهما يأكل؟ قال: «يأكل من الصيد، أما يحب أن يأكل من ماله؟» قلت: بلى، قال: «إنّما عليه الفداء فليأكل وليفده».3
14. روى الكليني عن علي بن جعفر، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال: «لا، إلاّ أن يضطر إليه فيأكل منه بالمعروف».
ورواه الحميري في «قرب الإسناد» عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر إلاّ أنّه قال: «لا، إلاّ بإذنه، أو يضطر فيأكل بالمعروف أو يستقرض منه حتّى يعطيه إذا أيسر».4
وقد صار الاضطرار هنا سبباً لحل مال الغير.
15. روى الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن الرجل يتزوّج المملوكة؟ قال: «إذا اضطر إليها فلا بأس».5

1. الوسائل: 9، الباب 51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 3.
2. الوسائل: 9، الباب 51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 4.
3. الوسائل: 10، الباب 43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 1، ولاحظ الأحاديث الأُخرى في هذا الباب.
4. الوسائل: 12، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6 .
5. الوسائل: 14، ولاحظ أيضاً: الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب القسم والنشوز والشقاق، الحديث 1.

صفحه 63
والحديث يشير إلى ما ورد في القرآن الكريم من عدم جواز الزواج بالمملوكة إلاّ مع عدم التمكّن من الحرائر، قال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ )1.
16. روى الكليني باسناده عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل ضرب بسيفه جزوراً أو شاة في غير مذبحها وقد سمّى حين ضرب؟ فقال: «لا يصلح أكل ذبيحة لا تذبح من مذبحها إذا تعمّد ذلك ولم تكن حاله حال اضطرار، فأمّا إذا اضطر إليه واستصعب عليه ما يريد أن يذبح فلا بأس بذلك».2
وقد صار الاضطرار سبباً لحل الحيوان من غير ذبح ولا نحر.
17. روى الشيخ بإسناده عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسني، عن أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليهما السلام)أنّه قال: سألته عمّا أهلّ لغير الله به؟ قال: «ما ذبح لصنم أو وثن أو شجر حرّم الله ذلك، كما حرّم الميتة والدم ولحم الخنزير، (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)أن يأكل الميتة»3. أي باسم الصنم.
18. روى الصدوق عن محمد بن أحمد بن يحيى مؤلف نوادر الحكمة قال: قال الصادق (عليه السلام): «من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل شيئاً

1. النساء: 25 .
2. الوسائل: 16، الباب 32 من أبواب الصيد، الحديث 1، ولاحظ : الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب الذبائح، الحديث 3. الظاهر أنّ قوله:«أن يذبح» مفعول الفعل في قوله: «ما يريد الذبح فلا بأس».
3. الوسائل: 16، الباب 55 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1، ولاحظ الباب 56، الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5 حول الاضطرار إلى اللحوم المحرّمة.

صفحه 64
من ذلك حتّى يموت، فهو كافر».1 ولعلّ المراد كفر النعمة، لا كفر الملّة نظير ما ورد في آية الحج:(وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).(2)
19. روى الصدوق في «العلل» عن الرضا (عليه السلام)، قال: «إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ الله ففيه صلاح العباد وبقاؤهم، ولهم إليه الحاجّة، ووجدنا المحرّم من الأشياء لا حاجة بالعباد إليه، ووجدناه مفسداً، ثمّ رأيناه تعالى قد أحلّ ما حرّم في وقت الحاجة إليه، لما فيه من الصلاح في ذلك الوقت، نظير ما أحلّ من الميتة والدم ولحم الخنزير إذا اضطرّ إليها المضطر، لما في ذلك الوقت من الصلاح والعصمة ودفع الموت».2
20. روى المفيد في «الإرشاد» قال: روى العامّة والخاصّة أنّ امرأة شهد عليها الشهود، أنّهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطؤها، وليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها، وكانت ذات بعل، فقالت: اللهم إنّك تعلم أنّي بريئة، فغضب عمر، وقال: وتجرح الشهود أيضاً؟! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ردُّوها واسألوها، فلعلّ لها عذراً، فردّت وسئلت عن حالها؟ فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت مع إبل أهلي وحملت معي ماء، ولم يكن في إبلي لبن، وخرج معي خليطنا وكان في إبل، فنفد مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتّى أُمكنّه من نفسي فأبيت، فلمّا كادت نفسي أن تخرج أمكنته من نفسي كرهاً، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الله أكبر (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)فلمّا سمع عمر ذلك خلّى سبيلها.3

1. الوسائل: 16، الباب 56 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 3.   2 . آل عمران: 97 .
2. الوسائل: 17، الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.
3. الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب حد الزنا، الحديث 8 ولاحظ الحديث 7 .

صفحه 65

فذلكة الكلام

إنّ الإنسان في بادئ الأمر يتصوّر أنّ قاعدة الاضطرار تختصّ بباب اللحوم، فالمضطر يأكل من اللحوم المحرّمة بشرط أن لا يكون عادياً ولا باغياً، وأمّا إذا وقف على هذه الأحاديث يجد أنّ المجال أوسع بكثير من باب اللحوم، فقد لمستَ عن كثب أنّها تجري في أكثر أبواب الفقه، من الطهارة والصلاة والحج والنكاح والحدود، ولذلك لا يبقى أي ريب في شمولية القاعدة، ولو رجع الباحث إلى المسائل الّتي وردت فيها تلك الروايات تظهر له الحال بأجلى مظاهره.
نعم بسط صاحب جواهر الكلام في الاضطرار في باب الأطعمة والأشربة .1
وإليك بعض عناوين المسائل:
1. تناول الأطعمة المحرّمة مع الضرورة.
2. حكم الباغي والعادي.
3. تجاوز المضطر ما يسدّ به الرمق.
4. جواز تزوّد المضطر من الميتة ووجوب دفعها إلى مضطر آخر.
5. وجوب التناول لحفظ النفس وحرمة التنزّه مع خوف التلف .
6. لو وجد المضطر ميتة وطعاماً للغير أيّهما يقدّم؟
7. إذا لم يجد المضطر إلاّ الآدمي ميّتاً؟
8 . إذا دار الأمر بين الآدمي ميّتاً والميتة ؟

1. لاحظ: جواهر الكلام: 36 / 432 ـ 447 .

صفحه 66
9. إذا كان المضطر محرماً ولم يجد إلاّ الصيد أو وجد معه ميتة، وقد مرّ التنصيص به.
10. إذا لم يجد المضطر إلاّ الخمر أو وجد معه بولاً أو بولاً وماء متنجّساً.
11. إذا لم يجد المضطر غير ميتتين إحداهما لحيوان مأكول وأُخرى لغير مأكول .
12. إذا لم يجد المضطر غير ميتة ما يؤكل وحيوان حي غير مأكول.
13. إذا لم يجد المضطر غير مذبوح الكافر وميتة ما يؤكل.
14. إذا اضطر إلى تناول الأشربة المسكرة بقصد التداوي.
15. إذا اضطر للأكل من مال الغير.
16. لو اضطر إلى طعام الغير وليس لديه ثمن.
17. لو اضطر إلى طعام وكان صاحبه غائباً.
إلى غير ذلك من المسائل .
وقد ذكر المحقّق في الشرائع من أحكام الاضطرار الشيء الكثير، منها:
قوله: ومن اللواحق النظر في حال الاضطرار .1

إكمال

قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ موقف الاضطرار كموقف لا حرج ولا ضرر، فهو من الأدلّة المحدّدة للأحكام الواقعية ويعرب عن عدم شمولها لصورة

1. شرائع الإسلام : 3 / 229 ـ 231، كتاب الأطعمة والأشربة.

صفحه 67
الاضطرار، إنّما الكلام في أنّ الاضطرار هل يُحلّ عامّة الكبائر وعزائم المحرّمات، أو أنّه يلاحظ ما هو أقوى ملاكاً، وسيوافيك في قاعدة التقية أنّها لا تبيح كلّ محرم كان ملاكه أقوى، بل تصبح التقية عندئذ محرّمة.
وقد تضافر عنهم(عليهم السلام): أنّ التقية لصيانة الدماء، فإذا وصلت إلى الدم، فلا تقية.
وعلى هذا فإذا كان ملاك الحرمة أقوى من ملاك الاضطرار فلا يحل له، وأمّا تعيين المصاديق والصغريات فهو على عاتق الفقيه.
***
تمّت قاعدة
ليس شيءٌ ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه
(قاعدة الاضطرار)

صفحه 68
قاعدة الجّب   
 
القواعد الفقهية
70

قاعدة الجبّ

الإسلام يجبّ ما قبله
قاعدة الجبّ: الإسلام يجب ما قبله   
المرونة والتسامح في الإسلام
مصدر القاعدة من الكتاب والسنّة
تفسير مفردات القاعدة
مفاد القاعدة
تطبيقات القاعدة :
   1. الفرائض البدنية
   2. الفرائض المالية
   3. العقوبات الجزائية
   4. الأُمور الوضعية
   5. حقوق الآدميين
   6. أحكام الدماء

المرونة والتسامح في الإسلام

من خصائص القوانين الإسلامية المرونة والتسامح والصفح عن

صفحه 69
الأعمال الّتي ارتكبها الإنسان قبل الإسلام، فلا يحاسب عليها بل يضرب عنها صفحاً على وجه محدود، كما سنبين إنّ شاء الله تعالى .
إنّ الإسلام دين عالمي كما أنّه دين خاتم، فيجب أن تكون سننه وقوانينه على نحو يرغب الكافرين إلى الدخول في حظيرته، فلو شعر الكافر بأنّه سوف يؤاخذ بكلّ ما يؤاخذ به المسلم عبر حياته من فرائض عبادية أو مالية أو عقوبات إلهية، فلا يرغب في الإسلام، ولأجل هذه الغاية الكبرى وهي دخول البشر جميعاً تحت راية الإسلام وإسعادهم بعقائده وأحكامه، جعل المرونة في قوانينه والتسامح في تعامله مع الكفّار، وهذا ما تهدف إليه قاعدة الجبّ المأخوذة من قول نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)المتواترة في الكتب الحديثية: «الإسلام يجبّ ما قبله»، فلأجل إسباغ الكلام في مورد القاعدة نتكلّم فيها من جهات:

الجهة الأُولى: مصدر القاعدة من الكتاب والسنّة

استدلّ للقاعدة بالكتاب والسنّة:
أمّا الكتاب فلقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ)1.
فالآية تدلّ على أنّ الانتهاء عمّا كانوا عليه يوجب غفران ما صدر عنهم سلفاً، ولذلك استدلّ بها الفقهاء على سقوط الصوم والصلاة عن الكفّار إذا أسلموا .2

1. الأنفال: 38.
2. كنز العمال: 1 / 166; جواهر الكلام : 17 / 10 .

صفحه 70
إنّما الكلام في دلالة الآية، أقول: الآية تحتمل معنيين:
1. أن يتوبوا ممّا هم عليه من الشرك ويمتنعوا منه، يغفر لهم ما قد سلف من ذنوبهم.
2. أن ينتهوا من المحاربة إلى الموادعة، يغفر لهم ما قد سلف من المحاربة.
فعلى الوجه الأوّل يمكن الاستئناس دون الوجه الثاني، والظاهر هو المعنى الأخير، فإنّ الوحي يبشّرهم بأنّهم إن ينتهوا عن المحاربة يغفر لهم ما قد سلف، وإن تمادوا في المحاربة فليعلموا أنّ سنّة الله هي نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، وعلى هذا فلا صلة للآية بأنّ الله يغفر لهم الفرائض البدنية والمالية وغيرها، الّتي تركوها في أيام كفرهم.
وأمّا السنّة فقد ذكرت القاعدة في روايات عديدة منها:
1. ذكر ابن سعد في طبقاته في ترجمة المغيرة بن أبي شعبة بن أبي عامر، كيفية إسلامه، وأنّه خرج مع بني مالك إلى المقوقس الذي أهدى إليهم جوائز كبيرة ولكنّه أعطاه شيئاً قليلاً، يقول: فخرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهليهم وهم مسرورون فأجمعت على قتلهم في منطقة بساق، فلمّا قتلتهم أخذت جميع ما كان معهم فقدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخبرته الخبر وقلت: نحن على دين الشرك فقتلتهم وأخذت أسلابهم وجئت بها إلى رسول الله، ليخمّسها أو يرى فيها رأيه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمّا إسلامك فقبلته، ولا آخذ من أموالهم شيئاً ولا أخمّسه، لأنّ هذا غدر والغدر لا خير فيه»، قال: فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت: يا رسول الله إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي ثم أسلمت حيث دخلت عليك الساعة، قال: «فإنّ

صفحه 71
الإسلام يجبّ ما كان قبله»1.
هذا هو الأصل في القاعدة.
2. ويظهر من تفسير القمّي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر هذه القاعدة في مورد آخر، أعني: في مورد عبدالله بن أبي أُمية أخي أُم سلمة، حيث استقبل النبي في فتح مكّة وسلّم عليه، فلم يرد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليه السلام وأعرض عنه ولم يجبه بشيء، وكانت أُخته أُم سلمة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فدخل إليها وقال: يا أُختي أنّ رسول الله قبل إسلام الناس وردّ علي إسلامي، فلمّا دخل رسول الله على أُم سلمة عرضت عليه ما دار بينها وبين أخيها عبدالله بن أبي أُمية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أُم سلمة إنّ أخاك كذّبني تكذيباً لم يكذّبني أحد من الناس، هو الذي قال لي: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا)2 إلى قوله تعالى: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ)3 قالت أُمّ سلمة: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ألم تقل إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله؟ قال: نعم، فقبل رسول الله اسلامه.4
ولعلّ أُمّ سلمة كانت حاضرة عندما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للمغيرة بن شعبة إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله، فتكون حاكية للحديث.
وأمّا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخّر قبول إسلامه فإنّما هو لنكتة، وهي أنّه لو قبل إسلامه في اللقاء الأوّل، تسهل عنده الجريمة الّتي ارتكبها في أيام شركه،

1. الطبقات الكبرى: 4 / 285 ـ 286 .
2. الإسراء: 90 .
3. الإسراء: 93 .
4. تفسير القمي: 2 / 26 ـ 27، سورة الإسراء.

صفحه 72
ولذلك أخّر قبول إسلامه حتّى توسّطت أُمّ سلمة له، وبذلك أفهمه أنّ جريمته كانت باهظة، ولولا شفاعة أُمّ المؤمنين له لما قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إسلامه وصفح عنه.
3. جاء في «السيرة الحلبية»: أمر النبي بقتل عبدالله بن أبي سرح لأنّه كان أسلم قبل الفتح ثم ارتدّ وهرب إلى مكّة، ولمّا كان يوم الفتح وعلم بإهدار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)دمه، لجأ إلى عثمان بن عفان ـ أخيه من الرضاعة ـ فقال رسول الله لعثمان: أما بايعته وأمّنته؟ قال: بلى ولكن يذكر جرمه القديم فيستحي منك، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يجبّ ما قبله»، وأخبره عثمان بذلك.1
4. وجاء فيها أيضاً عند الكلام عن إسلام هبّار الأسود الذي أمر النبي بقتله، وهو ممّن أمر بقتلهم أيضاً بقوله: رجع النبي من مكّة إلى المدينة فجاء هبّار رافعاً صوته: يا محمد أنا جئت مقراً بالإسلام، ثم ذكر الشهادتين وخاطب النبي بقوله: فاصفح عن جهلي وعمّا كان منّي، فإنّي مقرّ بسوء فعلي، معترف بذنبي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا هبّار عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجبّ ما كان قبله»2.
هذه هي مصادر القاعدة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا مصدرها على لسان الإمام علي (عليه السلام)فقد روى العلاّمة المجلسي عن المناقب لابن شهرآشوب قال: جاء رجل إلى عمر فقال: إنّي طلّقت امرأتي في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين، فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل: ما تقول: فقال عمر: كما أنت حتّى يجيء علي بن أبي طالب، فجاء علي (عليه السلام)فقال: قصّ عليه قصتك،

1. السيرة الحلبية: 3 / 37، طبعة دار المعرفة ـ بيروت.
2. السيرة الحلبية: 3 / 39 .

صفحه 73
فقصّ عليه القصة، فقال علي(عليه السلام): «هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة».1

الجهة الثانية: تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مؤلّفة من ألفاظ ثلاث:
1. الإسلام. 2. يجبّ. 3. ما قبله.
أمّا اللفظة الأُولى: فأُريد بالإسلام مَن اعتنق الإسلام في الظاهر وتشهّد بالشهادتين، من دون أن يُعلم أنّ إسلامه مبني على إيمانه واعتقاده بهما أو لا.
نعم خرج المنافق فإنّه وإن اعتنق الإسلام لفظاً لكن القرائن القطعيّة تدلّ على كذب اعتناقه وأنّه يقول ما لم يؤمن به. نعم تعامل النبيّ الأكرم مع منافقي عصره لمصلحة ملزمة لأنّهم والمؤمنين كانوا من عشيرة واحدة كالأوس والخزرج، فلو طردهم النبيّ عن حوزة الإسلام لاختلّ الأمر وانفصمت وحدة الكلمة التي بها قوام الحكومة الإسلامية.
وبعبارة أُخرى: ليس الإسلام في الحديث في مقابل الإيمان، بأن يسلم لفظاً ولم يؤمن قلباً كما هو الحال في مورد الأعراب الذين قالوا آمنّا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولذلك أمروا أن يقولوا أسلمنا.2
بل المراد مَن أظهر الشهادتين واعترف بهما، سواء عُلم أنّه أظهرهما عن اعتقاد وإيمان، أم لم يعلم ، بحيث يكفي عدم العلم ظاهراً بمخالفة إقراره مع ضميره خرج قسم المنافق الذي عُلم فيه عدم المطابقة.

1. بحار الأنوار: 40/230، نقلاً عن مناقب ابن شهر آشوب: 2 / 186.
2. لاحظ : الحجرات: 14.

صفحه 74
وأمّا اللفظة الثانية: أعني الجبّ، فهو بمعنى القطع .
قال الطريحي: الجبّ (بالفتح): القطع، يقال: جببته أي قطعته، ومنه: خصيٌّ مجبوب أي مقطوع.1
وجاء في «النهاية» لابن الأثير: في ذكر الحديث: «إنّ الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها»: أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب.2
ولكن الجزري انفرد في عطف التوبة على الإسلام، فإنّ قاعدة الجبّ غير قاعدة التوبة.
وأمّا اللفظة الثالثة: أعني «ما قبله» فقد أُريد بها الكفر.

الجهة الثالثة: في مفاد القاعدة

يظهر مفاد القاعدة بإمعان النظر في أمرين:
الأوّل: أنّ قاعدة الجب قاعدة امتنانية كقاعدتي: لا ضرر، ولا حرج، فهذه القواعد تُعدّ محدّدة للأحكام الأوّلية وأنّها شرعت في غير موارد الحرج والضرر، وفي حقّ الكافر إذا أسلم، وإذا كانت قاعدة امتنانية يجب أن تكون على نحو لا تورث ضرراً للآخر، ولذلك لو استقرض الكافر شيئاً من المسلم أو الكتابي الذي يعيش في ظل الإسلام، فإسلام الكافر لا يسبب سقوط وجوب أداء القرض.
وإن شئت قلت: الأحكام الثابتة له ـ لا من جهة الإسلام ـ بل من جهة

1. مجمع البحرين:2/21، مادة «جبب».
2. النهاية في غريب الحديث: 1 / 234 .

صفحه 75
كونه محكوماً بها حسب دينه، أو حسب اتّفاق العقلاء عليه، فهي غير مرفوعة عنه.
وبعبارة أُخرى: ما حكم على الكافر على فرض كونه مسلماً هو المرفوع إذا أسلم، وأمّا ما حكم عليه لا من هذه الحيثية بل من حيثية أُخرى، فالقاعدة غير ناظرة إليه .
الثاني: أنّ دليل قاعدة الجب دليل ترغيبي للكافر ليدخل في حظيرة الإسلام، إذ لا شكّ أنّ في الإسلام عقوبات ومؤاخذات بالنسبة إلى قسم من المعاصي والجرائم، فالكافر يخاف إن أسلم من أن يحكم عليه بتلك العقوبات والمؤاخذات، فلأجل رفع هذا الخوف يقول: الإسلام يجبّ ما قبله.
الثالث: لا منافاة بين هذه القاعدة وما عليه المشهور من كون الكفّار محكومين بالفروع كما أنّهم محكومون بالأُصول.
توضيحه: أنّه لاشكّ أنّ الكفّار محكومون بالفروع كما أنّهم محكومون بالأُصول، على ما هو المشهور، لكن الأحكام الثابتة على الكافر لأجل الإسلام تكون مرفوعة بعد ما يسلم، لا أنّهم غير مكلّفين بها أصلاً وبتاتاً .
إذا عرفت هذه الأُمور الثلاثة فيمكننا تفسير القاعدة عن طريق تعامل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مع المشركين والكتابيّين إذا أسلموا، فقد دلّت الضرورة على أنّهم إذا أسلموا لا يحكم عليهم بقضاء الفرائض البدنية كالصلاة والصوم والحج، بل لا يحكم عليهم بأداء ما وجب عليهم من الزكاة والصدقات في السنين الماضية، فهم كانوا مكلّفين بهذه الأحكام من جهة الإسلام، فإذا أسلموا سقطت رحمة وترغيباً.
ولأجل إيضاح القاعدة نعرضها على غير واحد من الموارد حتّى يتبين

صفحه 76
الساقط عن غيره، ولأجل ذلك نفتح جهة رابعة لهذا الموضوع.

الجهة الرابعة: تطبيقات القاعدة

إذا تعرفت على مفاد القاعدة على وجه الإجمال فلنعرضها على مواردها حتّى يتبين مورد الجبّ عن غيره.

أوّلاً: الفرائض البدنية

دلّت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمين على سقوط قضاء هذه الفرائض كلّها عن الكافر إذا أسلم، فلا يجب عليه قضاء الصلوات والصوم والحج، نعم لو زالت الاستطاعة قبل أن يسلم، سقط عنه الحج، وأمّا لو بقي عليها يجب عليه، لأنّه موضوع جديد، لأنّ الساقط ما وجب عليه حال الكفر، وأمّا ما هو المفروض فقد وجب عليه بعد أن أسلم.

ثانياً: الفرائض المالية

دلّت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمين على سقوط الفرائض المالية عندما أسلم وتظهر الحال في الصور التالية:
1. لو تلف ما وجبت فيه الزكاة أو الخمس قبل أن يُسلم فلا شيء عليه.
2. إذا كان وقت تعلّق الزكاة كافراً فلا يجب عليه الزكاة وإن كان النصاب باقياً.
3. نعم لو بقي النصاب بحاله إلى السنة التالية يجب عليه أداء الزكاة بما أنّه مسلم، لا قضاء عمّا وجب عليه عند الكفر.
وإلى ما ذكرنا يشير السيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره) بقوله: لو أسلم الكافر

صفحه 77
بعدما وجبت عليه الزكاة، سقطت عنه وإن كانت العين موجودة، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله1. فإنّ ما ذكره تام بالنسبة إلى السنوات السابقة، وأمّا لو حال عليه الحول، فيجب عليه إخراج الزكاة لأنّه موضوع جديد في حال إسلامه.
ثمّ إنّ قوله: «ان بقي النصاب» ناظر إلى النقدين والأنعام الثلاثة، وأمّا الغلاّت الأربع فلو كان حين تعلّق الزكاة كافراً، لبدو الصلاح فلا تجب الزكاة وإن كان النصاب باقياً فلاحظ.
ثم إنّ السيد الخوئي اعترض على فتوى المشهور من سقوط الزكاة بأنّ الدليل عليه هو الإسلام يجب ما قبله ويهدم وقال: لكنّه من أجل ضعف السند غير صالح لان يستند إليه، ثم أيّد ضعف الرواية مستظهراً بأنّ الإمام رفضها كما في ما رواه الشيخ باسناده عن جعفر بن رزق الله، قال: قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة وأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام)وسؤاله عن ذلك، فلمّا قدم الكتاب كتب أبو الحسن (عليه السلام): «يضرب حتّى يموت»، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين، سله عن هذا، فإنّه شيءٌ لم ينطق به كتاب ولم تجئ به السنة، فكتب: إنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم تجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب؟ فبيّن لنا بما أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟ فكتب (عليه السلام): «بسم الله الرحمن الرحيم: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ

1. العروة الوثقى: كتاب الزكاة، مسائل متفرقة، المسألة 17.

صفحه 78
الْكَافِرُونَ)1 قال: فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات .2
يلاحظ عليه: بأنّ الدليل أخصّ من المدعّى; وذلك لأنّ الإمام (عليه السلام)رفض القاعدة في هذا المورد الخاصّ أعني: كون الإسلام كان ناتجاً عن خوف من إجراء الحد عليه، ولم يرفضها مطلقاً. كما إذا كان إسلامه عن طوع ورغبة أو لم يعلم حاله.
وحصيلة الكلام: أنّ المصاديق الجديدة لا تعطف على المصاديق الغابرة، فليست قاعدة الجبّ قاعدة تجعل الكافر بعد إسلامه مجرّداً عن أي تكليف مالي أو تكليف بدني، فعلى الفقيه أن يميّز بين الغابر والحاضر.

ثالثاً: العقوبات الجزائية

لاشكّ أنّ للإسلام أحكاماً جزائية تشمل المسلم والكافر، فلو سرق قطعت يده، ولو زنا يجلد إذا لم يكن محصناً ومع الإحصان يقتل رجماً، وإذا أفطر يُعزّر أو يُحدّ خمسة وعشرين جلدة، ولو شرب الخمر يجلد ثمانين جلدة، ولو رمى المحصنات ولم يأت بأربعة شهداء فيُجلد ثمانين جلدة، إلى غير ذلك من الأحكام الجزائية الواردة في كتاب الحدود، فالكافر إذا ارتكب واحدة من هذه الجرائم أو غيرها ثم أسلم تسقط عنه أحكام هذه الجرائم فلا تقطع يده ولا يجلد ولا يقتل، وقس على ذلك ما لم نذكر من الأحكام الجزائية.

1. غافر: 84 ـ 85 .
2. الوسائل: 18، الباب 36 من أبواب حد الزنا، الحديث 2.

صفحه 79

رابعاً: الأُمور الوضعية

لاشكّ أنّ هنا أُموراً وضعية لها أحكام في الإسلام فهل ترتفع أحكامها عن الكافر بعدما أسلم أو تبقى أحكامها بعده؟ نظير:
1. الجنابة والحيض والنفاس، فإنّها أُمور تكوينية فقد حكم عليها بأحكام خاصّة منها الاغتسال فلو كان كافراً ثم أسلم يغفر له ما ترك من الأحكام، وأمّا بعد ما أسلم فهي من حيث البقاء موضوعات جديدة، تبقى أحكامها، فإنّ الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس من شروط صحّة الصلاة والصوم، فلو أراد أن يصلّي أو يصوم فعليه أن يغتسل لأنّها حكم جديد على موضوع جديد، وقد مضى أنّ المرفوع هو المصاديق الغابرة، لا الجديدة .
2. الرضاع أمر تكويني فمن ارتضع ـ في الإسلام ـ من امرأة يحرم عليه نكاحها ونكاح أُمها وبنتها.
3. الزنا أمر تكويني فلو زنى بامرأة يحرم عليه نكاح أُمّها وأُختها وبنتها، وهكذا لو أوقب غلاماً يحرم عليه نكاح أُمّه وأُخته وبنته.
فلو افترضنا أنّ الكافر قام بأحد هذه الأعمال ثم أسلم هل تسقط أحكام هذه الموضوعات عنه، فيجوز له نكاح أُمِّه الرضاعية أو نكاح واحدة من هذه النساء المحرّمة عليه؟ أو لا ؟
الظاهر ـ والله العالم ـ بقاء الحرمة; لأنّ المرفوع هو الأحكام الجزائية الّتي لو ارتكبها وهو مسلم لحكم عليه بالجلد أو الرجم أو القطع، وأمّا الأحكام الوضعية المترتّبة على الموضوعات المضادة بالفعل، فالقول برفعها مشكل، وذلك لأنّه بعدما أسلم يصدق على أُمّه الرضاعية، أنّها أُمّه، كما يصدق على بنت الزنية أنّها بنت مَن زُني بأُمّها، أو أُخت من زُني بأُختها، أو أنّها امرأة

صفحه 80
زُني بها وهي ذات بعل .
فإن قلت: إنّه سبحانه استثنى من تزويج ما تزوّج الآباء وقال: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً).1
كما أنّه استثنى من الجمع بين الأُختين إلاّ ما قد سلف وقال: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا).(2)
وعلى هذا فلو تزوّج المشرك ما نكح أبوه حال الشرك، أو جمع بين الأُختين، فظاهر الآية، هو العفو وجواز البقاء.
قلت: ما ذكرته من الاستظهار خلاف الاتّفاق، قال الطبرسي حول الآية الثانية: استثناء منقطع، ومعناه لكن ما قد سلف لا يؤاخذكم الله به، وليس المراد به أنّ ما قد سلف حال النهي، يجوز استدامته بلا خلاف.2
ولذلك لمّا أسلم بعض مَن كان له من النساء أزيد من أربع، أمره الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بانتخاب أربع منهن وقال:«وفارق سواهن».3

1. النساء:22.   2 . النساء:23.
2. مجمع البيان:2/30.
3. أ ـ فقد روي أنّ غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر من النساء، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «اختر أربعاً منهنّ وفارق سائرهن».مستدرك الوسائل:14/428، الباب5 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث3، وراجع: سائر روايات الباب; عوالي اللآلي:1/228 برقم 123 ; سنن البيهقي:7/181.
ب ـ وروى الطبراني في «المعجم الكبير» باسناده عن الحارث بن قيس بن عميرة قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة وأسلمن معي وهاجرن معي، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«اختر أربعاً منهن» فجعلت أقول للتي أُريد إمساكها: أقبلي، وللتي لا أُريد إمساكها: أدبري.(المعجم الكبير:18/359).
ج ـ لاحظ: الوسائل: 14، الباب6 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد.
د ـ عن ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وعنده عشر نسوة، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ».صحيح ابن حبّان:9/466; سنن الدار قطني:3/189.

صفحه 81
بقي هنا شيء وهو أنّ الإمام علي (عليه السلام)في جواب السائل الذي طلّق امرأته في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين أجاب بقوله: «هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة» فلم يعتدّ بتطليقته في الشرك، مع أنّه يصدق عليها أنّها امرأة طلقت ثلاثاً.
ولكن الافتاء على ضوء هذا الحديث في مورده مشكل; لأنّه خبر مرسل رواه صاحب المناقب في كتابه بلا سند. ولو أخذنا به فإنّما يؤخذ في مورده ولا يمكن التجاوز عنه إلى موارد أقوى وأشدّ كالمحرّمات الرضاعية والمصاهرية، والله العالم.
حتّى لو افترضنا أنّه كان قد تزوّج بإحدى هذه المحرّمات ـ في حال الكفر ـ فهل يحكم عليه ببقاء عقد الزواج، بحجّة أنّ الإسلام يجب ما قبله أو يحكم عليه بالفراق لأنّها بقاءً، موضوعات جديدة؟
لكن يظهر من السيد البجنوردي ارتفاع الحرمة قائلاً: بأنّ الإسلام يجب ذلك الفعل أو ذلك القول الذي كان موجباً للحدِّ لو لم يُسلم، والمسألة بعد مشكلة شائكة.
ولعلّه يتصوّر أنّ إسلام الكافر يجعل هذه الأفعال كأنّها لم تقع من قبله، وهذا بعيد; لأنّ التشريع إنّما يتطرّق إلى نفي الحكم، وأمّا نفي الموضوع لغاية نفي الحكم فهو يحتاج إلى بيان واضح.

صفحه 82

خامساً: حقوق الآدميين

لو كانت على الكافر حقوق مالية كما إذا استقرض شيئاً من المسلم أو الكافر الذمّيّ أو أتلف شيئاً من ماله فالحكم بالضمان عندما كان كافراً لم يكن لأجل كونه مسلماً، بل كان ثابتاً عليه مع غضّ النظر عن الإسلام فرفع مثل هذا أمر غير ثابت، بل ينافي الامتنان، فالقول ببقاء ما اشتغلت به ذمته هو الأقوى، وقد نقل في «مفتاح الكرامة» أنّ المحقّق الثاني استثنى أمرين: حكم الحدث كالجنابة، وحقوق الآدميّين، وقال: إنّ الذي يسقط ما خرج وقته (لا ما بقي).
وعن الأردبيلي إنّ حقوق الآدميّين مستثنى بالإجماع .1
والأولى أن يقال: إنّها خارجة عن مدلول القاعدة من دون حاجة إلى إخراجها بالإجماع.
فعلى هذا فالديون الّتي كانت على ذمّته، ومهور أزواجه، وبدل ما أتلفه، وكلّ حقّ مالي كان على ذمّته، لا بما هو مسلم، بل بما هو بحكم بيئته ودينه، فهو باق.

سادساً: أحكام الدماء

لو قتل الكافر محقون الدم من مسلم أو ذمّي، فالحقّ عدم زوال حكمه; لأنّه إذا حُكم في حال الكفر بالقصاص والدية وغير ذلك لم يكن لأجل الإسلام، بل كان محكوماً بهما مع قطع النظر عن الإسلام، وقد عرفت أنّ القاعدة إنّما تسقط ما ثبت له في حال الكفر بحيثية الإسلام، والمفروض أنّه ثبت له أحد الأمرين لا بهذه الحيثية، بل لأجل دينه أو حكم بيئته.

1. مفتاح الكرامة: 3 / 381 .

صفحه 83
وأمّا ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجّة الوداع من أنّه قال: «ألا إنّ كلّ دم (كان) في الجاهلية أو إحنة1، فهو تحت قدمي إلى يوم القيامة»2، فالظاهر أنّه حكم حكومي صدر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأجل إقرار الثبات في الجزيرة العربية، فإنّ إجراء القصاص وأخذ الديات يحتاج إلى محاكم كبيرة حتّى يميّز المحق عن المبطل، وهذا كان أمراً غير مقدور في تلك الأوقات.
ثم إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يحكم على المغيرة بالدية والقصاص لأجل المقتولين; لأنّهم كانوا كفّاراً متمردين غير محقوني الدم.
***
تمّت قاعدة الجبّ
(الإسلام يجب ما قبله)

1. الإحنة: الحقد في الصدر، والجمع إحن وإحْنات. والمؤاحنة: المعاداة. لسان العرب:13/8، مادة «أحن».
2. دعائم الإسلام: 2 / 199 .

صفحه 84
 
القواعد الفقهية
71

قاعدة

نفي السبيل للكافرين على المؤمنين
قاعدة نفي السبيل للكافرين على المؤمنين   
توضيح مفردات القاعدة مع مفادها
الاستدلال على القاعدة بقوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)1
نقد الاستدلال بالآية ثم الاستدلال بها بنحو آخر
الاستدلال بالسنّة الشريفة
الاستدلال بالإجماع المحصّل من تتبع الموارد
ردّ الاستدلال بالإجماع المحصّل لكونه مدركياً
تطبيقات القاعدة
ما هو المراد بالمؤمن؟
من القواعد الفقهية قاعدة:«نفي السبيل للكافرين على المؤمنين» وقد عمل بها الأصحاب في مختلف أبواب الفقه، وسيوافيك بعض مواردها عند البحث في تطبيقات القاعدة، وكأنّهم التقطوها من قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ

1. النساء: 141 .

صفحه 85
اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)، وربّما أيّدوها أيضاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والكفّار بمنزلة الموتى لا يحجبون ولا يرثون» وسيوافيك مصدر الحديث ومفاده.
وقد فرّعوا على القاعدة فروعاً نظير: عدم حجب الكافر المسلم من الإرث، فلو مات الرجل وله ولي كافر وأُخت مؤمنة فالإرث للثانية; لأنّ القول بحجب الولد الكافر الأُختَ المؤمنة يلازم سلطة الكافر على المؤمنة، أو علوّه عليها.
فكلّ حكم شرعي إذا استلزم في بعض الموارد نفع الكافر وتضرّر المؤمن فهو غير مجعول ولا مشروع.
وترى في كتب القوم منع بيع العبد المسلم من الكافر لأنّه يستلزم سلطة الكافر على المؤمن، إلى غير ذلك من الموارد، وإكمال البحث يتوقّف على دراسة أُمور:

الأوّل: مفاد القاعدة

القاعدة مركّبة من كلمات عديدة:
1. نفي السبيل
2. للكافرين
3. على المؤمنين
وبما أنّا أوضحنا معنى السبيل في قاعدة الإحسان أو نفي السبيل على المحسن،1 فلا نعود إلى تفسير هذه اللفظة.

1. لاحظ : الايضاحات السنيّة للقواعد الفقهية: 1 / 296، برقم 18 .

صفحه 86
بقي الكلام في الكافرين، وهو جمع كافر ويراد به خلاف المسلم، فمَن اعترف بتوحيده سبحانه ورسالة نبيّه الخاتم ومعاد يوم القيامة فهو داخل في حظيرة الإسلام حسب ما رواه مسلم في صحيحه في يوم خيبر حيث سأل الإمام علي (عليه السلام)رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): على مَ أقاتلهم؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله»1.
وبذلك تبيّن أنّ المراد من المؤمنين هم المسلمون عامّة، أي مَن تجمعهم الكلمات الثلاث. فمن أنكر واحداً من هذه الأُصول فهو كافر.
ثم إنّ مناسبة الحكم والموضوع (عزّة المؤمنين وذلّة الكافرين)، يقتضي أن يكون المراد هو عموم السلب لا سلب العموم، فكلّ مورد يلزم من العمل بالحكم الشرعي علوّ الكافر على المؤمن وسلطته عليه أو تضرّر المؤمنين فهذا الحكم الشرعي غير نافذ في الشريعة الإسلاميّة ، وعندئذ تَصبح قاعدة «نفي السبيل» كمثل قاعدة لا ضرر ولا حرج، حاكمة على الأدلّة الأوّلية، فكما أنّ حديث لا ضرر أو لا حرج يحدّد الأحكام الواقعية فهكذا هذه القاعدة تحدّد الأحكام الأوّلية، وكما أنّه إذا لزم العمل بالحكم الواقعي الضرر أو الحرج فهو غير مجعول فهكذا كلّ حكم شرعي إذا استلزم إطلاقه تسلّط الكافر على المؤمن فهو غير مجعول، وعلى هذا لا ولاية للكافر على المسلم، فلو وقف أرضاً على المسلمين فالتولية ابتداءً وبقاءً إنّما هي للمسلم لا للكافر، حتّى أنّ الفقهاء منعوا تزويج الكافر من المسلمة بحجّة أنّه يوجب سلطة الزوج على الزوجة، لقوله تعالى: (اَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ

1. صحيح مسلم: 7 / 121، باب فضائل علي(عليه السلام).

صفحه 87
اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض )1، وكون الزوجة راضية بتزويجها منه لا يبيح ما رضيت به، إذ للزوج أن يؤدّب زوجته في موارد خاصّة كما في قوله سبحانه: (وَ اللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)2 .
فحقّ الطاعة للزوج على الزوجة من الأحكام الواقعية، لكنّه محدّد بما إذا كان الزوجان مؤمنين لا ما إذا كان الزوج كافراً والزوجة مؤمنة; لأنّ الحكم الشرعي يستلزم علوّه عليها.

الأمر الثاني: دليل القاعدة

قد عرفت مفاد القاعدة ولنذكر دليلها، فقد استدلّوا عليها بما يلي:
الدليل الأوّل: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)3.
والآية نزلت في مورد المنافقين الذين يريدون الأكل من المائدتين، ولذلك يصفهم الله سبحانه بقوله: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ):أي ينظرون لكم أيّها المؤمنون (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ)واتّفق لكم ظفر على الأعداء يتوجّهون إليكم و (قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ)فأعطونا نصيبنا من الغنيمة (وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ

1. النساء: 34.
2. النساء: 34.
3. النساء: 141.

صفحه 88
نَصِيبٌ): أي حظ بإصابتهم من المؤمنين، توجّهوا إلى الكافرين و (قَالُوا)للكافرين (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ): أي ألم نمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين، فكأنّ منعهم عن الدخول في جملة المؤمنين كان نصراً للكافرين فيطلبون نصيبهم منهم. فالله سبحانه يقول: (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) .
ثم إنّ التعبير في جانب غلبة المؤمنين بالفتح وفي جانب غلبة الكافرين بالنصيب تكريم لما يقوم به الفريق المؤمن، وتحقير لما يقوم به الفريق الكافر، ببيان أنّ ما يصلون إليه من محاربة المسلمين شيء ضئيل قليل عبّر عنه بالنصيب .
ثم إنّ الصلة بين قوله: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ)بما تقدّم واضحة حيث إنّ قوله: (وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ)يحكي عن غلبة الكفر على الإيمان وبالتالي سلطة الكافر على المؤمن، فردّ الله سبحانه هذا الوهم بأنّ الغلبة في موضع لا تكون دليلاً على الضابطة، بل الضابطة سلطة المؤمنين على الكافرين، ولو انتقضت القاعدة في مورد فهو أمر شاذ نابع من تخلّف المسلمين عن الضوابط الّتي قرّرها الإسلام، فنرى أنّ المؤمنين مع قلّتهم انتصروا على الكافرين في غزوة بدر على عكس غزوة أُحد حيث إنّهم في الثانية تركوا نصيحة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمره الرماة بالثبات فوق الجبل بأن لا يتركوا مكانهم مطلقاً، سواء أكان الفتح (لنا أم علينا)، ولكنّهم طمعاً في الغنائم تركوا ذلك الموضع، فصار ذلك سبباً لانتصار الكافرين على المؤمنين في مورد جزئي.
إلى هنا تبيّن معنى الآية، ثم إنّ في نفي الجعل احتمالات:
الأوّل: أنّ المراد من نفي الجعل هو النفي تكويناً، أي في حياة المسلمين

صفحه 89
لن يغلب الكافر المؤمن، أو لن يغلب فريق الكفّار فريق المؤمنين.
ولعلّ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وتفسيرها بغيره يخالف ظاهره.
الثاني: أنّ المراد هو لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالحجّة، وإن جاز أن يغلبوهم بالقوّة لكن المؤمنين منصورون بالدلالة والحجّة.
الثالث: أنّ المراد نفي الجعل تشريعاً لا تكويناً أي أنّه سبحانه لا يشرّع حكماً يلازم سلطة الكافر على المؤمن، ولا يريد التكوين.
الرابع: أنّ المراد هو يوم القيامة أي لن يجعل لهم يوم القيامة سلطة عليهم، ولعلّه استظهر ذلك المعنى من قوله سبحانه: (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).1
والذي يمكن أن يقال: إن الآية مع قطع النظر عمّا ورد حولها من التفسير هو نفي الجعل التكويني، لما قلنا من أنّ الآية لمّا تضمّنت انتصار الكافرين على المؤمنين صار هذا مظنّة توهّم استمرار هذا الأمر، والله سبحانه ينفي هذا النوع من الاستنصار برأسه، وبذلك ثبتت أقدام المؤمنين في ميادين الحروب والمغازي، نعم بالنظر إلى الرواية أُريد الغلبة من حيث الحجّة كما روي عن الصدوق في «عيون الأخبار».2 ولو صحّت الرواية، فإنّما هي تفسير بالباطن أو تفسير بأحد المصاديق، إذا كانت القضية كلية تعمّ الغلبة التكوينية والغلبة البرهانية، وعلى ذلك (المراد الغلبة التكوينية أو البرهانية) فالاستدلال بالآية

1. راجع للوقوف على هذه الوجوه:مجمع البيان: 3 / 256 .
2. لاحظ : تفسير نور الثقلين: 1 / 565 .

صفحه 90
على القاعدة (نفي الجعل تشريعياً) يصير مشكلاً إلاّ بملاحظة أمرين:
1. قد ورد في السنّة : لا يقاد المسلم بذمّي.1
2. أنّ نفي الجعل تكويناً يلازم نفي الجعل تشريعاً حسب حكم العقل، فإذا تعلّقت إرادته سبحانه على انتصار المؤمنين في المعارك والمغازي على الكافرين ولم يرض بتسلّطهم عليهم تكويناً فأولى أن لا يرضى به تشريعاً، إذ من القبيح أن تتعلّق إرادته على نفي السلطة تكويناً ومع ذلك يشرّع أحكاماً من عمومات وإطلاقات يلزم من العمل بهما سلطة الكافر على المؤمن. وعلى هذا فكلّ مَن فسّر نفي الجعل على نحو التكوين له أن يستنبط منه النفي التشريعي للملازمة. ولعلّ استدلال الأصحاب بالآية في مختلف أبواب الفقه مبني على هذا، أعني: الملازمة بين النفي التكويني والنفي التشريعي.
الدليل الثاني: ما رواه الصدوق في «الفقيه» عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والكفّار بمنزلة الموتى لا يحجبون ولا يرثون»2.
إنّ الحديث بقرينة الذيل ظاهر في مقام التشريع وأنّ التشريع الإسلامي يوجب علوّ الإسلام على غيره، فكلّ حكم كان على جانب النقيض من هذا فهو غير مجعول، وإنّ الإطلاقات لا تعمّه، نعم إنّ علو الإسلام عبارة عن علوّ المسلمين، كما أنّ المراد من علوّ الكفر علوّ الكافرين، فأصبحت هذه الرواية كالآية السابقة من الدلائل الواضحة المضيّقة لإطلاقات الآيات والروايات والعمومات الواردة فيهما إذا استلزم الأخذ بالإطلاق ذلك العلوّ، وعلى ذلك

1. عوالي اللآلي: 2 / 362 برقم 9 ; المصنّف للصنعاني: 10 / 99 برقم 18505 .
2. الفقيه: 4 / 334، الحديث 5719، وقد نقله صاحب الوسائل مبتوراً.

صفحه 91
يُعلم أنّ استخدام الكافر للاستعانة به في العلوم الّتي يعرفها وتشغيل الأجهزة الّتي يملكها المسلمون أمر جميل، ولكن اتّخاذه والياً أو رئيساً للجيش أو حاكماً على مدينة أو رئيساً على المستشفى والمدرسة والجامعة، كلّ ذلك ممنوع، لأنّ للرئيس علواً على المرؤوسين وسلطة عليهم، فيجب عليهم إطاعته بلا شرط، وهو نفس السلطة.
الدليل الثالث: الإجماع المحصّل من تتبع الموارد الّتي تمسّك فيها الفقهاء بالقاعدة، وهو صحيح لكنّ حجية هذا الإجماع مخدوشة جدّاً، لأنّ الإجماع حجّة إذا كشف عن دليل وصل إلى المجمعين دوننا، وأمّا المقام فنعلم علماً قطعياً بأنّ العاملين بالقاعدة في مختلف الأبواب اعتمدوا على الآية والرواية.
ولك أن تستدلّ على القاعدة بوجه آخر وهو أنّ قوله سبحانه في ردّ عقيدة المنافقين يكشف عن تعلّق مشيئته على عزّ الإسلام وذلّ الكفر، قال سبحانه: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)1 ويكشف عن ذلك أيضاً ما ورد في رواية من أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)أُوتي بعبد ذمّي قد أسلم فقال: «اذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا ثمنه إلى صاحبه ولا تقرّوه عنده».2
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الإسلام لا يرضى بمالكية الكافر للمسلم ملكية مستمرّة، لا ملكية مؤقّتة مصحّحة لبيعه.
ومن هنا يستكشف أنّ كلّ حكم يكون بهذا المنوال فهو مرفوض، وإلى

1. المنافقون: 8 .
2. الوسائل: 17، الباب 73 من كتاب العتق، الحديث 1.

صفحه 92
هذا الدليل أشار السيد المراغي وقال: ثالث الأدلّة: الاعتبار العقلي، فإنّ شرف الإسلام قاض بأن لا يكون صاحبه مقهوراً تحت يد الكافر مالم ينشأ السبب من نفسه، فإنّه حينئذ أسقط احترام نفسه، وهذا وإن لم يكن في حدّ ذاته دليلاً، لكنّه مؤيّد قويّ مستند إلى فحوى ما ورد في الشرع.1
وعلى هذا فأي عقد بين الكافر والمسلم إذا لم يستلزم سلطته فلا مانع منه، كما إذا ضاربه أو زارعه أو أودع شيئاً عنده أو استعار منه شيئاً أو تعاهد معه، فلا إشكال فيه .
وأمّا إذا كان هناك علوّ كالولايات والأنكحة فلا يجوز .

الأمر الثالث: في تطبيقات القاعدة

وهي كثيرة، منها:
1. لا تجوز ولاية الكافر على صغير أو مجنون أو سفيه في نكاح أو مال.
2. لا تجوز إجارة المسلم نفسه للكافر بأن يعمل له بنفسه وعمله، نعم يجوز أن يتقبّل له عملاً في ذمّته سواء عمل بنفسه أم استعان بالغير .
3. إذا كانت الأرض مشاعة بين المسلم والكافر فباع المسلم نصيبه من المسلم فليس للشريك الكافر حقّ الشفعة.
4. لا يُقتص من المسلم بالكافر، بل تجب عليه الدّية.
5. إذا التقط الكافر ولداً لقيطاً محكوماً بالإسلام بأحد الطرق المذكورة في محلّها، فلا يحكم بكفره باعتبار كون الملتقط كافراً.

1. العناوين الفقهية: 2 / 352.

صفحه 93
إلى غير ذلك من الفروع الّتي يقف عليها الباحث في مختلف الأبواب الفقهية.

الأمر الرابع: ما هو المراد بالمؤمن؟

ربّما يطلق المؤمن في مقابل المسلم كما في قوله تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)1. فمَن دخل الإيمان في قلبه فهو مؤمن وإلاّ فهو مسلم.
وربّما يطلق المؤمن ويراد به المسلم لكن لا بالمعنى السابق، بل مَن أسلم لساناً وقلباً ويكون مرادفاً للمؤمن بالمعنى السابق، ويدلّ عليه قوله سبحانه حاكياً عن الملائكة: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ)2.
نعم للمؤمن مصطلح خاص في رواياتنا وهو مَن آمن بولاية الإمام علي (عليه السلام)وأولاده المعصومين، وهذا المعنى غير مراد في المقام.
وعلى هذا فلا فرق بين فرق المسلمين فكلّ مَن انتحل الإسلام فهو مسلم، إلاّ إذا كان ناصبياً أو خارجياً أو مجسّماً، أو من أنكر واحداً من الأحكام الضرورية.
***
تمّ الكلام في قاعدة
نفي السبيل للكافرين على المؤمنين

1. الحجرات: 14.
2. الذاريات: 35 ـ 36 .

صفحه 94
 
القواعدة الفقهية
      72

قاعدة

لا ضرر ولا ضرار1
قاعدة لا ضرر ولا ضرار   
الجهة الأُولى: مدرك القاعدة، وهي في قسمين:
   1. «الضرر والضرار» في القرآن الكريم
   2. «الضرر والضرار» في الروايات
الجهة الثانية: القاعدة في كلمات الفقهاء
الجهة الثالثة: في ورود القاعدة في غير حديث سمرة
الجهة الرابعة: هل الحديث مذيّل بعبارة «في الإسلام» أو «على المؤمن» أو لا؟
الجهة الخامسة: في بيان الفرق بين الضرر» و «الضرار» .
الجهة السادسة: في مفاد الهيئة التركيبية، وفيه خمسة وجوه.
تنبيهات مهمة، وهي اثنا عشر تنبيهاً.
وهي من القواعد المهمّة، وقد حظيت باهتمام العلماء في دراساتهم

1. قد صدرنا في تنظيم هذا البحث عن المحاضرات الّتي ألقيناها في أحد الدورات الأُصولية، وقد حرّرها ولدنا البار الشيخ سعيد وفقه الله لمرضاته.

صفحه 95
الفقهية والأُصولية، وسنقوم بدراستها، إن شاء الله تعالى في جهات ست، واثنى عشر تنبيهاً، وخاتمة.

الجهة الأُولى: مدرك القاعدة، وفيه قسمان:

القسم الأوّل: الضرر والضرار في القرآن الكريم

وردت كلمة «الضرر» في موضع واحد من القرآن الكريم وهو قوله سبحانه:
1. (لايستوِي القاعِدون َمِنَ المؤمِنينَ غيرُ أُولي الضّـرَرِ والمجاهدونَ في سبيلِ اللّهِ بأمْوالهِمْ وأنفُسِهِمْ...)1: أي إلاّ أهل الضرر والنقص منهم، بذهاب أبصارهم و غير ذلك من العلل الّتي لاسبيل لأهلها إلى الجهاد، للضّرر الّذي بهم. والمراد من الضرر هنا هو النقصان من عمىً أو مرض.
وأمّا الضّرار، فهو من فروع الظّلم والتعدّي على النفوس والحقوق والأموال، وعلى ذلك فهو محكوم بالقبح عقلاً وبالحرمة شرعاً.
وقد وردت هذه الكلمة وما اشتقّ منها في الآيات القرآنيّة التّالية:

1 . النساء:95. نزلت الآية ـ كما في كتب التفسير والحديث ـ في مَن تخلّف عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم تبوك وقد عذر اللّه سبحانه أُولي الضرر منهم وهو عبد اللّه بن أُم مكتوم. وقال زيد بن ثابت: كنت عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حين نزلت عليه (لايستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه) ولم يذكر أُولي الضرر. فقال ابن أُمّ مكتوم: فكيف وأنا أعمى لاأبصر؟! فتغشّى النبي الوحي ثمّ سرى عنه فقال: اكتب (لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر)فكتبتها.
وهذه الرواية و شأن النزول غير صحيح وقد أوضحنا حاله في كتابنا «الحديث النبويّ بين الرواية والدراية» انظر ص 227 عند دراسة روايات زيد بن ثابت. راجع: مجمع البيان للطبرسي :3/96 ط. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت; ومسند أحمد بن حنبل: 4/301 ط.دار الفكر.

صفحه 96
2. قوله سبحانه: (وإذا طلَّقْتُمُ النّساءَ فبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكُوهُنَّ بمَعْروف أو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاتتّخِذُوا آياتِ اللّهِ هُزُواً واذْكُروا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وما أنْزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ واتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ بكلّ شَيْء عَلِيم) .1
كان الرجل ـ في الجاهليّة ـ يطلّق امرأته ويتركها، وعندما يقرب انقضاء عدّتها، يراجعها لا عن حاجة ورغبة ولكن ليطوّل العدّة عليها إيذاءً وضراراً بها. فنهى اللّه سبحانه عن هذا الأُسلوب التعسّفي، كما قد حدّد الطّلاق بعد أن لم يكن له ولا للرجوع حدّ وحصر، بما يلي:
(الطّلاقُ مَرّتانِ فإمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإحْسان ولا يِحلُّ لَكُمْ أنْ تأخُذُوا ممّـا آتَيْتُمُوهُنَّ شيئاً إلاّ أنْ يَخافا ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فأُولئكَ هُمُ الظّالمونَ) .2
وقوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ يَخَافَا) استثناء ممّا أعطيت من المهر وإشارة إلى الخلع. والمعنى: إلاّ أن يغلب على ظنّهما ألاّ يقيما حدود الله لما بينهما من أسباب التباعد والتباغض(فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِي مَا افْتَدَتْ بِهِ): أي بذلت من المال للطلاق ويجوز للزوج أخذ ما أعطى من المهر.
هذه هي الحدود الإلهيّة. وأمّا الرجوع بقصد الطّلاق، فهو ليس من الإمساك بمعروف، ولذلك فقد عدّه سبحانه من الإمساك ضراراً، فالواجب على الزوج ـ كما في هذه الآية الكريمة ـ أحد أمرين:

1 . البقرة:231.
2 . البقرة:229.

صفحه 97
الإمساك بالمعروف بالقيام بوظائف الزوجيّة، أو التسريح والتّخلّي عنها حتّى تنقضي عدّتها وتبين من غير ضرار.
وروي عن عائشة أنّها قالت: كان الناس والرجل يطلّق امرأته ما شاء أن يطلّقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرّة أو أكثر، حتّى قال رجل لامرأته: واللّه لا أُطلّقك فتبيني ولا آويكِ أبداً. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك، فكلّما شاهدت عدّتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتّى دخلت على عائشة فأخبرتها. فسكتت حتّى جاء النّبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبرته . فسكت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نزل القرآن (الطّلاقُ مَرّتانِ فإمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإحْسان) .
قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً مَن كان طلّق ومن لم يكن طلّق.1
و«الضرار» في الآية من مقولة فعل الواحد لا الاثنين ولاالمجازاة. والمراد منه في المقام هو إيجاد الضيق والمشقّة وإدخال المكروه عن عناد و تعمّد.
فاحتفظ بهذه النكتة مع ما سنذكره في الآيات الأُخر، لأنّها كقرائن منفصلة تثبت ما هو المقصود من الحديث.
3. قوله سبحانه: (والوالِداتُ يُرضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَين لِمَنْ أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى المَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْروفِ لا تُكَلَّف نَفْسٌ إلاّ وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإنْ

1 . سنن الترمذي: 1/224; المستدرك للحاكم :2/279.

صفحه 98
أرادا فِصالاً عَنْ تَراض مِنْهُما وَ تَشاوُر فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرضِعُوا أولادَكُمْ فَلاَ جُناحَ عَلَيْكُمْ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْروفِ وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ اعْلَمُوا أنَّ اللّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) 1.
والآية تتكفّل ببيان عدّة أحكام:
أ . مدّة إرضاع الأُمّهات للأولاد.
ب . أنّ رزق الأُمّهات المرضعات وكسوتهن، على المولود له ـ وهو الوالد ـ على النحو المعروف.
ج . أن لا يُكلّف أحدهما الآخر بما ليس في وسعه.
د . أنّ (لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ). وفي تفسيره وجهان:
الأوّل: أن يكون الفعل (لا تُضارَّ ) بصيغة المجهول فيكون كلّ من الوالدة والمولود له هو المتضرّر، وحذف الفاعل أي «الضار» لكونه معلوماً من سياق الكلام وتكون الباء في (بِوَلَدِها)وفي (بِوَلَدِهِ) للسببية. والمعنى يحرم أن يتضرّر ويقع كلّ من الوالدة والمولود له مورداً للضرر بسبب ولدهما، فلاتضار الوالدة بأخذ ولدها عنها ودفعه إلى الضرة بعد أُنسها به، غيظاً عليها. كما لايضار الوالد بترك إرضاع ولده. ففي الصورة الأُولى، الأُمّ هي المتضرّرة والأب هو الضار، وفي الصورة الثانية الأمر بالعكس. وعلى كلّ تقدير فالولد سبب الضرر وآلته وليس مورداً له.
الثاني: أن يكون الفعل (لا تُضارَّ) بصيغة المعلوم وعلى هذا يكون كلّ من الوالدة والمولود له هو الضار، والمتضرّر هو الولد المذكور بعدهما، والباء

1 . البقرة:233.

صفحه 99
زائدة. والمعنى: لاتضارر الوالدة ولدها ولايضارر المولود له ولده، وإضرار الأُمّ بترك الإرضاع، وإضرار الأب بأخذه منها ودفعه إلى الضرة. والفرق بين الوجهين واضح، ففي الأوّل كلّ من الوالدة والمولود له هو المتضرّر والطرف المقابل هو الضار والولد سبب الضرر، وفي الثاني كلّ منهما هو الضار، والمتضرّر ـ على كلّ تقدير ـ هو الولد.
هـ . يجب على الوارث ما كان يجب على المولود له من الرزق والكسوة.
و . جواز فصل الرضيع عن الرضاع قبل الحولين عن تراض وتشاور من الوالدين، وقد شرط رضا الوالدة لأنّها تعلم من تربية الرضيع ما لايعلمه الوالد.
ز. يجوز للآباء طلب مراضع غير أُمّهات أبنائهم، إمّا لإباء الأُمّهات عن الرضاع، أو لأغراض عقلائيّة.
وعلى كلّ تقدير، فمتعلّق التحريم هو فعل الواحد أي إضرار كلٌّ مستقلاًّ وإن لم يكن الآخر ضاراً، وليس متعلّقه فعل الاثنين. ومع ذلك فلعلّ الإتيان بـ«تضار» بصيغة المفاعلة مكان «تضر»، مع أنّ الأنسب هو الثاني ـ لما عرفت من كون متعلّق التحريم إضرار كلٌّ مستقلاً وإن لم يكن الآخر ضاراً ـ من جهة مظنّة كون كلّ منهما بصدد الإضرار بالآخر.
4. قوله سبحانه: (وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ وَ لايُضارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهيد) 1.
فلو قرئ «لايضارِّ» بصيغة المعلوم بكسر الراء ـ وإن تبدّلت إلى الفتح بعد الإدغام ـ كان النهي متوجّهاً إلى الكاتب والشاهد، كأن يكتب الكاتب مالم يمل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يشهده أو يمتنع عن إقامة الشهادة.

1 . البقرة:282.

صفحه 100
وأمّا إذا قرئ بصيغة المجهول فيكون المراد عدم الإضرار بالكاتب والشاهد، كأن يدعى الكاتب إلى الكتابة أو الشاهد إلى الشهادة في ظرف عدم تفرّغهما لذلك، والذيل يناسب المعنى الأوّل كما لايخفى. وقد أُريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.
5. قوله سبحانه: (وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصيَّة يُوصِينَ بِها أو دَيْن وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أو دَيْن وَ إنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ وَ لَهُ أخٌ أو أُختٌ فَلِكُلِّ واحد مِنْهُما السُّدسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَة يُوصى بِها أو دَين غَيـرَ مُضارّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ عَليمٌ حَليمٌ).1
منع سبحانه من الضرار في الوصيّة بمعنى أنّه ليس للإنسان أن يوصي وصيّة تضرّ بالورثة كما إذا أوصى بكل ماله، أو بأكثر من ثلثه، أو أقرّ بدين للإضرار بهم مع أنّه غير مديون. فقد أُريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.
6. قال سبحانه: (والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَ إرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ ليَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاّ الحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ).2
نقل المفسّرون أنّ بني عمرو بن عوف اتّخذوا مسجد قبا وبعثوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم، فأتاهم وصلّى فيه. فحسدهم جماعة من المنافقين

1 . النساء:12.
2 . التوبة:107.

صفحه 101
من بني غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً ونصلّي فيه ولانحضر جماعة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا فرغوا منه أتوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتجهّز إلى تبوك. فقالوا: يا رسول اللّه إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة واللّيلة المطيرة واللّيلة الشاتية، وإنّا نحبّ أن تأتينا وتصلّي فيه لنا وتدعو بالبركة. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي على جناح سفر، ولو قدمنا آتيناكم إن شاء اللّه فصلّينا لكم فيه. فلمّا انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك، نزلت عليه الآية في شأن المسجد، فوصف غاية عملهم بأُمور:
1. ضراراً، أي للضّرر بأهل مسجد قبا أو مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليقلّ الجمع فيه.
2. وكفراً ،أي لإقامة الكفر.
3. وتفريقاً بين المؤمنين،أي لاختلاف الكلمة وإبطال الأُلفة وتفريق الناس عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
4. وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل، أي مرصداً لأبي عامر الراهب وهو الذي حارب اللّه ورسوله من قبل.1
7. قوله تعالى: (أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضارُّوهنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإنْ كُنَّ أُوْلاتِ حَمْل فَأنْفِقُوا عَلَيْهنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَ إنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخرى) .2

1 . مجمع البيان :3/72، وفسّر الضرار بقوله: الضرار طلب الضرر ومحاولته، كما أنّ الشقاق محاولة ما يشق، يقال: ضارّه مضارّة وضراراً.
2 . الطلاق:6.

صفحه 102
والمقصود هو المنع عن الضّرار بالمطلّقة في أيّام عدّتها بالتضييق في المسكن والمأكل.
فهذه الآيات1 تثبت قاعدة كلّية وهي حرمة الضرر والضرار، أي حرمة أن يضرّ مكلّف بفرد آخر، فالضارّ أو المضارّ هو المكلّف، والمتضرّر إنسان آخر، فليكن هذا على ذكر منك فإنّه سينفعك في تفسير القاعدة.

القسم الثاني : الضّرر والضِّـرار في الروايات

الروايات الحاكية عن تحريم الضّرر والضّرار على طوائف كثيرة2نأتي بما وقفنا عليه في كتب الفريقين.

الطائفة الأُولى: ما يعتمد في بيان الحكم على نقل قضيّة سمُرة بن جُندب3

ويعلّل الأمر بالقلع بـ «أنّه رجل مضارّ» وأنّه «لاضرر ولاضرار» وإليك صور الحديث:
1. موثّقة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إنّ سمرة بن جندب كان له عذق

1 . الآيات الّتي استعملت فيها مادّة «ضرر» لاتنحصر بهذه السبعة المذكورة، إذ قد استعملت بصيغ مختلفة فيما يقارب ثلاثاً وستّين آية أُخرى، ولكن أغمض عن التشرّف بذكرها لعدم علاقتها الوثيقة بموضوع البحث.
2 . قد ادّعى فخر المحقّقين كما في إيضاح الفوائد في شرح القواعد :2/48 تواترها. وهذا هو الحقّ فإنّ من تتبّعها في مطاوي الكتب يجد صدق تلك الدعوى جليّاً، وعليه فلاحاجة إلى التفتيش عن إسنادها. فإنّها إن لم تكن متواترة فهي مستفيضة بلا إشكال. وقد أثبتنا مضمونها كما مرّ عليك ـ في القسم الأوّل ـ على ضوء الآيات الكريمة مضافاً إلى أنّ هذا المطلب من المستقلاّت العقليّة، حيث إنّ الضرر والضرار من شُعَب الظلم، والعقل يستقلّ بقبح ذلك كما هو معلوم.
3 . مرّت ترجمته في قاعدة «على اليد ما أخذت». لاحظ : ج 1 / 224، القاعدة 14.

صفحه 103
في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّ به إلى نخلته ولايستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فشكا إليه وخبّره الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وخبّره بقول الأنصاري وما شكا، وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)للأنصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنّه لاضرر ولاضرار».1
2. روى الكليني عن علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن مسكان، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) نحوه إلاّ أنّه قال: «فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) :إنّك رجل مضارّ ولاضرر ولا ضرار على مؤمن، قال: ثمّ أمر بها فقلعت ورمي بها إليه، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلق فاغرسها حيث شئت».2
وعلي بن بندار، لم يوثّق في الكتب الأُصوليّة الرجالية، 3 كما أنّ في السند إرسالاً. والرواية مشتملة على بعض ما لايوجد في الرواية المتقدّمة مثل:
أ . إنّك رجل مضار.
ب . لاضرر ولاضرار على مؤمن.

1 . رواه المشايخ الثلاثة. الوسائل:17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 3. والرواية موثقة لأجل ابن بكير.
2 . الوسائل: 17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث4.
3 . لاحظ : معجم رجال الحديث:3/141.

صفحه 104
3. مارواه الصدوق عن الحسن الصيقل، عن أبي عبيدة الحذّاء قال: قال أبو جعفر(عليه السلام):«... ثمّ قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): يسرّك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال:لا! قال: لك ثلاثة؟ قال:لا! قال: ما أراك يا سمرة إلاّ مضارّاً، اذهب يا فلان فاقطعها ]فاقلعها [واضرب بها وجهه».1
والظاهر أنّ أبا جعفر(عليه السلام) حدّث بهذا وسمعه زرارة وأبو عبيدة الحذّاء، فنقلاه بالزيادة والنقصان.
4. ما نقله أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفّى عام 275هـ في سننه: عن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي(عليهما السلام)يحدّث عن سمرة بن جندب أنّه كانت له عضد2 من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذّى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى وطلب إليه أن يناقله، فأبى فأتى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فذكر ]ذلك [له، فطلب إليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبيعه، فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال:«فهبه له ولك كذا وكذا» أمراً رغبة فيه، فأبى، فقال:«أنت مضار». فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)للأنصاري:«إذهب فاقلع نخله».3
ولعلّ المضمون مستفيض وإن كانت الخصوصيات غير مستفيضة.
وهناك رواية أُخرى يشبه مضمونها لقضيّة سمرة من بعض الجوانب

1 . الوسائل:17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 1، وفي سند الصدوق إلى الحسن، علي بن الحسين السعد آبادي وهو غير مصرّح به بالتوثيق.
2 . الصواب«عضيد». قال ابن فارس في المقاييس: العضيد: النخلة تتناول ثمرها بيدك. ويمكن أن يسمّى بذلك لأجل أنّ العضد تطاولها فتنالها.
3 . سنن أبي داود :3/315، في أبواب من القضاء.

صفحه 105
ونحن ننقلها هنا للمناسبة.
5. في كتاب «قرب الاسناد»: ابن عيسى، عن البزنطيّ قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول في تفسير (واللَّيلِ إذا يَغْشى) 1 قال: «إنّ رجلاً من الأنصار كان لرجل في حائطه نخلة وكان يضرّ به، فشكا ذلك إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فدعاه فقال: أعطني نخلتك بنخلة في الجنّة، فأبى، فبلغ ذلك رجلاً من الأنصار يكنّى أبا الدّحداح فجاء إلى صاحب النخلة فقال: بعني نخلتك بحائطي، فباعه فجاء إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اشتريت نخلة فلان بحائطي، قال: فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : فلك بدلها نخلة في الجنّة، فأنزل اللّه تبارك وتعالى على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): (وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى * إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى * فَأمّا مَنْ أعْطى)يعني النخلة (وَاتَّقى)إلخ».2

الطائفة الثانية: ما يشتمل على لفظ «لاضرر ولاضرار» مجرّداً عن قضيّة سمرة ومن دون دلالة صريحة على مورد صدوره من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

وإليك بيانه:
6. روى الكليني بسنده عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «لاضرر ولاضرار».3
7. روى الكليني عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لايمنع نفع الشيء،

1. الليل: 1 .
2 . بحار الأنوار: 22/101 نقلاً عن قرب الاسناد:156; الليل: 3 ـ 5 .
3 . الوسائل :17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 5.

صفحه 106
وقضى بين أهل البادية أنّه لايمنع فضل ماء ليمنع كلاء، فقال:لاضرر ولاضرار».1
وما نقله صاحب الوسائل في البابين حديث واحد تطرّق إليه التعدّد بسبب التقطيع، والسند أيضاً واحد رواه الكليني مجتمعاً في الكافي.2ويحتمل أن يكون «نفع الشيء» مصحف«نقع الشيء» والمراد: فاضل الماء، ونقع البئر: فاضل مائها. والموجود في «الكافي» المطبوع أخيراً «وقال» لاضرر ولاضرار، وفي الوسائل كما عرفت«فقال»، وفي الباب الثاني عشر من أبواب الاحياء «قال» بلا عاطف.3
فلو كان مع «الفاء»، يكون علّة للحكم السابق أعني: «لايمنع فضل ماء...» ودالاًّ على صدور هذه القاعدة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في غير مورد سمرة أيضاً.
ولو كان مع «الواو»، أو بدون العاطف، يكون قضاءً مستقلاًّ غير مرتبط بما تقدّمه، ولكن الراوي، أي عقبة بن خالد ، ضمّه إلى سائر الأقضية . وقد حكى شيخ الشريعة أنّه رأى في نسخة مصحّحة من «الكافي» أنّه مع «الواو» لامع «الفاء»، ولكن الظاهر خلافه كما سيوافيك.
8. روى الكليني عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار» وقال:إذا أُرّفت الأُرف وحدّت الحدود فلا شفعة».4

1 . الوسائل: 17، الباب 7، من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 2.
2 . الكافي :5، كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 6.
3 . فالكافي نقله مع «الواو» والوسائل تارة مع «الفاء» وأُخرى بلا عاطف أصلاً، والسند والمتن في البابين 7و12 من الوسائل واحد.
4 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب كتاب الشفعة، الحديث 1، والكافي : 5، كتاب المعيشة، باب الشفعة، الحديث 4.

صفحه 107
والظاهر اتّحاده مع الحديث السادس وقد حصل التعدّد من تقطيع الكليني حيث نقل قسماً منه في باب الشفعة وقسماً آخر في باب الضرار، والسند في الجميع واحد، وقد وقع قوله: «لاضرر ولاضرار» هنا تعليلاً للحكم بالشفعة إذا لم تحدّد الحدود، وبعدمها إذا حدّت الحدود، وليس قضاءً مستقلاًّ، إذ لايصح إدخال قضاء مستقلّ في أثناء قضاء واحد. وبذلك يقوى كون الصحيح في الحديث السادس هو «الفاء» ليكون تعليلاً للحكم بعدم المنع، ويترتّب على ذلك عدم ورود قوله: «لاضرر» مستقلاًّ، وإنّما ورد إمّا مقترناً بقضية سمرة، أو مسألة نقع الماء ليمنع فضل الكلاء، أو مسألة الشفعة.1
9. ما أرسله الصدوق عند الاستدلال على أنّ المسلم يرث الكافر فقال:(العبارة له) فأمّا المسلم فلأيّ جرم وعقوبة يحرم الميراث؟ وكيف صار الإسلام يزيده شراً؟
ـ مع قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يزيد ولاينقص».
ـ مع قوله(عليه السلام): «لاضرر ولاضرار في الإسلام»، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً.

1 . وممّا يؤيّد أنّ جملة «لاضرر ولاضرار» جاءت مقترنة بمسألة الشفعة، ما ورد في كتاب فقه الرضا (عليه السلام): ص35 على ما حكاه المجلسي في البحار :101/257، أنّه قال:«إعلم أنّ الشفعة واجبة في الشركة المشاعة... ولاضرر في شفعة ولاضرار».
ولايخفى أنّ كتاب فقه الرّضا(عليه السلام) وإن كان كتاباً فقهيّاً لاحديثيّاً، إلاّ أنّ الكتب الفقهيّة المؤلّفة في القرون الأُولى ـ حتى القرن الرابع ـ كانت تلتزم بنقل نصوص الأحاديث على الأغلب بعنوانها فتاوى لمؤلّفيها. وعليه فيحتمل قويّاً أنّ ما جاء في هذا الكتاب كان نصّاً للحديث نقله مؤلّفه بنفس التعبير من دون إشارة إلى أنّه حديث عن المعصوم(عليه السلام).

صفحه 108
ـ ومع قوله(عليه السلام):«الإسلام يعلو ولايعلى عليه».1
ولاشكّ أنّ الجمع بين الأحاديث الثلاثة، من فعل الصدوق، كما أنّ قوله:«فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً» من كلامه، ذكره مقدّمة للاستدلال به على أنّ المسلم يرث الكافر. ويدلّ على ذلك ما روي عن معاذ أنّه احتجّ على أنّ المسلم يرث اليهودي بقوله:سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«الإسلام يزيد ولاينقص». ورواه في الوسائل في نفس الباب، الحديث الثامن.
وعلى كلّ تقدير، فالقاعدة حسب هذا النقل مذيّلة بلفظة «في الإسلام». ولايخفى أنّ تذييل هذه الرواية بلفظة «في الإسلام» لاينحصر بما نقله الصدوق في «من لايحضره الفقيه»، إذ رواها أيضاً في كتابه «معاني الأخبار» ونقلها الشيخ في «الخلاف»، والعلاّمة في «التّذكرة»، والطّريحي في «مجمع البحرين». ومن العامّة: ابن الأثير في نهايته، وهؤلاء أرسلوها إرسال المسلّمات في كتبهم، وإليك عباراتهم:
10. في كتاب «معاني الأخبار»: عن محمّد بن هارون الزنجاني، عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم بأسانيد متّصلة إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أخبار متفرقة أنّه نهى عن المحاقلة والمزابنة... إلى أن قال: «وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاتعضية في ميراث». ومعناه أن يموت الرجل ويدع شيئاً إن قسّم بين ورثته إذا أراد بعضهم القسمة كان في ذلك ضرر عليهم أو على بعضهم، يقول: فلايقسم ذلك... والشيء الذي لايحتمل القسمة مثل الحبّة من

1 . الفقيه :4، كتاب الميراث، باب ميراث أهل الملل، الحديث 1و3; ورواه في الوسائل: 17، كتاب الفرائض والمواريث، الباب الأوّل من الموانع، الحديث 9و11.

صفحه 109
الجواهر... وما أشبه ذلك من الأشياء، وهذا باب جسيم من الحكم يدخل فيه الحديث الآخر «لاضرر ولا إضرار في الإسلام» فإن أراد بعض الورثة قسمة ذلك لم يُجَب إليه ولكن يباع ثم يقسّم ثمنه بينهم...».1
11. قال الشيخ الطوسي:وأيضاً قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار في الإسلام» يدلّ على ذلك. لأنّه متى لم يرد عليه قيمة ما نقص دخل عليه في ذلك الضرر.2
12. قال العلاّمة:الغبن سبب الخيار للمغبون عند علمائنا. وبه قال مالك وأحمد; لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار في الإسلام».3
13. قال الطريحي:وقضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».4
14. قال ابن الأثير:وإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».5

الحديث غير المذيّل بلفظة الإسلام

هذا ما وجدناه مذيّلاً بهذه الكلمة، وأمّا غير المذيّل فكثير مرّ بعضه وإليك موارد أُخر:
15. ما رواه القاضي النعمان بن محمّد التميمي المغربي في «دعائم الإسلام» قال: روينا عن أبي جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي(عليهم السلام) أنّ رسول

1 . معاني الأخبار:281، تصحيح علي أكبر الغفاري، الناشر :دار المعرفة ـ بيروت سنة 1399.
2 . الخلاف: 2/186، كتاب الشفعة، ط.اسماعيليان ـ قم.
3 . تذكرة الفقهاء:1/497 ، خيار الغبن، المسألة الأُولى ط. قديم.
4 . مجمع البحرين، مادة «ضرر».
5 . النهاية لابن الأثير، مادة «ضرر».

صفحه 110
اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا ضرر ولا إضرار».1
16. ما رواه عن جعفر بن محمّد (عليه السلام)أنّه قيل له: فإن كان الجدار لم يسقط ولكن هدمه أو أراد هدمه إضراراً بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه؟ قال:«لايترك وذلك أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لاضرر ولاضرار»، فإن هدمه، كُلّف أن يبنيه».2
وروى المحدّث النوري كلا الحديثين الأخيرين في مستدركه.3
وعلى كلّ تقدير فلعلّ الإمام(عليه السلام) استند إلى ما ورد في قضيّة سمرة، أو إلى حديث الشفعة، أو غيرهما باعتبار أنّها قاعدة كلّية.
وأمّا ما ورد من طرق العامّة سوى ما نقلناه عن نهاية ابن الأثير فكما يلي:
17. مـا رواه مـالك بن أنس (المتـوفّـى عـام 179هـ) في موطئه عن عمـرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أنّ رسـول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قـال:«لاضرر ولاضرار».4
18. روى أحمد بن حنبل في مسنده وقال: حدّثنا عبد اللّه:حدثنا أبو كامل الجحدري: حدثنا الفضيل بن سليمان: حدثنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن عبادة ،قال:
إنّ من قضاء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المعدن جُبار، والبئر جُبار، والعجماء

1 . دعائم الإسلام :2/499، كتاب القسمة والبنيان، الحديث (1781) وفي الهامش رمز إلى النسخة الأصلية بـ (س) وفيها «لاضرر ولاضرار».
2 . دعائم الإسلام : 2/504، الحديث(1805).
3 . مستدرك الوسائل: 3/150.
4 . الموطّأ:638، كتاب القضاء، باب القضاء في المرفق، الحديث 36.

صفحه 111
جرحها جُبار والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجُبار: الهدر الذي لايغرم .
وقضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في الركاز الخمس.
وقضى أنّ تمر النخل لمن أبّرها إلاّ أن يشترط المبتاع.
وقضى أنّ مال المملوك لمن باعه إلاّ أن يشترط المبتاع.
وقضى أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور.
وقضى لحمل بن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الأُخرى.
وقضى في الجنين المقتول بغرّة عبد أو أمة، فورثها بعلها و بنوها قال:وكان له من امرأتيه كلتيهما ولد. قال:فقال أبو القاتلة المقضي عليه: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كيف أغرم مَن لاصاح ولا استهلّ ولاشرب ولاأكل. فمثل ذلك بطل. فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): هذا من الكهّان.
قال: وقضى في الرحبة تكون بين الطّريق ثمّ يريد أهلها البنيان
فيها فقضى أن يترك للطريق فيها سبع أذرع قال: وكانت تلك الطريق تُسمّى الميتاء.
وقضى في النخلة أو النخلتين أو الثلاث، فيختلفون في حقوق ذلك فقضى أنّ لكلّ نخلة من أُولئك مبلغ جريدتها حيّز لها.
وقضى في شرب النخل من السيل أنّ الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين، ثمّ يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه فكذلك تنقضي حوائط أو يفنى الماء.

صفحه 112
وقضى أنّ المرأة لاتعطي من مالها شيئاً إلاّ بإذن زوجها.
وقضى للجدّتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء.
وقضى أنّ مَن أعتق مشركاً في مملوك فعليه جواز عتقه إن كان له مال.
وقضى أن لاضرر ولاضرار .
وقضى أنّه ليس لعرق ظالم حق.
وقضى بين أهل البادية أنّه لايمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء.
وقضى في الدية الكبرى المغلّظة ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقّة وأربعين خلفة.
وقضى في الدية الصغرى ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وعشرين ابنة مخاض وعشرين بني مخاض ذكور.
وقد جمع عُبادة بن الصّامت1 في هذا الحديث من أقضية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ما يقارب العشرين قضاءً.
19. وقال أحمد بن حنبل أيضاً:حدّثنا عبد اللّه: حدّثني أبي: حدّثنا عبدالرزاق :أنا معمر، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاإضرار، وللرجل أن يجعل خشبة في حائط جاره

1 . مسند أحمد: 5 / 327. وعُبادة بن الصّامت من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن النقباء الاثنى عشر ومن السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)ومن الذين مضوا على منهاج نبيّهم ولم يغيّروا ولم يبدّلوا. وكانت له مواقف بطوليّة في الشام ضد معاوية بن أبي سفيان فأبعد من جرّاء ذلك بأمر من عثمان إلى المدينة وتوفّي في زمانه وكان من المعترضين عليه.
أُنظر: معجم رجال الحديث: 9/222 ، السبعة من السلف للفيروز آبادي :131 نقلاً عن مسند أحمد بن حنبل: 5/325 ، الغدير: 10/179 و180 نقلاً عن تاريخ ابن عساكر: 7/211.

صفحه 113
والطريق الميتاء سبعة أذرع».1
20. ما رواه ابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قضى أن «لاضرر ولاضرار».2
21. ما رواه هو أيضاً عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار».3
هذا ما وقفنا عليه من هذه الطائفة ولعلّ هناك مالم نقف عليه.

الطائفة الثالثة : ما يشتمل على لفظة «الضرار» فقط:

22. روى الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)
في رجل شهد بعيراً مريضاً وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم، وأشرك
فيه رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد، وقُضِي أنّ البعير برئ، فبلغ ثمنه
]ثمانية خ ل [دنانير قال: فقال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال: أُريد الرأس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار، وقد أُعطي حقّه إذا أُعطي الخمس.4

1 . مسند أحمد بن حنبل: 1/213 ط. دار الفكر ـ بيروت. والميتاء ـ بكسر الميم ـ أعظم الطرق هي التي يكثر مرور الناس فيها. وقيل: الطريق العامرة. وقيل: الطريق الواسعة. فتح الباري:5/84; عمدة القاري:13/23.
2 . سنن ابـن ماجـة: 2/57، باب من بنى في حقّه ما يضرّ بجاره، وسنن أبي داود: 3/315 في أبواب القضاء.
3 . سنن ابـن ماجـة: 2/57، باب من بنى في حقّه ما يضر بجاره، وسنن أبي داود: 3/315 في أبواب القضاء.
4 . الوسائل :13، الباب22 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.

صفحه 114
توضيحه: أنّ البعير ارتفعت قيمته بسبب برئه، فلو نحر يتضرّر المشتري، ولأجل ذلك ليس للشريك الإصرار على النحر ليأخذ الرأس والجلد، بل يباع ويكون للشريك الخمس، والحديث يعطي قاعدة في مورد الشركة وأنّه ليس للطرف الآخر الإصرار على إعمال الحق إذا استلزم الإضرار بالغير، بل يجب أن يكون النيل به على وجه غير مضر بالآخر.

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على تحريم الإضرار بالغير :

والتحريم المستفاد من روايات هذه الطائفة على نوعين:

الف: التحريم المباشر.

ب : التحريم غير المباشر.

الف . التحريم المباشر:

ونعني به ما عبّر عنه بصيغة النهي أو بمادّته، أو بما فيه توعّد وتهديد، أو تصريح بالحرمة، أو أنّه من الكبائر. وهذا ما يستفاد من الأحاديث التالية:
23. روي في «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَة يُوصى بِها أو دَين غَيـرَ مُضارّ) قال: وجاء في الحديث:«إنّ الضرار في الوصية من الكبائر».1
24. روى الصدوق، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«لاينبغي للرجل أن يطلّق امرأته ثمّ يراجعها وليس له فيها حاجة ثمّ

1 . مجمع البيان :2/18.

صفحه 115
يطلّقها ، فهذا الضرار الذي نهى اللّه عزّ وجلّ عنه إلاّ أن يطلق ثم يراجع وهو ينوي الإمساك».1
25. روى الكليني عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ :(ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) ، قال: «الرجل يطلّق حتى كادت أن يخلو أجلها راجعها ثمّ طلّقها، يفعل ذلك ثلاث مرّات، فنهى اللّه عزّ وجلّ عن ذلك».2
26. وروى الكليني، عن زرارة وحمران ابني أعين ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر، وأبي عبد اللّه(عليهما السلام) قالوا: سألناهما عن قوله:(ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) ، قال: «هو الرجل يطلّق المرأة تطليقة واحدة، ثمّ يدعها حتّى إذا كان آخر عدّتها راجعها، ثمّ يطلّقها أُخرى فيتركها مثل ذلك، فنهى اللّه عن ذلك».3
27. روى الصدوق، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «المطلّقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها، وهي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أُخرى. يقول اللّه عزّ وجلّ: (لاتُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلامَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ)، لايضار بالصبي، ولايضار بأُمّه في إرضاعه، وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. فإذا أرادا الفصال عن تراض منهما كان حسناً، والفصال هوالفطام».4

1 . الوسائل :15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
2 . الوسائل :15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2.
3 . الوسائل :15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3.
4 . الوسائل: 15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 7; ويقرب منه في نفس المصدر الحديث 3.

صفحه 116
28. روى الكليني، عن محمّد بن الحسين قال:كتبت إلى أبي محمّد(عليه السلام): رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطّل هذه الرحى أ له ذلك أم لا؟ فوقع(عليه السلام): «يتّقي اللّه ويعمل في ذلك بالمعروف ولايضرّ أخاه المؤمن».1
29. روى الكليني، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه(عليهما السلام)قال:«قرأت في كتاب لعلي(عليه السلام) إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ومَن لحق بهم من أهل يثرب أنّ كل غازية بما يعقب... وأنّ الجار كالنفس غير مضار ولاآثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه وأبيه،لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلاّ على عدل وسواء».2
والظاهر أنّ المراد من الجار في الحديث، مَن أُعطي له الأمان، بقرينة كون الموضوع هو الغازي، وإنّما فسّر بجار البيت بسبب التقطيع الذي ارتكبه الكليني فرواه في كتاب المعيشة بلاصدر.3
30. روى الصدوق في «عقاب الأعمال» عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث قال:«ومَن أضرّ بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض اللّه له بعقوبة دون النار... ـ إلى أن قال:ـ ومَن ضارّ مسلماً فليس منّا ولسنا منه في الدنيا والآخرة... ألا وإنّ اللّه ورسوله بريئان... ممّن أضر بامرأته حتى تختلع منه».4
31. روى محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي

1 . الوسائل: 17، الباب 15 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 1.
2 . الوسائل :11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5.
3 . لاحظ : الكافي: 5/292 كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 1.
4 . الوسائل: 15، الباب 2 من أبواب الخلع والمباراة، الحديث 1.

صفحه 117
عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث:«أنّه نهى أن يضارّ بالصبي أو تضارّ أُمّه في رضاعه».1
32. روى محمد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمد بن إسماعيل والحسين بن سعيد جميعاً ،عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (لاتُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلامَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) ، فقال: «كانت المراضع ممّا تدفع إحداهنّ الرجل إذا أراد الجماع، تقول: لا أدعك، إنّي أخاف أن أحبل، فأقتل ولدي هذا الذي أرضعه. وكان الرجل تدعوه المرأة فيقول:إنّي أخاف أن أُجامعك فأقتل ولدي، فيدفعها فلايجامعها، فنهى اللّه عزّ وجلّ عن ذلك أن يضار الرجل المرأة، والمرأة الرجل».
وروي بأسانيد أُخرى صحيحة.2
33. روى علي بن إبراهيم في تفسيـره، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لاينبغي للرجل أن يمتنع من جماع المرأة فيضار بها إذا كان لها ولد مرضع، ويقول لها: لا أقربك فإنّي أخاف عليك الحبل فتغيلي]فتقتلي خ ل، فتغيلين خ ل [ولدي، وكذلك المرأة لايحل لها أن تمتنع على الرجل فتقول:إنّي أخاف أن أحبل فأغيل ]فأقتل خ ل [ ولدي. وهذه المضارّة في الجماع على الرجل والمرأة، وعلى الوارث مثل ذلك. قال: لايضار المرأة التي يولد لها ولد]لاتضار المرأة التي لها ولد خ ل [وقد توفّي زوجها،

1 . الوسائل: 15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3.
2 . الوسائل : 15، الباب 72 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.

صفحه 118
ولايحل للوارث أن يضار أُمّ الولد في النفقة فيضيّق عليهما».1
34. قال عليّ(عليه السلام) في خطبة يصف فيها المتّقين:«... ولاينسى ما ذكّر، ولاينابز بالألقاب، ولايضارّ بالجار...».2
وإنّ قوله(عليه السلام): «ولا يضارّ بالجار» وإن كان جملةً خبريّة إلاّ أنّها تتضمّن نهياً عن الإضرار بالجار بنحو أبلغ ممّا لو قال:«لاتضارّ بالجار» بصورة جملة إنشائيّة كما لايخفى على أهل العلم.
35. روى محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال: قيل لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعه خادم لهم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم فما ترى في ذلك؟ فقال: «إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلابأس، وإن كان فيه ضرر فلا، وقال(عليه السلام):(بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسهِ بَصيرَةٌ) فأنتم لايخفى عليكم وقدقال اللّه عزّ وجلّ:(وَ اللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح)» ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد مثله.3
36. روى محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن الماضي(عليه السلام)قال: قلت له: يشهدني هؤلاء على إخواني قال:«نعم، أقم الشهادة لهم وإن خفت على أخيك ضرراً». قال الصدوق: وفي نسخة

1 . الوسائل: 15، الباب 72 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 193 (خطبة همام).
3 . الوسائل :12 ، الباب 71من أبواب ما يكتسب به،الحديث 1;و لاحظ: فروع الكافي :1/364، والتهذيب :2/103; وتفسير العياشي: 1/107.

صفحه 119
أُخرى:وإن خفت على أخيك ضرراً فلا.
وقال الشيخ الحرّ العاملي: أقول:«حمل الصدوق الرواية الأُولى على غير المعسر، والثانية على المعسر».1
37. رواية «تحف العقول» حول المكاسب المحلّلة والمحرّمة: روى الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) عن الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن معائش العباد فقال:«...كذلك السكّين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلة الّتي تصرف إلى جهات الصلاح وجهات الفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما فلابأس بتعليمه وتعلّمه وأخذ الأجر عليه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، ومحرّم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد والمضارّ...».2
38. محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن عبد اللّه بن المغيرة، عن السّكوني، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي(عليه السلام): ما أُبالي أضررتُ بولدي أو سرقتهم ذلك المال». ورواه الشيخ باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن بنان بن محمّد، عن عبد اللّه بن المغيرة مثله إلاّ أنّه قال: «أضررت بورثتي».3
39. وعن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:« كان أبو جعفر(عليه السلام) يقول:

1 . الوسائل :18، الباب 19 من أبواب الشهادات، الحديث 2; ولاحظ : الفقيه :3/42 ، الحديث 2.
2 . الوسائل :12 ، الباب2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1; ولاحظ : رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى ; وتحف العقول: 80 ـ 83 من الطبعــة الأُولى وص331ـ 338 من الطبعة الثانية.
3 . الوسائل :13، الباب 5 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1.

صفحه 120
عظّموا أصحابكم ووقّروهم، ولايتهجّم بعضكم على بعض، ولاتضارّوا ولاتحاسدوا، وإيّاكم والبخل وكونوا عباد اللّه المخلصين».1
40. وعن أبي الصباح قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه:(وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِك)قال: «لاينبغي للوارث أن يضارّ المرأة فيقول:لاأدع ولدها يأتيها يضارّ ولدها إن كان لهم عنده شيء ولاينبغي أن يقتّر عليه».2
41. وبالإسناد ، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «لايضارّ الرجل امرأته إذا طلّقها فيضيّق عليها قبل أن تنتقل، قبل أن تنقضي عدّتها ، فإنّ اللّه قد نهى عن ذلك فقال: (وَلا تُضارُّوهنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)» .3
42. وبإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل اكترى أرضاً من أرض أهل الذمّة من الخراج وأهلها كارهون، وإنّما يقبلها السلطان بعجز أهلها عنها أو غير عجز؟ فقال: «إذا عجز أربابها عنها فلك أن تأخذها إلاّ أن يضارّوا، وإن أعطيتهم شيئاً فسخت أنفسهم بها لكم فخذوها».4
ويظهر من هذا الحديث أنّ حرمة الإضرار بالغير لاتختصّ بالمؤمنين بل تشمل كلّ من كان دمه أو ماله أو عرضه محترماً من أهل الذمّة وغيرهم،

1 . الوسائل: 8 ، الباب 5 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2; ولاحظ: الأُصول :609، باب حسن المعاشرة.
2 . الوسائل: 15 ، الباب 12 من أبواب النفقات، الحديث4.
3 . الوسائل: 15، الباب 18 من أبواب العِدَد، الحديث 2.
4 . الوسائل: 11، الباب 72 من أبواب جهاد العدو، الحديث 4; ومثله في الوسائل: 12، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 10.

صفحه 121
وبذلك يفهم أنّ الحديث الذي جاء فيه«لاضرر ولاضرار على مؤمن» لايفيد تخصيصاً لعموم حرمة الإضرار بالغير، بل يفيد تأكيداً على حرمته بالنسبة إلى المؤمنين.
43. وعن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا طلّق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتّى تضع حملها وإذا وضعته أعطاها أجرها ولايضارّها إلاّ أن يجد من هو أرخص أجراً منها، فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحقّ بابنها حتّى تفطمه».1
44. الحسن بن عليّ العسكري(عليهما السلام) في تفسيره عن أبان، عن علي بن الحسين (عليهما السلام)قال:«(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في الْقَتْلى)يعني المساواة وأن يسلك بالقاتل في طريق المقتول المسلك الّذي سلكه به من قتله (اَلْحُرُّ بِالحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى) تقتل المرأة بالمرأة إذا قتلتها (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيْءٌ) فمن عفا له القاتل ورضى هو وليّ المقتول أن يدفع الدّية عفا عنه بها (فَاتِّبَاعٌ) من الوليّ مطالبة (بِالمَعْروفِ)وتقاصّ (وَأَدَاءٌ)من المعفوّ له القاتل (بِإِحْسَان)لايضارّه ولا يماطله لقضائها (ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ )» .2
45. وبإسناده عن حمّاد، عن حريز أنّ أبا عبد اللّه(عليه السلام) قال:«كان علي(عليه السلام)إذا ساق البدنة ومرّ على المشاة حملهم على البدنة، وإن ضلّت راحلة رجل ومعه بدنة ركبها غير مضرّ ولا مثقل».3

1 . الوسائل: 15، الباب 82 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث2.
2 . الوسائل : 19، الباب 19 من أبواب قصاص النفس، الحديث8.
3 . الوسائل: 10، الباب 34 من أبواب الذبح ، الحديث2.

صفحه 122
46. وباسناده عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «كان عليّ (عليه السلام) يحلب البدنة ويحمل عليها غير مضرّ».1
47. وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إن نتجت بدنتك فاحلبها مالم يضرّ بولدها ثمّ انحرهما جميعاً، قلت: أشرب من لبنها وأسقي؟ قال: نعم».2
ويستفاد من الأحاديث الثلاثة الأخيرة مرجوحيّة الإضرار ـ على الأقلّ ـ حتى بالنسبة إلى الدّوابّ، فضلاً عن بني آدم.
48. روى الشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني أنّه قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «خصلتان ليس فوقهما من البرّ شيء: الإيمان باللّه والنّفع لعباد اللّه، وخصلتان ليس فوقهما من الشرّ شيء: الشرك باللّه والضرّ لعباد اللّه».3
49. عن الشيخ الصدوق في «الخصال» قال: حدّثني محمّد بن علي ماجيلويه (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدثني سهل بن زياد الآدمي، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن إبراهيم النوفلي رفعه إلى (الإمام الصادق) جعفر بن محمّد (عليهما السلام)أنّه ذكر عن آبائه (عليهم السلام)أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كتب إلى عمّاله:
«أدِقُّوا أقْلامَكُمْ، وَ قارِبُوا بَينَ سُطورِكُمْ، وَاحذِفُوا عنّي فُضُولَكُم،

1 . الوسائل: 10، الباب 34 من أبواب الذبح، الحديث 4.
2 . الوسائل: 10، الباب 34 من أبواب الذبح، الحديث 6.
3 . تحف العقول :35، ط دار الكتب الإسلامية ـ طهران سنة 1376 هـ .

صفحه 123
واقْصُدُوا قَصدَ المَعاني، وَ إيّاكُم والإكثارَ فإنّ أموالَ المُسلمينَ لاتحتَمِلُ الإضرارَ».1
هذا كلّه ممّا ورد في كتب الخاصّة وقد عثرنا على أحاديث توافق هذا المضمون في كتب العامّة وهي كما يلي:
50. روى البخاري: وقال اللّه تعالى:(وَ الوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَينِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ـ إلى قوله: ـ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير) ، وقال: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً) ، وقال:(وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ـ إلى قوله :ـ بَعْدَ عُسْر يُسْراً) .
وقال يونس عن الزّهري: نهى اللّه أن تضارّ والدة بولدها، وذلك أن تقول الوالدة: لستُ مرضعته، وهي أمثل له غذاءً وأشفق عليه وأرفق به من غيرها، فليس لها أن تأبى بعد أن يُعطيها من نفسه ما جعل اللّه عليه، وليس للمولود أن يضارّ بولده والدته، فيمنعها أن تُرضعه ضراراً لها إلى غيرها، فلا جناح عليهما أن يسترضعا عن طيب نفس الوالد والوالدة...».2
51. روى أبو داود: حدّثنا عبدة بن عبد اللّه، قال: أخبرنا عبد الصمد: ثنا نصر بن علي الحدّاني: ثنا الأشعث بن جابر: حدثني شهر بن حوشب أنّ أبا هريرة حدّثه أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة اللّه ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان في الوصيّة فتجب لهما النار» فقال: وقرأ عَلَيّ أبو هريرة من هاهنا (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْرِ مُضار)

1 . نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، باب الكتب :4/30.
2 . صحيح البخاري :7 /83، كتاب النفقات، ط.مطابع الشعب سنة 1378.

صفحه 124
حتّى بلغ (وَ ذلِكَ الْفَوْزُ العَظيم)» .1
52. روى الإمام مالك: عن ثور بن زيد الدِّيلي: أنّ الرجل كان يطلّق امرأته ثمّ يراجعها، ولا حاجة له بها، ولايريد إمساكها، كيما يطوِّل بذلك عليها العدّة ليضارّها. فأنزل اللّه تبارك وتعالى:(ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) يعظهم اللّه بذلك.2
53. روى أبو دواد عن أبي صرمة صاحب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مَن ضارّ أضر اللّه به، ومن شاقّ شاق اللّه عليه».
ورواه الترمذي وابن ماجة وابن حنبل باختلاف يسير، فقد روى الترمذي «ضارّ اللّه» مكان «أضرّ اللّه» وروى الأخيران «شقّ اللّه عليه» مكان «شاق اللّه عليه».3
54. روى الترمذي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ملعون من ضارّ مؤمناً أو مكر به».4

ب . التحريم غير المباشر:

ونعني به ما يستفاد من الأحاديث الآتية التي قد عبّر عن الموضوع

1 . سنن أبي داود :2/102، كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصيّة، ط.الأُولى سنة 1371 هـ، مصطفى البابي بمصر.
2 . موطأ الإمام مالك :403، ط: العاشرة سنة 1407، دار النفائس ـ بيروت.
3 . سنن أبي داود:3/315، كتاب الأقضية، الحديث 3635; وصحيح الترمذي:4/332، الباب 27، من كتاب البر والصّلة، الحديث 1940; وسنن ابن ماجة :2/784،ط: دار إحياء التراث العربي، الحديث 2342; ومسند أحمد بن حنبل :3/453.
4 . صحيح الترمذي :4/332، الباب 27، من كتاب البر والصدقة، الحديث 1941.

صفحه 125
بعبارة تُلازم التحريمُ أو بما يكون التحريم فيه أمراً مفروغاً عنه وما إلى ذلك.
55. روى الكليني عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الشيء يوضع على الطّريق فتمرّ الدابّة فتنفر بصاحبهــا فتعقـره ـ والعقر هو الجرح ـ؟ فقال: «كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه».1
56. روى الشيخ بسنده عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام)«مَن أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن».2
57. ما رواه الكليني مرسلاً عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن قوم لهم عيون في أرض قريبة بعضها من بعض فأراد رجل أن يجعل عينه أسفل من موضعها الذي كانت عليه، وبعض العيون إذا فعل بها ذلك أضرّ بالبقية من العيون وبعضها لا يضر من شدة الأرض. قال: فقال: «ما كان في مكان شديد فلايضر، وما كان في أرض رخوة بطحاء فإنّه يضر» وإن عرض رجل على جاره أن يضع عينه كما وضعها وهو على مقدار واحد؟ قال:«إن تراضيا فلايضر، وقال: يكون بين العينين ألف ذراع».3
والحديث بصدد إعطاء ضابطة كلّية وهي أنّ الإضرار بالغير، غير جائز، وأنّ المقياس في التصرّف في العيون عدم الإضرار بالغير. وما ذكره من كونه ألف ذراع في الأراضي الرخوة، وخمسمائة ذراع في الصلبة محمول على الغالب، ويؤيّد ذلك الأحاديث الآتية:
58. روى الكليني عن محمد بن الحسن ]الحسين خ ل[ قال: كتبت إلى

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1.
2 . الوسائل : 19، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.
3 . الوسائل: 17، الباب 13 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.

صفحه 126
أبي محمّد(عليه السلام): رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة أُخرى إلى قرية له،كم يكون بينهما في البعد حتى لاتضر إحداهما بالأُخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقّع(عليه السلام):«على حسب أن لاتضر إحداهما بالأُخرى إن شاء اللّه».1
59. روى الكليني عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في رجل أتى جبلاً فشقّ فيه قناة جرى ماؤها سنة ثمّ إنّ رجلاً أتى ذلك الجبل فشقّ فيه قناة أُخرى، فذهبت بماء قناة الأوّل؟ قال: «فقال: يتقاسمان ]يتقايسان [بحقائب البئر ليلة ليلة فينظر أيتها أضرّت بصاحبتها فإن رأيت الأخيرة أضرّت بالأُولى فلتعور».2
وذكر المعلّق على الوسائل أنّ الصحيح «بعقائب البئر» والعقيب: كلّ شيء أعقب شيئاً، والمراد هنا النوبة بأن يمسك كلّ واحد منهما عن إجراء الماء، ليلة هذا وليلة ذاك، فإن أوجب سدّ مجرى إحداهما كثرة ماء الأُخرى تبين إضرارها بها.
ولو كانت النسخة «الحقائب» فالمراد منها الظروف، قال الشاعر:3
أكارم يروي الغيث والليث عنهم *** إذا وهبوا ملء الحقــائب أوهبوا
وفسّره في المجمع بـ «اعجاز البئر».
60. الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد(ابن خالد أو ابن عيسى) عن

1 . الوسائل: 17، الباب 14 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.
2 . الوسائل :17، الباب 16 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.
3 . هو العلامة الأديب الشيخ مصطفى التبريزي (قدس سره) .

صفحه 127
ابن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟فقال: «الجد أولى بذلك مالم يكن مضارّاً، إن لم يكن الأب زوّجها قبله».1
ولا يخفى أنّ الإمام(عليه السلام) في مقام بيان عدم نفوذ ولاية الجد على الجارية إذا كان مضارّاً بها وليس في مقام بيان حرمة الإضرار.
إلاّ أنّه يفهم من الحديث أنّ حرمة الإضرار أمر مفروغ عنه، ولو لم يكن الإضرار بالجارية حراماً لما وجد وجه لعدم نفوذ ولاية الجدّ عليها، إن لم يكن الأب زوّجها قبله.
61. روى السكوني عن جعفر بن محمّد، عن أبيه(عليهما السلام) قال: «قال علي ّ(عليه السلام): من أوصى ولم يحف ولم يضار، كان كمن تصدّق به في حياته».2
62. في البحار عن «أمالي الطوسي» عن المفيد، عن عليّ بن الحسين البصريّ، عن أحمد بن عليّ بن مهدي، عن أبيه، عن الرّضا(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام)قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب ويضاعف الحسنات، وإنّ اللّه ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد، إلاّ ما كان منهم فيها على إضرار وظلم للمؤمنين».3
وهذا الحديث لايدلّ على عدم حرمة الإضرار بغير المؤمنين من العباد، بل يدلّ على أنّ اللّه يتحمّل عن المحبّ لأهل البيت تبعة إضراره بهم، ولو كان

1 . الوسائل :14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.
2 . الوسائل :13، الباب 5 من أبواب الوصايا ، الحديث 2.
3 . بحار الأنوار:65 /100.

صفحه 128
الإضرار بهم حلالاً، لما كان له تبعة حتّى يلزم أن يتحمّلها اللّه عنهم، مضافاً إلى أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يكفّر الذنوب» قرينة على أنّ ذلك الإضرار ذنب كفّره اللّه عنهم، وأمّا الإضرار بالمؤمنين فهو حرام للغاية بحيث لايضمن اللّه تحمّل تبعته عن المحبّين.
63. وروى الكليني بالإسناد عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه؟ فقال: «إن كان مضارّاً كلّف أن يعتقه كلّه، وإلاّ استسعى العبد في النصف الآخر». ورواه الصدوق بإسناده عن حمّاد. ورواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن يعقوب مثله.1
64. روى الشيخ بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل ورث غلاماً وله فيه شركاء فأعتق لوجه اللّه نصيبه؟ فقال: «إذا أعتق نصيبه مضارّة وهو موسر ضمن للورثة، وإذا أعتق لوجه اللّه كان الغلام قد أعتق من حقّه من أعتق ويستعملونه على قدر ما أعتق منه له ولهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوماً وله يوماً، وإن أعتق الشّريك مضارّاً وهو معسر فلا عتق له; لأنّه أراد أن يفسد على القوم ويرجع القوم على حصصهم».2
قال الحر العاملي : أقول: هذا ظاهره عدم قصد القربة بالكلّية، وقد تقدّم ما يدلّ على بطلان هذا العتق.
وترتيب الأحكام الوضعية ـ في الحديثين الأخيرين ـ على الذي أعتق نصيبه من العبد مضارّة، من قبيل تكليفه بعتق العبد كلّه وضمانه للورثة، يدلّ على أنّ العتق المقرون بالمضارّة عمل حرام وإلاّ لم يكن وجه لمعاقبته

1 . الوسائل: 16، الباب 21 من أبواب كتاب العتق، الحديث 2.
2 . الوسائل: 16، الباب 21 من أبواب كتاب العتق، الحديث 12.

صفحه 129
بترتيب تلك الأحكام.
65. روى الكليني بإسناده عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سمعته يقول:...قال: «وإنّما الطّلاق ما أُريد به الطّلاق من غير استكراه ولاإضرار على العدّة والسنّة على طهر بغير جماع، وشاهدين، فمن خالف هذا فليس طلاقه ولايمينه بشيء ،يردّ إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ».
ورواه الشيخ باسناده عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن محمّد بن عليّ، عن ابن محبوب مثله.1
الظاهر أنّ المقصود من الإضرار على العدّة، هو أن يطلّق الرجل زوجته، فإذا دنا أجل العدّة يرجع بها ثمّ يطلّقها من جديد، ويعمل ذلك مراراً للإضرار بالزوجة، وهذا فعل حرام قد نهى اللّه عنه كما سبق البحث حوله في فصل «الضرر والضرار في الكتاب العزيز»، وقد رتّب في هذا الحديث عدم صحّة الطّلاق الذي يوقع بذلك الشكل.
66. وباسناده عن سماعة قال: سألته(عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته وهو مريض؟ قال: «ترثه ما دامت في عدّتها وإن طلّقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السنة يوماً واحداً لم ترثه وتعتد منه أربعة أشهر وعشراً عدّة المتوفّى عنها زوجها».
ورواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد ورواه الصدوق بإسناده عن زرعة مثله إلى قوله: «لم ترثه».2
67. روى الكليني باسناده عن حمران في حديث قال: قال أبو

1 . الوسائل: 15، الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 15، الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث 4.

صفحه 130
جعفر (عليه السلام):«لايكون ظهار في يمين، ولا في إضرار، ولا في غضب...».1
68. روى الصدوق باسناده عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن العلّة الّتي من أجلها لاتحلّ المطلّقة للعدّة لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أذن في الطّلاق مرّتين فقال:(الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسان)يعني في التطليقة الثالثة، فلدخوله فيما كره اللّه عزّ وجلّ من الطّلاق الثالث حرّمها اللّه عليه، فلاتحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره لئلاّ يوقع الناس الاستخفاف بالطّلاق ولايضارّوا النساء».2

الطائفة الخامسة : ما يدلّ على النهي عن الإضرار بالنّفس:

وإليك نماذج من أحاديث هذه الطائفة:
69. قال الصدوق: وقال(عليه السلام): «كلّ ما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب».3
70. روى الشيخ بإسناده عن عليّ بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)قال: سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصّوم؟ قال: «كلّ شيء من المرض أضرّ به الصّوم فهو يسعه ترك الصّوم».4
71. محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إنّ الجار

1 . الوسائل: 15، الباب 2 من أبواب كتاب الظهار، الحديث 4.
2 . الوسائل : 15، الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث7.
3 . الوسائل : 7، الباب 20 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 2.
4 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 9.

صفحه 131
كالنّفس غير مضارّ ولا آثم». ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد مثله.1
ففي هذا الحديث نهي عن الإضرار بالجار بجملة خبريّة، ودلالتها على التحريم أبلغ من الجملة الإنشائيّة كما جاء في علم الأُصول، وشبّه هذا التحريم بتحريم الإضرار بالنفس وجعل هذا المشبّه به أمراً مفروغاً عنه.
72. محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا ،عن سهل بن زياد وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عبد اللّه، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام); وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّـد بن خالد، عن محمّد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن سالم ،عن مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أخبرني ـ جعلني اللّه فداك ـ لم حرّم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه (ذلك ـ علل) من رغبة منه فيما حرّم عليهم (أحلّ لهم...)ولا زهد فيما أحلّ لهم(حرّم عليهم...)ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه، وحرّم عليهم ثمّ أباحه للمضطر، وأحلّه له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلاّ به فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك الخ...».2
73. الحسن بن عليّ بن شعبة في كتاب «تحف العقول» عن الصادق(عليه السلام)

1 . الوسائل: 17، الباب 12 من أبواب إحياء الموات، الحديث2، والكافي: 5 /292، الحديث1 (باب الضرار); والتهذيب :7 /146، الحديث35.
2 . الوسائـل: 16، الباب 1 من أبـواب الأطعمة المحرّمة،الحديث1، وأيضاً: الكافي: 2/150 ; من لا يحضره الفقيه: 2/111; أمالي الصدوق: 395; علل الشرائع : 165; المحاسن: 334; تفسير العياشي: 1/191; التهذيب: 2/370.

صفحه 132
في حديث قال: «وأمّا ما يحلّ للإنسان أكله ممّا أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية:
صنف منها جميع الحبّ كلّه من الحنطة والشّعير والأرز والحمص وغير ذلك من صنوف الحبّ وصنوف السّماسم وغيرهما، كلّ شيء من الحبّ ممّا يكون فيه غذاء الإنسان في بدنه وقوته فحلال أكله، وكلّ شيء يكون فيه المضرّة على الإنسان في بدنه وقوته فحرام أكله إلاّ في حال الضرورة.
والصنف الثاني: ما أخرجت الأرض من جميع صنوف الثّمار كلّها ممّا يكون فيه غذاء الإنسان ومنفعة له وقوّة به فحلال أكله، وما كان فيه المضرّة على الإنسان في أكله فحرام أكله.
والصّنف الثالث: جميع صنوف البقول والنّبات وكلّ شيء تنبت من البقول كلّها ممّا فيه منافع الإنسان وغذاء له فحلال أكله، وما كان من صنوف البقول ممّا فيه المضرّة على الإنسان في أكله نظير بقول السّموم القاتلة ونظير الدّفلى وغير ذلك من صنوف السّم القاتل فحرام أكله.... وما يجوز من الأشربة من جميع صنوفها فما لم يغيّر العقل كثيره فلابأس بشربه، وكلّ شيء يغيّر منها العقل كثيره فالقليل منه حرام».1
74. في فقه الرضا(عليه السلام): «إعلم ـ يرحمك اللّه ـ إنّ اللّه تبارك وتعالى، لم يبح أكلاً ولاشرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصّلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكلّ نافع مقوّ للجسم فيه قوّة للبدن فحلال، وكلّ مضرّ يذهب بالقوّة أو قاتل فحرام، مثل السموم والميتة والدّم ولحم الخنزير ـ إلى أن

1 . الوسائل: 17، الباب 42 من أبواب الأطعمة المباحة،الحديث1; تحف العقول : 337.

صفحه 133
قال:ـ والميتة تورث الكلب وموت الفجأة والآكلة، والدم يقسّي القلب ويورث الداء الدُّبيلة وأما السموم فقاتلة، والخمر تورث فساد القلب ويسوّد الأسنان، ويبخر الفم، ويبعد من اللّه، ويقرّب من سخطه، وهو من شراب إبليس» إلى آخره.1
75. محمّد بن عليّ بن الحسين في «العلل» و«عيون الأخبار» بأسانيده عن محمّد بن سنان، عن الرّضا(عليه السلام) فيما كتب إليه في جواب مسائله: وأحلّ اللّه تبارك وتعالى لحوم البقر والإبل والغنم لكثرتها وإمكان وجودها، وتحليل البقر الوحشي وغيرها من أصناف ما يؤكل من الوحش المحلّل، لأنّ غذاءها غير مكروه ولا هي مضرّة بعضها ببعض ولامضرّة بالإنس، ولا في خلقها تشويه، وكره أكل لحوم البغال والحمير الأهلية لحاجات الناس إلى ظهورها واستعمالها وخوف من قلّتها، لالقذر خلقتها ولاقذر غذائها».2
76. روى الحسن بن الفضل الطبرسي في (مكارم الأخلاق) عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) قال: «يحتجم الصّائم في غير (شهر رمضان) متى شاء فأمّا في شهر رمضان فلايضرّ بنفسه ولايخرج الدّم إلاّ أن تبغ به، فأمّا نحن فحجامتنا في شهر رمضان بالليل، وحجامتنا يوم الأحد، وحجامة موالينا يوم الاثنين».3
77. محمّد بن محمّد المفيد في (المقنعة) قال: سئل(عليه السلام) عمّن يضرّ به

1 . مستدرك الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 5; نقلاً عن فقه الرضا (عليه السلام): 34.
2 . الوسائل : 17، الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث3.
3 . الوسائل: 7، الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث14.

صفحه 134
الصّوم في الصّيف يجوز له أن يؤخّر صوم التطوّع إلى الشتاء؟فقال: «لابأس بذلك إذا حفظ ما ترك».1
78. روى الكليني باسناده عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام)عن التدلّك بالدّقيق بعد النّورة ؟فقال: «لابأس»، قلت: يزعمون أنّه إسراف، فقال: «ليس فيما أصلح البدن إسراف وإنّي ربما أمرت بالنقي فيلتّ لي بالزيت فأتدلّك به ، إنّما الإسراف فيما أتلف المال وأضرّ بالبدن».2
79. وباسناده عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّا لنسافر ولايكون معنا نخالة فندلّك بالدّقيق؟فقال: «لابأس إنّما الفساد فيما أضرّ بالبدن وأتلف المال، فأمّا ما أصلح البدن فإنّه ليس بفساد، إنّي ربما أمرت غلامي فلتّ لي النقيّ بالزيت فأتدلّك به».3
80 . روى الكليني باسناده عن محمّد بن الفضل النيسابوري عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سأله رجل عن الجبن؟ فقال:«داء لادواء فيه» فلمّا كان بالعشيّ دخل الرّجل على أبي عبد اللّه(عليه السلام) ونظر إلى الجبن على الخوان، فقال: سألتك بالغداة عن الجبن فقلت لي :هو الداء الذي لا دواء فيه، والسّاعة أراه على الخوان؟! قال: فقال له: «هو ضارّ بالغداة نافع بالعشيّ ويزيد في ماء الظّهر».4
81 . روى الصدوق:أنّه قال الرضا(عليه السلام):«لاتبذل لإخوانك من نفسك ما

1 . الوسائل: 7، الباب19 من أبواب الصوم المندوب ، الحديث5.
2 . الوسائل: 1، الباب 38 من أبواب آداب الحمام، الحديث 4.
3 . الوسائل: 1، الباب 38 من أبواب آداب الحمام، الحديث 5.
4 . الوسائل: 17، الباب 62 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث1.

صفحه 135
ضرره عليك أكثر من نفعه لهم».1
82 . روى الكليني باسناده عن عبد اللّه بن يحيى الكاهليّ عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سأله رجل ضرير وأنا حاضر فقال: أكتحل إذا أحرمت؟ قال: «ولم تكتحل؟» قال: إنّي ضرير البصر فإذا أنا اكتحلت نفعني وإذا لم اكتحل ضرّني، قال: «فاكتحل»، قال: فإنّي أجعل مع الكحل غيره؟قال: «وما هو؟» قال: آخذ خرقتين فأربعهما فأجعل على كلّ عين خرقة وأعصبهما بعصابة إلى قفاي، فإذا فعلت ذلك نفعني فإذا تركته ضرّني. قال: «فاصنعه».2
ولا يخفى أنّ الاكتحال من محرّمات الإحرام ومع ذلك رخّص الإمام (عليه السلام) لذلك الضرير المحرم أن يكتحل وأن يشدّ عينيه بخرقتين ويعصبهما بعصابة إلى قفاه لما يواجهه من ضرر إذا لم يفعل ذلك.
83. روى الكليني بإسناده عن عليّ بن يقطين، قال:قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام): رجل مات وعليه زكاة و أوصى أن تقضى عنه الزكاة وولده محاويج، إن دفعوها أضرّ ذلك بهم ضرراً شديداً؟ فقال(عليه السلام) : «يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم ويخرجون منها شيئاً فيدفع إلى غيرهم».3
84. وروى أيضاً بإسناده عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون عليه اليمين ]الدّين[ فيحلّفه غريمه بالأيمان المغلّظة أن لايخرج من البلد إلاّ بعلمه؟ فقال: «لايخرج حتى يعلمه» ، قلت: إن أعلمه لم

1 . من لا يحضره الفقيه :3/168.
2 . الوسائل: 9، الباب 70 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 3.
3 . الوسائل: 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.

صفحه 136
يدعه؟ قال: «إن كان ضرراً عليه وعلى عياله فليخرج ولاشيء عليه».1
85. روى الصدوق بإسناده عن إسماعيل بن الفضل عن ثابت بن دينار عن سيد العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام) قال:«... وحقّ مَن أساء إليك أن تعفو عنه، وإن علمت أنّ العفو يضرّ انتصرت، قال اللّه تعالى: (وَلِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل)» .2
و سيوافيك الكلام فى خاتمة المطاف حول حرمة الإضرار بالنفس فانتظر.

الجهة الثانية: القاعدة في كلمات الفقهاء

وقد استدلّ المشهور بالقاعدة في موارد كثيرة نشير إلى أقلّ القليل منها:
قال الشيخ في «الخلاف» في خيار الغبن في المسألة الستين: دليلنا ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال:«لاضرر ولاضرار». واستدلّ به أيضاً في كتاب الشفعة في المسألة الرابعة عشرة وفيه إضافة:«في الإسلام» في ذيل الحديث.3
وقال ابن زهرة في خيار العيب: ويحتجّ على المخالف بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاضرار».4
واستدلّ العلاّمة في «التذكرة» بالحديث في باب خيار الغبن في المسألة

1 . الوسائل: 16، الباب 40 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 1.
2 . الوسائل: 11، الباب 4 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
3 . الخلاف : 2/19 في خيار الغبن، وص86 في كتاب الشفعة.
4 . غنية النزوع: 223، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم ـ 1417 هـ .

صفحه 137
الأُولى، قال: الغبن سبب ثبوت الخيار للمغبون عند علمائنا، وبه قال مالك وأحمد، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاضرار في الإسلام».1
وقد اهتمّ بنقله شرّاح الأحاديث، ففي «مجمع البحرين» قال:وفي حديث الشفعة: قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال: «لاضرر ولاضرار في الإسلام».2
وقال ابن الأثير في «النهاية»: وفي الحديث:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».3
هذا بعض ما وقفنا عليه من كلمات الفقهاء القدامى4 الذين استدلّوا على رفع الحكم الضرري بالحديث، ويقدر الفقيه بها على استنباط قاعدة كلّية من حرمة الإضرار بالنفس والعرض والمال تكليفاً ووضعاً، كما سيوافيك.

1 . تذكرة الفقهاء: 1/497، في أحكام خيار الغبن.
2 . مجمع البحرين: 3/373، مادة«ضرر».
3 . النهاية لابن الأثير :3/81، مادة «ضرر».
4 . ومن جملة ذلك ما جاء في الإيضاح:4/101 عند قول العلاّمة:«ولو نذر أثانين سنة(أيّام الاثنين في كلّ أسبوع إلى سنة) ففي وجوب الصبر حتى تخرج، إشكال أقربه الوجوب إلاّ مع الضرر» قال ولده في توضيحه:«أقول: وجه القرب أنّه مع عدم الضرر بالتأخير قادر على الإتيان بالتتابع من غير ضرر حقيقة... إلى أن قال: وأمّا الضرر فهو عذر لقوله(عليه السلام): «لاضرر ولاضرار في الإسلام».
وجاء في الإيضاح أيضاً:4/103 عند قول العلاّمة:«ولو خاف المظاهر الضرر بترك الوطء مدة وجوب التتابع لشدة شبقه، فالأقرب الانتقال إلى الإطعام» قال ولده في توضيحه:«أقول: وجه القرب استلزامه الضرر وقال(عليه السلام): «لاضرر ولااضرار».

صفحه 138

الجهة الثالثة: في ورود القاعدة في غير حديث سمرة

قد عرفت ورود قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار» في قضيّة سمرة، وقد ورد في موثّقة زرارة ومرسلته. وعدم اشتمال صحيحة الحذّاء أو رواية أبي داود على قوله: «لا ضرر ولا ضرار»1 مع وجود نقل قصّة سمرة لايضرّ بها; لاختلاف الدّواعي في نقل الحديث. وإذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالحمل على الثّاني متعيّن.2
أضف إلى ذلك: اشتمال عدّة من الرّوايات على تلك القاعدة وإن لم تكن مقرونة بحديث سمرة.3
ومن أجل ذلك قال فخر المحقّقين في رهن«الإيضاح» بتواتره.4
هذا ممّا لابحث فيه. إنّما الكلام هو أنّه هل وردت القاعدة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)مستقلّة في غير واقعة سمرة أم لا؟
أقول: الروايات على طائفتين:
إحداهما: ما يكتفي بنقل نفس القاعدة من دون إشارة إلى شيء غيرها

1 . الحديثان 3و4 من أحاديث الطائفة الأُولى.
2 . توضيح ذلك: أنّه لو كان لدينا حديثان متشابهان من حيث اللفظ والمعنى بحيث يعتبران حديثاً واحداً، إلاّ أنّ في أحدهما كلمة أو جملة لاتوجد في الآخر، فهل يؤخذ بالأوّل ويقال إنّ الثاني ناقص، أو يؤخذ بالثاني الفاقد لتلك الزيادة ويقال بأنّ الأوّل فيه زيادة على الحديث؟
وهنا قال العلماء بأنّ الحمل على النقيصة هو المتعيّن. أي يؤخذ بالأوّل(الواجد لتلك الجملة أوالكلمة) ويقال بأنّ الثاني ناقص للأصل العقلائي في الراوي بأنّه لايزيد من نفسه على كلام المرويّ عنه.
3 . لاحظ الأحاديث 6ـ21.
4 . الإيضاح:2/48.

صفحه 139
كما هو الحال في أكثرها، نظير مرسلة الصدوق ورواية دعائم الإسلام (الأُولى لا الثانية فقد ورد فيها مقروناً بقصّة الجدار) والموطأ ومسند أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجة1، ونظيرها ما ورد في الخلاف والغنية والتذكرة عند الاستدلال بها، ولا شكّ أنّ ورودها كذلك لايدلّ على ورودها مستقلّة، لأنّ ظاهرها أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تكلّم بها بلا مقدّمة ولامؤخّرة، وهو بعيد، ومن أجل ذلك يجب أن نقول إنّها مقتطفة من الحديث الوارد في قصّة سمرة، أو من الحديث الوارد حول الشّفعة أو النّهي عن منع الماء، ونقله الصدوق أو غيره في مقام الاستدلال على الحكم الشرعي، كما أنّ أصحاب اللغة نقلوه عند تفسير الضرر والضرار، ونقله أحمد في مقام جمع أقضية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). وبالجملة فهذه الطائفة لاتدلّ على صدورها مستقلّة.
الطائفة الثانية: ما تنقل الرواية ضمن الحكم بالشفعة أو النهي عن منع الماء أو وجوب بناء الجدار، فهل هي تدلّ على صدور القاعدة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في غير واقعة سمرة وأنّ الحكم في هذه الموارد كان مذيّلاً من أوّل الأمر بالقاعدة في لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أنّ ضم القاعدة إلى هذه الموارد من فعل الراوي ولم يكن الصادر عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الموارد الثلاثة مذيلاً بها؟
إنّ شيخ الشريعة الإصفهاني(قدس سره) أوّل مَن فتح باب التشكيك، وذهب إلى أنّ ضمّ القاعدة إلى تلك الموارد من صنع الرواة وتبعه عدّة من الأعلام كالمحقّق النائيني وغيره، ولنقدّم البحث عن حديث الشفعة ثمّ عن حديث النهي عن منع الماء فنقول: واستدلّوا على ذلك بوجوه:

1 . لاحظ الأحاديث 9، و 15 و 17 ـ 21.

صفحه 140
الأوّل: ما ذكره شيخ الشريعة في رسالته وحاصله: أنّ أقضية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، في طرق أهل السنّة، كانت مجتمعة في رواية عبادة بن الصامت وقد نقلها إمام الحنابلة في مسنده ويناهز عددها العشرين قضاءً. وهي من طرقنا كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، غير أنّ أئمّة أهل الحديث فرّقوها في أبواب مختلفة. ولمّا كان حديثا الشفعة والنهي عن منع الماء غير مذيّلين بحديث «لاضرر» في رواية «عبادة»، صحّ أن يقال: إنّ ما ورد عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من طرقنا أيضاً كان غير مذيّل، لكن الراوي لمّا أراد الجمع بين الأقضية في رواية واحدة، ذيّل حديث الشفعة والنهي عن منع الماء بحديث «لاضرر»، فهو من باب الجمع في الرواية لا الجمع في المروي.
ولايصحّ العكس، وهو تذييل الحديثين بالقاعدة في نفس الأمر، غير أنّ عبادة بن الصامت روى جميع الفقرات مطابقة للواقع إلاّ الفقرتين.1
يلاحظ عليه: أنّ الدقّة في رواية عبادة بن الصامت تقضي بوضوح أنّ الراوي كان بصدد الجمع بين الأقضية، ولأجل ذلك كرّر لفظ «قضى» في تسعة عشر مورداً. وأمّا المنقول عن عقبة بن خالد فهو على خلاف ذاك الظهور، فعبّر في الشفعة بلفظ «قضى» وفي مورد لاضرر بـ«قال»، مشعراً بأنّه لم يكن في هذا المورد قضاءً بل تعليلاً. وإليك نصّ الحديث:
«قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار». وقال: إذا أرّفت الأُرف وحُدّت الحدود فلا شفعة».2

1 . رسالة قاعدة لاضرر: 19 ـ 32، بتلخيص، وهذا الوجه مشترك بين كلا الحديثين.
2 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب كتاب الشفعة، الحديث 1.   2
والأُرَف: جمع الأُرفة، كالغُرَف جمع الغُرفة. والأُرَف هي الحدود والمعالم . ففي نهاية ابن الأثير: قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة مالم يرف: مالم يقسّم المال أو يحدّ. وفي الحديث: أيّ مال أقسم وأُرّف عليه فلا شفعة فيه: أي حُدَّ وعُلِّم. وفيه: الأُرف تقطع الشفعة.

صفحه 141
ومثله حديث النهي عن بيع الماء، وإليك نصّه:
«قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لايمنع نفع الشيء، وقضى بين أهل البادية أنّه: لايمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، فقال ـ أو (وقال) على اختلاف النسخ: ـ «لاضرر ولاضرار».1
فالعدول عن لفظ «قضى» إلى لفظ «قال» يدلّ على أنّ الهدف من نقل القاعدة هو الاستدلال لانقل قضاء آخر.
و احتمال أنّ التركيب والتعليل كان من جانب الراوي، وأراد تعليل أحد القضاءين بقضاء آخر، يوجب سلب الاعتماد عن سائر الروايات.
والحاصل: أنّه لو كان قضاءً مستقلاًّ غير مربوط بالشفعة والنهي عن منع الماء، لماكان للعدول عن لفظ «قضى» إلى «قال» وجه.
وعلى كلّ تقدير فما ذكره شيخ الشريعة كان ناظراً لكلا الحدثين: الشفعة والنهي عن منع الماء، وربّما يستدلّ لكلّ من الموردين بدليل خاص، وما يأتي تالياً يختصّ بحديث الشفعة ثم يأتي ما يخصّ بحديث منع الماء.
الثاني: أنّ بين موارد ثبوت حقّ الشفعة وتضرّر الشريك بالبيع، عموم من وجه، فربّما يتضرّر الشريك ولا يكون له«حقّ الشفعة» كما إذا كان الشركاء أكثر من اثنين. وقد يثبت حقّ الشفعة بلاترتّب ضرر على الشريك، كما إذا كان البائع مؤذياً والمشتري محسناً. وقد يجتمعان، وعند ذاك لايصح تعليل

1 . الوسائل:17، الباب 7 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2.

صفحه 142
الحكم بالشفعة بشيء يفارقه تارة ويجتمع معه أُخرى.
الثالث: أنّ الضرر يأتي من قبل بيع الشريك حصّته، فلو كان ذلك مورداً لقاعدة«لاضرر»، للزم الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه. وأمّا جعل حقّ الشفعة لجبران الضرار وتداركه بالحكم بانتقال المبيع إلى ملك الشريك، فليس مستفاداً من أدلّة نفي الضرر فإنّها لاتدلّ على جعل حكم يتدارك به الضرر، غايتها نفي الحكم الضرري.1
ولايخفى عدم تمامية الوجهين الأخيرين.
أمّا أوّلهما: فإنّ تسلّط الشريك على ماله على وجه الإطلاق بحيث كان له البيع ممّن يشاء صالحاً كان أو طالحاً، حكم ضرري حسب الطبع. والمقياس في الحكم بالضرر، ملاحظة نفس الحكم المجعول، أي جواز بيع الشريك حصّته ممّن يشاء، فهو بلا شكّ يوجب الاضطراب في الحياة ولايرتفع ذلك إلاّ بإعطاء القدرة للشريك الآخر على أخذ السهم المباع بردّ ثمن المثل حتّى يسدّ حاجة البائع، لاحتياجه إلى الثمن. وبذلك يرتفع قلق الشريك.
وعدم ترتّب الضرر فيما كان المشتري رجلاً بارّاً، لا يوجب عدم كون التسلّط ضرريّاً; لأنّ المقياس في كون الحكم ضرريّاً هو نفس الحكم مجرّداً عن المقارنات واللّواحق، ككون المشتري صالحاً أو طالحاً.
وأمّا انتفاء الشفعة إذا كان الشّركاء أكثر من اثنين، فهو المشهور بين الفقهاء مع القول بثبوتها. قال المحقّق: هل تثبت لما زاد عن شفيع واحد؟فيه أقوال: أحدها: نعم تثبت مطلقاً على عدد الرؤوس، والثاني: تثبت في الأرض

1 . مصباح الأُصول:2/521، تقرير درس آية اللّه العظمى السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي(قدس سره) .

صفحه 143
مع الكثرة ولاتثبت في العبد إلاّ للواحد، والثالث: لا تثبت في شيء مع الزيادة على الواحد، وهو أظهر. وأضاف صاحب الجواهر: وأشهر ، بل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً، بل هي كذلك كما ستعرف.
وعلى كلّ تقدير فعدم الشفعة لوجود النصّ الصريح، أعني: صحيح عبد اللّه بن سنان «لاتكون الشفعة إلاّ لشريكين، مالم يقاسما، فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة»1 ومثله لايكون نقضاً لوجود النص، غاية الأمر يلزم عدم الأخذ بالملاك في مورد لملاك أقوى ، خفي علينا.
وأمّا ثانيهما: فلأنّ الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه، ضرر على البائع السهيم، لأنّه ربّما يكون محتاجاً إلى البيع فإبطال تصرّفه من دون جبران، ضرر، فلا معنى لدفع الضرر بالضرر بل لايتم دفع الضررين إلاّ بتجويز الأخذ بالشفعة بردّ مثل الثمن الذي باع حصّته به.
وإن شئت قلت: إنّ مقتضى الجمع بين الحقّين أو دفع الضررين، أوجب تشريع الأخذ بالشفعة. ولعلّ قوله:«لاضرر» إشارة إلى كلا« الضررين» المقصودين في المقام، أو أنّه إشارة إلى تجويز إبطال بيعه، وأمّا أخذه بمثل الثمن فلأجل الجمع بين الحقّين.هذا كلّه حول الشفعة.
الثالث: ما يختصّ بمورد النهي عن منع الماء2، فقد ردَّ عليه أيضاً بوجهين:
الأوّل: أنّ الضرر لا ينطبق على منع المالك فضل مائه عن الغير. إذ من الواضح أنّ ذلك لا يعدّ ضرراً على الغير، غايته عدم الانتفاع به.

1 . الوسائل:17، الباب 7 من أبواب كتاب الشفعة، الحديث 1.
2 . على اختلاف النسخ ففي بعضها (نفع الماء).

صفحه 144
الثاني: أنّ النهي في هذا المورد تنزيهي قطعاً لعدم حرمة منع فضل الماء عن الغير بالضرورة.1
والوجهان من حيث الضعف كالسابقين:
أمّا الأوّل: فلأنّ الحياة في البادية ـ خصوصاً يوم ذاك ـ كانت مقرونة بالضيق والمشقّة، وكانت الآبار قليلة والتمكّن من الماء أمراً غير سهل، فكان منع الغير من سقي المواشي ولو ببذل المال، موجباً لتعرّض الأنعام والمواشي للهلاك والدمار; وذلك لأنّ منع السقي كان ملازماً لترك الرعي والانتقال من البادية إلى بادية أُخرى فيكون موجباً لضرر أقوى.
وبذلك يظهر ضعف الوجه الثاني، فإنّ الظاهر لزوم البذل وحرمة المنع، رعاية لمصالح المسلمين إذا انحصر الماء في البادية بماء واحد. وقد أفتى بهذا، الشيخ في «المبسوط» وابن زهرة في «الغنية»، ونقله العلاّمة عن ابن الجنيد في «المختلف». والقول بأنّ النهي مخالف لقاعدة السلطنة ضعيف، لأنّه مخالف لإطلاقه في بعض الأحايين، ولا بعد فيه، كإلزام المحتكر على البيع في عام الضيق، وصاحب الدابة على بذل العلوفة لها، والرجل لعائلته.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا ملك البئر بالإحياء وخرج ماؤها فهو أحقّ بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته إليه للشرب، له ولماشيته. ولايجب عليه بذله لسقي زرعه، بل يستحب له ذلك. ثمّ ذكر أقوال الفقهاء واستدلّ على مختاره بالروايات.2
وقال في «المبسوط»: فكلّ موضع قلنا إنّه يملك البئر فإنّه أحقّ بمائها

1 . مصباح الأُصول:2/521ـ 522.
2 . الخلاف:2/224ـ225، كتاب إحياء الموات، المسألة 13.

صفحه 145
بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقي زرعه، فإذا فضل بعد ذلك شيء، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته من السابلة وغيرهم، وليس له منع الفاضل من حاجته حتى لايتمكّن غيره من رعي الكلأ الذي بقرب ذلك الماء.1
ونقل العلاّمة في «المختلف» القول بالاستحباب عن ابن الجنيد وابن البراج، وحمل العلاّمة الروايات على الكراهة 2. ولكنّه خلاف الظاهر، وعلى أيّ حال فليست الروايات معرضاً عنها ولا على خلاف الأُصول المسلّمة في الفقه.
كما يظهر أنّه لاإشكال في القول بتذييل الحديثين بالقاعدة وورودها تارة في حديث سمرة، وأُخرى في مورد الشفعة، وثالثاً في مورد النهي عن بيع الماء.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده سيدنا الأُستاذ 3 حيث نفى صلاحية كون القاعدة علّة للتشريع أو نكتة له.
أمّا الأوّل، فلأنّها عبارة عن تشكيل صغرى وكبرى وحدّ وسط، فيكون المحمول في الصغرى نفس الموضوع في الكبرى. مثل قولنا: الخمر مسكر، وكلّ مسكر حرام، فالخمر حرام. ولكن المحمول في المقام هو جائز أو حرام، كأن تقول: أخذ مال الشريك شفعة جائز، أو منع فضول الماء حرام، وليس المحمول فيها موضوعاً في الكبرى، أعني قوله:«لاضرر ولاضرار».

1 . المبسوط:3/281، كتاب إحياء الموات.
2 . مختلف الشيعة: 6 / 203 ـ 204، كتاب إحياء الموات .
3 . هو الإمام المجاهد آية اللّه العظمى السيد روح اللّه الخميني (قدس سره).

صفحه 146
وأمّا الثاني، فلأنّها عبارة عن الحِكم التي لايلزم أن تكون سائرة في كلّ مورد، بل تكفي الأغلبية، كما في كون الحكمة في العدّة عدم اختلاط المياه. وأمّا المقام فليس كذلك، لأنّ دفع الضرر الذي هو نكتة التشريع فرضاً، يصلح لجعل عدم اللزوم لبيع الشريك أو عدم صحّته، لا لجعل جواز أخذه شفعة. وأمّا منع فضول الماء فالنكتة فيه منتفية، لعدم الضرر في المنع بل أقصاه عدم النفع.1
ويظهر النظر ممّا ذكرناه في دفع الإشكالات السابقة، فإنّ القاعدة في المقام ليست إلاّ من قبيل نكتة التشريع. ودفع الضرر، وإن كان يحصل برفع اللزوم والصحّة، لكنّه يستلزم ورود الضرر على البائع فيلزم أن يكون ماله بلا مشتر. فلامحيص، من باب دفع الضرر، عن اختيار شيء آخر، وهو جواز أخذه بالشفعة بثمن المثل.
وأمّا القول بأنّ الموجود في مورد منع الماء هو عدم الانتفاع لا الضرر، فقد عرفت عدم تماميته، وأنّ الحياة البدوية في المناطق الحارة، أو أكثر المناطق المعمورة، تعتمد على المياه الموجودة. وحرمان أصحاب الدواب منها، يستلزم هلاكها ودمارها كما لايخفى.
ثمّ إنّ الثمرة في ورودها في ذيل الحديث تظهر في توضيح مفاد القاعدة; لأنّ من محتملاتها جعل النفي بمعنى النهي. وهذا لايتمشّى في مورد الحديثين، إذ لا معنى فيهما للنهي عن الضرر، بل الظاهر كون النفي بمعناه، وقد صار مبدأً لإثبات حقّ الشفعة، وتحريم المنع عن بذل فضل الماء، ولامعنى للخطاب إذا لم يكن هناك مخاطب.

1 . تهذيب الأُصول:2/452، بتحرير جديد.

صفحه 147
نعم في صحّة الروايتين تأمّل، لأنّ محمّد بن عبد الله بن هلال وعقبة بن خالد الأسدي لم يوثّقا، وإن كان الأوّل روى عنه الحسن بن علي ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والثاني من أصحاب الصادق(عليه السلام)روى الكشي في مدحه روايتين.

الجهة الرابعة: هل الحديث مذيّل بعبارة «في الإسلام» أو «على مؤمن» أو لا؟

قد وردت لفظة «في الإسلام» في مرسلة الصدوق 1: كما وردت مرسلة أيضاً في نهاية ابن الأثير ومجمع البحرين والكتب الاستدلاليّة2، ولا عبرة بالمراسيل إلاّ مرسلة الصدوق3، لأنّه عبر بقوله: مع قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . هذه هي المرسلة المشهورة التي وردت في كتابه« من لايحضره الفقيه» وهناك مرسلة أُخرى نقلها في كتابه الآخر«معاني الأخبار» كما مرّ سابقاً.
2 . مثل كتاب الخلاف للشيخ الطّوسي، وتذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي.
3 . هذا هو المشهور بين الأصحاب في اعتبار مراسيل الصدوق مسانيد ـ إذا كانت بهذا التعبير ـ إلاّ أنّ سماحة المحقّق الرّاحل السيّد الخوئي ـ (قدس سره) ـ قد عدل عن هذا المبنى بقوله في مصباح الأُصول: 2 / 519 و520:«فتعبير الصدوق ـ (رضي الله عنه) ـ في الفقيه بقوله: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، يدلّ على أنّه ثبت عنده صدور هذا القول منه(صلى الله عليه وآله وسلم) بطريق صحيح، وإلاّ لم يعبّر بمثل هذا التعبير، فيعامل مع هذا النحو من المراسيل معاملة المسانيد. هذا ما ذكرناه في الدورة السابقة، لكن الإنصاف عدم حجّية مثل هذه المرسلة أيضاً، لأنّ غاية ما يدلّ عليه هذا النحو من التعبير، صحّة الخبر عند الصدوق. وأمّا صحّته عندنا فلم تثبت، لاختلاف المباني في حجية الخبر».
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) وإن ضمن صحّة جميع ما رواه في الفقيه عنده بقوله: «إنّي لا أذكر في هذا الكتاب إلاّ ما هو حجّة عندي»، إلاّ أنّنا لانعتبر جميع مراسيله مسانيد، لأنّ مراسيله على نوعين:
أحدهما: ما ينقله بقوله:«روى» ونحوه. وثانيهما: ما يعبّر عنه بقوله:«قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)» أو «قال الصادق(عليه السلام)» مثلاً. ولاشكّ في أنّ اختلاف التعبير ينبئ عن اختلاف في كيفية المنقول، فلو كان حجّة ظنّية مثل خبر الواحد، يعبّر عنها بتعبير النوع الأوّل. وإن كانت قطعيّة مثل الخبر المتواتر أو المستفيض المفيد للاطمئنان، يعبّر عنها بالنوع الثاني. وكلام المحقّق الخوئي (قدس سره) صحيح بالنسبة إلى النوع الأوّل. وأمّا بالنسبة إلى النوع الثاني ـ كمثل ما نحن فيه ـ فليس بتام.
وثانياً: إذا صحّ هذا العدول يبقى كثير من المسائل الفقهيّة بلا حجّة، بل لايبقى مجال لحجّية أقوال المشايخ في توثيق الرّجال. إذ كلّ شيخ له مبناه الخاص في حدود حجّية خبر الثقة أو العادل، فيصبح قسم من مسائل الفقه بلا حجّة وبرهان. وعليه فلامحيص من اعتبار مرسلات الصدوق إذا كانت من النوع الثاني.

صفحه 148
«لاضرر ولا ضرار في الإسلام»، ولكنّ الاعتماد على هذه الزّيادة مشكل لأمرين:
الأوّل: إنّ كلمة «في الإسلام» من الألفاظ كثيرة الدّوران على اللّسان، ومن الأُمور المرتكزة في الذهن فربّما تسبق إلى اللّسان والقلم بلا اختيار.
الثاني: احتمال وقوع التصحيف من النساخ حيث إنّ المراسيل الثلاث التي نقلها الصدوق كانت متّصلة، وإليك نص عبارة الصدوق:
«الإسلام يزيد ولاينقص، مع قوله(عليه السلام): لاضرر ولاضرار في الإسلام، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً».
ومن المحتمل جدّاً أنّ الكاتب كتب لفظة «فالإسلام» مرّتين اشتباهاً، فجاء الآخرون وأرادوا تصحيح النسخة فتصوّروا أنّ الأوّل مصحّف «في الإسلام» ثم تتابعت النسخ عليه.1

1 . هذا الاحتمال هو ما ذكره الإمام الخميني (قدس سره)، لاحظ كتابه «الرسائل»:1/25. نعم لايجري ذلك الاحتمال فيما نقله الشيخ الصدوق نفسه في معاني الأخبار حيث رواه مع زيادة «في الإسلام» أيضاً مجرّداً عن سائر الأحاديث، فلا يتوهّم احتمال تصحيفه على أيدي النسّاخ.
أضف إلى ذلك: قد جاء هذا الحديث بهذه الزيادة في الكتب الاستدلاليّة للمتقدّمين والمتأخّرين مضافاً إلى وروده في الكتب اللغويّة العامّية والشيعيّة أيضاً. وهذا ما يبعد انسباق هذه الكلمة إلى ألسنتهم بلا اختيار.
وعلى أيّ حال فلاينبغي رفع اليد عن مرسلتي الصدوق ـ إذا نظرنا إليهما بعين الاعتبار ـ بسبب هذين الاحتمالين; لأنّ مثل هذه الاحتمالات إذا كانت تمنع من الأخذ بالأحاديث المعتبرة، سوف يلزم الاعراض عن كثير منها، وهو ممّا لايلتزم به أحد.
كما يمكن تأييده بالنكتتين التاليتين:
الأُولى: أنّ قاعدة لاضرر تنسجم وقاعدة نفي الحرج من حيث المبنى والملاك (سهولة الشريعة وسماحتها)، ومستند الثانية قوله سبحانه:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) فالحرج قد نفي من محيط التشريعات الدينيّة ، فكذلك ينبغي أن يكون الضّرر منفيّاً من ذلك المحيط.
      الثانية: إذا أمعنّا النظر في الأحاديث المتضمّنة مفاد القاعدة والّتي قد نقلنا حوالي ثمانين حديثاً منها آنفاً، نجد بوضوح أنّ القاعدة لها مفعولها في كثير من أبواب الفقه من العبادات والمعاملات. وبناءً على هذا الفهم نجد الفقهاء من العامّة والخاصّة قد استندوا إلى القاعدة في جميع تلك الأبواب كما سيتّضح لك في الفصول الآتية . وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الفقهاء من المتقدمين والمتأخّرين قد فهموا من القاعدة نفي الضّرر من محيط التشريع الإسلامي بتاتاً فالمناسب إذن تذييل القاعدة بكلمة «في الإسلام».

صفحه 149
ولولا هذان الوجهان لكان الأصل الحاكم هو تقدّم احتمال النقيصة على احتمال الزيادة،لأنّ النقيصة السهويّة أكثر من الزّيادة كذلك، فاحتمال السقط في سائر الروايات أقوى من الزيادة في رواية الصدوق، لكن الوجهين عاقانا عن الأخذ بهذا الأصل.
وأمّا لفظة «على مؤمن» فقد جاءت في رواية زرارة الثانية، كما اشتملت على قوله:«إنطلق فاغرسها حيث شئت» ويجري فيها ما ذكرناه في لفظة «في الإسلام»، من الوجه الأوّل، ولولا هذا الوجه لكان المعتمد هو تقدّم احتمال النقيصة على الزيادة.
وتظهر الفائدة في مفاد الحديث، فلو قلنا باشتمال الحديث على لفظة

صفحه 150
«في الإسلام» ، يستقرب ما أفاده الشيخ في تفسير الحديث من أنّ المراد نفي الحكم الضرري وأنّه غير مجعول في الإسلام، فينفى به وجوب الوضوء والحج الضرريين بخلاف ما إذا لم يكن مذيّلاً به، إذ من المحتمل كون النفي بمعنى النهي كما عليه شيخ الشريعة، وسيّدنا الأُستاذ على اختلاف بينهما كما أنّه لو كان الحديث مشتملاً على لفظة «على مؤمن»، تختصّ القاعدة بما إذا كان هناك ضرر على مؤمن، ولايشمل مورد الوضوء والحج الضرريّين. هذا ويكون حمل النفي على النهي أوضح من بقائه على معناه.

الجهة الخامسة: في بيان الفرق بين «الضرر» و«الضرار»:

إنّ هنا ألفاظاً ثلاثة يجب التعرّف على مفاهيمها:
1. الضَرّ: بفتح الفاء وتشديد اللام. وهو مصدر هذا الباب ويقابل النفع. يقال: ضرّ، يضرُّ، ضرّاً. ضد:نفع ، ينفع ، نفعاً.
2. الضرر: هو اسم مصدر الباب، وسيوافيك أنّ الضُّر بضمّ الفاء، أيضاً اسم مثل الضرر.
3. الضرار: وهو مصدر باب المفاعلة.
وعلى ذلك، فالفرق بين الأوّلين هو الفرق الموجود بين المصدر واسمه، فما ذكره اللغويون للمصدر من المعنى يرجع إلى اسمه أيضاً فنقول:
قال في الصحاح: الضَرّ خلاف النفع، وقد ضرّه وضارّه بمعنى، والاسم الضرر... إلى أن قال:و«الضرار» المضارّة.1
وقال في «معجم مقاييس اللغة»: الضَرّ ضد النفع.(2)

1 . الصحاح:2/719ـ 720، مادة «ضرر».   2 . معجم مقاييس اللغة:3/360.

صفحه 151
وقال الراغب في مفرداته: الضُرّ سوء الحال، إمّا في نفسه لقلّة العلم والفضل والعفة، وإمّا في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإمّا في حالة ظاهرة من قلّة مال أو جاه. وقوله:«فكشفنا ما به من ضُر» محتمل لثلاثتها.1
وقال في «القاموس»:«الضُرّ» بالضم ضد النفع أو بالفتح مصدر... إلى أن قال: والضرّ سوء الحال... والنقصان يدخل في الشيء... والضيق.2
وقال الفيومي: «الضُر» الفاقة والفقر. بضم الضاد اسم وبفتحها مصدر «ضرّه، ويضرّه» إذا فعل به مكروهاً. وقال الأزهري: كلّ ما كان سوء حال وفقر وشدة في بدن فهو ضرّ بالضم. وما كان ضد النفع فهو بفتحها. وفي التنزيل (مَسَّني الضُّرُّ): أي المرض، والاسم الضرر. وقد أطلق على نقص يدخل الأعيان.3
وقال ابن الأثير: «الضَرّ» ضد النفع. فمعنى قوله:لاضرر: أي لايضرّ الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقّه، والضرار فعال من الضرّ أي لايجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه.4
وقال الطريحي:«والضُرّ» بالضم: سوء الحال، وبالفتح ضد النفع.5
والمتحصّل من هذه النصوص أنّ الضرر عبارة عن النقص النازل بالنفس والبدن أو المال والجاه، بعد كماله في الجهات الثلاث، وليس النقص

1 . مفردات الراغب:293.
2 . القاموس المحيط:2/75.
3 . المصباح المنير:2/6.
4 . النهاية لابن الأثير:3/81.
5 . مجمع البحرين:3/373، مادة «ضرر».

صفحه 152
بما هو هو، نفس الضرر، بل الهيئة الحاصلة من هذا النقص هي الضرر.
وإن شئت قلت: فلو كان الإنسان متمتعاً من العافية في البدن، والوفرة في المال، وحسن السمعة في الجاه; فورد عليه النقص كإذهاب العافية من البدن، ورأس المال من المال، وحسن السمعة من العرض والجاه فهو الضرر; وأمّا الضُرّ فهو عبارة عن سوء الحال الملازم مع الشخص دون أن يطرأ عليه بعد وجوده، كالفقر وقلة العلم وسوء سلوك الزوجة والمرض وغير ذلك.
وعلى ذلك، فالنفع هو التزايد المطلوب، والضرر هو النقص غير المطلوب، وهذا ما يعبّـر عنه في الفارسية بـ«افزايش» و«كاهش» غير أنّ الزيادة المطلوبة وغير المطلوبة تختلف حسب اختلاف الموضوعات.
ولك أن تستوضح معاني هاتيك الألفاظ من الإمعان في الآيات الكريمة.
أمّا الضَرّ بالفتح فقد جاء في القرآن عشر مرّات، واستعمل في موارد تسعة مقابلاً للنفع وفي مورد واحد مقابلاً للرّشد.1
قال سبحانه:(أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لايَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلانَفْعاً).2
وقال تعالى:(قُلْ إنّي لاأمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلارَشَداً) .3
وأمّا الضُّر ـ بضمّ الضاد ـ فقد استعمل تسع عشرة مرّة4، وقد قوبل تارة

1 . لاحظ: المائدة:76، الأعراف:188، يونس:49، الرعد:16، طه:89، الفرقان:25، سبأ:42، الفتح:11، الجن:21، الحج:13.
2 . المائدة:76.
3 . الجن:21.
4 . راجع: المعجم المفهرس للقرآن الكريم.

صفحه 153
بالخير، مثل قوله سبحانه:(وَإنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلاّ هُوَ وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيء قَديرٌ).1
وأُخرى بالنعمة، قال سبحانه:(وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيهِ تَجأرون).2
وثالثة بالرحمة، قال تعالى:(وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوا رَبّهم مُنِيبينَ إلَيْهَ ثُمّ إذا أذاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً إذا فَريقٌ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) .3
والمتحصّل من المجموع هو أنّه بمعنى سوء الحال، على اختلاف منشئه، قال تعالى: (وَإذا مَسّكُمُ الضـرُّ في البَحْرِ ضَلّ مَنْ تَدْعُونَ إلاّ إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إلى البرِّ أعْرَضْتُمْ وَكانَ الإنسانُ كَفُوراً).4
وقال سبحانه:(وأيّوبَ إذْ نادى رَبّهُ أنّي مَسّنِيَ الضُرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ).5
فإنّ ما يمسّ الإنسان في البحر، هو القلق والاضطراب والخوف الهائل من الغرق نظير ما يمسّه من المرض والهرم والفقر.
وأمّا الضّرر فقد استعمل مرّة واحدة، قال سبحانه:(لايَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)6.

1 . الأنعام:17، ولاحظ أيضاً الآية 107 من سورة يونس.
2 . النحل:53، ولاحظ أيضاً النحل:54، والزمر: 8 و 49.
3 . الروم:33، لاحظ أيضاً 38 منها.
4 . الإسراء:67.
5 . الأنبياء:83.
6 . النساء:95.

صفحه 154
وفسّره المفسّرون بالنقص في العضو كالعمى، فما ذكره اللغويون يؤيّده ظاهر الآيات.
وعلى أيّ حال فإنّه يمكن أن يفهم ممّا سبق أنّ بين الضّرر والنفع تقابل التّضاد1، لأنّ الضرّر هو الحالة الحاصلة للإنسان من ورود النقص على نفسه أو عرضه أو ماله وهو أمر وجودي كالمنفعة.
وما عن المحقّق الإصفهاني(قدس سره) من أنّ النقص، المفسّر به الضرر، ليس أمراً وجودياً حتّى يكون التقابل مع النفع، الذي هو أمر وجودي، تقابل التضاد، غير تام لما عرفت من أنّ الضرر ليس مساوياً للنقص، وإنّما هو المنشأ لحصول تلك الحالة الخاصّة للإنسان. نعم، لو فسّر الضرر بنفس النقص لكان لما ذكره وجه. هذا كلّه حول الضرر.
أمّا الضرار، فقد فرّق بينه وبين الضرر بوجوه ذكر جملة منها ابن الأثير في نهايته:2
1. الضرر: فعل الواحد. والضرار: فعل الاثنين.
2. الضرر: ابتداء الفعل. والضرار: الجزاء عليه.
3. الضرر: ما تضر به صاحبك وتنتفع به أنت. والضرار: أن تضرّه من غير أن تنتفع به .
4. هما بمعنى واحد، وتكرارهما للتأكيد. نسبه في النهاية إلى القيل.

1 . ويؤيّد هذا القول أنّ الضرر والنفع يمكن ارتفاعهما من موضوع قابل لهما، مثل أن يبيع المتاع برأس ماله، فإنّه يصدق عليه بأنّه باع بلا نفع ولاضرر. وهذه علامة المتضادّين، ولو كانا من قبيل الملكة وعدمها، لما أمكن ارتفاعهما.
2 . النهاية لابن الأثير :3/81 ـ83.

صفحه 155
5. الضّرر: إيقاع الضرر على الغير عمداً كان أو غير عمد. والضّرار: القسم العمدي منه.
6. الضرار: التضييق، وإيصال المكروه والحرج والتكلّف، ذكره سيّدنا الأُستاذ.1
والأوّل مبنيّ على الكلام المعروف في باب المفاعلة من أنّ الأصل فيه أن يكون فعل الاثنين، لكنّه ليس بتام كتفسيره بالجزاء عليه، لما عرفت من الآيات الناهية عن الضرار، ولم يكن الفعل هناك إلاّ من جانب واحد، قال سبحانه:(والَّذِينَ اتَّخذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَ ارصاداً لمنْ حاربَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ)2، فكان الإضرار من جانب المنافقين
فحسب، كما لم يكن هنا إضرار من باب الجزاء أصلاً. وقال سبحانه: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً)،(3) والمقصود رجوع الزوج إلى المعتدة بقصد الإضرار. وقال سبحانه: (ولاتُضارُّوهنَّ لتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)3: أي لاتضيّقوا عليهنّ بالنفقة.

1 . ويمكن إضافة وجه سابع، وهو أنّ الضّرار بمعنى تكرار صدور الضرر، بخلاف الضّرر وهذا ما اختاره السيد البجنوردي في قواعده الفقهيّة :1/178.
وملخّصه: أنّ الضرار بمعنى تكرار صدور المبدأ سواء كان الفاعل شخصاً واحداً أو شخصين وبما أنّ الغالب أنّ باب المفاعلة يستعمل فيما كان الفاعل شخصين يتبادر إلى الذهن المشاركة من الطرفين وإن كان محط النظر فاعلية أحدهما ومفعوليّة الآخر كما يقال :ضارب زيد عمراً، وهذا هو الفرق بين باب المفاعلة والتفاعل بعد اشتراكهما في المشاركة حيث إنّ النظر في باب التفاعل إلى فاعلية الاثنين، ولذا يقال:«تضارب زيد وعمرو» برفع الاثنين. فالضرار بمعنى تكرار صدور الضرر ولو من فاعل واحد، وهذا المعنى مناسب في المقام; لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام بيان أنّ سمرة كثير الضرر ومصرّ عليه.
2 . التوبة: 107.   3 . البقرة: 221.
3 . الطلاق:6.

صفحه 156
وقال عزّ من قائل: (وَلايُضارَّ كاتِبٌ وَلاشَهِيدٌ)1، ولم يكن هناك إلاّ إضرار من جانب واحد لامن الجانبين، كما أنّ الضرر الواقع لم يكن إلاّ ابتدائياً لامجازاة.
ويؤيّده ما قاله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مورد سمرة، إذ لم يكن من الأنصاري إلاّ الشكوى لا الإضرار الجزائي ولاغيره.
وما اشتهر من كون باب المفاعلة فعلاً للاثنين، هو أن يكون كلّ من الفاعلين، فاعلاً ومفعولاً مثل «ضارب زيد عمراً»، غير تام، لما عرفت عدم ثبوت ذلك، وأنّه ربّما يكون الفعل وارداً من جانب واحد دون الآخر.

نظرية السيد الخوئي في مفهوم المفاعلة

إنّ المعروف بين الصرفيين والنحويين أنّ باب المفاعلة فعل الاثنين، ثمّ ردّ ذلك بقوله:
«إنّ هيئة المفاعلة وضعت لقيام الفاعل مقام إيجاد المادّة وكون الفاعل بصدد إيجاد الفعل(ولا يدل على الوقوع)، وأقوى شاهد على ذلك هي الآيات الشريفة القرآنية:
فمنها قوله سبحانه:(يخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ).2
فذكر سبحانه وتعالى أنّ المنافقين بصدد إيجاد الخدعة، ولكن لاتقع خدعتهم إلاّ على أنفسهم، ومن ثمّ عبّر في الجملة الأُولى بهيئة المفاعلة، لأنّ

1 . البقرة:282.
2 . البقرة:9.

صفحه 157
اللّه تعالى لايكون مخدوعاً بخدعتهم، لأنّ المخدوع ملزم للجهل، وتعالى اللّه عنه علوّاً كبيراً. وعبّر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرّد، لوقوع ضرر خدعتهم على أنفسهم لامحالة.
ومنها: قوله تعالى: (إنّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ المؤمِنينَ أنْفُسَهُمْ وَأمْوالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ...)1 لأنّ القتال في سبيل اللّه يختصّ بالمؤمنين و لا يشمل الكافرين2.
يلاحظ عليه: أوّلاً: انّ المراد من كون هيئة المفاعلة فعلاً للاثنين هو كون كلّ فاعلاً ومفعولاً، لاكون واحد فاعلاً ومُورِداً والآخر مفعولاً ومورَداً عليه، حتى يردّ بقوله سبحانه:(يخادِعُونَ اللّهَ)وإنّ اللّه لايكون مخدوعاً بخدعتهم.
فهذا سعد الدين التفتازاني يقول في شرح التّصريف: «وتأسيسه على أن يكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بصاحبه ما فعل الصاحب به، نحو «ضارب زيد عمراً».3
وقال الرّضي ـ بعد كلام ـ في الفرق بين بابي «فاعَلَ» وَ« تَفاعَلَ»:والأولى ما يقول المالكي، وهو أنّ «فاعَلَ» لاقتسام الفاعليّة والمفعوليّة لفظاً والاشتراك فيهما معنىً، و«تفاعَل» للاشتراك في الفاعلية لفظاً وفيها وفي المفعوليّة معنى» .4
فإذا تبيّن معنى كون الباب فعلاً للاثنين، يجب أن يركّز الردّ على هذا

1 . التوبة:111.
2 . مصباح الأُصول:2/607، الطبعة الحديثة.
3 . شرح التصريف من كتاب جامع المقدمات: 74 .
4 . شرح الكافية :100.

صفحه 158
المعنى الّذي ذكره أئمّة الصرف لا على المعنى الّذي لم يذكروه.
أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال بالآيتين على ما اختاره من المعنى وإن كان صحيحاً، لكنّهما لا تدلاّن على خلاف ماهو المشهور بين الصرفيّين من قيام كلّ بالفعل.
أمّا الأُولى، فلأنّ الفعل استعمل بالإرادة الاستعمالية في فعل الاثنين بشهادة قوله سبحانه:(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ) 1 لكن تعلّقت الإرادة الجدّية على الخلاف وهو أنّ الله لا يكون مخدوعاً بخدعتهم ولكنّه من خصوصيات المورد، ولا تكون دليلاً على أخذها في الموضوع له. نظيره: نحن نصف الله سبحانه بكونه عالماً وقادراً بنفس المعنى الذي نصف زيداً أنّه كذلك مع أنّ البرهان دلّ على أنّ علمه عين ذاته بخلاف غيره، لكن خصوصية المورد لا تكون دليلاً على أخذها في الموضوع فالمتبادر من المشتق كونه زائداً على الذات وضعاً واستعمالاً.
وأمّا الآية الثانية، أعني قوله:(يُقاتِلُونَ) ، فلأنّ استعمال صيغة المفاعلة في مورد الجهاد إنّما هو بالنظـر إلى كيفيّة العمل، فإنّ القتال في ميادين الحرب كان قائماً بالطّائفتين، فئة مؤمنة وأُخرى كافرة، وإن كان القتال في سبيل اللّه مختصّاً بالطّائفة الأُولى دون الأُخرى، والأولى الاستدلال على المدّعى بما ذكرناه.
هذا حال المعنيين الأوّلين.
وأمّا المعنى الثالث ـ أعني: التفريق بالانتفاع في الضّرر، وعدم الانتفاع

1 . النساء:142.

صفحه 159
في الضرار ـ فيرد عليه أنّه إن أُريد منه ما لاينتفع به مطلقاً، لا روحياً ولا مالياً ولا غيره، فهو ممنوع، إذ لا وجه لأن يقوم به العاقل ويدخل الضرار على الغير ولاينتفع به أصلاً.
وإن أُريد خصوص عدم النفع المالي، ففيه أنّ النفع غير منحصر بالمالي، بل هو أمر أعم منه ومن النفسي والبدني والعرضي.
أضف إلى ذلك: أنّه من المحتمل أن يكون المراد من الاعتداء في قوله سبحانه: (وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) 1 هو الاعتداء المالي بتحليل مهورهنّ حتى يطلّقن، فقد استعمل الضرار لأجل تحصيل النفع المالي.
وأمّا المعنى الرابع ـ أعني: كونهما بمعنى واحد ـ فبعيد جدّا. مع أنّ الإمام (عليه السلام) يركّز في بعض الروايات على الضرار، ويقول في قصة الرأس والجلد:«إنّ هذا هو الضرار»، ولايقول:«هو الضرر»، وقد وصف القرآن الكريم عمل المنافقين بالضرار، وهذا يفيد أنّ الضرار يشتمل على ما لايشتمل عليه الضرر.
وأمّا المعنى الخامس، فهو الحقّ الذي لاريب فيه. وإن شئت فعبّر عن الضرار فيه: بالإضرار الصادر عن الشخص عناداً ولجاجة. ويؤيّده: قوله سبحانه: (وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلْغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنّ بِمَعْروف أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف وَلاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا)،(2) فإنّ لفظة (لِتَعْتَدُوا)تفسير «للضرار»2.

1 . البقرة:231.   2 . البقرة:231.
2 . قال الطبرسي في مجمع البيان :1/332، ط صيدا: أي لاتراجعوهنّ لا لرغبة فيهنّ، بل لطلب الإضرار بهنّ إمّا في تطويل العدّة أو بتضييق النفقة في العدّة.

صفحه 160
وقوله سبحانه: (وَالّذينَ اتّخذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَإرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاّ الحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ أنّهُم لَكاذِبُونَ).1
والآية تدلّ على أنّهم كانوا متعمّدين للإضرار.
ويزيده توضيحاً، رواية هارون بن حمزة الغنوي حيث طلب صاحب الدرهمين نحر البعير وأخذ الرأس والجلد، فوصفه الإمام(عليه السلام) بأنّه ضرار، لأنّ برء البعير صار سبباً لارتفاع قيمته السوقية، فيجب أن يستفاد منه في الركوب لا في الأكل.2
وروى في «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْـرَ مُضارّ)3، قال: إنّ الضرار في الوصية من الكبائر، والمراد هو الإيصاء بأكثر المال أو جميعه حتّى لايرث الوارث مطلقاً أو شيئاً قليلاً.4والرواية التي ذكرناها في توضيح قوله سبحانه:(وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا)تؤكّد ذلك. كما يؤكّده ما ورد فيه فعل ذلك المصدر، مثل«لاتضار»، فإنّه أيضاً بمعنى الإضرار عن عمد و عناد ولجاج.
وأمّا المعنى السادس، الذي هو مختار سيدنا الأُستاذ ، فقد قال في توضيحه:«إنّ الضرر والضر والإضرار وما يشتق منها، إنّما يستعمل في الضرر المالي والنفسي بخلاف الضرار، فإنّ الشائع من استعماله، هو استعماله في

1 . التوبة:107.
2 . لاحظ الحديث رقم 22 ممّا سردناه من الروايات الدالّة على القاعدة.
3 . النساء:12.
4 . لاحظ الحديث رقم 23.

صفحه 161
التضيق والحرج وإيراد المكروه وإيقاع الكلفة».1
يلاحظ عليه: أنّ عدم استعمال الضرار وما يشتق منه في المالي والنفسي بعيد.
أمّا الأوّل، فقد استعمل في حديث هارون بن حمزة الغنوي في الضرر المالي حيث قال لمن طلب الرأس والجلد:«ليس له ذلك، هذا الضرار، وقد أُعطي حقّه إذ أُعطي الخمس».(2) ويقرب منه قوله سبحانه:(وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) إذ من المحتمل أنّ الاعتداء عن طريق الإكراه على بذل مهورهن.
وأمّا الثاني ـ أعني: ما يشتق منه ـ فقد استعمل في الضرر المالي في قوله سبحانه:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْـرَ مُضارّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ) .2
فإنّ المراد من «المضارّة»، الاعتراف بدين ليس عليه، دفعاً للميراث عن الورثة.
كما هو كذلك في قوله سبحانه:(وَلا تُضارُّوهنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) 3 فإنّ المقصود هو الضرر المالي بشهادة قوله سبحانه في صدر الآية:(أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ).
قال الطبرسي: لاتدخلوا الضّرر بالتقصير في السكنى والنفقة والكسوة طالبين بالإضرار التضييق عليهنّ.4

1 . تهذيب الأُصول:2/461.   2 . لاحظ الحديث رقم 22.
2 . النساء:12.
3 . الطلاق:6.
4. مجمع البيان: 10 / 50، طبعة مؤسسة الهدى ـ قم، 1417 هـ .

صفحه 162

الجهة السادسة : في مفاد الهيئة التركيبية

قد اختلفت كلماتهم في بيان مفاد الحديث على وجوه خمسة:1

الأوّل: أنّ المراد نفي الأحكام الضرريّة

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ مفاد الهيئة هو نفي الأحكام الشرعية الضررية وأنّها غير مجعولة. والمراد نفي الحكم الناشئ منه الضرر، فيكون الضرر عنواناً للحكم لكونه معلولاً له في مقام الامتثال، فكلّ حكم موجب لوقوع العبد المطيع في الضرر، فهو مرتفع في عالم التشريع.
قال (قدس سره) في «الفرائد»: إنّ المعنى بعد تعذّر إرادة الحقيقة، عدم تشريع الشارع حكماً يلزم منه ضرر على أحد، تكليفياً كان أو وضعياً. فلزوم البيع مع الغبن يلزم منه ضرر على المغبون فينتفي بالخبر، وكذلك لزوم البيع من غير شفعة للشريك، وكذلك وجوب الوضوء على من لا يجد الماء إلاّ بثمن كثير، وكذلك سلطنة المالك على الدخول إلى عذقه وإباحته له من دون استئذان من الأنصاري، وكذلك حرمة الترافع إلى حكّام الجور إذا توقّف أخذ الحقّ عليه. ومنه براءة ذمّة الضار عن تدارك ما أدخله من الضرر، إذ كما أنّ تشريع حكم يحدث معه ضرر، منفي بالخبر، كذلك تشريع ما يبقى معه الضرر الحادث. بل يجب أن يكون الحكم المشروع في تلك الواقعة على وجه يتدارك ذلك الضرر كأن لم يحدث.2

1 . تشترك ثلاثة منها في كون النفي باقياً على معناه بخلاف الأخيرين فإنّه فيهما بمعنى النهي. نعم النفي في الثلاثة الأُولى على الحقيقة الادّعائية، كما ستعرف.
2 . فرائد الأُصول:314، من طبعة رحمة اللّه، و2/460 من الطبعة المحقّقة.

صفحه 163
وقال (قدس سره)في الرسالة المطبوعة في ملحقات المكاسب: الثالث: أن يراد به نفي الحكم الشرعي الذي هو ضرر على العباد، وأنّه ليس في الإسلام مجعول ضرري. وبعبارة أُخرى: حكم يلزم من العمل به، الضرر على العباد. مثلاً يقال: إنّ حكم الشرع بلزوم البيع مع الغبن ضرر على المغبون فهو منفي في الشريعة.
وعلى ذلك فلو أُريد من الهيئة التركيبية معناها الحقيقي، أعني عدم الضرر في الخارج، لزم الكذب. وإن أُريد معناها المجازي، إمّا من باب المجاز في الكلمة، أعني إطلاق المسبب (الضرر) وإرادة سببه (الحكم)، أو من باب المجاز في الإضمار، والتقدير:(لاحكم ضرري) فلا. وهو المطلوب.
وبالجملة: المراد من نفي الضرر في عالم التشريع، هو نفي الحكم الضرري. كما أنّ المراد من نفي الحرج، نفي الحكم الحرجي. فنفي الضرر عنوان لنفي الحكم الموجب له، فهو من قبيل نفي المعلول وإرادة نفي علّته. فتكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات، الدالّة بعمومها على تشريع الحكم الضرري، كلزوم العقود، وسلطنة الناس على أموالهم ووجوب الوضوء على واجد الماء.1

تحليل نظرية الشيخ الأعظم (قدس سره)

أقول: إنّ فقه الحديث يتوقّف على تعيين فاعل الضرر ومبدئه وأنّه هل هو الشارع بالنسبة إلى المكلّفين؟ أو الناس بعضهم إلى بعض؟
فلو كان الحديث مذيّلاً بلفظ «في الإسلام» لكان للاحتمال الأوّل وجه

1 . لاحظ رسالة « نفي الضرر» المطبوعة في ملحقات المكاسب:371.

صفحه 164
لولا تعارضه ببعض القرائن الدّالّة على الثّاني ـ كما ستعرف ـ وقد عرفت عدم ثبوته.
ولكن هناك قرائن تؤيّد وتثبت الوجه الثاني، وأنّ فاعله هو الناس، وأنّ المنفي هو الضرر الوارد من بعضهم على بعضهم الآخر، سواء استندوا إلى حكم الشارع من وجوب الوفاء للعقد، أو تسلّط الناس على أموالهم، أو لا، ففي كلا الصورتين الضرر منفي، والإطلاق محدّد بعدم الضرر، لاالضرر الوارد من جانب الشارع، وإذا ثبت ذلك كان الاستدلال به في الموارد التي يكون منشأ الضرر فيها حكم الشارع، كإيجاب الوضوء على المريض والصوم والحج على مَن يتضرّر بهما، بلا ملاك، لما عرفت من أنّ محط النظر في الرواية نفي الضرر الوارد من الناس لامن الشارع، والمنشأ للضرر في العبادات هو الأحكام الإيجابية. فلا يبقى للتمسّك بالقاعدة في أبواب العبادات أيّ مجال. وتتضيق الرواية، لامحالة، بما كان للناس دور في تحقّق الضرر، كالذي رأيته في حديث سمرة، ومسألة بيع الشريك سهمه من الغير، ومنع الماء. وأمّا إذا لم يكن لهم دور في تحقّقه، فالحديث منصرف عنه. وإليك القرائن التي تعيّـن الاحتمال الثاني:
1. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّك رجل مضار» أو «ما أراك إلاّ رجلاً مضارّاً»، فإنّه صغرى لقوله:«لاضرر ولاضرار». وعلى ذلك فالضار هو الرجل لاالشارع ولا حكمه. والقول بأنّه اعتمد في إضراره على إطلاق دليل الشارع:سلطنة الناس على أموالهم، كما ترى. بل كان معتمداً على قوّته وتجبّره.
2. إنّ الضرار، كما عرفت، بمعنى الإضرار العمدي الناشئ عن لجاج وعناد. ولايحتمل أبداً أن يكون الشارع المقدّس مبدئاً لهذا النوع من الضرر

صفحه 165
بأحكامه وإنشاءاته ، حتّى يكون الحديث بصدد نفيه.
3. قد عرفت أنّ حديث منع فضل الماء لمنع فضل الكلاء، كان معلّلاً بحديث: لاضرر ولاضرار. وهذا يوضح كون مبدأ الضرر هو الناس، وأنّ الحديث بصدد ردّ مثل هذا.
وعلى ذلك، فالاستدلال بالحديث في الموارد الّتي ليس للنّاس فيها في تحقّق الضرر كالعبادات المحضة، غير تامّ 1. وأمّا الاستدلال به في أبواب المعاملات كدفع لزوم المعاملة في الغبن، وإثبات الضمان في الإتلاف، فسيجيء البحث عنه.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً يتوجّه على مختار الشيخ وهو: أنّ نفي الأحكام الضرريّة لايجتمع مع وجودها في الإسلام كالحدود و الديات والغرامات والضمانات، والضرائب الإسلاميّة كالخمس والزكاة، وإتلاف الملاهي وآلات الطّرب، وإراقة الدّهن النّجس والمرق، إلى غير ذلك من الأحكام الضرريّة الكثيرة. وسيوافيك البحث عن هذا في التنبيه الثالث.

الثاني: أنّ المراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المقام من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه وأنّ الغاية هي التأكيد على أنّ الموضوع الضرري لا حكم له.
وحاصله: أنّ النفي ليس بمعنى النهي، بل هو بمعناه الحقيقي لكن لا من باب نفي الحكم ابتداءً ومباشرة كما عليه الشيخ الأنصاري، بل من باب نفي

1 . نعم يبقى استدلال المتقدّمين والمتأخّرين بها في جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وهو يؤيّد هذا الفهم الواضح من القاعدة ومداركها.

صفحه 166
الموضوع استعمالاً لغاية نفي الحكم جدّاً نظير قوله: لا شكّ لكثير الشكّ، أو لا ربا بين الوالد والولد، أو بين الزوج والزوجة. فلا شكّ أنّ الإخبار عن عدم الشكّ في كثيره أو عن عدم الربا بين الطرفين كاذب في نفسه وإنّما يصحّحه كون الهدف من نفيهما نفي أثرهما لا نفي أنفسهما.
قال (قدس سره) في الكفاية: إنّ الظاهر أن يكون «لا» لنفي الحقيقة، كما هو الأصل في هذا التركيب، حقيقة أو ادّعاءً، كناية عن نفي الآثار كما هو الظاهر من مثل«لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد». و«يا أشباه الرجال ولا رجال». فإنّ قضية البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادّعاءً لا نفي الحكم1 أو الصفة2. ونفي الحقيقة ادّعاءً بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداءً مجازاً في التقدير أو في الكلمة كما عليه الشيخ ـ إلى أن قال: ـ ثمّ الحكم الذي أُريد نفيه بنفي الضرر، هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها أو المتوهّم ثبوته بها كذلك في حال الضرر لا الثابت له بعنوانه لوضوح أنّه العلّة للنفي، ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه وينفيه بل يثبته ويقتضيه.
وحاصل الفرق بين النظريتين هو أنّ منشأ الضرر عند الشيخ الأعظم هو الحكم الضرري فنفي الضرر لغاية نفي الحكم، و لكن مبدأه عند المحقّق الخراساني هو الموضوع الخارجي المشتمل على الضرر، المنطبق عليه عنوانه كالوضوء الضرري، فينفى الموضوع (الوضوءالضرري) لغاية نفي حكمه.
والحاصل: أنّ نفي الموضوع تارة يتحقّق لأجل انتفاء الوصف كما في

1 . في قوله: «لا صلاة لجارالمسجد»، والأولى أن يمثّل بقوله: لا صلاة إلاّ بطهور.
2 . في قوله: «يا أشباه الرجال...»

صفحه 167
قوله: «يا أشباه الرجال و لا رجال» فإنّ حقيقة الرجوليّة متمثّلة في البسالة والشجاعة، و من فقدهما فقد حقيقتها فيصح أن يقال: لا رجال. وأُخرى بانتفاء الحكم كما في المقام فإنّ الموضوع الضرري إذا فقد حكمه من الوجوب أو الحرمة فكأنّه ليس بموجود.
و لمّا كان بيان الشيخ غير موافق لأُسلوب البلاغة عدل المحقّق الخراساني إلى هذا البيان، وهو أنّ الحديث من باب نفي الموضوع الضرري لغاية نفي الحكم، و كم له من نظير مثل قوله: «لا شكّ لكثيرالشكّ» أو قوله: «لا ربا بين الوالد و الولد» و كالمثالين السابقين. و بذلك يظهرالفرق بين البيانين1.
لا يخفى وحدة النظريتين جوهراً، وإن اختلفتا في مبدأ الضرر. ونتيجتهما واحدة، وهي: تحديد الأحكام الشرعية بنفي شمولها لحالة الضرر عبادياً أو معاملياً، إلاّ أنّ طريق الاستفادة مختلفة، فذهب الشيخ إلى أنّ المنفي ابتداءً أوّلاً وبالذات هو الحكم، إمّا من باب المجاز في الكلمة حيث أطلق المسبّب وأُريد السبب(الحكم)، أو من باب الإضمار بتقدير كلمة «الحكم». وبما أنّ هذا الأُسلوب لايوافق البلاغة، بل يوجب خروج الكلام عن طورها كما حرّر في محلّه، سلك المحقّق الخراساني ـ للوصول إلى مقصد الشيخ ـ

1 . نعم تظهر الثمرة بين القولين أي: الثاني (نظريّة المحقّق الخراساني) والأوّل (نظريّة الشيخ الأنصاري) في كلّ مورد لايكون موضوع الحكم ضرريّاً ولكن نفس الحكم يكون ضرريّاً (وبعبارة أُخرى) يكون الضرر مسبّباً عن نفس الحكم كما ربّما تكون المعاملة الغبنيّة كذلك، فإنّ الضرر يأتي من قبل لزوم المعاملة لا من نفس المعاملة، إذ عليها أساس الحياة، واللّزوم حكم شرعي(ففي جميع) هذه الموارد بناءً على القول الثاني لاحكومة لقاعدة لاضرر على الأدلّة الأوّليّة بخلاف القول الأوّل، إذ تكون حاكمة عليها.

صفحه 168
طريقاً آخر وهو نفي الموضوع وإرادة نفي الحكم كما في «لاشكّ لكثير الشكّ» أو نفي الصفة كما في «يا أشباه الرجال ولارجال»، فإنّ حقيقة الرجوليّة متمثّلة في البسالة والشجاعة، ومَن فقدهما، فقد حقيقتها، فيصح أن يقال:«لارجال». ومثله المقام، لأنّ منشأ الضرر هو الحكم والتشريع، فصحّ نفي الضرر بالحقيقة الادّعائية لأجل نفي منشئه و أساسه، وهو الحكم . وعلى كلّ تقدير فالنتيجة واحدة، وإن كان طريق الوصول إليها مختلفاً.

تحليل نظرية المحقّق الخراساني (قدس سره)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ فيما إذا كان الموضوع المنفي ذا أثر شرعي كالشكّ والربا، وأمّا المقام ـ أعني: الضرر ـ فليس كذلك إذ ليس الضرر بما هو هو موضوعاً لحكم شرعي إلاّ الحرمة، ومن المعلوم أنّه لايصحّ نفيه وطرحه. وما ذكره في ذيل كلامه من أنّ الحكم الذي أُريد نفيه بنفي الضرر، هو الحكم الثابث للأفعال بعناوينها... خروج عن البحث، لأنّ نفي الضرر يصحّ أن يكون كناية عن نفي حكم نفسه، لا عن حكم الوضوء والبيع في حال الضرر كما هو المدّعى، لأنّ الضرر في الموردين ليس موضوعاً بل يعد من أحوالهما وأطوارهما.
وبالجملة، فرق واضح بين «الشكّ» ونفس «الضرر»، لأنّ الأوّل موضوع حكم، كالربا، فيصح نفيهما لغاية نفي حكمهما. بخلاف الضرر، فإنّه موضوع لحكم واحد وهو الحرمة ولا يمكن نفيها بضرورة الفقه والعقل. ونفي وجوب الوضوء أو لزوم البيع في حال الضرر، ليس نفياً إلاّ لحكم الوضوء والبيع، وهما ليسا موضوعين في الحديث، بل الضرر من أطوارهما وأحوالهما، ولم يتعارف نفي الحالة وإرادة نفي حكم ذي الحالة كما لايخفى.

صفحه 169
نعم لو كان المنفي في لسان الشارع هو الفعل الضرري كان لما ذكره وجه.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الضرر كالخطأ والنسيان في حديث الرفع حيث إنّ الجميع عناوين لأفعال المكلّف، فكما أنّ رفعهما فيه، بمعنى رفع الفعل الصادر عن خطأ ونسيان بما للفعل من الحكم بما هو هو فهكذا المقام، فرفع الضرر، كناية عن رفع الفعل الضرري بما للفعل من الحكم بما هو هو.
فكما أنّ رفع الخطأ والنسيان لايرفع نفس الحكم المتعلّق بنفسهما من الكفّارة وسجدة السهو، فهكذا في المقام لايرتفع حكم نفس الضرر ـ أعني: الحرمة ـ بل يرتفع حكم الفعل الثابت له بما هو هو في حال الضرر.
والحاصل: أنّ الوضوء مثل القتل، والضرر في الأوّل عنوان للفعل كالخطأ الذي هو عنوان للقتل. فكما أنّ رفع الخطأ ليس بمعنى رفع حكم الفعل الصادر منه عن خطأ فهكذا في المقام، وليس المقصود نفي حكم نفس الضرر، بل حكم الفعل الحامل للضّرر.

الثالث: أنّ المنفي هو الضرر غير المتدارك

ذهب بعض الفحول1 إلى أنّ المراد نفي الضرر المجرّد عن التدارك، فكما أنّ ما يحصل بازائه نفع لايسمّى ضرراً، كدفع مال بإزاء عوض مساو له أو زائد عليه، كذلك الضرر المقرون بحكم الشارع بلزوم تداركه فإنّه نازل منزلة عدم الضرر وإن لم يسلب عنه مفهوم الضرر بمجرّد حكم الشارع بالتدارك. فالمراد نفي وجود الضرر المجرّد عن التدارك.
فإتلاف المال بلا تدارك:

1 . قال في الوافية: 149: بل الظاهر أنّ المراد نفي الضرر من غير جبران حسب الشرع.

صفحه 170
1. ضرر على صاحبه، فهو منفي. فإذا وجد في الخارج فلابد أن يكون مقروناً بلزوم التدارك.
2. وكذلك تمليك الجاهل بالغبن ، ماله بإزاء ما دون قيمته من الثمن، ضرر عليه، فلايوجد في الخارج إلاّ مقروناً بالخيار.1

تحليل هذه النظريّة

لمّا كانت القاعدة ناظرة إلى الخارج بشهادة قضيّة سمرة، وكان الخارج مليئاً بالضرر، فتدارك مثل هذا لايكون بالجعل والتشريع بل بالعمل الخارجي، فإتلاف مال الغير ضرر خارجي وتداركه بدفع المثل أو القيمة، لاالحكم بأنّه يجب عليه دفع أحد الأمرين. وهذا ما أشار إليه الشيخ الأعظم في رسالته بقوله:«إنّ الضرر الخارجي لاينزل منزلة العدم بمجرّد حكم الشارع بلزوم تداركه». والحاصل: أنّ الضرر إن اتّفق تداركه، يمكن تنزيله منزلة ما لم يوجد، وأمّا إذا لم يتعقّبه فلاوجه لتنزيله منزلة العدم بمجرّد حكم الشارع بوجوب تداركه. وإن شئت قلت: الضرر المتدارك، غير الضرر المحكوم بوجوب التدارك.
والظاهر وجاهة الإشكال، فإنّ الضرر لو كان فعلاً للشارع لصحّ الحكم بعدمه بحكم الشارع بجبره وتداركه. وأمّا إذا كان فعل المكلّف، فلايصح تداركه بحكم الشارع، فإنّ المتدارك به يجب أن يكون من سنخ المتدارك. فلو حكم الشارع بجواز قتل الرجل إذا قتل امرأة، فإنّه يتدارك بإيجاب دفع أولياء المرأة نصف الدية إلى ورثة الرجل; أو حكم بقتل العشرة المشتركين في قتل

1 . لاحظ: رسالة نفي الضرر للشيخ الأعظم الأنصاري.

صفحه 171
واحد، فإنّه يتدارك مثله بإيجاب دفع تسعة أعشار الدية إلى ورثة كلّ واحد. وأمّا إذا كان الضرر من المكلّف، فلايتدارك مثله بحكم الشارع وإنشائه.
نعم، لو كان النفي ناظراً إلى عالم التشريع فقط كان لما ذكره وجه، ولكنّه خلاف الظاهر حيث ورد ردّاً لعمل سمرة كما عرفت.
أضف إليه: أنّ ذلك المعنى لايفي بما هو المتعارف بين المتأخّرين من التمسّك به في باب العبادات، إذ ليس في الأمر بالوضوء الضرري أو الحج الضرري، أي تدارك، فيلزم عدم صحّة التمسّك به في تلك الأبواب.
***
إلى هنا تمّت النظريات الثلاث المشتركة في حمل الهيئة التركيبية على النفي دون النهي وتصحيح الاخبار عن عدم الضرر بوجه من الوجوه.
وهناك نظريتان مبنيّتان على كون النفي بمعنى النهي.
إحداهما: ما نقلها الشيخ في الرّسائل وأوعز إليها المحقّق الخراساني
في «الكفاية»، واختارها شيخ الشريعة الاصفهاني1 في رسالته التي عملها

1 . هو الشيخ فتح اللّه بن محمّد جواد الاصفهاني الملقّب بشيخ الشريعة، ولد سنة 1266 وتوفّي 1339هـ ، وهو فقيه إماميّ ، من كبار المشاركين في ثورة العراق الأُولى ضد الاحتلال البريطاني. أصله من شيراز، من أسرة تعرف بالنّمازيّة، ومنشأه باصبهان. تفقّه وقرأ علوم العربيّة. وانتقل إلى النجف فانتهت إليه رئاسة علمائها.
وبرز اسمه في ثورة العراق أيّام الاحتلال البريطاني (سنة 1920م) وتناقل الناس ما أصدره من الفتاوى فيها. وكان في بدئها عوناً لآية اللّه «محمّد تقي الشيرازي» وبوفاة الشيرازي (سنة 1338 هـ) انتقلت إليه الزعامة وانتقل مركز القيادة من كربلاء إلى النجف. وتوفّي الاصبهاني بالنجف. له في فقه الإماميّة رسالة في «إرث الزوجة من ثمن العقار» ورسائل أُخرى وحواش.
راجع كتاب الأعلام، خير الدين الزّركلي :5 /135; ومقدمة كتاب في أحكام الخيار لوالد شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ وقد كان والده من تلاميذه الخاصة به.

صفحه 172
في تبيين معنى القاعدة.
ثانيتهما: نظريّة السيّد الأُستاذ(قدس سره) 1 حيث جعل النفي بمعنى النهي وحمله على النّهي السلطاني الشرعي.
وإليك بيان كلتيهما:

الرابع: أنّ النفي بمعنى النهي

ذهب شيخ الشريعة إلى أنّ النفي في المقام بمعنى النهي عن الضرر، وله أشباه ونظائر في الكتاب والسنّة، منها قوله تعالى:
(الحجُّ أشْهُرٌ مَعْلوماتٌ فَمَنْ فرضَ فيهنَّ الحَجَّ فَلارَفَثَ وَلافُسُوقَ وَلاجِدالَ في الحجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوّدُوا فَإنّ خَيْرَ الزّادِ التَقْوى وَاتقونِ يا أُولي الألبابِ) .2
أي: أنّ أشهر الحجّ، أشهر معلومات وأشهر موقتة لا يجوز فيها التبديل والتغيير، (فَمَنْ فرضَ فيهنَّ الحَجَّ): أي فمن أحرم فيهنّ بالحجّ، (فَلارَفَثَ):أي لاجماع، (وَلافُسُوقَ)، أي لاكذب أو المعاصي كلّها، (ولا جِدالَ فِي الحَجِّ).
وقوله تعالى: (فَاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لامِساسَ وَإنّ لَكَ مَوعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُر إلى إلهِكَ الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكفاً لَنُحَرِّقنَّهُ ثُمّ لَنَنْسِفنّهُ في اليَمِّ نَسْفاً) .3
قال الطبرسي: المساس على وزن «فعال» من المماسة. ومعنى

1 . وهو آية اللّه العظمى الإمام الخميني (قدس سره) .
2 . البقرة:197.
3 . طه:97.

صفحه 173
لامساس، لا يمس بعضنا بعضاً. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لايمسّ أحداً ولايمسّه أحد. عاقبه اللّه تعالى بذلك، وكان إذا لقي أحداً يقول: لامساس. أي لاتقربني ولاتمسّني.1
وأمّا السنّة فقد ذكر نماذج ممّا استعمل فيها النفي بمعنى النهي. مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاإخصاء في الإسلام ولابنيان كنيسة».2 و«لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق».3 و«لاغش بين المسلمين».4
وبذلك أبطل قول صاحب الكفاية، حيث قال ردّاً على هذا القول: إنّ النفي بمعنى النهي وإن كان ليس بعزيز إلاّ أنّه لم يعهد في مثل هذا التركيب»، وقال: إنّ الأذهان الفارغة لاتسبق إلاّ إلى هذا الوجه. ثمّ أيّد رحمه اللّه مقاله بما ورد في رواية عبد اللّه بن مسكان عن زرارة:«... فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك رجل مضار ولاضرر ولاضرار على مؤمن»، فإنّ هذا الكلام بمنزلة صغرى وكبرى هما:إنّك رجل مضار، والمضارة حرام. والكبرى، كما ترى مناسبة للصغرى بخلاف ما لو أُريد غيره من المعاني الأُخرى فإنّ المعنى يصير: إنّك رجل مضار، والحكم الموجب للضرر منفي، أو الحكم المجعول منفي في صورة الضرر. وهذا ممّا لاتستسيغه الأذهان المستقيمة.
وبعد أن استشهد (رحمه الله) بكلمات أئمّة اللغة، ومهرة الحديث، حيث فسّروا الحديث بالنهي، قال: إنّ المدّعى هو أنّ حديث الضرر يراد منه إفادة النهي عنه

1 . مجمع البيان :7/28.
2. سنن البيهقي:10/24.
3. نهج البلاغة:4/41، باب الحكم برقم 165.
4. سنن الدارمي:2/248، باب في النهي عن الغش.

صفحه 174
سواء كان هذا باستعمال التركيب في النهي ابتداءً، أو أنّه استعمل في معناه الحقيقي وهو النفي ولكن لينتقل منه إلى إرادة الغير... إلى أن قال: فالمدّعى أنّ الحديث يراد به إفادة النهي، لانفي الحكم الضرري ولانفي الحكم المجعول للموضوعات عنه.1

تحليل نظرية شيخ الشريعة(قدس سره)

ما ذكرناه هو خلاصة كلامه (قدس سره) ، وقد بالغ في تحقيق مرامه. وما ذكره (قدس سره)أوضح ممّا ذكره العلمان ولكنّه أيضاً غير متعيّن بل لايخلو من إشكال.
أمّا أوّلاً: فإنّ بعض الأمثلة التي ذكرها ليس النفي فيها بمعنى النهي، حتّى قوله سبحانه:(فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ ولا جِدالَ فِي الحَجِّ) بل هو باق على معناه ، ولم يرد منه النهي لاابتداءً، ولاانتهاءً بأن يستعمل في النفي ابتداءً لينتقل به إلى النهي. وإنّما استعمل في هذه النماذج في النفي وإن كان الغرض الأعلى
منها هو النهي. ولكن كون النهي غاية عليا غيركونه مستعملاً فيه ابتداءً أو انتهاءً.
وبالجملة: أنّ شيخ الشريعة اختار كون النفي بمعنى النّهي وانّه إمّا استعمل فيه ابتداءً على نحو المجاز، مثل قوله:«زيد أسد» أو استعمل في النفي ابتداءً لينتقل المخاطب منه إلى النّهي على نحو الكناية مثل قوله:«زيد
كثير الرماد» حيث استعمل في معناه اللغوي للانتقال منه إلى لازمه وهو الجود.

1 . راجع رسالة: قاعدة لاضرر، العلاّمة شيخ الشريعة الاصفهاني(قدس سره)ص24ـ28، ط مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة ـ ايران.

صفحه 175
هذا، مع أنّ مقتضى البلاغة التحفّظ على كون النفي بمعناه، لابمعنى النهي وإلاّ لنزل الكلام من ذروة البلاغة إلى حضيض الكلام العادي.
بيان ذلك في قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ ولا جِدالَ فِي الحَجّ) ، أنّ شدة علاقة الشارع بطهارة محيط الحجّ عن هذه الأُمور الثلاثة دفعه إلى الإخبار عن خلوه منها. وهذا كثير في المحاورات العرفية. ألا ترى أنّ الرجل يقول لزوجته أو صاحبه: «لا كذب ولا خيانة» وذاك أنّ رغبته بطهارة حياته العائلية أو الاجتماعية من الكذب والخيانة، ألجأه إلى الإخبار عن عدم وجودهما. كما أنّ رغبة الأب إلى صلاة ابنه تدفعه بدل الأمر بها، إلى الإخبار عنها فيقول في محضره:«ولدي يصلّي»، مع أنّ الغاية في جميع ذلك هو النهي أو الأمر. وهذا غير القول بأنّ النفي مستعمل في الآية وأمثالها في النهي ابتداءً، أو في النفي لينتقل إلى إرادة النهي. ولأجل ذلك لو جعلنا مكان «لا» لفظة «ليس» وقلنا:(ليس في الحج رفث ولافسوق ولاجدال)، كانت الجملة صحيحة ومتّزنة.
وثانياً: أنّ استعمال الهيئة في النفي ليس بأقلّ من استعمالها في النهي بأحد الوجهين، لاحظ الجمل التالية:«لا بيع إلاّ في ملك»، «لا عتق إلاّ في ملك»، «لا طلاق إلاّ على طهر»، «لا يمين للولد مع والده»، «لا يمين للمملوك مع مولاه ولاللمرأة مع زوجها»، «لارضاع بعد فطام»، «لا نذر في معصية اللّه»، «لايمين للمكره»، و«لارهبانية في الإسلام» وغير ذلك، تجد أنّه لايصحّ فيها إلاّ إبقاء النفي على معناه.
ولك أن تقول: إنّ ما يقع بعد النفي إذا كان مناسباً للحكم الوضعي ـ كما في هذه الأمثلة ـ، فالصيغة متعيّنة في النفي، وأمّا غيره فهو محتمل للوجهين.

صفحه 176
وثالثاً: أنّ حمل الصيغة على النهي لا يصحّ في حديث الشفعة حيث إنّ القاعدة جاءت علّة لجعلها، حيث قال:«فقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن». وقال: «لاضرر ولاضرار». وقال: «إذا أرفت الأُرف وحدّت الحدود فلا شفعة» فالقضاء بالشفعة من فعل الشارع ولامعنى لتعليله بحرمة إضرار الناس بعضهم ببعض، بل يناسب نفي الضرر عن محيط التشريع.
وما ذكره (رحمه الله) من أنّ أئمّة اللغة فسّروه بالنهي، فهو صحيح، لكن لم يعلم كونهم في مقام بيان المستعمل فيه. بل يحتمل أنّهم كانوا في مقام بيان مقاصد الحديث ومراميه، سواء كان النفي مستعملاً في النفي أو في النهي.
وعلى كلّ تقدير، فشكر اللّه مساعي المحقّق شيخ الشريعة، فقد جاء في تحقيق مفاد الحديث وسنده وما يرجع إليهما بأبحاث مفيدة لاتوجد في غير رسالته. وما أوردناه على نظريته لا ينقص من مكانته العلمية السامية.

الخامس: أنّ النفي بمعنى النهي والنهي مولوي سلطاني لامولوي إلهي

ذهب سيّدنا الأُستاذ(قدس سره)إلى أنّ النفي بمعنى النهي، لكن ليس النهي المستفاد منه حكماً شرعياً إلهيّاً كالنّهي عن الغصب والكذب، بل النهي حكم مولوي سلطاني ناجم عن كون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حاكماً وسلطاناً على الأُمّة. وقد أوضح نظريته بترتيب مقدّمات وبيان أُمور نأتي بملخّصها.
الأوّل: أنّ للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مقامات ثلاثة:
1. النبوّة والرسالة، 2. الحكومة والسياسة، 3. القضاء وفصل الخصومة.
فبما أنّه نبيّ ورسول، يبلّغ أحكام اللّه سبحانه حقيرها وجليلها حتّى أرش الخدش.

صفحه 177
وبما أنّه حاكم، يسوس العباد في البلاد ويقوم بشؤون الحكومة في حفظ الثغور وبعث الجيوش، وجباية الصدقات، وعقد الاتّفاقيات مع رؤوس القبائل والبلاد.
وبما أنّ له منصب القضاء، يقوم بفصل الخصومات والقضاء بين المتداعيين على الضوابط الشرعية. ولكلّ من هذه المناصب أحكام وشؤون معيّنة.
وإلى المنصب الأوّل يشير قوله سبحانه: (الّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ وَ يَخْشَونَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً)1. وليس للرسول الكريم في هذا الموقف أمر ولانهي وإنّما هو مذكّر، ليس عليهم بمسيطر، وظيفته الإبلاغ والبيان.
وإلى المنصب الثاني يشير قوله سبحانه:(وَ ما كانَ لِمُؤْمِن وَ لا مُؤمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)2 والمراد من القضاء، والأمر والنهي اللّذان يناسبان مقام الإمارة والسلطنة الموهوب له من اللّه تعالى فبعد تنصيبه في هذا المقام يصدر أمره ونهيه حسب المصالح، ويجب على الأُمّة طاعته، لا القضاء الشرعي وفصل الخصومات بالإيمان والبينات.
والآية ناظرة إلى تزويج زينب من زيد حيث خطبها رسول الله على مولاه زيد بن حارثة. ورأت أنّه يخطبها على نفسه، فلما علمت أنّه يخطبها على زيد أبت وأنكرت وقالت: أنا ابنت عمّتك فلم أكن لأفعل، وكذلك قال

1 . الأحزاب:39.
2 . الأحزاب:36.

صفحه 178
أخوها عبد الله بن جحش، فنزل:(وَ ما كانَ لِمُؤْمِن وَ لا مُؤمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) فلمّا نزلت الآية قالت: رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكذلك أخوها.1
والأمر هنا أمر ولائي، ولذلك عُطف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على الله.
وإلى المنصب الثالث يشير قوله سبحانه:(فَلا وَ رَبِّكَ لايُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً). (2)
فهذه المقامات الثلاثة ثابتة للنبيّ الأكرم بهذه النصوص القرآنية. ثمّ إنّها قد تجتمع في غيره (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد تفترق، قال سبحانه:(وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ )2، فكان لطالوت الحكم والسلطة فقط دون النبوّة والرسالة، لمصلحة وقتية اقتضت ذلك.
الثاني: كلّما ورد في الأثر الصحيح أنّ الرسول أمر بشيء أو حكم أو قضى به، فالظاهر منه أنّ هذه الأحكام صدرت منه بما له من منصب السلطة والحكم لا بما أنّه رسول مبلّغ لأحكام اللّه ورسالاته، إذ ليس له في هذا الموقف أمر ولا نهي ولا حكم ولا قضاء فكيف يصحّ له أن يأمر وينهى؟ ولأجل ذلك ترى أمثال هذه التعابير في حياة الرسول والوصي دون سائر الأئمّة، لأنّ الظروف لم تسمح لهم باعتلاء منصّة الحكم وسدة القضاء

1. مجمع البيان:8/177.   2 . النساء:65.
2 . البقرة:247.

صفحه 179
فانحصرت وظيفتهم (عليهم السلام)في التبليغ والبيان دون الحكم والقضاء.
الثالث: أنّ السابر في الروايات يرى نماذج وافرة من أحكام الرسول السلطانية وأقضية مبثوثة في مختلف الأبواب.
روى الكليني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في آداب الجهاد قال: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول: سيروا باسم اللّه وباللّه وفي سبيل اللّه وعلى ملّة رسول اللّه، لاتغلوا، ولاتمثّلوا، ولاتغدروا، ولاتقتلوا شيخاً فانياً، ولاصبياً، ولاامرأة، ولاتقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها».1
وروى أيضاً في حديث عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)كان يأمر في كلّ موطن لقينا فيه عدونا فيقول: «لاتقاتلوا القوم حتى يبدأوكم، فإنّكم بحمد اللّه على حجّة، وترككم إيّاهم حتى يبدأوكم حجّة أُخرى لكم، فإذا هزمتموهم، فلا تقتلوا مدبراً ولاتجهزوا على جريح ولاتكشفوا عورة ولاتمثّلوا بقتيل».2
إلى غير ذلك من الروايات الحاكية عن الأحكام الصادرة عن منصبي الحكم والقضاء. ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى أبواب القضاء والجهاد والإحياء.
إذا عرفت ذلك نقول: إنّ هنا ما يدل على أنّ «لاضرر ولاضرار» صدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)لا بما أنّه حكم إلهي كسائر الأحكام الواردة عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ; بل حكم سلطاني صدر عنه بما أنّه سائس الأُمّة وحاكمها لأجل

1 . الوسائل: 11، الباب 15 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث2.
2 . الوسائل: 11، الباب 33 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث1.

صفحه 180
قطع دابر الفساد وقلع جذوره. وإليك ما يدلّ عليه:
1. قـد نقـل ابن حنبل في مسنده قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار» ضمن أقضيته البالغة نيفاً وعشرين، رواها عن عبادة بن الصامت حيث قال: «وقضى لاضرر ولاضرار». وبما أنّ المقام ليس من موارد القضاء، إذ لم يكن هناك جهل بالحكم ولا جهل بالموضوع، فلايصحّ حمله على القضاء وفصل الخصومات ويتعيّن حمله على أنّه حكم سلطاني صدر عنه لأجل دفع الفساد. ومفاده أنّه حكم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن لايضر أحد أحداً، ولا يجعله في ضيق ولا حرج ومشقّة. فيجب على الأُمّة طاعة هذا النهي المولوي السلطاني لأنّه حكم السلطان المفروضة طاعته.
2. أنّ الناظر في قضيـة سمرة وما ورد فيها من الروايات يقف، على أنّ الأنصاري التجأ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا وقع في الضيق والحرج، واستنجد به واستنصره، ولم يلجأ إليه إلاّ بما أنّه سلطان ورئيس، وحاكم ومقتدر، يقدر على دفع شر المعتدي وضرره. فأحضره رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وذكر له شكوى الأنصاري، فلمّا تأبّى عن الطاعة أمر بقلع الشجرة وحكم بأنّه لايضر أحد أخاه في حمى سلطانه وحوزة حكومته. فليس المقام مناسباً لبيان حكم اللّه، وأنّ الأحكام الواقعية الضررية ليست مجعولة، أو أنّ الموضوعات الضررية مرفوعة الحكم، أو أنّ الحكم الإلهي هو أن لايضرّ أحد أحداً، فإنّ كلّ ذلك ليس مربوطاً بما دار بين الرسول وسمرة.
فالصادر عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا المقام هو حكم سلطاني مفاده أنّ الرعية ممنوعة عن الضرر والضرار بعضها ببعض، دفاعاً عن المظلوم وحفظاً للنظام.1

1 . تهذيب الأُصول :2/481ـ489، مع تصرّف يسير.

صفحه 181

تحليل نظرية السيّد الأُستاذ

لايخفى أنّ في ما ذكره (قدس سره)نظر، من جهات:
أمّا أوّلاً: فإنّ منصب الحكم وإن كان لاينفك عن نصب وعزل وأمر ونهي مع وجوب طاعة الناس لما يصدر عنه، إلاّ أنّ الأوامر المناسبة لذاك المنصب هي الأوامر التي تصدر بصورة جزئية ولاتدخل تحت ضابطة، وتختلف صورها باختلاف الظروف، كعزل وال ونصب آخر مكانه، وما يرجع إلى كيفيات القتال، وحبس المتّهم أو إطلاقه، وعقد اتّفاقيّة مع قوم أو نقضها، وكتقسيم أراضي بني النضير بين المهاجـرين، إلى غير ذلك من الأُمور التي يلزم تنفيذها حفظاً للأحكام الكلّية الإلهيّة وصيانة لها. وبما أنّ تلك الأحكام المزبورة لاتدخل تحت ضابطة خاصّة، وربّما تقتضي المصلحة الأمر بالشيء وأُخرى النهي عنه، و قد جاء الوحي الإلهي ملزماً بتنفيذ ما أتى الرسول به وما نهى عنه قائلاً:(وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)1، فالمولى سبحانه فوّض حكم تلك الموارد الجزئية إلى ولي الأمر لا بصورة فوضوية، بل في إطار مصلحة الأُمّة مع عدم مخالفة ما يأمر وينهى للأحكام الكليّة الشرعية. وقوله سبحانه:(وَ ما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)،(2) راجع إلى القضاء في هذه الموارد.
وأمّا الأحكام الكلّية، كالنهي عن الضرر والضرار، والحرج والمشقّة، التي لاتختصّ بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان، حيث إنّ الإضرار قبيح والإيقاع في الحرج لايوافق الفطرة، ففي مثلها يكون الحكم إلهياً ناشئاً من ملاحظة المصالح والمفاسد الكلّية دون الوقتية والزمنية، لاحكماً سلطانياً

1 . الحشر: 7.   2 . الأحزاب:36.

صفحه 182
صادراً عن المنصب الموهوب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويؤيد ذلك: أنّ في قصة سمرة أحكاماً سلطانية لها طابع الجزئية والوقتية، كأمره بالاستئذان وقلع النخلة ورميها في وجهه، صدرت لحفظ الحقوق أو لقلع جذور الفساد. وأمّا قوله:«لاضرر» فهو حكم إلهي له طابع الكلّية والدوام وهو المصحّح للأوامر السلطانية الجزئية.
وثانياً: أنّ الأوامر السلطانية إنّما تتعلّق بموضوعات ليست لها أحكام شخصية بسبب جزئيتها، وأمّا الموضوعات التي قد سبق من الشارع جعل الحكم لها وتحريمها فلامعنى لجعل حكم سلطاني عليها. وهذا كالضرر، فقد عرفت تضافر آيات الكتاب وروايات السنّة على حرمتها. وعلى ضوء هذا، ينسبق إلى الذهن، أنّ الرسول الكريم كان بصدد الإشارة إلى الحكم المعلوم المتضافر.
وثالثاً: أنّ ما ذكره لايصحّ في حديث الشفعة، فإنّ الظاهر من توسيط قوله:«لاضرر ولاضرار» بين الكلامين أنّ هذه القاعدة الإسلامية صارت سبباً لتشريع حقّ الشفعة للشريك، ولم يكن في البين أيّة أرضية صالحة لصدور حكم سلطاني، وإنّما قضى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة بين الشركاء دفعاً للضرر والضرار.
أضف إلى ذلك: أنّ تفسير النفي بالنهي خلاف المتبادر في هذه الموارد كما لايخفى.1

1 . ويضاف إلى ما ذكره شيخنا في تحليل كلام أُستاذه، بأنّه لو سلّم اندفاع جميع الإشكالات الّتي ذكرها حول تلك النّظريّة، فإنّها تقبل إذا كانت أدلّة القاعدة منحصرة بقضيّة سمرة وحديث أقضية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)المروي عن عبادة بن الصّامت. ولكن حيث أثبتنا في بحث «الضّرر والضّرار في الروايات» عدم انحصارها بهما وإنّ هناك عشرات الأحاديث قد وردت في عشرات المجالات من العبادات والمعاملات، وكلّها تشير إلى مضمون القاعدة ولم يوجد في أكثرها رائحة الأوامر والنّواهي السّلطانية، فلايبقى مجال لقبول تلك النّظريّة.

صفحه 183
إلى هنا ظهرت حقيقة الآراء والنظريات الّتي قيلت في القاعدة، وقد عرفت أنّ الكلّ لايخلو من علّة أو علاّت، وأمّا مختارنا فيها فإليك بيانه:

بيان المختار في تفسير القاعدة

إنّ المختار في تفسير القاعدة هو كون النفي بمعناه لابمعنى النهي، وبذلك يفترق عن النظريتين الأخيرتين، وأنّ مصدر الضرر وفاعله هو الناس، بعضهم ببعض لاالشارع ولاتكاليفه، وبذلك يفترق عن النظريات الثلاث الأُول.
أمّا الأوّل ـ أعني: كون النفي بمعناه ـ فبناء على أنّ الغاية من قاعدة نفي الضرر، الإخبار ـ بعد وجوده في المجتمع وجداناً ـ عن عدم إمضائه تكليفاً ولاوضعاً. ومعناه الابتدائي هو الإخبار عن عدم الضرر في الخارج، ولكنّه ليس بمراد جدّاً بل هو كناية عن عدم إمضائه له وضعاً وتكليفاً، غير أنّ المصحّح لهذا الإخبار (غير المطابق للخارج) هو خلوّ صفحة التشريع عن الحكم الضرري تكليفاً ووضعاً. فهو إمّا حرام شرعاً أو غير جائز وضعاً، ولولا خلوّ صفحته عن مثل ذاك الحكم، لما جاز له الإخبار عن عدم الضرر في الخارج.
وأمّا الثاني ـ أي كون مصدره الناس ـ فبيانه: أنّ مورد القاعدة تجاوز سمرة حقوق الأنصاري وعدوانه عليه، يكون الضرر المنفي هو الضرر الوارد

صفحه 184
من بعض الناس إلى بعضهم الآخر. وبما أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)خاطب سمرة بقوله:«إنّك رجل مضار» أو «ما أراك يا سمرة إلاّ مضاراً» وقال:«لاضرر ولاضرار»، يكون هذا قرينة على أنّ المنفي في لسان الشارع مثل هذا الضرر، لا الضرر الحاصل من حكم الشارع كإيجاب الوضوء والحج على المريض.
وبما أنّ الإخبار عن عدمهما مع وجودهما في المجتمع ممّا لايجتمعان، يكون الإخبار عن عدمهما بهدف تفهيم أنّ الضرر ممنوع شرعاً وقانوناً، وغير ممضى عند الشارع تكليفاً ووضعاً.
أمّا تكليفاً فيحرم كلّ عمل ضرري يتوجّه من بعض النّاس إلى البعض الآخر كإيذاء الجار لجاره، وأمّا وضعاً فلا تنفذ المعاملات الضرريّة كالغبن وغيره. وبذلك يتّحد المختار مع مختار الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني فيما يكون الضرر متأتّياً من جانب الناس، ويصحّ الاستدلال به في مورد الغبن وتبعيض الصفقة وتأخير الثمن والتدليس وغيرها دونما إذا كان الضر متوجّهاً إلى المكلّف من تشريع الشارع فلا تشمله، ولذلك استند الفقهاء في أبواب العبادات غالباً إلى أدلّة «لاحرج» ، فالحكم باشتراء ماء الوضوء والغسل بثمن غال لايتحمّل عادة، أو إيجاب الوضوء على المريض الذي يضرّه استعمال الماء، أو إيجاب الحج على المريض والشيخ الفاني حكم حرجي منفي بأدلّة الحرج.

دفع وهم

وبذلك تقدر على دفع الإشكال الّذي ربّما يستعصيه بعض الأفهام، من أنّ الشارع كيف يخبر عن صفحة التشريع بعدم الحكم الضّرري فيها، مع

صفحه 185
شيوعه في العبادات والمعاملات، حيث حكم بدفع الزكاة والخمس والمقاتلة في ميادين الحرب، كما أمر بإراقة الخمور وكسر الأصنام والصلبان والملاهي وغير ذلك.
وذلك لما عرفت من أنّ منحى الحديث هو إضرار النّاس بعضهم ببعض، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر عن خلوّ حياة الناس عن الضرر والضرار، ادّعاءً لأجل خلوّ صفحة التشريع عن تجويز ذلك . فإذا انتفى التشريع عنهما، فكانت رقعة الحياة خالية عنهما، لأنّ النّاس ملزمون بالعمل بما جاء به الشارع المقدّس.
وأمّا الأحكام الّتي ربّما تكون ذريعة للضّرر، فمع قطع النظر عن عدم كونها ضرريّة، لأنّ فيها حياة الفرد والمجتمع، قال سبحانه:(يا أيّها الّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا للّهِ وللرّسُولِ إذا دَعاكُمْ لما يُحييكُمْ وَاعْلَموا أنّ اللّه يحولُ بَيْنَ المرء وقَلْبِهِ وأنّه إليه تُحْشَرونَ)، 1 فهي خارجة عن مفاد الحديث موضوعاً، ولانحتاج إلى تجشّم الجواب الذي ذكرناه سابقاً. فمورد الحديث ومنحاه وهدفه وغايته، تربية الناس تربية سامية إسلاميّة، حتّى لايضرّ أحد أحداً. ولأجل ذلك فقد أخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بتأكيد عن عدم أيّ تشريع للضرر، أي ضرر بعض النّاس بعضاً.2

1 . الأنفال:24.
2 . يلاحظ على مختاره ـ دام ظلّه ـ بما يلي:
أوّلاً: أنّ من فحص فحصاً تامّاً في طيّات كتب الحديث عن مدارك القاعدة سوف يجد أنّ هناك موارد ليست بالقليلة يظهر منها أنّه ليس النّاس بعضهم لبعض مصدر الضرر وفاعله بل هو الشّارع، ولذلك نفيت تلك الأحكام ورفعت لوجود الضّرر فيها لو شرّعت على المكلّفين.
نعم لو قلنا بأنّ مدرك القاعدة هو حديث سمرة واضرابُه فقط، لكان للقول بانحصار مصدر الضرر في النّاس مجال. وفي ما مرّ من الأحاديث برقم 83 ـ86 إلماع لما ذكرناه.
وثانياً: أنّ استناد الفقهاء في جميع أبواب العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والحجّ والجهاد والزّكاة وما إلى ذلك، إلى أدلّة قاعدة نفي الضّرر لايقل عن استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج.
ثمّ إنّ استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج في بعض الموارد ليس لاعتقادهم بعدم صحّة الاستدلال بقاعدة نفي الضّرر هناك، بل لاعتقادهم عدم الفرق الكبير بين القاعدتين منحىً ومورداً كما يبدو لمن تأمّل في عباراتهم، وخاصّة إذا لاحظنا عدم تُعنوَن قاعدة لاضرر في كتب القدماء بصورة مستقلّة ومتميّزة ثغورها عن القواعد الأُخر المشابهة كقاعدة نفي الحرج وما شاكلها.
ولذلك نرى المحقّق الحلّـي في كتابه المعتبر :1/138 في مكروهات التخلّي من كتاب الطهارة، عندما يريد الاستدلال على عدم كراهة التكلّم حين التغوّط عند الضرورة يقول:«وأمّا حال الضرورة فلما في الامتناع من الكلام من الضّرر المنفي بقوله تعالى:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)» .

صفحه 186
هذا إذا قلنا بأنّ مصدر القاعدة هو حديث سمرة فتختصّ القاعدة بإضرار الناس بعضهم لبعض، وأمّا بالنسبة إلى سائر الروايات فيمكن القول بسعة القاعدة، وشمولها للأحكام الّتي يترتّب عليها الغرر في مواضع خاصّة، ولعلّ المشهور الذين قالوا بسعة القاعدة وتمسّكوا بها في أبواب الطهارة والصلاة والصوم والحجّ والجهاد والزكاة، استندوا إلى سائر الروايات، وعندئذ يكون وزان «لا ضرر» كوزان «لا حرج».
هذا تمام الكلام في الجهات الست، إلاّ أنّه ينبغي، تكميلاً لمفاد القاعدة، وتعييناً لحدودها، البحث عن أُمور، ولذلك ذيّلنا البحث بعدّة تنبيهات:
   

صفحه 187

التنبيه الأوّل

شمول النفي لعامّة الأحكام

لو قلنا بأنّ المقصود من نفي الضرر هو نفي الحكم الشرعي الضرري على ما عليه الشيخ الأنصاري و من تبعه أو تقدّم عليه، فلا محيص عن القول بشموله لكلّ حكم شرعي ضرريّ، سواء أكان إلزاميّاً أو ترخيصيّاً، وذلك لأنّ «لا» النافية للجنس تُفيد الاستغراق من غير فرق بين حكم دون حكم، ومعه لا يصحّ تشريع حكم يسوِّغ الإضرار بالنفس أو بالغير.
غير أنّه يظهر من الشيخ الأنصاري والمحقّق الخوئي ـ قدّس سرّهما ـ اختصاص النفي بالحكم الإلزامي ـ على فرق جزئي بين كلامهما ـ فإنّ المتبادر من كلام الشيخ الأنصاري هو عدم شمول القاعدة للحكم الإباحيّ إذا انتهى إلى الإضرار بالنفس، لا ما إذا انتهى إلى الإضرار بالغير فإنّه تعمّه القاعدة، ولكن صريح كلام الثاني، هو عدم شمولها لمطلق الحكم الإباحيّ، سواء أكان موجباً للضرر على نفس المكلّف أو غيره، وسيوافيك نصُّ كلامهما في «خاتمة المطاف» بعد الفراغ من التنبيهات الاثني عشر، فانتظر.
وحاصل دليلهما على عدم الشمول: أنّ المنفيّ عبارة عمّا يكون حكم الشارع سبباً للإضرار لا اختيار المكلَّف، وهو لا يصدق إلاّ إذا كان الإضرار واجباً دون ما يكون جائزاً موكولاً إلى اختيار المكلّف فإنّ سبب الإضرار هو المكلّف.1

1 . رسالة نفي الضرر: 21; مصباح الأُصول:2/533.

صفحه 188
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره (قدس سره)دقّة فلسفيّة لا تقاوم ظهور الحديث في نفي أيّ حكم ضرري، إيجاباً أو ترخيصاً، خصوصاً إذا كان الترخيص سبباً للإضرار بالغير، كيف والحكم الضرري المنفي في واقعة «سمرة»، هو الحكم الترخيصي، أعني: جواز دخول سمرة في البستان بلا استئذان من الأنصاري، وإنّما منع لأجل عارض خاص وهو إيذاء الأنصاري من دخوله بلا إذن وإلاّ فالحكم الشرعي دخوله بلا استئذان.
هذا كلّه على تفسير الشيخ ومن تبعه من المتأخّرين، وأمّا على المختار فهو يعمّ كلّ حكم ضرري، سواء كان إيجاباً أو ترخيصاً يكون ذريعة لإضرار بعض الناس ببعض، وذلك بالبيان التالي:
قد سبق أنّ مفاد قوله: «لا ضرر» هو نفي وجود الضرر في المجتمع الإسلامي، نظير قول الحاكم عندما يحسّ الشغب والفوضى: «لا فوضى ولا شغَب» و من المعلوم نفي الضرر عنه، مع وجوده فيه بكثير، رهن مصحح وإلاّ يلزم الكذب وليس المصحِّح له إلاّ نظر الشارع إلى صحيفة التشريع فيراه خالياً عن أيِّ حكم يكون ذريعة لإضرار الناس بعضهم ببعض فيكون ذاك مسوِّغاً لأن يُخبر عن التكوين أيضاً بخلوِّه عن الضرر، وما ذلك إلاّ لأنّه قد قطع دابر الضرر. فإذا كان ذلك هو المسوِّغ للإخبار عن المجتمع بعدم وجود الضرر، فلا محيص عن خلو صفحة تشريعه عن أيِّ حكم يُستشمُّ منه تجويز الإضرار، من غير فرق بين الإيجاب والترخيص، وذلك مثل جواز منع الماء لغاية منع الكلاء فهو حكم ضرري يكون ذريعة بيد صاحب الماء، منعه عنه الشارع مع كونه حكماً ترخيصياً.
والحاصل: كما أنّ حديث لا ضرر يرفع وجوب المعاملة ولزومها لئلاّ

صفحه 189
يتّخذ ذريعة للإضرار، كذلك يرفع تسويغ منع الماء لئلاّ يتّخذ ذريعة للإضرار بأصحاب المواشي لأجل عدم تمكّنهم من الكلاء بعد عدم إمكان سقي الماشية، من الماء الفاضل ولو بالشراء.

التنبيه الثاني

في أنّ المدار هو الضرر الشخصي في العبادات والمعاملات

اتّفقت كلمتهم على أنّ المدار في الضرر في باب العبادات هو الضرر الشخصي فالواجب مطلقاً هو استعمال الماء إلاّ إذا كان استعماله مضرّاً لشخص خاص فلا يُعدَل عنه إلى غيره، ومثله الحج فلا يسقط إلاّ عمّن إذا كان السفر مضرّاً بالنسبة إليه لا عن غيره، ومثل الضرر عنوانا:«الخوف» و «الحرج» فالمدار فيهما هو الشخص، لا النوع فلو كان العمل مُحرِجاً إلى شخص دون شخص فلا يسقط إلاّ عنه.
وفي الوقت نفسه قالوا: إنّ المدار في الضرر في المعاملات، هو النوع أي نوع العقد لا شخصه، وذلك لأنّهم حكموا في الأُمور التالية بالخيار والشفعة، مع أنّ شخص المعاملة ربّما لا يكون ضرريّاً بل يكون نوعه ضرريّاً.
1. إذا كان المشتري مغبوناً في شراء سلعة، ولكنّه غلا سعرها عند ظهور الغبن بما يُتدارك به الغبنُ، فلو كان المدار في الضرر، كون المعاملة الجزئيّة ضرريّة فليست كذلك لجبر الخسران بغلاء السلعة، وأمّا إذا كان المقياس هو نوع العقد فهو ضرريّ فإنّ شراء ما يساوي عشرة بثلاثين ضرري أيضاً .
2. إذا كان البائع مغبوناً في بيع السلعة وكانت تساوي أزيد بكثير ممّا

صفحه 190
باعها به، ولكن نزلت القيمة السوقيّة عند الاطّلاع على الغبن على وجه يكون الضرر في صورة الاسترداد أكثر، من ضرره عند البيع بأقلّه من القيمة السوقية، فلو كان الملاك شخص العقد، فهو غير متضرّر، وإن كان المقياس نوعه فهو متضرّر.
3. إذا باع الشريك سهمه من إنسان بارّ، فلو كان المقياس هو ذاك العقد، فليس بمتضرِّر، وأمّا إذا قيس إلى نوعه فهو متضرّر.
ولأجل إفتاء الأكابر من العلماء بالخيار فيها، ذهب القوم إلى أنّ الملاك هو نوع العقد لا شخصه وإلاّ يلزم انتفاء الخيار فيها.
وأجاب عنه المحقّق الخوئي بأنّ الحكم بالخيار أو الشفعة في هذه الموارد، لأجل دليل خاص، لا لقاعدة «لا ضرر»، وأمّا الخيار فلأجل تخلّف الشرط الارتكازي الثابت في المعاملات العقلائية من تساوي العوضين في المالية، ففرض نقصان أحد العوضين عن الآخر، في المالية يُنافي هذا الشرط الارتكازي.
وأمّا المدرك لثبوت الشفعة فهو الروايات الخاصّة الدالّة عليه في موارد مخصوصة لأجل قاعدة لا ضرر، وأنّ ورود «لا ضرر» في ثنايا رواياتها من باب الجمع في الرواية لا من قبيل الجمع في المروي.1
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّ لازم ذلك إرجاع خيار الغبن إلى خيار الشرط ـ أنّه لا مانع من استناده إلى الشرط الارتكازي أوّلاً، وقاعدة «لا ضرر» ثانياً.

1 . مصباح الأُصول:2/534.

صفحه 191
أضف إلى ذلك: ما عرفت من ثبوت التذييل في رواية الشفعة فلا نعيد.
والأولى أن يقال: إنّ المعاملات الثلاث ضررية مطلقاً سواء قيست إلى نوع العقد، أو شخصه، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فالمراد منه هو نفس العقد الواقع بما هوهو، مع غضّ النظر عن الضمائم، فغلاء السعر في المثال الأوّل لا يخرج المعاملة الواقعة قبل شهر عن كونها ضررية وغبنيّة، لأنّ الغلاء أمر خارجي، وقد تحقّق، وغلاء السعر عند ظهور الغبن لا يخرجها عن كونها معاملة غبنيّة.
ومثله المثال الثاني، أعني: ما إذا كان البائع مغبوناً، فإنّ نزول السلعة بعد شهر، لا يخرج المعاملة السابقة عن كونها بيعاً بأقلّ ممّا يساوي بكثير، لأنّ الملاك نسبة السعر إلى المبيع، حين التحقّق.
ونظيرهما الشفعة فإنّ كون المشتري الثاني ملتزماً بالإسلام، لا يخرج تسلّط البائع على بيع ملكه ممّن يشاء عن كونه ضرريّاً. وبالجملة كون المدار العقد الشخصي، ليس بمعنى ملاحظة الضمائم، بل ملاحظته بنفسه وهو ضرريّ جداً.

صفحه 192

التنبيه الثالث

توهّم كثرة التخصيص الوارد على القاعدة1

إنّ من الإشكالات الواردة على الأخذ بإطلاق الحديث، هو لزوم كثرة التخصيص فيها وقد أشار إليه المحقّق النراقي في عوائده وقال: إنّا نرى الشارع لم يرض لنا في بعض التكاليف بأدنى مشقّة كما نشاهد في أبواب التيمّم، ولكن نرى عدم السقوط في كثير منها بأكثرَ من ذلك، وكذلك الكلام في الضرر المنفيّ فإنّا نرى التكليف بالخمس والزكاة وصرف المال في الحجّ، وفي الإنفاق على الوالدين وغيرهما مع ما فيها من الضرر، وكذا نرى عدم الرضا بالضرر فيما أقلّ من ذلك.2
والحاصل: إذا فسّرنا الضرر بمعنى إدخال المكروه فليس هو منفيّاً في الشرع، ويدلّ عليه الأمر بالخمس والزكاة والكفّارة والخراج والجزية والديات والغرامات والضمانات، والأمر بإراقة الدهن النجس المذاب، والشيرج الملاقي للنجس، وكذا إراقة الخمور أو اشتراء ماء الوضوء بثمن غال، وكذا كسر الأصنام والصلبان والملاهي الغالية، إلى غير ذلك ممّا يقف عليه السابر في الفقه.

1. ولا يخفى أنّ البحث في هذا التنبيه وما تقدّمه إنّما يصحّ على مختار الشيخ في تفسير القاعدة، وهو نفي الحكم الضرري; سواء أكان مصدره، الحكم الشرعي أو غيره، كالضرر المتوجّه من جانب الناس، وأمّا على ما اخترناه من اختصاص القاعدة بالضرر المتوجّه من جانب الناس فيسقط هذا التنبيه وما أشبهه.
2 . عوائد الأيام: 61، طبعة مكتب الاعلام الإسلامي ـ قم المقدّسة .

صفحه 193
ويعود روح هذا الإشكال إلى وجود كثرة التخصيص الوارد على القاعدة التي تسقطها عن الحجّية في غير مورد التخصيص. إذ يستكشف بها عدم تعلّق الإرادة الجدّية بمفاد العموم حتى يؤخذ في غير مورد التخصيص.
وقد أُجيب عنه بوجوه نشير إليها:
الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق النراقي، فقال: إنّ صدق الضرر عرفاً إنّما هو إذا كان النقصان ممّا لم يثبت بإزائه عوض مقصود للعقلاء، يساويه مطلقاً، وأمّا مع ثبوت ذلك بازائه فلا يصدق الضرر أصلاً، لا سيما إذا كان ما بازائه أضعافاً كثيرة، بل وخيراً منه بكثير، ولا شكّ أنّ كلَّ ما أمر به من التكاليف الموجبة لنقص في المال من الخمس والزكاة والحج والصدقة وإنفاق العيال وأمثالها ممّا يثبت بإزائها أضعاف كثيرة في الآخرة(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعفهُ لَهُ)1، (وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرة)2 الآية.3
وقد أورد عليه الشيخ الأنصاري بما يلي:
إنّ المراد بالضرر هو خصوص الضرر الدنيوي، وأمّا النفع الحاصل في مقابل الضرر الدنيوي فإنّما يوجب الأمر بالتضرّر لا خروجه عن كونه ضرراً، فدليل وجوب شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته، الموجب للنفع الأُخروي مخصِّص لعموم نفي الضرر لا رافع لموضوعه.
فجميع ما أثبت التكاليف الضررية مخصِّص لهذه القاعدة، كيف ولو كان الأمر كذلك لغت القاعدة، لأنّ كلّ حكم شرعي ضرري لابدّ أن يترتّب

1 . البقرة:245.
2 . التوبة:121.
3 . عوائد الأيّام:23.

صفحه 194
على موافقته الأجر، فإذا فرض تدارك الضرر وخروجه بذلك عن الضرر، فلا وجه لنفيه في الإسلام، إذ يكون حينئذ وجود الدليل العام على التكليف الكاشف بعمومه عن وجود النفع الأُخرويّ في مورد الضرر، مخرجاً للمورد عن موضوع الضرر.1
الوجه الثاني: ما أجاب به، الشيخ الأعظم وقال ما هذا حاصله:
إنّ لزوم تخصيص الأكثر على تقدير إرادة العموم، قرينة على إرادة معنى لا يلزم منه ذلك2.
ومراده أنّ القاعدة كانت مقرونة حين الصدور بقرينة متّصلة، حالية أو مقالية صارفة إيّاها من الإطلاق والعموم وقد عمل بها القدماء في ضوء هذه القرينة ولم يتجاوزوا عنها. وعند ذاك يكون مفاد القاعدة مجملاً، لعدم وصول القرينة المحدّدة لمفادها إلينا، ولا يعمل بها إلاّ إذا عمل بها الأصحاب، فإنّ عملهم جابر وكاشف عن القرينة الواصلة إليهم، وإن لم تصل إلينا.
يلاحظ عليه: بالقطع على أنّ القدماء والمتأخّرين أمام هذه القاعدة سواء، وإنّ عملهم كان مستنداً إلى نفس القاعدة لا إلى القرائن الحافّة بها، المحدِّدة لموردها، فإنّه حدس بلا دليل، فلا يصحّ ما رتب على تلك المقدّمة من أنّها تكون مجملة يقتصر في العمل بها على الأصحاب.
الوجه الثالث: ما ذكره الشيخ أيضاً من أنّ تخصيص الأثر لا استهجان فيه إذا كان بعنوان واحد جامع لأفراد هي أكثر من الباقي، كما إذا قيل: أكرم الناس، ودلّ دليل على اعتبار العدالة وكان فسّاقهم أكثر من عدولهم.

1 . رسالة نفي الضرر للشيخ الأنصاري: 30.
2 . فرائد الأُصول:315، طبعة رحمة اللّه.

صفحه 195
يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين العنوان الواحد والعناوين الكثيرة; لأنّ الملاك في الاستهجان هو غرابة التعبير عن أفراد قليلة بلفظ عام شامل لأفراد كثيرة وهو مشترك بين العنوانين.
الوجه الرابع: هو الالتزام بقلّة ورود التخصيص على القاعدة فإنّ موارد النقض عبارة عن:
1. الديات، الغرامات، والضمانات.
2. الضرائب الشرعية كالخمس والزكاة والكفّارات.
3. الجهاد في سبيل اللّه.
4. الحدود.
5. إراقة الخمر والدهن أو المرق الذي وقع فيه النجس، وكسر الأصنام والملاهي والصلبان.
6. شراء ماء الوضوء ولو بأضعاف قيمته.
أمّا الأوّل: فلا يعدّ ضرراً بل جبراً للضرر الذي أورده الجاني أو المتلِف للمال، على الإنسان، حتى فيما إذا ضمن شخص المال الذي في ذمة الغير، فإنّ الضامن قد تقبّل بالضمان، طلبَ المضمون له، من ذمّة المديون إلى ذمّته، فلابدّ له من الخروج عن العهدة.
وأمّا الثاني: فلأنّ الضرائب أمر ضروري في المجتمعات الإنسانية ولا يعدّ أداؤها ضرراً لأنّها تصرف في مصالحهم، وقد أقرّها الإسلام وحدّد لها حدوداً وشرائط، و من المعلوم أنّ الخدمات التي تقدِّمها الدولة للأُمّة إنّما هي من آثار دفع تلك الضرائب.

صفحه 196
وأمّا الثالث: أعني الجهاد في سبيل اللّه فانطباع الشارع عن الجهاد هو أنّ فيه حياة الأُمّة وفي تركه ذلّها وهوانها، فلا يتلقّاه الشارع ضرراً كما يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعَاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) .1
فإذا كان هذا هو موقف الشارع من الجهاد وعند ذاك قال: «لا ضرر» يتبادر من كلامه، الضرر الموجود في الجهاد، لأنّه في مقابل الحياة التي يؤدّيها الجهاد إلى الأُمّة، شيء ضئيل لا يُعبأ به، ولذلك يقول في آية أُخرى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذاب أَليم * تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)2 حيث يصرّح بأنّ الخير المكنون في الجهاد شيء لا يقف عليه الكثيرون منهم ولو وقفوا لاستقبلوه ولما ضنّوا بنفسهم ونفيسهم في طريقه.
وأمّا الرابع: أعني: الحدود، كحدّ الزاني وحبس المعتدي وقطع يد السارق وغير ذلك فلأنّها وإن كانت ضرراً بالنسبة إلى المضروب والمحدود، لكن فيها حياة المجتمع وقد قال سبحانه: (وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)3، فرفع الحدود يوجب شيوع الفوضى في المجتمع والهرج والمرج في الأعراض والأنفس والأموال وبالتالي الضرر المهدّم لكيان الأُمّة.
إلى هنا تبيّن أنّ خروج هذه الموارد عن القاعدة خروج موضوعي

1 . الأنفال:24.
2 . الصف:10ـ11.
3 . البقرة:179.

صفحه 197
وليس تخصيصاً على القاعدة، فلم يبق إلاّ الموارد القليلة التي أُشير إليها في المورد الخامس والسادس.
على أنّه يمكن أن نقول: إنّ موقف الشارع بالنسبة إلى إراقة الخمر وكسر الأصنام، والملاهي، والصلبان موقف خاص حيث رأى أنّ فيها ضرراً معنوياً لا يُجبر أبداً وهو القضاء على السعادة الإنسانية، فإذا كان هذا موقفه بالنسبة إلى هذه الأُمور، فلو أدلى عند ذلك قوله:«لا ضرر» فلا تكون تلك الموارد عنده من أقسام الضرر، بل تكون منصرفة عنه.
نعم ما ذكرنا من الجواب ينطبق على مبنى القوم في تفسير القاعدة، وأمّا على ما اخترناه من أنّ مفاد القاعدة هو نفي إضرار الناس بعضهم لبعض، فما ذكر من الأمثلة خارج عن مصبّ القاعدة وليس هناك أيّ تخصيص.

التنبيه الرابع

في وجه تقدّم القاعدة على أدلّة العناوين الأوّلية

لا شكّ أنّ القاعدة ـ في صورة المخالفة ـ تقدّم على أدلّة العناوين الأوّلية، إنّما الكلام في وجهه فنقول:
إنّ العناوين الأوّلية نظير قوله سبحانه: (أَوفُوا بِالعُقُود)1، أو قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى الْمَرافِق) 2; أو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «النّاس مسلّطون على أموالهم»، أو قوله (عليه السلام)في مقبولة عمر بن حنظلة: «مَن تحاكم

1 . المائدة:1.
2 . المائدة:6.

صفحه 198
إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت وما يُحْكَم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً».1
إنّ الأخذ بأحكام هذه العناوين على وجه الإطلاق ربّما يُورث ضرراً على النفس والغير، كما إذا كانت المعاملة غبنيّة، أو كان بيع الشريك سهمه المشاع من أجنبي مورثاً له، أو كان استعمال الماء مضرّاً بالبدن، أو كان ترك الرجوع إلى حكام الجور موجباً للتضرّر، لعدم مرجع صالح يتحاكم إليه، أو منع صاحب الماء مورثاً لمنع الكلاء غير المنفك عن الضرر بالآخرين، إلى غير ذلك من الموارد التي يستلزم الأخذ بإطلاق أدلّة العناوين الأوّلية الشامل لصورة الضرر، وعند ذلك تقدّم القاعدة، فتكون النتيجة عدم لزوم الوفاء بالعقد الغبني، أو عدم جواز استعمال الماء، أو ارتفاع حرمة الترافع إلى حكّام الجور ورفع تجويز منع الماء.
إنّما الكلام في وجه تقدّمها على أدلّة العناوين فهناك أقوال:
1. القاعدة حاكمة على أدلّة العناوين الأوّلية.
2. التقديم مقتضى التوفيق العرفي.
3. القاعدة أخصّ من مجموع أدلّة الأحكام.
4. التقديم لصون التشريع عن اللغوية.
5. التقديم لقوة الدلالة وورودها مورد الامتنان.
هذه هي الأقوال التي ذكرت في وجه تقديمها وإليك بيانها:

1 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

صفحه 199

أ. تقديم القاعدة من باب الحكومة

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ وجه تقديمها عليها لحكومتها على إطلاق أحكام العناوين الأوّلية وقال: الحكومة عبارة عن كون أحد الدليلين ـ بمدلوله اللفظي ـ متعرّضاً لحال الدليل الآخر ورافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه، فيكون مبيناً لمقدار مدلوله، مسوقاً لبيان حاله، متفرّعاً عليه.1 فعلى ما ذكره يكون قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا ضرر» حاكماً على أدلّة الأحكام الأوّلية لأنّه يوجب رفعها في تلك الحالة.
يلاحظ عليه: أنّ تفسير الحكومة بالنحو الماضي ـ كون أحد الدليلين متعرّضاً بمدلوله اللفظي والمطابقي لحال دليل آخر ـ يوجب خروج كثير من موارد الحكومة عن هذا التعريف. مثلاً أنّ القاعدة ليست متعرّضة لحال أدلّة «وجوب الوفاء بالعقد» و«سلطنة الناس على أموالهم»، أو «وجوب الوضوء على واجد الماء على من يضرّه استعمال الماء، أو يكون ثمن شرائه غالياً».
اللّهم إلاّ أن تفسّر بالنحو التالي:كون أحد الدليلين ـ في نظر العرف ـ شارحاً ومفسّراً ومبيّناً لمقدار المراد من الدليل المحكوم بحيث لولا الدليل المحكوم، لصار التشريع الوارد في الحاكم لغواً، وهذا التعريف ينطبق على أكثر الموارد التي اشتهرت فيها حاكمية الدليل على الأحكام الأوّلية، كقوله: «لا شكّ لكثير الشكّ» أو «لا شكّ للمأموم مع حفظ الإمام»، بحيث لولا كون الشكّ في الشرع موضوعاً للحكم، لكان النفي في الدليلين أمراً لغواً; ومثله قاعدة لا ضرر ولا حرج، على تفسير الشيخ، فلولا صدور أحكام من الشرع ربّما تلازم الضرر لكان نفي الحكم الضرري أو الحرجي أمراً لغواً. وهذا الوجه

1. فرائد الأُصول: 4/13.

صفحه 200
وإن صحّ كون القاعدة حاكمة على أحكام العناوين الأوّلية، لكنّه يوجب خروج بعض أقسام الحكومة من التعريف كحكومة الاستصحاب على قوله: صلّ في طاهر، إذ الشرط الأخير ليس موجوداً فيه.
ولا بأس بهذا الوجه، لو لم يكن هنا وجه أوضح منه كما سيوافيك.

ب. تقديم القاعدة من باب التوفيق العرفي

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ وجه التقديم هو التوفيق العرفي وأوضحه بقوله بأنّ العرف يوفِّق بين مفاد الأدلّة الواردة لبيان حكم العناوين الأوّلية، ومفاد القاعدة. وذلك : أنّ الحكم الثابت بالعنوان الأوّلي تارة يكون بنحو الفعلية مطلقاً، أو بالإضافة إلى عارض دون عارض، بدلالة لا يجوز الإغماض عنها، بسبب دليل حكم العارض المخالف له، فيقدَّم دليل ذاك العنوان على دليله، وأُخرى يكون على نحو لو كانت هناك دلالة للزم الإغماض عنها بسببه عرفاً، حيث كان اجتماعهما قرينة على أنّه بمجرد المقتضي وأنّ العارض مانع فعلي، فيقدّم، هذا ولو لم نقل بحكومة دليله على دليله، لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله كما قيل.1
يلاحظ عليه: أنّ جعل الأحكام الواقعية بمنزلة المقتضي، والعنوان الثانوي بمنزلة المانع إنّما يتم في مثل مورد الربا حيث إنّه مقتض للتحريم حتى فيما إذا كان المرابي: الزوج والزوجة، أو الوالد والولد، ومثله قتل النفس فإنّه مقتض للقصاص مطلقاً، إلاّ أنّ خصوصية كون المرابي أحد الزوجين أو واحد من الوالد والولد، مانع عن تأثير المقتضي، وأمّا المقام ـ أعني: مورد

1 . كفاية الأُصول:2/270، طبعة المشكيني.

صفحه 201
الضرر ـ فلم يحرز وجود المقتضي للحكم في مورده حتى يكون الضرر والحرج رافعين، فمن أين نعلم بوجود المقتضي في العقد الضرري، أو الوضوء الضرريين حتى يكون الضرر رافعاً لأمره؟

ج. تقديم القاعدة لأجل أخصّيتها

إنّ النسبة بين دليل الضرر وكلّ واحد من الأحكام الأوّلية وإن كانت عموماً وخصوصاً من وجه، إذ ربّما يكون عقد ولا ضرر، وربّما يكون ضرر ولا عقد ـ كما في واقعة سمرة ـ وربّما يجتمعان ولكن إذا لوحظت القاعدة مع مجموع الأحكام، تنقلب النسبة إلى عموم وخصوص مطلق وتكون القاعدة أخصَّ من الجميع.1
يلاحظ عليه: أنّ القاعدة في تبيين النسبة هو ملاحظة كلّ دليل، مع دليل آخر برأسه، لا مع مجموع الأحكام، وبذلك تصبح النسبة عموماً من وجه.
نعم كون القاعدة واردةً لبيان حكم العنوان الثانوي ربّما يقتضي، تقدّمها على أدلّة جميع الأحكام لكن السبب عندئذ للتقديم هو ذاك لا أخصيّتها كما في كلام القائل.

د. تقديم القاعدة لرفع اللغوية

إنّ نسبة القاعدة إلى جميع الأدلّة نسبة واحدة، فلو قدّمت في مورد على دليل يلزم تقدّمها في جميع الموارد وإلاّ تلزم لغوية القاعدة 2.

1 . قاعدة لا ضرر ، للخوانساري تقريراً لمحاضرات المحقّق النائيني:213 .
2 . قاعدة لا ضرر ، للخونساري تقريراً لمحاضرات المحقّق النائيني:213 .

صفحه 202
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كان وزان القاعدة مع أدلّة الأحكام وزان المتعارضين، فلأجل صيانة أحد الدليلين عن اللغوية، تقدّم القاعدة لغاية العمل بكلا الدليلين، وأمّا إذا كانت مكانة القاعدة فوق التعارض فلا تصل النوبة إلى ذلك الوجه كما سيتبيّن.

هـ . التقديم لقوة دلالتها وكونها حديث امتنان

الظاهر أنّ وجه التقديم، إنّما هو قوة الدلالة، وذلك بملاك كون الدليل دليل امتنان فيقدّم على العموم، وإن كانت النسبة بين القاعدة والعموم عموماً من وجه، فإنّ الامتنان في عدم نفوذ العقد الغبني لا في إمضائه.
وبالجملة : صدوره امتناناً على الأُمّة، يُعطي للحديث في نظر العرف تقدّماً على غيره، سواء أصحّت تسميته بقوة الدلالة أم لا، وهذا الوجه جار في حديث الرفع أيضاً.
وبذلك يتبيّن وجه تقدّم القاعدة في عامّة الموارد، من غير ملاحظة النسبة بينها وبين دليل آخر. ولولا ذلك لوجب التوقّف إذا كانت النسبة عموماً وخصوصاً من وجه.

التنبيه الخامس

في اشتمال الرواية على ما يخالف القاعدة

قد وقفت في صدر الرسالة أنّ واقعة سمرة نقلت بصور مختلفة:
أ:ما نقله أبو عبيدة الحذّاء، وهو بالنحو التالي:

صفحه 203
«ما أراك يا سمرة إلاّ مضارّاً، اذهب يا فلان فاقطعها واضرب بها وجهه».
فقدّم وصفه بكونه مضارّاً ثمّ رتّب عليه الأمر بالقطع.
ب: ما نقله عبد اللّه بن بكير عن زرارة وهو:
«اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنّه لا ضرر ولا ضرار».
فقدّم الأمر بالقلع الذي هو بمنزلة المعلول، وأخَّر بيان علّته، أعني قوله: «لا ضرر ولا ضرار».
ج: ما رواه عبد اللّه بن مسكان عن زرارة:«أنّك رجل مضارّ، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن» ثمّ أمر بها فقلعت ورُمي بها إليه.
فضمّ إلى قوله: «إنّك رجل مضار» نفس القاعدة وقدّمها على معلوله، أعني: الأمر بالقلع.
هذه هي الصور المختلفة للرواية، والجميع مشتمل على الأمر بالقلع، والتعليل بنفي الضرر، إمّا صريحاً كما في الصورة الثانية، أو تلويحاً كما في الصورتين الأُولى والأخيرة، وعندئذ يتصوّر أنّ الرواية مشتملة على خلاف القاعدة، لأنّ مقتضاها إيجاب الاستئذان على سمرة، دون إيجاب قطع الشجرة، فإنّ الضرر يندفع به من دون حاجة إلى الأمر الزائد على ما يدفع به الضرر، والشاهد عليه أنّه لو كان سمرة ملتزماً بالدخول مع الاستئذان لم يكن هناك أيُّ ضرر متوجّهاً على الأنصاري.
وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه:
الأوّل: ما أفاده المحقّق النائيني (قدس سره):إنّ القلع كان من باب قطع الفساد، لكونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.1

1 . قاعدة لا ضرر للخوانساري:209.

صفحه 204
وأوضحه تلميذه الجليل (قدس سره)بأنّ النبيّ حكم في قضية سمرة بشيئين:
1. أن لا يدخل الرجل بلا استئذان.
2. أن تقلَع الشجرة وتقطع.
والحكم الأوّل مستند إلى القاعدة دون الثاني، فإنّه ناش من ولايته على أموال الأُمّة وأنفسهم دفعاً لمادة الفساد، أو تأديباً لسمرة لقيامه مقابل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مقام العناد واللجاج.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المتبادر من الرواية، حيث إنّ ظاهر الحديث أنّ كلا الحكمين من ثمرات القاعدة لا أنّ الأوّل من ثمراتها دون الثاني.1
الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني أيضاً وحاصله:
إنّ الحكم الضرري وإن كان عبارة عن الدخول بلا استئذان، ولكن لمّا كان هذا الحكم الضرري معلولاً لاستحقاق سمرة لإبقاء العذق في الأرض، لأنّ جواز الدخول بلا استئذان من فروع ذاك الاستحقاق، صحّ رفع المعلول برفع علّته، أعني: استحقاق الإبقاء بجواز قلع الشجرة.2
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ رفع العلّة ـ لغاية كون معلوله ضرريّاً ـ إذا لم يكن له إلاّ معلول واحد، وأمّا إذا كان لها آثار ومعاليل مختلفة غير ضرريّة، فلا يصحّ عندئذ رفعها لأجل كون واحد من آثاره ضرريّاً.
مثلاً استحقاق سمرة لإبقاء الشجرة، علّة له آثار مختلفة، كبيعها،

1 . مصباح الأُصول: 2/532.
2 . رسالة قاعدة لا ضرر لمقرّرها المحقّق الخوانساري: 209 ;مصباح الأُصول: 2/531.

صفحه 205
وإيجارها، وبيع ثمارها، وتأبيرها، والدخول مع الاستئذان، والدخول بلا استئذان، والكلّ غير ضرري إلاّ الأخير، فلا يسوغ رفع العلّة كنفي استحقاق إبقاء الشجرة بحجّة أنّ واحداً من آثاره ضرري.
وهذا نظير: لزوم طاعة الوالد، لكلّ ما يأمر به إلاّ إذا أمر بالمعصية، فلو أمر بالثانية، لا يصحّ رفع مطلق لزوم طاعته، بحجّة أنّه أمر في مورد واحد بالمعصية.

ما هو المختار في الجواب؟

إنّ الظاهر أنّ كلا الحكمين من ثمرات القاعدة، ولكن إجراء القاعدة وتجسيدها يوم ذاك كان رهن قطع الشجرة فقط ولم يكن لتأديب الرجل طريق سواه، إذ كان أمام النبي لدفع الضرر أحد الأُمور التالية:
1. أمره بالدخول مع الاستئذان.
2. إجراء الحكم المزبور عن طريق القوّة والسلطة بنصب مأمور على الباب حتى لا يدخل إلاّ باستئذان.
3. حبسه واعتقاله إلى أن يخضع للقانون، أعني: الاستئذان مع الدخول.
4. قطع الشجرة وقلعها.
أمّا الأمر الأوّل فلم يقبله سمرة، وأمّا الثاني والثالث فلم يكن إجراؤهما أمراً سهلاً يوم ذاك، إذ كانت الدولة الإسلامية فتيّة فانحصر رفع الضرر في الأمر بالقلع.
والحاصل: أنّ النبيّ لم يكن جالساً في منصَّة الإفتاء بل في منصَّة القضاء،

صفحه 206
ومن شؤونه إجراء الحكم حدّ الإمكان، وكانت جميع الطرق غير ناجحة إلاّ الطريق الأخير.

التنبيه السادس

في شمول القاعدة للأحكام العدميّة

الحكم الشرعي سواء أكان وضعيّاً أم تكليفيّاً ينقسم إلى: وجودي كالحكم بالضمان، وعدمي كالحكم بعدمه في الوضعية، مثل الحكم بالوجوب وعدمه في التكليفية، وتقسيمه إليهما، باعتبار متعلّق الحكم وإلاّ فباعتبار نفس الحكم، فالكلّ أحكام وجوديّة، إذ للشارع في كلا الموردين إنشاء وحكم، غير أنّ الإنشاء تارة يتعلّق بالضمان، وأُخرى بعدمه، وهذا لا يستلزم دخول القسم الثاني، تحت الأُمور العدمية ولا يرجع الحكم بعدم الضمان إلى عدم الحكم به وعدم دور للشارع فيه.
وعلى ضوء هذا فلو كانت الزوجة مهضومة الحقّ على وجه لا يُنفِقُ عليها زوجها، أو كان العبد تحت الشدّة، يظلمه مولاه; فعدم جواز طلاقه لغير الزوج بحجّة أنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق، أو عدم جواز عتقه، لغير المولى، بحجّة أنّه لا عتق إلاّ في ملك، حكم ضرري منفيّ بالقاعدة، حسب تفسير الشيخ الأعظم، أو أنّ الضرر الآتي من جانب الناس كالزوج والمولى منفيّ حسب تفسيرنا، وعلى كلّ تقدير لابدّ من طلاقها أو عتقه لانحصار رفع الضرر فيهما، وبما أنّ الزوج لا يُطلِّق، والمولى لا يعتق، والزوجة ليست بمالكة لطلاقها، والعبد لا يملك شيئاً، فلابدّ أن يقوم به الفقيه الذي على عاتقه

صفحه 207
كلّ فعل مطلوب للشارع وليس له مسؤول معيّن، فتكون القاعدة حاكمة على الحكم بعدم جواز الطلاق والعتق لغير الزوج والمولى.
وإنّما تمسّ الحاجة إلى القاعدة لدفع الضرر، فيما إذا لم يكن هناك دليل واف لدفعه، ولو كان لاستغنى الفقيه عن الاستدلال بالقاعدة، وهذا نظير الأمثلة التالية:
1. إذا فتح قفص طائر شخص فطار.
2. أو حبس شاة فمات ولدها.
3. أو أمسك رجلاً فهربت دابتُه.
4. أو حبس حرّاً ففوّت عليه منافعه.
فالحكم بعدم الضمان شرعاً في هذه الموارد وإن كان مورثاً للضرر المنفي في الشريعة، لكن لا حاجة إليها، لوجود الدليل الشرعيّ على الضمان، حيث إنّها داخلة تحت قاعدة الإتلاف وإنّما الحاجة إلى القاعدة فيما إذا انحصر التخلّص عن الضرر بالقاعدة كما في مورد الزوجة والعبد، وقد عرفت أنّ نسبة القاعدة إلى الأحكام الوجودية والعدمية سواء، وأنّ الكلَّ من أقسام الحكم الشرعي.
وبذلك يظهر أنّ أقوى الوجهين في كلام الشيخ هو الوجه الثاني، دون الأوّل، قال:
إنّه لا إشكال ـ كما عرفت ـ في أنّ القاعدة المذكورة، تنفي الأحكام الوجودية الضررية، تكليفية كانت أو وضعية، وأمّا الأحكام العدميّة الضررية ـ مثل عدم ضمان ما يفوت على الحرّ من عمله بسبب حبسه ـ ففي نفيها بهذه القاعدة ـ فيحكم عليه بالضمان ـ إشكال:

صفحه 208
من أنّ القاعدة ناظرة إلى نفي ما ثبت بالعمومات من الأحكام الشرعية، فمعنى نفي الضرر في الإسلام أنّ الأحكام المجعولة في الإسلام ليس فيها حكم ضرري. ومن المعلوم أنّ حكم الشرع في نظائر المسألة المذكورة ليس من الأحكام المجعولة في الإسلام، وحكمه بالعدم ليس من قبيل الحكم المجعول، بل هو إخبار بعدم حكمه بالضمان، إذ لا يحتاج العدم إلى حكم به، نظير حكمه بعدم الوجوب أو الحرمة أو غيرهما، فإنّه ليس إنشاء منه بل هو إخبار حقيقة.
ومن أنّ المنفيّ ليس خصوصَ المجعولات بل مطلق ما يُتديَّن به، ويعامل عليه في شريعة الإسلام، وجودياً كان أم عدميّاً، فكما أنّه يجب في حكم الشارع نفي الأحكام الضررية، كذلك يجب جعل الأحكام التي يلزم من عدمها الضرر.1
يلاحظ عليه: ـ على قوله في تقرير الوجه الأوّل: «انّ عدم حكم الشرع بالضمان ليس من الأحكام المجعولة في الإسلام... » ـ بأنّه إن أراد أنّه ليس للشارع في هذه الموارد حكم شرعي أبداً وأنّه سكت عنها، فهو مخالف لما دلّت عليه الروايات من أنّه ما من موضوع إلاّ وله فيه حكم شرعي مجعول، إذ كيف يمكن أن يقال أنّه ليس للشارع فيما إذا كان بقاء علقة الزوجية أو الرقية مضرّاً للزوجة والعبد، حكم مجعول وأنّه تركهما سدى؟!
وإن أراد أنّ هناك حكماً شرعيّاً لكن حكمه الشرعي بالعدم إخبار عن عدم حكمه بالضمان، لا الحكم بعدم الضمان، كما هو ظاهر كلامه ، فيرد عليه أنّ مرجعه إلى الأوّل، إذ لا فرق بين السكوت المطلق وبين الإخبار بعدم

1 . رسالة نفي الضرر: 27.

صفحه 209
الحكم; لأنّ الإخبار بعدم الحكم لا ينسجم مع القول بأنّه ما من موضوع إلاّ وله حكم في الشريعة، فتعيّن الثالث وهو الحكم بعدم الضمان الذي هو حكم ضرري مرفوع بلا ضرر.
وبعبارة أُخرى: أنّ المجعول للشارع في مورد الزوجة والعبد إمّا عدم جواز الطلاق والعتق فهو ضرري مرفوع، وإمّا الجواز، فهذا هو المطلوب، ومثلهما الموارد التي حكم فيها بالضمان، فإنّ عدمه ضرري وضمانه هو المطلوب.
وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقّق النائيني تأييداً لكلام الشيخ: أنّ قاعدة لا ضرر ناظرة إلى نفي ما ثبت بالعموم في الأحكام الشرعية، ومرجع مفادها إلى أنّ الأحكام المجعولة إذا نشأ منها الضرر فهي منفية، وعدم الحكم بالضمان ليس من الأحكام المجعولة.
وبعبارة أُخرى: لو كان الحكم المجعول هو عدم الضمان فإذا نشأ منه الضرر لقلنا بارتفاعه، وأمّا إذا لم يكن هناك جعل أصلاً، فلا يمكن أن تكون قاعدة لا ضرر حاكمة على ما ليس مجعولاً، فإنّ ما ليس مجعولاً لا يستند إلى الشارع.1
إنّ ما ذكره ليس شيئاً جديداً، بل تكرار لما ذكره الشيخ; ويرد عليه نفس ما أوردناه على كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) من أنّه إذا أراد من عدم الجعل السكوت في بيان حكم موضوع، فهو ليس بتام، إذ ما من موضوع إلاّ و له حكم في الشرع; وإن أراد الإخبار بعدم الحكم فقد عرفت أنّ مرجعه إلى الأوّل، وإن أراد من عدم الجعل كون الحكم عدمياً، عدم جواز طلاقها ولا عتقها، فقد قلنا: إنّه

1 . رسالة قاعدة لا ضرر: 220.

صفحه 210
من أقسام الحكم، فتشمله قاعدة لا ضرر.

تقريب للمحقّق النائيني لعدم الشمول

ثمّ إنّ المحقّق النائيني استدلّ على عدم الشمول بوجه جديد، فقال: إنّ الالتزام بالشمول يستلزم تأسيس فقه جديد لأنّه:
1. لو وجب تدارك كلّ ضرر، فلو كان هناك إنسان صار سبباً له، فالضمان عليه، وإلاّ كما في الآفات فمن بيت المال.
2. يلزم كون أمر الطلاق بيد الزوجة لو كان بقاؤها على الزوجية مضرّاً بها، كما إذا غاب عنها زوجها أو لم يُنفِق عليها لفقر أو عصيان... ولا يمكن إثبات الولاية للحاكم الشرعي بالقاعدة، لأجل أنّ عدم ثبوت الولاية له ضرر على الزوجة.
مضافاً إلى أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الطلاق بيد مَن أخذ بالساق» ظاهر في أنّ رفع علقة الزوجية منحصر في طلاق الزوج، إلاّ في بعض الموارد حيث يكون بيد الغير، كولي المجنون والمعتوه.
3. لو كان لقاعدة نفي الضرر مجال في هذا المورد وكلّ ما كان من هذا القبيل كالعبد الواقع تحت الشدّة، لكان مقتضاها رفع بقاء علاقة الزوجية، وعلاقة الرقية، والمفروض أنّهم لا يلتزمون بذلك، بل يجعلون طلاق الحاكم نازلاً منزلة طلاق الزوج، وهذا مرجعه إلى إثبات الحكم بقاعدة نفي الضرر، وقد عرفت أنّ لازمه أن يتدارك ضرر كلّ متضرر إمّا من بيت المال أو من مال غيره، وهذا فقه جديد.1

1 . رسالة قاعدة لا ضرر:221.

صفحه 211
يلاحظ على الأوّل: أنّه لو كان الضرر مستنداً إلى حكم الشرع أو فعل الإنسان، فالالتزام بوجوب التدارك أمر لا محذور فيه، وأمّا إذا لم يكن مستنداً إلى واحد منها كالآفات، فالحكم بلزوم تداركه من بيت المال استناداً إلى القاعدة أمر غريب، لأنّ القاعدة لا تخبر عن المواضع الخارجية حتى يحاول تصحيحها بإيجاب التدارك في عامة الموارد وإنّما هي أخبار عن عدم الضرر لغاية النهي عنه تكليفاً ووضعاً، وعلى ذلك يلزم أن لا يكون هناك ضرر من جانب التشريع، وأنّى هو من لزوم تدارك كلّ ضرر في الكون وإن لم يكن مستنداً إلى الشارع أو المكلّف.
وأمّا الثاني ـ أعني قوله: لو وجب تدارك كلّ ضرر يلزم أن يكون الطلاق بيد الزوجة ـ فغير تام; لأنّ لزوم تدارك كلّ ضرر لا يستلزم أن يكون الطلاق بيد الزوجة، بل لازم القاعدة هو وجوب حلّ علقة الزوجية، وأمّا أنّ الحلّ بيد من ؟ فلا تشير إليه القاعدة، فيدخل في ضمن الأُمور المطلوبة للشارع التي لم يفوّض أمرها لشخص خاص فيقوم به الفقيه الجامع للشرائط; لأنّه المسؤول عن مثل هذه الأُمور.
وأمّا الثالث ـ أعني: ارتفاع علقة الزوجية بلا طلاق وإعتاق ـ فغير لازم، لأنّ أقصى ما تثبته القاعدة هو رفع الضرر، وأمّا فراقهما بلا سبب فلا تتكفّله القاعدة، فيكون من الأُمور المطلوبة للشارع فيقوم به الفقيه عن طريق السبب الذي عيّنه الشارع.

محاولات للتعميم

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم بعدما نفى أن تكون الأحكام العدمية مصبَّاً للقاعدة،

صفحه 212
حاول العدول عمّا ذكره وبالتالي حاول إخضاع القاعدة للأحكام العدمية أيضاً بالوجهين التاليين:
1. أنّ الحكم العدمي يستلزم أحكاماً وجودية، فإنّ عدم ضمان ما يفوته من المنافع (كحبس الحرّ) يستلزم حرمة مطالبته، ومقاصّته والتعرّض له وجواز دفعه عند التعرض له، فتأمّل.1
ولعلّ الشيخ يريد بذلك الاستدلال إلى أنّ الحكم العدمي يستلزم أحكاماً وجودية ضررية فتشملها القاعدة لكونها وجوديّة وإن لم يشمل المتبوع.
يلاحظ عليه: أنّ الفرع يتبع الأصل، فإذا كان الأصل غير خاضع للرفع وباقياً بحاله، فكيف يمكن أن يرفع ما يترتّب عليه وهذا أشبه برفع المعلول(الفرع) مع إبقاء علّته، وكون المعلول حكماً وجودياً خاضعاً للرفع، بخلاف العلّة فإنّه عدمي غير خاضع له، لا يرفع الإشكال، فإنّ إبقاء العلّة اعتباراً بمنزلة إبقاء المعلول كذلك، ومعه كيف يرفع المعلول في عالم الاعتبار، إن هو إلاّ اعتبار التناقض في عالم التشريع.
2. إمكان استفادة ذلك من مورد رواية سمرة بن جندب حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)سلّط الأنصاري على قلع نخلة سمرة معلِّلاً بنفي الضرر حيث إنّ عدم تسلّطه على القلع ضرر، كما أنّ سلطنة سمرة على ماله والمرور عليه بغير الإذن ضرر، فتأمل.
يلاحظ عليه: أنّ القلع لمّا كان تصرّفاً في مال الغير وحراماً فالقاعدة،

1 . رسالة نفي الضرر: 28، طبع لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم.

صفحه 213
تعليل لرفع هذا الحكم الوجودي، وليس تعليلاً للحكم العدمي، أعني: عدم تسلّطه على القلع، كما يحتمل أن يكون أيضاً علّة لرفع حكم وجودي آخر وهو تسلّط سمرة على ماله بالمرور إلى النخلة بلا إذن.
والحاصل: أنّ القاعدة تعليل لرفع الأحكام الوجودية لا العدمية.
هذا ما ذكره الشيخ تأييداً لما عدل عنه أي تأييداً لشمول القاعدة للأحكام العدمية.
***
وربّما يؤيّد بوجه آخر وهو استفادة ذلك من ورودها في مورد الشفعة ومورد منع فضل الماء، فإنّ المرفوع بالقاعدة هو عدم ثبوت حقّ للشريك، أو عدم ثبوت حقّ لصاحب المواشي، فصار الحكم العدمي مرفوعاً بالقاعدة.
يلاحظ عليه: أنّ المرفوع في الشفعة هو الحكم الوجودي، أعني: لزوم المعاملة أو صحّتها، كما أنّ المرفوع في مورد منع فضل الماء، هو سلطنة صاحب الماء على المنع والكلّ حكم وجودي.
والحاصل: أنّ هذه المحاولات تبوء بالفشل، والحقّ ما ذكرنا من أنّ الحكم العدمي كالحكم الوجودي أمر مجعول شرعاً، والقاعدة تشملهما لفظاً وملاكاً من دون حاجة إلى هذه التشبّثات.

صفحه 214

التنبيه السابع

في إضرار الغير، لدفع الضرر عن النفس أو بالعكس

إذا كان هناك ضرر واحد1 يندفع بتضرّر واحد من الشخصين، فعندئذ يُتصوَّر في المقام حكمان تجب دراستهما:

1. هل يجوز إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس أو لا؟

مقتضى قاعدة «لا ضرر» هو عدم الجواز، لأنّ تجويز إضرار الغير، لدفع الضرر عن النفس، حكم ضرريّ فهو مرفوع ويترتّب على ذلك، عدم جواز إسناد الحائط المخوف وقوعه، إلى جذع جدار الغير، لأنّ تجويز الإسناد، ضرر على الجار الذي هو صاحب الجِذْع. لكن حكى الشيخ الأنصاري عن الشيخ الطوسي جوازه بلا خلاف، لكنّه محمول على ما إذا خاف من وقوعه، إهلاك نفس محترمة إذ يجب حفظ النفس المحترمة، غاية الأمر تجب على صاحب الحائط أُجرة المثل للاستناد، نظير أكل طعام الغير قهراً لسدِّ الرمق ويمكن حمله على ما إذا لم يتضرّر أصلاً بحيث يكون كالاستظلال بحائط الغير.2
فقد تبيّن من ذلك، عدم جواز إضرار الغير، لدفع الضرر عن نفسه، وإليك دراسة الحكم الثاني.

1. خرج ما إذا كان الضرر متعدّداً كما سيأتي في التنبيه التالي.
2. رسالة نفي الضرر للشيخ الأنصاري 33، التنبيه الرابع.

صفحه 215

2. هل يجب على أحد دفع الضرر عن الغير بإضرار نفسه أو لا؟

مقتضى قاعدة «لا ضرر» عدم الوجوب، لأنّ تشريع وجوب التحمّل حكم ضرري، وذلك كما إذا توجّه السيل إلى دار الغير، فلا يجب عليه تغيير مسيره وتوجيهه إلى داره، وقد مثّلنا لكلّ من الحكمين الضرريين: جواز الإضرار بالغير، وجوب التحمّل عن الغير، مثالين مختلفين لئلاّ يختلط الأمر. ولك أن تمثِّل على كلّ الموردين بالسيل الجارف فلو كان متوجّهاً إلى داره، فهو من قبيل الأوّل، فلا يجوز له توجيهه إلى دار الغير بالإضرار ولو كان حسب طبعه متوجّهاً إلى دار الغير، فهو من قبيل القسم الثاني فلا يجب عليه، تحمّل ضرر الغير.
ووجه ذلك: أنّ القاعدة، قاعدة امتنان، ولا امتنان في جواز إضرار الغير للدفع عن النفس، كما لا امتنان في إيجاب تحمّله ضرر الغير بتوجيهه إلى نفسه.

سؤال وجواب

أمّا السؤال: فهو إذا كانت القاعدة نافية للجواز في الأوّل، والوجوب في الثاني، لزم من جريانها ضرر متوجّه إلى الشخص في الأوّل، والجار في الثاني، وأيّ فرق بين الضرر الموجود قبل جريان القاعدة والضرر الحادث بعد جريانها. حيث ينفى الأوّل دون الثاني.
أمّا الجواب: فالظاهر أنّ الإشكال أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا يعدّ تحريم توجيه الضرر إلى الغير، إضراراً على النفس، وكما لا يعدّ عدم وجوب تحمّل الضرر، إضراراً بالغير.
وبعبارة أُخرى: أنّ القاعدة ترفع الضرر الناشئ من حكم الشارع وليس

صفحه 216
الضرر ناشئاً من حكم الشارع بعدم جواز إضرار الغير، أو عدم وجوب تحمّله، بل كان الضرر متوجّهاً إليه تكويناً لكون الحائط مشرفاً على السقوط، أو السيل متوجّهاً إلى دار الغير، نعم منع الشارع عن دفع ضرره بالإضرار بالغير، أو لم يوجب تحمّل الضرر الوارد على الغير. ومثل هذا لا يعدّ من نتائج جريان القاعدة.
الأولى ـ حسب مختارنا في مفاد لا ضرر ـ أن يقال: إنّ المراد من الرواية هو نفي ضرر الناس بعضهم لبعض، فليس الضرر نابعاً من ناحيتهم، وهذا هو الحقّ في الجواب.
وقد أجاب المحقّق النائيني عن الإشكال بأنّ قاعدة «لا ضرر» حاكمة على الأحكام فإذا نشأ ضرر من حكومة «لا ضرر» فلا يصحّ أن تكون القاعدة ناظرة إلى هذا النوع من الضرر، لأنّ المحكوم لابدّ أن يكون مقدّماً في الرتبة على الحاكم حتى يكون الحاكم شارحاً وناظراً إلى هذا الضرر، والمفروض أنّ هذا الضرر متأخّر في الرتبة عن «قاعدة لا ضرر» فلا يمكن أن يكون محكوماً بلا ضرر.1
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين القضية الخارجية والقضية الحقيقية، فالأُولى لا تصدق إلاّ على الموجود بالفعل مثل قولك:قُتل من في العسكر، ونهب ما في الدار; وأمّا القضايا الحقيقية فتشمل على المصاديق المتأخّرة عن الحكم بالبيان الذي سبق منّا عند البحث في حجّية قول الثقة، حيث قلنا بأنّ قوله: «صدّق العادل»، يشمل الفرد المتحقّق بالفعل، أعني: قول الكليني، وبتصديقه يتولّد في عالم الإثبات مصداق آخر، وهو إخبار علي بن إبراهيم له، فيجب

1 . رسالة قاعدة لا ضرر ولا ضرار، لمقرّر بحثه المحقّق الخوانساري (قدس سره).

صفحه 217
تصديقه وهكذا إلى آخر السند.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم جعل الإكراه على نهب مال الغير مع الإيعاد على تركه من هذا الباب، لا من باب تعارض الضررين الذي سيوافيك بيانهما في التنبيه الآتي.
قال في «المكاسب المحرّمة»: إذا أجبره الظالم على دفع مال من أمواله، فلا يجوز له نهب مال الغير لدفع الضرر عن نفسه، أمّا إذا كان أوّلاًو بالذات متوجّهاً إلى الغير، كما إذا أجبره على نهب مال الغير وأوعده على ترك النهب بأخذ مال نفسه، فيجوز له ذلك، لأنّ الضرر حسب قصد المكرِه وإرادته الحتمية متوجّهة نحو الغير، والمكرَه (بالفتح) وإن كان مباشراً للإضرار إلاّ أنّه ضعيف لا ينسب إليه الإضرار حتى يقال إنّه أضرّ بالغير حتى لا يتضرّر نفسه.1 وقد أشار إلى ما ذكره هنا في «الفرائد».2
وما ذكره ممنوع صغرى وإلاّ كبرى.
أمّا الصغرى فيرد عليها: أوّلاً: أنّ قوله: «إنّ الإضرار لا يُنسب إلى المباشر»، غير تام فالمعروف عندهم أنّ المباشر أقوى من السبب الذي هو الآمر والضرر يُسند إلى المباشر حقيقة، كما ينسب إلى الأمر كذلك.
وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّه «إذا كان الضرر متوجّهاً إلى الغير أوّلاً وبالذات، لا يجب دفعه عن الغير بتحمّله عنه» إنّما يصحّ إذا كان المقتضي للإضرار تامّاً، فعندئذ لا يجب دفعه عن الغير بتوجيهه إلى نفسه كالسيل الجارف، وهذا بخلاف إرادة المكره فإنّه ليس مقتضياً تامّاً، بل هو داع ومرغّب للغير بالعمل

1 . المكاسب المحرّمة: 58.
2 . الفرائد:316، طبعة رحمة اللّه.

صفحه 218
ولولا قيام المكره بالإضرار بالغير، لما كان لإرادة المكره تأثير.
وبعبارة أُخرى: فرق بين العلل الطبيعية وإرادة المكره(بالكسر) فإنّ الأوّل سبب تام لإدخال الضرر على الجار، وليس للشخص دور سوى أنّه يمكن له دفع الضرر عنه إلى نفسه، وهذا بخلاف إرادة المكرِه فإنّه ليس سبباً تامّاً لإدخال الضرر، وإنّما تكون سبباً تامّاً إذا انضم إلى إرادته، انقياد المكرَه وإطاعته لأمره، فكيف يُقاس هذا بهذا؟! فعدم وجوب الدفع في الأوّل بتوجيهه إلى داره لا يكون دليلاً على جواز إضراره بالغير، وعدم وجوب دفعه عنه بتوجيهه إلى نفسه.
وأمّا الكبرى: فلأنّا لا نسلّم أنّ الإكراه والاضطرار يسوِّغان كلّ حرام سوى النفوس المحترمة، فلو أمر الوالي بهدم بيوت الناس واعتقالهم وأوعده بالضرب والشتم إذا ترك، فلا يجوز له الإقدام على الهدم والاعتقال وإن ترتّب عليه ما ترتّب.
وغاية ما يمكن أن يقال: إنّ دليل الإكراه والاضطرار حاكم على الأحكام الوضعية كلزوم البيع وعدم جواز طلاق المرأة التي لا ينفق زوجها نفقتها، وأمّا الأحكام التكليفية فالحقّ فيه أن يلاحظ الأهم فالأهم، كما سيوافيك الحال في التنبيه الآتي.
وليعلم أنّ المثال داخل في التنبيه الآتي، أعني: ما إذا دار الأمر بين ضررين لا ضرر واحد حيث إنّ الأمر دائر بين ورود الضرر المالي على الثالث، أو وروده على المكرَه (بالفتح) بضربه وشتمه وحبسه، وهذا كما سيوافيك في التنبيه الثامن.

صفحه 219

التنبيه الثامن

في علاج تعارض الضررين

يتميّز هذا التنبيه عمّا سبق، بوحدة الضرر في السابق ودوران أمره بين شخصين، كالجدار المشرف على السقوط أو السيل الجارف المتوجّه إلى دار الغير، فقد قلنا بعدم جواز دفع الضرر عن نفسه بإيراد الضرر على الغير كما لا يجب تحمّله عن الغير.
وأمّا المقام فالأمر دائر بين ضررين، متحقّقين في الخارج على نحو يكون رفع أحدهما مستلزماً لثبوت الآخر1، وهو على قسمين.
تارة يتوجّه الضرران إلى شخص واحد، وأُخرى إلى شخصين.
أمّا الأوّل: كما إذا كان الاغتسال بماء بارد مضرّاً لجرحه ومفيداً لحمّاه المتصاعدة، فيختار أقلّهما ضرراً.
هذا إذا دار الأمر بين مباحين، وأمّا إذا دار الأمر بين مباح مضرّ، ومحرّم كذلك فيختار المباح المضرّ على الحرام المضرّ. كما إذا دار الأمر بين دفع مال، أو دفع المصحف لمن لا يحترمه، فيتعين الأوّل.
وأمّا الثاني: أعني ما إذا دار الأمر بين ضررين بالنسبة إلى شخصين فله صور:
1. إذا كان السبب في توجّه الضرر إلى الشخصين، أمراً خارجاً عن

1 . وبه يتميز عن التنبيه التاسع، فليس فيه ضرر متحقق وإنّما يستلزم عمل المكلّف الإضرار بالغير، فانتظر.

صفحه 220
الاختيار، كما إذا أدخلت الدابة التي كانت ترعى في الصحراء رأسها في قِدْر الشخص الآخر، ودار الأمر بين ذبح الحيوان وكسر القِدْر، فلا شكّ أنّه يختار أقلّهما ضرراً، ويقسّم الضرر عليهما بنسبة القيمة، فلو كانت قيمة القدر ديناراً، والدابة أربعة دنانير، قُسِّمت الخسارة (الدينار) بينهما أرباعاً، فعلى صاحب القِدْر ربعُ الدينار، وعلى الآخر ثلاثة أرباع، أو تقسّم الخسارة أخماساً بنسبة الخسارة إلى مجموع القيمتين.
وتدلّ على ذلك قاعدة العدل والإنصاف وما ورد في أمر الودعي إذا ودع شخص عند شخص ديناراً وودع آخر دينارين فضاع أحد الدنانير الثلاثة، فقد حكم الإمام بأنّ أحد الدينارين لصاحبهما والدينار الآخر يقسم بينهما1. حيث إنّ أحد الدينارين ملك طلق لصاحبهما إنّما الكلام في الدينار الباقي، فهو بتمامه إمّا لصاحبهما أو لصاحب الدينار الواحد فتقسّط الخسارة حسب النسبة، (كما في حديث الدينار) أو حسب ماليتهما كما في المقام.
2. إذا كان السبب، شخصاً ثالثاً، وقد مثل العلاّمة في «التذكرة» بالمثال التالي:
«لو غصب ديناراً فوقع في مِحْبرة الغير ـ بفعل الغاصب أو بغير فعله ـ كسرت لردّه(إذا كان كسرها أقلّ ضرراً)، وعلى الغاصب ضمان المحبرة، لأنّه السبب في كسرها. وإن كان كسرها أكثر ضرراً من تبقية الواقع فيها، ضمنه الغاصب ولم تكسر2. ولو تساويا من حيث القيمة فهو مختار بين أحد الأمرين.

1 . لاحظ : الوسائل: 13، الباب12 من أبواب كتاب الصلح، الحديث1.
2 . تذكرة الفقهاء:2/391.

صفحه 221
3. إذا كان السبب أحد المالكين، كما إذا أدخل دينار الغير في مِحْبَرته فله صورتان:
أ. إذا كان الإدخال بإذنه1 يختار في مقام الأداء أقلّ الضرر، فلو كانت المحبرة أكثر قيمة يضمن الدينار ولو انعكس تكسر المحبرة.
ب. إذا لم يكن بإذنه فالمتّبع رضا مالك الدينار، ولو طلب نفس ديناره ولم يرض بالمثل تكسر المحبرة، بحكم الشارع بتسلّط الناس على أموالهم. وإن كان حكماً ضررياً، كما إذا كانت المحبرة أكثر قيمة، لكن السبب هو نفس الغاصب حيث أدخل دينار الغير بلا إذنه في محبرته، لا يمكن ردّه وإرجاع سلطته إلاّ بكسر محبرته وإن كانت الخسارة أكثر (فتأمّل).2

التنبيه التاسع

فيما إذا استلزم تصرّف المالك، تضرّر الجار

الفرق بين هذا التنبيه والتنبيهين المتقدمين، هو أنّ الغرض فيما سبق معالجة الضرر المتحقّق في الخارج، سواء أكان ضرراً واحداً أم ضررين، تحقّق باختيار المكلّف أو لا، وأمّا المقام فمحور البحث تبيين حكم العمل الذي يلزم منه الإضرار بالغير بحيث لولا العمل لما كان من الضرر عين ولا أثر.
والمسألة معنونة في كلمات القدماء والمتأخّرين، وقد مثّلوا لذلك بالأمثلة التالية:

1. لابدّ أن يكون الإذن لغرض عقلائي.
2 . وجه التأمل أنّه ضرار، وقد مرّ أنّ الضرار هو الإضرار عن عناد.

صفحه 222
1. حفر رجل بئراً في داره، وأراد جاره أن يحفر بالوعة أو بئر كنيف، قرب هذه البئر. وأدّى ذلك إلى تغير ماء البئر.
2. أعدّ داره المحفوفة بالمساكن، خاناً أو اصطبلاً أو طاحونة.
3. صيّر حانوته في صف العطارين، حانوت حدّاد أو قصّار.
4. أضرم ناراً في ملكه على نحو يتضرّر به الجار.
5. أرسل ماء في ملكه يتعدّى ضرره إلى الجار.
إلى غير ذلك من الأمثلة والظاهر من قدماء الأصحاب كالشيخ في مبسوطه، وابن إدريس في سرائره، والشهيد في دروسه، حتى المحقّق الثاني، في جامعه، هو الجواز مستدلّين بقاعدة «أنّه لا حريم في الأملاك» وأنّ لكلّ أحد أن يتصرّف في ملكه بما جرت به العادة وإن تضرّر صاحبه ولا ضمان.1
وقد نقل الشيخ الأعظم في رسالته حول قاعدة «لا ضرر» كلمات الأصحاب كما نقل كلمات غيرهم من «التذكرة»، فلاحظ.
ولمّا كان الحكم بالجواز مطلقاً، نوع تطرّف بعيد عن سماحة الإسلام، حاول الشيخ تلطيف الفتاوى وقال: إنّ للمسألة صوراً ثلاثاً:
أ. إذا كان التصرّف لدفع ضرر يتوجّه إليه.
ب. إذا كان لجلب المنفعة.
ج. إذا كان تصرّفه تعمّداً عبثاً.
فقال بالجواز في الأُولتين دون الثالثة.2

1 . الدروس الشرعية:3/60.
2 . رسالة نفي الضرر: 41 ـ 46، التنبيه السابع.

صفحه 223
أقول: إنّ صور المسألة أزيد ممّا ذكره، بل هي خمس:
1. إذا كان الهدف من التصرّف إيقاع الضرر والحرج على الجار.
2. إذا دار الأمر بين انتفاع الشخص وضرر الجار.
3. إذا دار الأمر بين الضررين.
4. إذا دار الأمر بين الحرج والضرر.
5. إذا دار الأمر بين الحرجين.
فلنأخذ كلّ واحد بالبحث تلو الآخر:
الصورة الأُولى: إذا كان الهدف إيقاع الضرر والحرج على الجار، فلا شكّ في عدم الجواز والضمان، فإنّ المورد أشبه بعمل سمرة حيث كان هدفه من إعمال السلطنة إيقاع الضرر على الأنصاري، وعلى ضوء ذلك فلو حفر بالوعة أو كنيفاً، لغاية الإضرار بالجار، أو أضرم ناراً زائداً على المتعارف لغاية إضراره، فقد عمل محرماً، ولو ترتّب عليه ضرر، فعليه ضمانه.
الصورة الثانية: إذا دار الأمر بين انتفاعه، وضرر الجار، كما إذا أراد أن يبدّل داره، المحفوفة بالمساكن، بفندق لينتفع به أكثر أو بناء المدبغة في الأحياء السكنيّة، أو في سوق العطارين ممّا يدور الأمر بين انتفاعه و ضرر الآخر فهل هو جائز أو لا؟ الظاهر هو الثاني لعدم المقتضي ووجود المانع.
أمّا الأوّل: فلقصور شمول قاعدة السلطنة لهذا المورد، لأنّها قاعدة عقلائية أمضاها الشارع وليس له فيها أيّ تأسيس، وعلى ذلك لا يصحّ التمسّك بإطلاقها إلاّ إذا ساعده العرف والعقلاء، ومن المعلوم أنّ لكلّ حرفة مكاناً خاصّاً، يُعدُّ التجاوز عنه تجاوزاً على الحقوق، فبناء الحانوت والفندق بين الأماكن السكنيّة، يعدّ تجاوزاً على حقوق الجيران وإيذاء لهم.

صفحه 224
وأمّا الثاني: أي وجود المانع فلحكومة قاعدة «لا ضرر» أو «لا حرج» على قاعدة السلطنة فإنّ عمله هذا، يستلزم الضرر أو الحرج وكلاهما منفيان ودليلهما حاكم على أحكام العناوين الأوّلية ولا يُعارض بتضرّر المالك وحرمانه عن التصرّف، إذ لا يلزم منه تضرّر المالك، غاية الأمر يلزم حرمانه من النفع الكثير لا الحرمان المطلق.
وبذلك تقف على ضعف ما استدلّ به الشيخ الأعظم على الجواز، حيث استدلّ عليه بوجهين:
1. إنّ حبس المالك عن الانتفاع بملكه وجعل الجواز تابعاً لعدم تضرّر الجار حرج عظيم.
يلاحظ عليه: أنّ الحرج المنفيّ عبارة عن الحرج الوارد على الإنسان إذا منع عن حقوقه الشرعية القانونية، وأمّا الحرج الوارد على الإنسان لأجل عدم الانتفاع بما لم يُشرّع له فليس بمرتفع، وقد عرفت قصور قاعدة السلطنة عن الشمول للمورد، ولذلك لا يعدّ المنع عن الانتفاع عن الملك بما هو خارج عن السلطنة على المال في نظر العقلاء لا يعدّ ضرراً ولا حرجاً.
2. أنّ تضرر الجار في المقام معارض بما دلّ على عدم وجوب تحمّل الضرر عن الغير كما يدلّ عليه تجويز الإضرار مع الإكراه.1
يلاحظ عليه: بالفرق الواضح بين المقام وبين ما سبق من عدم وجوب تحمّل الضرر عن الغير، حيث هناك أنّ الضرر كان متحقّقاً كالسيل الجارف وكان متوجّهاً إلى دار الغير فقد سبق أنّه لا يجب تحمّل الضرر المتوجّه إلى دار

1 . رسالة نفي الضرر: 46، إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، وقد سقط من العبارة لفظ:«لعدم» وهي موجودة في المطبوعة ضمن ملحقات المكاسب.

صفحه 225
الغير، بتوجيهه إلى داره ليصون به دار الغير عن الضرر، وأمّا المقام فليس هنا ضرر متحقّق متوجّه إلى الغير حتى لا يجب عليه تحمّله، بل الموجود هو منعه عن التصرّف للانتفاع الأكثر، فأين هو من تحمّل ضرر الغير؟
وبذلك ظهر أنّ الحقّ هو المنع في الصورتين الأُولتين، وإليك الكلام في الصور الثلاث الباقية.
الصورة الثالثة: إذا دار الأمر بين الضررين فلو تصرّف في ملكه يتضرّر الجار، ولو ترك، يتضرّر هو نفسه، ولهذه الصورة حالتان:
1. أن يُعدَّ تصرّفه في ملكه تصرّفاً في ملك الغير، كما إذا كان حفر الأرض سبباً لحدوث صدع في بناء الغير، أو إيقاد النار علّة لتسويد داره، إلى غير ذلك من الأمثلة، فلا شكّ أنّه حرام موجب للضرر، لأنّ قاعدتي السلطنة و اللا ضرر بالنسبة إلى الشخصين على السواء، فلو جاز للمالك أن يتصرّف في ملكه بالحفر لجاز للآخر منع التصرّف في ملكه، ولو كان منع المالك عن التصرّف ضرريّاً، لكان التصرّف في ملك الجار ولو بالتسبب ضررياً أيضاً، فمقتضى الجمع بين الحقين تجويز التصرّف مع ضمان ما يطرأ على الدار وغيرها من الضرر.
2. لا يعدّ تصرّفه في ملكه في نفس الوقت تصرّفاً في ملك الغير، لكن لو تصرّف لتضرّر جاره مآلاً، ولو ترك لتضرّر هو بنفسه كما هو الحال في الأمثلة التالية:
1. إذا حفر بئراً للبالوعة يُقذِّر تدريجياً ماء بئر الجار لقربها من بئره، فحفر البئر في ملكه إضرار للجار وليس تصرّفاً في ملك الجار.
2. إذا نصب مِدْفأة، قريباً من جدار الجار، ولم يكن له مكان سوى ذلك،

صفحه 226
وكان تركه سبباً لضرره لحاجته إلى الحرارة في الشتاء وفِعله سبباً للإضرار بالغير.
3. اشترى أرضاً بثمن غال وأراد بناء طبقات يعد ترك البناء إضراراً للمالك، وفعله إضرار للجيران.
فتفترق هذه الصورة عن السابقة لوجود المقتضي لإعمال السلطنة فيشمله قوله: «الناس مسلّطون على أموالهم»، فللمالك أن يتصرّف في ملكه بحفر البئر ونصب المدفأة وبناء الطبقات، فالمقتضي للتصرّف موجود لكنّه مقرون بالمانع، أي «قاعدة لا ضرر» من جانب الجار. لكنّها أيضاً معارضة بضرر المالك فيسقطان، فيكون المرجع قاعدة السلطنة، فيجوز ما لم يخرج عمّا هو المتعارف عند العقلاء وأهل العرف.
وإلى ما ذكرنا ذهب الشيخ الأنصاري فقال: «وإن كان لدفع الضرر فلا إشكال بل لا خلاف في جوازه، لأنّ إلزامه بتحمّل الضرر وحبسه عن ملكه لئلاّ يتضرّر الغير حكم ضرري منفي، مضافاً إلى عموم: «الناس مسلطون على أموالهم».
وكان عليه (قدس سره)أن يشير إلى الضرر من جانب الجار وأنّهما يتعارضان وتصل النوبة إلى عموم «الناس مسلّطون على أموالهم».
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم أورد إشكالاً وقال: إذا فرض أنّه يتضرّر بالترك فالضرر ابتداءً يتوجّه إليه ويريد دفعه بالتصرّف، وحيث فرض إنّه إضرار بالغير رجع إلى دفع الضرر الموجّه إليه، بإضرار الغير وقد تقدّم عدم جوازه.1

1 . قاعدة نفي الضرر: 44.

صفحه 227
وحاصل الإشكال: أنّ المقام من قبيل دفع السيل المتوجّه إلى داره، بتوجيهه إلى دار غيره، وقد تقدّم عدم جوازه.
ثمّ إنّه (قدس سره)أجاب بما حاصله:
وجود الفرق بين المقامين واضح، فإنّ ما ذكر سابقاً راجع إلى ما إذا كان سبب الضرر أمراً خارجاً عن حيطة الشخصين كالسيل الجارف، لا ما إذا كان عامله تصرّف أحدهما في ملكه كما في المقام، وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ الأعظم بقوله: «إنّ ما تقدّم من عدم جواز إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس إنّما هو في تضرّر الغير الحاصل بغير تصرّف المالك في مال نفسه، وأمّا إذا كان دفع الضرر عن نفسه بالتصرّف في ماله، المستلزم لتضرّر الغير فلا نسلم منعه، لأنّ دليل المنع هو دليل نفي الضرر، و من المعلوم أنّه قاض في المقام بالجواز; لأنّ منع الإنسان من التصرّف في ماله لدفع الضرر المتوجّه إليه ضرر عظيم وحرج منفي.1
فظهر من ذلك أنّ الحقّ أنّ المقتضي للتصرّف موجود والمانع، أعني: قاعدة «لا ضرر» ينتفي بالتعارض، والمرجع هو قاعدة السلطنة.
ثمّ للمحقّق النائيني في المقام كلام تعرّضنا إليه في الدورة السابقة وناقشناه، ومن أراد فليرجع إلى ما انتشر من بحوثنا في تلك الدورة.2
وبما ذكرنا حول الصورة الثالثة، تبيّن حكم الصورة الرابعة والخامسة من دون حاجة إلى تطويل، لأنّ الدليل في الجميع واحد، وأنّ الحرجين أو الضرر والحرج يتعارضان ويسقطان وتصل النوبة إلى قاعدة السلطنة.

1 . قاعدة نفي الضرر: 44.
2 . الرسائل الأربع:127.

صفحه 228

التنبيه العاشر

لو ترتّب من تكليف فرد، ضررٌ على فرد آخر

لو ترتّب من تكليف فرد بحكم، ضررٌ على فرد آخر، فهل يرتفع وجوبه أو لا؟ كما إذا كان صوم الحامل المقرب أو المرضعة، مضرّاً بالحمل أو الرضيع.
الظاهر نعم. أمّا على القول المختار في تفسير الحديث، فلأنّه داخل في إضرار الناس بعضهم لبعض، وقد نهي عنه.
وأمّا على مختار المشهور، فلأنّ إيجاب الصوم عليها حكم ضرري على الولد وإن لم يكن ضرريّاً على الصائمة، غير أنّ الناس لدى الشارع سواسية. فإيجاب الصوم عليها في هذا الظرف لا يجتمع مع القول بأنّه لا حكم ضرريّ مجعول في الإسلام.
قال السيد الطباطبائي: الحامل المقرِب الّتي يضرّها الصوم أو يضرّ حملها، فتفطر، وتتصدّق من مالها بالمدّ أو المدّين وتقضي بعد ذلك.
وقال أيضاً: المرضعة القليلة اللبن إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بالولد، يجب عليها التصدّق بالمدّ أو المدّين من مالها، والقضاء بعد ذلك.1
وفي صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «الحامل المقرب، والمرضعة القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان، لأنّهما لا تطيقان الصوم، وعليهما أن يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ

1 . العروة الوثقى:369ـ 370، كتاب الصوم، الفصل 11.

صفحه 229
يوم تفطران فيه بمدّ من طعام، وعليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه، تقضيانه بعد».1

التنبيه الحادي عشر

فيما إذا كان المكلّف سبباً لتوجّه حكم ضرري

إذا أتى بفعل، يتعلّق به حكم شرعي ضرري، كما إذا أتى أهله وكان استعمال الماء مضرّاً له، فهل تعمّه القاعدة وتكون رافعة لهذا الحكم الضرري، أو لا، إذا قلنا بمقالة الشيخ في تفسير القاعدة؟
الحقّ هو الأوّل، لأنّ إيجاب الغسل في هذه الحالة لا يجتمع مع نفي الحكم الضرري، وكون المكلّف سبباً لتوجّه الحكم الضرري، وإن كان صحيحاً، لكن الجزء للعلّة التامّة للضرر، هو إيجاب الشارع ولولاه لما توجّه إليه الضرر، لكراهة المكلّف عن استعمال الماء وإنّما أورد الضرر حكم الشارع بالاغتسال.
نعم على ما ذكرنا من اختصاص القاعدة بما إذا كان الناس مبدأ للضرر فلا تشمله القاعدة، لأنّ المنفيّ هو الضرر الآتي من جانب الناس، لا الشارع، والمفروض في المقام هو الثاني دون الأوّل.

سؤال وإجابة

أمّا السؤال فهو أنّ المشهور قد أفتى في مسائل بما ربّما يخالف ما ذكرنا

1 . الوسائل: 7، الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

صفحه 230
في المسألة السابقة، حيث يظهر منهم عدم شمول القاعدة للضرر الذي كان المكلّف سبباً لحدوثه وذلك في المسائل التالية:
1. لو أقدم عالماً وعامداً على المعاملة الغبنية، فالعقد عندهم لازم دون أن يكون للقاعدة فيها دور كأن يرتفع اللزوم أو الصحّة.
2. إذا غصب ألواحاً وصنع بها سفينة، يجب على الغاصب ردّ الألواح وإن استلزم خسارة.
3. إذا بنى بناء في الأرض المستأجرة أو غرس فيها أشجاراً، يجب عليه تخليص الأرض من البناء والأشجار وإن استلزم خسارة عند انقضاء أجل الإجارة مع طلب المالك التخليص.
فأيّ فرق بين هذه الأحكام ووجوب الغسل والكلّ ضرري والمبدأ فعل المكلّف.
أمّا الجواب: وجود الفارق بين المسألة وهذه الموارد وهو وجود قاعدة أُخرى في هذه الموارد الموجبة لرفع الضمان، دون المسألة، وهي قاعدة «الهتك» فإنّ من هتك احترام ماله، فلا يضمنه إلاّ نفسه، وذلك في عامة الأمثلة المتقدّمة، فإنّ مَن باع ما يسوِّي عشرة دنانير، بثلاثة، فقد هتك احترام ماله، فلا يتحمله إلاّ نفسه.
ومنه يظهر حال الأمثلة الأُخرى فإنّ من يغصب ألواحاً، ويصنع بها سفينة، يعلم أنّه محكوم بالرد في تمام الحالات، وأنّ ردّها بعد صنعها يلازم الضرر، فهو هاتك حرمة ماله، ومثله إذا بنى أو غرس في الأرض المستأجرة وهو يعلم بأنّه سيؤمر بتخليص الأرض منها، وإنّ مثله يزامن الضرر، فيكون هو المبدأ للضرر دون الشارع.

صفحه 231
أمّا قاعدة «لا ضرر» فهي منصرفة عن مثل هذه الموارد التي صار المكلّف سبباً للضرر المالي، فكأنّ قاعدة الهتك تصير مانعة عن الشمول أو سبباً للانصراف.
وإن شئت قلت: إنّ تسلّط الغير على مال المالك بلا إذنه حكم ضرري تعمّه قاعدة «لا ضرر» وتنفيه، وأمّا تسليط المالك غيره على ماله بنحو من الأنحاء فهو إمضاء لسلطنته. بل ربّما يكون عدم إمضائه حرجاً على المالك، إذ ربّما يتعلّق الغرض بالمعاملة على وجه المحاباة أو يكون غرس الشجر وإيجاد البناء في الأرض المستأجرة مؤقّتاً مورد رغبة المستأجر، فإنّ الحكم بعدم نفوذه، إبطال لسلطانه وهو ضرر أكثر.

إجابة المحقّق النائيني عن السؤال

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن بعض الأمثلة بوجه آخر، قال: «إنّ هدم البناء وكسر السفينة ليس ضرراً; لأنّه مع فرض كون اللوح أو الخشب مغصوبين لم يكن صاحب السفينة مالكاً لتركّب السفينة ولا صاحب الدار مالكاً لبنائها، فهذه الهيئة الحاصلة لها إذا لم تكن مملوكة له فرفعها ليس ضرراً، لأنّ الضرر عبارة عن نقص ما كان واجداً له.
يلاحظ عليه: أنّ واقع السفينة لو كان مجرّد ضمّ اللوح إلى اللوح والخشب إلى الخشب لكان لما ذكر وجه، لأنّه إذا لم يكن مالكاً للألواح والأخشاب لا يكون مالكاً للهيئة الحاصلة منها، لكنّه ليس كذلك بل يتركّب وراء الألواح والأخشاب من موادّ مختلفة مملوكة لصاحبها وتتعرض للدمار والهلاك إذا حاول المالك ردّهما إلى صاحبها، ومثلها البناء في الأرض المستأجرة.

صفحه 232
أضف إلى ذلك: أنّه لا يتم في البناء في الأرض المستأجرة، فإنّ المستأجر كان يملك المواد والهيئة، لكونها ملكاً له، فرفع البناء يعدّ ضرراً عليه.
وبذلك يظهر ضعف ما أفاده ثانياً حيث قال: إنّ الغاصب لم يكن مالكاً من أوّل الأمر لإدخال الخشب في البناء، ونصب اللوح في السفينة فلا يكون مالكاً لإبقائهما فيهما، وكما لا ضرر عليه في ردّهما إلى مالكهما قبل البناء والغصب فكذا بعدهما.1
وجه الضعف واضح، إذ كيف يمكن الحكم بتسويتهما في كلتا الحالتين مع أنّه يتضرر في تخريب البناء فيذهب ما صرفه من الأُجرة للعمال سدى كما عرفت .

إذا توضّأ وضوءاً ضرريّاً مع الجهل بالضرر

ذكر الفقهاء من شرائط وجوب الوضوء عدم مانع من استعمال الماء من مرض أو خوف أو عطش أو نحو ذلك، وإلاّ فهو مأمور بالتيمّم.
قال السيد الطباطبائي بعد ذكر هذا الشرط: «ولو توضّأ والحال هذه بطل، ولو كان جاهلاً بالضرر صحّ وإن كان متحقّقاً في الواقع، والأحوط الإعادة أو التيمّم».2
وقال في مكان آخر: «لو كان أصل الاستعمال مضرّاً وتوضّأ جهلاً أو

1 . رسالة قاعدة لا ضرر، للخوانساري:219.
2 . العروة الوثقى: 1 / 420 ، فصل شرائط الوضوء، الشرط السابع. يرد: الاحتياط بالإعادة إذا ارتفع المانع، والتيمّم إذا لم يرتفع.

صفحه 233
نسياناً، فإنّه يمكن الحكم ببطلانه، لأنّه مأمور واقعاً بالتيمّم».1
الظاهر قوّة القول الثاني ـ أعني: البطلان ـ لأنّ الألفاظ موضوعة للمصاديق الواقعية والمنفي في قوله: «لا ضرر» هو الحكم الضرري الواقعي، سواء أكان المكلّف عالماً أم لا، ومعه، كيف يصحّح جعل الوجوب على مثل ذلك الوضوء؟
فإن قلت: إذا كان المنفي هو الحكم الضرري الواقعي، فلماذا قيّد الفقهاء خيار الغبن بما إذا جهل المغبون، وأمّا مع العلم به فلا يحكم بالخيار، فلو كان المنفي هو الحكم الضرري الواقعي، فلابدّ أن يتفاوت بين علمه وجهله.
قلت: قد مرّ نظير ذلك، وهو أنّ المغبون إذا كان واقفاً على الغبن ومع ذلك أقدم بنفسه فقد هتك حرمة ماله، فقاعدة لا ضرر منصرفة عن ذلك المورد، لأنّ المنع عن سلطنته على ماله وعن تنفيذ عقده، ضرر آكد، وحرج أشد.
ومنه يظهر حكم خيار العيب، فهو مشروط بجهل المشتري بالعيب في المبيع، فلو علم بالعيب فالخيار ساقط للوجه الذي عرفته.
فالأقوى في المسألة بطلان غسله ووضوئه وإعادة الصلاة إذا ارتفع المانع، والتيمّم إذا لم يرتفع.

نظرية المحقّق النائيني

ثمّ إنّ السيد الخوئي تبعاً لأُستاذه ذهب إلى صحّة الوضوء وعدم لزوم التيمّم، وكلّ واحد أوضحه بوجه خاص أمّا التلميذ فقال:

1 . العروة الوثقى: 1 / 443، المسألة 34، مسائل متفرقة.

صفحه 234
1. أنّ مفاد حديث «لا ضرر» هو نفي الحكم الضرري في عالم التشريع، والضرر الموجود في موارد الجهل لم ينشأ من الحكم الشرعي ليرفع بدليل «لا ضرر» وإنّما نشأ من جهل المكلّف به خارجاً ومن ثمّ لو لم يكن الحكم ثابتاً في الواقع، لوقع في الضرر أيضاً.1
يلاحظ عليه: أنّ مفاد الحديث هو نفي الحكم الضرري الواقعي، سواء أكان الشارع هو المبدأ للحكم الضرريّ، أو كان الحكم الضرريّ ناشئاً عن جهل المكلّف في المقام، لكن نفي الحكم الضرريّ مطلقاً لا يجتمع مع كون الوضوء الضرريّ واجباً في حال الجهل كما لا يخفى.
2. أنّ قاعدة «لا ضرر» وردت امتناناً على الأُمّة الإسلامية، فكلّ مورد يكون نفي الحكم فيه منافياً للامتنان لا يكون مشمولاً لدليل لا ضرر، و من المعلوم أنّ الحكم ببطلان الطهارة المائية الضررية الصادرة حال الجهل، لأجل كونها ضررية والأمر بالتيمّم مخالف للامتنان، فلا يشمله دليل لا ضرر.2
يلاحظ عليه: أنّ المراد من كونها قاعدة امتنانية كونها مسوقة للامتنان نظير كون رفع الإكراه والاضطرار كذلك، وأمّا لزوم وجود الامتنان في كلّ مورد، فليس بلازم.
أضف إلى ذلك: أنّ مجرّد عدم شمول القاعدة لهذا المورد، غير كاف في صحّة الوضوء، إذ غايته عدم وجود ذلك المانع في طريق صحّته، ولكن المانع ليس منحصراً فيه، بل يكفي في البطلان ما سيوافيك من حرمة الإضرار بالبدن والأعضاء، وعندئذ يكون الوضوء مصداقاً للإضرار وهو محرّم، وحرمته

1 . مصباح الأُصول: 2/545.
2 . رسالة قاعدة لا ضرر للخوانساري: 215ـ 216.

صفحه 235
مانعة عن وصفها بالصحّة، إذ يكون مبغوضاً والمبغوض لا يصحّ التقرّب به، من دون فرق بين القول بعدم جواز اجتماع الأمر والنهي وتقديم جانب النهي، أو بجوازه، لأنّ التقرّب بالأمر المبغوض أمر غير معقول، كما إذا قتل ابن المولى بتصوّر أنّه عدوه فهو و إن كان معذوراً من حيث التكليف، لكن لا يصحّ التقرّب بمبغوضه، ومثله المقام حيث إنّ الإضرار محرّم عليه، فكيف يتقرّب به؟!
اللّهمّ إلاّ أن يقال بما أنّه جاهل بالحرمة يتمشّى منه قصد القربة وإن لم يكن مقرّباً في الواقع، ولكن تبقى في المقام مشكلة عدم الأمر واقعاً ومعه كيف يكون صحيحاً مبرئاً للذمّة إلاّ أن نقول بكفاية الملاك، كما عليه المحقّق الخراساني في مبحث الترتّب، وسيوافيك عدم العلم بالملاك ووجود الفرق بينه وبين الترتّب.

التنبيه الثاني عشر

هل الرفع رخصة أو عزيمة؟

لو قلنا بتفسير الشيخ وأنّ مفاد القاعدة هو نفي الحكم الضرري، كنفي الحكم الحرجي يقع الكلام في أنّ الرفع رخصة يجوز للمكلّف مخالفته، أو عزيمة لا يجوز خلافه، وتظهر الثمرة في المسائل التالية:
1. إذا كان استعمال الماء مضرّاً ومع ذلك تحمّل الضرر وتوضّأ أو اغتسل، فعلى القول بالرخصة يحكم عليهما بالصحّة، دون القول بالعزيمة، لأنّ المرفوع على الأوّل هو الوجوب دون الجواز، بخلافه على الثاني فالمرفوع هو الجواز.

صفحه 236
والعجب من السيد الطباطبائي حيث فصّل بين الاستعمال المضرّ والاستعمال المحرج، فحكم بالبطلان في الأوّل، دون الثاني،1 مع أنّ لسان الدليلين واحد، وهو نفي الضرر والحرج، بل لسان الثاني في نفي الجعل أوضح من لسان نفي الضرر حيث يقول سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيم).2
2. إذا صام الشيخ والشيخة وكان الصوم عليهما ضرريّاً.
3. إذا صام المريض وكان الصوم عليه ضرريّاً.
4. إذا صامت الحامل المقرب التي يضرّ بها الصوم أو يضرّ بولدها.
5. إذا صامت المرضعة وأضرّ بها الصوم أو بولدها.
فيقع الكلام في كون الرفع رخصة أو عزيمة وأنّ المرفوع هو الوجوب أو الجواز، الظاهر أنّ الرفع عزيمة وأنّ المرفوع هو الجواز، فلا يصحّ الغسل والوضوء الضرريان، بل يجب عليهما التيمّم، مكانهما، كما لا يصحّ الصوم إذا كان ضرريّاً ولابدّ من قضاء ما صام. ويدلّ على المختار وجوه:
الأوّل: هو أنّ قوله (عليه السلام): «لا ضرر» إخبار عن عدم الضرر في المجتمع الإسلامي، ومن المعلوم أنّ الإخبار عنه مع شيوعه، غير صحيح ولا يصدر عن المعصوم ولابدّ من مصحّح لهذا الخبر القطعي، وهو أنّ الشارع لمّا نظر إلى صفحة التشريع رأى خلوّها عن أيّ تشريع ضرري فصار ذلك سبباً لإخباره عن عدم الضرر، وذلك لأنّه قطع دابر الضرر ومجوّزه وهو التشريع الضرري، وهذا نظير قول المدير: «لا فوضى ولا هرج» فيخبر عن عدمهما مع

1 . العروة الوثقى:155، فصل في التيمّم، المسألة 18.
2 . الحج:78.

صفحه 237
وجودهما، والمصحّح هو أنّه قطع دابر الفوضى بالمنع عنها، ومثل هذا الإخبار لا يصحّ إذا لم يشرع أي حكم ضرري، لا أن يرفع وجوبه ويترك جوازه.
وبعبارة أُخرى: والشارع الحكيم الذي يخبر عن عدم الضرر في المجتمع ، لا يصحّ له هذا الهتاف إلاّ إذا كانت صحيفة التشريع خالية عن أيّ حكم ضرري واجباً كان أم جائزاً، وإلاّ فلو كان مشتملاً على الضرر الجائز دون الواجب لا يصحّ له النداء بأنّه لا حكم ضرري، فالنفي على الإطلاق يلازم العزيمة.
الثاني: ما يدلّ على أنّ الترخيص في بعض المقامات هدية من اللّه سبحانه لعباده، ومَن خالف الترخيص فقد ردّ هدية اللّه وهو إهانة له.1
روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سمعته يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه عزّ وجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن ترد عليه».2
روى السكوني عن الصادق (عليه السلام)،عن آبائه، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ اللّه أهدى إليّوإلى أُمّتي هدية لم يهدها إلى أحد من الأُمم، كرامة من اللّه لنا، قالوا :وما ذاك يا رسول اللّه؟ قال: الإفطار في السفر والتقصير في الصلاة، فمن لم يفعل ذلك فقد ردّ على اللّه عزّو جلّ هديّته».3

1. لاحظ: الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.
2 . الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث7.
3 . الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

صفحه 238
الثالث: ما رواه الصدوق قال: وقال (عليه السلام): «كلّما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب».1
الرابع: ما يختصّ برفع الحرج فإنّه سبحانه يقول: (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيم) فيخبر عن نفي إنشاء الحكم الحرجي، ومن المعلوم أنّ الحكم الحرجي يعمّ الجائز واللازم، وكون المكلّف مختاراً في الترك لا ينافي كون الحكم الجائز حرجياً.
هذه هي الأدلّة التي ساقتنا إلى القول بأنّ الرفع عزيمة لا رخصة.
نعم استدلّ المحقّق النائيني على كون الرفع عزيمة لا رخصة بوجه آخر، وهو أنّه لو صحّ الوضوء الضرري يلزم أن يكون ما في طول الشيء في عرضه، وهذا خلف، لأنّ التكليف لا ينتقل إلى التيمّم إلاّ إذا امتنع استعمال الماء خارجاً أو شرعاً، وإذا كان مرخصاً شرعاً في الطهارة المائية فلا يدخل في مَن لا يجد الماء حتى يشمله قوله عزّ وجلّ: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً)2 .3
يلاحظ عليه: أنّ كون التيمّم في طول الوضوء ليس كوقوع المعلول في طول العلّة حتى يستحيل تقارنهما، بل يتّبع كيفية اعتباره عند فقد الماء، فإن اعتبره عند امتناع استعماله خارجاً وشرعاً يتعيّن التيمّم، وإن اعتبره مع جواز استعماله أيضاً، فلا يتعيّن كما إذا قال: إذا امتنع استعماله خارجاً أو لم يمتنع ولكن جاز ترك استعماله لأجل أن لا يضرّ، فليتيمّم.

1 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
2 . النساء:43، المائدة:6.
3 . رسالة قاعدة لا ضرر للخوانساري:217.

صفحه 239
وأمّا الآية فيلاحظ أوّلاً: أنّ الظاهر أنّها ناظرة إلى الامتناع خارجاً وليست ناظرة إلى حالة التشريع حتى يفسّر بالامتناع خارجاً أو شرعاً.
وثانياً: لو قلنا بشمولها، فتفسير الآية تابع لكيفية اعتبار جواز التيمّم، فإن فرّعه على الامتناع التكويني والتشريعي فلا يجتمعان، وإن فرّعه على الامتناع التكويني وجواز الترك التشريعي بمعنى جواز ترك استعمال الماء للضرر، فيجتمعان، وليس الجمع بين الجوازين ببديع وقد ورد في موارد:
1. فيمَن دخل فراشه فنسي أن يتوضّأ، فله أن يتيمّم وهو في الفراش، مع أنّ له أن يترك الفراش، والذهاب إلى التوضّؤ بالماء.
2. إذا أراد أن يصلّي على الميّت فيجوز له التيمّم مع وجدان الماء، كما يجوز له التوضّؤ.
***

دليل القائل بالصحّة

استدلّ القائل بصحّة الأعمال الضررية والحرجية بوجوه:
1. أنّ الوضوء أو الغسل الضرريّين والحرجيّين وإن كانا غير واجبين، لحكومة القاعدة على الحكم الشرعي الأوّلي، لكنّهما مشتملان على الملاك الذي به وجبا.
يلاحظ عليه: أنّ اشتمال الموضوع على الملاك إنّما يستكشف من خلال تعلّق الأمر به، ومع افتراض عدمه، من أين يعلم باشتماله عليه.
وإن شئت قلت: إذا أخبر الشارع عن عدم تشريع حكم على مثل ذلك الوضوء، فمن أين يعلم أنّه مشتمل على نفس المصلحة التي يشتمل عليها

صفحه 240
الوضوء المأمور به، و قياسه بالمتزاحمين كالصلاة بالنسبة إلى الإزالة قياس مع الفارق يعلم بالتأمّل.
2. أنّ المرفوع بقاعدة الضرر هو الفصل، أعني: اللزوم، دون الجنس، أعني: الجواز.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الوجوب ليس مدلولاً لفظياً للأمر حتى يكون مركّباً من جنس، أعني: الجواز، وفصل، أعني: مع المنع عن الترك; بل هو عبارة عن حكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى حتى يتبيّن عدم وجوبها.
وثانياً: أنّ القول بارتفاع اللزوم دون الجواز دقّة فلسفية لايصار إليها، وأمّا العقود الضررية فلو كان المستند هو القاعدة فالمرفوع هو الصحّة، لا اللزوم وإن كان غيرها فللقول به مجال.
3. أنّ الوضوء مأمور به بقاعدة الترتّب التي يكفي في صدور الأمر، إمكانه فالمكلّف مأمور (بالتيمّم) وإن عصى فيتوضأ.
يلاحظ عليه: أنّ إطلاق القاعدة ينفي حتى مثل هذا الحكم الضرري، والقول به إنّما هو في مورد ليس فيه دليل حاكم على نفيه عند ترك الأهم، وبذلك يفترق قولنا: «إذا كان استعمال الماء مضرّاً فتيمّم وإن عصيت فتوضّأ»، عن قولنا: «أزل النجاسة وإلاّ فصلّ»، والفرق عدم وجود حاكم على نفي وجوب الصلاة في طرف عصيان الأمر بالأهم، دون الأمر بالوضوء عند عصيان الأمر بالتيمّم.

صفحه 241

خاتمة المطاف

الإضرار بالنفس

الإضرار بالنفس من المسائل التي يبتلي بها المكلّف في عصورنا هذه، نظير الدفاع عن الإسلام والمسلمين وإن كلّفه حياته، أو قتل المرأة نفسها تخلّصاً من الاعتداء على عرضها، أو الانتحار بغية التخلّص من مرض صعب العلاج.
وثمّة مسائل عامّة تدور حول تلك القاعدة، كالتدخين، وتعاطي المخدّرات، أو إهداء عضو من الأعضاء كالكلية للفاقدين لها، ومباراة الملاكمة التي كثيراً ما تنتهي إلى نقص أو جرح أو كسر لبعض الأعضاء، وتلويث البيئة الطبيعية التي ينجم عنها الإضرار بالنفس والغير، إلى غير ذلك من المسائل الجديدة التي ابتلى بها إنسان القرن العشرين.
وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً كمقدّمة:

أ. أقسام الضرر بالنفس

المراد من الضرر بالنفس ما يعود إلى شخص الإنسان، سواء عاد الضرر إلى بدنه، أو إلى عرضه، أو إلى ماله، فالجميع يدخل تحت عنوان الضرر الشخصي، وعلى ذلك ينقسم الضرر إلى الأقسام التالية:
1. الانتحار وقتل النفس.
2. نقص عضو من الأعضاء.
3. إخماد قوّة من القوى الجسمانية الظاهرية والباطنية، كإزالة صفات

صفحه 242
الرجولية والإنجاب في الإنسان.
4. تعريض النفس إلى الأمراض واعتلال المزاج من خلال استعمال الأفيون والمخدّرات.
5. الإضرار بماله دون أن يعود إليه بنفع يذكر وإن لم يبلغ حد التبذير والإسراف.
6. الإذلال لنفسه وشخصيته.
هذه هي الأقسام المتصورة.

ب. خروج الضرر المنجبر

إنّ محطّ البحث هو الإضرار غير المنجبر، وأمّا إذا كان هناك ضرر يُجبر بنفع مساو أو أكثر فهو خارج عن محطّ البحث، وهذا كما إذا تحمّل السفر الشاقّ لأجل التجارة أو كسب المقام أو العلم، فلا شكّ أنّ العقلاء لا يرون ذلك ضرراً، لأنّ الضرر هو النقص، ولا نقص هناك بعد ما عاد الرجل من سفره بثروة طائلة.

ج. خروج بعض الأقسام عن محطّ البحث

لا شكّ انّ الإضرار بالنفس إذا انتهى إلى قتل النفس أو قطع عضو من الأعضاء أو إخماد قوّة من القوى كالرجولية والإنجاب فهو محرّم لا خلاف فيه، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (وَلاتُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة).1
وقال سبحانه: (وَلاتَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً).(2)

1 . البقرة:195.   2 . النساء: 29.

صفحه 243
وأمّا قطع العضو أو إفساد القوى فهو أمر قبيح عند العقل وكفر للنعمة وتغيير لخلق اللّه سبحانه، فلا أظن بفقيه يُفتي بحلّيته إنّما الكلام في سائر الأقسام.

د. الرأي المشهور بين الفقهاء

إنّ المشهور بين الفقهاء منذ عصر مؤلّف «فقه الرضا» إلى يومنا هذا هي الحرمة، وكفى في ذلك، الفحص في أبواب مختلفة، وقد ذكرنا كلمات الفقهاء في بحوثنا الأُصولية، ومن أراد فليرجع إلى «الرسائل الأربع: الرسالة الثانية بقلم الشيخ الفاضل محسن الحيدري، حفظه اللّه» ولا نطيل البحث فيها، بل نقتصر بذكر عدة كلمات:
قال الشيخ الأنصاري في الفرائد: فكلّ إضرار بالنفس أو الغير محرّم غير ماض على مَن أضرّ.1
وقال في رسالته الخاصّة التي عملها في تفسير قاعدة «لا ضرر» : إنّ العلماء لم يُفرّقوا بين الإضرار بالنفس والإضرار بالغير.2
وقال: نعم قد استفيد من الأدلّة العقلية والنقلية تحريم الإضرار بالنفس.3
ويقول الإمام الخميني رحمه اللّه : يحرم تناول كلّ ما يضر بالبدن، سواء أكان موجباً للهلاك كشرب السموم القاتلة وشرب الحامل ما يوجب سقوط

1 . فرائد الأُصول: 415، طبعة رحمة اللّه.
2 . رسالة نفي الضرر:21ـ 22.
3 . رسالة نفي الضرر:21ـ 22.

صفحه 244
الجنين، أو سبباً لانحراف المزاج، أو لتعطيل بعض الحواس الظاهرة أو الباطنة، أو لفقد بعض القوى كشرب ما يقطع به قوّة الباه.1
ويقول السيد الخوئي(رحمه الله): تحرم السموم القاتلة، وكلّ ما يضرّ الإنسان ضرراً يعتدّ به، ومنه الأفيون المعبر عنه بالترياك، سواء أكان من جهة المقدار المستعمل منه، أم من جهة المواظبة عليه.2
هذه بعض كلمات الأعلام، غير أنّ السيد الخوئي (قدس سره)خالف ما ذكره في منهاجه وجوّز في بحوثه الأُصولية الإضرار بالنفس، وقال:
ولكن التحقيق عدم ثبوت ذلك على إطلاقه أي في غير التهلكة وما هو مبغوض في الشريعة الإسلامية المقدّسة كقطع الأعضاء ونحوه، فإنّ العقل لا يرى أيّ محذور في إضرار الإنسان بماله، بأن يصرفه كيف يشاء بدافع عقلائي3 ما لم يبلغ حدّ الإسراف والتبذير، ولا بنفسه بأن يتحمّل ما يضرّ ببدنه فيما إذا كان له غرض عقلائي، بل جرت سيرة العقلاء على السفر غير الخالي من الضرر على البدن بمقدار لو كان الحكم الشرعي موجباً لهذا المقدار من الضرر لكان الحكم المذكور مرفوعاً بقاعدة لا ضرر.4
يلاحظ عليه: أنّ بعض ما ذكره خارج عن محطّ البحث، لما علمت أنّ الضرر المنجبر بالنفع لا تشمله القاعدة وهو أمر رائج بين العقلاء، و المنافع

1 . تحرير الوسيلة: 2/163.
2 . منهاج الصالحين:2/337.
3 . لا يخفى أنّه إذا كان الإضرار بدافع عقلائي لا يطلق عليه الضرر لما عرفت أنّ البحث في الضرر غير المنجبر، فلابدّ من فرض الإضرار بالمال وصرفه في أغراض غير عقلائية وإن لم يبلغ حدّ الإسراف والتبذير.
4 . مصباح الأُصول: 2/549.

صفحه 245
الدنيوية لا تنفكّ عن الضرر بالبدن.
هذه هي المقدّمات اللازمة، فلندخل في صلب البحث، فنقول:
دلّ على حرمة الإضرار بالنفس الكتاب والسنّة والعقل.

الاستدلال على التحريم بالكتاب والسنّة

أمّا الكتاب فيكفي قوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) .1
وجه الاستدلال: أنّه سبحانه عطف على عمل السوء، الظلم بالنفس، والفرق بينهما أنّ المراد من عمل السوء هو الظلم بالغير ويقابله الظلم بالنفس، وكلاهما داخلان تحت الإثم المحرّم، قال سبحانه:
(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَن وَالإِثْم) .2
فتكون النتيجة حرمة الظلم على الغير والنفس على الوجه الكلي، وهو لا ينحصر بالمعاصي والمحرّمات الواردة في الكتاب والسنّة بعناوينها بل يعمّه وغيره، فكلّ شيء عُدَّ ظلماً على النفس فهو محرّم غير أنّ المعاصي من مصاديق الظلم على النفس لما يترتّب عليه من العقوبات.
وبذلك يظهر أنّ تخصيص الظلم بالنفس على خصوص الجرائم والمعاصي لا وجه له، بل يعم كلّ ما حرّمه الشارع أو ما يعدّ في العرف إضراراً على النفس وأمراً قبيحاً، وتعيين مصداقه بيد العرف.

1 . النساء:110ـ 111.
2 . الأعراف:33.

صفحه 246
وأمّا السنّة فيدّل على حرمة الإضرار لفيف من الروايات المبثوثة في أبواب الفقه، وإليك بيانها:

1. حديث لا ضرر

إذا كان مفاد قوله: «لا ضرر» هو نفي الحكم الضرري كما عليه المشهور في تفسير القاعدة فيشمل كلّ حكم ضرري، سواء أكان وجوباً أم إباحة، فالإضرار بالنفس إذاكان واجباً فهو حكم ضرري، كما أنّه إذا كان جائزاً أو مستحباً فهو أيضاً حكم ضرري يرتفع بعموم القاعدة.
وإن شئت قلت: إنّ الإضرار بالنفس لا يخلو من أحد أحكام خمسة، فلو كان حراماً فهو، وإلاّ فلو كان جائزاً بالمعنى الأعم داخلاً تحت الأحكام الأربعة الباقية، فهو حكم ضرري لا يجتمع مع نفي الحكم الضرري بصورة عامّة.
ويظهر من الشيخ عدم شمول القاعدة للضرر بالنفس بحجّة أنّ المنفيّ عبارة عمّا يكون حكم الشارع سبباً للإضرار لا اختيار المكلّف، وهو لا يصدق إلاّ إذا كان الإضرار واجباً دون ما يكون جائزاً موكولاً إلى اختيار المكلَّف، فإنّ سبب الإضرار عندئذ هو المكلّف، يقول ما هذا نصه: إنّ إباحة الإضرار بالنفس بل طلبُه على وجه الاستحباب ليس حكماً ضررياً ولا يلزم من جعله ضرر على المكلّفين.1
يلاحظ عليه: بما عرفت أنّ تشريع الإضرار على كلا الوجهين إيجاباً أو جوازاً ينافي عموم قوله: «لا ضرر» في لوح التشريع، ولا حكم ضرري في نطع التقنين. فتجويز الإضرار بالنفس وإباحته أو استحبابه حكم شرعي مجعول

1 . رسالة نفي الضرر: 21.

صفحه 247
ليس لصالح المكلّف بل لضرره، وهو يتنافى مع قوله: «لم أشرع حكماً ضررياً بتاتاً».
وبذلك يظهر النظر فيما ذكره المحقّق الخوئي تبعاً للشيخ حيث قال: إذا كان معنى قوله: «لا ضرر» هو نفي تشريع الحكم الضرري فهو يختصّ بجعل حكم إلزامي من الوجوب والحرمة، فانّه الذي يكون العبد ملزماً بامتثاله، فعلى تقدير كونه ضررياً كان وقوع العبد في الضرر مستنداً إلى الشارع بجعل الحكم الضرري.
وأمّا الترخيص في شيء يكون موجباً للضرر على نفس المكلّف أو على غيره فلا يكون مشمولاً لدليل نفي الضرر، لأنّ الترخيص في شيء لا يلزم المكلّف في ارتكابه حتى يكون الترخيص ضررياً، بل العبد باختياره وإرادته يرتكبه، فيكون الضرر مستنداً إليه لا إلى الترخيص المجعول من الشارع.1
والفرق بين الكلامين أنّ ظاهر كلام الشيخ نفي شمول القاعدة للحكم غير الإلزامي إذا انتهى إلى الضرر بالنفس، دونما إذا انجرّ إلى الضرر بالغير، بخلاف الكلام الثاني فإنّه صريح في عدم الشمول سواء استلزم الضرر بالنفس أو الغير حيث قال: موجباً للضرر على نفس المكلّف أو غيره.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الضرر على كلّ تقدير يستند إلى نفس المكلّف سواء كان الحكم إيجابياً أم إباحياً.
أمّا الثاني فواضح، وأمّا الأوّل فلأنّ الحكم الشرعي الإيجابي ليس سبباً

1 . مصباح الأُصول: 2/533.

صفحه 248
تامّاً لإيقاع الضرر وإنّما تتوسط بين الحكم الضرري ونفس الإيقاع، إرادة المكلّف واختياره كما تتوسّط أيضاً بين الحكم الإباحي وإيقاع الضرر.
نعم الفرق بينهما أنّ الشارع حثَّ على الإيقاع في صورة الإيجاب دون غيره، وهذا الفرق لا يكون فارقاً في أنّ الإضرار يعود إلى المباشر.
وثانياً: أنّ تشريع جواز الإضرار بالغير ينافي نفي جعل أيّ حكم ضرري، فلو أباح الشارع قتل النفس المحترمة وهتك الأعراض المصونة بلا إلزام، لما كان له أن يهتف ويقول لا حكم ضرري بحجّة أنّ العبد باختياره وإرادته يوقع الضرر.
ومن المعلوم أنّ ترخيص الإضرار رخصة من الشارع وتجويز له.

2. حديث وجوب الإفطار عند إضرار الصوم

ثمّة روايات تدلّ على وجوب الإفطار عند إضرار الصوم، روى الصدوق عنهم (عليهم السلام) : «كلّما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب».1
كما روى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصوم، قال (عليه السلام):« كلّ شيء من المرض أضرّ به الصوم فهو يسعه ترك الصوم».2
فقوله: «يسعه» لا ينافي ما رواه الصدوق من وجوب الإفطار، لأنّ الرواية الثانية بصدد نفي وجوب الصوم ولا نظر له إلى وجوب الإفطار أو جوازه.

1 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
2 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9.

صفحه 249
وعلى كلّ حال فإنّ إيجاب الإفطار لنفي الإضرار، يدلّ على أنّ الملاك هو الإضرار، فيمكن أن يقال بأحد أمرين:
1. أنّ الحرام هو الإضرار بالبدن واقعاً ووجوب الصوم في حال المرض من مصاديق ذلك الحرام الكلّي.
2. أنّ الحرام هو نفس الصوم في حال المرض ولكن بملاك الإضرار، وعندئذ فالإضرار وإن لم يكن مصبّاً للحرمة لكن يكون مبغوضاً عند الشارع، لأنّه لا يمكن أن يكون الصوم حراماً بذلك الملاك ولا يكون ملاكه وسببه مبغوضاً.
وربما يقال بأنّ وجوب الإفطار بملاك أنّ الصوم رد هدية اللّه تبارك وتعالى، وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن ترد عليه».1 فحرمة الصوم لأجل كونه رداً للهدية لا بملاك الإضرار.
ولكنّه كلام غير تام، إذ لا مانع أن يكون في الحكم ملاكان: إضرار بالنفس، وردُّ هدية للّه تبارك وتعالى، وما أحسن كلام المحقّق في «المعتبر» حيث قال: المريض لا يصحّ صومه مع التضرّر لقوله (عليه السلام): «لا ضرر ولا ضرار» ولو تكلّفه لم يصحّ، لأنّه منهيّ عنه، والنهي يدلّ على فساد المنهي عنه في العبادات ويجب عليه لو لم يتضرّر.2

1 . الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث7.
2 . المعتبر: 2/685.

صفحه 250

3. حديث لزوم التيمّم إذا كان استعمال الماء مضرّاً

اتّفق الفقهاء على لزوم التيمّم وترك الاغتسال إذا كان استعمال الماء مضرّاً; ويدلّ عليه ما رواه البزنطي عن الرضا (عليه السلام)في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح، أو يكون يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: «لا يغتسل ويتيمّم».1
وتقرير الاستدلال كالسابق، فإنّ المراد من الخوف على النفس هو خوف الضرر، فالحرام إمّا هو الإضرار على النفس إذا كان هناك مظنته والاغتسال مصداق من مصاديق ذلك الموضوع الكلّي، أو يكون الحرام نفس الاغتسال وتضرّر الإنسان ملاكه فهو طبعاً مبغوض شرعاً لا يمكن أن يكون جائزاً.

4. حديث ما يضرّ من الأطعمة

هناك روايات تدلّ على تحريم المضرّ من الأطعمة، وأنّه سبحانه لم يحرِّمها إلاّ لكونها مضرَّة، ولنذكر منها ما يلي:
روى مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني جعلني اللّه فداك لِمَ حرم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟
قال: «إنّ اللّه لم يحرِّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه، من رغبة منه فيما حرّم عليهم، ولا زهد فيما أحلّ لهم، ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم، فأحلّه لهم، وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه، وحرّمه عليهم.

1 . الوسائل:1، الباب 5 من أبواب التيمم، الحديث 7.

صفحه 251
ثمّ أباحه للمضطر وأحله له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلاّ به، فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك، ثمّ قال: أمّا الميتة فإنّه لا يُدْمنها (وفي نسخة: لم ينل منها) أحد إلاّ ضَعُفَ بدنه ونَحَل جسمُه وذهبت قوّته وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلاّ فجأة».1
والاستدلال بالحديث على غرار ما سبق والضمير المجرور(عنه) في قوله: «فعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه» يرجع إلى الموصول فتكون الميتة محرّمة لأجل الإضرار، وكذلك الدم، وعلى كلّ تقدير فالحرام إمّا هو عنوان الإضرار، والدم والميتة من مصاديق ذلك الحرام الكلّي، أو الحرام هو نفس تلك العناوين ولكن الإضرار علّة وملاك، ولا يصحّ أن يكون الشيء حراماً وملاكه غير مبغوض.
هذا وأنّ السيد الخوئي أورد على الاستدلال بالحديث بإشكالات أربعة، ولولا موقفه المسبَّق في مسألة الإضرار بالنفس لما حام فكره حول تلك الإشكالات، وإنّما هي وليدة اختيار جواز الإضرار بالنفس، وإليك الإشكالات ومناقشتها.
الإشكال الأوّل: أنّ الضرر لو كان علّة للتحريم يُستفاد منه عدم حرمة الميتة من نفس هذه الرواية، لأنّ المذكور فيها ترتّب الضرر على إدمانها، فلزم عدم حرمة الميتة من غير الإدمان(لعدم الملاك فيه) لأنّ العلّة المنصوصة تُعمِّم كما أنّها تُخصِّص.
مناقشتنا: أوّلاً: أنّ الموجود في بعض النسخ هو قوله: «لم ينل منها»

1 . الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1; وقد روي بأسانيد مختلفة تورث الاطمئنان بصدور الحديث.

صفحه 252
مكان «لا يُدمنها» فيكون الضرر كامناً في النيل منها لا في الإدمان، وتكون النتيجة حرمة أكل الميتة مطلقاً ولو مرّة.
وثانياً: أنّه يمكن أن يكون ملاك التحريم في صورة الإدمان هو الضرر، وأمّا في غير تلك الصورة، فملاك التحريم أمر آخر وهو أنّ تناول القليل وإن كان غير مضر لكنّه سيؤدِّي إلى تناول الكثير، وهذا أمر واضح في بعض المحرّمات، فإنّ المعتاد على المخدِّر ربّما يتناول شيئاً قليلاً منه على وجه لا يضر أبداً، ولكنّه يكون سبباً للاعتياد شيئاً فشيئاً، ولذلك حرّم الإسلام الإدمان على تناول الميتة بملاك الضرر، كما حرم القليل منها بملاك آخر وهو انتهاؤه إلى الإدمان عليها، وهذا ليس بعزيز، فإنّ الخمر حرام لإسكاره، ومع ذلك محرّم قليله الذي لا يُسكر أبداً.
وقد روي: «أنّ ما أسكر كثيره فقليله أيضاً حرام».1
فملاك التحريم في الكثير هو الإسكار كما أنّ ملاكه في القليل هو انتهاؤه إلى تناول الكثير.
الثاني: أنّه لو كان الضرر علّة للتحريم كانت الحرمة دائرة مداره، فإذا انتفى الضرر في موارد انتفت الحرمة، ولازم ذلك أن لا يحرم قليل من الميتة مثلاً بمقدار تقطع بعدم ترتّب الضرر عليه، مع أنّ ذلك خلاف الضرورة من الدين....
والفرق بين الإشكالين هو أنّ الأوّل منهما يُركِّز على أنّ الضرر يترتّب على إدمان أكل الميتة فلا يحرم إذا أكل لا مدمناً قليلاً كان المأكول أو كثيراً، ولكن الثاني يركّز على أنّ الضرر يترتّب على أكل الكثير ولو مرّة واحدة في

1 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 5.

صفحه 253
تمام العمر لا على القليل.
يلاحظ عليه: بما مرّمن أنّ المحرّم هو الأكل المضرّ، ولكن النهي عن أكل القليل منه لملاك آخر وهو ما عرفت من أنّ تجويزه القليل سيؤدّي إلى الكثير.
الثالث: أنّا نقطع بعدم كون الميتة بجميع أقسامها مضرّة للبدن، فإذا ذبح حيوان إلى غير جهة القبلة فهل يحتمل أن يكون أكله مضرّاً بالبدن مع الإدمان؟
يلاحظ عليه: أنّ الميتة في مصطلح القرآن والسنّة، هو ما مات حتف أنفه وإطلاقها على غير المذكّى مصطلح جديد في لسان المتشرّعة، من باب المجاز لوحدة حكمهما، والمقصود منها في الرواية هو الميتة في مصطلح العرف، أعني: ما إذا ما مات حتف أنفه، وهي مضرّة بلا شكّ.
أضف إلى ذلك: من أين تعلم بخلو غير المذكّى من الضرر، ونفيه على وجه الجزم ادّعاء محض.
الرابع: ما ورد في الروايات من ترتّب الضرر على أكل جملة من الأشياء كتناول الجبن في النهار، وإدمان أكل السمك، وأكل التفاح الحامض، إلى غير ذلك ممّا ورد في الأطعمة والأشربة، فراجع أبواب الأطعمة والأشربة من الوسائل مع أنّه لا خلاف ولا إشكال في جواز أكلها.1
يلاحظ عليه: أنّ تحليل الشارح أكل ما ذكر كاشف عن انجبار الضرر بنفع عاجل، وإلاّ فلو كان ضررها كضرر الميتة والدم لما أحلّها.
وبالجملة هذه الإشكالات ليست بمثابة تسبّب رفع اليد عن الرواية.

1 . مصباح الأُصول:2/550.

صفحه 254

5. حديث تحف العقول

روى الحسن بن علي بن شعبة عن الصادق (عليه السلام)قال: «أمّا ما يحل للإنسان أكله ممّا أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية... إلى أن قال: وكلّ شيء يكون فيه المضرة على الإنسان في بدنه وقوته فحرام أكله إلاّ في حال الضرورة».1

6. حديث فقه الرضا

اعلم يرحمك اللّه أنّ اللّه تبارك و تعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يُحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكلّ نافع مقو للجسم فيه قوّة البدن فحلال، وكلّ مضر يذهب بالقوّة فحرام.2
وإذا تفحّصت أبواب الأطعمة المباحة والمحرّمة في هذين الجزأين من «الوسائل» لوقفت على روايات كثيرة تعلّل الحلية والحرمة بالصلاح والفساد.
وكيفية الاستدلال كما سبق من أنّ الموضوع إمّا المضرّ، والعناوين المحرّمة مصاديق للحرام الواقعي، أو أنّ الحرام هو نفس تلك العناوين والضرر هو الملاك ولا يمكن أن يكون العنوان حراماً والملاك غير مبغوض.

7. حديث ما يضر بالبدن

روى إسحاق بن عبد العزيز قال سئل أبو عبد اللّه في التدليك بالدقيق بعد النورة؟ فقال: «لا بأس» قلت: يزعمون أنّه إسراف؟ فقال: «ليس فيما أصلح البدن إسراف ـ إلى أن قال: ـ إنّما الإسراف فيما أتلف المال وأضرّ بالبدن». وفي

1 . الوسائل: 17، الباب 42 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1.
2 . مستدرك الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 5.

صفحه 255
رواية أُخرى: «إنّما الفساد فيما أضرّ بالبدن وأتلف المال».1
فالرواية تعلّل حرمة الإسراف فيما يرجع إلى البدن، بالإضرار به، والاستدلال في الجميع على نمط واحد.

الاستدلال على التحريم بالعقل

لا شكّ أنّ العقل يستقبح الإضرار بالنفس من دون غرض عقلائي مسوِّغ له، ويستقلّ بلزوم الاجتناب عنه، ويستكشف منه، كونه عند الشارع كذلك لما ذكر في محلّه أنّ حكم العقل بالقبح والاجتناب عن شيء حكم على نفس الشيء بما هو هو من دون خصوصية للمدرِك فيستكشف أنّه أيضاً كذلك عند الشارع.
وأمّا زرع الأعضاء ، فإنّما يجوز شريطة إذن الطبيب المتخصّص بذلك، كما في إهداء إحدى الكليتين لمن يعاني من عطل في عمل كليتيه، لأنّ الكلية الواحدة ـ هي في الواقع ـ بديلة عن الأُخرى، فإذا كانت إحداهما كافية في إنجاز الوظائف المخوّلة إليها في نظر المتخصّص، فلا مانع من إهداء إحداها إلى المريض الآخر، ولكن لا يجوز ذلك في العين ولا في اليد، لأنّه نقص في العضو وإضرار بالبدن.
***
تمّت قاعدة
لا ضرر ولا ضرار

1 . الوسائل: 1، الباب 38 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 5.

صفحه 256
 
القواعد الفقهية
      73

قاعدة الرفع

قاعدة الرفع   
تضافر حديث الرفع ووجوده في مصادر الفريقين
دراسة مدلول الحديث، وأنّ المرفوع عموم الآثار
المرفوع هو الأثر المترتب على فعل المكلف، لا الأثر المترتب على الشيء الخارجي
الأقوال في معذورية الجاهل
نقل كلام السيد الجزائري والمحقّق الأردبيلي
الأحاديث العشرة الدالة على معذورية الجاهل بالحكم
حكم مَن أفطر جاهلاً بحكم الشيء المفطر
الأقوال الخمسة في المسألة
بيان ما هو المختار، والتفريق بين الغافل والشاك
بيان ما هو المختار في معذورية الجاهل
من القواعد المحدّدة للإطلاق والعمومات قاعدة الرفع، والأصل في ذلك ما رواه الصدوق في «التوحيد» و«الخصال» عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«رفع عن أُمّتي

صفحه 257
تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة».1
والرواية صحيحة بلا إشكال، وأحمد بن محمد بن يحيى وإن لم يوثّق ظاهراً إلاّ أنّه من مشايخ الصدوق، فهو أرفع من أن يحتاج إلى توثيق فأبوه محمد بن يحيى من مشايخ الكليني وهو من معاصريه وفي طبقته.
ورواها الكليني مرفوعة باختلاف يسير في آخرها.2
ورواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن إسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: وضع عن هذه الأُمّة ست خصال: الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه.3
والحديث مرسل لتأخّر طبقة أحمد بن محمد بن عيسى (المتوفّى عام 280هـ) ـ على القول المشهور ـ عن إسماعيل الجعفي الذي هو من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام).
وهناك صور أُخرى للرواية خلت من ذكر ما لا يعلمون.4
وفيما ذكرنا غنى وكفاية.
وأمّا مصادر أهل السنّة، فقد جاء فيها ما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه

1. الوسائل:11، الباب56، من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
2. لاحظ: الكافي:2/463، باب ما رفع عن الأُمّة، الحديث2.
3. الوسائل:16، الباب16 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث3.
4. لاحظ: الوسائل:16، الباب16 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث4 و 5 و 6.

صفحه 258
قال: «وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».1

دراسة مدلول الحديث

لقد تكلّم الأصوليّون في مبحث البراءة عن مفاد الحديث على وجه مبسوط، والذي يهمّنا في هذا المقام هو بيان ما هو المرفوع، فتارة يقال: إنّ المرفوع هو المؤاخذة، وأُخرى الأثر المناسب لكلّ من الأُمور التسعة، ولكنّ الحقّ أنّ المرفوع هو جميع الآثار، فإنّ مقتضى رفع الشيء عن صفحة التشريع يناسب كونه مسلوب الأثر على وجه الإطلاق، إذ عندئذ يصحّ للشارع أن يخبر عن خلو صفحة التشريع عمّا لا يعلمون، وأمّا إذا كان بعضها موضوعاً دون الآخر فلا يناسب القول بالرفع على وجه الإطلاق، وعلى هذا فلا فرق بين الآثار التكليفية كحرمة شرب الخمر، ووجوب جلد شاربها، أو الوضعية كالجزئية والشرطية عند الجهل بحكم الجزء والشرط. وتدلّ على أنّ المرفوع عموم الآثار، القرائن التالية:
1. إطلاق الحديث من جانب المرفوع فلا يختصّ بمرفوع دون مرفوع.
2. كونه حديث امتنان الذي يناسب رفع الجميع.
3. ظهور كون الرفع من خواص أُمّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لو اختصّ الرفع بالمؤاخذة أشكل الأمر في الجاهل خصوصاً إذا كان غافلاً، إذ تقبح المؤاخذة عليه بحكم العقل.

1. رواه بهذا اللفظ: ابن ماجة في سننه:1/659، برقم 2043، و 2045، والبيهقي في سننه:6/84، وابن حبّان في صحيحه:16/202، والهيثمي في مجمع الزوائد:6/250، والطبراني في المعجم الأوسط:8/161، وغيرهم.

صفحه 259
4. ما رواه البرقي عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن نصر البزنطي جميعاً، عن أبي الحسن(عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال(عليه السلام):«لا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا، وما لا يطيقوا، وما أخطأوا»1، فقد استدلّ الإمام(عليه السلام)بحديث الرفع عن رفع الحكم الوضعي، أعني: صحّة الطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، ومقتضى وحدة السياق كون الرفع أيضاً كذلك.
فإن قلت: إنّ الحلف على الأُمور الثلاثة باطل عندنا مطلقاً حتى في حال الاختيار فضلاً عن صورة الإكراه فيكون استدلال الإمام بالقاعدة من باب التقية لعدم الفرق بين حالتي الإكراه والاختيار.
قلت: قد أجاب عنه شيخنا الأنصاري في فرائده وقال: إنّ التقية في تطبيق الكبرى على المورد(الحلف على الأُمور الثلاثة)، لا في أصل القاعدة فهي حجّة في غير هذه الموارد.
وعلى ما ذكرنا فالجاهل معذور في الأحكام الوضعية والتكليفية إلاّ إذا دلّ الدليل على الاشتغال كما هو الحال في صيد المحرم، فإنّ الكفّارة تتعلّق بالعالم بالحكم والجاهل به.
روى الكليني بسند صحيح عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)قال: سألته عن المحرم يصيد الصيد بجهالة؟ قال(عليه السلام):«عليه كفّارة»، قلت: فإن أصابه خطأ؟ قال:«وأي شيء الخطأ عندك»؟ قلت: ترمي هذه النخلة فتصيب نخلة أُخرى، فقال:«نعم هذا الخطأ، وعليه الكفّارة».2

1. الوسائل:16، الباب12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث12; نقلاً عن المحاسن:136.
2. الوسائل:9، الباب31 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث2; ولاحظ سائر أحاديث الباب.

صفحه 260

المرفوع هو الأثر المترتّب على فعل المكلّف

الآثار الشرعية تارة تترتّب على فعل المكلّف كالحرمة المترتّبة على شرب الخمر، وأُخرى على ذات الشيء كالنجاسة المترتّبة على ذات الخمر، فالمرفوع هو الأوّل دون الثاني، فلو شرب الخمر جهلاً بالحكم فالمرفوع هو الحرمة دون نجاسة يده وما لاقاه الخمر.
فحديث الرفع دالّ على صحّة عبادة الجاهل وسائر أعماله إلاّ أن يدلّ دليل على الخلاف، وبما أنّا أشبعنا الكلام في مفاد الحديث في محاضراتنا الأُصولية، فلنقتصر بذلك، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «المبسوط».1

حكم الجاهل بالأحكام

ولمّا بلغ بنا الكلام إلى هنا ناسب أن نبحث عن حكم الجاهل بالأحكام، فإنّ القول المشهور ربّما يخالف ما استفدناه من حديث الرفع وإليك الأقوال:
1. عدم معذورية الجاهل إلاّ في موردين:
أ. الجهر والإخفات.
ب. القصر والإتمام.
وقد اشتهر قولهم: عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل، واستثنى بعض المعلّقين: ما إذا كان مطابقاً للواقع أو لفتوى مَن يجب عليه تقليده.2
2. ذهب جمع من المتأخّرين ومتأخّري متأخّريهم إلى معذورية

1. لاحظ: المبسوط:3/365ـ 389.
2. العروة الوثقى: فصل التقليد، المسألة7.

صفحه 261
الجاهل مطلقاً إلاّ في مواضع يسيرة، ونسب هذا القول في الحدائق إلى المحدّث السيد نعمة الله الجزائري.1 بل حكى عن المحقّق الأردبيلي صحّة صلاة العوام كيف كانت.2
3. ما نقله صاحب الجواهر عن بعض مشايخه وهو الفرق بين الجاهل المقصّر في السؤال وبين غير المقصّر.3
4. التفريق بين الغافل والشاك، أي بين غير المتنبّه للواقعة والمتنبّه.4
ويظهر من صاحب الجواهر إرجاع القول الثالث إلى الرابع حيث قال: التفصيل بين الجاهل المقصّر وبين غير المقصّر لعدم تنبّهه.(5)
ولعلّ القول الأخير الذي نعبّر عنه بالفرق بين الشاكّ والغافل هو الأوفق بالروايات، وإليك ما يدلّ على المعذورية في موارد خاصّة والتي تصلح لانتزاع ضابطة كلّية في عامّة الموارد، فالغافل معذور، لا يجب عليه القضاء والكفّارة دون المتنبّه الشاك، وإليك ما يدلّ على هذا القول.
وقبل دراسة الأدلّة نذكر ما ذكره السيد الجزائري في هذا المقام، فإنّ فيه إيضاحاً للمراد، قال: والناس في الأعصار السابقة واللاحقة كانوا يتعلّمون العبادات وأحكامها من الواجبات والمندوبات والسنن بعضهم من بعض من غير معرفة باجتهاد ولا تقليد، والعوام في جميع الأعصار حتى في أعصار الأئمّة(عليهم السلام) كانوا يصلّون ويصومون على ما أخذوا من الآباء ومن حضرهم من

1. الحدائق الناضرة:1/78، المقدمة الخامسة، والدرر النجفية:1/78 وسيوافيك كلامه.
2. مجمع الفائدة البرهان:2/54ـ55.
3. جواهر الكلام:16/255، فيمن استعمل المفطر جاهلاً بالحكم.
4. الحدائق الناضرة:1/78ـ 87، المقدمة الخامسة.   5 . جواهر الكلام:16/255.

صفحه 262
العلماء وإن لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد.
وأنت إذا تتبّعت عبادات عوام المذهب لا سيّما في الصلاة، ما تجد أحداً منهم إلاّ والخلل في عباداته خصوصاً الصلاة، ولا سيّما القراءة فيما يوجب بطلانها بكثير، فيلزم بطلان صلاتهم كلّها، فيكونون متعمّدين في ترك الصلاة مدّة أعمارهم بل مستحلّين تركها; لأنّهم يرون أنّ الصلاة المشروعة هي ما أتوا به وقد حكمتم ببطلانها، فهذه الداهية العظمى والمصيبة الكبرى على عوام مذهبنا مع تكثّرهم ووفورهم .1
وقال المحقّق الأردبيلي: وبالجملة كلّ من فعل ما هو في نفس الأمر وإن لم يعرف كونه كذلك، ما لم يكن عالماً بنهيه وقت الفعل حتى لو أخذ المسائل من غير أهلها، بل لو لم يأخذ من أحد، وظنها كذلك به وفعل، فإنّه يصحّ فعله، وكذا في الاعتقادات وإن لم يأخذها عن أدلّتها، فإنّه يكفي ما اعتقده دليلاً وأوصله إلى المطلوب ولو كان تقليداً.
ثم استدلّ بما رواه أبو أيوب الخزّاز عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن التيمّم؟ فقال: «إنّ عمّاراً أصابته جنابة فتمعّك كما تتمعّك الدابة، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عمّار تمعّكت كما تتمعّك الدابّة»، فقلت له: كيف التيمّم؟ فوضع يده على المِسح،2 ثم رفعها فمسح وجهه ثم مسح فوق الكف قليلاً.3 قوله: فتمعّك: من المعك وهو التمرّغ في التراب بجميع بدنه قياساً بالغسل.

1. لاحظ: الدرر النجفية:1/78ـ79.
2. المِسح ـ بالكسر ـ هو البلاس، أي البساط.
3. الوسائل:2، الباب11 من أبواب التيمّم، الحديث2.

صفحه 263
وقال: إن تأمّلت مثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار حين غلط في التيمم، قال: أفلا صنعت كذا، فإنّه يدلّ على أنّه لو فعل كذا لصحّ، مع أنّه ما كان يعرف.1
ولا يخفى أنّ بين نظر العلمين فرقاً واضح، لأنّ الثاني إنّما يقول بالإجزاء إذا كان عمل الجاهل مطابقاً للواقع، لا مخالفاً، بخلاف الجزائري فإنّه يقول بالإجزاء مطلقاً إلاّ ما خرج بالدليل، وليس كلام المحقّق الأردبيلي أمراً بعيداً، إذ عليه أغلب المعلّقين على العروة، حيث إنّ السيد الطباطبائي يقول ببطلان عمل العامي المجرّد عن الاجتهاد والتقليد والاحتياط، فجاء المتأخّرون استثنوا صورة، وهي ما إذا وافق عمل فتوى مَن يجب عليه الرجوع إليه بشرط صدور العمل العبادي مقروناً بالقربة.

ما يدلّ على معذورية الجاهل الغافل

1. صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«مَن لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه وهو مُحرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه».2
2. مرسلة جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما(عليهما السلام): في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلّها وطاف وسعى؟ قال: «تجزيه نيّته إذا كان قد نوى ذلك فقد تمّ حجّه، وإن لم يهل».3
3. روى الشيخ عن علي بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل كان متمتّعاً خرج إلى عرفات وجهل أن يُحرم يوم التروية بالحجّ حتى رجع إلى

1. مجمع الفائدة والبرهان:2/54ـ55. وقوله:«ألاّ فعلت كذا» جاء في رواية زرارة بالنحو التالي:«صنعت كذا ثم أهوى بيديه إلى الأرض» لاحظ الحديث 8 من نفس الباب.
2. الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث4.
3. الوسائل:8، الباب20 من أبواب المواقيت، الحديث1.

صفحه 264
بلده؟ قال:«إذا قضى المناسك كلّها فقد تمّ حجّه».1
4. ما رواه الشيخ عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: أنّ رجلاً أعجميّاً دخل المسجد يلبّي وعليه قميصه... فقال لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي كنت رجلاً أعمل بيدي واجتمعت لي نفقة، فجئت أحجّ لم أسأل أحداً عن شيء، وأفتوني هؤلاء أن أشقّ قميصي وأنزعه من قبل رجلي، وأنّ حجي فاسد، وأنّ عليّ بدنة، فقال له: متى لبست قميصك، أبعد ما لبّيت أم قبل، قال: قبل أن ألبّي، قال: فأخرجه من رأسك، فإنّه ليس عليك بدنة، وليس عليك الحجّ من قابل، أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعاً وصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهلّ بالحجّ، واصنع كما يصنع الناس».2
والقدر المتيقّن من هذه الأحاديث معذورية الجاهل بالحكم إذا كان غافلاً غير متنبّه، لا شاكّاً متنبّهاً ومتردّداً، فهو خارج عن مساق هذه الروايات.
والذي يشهد على أنّ القدر المتيقّن هو الجاهل الغافل الرواية التالية:
5. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة؟ أهي ممّن لا تحلّ له أبداً؟ فقال: «لا أمّا إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعدما تنقضي عدّتها، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك». فقلت: بأي الجهالتين أعذر: بجهالته أن يعلم أنّ ذلك محرّم عليه أم بجهالته أنّها في عدّة؟ فقال: «إحدى الجهالتين أهون من

1. الوسائل:8، الباب20 من أبواب المواقيت، الحديث2.
2. الوسائل:9، الباب45 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 265
الأُخرى، الجهالة بأنّ الله حرم عليه ذلك، وذلك بأنّه لا يقدر على الاحتياط معها». فقلت: وهو في الأُخرى معذور. فقال: «نعم إذا انقضت مدتها فهو معذور في أن يتزوجها».1
وجه الشهادة: أنّ الإمام (عليه السلام) حكم بأنّ الجاهل بالحكم غير قادر على الاحتياط، وهو منحصر بالجاهل الغافل لا الشاكّ، إذ هو قادر على الاحتياط، فدلّت الرواية على أنّ الجاهل الغافل عن الموضوع والحكم إذا تزوّج في العدّة فلا ينشر الحرمة مطلقاً دخل بها أو لا، غير أنّ الإطلاق خصّص بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا تزوّج الرجل المرأة في عدّتها ودخل بها لم تحلّ له أبداً عالماً كان أو جاهلاً، وإن لم يدخل بها حلّت للجاهل ولم تحلّ للآخر».2
ولذلك نرى أنّ الشيخ الحرّ العاملي علّق على صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وقال:هذا مخصوص بالغافل دون حالة الشكّ والشبهة; لأنّه لا يقدر على الاحتياط مع الغفلة.
وفي نفس الباب، روايات أُخرى تدلّ على معذورية الجاهل إذا تزوّج في العدّة ولم يدخل بها.
ويبقى في مورد الرواية سؤال وهو أنّ لازم القول بالتفصيل بين الغافل والشاكّ وحمل الفقرة الثانية عليه أن لا يكون الشاكّ في الموضوع معذوراً مع أنّ الإمام أيضاً وصفه بكونه معذوراً، والجواب أنّه يعد مستثنى من القاعدة التي اخترناها.

1. الوسائل:14، الباب17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث4.
2. الوسائل:14، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث3.

صفحه 266
6. ما ورد في الحدود في موثّقة ابن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر، فرفع إلى أبي بكر، فقال له: أشربت خمراً؟ قال: نعم، قال: ولم، وهي محرّمة؟ قال: فقال له الرجل: إنّي أسلمت وحسن إسلامي ومنزلي بين ظهراني1 قوم يشربون الخمر ويستحلونها (يستحلون)، ولو علمت أنّها حرام اجتنبتها، فالتفت أبو بكر إلى عمر، فقال: ما تقول في أمر هذا الرجل؟ فقال عمر: معضلة وليس لها إلاّ أبو الحسن، فقال أبو بكر: ادع لنا عليّاً، فقال عمر: يؤتى الحَكم في بيته، فقام والرجل معهما ومن حضرهما من الناس حتى أتوا أمير المؤمنين(عليه السلام) فأخبراه بقصّة الرجل وقصّ الرجل قصته، فقال: «ابعثوا معه مَن يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار مَن كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه»، ففعلوا ذلك به فلم يشهد عليه أحد بأنّه قرأ عليه آية التحريم، فخلّص عنه، فقال له:«إن شربت بعدها أقمنا عليك الحدّ».2
7. ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيام فأتمّ الصلاة، فإن تركه رجل جاهلاً فليس عليه إعادة».3
8. روى زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر(عليه السلام): رجل صلّى في السفر أربعاً، أيعيد أم لا؟ قال: «إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له

1. ظَهْرانيهم: وسطهم وفي معظمهم ويقال: رأيته بين ظَهراني الليل: بين العشاء والفجر.
2. الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ المسكر، الحديث1.
3. الوسائل:5، الباب17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3. أزمعت أي عزمت، وأزمع الأمر وبه وعليه: مضى فيه، وثبّت عليه عزمه. لسان العرب: 8 / 143، مادة «زمع».

صفحه 267
فصلى أربعاً أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».1
وعلى ضوء هذه الروايات فالغافل عن الحكم الشرعي بالكلّية معذور، بخلاف غير الغافل إذ عليه الفحص والتفتيش عن الأدلّة والسؤال، ويشهد على هذا التفصيل مضافاً إلى ما تقدّم من حديث عبد الرحمن بن الحجاج:
9. حسنة بُريد الكُناسي في حديث طويل، قال: قلت: فإن كانت تعلم أنّ عليها عدّة ولكن لا تدري كم هي؟ فقال: «إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتى تعلم».2
فإنّ قوله: «لزمتها الحجّة» بمعنى أنّ الشكّ كاف في الحكم بعدم كونها معذورة.
وممّا يدلّ على خروج الجاهل الشاكّ عن إطلاق هذه الروايات هو أنّ القول بصحّة عباداته ومعاملاته، يستلزم إقرار الجاهل على جهله، وهو بعيد عن روح الإسلام، وإلاّ يكون إرسال الرسل وإنزال الكتب قليل الفائدة، إذ لازم القول بالإطلاق هو عدم وجوب التعلّم والسؤال على الجاهل الشاكّ، وهو يلازم ما ذكرنا.
10. ما رواه مسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمد(عليهما السلام) وقد سُئل عن قوله تعالى: (قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)،(3) فقال: «إنّ الله تعالى يقول للعبد

1. الوسائل:5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4. أُريد بقوله: «فسّرت» أنّ قوله سبحانه:(لا جُناحَ) في آية التقصير، نظير قوله تعالى في آية السعي:(لا جُناحَ أن يَطَوّفَ بِهِما)، فالتقصير واجب مثل وجوب السعي بين الصفا والمروة، وأمّا وجه التعبير عن الحكم الوجوبي بقوله: (لا جُناحَ) فلنكتة مذكورة في الرواية، فلاحظ.
2. الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ الزنا، الحديث13.   3 . الأنعام:149.

صفحه 268
يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بماعلمت؟ وإن قال: كنت جاهلاً، قال: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة».1
ولعل فيما ذكرنا من الروايات في أبواب مختلفة كاف في إثبات ما اخترناه.

مَن أفطر عن جهل

نعم بقي الكلام في الروايات الواردة فيمن أفطر جهلاً بحكم (الشيء) المفطر، فإنّ للأصحاب فيه أقوالاً وإليك بيانها:
1. عدم وجوب القضاء والكفّارة على الجاهل، وهذا هو ما روي عن الشيخ في «التهذيب» وابن إدريس، قالا: إذا جامع أو أفطر جاهلاً بالتحريم لم يجب عليه شيء، وظاهره سقوطهما معاً، واحتمله في «المنتهى» لسقوط القلم عنه.2 وهو خيرة صاحب الحدائق جمعاً بين الطائفتين من الروايات.3
2. وجوب القضاء والكفّارة، وهو الظاهر من المحقّق في «الشرائع» حيث قال: كلّ ما ذكرناه أنّه يفسد الصيام، إنّما يفسده إذا وقع عمداً، سواء كان عالماً أو جاهلاً.4 والجاهل من أقسام العامد.
3. وجوب القضاء دون الكفّارة، وهو خيرة المحقّق في «المعتبر».5

1. أمالي الشيخ المفيد:228.
2. لاحظ: التهذيب:4/208; السرائر: 1 / 386 ; المنتهى: 9 / 99 .
3. الحدائق: 13 / 66 .
4. شرائع الإسلام:1/191.
5. المعتبر:2/662.

صفحه 269
وفي «المدارك» : وإلى هذا القول ذهب أكثر المتأخّرين، وهو المعتمد.1
ونقل في «الجواهر» قولاً رابعاً وهو التفصيل بين الجاهل المقصّر في السؤال فيجب عليه القضاء والكفّارة، وبين غير المقصّر فلا تجب عليه الكفّارة خاصّة، قال: واختاره بعض مشايخنا.2
وهناك قول خامس وهو التفريق بين الجاهل الشاك في الحكم والجاهل الغافل غير المتنبّه، فيجب القضاء والكفّارة على الأوّل دون الثاني، ولعلّه مقتضى الجمع بين الروايات.
إذا عرفت الأقوال فلنذكر الروايات، وهي على طوائف ثلاث:

الأُولى: ما يدلّ بإطلاقه على وجوبهما

1. ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن رجل يعبث بامرأته حتى يُمني وهو مُحرم من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان؟ فقال(عليه السلام):«عليهما جميعاً الكفّارة مثل ما على الذي يجامع».3
2. ما رواه سماعة، قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: «عليه إطعام ستين مسكيناً مدّ لكلّ مسكين».4
3. ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن النعمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه

1. مدارك الأحكام:6/606.
2. جواهر الكلام:16/255.
3. الوسائل:7، الباب4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث3.
4. الوسائل:7، الباب4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث4.

صفحه 270
سُئل عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان، فقال: «كفّارته جريبان من طعام وهو عشرون صاعاً».1
ووجوب الكفّارة لا ينفك عن وجوب القضاء، إذ لولا فساد العمل لما وجبت الكفّارة وفساد العمل يلازم القضاء.
ولو تمّ إطلاق الروايات فهي دليل قول المحقّق من وجوبهما.
وأمّا ما رواه عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا(عليه السلام) فالظاهر أنّه محمول على العامد، كما لا يخفى على مَن لاحظ الرواية.2

الطائفة الثانية: ما يدلّ على اختصاصهما بالعامد

1. ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّداً يوماً واحداً من غير عذر، قال:«يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً، فإن لم يقدر تصدّق بما يطيق».3
2. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال:سألته عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً؟ قال: «يتصدّق بعشرين صاعاً ويقضي مكانه».4وسيوافيك توضيحه في الحديث التالي.
3. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً؟ قال: «عليه خمسة عشر صاعاً

1. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث6.
2. لاحظ: الوسائل:7، الباب10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث1.
3. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث1.
4. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث4.

صفحه 271
لكلّ مسكين مدّ بمدّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل».1
4. ما رواه المشرقي 2 عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أيّاماً متعمّداً، ما عليه من الكفّارة؟ فكتب:«مَن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوماً بدل يوم».3
5. ما رواه سماعة، قال: سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمّداً؟ قال: «عليه عتق رقبة أو إطعام ستّين مسكيناً أو صوم شهرين متتابعين وقضاء ذلك اليوم، ومن أين له مثل ذلك اليوم».4
ثمّ إنّ صاحب الحدائق جمع بين الطائفتين بتقييد الطائفة الأُولى بالثانية، فخرج بالنتيجة التالية وهي ثبوت القضاء والكفّارة في المتعمّد دونهما في غيره.5
وأورد في «المستند» على هذا الجمع: بأنّه لا يصحّ الاستناد إلى قيد تعمّد الإفطار، لورود القيد كما في السؤال أو في الجواب أيضاً لذكره في السؤال، الموجب لعدم اعتبار مفهوم له.6
يلاحظ عليه: أنّ اهتمام السائل أو الإمام بهذا القيد يكشف عن كون الارتكاز عن مدخليته في الحكم، وإلاّ لما كان هناك داع لذكره في السؤال أو الجواب.

1. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث10.
2. وهو هشام بن إبراهيم، لاحظ رجال النجاشي برقم 1169.
3. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث11 .
4. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث13.
5. الحدائق الناضرة:13/130.
6. مستند الشيعة:10/327.

صفحه 272
فيصحّ تقييد الطائفة الأُولى بالثانية ويثبت التفصيل. ويمكن تأييد هذا القول بطريق آخر وهو التشكيك في وجود الإطلاق في الطائفة الأُولى، فإنّ المتبادر منها هو العمد كما في قوله: عن رجل يعبث بامرأته حتى يمني وهو محرم، أو رواية سماعة: عن رجل لزق بأهله فأنزل، كلّ ذلك يتبادر منه أنّ المكلّف كان واقفاً على الحرمة، بشهادة أنّه محرم.
نعم: الذي يمكن أن يقال في الطائفة الثانية: إنّ الشاكّ في الحكم من أقسام المتعمّد حيث إنّه مع تردّده في الحكم قام بالفعل فمثله يُعدّ عامداً، كمن إذا تردّد في كون إنسان محقون الدم أو مهدوره فقتله، فيُعدّ عامداً لا خاطئاً، فالقدر المتيقّن من الروايات المخصّصة المقيّدة هو الجاهل الغافل غير الشاك وغير المتنبه، وهو أيضاً يلوح من صاحب الجواهر.1

الطائفة الثالثة: ما هو صريح في معذورية الجاهل

ويدلّ بعض على معذورية الجاهل نظير:
1. ما تقدّم في رواية عبد الرحمن بن الحجاج من أنّ الجاهل بالحكم لا يقدر على الاحتياط، وقد قلنا إنّه مختصّ بغير الشاكّ وغير المتنبّه، وإلاّ فالشاك قادر على الاحتياط.
2. موثّقة زرارة وأبي بصير، قالا جميعاً: سألنا أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان وأتى أهله وهو محرم، وهو لا يرى إلاّ أنّ ذلك حلال له؟ قال: «ليس عليه شيء».2

1. جواهر الكلام:16/255.
2. الوسائل:7، الباب9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث12.

صفحه 273
فإنّ الرواية هي الرواية الحاسمة الجامعة بين الروايات، فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الجاهل بالحكم غير المتنبّه يسقط عنه القضاء والكفّارة في عامّة الأبواب، إلاّ إذا دلّ دليل على فساد العمل من وجوب القضاء أو الكفّارة كما في صيد المحرم فالكفّارة واجبة على العالم والجاهل.
ثمّ إنّ القول بالإجزاء وعدم القضاء والكفّارة إنّما هو فيما إذا تحقّق منه الإمساك عن الأكل والشرب، وإن لم يُمسك عن البعض الآخر، كالارتماس في الماء وغيره وإلاّ، فعليه القضاء قطعاً لعدم صدور عمل منه يقوم مقام الواجب، وقد أوضحنا ذلك في مبحث الإجزاء في الأُصول. وإنّ القول به فيما إذا قام المكلّف بعمل شرعي فاقد للشرائط أو الإجزاء دون ما لم يقم بعمل أصلاً.
***
تمّت
قاعدة الرفع

صفحه 274
 
القواعد الفقهية
      74

قاعدة

لزوم الوفاء بالمنذور
قاعدة لزوم الوفاء بالمنذور   
تعريف النذر
دليل مشروعية النذر
أقسام النذر
ما هو الشرط المعلّق عليه؟
دليل المخالف
النذر يحدّد أحكام العناوين الأوّلية
لو شكّ في كون الشيء طاعة
من القواعد المحدّدة للإطلاقات والعمومات، قاعدة لزوم الوفاء بالنذر والعهد واليمين، فإنّ المنذور قد يكون مستحبّاً، لكنّه يصبح بتعلّق أحد العناوين الثلاثة واجباً، بالعرض، لما سيوافيك أنّ الوجوب يتعلّق بالوفاء أوّلاً وبالذات لقوله تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)1، وبالمنذور ثانياً وبالعرض،

1. الحج:29.

صفحه 275
وسيوافيك توضيحه، ومثله العهد واليمين.
إذا عرفت ذلك فلنذكر شيئاً ممّا يتعلّق بماهيّة النذر، ومن خلاله يظهر حال العهد واليمين، وقبل الورود في الموضوع نذكر أُموراً تمهيدية فنقول:

1. تعريف النذر

النذر: ـ لغة ـ الوعد. و ـ شرعاً ـ : الالتزام بالفعل أو الترك على وجه مخصوص، وعرّفه في «الدروس» بقوله: التزام الكامل المسلم المختار القاصد غير المحجور عليه، بفعل أو ترك، لقوله:لله، ناوياً القربة.1

2. دليل مشروعيته

يدلّ على مشروعية النذر قوله تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)2، وقوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا)3، مضافاً إلى الإجماع والسنّة والسيرة.

3. أقسام النذر

ينقسم النذر إلى: نذر البِرّ، ونذر الزجر، ونذر التبرّع.
والأوّلان رهن وجود شرط به يكون النذر نذرَ برّ أو زجر، فنذر البرّ كأن يقول: إن عافاني الله أو رزقني ولداً فللّه عليّ كذا، وأمّا نذر الزجر كأن يقول: إن كذبت فللّه عليّ كذا، أو إن تركت واجباً أو مستحبّاً فللّه عليّ كذا، وهذان

1. الدروس الشرعية:2/149.
2. الحج:29.
3. الإنسان:7.

صفحه 276
القسمان ـ أعني: نذر البرّ ونذر الزجر ـ من أقسام النذر المعلّق أي ما يشتمل على شرط وجزاء.
وأمّا نذر التبرّع فهو أن يقول: لله عليّ كذا، دون أن يعلّقه على شيء.
قال المحقّق: ولا ريب في انعقاد النذر بالأُوليين أي المعلّق بكلا قسميه، وفي الثالثة خلاف والانعقاد أصح.1
ونسب الخلاف إلى السيد المرتضى حيث قال: إنّ العرب لا تعرف من النذر إلاّ ما كان معلّقاً كما قاله تغلب، والكتاب والسنّة وردا بلسانهم، والنقل على خلاف الأصل. ونقله الطريحي في «مجمع البحرين» مادة «نذر».2ولكن الظاهر وقوعه.
وما ذكر من أنّ النذر هو الوعد بشرط يخالف ما حكي عن بعضهم أنّه مطلق الوعد، وعلى كلّ تقدير فظاهر الكتاب صحّته لقوله سبحانه عن امرأة عمران:(رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)3، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ نذرها كان معلّقاً فكأنّها قالت: إن كان ما في بطني ذكراً فهو محرّر.
وقد ورد في بعض الروايات ما يدلّ على صحّة النذر المتبرّع، نظير:
1. ما رواه عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«مَن جعل لله عليه ألاّ يركب محرماً سمّاه، فركبه... إلى أن قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكيناً».4

1 . شرائع الإسلام: 3/186.
2. مجمع البحرين:3/491، مادة «نذر».
3. آل عمران:35.
4. الوسائل:16، الباب19 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث 1.

صفحه 277
2. ما رواه أبو بصير عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«مَن جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر لله فيه طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً».1
إلى غير ذلك من الروايات.

4. ما هو الشرط في المعلّق عليه؟

يقع الكلام في النذر المعلّق في مقامين:
1. ما هو الشرط في المعلّق عليه؟
2. ما هو الشرط في المعلّق؟
أمّا المقام الأوّل، فنقول: إذا قصد بالنذر الشكر، فيلزم أن يكون الشرط ممّا يَحسُن الشكر عليه، سواء أكان من فعل الله سبحانه، كأن يقول: إن عافاني الله فعليّ كذا; أو فعل النفس، كما إذا قال: إن وفقني الله لصلاة الليل، فيشترط عندئذ كونه واجباً أو مندوباً أو ترك محرّم أو ترك مكروه، فيلتزم بالمنذور شكراً لله تعالى حيث وفّقه إليه، ولذلك لا ينعقد النذر لو علّقه شكراً على ترك واجب أو مندوب أو فعل حرام أو مكروه، إذ لا موضوع للشكر.
هذا إذا قصد بالنذر الشكر، وأمّا إذا قصد به الزجر، فيكفي كون الشرط فعل محرّم أو مكروه أو ترك واجب أو ترك مندوب; وأضاف في «الجواهر»: ترك مباح راجح أو متساوي الطرفين،2 وهو في محلّه; لأنّ الميزان تحقّق الزجر عند الناذر، فلو كان المباح ممّا ينزجر عنه الناذر كفى في تحقّق الشرط.

1. الوسائل:16، الباب 25 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث2.
2. جواهر الكلام: 35/376.

صفحه 278

5. ما هو الشرط في المعلّق؟

هذا هو المقام الثاني، وربّما يعبّر عنه بمتعلّق النذر، فضابطه وجود الرجحان الشرعي فيه كأن يكون طاعة لله، مقدوراً للناذر، فهو إذن مختص بالعبادات كالحج والصوم والصلاة والهدي والصدقة والعتق; لصحيحة أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل قال: عليّ نذر؟ قال:«ليس النذر بشيء، حتى يسمّي لله شيئاً صياماً، أو صدقة، أو هدياً، أو حجّاً».1
فلو نذر محرّماً أو مكروهاً لم ينعقد إجماعاً، إنّما الكلام فيما إذا نذر شيئاً متساوي الطرفين أو كان راجحاً في الدنيا، فهل ينعقد أو لا؟ المشهور: عدم الانعقاد. ويدلّ عليه مضافاً إلى ما مرّ من صحيحة الكناني ما يلي:
1. ما راوه أبو بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يقول: عليّ نذر؟ قال: «ليس بشيء حتّى يسمّي شيئاً، ويقول: عليّ صوم لله، أو يتصدّق، أو يعتق، أو يهدي هدياً، فإن قال الرجل: أنا أهدي هذا الطعام، فليس هذا بشيء إنّما تهدى البُدن».2
وجه الدلالة: أنّ الاهتمام بالأمثلة التي كلّها من مقولة الطاعة يرشدنا إلى أنّه يشترط في المنذور (المتعلّق) الرجحان، وهي لا تخلو إمّا أن تكون واجبة أو مستحبة أو ترك حرام أو ترك مكروه. و «البُدن» جمع «البدنة» وهي الإبل على قول، أو أعمّ منه ومن الناقة والبقرة.
2. ما رواه ابن عباس قال: بينما النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب إذا هو برجل قائماً في

1. الوسائل:16، الباب1 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث2، ولاحظ سائر أحاديث الباب.
2. الوسائل:16، الباب1 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث3.

صفحه 279
الشمس، فسأل عنه، فقال: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم فلا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلّم ويصوم؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«مروه، فليتكلّم وليستظل وليقعد، وليتمّ صومه».1
ويؤيّد ما ذهب إليه المشهور أنّ الناذر يجعل المتعلّق لله ويملّكه له، كما يحكي عنه قوله:«لله عليّ»، ومن المعلوم أنّ ما هو المناسب لجعل الشيء لله، ما يكون من مقولة الطاعة وأمراً راجحاً، وإلاّ فالأمر المباح المتساوي الطرفين لا يصلح لذلك.

دليل المخالف

ذهب الشهيد في «الدروس» إلى صحّة النذر بالمباح، واستدلّ عليه بروايتين:
1. ما رواه الحسن بن علي عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: قلت له: إنّ لي جارية ليس لها منّي مكان ولا ناحية، وهي تحتمل الثمن، إلاّ أنّي كنت حلفت فيها بيمين، فقلت: لله عليّ أن لا أبيعها أبداً، ولي إلى ثمنها حاجة مع تخفيف المؤنة، فقال:«فِ لله بقولك له».2
يلاحظ عليه: ما احتمله في الوسائل من كون عدم البيع أرجح مثل كونها حافظة للقرآن أو معلّمة للأحكام، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون سبب الرجحان. أضف إلى ذلك: وجود الضعف في السند، فإنّ أبا عبد الله الرازي مطعون فيه، ذكر النجاشي في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى استثناء ابن

1. صحيح البخاري:7/234، ولاحظ: سنن البيهقي:10/75.
2. الوسائل:16، الباب17 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث11.

صفحه 280
الوليد أبا عبد الله الرازي من كتاب نوادر الحكمة.1
2. ما رواه يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، عن أبيه:«أنّ امرأة نذرت أن تقاد مزمومة بزمام في أنفها، فوقع بعير فخرم أنفها، فأتت عليّاً(عليه السلام)تخاصم، فأبطله، فقال:«إنّما نذرت لله».2 أي تقاد المرأة مثقوباً أنفها فوقع بعير على المرأة فخرق أنف المرأة، وظاهره انعقاد مثل هذا النذر.
يلاحظ عليه: ما في «الوسائل» من أنّ الحديث لا يدلّ على صحّة هذا النذر، بل على عدم الضمان، لكونها هي التي فرطت وأذنت. ولعلّ الظروف لم تكن صالحاً لبيان بطلان النذر.
وربّما يفصل بين النذر المعلّق وغيره، فاعتبر الطاعة في الأوّل واكتفى في الثاني بالمباح الراجح.3
يلاحظ عليه: أنّ مورد ما دلّ على الرجحان هو النذر غير المعلّق فلاحظ رواية أبي بصير وابن عباس، وعلى هذا يقع التعارض بينه وبين ما دلّ على عدم شرطية الرجحان، والترجيح مع الصنف الأوّل، لما عرفت من وجود الضعف في السند في الرواية الأُولى، والدلالة في الثانية.
وعلى كلّ تقدير فالعمل بهاتين الروايتين في مقابل سائر الروايات وما عليه جل الأصحاب، أمر مشكل.
***
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يشترط في المعلّق عليه ـ إذا كان النذر نذر

1. لاحظ: معجم رجال الحديث:15/51.
2. الوسائل:16، الباب17 من أبواب كتاب العهد والنذر، الحديث8.
3. اللمعة الدمشقية:78.

صفحه 281
شكر ـ أن يكون قابلاً لأن يُشكر عليه، بأن يكون أمراً محبوباً عند الناذر مطلوباً لديه، وأمّا إذا كان النذر، نذر الزجر، فيكفي كونه أمراً غير مطلوب لدى الزاجر، وأمّا المعلّق الذي يعبّر عنه بالمتعلّق فلابدّ أن يُعدّ طاعة لله، قابلاً لأن يُملَّك لله سبحانه، وهو لا يصحّ إلاّ أن يكون طاعة لله، فما اشتهر بين الفقهاء من لزوم الرجحان في النذر فقد أُريد به الطاعة في المتعلّق.
إلى هنا تمّ ما أردنا بيانه من مقدّمات تمهيدية لما سنذكره تالياً.

النذر يحدّد أحكام العناوين الأوّلية

إذا عرفت ما ذكرنا فلنرجع إلى ما هو المطلوب من عقد هذه القاعدة، وهو كون عنوان النذر محدّداً لإطلاق المطلقات وشمول العمومات، وذلك لأنّ النذر لو تعلّق بالواجب أو ترك الحرام، فيكون مؤكّداً لوجوب الشيء أو حرمته، فلو ترك الواجب أو ارتكب الحرام فقد خالف ربّه في أمرين:
1. ترك الواجب أو ارتكاب الحرام.
2. عدم الوفاء بالنذر وتترتّب عليه الكفّارة. ففي هذين الموردين ليس لدليل النذر دور في التحديد.
وأمّا إذا تعلّق بالمستحبّ أو ترك المكروه، فيصير الفعل أو الترك واجبين لكن بالعرض لا بالذات، وذلك لاختلاف متعلّق الأمر والنهي مع متعلّق النذر، لأنّ الأمر الاستحبابي أو النهي الكراهي تعلّقا بذات الشيء بما هوهو، مستحب أو مكروه، وأمّا الأمر النذري فقد تعلّق بالوفاء بالنذر فيكون الأمر بالوفاء بالنذر واجباً بالأصالة والمتعلّق واجباً بالعرض.
ويترتّب على ذلك أنّه لو نذر صلاة الليل فليس له أن ينوي الوجوب،

صفحه 282
بل عليه أن يأتي بصلاة الليل بوصف الاستحباب لغاية الوفاء بالنذر، فلو أتى بها بنية الوجوب، لم يف بنذره.
وبما ذكرناه ظهر حكم العهد واليمين فلا نطيل الكلام فيهما.
وبما ذكرنا يظهر الضعف فيما أفاده بعض الأعاظم حيث قال: إنّ النذر إذا تعلّق بعبادة مستحبة يندك الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبي الجائي من قبل النذر لوحدة متعلّقهما فيكتسب الأمر النذري الوجوبي التعبّدية من الاستحباب، والأمر الاستحبابي يكتسب اللزوم من الوجوبي فيتولّد منهما أمر وجوبي عبادي.
وجه الضعف: أنّ الأمر الاستحبابي تعلّق بعنوان صلاة الليل والأمر الوجوبي تعلّق بعنوان الوفاء بالنذر، فالعنوانان في ظرف تعلّق الأحكام مختلفان، ومتّحدان في الوجود الخارجي ولكنّه ليس ظرف تعلّق الحكم.
أضف إلى ذلك: أنّه لا معنى معقول لما ذكر من الاكتساب والتولّد، إذ بأي دليل يكتسب الأمر غير العبادي، العبادية; وغير الوجوبي، الوجوب.1

لو شكّ في كون الشيء طاعة

لو شكّ في كون الشيء طاعة هل يمكن أن يحرز كونه طاعة بدليل النذر؟ مثلاً إذا نذر أحد إن رزق ولداً أن يتوضّأ بالماء المضاف وقد رزق ولداً فعليه الوضوء بالماء المضاف لقوله:(وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)2.
التحقيق: لا; لأنّه يجب الوفاء بالنذر الذي ثبت كون الإتيان به طاعة لله،

1. لاحظ : تهذيب الأُصول: 1/402.
2. الحج:29.

صفحه 283
والمفروض عدم إحراز الصغرى لوجود الشكّ في كونه طاعة أو لا، فكيف يمكن التمسّك بالكبرى دون إحراز الصغرى؟!
نعم ورد أنّ الصوم في السفر والإحرام قبل الميقات باطل إلاّ إذا نذر أن يصوم في السفر أو يحرم قبل الميقات ولكنّه منصوص.1
وقد أشبعنا الكلام فيه في محاضراتنا الأُصولية.2
بقي هنا شيء وهو أنّه يشترط في النذر، القربة وأُريد به تضمّن الصيغة للقربة كما يقول: «لله عليّ» ولا يحتاج بعدها إلى قوله: قربة إلى الله، أو: لله ونحوه.3
وأيضاً: أنّه يكفي قولنا: «لله عليّ كذا» ولا يعتبر قصد امتثال الأمر النذري، لما عرفت أنّه أمر توسّلي لا يتوقّف حصول الامتثال إلى قصد أمره، وقد بسط الكلام في ذلك صاحب الجواهر4 فلاحظ.
***
تمّت قاعدة
لزوم الوفاء بالمنذور

1. لاحظ: الوسائل: 7، الباب10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1; و ج8 ، الباب13 من أبواب المواقيت، الحديث1.
2. لاحظ: المبسوط في أُصول الفقه:2/370ـ 375.
3. الروضة البهية:3/39.
4. جواهر الكلام:35/371ـ 374.

صفحه 284
 
القواعد الفقهية
      75

قاعدة

لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبيّ وآله
قاعدة لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبي وآله   
المناصب الثلاثة للنبي وآله(عليهم السلام)
أ. تفويض بيان الشريعة
ب. نفوذ قضائهم
ج. كونهم حكّاماً سائسين
حقّ التصرّف في الأموال والأنفس
ثبوت هذه المناصب للفقيه الجامع للشرائط
الأحكام الولائية ليست تدخّلاً في التشريع
من القواعد المحدّدة لعموم العمومات وإطلاق المطلقات ما دلّ على لزوم العمل بالأحكام الولائية الصادرة عن النبي وآله(عليهم أفضل الصلاة والسلام) حيث إنّ لهم(عليهم السلام)مناصب ومقامات:

صفحه 285

1. تفويض بيان الشريعة إلى النبي وآله

فالنبي والأئمة من أهل بيته قد فوّض إليهم بيان الأحكام وكونهم وسائط بين الله سبحانه وسائر الناس في بيان الفرائض والمحرّمات والمستحبّات والمكروهات، وهذا أمر لا شبهة فيه.

2. نفوذ قضائهم

إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو القاضي الأوّل في الإسلام ينفذ قضاؤه ويحرم ردّه، قال سبحانه:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)1 وبما أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)خلفاء الرسول بنص حديثي الثقلين والسفينة، فيثبت لهم هذا المنصب الذي كان للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

3. كونهم حكاماً سائسين

إنّ للنبي وراء هذين المنصبين منصباً ثالثاً وهو كونه حاكماً ورئيساً يباشر أُموراً تُعدّ من صميم العمل السياسي والنشاط الحكومي. ويدلّ عليه أمران:

1. سيرته في الفترة المدنية

لمّا هاجر النبي إلى المدينة واستوطن فيها وضع أُسس الحكومة الإسلامية في ظلّها وقام بأعمال لا يقوم بها إلاّ السائس القائم بأُمور البلد نظير:
1. أنّه عقد بين أصحابه وبين القبائل المتواجدة في المدينة ـ كاليهود

1. النساء:65.

صفحه 286
وغيرهم ـ اتّفاقية وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلامية.1
2. أنّه جهّز الجيوش وبعث السرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة العربية، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم، وقام بمناورات عسكرية لإرهاب الخصوم.
3. بعث السفراء والمندوبين إلى الملوك والزعماء يدعوهم إلى الإنضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظل دولته والقبول بحكومته الإلهية، وقد جمعت تلك الرسائل في كتاب بعنوان «مكاتيب الرسول».
4. نصب القضاة وعيّن الولاة وأوصاهم بما أوصاهم به.
5. فرض الضرائب في أموال المسلمين وتجاراتهم دون أن يخسر بها أصحاب الأموال، وفي الوقت نفسه بها قوام الحكومة.
إلى غير ذلك من الأُمور التي لا يقوم بها إلاّ الإنسان السائس الحاكم ويحقّقها من أجل تشكيل دولة قادرة على إنجاز خططه ومشاريعه.

2. النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحقّ التصرّف في الأموال والأنفس

أعطى الله سبحانه للنبي ولاية التصرّف في الأموال والأنفس، لا برغبة شخصية بل لمصالح عامّة، بها قوام المجتمع وسيادة الهدوء فيه، ونشر الإسلام، يقول سبحانه:(النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)2 والمراد بالأولوية، الأولوية في التصرّف في الأموال والنفوس، أمّا الأموال فكإيجاب

1. لاحظ: السيرة النبوية:1/431.
2. الأحزاب:6.

صفحه 287
الضرائب لأجل تعبئة الجيش، وأمّا النفوس فكالأمر بالمشاركة في الجهاد الذي لا يخلو عن التضحية والشهادة.
نعم هذه الأولوية من شؤون كونه حاكماً سائساً للمسلمين، إذ الحكومة على المجتمع لا تنفكّ عن هذا النوع من التصرّف، وبهذا يتبيّن أنّ ولاية النبي تحدّد الإطلاقات والعمومات في الأموال والأنفس، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه، إلاّ أنّ ولاية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لتعبئة الجيش تكون حاكمة على إطلاق الحديث، قال سبحانه:(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)1.
ويستفاد من الآية أنّ أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في إدارة المجتمع يقدّم على كلّ ما ذكر في الآية، وما هذا إلاّ لأجل مصالح كلّية لا لرغبة شخصية.
ولإتمام البحث نذكر شيئاً من الأوامر الولائية التي أمر بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

1. قلع النخلة والرمي بها إلى صاحبها

قد ورد في غير واحد من الأحاديث أنّه بعدما اشتكى الأنصاري إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبره أنّ سمرة بن جندب يدخل البستان بلا استئذان، فطلبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: إذا أردت الدخول فاستئذن، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله، فأبى أن يبيع، فقال له: لك بها عذق يُمدّ لك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه،

1. التوبة:24.

صفحه 288
فإنّه لا ضرر ولا ضرار.1 فإنّ قلع النخلة كان تصرّفاً في مال الغير ولا يحلّ إلاّ بطيب نفسه، غير أنّ الأمر الولائي ـ أخذاً بجانب المصلحة ـ يقدّم على إطلاق الحديث.

2. فرض المقاطعة على المخلّفين الثلاثة من كافّة الجوانب

قال سبحانه:(وَ عَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)2.
روى المفسّرون في شأن نزول الآية أنّها نزلت في شأن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أُمية، وذلك أنّهم تخلّفوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخرجوا معه، لا عن نفاق، ولكن عن توان، ثم ندموا، فلمّا قدم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، جاءوا إليه واعتذروا، فلم يكلّمهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقدّم إلى المسلمين بألاّ يكلّمهم أحد منهم، فهجرهم الناس حتى الصبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلن له: يا رسول الله: نعتزلهم؟ فقال: لا، ولكن لا يقربوكن، فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ولا يكلّمونهم... إلخ.3
وكان أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لازم الإطاعة والاتّباع في حقّ هؤلاء، فصار محدّداً لكثير من الإطلاقات والعمومات.

1. الوسائل:17، الباب12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث3، ولاحظ أيضاً نفس الباب، الحديث4.
2. التوبة:118.
3. مجمع البيان:5/149.

صفحه 289

3. الإمام علي(عليه السلام) يفرض ضريبة إضافية

روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم وزرارة عنهما(عليهما السلام)جميعاً قالا: «وضع أمير المؤمنين(عليه السلام) على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً».1 فإنّ الزكاة إنّما هي على الأنعام الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، ولكنّ الإمام(عليه السلام)وضع على غيرهنّ أيضاً زكاة لأجل المصلحة الاجتماعية، وهذا ليس بمعنى التدخّل في التشريع، فإنّ التشريع حقّ لله سبحانه وليس لأحد التدخّل فيه، وإنّما هو أحكام مؤقّتة للمنصب الذي أعطاه سبحانه لرسوله ووصيّه، وهو في طول الأحكام الأوّلية والثانوية وليست أحكاماً ثابتة عبر الزمان، ومن هذا المنظار يعلم مناصب الفقيه، وإليك بيانها على وجه الإيجاز.

مناصب الفقيه وولايته

قد وقفت على المناصب الثلاثة للنبي وخلفائه المعصومين، فنفس هذه المناصب ثابتة للفقيه الجامع للشرائط:

أ. الفقيه ومنصب الإفتاء

إنّ الفقيه الجامع للشرائط له الإفتاء في المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية وهذا من ضروريات الفقه، قال علي بن موسى الهمداني للإمام الصادق(عليه السلام): شقّتي بعيدة ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم

1. الوسائل:7، الباب16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1، الخيل العتاق: النجائب، والبرذون: الخيل الذي أبواه أعجميان، والأُنثى برذونة. مجمع البحرين.

صفحه 290
ديني؟ قال الرضا(عليه السلام):«من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا».1
إلى غير ذلك من الأدلّة التي لا تحتاج إلى بيان.

ب. الفقيه ومنصب القضاء

إنّ للفقيه منصب القضاء في عصر الحضور والغيبة بتنصيب من الإمام المعصوم، وكفى في ذلك مقبولة عمر بن حنظلة.2
وبما أنّ المسألة مذكورة في الكتب الفقهية نقتصر بذلك.

ج. الفقيه وسياسة المجتمع

هذا هو المنصب الثالث الذي لم يزل مثاراً للبحث والنقاش منذ عصر قديم إلى يومنا هذا، وليس المراد من الحكومة، القضاء بين الناس، بل ما يقوله الشيخ الأنصاري(رحمه الله): الثالث ولاية التصرّف في الأموال والأنفس، وهو المقصود هنا.3
وبما أنّ المسألة محرّرة في كتب المتأخّرين كالعوائد للنراقي، والمكاسب للشيخ الأنصاري، ورسالة ولاية الفقيه للسيد الأُستاذ(قدس سره)، إلى غير ذلك من الرسائل، فنقتصر بهذا المقدار، إذ الغرض من عقد هذه المسألة، شيء آخر وهو أنّه لو ثبت هذا المنصب للفقيه فالأحكام الولائية تكون محدّدة للإطلاقات والعمومات.
ولنذكر كلاماً للمحقّق الكركي الذي تصدّى لمنصب شيخ الإسلام في

1. الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث27.
2. لاحظ: الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
3 . المكاسب: 3 / 546 .

صفحه 291
أوائل القرن العاشر وطرح ولاية الفقيه بحماس وقوّة ونقتبس من كلامه ما يلي، وبه يظهر كيفية تحديد الأحكام الولائية العمومات والإطلاقات، قال: اتّفق أصحابنا (رضوان الله عليهم) على أنّ الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمّة الهدى(صلوات الله وسلامه عليهم) في حال الغيبة، في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربّما استثنى الأصحاب القتل والحدود مطلقاً.
فيجب التحاكم إليه، والانقياد إلى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحقّ إن احتيج إليه، ويلي أموال الغُيّاب والأطفال والسفهاء المفلسين، ويتصرّف على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام(عليه السلام).1
ولمّا قامت الثورة الإسلامية في إيران الإسلام تجلّت ولاية الفقيه بأجلى مظاهرها في مواضع مختلفة، وظهرت حكومة الأحكام الولائية على الإطلاقات والعمومات وقد عرفت أنّها أحكام مؤقّتة، لرأب الصدع وحلّ المشاكل التي أوجدتها الظروف الخاصّة.
وبما أنّ ولاية الفقيه ربّما تفسّر بالتدخل بالتشريع نرفع الغطاء عن وجه هذه الولاية، فنقول: إن حكم الحاكم على قسمين:
الأوّل: إنّ تصدّيه للأُمور التالية بنصّ من الشارع:
أ. التصدّي للقضاء وما يتبعه.
ب. التصدّي لأُمور الصغار الذين ليس لهم ولي.

1. صلاة الجمعة المطبوع ضمن رسائل الكركي:4/263ـ 264.

صفحه 292
ج. التصدّي لأُمور الغيّب من الناس.
د. التصدّي لإجراء الحدود الشرعية والتعزيرات.
هـ . نفوذ حكمه في رؤية الهلال.
و. تصديه لأخذ الزكوات والأخماس.
إلى غير ذلك من الأُمور التي لا يرضى الشارع بإهمالها، فما يحكم به الوالي مأخوذ من الشرع ومستنبط منه.
الثاني: إذا كان بين الحكمين الشرعيين تزاحم فإن رفع التزاحم بأحد المرجّحات ليس حكماً مستنبطاً ومستخرجاً منها، إلاّ أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم يصير حكمه لحلّ الأزمة حكماً ولائياً في طول الأحكام الأوّلية حتى الثانوية، فيكون حكمه حكماً علاجياً يعالج به تزاحم الأحكام الواقعية، كما هو الحال في وضع علي(عليه السلام) ضريبة على الخيل العتاق وغيره، فإنّه ليس حكماً مستنبطاً من الكتاب والسنّة مباشرة، وإنّما حكم ولائي لحلّ الأزمة الاقتصادية التي واجهها الإمام في حكومته.
ولأجل توضيح المقام نأتي بمثال موجود في الأذهان، ونقول: لا شكّ أنّ تقوية الإسلام والمسلمين من الوظائف الهامّة، وتضعيف وكسر شوكتهم من المحرّمات الموبقة، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ بيع وشراء التنباك أمر محلّل في الشرع، والحكمان من الأحكام الأوّلية، ولم يكن أيّ تزاحم بينهما إلاّ في فترة خاصة عندما أعطى الحاكم العرفيّ امتيازاً للشركة الأجنبية، فصار بيعه وشراؤه بيدها، ولمّا أحسّ الحاكم الشرعي آنذاك ـ السيد الميرزا الشيرازي(قدس سره)ـ أنّ استعماله يوجب انشباب أظفار الكفّار على هيكل المجتمع الإسلامي، حكم(قدس سره)بأنّ استعماله بجميع أنواع الاستعمالات كمحاربة وليّ

صفحه 293
العصر(عجل الله فرجه الشريف) وأصدر عام 1891م، حكمه التالي:«بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم استعمال التنباك والتتن بأي نحو كان بمثابة محاربة إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف»، فلم يكن حكمه نابعاً إلاّ من تقديم الأهمّ على المهمّ أو من نظائره، ولم يكن الهدف من الحكم إلاّ بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الإسلام واستقلال البلاد، ولا يحصل إلاّ بترك استعمال التنباك بيعاً وشراءً وتدخيناً وغيرها، فاضطرت الشركة حينئذ إلى فسخ العقد.
***
تمّت قاعدة
لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبي وآله

صفحه 294
 
قاعدة التقيّة   
القواعد الفقهية
         76

قاعدة التقية

بيان مفردات القاعدة
الشيعة أكثر ابتلاء بالتقية
أدلة القاعدة
الجهة الأُولى: ما استدل به من الكتاب والسنّة
   لماذا يتقى من المسلم؟
الجهة الثانية: التقية في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)
الجهة الثالثة: التقية في كلّ شيء أضطر إليه ابن آدم
الجهة الرابعة: أقسام التقية والتقية المحرّمة
الجهة الخامسة: ترك التقية في العبادة وحكمها شرعاً
الجهة السادسة: إجزاء العمل على وفق التقية
الجهة السابعة: حكم التقية في الموضوعات
الجهة الثامنة: في اعتبار عدم المندوحة
الجهة التاسعة: الوضوء الصادر تقية وحكم الأعمال اللاحقة
الجهة العاشرة: في التقية المدارائية
تنبيهات عشرة مهمة
تحظى مسألة التقية في الفقه الإمامي بأهمية بالغة، فهي من المفاهيم

صفحه 295
الإسلامية السامية، وقد وردت في الذكر الحكيم في غير واحدة من الآيات، وركّزت عليها السنّة النبوية، وأكّد عليها أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك لخصائص إيجابية تكمن فيها، ولانسجامها مع حكم العقل وروح الإسلام، ومرونة الشريعة المقدّسة، والسيرة العملية بين المسلمين.
غير أنّها وقعت غرضاً للمخالفين فزعموا أنّها ثغرة في الفقه الشيعي، ولذلك قام سيدنا الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره) في سالف الزمان بإلقاء محاضرات في الموضوع دوّنتها يومذاك في صحائف مازالت بيدي، ولم أتفرّغ لتبييضها ونشرها كسائر ما نشرت من محاضراته، فيما مضى.
وفي هذه الأيام اشتد الهجوم العنيف على الشيعة وعقائدهم وعلى الخصوص التقية، فلهذا رأيت من الواجب دراسة الموضوع مستعيناً بما ذكره سيدنا الأُستاذ(رحمه الله) في محاضراته، مضيفاً إليه ما يجب ذكره في هذه الأيام جواباً عن التهم التي تلصق بالفقه الإمامي، وإن كنت كتبت شيئاً منها في سالف الأيام ردّاً على تلك الشبهات، والله المستعان.

بيان مفردات القاعدة

التقية لغةً اسم لـ«اتقى»، «يتقي». والتاء في أوّلها بدل من الواو، والأصل: «وقية» فأبدل «الواو» إلى «التاء» فيقال: «تقية» وأصله من «الوقاية». وكأنّ المتقي يجعل «التقية» وقاية لنفسه من العدو.
ثم إنّ التقية ـ كما هو واضح ـ من المفاهيم ذات الإضافة، فلها إضافة إلى مَن يتقي، وإلى المُتقى منه، وإلى مورد التقية.
أمّا المتقي فهو لا يخلو من أن يكون إماماً معصوماً، أو مسلماً شيعياً، أو مسلماً سنيّاً.

صفحه 296
وأمّا المُتقى منه فهو مطلق المخالف الذي صادر حريات المتقي، من غير فرق بين أن يكون كافراً أو سنيّاً أو شيعياً.
وأمّا مورد التقية فهو عبارة عن العقيدة والشريعة إذا تظاهر بها الإنسان المؤمن يؤخذ ويضرب أو يقتل أو تصادر أمواله.
والغاية من التقية هو دفع الضرر عن طريق إخفاء العقيدة أو مماشاة الظالم، وسيوافيك الفرق بينها و بين النفاق، وأنّ القرآن دعا إليها وفي الوقت نفسه نهى عن النفاق.
إنّ التقية ـ خوفاً من المخالف الغاشم ـ أمر فطري تأمر به فطرة الإنسان عندما يرى أنّ المخالف قد صادر عامة الحريات فلم يبق له محيص في حفظ نفسه وعرضه وماله إلاّ المماشاة مع المخالف على نحو لولا الخوف من المخالف، لما أخفى عقيدته ولا سايره في العمل.
وفي الحقيقة أنّ التقية سلاح الضعيف أمام القوي الذي لا يرحم مخالفه إلاّ باتّباعه وهو مجهّز بكل وسائل القوة والبطش والظلم، ولا يملك الضعيف سلاحاً إلاّ التقية.
ولو افترضنا أنّ في التقية بعض السلبيات فهي تتوجّه إلى مَن صادر حريات الناس وسلب حقوقهم ـ بلا وعي ـ وأجبرهم عليها.
ومن قرأ شيئاً من التاريخ، سواء أكان راجعاً إلى ما قبل الإسلام أم بعده يجد أنّ الضعفاء عبر القرون كانوا يتقنعون بهذا السلاح المعنوي لصيانتهم عن الأضرار الجسيمة التي تتوجّه إليهم، ولم يستثن منهم إلاّ الأنبياء الذين لم تكتب عليهم التقية، لأنّها لا تنسجم مع دعوى النبوّة حيث إنّهم بُعثوا لكسر الأصنام وتصحيح عقائد الناس ودعوتهم إلى التوحيد والاعتقاد بالدار

صفحه 297
الآخرة، ونشر المعروف وهجر المنكر، وأمّا غيرهم فالتقية في حقّهم تنقسم إلى واجب ومستحب ومكروه وحرام، كما سيوافيك بيانه.
وهذا هو مؤمن آل فرعون يعرفه سبحانه بقوله: (يَكْتُمُ إِيمانَهُ) ومع ذلك كان يتّخذ من التقية غطاءً وقناعاً ويقول الحق حسب ما تسمح له الظروف، قال سبحانه:(وقالَ رَجُلٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ...).1 فهو كان يتظاهر معهم في العقيدة والعمل، ولكنّه يعتقد خلاف ما يتظاهر به.
وإذا مررنا على تاريخ الأُمّة الإسلامية نرى أنّ العلماء الصادقين كانوا يعملون بالتقية في شدة الظروف.
والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء عدد من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تقضي عليهم وعلى ما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتى وإن استلزم ذلك قتل الجميع من دون رحمة، ولمّا أبصر أُولئك المحدّثون حدّ السيف مشهّراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان.(2) والقصّة صريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة، وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة.

1 . غافر: 28.   2 . تاريخ الطبري: 7/195ـ 206.

صفحه 298

الشيعة أكثر ابتلاء بالتقية

إنّ الشيعة عامّة والإمامية خاصّة أكثر الناس ابتلاءً بالتقية، وذلك لأنّ الحكومات الغاشمة من الأمويين إلى العباسيين ثم العثمانيين، يرون مذهب الشيعة خطراً على مناهجهم، فكانوا يُحرّضون الناس على الشيعة وعلى قتلهم والتنكيل بهم، ولهذه الظروف القاسية لم يكن للشيعة مفر إلاّ اللجوء إلى التقية، أو رفع اليد عن المبادئ التي آمنوا بها والتي هي عندهم أغلى من النفس والمال.
وها نحن نذكر أُنموذجين ممّا ابتلى به الشيعة من مضايقات وظلامات لذكرهم فضائل الأئمة ومناقبهم.
1. هذا هو ابن السكيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكل، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين(عليهما السلام)؟ قال ابن السكيت: والله إنّ قنبراً خادم علي(عليه السلام)خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات، وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل ثلاث وأربعين، وكان عمره ثمانياً وخمسين سنة، ولمّا مات سيَّر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك.1
2. وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:
أكلّ أوان للنبيّ محمّد *** قتيل زكىّ بالدماء مضرّجُ

1 . وفيات الأعيان لابن خلكان:3/33; سير أعلام النبلاء للذهبي:12/16.

صفحه 299
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم *** لبلواكم عمّا قليل مفرِّجُ
أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم *** تضيء مصابيح السماء فتسرجُ1
فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول، فما هو حال شيعتهم ومقتفي آثارهم؟!
وفي رأس القرن العاشر كانت ثلاث دول إسلامية كبيرة: الدولة العثمانية وعاصمتها القسطنطينية، والدولة الصفوية وعاصمتها تبريز، ودولة المماليك وعاصمتها القاهرة.
تولّى السلطان سليم زعامة السنّة، كما تولّى إسماعيل زعامة المذهب الشيعي، لكنّ السلطان سليم قتل في الأناضول وحدها أربعين ألفاً وقيل: سبعين لا لشيء إلاّ لأنّهم شيعة.2
وقال السيد عبد الحسين العاملي إنّ الشيخ نوح الحنفي أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، وقُتل من جرّاء هذه الفتوى عشرات الأُلوف من شيعة حلب.
وفعل الجزّار والي عكّا في جبل عامل فعل الحجّاج في العراق وانتهب أموال العامليّين ومكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد،وبقيت أفران عكا توقد أُسبوعاً كاملاً من كتب العامليين.3

1 . ديوان ابن الرومي: 2 / 243.
2. البلاد العربية والدولة العثمانية للخضري:40، ط ـ 1960م، كما في الشيعة والحاكمون:194.
3. الشيعة والحاكمون: 194 ـ 196 .

صفحه 300
هذا كلّه في العصور السابقة وأمّا في العصر الحاضر فحدّث عنه ولا حرج.
ويكفي في ذلك ما يحدث في العراق وسورية ولبنان واليمن ،بل لم يسلم حتّى حجّاج بيت الله الحرام، فقد قتل في هذا العام (1436هـ) في الحرم الآمن لله سبحانه عدد كبير من ضيوف الرحمن يعدّ أكثرهم شيعة آل الله يوم عيد الأضحى، أي اليوم الذي جعله الله عيداً للمسلمين فصار ذلك اليوم يوم حداد وحزن، والله يعلم مَن هو المسبّب لاضطهاد المئات من الأبرياء بين قتيل وجريح ومفقود لم يعرف مصيره لحدّ الآن.
قال العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها; لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحريّة في عهد الدولة الأُموية كلّه، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أيّ قوم، ولمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهمّ من الاعتقادات في أُصول الدين، وفي كثير من الأحكام الفقهيّة، وتستجلب المخالفة بالطبع رقابة وحزارة في النفوس وقد يجرّ إلى اضطهاد أقوى الحزبين لأضعفه أو إخراج الأعزّ منهما الأذل كما يتلوه علينا التاريخ ، وتصدّقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمة من آل البيت مضطرة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختصّ به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس، والمحافظة على الوداد والأُخوّة مع سائر إخوانهم المسلمين، لئلاّ تنشق عصا الطاعة، ولكي لا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في المجتمع

صفحه 301
الإسلامي فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمّدية.
لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقيّة وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الأُخرى، متّبعة في ذلك سيرة الأئمّة من آل محمّد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني ودين آبائي»، إذ أنّ دين الله يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم.1
روي عن صادق آل البيت(عليهم السلام) في الأثر الصحيح:«التقية ديني ودين آبائي» غير أنّ التقية لها شروط وأحكام أوضحها العلماء في كتبهم الفقهية .2
لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت(عليهم السلام) دفعاً للضرر عنهم، وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّاً لشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم. وكلّ إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أو التظاهر به لابدّ أن يتكتّم ويتّقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول.
ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرّياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصّة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا.
ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم.

1 . لاحظ : غافر: 28، النحل:106.
2 . لاحظ : أوائل المقالات: 96 ـ 97، قسم التعليقة.

صفحه 302
والذي يرشدك إلى ما ذكرنا هو أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)عبّروا في غير واحدة من الروايات، عن التقية بأنّها «جُنّة المؤمن وحرزه وترسه وحصنه»، والجُنّة هو ما يدفع به المحارب ضربات العدو.
1. روى الكليني عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «كان أبي(عليه السلام)يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية، إنّ التقية جُنّة المؤمن».1
2. وروى أيضاً عن أبي عبدالله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن».2
3. وروى أيضاً عن حريز، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «التقية ترس الله بينه وبين خلقه».3
وهذه الروايات تدل على أنّ التقية كانت سلاح المظلومين المضطهدين في مقابل الأسلحة الفتاكة التي تتوارد عليهم يوماً بعد يوم، فلم يكن لهم محيص إلاّ اللجوء إليها.
4. روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «ليس منا من لم يلزم التقية، ويصوننا عن سفلة الرعية».4 فالإنسان الساقط غير المتخلّق بأخلاق القرآن والسنّة يكون جريئاً بالنسبة إلى المخالف دون أن يراعي الحدود فلذلك أمر أهل البيت(عليهم السلام) بلزوم الأخذ بالتقية.
5. يقول المفضّل: سألت الإمام الصادق(عليه السلام) عن قوله: (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث5.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 7.
3 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 13.
4 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 28.

صفحه 303
وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)1 قال: «التقية»، (فَما اسطاعُوا أنْ يظهروهُ وَ مَا استطاعُوا لَهُ نَقباً)(2) قال: «إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن
الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقباً».2
وقد انتقل الإمام(عليه السلام) من قصة ذي القرنين حيث إنّه عمل سدّاً بين المستضعفين والمستكبرين (يأجوج ومأجوج) إلى مسألة دينية واجتماعية هي أنّ شيعة أهل البيت(عليهم السلام)مازالوا معرّضين لهجمات المخالفين، فالذي يحميهم من شرور الأعداء هو التقية أي المماشاة معهم في اللسان والموافقة في العمل حتى لا يثوروا عليهم، إلى غير ذلك من الروايات التي تصور التقية بصور مختلفة حتى يقف الإنسان الواعي على أنّ الشيعة لم يطرقوا باب التقيّة مختارين، وإنّما أُلجئوا واضطروا إلى الدخول في ذلك الحصن بإذن من الله سبحانه.
***

أدلّة القاعدة

لأجل التعرّف على أدلّة جواز أو وجوب التقية وأقسامها وأحكامها على ضوء الكتاب والسنّة فلندرس كلّ ذلك وهو يأتي ضمن جهات:

الجهة الأُولى: ما استدلّ به من القرآن الكريم

شُرّعت التقية بنصّ القرآن الكريم ووردت فيها آيات كريمة نستعرضها في المقام، ويستفاد من الجميع جوازها تكليفاً بالمعنى الأعم

1 . الكهف:95. الردم: السدّ .   2 . الكهف:97.
2 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 34.

صفحه 304
الّذي ينسجم مع وجوبها أو استحبابها في بعض الأحيان.

الآية الأُولى:

قال سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان وَلكِن مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ).1
قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ) فيه وجهان:
الأوّل: أنّه بدل من (الْكَاذِبُونَ) في الآية المتقدمة أعني قوله تعالى:(إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ).
الثاني: أنّه مبتدأ، وقوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) خبره، وبما أنّ لفظة «مِن» تشير إلى الشرط دخلت الفاء على الخبر، وعلى هذا يكون ما بينهما جملة معترضة.
ترى أنّه سبحانه يسمح للمكرَه إظهار الكفر كرهاً ومجاراة للكافرين خوفاً منهم بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، وقبل أن نذكر بعض كلمات المفسرين نذكر شأن نزول الآية:
1. ذكر المفسّرون أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّار وأبوه ياسر وأُمّه سمية، وقُتل الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبي وأعطاهم عمّار ما أرادوا منه فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّار بذلك رسول الله، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّار، فقال رسول الله: «كلاّ إنّ عمّاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه»، وفي ذلك

1 . النحل:106.

صفحه 305
نزلت الآية، وكان عمّار يبكي، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعُد لهم بما قلت».1
2. قال القرطبي: قال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ثم قال: أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر. هذا قول مالك والكوفيين والشافعي.2
3. قال ابن كثير في تفسير قوله:(إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان): إنّه استثناء ممّن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهاً لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.
وقد روى العوفي عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في عمّار حين عذّبه المشركون حتى يكفر بمحمد، فوافقهم على ذلك مكرهاً وجاء معتذراً إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل الله هذه الآية.
وفي رواية قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«كيف تجد قلبك؟»، قال: مطمئن بالإيمان، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن عادوا فعد». وقد ذكر بعض ما روي في هذا الصدد.3
ومورد الآية هو الاتّقاء من المشرك، وسوف يوافيك أنّ المورد غير مخصِّص، فلو كان الظلم من المسلم مثل ما كان من الكافر تجوز التقية أخذاً بالملاك وهو صيانة النفس والنفيس من الهلاك.

1 . مجمع البيان: 3 / 388.
2 . الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 4/57.
3 . تفسير ابن كثير:2/587.

صفحه 306
الآية الثانية:
قال سبحانه:(لا يَتّخذ المؤمنونَ الكافرينَ أولياءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيء إلاّ أن تتقوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذركمُ اللهُ نَفسهُ وَإلَى اللهِ المَصيرِ).1
ولنذكر بعض الكلمات حول الآية:
1. قال الطبري: (إلاّ أن تتقوا مِنْهُمْ تُقاةً)قال أبو العالية: التقية باللسان، وليس بالعمل، حُدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: (إلاّ أن تتقوا مِنْهُمْ تُقاةً)قال: التقية باللسان من حُمل على أمر يتكلم به وهو لله معصية فتكلّم مخافة على نفسه (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان )فلا إثم عليه، إنّما التقية باللسان.2
وقوله:«التقية باللسان وليس بالعمل» فيما إذا كان إظهار الولاية لهم كافياً في دفع الشر، وأمّا إذا توقّف دفع الأذى على عمل إيجابي يدلّ على ولائه لهم فيجب حفظاً للنفس والنفيس. ولعلّ التأكيد على اللسان، لأجل الحذر عن الولاء قلباً وجناناً.
وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس، أو العرض، أو المال.
فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن

1 . آل عمران:28.
2 . جامع البيان للطبري:3/153.

صفحه 307
بالإيمان، لا يكون كافراً، بل يُعذر كما فعل عمّار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، وقد نزلت فيه الآية التي ذكرناها آنفاً.
2. قال الآلوسي: وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء. والعدو قسمان :
الأوّل: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم.
الثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة.1
3. وقال جمال الدين القاسمي: ومن هذه الآية: (إلاّ أنْ تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً)استنبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الإجماع على جوازها الإمام مرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق).2

لماذا يتّقى من المسلم؟

ربما يقال: إنّ مورد الآية هو اتّقاء المسلم من الكافر، ولكنّ الشيعة تتّقي من المسلم حيث يُخفون عقيدتهم عن المسلم السنّي وهو يصلي ويصوم مثلهم، وهو خارج عن مفاد الآية؟
هذا هو السؤال وأمّا الإجابة فواضحة، فإنّ المورد ليس بمخصّص، فإنّ الغرض من تشريع التقية هو صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذا ابتلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردّد الطرف القوي

1 . روح المعاني:3/121.
2 . محاسن التأويل:2/180.

صفحه 308
في إيذاء الطرف الآخر، ففي تلك الظروف الحرجة لا مناص للمسلم الضعيف من اللجوء إلى التقية لصيانة نفسه ونفيسه، وهذا ممّا صرّح به علماء الإسلام في تفسير الآية، ونقتصر بثلاث كلمات لأقطاب التفسير:
1. يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه:(إلاّ أنْ تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً)ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين، حلّت التقيّة محاماة عن النفس.
وقال: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من قتل دون ماله فهو شهيد».1
2. ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصّه: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال في ذلك العصر الأوّل: «حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم».2
3. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ

1 . تفسير الرازي: 8 / 13 في تفسير الآية.
2 . محاسن التأويل: 4 / 82 . ومعنى ذلك أنّ أبا هريرة اتّقى وترك الواجب أي بثّ حديث الرسول تقية وحفظاً لنفسه.

صفحه 309
مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمان): ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم، وبذل المال لهم; لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهىّ عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».1
وحصيلة الكلام أنّه: يظهر من غضون التاريخ أنّ التقية من السلطان الجائر كانت أمراً شائعاً، وكان المسلمون يعملون بالتقية صادرين عن قوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)2 .
هذا هو ابن الحنفية قال لبعض الغزاة: لا تفارق الأُمّة. اتق هؤلاء القوم بتقيتهم ـ قال الراوي: يعني بني أُمية ـ ولا تقاتل معهم. قال: قلت: وما تقيتهم؟ قال: تحضرهم وجهك عند دعوتهم، فيدفع الله بذلك عنك عن دمك ودينك، وتصيب من مال الله الّذي أنت أحق به منهم3.
وقال ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عنّي سوطين من ذي سلطان إلاّ كنت متكلّماً به 4.
وقد كان حذيفة يقول: فتنة السوط أشد من فتنة السيف، وقال السرخسي: فكان حذيفة ممّن يستعمل التقية. 5

1 . تفسير المراغي: 3 / 136.
2 . آل عمران: 28 .
3 . الطبقات الكبرى، لابن سعد: 5 / 96. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام)لمصطفى قصير العاملي: 28 .
4 . الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 10 / 180. كما في التقية عند أهل البيت (عليهم السلام): 28 .
5 . المبسوط، للسرخسي: 24 / 46. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام): 28 .

صفحه 310
وفي الروايات: قال جابر بن عبدالله: لا جناح عليّ في طاعة الظالم إذا أكرهني عليها .1
وعن بريدة بن عميرة: قال: لحقت بعبد الله بن مسعود، فأمرني بما أمره به رسول الله أن أُصلّي الصلاة لوقتها واجعل صلاتهم تسبيحاً، قال ابن عساكر: يعني أنّ الأُمراء إذا أخّروا الصلاة أُصلّيها لوقتها ثم أُصلّي معهم نافلة مخافة الفتنة.2
وروى أحمد في مسنده عن أبي ذر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال له: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخّرون الصلاة؟ ثم قال: صلّ الصلاة لوقتها ثم انهض، فإن كنت في المسجد حتّى تقام الصلاة فصل معهم .3
إلى غير ذلك ممّا يجده المتتبع في غضون التاريخ أنّ المسلمين كانوا يتّقون من السلاطين، وكان من مظاهر التقية مسألة الزكاة.
قال أبان: دخلت على الحسن وهو متوار زمن الحجاج في بيت أبي خليفة فقال له رجل: سألت ابن عمر أدفع الزكاة إلى الأُمراء؟ فقال: ابن عمر: ضعها في الفقراء والمساكين، فقال لي الحسن: ألم أقل لك إنّ ابن عمر كان إذا أمن الرجل قال: ضعها في الفقراء والمساكين؟ 4
إنّ الشيعة تتّقي الكفّار في ظروف خاصّة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّىّ، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى، يلجأ إلى الاتّقاء عن أخيه

1 . المبسوط، للسرخسي: 24 / 47. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام): 28 .
2 . تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: 9 / 205 .
3 . مسند أحمد: 5 / 168 .
4 . المصنف، لعبدالرزاق الصنعاني: 4 / 47 ـ 48 .

صفحه 311
المسلم لا لقصور في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك; لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الذي هو عنده موافق لأُصول الشرع الإسلامي وعقائده.
نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول: إنّ الله ليس له جهة، أو أنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحيل النبىّ الأكرم، أو إنّ حكم المتعة غير منسوخ; فإنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتاب والسنّة ـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر. وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي وغيرهم الصريح في جواز هذا النوع من التقية، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب، جمود على ظاهر الآية وسدّ لباب الفهم، ورفض للملاك الذي شرّعت لأجله التقية، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهمّ إذا عارضه المهمّ.

الآية الثالثة:

قال سبحانه:(وإذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يعَْبُدُونَ إلاّ اللهَ فَأْوُوا إلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقاً).1 إنّ قصة أصحاب الكهف معروفة لا تحتاج إلى بيان وتفسير،فقد كانوا يعيشون مع الوثنيين مدة بعدما آمنوا بربهم وشملتهم الهداية الإلهية، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه: (وإذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ)، فإنّ الاعتزال فرع أن يكون القوم معهم في حلّهم وترحالهم أي مخالطين لهم.

1 . الكهف:16.

صفحه 312
فعاشوا مدّة في تلك الظروف بالتقية إلى أن عزموا على مواجهة ضغط المجتمع بالخروج عليهم(فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّمواتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوا مِنْ دُونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنا إذاً شَطَطاً)1.
فعند ذلك لم يكن لهم بد من الخروج عن بيئتهم ملتجئين إلى الكهف حتى يكتب الله تعالى لهم ما تقتضيه رحمته.
روى الكليني عن درست الواسطي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «ما بلغت تقية أحد تقيةَ أصحاب الكهف، إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدّون الزنانير فآتاهم الله أجرهم مرّتين».2
وروى عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين».3
وفي رواية ثالثة عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ جبرئيل(عليه السلام) نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمد إنّ ربّك يقرؤك السلام، ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله بالجنّة».4
ولا ينافي ما جاء في هذا الخبر مع تظاهر أبي طالب بالإيمان بدين ابن أخيه(صلى الله عليه وآله وسلم) في أشعاره الكثيرة، وذلك لأنّه يمكن الجمع بأنّه لم يكن يتظاهر

1. الكهف:14.
2 . الوسائل:11، الباب26، من أبواب كتاب الأمر والنهي، الحديث1.
3 . الوسائل:11، الباب29من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
4 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث17.

صفحه 313
بالإيمان في أوائل الأمر وكان يسالم قومه وإن تظاهر بذلك في أواخر عمره بعد ما بلغ السيلُ الزبى.
إنّ أبا طالب يصرّح بأنّ ابن أخيه محمداً رسول كموسى وعيسى إذ يقول:
ليعلم خيار الناس أنّ محمّداً *** نظير لموسى والمسيح بن مريم
أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكلٌّ بأمر الله يهدي ويعصم1
ويقول في قصيدة أُخرى:
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً *** نبيّاً كموسى خطّ في أوّل الكتب2

الآية الرابعة:

قال سبحانه:(وَقَالَ رَجُلٌ مَؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَون يَكْتُمُ إيمانهُ أتَقْتُلُونَ رَجلاً أنْ يَقُول رَبّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُم بِالبَيّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإن يَكُ كاذِباً فَعَلْيه كَذِبُهُ وَإنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذي يَعدُكُمْ إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب).3
وكانت عاقبة أمره كما قال سبحانه: (فوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ).4
وهذا بعد ما بُعث موسى للرسالة.
وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيته استطاع أن ينجي نبىّ الله من الموت: (وجاءَ

1. أعيان الشيعة:4/121.
2. الغدير:7/391.
3 . غافر:28.
4. غافر:45.

صفحه 314
رَجُلٌ مِن أقصى المدِينةِ يَسْعَى قالَ يامُوسى إنّ المَلأَ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنّي لَكَ مِنَ النّاصِحين)1. وهذا قبل أن يبعث موسى للرسالة. كلّ ذلك بناء على وحدة الرجلين مصداقاً .
وهذه الآيات تدلّ على جواز التقية لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر.
***

التقية بمعنى التورية

ربّما نسبت التقية إلى بعض الأنبياء ولكن لا بهذا المعنى ـ أي المماشاة مع الكافرين قولاً وعملاً ـ بل بمعنى التورية في تكلّمهم معهم.
روى الصدوق في العلل عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «لا خير فيمن لا تقية له، وقد قال يوسف: (أيَّتُها العِيرُ إنّكُمْ لَسارِقُون) 2 وما سرقوا شيئاً».3
ولا يخفى أنّ يوسف(عليه السلام) لم يكن هو المؤذِّن وإنّما أذَّن بذلك عماله، والنسبة إلى يوسف(عليه السلام)باعتباره هو الآمر، وقد صدرت هذه التورية لبعض المصالح التي فيها عزل أخيه بنيامين عن بقية إخوته، وهذه ليست تقية اصطلاحاً، بل المتّقي هنا هو القوي، والمتّقى منه هو الضعيف.
ونظير ذلك ما روي في حقّ إبراهيم(عليه السلام)، روى الكليني عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «التقية من دين الله»، قلت: من دين الله؟ قال: «أي والله

1. القصص:20.
2 . يوسف: 70 .
3 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 18 ولاحظ الحديث 19.

صفحه 315
من دين الله، ولقد قال يوسف: (أيَّتُها العِيرُ إنّكُمْ لَسارِقُون) والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: (إنِّي سَقِيمٌ)1 والله ما كان سقيماً».2
والتقية في المقامين اصطلاح خاص لا صلة له بالتقية في الأحكام والعقائد.
***

الجهة الثانية: التقية في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)

كان الضغط على الشيعة عامّة وعلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)خاصّة، سائداً أيام الأُمويين والعباسيين، فلم يكن لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) بد إلاّ دعوة الشيعة إلى مماشاة المخالفين قولاً وعملاً حتى يصونوا بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ولذلك نرى تأكيداً شديداً على التقية في رواياتهم، والتي منها:
1. ما رواه الكليني عن ابن عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «يا أبا عمر إنّ تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له».3
2. وروى أيضاً عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن القيام للولاة؟ فقال: قال أبو جعفر(عليه السلام): «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له».4
3. وروى أيضاً عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «اتقوا

1 . الصافات: 89 .
2 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.
3 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
4 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.

صفحه 316
على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنّه لا إيمان لمن لا تقية له، إنّما أنتم في الناس كالنحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم، أنّكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم، ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا».1
4. وروى أيضاً عن حبيب بن بشير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): سمعت أبي يقول: «لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلىّ من التقية، يا حبيب إنّه من كانت له تقية رفعه الله يا حبيب، من لم تكن له تقية وضعه الله يا حبيب، إنّ الناس إنّما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك كان هذا».2
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب.
فعليه يطرح هذا السؤال من الموافق والمخالف، وهو ما هو السر في التأكيد على التقية وجعلها تسعة أعشار الدين ووصف من لا تقية له بفاقد الإيمان؟
والجواب عن ذلك: أنّ مَن قرأ تاريخ حياة الشيعة في القرون الماضية يرى أنّ الشيعة كانوا يؤخذون بالظنة ويقتلون وتصادر أموالهم، وإن كنت في شك من ذلك فاقرأ ما ذكره أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث».
قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث8.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث9.

صفحه 317
الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة 1، وعلى كلّ منبر، يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَن بها من شيعة علي(عليه السلام)، فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضمّ إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام علي(عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أُخرى: مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة علي(عليه السلام) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ويحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمنّ عليه.2
فإذا كان حال الشيعة بهذا الشكل في عصر معاوية المعروف بالدهاء والمرونة ـ كما تعرّفه كتب التاريخ ـ فكيف حالهم في عصر المروانيين الذين سلّطوا على شيعة الكوفة الحجّاج بن يوسف الثقفي فنكّل بهم وقتلهم قتلاً فظيعاً. ثم بعد أن دالت دولة الأمويين جاء عصر بني العباس فلم يكونوا أقل

1 . الكورة: البقعة الّتي تجتمع فيها المساكن والقرى. المنجد، مادة «كور».
2 . شرح نهج البلاغة: 11 / 44 ـ 46 .

صفحه 318
من سابقيهم في الظلم والقتل حتى صدق قول شاعرهم:
يا ليت جور بني مروان دام لنا *** يا ليت عدل بني العباس في النار
إنّ هدر الدم في سبيل الله تعالى من أفضل القربات، لكن بشرط أن تترتب عليه نتيجة إيجابية، لا على عكس المقصود، كإبعاد الشيعة من أوطانهم، وإقفال مساجدهم ومحافلهم، وإحراق كتبهم ومحو آثارهم. ففي هذه الظروف يؤكد الإمام(عليه السلام)على التقية ويراها تسعة أعشار الدين مبالغة في المقصود، ويرى المخالف ممّن لا دين له، أي لا يحترم دمه وعرضه ودم سائر أبناء مذهبه.
هذه بغداد مركز العلم والثقافة وقد كان الشيعة والسنة يعيشون فيها متسالمين، إلاّ أنّه بعد أن احتلّ السلاجقة بغداد وأزالوا حكم البويهيين فقد أضرموا نار العداء بين هاتين الطائفتين، وسرت شرارتها إلى الكرخ فقتل هناك من الشيعة وهدمت دورهم وأُحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وأخذوا يحرقون الكتب، ولم يجد الشيخ بدّاً من مغادرة بغداد مهاجراً إلى النجف الأشرف.
ثم لماذا نتصفح الأوراق التالدة للطائفتين، إذ يكفينا النظر إلى النار التي أجّجها الاستكبار العالمي في هذه الأيام بين الطائفتين ويتحمّل مسؤوليتها أُمراء المنطقة ووعّاظهم، فما زلنا نسمع بالقتل والدمار قائمين على قدم وساق، فلا يمر شيعي في بعض المناطق إلاّ ويؤخذ ويقتل أو يطلق سراحه بعد أخذ الأموال الطائلة.
فعند ذلك تتجلّى قيمة ما دعا إليه الأئمة(عليهم السلام) من وجوب الأخذ بالتقية.
***

صفحه 319

الجهة الثالثة: التقية في كلّ شيء اضطر إليه ابن آدم

الظاهر ممّا روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عموم التقية في كلّ شيء إلاّ ما خرج بالدليل. وإليك بعض ما ورد في ذلك:
1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «التقية في كلّ ضرورة وصاحبها اعلم بها حين تنزل به».1
2. ما رواه أيضاً عن محمد بن مسلم و زرارة قالا: سمعنا أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له».2
3. ما رواه البرقي في محاسنه عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «التقية في كلّ ضرورة».3
إلى غير ذلك ممّا يرفع شأن التقية ويصفها بقوله: «لا خير فيمن لا تقية له».4
ومع ذلك كله فقد ورد الاستثناء في موارد ثلاثة:
1. شرب الخمر، 2. مسح الخفّين، 3. متعة الحج.
ولعلّ المراد من الخمر هو الفقّاع الذي ورد في حقّه: انّه خميرة استصغرها الناس.5
والظاهر من الزمخشري أنّه الطلا وقال:

1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث1.
2 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث2.
3 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث8.
4 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث30.
5. تهذيب الأحكام:9/125، الحديث 275.

صفحه 320
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به *** وأكتمه كتمانه لي أسلم
فان حنفياً قلت: قالوا بأنّني *** أُبيح الطلا وهو الشراب المحرّم1
روى الصدوق في «الخصال» عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث أنّه قال:«لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كلّ شيء إلاّ في النبيذ والمسح على الخفين».2
وروى الكليني عن زرارة قال: قلت له: في مسح الخفّين تقية؟ فقال: «ثلاثة لا أتّقي فيهن أحداً: شرب الخمر، ومسح الخفين، ومتعة الحج»، قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتّقوا فيهن أحداً.3
روى الشيخ عن أبي الوردة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى علياً(عليه السلام)أراق الماء ثمّ مسح على الخفين؟ فقال: «كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي(عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفّين»، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: «لا، إلاّ من عدوّ تتّقيه، أو ثلج تخاف على رجليك».4
وهاهنا سؤال وهو أنّ الإمام(عليه السلام) أمر بالتقية في كلّ شيء اضطر إليه الإنسان، إلاّ أنّه استثنى هذه الأُمور الثلاثة، وعندئذ يقع الكلام فيما هو السر في هذا الاستثناء، مع العلم بأنّه إذا دار الأمر بين قتل الإنسان والمسح على الخفين تجب التقية، وهكذا في الموردين الآخرين.
والجواب: أنّ هذا الاستثناء يرجع إلى نفس أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولذلك قال في رواية زرارة: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً»، ولم يقل: «ثلاثة لا تتقوا

1. لاحظ : بحار الأنوار : 104 / 104 .
2 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث3.
3 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث5.
4 . الوسائل:1، الباب38 من أبواب الوضوء، الحديث5.

صفحه 321
فيهن»، وقد فهم زرارة التخصيص ولذا قال:«ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتّقوا فيهن أحداً» وذلك لأنّ موقف الأئمة(عليهم السلام)عند المخالفين يختلف عن موقف سائر الشيعة، لأنّهم كانوا مصادر الفتيا في الحرمين الشريفين فعندما سُئلوا عن هذه المسائل الثلاث أجابوا عنها بأدلّة واضحة، ولذلك لمّا سُئل عن الخفّين أجاب الإمام(عليه السلام): سبق الكتاب الخفّين لأنّ سورة المائدة التي ورد فيها الوضوء آخر سورة نزلت على قلب نبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد ورد فيها الأمر بمسح بشرة الرجل.
وهكذا الأمر في المسكر فإنّ الكتاب والسنّة ممّا حرّمه الله سبحانه فللإمام أن يحتج بما هو المعروف.
ونظيره متعة الحجّ التي هي فريضة من لم يسق الهدي ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، قال سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) إلى أن قال سبحانه:(ذَلِكَ ]أي التمتع بالعمرة والشروع بالحجّ[ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).1
توضيحه: أنّ العرب في الجاهلية كانت تفرّق بين العمرة والحجّ فيعتمر في أواسط السنة كجمادى الآخرة وشهر رجب ويحج في ذي الحجّة الحرام، والسبب في التفريق مع أنّه على خلاف ما ورثوه من خليل الرحمن هو أنّ أهل مكّة لم يكن لهم ضرع ولا زرع بينما ربيعهم فيمن يطرأ عليهم.2 فلأجل اكثار من يطرأ عليهم فرّقوا بين الفريقين.

1 . البقرة: 196 .
2. حلية الأولياء:5/205.

صفحه 322
ولمّا حجّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في السنة العاشرة للهجرة أبطل هذه السنة البدعية. روى مسلم عن جابر بن عبدالله أنّه قال: أهللنا مع رسول الله بالحجّ فلما قدمنا مكّة أمرنا أن نحلّ ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا....1
ثمّ إنّ الناس أحلوا كما أمرهم الرسول على مضض غير أنّ عمر بن الخطاب كان مخالفاً لما أمر به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يومذاك، لأنّه كره أن يُعرس الناس في الأراك(وهو موضع في عرفة قرب نمرة) ثم يأتوا إلى الحجّ تقطر رؤوسهم2، وقد عاد التقليد الجاهلي بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ودام الخلاف بين الصحابة في الجمع بين العمرة والحجّ أو التفريق، فقد منع عمر بن الخطاب من متعة الحجّ وشدّد النكير عليه، ومن رغب التفصيل فليرجع إلى كتابنا«الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف».3
فلأجل وجود الدلائل الواضحة والحجج القاهرة التي تبطل دليل المخالف كان الأئمّة يجاهرون فيها بالحكم الواقعي.
***

الجهة الرابعة: أقسام التقية والتقية المحرّمة

شاع بين الفقهاء أنّ التقية تنقسم إلى أقسام خمسة حسب انقسام الحكم الشرعي إليها، فتكون تارة واجبة، وأُخرى مستحبة، وثالثة مباحة، ورابعة

1. صحيح مسلم:2/37، باب بيان وجوه الإحرام وأنّه يجوز إفراد الحجّ والتمتع والقران.
2. صحيح مسلم:4/45.
3. لاحظ: الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/448ـ 472.

صفحه 323
مكروهة، وخامسة محرّمة.
وقد ذكر هذه الأقسام الشيخ الأعظم(رحمه الله) في رسالته التي ألّفها في التقية، وإليك ما ذكر من الأمثلة:
1. القسم الواجب: ما يكون لدفع ضرر متوجّه إليه من النفس أو العرض، فتكون التقية واجبة باعتبار غايتها وهي حفظ النفس والنفيس.
2. القسم المستحب: ما كان موجباً للتحرّز عن كونه معرضاً للضرر بمعنى أنّه من الممكن أن يكون تركها مفضياً إلى الضرر تدريجاً كترك مداراة المخالفين وهجرهم في المعاشرة في بلادهم فإنّه ينجر غالباً إلى حصول المباينة الموجبة للمعاداة التي يترتب عليها الضرر غالباً، فالحضور في جماعاتهم والعمل على طبق أعمالهم تقية مستحب لأجل هذه الغاية، وإن لم يكن ضرر فعلاً في تركها.
3. القسم المباح: ما كان التحرّز عن الضرر وفعله مساوياً في نظر الشارع كالتقية في إظهار كلمة الكفر على ما ذكره جمع من الأصحاب، ويدلّ عليه الخبر الوارد في رجلين أُخذا بالكوفة وأُمرا بسبّ أمير المؤمنين(عليه السلام).
4. القسم المحرّم: كما في الدماء فقتل المؤمن في مورد لا يستحق القتل تقية حرام، وفي بعض الروايات إنّما جُعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية.1
5. القسم المكروه فقد مثّل له الشيخ الأنصاري ما يكون ضدّه أفضل.2

1 . الوسائل:11، الباب31 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 1و2.
2 . التقية للشيخ الأنصاري: 39.

صفحه 324
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان فعل الشيء مستحباً لا يدل على كون تركه مكروهاً، وإلاّ يلزم أن يكون ترك كل المستحبات مكروهاً.
وقد ذكر الشهيد نفس التقسيم فمثّل للقسم المكروه بالإتيان بما هو مستحب عندهم حيث لا ضرر عاجلاً ولا آجلاً، وكان ذلك الشيء في الواقع حراماً.1
إذا علمت ذلك فاللازم الوقوف على ما هو المحرّم من التقية، إذ ليست التقية ذريعة إلى ارتكاب كلّ محرّم، بل ربّما تكون التقية أمراً محرّماً.
وإليك الموارد التي لا تجوز فيها التقية إمّا مطلقاً أو لشخص خاص.
***

الأوّل: لا تقية في الدم

اتّفق الفقهاء على أنّه لا تقية في الدم، فإذا أُكره الإنسان على قتل إنسان محقون الدم وهُدّد بأنّه إذا لم يقتله قتل مكانه فلا يجوز القتل، وقد ذكر الإمام(عليه السلام) وجه التحريم بأنّ الغاية من تشريع التقية صيانة الدماء، أمّا إذا كان العمل بالتقية منوطاً بإراقة الدم فلا غاية موجبة للتقية، وقد تضافرت الفتاوى والروايات على ذلك.
أمّا الفتاوى فقد قال النراقي: ولو انحصر في الأعلى وجب إلاّ في قتل المسلم المحقون الدم، ولا يجوز إجماعاً للصحيح: «إنّما جعلت التقية (ليُحصن بها الدماء) فإذا بلغت الدم فلا تقية».2

1 . القواعد والفوائد: 2 / 157، القاعدة 208 .
2 . مستند الشيعة: 14 / 194.

صفحه 325
وقال في الجواهر: استثنى المصنف وغيره من ذلك على كلّ حال، الدماء المحترمة بالإيمان بلا خلاف أجده بالنسبة إلى القتل ظلماً، بل الإجماع بقسميه عليه .1

وأمّا الروايات فنذكر منها ما يلي:

1. صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية».2
2. موثّقة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «لم تبق الأرض إلاّ وفيها منّا عالم يعرف الحقّ من الباطل، قال: إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية».3
وبما أنّ المسألة من المسلّمات في الفقه نقتصر بهذا المقدار.
***

الثاني: التبرّي عن أمير المؤمنين وأولاده (عليهم السلام)

والروايات الواردة في هذه الباب على أصناف:
الصنف الأوّل: ورد في غير واحدة من الروايات عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه رخّص في سبّه عند الإكراه ولم يرخّص في البراءة منه ، نذكر منها:
1. روى محمد بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ستدعون إلى سبّي فسبّوني، وتدعون إلى البراءة

1. جواهر الكلام:22/169.
2 . الوسائل: 11، الباب31 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
3 . الوسائل: 11، الباب 31 من أبواب الأمر والنهي ، الحديث2.

صفحه 326
منّي فمدّوا الرقاب، فإنّي على الفطرة».1
والرواية ضعيفة بمحمد بن ميمون، وصفه النجاشي بقوله: عامّي غير أنّه روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)نسخة، وعدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الصادق(عليه السلام).
2. ما رواه علي بن علي أخي دعبل بن علي الخزاعي، عن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام)، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال: «وإنّكم ستعرضون على سبّي، فإن خفتم على أنفسكم فسبّوني، ألا وإنّكم ستعرضون على البراءة منّي، فلا تفعلوا، فإنّي على الفطرة».2
والرواية ـ أيضاً ـ ضعيفة وفي السند هلال بن محمّد الحفّار وهو لم يوثق، وفيه ـ أيضاً ـ إسماعيل بن علي الدعبلي وهو ضعيف قال العلاّمة في «الخلاصة»: لا اعتمد على روايته لشهادة المشايخ عليه بالضعف والاختلال بالرواية.
3. جاء في «نهج البلاغة» أنّه(عليه السلام) قال: «أَمَا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ! أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي; فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ، وَلَكُم نَجَاةٌ; وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّأُوا مِنِّي; فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الاِْيمَانِ وَالْهِجْرَةِ».3

1 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث8.
2 . الوسائل: 11، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي ، الحديث 9.
3 . نهج البلاغة:الخطبة:57 ; الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث10.

صفحه 327
البلعوم: مجرى الطعام في الحلق وهو المري مشتق من البلع، قوله: مندحق البطن، واسعها.
وقد أفتى الشيخ المفيد(رحمه الله) بمضمون هذه الروايات في الإرشاد وقال: استفاض عن أمير المؤمنين(عليه السلام)أنّه قال: ستعرضون من بعدي على سبّي فسبّوني، فمن عرض عليه البراءة منّي فليمدد عنقه، فإن برئ منّي فلا دنيا له ولا آخرة.1
***
وهناك صنف ثان من الروايات يعارض ما سبق ويرخصّ في البراءة، نذكر منها:
1. ما رواه العياشي في تفسيره عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث أنّه قيل له: مدّ الرقاب أحب إليك أم البراءة من علي(عليه السلام)؟ فقال: «الرخصة أحب إلىّ، أما سمعت قول الله عزّ وجلّ في عمّار:(إِلاّ مَنْ أُكره وقلبهُ مُطْمَئنٌ بالإيمان)»2.
والرواية مرسلة وكافّة روايات العياشي في تفسيره ابتليت بالإرسال.
2. وروى أيضاً في تفسيره عن عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سألته فقلت له: إنّ الضحّاك قد ظهر بالكوفةويوشك أن ندعى إلى البراءة من علي(عليه السلام) فكيف نصنع؟ قال: «فابرأ منه»، قلت: أيهما أحبّ إليك؟ قال:«إن تمضوا على ما مضى عليه عمّار بن ياسر، أُخذ بمكة فقالوا له: إبرأ من رسول

1 . إرشاد المفيد:169; الوسائل: 11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 21.
2 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث12، تفيسر العياشي:2/272، برقم 74.

صفحه 328
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فبرأ منه فأنزل الله عزوجل عذره:(إلاّ من أُكرهَ وقلبُهُ مُطمَئنٌ بِالإيمان).1
والرواية مرسلة كذلك كبقية روايات تفسير العياشي.
***
وهناك صنف ثالث يدلّ على وجوب البراءة، نذكر منها:
1.موثّقة مسعدة بن صدقة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ الناس يروون أنّ علياً(عليه السلام) قال على منبر الكوفة:أيها الناس انّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثم تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرّأوا منّي، فقال: «ما أكثر ما يكذب الناس على علي(عليه السلام)، ثم قال: إنّما قال: إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني وإنّي لعلى دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يقل: ولا تتبرّأوا منّي»، فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة، فقال: «والله ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكّة وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله عزّوجلّ فيه: (إلاّ من أُكرهَ وقلبُهُ مُطمَئنٌ بِالإيمان). فقال له النبي:(صلى الله عليه وآله وسلم)عندها: يا عمّار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك، وأمرك أن تعود إن عادوا.2
والرواية موثقة لا يُعدل عنها إلاّ بدليل.
2. ما رواه العلاّمة المجلسي عن ابن أبي الحديد قال: وروى صاحب كتاب «الغارات» للثقفي بإسناده عن أبي مريم الأنصاري عن الإمام الباقر(عليه السلام)، قال: خطب علىٌّ(عليه السلام)على منبر الكوفة فقال: «سيعرض عليكم سبّي وستذبحون عليه، فإن عرض عليكم سبّي فسبّوني، وإن عرض عليكم البراءة

1 . الوسائل:11، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث13; تفسير العياشي:2/323، برقم 9.
2 . الوسائل: 11، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث2.

صفحه 329
مني فإنّي على دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقل: «فلا تبرؤوا منّي».1
3. وروى عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: قال علي(عليه السلام): «ليذبحن على سبّي ـ و أشار بيده إلى حلقه، ثم قال: ـ فإن أمروكم بسبّي فسبّوني وإن أمروكم أن تتبرّأوا منّي فإنّي على دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم ينههم عن إظهار البراءة، ثم قال: إنّه أباح لهم سبّه عند الإكراه لأنّ الله تعالى قد أباح عند الإكراه التلفّظ بكلمة الكفر فقال: (إلاّ من أُكرهَ وقلبهُ مُطمَئنٌ بِالإيمان)».(2)
4. ويقرب منه ما ورد في الاحتجاج عن تفسير الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).2
أقول: ويمكن الجمع بين هذه الاصناف الثلاثة بالنحو التالي:
حمل البراءة على البراءة القلبية والتبرّؤ الجدّي من الإمام(عليه السلام) والدخول في عداد النواصب، وهذا ممّا لا يجوز، ويدلّ على ذلك تعليل النهي في قوله: «فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ» والمولود عليها مؤمن تجب موالاته ويحرم التبرّي منه.
والذي يرشدك إلى ذلك أنّ الإمام يرخّص السبّ ولا يرخّص البراءة مع أنّ السبّ أفظع من البراءة بمراحل فكيف يرخّصه ولا يرخّص الأخف؟!
ولكنّه ضعيف لعدم إمكان تعلّق الإكراه على الجوانح، وإنّما يتعلّق بالجوارح ولا وجه للنهي عن التبرّؤ القلبي.
وإن أبيت عن هذا الجمع فالترجيح مع الصنفين الأخيرين لكثرة

1 و 2 . بحارالأنوار:39/325ـ 326، برقم 27.
2 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث11.

صفحه 330
رواياتهما وورود التكذيب فيهما بالنسبة إلى الصنف الأوّل، مضافاً إلى أنّه إذا دار الأمر بين حفظ النفس والتلفّظ بالبراءة فالثاني هو المتعيّن، إذ لا يعدل دم المسلم شيء إلاّ إذا أُقيم به الدين.
ويمكن أنّ النهي خاصّاً بمن يسبّب تبرّؤه من الإمام فساداً كبيراً كتزلزل المجتمع الشيعي في عقيدته، وعندئذ يكون داخلاً في القسم الثالث، وسيوافيك توضيحه في الأمر الثالث.

سؤال وإجابة

لو قيل: إنّ حفظ النفس وصيانتها من الأُمور المهمة، فإذا دار الأمر بينه وبين البراءة اللفظية فالثانية هي المتعيّنة، فلماذا لم يتبرّأ الأماثل من أصحاب علي(عليه السلام)، فنراهم قد اختاروا مدّ الرقاب ولم يتبرّأوا.
قلت: سيوافيك وجه ذلك في الاستثناء الثالث الذي ستقرأه تالياً.

الثالث: حرمة التقية فيما يتعلّق بأساس الدين

إذا تعرّض المسلم من قبل أعداء الدين إلى ما فيه هدم الدين، كما إذا أُكره على تأليف كتاب في رد الإسلام أو التشيّع أو إنكار قواعده المسلّمة في الأنكحة والمواريث وغيرهما، فليس له العمل بالتقية وإن أدى تركها إلى حبسه وسلب أمواله بل قتله، وذلك لأنّ المقام من مصاديق التزاحم، ومن المعلوم أنّ حفظ الدين وصيانته أولى وأهم في نظر الشارع من حفظ المال والنفس، فقد قدّم المسلمون في سبيل حفظ الدين آلاف الضحايا حتى قام صَرحُه واخضّر عوده.
وبالجملة فكلّ عمل يورث الفساد في الدين وتراجع الناس عنه أو

صفحه 331
تسرّب الشكوك إلى قلوب المسلمين فلا تقية فيه.
ونظير ذلك إذا كان المكره عليه أمراً تجوز فيه التقية كما في شرب الخمر أو اللعب بالقمار، ولكن إذا أكره السلطان الجائر أحد القادة الروحيين أو مرجعاً من مراجع الدين على مثل هذه الأُمور، تحرم فيه التقية، إذ في ذلك العمل تراجع الناس عن الدين وزعزعة إيمانهم، وبذلك تقف على سرّ صمود حجر بن عدي وأصحابه الذين قتلوا في مرج العذراء، فمدّوا الرقاب للسيف ولم يتبرّأوا، ومثلهم ميثم التّمار وغيره، وذلك لأنّ هذه الشخصيات من الأماثل الكبارمن أصحاب علي(عليه السلام)الذين بهم عرف الناس التشيّع واعتمدوا عليهم، فلو استجابوا لما دعوا إليه من البراءة حتى السبّ لخرج الناس عن دين الله وارتدوا.
قال سيدنا الأُستاذ (قدس سره): إذا كان الاتّقاء موجباً لرواج الباطل وإضلال الناس وإحياء الظلم والجور بحيث لو عُمل بالتقية أصبح دين الإسلام الذي هو دين كل فضيلة رابية، دينَ المكر والغدر والحيلة، مثلاً إذا أوعد السلطان الجائر عالم الشريعة وخيّره بين إنكار ضرورة من ضروريات الإسلام وبين قتله، كان اختيار الثاني هو المتعيّن، حتى ولو خيّره بين القتل وارتكاب معصية من المعاصي التي تورث تزلزل الناس عن الدين، فعندئذ تحرم عليه التقية.
مثلاً لو خُيّر المرجع الديني بين لعب القمار أو شرب الخمر أو كشف حجاب زوجته بين الناس وبين الحبس والقتل، فالثاني هو المتعيّن، فلا أظن أنّه يخطر ببال أي فقيه في هذا المقام العمل بالتقيةوتحكيم أدلتها على حفظ الدين وسلامة العقيدة بين الناس.
فالمقام من باب التزاحم الذي يقدّم فيه الأهم فالأهم على غيره، فلو

صفحه 332
كانت هناك مؤامرة على الدين وقوانينه وأحكامه فالتقية تصبح محرّمة وإن بلغ الأمر ما بلغ.
***

الجهة الخامسة: ترك التقية في العبادة وحكمها شرعاً

إذا كانت التقية واجبة لأجل الخوف على النفس والنفيس ومع ذلك كلّه فقد ترك المكلّف العمل بها، وأتى بالعبادة على النحو المطلوب بالأمر الأوّلي، كما إذا سجد على التربة الحسينية مع اقتضاء الظروف تركه،أو ترك التكفير وصلّى مسدلاً، أو مسح الرجلين مكان غسلهما، فهل يصح عمله أو لا؟
ذهب الشيخ الأنصاري(رحمه الله) إلى أنّ نفس ترك التقية في جزء العمل أو في شرطه أو في مانعه لا يوجب بنفسه إلاّ استحقاق العقاب على تركها، فإن لزم عن ذلك ما يوجب بمقتضى القواعد بطلان الفعل بطل، وإلاّ فلا، فمن مواقع البطلان: السجود على التربة الحسينية مع اقتضاء التقية تركه، فإنّ السجود يقع منهياً عنه فيفسد الصلاة.1
وحاصل كلامه: انّ إيجاب الشيء لأجل التقية كالتكفير في الصلاة لا يجعله معتبراً في العبادة حال التقية، ولذلك لو صلى بلا تكفير صحّت صلاته; لأنّه صلّى صلاة تامّة ولم يكن التكفير جزءاً للصلاة حتى تبطل بترك الجزء،إلاّ إذا اقتضت القاعدة بطلان العمل لأجل تعلّق النهي به كما في المثالين التاليين:
أ. سجد على التربة مع التقية.

1 . رسالة التقية:60، تحقيق فارس الحسون.

صفحه 333
ب. مسح الرجلين مع التقية.
وذلك لأنّ السجود والمسح والحال هذه يقعان منهيّاً عنهما.
وبذلك ظهر الفرق بين ترك التكفير والسجدة على التربة الحسينية ومسح الرجلين عند وجود التقية.
ثم إنّه (قدس سره)طرح سؤالاً وأجاب عنه .
أمّا السؤال فهو: إذا كان إيجاب الشيء للتقية لا يجعله معتبراً في العبادة لزم الحكم بالصحّة في المثال التالي:
إذا توضّأ وترك المسح على الخفّين والبشرة معاً، وذلك وجه الصحة أنّ المفروض عدم أخذ مسح الخفين جزءاً في الموضوع فتركه لا يقدح في صحّته، ومن جانب أنّ المسح على البشرة سقط لأجل التقية مع أنّه لا خلاف في بطلان الوضوء.
أمّا الجواب: فقال إنّ بطلان الوضوء ليس لأجل ترك ما وجب بالتقية، بل لأجل ترك جزء من الوضوء، فبطلان الوضوء ليس مستنداً لترك التقية، بل لترك ما وجب، لا لأجل التقية .
توضيحه: أنّ الأوامر الاضطرارية على قسمين :
1. ما يكون البدل الاضطراري جزءاً أو شرطاً للمأمور به، كما في الأمر بالصلاة مع الطهارة الترابية، فلو ترك البدل وإن أتى بالمبدل (الطهارة المائية) يكون عمله باطلاً، لأنّه ترك جزء المأمور به.
2. ما لا يكون البدل جزءاً أو شرطاً له، وهذا كالأمر بالقبض في الصلاة أو المسح على الخفّين، فترك التقية في هذين الموردين لا يوجب بطلان

صفحه 334
الوضوء والصلاة، إذ ليس القبض ولا المسح على الخفّين من أجزاء المأمور به أو شرطه، حتّى يوجب تركهما بطلان العمل.
وأمّا بطلان وضوء من ترك المسح على البشرة والخفّين معاً، فلأجل قوله سبحانه: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)1.
فإنّه متضمّن حكمين:
1. المسح على البشرة بحفظ قيد مماسّة الماسح للممسوح .
أ. أصل المسح وإلغاء قيد المماسّة كما في المسح على الجبيرة، وهذا هو الفرد الميسور فلو ترك المسح على الخفّين فقد ترك ما هو الواجب بنفس الآية، أعني: الفرد الميسور، أي أصل المسح ولو على الخفّين، ولا يكون البطلان مستنداً إلى ترك التقية.
أقول: ما أفاده من الضابطة من أنّ الأمر بالتقية لا يوجب تقيّد العبادة بها إلاّ إذا صارت المخالفة سبباً لتعلّق النهي بجزء العبادة، صحيح.
لكن ما أجاب به عن الإشكال ليس بتامّ لما أفاده سيدنا الأُستاذ (قدس سره)من أنّ المسح على الرجل والرأس لا ينحلّ إلى شيئين على نحو يكون الشيء الأوّل المسح على البشرة والثاني هو المسح على غير البشرة.
وإن شئت قلت: المسح على غير البشرة لا يُعد فرداً ميسوراً على البشرة، ويدلّ على ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «امسح على ظهر حماري أحب اليّ من أن أمسح على الخفّين» 2.
وفي رواية أُخرى عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة وردّ

1 . المائدة: 6 .
2 . مستدرك الوسائل: 1، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 13 .

صفحه 335
الله كلّ شيء إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم».1
والأولى أن يجاب عن الإشكال بأنّ مَن ترك المسح على الخفّين وفي الوقت نفسه ترك المسح على البشرة، فبطلان وضوئه لأجل أنّه لم يأت بالمأمور به لا بالواقعي الأوّلي ولا بالواقعي الثانوي حتى يوصف بالصحّة.
نعم مَن ترك المسح على الخفّين دون البشرة فلا فرق بينه وبين السجدة على التربة، فجزء العبادة عندئذ يصير مصداقاً للمخالفة المنهية، وما ادعي من الإجماع على البطلان في محله إذ لا فرق بين المثالين.

احتمال صحّة العمل مع ترك التقيّة

يمكن الحكم بصحّة العمل مع ترك التقيّة حتى فيما إذا كان جزء العبادة مصداقاً للمخالفة بجعل المقام من قبيل اجتماع الأمر والنهي، فالأمر تعلّق بالمسح على الرجلين، والنهي تعلق بمخالفة التقية التي تتمثل في المسح عليهما، فلو قلنا بجواز اجتماعهما، صحّ الوضوء مع تمنّي القربة فتكون النتيجة صحّة السجدة على التربة أو المسح على الرجلين، والوقوف في عرفات في اليوم الذي حكم الحاكم بأنّه يوم العاشر.
فإن قلت: يظهر من بعض الروايات بطلان العمل المخالف للتقية، فعن داود الرّقي، قال: كنت مع أبي عبد الله(عليه السلام)حتى جاء داود بن زربي فسأله عن عدّة الطهارة، فقال له: «ثلاثاً، ثلاثاً، من نقص عنه فلا صلاة له».2 ويظهر ذلك

1 . الوسائل:1، الباب 38 من أبواب الوضوء، الحديث 4.
2 . الوسائل:1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحديث2.

صفحه 336
من ذيل الرواية حيث إنّ داود بن زربي كان مجاوراً لبيت أبي جعفر المنصور وكان يراقبه في صلواته ولذلك أفتى الإمام(عليه السلام) بالتقية. وهي غسل كل عضو ثلاثاً مع أنّ السنة هو الغسل مرّتين.
قلت: الرواية ضعيفة سنداً ودلالة أمّا السند فإنّ أحمد بن سليمان مهمل في الرجال، وأمّا الدلالة فلعل التأكيد لأجل حفظ دمه ونفسه لا أنّ صلاته باطلة واقعاً.
***

الجهة السادسة: إجزاء العمل على وفق التقية عن الإعادة والقضاء

هل العمل المأتيّ به على وفق التقية مسقط للتكليف، مجز عن الإعادة في الوقت إذا ارتفعت التقية فيه، وعن القضاء إذا ارتفعت خارجه، أو لا؟
هذا هو البحث المهم وبيت القصيد في هذه القاعدة.
والبحث مركّز على ما إذا كان لدليل وجوب الجزء أو الشرط المتروكين لأجل التقية إطلاق يعمّ حالتي الاختيار والاضطرار، مثلاً إذا كان لدليل المسح على البشرة أو غسل الأعضاء من الأعلى إلى الأسفل إطلاق يعم كلتا الحالتين، فيقع البحث في حكومة أدلّة التقية على إطلاق دليلهما ـ كما هو الحال في سائر حالات الاضطرار، كحكومة أدلّة التيمم على غسل الأعضاء في حالتي وجود الماء ـ وعدمه.
وإلاّ فلو لم يكن لدليل الجزء أو الشرط إطلاق يعم حالة الاضطرار فلا شكّ في إجزاء العمل لأنّ المأمور به عند التقية عمل تام لا يعوزه شيء لاختصاص وجوب الجزء أو الشرط بحال الاختيار.

صفحه 337
إذا علمت مصبّ البحث فاعلم أنّ مقتضى القاعدة هو فساد العمل لافتراض وجود إطلاق في دليل الجزء والشرط، إلاّ إذا ثبتت حكومة أدلّة التقية على الإطلاقين، وإلاّ فالمحكم هو إطلاق دليل الجزء والشرط.
وأمّا أدلّة التقية فهي على قسمين:
قسم يدلّ على الرخصة في مورد خاص، وقسم يدلّ عليها بصورة عامّة.

ما يدلّ على الرخصة في مورد خاص

إذا ورد دليل على الرخصة في عبادة خاصّة فلا شكّ في دلالته على الإجزاء، فإنّ معنى الرخصة في المورد عبارة عن اكتفاء الشارع بالعمل المأتي به على وجه التقية، وإليك بعض ما ورد في هذا الموضوع:
1. ما رواه الشيخ بإسناده، عن أبي الورد، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): إنّ أبا ظبيان حدثني أنّه رأى علياً(عليه السلام)أراق الماء ثمّ مسح على الخفين؟ فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي(عليه السلام)فيكم: سبق الكتاب الخفين، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلاّ من عدوّ تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك».1
والرواية حسنة لمكان أبي الورد ولم يوثق، وأمّا الآخرون فكلّهم ثقات.
فمعنى قوله: «رخصة» أي رخصة تكليفاً ووضعاً لا تكليفاً فقط، والشاهد عليه أنّه عطف قوله: «على رجليه من الثلج» على الاتّقاء من العدو، والإجزاء في الثلج لا خلاف فيه.
2. موثّقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد

1 . الوسائل:1، الباب38 من أبواب الوضوء، الحديث5.

صفحه 338
صلَّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: «إن كان إماماً عدلاً فليصلّ أُخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلّي ركعة أُخرى ويجلس قدر ما يقول: «أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله» ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإنّ التقيّة واسعة، وليس شيء من التقيّة إلاّ وصاحبها مأجور عليها، إن شاء الله»1.
أقول: بما أنّه دخل في صلاتهم وقد صلّى ركعة قبلهم فتكون ثالثة القوم رابعته فعليه أن يجلس للتشهد ويكون معنى قوله: (ثم يتم صلاته) «ان يجلس في ثالثتهم قليلاً ويتشهّد ويسلّم، ولكن لأجل اظهار المتابعة يقوم معهم يأتي بصورة الصلاة في الركعة الأخيرة، أو يكبر ويأتي بها نافلة. وفي رواية إن لم يمكنه التشهّد جالساً تشهّد قائماً. وقال به بعض الأصحاب».2 كما يحتمل أن يكون محل التشهّد الركعة الرابعة للمصلّي، هكذا يحتمل أن تكون الركعة الثانية له لكن الترجيح مع الاحتمال الأوّل، وإلاّ يلزم ترك التشهّد والتسليم
في الركعة الرابعة له وعدم الخروج عن الصلاة ولذلك رجّح المجلسي هذا الوجه.
وعلى كل تقدير: فإنّ قوله: «ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع» دليل واضح على إجزاء العمل المأتي به على وجه التقية، حيث إنّ الرجل صلّى مع إمام غير عادل صلاة جماعة، ولولا الإجزاء لأمره بالإعادة أو القضاء، وهذه الرواية أوضح الروايات في هذا القسم. حيث صلّى ركعة منفرداً وصلى

1 . الوسائل:5، الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2.
2 . مرآة العقول: 15 / 271 .

صفحه 339
الركعات الباقية معهم، وتابعهم في رابعة القوم صوريّاً .
3. ما رواه الشيخ عن محمد بن فضل الهاشمي1 قال: دخلت مع أُخوتي على أبي عبد الله(عليه السلام)فقلنا له: إنّا نريد الحج وبعضنا صرورة، فقال: «عليك بالتمتع»، ثم قال:«إنّا لا نتقي أحداً بالتمتع بالعمرة إلى الحج، واجتناب المسكر، والمسح على الخفّين»، معناه أنّا لا نمسح.2
وجه الاستدلال: أنّها تدلّ على جواز التقية فتوى وعملاً في غير ما استثنى من الأُمور الثلاثة.
ولعلّ الاستثناء يختصّ في بعض هذه الثلاثة ـ كالمسح على الخفّين ـ بالإمام، لأنّ مكانته بين المسلمين، تبرّر رفض التقية في هذه المسائل دون الضعفاء من الشيعة .
4. روى الشيخ عن إسحاق بن عمّار، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي أدخل المسجد وأجد الإمام قد ركع وقد ركع القوم فلا يمكنني أن أُؤذّن وأُقيم وأكبّر، فقال لي: «فإن كان ذلك فادخل معهم في الركعة واعتدّ بها فإنّها من أفضل ركعاتك».3
5. ما رواه الكليني عن يعقوب بن يقطين، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك تحضر صلاة الظهر فلا نقدر أن ننزل في الوقت حتّى ينزلوا وننزل معهم فنصلّي، ثم يقومون فيسرعون فنقوم ونصلّي العصر ونريهم كأنّا

1 . في بعض النسخ محمد بن الفضيل وهو الأزدي الكوفي الصيرفي.
2 . الوسائل: 8 ، الباب3 من أبواب أقسام الحج، الحديث5.
3 . الوسائل: 5، الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.

صفحه 340
نركع، ثم ينزلون العصر فيقدمونا فنصلّي بهم؟ قال: «صل بهم لا صلى الله عليهم».1
كان السيد المحقّق البروجردي يوصي تلاميذه بدراسة روايات أهل السنّة والفتاوى الصادرة عن فقهائهم في زمنهم، وما ذلك إلاّ لأنّ الروايات المروية عن أئمتنا ناظرة إليهما، وربّما تشكل قرينة على فهم المراد. وروايتنا هذه من مصاديق هذه الضابطة ولا يظهر المراد منها إلاّ بالرجوع إليها، فنقول:
روى ابن أبي شيبة في مصنّفه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«أبردوا بالظهر فإنّ شدّة الحرّ من فيح جهنم».2
روى عن ابن عمر أنّه قال: صلّيت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين والعصر ركعتين ولم يصل بعدهما، على ما رواه المجلسي في «مرآة العقول» عن المصابيح.3
ورواه أحمد في مسنده بلفظ آخر:قال: وصلّى في السفر ركعتين وبعدها ركعتين والعصر ركعتين وليس بعدها شيء.4
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ فهم الرواية يتوقّف على فهم ما نقلنا عنهم، فقوله:«تحضر صلاة الظهر فلا نقدر أن ننزل في الوقت حتى ينزلوا وننزل معهم فنصلي»، لأجل أنّ أهل السنة يؤخّرون صلاة الظهر عن وقت الفضيلة في الصيف أو مطلقاً، والراوي يشير إلى هذا المعنى أي لا نقدر أن نصلي صلاة

1 . الوسائل: 5 الباب 54، من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6 .
2. المصنّف: 1/286، الحديث 3280.
3 . مرآة العقول: 15 / 269 .
4. مسند أحمد:2/90.

صفحه 341
الظهر قبلهم فلا محيص من الصبر حتى يصلّوا ونصلّي معهم. ثم قوله: «ثم يقومون فيسرعون» بمعنى أنّهم يتفرقون للتفكيك بين الصلاتين والإتيان بكلّ صلاة في وقتها عندهم.
وفي ذلك الوقت يقول الراوي نحن نغتنم الفرصة ـ كما يقول ـ فنقوم ونصلي العصر لكن نريهم كأنّا نركع أي نريهم كأنّا نصلي نافلة كما في رواية ابن عمر حيث إنّ النبي صلّى ركعتين بعد صلاة الظهر. والمجموع يدل على أنّ المراد من الصلاة هي صلاة المسافر الذي يجب فيه القصر عندنا دونهم، فالمسافر عندهم مخيّر بين القصر والإتمام، وعلى كلّ تقدير ففي الرواية دلالة على كفاية العمل على وجه التقية حيث قال: «فنصلي» أي نصلي معهم.
والمتبادر من الرواية أنّه يصلّي الظهر معهم، وصلاته معهم صحيحة، ويصلّي العصر وحده بإعمال الحيلة ، ثم يعيد العصر على وجه الجماعة بوصفه إماماً لهم .
6. ما رواه عبدالله بن بكير عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لا بأس أن تصلّي خلف الناصب ولاتقرأ خلفه في ما يجهر فيه فإنّ قراءته تجزيك إذا سمعتها.1
7. ما رواه هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)ـ في حديث ـ أنّ المؤمن إذا أظهر الإيمان ثم ظهر منه ما يدلّ على نقضه، خرج ممّا وصف وأظهر وكان له ناقضاً إلاّ أن يدّعي أنّه إنّما عمل ذلك تقيّة، ومع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس ممّا يمكن أن تكون التقيّة في مثله لم يقبل منه ذلك،

1 . الوسائل: 5 الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .

صفحه 342
لأنّ للتقيّة مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له وتفسير ما يتّقي، مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحقّ وفعله، فكلّ
شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز
.1 والظاهر أنّ المراد من الجواز، هو الجواز الوضعي أو أعم منه ومن التكليفي .
8. ما رواه أبو بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): من لا أقتدي به في الصلاة؟ قال: افرغْ ] من القراءة [ قبل أن يَفرغ، فإنّك في حصار، فإن فرغ قبلك فاقطع القراءة وأركع معه.2
فإنّ الاكتفاء بالقراءة الناقصة دليل على صحة الصلاة .
9. ما روي عن الإمام الكاظم(عليه السلام) أنّه قد أمر بعض أصحابه أن يتوضّأ كما يتوضّأ غيره من الناس، وذلك فيما كتب إلى علي بن يقطين وقال: «فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أُذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً، ولا تخالف ذلك إلى غيره».
وقد عمل علي بن يقطين بما أمره به الإمام(عليه السلام) فترة، وقد امتحنه الرشيد في تلك الفترة فنظر إلى وضوئه فرأى أنّه يتوضأ كوضوئه، فناداه: «كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة»، وصلحت حاله عنده.

1 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 5، الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. والمراد من الفراغ، هو الفراغ من القراءة بناء على لزوم أو جواز القراءة عند الاقتداء بالمخالف .

صفحه 343
وبعد ذلك ورد عليه كتاب أبي الحسن(عليه السلام) ثانياً يأمره بالوضوء على النحو الثابت عند أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وقال في آخر الرسالة: «فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك».1
وقد نقل الشيخ الحر العاملي نظير تلك القصة في حق الآخرين، حيث أمر الإمام(عليه السلام)داود بن زربي أن يتوضّأ مثل ما يتوضّأ الناس، ولمّا ارتفع المحذور أمره بالتوضّؤ على الوجه الحق.2
فلو كان العمل على وفق التقية رافعاً للتكليف دون الوضع كان على الإمام(عليه السلام)أن ينبّه على ذلك ويأمر هؤلاء بالقضاء.
ولعلّ في غضون أبواب الوسائل ما يمكن أن يكون من هذا القسم
أي حديثاً خاصاً بالمورد دالاًّ على الرخصة والإجزاء، إنّما الكلام في دلالة القسم الثاني أي ما يدلّ على الرخصة بعنوان الاضطرار والتقية، فيقع الكلام في أنّ مفاده هو الرخصة تكليفاً أو الأعم على نحو يشمل كلا الحكمين: التكليفي والوضعي، والقضاء الحاسم رهن دراسة الروايات واحدة تلو الأُخرى.
ما يدلّ على الرخصة بصورة عامّة:
وهي على أصناف:

1. رفع ما اضطروا إليه

روى الصدوق عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن

1 . الوسائل :1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحديث3.
2 . الوسائل :1، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث2.

صفحه 344
أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة».1
وأساس الاستدلال هو شمول الحديث لرفع جميع الآثار. فالجزئية وهي المسح على البشرة حكم شرعي مرفوعة عند الاضطرار.
فإن قلت: إنّ الجزئية أو الشرطيّة من الأُمور الانتزاعية التي ينتزعها العقل من الأمر بالمسح على البشرة في الوضوء، فليست هي أثراً شرعياً حتى تكون مرفوعة بحديث الرفع.
قلت: إنّ رفع الجزئية بلحاظ رفع منشأ انتزاعها أي رفع الوجوب الضمني المتعلّق بالمسح على البشرة، فانتهاؤها إلى الحكم الشرعي يصحّح تعلّق الرفع بها.
ويمكن أن يُجابَ بوجه آخر وهو: أنّ المرفوع هو الحكم التكليفي ـ أعني: الوجوب الضمنيّ ـ وذلك لأنّ المكلّف لو اضطر إلى ترك المسح على البشرة فالجزء (المسح على البشرة الذي كان موضوعاً) قد رفع، ورفع الجزء كناية عن رفع حكمه، أي الوجوب الضمني، وعندئذ يختص دليل التكليف بالوضوء بماعدا المسح على البشرة. فيكون حديث الرفع استثناءً من الوجوب الضمني عند الاضطرار.
وبما ذكرنا يظهر الجواب عمّا أفاده المحقّق النائيني من عدم دلالة الرفع على أنّ الباقي هو الواجب; لأنّ حديث الرفع، حديث رفع لا حديث وضع

1 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.

صفحه 345
(وضع الباقي بوصف كونه الواجب) وجهه: انّ حديث الرفع بالنسبة إلى الوجوب المنبسط على أجزاء الوضوء، بمنزلة الاستثناء، فرفع الوجوب عن جزء معين لا يؤثر في وجوب الأجزاء غير المضطر إليها، بل يبقى وجوبها على حالها كما هو الحال في العام المعقّب بالاستثناء.
ويدلّ على العموم ـ أعني: رفع الحكم مطلقاً تكليفاً كان أو وضعاً ـ ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن(عليه السلام) في مَن يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال:«لا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وضع عن أُمّتي: ما أُكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا».1
وقد تمسّك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق وعدم ترتّب الصحّة التي هي حكم وضعي، فيكشف عن أنّ المرفوع أعم من المؤاخذة والحكم التكليفي والوضعي.
وفي تمسّك الإمام بحديث الرفع في بطلان اليمين على الثلاثة عن إكراه إشكال معروف، أجاب عنه الشيخ في الفرائد.2
وحاصل الإشكال: أنّ الحلف على الأُمور الثلاثة باطل مطلقاً سواء أكان عن إكراه أو عن اختيار، لأنّ تحقّق هذه الأُمور الاعتبارية بحاجة إلى الإنشاء بأن يقول: أنتِ طلاق، أو أنتَ حرّ، ولا تتحقّق باليمين، والمقام أشبه بشرط الفعل في مقابل شرط النتيجة. وعلى هذا فالرواية واردة مورد التقية فلا يحتج بها.

1 . الوسائل:16، الباب12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث12.
2 . فرائد الأُصول: 2 / 29 الطبعة المحقّقة; ولاحظ : إرشاد العقول: 3 / 355 .

صفحه 346
وحاصل الجواب: التقيّة إنّما هي في تطبيق الكبرى على المورد، لا في نفس الضابطة، فهي معتبرة مطلقاً وإن كان تطبيقها على المورد غير صحيح إلاّ على وجه التقية حيث إنّ الظاهر أنّ السائل الواقعي كان من غير الموالين، فلم يكن بدّ في بيان الحكم الشرعي إلاّ بهذه الطريقة.
وقد استظهر الشيخ في كتاب الفرائد شمول الرواية للآثار الوضعية أيضاً، ولكنّه في رسالة التقية اختار العكس وقال: ولكن الإنصاف ظهور الرواية في رفع المؤاخذة، فمن اضطر إلى الأكل والشرب (في شهر رمضان) أو التكتف في الصلاة فقد اضطر إلى الإفطار وإبطال الصلاة، لأنّه مقتضى عموم الأدلّة، فتأمّل.1

2. ما دلّ على أنّ التقية في كلّ ما يُضطر إليه

أ. صحيحة الفضلاء قالوا: سمعنا أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «التقية في كلّ شيء يضطّر إليه ابن آدم، فقد أحلّه الله له».2
ب. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به».3
ج. وروى البرقي عن عمر ]معمر[ بن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «التقية في كلّ ضرورة».4

1 . رسالة التقية: 42 (المحققة). ولعل الأمر بالتأمّل إشارة إلى ما أفاده في الفرائد من القول بالعموم.
2 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب كتاب الأمر والنهي، الحديث2.
3 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب كتاب الأمر والنهي، الحديث1.
4 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب كتاب الأمر والنهي ، الحديث8.

صفحه 347
وجه الدلالة: أنّ تجويز التقية في كلّ ما يضطر إليه الإنسان عام يشمل العبادات والمعاملات والأُمور العادية، وتجويز التقية وتحليلها يلازم عرفاً إمضاء العمل وإجزائه عن الواقع، والقول بأنّ الروايات بصدد رفع الحرمة إذا كان مورد التقية أمراً حراماً كشرب النبيذ، ولا تدلّ على إمضاء العمل وإجزائه، غير تام.
وذلك لأنّ الابتلاءبالتقية في مورد العبادات كان أكثر ابتلاءً من سائر الموارد الأُخرى، فتخصيصها بالأمر المحرّم عند الشيعة والحال عندهم كشرب النبيذ يستلزم حمل الرواية على المورد النادر.
وإن شئت قلت: إنّ قوله: «فقد أحلّه الله له» و إن كان ظاهراً في رفع الحرمة ولكنّه ظهور بدئي يزول بملاحظة سائر الروايات، وذلك لأنّ ابتلاء الشيعة بالتقية في مورد الوضوء غسلاً ومسحاً والصلاة في المواقيت، والصوم في يوم الشكّ، والتمتع إلى غير ذلك من الموارد التي تدور التقية فيها حول الحكم الوضعي، كان أكثر من الابتلاء بالمحرّم فحمل الروايات على ارتكاب الفعل المحرم حمل لها على المورد النادر.
وعلى ذلك فيكون معنى «أحلّه الله له» أي أمضاه ونفذّه، نظير قوله سبحانه:(وَأَحَلَّ الله البيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) 1 فإنّ التحليل هنا بمعنى تجويزه وإمضائه لا تحليله تكليفاً.

3. التقية في كل شيء إلاّ في ثلاثة موارد

وهناك روايات تدلّ على وجوب التقية إلاّ في ثلاثة موارد:

1 . البقرة: 275 .

صفحه 348
1. روى هشام بن سالم، عن أبي عمر الأعجمي، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث أنّه قال:«لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء، إلاّ في النبيذ والمسح على الخفّين».1
2. وروى زرارة قال: قلت له(عليه السلام): في مسح الخفّين تقية؟ فقال: «ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً: شرب الخمر، ومسح الخفّين، ومتعة الحج». قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم ألاّ تتّقوا فيهنّ أحداً.2
3. روى الصدوق في «الخصال» بإسناده عن علي(عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: «ليس في شرب المسكر والمسح على الخفّين تقية».3
فإنّ استثناء الثلاثة دليل واضح على عموم التقية في غيرها، وقد عرفت أنّ اختصاص عدم التقية في مورد الثلاثة من خصائص الأئمة(عليهم السلام) لا شيعتهم، فيجوز لهم عند التقية المسح على الخفّين والصلاة مع الناس. فلو كان الهدف رفع التكليف دون الوضع لكان على الإمام(عليه السلام) أن ينبه ـ ولو في مورد واحد ـ على الإعادة أو القضاء.

4. التأكيد على التقية والحثّ عليها

وهناك روايات قد شدّد فيها الأئمّة(عليهم السلام) على التقية وحثّوا عليها، نذكر منها ما يلي:
1. ما رواه معمر بن خلاّد قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن القيام للولاة؟

1 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب كتاب الأمر والنهي، الحديث3.
2 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب كتاب الأمر والنهي، الحديث5.
3 . الوسائل:1، الباب38 من أبواب الوضوء، الحديث18.

صفحه 349
فقال:«قال أبو جعفر(عليه السلام): التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له».1
أقول: حديث معمر بن خلاّد حديث صحيح والمراد بقوله: «ولا إيمان لمن لا تقية له» بمعنى لا إيمان كامل، إذ لا شكّ أنّ من لا يتقي ليس بكافر، بل مسلم مؤمن متصلّب غير أنّ النقص في إيمانه وإطاعته لأوامر أئمته حيث إنّهم يأمرون شيعتهم بالتقية.(2)
2. وروى أبو عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «يا أبا عمر إنّ تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لاتقية له».2
رواية أبي عمر الأعجمي مجهولة ومع ذلك فالمراد أنّ ثواب التقية في زمانها تسعة أضعاف سائر الأعمال، وبعبارة أُخرى: إيمان العاملين بالتقية عشرة أمثال من لم يعمل بها.3
3. ما رواه زيد الشحّام، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «يا زيد! خالقوا الناس بأخلاقهم، صلّوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمّة والمؤذنين فافعلوا، فإنّكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً، ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، فعل الله بجعفر، ما كان أسوأ ما يؤدّب أصحابه».4

1 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب كتاب الأمر والنهي، الحديث 4.   2 . مرآة العقول:9/180.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب كتاب الأمر والنهي، الحديث3.
3. مرآة العقول:9/166.
4 . الوسائل: 5، الباب 75 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 350
4. ما رواه إسحاق بن عمار، قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): «يا إسحاق! أتصلّي معهم في المسجد؟» قال: نعم، قال : «صلّ معهم فإنّ المصلّي معهم في الصفّ الأوّل كالشاهر سيفه في سبيل الله».1
ونقل في الحدائق عن الوافي: إنّما قيد بالصف الأوّل، لأنّه أدخل في معرفتهم بإتيانه المسجد وأدلّ على كونه منهم، وإنّما شبّهه بشاهر سيفه في سبيل الله لدفعه شرّ العدوّ.2
5. ما رواه الكليني، عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ومن صلّى معهم في الصف الأوّل كمن صلّى خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الصف الأوّل ».3
6. روى الصدوق مرسلاً قال: قال الصادق (عليه السلام): «إذا صلّيت معهم غفر لك بعدد من خالفك».4
فإنّ تأكيد الأئمّة(عليهم السلام) على التقية بشكل يستشم منه المغالاة (ولا غلو فيه واقعاً) يدلّ بالملازمة العرفية على أنّ الشارع رخص لمن ابتلي بالتقية ترخيصاً في مجال التكليف وتحليل الحرام له كشرب النبيذ والإفطار في شهر رمضان، وترخيصاً في مجال الوضع وأنّه يقبل العمل المأتي به على وفق التقية.
فعندئذ يصبح القول بوجوب الإعادة والقضاء عند ارتفاع التقية شيئاً غير منسجم مع هذه الروايات المتنوعة الحاثّة على التقية.

1 . الوسائل: 5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7 .
2 . الحدائق: 11 / 71 نقلاً عن الوافي.
3 . الوسائل: 5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .
4 . الوسائل: 5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 351
وإن شئت قلت: إنّ الإجزاء هو مقتضى الإطلاق المقامي حيث إنّ الإعادة أو القضاء بعد سماع هذه التأكيدات على المشاركة في عباداتهم، تكون أمراً مغفولاً عنه، فلو كان التدارك أمراً لازماً لزم التنبيه عليه.
والإجزاء هو المفهوم من كلمات أصحابنا نذكر منها ما يلي:
1. يقول العلاّمة: ولا يُجزي الغسل عنه ]المسح [ إلاّ للتقية.1
2. يقول المحقّق الثاني في شرحه على هذا الموضع: ولا تجب الإعادة بزوالها قولاً واحداً فيما أظنه.(2)
3. قال العاملي في شرحه على القواعد: إذا فعل فعلاً على وجه التقية من العبادات أو المعاملات فهو صحيح مجز بلا خلاف، وهل تجب عليه الإعادة لو تمكن من الإتيان بالعبادة قبل خرو