welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 1
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهيّة
2

صفحه 2

صفحه 3
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهية
تشتمل على إيضاح ودراسة سبع وثلاثين قاعدة فقهية
الجزء الثاني
 
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السُّبْحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1393.
3 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 552 - 6 (VOL.2)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 542 - 7 (3VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
1. فقه ـ ـ قواعد. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام) . ب. عنوان .
9الف2س/ 5/169 BP   324 / 297
1393
توزيع مكتبة التوحيد
ايران قم ; سـاحة الشهداء
?37745457 ـ 32925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com:   عنوان الموقعwww.imamsadeq.org:
اسم الكتاب:   … الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة
الجزء:   … الثاني
تأليف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى
تاريخ الطبع :   … 1436 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 854   تسلسل الطبعة الأُولى: 427
حقوق الطبع محفوظة

صفحه 5
   

صفحه 6

صفحه 7
   
    الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة / ج 2
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيّبين الطاهرين.
أمّا بعد:
فقد نجز ـ بحمد الله ـ الجزء الأوّل من كتابنا الموسوم «الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية» وقد تمّ في فصول ثلاثة تعلّقت بالمواضيع التالية:
الأوّل: البحث عن القواعد التي يستكشف بها حال الموضوعات المشتبهة، واشتمل هذا الفصل على اثنتي عشرة قاعدة.
الثاني: البحث عن القواعد الموجبة للضمان أو المسقطة له، وتمّ البحث فيه ضمن اثنتي عشرة قاعدة أيضاً.
الثالث: البحث عن مبطلات العقود، واشتمل هذا الفصل على ست قواعد، وبذلك فقد احتوى الجزء الأوّل على ثلاثين قاعدة فقهية.
وها نحن نقدّم الجزء الثاني من كتابنا، وقد تمّ أيضاً في فصول ثلاثة وهي:
الرابع: القواعد العامّة التي لا تختصّ بباب دون باب، وهو يشتمل على تسع قواعد.
الخامس: العقود التي يكون القبض فيها مملّكاً، وهو يشتمل على خمس قواعد.

صفحه 8
السادس: القواعد الجارية في الأُمور العبادية وما يلحق بها، وهو يشتمل على ثلاث وعشرين قاعدة.
وليعلم إنّ الموضوع للدراسة وإن كان القواعد الفقهية التي يستدلّ بها في غير واحد من أبواب الفقه، غير أنّا طرحنا بعض المسائل الفقهية التي تختص بباب خاص، لوجود الاهتمام بها، وعلى هذا فالكتاب مشتمل على قواعد فقهية ومسائل فقهية.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

صفحه 9

      الفصل الرابع

القواعد العامّة

وهي القواعد الّتي لا تختصّ بباب دون باب، بل تجري في جميع أو أكثر أبواب الفقه، وسندرس منها في المقام ما يلي من غير استقصاء:
1. قاعدة العقود تابعة للقصود
2. قاعدة الأصل في العقود اللزوم
3. قاعدة الأحكام الوضعية غير مشروطة بالبلوغ
4. قاعدة الأحكام تابعة للأسماء
5. قاعدة الأُمور بمقاصدها
6. قاعدة التعاون على الإثم
7. تعظيم شعائر الله وحرماته وتحريم الاستهانة بالمقدسات الشرعية
8. قاعدة توابع العقود داخلة فيها وإن لم تذكر
9. قاعدة الإكراه على العقود والأُمور المحرّمة

صفحه 10

صفحه 11
القواعد الفقهية
      31
قاعدة
العقود تابعة للقصود
التعبير عن القاعدة بعبارات مختلفة
تفسير مفردات القاعدة
بيان مفاد القاعدة
القاعدة ناظرة إلى مقام الثبوت لا الإثبات
دليل القاعدة والمناقشة فيما استدلّ به عليها
ما هوالدليل الصحيح على القاعدة؟
وجوب الأخذ بالمقصود أصالة والمقصود ضمنيّاً
الموضوع تابع للقصد دون الحكم
نقوض القاعدة مع الإجابة عنها
من القواعد المتداولة على ألسنة فقهائنا ما يعبّر عنه بـ «قاعدة العقود تابعة للقصود»، وقد عبّر عنها بهذا اللفظ الفاضل النراقي في عوائده1، كما عبّر عنها السيد المراغي بقوله: العقد تابع للقصد مطلقاً2، كما عبّر صاحب

1 . عوائد الأيام : 159، العائدة السادسة عشرة.
2 . العناوين : 2/ 48،برقم 30.

صفحه 12
الجواهر عنها بقوله: تبعية العقد للقصد1، وهذا التعبير الرائج بين فقهائنا أصحّ ممّا في مجلة الأحكام العدليّة التي جاء فيها التعبير عن القاعدة بما يلي: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني».2
و لايخفى ضعف التعبير من وجهين:
1. أنّ إرداف الألفاظ بالمباني في ذيل القاعدة، فاقد للفائدة، وإنّما أُوتي به لحفظ السجع، إذ ليست المباني مرادفة للألفاظ.
2. أنّ إناطة المدار في العقد على القصد وحده دون اللفظ غير صحيح، إذ أنّ للفظ دوراً في إنشاء المقاصد وإيجادها في عالم الاعتبار، فلولا قول القائل: بعت واشتريت، لما كان هناك منشأ اعتباري في نظر العقلاء، كيف وقد اشتهر بينهم: « إنّما يحرّم الكلام ويحلّل الكلام».

تفسير مفردات القاعدة

أهمّ المفردات في القاعدة هما اللفظان التاليان:
1. العقود.
2. القصود.
أمّا العقود فهي جمع العقد، وفي اللغة ضد الحلّ، ويستعمل في عقد الحبلين أو عقد أطراف الرداء، لكن أُريد به في المقام الألفاظ أو الأفعال التي تنشأ بها العناوين الاعتبارية التي تدور عليها رحى الحياة كالبيع والإجارة والنكاح، وكأنّ «العقد» الذي جمعه «العقود» انتقل في لسان الفقهاء من معناه

1 . جواهر الكلام: 23/ 126.
2 . تحرير المجلّة: 1/18، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف ـ 1359هـ .

صفحه 13
اللغوي إلى هذا المصطلح، بل يمكن أن يقال: قد استعملت مادة العقد في السبب الإنشائي أيضاً في القرآن الكريم، قال تعالى : (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)،1 وقال تعالى: (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)2، ومورد الآية الأخيرة هو الزوجة المتوفّى عنها زوجها، ونهى الله سبحانه العقد عليها قبل خروجها عن العدّة.
ثم إنّ الظاهر اتّحاد الإيقاعات مع العقود في الحكم، فالإيقاعات أيضاً تابعة للقصود،كالطلاق والوقف والوصية إلى غير ذلك من العناوين المعتبرة عند العقلاء.
وأمّا القصود فهي جمع القصد بمعنى العزم والنيّة.

بيان مفاد القاعدة

إذا عرفت مفاد مفردات القاعدة ، فلنذكر ما تهدف اليه القاعدة من المعاني، فقد ذكر السيد المراغي للقاعدة تفسيرين ونحن نضيف إليهما تفسيراً ثالثاً:
الأوّل: أنّ العقد تابع للقصد، بمعنى أنّه لايتحقّق إلاّ بالقصد، كما ذكره الفقهاء (قدس الله أسرارهم) في شرائط العقود مع الشرائط الأُخرى، بمعنى أنّه لاعبرة بعقد الغافل والنائم والناسي والغالط والهازل والسكران الذي لاقصد له ونحو ذلك، فتكون القاعدة إشارة إلى شرطيّة كون العاقد قاصداً في مقامات العقود كلّها، ويكون معنى التبعيّة: عدم تحقّقه بدونه، إذ لاوجود للتابع بدون متبوعه.

1 . البقرة: 237.
2 . البقرة:235.

صفحه 14
يلاحظ عليه: أنّ القاعدة تتضمّن معنى أسمى ممّا ذكر فيه; لأنّ هذا المعنى أمر واضح لا يحتاج إلى التفصيل، إذ أي عاقل يرتّب الأثر على أقوال وأفعال هذه الطوائف. والعجب أنّ أكثر من أفرد القاعدة بالتأليف فسّرها بالمعنى الأول، مثلاً يقول السيد البجنوردي في تفسير القاعدة: ولاشكّ في أنّ العقود من الأُمور القصدية، ولذلك لاتقع من الغالط والهازل والسكران والنائم والغافل وأمثال ذلك.1
الثاني: أنّ العقد تابع للقصد، بمعنى أنّ العقد شيء يحتاج إلى موجب وقابل وعوض ومعوّض، وبعد حصول هذه الأركان فإنّ لكلّ عقد أثراً خاصّاً: من تمليك أو نحوه; وللآثار كيفيات واعتبارات من: فورية وتراخ، ولزوم وجواز، وتنجيز وتعليق، وإطلاق وتقييد، واتّصال وانفصال، وأحكام ولوازم; فهي في هذه الأُمور كلّها تابعة للقصد، بمعنى أنّه لايقع مالايقصد وماهو المقصود يقع.2
يلاحظ عليه: أنّ قوام الأمر الاعتباري إنّما هو بالقصد، فالخالي منه لايعدّ موضوعاً لحكم من الأحكام، من غير فرق بين العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية; ولأنّ الفعل الصادر بلا قصد لايعبأ به إلاّ في موارد نادرة، كالغرامات والضمانات، لكن لا دليل على قصد هذه الآثار بتفصيلها، بل يكفي قصد الموضوع وتترتّب عليه الآثار شرعاً وعرفاً وإن لم يقصدها، وسيوافيك بيانها في المستقبل، فانتظر.
الثالث: أنّ الممضي من العقود ماقصده العاقد دون ما لم يقصده، فلو

1 . القواعد الفقهية للبجنوردي: 3 / 138.
2 . العناوين : 2 / 49، برقم30.

صفحه 15
كان العقد اللفظيّ مشتركاً بين عقد وعقد آخر فالعبرة بقصد العاقد، فلو قصد البيع فهو المعقود، ولو قصد الهبة فكذلك.
والذي يشهد على ما ذكرنا هو أنّ القاعدة مذكورة في كتب أهل السنّة، فهؤلاء مثّلوا للقاعدة ببيع الوفاء، الذي نسمّيه نحن ببيع الخيار، أو شرط الخيار، فربّما يكون العقد مردّداً بين البيع والرهن فيكون المتّبع هو ماقصده العاقد، وصورة المسألة بالنحو التالي: فمالك الدار بحاجة إلى الثمن والآخر بحاجة إلى السكن ، فالأوّل يبيع داره من الثاني بمبلغ معلوم لكن يشترط لنفسه الخيار، إذا جاء بمثل الثمن بنفس السنة فله أن يفسخ البيع فيردّ الثمن ويأخذ المبيع، فهذا النوع من العقد إذا جُرّد عن لفظ البيع يكون مردّداً بين البيع والرهن فيقال: العقود تابعة للقصود.
وعلى كلّ تقدير فإنّ الموضوع : ما يقصده العاقد من الأركان والخصوصيات والشرائط والموانع وغير ذلك.

القاعدة ناظرة إلى مقام الثبوت لا الإثبات

قولهم :العقود تابعة للقصود ناظر إلى مقام الثبوت بمعنى أنّ تعيّن خصوصيات نوع العقد وكمّه وكيفه وشروطه وإطلاقه وتقييده، رهن قصد العاقد; فلو قصد في بيع الوفاء، البيع فهو، أو الرهن فهو كذلك، فلو كان وكيلاً عن امرأتين للتزويج من نفسه، فعقد على واحدة منهما فالعبرة في التعيين هو قصد الوكيل، وهكذا الإيقاعات فلو طلّق إحدى زوجاته فالمطلّقة هي التي قصدها، وأمّا استكشاف ماقصده في مقام الثبوت فيتبع إقرار العاقد وتصريحه، أو يتبع منصرف كلامه وظهوره.

صفحه 16

دليل القاعدة

استدلّ المشايخ على القاعدة بوجوه كلّها مبنيّة على المعنى الذي فهموه من القاعدة ـ أعني: الوجهين اللّذين تقدّما ـ ونحن ندرسها مع غضّ النظر عمّا ذكرنا في معنى القاعدة:
1. إجماع الأصحاب على عدم ترتيب الآثار على الأمر الخالي عن القصد، كما هو صريح كلامهم في طيّ أبواب الفقه بحيث لايشكّ فيه مشكّك.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على تفسير القاعدة بالمعنى الأوّل، وقد عرفت أنّ القاعدة تهدف إلى معنى أسمى ممّا ذكر، ثم إنّ ادّعاء اجماع في مثل هذه المسألة التي لها دليل أو دلائل واضحة لايخلو من ضعف، فإنّ الإجماع عندئذ مدركيّ.
2. أنّ الأصل عدم ترتّب شيء من الآثار على عقد أو إيقاع إلاّ مع الدليل فاللازم الاقتصار في أنواع الآثار ووجوهها على ما ثبت ترتّبه شرعاً، وما لم يثبت فيحكم بعدم ترتّبه، فلا بدّ من ترتيب هذه الآثار من الاستناد إلى حجّة شرعيّة، وليس إلاّ أدلّة العقود عموماً وخصوصاً، ولا ريب أنّ كلّ ذلك ينصرف إلى ما قصد به واللفظ الخالي عن القصد لايُسمّى بهذه الأسامي قط، فإذا لم تشمله الأدلّة عموماً وخصوصاً فيبقى تحت الأصل الأوّلي.2
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مركّب من أمرين:
أ. الأصل عدم ترتّب الأثر إلاّ مع الدليل.

1 . العناوين: 2 / 50، برقم 30.
2 . عوائد الأيام:160.

صفحه 17
ب. الخارج عن تحت الأصل ما قصد به.
ولا يخفى أنّ القاعدة بالمعنى المعروف عندهم في غنى عن هذا النوع من الاستدلال.
3. التمسّك بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): « لاعمل إلاّ بنيّة » أو : «إنّما الأعمال بالنيّات»، فإنّ ظاهر الروايتين أنّ ماهية العمل من دون نيّة غير متحقّقة، فالأمر يدور بين حمل أمثال هذه الهيئة على نفي الجنس بمعنى عدم تحقّق العقد واقعاً، أو على نفي الصحّة.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الروايات تبعيّة الثواب للقصد، فكلّ عامل يقصد بعمله التقرّب إلى الله سبحانه فيثاب وإلاّ فلا، فالاستدلال بهذه الروايات على القاعدة الفقهية بعيد عن مساقها، فلاحظ الباب المعقود لهذه الروايات في كتاب الوسائل.1 وقد اخترنا منه الروايتين التاليتين:
أ. روى أبوعروة السلمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّ الله يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة».2
ب. روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لاحسب إلاّ بالتواضع، ولا كرم إلاّ بالتقوى، ولا عمل إلاّ بنيّة».3 ولاحظ سائر الروايات فكلّها تهدف إلى مسألة الثواب والعقاب والتقرّب والتعبّد، ولاصلة لها بالقاعدة الفقهية.
4. العقد عبارة عن تعهّد شخص مع آخر على أمر من الأُمور، سواء

1 . لاحظ: الوسائل:1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات.
2 . الوسائل:1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات،الحديث 5.
3 . الوسائل:1، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 9.

صفحه 18
أكان ذلك الأمر من الأُمور المالية كما في باب المعاوضات، أو أمراً آخر كما في باب النكاح، حيث إنّ الزوجة تتعهّد بأن تكون زوجة فإذا قبل الزوج تتمّ المعاهدة، فنتيجة العقد حصول ما تعاهدا أو تعاقدا عليه لأن تترتّب عليه آثاره.1
وقال القائل في موضع آخر: إنّ العقد هو العهد المؤكّد، والعهد بدون قصد ما يتعاهد عليه لايمكن، وفي الحقيقة: العقد - كما قلنا - ليس من باب الألفاظ بل من الأُمور القلبية التي قد تُسمّى بعقد القلب، ولا معنى لتحقّق المعاهدة أو العقد بدون أن يقصد المعهود.2
يلاحظ عليه: أنّ العقد في اللغة وإن كان بمعنى العهد لكنّه انسلخ عن معناه الحقيقي عند إطلاقه على البيع والشراء والإجارة وأمثال ذلك، فلا نرى في أذهاننا شيئاً ممّا أشار إليه من العهد والتعاهد، فأنت إذا اشتريت خبزاً بدرهم هل تجد في نفسك العهد والتعاهد، حتى لو اشتريت الدار بثمن باهض، هل ترى في ذهنك شيئاً من العهد، فإنّ العهد واليمين والنذر باب، والعقود المتعارفة بين الناس التي تدور عليها رحى الحياة، باب آخر.
والظاهر أنّ المعاملات أشبه بعقد شيء بشيء، كعقد الخيطين، فيجعل أحدهما في مقابل الآخر، دون أن يخطر في باله شيء من العهد، فالأولى أن يقال: إنّه لاحاجة في إثبات القاعدة بهذه الدلائل الأربع، إذ يكفي في ذلك دراسة الأمر الاعتباري وكيفية تحقّقه في عالم الاعتبار، وذلك بالبيان التالي:

1 . القواعد الفقهية للبجنوردي: 3 / 136.
2 . القواعد الفقهية للبجنوردي: 3 / 137 .

صفحه 19

ما هو الدليل الصحيح على القاعدة؟

إنّ قوام الأمر الاعتباري وشروطه وخصوصياته إنّما هو باعتبار المعتبر في عالم التصوّر ثم إنشاؤه وإيجاده بلفظ أو بفعل حسب اعتبار المعتبر; و مثل هذا، الذي ليس له حقيقة في التكوين وإنّما يوصف بالوجود عند الإنشاء فهو ( ركناً وشروطاً) رهن القصد والإرادة، فما قصده وأراده فهو المتحقّق بالانشاء المقصود والمعقود، وما لم يتعلّق به القصد فلا يكون متحقّقاً ولا موجوداً في عالم الاعتبار.
و على ما ذكرنا، فالقاعدة من قبيل القضايا التي قياساتها معها لوجود الفرق الواضح بين الأمر الكوني والأمر الاعتباري، فالأوّل ليس رهن القصد والإرادة، فلو ضرب أحداً بلاقصد فالضرب متحقّق، وأمّا كون الضرب إيذاء وإهانة فهو أمر اعتباري مرهون بقصد القاصد، فلذلك لاتنتزع الإهانة من ضرب النائم دون غيره، ولذلك قالوا: إنّ التكريم والإهانة من الأُمور القصدية، وعلى ضوء ذلك ليس لمنشآت العقود مصداق في الخارج، بل مصاديقها عند العقلاء في عالم الاعتبار، ومن المعلوم أنّ الإيجاد - كونياً أو اعتبارياً - رهن الآلة، وليست الآلة في الأُمور الاعتبارية إلاّ القصد، فما قصده يتحقّق في عالم الاعتبار، دون ما لم يقصد.

وجوب الأخذ بالمقصود أصالة والمقصود ضمنيّاً

لاشكّ أن بعض العقود تكون الأركان فيها مقصودة بالأصالة، والشروط الرائجة مقصودة ضمنيّاً، مثلاً: الدار في مقابل الثمن مقصودة بالأصالة ولذا يقول: بعت هذا بهذا، وهناك أُمور مقصودة ضمنيّاً لكونها من

صفحه 20
الشروط الرائجة ككون الثمن مساوياً للمثمن في القيمة إلاّ ما يتسامح به، أو كون الثمن نقداً، أو كونه نقد البلد، فكلّ ذلك مقصود ضمنيّاً فيجب الأخذ بالجميع، والعدول عن هذه الشروط بحاجة إلى دليل.
وإن شئت قلت: إنّ الشروط المبنيّ عليها العقد وإن لم تكن مذكورة ـ كالأمثلة السابقة ـ لكنّها من قيود المقصود، فالإنشاء مقيّد بها لبّاً وإن لم تذكر في اللفظ ، لأنّ الجميع مقصود بالتبع.
نعم كان سيدنا الأُستاذ الحجّة الكوهكمري (قدس سره) يصرّ على أنّ ما لم يقع تحت الإنشاء لاعبرة به، ولا شكّ أنّ ذكر القيود في الإنشاء أفضل، وأمّا ما لم تذكر فلو كانت من الشروط الرائجة التي لاتحتاج إلى البيان، ـ بل خلافها يحتاج إليه ـ فهذا يكفي في تقيّد العقد لبّاً بها، فلو تخلّف لا يكون العقد نافذاً.
والذي يؤيّد ذلك أنّ العقود تكون غالباً مجرّدة عن شرطية القبض والإقباض، أي إقباض المثمن وقبض الثمن، ولكنّه من الشروط الرائجة التي تصحّ أن يقال إنّها مأخوذة في العقد ضمناً; لأنّ الغاية من العقد هو رفع الحاجة ولايتحقّق إلاّ بالقبض والإقباض.
بل يمكن أن يقال: إنّ القبض والإقباض أقوى من سائر الشروط ككون الثمن نقداً أو نقد البلد أو غير ذلك، وذلك لأنّ حقيقة العقد تتحقّق بالقبض والإقباض وكأنّهما تجسيد للعقد وتحقيق له في الخارج بخلاف سائر الشروط.
و بذلك يتّضح أنّ القاعدة المعروفة: «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»، ليس حكماً تعبدياً، بل لو لم يرد فيه نص لكان الحكم على وفق القاعدة لما عرفت من أنّ موضع القبض والإقباض فوق سائر

صفحه 21
الشروط، وكأنّهما روح العقد وواقعه، فقد التزم كلّ من البائع والمشتري على دفع ما عنده وقبض ما عند الآخر، فإذا لم يتمكّن من ذلك فيلغى العقد لعدم إمكان العمل به.

الموضوع تابع للقصد دون الحكم

لاشكّ أنّ تحقّق عنوان البيع والهبة والإجارة والنكاح رهن القصد، وهكذا وقوع البيع لزيد أو لعمرو أو على هذه العين أو العين الأُخرى، كلّها تتبع القصود، فما لم تقصد لاتحقّق لها في عالم الاعتبار.
لكن هناك أحكاماً شرعية تعبّدية ألزمنا الشارع بالعمل بها، فهي سائدة وإن لم تقصد، نظير:
1. خيار المجلس، فإنّ البيّعان بالخيار سواء أقصدا أم لا.
2. صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام سواء أقصد أم لا.
3. التلف في زمن الخيار ممّن لاخيار له.
4. وجوب التقابض في المجلس في بيع الصرف، والقبض في بيع السلف والسلم.
5. حرمة الزيادة في معاوضة المتجانسين إذا كانا مكيلين أو موزونين.
6. وجوب نفقة الزوجة على الزوج، أو حرمة خروجها من البيت إلاّ بإذن الزوج.
إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية، فعلى المتعاقدين الالتزام بها سواء أقصدا أم لا، لأنّها أُمور شرعية وأحكام سماوية شرّعت من قبل المولى سبحانه على عباده، والعبد وما في يده لمولاه.

صفحه 22

نقوض القاعدة مع الإجابة عنها

بما أنّ القاعدة أمر سار في عامّة أنواع العقود بل الإيقاعات أيضاً، فلاحاجة لعقد باب خاص باسم التطبيقات، بل اللازم عقد باب يذكر فيه مايتوهّم كونه من قبيل تخلّف العقود عن القصود، فيعدّ نقضاً للقاعدة ، فقد ذكر الشيخ الأنصاري قسماً منها عند دراسة مسألة المعاطاة، باعتبار أنّها تفيد الإباحة عند الفقهاء، مع أنّ المتعاطيين قصدا التمليك فصار هذا سبباً لطرح نقوض على القاعدة، فنقول:
الأوّل: إنّ القول بأنّ المعاطاة مفيدة للإباحة يخالف قصد المتبايعين من التمليك.
و يمكن الإجابة عنه بوجهين:
1. ما سمعناه من السيد المحقّق الكوهكمري (قدس سره) في مجلس درسه حيث كان يصرّ على أنّ محل النزاع في المعاطاة عند القدماء هو قصد الإعطاء مجرّداً عن قصد الملكية، فكان يستشهد بما في خلاف الشيخ، حيث قال: إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب ، فقال: أعطني بها بقلاً أو ماءً، فأعطاه فإنّه لايكون بيعاً، وعلى هذا فالإباحة والملكية خارجة عن دائرة القصد فتكون النتيجة إباحة التصرّف.1
2. إنكار كون المعاطاة مفيدة للإباحة، بل هي بيع حقيقي تفيد الملكية اللازمة مادام المتعاطيان في مجلس المعاطاة أخذاً بقول القدماء: السبب الفعلي كالسبب القولي نتيجة.

1 . الخلاف:3 / 41، المسألة59.

صفحه 23
ثم إنّ الشيخ (أعلى الله مقامه) أجاب عن الإشكال بوجوه، فلاحظها.1
الثاني: قالوا: إنّ بيع المكره إذا لحقه الرضا، صحّ مع أنّ بيعه كبيع الهازل، وقد اتّفقوا على عدم صحّة بيع الهازل بعد لحوق الرضا.
و يمكن الإجابة عنه بأنّ محل البحث فيما إذا باع المكره معتقداً بصحّة بيعه، فقام بالبيع جدّاً خوفاً من المُكرِه، فإذا لحقه الرضا يكتمل العقد ركناً وشرطاً، فيكون المعقود عليه هو المقصود.
وإن شئت قلت: إنّ البائع المكره كالبائع الراضي يشتركان في إيجاد حقيقة البيع في عالم الاعتبار، غير أنّ الأوّل واجد للشرط دون الثاني، فإذا لحقه الشرط تتمّ أركان العقد من حين لحوق الرضا.
و ما ربما يقال من أنّ المكره فاقد للإرادة، فهو خلط بين الإرادة وطيب النفس، فإنّما يفقد الثاني دون الأُولى، فهو خوفاً من سلطة المُكره الذي يحكم بمنطق القوّة يبيع جدّاً ويأخذ الثمن، ولكنّ الشرع لايحكم بصحّته لفقدان طيب النفس قائلاً: لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه، فإذا طابت نفسه يكتمل العقد ويكون المعقود هو المقصود.
الثالث: إذا باع الفضولي لنفسه وأجاز المالك لنفسه فالقول بالصحّة على خلاف القاعدة، لأنّ المعقود هو البيع من نفسه، ولكن الواقع هو البيع من البائع.
وإن شئت قلت: المجاز غير منشأ، والمنشأ غير مجاز.

1 . لاحظ : كتاب المكاسب: 3 / 46 .

صفحه 24
ويمكن الإجابة عنه بما أوضحناه في بحوثنا في أحكام البيع من أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال وإضافة بين المالين، كما أنّ النكاح رابطة بين الشخصين، وأمّا كون الثمن مالاً للبائع أو لغيره فهو خارج عن إيجاب البيع وليس مأخوذاً في مفهومه، فإنّ مفهومه تمليك المثمن بعوض من دون تعرّض لمن يرجع إليه العوض.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المالك يجيز مفاد الإيجاب أي نفس المبادلة، وأمّا كون الثمن للعاقد أو للمجيز فيُرجع فيه إلى مقتضى المبادلة والمعاوضة، وحيث إنّ المثمن ملك لمالكه الواقعي، فإذا أجاز المالك المعاوضة، انتقل عوضه إليه فيكون المنشأ هو المجاز والمجاز هو المنشأ، وتكون نيّة البائع الفضولي أمراً لغواً.
الرابع: اتّفق فقهاء الإمامية على أنّ مَن نسى في عقد المتعة ذكر المدّة ينقلب دائماً استناداً إلى روايات منها:
1. ما رواه ابن بكير قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام) في حديث: «إن سمّى الأجل فهو متعة، وإن لم يسمّ الأجل فهو نكاح بات».1
2. ما رواه أبان بن تغلب في حديث صيغة المتعة أنّه قال لأبي عبد لله (عليه السلام): فإنّي أستحيي أن أذكر شرط الأيام، قال (عليه السلام): «هو أضرّ عليك»، قلت: كيف؟ قال (عليه السلام): «لأنّك إن لم تشترط كان تزويج مقام ولزمتك النفقة في العدّة، وكانت وارثاً، ولم تقدر على أن تطلّقها إلاّ طلاق السنّة».2
والجواب عنه: أنّ هذا النكاح مردّد بين كونه مؤقّتاً أو دائماً، أمّا الأوّل

1 . الوسائل 14، الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث1.
2 . الوسائل:14، الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث2.

صفحه 25
فالمفروض أنّه لم يذكر في العقد، وبالتالي لم ينشأ لعدم وقوعه على وفاق القاعدة، إنّما الكلام في وقوعه دائماً وكون العاقد ملزماً به، فوجهه أنّ الإشكال مبني على أنّ النكاح المؤقت والنكاح الدائم صنفان من النكاح، وكلّ مقيّد بقيد إمّا بقيد التوقيت أو بقيد الدوام، فكيف يحكم بالثاني مع عدم ذكره في مقام الإنشاء، ولكن الواقع غير ذلك فحقيقة النكاح الدائم هو إنشاء النكاح لا بقيد الدائم وإنّما الدوام حكمه، فإذا أنشأ نكاحاً مطلقاً ـ وإن لم يذكر الدوام ـ فقد أنشأ نكاحاً قابلاً لأن يكون دائماً، فالحكم بانقلابه إلى الدوام حكم على وفق القاعدة.
وحصيلة الكلام: أنّ الدوام ليس من القيود المأخوذة في النكاح، نعم الانقطاع مأخوذ في المتعة، وأمّا غيره فهو نكاح مطلق أي بلاقيد ،أي لابقيد الدوام والانقطاع، فإذا أنشأ، أنشأ ما هو المصداق للنكاح غير المؤقّت، فلايكون حمله عليه على خلاف القاعدة.
الخامس: أطبق العلماء على أنّ عقد المعاوضة إذا كان فاسداً يؤثّر في ضمان كلّ من العوضين بالقيمة مع أنّهما لم يقصدا إلاّ ضمان كلّ منهما بالآخر، فعلى هذا فلو تلف المبيع عند المشتري وكان قيمياً، والعقد فاسداً يجب عليه دفع القيمة السوقية مع أخذ الثمن من البائع مع أنّه لم يضمن إلاّ بما دفع من القيمة، وهذا من مصاديق قولهم: كلّ عقد يضمن بصحيحه، يضمن بفاسده.
والجواب: أنّ الحكم بالضمان بالقيمة السوقية إنّما هو من باب احترام مال المسلم، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة الوداع: «وإنّ حرمة ماله كحرمة دمه».1

1 . الوسائل:8، الباب 152 من أبواب العشرة، الحديث 12.

صفحه 26
وعلى ضوء ذلك فلوكان العقد صحيحاً فحرمة ماله هو تملّكه للثمن بدل العين، وأمّا إذا افترضنا فساد العقد، فمن جانب أنّ البائع لم يملك الثمن لافتراض فساد المعاملة، ومن جانب آخر أنّ لماله حرمة وكرامة، فالجمع بينهما يتحقّق بتداركه بالمثل إذا كان مثليّاً، أو بالقيمة إذا كان قيميّاً.
فإن قلت: إنّ المتعاقدين تواطآ على تحديد حرمة مال البائع بالمسمّى، فإذا لم يسلّم المسمّى للبائع (لفساد المعاملة من جانب وتلف المبيع من جانب آخر) فلا تعهّد للمشتري بالنسبة إلى العين عندئذ.
قلت: نتيجة حرمة المال هي صيانة البائع عن توجّه الضرر إليه في عامّة الحالات، فالأمر يدور ـ بعد تبيّن فساد المعاملة ـ بين رد العين وهو غير ممكن، أو الاقتصار بالثمن المدفوع، والمفروض أنّه مازال ملكاً للمشتري لفساد المعاملة، فلم يبق هنا طريق إلاّ دفع المثل أو القيمة.
السادس: إذا قلنا بأنّ الشرط الفاسد غير مفسد، فعندئذ يكون المورد من قبيل تخلّف العقد عن القصد; وذلك لأنّه لم تقصد المعاملة إلاّ مقرونة بالشرط، فكيف تصحّ بلاشرط؟
وبعبارة أُخرى: إنّه ليس في المقام إلاّ انشاء واحد ومنشأ كذلك، فإذا تعلّق الإنشاء الواحد على مبيع مقيّد وفرضنا خروج المقيّد عن تحت العمومات والإطلاقات، فلا يبقى شيء حتى يشمله قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1 .
والجواب - على ما حقّقناه في بحوثنا في الخيارات - هو: أنّ

1 . المائدة: 1 .

صفحه 27
الإنشاء وان كان أمراً واحداً إلاّ أنّ له انبساطاً على المقيّد والقيد، فإذا فسد الشرط ورفضه الشارع يتضيّق الإنشاء وينسحب عن القيد، فلا يُعدّ بقاءُ العقد على المقيّد بلا قيد أو المشروط بلا شرط، عقداً جديداً وبيعاً ثانياً، فإذا دل الدليل على بطلان الشرط فإنّما ترفع اليد عن نفس القيد لا المقيّد مع القيد، كما هو الحال في إجراء البراءة عند الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته، فالدليل يرفع الجزئية أو الشرطية من دون أن يمسّ كرامة وجوب الباقي.
فإن كان الجواب قالعاً للإشكال فهو، وإلاّ فيعدّ الضمان من الأحكام الخارجة عن مصبّ القاعدة.1
السابع: إذا اشترى البائع فرساً موصوفاً بكونه عربياً فبان أعجمياً، صحّ البيع لكن للمشتري الخيار بين القبول والرد وأخذ الثمن فيقال: كيف يحكم بالصحّة مع أنّ المشتري قصد شراء الفرس مقروناً بالوصف؟
والجواب عن ذلك: أنّ هنا التزامين بين البائع والمشتري، التزام ببيع الفرس، والتزام بكونه عربيّاً. لا أقول:إنّ هنا التزامين لاصلة لأحدهما بالآخر، بل هنا التزامان بينهما صلة وربط، ولذلك يقال في تعريف الشرط: التزام في التزام ، ونظيره الوصف. فاذا فقد المبيعُ الوصفَ اللازمَ فإن ردّ فهو، وإن قبل فقد أخذ بالالتزام الأوّل وغضّ النظر عن الالتزام الثاني، فما اختاره ليس غير ما قصده، نعم ليس هو تمام مقصوده.
مثلاً إذا اشترى حديداً فبان قطناً فالمأخوذ غير مقصود، بخلاف ما إذا اشترى حديداً بوصف خاصّ، وفقد الوصف، فهناك لم يصل إليه تمام

1 . لاحظ كتابنا: المختار في أحكام الخيار: 539.

صفحه 28
المقصود لا أنّ ما وصله غير مقصوده أصلاً، فلا يقال هذا من تخلّف القصود عن العقود، وإنّما أخذ بالتزام وغضّ النظر عن التزام آخر.
والحاصل : فرق بين أن يصل إليه ضد مقصوده وبين ما إذا وصل بعض مقصوده، فالتخلّف صادق في الأوّل دون الثاني بالبيان المذكور.
الثامن: ما ذكره الشيخ من بيع ما يملك وما لا يملك ، فقد اشتهر أنّه يصحّ فيما يُملك ولايصحّ فيما لا يُملك، كما إذا باع الغنم مع الخنزير، وهذا من مقولة ما يُملك وما لا يُملك، وكما لو باع الغنم المملوك مع الغنم المغصوب، فقد قالوا يصحّ فيما يُملك بكلتا الصيغتين وبطل فيما لا يملك.
والجواب عنه بمثل ما أجبنا به عن الشرط الفاسد أو الوصف المفقود، فهناك التزامان بينهما صلة، فإذا لم يصحّ فيما لم يملك، فما وقع في يده ليس تمام مقصوده لا أنّه غير مقصوده . فالإجابة عن هذه النقوض أولى من القول بانخرام القاعدة.
ثم إنّ للمحقّقين ممّن علّق على متاجر الشيخ حول هذه النقوض أجوبة أُخرى فمن أرادها فليرجع إليها، وما ذكرناه من الحلول هو المختار عندنا.
ثم إنّ الفاضل النراقي جعل هذه الموارد أو بعضها استثناء من القاعدة وأراح نفسه عن الإجابة عنها فقال: إنّ ما ذكروه من أنّ العقود تابعة للقصود إنّما هو على سبيل الأصل والقاعدة على ما عرفت، ويمكن أن يتخلّف في بعض المواضع لدليل خارجي كأن يحكم الشارع بصحّة عقد

صفحه 29
مع فساد شرطه فيقال: إنّ ذلك خارج عن القاعدة بالدليل 1، وقد عرفت إمكان تطبيق ما أُشير إليه على القاعدة، فلاحظ.
***
تمّت قاعدة
العقود تابعة للقصود

1 . عوائد الأيام: 165، العائدة 16 .

صفحه 30
القواعد الفقهية
      32
قاعدة
الأصل في العقود اللزوم
ما هو المراد من الأصل في عنوان القاعدة؟
طريقان لكشف حال العقود من حيث اللزوم والجواز
ما يدلّ على أنّ الأصل في العقود اللزوم
   1.الاستدلال بقوله سبحانه: (أوفُوا بالعُقُود) وتفسير العقد
العقد يشمل العقود العرفيّة
وجه دلالة الآية على اللزوم
الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية ونقدها
الإشكال الأوّل: التمسّك بالآية من قبيل التمسّك بالإطلاق مع الشكّ في الموضوع
الإشكال الثاني: شمول الآية للعهود غير الإلزامية
الإشكال الثالث: لزوم العمل بمقتضى العقد جوازاً ووجوباً
   2. الاستدلال بقوله سبحانه:(إلاّ أنْ تَكُونَ تِجارةً عَن تراض)
   3. الاستدلال بقوله سبحانه:(أحَلَّ اللهُ البيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)
الاستدلال بالنبويات الثلاثة
الاستدلال بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيّعان بالخيار ما لم يفترقا
الاستدلال بمقتضى الاستصحاب وتبيين أقسامه
حول استصحاب ملكية المشتري

صفحه 31
من القواعد المعروفة عند الفقهاء، كون الأصل في العقود، اللزوم، قال العلاّمة في «التذكرة»: الأصل في البيع اللزوم1، وصار هذا سبباً لطرح هذه المسألة.
ثمّ إنّ الشيخ طرح هذه المسألة في المعاطاة مرّة، وفي الخيارات أُخرى، وإن كان بحثه في الخيارات أوسع وأفضل.
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:
1. تارة يعلم لزوم العقد، وأُخرى يعلم عدم لزومه، وثالثة يُشكّ في لزومه وجوازه، فيقع الكلام في القاعدة الأولى عند الشكّ، فهل الأصل اللزوم حتى يثبت الجواز أو لا؟ وتظهر الثمرة في موردين:
أ. إذا كانت الشبهة حكميّة كما هو الحال في القرض والمضاربة، فهل هما من العقود اللازمة أو الجائزة؟
ب. إذا كانت الشبهة موضوعية كما في البيع، إذا شكّ في لزومه لاحتمال وجود الغبن أو التدليس، فهل المرجع عند الشكّ هو أصالة اللزوم أو لا؟
2. إنّ العقد قد يكون لازماً من الطرفين كالبيع والصلح والإجارة والضمان، وقد يكون جائزاً من جانبهما كالوكالة والوديعة والعارية والجعالة، وثالثة يكون لازماً من طرف وجائزاً من طرف آخر كالرهن فإنّه جائز من قبل المرتهن ولازم من قبل الراهن.

1 . تذكرة الفقهاء: 11/5. ولاحظ: إيضاح الفوائد في شرح القواعد:1/480.

صفحه 32
3. ما هو المراد من الأصل في عنوان القاعدة؟
وقد احتمل الشيخ في مبحث المعاطاة أنّ المراد هو الاستصحاب حيث قال: أوفق الوجوه بالقواعد هو الأوّل بناء على أصالة اللزوم في الملك للشكّ في زواله بمجرّد رجوع مالكه الأصلي.1
ولكنّه(قدس سره) ذكر في مبحث الخيارات وجوهاً أُخرى:
أ. المراد من الأصل: الراجح، مستنداً في تصحيحه إلى الغلبة، ثمّ ردّ عليه، فلاحظ.
ب. المعنى اللغوي. بمعنى أنّ وضع البيع وبناءه عرفاً وشرعاً على اللزوم وصيرورة المالك الأوّل كالأجنبي.
ج. القاعدة المستفادة من العمومات التي يجب الرجوع إليها عند الشكّ.
وربّما يفسّر بوجه آخر.
د. اللزوم مقتضى قاعدة المقتضي والمانع، بمعنى أنّ البيع مقتض لتمليك غير محدود، والفسخ مانع عن بقائه فإذا علمنا بصحّة الفسخ نرفع اليد عن مقتضاه وإلاّ فنتمسّك بالمقتضي ونقول الأصل عدم المانع.
نظير ذلك أنّ الفقر مقتض لجواز أكل الزكاة، والسيادة مانعة عنه، فإذا أُحرز الفقر بالوجدان يكون المقتضي موجوداً، وإذا شككنا في السيادة فالأصل عدمه، فيحكم بجواز أكله من الزكاة.
أقول: هذه القاعدة هي التي اخترعها العلاّمة الشيخ محمد هادي

1 . المكاسب:3/51.

صفحه 33
الطهراني فـي كتابه «محجّـة العلماء» وبها فسّر روايات الاستصحاب، وقد ثبت في محلّه عدم صحّتها. والظاهر من هذه الوجوه هو الوجه الثالث.

طريقان لكشف حال العقود من حيث اللزوم والجواز

أقول: إنّ لكشف حال العقود طريقين:
الأوّل: دراسة كلّ عقد برأسه عند العرف، فإنّ لكلّ معاملة عند العقلاء طبعاً خاصّاً، فطبيعة العارية، الجواز، لأنّ المعير لم يقطع علاقته من ماله وإنّما دفعه إلى المستعير ليقضي به حاجته ثم يردّه إلى صاحبه; بخلاف طبيعة الوقف، فإنّه عبارة عن قطع علاقة المالك عن ملكه وإدخاله في سلطة الموقوف عليه، ومثله البيع فإنّ غرض كلّ من المتعاقدين هو التصرّف فيما صار إليه تصرّفاً مأموناً من نقض صاحبه عليه. وبه يعلم حال المضاربة إذا كانت مؤجّلة فإنّ حصول الغرض منها رهن وجود ثقة بين الطرفين، حيث يتّفق رب المال مع العامل على أن يعمل بماله إلى مدّة محدّدة، ولا يحصل الغرض إلاّ أن يثق العامل بأنّ رب المال لا يفسخ العقد، وإلاّ فلو كان العقد قابلاً للفسخ من الطرفين فلا تبقى ثقة لهما، وبالتالي لا يقومان بعمل المضاربة ويكون تشريعها عاطلاً قليل الفائدة. ولذلك قلنا في محلّه إنّ عقد المضاربة المؤجّلة عقد لازم خلافاً للمشهور، فلاحظ.
وبه يظهر حال القرض إذا كان مؤجّلاً، فإنّ الغرض (رفع الحاجة) لا يتحقّق إلاّ إذا كان الاقتراض لازماً، فلو كان جائزاً ربّما لا يكون المقترض قادراً على الأداء قبل انقضاء الأجل.
وبالجملة فدراسة طبيعة كلّ عقد برأسه يوقفنا على حال من اللزوم

صفحه 34
والجواز، ولو صحّ هذا لاستغنى الفقيه عن دراسة هذه القاعدة.
الثاني : دراسة مفاد الأدلّة الاجتهادية فهل مفادها لزوم العقود
أو جوازها ؟ وهذا هو الذي سلكه المشايخ من عصر العلاّمة الحلّي إلى يومنا هذا.

ما يدلّ على أنّ الأصل في العقود اللزوم

واستدلّ الشيخ الأنصاري في باب المعاطاة والخيارات بآيات وروايات على أنّ الأصل في العقود اللزوم، وإليك دراسة ما في الكتاب العزيز وهو لا يتجاوز عن آيات ثلاث:
الآية الأُولى: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ).1

العقد يشمل العقود العرفيّة

الاستدلال بالآية يتوقّف على تبيين المراد من العقود وهل أنّها تشمل العقود العرفية؟ ربّما يقال: بأنّ المراد، العهودُ الإلهية كالنذر، والعهد، واليمين; وربّما يؤيّد بمرسلة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)؟ قال: «العهود».2 فتكون الآية أجنبية عن المقام، إذ لا عهد في العقود العرفية، وقال الحطيئة:

1 . المائدة:1.
2 . الوسائل:16، الباب25 من أبواب النذر والعهد، الحديث3.

صفحه 35
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم *** شدّوا العناج1 وشدّوا فوقه الكربا
أراد الشاعر من العقد، هو التعاهد والأمان للجار.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الرواية مرسلة نقلها العيّاشي في تفسيره، وعامّة رواياته في التفسير الموجود بأيدينا مراسيل.
وثانياً: أنّ العقد هو ضد الحلّ، ويستعمل في عقد الحبلين، أو عقد أطراف الرداء، واستعماله في الأُمور المعنويه بعناية، فكأنّ العاقد بالتبادل يعقد المعوض بالعوض أو ذمّته بذمّة الآخر فتحصل منهما حالة خاصّة تطلق عليها «العقدة». قال سبحانه: (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)2 ومورد الآية: الزوجة المتوفّى عنها زوجها، أي لا تثبتوا النكاح ولا تعقدوا عقدة النكاح في العدّة حتى تنقضي العدّة.(3) وقال سبحانه: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ومورد الآية المطلّقة قبل المسّ حيث يُنصّف المهر به، والله سبحانه يقول: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ)أي الزوجة، النصف فلا تطلب شيئاً (أَوْ يَعْفُوَا) ويترك ويهب مَن (بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، وهو الولي، أو الزوج على اختلاف بين المفسّرين، وإن كان الأظهر هو الأوّل.
فقد استعملت المادّة في العقود العرفية. نعم ربّما تستعمل في العهود الإلهية نظير قوله: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)3 أي ما حلفتم بوعي ودقّة. وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ

1 . العناج: حبل يشدّ في أسفل الدلو العظيمة. وفي المنجد: كربة: حُبيل يصل رشاء الدلو بالخشبة المعترضة عليها.
2 . البقرة:235.   3 . مجمع البيان:2/339.
3 . المائدة:89.

صفحه 36
أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)1. وقد اختلفت كلمة المفسّرين في مفاد الآية، ولعلّ المراد ضامن الجريرة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ العقد ضد الحلّ، وله مفهوم واحد عام يشمل كلا الموردين، ويعمّ كلّ عقد عقده الإنسان ولا يُحلّ إلاّ بسبب، من غير فرق بين العقود العرفية والعهود الإلهيّة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ لأعلام الفقه في بيان دلالة الآية على أنّ الأصل في العقود اللزوم كلمات، فلنقتصر على ما ذكره الشيخ في وجه الدلالة.

وجه دلالة الآية على اللزوم

يقول الشيخ الأنصاري: المراد بوجوب الوفاء: العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب دلالته اللفظية، نظير الوفاء بالنذر، فإذا دلّ العقد مثلاً على تمليك العاقد ماله من غيره، وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له، فأخذه من يده بغير رضاه والتصرّف فيه كذلك نقض لمقتضى ذلك العهد فهو حرام، فإذا حرم بإطلاق الآية، جميع ما يكون نقضاً لمضمون العقد ـ ومنها التصرّفات الواقعة بعد فسخ المتصرّف من دون صاحبه ـ ، كان هذا لازماً مساوياً للزوم العقد وعدم انفساخه بمجرد فسخ أحدهما، فيستدلّ بالحكم التكليفي على الحكم الوضعي، أعني: فساد الفسخ من أحدهما بغير رضا الآخر، وهو معنى اللزوم.2

1 . النساء:33.
2 . المكاسب:5/18.

صفحه 37
حاصله: أنّ للعقد مدلولاً وهو التمليك فيجب العمل على مقتضى المدلول وترتيب آثاره دائماً، وأخذ العين بلا رضاه بالفسخ يضاد مقتضى التمليك وترتيب الآثار.
قلت: إنّ هذا الدليل مبنيّ على أنّ لقوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عموماً زمانياً أو إطلاقاً كذلك يشمل الأزمنة المتأخّرة، ولذلك عدّ التصرّف في المبيع بلا رضا المشتري نقضاً لمقتضى ذلك العهد، ولكن الظاهر أنّه يكفي في امتثال الأمر، إقباض المبيع للمشتري مرّة واحدة فيصدق أنّه وفى بالعقد، ثمّ إنّه لو أخذه منه عنوة فضلاً عن الأخذ بالفسخ، يوصف عمله بالظلم والاعتداء لا بالخلف والنقض، لمقتضى ذلك العهد، من غير فرق بين العقد المحرز لزومه وغيره.
فإن قلت: إذا مكّنت الزوجة نفسها للزوج مرّة واحدة، فهل يكفي ذلك في صدق قوله سبحانه:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أو يجب عليها التمكين مادام العقد باقياً؟
قلت: سيوافيك أنّ العقد بوجوده الحدوثي كاف في إثبات لزوم الوفاء بالعقد عبر الزمان، وهذا لا يتوقّف على ثبوت الإطلاق الزماني كما تصوّره الشيخ، فانتظر.

الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية ونقدها

وعلى كلّ تقدير فقد أوردت على الاستدلال بالآية ـ مع قطع النظر عمّا ذكرنا الإشكالات التالية:

صفحه 38

الإشكال الأوّل: التمسّك بالآية من قبيل التمسّك بالإطلاق مع الشكّ في الموضوع

إنّ الاستدلال بإطلاق الآية أو عمومها فرع وجود الموضوع وهو العقد، فإذا كان الفسخ حلاًّ للعقد فالشكّ في كونه عقداً لازماً أو جائزاً يلازم الشكّ في الموضوع، ومعه لا يصحّ التمسّك بإطلاق الحكم.1 وهذا الإشكال لا يختصّ بالاستدلال بهذه الآية، بل هو إشكال سيّال يأتي في الاستدلال بقوله سبحانه:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)2، أو قوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)3.
وإن شئت قلت: بعد النسخ نشكّ في وجود الملكية حتى يترتّب آثارها وهو عدم جواز الأخذ بلا رضى منه.
أقول: هذا هو الإشكال المهمّ ولكن يمكن دفعه بالتقريب التالي: أنّ المراد من العقود في الآية المباركة هو الإلزام والالتزام الذي اتّفق عليه المتبايعان، ففسخ أحد الطرفين من دون رضا الآخر نقض لهذين الأمرين ويُعدّ خلفاً للوفاء بالعقد، وحراماً كاشفاً عن بطلان الفسخ. والذي يؤيّد ما ذكرنا من أنّ العقد عبارة عن الإلزام والالتزام وأنّ الوفاء عبارة عن حفظهما وعدم نقضهما، قوله سبحانه: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)4، فالفقرة الأخيرة في الآية تفسّر الوفاء بالعهد وأنّ كلّ ما يوصف بكونه نقضاً للميثاق فهو آية عدم الوفاء، وما لا يوصف كذلك فهو وفاء.

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:2/372.
2 . النساء:29.
3 . البقرة:275.
4 . الرعد:20.

صفحه 39
فكأنّه سبحانه يقول:(أوفُوا بِالعُقُود) ولا تنقضوها، فكلّ عمل عُدّ نقضاً للإلزام والالتزام كالفسخ فهو خلف للوفاء بالعقد، وبذلك يظهر أنّ الواجب على الشيخ (مكان أن يركّز على الملكية وآثارها) يجب أن يركّز على معنى العقد ـ أي الإلزام والالتزام ـ وعلى الوفاء بالعقد، وأنّ الفسخ نقض للوفاء ونقض للميثاق بالمعنى الأعمّ.
فإن قلت: يرد على هذا البيان ما أُورِدَ على الشيخ الأنصاري من أنّه ليس لقوله سبحانه:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إطلاق زماني، وعلى هذا فلو وفى بالعقد مرّة واحدة ولم يفسخ فقد وفى بالعقد فلا يكون فسخه بعده نقضاً للوفاء بالعقد.
قلت: قد مرّ سابقاً أنّ العقد بوجوده الحدوثي يصير موضوعاً لوجوب الوفاء عبر الزمان من دون حاجة إلى الإطلاق الزماني، نظير ذلك عنوانا الزاني والسارق فهما موضوعان للقطع والجلد متى ما تمكّن الحاكم منهما، وعلى هذا فالعقد الذي هو عبارة عن الإلزام والالتزام صار بوجوده الحدوثي موضوعاً لوجوب الوفاء بالعقد مادام العقد باقياً. والفسخ بدون رضا الطرف الآخر يعدّ نقضاً للعقد.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الفسخ ليس عبارة عن حلّ الإلزام والالتزام، لما عرفت أنّه أمر حقيقي في موطنه، وإنّما هو عبارة عن التخصيص في العمل به بعد الفسخ، فما اشتهر بينهم من أنّ الفسخ عبارة عن حل العقد، لا يساعد الفهم العرفي، ولذلك يكون نماء المبيع للمشتري ونماء الثمن للبائع. وهما لا ينسجمان مع كون الفسخ حلاًّ من رأسه.
فإن قلت: إنّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو حرمة الفسخ، وأين هو من بطلانه، ولعلّ الفسخ صحيح وإن كان حراماً؟

صفحه 40
قلت: إنّ الأوامر والنواهي في باب المعاملات كلّها إرشادات وليست أحكاماً تكليفية، فيكفي كون الآية إرشاداً إلى فساد كلّ ما يُعدّ خُلفاً للوفاء بالعقد.
وأنت إذا أحطت بما ذكرنا تسهل عليك الإجابة عن بعض الإشكالات التي وجّهت على الاستدلال بالآية، والمهمّ هو الإشكال المتقدّم الذي عرفت دفعه، بشرط أن يركّز على أنّ الموضوع لوجوب الوفاء هو العقد بمعنى الإلزام والالتزام، والفسخ نقض له فيكون منهيّاً عنه وبالتالي فاسداً.

الإشكال الثاني: شمول الآية للعهود غير الإلزامية

ذكر السيد الطباطبائي أنّ المراد من العقود في الآية مطلق العهود، أعمّ من التكاليف الإلهية والعهود التي بين الخلق والخالق كالنذر وشبهه، والعهود التي بينهم بعضهم مع بعض، وحينئذ فإمّا أن يجعل الأمر للوجوب ويكون خروج المستحبّات والعقود الجائزة من باب التخصيص]الأكثر وهو مستهجن[، وإمّا أن يجعل للقدر المشترك بين الوجوب والندب مجازاً فيشملها أيضاً، وعلى هذا (استعمال الأمر في القدر المشترك بين الوجوب والندب) يسقط الاستدلال، لكن إذا دار الأمر بين التخصيص والمجاز فالأوّل أولى، نعم بعد الاعتراف بشمولها للتكاليف الإلهية يبعد إخراج المستحبّات على كثرتها، لاسلتزامه التخصيص الأكثر الذي يعدّ مستهجناً، فتدبّر.1
وحاصل الإشكال: أنّه لو قلنا بأنّ هيئة (أَوْفُوا) تدلّ على اللزوم

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:2/372.
Website Security Test