welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 1
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهيّة
2

صفحه 2

صفحه 3
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهية
تشتمل على إيضاح ودراسة سبع وثلاثين قاعدة فقهية
الجزء الثاني
 
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السُّبْحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1393.
3 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 552 - 6 (VOL.2)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 542 - 7 (3VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
1. فقه ـ ـ قواعد. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام) . ب. عنوان .
9الف2س/ 5/169 BP   324 / 297
1393
توزيع مكتبة التوحيد
ايران قم ; سـاحة الشهداء
?37745457 ـ 32925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com:   عنوان الموقعwww.imamsadeq.org:
اسم الكتاب:   … الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة
الجزء:   … الثاني
تأليف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى
تاريخ الطبع :   … 1436 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 854   تسلسل الطبعة الأُولى: 427
حقوق الطبع محفوظة

صفحه 5
   

صفحه 6

صفحه 7
   
    الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة / ج 2
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيّبين الطاهرين.
أمّا بعد:
فقد نجز ـ بحمد الله ـ الجزء الأوّل من كتابنا الموسوم «الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية» وقد تمّ في فصول ثلاثة تعلّقت بالمواضيع التالية:
الأوّل: البحث عن القواعد التي يستكشف بها حال الموضوعات المشتبهة، واشتمل هذا الفصل على اثنتي عشرة قاعدة.
الثاني: البحث عن القواعد الموجبة للضمان أو المسقطة له، وتمّ البحث فيه ضمن اثنتي عشرة قاعدة أيضاً.
الثالث: البحث عن مبطلات العقود، واشتمل هذا الفصل على ست قواعد، وبذلك فقد احتوى الجزء الأوّل على ثلاثين قاعدة فقهية.
وها نحن نقدّم الجزء الثاني من كتابنا، وقد تمّ أيضاً في فصول ثلاثة وهي:
الرابع: القواعد العامّة التي لا تختصّ بباب دون باب، وهو يشتمل على تسع قواعد.
الخامس: العقود التي يكون القبض فيها مملّكاً، وهو يشتمل على خمس قواعد.

صفحه 8
السادس: القواعد الجارية في الأُمور العبادية وما يلحق بها، وهو يشتمل على ثلاث وعشرين قاعدة.
وليعلم إنّ الموضوع للدراسة وإن كان القواعد الفقهية التي يستدلّ بها في غير واحد من أبواب الفقه، غير أنّا طرحنا بعض المسائل الفقهية التي تختص بباب خاص، لوجود الاهتمام بها، وعلى هذا فالكتاب مشتمل على قواعد فقهية ومسائل فقهية.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

صفحه 9

      الفصل الرابع

القواعد العامّة

وهي القواعد الّتي لا تختصّ بباب دون باب، بل تجري في جميع أو أكثر أبواب الفقه، وسندرس منها في المقام ما يلي من غير استقصاء:
1. قاعدة العقود تابعة للقصود
2. قاعدة الأصل في العقود اللزوم
3. قاعدة الأحكام الوضعية غير مشروطة بالبلوغ
4. قاعدة الأحكام تابعة للأسماء
5. قاعدة الأُمور بمقاصدها
6. قاعدة التعاون على الإثم
7. تعظيم شعائر الله وحرماته وتحريم الاستهانة بالمقدسات الشرعية
8. قاعدة توابع العقود داخلة فيها وإن لم تذكر
9. قاعدة الإكراه على العقود والأُمور المحرّمة

صفحه 10

صفحه 11
القواعد الفقهية
      31
قاعدة
العقود تابعة للقصود
التعبير عن القاعدة بعبارات مختلفة
تفسير مفردات القاعدة
بيان مفاد القاعدة
القاعدة ناظرة إلى مقام الثبوت لا الإثبات
دليل القاعدة والمناقشة فيما استدلّ به عليها
ما هوالدليل الصحيح على القاعدة؟
وجوب الأخذ بالمقصود أصالة والمقصود ضمنيّاً
الموضوع تابع للقصد دون الحكم
نقوض القاعدة مع الإجابة عنها
من القواعد المتداولة على ألسنة فقهائنا ما يعبّر عنه بـ «قاعدة العقود تابعة للقصود»، وقد عبّر عنها بهذا اللفظ الفاضل النراقي في عوائده1، كما عبّر عنها السيد المراغي بقوله: العقد تابع للقصد مطلقاً2، كما عبّر صاحب

1 . عوائد الأيام : 159، العائدة السادسة عشرة.
2 . العناوين : 2/ 48،برقم 30.

صفحه 12
الجواهر عنها بقوله: تبعية العقد للقصد1، وهذا التعبير الرائج بين فقهائنا أصحّ ممّا في مجلة الأحكام العدليّة التي جاء فيها التعبير عن القاعدة بما يلي: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني».2
و لايخفى ضعف التعبير من وجهين:
1. أنّ إرداف الألفاظ بالمباني في ذيل القاعدة، فاقد للفائدة، وإنّما أُوتي به لحفظ السجع، إذ ليست المباني مرادفة للألفاظ.
2. أنّ إناطة المدار في العقد على القصد وحده دون اللفظ غير صحيح، إذ أنّ للفظ دوراً في إنشاء المقاصد وإيجادها في عالم الاعتبار، فلولا قول القائل: بعت واشتريت، لما كان هناك منشأ اعتباري في نظر العقلاء، كيف وقد اشتهر بينهم: « إنّما يحرّم الكلام ويحلّل الكلام».

تفسير مفردات القاعدة

أهمّ المفردات في القاعدة هما اللفظان التاليان:
1. العقود.
2. القصود.
أمّا العقود فهي جمع العقد، وفي اللغة ضد الحلّ، ويستعمل في عقد الحبلين أو عقد أطراف الرداء، لكن أُريد به في المقام الألفاظ أو الأفعال التي تنشأ بها العناوين الاعتبارية التي تدور عليها رحى الحياة كالبيع والإجارة والنكاح، وكأنّ «العقد» الذي جمعه «العقود» انتقل في لسان الفقهاء من معناه

1 . جواهر الكلام: 23/ 126.
2 . تحرير المجلّة: 1/18، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف ـ 1359هـ .

صفحه 13
اللغوي إلى هذا المصطلح، بل يمكن أن يقال: قد استعملت مادة العقد في السبب الإنشائي أيضاً في القرآن الكريم، قال تعالى : (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)،1 وقال تعالى: (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)2، ومورد الآية الأخيرة هو الزوجة المتوفّى عنها زوجها، ونهى الله سبحانه العقد عليها قبل خروجها عن العدّة.
ثم إنّ الظاهر اتّحاد الإيقاعات مع العقود في الحكم، فالإيقاعات أيضاً تابعة للقصود،كالطلاق والوقف والوصية إلى غير ذلك من العناوين المعتبرة عند العقلاء.
وأمّا القصود فهي جمع القصد بمعنى العزم والنيّة.

بيان مفاد القاعدة

إذا عرفت مفاد مفردات القاعدة ، فلنذكر ما تهدف اليه القاعدة من المعاني، فقد ذكر السيد المراغي للقاعدة تفسيرين ونحن نضيف إليهما تفسيراً ثالثاً:
الأوّل: أنّ العقد تابع للقصد، بمعنى أنّه لايتحقّق إلاّ بالقصد، كما ذكره الفقهاء (قدس الله أسرارهم) في شرائط العقود مع الشرائط الأُخرى، بمعنى أنّه لاعبرة بعقد الغافل والنائم والناسي والغالط والهازل والسكران الذي لاقصد له ونحو ذلك، فتكون القاعدة إشارة إلى شرطيّة كون العاقد قاصداً في مقامات العقود كلّها، ويكون معنى التبعيّة: عدم تحقّقه بدونه، إذ لاوجود للتابع بدون متبوعه.

1 . البقرة: 237.
2 . البقرة:235.

صفحه 14
يلاحظ عليه: أنّ القاعدة تتضمّن معنى أسمى ممّا ذكر فيه; لأنّ هذا المعنى أمر واضح لا يحتاج إلى التفصيل، إذ أي عاقل يرتّب الأثر على أقوال وأفعال هذه الطوائف. والعجب أنّ أكثر من أفرد القاعدة بالتأليف فسّرها بالمعنى الأول، مثلاً يقول السيد البجنوردي في تفسير القاعدة: ولاشكّ في أنّ العقود من الأُمور القصدية، ولذلك لاتقع من الغالط والهازل والسكران والنائم والغافل وأمثال ذلك.1
الثاني: أنّ العقد تابع للقصد، بمعنى أنّ العقد شيء يحتاج إلى موجب وقابل وعوض ومعوّض، وبعد حصول هذه الأركان فإنّ لكلّ عقد أثراً خاصّاً: من تمليك أو نحوه; وللآثار كيفيات واعتبارات من: فورية وتراخ، ولزوم وجواز، وتنجيز وتعليق، وإطلاق وتقييد، واتّصال وانفصال، وأحكام ولوازم; فهي في هذه الأُمور كلّها تابعة للقصد، بمعنى أنّه لايقع مالايقصد وماهو المقصود يقع.2
يلاحظ عليه: أنّ قوام الأمر الاعتباري إنّما هو بالقصد، فالخالي منه لايعدّ موضوعاً لحكم من الأحكام، من غير فرق بين العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية; ولأنّ الفعل الصادر بلا قصد لايعبأ به إلاّ في موارد نادرة، كالغرامات والضمانات، لكن لا دليل على قصد هذه الآثار بتفصيلها، بل يكفي قصد الموضوع وتترتّب عليه الآثار شرعاً وعرفاً وإن لم يقصدها، وسيوافيك بيانها في المستقبل، فانتظر.
الثالث: أنّ الممضي من العقود ماقصده العاقد دون ما لم يقصده، فلو

1 . القواعد الفقهية للبجنوردي: 3 / 138.
2 . العناوين : 2 / 49، برقم30.

صفحه 15
كان العقد اللفظيّ مشتركاً بين عقد وعقد آخر فالعبرة بقصد العاقد، فلو قصد البيع فهو المعقود، ولو قصد الهبة فكذلك.
والذي يشهد على ما ذكرنا هو أنّ القاعدة مذكورة في كتب أهل السنّة، فهؤلاء مثّلوا للقاعدة ببيع الوفاء، الذي نسمّيه نحن ببيع الخيار، أو شرط الخيار، فربّما يكون العقد مردّداً بين البيع والرهن فيكون المتّبع هو ماقصده العاقد، وصورة المسألة بالنحو التالي: فمالك الدار بحاجة إلى الثمن والآخر بحاجة إلى السكن ، فالأوّل يبيع داره من الثاني بمبلغ معلوم لكن يشترط لنفسه الخيار، إذا جاء بمثل الثمن بنفس السنة فله أن يفسخ البيع فيردّ الثمن ويأخذ المبيع، فهذا النوع من العقد إذا جُرّد عن لفظ البيع يكون مردّداً بين البيع والرهن فيقال: العقود تابعة للقصود.
وعلى كلّ تقدير فإنّ الموضوع : ما يقصده العاقد من الأركان والخصوصيات والشرائط والموانع وغير ذلك.

القاعدة ناظرة إلى مقام الثبوت لا الإثبات

قولهم :العقود تابعة للقصود ناظر إلى مقام الثبوت بمعنى أنّ تعيّن خصوصيات نوع العقد وكمّه وكيفه وشروطه وإطلاقه وتقييده، رهن قصد العاقد; فلو قصد في بيع الوفاء، البيع فهو، أو الرهن فهو كذلك، فلو كان وكيلاً عن امرأتين للتزويج من نفسه، فعقد على واحدة منهما فالعبرة في التعيين هو قصد الوكيل، وهكذا الإيقاعات فلو طلّق إحدى زوجاته فالمطلّقة هي التي قصدها، وأمّا استكشاف ماقصده في مقام الثبوت فيتبع إقرار العاقد وتصريحه، أو يتبع منصرف كلامه وظهوره.

صفحه 16

دليل القاعدة

استدلّ المشايخ على القاعدة بوجوه كلّها مبنيّة على المعنى الذي فهموه من القاعدة ـ أعني: الوجهين اللّذين تقدّما ـ ونحن ندرسها مع غضّ النظر عمّا ذكرنا في معنى القاعدة:
1. إجماع الأصحاب على عدم ترتيب الآثار على الأمر الخالي عن القصد، كما هو صريح كلامهم في طيّ أبواب الفقه بحيث لايشكّ فيه مشكّك.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على تفسير القاعدة بالمعنى الأوّل، وقد عرفت أنّ القاعدة تهدف إلى معنى أسمى ممّا ذكر، ثم إنّ ادّعاء اجماع في مثل هذه المسألة التي لها دليل أو دلائل واضحة لايخلو من ضعف، فإنّ الإجماع عندئذ مدركيّ.
2. أنّ الأصل عدم ترتّب شيء من الآثار على عقد أو إيقاع إلاّ مع الدليل فاللازم الاقتصار في أنواع الآثار ووجوهها على ما ثبت ترتّبه شرعاً، وما لم يثبت فيحكم بعدم ترتّبه، فلا بدّ من ترتيب هذه الآثار من الاستناد إلى حجّة شرعيّة، وليس إلاّ أدلّة العقود عموماً وخصوصاً، ولا ريب أنّ كلّ ذلك ينصرف إلى ما قصد به واللفظ الخالي عن القصد لايُسمّى بهذه الأسامي قط، فإذا لم تشمله الأدلّة عموماً وخصوصاً فيبقى تحت الأصل الأوّلي.2
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مركّب من أمرين:
أ. الأصل عدم ترتّب الأثر إلاّ مع الدليل.

1 . العناوين: 2 / 50، برقم 30.
2 . عوائد الأيام:160.

صفحه 17
ب. الخارج عن تحت الأصل ما قصد به.
ولا يخفى أنّ القاعدة بالمعنى المعروف عندهم في غنى عن هذا النوع من الاستدلال.
3. التمسّك بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): « لاعمل إلاّ بنيّة » أو : «إنّما الأعمال بالنيّات»، فإنّ ظاهر الروايتين أنّ ماهية العمل من دون نيّة غير متحقّقة، فالأمر يدور بين حمل أمثال هذه الهيئة على نفي الجنس بمعنى عدم تحقّق العقد واقعاً، أو على نفي الصحّة.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الروايات تبعيّة الثواب للقصد، فكلّ عامل يقصد بعمله التقرّب إلى الله سبحانه فيثاب وإلاّ فلا، فالاستدلال بهذه الروايات على القاعدة الفقهية بعيد عن مساقها، فلاحظ الباب المعقود لهذه الروايات في كتاب الوسائل.1 وقد اخترنا منه الروايتين التاليتين:
أ. روى أبوعروة السلمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّ الله يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة».2
ب. روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لاحسب إلاّ بالتواضع، ولا كرم إلاّ بالتقوى، ولا عمل إلاّ بنيّة».3 ولاحظ سائر الروايات فكلّها تهدف إلى مسألة الثواب والعقاب والتقرّب والتعبّد، ولاصلة لها بالقاعدة الفقهية.
4. العقد عبارة عن تعهّد شخص مع آخر على أمر من الأُمور، سواء

1 . لاحظ: الوسائل:1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات.
2 . الوسائل:1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات،الحديث 5.
3 . الوسائل:1، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 9.

صفحه 18
أكان ذلك الأمر من الأُمور المالية كما في باب المعاوضات، أو أمراً آخر كما في باب النكاح، حيث إنّ الزوجة تتعهّد بأن تكون زوجة فإذا قبل الزوج تتمّ المعاهدة، فنتيجة العقد حصول ما تعاهدا أو تعاقدا عليه لأن تترتّب عليه آثاره.1
وقال القائل في موضع آخر: إنّ العقد هو العهد المؤكّد، والعهد بدون قصد ما يتعاهد عليه لايمكن، وفي الحقيقة: العقد - كما قلنا - ليس من باب الألفاظ بل من الأُمور القلبية التي قد تُسمّى بعقد القلب، ولا معنى لتحقّق المعاهدة أو العقد بدون أن يقصد المعهود.2
يلاحظ عليه: أنّ العقد في اللغة وإن كان بمعنى العهد لكنّه انسلخ عن معناه الحقيقي عند إطلاقه على البيع والشراء والإجارة وأمثال ذلك، فلا نرى في أذهاننا شيئاً ممّا أشار إليه من العهد والتعاهد، فأنت إذا اشتريت خبزاً بدرهم هل تجد في نفسك العهد والتعاهد، حتى لو اشتريت الدار بثمن باهض، هل ترى في ذهنك شيئاً من العهد، فإنّ العهد واليمين والنذر باب، والعقود المتعارفة بين الناس التي تدور عليها رحى الحياة، باب آخر.
والظاهر أنّ المعاملات أشبه بعقد شيء بشيء، كعقد الخيطين، فيجعل أحدهما في مقابل الآخر، دون أن يخطر في باله شيء من العهد، فالأولى أن يقال: إنّه لاحاجة في إثبات القاعدة بهذه الدلائل الأربع، إذ يكفي في ذلك دراسة الأمر الاعتباري وكيفية تحقّقه في عالم الاعتبار، وذلك بالبيان التالي:

1 . القواعد الفقهية للبجنوردي: 3 / 136.
2 . القواعد الفقهية للبجنوردي: 3 / 137 .

صفحه 19

ما هو الدليل الصحيح على القاعدة؟

إنّ قوام الأمر الاعتباري وشروطه وخصوصياته إنّما هو باعتبار المعتبر في عالم التصوّر ثم إنشاؤه وإيجاده بلفظ أو بفعل حسب اعتبار المعتبر; و مثل هذا، الذي ليس له حقيقة في التكوين وإنّما يوصف بالوجود عند الإنشاء فهو ( ركناً وشروطاً) رهن القصد والإرادة، فما قصده وأراده فهو المتحقّق بالانشاء المقصود والمعقود، وما لم يتعلّق به القصد فلا يكون متحقّقاً ولا موجوداً في عالم الاعتبار.
و على ما ذكرنا، فالقاعدة من قبيل القضايا التي قياساتها معها لوجود الفرق الواضح بين الأمر الكوني والأمر الاعتباري، فالأوّل ليس رهن القصد والإرادة، فلو ضرب أحداً بلاقصد فالضرب متحقّق، وأمّا كون الضرب إيذاء وإهانة فهو أمر اعتباري مرهون بقصد القاصد، فلذلك لاتنتزع الإهانة من ضرب النائم دون غيره، ولذلك قالوا: إنّ التكريم والإهانة من الأُمور القصدية، وعلى ضوء ذلك ليس لمنشآت العقود مصداق في الخارج، بل مصاديقها عند العقلاء في عالم الاعتبار، ومن المعلوم أنّ الإيجاد - كونياً أو اعتبارياً - رهن الآلة، وليست الآلة في الأُمور الاعتبارية إلاّ القصد، فما قصده يتحقّق في عالم الاعتبار، دون ما لم يقصد.

وجوب الأخذ بالمقصود أصالة والمقصود ضمنيّاً

لاشكّ أن بعض العقود تكون الأركان فيها مقصودة بالأصالة، والشروط الرائجة مقصودة ضمنيّاً، مثلاً: الدار في مقابل الثمن مقصودة بالأصالة ولذا يقول: بعت هذا بهذا، وهناك أُمور مقصودة ضمنيّاً لكونها من

صفحه 20
الشروط الرائجة ككون الثمن مساوياً للمثمن في القيمة إلاّ ما يتسامح به، أو كون الثمن نقداً، أو كونه نقد البلد، فكلّ ذلك مقصود ضمنيّاً فيجب الأخذ بالجميع، والعدول عن هذه الشروط بحاجة إلى دليل.
وإن شئت قلت: إنّ الشروط المبنيّ عليها العقد وإن لم تكن مذكورة ـ كالأمثلة السابقة ـ لكنّها من قيود المقصود، فالإنشاء مقيّد بها لبّاً وإن لم تذكر في اللفظ ، لأنّ الجميع مقصود بالتبع.
نعم كان سيدنا الأُستاذ الحجّة الكوهكمري (قدس سره) يصرّ على أنّ ما لم يقع تحت الإنشاء لاعبرة به، ولا شكّ أنّ ذكر القيود في الإنشاء أفضل، وأمّا ما لم تذكر فلو كانت من الشروط الرائجة التي لاتحتاج إلى البيان، ـ بل خلافها يحتاج إليه ـ فهذا يكفي في تقيّد العقد لبّاً بها، فلو تخلّف لا يكون العقد نافذاً.
والذي يؤيّد ذلك أنّ العقود تكون غالباً مجرّدة عن شرطية القبض والإقباض، أي إقباض المثمن وقبض الثمن، ولكنّه من الشروط الرائجة التي تصحّ أن يقال إنّها مأخوذة في العقد ضمناً; لأنّ الغاية من العقد هو رفع الحاجة ولايتحقّق إلاّ بالقبض والإقباض.
بل يمكن أن يقال: إنّ القبض والإقباض أقوى من سائر الشروط ككون الثمن نقداً أو نقد البلد أو غير ذلك، وذلك لأنّ حقيقة العقد تتحقّق بالقبض والإقباض وكأنّهما تجسيد للعقد وتحقيق له في الخارج بخلاف سائر الشروط.
و بذلك يتّضح أنّ القاعدة المعروفة: «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»، ليس حكماً تعبدياً، بل لو لم يرد فيه نص لكان الحكم على وفق القاعدة لما عرفت من أنّ موضع القبض والإقباض فوق سائر

صفحه 21
الشروط، وكأنّهما روح العقد وواقعه، فقد التزم كلّ من البائع والمشتري على دفع ما عنده وقبض ما عند الآخر، فإذا لم يتمكّن من ذلك فيلغى العقد لعدم إمكان العمل به.

الموضوع تابع للقصد دون الحكم

لاشكّ أنّ تحقّق عنوان البيع والهبة والإجارة والنكاح رهن القصد، وهكذا وقوع البيع لزيد أو لعمرو أو على هذه العين أو العين الأُخرى، كلّها تتبع القصود، فما لم تقصد لاتحقّق لها في عالم الاعتبار.
لكن هناك أحكاماً شرعية تعبّدية ألزمنا الشارع بالعمل بها، فهي سائدة وإن لم تقصد، نظير:
1. خيار المجلس، فإنّ البيّعان بالخيار سواء أقصدا أم لا.
2. صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام سواء أقصد أم لا.
3. التلف في زمن الخيار ممّن لاخيار له.
4. وجوب التقابض في المجلس في بيع الصرف، والقبض في بيع السلف والسلم.
5. حرمة الزيادة في معاوضة المتجانسين إذا كانا مكيلين أو موزونين.
6. وجوب نفقة الزوجة على الزوج، أو حرمة خروجها من البيت إلاّ بإذن الزوج.
إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية، فعلى المتعاقدين الالتزام بها سواء أقصدا أم لا، لأنّها أُمور شرعية وأحكام سماوية شرّعت من قبل المولى سبحانه على عباده، والعبد وما في يده لمولاه.

صفحه 22

نقوض القاعدة مع الإجابة عنها

بما أنّ القاعدة أمر سار في عامّة أنواع العقود بل الإيقاعات أيضاً، فلاحاجة لعقد باب خاص باسم التطبيقات، بل اللازم عقد باب يذكر فيه مايتوهّم كونه من قبيل تخلّف العقود عن القصود، فيعدّ نقضاً للقاعدة ، فقد ذكر الشيخ الأنصاري قسماً منها عند دراسة مسألة المعاطاة، باعتبار أنّها تفيد الإباحة عند الفقهاء، مع أنّ المتعاطيين قصدا التمليك فصار هذا سبباً لطرح نقوض على القاعدة، فنقول:
الأوّل: إنّ القول بأنّ المعاطاة مفيدة للإباحة يخالف قصد المتبايعين من التمليك.
و يمكن الإجابة عنه بوجهين:
1. ما سمعناه من السيد المحقّق الكوهكمري (قدس سره) في مجلس درسه حيث كان يصرّ على أنّ محل النزاع في المعاطاة عند القدماء هو قصد الإعطاء مجرّداً عن قصد الملكية، فكان يستشهد بما في خلاف الشيخ، حيث قال: إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب ، فقال: أعطني بها بقلاً أو ماءً، فأعطاه فإنّه لايكون بيعاً، وعلى هذا فالإباحة والملكية خارجة عن دائرة القصد فتكون النتيجة إباحة التصرّف.1
2. إنكار كون المعاطاة مفيدة للإباحة، بل هي بيع حقيقي تفيد الملكية اللازمة مادام المتعاطيان في مجلس المعاطاة أخذاً بقول القدماء: السبب الفعلي كالسبب القولي نتيجة.

1 . الخلاف:3 / 41، المسألة59.

صفحه 23
ثم إنّ الشيخ (أعلى الله مقامه) أجاب عن الإشكال بوجوه، فلاحظها.1
الثاني: قالوا: إنّ بيع المكره إذا لحقه الرضا، صحّ مع أنّ بيعه كبيع الهازل، وقد اتّفقوا على عدم صحّة بيع الهازل بعد لحوق الرضا.
و يمكن الإجابة عنه بأنّ محل البحث فيما إذا باع المكره معتقداً بصحّة بيعه، فقام بالبيع جدّاً خوفاً من المُكرِه، فإذا لحقه الرضا يكتمل العقد ركناً وشرطاً، فيكون المعقود عليه هو المقصود.
وإن شئت قلت: إنّ البائع المكره كالبائع الراضي يشتركان في إيجاد حقيقة البيع في عالم الاعتبار، غير أنّ الأوّل واجد للشرط دون الثاني، فإذا لحقه الشرط تتمّ أركان العقد من حين لحوق الرضا.
و ما ربما يقال من أنّ المكره فاقد للإرادة، فهو خلط بين الإرادة وطيب النفس، فإنّما يفقد الثاني دون الأُولى، فهو خوفاً من سلطة المُكره الذي يحكم بمنطق القوّة يبيع جدّاً ويأخذ الثمن، ولكنّ الشرع لايحكم بصحّته لفقدان طيب النفس قائلاً: لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه، فإذا طابت نفسه يكتمل العقد ويكون المعقود هو المقصود.
الثالث: إذا باع الفضولي لنفسه وأجاز المالك لنفسه فالقول بالصحّة على خلاف القاعدة، لأنّ المعقود هو البيع من نفسه، ولكن الواقع هو البيع من البائع.
وإن شئت قلت: المجاز غير منشأ، والمنشأ غير مجاز.

1 . لاحظ : كتاب المكاسب: 3 / 46 .

صفحه 24
ويمكن الإجابة عنه بما أوضحناه في بحوثنا في أحكام البيع من أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال وإضافة بين المالين، كما أنّ النكاح رابطة بين الشخصين، وأمّا كون الثمن مالاً للبائع أو لغيره فهو خارج عن إيجاب البيع وليس مأخوذاً في مفهومه، فإنّ مفهومه تمليك المثمن بعوض من دون تعرّض لمن يرجع إليه العوض.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المالك يجيز مفاد الإيجاب أي نفس المبادلة، وأمّا كون الثمن للعاقد أو للمجيز فيُرجع فيه إلى مقتضى المبادلة والمعاوضة، وحيث إنّ المثمن ملك لمالكه الواقعي، فإذا أجاز المالك المعاوضة، انتقل عوضه إليه فيكون المنشأ هو المجاز والمجاز هو المنشأ، وتكون نيّة البائع الفضولي أمراً لغواً.
الرابع: اتّفق فقهاء الإمامية على أنّ مَن نسى في عقد المتعة ذكر المدّة ينقلب دائماً استناداً إلى روايات منها:
1. ما رواه ابن بكير قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام) في حديث: «إن سمّى الأجل فهو متعة، وإن لم يسمّ الأجل فهو نكاح بات».1
2. ما رواه أبان بن تغلب في حديث صيغة المتعة أنّه قال لأبي عبد لله (عليه السلام): فإنّي أستحيي أن أذكر شرط الأيام، قال (عليه السلام): «هو أضرّ عليك»، قلت: كيف؟ قال (عليه السلام): «لأنّك إن لم تشترط كان تزويج مقام ولزمتك النفقة في العدّة، وكانت وارثاً، ولم تقدر على أن تطلّقها إلاّ طلاق السنّة».2
والجواب عنه: أنّ هذا النكاح مردّد بين كونه مؤقّتاً أو دائماً، أمّا الأوّل

1 . الوسائل 14، الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث1.
2 . الوسائل:14، الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث2.

صفحه 25
فالمفروض أنّه لم يذكر في العقد، وبالتالي لم ينشأ لعدم وقوعه على وفاق القاعدة، إنّما الكلام في وقوعه دائماً وكون العاقد ملزماً به، فوجهه أنّ الإشكال مبني على أنّ النكاح المؤقت والنكاح الدائم صنفان من النكاح، وكلّ مقيّد بقيد إمّا بقيد التوقيت أو بقيد الدوام، فكيف يحكم بالثاني مع عدم ذكره في مقام الإنشاء، ولكن الواقع غير ذلك فحقيقة النكاح الدائم هو إنشاء النكاح لا بقيد الدائم وإنّما الدوام حكمه، فإذا أنشأ نكاحاً مطلقاً ـ وإن لم يذكر الدوام ـ فقد أنشأ نكاحاً قابلاً لأن يكون دائماً، فالحكم بانقلابه إلى الدوام حكم على وفق القاعدة.
وحصيلة الكلام: أنّ الدوام ليس من القيود المأخوذة في النكاح، نعم الانقطاع مأخوذ في المتعة، وأمّا غيره فهو نكاح مطلق أي بلاقيد ،أي لابقيد الدوام والانقطاع، فإذا أنشأ، أنشأ ما هو المصداق للنكاح غير المؤقّت، فلايكون حمله عليه على خلاف القاعدة.
الخامس: أطبق العلماء على أنّ عقد المعاوضة إذا كان فاسداً يؤثّر في ضمان كلّ من العوضين بالقيمة مع أنّهما لم يقصدا إلاّ ضمان كلّ منهما بالآخر، فعلى هذا فلو تلف المبيع عند المشتري وكان قيمياً، والعقد فاسداً يجب عليه دفع القيمة السوقية مع أخذ الثمن من البائع مع أنّه لم يضمن إلاّ بما دفع من القيمة، وهذا من مصاديق قولهم: كلّ عقد يضمن بصحيحه، يضمن بفاسده.
والجواب: أنّ الحكم بالضمان بالقيمة السوقية إنّما هو من باب احترام مال المسلم، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة الوداع: «وإنّ حرمة ماله كحرمة دمه».1

1 . الوسائل:8، الباب 152 من أبواب العشرة، الحديث 12.

صفحه 26
وعلى ضوء ذلك فلوكان العقد صحيحاً فحرمة ماله هو تملّكه للثمن بدل العين، وأمّا إذا افترضنا فساد العقد، فمن جانب أنّ البائع لم يملك الثمن لافتراض فساد المعاملة، ومن جانب آخر أنّ لماله حرمة وكرامة، فالجمع بينهما يتحقّق بتداركه بالمثل إذا كان مثليّاً، أو بالقيمة إذا كان قيميّاً.
فإن قلت: إنّ المتعاقدين تواطآ على تحديد حرمة مال البائع بالمسمّى، فإذا لم يسلّم المسمّى للبائع (لفساد المعاملة من جانب وتلف المبيع من جانب آخر) فلا تعهّد للمشتري بالنسبة إلى العين عندئذ.
قلت: نتيجة حرمة المال هي صيانة البائع عن توجّه الضرر إليه في عامّة الحالات، فالأمر يدور ـ بعد تبيّن فساد المعاملة ـ بين رد العين وهو غير ممكن، أو الاقتصار بالثمن المدفوع، والمفروض أنّه مازال ملكاً للمشتري لفساد المعاملة، فلم يبق هنا طريق إلاّ دفع المثل أو القيمة.
السادس: إذا قلنا بأنّ الشرط الفاسد غير مفسد، فعندئذ يكون المورد من قبيل تخلّف العقد عن القصد; وذلك لأنّه لم تقصد المعاملة إلاّ مقرونة بالشرط، فكيف تصحّ بلاشرط؟
وبعبارة أُخرى: إنّه ليس في المقام إلاّ انشاء واحد ومنشأ كذلك، فإذا تعلّق الإنشاء الواحد على مبيع مقيّد وفرضنا خروج المقيّد عن تحت العمومات والإطلاقات، فلا يبقى شيء حتى يشمله قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1 .
والجواب - على ما حقّقناه في بحوثنا في الخيارات - هو: أنّ

1 . المائدة: 1 .

صفحه 27
الإنشاء وان كان أمراً واحداً إلاّ أنّ له انبساطاً على المقيّد والقيد، فإذا فسد الشرط ورفضه الشارع يتضيّق الإنشاء وينسحب عن القيد، فلا يُعدّ بقاءُ العقد على المقيّد بلا قيد أو المشروط بلا شرط، عقداً جديداً وبيعاً ثانياً، فإذا دل الدليل على بطلان الشرط فإنّما ترفع اليد عن نفس القيد لا المقيّد مع القيد، كما هو الحال في إجراء البراءة عند الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته، فالدليل يرفع الجزئية أو الشرطية من دون أن يمسّ كرامة وجوب الباقي.
فإن كان الجواب قالعاً للإشكال فهو، وإلاّ فيعدّ الضمان من الأحكام الخارجة عن مصبّ القاعدة.1
السابع: إذا اشترى البائع فرساً موصوفاً بكونه عربياً فبان أعجمياً، صحّ البيع لكن للمشتري الخيار بين القبول والرد وأخذ الثمن فيقال: كيف يحكم بالصحّة مع أنّ المشتري قصد شراء الفرس مقروناً بالوصف؟
والجواب عن ذلك: أنّ هنا التزامين بين البائع والمشتري، التزام ببيع الفرس، والتزام بكونه عربيّاً. لا أقول:إنّ هنا التزامين لاصلة لأحدهما بالآخر، بل هنا التزامان بينهما صلة وربط، ولذلك يقال في تعريف الشرط: التزام في التزام ، ونظيره الوصف. فاذا فقد المبيعُ الوصفَ اللازمَ فإن ردّ فهو، وإن قبل فقد أخذ بالالتزام الأوّل وغضّ النظر عن الالتزام الثاني، فما اختاره ليس غير ما قصده، نعم ليس هو تمام مقصوده.
مثلاً إذا اشترى حديداً فبان قطناً فالمأخوذ غير مقصود، بخلاف ما إذا اشترى حديداً بوصف خاصّ، وفقد الوصف، فهناك لم يصل إليه تمام

1 . لاحظ كتابنا: المختار في أحكام الخيار: 539.

صفحه 28
المقصود لا أنّ ما وصله غير مقصوده أصلاً، فلا يقال هذا من تخلّف القصود عن العقود، وإنّما أخذ بالتزام وغضّ النظر عن التزام آخر.
والحاصل : فرق بين أن يصل إليه ضد مقصوده وبين ما إذا وصل بعض مقصوده، فالتخلّف صادق في الأوّل دون الثاني بالبيان المذكور.
الثامن: ما ذكره الشيخ من بيع ما يملك وما لا يملك ، فقد اشتهر أنّه يصحّ فيما يُملك ولايصحّ فيما لا يُملك، كما إذا باع الغنم مع الخنزير، وهذا من مقولة ما يُملك وما لا يُملك، وكما لو باع الغنم المملوك مع الغنم المغصوب، فقد قالوا يصحّ فيما يُملك بكلتا الصيغتين وبطل فيما لا يملك.
والجواب عنه بمثل ما أجبنا به عن الشرط الفاسد أو الوصف المفقود، فهناك التزامان بينهما صلة، فإذا لم يصحّ فيما لم يملك، فما وقع في يده ليس تمام مقصوده لا أنّه غير مقصوده . فالإجابة عن هذه النقوض أولى من القول بانخرام القاعدة.
ثم إنّ للمحقّقين ممّن علّق على متاجر الشيخ حول هذه النقوض أجوبة أُخرى فمن أرادها فليرجع إليها، وما ذكرناه من الحلول هو المختار عندنا.
ثم إنّ الفاضل النراقي جعل هذه الموارد أو بعضها استثناء من القاعدة وأراح نفسه عن الإجابة عنها فقال: إنّ ما ذكروه من أنّ العقود تابعة للقصود إنّما هو على سبيل الأصل والقاعدة على ما عرفت، ويمكن أن يتخلّف في بعض المواضع لدليل خارجي كأن يحكم الشارع بصحّة عقد

صفحه 29
مع فساد شرطه فيقال: إنّ ذلك خارج عن القاعدة بالدليل 1، وقد عرفت إمكان تطبيق ما أُشير إليه على القاعدة، فلاحظ.
***
تمّت قاعدة
العقود تابعة للقصود

1 . عوائد الأيام: 165، العائدة 16 .

صفحه 30
القواعد الفقهية
      32
قاعدة
الأصل في العقود اللزوم
ما هو المراد من الأصل في عنوان القاعدة؟
طريقان لكشف حال العقود من حيث اللزوم والجواز
ما يدلّ على أنّ الأصل في العقود اللزوم
   1.الاستدلال بقوله سبحانه: (أوفُوا بالعُقُود) وتفسير العقد
العقد يشمل العقود العرفيّة
وجه دلالة الآية على اللزوم
الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية ونقدها
الإشكال الأوّل: التمسّك بالآية من قبيل التمسّك بالإطلاق مع الشكّ في الموضوع
الإشكال الثاني: شمول الآية للعهود غير الإلزامية
الإشكال الثالث: لزوم العمل بمقتضى العقد جوازاً ووجوباً
   2. الاستدلال بقوله سبحانه:(إلاّ أنْ تَكُونَ تِجارةً عَن تراض)
   3. الاستدلال بقوله سبحانه:(أحَلَّ اللهُ البيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)
الاستدلال بالنبويات الثلاثة
الاستدلال بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيّعان بالخيار ما لم يفترقا
الاستدلال بمقتضى الاستصحاب وتبيين أقسامه
حول استصحاب ملكية المشتري

صفحه 31
من القواعد المعروفة عند الفقهاء، كون الأصل في العقود، اللزوم، قال العلاّمة في «التذكرة»: الأصل في البيع اللزوم1، وصار هذا سبباً لطرح هذه المسألة.
ثمّ إنّ الشيخ طرح هذه المسألة في المعاطاة مرّة، وفي الخيارات أُخرى، وإن كان بحثه في الخيارات أوسع وأفضل.
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:
1. تارة يعلم لزوم العقد، وأُخرى يعلم عدم لزومه، وثالثة يُشكّ في لزومه وجوازه، فيقع الكلام في القاعدة الأولى عند الشكّ، فهل الأصل اللزوم حتى يثبت الجواز أو لا؟ وتظهر الثمرة في موردين:
أ. إذا كانت الشبهة حكميّة كما هو الحال في القرض والمضاربة، فهل هما من العقود اللازمة أو الجائزة؟
ب. إذا كانت الشبهة موضوعية كما في البيع، إذا شكّ في لزومه لاحتمال وجود الغبن أو التدليس، فهل المرجع عند الشكّ هو أصالة اللزوم أو لا؟
2. إنّ العقد قد يكون لازماً من الطرفين كالبيع والصلح والإجارة والضمان، وقد يكون جائزاً من جانبهما كالوكالة والوديعة والعارية والجعالة، وثالثة يكون لازماً من طرف وجائزاً من طرف آخر كالرهن فإنّه جائز من قبل المرتهن ولازم من قبل الراهن.

1 . تذكرة الفقهاء: 11/5. ولاحظ: إيضاح الفوائد في شرح القواعد:1/480.

صفحه 32
3. ما هو المراد من الأصل في عنوان القاعدة؟
وقد احتمل الشيخ في مبحث المعاطاة أنّ المراد هو الاستصحاب حيث قال: أوفق الوجوه بالقواعد هو الأوّل بناء على أصالة اللزوم في الملك للشكّ في زواله بمجرّد رجوع مالكه الأصلي.1
ولكنّه(قدس سره) ذكر في مبحث الخيارات وجوهاً أُخرى:
أ. المراد من الأصل: الراجح، مستنداً في تصحيحه إلى الغلبة، ثمّ ردّ عليه، فلاحظ.
ب. المعنى اللغوي. بمعنى أنّ وضع البيع وبناءه عرفاً وشرعاً على اللزوم وصيرورة المالك الأوّل كالأجنبي.
ج. القاعدة المستفادة من العمومات التي يجب الرجوع إليها عند الشكّ.
وربّما يفسّر بوجه آخر.
د. اللزوم مقتضى قاعدة المقتضي والمانع، بمعنى أنّ البيع مقتض لتمليك غير محدود، والفسخ مانع عن بقائه فإذا علمنا بصحّة الفسخ نرفع اليد عن مقتضاه وإلاّ فنتمسّك بالمقتضي ونقول الأصل عدم المانع.
نظير ذلك أنّ الفقر مقتض لجواز أكل الزكاة، والسيادة مانعة عنه، فإذا أُحرز الفقر بالوجدان يكون المقتضي موجوداً، وإذا شككنا في السيادة فالأصل عدمه، فيحكم بجواز أكله من الزكاة.
أقول: هذه القاعدة هي التي اخترعها العلاّمة الشيخ محمد هادي

1 . المكاسب:3/51.

صفحه 33
الطهراني فـي كتابه «محجّـة العلماء» وبها فسّر روايات الاستصحاب، وقد ثبت في محلّه عدم صحّتها. والظاهر من هذه الوجوه هو الوجه الثالث.

طريقان لكشف حال العقود من حيث اللزوم والجواز

أقول: إنّ لكشف حال العقود طريقين:
الأوّل: دراسة كلّ عقد برأسه عند العرف، فإنّ لكلّ معاملة عند العقلاء طبعاً خاصّاً، فطبيعة العارية، الجواز، لأنّ المعير لم يقطع علاقته من ماله وإنّما دفعه إلى المستعير ليقضي به حاجته ثم يردّه إلى صاحبه; بخلاف طبيعة الوقف، فإنّه عبارة عن قطع علاقة المالك عن ملكه وإدخاله في سلطة الموقوف عليه، ومثله البيع فإنّ غرض كلّ من المتعاقدين هو التصرّف فيما صار إليه تصرّفاً مأموناً من نقض صاحبه عليه. وبه يعلم حال المضاربة إذا كانت مؤجّلة فإنّ حصول الغرض منها رهن وجود ثقة بين الطرفين، حيث يتّفق رب المال مع العامل على أن يعمل بماله إلى مدّة محدّدة، ولا يحصل الغرض إلاّ أن يثق العامل بأنّ رب المال لا يفسخ العقد، وإلاّ فلو كان العقد قابلاً للفسخ من الطرفين فلا تبقى ثقة لهما، وبالتالي لا يقومان بعمل المضاربة ويكون تشريعها عاطلاً قليل الفائدة. ولذلك قلنا في محلّه إنّ عقد المضاربة المؤجّلة عقد لازم خلافاً للمشهور، فلاحظ.
وبه يظهر حال القرض إذا كان مؤجّلاً، فإنّ الغرض (رفع الحاجة) لا يتحقّق إلاّ إذا كان الاقتراض لازماً، فلو كان جائزاً ربّما لا يكون المقترض قادراً على الأداء قبل انقضاء الأجل.
وبالجملة فدراسة طبيعة كلّ عقد برأسه يوقفنا على حال من اللزوم

صفحه 34
والجواز، ولو صحّ هذا لاستغنى الفقيه عن دراسة هذه القاعدة.
الثاني : دراسة مفاد الأدلّة الاجتهادية فهل مفادها لزوم العقود
أو جوازها ؟ وهذا هو الذي سلكه المشايخ من عصر العلاّمة الحلّي إلى يومنا هذا.

ما يدلّ على أنّ الأصل في العقود اللزوم

واستدلّ الشيخ الأنصاري في باب المعاطاة والخيارات بآيات وروايات على أنّ الأصل في العقود اللزوم، وإليك دراسة ما في الكتاب العزيز وهو لا يتجاوز عن آيات ثلاث:
الآية الأُولى: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ).1

العقد يشمل العقود العرفيّة

الاستدلال بالآية يتوقّف على تبيين المراد من العقود وهل أنّها تشمل العقود العرفية؟ ربّما يقال: بأنّ المراد، العهودُ الإلهية كالنذر، والعهد، واليمين; وربّما يؤيّد بمرسلة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)؟ قال: «العهود».2 فتكون الآية أجنبية عن المقام، إذ لا عهد في العقود العرفية، وقال الحطيئة:

1 . المائدة:1.
2 . الوسائل:16، الباب25 من أبواب النذر والعهد، الحديث3.

صفحه 35
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم *** شدّوا العناج1 وشدّوا فوقه الكربا
أراد الشاعر من العقد، هو التعاهد والأمان للجار.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الرواية مرسلة نقلها العيّاشي في تفسيره، وعامّة رواياته في التفسير الموجود بأيدينا مراسيل.
وثانياً: أنّ العقد هو ضد الحلّ، ويستعمل في عقد الحبلين، أو عقد أطراف الرداء، واستعماله في الأُمور المعنويه بعناية، فكأنّ العاقد بالتبادل يعقد المعوض بالعوض أو ذمّته بذمّة الآخر فتحصل منهما حالة خاصّة تطلق عليها «العقدة». قال سبحانه: (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)2 ومورد الآية: الزوجة المتوفّى عنها زوجها، أي لا تثبتوا النكاح ولا تعقدوا عقدة النكاح في العدّة حتى تنقضي العدّة.(3) وقال سبحانه: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ومورد الآية المطلّقة قبل المسّ حيث يُنصّف المهر به، والله سبحانه يقول: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ)أي الزوجة، النصف فلا تطلب شيئاً (أَوْ يَعْفُوَا) ويترك ويهب مَن (بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، وهو الولي، أو الزوج على اختلاف بين المفسّرين، وإن كان الأظهر هو الأوّل.
فقد استعملت المادّة في العقود العرفية. نعم ربّما تستعمل في العهود الإلهية نظير قوله: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)3 أي ما حلفتم بوعي ودقّة. وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ

1 . العناج: حبل يشدّ في أسفل الدلو العظيمة. وفي المنجد: كربة: حُبيل يصل رشاء الدلو بالخشبة المعترضة عليها.
2 . البقرة:235.   3 . مجمع البيان:2/339.
3 . المائدة:89.

صفحه 36
أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)1. وقد اختلفت كلمة المفسّرين في مفاد الآية، ولعلّ المراد ضامن الجريرة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ العقد ضد الحلّ، وله مفهوم واحد عام يشمل كلا الموردين، ويعمّ كلّ عقد عقده الإنسان ولا يُحلّ إلاّ بسبب، من غير فرق بين العقود العرفية والعهود الإلهيّة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ لأعلام الفقه في بيان دلالة الآية على أنّ الأصل في العقود اللزوم كلمات، فلنقتصر على ما ذكره الشيخ في وجه الدلالة.

وجه دلالة الآية على اللزوم

يقول الشيخ الأنصاري: المراد بوجوب الوفاء: العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب دلالته اللفظية، نظير الوفاء بالنذر، فإذا دلّ العقد مثلاً على تمليك العاقد ماله من غيره، وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له، فأخذه من يده بغير رضاه والتصرّف فيه كذلك نقض لمقتضى ذلك العهد فهو حرام، فإذا حرم بإطلاق الآية، جميع ما يكون نقضاً لمضمون العقد ـ ومنها التصرّفات الواقعة بعد فسخ المتصرّف من دون صاحبه ـ ، كان هذا لازماً مساوياً للزوم العقد وعدم انفساخه بمجرد فسخ أحدهما، فيستدلّ بالحكم التكليفي على الحكم الوضعي، أعني: فساد الفسخ من أحدهما بغير رضا الآخر، وهو معنى اللزوم.2

1 . النساء:33.
2 . المكاسب:5/18.

صفحه 37
حاصله: أنّ للعقد مدلولاً وهو التمليك فيجب العمل على مقتضى المدلول وترتيب آثاره دائماً، وأخذ العين بلا رضاه بالفسخ يضاد مقتضى التمليك وترتيب الآثار.
قلت: إنّ هذا الدليل مبنيّ على أنّ لقوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عموماً زمانياً أو إطلاقاً كذلك يشمل الأزمنة المتأخّرة، ولذلك عدّ التصرّف في المبيع بلا رضا المشتري نقضاً لمقتضى ذلك العهد، ولكن الظاهر أنّه يكفي في امتثال الأمر، إقباض المبيع للمشتري مرّة واحدة فيصدق أنّه وفى بالعقد، ثمّ إنّه لو أخذه منه عنوة فضلاً عن الأخذ بالفسخ، يوصف عمله بالظلم والاعتداء لا بالخلف والنقض، لمقتضى ذلك العهد، من غير فرق بين العقد المحرز لزومه وغيره.
فإن قلت: إذا مكّنت الزوجة نفسها للزوج مرّة واحدة، فهل يكفي ذلك في صدق قوله سبحانه:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أو يجب عليها التمكين مادام العقد باقياً؟
قلت: سيوافيك أنّ العقد بوجوده الحدوثي كاف في إثبات لزوم الوفاء بالعقد عبر الزمان، وهذا لا يتوقّف على ثبوت الإطلاق الزماني كما تصوّره الشيخ، فانتظر.

الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية ونقدها

وعلى كلّ تقدير فقد أوردت على الاستدلال بالآية ـ مع قطع النظر عمّا ذكرنا الإشكالات التالية:

صفحه 38

الإشكال الأوّل: التمسّك بالآية من قبيل التمسّك بالإطلاق مع الشكّ في الموضوع

إنّ الاستدلال بإطلاق الآية أو عمومها فرع وجود الموضوع وهو العقد، فإذا كان الفسخ حلاًّ للعقد فالشكّ في كونه عقداً لازماً أو جائزاً يلازم الشكّ في الموضوع، ومعه لا يصحّ التمسّك بإطلاق الحكم.1 وهذا الإشكال لا يختصّ بالاستدلال بهذه الآية، بل هو إشكال سيّال يأتي في الاستدلال بقوله سبحانه:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)2، أو قوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)3.
وإن شئت قلت: بعد النسخ نشكّ في وجود الملكية حتى يترتّب آثارها وهو عدم جواز الأخذ بلا رضى منه.
أقول: هذا هو الإشكال المهمّ ولكن يمكن دفعه بالتقريب التالي: أنّ المراد من العقود في الآية المباركة هو الإلزام والالتزام الذي اتّفق عليه المتبايعان، ففسخ أحد الطرفين من دون رضا الآخر نقض لهذين الأمرين ويُعدّ خلفاً للوفاء بالعقد، وحراماً كاشفاً عن بطلان الفسخ. والذي يؤيّد ما ذكرنا من أنّ العقد عبارة عن الإلزام والالتزام وأنّ الوفاء عبارة عن حفظهما وعدم نقضهما، قوله سبحانه: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)4، فالفقرة الأخيرة في الآية تفسّر الوفاء بالعهد وأنّ كلّ ما يوصف بكونه نقضاً للميثاق فهو آية عدم الوفاء، وما لا يوصف كذلك فهو وفاء.

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:2/372.
2 . النساء:29.
3 . البقرة:275.
4 . الرعد:20.

صفحه 39
فكأنّه سبحانه يقول:(أوفُوا بِالعُقُود) ولا تنقضوها، فكلّ عمل عُدّ نقضاً للإلزام والالتزام كالفسخ فهو خلف للوفاء بالعقد، وبذلك يظهر أنّ الواجب على الشيخ (مكان أن يركّز على الملكية وآثارها) يجب أن يركّز على معنى العقد ـ أي الإلزام والالتزام ـ وعلى الوفاء بالعقد، وأنّ الفسخ نقض للوفاء ونقض للميثاق بالمعنى الأعمّ.
فإن قلت: يرد على هذا البيان ما أُورِدَ على الشيخ الأنصاري من أنّه ليس لقوله سبحانه:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إطلاق زماني، وعلى هذا فلو وفى بالعقد مرّة واحدة ولم يفسخ فقد وفى بالعقد فلا يكون فسخه بعده نقضاً للوفاء بالعقد.
قلت: قد مرّ سابقاً أنّ العقد بوجوده الحدوثي يصير موضوعاً لوجوب الوفاء عبر الزمان من دون حاجة إلى الإطلاق الزماني، نظير ذلك عنوانا الزاني والسارق فهما موضوعان للقطع والجلد متى ما تمكّن الحاكم منهما، وعلى هذا فالعقد الذي هو عبارة عن الإلزام والالتزام صار بوجوده الحدوثي موضوعاً لوجوب الوفاء بالعقد مادام العقد باقياً. والفسخ بدون رضا الطرف الآخر يعدّ نقضاً للعقد.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الفسخ ليس عبارة عن حلّ الإلزام والالتزام، لما عرفت أنّه أمر حقيقي في موطنه، وإنّما هو عبارة عن التخصيص في العمل به بعد الفسخ، فما اشتهر بينهم من أنّ الفسخ عبارة عن حل العقد، لا يساعد الفهم العرفي، ولذلك يكون نماء المبيع للمشتري ونماء الثمن للبائع. وهما لا ينسجمان مع كون الفسخ حلاًّ من رأسه.
فإن قلت: إنّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو حرمة الفسخ، وأين هو من بطلانه، ولعلّ الفسخ صحيح وإن كان حراماً؟

صفحه 40
قلت: إنّ الأوامر والنواهي في باب المعاملات كلّها إرشادات وليست أحكاماً تكليفية، فيكفي كون الآية إرشاداً إلى فساد كلّ ما يُعدّ خُلفاً للوفاء بالعقد.
وأنت إذا أحطت بما ذكرنا تسهل عليك الإجابة عن بعض الإشكالات التي وجّهت على الاستدلال بالآية، والمهمّ هو الإشكال المتقدّم الذي عرفت دفعه، بشرط أن يركّز على أنّ الموضوع لوجوب الوفاء هو العقد بمعنى الإلزام والالتزام، والفسخ نقض له فيكون منهيّاً عنه وبالتالي فاسداً.

الإشكال الثاني: شمول الآية للعهود غير الإلزامية

ذكر السيد الطباطبائي أنّ المراد من العقود في الآية مطلق العهود، أعمّ من التكاليف الإلهية والعهود التي بين الخلق والخالق كالنذر وشبهه، والعهود التي بينهم بعضهم مع بعض، وحينئذ فإمّا أن يجعل الأمر للوجوب ويكون خروج المستحبّات والعقود الجائزة من باب التخصيص]الأكثر وهو مستهجن[، وإمّا أن يجعل للقدر المشترك بين الوجوب والندب مجازاً فيشملها أيضاً، وعلى هذا (استعمال الأمر في القدر المشترك بين الوجوب والندب) يسقط الاستدلال، لكن إذا دار الأمر بين التخصيص والمجاز فالأوّل أولى، نعم بعد الاعتراف بشمولها للتكاليف الإلهية يبعد إخراج المستحبّات على كثرتها، لاسلتزامه التخصيص الأكثر الذي يعدّ مستهجناً، فتدبّر.1
وحاصل الإشكال: أنّه لو قلنا بأنّ هيئة (أَوْفُوا) تدلّ على اللزوم

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:2/372.

صفحه 41
والوجوب، فيلزم التخصيص في التكاليف الإلهية، أعني: المستحبّات والمكروهات والعقود الجائزة، ولازم ذلك هو تخصيص الأكثر لكثرة المستحبّات والمكروهات والعقود الجائزة.
ولو حملنا الهيئة في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)على القدر المشترك بين الاستحباب والوجوب في مثل قولك: اغتسل للجمعة والجنابة، فتسقط الآية عن الدلالة على اللزوم، فلا يجب الوفاء به بعد الفسخ; لأنّ المفروض حمل الأمر على القدر المشترك.
يلاحظ على الإشكال: أنّ العقد ـ كما مرّ ـ هو الإلزام والالتزام بين الطرفين، وهو غير موجود لا في المستحبّات والمكروهات ولا في العقود الجائزة، وعندئذ يحمل الأمر على الوجوب من دون لزوم تخصيص.
وحاصل الجواب: إنكار وجود العقد بالمعنى المذكور، في تلك الموارد، ولأجل ذلك يكفي الإذن في العقود الجائزة من دون حاجة إلى الإيجاب والقبول.

الإشكال الثالث: لزوم العمل بمقتضى العقد جوازاً ووجوباً

ذكر صاحب العناوين أنّ المحتمل هو لزوم العمل بمقتضى العقد إن جائزاً فجائز، وإن لازماً فلازم.1
وأشار إليه الشيخ بقوله: بأنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد: العمل بما يقتضيه، من لزوم وجواز، فلا يتمّ الاستدلال به على اللزوم.2 ونسب محقّق

1 . العناوين:2/40.
2 . المكاسب:5/18.

صفحه 42
كتاب «المكاسب» هذا الكلام في الهامش إلى العلاّمة في «المختلف»، وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ اللزوم والجواز من الأحكام الشرعية للعقد، وليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع. نعم، هذا المعنى ـ أعني: وجوب الوفاء بما يقتضيه العقد في نفسه ـ يصير بدلالة الآية حكماً شرعياً للعقد، مساوياً للزوم.1
توضيحه: أنّ الآية تركّز على الوفاء بالعقد، أي بمدلوله وهو التمليك وترتيب آثاره، وأين هو من حكم الشارع باللزوم والجواز في رتبة متأخّرة؟! فليس اللزوم والجواز داخلاً في العقد حتى يقال: إنّ معنى قوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)جوازاً في العقود الجائزة، ووجوباً في العقود اللازمة.
والذي يؤيّد ما ذكرنا ما ذكره الأُصوليّون في باب تسمية أسماء العبادات والمعاملات للصحيح أو الأعمّ، حيث قالوا بأنّ المسمّى هو ذات الصحيح لا بقيد الصحيح; لأنّ الصحّة أمر انتزاعي من تطابق فعل المكلّف مع التكليف، ولا يمكن مثل ذلك أن يؤخذ في المسمّى.

الآية الثانية: آية التجارة

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).2
إنّ الاستدلال تارة بالمستثنى منه، وأُخرى بالمستثنى.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّ المراد من الأكل هو التصرّف لا الأكل بالمعنى

1 . المكاسب:5/18.
2 . النساء:29.

صفحه 43
اللغوي، إذ لا خصوصية له، حتى أنّ قسماً كبيراً من الأموال غير قابل للأكل.
ثمّ إنّ «الباء» في قوله: (بِالْبَاطِلِ) يحتمل أن تكون بمعنى المقابلة، كما يحتمل أن تكون للسببية، والظاهر هو الثاني، أي بسبب باطل، وعندئذ يكون المستثنى منقطعاً، لا متّصلاً; لأنّ التجارة عن تراض ليس من أقسام السبب الباطل، فالآية تنهى عن الأكل بالربا والمنابذة وتأمر بالأكل بسبب غير باطل .
ثمّ إنّ الموضوع هو الباطل العرفي، وأمّا ترخيص الشارع للأكل في بعض الموارد مع كونه باطلاً كحق المارّة أو الشفعة، فهل هو من باب التخصيص أو من باب التخصّص؟ والظاهر هو الثاني لإباء اللسان عن الأوّل، فإنّ رخصة الشارع في هذين الموردين يكشف عن ثبوت حقّ للمارة والشفيع وإن كان العرف غافلاً عنه، فلا يعدّ الترخيص من مصاديق الأكل بالباطل لمصالح كامنة فيه غفل عنها العرف.
وأمّا كيفية الدلالة فإنّ أخذ مال الغير، بعد الفسخ بلا رضاه من مقولة الأكل بالباطل.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع للحرمة هو الأكل بالباطل، والتصرّف الموصوف بأنّه باطل وبعد الفسخ نشك في أنّه تصرّف بالباطل أو لا، إذ لو كان لازماً، لكان أكلاً بالباطل دون ما إذا كان جائزاً، ومع الشكّ في الموضوع كيف يتمسّك بإطلاق الحكم؟
فإن قلت: ما الفرق بين هذه الآية والآية المتقدّمة حيث قلنا بتمامية دلالتها دون المقام؟
قلت: إنّ الموضوع في قوله:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، هو العقد بمعنى الإلزام والالتزام، والفسخ من دون رضا المشتري يعدّ نقضاً وبالتالي حراماً. وأمّا

صفحه 44
المقام فالموضوع هو التصرّف بالباطل، والفسخ لا يعدّ تصرّفاً في المال فلا تشمله آية حرمة الأكل بالباطل، وبعد الفسخ يصبح التصرّف مردّداً بين كونه بالباطل أو لا، ومع الشكّ في الموضوع لا يصحّ التمسّك بإطلاق الحكم.
هذا كلّه حول الاستدلال بالمستثنى منه.
وأمّا الثاني، أعني: كيفية الاستدلال بالمستثنى، فيقال: إنّ الآية بإطلاقها دلّت على حلّية الأكل إذا كانت بسبب التجارة بقول مطلق حتى بعد فسخ أحدهما دون الآخر.1
وأورد عليه السيد الطباطبائي بأنّ الآية بصدد بيان مجرّد كون الأكل بالتجارة حلالاً في مقابل الأكل بالباطل، من غير نظر إلى بيان هذه الحلّية وأنّها مؤبّدة أو في الجملة.2 والشاهد على أنّها ليست مؤبّدة أنّ للأكل أسباباً أُخرى غير التجارة، كالإرث والهبة، وغيرهما.

الآية الثالثة: آية حلّية البيع

قال سبحانه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)3.
استدلّ بها الشيخ على أنّ الأصل في خصوص البيع اللزوم، قائلاً بأنّ

1 . المكاسب:5/19.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:2/375.
3 . البقرة:275.

صفحه 45
حلّية البيع التي لا يراد منها إلاّ حلّية جميع التصرّفات، المترتّب عليه (التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر) مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ وكونه لغواً غير مؤثّر.1
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ ظاهر الآية هو حلّية نفس البيع لا التصرّفات، من غير فرق بين قبل الفسخ أو بعده، وبعبارة أُخرى: الآية بصدد تشريع البيع، وتحريم الربا من غير نظر إلى آثار التشريع من جواز التصرّف وعدمه. والاستدلال مبني على حرمة التصرّفات بعد الفسخ حتى يكون دليلاً على اللزوم، والمفروض أنّ الآية ساكتة عنها.
وثانياً: أنّ الاستدلال فرع أن تكون الآية في مقام بيان حلّية جميع التصرّفات حتى بعد الفسخ، فإنّها في مقام نفي التساوي الذي يقول به المشركون: قائلين: لا فرق بين البيع والربا وأنّ الأوّل مثل الثاني، فنزلت الآية ردّاً على قولهم بنفي المساواة وأنّه سبحانه أحلّ البيع وحرّم الربا من غير تعرّض لسائر الحالات من حلّية البيع بعد الفسخ، فإنّ استفادة هذا فرع كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة.
قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به، قال المطلوب منه له: زدني في الأجل وأزيدك في المال، فيتراضيان عليه ويعملان به، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك أنّ الزيادة في الثمن حالَ البيع، والزيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدين سواء،

1 . المكاسب:5/19.

صفحه 46
فذمّهم الله به وألحق الوعيد بهم وخطّأهم في ذلك بقوله: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) أحلّ الله البيع الذي لا ربا فيه وحرّم البيع الذي فيه الربا...1.
وبعبارة أُخرى: أنّ الحلّية إمّا تكليفية أو وضعية. فعلى الأوّل يكون مفادها أنّ البيع حلال لا حرام، مثل قولنا: الغنم حلال والكلب حرام، ومن المعلوم أنّه لا يمكن الاحتجاج بحلّية الغنم على كونه حلالاً ولو كان مغصوباً أو موطوءاً أو جلاّلاً.
وعلى الثاني يكون مفاده أنّ البيع أمضاه الشارع وأحلّه محلّه دون الربا، وأمّا أنّه أحلّه في كلّ ظرف وموقف وأمضاه في جميع الشرائط، فالآية ساكتة عنه.
ولأجل الغموض في دلالة الآيتين يقول الشيخ:الإنصاف أنّ في دلالة الآيتين بأنفسهما على اللزوم نظراً.

الاستدلال بالنبويّات الثلاثة:

الأوّل: حرمة مال المسلم

اشتهر بين الفقهاء قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفسه».2
وجه الاستدلال: أنّ أخذ مال الغير وتملّكه من دون طيب نفس

1 . مجمع البيان:1/389، وبيّن في ذيل التفسير الفروق بين البيع والدين والزيادة فيهما.
2 . عوالي اللآلي:2/113، الحديث 309.

صفحه 47
صاحبه أمر حرام، فيشمل الفسخ المجرّد عن طيب النفس، يقول السيد الطباطبائي في تقريبه: فنفي حلّية المال يشمل إنشاء الفسخ أيضاً، فتدلّ على أنّ التملّك بالفسخ غير حلال أي غير ممضى.1
يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال مبنيّ على أنّ الفسخ اللفظي تصرّف في مال الغير، فالفسخ الصادر عن البائع بلا إذن المشتري تصرّف في مال الغير حتى يستدلّ بحرمة الفسخ على بطلانه وبالتالي على لزوم العقد، لكن الظاهر أنّ الحرام هو التصرّف في مال الغير، فلو كان العقد في الواقع لازماً يُعدّ التصرّف تصرّفاً في مال الغير، وأمّا إذا كان في الواقع جائزاً لا يُعدّ التصرّف تصرّفاً في مال الغير بل في مال النفس.
ومع الشكّ في الموضوع لا يصحّ التمسّك بإطلاق الدليل، والفرق بين المقام وآية وجوب الوفاء بالعقد نفس الفرق بين آية الوفاء بالعقد وحرمة الأكل، وقد مرّ بيانه.

الثاني: تسلّط الناس على أموالهم

واستدلّ أيضاً على اللزوم بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الناس مسلّطون على أموالهم».2
قال الشيخ: فإنّ مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع: ألاّ يجوز أخذه من يده وتملّكه عليه من غير رضاه .
وبعبارة أُخرى: إنّ جواز العقد الراجع إلى تسلّط الفاسخ على تملّك

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:2/376.
2 . عوالي اللآلي:1/222، الحديث99.

صفحه 48
ما انتقل عنه وصار مالاً لغيره منه بغير رضاه، مناف لهذا العموم.1
يلاحظ عليه: أنّ الفسخ لا يعدّ تصرّفاً ولا منافياً لتسلّط الناس على أموالهم، وبعد الفسخ يكون المورد شبهة مصداقية للحديث، إذ من المحتمل أن يكون المال ملكاً للفاسخ لا للبائع.
وحصيلة الجواب عن التمسّك بالنبويّين: أنّ الفسخ اللفظي لا يُعدّ تصرّفاً في مال الغير حتى في العقد اللازم، بل يكون لغواً، وأمّا بعد الفسخ فالموضوع غير محرز، أي كونه مال امرئ مسلم أو مال الغير.

الثالث: المؤمنون عند شروطهم

روى الشيخ في «التهذيب» عن العبد الصالح(عليه السلام) في حديث أنّه قال: «فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: المؤمنون عند شروطهم».2
وفي رواية أُخرى عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: «... والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ».3
قال الشيخ: وقد استدلّ به على اللزوم غير واحد ـ منهم: المحقّق الأردبيلي(قدس سره) ـ بناء على أنّ الشرط مطلق الإلزام والالتزام ولو ابتداء من غير ربط بعقد آخر، فإنّ العقد على هذا شرط، فيجب الوقوف عنده ويحرم التعدّي عنه، فيدلّ على اللزوم بالتقريب المتقدّم في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).4

1 . المكاسب:5/21.
2 . الوسائل:14، الباب20 من أبواب المهور، الحديث4.
3 . الوسائل:12، الباب3 من أبواب الخيار، الحديث 1 و2.
4 . المكاسب:5/21.

صفحه 49
ثمّ إنّ الشيخ استشكل على صدق الشرط على الالتزامات الابتدائية، واستشهد ببعض الأدعية، نظير قوله(عليه السلام): «يا رب شرطي ألاّ أعود في مكروهك».1 وقول الإمام المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في أوّل دعاء الندبة: «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا».2
يلاحظ عليه: أنّ الاستعمال لا يدلّ على الاختصاص، فإنّه في بعض الروايات استعمل في الالتزام الابتدائي.
روى الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيام للمشتري وهو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط»3، والمراد بالشرط هو الحكم الشرعي المستقل النافذ على المتبايعين لا الشرط الذمي التبعي بقرينة قوله: شرط أو لم يشترط.
ويدلّ أيضاً على كونه أعمّ ما رواه أصحاب الصحاح والمسانيد في حقّ بريرة لمّا اشترتها عائشة وشرط مواليها عليها كون ولائها لهم، ووقف عليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:«ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله، مَن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط، قضاء الله أحق وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق».4
وجه الدلالة: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«وشرطه أوثق» حيث أراد به قوله: «الولاء لمن

1 . الصحيفة السجادية، من دعائه(عليه السلام) في ذكر التوبة.
2 . إقبال الأعمال:1/504; بحارالأنوار:102/104.
3 . الوسائل:12، الباب3 من أبواب الخيار، الحديث1.
4 . صحيح البخاري:1/94، كتاب الصلاة، الباب 7; الوسائل:14، الباب52 من أبواب نكاح الصيد والرماية، الحديث2.

صفحه 50
أعتق» مع أنّه حكم ابتدائي وليس تبعاً لحكم.
وعلى هذا فالشرط يعمّ التبعي والابتدائي وأُريد هنا الالتزام بأنّ المبيع للمشتري.
هذا إنّما الكلام في كيفية الاستدلال وأنّه أي فرق بين هذا النبويّ والنبويّين المتقدّمين؟
والفرق واضح فإنّ الاستدلال بهذا النبويّ على غرار الاستدلال بقوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وهو أنّ المراد من الشرط هو الإلزام والالتزام اللّذين دلّ عليهما الإيجاب والقبول. والفسخ بلا رضا الطرف الآخر، يعدّ نقضاً لذينك الأمرين، فيكون منهيّاً عنه الملازم للفساد، لأنّ النواهي في المعاملات كلّها إلاّ ما شذّ، ارشادات للفساد بخلاف النبويّين السابقين، فالمنهيّ عنه هو التصرّف، وقد مرّ أنّ الفسخ ليس تصرّفاً، والتصرّف بعد الفسخ شبهة مصداقية للحرمة.
وحصيلة الكلام: يوجد فرق بين التركيز على العمل بالإلزام والالتزام فيعمّ الفسخ المنافي، بخلاف الآخرين فالتركيز فيهما على التصرّف بلا إذن، وهو بعد الفسخ شبهة مصداقية.
وممّا ذكرنا من الفرق يظهر عدم تماميّة ما ذكره شيخ الشريعة الاصفهاني(قدس سره) من ورود الإشكال المتكرّر على المقام، لأنّ الأخذ بإطلاق الحكم متوقّف على وجود الموضوع، والمفروض أنّ وجود الموضوع بعد طروء الفسخ مجهول، فلا يحكم على وجوده بسبب إطلاق الحكم.1

1 . نخبة الأزهار:46، تقرير دروس شيخ الشريعة بقلم الوالد(قدس سره).

صفحه 51
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع هو الإلزام والالتزام القائم بالمتبايعين الذي دلّ عليه الإيجاب والقبول، وقد أثّر بوجوده الحدوثي حرمة نقض الالتزام بكلّ شيء حتّى الفسخ من دون الرضا فيكون الفسخ فاسداً، للنهي الإرشادي ويبقى الإلزام والالتزام بما لهما من التأثير بحاله، نعم لو كان المنهيّ عنه هو التصرّف فللقائل أن يقول: إنّ حرمة التصرّف في ملك الغير حرام، وبعد الفسخ نشكّ في كونه ملكاً للغير.
وبالجملة آية وجوب الوفاء بالعقد، ورواية وجوب الوفاء بالشرط سدّت عامة الأبواب حتى الفسخ، حيث يعدّ نقضاً، ومعه لا مجوّز للتصرّف بعد بقاء الإلزام والالتزام بحاله، بخلاف سائر الأدلّة فإنّها منصرفة عن الفسخ، وناظرة إلى التصرّفات، وبعد الفسخ يصبح الموضوع شبهة مصداقية للرواية لاحتمال تأثير الفسخ وصيرورة المبيع ملكاً للفاسخ.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات والنبويات الثلاثة، وإليك ما بقي من الأدلّة.

الدليل السابع: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا

قال الشيخ: ومنها: الأخبار المستفيضة في «أنّ البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» وأنّه «إذا افترقا وجب البيع، وأنّه لا خيار لهما بعد الرضا».1
يلاحظ عليه: أنّ الحديث بصدد بيان الوجوب النسبي لا المطلق، وأنّه لا خيار لهما بعد الافتراق من جانب خيار المجلس، وأمّا أنّه لا خيار لهما أبداً فليس الحديث بصدد بيانه، بشهادة وجود الخيار بعد الافتراق لأجل الغبن

1 . المكاسب:5/22.

صفحه 52
والتدليس وتخلّف الشرط.
وبعبارة أُخرى: اللزوم حيثي، فلا خيار من جانب المجلس، وأمّا وجوده من سائر الجوانب فالحديث ساكت عنه.
***

الدليل الثامن: مقتضى الاستصحاب

هذا هو الدليل الثامن في كلمات الشيخ حيث قال عند تفسير «الأصل»: وأنّ المراد الاستصحاب ومرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرّد فسخ أحدهما. ثم قال: هذا حسن.1
وربّما يعارض هذا (استصحاب الملكية اللازمة للمشتري)، باستصحابين:
1. استصحاب عدم انقطاع علاقة المالك فإنّ الظاهر من كلماتهم عدم انقطاع علاقة المالك عن العين التي له فيها الرجوع، وهذا الاستصحاب حاكم على الاستصحاب المتقدّم المقتضي للّزوم.2
يلاحظ عليه: أنّ علاقة المالك الأوّل إن كانت نابعة من مالكيته للمبيع فقد انتفت بإخراج المالك عن ملكه قطعاً، وإن كانت نابعة من غير هذا الوجه كاحتمال سلطة إعادة العين إلى ملكه فهي مشكوكة الحدوث لا يصار إليها إلاّ بدليل، ولا معنى لاستصحاب ما هو مشكوك الحدوث.
2. استصحاب الخيار للمتبايعين بعد الافتراق ببيان أنّا نحتمل قيام

1 . المكاسب:5/14.
2 . المكاسب:5/14.

صفحه 53
خيار آخر مكان خيار المجلس عند انقضائه كخيار الغبن فيستصحب الجامع بينهما، فخيار المجلس قطعيّ الانتفاء بالتفرّق، وحدوث خيار آخر على وجه التعيين، مشكوك الحدوث، لكن الجامع بينهما، مشكوك البقاء، فيكون المقام من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي، كما لو كان زيد في الدار، وعلمنا خروجه، لكن نحتمل وجود عمرو فيها مقارناً مع وجود زيد فيها، أو نحتمل دخوله فيها حين خروجه، فوجود زيد قطعيّ الانتفاء ووجود عمرو بخصوصه مشكوك الحدوث، لكن الجامع بينهما مشكوك البقاء، فيستصحب.
يلاحظ عليه: أنّ هذا النوع من الاستصحاب مصداق عقلي له، وهو فوق مستوى الفهم العرفي الذي هو الحجّة، لا الفهم الفلسفي الدقيق، فلا يعتدّ به.
فبقي استصحاب الملكية اللازمة بعد الفسخ بحاله، خالياً عن المعارض.
نعم لو قلنا بصحّة استصحاب الخيار، لكان حاكماً على ذاك الاستصحاب، لأنّ الشكّ في بقاء الملكية اللازمة وعدمه نابع عن بقاء الخيار، فلو ثبت بالاستصحاب يكون رافعاً للشكّ في بقائها. وقد عرفت أنّه مصداق عقلي للاستصحاب وليس مصداقاً عرفياً لقوله:«لا تنقض اليقين بالشكّ» فلا يحتجّ به.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة استصحاب الملكية اللازمة حيث كانت متيقّنة قبل الفسخ والأصل بقاؤها.

صفحه 54

حول استصحاب ملكيّة المشتري

وربّما يتصوّر أنّ المستصحب في المقام من قبيل القسم الثاني من استصحاب الكلّي، وهو ما إذا كان المستصحب مردّداً بين طويل العمر وقصيره، كالبقر وفرخ الدجاج فلو كان بقراً فهو باق قطعاً ولو كان فرخاً فهو غير باق كذلك، والأوّل مشكوك الحدوث والثاني قطعيّ الارتفاع، لكن الجامع بينهما مشكوك البقاء.
نظير ذلك إذا خرج من الإنسان بلل مردّد بين المني والبول وتوضّأ، فلو كان منيّاً فالحدث باق قطعاً، ولو كان بولاً فهو مرتفع، لكن الجامع كان متيقّناً وصار مشكوك البقاء.
ومثله المقام، فلو كان المنشأ الملكية اللازمة فهي باقية، وإن كانت جائزة فهي مرتفعة، والمستصحب هو الجامع بينهما، فصار المورد من قبيل الموجود المردّد بين طويل العمر (الملكية اللازمة) وقصيره (الملكية الجائزة).
أقول: الظاهر أنّه من قبيل القسم الأوّل من أقسام استصحاب الكلّي، كما إذا كان زيد في الدار وشكّ في خروجه، فكما يجوز استصحاب بقاء الفرد فهكذا يجوز استصحاب بقاء الإنسان، وهكذا المقام.
وأمّا الاحتمال السابق فهو مبني على أنّ الملكية اللازمة، غير الملكية الجائزة جوهراً، وأنّ اللزوم والجواز إمّا من الفصول المقوّمة حتى تكونا نوعين أو من المصنّفات حتى يكونا صنفين، فيصح أن يقال: إنّ الملكية المذكورة مردّدة بين كونها مصداقاً لنوع أو صنف طويل العمر، أو مصداقاً لنوع أو صنف آخر قصير العمر. وأمّا لو قلنا بأنّهما حقيقة واحدة وإنّما

صفحه 55
الاختلاف إنّما هو في الأسباب، فالملكية اللازمة نفس الملكية الجائزة وإنّما الاختلاف والتغاير في أسبابها فإنّها قد تفيد اللزوم وأُخرى الجواز، والتغاير في الأسباب لا يوجب التغاير في المسبب، فحينئذ فالملكية المجرّدة عن اللزوم والجواز أمر واحد، متيقّن، نشكّ في بقائها.
وما ذكرناه من عدم التغاير بين الملكيتين هو الظاهر من الشيخ، قال: إنّ انقسام الملك إلى المتزلزل والمستقرّ ليس باعتبار اختلاف في حقيقته، وإنّما هو باعتبار حكم الشارع عليه في بعض المقامات بالزوال برجوع المالك الأصلي. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السبب المملّك، لا اختلاف حقيقة الملك. فجواز الرجوع وعدمه من الأحكام الشرعية للسبب، لا من الخصوصيات المأخوذة في المسبّب.1
نعم يظهر من السيد الطباطبائي أنّ الاختلاف بينهما اختلاف في الحقيقة قائلاً: إنّ الملكية في أنظار العرف قسمان، وإن كان ذلك من جهة اختلاف السبب، فالملكية الحاصلة في الهبة عندهم غير الملكية الحاصلة في البيع، حيث إنّ الأوّل مبني على الجواز عندهم، ويجوّزون الرجوع فيه، بخلاف الثاني فإنّه مبني على اللزوم، فالاختلاف بينهما كالاختلاف في حدث الجنابة وحدث النوم والبول، وإلاّ فأمكن أن يقال: إنّ حقيقة الحدث أيضاً أمر واحد، وأنّ اختلاف الأحكام من جهة اختلاف الأسباب، ومن المعلوم أنّه ليس كذلك.2
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ ما مثّل به من الاختلاف بين حدث الجنابة

1 . المكاسب:3/52.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:1/357. في بيان أدلّة المختار في المعاطاة.

صفحه 56
وحدث النوم والبول خارج محطّ البحث لقوّة الحدث في الأُولى دون الأخيرين بخلاف المقام، إذ ليست إحدى الملكيتين أقوى من الأُخرى إذ الملكية بمعنى وجود العلقة بين المالك والمملوك في كلا الموردين من مقولة واحدة، غير أنّ الشارع سوّغ للواهب أن يرجع في ملكه دون البائع، فكيف يكون ذلك سبباً للاختلاف في الحقيقة؟!
***
هذا كلّه إذا كان المستصحب بعد فسخ الفاسخ هو الملكية، ويمكن أن يقال: إنّ المستصحب بقاء العقد بعد الفسخ أو بقاء البيع بعده، فيكون دور الاستصحاب كونه محرزاً صغرى للدليل الاجتهادي، فيقال: العقد السابق باق، وكلّ عقد يجب الوفاء به، وهذا العقد يجب الوفاء به.

إشكال وإجابة

أمّا الإشكال: إذا كان دور الاستصحاب إحراز الصغرى للدليل الاجتهادي ـ أعني: (أوفُوا بِالعُقُود) ـ فعندئذ يتوجّه على التمسّك به الإشكال التالي: إنّ العام المذكور أي (أوفُوا بِالعُقُود) ـ خصّص بالعقود الجائزة، وكأنّ القائل قال: يجب الوفاء بالعقود إلاّ العقود الإذنية، أي الجائزة، واستصحاب بقاء العقد غير كاف في التمسّك بالعام، بل يجب إحراز عدم عنوان المخصّص، أي عدم كونه عقداً جائزاً، والمفروض أنّه غير محرز، فيكون التمسّك بالعام في المقام من قبيل التمسّك به في الشبهة المصداقية للمخصّص.
أمّا الجواب: فهو أنّ القائل تصوّر ورود العام أوّلاً، ثم خصّص بالعقود

صفحه 57
الجائزة ثانياً، فرتّب عليه ما رتّب.
ولكن الواقع ليس كذلك، بل الخارج عن تحت العام عبارة عن عقد الهبة والعارية والوكالة وأمثال ذلك، فعندئذ يكون الشكّ في خروج عقد القرض عن تحت العام شكّاً في التخصيص الزائد، والأصل عدمه، لا شكّاً في الشبهة المصداقية.
وإن شئت قلت: إنّ الخارج ليس عنوان العقود الجائزة حتى يجب إحرازه عند التمسّك بالعام، بل الخارج عناوين العقود المتعدّدة، فكلّ من الهبة والعارية والوديعة والوكالة مخصّص، فلو شككنا في خروج عقد القرض يكون تخصيصاً زائداً. نعم لو كان الخارج عنوان العقود الجائزة يجب إحرازها.
فإن قلت: إنّ ما يجب الوفاء به هو العقد الواقعي، لا العقد التعبّدي، ولا يثبت بالاستصحاب إلاّ العقد التعبّدي.
قلت: إنّ الاستصحاب يُثبت بقاء العقد الواقعي في ظرف
الشكّ، فالثابت به هو بقاء العقد الواقعي لا العقد التعبّدي، نعم بفضل
التعبّد يثبت بقاؤه في ظرف الشكّ، والتعبّد بالبقاء سبب لإثبات وجود المستصحب لا هو قيد للمستصحب، فالذي يستصحب هو نفس العقد لا العقد التعبّدي.
وأخيراً نحن في غنى عن الاستصحاب، سواء أكان مثبتاً للّزوم أو للجواز، لما عرفت من وجود الدليل الاجتهادي على اللزوم، أعني قوله سبحانه: (أوفُوا بِالعُقود)والنبويّ: «المؤمنون عند شروطهم»، ومع هذا لا حاجة إلى البحث عن الاستصحاب. مضافاً إلى ما مرّ في صدر القاعدة من أنّ

صفحه 58
هنا طريقاً آخر لتمييز العقود الجائزة عن اللازمة وهو دراسة طبيعة العقد والفرض المترتّب عليه، فلاحظ.
***
تمّت قاعدة
الأصل في العقود اللزوم

صفحه 59
القواعد الفقهية
      33
قاعدة
الأحكام الوضعية غير مشروطة بالبلوغ
تقسيم الأحكام إلى أحكام تكليفية وأحكام وضعية وتعريفهما
تقسيم الحكم الوضعي إلى مجعول شرعي و منتزع من مجعول
الكلام في مقامين:
   1. أدلّة القول بشمول الأحكام الوضعية للبالغ وغيره وذلك بطرق أربع
   2. دراسة ما يمكن أن يكون مانعاً عن الشمول لغير البالغ كرفع القلم عن الصبي
دفع الاستدلال بوجهين:
   1. المرفوع قلم المؤاخذة لا الحكم الوضعي
   2. لو كان المرفوع هو قلم التكليف فالمرفوع أثر الأفعال الّتي يشترط فيها القصد إذا صدرت عن البالغ، وأمّا ما لا يشترط فيه القصد عند صدورها عن البالغ فلا يكون مرفوعاً.
تقسّم الأحكام في مصطلح الفقهاء إلى أحكام تكليفية وأحكام وضعية، وقبل الإشارة إلى تعريفهما نذكر تعريفاً لمطلق الحكم، فنقول:
الحكم: عبارة عن كلّ مقرّر وقانون من مقنّن نافذ في المجتمع، وإن شئت قلت: عبارة عن كلّ مقرّر وقانون عرفي أو شرعي ممّن له أهلية التقرير والتقنين.

صفحه 60
هذا هو تعريف مطلق الحكم، سواء أكان الحكم سماوياً أو أرضياً.
وأمّا الحكم التكليفي: فهو عبارة عن الحكم الذي يتضمّن البعث والزجر أو التخيير عملاً بين الفعل والترك، فيدخل في الأمرين الأوّلين: الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة; لأنّ الجميع يتضمّن البعث والزجر إلزاماً أو غير إلزام، كما أنّ الإباحة الشرعية بمعنى الحكم بالتسوية داخلة تحت مقولة التخيير.
وأمّا الحكم الوضعي: فهو عبارة عن موضوعات إمّا مجعولة شرعاً، أو منتزعة من أحكام تكليفية لا تتضمّن البعث والزجر أوّلاً وبالذات، وإن كان لها تعلّق بأحد الأمرين باعتبار ما يستتبعها من الأحكام التكليفية.
وعلى هذا فالحكم الوضعي بين ما هو مجعول شرعاً استقلالاً، كالحاكمية أو الولاية للفقيه في قوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»1، وكالماهيات المخترعة من الصلاة والصوم والزكاة والحج، فإنّ الجميع أحكام وضعية مجعولة تأسيسياً أو إمضائياً; وبين ما هو منتزع من أحكام تكليفية كالسببية من قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)2، حيث ينتزع من إيجاب الصلاة عند دلوك الشمس، السببية له، وكالشرطية المنتزعة من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بطهور» أو «بفاتحة الكتاب» .
وبذلك يظهر أنّ في تسمية جعل الموضوعات والمنتزعات حكماً، نوع توسّع، ولعلّها باعتبار ما يستتبعها من الأحكام التكليفية.
إذا عرفت هذا يقع الكلام في مقامين:

1 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
2 . الإسراء: 78 .

صفحه 61
الأوّل: شمول الأحكام الوضعية للبالغ وغيره.
الثاني: دراسة ما يمكن أن يكون مانعاً من الشمول.
أمّا المقام الأوّل: فنقول: يظهر من الأصحاب عموم الموضوعات التالية للبالغ وغيره:
1. الجنابة.
2. الحدث الأصغر.
3. إتلاف مال الغير .
4. تلف مال الغير في يد غير البالغ غير المأذونة.
5. حيازة المباحات وتملّكها.
6. إيجاد سبب الدية في النفس والأعضاء ومنافعها.
7. النجاسات بأنواعها.
وهكذا كلّ شيء وقع موضوعاً لحكم شرعي.

أدلّة القول بشمول الأحكام الوضعية للبالغ وغيره

يمكن الاستدلال على الشمول بطريقين:
الأوّل: ادّعاء شمول الإطلاقات للبالغ وغيره، نظير:
1. «مَن أحيا أرضاً مواتاً فهي له»1.
2. «مَن حاز مَلَك» أو «للعين ما رأت ولليد ما أخذت» 2.

1 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 5 و6 .
2 . الوسائل: 17، الباب 15 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

صفحه 62
3. قول الإمام علي (عليه السلام)في الدابة إذا سرّحها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها، فهي للذي أحياها.1
4. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» 2.
5. ما روي عن أبي عبدالله (عليه السلام): متى يجب على الرجل والمرأة الغسل؟ فقال: «يجب عليهما الغسل حين يدخله، وإذا التقى الختانان فيغسلان فرجهما» 3.
والتعبير بالرجل من باب الغلبة.
6. عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)في سؤال أخيه علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل يمرّ بالمكان الذي فيه العذرة، فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة، فيصيب ثوبه ورأسه، يصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: «نعم ينفضه ويصلّي» .4 وإطلاق العذرة يعمّ كلا الصنفين.
7. قوله (عليه السلام): «مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن»5.
إلى غير ذلك من العمومات والمطلقات الواردة في مختلف الأبواب.
ودعوى انصرافها عن الصغير دعوى بلا دليل خصوصاً الصبي الذي

1 . الوسائل: 17، الباب 13 من أبواب اللقطة، الحديث 3.
2 . مستدرك الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب الغصب، الحديث 4.
3 . الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الجنابة، الحديث 9 .
4 . الوسائل: 2، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 12. قوله: «تسفى»: ما تذريه الريح من غبار وغيره .
5 . الظاهر أنّ هذا الحديث مستفاد من عدة روايات وردت في أبواب مختلفة في الوسائل في كتاب الشهادات والرهن والإجارة والعتق وحدّ الزنا ونكاح البهائم والحدود. لاحظ : جواهر الكلام: 31 / 91 (الهامش رقم1).

صفحه 63
قرب بلوغه حسب العمر .
الثاني: أنّ تخصيص قسم من القواعد بالبلوغ ينافي الامتنان، فالقول بأنّ الصبي إذا حاز لم يملك، فللغير أن يستولي على ما حازه; أو القول بأنّ الصبي إذا أتلف لا يستتبع شيئاً، أو أنّه إذا أوجد سبب الدية في النفس والنفيس لا يحكم عليه بشيء; كلّ ذلك على خلاف الامتنان، فتخصيص هذه الأحكام بالبالغين وإخراج غيرهم عن تحتها، ينافي روح الشريعة الدالة على العدل والإنصاف، والقول بعدم الضمان في هذه الموارد نوع إذن للصبي أن يفعل ما يشاء ويعتدي على الآخرين.
الثالث: دراسة المسألة عن طريق تناسب الحكم والموضوع، فإنّ التكليف بالاجتناب عن البول والغائط وسائر النجاسات لأجل وجود القذارة فيها، ولها آثار ضارّة بالإنسان، وهذا لا فرق بين بول وغائط البالغ أو غير البالغ.
الرابع: نرى أنّ الإمام (عليه السلام)يصف عمد الصبي بالخطأ ويقول: «عن علي (عليه السلام)أنّه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق والصبي الذي لم يبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة»1.
فلو لم يكن لفعل الصبي أثر، فما معنى الحكم على عمده بأنّه خطأ ويشترك مع البالغ في الحكم وهو الدية، إلاّ أن البالغ يضمنها بنفسه، والصبي تضمن عنه عاقلته؟!
ولعلّ هذه الطرق الأربع كافية في إثبات المقتضي، إنّما الكلام في دراسة ما يمكن أن يستدلّ به على منع شمول الحكم لغير البالغ.

1 . الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2 .

صفحه 64

دراسة ما يمكن أن يكون مانعاً من الشمول

ما ذكرنا من الأدلّة كاف في إثبات الشمول، غير أنّه ربما يُتوهّم أنّ هنا مانعاً من الشمول وهو ما رواه الصدوق في «الخصال» بسنده عن ابن ظبيان، قال: أُتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي (عليه السلام): «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ»1.
وجه المنع أنّ المتبادر من الحديث هو رفع قلم جعل الأحكام، وأنّه لم يحكم بشيء من الأحكام وضعية كانت أم تكليفية، وكأنّ فعله كلا فعل وعمله كلا عمل، لا يحكم عليه بحكم من الأحكام، وعلى ذلك فلو كان المرفوع جعل الأحكام على وجه الإطلاق يكون الحديث مخصّصاً للعمومات الظاهرة في الشمول للبالغ وغيره.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ظاهر المرفوع هو قلم المؤاخذة والعقوبة لأجل عدم الشعور أو قلّته; أمّا المجنون فلفقد عقله، وأمّا النائم فلغفلته، وأمّا الصبيّ فلقلّة شعوره، فصار ذلك سبباً لرفع المؤاخذة والمعاقبة عنهم. وأمّا رفع كلّ حكم عنه فهو غير واضح بشهادة أنّ النائم في الرواية إحدى الطوائف الثلاث الذي حكم الإمام علي(عليه السلام) برفع القلم عنه مع أنّه لو أتلف مال الغير يحكم عليه بالضمان .
وثانياً: سلّمنا أنّ المراد رفع قلم جعل التكليف، لكن تكاليف البالغ على قسمين:

1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11.

صفحه 65
1. قسم يشترط في ترتّب الحكم عليه الالتفات والقصد كالقصاص، فمثل هذا لو صدر عن الصبي لا يترتّب عليه حكم القصاص لعدم الاعتداد بقصده.
2. قسم لو صدر عن الإنسان يترتّب عليه الأثر، سواء أكان هناك قصد أو لا؟ فمثل هذا يكون فيه البالغ والصبي سواء، لأنّ كون قصده كلا قصد فيشارك البالغ ويوجب انطباق الموضوع عليه. وهذا كما في إتلاف مال الغير فإنّ البالغ ضامن سواء قصد أم لا، وليس للقصد فيه مدخلية فإذا كان نفس الموضوع موضوعاً للضمان بلا مدخلية للقصد فالبالغ والصبي أمامه سواء. وبعبارة أُخرى: إذا كان نفس الفعل، موضوعاً للأثر، وهو متحقّق في البالغ والصبي فيكون الضمان محقّقاً، والحديث غير شامل له، لأنّ مصبّه ما إذا كان لقصد الفاعل مدخلية.
بل يمكن أن يقع مثل هذا موضوعاً للحكم على الغير، كما هو الحال في كون الدية على العاقلة.
فتحصّل ممّا ذكر أنّ الحكم إذا كان مترتّباً على ذات الفعل ولم يكن للقصد فيه اعتبار يمكن أن يكون موضوعاً للحكم على الصبي كما في الإتلاف، أو على الغير كما في الدية.
***
تمّت قاعدة
الأحكام الوضعية غير مشروطة بالبلوغ

صفحه 66
القواعد الفقهية
      34
قاعدة
الأحكام تابعة للأسماء
1. الحكم يدور مدار الموضوع المأخوذ في لسان الدليل وهو ما يعبر عنه بالأحكام تابعة للأسماء.
2. الاستحالة والانقلاب عبارة عن زوال الموضوع .
والشيء تارة يقع موضوعاً للحكم بما له من صورة نوعية، وأُخرى بما له من صورة جسمية .
3. إذا كان الموضوع الصورة النوعية بما هي هي ينتفي الحكم بخلاف ما لو اتّخذ على النحو الثاني.
4. ربّ متغيّر يصدق عليه الاسم وآخر لا يصدق عليه الاسم قطعاً، وهناك أشياء يُشكّ في صدق الموضوع عليها فهل المرجع قاعدة الطهارة أو الاستصحاب؟
5. مساحة القاعدة في سائر الأبواب، في الأشياء المحدّدة بالمساحة، أو الطول أو الوزن، إذا حدث التغيّر فيها.
من القواعد المعروفة في غير واحد من أبواب الفقه قاعدة: أنّ الاحكام تابعة للأسماء، فمادام الاسم صادقاً على الموضوع يحكم عليه بحكمه كالكلب بالنجاسة، وأمّا إذا خرج عن اسمه وصار ملحاً فيحكم عليه بالطهارة، ولأجل تلك القاعدة ذكر الفقهاء أنّ الاستحالة والانقلاب من المطهّرات، وذلك لعدم صدق الاسم. فالاستحالة كالعذرة إذا صارت تراباً،

صفحه 67
والخشبة المتنجّسة إذا صارت رماداً. والانقلاب كالخمر إذا صار خلاًّ، والبول أو الماء المتنجّس إذا صارا بخاراً.
توضيح ذلك: أنّ للموجودات المادّية صورتين:
1. الصورة النوعية التي بها يتقوّم الشيء وعليها مدار صدق الاسم، كالصورة النوعية للإنسان والحيوان والشجر، على نحو لو أُزيلت تلك الصورة لما صدقت عليها أسماء الأنواع .
2. الصورة الجسمية، وهي ما تتحدّد بالأبعاد الثلاثة المعروفة من الطول والعرض والعمق، وهي القدر المشترك بين الجواهر الطبيعية من الإنسان والحيوان والنبات والجماد.
فهذه الجواهر تشتمل على صورتين: نوعية وجسمية، والاسم يدور مدار الصورة النوعية، ولذلك قالوا: شيئيّة الشيء بصورته لا بمادّته، وإلاّ فالمادّة مشتركة بين جميع الأعيان الأربعة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الحكم الشرعي تارة يقوم بالصورة النوعية على نحو لو أُزيلت الصورة لارتفع الحكم، كما هو المعروف باسم الاستحالة على ما مثّلناه.
وأُخرى يكون الحكم قائماً بصورته الجسمية كنجاسة الحنطة، فهي باقية وإن تبدّلت طحيناً أو دقيقاً أو خبزاً، أو الحليب إذا صار جبناً، ففي هذه الموارد ربّما يُميّز الإنسان الحكم القائم بالصورة النوعية أو القائم بالصورة الجسمية، وربّما يشتبه الحال في الأمثلة التالية:
1. إذا صار الخشب النجس فحماً.

صفحه 68
2. صيرورة الطين النجس خزفاً أو آجراً.
3. إذا تبدّل البول بخاراً ثم ماءً.
فما هو المرجع في هذه الموارد؟ فهل المرجع هنا هو الاستصحاب كما عليه السيد الطباطبائي في العروة حيث يقول: «ومع الشكّ في الاستحالة لا يحكم بالطهارة» للشكّ في حصول المطهّر الموجب للرجوع إلى أصالة عدمه، الموافق لأصالة بقاء النجاسة.
أو أنّ المرجع هو قاعدة الطهارة كما لو علم بالاستحالة؟ والظاهر هو الثاني لعدم بقاء الموضوع حيث يشترط في الاستصحاب وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة، ومن المعلوم أنّ القضية المتيقّنة غير المشكوكة، فأين الطين من الخزف والخشب من الفحم. ولو قلنا بشرطية بقاء الموضوع كما هو التعبير الآخر عن شرطية وحدة القضيتين في الاستصحاب فالحكم أيضاً كذلك.
ثم إنّ الظاهر أنّ الحكم بالنجاسة فيما إذا تبدّلت الحنطة طحيناً أو عجيناً أو خبزاً، أو تبدّل الحليب جبناً، من باب الاستصحاب. وإلاّ فالظاهر عدم صدق الحنطة عليها، فقاعدة الأحكام تابعة للأسماء، غير ناهضة لإثبات النجاسة في هذه الموارد، لعدم صدق الأسماء وإنّما الموجب للحكم بالنجاسة هو استصحابها بحكم أنّ الموضوع وإن كان مرتفعاً بالدقّة العقلية لكنّه موجود في نظر العرف الدقيق أيضاً. حيث يدرك بأنّ التلوّث بالنجس باق في الحالات الثلاث الّتي تغيّرت لها الحنطة.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. أنّه ما دام الاسم صادقاً على الموضوع عقلاً وعرفاً فالحكم باق.

صفحه 69
2. إذا حدث فيه طارئ في الأوصاف والأعراض كما في تبدّل الخشب فحماً أو الطين آجراً، فالظاهر عدم بقاء الصورة النوعية، فتحكم بالطهارة.
3. إن تبدّل الحنطة إلى الدقيق أو هو إلى العجين أو الخبز، فالظاهر أنّ المرجع هو الاستصحاب لبقاء الموضوع عرفاً وأظهر منه إذا صار الماء النجس جمداً. ومع ذلك يمكن القول بجريان الاستصحاب في القسم الثاني أيضاً أعني صيرورة الطين النجس آجراً بالبيان التالي:
وحاصله: أنّ استصحاب حكم عنوان الطين وجرّه إلى عنوان الخزف والآجر من قبيل استصحاب حكم موضوع إلى موضوع آخر، وهو أشبه بالقياس، ومثله استصحاب حكم عنوان العنب إلى عنوان الزبيب، فإنّهما عنوانان مختلفان ولكلّ اسم خاص، ولذلك قلنا ببطلان الاستصحاب التعليقي إذا حاول جرّ حكم عنوان العنب إلى عنوان الزبيب .
ولكن هنا طريقاً آخر لجريان الاستصحاب في هذه الموارد، وهو أنّ الموضوع في لسان الدليل وإن كان هوالعنب لكن بعد انطباقه على الخارج، يكون الموضوع للحرمة الجزئية هو هذا الموجود الخارجي الذي أمامنا وعندئذ نشير إليه بهذا، ونقول: «هذا إذا غلى يحرم». مكان أن نقول: «العنب إذا غلى يحرم»، فإذا مضت أيام وجفّ ماؤه وصار زبيباً، فالقول باستمرار الحكم وجرّ الحكم السابق إلى اللاحق فرع حفظ الهوية الخارجية (لا العنوان) وكون المشار إليه بهذا في الفترة الأخيرة نفس المشار إليه بهذا في الفترة المتقدّمة. فإن وافقه العرف على هذه الوحدة ـ كما هو الموافق للتحقيق ـ يجري الاستصحاب من دون رائحة قياس، فيقال: هذا كان في السابق إذا غلى يحرم، والأصل بقاؤه على ما عليه، فيكون المرجع هو

صفحه 70
الأصل العملي في الفترة الأخيرة ما دام كونه زبيباً.
وقس على هذا استصحاب النجاسة في الطين المنقلب إلى الخزف والآجر، والخشب المتحوّل إلى الفحم، فعلى ما ذكرنا فالمرجع هو الاستصحاب.
***
ثم إنّ لقاعدة: «الأحكام تابعة للأسماء» مجالاً واسعاً في سائر الأبواب لا يختصّ بباب النجاسات، إذ لها مصاديق كثيرة في كثير من الأبواب نذكر منها ما يلي:
1. أواني الفضة والذهب يحرم عملها واستعمالها فإن غيّر شيء منها على نحو زال عنها الاسم السابق، فهل تبقى على الحرمة أو لا؟
فالقاعدة غير صادقة لافتراض حدوث تغيير موجب لسلب الاسم عنها، فيكون المرجع هو الاستصحاب.
2. الأشياء المحدّدة بالوزن إذا أُنقص منها شيء كالكُرّ بالأرطال، ومُدّ الطعام في الصدقات، ونصاب النقدين والغلاّت، وصاع الفطرة إذا طرأ عليها شيء من النقص فهل يجزي أو لا؟ فيقال: الأحكام تابعة للأسماء.
3. ما حُدد بالمساحة كالكر، وبعد البالوعة عن البئر بالأذرع، وبعد الرجل عن المرأة بعشرة أذرع في الصلاة، ومسافة القصر، وفراسخ تلقّي الركبان، إذا طرأ عليها شيءٌ يغيّر حالتها.
4. ما حُدّد بالعدد كدلاء البئر، ونصب الشاة والإبل والبقر، وأعداد الرضعات، وأعداد الطواف والسعي، فتأتي فيها القاعدة، فلو صدقت عليها

صفحه 71
فهو، وإلاّ فالمرجع الأُصول العملية أو البراءة.
وبالجملة ففي هذه الموارد الّتي حدّدت إمّا بالوزن أو بالمساحة أو بالعدد إذا طرأ عليها شيء من النقص فهل يبقى الحكم السابق أو لا؟ فلو صدق الاسم فهو، وإلاّ فالمرجع هو الأُصول العملية .
ثمّ إنّ مقتضى الأصل يختلف حسب اختلاف الموارد، ففي مورد الأواني فالأصل الجاري هو استصحاب الحرمة، وفي مورد الكرّ إذا أُنقص منه شيء هو استصحاب النجاسة، وفي نصاب النقدين والغلاّت إذا نقص منه شيء عدم وجوب الزكاة، وفي صاع الفطرة إذا نقص منه شيء عدم الإجزاء، وهكذا، وبذلك ظهر أنّ القاعدة قاعدة فعّالة لها مجال كبير في أبواب الفقه .
***
تمّت قاعدة
الأحكام تابعة للأسماء

صفحه 72
القواعد الفقهية   
      35
قاعدة
الأُمور بمقاصدها
المادّة الأُولى في مجلة الأحكام العدلية عبارة عن كون الأُمور بمقاصدها
هذه القاعدة غير قاعدة العقود تابعة للقصود
تفسير مفردات القاعدة
الاستدلال على القاعدة بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب
ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في مورد القاعدة
تطبيقات القاعدة
الفرق بين التجرّي والانقياد
الحيل الشرعية معتبرة إذا أُريد بها إثبات حقّ أو دفع باطل
موقف الشارع من الحيل والذرائع إذا كانت لإبطال الحق أو إثبات الباطل
قد سبق منّا القول بأنّ الدولة العثمانية كلّفت عدداً من علماء السنّة بتدوين كتاب يكون مرجعاً في المحاكم الشرعية فكانت النتيجة وضع كتاب باسم: «مجلة الأحكام العدلية» في 1851 مادّة .
فالمادّة الأُولى عبارة عن «قاعدة الأُمور بمقاصدها»، وهي غير قاعدة العقود تابعة للقصود. فقد أُريد من العقود، ألفاظ الإيجاب والقبول، بخلاف المقام فقد أُريد من الأُمور الأفعال، كما سيظهر.

صفحه 73
فلنذكر شيئاً ممّا يرجع إلى هذه القاعدة.

تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مركّبة من أمرين:
1. الأُمور .
2. المقاصد.
أمّا الأوّل فقد أُريد به الأفعال الّتي يقوم بها المكلّف، وهو منصرف إلى فعل غير اللفظ الذي يصدر عن المكلّف لغاية من الغايات.
وأمّا الثاني فالمقاصد جمع المقصد وأُريد به الغايات والأغراض الباعثة للفعل.
مثلاً: أنّ ضرب الولي اليتيم ولو ضرباً غير خفيف إذا صدر لغاية التأديب فهو أمر حسن يثاب عليه، دونما إذا كان لغاية الإيذاء فهو قبيح محرّم ولو كان خفيفاً.
كما أنّ الاحسان إلى شخص إذا كان لغاية التقرّب إلى الله فهو يؤجر من الله، وإن كان الغرض التقرّب إلى نفس الشخص فهو أمر حسن لكن لا يؤجر، إلى غير ذلك من الأمثلة.

الاستدلال على القاعدة بما رواه البخاري

والأصل في ذلك ما رواه البخاري في الصفحة الأُولى من صحيحه عن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله

صفحه 74
فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».1
وبما أنّ البخاري كان مخالفاً لأبي حنيفة في الأصل الذي أسّسه باسم «فتح الذرائع»، فقد افتتح صحيحه بهذا الحديث ردّاً عليه.
وقال أيضاً في كتاب الحيل في صحيحه:
باب: إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت، فقضي بقيمة الجارية الميتة، ثمّ وجدها صاحبها فهي له، ويرد القيمة ولا تكون القيمة ثمناً.
هذا هو الحقّ الصراح الذي جاء به البخاري في عنوان الفصل، لكنّه حكى بعد ذلك عن بعض الناس ـ والمراد به أبو حنيفة ـ ما يخالفه وقال:
قال بعض الناس: «الجارية للغاصب، لأخذ المالك القيمة»، وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتلّ أنّها ماتت، حتّى يأخذ ربُّها قيمتها، فيطيب للغاصب جاريةُ غيره، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «أموالكم عليكم حرام، ولكلّ غادر لواء يوم القيامة».2
ونقول إيضاحاً لكلام البخاري: إنّ فتح الذرائع لو قيل به فإنّما يقال فيما إذا كان السبب مؤثّراً في حصول النتيجة كما في الحيل الشرعية لأكل الربا دون ما لم يكن غير مؤثّر، وبه يظهر بطلان ما أفتى به أبو حنيفة، وذلك لأنّ زعم الغاصب موت الجارية لا يخرجها عن ملك صاحبها، ولا يوجب اشتغال ذمّة الغاصب بقيمتها، بل تبقى الجارية على ملكية المالك، فلو ظهرت حياتها انكشف أنّ القضاء بردّ القيمة كان باطلاً من أصله.

1 . صحيح البخاري:1 /2، باب كيف بدء الوحي.
2 . صحيح البخاري:8/62، كتاب الحيل، الباب التاسع، الحديث رقم 6966.

صفحه 75

ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في خصوص القاعدة

ثم إنّ الدليل على القاعدة لا ينحصر بما رواه البخاري فإنّ في روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)تركيز على ذلك.
1. روى أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا قول إلاّ بعمل، ولا قول ولا عمل إلاّ بنيّة، ولا قول ولا عمل ولانيّة إلاّ بإصابة السنّة»1.
2. روى أبو عروة السلمي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّ الله يَحْشُر الناس على نيّاتهم يوم القيامة».2
ثم إنّ ما رواه البخاري قد روي عن طريق أئمة أهل البيت(عليهم السلام)عن آبائهم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال (في حديث): «إنّما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، فمَن غزا ابتغاء ما عند الله فقد وقع أجره على الله عزوجل، ومَن غزا يريد عرض الدنيا، أو نوى عقالاً، لم يكن له إلاّ ما نوى»3.
وعلى كلّ تقدير فالقاعدة لا تركّز على وجود القصد; لأنّه أمر مسلّم في فعل العقلاء، وإنّما المراد هو وجه القصد وغايته، ويظهر ذلك في تطبيقات القاعدة.

تطبيقات القاعدة

1. إذا التقط ملتقط لقطة يعتبر أميناً عليها، ولا يضمن إذا تلف بلا تعدّ

1 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 2.
2 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 5.
3 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 10. العقال: حبل يشدّ به البعير في وسط ذراعه.

صفحه 76
أو تقصير; وأمّا لو التقطها بقصد تملّكها، وهلكت اللقطة في يده بدون تعدّ أو تقصير يكون ضامناً لها. فلو وجد صاحبها فعليه الخروج عن الضمان.
2. لو نشر الصيّاد شبكته وتعلّق بها طير، فإن كانت الغاية من النشر تجفيفها أو إصلاحها فهو ملك لمَن سبقت يده إليه، من غير فرق بين الصيّاد وغيره، وعندئذ لو سبق شخص الصيّاد فأخذ الطير من الشبكة يملكه ولا يكون غاصباً، إذ لم يدخل الطير في ملك الصيّاد; بخلاف ما لو نشرها لأجل الصيد فالطير يكون لصاحب الشبكة.
3. أمر الله سبحانه الأزواج عند قرب خروج زوجاتهم عن العدّة، بأحد أمرين: إمّا الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، ثم ينهاهم عن شيء ثالث وهو قوله: (وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)1، وعلى هذا فلو كان الرجوع لغاية الإضرار فهو أمر حرام، إذ يريد أن يجعل الزوجة بمنزلة الكرة فتارة يجذبها لنفسه وأُخرى يطردها عنه، ولذلك يقال: الأُمور بمقاصدها.

الفرق بين التجرّي والانقياد

التجرّي والانقياد من المفاهيم الّتي يبحث فيهما في باب القطع من أُصول الفقه، ويُمثّل للأوّل بما إذا تجرّأ وقصد شرب الخمر بمائع يقطع أنّه خمر فبان ماءً، أو خلاًّ; ويُمثّل للثاني بما إذا امتثل أمر المولى بشيء بزعم أنّه واجب وليس بواجب; فعلى هذا فيعاقب أو يُلام (على اختلاف بين العلماء في التجرّي) على الأوّل، ويثاب على الثاني، حتّى أنّه لو نوى الإطاعة وبان أنّ الموضوع حرام كما إذا قدّم طعاماً للجائع تقرّباً إلى الله ثم بان كونه مسموماً

1 . البقرة: 231.

صفحه 77
ضارّاً، فالمقدّم يثاب على عمله; لأنّ الأُمور بمقاصدها.
وفي نهاية الكلام نقول: إنّ الحيل الشرعية إنّما تصحّ إذا كانت مؤثّرة في المقصود، وكانت الغاية إثبات حقّ أو دفع باطل; وأمّا إذا كانت الغاية إبطال الحقّ أو إثبات الباطل، فهي حرام وإثم وعدوان.

موقف الشارع من الحيل والذرائع لإبطال الحقّ أو إثبات الباطل

وإن أردت أن تتعرّف على موقف الشارع من الحيل والذرائع فأقرأ هذه الآية وارجع إلى تفسيرها، قال تعالى: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)1.
فإنّ الغرض من تحريم الاصطياد في السبت هو امتحانهم في أُمور الدنيا، ولكنّهم توسّلوا بحيلة مبطلة لغرضه سبحانه، وهي حيازة الحيتان وحبسها عن الخروج إلى البحر يوم السبت، لغاية الاصطياد يوم الأحد، فكيف يمكن أن يكون مثل هذا التحايل أمراً جائزاً، فالله سبحانه عاقبهم بنيّاتهم الفاسدة الخفيّة، لا بظاهر أعمالهم.
***
تمّت قاعدة
الأُمور بمقاصدها

1 . الأعراف: 163.

صفحه 78
القواعد الفقهية   
      36
قاعدة
التعاون على الإثم
الإعانة على الطاعة طاعة، والإعانة على الإثم إثم
الاستدلال على القاعدة بقوله سبحانه: (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)
ذكر أمثلة كثيرة اختلفت كلماتهم في بيان حكمها
الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية:
1. النهي تنزيهي
2. المحرّم هو التعاون لا الإعانة
3. لو صحّ الاستدلال بالآية يلزم حرمة أكثر المعاملات
الأُمور الدالّة على تحقّق الإثم:
   1. اعتبار قصد الإعانة في المُعين وعدمه
   2. اعتبار وقوع الإثم في الخارج وعدمه
   3. اعتبار قصد المعان للإثم
   4. اعتبار علم المُعين بقدرة المعان على الإثم
   5. اعتبار العلم بتوقّف تحقق الإثم على خصوص هذه المقدّمة
الاستدلال بالروايات المتوفّرة حول إعانة الظالم
الإعانة على النفس كالإعانة على الغير
من القواعد المعروفة أنّ الإعانة على الطاعة طاعة، والإعانة على الإثم إثم.

صفحه 79
ثم إنّهم استدلّوا على القاعدة بالكتاب والسنّة.

الاستدلال بالقرآن الكريم

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)1.
ورتّبوا على ذلك فروعاً كثيرة اختلفوا في بعضها أنّها من مصاديق التعاون على الإثم:
1. بيع العنب ممّن يُعلم أنّه يصنعه خمراً.
2. بيع الخشب أو مادّة أُخرى لمن يُعلم أنّه يصنع الصليب أو الصنم.
3. بيع الحرير للرجال ويعلم البائع أنّ المشتري يلبسه.
4. بيع أواني الذهب والفضة ممّن يُعلم أنّه يستعملها.
5. بيع المتنجّس من الذمّي والميتة لمستحلّها مع كون الكفّار مكلّفين بالفروع.
6. حمل التاجر المتاع إلى بلده مع العلم بأنّ العاشر يأخذ منه العشور.
7. بيع البيت ممّن يُعلم أنّه يشرب فيه الخمر.

1 . المائدة: 2. وشنآن: بغض.

صفحه 80
8. إجارة الدار أو الدكان لصنع الخمر أو بيعه.
9. إجارة السفينة أو الدابة (أو سائر الوسائل النقلية) لحمل الخمر ونقله من مكان إلى مكان.
10. دفع الأُجرة لمن يعمل الصور المجسّمة الّتي ثبتت حرمتها.
إلى غير ذلك من الأمثلة التي اختلفت كلماتهم في بعضها، فهل هي من قبيل التعاون على الإثم أو لا؟
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّوا بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) قائلين بأنّ هذه الأعمال كلّها مقدّمة لوقوع الحرام، وصدوره من الفاعل بحيث لولا هذا المُعين لما صدر.

الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية

أُورد على الاستدلال بالآية وجوه:

1. النهي تنزيهيّ

ذكر المحقّق الإيرواني في تعليقته على مكاسب الشيخ أنّ النهي تنزيهي، وذلك بقرينة مقابلته بالأمر بالإعانة على البرّ والتقوى الذي ليس للإلزام قطعاً.
يلاحظ عليه: أنّ السياق حجّة ما لم يكن هنا دليل على الخلاف، والدليل هو تناسب الحكم (الحرمة) والموضوع (العدوان)، فإنّه يقتضي حملها على الحرمة لا على الكراهة.

صفحه 81

2. المحرّم هو التعاون، لا الإعانة

إنّ قضية باب التفاعل (التعاون) هو الاجتماع على الإتيان بالإثم والعدوان، كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الأموال، لا إعانة الغير على الإتيان بالمنكر على أن يكون الغير مستقلاً في الإتيان به، وهذا يُعدّ مُعيناً له بالإتيان ببعض مقدّماته.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ باب التفاعل إنّما هو بين الاثنين، أمر غالبي; لأنّ هيئة باب المفاعلة والتفاعل تستعمل في كلا المعنيين، قال تعالى: (وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)1: أي لا تضيّقوا عليهن بالنفقة والمسكن، وقال تعالى: (وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ)(2)، إلى غير ذلك من الآيات والروايات الّتي استعملت فيها أفعال هذين البابين في فعل غير مشترك بين الجماعة أو الاثنين.
وقال في اللسان: تعاونا: أعان بعض بعضاً 2 .
أضف إلى ذلك: أنّ المفسّرين فسّروا الآية بصورة أعمّ، قال الطبرسي (رحمه الله): أمر الله عباده بأن يُعين بعضهم بعضاً على البر والتقوى، وهو العمل بما أمرهم الله تعالى به واتّقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم أن يُعين بعضهم بعضاً على الإثم، وهو ترك ما أمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه من العدوان، وهو مجاوزة ما حدّ الله لعباده في دينهم وفرض لهم في أنفسهم.3
أضف إلى ذلك: أنّه لو أعان زيد عمراً في بناء داره وأعان عمرو زيداً

1 . الطلاق: 6 .   2 . البقرة: 282 .
2 . لسان العرب: 13 / 299 .
3 . مجمع البيان: 2 / 155 .

صفحه 82
في سفره إلى الحج، يصدق أنّهما تعاونا، مع أنّ كلاًّ منهما مُعين.

3. يلزم حرمة أكثر المعاملات

قال المحقّق الثاني بأنّه لو تمّ هذا الاستدلال يلزم منع معاملة أكثر الناس، وعدم جواز بيع شيء ممّا يُعلم عادة التوصّل به إلى محرّم .1
وأوضحه صاحب الجواهر بقوله: قامت السيرة على معاملة الملوك والأُمراء فيما يعلمون صرفه في تقوية الجند والعساكر المساعدين لهم على الظلم والباطل وإجارة الدور والمساكن والمراكب لهم لذلك.
وبيع المطاعم والمشارب للكفّار في نهار شهر رمضان مع علمهم بأكلهم فيه.
وبيعهم بساتين العنب منهم مع العلم العادي بجعل بعضه خمراً.
وبيع القرطاس منهم مع العلم بأنّ منه ما يتّخذ كتب ضلال.2
أقول: الأمثلة لما ذكره كثيرة نشير أيضاً إلى بعضها:
1. سقي الكافر لكونه إعانة على الإثم بتنجّس الماء بمباشرته إيّاه فيحرم عليه شربه.
2. تمكين الزوجة الزوج إذا علمت بعدم اغتساله عن الجنابة.
3. تجارة التاجر ومسير الحاج والزوّار وإعطاؤهم الضريبة المعيّنة للظلمة.

1 . نقله الشيخ الأنصاري في المكاسب:1/132 عن حاشية الإرشاد للمحقّق الثاني وهو بعد مخطوط لم ير النور.
2 . جواهر الكلام : 22 / 33.

صفحه 83
4. إجارة الدواب والسفن والسيارات والطيارات من المسافرين مع العلم إجمالاً بأنّ فيهم مَن يقصد في ركوبه معصية.
5. عقد المجالس لتبليغ الأحكام مع العلم بوقوع المعاصي فيها من الغيبة، ونظر كلّ من الرجال والنساء إلى مَن لا يجوز النظر إليه .
وبما أنّ اشكال المحقّق الثاني كان إشكالاً قوياً عاد المحقّقون إلى إخراج أكثر هذه الصور من مدلول الآية بدراسة أُمور خمسة في تحقّق الإثم، وهي:
الأوّل: هل يعتبر قصد المعين توصّلَ المعان إلى الحرام، أو لا؟
الثاني: هل يعتبر في وصف الإعانة بالحرمة، وقوع الإثم في الخارج أو لا؟
الثالث: هل يعتبر قصد المعان الحرامَ، أو يكفي تخيّل المعين أنّه قاصد وإن كان المعان غير قاصد؟
الرابع: هل يعتبر علم المعين بترتّب الأثر على فعله وأنّ المعان يكون موفقاً لما يقصد أو لا؟
الخامس: هل يعتبر العلم بتوقّف تحقّق الإثم على خصوص هذه المقدّمة أو لا؟
وبدراسة هذه الأُمور الخمسة يتبيّن حال أكثر هذه الأمثلة.
***

صفحه 84

الأوّل: اعتبار قصد الإعانة في المعين

ذهب المحقّق الثاني إلى شرطية قصد المعين حيث أجاب عن أكثر هذه النقوض بعدم وجود القصد في المعين، ولولاه يلزم منع معاملة أكثر الناس .1
كما تخلّص المحقّق الأردبيلي عن الإشكال بوجه آخر، وقال: الظاهر أنّ المراد بالإعانة على المعاصي مع القصد، أو على الوجه الذي يقال عرفاً أنّه كذلك. مثل أن يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم فيعطيه إيّاها، أو يطلب منه القلم لكتابة ظلم فيعطيه إيّاه، ونحو ذلك ممّا يُعدّ ذلك معاونة عرفاً، فلا يصدق على التاجر الذي يتّجر لتحصيل غرضه أنّه معاون للظالم (العاشر) العشّار في أخذ العشور، ولا على الحاج الذي يؤخذ منه بعض المال في طريقه ظلماً، وغير ذلك ممّا لا يحصى، فلا يعلم صدقها على شراء من لم يحرم عليه شراء السلعة من الذي يحرم عليه البيع، ولا بيع العنب ممّن يعمل خمراً، والخشب ممّن يعمل صنماً.2
وقال الشيخ بعد نقل كلامه: ولقد دقّق النظر حيث لم يعلّق صدق الإعانة على القصد، ولا أطلق القول بصدقه بدونه، بل علّقه بالقصد أو بالصدق العرفي وإن لم يكن قصد3.
الظاهر أنّ الأصحاب ذهبوا إلى أخذ القصد في الإعانة لكي يتخلّصوا عن الإشكالات والأمثلة المذكورة، ولكنّ التصرّف في اللغة أمر

1 . كتاب المكاسب: 1 / 132، نقلاً عن حاشية الإرشاد المخطوطة.
2 . زبدة البيان في أحكام القرآن: 297 ـ 298 ، في أشياء من أحكام الحج.
3 . كتاب المكاسب: 1 / 136 .

صفحه 85
والتخلّص عن الإشكالات أمر آخر، وذلك لأنّه لا شكّ أنّ فعل «اعان» كفعل «ضرب وذهب وقتل» ليس من الأُمور القصدية، بل من الأُمور التكوينية الصادرة من الإنسان، غاية الأمر يكون معذوراً إذا صدر بلا قصد، فالقول بدخول القصد في ماهية الإعانة، غفلة عن معناها اللغوي.
وحصيلة الكلام: ماذا يراد من اعتبار القصد في صدق الإعانة؟
فهناك احتمالان:
1. أخذ الإرادة والاختيار في مادّتها، والظاهر عدم صحّته لأنّ مَن ضرب رجلاً في حالة النوم أو قتل شخصاً غفلة يصدق أنّه قتل، ومثله الإعانة فلو أعطى رجل لرجل ديناراً أو دنانير زاعماً لاستحقاقه فصرفه في الحرام فقد أعانه على ارتكاب الحرام، غاية الأمر أنّه يُعدّ معذوراً.
2. أن يراد من القصد الداعي الباعث نحو الفعل، فيكون حصول الحرام غاية لفعل المُعين، وهذا هو الذي اعتبره الشيخ في صدق الإعانة.
والحق عدم اعتباره مثل السابق، فنفس الإتيان بمقدّمات فعل الغير إعانة له على الفعل وإن لم يقصد.
ثم إنّ الأصحاب كما مرّ تخلّصوا من هذه الإشكالات بأخذ القصد في صدق الإعانة ، ولكن الأَولى التخلّص بوجه آخر، وهو أنّ هذه الأمثلة ليست على نمط واحد.
فالأَولى في الجواب أن يقال: إنّ هذه الأمثلة ليست على نمط واحد، فإنّ بعضاً منها حرام جدّاً، ولا يعبأ بالسيرة لو كانت كبيع القرطاس من الكفّار والفسّاق، مع العلم بأنّ بعضهم يكتب به كتب الضلال.

صفحه 86
كما أنّ بعضاً منها لا يُعدّ إعانة على الحرام، بل يُعدّ تخلّصاً من شرّ الظالم، كدفع التاجر والحاج والزوّار الضريبة المعيّنة للظلمة، وذلك لأنّ المحرّم من الإعانة ما إذا قام بها باختيار من نفسه; وأمّا مَن كان مشتغلاً بحرفته، مقبلاً على شأنه، غير أنّ الظالم يقف في وجهه ويسلب عنه الحرية إلاّ إذا أعطاه الضريبة المعيّنة، فإنّ دفعها ليس إلاّ للتخلّص من شرّه والتوجّه إلى شأنه وغايته، وليس مثل ذلك إعانة أبداً. ولعلّ ما أشار إليه المحقّق الأردبيلي هو الحقّ، فلاحظ.

الأمر الثاني: اعتبار وقوع الإثم في الخارج

هل يشترط في صدق الإعانة على الإثم وقوع الإثم في الخارج أو لا؟ ربّما قيل بالأوّل مستدلاًّ بأنّ الظاهر من قوله تعالى: (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ)هو الإعانة على الإثم المحقّق، فلو لم يتحقّق يكون تجرّؤاً لا إعانة على الإثم.
وكأنّ القائل بالاشتراط يقول بوجوب أو حرمة المقدّمة الموصلة، فلو لم تكن موصلة فلا وجوب ولا حرمة .
أقول: لا ملازمة بين القول بالموصلة وشرطية وقوع الإثم في الخارج، لأنّ الإعانة على الحرام واجب نفسيّ وليس بواجب غيريّ حتى يتوهّم منها ما ذكر. أضف إلى ذلك: أنّ الإثم في الآية مصدر وليس باسم مصدر والمستدلّ خلط بينهما، ويكفي في صدق الإعانة وصف عمل الغير بالإثم والعدوان; ويدلّ على ذلك أنّه إذا طلب السارق من شخص سُلّماً للسرقة فسلّمه إليه ثم حيل بين السارق والسرقة، يصدق عليه أنّه أعانه على الإثم إذا كان عمله موصوفاً بالإثم.

صفحه 87
كما أنّه إذا أعان رجلاً على عمارة المسجد بالآجر والجصّ ثم طرأ مانع عن البناء، يصدق أنّه أعان على البناء وإن لم يتحقّق.
وحاصل الكلام: أنّ الإنسان إذا كان مصمِّماً على العصيان والمخالفة والتمرّد، فمن أعانه بشيء ممّا يتوقّف عليه العمل، فقد أعان على الإثم.
وإنْ أبيت عن ذلك فنقول: المقصود من الإثم في الآية هو القاصد للإثم، ففي هذه الحالة أي عمل يوصف بالإعانة يصدق على أنّه إعانة على الإثم، سواء أوقع المعان عليه أو لا، وإن شئت التبيين فنقول:
إذا كان الشخص مصمّماً على عمل وهيّأ بعض المقدّمات واشتغل به بجدّ واجتهاد وأعانه عليه شخص آخر، ففي هذا الحال يصدق عليه المعان، وعلى الشخص الآخر المعين، وعلى الفعل الإعانة، وعلى المقصد المعان عليه، سواء أتحقّق المقصد النهائي أم لا؟ وأمّا عدم صدقه في ما لو علم بعدم تحقّقه منه فليس عدم الصدق لأجل عدم وقوع المعان عليه، بل لأجل أمر آخر، وهو أنّ العلم بعدم تحقّق الفعل من الشخص إمّا لأجل العلم بعدم وجود القصد في المعان، أو لعروض المانع عليه في المستقبل وكان قاصداً حين الأخذ.
أمّا الصورة الأُولى: فنسلّم عدم الصدق، وذلك لأجل عدم وصف فعل المعان بالحرمة لفقدان القصد. وبالتالي لا يوصف فعل المعين بالإعانة على الإثم.
وأمّا الصورة الثانية: فنمنع عدم الصدق.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده بعض الأعلام وقال: إذا قصد الإعانة ولم يقع الإثم فالظاهر عدم صدق الإعانة على الإثم لعدم وجود إثم في

صفحه 88
البين، فلو أعطى العصا بقصد أن يضرب ولكن لم يضرب، أو أعطاه الخشب ليصنع صليباً أو صنماً، أو باع ] عليه [ العنب ليصنع منه خمراً، ولكنّه صنعه خلاًّ ولم يصنع خمراً، فليس هناك معصية ولم يصدر منه إثمٌ، حتّى تكون الأفعال المذكورة من إعطاء العصا والخشب وبيع العنب إعانة على الإثم.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المفروض; لأنّه فرض أنّ الدافع قصد الإثم ولكن الآخذ لم يقصد الإثم من أوّل الأمر، ومن المعلوم أنّه لا يوصف إعطاء الخشب إعانة على الإثم، وموضع البحث فيما لو أنّ الآخذ أخذ بنيّة الإثم ولكن حيل بينه وبين مقصوده. فعدم صدق الإعانة ممنوع لما عرفت من أنّ المراد من الإثم هو المعنى المصدري لا اسم المصدر.
ويظهر ذلك بالدقّة في الأمر الثالث.

الأمر الثالث: اعتبار قصد المعان للإثم

لا شكّ أنّه يشترط قصد المعان للإثم، لما قلنا من أنّ الإثم مصدر، فلو لم يقصد الإثم فلا معان عليه حتّى تصدق الإعانة، فلو علم عدم القصد لا يصدق على الفعل الإعانة على الإثم، ولو تخيّل أنّه قاصد وأعانه عليه ثم تبيّن عدم قصده، يوصف الفعل بالتجرّي.

الأمر الرابع: اعتبار علم المعين بقدرة المعان على الإثم

هل يشترط علم المعين بقدرة المعان على الفعل الذي أعان عليه؟
الظاهر عدم الاشتراط، بل يكفي علمه انّه بصدد الإثم والمعصية، وأمّا

1 . القواعد الفقهية للسيد البجنوردي: 1 / 367 .

صفحه 89
أنّه هل يكون موفقاً لما يريد أو لا؟ فلا يُعدّ شرطاً. وهذا الشرط غير الشرط الثاني، فتدبّر.

الأمر الخامس: اعتبار العلم بتوقّف تحقّق الإثم على خصوص هذه المقدّمة

هل يعتبر في صدق الإعانة على الإثم توقّف تحقّق الإثم على خصوص هذه المقدّمة، مثلاً لو كان المهاجم مسلّحاً وسلاحه قتّالاً وأعانه المعين بسلاح آخر رجاء أن يستفيد منه في قتل الغير، فالظاهر أنّه تصدق الإعانة على الإثم.
إلى هنا تمّ ما يستفاد من الآية من اعتبار بعض الشروط وعدم اعتبار البعض الآخر.

الاستدلال بالروايات

وردت روايات كثيرة بثّها صاحب الوسائل في أبواب مختلفة، فذكر قسماً منها في كتاب التجارة (أبواب ما يكتسب به)، وذكر بعضها في كتاب العشرة، ونذكر في المقام منها ما يلي:
1. أخرج الكليني عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (عليه السلام)في حديث قال: «إيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين»1.
2. روى الكليني أيضاً عن طلحة بن يزيد، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «الآمر بالظلم والمعين له والراضي به، شركاء ثلاثتهم»2.

1 . الوسائل: 12، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.
2 . الوسائل: 12، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

صفحه 90
3. روى الكليني عن محمد بن عذافر، عن أبيه قال: قال لي أبو عبدالله(عليه السلام): «يا عذافر أُنبئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟» قال: فوجم أبي. فقال له أبو عبدالله (عليه السلام)لمّا رأى ما أصابه: «أي عذافر إنّي إنّما خوّفتك بما خوّفني الله عزّوجلّ به »1.
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في ذلك الباب الذي سمّاه الحر العاملي: باب تحريم معونة الظالمين ولو بمدّة قلم.2
4. روى الشيخ باسناده عن عبدالمؤمن، عن صابر قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال: «حرام أجره»3.
والرواية محمولة على مَن يعلم عند التأجير أنّه يباع فيه الخمر. وبما ذكرنا يعلم حال الرواية التالية.
5. وعن ابن أذينة قال: كتبت إلى أبي عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يؤاجر سفينة أو دابّة ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر أو الخنازير، قال: «لا بأس»4.
والرواية محمولة على صورة الجهل.
والأخبار في ذلك كثيرة، تارة تعلّق النهي فيها بعنوان الإعانة، وأُخرى بمصاديقها، والناظر فيها يقف على أنّ حرمة الإعانة على الإثم

1 . الوسائل: 12، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.
2 . المدّة بالفتح غمس القلم في الدواة مرّة للكتابة، ومنه الحديث: «ما أحب إنّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاءً، وإنّ لي ما بين لابيتها، لا ولا مدّة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم الله بين العباد» الحديث 6 من الباب المذكور في الهامش السابق.
3 . الوسائل: 12، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.
4 . الوسائل: 12، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

صفحه 91
كانت أمراً مسلّماً بين الأصحاب وإنّما الإمام صار بصدد الإرشاد إلى المصداق.
وأظهر رواية في المقام هي:
6. ما رواه الصدوق بسنده عن الحسين بن زيد، عن الإمام الصادق، عن آبائه(عليهم السلام)في حديث المناهي، قال: «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى أن يشترى الخمر، وأن يسقى الخمر، وقال: لعن الله الخمر وغارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه».1
ثم إنّ حرمة الشارب حرمة نفسية، وحرمة أكل ثمنها لأجل بطلان بيعها، والباقين من باب الإعانة على الإثم، والحديث محمول على أنّ الغارس والعاصر والساقي يعملون بقصد الإعانة على الإثم، ولو جهل، يصحّ أن يقال: إنّه أعانه على الإثم ولكنّه يُعدّ معذوراً.
هذا كلّه حول الكبرى، وأمّا البحث عن بعض المصاديق كحكم البيع لمن يستعمل المبيع في الحرام، فهو موكول إلى مبحث المكاسب المحرّمة.

الإعانة على النفس كالإعانة على الغير

المتبادر من الإعانة على الإثم ـ في بادئ النظر ـ هو إعانة الغير على الإثم، ولكن الظاهر من بعض الروايات شموله للإعانة على النفس.
روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه»2.

1 . الوسائل: 12، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.
2 . الوسائل: 16، الباب 58 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 7 .

صفحه 92
وفي حديث آخر عن ابن القدّاح عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام)في رجل يأكل الطين، فنهاه، فقال: «تأكله فإن أكلته ومتّ كنت قد أعنت على نفسك»1.
ويظهر من الرواية أنّ حرمة الإعانة على النفس كان أمراً مسلّماً، وأنّ نظر الإمام (عليه السلام)الإرشاد إلى مصاديقه.
***
تمّت قاعدة
التعاون على الإثم

1 . الوسائل: 16، الباب 58 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 6 .

صفحه 93
القواعد الفقهية   
      37
تعظيم شعائر الله وحرماته وتحريم الاستهانة بالمقدّسات الشرعية   
قاعدة
تعظيم شعائر الله وحرماته
وتحريم الاستهانة بالمقدّسات الشرعية
شعائر الله وحرماته، وفيها مقامان:
الأوّل: تعظيم شعائر الله وتعظيم حرماته، وفيها أُمور:
   1. الشعائر
   2. تعظيم شعائر الله
   3. حرمات الله
ترفيع بيوت الأنبياء، وفيها أمران:
   1. ما هو المراد من البيوت؟
   2. ما هو المراد من رفع البيوت؟
المقام الثاني: حرمة الاستهانة والاستخفاف بالمقدّسات
   الاستدلال بالكتاب العزيز
   الاستدلال بالسنّة الشريفة
   الاستدلال بالعقل على القاعدة

شعائر الله وحرماته

مَن له إلمام بالشريعة الإسلاميّة الغرّاء يقف على أنّ فيها أُموراً

صفحه 94
محترمة معزّزة ومقدّسة، كالكعبة والمسجد الحرام والمساجد، والقرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وضرائح الأنبياء والأولياء، وأنواع المأكولات، والبيوت المذكورة في قوله تعالى: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ)1فبيوت الأنبياء والأولياء الذين كانوا يصلّون فيها ويدعون الله تعالى غدوّاً وعشيّاً من الأُمور المحترمة، بل قبور الأولياء والعلماء وقبر كلّ مسلم أسلم لله سبحانه ومات مسلماً، فهذه الأُمور من المقدّسات الشرعية، فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: تعظيم شعائر الله وتعظيم حرماته.
الثاني: حرمة الاستخفاف والاستهانة بالمقدّسات. وإليك دراستهما.

المقام الأوّل: تعظيم شعائر الله وتعظيم حرماته

وتدلّ عليه من الكتاب العزيز، الآيات التالية:
1. قال سبحانه: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)2.
2. وقال سبحانه:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ)3.
3. وقال سبحانه: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ).4

1 . النور: 36 ـ 37 .
2 . الحج: 32.
3 . البقرة: 158 .
4 . الحج:30.

صفحه 95
4. (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ).1
إذا علمت ذلك فلندرس معنى «الشعائر» أوّلاً، ثم «التعظيم» ثانياً، ثم «تعظيم حرمات الله»، حتّى يتّضح مضمون الآيات، ثم نعرّج إلى بيان المصاديق الذي هو مفاد قسم من الآيات فنقول:

الأوّل: الشعائر

الشعائر جمع شعيرة، بمعنى العلامة، يقال: أشعرت البُدن: أي أعلمتها بما يعلم أنّها هدي. فإذا كانت الشعائر بمعنى العلائم، فهنا احتمالات:
1. تعظيم آيات وجوده سبحانه.
2. تعظيم معالم عبادته وأعلام طاعته.
3. تعظيم معالم دينه وشريعته وكلّ ما يمتّ لهما بصلة.
أمّا الأوّل فلم يقل به أحد، إذ كلّ ما في الكون آيات وجوده ولا يصحّ القول بتعظيم كلّ موجود بحجّة أنّه آية وجوده سبحانه.
وأمّا الثاني فهو داخل في الآية قطعاً وقد عُدّت الصفا والمروة والبُدن من شعائر الله، فهي من معالم عبادته وإعلام طاعته، وإلى ذلك يرجع ما ذكره الطبرسي في معنى الشعائر، قال: علامات مناسك الحج الّتي تشعر بما جعلت له .2
لكن المتبادر هو الثالث أي معالم دينه سبحانه، سواء أكانت أعلاماً لعبادته وطاعته أم لا، فالأنبياء والأوصياء والصحف والقرآن الكريم

1 . الحج:36.
2 . مجمع البيان: 7 / 159 .

صفحه 96
والأحاديث النبوية كلّها من شعائر دين الله، وأعلام شريعته فمن عظّمها فقد عظّم شعائر الدين، قال القرطبي: فشعائر الله، أعلام دينه، لاسيّما ما يتعلّق بالمناسك .1
ولقد أحسن حيث عمّم أوّلاً، ثم ذكر مورد الآية ثانياً.
هذا كلّه حول الشعائر، وإليك الكلام في تعظيم الشعائر فنقول:

الثاني: تعظيم شعائر الله

أمّا التعظيم فإنّه عبارة أُخرى عن التكريم والتبجيل، ومن المعلوم أن تعظيم كلّ شيء بحسبه، فإذا وجب التعظيم في مورد حَرُمت الإهانة، ولو عقلاً، للملازمة بينهما عنده.
ويترتّب على ما ذكرنا تحريم تلويث المساجد والمشاهد المشرّفة وقبور الأولياء والأئمة والمصحف الشريف، والكتب المتضمّنة للأحاديث النبوية وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)أو الكتب الدينية الّتي تتضمّن أُموراً عقائدية أو أحكاماً شرعية، فإهانتها أمر حرام لوجوب تعظيمها على درجات مختلفة، لأنّ الجميع معالم دين الله وشريعته.
ومنه يظهر أنّ فتوى العلماء بعدم جواز الصلاة متقدّماً على أضرحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)من هذا الباب.

الثالث: حرمات الله

بقي الكلام في الحرمات، قال سبحانه : (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ

1 . تفسير القرطبي: 12 / 56، طبعة دار إحياء التراث.

صفحه 97
خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ).1
أقول: الحرمات: جمع حرمة وهي ما لا يحلّ انتهاكه، فأحكامه سبحانه حرمات الله، إذ لا يحلّ انتهاكها، وترك إطاعتها. وعبادته سبحانه محالّ حرمات الله، إذ يحرم هتكها بتركها.
***
كما أنّ أنبياءه وأوصياءهم وشهداء دينه وكتبه وصحفه من حرمات الله، يحرم هتكها، فمن عظّم المؤمنين أحياء وأمواتاً فقد عمل بالآيتين:
1. قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ).
2. قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ).
وممّا يرجع إلى تكريم حرمات الله ترفيع بيوت خاصّة فنقول:

ترفيع بيوت الأنبياء

قال سبحانه: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ).(2)
والاستدلال بالآية يتوقّف على بيان أمرين:
الأوّل: ما هو المراد من البيوت؟
الثاني: ما هو المراد من رفع البيوت؟
وقبل الإشارة إلى الأمرين نقول:

1 . الحج: 30 .   2 . النور: 36 ـ 37 .

صفحه 98
قوله: (فِي بُيُوت)متعلّق بما قبله، أعني: قوله سبحانه في الآية المتقدّمة: (كَمِشْكَاة)أي: «المشكاة في بيوت»; ويحتمل أن يكون متعلّقاً بفعل مقدّر يدلّ عليه قوله: (يُسَبِّحُ) أي: سبّحوا في بيوت.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الأمر الأوّل.

ما هو المراد من البيوت؟

اختلف المفسّرون في لفظ البيوت، فهل المراد به المساجد أو غيرها؟
الظاهر أنّ البيوت غير المساجد، وإطلاق البيت على المسجد إطلاق شاذّ ولا يصحّ تفسير القرآن بالاستعمال الشاذ، لأنّ البيت في القرآن غير المسجد، يقول سبحانه: (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)1، ومن المعلوم أنّ المسجد الحرام غير الكعبة الموصوفة بالبيت الحرام.
ولك أن تستكشف ما ذكرنا من أنّ البيت في القرآن الكريم غير المساجد من أنّ البيت لا ينفكّ عن السقف، يقول الراغب: أصل البيت مأوى الإنسان بالليل، ومن المعلوم أنّ المأوى لا يفارق السقف.(2) وقال ابن منظور: البيت معروف، وبيت الرجل داره، وبيته قصره، ومنه قول جبرئيل: (بشّر خديجة ببيت من قصب) أراد بشّرها بقصر من لؤلؤة مجوّفة أو بقصر من زمرّدة.2
والذي يؤكّد أيضاً أنّ البيت غير المسجد هو أنّ المسجد لا يشترط فيه السقف، هذا هو المسجد الحرام فهو بلا سقف، وهكذا في البلاد

1 . المائدة: 97 .   2 . المفردات للراغب:151، مادة «بيت».
2 . لسان العرب: 2 / 4، مادة «بيت».

صفحه 99
الحارّة قسم من المساجد يبنى بلا سقف، يصلّى فيه بالليل، وأمّا البيت فهو يلازم السقف كما يقول: (وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ).1
وقال سبحانه: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا)(2): أي ساقطة، من خوى النجم، إذا سقط سقفها.
إلى هنا تبيّن أنّ المراد بالبيت غير المسجد، وعندئذ يكون المراد من البيوت: بيوت النبيّ أو بيوت الأنبياء. والقرآن الكريم يهتمّ كثيراً ببيوت النبيّ وأهلها، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ )2.
كما يعتني بأهلها ويقول: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)3 .
وقد سأل محمد بن الفضيل أبا الحسن (عليه السلام)عن قول الله عزَّوجلَّ: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) قال: «بيوت محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم بيوت علي (عليه السلام)منها»4.
وقد قال السيوطي في «الدر المنثور»: نزل قوله: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)5 على قلب سيد المرسلين وهو (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد

1 . الزخرف: 33.   2 . النمل: 52 .
2 . الأحزاب: 53 .
3 . الأحزاب: 33.
4 . بحار الأنوار: 23 / 326، عن كنز جامع الفوائد: 185 و186.
5 . النور: 36 .

صفحه 100
الشريف، فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله: أهذا البيت منها؟ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة (عليهما السلام)قال: «نعم، من أفاضلها» 1.
فهذه القرآئن المؤكّدة ترفع الستار عن وجه المعنى، فإنّ المراد من الآية هو بيوت الأنبياء(عليهم السلام)وبيوت النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وبيت عليّ (عليه السلام)وما ضاهاها، فهذه البيوت لها شأنها الخاصّ، لأنّها تخصُّ رجالاً يسبّحونه سبحانه ليلاً ونهاراً، غُدُوّاً وآصالاً، يعيش فيها رجال لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقلوبهم مليئة بالخوف من يوم تتقلّب فيه القلوب والأبصار.
إلى هنا تمّ الكلام حول البيوت، وإليك الكلام في الأمر الثاني .

ما هو المراد من رفع البيوت ؟

يطلق الرفع ويراد به تارة البناء، يقول سبحانه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)2، وأُخرى يراد تعظيمها والرفع من قدرها، قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ): أي أمر الله أن تبنى، أو تعظيمها والرفع من قدرها.3
وقال القرطبي: ترفع: تُبنى وتُعلى.4

1 . تفسير الدر المنثور: 6 / 203، «سورة النور»; روح المعاني: 18 / 174 .
2 . البقرة: 127 .
3 . تفسير الكشّاف: 2 / 390 .
4 . تفسير القرطبي: 12 / 266 .

صفحه 101
وقال صاحب روح البيان: أن ترفع بالبناء والتعظيم ورفع القدر1.
إلى غير ذلك من الكلمات، والظاهر أنّ المراد هنا من الآية ليس إنشاؤها وبناؤها، لأنّ المفروض أنّها مبنيّة، بل المراد رفع قدرها وتكريمها وصيانتها عن التلويث والأقذار، وحفظها عن الاندثار وذلك كرامة منه سبحانه لأصحاب هذه البيوت.
فإذا كان واجب المسلمين رفع هذه البيوت بالمعنى المذكور، فأي إهانة صدرت من أي إنسان أو مقام توصف بالحرمة.

المقام الثاني: حرمة الاستهانة والاستخفاف بالمقدّسات

قد عرفت وجوب تعظيم الشعائر وحرمات الله سبحانه على ضوء القرآن الكريم، وهو وإن دلّ على حرمة الإهانة بالدلالة الالتزامية فإنّه إذا وجب التعظيم تحرم الاستهانة والاستخفاف أيضاً، ولكنّ هنا دليلاً آخر من الكتاب العزيز والسنّة الشريفة بالدلالة المطابقية.
أمّا الكتاب فهو قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا).2
الآية تخاطب المؤمنين بقوله: (لاَ تُحِلُّوا) حرمات الله ولا تتعدّوا حدوده، أي حدود ما أمر الله ونهى، ولا تحلّوا الشهر الحرام بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين (وَلاَ الْهَدْيَ): أي لا تستحلّوا الهدي الّذي يهدى إلى

1 . روح البيان: 6 / 158 .
2 . المائدة:2.

صفحه 102
بيت الله تقرّباً إليه وطلباً لثوابه.(وَلاَ الْقَلاَئِدَ): أي الهدي المقلّد. ولا تحلّوا قتال الآمّين البيت الحرام الذين (يَبْتَغُونَ): أي يؤمّون البيت يطلبون (فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) فالآية تدلّ بالدلالة المطابقية على حرمة الاستهانة بحرمات الله وحدوده.

الاستدلال بالسنّة الشريفة

يمكن الاستدلال على القاعدة بروايات:
1. ما ورد في «الكافي» عن ابن عمّار قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إذا رميت الجمرة فاشترِ هديك إن كان من البُدن أو من البقر، وإلاّ فاجعله كبشاً سميناً فحلاً، فإن لم تجد فموجوءاً من الضأن، فإن لم تجد فتيساً فحلاً، فإن لم تجد فما تيسّر عليك، وعظم شعائر الله عزّ وجلّ»1.
فقوله: «عظم شعائر الله» كبرى كليّة تنطبق على البدن في المورد، وتبقى سائر الموارد بحالها، والمراد من التعظيم هو المعاملة اللائقة معها .
2. روى الكليني باسناده عن الحسن بن محبوب، عن أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أيّما (أيّهما) أفضل، الإيمان أو الإسلام؟ إلى أن قال: فقال: «الإيمان»، قال: قلت: فأوجدني ذلك، قال: «ما تقول فيمَن أحدث في المسجد الحرام متعمّداً؟» قال: قلت: يضرب ضرباً شديداً. قال: «أصبت، فما تقول فيمَن أحدث في الكعبة متعمّداً؟» قلت: يقتل، قال: «أصبت، ألا ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد؟!»2

1 . الوسائل: 10، الباب 8 من أبواب الذبح، الحديث 4.
2 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات، الحديث 1 .

صفحه 103
3. روى الكليني عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)رأى قاصّاً في المسجد فضربه بالدرة وطرده».1
4. ما ورد في أبواب أحكام العشرة من حرمة إهانة المؤمن، حيث روى أبان بن تغلب عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لمّا أُسري بالنبيّ قال: يا ربّ، ما حال المؤمن عندك؟ قال: يا محمّد من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي».2
5. روى الصدوق في «عيون الأخبار» عن الرضا(عليه السلام)، عن آبائه(عليهم السلام)قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن استذلّ مؤمناً أو حقّره لفقره وقلّة ذات يده، شهره الله يوم القيامة ثم يفضحه».3
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في مواضع وموارد مختلفة والتي تشير إلى حرمة إهانة القرآن والكعبة وسائر المساجد وتأمر بتكريم المؤمن وحرمة إذلاله.

الاستدلال بالعقل على القاعدة

وأمّا العقل فيكفي في ذلك تقبيح العقل الإساءة إلى أُمور هي عند المولى مكرّمة محترمة تسوءه أي إساءة توجّه إليها.
***

1 . الوسائل: 3، الباب 39 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 8 ، الباب 146 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 8 ، الباب 146 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 6. وفي الباب اللاحق من الوسائل ـ أعني: 147 ـ روايات في هذا المضمار، وهكذا الباب 148 .

صفحه 104
وفي الختام نهيب بعلماء المسلمين أن يحافظوا على قبر نبيّهم وقبور أصحابه وأولياء الدين، فإنّها من أبرز علامات دين الله، فإذا كان الصفا والمروة والبدن الّتي تُساق إلى منى للنحر من شعائر الله، فإنّما هو بسبب كونها من معالم الدين الحنيف، وإذا كانت المزدلفة تُسمّى بالمشعر فإنّما هو بسبب كونها من علائم دين الله، فقبور أنبياء الله وأوليائه من علائم دين الله لأنّهم مبلّغو دينه سبحانه، وعلى هذا فكلّ ما هو شعيرة لدين الله فإنّ تعظيمه ممّا يقرّب إلى الله تعالى.
ثم إنّ المسلمين قد اهتمّوا بصيانة قبور الأولياء وآثارهم عبر أربعة عشر قرناً، فتخريب القبور بعلّل واهية، إساءة لأصحابها المكرّمين، وخروج عن هذه القاعدة.
إنّ هدم قبور الأولياء وتدمير آثارهم وإهمال الساحات المحتضنة لمراقدهم وتحويلها إلى خربة مهجورة موحشة إساءة إليهم، لو لم نقل نوع من أنواع إبراز العداء لهم والحقد عليهم.
***
تمّت قاعدة
تعظيم شعائر الله وحرماته
وتحريم الاستهانة بالمقدّسات الشرعية

صفحه 105
القواعد الفقهية   
      38
   
قاعدة
توابع العقود داخلة فيها وإن لم تُذكر
لكلّ عقد مقصود بالذات ومقصود بالتبع والثاني داخل في العقد وإن لم يُذكر
المرجع في تشخيص التابع عن الأصيل هو العرف
عدم اشتراط أن يكون التابع معلوماً بالذات
الشيء المقصود بالذات أو بالتبع أمر واقعي لا يتغيّر بالقصد
جواز بيع العبد الآبق مع الضميمة، بالنص
لا يجب إيجاد التابع إن لم يكن موجوداً
في لزوم العمل بالشرط المبني عليه العقد وإن لم يكن مذكوراً فيه
إنّ لكلّ عقد أمراً يكون مقصوداً بالذات وأُموراً تكون مقصودة بالتبع، فمن يشتري الدار فهي مقصودة بالذات، وأمّا مفتاحها فهو مقصود بالتبع، ونظير ذلك السلّم المثبت، والأسلاك الكهربائية مع المصابيح الثابتة.
نظير ذلك أنّه لو اشترى القرية فتدخل فيها مزارعها ومرافقها، ولو اشترى الفرس فيتبعها سرجها وركابها، إلى غير ذلك من الأمثلة.
وقد اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ التوابع للعقود تدخل فيها وإن لم يصرّح بها، وإنّما استشكلوا في الصغريات وهل هي من التوابع أو لا؟ وإلاّ

صفحه 106
فإنّ توابع العقود تابعة لها، فلو آجر الدار فماء البئر داخل في العقد، ولو آجر الأرض فالعلف الموجود عليها داخل في العقد .
وجه دخولها هو أنّ التوابع تعدّ من الأُمور اللازمة للمعقود عليه عرفاً، فإذا عقد على الملزوم كأنّه عقد على الملزوم واللازم، إذ الدار لا تنفكّ عن المفتاح، كما أنّ الفرس لا تنفكّ عن السرج واللجام والركاب، أو أنّ إجارة الدار يلازم إباحة ماء البئر التي فيه، إذ لولاه تلغى الإجارة ولا يمكن الاستفادة من الدار للسكن.
نعم بقيت هنا أُمور نشير إليها:

1. المرجع في تشخيص التابع عن الأصيل هو العرف

إنّ المرجع في تشخيص المقصود بالذات عن المقصود بالتبع هو العرف، فلذلك يُعدّ الضأن مقصوداً بالذات وألبانها مقصودة بالعرض.
نعم ربّما دلّت الروايات على أنّ بعض الأُمور الأصلية من التوابع، فهو أمر تعبّدي يقبل وإن كان العرف لا يعدّه تابعاً.
روى الكليني بسنده عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى لرجل بصندوق وكان في الصندوق مال، فقال الورثة: إنّما لك الصندوق وليس لك ما فيه; فقال: «الصندوق بما فيه» .1
وروى الكليني أيضاً عن عقبة بن خالد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال:
سألته عن رجل قال: هذه السفينة لفلان، ولم يسمّ ما فيها، وفيها طعام،
أيعطيها الرجل وما فيها؟ قال: «هي للتي أوصى له بها إلاّ أن يكون صاحبها

1 . الوسائل: 13، الباب 58 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 1 .

صفحه 107
متّهماً وليس للورثة شيءٌ».1
ترى أنّ الإمام (عليه السلام)جعل ما في الصندوق أو ما في السفينة من التوابع، ومعلوم أنّه ليس من التوابع عرفاً، فربّما تكون قيمة الصندوق أقلّ بكثير من محتويات الصندوق، فالتابع والمتبوع هنا أمر شرعي وليس بعرفي، فالمرجع في معرفة ما هو التابع هو العرف، إلاّ أن يدلّ دليل على الخلاف. ومع ذلك يحتمل أنّه كانت في مورد الوصيّين قرائن تدلّ على أنّ مراد الموصي، هو تمليك الصندوق والسفينة وما فيهما للموصى له، وبهذا الاحتمال يكون الحكم مورديّاً لا ضابطة كلّية حتى تتبع في سائر الأعصار، فتدبّر.

2. عدم اشتراط أن يكون التابع معلوماً بالذات

لا يشترط في التابع أن يكون معلوماً لأنّه أمر غير مقصود بالذات فيجوز أن يكون مجهولاً، بخلاف المقصود بالذات فإنّ الجهل به أمر مبطل، ولذلك يقال: يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، ويترتّب على ذلك أنّه لو باع الضأن وفي ضرعه لبن جُهل مقداره، فهو صحيح لأنّه من الثواني، وأمّا لو باع نفس اللبن في الضرع وقد جهل مقداره، فالبيع باطل لأنّه خرج من الثواني ودخل في الأوائل.

3. الشيء المقصود بالذات أو بالتبع أمر عرفي لا يتغيّر بالقصد

إنّ المقصود بالذات أو المقصود بالتبع أمر عرفي لا يتغيّر بالقصد، فلا يجوز جعل العبد الآبق مقصوداً بالتبع وبيعه مع الضميمة، ولولا الدليل على جوازه لقلنا بالبطلان، وعلى هذا فلا يجوز بيع كلّ مجهول منضمّاً إلى

1 . الوسائل: 13، الباب 59 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 1 .

صفحه 108
معلوم بقصد أنّ المجهول تابع والمعلوم مقصود بالذات.

جواز بيع العبد الآبق مع الضميمة

نعم ورد في بيع العبد الآبق جواز بيعه بالضميمة، وما هذا إلاّ لأنّ المطلوب الأصيل في العبيد هو تحريرهم، وإباقه لا يمنع عن ذلك، ولذلك لو أعتق أحد الشركاء الجزء المشاع ينعتق الباقي أيضاً على ذمّة من أعتق الجزء المشاع.
روى الكليني عن رفاعة بن النخاس قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)قلت له: أيصلح لي أن أشتري من القوم الجارية الآبقة، وأعطيهم الثمن وأطلبها أنا ؟
قال: «لا يصلح شراؤها إلاّ أن تشتري منهم معها ثوباً أو متاعاً، فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا، وكذا درهماً فإنّ ذلك جائز».1
ومن المعلوم أنّه يشترط في المبيع أن يكون مقدور التسليم للبائع وهاهنا ليس كذلك، ولذلك يكون الشيء الآخر مبيعاً بالذات والعبد الآبق مبيعاً بالتبع، ومن المعلوم عدم صدق التبعية لو لم نقل أنّه أصل فلا محيص من استثنائه تبعاً للنصّ، والمبرّر لذلك هو إشاعة الحرّية وتقليل الرقيّة.

4. لا يجب إيجاد التابع إن لم يكن موجوداً

إنّ التابع وإن لم يكن مقصوداً بالذات ولكنّه لو وجد يدخل، ولو لم يكن

1 . الوسائل: 12، الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.

صفحه 109
كما إذا لم يكن للفرس سرج ولا ركاب لا يجب على البائع إيجادها، لما عرفت من أنّه من باب التبعية والملازمة العرفية.
نعم يمكن أن يقال في كلّ تابع لا ينفكّ عُرفاً عن المتبوع يجب على البائع أو على الموجر إيجاده إذا لم يقع في متناول المشتري أو المستأجر كالمفتاح للبيت.
وبذلك يعلم حكم توابع السيارات والمعامل إلى غير ذلك من الصناعات الحديثة ففيها ما هو مقصود بالذات وما هو مقصود بالتبع، فيدخل الثاني وإن لم يذكر في العقد.

5. في لزوم العمل بالشرط المبني عليه العقد وإن لم يكن مذكوراً فيه

إنّ الفقهاء اختلفوا في لزوم العمل بالشرط المبني عليه العقد أي الشرط غير المذكور في العقد، لكن الحق أنّه إذا كان المتبايعان عقدا عقداً مبنياً على شرط غير مذكور، يجب العمل به وإن لم يلفظ، ومن لوازم تلك الضابطة وجوب العمل بالتوابع وإن لم تذكر.
***
تمّت قاعدة
توابع العقود داخلة فيها وإن لم تُذكر

صفحه 110
القواعد الفقهية   
   39
قاعدة
الإكراه على العقود والأُمور المحرّمة
ما هو الإكراه في القاعدة؟
الاستدلال على ما هو الشرط من الكتاب
الاستدلال على ما هو الشرط في السنة
دراسة حديث الرفع والحلف على الطلاق عن إكراه
دراسة ما ورد حول طلاق المُكره
الإكراه على الأمر المحرّم
الإكراه على الاضرار بالغير
من العناوين المحدّدة للأحكام التكليفية والوضعية عنوان الإكراه، فلو أُكره على الأمر المحرّم لم يترتب عليه الأثر، فلو كان المُكره عليه أمراً وضعياً كالنكاح والطلاق يُحكم عليهما بالبطلان، ولو كان المُكره عليه أمراً محرّماً تكليفاً كالإكراه على شرب الخمر أو أكل الميتة، فلا يعد الأكل والشرب معصية، وذلك لأنّ الإكراه من حدود التكليف كالقدرة والضرر والحرج، وتفصيل الكلام ضمن جهات:

صفحه 111

الأُولى: معنى الإكراه

الكراهة ضد الحب، يقال: كره فهو كاره والشيء مكره. وأُكره الرجل أي حُمِلَ على أمر يكرهه ولا يحبّه، وعلى هذا فمعنى الإكراه حمل الإنسان على ما لا يحبّه بل ربما يبغضه، قال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)1 ومورد الآية إكراه عمّار على التلفظ بالكفر وتهديده بالقتل لولا إظهار الكفر.
وقال سبحانه: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاوَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)،(2) والشاهد في قوله: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) فهو يحدد معنى الإكراه، أي تحب العفاف وتبغض البغاء غير أنّ المولى يسوقها إلى ما تكره.

الجهة الثانية: الاستدلال على ما هو الشرط في صحّة العقود من الكتاب

هل الشرط في صحّة العقود والإيقاعات هو كون المتعاقدين مختارين، أو الشرط صدور العقد عن طيب النفس أو صدوره عن تراض منهما حتى يخرج عقد المكره بأحد هذه القيود، وجوه.
أمّا الوجه الأوّل فقد عبر الشيخ الأنصاري عن الشرط بالاختيار لكنّه فسّره بطيب النفس مقابل الكراهة استناداً إلى قوله: «لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه».2

1 . النحل:106.   2 . النور:33.
2 . كتاب المكاسب: 3 / 319 .

صفحه 112
أقول: لا شكّ في شرطية الاختيار بمعنى الارادة لكن عقد المُكره لا يخرج بهذا القيد لأنّ الفعل المكره عليه يصدر عن الفاعل عن إرادة وقصد، فليس عقد المكره كارتعاش المرتعش وخفقان القلب، فإنّ المكره يحاسب ويرى نفسه بين الفعل ودفع الشر أو تركه وتحمّل الشر فيرجّح الأول على الثاني، فإذا أُكره المالك على البيع على نحو لولا إقدامه به لقُتل، فيرجّح بيع المال على تحمل القتل.
أضف إلى ذلك: أنّ طيب النفس لا يمكن أن يكون معياراً للصحّة وعدمه للبطلان لاشتراك المكره مع المضطر في عدم طيب النفس، فمن يُريد بيع داره لعلاج ولده فهو راض بالبيع ولكن نفسه لا تطيب، وبذلك يظهر أنّ الموضوع هو التراضي في أعماق النفس فهو موجود في المضطرّ لأنّه يرى أنّ حفظ ولده من الموت أفضل بكثير من حفظ المال فيرضى بذلك، وهذا بخلاف المُكره فلا تجد منه أي رضاً في ذهنه.
ثمّ إنّ بعض الفقهاء لما جعلوا الموضوع هو طيب النفس فقد وقعوا في عويصة وهي ما هو الفرق بين بيع المضطّر حيث قالوا بصحته، وبيع المُكره حيث قالوا ببطلانه مع عدم طيب النفس في كلا الأمرين.
ولكنّهم لو جعلوا الشرط هو التراضي وفسّروا طيب النفس به لما وجدوا أيّة مشكلة في التفريق بين عقد المكره وعقد المضطرّ. وما هذا إلاّ لعدم وجود التراضي في الأوّل، ووجوده في الثاني ووجهه أنّ عمل المكره عمل فرض عليه من خارج فلا يرضى به مطلقاً، وأمّا المضطرّ فهو عمل فرض عليه لتدبير حياته ولأجل ذلك يراجع مكتب العقار حتى يجد من يشتري بيته شاكراً له.

صفحه 113
وبذلك ظهر أنّ الموضوع للصحّة وجوداً والبطلان عدماً ليس هو الاختيار ولا طيب النفس بل التراضي الوارد في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)1 وقد قلنا في محله أنّ الباء في قوله: (بِالْبَاطِلِ) للسببية، فالبيع عن تراض سبب صحيح وغيره سبب باطل.
وبما ذكرنا تستغني عن كثير من البحوث التي طرحها المحققون بصدد التفريق بين المُكره والمضطرّ.2
وبذلك يظهر أنّ الدليل القوي على بطلان بيع المكره آية التراضي ومضمونها ينحلّ إلى أُمور:
1. عدم التراضي حيث إنّ الفعل الصادر عن الإنسان بضغط الغير لا يصدر عنه عن رضا.
2. فقدان سلطنة المالك على ماله في المكره حيث إنّ إرادة المُكرَه تصير مغلوبة لإرادة المكرِه، فتسلب سلطنة المالك عن ملكه ولا يكون مستقلاً في التصرّف.
3. انصراف أدلّة تنفيذ حلّية البيع ووجوب الوفاء بالعقد، عن بيع المكره لأنّها أدلّة إمضائية لما في يد العقلاء وهم لايقيمون وزناً لبيع المكره وعقده.

1 . النساء:29.
2 . لاحظ: تعليقة المحقّق الاصفهاني:121. وما للمؤلف من كتاب «أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغراء»: 1 / 402 ـ 403 .

صفحه 114

الجهة الثالثة: الاستدلال على ما هو الشرط من السنّة

الأوّل: الاستدلال بحديث الرفع

قد ورد حديث الرفع بأسانيد مختلفة أصحها أو صحيحها ما رواه الصدوق في التوحيد والخصال عن أحمد بن محمد بن يحيى عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة».1
وجه الاستدلال: أنّ الإخبار عن رفع الموضوع أي «وما أُكرهوا عليه» مع وجوده في الخارج لا يصحّ إلاّ برفع جميع الآثار أو معظمها الذي يكون غيره بمنزلة العدم، والأثر الكبير في العقود هو الصحّة الوضعية فيعم البيع والنكاح والطلاق والعتق.
ويؤيد ما ذكرنا ما رواه عمرو بن مروان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن أُمّتي أربع خصال: خطاؤها، ونسيانها، وما أُكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وذلك قول الله:(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ)2، وقوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)».34

1 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
2 . البقرة:286.
3 . النحل:106.
4 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث2.

صفحه 115
فإن قلت: إنّ الرواية تدلّ على أنّ المرفوع هو المؤاخذة لا الصحّة الوضعية.
قلت: إنّ الحديث يدلّ على الخلاف حيث استشهد بالآية النازلة في حقّ عمّار حيث قال: وقوله:(إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) والمرفوع هنا هو الحكم الوضعي أي كون المُكره كافراً، حيث إنّ التكلم بالكفر عن جدّ موجب للخروج عن الدين بخلاف من تكلّم عن كُره.
فإن قلت: إنّ الاستدلال بحديث الرفع استدلال بالأصل مع أنّه لا يحتجّ به إلاّ بعد فقد الدليل الاجتهادي، والمفروض وجوده كآية التراضي وما يأتي من الحديث.
قلت: الاستدلال إنّما هو بحديث الرفع وهو دليل اجتهادي وإن كان مفاده أصلاً عملياً، فالاستدلال منصبّ على دلالة الحديث لا على أصل البراءة.

الثاني: الاستدلال بحديث الحلف على الطلاق عن إكراه

روى البرقي عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي جميعاً عن أبي الحسن(عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال: «لا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وضع عن أُمتي ما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا وما اخطأوا».1 حيث إنّ المرفوع هو الحكم الوضعي أعني صحّة الطلاق والعتاق وصدقة ما يملك.
فإن قلت: إنّ الحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك باطل عندنا في حال الاختيار أيضاً لما ثبت في محلّه من أنّ هذه الأُمور بحاجة إلى

1 . الوسائل: 16، الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 12 .

صفحه 116
سبب خاص مثل قوله: «أنت طالق» والحلف على الطلاق حلف على النتيجة وهو باطل مطلقاً سواء أكان مختاراً أم غير مختار، فكيف استدلّ الإمام بهذا الحديث الذي يخصّ البطلان بصورة الإكراه؟
قلت: الظاهر أنّ الإمام (عليه السلام)أتّقى في بيان الحكم الواقعي حيث كان له أن يقول للسائل إنّ اليمين على هذه الأُمور باطل مطلقاً مختاراً كان أو مكرهاً، ولكن لما كان فقهاء السنة قائلين بالصحّة في حال الاختيار دون حال الإكراه، استدل الإمام بحديث الرفع على بطلان الحلف بهذه الأُمور، فالتقية إنّما هي في تطبيق الحديث على المورد لا في بيان المقصود، وأنّ الأحكام الوضعية مرفوعة عن المكره كما أنّ اقتناع المخاطب من سماع الحديث دليل واضح على عموم الرفع.

الثالث: ما ورد حول طلاق المكره

قد تضافرت الروايات على بطلان طلاق المكره وقد رواه في الوسائل في أبواب مقدّمات الطلاق في بابين (الرابع والثلاثون والسابع والثلاثون):
1. روى السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «كلّ طلاق جائز إلاّ طلاق المعتوه، أو الصبي، أو مبرسم، أو مجنون».1
2. روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال سألته عن طلاق المكره وعتقه، فقال: «ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق»، فقلت: إنّي رجل تاجر أمرّ بالعشّار ومعي مال، فقال: «غيّبه ما استطعت وضعه مواضعه»، فقلت: فإن حلفني

1 . الوسائل:15، الباب34 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث3.

صفحه 117
بالطلاق والعتاق؟ فقال: «احلف له» ثم أخذ تمرة فحفر بها من زبْد كان قدّامه فقال: «ما أبالي حلفت لهم بالطلاق والعتاق أو أكلتها».1
3. روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول:«لو أنّ رجلاً مسلماً مرّ بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوّف على نفسه أن يعتق أو يطلّق ففعل لم يكن عليه شيء».2
4. روى يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول:«لا يجوز طلاق في استكراه» إلى أن قال: «وإنّما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه ولا إضرار».3
وهنا سؤال وهو: ما هو الوجه في تضافر الروايات على بطلان طلاق المكره؟ مع أنّ النكاح والطلاق والبيع من باب واحد. والظاهر أنّ وجهه هو قول أبي حنيفة بصحّة طلاق المكره؟ قال الشيخ: طلاق المكره وعتقه وسائر العقود التي يكره عليها لا يقع منه، وبه قال الشافعي ومالك والاوزاعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه طلاق المكره وعتاقه واقع وكذلك كلّ عقد يلحقه فسخ. وأمّا ما لا يلحقه فسخ مثل البيع والصلح والاجارة فإنّه إذا أُكره عليه ينعقد عقداً موقوفاً فإن أجازها وإلاّ بطلت. ثم استدل بالإجماع.4
5. ما رواه عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «لا يمين في غضب ولا في قطيعة رحم ولا في جبر ولا في إكراه».

1 . الوسائل: 15، الباب37 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1. ولاحظ الحديث3 بهذا المضمون.
2 . الوسائل: 15، الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث2.
3 . الوسائل: 15، الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث4. ولاحظ الباب 38، الحديث 1.
4 . الخلاف: 4/478، المسألة044.

صفحه 118
قلت: أصلحك الله فما فرق بين الجبر والإكراه؟ قال: «الجبر من السلطان ويكون الإكراه من الزوجة والأُم والأب وليس ذلك بشيء».1
6. روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن عتق المكره؟ فقال: ليس عتقه بعتق».
وفي حديث آخر عنه: قال: «ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق».2
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في أبواب متفرقة، والتركيز على الطلاق والعتاق لكثرة الابتلاء بهما دون غيرهما، وهي دليل على مشاركة العقود والايقاعات في ذلك الحكم.

بيع المكره إذا لحقه الرضا

إذا باع مكرهاً ثم رضي فهل يصحّ العقد أو لا؟ مقتضى القواعد هو الصحّة لأنّ البيع الإكراهي بيع عن اختيار وقد تعلقت به الإرادة الجدّية والذي ينقصه هو الرضا، فإذا رضي تمّت أركان البيع.

الإكراه على الأمر المحرّم

هذا كلّه إذا تعلّق الإكراه بأمر وضعي، وأمّا لو تعلّق الإكراه بحكم تكليفي كالإكراه على أمر محرّم نحو شرب الخمر وغيره، فهل يجوز مطلقاً أو لا يجوز مطلقاً، أو فيه التفصيل؟ فلو كان المكره عليه هو الدم أي قتل إنسان محترم، وهدّد بأنّه إذا لم يقتله، قتل، فلا يجوز له قتله بلا خلاف، لأنّ المداراة

1 . الوسائل:16، الباب16 من أبواب كتاب الإيمان، الحديث1، ولاحظ بقية روايات الباب.
2 . الوسائل:16، الباب19 من أبواب كتاب العتق، الحديث1و2.

صفحه 119
مع الظالم لأجل حفظ الدماء فإذا بلغ الأمر الدماء فلا مداراة.
وأمّا غير الدماء فيختلف فيه الحال فلو كان المُكره أحد القادة الروحيين أو مرجعاً من مراجع الدين وأُكره على شرب الخمر أو اللعب بالقمار على رؤوس الأشهاد وإلاّ لقتل، فليس عليه الخضوع لحكم المُكرِه، لأنّ في استجابة حكم المكرِه خروج الناس عن الدين. ولسيدنا الأُستاذ هنا كلام يقول: لو خُيّر المرجع الديني بين لعب القمار أو شرب الخمر أو كشف حجاب زوجته بين الناس، وبين الحبس والقتل، فالثاني هو المتعيّن.
وأمّا إذا كان المُكره من عامة الناس، فعليه أن يلاحظ ما هو الأهم من ترك المكره عليه وتحمّل ما وُعد به أو العكس.
فربما يوجد إنسان لا يهمّه ما توعّد به كأخذ مال كثير من الثريّ، والحال أنّه يهمّ من ليس ثريّاً.
وربما يوجد إنسان لا يهمّه سبّه وشتمه، ورب إنسان يثقل عليه السباب والشتم. فلا يمكن هنا إعطاء قاعدة كلّية.
فلو ترتّب على ارتكاب الفعل حدّ شرعي فهو مرفوع عند الإكراه، روى أبو عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إنّ عليّاً(عليه السلام) أُتي بامرأة مع رجل فَجَر بها، قالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحدّ».1
وروى طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي(عليهم السلام): قال: «ليس على زان عقر2، ولا على مستكرهة حدّ».3

1 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب الحدود والتعزيرات، الحديث1.
2 . عقر المرأة مهرها إذا وطئت على شبهة.
3 . الوسائل:18، الباب 18 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 5 .

صفحه 120
ولو أُكره على إفطار الصوم فالمرفوع هو الحدّ وأمّا القضاء فلا ; لأنّ الموضوع للحدّ هو الفعل غير الإكراهي، وأمّا القضاء فمرتّب على الفعل الاختياري، والمفروض أنّ فعل المكره أمر صدر عن اختيار بترجيح الإفطار على تحمّل الضرر. نعم لو أُوجر في حلقه على نحو يسلب عنه الاختيار فالحد والقضاء كليهما ساقطان .

لو أُكره على الإضرار بالغير

كان البحث فيما تقدّم دائراً بين المكره والمكره عليه كما لو أكرهه على الإفطار، وأمّا لو دار الأمر بين المكره والمكره عليه وشخص ثالث، فيقول مثلاً: احرق دار فلان وإلاّ لحبست أو قتلت، أو مثلاً: خذ منه مالاً كذا وكذا وإلاّ لنهبت مالك.
وهذا هو الذي طرحه الشيخ الأنصاري في آخر المكاسب المحرّمة، فهل يجوز الإضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس ما عدا إراقة الدم، كنهب المال وهتك العرض وغيره أو لا، هنا وجوه:
الأوّل: ما عليه الشيخ من الجواز، قائلاً بانّ إطلاق أدلة الإكراه وأنّ الضرورات تبيح المحظورات، تقتضي الجواز.
الثاني: المستفاد من أدلّة الإكراه كونه دليلاً امتنانياً على جنس الأُمّة ولا امتنان في ترخيصه الإضرار على بعض الأُمّة لدفعه عن البعض الآخر، فإذا توقّف دفع الضرر عن نفسه بالإضرار بالغير لم يجز ووجب تحمّل الضرر. قال الشيخ: والأقوى هو الأوّل.
الثالث: ما نبّه عليه المحقّق الإيرواني وهو: ملاحظة حال الضررين

صفحه 121
قلّة وكثرة ثمّ ترجيح أقلهما، حيث قال: التفصيل بين ما كان الضرر يُوعَد به المكرَه أعظم أو مساوياً فيرتفع، وبين ما كان أقلّ فلا يرتفع.1
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري استدلّ على جواز الإضرار بالغير بعموم نفي الإكراه لجميع المحرّمات حتى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم.
يلاحظ عليه: أنّ الإضرار بالغير بأي غرض وداع كان، أمر قبيح، سواء أكان الإضرار بالغير لأجل صيانة النفس عن عقاب المُكرِه، أم كان لأجل دفع الضرر المتوجّه إلى نفسه وصرفه إلى الغير، فالكلّ قبيح بلا إشكال. وأدلّة نفي الإكراه لم يثبت شمولها لهذه الموارد حتى يقال بتقدّمها من باب الحكومة، إذ لسانها امتناني ولا امتنان في رفع حكم الإكراه إذا كان مستلزماً للإضرار على الغير مع معارضته بأدلّة:«لا ضرر» الدالّة على نفي تشريع يستلزم الضرر على الآخرين.
فالأولى أن يقال: إنّ حديث الإكراه مختصّ بالمحرّمات الإلهية ولا يشمل حقوق الناس وشؤونهم، وإن أبيت فغاية ما يمكن أن يقال هو التفصيل بين الضررين، فإذا أُكره على الإضرار بالغير فإن كان الضرر المتوعّد به في صورة الترك أعظم ممّا أُكره عليه جاز لكن مع الضمان، نحو ما إذا قال: خُذ مال الغير وإلاّ لقتلتك، أو لقتلت ولدك، نظير ما لو تصرّف في مال الغير لرفع الجوع، أمّا الجواز فلأهمية حفظ النفس، وأمّا الضمان فلأنّ الضرورات تقدّر بقدرها.
وأمّا لو كان الضرران متساويين، فلا يجوز فضلاً عمّا إذا كان أحدهما

1 . تعليقة المحقّق الإيرواني على المكاسب:45.

صفحه 122
أدون، ولو تصرّف مع ذلك يكون ضامناً، وكون الحديث وارداً في مورد الامتنان أقوى شاهد على عدم شموله لحقوق الناس واختصاصه بحقوق الله، اللّهمّ إلاّ إذا قلنا بالتفصيل الذي عرفت.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم استدل على مختاره بوجوه غير تامّة، وقد درسناها في محاضراتنا الفقهية وأثبتنا ضعفها في كتابنا «المواهب في تحرير المكاسب» فمن أراد فليرجع إليها.1
***
تمّت قاعدة
الإكراه على العقود والأُمور المحرّمة
وبها يتمّ الفصل الرابع

1 . لاحظ: المواهب في تحرير المكاسب:794ـ 799.

صفحه 123

   الفصل الخامس   

في العقود التي يكون القبض فيها مملّكاً

وقع القبض موضوعاً لأحكام كثيرة مذكورة في كتاب البيع والخيارات، وهو على قسمين:
   1. القبض المملِّك أو المتمّم للعقد.
   2. القبض الموصوف بكونه وفاءً بالعقد.
ويراد بالأوّل ما لا يكون العقد كافياً في حصول المسبّب، بل يتوقّف إمّا على التقابض كما في بيع الصرف، أو على الإقباض كما في السَّلم والرهن.
ويراد بالثاني ما يكون العقد كافياً في حصول المسبّب كتمليك المبيع وتملّك الثمن، ويكون القبض عندئذ بمنزلة الوفاء بالعقد، على نحو لو لم يُقبض يُجبر من جانب الحاكم عليه، ويترتّب على وجوب القبض حرمة إمساك المبيع إذا طلبه المشتري، أو الثمن إذا طلبه البائع.
والكلام في هذا الفصل مختصّ ببيان الموارد التي يكون فيها القبض مملِّكاً ومتمّماً للعقد عند المشهور، وهي عبارة عن الموارد التالية:
   1. قاعدة لا رهن إلاّ مقبوضاً.
   2. قاعدة لا وقف إلاّ بالقبض.
   3. قاعدة لا حكم للهبة ما لم تقبض.
   4. قاعدة بيع الصرف وشرطية التقابض في المجلس.
   5. قاعدة بيع السلف وشرطية القبض قبل التفرّق.
   6. شرطية القبض في الحبس والرقبى.

صفحه 124

صفحه 125
القواعد الفقهية
      40

قاعدة

لا رهن إلاّ مقبوضاً
في تعريف الرهن والقبض
للقبض دوران: وفاء بالعقد و جزء للتمليك
الأقوال في دور القبض في الرهن.
   1. لا دور للقبض في الرهن
   2. القبض داخل في ماهيّة الرهن
   3. إنّ القبض شرط الصحّة
   4. إنّ القبض شرط لزوم الرهن
دليل القول بأنّه جزء للتمليك
ثمرات القاعدة

في تعريف الرهن والقبض

عُرّف الرهن بأنّه عبارة عن كونه وثيقة لدين المرتهن.1
وقال ابن سعيد الحلّي: الرهن يكون على دين ثابت في الذمّة، كثمن

1 . شرائع الإسلام:2/329.

صفحه 126
المبيع والأُجرة والمهر وعوض الخلع.1
وعرّفه سيدنا الأُستاذ بأنّه: عقد شرّع للاستيثاق على الدين.2
وأمّا القبض، فقد عرّفه ابن الأثير في «النهاية»: الأخذ بجميع الكّف، والقبضة ما قبضتَ عليه من شيء، ومثله ما في «لسان العرب».3
أقول: إنّ القبض بهذا المعنى، وإن كان متحقّقاً في البيع إذا كان يداً بيد كما في باب الصرف والسَّلم، لكنّه غير متحقّق في بيع المزارع والبساتين الفاقدة للجدران والأبواب، ووقف الأنهار والآبار وبيعها، فلابدّ أن يراد بالقبض هو الاستيلاء التامّ على ما هو الغرض من العقد.
فالقبض في مورد الرهن عبارة عن تسلّط المرتهن على العين المرهونة بحيث يمنع الغير من التصرّف فيها.
وعلى كلّ تقدير فقد اشتهرت بين الفقهاء قاعدة «لا رهن إلاّ مقبوضاً» ومع ذلك فيه أقوال:

القول الأوّل: لا دور للقبض في الرهن

ذهب بعضهم إلى أنّه لا فرق بين بابي الرهن والبيع، فالإيجاب والقبول في الرهن كاف في لزوم العقد، نظير باب البيع، فيكون العقد لازماً لكن يُجبر الراهن على التسليم، كما يجبر البائع على تسليم المبيع، والمشتري على تسليم الثمن، فعلى هذا يكون القبض في الرهن موصوفاً

1 . الجامع للشرائع:287.
2 . تحرير الوسيلة:2/5.
3 . النهاية لابن الأثير:4/6، مادة «قبض»; لسان العرب:7/214، مادة «قبض».

صفحه 127
بالوفاء بالعقد لا مملّكاً ولا متمّماً للعقد; وهذا خيرة الشيخ في الخلاف والمبسوط، وتبعه ابن إدريس.
قال الشيخ: يلزم الرهن بالإيجاب والقبول، وبه قال أبو ثور ومالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: عقد الرهن ليس بلازم ولا يجبر الراهن على تسليم الرهن، فإن سلّم باختياره، لزم بالتسليم.
دليلنا: قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1 وهذا عقد مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب.2
وقال في «المبسوط» ـ بعد ما نقل عن بعضهم أنّ عقد الرهن ليس بلازم ولا يُجبر الراهن على تسليم الرهن ـ : الأولى أن نقول: يجب بالإيجاب والقبول ويجبر على تسليمه، ثم أشار إلى قاعدتين: كلّ ما جاز بيعه، جاز رهنه من متاع، واستدامة القبض ليس بشرط في الرهن.3
وتبعه ابن إدريس وقال: وقال الأكثرون المحصّلون منهم: يلزم بالإيجاب والقبول. وهذا هو الصحيح; لقوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وهذا عقد يجب الوفاء به.4

القول الثاني: القبض داخل في ماهيّة الرهن

إنّ العين المرهونة ما لم يتسلّط عليها المرتهن على نحو يمنع من تسلّط الغير، ليس برهن. ولم نعثر على مَن يقول به إلاّ ما يظهر من عبارة

1 . المائدة:1.
2 . الخلاف:3/223، المسألة 5 .
3 . المبسوط:2/198.
4 . السرائر:2/417.

صفحه 128
الشيخ في «النهاية» حيث قال: ولا يدخل الشيء في أن يكون رهناً إلاّ بعد قبض المرتهن له وتمكّنه منه.1
وحمله ابن إدريس على أنّ القبض شرط اللزوم عند الشيخ، وهو حمل بلا شاهد. وعلى كلّ تقدير فهذان القولان على طرفي النقيض في المسألة.

القول الثالث: إنّ القبض شرط للصحّة

ذهب غير واحد من الفقهاء إلى أنّ القبض شرط لصحّة الرهن، فلو عقد ولم يُقبض لا يوصف بالصحّة حتى يُقبض; وهذه نظرية الشيخ المفيد، وأبي الصلاح، والديلمي، والمحقّق، وابن سعيد، وإليك مقتطفات من عباراتهم:
1. قال الشيخ المفيد: لا يصحّ الارتهان إلاّ بالقبض.(2)
2. وقال أبو الصلاح: تفتقر صحّة الارتهان إلى قبض الرهن فيما يصحّ قبضه، أو رفع الحظر فيما لا يصحّ قبضه وقبول ذلك.2
3. وقال الديلمي: لا يصحّ الارتهان إلاّ بالقبض.(4)
4. وقال المحقّق: وهل القبض شرط في الرهن؟ قيل: لا; وقيل: نعم، وهو الأصحّ، ولو قبضه من غير إذن الراهن لم ينعقد، وكذا لو أذن في قبضه ثم رجع قبل قبضه.3

1 . النهاية:431.   2 . المقنعة:622.
2 . الكافي في الفقه:334.   4 . المراسم العلوية:192.
3 . شرائع الإسلام:2/66.

صفحه 129
5. وقال ابن سعيد الحلّي: الرهن عقد لازم من جهة الراهن، جائز من جهة المرتهن. وشرط صحّته، الإيجاب والقبول والقبض باختيار الراهن.1

القول الرابع: إنّ القبض شرط لزوم الرهن

إنّ الإيجاب والقبول عقد جائز ولا يوصف باللزوم إلاّ بعد تحقّق القبض، وهذا ما يظهر من ابن زهرة، قال: فأمّا القبض فهو شرط في لزومه ـ الرهن ـ من جهة الراهن دون المرتهن. ومن أصحابنا مَن قال: يلزم بالإيجاب والقبول.2
وقال الكيدري: أمّا القبض فشرط في لزومه من جهة الراهن دون المرتهن، وقيل: يلزم بالإيجاب والقبول; لقوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، الظاهر من المذهب المجمع عليه هو الأوّل.3
هذه هي أقوال أصحابنا إلى القرن السادس، وتركنا كلمات المتأخّرين لأنّها لا تخرج عن حدود هذه الأقوال الأربعة، إنّما الكلام في ما هو المستفاد من الكتاب والسنّة.
أقول: أمّا الكتاب العزيز، فيقول تعالى ـ في مورد الدين ـ : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ).4

1 . الجامع للشرائع:287.
2 . غنية النزوع:243.
3 . إصباح الشريعة بمصباح الشريعة:287.
4 . البقرة:283.

صفحه 130
أمر الله سبحانه في الآية المتقدّمة على هذه الآية أنّه إذا تداين بعض من بعض ديناً فليكتُب أوّلاً وليشهد شاهدان من الرجال ثانياً، ومن المعلوم أنّ مثل هذا في غنى عن الرهان، ثم فرض في هذه الآية عدم التمكّن من الأمرين: وقال:(وَإِنْ كُنْتُمْ) أيها المتداينون المتبايعون (عَلَى سَفَر): أي مسافرين (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) للكتابة ولا شهوداً تشهدونهم، فعندئذ (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)فالرهن المقبوض يقوم مقام الأمرين: الكتابة والشهود.
وأمّا الروايات، فقد جاء فيها ما يلي:
1. موثّقة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«لا رهن إلاّ مقبوضاً».1
2. مرسلة العياشي في تفسيره عن محمد بن عيسى، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:«لا رهن إلاّ مقبوض».2
هذا ما ورد في المقام، إنّما الكلام في استظهار ما هو المراد من الآية والروايتين.
أقول: أمّا الآية فهي دليل على عدم صحّة القول الثاني بأنّ القبض داخل في ماهيّة الرهن، إذ لو كان داخلاً في حقيقة الرهن لما صحّ قوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)، إذ المفروض أنّ القبض داخل في حقيقة الرهن.
بقي الكلام في الأقوال الثلاثة:
أقول: إنّ مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الروايات هو القول الأوّل

1 . الوسائل:13، الباب 3 من أبواب كتاب الرهن، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب 3 من أبواب كتاب الرهن، الحديث2.

صفحه 131
وأنّ وزان الرهن وزان البيع، فالحقيقة الاعتبارية في كلا المقامين تتحقّق بالإنشاء وتكون العين المرهونة متعلّقة بحقّ المرتهن، غير أنّه يجب على الراهن إقباض العين إذا طلبها المرتهن، كما أنّه يجب على البائع تسليم المبيع إذا طلبه المشتري، وبالعكس.
وأمّا بالنظر إلى ما ورد في الكتاب والسنّة.
أمّا الآية فدلالتها على اعتبار القبض في صحّة الرهن على القول الثالث أو لزومه على القول الرابع، لا يخلو من إشكال; وذلك لأنّ مورد الآية هو السفر وعدم وجود الكاتب والشاهد، ففي مثل ذلك، ينحصر الوثوق برهان مقبوضة، وعندئذ تكون الآية إرشاداً إلى حفظ المال في هذا النوع من الظروف لا حكماً مولوياً، ولذلك لو كان المرتهن واثقاً بحفظ ماله عند المديون لجاز له ترك القبض.
يقول المحقّق الأردبيلي: إنّ دلالة الآية غير ظاهرة، لكونها بالمفهوم وكونها للإرشاد بالاتّفاق، فالقيود أيضاً كذلك، ألاترى أنّ السفر غير شرط باتّفاقنا، وكذا عدم وجدان الكاتب، فيكون القبض كذلك، كما هو ظاهر، فلا يدلّ على اللّزوم1 (ولا على الصحّة).
وبالجملة فإيجاب القبض في الرهن تعبّداً ـ إذا كان على خلاف المرتكز عرفاًـ أمر مُشكل.
بقي الكلام في الروايتين:
أمّا الأُولى فوزان قوله(عليه السلام):«لا رهن إلاّ مقبوضاً»، وكذا الثانية وهي

1 . مجمع الفائدة والبرهان:9/133.

صفحه 132
قوله (عليه السلام): «لا رهن إلاّ مقبوض» وزان الجمل التالية:
1. «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب».
2. «لا صلاة إلاّ لمن يقم صلبه».
3. «لا صلاة إلاّ بطهور».
فبما أنّ حمل هذه التراكيب على نفي الحقيقة أمر لا يساعده الذوق الفقهي، فيحمل على نفي الصحّة، فتكون الموثّقة والمرسلة الماضيتين دليلاً على شرطية القبض في صحّة الرهن مضافاً إلى الإجماعات.
وأمّا القول الرابع ـ وهو كونه شرطاً للزوم الرهن ـ فيمكن أن يكون مراد القائل من اللّزوم هو الصحّة ـ كما احتمله الأردبيلي في شرح الإرشاد ـ فلو صحّ فهو، وإلاّ فاستفادة اللّزوم من الآية والروايتين أمر لا دليل عليه، بل الظاهر هو نفي الصحّة.
وقد احتمل في «مفتاح الكرامة» تأويل اللّزوم بالصحّة وقال: وهو وجيه جدّاً لكنّه بعيد من جهة اللزوم، ومن جهة ما فرّعوا عليه من الأحكام، لكن يقرّبه سوق الأدلّة واتحادها; وقد يقال: إنّ الصحّة صحّتان: صحّة بمعنى تماميّة العقد، وصحّة بمعنى قابليته للتماميّة; فمن عبّر باللّزوم أراد الأُولى، ومن عبّر بالصحّة أراد الثانية.1

1 . مفتاح الكرامة:15/425.

صفحه 133

ثمرات القاعدة

قد تعرّفت على الأقوال الأربعة في قبض الرهن، وعلى جميع الآراء يجب أن تكون العين المرهونة مملوكة للراهن، أو يكون مأذوناً في التصرّف فيها حتى بالإرهان إذا كانت مال الغير، فلا يجوز رهن ما لا يُملك كالخمر والخنزير والنجاسات غير المملوكة، كما لا يجوز رهن المغصوب أو مال الغير إذا لم يكن الراهن مأذوناً في التصرّف، من غير فرق بين القول بأنّ القبض في الرهن بمعنى الوفاء بالعقد، أو كونه مملّكاً أو متمّماً للعقد، فعلى جميع الآراء يشترط في الرهن ما ذُكر.
نعم يترتّب على النزاع (بين كون القبض في الرهن بمعنى الوفاء بالعقد نظير القبض في البيع والإجارة، وكونه مملّكاً أو متمّماً للعقد سواءً أكان شرطاً للصحّة أو شرطاً للزوم)، جواز إلزام الراهن على الإقباض على القول الأوّل، دون القول الآخر.
كما يترتّب عدم جواز التصرّف فيه قبل القبض بهبة أو بيع على القول الأوّل، وجوازه على القول الآخر حيث إنّ القبض مملّك أو متمّم للتمليك.
***
تمّت قاعدة
لا رهن إلاّ مقبوضاً

صفحه 134
القواعد الفقهية
   41
قاعدة
لا وقف إلاّ بالقبض
شرطية القبض في الوقف
هل القبض شرط الصحّة أو شرط اللّزوم؟
ما هو الدليل على الشرطية؟
الفروع المترتّبة على شرطية القبض
الوقف على المصلحة

شرطية القبض في الوقف

اتّفقت الإمامية على لزوم القبض في الوقف، قال الشيخ: من شرط لزوم الوقف عندنا، القبض، وبه قال محمد بن الحسن (تلميذ أبي حنيفة)، وقال الشافعي والباقون: ليس من شرط لزومه القبض.1

هل القبض شرط الصحّة أو شرط اللّزوم؟

ومع اتّفاقهم على لزوم القبض فقد اختلفت كلماتهم بين كون القبض شرط الصحّة أو شرط اللّزوم، وإليك عبارات مَن اعتبر القبض شرطاً للصحّة:

1 . الخلاف:3/539، المسألة 2.

صفحه 135
1. قال ابن البرّاج: الوقف في الأصل صدقة وتثبت صحّته بأمرين: أحدهما: صحّة التصرّف في ما يوقفه الإنسان إمّا بملك أو إذن.
والآخر: أن يُقبضه ويخرجه عن يده إلى من هو وقف عليه أو لمن يتولّى عنه ذلك أو يقوم مقامه في قبضه.1
2. قال ابن حمزة: الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على وجه من سُبُل البر، وإنّما يصحّ بثمانية أشياء، وعدّ منها: تسلم الوقف من الموقوف عليه أو من وليه، إلاّ إذا جعل ولاية الوقف لنفسه مدّة حياته، أو يكون الموقوف عليه ولده الصغير.2
3. قال الراوندي: فإذا وقف شيئاً من أملاكه زال ملكه عنه إذا قبض الموقوف عليه أو من يتولّى عنه، وإن لم يقبض لم يصحّ الوقف ولم يلزم، فهذان شرطان في صحّة الوقف، فمتى لم يقبض الوقف ولم يخرجه من يده أو وقف ما لا يملكه، كان الوقف باطلاً.3
4. قال المحقّق: والقبض معتبر في الموقوف عليه أوّلاً، ويسقط اعتبار ذلك في بقية الطبقات.4
5. قال العلاّمة الحلّي: ولو وقف لم ينعقد بدون الإقباض، فلو مات الواقف بطل الوقف.5

1 . المهذّب:2/86.
2 . الوسيلة:369.
3 . فقه القرآن:2/291.
4 . شرائع الإسلام:2/171.
5 . تحرير الأحكام الشرعية:3/292.

صفحه 136
6. وقال أيضاً: لا يصحّ وقف ما لا يمكن إقباضه; لأنّ الإقباض شرط في صحّة الوقف عندنا على ما تقدّم.1
ولنقتصر بهذا المقدار من أقوال مَن اعتبروا القبض شرطاً للصحّة.
وفي المقام مَن يعتبر القبض شرطاً للزوم:
1. قال المفيد: فإذا وقف شيئاً زال ملكه إذا قبض الموقوف عليه أو مَن يتولّى عنه، وإن لم يُقبض لم يمض الوقف ولم يلزم، وقال قوم: يلزم بنفس الوقف وإن لم يُقبض، والأوّل أصحّ.2
2. قال الطبرسي: إذا تلفّظ بالوقف وقبض الموقوف عليه أو مَن يتولّى عنه، لزم الوقف.3
3. قال ابن إدريس: فإذا وقف شيئاً زال ملكه عنه إذا قبض الموقوف عليه أو مَن يتولّى عنه، وإن لم يُقبض لم يمض الوقف، ولم يلزم.4
أقول: الظاهر أنّ مَن عبّر عن الصحّة باللّزوم أراد به الصحّة، بشهادة الأُمور التالية:
1. أنّ العلاّمة مع أنّه ذكر أنّ القبض شرط في الصحّة، كما مرّ، عبّر في موضع آخر من التذكرة باللّزوم وقال: الوقف يلزم بالعقد والقبض عند علمائنا أجمع.5 وبه قال أحمد في إحدى الروايتين.

1 . تذكرة الفقهاء:2/432، الطبعة القديمة.
2 . المقنعة:652.
3 . المؤتلف من المختلف بين أئمّة السلف: 1/671.
4 . السرائر:3/152.
5 . تذكرة الفقهاء:2/427، المقصد الثاني: في الوقف، باب بيان أركان الوقف، الطبعة القديمة.

صفحه 137
2. أنّ الشهيد الثاني قال في «الروضة البهيّة»: ولا يلزم الوقف بعد تمام صيغته بدون القبض.1
وفي الوقت نفسه عبّر في «مسالك الأفهام» بالصحّة، قال: لا خلاف بين أصحابنا في أنّ القبض شرط لصحّة الوقف فلا ينعقد بدونه، كما لا ينعقد بالإيجاب مجرّداً عن القبول أو بالعكس.2
3. قال المحدّث البحراني: لا خلاف في اشتراط القبض في صحّة الوقف وتمامه بحيث إنّه بعده لا رجوع في الوقف، وأمّا قبله فله الرجوع، ولو مات قبله رجع ميراثاً... إلى أن قال: وربما عبّر بعضهم بأنّه شرط في اللّزوم، والظاهر أنّ مراده ما ذكر لا ما يتبادر من ظاهر العبارة، وقد صرّح في «المسالك» بذلك.3
وتظهر الثمرة في نماء الوقف، فلو قلنا: إنّ القبض شرط الصحّة، فالنماء بين العقد والقبض للواقف، وأمّا على القول الآخر (اللّزوم) فهو للموقوف عليه إذا حصل بعده القبض. إنّما الكلام في دليل الشرط.

ما هو الدليل على شرطية القبض؟

استدلّ على شرطية القبض صحّة أو لزوماً بروايات:
1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال ـ في الرجل يتصدّق على ولده وقد أدركوا ـ : «إذا لم يقبضوا

1 . الروضة البهية:3/166.
2 . مسالك الأفهام:5/314.
3 . الحدائق الناضرة:22/143.

صفحه 138
حتى يموت فهو ميراث، فإن تصدّق على مَن لم يدرك من ولده فهو جائز; لأنّ والده هو الذي يلي أمره».1
أقول: الاستدلال به مبني على أنّ المراد من الصدقة هو الوقف، وهو ليس ببعيد، وحاصل الحديث شرطية القبض إذا كان الموقوف عليه مُدْركاً وعدم شرطيته إذا لم يكن مُدْركاً، وذلك لأنّ قبض الواقف عمّن لم يُدرك يُعدّ قبضاً عنه.
2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن جميل قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): الرجل يتصدّق على بعض ولده بصدقة وهم صغار، أله أن يرجع فيها؟ قال: «لا، الصدقة لله تعالى».2
وفقه الحديث كما مرّ.
3. ما رواه الكليني عن الحكم بن عتيبة، قال: تصدّق أبي عليّ
بدار فقبضتها، ثمّ ولد له بعد ذلك أولاد، فأراد أن يأخذها مني ويتصدّق
بها عليهم، فسألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن ذلك وأخبرته بالقصة، فقال: «لا
تعطها إيّاه»، قلت: فإنّه يخاصمني، قال:«فخاصمه ولا ترفع صوتك على صوته».3
في الوسائل: الحكم بن عتيبة، والظاهر عدم صحّته; لأنّ الحكم بن عتيبة توفّي عام 114 أو 115 هـ ، ولم يدرك من عصر إمامة الإمام الصادق(عليه السلام)على قول إلاّ سنة واحدة، وكان زيديّاً بتريّاً، روى الكشّي في ذمّه روايات

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.
3 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف و الصدقات، الحديث3.

صفحه 139
كثيرة، ومن البعيد أن يستفتي مثله الإمام الصادق(عليه السلام) ويعمل بفتياه، حتّى أنّ الإمام الباقر (عليه السلام)قال له ولسلمة بن كهيل: «شرّقا أو غرّبا فلن تجدا علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت».1
ولذلك جاء في المصدر: الحكم بن أبي عقيلة.
وفقه الحديث على ما عرفت.
4. ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال ـ في رجل تصدّق على ولد له قد أدركوا ـ : «إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فإن تصدّق على مَن لم يدرك من ولده فهو جائز، لأنّ الوالد هو الذي يلي أمره»... وقال:«لا يرجع في الصدقة إذا تصدّق بها ابتغاء وجه الله».2
وفقه الحديث واضح بناء على أنّ المراد من الصدقة هو الوقف، حيث فرّق بين كون الموقوف عليه مدركاً ولم يقبض فحكم عن أنّه ميراث، وبين كونه غير مدرك فلا يجوز الرجوع; لأنّ الوقف قد قبض، فإن قبض الأب، قبض الموقوف عليه.
5. ما رواه الصدوق عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل تصدّق على ابنه بالمال أو الدار أله أن يرجع فيه؟ فقال:«نعم إلاّ أن يكون صغيراً».3
ومضمون الرواية يوافق ما تقدّم.
6. ما رواه الكليني عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن(عليه السلام)، قال: سألته

1 . أعيان الشيعة:6/210.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.
3 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث7.

صفحه 140
عن الرجل يقف الضيعة ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئاً؟ فقال(عليه السلام)]صوراً ثلاثة[:
«أ. إن كان وقفها لولده ولغيرهم ثم جعل لها قيّماً، لم يكن له أن يرجع فيها.
ب. وإن كانوا صغاراً وقد شرط ولايتها لهم حتى بلغوا فيحوزها لهم، لم يكن له أن يرجع فيها.
ج. وإن كانوا كباراً ولم يسلّمها إليهم ولم يخاصموا حتّى يحوزوها عنه، فله أن يرجع فيها، لأنّهم لا يحوزونها عنه وقد بلغوا».1
أمّا الصورة الأُولى فالظاهر أنّ المراد أنّه أوقفها على أولاده البالغين مع غيرهم من الجهات العامّة، وجعل قيّماً للوقف، فعندئذ لا يجوز له الرجوع مع حصول القبض من القيّم؟ فيكون هذا دليلاً على المسألة.
وأمّا الصورة الثانية، فالمفروض أنّ الموقوف عليهم صغار، أولاداً كانوا أو غيرهم، وعندئذ يكون قبضه قبضاً لهم ولذلك قال: لم يكن له أن يرجع فيها.
وأمّا الصورة الثالثة فالموقوف عليهم كبار لم يسلّم الوقف إليهم فلا يكون قبضه قبضاً لهم، فيجوز الرجوع ما لم يسلّطهم عليه ولذلك قال: «فله أن يرجع فيها، لأنّهم لا يحوزونها عنه وقد بلغوا»، والرواية صالحة لأن تكون دليلاً للمسألة.
7. روى الصدوق في «كمال الدين» بسنده عن أبي الحسين محمد بن

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4.

صفحه 141
جعفر الأسدي فيما ورد عليه من جواب مسائله عن محمد بن عثمان العمري عن صاحب الزمان(عليه السلام):
«وأمّا ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا وما يجعل لنا، ثم
يحتاج إليه صاحبه، فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار، وكلّ ما سلّم
فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه ـ إلى أن
قال: ـ
وأمّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة ويسلّمها من قيّم يقوم فيها ويعمرها ويؤدي من دخلها، خراجَها ومؤونتها، ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا، فإنّ ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيّماً عليها، إنّما لا يجوز ذلك لغيره».1
والشاهد هو ما في قوله:«فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار، وكلّ ما سلّم فلا خيار فيه لصاحبه...».
وأمّا الفقرة الثانية فهي راجعة إلى مسألة أُخرى.
نعم ربما يظهر التعارض بين هذه الروايات وما رواه الشيخ بسند صحيح عن علي بن مهزيار، عن أبي الحسين قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث(عليه السلام):إنّي وقفت أرضاً على ولدي وفي حجّ ووجوه بر ولك فيه حقّ بعدي ولي بعدك وقد أزلتها عن ذلك المجرى، فقال: «أنت في حلّ وموسّع لك».2

1 . الوسائل13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث8.
2 . الوسائل13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث6.

صفحه 142
فإنّ قوله: وقد أزلتها عن ذلك المجرى، بمعنى أحدثت التغيير في الوقف بعد القبض فهو أمر غير جائز. ومع ذلك قال الإمام(عليه السلام):«أنت في حلّ وموسّع لك».
واحتمل أنّ التغيير هنا وقع قبل القبض، وهو فرع كون الولد كباراً بالغين، وإلاّ لو كانوا صغاراً غير مدركين فالوقف يلازم القبض، فلم يبق إلاّ حمل الوقف على الوصية، بقرينة قوله:«بعدي».
ولعلّ هذا المقدار من الروايات كاف في إثبات المطلوب.

الفروع المترتبة على شرطية القبض

ثمّ إنّ هنا فروعاً تتفرّع على شرطية القبض:
1. لو مات الواقف قبل القبض بطل الوقف، وكذا لو جُنّ أو أُغمي عليه.
2. لو مات الموقوف عليه قبل القبض وكان مدركاً يبطل الوقف، فيحتاج تجديده بالنسبة إلى أولاده إلى إنشاء جديد وقبض مثله.
نعم لو كان الوقف على ولده الصغير ومات، كان قبضاً عن الطبقة الثانية، ولم يفتقر إلى نصب وكيل يقبض عنه، ولا إلى مضيّ زمان يمكن فيه الإقباض، وكذا الجَد.
3. يشترط القبض في الطبقة الأُولى، فإذا حصل الوقف والقبض لا يفتقر إلى قبض بقية الطبقات.
4. لو وقف على الفقراء أو الفقهاء، قال في «الحدائق»: لابدّ من نصب قيّم للقبض، لما عرفت من أنّ القبض معتبر شرعاً في صحّة الوقف،

صفحه 143
والموقوف على هؤلاء المذكورين في الحقيقة إنّما هو وقف على الجهة، لا وقف على الأشخاص، فلا يكفي قبض بعضهم، لأنّه ليس هو الموقوف عليه، وإنّما الوقف على جهة من جهات مصلحته، فلابدّ من نصب قيّم للقبض من الواقف أو الحاكم، أو قبض الحاكم بنفسه.1
أقول: كفاية نصب القيّم من جانب المالك على القبض من جانبهم فرع ولايته على هذا المورد. وهو موضع تأمّل، والأولى أن يرجع فيه إلى الحاكم، ولذلك قال في الحدائق: نعم لو لم يكن الواقف حاكماً شرعياً فإنّ الواجب نصب القيّم من جهته.
5. يجب أن يكون القبض بإذن الواقف فلو وقع بدونه لغي. ويمكن استظهار شرطية الإذن في القبض من صحيحة صفوان. أعني قوله: «وإن كانوا كباراً لم يسلّمها إليهم فله أن يرجع» وكذا قوله(عليه السلام) في التوقيع:«فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه بالخيار وكل ما سلّم فلا خيار فيه» فإنّ ظاهره أنّ القبض إنّما يتحقّق بتسليم الواقف، ودفعه بالفعل أو الإذن.
الوقف على المصلحة
إذا وقف شيئاً لمصلحة المسلمين، كالمسجد والمقبرة، فهل يحتاج إلى القبض؟
الظاهر عدم الحاجة إلى القبض; لأنّ الموقوف عليه هو الجهة، وليس هو متمثّلاً في شخص حتى يكون هو القابض، أضف إلى ذلك: أنّ وقف المسجد والمقبرة تحرير وإخراج عن الملك في سبيل الله، ومع ذلك

1 . الحدائق الناضرة:22/144.

صفحه 144
فالأحوط أن يُقبضه للحاكم الشرعي أو نائبه فيكون قبضه قبضاً عن المسلمين.
وأولى من ذلك إيقاع الصلاة في المسجد، ودفن المسلم بنيّة القبض في المقبرة. فقد اتّضح أنّ حكم الوقف على المصلحة يتحقّق بالأُمور التالية:
1. عدم الحاجة إلى القبض، فإنّ وقف المسجد فكّ للملك لا إدخال في ملك شخص. وهذه هي نظرية أبي الصلاح الحلبي في «الكافي» حيث قال:«لا يشترط القبض في الوقف على المصلحة».1
2. أن يقبضه الحاكم الشرعي نيابة عن المسلمين.
3. التصرّف بالوقف كإيقاع الصلاة في المسجد أو دفن الميت في المقبرة.
***
تمّت قاعدة
لا وقف إلاّ بالقبض

1 . راجع الكافي في الفقه: 324، باب الصدقة. والنص أعلاه نقله صاحب مفتاح الكرامة:21/432.

صفحه 145
القواعد الفقهية   
      42
قاعدة
لا حكم للهبة ما لم تقبض
تعريف الهبة
شرطيّة القبض في صحّة الهبة
ما هو مقتضى القاعدة؟
ما يدلّ على كون القبض شرطاً للصحّة
دراسة ما يدلّ على كون القبض شرطاً للّزوم
تعريف الهبة
الهبة ـ كما عرّفها المحقّق  :هي العقد المقتضي تمليك العين من غير عوض، تمليكاً منجّزاً مجرداً عن القربة، وقد يعبّر عنها بالنحلة والعطيّة، وهي تفتقر إلى الإيجاب والقبول والقبض، إلى أن قال: ولا حكم للهبة ما لم تقبض.1

شرطية القبض في صحّة الهبة

والكلام في المقام في الشرط الأخير أي القبض، فقد اختلفت كلماتهم في أنّ الإقباض هل هو شرط في صحّة الهبة أو شرط في لزومها؟

1 . شرائع الإسلام:2/229.

صفحه 146
1. ذهب الشيخ الطوسي إلى أنّ الإقباض في الهبة كالإقباض في البيع، ليس شرطاً في الصحة ولا في اللزوم.
قال في «الخلاف»: مَن وهب لغيره عبداً قبل أن يهلّ شوال فقبله الموهوب له ولم يقبضه حتى هلّ شوال ثم قبضه، فالفطرة على الموهوب له. وبه قال الشافعي في الأُمّ، وهو قول مالك، وقال أبو إسحاق: الفطرة على الواهب لأنّ الهبة تُملك بالقبض. دليلنا: أنّ الهبة منعقدة بالإيجاب والقبول، وليس من شرط انعقادها، القبض ـ إلى أن قال ـ : وفي أصحابنا مَن قال: القبض شرط في صحّة الهبة، فعلى هذا لا فطرة على الموهوب له.1
وقال في «المبسوط»: من وهب لغيره عبداً قبل أن يهلّ شوال، فقبله ولم يقبض العبد حتى يستهل شوال، فالفطرة على الموهوب له، لأنّه ملكه بالإيجاب والقبول، وليس القبض شرطاً في الانعقاد، ومَن قال: القبض شرط في الانعقاد قال: على الواهب فطرته لأنّه ملكه، وهو الصحيح عندنا. فإن قبل ومات قبل القبض وقبل أن يهلّ شوال فقبضه ورثته بعد دخول شوال لزم الورثة فطرته.2
2. يظهر من ابن البرّاج أنّه شرط للزوم العقد، قال: وإذا وهب الإنسان هبة صحيحة وباعها قبل القبض كان البيع ماضياً، وانفسخت الهبة.3 فقوله: وانفسخت الهبة، دليل على تحقّق الهبة، فلو كان القبض شرطاً للصحّة فلا معنى لانفساخ العقد إذ لا عقد فينفسخ.

1 . الخلاف:2/46، المسألة 182.
2 . المبسوط:1/240.
3 . المهذّب:2/95.

صفحه 147
3. قال الطبرسي: مَن وهب لغيره عبداً قبل أن يهلّ فقبله الموهوب له ولم يقبضه، حتى يهلّ شوال ثم قبضه، فالفطرة على الموهوب له.1
وعلى هذا فلا دور للقبض في الهبة، فلا هو جزء مملّك ولا متمّم للعقد، فالعين الموهوبة ملك للموهوب له، فالعقد تمّ بكافّة أركانه، غاية الأمر للواهب الرجوع عن هبته.
وفي مقابل هذا القول: كون القبض شرطاً للصحّة، ولا يملك الموهوب له الهبة، إلاّ بالقبض، وإليك من يقول بذلك.
1. قال الفاضل المقداد: هل القبض شرط في صحّتها أو في لزومها؟ قال التقي ]يريد أبا الصلاح الحلبي[ بالأوّل، وقال ابن إدريس: هو قول أكثر علمائنا، ونقله الشيخ عن بعض أصحابنا، واختاره المصنّف ]يريد صاحب الشرائع[.2
2. قال المحقّق: لا حكم للهبة ما لم تقبض.3
3. قال الشهيد الثاني ـ معلّقاً على قول المحقّق: لا حكم للهبة ما لم تقبض ـ :لا خلاف بين الأصحاب في أنّ القبض شرط في الهبة في الجملة، ولكن اختلفوا في أنّه هل هو شرط لصحّتها أو للزومها؟ فمعظم المتأخّرين على الأوّل وهو مقتضى كلام المصنّف، فإنّ الحكم المنفي للهبة (لا حكم للهبة) بدونه يقتضي رفع جميع الأحكام لأنّه نكرة منفية، وذلك يقتضي عدم انعقادها بدونه أصلاً.(4)

1 . المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف:1/314.
2 . التنقيح الرائع لمختصر الشرائع:2/340.
3 . شرائع الإسلام:2/229.   4 . مسالك الأفهام:6/7.

صفحه 148
وتظهر الثمرة في الموارد التالية:
1. النماء المتخلّل بين العقد والقبض، فإنّه للواهب على الأوّل (شرط الصحة)، وللموهوب له على الثاني (شرط اللزوم).
2. لو مات الواهب قبل الإقباض فيبطل على الأوّل، ويتخيّر الوارث في الإقباض وعدمه على الثاني.
3. في فطرة المملوك الموهوب قبل الهلال ولم يقبضه إلاّ بعده، فإنّها على الواهب على الأوّل، وعلى الموهوب له على الثاني.
4. نفقة الحيوان فإنّها على الأوّل على الواهب وعلى الثاني على الموهوب له. إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون وجهاً للثمرة.
هذه هي الأقوال والثمرات المترتّبة عليها، وقبل دراسة الروايات نذكر حكم مقتضى القاعدة.

ما هو مقتضى القاعدة؟

إنّ في دور القبض في الهبة احتمالات نشير إليها:
1. إنّ مقتضى القاعدة هو أنّ عقد الهبة كسائر العقود يجب بالإيجاب والقبول ويكون القبض وفاء لمقتضاه، وعلى هذا لا دور للقبض لا في التمليك ولا في اللزوم نظير القبض في البيع.
لكن هذا الاحتمال مخالف لما ذهب إليه أكثر الفقهاء على أنّ للقبض دوراً في الهبة، وليست الهبة كسائر العقود حتى يكون القبض وفاءً لمقتضى العقد.
2. يمكن أن يقال: تحقّق مضمون الهبة بالإيجاب والقبول غير أنّه

صفحه 149
عقد جائز يلزم بالقبض، وهذا الاحتمال باطل لاتّفاقهم على أنّ الهبة عقد جائز بعد القبض أيضاً إذا لم يكن الموهوب له من الأرحام. وهذا الإشكال هو الذي تنبّه له المحدّث البحراني حيث قال: إنّ مقتضى القول بكون القبض شرطاً في اللّزوم لا في الصحّة، هو أنّ الهبة بدون القبض تكون صحيحة غير لازمة وبالقبض تكون لازمة، بمعنى أنّه لا يجوز الرجوع فيها وحصروها في مواضع مخصوصة ، وصرّحوا بأنّه لا خلاف في جواز الرجوع فيما عداها.1
3.إنّ القبض شرط الصحّة بمعنى أنّه ما لم يقبض لا تنعقد الهبة فيكون القبض مملّكاً أو متمّماً له.
وعلى هذا فلو كانت الروايات ظاهرة في الوجه الصحيح فهو، وإلاّ فلابدّ من حملها عليها، لما عرفت من عدم صحّة الوجه الثاني، وإليك دراسة ما ورد من الروايات في المقام.

ما يدلّ على كون القبض شرطاً للصحّة

1. روى الشيخ في التهذيب باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى (صاحب نوادر الحكمة) عن موسى بن عمر، عن العباس بن عامر، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:«الهبة لا تكون أبداً هبة حتى يقبضها، والصدقة جائزة عليه».2
أمّا السند فموسى بن عمر وإن لم يوثّق ولكنّه ورد في أسانيد نوادر

1 . الحدائق الناضرة:22/313.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الهبات، الحديث7.

صفحه 150
الحكمة، وقد استثنى ابن الوليد جماعة ممّن ورد فيه، ولم يستثن هذا.
وأمّا العباس بن عامر فهو ثقة، كما أنّ أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع ثقة بلا كلام، فالرواية معتبرة.
وأمّا الدلالة فواضحة حيث إنّ مفهوم قوله:«الهبة لا تكون أبداً هبة إلاّ بالقبض» أنّها بدونه لا تكون هبة، فتكون باطلة بدون القبض، وأمّا قوله: «والصدقة جائزة عليه» فظاهره أنّ الصدقة تلزم بنفس الإيجاب والقبول لأنّ معنى قوله: «جائزة» أي نافذة. فيكون حكمها غير حكم الهبة، والفرق بينهما أنّه يشترط في الصدقة قصد القربة دون الهبة، ولكن التفصيل بين الهبة والصدقة غير معروف عند الأصحاب.
قال العلاّمة: الهبة والهدية والصدقة لا يملكها المتّهب والمهدى إليه والمتصدّق عليه بنفس الإيجاب والقبول إذا كانت عيناً إلاّ بالقبض، وبدونه لا يحصل الملك عند علمائنا أجمع.1
فلو قلنا بأنّه يمكن التفكيك بين فقرتي حديث واحد، يمكن الأخذ بالفقرة الأُولى دون الثانية.
2. مرسلة أبان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: النحل والهبة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها، قال(عليه السلام):«هي بمنزلة الميراث، وإن كان لصبي في حجره وأشهد عليه فهو جائز».2
والسند كما عرفت مرسل إلاّ أنّ المُرسِل هو أبان بن عثمان.

1 . تذكرة الفقهاء:2/417، (الحجرية).
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الهبات، الحديث1.

صفحه 151
وكلّ مَن ورد في السند ثقة، فالرواية معتبرة.
وأمّا الدلالة فواضحة حيث إنّ موت الواهب صار سبباً لكونه ميراثاً، وهو يدلّ على عدم حصول الملكية للموهوب له ولو ملكية جائزة، إذ لو كان كذلك لم يكن ميراثاً، بل يكون الوارث مختاراً في القبول والرد.
وأمّا ذيل الرواية فالمراد أنّه إذا وهب لصبي في حجره، فهو بمنزلة المقبوض، وبما أنّ الصبي من أرحامه تكون الهبة جائزة بمعنى نافذة، لا جائزة في مقابل لازمة، وقد ورد لفظ «الجائز» بمعنى النافذ في بعض الروايات.
3. ما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضّال، عن العباس بن عامر، عن داود بن الحصين، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:«الهبة والنحلة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها، قال: هو ميراث، فإن كانت لصبي في حجره فأشهد عليه فهو جائز».1
والرواية موثّقة باعتبار ابن فضّال في صدر السند والأصحاب عملوا بروايته، ومضمون الحديث نفس ما ورد في مرسلة أبان.
والفرق بين النحلة والهبة أنّ الأُولى بمعنى العطية أو الهدية التي لا ينتظر المهديّ عوضاً في مقابلها، بخلاف الهبة فهي في مظان دفع المتّهب له عوضاً عنها في المستقبل.
إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به من الروايات.

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب كتاب الهبات، الحديث2.

صفحه 152

ما يدلّ على كون القبض شرطاً للزوم

1. صحيحة أبي بصير

روى الشيخ بسند صحيح عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «والهبة جائزة قُبضت أو لم تقبض، قُسّمت أو لم تُقسَّم; والنحل لا يجوز حتى تقبض، وإنّما أراد الناس ذلك فأخطأوا».1
والاستدلال بالرواية مبني على أنّ المراد من قوله:«جائزة» أنّها غير لازمة فتكون لازمة بالقبض، والاستدلال جيّد لولا قوله: «قُبضت أو لم تقبض» فهو صريح في كونها جائزة مطلقاً مع أنّ المدّعى أنّها تلزم بالقبض.
ثمّ إنّ التفريق بين الهبة، بأنّها جائزة مطلقاً، والنحل، فإنّها لازمة بالقبض، أمر بعيد وإن كان بينهما فرق في المفهوم.
واحتمال أنّ المراد من قوله:«جائزة» أي نافذة، إذ ربّما يطلق الجواز ويراد به النفوذ، واللّزوم لو صحّ في نفسه لما نفع المدعي إذ يكون المعنى: أنّ الهبة لازمة قبل القبض وبعده، وهو على خلاف ما اتّفقوا عليه.

2. صحيحة أبي مريم

روى الشيخ بسنده عن فضالة، عن أبان، عن أبي مريم، قال:«إذا تصدّق الرجل بصدقة أو هبة قبضها صاحبها أو لم يقبضها علمت أو لم تعلم، فهي جائزة».2

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الهبات، الحديث4.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الهبات، الحديث2.

صفحه 153
والكلام في الرواية استدلالاً وجواباً واحتمالاً، مثله في الرواية الأُولى، فلا يمكن الركون إليها أيضاً.
على أنّك عرفت أنّ جعل القبض شرطاً للّزوم أمر غير معقول، فتعيّن القول الأوّل وهو أنّ القبض مملّك، ولولاه لا يحصل التملّك، ولو مات الواهب يكون ميراثاً.
ثمّ إنّه ربّما يستدلّ على القول الثاني بالإجماع كما ورد في «رياض المسائل»1، وقد عرفت أنّ المسألة ذات قولين، وليس في المقام إجماع، وربّما يستدلّ على القول الثاني بالاستصحاب أي ببقاء الموهوب على ملك الواهب ما لم يقبض، والحاجة إلى الاستصحاب إنّما هي إن لم يكن هناك دليل اجتهادي، وقد عرفت تمامية الروايات على القول المشهور.
***
تمّت قاعدة
لا حكم للهبة ما لم تقبض

1 . لاحظ: رياض المسائل:9/377.

صفحه 154
القواعد الفقهية
      43
قاعدة
   بيع الصرف واشتراط التقابض في المجلس
الصرف لغة واصطلاحاً
شرطية التقابض في المجلس
شرطية كون العوضين نقداً
ما هو مقتضى القاعدة؟
ما هو مقتضى الروايات؟

الصرف لغة واصطلاحاً

الصرف ـ لغة ـ : الصوت، سمّي به الذهب والفضة لوجود الصوت فيهما عند البيع والشراء.
وفي مصطلح المتشرّعة بيع الأثمان بالأثمان، أي الذهب والفضة، سواء أكانا مسكوكين أم لا.

شرطية التقابض في المجلس

قال المحقّق: ويشترط في صحّة بيعها ـ زائداً على الربويات ـ

صفحه 155
التقابض في المجلس، فلو افترقا قبل التقابض بطل الصرف على الأشهر.1
ومعنى ذلك أنّ التقابض مملّك أو متمّم للتمليك، فلولاه لم يحصل التملّك والتمليك بتمامهما. وأشار بقوله: على الأشهر، إلى القول الآخر وإن لم يكن مشهوراً، وهو قول الصدوق ونقله الشهيد في حواشيه عن صاحب «البشرى»، وهو الظاهر من المحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث ناقش في دلالة الروايات على شرطية التقابض في حصول التمليك، ولنذكر بعض الكلمات.
قال الشيخ: قد بيّنا أنّه لا يجوز بيع درهم بدرهمين، لا نقداً ولا نسيئة (لاستلزامه الربا) ولا بيع درهم بدرهم نسيئة، ولا بأس بذلك نقداً.(2) وقال مثل ذلك في الدينار.
وقال ابن زهرة: فإذا اختلف الجنس وكان أحدهما ذهباً والآخرة فضة، سقط اعتبار التماثل فقط واعتبر الحلول والتقابض بلا خلاف.2
وقال ابن حمزة: بيع الصرف يصحّ باجتماع ثلاثة شروط، وهي التبايع بالنقد، والتقابض قبل التفرّق، وتساوي البدلين في القدر مع اتّحاد الجنس.(4)
وحكى في «مفتاح الكرامة» عن السرائر أنّه قال: لا خلاف في هذا الشرط وفي البطلان بدونه، وفي كشف الرموز الإجماع على البطلان كذلك.3
وقال العلاّمة: الصرف بيع الأثمان بعضها ببعض، وهو جائز بالنصّ

1 . شرائع الإسلام:2/48.   2 . النهاية:380، باب الصرف وأحكامه.
2 . غنية النزوع:1/225.   4 . الوسيلة:243.
3 . مفتاح الكرامة:9/686.

صفحه 156
والإجماع، ويشترط فيه التقابض في المجالس بلا خلاف، فلو تفرّقا قبله، بطل، ولو تقابض البعض صحّ فيه خاصّة.1
وقال في «القواعد»: الصرف: بيع الأثمان بمثلها وشرطه التقابض في المجلس.2
ولعلّ هذا المقدار يكفي في الوقوف على موضع المسألة من الشهرة، وأمّا في فقه أهل السنّة فقد اشترطوا أمرين: عدم النسيئة، وعدم التفاضل، وفي «بداية المجتهد»: يخصّ هذا البيع شرطان: أحدهما: عدم النسيئة وهو الفور، والآخر: عدم التفاضل وهو اشتراط المثلية، وقال: أجمع العلماء على أنّ بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلاّ مثلاً بمثل، يداً بيد.3
ثمّ إنّ قوله:«يداً بيد» إشارة إلى كونهما نقداً، وهو لا يلازم التقابض في المجلس، بل يمكن أن يفارق أحدهما المجلس ويرسل الجنس الآخر عن طريق وكيله وخادمه، وهذا يصدق عليه «يداً بيد».
إذا عرفت ذلك فلندرس مقتضى القاعدة.

ما هو مقتضى القاعدة؟

مقتضى القاعدة هو أنّ الإيجاب والقبول سبب تام لإيجاد علقة البيع، من دون توقّف على شيء زائد، من التقابض في المجلس، غاية الأمر أنّ

1 . تحرير الأحكام:2/313.
2 . قواعد الأحكام:2/37.
3 . بداية المجتهد:5/69.

صفحه 157
الإقباض والقبض أمر واجب وفاءً بالعقد، فليس للقبض دور إلاّ كونه وفاءً للعهد، غير أنّ الحديث النبوي دلّ على شرطية التماثل إذا كان الجنسان متّحدين وكون البيع نقداً لما رواه مسلم في صحيحه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا تبيعوا الورق بالورق، إلاّ مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضه على بعض، ولا تبيعوا شيئاً غائباً منه بناجز إلاّ يداً بيد».1
وأمّا الشرط الثالث فهو من خصائص الفقه الإمامي وهو التقابض في المجلس، نعم احتمل المحقّق الأردبيلي أنّه ليس شرطاً ثالثاً وإنّما هو عبارة عن كونهما نقداً لا أحدهما نقداً و الآخر نسيئة، كما هو المفهوم من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يداً بيد».

ما هو مقتضى الروايات؟

وأمّا مقتضى الروايات فقد دلّت على أمر ثالث وراءهما.
1. ما رواه الكليني والشيخ عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: سألته عن الرجل يشتري من الرجل الدراهم بالدنانير فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو ديناراً، ثم يقول: أرسل غلامك معي حتى أعطيه الدنانير، فقال: «ما أحب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير».
فقلت: إنّما هم في دار واحدة وأمكنتهم قريبة بعضها من بعض، وهذا يشقّ عليهم؟ فقال: «إذا فرغ من وزنها وانتقادها فليأمر الغلام الذي يرسله أن يكون هو الذي يبايعه، ويدفع إليه الورق ويقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق».(2)

1 . صحيح مسلم:5/42.   2 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث1.

صفحه 158
ودلالة الحديث واضحة، حيث إنّ صريحها المنع من التأخير بعد نقد الدراهم ووزنها إلى أن يرسل غلامه معه، والمفروض أنّهم في دار واحدة، كما صرّح به في الخبر، فلم يرض(عليه السلام) إلاّ أن يرسل الغلام معه ويجعله وكيلاً في البيع والتقابض في المكان الذي يدفع فيه الورق، وأي نصّ أصرح من ذلك.1
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا اشتريت ذهباً بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه، وإن نزا حائطاً فانز معه».2
ودلالته واضحة حيث يدلّ على النهي عن المفارقة، حتى يأخذ منه، بل يبالغ في أنّه إن نزا حائطاً أي وثب، فلينز معه لئلاّ تحصل المفارقة الموجبة لبطلان العقد.
3. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن رجل ابتاع من رجل بدينار وأخذ بنصفه بيعاً، وبنصفه ورقاً؟ قال: «لا بأس»، وسألته: هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقاً أو بيعاً ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ به ورقاً أو بيعاً؟ فقال:«ما أُحب أن أترك منه شيئاً حتى آخذه جميعاً، فلا يفعله».3
نعم، لفظ «أُحب» يشعر بالكراهة، ولكنّه ظهور ضعيف في مقابل ما

1 . الحدائق الناضرة:19/279.
2 . الوسائل:12، الباب 2من أبواب الصرف، الحديث8.
3 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث9. قوله: «بيعاً» أراد به متاعاً. لاحظ التهذيب:7/ 100 برقم 430.

صفحه 159
دلّ على اللّزوم والوجوب.
وعلى هذا التقابض يحمل صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن بيع الذهب بالفضة مثلين بمثل يداً بيد؟ فقال: «لابأس».1
نعم ناقش في دلالة الروايات المحقّق الأردبيلي، وقال: وفي دلالة الكلّ تأمّل، إذ ليست بصريحة في الاشتراط، بل ولا في الإثم، فإن يداً بيد كأنّه كناية عن النقد لا النسيئة، فلا يدلّ على اشتراط القبض، ولفظة «ما أحب» تشعر بالاستحباب، وهو ظاهر.2
يلاحظ عليه: بما عرفت من وضوح دلالة رواية محمد بن مسلم والحلبي، وأمّا لفظة «لا أُحب» فقد عرفت أنّه ظهور ضعيف، حتى ادّعى صاحب الحدائق أنّه من الألفاظ المتشابهة لاستعماله في الأخبار بمعنى التحريم كثيراً، مع استعماله فيها بمعنى الكراهة، فلا يحمل على أحدهما إلاّ بالقرينة، والقرينة هنا على إرادة التحريم قوله(عليه السلام) في آخر الرواية:«فلا تفعله» وهو حقيقة في التحريم.
إلى هنا تمّ ما يدلّ على فتوى المشهور، نعم هناك روايات تؤيّد نظر الصدوق وأكثرها عن عمّار الساباطي.
روى الشيخ عن عمّار بن موسى الساباطي روايات أربع تدلّ على عدم البأس، وهي:
1. عن عمّار بن موسى الساباطي، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«لا

1 . الوسائل:12، الباب 2من أبواب الصرف، الحديث 6 و7.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:8/304.

صفحه 160
بأس أن يبيع الرجل الدنانير بأكثر من صرف يومه نسيئة».1
2. عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يبيع الدراهم بالدنانير نسيئة؟ قال:«لا بأس».2
3. عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«الدنانير بالدراهم بثلاثين أو أربعين أو نحو ذلك نسيئة لا بأس».3
4. عن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن الرجل هل يحلّ له أن يسلف دنانير بكذا وكذا درهماً إلى أجل؟ قال: «نعم لا بأس».
وعن الرجل يحلّ له أن يشتري دنانير بالنسيئة؟ قال:«نعم إنّ الذهب وغيره في الشراء والبيع سواء».4
قال الشيخ: هذه الأخبار الأصل فيها عمّار فلا تعارض الأخبار الكثيرة السابقة.5
أقول: يشير الشيخ بكلامه هذا إلى ما ذكره في بعض كتبه من أنّ متفردات عمّار لا يعمل بها وقد تفرّد بهذه الروايات.
نعم ورد في الصحيح عن زرارة قال:«لا بأس أن يبيع الرجل الدنانير نسيئة، بمائة أو أقل أو أكثر».6
وحمله الشيخ على أن يكون قوله:«نسيئة» صفة الدنانير، ولا يكون حالاً

1 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث10.
2 . الوسائل:12، الباب 2 من أبواب الصرف، الحديث11.
3 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث12.
4 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث14.
5 . الوسائل: 12 / 460، الباب 2 من أبواب الصرف، ذيل الحديث 14.
6 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث13.

صفحه 161
للبيع، فيكون تلخيص الكلام أنّ مَن كان له على غيره دنانير نسيئة جاز أن يبيعها عليه في الحال بدراهم، ويأخذ الثمن عاجلاً.1
وبما ذكرنا ظهر أنّه لا يكفي قبض أحدهما بدون إقباض الآخر، فلو قبض والحال كذلك كان كالأمانة في يده ويكون أشبه بالمقبوض بالسوم، فلا يضمن إذا تلف بلا تفريط.
فالملكية التامّة إنّما تتحقّق بتمامية التقابض، وبذلك ظهر ضعف الاحتمالين التاليين اللّذين نقلهما في الجواهر:
1. إنّ التقابض شرط لتأثير العقد المملّك فحصوله حينئذ يكشف عن حصوله من أوّل العقد.
وكأنّ القائل جعل التقابض شرطاً متأخّراً كاشفاً عن حصول مقتضاه من أوّل العقد.
2. احتمال عدم مدخلية التقابض في ذلك وأنّ العقد أثّر على ما يقتضيه من الملك إلاّ أنّه يبطله الافتراق قبل التقابض فكأنّه بمنزلة الفسخ بالخيار أو الإقالة.2
ولا يخفى مخالفة الاحتمالين للروايات.
ثمّ إنّ المحقّق صاحب الجواهر ذكر فروعاً وقال:
1. ولو قبض البعض خاصّة قبل التفرّق صحّ فيما قبض وبطل في غيره.

1 . التهذيب: 7 / 101 .
2 . جواهر الكلام:24/8.

صفحه 162
أمّا الصحّة فيما قبض فلكونه داخلاً في العموم، وأمّا البطلان فيما لم يقبض، لدخوله في التفرّق قبل التقابض.
ويدلّ على البطلان قوله:وسألته: هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقاً أو بيعاً ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ به ورقاً أو بيعاً؟ فقال: «ما أُحب أن أترك منه شيئاً حتى آخذه جميعاً، فلا تفعله».1
2. لو فارقا المجلس مصطحبين، لم يبطل إذا تقابضا قبل التفرّق. ويدلّ على ذلك ما سبق: «وإن نزا حائطاً فانز معه».2
3. لو وكل أحدهما في القبض عنه فقبض الوكيل قبل تفرّقهما صحّ ولو قبض بعده بطل; وذلك لأنّ الضابطة هي التقابض قبل تفرّق المتعاقدين، سواء كانا مالكين أو وكيلين، وفعل الوكيل فعل المالك.3
***
تمّت قاعدة
بيع الصرف واشتراط التقابض في المجلس

1 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث9.
2 . الوسائل:12، الباب 2من أبواب الصرف، الحديث8.
3 . جواهر الكلام: 24 / 10 .

صفحه 163
القواعد الفقهية
      44
قاعدة
بيع السلف وشرطية القبض قبل التفرّق
لزوم القبض قبل التفرّق
مقوّمات بيع السلم
ما عليه الأصحاب من عصر المفيد إلى عصرنا هذا
ما هو مقتضى القاعدة
عرّف بيع السلم بأنّه ابتياع مال مضمون إلى أجل معلوم بمال حاضر، أو في حكمه.1
توضيحه: أنّ المبيع في السلف يكون غير حاضر ويكون مؤجلاً إلى أجل معلوم، كما لو أسلف مائة طن من الحنطة في يوم كذا من شهر كذا، وأمّا الثمن فيجب أن يكون حاضراً ]وإلاّ فلو كان مؤجّلاً يكون من قبيل بيع الكالي بالكالي، وهو باطل[.
ثمّ إنّ المراد من كونه حاضراً إمّا أن يكون نقداً في مجلس البيع، أو يكون الثمن في ذمّة البائع إذا كان مديوناً للمشتري وهو بحكم الحاضر.
روى البخاري عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أسلف في شيء ففي كيل

1 . شرائع الإسلام:2/61 ، الفصل العاشر في السلف، كتاب التجارة.

صفحه 164
معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».1
ورواه في «بداية المجتهد» بلفظ آخر، قال:«مَن أسلف فليسلف في ثمن معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».2
وعلى كلّ تقدير فيجب أن يكون الثمن نقداً لا نسيئة وإلاّ يكون من مصاديق بيع الكالي بالكالي.

لزوم القبض قبل التفرّق

ثمّ إنّ الشيعة الإمامية قالوا وراء ذلك ـ أي أنّ الثمن نقداً وإلاّ يكون من مصاديق بيع الكالي بالكالي ـ بشرط آخر وهو قبض الثمن قبل التفرّق، فلو كان الثمن نقداً ولكن لم يكن هناك قبض وتفرّق المتبايعان يبطل البيع، وعليه أبو حنيفة والشافعي، قال الشيخ: من شرط صحّة السلم، قبض رأس المال قبل التفرّق. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال مالك: إن تفرّقا قبل القبض من غير أن يكون تأخير القبض شرطاً كان جائزاً، وإن لم يقبضه أبداً، وإن كانا شرطا تأخير القبض، فإن كان ذلك اليوم واليومين جاز، وإن كان أكثر من ذلك لم يجز.3
مقوّمات بيع السلم
فعلى ما ذكرنا فبيع السلم يتقوّم بالأُمور التالية:
1. كون المبيع مؤجّلاً.

1 . صحيح البخاري:529، برقم 2240، كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم.
2 . بداية المجتهد:5/84.
3 . الخلاف:3/201، المسألة 6.

صفحه 165
2. كون الثمن نقداً أو في حكمه.
3. حصول التقابض قبل التفرّق.

ما عليه الأصحاب من عصر المفيد إلى عصرنا هذا

ومن المعلوم أنّ الشرط الثالث غير الشرط الثاني.
ولم يذكره الشيخ المفيد في «المقنعة»، ولذلك قال العاملي في «مفتاح الكرامة»: هو خيرة الحسن ـ يريد العُمّاني ـ والمفيد على ما نقل.1 ولم نعثر على ما ذكره في «المقنعة».2
وقال ابن حمزة: وقبضه قبل التفرّق.3
وقال المحقّق: قبض رأس المال قبل التفرّق شرط في صحّة العقد، ولو افترقا قبله بطل، ولو قبض بعض الثمن صحّ في المقبوض وبطل في الباقي.4
وقال العلاّمة في «القواعد»: الرابع ـ من شروط بيع السلم ـ قبض الثمن في المجلس، فلو تفرّقا قبله بطل.5
ونقل صاحب «مفتاح الكرامة» عن الغنية والتذكرة والمسالك، الإجماع عليه قال: وهو ظاهر الدروس والمهذّب البارع.6

1 . مفتاح الكرامة: 13 / 718 .
2 . لاحظ مختلف الشيعة: 5 / 148 .
3 . الوسيلة:241.
4 . شرائع الإسلام:2/63.
5 . قواعد الأحكام:2/50.
6 . مفتاح الكرامة:9/789.

صفحه 166
وقال الأردبيلي في شرح قول العلاّمة: وقبض الثمن قبل التصرّف هذا هو الشرط الرابع، قال في التذكرة: فلا تجوز التفرقة قبله، فإن تفارقا قبل القبض بطل السلم عند علمائنا أجمع... ثم قال: ظاهره (العلاّمة) أنّه يحصل الإثم مع البطلان، وفي الإثم تأمّل كما مرّ في الصرف، ويحتمل أن يريد الشرط وأنّ دليل اعتبار القبض قبل التفرّق هو إجماعنا.1
وقال المحدّث البحراني بعد نقل كلام العلاّمة في التذكرة: ونقل عن ابن الجنيد جواز تأخير القبض ثلاثة أيام، ولم أقف في الحكم المذكور على نصّ، والظاهر أنّ دليل الأصحاب إنّما هو الإجماع المدّعى مع ما عرفت من خلاف ابن الجنيد.
ولعلّه لعدم وجود النصّ توقّف صاحب البشرى2 في الحكم المذكور كما نقل عنه، وهو في محلّه .3
وبذلك ظهر أنّ المنكر هو ابن الجنيد وأنّ المتوقّف هو صاحب البشرى وصاحب الحدائق.
وقال في «الجواهر» في شرح قول المحقّق:«ولو افترقا قبله بطل»: عند علمائنا أجمع في التذكرة، وهو الحجّة فيه بعد شهادة التتبّع وانحصار الخلاف في المحكي من قول أبي علي، وقد وصف في الدروس قوله بأنّه متروك.4

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/347.
2 . هو السيد أحمد بن طاووس أخو السيد رضي الدين علي بن طاووس من أساتذة العلاّمة الحلّي.
3 . الحدائق الناضرة:20/15ـ 19.
4 . جواهر الكلام:24/289.

صفحه 167

ما هو مقتضى القاعدة؟

أقول: مقتضى القاعدة هو حصول التمليك والتملّك للبائع والمشتري بنفس الإيجاب والقبول، وأنّ دور القبض هو دور الوفاء بالعقد لا أنّه مملّك أو متمّم للتمليك، لكن اتّفاق الأصحاب من عصر المفيد إلى يومنا هذا يصدّ الفقيه عن الإفتاء بأنّ دور القبض في السلف نفس دوره في غيره، ولذلك قال في الجواهر:إنّ في الإجماع المحكي المعتضد بما عرفت بلاغاً.1 وظاهر معقد الإجماع توقّف الملك عليه كشفاً أو نقلاً، بل الظاهر الثاني منهما.
نعم لا يشترط استمرار قبض الثمن فلو سلمه المشتري إلى البائع ثم ردّه البائع إليه وتفرّقا، جاز، لأنّ القدر المتيقّن غير هذا من الإجماع.
بقي الكلام في شرطية القبض في الحبس والرقبى فيأتي الكلام فيهما في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى.
***
تمّت قاعدة
بيع السلف وشرطية القبض قبل التفرّق
وبها يتمّ
الفصل الخامس من الكتاب

1 . نفس المصدر.

صفحه 168

صفحه 169

   الفصل السادس   

القواعد الجارية في الأُمور العبادية وما يلحق بها

1. كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض
2. إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء
3. لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة
4. حجّية الظن في عدد الركعات وأفعال الصلاة
5. ليس على الإمام سهو مع حفظ المأموم وبالعكس
6. لا سهو في سهو
7. لا شكّ لكثير الشكّ
8. لا سهو في نافلة
9. لا شكّ بعد خروج الوقت
10. لا شكّ بعد التجاوز عن المحل
11. لا شكّ بعد الفراغ
12. البناء على الأكثر عند الشكّ في الركعات
13. لا زكاة إلاّ في الملك التام
14. لا زكاة إلاّ بعد التمكّن من التصرّف

صفحه 170
15. ما فيه العشر وما فيه نصف العشر في الزكاة
16. عبادات الصبيّ المميّز شرعيّة لا تمرينيّة
17. وجوب الخمس في كلّ فائدة
18. الخمس بعد المؤونة
19. الخمس كلّه للإمام
20. لا حجّ إلاّ مع الاستطاعة
21. مَن يمرّ على ميقات وهو لا يريد النسك
22. أدنى الحلّ ميقات مَن لا يمرّ بميقات ولا بما لا يحاذيه
23. حكم صلاة الجماعة بالاستدارة حول الكعبة

صفحه 171
القواعد الفقهية
   45
قاعدة
كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض
في تحديد دم الحيض إجمالاً
القاعدة في كلمات الأصحاب
ما هو المراد من الإمكان في القاعدة؟
المراد هو الإمكان الوقوعي بالنسبة إلى الأدلّة الشرعيّة
هل القاعدة أصل عملي يحتجّ بها في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة، أو أنّها قاعدة اجتهادية يتمسّك بها عند اجتماع الشرائط وانتفاء الموانع؟
دليل القاعدة
اشتهر بين الفقهاء قولهم: كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض.
وتحقيق الكلام رهن البحث في جهات:

الجهة الأُولى: في تحديد دم الحيض إجمالاً

إنّ الروايات حدّدت دم الحيض بأوصاف وشروط وعُرّف بالدم السائل الذي يقذفه الرحم، وفي الأغلب يكون أسود غليظاً حارّاً يخرج بحرقة، وله شروط وقيود باعتبار سن المرأة بأن تكون بالغاً غير يائس، ولا

صفحه 172
يكون أقلّ من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة، ويجب أن يكون بين الحيضتين فاصل زماني أقلّه عشرة أيام متواليّة، إلى غير ذلك من القيود والشروط.
فلو رأت الدم في أيام العادة على الشروط المذكورة فهو حيض بلا كلام، وأمّا إذا رأته في غير أيام العادة ولكن لم يكن هناك أي مانع شرعي من جعله حيضاً، فهذا هو الذي يذكره الفقهاء بقولهم: ما يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض.

الجهة الثانية: القاعدة في كلمات الأصحاب

هذه القاعدة مذكورة في كتب الفقهاء منذ عصر الشيخ الطوسي إلى زماننا هذا، فلنذكر بعض الكلمات:
1. قال الشيخ في «الخلاف»: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، سواء كانت أيام العادة، أو الأيام التي يمكن أن يكون الدم فيها حيضاً; ثم استدلّ على ذلك بإجماع الفرقة وأنّ إجماعهم حجّة.1
وقال في «المبسوط»: الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، سواء كانت أيامَ حيضها التي جرت عادتها أن تحيض فيها، أو الأيام التي يمكن أن تكون حائضاً. مثال ذلك: أن تكون المرأة المبتدأة (التي لم تستقر لها العادة) إذا رأت الدم مثلاً خمسة أيام ثم رأت إلى تمام العشرة أيام صفرة أو كدرة، فالجميع حيض لأنّه في أيام الحيض، وكذلك إن جرت عادتها أن تحيض كلّ شهر خمسة أيام ثم رأت في بعض الشهور

1 . الخلاف:1/235، المسألة 201.

صفحه 173
خمسة أيام دماً ثم رأت بعد ذلك إلى تمام العشرة صفرة أو كدرة، حكمنا بأنّه حيض.
فقد مثّل لقوله: أو الأيام التي يمكن أن تكون حائضاً، بمثالين:
الأوّل: المبتدأة التي لم تستقرّ لها عادة فرأت خمسة أيام على صفات الحيض، ثم رأت إلى تمام العشرة صفرة أو كدرة، فاختلف حال الدم من حيث الصفات، في الرؤية الأُولى.
الثاني: مَن استقرّت لها العادة في الشهور الماضية على خمسة أيام، لكنّها صارت في بعض الشهور مختلفة مع ما سبق، عدداً، حيث زادت الأيام إلى عشرة; ووصفاً حيث كانت الخمسة الأُولى على صفات الحيض وفي الخمسة الثانية على الصفرة والكدرة، التي تناسب الاستحاضة.1
2. وقال ابن إدريس: فأمّا غير المبتدأة فهي التي لها عادة فلتلتزم عادتها إذا تجاوز دمها العشر، وأمّا إذا لم يتجاوز دمها العشر فأي دم رأته بعد عادتها وقبل تجاوز العشر فهو دم حيض; لقولهم(عليهم السلام): «الكدرة والصفرة في أيام الحيض حيض وفي أيام الطهر طهر».2 يعنون بأيام الحيض العشرة الأيام التي هي حدّ الأكثر.3
فمصبّ كلامهما هو أيّام العادة لكن صارت عادة المبتدأة مختلفة الصفات، أو صارت ذات العادة المستقرّة مختلفة مع الماضي في العدد والوصف على ما مرّ.

1 . المبسوط:1/43 ـ44.
2 . الوسائل:2، الباب4 من أبواب الحيض، الحديث9.
3 . السرائر:1/147.

صفحه 174
3. وقال ابن حمزة: والصفرة والكدرة في أيام الحيض أو فيما يمكن أن يكون حيضاً حيض، وفي أيام الطهر طهر، فإذا رأت الدم بعد انقضاء تسع سنين ولم يشتبه عليها (كما إذا كانت على صفات الحيض) أو اشتبه وكان محكوماً عليه بالحيض (لعدم التجاوز عن العشرة أيام)، تركت الصلاة والصوم ولها أربعة أحوال.1
ترى أنّه أيضاً خصّ القاعدة بما إذا زاد على أيام العادة ولم يتجاوز العشرة .
4. وقال المحقّق: وما تراه من الثلاثة إلى العشرة ممّا يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض، سواء تجانس أو اختلف.2
والشاهد في قوله: أو اختلف، بأن كان صفرة بعد ما كان حمرة. وهذا أيضاً خصّ القاعدة بأيام الحيض أي العشرة.ولكن اختلفت صفات الدم في الأيام الأخيرة قبل العشرة.
5. قال العلاّمة في «القواعد»: وكلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض وإن كان أصفر أو غيره، فلو رأت ثلاثة ثم انقطع عشرة ثم رأت ثلاثة فهما حيضان. ولو استمر (أي رأت) ثلاثة وانقطع ورأته قبل العاشر وانقطع على العاشر فالدمان وما بينهما حيض، ولو لم ينقطع عليه فالحيض، الأوّل خاصّة.3
ترى أنّه خصّ القاعدة بأيام الحيض حيث إنّها إذا رأت ثلاثة ثم

1 . الوسيلة:57.
2 . شرائع الإسلام:1/29.
3 . قواعد الأحكام:1/213.

صفحه 175
انقطع عشرة ثم رأت ثلاثة، فحكم على الثاني بأنّه حيض، لوجود الفاصل الزماني بين الحيضين، أعني: العشرة.وكذا إذا رأت ثلاثة ثم انقطع ورأت قبل العشر، فالدمان (ثلاثة أيام والدم قبل العشرة) وما بينهما من الأيام الخالية عن الدم محكوم بكونه حيضاً.
6. قال المحقّق الكركي في شرح قول العلاّمة:«وكلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض»: المراد بالإمكان عدم الامتناع عند الشارع، فلو رأت دماً بشرائط الحيض كلّها لكن تقدّمه دم كذلك ولم يتخلّل بينهما أقل الطهر، امتنع أن يكون حيضاً، وكذا ما بين العادة والعشرة مع التجاوز (فلا يمكن عدّ الزائد على العادة من الحيض) ولا يقدح عدم ظهور الحال قبل بلوغ العشرة; لأنّ الحكم بكونه حيضاً وعدمه عند الشارع واقع (معين عنده)، وانكشافه عندنا موقوف على التجاوز وعدمه، ولا يعتبر في إمكان كون الدم حيضاً أن يكون بصفة دم الحيض كما صرّح به المصنّف في المنتهى وغيره، وكذا غيره.1وذلك لأنّ الصفرة والكدرة في أيام الحيض، حيض، فأمارية العادة مقدّمة على التمييز بالصفات.
وهذه الكلمات هي الأُم لسائر كلمات الأصحاب، ولو كان الميزان ما جاء فيها فهي مختصّة بأيام الحيض إذا تجاوز عن العادة وانقطع عند العشرة، أو كانت أيام العادة في شهرين مختلفة.
ولا يستفاد من هذه الكلمات أكثر من ذلك.
ولو كان في كلمات المتأخّرين ما يدلّ على أوسع من ذلك ـ كما ستأتي موارده ـ فهو استنباطات من الأدلّة المذكورة في كتبهم.

1 . جامع المقاصد:1/288.

صفحه 176

الجهة الثالثة: ما هو المراد من الإمكان في القاعدة؟

لا يخفى أنّ للإمكان في لسان المناطقة والحكماء إطلاقات مختلفة:
1. الإمكان الخاص: كقولك: الإنسان موجود بالإمكان الخاص، فهو بمعنى سلب الضرورة عن الطرفين، أعني: العدم والوجود.
2. الإمكان العام: وهو سلب الضرورة عن الطرف المخالف، وأمّا الطرف الموافق فيمكن أن يكون ممكناً أيضاً، فهذا نظير المثال السابق إذا قلنا: الإنسان موجود بالإمكان العام، بمعنى سلب الضرورة عن عدمه، فهو ليس كشريك الباري الذي عدمه ضروري، وفي الوقت نفسه وجوده أيضاً ليس بضروري، ويمكن أن يكون الجانب الموافق ضرورياً كما هو الحال في الواجب، فإنّه موجود بالإمكان العام بهذا المعنى.
3. الإمكان الوقوعي: وهو ما لا يلزم من وقوعه محال.
وبهذا المعنى قالوا: التعبّد بالظن ممكن، أي لا يلزم من وجوده محال، خلافاً لابن قبة الذي كان يدّعي كونه مستلزماً للمحال، من تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة الذي يمتنع على الله سبحانه.
4. الإمكان القياسي أو الإمكان بالقياس إلى الغير، ويراد به لا ضرورة وجود الشيء وعدمه بالنظر إلى الغير، ويرجع إلى أنّ الغير لا يأبى عن وجوده ولا عن عدمه حين يقاس إليه، وهذا يتحقّق في الأشياء التي لا تكون بينها علاقة طبيعية من جهة العلّية والمعلوليّة.
5. الإمكان الاحتمالي وهو ما اصطلح عليه الشيخ الرئيس بقوله: ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان، ويراد به أنّ الإنسان إذا سمع قضية مثلاً كنزول البشر على سطح

صفحه 177
المريخ، فلا يحكم عليه بالمحال، بل يقول: يحتمل، ومع ذلك فيمكن أن يكون محالاً ويمكن أن يكون ممكناً. ومفاد القاعدة النهي عن التسرّع في القضاء والصبر إلى أن ينكشف الواقع.
إنّما الكلام فيما هو المراد من الإمكان في هذه القاعدة؟
هنا احتمالات:
1. المراد هو الإمكان الخاص الملازم لسلب الضرورة عن كلا الطرفين، ولا شكّ أنّه ليس بمراد، إذ ـ مضافاً إلى أنّه من أوصاف الماهية، والكلام في الدم الموجود، فهو إمّا حيض بالضرورة أو ليس بحيض كذلك ـ أنّ سلب الضرورة عن كلا الطرفين مع الحكم بأنّه حيض، لا ينسجمان.
2. المراد هو الإمكان العام1 وهذا هو الذي اختاره الشهيد الثاني، قال: المراد بالإمكان في القاعدة، هو الإمكان بمعناه العام الذي هو سلب الضرورة عن الجانب المخالف للحكم، فيدخل فيه صنفان:
أ. ما تحقّق (وجب) كونه حيضاً لاجتماع شرائطه وارتفاع موانعه، كرؤية ما زاد على الثلاثة في زمن العادة الزائدة عنها (الثلاثة) بصفة دم الحيض وانقطاعه عليها (العادة).
ب. ما احتمل كونه حيضاً، كرؤيته بعد انقطاعه على العادة، ومضيّ أقلّ الطهر متقدّماً على العادة (الثانية) فإنّه يحكم بكونه حيضاً لإمكانه.
ويتحقّق عدم الإمكان بقصور السن عن تسع، وزيادة على الخمسين

1 . إنّ وصف الأوّل بالخاصّ لاختصاصه بالممكنات، ووصف الثاني بالعام لشموله لها وللواجب; يقول التفتازاني في التهذيب: امتنعت أفراد أو أمكنت. ولم توجد أو وجد الواحد فقط مع إمكان الغير أو امتناعه.

صفحه 178
والستين، وبسبق حيض محقّق لم يتخلّل بينهما أقلّ الطهر، أو نفاس كذلك، وكونها حاملاً ـ على مذهب المصنّف ـ وغير ذلك.1
وأورد عليه السيد الحكيم بقوله: القضية وإن كانت صحيحة إلاّ أنّها تكون حقيقة واقعية; لأنّ كلّ دم لا يكون سلب الحيض عنه ضرورياً، فهو حيض واقعاً، ولا يكون قضية تعبّديّة ظاهرية كما هو المقصود.2
يلاحظ عليه: بأنّه إذا قلنا: زيد موجود بالإمكان العام، فإنّ معناه سلب الضرورة عن جانب العدم، فهل يكون معنى ذلك أنّ وجوده ضروري؟ فإذا لم يكن سلب الحيض عنه ضروريّاً، لا يلازم كونه حيضاً، لاحتمال كونه استحاضة أو دم قروح وجروح.
نعم حملُ كلمات القدماء على ذلك المصطلح الذي هو للمنطقيّين والحكماء بعيد.
وعلى كلّ تقدير فسواء فسّر الإمكان بالوقوعي أو بالقياسي أو الاحتمالي، فللقاعدة تفسيران:
الأوّل: كلّ ما لم يمتنع من جهة الموانع المقرّرة في الشريعة كونه حيضاً بأن كان جامعاً لشرائطه وخالياً من موانعه المقرّرة، فهو حيض، وإن لم نعلم كونه من بعض الخصوصيات التي لا يطّلع عليها إلاّ مَن يعلم ما في الأرحام.3 والمراد من بعض الخصوصيات احتمال وجود اختلال في الرحم الذي سبب قذف الدم.

1 . مسالك الأفهام:1/59.
2 . مستمسك العروة الوثقى:3/232.
3 . كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري:3/326.

صفحه 179
وهذا هو الظاهر من الشهيد الثاني في «الروضة» قال: ومتى أمكن ـ أي كون الدم حيضاً ـ بحسب حال المرأة بأن تكون بالغة غير يائسة، ومدّته بأن لا ينقص عن ثلاثة ولا يزيد عن عشرة، ودوامه كتوالي الثلاثة، ووصفه كالقويّ مع التمييز، ومحلّه كالجانب إن اعتبرناه ونحو ذلك، حكم به، وإنّما يعتبر الإمكان بعد استقراره فيما يتوقّف عليه كأيّام الاستظهار، فإنّ الدم فيها يمكن كونه حيضاً، إلاّ أنّ الحكم به موقوف على عدم عبور العشرة، ومثله القول في أوّل رؤيته مع انقطاعه قبل الثلاثة.1
وعلى هذا تصبح القاعدة قاعدة اجتهادية يتمسّك بها عند اجتماع الشرائط وانتفاء المانع، كما في الأمثلة التالية:
1. إذا رأت الدم في أيام العادة.
2. إذا رأت قريباً منها.
3. إذا استمر الدم بعد انقضاء أيام العادة وانقطعت قبل العشرة أو عندها .
4. إذا رأت الدم في شهر مرّتين وبينهما طهر عشرة أيام أو أكثر لكن اتّصف بصفات الحيض.
5. إذا رأت المبتدأة دماً بوصف الحيض فتستظهر ويحكم عليها بالحيض بعد مضيّ ثلاثة أيام.
وعلى هذا فلو شكّ في شرطية التوالي، أو مانعية الحمل في الشبهة الحكمية أو في بلوغها أو كونها يائساً في الشبهة الموضوعية، فلا يحتجّ فيها

1 . الروضة البهية:1/372.

صفحه 180
بالقاعدة; لأنّها ليست أصلاً، حتى يحتجّ بها في الموارد المشكوكة.
فإن قلت: إذا كان المورد جامعاً للشرائط المعلومة والمحتملة وفاقداً للموانع كذلك فلا تبقى حاجة لجعل القاعدة.
قلت: قد مرّ أنّه ربّما يشكّ الإنسان ـ مع هذه الجامعية ـ لأجل بعض الخصوصيات الّتي لا يطّلع عليها إلاّ العالم بالغيب، لاحتمال كونه دم جرح أو قرح، أو دم طروء اختلال في الرحم، فلا يعتدّ بهذه الاحتمالات ويحتجّ بالقاعدة على كونه دم حيض.
وهذا بخلاف ما يأتي في التفسير الثاني فإنّه يحتجّ بالقاعدة في عامّة الموارد المشكوكة، إلاّ ما دلّ الدليل على عدم كونه دم حيض.
الثاني: عدم الامتناع من جهة ما وصل إلينا من الموانع الشرعية (كعدم تجاوز الدم عن العشرة، أو تخلّل عشرة أيام بين الحيضين، وغيرهما ممّا علم شرعاً كونه مانعاً) وحينئذ فمجرّد عدم ثبوت مانع شرعي لحيضية الدم يكون كافياً للحكم بحيضيته. ولا يحتاج إلى إحراز الشروط الواقعية، فيكون أصلاً عملياً يحتجّ به على الحيض في الشبهات الحكمية والموضوعية، كما في الموارد أدناه:

أمّا الشبهة الحكمية فكالمثالين التاليين:

1. إذا شكّ في شرطية التوالي وخرج الدم بصورة غير متوالية.
2. إذا شكّ في مانعية الحمل وخرج الدم وكانت حاملاً.

صفحه 181

أمّا الشبهة الموضوعية فكالأمثلة التالية:

1. إذا خرج الدم وهي خنثى مشكل، ولم تثبت أُنوثيتها.
2. إذا خرج الدم وشكّ في بلوغها تسع سنين.
3. إذا خرج الدم وشكّ في كونها يائساً.
4. إذا رأت الدم في غير أيام العادة مع تخلّل العشر وكانت فاقدة لصفات الحيض.
5. إذا خرج الدم ولم يعلم استمراره ثلاثة أيام.
6. إذا خرج الدم وهي حامل ويُشكّ في كون الحمل مانعاً.
فبما أنّ كونها حيضاً أمر محتمل ولم يمنع عن الحكم به (بالحيض) دليل شرعي في مقام الإثبات، فيحكم به (بالحيض).
وحصيلة الكلام: أنّه إذا لم يكن دليل قاطع على عدم الحيضية، فالمرجع عندئذ هو قاعدة الإمكان، فمجرد الاحتمال كاف في الحكم به.
فلو قلنا بحجّية القاعدة فهي، وإلاّ فالمرجع هو الأصل الآخر وهو أصالة عدم كون المرأة حائضاً أو استصحاب كونها طاهراً.
كما أنّ المرجع فيما إذا رأت الدم في غير أيام العادة هو قاعدة التمييز حيث إنّ دليله يدلّ على العدم عند العدم، قال: «دم الاستحاضة بارد وأنّ دم الحيض حار».1
فمَن قال بحجيّة القاعدة يرجع في هذه الموارد الثمانية إليها، وإلاّ فالمرجع إمّا الاستصحاب أو قاعدة التمييز.

1 . الوسائل:2، الباب3 من أبواب الحيض، الحديث6.

صفحه 182
هذا مفاد القاعدة، إنّما المهم ما هو الدليل على أحد الاحتمالين وهذا ما سيوافيك في الجهة التالية.
***

الجهة الرابعة: دليل القاعدة

استدلّ على القاعدة بوجوه:

الأوّل: الأصل في دم النساء الحيضية (الغلبة)

يقال: إنّ الأصل في دم النساء كونه حيضاً; لأنّه الغالب فيها، والمخلوق فيهن للحكمة، أعني: تغذّي الجنين على الدم.
ولا يخفى أنّه ممنوع صغرى وكبرى. أمّا الصغرى: فلأنّ دم الاستحاضة مع سائر الدماء المحتملة ليس بأقلّ من دم الحيض، كدم القرح والجرح والبكارة، فالمجموع من حيث المجموع لا يقلّ عن الحيض.
وأمّا الكبرى: فقد سلمنا أنّ الدم الخارج حيض بحكم الغلبة الّتي بالغ في التأييد بها الفقيه الهمداني في مصباحه1 واستشهد بروايات، لكن الشارع حدّده بحدود وشرط له شروطاً وجعل له موانع، فما لم تحرز هذه الحدود لا يحكم عليها بالحيضية شرعاً، فلو شك في شرطيّة التوالي أو مانعية الحمل أو كونها بالغة أو يائسة، فلا يحتجّ بالقاعدة، لعدم إحراز الشروط والموانع وإن كان الخارج بصورة دم حيض عرفاً وطبيعة.

1 . مصباح الفقيه:4/68.

صفحه 183

الثاني: بناء العرف

فإنّ المتعارف أنّ المرأة (التي من شأنها أن تحيض) متى ما رأت ما يمكن أن يكون حيضاً، تبني على كونه حيضاً.
يقول الشيخ الأنصاري: استقرار سيرة المتشرّعة على جعل الدم الخارج من المخرج حيضاً ما لم يعلم كونه دماً آخر، بل على ذلك بناء العرف قاطبة، وكما يجب الرجوع إلى العرف لاستعلام مراد الشارع من ألفاظه التي لم يثبت له فيها حقيقة شرعيّة، كذلك يجب الرجوع إليه لاستعلام مصاديق ما عُلم إرادته من ألفاظ الشارع إذا لم ينصب معرّفاً خاصّاً لمعرفة تلك المصاديق.1
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ العرف مرجع في تحديد المفاهيم لا المصاديق ـ كما قيل ـ أنّ ما ذكره إنّما يفيد إذا كانت الشبهة موضوعية، كرؤية المبتدأة الدم ما لم تمض ثلاثة أيام، وأمّا إذا كانت الشبهة حكمية ـ على ما مرّت ـ2 فالنساء غير عارفات بالأحكام الكلّية التي تضمّنت شروطاً وقيوداً للحكم بالحيض، فإذا فقدن العلم بها لا تكون مرجعاً لتشخيص المصاديق.

الثالث: الإجماع

قال المحقّق في «المعتبر»: وما تراه المرأة بين الثلاثة إلى العشرة حيض إذا انقطع، ولا عبرة بلونه ما لم يعلم أنّه لقرح أو عذرة، وهو إجماع، ولأنّه زمان

1 . كتاب الطهارة:3/331.
2 . كما إذا رأت الدم أياماً غير متوالية، أو رأت وهي حامل.

صفحه 184
يمكن أن يكون حيضاً فيجب أن يكون الدم فيه حيضاً.1
ونظيره العلاّمة في «المنتهى».2 من قوله: (ولأنّه في زمان يمكن أن يكون حيضاً فيكون حيضاً) دليل لما ذكره وهو يدلّ على تسليم الكبرى.
يلاحظ عليه: أنّ الإجماع في المقام مدركي، فقد استندوا إلى ما ورد من الروايات التي سنتلوها عليك. على أنّ المتيقّن من كلماتهم هو التمسّك بالقاعدة في خصوص أيام العادة إذا اختلف وصف الدم بين الأوائل والأواخر، أو اختلف وصف العادة الثانية في بعض أيامها، فقد3 حكموا بالحيض في تلك الموارد، وأين هو من حجّية قاعدة الإمكان في الشبهات الحكمية والموضوعية.

الرابع: الروايات

استدلّ المتأخّرون على التفسير الثاني للقاعدة بالروايات المشتملة على التعليل باحتمال الحيض مع عدم المانع الشرعي، وهذا القسم من الروايات هو أفضل ما استدلّ به على المقام، والروايات على طوائف:

الطائفة الأُولى: الحبلى ربّما قذفت الدم

دلّت غير واحدة من الروايات على أنّ الحيض يجتمع مع الحمل، منها:
1. صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سُئل عن الحبلى

1 . المعتبر:1/203.
2 . منتهى المطلب:2/287.
3 . لاحظ عبارة المبسوط المتقدّمة في ص 173 .

صفحه 185
ترى الدم، أتترك الصلاة؟ فقال: «نعم، إنّ الحبلى ربّما قذفت بالدم».1
2. مرسلة حريز عمّن أخبره، عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) في الحبلى ترى الدم، قال: «تدع الصلاة فإنّه ربّما بقي في الرحم الدم ولم يخرج وتلك الهراقة».2
3. صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الحبلى ترى الدم؟ قال: «نعم، إنّه ربّما قذفت المرأة الدم وهي حبلى».3
4. صحيحة سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): جعلت فداك الحبلى ربّما طمثت؟ قال: «نعم وذلك أنّ الولد في بطن أُمّه غذاؤه الدم فربّما كثر ففضل منه، فإذا فضل دفقته، فإذا دفقته حرمت عليها الصلاة».4
وجه الدلالة: أنّ الإمام (عليه السلام) أمرها بترك الصلاة بمجرّد الاحتمال الذي يساوق الإمكان.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الروايات بصدد ردّ ما عليه أبي حنيفة وأمثاله، قال الشيخ في «الخلاف»: الحامل عندنا تحيض قبل أن يستبين حملها، فإذا استبان فلا حيض. وقال الشافعي في الجديد: إنّها تحيض، ولم يفصّل. وقال في القديم: لا تحيض، ولم يفصّل، وبه قال أبو حنيفة.5
فالإمام بصدد ردّ قول مَن ينفي اجتماع الحيض مع الحمل، ويصحّح

1 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث1.
2 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث9.
3 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث10.
4 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث14.
5 . الخلاف:1/239، المسألة 205.

صفحه 186
الاجتماع بالتعاليل الواردة في الروايات من قوله: «إنّ الحبلى ربّما قذفت بالدم»، ومن قوله:«فإنّه ربّما بقي في الرحم الدم ولم يخرج وتلك الهراقة»، ونظير ذلك.
فأين هذه التعليلات من تأسيس قاعدة باسم (قاعدة الإمكان) وأنّه كلّما لم يمتنع الحيض فهو حيض، ففتوى أبي حنيفة وأمثاله قرينة على المراد بالتعليلات ردّ هذه الظنون والأفكار، لا تأسيس قاعدة باسم: قاعدة الإمكان.
والذي يدلّ على ما ذكرنا أنّ الإمام أمر بالاختبار في مورد الحبلى، في الروايات التالية:
الف. روى إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين؟ قال:«إن كان دماً عبيطاً فلا تصلّي ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين».1
ب. روى محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألت عن الحبلى قد استبان حبلهاترى ماترى الحائض من الدم؟ قال: «تلك الهراقة من الدم إن كان دماً أحمر كثيراً فلا تصلّي، وإن كان قليلاً أصفر فليس عليها إلاّ الوضوء».2
فإنّ الارجاع إلى التمييز في الصفات في مورد الحبلى أفضل دليل على بطلان قاعدة الإمكان. وإلاّ فمع حجّيتها، لا حاجة إلى التمييز بها.
ج. روى أبو المغرا قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحبلى قد استبان ذلك منهاترى كماترى الحائض من الدم؟ قال:«إن كان دماً كثيراً فلا تصلّي، وإن كان

1 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث6.
2 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث15.

صفحه 187
قليلاً فلتغتسل عند كلّ صلاتين».1
ترى أنّه جعل الكثرة دليلاً على كونه حيضاً والقلّة دليلاً على كونه استحاضة، فالتمسّك بالتمييز مع وجود الموضوع لقاعدة الإمكان دليل على عدم صحّتها.

الطائفة الثانية: إفطار الصائمة بمجرّد الطمث

دلّت غير واحدة من الروايات على وجوب إفطار الصائمة بمجرّد الطمث، منها:
1. روى العيص بن القاسم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طمثت في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس؟ قال: «تفطر حين تطمث».2
2. روى علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في امرأة حاضت في رمضان حتى إذا ارتفع النهار رأت الطهر، قال: «تفطر ذلك اليوم كلّه، تأكل وتشرب ثم تقضيه»، وعن امرأة أصبحت في رمضان طاهراً حتّى إذا ارتفع النهار رأت الحيض؟ قال: «تفطر ذلك اليوم كلّه».3
3. روى منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أي ساعة رأت الدم فهي تفطر، الصائمة إذا طمثت، وإذا رأت الطهر في ساعة من النهار قضت صلاة اليوم، والليل مثل ذلك».4

1 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث5.
2 . الوسائل:2، الباب 50 من أبواب الحيض، الحديث1.
3 . الوسائل:2، الباب50 من أبواب الحيض، الحديث6.
4 . الوسائل:2، الباب50 من أبواب الحيض، الحديث3.

صفحه 188
كيفية الاستدلال: أنّ الإمام(عليه السلام) أمر بالإفطار بمجرّد رؤية الدم، مع أنّ كون الخارج دمَ الحيض أمر محتمل.
يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّ الظاهر تسليم السائل والمجيب أنّ الخارج دم حيض، لا أنّه دم محتمل، وليست الروايات في مقام جعل الحيضية للمحتمل أنّه حيض.
ثانياً: أنّ الروايات بصدد بيان مفطرية الدم مطلقاً في مقابل مَن زعم أنّ خروج الدم بعد الزوال ليس بمفطر، ومَن درس روايات الباب يظهر ذلك له بوضوح.

الطائفة الثالثة: الأمر بالتحيّض قبل وقت العادة

منها: روى سماعة قال: سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها؟ فقال: «إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصلاة فإنّه ربما تعجّل بها الوقت».1 فقد اكتفى الإمام في الاستدلال على كون الدم، دم حيض بالاحتمال وأنّه ربّما يتقدّم.
يلاحظ عليه: أنّ السائل والمجيب قد تسالما أنّ الدم الخارج قبل وقت العادة دم حيض، ولكن السائل تعجّب من تقدّمه على وقت العادة، فصار الإمام بصدد دفع تعجّبه، بأنّه ربّما يتقدّم الدم فلا يضرّ بالتحيّض، وأين هذا من جعل الاحتمال دليلاً على الحيض على وجه الإطلاق؟!

1 . الوسائل:2، الباب13 من أبواب الحيض، الحديث1.

صفحه 189

الطائفة الرابعة: الاستدلال بالاحتمال

روى العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن امرأة ذهب طمثها سنين ثم عاد إليها شيء؟ قال: «تترك الصلاة حتى تطهر».1
والشاهد في قوله:«ثم عاد إليها شيء» أي محتمل كونه حيضاً.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من قوله:«ثم عاد إليها شيء» هو عود الدم الذي ذهب، فالعائد كان دم حيض قطعاً لا دماً محتملاً.

الطائفة الخامسة: الاكتفاء بالصفرة في أيامها

روى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، قال: «لا تصلّي حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضّأت وصلّت».2
ترى أنّ الإمام اكتفى بالصفرة بالحكم بالحيض، وهو لا يفيد إلاّ الاحتمال.
يلاحظ عليه: أنّ الإمام حكم بالحيض لكون الصفرة في أيام العادة، فالسبب للحكم بالحيض كون الصفرة في أيام العادة، وقد مرّ في كلمات القوم تبعاً للروايات أنّ الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض وفي غيرها استحاضة.
وحصيلة الكلام في هذه الروايات: أنّ المفروض فيها كون الخارج دم حيض، وإنّما طرأ الشكّ في الحكم عليه بالحيض لأجل أُمور خارجة

1 . الوسائل:2، الباب32 من أبواب الحيض، الحديث1.
2 . الوسائل:2، الباب4 من أبواب الحيض، الحديث1.

صفحه 190
عن حقيقة الدم ككون الحمل مانعاً، أو التقدّم على وقت العادة، أو أنّ خروج الدم قبل الظهر مفطر لا بعده، إلى غير ذلك من الأُمور التي سبّبت السؤال، وأين ذلك من جعل قاعدة ظاهرية على الدم المحتمل؟!
وعلى ذلك ففي الموارد المشتبهة كما مرّ فالمرجع هو التمييز بالصفات إن كانت، وإلاّ فالمرجع هو الاستصحاب، أي أصالة عدم كونها حائضاً، ولا تصل النوبة إلى قاعدة الإمكان، فهي ليست حجّة، والله العالم.
***
تمت قاعدة
كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض

صفحه 191
القواعد الفقهية
   46
قاعدة
إذا بلغ الماء قدر كرٍّ لا ينجّسه شيءٌ
الكر لغة واصلاحاً
الأقوال الستة في تقدير الكرّ بالمساحة
دراسة الروايات والأدلة
أدلّة الأقوال
تقدير الكرّ بالوزن
مشكلة الاختلاف بين التقديرين
من القواعد المعروفة ـ بل الأفضل أن نقول: من المسائل الفقهية المتداولة بين الفقهاء والّتي اتّفقوا عليها ـ قولهم: إنّ الماء إذا بلغ قدر كُرٍّ فلا ينجّسه شيءٌ، ولكنّه وقع الاختلاف في كلمات العلماء في تحديد الكرّ بالمساحة أوّلاً، وبالوزن ثانياً .
وإليك دراسة هذه القاعدة.

صفحه 192

الكُرّ لغةً واصطلاحاً

لاشكّ أنّ الكرّ كان مقياساً من المقاييس، قال الطريحي: الكرُّ ـ بالضم ـ أحد أكرار الطعام وهو ستون قفيزاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، فانتهى ضبطه إلى اثني عشر وَسَقاً، والوسق ستون صاعاً .1
وعلى هذا فالكرّ في الطعام عبارة عن 720 صاعاً، وإليك صورته الرياضيّة:
12 × 60 = 720 صاعاً.
وهذا أكثر ممّا اعتبره الشارع في عاصميّة الماء. ولنذكر ما هو الكرّ شرعاً.
ولنبدأ بذكر أقوال علماء أهل السنّة فنقول:
إنّ الحدّ الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير هو القُلّتان (القلّة هي الجرّة سمّيت قلّة لأنها تُقل بالأيدي أو تُحمل) من قلال هجر، وهو خمس قِرَب، في كلّ قربة مائة رطل عراقي، فتكون القلّتان خمسمائة رطل بالعراقي.
وأمّا عند المالكية فلا حدّ للكثرة فلم يحدّوا لها حدّاً مقدّراً، فإذا حلّت فيه نجاسة قليلة كالقطرة، ولم تغيّره فإنّه يكره استعماله في رفع حدث أو إزالة خبث، ولا كراهة في العادات.
وأمّا عند الحنفية فهو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حرّكه

1 . مجمع البحرين: مادة «كرر».

صفحه 193
آدمي من أحد طرفيه لم تصل الحركة إلى الطرف الثاني منه.
والقلّة ما كان دون عَشْر في عَشْر من أذرعة العامّة، فينجس وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه .1
وفي «المنتهى»: وقال بعضهم: ما كان كلّ من طوله وعرضه عشرة أذرع في عمق شبر لم ينجس.2 فعلى هذا فكل من الطول والعرض 20 شبراً يضرب أحدهما في الآخر وتكون النتيجة أربعمائة شبر.
هذه هي أقوال أهل السُّنّة، وأمّا أقوال أصحابنا فربما ناهز عددها الخمسة أو الستة إذا أُضيف إليها قول ابن طاووس، القائل بالتخيير بين الأقوال، وسيوافيك بيانه.
إذا عرفت هذا فلنذكر ما عليه أصحابنا في تحديد الكرّ مساحة ووزناً، ويقع الكلام في مقامين:
الأوّل: دراسة الأقوال .
الثاني: دراسة الروايات والأدلّة.

1 . الفقه الإسلامي وأدلّته للزحيلي: 1 / 126 ـ 128. ولاحظ: الفقه على المذاهب الخمسة: 19; الفقه على المذاهب الأربعة: 1 / 39 .
2 . منتهى المطلب: 1 / 33 .

صفحه 194

المقام الأوّل: في دراسة أقوال أصحابنا

القول الأوّل

ذهب الشيخ وابن البرّاج وابن إدريس وابن حمزة والمحقّق إلى أنّها عبارة عن ثلاثة أشبار ونصف طولاً، في عرض، في عمق .1 ويصفه في «المدارك» بأنّه أشهر الأقوال في المسألة.2 وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يبلغ مكسّره (حجمه) إلى اثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان الشبر .

القول الثاني

ذهب ابن بابويه وجماعة القميّين إلى أنّه عبارة عن ثلاثة أشبار طولاً، في عرض، في عمق بإسقاط الأَنصاف في الأبعاد الثلاثة، وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يبلغ مكسّره (حجمه) إلى سبعة وعشرين شبراً. وهو أيضاً خيرة الشهيد الثاني في «الروضة»، والمحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد3 وهو خيرة العلاّمة في المختلف 4، ومن المتأخّرين شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيّد الخوئي ـ قدس الله أسرارهم ـ .5

1 . المبسوط:1/6 ; المهذّب:1/21 ; السرائر:1/60 ; الوسيلة:73 ; شرائع الإسلام:1 / 10.
2 . المدارك: 1 / 49، ولاحظ نخبة الأزهار للوالد، رسالة في تحديد الكرّ: 200. وهو تقرير دروس شيخه شيخ الشريعة الاصفهاني. والتنقيح في شرح العروة الوثقى للغروي (تقرير دروس السيد الخوئي): 2 / 151 ـ 209 .
3 . الروضة البهية: 1 / 257 ; مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: 1 / 260 .
4 . مختلف الشيعة: 13 / 184.
5 . كتاب الطهارة للخوئي: 1 / 197 .

صفحه 195

القول الثالث

ذهب صاحب «المدارك» إلى أنّ الكرّ عبارة عمّا إذا بلغ مكسّره إلى ستة وثلاثين شبراً، وحكى في المدارك أنّه يظهر من المحقّق في «المعتبر» الميل إلى هذه الرواية 1. وهو خيرة السيّد الاصفهاني وبعض المعاصرين ـ قدس الله أسرارهم ـ .
فمن اعتبر الأنصاف استند إلى رواية أبي بصير، ومن أسقطها اعتمد على رواية إسماعيل بن جابر، كما يأتي .

القول الرابع

إنّ الكرّ عبارة عن مائة شبر، وهو خيرة ابن الجنيد.2

القول الخامس

الكرّ عبارة عن ما بلغت أبعاده إلى عشرة ونصف ولم يعتبر التكسير، وهو خيرة القطب الراوندي.3
وقال العلاّمة: وما أشدّ التنافي بين كلامه وكلام ابن الجنيد .

القول السادس

التخيير بين الجمع، والعمل بكل ما روي.4
***

1 . مدارك الأحكام: 1 / 49; ولاحظ : المعتبر: 1 / 46 .
2 . حكاه عنه العلاّمة في مختلف الشيعة: 1 / 21.
3 . حكاه عنه العلاّمة في مختلف الشيعة: 1 / 22. ولاحظ : جواهر الكلام: 1 / 173 .
4 . جواهر الكلام: 1 / 174 .

صفحه 196

المقام الثاني: دراسة الروايات والأدلّة

وردت في المقام روايات وهي بين ثلاثيّ الأبعاد وثنائيّها، وإليك نقل الجميع مرّة واحدة ثم دراسة الكلّ واحدة تلو الأُخرى:
1. روى أبو بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف، في مثله، ثلاثة أشبار ونصف، في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء».1
2. روى الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إذا كان الماء في الركيّ كرّاً لم ينجّسه شيء»، قلت: وكم الكرّ؟
قال: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها»2.
3. روى إسماعيل بن جابر ، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ قال (عليه السلام): «ذراعان عمقه، في ذراع وشبر سعته».3
4. روى إسماعيل بن جابر ـ أيضاً ـ ، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ فقال: «كرّ» قلت: وما الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».4
دليل القول الأوّل
قد عرفت أنّ المشهور بين الأصحاب أن الكرّ عبارة عمّا كان كلّ واحد

1 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6، وسيوافيك توضيح الرواية.
2 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 . والباب 10، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.
4 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7 .

صفحه 197
من طوله وعرضه وعمقه ثلاثة أشبار ونصفاً، واستدلّ عليه بروايتين:

الأُولى: رواية أبي بصير

روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف،1 في مثله ثلاثة أشبار ونصف، في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء».

دراسة السند

1. محمد بن يحيى العطار القميّ، شيخ الكليني: ثقة جليل.
2. أحمد بن محمد في الكافي بهذا النحو، نعم نقل عن التهذيب وفي المدارك: أحمد بن محمد بن يحيى، ثم قال: فإنّه مجهول.2
وقال في «الجواهر»: أحمد بن محمد بن عيسى، وأنّ يحيى تصحيف «عيسى» 3. وهذا هو الصحيح.
3. عثمان بن عيسى. قال النجاشي: شيخ الواقفة ووجهها وأحد

1 . في بعض النسخ «نصفاً» عطفاً على ثلاثة أشبار المنصوبة لكونها خبراً لـ «كان»، وفي بعضها الآخر كالوسائل «نصف» فيكون مجروراً على حذف المضاف وإبقاء أثره أي «قدر نصف»، على حدّ قول القائل:
أكل امرئ تحسبين امرءاً *** ونار توقد بالليل ناراً
فقوله: «نار» مجرور بحذف المضاف، أي: كلّ نار توقد بالليل تحسبينها ناراً. وبعبارة أُخرى: إنّ المعطوف عليه أيضاً مجرور على حذف المضاف، أي «قدر ثلاثة أشبار ونصف» .
2 . مدارك الأحكام: 1 / 49 .
3 . جواهر الكلام: 1 / 173 .

صفحه 198
الوكلاء المستبدّين بمال موسى بن جعفر (عليه السلام). ورغم ذلك عدّه الكشّي من أصحاب الإجماع الثالث، وحكى عن نصر بن صباح توبته ورجوعه عن الوقف، وقال الطوسي في «العدّة»: عملت الطائفة برواياته لأجل كونه موثوقاً ومتحرّزاً عن الكذب، وعدّه ابن شهرآشوب من ثقات أبي الحسن (عليه السلام)، له 746 رواية في الكتب الأربعة .1 ويدلّ على رجوعه روايته عن الرضا (عليه السلام).
روى الكليني بسنده عن عثمان بن عيسى قال : قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): ما تقول في الرجل يعطى الحَجّة فيدفعها إلى غيره؟ قال: «لا بأس به»2. ووجود الروايات الكثيرة في الكتب الأربعة عنه دليل على اعتماد الأصحاب بنقله وروايته. وإلاّ لما أصرّوا بنقل أحاديثه الكثيرة وضبطها.
4. عبدالله بن مسكان: ثقة بلا كلام.
5. أبو بصير وهو ثقة بلا كلام، وقد أثبتنا في محلّه أن كلّ من كُنّي بأبي بصير كلّهم ثقات، لا فرق بين المرادي والاسدي وغيرهما، لو كان له مصداق غيرهما.3
وعلى هذا لا يمكن ردّ الرواية بسهولة، ومفادها هو المشهور بين القدماء.
وبهذا عرفت حال السند إنّما الكلام في دلالة الرواية على المطلوب.

1 . الموسوعة الرجالية الميسرة: 296 ، برقم 3726.
2 . الكافي: 4 / 309، كتاب الحج، الحديث 3.
3 . لاحظ مقدّمتنا لكتاب «مسند أبي بصير» للشيخ بشير المحمّدي المازندراني.

صفحه 199

دراسة المتن

الاستدلال على القول المشهور مبني على تضمّن الرواية بياناً للأبعاد الثلاثة.
وقد اختلفت كلمتهم في دلالة الرواية على الأبعاد الثلاثة وأنّها كيف تتضمّن بيانها، وأوضح الوجوه أن يقال:
1. أنّ قوله: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف» بيان لأحد الطرفين: الطول والعرض.
وقوله: «في مثله» بيان للطرف الآخر.
وقوله: «ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» بيان لمقدار العمق، وهو خبر ثان لـ «كان».
وهذا هو الذي يظهر من شيخنا بهاء الدين العاملي حيث قال: الضمير في قوله «مثله» يعود إلى ما دلّ عليه قوله: «ثلاثة أشبار ونصفاً» أي في مثل ذلك المقدار لا مثل الماء، إذ لا محصّل له .1
ثم إنّ لعلمائنا الأبرار كلمات أُخرى في توجيه الرواية، أكثرها يرجع إلى بيان الأبعاد الثلاثة، وأخيرها يرجع إلى أنّ مورد الرواية هو المستدير الغني عن الأبعاد الثلاثة، وإليك تلك الوجوه:
الأوّل: أنّ سوق الكلام يدلّ على البعد الآخر، والاكتفاء في المحاورات ببيان البعض استغناءً به عن الآخر، أمر ذائع، قال الشاعر:
كانت حنيفة أثلاثاً فُثلثهم *** من العبيد وثلث من مواليها

1 . الحبل المتين: 1 / 471، الطبعة المحقّقة.

صفحه 200
حيث فُهم الثلث الآخر وهو من لم يكن عبيداً ولا موالياً من سياق الكلام، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «أُحب من دنياكم ثلاثاً: الطيب والنساء» ولم يذكر القسم الثالث الذي هو الصلاة في هذا الباب.1
الثاني: أمّا قوله: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف» فهو بيان لأحد البعدين من العرض أو الطول .
وقوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف» بيان للبعد الآخر. لأنّ : «ثلاثة أشبار ونصف» بدل من «مثله» .
وقوله: «في عمقه في الأرض» بيان للعمق.
يلاحظ عليه: أنّ قوله: «في عمقه في الأرض» عندئذ، يصير كلاماً منقطعاً لا يصلح أن يكون مبيّناً لمقدار العمق، إلاّ أن تقدّر لفظة «كذلك» بأن يقال: «في عمقه في الأرض كذلك» وهي ليست موجودة.
الثالث: أن يكون قوله: «ثلاثة أشبار ونصف» بياناً لأحد جانبي الطول والعرض، وترك ذكر الجانب الآخر للاكتفاء بذكر أحد البعدين الشائع في الكلام، ويكون قوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» راجعاً إلى بعد العمق.2
الرابع: يكون قوله: «ثلاثة أشبار ونصف» ناظراً إلى قطر المستدير، وقوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» ناظراً إلى العمق، فيضرب نصف القطر في نصف المحيط والنتيجة في العمق ويكون الحاصل 33 شبراً

1 . مجمع البحرين: 3 / 472، مادة «كرّ».
2 . لاحظ: مرآة العقول: 13 / 13 .

صفحه 201
وخمسة أثمان الشبر ونصف ثمن الشبر.1
صورته هكذا:
المحيط = القطر × 71 3 = 21 3 × 71 3 = 11
مساحة الدائرة = نصف القطر × نصف المحيط = 43 1 × 21 5 = 85 9
الحجم = المساحة × العمق = 85 9 × 21 3 = 1611 33 = 33 + 85 + 161
وردّ عليه في الجواهر بوجهين:
1. أنّ الحمل على المدوّر حمل على مالا يعرفه إلاّ الخواص.
2. المكسّر ليس كما ذكره، إذ لو ضرب نصف القطر ـ وهو واحد وثلاثة أرباع ـ في نصف الدائرة ـ وهو خمسة وربع ـ ثم يضرب الحاصل من ذلك في ثلاثة ونصف العمق، يبلغ حينئذ ما ذكره تقريباً لا تحقيقاً، إذ التحقيق أنّها تبلغ 32 وثمناً وربع ثمن.2
وأجاب عن الأوّل في «المستمسك»: بأنّ المراد ذكر علامة على الكُرّ وهي أن يكون قطره، ثلاثة ونصف وعمقه كذلك، وهذا ما يعرفه أغلب الأشخاص، ولو كان المراد تحصيل الحجم فهو يتوقّف على العلم بالرياضيات.3
يلاحظ على الإشكال والجواب: بأنّ المخاطب في هذه الروايات لا يمكن أن يكون إنساناً أُميّاً لا يعرف من الرياضيات شيئاً، لأنّ المطلوب في

1 . المصدر السابق.
2 . جواهر الكلام: 1 / 175 .
3 . مستمسك العروة الوثقى: 1 / 153 .

صفحه 202
الجميع هو مكسّره لا خصوص ما ورد فيها من الأبعاد، فلو كان مكسّر الأبعاد، هو ثلاثاً وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر فهو، وإن اختلفت الأبعاد زيادة ونقصاً. نعم لو كان هناك تعبّد بما ورد في الرواية من الأبعاد، كان لما ذكر في المستمسك وجه، لكنّه مقطوع العدم إذ الميزان هو كثرة الماء ووفرته بحيث تعصمه من الانفعال بالنجس، وعلى هذا فالمخاطب يجب أن يكون على استعداد لتحصيل المساحة بالأبعاد الواردة في الرواية وغيرها.
نعم حمل الرواية على المستدير بعيد، لندرة وجود الغدران والحياض على هذا الشكل، ولا يخفى أنّ ما ذكرناه من الوجه الأوّل هو أوضح الوجوه، وغيره لا يخلو عن تكلّف.
وعن الثاني: أنّ صاحب الجواهر لمّا ضرب القطر في الثلاثة صارت النتيجة ما ذكره، غير أنّ المجلسي ضرب القطر في الثلاثة مضافاً إلى سُبع القطر فصارت النتيجة ما ذكره.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ السند لا بأس به والدلالة أيضاً تامّة، فيؤخذ بها لو لم يكن في المقام دليل أقوى وأوضح، كما سيوافيك.1

الثانية: رواية الحسن بن صالح الثوريّ

قد ذكرنا أنّه استدلّ على القول المشهور بروايتين: إحداهما ما مرّ من

1 . وأمّا دلالة الرواية على أنّ الكرّ ما يبلغ مكسّره ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر، فصورته الرياضية هي بالنحو التالي:
5,3 × 5,3 = 25, 12
25,12 × 5,3 = 875,42
000, 43 ـ 875,42 = 125,.. وهذا هو ثُمن الشبر المذكور في كلمات الفقهاء.

صفحه 203
حديث أبي بصير، والثانية ما رواه الكليني، بالسند التالي:
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح الثوريّ، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال :
«إذا كان الماء في الركيّ كرّاً لم ينجّسه شيء»، قلت: وكم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار ونصف طولها، في ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها».1

دراسة السند

1. محمد بن يحيى، شيخ الكليني: ثقة.
2. أحمد بن محمد، وقد مرّ أنّه ابن عيسى .
3. ابن محبوب ـ أعني: الحسن ـ المولود عام 150 هـ والمتوفّى عام 224 هـ ، من أصحاب الإجماع.
4. الحسن بن صالح الثوريّ. قال الشيخ: زيديّ إليه تنسب الصالحية منهم.
وقال في «التهذيب»: زيديّ بتريّ متروك العمل بما يختصّ بروايته.2
وقال ابن النديم في الفهرست: ولد سنة 168 هـ ، وكان من كبار الشيعة الزيدية وعظمائهم، وكان فقيهاً متكلّماً، وله من الكتب كتاب التوحيد.3

1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 . ولاحظ الباب 10، الحديث 5 ترى وجود الاختلاف فيهما في المتن.
2 . التهذيب: 1 / 408، باب المياه وأحكامها، الحديث 1 .
3 . الفهرست: الفن الثاني من المقالة الخامسة: 267 .

صفحه 204
والرواية صالحة للاحتجاج، لرواية ابن محبوب عن الحسن بن صالح، وما في «التهذيب» من كونه متروك العمل ناظر إلى ما انفرد من الرواية وليس المورد منه. إنّما الكلام في المتن .

دراسة المتن

لو صحّ كون الرواية متضمّنةً للأبعاد الثلاثة، كانت دليلاً على المشهور، ولكن لم يصحّ كونها ثلاثية الأبعاد.
أمّا أوّلاً: فإنّ الوارد في «الكافي» كما في «مرآة العقول» هو الثنائي لا الثلاثي، وإليك نصّها: قلت: كم الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها». وليس من البعد الثالث أثر فيها، ثم قال: نعم رواه الشيخ في «الاستبصار» هكذا: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف طولها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها»،1 لكن رواه في «التهذيب» كما في المتن، ليس فيه ذكر الطول.2
وثانياً: فإنّ صاحب الوسائل (في الطبعة المحقّقة بقلم الشيخ الرباني) مع أنّه نقل في الباب التاسع برقم 8 ما مرّ، ولكّنه نقله في الباب العاشر برقم 5 هكذا: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة ونصف عرضها»، ولم يذكر من الطول شيئاً.3
والظاهر أنّه إمّا تبع نسخة الاستبصار، أو تبع نسخة مصحّحة عنده ـ

1 . الاستبصار: 1 / 33 و 88 .
2 . مرآة العقول: 13 / 12 .
3 . لاحظ : الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 ; والباب 10، الحديث 5. دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1403 هـ .

صفحه 205
كما صرّح به في آخر الجزء الثالث ـ وكأنّه في الجزء الثالث اعتذر عن غفلته وأنّه تبع لتلك النسخة، وقد صحّح في الطبعات الأخيرة، وعلى أيّ حال لا يعتدّ بنسخة الإستبصار ولا تلك النسخة، بعد كون الكافي والتهذيب على الثنائي.
نعم حاول المجلسي أن يفسّر الحديث بنحو يطابق فتوى المشهور وقال: المراد بالعرض السعة يشمل الطول أيضاً، إذ الطول إنّما يطلق فيما إذا كان أحد الجانبين أزيد من الآخر، ومع التساوي يصحّ إطلاق العرض عليهما.1
وما يقال من أنّ الطول ربّما لا يكون مساوياً كما في المستمسك صحيح، لكن لو كان غير مساو لنبّه عليه، وسكوته دال على التساوي، وإطلاق العرض وإرادة السّعة أمر ذائع، كقوله سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).(2)

الركيّ: بئر مستدير ليس له عرض وطول

وربّما استشكل بأنّ الموضوع في رواية الحسن بن صالح الثوري هو الركيّ، ومن المعلوم أنّه بئر مستدير، ليس له طول وعرض، وإنّما له قطر ومحيط، ولذلك ذهب العلاّمة المجلسي في تفسير رواية الحسن الثوريّ إلى أنّ المراد بالعرض القطر بقرينة كون السؤال عن البئر وهو مستدير غالباً فيبلغ مكسّره ثلاثة وثلاثين شبراً وخمسة أثمان شبر ونصف ثمن.2

1 . مرآة العقول: 13 / 12.   2 . آل عمران: 133 .
2 . مرآة العقول: 13 / 12 .

صفحه 206
والظاهر أنّ الاشكال غير وارد ولا حاجة في دفعه لحمل العرض على القطر ; لأنّ الركيّ ليس مساوياً للبئر المستدير، بل ربّما يكون غير مستدير، خصوصاً إذا كان الماء قريباً من الأرض، جاء في «مجمع البحرين»: الركيّ أيضاً الحوض الكبير والركيّة ـ بالفتح وتشديد الياء ـ : البئر، ومنه الحديث: «إذا كان الماء في الركيّ قدر كرّ لم ينجّسه شيء». والذي يدلّ على ذلك أنّ البئر بما له من مادّة لا يحكم فيه بالنجاسة وإن قلّ، فالذي يحتاج إلى كونه كرّاً هو الحوض المبني حول البئر حيث يستخرج الماء من البئر ويجمع فيه، وهو لا يكون مستديراً غالباً.
إلى هنا تمّ الاستدلال على القول الأوّل ـ أعني: كونه اثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان شبر ـ وقد عرفت أنّ الروايتين: رواية أبي بصير والحسن الثوريّ لا بأس بالاحتجاج بهما، فإنّ السند معتبر والدلالة لا بأس بها، بشرط أن لا يكون هناك دليل مثله أو أقوى منه.
***

دليل القول الثاني:

قد عرفت أنّ ابن بابويه وجماعة القميّين وغيرهم ـ كما مرّت الإشارة إليهم ـ ذهبوا إلى أنّه عبارة عن ثلاثة أشبار طولاً في عرض في عمق، ولم يعتبروا النصف، وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يكون مكسّره سبعة وعشرين شبراً. وقد عرفت من اختاره من المتأخّرين.
واستدلّ عليه بما رواه الكليني بالسند التالي:
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقيّ، عن ابن سنان، عن

صفحه 207
إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ فقال: «كرّ». قلت: وما الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».1

دراسة السند الأوّل

1. محمد بن يحيى العطار القميّ، شيخ الكليني: ثقة.
2. أحمد بن محمد بن خالد: ثقة.
3. البرقي المراد به: هو محمد بن خالد البرقي والد أحمد بن محمد ، قال الشيخ: محمد بن خالد البرقي من أصحاب موسى بن جعفر والرضا (عليهم السلام)، وعدّه البرقي من أصحاب الكاظم والرضا والجواد(عليهم السلام)، والعجب أنّه لم يرو عن المعصوم إلاّ روايتان.
4. ابن سنان مردّد بين الثقة والضعيف.
5. إسماعيل بن جابر: ثقة.
والظاهر أنّ المراد من ابن سنان هو محمد بن سنان الضعيف لا «عبدالله بن سنان» الثقة، إذ تبعد رواية البرقي (محمد بن خالد) عن عبدالله بن سنان.
ثم إنّ السيد الخوئي أصرّ على أنّ المراد بابن سنان هو عبدالله بن سنان، لكنّه غفل عن أنّ هذا الإصرار يورث الضعف في الرواية بما عرفت من وجود الاختلاف في الطبقة بين البرقيّ وعبدالله بن سنان .

دراسة السند الثاني

روى الشيخ :

1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7 .

صفحه 208
1. عن محمد بن محمد بن النعمان: شيخه المفيد.
2. عن أحمد بن محمد بن الحسن (بن الوليد): ثقة جليل.
3. عن أبيه (محمد بن الحسن بن الوليد): الثقة، شيخ الصدوق.
4. عن محمد بن يحيى، شيخ الكليني: ثقة.
5. عن محمد بن أحمد بن يحيى: ثقة، صاحب نوادر الحكمة.
6. عن أحمد بن محمد (بن خالد): ثقة.
7. عن البرقيّ (محمد بن خالد): ثقة.
8 . عن عبدالله بن سنان: ثقة.
9. عن إسماعيل بن جابر: ثقة.
والفرق بين هذا السند وما قبله هو ورود ابن سنان في السند السابق مجرّداً عن اسمه، وهنا تصريح باسمه.
ويرد عليه نفس ما أوردناه على السند السابق من أنّ نقل البرقيّ (محمد بن خالد) عن عبدالله بن سنان ـ الذي أدرك الإمام الباقر (عليه السلام)وأكثر الروايات عن الصادق (عليه السلام)وقلّت روايته عن أبي الحسن الكاظم(عليه السلام) ـ بعيد جدّاً.
قال الكشّي: كان من ثقات رجال أبي عبدالله (عليه السلام). قال النجاشي: روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وقيل: روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)ولم تثبت .
أقول: روى قليلاً عنه1.
وقال السيد الخوئي: أدرك الإمام الباقر(عليه السلام).2

1 . لاحظ : الكافي: 5/438، باب حدّ الرضاع الذي يحرّم، الحديث 5 .
2 . معجم رجال الحديث: 17 / 224، 227 .

صفحه 209

دراسة السند الثالث

نفس السند السابق باختلاف كالتالي قال:
عن سعد بن عبدالله .
عن محمد بن خالد (مكان البرقي في السند السابق).
عن محمد بن سنان: ضعيف جداً.
عن إسماعيل بن جابر: ثقة.
وهذا هو السند الصحيح، وقد عرفت اشتماله على الضعيف (محمد بن سنان).
قال النجاشي: هو رجل ضعيف جدّاً لا يعوّل عليه ولا يلتفت إلى ما تفرّد به، مات سنة 220 هـ .
وبهذا يظهر أنّ السند الصحيح هو الثالث دون الثاني، ويحتمل انطباق السند الأوّل على الثالث ما عدا أوّل السند.
نعم رواه الشيخ في «التهذيب» عن عبدالله بن سنان مكان محمد بن سنان1.
وأمّا وجه الاستدلال فبأن يقال: إنّ المراد بأحد البعدين العمق، وبالآخر كلّ من الطول والعرض، وذلك لأنّ الناس في بيان حجم المربع يستغنون بذكر أحد البعدين عن الآخر; ويؤيّد ذلك ما رواه الصدوق في المجالس قال: روي أنّ الكرّ هو ما يكون ثلاثة أشبار طولاً في ثلاثة أشبار عرضاً في ثلاثة أشبار عمقاً2.

1 . التهذيب: 1 / 37، برقم 101، والظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف.
2 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

صفحه 210
ولكنّ الرواية غير صالحة للاحتجاج وقد عرفت أنّ محمد بن سنان ضعيف، مضافاً إلى وجود المعارض لها. كما أنّها معارضة لروايته الأُخرى التي تدلّ على أنّ الكرّ عبارة عمّا بلغ مكسّرهُ إلى ستة وثلاثين شبراً، كما سيوافيك.
وقد تقدّم أنّ المحقّق الخوئي ذهب إلى أنّ مقدار الكرّ بالأشبار عبارة عن سبعة وعشرين شبراً، واستدلّ بروايتين إحداهما هذه الرواية، وحاصل ما أفاده:
والوجه في صراحتها أنّها وإن لم تشتمل على ذكر شيء من الطول والعرض والعمق، إلاّ أنّ السائل كغيره يعلم أنّ الماء من الأجسام، وكلّ جسم مكعّب يشتمل على أبعاد ثلاثة لا محالة، ولا معنى لكونه ذا بعدين من غير أن يشتمل على البعد الثالث، فإذا قيل ثلاثة في ثلاثة مع عدم ذكر البعد الثالث، عُلم أنّه أيضاً ثلاثة كما يظهر هذا بمراجعة أمثال هذه الاستعمالات عند العرف فإنّهم يكتفون بذكر مقدار بعدين من أبعاد الجسم إذا كانت أبعاده الثلاثة متساوية، فتراهم يقولون: خمسة في خمسة أو أربعة في أربعة إذا كان ثالثها أيضاً بهذا المقدار. وعليه إذا ضربنا الثلاثة في الثلاثة فتبلغ تسعة فإذا ضربناها في ثلاثة فتبلغ سبعة وعشرين شبراً.1
يلاحظ عليه: أنّه لو تمّت الدلالة فالسند غير تام فلا يحتج بالرواية، لما عرفت من وجود محمد بن سنان في السند .
ثم إنّ السيد الخوئي (قدس سره)استدلّ على مختاره، برواية أُخرى لإسماعيل بن

1 . التنقيح في شرح العروة الوثقى: 1 / 202 .

صفحه 211
جابر التي نذكرها دليلاً على القول الثالث، أعني ما إذا بلغ مكسّرهُ ستة وثلاثين شبراً، وقد وجّه الرواية على نحو يكون مقدار الكرّ، سبعة وعشرين شبراً، وبذلك رفع التعارض بين خبري إسماعيل بن جابر.
***

دليل القول الثالث أعني: ما مكسّره 36 شبراً

قد عرفت أنّ صاحب المدارك وجماعة ذهبوا إلى أنّ الكرّ عبارة عمّا إذا بلغ مكسّره ستة وثلاثين شبراً، ويدلّ عليه صحيحة إسماعيل بن جابر:
روى الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن إسماعيل بن جابر، قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ قال: «ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته (وسعه خ ل)»1.

دراسة السند

1. محمّد بن أحمد بن يحيى: ثقة، صاحب نوادر الحكمة، وطريق الشيخ في التهذيب إليه، صحيح.
2. أيوب بن نوح: ثقة.
3. صفوان بن يحيى: ثقة.
4. إسماعيل بن جابر: ثقة.
وأمّا دلالة الرواية فلا غبار عليها، حيث إنّه فرض أنّ عمقه ذراعان، وكلّ ذراع قدمان 2، والقدم شبر، وعليه فكلّ ذراع شبران، فيكون عمقه أربعة

1 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1 .
2 . لاحظ الوسائل: 3، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 2 و 3 .

صفحه 212
أشبار، كما فرضت سعته أو وسعه الذي كُنّي بها عن الطول والعرض، ثلاثة أشبار، فيكون المكسّر كالتالي:
3 × 3 = 9          9 × 4 = 36
وقد استدلّ بها صاحب المدارك وغيره على كون الكرّ ستة وثلاثين شبراً.
وعلى هذا فقد روي عن إسماعيل بن جابر، حديثان مختلفان: أحدهما ما مرّ في الاستدلال على القول الثاني من كفاية مكسّره 27 شبراً، والآخر ما ورد في المقام وقد استدلّ به على لزوم كون مكسّره 36 شبراً .
ثم إنّ السيد الخوئي استدلّ بها على كون الكرّ سبعة وعشرين شبراً بحمل المورد على المستدير وقال ما هذا نصه:
إنّ ظاهر قوله: «ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته» هو أنّ مفروض كلامه (عليه السلام)هو المدوّر، حيث فرض أنّ سعته ذراع وشبر مطلقاً أي من جميع الجوانب والأطراف، وكون السعة بمقدار معيّن من جميع النواحي والأطراف لا يتصوّر إلاّ في الدائرة لأنّها هي التي تكون نسبة أحد أطرافها إلى الآخر بمقدار معيّن مطلقاً لا تزيد عنه ولا تنقص.
وهذا بخلاف سائر الأشكال من المربع والمستطيل وغيرهما حتى في متساوي الأضلاع، فإنّ نسبة أحد أطرافها إلى الآخر لا تكون بمقدار معيّن في جميعها، إذ البعد المفروض بين زاويتين من المربع وأمثاله، أزيد من البعد الكائن بين نفس الضلعين من أضلاعه، وعلى الجملة إنّ ما تكون نسبة أحد جوانبه إلى الآخر بمقدار معيّن في جميع أطرافه ليس إلاّ الدائرة.1

1 . التنقيح في شرح العروة الوثقى: 1 / 200 .

صفحه 213
فإذا عرفت هذه الأُمور، وعرفت أنّ مفروض كلامه (عليه السلام)هو المدوّر، وقد فرضنا أنّ عمقه أربعة أشبار وسعته ثلاثة أشبار، فلابدّ في تحصيل مساحته من مراجعة الطريق المتعارف عند أوساط الناس في كشف مساحة الدائرة.
وقد جرت طريقتهم خلفاً عن سلف ـ كما في البنائين وغيرهم ـ على تحصيل مساحة الدائرة بضرب نصف القطر في نصف المحيط، وقطر الدائرة في المقام ثلاثة أشبار فنصفه واحد ونصف، وأمّا المحيط فقد ذكروا أنّ نسبة قطر الدائرة إلى محيطها ممّا لم يظهر على وجه دقيق. ونسب إلى بعض الدراويش أنّه قال: يا من لا يعلم نسبة القطر إلى المحيط إلاّ هو. إلاّ أنّهم على وجه التقريب والتسامح ذكروا أنّ نسبة القطر إلى المحيط نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين. ثم إنّهم لمّا رأوا صعوبة فهم هذا البيان على أوساط الناس فعبّروا عنه ببيان آخر، وقالوا إنّ المحيط ثلاثة أضعاف القطر. وهذا وإن كان ينقص عن نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين بقليل إلاّ أنّ المساحة بهذا المقدار لابدّ منها، كما نشير إليه عن قريب.
فعلى هذه القاعدة يبلغ محيط الدائرة في المقام تسعة أشبار، لأن قطرها ثلاثة أشبار، ونصف المحيط أربعة أشبار ونصف، ونصف القطر شبر ونصف، فيضرب أحدهما في الآخر فيكون الحاصل سبعة أشبار إلاّ ربع شبر، وإذا ضرب الحاصل من ذلك في العمق وهو أربعة أشبار يبلغ الحاصل سبعة وعشرين شبراً بلا زيادة ولا نقصان إلاّ في مقدار يسير كما عرفت.1

1 . التنقيح في شرح العروة الوثقى: 1 / 201 .

صفحه 214
يلاحظ عليه: أنّ الاستظهار من الرواية بأنّ سعته ذراع وشبر من جميع الأطراف والجوانب، أمر مغفول عنه للعرف، فإنّ المتبادر من هذه التعابير هو كون السعة أي المساحة حسب اصطلاح المهندسين ذراع وشبر، وهذا يكفي أن يكون مربعاً متساوي الأضلاع، ولا يتوقّف على كونه مدوّراً.
وبالجملة قوله: ما تكون نسبة أحد جوانبه إلى الآخر بمقدار معيّن في جميع جوانبه، أمر فُرض على الرواية، وإنّما الظاهر وجود التساوي في الطول والعرض، ولو في نفس الضلعين.
ثم إنّه أيّد كلامه بأنّه (قدس سره)وزن ماء الكُرّ ثلاثة مرات، حيث قال: إنّا وزنا الكرّ ثلاث مرّات ووجدناه موافقاً لسبعة وعشرين، وهذا يخالف ما ذكره شيخ الشريعة حيث قال: إنّ العلماء قدس الله أرواحهم قد وزنوا ألفاً ومائتي رطل من الماء بأوزان عديدة بمياه مختلفة ثقيلاً وخفيفاً في أمصار متعدّدة وفي أمكنة متكثّرة ووجدوها بمعيار ست وثلاثين شبراً من دون زيادة ونقيصة .1
ولعلّ الاختلاف يرجع إلى كبر الأشبار وصغرها .
بقي الكلام في دراسة بقية الأقوال.

دراسة بقية الأقوال

1. ما روى عن ابن الجنيد: ما بلغ مكسّره مائة شبر، قال في «المدارك»: ولم نقف على مأخذه.2

1 . تحديد الكرّ بالوزن والمساحة (المطبوع مع نخبة الأزهار في أحكام الخيار) لمحمد حسين السبحاني: 197 .
2 . المدارك: 1 / 52 .

صفحه 215
ويمكن الاستدلال عليه: بما رواه الصدوق في المقنع 1 مرسلاً من قوله (عليه السلام): «إنّ الكرّ ذراعان وشبر في ذراعين وشبر»، بناء على أنّ المراد بيان الأبعاد الثلاثة، فبما أنّ الذراعين أربعة أشبار وهي مع شبر يكون خمسة أشبار، فيكون كلّ من الأبعاد خمسة فيحصل من ضرب الطول في العرض والحاصل في العمق 125 شبراً وصورته كالتالي:
5 × 5 = 25. 25 × 5 = 125 وهو غير ما عليه ابن الجنيد. نعم لو حملت الرواية على المستدير يكون مكَسره ثماني وتسعين شبراً وثمن شبر.2
2. عن القطب الراوندي: بلوغ مجموع أبعاده الثلاثة، عشرة أشبار ونصف، ومستنده هو رواية أبي بصير بحمل «في» بمعنى «مع» قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف، في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه من الأرض» 3 أي مع عمقه، وقد حمل الرواية إلى الجمع بين ثلاثة أشبار ونصف فيكون الحاصل: عشرة أشبار ونصف .
ويرد عليه: أنّ هذا القول متروك، وخلاف المتبادر من رواية أبي بصير.
ثم إنّ ما ذكره من كون مجموع أبعاده، عشرة أشبار ونصف، قد تكون

1 . المقنع: 10; الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.
2 . وصورته هكذا :
محيط الدائرة = القطر × 14 ,3       5 × 14 ,3 = 7, 15
مساحة الدائرة = نصف المحيط × نصف القطر       85,7 × 5,2 = 625 ,19
الحجم = مساحة الدائرة × العمق        625 ,19 × 5 = 125 ,98
3 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6 .

صفحه 216
مساحته مساوية لمساحة الكرّ على القول المشهور، كما إذا كان كلّ بُعد ثلاثة أشبار ونصفاً.
وقد تكون ناقصة عنها كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار وعرضه ثلاثة وعمقه أربعة ونصف، فمجموع الأبعاد وإن كان عشرة أشبار ونصف لكن مساحته تكون أربعون شبراً ونصف كالتالي:
3 × 3 = 9       9 × 5 ,4 = 5 ,40
وقد تكون بعيدة جداً عن المشهور كما لو فرض طوله ستة وعرضه أربعة وعمقه نصف شبر، فالمجموع عشرة أشبار ونصف، لكن المساحة اثنا عشر شبراً كالتالي:
6 × 4 = 24        24 × 5,0 = 12
إلى هنا تمّت دراسة الروايات الدالّة على مساحة الكرّ بالأشبار، وأنّ ما يمكن الاستناد إليه هو ما جاء في روايتي أبي بصير والحسن الثوريّ وهو أنّ الكرّ ثلاثة وأربعون شبراً إلاّ ثمن شبر، وقد عرفت تمامية السند والدلالة، وفي مقابل ذلك رواية إسماعيل بن جابر الّتي دلّت على أنّ مساحته ستة وثلاثون شبراً، فالروايات متعارضة، ولا ترجيح بين الروايات لو لم نقل أنّ الأحوط هو الأخذ بالقول الأوّل. ولذا اخترنا القول المشهور أخذاً بالاحتياط.

تقدير الكرّ بالوزن

قد عرفت اختلاف الأخبار في تقدير الكرّ بالحجم ـ أو المساحة حسب اصطلاح الفقهاء ـ وأنّ القول الواضح هو خيرة صاحب المدارك أعني: ما بلغ مُكسّره ستة وثلاثين شبراً.

صفحه 217
وأمّا تقديره بالوزن فلندرس ما ورد حوله سنداً ومتناً .
1. رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا
روى الكليني عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد، عن يعقوب ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الكرّ من الماء ألف ومائتا رطل».1

دراسة السند

1. أحمد بن إدريس المكنّى بأبي عليّ الأشعري القمّي: ثقة، مات سنة 306 هـ .
2. محمّد بن أحمد بن يحيى، مؤلف نوادر الحكمة: ثقة.
3. يعقوب بن يزيد بن حمّاد: ثقة صدوق من أصحاب الرضا والهادي (عليهما السلام).
4. ابن أبي عمير محمّد بن زياد: ثقة توفّي سنة 217 هـ .
5. بعض أصحابنا: الرواية مرسلة.
فلو قلنا بأنّ مراسيل ابن أبي عمير في حكم المسانيد وأنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة، فالرواية صحيحة وربما تُردّ كلّية القاعدة بأنّه ربما يروي عن غير الثقة أيضاً، وقد ذكر السيد الخوئي بعض المواضع التي روى فيها ابن أبي عمير عن غير الثقة، ومعه كيف يمكن أن يقال: لا يروي إلاّ عن ثقة، فلا يرسل إلاّ عنه، وقد أجبنا عن هذه الموارد في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».2

1 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1 .
2 . كلّيات في علم الرجال: 235 ـ 250 .

صفحه 218
وأمّا ما هو المراد من الرطل فهل أُريد به العراقي أو المدني أو المكّي؟ فسيوافيك بيانه.
ورواها الشيخ باسناده إلى محمد بن أحمد بن يحيى... الخ إلاّ أنّه قال: «الكرّ من الماء الذي لا ينجّسه شيء».
ورواها الصدوق في «المقنع» مرسلة، قال المحقّق في «المعتبر»: وعلى هذه عمل الأصحاب، ولا أعرف منهم رادّاً لها .1

2. رواية أُخرى لابن أبي عمير

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده عن ابن أبي عمير قال: رُوي لي عن عبدالله بن المغيرة يرفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام): «إنّ الكرّ ستمائة رطل».2
والرواية مرسلة من جانب ومرفوعة من جانب آخر، حكمها حكم الرواية الأُولى، والعجب أنّ ابن أبي عمير ينقل كلا الوزنين، ولعله أصدق شاهد على إرجاعهما إلى أمر واحد.

3. صحيحة محمّد بن مسلم

روى الشيخ باسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن العباس ـ يعني ابن معروف ـ عن عبدالله بن المغيرة، عن أبي أيوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «والكرّ ستمائة رطل»3.

1 . لاحظ: الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، في ذيل الحديث 1.
2 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.
3 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

صفحه 219

دراسة السند

سند الشيخ إلى محمّد بن علي بن محبوب صحيح في التهذيبين.
1. محمد بن علي بن محبوب، فقد قال عنه النجاشي: شيخ القميين في زمانه، ثقة، عين، فقيه صحيح المذهب.
2. العباس بن معروف: أبو الفضل: قمّي، ثقة، له كتاب الآداب، من أصحاب الرضا (عليه السلام).
3. عبدالله بن المغيرة: قال النجاشي: أبو محمد البجلي: كوفي ثقة ثقة.
4. أبو أيوب الخزّاز إبراهيم بن عثمان، أو إبراهيم بن عيسى، قال النجاشي: روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهما السلام): ثقة كبير المنزلة.
5. محمّد بن مسلم الثقفي: ثقة فوق الثقة، مات سنة 150 هـ .
فالسند صحيح لا غبار عليه. إنّما الكلام في تبيين ما هو المراد من الرطل .

دراسة المتن

يظهر من غير واحدة من الروايات أنّ الرطل يطلق تارة ويراد به الرطل العراقي أو البغدادي، وأُخرى الرطل المدني، وثالثة الرطل المكّي. والفرق بين الأوّلين أنّ الرطل المدني يزيد على العراقي بثلث.
ويدل على ذلك ما رواه الكليني عن جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام)على يدي أبي: جعلت فداك أنّ أصحابنا اختلفوا في الصاع بعضهم يقول الفطرة بصاع المدني، وبعضهم

صفحه 220
يقول بصاع العراقي. قال فكتب إليّ: «الصاع بستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال بالعراقي»، قال: وأخبرني أنّه يكون بالوزن ألف ومائة وسبعين وزنة.1
يقول العلاّمة المجلسي: اعلم أنّ الرطل يطلق بالاشتراك على المكّي والمدني والعراقي، ; والعراقي نصف المكّي وثلثا المدني .2
إذا علمت هذا فلنرجع إلى تبيين حديث ابن مسلم الذي اتّفقوا على صحّته .
أقول: إنّ شيخ الشريعة ذهب إلى أنّ المراد من الصحيحة هو الأرطال المدنية قال بأنّ المتكلّم يخاطب بلسان نفسه لا بلسان مخاطبه، وبما أنّ الإمام مدني، فتحمل الستمائة على الرطل المدني الذي يعادل تسعمائة عراقي وهو يعادل سبعة وعشرين شبراً 3 .
يلاحظ عليه: بأنّه لا يمكن حمل الصحيحة «ستمائة» على الرطل المدني، لأنّ صحيحة علي بن جعفر تدلّ على عدم عاصمية ألف رطل مدني والسائل والمجيب مدنيّان، وإليك نصّها:
روى علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام)قال: سألته عن جرّة ماء فيها ألف رطل وقع فيه أُوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: «لا يصلح».4 وحملها على الكراهة بلا دليل .
نعم أورد عليه شيخ الشريعة وقال بأنّ نجاسة ذلك المقدار من الماء

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1. يريد بالوزنة «الدرهم».
2 . مرآة العقول: 13 / 15 .
3 . نخبة الأزهار: رسالة في الكرّ: 204 ـ 205 .
4 . الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 16 .

صفحه 221
بسبب التغيّر لوقوع أُوقية بول، ومن المعلوم أنّ هذا المقدار يغيّر أحد أوصاف الماء، فعدم صحّة الوضوء لأجل هذا لا لقلته عن الكرّ.1
يلاحظ عليه: بأنّ الرطل المدني عبارة عن مائة وخمسة وتسعين درهماً، كما في رواية إبراهيم بن محمد الهمداني،2 والأُوقيّة عبارة عن أربعين درهماً فتكون نسبة الأوقية إلى الرطل قريباً من الخُمس، ومن المعلوم أنّ خمس رطل من الدم أو البول لا يغيّر لون الماء ولا طعمه، إذا كان ألف رطل، وهذا دليل على أنّ المراد من الستمائة غير الرطل المدني .
وممّا ذكرنا يظهر عدم صحّة حمله على الرطل العراقي بطريق أولى، لأنّه إذا كان ألف رطل مدني من الماء غير عاصم من النجاسة، فالعراقي أولى بأن يكون كذلك.
إذا علمت هذا فاعلم أنّه يتحقّق بذلك الجمع بين الروايتين; فيحمل ما دلّ على ألف ومائتي رطل على العراقي، والصحيحة على الرطل المكّي الذي هو ضعف العراقي. وهذا النوع من الجمع لا يتوقّف على بعض الأُمور التي ذكرها الأصحاب.
مثلاً ربما يقال في إثبات أنّ الرطل في رواية ابن أبي عمير عراقي، بأنّ ابن أبي عمير أو المرسَل عنه كانا عراقيين والإمام(عليه السلام) تكلّم بلغة السائل، وهذا رجم بالغيب، إذ لم يُعلم أنّ المرسَل عنه كان عراقيّاً ولعلّه كان مدنياً أو مكّياً.
ونظيره ما يقال: إنّ صحيحة ابن مسلم تحمل على الرطل المكّي، لأنّ

1 . نخبة الأزهار: تقرير بحوث شيخ الشريعة بقلم الوالد: 199 .
2 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .

صفحه 222
محمّد بن مسلم ثقفي مكّي، والإمام (عليه السلام)تكلّم بلسان السائل، وهو ضعيف بوجهين:
أوّلاً: أنّه لم يثبت أنّ محمّد بن مسلم كان يقطن مكّة، فهو وإن كان مكّياً ولادة أو عشيرة، ولكّنه يسكن العراق فهو وزرارة وأمثالهما كلّهم كوفيون عراقيون.
وثانياً: أنّ المتكلّم إنّما يتكلّم بلسان قومه لا بلسان سائله، إلاّ إذا دلّت القرينة على ذلك.
والحاصل أنّ وجه الجمع هو ما ذكرنا وهو أنّه إذا ارتفع احتمال كون الرطل مدنياً يتردّد الأمر بين العراقي والمكّي، وبما أنّ العراقي ضعف المكّي وقد ورد حكم الوزنين في الرواية، فيحمل أحدهما على المكّي والآخر على العراقي. ولا يعدّ مثل هذا المورد من المتعارضين.
يقول صاحب الوسائل: المراد بالحديث الأوّل الرطل العراقي ; لأنّه يقارب اعتبار الأشبار، لأنّهم أفتوا السائل على عادة بلده، ولذلك اعتبر في الصاع رطل العراقي; ولأنّه يوافق حديث الستمائة، فإنّ المراد به الرطل المكّي وهو رطلان بالعراقي، ولا يجوز أن يراد بستمائة الرطل العراقي ولا المدني; لأنّه متروك بالإجماع، ويأتي في أحاديث الماء المضاف ما يدلّ على إطلاقهم الرطل على العراقي.1
فإن قلت: أثبت البحث الماضي أنّ الرطل في صحيحة محمد بن مسلم مكّي لا مدني، ولكن يبقى هنا إشكال وهو وجود التعارض بين تلك

1 . الوسائل: 1، ص 124، ذيل الباب 11 من أبواب الماء المطلق.

صفحه 223
الصحيحة وما رواه ابن أبي عمير من كون الكرّ ألفاً ومائتي رطل، فإنّ حمله على العراقي لغاية الجمع بينهما، جمع تبرعي، بل هما من قبيل المتعارضين، إذ يبقى في رواية ابن أبي عمير احتمالان :
1. أن يكون المراد من ألف ومائتي رطل، الرطل المدني الذي يكون مكسّره ألفاً وثمانمائة رطل عراقي.
2. أن يكون المراد الرطل المكِّي فيكون مكسّره ألفين وأربعمائة بالعراقي، فيقع التعارض عندئذ بين صحيحة محمد بن مسلم التي حملت على ألف ومائتي رطل عراقي وبين المرسلة التي يتردّد مفهوم الرطل فيها بين المدني فيكون مكسّره ألف وثمانمائة وبين المكِّي الذي يكون مكسّره ألفين وأربعمائة.
قلت: أحد الاحتمالين منتف قطعاً وهو حمل المرسلة على الرطل المكّي لا لأجل أنّ المُرسِل عراقي، ولا لأنّ المرسل عنه مثله، إذ المرسِل وإن كان عراقياً ولكن لا نعلم أنّ المرسَل عنه كذلك، بل لأجل أنّ رواة الشيعة المتواجدين في العراق الذين أخذ ابن أبي عمير عنهم الحديث، بين عراقي ومدني، فالمكِّي منهم ـ ولادة ومسكناً ـ قليل نادر، حتى يحمل الحديث على لسان الراوي، أو يُحمل على لسان الإمام; لأنّه أيضاً ليس مكّياً.
نعم يبقى احتمال كون المراد من الرطل في المرسلة هو المدني، فيرتقي مكسّر الكرّ إلى ألف وثمانمائة رطل عراقي، والذي يمكن الذبُ به عن الإشكال هو أنّ هذا المقدار من الرطل لم يقل به أحد من الأصحاب، ولا روي عن أحد، وهذا أوضح دليل على أنّهم فهموا من الحديث الأرطال العراقية، فيتحقّق الجمع بين الصحيحة والمرسلة بنحو واضح.

صفحه 224
فإن قلت: مقتضى الأصل عند إجمال المخصّص هو الأخذ بالقدر المتيقّن; وذلك لأنّ هنا عامّاً يدلّ على انفعال الماء بمجرد ملاقاة النجاسة، خرج منه ما إذا كان الماء كرّاً، فبما أنّ المخصّص منفصل لا يضر بظهور العام ولا حجّيته فيؤخذ بالقدر المتيقّن، وهو خروج ألف ومائتي رطل عراقي وبقي ما دونه تحته.1
قلت: ما ذكرته مبني على وجود الإجمال في المخصّص، وقد مرّ عدم الإجمال فيه ولو بفضل الإجماع، والإجماع وإن لم يرفع الإجمال عن دلالة اللفظ ولكن يرفع الإجمال عن المقصود.

تنبيه

إذا كان مقدار الكرّ 1200 رطل عراقي، فما هو مقداره بالكيلوغرامات، فنقول: يمكن أن يقال: إنّ 1200 رطل عراقي يساوي 133 صاعاً وثلث الصاع، أي (33 ,133)، لأن كلّ صاع يساوي 9 أرطال عراقية.
وبما أنّ وزن كلّ صاع هو ثلاثة كيلوغرامات تقريباً، فيضرب 33,133 × 3 فتكون النتيجة: 99 ,399 كيلوغراماً.
هذا إذا كان المصدر للتقدير ما روي عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، كما مرّ.
وربّما يحاسب بشكل آخر فتكون النتيجة تارة أقل ممّا ذكر وأُخرى أكثر.
قال المجلسي (رحمه الله): الرطل العراقي عبارة عن مائة وثلاثين درهماً على

1 . التنقيح على العروة الوثقى: 1 / 175.

صفحه 225
المشهور، فيكون واحداً وتسعين مثقالاً شرعياً، وبالصيرفي ثمانية وستين مثقالاً وربع مثقال.
وصورة المسألة هي بالنحو التالي:
الرطل = 130 درهما = 91 مثقالاً شرعياً = 25,68 مثقالاً صيرفياً
فإذا ضربنا 25 ,68 في ألف ومائتي رطل يكون وزن الكرّ بالمثقال الصيرفي كالتالي:
1200 × 25,68 = 81900
والمثقال الصيرفي في مقابل الغرام فيه أقوال نختار منها:
1. كلّ مثقال صيرفي يعادل 6,4 غراماً، فعليه يكون وزن الكر:
81900 × 6,4 = 376740 غراماً. وكلّ كيلو غرام يعادل 1000 غرام، فعليه نقسم النتيجة على 1000 لتحويل الوزن من الغرام إلى الكيلوغرام
376740 00 1000 = 740 ,376 كيلوغراماً
2. كلّ مثقال صيرفي يعادل 6875,4 غراماً فتكون النتيجة كالتالي:
81900 × 6875,4 = 25,383906 غراماً = 90625,383 كيلوغراماً
3. كلّ مثقال صيرفي يعادل 8 ,4 غراماً فعليه يكون وزن الكر:
81900 × 8,4 = 393120 غراماً
393120 00 1000 = 120 ,393 كيلو غراماً
4. كلّ مثقال صيرفي يعادل 884 ,4 غراماً، فعليه يكون وزن الكر:
81900 × 884,4 = 6 ,399999 غراماً
6 ,399999 00 1000 = 999 ,399 كيلوغراماً

صفحه 226
وأكثر فقهائنا المتأخّرين على أحد هذه الأقوال، كالسيد الأُستاذ الإمام الخميني والسيد الحكيم والسيد الخوئي والسيد الصدر وغيرهم، فمن أراد المزيد فليرجع إلى رسائلهم العملية، مبحث أقسام المياه، مسألة مقدار الكر وزناً، رحم الله علمائنا الماضين، وحفظ الله الباقين منهم.

مشكلة الاختلاف بين التقديرين

ربّما يقال بعدم التطابق بين التحديد بالوزن والتحديد بالحجم (المساحة) يعني الأشبار، وهو أنّ مختار المشهور في التقدير بالمساحة كون مكسّره ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر وهو لا ينطبق على ألف ومائتي رطل عراقي، لأنّ غير واحد من الأصحاب وزنوا ألفاً ومائتي رطل عراقي فبعضهم يدّعي انطباقه على ستة وثلاثين كما عليه شيخ الشريعة في دروسه، وبعض آخر يدّعي انطباقه على سبعة وعشرين، فكيف يمكن الجمع بين التقدير بالوزن والتقدير بالأشبار؟
فلو قلنا: إنّ الكرّ ما يكون مكسّره ستة وثلاثين فقد ادّعي أنّ الوزن منطبق عليه .
وأمّا لو قلنا بمقالة المشهور وقلنا إنّه الأحوط، فالتفاوت بين الوزن والمساحة كثير، فأين نسبة الماء الموجود في ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر، وبين الماء الموجود في سبعة وعشرين شبراً.
والذي يمكن أن يقال أحد أمرين:
1. أنّ الروايات ناظرة إلى الغدران الموجودة في الصحاري، والحياض المختلفة في البيوت ممّا لا يكون مربعاً أو مستطيلاً حتى يسهل

صفحه 227
تقديره بالأشبار بشكل دقيق، ولذلك احتاطوا بالتقدير الأكبر ـ أعني: ثلاثة وأربعين شبراً ـ حتى يكون طريقاً إلى التقدير الواقعي بالأشبار، أعني: ستة وثلاثين شبراً أو سبعة وعشرين.
2. أنّ الكرّ إذا بلغ ألفاً ومائتي رطل عراقي لا ينفعل بورود الدم أو البول عليه، ولكن إذا غسلت فيه الأواني أو الثياب ينقص منه شيءٌ كثير، وبالتالي لا يكون عاصماً، فلذلك اتّخذوا تقديراً أكثر بالأشبار حتى لا ينتهي الأمر إلى بعض الصور التي يسبب التطهير فيها نقصان الماء عن مقدار الكرّ.
***
تمّت قاعدة
إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيءٌ

صفحه 228
القواعد الفقهية   
   47

قاعدة

لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة
دراسة دليل القاعدة سنداً ودلالةً
القاعدة مركّبة من أمرين
القاعدة قاعدة فقهية
في معنى الإعادة
الكلام في مفاد المستثنى منه
خروج العامد والجاهل الملتفت عن تحت القاعدة
شمول القاعدة للنقيصة والزيادة
رفع التعارض بين القاعدة وصحيحة أبي بصير
شمول القاعدة للأجزاء والشرائط والموانع
تطبيقات لصدر القاعدة وذيلها
الكلام في مفاد المستثنى
اشتهر في ألسن الفقهاء قديماً وحديثاً قاعدة «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة»، وهي مأخوذة من الحديث الصحيح الذي رواه الصدوق في «الخصال» بالسند التالي، قال: حدّثني أبي، عن سعد]بن عبد الله القمّي[، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد]الأهوازي[، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز]بن عبد الله السجستاني[، عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«لا تعاد

صفحه 229
الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع والسجود»، ثم قال(عليه السلام): «القراءة سنّة، والتشهّد سنّة، والتكبير سنّة، ولا تنقض السنّة الفريضة».1
ورواه في «الوسائل» في غير واحد من الأبواب.2
وقد رواه الشيخ في «التهذيب» باسناده عن زرارة، وطريق الشيخ إليه في «الفهرست»3 مشتمل على ابن أبي جيد وهو من مشايخ النجاشي، ومشايخه كلّهم ثقات; وفي آخر السند ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن زرارة; ومراسيل ابن أبي عمير كمسانيده.4
ويقع الكلام في جهات:

الأُولى: في سند الرواية

لا شكّ أنّ الرواية صحيحة، وأحمد بن محمد ثقة; سواء أكان أحمد ابن محمد بن خالد، أو أحمد بن محمد بن عيسى، والظاهر هو الثاني، وباقي السند لا غبار عليه.
ويؤيّد بعض مضمون الحديث ما رواه الصدوق باسناده
عن الأعمش، عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) في حديث شرائع الدين
قال: «وفرائض الصلاة سبع: الوقت، والطهور، والتوجّه، والقبلة،

1 . الوسائل:4، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث14.
2 . لاحظ : الوسائل:3، الباب9 من أبواب القبلة، الحديث1، غير أنّه ترك ذيل الحديث أعني قوله: القراءة سنة... إلخ.
3 . تهذيب الأحكام:2/152، برقم 597.
4 . لاحظ الموسوعة الرجالية الميسّرة: 638.

صفحه 230
والركوع، والسجود، والدعاء»1.
ولعلّه أراد من التوجّه: النيّة، وسيوافيك أنّها أيضاً من الأركان، وأمّا وجه ترك ذكره في الرواية الأُولى فسيأتي الكلام فيه، وقد استدلّ بها الأصحاب في أبواب الصلاة.

الجهة الثانية: القاعدة مركّبة من أمرين

إنّ قوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة» مشتمل على المستثنى منه والمستثنى، وكلّ يشكّل قاعدة، فالمستثنى منه دليل على أنّ الإخلال بغير الخمسة لا يضرّ بالصلاة، وهذه قاعدة مستقلّة يأتي تفصيلها، كما أنّ قوله: «إلاّ من خمسة» هي أيضاً قاعدة مستقلّة أُخرى تدلّ على أنّ الإخلال بها يبطل الصلاة، وبما أنّ القاعدتين وردتا في حديث واحد، جعلتا قاعدة واحدة مسمّاة (بقاعدة لا تعاد).

الجهة الثالثة: القاعدة قاعدة فقهية

لا شكّ أنّها قاعدة فقهية، وقد قلنا بأنّ المحمول إذا كان حكماً شرعياً تصبح القاعدة قاعدة فقهية، كما هو الحال في المقام، مضافاً إلى اختصاصها بباب الصلاة; والقاعدة الأُصولية لا تختصّ بباب دون باب.

الجهة الرابعة: في معنى الإعادة

إنّ قوله(عليه السلام):«لا تعاد...» مشتقّ من الإعادة، وهو في اللغة إعادة الشيء

1 . الوسائل:4، الباب1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث15. والدعاء أي القراءة فريضة وليست بركن، فلا منافاة بين ما روي عن الأعمش وما مرّ من زرارة حيث عدّت القراءة فيه سنّة أي ليست بركن.

صفحه 231
السابق بنفسه دون مثاله ونظيره.
وربّما يستعمل في الإعادة بالمثل، يقول سبحانه:(إنّهُ هُوَ يُبْدئُ وَيُعيد)1: أي يصيّر الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات في الحياة في الآخرة.2 وأحياناً يتوسّع فيستعمل فيما إذا كان الثاني أكمل من الأوّل، كما هو الحال في المقام، فإنّ المعاد جامع للشرائط والأجزاء المخلّة دون الأُولى.

الجهة الخامسة: في مفاد المستثنى منه

قد عرفت أنّ الحديث يشكّل قاعدتين فلنقدّم الكلام في القاعدة الأُولى، أعني: أنّ الإخلال بغير الخمسة لا يبطل الصلاة، إنّما الكلام في إطلاق القاعدة لعامّة صور الإخلال وهي:
1. الإخلال بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة عمداً.
2. الإخلال بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة جهلاً بسيطاً بالحكم.
3. الإخلال بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة جهلاً مركّباً.
4. الإخلال بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة عن سهو ونسيان.
فيقع الكلام في شمول المستثنى منه لعامة الصور أو بعضها.
***

1 . البروج:13.
2 . مجمع البحرين، مادة «عود».

صفحه 232

الصورة الأُولى: الإخلال عن عمد

إذا أخلّ بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة عمداً، فهل تصحّ صلاته؟
والجواب ـ بكلمة واحدة ـ : لا، ولم يقل به أحد للزومه التناقض في التشريع، فمن جانب يأمر المكلّف بغير الخمسة، ومعنى ذلك مدخليتها في الغرض وفي بعث المكلّف إليه، ومن جانب آخر يرخّص في تركها عمداً. نعم حكي عن المحقّق محمد تقي المعروف بـ : (الميرزا الشيرازي الثاني) تصوير ذلك بالالتزام بأمرين: أحدهما: متعلّق بالخمسة المستثناة وغيرها ممّا ثبت ركنيّته (كالنيّة مثلاً). والآخر بإتيان باقي الأجزاء والشرائط معها، فلو أتى بالخمسة وغيرها ممّا ثبتت ركنيّته وترك الباقي عمداً مع العلم بوجوب إتيانها فالأمر المتعلّق بنفس الخمسة وغيرها ممّا ثبتت ركنيّته يسقط بالامتثال، والأمر المتعلّق بإتيان باقي الأجزاء والشرائط أيضاً يسقط بواسطة عدم بقاء المحل والموضوع له، إذ محلّه وموضوعه كان إتيان باقي الأجزاء والشرائط مع الخمسة، والمفروض أنّه أتى بالخمسة وسقط أمرها.1
وربّما يقرّب التصوير بما ورد من صحّة الصلاة إذا جهر في
موضع المخافتة أو عكس، عن تقصير فقد تعلّق أمر بذات الصلاة الجامع بين الجهر والإخفات، وأمر آخر بإتيانها جهراً في الصلوات الجهرية ومخافتة في غيرها، فإذا أخلّ بالأمر الثاني فقد امتثل الأمر الأوّل وسقط الأمر الثاني لعدم إمكان الامتثال بعد سقوط الأمر الأوّل. ونظيرها ما إذا نذر أن يصلّي الفريضة في المسجد، فإذا صلّى في البيت امتثل الأمر الأوّل أي الأمر بالفريضة، وسقط

1 . القواعد الفقهية للبجنوردي:1/80.

صفحه 233
الأمر الثاني لعدم إمكان امتثاله بعد امتثال الأمر الأوّل.
أقول: هذا ما نقل عن المحقّق الشيرازي وهو تصوير صحيح لكن لا واقع له فيما بأيدينا من الأحكام، ثم إنّ ما ذكره إنّما يصحّ فيما إذا كان للمولى مطلوبان على نحو يُعدّ المطلوب الثاني كمالاً للمطلوب الأوّل لا مؤثّراً في صحّته كما مثّل في الإجهار مكان المخافتة أو الصلاة في البيت مكان الصلاة في المسجد، وأمّا المقام فليس هاهنا إلاّ مطلوب واحد مركّب من أجزاء بينها وصلة كاملة، فلو أخلّ بواحد في ظرف العمد فكأنّه لم يمتثل. ولذلك قلنا ذلك تصوير وليس له حقيقة.

الصورة الثانية: الإخلال عن جهل بسيط

إذا أخلّ بالأجزاء والشرائط عن جهل بسيط بالحكم، الملتفت إلى جهله فهل تصحّ صلاته؟ الظاهر لا، لانصراف الرواية عنه; لأنّ صاحب الجهل البسيط ملتفت للموضوع، وأنّه يحتمل جزئية الجزء أو شرطية الشرط أو مانعية المانع ومع ذلك يترك التعلم ويأتي بالصلاة.
وجه الانصراف هو أنّ موضوع الرواية مَن يريد الامتثال، وهذا هو الذي يقال له: أعد ولا تعد، وأمّا مَن دخل في الصلاة وهو شاك في كون العمل صحيحاً أو غير صحيح، فهو ليس بصدد الامتثال إلاّ في صورة عدم كون المشكوك مطلوباً في الصلاة.
أضف إلى ذلك ما نقله سيدنا الأُستاذ(قدس سره) عن شيخه المحقّق الحائري(رحمه الله)بأنّ الإسلام حثّ على التعليم والتعلّم وذمّ الجاهل في غير واحدة من الروايات، فلو قلنا بشمول الرواية للجاهل الملتفت لزم التناقض بين الحثّ

صفحه 234
والحكم بالصحّة; لأنّ الثاني يبعث الجاهل إلى ترك التعلّم وصرف العمر في طريقه. والقاعدة على القول بالشمول تصدّه عنه وتدعو إلى التقاعد عن التعلّم.
روى مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) في تفسير قوله تعالى: (قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)1 قال: «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً، فإن قال: نعم، قال تعالى له: أفلا عملت بعلمك، وإن قال: كنت جاهلاً، قال تعالى: أفلا تعلّمت حتى تعمل، فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة».2
فدلّ حُسن العقاب على عدم سقوط التكليف، وبالتالي عدم صحّة عمله.

الصورة الثالثة: الإخلال عن جهل مركّب

إذا كان غافلاً عن جزئية شيء، فهل القاعدة تشمله؟ فلو صلّى مدّة من الزمان بلا سورة، فهل تصحّ صلاته؟ الظاهر شمول القاعدة لهذا النوع من الجهل كالناسي، إذ لا فرق بينهما ويجمعهما عدم الالتفات إلى الجزئية، غير أنّ الناسي كان عالماً ثم عرضه النسيان بخلاف الجاهل المركّب فإنّه لم يزل غير عالم.
قال السيد الطباطبائي: وإن كان الإخلال بسائر الشروط أو الأجزاء ـ زيادة ونقصاً ـ جهلاً بالحكم، فالأحوط الإلحاق بالعمد في البطلان، لكن

1 . الأنعام:149.
2 . أمالي المفيد: 227، المجلس35.

صفحه 235
الأقوى إجراء حكم السهو عليه.1
ويمكن الاستدلال على الإلحاق بروايتين:
1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«إنّ الله عزّ وجلّ فرض الركوع والسجود، والقراءة سنّة، فمَن ترك القراءة متعمداً أعاد الصلاة، ومَن نسي القراءة فقد تمّت صلاته ولا شيء عليه».2
وجه الاستدلال: أنّه(عليه السلام) أخرج العمد في ترك الجزء، وهذا دليل على أنّ المبطل هو الترك عن عمد وأمّا غيره فيحكم على صلاته بالصحّة، سواء أكان جاهلاً مقصّراً أو قاصراً، أو ساهياً.
يلاحظ عليه: الظاهر أنّ مورد النظر هو العامد والناسي، بشهادة أنّه ذكر القسمين، وإدخال الجاهل المقصّر في الساهي ليس بأولى من إدخاله تحت العامد، خصوصاً إذا كان الجاهل متبختراً غير مبال لتمامية صلاته وعدمها.
2. موثّق منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها، فقال: «أليس قد أتممت الركوع والسجود»؟ قلت: بلى، قال: «قد تمّت صلاتك إذا كان نسياناً».3
وجه الدلالة: أنّ الإمام(عليه السلام) وإن خصّ الصحّة بالناسي لكن علّله بقوله:«أليس قد أتممت الركوع والسجود» فهذا دليل على أنّ إتمام ذينك الركنين كاف في الحكم بصحّة الصلاة إذا ترك الإنسان التشهّد وما أشبهه بغير

1 . العروة الوثقى: فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة3.
2 . الوسائل:4، الباب27 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث2.
3 . الوسائل:4، الباب29 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث2.

صفحه 236
عمد، فالعبرة بعموم التعليل لا بخصوص المورد، نعم لا يعمّ العمد، وقد مرّ وجهه.
ولا يخفى أنّه إشعار، والاعتماد عليه مشكل.
والأَولى التفصيل بين الجاهل المقصّر الذي لم يتعلّم أحكام الصلاة فترك بعض الأجزاء جهلاً بالحكم وبين القاصر، والدليل الوحيد ـ مضافاً إلى انصراف قاعدة «لا تعاد» عن ذلك المصلّي المقصّر المعاقب ـ ما مرّ من الحديث من أنّه لمّا اعتذر بالجهل يخاطب: «أفلا تعلّمت» كلّ ذلك قرينة على انصراف الحديث عن الجاهل المقصّر، وبذلك ظهر خروج الطوائف التالية عن الحديث:
1. التارك عمداً.
2. التارك جهلاً بالحكم الملتفت لجهله عند الصلاة.
3. التارك الجاهل غير الملتفت لجهله، المقصّر عن التعلّم.
فبقي تحت الحديث عنوانان هما:الناسي والجاهل القاصر.
نعم استثني من الجاهل المقصّر موردان وهما الجهر والإخفات، والقصر والإتمام، فقد أفتى المشهور بالصحّة من أجل النصّ الخاصّ لا لحديث «لا تعاد».
روى الصدوق بسنده الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: «أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسياً أو

صفحه 237
ساهياً أو لا يدري فلا شيء عليه وقد تمّت صلاته».1
ثمّ إنّ صحّة الصلاة في حقّ الجاهل والناسي ليس بمعنى عدم اشتراكهما مع الآخرين في حكم الله المشترك، كيف وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الجميع محكومون بحكم واحد، بل تكون القاعدة دليلاً على عدم فعلية الحكم المنسيّ أو المجهول في حقّهما، أو عدم كونه منجّزاً في موردهما على اختلاف بيننا وبين المشهور في مورد الجهل والنسيان، فالمشهور على كون الحكم غير فعليّ في حقّ الجاهل والناسي بناء على أنّ لكلّ إنسان خطاباً خاصّاً، وأمّا نحن فالحكم عندنا فعليّ غير منجّز; لأنّ المراد من الفعلّي تمامية البيان من المولى ووضعه في مظانّه، سواءأ وقف عليه المكلف أم لا. والمفروض أنّ البيان قد تمّ من جانب المولى وإن لم يقف عليه المكلّف.
وهذا الجواب سار في مجموع العناوين الثانوية الحاكمة على أحكام العناوين الأوّلية، فإنّ تقديم حكمها على أحكام العناوين الأوّلية ليس بمعنى إخراج المورد عن تحت الأحكام المشتركة، بل مع التحفّظ بالاشتراك يحكم الشارع بصحّة الصلاة في هذه الأحوال تسهيلاً وترغيباً للناس بالدين، وقد بُيّن ذلك في مبحث الإجزاء في علم الأُصول.

شمول القاعدة للزيادة

إذا دلّ دليل على أنّ زيادة الجزء مبطلة للصلاة، كما في الموردين التاليين:

1 . الوسائل:4، الباب26 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1، ولاحظ : الحديث 2، ولاحظ: الوسائل:5، الباب17 من أبواب صلاة المسافر.

صفحه 238
1. القران بين السورتين. روى العياشي عن المفضّل بن صالح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول:«لا تجمع بين السورتين في ركعة واحدة إلاّ (الضُّحَى) و(أَلَمْ نَشْرَحْ) و(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ) و(لاِيلاَفِ قُرَيْش).1
2. السجود لقراءة العزائم، فلو قرأ المصلّي إحدى سور العزائم الأربع وسجد فإنّه زيادة في المكتوبة، وقد نُهي عنها، ففي رواية زرارة عن أحدهما(عليهما السلام):«لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم فإنّ السجود زيادة في المكتوبة».2
فلو قرأه ناسياً أو جاهلاً عن قصور، فهل يشمله قوله:«لا تعاد» بناء على شموله للزيادة أو لا يشمل لاختصاصه بالنقيصة، كلّ ذلك فيما إذا كانت الزيادة ـ لولا هذا الحديث ـ موجبة للإعادة، وإلاّ فزيادة الجزء دون أن تكون الزيادة منهيّاً عنها بالخصوص، خارج عن مصبّ البحث، إلاّ أن يقال: إنّ تحديد العبادة بالأجزاء والشرائط على وجه الدقّة دليل على أنّ الواجب هو الإتيان بها دون زيادة ونقيصة فلا نحتاج في النهي عن الزيادة إلى دليل خاص، بل يكفي نفس الدليل على كيفية الصلاة.
الظاهر أنّ الحكم شامل للزيادة بكلتا الصورتين، لأنّ المتبادر من الحديث أنّ الإمام(عليه السلام)بصدد إعطاء الضابطة حول الخلل الوارد في الصلاة من حيث الإعادة وعدمها، فتخصيصها بالنقيصة خلاف المتبادر من الحديث. واستدلّ على اختصاصها بالنقيصة بأُمور:
1. إنّ المتبادر من الحديث عدم وجوب الإعادة لأجل عدم كلّ ما

1 . الوسائل:4، الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث5.
2 . الوسائل:4، الباب40 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1.

صفحه 239
اعتبر في الصلاة إلاّ من عدم هذه الخمسة، وعلى هذا فالحديث يختصّ بالنقيصة دون الزيادة فإنّ إخلالها ليس لأجل العدم بل لأجل الوجود.
يلاحظ عليه: ما ذكرته وإن كان حسب التعبير صحيحاً إلاّ أنّ الكلام في كون المقدّر هو العدم، ولماذا لا تقول: لا تعاد الصلاة بشيء إلاّ الخمسة، والشيء يطلق على الزيادة قطعاً.
2. إنّ ذيل الحديث أعني قوله: «التشهّد سنّة، والقراءة سنّة، ولا تنقض السنّة الفريضة» كالتعليل للصدر، ومن المعلوم أنّه تعليل للفقدان والنقيصة لا للزيادة بشهادة أنّه يقول:إنّ الفرائض، أعني: الأجزاء الركنية إذا وجدت لا يضرّها فقد الأجزاء غير الركنية، التي عبّر عنها بالسنة.
يلاحظ عليه: أنّ التعليل يصلح للنقيصة والزيادة معاً، بأن يقول: إنّك إذا أتممت الأجزاء الركنية فزيادة السنّة لا تنقض الفريضة.
3. إنّ الزيادة لا تتصوّر في جانب المستثنى إلاّ في الركوع والسجود دون الوقت والقبلة والطهور، فكيف يمكن عموم المستثنى منه للزيادة؟!
يلاحظ عليه: أنّه يكفي وجود النقيصة في المستثنى منه إجمالاً في صحّة الاستثناء.
بقي هنا شيء وهو أنّه لو قلنا بعموم القاعدة للزيادة يقع التعارض بين إطلاقها وصحيح أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة».1 وهذا ما ندرسه تالياً.

1 . الوسائل:5، الباب19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.

صفحه 240

التعارض بين «لا تعاد» وصحيح أبي بصير

إذا قلنا باختصاص قوله:«لا تعاد» بالنقيصة فلا تعارض بين الحديثين لاختصاص أحدهما بالنقيصة والآخر بالزيادة، وأمّا لو قلنا بشموله للزيادة أيضاً يلزم التعارض بينه وبين صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة».1
وجه التعارض: أنّ النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه، فالقاعدة عامّة تشمل النقيصة والزيادة، وخاصّة تختصّ بغير الأركان الخمسة، والصحيح عام يشمل الأركان وغيرها، خاصّ يختصّ بالزيادة فيجتمعان في الزيادة غير الركنية، فلو عملنا بالقاعدة تكون الصلاة صحيحة، ولو أخذنا بالصحيح تكون الصلاة باطلة.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ذكر كيفية التعارض بوجه آخر وحاصل ما أفاد: القاعدة خاصّة لاختصاصها بالسهو، وعامّة لعمومها للزيادة والنقيصة، والحديث خاصّ لاختصاصه بالزيادة، وعام لشموله العمد والسهو، فيقع التعارض في الزيادة السهوية غير الركنية، فلا تعاد على القاعدة، وتعاد على الصحيح2.
لا شكّ أنّ المشهور هو العمل بالقاعدة وتقديمها على الصحيح، إنّما الكلام في وجه التقديم.
يظهر من الشيخ الأنصاري أنّ وجه التقديم أنّ صحيح أبي بصير في عداد ما دلّ على ما يُخل فعله وتركه بالصلاة كالحدث والتكلّم وترك

1 . الوسائل:5، الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . الفرائد:2/385، الطبعة المحقّقة.

صفحه 241
الفاتحة، فإذا كان في عداد ذلك فقوله:«لا تعاد» يفيد أنّ الإخلال (بما دلّ الدليل على عدم جواز الإخلال به)، إذا وقع سهواً، لا يوجب الإعادة، وإن كان من حقّه أن يوجبها.1
وحاصله: أنّ الصحيحة في عداد أدلّة الموانع التي منها الزيادة، التي لها إطلاق تعمّ صورة العمد والسهو، فتكون القاعدة حاكمة عليها في صورة واحدة، أعني: السهو.
ويظهر هذا الجواب من المحقّق النائيني وتلميذه الجليل السيد الخوئي، قال التلميذ: إنّ حديث «لا تعاد» حاكم على أدلّة الزيادة، بل على جميع أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع كلّها، لكونها ناظرة إليها وشارحة لها فمفاده أنّ الإخلال سهواً بالأجزاء والشرائط التي ثبتت جزئيّتها أو شرطيتها لا يوجب البطلان إلاّ الإخلال بهذه، فلسانه لسان الشرح والحكومة فيقدّم على أدلّة الأجزاء والشرائط بلا لحاظ النسبة بينه وبينها.2
أقول: لا شكّ أنّ «لا تعاد» حاكم على أدلّة الأجزاء والشرائط، فلو دلّ الدليل على جزئية السورة ودلّ إطلاقها على أنّها جزء في حالتي العمد والسهو وتركها المصلّي سهواً ثم أطلع عليه بعد الصلاة، فالقاعدة حاكمة على إطلاق دليل الجزئية، إنّما الكلام أنّ صحيح أبي بصير هل هو في عداد أدلّة الأجزاء والشرائط؟ الظاهر لا; بل هو والقاعدة على مستوى واحد فهما ناظران إلى حالات ما هو جزء وشرط التي منها الزيادة وليس في

1 . الفرائد:2/385.
2 . مصباح الأُصول:2/470، ولاحظ: الفوائد الأُصولية:4/239.

صفحه 242
عداد أدلّة الجزئية والشرطية والمانعية، وكأنّه يقول: ما ثبت كونه جزءاً بالدليل، إذا زيد في الصلاة يكون مبطلاً. وذلك لأنّ في مورد الاجتماع دليلين:
1. لا تعاد الصلاة مع الزيادة السهوية غير الركنية.
2. تعاد الصلاة مع الزيادة السهوية غير الركنية.
فلا وجه لحكومة أحدهما على الآخر، فلابدّ أن نتوسّل في تقديم القاعدة على الصحيح بوجوه أُخرى:

1. اختصاص الصحيح بالزيادة العمدية

ربما يقال بأنّ صحيح أبي بصير ناظر إلى الزيادة العمدية لا السهوية ولا الزيادة عن جهل، فعلى هذا فمورد الاجتماع مصداق للقاعدة لا للصحيح.
يلاحظ عليه: أنّ تخصيص الصحيح بالعمد ضعيف وإطلاقه أمر لا ينكر.

2. حمل الصحيح على زيادة الركعة

إنّ صحيح أبي بصير محمول على زيادة الركن بمعنى زيادة ركعة لا الجزء، بشهادة أنّ سائر روايات هذا الباب ناظرة إلى زيادة الركعة، ففي «الكافي» عن زرارة وبكير ابني أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها واستقبل صلاته استقبالاً إذا كان قد استيقن يقيناً».1

1 . الوسائل:5، الباب19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 243
يقول شيخ مشايخنا الحائري: إنّ الظاهر أنّ متعلّق الزيادة في المقام من قبيل الزيادة في العمر، في قولك: زاد الله عمرك، فيكون المقدّر الذي جعلت الصلاة ظرفاً له، هو الصلاة، فينحصر المورد بما إذا كان الزائد مقداراً يطلق عليه الصلاة مستقلاً كالركعة والركعتين، مضافاً إلى أنّه القدر المتيقّن في بطلان الصلاة بالزيادة.
أضف إليه: أنّ رواية زرارة وبكير المذكورتين رواها في «الكافي» بزيادة لفظ الركعة.1
أقول: ما استشهد به شيخ مشايخنا من رواية ابني أعين إنّما يتمّ على بعض النسخ لا على جميعها، مثلاً: أنّ نسخ «الكافي» مختلفة ففي باب «مَن سها بين الأربع والخمس ولم يدر زاد أو نقص» رواه بلا إضافة «ركعة»2، وفي باب «السهو عن الركوع» رواه بإضافة قوله: «ركعة» وعنوان الباب يحكي عن وجود لفظ «ركعة».3
وأمّا المجلسي فقد تبع الكليني في «مرآة العقول» في كلّ مورد.4
وأمّا الشيخ فقد أخرجه في «التهذيب» في باب أحكام السهو في الصلاة عن الكليني بلا هذه الزيادة.5
وأمّا صاحب الوسائل فقد أخرجه عن الكليني في كلا البابين بإضافة

1 . الصلاة: المقصد الثالث:210، بتصرّف يسير.
2 . الكافي:4/354، الحديث 2.
3 . الكافي:3/348، الحديث 3 .
4 . مرآة العقول: 15 / 200 و ص 187.
5 . التهذيب:2/206 ح64، طبعة الغفاري، وص 194 طبعة النجف.

صفحه 244
(ركعة)، ولعلّ نسخة «الكافي» عنده كانت مشتملة على الزيادة في كلا البابين، أو أنّه رجع في كتابة الحديث إلى باب «السهو عن الركوع».

3. القاعدة حاكمة على الصحيح لقوّة الدلالة

إنّ القاعدة لقوّة دلالتها حاكمة على صحيح أبي بصير وذلك لوجوه:
الأول: قوّة الدلالة، لاعتمادها على العدد، وهذا كاشف عن كون المتكلّم بصدد بيان ما هو الموضوع للإعادة وعدمها بوجه دقيق غنيّ عن التخصيص والتقييد.
الثاني: وجود التعليل في القاعدة دون الحديث حيث تعلّل عدم الإعادة بأنّ السنّة لا تنقض الفريضة، ومقتضاه عدم لزوم الإعادة فيما إذا زاد شيئاً مع عدم الإخلال بالفريضة.
الثالث: لسان الامتنان في القاعدة دون الحديث الموجب لتقديم ما هو ظاهر في المرونة والسهولة على غيره.
فإن قلت: لو قلنا بهذا الجمع وقدّمنا القاعدة في الزيادة السهوية على الصحيحة يلزم اختصاص صحيح أبي بصير بالزيادة العمدية، مع أنّ الزيادة العمدية قليلة بالنسبة إلى غير الأركان فضلاً عن الأركان.
قلت: وعلى ذلك فلا محيص من اختيار الجمع الثاني وحمل الحديث على الركعة، وقد مرّ اشتمال حديث زرارة وابن بكير عليها في بعض النسخ.

صفحه 245

شمول القاعدة للموانع

لا شكّ في بطلان الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه، ففي موثّق ابن بكير:«إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد».1
كما أنّ لبس الحرير للرجال في حال الصلاة ممنوع، روى الكليني عن إسماعيل بن الفضل عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«لا يصلح للرجل أن يلبس الحرير إلاّ في الحرب».2
ونظير هذين، اللباس النجس فقد دلّت غير واحدة من الروايات على بطلان الصلاة في الثوب النجس.3
إلى غير ذلك من الموارد التي ثبتت فيها مانعية الشيء، فهل يحكم بالصحّة إذا كان ناسياً أو جاهلاً بالحكم أو الموضوع؟
والبيان في المقام نفس البيان في الزيادة; لأنّ الرواية بصدد إعطاء الضابطة فيما يخلّ بالصلاة وما لا يخل.

شمول القاعدة للقضاء أيضاً

إذا نقص أو زاد المصلّي في صلاته ولم يقف عليه إلاّ بعد خروج الوقت، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟

1 . الوسائل:3، الباب2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث1.
2 . الوسائل:3، الباب12 من أبواب لباس المصلّي، الحديث1.
3 . الوسائل:2، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث3. والجزء 3، الباب1 من أبواب لباس المصلّي، الحديث1.

صفحه 246
الأظهر: شمول القاعدة له، لوجهين:
أوّلاً: أنّ المراد من الإعادة هو إيجاد الصلاة ثانياً، من دون تقيّد بالوقت، وكون الإعادة بمعنى تجديد الصلاة في الوقت من مصطلحات الفقهاء.
ثانياً: نفترض أنّ المراد من الإعادة هو الإعادة في الوقت، ومن المعلوم أنّ نفيها بالوقت يدلّ بالأولوية على نفيها في خارج الوقت.

لزوم الإعادة في غير الموارد الخمسة

ظاهر استثناء الخمسة أنّ ما وراءها لا تجب إعادتها مع أنّ هنا أُموراً خارجة عن المستثنى لكن تجب الإعادة عندها، كالأُمور التالية:
1. إذا دخل في الصلاة بلا نيّة.
2. إذا ركع من دون قيام متّصل به، فإنّ ركوعه باطل أخذاً بما في رواية أبي جعفر(عليه السلام):«وقم منتصباً، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: مَن لم يقم صلبه فلا صلاة له».1
3. إذا دخل الصلاة بلا تكبيرة الإحرام.
4. إذا قام بفعل ماح للصورة الصلائية.
ففي جميع هذه الصور ـ ولو عن سهو ـ فالصلاة باطلة، فمع أنّها خارجة عن المستثنى لكن تجب الإعادة عندها.
أقول: إنّ الموضوع هو الداخل في الصلاة، وأمّا مَن لم ينو فهو غير داخل في الصلاة، ومنه يظهر حكم نسيان تكبيرة الإحرام، فإنّ التكبيرة آية

1 . الوسائل:3، الباب9 من أبواب القبلة، الحديث6.

صفحه 247
الدخول في الصلاة فمن لم يكبّر لم يدخل في الصلاة حتى يكون محكوماً بالإعادة وعدمها... كما أنّه إذا قام بفعل ماح للصورة الصلائية فهو قد خرج عن الصلاة، ومورد القاعدة مَن كان باقياً في الصلاة لا خارجاً عنها.
وأمّا مَن ركع من دون قيام متّصل به فكأنّه لم يركع; لأنّ الورود في الركوع عن قيام محقّق للركوع، لا شرط زائد.

تطبيقات لصدر قاعدة (لا تعاد):

إنّ لصدر القاعدة فروعاً وتطبيقات كثيرة نذكر بعضاً منها في محاور:

1. لو نسي تكبيرة الإحرام

1. لو دخل الصلاة بلا نيّة أو نسي التكبيرة لا تصحّ صلاته، فإنّه وإن لم يترك الأركان المذكورة في المستثنى لكنّه بعدُ لم يدخل في الصلاة، فإنّ العمل بلا نيّة ليس صلاة، والتكبيرة آية الدخول في الصلاة، فلو لم يكبّر، لم يدخل فيها.

2. لو نسي القراءة

2. لو نسي القراءة وتذكّر بعد الدخول في الركوع صحّت صلاته; روى الصدوق باسناده عن زرارة عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «إنّ الله تعالى فرض الركوع والسجود، والقراءة سنّة، فمَن ترك القراءة متعمّداً أعاد الصلاة، ومَن نسي فلا شيء عليه».1
قلنا بعد الدخول في الركوع; لما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد

1 . الوسائل:4، الباب27 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1، ولاحظ الحديث2.

صفحه 248
الله(عليه السلام): رجل نسي أُمّ القرآن؟ قال: «إن لم يركع فليعد أُمّ القرآن».1 ومفهوم الرواية صحّة الصلاة إذا التفت بعدما ركع.
وبما أنّه لم يذكر في الروايات سجدتا السهو، فالظاهر عدم وجوبهما، وإن قيل: في كلّ زيادة ونقيصة سجدتا سهو، وهو بعدُ غير ثابت.
3. لو ترك وصف القراءة من الجهر والمخافتة، فلا يعيد; روى الصدوق باسناده عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه؟ فقال: «أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شيء عليه وقد تمّت صلاته».2
ولو التفت في أثناء القراءة أو قبل الركوع فهل يرجع أو لا؟ الظاهر: لا، لعموم النصّ المذكور.
قال الشيخ الأنصاري بعد نقل رواية زرارة: وهي الحجّة أيضاً في نسيان الجهر والإخفات مطلقاً، سواء أتمّت القراءة أو لا، حتى لو قرأ كلمة بالجهر سهواً فذكر بمجرد الفراغ عنها لا يجب إعادتها بمقتضى إطلاق هذا الخبر، والظاهر أنّ الرواية صحيحة، ومع ذلك فهي مؤيّدة بعدم الخلاف في المسألة.3 ومع ذلك فالعود وتجديد القراءة بنيّة ـ أعمّ من أن تكون القراءة الثانية قراءة للصلاة أو قراءة للقرآن حيث تستحب في أثناء الصلاة ـ أحوط.

1 . الوسائل:4، الباب28 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 1. ولاحظ بقية أحاديث الباب والباب29.
2 . الوسائل:4، الباب26 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1; ولاحظ الحديث2.
3 . أحكام الخلل في الصلاة:9/85.

صفحه 249

3. لو نسي التشهّد

4. إذا نسي التشهّد الأوّل فذكر قبل أن يركع، فيرجع، وإلاّ فيمضي; روى الصدوق عن علي بن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«إذا قمت في الركعتين الأُولتين ولم تتشهّد وذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهّد، وإن لم تذكر حتى تركع فأمض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيها ثم تشهّد التشهّد الذي فاتك».1
وروى الكليني عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر(عليه السلام) في الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما؟ قال: «فليجلس ما لم يركع فقد تمّت صلاته، وإن لم يذكر حتى ركع فليمض في صلاته، فإذا سلّم سجد سجدتين وهو جالس».2
ومراده من الجلوس هو التشهّد، أي تركه.
ولو نسي التشهّد الثاني (دون التسليم)، فيجب قضاؤه من غير فرق بين إتيان المنافي وعدمه لخروجه عن الصلاة بالتسليم، فلو وجب الإتيان به فإنّما يجب بعد الخروج عنه، وعلى هذا لا فرق بين إتيان المنافي وعدمه لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام): في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهّد حتى ينصرف؟ فقال: «إن كان قريباً رجع إلى مكانه فتشهّد، وإلاّ طلب مكاناً نظيفاً فتشهد فيه»، وقال: «إنّما التشهّد سنّة في الصلاة».3

1 . الوسائل:5، الباب26 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . الوسائل:4، الباب9 من أبواب التشهّد، الحديث1. والظاهر أنّ المراد من قوله«بينهما» هو الركعتين الأُولتين والركعتين الأخيرتين.
3 . الوسائل:4، الباب7 من أبواب التشهّد، الحديث1.

صفحه 250
ولم يذكر فيه سجدتا السهو، فإمّا يقيّد بما مرّ في الحديث السابق أو يحمل على الاستحباب، قال الشيخ: واعلم أنّ الاخبار المذكورة مختصّة بنسيان التشهّد الأوّل، وأمّا الثاني فالظاهر عدم وجوبه للأصل وخلو صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة عنه، بل قيل: إنّها مختصّة بالتشهّد الأخير.1
ومع ذلك فالتفكيك بين الصورتين مشكل، والتقييد أفضل وأحوط.

4. لو نسي التسليم

لو نسي السلام الواجب ولم يأت بالمنافي فيقضيه بلا كلام لبقاء الوقت، وأمّا إذا أتى بالمنافي فإن كان المنافي ممّا يبطل عمداً لا سهواً ـ كالكلام ـ فالمشهور أنّه يقضي بلا خلاف; لأنّ المفروض أنّه لم يأت بما يبطل الصلاة، لأنّ التكلّم إنّما يبطل إذا كان عن عمد وهو بعدُ لم يخرج من الصلاة، إنّما الكلام ما إذا أتى بالمنافي الذي يبطل عمده وسهوه كما إذا توجّه من القبلة إلى غيرها، أو أحدث قبل التسليم، فهل يمكن تداركه أو لا؟
قال السيد الطباطبائي في العروة: وليس التسليم ركناً فتركه عمداً مبطل لا سهواً، فلو سها عنه وتذكّر بعد إتيان شيء من المنافيات عمداً أو سهواً أو بعد فوات الموالاة (صحّت صلاته) ولا يجب تداركه، نعم عليه سجدتا السهو للنقصان بتركه.2
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على خروج المصلّي من الصلاة بمجرّد نسيان السلام، ولكنّه ممنوع بشهادة أنّه لو تذكّر قبل فعل المنافي مع بقاء

1 . كتاب أحكام الخلل في الصلاة:9/75.
2 . العروة الوثقى: 2 / 593 ، الفصل 22 في التسليم. مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1419 هـ .

صفحه 251
المحلّ السهوي يجب عليه تداركه، وعلى هذا فلو توجّه إلى غير القبلة أو أحدث قبل السلام فقد أتى بالمنافي في الأثناء قبل الخروج عنها فتبطل صلاته، وعندئذ لا موضوع لحديث «لا تعاد».
أضف إلى ذلك: أنّ مورد القاعدة ما لو أنّه لم يتدارك، تبطل الصلاة لأجل ترك التدارك، وأمّا المقام فلو لم يتدارك فالبطلان يستند إلى إتيان المنافي، كما أشار إليه صاحب المدارك على ما نقله البحراني في «الحدائق».1
نعم وردت روايات يستشم منه صحّة الصلاة وجواز التدارك نظير ما رواه غالب بن عثمان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلّي المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهّد ثم ينام قبل التسليم؟ قال: «تمّت صلاته، وإن كان رعافاً غسله ثم رجع فسلّم».2
والظاهر أنّ الأحوط هو الجمع بين التدارك والإعادة.

الجهة السادسة: الكلام في مفاد المستثنى

قد تقدّم أنّ الحديث الشريف يشتمل على أمرين:
الأوّل: هو عقد سلبي فرغنا عن شرحه وذكرنا بعض تطبيقاته.
وأمّا الأمر الثاني: فهو عقد إيجابي كما يقول: «إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود».
فلنذكر ما يمكن أن يكون إيضاحاً للموارد الخمسة.

1 . الحدائق الناضرة:9/131.
2 . الوسائل:4، الباب3 من أبواب التسليم، الحديث6.

صفحه 252

الأوّل: الطهور

قال الراغب: الطهور قد يكون مصدراً فيما حكى سيبويه في قولهم: تطهّرت طهوراً وتوضّأت وضوءاً، وهذا مصدر على وزن فعول ومثله: وقدت وقوداً.
ويكون اسماً غير مصدر كالفطور في كونه اسماً لما يفطر به، ونحو ذلك الوجور (الدواء الذي يصبّ في الفم) والصعود (العقبة الشاقّة)، وعلى هذا قوله سبحانه: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ).1
نعم أنكر الشافعي المعنى الثاني أي كون الطهور بمعنى المطهّر.2 وقد تبع الشافعي في هذا أبا حنيفة حيث منع كون الطهور بمعنى المطهّر غيره. لكن يردّه الحديث المتضافر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«التيمّم أحد الطهورين»; أي المطهّرين من الماء والتراب، والتفصيل في محلّه.
وعلى كلّ تقدير فالمراد هو المعنى الأوّل وهو المعنى المصدري، وهي ضربان: طهارة جسم ويعبر عنها بالطهارة الخبثية، وطهارة نفس ويعبر عنها بالطهارة الحدثية، فهل المراد هو خصوص الثاني أو يعمّ كلا القسمين؟
الظاهر هو الأوّل لفهم المشهور. والأمر بالإعادة عند نسيان الطهارة الخبثية ليس دليلاً على العموم بشهادة أنّه لو جهل بالنجاسة صحّت صلاته. عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: «إن كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلّي ثمّ صلّى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى، وإن كان لم يعلم به فليس عليه إعادة، وإن كان

1 . الإنسان:21.
2 . المفردات للراغب: مادة «طهر».

صفحه 253
يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم ير شيئاً، أجزأه أن ينضحه بالماء»1، فإنّ قوله:«ثم صلّى فيه ولم يغسله» محمول على النسيان ضرورة أنّ المصلّي إذا وجد النجاسة في ثوبه لا يصلّي فيه عمداً، وهذا يدلّ على أنّه ليس للطهارة الخبثية منزلة الطهارة الحدثية، ففقدانها يبطل الصلاة عمداً وسهواً ونسياناً.
ولعلّ إليه يشير قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور»2
ويؤيد ما ذكرنا أنّ الأُمور الخمسة، هي المعبّر عنها بالأركان، وفسّر الركن عند الأكثر ما يضر الإخلال به عمداً ونسياناً، والطهارة الخبثية ليست كذلك. وعلى كلّ تقدير فلا ثمرة لهذا البحث لوضوح الحكم في الموردين.

الثاني: الوقت

أُريد بالوقت الزمان الذي يجب أن يأتي المكلّف تلك الفريضة فيه قال سبحانه:(إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)3.
ومقتضى القاعدة لزوم وقوع الصلاة بعامّة أجزائها في الوقت، فلو أتى ببعضها قبل الوقت أو بعضها الآخر خارجه لم يحكم بالصحّة إلاّ إذا دلّ دليل على الصحّة فيكون حاكماً على القاعدة مفسّراً لها.
روى إسماعيل بن رباح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا صلّيت وأنت ترى أنّك في وقت فلم يدخل الوقت ودخل الوقت وأنت في الصلاة، فقد أجزأت عنك».4

1 . الوسائل:12، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث3.
2 . الوسائل:1، الباب9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث1.
3 . النساء:103.
4 . الوسائل:3، الباب24 من أبواب المواقيت، الحديث1.

صفحه 254
فكما أنّ وقوع بعض الركعات الأُول قبل الوقت لا يخلّ، فهكذا وقوع بعض الركعات الأخيرة في خارج الوقت غير مخلّ أيضاً، روى عمّار بن موسى عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: «فإن صلّى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتمّ وقد جازت صلاته».1
وروى الشهيد في «الذكرى» عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مَن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».2 بناء على أنّ الحديث ناظر إلى الوقت لا إلى صلاة الجماعة بشهادة ما ورد من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»3.4

الثالث: القبلة

وهو المكان الذي وقع فيه البيت ـ زاده الله شرفاً ـ من تخوم الأرض إلى عنان السماء للناس كافّة، القريب والبعيد، لا خصوص البناء ولا يعتبر اتّصال الخط من موقف كلّ مصلٍّ بها، بل المحاذاة العرفية كافية، غاية الأمر أنّ المحاذاة تتّسع مع البُعد، وكلّما ازداد بُعداً ازدادت سعة المحاذاة، كما يعلم ذلك بملاحظة الأجرام البعيدة كالأنجم ونحوها، فلا يقدح زيادة الصف المستطيل في صدق محاذاتها كما نشاهد ذلك بالنسبة إلى الأجرام البعيدة.
نعم ذكر السيد الطباطبائي في «العروة»: ويجب استقبال عينها لا المسجد أو الحرم ولو للبعيد.5 ولعلّه أراد استقبالاً عرفيّاً لا استقبالاً حقيقياً،

1 . الوسائل:3، الباب30 من أبواب المواقيت، الحديث1.
2 . الوسائل:3، الباب30 من أبواب المواقيت، الحديث4.
3 . الوسائل:3، الباب30 من أبواب المواقيت، الحديث5.
4 . لاحظ الذكرى: 2 / 352 .
5 . العروة الوثقى: الفصل الخامس في القبلة:179، الطبعة المحشاة.

صفحه 255
فإنّ استقبال البعيد عين الكعبة مع كروية الأرض أمر مستحيل، كما أنّ مَن عبّر باستقبال المسجد الحرام أو الحرم أراد الاستقبال العرفي، والتفصيل في محلّه، قال سبحانه: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).1
نعم روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال: «لا صلاة إلاّ إلى القبلة» قال: قلت: وأين حدّ القبلة؟ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه».2
فلابدّ من توجيهه فقد حمله الشهيد على الجهة، وقد ورد في الروايات علائم كلّها تؤيّد كفاية الجهة، روى محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن القبلة؟ فقال: «ضع الجدي في قفاك وصلّ».3

الرابع: الركوع

هو في اللغة: الانحناء، قال الشاعر:
أُخبِّرُ أخبار القرون التي مضت *** أدِّبُ كأنّي كلّما قُمت راكعُ
وهو في الكتاب والسنّة: الهيئة المخصوصة، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا).4
وأمّا ما هي الهيئة المعتبرة فالمرويّ عن أبي حنيفة كفاية مطلق

1 . البقرة:149ـ 150.
2 . الوسائل:3، الباب2 من أبواب القبلة، الحديث9.
3 . الوسائل:3، الباب5 من أبواب القبلة، الحديث1.
4 . الحج:77.

صفحه 256
الانحناء1، مع أنّهم رووا عن أنس أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا ركعت فضع كفّيك على ركبتيك».2
وهو المرويّ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«وإذا ركعت فصفّ في ركوعك بين قدميك، وتمكّن راحتيك من ركبتيك، وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، وبلّغ أطراف أصابعك عين الركبة، فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك، وأحبّ إليّ أن تمكّن كفّيك من ركبتيك».3وأمّا ما هو عين الركبة ففي اللسان: نقرة في مقدّمها عند الساق.4
ويظهر من قوله: «فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك» أنّ المجزي وصول أطراف الأصابع إلى الركبتين، ولكن الأفضل وصول أطراف الأصابع إلى عين الركبة الذي يلازم تمكّن الكفّين من الركبتين، لما عرفت من أنّ عين الركبة شيء يقع تحت العظمين، فبمجرّد وصول الأطراف إلى العين يقع الكفّان على الركبتين، هذا ما استفدناه من سيد مشايخنا البروجردي في بحث الصلاة. والتفصيل في محلّه. ثمّ المراد من الكفّ باطن اليد كلّه لا خصوص الراحة فالأصابع أيضاً منه.
ويجب في كلّ ركعة من الفرائض والنوافل ركوع واحد، إلاّ في صلاة الآيات ففي كلّ من ركعتيها خمس ركوعات.
لا شكّ أنّه تبطل الصلاة بنقصه وزيادته أخذاً بإطلاق المستثنى وهو

1 . الخلاف:1/348، المسألة 98.
2 . مسند أحمد:1/287.
3 . الوسائل:4، الباب28 من أبواب الركوع، الحديث1.
4 . لسان العرب:13/305.

صفحه 257
ركن بلا كلام، والركن ما تبطل بنقصه أو بزيادته الصلاة.
أمّا الطهارة والوقت والقبلة فإنّما تبطل الصلاة بالنقيصة فيها لا بالزيادة، بل لا يمكن الزيادة في الوقت والقبلة; وأمّا غيرها فتبطل بالنقيصة والزيادة.
وهنا فروع:
1. لو انحنى بما لا تصل أطراف أصابعه إلى الركبة الذي هو الحدّ المجزي، فالظاهر عدم كفايته لأنّه وإن صدق الركوع عليه لغة، لكنّه بما حدّده الشارع غير صادق، فلو اكتفى به بطلت الصلاة، ولو أتمّ الانحناء صحّت الصلاة.
2. ولو نسي فاتحة الكتاب قبل الركوع أعاد الفاتحة، ولو ذكرها بعد الدخول في الركوع صحّت صلاته ولا يعود، وذلك لأنّه لو عاد إلى تدارك الجزء المنسيّ إمّا أن يركع (فتلزم الزيادة) أو لا يركع فتلزم النقيصة في الركن، وأمّا الركوع السابق بما أنّه وقع في غير موقعه لا يُحسب جزءاً لأنّ موقعه بعد القراءة.
3. لو كان المنسيّ هو الركوع فإن دخل في السجدة الأُولى رجع وركع ثم سجد سجدتين، وأقصى ما يترتّب عليه زيادة السجدة الواحدة وهي ليست بركن، وإن دخل في الثانية، تبطل الصلاة إمّا لفقدان الركوع إذا لم يرجع أو زيادة السجدتين إذا رجع وركع وسجد سجدتين.
4. إنّ الركن هو نفس الركوع لا الذكر فيه، فلو ترك ذكر الركوع فلا يعود لفوت محله، لأنّ العود يستلزم زيادة الركن.

صفحه 258

الخامس : السجود

حقيقة السجود عبارة عن وضع الجبهة على الأرض بقصد التعظيم. نعم حقيقته غير واجبه، فواجبه وضع المساجد السبعة على الأرض، وهي: الجبهة والكفّان والركبتان والإبهامان من الرجلين. نعم الركنيّة تدور مدار وضع الجبهة، فتحصل الزيادة والنقيصة به دون سائر المساجد، فلو وضع الجبهة دون سائرها تحصل الزيادة، كما أنّه لو وضع سائرها ولم يضع الجبهة يصدق تركه.
وممّا ذكرنا يظهر صحّة ما في منظومة بحر العلوم حيث قال:
وواجب السجود وضع الجبهة *** وأنّه الركن بغير شبهة
ووضعه للستة الأطراف *** فإنّه فرض بلا خلاف
حيث إنّه جعل واجب السجود أمراً واحداً، مع أنّه في البيت الثاني جعل الواجب الستة الأطراف، وما هذا إلاّ لأنّه أراد بواجب السجود ما هو الركن كما قال: «وأنّه الركن بغير شبهة».
ثمّ إنّه لو ترك سجدة واحدة فيرجع إلى إعادتها ما لم يدخل في ركن آخر، ولو علم بالنقيصة، بعد مضيّ محلّها فيقضيها، ولا يُعد ترك سجدة واحدة، ركناً.
روى منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة؟ قال: «لا يعيد صلاة من سجدة، ويعيدها من ركعة».1

1 . الوسائل:4، الباب14 من أبواب الركوع، الحديث2.

صفحه 259
وروى عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل شكّ فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة، فسجد أُخرى ثم استيقن أنّه قد زاد سجدة؟ فقال: «لا والله لا تفسد الصلاة بزيادة سجدة. لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة».1
والضابطة الواردة في هاتين الروايتين أشبه بقاعدة «لا تعاد» .
ولو علم في التشهّد أنّه ترك ذكر السجدة الأخيرة فهل يعود أو لا؟
الظاهر لا، لفوت المحلّ، قال السيد الطباطبائي: لو نسي الذكر في الركوع والسجود أو الطمأنينة حاله، وذكر بعد رفع الرأس منهما، فات محلهما، وكذا لو نسي وضع أحد المساجد حال السجود.2
ثمّ إنّ هنا إشكالاً وهو أنّ الظاهر من الروايات والفتاوى أنّ نسيان السجدة الواحدة أو زيادتها لا يخلّ بصحّة الصلاة، وعندئذ يطرح هذا السؤال:
هل الركن مجموع السجدتين معاً فيلزم البطلان بنسيان الواحدة; لأنّ المركّب ينتفي بانتفاء أحد جزئيه؟ وهم لا يقولون بذلك.
وإن كان الركن طبيعة السجدة المتحقّقة بالواحدة، فيلزم الإخلال بزيادة الواحدة; لأنّها تتحقق بفرد ما، وهم لا يقولون بذلك.
وهذا ما أشار إليه الشهيد الثاني في «الروضة» في الفصل الخامس في التروك، قال: أمّا إحداهما فليست ركناً على المشهور مع أنّ الركن بهما يكون مركّباً، وهو يستدعي فواته بفواتها.

1 . الوسائل:4، الباب14 من أبواب الركوع، الحديث 3.
2 . العروة الوثقى: فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة 18.

صفحه 260
واعتذار المصنّف في «الذكرى» بأنّ الركن مسمّى السجود، ولا يتحقّق الإخلال به إلاّ بتركهما معاً، يرد عليه أمران:
1. خروج عن المتنازع فيه (أي خروج عن الفرض وهو كون الركن هو المركّب من السجدتين).
2. يلزم بطلان الصلاة بزيادة واحدة، لتحقّق المسمّى، ولا قائل به1.
أقول: وقد أجيب بوجهين:
الأوّل: أنّ الركن مسمّى السجود، ولكن هنا قاعدتين: 1. أنّ ترك الركن مبطل، 2. وزيادته مبطلة; فمن جعل الركن مسمّى السجود، لا يقول بالقاعدة الثانية لانتقاضها في بعض الموارد كالنيّة.
الثاني: أنّ الركن مجموع السجدتين، وترك الركن مبطل إلاّ ما دلّ على خلافه، كما في المقام حيث دلّت الروايات على عدم بطلان الصلاة بترك سجدة واحدة .
هذا ما جاء في تعليقة الشيخ جعفر في هامش الروضة، غير أنّ هنا جوابين آخرين نأتي بهما:
الأوّل: ما نسب إلى الشيخ بهاء الدين العاملي(رحمه الله) وحاصله:
إنّ الركن هو الجامع بين السجدة الواحدة بشرط السهو، والسجدتين لا بشرطه; إذ لو أتى بسجدة واحدة عند السهو فقد أتى بمصداق الركن، ولو أتى بهما فقد أتى به أيضاً. ولو أتى بثلاث فلم يأت بركن زائد، إذ الثالث ليس بركن، حيث إنّ الركن في حال السهو السجدة الواحدة فقط، ولا سهو هنا

1 . الروضة البهية:1/288، طبعة النجف.

صفحه 261
بالنسبة إلى أصل الركن ـ كما هو المفروض ـ فالركن ليس بزائد، والزائد ليس بركن; ولو أتى بالأربع وما زاد فقد أتى بفردين منه، لأنّ الاثنين مطلقاً في حالتي العمد والسهو ركن، ولا اشتراط لركنيّته بإحدى الحالتين، فحينئذ تبطل الصلاة بزيادة الركن، على ما يتّضح في قاعدة «لا تعاد» لشمول المستثنى كلا طرفي النقص والزيادة.
فاتّضح إمكان ركنيّة السجدتين في الجملة، بلا احتياج إلى الاستثناء، كما في «الحدائق» وغيره.
الجواب الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني حسب ما في تقريراته، وحاصله: أنّ الركنيّة ليست هي إلاّ منتزعة من الأدلّة المتكفّلة للإجزاء والامتثال، وليست هي منتزعة عن مرحلة تعلّق التكليف بأجزاء المركّب، لأنّ تعلّق التكليف بأجزاء المركّب على حدّ سواء، ولا يمكن انتزاع الركنيّة من نفس تعلّق التكليف، لاستواء الكلّ في تعلّق التكليف به من غير فرق بين الأركان وغيرها، فالركنيّة إنّما تنتزع من الأدلّة المتكفّلة لمرحلة الإجزاء والامتثال، حيث إنّه لو قام دليل على أنّ نسيان بعض الأجزاء وزيادتها لم يوجب البطلان، فينتزع من ذلك عدم ركنيّة تلك الأجزاء.
ولو قام دليل على أنّ نسيان بعض الأجزاء أو زيادتها موجب للبطلان، فينتزع من ذلك ركنيّة تلك الأجزاء، وحينئذ لابدّ من ملاحظة الأدلّة الواردة في مرحلة إجزاء السجود وامتثاله، إذ الصور المتصوّرة في السجود بعد تعلّق الأمر به تكون على أنحاء، فإنّه يمكن أن لا يأتي بسجود أصلاً، ويمكن أن يأتي بسجدة واحدة، ويمكن أن يأتي بسجدتين، ويمكن أن يأتي بثلاث سجدات، ويمكن أن يأتي بأربع فما زاد، ونحن لو خلّينا وحديث «لا تعاد»

صفحه 262
لقلنا ببطلان الصلاة ما عدا صورة الإتيان بسجدتين فقط. ولكن بعد قيام الدليل على أنّ السجدة الواحدة زيادتها ونقيصتها لا تضرّ، نستكشف
أنّ العبرة ببطلان الصلاة هما السجدتان معاً في كلّ من طرفي الزيادة والنقيصة، فقولنا: إنّ السجدتين معاً ركن عبارة عن أنّ زيادة السجدتين ونقصانهما عمداً وسهواً يوجب البطلان; لأنّ هذا هو المستفاد من مجموع أدلّة الباب، ونسمّي ما هو المستفاد منها ركناً، فأين الإشكال حتّى نتعب النفس في الجواب عنه؟!
وكأنّ منشأ توهّم الإشكال هو تخيّل أنّ التكليف إنّما تعلّق بمجموع السجدتين على نحو العام المجموعي، فيشكل بانتفاء المجموع عند انتفاء السجدة الواحدة، ولكن قد عرفت أنّ التكليف بالسجدتين على حدّ التكليف بسائر الأجزاء، وإنّما نستفيد خصوصية السجدتين من أدلّة الإجزاء والامتثال، فتأمّل.1

السادس: التشهّد

التشهّد واجب في الثنائية مرّة بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة من الركعة الثانية، وفي الثلاثية والرباعية مرّتين كما هو معلوم، إنّما الكلام إذا نسيه، فيقع الكلام تارة في التشهّد الأوّل وأُخرى في التشهّد الثاني.
فإذا نسي التشهّد الأوّل، وتذكّر قبل الدخول في ركوع الثالثة، يرجع ويتشهّد ثم يقوم فيأتي بسائر الواجبات، ولو دخل في ركوع الركعة الثالثة فقد فات محلّ تداركه فيمضي في صلاته ويأتي بسجدتي السهو، وأمّا القضاء فلم

1 . كتاب الصلاة للكاظمي، تقرير بحث النائيني: 2 / 157 ـ 158.

صفحه 263
يرد في روايات الباب.1
روى سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأُولتين؟ فقال: «إن ذكر قبل أن يركع فليجلس، وإن لم يذكر حتى يركع فليتمّ الصلاة حتى إذا فرغ فليسلّم وليسجد سجدتي السهو».2
غير أنّ الأحوط قضاؤه ثم الإتيان بسجدتي السهو للشهرة المحقّقة بين القدماء، وفي الحدائق: ظاهر أكثر الأصحاب أنّه لا فرق في تدارك التشهّد بعد الصلاة بين كونه التشهّد الأوّل والأخير، تخلّل الحدث بينه وبين الصلاة أو لا.3
قوله: «تخلّل الحدث بينه وبين الصلاة أولا»، صحيح لأنّه خرج بالتسليم عن الصلاة، والحدث بعده، لا يبطل الصلاة، ولا يزاحم تدارك التشهّد إذا تذكّر وتدارك. فلعلّهم وقفوا على نصّ في قضاء التشهّد لم يصل إلينا. نعم ليس فيما بأيدينا من الروايات ما يدلّ على وجوبه. إلاّ ما رواه علي بن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«إذا قمت في الركعتين الأُولتين ولم تتشهّد فذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهّد، وإن لم تذكر حتى تركع فامضي في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهّد التشهّد الذي فاتك».4 وكذلك ما رواه حكم بن حكيم قال: سألت أبا عبد الله

1 . لاحظ : الوسائل:4، الباب7 من أبواب التشهّد.
2 . الوسائل:4، الباب7 من أبواب التشهّد، الحديث3.
3 . الحدائق الناضرة:9/143.
4 . الوسائل:5، الباب26 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.

صفحه 264
عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشيء منها ثم يذكر بعد ذلك؟ فقال: «يقضي ذلك بعينه»، فقلت:أيعيد الصلاة؟ قال: «لا».1 ويستدلّ باطلاق قوله:«أو الشيء منها» ولكن الإطلاق غير معمول به، وإلاّ لزم القول أيضاً بوجوب قضاء كلّ ما اشتملت عليه الصلاة من أذكار الركوع والسجود.
يلاحظ عليه: أنّ السند ضعيف ومحمد بن القاسم الراوي عنه لم يوثّق. نعم دلالته تامّة لكنّه يشتمل على أمر شاذ وهو تقديم سجدتي السهو على قضاء التشهّد.
هذا كلّه إذا نسي التشهّد الأوّل; وأمّا إذا نسي التشهّد الثاني فتذكّر بعد ما سلّم، فإن كان قبل المنافي، فعندئذ يتشهّد ثم يسجد سجدتي السهو.
ويدلّ عليه ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهّد حتى ينصرف، فقال: «إن كان قريباً رجع إلى مكانه فتشهّد، وإلاّ طلب مكاناً نظيفاً فتشهّد فيه» وقال:«إنّما التشهّد سنّة في الصلاة».2
والحديث راجع إلى نسيان التشهّد الثاني بشهادة قوله:«يفرغ من صلاته وقد نسي التشهّد حتى ينصرف» ولعلّ مراده من الانصراف هو السلام. ولم يرد فيه ما يدلّ على وجوب سجدتي السهو، وبالجملة فالتشهّد الأوّل ورد فيه سجدتا السهو ولم يرد فيه قضاء نفس التشهّد، والتشهّد الثاني على العكس ورد فيه التدارك ولم يرد فيه: سجدتا السهو. والاحتياط الجمع في كلا الموردين.

1 . الوسائل:4، الباب11 من أبواب الركوع، الحديث1.
2 . الوسائل: 4، الباب7 من أبواب التشهّد، الحديث2.

صفحه 265
وليس نسيان التشهّد كنسيان التسليم، إذ المفروض في الأوّل أنّه خرج من الصلاة وترك شيئاً غير ركن، بخلاف الثاني فإنّه بعد غير خارج عنها.
نعم دلّت بعض الروايات على بطلان الصلاة لو ترك التشهّد; كرواية عمّار عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إن نسي الرجل التشهّد في الصلاة فذكر أنّه قال بسم الله فقط فقد جازت صلاته، وإن لم يذكر شيئاً من التشهّد أعاد الصلاة».1ولم يعمل بها أحد.
هذا كلّه إذا لم يأت بالمنافي، وأمّا معه فقد فات محلّ التدارك. لكن المتبادر ممّا رواه محمد بن مسلم لزوم التدارك في هذه الصورة أيضاً ولو احتياطاً، فلاحظ.

السابع: التسليم

من أجزاء الصلاة التسليم فيجب فيه جميع ما يشترط فيها من الاستقبال وستر العورة والطهارة، وهو مُخرج من الصلاة ومحلّل من المنافيات المحرّمة بتكبيرة الإحرام وليس ركناً، وتركه عمداً مبطل لا سهواً، والإخلال به يكون على صور:
الصورة الأُولى: إذا تذكّر ترك التسليم دون الإتيان بشيء من المنافيات، فيتدارك لبقاء محل التدارك ولا يعيد لشمول قوله:«لا تعاد» فإنّ القدر المتيقّن من القاعدة أن يكون النسيان سبباً لترك الواجب وهو في المقام كذلك، حيث تخيّل خروجه عن الصلاة ونسي عدمه، ولمّا التفت وكان محلّ التدارك باقياً، فيتدارك ولا يعيد لقوله:«لا تعاد الصلاة».

1 . الوسائل:4، الباب7 من أبواب التشهّد، الحديث 7.

صفحه 266
الصورة الثانية: لو ترك التسليم وقد أتى بشيء من المنافيات التي تبطل عمداً لا سهواً كالتكلّم، فبما أنّ محل التدارك باق والتكلّم غير مبطل فيأتي به ولا يعيد الصلاة.
الصورة الثالثة: لو أتى ببعض المنافيات التي تبطل عمداً وسهواً كما إذا أحدث أو انحرف عن القبلة انحرافاً مبطلاً، فلا تشمله قاعدة «لا تعاد»، لأنّ القدر المتيقّن منها ما يكون النسيان سبباً للإخلال بحيث لولاه لما كان هناك سبب للإخلال، وأمّا المقام فإنّ السبب للإخلال هو الحدث بعد الصلاة قبل مضيّ الموالاة، فتكون خارجة عن قاعدة:«لا تعاد» فإنّها مركّزة على ما كان السبب هو النسيان فقط، فلا تكون داخلة في المستثنى منه، ومقتضى القاعدة إعادة الصلاة أخذاً بأصالة الاشتغال. وقد مضى الكلام فيها سابقاً، فلاحظ.
بقي الكلام في وجه الفرق بين نسيان التشهّد الثاني وقد التفت بعد إتيان المنافي، فقد مضى أنّه يقضي احتياطاً، وصلاته صحيحة، وبين نسيان التسليم وقد التفت بعد إتيان المنافي، حيث حكم عليه ببطلان الصلاة، والجواب واضح، وهو أنّه أتى بالمنافي في الصورة الأُولى بعد الخروج عن الصلاة بالتسليم، بخلاف المقام حيث أتى به بعد وهو في أثناء الصلاة، وقد مضى الكلام فيه في صدر القاعدة.
***
تمّ الكلام في قاعدة
«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة»

صفحه 267
القواعد الفقهية   
   48
قاعدة
حجّية الظنّ في عدد الركعات وأفعال الصلاة
حجّية الظن في عدد الركعات، وفيه قولان:
   1. حجّية الظنّ في عامّة الركعات
   2. حجّية الظنّ في خصوص الركعتين الأخيرتين
الروايات الواردة حول القاعدة، وفيها طائفتان
اعتبار اليقين في الأُوليين
حجّية الظنّ في أفعال الصلاة، والاستدلال عليها بوجوه أربعة
الفروع المترتّبة على القول بالحجّية
من القواعد الفقهية التي يبحث عنها في باب الخلل هو اعتبار الظن في عدد ركعات الصلاة وأفعالها، فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: حجّية الظنّ في عدد الركعات

اختلفت كلمات الأصحاب في حجّية الظن في عدد عامّة الركعات بعد اتّفاقهم على حجّيته في الركعتين الأخيرتين من الرباعية، وأمّا في غيرهما فالأصحاب على قولين:

صفحه 268

الأوّل: حجّية الظن في عدد عامّة الركعات

1. قال السيد المرتضى: كلّ سهو يعرض والظن غالب فيه بشيء، فالعمل بما غلب عليه الظن، وإنّما يحتاج إلى تفصيل أحكام السهو عند اعتدال الظن وتساويه.1
وقد عبّر كثير من الأصحاب بغلبة الظن، وربّما أشعر بعدم الاكتفاء بمطلق الظن مع أنّه خلاف النصّ والفتوى كما سيوافيك، وقد نقل في الحدائق تفسيره عن الروض بقوله: (وكان من عبّر بالغلبة تجوّز بسبب أنّ الظن لما كان غالباً بالنسبة إلى الشكّ والوهم، وصفه بما هو لازم له).2 وعلى ذلك فيكفي مطلق الظن لصدق الغلبة بالنسبة إلى الشكّ.
2. قال ابن زهرة: وتجب الإعادة على مَن شكّ في الركعتين الأُوليين من كلّ رباعية، وفي صلاة المغرب والغداة وصلاة السفر، فلم يدر أواحدة صلّى أم اثنتين أم ثلاثاً، ولا غلب في ظنّه شيء من ذلك، بدليل ما تقدّم.3
3. قال العلاّمة: لو حصّل عدد الأُولتين من الرباعيات وشكّ في الزائد فإن غلب على ظنّه أحد الاحتمالين بنى عليه، سواء أكان ذلك أوّل مرّة أو تكرّر. وقال أبو حنيفة: إن عرض عليه ذلك أوّل مرّة استأنف الصلاة، وإن تكرّر بنى على ظنّه. وقال الشافعي: يبني على اليقين.4 ثم استدلّ بما رواه الجمهور عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) كما سيأتي.

1 . جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى)، المجموعة الثالثة:35.
2 . روض الجنان للشهيد الثاني: 340 ; الحدائق الناضرة: 9 / 205 .
3 . غنية النزوع (قسم الفقه):111.
4 . منتهى المطلب:7/58.

صفحه 269
وسيوافيك كلامه في «مختلف الشيعة» عند تفسير كلام ابن إدريس، وهو صريح في حجّيته في عامّة الركعات.
4. قال الشهيد في «الذكرى»: لو غلب على ظنّه أحد طرفي ما شكّ فيه، بنى عليه; لأنّ تحصيل اليقين عُسر في كثير من الأحوال فاكتفى بالظنّ تحصيلاً لليسر ودفعاً للحرج والعسر، ثم استدلّ بما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام).1
5. قال المحدّث البحراني: والمشهور بين الأصحاب أنّه لا فرق في هذا الحكم بين الأُوليين والأخيرتين ولا بين الرباعية والثلاثية والثنائية، فإن حصل الشكّ في موضع يوجب البطلان كالثنائية وغلب الظنّ على أحد الطرفين بنى عليه.2

القول الثاني: حجّية الظنّ في خصوص الركعتين الأخيرتين

1. قال المحقّق: مسألة: قال علماؤنا: مَن شكّ في عدد الثنائية كالصبح وصلاة السفر والجمعة والمغرب، أعاده3، وكذا لو شكّ في عدد الأولتين من الرباعية، وقال الشافعي: يبني على اليقين، وقال أبو حنيفة: يبني على ظنّه فإن فقده بنى على اليقين.
ثم استدلّ على مختاره بقاعدة الاشتغال وقال: إنّ الذمّة مشغولة باليقين، وما أُتي به يحمل الصحّة والبطلان فيكون الاشتغال باقياً.4

1 . لاحظ: الحدائق الناضرة:9/206، نقلاً عن الذكرى.
2 . الحدائق الناضرة:9/206.
3 . كذا في المصدر وربّما الصحيح: أعادها.
4 . المعتبر:2/386.

صفحه 270
2. وأمّا في «الشرائع» فكلامه صريح في حجّية الظنّ في خصوص الركعتين الأخيرتين من الرباعية بحيث إنّه فرض مسائل أربع كلّها ترجع إلى الرباعية وقال: لو غلب ظنّه أحد طرفي ما شكّ فيه بنى على الأظهر وكان كالعلم.1
الظاهر أنّ قوله: «على الأظهر» مصحّف على الظن، وأمّا المسائل الأربع فالمفروض في الجميع تعلّق الشك بما فوق الاثنين، فيكون الظن عنده حجّة.
3. نقل العلاّمة في «مختلف الشيعة» كلام ابن إدريس في السرائر وقال: وهذا القول منه ـ أي من ابن إدريس ـ يوهم أنّ غلبة الظن تعتبر في الأخيرتين خاصّة دون الأُولتين، وليس بمعتمد فإنّه لو شكّ في الأُولتين أو الفجر أو المغرب، وظن طرفاً من أحد الطرفين، عمل به.(2)
إذا وقفت على القولين للأصحاب في المسألة فلنذكر النصوص التي ربّما تؤيّد القول الأوّل.
أقول: الروايات على طائفتين:
الأُولى: ما يدلّ على سعة الحجّية من غير فرق بين الرباعية وغيرها كالثلاثية والثنائية، والأخيرتين من الرباعية. كلّ ذلك بالإطلاق.
1. ما رواه مسلم في صحيحه:«إذا شكّ أحدكم في الصلاة فلينظر أيُّ ذلك أحرى إلى الصواب، فليبن عليه».2
2. ما رواه البيهقي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا شكّ أحدكم يتحرّى».3

1 . شرائع الإسلام:1/117.   2 . مختلف الشيعة:2/402.
2 . صحيح مسلم:1/401، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، الباب19، الحديث90.
3 . سنن البيهقي:2/330، باب لا تبطل صلاة المرء بالسهو فيها.

صفحه 271
واحتمال أنّ المراد من الشكّ هو الشكّ في الإتيان بالصلاة، بعيد عن مساق الرواية، والمتبادر هو الشكّ في عدد الركعات أو هو مضافاً إلى الأفعال.
3. ما رواه الكليني بسند صحيح عن صفوان عن أبي الحسن(عليه السلام)قال:«إن كنت لا تدري كم صليت ولم يقع وهمك على شيء، فأعد الصلاة».1
والحديث صريح في الشكّ في عدد الركعات لا في الأفعال.
والمراد من الوهم هو الظن. وأمّا تفسير الوهم بالطرف المرجوح فهو مصطلح المنطقيّين وليس بمراد في المقام، إذ لا معنى للأخذ بالطرف المرجوح في قوله:«ولم يقع وهمك على شيء» إذ معناه أنّه إذا وقع وهمه على شيء يأخذ به، فلو فسّر الوهم بالطرف المرجوح يكون المعنى غير صحيح.
هذه هي الروايات التي تصرّح بجواز الأخذ بالظنّ مطلقاً في عامّة الصلوات وعامّة الركعات.

الطائفة الثانية:

ما يدلّ على جواز الأخذ بالظنّ في الركعتين الأخيرتين من الرباعية بمنطوقه أو مفهومه، من دون أن يكون نافياً لعدم الأخذ في غيرهما.
1. ما رواه عبد الرحمن بن سيابة وأبو العباس جميعاً عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«إذا لم تدر ثلاثاً صلّيت أو أربعاً ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، وإن وقع رأيك على الأربع فسلّم وانصرف، وإن اعتدل وهمك فانصرف وصلّ ركعتين وأنت جالس».2

1 . الوسائل:5، الباب15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
2 . الوسائل:5، الباب7 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 272
والمراد من الوهم في الرواية هو الرأي، فقوله:«اعتدل وهمك» أي ساوى رأيه بالنسبة إلى الطرفين. والرواية بمنطوقها تدلّ على حجّية الظن في الرباعية في الثلاث والأربع، وإلاّ فيبني على الأكثر ويصلّي ركعتين جالساً كما في الرواية، أو ركعة قائماً كما في سائر الروايات.
2. ما رواه جميل عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في مَن لا يدري أثلاثاً صلّى أم أربعاً ووهمه في ذلك سواء؟ قال: فقال: «إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع فهو بالخيار إن شاء صلّى ركعة وهو قائم، وإن شاء صلّى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس».1
وهو يدلّ على أنّه إذا لم يعتدل وهمه فلا يكون محكوماً بأحكام الشكّ، ولازم ذلك العمل بوهمه. فتدلّ على حجّية الظن في الركعتين الأخيرتين بالمفهوم.
ثمّ إنّ للرواية ذيلاً في «الكافي» أورده صاحب الوسائل في باب آخر، وهو مضطرب المتن.2
3. ما رواه الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إن استوى وهمه في الثلاث والأربع فسلّم وصلّى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب وهو جالس يقصّر في التشهّد».3
فقوله:«يقصّر»: أي يخفّف التشهّد ولا يأتي بالمستحبّات، ومورد

1 . الوسائل:5، الباب10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . لاحظ : الوسائل:5، الباب11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث5، ولاحظ: الكافي:3/354.
3 . الوسائل:5، الباب10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث6.

صفحه 273
الرواية هو الصلاة الرباعية، فقوله: «إن استوى وهمه» يدلّ على أنّه لو لم يستو، يعمل بالراجح، فتكون دلالته على الحجّية عندئذ بالمفهوم.
4. ما رواه أبو بصير قال: سألته عن رجل صلّى فلم يدر أفي الثالثة هو أم في الرابعة؟ قال: «فما ذهب وهمه إليه، إن رأى أنّه في الثالثة وفي قلبه من الرابعة شيء، سلّم بينه وبين نفسه ثم صلّى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب».1
والرواية تدلّ على حجّية الظن إذا شُكّ بين الثالثة والرابعة بالمنطوق، وأمّا الأمر بإتيان الركعتين فمحمول على الاستحباب.
5. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام)، أنّه قال:«إذا لم تدر اثنتين صليت أم أربعاً ولم يذهب وهمك إلى شيء، فتشهّد وسلّم ثم صلّ ركعتين وأربع سجدات، تقرأ فيهما بأُمّ الكتاب ثم تشهّد وتسلّم، فإن كنت إنّما صلّيت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع، وإن كنت صلّيت أربعاً كانتا هاتان نافلة».2
والرواية تدلّ على حجّية الظن بالمفهوم حيث قال:«ولم يذهب وهمك» الدالّ على أنّه إن ذهب وهمه إلى شيء فله العمل به، إذا شكّ بين الاثنين وما فوقها على نحو تكون الأُوليان محرزتين.
هذا هو مجموع ما يمكن الاستدلال به على حجّية الظن في عامّة الصلوات: ثنائية، أو ثلاثية، أو رباعية، لكن بالبيان التالي:
إنّ النبويّين ممّا عمل به الأصحاب مضافاً إلى صحيحة صفوان صريحة

1 . الوسائل:5، الباب10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، حديث7.
2 . الوسائل:5، الباب11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 274
في حجّية الظن على وجه الإطلاق، وأمّا الروايات الباقية فدلالتها على حجّية الظن إنّما هي بالمفهوم حيث ركّز الحكم على الاستواء، فعلم منه أنّ للظن دوراً في الصلاة، لكن موردها وإن كان خاصّاً بالرباعية لكن يمكن إلغاء الخصوصية عن موردها، ولعلّ التركيز على الشك المتعلّق بما فوق الاثنين، لأجل أنّ الشكّ إنّما يطرأ غالباً على الأخيرتين لا على الأُوليين.
وحصيلة الكلام: أنّه يمكن إلغاء الخصوصية من موارد هذه الروايات بفضل ما ورد من النبويّين وصحيحة صفوان بحجيّة الظن فيهما. ومع ذلك فشيخ مشايخنا العلاّمة الحائري تردّد في الحجّية في كتابه «الصلاة».1

اعتبار اليقين في الأُوليين

لو قلنا بحجّية الظن في الأُوليين من الرباعية وغيرها، يلزم التعارض بينها وبين ما تضافرت الروايات على أنّه لا سهو في الأُوليين، والروايات في ذلك متضافرة جمعها الشيخ الحرّ العاملي في الباب الأوّل من أبواب الخلل الواقع في الصلاة وذكر فيه أربعاً وعشرين رواية، نقتصر على ذكر الرواية الأُولى منها ثم نذكر عناوين سائر الروايات.
روى زرارة بن أعين قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): «كان الذي فرض الله تعالى على العباد عشر ركعات وفيهن القراءة وليس فيهنّ وهم (يعني سهواً) فزاد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سبعاً وفيهن الوهم وليس فيهن قراءة، فمن شكّ في الأُوليين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين، ومن شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم».2

1 . لاحظ : كتاب الصلاة: 353، باب الخلل ، الطبعة الثانية.
2 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 275
وإليك ملخّص ما ورد في سائر روايات هذا الباب:
1. «ويكون على يقين» الحديث رقم 1.
2. «إذا سلمت الركعتان الأُولتان سلمت الصلاة»، الحديث رقم 3.
3.«لا يستقبل حتى يتيقّن أنّه أتم»، الحديث رقم 7.
4. «إذا لم تحفظ الركعتين الأُولتين فأعد الصلاة»، الحديث رقم 5.
5. «إذا سهوت في الأُولتين فأعدهما حتى تثبتهما»، الحديث رقم 15.
أقول: لا تعارض بين هذه العناوين وما دلّ على حجّية الظن.
أمّا قوله:«وليس فيهنّ وهم» في رواية زرارة فقد فسّر في الرواية بمعنى السهو المراد به الشكّ، فالشكّ فيهما مبطل ولا كلام فيه، ومنه يظهر أنّ قوله: «ليس في الركعتين الأُولتين من كلّ صلاة سهو» بمعنى ليس فيهما الشكّ.
وأمّا بقية العناوين مثل قوله:«حتى يحفظ ويكون على يقين»، وقوله: «إذا سهوت في الأُولتين فأعدهما حتى تثبتهما»، وقوله:«لا يستقبل حتى يتيقّن أنّه أتمّ» فاليقين أخذ فيها طريقياً لا وصفياً، فإذا دلّ الدليل على حجّية أمر آخر ـ ولو كان أدون منه ـ لقام مقامه، وذلك لأنّ اليقين أخذ في الموضوع بما أنّه حجّة أو بما أنّه طريق، والمفروض أنّ الظنّ حسب ما مرّ من الأدلّة من الحجج والطرق، كيف وقد ثبت في الأُصول أنّ اليقين المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية تقوم مقامه سائر الطرق، بخلاف اليقين المأخوذ في الموضوع على وجه الوصفية، ولعلّه لا يوجد في الفقه مورد للقسم الثاني.
فظهر من ذلك أنّه بفضل النبويّين وعموم رواية صفوان وإمكان إلغاء الخصوصية من بقية الروايات، حجّية الظن في عامّة ركعات الصلاة، كما ظهر

صفحه 276
عدم التنافي بين حجّيته واشتراط اليقين والتثبّت والحفظ في الركعتين الأُوليين، فعلى هذا فالموضوع للحجّية هو الطريق الجامع بين اليقين والظن.
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل.

المقام الثاني: حجّية الظنّ في أفعال الصلاة

لو قلنا بحجّية الظنّ في عدد الركعات، فهل هو حجّة في الأفعال أو لا؟ نقل المحدّث البحراني أنّ المشهور بين الأصحاب أنّه لا فرق في ذلك بين الأفعال والأعداد في الركعات.1
وحكي عن المحقّق الثاني نفي الخلاف عن قيامه مقام العلم بالنسبة إلى الأفعال أيضاً.
أقول: المسألة غير منصوصة، إنّما الكلام في استفادة حجّية الظنّ في الأفعال من الروايات المذكورة التي وردت حول عدد الركعات.

الاستدلال على حجّيّة الظن بوجوه:

1. فهم العرف الملازمة بين الحجّتين

والذي يمكن أن يقال إنّ الدليل هو فهم العرف من الروايات السابقة، حجّيتَه في الأفعال أيضاً، ببيان أنّه إذا كان حجّة في الركعة التي تتشكّل من أفعال وأقوال وهيئات، فلازم ذلك، حجّيته في جزء منها. لا أقول بأنّه يحكم بذلك بالأولوية، بل ينتقل من حجّيته في الكلّ إلى حجّيته في الجزء.
نعم ذكر القائلون بالحجّية وجوهاً غير مقنعة، والمهمّ هو فهم العرف.

1 . الحدائق الناضرة:9/206.

صفحه 277

2. الظن بالكلّ يورث الظنّ بالجزء

إنّ لسيد مشايخنا البروجردي هنا بياناً خاصّاً نأت به، قال: إنّ الظنّ بالركعة ظنّ بظنون متعدّدة عند التحليل; لأنّ الركعة ليست خصوص الأفعال، بل هي مؤلّفة منها ومن الهيئات والأذكار، فالظنّ بها منحلّ إلى الظنّ بالقيام أو بالركوع أو بالسجود، فلو كان الظنّ معتبراً في نفس الركعة، يكشف اعتبار الظنّ في أفعال الركعة بطريق أولى ، انحلال الظنّ بالكلّ إلى الظنّ بالجزء أيضاً.1
وعلى كلّ تقدير فالفرق بين البيانين واضح، فإنّ البيان الأوّل يعتمد على أنّه إذا كان الظنّ في الكلّ حجّة يكون حجّة في الجزء أيضاً لفهم العرف، والثاني يعتمد على أنّ الظنّ بالكلّ يورث الظنّ بالجزء أيضاً.

3 و 4. بيان ثالث ورابع للحائري

ذكر العلاّمة الحائري وجهاً للأولوية وجعلها من دلالة اللفظ بمفهوم الموافقة، قائلاً بأنّه كيف يعتبر الظنّ في الركعة التي لا تسقط بحال، ولا يعتبر في مثل السورة التي تسقط بمجرّد مسمّى الاستعجال؟ ثم ذكر بياناً آخر وقال: بأنّا لو فرضنا المصلّي شاكّاً بين الاثنتين والثلاث وكان شاكّاً في أنّه فعل السجدة من الركعة التي هو متلبّس بها أو لا، وظنّ أنّه لو فعل السجدة، كانت الركعة المتلبّس بها ثالثة مثلاً، وظن أنّه فعل السجدة، فهل ترى أنّه يأخذ بظنّه بأنّ الركعة ثالثة لأدلّة اعتبار الظنّ في الركعات، ولا يأخذ بظنّه بتحقّق السجدة؟2

1 . تبيان الصلاة :7/93. والأولى حذف قوله:«بطريق أولى».
2 . كتاب الصلاة:353ـ 354.

صفحه 278

فروع المسألة

لو قلنا بحجّية الظنّ في الأفعال، ربّما يكون الظنّ موافقاً لقاعدة التجاوز وأُخرى مخالفاً لها، ففي صورة الموافقة لا ثمرة للبحث في كون المرجع هو الظنّ أو قاعدة التجاوز; لأنّ المفروض أنّ النتيجة واحدة، إنّما الكلام فيما إذا كان الظنّ مخالفاً للقاعدة، فهل المرجع هو الظنّ أو القاعدة؟
أمّا صورة الموافقة فإليك المثالين التاليين:
1. إذا شكّ في إتيان فعل من أفعال الصلاة قبل تجاوز محلّه وتعلّق ظنّه أيضاً بعدم الإتيان، فيجب الرجوع إلى تدارك الجزء المنسيّ على كلتا القاعدتين.
2. إذا شكّ في إتيان فعل من أفعال الصلاة بعد التجاوز عنه، كما لو شكّ في القراءة بعد الدخول في السورة وظنّ إتيانها في محلّها، وعلى كلتا القاعدتين لا يجوز له الرجوع، كما هو واضح.
إنّما الكلام في صورة المخالفة، أعني: فيما إذا كان حكم الظنّ غير قاعدة التجاوز كما في المثالين التاليين:
1. إذا شكّ في إتيان فعل من أفعال الركعة مع عدم تجاوز المحلّ، كما إذا شكّ في البسملة وهو لم يفرغ بعد من قراءة الحمد ولكن تعلّق الظن بإتيانها، فلو عملنا بقاعدة التجاوز يجب الرجوع لبقاء المحلّ، ولو عملنا بالظنّ يحرم الرجوع.
2. إذا شكّ في إتيان فعل من أفعال الصلاة وقد تجاوز عنه، وتعلّق الظن بعدم إتيانه، كما إذا شكّ في التشهّد بعد ما قام، فعلى القاعدة الأُولى يحرم الرجوع، وعلى القول بحجيّة الظنّ يجب الرجوع.

صفحه 279
والظاهر أنّ المرجع في هاتين الصورتين هو الظن لأنّه أمارة، وقاعدة التجاوز أصل، فتقدّم عليه.
نعم كلّ ذلك إذا لم يدخل في الركن، كما إذا ظنّ بعدم القراءة بعد ما دخل في الركوع، فالمرجع قاعدة «لا تعاد».
***
تمّ الكلام في قاعدة
حجّية الظنّ في عدد الركعات وأفعال الصلاة

صفحه 280
القواعد الفقهية
   49
قاعدة
ليس على الإمام سهو مع حفظ المأموم وبالعكس
اتّفاقهم على رجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر عند الشكّ
مستند القاعدة والاستدلال بروايات أربع يعضد بعضها بعضاً
وجود التصحيفات في رواية هذيل في «الوسائل»
فروع وتطبيقات
وهي من القواعد المعروفة التي يبحث عنها في أبواب الخلل، فتارة يعبّر عنها بما ذكرنا كما عليه العلاّمة في «القواعد»، وأُخرى بأنّه لا شكّ للمأموم مع حفظ الإمام وبالعكس.
قال العاملي في شرح القواعد: قد وقعت عبارة الكتاب (قواعد العلاّمة) في كثير من المتون، وفسّر الشارحون والمحشّون السهو بالشكّ. ثم ذكر عبائر الأصحاب في كلا التعبيرين.1
وأوّل مَن تعرض لهذه القاعدة هو الشيخ في «النهاية»، قال: ولا سهو على مَن صلّى خلف إمام يُقتدى به. وكذلك لا سهو على الإمام إذا حفظ عليه

1 . مفتاح الكرامة:6/1505.

صفحه 281
مَن خلفه. فإن سها الإمام والمأمومون كلّهم أو أكثرهم أعادوا الصلاة احتياطاً.1
والمسألة غير معنونة في كتب القدماء غير «النهاية»، ونقل العاملي عن الذخيرة أنّه قال: المشهور بين الأصحاب أنّه إذا اختصّ السهو بالإمام سجد له خاصّة دون المأموم، وفي «العزّية» إنّه مذهب الأكثر، وفي «أربعين» مولانا العلاّمة المجلسي وفي «الرياض» إنّه الأشهر بين المتأخّرين، وهو خيرة: المعتبر و المنتهى ـ على ما نقل عنه ـ والتحرير والتلخيص والمختلف والتذكرة وفوائد الشرائع وتعليق الإرشاد والدّرة والكفاية والمفاتيح والشافية، وفي الروض والمقاصد: إنّه الأجود، وفي كشف الالتباس: هو جيّد، وإليه مال في الروضة حيث قال: أمكن.2
وإذا اختصّ السهو بالمأموم فلا خلاف في عدم وجوب شيء على الإمام.

مستند القاعدة والاستدلال بالروايات

استدلّ للقاعدة بروايات أربع هي:
1. ما رواه الشيخ باسناده عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«ليس على الإمام سهو، ولا على مَن خلف الإمام سهو».3وظاهر إطلاقه عدم السهو مطلقاً، سواء أحفظ الآخر أم لا، وسيوافيك قيده في

1 . النهاية:93ـ94.
2 . مفتاح الكرامة:6/1506.
3 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 282
مرسلة يونس فانتظر.
وفي «الحدائق»: أنّ السهو يطلق في الأخبار كثيراً على الشكّ وعلى ما يشمله.1
2. ما رواه الصدوق باسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره أنّه سُئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن إمام يصلّي بأربع نفر أو بخمس فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا ثلاثاً، ويسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا أربعاً يقولون هؤلاء: قوموا، ويقول هؤلاء: اقعدوا، والإمام مايل مع أحدهما، أو معتدل الوهم، فما يجب عليهم؟ قال:«ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على مَن خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام».2
وهذه الرواية حسب ما ذكره الصدوق يرويها إبراهيم بن هاشم، ولا يذكر من روى عنه بل أرسل الرواية، لكنّ الكليني3 رواها بسنده عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وإليك تمام السند:
علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام). فإنّ إبراهيم بن هاشم في طبقة محمد بن عيسى وهو مردّد بين محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري الثقة، وبين محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، فكلاهما يروي عن يونس عن رجل، فتكون الرواية مرسلة.

1 . الحدائق الناضرة:9/269.
2 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث8. وللحديث ذيل خارج عمّا نحن فيه.
3 . الكافي:3/358، برقم 5. ولاحظ الوسائل: 5 الباب 5 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2. إذ نقل قطعة من الحديث بسند ينتهي إلى يونس عن رجل.

صفحه 283
3. ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلّي خلف الإمام لا يدري كم صلّى، هل عليه سهو؟ قال: «لا».1 وإطلاقه مقيّد بحفظ الإمام.
4. ما رواه الصدوق باسناده عن أبي الهذيل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنها وعن الصبيّ؟ قال: «نعم، ألاترى أنّك تأتمّ بالإمام إذا صلّيت خلفه، فهو مثله».2

التصحيفات الموجودة في رواية هذيل في «الوسائل»

ذكر سيد مشايخنا في درسه الشريف أنّ فيما رواه صاحب الوسائل تصحيفات:
1. رواه عن أبي الهذيل، والصحيح هذيل; وهو مردّد بين هذيل بن حُنان والآخر هذيل بن صدقة الأسدي، وكلاهما لم يوثّق.
نعم بما أنّ الراوي عنه هو ابن مسكان الذي هو من أصحاب الإجماع، فيمكن كشف وثاقة هذيل عن هذا الطريق.
2. في بعض نسخ الوسائل:«على عدد صاحبه» والصحيح على عدد صاحبته.
3. في بعض نسخ الوسائل في الصلوات مع أنّ الصحيح في الطواف.3
وهناك تصحيف آخر لم يذكره(قدس سره) وهو في قوله:«أيجزيه عنها وعن

1 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
2 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث9.
3 . تبيان الصلاة:8/169.

صفحه 284
الصبيّ» فقد اتّفقت عليه نسخ الوسائل، بل حتى جامع أحاديث الشيعة والصحيح: «أيجزيه عنهما وعن الصبيّ»، كما في الفقيه.1
هذا مجموع ما يمكن أن يستدل به على القاعدة، والمجموع من حيث المجموع كاف في إثبات الحكم; لأنّ الراوي عن حفص هو ابن أبي عمير، والراوي عن هذيل هو ابن مسكان أو الحسن بن محبوب، وهما مدعمان بمرسلة يونس ورواية علي بن جعفر، غير أنّ مضمون الروايات يختلف سعة وضيقاً، حيث إنّ رواية حفص البختري ورواية إبراهيم بن هاشم تشملان رجوع المأموم إلى الإمام وبالعكس، لكن الرواية الثالثة والرابعة تخصّ الرجوع للمأموم، ولا تعارض بينهما.
ثمّ إنّ ظاهر رواية حفص البختري أنّه ليس على الإمام سهو، سواء
حفظ المأموم أو لا; ولا على مَن خلف الإمام سهو، سواء حفظ أو لا، غير أنّ الرواية مقيّدة بمرسلة يونس حيث قال: «ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على مَن خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام».

1 . لاحظ: من لا يحضره الفقيه:2/410، برقم 2837.

صفحه 285

فروع

1. شرطية حصول الظنّ للراجع مع كون الآخر قاطعاً

هل يشترط في الرجوع حصول الظنّ للراجع من فعل الإمام أو قوله؟ أو يجب أن يتبعه وإن لم يحصل ظنّ للراجع؟
ظاهر رواية هذيل هو الأوّل حيث قال: في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف، فإنّ الاتّكال لغاية حصول الظن من قول الصاحبة، ومع ذلك: فإنّ إطلاق الروايات يشمل كلتا الصورتين، ويكفي كون كلّ حافظاً، عند نفسه، وعليه يرجع كلّ مطلقاً.
نعم ما هو الغالب في ذلك حصول الظن خصوصاً إذا كان المأموم متعدّداً فإنّ إجماعهم على أمر يورث القطع فضلاً عن الظن.

2. عدم اشتراط الرجولية والتعدّد والعدالة في المأموم

قال في «الحدائق»: المشهور بين الأصحاب أنّه لا فرق في رجوع الإمام إلى المأموم بين كون المأموم ذكراً أو أُنثى، ولا بين كونه عادلاً أو فاسقاً، ولا بين كونه واحداً أو متعدّداً مع اتّفاقهم; لإطلاق النصوص المتقدّمة في جميع ذلك، وعدم التعرّض للتفصيل في شيء منها، ولعلّ الأظهر هو العموم.1

3. الرجوع إلى القاطع

قال في «المدارك»: كما يرجع الشاكّ من الإمام والمأموم إلى المتيقّن، كذا يرجع الظانّ إلى المتيقّن، والشاكّ إلى الظانّ.(2)

1 . الحدائق الناضرة:9/271.   2 . مدارك الأحكام:4/270.

صفحه 286
الظاهر اختصاص الرجوع بالشاكّ إلى المتيقّن دون غيره; لأنّ الروايات وردت فيمَن سها وشكّ ولا نظر لها إلى الظانّ، فكيف يرجع الظانّ إلى المتيقّن؟ كما أنّه لا يرجع الشاكّ إلى الظانّ لأنّ الموضوع حفظ القاطع لا الآخر.
فإن قلت: إنّ حكم الظنّ في باب الشكوك هو القطع حيث يعمل الظانّ على وفق ظنّه.
قلت: هو كذلك في مورد نفسه لا في مورد غيره، فليس ظنّه بمنزلة القطع بالنسبة إلى الآخر.

4. الرجوع في الأفعال

هل يختصّ الرجوع في حال الشكّ في عدد الركعات أو يعمّ الأفعال؟
قال في «المدارك»: إنّ الشاكّ من الإمام أو المأموم في فعل أو عدد يرجع إلى حفظ الآخر.1
ولكن مورد الروايات هو عدد الركعات، اللّهمّ إلاّ أن يقال: الموضوع هو الحفظ والتركيز على عدد الركعات لكثرة الابتلاء به، بل يمكن ادّعاء الإطلاق في مرسلة إبراهيم بن هاشم قال:«ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على مَن خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام».2
ثمّ إذا قلنا بانصراف الروايات إلى الشكّ في الركعات لو حصل لكلّ من حفظ ظنّ الآخر بالنسبة إلى الأفعال يكفي لحجّية الظنّ فيها مطلقاً من أيّ مصدر حصل.

1 . مدارك الأحكام: 4/269.
2 . مرّ تخريجه.

صفحه 287

5. إذا شكّ الإمام والمأموم

إذا شكّ الإمام والمأموم فله صور ثلاث:
1. لو اشتركا في الشكّ واتّحد لزمهما حكمه.1 (نظير ما إذا شكّا بين الثلاث والأربع).
2. وإن اختلفا فإن جمعتهما رابطة رجعا إليها، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث والآخر بين الثلاث والأربع، فيرجعان إلى الثلاث (وجهه أنّ الإتيان بالركعة الثالثة أمر حفظه أحدهما فيرجع الشاكّ إليه) لتيقّن الأوّل عدم الزيادة عليها والثاني عدم النقيصة عنها.
3. وإن لم تجمعهما رابطة تعيّن الانفراد ولزم كلاًّ منهما حكم شكّه، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث، والآخر بين الأربع والخمس.(2)
يلاحظ على الصورة الثانية: أنّ المتيقّن من رجوع أحدهما إلى يقين الآخر، هو اليقين الذي يعمل به ذو اليقين، بخلاف المقام فإنّ صاحب اليقين لا يعمل على وفق يقينه بشهادة أنّه إذا شكّ بين الثلاث والأربع، فمقتضى كون الثلاث أمراً متيقّناً، هو إتمام الصلاة بركعة موصولة، مع أنّه يبني على الأربع ويجلس ويسلّم، ثم يقوم يصلّي بركعة مفصولة، ومثل هذا اليقين الذي لا يعمل به ذو اليقين ليس موضوعاً لرجوع الغير.
***
تمّ الكلام في قاعدة
ليس على الإمام سهو مع حفظ المأموم وبالعكس

1 . مدارك الأحكام:4/270.   2 . مدارك الأحكام:4/270.

صفحه 288
القواعد الفقهية
    50

قاعدة

لا سهو في سهو
لا سهو في سهو   
أقوال الفقهاء حول قاعدة: لا سهو في سهو.
أدلّة القاعدة وفيها روايات
الأحكام المترتّبة على السهو وهي على صنفين:
صنف يترتّب على نفس السهو
وصنف يترتب على ترك شيء من أجزاء الصلاة
لو تردّد وهو في الصلاة أنّه شاكّ أو ظانّ وله صور ثلاث
توضيح مرسلة يونس
قد صرّح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنّه: «لا سهو في سهو».
قال في «الحدائق»: وهذه العبارة لا تخلو من إجمال، وتعدّد الاحتمال في هذا المجال.1 ثم ذكر الاحتمالات الكثيرة التي تناهز الثمانية.
قال العلاّمة في «المنتهى»: ومعنى قول الفقهاء: «لا سهو في السهو» أي لا حكم للسهو في الاحتياط الذي يوجبه السهو، كمن شكّ بين الاثنتين والأربع فإنّه يصلّي ركعتين احتياطاً على ما يأتي، فلو سها فيهما ولم يدر صلّى

1 . الحدائق الناضرة:9/258.

صفحه 289
واحدة أو اثنتين، لم يلتفت إلى ذلك.1
واحتمل في «الحدائق» أنّ مراد العلاّمة من عدم الالتفات هو البناء على الفعل المشكوك فيه ثم قال: وهو ظاهر المحقّق في «المعتبر»، قال فيه: ولا حكم للسهو في السهو ; لأنّه لو تداركه أمكن أن يسهو ثانياً، فلا يتخلّص من ورطة السهو، ولأنّ ذلك حرج فيسقط اعتباره، ولأنّه شُرّع لإزالة حكم السهو، فلا يكون سبباً لزيادته.2 وعلى هذا فقد أُريد من السهو في كلا الموردين، الشكّ، أي لا حكم للشكّ في موجب الشكّ.
فلنذكر ما يدلّ على القاعدة ثم نعرّج على معنى السهو، وهل أُريد به الشكّ أو أُريد النسيان، أو أُريد كلاهما.

أدلّة القاعدة

استدلّ على القاعدة بروايات:
1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال:«ليس على السهو سهو ولا على الإعادة إعادة».3
وحفص هذا وإن كان ضعيفاً، لكن الراوي عنه ابن أبي عمير الذي لا يروي إلاّ عن ثقة.
2. ما رواه يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: «لا سهو في سهو» .4

1 . منتهى المطلب:7/29.
2 . المعتبر:2/394.
3 . الوسائل:5، الباب25 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
4 . الوسائل:5، الباب 25 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

صفحه 290
3. ما رواه إبراهيم بن هاشم في نوادره عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في حديث: «ولا سهو في سهو».1
وما رواه يونس هو نفس ما رواه إبراهيم بن هاشم فهما رواية واحدة وإن جعلهما في «الوسائل» روايتين. وقد أوعز إلى ما ذكرناه صاحب الوسائل في الباب المتقدّم أي الباب 24.
لا شكّ أنّ الشكّ والنسيان يجتمعان في ذهول الواقع وغيابه عن ذهن الإنسان، غير أنّ الشكّ يساوق الجهل البسيط، والذاهل فيه يلتفت إلى غروب الواقع عن ذهنه حين الجهل، والنسيان يساوق الجهل المركّب، حيث ينسى دون أن يلتفت إلى غيبوبة الواقع حين الجهل ثم يلتفت، فهما مشتركان في ذهول الواقع عن ذهن الإنسان، وعلى هذا فاستعمال السهو في الشكّ ليس مجازاً كما عليه البعض قائلاً «بأنّ مصحّح الاستعمال هو كثرة استعماله فيه في الروايات وألسن الفقهاء»، بل الشكّ والنسيان من مصاديق السهو الذي هو عبارة عن غروب الواقع وذهول الإنسان عنه فهو على قسمين، فتارة يكون ملتفتاً لذهوله عن الواقع فيكون شاكّاً، وأُخرى يلتفت إليه بعد فاصل زماني وأنّه ترك الجزء الفلاني مثلاً عن سهو، فيكون ناسياً ذاكراً بعد مضي زمان.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المراد من السهو في المقام هو الشكّ لا النسيان، وذلك بالبيان التالي.

1 . الوسائل:5، الباب 25 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

صفحه 291

الأحكام المترتّبة على السهو

إنّ الأحكام الواردة في باب الخلل على قسمين:
1. ما يكون الحكم مترتّباً على عنوان السهو، بما هوهو لا بعنوان ترك ما يجب فعله أو فعل ما يجب تركه، وهذا كصلاة الاحتياط وسجدتي السهو، فالمصلّي بما أنّه شكّ بين الثلاث والأربع، ولم يدر ما هو الواقع، فهذا (شكّه) صار سبباً لإيجاب صلاة الاحتياط عليه مع سجدتي السهو، وهذا النوع من الأحكام مترتّب على السهو (الذهول عن الواقع) المقارن للشكّ.
2. ما يكون الحكم مترتّباً على ترك العمل بالواقع فعلاً أو تركاً، وهذا هو السهو المقارن للجهل المركّب، فالحكم فيه مترتّب على ترك ما ينبغي فعله، فيحكم بوجوب قضاء السجدة الفائتة بعد الصلاة مع سجدتي السهو، لكن ليس لأجل ذهوله عن الواقع، بل لأجل عدم امتثاله للواجب الواقعي، فليس للسهو في المورد الثاني أيّ دور للحكم. وظاهر قوله: «لا سهو في سهو» أنّ للسهو دوراً في ثبوت الحكم وأنّه عقوبة للسهو، لا لعدم إتيان الواقع، بخلاف السهو المقارن للجهل المركّب فهو عقوبة لترك الواقع. وعلى هذا فمعنى الحديث أنّه لا يترتّب للسهو في موجبِ السهو كصلاة الاحتياط أو سجدتي السهو أي أثر للشكّ، بل الشاكّ في موجب السهو يعمل بالنحو التالي:
1. إذا وجبت عليه ركعتان من صلاة الاحتياط وشكّ أنّه أتى بركعة منها أو كلتيهما، فيبني على الأكثر.
2. إذا وجبت عليه ركعة واحدة وشكّ في أنّه هل صلّى ركعة واحدة أو أزيد؟ فيبني على الأقل، إذ لولاه يلزم البطلان، وقد مرّ أنّ موجب السهو لا يبطل بالسهو.

صفحه 292
3. لو شكّ في أجزاء صلاة ركعة الاحتياط وأنّه هل أتى بركوعها أو سجودها أو غيرهما؟ فلا يعتني بالشكّ فيها أخذاً بإطلاق الحديث وإن لم يتجاوز المحلّ.
4. لو شكّ في عدد سجدتي السهو أو أفعالهما قبل تجاوز المحل،
فإنّه يبني على وقوع المشكوك فيه إلاّ أن تستلزم الزيادة، فيبني على الصحيح.1
ثمّ إنّ صاحب الحدائق 2 ذكر احتمالات كثيرة في معنى الرواية وبسط الكلام فيها، وبما ذكرنا تستغني عن تفاصيله.

لو تردّد ـ وهو في الصلاة ـ أنّه شاكّ أو ظانّ

بقي هنا فرع ذكره السيد الطباطبائي في عروته، قال: لو حصلت له حالة في أثناء الصلاة، وتردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ كما يتّفق كثيراً لبعض الناس، كان ذلك شكّاً.
وكذا لو حصل له حالة في أثناء الصلاة، وبعد أن دخل في فعل آخر لم يدر أنّه كان شكّاً أو ظنّاً، بنى على أنّه كان شكّاً إن كان فعلاً شاكّاً، وبنى على أنّه كان ظنّاً إن كان فعلاً ظانّاً; مثلاً لو علم أنّه تردّد بين الاثنتين والثلاث وبنى على الثلاث ولم يدر أنّه حصل له الظنّ بالثلاث فبنى عليه، أو بنى عليه من باب الشك، يبني على الحالة الفعلية.
وإن علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأت له حالة تردّد بين الاثنين

1 . من إفاضات سيد مشايخنا البروجردي(قدس سره) مع توضيح منّا.
2 . لاحظ الحدائق الناضرة: 9 / 262 .

صفحه 293
والثلاث وأنّه بنى على الثلاث وشكّ في أنّه حصل له الظنّ به أو كان من باب البناء في الشكّ، فالظاهر عدم وجوب صلاة الاحتياط عليه، وإن كان أحوط.1
أقول: للمسألة ـ حسب ما ذكره ـ صور ثلاث:
الصورة الأُولى: لو تردّد في أثناء الصلاة وقبل أن يدخل في فعل آخر، أنّ الحاصل له ظن حتى يعمل به، أو شكّ حتى يعمل بحكم الشكّ، وليس حصول تلك الحالة أمراً ببعيد، لانقباض النفس بسبب بعض العوارض عن إدراك ما هي فيه، فقد حكم السيد الطباطبائي بأنّه يحكم عليه بالشكّ ويعمل بحكمه.
وجهه: أنّ الشكّ والظن مشتركان في التردّد غير أنّ الظن يمتاز بالرجحان إلى أحد الطرفين، فالشكّ بين الحالتين شكّ في وجود الرجحان، والأصل عدمه.
يلاحظ عليه: أنّ الأصل مثبت لأنّ نفي إحدى الحالتين يلازم عقلاً الحالة السابقة، واحتمال أنّ المراد من الشكّ في الروايات هو خلاف اليقين ـ والمفروض هنا أنّه محرز ـ مدفوع بأنّ الموضوع هو التساوي بين الحالتين، وإلاّ فلو خرج عن حالة التساوي يعمل بمقتضى الظن، وبما أنّه غير واقف على ما هو الواقع يجمع بين وظيفتي الشاكّ والظان مهما أمكن.
نعم يمكن تصحيح ما في كلام صاحب العروة بأحد وجهين:
1. أنّ الأصل في علاج الشكوك هو البناء على الأكثر كما هو مفاد موثّقة

1 . العروة الوثقى، فصل في الشكوك في الركعات، المسألة 9.

صفحه 294
عمّار، خرج عنه ما إذا كان طريق إلى الواقع باسم الظن، والمفروض عدم إحرازه.
فإن قلت: إنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، لاحتمال وجود الظن في الواقع وإن لم يلتفت إليه المصلّي.
قلت: الخارج هو الظن المشهود للمصلّي والطريق الرافع للتحيّر، والمفروض عدمه.
2. أنّ الشك المأخوذ في النصوص هو خلاف اليقين بشهادة مقابلته في بعض الروايات باليقين وهو محرز بالوجدان، غاية الأمر خرج ما إذا كان لدى المصلّي طريق إلى الواقع، ومع الشكّ في وجود الظنّ يصدق عدم وجود طريق إلى الواقع عنده، وإن شئت قلت: عدم وجود طريق مشهود ملموس عنده.
الصورة الثانية: لو حصلت له تلك الحالة في أثناء الصلاة بعد أن دخل في فعل آخر ولم يدر أنّه كان في الحالة السابقة شاكّاً أو ظاناً، بنى على حالته الفعلية، فلو كان في تلك الحالة شاكّاً يعمل بوظيفة الشكّ، وإن كان ظانّاً يعمل بوظيفة الظنّ، إذ العبرة بالحالة الحاضرة من ظنّ أو شكّ، ولا أثر لما كان عليه سابقاً. فهو في هذه الحالة بما أنّه ظانّ أو شاكّ محكوم بالعمل على وفقه، والحكم تابع لموضوعه.
الصورة الثالثة: إذا علم بعد الفراغ من الصلاة بطروء تلك الحالة وأنّه بنى على الثلاث، ولم يدر أنّ البناء على الأكثر هل كان من باب البناء في الشكّ، أو حصل له الظن بالثلاث؟ فاستظهر السيد الطباطبائي عدم وجوب الاحتياط أخذاً بأصالة البراءة، وأمّا قاعدة الاشتغال التي مقتضاها الإتيان بصلاة

صفحه 295
الاحتياط، فهي محكومة بقاعدة الفراغ.
أقول: الظاهر عدم جريان قاعدة الفراغ هنا; لأنّه إنّما تجري فيما إذا
كان أحد الطرفين مقتضياً للصحّة والآخر للبطلان حسب الواقع، فلو شكّ
بعد الصلاة في الركوع فالقاعدة محكمة; لأنّه إن ركع كانت الصلاة صحيحة وإلاّ كانت باطلة، وهكذا سائر الموارد وإن لم يكن ركناً، فالأخذ
بأحد الجانبين يوجب الصحّة دون الآخر، وأمّا المقام فالمفروض أنّ
الأخذ بكلٍّ من الجانبين مقتض للصحّة، وذلك لأنّه لو كان ظانّاً بالأكثر فقد عمل به، وإن كان شاكّاً فقد عمل بمقتضى شكّه وهو البناء على الأكثر، وعلى ذلك فلا موضوع للقاعدة، ويكون المجرى مجرى الاشتغال والإتيان بصلاة الاحتياط.
فإن قلت: إنّ الشكّ تعلّق بوجوب صلاة الاحتياط، والأصل عدم وجوبها.
قلت: يجب على المكلّف تحصيل العلم بإتيان أربع ركعات تماماً، وهو بعد مشكوك، ونفي وجوب صلاة الاحتياط لا يثبت هذا العنوان.
***

توضيح مرسلة يونس

بقي الكلام في معنى الرواية التي مرّت وهي مرسلة يونس، وفيها: قال (عليه السلام): «ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه مَن خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على مَن خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام، ولا سهو في سهو، وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأُولتين من كلّ صلاة

صفحه 296
سهو (ولا سهو في النافلة)».1
أقول: لا يمكن أن يفسّر السهو في جميع الفقرات بمعنى واحد وهو عدم الاعتداد بالشكّ وصحّة الصلاة، بل يفسّر في كلّ فقرة على ضوء دليل آخر، وإليك توضيح الفقرات:
1. «ليس على الإمام سهو... إلى قوله: إذا لم يسه الإمام» فمعناه أنّ كلاًّ منهما يرجع إلى الآخر الحافظ ولا يعتدّ بشكّه.
2. «ولا سهو في سهو» فمعناه أنّه لا شكّ في مُوجَب الشكّ، ولا يعتدّ به ويبني على الصحّة.
3. «وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأُولتين من كلّ صلاة سهو» بمعنى أنّ الشكّ مبطل لها، بل لابدّ فيها من التماس اليقين، أو الظنّ، إذا قيل بقيامه مقام القطع.
4. «ولا سهو في نافلة» وهي قاعدة مستقلّة سندرسها تالياً، فهو فيها إمّا مخيّر بين البناء على الأقلّ أو على الأكثر كما عليه المشهور، أو يبني على الأقلّ، وهو الأفضل عندهم، والمتعيّن عندنا كما سيوافيك.
***
تمّت قاعدة
لا سهو في سهو

1 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 8 .

صفحه 297
لا شكّ لكثير الشكّ   
القواعد الفقهية
   51

قاعدة

لا شكّ لكثير الشكّ
كلمات الأصحاب حول القاعدة ودليلها
ما هو المراد من السهو؟
ما هو الميزان في كثير الشكّ؟
هل الحكم بعدم الاعتداد عزيمة أو رخصة؟
هل كثرة الظن ملحقة بكثرة الشكّ؟
حكم كثير الشكّ لعارض
حكم كثرة الشكّ في غير الصلاة
اذا كثر الشكّ في الأفعال دون الركعات أو بالعكس
كثرة الشكّ في أصل الإتيان بالصلاة
إحصاء الصلاة بالحصى
لو تبيّن أحد طرفي الشكّ
من القواعد المعروفة في كتاب الصلاة، قولهم:«لا شكّ لكثير الشكّ»، غير أنّ الوارد في الروايات قولهم(عليهم السلام): «لا حكم للسهو مع الكثرة».

كلمات الأصحاب حول القاعدة

قال المحقّق: لا سهو على مَن كثر سهوه، ونريد بذلك البناء على ما شُكّ

صفحه 298
فيه بالوقوع، ولا يجب سجود السهو; لأنّ وجوب تداركه يقتضي الحرج، وهو منفي إذ لو كان به اعتبار، لما انفكّ متداركاً، فيقع في ورطة تتعذّر معها الصلاة.1
وقال العلاّمة: من كثر سهوه وتواتر لم يلتفت إليه، ويبني على ما شكّ فيه بأنّه واقع، ولا يسجد للسهو; لأنّ وجوب تداركه يقتضي الحرج، وهو منفي; لأنّه يقع في ورطة تتعذّر معها الصلاة، وسجود السهو تكليف يستدعي توفيقاً وهو منفيّ2.
وصريح المحقّق أنّ المراد من السهو وظاهر العلاّمة في «المنتهى» هو الشكّ، وصرّح به في «المدارك» أيضاً وقال: إنّ المراد ـ بالسهو هنا ـ الشكّ، أي من كثر شكّه لا يلتفت إلى الشكّ، بل يبني على وقوع المشكوك فيه وإن كان في محلّه ما لم يستلزم الزيادة، فيبني على المصحّح.3
وقال صاحب الحدائق: ونقل بعض مشايخنا أنّه (المراد بالسهو هو الشكّ) مذهب الأكثر، وظاهر آخرين ـ ومنهم:الشيخ وابن زهرة وابن إدريس وغيرهم، والظاهر أنّه المشهور ـ هو العموم للشكّ والسهو. وبه صرّح شيخنا الشهيد الثاني وغيره، وهو الأظهر.4
وقد مرّ أنّ المراد هو البناء على وقوع المشكوك لكن حكى في

1 . المعتبر:2/393.الورطة: الوحَل، وتطلق على واقعة لا خلاص منها.
2 . منتهى المطلب:7/27. في المصدر «توفيقاً» وفي بعض النسخ هنا بياض كما ذكره محقّق الكتاب، والظاهر أنّه «توقيفاً» بمعنى أنّ كون الشيء توقيفياً، محتاج إلى الدليل.
3 . مدارك الأحكام:4/271.
4 . الحدائق الناضرة:9/288.

صفحه 299
«الجواهر» عن المحقّق الثاني: التخيير بين البناء على وجود المشكوك ووقوعه، والبناء على الأقلّ بمعنى عدم الإتيان بالمشكوك.1
وقال الشهيد في «الذكرى»: إنّ عدم اعتناء كثير الشكّ بشكّه رخصة فيجوز أن يعمل على مقتضى الشكّ، فيتلافى إن كان في المحلّ مثلاً.2
وسيوافيك أنّ المحقّق الأردبيلي استظهر من صحيحة زرارة وأبي بصير التخيير.3 ولكن القول به على خلاف الشهرة المحقّقة، وعلى خلاف مضمون الروايات الظاهرة في الوجوب.

أدلّة القاعدة

1. ما رواه حريز صحيحاً عن زرارة وأبي بصير جميعاً، قالا: قلنا له: الرجل يشكّ كثيراً في صلاته حتى لا يدري، كم صلّى ولا ما بقي عليه؟ قال: «يعيد»، قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك، كلّما أعاد شكّ؟ قال: «يمضي في شكّه»، ثمّ قال: «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرنّ نقض الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ»، قال زرارة: ثمّ قال:«إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عُصي لم يعد إلى أحدكم».4
2. ما رواه عمّار عن أبي عبد الله(عليه السلام)، في الرجل يكثر عليه الوهم في

1 . جواهر الكلام:12/417.
2 . ذكرى الشيعة:223.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:3/142.
4 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2. وفي المطبوع من الوسائل في كلتا الطبعتين «نقض الصلاة» والصحيح ـ كما في المصدر ـ ما أثبتناه.

صفحه 300
الصلاة فيشكّ في الركوع فلا يدري، أركع أم لا، ويشكّ في السجود، فلا يدري أسجد أم لا؟ فقال: «لا يسجد ولا يركع ويمضي في صلاته حتّى يستيقن يقيناً».1
3. ما رواه العلاء عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان».2
4. ما رواه ابن سنان عن غير واحد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك».3
5. روى الصدوق باسناده عن محمد بن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة أنّ الصادق(عليه السلام)قال: «إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو».4
وفي المقام مباحث:

1. ما هو المراد من السهو؟

هل المراد بالسهو هو الشكّ فتختصّ القاعدة بكثرة الشكّ، أو أعمّ منه ومن النسيان فيعمّ مَن ينسى كثيراً؟ وقد عرفت كلمات الأصحاب ونسب إلى المحقّق الثاني القول بالأعمّ، ولعلّه أخذ بإطلاق السهو الذي يطلق على الشكّ

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث5.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
3 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.
4 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث7.

صفحه 301
والنسيان، وقد تقدّم أنّهما من مصاديق جامع واحد وهو غروب الواقع عن ذهن المصلّي. والقضاء الصحيح رهن دراسة الروايات المذكورة فنقول: والظاهر هو الوجه الأوّل، ويدلّ عليه ما يلي:
1. قوله في صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام): «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان»1، فإنّ الخطاب في قوله:«فامض على صلاتك»، وقوله في رواية زرارة وأبي بصير:«لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه» ظاهر في أنّ المصلّي يريد نقض الصلاة غبّ عروض السهو، بحيث يكونان متقارنين، وهو لا يتحقّق إلاّ في الشكّ لا في السهو بمعنى النسيان، فإنّ المصلّي ربّما ينسى ثم بعد زمان يلتفت إلى نسيانه، ويقصد نقض الصلاة. فيكون النسيان والعزم على النقض غير متزامنين.
2. أنّ الحكم تارة يترتّب على عنوان السهو بحيث يكون له دور في الحكم، وهذا هو السهو بمعنى الذهول عن الواقع وعروض الشكّ.
وأُخرى يترتّب على ترك ما يجب فعله أو فعل ما يجب تركه، وهو السهو المقارن للجهل المركّب المساوق للنسيان. وظاهر الروايات نفي ما للسهو فيه دور كما في قوله (عليه السلام): «فإذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك».2 فالموضوع للسهولة واليسر كونه شاكّاً، لا تاركاً للواقع.
3. ما ورد من التصريح بالشكّ في صحيحة زرارة وأبي بصير حيث

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 302
قالا له: الرجل يشكّ كثيراً في صلاته حيث لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه.1
فبهذه الوجوه الثلاثة يظهر أنّ المراد من السهو هو الشكّ لا النسيان، فمن كثر نسيانه غير داخل في روايات الباب. وهنا وجه رابع ذكره سيد مشايخنا البروجردي وهو:
أنّه لو قلنا بشمول القاعدة للنسيان يترتّب عليه شيء لا يلتزم به الفقيه، فلو فرضنا أنّه كان كثير النسيان في الأركان سواء تجاوز عن محلّه أم لا، فمقتضى قوله:«فامض في صلاتك»، المضيّ في الصلاة مع العلم بعدم الأركان، مطلقاً سواء تجاوز عن محلّه أم لا، وهذا ما لا يلتزم به فقيه، وأقلّ منه محذوراً ما لو نسي الجزء أو الشرط وكان محلّ التدارك باقياً، فلو قلنا بالشمول يلزم المضيّ بالصلاة مع العلم بترك الجزء والشرط.
فإن قلت: إنّ الإشكال لا يختصّ بكثير النسيان، بل يأتي مثله في الشكّاك أيضاً، مثلاً لو علم الشكّاك بعدم الإتيان بالركن ـ علم ـ في المحلّ أو بعد التجاوز، فمعنى ذلك أنّه لا يعتدّ به مع أنّه لا يقول به فقيه، ومثله ما لو علم بعد الصلاة أنّه ترك بعض الأجزاء الذي يمكن قضاؤه، ومعنى عدم الاعتداد أنّه لا يقضي، مع أنّه يقضي قطعاً كما سيوافيك.2
قلت: لا ملازمة بين الموردين، فإنّ الشكّاك يعمل بمقتضى القواعد إذا علم الحال، فلو ترك الركن وكان المحل باقياً يأتي به وإلاّ تبطل صلاته، كما أنّه يقضي الأجزاء الفائتة إذا علم بفوتها. وذلك لأنّ الحكم في الشكّاك متفرّع على

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . هذا الإشكال أورده بعض حضّار بحثنا.

صفحه 303
عنوان الشكّ فلا يشمل ما بعد الشكّ إذا ظهر الواقع، ولذلك يعمل بمقتضى القواعد.
وأمّا كثرة النسيان فالحكم بعدم الاعتداد متوجّه إليه بعد ذكر النسيان، لا حالة النسيان، فلو شملت القاعدة لمن يكثر نسيانه فمعنى ذلك أنّه لا يعتدّ بعد ارتفاع النسيان، فتكون نتيجة ذلك الحكم بالصحّة إذا ترك الركن، وعدم الإتيان به إذا شكّ في محلّه، أو عدم قضاء الأجزاء بعد الصلاة.
وبعبارة أُخرى: الحكم بعدم الاعتداد خاصّ بحالة الشكّ ولا يعمّ بعد رفعه، ولذلك يعمل بمقتضى القواعد، ولكنّه في الناسي خاص بحالة الذكر بعد النسيان، فلو عمّه يجب أن لا يعتدّ مطلقاً حتى في الصورة المذكورة.
فإن قلت: قد سبق منّا أن:«لا تعاد» تشمل صورة النسيان والشكّ، ومعنى ذلك هو كفاية صلاة ينقص بعض أجزائها وشرائطها مع العلم بعدم الإتيان.
قلت: إنّ الناسي الواقع تحت قاعدة «لا تعاد» يأتي بالمنسيّ إذا لم يتجاوز المحلّ، ويقضي بعض المنسيّ إذا تجاوز، ويعيد الصلاة إذا نسي شيئاً من الخمسة، وأين هذا من القول بشمول قاعدة كثرة الشكّ وعدم الاعتداد بالأجزاء المنسيّة إذا كثر نسيانه، بأنّه يمضي في صلاته فلا يأتي بالمنسيّ مطلقاً؟!
***
ثمّ إنّ الفرق بين هذه القاعدة وبين أصالة الصحة هو أنّ الأُولى تجري في أثناء الصلاة والثانية بعد الصلاة، كما يُعلم الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة التجاوز حيث إنّ الثانية تجري بعد التجاوز عن المحلّ، وهذه القاعدة تجري مع الشكّ في المحلّ.

صفحه 304

2. ما هو الميزان في كثرة الشكّ؟

قال المحقّق: ويرجع في الكثرة إلى ما يسمّى في العادة كثيراً، وقيل: أن يسهو ثلاثاً في فريضة، وقيل: أن يسهو مرّة في ثلاث فرائض، والأوّل أظهر.1
وقال في المعتبر: فيرجع إلى ما يسمّى في العادة كثرة، وذلك يجده الإنسان منه نفسه. وقال بعض المتأخّرين: هو الذي يكثر ويتواتر. وحدّه: أن يسهو في شيء واحد، أو فريضة واحدة، ثلاث مرّات، أو يسهو في أكثر الصلوات الخمس، أعني: ثلاث صلوات، فيسقط بعد ذلك حكم السهو ولا يلتفت إلى سهو في الفريضة الرابعة، ثمّ يقول: ويجب أن نطالب هذا القائل بمأخذ دعواه، فإنّا لا نعلم لذلك أصلاً في لغة ولا شرع، والدعوى من غير دلالة تحكّم.2
فظهر أنّ الأقوال ثلاثة:
1. الرجوع إلى العرف في الشبهة المفهومية، أعني: كثرة السهو.
2. أن يسهو ثلاثاً في فريضة واحدة، وهو القول الثاني الذي نقله المحقّق في الشرائع والمعتبر.
3. أن يسهو في أكثر الصلوات الخمس، أعني: ثلاث صلوات، وهذا هو القول الثالث في المعتبر، ولعلّه إليه يشير في الشرائع بقوله: أن يسهو مرّة في ثلاث فرائض.

1 . شرائع الإسلام:1/118.
2 . المعتبر:2/394.

صفحه 305
ثمّ إنّ مستند القول الثاني والثالث هو ما رواه محمد بن أبي حمزة قال: إنّ الصادق(عليه السلام)قال:«إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو».1
فعلى هذا يجب دراسة الأقوال على ضوء هذا الحديث.
أمّا القول الأوّل: فهو موافق للقاعدة لو لم يرد نصّ يحدد مفهوم الكثرة في لسان الشرع، كما هو الظاهر من رواية محمد بن أبي حمزة.
وأمّا القول الثاني ـ أي أن يسهو في فريضة واحدة ثلاث مرّات ـ : فلازم هذا القول أن يفسّر الحديث بالنحو التالي:
إذا كان الرجل ممّن يسهو (في كلّ فريضة) ثلاث، ولا يخفى أنّه خلاف الظاهر، إذ عليه يجب أن يكون (ثلاث) منصوباً لا مجروراً، مع أنّه ـ لكونه مضافاً إليه ـ مجرور.
وأمّا القول الثالث ـ أي أن يسهو في أكثر الصلوات الخمس، أعني ثلاث صلوات ـ : فلازم هذا القول أن يفسّر الحديث بقوله: إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث صلوات، فهو ممّن كثر عليه السهو، ولعلّ هذا القول هو الأقرب; وذلك لأنّ محمد بن أبي حمزة كان عالماً بأمرين:
1. أنّ للساهي حكماً في الشريعة.
2. أنّ لمن يكثر سهوه حكماً غير حكم الشاكّ، وعند ذلك سأل عن حدّ الموضوع الذي يغاير حكمه حكم الشاكّ، فقال الإمام(عليه السلام):«إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث» و حذف تمييز العدد ـ أعني: (صلوات) ـ للعلم به

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث7.

صفحه 306
بالقرينة، فالموضوع هو الشكّ في ثلاث صلوات متوالية، ويعبّر عنه: بالشكّ في أكثر الصلوات الخمس.
نعم السؤال غير موجود في الرواية لكن يعلم وجوده من جواب الإمام فإنّه(عليه السلام) لا يتكلّم ارتجالاً، فكلامه قرينة عن وجود السؤال.
وعلى هذا فالميزان هو القول الثالث.
ثمّ إنّ للأساتذة حول الحديث احتمالات كثيرة أكثرها بعيدة عن الذهن، ولذلك نرى أنّ صاحب الجواهر اختصر الكلام في المقام، فظهر ممّا ذكرنا أنّ الميزان هو الشكوك الثلاثة في ثلاث صلوات متوالية، ولو فرضنا حصول هذه الشكوك في صلاة واحدة، هل يكفي ذلك؟
الظاهر ذلك، لأنّه يحكي عن وجود اختلال في نفس المصلّي حيث لا يكاد يقدر على ضبط ما عمل. وفي تعليقات المولى مراد التفرشي على الرواية قوله: ولعلّ التعميم فيما يسهى عنه، سواء أكانت تلك الثلاث من الركعات أو الصلوات أو ممّا فيهما بشرط توالي الصلوات.1

3. هل الحكم بعدم الاعتداد عزيمة أو رخصة؟

دلّت الروايات على أنّ كثير الشكّ محكوم بغير حكم الشاكّ في عدد الركعات والأفعال، إذا كان شكّه أمراً متعارفاً ودارجاً بين الناس.
إنّما الكلام هل هو عزيمة أو رخصة؟ والتأمّل في الروايات يثبت أنّ الحكم عزيمة، إذ مضافاً إلى ما ورد من الأمر بالمضيّ، قوله(عليه السلام): «إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عُصي لم يعد».2

1 . من لا يحضره الفقيه: (قسم التعليقة):1/393.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.

صفحه 307
فالاعتناء بالشكّ طريق لإطاعة الشيطان، وعدمه إرغام لأنفه، وهل يمكن أن يكون رخصة؟!
نعم استظهر المحقّق الأردبيلي الرخصة من حديث زرارة وأبي بصير جميعاً: قالا: قلنا له:الرجل يشكّ كثيراً في صلاة حتّى لا يدري، كم صلّى ولا ما بقي عليه؟ قال:«يعيد»، قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ؟ قال:«يمضي في شكّه»، ثمّ قال: «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرنّ نقض الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ»، قال زرارة: ثمّ قال:«إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم».1
حيث إنّ مقتضى الجمع بين قوله:«يعيد» و قوله«ويمضي في شكّه» هو التخيير، وإلاّ لزم التناقض في الكلام.
يلاحظ عليه: أنّه يحتمل أن يراد بقوله: «يشكّ كثيراً» إرادة الكثرة في أطراف الشكّ لا في نفس الشك، وعلى ما ذكرنا فالشكّ واحد ولكن لا يدري أواحدة صلّى أم ثنتين أم ثلاثاً أم أربعاً بقرينة قوله:«حتى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه».2

4. هل كثرة الظنّ ملحقة بكثرة الشكّ؟

لا شكّ أنّ قطع القطّاع لا يلحق بالشكّ فيما إذا كان القطع طريقياً محضاً، كما قُرر في محلّه، إذ لا يصحّ النهي عن القطع. وأمّا الظنّ فبما أنّ حجّيته

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . جواهر الكلام:12/417.

صفحه 308
بالجعل والاعتبار فيمكن إلحاق ظنّ الظنّان بشكّ الشكّاك، فلو كان كثير الظنّ بعدم الركوع مع عدم التجاوز عن المحلّ فيحكم عليه بعدم اعتباره ولحوقه بكثرة الشكّ فيه، فتكون النتيجة عدم الاعتداد بهذا الظنّ المنزَّل منزلة شكّ الشكّاك ولا يأتي بالركوع.
الظاهر أنّ المرجع أمر ثالث لا قاعدة حجّية الظن في أفعال الصلاة ولا كونه منزَّلاً منزلة كثير الشكّ. أمّا الأوّل فلأنّ أدلّة حجّية الظنّ في الصلاة منصرفة إلى الظنّ العادي الذي يحصل لأكثر الناس للأسباب المتعارفة، وأمّا مَن يحصل له الظن من أسباب لا يحصل منها الظن لأغلب الناس، فهو خارج عن دليل حجّيته; وأمّا الثاني فلأنّه أشبه بالقياس فلا يمكن إلحاقه بكثير الشكّ.
وعلى هذا يكون كثير الظنّ محكوماً بالحكم الثابت للمصلّي مع قطع النظر عن الظنّ، فلو كان قبل المحلّ يأتي بالركوع، ولو كان بعد تجاوز المحلّ فلا يأت به، وبالتالي لا يكون محكوماً بحكم كثير الشكّ، من غير فرق بين الركعات والأفعال والأذكار، وبالجملة يفرض الظنّ كعدمه فيعمل المكلّف حسب وظيفته لولا الظنّ، فيفرّق بين كونه قبل المحلّ وبعده.

5. شمول القاعدة لمن كثر شكّه لعارض

إنّ كثرة الشكّ تارة تكون رهن كونه وسواساً، وأُخرى نتيجة ابتلائه بمصيبة وحادثة تُشغِلَ باله فيكثر شكّه ،كموت الولد أو نزول البلايا وغير ذلك، فهل الروايات تشمل هذا القسم؟ الظاهر: لا، فإنّ مصبّ الروايات ما إذا كان الشكّ من جانب الشيطان وإغوائه، وأنّ الخبيث يريد أن يطاع فإذا عصي

صفحه 309
لم يعد، وليس المقام من هذا.

6. حكم كثرة الشكّ في غير الصلاة

إذا كان الإنسان كثير الشكّ في سائر العبادات، كالوضوء والغسل، فهل هي داخلة تحت القاعدة أو لا؟ وجهان:
1. أنّ مورد الروايات كثرة الشكّ في الصلاة، فلا تعمّ غيرها.
2. أنّ التعليل في قوله:«إنّما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم».1 يعمّم الحكم إلى غيرها أيضاً.
وأمّا تقييد عدم الاعتداد بالصلاة في قوله: «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك».2 فلعلّه من باب الغلبة.
هذا كلّه (وجود الوجهين) إذا كان كثير الشكّ في الوضوء والغسل قبل الدخول في الصلاة، وأمّا بعد الدخول فيها، فلو طرأ عليه الشكّ في مقدّمات الصلاة التي يكثر سهوه فيها، فهو مشمول للقاعدة ومصداق لقوله: «إذا كثر عليك السهو، فامض على صلاتك»، لأنّ الشكّ في مقدّمات الصلاة بعد الدخول فيها، شكّ في الصلاة، ولا حاجة للقول بالإلحاق.

7. إذا كان كثير الشكّ في الأفعال فقط أو في الركعات كذلك

إذا كثر شكّ المكلّف في الركعات والأفعال فمقتضى القاعدة عدم الاعتداد، أخذاً بإطلاق قوله:«إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك»، وأمّا

1 . مرّ تخريجه.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 310
إذا كان كثير الشكّ في الركعات دون الأفعال، أو كثير الشكّ في الأفعال دون الركعات، فلكلّ حكمه، ولا يسري حكم كلّ موضوع إلى موضوع آخر.
وتوهم أنّه إذا كان كثير الشكّ في الركوع وغيره في سائر الأفعال يطلق عليه أنّه كثير الشكّ حتى ولو طرأ عليه الشكّ في غير الركوع، مدفوع بأنّ وصفه به في غير الركوع وصف مجازي، ومثله أجنبي عن مورد الروايات، أي ليس السهو من عمل الشيطان.

8. كثرة الشكّ في أصل الإتيان بالصلاة

لو فرضنا أنّ الرجل صار كثير الشكّ في الإتيان بأصل الصلاة، وأنّه كثيراً ما يشكّ في الإتيان بالفريضة، فهل عليه ألا يعتني بشكّه ويترك الصلاة؟ الظاهر: لا، لأنّ مفاد الروايات هو الشكّ في أثناء الصلاة، كما في قوله:«فإذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك» ومعنى الرواية أنّ الصلاة أمر مفروض الوجود وانّما الشكّ في خصوصياتها.
وأمّا قوله: «إنّما يريد الخبيث أن يطاع» أو قوله:«إنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد» فلعلّها من قبيل الحكمة لا يدور الحكم مدارها.

9. إحصاء الصلاة بالحصى

قد ورد في بعض الروايات جواز إحصاء الصلاة بالحصى.
1. روى حبيب الخثعمي قال: شكوت إلى أبي عبد الله(عليه السلام) كثرة السهو في الصلاة، فقال: «أحص صلاتك بالحصى» أو قال: «احفظها بالحصى».1

1 . الوسائل:5، الباب28 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 311
2. روى الشيخ عن حبيب بن المعلّى، أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام)، فقال له: إنّي رجل كثير السهو، فما أحفظ صلاتي إلاّ بخاتمي أحولّه من مكان إلى آخر؟ فقال: «لا بأس».1
3. وروى أيضاً عن عبد الله بن المغيرة، عنه(عليه السلام) أنّه قال:«لا بأس أن يعدّ الرجل صلاته بخاتمه أو بحصى يأخذ بيده فيعدّ به».2
والروايات بصدد الإرشاد، فإنّ الرجل لو دخل من هذا الباب يدفع عن نفسه كثرة الشكّ ويعدم موضوعه، ولا بأس به. ولا منافاة بينها وبين ما دلّ على المضيّ.

10. لو تبيّن أحد طرفي الشكّ

إنّ كثير الشكّ محكوم بالمضيّ فلو بقي على حالة الشكّ فهو، وأمّا إذا تبيّن الواقع، فله صورتان:
الأُولى: إذا كان المضيّ مطابقاً للواقع فلا كلام في الصحّة كما لو تبيّن إتيان الفعل (التشهّد) الذي شُكّ فيه قبل مضيّ محلّه، سواء تبيّن بعد مضيّ محلّه أو بعد الصلاة، أو تبيّن له التمام عند الشكّ بين الثلاث والأربع بعد الصلاة.
الصورة الثانية: لو كان المضيّ مخالفاً للواقع بأن اقتضى الواقع الاستئناف أو التدارك في الأثناء أو القضاء بعد الصلاة كالأمثلة التالية:
1. لو شكّ بين الأربع والخمس ولم يلتفت لكثرة شكّه، ثم تبيّن عند

1 . الوسائل:5، الباب28 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . الوسائل:5، الباب28 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 312
التسليم أنّه صلّى خمساً.
2. لو شكّ في السجدة، قبل التشهّد والقيام، فلم يلتفت لأنّه كثير الشكّ ثم تبيّن له قبل الدخول في ركوع الركعة الأُخرى أنّه لم يسجد.
3. أو أنّه شكّ في الركوع فلم يلتفت ثم تبيّن أنّه لم يركع قبل الدخول في السجدة الثانية.
4. أو شكّ في السجدة الثانية أو التشهّد قبل مضيّ محلّهما،فلم يلتفت ثم تبيّن له بعد الدخول في الركوع أنّه لم يفعل المشكوك .
فالظاهر أنّ هذه الموارد خارجة عن الروايات فيعمل فيها بمقتضى القواعد.
أمّا الصورة الأُولى: إذا تبيّن أنّه صلّى خمساً، يعيد الصلاة.
وأمّا الصورة الثانية: إذا تبيّن أنّه لم يسجد قبل الدخول في ركوع الركعة فيرجع فيسجد.
وأمّا الصورة الثالثة: فيرجع فيركع.
وأمّا الصورة الرابعة: فيقضي بعد الصلاة، يقول الشيخ الأنصاري: كلّ هذه لأدلّتها العامّة السليمة عن المعارض عدا ما يتوهّم من إطلاق الحكم بالمضيّ مع كثرة الشكّ الشامل لصورة تبيّن الخلاف، وهو فاسد; لأنّ تلك الإطلاقات في مقام بيان حكم نفس الشكّ الكثير من غير كونها في مقام بيان حكم ما لو تبيّن عدم الإتيان بالمشكوك فيه، فيجب الرجوع عند تبيّن الخلاف إلى الأدلّة العامّة.1

1 . أحكام الخلل في الصلاة:137.

صفحه 313
وبعبارة أُخرى: المضيّ وعدم الاعتناء حكم الشاكّ الذي بقى على شكّه ولم يتبيّن له الواقع، دون من خرج عن الشكّ وتبيّن له الواقع، فيكون عندئذ محكوماً بحكم الواقع.
***
تمّت قاعدة
لا شكّ لكثير الشكّ

صفحه 314
القواعد الفقهية
    52

قاعدة

لا سهو في نافلة
لا سهو في نافلة   
كلمات الأصحاب حول القاعدة
دليل القاعدة
التخيير بين البناء على الأقلّ أو الأكثر
نقل ما ورد من الروايات حولها
مفاد الروايات
نفي حكم الفريضة في النافلة
بعد قصور الأدلّة، المرجع هو الأصل
حكم الشكّ في أفعال النافلة
حكم نسيان الأفعال في النافلة
زيادة الركن غير مخل في النافلة حسب بعض الروايات
من القواعد الفقهية في باب الصلاة قولهم:«لا سهو في نافلة» والمسألة معنونة في كتب الفريقين.

كلمات الأصحاب حول القاعدة

قال الشيخ في «الخلاف»: لا سهو في النافلة. وبه قال ابن سيرين، وقال باقي الفقهاء: حكم النافلة حكم الفريضة فيما يوجب السهو. ثم قال الشيخ:

صفحه 315
دليلنا: إجماع الفرقة وأيضاً الأصل براءة الذمّة، فمن أوجب عليها حكماً فعليه الدلالة، وأخبارنا في هذا الباب أكثر من أن تحصى.1
وقال الشيخ في «النهاية»:ولا سهو في نافلة، فمن سها في شيء من النوافل بنى على ما أراد، ويستحب أن يبني على الأقلّ.2
وقال المحقّق: ولو شكّ في عدد النافلة تخيّر في البناء على الأقلّ أو الأكثر، والبناء على الأقل أفضل، وهذا متّفق عليه بين الأصحاب; لأنّ النافلة لا تجب بالشروع فيقتصر على ما أراد.3
وقال في «الشرائع»: مَن شكّ في عدد النافلة بنى على الأكثر، وإن بنى على الأقل كان أفضل.4
وقال العلاّمة في «المنتهى»: لا سهو في النافلة، بل للمصلّي أن يبني على ما أراد لأنّها لا تجب بالشروع فيها عندنا استصحاباً للحالة الأُولى، فكان الخيار في ذلك إلى المصلّي. نعم يستحب البناء على الأقلّ لأنّه المتيقّن.5
وهذه العبائر تدلّ على التخيير بين البناء على الأقل أو الأكثر، لكن البناء على الأقلّ أفضل. ولولا اتّفاق الأصحاب ]حتّى أنّ صاحب مفتاح الكرامة نقل عن الأمالي أنّه عُدّ من دين الإمامية أن لا سهو في النافلة فمن سها فيها بنى على

1 . الخلاف:1/45، المسألة 210، كتاب الصلاة.أقول: كيف يقول ذلك ونحن لم نعثر إلاّ على مسند ومرسل فقط.
2 . النهاية:93.
3 . المعتبر:2/395 و 396.
4 . شرائع الإسلام:1/118.
5 . منتهى الطلب:7/34.

صفحه 316
ما شاء1[، لكان البناء على الأقلّ هو المتعيّن كما يظهر ممّا ورد من الروايات في المقام.
وقال في «المدارك»:وأمّا جواز البناء على الأكثر فقال المصنّف في المعتبر: إنّه متّفق عليه بين الأصحاب، واستدلّ «بأنّ النافلة لا تجب بالشروع فكان للمكلّف الاقتصار على ما أراد». ثم اعترض عليه بقوله: وهو استدلال ضعيف، إذ ليس الكلام في جواز القطع وإنّما هو في تحقّق الامتثال بذلك ويتوقّف على الدليل، إذ مقتضى الأصل عدم وقوع ما تعلّق به الشكّ.2
ولا يخفى أنّ المحقّق علّل التخيير بما ذكر لا جواز البناء على الأكثر، كما هو ظاهر من عبارته التي نقلناها آنفاً. نعم يرد الإشكال على كلا الوجهين.
وعلى كلّ تقدير فالجزم بالتخيير أو تعيّن البناء على الأقلّ رهن دراسة ما رُوي.

دليل القاعدة

1. ما رواه الصدوق باسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره أنّه سُئل أبو عبد الله(عليه السلام)...ثم قال: «ولا سهو في نافلة».3
وهذه الرواية هي التي رواها الكليني في «الكافي»4 عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وعلى هذا فالرواية مرسلة.

1 . مفتاح الكرامة:6/1515.
2 . مدارك الأحكام:4/274.
3 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 8 .
4 . الكافي:3/358، برقم 5.

صفحه 317
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام)قال: سألته عن السهو في النافلة؟ فقال:«ليس عليك شيء».1 ورواه الكليني أيضاً بسنده عن العلاء بن رزين مثله.
ثم قال: وروي أنّه: «إذا سها في النافلة بنى على الأقلّ».2
وكأنّ الكليني فهم من رواية العلاء: «ليس عليك شيء» التخيير وأنّه بنى على ما شاء، ولذلك استدركه بقوله: وروي أنّه إذا سها في النافلة بنى على الأقلّ.
هذه هي فتاوى الأصحاب وهذه هي الروايات الواردة في المقام.

التخيير بين البناء على الأقلّ أو الأكثر

أقول: لولا القول بالتخيير بين الأصحاب لكان ما رواه الكليني وغيره هو المتعيّن.
توضيح ذلك: أنّ أكثر النوافل ثنائي وبعضها ثلاثي كالوتر على القول بأنّها ثلاث ركعات يجوز فيها الوصل، ورباعي كما في صلاة الأعرابي، وصلاة جعفر الطيار أربع ركعات بثلاثمائة مرّة سبحان الله... إلخ، وصلاة أمير المؤمنين(عليه السلام) فإنّها أربع ركعات بتسليمتين.3
أمّا الشكّ في الصلاة الثنائية والثلاثية في الفرائض فحكمه البطلان، وأمّا الشكّ في الرباعية منها فحكمها البناء على الأكثر ثم الإتيان بصلاة

1 . وفي الجواهر:«أو سهو» على ما في نسخة أُخرى.
2 . الوسائل:5، الباب18 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
3 . النهاية:140ـ 141.

صفحه 318
الاحتياط وسجدتي السهو في بعض الصور.
فإذا قيل: «لا سهو في النافلة، أو ليس عليك شيء» يراد منه نفي الحكم الثابت في الفرائض في تلك الصلوات، بمعنى أنّ الشكّ في الثنائية والثلاثية من النوافل لا يوجب البطلان، كما أنّ الشكّ في الرباعية منها لا يوجب البناء على الأكثر ولا يوجب صلاة الاحتياط ولا سجدتي السهو، ونتيجة ذلك هو البناء على الأقلّ الذي أفتى الأصحاب بكونه أفضل. ولولا اتّفاق الأصحاب على جواز التخيير حتى عُدّ في الأمالي من دين الإمامية، كان المستفاد ممّا رُوي نفي أحكام الفريضة عن النوافل.
فلو شكّ في الثنائية من النوافل والثلاثية منها صحّت صلاته وليس عليه شيء من الحكم بالبطلان، ولو شكّ في الرباعية ليس عليه شيء من البناء على الأكثر، فإذا كانت أحكام الشكّ في الفريضة مرفوعة رفعاً تشريعياً عن النوافل، يتعيّن العمل بالأصل وهو عدم الإتيان بالركعة المشكوكة.
كلّ ذلك يعرب أنّ للشريعة المقدّسة اهتماماً بفرض الله فوق اهتمامها بفرض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)،واهتمامها بالأخير فوق اهتمامها بالنوافل، هذا هو المستفاد من الروايات، لكن اتّفاق الأصحاب يصدّنا عن المخالفة. وهو مخيّر بين البناء على الأقل أو الأكثر، وإن كان الأوّل أفضل.
هنا فروع:

1. اختصاص القاعدة بالنوافل بالذات

إذا كانت الصلاة واجبة بالذات لكن صارت مستحبة لعارض، كصلاة العيدين بناء على استحبابها في عصر الغيبة، فهل الروايات تشملها؟

صفحه 319
الظاهر: لا، لانصراف لفظ النافلة في الروايات ومعقد الإجماع إلى النوافل بالذات.

2. شمول القاعدة للنافلة الملتزمة بالنذر واليمين

لو نذر صلاة الليل أو أمر السيد عبده أو الوالد ولده بنافلة الليل، فشكّ فيها فالقاعدة حاكمة فيها; لأنّها نافلة بالذات غير واجبة حتى بالعرض، وما ربّما يُرى في بعض الكلمات من صيرورتها واجبة، لا يخلو عن مسامحة; وذلك لأنّ متعلّق الوجوب هو الوفاء بالنذر لا صلاة الليل، ولا يفي بنذره إلاّ بإتيان صلاة الليل بنيّة الاستحباب، وقد قلنا في محلّه إنّ الحكم المتعلّق بالموضوع كالوجوب المتعلّق بالوفاء بالنذر لا يتعدّى عن موضوعه إلى موضوع آخر كصلاة الليل، وما عن المحقّق النائيني في بعض تقريراته من أنّ وجوب الوفاء بالنذر يكتسب التعبّدية من الأمر بصلاة الليل، كما أنّ الأمر بصلاة الليل يكتسب الوجوب من الأمر بالوفاء بالنذر فيتولّد هنا أمر تعبّدي بصلاة الليل1، فهو استحسان محض، بل هنا أمران:أمر بالوفاء بالنذر، وأمر بصلاة الليل، لا يتعدّى أحدهما عن موضوعه إلى موضوع آخر.

3. حكم الشكّ في أفعال النافلة

الظاهر انصراف الروايات إلى الشكّ في الركعات دون الأفعال، ولذلك صار محور البحث بين الأصحاب هو التخيير بين البناء على الأكثر أو الأقل، أو تعيين الأقل، وهذا يناسب الشكّ في الركعات، وأمّا الشكّ في الأفعال فالظاهر صحّة ما في «الجواهر» من قوله: وأمّا الشكّ في الأفعال فيقوى النظر

1 . فوائد الأُصول:1/440، مبحث اجتماع الأمر والنهي.

صفحه 320
في مساواة النافلة فيه الفريضة، فيتدارك مع بقاء المحلّ ولا يلتفت مع خروجه.1
ويؤيّد ذلك القاعدة المعروفة من عدم الفرق بين النافلة والفريضة في الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل.
نعم حكى في «الجواهر» عن الرياض ومحتمل الذخيرة ومجمع البرهان أنّهم لم يوجبوا التدارك ولو في المحلّ ركناً أو غيره تمسّكاً بعموم الصحيح، أعني قوله: سألته عن السهو في النافلة؟ فقال:«ليس عليك شيء»، والخبر أعني قوله:«لا سهو في نافلة». وأولويته من العدد2 لكن دلالة الروايتين على الأفعال ضعيفة جداً بعد كون مدار البحث بين الأصحاب هو الركعات، وأمّا الثالث فهو أشبه بالقياس.
هذا كلّه فيما إذا تعلّق الشكّ بغير الركن فيتدارك في محلّه دونما إذا خرج، وأمّا الركن كالركوع فيتدارك في محلّه، كما إذا شكّ في الركوع قبل السجدة الثانية ثم التفت أنّه تركه فيرجع ويركع ثم يسجد، وأمّا إذا شكّ ثم التفت بعد خروج محلّه فهل تصحّ الصلاة أو لا؟ الظاهر لا ; لما قلنا من اشتراك النوافل مع الفرائض في عامّة الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل، وفقد الركن موجب للبطلان في الفريضة وهكذا النافلة، وقد مرّ أنّ الرواية ناظرة إلى عدد الركعات دون الأفعال.

1 . جواهر الكلام:12/428.
2 . جواهر الكلام:12/429.

صفحه 321

4. حكم نسيان الأفعال في النافلة

الظاهر أنّ هذا الحكم أي كون الإنسان مخيّراً بين البناء على الأقلّ أو الأكثر مختص بالشكّ، ولا يجري في نسيان الركعة أو نسيان فعل من أفعال الصلاة; وذلك لأنّ هذه الفقرة: «لا سهو في النافلة» وقعت في قياس سائر الفقرات التي أُريد من السهو فيها الشكّ، حيث جاء فيها:«ليس على الإمام سهو ـ إلى أن قال: ـ ولا سهو في سهو، وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأولتين من كلّ صلاة سهو، ولا سهو في نافلة».1
فوحدة السياق تقتضي اختصاص الفقرة بالشكّ.
وقد مرّ منّا أنّ الشاك في النافلة إذا التفت بعد الشكّ على ترك الركن يأتي به إن كان المحلّ باقياً وإلاّ فتبطل صلاته.
ولكن يظهر من بعض الروايات أنّ زيادة الركن في النافلة لأجل النسيان غير مبطل، منها:
1. معتبرة عبيد الله الحلبي قال: سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما، حتى قام فركع في الثالثة؟ فقال:«يدع ركعة ويجلس ويتشهّد ويسلّم ثم يستأنف الصلاة بعدُ».2
فقوله:«يدع ركعة» أي يلقي ما في يده من الركعة (الركوع) ثم يتدارك المنسي، ثم يستأنف الصلاة الأُخرى غير الأُولى; ومع ذلك، ففي الدلالة تأمّل لاحتمال أن يكون المراد من «يستأنف الصلاة» أي نفس الصلاة لا صلاة أُخرى، فعلى هذا فالحديث دالّ على بطلان النافلة بزيادة الركن، وأمّا أنّه لم

1 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث8.
2 . الوسائل:5، الباب18 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث24.

صفحه 322
يقطع الصلاة الأُولى لعلّه تكريماً واحتراماً.
2. ما رواه الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يصلّي الركعتين من الوتر ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتى يركع، فيذكر وهو راكع؟ قال: «يجلس من ركوعه يتشهّد ثم يقوم فيتمّ»، قال: قلت: أليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما ركع مضى (في صلاته) ثم سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهّد فيهما؟ قال: «ليس النافلة مثل الفريضة».1
ثمّ إنّ قوله «ويتم» أي يأتي بالركعة الثالثة وهو دليل على أنّ الوتر جزء من الشفع وليست بصلاة مستقلّة.

5. سقوط سجدتي السهو عند الشكّ في النافلة

قد قلنا أنّ العقوبات على قسمين:
أ. عقوبة على نفس السهو.
ب. عقوبة على فعل ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله .
ومن المعلوم أنّ سجدتي السهو عند الشكّ في النافلة وعدم تبيّن الواقع أثر نفس السهو، كصلاة الاحتياط، فكما هي منفيّة فهكذا سجدتا السهو. فلو شكّ بين الثلاث والأربع في الفريضة فللشاكّ عقوبتان، ولو شكّ في النافلة فالعقوبة مرتفعة.
***
تمّ الكلام في قاعدة
لا سهو في نافلة

1 . الوسائل:4، الباب8 من أبواب التشهّد، الحديث1.

صفحه 323
القواعد الفقهية
    53
قاعدة
لا شكّ بعد خروج الوقت
لا شكّ بعد خروج الوقت   
الشكّ بعد خروج الوقت، مختصّ بما إذا شكّ في أصل العمل
الفروع الأربعة في رواية زرارة والفضيل عن أبي جعفر(عليه السلام)
رواية زرارة والشذوذ في الفرع الثاني.
فروع القاعدة
لو شكّ بعد ما بقي من الوقت ركعة، فهل يجب الإتيان أو لا؟
لو شكّ بعد ما بقي في الوقت أقلّ من ركعة
لو بقي إلى الغروب خمس ركعات فهل تجب الصلاتان أو لا؟
لو علم إجمالاً بفوات إحدى الصلاتين: الظهر أو العصر
من القواعد المسلّمة في كتاب الصلاة أنّه لا شكّ بعد خروج الوقت، فلو شكّ المكلّف بعد الغروب أنّه صلّى الظهر أو العصر أو الظهرين، لا يعتني بشكّه ويبني على الإتيان، إنّما الكلام هل هي قاعدة مستقلّة في مقابل قاعدتي التجاوز والفراغ أو لا؟
يظهر من الشيخ الأنصاري أنّ الشكّ بعد خروج الوقت من فروع قاعدة التجاوز لأنّه ذكر ما دلّ على هذه القاعدة في عداد أخبار قاعدة التجاوز. فمن

صفحه 324
قال بوحدة القاعدتين ـ أعني: التجاوز والفراغ ـ جعل هذه القاعدة من شقوق قاعدة التجاوز.1
وأمّا سيد مشايخنا المحقّق البروجردي فقد ذهب إلى أنّ هنا قواعد ثلاث: أمّا قاعدة التجاوز فموردها هو الشكّ في وجود جزء من الأجزاء في خصوص الصلاة.
وأمّا قاعدة الفراغ فموردها هو الشكّ في صحّة المأتي به وفساده. نعم لا اختصاص لها بباب الصلاة بل تعمّ كلّ فعل ذي أثر شرعي له فردان صحيح وفاسد.
وأمّا قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت فهي عبارة عن الشكّ في أصل العمل وعدمه، ولذلك ظهر الفرق بينها وبين قاعدة التجاوز فموردها الشكّ في الجزء المركّب، والمقام الشكّ في أصله.2
وعلى كلّ تقدير فسواء أكانت قاعدة مستقلة أو جزءاً من قاعدة التجاوز فهي قاعدة مسلّمة في الفقه. ولم تذكر بصورة مستقلّة ضمن القواعد الفقهية .
نعم قال السيد الطباطبائي: إذا شكّ في أصل فعلها بنى على العدم إلاّ إذا كانت مؤقّتة وخرج وقتها .3
وقال شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في الفصل الّذي عقده لبيان أحكام الشكوك: مَن شكّ في أنّه صلّى أو لا فانقضى الوقت، لا يعتني به ويبني على وجود المشكوك، وإن كان الوقت باقياً وجب الإتيان به، وهذا لا إشكال فيه

1 . فرائد الأُصول: 3 / 327 .
2 . تبيان الصلاة: 7 / 148 .
3 . العروة الوثقى: الفصل 56 في الشكوك الّتي لا اعتبار لها، المسألة 12، من كتاب الصلاة.

صفحه 325
للأخبار الخاصّة والعمومات الدالّة على أنّ الشكّ في وجود الشيء بعد انقضاء محلّه، ليس بشيء .1
وعلى كلّ تقدير فلندرس روايات الباب.

الرواية الأُولى:

روى الكليني بسند صحيح عن حريز، عن زرارة والفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها، وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أي حالة كنت».2
والرواية تتضمّن بيان أربعة فروع:
أ. متى شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، صلّيتها.
ب. متى شككت في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها.
ج. إن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك.
د. إن استيقنت بعد خروج الوقت أنّك لم تصلّها، فعليك أن تصلّيها.
أمّا الفرع الأوّل فهو واضح، وأمّا الثاني فلا يخلو من إجمال ولعلّ المراد أنّه شكّ في الوقت المختص مثلاً بالعصر، في أنّه أتى بها أو لا؟ فيجب عليه إتيانها، والشاهد على ذلك قوله في الفرع الثالث: «وإن شككت بعدما خرج

1 . كتاب الصلاة: 343.
2 . الوسائل: 3، الباب 60 من أبواب المواقيت، الحديث 1.

صفحه 326
وقت الفوت» فهذه قرينة على أنّ المراد من الفقرة الثانية هو الشكّ في وقت الفوت الّذي لو لم يصلّ فيه لفات.
وأمّا الفرع الثالث فدلالة الرواية عليه واضحة، بل يمكن أن يقال: إنّ الفقرة الثالثة غير مختصّة بالصلاة، والميزان قوله: «وقد دخل حائل» فلو شكّ في الصوم أو في أعمال الحج بعد فوت وقتهما، بنى على الإتيان.
وأمّا الفرع الرابع فهو على وفق القاعدة ; لأنّه استيقن أنّها فاتت و«مَن فاتته فريضة فليقضها كما فاتته».1

الرواية الثانية:

روى حريز عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا جاء يقين بعد حائل قضاه، ومضى على اليقين، ويقضي الحائل والشكّ جميعاً.
1. فإن شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يصلّي العصر قضاها.
2. وإن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت.
3. إلاّ أن يستيقن، لأنّ العصر حائل فيما بينه وبين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين» 2.
لا يخفى أنّ الرواية مضطربة والّذي يمكن أن يخرجها عن الاضطراب، التصرّف في لفظين:
1. أنّ مراده من «الحائل» هو وقت صلاة العصر مثلاً حيث إنّ المسلمين كانوا ملتزمين بتفريق الصلوات، فإذا صار الظل مثله أو مثليه خرج وقت الظهر

1 . عوالي اللآلي: 2 / 54 برقم 143; ولاحظ الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات.
2 . الوسائل: 3، الباب 60 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

صفحه 327
ودخل وقت العصر، ومن المعلوم هو خروج وقت الفضيلة لا وقت الإجزاء.
2. أنّ المراد من قوله: «يقضي» هو المعنى اللغوي ـ أعني: الإتيان ـ لا العمل خارج الوقت.
إذا وقفت على ذلك فنقول: إنّه (عليه السلام)وضع ضابطة كلّية بقوله: «إذا جاء يقين (بعدم إتيان الصلاة) بعد حائل (دخول وقت صلاة أُخرى ولم يصلّها بعد) قضاه، ومضى على اليقين، ويقضي الحائل والشكّ جميعاً».
هذه هي الضابطة الكلّية، ثم فرّع عليها ثلاثة فروع:
1. «فإن شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يصلّي العصر قضاها»، وهذا الفرع أمر لا سترة عليه وعليه الفتيا.
2. «وإن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت»، وهذا الفرع ممّا أعرض عنه الفقهاء لما سيأتي.
3. «إلاّ أن يستيقن»، وهذا الفرع موافق للقاعدة.
ثمّ إنّ قوله:«لأنّ العصر حائل فيما بينه وبين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين» تعليل للفرع الثاني الذي عرفت إعراض المشهور عنه; لأنّ دخول وقت فضيلة العصر لا يعدّ حائلاً بينه وبين الظهر لبقاء وقت الإجزاء وإن انقضى وقت الفضيلة.
قال السيد الطباطبائي اليزدي: إذا شكّ في أثناء العصر في أنّه أتى بالظهر أم لا؟ بنى على عدم الإتيان وعدل إليها إن كان في الوقت المشترك ولا تجري قاعدة التجاوز .1 وإنّما خصّ الشكّ في إتيان الظهر في أثناء العصر لكونه هو

1 . العروة الوثقى: الفصل 4 في أحكام الأوقات، المسألة 20، من كتاب الصلاة.

صفحه 328
المتعارف، ومنه تُعلم الأولوية إذا شكّ قبل العصر .
وأمّا لو شكّ في إتيان الظهر في الوقت المختصّ بالعصر، قال السيد اليزدي: يمكن البناء على الإتيان باعتبار كونه من الشكّ بعد الوقت. ولم يعلّق عليه أحد إلاّ السيد الشاهرودي حيث قال: ولكن مع ذلك لا يترك الاحتياط بقضاء الظهر خارج الوقت .1

فروع القاعدة

للقاعدة فروع أربعة:
1. إذا شكّ في فعل الصلاة وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فهل ينزّل منزلة تمام الوقت أو لا؟ قال السيد الطباطبائي: وجهان، أقواهما الأوّل .
2. إذا بقي أقلّ من ذلك، فالأقوى كونه بمنزلة الخروج.2
وإليك الاستدلال على الفرعين.
دلّت الروايات على أنّ «مَن صلّى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتمّ، فقد جازت صلاته».3
وروى الشهيد في «الذكرى»: «أنّ مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر جميعاً».4

1 . العروة الوثقى: 2 / 292، المسألة 20 من أحكام الأوقات ; تعليقة السيد الشاهرودي على العروة الوثقى، هامش العروة: 1 / 179 .
2 . العروة الوثقى، الفصل 51 في أحكام الشكوك، المسألة 2، من كتاب الصلاة .
3 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 1 و 2 و 3 .
4 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 5 .

صفحه 329
نعم روى الشهيد أيضاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «مَن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»1.
ويمكن حمل الرواية على صلاة الجماعة (أو الجمعة) أي إدراك ركعة من الصلاة لا إدراك ركعة من الوقت.
وعلى كلّ تقدير، فما تضمّنته الروايات أمر لا خفاء فيه، ومورد الروايات هو القطع بعدم الاتيان، فيجب عليه إتيان الصلاة الّتي أخّرها إلى أن بقي من الوقت ركعة واحدة .
إذا عرفت ذلك فإليك دراسة الفرعين.
أمّا الفرع الأوّل: أي إذا شكّ (لا قطع) في إتيان الصلاة وقد بقي من الوقت ركعة، فهل يجب عليه الإتيان؟ وقد عرفت أنّ السيد قوّى لزوم الإتيان. والمسألة مبنيّة على أن قوله: «مَن أدرك ركعة...» هل يشمل الشاك في الإتيان إذا شكّ وقد بقي من الوقت ركعة، أو لا؟ فيه وجهان:
الأوّل: خروجه عن مصبّ الرواية; لأنّ موردها مَن أدرك ركعة من الوقت ولم يصلّ، والمفروض مَن أدرك ركعة من الوقت وشكّ في الإتيان.
الثاني: أنّه يكفي في صدق الشكّ في الصلاة مع بقاء وقتها كون الوقت صالحاً لوقوع العمل فيه شرعاً، وهذا المقدار محقّق بعد تنزيل هذا الوقت منزلة الوقت الأصلي لمن لم يأت بالصلاة. فيكون المنزَّل: أدرك ركعة من الوقت، محكوماً بحكم المنزّل عليه: مَن أدرك أربع ركعات من الوقت وشكّ، فيجب الإتيان بها في كلتا الصورتين.

1 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

صفحه 330
وأمّا ما ربما يقال من أن قوله (عليه السلام): «مَن أدرك ركعة من الوقت» مختصّ بمن لم يأت بها، لا مَن شكّ فيها; فمدفوع بأنّ استصحاب عدم الإتيان أصل تنزيلي يُثبت أنّ المكلّف ممّن لم يأت بالصلاة، فيشمله ما دلّ على أنّ الشاكّ في الوقت الصالح للصلاة، يأت بها.
وبعبارة أُخرى: إيجاب الإتيان مترتّب على أنّ الموضوع مركّب من أمرين:
1. عدم الإتيان بالفريضة.
2. كون الوقت صالحاً للإتيان.
وكلا الجزأين محرزان، أمّا الأوّل ـ أعني: الصغرى ـ فبالاستصحاب، وأمّا الثاني ـ أعني: الكبرى ـ فبقاعدة «مَن أدرك».
هذا ما يمكن أن يوجّه به كلا الفرعين، ويظهر من المعلّقين على العروة أنّهم وافقوا السيد اليزدي في وجوب الإتيان إلاّ بعضهم حيث جعله أحوط.
أقول: إنّ القائلين بوجوب الإتيان بنوا المسألة على أنّ المورد هل هو من مصاديق قوله: «مَن أدرك ركعة» أوْ لا؟ واختاروا الوجه الأوّل بالبيان الذي تقدّم.
والظاهر أنّ المسألة مبنيّة على أمر آخر، وهو أنّ قول أبي جعفر (عليه السلام): «متى شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها... صلّيتها»1 هل هو ناظر إلى الوقت الاختياري أو أعمّ منه ومن الاضطراري؟ فلو قلنا بالأوّل فلا دليل على وجوب الإتيان، ولو قلنا بالثاني فيجب. وظاهر الروايات هو الوقت

1 . الوسائل:3، الباب60 من أبواب المواقيت، الحديث1.

صفحه 331
الاختياري لا الاضطراري ، فعلى مَن يريد إيجاب الإتيان فعليه أن ينقح موضوع ما دلّ على أنّ الشاكّ في الوقت يجب عليه الإتيان، كما في الرواية، فهل المراد الشاكّ في الوقت الاختياري أو أعمّ منه والوقت الاضطراريّ؟ الظاهر هو الأوّل .
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الوارد في لسان الدليل هو «الشكّ في وقت فريضة» ولولا الروايات التنزيلية كان القدر المتيقّن هو الوقت الاختياري وأمّا بالنظر إليها، يكون المراد أعمّ منه ومن الاضطراريّ لأنّها وسعت وقت الفريضة من أربع ركعات إلى ركعة واحدة.
وبعبارة أُخرى: الموضوع للشاكّ، هو الشكّ في وقت الفريضة، والمفروض أنّ الركعة الواحدة وقعت في وقت الفريضة حسب الروايات التنزيلية، فيكون الشكّ فيه، شكّاً في وقت الفريضة.
أمّا الفرع الثاني: وممّا ذكرنا يظهر حكم الفرع الثاني، وهو ما إذا بقي من الوقت أقلّ من ركعة، فالحكم فيه واضح.
ثم إنّه لو قلنا بأنّ لسان: «مَن أدرك» لسان التوسعة وإنّ مُدرك وقت ركعة كالمُدرك لعامّة الوقت، فيختصّ بمَن أدرك ركعة، دون الفرع الثاني المفروض فيه أنّ الوقت صالح لبعض أجزاء الركعة لا تمامها؟ ولذلك قوّى السيد الطباطبائي عدم الإتيان فيه .
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الأقوى وجوب الإتيان في الفرعين، مضافاً إلى أنّه الأحوط .
الفرع الثالث: قال السيد الطباطبائي: إذا ارتفع العذر المانع من التكليف ، وبقي إلى الغروب في الحضر مقدار خمس ركعات، وفي السفر مقدار ثلاث

صفحه 332
ركعات، أو إلى نصف الليل مقدار خمس ركعات في الحضر وأربع ركعات في السفر، وجبتا 1. ولم يعلّق أحد على المتن.
ووجه ذلك أنّهم ركّزوا على أن حديث: «مَن أدرك» بصدد توسعة الوقت أو توسعة الشرط، فعلى هذا فيكون الشاكّ فيه شاكّاً في الوقت، يشمله ما دلّ على أنّ مَن شكّ في الوقت يجب عليه الإتيان فيه .
ولكنّك قد عرفت أنّ مبنى المسألة هو التدقيق فيما ورد عن أبي جعفر(عليه السلام)من أنّ الشاك في الوقت يأتي به، هل هو ناظر إلى الوقت الاختياري أو يشمل حتّى الوقت الاضطراري، وقد عرفت ما هو المختار وأنّه يمكن إدخال الشكّ في الوقت الاضطراري تحت الضابطة في رواية أبي جعفر(عليه السلام).
الفرع الرابع: لو علم إجمالاً بأنّه فاتت منه إحدى الصلاتين الظهر أو العصر. فللمسألة صورتان:
الأُولى: أن يكون الشكّ في الوقت المشترك بينهما.
الثانية: أن يكون الشكّ في الوقت المختصّ بالعصر.
أمّا الصورة الأُولى فبما أنّه يعلم بصحّة إحدى الصلاتين يأتي بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة.
فإن قلت: كيف يكتفي بصلاة واحدة مع أنّه لو كان المأتي به صلاة العصر فقد كانت باطلة، فلو اكتفى بصلاة واحدة تنطبق على الظهر دون العصر.
قلت: ما ذكرت من الصورة خارج عن الفرع فإن الفرض هو أنّ إحدى

1 . العروة الوثقى: الفصل الرابع في أحكام الأوقات، المسألة 15، من كتاب الصلاة.

صفحه 333
الصلاتين صحيحة فيجوز له الاكتفاء بصلاة واحدة. وقد ثبت في محلّه أنّ الترتيب بين الظهرين شرط علمي على نحو لو تذكّر بعد الفراغ صحّ وبنى أنّها الأُولى. وعلى هذا يمكن أن يأتي بها بنيّة العصر.
وأمّا الصورة الثانية فيكفي فيها الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة، كما أنّ له أن يأتي بأربع ركعات بقصد العصر .
هذا وللقاعدة فروع أُخرى مذكورة في الكتب الفقهية.
***
تمّ الكلام في قاعدة
لاشكّ بعد خروج الوقت

صفحه 334
القواعد الفقهية   
   54
لا شكّ بعد التجاوز عن المحلّ   
قاعدة
لاشكّ بعد التجاوز عن المحلّ
القاعدة في روايات أهل البيت(عليهم السلام)
نظرية المحقّق البروجردي في اختصاص القاعدة بالشكّ في الوجود، دون الصحّة، وبالشكّ في خصوص الصلاة
مناقشة كلا الأمرين على ضوء الروايات
القاعدة قاعدة عقلائية والتخصيص خلاف الارتكاز
قاعدة التجاوز والشكّ في أثناء الوضوء
من القواعد الفقهية الّتي يبحث عنها في أبواب الخلل الواقع في الصلاة قاعدة التجاوز عن المحلّ وأنّه لا يعتنى بالشكّ، وهل هي نفس قاعدة الفراغ أو غيرها؟ هذا ما سيأتي الكلام فيه، وإنّما المهمّ لنا دراسة الروايات الّتي تدلّ على عدم الاعتناء بالشكّ بعد التجاوز، وإليك الروايات.

القاعدة في روايات أهل البيت (عليهم السلام)

1. ما رواه فضالة عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أشكّ وأنا ساجد فلا أدري أركعت أم لا؟ قال: «أمض» 1.

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 1 .

صفحه 335
2. ما رواه صفوان عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أشكّ وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ فقال: «قد ركعت، إمضه»1.
والظاهر وحدة الروايتين لأنّ الراوي واحد، والإمام المرويّ عنه، واحد .
3. ما رواه العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: سألته عن رجل شكّ بعدما سجد أنّه لم يركع؟ فقال: «يمضي في صلاته»2.
4. ما رواه أيضاً العلاء عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل شكّ ـ بعد ما سجد ـ أنّه لم يركع؟ فقال: «يمضي في صلاته حتّى يستيقن»3.
والظاهر أنّ هاتين الروايتين يمكن أن تكون متعدّدتين; لأنّ الراوي وإن كان واحداً لكن الإمام المرويّ عنه، يحتمل أن يكون مختلفاً حيث قال عن أحدهما، فلو أُريد به أبو عبد الله (عليه السلام)، يكون المروي عنه غيره في الرواية الأُخرى.
5. ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: «قد ركع»4.
ورواه صاحب الوسائل أيضاً في الباب الخامس عشر من أبواب السجود برقم 6، وهي نفس ما تقدّم; لأنّ الراوي واحد والمروي عنه كذلك، كما أنّهما متّحدتان في أكثر من مورد في السند، حيث جاء السند في كلا الموضعين: عن محمد بن أحمد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان عن

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 7 .
4 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 6 .

صفحه 336
عبدالرحمن بن أبي عبدالله، فلاحظ.
6. ما رواه الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): استتم قائماً فلا أدري ركعت أم لا؟ قال (عليه السلام): «بلى قد ركعت فأمض في صلاتك»1.

نظرية المحقّق البروجردي حول القاعدة

ذهب السيد المحقّق البروجردي إلى أنّ قاعدة التجاوز لها خصيصتان :
الأُولى: أنّ مجرى القاعدة هو الشكّ في وجود الجزء لا في صحّته.
الثانية: أنّ مجراها هو الصلاة دون غيرها. 2
وما ذكر من الخصيصتان يؤيّده ما ذكرناه من الروايات فمورد الجميع هو الشكّ في الإتيان بالجزء كالركوع والسجود، لا الشكّ في الصحّة بعدالتسليم بالوجود، كما أنّ مورد الجميع هو الصلاة.
وعلى ما ذكره لو شكّ في الصلاة في صحّة الجزء بعد مضيّ المحلّ وأنّ القراءة كانت صحيحة أو لا، فالروايات غير شاملة له .
وهكذا لو شكّ في غير الصلاة كالحجّ وغيره، إلاّ أنّ كلا الدعويين لا يساعدهما ما سنذكره من الروايات، وإليك توضيحه.

مناقشة الدعوى الأُولى على ضوء الروايات

1. روى حريز بن عبدالله عن زرارة قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 3. ولاحظ : مستدرك الوسائل: 6، الباب 20 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 و 2 .
2 . تبيان الصلاة: 7 / 119 .

صفحه 337
شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ؟ قال: «يمضي»، قلت: شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال: «يمضي»، قلت: في الركوع وقد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته»، ثمّ قال: «يا زرارة، إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».1
وذلك إنّ الأمثلة المذكورة وإن كانت من مصاديق الشكّ في الوجود لكن الضابطة الّتي وردت بعد تلك الأمثلة تشمل الشكّ في الصحّة لو لم نقل ظاهرة فيه، لأنّ قوله: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره» ظاهر في تسليم وجود الشيء وتعلّق الشكّ في صحته.
وبعبارة أُخرى: إنّ التجاوز عن الشيء يلازم وجوده، ولو تعلّق الشكّ به فلا محالة يتعلّق بوصفه.
فإن قلت: إنّ معنى قوله: «إذا خرجت من شيء» أي خرجت من محلّه وتجاوزت عنه، وهذا لا يلازم وجود الشيء، بل يلازم الشكّ في نفس الشيء.
قلت: ما ذكرته من المعنى مخالف للظاهر، فإنّ الظاهر الخروج عن نفس الشيء لا الخروج عن محلّه. وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ التجاوز عن الشيء أعمّ من التجاوز عن نفس الشيء أو محلّه حتى لا يلزم إخراج الأمثلة عن تحت الضابطة.
ويؤيّد ما ذكرنا من ظهور الرواية في الخروج عن نفس الشيء لا عن محلّه، الرواية التالية.

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 338
2. روى عبدالله بن المغيرة عن إسماعيل بن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إن شكّ في الركوع بعدما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعدما قام فليمض، كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».1
فإنّ الأمثلة وإن كانت من قبيل الشكّ في الوجود، لكن الضابطة إمّا أعمّ أو ظاهرة في التجاوز عن نفس الشيء، لا عن محلّه.
أضف إلى ذلك: أنّه لو قلنا بظهور الروايات في الشكّ في الوجود فيلحق به الشكّ في الصحّة; لأنّه إذا كان الشكّ في الوجود ممّا لا يعتنى به، فالشكّ في صحّة الشيء أولى بعدم الاعتناء، إلى هنا تبيّن عدم تمامية الدعوى الأُولى.

مناقشة الدعوى الثانية

اختار السيد البروجردي (قدس سره)اختصاص قاعدة التجاوز بالشكّ في أجزاء الصلاة وجوداً فقط لا غيرها، ولكن رواية زرارة المذكورة آنفاً لا تساعد على ذلك حيث جاء فيها: «رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر» قال: «يمضي» .
فإنّ الأذان والإقامة ليسا من الصلاة بل هما من مقدّماتها، والّذي يقوّي شمول الروايات لغير الصلاة أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبّدية، بل مقتبسة ممّا عليه العقلاء فإنّهم لا يعتنون بشكوكهم في الشيء بعد التجاوز عنه، لأنّ الاعتناء به مع كثرة الأفعال يورث العسر والحرج، فالتفريق بين الصلاة وغيرها مع أنّ الضابطة أمر عقلائي، بعيد جدّاً خصوصاً بالنظر إلى بعض

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4 .

صفحه 339
التعاليل الواردة في الروايات من الأذكرية حين العمل كما سيأتي في قاعدة الشكّ بعد الفراغ، وهو لا ينسجم مع التفريق بين الشكّ في وجود الشيء والشكّ في صحّته.

قاعدة التجاوز والشكّ في الوضوء

إنّ مقتضى إطلاق قوله: «إذا خرجت من الشيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» هو عدم الاعتناء إذا شكّ في العضو المتقدّم من الوضوء، لكن الإطلاق مقيّد بما روي عن أبي جعفر (عليه السلام)عن طريق زرارة فإنّ صريحها هو عدم جريانها في أثناء الوضوء قال: «إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله وتمسحه ممّا سمّى الله ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حالة أُخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى الله ممّا أوجب الله عليك فيه وضوءه لا شيء عليك فيه».1
والرواية حاكية عن أنّ الوضوء وإن كان ذا أجزاء لكنّه في نظر الشارع عمل واحد أشبه بالعمل البسيط، ولولا هذا التعبّد لقلنا بجريان الضابطة حتّى في أثناء الوضوء.
إنّما الإشكال فيما رواه عبدالله بن أبي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه»2.

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

صفحه 340
الظاهر أنّ الضمير في قوله: «وقد دخلت في غيره» يرجع إلى لفظة «في شيء» فيكون مخالفاً لما سبق من الرواية وتكون النتيجة جريان القاعدة في أثناء الوضوء، وبما أنّه مخالف للإجماع فلا محيص من القول بأن الضمير في لفظة في «غيره» يرجع إلى الوضوء فيكون موافقاً للرواية السابقة، ولعلّ هذا أظهر لقربه.
إلى هنا خرجنا أنّه لا شكّ بعد التجاوز عن الشيء في الصلاة وغيرها وجوداً وصحّة.
وأنَّ الضابطة الواردة في آخر الرواية: «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» تشير إلى أنّ الشيء هو الوضوء لا إلى جزء من أجزاء الوضوء.
ثم إنّ هنا بحوثاً تتعلّق بقاعدة التجاوز، وبما أنّ بعضها مشترك مع قاعدة الفراغ، فسنذكرها بعد دراسة روايات قاعدة الفراغ التالية، إن شاء الله تعالى.
***
تمّ الكلام في قاعدة
لاشكّ بعد التجاوز عن المحلّ

صفحه 341
   
القواعد الفقهية
      55
قاعدة
لا شكّ بعد الفراغ
الروايات الواردة حول القاعدة
شمول الروايات لغير الصلاة
قاعدتان أو قاعدة واحدة
كفاية المضيّ أو شرطية الدخول في الغير
ما هو المراد من الغير؟
ما هو المراد من التجاوز عن المحل؟
المضيّ عزيمة لا رخصة
جريان القاعدة في الشروط
شمول القاعدة للشكّ في الصحّة
اختصاص القاعدة من احتمال الإخلال عن سهو لا عن عمد
اختصاص القاعدة بما إذا احتمل طروء الغفلة
احتمال الانطباق لأجل الجهل بالحكم
اختصاص القاعدة بالشكّ الحادث بعد العمل
تقدّم القاعدة على الحكم
من القواعد الفقهية الّتي يبحث عنها في الخلل قاعدة عدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ. وأعلم أنّ فصل القاعدة الأُولى (قاعدة التجاوز) عن الثانية (قاعدة الفراغ) ليس لأجل أنّهما قاعدتان مستقلّتان، بل يمكن أن يكونا قاعدة واحدة، كما سيوافيك الكلام فيه.

صفحه 342
لكن لمّا كانت الروايات على طائفتين فصلنا الثانية عن الأُولى مع إمكان إرجاع الجميع إلى جامع واحد، وإليك دراسة ما ورد هنا من الروايات:
1. روى محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يشكّ بعدما ينصرف من صلاته؟ قال: فقال: «لا يعيد ولا شيء عليه»1.
والحديث صريح في أنّ الشكّ بعد الفراغ.
2. ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كلّ ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فأمض ولا تعد»2.
3. ما رواه أيضاً محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «إن شكّ الرجل بعدما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنّه قد أتمّ، لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك»3.
4. ما رواه ابن بكير عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو»4.
5. ما رواه محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام): «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك وذكرته تذكّراً فامضه ولا إعادة عليك فيه»5.
وهذه الرواية تغاير ما سبقها; لأنّ المرويّ عنه في الأُولى هو أبو جعفر(عليه السلام)،وهنا أبو عبدالله (عليه السلام).

1 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.
3 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
4 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
5 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 6 .

صفحه 343
6. ما رواه ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه».1
وقد مضى توضيح الحديث عند البحث في القاعدة السابقة، أعني: قاعدة لا شكّ بعد التجاوز عن المحلّ.
7. ما رواه ابن أبي عمير عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): «رجل شكّ في الوضوء بعدما فرغ من الصلاة؟ قال: «يمضي على صلاته ولا يعيد».2
وفي السند سقط; لأنّ ابن أبي عمير توفّي عام 217 هـ ومحمّد بن مسلم توفّي عام 150 هـ ، فلا يمكن عادة أن يروي عنه. وليس في الأسانيد مورد يروي عنه بلا واسطة.
8 . ما رواه بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشكّ بعدما يتوضّأ؟ قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ»3.

شمول الروايات لغير الصلاة

إنّ الروايات الثلاث الأُولى وردت في مورد الصلاة خاصّة، لكن الروايات الأُخرى دلّت على العموم.
أمّا الرابعة فقد جاء فيها قوله: «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.
2 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7 .

صفحه 344
هو»، فهي ضابطة كلّية تعمّ العبادات كلّها لو لم نقل الأعمال كلّها.
كما أنّ الرواية الخامسة عطفت الطهورَ على الصلاة، قال: «كلّما مضى من صلاتك وطهورك».
وأمّا الروايات: السادسة والسابعة والثامنة فقد وردت في خصوص الوضوء، فاحتمال اختصاصها بالصلاة غير صحيح.
نعم الشكّ بعد الفراغ يختص بالشكّ في صحّة الشيء المأتي به، وإلاّ فلو شكّ في أصل الإتيان بالمركّب فقاعدة الاشتغال هي المحكّمة، لكن مرجع الشكّ في صحّة المأتي به غالباً إلى الشكّ في وجود الجزء أو وجود شرط المركّب أو المانع، فلا ثمرة في النزاع باختصاصها بالشكّ في الصحّة أو كونها أعم. وقلّما يتّفق أن لا يكون مرجعه إلى الشكّ في الوجود، كما إذا شكّ في صحّة التلفّظ بكلمة أو فقرة مع العلم بأصل التلفّظ.
***
إلى هنا خرجنا بالنتيجتين التاليتين:
1. قاعدة التجاوز تجري عند الشكّ في الوجود والصحّة على ما عرفت، وفي الوقت نفسه لا تختصّ بباب الصلاة .
2. إنّ قاعدة الفراغ تعمّ الصلاة وغيرها، كما تشمل الشكّ في الوجود أو الصحّة، بالوجه الّذي عرفته.
ويكون التفاوت بين القاعدتين أنّ مجرى الأُولى هو أثناء العمل، ومجرى الثانية بعد الفراغ عن العمل.

صفحه 345

تنبيهات

التنبيه الأوّل: هل هما قاعدتان أو قاعدة واحدة؟

اختلفت كلمة الأُصوليّين المتأخّرين في أن المجعول هل هو كبرى واحدة أو متعدّدة؟ ذهب الشيخ الأنصاري إلى الوحدة، واختار المحقّق النائيني والسيّد الخوئي التعدّد. والّذي يمكن أن يقال: إنّه لو أُريد من التعدّد اختلاف المجرى، وأن مصبّ قاعدة التجاوز هو أثناء العمل، ومصبّ قاعدة الفراغ بعد الفراغ عن العمل، لكان له وجه، ولذلك نحن صنّفنا الروايات ولم نذكر الجميع في موضع واحد. وأمّا لو أُريد غير ذلك فالظاهر عدم الوجه للتعدّد، وإليك بيان مايتصوّر وجهاً للتعدّد.
1. أنّ متعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز هو وجود الشيء بمفاد كان التامّة، ومتعلّقه في قاعدة الفراغ هو وجوده بمفاد كان الناقصة، ولا جامع بينهما، فلا يمكن اندراجهما تحت كبرى واحدة .1
حاصله: أنّ مجرى قاعدة التجاوز هو الشكّ في وجود الشيء، وقد عبّر عنه بالشكّ بمفاد كان التامّة، لا في صحّته، الّذي عبّر عنه بالشكّ بمفاد كان الناقصة، بخلاف قاعدة الفراغ فإنّ الشكّ فيها في صحّة العمل.
يلاحظ عليه: بأنّ المجعول هو الأمر الكلّي العام الشامل لكلا الأمرين، وهو الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه بوجه عام فهو لا يعتدّ به; وأمّا كون الشكّ في أحدهما متعلّقاً بمفاد كان التامّة، وفي الأُخرى بمفاد كان الناقصة، فهو من خصوصيات المورد الّتي لا تلاحظ في إعطاء الضابطة، والملاك هو

1 . فوائد الأُصول: 4 / 620 ـ 621 .

صفحه 346
طروء الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه .
وهذا نظير قول الحكماء: «كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود» فالموضوع هو الظاهرة الإمكانية وأمّا الخصوصيات من كونه مادّياً أو مجرّداً فغير ملحوظة في ضرب القاعدة.
2. إنّ التجاوز عن الشيء غير التجاوز عن محلّه، فالشكّ في قاعدة التجاوز متعلّق بوجود الشيء، والتجاوز عنه بمعنى التجاوز عن محلّه لا عن نفسه، والشكّ في قاعدة الفراغ متعلّق بوصفه لا بوجوده، والتجاوز فيها عن نفس الشيء لا عن محلّه.1 والعبارة لا تفي إلاّ بإحدى القاعدتين.
يلاحظ عليه: مع أنّه نفس الإشكال السابق وإنّما الاختلاف في التعبير، أنّه لا مانع من استعمال التجاوز عن الشيء في المعنى الجامع بين التجاوزين: التجاوز عن محلّ الشيء، والتجاوز عن الشيء نفسه. فيجعل كبرى واحدة لكلا المقامين.
نعم لو استعمل في أحدهما لا يشمل الآخر، وأمّا إذا استعمل في الجامع فيشملهما.
3. لو كان قوله: «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه» شاملاً للشكّ في الجزء والكلّ يلزم التناقض، فإنّه لو شكّ المصلّي في الحمد وهو في الركوع، فباعتبار الشكّ في الحمد قد جاوز محلّه فلا يجب عليه العود، وباعتبار الشكّ في صحّة الصلاة لم يتجاوز عنها ; لأنّه بعد في الأثناء، فيجب عليه العود. ثم أمر بالتأمّل.2

1 . فوائد الأُصول: 4 / 623 .
2 . فوائد الأُصول: 4 / 622 بتصرّف .

صفحه 347
يلاحظ عليه: أنّ التعبّد بوجود الجزء في محلّه، يلازم التعبّد بصحّة ما أتى به من الصلاة وإن لم يخرج عنها وإلاّ يكون التعبّد به لغواً، ومعه لا موضوع للتعبّد الآخر حتّى يجب العود، ولعلّه لأجل هذا أمر بالتأمّل.
4. أنّ متعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز إنّما هو أجزاء المركّب، وفي قاعدة الفراغ هو نفس المركّب بما له من الوحدة الاعتبارية، ولفظ «الشيء» في قوله (عليه السلام): «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» لا يمكن أن يعمّ الكلّ والجزء في مرتبة واحدة بلحاظ واحد، فإنّ لحاظ الجزء شيئاً بحيال ذاته، إنّما يكون في المرتبة السابقة على تأليف المركّب، لأنّه في مرتبة التأليف لا يكون الجزء شيئاً بحيال ذاته في مقابل الكلّ، بل شيئية الجزء تندكّ في شيئية الكلّ، ويكون لحاظه تبعياً فلا يمكن أن يُراد من لفظ «الشيء» في الرواية ما يعمّ الجزء والكلّ، بل إمّا أن يراد الجزء فتختصّ الرواية بقاعدة التجاوز، وإمّا أن يراد الكلّ فتختصّ الرواية بقاعدة الفراغ.
وحاصله: أنّ إرادة الجزء والكلّ بلفظ واحد مستلزم لاجتماع اللحاظين المختلفين فيه .1
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الشيء هو عنوانه العام لا مقيّداً بالكلّ ولا مقيّداً بالجزء، غاية الأمر مقتضى إطلاقه شمول الحكم لعامّة مصاديقه من الجزء والكلّ ـ أعني: القراءة والصلاة ـ وقد مرّ أنّ الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود: الجزء والكلّ .
وفي الختام نشير إلى نكتة عامّة لا تختصّ بالمقام وهو أنّ الاستظهار

1 . فوائد الأُصول: 4 / 622.

صفحه 348
من الآية والحديث يجب أن يستند إلى أُمور عرفية، يعتمد عليها المخاطب العام في فهم المراد من التبادر والاطّراد، وفهم نوابغ اللغة، أو الانصراف أو القرائن المقالية أو الحالية إلى غير ذلك من الأُمور الّتي تحدّد ظهور الكلام، وأمّا الاستدلالات العقلية كما في كلام المحقّق النائيني وغيره، لا ينعقد بها الظهور، لأنّها ليست مطروحة للعرف العام الذي هو المخاطب بالكلام.
وبذلك يعلم أنّ قسماً من الاستظهارات من الأدلّة المبنيّة على الدقائق العقلية، لا يثبت بها الظهور، ولا يصحّ الاعتماد عليها في مقام الاستظهار، وهذه ضابطة يجب أن تراعى في عامّة المقامات من غير فرق بين المقام وغيره، والله العالم.
***

التنبيه الثاني: كفاية المضيّ أو شرطية الدخول

هل يكفي كفاية المضيّ عن الشيء أو يشترط الدخول في الغير؟
ربّما يقال بكفاية المضيّ; لما في رواية محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»1.
وأمّا القائل بشرطية الدخول في الغير فقد استدل بوروده في غير واحدة من الروايات; ففي رواية زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء». 2 ونظيرها غيرها ممّا مضى.

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
2 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 349
والّذي يمكن أن يقال التفصيل بين الشكّ في الوجود والشكّ في الصحّة. أمّا الأوّل فلأنّ الدخول في الغير محقّق للتجاوز عن محلّ الشيء على نحو لولا الدخول في الغير لوجب أن يعود ويأتي به ثانياً.
وأمّا الشكّ في الصحّة فلو كان في أثناء الصلاة فالظاهر أيضاً لزوم الدخول في الغير، كما إذا شكّ في صحّة قراءة آية أتمّها ولم يدخل في الآية الأُخرى، فالظاهر الرجوع لعدم صدق التجاوز فإنّ الإتمام غير التجاوز، ولا يتحقّق إلاّ بقراءة الآية التالية، أو الدخول بواجب آخر.
وأمّا إذا كان الشكّ في الصحّة في نهاية الصلاة كما إذا شكّ في صحّة السلام الأخير بعد سكوت طويل وقد أتمّه ولم يشتغل بشيء.
ولو قلنا بأنّ السكوت الطويل بعد التسليم يحقّق التجاوز فلا يشترط الدخول في الغير، وإلاّ فهو أيضاً يشبه الدخول في الغير .
وعلى هذا فالبحث قليل الثمرة أو عديمها; لأنّ المضيّ قلّما يتّفق أن يفارق الدخول في الغير.
***

التنبيه الثالث: ما هو المراد من الغير؟

قد دلّت غير واحدة من الروايات على شرطية الدخول في الغير، نحو ما رواه زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» .1
ونظيره ما رواه إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كلّ شيء

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 350
شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه»1. وقد مرّ حديث ابن أبي يعفور في باب الوضوء.2 ففي المسألة أقوال ثلاثة:
1. المراد من غيره الأجزاء المستقلّة كالتكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهّد.
2. المراد مطلق الأجزاء فيعمّ المستقلّة وغير المستقلّة، كالهوي إلى السجود والنهوض إلى القيام، بل يعمّ أبعاض الجزء كالقراءة حيث شكّ في الجزء الأوّل من القراءة بعد الدخول في الجزء الآخر.
3. قياس الشكّ بالنسيان فيراد من غيره ما لو نسي لما أمكنه العود، فيختصّ بالدخول بالأركان. ولا يخفى ضعف هذا الوجه فإنّه من مقولة قياس الشكّ في الشيء بنسيانه ولا دليل على وحدة الشكّ مع النسيان، فإنّ الناسي يعود ما لم يدخل في الأركان لعلمه في الترك دون الشاك فربّما لا يعود إذا دخل في الغير وإن لم يكن ركناً لعدم علمه بالترك. والحاصل: أنّ قياس الشاكّ في الإتيان بالعالم بعده، قياس مع الفارق.
بقي الكلام في القولين الأوّل والثاني.
وقد استدلّ للقول الأوّل، بروايتين:
الأُولى: ما رواه زرارة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل شكّ في الأذان وقد كبّر؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأه؟ قال: «يمضي»، قلت: شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال: «يمضي»، قلت: شكّ في

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.
2 . لاحظ : الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

صفحه 351
الركوع وقد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته»، ثمّ قال: «يا زرارة، إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».1
الثانية: ما رواه إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنّه لم يسجد؟ قال: «فليسجد ما لم يركع، فإذا رفع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلّم ثم يسجدها فإنّها قضاء»، وقال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».2
يلاحظ عليه: أنّ الأمثلة من باب الغلبة، فإنّ الإنسان في هذه الموارد لا يشكّ إلاّ إذا دخل في الجزء المستقلّ، فعلى ذلك فلا يستفاد منه الحصر.
أضف إلى ذلك: أنّ الضابطة في ذيل كلتا الروايتين تشمل مطلق الغير، ففي ذيل رواية زرارة: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» وفي ذيل صحيحة إسماعيل بن جابر: «كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».
وحصيلة الكلام: هل الأمثلة تقيّد الضابطة وتحدّد الغير بالجزء المستقلّ، أو أنّ الضابطة تقدّم على الأمثلة وتحمل على المورد الغالب وليست الضابطة في تينك الروايتين بأقلّ ظهوراً من قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» مع أنّ السؤال في الصدر كان عن الوضوء.

1 . الوسائل:5، الباب23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
2 . تهذيب الأحكام:2/153، كتاب الصلاة، برقم 602، وقد جزّأها الحرّ العاملي في الوسائل، ولذلك نقلناها من التهذيب.

صفحه 352

ما يؤيّد كفاية مطلق الدخول في الغير

قد ورد في بعض الروايات كفاية مطلق الدخول في الغير وإن كان من المقدّمات، نحو:
1. ما رواه الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): استتم قائماً فلا أدري ركعت أم لا؟ قال: «بلى قد ركعت فامض في صلاتك».1 فإنّ استتمام القيام مقدّمة للسجود، فكفى فيه الدخول عن الرجوع إلى الركوع.
2. ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود ولم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: «قد ركع» .2
نعم هنا رواية أُخرى لعبد الرحمن بن أبي عبدالله، ربّما تدلّ على عدم الكفاية، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل رفع رأسه من السجود فشكّ قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: «يسجد» 3.
فيقع الكلام فيما هو الفرق بين الهوي إلى السجود فقد صار كافياً للتجاوز، وبين النهوض من سجوده فلم يكف؟
أقول: إنّ بين الروايتين تعارضاً حيث إنّ الأُولى تدلّ على كفاية الجزء غير المستقل، والثانية على عدم كفايته، والترجيح مع الأُولى، لأنّها توافق الإطلاقات الواردة في كفاية مطلق الدخول في الغير.
نعم لو قلنا بوحدة الروايتين وأنّ هنا رواية واحدة قد قام بعض الرواة بفصل الصدر عن الذيل، فعندئذ يكون الإشكال أكثر حيث إنّ رواية واحدة

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 3.
2 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 6.
3 . الوسائل: 4، الباب 15 من أبواب السجود، الحديث 6 .

صفحه 353
تعارض صدرها وذيلها فيرجع علمها إليهم(عليهم السلام)ويؤخذ بالإطلاقات، وغاية ما يمكن أن يقال كفاية الدخول في الغير وأنّ خروج الموردين في الذيل من باب التعبّد فيقتصر عليه، وهذا هو الظاهر من السيّد الطباطبائي في عروته حيث قال: فلو شكّ في الركوع أو الانتصاب منه بعد الهويّ للسجود لم يلتفت. نعم لو شكّ في السجود وهو آخذ في القيام وجب عليه العود. ثم قال: ولو شكّ في التشهّد بعد الأخذ في القيام لم يلتفت، والفارق النصّ الدالّ على العود في السجود فيقتصر على مورده ويعمل بالقاعدة في غيره.1
فالظاهر منه أنّه عمل برواية عبدالرحمن صدراً وذيلاً، فأفتى بعدم الرجوع إذا دخل في الهويّ، وأفتى بالرجوع إذا شكّ في السجود بعدما أخذ في القيام .

التنبيه الرابع: ما هو المراد من المحلّ؟

قد عرفت أنّ التجاوز عند الشكّ في صحّة الموجود، بمعنى التجاوز عنه والدخول في غيره. وأمّا التجاوز عند الشكّ في وجود الشيء، إنّما هو بمعنى التجاوز عن محلّه، وعندئذ يقع الكلام في ما هو المراد من المحلّ؟ فهنا وجوه أربعة:
1. المحلّ الشرعي .
2. المحلّ العقلي.
3. المحلّ العرفي.
4. المحلّ العادي.

1 . العروة الوثقى: الفصل 51، فصل في الشكّ، المسألة 10، كتاب الصلاة.

صفحه 354
فالمحلّ الشرعي عبارة عن جعل الشارع له محلاًّ للجزء، فجعل محلّ التكبيرة قبل القراءة، ومحلّ القراءة قبل الركوع وهكذا.
والمراد من المحلّ العقلي هو المحلّ المقرّر بحكم العقل مثلاً: محلّ الراء الساكنة في التكبيرة بعد الباء بلا فصل، وإلاّ لزم الابتداء بالسكون.
والمراد من المحلّ العرفي هو الطريقة المألوفة عند العرف في إنجاز العمل الخاص، وذلك كالقراءة فإنّ الفصل الطويل بين المفردات أو الجمل يوجب خروج الكلام عن كونه كلاماً.
والمراد من المحلّ العادي ما جرت عليه عادة الشخص حيث إنّه لا يفرّق بين غسلات الغسل بل يأتي بها متوالية، فإذا شكّ في غسل الجزء الأخير بعدما خرج من الحمّام، فقد مضى المحلّ العادي دون الشرعي.
هذا ما ذكره القوم.
أقول: قد مرّ أن هذا البحث يختصّ بالشكّ في وجود الشيء، حيث يكون التجاوز فيه عن محلّه فيقع الكلام; في المراد من المحلّ ؟ وأمّا الشكّ في صحّة الشيء بعد كونه موجوداً فالتجاوز فيه إنّما عن نفس الشيء.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الظاهر من الوجوه الأربعة هو الوجه الأوّل حيث إنّ المركّب من مخترعات الشارع فهو الّذي يضع كلّ جزء في محلّه، فيكون المراد التجاوز عن المحلّ الذي قرّره الشارع.
ويمكن أن يقال: إنّه لا حاجة لعقد هذا التنبيه بعد كون الشرط الدخول في الغير، فإذا دخل في الغير المحدّد شرعاً كفى، سواء أقلنا:إنّ الغير هو الجزء المستقل أو غير المستقل، فلا تبقى حاجة للبحث عن المحلّ.

صفحه 355
فإن قلت: على ما ذكرت فالذي خرج من الحمّام وشكّ في غسل الجزء الأخير من أجزاء الغسل، يجب ألاّ يعتني بالشكّ لأنّه دخل في الغير.
قلت: إنّما يكفي إذا أنجز عملاً وشكّ في كماله ونقصانه، وأمّا أنّه إذا احتمل أنّه لم يغسل الجزء الأخير، فلم يحرز أصل العمل حتّى يكون مجرى لقاعدة الفراغ، فلذلك يجب عليه الاعتداد.
***

التنبيه الخامس: المضيّ عزيمة1 لا رخصة

قد مضى في غير واحدة من الروايات الأمر بالمضيّ بقوله: «بلى قد ركعت» أو «بلى قد ركع»، فيقع الكلام في كون المضيّ عزيمة لازمة أو رخصة؟
الظاهر هو الأوّل، لأنّ الإمام يخبر عن وجود الركوع في محلّه ويأمر بتعبّدنا بوجوده في محلّه، ومع ذلك فلو رجع وركع يكون من مصاديق: «مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة» .
أضف إلى ذلك: وجود الأمر والنهي في صحيحة محمّد بن مسلم حيث قال: «لا يعيد ولا شيء عليه» 2. أو قوله: «فامض ولا تعد» 3.
نعم لا بأس بإعادة العمل مستحباً، بعد الفراغ عنه لا أثناءه، لأنّ الإعادة في الأثناء ربّما تكون مشمولةً بقوله: «مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة» وذلك

1 . من عزمت عزماً: إذا أردت فعله وقطعت عليه، فيكون كناية عن كون المضيّ قطعيّاً.
2 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

صفحه 356
لأنّ المعيد محكوم بأنّه فعل وأتى بما شكّ فيه، فلو أعاد يكون ـ حسب حكم الشرع ـ مُزيداً في صلاته.
نعم قد ورد جواز الإعادة في الطواف; روى منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: «فليعد طوافه» قلت: ففاته؟ قال: «ما أرى عليه شيئاً، والإعادة أحبّ إليّ وأفضل» 1.
والرواية محمولة على ما إذا شكّ بعد الفراغ عن العمل أي بعد الخروج عن المطاف، فصار عمله مجرى لقاعدة الفراغ، ومع ذلك كانت الإعادة مستحبة.
***

التنبيه السادس: في جريان القاعدة في الشروط

اختلفت كلمتهم في جريان القاعدة عند الشكّ في الشروط على أقوال أربعة :
1. ذهب كاشف الغطاء في كشفه 2، وصاحب الجواهر في جواهره 3إلى أنّ حكم الشكّ في الشروط بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط، بل الدخول فيه، بل الكون على هيئة الداخل، حكم الأجزاء في عدم الالتفات، فلا اعتبار في الشكّ في الوقت والقبلة واللباس والطهارة بأقسامها والاستقرار ونحوها

1 . الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 8 .
2 . كشف الغطاء: 278 .
3 . جواهر الكلام: 2 / 363 .

صفحه 357
بعد الدخول في الغاية، ولا فرق بين الوضوء وغيره.
2. ذهب صاحب المدارك 1 وكشف اللثام 2 إلى عدم اعتبار الشكّ في الشرط حتّى بعد الفراغ عن المشروط، فأوجبا إعادة المشروط، ولا يخفى أنّ بين القولين بعد المشرقين.
3. فصّل الشيخ الأنصاري بين الفراغ عن المشروط فيلغو الشكّ في الشرط بالنسبة إليه، لعموم لغويّة الشكّ في الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه، وأمّا بالنسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه فلا ينبغي الإشكال في اعتبار الشكّ فيه; لأنّ الشرط المذكور من حيث كونه شرطاً لهذا المشروط الآخر لم يتجاوز عنه، بل محلّه باق، فالشكّ في تحقّق شرط هذا المشروط شكّ في الشيء قبل تجاوز محلّه.3 وسيوافيك توضيحه في بيان المختار.
4. التفصيل بين كون القاعدة أصلاً فلا يكفي لمشروط آخر، أو كونها أمارة فتكفي حتّى لمشروط آخر لم يدخل به بعد.
هذا مجموع الأقوال الّتي ذكرت في المقام، والحق أن يقال: إنّ الشكّ في الشروط على أقسام ثلاثة:
الأوّل: أن يكون الشرط محقِّقاً لعنوان المأمور به بما أنّه أمر عبادي، كقصد الصلاة وقصد عنواني الظهر والعصر، وكقصد الأمر، فلو شكّ في أثناء العمل أنّه هل كان قاصداً لهذه العناوين المحقّقة للعنوان، فالظاهر بطلان العمل; لأنّ المتبادر من الروايات كون الموضوع أمراً مسلّماً والشكّ في

1 . مدارك الأحكام: 8 / 141 .
2 . كشف اللثام: 5 / 411 .
3 . فرائد الأُصول: 3 / 339 ـ 340 .

صفحه 358
الطوارئ والعوارض، وأمّا إذا كان شاكّاً في أنّه نوى الصلاة أو لا، قصد عنواني الظهر أو لا، دخل في الصلاة بقصد الأمر أو لا، ففي هذه الموارد يحكم ببطلان العمل، من غير فرق بين طروء الشكّ في الأثناء أو بعد الفراغ عن العمل; لأنّ مرجع الشكّ في أنّه صلّى أو لم يصل .
القسم الثاني: الشرط غير المقوّم للعنوان، ولكن يكون محلّه الشرعي هو قبل العمل، وهذا كالأذان والإقامة، فلو شكّ فيهما وهو متهيّأ للدخول، فليرجع إلى أداء الشرط، وإن شكّ فيهما وهو في أثناء الصلاة فلا يعتدّ بشكّه، ومن هذا القبيل سبق الظهر لصلاة العصر، فلو شكّ وهو في أثناء صلاة العصر أنّه هل صلّى الظهر أو لا؟ يبني على وجود الشرط (وهو سبق الظهر على العصر)، فتكون صلاته صحيحة .
نعم القاعدة لا تثبت إلاّ كون العصر واجداً للشرط فقط، وأمّا أنّه صلّى الظهر في الواقع أو لا، فلا تثبته بل يجب عليه صلاة الظهر بعد الفراغ عن العصر. وقد سبق وقلنا: إنّ الصحّة الثابتة بقاعدة التجاوز حيثية لا مطلقة.
القسم الثالث: الشرط غير المقوّم للعنوان، ولكن يعتبر وجوده من بدء الصلاة إلى نهايتها كالستر والاستقبال، فإنّ محلّ إحرازها وإن كان أوّل الصلاة لكن التقيّد بهما غير مشروط بأوّلها بل يعمّها إلى آخرها.
ولهذا القسم صور:
1. إذا شكّ في وجود التقيّد بالستر والاستقبال بعد الفراغ عن الصلاة، فلا يعتني بالشكّ.
2. إذا شكّ في الأثناء بالنسبة إلى الركعة السابقة، وهو واجد له حين الشكّ، فالصلاة محكومة بالصحّة.

صفحه 359
3. إذا أحرز وجود التقيّد في الركعة السابقة وشكّ في الحالية، كان عليه الفحص، فإن أحرز فهو، وإلاّ تكون محكومة بالبطلان.
4. إذا شكّ في الطهارة الحدثية، فلو قلنا بأنّ الشرط هو الغسلات والمسحات مع قصد القربة فمحلّ إحرازها هو قبل الصلاة، فلو شكّ في أثنائها يمضي إلى آخرها. نعم يتوضّأ بالنسبة إلى الصلوات الأُخرى. ولو قلنا بأنّ الشرط هو الحالة النفسانية الحاصلة بالغسلات والمسحات المقرونة بقصد القربة فهو شرط مجموع العمل، فيكون حالها حال الستر والقبلة، فلو شكّ في إحرازها فلا تجري القاعدة بالنسبة إلى ما بقي من صلاته; ويؤيّد ما ذكرنا صحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل يكون على وضوء ويشكّ على وضوء هو أو لا؟ قال: «إذا ذكر (شكّه) وهو في صلاته انصرف فتوضّأ وأعادها، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك».1
وإليك فقه الحديث: لو كان المورد من قبيل الاستصحاب بأن كان على يقين من وضوئه ثم شكّ في بقائه، لا يصحّ التفريق بين عروض الشكّ في أثناء الصلاة أو بعدها; وأمّا لو كان من قبيل الشكّ الساري حيث شكّ في صحّة اليقين السابق فالفرق بين الشكّ في الأثناء وبين الشكّ بعد الفراغ، مطابق للقاعدة حيث إنّه في أثناء العمل شاك في كون العمل مقروناً بالشرط أو لا، وقد فرضنا أنّه شرط من أوّل الصلاة إلى آخرها; بخلاف الشكّ بعد الفراغ.
***

1 . الوسائل: 1، الباب 44 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

صفحه 360

التنبيه السابع: شمول القاعدة للشكّ في الصحّة

لمّا ذهب الشيخ الأنصاري إلى تخصيص قاعدة التجاوز، بالشكّ في الوجود، وعدم شمولها للشكّ في صحّة الجزء ـ كما إذا ركع وشكّ بعد التجاوز أنّه ركع صحيحاً أو لا ـ أشكل عليه الأمر في مورد المثال لخروجه عن مصبّ الروايات وحاول تصحيحه بالبيان التالي:
إنّ الشكّ في صحّة الشيء المأتي به حكمه، حكم الشكّ في الإتيان، بل هو هو; لأنّ مرجعه إلى الشكّ في وجود الشيء الصحيح ـ ثم قال: ـ لكن الإنصاف أنّ الإلحاق لا يخلو عن إشكال; لأنّ الظاهر من أخبار الشكّ في الشيء اختصاصها بغير هذه الصورة، إلاّ ان يدّعى تنقيح المناط أو يستند إلى بعض ما يستفاد منه العموم، مثل موثّقة ابن أبي يعفور.1
أقول: إنّ الإشكال نبع من القول بتخصيص قاعدة التجاوز بالشكّ في الإتيان، وعندئذ توجّه الإشكال في إلحاق الشكّ في الصحّة بالشكّ في الإتيان، وأمّا لو قلنا بعموم الروايات وشمولها لكلا القسمين كان الإشكال والجواب في غير موردهما.
والذي يدلّ على العموم الأُمور التالية:
1. ما ورد في ذيل صحيحة زرارة: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» 2، فإنّ الظاهر من الخروج من شيء هو الإتيان به والشكّ في صحّته وفساده، وحمله على الخروج من محلّه يحتاج إلى قرينة.
2. ما ورد في ذيل صحيحة إسماعيل بن جابر: «وكلّ شيء ممّا قد

1 . فرائد الأُصول: 3 / 342 .
2 . الوسائل: 4، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 361
جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه»1.
وجه الدلالة نفس ما سبق في رواية زرارة.
3. ما ورد في ذيل موثّقة ابن أبي يعفور: «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه»2.
4. ما ورد في بعض الروايات من التعليل بالأذكرية والأقربية إلى الحقّ حين العمل، وهو يعمّ كلا القسمين، من قوله (عليه السلام)في موثّقة بكير بن أعين: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين شكّ» 3.
وقوله (عليه السلام)في صحيحة محمد بن مسلم: «وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك»4.
كلّ ذلك يؤيّد أنّ التفريق بين القسمين بعيد عن مذاق الشرع ولذلك يقول فخر المحقّقين: إنّ الأصل في فعل العاقل المكلّف الّذي يقصد براءة ذمّته بفعل صحيح يعلم الكيفية والكمّية، الصحّة.5
***

التنبيه الثامن: اختصاص القاعدة بالإخلال عن سهو

إنّ مصبّ القاعدة ما لو احتمل الإخلال بالجزء أو الشرط عن سهو، وأمّا

1 . الوسائل: 4، الباب 15 من أبواب السجود، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.
3 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7 .
4 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
5 . إيضاح الفوائد: 1 / 43 .

صفحه 362
إذا احتمل الإخلال بهما عن عمد، فلا تشمله القاعدة ويشهد على ذلك أمران:
الأوّل: التعليل المذكور، أعني قوله (عليه السلام): «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» فإنّه بمنزلة صغرى لكبرى وهي: إذا كان أذكر فلا يترك ما يعتبر في صحّة عمله الّذي يريد براءة ذمّته، لأنّ الترك سهواً خلاف فرض الذكر والترك عمداً خلاف إرادة البراءة، واحتمال الترك عن عمد خارج عن مصبّ التعليل.
الثاني: ارتكاز العقلاء، فإنّهم إذا احتملوا أنّ الإخلال كان مستنداً إلى العمد لرجعوا وفتّشوا عن الواقع، فالمهندس إذا احتمل أنّه تسامح في أمر مهمّ يرجع إلى بناء البيت ذي الطبقات المتعدّدة، يعتني بشكّه ويرجع إلى كشف الواقع.
وعلى هذا فلو احتمل الإخلال عن عمد فعليه إعادة الواجب إذا كان الوقت باقياً.
نعم إذا خرج الوقت لا يعتني بالشكّ لحكومة ما ورد حول الشكّ بعد خروج الوقت.
***

التنبيه التاسع: اختصاص القاعدة بما إذا احتمل طروء الغفلة

الظاهر اختصاص القاعدة بمورد اشتغل فيه بالعمل عن ذِكْر إجمالي، ولكن احتمل عروض الغفلة عليه، فترك الجزء أو الشرط، وأمّا لو علم بغفلته حين العمل وعدم ذكره إجمالاً ولكن يحتمل انطباق العمل على الواقع من باب الصدفة والاتّفاق كما لو توضّأ ولم يدر خاتمه، ولكن يحتمل وصول الماء إلى ما تحت الخاتم اتّفاقاً، فلا تجري القاعدة; وذلك لأنّ مجراها ما إذا

صفحه 363
كان احتمال انطباق العمل على الواقع معلولاً لذكره وإرادته إبراء ذمّته، والمفروض أنّ الانطباق في المثال رهن الصدفة.
وإن شئت قلت: إنّ مصبّ القاعدة ما لم تكن صورة العمل محفوظة حتّى يختلف حال المكلّف في حين العمل مع حاله حين الشكّ، وأمّا إذا كانت صورة العمل محفوظة على وجه يكون شاكّاً في كلتا الحالتين، فلا تكون مجرى للقاعدة، وفي المقام لو التفت حين العمل بأنّه يتوضّأ من غير تدوير لخاتمه، لشكّ كما يشكّ بعد العمل.
وبعبارة ثالثة: يجب أن تكون الحالتان (حالة العمل، وحالة الشكّ) مختلفتين من حيث الذكر والقرب إلى الحقّ، وأمّا إذا صارت الحالتان متحدتين كما في المقام فلا تجري فيه القاعدة، لأنّ الشكّ لا يختصّ بوقت الفراغ عن العمل، بل يعمّ حينه، فلو ذكّره أحد حين العمل إلى كيفية عمله لشكّ في ذلك الوقت أيضاً .
وعلى هذا يعلم حكم بعض الفروع:
1. لو صلّى إلى جهة من دون تحقيق وفحص ثم شكّ بعد الفراغ في أنّ الجهة الّتي صلّى إليها هل كانت باتّجاه القبلة أم لا؟ فلا تجري القاعدة لتساوي الحالتين (حالة العمل وحالة الشكّ) في الأذكرية والأقربية. ولو صحّت صلاته وكانت الجهة قبلة، فإنّما صحّت من باب الاتّفاق والمصادفة، لا من باب أنّه أذكر أو أنّه بصدد إبراء الذمّة.
2. لو توضّأ بأحد الإناءين المشتبهين غافلاً عن العلم الإجمالي، فيحتمل أنّه توضّأ من ماء مطلق فلا تجري قاعدة الفراغ، فإنّه لو صادف كونه ماءً مطلقاً فإنّه من باب الصدفة والاتّفاق.

صفحه 364
هذا هو مقتضى القاعدة، نعم ربّما يظهر من بعض الروايات عدم وجوب الاعتناء إذا أتى بالعمل غفلة وتساوت الحالتان من حيث الأذكرية، وهي :
1. رواية الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت؟ قال: «حوّله من مكانه» وقال في الوضوء: «تُديره، فإن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة»1.
2. رواية محمد بن علي بن الحسين الصدوق، قال: إذا كان مع الرجل خاتم فليدوّره في الوضوء ويحوّله عند الغسل. وقال: قال الصادق (عليه السلام): «إن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد»2.
وأجاب عنه المحقّق الخوئي بعدم دلالة الخبر على المدّعى، إذ ليس فيه ما يدلّ على أنّ السؤال أيضاً كان من جهة الشكّ في وصول الماء، وإنّ الحكم بالتحويل والإدارة إنّما كان من هذه الجهة، بل ظاهره كون التحويل ـ في الغسل ـ والإدارة ـ في الوضوء ـ مطلوباً في نفسه لا لرفع الشكّ في وصول الماء، وإلاّ لم يكن لذكر خصوص التحويل ـ في الغسل ـ والإدارة ـ في الوضوء ـ وجه، لكفاية العكس أيضاً في إيصال الماء، بل يكفي كلّ واحد من التحويل والإدارة فيهما، فاعتبار هذه الخصوصية يشهد بكونهما مطلوبين في نفسهما.
والحاصل: ليس الخبر راجعاً إلى الشكّ في وصول الماء، فإذا شكّ في

1 . الوسائل: 1، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 1، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 3 .ولا يبعد اتحاد بعض ما رواه الصدوق مع الرواية السابقة.

صفحه 365
وصول الماء يجب تحصيل العلم بوصوله بنزع الخاتم أو تحريكه.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره احتمال عقلي لا يتبادر من الرواية، فإنّ المتبادر منها كون التدوير لأجل وصول الماء إلى ما تحت الخاتم، لا لأجل كونه أمراً استحبابياً نفسياً. ويدلّ على ما ذكرنا ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها، لا تدري يجري الماء تحته أم لا، كيف تصنع إذا توضّأت أو اغتسلت؟ قال: «تحركه حتّى يدخل الماء تحته أو تنزعه».
وعن الخاتم الضيّق، لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضّأ أم لا، كيف يصنع؟ قال: «إن علم أنّ الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضّأ»2.
وأمّا اختلاف التعبير حيث عبّر في الغسل بالتحويل وفي الوضوء بالتدوير لاحتمال كون الإسباغ في الغُسل آكد من الوضوء، ولذلك أمر في الغسل بالتحويل من مكانه، وفي الوضوء بالتدوير.

التنبيه العاشر: احتمال الانطباق لأجل الجهل بالحكم

كان البحث في التنبيه السابق حول احتمال الانطباق لأجل الجهل بكيفية الموضوع، بخلاف المقام فاحتمال الانطباق لأجل الجهل بالحكم الشرعي.
وبعبارة أُخرى: إذا شكّ في الصحّة نتيجة الجهل بالحكم الشرعي، ولكن احتمل أنّه عمل بالواقع صدفة، فهل تجري قاعدة التجاوز أو لا؟

1 . مصباح الأُصول: 3 / 307 ـ 308 .
2 . الوسائل: 1، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 1 .

صفحه 366
الظاهر لا، ويترتّب على ذلك الفروع التالية:
1. إذا اعتقد عدم وجوب السورة أو عدم وجوب جلسة الاستراحة بعد السجدتين مع وجوبهما في الواقع حسب نظر مقلَّده ومع ذلك صلّى وغفل عن صورة العمل بمعنى أنّه لا يدري هل صلّى مع السورة أو لا؟ أو استراح بعد السجدتين أو لا؟ فهو بطبع الحال يصلّي وفق علمه فلا يقرأ السورة ولا يستريح، ومع ذلك يحتمل أنّه صلّى معهما لعدم اعتقاده بحرمتهما.
2. لو عمل بالخبر الواحد ثم تبيّن كون الراوي ضعيفاً أو الخبر معارضاً بمثله، فالظاهر عدم جريان القاعدة للوجهين التاليين:
أ. أنّ مجرى القاعدة ما إذا كان طبع العمل أرجحية الصحّة على الفساد لا ما إذا كان طبع العمل أرجحية الفساد، كما في الفرع الأوّل، أو كون الاحتمالين متساويين، كما في الفرع الثاني.
ب. أنّ مصبّ القاعدة ما إذا كان الشكّ نابعاً عن أمر واحد، وهو عروض الغفلة على وجه لولاه لما كان هناك شكّ بخلاف المقام، فإنّ الشكّ فيه ليس نابعاً عن عروض الغفلة، بل من الجهل بكيفية الموضوع، كما في مسألة الخاتم أو الجهل بالحكم كما في المقام.
***

التنبيه الحادي عشر: اختصاص القاعدة بالشكّ الحادث بعد العمل

إنّ مصبّ القاعدة هو الشكّ الطارئ بعد مضيّ العمل، أمّا لو كان موجوداً قبل العمل أو معه، لكن ذهل عنه ثم التفت إلى الشكّ السابق بعد العمل، فلا تجري فيه القاعدة.

صفحه 367
وإليك ما يترتّب على هذا الشرط من الصور:
الأُولى: لو كان المكلّف محدثاً وشكّ في ارتفاع الحدث، بالتوضّؤ بعد الحدث، فغفل ودخل الصلاة، وأتمّها فشكّ في صحّتها ولا يحتمل بعد الفراغ عن الصلاة أنّه توضّأ بين الشكّ والصلاة فلا تجري قاعدة الفراغ; لأنّ مجراها هو الشكّ الحادث، والشكّ هنا نفس الشكّ الموجود قبل الصلاة لكن غفل عنه ثم عاد الشكّ نفسه، والمرجع قاعدة الاشتغال بلا حاجة إلى استصحاب الحدث.
الصورة الثانية: تلك الصورة ولكن يحتمل بعد الفراغ عن العمل أنّه توضّأ بين الشكّ والصلاة. وقد ذهب المحقّق النائيني إلى جريان قاعدة الفراغ لكون الشكّ الحادث بعد الصلاة ليس نفس الشكّ الموجود المغفول عنه قبلها، بل طرأ لأجل أنّه احتمل بعد الفراغ أنّه توضّأ وصلّى، فلا يزيد حكمه عمّا إذا علم بالحدث واحتمل بعد الفراغ من الصلاة أنّه توضّأ وصلّى، فكما تجري القاعدة هناك فهكذا المقام.
يلاحظ عليه: بأنّه مبني على عدم كفاية الشكّ الموجود في قرارة النفس ولزوم كون الشكّ مورداً للالتفات، ولو قلنا بعدم الاشتراط يظهر الفرق بين المقيس والمقيس عليه بوجود الشكّ في المقيس وعدمه في المقيس عليه.
الصورة الثالثة: لو كان متطهّراً ثم شكّ في الطهارة ودخل وصلّى وشكّ بعدها، فبما أنّ الاستصحاب قبل الصلاة وبعدها وقاعدة التجاوز متوافقان في المضمون، فلا ثمرة في البحث عن تقديم أحدهما على الآخر.
***

صفحه 368

التنبيه الثاني عشر: تقدّم القاعدة على الاستصحاب

اتّفق الأُصوليون على تقديم القاعدة على الاستصحاب، وذلك بالرجوع إلى موردها في الروايات، حيث نرى أنّ الإمام في عامّة الروايات قدّم القاعدة على الاستصحاب، فحكم في رواية زرارة وإسماعيل بن جابر على عدم الاعتناء بالشكّ في الأذان والإقامة والركوع والسجود مع أنّ مقتضى الاستصحاب عدمها، على أنّه لو قُدّم الاستصحاب على القاعدة لزم اختصاصها بموارد نادرة وهو ما إذا جهل الحالة السابقة، وهذا أمر نادر.
***
تمّ الكلام في قاعدة
لا شكّ بعد الفراغ

صفحه 369
القواعد الفقهية
    56

قاعدة

البناء على الأكثر عند الشكّ في الركعات

البناء على الأكثر عند الشكّ في الركعات
الروايات الواردة بصورة الضابطة
ما ورد من الروايات لبيان حكم مورد خاص
الشكوك الموجبة للبطلان وهي ثمانية
دراسة هذه الصور على ضوء الأدلّة
الشكوك الصحيحة المنصوصة وهي خمسة
دراسة هذه الشكوك على ضوء الأدلّة
الشكوك الصحيحة المستخرجة من المنصوصة وهي أربعة
وجوب التروّي بعد الشكّ
من القواعد الّتي انفرد بها الإمامية، البناء على الأكثر عند الشكّ في ركعات الصلاة الرباعية، قال الشيخ: إذا شكّ فلا يدري كم صلّى اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو ثنتين أو أربعاً وغلب في ظنه أحدها، بنى عليه وليس عليه شيء; وإن تساوت ظنونه بنى على الأكثر وتمّم، فإذا سلّم قام فصلّى ما ظن أنّه فات

صفحه 370
إن كانت ركعتين فركعتين وإن كانت واحدة فواحدة أو ركعتين من جلوس.
وقال الشافعي: إذا شكّ في أعداد الركعات أسقط الشكّ وبنى على اليقين. وبيانه: إن شكّ هل صلّى ركعة أو ركعتين؟ جعلها واحدة وأضاف إليها أُخرى، وإن شكّ في اثنتين أو ثلاث أو أربع فكمثل. ـ ثم نسبه إلى بعض الصحابة والتابعين ـ وقال الأوزاعي: تبطل صلاته ويستأنف تأديباً ليحتاط فيما بعد. وبه قال في الصحابة: ابن عمر وابن عباس.1 ثم نقل آراءً أُخرى.
ثمّ إنّ الروايات الواردة في المقام على قسمين: تارة وردت بصورة إعطاء الضابطة عند الشكّ في الركعات، وأُخرى بصورة الإشارة إلى حكم المسألة في موارد خاصة. ونحن نذكر من القسمين ما يلي:

الأوّل: ما ورد بصورة الضابطة

1. روى الصدوق بإسناده عن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «يا عمّار أجمع لك السهو كلّه في كلمتين: متى شككت فخذ بالأكثر، فإذا سلّمت فأتمّ ما ظننت أنّك قد نقصت».2
2. روى الشيخ بسنده عن عمّار بن موسى الساباطي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن شيء من السهو في الصلاة؟ فقال: «ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثم ذكرت أنّك أتمّمت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟» قلت: بلى، قال: «إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلّمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فإذا كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، وإن ذكرت أنّك

1 . الخلاف: 1 / 445، المسألة 192 .
2 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 371
كنت نقصت، كان ما صلّيت تمام ما نقصت» 1.
3. روى الشيخ باسناده عن عمّار بن موسى قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كلّ ما دخل عليك من الشكّ في صلاتك فاعمل على الأكثر قال: فإذا انصرفت فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت».2
ثم إنّ المراد من السهو في الروايتين الأُوليين هو الشكّ بقرينة الرواية الثالثة، والراوي في الجميع هو عمّار بن موسى الساباطي. أضف إلى ذلك: أنّ الشكّ والنسيان نابعان من غروب الواقع عن ذهن المصلّي، غير أنّه يلتفت في النسيان إلى الواقع دون الشك، ومن المعلوم أنّه لو ظهر له وجه الواقع يعمل على وفقه، إن كان أقلّ فأقل، وإن كان أكثر فأكثر، كما هو الحال في النسيان، ولكن نرى أنّ الإمام يأمر بالبناء على الأكثر مطلقاً، فهذا دليل على أنّ المراد من السهو هو الشكّ لا النسيان .

الثاني: ما ورد بياناً لحكم مورد خاصّ

4. روى الكليني عن عبدالرحمن بن سيّابة وأبي العباس جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا لم تدر ثلاثاً صلّيت أو أربعاً ـ إلى أن قال: ـ وإن اعتدل وهمك فانصرف وصلّ ركعتين وأنت جالس».3
5. وروى الشيخ عن حسين بن أبي العلاء عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن استوى وهمه في الثلاث والأربع سلّم وصلّى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة

1 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
2 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 372
الكتاب وهو جالس يقصّر في التشهّد».1
إلى غيرها من الروايات الواردة إمّا بصورة الضابطة كما في موثّقات عمّار، أو في موارد خاصّة كما في الحديثين الأخيرين .
ولعلّ كون المسألة مورد اتّفاق، قال الشيخ في «الخلاف»: وأخبارنا أكثر من أن تحصى .2
وهذا المقدار يكفي في بيان الضابطة، ولكن لمّا كان هناك خلاف في بعض صور الشكّ لا بأس بأنّ نذكر المسائل المتعلّقة بالشكوك المبطلة ثم الشكوك الصحيحة ونذكر مسائلها ليكون إكمالاً للقاعدة وتطبيقات لها.

في أقسام الشكوك

قسّم الفقهاء الشكوك إلى قسمين:
1. الشكوك الموجبة لبطلان الصلاة.
2. الشكوك الصحيحة، وفيها فرعان: منصوصة وما هو مستخرج من المنصوصة. وإليك دراسة الجميع.
الأوّل: الشكوك الموجبة لبطلان الصلاة: وهي على ثمانية صور:
1. الشكّ في الصلاة الثنائية كالصبح وصلاة المسافر.
2. الشكّ في الثلاثية كالمغرب.
3. الشكّ بين الواحدة والأزيد.

1 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 6 .
2 . الخلاف: 1 / 446، المسألة 192 .

صفحه 373
4. الشكّ بين الاثنتين والأزيد قبل إكمال السجدتين.
5. الشكّ بين الاثنتين والخمس أو الأزيد بعد الإكمال.
6. الشكّ بين الثلاث والست أو الأزيد.
7. الشكّ بين الأربع والست أو الأزيد.
8. الشكّ بين الركعات إذا لم يدر كم صلّى.
وبما أنّ الحكم في هذه الصور مورد اتّفاق إلاّ في الصورة السابعة، لذا نقوم بدراسة الجميع على وجه الإيجاز.

الصورة الأُولى والثانية: الشكّ في الصلاة الثنائية والثلاثية

المشهور بين الأصحاب ـ لولا القول بالإجماع ـ أنّ الشكّ في الثنائية موجب للإعادة ; قال المحقّق: مَن شكّ في عدد الواجبة الثنائية، أعاد كالصبح وصلاة السفر، وصلاة العيدين إذا كانت فريضة، والكسوف .1
وقال العلاّمة في «المنتهى»: إنّه قول علمائنا أجمع إلاّ ابن بابويه، فإنّه جوّز له البناء على الأقل والإعادة.2 وفي «المدارك»: والمعتمد الأوّل .3
ويدلّ عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي وحفص بن البختري وغير واحد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا شككت في المغرب فأعد، وإذا شككت في الفجر فأعد»4.

1 . شرائع الإسلام: 1 / 116 .
2 . منتهى المطلب:1/410، المقصد الثامن (في الخلل الواقع في الصلاة)، الطبعة الحجرية.
3 . مدارك الأحكام: 4 / 244 .
4 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 5.

صفحه 374
وفي الصحيح عن العلاء، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يشكّ في الفجر؟ قال: «يعيد». قلت: المغرب؟ قال: «نعم والوتر والجمعة» من غير أن أسأله.1 إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
نعم روي عن عمّار الساباطي ما يخالف كلّ ذلك :
1. قال: قلت: رجل شكّ في المغرب فلم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثة؟ قال: «يسلّم ثم يقوم فيضيف إليها ركعة».2
2. قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل صلّى المغرب فلم يدر
ثنتين صلّى أم ثلاثاً؟ قال: «يتشهّد وينصرف ثم يقوم فيصلّي ركعة، فإن
كان صلّى ثلاثاً كانت هذه تطوّعاً، وإن كان صلّى ثنتين كانت هذه تمام الصلاة».3
ثم إنّ الشيخ بعد ما ذكر الروايتين قال: إنّ هذين الخبرين شاذّان مخالفان للأخبار كلّها، وإنّ الطائفة قد أجمعت على ترك العمل بهما، ثم احتمل حملهما على نافلتي الفجر والمغرب.4

الصورة الثالثة: الشكّ بين الواحدة والأزيد

إذا شكّ بين الواحدة والأزيد، يعيد باتّفاق من المتقدّمين والمتأخّرين، إلاّ ما نسب إلى الصدوق; ويدلّ عليه صحيح زرارة بن أعين قال: قال أبوجعفر (عليه السلام): «كان الّذي فرض الله تعالى على العباد عشر ركعات وفيهنّ

1 . الوسائل:5، الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 7 ; ولاحظ الأحاديث 2، و4.
2 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 12.
3 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 11 .
4 . الاستبصار: 1 / 372 .

صفحه 375
القراءة وليس فيهنّ وهم (يعني سهواً) فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سبعاً وفيهنّ الوهم وليس فيهنّ قراءة، فمن شكّ في الأُوليين أعاد حتّى يحفظ ويكون على يقين، ومَن شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم »1.
وجه الدلالة: أنّ الشكّ بين الواحدة والأزيد ينطبق على الأُولى والثانية، ودلّت الرواية أنّه ليس فيها شكّ، وأوضح من ذلك صحيح زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)قال: قلت له رجل لا يدري واحدة صلّى أم ثنتين؟ قال: «يعيد».2
إلى غير ذلك من الروايات، واختار الصدوق هنا أيضاً التخيير بين الإعادة والبناء على الأقل.

الصورة الرابعة: الشكّ بين الاثنتين والأزيد قبل إكمال السجدتين

دلّت غير واحدة من الروايات على لزوم حفظ الأُوليين بتمامهما وكمالهما، ولازم هذا أن يكون الشكّ بعد إكمال السجدتين، وأمّا قبله فهو داخل في الشكّ قبل إكمالهما، ويدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى ما رواه الصدوق بإسناده عن زرارة بن أعين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «كان الّذي فرض الله على العباد عشر ركعات... الخ ـ ما رواه عامر بن جذاعة عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال «إذا سلمت الركعتان الأُولتان، سلمت الصلاة»3.
وما رواه إبراهيم بن هاشم في نوادره عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «ليس في الركعتين الأُوليتين من كل صلاة سهو»4.

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
4 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 4.

صفحه 376
وما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا سهوت في الأُولتين فأعدهما حتّى تثبتهما»1.
إلى غير ذلك من الروايات.
ومن المعلوم أنّ السجدة جزء الركعة، واحتمال أنّ المراد من عشر ركعات في الرواية الأُولى هو الركوعات، ضعيف جدّاً بالنظر إلى سائر الروايات.
نعم هنا بحث فيما يتحقّق به إكمال السجدتين، وهو أنّه هل يتحقّق بوضع الجبهة على الأرض أو بحال الذكر أو برفعهما، فيرجع إلى محلّه.

الصورة الخامسة: الشكّ بين الاثنتين والخمس أو الأزيد بعد الإكمال

إذا شكّ بين الاثنتين والخمس أو الأكثر فالمشهور أنّه من الشكوك المبطلة، ولم نقف على مخالف.
وجه البطلان عدم إمكان الاحتياط فلو اقتصر على الأقل حتى ولو صلّى ركعتين بعد الفراغ، يبقى احتمال الزيادة ولعلّها كانت خمساً، ولو أخذ بالأكثر تكون الصلاة باطلة قطعاً، وما ذكر من أنّ الأخذ بكلّ من الأمرين يورث البطلان هو الدليل الساري في الصور الآتية كما سيظهر، مضافاً إلى أنّ ما دلّ من الأخذ بالأكثر، إذا كان الأكثر صحيحاً لا في مثل المقام.
فإن قلت: لماذا لا يأخذ بالأقل أي ما هو المتيقّن عملاً برواية إسحاق بن عمّار قال: قال لي أبو الحسن الأوّل (عليه السلام): «إذا شككت فابن على اليقين» قلت:

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 15 .

صفحه 377
هذا أصل؟ قال (عليه السلام): «نعم»1.
ونظيره رواية عبدالرحمن بن الحجّاج، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)في السهو في الصلاة. فقال (عليه السلام): «تبني على اليقين وتأخذ بالجزم وتحتاط بالصلوات كلّها»2.
قلت: إنّ حديث عمّار يحتمل وجوهاً ومع عدم ظهوره في واحد منها لا يحتجّ به، وهي:
1. يمكن أن يكون المراد هو الأخذ بالمتيقّن السابق عند عروض الشكّ، فعندئذ يكون دليلاً على الاستصحاب.
2. يمكن أن يراد الأخذ باليقين بالبراءة، أعني: الأخذ بالأكثر، لا الأقل، حسب ما سبق. وقد مرّ أنّ الأخذ به مختصّ بما إذا كان الأخذ به صحيحاً.
3. أن يؤخذ بالركعة المتيقّنة، وعندئذ يكون وارداً مورد التقيّة.
وأمّا الحديث الثاني فصدر الحديث موافق للتقيّة حيث يقول: «تبني على اليقين»، لكنّ ذيله يشير إلى ما هو الطريق الصحيح عند عروض الشكّ وهو الأخذ بالأكثر، ومعلوم أنّ الأخذ بالأكثر إنّما يصحّ إذا لم يؤد إلى البطلان كما في المقام.

الصورة السادسة: الشكّ بين الثلاث والست أو الأزيد

إذا شكّ بين الثلاث والست أو الأزيد، فالكلام فيه نفس الكلام في الصورة السابقة، لعدم إمكان الاحتياط، لدوران الأمر بين النقيصة والزيادة. فلو