welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1

صفحه 1
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهيّة
1

صفحه 2

صفحه 3
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهية
تشتمل على إيضاح ودراسة ثلاثين قاعدة فقهية
الجزء الأوّل
 
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السُّبْحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1393.
3 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 541 - 0 (VOL.1)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 542 - 7 (3VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1. فقه ـ ـ قواعد. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام) . ب. عنوان .
9الف2س/ 5/169 BP   324 / 297
1393
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران قم ; سـاحة الشهداء
?37745457 32925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   … الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة
الجزء:   … الأوّل
تأليف:   … آية الله جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى
تاريخ الطبع :   … 1435 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 835   تسلسل الطبعة الأُولى: 418
حقوق الطبع محفوظة

صفحه 5
   
    الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة / ج 1

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة

القواعد الفقهية في فقه الشيعة

جرت سيرة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على إلقاء الأُصول على أصحابهم وحثّهم على التفريع على ضوئها، فهذا هو الإمام الصادق (عليه السلام)يقول: «إنّما علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع» 1.
وقال الإمام الرضا (عليه السلام): «علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع »2.
وقد بذل فقهاء الشيعة من عصر الأئمة(عليهم السلام)إلى يومنا هذا جهوداً جبّارة لبلورة هذه الأُصول واستنتاج الفروع منها، وهذا ما نلاحظه جليّاً عند مراجعتنا تاريخ الفقه الشيعي. وقد ظهر في القرن الثامن على ضوء هذه الأُصول لون جديد من الفقه عند الشيعة سمّي فيما بعد بالقواعد الفقهية.3
وسنتطرّق في هذه المقدّمة إلى دور علماء الإمامية في هذا الصدد، ونشير إلى بعض من بذل جهوداً في هذا المضمار:

1. الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51.
2. الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52.
3. لاحظ مقدّمتنا على موسوعة طبقات الفقهاء (تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره).

صفحه 8

1. الشهيد الأُوّل (734 ـ 786 هـ)

هو الشيخ السعيد محمد بن مكي المعروف بالشهيد الأُوّل، ألّف كتابه المعروف بـ «القواعد والفوائد»، الذي احتوى على ما يقرب من 330 قاعدة، إضافة إلى فوائد تقرب من 100 فائدة، عدا التنبيهات والفروع، وهذه القواعد والفوائد ليست فقهية خالصة، وإنّما فيها بعض القواعد الأُصولية والعربية، لكن الطابع الفقهي هو الغالب عليها، ولم يتبع الشهيد منهجاً معيّناً في ترتيب ما أورده من قواعد وفوائد، حيث لم يفصل القواعد الفقهية عن الأُصولية أو العربية. والكتاب من الكتب الممتعة الّتي كانت تدور عليه رحى التدريس في الأعصار السابقة.

2. الفاضل المقداد (المتوفّى 826 هـ)

وبسبب هذه الثغرة (عدم الفصل بين القواعد) في كتاب «القواعد والفوائد»، قام تلميذ المؤلّف الفاضل المقداد بن عبد الله السيوري الحلّيّ (المتوفّى 808 هـ) بترتيب هذه الفوائد في كتاب أسماه «نضد القواعد الفقهية» وقد أظهرها بترتيب باهر جميل. وقامت مكتبة المرعشي النجفي بطبع الكتاب ونشره في قم المقدّسة عام 1403هـ .

3. الشهيد الثاني (911 ـ 965 هـ)

قام الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي وهو من أعلام الطائفة في القرن العاشربتأليف كتاب «تمهيد القواعد الأُصولية والعربية» وقد جمع فيه بين : تخريج الفروع على الأُصول، وتخريج الفروع على القواعد العربية ولم يؤلّف مثل هذا الكتاب عند الشيعة الإمامية.

صفحه 9
والظاهر أنّ الشهيد الثاني رأى كتابي «التمهيد» و«الكوكب الدرّي» وهما للأسنوي الشافعي، أحدهما في القواعد الأُصولية والآخر في القواعد العربية وما يتفرّع عليها، فجمع بين ما في الكتابين في كتاب واحد بنحو جميل.
وقد طبع الكتاب مؤخّراً في مشهد الرضا (عليه السلام)طبعة محقّقة.

4. الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى 1227 هـ)

ألف الأُستاذ الكبير الشيخ جعفر المعروف بكاشف الغطاء كتاباً باسم «القواعد الستة عشر» طرح فيه تلك القواعد وطبع مع كتاب «الحقّ المبين» عام 1306 هـ .

5. السيد عبدالله شُبّر (المتوفّى 1241 هـ)

ألّف السيد عبدالله شُبّر صاحب التفسير المعروف كتاباً باسم «الأُصول الأصلية والقواعد الشرعية»، وقد قامت مكتبة المفيد بطبع الكتاب في قم 1404هـ .

6. المولى أحمد النراقي (1185 ـ 1245 هـ)

ثم شمّر عن ساعد التحقيق المولى أحمد بن محمد مهدي بن أبي ذر النراقي الكاشاني فألّف كتابه «عوائد الأيام من مهمات أدلّة الأحكام» وقد اشتمل هذا الكتاب على ثمان وثمانين عائدة وكلّ عائدة تُعدّ قاعدة فقهية، وقد طبع الكتاب مرات عديدة آخرها ما قام به مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميّة التابع لمكتب الإعلام الإسلامي في قم المقدّسة.

صفحه 10

7. عبدالفتاح المراغي (المتوفّى 1250 هـ)

وقد قام بعد المحقّق النراقي معاصره الفقيه الجليل السيد عبدالفتاح بن علي الحسيني المراغي بتأليف كتاب حول القواعد الفقهية أسماه «العناوين»، فرغ منه عام 1246 هـ ، وقد أورد فيه 94 عنواناً.
والجهود الّتي بذلها السيد المراغي في ترصيف القواعد الفقهية مشكورة جدّاً فهي دليل واضح على أنّه كان رجل علم وتحقيق وهمّة وبراعة، ويكفيك أنّنا نرى في هذا المؤلّف أفكاراً جديدة وآراءً سديدة وبراعة مشهودة في التفريع على الأُصول المتلقّاة، ويكفيك أنّ هذا الكتاب أحد المصادر الّتي استند إليها الشيخ الأنصاري في مكاسبه.
وقد طبع الكتاب مرّة بعد أُخرى، وطبع أخيراً طبعة محقّقة من قبل مؤسسة النشر الإسلامي في قم المقدّسة في جزأين.

8 . نظر علي الطالقاني (1240 ـ 1306 هـ)

لمّا طلع القرن الرابع عشر وازدهرت الجامعات الفقهية للشيعة، ألّف غير واحد من فقهائنا كتاباً أو موسوعة حول القواعد الفقهية لا يمكننا الإشارة إلى جميعها بل نذكر شيئاً منها، منهم الشيخ نظر علي بن سلطان محمد الطالقاني الفقيه الأُصولي الماهر فقد ألّف كتاب «مناطات الأحكام في القواعد الفقهية» وهو مطبوع.

9. ملا حبيب الله الكاشاني (المتوفّى 1340 هـ)

ألّف الشيخ الفاضل المحقّق ملا حبيب الله الشريف الكاشاني كتاباً أسماه: «مستقصى مدارك القواعد ومنتهى ضوابط الفوائد» اشتمل على

صفحه 11
خمسمائة قاعدة فقهية، مع الشرح المختصر لكلّ قاعدة.
وقد قام نجل المؤلّف بطبع الكتاب ونشره.

10. الشيخ الخالصي الكاظمي (المتوفّى 1343 هـ)

ألّف الشيخ مهدي بن حسين بن عزيز الخالصي الكاظمي كتاباً أسماه «القواعد الفقهية» وطبع في مجلدين في مشهد عام 1343هـ .

11. الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294 ـ 1373 هـ)

ألّف شيخنا المصلح الأكبر المحقّق البارع كتاباً أسماه: «تحرير المجلة» وهو شرح لـ «مجلة الأحكام العدلية»1، وهذا الكتاب هو من نفائس الآثار المترشحة من قلم الشيخ، وذلك أنّه أبان فيه متانة الفقه الجعفري ورصانته وقوة حجّته على مستوى عال من العرض والإجادة في البيان.
وقد أضاف الشيخ ثلاثاً وعشرين قاعدة على ما كان مذكوراً في المجلة، إلى غير ذلك من الفوائد الّتي يقف عليها من قرأ مقدّمة الكتاب.

12. السيد محمد حسن البجنوردي (1316 ـ 1396 هـ)

ألّف الفقيه الجليل السيد محمد حسن البجنوردي موسوعة أسماها بـ «القواعد الفقهية» وهي أوسع وأبسط كتاب إلى عصر المؤلّف، وقد شرح فيه 63 قاعدة على وجه الدقة والبسط، وطبعت الموسوعة في سبعة أجزاء في قم عام 1419هـ .

1. مجلة الأحكام العدلية وهي كتاب ألّف بجهود سبعة علماء وبرئاسة أحمد جودت باشا يتضمّن القوانين المدنية في الدولة العثمانية.

صفحه 12

13. الشيخ ناصر مكارم الشيرازي «دام ظله»

ألّف الفقيه المحقّق آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي دامت بركاته كتاباً رائعاً أسماه بـ «القواعد الفقهية» طرح فيه ثلاثين قاعدة فقهية، وقد طبع في جزأين أنيقين في قم عام 1416هـ .

14. الشيخ محمد فاضل (1350 ـ 1428 هـ)

ألّف الفقيه آية الله الشيخ محمد فاضل اللنكراني(قدس سره)كتاباً أسماه بـ «القواعد الفقهية» والكتاب مطبوع في قم عام 1416هـ .
واقتصرنا على هذا العدد المبارك تيّمناً وتبرّكاً قائلين إنّ ما ألّف أخيراً حول القواعد الفقهية أكثر ممّا ذكرنا، ولكلّ مزية، شكر الله مساعي الجميع.
***

صفحه 13
 
الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأُصولية
لابدّ من الكلام في تعريف القاعدة الفقهية حتّى يستبين الفرق بينها وبين المسائل الأُصولية.
ذكر غير واحد من المحقّقين وجوهاً خمسة تتميّز بها القاعدة الفقهية عن المسألة الأُصولية، وقد ذكرنا هذه الوجوه في محاضراتنا الأُصولية، ونقتصر هنا على ما هو المختار عندنا وهو: أنّ التفريق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية يتمّ بالمحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها، وإليك البيان:
حاصل هذا الفرق أنّ تميّز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية إنّما يتمّ بمحمولاتها المنتسبة إلى موضوعاتها، وإن شئت قلت: إنّ ملاك البحث في الأُولى غيره في الثانية، فإنّ ملاكه في المسائل الأُصولية هو الفحص عن الحجّة على الحكم الشرعي لا نفس الحكم الشرعي، ولكن المطلوب في القواعد الفقهية هو نفس الحكم الشرعي وضعاً وتكليفاً، وإليك تفصيل ذلك.
إنّ المسائل الأُصولية تدور حول الأُمور التالية:
1. ما يبحث فيه عن تعيين مفاد الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة، كمفاد الأمر والنهي والعام والخاصّ إلى غير ذلك.
2. ما يبحث فيه عن الحكم العقلي كالبحث عن وجود الملازمة بين الأمر بالشيء ووجوب مقدّمته وحرمة ضده، أو الملازمة بين حرمة الشيء وفساده، أو الملازمة بين تعليق الحكم على شرط، وارتفاعه عند ارتفاعه، فالمطلوب في هذه المسائل هو حكم العقل الّذي يستنبط به حكم الشرع

صفحه 14
أخذاً بالملازمة.
3. ما يبحث فيه عن حجّية أُمور تقع في طريق الاستنباط، كالبحث عن حجّية الخبر الواحد أو الإجماع أو الشهرة، فإنّ المطلوب فيها هو الحجّية الوضعية غير المرتبطة بالعمل.
ويلحق به مبحث التعادل والترجيح، فإنّ ملاك البحث هنا عن تعيين ما هو الحجّة وكيفية تمييزها عن غيرها أو ترجيحها على حجّة أُخرى.
4. ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية عند الشكّ في الحكم الشرعي إذا لم يكن هناك طريق إليه، وإن شئت ألحقته بالقسم الثالث، لأنّ المطلوب هو طلب الحجّة بين المكلّف وبين ربّه، إمّا تنجيزاً كما هو الحال في الاحتياط، أو تعذيراً كما هو الحال في أصل البراءة.
فهذه المسائل ونظائرها تعرب عن أنّ الملاك في المسائل الأُصولية عبارة عن أُمور لا تتعلّق بالحكم الشرعي التكليفي ولا الوضعي المتعلّق بالعمل مباشرة، وإنّما المطلوب فيها أُمور خارجة عن هذا المصبّ.
وأمّا إذا لاحظنا القواعد الفقهية فسنرى أنّ المحمول فيها إمّا حكم تكليفي عملي، وإمّا حكم وضعي متعلّق بالعمل. فالأوّل كقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً» فمعنى قوله: «عند شروطهم» أي يجب العمل بالشروط الّتي اتّفقوا عليها; ونظيره قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» فهو من جانب ينفي الوجوب ومن جانب آخر يثبته في الموارد الخمسة، فالمحمول في كلا الطرفين إمّا رفع شرعي أو إيجاب شرعي. وأمّا الثاني أي الحكم الوضعي المتعلّق بالعمل كقوله: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

صفحه 15
وقس على ذلك سائر القواعد الفقهية الّتي لا تتجاوز أُمّهاتها عن أربعين قاعدة، وربّما تتجاوز فروعها وما انشق منها إلى مائة أو أكثر .
فإن قلت: قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» حكم تكليفي فيلزم أن يكون قاعدة فقهية مع أنّ العلماء يجعلون الاستصحاب في عداد المسائل الأُصولية.
قلت: إنّ الشيخ الأعظم (قدس سره)يفصّل بين جريانه في الأحكام كاستصحاب وجوب صلاة الجمعة في الغيبة، وبين جريانه في الموضوعات كاستصحاب طهارة الثوب، فالأوّل عنده مسألة أُصولية والآخر قاعدة فقهية.
والظاهر أنّ مفاد: «لا تنقض» ليس حكماً تكليفيّاً بشهادة أنّ مستصحِب الطهارة إذا خالف الاستصحاب وجدّد الوضوء لم يعص الله ولا رسوله بل هو حكم وضعي غير متعلّق بالعمل، وهو جعل الحجّية لليقين السابق، وهي مسألة أُصولية مطلقاً، غاية الأمر أنّ نتيجتها تارة تكون حكماً شرعياً كالاستصحاب في الأحكام، وأُخرى مسألة فقهية كما في الموضوعات. ولم يدلّ دليل على أنّ نتائج المسائل الأُصولية يجب أن تكون كلّية. نعم يجب ألاّ تكون منحصرة في مورد واحد، فإنّ الاستصحاب كما يسري في الثوب المشتبه، يجري في موارد أُخرى.
إلى هنا تبيّن أنّ التمييز بين المقامين بما ذكرنا أولى ممّا ذكروه من الفوارق.
إذا عرفت الأمرين فلندخل في صلب الموضوع ونبحث عن القواعد الفقهية واحدة تلو الأُخرى. وقد نزلنا عند رغبة حضّار بحثنا بعد أن أنهينا البحث في الحدود والقصاص والديات، حيث طلبوا منّا دراسة القواعد الفقهية الّتي لها دور في معرفة الحكم الشرعي، وقد جعلنا للبحث منهجاً

صفحه 16
خاصّاً على خلاف ما أُلّف في القواعد الفقهية، وستقف على هذا المنهج عند قراءة الكتاب. نعم اخترنا فيه وجه الإيجاز معرضين عن الإطالة والإطناب.
وأخيراً يشتمل هذا الجزء على ثلاثين قاعدة فقهية ضمن فصول ثلاثة أرجو من الله سبحانه أن يكون نافعاً لطلبة العلم وروّاد الحقيقة .
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
13 رجب الأصب، يوم ولادة
الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)1435هـ

صفحه 17
الفصل الأوّل:
القواعد الّتي يستكشف بها حال الموضوع
لمّا كانت القواعد الفقهية، مختلفة الموضوع والمحمول، والمرمى والغرض، ولذا فقد صار من العسير جعل قسم منها تحت عنوان واحد، ومع ذلك بذلنا الجهد لتقسيمها إلى طوائف، وكلّ طائفة تشتمل على قواعد، تُؤلّفها وحدة الغرض والهدف منها.
مثلاً خصصنا هذا الفصل بقواعد لها سمة استكشاف حال الموضوع عند الشكّ والترديد، وهي عبارة عن القواعد التالية:
1. قاعدة مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به.
2. قاعدة كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل صاحبه، فيصدّق قوله فيه.
3. قاعدة كلّ من يسمع قوله في المرافعة، فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً.
4. قاعدة حجّية قول ذي اليد فيما يخبر من النجاسة والطهارة والتذكية وغيرها.
5. قاعدة «اليد» أمارة الملكية.
6. قاعدة يد المسلم أمارة التذكية.

صفحه 18
7. قاعدة سوق المسلمين أمارة التذكية.
8 . قاعدة الإلزام.
9 . قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
10. قاعدة القرعة .
11. قاعدة العدل والإنصاف.
12. قاعدة حجّية قول العدل الواحد.
بما أنّي سمعت من سيدنا الأُستاذ (رحمه الله) أن أوّل رسالة فقهية ألّفها هي رسالته حول قاعدة: «مَنْ ملك شيئاً مَلَكَ الإقرار به»، وقد طبعت الرسالة ضمن «الرسائل العشر»، وها نحن أيضاً نبدأ بما بدأ به تيمّناً وتبرّكاً واقتفاء لسيدنا الأُستاذ، وكانت رسالته هذه تعليقة على ما كتبه الشيخ الأنصاري حول هذه القاعدة.1
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   1. قد طبعت ضمن ملحقات «كتاب المكاسب» وكذلك ضمن«رسائل فقهية من تراث
الشيخ الأعظم(رحمه الله)».

صفحه 19
قاعدة: من ملك شيئاً ملك الإقرار به   
القواعد الفقهية
      1
قاعدة
مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به
نقل كلمات الفقهاء في المقام
نقل كلمات فقهاء السنّة حول القاعدة
تفسير مفردات القاعدة
مصدر القاعدة ومدركها وما استدلّ به الفقهاء على ثبوتها
تنبيهات:
   التنبيه الأوّل: الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
   التنبيه الثاني: لزوم تقارن الإقرار بالملكية وعدمه.
   التنبيه الثالث: تحديد القاعدة بشرطين.
من القواعد المعروفة قاعدة:«مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به» ولم ترد بهذا اللفظ في نصّ مأثور عن المعصومين(عليهم السلام)وإنّما ورثناها من الفقهاء العظام منذ زمن الشيخ الطوسي إلى عصرنا هذا، وهذه القاعدة غير قاعدة: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» وسيوافيك توضيح ذلك، فانتظر.
ولندرس أوّلاً أقوال الفقهاء حول القاعدة.

نقل كلمات الفقهاء في المقام

1. قال الشيخ الطوسي في العبد المأذون في التجارة ما هذا خلاصته: إذا

صفحه 20
أقرّ العبد بأنّ ما في يده ثمن المبيع الذي باعه أو أرش المعيب الذي أخذه ممّن اشتراه، فيقبل منه لأنّه «مَن ملك شيئاً ملك الإ قرار به» بشرط أن لا تكون هناك قرينة على خلاف ما يُقرّ به، بأن يكون ما بيده أكثر من مال التجارة.1 وعندئذ لم يضمنه مولاه ويكشف عن أنّه مال الغير ويتبع به إذا أعتق، كما سيوافيك منه ومن المحقّق .
2. وقال في موضع آخر من «المبسوط»: إذا أذن لعبده في التجارة فركبه دين فإن كان أذن له في الاستدانة، فإن كان في يده مال قضي منه، وإن لم يكن في يده مال كان على السيّد القضاء عنه.2
3. وقال في كتاب الإقرار: وإن كان (إقرار العبد) يتعلّق بالتجارة مثل ثمن المبيع وأرش المعيب وما أشبه ذلك فإنّه يقبل إقراره، لأنّ «من ملك شيئاً ملك الإقرار به» إلاّ أنّه ينظر فيه، فإن كان الإقرار بقدر ما في يده من مال التجارة قُبِل وقضي منه، وإن كان أكثر كان الفاضل في يده يتبع به إذا أعتق.3
وما ذكره صحيح بشرط أن يقرّ العبد بأنّ ما في يده مال المولى.
4. قال القاضي: إذا أقرّ المريض المكاتِب لعبده في حال الصحّة بأنّه قبض مال الكتابة، صحّ إقراره وعتق العبد، لأنّ المريض يملك القبض فيملك الإقرار به مثل الصحيح.4
5. قال المحقّق: ولو كان ] العبد [ مأذوناً في التجارة فأقرّ بما يتعلّق به قُبِل لأنّه يملك التصرّف، فيملك الإقرار، ويؤخذ ما أقرّ به ممّا في يده، وإن

1. المبسوط: 3 / 19.
2. المبسوط: 2 / 164 .
3. المبسوط: 3 / 19 .
4. المهذّب: 2 / 393 .

صفحه 21
كان أكثر لم يضمنه مولاه (ويكشف أنّه مال الغير ويتبع به إذا أعتق)1.
6. وقال في كتاب الوكالة في اختلاف الموكّل والوكيل: إذا ادّعى الوكيل التصرّف وأنكر الموكّل مثل أن يقول: بعت أو قبضت، قيل: القول قول الوكيل لأنّه أقرّ بما له أن يفعله، ولو قيل: القول قول الموكّل أمكن، لكن الأوّل أشبه.2
فإنّ قوله: «لأنّه أقرّ بماله أن يفعله» عبارة أُخرى عن القاعدة .
7. قال العلاّمة: إذا اختلفا في التصرّف كأن يقول: تصرّفت كما أذنت في بيع أو عتق، فيقول الموكّل لم تتصرّف بعد، فالأقرب تقديم قول الوكيل لأنّه أمين وقادر على الإنشاء، والتصرّف إليه .3
والعبارة وإن لم تكن صريحة في القاعدة لكنّها مشيرة إليها، كما في قوله: لأنّه أمين وقادر على الإنشاء، والتصرّف إليه .
ومَن درس كتاب الإقرار في المجاميع الفقهية، يجد للقاعدة تطبيقات مختلفة.
8. عبّر فخر المحقّقين عن هذه القاعدة بتعبير آخر فقال في مسألة اختلاف الولي والمولَى عليه بعد الكمال :الأقوى أنّ كلّ من يلزم فِعلُه أو إنشاؤه غيرَه، يُمضى إقراره بذلك عليه.4 فقد رجّح قول الوليّ.
9. قال الشهيد الأوّل: كلّ مَن قدر على إنشاء شيء قدر على الإقرار به،

1. شرائع الإسلام: 3 / 152، دار الأضواء.
2. شرائع الإسلام: 2 / 205 .
3. قواعد الأحكام: 2 / 370 .
4. إيضاح الفوائد: 2 / 55 .

صفحه 22
إلاّ في مسائل أُشكلت ]منها[:
أ. وليُّ المرأة الاختياري لا يقبل قوله.
ب. إذا أقرّ الوكيل بالبيع أو قبض الثمن أو الشراء أو الطلاق أو الثمن أو الأجل.
ج. إذا أقرّ (الزوج) في الرجعة بالعدّة لا يقبل منه، مع أنّه قادر على إنشائها، وقيل يقبل .1
أقول: أمّا المورد الأوّل فالظاهر أنّ الولي الاختياري غير قادر على الإنشاء مالم يكن هناك إذن من البالغة الرشيدة، وأمّا الموارد الباقية، فقد عرفت أنّ المحقّق ذكر القولين وقال: الأشبه القبول.
10 . قال السيد الطباطبائي اليزدي (قدس سره): إذا ادّعت أنّ زوجها طلّقها وأنكر فمع عدم البيّنة لها، قدّم قول الزوج مع اليمين، وإن انعكس بأن ادّعى الزوج أنّه طلّقها وأنكرت الزوجة، فقد يقال بتقديم قوله أيضاً، كما نقله المحقّق القمّي (قدس سره)عن جماعة من معاصريه لأنّ الطلاق من فعله وأمره بيده، ولقاعدة: مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به .2
قال صاحب الجواهر في شرح عبارة المحقّق أعني: لو كان العبد مأذوناً في التجارة... الخ ـ : على المشهور نقلاً إن لم يكن تحصيلاً لما عرفت من أنّه مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به، لكن في التذكرة استشكله .3
هذا ما وقفنا عليه في كتب أصحابنا وتركنا ذكر ما يشابهه.

1. القواعد والفوائد: 2 / 279.
2. تكملة العروة الوثقى: 581 .
3. جواهر الكلام: 35 / 110، كتاب الإقرار.

صفحه 23

نقل كلمات فقهاء السنّة حول القاعدة

وأمّا فقهاء السنّة فهم على طوائف:
الأُولى: مَن ذكر القاعدة بنفس النصّ الذي ذُكر في كتب أصحابنا:
أ. قال ابن قدامة: إن أقرّ ] المفلّس [ بعتق عبده انبنى على صحّة عتقه، فإن قلنا بصحّة عتقه، صحّ إقراره وعتق، لأنّ مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به.1
ويظهر منه أنّ القاعدة أمر مسلّم غير أنّ الإشكال كما يظهر من ذيل كلامه في تطبيقها على المورد المذكور، وذلك لأنّ القاعدة محدّدة بما إذا لم تسبّب ضرراً على آخر، فإنّ الأخذ بإقراره هنا سبب لورود الضرر على الغرماء.
ب. قال الزيلعي في مورد العبد المأذون: مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به، ولأنّه لو لم يملك لامتنع الناس من المبايعة معه، خوفاً من ذهاب أموالهم بسبب التجارة معه فيؤدّي إلى انقطاع تجارته، فوجب أن يملك ضرورة مالكيته التجارة.2
ج. قال البهوتي: ويقبل إقراره أي الوكيل بأنّه تصرّف في كلّ ما وكّل فيه لأنّ مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به.3
الطائفة الثانية: مَن عبّر عن هذه القاعدة بلفظ آخر، وهو: كلّ مَن قدر على إنشاء شيء قدر على الإقرار به، أي: إقراره نافذ فيه .

1. المغني: 4 / 474 .
2. تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق: 15 / 396 .
3. كشّاف القناع: 3 / 567 .

صفحه 24
ومن أمثلة ذلك: ما ذكروه في مسائل الرهن وفروعه ] من [ أنّه لو أذن المرتهن للراهن في بيع العين المرهونة، فباعها الراهن، وادّعى المرتهن أنّه رجع عن الإذن قبل البيع، فهو باطل، وادّعى الراهن أنّه باع قبل الرجوع، فهو صحيح.
قالوا: إنّ الراهن إذا قال: بعت، وصدّقه المرتهن ثمّ ادّعى الرجوع قبل البيع، فالقول قول الراهن، والبيع صحيح.
وإذا ادّعى المرتهن الرجوع، وصدّقه الراهن، ثمّ ادّعى أنّه باع قبل الرجوع، فالقول قول المرتهن، والبيع باطل1.
ثم إنّ الشيخ كاشف الغطاء يقول: ولعلّ إلى هذه القاعدة ترجع القاعدة المعروفة عند فقهائنا، أعني: مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به، وقد مرّ في كلام الشهيد الأوّل ما يشير إلى ذلك التعبير حيث قال: كلّ مَن قدر على إنشاء شيء قدر على الإقرار به .2
الطائفة الثالثة: مَن ذكر القاعدة قريباً من هذا اللفظ ولكن لا صلة له بقاعدتنا، وإنّما تشير إلى أنّ بيع المتبوع يلازم دخول التابع في البيع، قالوا: مَن ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته ولوازمه، وتتناول هذه القاعدة الأُصول الّتي تدخل في البيع والشراء من غير ذكر.
قال مصطفى أحمد الزرقا عند عدّه مواد مجلّة الأحكام العدلية تحت

1. تحرير المجلة: 1 / 271. ونعني بالمجلة هي «مجلة الأحكام العدلية»، وقد أُلّفت بجهود سبعة علماء وبرئاسة أحمد جودت باشا يتضمّن القوانين المدنية في الدولة العثمانية، وقد حرّرها الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بتحرير جديد على ضوء فقه الإمامية، وهو من أفضل كتبه.
2. القواعد والفوائد: 2 / 279.

صفحه 25
رقم 635 :مَن ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته، ثم قال: وعلى هذا قرّر الفقهاء: إنّ ملك الأرض يستتبع ملك ما فوقها وما تحتها، فيبني صاحبها الطباق ويحفر في الأعماق إلى ما يشاء علواً وسفلاً.1

تفسير مفردات القاعدة

لمّا كانت هذه القاعدة عند الشيخ الأنصاري غير قاعدة: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فسّر الشيخ مفرداتها بالنحو التالي (ونريد من المفردات: الملك، الشيء)، قال:
قولهم: (مَن ملك) المراد بـ (ملك الشيء) السلطنة عليه فعلاً، فلا يشمل ملك الصغير لأمواله لعدم السلطنة الفعلية، نعم يملك الصغير بعض التصرّفات المالية مثل الوصية والوقف والصدقة، وهي داخلة في عموم القضية .
قولهم: «شيئاً» الظاهر أنّ المراد خصوص الأفعال، أعني: التصرّفات على ما يقتضيه ظاهر الإقرار به لأن المقرّ به حقيقة يجوز أن يكون من الأعيان،2 لكن المراد هنا «خصوص الأفعال».
وحاصل كلامه: أنّ المراد من الملك هو السلطنة الفعلية، والمراد من الشيء: الأفعال والتصرّفات.
والذي يدلّ على صحّة تفسيره أنّ أصحابنا تمسّكوا بالقاعدة في موارد

1. المدخل الفقهي العام: 2 / 1018; ولاحظ : الموسوعة الفقهية الكويتية: 10 / 95 ; ولاحظ أيضاً: تكملة البحر الرائق: 2 / 85 .
2. رسائل فقهية (تراث الشيخ الأعظم): 23 / 184 .

صفحه 26
الوكالة والوصاية والولاية، والمأذون في البيع، كإقرار المتولّي أو إقرار الجدّ بالنكاح، فالمراد من الملك في هذه الموارد هو السلطنة لا الملكية الاعتبارية، والمراد من الشيء هو التصرّف كالبيع وعقد النكاح، لا الأعيان.

مناقشة سيدنا الأُستاذ كلام الشيخ الأنصاري

ثم إنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)ناقش كلام الشيخ في كلا الموردين :
أمّا الأوّل: أعني: «ملك» فقال: إنّها (الملكية) علقة ورابطة اعتبارية حاصلة بين الشخص والشيء تستتبعها السلطنة والاستبداد به، وهي غير السلطنة عرفاً ولغة، ولهذا وقع التشاجر منذ الصدر الأوّل بين المفسّرين والمحقّقين في أرجحية «مالك يوم الدين» أو «ملك يوم الدين» ولو كان «المالك» بمعنى السلطان لما وقع النزاع والتشاجر بين أئمة اللغة والتفسير وأساطين الأدب والعربية، لوحدة معنى اللفظين عندئذ، والنزاع كاشف عن تعدّد المعنى.
وأمّا الثاني: أنّ الشيء وإن كان من الأُمور العامّة ولكنّه في المقام بمناسبة الحكم والموضوع منصرف ومختصّ بالأعيان إن لم نقل أنّه في نفسه منصرف إليها، كما أنّه ليس ببعيد.
ثم إنّه (قدس سره)أورد على نفسه وقال:
فإن قلت: إن الظاهر من قولهم: «ملك الإقرار» هو السلطنة عليه لا المالكية، فيكون قرينة على الصدر.
يعني أنّ «ملك» الثاني أيضاً بمعنى الملكية لا السلطنة لكن من باب المشاكلة.

صفحه 27
قلت: الظاهر أنّ ذكر ملك الإقرار بعد ملك الشيء من باب المشاكلة مثل قول الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه *** قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في كلا الموردين صحيح لا سترة عليه، ولكنّه أخذ بتفسير اللفظ مع غضّ النظر عن موارد التطبيق، وإلاّ فمعه فالظاهر ما ذكره الشيخ الأنصاري، وقد مرّ أن أصحابنا يتمسّكون به في موارد الوكالة والوصاية والولاية والعبد المأذون في التجارة، فالملك في الجميع بمعنى السلطنة والمراد من الشيء هو التصرّفات. وهذا هو الذي جرّ الشيخ الأنصاري إلى تفسير «مَلَكَ» بالسلطنة و«الشيء» بالتصرّف، وإلاّ فمع قطع النظر عن موارد تطبيق القاعدة فالحق مع السيد الأُستاذ(قدس سره).
إذا عرفت مفردات القاعدة وبعض موارد تطبيقاتها فلنذكر مصدر القاعدة ومدركها.

مصدر القاعدة ومدركها وما استدلّ به الفقهاء على ثبوتها

قد استدلّ الفقهاء على ثبوت القاعدة بأُمور غير ناجعة، فلنذكر ما استدلّوا به :

الأوّل: الإجماع على القضية

بيانه: أنّ استدلال الأصحاب به يكشف عن وجود دليل معتبر لو عثرنا عليه لم نعدل عنه.

1. الرسائل العشر: 160 ـ 162 .

صفحه 28
واستدلّ على وجود الإجماع بالأُمور التالية:
1. دعوى العلاّمة الإجماع على قبول دعوى المسلم أمان الحربي في زمان ملك الأمان، قال (رحمه الله): ولو أقرّ المسلم بأمان المشرك فإن كان في وقت يصحّ منه إنشاء الأمان، صحّ إقراره وقبل منه إجماعاً، وإن كان في وقت لا يصحّ إنشاؤه كما لو أقرّ بعد الأسر لم يقبل قوله إلاّ أن تقوم بيّنة بأمانه قبل الأسر.1
2. قال العلاّمة: ولو أقرّ الوكيل بقبض الدين من الغريم، قُدّم قول الموكل على إشكال... فعلّق عليه فخر المحقّقين بقوله : أقول: ينشأ من أنّه ملك شيئاً فملك الإقرار به، ومن حيث إنّه إقرار في حقّ الغير، والأصحّ الأوّل.(2)
وقال في مَن له زوجات وطلق واحدة منهن بأنّه يتبع قول الزوج في تعيّنها، مستدلاًّ بأنّه مالك لإنشاء الطلاق، وكلّ مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به،(3) إلى غير ذلك من المواضع الّتي يمكن أن يعثر عليها من يتفحّص كتاب الإقرار وغيره.
يلاحظ على ما ذكره العلاّمة في «التذكرة» بوجوه:
1. كيف يمكن أن يستدلّ بالإجماع على فرع جزئي، على قضية كلّية؟
2. لو كان الحكم في الفرع إجماعياً لما احتاج للاستدلال عليه بالقاعدة، وهذا يكشف عن أنّ الفرع المذكور ليس إجماعياً حتّى تستنتج منه قضية كلّية.
إنّ الأدّلة الدالّة على نفوذ تصرّف الوكيل أو الولي أو الوصي أو المتولّي فيما فوّض إليهم أمره، تدلّ بالدلالة الالتزامية العرفية على قبول أقارير هؤلاء

1. تذكرة الفقهاء: 9 / 96.      2 . إيضاح الفوائد: 2 / 362 .   3 . إيضاح الفوائد: 3 / 303 .

صفحه 29
واخبارهم في المحاكم وغيرها في هاتيك الموارد (بشرط أن لا يكونوا متّهمين أو لا يُسبّبوا ضرراً على الآخرين، فإنّ القاعدة منصرفة عن هذين الموردين)، ومعه لا حاجة إلى إلتماس دليل آخر من إجماع على حكم فرعي جزئي.
ثم إنّ في كلام المحقّق ـ حيث تردّد في قبول إقرار العبد المأذون ـ إشارة إلى عدم ثبوت الإجماع.
وكلّ مَن استدلّ بهذه القاعدة جعل مفادها أحد الوجهين، وهذا يدلّ على عدم ثبوت قضية كلّية عن طريق الإجماع.

الثاني: الاستدلال بقاعدة الائتمان

اتّفق الفقهاء على أنّ من إئتمنه المالك على ملكه أو أذن له الشارع بأمر لا يجوز اتّهامه، فيكون لازم ذلك قبول إقراره .
هذا وقد اعتمد عليه الشيخ في ثبوت القاعدة وقال: إنّ مَن يملك إحداث تصرّف فهو غير متّهم في الإخبار عنه حين القدرة عليه، والظاهر صدقه ووقوع المقرّ به، وإن كان هذا الظهور متفاوت الافراد قوّة وضعفاً بحسب قدرة المقرّ فعلاً على إنشاء المقرّ به .1
ويشهد على ذلك موثّقة مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «وليس لك أن تتّهم مَن قد ائتمنته، ولا تأتمن الخائن وقد جربته»2.

1. رسائل فقهية: 23 / 199 .
2. الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث 10 .

صفحه 30
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الأمين هو الودعي الذي لم يكن له أي نفع في المقام، وهذا هو الذي يقبل قوله بلا يمين إلاّ مع عروض الاتّهام، وأمّا الولي والوكيل والوصي أو المتولّي للوقف، فليسوا من مصاديق الأمين الذي قيل في حقّه: «ليس على الأمين إلاّ اليمين».
وعلى هذا فالدليل أخصّ جدّاً من المدّعى.

الثالث: قاعدة قبول قول من لا يُعلم إلاّ من قبله

وهذه القاعدة ثابتة في الجملة وقد وردت روايات في تصديق المرأة في الحمل وخروج العدّة والحيض، وقد روي أنّ الله سبحانه قد فوّض إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل .1
يلاحظ عليه: بأنّه أخصّ من المدّعى، فإنّ فعل الوكيل والولي ليس ممّا لا يعلم إلاّ من قبلهما، وهذا بخلاف الحيض والحمل والعدّة فإنّها أُمور خفيّة .

الرابع: ادّعاء الملازمة بين ثبوت الحق لشخص وحجّية قوله في مقام الإثبات

إذا فرضنا أنّ شخصاً مالك للبيع والشراء ودفع الثمن وأخذه إلى غير ذلك من التصرّفات، فمعنى ذلك وجوب قبول قوله في مقام الإثبات والإقرار، وإلاّ يلزم لغوية جعل تلك الحقوق عليه إلاّ نادراً .
وبالجملة فالسلطنة على التصرّفات لا يراد بها السلطنة في مقام الثبوت فقط بأن يزوّج الوليّ الصغيرَ والصغيرةَ أو يبيع الوكيل شيئاً دون أن يكون له صلة بالإثبات، فثبوت الحقّ له ونفوذ عمله ثبوتاً يلازم ثبوته إثباتاً.

1. الوسائل: 15، الباب 24 من أبواب العدد من كتاب الطلاق، الحديث 2 .

صفحه 31
ولعلّ هذا الدليل أفضل الأدلّة.
ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده المحقّق العراقي حسب ما نقله تلميذه في مقام الاستدلال على القاعدة بثبوت الملازمة بين السلطنة على الشيء والسلطنة على إثباته، بمعنى أنّ القدرة على وجود الشيء واقعاً ملازم مع القدرة على إيصاله إلى مرتبة الإظهار والإثبات، مثلاً لو كانت له السلطنة على بيع داره، أو وقفه، أو هبته، أو غير ذلك من التصرّفات، فلابدّ وأن تكون له السلطنة على إثبات هذا العمل والفعل .1
وأورد عليه السيد البجنوردي بعدم الملازمة بين الجعلين وعدم لزوم لغوية الجعل الأوّل أي كونه سلطاناً على تلك الأُمور لإمكان الإشهاد على صدورها منه حتّى في مثل الرجوع إلى زوجته المطلّقة رجعة في العدّة، فيُشهد عدلين على أنّه رجع إليها في العدّة ـ إلى أن قال في نقد الملازمة حتّى عرفاً ـ : بأنّ العرف لا يفهم من قوله: الطلاق بيد من أخذ بالساق، أنّ إخبار الزوج بطلاق زوجته حجّة على وقوعه.2
يلاحظ عليه: بأنّ مَن فوّض إليه الأمر لو كان مصدر أمر واحد كان للمستشكل أن يقول بعدم الملازمة بين الجعل الأوّل والجعل الثاني كالطلاق والرجوع.
وأمّا إذا كان المفوّض إليه كلّ يوم في شأن كالعبد المأذون في البيع والشراء، أو الوكيل كذلك، أو العامل في المضاربة، أو متولّي الوقف فلا يتمكّن كلّ منهم أن يُشهدوا على أعمالهم الجزئية بشاهدين، ففي هذه

1. القواعد الفقهية: 1 / 9 .
2. القواعد الفقهية: 1 / 10 ـ 11 .

صفحه 32
الموارد تدّعى الملازمة بين الجعلين، ويؤخذ بها في غير هذه الموارد بحكم الغلبة في أكثرها.
***
وربّما يتصوّر أنّ المورد من مصاديق حجّية قول ذي اليد، قائلاً بأنّ مَن ملك شيئاً يكون بالنسبة إليه ذا يد.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في حجّية قول ذي اليد هو الاستيلاء على الشيء حتّى ولو كان مستعيراً فيقول: هذا طاهر أو هذا مال زيد، فيكون قوله حجّة، بخلاف الموضوع في القاعدة فإنّه عبارة عن اتّصاف المستولي بأحد العناوين الّتي تسبّب كون الإقرار نافذاً، كالولاية والوكالة والوصاية، وكونه متولّياً إلى غير ذلك من العناوين، فكيف تكون القاعدة من فروع قاعدة حجيّة قول ذي اليد.
إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به على القاعدة، بقيت هنا أُمور نذكرها ضمن تنبيهات.

صفحه 33
 
تنبيهات

التنبيه الأوّل: الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز

المشهور هو وجود قاعدتين إحداهما: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، والأُخرى قاعدة: مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به، فمَن جعلهما قاعدتين حاول أن يفرّق بينهما، وأمّا مَن جعلهما قاعدة واحدة كالسيد الأُستاذ في الرسائل العشر فهو في فسحة من هذا البحث، فقد ادّعى عدم استقلال هذه القاعدة، وأنّها مقتنصة من قواعد ثلاث:
أ. قاعدة الإقرار.
ب. قاعدة الإئتمان.
ج. قاعدة قبول قول من لايعلم إلاّ من قبله.
ثم إنّه جعل القاعدة من قبيل الجمع في التعبير عن عدّة قواعد. وأنكر أصالة القاعدة.
وقد مرّ في بيان مصدر القاعدة ضعف هذه الوجوه، وأنّ المدرك الوحيد هو الملازمة بين جعل الحقوق وقبول الإخبار عنه من دون نظر إلى كونه إقراراً على نفسه، أو كون المقرّ مؤتمناً، أو أنّ المورد ممّا لا يقبل إلاّ من قبله.
فالحقّ استقلال القاعدتين، فإنّ الظاهر أنّ وجه سماع إقراره هو انطباق عنوان عليه بسبب سماع إقراره كالولاية والوكالة والوصاية متجرّداً عن كونه مالكاً، بخلاف قاعدة الإقرار، إذ لا يشترط فيه انطباق أحد هذه العناوين بل يكفي كون إقراره باعثاً للضرر.
إنّما الكلام في بيان الفرق بينهما فهناك وجوه من الفرق:

صفحه 34

الأوّل: النسبة بين القاعدتين هي التباين

الأظهر أنّه لا صلة بين القاعدتين ويعلم ذلك من دراسة التعبير فيهما .
أمّا قاعدتنا فالموضوع فيها هو «مَن ملك شيئاً» أي من فوّض إليه التصرّف في شيء، والمحمول هو «ملك الإقرار به» أي ينفذ إقراره .
وأمّا الموضوع في القاعدة الثانية فهو «إقرار العقلاء» والمحمول هو «جائز» فلا وجه لإرجاع إحداهما إلى الأُخرى، فإنّ الظاهر أنّ وجه سماع إقراره هو انطباق عنوان عليه يسبب سماع إقراره كالولاية والوكالة والوصاية متجرّداً عن كونه مالكاً، بخلاف قاعدة الإقرار، إذ لا يشترط فيه انطباق أحد هذه العناوين بل يكفي كون إقراره باعثاً للضرر. إنّما الكلام فيما هي النسبة في مقام التطبيق.

الثاني: النسبة عموم وخصوص من وجه

وربّما يتصوّر أنّ النسبة بينهما في مقام التطبيق هو العموم والخصوص من وجه، أمّا مورد الاجتماع ففيما إذا كان مالكاً لأمر كملك الإنسان للوصية لماله أو الوقف أو الهبة، فإذا أقرّ بأنّه وهب ماله لفلان فهذا يدخل في القاعدتين: إقرار العقلاء على أنفسهم، وإقرار من ملك.
أمّا الأوّل فواضح لأنّه مسلّط على الوصية وهبة أمواله فيملك الإقرار به، وأمّا الثاني فلأنّه مالك له هبة أمواله فيقبل إقراره إذا أقرّ.
وأمّا مادّة الافتراق من ناحية قاعدة:«إقرار العقلاء على أنفسهم»، فكما إذا أقرّ بقتل شخص فهو داخل في قاعدة الإقرار، لا في قاعدة:«مَن ملك»، إذ ليس هنا مسلّطاً على هذا الفعل (القتل).

صفحه 35
وأمّا مادة الافتراق من قاعدة:«مَن ملك»، كما إذا أقرّ الوكيل عن شخص بتجارة من قبله، فإنّه خارج عن تحت قاعدة الإقرار وداخل في قاعدة: مَن ملك .1
يلاحظ على مادّة الاجتماع بأنّها داخلة تحت قاعدة الإقرار وخارجة عن قاعدة مَن ملك، وذلك لأنّ القدر المتيقّن من القاعدة كما يظهر من موارد استعمالها هو ما إذا قام الشخص بفعل، لا بما أنّه مالك بل لما أنّ له ولاية أو وكالة أو تول، وهذه الموارد هي الّتي تحتاج إلى جعل الحجّية لإقرار القائل، وأمّا إذا كان مالكاً وأقرّ فهو أمر واضح لا يحتاج إلى جعل قاعدة ثانية بل تكفي فيه قاعدة الإقرار، وبذلك يعلم أنّ بين القاعدتين تباين مفهوماً ومصداقاً.
وبذلك يظهر أنّه لو قلنا بأنّ مصبّ قاعدة الإقرار هو الأفعال الراجعة إلى نفس المقرّ بما أنّه فاعل كالقتل أو مالك فلو أقرّ على ضرره يسمع، وأمّا قاعدة مَن ملك فهي ناظرة إلى ما قام به الإنسان من فعل نابع عن كونه موصوفاً بعنوان عارضي كالولاية والوكالة إلى غير ذلك.
وإن شئت قلت: قاعدة الإقرار ناظرة إلى فعل يرجع إلى الإنسان مجرّداً عن أي عنوان عارضي، بخلاف قاعدة مَن ملك فإنّها ناظرة إلى مكلّف موصوف بعنوان طارئ من الطوارئ، ويشهد على ذلك استدلال الفقهاء في أغلب الموارد بالقاعدة.

الثالث: النسبة عموم وخصوص مطلق

وربّما يقال بأنّ النسبة بين القاعدتين عموم مطلق وذلك ببيانين:

1. القواعد الفقهية: 2 / 372 (مكارم الشيرازي).

صفحه 36
الأوّل: أنّ قاعدة الإقرار مختصّة بما إذا أقرّ على ضرر نفسه لا مطلق الإقرار، ولو كان له نفع فيه، وأمّا هذه القاعدة فعامّة سواء أكانت له أو عليه.
الثاني: أنّ هذه القاعدة تشمل إقرار الصبيّ فيما له أن يفعله كتصرّفه فيما ملكه بالوقوف أو الصدقة أو الوصية، بخلاف قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، فإنّها لا تشمله لانصراف العقلاء فيها إلى البالغين .
يلاحظ على البيان الأوّل: بأنّه إنّما يتمّ لو كان هذا الضرر والنفع ملحوظاً في جعل هذه القاعدة كما أنّ الضرر ملحوظ في جعل قاعدة الإقرار، فيصحّ ادّعاء النسبة المذكورة، ولكن الحق أنّ الضرر ملحوظ في قاعدة الإقرار، وأمّا في قاعدتنا فليس الضرر أو النفع ملحوظاً بل تمام الموضوع قيام الإنسان بعمل فوّض إليه، ولا صلة له بإلحاق الضرر والنفع.
فإن قلت: قوله: «مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به» مطلق يعمّ صورتي الضرر والنفع.
قلت: ليس الإطلاق بمعنى الجمع بين القيود، بل الإطلاق هو رفض القيود.
نعم لو كانت القاعدة: مَن ملك شيئاً، ملك الإقرار به، سواء كان على نفعه أو ضرره، يصحّ ما ادّعاه .
ويلاحظ على البيان الثاني: بأنّ مالكية الصبيّ للوقوف أو الصدقة أو الوصية إنّما هي بدليل آخر ولولاه لما شملته القاعدة، لأنّها كقاعدة الإقرار منصرفة إلى البالغين.
وبعبارة أُخرى: وجود النص على تنفيذ وقف الصبيّ وصدقته ووصيته، للروايات الخاصّة الواردة في محلها، وإلاّ فالقاعدتان منصرفتان إلى البالغين، فإنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع القلم عن ثلاثة: الصبيّ حتّى يحتلم» دليل حاكم

صفحه 37
على جميع الأبواب فوقف الصبيّ ووصيته وصدقته، أمر لم يكتب ولم يمض، فحديث الرفع في مورد الصبيّ نظير ما دلّ على نفي الضرر والحرج، أُمور تحدّد عامّة التكاليف الشرعية إلاّ ما خرج من الأحكام الوضعية ـ كإتلافه مال الغير ـ فيكتب عليه بالرد إمّا بالوليّ أو بالصبي بعد البلوغ، إذ لولا الضمان لزم خلاف الامتنان، فإنّ دليل رفع القلم دليل امتناني بشرط أن لا يكون موجباً لتضرّر الآخرين.

التنبيه الثاني: لزوم تقارن الإقرار بالملكية وعدمه

قد تقدّم أنّ الملكية في القاعدة بمعنى وجود السلطنة لا الملكية المصطلحة، فهل يشترط في الأخذ بالإقرار كونه مقروناً بالسلطنة بأن يقرّ حين يملك، أو يكفي وجود الملكية والسلطنة على الإقرار، وإن لم يكن حين الإقرار مالكاً؟
استظهر الشيخ الأنصاري أنّ المتبادر من القضية وقوع الإقرار بالشيء المملوك حين كونه مملوكاً، وأنّ مِلكَ الإقرار بالشيء تابع لملك ذلك الشيء حدوثاً وبقاءً على ما تقتضيه الجملة الشرطية الدالّة عند التجرّد عن القرينة على كون العلّة في الجزاء هو نفس الشرط لا حدوثه وإن زال، واستشهد على ذلك :
أوّلاً: بقول المحقّق في طلاق المريض: فلو قال: طلقت في الصحّة ثلاثاً، قُبل منه، ولم ترثه. والوجه أنّه لا يقبل بالنسبة إليها (أي إلى الزوجة).1
ترى أنّه فرّق بين صحّة الطلاق وعدم إرث الزوجة، أمّا الطلاق فيقبل

1. شرائع الإسلام: 3 / 27 .

صفحه 38
لأنّه يملك طلاق المرأة حتّى في حال مرض الموت، ووجه عدم قبول إرثها للتهمة الّتي هي الأصل في إرثها منه لو طلقها في حال المرض .1
ثانياً: ما ذكره العلاّمة في «التحرير» من عدم سماع العبد المأذون بالتجارة بعد الحجر عليه بدين يسنده إلى حال الإذن.2 ثم نقل الخلاف عن الشيخ الطوسي وصاحب «الإيضاح»، أمّا الأوّل فلم نجد له عبارة في «المبسوط» صالحة للاستدلال.
وأمّا صاحب «الإيضاح» فقد صرّح بذلك حيث قال: قال الوالد: ويقبل قول الولي في الإنفاق بالمعروف على الصبيّ أو ماله والبيع للمصلحة والقرض لها والتلف من غير تفريط، سواء كان أباً أو غيره على إشكال، وقال الشارح: بأنّ الأقوى أنّ كلّ مَن يلزم فعله أو إنشاؤه غيرَه، يمضي إقراره بذلك عليه كبيع الولي، وظاهره الإطلاق سواء كان الإقرار حين الملك أو بعد زواله3.4
وعلى كلّ تقدير فليس هناك نصّ في القاعدة حتّى يستظهر أحد القولين فكلّ يتكلّم حسب انطباعه عن القاعدة.

نظرنا في الموضوع

والذي يمكن أن يقال: حجّية إقراره في كلتا الحالتين، وذلك لأنّ الغرض من تأسيس القاعدة هو رفع الحرج عن كلّ مَن يقوم بعمل عن جانب

1. لاحظ جواهر الكلام:32/153 ونقل وجوهاً أُخرى وناقشها; المبسوط:5/68ـ 69.
2. تحرير الأحكام:2/114، الطبعة الحجرية.
3. إيضاح الفوائد: 2 / 55.
4. رسائل فقهية للشيخ الأنصاري:185ـ 187.

صفحه 39
الغير كالولي والوكيل والوصي والمتولّي، فإنّ قيامهم بالاستشهاد لكلّ أمر جزئي، أمر حرجي، فصارت صحّة اتّصافهم بالمالكية ملازمة لقبول قولهم، وهذا الملاك باق في كلتا الحالتين، حالة بقاء الملكية وحالة زوالها.
وبعبارة أُخرى: بما أنّه كان ذا حقّ في المقام عرفاً وشرعاً فيقبل قوله فيما تصرّف، زال ملكه أو لم يزل .
وحصيلة الكلام: إنّ الغاية من القاعدة تسهيل الأمر لمن له ولاية على الأمر، ومثل هذا يقبل قوله لتلك الحيثية حدوثاً وإن فقدت بقاءً.
نعم ربّما يؤيد بقاء السلطنة على الإقرار حتّى بعد زوال العنوان باستصحاب بقائها، لكنّه مرفوض، لأنّ الموضوع لها هو الوكيل والولي القادر لإيجاد الفعل شرعاً وقانوناً وأين ذلك من المعزول والعاجز، والأولى التمسّك بما ذكرنا من أنّ الغاية لتأسيس القاعدة هو جعل التسهيل لأصحاب الولاية في الأُمور الّتي يمارسونها، إذ من العسير إقامة البيّنة على كلّ أمر صغير وكبير وصار ذلك سبباً لقبول أقاريرهم، من غير فرق بين حالتي المقارنة والمفارقة.

التنبيه الثالث: تحديد القاعدة بشرطين

بما أنّ القاعدة لغاية تسهيل الأمر على مَن له الولاية سواء أكان مالكاً أو لا، فيشترط فيها شرطان:
الأوّل: أن لا يكون متّهماً في إقراره، كما إذا دلّت القرائن على تخلّفه عن الحدود الشرعية.
الثاني: أن لا يكون موجباً للضرر على الغير، فلو قال في حال مرض

صفحه 40
الموت بأنّه طلّق زوجته في حال الصحّة ليتحقّق حرمانها من الإرث فيقبل منه الطلاق; لأنّه يملك الإقرار به في مرض الموت وليس مشروطاً بشرط دون الإرث لأنّه إقرار على ضرر الغير بعد الموت، عندئذ يصير مدّعياً والزوجة منكرة، فتجري هناك قاعدة المدّعي والمنكر. وقد مرّ كلام صاحب الجواهر في المقام.
وعلى ذلك فنحن قد اخترنا القول الوسط، لا الرفض المطلق ولا القبول المطلق، بل القبول مشروطاً بأمرين، وهذا هو المتيقّن من القاعدة .
وبذلك يعلم أنّه إذا كان للبائع خيار في المبيع مدّة شهر وادّعى المشتري أنّه باعه من ثالث، لن يقبل قوله إلاّ إذا أقام البيّنة، لأنّه وإن ملك المبيع في زمان الخيار، لكنّه لمّا كان إقراره بالبيع موجباً للضرر على البائع لا يقبل، فيكون المشتري مدّعياً والبائع منكراً.
وعلى كلّ تقدير فالقاعدة ناظرة إلى الموارد الّتي يدّعي أحد الأولياء والأوصياء وأمثالهم أُموراً لا تسبّب ضرراً على الغير، فيقبل قولهم .
***
قاعدة كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل صاحبه فيصدّق قوله فيه   
تمّ الكلام في قاعدة
مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به

صفحه 41
القواعد الفقهية
      2

قاعدة

كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل صاحبه

فيصدّق قوله فيه

بيان الفرق بين هذه القاعدة والقاعدة الآتية، أعني: «كلّ مَن يسمع قوله في المرافعة فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً».
خلط صاحب العناوين تبعاً للمسالك بين أمثلة القاعدتين .
تطبيقات القاعدة.
مصدر القاعدة وأدلّتها:
1. تركيز الأصحاب في غير واحدة من المسائل على قولهم: إنّه شيء لا يعلم إلاّ من جانبه، وكأ نّه أمر مسلّم عندهم.
2. الاستظهار ممّا ذكروه في مورد الغاصب إذا ادّعى التلف .
3. الاستدلال بالروايات الواردة في مورد قبول قول النساء في الحيض والعدّة.
سيوافيك أنّ مصبّ القاعدة الآتية، أعني:«أنّ كلّ مَن يسمع قوله في المرافعة فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً»، إنّما هو المرافعات والدعاوي، وأمّا هذه القاعدة فلا صلّة لها بالمرافعة، نعم ربّما يكون قول شخص موضوعَ أثر لشخص آخر ولا تعلم صحّة قوله إلاّ من قبل نفس هذا الشخص، ففي هذا المقام يقبل قوله بلا يمين. وبما مرّ في القاعدة السابقة من أنّ الموضوع فيها من له منصب ومقام، يظهر الفرق بينها وبين هذه القاعدة فإنّ الموضوع هنا

صفحه 42
مجرّد كونه لا يعلم إلاّ من قبله دون أن يكون له عنوان خاص كالولاية والوكالة.
كما يظهر الفرق بين هذه القاعدة الّتي لا تحتاج إلى اليمين وبين القاعدة الآتية، وهو وجود المرافعة فيها الّتي لا تقطع إلاّ باليمين، وعدمها في هذه القاعدة فهي لا تحتاج إليه.

خلط صاحب العناوين تبعاً للمسالك بين أمثلة القاعدتين

ولا يخفى أنّ صاحب العناوين مع أنّه جعل القاعدتين مختلفتين لكنّه خلط إحداهما بالأُخرى، في مقام الاستدلال مثلاً يستدلّ في المقام بقوله: إنّ ظاهر قوانين الشرع كلّ شيء فيه مخرج من الشرع وإلاّ فوجود شيء من التنازعات لا مخرج له شرعاً ولا مخلص، غير معلوم، كيف والشرع مبني على قطع الخصومات وطي الحكومات .1
ترى أنّ هذا الاستدلال أنسب بالقاعدة الآتية لا في المقام.

تطبيقات القاعدة

وأفضل الأمثلة لهذه القاعدة الموارد التالية:
1. سماع قول النساء في الطهر والحيض والعدّة ووجود البعل وعدمه، ودعوى المحلّلة الإصابة.
2. لو أعطى صاحب النصاب في الزكاة أزيد ممّا عليه وادّعى الغلط، فيقبل قوله ولا يحمل على التبرّع.

1. العناوين: 2 / 619، برقم 79 .

صفحه 43
3. إذا ادّعت المرأة المستطيعة عدم الخوف على نفسها في الحج وأنكر الزوج.
إلى غير ذلك من الموارد التي لا يُعلم صدق الكلام فيها إلاّ من قبل القائل.

مصدر القاعدة وأدلّتها

يدلّ على القاعدة ما يلي:
1. ما يظهر من الأصحاب في غير واحد من الموارد أنّهم يستدلّون على حجّية قول القائل بأنّه لا يعلم إلاّ من قبله، أو أنّه شيء لا يعلم إلاّ من جانبه، وكأنّ التعليل مورد قبول لهم.
2. إذا ادّعى الغاصب تلف المغصوب يقبل قوله معلِّلين بأنّه لو لم يقبل قوله لزم تخليده في الحبس ، حيث لا يتمكّن من الإثبات، ولعلّه في الواقع صادق ويأتي هذا التعليل في المقام.
3. الاستدلال بما ورد من تصديق النساء في الحيض والعدّة لقولهم: «متى ادّعت صُدّقت» وإليك ما ورد في ذلك:
أ. روى الكليني عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «العدّة والحيض للنساء إذا ادّعت صُدّقت»1.
ب. وروى عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ
أمير المؤمنين (عليه السلام)قال في امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد
ثلاث حيض، فقال: كلّفوا نسوة من بطانتها أنّ حيضها كان فيما مضى على

1. الوسائل: 1، الباب 47 من أبواب الحيض، الحديث 1 .

صفحه 44
ما ادّعت؟ فإن شهدن صدّقت، وإلاّ فهي كاذبة».1
والأمر بتكليف نسوة من بطانتها ليتعرفن على حالها في الأشهر السابقة، لأجل أنّ قولها على خلاف العادة بكثير، وإلاّ لصدّقت بلا امتحان.
***
تمّ الكلام في قاعدة
كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل
صاحبه فيصدّق قوله فيه

1. الوسائل: 1، الباب 46 من أبواب الحيض، الحديث 3.

صفحه 45
القواعد الفقهية
قاعدة: كلّ من يُسمع قوله في المرافعة فعليه اليمين مدّعياً أو منكراً   
      3

قاعدة

كلّ مَن يُسمع قوله في المرافعة

فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً

مورد القاعدة عبارة عمّن يُسمع قوله في المرافعة من غير فرق بين أن يكون مدّعياً أو منكراً، فلا يسمع قول هذا الشخص إلاّ باليمين .
نماذج من موارد القاعدة، وفيه الإشارة إلى وجود الخلط في الأمثلة المذكورة في «المسالك» و«العناوين».
دليل القاعدة:
1. النصوص الواردة في موارد القاعدة.
2. أقلّ مراتب إثبات الدعوى في اليمين، فكيف تقبل بلا يمين.
3. مقتضى الأصل هو ضمّ اليمين.
حُكي عن الشيخ الرئيس أنّه قال: من قبل كلام أحد بلا دليل وبرهان فقد خرج عن الفطرة الإنسانيّة، ولذلك نرى أنّ أصحاب النبوّات لمّا ادّعوا المقام السامي لأنفسهم طُولبوا بالدليل والبرهان فأجابوا بالمعاجز والكرامات والبراهين والبيّنات، ومن فروع هذه القاعدة أنّ من يسمع قوله في المرافعة فلا يُسمع إلاّ باليمين من غير فرق بين أن يكون مدّعياً أو منكراً، ولهذه القاعدة موارد:
1. إذا لم تكن للمدّعي بيّنة، فلا يقبل قول المنكر إلاّ باليمين.

صفحه 46
2. إذا نكل المنكر عن اليمين وردّها إلى المدّعي بإذن القاضي فلا يقبل قول المدّعي إلاّ باليمين.
3. إذا كان هناك ادّعاء وترافع ولكن لا يُعلم إلاّ من قبل المدّعي فلا يقبل قوله إلاّ باليمين.
وقد مرّ أنّ هذه القاعدة غير القاعدة المعروفة:«من أنّ كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل صاحبه، فيصدّق قوله فيه» وذلك لأنّ هذه القاعدة تركّز على الدعوى والمرافعة بخلاف القاعدة السابقة، فربّما يسمع قوله وإن لم يكن هناك ادّعاء وترافع .
وعلى ضوء ما ذكرنا ظهر أنّ قسماً من الأمثلة الّتي وردت في «العناوين» تبعاً لصاحب المسالك لا صلة له بهذه القاعدة حيث يقول: وكذلك سماع قول النساء في الطهر والحيض وفي العدّة ووجود البعل وعدمه، لأنّ ما ذكره خارج عن مصبّ القاعدة، وإنّما هو إخبار عن شيء لا يعلم إلاّ من قبل المخبر، نعم ربما يكون قوله موضوعاً لشخص آخر .

نماذج من موارد القاعدة

وإليك أمثلة حول القاعدة الّتي نرى فيها وجود الترافع والدعوى:
1. من اتّهم بالسرقة وادّعى هبة المالك ليسلم من القطع. فاليمين يكفي في إسقاط القطع وأمّا حكم المال فهو تابع لقاعدة: البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر.
2. إذا ادّعى الإكراه بالإقرار بالزنا أو ما يوجب الحدّ. وما يقال: لا يمين في الحدود، لا صلة له بالمقام، إذ اليمين في المقام لدفع الحدّ لا لإثباته.

صفحه 47
3. إذا اتّهم بالقذف وأنكره. ويأتي فيه ما ذكرنا في المثال المتقدّم.
4. إذا ادّعى المشتري تقدّم العيب على العقد، والبائع غير جازم بأحد الطرفين، وإلاّ يدخل الموضوع في المتداعيين.
وهذه الأمثلة ممّا ذكره الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام» وقد أنهاها إلى اثنين وعشرين مورداً، تركنا كثيراً منها لخروجها عن موضوع بحثنا.1
وذكر صاحب «العناوين» أمثلة نقتبس منها ما يلي:
5. إذا أنكح الولي الصغيرين، وبلغ أحدهما ورضى بالعقد لكن مات قبل بلوغ الآخر وترك مالاً، فإن بلغ الزوج الآخر وأجاز العقد يسمع قوله بشرط أن يحلف على أنّه ما دعاه إلى الإجازة الطمعُ في الميراث.
6. إذا ادّعت الزوجة جنساً خاصّاً في فدية الخلع وأنكره الزوج.2
7. لو أسلم الذمّيّ وزنا بالمسلمة وادّعى تقدّم إسلامه على الزنا حذراً من القتل، لأنّ الذمّيّ إذا زنا بالمسلمة يقتل.
8 . لو ادّعى صاحب النصاب إبداله في أثناء الحول .
9. لو خُرص عليه فادّعى النقصان.
10. لو ادّعى الذمّيّ الإسلام قبل الحول، ] لتسقط منه الجزية [، قُبل قوله ولا يمين، ثم قال (المحقّق): أمّا لو ادّعى الصغير الحربي الإنبات بعلاج لا بسن، ليتخلّص عن القتل، فيه تردّد، ولعلّ الأقرب أنّه لا يقبل إلاّ مع البيّنة .3

1. لاحظ: مسالك الأفهام: 13 / 500 ـ 503 .
2. العناوين: 2 / 619 برقم 79.
3. شرائع الإسلام: 4 / 91 .

صفحه 48
الظاهر أنّ هذه الموارد لا تقبل إلاّ مع اليمين، وذلك لأنّ فصل الدعوى المسموعة لابدّ أن يكون إمّا بالبيّنة أو باليمين، وبما أنّ البيّنة غير موجودة فيتعيّن اليمين، فلا وجه لدعوى عدم اليمين، مع كون الدعوى ماليّة، خصوصاً مع وجود عامل الصدقات المنصوب من قبل الإمام أو الحاكم، فالظاهر أنّ ما ذُكر من مصاديق هذه القاعدة، وإن ذكره الشهيد الثاني ضمن قاعدة سابقة هي: سماع قول من لا يعلم إلاّ من قبله، وأمّا ما في بعض الأخبار من أمر الإمام بتصديق المالك إذا ادّعى عدم الزكاة عليه،1 فإنّما هو في صورة عدم علمه بوجوبها عليه، وأمّا مع الدعوى على سبيل الجزم بتعلّق الزكاة عليه، لا وجه لعدم اليمين، مع أنّ من القواعد عندهم أن كلّ من يقبل قوله فعليه اليمين.
وعلى كلّ تقدير فلو كانت دعوى فلا تقطع إلاّ باليمين، وإلاّ فيقبل قوله.

دليل القاعدة

إذا علمت هذا فلنذكر دليل القاعدة، فقد استدلّ على القاعدة بوجوه:
الأوّل: ما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن غلام وجارية زوجّهما وليّان لهما، وهما غير مدركين، قال: فقال: «النكاح جائز، أيّهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلاّ أن يكونا قد أدركا ورضيا».
قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر، قال: يجوز ذلك عليه إن هو ] الآخر [ رضي.
قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية، ورضي النكاح، ثمّ مات

1. لاحظ : الوسائل: 7، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 و5 و7 .

صفحه 49
قبل أن تدرك الجارية، أترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه حتّى تدرك، وتحلّف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث، إلاّ رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر».
قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت، أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا، لأنّ لها الخيار إذا أدركت، قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك، قال: يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام، والمهر على الأب للجارية.1
وقال في «العناوين»: ما ورد صريحاً في بعض روايات المسألة من التعليل بأنّه لا يستطيع أن يشهد عليه على ما رواه بعض مشايخنا المعاصرين وإن لم أعثر عليه في كتب الأخبار لقلّة التتبع .2
ولو أنّ المتتبّع عثر على هذه القضية الكلّية لكانت دليلاً على المسألة، ولكن ياللأسف لم يقف عليه صاحب العناوين ولا المعلّقين على هذا الكتاب، والمهم إلغاء الخصوصية من هذه الرواية الّتي ذكرناها .
الثاني: أنّ الإسلام بصدد قطع الخصومات ورفع المرافعات ففي هذه الموارد إذا لم يسمع قول المدّعي ولم يتمكّن من إقامة البيّنة يبقى الترافع والتشاجر بحاله، ومن المعلوم أنّه ليس مورد رضا الشارع.
الثالث: الاستدلال بالأولوية، وتوضيحه: إذا توقّف سماع قول المنكر على اليمين، فسماع قول المدّعي أولى بأن يتوقّف على اليمين; لأنّ قوله

1. الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 .
2. العناوين: 2 / 620 برقم 79.

صفحه 50
أضعف من قول المنكر، فكيف يعقل سماع قوله بلا حجّة أصلاً، مع أنّ قول الأقوى لا يسمع إلاّ بحجّة .
الرابع: دعوى تنقيح المناط والمساواة وهو عدم الفرق بين المنكر والمدّعي، فإذا ثبت في المنكر ففي المدّعي كذلك. وهذا غير الدليل الأوّل المبني على إلغاء الخصوصية من النص، وأمّا هذا الدليل فهو مبني على إلغاء الخصوصية عن المنكر وعطف المدّعي عليه .
فيصحّ للفقيه أن يدّعي أنّ كلّ مورد كان فيه اتّهام فلا يرتفع إلاّ باليمين.
أضف إلى ذلك: أنّ المقام من قبيل الشكّ في المحصّل، فإنّ القضاء أمر بسيط يتحقّق بالبيّنة واليمين وعلم القاضي وغير ذلك، ونحن نشكّ في كفاية سماع قول المدّعي في القضاء الشرعي أو لا؟ فمقتضى القاعدة ضم ما يحتمل أن يكون شرطاً أو جزءاً له، وإلاّ فالشكّ في بقاء ادّعاء المدّعي وإنكار المنكر بحاله، باق.
***
تمّ الكلام في قاعدة
كلّ مَن يسمع قوله في المرافعة
فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً.
قاعدة: حجيّة قول ذي اليد   

صفحه 51
القواعد الفقهية
      4

قاعدة

حجّيّة قول ذي اليد1

تمهيد حول تقارب هذه القاعدة مع قواعد ثلاث.
ملاكات القواعد الأربع.
أقوال العلماء حول القاعدة.
دليل القاعدة.
قول ذي اليد أمارة وليس أصلاً.

تمهيد

قبل الدخول في صلب الموضوع نشير إلى أمر ربّما يخفى على المبتدئ وهو أنّ هنا قواعد عديدة متقاربة المضمون لكنّها مختلفة:
1. حجّية قول ذي اليد في الطهارة والنجاسة والتذكية وعدمها سواء أكان مالكاً أم لا.
2. حجيّة قول مَن لا يعلم إلاّ من قبله، ككون المرأة ذات زوج أو لا؟

1. هناك قاعدتان أُخريان تشتركان مع هذه القاعدة ، وهما:
أ. قاعدة اليد، ويراد بها كون اليد أمارة الملكية.
ب. قاعدة: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي، وهي من أدلّة الضمان بالمثل والقيمة. وواضح أنّ هاتين القاعدتين تختلفان عن القاعدة الّتي نحن بصدد دراستها.

صفحه 52
3. حجّية سوق المسلمين في التذكية.
4. كلّ مدّع يسمع قوله، في المرافعة فعليه اليمين.

ملاكات القواعد الأربع

إنّ الموضوع في كلّ واحدة من هذه القواعد هو غيره في الآخر. فالموضوع في الأُولى، قول المستولي على الشيء فيعمّ قول المستعير في كون الثوب طاهراً أو لا؟
والموضوع في الثانية قول من لا يعلم إلاّ من قبله، مثل كون المرأة ذات زوج أو لا؟
والموضوع في الثالثة سوق المسلمين وإن لم يعرف البائع.
والموضوع في الرابعة قول المدّعي في مقابل المنكر.
ولذلك عدّت قواعد أربع مختلفة على رغم تقاربها في المضمون.
وقد مرّ الكلام في القاعدة الثانية والرابعة ضمن القاعدة 2 و3، والقاعدة الثالثة سوف تأتي لاحقاً برقم 7. وإليك الكلام في القاعدة الأُولى .
أقوال العلماء حول القاعدة
1. قال العلاّمة: ولو أخبر الفاسق بنجاسة مائه أو طهارته، قبل .1
2. قال صاحب الجواهر: وكالبيّنة في القبول عندنا، إخبار صاحب اليد المالك بنجاسة ما في يده وإن كان فاسقاً كما في المنتهى والقواعد والموجز وكشف الالتباس وظاهر كشف اللثام، بل عن الذخيرة أنّه المشهور بين

1. قواعد الأحكام: 1 / 190. كون صاحب اليد مالكاً أمر غير لازم بل يكفي الاستيلاء كما في كلام السيد الطباطبائي(قدس سره).

صفحه 53
المتأخّرين، كما في الحدائق أنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق عليه.1
3. قال السيد الطباطبائي اليزدي: إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت، كفى في الحكم بالنجاسة، وكذا إذا أخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه، بل وكذا لو أخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته.
4. وقال أيضاً: لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أو عادلاً بل مسلماً أو كافراً.
وقال أيضاً في اعتبار قول صاحب اليد: إذا كان صبيّاً إشكال، وإن كان لا يبعد إذا كان مراهقاً.2
5. قال المحقّق الهمداني: وتثبت النجاسة بإخبار صاحب اليد على المشهور كما ادّعاه بعض، بل يظهر من غير واحد على ما حكي عنهم عدم الخلاف فيه. وعمدة المستند في اعتبار قول ذي اليد هي السيرة القطعية واستقرار طريقة العقلاء على استكشاف حال الأشياء وتمييز موضوعاتها بالرجوع إلى مَن كان مستولياً عليها متصرّفاً فيها، وفي جملة من الأخبار إيماء إليه، ولا يبعد أن يكون هذا مدرك القاعدة المعروفة الّتي ادّعي عليها الإجماع بأنّ «مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به»، إذ الظاهر أنّ المراد بأنّ القاعدة أنّ مَن كان مستولياً على شيء ومتصرّفاً فيه، قوله نافذ بالنسبة إليه، فكيف كان فربما يظهر من بعض الأخبار الواردة في العصير عدم الاعتماد على قول صاحب

1. جواهر الكلام: 6 / 176 .
2. العروة الوثقى: فصل طريق ثبوت النجاسة، المسألة: 10 و12 و13 .

صفحه 54
اليد الذي يستحل العصير بذهاب نصفه، عند إخباره بذهاب ثلثيه، ولعلّه محمول على الاستصحاب، ولا يبعد الالتزام به في خصوص مورده، بل في كلّ مورد يكون ظاهر حال المخبر مكذّباً لقوله.1

دليل القاعدة

ويمكن الاستدلال على القاعدة بما يلي:
1. ما أشار إليه المحقّق الهمداني من القاعدة المعروفة: « مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به» فإنّ الظاهر من كان مستولياً على شيء ومتصرّفاً فيه، نافذ قوله فيه، فتأمّل.
2. سيرة العقلاء من الأخذ بقول صاحب اليد فيما يرجع على ما استولى عليه.
3. الروايات، وهي:
أ. ما رواه عبدالله بن بكير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أعار رجلاً ثوباً فصلّى فيه وهو لا يصلّي فيه؟ قال: «لا يُعلمه»، قال: قلت: فإن أعلمه؟ قال: «يعيد».2
ب. ما رواه معاوية بن وهب وغيره، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في جرذ مات في زيت، ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به».3

1. مصباح الفقيه: 8 / 172، وقد نقلناه بطوله لما فيه من الفوائد. وليس في كلامه ما يشعر بوحدة القاعدتين بل يصرّح بوحدة المبنى، فتدبّر.
2. الوسائل: 1، الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3 .
3. الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .

صفحه 55
ج. ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن حمران قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): اشترينا طعاماً فزعم صاحبه أنّه كاله فصدّقناه وأخذناه بكيله، فقال: «لا بأس»، فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل. قال: «لا، أمّا أنت فلا تبعه حتّى تكيله».1
ولا ينافي حجّية قوله مع عدم جواز بيعه إلاّ بالكيل، وذلك لأنّ ظاهر حال البائع الثاني أنّه كاله بنفسه لا اعتماداً على كيل البائع الأوّل. وبما أنّه لم يكن كذلك فعليه أن يكيله بنفسه.
ونظير ذلك الرواية التالية.
د. ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يشتري الطعام، اشتريه منه بكيله وأُصدّقه؟ فقال: «لا بأس، ولكن لا تبعه حتّى تكيله».2
هـ . ما رواه زرارة قال: اشتريت جارية بالبصرة من امرأة فخبّرتني أنّه لم يطأها أحد فوقعت عليها ولم استبرئها، فسألت عن ذلك أبا جعفر (عليه السلام)فقال: «هو ذا أنا قد فعلت ذلك وما أُريد أن أعود»3.
والملاك كما تقدّم هو الاستيلاء على الشيء الذي يلازم اطّلاعه على حاله.
وقد عرفت أنّ موضع القاعدة خلوّ موردها عن الترافع والدعوى، وإلاّ فيرجع إلى القاعدة الأُخرى.

1. الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4.
2. الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 8 .
3. الوسائل: 14، الباب 7 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.

صفحه 56
كما أنّ جواز الشراء من سوق المسلمين لا صلة له بهذه القاعدة، فإنّ المعتمد فيه هو سوق المسلمين.
وعلى كلّ تقدير فإنّ ما يعتمد على قول ذي اليد إذا لم يكن غير مبال في اخباره، أو لم يكن فعله مكذّباً لقوله، بل كفى في ذلك كونه صاحب اليد وإن لم تُحرز عدالته ووثاقته بل إسلامه.

قول ذي اليد أمارة وليس أصلاً

الظاهر أنّ قول ذي اليد فيما استولى عليه من باب الطريقية إلى الواقع وليس من باب التعبّد المحض، وتدلّ على ذلك سيرة العقلاء فإنّ اعتمادهم عليها من باب الكاشفية، ولذلك قلنا بسقوط قوله إذا كان غير مبال أو متهماً في شهادته، أو مكذِّباً قوله فعله.
نعم لا يعتبر فيه العدالة والوثاقة، وإلاّ فيخرج من هذا الباب لأنّ الاعتماد في المقام إنّما هو على الاستيلاء وكونه خبيراً عن حال الشيء لا على الوثاقة والعدالة.
والذي يكشف عن ذلك ما دلّ على أنّ العصير المطبوخ إذا أتى به مَن يشربه بغير الثلثين بل النصفين، لكنّه أخبر بأنّه قد ذهب ثلثاه، لا يؤخذ بقوله، لأنّ فعله يكذّب قوله، حسب ما رواه معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث، وأنا أعرف أنّه يشربه على النصف، أفأشربه بقوله، وهو يشربه على النصف؟ فقال: «لا تشربه»، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث، ولا يستحلّه على النصف، يخبرنا: أنّ عنده بختجاً

صفحه 57
على الثلث، قد ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، يشرب منه؟ قال: «نعم».1
نعم تُقدّم البيّنة على قول ذي اليد لأنّها أقوى منه، كيف وفي المرافعات يقدّم صاحب البيّنة على قول ذي اليد، فيقدّم في المقام بطريق أولى.
***
تمّت قاعدة
حجّية قول ذي اليد

1. الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4.

صفحه 58
القواعد الفقهية
      5
قاعدة: اليد أمارة الملكية   

قاعدة

اليد أمارة الملكية

ما هو المقصود من اليد في القاعدة؟
ما هو الوجه لاتّفاق العقلاء على أمارية اليد؟
مبدأ نشوء الملكية في المجتمع
ما هو الدليل على حجّية اليد على الملكية؟
الاستدلال بطوائف من الروايات على القاعدة
حجّية اليد عند الاستيلاء على الحقوق
حجّية اليد عند الاستيلاء على الأعراض
حجّية اليد عند الاستيلاء على المنافع
حجّية اليد إذا جهل عنوان الاستيلاء
حجّية اليد إذا عُلم عنوانها حدوثاً لابقاءً
تفصيل السيد صاحب العروة في الموقوف
مدّعي الملكية في مقابل ذي اليد وله صور
في تحليل الحوار الدائر بين الإمام علي(عليه السلام) وأبي بكر
في جواز الشهادة بالملك مستنداً إلى اليد
في تعارض البينتين المتلاحقتين
في تعارض اليد الحاليّة مع اليد السابقة
في مستثنيات القاعدة
نسبة اليد إلى الأُصول وسائر الأمارات

صفحه 59

تمهيد

اعلم أنّ «قاعدة اليد» غير «قاعدة على اليد»، فيراد بالأولى أنّ اليد أمارة على الملكية، ويراد بالثانية أن الاستيلاء على مال الغير يوجب الضمان، فالقاعدتان متمايزتان بالذات، وقد مرّت قاعدة ثالثة تشتمل أيضاً على لفظ «اليد» وهي «حجّية قول ذي اليد على ماكان تحت استيلائه سواء أكان مالكاً أم غير مالك».
إذا عرفت ذلك فلندرس القاعدة، وتحقيق المقام يتوقّف على البحث في جهات:

الأُولى: ما هو المقصود من اليد في القاعدة؟

اليد في اللغة هي الجارحة ولكن استعيرت في المقام للاستيلاء وما ذلك إلاّ لأنّ الاستيلاء يتحقّق غالباً باليد دون سائر الأعضاء، ولذلك نرى أنّه سبحانه ينسب المعاصي إلى اليد مع أَنّها ربّما تتحقّق باللسان والعين والسمع والرجل، قال سبحانه: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)1. وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)2 ومن المعلوم أنّ الأسرى لم يكونوا في أيديهم بل كانوا تحت سلطنتهم، فاليد كناية عنها.
والذي يوضح ذلك أنّ الإمام علياً(عليه السلام) يعبر عن استيلاء المجاهدين على الغنائم بالاجتناء باليد مع أنّ الاستيلاء ربما يتمّ بغير اليد، فيقول لعبدالله بن

1 . آل عمران : 182.
2. الأنفال:70.

صفحه 60
زمعة: «إنّ هذا المال ليس لي ولا لك، فإن شركتَهم في حربهم كان لك مثل حظّهم، وإلاّ فجناة أيديهم لا تكون لغير أَفواههم».1
ولذلك نرى أنّ الفقهاء عبّروا باليد عن الاستيلاءات المختلفة، فالاستيلاء على الفرس بالركوب عليها لابوضع اليد، كما أنّ الاستيلاء على المعدن بشكل آخر، وعلى كلّ تقدير فالموضوع هو الاستيلاء سواء أكان لليد فيه دور أم لا.

الجهة الثانية: ما هو الوجه لاتّفاق العقلاء على أمارية اليد؟

اتّفق العقلاء على حجّية اليد وأنّها أَمارة الملكية، إذ من المتعذّر أن يقيم كلّ إنسان شاهداً على ملكية ما تحت يده أو أن يسجِّل كلّ ما يستولي عليه في الدوائر الرسمية، وقد أمضاها الشارع حسب ما عليه العقلاء; وذلك لأنّ الطابَع الغالب للاستيلاء في المجتمعات هو الاستيلاء بأساليب قانونية، فصار ذلك سبباً لاعتبار العقلاء الاستيلاء، دليلا على الملك وإمضاء الشارع له.
والعجب ممّا ذكره الماوردي حيث قال: اليد توجب إثبات التصرّف ولا توجب إثبات الملك.2
كيف يقول ذلك مع أنّ العقلاء قاطبة على خلاف هذا القول، بل يمكن أن يقال: إنّ اليد تثبت الملكية لكن لا تثبت جواز التصرّف إذا كان موجباً للضرر والضرار على الغير، ولذلك اشترطوا فيمن يحفرالبئر أن يكون بينه وبين بئر الآخرين حدّ خاص في الأرض الصلبة والرخوة.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 232.
2 . أدب القاضي: 2/236.

صفحه 61
نعم المجتمع الذي ساد فيه الاستيلاء بالظلم والنهب على نحو كان الاستيلاء بهما قد غلبَ الأُسلوب الصحيح، لا تعد اليد دليلا على الملكية. فالسيرة القطعية قبل الإسلام وبعده المتحقّقة زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين(عليهم السلام)وعدم ردعها، أفضل دليل على حجّيتها حتى جاء في بعض الروايات أنّه: لولا حجّية اليد لما قام للمسلمين سوق، وسيوافيك بيانه.

الجهة الثالثة: مبدأ نشوء الملكية في المجتمع

و الذي تنبغي الإشارة إليه هو مبدأ ظهور الملكية في المجتمع البشري.
الظاهر أنّ مبدأها هو الحيازة، فالإنسان البدائي كان يحتاج إلى طعام وهو على شواطئ الأنهار، أو في الغابات، فيذهب إلى اصطياد الأسماك لنفسه من الأنهار أو البحر أو يصطاد الطيور، وهو يرى نفسه أولى بما اصطاده واستولى عليه، فلو زاحمه آخر يراه ظالماً ومتعدّياً على حقّه.
ثم إذا كان ممّا بيده أكثر ممّا يحتاج، وكان بيد الآخر الذي هو مثله شيء آخر ربما يتبادلان فيعطي هو شيئاً ممّا حازه في مقابل ما يأخذ من الآخر ممّا حاز، فصار ذلك مبدأ لاعتبار الملكية وقضاء اليد عليها، واستمرت هذه السيرة إلى نشوء الحضارات واحدة بعد أُخرى إلى أن أتى عصر الرسالة، وتلقوها بالقبول. ولهذا قالوا: الحيازة أم الممّلكات.

الجهة الرابعة: ما هو الدليل على حجّية اليد على الملكية؟

إذا وقفت على مبدأ حدوث الملكية، فأعلم أنّ سيرة العقلاء جرت على جعل الاستيلاء دليلاً عليها من بدو طلوع ظاهرة الملكية عن طريق الحيازة إلى عصر الرسالة وبعدها، فلا نجد أحداً يشكّ في كونها دليلاً عليها إلاّ إذا

صفحه 62
قامت القرينة على الخلاف.

الاستدلال بطوائف من الروايات على القاعدة

لكن لمّا كانت السيرة دليلا لبيّاً ففي الموارد المشكوكة لايمكن التمسّك بها، ولكن لنا أن ندرس الروايات الواردة حولها.
و هي على طوائف:

الطائفة الأُولى: ما هو ظاهر في اعتبارها فقط

وهي ثلاث روايات:
1. مارواه العيص بن القاسم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن مملوك ادّعى أنّه حرّ، ولم يأت ببيّنة على ذلك، أشتريه؟ قال: «نعم».1
والحديث يدلّ على أَنّ هنا يداً مستولية على المملوك ولكنّه يدّعي حرّيته، فلا يُسمع قوله لأنّ الاستيلاء حجّة مالم يكن في مقابله حجّة أقوى كالبيّنة.
2. مارواه حمزة بن حمران، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : أدخل السوق وأُريد اشتري جارية، فتقول: إنّي حرّة؟ فقال: «اشترها إلاّ أن تكون لها بيّنة».2والاستدلال بها مثل ما في الرواية السابقة.
3. مكاتبة محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمد(عليه السلام): رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى

1 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.
2 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2.

صفحه 63
قريته الماء في غير هذا النهر ويعطِّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقّع(عليه السلام) : «يتّقي الله، ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضرّ أخاه المؤمن».1 فإنّ وجود الرحى في مسير النهر بحيث يجري الماء على رحاه ثم يخرج منه دليل على استيلائه وهو يلازم أنّ له حقّ الانتفاع بالماء.
وأنت ترى أنّه لايستفاد من جواز الاشتراء على ما في الروايتين الأولتين أو المنع عن تغيير النهر، إلاّ اعتبارها، وترتيب الأثر عليها.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على كونها أمارة للملكية

وهي أربع روايات:
4. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عن الدار يوجد فيه الورق؟ فقال: «إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».2
5. وفي رواية أُخرى له عن أحدهما(عليهما السلام) في حديث قال: وسألته عن الورق يوجد في دار؟ فقال: «إن كانت الدار معمورة فهي لأهلها، وإن كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت».3 ولعلّها نفس الرواية السابقة غير أنّ المسؤول في الأُولى مشخّص وهو أبو جعفر(عليه السلام) دون الأُخرى.
6. صحيحة جميل، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : رجل وجد في منزله ديناراً؟ قال: «يَدْخل منزلَه غيرُه؟» قلت: نعم، كثير، قال: «هذا لقطة».

1 . الوسائل: 17، الباب 15 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.
2 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 1.
3 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

صفحه 64
قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً؟ قال: «يُدخِل أحد يدَه في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئاً؟»
قلت: لا، قال: «فهو له».1
قوله: «غيره» بدل من «أحد».
ترى أنّ الإمام فرّق بين الدار غير المختصة لأهلها، فجعل الورق الذي يوجد فيها لقطة، لعدم دلالة اليد في تلك الحال على الملكيّة، لكثرة تردّد الأفراد واختلافهم إليها، كالديوانية للعلماء، وبين الصندوق الذي لايُدْخل غيرُ المالك يدَه فيه فجعله له، فقوله: «فهو له» ظاهر في الملكية.
7. عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في امرأة تموت قبل الرجل، أو رجل قبل المرأة؟ قال: «ماكان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومَن استولى على شيء منه فهو له».2
ترى أنّ الإمام(عليه السلام) جعل الاستيلاء دليلاً على الملكية، ثم إنّ في الضمير المتّصل في قوله: «ومَن استولى على شيء منه فهو له» وجهان:
1. أنّه يرجع إلى مطلق المتاع حتى وإن كان من مختصّات النساء، واللام

1. الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب اللقطة، الحديث 1. ولاحظ مستدرك الوسائل: 17/128، الباب 4 من أبواب اللقطة، الحديث 1، رواية القاضي نعمان المصري عن أمير المؤمنين(عليه السلام); ولاحظ المقنع: 127، حيث أفتى بنص الحديث الخامس.
2. الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3. ولم يرد فيه الصنف المختص بالرجال كالسيف والقلنسوة والميزان، وكأنّه مفهوم من قرينة التقابل، ولكن وردت في الرواية الناقلة لفتوى إبراهيم النخعي، لاحظ: الحديث 1 من ذلك الباب. فقد اعتمد الإمام فيه على أنّ متاع البيت للمرأة على الشهود الذين رأوا أنّ المتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الزوج لا على اليد.

صفحه 65
في قوله: «له» للملكية، فالاستيلاء دليل الملكية مطلقاً حتى في مختصّات النساء.
و إنّما يستدلّ بالخصوصية إذا لم يكن لأحدهما استيلاء، وعليه فما يختصّ بالرجل فهو له وما يختصّ بالمرأة فهو لها، إلاّ إذا استولى أحدهما عليه.
2. أنّ الضمير عائد إلى خصوص متاع البيت المشترك الذي حكم فيه الإمام بالتقسيم بالمناصفة وأنّ الاشتراك دليل على ملكيتهما لولا استيلاء واحد منهما على شيء منه فهو للمستولي، وعلى ذلك فيستدلّ بالاستيلاء بعد إخراج ما يختصّ بأحدهما، على نفي الاشتراك.
وقد ذكر المحقّق النائيني الرواية بالنحو التالي: «مَن استولى على شيء فهوله» وجعلها رواية عامّة في غير متاع البيت،1 ولكن الظاهر أنّ الرواية ناظرة إلى متاع البيت، اللّهمّ إلاّ إذا ساعد العرف على إلغاء الخصوصية بأنّ الملاك هو الاستيلاء سواء أكان المستولى عليه متاع البيت أو غيره.
والعجب ممّن يفسّر قوله: «فهو له» على ترتيب آثار الملكية على ما استولى عليه ومع ذلك يقول: إنّ هذا المعنى يجتمع مع الأمارية والأصلية.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر منه أنّه ملك له واقعاً لأجل الطريق لا أنّه يُبنى على كونه مالكاً ويؤخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه الواقع كما هو حال الأصل المحرز.
هذا بعض ما وقفنا عليه من الروايات الدالّة على الملكية، وفي الحوار

1. لاحظ: أجود التقريرات: 2/456.

صفحه 66
الذي دار بين الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وأبي بكر عندما سأل الإمام عن بيّنته على ملكية «فدك» الّتي كانت تحت يد الإمام(عليه السلام)، ما يدلّ على أنّ اليد أمارة الملكية.1

الطائفة الثالثة: ما يستشم منه كونها أصلا

وفيها ثلاث روايات:
8. ما رواه حفص بن غياث، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال: «نعم».
قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره؟
فقال أبو عبدالله(عليه السلام): «أفيحلّ الشراء منه؟» قال: نعم، فقال أبو عبدالله(عليه السلام): «فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى مَن صار ملكه من قبله إليك؟».
ثمّ قال أبو عبدالله(عليه السلام): «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».2
وجه الاستدلال: أنّ الإمام(عليه السلام) علّل تنفيذ اليد بأنّه لولاه يلزم العسر والحرج فأنفذها الشارع لرفع الحرج، وهذا يناسب كونها أصلا.
ولكن الإمعان في صدر الرواية يعرب عن كونها أمارة عند الإمام، لأنّ شبهة السائل كانت ناشئة عن كون الشهادة مأخوذة من الشهود وهو المعاينة، والذي يعاينه الإنسان كونه في يده لا أنّه ملْكُه. فأجاب الإمام بأنّه إذا اشتريت

1. الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3. وسيوافيك الكلام فيه.
2 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.

صفحه 67
منه هل يصحّ لك أن تقول ملكتُ وهل يصحّ أن تحلف على أنّك مالك؟! فإذا جازت الشهادة على ملكية المشتري وجاز الحلف عليها، فلِمَ لا تجوز الشهادة على الأصل وهو ملكية البائع، مع أنّ ملكية المشتري فرع ثبوتها للبائع، فهل يصحّ أن يُشهد على الفرع دون الأصل؟
ولمّا كانت شبهة الراوي في جواز الشهادة على الملكية لأجل تصوّر أنّ الشهادة لا تجوز إلاّ على الأمر الواقعي وهو بعد لم يثبت، أوضح الإمام بأنّ الشهادة تجوز بأحد أمرين:
أ : العلم الجزمي، وهو منتف في المقام.
ب : باليد والاستيلاء بشهادة أنّ الرجل بعد الشراء يعرّف نفسه مالكاً ويحلف عليه، وليس هذا إلاّ كون اليد أمارة عليها في كلا الموردين.
وأمّا تعليل الشهادة على الملكية باختلال أمر الحياة عند عدم التنفيذ، فهو من قبيل الحِكمَة لا العلّة، لأنّ الحكمة في اعتبار أكثر الأمارات هو أنّ عدم تنفيذها موجب لاختلال النظام، كحجّية الظواهر وحجّية قول الثقة وحجّيّة قول أهل الخبرة والتخصّص.
9. ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك، قد اشتريته وهو سَرِقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِعَ فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».1

1. الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة، الحديث 4. وفي السند هارون بن مسلم بن سعدان،هو ثقة. ولم يوثّق مسعدة بن صدقة بالخصوص.

صفحه 68
إنّ الصدر، أعني قوله: «هو لك»، يمكن أن يكون ناظراً إلى قاعدة اليد كما يمكن أن يكون ناظراً إلى أصل البراءة، فلو جعلنا قوله: «هو لك» وصفاً لقوله «كلّ شيء»، وقولَه: «حلال» خبراً للمبتدأ يكون دليلا على قاعدة اليد فيكون المعنى: كلّ شيء مفروض أنّه لك (كالثوب والعبد) حلال حتى تعلم أنّه حرام، وعلى هذا جعل الاستيلاء في ظرف الشكّ حجّة على حلّية التصرّف، وهذا يناسب كونه أصلا.
نعم لو جعلنا قوله: «هو» ضميرَ فصل ومبتدأً ثانياً، وجعلنا قوله: «حلال» خبراً له، والجار والمجرور، أعني قوله: «لك» من متعلّقات الخبر «حلال» ينطبق على قاعدة البراءة، فيكون المعنى: «كلّ شيء هو حلال لك حتى تعلم أنّه حرام بعينه»، فعندئِذ ينطبق على أصل البراءة لا على قاعدة اليد.
فلو قلنا بالتفسير الأوّل يكون الاستيلاء في ظرف الشكّ موضوعاً للحكم بحلّية التصرّف، فيكون أصلا لا أمارة، إذ لو كان أمارة لكان طارداً للشكّ لا حافظاً له.
إنّما الكلام في تعيّن التفسير الأوّل فإنّه على خلاف الظاهر، والظاهر هو التفسير الثاني، كما عليه المشهور في تفسير الرواية. فتخرج الرواية عن الصلاحية للاستدلال.
10. روى الشيخ بسنده عن العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)ذكر أنّه لو أفضي إليه الحكم لأقّر الناس على ما في أيديهم، ولم ينظر في شيء إلاّ بماحدث في سلطانه، وذكر أن النبي(صلى الله عليه وآله) لم ينظر في حدث أحدثوه وهم مشركون، وأنَّ من أسلم أقرَّه على ما في يده».1

1. الوسائل: 18، الباب، 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.

صفحه 69
ومدلول الرواية هو إمضاء ما في أيدي الناس كما فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله)مع المشركين بالنسبة إلى ما بأيديهم عند ما أسلموا. والرواية بالنسبة إلى الصدر ظاهرة في أصل البراءة وبالنسبة إلى الأمثلة ظاهرة في قاعدة اليد. والله العالم.

الجهة الخامسة: حجّية اليد عند الاستيلاء على الحقوق

قد عرفت أنّ الاستيلاء على العين أمارة الملكية، وربّما لا تكون العين ملكاً للمستولي ولكن يكون له حقّ فيها، كحقّ الاختصاص بالخلّ المتبدَّل إلى الخمر، ومثله الميتة، فيقال: إنّ مالك الخلّ والحيوان الذي مات حتف أنفه ذو حقّ بالنسبة إلى الخمر وميتة الحيوان، فيكون الاستيلاء على العين دليلا على الاستيلاء على الحقوق; نظير ذلك، ما رواه محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمّد(عليه السلام) : رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويُعَطِّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقّع(عليه السلام) : «يتّقي الله، ويعمل في ذلك بالمعروف، ولا يضرّ أخاه المؤمن».1
فإنّ استيلاء صاحب الرحى على الانتفاع بالماء عرفاً حيث إنّه كان يمرّ عن طريق رحاه يعدّ دليلا على كونه ذا حق.
و على هذا فلو كان الحق قائماً بملك الغير كحقّ الرهانة، فاليد حجّة في مقابل الأجنبي الذي يرد حقّه، لا في مقابل المالك إذا أنكر كون المستولي ذا حق; لأنّ هذا النوع من الحقوق إذا كانت قائمة بالأعيان وكانت الأعيان ملكاً للغير، لا تكون اليد حجّة في مقابل المالك، حيث إنّ اعترافه بملكية العين

1. الوسائل: 17، الباب 15 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.

صفحه 70
للغير اعتراف بكلّ ما للعين من شؤون من جواز التصرّف وغيره، فدعوى الرهانة تخالف ذلك الإقرار.

الجهة السادسة: حجّية اليد عند الاستيلاء على الأعراض

لو تنازع شخص مع آخر في امرأة تحت يد أحدهما، أو في ولد ولد في بيته، فيحكم على المرأة بأنّها زوجة مَنْ تحت يده، وأنّ الولد ابن من ولد في بيته، وما ذلك إلاّ لأنّ وجه اعتبار اليد هو أنّ مناشئ الاستيلاء في عامّة الأعصار كانت مناشئ صحيحة خصوصاً بالنسبة للأعراض والنسب، والتخلّف بالنسبة إلى الصحيح كان أقل فاعتبر الاستيلاء على الأعراض والنسب دليلا على كونه استيلاء صحيحاً. وجريان السيرة على هذا أمر لا إشكال فيه إنّما الكلام في شمول الروايات لهذا النوع من الاستيلاء فإنّ مورد الروايات هو الأعيان والحقوق المالية، وأمّا بالنسبة للأعراض والنسب فغير شامل إلاّ بإلغاء الخصوصية.
قال السيد الطباطبائي اليزدي: إذا كانت امرأة تحت رجل وادّعى رجل آخر زوجيتها، يكون الأَوّل منكراً لكونه ذا يد عليها، والثاني مدّعياً.1

الجهة السابعة: حجّية اليد عند الاستيلاء على المنافع

إنّ الاستيلاء على المنافع دليل على كون المستولي عليها مالكاً لها في مقابل ادّعاء الأجنبي لها فيكون المستولي على المنافع منكراً والآخر مدّعياً، وأمّا إذا كان في مقابل المالك فلا يُعد استيلاؤه على المنافع كونه مالكاً لها; لأنّ

1 . تكملة العروة الوثقى: 537.

صفحه 71
اعتراف المستولي على المنافع، مع الاعتراف بكون العين ملكاً للمالك، يوجب انقلاب الدعوى، فإنّ مالكية العين تستلزم مالكية المنافع، فقد اعترف المستولي بمالكية المالك للمنافع، فيصير مدّعياً والمالك منكراً.
إذا كان متصرّفاً لدار الغير، مدّعياً أنّه استأجره مدّة سنة لا يسمع منه إلاّ ببيّنة; لأنّ الاعتراف بملكية الدار للغير، اعتراف بملكية منافعها له، ومعه لا تكون المنافع للمدّعي إلاّ بالبيّنة.
وربما يقال: عدم إمكان الاستيلاء على المنافع لأنّ المنفعة من الأُمور التدريجية غير قارّة الذات فلايوجد جزء منها إلا بعد انعدام جزء آخر، ومثل ذلك لايمكن أن يقع طرفاً للإضافة بينها وبين الإنسان لامتناع تحقّق الإضافة بين الموجود والمعدوم.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان الاستيلاء على المنافع في عرض الاستيلاء على العين، وأمّا إذا كان الاستيلاء عليها من خلال الاستيلاء على العين فلا يرد الإشكال، وكأنّ العين في نظر الفقهاء هي المنافع المتجسّدة في الخارج.
و لذلك قلنا في محلّه أنّ الإجارة عبارة عن تسليط الغير على العين لغاية الانتفاع وليست تسليطاً على المنافع مجرّدة عن تسليطه على العين، ولا تمليكاً لمنافعها كما هو المعروف، فصاحب العين يسلّط المستأجر على العين بما أنّها رمز المنافع، وبما أنّها وجود جمعي لها حتى فيما لو كانت المنفعة من الأعيان كالثمرة على الشجرة والزرع على الأرض، فإنّ الاستيلاء عليهما إنّما يتحقّق في ضمن الاستيلاء على العين ولو لمدّة مؤقتة.
ثمّ إنّ للسيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره) كلاماً في الاستيلاء على الحقوق

صفحه 72
والمنافع، فقد جعل للجميع عنواناً واحداً وقال: كما أنّ اليد أمارة على ملكية الأعيان كذلك أمارة على ملكية المنافع، وعلى الحقوق، كحقّ الاختصاص، وحقّ الانتفاع، وحقّ الاستيثاق، وحقّ التحجير ونحو ذلك، كما إذا كان مال الغير في يده فيدّعي كون منافعه له بالإجارة أو الوقفية أو نحو ذلك، أو ادّعى كونه متوليّاً على ما في يده من العين الموقوفة، أو ادّعى كون ما في يده رهناً عنده، أو كان له رحى على نهر الغير، أو كانت جذوعه على حائط الغير ونحو ذلك، لظهور الإجماع وعموم بعض ما مرّ من الأخبار، كقوله(عليه السلام): «مَن استولى على شيء منه فهوله» ونحوه، بل لاينبغي الإشكال فيه، وكما تتحقّق اليد على الأعيان فتكون أمارة على ملكيتها عيناً أو منفعة أو الاختصاص بها كذلك تتحقّق على المنافع، وإن لم تكن العين في يده، كما إذا كانت مزرعة موقوفة على العلماء أو السادات أو نحوهم، وكانت منافعها تصرف عليهم أو ترسل إليهم، وكانت العين بيد المتولي، فإنّ يدهم على منافعها، فلو ادّعاها غيرهم لاتسمع منه بلابيّنة، وهكذا في أمثال ذلك.1
وكان عليه أن يستثني من الغير مالك العين في مورد الإجارة، كما مرّ.

الجهة الثامنة: حجّية اليد إذا جهل عنوان الاستيلاء

إذا كانت اليد من أوّل حدوثها مجهولة العنوان، بمعنى أنّها لايُعلم من أوّل حدوثها أنّها يد مالكة أو يد عادية أو يد أمانة شرعية كاللقطة أو أمانة مالكية كالإجارة والعارية والوديعة، وأمثال ذلك من الأمانات المالكية، وبالجملة يشكّ في كونه مالكاً بما في يده أو لا؟ ولم يكن مدّع في قباله، فإن

1 . تكملة العروة الوثقى: 493، المسألة 2.

صفحه 73
حجّية اليد بالنسبة إلى الغير، لا إشكال فيها، وإنّما الكلام في حجّيتها بالنسبة إلى المستولي، إذا شكّ في أنّه ملكه أو لا؟ ففيه قولان:
1. عدم اعتبار اليد في هذه المواضع .
2. اعتباره مطلقاً فيها.
أمّا الأوّل: فقد اختاره المحقّق النراقي في عوائده وذهب إلى عدم اعتبارها عند شكّ المستولي، حيث قال: لو قال ذو اليد: إنّي لا أعلم أنّه ملكي أو لا، لايحكم بملكيته لأنّ الثابت من اقتضاء اليد الملكية غير ذلك المورد.1أمّا الإجماع2 فظاهر، وأمّا أخبار طلب البيّنة من المدّعي، فكذلك (ظاهر في أنّ ذا اليد جازم بأنّ العين ملكه).
ثم استدلّ بروايتين:
1. ما رواه جميل بن صالح في الصحيح عن السرّاد قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): رجل وجد في بيته ديناراً؟ قال: «يدخل منزله غيره؟» قلت: نعم كثير، قال: «هذا لقطة».
قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً، قال: «يُدخل أحدٌ يَده في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئاً؟» قلت: لا، قال: «فهو له».3
الاستدلال من وجهين:
الأوّل : حكم فيما هو في داره، الذي لايعلم أنّه له مع كونه في يده على

1. لعلّه يريد قوله (عليه السلام):«فمن استولى على شيء منه فهو له».الوسائل:17، الباب8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث3.
2. لعلّه أراد بالإجماع: السيرة.
3. الوسائل: 17، الباب، 3 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

صفحه 74
مامرّ ومستولياً عليه: أنّه لقطة....
الثاني : علّل كون ما وجد في الصندوق له، بما يفيد العلم بأنّه ليس لغيره، من عدم إدخال غيره يده فيه، ] لا بقاعدة اليد [ وهذا يدلّ على شرطية العلم في جواز التصرّف.
2. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال: «يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها».
قلت: فإن لم يعرفونها، قال: «يتصدّق بها».1
وجه الدلالة: أنّه لاشكّ أنّ الدراهم كانت في تصرّف أهل المنزل على ما عرفت، ولو أنّهم قالوا: إنا لانعلم أنّها لنا أو لغيرنا، فيصدق أنّهم لايعرفونها فلا يحكم بملكيتها لهم. ] فعدم عرفانهم صار سبباً لعدم شمول قاعدة اليد له [ .
و من ذلك يعلم أنّ اليد لا تكفي في حكم ذي اليد لأجلها لنفسه إن لم تعلم ملكيته.2
يلاحظ على الوجه الأوّل أي انصراف الأخبار إلى ما إذا كان ذواليد جازماً بأنّه مالكاً بأنه لا قصور في قوله: «مَن استولى على شيء منه فهوله» فإطلاقه يعمّ صورة الشكّ، فالإطلاق محكّم، فإن المورد غير مخصّص، نعم مورد القاعدة صورة التنازع ووجود مدّع في البين.

1 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 3.
2. عوائدالأيام: 742-743، العائدة 68.

صفحه 75
وأمّا السيرة فلا يمكن إنكارها فمن وجد في بيته شيئاً لايعرف وقت استيلائه عليه، فيتصرّف فيه إذا كان بيته بيتاً لايدخل فيه غيره.
وبعبارة أُخرى: إذا كان البيت الذي وجد فيه الشيء ولم يعلم منشأ استيلائه، من الأماكن العامّة كغرف الاستقبال أو ما يقال له (الديوانيات) لا يحكم عليه بأنّه ماله، بخلاف ما إذا كان في الغرف الخاصّة به التي لايدخلها غير صاحب البيت وأهله وعياله، فيحكم عليه بأنّه ماله.
إنّما المهم توضيح ما استدلّ به من الروايتين.
أمّا رواية جميل فقد عرفت أنّه استشهد بوجهين:
1. أنّ الإمام جعل ما وجد في منزله بحكم اللقطة فإنّ هذا لأجل خصوصية في المنزل حيث إنّه فرض أنّه يدخله غيره، وقد مرّ أنّ اليد في هذا النوع من الأماكن لا تكون دليلا على ملكية المالك. فعدم حجّية اليد ليست مستندة إلى كون المستولي شاكّاً ; بل لعدم صدق الاستيلاء التام، لأنّ المفروض أنّ الدار كانت مفتوحة للزائرين والوافدين.
2. أنّ الإمام علّل كون ما وجد في الصندوق له، بعلمه بأنّه ليس لغيره، لافتراض عدم إدخال يد الغير، وهذا يدلّ على شرطية العلم في جواز التصرّف فيه.
ففيه أنّ الإمام علّل كون ما وجد في الصندوق لصاحبه، بالاختصاص لا بعلمه بأنّه له إذ لاينا في أن يكون الصندوق مختصّاً بصاحبه، مع وضع مال الغير فيه لأنّ صاحب الصندوق ربما يضع أمانات الناس فيه، فمن المحتمل أن يكون الموجود فيه للغير، حيث أخذه منه وتركه فيه من دون أن يضع علامة. فالاختصاص لا يلازم العلم بكون الموجود فيه له.

صفحه 76
وأمّا التمسّك برواية إسحاق بن عمّار فالإجابة عنه واضحة بما أوردناه على الوجه الأوّل من استدلال صاحب العوائد; لأنّ بيوت مكة آنذاك كانت بحكم الفنادق والمضائف، فلا يُعدّ الاستيلاء دليلا على الملكية لصاحب البيت. فعدم الحكم بكونها ملكاً لهم لأجل ضعف الاستيلاء.
فإن قلت: إنّه إذا شكّ في انتقال العين إليه بسبب شرعي من مالكه، فمقتضى استصحاب بقاء الملك في ملك مالكه وعدم انتقاله إلى ذي اليد، أنّه مال الغير لايجوز له التصرّف.
قلت: إنّ أمارية اليد تقتضي عدم كون ما تحت يده ملك الغير، ولا يعتبر في أمارية اليد أزيد من الشكّ في كون المال مال الغير، وهو ثابت بالوجدان، ومعه لا مجال للاستصحاب.
والظاهر أنّ ادّعاء قصور الروايات لصورة الشكّ في كون المستولي عليه ملكاً له، في غير محلّه، مضافاً إلى بناء العقلاء إذ اليد عندهم حجّة، سواء أكان في البين مدّع أولا.
وبذلك علم مفاد القول الثاني، أعني: حجّية اليد في تلك المواضع.

الجهة التاسعة: حجّية اليد إذا عُلم عنوانها حدوثاً لا بقاءً

إذا علم أنّ استيلاءه على العين لم يكن بسبب شرعي، نظير الأمثلة التالية:
1. إذا علم أنّه استولى عليها بيد عادية أو كانت عارية ولكن يحتمل انتقال المال إليه بناقل شرعي.
2. إذا كانت العين من الأعيان الموقوفة وقد استولى عليها وهي موقوفة

صفحه 77
ولكن يحتمل انتقال العين إليه ببعض المجوّزات لبيع الوقف.
3. إذا كانت العين من الأراضي المفتوحة عنوة العامرة حال الفتح، وقد استولى عليها من دون مجوز شرعي، لكن يحتمل انتقالها إليه بوجه شرعي، كأمر ولي المسلمين.
فيقع الكلام في الأمثلة الثلاثة:
أمّا المثال الأوّل: أعني الاستيلاء بيد عادية فالظاهر عدم حجّية اليد فيها، وذلك لانصراف الروايات عن هذه الصورة التي علم أنّه استولى عليه وهو غير مالك، لكن يحتمل انتقاله إليه بوجه شرعي، لما مرّ أنّ طبع المال يقتضي الحرمة إلاّ أن يدلّ دليل على الانتقال، فكون طبع المال مقتضياً للحرمة كاف، بلاحاجة إلى الاستصحاب.
ثم إنّ المحقّق النائيني سلك مسلكاً آخر وهو سقوط اليد والعمل على ما يقتضيه استصحاب حال اليد فإنّ اليد إنّما تكون أمارة على الملك إذا كانت مجهولة العنوان غير معنونة بعنوان الإجارة والغصب ونحوهما، فاستصحاب حال اليد يوجب تعنونها بعنوان الإجارة أو الغصب فلا تكون كاشفة عن الملكية.
وبعبارة أُخرى: أنّ اليد إنّما تكون أمارة على الملكية إذا لم يعلم حالها، والاستصحاب يرفع موضوع اليد (لم يعلم حالها فيجعلها معلومة الحال وإن كانت عادية ).1
أقول: نحن نوافقه في المدّعى، ولكن الأولى الاستدلال عليه بالوجه التالي:

1. فوائد الأُصول: 4/604-605، المحشّاة بتعاليق المحقّق العراقي.

صفحه 78
إنّه إنّما يحتجّ باليد في صورتين :
1. إذا أحرزت صحّة الاستيلاء .
2. أو جهل عنوانه حدوثاً ـ كما مرّ ـ في الجهة السابعة، لا ما إذا أحرز فساد الاستيلاء كالغصب، أو أحرز أنّه بطبعه غير مقتض للملكية كالعارية، ولو أَحرز أنّه كان من أوّل الأمر كذلك فلا يحتجّ باليد على الملكية لقصورها من أوّل الأمر فتسقط اليد عن الاعتبار ويرجع إلى الأصل. فالأصل مرجع لا حاكم.
و بعبارة أُخرى: تقديم الاستصحاب على اليد ليس من باب حكومته عليها، أي برفع موضوع اليد كما قال بل من باب قصور قاعدة اليد في المقام، لما عرفت من عدم استقرار بناء العقلاء على الملكية في الموارد التي أحرز فساد منشأ استيلائه كما هو المفروض من أنّ الاستيلاء كان استيلاء عادية أوعارية.
وأمّا المثال الثاني: أعني إذا كانت العين من الأعيان الموقوفة ولكن يحتمل انتقال العين إليه ببعض المجوّزات كبيع الوقف.
فالظاهر سقوط اليد عن الحجّية في هذا المقام أيضاً; لأنّه إنّما يستدلّ بالاستيلاء على الصحّة والملكية بقاءً، إذا أُحرزت صحّة الاستيلاء أوجهل حدوثاً، وأمّا إذا عُلم أنّ الاستيلاء كان على الفساد حدوثاً فلا يستدلّ به على الصحّة بقاءً، ولذلك قلنا في محلّه: إنّ أصالة الصحّة لاتجري في بيع الموقوفات حتى من الوليّ مالم يحرز وجود أحد المجوّزات، لأنّ طبع هذا العقد على الفساد فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل شرعي، وهكذا المقام فإنّ اليد إنّما يحتجّ بها فيما إذا كان المستولى عليه بطبعه قابلا للتملّك، وأمّا إذا كان

صفحه 79
بطبعه غير صالح للتملّك فلا يحتج باليد بمجرّد احتمال مجوّز الانتقال.
وبذلك تستغني عمّا أتعب به المحقّق النائيني نفسه، من حكومة الاستصحاب على اليد، لأنّ استصحاب عدم طروء ما يجوز معه بيع الوقف يقتضي سقوط اليد فإنّه بمدلوله المطابقي يرفع موضوع اليد، فهو كاستصحاب حال اليد، لما عرفت من وجود القصور في شمول قاعدة اليد للمقام، ومعه لا حاجة للحكومة بل يصبح الأصل مرجعاً .

تفصيل صاحب العروة في الموقوف

فصّل السيد الطباطبائي اليزدي بين ما إذا حدثت اليد على العين وهي موقوفة وبين ما إذا حدثت على ما كان وقفاً، ويحتمل طروء بعض مسوّغات بيع الوقف عند استيلائه عليه، فمنع عن حجّية اليد في الصورة الأُولى وقبله في الصورة الثانية.
قال: لو علم أنّ اليد حدثت على ماكان وقفاً1 واحتمل طروء بعض مسوّغات بيع الوقف بعد ذلك، كان استصحاب حال اليد حاكماً عليها، 2وأمّا إذا لم يعلم ذلك بل احتمل أن تكون اليد حدثت بعد بطلان الوقف فلا يكون في البين مايقتضي سقوط أمارية اليد.3
ولعلّ ما ذكره من التفصيل أولى بأن يتبع وذلك لوجود الفرق بين كون الاستيلاء على العين في مال غير قابل للنقل والانتقال فشمول اليد قاصر في

1. والأَولى أن يقال «حين ما كان وقفاً ».
2. الضمير يرجع إلى مسوّغات بيع الوقف.
3. فوائد الأُصول للكاظمي الخراساني:4/606 نقلاً عن السيد الطباطبائي اليزدي في ملحقات العروة، كتاب القضاء.

صفحه 80
هذا المقام، لأنّ طبع العين يقتضي بطلان النقل إلاّ بمجوّز، والمفروض أنّه غير معلوم بخلاف الثاني فإنّه استولى عليه من دون العلم بأنّ العين لاتقبل النقل والانتقال، بل يحتمل حدوث اليد بعد بطلان الوقف بحصول بعض المجوّزات، بحيث إنّ اليد المتقدّمة مجهولة، فربّما تجري فيه أصالة الصحّة.
وأمّا المثال الثالث أعني: إذا كانت العين من الأراضي المفتوحة عنوة ففيه أيضاً وجهان:
الأوّل: إذا استولى عليها من دون أن يكون هنا مجوّز شرعي للاستيلاء فحكمه حكم الاستيلاء على العين الموقوفة لكن يحتمل حدوث المجوّز، وقد عرفت قصور اليد القاعدة.
وأمّا إذا كان الاستيلاء مجهول العنوان بأن يعلم أنّ الأرض من الأراضي المفتوحة عنوة لكن يحتمل عروض مجوّز للبيع قبل استيلائه عليها، فلا يبعد اعتبار اليد في المقام، كما ذكرناه في القسم السابق.
ثم إنّ المحقّق الاصفهاني ذكر وجه حجّية اليد في الصورة الأخيرة بما هذا حاصله: إنّ ملاك الحجّية (وهي غلبة الأيدي المالكية في مقابل غيرها) محفوظ في المقام، وغلبة بقاء الأعيان الموقوفة على حالها، لندرة تحقّق المسوّغ، وإن كانت ثابتة لاتنكر، ولكنّها إنّما هي في اليد التي ثبتت على الوقف حدوثاً إذا شكّ في بقائها على حالها أو انقلابها إلى يد الملك، وأمّا في مورد البحث المفروض انقطاع اليد السابقة على الوقف فيها، وحدوث يد أُخرى يشكّ في أنّها على الملك أو الوقف، فلا مجال لتوهّم بقاء اليد على حالها، فإنّ غلبة كون الأيدي مالكيّة شاملة له، ولا وجه للعدول عنها، وإذ قد

صفحه 81
ثبت ملاك طريقة اليد هنا فلا وجه لمنع شمول الإطلاقات له، وليست الخدشة فيه إلاّ كالخدشة في سائر المقامات.1

الجهة العاشرة: مدّعي الملكية في مقابل ذي اليد

إذا كان لرجل يد على العين فادّعاها آخر، فله صور:
1. إذا كان للمدّعي بيّنة على أنّها انتقلت من ذي اليد إليه بإحدى المملِّكات الشرعيّة فعندئذ تُقدَّم البيّنة على ذي اليد أخذاً بقوله(صلى الله عليه وآله) :«البيّنة للمدّعي واليمين على مَن أنكر».2
2. إذا لم تكن للمدّعي بيّنة وكان الحاكم عالماً بأنّها كانت للمدّعي سابقاً ولكن يحتمل انتقالها إلى ذي اليد بسبب من الأسباب الشرعية، فيقدّم قول ذي اليد ولا عبرة بعلم القاضي; إذ لا منافاة بين علمه بأنّ العين كانت للمدّعي في سالف الزمان، وكونها ملكاً لذي اليد فعلا. واستصحاب بقاء العين على ملك المدّعي، محكوم بقاعدة اليد كما سيوافيك.
3. إذا شهدت البيّنة على أنّ العين كانت للمدّعي في سالف الزمان ومع ذلك يحتمل انتقال العين إلى ذي اليد بسبب من الأسباب المملّكة، فالحكم في هذه الصورة هو الحكم في الصورة السابقة. فيؤخذ بقول ذي اليد ولا عبرة ببيّنة المدّعي، إذ أقصى ما تثبته البيّنة أنّه كان مالكاً في سالف الزمان من دون تعرّض للحالة الحاضرة فهي لا تنافي الملكية الفعلية لذي اليد.3

1. رسالة اليد للمحقّق الاصفهاني .
2 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء، الحديث 3.
3. خرج ما إذا قامت البيّنة على بقاء الملك إلى حال الدعوى كما إذا شهدت بأنّ ذا اليد استولى على العين غصباً، عارية أو أمانة كما سيوافيك في الجهة الثالثة عشرة.

صفحه 82
و استصحاب بقاء الملكية في كلتا الصورتين مردود بحكومة قاعدة اليد عليه كما سيوافيك.
4. لو شهدت البيّنة بالملكية الفعلية لكن عُلم أنّ مصدر شهادتها هو الاستصحاب حيث كانت عالمة بملكية المدّعي في سالف الزمان فشكّت واستصحبت بقاء الملكية فشهدت بها بوصف كونها ملكاً فعلا للمدّعي. وحكم هذه الصورة كالصورتين الثانية والثالثة إذ لا عبرة بالشهادة لفساد مصدرها، إذ لو تمّ الاستصحاب للبيّنة لتمّ للحاكم أيضاً، ومن المعلوم أنّ الاستصحاب ليس في مقابل اليد.
فظهر أنّ الشهادة على ملكية المدّعي استناداً إلى الاستصحاب بالباطل في مقابل اليد فإنّ اليد مقدّمة عليه، نعم لو لم يكن استيلاء على العين فالاستصحاب حجّة بلا كلام، كما سيوافيك في الجهة الحادية عشرة فلاحظ.
5. إذا أقرّ ذو اليد بكون العين ملكاً للمدّعي في السابق من دون أن يقرّ بانتقالها منه إليه أو إلى غيره، فيه وجهان:
الأوّل: أنّه لا عبرة بهذا الإقرار، لأنّه لا يتجاوز عن علم القاضي بكونها ملكاً للمدّعي في السابق ولا عن قيام البيّنة كذلك، فإنّ غاية مايفيده إقرار المقرّ هو أنّه كان ملكاً للمدّعي في سالف الزمان، ولكنّه لا ينافي كونه ملكاً للمقرّ فعلا، فاليد حاكمة في هذا المقام.
الثاني: ما عليه المحقّق النائيني قائلاً بأنّه عند إقراره بأنّ المال كان للمدّعي إمّا أن يضم إلى إقراره، دعوى الانتقال إليه وهذا ما يأتي في الصورة السادسة، وإمّا أن لايضم بل يدّعي الملكية الفعلية مع إقراره بأنّ المال كان للمدّعي، فإن لم يضمّ إلى إقراره دعوى الانتقال، يكون إقراره مكذباً لدعواه

صفحه 83
الملكية الفعلية، فإنّه لايمكن خروح المال عن ملك مَن كان المال ملكاً له ودخوله في ملك ذي اليد بلا سبب، فدعواه الملكية الفعلية تكون مناقضة لإقراره، ومقتضى الأخذ بإقراره بطلان يده وعدم سماع دعواه، وإن ضم إلى إقراره دعوى الانتقال إليه تنقلب الدعوى ويصير ذواليد مدّعياً للانتقال إليه.1 فيكون حكم هذه الصورة، نظير ما يأتي في الصورة التالية.
6. إذا أقرّ ذو اليد بأنّ العين كانت ملكاً للمدّعي ومنه انتقل إليه بإحدى النواقل الشرعيّة، ففي مثل ذلك يكون ذو اليد المقرّ، مدّعياً والمدّعي منكراً، وذلك لأنّ ذا اليد اعترف بكونها ملكاً للمدّعي سابقاً وادّعى انتقالها منه إليه فصار مدّعياً بادّعاء الانتقال فعليه أن يثبت ادّعاءه بالبيّنة أو بالحلف إذا ردّ إليه المنكر.
والحاصل: أنّ دعوى الانتقال بعد الإقرار بكونها للمدّعي على خلاف الأصل، لأنّ الأصل بقاء ما كان على ما كان، فلا يثبت الانتقال عنه إلاّ بدليل.
***
ثمّ إنّ الظاهر من كلمات المشهور أنّ انقلاب الدعوى عند ادّعاء الانتقال وصيرورة المنكر مدّعياً والمدّعي منكراً تام مطلقاً، وعلى جميع المباني المطروحة في تمييز المدّعي عن المنكر، ولكن الظاهر أنّ الحكم يختلف حسب اختلاف المباني المذكورة في تمييزهما، وإليك بيانها.
أ : لو قلنا بأنّ المدّعي من خالف قوله الأصل والمنكر من وافقه، وكان محور الموافقة والمخالفة مآل الدعوى ونتيجتها لا ما يطرح أوّلا، فالحقّ

1. فوائدالأُصول: 4/611-612، طبعة جماعة المدرسين.

صفحه 84
انقلاب الدعوى وصيرورة المنكر مدّعياً والمدّعي منكراً إذا ادّعى المنكر الانتقال، وذلك لأنّ مصبّ الدعوى في بدء الأمر وإن كان مالكية المدّعي للعين وإنكار ذي اليد لها، لكن ليس هذا هو المعيار لتمييز المدّعي عن المنكر، بل المقياس هو مآل الدعوى ونتيجتها وهي ادّعاء ذي اليد انتقال العين من المدّعي، إليه، ومن المعلوم أنّ الأصل عدم الانتقال.
و إن شئت قلت: إنّهما وإن اختلفا في بدء الأمر في مالكية المدّعي وعدمها لكن لمّا انجرّ النزاع إلى اعتراف المنكر بأنّها كانت له وأنّه اشتراها منه، استقرّ النزاع أخيراً على أمر آخر وهو تحقّق الانتقال وعدمه، فذو اليد مدّع للانتقال والطرف المقابل منكر له، وبذلك تنقلب الدعوى.
ب : لو قلنا بأنّ المدّعي مَن خالف قوله الأصل والمنكر مَن وافقه، ولكن محور الموافقة والمخالفة مصبّ الدعوى لا ما انتهت الدعوى إليه، فعند ذلك يحكم على مدّعي المالكية، بإتيان البيّنة و إلاّ فتبقى العين في يد صاحب اليد لأنّ المدّعي يدّعي مالكية العين ولكنّ صاحبَ اليد ينكرها.
لكن الظاهر أنّ الميزان هو مآل الدعوى لا مصبّها.
ج : لو قلنا بأنّ المدّعي والمنكر من المفاهيم العرفية، والعرف هو المرجع في تمييز أحدهما عن الآخر، والمعيار عنده هو أنّ المدّعي هو الذي لو ترك، تُركت الدعوى بخلاف المنكر، فعلى هذا لا يلزم الانقلاب; وذلك لأنّ ذا اليد لو ترك لم تُترك الدعوى، بخلاف الطرف المقابل إذ لو ترك تركت الدعوى.
د : لو قلنا بأنّ المدّعي هو مَن خالف قوله الظاهر، والمنكر مَن وافقه لبقيت الدعوى على حالها ولا يلزم منها الانقلاب، لأنّ الظاهر هو مالكية

صفحه 85
المستولي على العين سواء أقرّ بمالكية المدّعي سابقاً أو لا، وعلى فرض الإقرار ادّعى انتقاله منه أو لم يدع.
و بذلك يظهر أنّ القول بالانقلاب إنّما يصحّ على الوجه الأوّل دون سائر الوجوه.

الجهة الحادية عشرة: في تحليل الحوار الدائر بين الإمام وأبي بكر

روى الطبرسي في «الاحتجاج» الحوار الذي دار بين الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)وأبي بكر حيث طلب الثاني من الإمام(عليه السلام) البيّنة على مالكيته لفدك فأجابه الإمام بما هذا نصّه:
«أتحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟»
قال: لا.
قال: «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادّعيتُ أنا فيه، من تسأل البيّنة؟».
قال: إيّاك كنتُ أسأل البيّنة على ما تدّعيه على المسلمين.
قال: «فإذا كان في يدي شيء فادّعى فيه المسلمون، تسألني البيّنة على ما في يدي، وقد ملكته في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبعده، ولم تسأل المؤمنين البيّنة على ما ادّعوا عليّ كما سألتني البيّنة على ما ادّعيتُ عليهم؟».
إلى أن قال: «وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : البيّنة على مَن ادّعى، واليمين على مَن أنكر».1
فربما يقال بأنّ الإمام وإن كان مستولياً على فدك وكانت له يد عليها

1 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء، الحديث 3.

صفحه 86
وبذلك كان منكراً وأبابكر مدّعياً، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»، وكان طلب أبي بكر البيّنة منه على خلاف القاعدة، ولكن لمّا ادّعى الإمام(عليه السلام) بأنّه ملك فدك في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ولم يكن المملّك إلاّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّها كانت من الأنفال التي أمرها بيده فاعترف بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نحلها له أو لبنته(عليهما السلام)، فصار لازم ذلك الإقرار، انقلاب الدعوى وصيرورة الإمام الذي كان منكراً مدّعياً والمدّعي منكراً، لأنّ الإمام يدّعي انتقال الملك إليه.
هذا كلّه مع تسليم ما رووه من أنّه(صلى الله عليه وآله) قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث، ما تركناه صدقة» وعندئذ كان لمن تقمّص الخلافة طلب البيّنة من الإمام على الانتقال والتمليك حال الحياة.
وقد أُجيب عنه بوجوه أوضحها: أنّه إنّما يلزم الانقلاب لو كان الطرف الآخر منكراً لما يدّعيه ذو اليد، لا جاهلا أو متردّداً، والقوم حسب الظاهر كانوا شاكّين ومتردّدين في النحل والتمليك لا مدّعين للعدم، والشاهد على ذلك أنّه طلب البيّنة من الإمام حتّى يقضي على وفقها، وفي مثل ذلك يكون الاستيلاء حجّة ممضاة عند العقلاء والشرع، وليست قضيته مثل ما إذا كان الآخر منكراً للانتقال وذو اليد مدّعياً له.
ثم إنّه لو سلمنا صدور الحديث عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّ دلالته على أنّ الأنبياء لا يورثون شيئاً، غير واضحة، لأنّه مبني على أنّ «ما» في قوله: «ما تركناه»، موصولة ومبتدأ، وقوله: «صدقة» بالرفع، خبرها.
ولكن هنا احتمالاً آخر وهو أنّ «ما» الموصولة منصوبة مفعول لقوله: «لا نوّرث» وقوله «صدقة» منصوب لكونها حالاً من الموصول، ويكون

صفحه 87
المعنى: نحن معاشر الأنبياء لا نوّرث الشيء الّذي تركناه بعنوان الصدقة كالزكاة والكفّارات، وذلك لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يتصرّف فيها لا بما أنّه مالك لها شخصاً بل تصرّفه فيها بما أنّه حاكم وسائس، وهذا العنوان قائم به لا ينتقل إلى وارثه وإنّما يقوم بهذه الأُمور الإمام القائم مقامه.
وإن شئت قلت: إنّ النبيّ يقع تحت يده مالان:
أحدهما: ما يملكه شخصياً كسائر الناس، ومن ذلك أثاث البيت، كالفرش والسجاجيد وغيرها.
ثانيهما: ما يتصرّف به بما أنّه سائس الأُمّة ورئيسها وقائدها، كالأخماس والأنفال والزكوات والكفّارات وغير ذلك من أموال الدولة الإسلاميّة .
فالقسم الأوّل من الأموال يورّث، دون الثاني، فهو يقع تحت يد من يقوم مقامه في قيادة الأُمّة.
وقد روي عن الإمام الهادي (عليه السلام)ما يوضح هذا المعنى.
روى أبو علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال: هذا لأبي جعفر (عليه السلام)، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه» .1

الجهة الثانية عشرة: في جواز الشهادة بالملك مستنداً إلى اليد

قد مرّ في الجهة التاسعة بطلان الشهادة استناداً إلى استيلاء الغير على العين في السابق، في مقابل استيلاء الآخر عليها في اللاّحقّ، لكن يقع الكلام

1. الوسائل: 7، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .

صفحه 88
في المقام في جواز الشهادة استناداً إلى اليد لا في مقابل اليد ; وبذلك تختلف المسألتان موضوعاً، فإنّ محور البحث في المسألة السابقة الاعتماد على اليد والاستصحاب مع مقابل اليد الثانية، فقد وقفت على حكمها، وأمّا المقام، فالاستناد إلى اليد أو الاستصحاب لمجرّد الشهادة من دون استيلاء آخر، كما يظهر من الروايات التالية.
اتّفقوا على أنّ اليد تدلّ على أنّ المستولي مالك، إنّما الكلام هل يجوز لنا الشهادة على الملكية بمجرد مشاهدة الاستيلاء، فهذا فيه وجهان:
أقول: في المسألة قولان، وأدلّة القولين قوية، ولذلك يحقّ لنا أن نصف المسألة بأنّها شائكة، وإليك أدلّة الطرفين.

دليل القائل بعدم جواز الشهادة استناداً إلى اليد

1. إنّ الشهادة أُخذت من الشهود وهو المعاينة بالحسّ. يقول المحقّق: الطرف الثاني فيما به يصير شاهداً الضابط العلم، لقوله تعالى: (وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )1. ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عن الشهادة وقال: هل ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: «على مثلها فاشهد أو دع» ومستندها إمّا المشاهدة أو السماع أو هما ثم بين مواردها.(2)
ويدلّ على ذلك ما رواه الكليني عن علي بن غياث عن أبي عبدالله (عليه السلام): «لا تشهدنّ بشهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفّك» .2
وروى الكليني أيضاً عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: قال رسول

1. الإسراء: 36.   2 . شرائع الإسلام: 4 / 132.
2. الوسائل: 18، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 1 .

صفحه 89
الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تشهد بشهادة لا تذكرها فإنّه من شاء كتب كتاباً ونقش خاتماً» .1
ومع ذلك كلّه فقد نقل في الجواهر عن التنقيح أنّه يكفي، حصول العلم بالمشهود به حين التحمّل وإنّ جوّز حصول النقيض فيما بعد في كثير من الصور، كالشاهد بدين مع تجويز ردّه، والشاهد بملك مع تجويز انتقاله، والشاهد بزوجية امرأة مع تجويز طلاقها، بل يكفيه الاستصحاب، وفي الوسائل باب «جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك وعدم المشاركة في الإرث».2
ثم إنّ صاحب الجواهر بعد نقل هذا من التنقيح ردّ عليه بقوله:
الظاهر اعتبار العلم في كلتا الحالتين: حالة التحمّل، وحالة الأداء. وذلك لأنّه إن أُريد من الشهادة بالمستصحب قبل طروء الشك، بأن يقول: إنّ عمراً استقرض من زيد كذا في شهر كذا، فهو شهادة بالعلم لا بالاستصحاب، ] شهادة بالمتيقن سابقاً لا باللاحق[ وإن أُريد من الشهادة بالاستصحاب هو اشتغال ذمّته فعلاً أو كونها زوجته وإن لم يكن عالماً بذلك، بل كان مستند ذلك على علمه السابق فلا ريب في عدم صدق الشهادة عليه، بل هو شهادة بما لا يعلم خصوصاً إذا قال: أشهد الآن بشغل ذمّته، ولكن لا أدري هل وفّاه أو لا، فإنّه متناقض قطعاً وليس بشهادة كذلك، فإنّ الاستصحاب وإن قلنا بحجّيته شرعاً، لكنّه ليس حجّة في جواز الشهادة به الظاهر لغةً وعرفاً في الجزم بالمشهود به وكونه مثل الشمس.3

1. الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب الشهادات، الحديث 4.
2. جواهر الكلام: 41 / 125 .
3. جواهر الكلام: 41 / 126 .

صفحه 90
وحاصل كلامه: أنّ الشهادة اعتماداً على اليد مع الشك في إمكان انتقاله إلى الغير نوع تدليس حيث يدّع العلم بشهادته وهو في صميم القلب شاك ومردّد وإنّما يعتمد على اليد في أصل الملكية والاستصحاب في بقائه، وليس هذا إلاّ تدليساً غير مجاز، وسيوافيك ما فيه.

دليل القائل بجواز الشهادة استناداً إلى اليد والاستصحاب

إنّ القائل بجواز الشهادة يقول: إنّ العلم المأخوذ في الشهادة إنّما أُخذ بنحو الطريقية لا بنحو الوصفية، فإذا كان كذلك فيقوم مقامه كلّ حجّة شرعية. وعلى هذا فقول الإمام: «لا تشهدنّ على شيء حتّى تعرفه كما تعرف كفّك» بمعنى لا تشهدنّ بشهادة حتّى يكون عندك الحجّة على ما تشهد. فعلى هذا فأخذ العلم في موضوع الشهادة ثم الشهادة استناداً إلى اليد والاستصحاب لا ينافي أخذ العلم في الشهادة.
ويدلّ على ذلك رواية حفص بن غياث حيث جاء فيها: قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له فلعلّه لغيره، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «أفيحل الشراء منه» قال: نعم، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى مَن صار ملكه من قبله إليك»1.
ولذلك عقد صاحب الوسائل باباً في كتاب القضاء 2 وقال: «باب وجوب الحكم بملكية صاحب اليد حتّى يثبت خلافها وجواز الشهادة

1. الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 .
2. المصدر نفسه.

صفحه 91
لصاحب اليد في الملك» ونقل فيه رواية حفص بن غياث.
ثم عقد باباً آخر في كتاب الشهادات تحت عنوان: الباب 17: «جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك وعدم المشاركة في الإرث» وأورد فيه روايات ثلاث مستشهداً بها، والجميع يرجع إلى معاوية بن وهب فعلينا دراسة الروايات. لكن دلالة الروايات غير واضحة وإن كان المدّعى صحيحاً لما عرفت.
1. عن معاوية بن وهب قال: قلت له (يعني أبا عبدالله (عليه السلام)): إنّ ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار، مات فلان وتركها ميراثاً، وأنّه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال: «إشهد بما هو علمك»، قلت: إنّ ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس؟ فقال: «احلف إنّما هو على علمك».1
قلت: لعلّ المراد من قوله: «إشهد بما هو علمك» المتيقّن الذي هو شهادة بعلم، نعم: إذا شهد الشاهد بالمستصحب فالحاكم يجري حكم الاستصحاب مع فرض عدم المعارض.
2. وعنه، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) الرجل يكون له العبد والأمة، قد عُرف ذلك، فيقول: أبق غلامي أو أمتي، فيكلّفونه القضاة شاهدين بأنّ هذا غلامه أو أمته لم يبع ولم يوهب، أنشهد على ذلك إذا كلّفناه؟ قال: «نعم».2
وهذه الرواية محمولة على ما إذا كان للشاهد علم بالبقاء ويشهد على ذلك قوله: «قد عُرف ذلك» .

1. الوسائل: 18، الباب 17 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1.
2 . الوسائل: 18، الباب 17 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 3.

صفحه 92
3. وعنه، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : الرجل يكون في داره، ثمَّ يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله، ثمَّ يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في داره، ولا ندري (ما أحدث)1 له من الولد، إلاّ أنّا لا نعلم أنّه أحدث في داره شيئاً ولا حدث له ولد، ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتّى يشهد شاهدا عدل أنَّ هذه الدّار دار فلان بن فلان، مات وتركها ميراثاً بين فلان وفلان، أو نشهد على هذا؟ قال(عليه السلام): «نعم».2
ولا بأس بدلالة الرواية.
ثم إنّ في ذيل الرواية مايستشم منه الخلاف، أعني قوله: قلت: الرجل يكون له العبد و الأمة، فيقول: أبق غلامي أو أبقت أمتي (فيؤخذ بالبلد)، فيكلفه القاضي البيّنة أنّ هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه، أفنشهد على هذا إذا كلّفناه، ونحن لم نعلم أنّه أحدث شيئاً؟ فقال: «كلّما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته، أو غاب عنك لم تشهد عليه» وجه المنافاة قوله: «لم تشهد عليه» بمعنى النفي، ولكن ذكر العلاّمة المجلسي وجهين:
الأُوّل: أنّه استفهام إنكاري.
الثاني: يحتمل أن يكون فرّق بين ما إذا غاب الرجل وكان ماله في يد وارثه ولم يعلم أنّه ما أحدث، وبين ما إذا أُخرج المال عن يده وصار في يد غيره فتكون اليد اللاحقة أقوى. ولعلّ الأوّل أظهر.3
والمهم في المقام، هو رواية حفص بن غياث، والرواية الأخيرة تدلّ

1 . في نسخة: ما حدث.
2 . الوسائل: 18، الباب 17 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 2.
3 . مرآة العقول: 24/234.

صفحه 93
على جواز الشهادة باليد والاستصحاب إذا لم يكن في مقابلهما يد على اليمين وإلاّ فاليد مقدّمة عليهما كما مرّ في الجهة التاسعة.
***

الجهة الثالثة عشرة: في تعارض البيّنتين المتلاحقتين

إذا ادّعى زيد عيناً في يد عمرو وأقام بيّنة وانتزعها منه بحكم الحاكم، ثم أقام عمرو بيّنة أنّها كانت له حين الدعوى، فهل ينقض الحكم وتعاد العين إليه أو لا؟ قولان:
1. قال المحقّق: لا ينقض، وعلّله في الجواهر بعدم جواز نقض حكم ا لحاكم لأنّ بناءه على الدوام للأصل، المؤيّد بالحكمة.1
يلاحظ عليه: أنّه ليس نقضاً للحكم السابق وإبطالاً له، بل كشفاً عن عدم تمامية الحكم نظير ما إذا ادّعى بعد الحكم فسق الشهود، وأثبت جرمهم، ومثله ما إذا حكم على الغائب، مع أنّ الغائب على حجّته ـ كما هو المعروف ـ فلو اثبت خلاف ما حكم يؤخذ بقوله.
والمسألة مبنيّة على تعارض البيّنتين وفيه قولان:
1. تقديم بيّنة الخارج، لأنّه الأصل في كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): «البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر» ومن المعلوم أنّ يد المدّعي كانت خارجة عن العين حين الدعوى، بخلاف المنكر فإنّ يده مع العين.
2. تقديم بيّنة الداخل لأنّها تؤيّد باليد والاستيلاء .

1. جواهر الكلام:40/480.

صفحه 94
والظاهر هو الأوّل لما ذكرنا من أنّ المدّعي في كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من كان غير مستول على العين وخارجاً عنها، فتقدّم بيّنة زيد، لعدم استيلائه على العين حين الدعوى، وما ذكرناه هو خيرة «المسالك» حيث اختار تقديم الخارج وكون زيد خارجاً حال التعرض لأنّ المفروض أنّ العين في يد عمرو.1
نعم، هذا كلّه إذا لم يدّع زيد ملكاً جديداً وإلاّ فيستردّ العين بلا إشكال، وكذا إذا أطلق الدعوى وأقام البيّنة المطلقة واحتمل تجدّد الملك له، لصدق المدّعى عليه في كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه أقام بيّنة على دعواه.

الجهة الرابعة عشرة: في تعارض اليد الحاليّة مع اليد السابقة

إذا تعارضت اليد الحاليّة مع اليد السابقة بأن كانت العين في زمان تحت يد زيد ثم صارت في يد عمرو واختلفا، فهل تقدّم اليد السابقة، أو المرجع اليد اللاحقة؟2
المشهور هو تقديم اليد الحاليّة، لأنّ اليد أمارة الملكية ولا يعارضها استصحاب حكم اليد السابقة لأنّها أصل واليد أمارة، وأورد عليه بوجوه:
1. إنّ اليد أيضاً من الأُصول، وفيه أنّها أمارة عند العقلاء.
2. إنّ اختيار اليد الحاليّة مشروط بعدم كون الاستصحاب على خلافها، وهو أيضاً كماترى لإطلاق دليل اليد مع أنّها في غالب الموارد مخالفة للأصل

1. مسالك الأفهام:14/119ـ120.
2. يختلف ما في هذه الجهة مع ما مرّ في الجهة التاسعة، أعني: ما إذا كان للمدّعي بيّنة على انتقال العين إليه بإحدى المملكات.

صفحه 95
فلو حكم بحكم الأصل لقلّ مورد الاحتجاج باليد.
3. إذا ثبتت الملكية السابقة للسابق فلا بدّ لذي اليد الحاليّة من إثبات الانتقال إليه، والأصل عدمه.
يلاحظ عليه: أنّ ما احتجّ عليه بأنّ الأصل عدم الانتقال أيضاً، أصل لا يعارض اليد .
4. إذا ثبتت الملكية السابقة لصاحب اليد السابق يكون ذو اليد السابقة منكراً وصاحب اليد الحاليّة مدّعياً، فكيف يقدّم قوله بلا بيّنة؟
يلاحظ عليه: بأنّ الميزان في المدّعي والمنكر هو حال التعارض والمفروض أنّ المدّعي حال التعارض هو صاحب اليد السابقة، لا اللاحقة. فظهر أنّ الحقّ هو الأخذ باليد اللاحقة.
ويستثنى من هذه القاعدة ثلاثة موارد:
1. أن المفروض أنّ كلاًّ من الطرفين لم يقيما بيّنة وإنّما كانت لأحدهما اليد السابقة وللآخر اللاحقة، لكن لو أقام المدّعي بيّنة على أنّ العين المدّعاة كانت له أو بيده سابقاً وأنّ ذا اليد أخذها منه غصباً أو عارية أو أمانة أو بعنوان الإجارة أو نحوها، قُدّم قوله، لأنّ مقتضى البيّنة بقاء العين في ملك المدّعي إلى زمان الدعوى.
وبذلك يظهر الفرق بين المقام والصورة الثانية والثالثة للجهة التاسعة، أمّا الصورة الثانية فقد كان الحاكم هناك عالماً بأنّه كان ملكاً للمدّعي سابقاً لا حاليّاً ومثلها الصورة الثالثة فقد قامت البيّنة على أنّها كانت ملكاً للمدّعي في سالف الزمان لا حاليّاً، ولذلك قدمت اليد هناك، بخلاف المقام فإنّ البيّنة تشهد ببقاء العين في ملك المدّعي ولذلك تقدّم على اليد .

صفحه 96
2. لو أقرّ صاحب اليد بأنّ العين كانت للمدّعي أو بيده سابقاً وادّعى انتقاله إليه فالمشهور انقلابه مدّعياً والمدّعي منكراً لرجوعه حينئذ إلى دعوى الانتقال منه إليه .
3. لو شهدت البيّنة بأنّه أقرّ في السابق أنّه له فهي تقوم مقام إقراره .

الجهة الخامسة عشرة: في مستثنيات قاعدة اليد

بما أنّ اعتماد العقلاء على الاستيلاء لأجل أنّ الطابع الغالب عليه هو الملكية، فعلى ذلك فلو كان موردها أنّ الطابع الغالب عليه عدم الملكية فلا يحتجّ بهذا النوع من الاستيلاء عليه، سواء كان استيلاؤه عليه بلا سبب مشروع أو عن سبب مشروع; فالأوّل كالمتهم بالغصب في أكثر أمواله، فإذا كان الغالب على أمواله هو عدم الملكية فلا يعد ما تحت يده عند الشكّ ملكاً له.
والثاني كيد الأُمناء كالسمسار أو الودعي فلو مات مثل ذينك الشخصين لايحكم بما في صندوقهما أو محلّ كسبهما بأنه مال الورثة، ومنه يظهر حكم جباة الزكاة والخمس ووكلائهم حيث إنّ الغالب على أموالهم كونها لغيرهم، ولذلك لاتقسّم أموال المرجع الديني بعد موته بين الورثة، إلى غير ذلك من الموارد التي لاتعدّ اليد أمارة على الملكية.

خاتمة: نسبة اليد إلى الأُصول وسائر الأمارات

لاشكّ أنّ اليد حاكمة على الأُصول لأنّها أمارة فهي حجّة في مورد الجهل بالواقع والشك فيه، من دون أن يؤخذ الجهل والشكّ في موضوعها وإنّما هما يعدّان مورداً لها، بخلاف الأُصول فالشكّ والجهل مأخوذ في موضوعها، حتى الاستصحاب الذي يعد أصلا تنزيلياً أي ينزل المستصحب

صفحه 97
منزلة الواقع لما قلنا بأنّ الشكّ مأخوذ في موضوعها في عامّة الموارد، فيكون محكوماً بما لم يؤخذ الشكّ في موضوعه. هذا كلّه إذا قيست اليد إلى الأُصول.
وأمّا بالنسبة إلى البيّنة فلا شك أنّها تقدّم على اليد، لقوله(صلى الله عليه وآله): «البيّنة للمدّعي واليمين لمن أنكر»، أو إلى إقراره بأنّ ما في اليد لغيره فيقدّم إقراره على مقتضى يده.
ثم إنّ في قاعدة اليد بحوث أُخرى وقد تكفّل ببيانها الشيخ الأنصاري في مسألة توارد الأيدي، وقسماً منها السيد الطباطبائي اليزدي في تكملة العروة الوثقى وأكثرها يرجع إلى باب القضاء والمرافعة والجميع بحوث جيّدة، غير أنّ الدخول في هذه الفروع يسبب ضيق الوقت المعدّ لدراسة بقية القواعد، فمن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب «تكملة العروة الوثقى».
***
تمّ الكلام في قاعدة
اليد أمارة الملكية

صفحه 98
القواعد الفقهية
      6
قاعدة: يد المسلم أمارة التذكية   

قاعدة

يد المسلم أمارة التذكية

الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة اليد
خلط بعض المحقّقين بين القاعدتين رغم اختلافهما في الموضوع
نقل كلمات الفقهاء
الاستدلال على القاعدة
1. قاعدة اليد
2. الروايات الخاصّة، وهي على طائفتين
الجمع بين الطائفتين
أدخل بعض المحقّقين البحث عن أمارية يد المسلم على التذكية تحت قاعدة اليد، والحق أنّها قاعدة مستقلة، وذلك لأنّ الموضوع في قاعدة اليد هي يد المستولي سواء أكان مسلماً أو كافراً، وأمّا الموضوع في قاعدتنا هذه فهو يد المسلم بما هو مسلم.

نقل كلمات الفقهاء

قال المحقّق: إذا لم يعلم أنّ الجلد ميتة فصلّى فيه ثم علم، لم يُعد إذا
كان في يد مسلم أو شراه من سوق المسلمين، فإن أخذه من غير مسلم

صفحه 99
أو وجده مطروحاً أعاد.1
وقال العلاّمة في «التحرير»: ولو علم أنّ الجلد ميتة وصلّى فيه أعاد، ولو لم يعلم أنّه ميتة بأن شراه من سوق المسلمين أو كان في يد مسلم لم يُعد.2
وقال السيد الطباطبائي اليزدي: ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة وإن لم تعلم تذكيته.3 وقد أقرّها المعلّقون غالباً.

الاستدلال على القاعدة

ويدلّ على القاعدة أمران:

الأُول: قاعدة اليد

فبما أنّها أمارة على الملكية وأنّ العين ليست مغصوبة فيجوز له التصرّف فيها من بيع وشراء، وبما أنّ اليد في المقام يد مسلم فهو لا يتصرّف في الميتة بالبيع والشراء، فتصرّفه مساوق لكونه مذكى لاميتة.

الثاني: الروايات الخاصّة

الروايات في المقام على طائفتين:
الأُولى: مايدلّ على أنّه لايجوز التصرّف مالم يعلم أنّه مذكّى، فكأنّ أصالة عدم التذكية حاكمة إلاّ إذا علم خلافه، نظير: موثقة ابن بكير عن زرارة قال:

1 . شرائع الاسلام: 1/114.
2. تحرير الأحكام: 1/300 المسألة 1034.
3. العروة الوثقى: /130، المسألة 6، باب النجاسات، المني والميتة.

صفحه 100
«فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذبح».1
الثانية: ما يدلّ على كفاية أخذه من يد المسلم، وهي كثيرة، منها:
1. مارواه الشيخ عن إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال: «عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه».2
وتخصيص السؤال عن المسلم غير العارف لأنّ أهل العراق من غير أهل الولاية يستحلّون لبس جلود الميتة قائلين بأنّ دباغه ذكاته، ولكنّ الإمام لم يفرّق بين العارف وغير العارف فجعل يد المسلم أمارة التذكية واكتفى بالصلاة في الفرو، ولعلّه لقلّة هذا النوع من الجلود والغلبة على الجلود الذكاة.
2. ونظيره ما ورد بكفاية كونه مضموناً، وهو مارواه محمد بن الحسين الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني(عليه السلام): ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: «إذا كان مضموناً فلابأس».3
والمراد بكونه مضموناً ضمان البائع بأنّ المبيع مذكّى، وهل هو لأجل كون يده عليه أو من باب تصديق قول البائع إذا كان ثقة.

1 . الوسائل: 2، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 6.
2 . الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 7.
3 . الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 10.

صفحه 101

الجمع بين الطائفتين

وأمّا الجمع بين الطائفتين فيقال: أين المراد من العلم المأخوذ في موثّقة ابن بكير هو الحجّة ويد المسلم حجّة شرعية على التذكية.
***
تمّ الكلام في قاعدة
يد المسلم أمارة التذكية

صفحه 102
قاعدة: سوق المسلمين أمارة التذكية   
القواعد الفقهية
      7

قاعدة

سوق المسلمين أمارة التذكية

جريان سيرة المسلمين وأئمة أهل البيت: على دخول السوق وشراء اللحوم والجلود من غير سؤال.
الموضوع في هذه القاعدة سوق المسلمين أو أرضهم، بخلاف قاعدة يد المسلم فالموضوع هناك يد المسلم فهي أمارة على التذكية .
الروايات الواردة حول القاعدة، وهي طوائف ثلاث، ومقتضى الجمع حكومة عدم التذكية إلاّ إذا كانت هناك أمارة على الخلاف كيد المسلم أو سوق المسلمين .
الروايات المعارضة الّتي تدلّ على السؤال عند الشكّ.
حكم يد المسلم المستحلّ للميتة بالدبغ
حكم الجلود واللحوم المستوردة من بلاد الكفر
سوق المسلمين أمارة وليس بأصل
اتّفق الفقهاء على أنّ سوق المسلمين الذي تباع فيه الجلود واللحوم أمارة التذكية تبعاً للنصوص، وعليها جرت سيرة المسلمين في عامّة الأعصار، فهم يدخلون الأسواق ويشترون الجلود واللحوم والشحوم من دون أن يسألوا عن المبيع هل هو ميتة أو مذكى، بل جرت سيرة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على ترك السؤال.
روى عبدالله بن جعفر في «قرب الإسناد» عن حمّاد بن عيسى قال:

صفحه 103
سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «كان أبي يبعث بالدراهم إلى السوق فيشترى له بها جبناً فيسمّي فيأكل ولا يسأل عنه».1
وتسميته (عليه السلام)حين الأكل نوع تنزّه، وإلاّ فلو كانت ميتة فالتسمية عند الأكل غير مفيدة.
والذي يجب أن نركّز عليه هو أنّ الموضوع في المقام أمارية سوق المسلمين بما هو سوقهم وإن لم نعرف البائع بخلاف أمارية يد المسلم فالموضوع هناك يده بعد ما عرفنا، بأنّه مسلم، وعلى هذا فالسوق واليد أمارتان عرضيتان والموضوع في كلّ غيره في الأُخرى.
نعم هو كذلك إثباتاً وأمّا ثبوتاً فيمكن أن يقال: إنّ أمارية سوق المسلمين في طول أمارية يد المسلم، فإنّ كون السوق للمسلمين أمارة على أنّ البائع فيها مسلم ليس بكافر فيكون اختصاص السوق بهم أمارة على يد المسلم، ولذلك نرى أنّ صاحب العروة يركّز على يد المسلم ويقول: ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة وإن لم تُعلم تذكيته، وكذا ما يوجد في أرض المسلمين عليه أثر الاستعمال (أي أثر استعمال التذكية)2.

الروايات الواردة حول القاعدة

إذا عرفت ذلك فيجب دراسة الروايات الواردة في المقام، وهي على طوائف:

1. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 8 .
2. العروة الوثقى، باب النجاسات: الميتة، المسألة 6 .

صفحه 104

الطائفة الأُولى: ما يدلّ على ترتيب آثار التذكية مطلقاً ما لم يعلم بعدمها

منها: موثقة سماعة، سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن تقليد السيف في الصلاة، وفيه الفراء1 والكيمخت 2؟ فقال (عليه السلام): «لا بأس ما لم تعلم أنّه ميتة»3.
ومعنى ذلك أنّ الأصل في الجلود هو التذكية وإن لم يكن هناك يد مسلم أو سوق المسلمين. ولكن العمل به مشكل; لأنّ أصالة عدم التذكية هي المحكّمة فلا يمكن رفع اليد عنها إلاّ بدليل، وهو إمّا سبق يد مسلم عليه بأن اشتراه منه أو سبق سوق المسلمين حيث ابتاعه من ذلك المكان، فلا مجال من حمل هذه الرواية الموسّعة على إحدى الصورتين: سبق اليد أو سبق سوق المسلمين.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على المنع من ترتيب الأثر مطلقاً حتّى يعلم أنّه مذّكى

يظهر من موثقة ابن بكير الواردة في المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، أنّه لا يحل إلاّ بعد العلم بالتذكية، قال: «فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذابح»4.
وهذه الرواية على طرف النقيض من الرواية السابقة حيث تضيّق

1. الفراء بالكسر والمد جمع فرو بفتح أوّله: وهو ما يلبس من الجلود الّتي صوفها معها. مجمع البحرين:1/329، مادة «فرا».
2. في مجمع البحرين: الكيمخت بالفتح والسكون فسّر بجلد الميتة المملوح. وفي الرواية: (أنّه) جلود دواب منه ما يكون ذكياً، ومنه ما يكون ميتة.
3. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 12.
4. الوسائل: 2، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

صفحه 105
ترتيب الأثر إلاّ بعد العلم بالتذكية، ومن المعلوم أنّ العمل بظاهرها مشكل، إذ كيف يمكن تحصيل العلم القاطع بالتذكية، فلابد أن يحمل العلم على الحجّة وهي إمّا يد المسلم أو سوق المسلمين.
وهنا طائفة ثالثة تعتبر سوق المسلمين أمارة على التذكية سواء عُلم أنّ البائع مسلم أو كافر أو لم يُعلم. وبها يحصل الجمع بين الطائفتين المتقدّمتين فيحمل ما دلّ على التوسعة على سبق يد المسلم أو سبق سوق المسلمين، كما يحمل ما دلّ على شرطية «العلم» في الطائفة الثانية على وجود الحجّة الشرعية على التذكية. وإليك دراسة ما بقي من الروايات.
1. صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الخفاف1 الّتي تباع في السوق؟ قال: «اشتر وصل فيها حتّى تعلم أنّه ميّت بعينه».2
ولفظ السوق المحلّى باللام إشارة إلى سوق العراق والحجاز، وليس المراد مطلق السوق حتّى ولو كان سوق الكفّار، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان.
2. صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء، لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلّي فيها؟ فقال: «نعم ليس عليكم المسألة إنّ أبا جعفر كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك» .3

1. خفاف ككتاب جمع الخف ما يلبس في الرِّجْل ومنه الحديث:«سبق الكتاب الخفّين» يعني أنّ الكتاب أمر بالمسح على الرجل لا الخف، فالمسح على الخفّين أمر حادث. مجمع البحرين: مادة «خفف».
2. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
3. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

صفحه 106
3. موثّقة إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح (عليه السلام)أنّه قال: «لا بأس بالصلاة بالفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام»، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: «إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس» .1
فجعل الإمام (عليه السلام)غلبة المسلمين على سوق البيع والشراء أو عمل الجلود وذبح الحيوانات أمارة على التذكية، فكأنّ الظن بالتذكية كاف في المقام، ومع ذلك فقد كان سيد مشايخنا المحقّق البروجردي يفسّر الحديث بشكل آخر ويقول: إنّ الغلبة هنا بمعنى غلبة حكومة الإسلام على السوق مثلاً، وإن لم يكن للمسلمين فيها غلبة على غيرهم بقرينة كلمة «على» الّتي تناسب الاستيلاء المحقّق من جانب الحكومة.
يلاحظ عليه: أنّه خلاف الظاهر، لأنّ التذكية وعمل الجلود عمل المواطنين لا عمل الحكومة، فكون الحكومة إسلامية لا يكون قرينة على كون الجلود واللحوم مذكّاة، بخلاف ما إذا كان المراد غلبة الأفراد، فإنّ كثرة المسلمين وقلّة الكافرين تكون أمارة على أنّ هذا عمل المسلمين.
4. ما رواه الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): اعترض السوق فاشتري خفّاً لا أدري أذكي هو أم لا؟ قال: «صل»، قلت: فالنعل؟ قال: «مثل ذلك»، قلت: إنّي أضيق من هذا؟ قال: «أترغب عمّا كان أبو الحسن (عليه السلام)يفعله».2
وإطلاق هذه الروايات دالّ على أنّ سوق المسلمين أي المراكز الّتي تعدّ مركزاً للبيع والشراء لهم، سواء أكانت سوقاً بالمعنى الاصطلاحي الّتي تشتمل

1. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 5.
2. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

صفحه 107
على ساحة مسقّفة أو كانت في الشوارع والأزقة لكنّها كانت محلاّت للبيع والشراء للمسلمين سواء عُرف البائع أم لا؟
بل يمكن أن يقال: وإن عرف أنّ البائع كافر، بشرط أن لا يسبقه سوق الكفر أو يد الكافر.
وعليه بعض الأجلّة في تعليقته على العروة الوثقى يقول: الظاهر من الأخبار أنّ المأخوذ من سوق الإسلام ولو من يد الكافر إن لم يُعلم سبقه بسوق الكفر، محكوم بالطهارة، والمأخوذ من سوق الكفر ولو من يد المسلم إن لم يُعلم سبقه بسوق الإسلام، محكوم بالنجاسة.1
وعلى هذا فالمأخوذ من سوق المسلمين محكوم بالتذكية مطلقاً، سواء علم أنّه مسلم أو كافر أو جهل أخذاً بإطلاقات الروايات.
وممّا ذكرناه يظهر أنّ ما في المستند من التفريق بين ما أُخذ من سوق المسلمين ولو من يد مجهول الحال فيحكم بالتذكية، وبين ما أُخذ من يد الكافر في سوق المسلمين فلا يحكم بالتذكية، غير تام،2 لإطلاق الروايات وأنّ سوق المسلمين بما هو سوق، أو الأرض المختصّة بالمسلمين أمارة على التذكية. نعم لو علم سبق يد الكافر على المأخوذ من سوق المسلمين فلا يحكم بالتذكية.
ثم إنّك قد عرفت أنّ المراد بسوق المسلمين أرض الإسلام لا السوق المصطلح اليوم، ويدلّ على ذلك ما مرّ من رواية إسحاق بن عمّار، قال: لا بأس

1. تعليقة آية الله الشاهرودي على العروة هامش العروة: 21 .
2. مستند الشيعة: 1 / 352 ـ 353 .

صفحه 108
بالصلاة في الفراء اليماني، وفيما صنع في أرض الإسلام... الخ .1
وعلى هذا فالحاكم على أصالة التذكية كما قلنا إمّا يد المسلم أو كونه مبتاعاً من سوق المسلمين أو مصنوعاً في أرض الإسلام .

الروايات المعارضة التي تدلّ على السؤال عند الشكّ

نعم ربّما يظهر من بعض الروايات عدم كفاية ذلك بل يعتبر استعمال المسلم الجلد فيما يشترط فيه الطهارة أو استعماله في الصلاة; روى الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن سعد بن إسماعيل، عن أبيه إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال: «عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه».2
يلاحظ عليه: بضعف السند فإنّ سعد بن إسماعيل بن عيسى وقع في خمسة عشر مورداً في أسناد الروايات في الكتب الأربعة، ولكنّه مهمل لم يوثّق.
وعلى فرض الصحّة فالمتبادر من الرواية أنّ سوق الجبل كان مشتركاً بين المسلمين والمشركين، وعندئذ فليس هناك أمارة على التذكية إلاّ أحد أمرين:
1. سؤال البائع حتّى يعلم عدم سبق يد المشرك عليه.

1. الوسائل: 4، الباب 55 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 3.
2. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 7 .

صفحه 109
2. مشاهدة البائع يصلّي فيه.
وإلاّ فلو كان السوق مختصّاً بالمسلمين أو كانت الغلبة لهم لا حاجة إلى الأمرين.
وعلى ذلك يحمل ما رواه محمد بن الحسين الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: «إذا كان مضموناً، فلا بأس »1 ويحمل على ما حملت عليه الرواية الأُولى لاحتمال كون السوق المشترى منها الفرو سوقاً مشتركاً، وبذلك يُعلم أنّ التقييد في كلام صاحب العروة، غير لازم حيث قال: والمأخوذ من يد المسلم وما عليه أثر استعماله بحكم التذكية، بل وكذا المطروح في أرضهم وسوقهم وكان عليه أثر الاستعمال، فالظاهر أنّ المطروح في أرض المسلمين أو سوقهم محكوم بالطهارة، ولا يحتاج إلى وجود أثر استعمال التذكية.
ويدلّ عليه موثّقة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين، فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها ثم يؤكل، لأنّه يفسد وليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له: يا أمير المؤمنين: لا يدرى سفرة مسلم أم سفرة مجوسي؟ فقال(عليه السلام): هم في سعة حتّى يعلموا».2
ترى أنّ الرواية تدلّ على جواز الاستعمال من دون تقييد بما فيه أثر التذكية. بل يظهر من المحقّق الهمداني أنّ في تلك السفرة أمارة على أنّها لغير

1. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 10 .
2. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 11.

صفحه 110
المسلمين، قال: إنّ وجود السكين في السفرة لعلّه يشهد بأنّها لغير المسلم، حيث إنّ المتعارف بينهم قطع الخبز واللحم بالسكين، بخلاف المسلمين.1وهو كماترى.

حكم يد المسلم المستحلّ للميتة بالدبغ

إنّ الأحناف ممّن يقولون بأن دبغ جلد الميتة، سبب لطهارته، فلو كان بائع الجلود ممّن يستحلّ جلد الميتة بالدبغ، فهل يجوز الاشتراء منه أو لا؟ ويظهر من الرواية التالية وجود القول بها في عصره أيضاً قبل أن يتصدّر أبو حنيفة منصّة الإفتاء فإنّ الإمام توفّي عام 94 هـ ، وولد أبو حنيفة عام 80 من الهجرة.
أمّا السيد الطباطبائي في العروة فقد احتاط، وقال: الأحوط الاجتناب عمّا في يد المسلم المستحلّ للميتة بالدبغ.2
ولعلّه استند إلى ما رواه الكليني باسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الصلاة في الفراء؟ فقال: «كان عليّ بن الحسين (عليه السلام)رجلاً صرداً لا يدفئه فراء الحجاز، لأنّ دباغها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه، فكان يُسأل عن ذلك؟ فقال: إنّ أهل العراق يستحلّون لباس جلود الميتة، ويزعمون أنّ دباغه ذكاته».3
قوله: صرداً بفتح الصاد وكسر الراء من يجد البرد سريعاً، ومنه رجل

1. مصباح الفقيه: مجلد الطهارة: 656 .
2. العروة الوثقى: في شروط لباس المصلي، أن لا يكون من أجزاء الميتة.
3. الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 2.

صفحه 111
مصراد لمن يشتدّ عليه البرد ولا يطيقه، ويقال أيضاً للقويّ على البرد، فهو من الأضداد .1
قوله: القرظ: بالتحريك ورق السلم يدبغ به الأديم.2
قوله: لا تدفئه، من الدفئ بالكسر ويحرّك نقيض شدّة البرد.
ولعلّ الفرق والله العالم أنّ أهل العراق يدبغون بالملح ولذلك يبقى الجلد على ضخامته، بخلاف أهل الحجاز فإنّهم يدبغون بورق السلم، ولعلّه يوجب رقة في الجلد.
وعلى كلّ تقدير فالرواية ليست بحجّة لاشتمالها على مجاهيل، على أنّه يمكن أن تحمل على الاستحباب، لأن نسبة جلد الميتة إلى المذكّى قليل بالنسبة إلى المذكّى، فالظنّ الغالب أنّ المدبوغ بالعراق أيضاً مذكّى، وليس بميتة، ولكن الإمام كان يحتاط.
وأمّا إلقاء القميص الذي يليه لأجل إصابته للفرو مع الرطوبة من عرق ونحوه، فيتنجس بالملاقاة.

حكم الجلود واللحوم المستوردة من بلاد الكفر

قد انتشرت ظاهرة استيراد الجلود من بلاد الكفر، فهل يحكم عليها بأنّها ميتة؟ أو يحكم بعدم التذكية؟ الظاهر هو الثاني لأنّ الميتة عبارة عمّا مات حتف أنفه، من دون إراقة دمه أو ورود جرح عليه، والمفروض أنّ تلك الجلود مذكّاة حسب تعاليمهم وليست ممّا مات حتف أنفه، فلا يحكم عليها بكونها

1. مجمع البحرين: مادة «صرد».
2. مجمع البحرين: مادة «قرظ».

صفحه 112
ميتة، حتّى تترتّب عليها النجاسة بل تكون محكومة بالطهارة، لكن يحكم عليها بعدم التذكية، باستصحابه، فلا تجوز الصلاة فيها، ممّا تحلّه الحياة كالجلود واللحوم والشحوم، وأمّا الأُصواف فلا تحلّها الحياة، فلا بأس بالصلاة فيها وكونها مشتراة في سوق المسلمين غير مفيد لسبق يد الكافرين عليها.

سوق المسلمين أمارة وليست بأصل

الظاهر أنّ سوق المسلمين أو كون الشيء مصنوعاً في أرض الإسلام أو في بلد يغلب عليه أنّهم مسلمون أمارة التذكية بشهادة حصول الظن القوي عند ذاك، ولذلك جرت السيرة على الدخول إلى السوق والاشتراء بدون تردد ولا ريب، وهذا يدلّ على عدم وجود الشكّ في أذهانهم بخلاف ما لو كان أصلاً فيلازم وجود الشكّ، وعلى هذا فيقدّم على أصالة التذكية، وإلاّ فلا يبقى لسوق المسلمين مورد، إذ ما من مورد إلاّ وقد سبق عليه الاستصحاب; وأمّا بالنسبة إلى البيّنة فلاشكّ في تقديمها على سوق المسلمين، فلو شهدت البيّنة العادلة على أن هذا اللحم أو هذا الجلد غير مذكّى أو أنّهما من حيوان مات حتف أنفه أو ذبح غير واجد لشرائط التذكية فيقدّم على السوق، وذلك لأنّ القدر المتيقّن من حجّية السيرة عدم قيام البيّنة على حال الجلد واللحم، ولذلك لو قال البائع: إنّه غير مذكّى، فهو مقدّم على حكم السوق.
***
قاعدة الإلزام   
تمّت قاعدة
سوق المسلمين أمارة التذكية

صفحه 113
القواعد الفقهية
      8

قاعدة الإلزام

أساس القاعدة هو حفظ التعايش في المجتمع
القاعدة في كلمات الفقهاء
القاعدة في لسان الروايات، وهي على طوائف أربع
مفاد الروايات وتحليلها
الروايات تشمل الاختلاف في الموضوع والاختلاف في الحكم
رفع التعارض بين الروايات
دراسة ما تخلّص به بعض الأعاظم عن المعارضة
شمول الحكم للمسلم وغيره
شمول القاعدة لمن يتعامل مخالفاً لمذهبه
تطبيقات القاعدة
اشتهرت بين الفقهاء قاعدة باسم «قاعدة الإلزام» وهي مأخوذة من الروايات نظير ما رواه علي بن أبي حمزة أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام)عن المطلّقة على غير السنّة (كما إذا طلقت بلا إشهاد عدلين، أو طلقت في طهر المواقعة) أيتزوّجها الرجل؟ فقال: «ألزموهم من ذلك ما الزموه أنفسهم وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك».1

1. الوسائل: 15، الباب30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 5.

صفحه 114
ونظير ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام)، قال: «مَن دان بدين قوم لزمته أحكامهم» .1
وستوافيك الروايات على وجه التفصيل، سواء اشتملت على لفظة الإلزام أم لا، فانتظر.

أساس القاعدة

إنّ الإسلام دين عالمي وكتابه خاتم الكتب ورسالته خاتمة الرسالات وقد اعترف بالشرائع السماوية السابقة كالنصرانية واليهودية حتّى المجوسية على حد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «سنّوا عليهم سنّة أهل الكتاب»، وكانت الغاية القصوى للشريعة هي التعايش السلمي بين أصحاب الشرائع كافّة، وبين المسلمين خاصّة، ولذلك فرض على كلّ طائفة أن تحترم مذهب الطوائف الأُخرى إذا كانت صحيحة عندهم وتُرتّب عليه الأثر حتّى وإن كان عندهم باطلاً، حتّى يقرّ التعايش ويحلّ السلم مكان المحاربة، ولذلك قال الإمام الصادق(عليه السلام): «كلّ قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز».2
وقد ورد في بعض الروايات أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى أن يقال للإماء يا بنت كذا وكذا وقال: «لكلّ قوم نكاح» .3
هذه هي روح القاعدة، ولا يصحّ التعبير عن القاعدة بأنّها عبارة عن حكم ضرريّ على قوم نافع لقوم آخرين، ولو ترتّب هنا نفع فإنّما هو أمر

1. عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2 / 27 .
2. تهذيب الأحكام: 7 / 475 .
3. تهذيب الأحكام: 7 / 473.

صفحه 115
جانبي، والأساس هو حفظ الوحدة وإيجاد الوئام ورفع المشاكل عن المجتمع، فقد كان المجتمع الإسلامي على نحو يتزوّج الشيعي من السنّيّة وبالعكس، فلولا هذه القاعدة يلزم التشاجر والتنازع.
إذا علمت ذلك فلنذكر كلمات القوم ثم نعرّج إلى ذكر الروايات.

القاعدة في كلمات الفقهاء

تدور كلمات الفقهاء حول المسائل المتعلّقة بالأحوال الشخصية كالطلاق والميراث والنكاح، حتّى أنّ السيد الجليل صاحب المستمسك أفرد رسالة في هذا الموضوع بمناسبة سؤال سُئل عنه، وإليك السؤال: ما يقول مولانا في رجل من أهل السنّة طلّق زوجته طلاقاً غير جامع للشرائط عندنا، وجامعاً للشرائط عندهم]وخرجت المرأة عن العدة[ ثم استبصر، وكذا إذا طلقها ثلاثاً بإنشاء واحد، فهل له الرجوع بزوجته بعد الاستبصار أو لا؟ 1وسيأتيك الجواب عن هذا السؤال ضمن التطبيقات.
والعجب من الشيخ حيث لم يذكر القاعدة في كتاب «الخلاف» إذ لم يجد للقاعدة موضوعاً في كتابه، ولكنّه أفرد باباً في «الاستبصار» وقال: باب أنّ المخالف إذا طلّق امرأته ثلاثاً وإن لم يستوف شرائط الطلاق كان ذلك واقعاً. ثم نقل أحد عشر حديثاً في الموضوع .2
ثم إنّ الشهيد الأوّل ألمع إلى القاعدة في كتاب القضاء، الدرس 133 وقال: ويستبيح المحق ما حكم له به مع علمه بإصابة الحق، ولو جهل،]كونه

1. مستمسك العروة الوثقى: 14 / 524 .
2. الاستبصار: 3 / 291، طبعة النجف.

صفحه 116
موافقاً للحق أو لا[ وكان الحكم على من يعتقده، فالأقرب حلّه لقولهم(عليهم السلام): «امضوا في أحكامهم ومن دان بدين قوم لزمه حكمه»1.
وقال الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام»: ولو كان المطلّق مخالفاً يعتقد الثلاث لزمته . (2)
وقال صاحب الجواهر: إنّ من كان عليه الحدّ مخالفاً، وكان حدّه القتل في مذهبهم، يجوز قتله وإن لم يصل إلى حد الإكراه لقاعدة إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم وغيرها.2
وقال في باب الخراج والمقاسمة: نعم لو أخذه من مخالف مثله، على وجه يحلّ في مذهبه، حلّ لنا وإن حرم في مذهبنا، إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم. (4)
وقال في مسألة شراء الخراج والمقاسمة من السلطان: إنّه لا يجري على مَن ادّعى سلطاناً بلا شوكة كبعض سلاطين الهند ومن كان من ذرية ذوي الشوكة من السلاطين، ضرورة عدم مدخلية النسب في ذلك، وكان من خصّ الحكم بالمخالف نظراً إلى أنّ مستند الحكم في جواز التناول منه ما ورد من النصوص بإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم، وأنّهم في ذلك معاملون معاملة أهل الذمّة الذين يجوز تناول ثمن الخمر والخنزير منهم، نظراً إلى كونه حلالاً في مذهبهم.3
وقال أيضاً في مسألة عدم جواز الوصية بالخمر والخنزير: إنّ إطلاق

1. الدروس الشرعية: 2 / 70 .   2 . مسالك الأفهام: 9 / 95 .
2. جواهر الكلام: 21 / 393 .   4 . جواهر الكلام: 22 / 200 .
3. جواهر الكلام: 22 / 201 .

صفحه 117
المصنّف يقتضي عدم الفرق بين كون الموصي والموصى له مسلمين، أو كافرين، أو أحدهما مسلماً والآخر كافراً، ولعلّه كذلك لتكليف الكافر بالفروع كالمسلم، وإن كنّا مأمورين بإقرارهم وإلزامهم بما ألزموا به انفسهم ومعاملتهم على ما عندهم .1

القاعدة في لسان الروايات

تضافرت الروايات على نفس القاعدة أو على معناها وأنّ المناقشة في أسانيد بعضها في غير محلّه بعد التضافر، والروايات على طوائف :
الأُولى: ما يستفاد منه سعة الحكم من غير اختصاص بالمسلم، وقد أشرنا إلى بعض الروايات في صدر البحث، ومنها:
1. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لكلّ قوم نكاح».(2)
2. روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن الأحكام؟ قال: «يجوز على أهل كلّ ذي دين بما يستحلّون».2
3. قال الإمام الرضا (عليه السلام): «مَن دان بدين قوم لزمته أحكامهم».3
4. روى عبدالله بن سنان: قذف رجل مجوسياً عند أبي عبدالله (عليه السلام)فقال: «مه» فقال الرجل: إنّه ينكح أُمّه وأُخته، فقال (عليه السلام): «ذاك عندهم نكاح في دينهم».4

1. جواهر الكلام: 28 / 281 .   2 . تهذيب الأحكام: 7 / 472، برقم 99 .
2. تهذيب الأحكام: 9 / 322، ولاحظ : الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم، الحديث 1.
3. عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2 / 277 .
4. الكافي: 5/574، الحديث 1، ولاحظ : الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب ميراث المجوس، الحديث 1 .

صفحه 118
الطائفة الثانية: ما يدلّ على كون الحكم كذلك خاص بالمسلمين، وقد وردت روايات في ذلك في أبواب الطلاق والميراث والمصاهرة:
أمّا ما ورد في باب الطلاق:
1. ما رواه عبدالرحمن البصري عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت له: امرأة طلّقت على غير السنّة، فقال: «تتزوّج هذه المرأة، لاتترك بغير زوج».1
وهذه الرواية وما بعدها وضعها صاحب الوسائل في باب سمّاه: باب أنّ المخالف إذا كان يعتقد وقوع الثلاث في مجلس أو الطلاق في الحيض أو الحلف بالطلاق ونحوه، جاز إلزامه بمعتقده.
2. روى عبدالله بن سنان، قال: سألته عن رجل طلّق امرأته لغير عدّة، ثمّ أمسك عنها حتّى انقضت عدّتها، هل يصلح لي أن أتزوّجها؟ قال: «نعم، لاتترك المرأة بغير زوج».2
3. روى علي بن أبي حمزة، أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام)عن المطلّقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوّجوهنّ، فلا بأس بذلك».
قال الحسن: وسمعت جعفر بن سماعة، أنّه سئل عن امرأة طلّقت على غير السنّة، ألي أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: ألست تعلم أنّ علي بن حنظلة روى: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً على غير السنّة، فإنهنّ ذوات أزواج؟ فقال: «يابنيَّ! رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، روى عن أبي

1. الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 3.
2. الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 4. والظاهر أنّ المراد هو الطلاق في طهر المواقعة.

صفحه 119
الحسن(عليه السلام)، أنّه قال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوّجوهنّ، فلا بأس بذلك».1
4. روى عبدالأعلى عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً؟ قال: «إن كان مستخفّاً بالطلاق ألزمته ذلك».2
والمراد من كونه مستخفّاً في مقابل المتشدّد الذي لا يرى للطلاق الشروط اللازمة، ومعنى إلزامه بالطلاق كونها مطلّقة بالطلاق الصحيح، وكلّ مَن طلّقت كذلك فالزواج منها جائز.
5. روى أبو العباس البقباق قال: دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام)فقال لي: أرو عني: «إن من طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فقد بانت منه»3، وإنّما يحكم بأنّ طلاقها طلاق بائن لا رجعي أخذاً بعقيدته.
6. روى محمد بن أبي عبدالله العلوي قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن تزويج المطلقات ثلاثاً؟ فقال لي: «إنّ طلاقكم لا يحلّ لغيركم وطلاقهم يحلّ لكم، لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها».4
يريد الإمام أنّ الشيعي لو أخطأ وغضب وطلّق ثلاثاً، لا تحرم المطلّقة

1. الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 6، نقلنا الرواية عن التهذيب: 8 / 58 طبعة النجف الأشرف فما نقله عن الحسن (حسن بن محمد بن سماعة) ليس رواية مستقلة كما يوهمها ظاهر الوسائل، بل ذيل للحديث حيث سأل الحسن عمّه جعفر بن سماعة عن تعارض الروايتين فأجاب بوجه غير واضح وسيأتي ما هو الجواب الصحيح في رواية عبدالله بن طاووس عن الرضا (عليه السلام).
2. الوسائل: 15، الباب 30 من مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 7 .
3. الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 8 .
4. الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 9.

صفحه 120
أبداً، لأنّ المطلّق لا يرى صحّة طلاقه، بخلاف المخالف إذا طلّق كذلك.
7 . روى عبدالله بن طاووس قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنّ لي ابن أخ، زوّجتُه ابنتي، وهو يشرب الشراب، ويكثر ذكر الطلاق، فقال: «إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، وإن كان من هؤلاء، فأبنها منه، فإنّه عنى الفراق»، قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس، فإنَّهنَّ ذوات الأزواج؟ فقال: «ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء، إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم».1
***
وأمّا ما ورد في باب الميراث، فمنها:
1. ما رواه عبدالله بن محرز قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل ترك ابنته وأُخته لأبيه، وأُمّه، فقال: «المال كلّه لابنته وليس للأُخت من الأب والأُمّ شيء»، فقلت: فإنا قد احتجنا إلى هذا والميّت رجل من هؤلاء الناس، وأُخته مؤمنة عارفة، قال: «فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنّتهم وقضاياهم».
قال ابن أُذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: إنّ على ما جاء به ابن محرز، لنوراً.2
ومضمون الحديث يدلّ على صدق الحديث، ويكفي في ذلك تصديق زرارة لما نقله ابن أُذينة عن عبدالله بن محرز.

1. الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 11.
2. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 1 .

صفحه 121
وجه الدلالة: أنّ الأُخت لا تشارك البنت في الميراث عندنا لأنّها في الطبقة الثانية، وأنّ أهل السنّة يشاركون الأُخت مع البنت، فعلى أُصولهم فالأُخت الشيعية ترث نصف الميراث لا على مذهبها، وهذه عبارة أُخرى عن أخذ المخالف بما يعتقده.
2. روى جميل بن درّاج عن عبدالله بن محرز وزاد: «خذهم بحقّك في أحكامهم وسنّتهم كما يأخذون منكم فيه».1
3. ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن ميّت ترك أُمّه وإخوة وأخوات، فقسّم هؤلاء ميراثه، فأعطوا الأُمّ السدس، وأعطوا الإخوة والأخوات ما بقي، فمات الأخوات، فأصابني من ميراثه، فأحببت أن أسأل هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة، أم لا؟ فقال: «بلى»، فقلت: إنَّ أُمّ الميّت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر،أعني: الدين فسكت قليلاً، ثم قال: «خذه».2
إنّ الضمير في قوله: «من ميراثه» يرجع إلى «ميّت» والضمير المؤنث في «من ميراثها» يرجع إلى الأُمّ، والظاهر أنّ السائل كان زوج إحدى الأخوات، فماتت زوجته وورثها، وبذلك صحّ معنى الحديث.
توضيحه: أنّه إذا مات الرجل وكان وارثه الوحيد هي الأُم، تكون التركة لها، فعلى هذا فالأُم هي الوارثة، ولكن على حسب فقه أهل السنّة، يكون الأُخوة والأخوات شركاء، فللأُم السدس والباقي لهم، ولمّا توفّيت إحدى

1. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2.
2. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 6. والمراد أنَّ الأُم استبصرت وتشيّعت وصار ذلك مظنّة عدم جواز الأخذ، فحكم الإمام(عليه السلام) بجوازه .

صفحه 122
الأخوات وكان السائل مثلاً زوجاً لها، فهو قد ورث حسب الظاهر من الأخوات وفي الواقع من الأُم، ولذلك سأل الإمام عن حكم الواقع .
ولمّا أفتى الإمام(عليه السلام) حسب قاعدة الإلزام، استدرك السائل بأنّ أُمّه تشيّعت بعد موت المورّث، فذكر الإمام (عليه السلام) بأنّ تأخّر التشيّع لا يضر بقاعدة الالزام لأنّها سبقت على تشيّعها.

مفاد الروايات وتحليلها

مرّ الإيعاز إلى أنّ الغاية من تصحيح عمل الآخرين، سواء أكانوا من أتباع الشريعة الإسلاميّة أم من أتباع الشرائع الماضية، هو تسهيل الأمر للمسلمين وتجويز السلوك مع نظر المخالف وفقاً للمصالح العالية الّتي يعلمها صاحب الشريعة، وفي العلل والكلّيات الواردة في الروايات ما يستشم منه ذلك.
1. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لكلّ قوم نكاح».
2. عن أبي جعفر (عليه السلام): «يجوز على أهل كلّ ذي دين بما يستحلّون».
3. قال الإمام الرضا (عليه السلام): «مَن دان بدين قوم لزمته أحكامهم».
4. ما مرّ من ذمّ الإمام(عليه السلام) من قذف مجوسياً بحجّة أنّه ينكح أُمّه وأُخته، قال (عليه السلام):«ذاك عندهم نكاح في دينهم».
هذه هي الروايات العامّة الّتي تعمّ المسلم وغيره، كما ورد في الطائفة الثانية قولهم(عليهم السلام):
1. لا تترك بغير زوج.
2. ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم.
إلى غير ذلك من العناوين الكلّية الّتي ربّما يعثر عليها الباحث، فإنّ

صفحه 123
الظاهر من تصحيح عمل الغير إذا كان صحيحاً عنده، هو تسهيل الأمر على المجتمع، وأن لا يقذف أحد الآخر، أو لا تترك المطلّقة بلا تزويج.
كما أنّ قوله: «ألزموهم» قد ورد في مورد توهّم الحظر، فأُريد به رفع ذلك التوهّم بأنّ تصحيح عمل الغير ليس أمراً باطلاً، وأوضح من الكلّ قوله (عليه السلام): «كلّ قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز».1
ثم إنّ الاختلاف في مفاد الروايات تارة يتعلّق بالموضوع وأُخرى بالحكم.
أمّا الاختلاف في الموضوع كما في تزويج المجوسي إحدى المحارم، فهل يتحقّق النسب بذلك أو لا؟ الظاهر ذلك لوجهين:
1. إنّ النسب رهن التولّد من ماء الرجل والمرأة، ومن المعلوم أنّه أمر عرفي، ولذلك فولد الزنا ولد عرفي وإن لم يكن ولداً شرعياً، ولذلك لا يترتّب عليه التوارث، وأمّا سائر الأحكام فهي مترتّبة عليه فلا يجوز للولد المتولّد من الزنا الزواج بأُمّه وأُخته لأبيه، وكذا لا يجوز للزاني أن يتزوّج بنته من الزنا.
2. ما سبق من الروايات من أنّ لكلّ قوم نكاح، أو: أنّ كلّ قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمه.
هذا كلّه حول الموضوع وقد عرفت أنّ التصحيح مطابق للقاعدة حتّى مع غضّ النظر عن قاعدة الإلزام.
وأمّا الاختلاف في الحكم فمقتضى القاعدة الأُولى عدم ترتيب الأثر على السبب الفاسد لعدم تعلّق علقة الزواج مع فقدان الشرط، كمن تزوّج بعقد

1. مرّ ذكر مصادر هذه الأحاديث في الصفحات الماضية.

صفحه 124
فاسد أو طلّق كذلك، فالأصل عدم ترتّب الآثار; فلا يترتّب على مثل هذا الزواج حلّية الاستمتاع، ولا وجوب التمكين على المرأة، ولا وجوب النفقة على الرجل، كما لا يجوز تزويجها بعد كون السبب فاسداً.
هذا هو مقتضى القاعدة الأُولى غير أنّ هذه الروايات وسّعت الأمر على المسلمين بل على المجتمع بشكل عام، بأنّ الأعراف الموجودة عند كلّ قوم الذين يميّزون الحلال عن الحرام ـ ولو في مذهبهم ـ يتعامل معها معاملة الصحيح، والدليل على ذلك ما مرّ من الروايات; ولذلك نرى أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)يروي عن أبيه (عليهما السلام)أنّه كان يورّث المجوسي، إذا تزوّج بأُمّه وبابنته من وجهين: من وجه أنّها أُمّه، ووجه أنّها زوجته .1

التعارض بين الروايات وعلاجه

قد عرفت تضافر الروايات على أنّ المطلّقة ثلاثاً يجوز تزويجها، وما ذلك إلاّ لأنّها مطلّقة في اعتبار المطلّق، وهذا يكفي في تزويج الآخرين.
ولا بأس بأن يكون الطلاق الصحيح في منظار المطلّق موضوعاً لتزويج الآخرين الذين لا يعتقدون بصحّته، وليس ذلك أمراً متناقضاً كما مرّ نظيره في أمر النسب.
غير أنّ الظاهر من بعض الروايات أنّه لايجوز تزويج المطلّقة ثلاثاً، روى عمر بن حنظلة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس واحد، فإنّهنّ ذوات أزواج»2.

1. الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب ميراث المجوس، الحديث 1.
2. الوسائل: 15، الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 20.

صفحه 125
وروى حفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً، فإنّهنّ ذوات أزواج»1.
والجواب: أنّ الروايتين ناظرتين إلى طلاق الشيعي إذا طلّق زوجته ثلاث تطليقات بزعم أنّها صحيحة أو لغير ذلك، والشاهد على ذلك ما رواه عبدالله بن طاووس، قال: قلت لأبي الحسن الرضا(عليه السلام): إنّ لي ابن أخ، زوّجتُه ابنتي، وهو يشرب الشراب، ويكثر ذكر الطلاق، فقال: «إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، وإن كان من هؤلاء فأبنها منه فإنّه عنى الفراق»، قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس، فإنّهنّ ذوات الأزواج؟ فقال: «ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء، إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم»2.
ويظهر من رواية جعفر بن سماعة أنّ الاختلاف بين الطلاقين كان موجوداً في أذهانهم كما في الرواية رقم 4 من الطائفة الثانية .

دراسة ما تخلّص به بعض الأعاظم عن المعارضة

ثم إنّ بعض الأعاظم تخلّص عن الإشكال بوجه آخر قائلاً بأنّ تلك المطلّقة باقية على زوجيتها للمطلّق، ولكن بنفس العقد الواقع عليها من الذي يعتقد بطلان ذلك الطلاق، تخرج عن كونها زوجة للمطلّق، فذلك العقد يكون طلاقاً بالنسبة إلى الزوج الأوّل، ونكاحاً بالنسبة إلى الثاني.
ثم استظهر أنّ له نظيراً في الفقه، كما إذا وقف ذي الخيار المبيع، أو أعتق

1. الوسائل: 15، الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 21.
2. الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 11 .

صفحه 126
العبد المبتاع، فعقد الوقف وإيقاع العتق يكون فسخاً وإخراجاً عن ملك المبتاع، ووقفاً أو عتقاً أيضاً في زمان واحد، وليس أحدهما متقدّماً على الآخر حسب الزمان أصلاً.
وفيما نحن فيه يكون الخروج عن الزوجية للزوج الأوّل وصيرورتها زوجة للثاني في زمان واحد، فلم يقع العقد على زوجة الغير كما ربما يتوهّم.1
يلاحظ عليه أوّلاً: وجود الفرق بين المشبّه والمشبّه به، أمّا المشبّه فإنّ التزويج بيد المزوّج وأمّا الطلاق فهو بيد من أخذ بالساق، وليس الرجل الثاني منه، فكيف يكون تزويجه طلاقاً وتزويجاً، إلاّ بالتعبّد، فلو صحّ ذلك فما جاء في الروايات أفضل منه وهو تلقّي عمل الغير صحيحاً إذا صدر عنه حسب موازين دينه وشريعته.
نعم يصحّ في المشبّه به لأنّ كلاًّ من الفسخ والعتق بيده.
وثانياً: نحن في غنى عن التخلّص عن الإشكال بالبيان المذكور، إذ يكفي في تصحيح العمل، كون الإلزام من قبيل الحكم الواقعي الثانوي، فتكون أدلّته حاكمة على شرائط الطلاق في هذه الحالة، نظير حكومة أدلّة التقية على الأحكام الواقعية فإنّ تصحيح العمل الصادر عن تقية الفاقد لشرائط الصحّة من هذا القبيل، فتدبّر.

شمول الحكم للمسلم وغيره

لا شكّ أنّ أغلب الروايات الواردة في المقام تهدف إلى العمل الصادر

1. القواعد الفقهية للسيد البجنوردي: 3 / 193.

صفحه 127
من المسلم الذي يعتقد بصحّته والطرف الآخر الذي يعتقد بفساده، لكن قسماً من الروايات الذي ذكرناها في الطائفة الأُولى تركّز على شمول الحكم لعمل غير المسلم، نظير قوله: «لكلّ قوم نكاح»، أو قوله: «يجوز على أهل كلّ ذي دين وما يستحلّون» أو قول الإمام الرضا (عليه السلام): «مَن دان بدين قوم لزمته أحكامهم»، وقوله (عليه السلام): «كلّ قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز»، وأمثالها من الروايات، وعلى هذا فمن تزوّج من أهل الكتاب يحرم على الغير نكاحها بلا طلاق، كما أنّه لو طلّق يجوز نكاحها. وكذلك لو مات أحد منهم وقسّم المال على حسب شريعتهم فيملك كلّ من الورثة ما عيّنته الشريعة، فلا يجوز التصرّف فيه بلا إذن.
وعلى هذا فلو عقد الذمّيان على خمر أو خنزير ثم اشترى مَن بيده الثمن شيئاً من المسلم، فالظاهر صحّة المعاملة لإطلاق الروايات، وما في «الجواهر» من أنّ ملكية الكافر للخمر والخنزير ونحوهما مناف لقاعدة تكليف الكافر بالفروع، ولما دلّ على عدم قابليتهما للملك شرعاً من غير فرق بين المسلم والكافر، وعدم التعرّض لما في أيديهم من أديانهم لا يقتضي ملكيتهم ذلك في ديننا.1
يلاحظ عليه: أنّه لا يجوز للمسلم إيجاد الموضوع، وأمّا إذا وجد الموضوع من جانب الذميّين فمقتضى القاعدة ترتيب الأثر على فعلهما .
وما ذُكر من تكليف الكفّار بالفروع كالأُصول صحيح لكن مع قطع النظر عن الدليل الحاكم أعني: قاعدة الإلزام فإنّها توسّع موضوع الصحّة، كما أنّ إسلام الكافر يجبّ ما قبله.

1. جواهر الكلام: 31 / 9 .

صفحه 128
وقد عرفت أنّ المراد من الإلزام هو تسهيل الأمر على المجتمع ، فلذلك يترتّب الأثر على أفعال أهل الذمّة كترتّبه على أفعال المسلمين، ولذلك لو باع خمراً أو ميتة فملك الثمن، فيجوز لنا بيع الشيء في مقابل الثمن المذكور.
فإن قلت: إنّ الميتة والخمر غير مملوكين، والكفّار محكومون بالفروع كما أنّهم محكومون بالأُصول، فكيف يجوز لنا التعامل معهم في مقابل الأثمان الّتي اكتسبوها من بيع الميتة والخمر؟
قلت: ما ذكر صحيح حسب الحكم الواقعي الأوّلي، وأمّا بالنسبة إلى هذه الروايات فما ورد فيها حكم واقعي ثانوي يجوز اتّباعه وتقديمه على الحكم الواقعي الأوّلي، وقد مرّ البحث عنه في الأمر السابق.

شمول القاعدة لمن يتعامل مخالفاً لمذهبه

المتيقّن من الروايات هو لزوم التعامل مع الفعل الصادر عنهم كالأمثلة الواردة في الروايات.
وأمّا شموله للموضوع الذي يوجده الموافق على نحو يخالف مذهبه ويوافق مذهب المقابل كما إذا أراد بيع الخمر والخنزير والميتة من الكافر المستحل، فهل يجوز بيعها؟ الظاهر: لا، لأنّها غير مملوكة للمسلم، ومصبّ الروايات غير هذا.
وبعبارة أُخرى: الحكم لا يوجد موضوعه ولا يحقّق ثبوته، فلو تعامل الكافر مع الكافر بيعاً أو شراءً أو إجارة صحيحاً عنده وباطلاً عندنا، فهذا ما يجوز لنا إلزامهم بما ألزموا أنفسهم به، فلو شروا بنفس الثمن شيئاً منّا فلا إشكال فيه، وأما إذا أردنا أن نوجد موضوعاً جديداً من جانبنا، فلا يشمله أبداً.

صفحه 129
وممّا ذكرنا يظهر أنّ القاعدة لا تشمل تغسيل الميّت إذا كان مخالفاً مع مذهب الغاسل لما عرفت من أنّ الروايات ناظرة إلى العمل الصادر من المخالف، وأمّا تغسيل الميّت فهو ليس عمله وإنّما هو عمل الغسّال، فيجب عليه أن يغسله حسب ما يعتقد بصحّته.
وإن شئت قلت: إنّ قاعدة الإلزام واردة فيما إذا صارت مبدأ للإلزام على الغير، ومن المعلوم أنّ الميّت لا يقبل الإلزام، وبذلك تظهر المناقشة في كلام كلّ مَن قال بلزوم التغسيل على مذهب الميّت.
قال السيد الطباطبائي في العروة: لكن يجب أن يكون بطريق مذهب الاثني عشري.1
ونقل في المستمسك عن «جامع المقاصد» أنّ ظاهرهم أنّه لا يجوز تغسيله غسل أهل الولاية، ولا نعرف لأحد تصريحاً بخلافه.2 وهو كماترى.

تطبيقات القاعدة

إنّ للقاعدة تطبيقات كثيرة يقف عليها الباحث المتتبع في مختلف أبواب الفقه، وقد ذكرنا قسم منها في كلمات الفقهاء ومضمون الروايات، وقد مرّت الإشارة إلى بعضها فيما سبق:
1. اتّفقت الإمامية على خيار المجلس للبيّعين، خلافاً لفقهاء المالكية3حيث قالوا بلزوم البيع في نفس المجلس. وعلى هذا فلو كان أحد البيّعين

1. العروة الوثقى:2/30، في تغسيل الميت.
2. مستمسك العروة الوثقى: 4 / 67 .
3. الخلاف:3/8، المسألة 6، في خيار المجلس.

صفحه 130
مخالفاً غير قائل بخيار المجلس، والآخر موافقاً قائلاً به، فللثاني إلزامه بعدم الفسخ لو حاوله، أخذاً له بمذهبه.
2. اتّفقت الإمامية على أنّ المبيع إذا كان حيواناً فللمشتري الخيار ثلاثة أيام، وأنكره فقهاء أهل السنّة، فلو كان البائع موافقاً والمشتري مخالفاً فللبائع أن يلزمه بالبيع وإن لم تمض ثلاثة أيام.
3. اتّفقت الإمامية على أنّ تلف المبيع في زمن الخيار ممّن لا خيار له، وخالفهم فقهاء أهل السنّة، فلو تلف المبيع في أيام الخيار، وكان الخيار للمخالف دون الموافق، فمع قطع النظر عن قاعدة الإلزام فالتلف على حساب الموافق باعتبار أنّه لا خيار له، لكن ينقلب الحكم عكساً إذا لوحظت قاعدة الإلزام، فعندئذ لا يتحمّل الموافق التلف أخذاً بمذهب المخالف، بل خصوصاً إذا تلفت العين تحت يديه.1
4. إذا وهب المريض في مرض موته للشيعي جميع ما يملكه، معتقداً نفوذ تصرّفاته من الأصل مطلقاً، فعلى المتّهب أن يتملّكه إلزاماً له بمذهب الواهب، حيث يجوّزون للمريض أن يتصرّف في جميع أمواله سواء رضي الورّاث أو لا.
هذا فيما إذا وهب وتحقّق القبض والإقباض في حياة الواهب، دون ما إذا لم تتم أركان الهبة، إذ لوارث الواهب أن لا يلتزم بالهبة لعدم انعقادها كاملة.
5. إذا كان مَنْ عليه الحدّ مخالفاً وكان حدّه القتل في مذهبهم دون مذهبنا، فحوّل إجراء الحدّ إلى شيعي، فهل يجوز للشيعي قتله، وإن لم يصل

1. ما ذكرناه في المقام موافق لمذهب المشهور من أن قولهم: تلف الخيار ممّن لا خيار له قاعدة مستقلة، لكنّه عندنا مورد تأمّل. شرحنا مفاد القاعدة في منشوراتنا الفقهية.

صفحه 131
إلى حد الإكراه، لقاعدة إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم؟ في التمسّك بالقاعدة في هذا المورد نظر، 1 لأن القاعدة كالتقية فكما أنّ الثانية محدّدة بالدم، فإذا بلغت الدم فلا تقية، فلعلّ القاعدة أيضاً كذلك.
6. لو تزوّج المخالف بعقد فاسد عندهم، كما لو تزوج بغير شهود، فإنّ العقد بلا شهود فاسد عندهم، لكنّه صحيح على مذهب الإمامية، فهل يمكن إلزامه بما التزم به، فيحكم بفساد العقد، ويترتّب عليه تزويج الغير أو لا؟ فيه تأمّل. لإيجاب الاحتياط في الأعراض .
7. اتّفق الفقهاء على أنّ النكاح من محرّمات الإحرام فلا يجوز ما لم يُخْرَج منه، لكنّ المخرج عند فقهاء السنّة هو طواف الزيارة مع ركعتيه، ولكنّه عند فقهاء الشيعة هو طواف النساء مع ركعتيه، فلو فرضنا أنّ الحاجّة السنّيّة طافت طواف الزيارة وصلّت صلاته فيجوز للشيعي تزوجها لأنّها خرجت عن الإحرام وفق مذهبها، فتأمّل .
8. لو طلّق المخالف زوجته بلا إشهاد، ثم استبصر قبل أن يعقد عليها شخص آخر، فلا شكّ أنّه يرجع إلى زوجته، إنّما الكلام إذا عقد عليها آخر، فلا يبقى مورد للرجوع، لما عرفت من أنّ قاعدة الإلزام أشبه بالحكم الواقعي الثانوي.
9. لو عقد المخالف على المطلّقة اليائسة قبل انقضاء عدتها، فهذا العقد عندنا صحيح لأنّ اليائسة لا عدّة لها، ولكنّه عندهم فاسد لقولهم بوجوب الاعتداد عليها، وعلى هذا فيجوز للإمامي أن يلزمهم بما ألزموا به أنفسهم، فيعقد عليها وإن لم يطلّقها الزوج العاقد.

1. جواهر الكلام: 21 / 393 .

صفحه 132
10. اتّفقت الإمامية على أنّه لا ضمان في العارية إذا لم يكن درهماً ولا ديناراً أو لم يكن من الذهب والفضة، فأعاره ولم يشترط عليه الضمان، وكان المستعير سنيّاً يعتقد بضمان العارية، فعلى المعير أن يلزمه بما ألزم به نفسه، من ضمان العارية مطلقاً.
11. ذهب فقهاء السنّة إلى بطلان الجمع بين العمّة أو الخالة وبين بنت أخيها أو أُختها في النكاح، أجازتا أو لا، خلافاً لفقهاء الشيعة فقالوا بجواز الجمع إذا أجازتا، فلو تزوّج المخالف بنت أخي الزوجة أو بنت أُختها فنكاحه باطل، فيجوز للشيعي عقد كلّ منهما أخذاً بمذهبه.
12. اتّفقت الإمامية على حضور شاهدين في صحّة الطلاق، بخلاف أهل السنّة، فلو طلّق زوجته من دون حضور شاهدين صحّ الطلاق على مذهبه، ويجوز للشيعي أن يتزوّج تلك المطلّقة أخذاً بقاعدة الإلزام.
13. الطلاق حال الحيض أو في طهر المواقعة باطل عندنا لكنّه يصحّ عند فقهاء السنّة، ويجوز للشيعي أن يتزوّج تلك المطلّقة بقاعدة الإلزام لكن بعد خروجها عن العدّة.
14. اتّفقت الإمامية على بطلان طلاق المكره لكنّه صحيح عند الحنفية، فلو طلّقت المرأة الحنفية بإكراه، يصحّ للشيعي أن يتزوّجها بمقتضى قاعدة الإلزام.
15. الحلف بالطلاق باطل عند الإمامية لكنّه صحيح عند فقهاء السنّة، فلو حلف السنّي على عدم فعل شيء وأنّه إن فعله فامرأته طالق، واتّفق أنّه فعل ذلك الشيء فتصبح امرأته طالقاً على مذهبه، فيجوز للشيعي أن يتزوّجها بمقتضى قاعدة الإلزام.

صفحه 133
16. لو اشترى شخص شيئاً بالوصف ثم رآه وكان المبيع جامعاً للوصف المذكور، فليس للمشتري خيار الرؤية لكنّه ثابت على مذهب الشافعي، وعلى هذا فلو اشترى شيعي من شافعي شيئاً بالوصف المذكور، ثم رآه مطابقاً للوصف ثبت له الخيار بقاعدة الإلزام.
17. اتّفق الفقهاء على ثبوت خيار الغبن للمغبون، إلاّ أنّ الشافعي ذهب إلى عدم ثبوته، فلو اشترى شيعي من شافعي شيئاً ثم انكشف أنّ البائع الشافعي مغبون، فللشيعي إلزامه بعدم حقّ الفسخ له .
18. اتّفقت الإمامية على صحّة بيع المُسلَم وإن لم يكن المُسلَم فيه موجوداً، بخلاف الحنفية فيشترط عندهم وجود المُسلَم فيه، وعليه لو اشترى شيعي من حنفي شيئاً سَلَماً ولم يكن المُسلَم فيه موجوداً، جاز له إلزامه ببطلان العقد.
19. اتّفقت الإمامية على أنّ الميّت لو ترك بنتاً وأخاً فالتركة كلّها للبنت، خلافاً لفقهاء السنّة فإنّ ما فضل من التركة يكون للأخ من باب التعصيب، وعلى هذا فلو ترك الميّت بنتاً سنّية وأخاً شيعياً، جاز للأخ أخذ ما فضل من التركة.
20. المشهور عند الإمامية أنّ الزوجة لا ترث من العقار، بل الأراضي مطلقاً، بخلاف فقهاء السنّة فإنّ الزوجة ترث من جميع تركة الميّت منقولاً كان أو غير منقول، وعلى ذلك فلو كان الوارث سنّياً وكانت الزوجة شيعية جاز لها أخذ ما يصل إليها من الأراضي وغيرها.
وهناك فروع أُخرى تترتّب على هذه القاعدة تركنا التعرّض لها.
تمّ الكلام في قاعدة الإلزام

صفحه 134
قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز   
القواعد الفقهية
      9

قاعدة

إقرار العقلاء على أنفسهم جائز

تعبيرات مختلفة عن القاعدة في الكتب الفقهية
تفسير مفردات القاعدة
دليل القاعدة من الكتاب والسنّة والسيرة
بماذا يتحقّق الإقرار ؟
الضرر النابع من الإنكار، هل يُعدّ إقراراً على النفس؟
في تعقيب الإقرار بالاستثناء
النسبة بين البيّنة والإقرار
من القواعد المسلّمة بين كافّة العقلاء حجّية إقرار كلّ إنسان بالغ عاقل على نفسه في مجال الأموال والحقوق وغيرهما، وعليه تدور رحى القضاء في أكثر الدعاوي، ولا تجد فقيهاً أو عالماً حقوقياً ينكر حجّيّة القاعدة، وذلك لأنّ الإنسان العاقل الطالب لخيراته لا يُقدم على إضرار نفسه إلاّ أن يكون له داعياً من ضميره أو من إيمانه وخوفه من الله، فلذلك يُسمَع إقرارُه لأنّه ناتج إمّا من قضاء الضمير أو الخوف من الله سبحانه، وقلّما يتّفق أن يقرّ الإنسان على ضرره لغايات أُخرى غير بيان الواقع، ولذلك لا يعتدّ بهذا الاحتمال ويؤخذ بإقرار المقرّ.
ثم إنّ التعبير الرائج في مورد القاعدة ما ذكرناه في عنوان البحث، ولكنّ

صفحه 135
الشيخ كاشف الغطاء عبّر عن القاعدة بالنحو التالي: إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، أو جائز 1، وعُبّر عنها في مجلة الأحكام العدلية بقولهم: المرء مؤاخذ بإقراره .2
ويظهر من تعليقات ذلك الكتاب أنّه الرائج في كتب فقهاء السنّة، وعلى كلّ تقدير فالبحث في القاعدة من جهات:

الأُولى: تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مؤلّفة من كلمات نأتي بتفسيرها واحدة بعد الأُخرى:
1. الإقرار: هو مصدر باب الإفعال مأخوذ من قرّ يقرّ بمعنى ثبت يثبت، ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار)3 .
وقوله سبحانه: (وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)4.
وكأنّ المعترف باعترافه يثبِّت المقرّ به ويُضفي له وصفَ الثبات .
2. العقلاء: الذين يميّزون المضارّ عن المنافع، خرج المجانين والسُّكارى وشبههم، مع كونهم بالغين شرعاً.
3. على أنفسهم: احتراز عن الإقرار للنفس أي لخيرها ونفعها، والمراد هنا على ضررهم.

1. تحرير المجلة: 1 / 270 .
2. تحرير المجلة: 1 / 189 .
3. إبراهيم: 26.
4. غافر: 39.

صفحه 136
4. جائز: وفيه احتمالان:
أ. مباح أي غير حرام.
ب. جائز بمعنى نافذ يؤخذ ويؤاخذ به .
وبما أنّ القاعدة تُضيّق جواز الاعتراف بصورة واحدة وهي ما إذا كان على ضرر المقرّ نفسه، فهذا ما يمكن أن يكون قرينة على معنى الجواز وأنّه بمعنى النفوذ وأنَّ الأخذ مختص بهذه الصورة، بخلاف ما إذا قلنا بأنّه بمعنى الإباحة فهي لا تختصّ بصورة دون صورة، إذ يجوز للإنسان أن يعترف على نفسه وعلى غيره من دون أن يكون أمراً غير جائز.
بقي الكلام في أنّ الظرف أعني قوله: «على أنفسهم» هل هو متعلّق بالإقرار أو متعلّق بقوله: «جائز»؟ وبعبارة أُخرى: هل مفاد القاعدة عبارة عن: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، أو إقرار العقلاء جائز على أنفسهم؟
وبين المعنيين فرق واضح، فلو كان الظرف من قيود الإقرار، يكفي في نفوذه كونه على ضرره وإن كان يترتّب عليه نفع أيضاً، مثلاً: إذا اعترف بأنّ زيداً ابنه فهو اعتراف على النفس حيث تجب عليه نفقته ولكنّه يستتبع نفعاً أيضاً وهو أنّه يرثه لو مات، وعلى ذلك فالاعتراف على النفس موضوع لسماع إقراره على وجه الإطلاق، سواء ترتب عليه نفع أيضاً أو لا. فالإقرار محدّد بكونه على النفس، لكن الجواز مطلق يعمّ ما إذا كانت النتيجة هي الضرر أو مزدوجة مع النفع.
وهذا بخلاف ما إذا كان الظرف قيداً للجواز فيختصّ النفوذ في خصوص ما فيه الضرر لا غير، وفي المثال السابق يكون إقراره نافذاً في بذل النفقة لا في الميراث لافتراض أنّ النفوذ مقيّد بالضرر ولا يعمّ غيره.

صفحه 137
والظاهر أنّ الظرف متعلّق بالإقرار ولكنّ النتيجة واحدة، وذلك من وجهين:
الأوّل: لكونه أقرب من قوله: «جائز».
الثاني: أنّ مفاد القاعدة بين العقلاء هو الأخذ بإقرار المقرّ إذا كان على نفسه; لأجل أنّ العاقل لا يعترف على ضرره إلاّ بداع من الضمير الحرّ أو بخوف من الله سبحانه، والاعتراف النابع من ذلك حجّة في الاعتراف على الضرر، ولو استلزم ذلك الاعترافُ، الانتفاعَ، فلا يؤخذ بالثاني لما عرفت من أنّ وجه الأخذ بالإقرار هو أحد الأمرين، وهما مختصّان بما إذا كان المقرّ به على ضرره دون نفعه. وهذا هو الوجه لعدم عموم القاعدة لما إذا استلزم النفع.
فإن قلت: إذا قال: هذا ابني، وثبت المقرّ به وهو أنّه ابنه، فيجب ترتيب جميع الآثار سواء أكانت على ضرره كوجوب الإنفاق عليه، أو بنفعه كالإرث منه، فإنّ تفكيك أحد الأثرين عن الآخر أشبه بتفكيك اللازم عن الملزوم أو أحد اللازمين عن الآخر.
وبعبارة أُخرى: إنّ الإقرار إمّا صادق فينفذ مطلقاً، وإمّا كاذب فلا ينفذ مطلقاً، فالقول بالتفصيل بين ترتيب بعض آثاره دون بعض، مخالف للفرضين معاً.
قلت: أجاب السيد المراغي عن الإشكال بوجهين:
الأوّل: الإشكال وارد بحسب الثبوت وغير وارد بحسب الإثبات الذي تنظر القاعدة إليه .
الثاني: أنّ الإقرار إنّما يكون إقراراً بالنسبة إلى ما يسبّب ضرراً إلى نفس المقرّ، وأمّا بالنسبة إلى ما يؤدّي إلى نفع لنفسه أو ضرر على غيره، فلا يكون

صفحه 138
إقراراً أصلاً حتّى يقال بأنّه جائز ونافذ، بل الإقرار بالنسبة لهذه الصور الثلاث يكون مجرد دعوى، ولذا لا يصحّ الحكم بها شرعاً وعرفاً.1
وما ذكره أمر لا سترة عليه أمّا الثاني فلما قلنا من أنّ العقلاء إنّما يأخذون بإقرار الإنسان لأجل أنّ العاقل لا يعترف على ضرر نفسه، فلو اعترف، فهذا يدلّ على صدق إقراره، وأمّا الإقرار على نفعه أو انتفاع الغير أو ضرره فحدّث عنه ولا حرج، فشهود الزور كثيراً ما يعترفون إمّا على نفع أنفسهم أو غيرهم أو ضررهم، فيوصف حينئذ بالادّعاء لا الإقرار.
وبعبارة أُخرى: الاعتراف المطابق للواقع مائة بالمائة ـ إلاّ ما شذّ ـ هو الاعتراف على ضرر النفس ولذا يؤخذ به، وأمّا ما سوى ذلك فكون المعترف صادقاً في اعترافه مساو لكذبه.
وأمّا الأوّل أعني: مسألة تفكيك اللازم عن الملزوم أو أحد اللازمين عن الآخر فيمكن أن يقال مضافاً إلى ما ذكره من التفريق بين الثبوت والإثبات وأنّ الإشكال جار في الأوّل دون الثاني: أنّ الامتناع يتعلّق بالتكوين فلا يمكن تفكيك النار عن الحرارة، وأمّا الأُمور الاعتبارية فالتفكيك بينهما أمر جائز واقع كثيراً، مثلاً: نفترض أنّ رجلاً محدثاً توضّأ بماء أحد الانائين المشتبهين، فيحكم عليه ببقاء الحدث وطهارة مواضع الوضوء مع أنّ الماء لو كان طاهراً فهو متطهّر والمواضع طاهرة، ولو كان نجساً فهو محدث ومواضع الوضوء نجسة، ومع ذلك أفتى الفقهاء بالتفكيك، لماذا؟ لأنّ التفكيك في الأُمور الاعتبارية جائز، فيؤخذ بالاستصحاب في كلا الموردين؟ فالنفس محكومة

1. العناوين: 2 / 642، العنوان 81 ، بتصرّف .

صفحه 139
بالحدث استصحاباً، والأعضاء محكومة بالطهارة بنفس الدليل، ونظيره ما إذا شك بعد الفراغ عن الصلاة هل كان متطهّراً أو لا؟ فيحكم بكونه متطهّراً لكن تطهّراً نسبياً، أي بالنسبة إلى الصلاة الّتي فرغ عنها، وأمّا بالنسبة للصلوات الآتية فيجب عليه تحصيل الطهارة، وما هذا إلاّ لأنّ قاعدة الفراغ تثبت صحةً حيثية، أو طهارة بالنسبة إلى ما مضى لا بالنسبة إلى ما يأتي.1

الجهة الثانية: دليل القاعدة من الكتاب والسنّة والسيرة

استدلّ على حجّية القاعدة بوجوه أمتنها هو سيرة كافّة الناس في جميع الأقطار وكلّ المحاكم على الأخذ بإقرار الإنسان على نفسه، وعليه تدور رحى المحاكم في المرافعات والقضاء على المقرّ، ولا تجد إنساناً يشكّ في حجّية هذا الاعتراف، اعترافاً نابعاً من صحوة الضمير أو خشية من عقوبة الله تعالى ونحو ذلك ممّا يدفع الإنسان إلى الاعتراف على نفسه بلا ضغط خارجي، وإلاّ فالاعتراف الناتج من عامل خارجي لا قيمة له.
ومع وجود هذه السيرة المستمرة الموجودة قبل الإسلام وبعده إلى يومنا هذا، لا حاجة للاستدلال على القاعدة بوجوه غير ناهضة.
وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»2.
فالظاهر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بصدد إمضاء السيرة الموجودة بين العقلاء ولم يكن بصدد تشريع جديد، والاستدلال به بين الفقهاء عبر القرون أوضح دليل

1. العناوين: 2 /648، العنوان 82 .
2. عوالي اللآلي: 1 / 223 برقم 104. وقال الشيخ الحر العاملي: وروى جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».لاحظ: الوسائل: 6، الباب3 من كتاب الإقرار، الحديث2.

صفحه 140
على صحّته وصدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك ما ورد من النصوص الخاصّة في مقامات على اعتبار الإقرار في كتابي الحدود والإقرار، وقد عقد الحر العاملي باباً باسم: ثبوت الزنا بالإقرار أربع مرّات 1، كما أنّه عقد باباً آخر تحت عنوان: إنّ السرقة لا تثبت إلاّ بالإقرار مرّتين مع عدم البيّنة2، وفي كتاب الإقرار من الناحية الفقهية والحديثية نجد شواهد كثيرة على حجيّة الإقرار.
وربّما يستدلّ بالآيتين التاليتين:
1. قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ ولَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ )3.
2. قوله تعالى: (وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)4.
بتقريب أنّه إذا وجب القول على الشاهد، أو حرم الكتمان على المرأة فيجب قبول قولهما، وإلاّ يكون إيجاب قول الحقّ وعدم الكتمان أمراً لغواً.
يقول الفاضل النراقي: إنّ في دلالتهما على إلزام كلّ أحد بمقتضى إقراره على نفسه، نظراً.(5)
وجه النظر هو أنّ الآيتين لا تدلاّن على أنّ شهادة كلّ، علّة تامّة للقبول فيمكن أن يكون جزء علّة ويتوقّف القبول على أُمور أُخرى كالتعدّد والعدالة وغيرهما، ولذلك نرى أنّ الشيخ الأنصاري ردّ الاستدلال بأمثال الآيتين على حجّية قول الثقة.

1. الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب حدّ الزنا.
2. الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة.
3. النساء: 135 .
4. البقرة: 228 .   5 . عوائد الأيام: 488.

صفحه 141

الجهة الثالثة: بماذا يتحقّق الإقرار؟

يتحقّق الإقرار باللفظ المتضمّن للإخبار عن حقّ واجب كقوله: لك عليّ أو عندي أو في ذمّتي أو ما يشبهه، والميزان في الدلالة على الإقرار هو العرف، مثلاً إذا قال القائل لشخص: لي عليك عشرة، فأجاب أعطيتك، يُعد إقرار بالأخذ فعليه أن يثبت الإعطاء، وذلك لأنّ الإعطاء فرع كونه كما قال. ومع ذلك يمكن التفريق بين كون المجيب واقفاً بالدلالة الالتزامية وكونه إنساناً ساذجاً غير واقف به، فيعد إقراراً في الأوّل دون الثاني.
قال المحقّق ولو قال: إن شهد لك فلان فهو صادق في جواب قوله: لي عليك عشرة، لزمه الإقرار في الحال، لأنّه إذا صدّق وجب الحقّ وإن لم يشهد.1
وجه ذلك ـ على ما ذكره صاحب الجواهر ـ أمران:
1. السبب المقتضي لشغل الذمّة أمر آخر من بيع أو قرض ونحوهما فإذا حكم بالصدق على تقدير الشهادة فقد حكم بثبوت سبب يقتضي شغل الذمّة ومع ثبوته يجب الحكم على تقدير الشهادة وعدمه، لما عرفت من أنّ المقتضي للشغل غير الشهادة.
2. المال إمّا أن يكون ثابتاً في ذمّته أو لا، والثاني باطل لاستلزامه كذب الشاهد على تقدير الشهادة، لأنّه خبر غير مطابق لكنّه حكم بصدقه على تقديرها فيكون مخالفاً للغرض فيتعيّن الأوّل.2

1. شرائع الإسلام: 3 / 143، كتاب الإقرار .
2. جواهر الكلام: 35/9.

صفحه 142
يلاحظ عليه: أنّ الميزان في الإقرار ما هو المتبادر عند العرف العامّ، وأمّا ما هو الثابت بالتحليل العقلي فليس موضوعاً لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»، لأنّ الإقرار عبارة عمّا يعترف به المقرّ مع الالتفات إليه، وأمّا اللازم الذي لا يلتفت إليه المتكلّم فلا يقال إنّه أقرّ بذلك وما ذكره من البيانين من هذه المقولة.
وهذا النوع من التعبير الوارد في كلام المحقّق أشبه بالتعليق على المحال وبما أنّه يعلم أنّه لا يشهد، علّق إقراره على الممتنع والمعلّق على الممتنع ممتنع، نظير ذلك قول أحدهم: «إن شهد فلان أنّي لست لأبي فهو صادق» ولا يريد بذلك إلاّ ما ذكرنا للقطع بعدم تصديقه على كونه ليس لأبيه، ولأجل ما ذكرنا يقول في العناوين: إنّ مثل هذا ليس إقراراً; لأنّ العرف لا يعدّون هذا إقراراً بالاشتغال بل يستعملونه غالباً في مقام التعليق على الامتناع ويريدون به أنّه لا يشهد على ذلك أصلاً، وقال السيد المراغي بعد هذا الكلام: إنّ المدار ما يسمّى في العرف إقراراً1.
فكما يتحقّق الإقرار باللفظ يكون بالإشارة المفهمة عند العجز عن الكلام، للصدق عليها عرفاً، فتدخل تحت العموم بشرط أن تكون الإشارة صريحة عند العقلاء بالاعتراف .
وكما يتحقّق باللفظ والإشارة يتحقّق كذلك بالكتابة، سواء قدر على الكلام أو لا، وتصوّر عدم صدق الإقرار مع القدرة على التكلّم، كماترى، بل يتلقون الكتابة أفضل من التكلّم لأنّه يزول بخلاف الكتابة.

1. العناوين : 2 / 634، العنوان81 .

صفحه 143
أضف إلى ذلك: أنّه سبحانه يأمر بكتابة الدين ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ولاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ )1 .
واحتمال أنّ الكاتب كتب لأجل تمرين الخط وتحسينه احتمال ساقط; لأنّ التمرين لا ينحصر في الاعتراف بأمر مالي.
ثم إنّ الشيخ الطوسي ذكر ضروباً للإقرار وأتى بأمثلة كثيرة استغرق بحثه في هذه المسألة صفحات كثيرة.2
وتبعه العلاّمة أيضاً في القواعد.3
وبما أنّ الميزان عندنا كون اللفظ أو الإشارة أو الكتابة صريحة عند العرف فلا وجه للبحث عن الصغريات فهي متروكة إلى العرف، وربّما سنشير إلى بعضها في الجهة الخامسة.

الجهة الرابعة: الضرر النابع من الإنكار، هل يُعدّ إقراراً على النفس؟

إنّ الإقرار بالضرر تارة يكون ناتجاً عن الاعتراف بشيء على وجه الإثبات كأن يقول: عندي لفلان عشرة دراهم، أو أنّ هذه الدار الّتي تحت يدي لفلان.
وأُخرى يكون الإقرار بالضرر ناتجاً عن الإنكار كما لو قيل له: هل هذا مالك؟ فيقول: لا، ليس مالي. فيقع الكلام في أنّ الضرر الناتج من الإنكار هل

1. البقرة: 282 .
2. لاحظ : المبسوط: 3 / 4 38 .
3. لاحظ : قواعد الأحكام: 2 / 411 ـ 418 .

صفحه 144
هو داخل تحت عموم القاعدة، أو لا يدخل؟
والجواب هو أنّ الظاهر أنّه لا فرق بين الصورتين، وذلك لأنّ العرف يتلقّاه أيضاً اعترافاً بأنّه ليس ملكه. وتظهر الثمرة في أنّه مثلاً لو رجع عن إنكاره وقال هو: ملكي، فلو قلنا بأنّ الإنكار السابق اعتراف وإقرار داخل في القاعدة يكون الإثبات ثانياً بمنزلة الإنكار بعد الإقرار، وقد ثبت عندهم أنّه لا إنكار بعد الإقرار، وأمّا إذا لم نقل بأنّ الإنكار اعتراف فلا يُعد الإثبات إنكاراً بعد الإقرار.
وبما أنّا قلنا بأنّ الإنكار إقرار على النفس فيعد الإثبات إنكاراً بعد الإقرار .
ثم إنّ ما ذكرنا من أنّ إثباته يُعد إنكاراً إنّما هو فيما إذا كان في المقام مَن يدّعي ملكية المقرّ به، ففي ذلك يدخل المقام تحت قوله: لا إنكار بعد الإقرار.
وأمّا إذا كان هذا النوع من الإنكار وثم الإثبات في مقام ليس هناك من يعارضه، كما إذا قال بأنّ هذا المال الذي في يدي ملك لزيد، ثم قال: هذا ملكي، ولم يكن زيد مدّعياً للمقرِّ به، فعندئذ للمسألة صورتان:
1. إذا أمكن تجدّد الملك للمقرّ، كما إذا احتمل أنّه اشتراه من زيد.
2. إذا لم يمكن تجدّد الملك له بحسب الزمان كما إذا لم يكن فاصل زماني بين القولين، وعندئذ فالحكم بصحّة تصرّف المقرّ مشكل من جهة أنّ الإقرار دلّ على أنّه ليس في ملكه ولا يمكن تجدّد ملك له بحسب الفرض فلا يعتمد على تصرّفه، ويترتّب على ذلك أنّه لو وهب المقرّ به لشخص فلا يملك إلاّ بإجازة من أقرّ له.

صفحه 145

الجهة الخامسة: في تعقيب الإقرار بالاستثناء

اشتهر بينهم أنّ حكم الاستثناء والمستثنى منه متناقضان فالاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فلو قال: له عليّ عشرة إلاّ واحد فهو إقرار بالتسع، أو قال إلاّ اثنان لزمته ثمانية، فلا يؤخذ بظهور الكلام إلاّ بعد فراغ المتكلّم عمّا يلحق به، نعم يشترط أن لا يكون الاستثناء مستوعباً، كما إذا قال: له عليّ عشرة إلاّ مثلها، فهو أشبه باللعب.
ثم إنّ العلاّمة عقد فصلاً بعنوان: تعقيب الإقرار بما ينافيه، فذكر أمثلة كثيرة للاستثناء، كما عقد فصلاً آخر لما إذا كان المنافي غير الاستثناء، كما إذا قال: له هذا الدرهم، ثم قال: بل هذا، وبما أنّ البحث في الصغريات متروك للفقيه واستظهاره، فلا وجه للبحث عن الأمثلة .1
وعلى ذلك نطرح مثالاً ليكون نموذجاً للتطبيق:
لو قال قائل لزيد: أليس لي عليك كذا، فلو قال: بلى، فقد اتّفقوا على أنّه إقرار بالمنفي، إنّما الكلام إذا قال: نعم، فهل هو تصديق للمنفي (لي عليك كذا) أو تصديق للنفي أعني (ليس)؟ وهذا نظير قوله سبحانه: (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا )2.
وقد نقلوا عن ابن عباس أنّهم لو قالوا: نعم لكفروا، وهذا يدلّ على أنّ (بلى) تفيد التصديق للمنفي أي: ربكم، لا تصديقاً للنفي أعني: «لست»، ومع

1. قواعد الأحكام: 2 / 429 ـ 437 .
2. الأعراف: 172 .

صفحه 146
ذلك كلّه فلعلّ الأعراف والتقاليد في هذه الموارد تختلف فيما بينها.
قال ابن هشام: إنّ بلى تختصّ بالنفي وتفيد إبطاله، سواء كان مجرّداً نحو: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي)، 1 أم مقروناً بالاستفهام حقيقياً كان نحو: أليس زيد بقائم؟ فتقول: بلى، أو توبيخياً نحو: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونَجْوَاهُمْ )2، وقوله: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ )3، أو تقريرياً نحو قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ *قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ)4، وقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى )5 فأجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرّد في ردّه بـ «بلى»، ولذلك قال ابن عباس وغيره: لو قالوا نعم لكفروا، وجهه أنّ «نعم» تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب، ولذلك قال جماعة من الفقهاء: لو قال أليس لي عندك ألف، فقال: بلى، لزمته، ولو قال: نعم لم تلزمه.
وقال آخرون: تلزمه فيهما، وجروا في ذلك على مجرى العرف لا اللغة.6
ثم إنّ العلاّمة بعد ما ذكر أنّ «نعم» تصديق للمخبر به قال: هنا احتمال آخر وهو أنّ كلّ واحد من «نعم» و«بلى» يقام مقام الآخر في العرف، ثم قال: والاحتمالان وجهان أيضاً للشافعية، وقال الآخرون: تحمل على مفهوم أهل

1. التغابن: 7 .
2. الزخرف: 80 .
3. القيامة: 3 4 .
4. الملك: 8 ـ9.
5. الأعراف: 172 .
6. مغني اللبيب: 1 / 153 ـ 154 .

صفحه 147
العرف، لا على دقائق العربية .1
وقد تقدّم منّا أنّ الميزان هو فهم العرف.
وأمّا التطبيقات فكلّ ما ذكره الفقهاء في باب الإقرار يُعدّ من التطبيقات .

الجهة السادسة: النسبة بين البيّنة والإقرار

إنّ نسبة البيّنة إلى الإقرار كنسبة الدليل الاجتهادي إلى الأصل العملي فكما أنّ الدليل الاجتهادي رافع للشكّ وحاكم على الأصل الذي موضوعه هذا الشك، فهكذا البيّنة مقدّمة على الإقرار، لأنّ البيّنة حجّة عامّة وطريق إلى اثبات الواقع فتكون حجّة على الجميع، وهذا بخلاف الإقرار فإنّما يُلزم به المقرُّ دون غيره، وتظهر حقيقة الأمر في المثال التالي:
لو أقرّ زيد بزوجية هند له وأنكرت هي، فالمقرّ وحده ملزم بترتيب آثار الزوجية لها ممّا يعود على ضرره كالإنفاق، دون غيره، وأمّا لو أقام بيّنة على الزوجية فيكون حجّة على المقرّ والمنكر أعني: (هنداً) وإلى هذا المعنى أُشير في مجلة الأحكام العدلية بقولهم:
البيّنة حجّة متعدّية والإقرار حجّة قاصرة 2.
والتعبير الأفضل أن يقال: إنّ البيّنة حاكمة على الإقرار، موسّعة لدوره، كما في المثال المذكور.
تمّ الكلام في قاعدة
إقرار العقلاء على أنفسهم جائز

1. تذكرة الفقهاء: 15 / 244 .
2. تحرير المجلة: 1 / 188 .

صفحه 148
القواعد الفقهية
   
      10

قاعدة القرعة

1. القرعة قاعدة عقلائية
2. القرعة في الكتاب العزيز
3. القرعة في السنّة الشريفة
   الروايات العامّة في القرعة
   الروايات الخاصّة في مورد القرعة، وهي على طوائف:
      1. القرعة عند تعارض البيّنتين.
      2. القرعة فيما لو اشتبه الولد.
      3. القرعة فيما لو نذر عتق أوّل عبد يملكه.
      4. الإيصاء بعتق ثلث مماليكه.
      5. في اشتباه الحرّ بالمملوك.
      6. في ميراث الخنثى المشكل.
   الروايات المتفرّقة الّتي لا تدخل تحت عنوان واحد
4. تحديد مفاد أدلّة القرعة
5. عدم ورود التخصيص على القرعة
6. هل القرعة أمارة أو أصل؟
7. هل الإقراع وظيفة شخص معيّن؟
8 . هل العمل بالقرعة عزيمة أو رخصّة؟
من القواعد الّتي يستكشف بها الموضوع قاعدة القرعة، والقرعة في اللّغة بمعنى الدقّ والضرب، يقال: قرع الباب أي: دقّه .

صفحه 149
قال ابن فارس في «المقاييس»: الإقراع والمقارعة من المساهمة، وسمِّيت بذلك لأنّها شيء كأنّه يُضرَب، يقال: قارعتُ فلاناً قرعتُه: أصابتني القرعة دونه.
والكلام في أدلّتها ومفادها وحدودها ضمن أُمور:

الأوّل: القرعة قاعدة عقلائية

القرعة قاعدة عقلائية يتمسّك بها العقلاء عند انغلاق جميع أبواب الحلول وانسداد جميع الطرق، وتشهد بذلك الآيات والروايات حيث إنّ عبّاد بني إسرائيل ساهموا في تعيين من يكفل مريم بنت عمران، كما أنّ أهل السفينة ساهموا لتشخيص العبد العاصي أو تعيين واحد من الركاب لإلقائه في البحر بغية تخفيف وزن السفينة، إلى غير ذلك من الموارد التي ستمرّ عليك.
فإذا كانت القرعة من القواعد العقلائية تكون الآيات والروايات الواردة حولها إمضاءً لما بأيدي الفقهاء كمّاً وكيفاً.
ومَن تتبّع سيرة العقلاء في موارد القرعة يقف على أنّهم يقارعون بشرط أمرين:
أ: انغلاق أبواب الحلول.
ب: كون المورد من قبيل التنازع أو التزاحم، فلو كان هناك عموم في أبواب القرعة يُحمل على ذلك المورد، وبذلك يُعلم أنّه لا يصحّ الإقراع في الإناءين المشتبهين، ولا في القبلة المشتبهة بين الجوانب الأربعة، أو بين الإمامين اللّذين نعلم بعدالة واحد منهما، إلى غير ذلك.
وعلى ذلك يحمل قوله (عليه السلام): «كلّ مجهول ففيه القرعة»1 .وقوله (عليه السلام):

1. الوسائل:18، الباب13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث11.

صفحه 150
«القرعة سنّة»1. وذلك لأنّ السيرة العقلائية كالقرينة المتّصلة بهذه المطلقات تمنع عن انعقاد إطلاقاتها في غير ذلك الباب، وبذلك يُصبح العمل بالقرعة في غير مورد التنازع والتزاحم أمراً فارغاً عن الدليل، لأنّ السيرة مختصّة بذلك الباب والإطلاقات منزّلة عليها، فيكون الإقراع في غير هذا الإطار متوقّفاً على الدليل.

الثاني: القرعة في الكتاب العزيز

جاء في محكم التنزيل حديث الإقراع مرّتين كما سيوافيك، والاستدلال بالآيات الحاكية لها على أساس أنّ القرآن كتاب هداية ، فلو كانت القرعة أمراً منبوذاً لشجبها القرآن، ولا يقتصر على مجرّد نقلها من بني إسرائيل أو من الآخرين بلا نقد ولا ردّ، فإنّ النقل بلا ردّ آية أنّه سنّة مرضيّة عند اللّه تعالى، وبذلك يصبح الكتاب دليلاً على صحّة القرعة من هذه الزاوية لا من زاوية استصحاب أحكام الشرائع السابقة، وإنّما نحتاج إلى الاستصحاب إذا ثبت الحكم فيها عن غير طريق القرآن، وإلاّ فلو نقل القرآن حكماً أو سنّة بلا ردّ ولا شجب فيؤخذ به من دون حاجة إلى الاستصحاب، وهذه ضابطة كلّية فاغتنمها.
نقل القرآن الكريم حديث القرعة في موردين:
أ: المساهمة في تعيين كفيل مريم (عليها السلام) يقول سبحانه: (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وما كُنْتَ لدَيْهِمْ إِذ يُلْقُونَ أَقلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون).(2)

1. الوسائل:18، الباب13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2.   2 . آل عمران:44.

صفحه 151
قال الطبرسي: في الرواية دلالة على أنّهم بلغوا في التشاحّ عليها إلى حدّ الخصومة، وفي وقت التشاحّ قولان:
أحدهما: حين ولادتها وحمل أُمّها إيّاها إلى الكنيسة، فتشاحّوا في الذي يحضنها ويكفل تربيتها. وهذا قول الأكثر.
وثانيهما: قال بعضهم: كان ذلك وقت كبرها وعجز زكريا عن تربيتها، وفي هذه الآية دلالة على أنّ للقرعة مدخلاً في تمييز الحقوق.1والخصوصية الحافّة بالمقام أمران:
1. أنّهم تقارعوا في مورد التزاحم حيث إنّ كلّ واحد من عبّاد الكنيسة كان يتبنّى حضانتها لنفسه، لينال شرف ذلك، فاتّفقوا على المساهمة، فخرج السهم باسم خير الكفلاء لها، أعني: زكريا(عليه السلام).
2. تقارعوا في مجهول ليس له واقع محفوظ، معلوم واقعاً ومجهول ظاهراً، وهذا يدلّ على أنّ القرعة لا تختصّ بما إذا كان له واقع معلوم ، بل تستخدم فيما إذا لم يكن كذلك، لأجل تعيّن الحقّ في واحد منهم، لعدم إمكان التقسيم بينهم أو قيام الجميع به.
ب: المساهمة في تعيين من يُلقى في البحر، يقول سبحانه:(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ).2 والمساهمة في الآية بمعنى المقارعة مأخوذة من إلقاء السهام، و«الدحض» الزلق ويطلق على السقوط.

1. مجمع البيان:2/747، ط دار المعرفة.
2. الصافّات:139ـ141.

صفحه 152
وقد جاءت القصة أيضاً في سورة القلم من دون إشارة إلى المساهمة، قال سبحانه: (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَولا أَنْ تَدارَكَهُ نعمةٌ مِنْ رَبِّهِ لََنُبِذَ بالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُوم).1
قال الطبرسي: واختلفوا في سبب ذلك، قيل: إنّ السفينة احتبست، فقال الملاّحون: إنّ هاهنا عبداً آبقاً، فإنّ من عادة السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، فلذلك اقترعوا، فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات.2
ولكن الظاهر أنّ الإلقاء كان لأجل إيجاد الخفّة في وزن السفينة، ويشهد على ذلك قوله: (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ). فعلى الأوّل يكون المورد ممّا هو معلوم واقعاً ومجهول ظاهراً، بخلاف الثاني فيكون من قبيل المردّد واقعاً وظاهراً، فتعيّن العبد الآبق من قبيل الأوّل بخلاف طلب الخفّة بإلقاء شخص في البحر من قبيل الثاني، وعلى كلّ تقدير فالمورد من قبيل تزاحم الحقوق، أي من قبيل تزاحم مصلحة الجميع مع مصلحة الفرد، فالأمر دائر بين غرق الجميع أو غرق واحد منهم، فالثاني هو المتيقّن ويتمسّك في تعيين الفرد بالقرعة.

الثالث: القرعة في السنّة الشريفة

وردت القرعة في السنّة الشريفة وفيها روايات بصدد إعطاء الضابطة الكلية، كما فيها روايات خاصّة لموارد معينة، وهي على طوائف ست، وتتلو هذين القسمين روايات متفرقة، لا تدخل تحت عنوان خاص، وإليك بيان الجميع.

1. القلم: 48ـ 49.
2. مجمع البيان:8/716.

صفحه 153

الروايات العامّة في القرعة

1.روى الصدوق باسناد فيه إرسال عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «أوّل مَن سُوهم عليه مريم بنت عمران، وهو قول اللّه عزّوجلّ: (وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذ يلقُونَ أَقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَريم)والسهام ستّة; ثمّ استهموا في يونس لمّا ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللّجة، فاستهموا فوقع على يونس ثلاث مرّات، قال: فمضى يونس إلى صدر السفينة، فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه; ثمّ كان عند عبد المطلب تسعة بنين فنذر في العاشر إن رزقه اللّه غلاماً أن يذبحه، فلمّا ولد عبد اللّه لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في صلبه، فجاء بعشر من الإبل فساهم عليها وعلى عبد اللّه، فخرجت السهام على عبد اللّه، فزاد عشراً، فلم تزل السهام تخرج على عبد اللّه ويزيد عشراً، فلمّـا أن خرجت مائة خرجت السهام على الإبل، فقال عبد المطلب: ما أنصفتُ ربي، فأعاد السهام ثلاثاً، فخرجت على الإبل فقال: الآن علمت أنّ ربّي قد رضي، فنحرها».1
2. عن سيّابة وإبراهيم بن عمر جميعاً، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهوحرّ، فورث ثلاثة، قال: «يقرع بينهم، فمَن أصابه القرعة أُعتق، قال: والقرعة سنّة».2
3. عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «بعث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)إلى اليمن، فقال له حين قدم: حدّثني بأعجب ما ورد عليك، فقال: يا رسول اللّه أتاني قوم قد تبايعوا جارية، فوطأها جميعهم في طهر واحد، فولدت غلاماً فاحتجّوا فيه، كلّهم يدّعيه، فأسهمت بينهم، فجعلته للّذي خرج سهمه وضمَّنته

1. الوسائل:18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 12.
2. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.

صفحه 154
نصيبهم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى اللّه، إلاّ خرج سهم المحقّ».1 والوجه في عدّ هذه الرواية من القسم العام، هو ذيلها لا موردها.
ورواه الصدوق هكذا: «ليس من قوم تقارعوا...»2 ثمّ ذكر بقية الحديث كما في الوسائل. ولعلّ الأوّل أصحّ، لأنّ التقارع فرع التنازع، ولعلّه سقط من قلمه.
4. روى محمد بن حكيم (حكم) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن شيء؟ فقال لي: «كلّ مجهول ففيه القرعة» قلت له: إنّ القرعة تخطئ، وتصيب، قال: «كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ».3
ثمّ إنّ المراد من الموصول في قوله:«كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ» أحد أمرين :
الأوّل: أن يكون المراد حكمه سبحانه بإعمال القرعة، فهو بما أنّه ذو مصلحة تامّة مصيب ليس بمخطئ.
الثاني: أن يكون المراد هو نفس القرعة والمساهمة فهي مصيبة، كما هو الظاهر من الرواية التالية:
5. روى الصدوق، قال: قال الصادق (عليه السلام): «ما تنازع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّوجلّ، إلاّ خرج سهم المحقّ».4

1. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5.
2. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.
3. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 11.
4. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 13.

صفحه 155
6. روى الصدوق أيضاً: أيُّ قضية أعدل من القرعة إذا فوِّض الأمر إلى اللّه، أليس اللّه يقول: (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضين) .1
وقد رواهما الصدوق بصورة حديث واحد، والظاهر أنّ الجمع من فعل الراوي وهما حديثان، ولأجل ذلك جعلنا لكلّ رقماً خاصاً.
7. روى منصور بن حازم، قال: سأل بعض أصحابنا أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن مسألة: «فقال هذه تخرج بالقرعة ثمّ قال:ـ فأي قضية أعدل من القرعة إذا فوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّوجلّ، أليس اللّه يقول: (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضين)؟» .2
والحديث جَمَع بين مضمون الحديثين السابقين اللّذين نقلهما الصدوق.
8 . روى الشيخ في «النهاية» قال: روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وعن غيره من آبائه وأبنائه (عليهم السلام)من قولهم: «كلّ مجهول ففيه القرعة» فقلت له: إنّ القرعة تخطئ وتصيب، فقال: «كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ».3 وهو نفس الحديث الماضي تحت الرقم4.
9. العيّاشي في «تفسيره» عن الثُّمالي، عن أبي جعفر(عليه السلام)في حديث يونس (عليه السلام)قال: «فساهمهم فوقعت السّهام عليه، فجرت السنّة: أنّ السّهام إذا كانت ثلاث مرّات أنّها لا تخطئ، فألقى نفسه، فالتقمه الحوت».4

1. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 13.
2. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 17.
3. الوسائل:18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 18.
4. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 22.

صفحه 156
10. ما رواه العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)قال: ذكر أنّ ابن أبي ليلى وابن شبرمة دخلا المسجد الحرام، فأتيا محمّد بن عليّ(عليهما السلام)، فقال لهما: «بِمَ تقضيان؟» فقالا: بكتاب اللّه والسنّة، قال: «فما لم تجداه في الكتاب والسنّة؟» قالا: نجتهد رأينا، قال: «رأيكما أنتما؟! فما تقولان في امرأة وجاريتها كانتا ترضعان صبيّين في بيت، فسقط عليهما فماتتا، وسلم الصبيّان»؟ قالا: القافّة، قال: «القافة يتجهّم منه لهما»،( وفي بعض النسخ: القافة يلحقهما بهما) قالا: فأخبرنا، قال: «لا». قال ابن داود مولى له: جعلت فداك قد بلغني: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «ما من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّ وجلّ وألقوا سهامهم، إلاّ خرج السَّهم الأصوب» فسكت.1
11. عن إسحاق العرزمي قال: سئل وأنا عنده يعني: أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن مولود ولد وليس بذكر ولا أُنثى، وليس له إلاّ دبر، كيف يورّث؟ قال: «يجلس الإمام ويجلس معه ناس، فيدعو اللّه، ويجيل السِّهام على أيّ ميراث يورّثه، ميراث الذّكر أو ميراث الأُنثى؟ فأيّ ذلك خرج ورّثه عليه ثمّ قال: وأيّ قضيّة أعدل من قضيّة يجال عليها بالسِّهام، إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (فَساهَمَ فكانَ مِنَ الْمُدحضين) .2
ورواه ثعلبة بن ميمون، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
كما رواه عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). والجميع رواية

1. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الغرقى، الحديث 4. وفي بعض النسخ: يتهجّم منه: أي يستبعد ويستنكر الجواب.
2. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 1، 3و 4. وسيوافيك نقل هذه الرواية في ضمن الأخبار الخاصّة، والداعي إلى النقل هنا هو الذيل وهناك هو الصدر.

صفحه 157
واحدة وإن جاءت في الوسائل بصورة روايات متعدّدة.
هذه هي الروايات العامّة التي نقلها صاحب الوسائل في الأبواب التي أشرنا إليها ـ وفيها كفاية ـ وإليك ما رواه المحدّث النوري في مستدركه.
12. روي في «دعائم الإسلام»: عن أمير المؤمنين وأبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهم السلام)أنّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما أشكل.1 وسيوافيك بيانه.
والظاهر أنّ الحديث منقول بالمعنى، وأنّ الراوي انتزع هذا المفهوم من حكمهم بالقرعة في موارد مختلفة.
13. قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «وأيّ حكم في الملتبس أثبت من القرعة؟ أليس هو التفويض إلى اللّه جلّ ذكره؟!».2
14. روي في «فقه الرضا(عليه السلام)»: وكلّ ما لا يتهيأ الإشهاد عليه، فإنّ الحقّ فيه أنّ يستعمل القرعة.قد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: «فأيّ قضيّة أعدل من القرعة إذا فوّض الأمر إلى اللّه؟!».3
15. روى أحمد بن محمّد بن عيسى بسنده إلى عبد الرحيم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «إنّ عليّاً (عليه السلام)كان إذا ورد عليه أمر لم يجئ فيه كتاب ولم تجر به سنّة، رجم فيه يعني ساهم فأصاب ثمّ قال: يا عبد الرحيم وتلك من المعضلات».4

1. مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2. مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
3. مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث4. الظاهر أنّ المراد من «الإشهاد» إقامة البيّنة عليه.
4. مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 14.

صفحه 158
هذه هي الروايات العامّة التي يستفاد منها أنّ القرعة قاعدة عامّة في مورد التنازع والتزاحم و يدلّ على ذلك التعابير التالية الواردة فيها:
أ: «تنازعوا».
ب: «فوّضوا».
ج: «سهم المحق».
د: «السهم الأصوب».
وكلّها ظاهرة في التنازع ، وبهذه التعابير يقيّد ما ظاهره الإطلاق.

تقييد ما ظاهره الإطلاق

مثل:
1. ما رواه محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن شيء، فقال لي: «كلّ مجهول ففيه القرعة».1 ولعلّ المراد من شيء في السؤال ما فيه التنازع أو التزاحم.
2. عن «الدعائم» أنّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما أشكل.(2) فلعلّ المراد من قوله:«فيما أشكل» ما أشكل لأجل التنازع والتزاحم.
3.أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي جعفر(عليه السلام) من أنّ عليّاً(عليه السلام) كان إذا ورد عليه أمر لم يجئ فيه كتاب، ولم تجر فيه سنّة، رجم فيه (يعني ساهم).2فالمراد الموضوعات التي لم يرد في علاج الشبهة فيها شيء من الكتاب والسنّة.

1. تقدّم برقم 4.   2 . تقدّم برقم 12.
2. تقدّم برقم 15.

صفحه 159
فهذه الأحاديث الثلاثة التي توهم الإطلاق تقيّد بما تضافر من أنّ موضعها هو التشاحّ. نعم ورد في الكتب الفقهية من «أنّ القرعة لكلّ أمر مشتبه أو مشكل» فلم نجد لهما مصدراً. نعم عقد البخاري في صحيحه باباً في كتاب الشهادات أسماه «باب القرعة في المشكلات»،1 ولم ينقل في ذلك الباب حديثاً بهذا اللفظ، بل ذكر قضايا جزئية، وسيوافيك في القسم التالي.

الروايات الخاصّة

قد ورد إعمال القرعة في موارد خاصّة، وهي على طوائف، نذكر من كلّ طائفة حديثاً أو حديثين ونحيل محلّ الباقي إلى الهوامش.

الطائفة الأُولى: القرعة عند تعارض البيّنتين

16. عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان عليّ (عليه السلام)إذا أتاه رجلان (يختصمان) بشهود، عدلهم سواء وعددهم، أقرع بينهم على أيّهما تصير اليمين، وكان يقول: اللّهمّ ربّ السّماوات السّبع (وربّ الأرضين السّبع) أيّهم كان له الحقّ فأدّه إليه».
ثمّ يجعل الحقّ للّذي يصير عليه اليمين إذا حلف.2
17. عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في شاهدين شهدا على أمر واحد، وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهدا عليه(شهد الأوّلان) واختلفوا، قال: «يقرع بينهم، فأيّهم قرع عليه اليمين وهو أولى بالقضاء».3

1. صحيح البخاري:3/181، كتاب الشهادات.
2. الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5.
3. الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6. ولاحظ ما يرجع إلى هذه الطائفة من الوسائل: الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 7 و8و 11 و12.

صفحه 160

الطائفة الثانية: القرعة فيما لو اشتبه الولد

18. عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا وقع الحرّ والعبد والمشرك على امرأة في طهر واحد وادّعوا الولد، أُقرع بينهم، وكان الولد للّذي يُقرع».1
19. عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت، فادّعوه جميعاً، أقرع الوالي بينهم، فمن قُرع، كان الولد ولده، ويردّ قيمة الولد على صاحب الجارية».2
ولا يخفى أنّ العمل بالقرعة كما مرّ فيما لو استعصت الحلول، وأمّا لو تمكّن بطريق آخر معرفة ذلك، كإجراء الاختبارات الطبيّة لمعرفة فصيلة دم المولود كي يتم على ضوئه إلحاقه بالأب الذي ولد منه، تنتفي حينئذ الحاجة إلى القرعة.

الطائفة الثالثة: فيما لو نذر عتق أوّل عبد يملكه

20. عن عبيد اللّه بن عليّ الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فورث سبعة جميعاً، قال: «يقرع بينهم ويعتق الذي خرج سهمه».3

1. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ولاحظ أيضاً الوسائل: 14، الباب 57 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2و 3و 5.وأيضاً الوسائل، 17، الباب 10 من أبواب ميراث ولد الملاعنة، الحديث 1; ومستدرك الوسائل، 17، الباب 11من أبواب كيفية الحكم، الحديث 15.
2. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 14.
3. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 15.

صفحه 161
21. عن عبد اللّه بن سليمان، قال: سألته عن رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فلم يلبث أن ملك ستّة، أيّهم يعتق؟ قال: «يقرع بينهم، ثمّ يعتق واحداً».1
وقد عرفت رواية سيابة وإبراهيم بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في هذا المجال، وتقدّمت ضمن الروايات العامّة برقم 2.

الطائفة الرابعة: الإيصاء بعتق ثُلث مماليكه

22. عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن الرجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم؟ فقال: «كان علي (عليه السلام)يسهم بينهم».2
23. وروى محمد بن مروان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«إنّ أبي ترك ستّين مملوكاً، فأقرعت بينهم، فأخرجت عشرين، فأعتقتهم».3

الطائفة الخامسة:في اشتباه الحرّ بالمملوك

24. عن المختار، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): «ما تقول في بيت سقط على قوم، فبقي منهم صبيّان أحدهما حرّ والآخر مملوك لصاحبه، فلم يُعرف الحرّ من العبد؟» فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا ونصف هذا.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ليس كذلك، ولكنّه يُقرع بينهما، فمن أصابته

1. الوسائل: 16، الباب 57 من أبواب كتاب العتق، الحديث2.
2. الوسائل: 16، الباب 65 من أبواب كتاب العتق، الحديث1.
3. الوسائل: 16، الباب 65 من أبواب كتاب العتق، الحديث2. ولاحظ سنن الترمذي:3/640، ومسند أحمد:4/426، وسنن ابن ماجة:2/59.

صفحه 162
القرعة فهو الحرّ، ويعتق هذا فيجعل مولى هذا».1
25. عن حمّاد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)باليمن في قوم انهدمت عليهم دارهم، وبقي صبيّان، أحدهما حرّ والآخر مملوك، فأسهم أمير المؤمنين (عليه السلام)بينهما، فخرج السّهم على أحدهما فجعل له المال، وأعتق الآخر».2

الطائفة السادسة: في ميراث الخنثى المشكل

26. روى إسحاق العرزمي، قال: سئل وأنا عنده يعني أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن مولود ولد وليس بذكر ولا أُنثى، وليس له إلاّ دبر، كيف يورّث؟ قال: «يجلس الإمام ويجلس معه ناس فيدعو اللّه، ويجيل السهام على أيّ ميراث يورّثه، ميراث الذكر أو ميراث الأُنثى؟ فأي ذلك خرج ورثه عليه ـ ثمّ قال:ـ وأيّ قضيّة أعدل من قضيّة يجال عليها بالسِّهام، إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (فساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدحَضين)» .3
27. عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن مولود ليس له ما للرّجال ولا له ما للنّساء؟ قال: «يقرع عليه الإمام أو المقرع، يكتب على سهم عبد اللّه، وعلى سهم أمة اللّه، ثمّ يقول الإمام أوالمقرع: اللّهمّ أنت اللّه لاإله إلاّ أنت عالم الغيب والشّهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بيّن

1. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 7.
2. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث8. وانظر أيضاً الوسائل: 16، الباب 24من أبواب العتق، الحديث 1; والوسائل: 13، الباب 43 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1; والوسائل:17، الباب 4 من أبواب ميراث الغرقى، الحديث 5.
3. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 1.

صفحه 163
لنا أمر هذا المولود كيف... ثمّ تجال السهام على ما خرج وُرِّث عليه».1

الروايات المتفرّقة التي لا تدخل تحت عنوان واحد

وثمة روايات في موضوعات مختلفة لا تدخل تحت عنوان واحد، نشير إلى قسم منها:
28. أنّ النبي كان إذا سافر أقرع بين نسائه.2
29. «أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ساهم قريشاً في بناء البيت، فصار لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من باب الكعبة إلى النصف، ما بين الركن اليماني إلى الحجر الأسود».3
30. أنّ اللّه تبارك وتعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام)أنّ بعض أصحابك ينمّ عليك فاحذره، فأمره اللّه سبحانه بالإقراع.4
31. أتى علياً (عليه السلام)من إصفهان مال فقسّمه، فوجد فيه رغيفاً، فكسّره سبع كُسر، ثمّ جعل على كلّ جزء منه كسرة، ثمّ دعا أُمراء الأسباع فأقرع بينهم.5
32. أقرع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بين أهل الصفة للبعث إلى غزوة ذات السلاسل.6
33. أخرج البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لو يعلم

1. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 2. وانظر الحديث 3، و4.
2. سنن ابن ماجة: 2/59، باب القضاء بالقرعة.
3. مستدرك الوسائل: 17/376، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 10.
4. مستدرك الوسائل: 17/375، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5.
5. الوسائل: 11، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 13.
6. إرشاد المفيد: 162، ضمن سلسلة مؤلّفات المفيد.

صفحه 164
الناس ما في النداء والصف الأوّل ثمّ لم يجدوا إلاّ أن يَسْتَهِمُوا عليه، لاستَهَمُوا.1
إلى غير ذلك من الروايات المتفرّقة المثبّتة في الأبواب، وكلّها واردة في موضع التنازع والتزاحم، إلاّ حديث واحد وهو التالي:
عن محمد بن عيسى ، عن الرجل (عليه السلام)أنّه سُئل عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة؟ قال: «إن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسّمها نصفين أبداً، حتى يقع السهم بها، فتذبح وتحرق، وقد نجت سائرها».2
ولعلّ هذا الحديث هو الحديث الوحيد الذي أُمر فيه بالعمل بالقرعة، وليس من موارد التنازع ولا تزاحم الحقوق، على تأمّل فيه أيضاً لاحتمال كون القطيع من الغنم، مملوكاً لأشخاص متعدّدين، وكان غنم كلّ شخص متميّزاً عن غيره فعلم وجود موطوء في القطيع إجمالاً، فكلّ ينفي أن يكون في مملوكه، وعندئذ يتوسّل بالقرعة في تعيينه ويكون من موارد النزاع.
والرواية واردة على خلاف القاعدة المقتضية للاجتناب عن الجميع، ولعلّ الاكتفاء بالقرعة، لأجل أنّ ترك الجميع مستلزم للضرر الهائل، وعلى ذلك فالرواية مختصّة بموردها لا تتعدّى عنها إلى غيرها.

1. صحيح البخاري:3/182، كتاب الشهادات، الباب 30.
2. الوسائل: 16، الباب 30 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1.

صفحه 165

الأمر الرابع

في تحديد مفاد أدلّة القرعة

الإمعان في السيرة العقلائية في القرعة وما ورد حولها من الروايات يُشرف الفقيه على أنّ موضوع القرعة لا يتجاوز عن مورد التنازع والتزاحم، فإذا استعصت الحلول على العقلاء في أمر، يتشبّثون بالقرعة، لأنّها حل وسط ترضى به كافة الأطراف المتنازعة، وهذه السيرة تكون كالقرينة المنفصلة على صرف الإطلاقات على فرض وجودها في أدلّة القرعة إلى موضع التنازع والتزاحم.
هذا حول السيرة، وأمّا العناوين الواردة فيها فلا تتجاوز عن خمسة، والجميع ناظر إلى مورد التعارض والتزاحم إمّا بالتصريح، أو بإمعان النظر في مورده، وإليك هذه العناوين:
1. القرعة سنّة: الحديث 2.
2. كلّ مجهول ففيه القرعة: الحديث 4.
3. انّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما أشكل: الحديث12.
4. كلّ مالا يتهيّأ الإشهاد عليه: الحديث14.
5. أمر لم يجئ فيه كتاب ولم تجر به سنّة: الحديث 15.
أمّا العنوان الأوّل، فإنّه وإن دلّ على أنّها سنّة، لكنّها سنّة في المورد الذي وردت القرعة فيه، أعني: ما إذا نذر أن يعتق أوّل مملوك يملكه فورث أكثر من واحد، فإنّ المورد من قبيل التزاحم بين العبيد الثلاثة.

صفحه 166
وأمّا العنوان الثاني، فإنّ ظاهره وإن كان يعطي جواز إعمال القرعة في كلّ مجهول، لكنّه اقترن بلفظة «شيء» في صدر الحديث، وهو يصلح أن يكون قرينة على التخصيص، وليس هذا من قبيل كون المورد مخصّصاً، بل من قبيل احتفاف المطلق بما يصلح للقرينية، وهو «الشيء» والذي يحتمل أن يراد منه شيء خاص وهو التنازع ومعه لا يعبأ بالمطلق.
وأمّا العنوان الثالث، فقد رواه «دعائم الإسلام» على نحو يظهر أنّه عبارة منتزعة من عدّة أقضية، قال: عن أمير المؤمنين وأبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهم السلام)أنّـهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما أشكل. وهو ظاهر في أنّ التعبير للراوي لا للإمام.
وأمّا العنوان الرابع، فهو ظاهر في مورد التنازع على أنّ العنوان لفقه الرضا، وهو يصلح للتأييد لا للاحتجاج.
وأمّا العنوان الخامس، فهو راجع إلى أقضية الإمام علي (عليه السلام)، وفي الوقت نفسه لا صلة له بالشبهة الحكمية، لأنّ وظيفة الإمام بيان حكمها فينحصر بالشبهات الموضوعية، ولا يبعد حملها على صورة التنازع.
ونركّز في الختام على أنّه لم يرد عنوان «المشتبه» ولا «المشكل» ولا «الملتبس» في عناوين الباب، وإنّما الوارد هو ما ذكرناه.
وبما أنّك وقفت على حصيلة الروايات واختصاصها بالتنازع لا نطيل البحث في هذه العناوين، وممّا يؤيد اختصاصها بالتنازع عمل الأصحاب بالقرعة في الموارد التي لا تخرج عن إطار التعارض والتزاحم، إلاّ في مورد واحد وهو اشتباه الشاة المنكوحة بغيرها، والموارد هي:
1. باب قسمة الأعيان المشتركة.

صفحه 167
2. باب تزاحم المدّعيين عند القاضي.
3. باب قسمة الليالي بين الزوجات.
4. باب تداعي الرجلين أو أكثر ولداً.
5. باب تعارض البيّنتين.
6. توريث الخنثى المشكل.
7. توريث المشتبهين في تقدّم موت أحدهما.
8. باب الوصايا المتعدّدة إذا لم يف الثلث بها.
9. باب إذا أوصى بعتق عبيده ولم يف الثلث بها بالخصوص.
10. باب اشتباه الشاة المنكوحة بغيرها.

الأمر الخامس

عدم ورود التخصيص على القرعة

قد اشتهر بين الأصحاب أنّ عمومات القرعة، لأجل كثرة ورود التخصيص عليها، لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الأصحاب أو جماعة منهم، وهذا ما يقف عليه المتتبّع في غضون أبواب، خصوصاً في كتب الشهيدين.
ولكنَّ الحقّ أنّ عمومات القرعة صالحة للاحتجاج في موردها ولا يحتاج العمل بها إلى شيء، وذلك لأنّ من زعم ورود التخصيص عليها جعل موضوعها كل«مجهول» أو «مشتبه» أو «ملتبس» من أوّل الطهارة إلى آخر الدّيات.

صفحه 168
ثمّ رأى أنّ أكثر الموارد لا يعمل فيها بالقرعة بل يرجع إلى القواعد الأُخرى، فخرج بالنتيجة التالية: أنّ عمومات القرعة لأجل كثرة التخصيص لا يعمل بها إلاّ بعد عمل الأصحاب، وأمّا على ما قلناه من اختصاص عموماتها بالتنازع والتزاحم فلم يرد عليه أي تخصيص، ولذلك يكون العمل بالأُصول العملية مقابل القرعة عملاً بالحاكم أو الوارد، لما عرفت من أنّ القرعة في المجهول الذي أعيت العقول في حلّه فلم يُر أيّ حلٍّ سوى الالتجاء إلى القرعة، وأمّا إذا كان هناك حل آخر من الشرع بأصل من الأُصول فأدلّة القرعة فاقدة لموضوعها.
بقي الكلام في مسألة الودعي المعروفة حيث لم يعمل فيها بالقرعة، بل بقاعدة العدل والإنصاف وسيوافيك الكلام فيها في القاعدة التالية بإذن الله تعالى.

الأمر السادس

هل القرعة أمارة أو أصل؟

قد عرفت أنّ القرعة يعمل بها في موردين:
1. إذا لم يكن واقع محفوظ معلوم للّه سبحانه وغير معلوم لنا.
2. فيما إذا كان هناك واقع محفوظ عند اللّه غير معلوم لنا.
أمّا المورد الأوّل فلا موضوع للبحث عن الأمارية والأصلية، بل تكون القرعة هناك حاسمة للنزاع، وإلى ذلك أشار الشهيد في قواعده:ثبت عندنا قولهم: كلّ أمر مجهول ففيه القرعة; وذلك لأنّ فيها عند تساوي الحقوق

صفحه 169
والمصالح ووقوع التنازع، دفع للضغائن والأحقاد، والرضا بما جرت به الأقدار وقضاء الملك الجبّار.1
إنّما الكلام في المورد الثاني كما في اشتباه الحرّ بالعبد2، فهل القرعة أمر فاصل للنزاع أو طريق إلى الواقع؟
أمّا عند العقلاء فالظاهر أنّها أداة لفصل الخلاف من دون إثارة حقد أو ضغينة، وأمّا الروايات فربما يستظهر منها كونه طريقاً إلى الواقع إذا كان العامل مؤمناً موحّداً مفوّضاً أمره إلى اللّه، فهو سبحانه يوصله إلى الحقّ ويصدّه عن الخطأ وإليه يشير قوله: «إلاّ خرج سهم المحقّ» أو«السهم الأصوب» ولا تترتّب على ذلك ثمرة عملية. وليعلم أنّ المراد بالأمارية، ليس نفس القرعة بما هي أمارة، بل المراد أنّه سبحانه يستجيب دعاء القارع فتكون القرعة مصيبة للواقع.

الأمر السابع

هل الإقراع وظيفة شخص معيّن؟

إذا كانت القرعة لرفع التزاحم والتنازع فمَن المتصدّي للإقراع؟ فهل هو الإمام المعصوم كما هو اللائح من بعض الروايات؟، أو أعم منه ومن نائبه كما هو اللائح من النراقي في عوائده؟ أو التفصيل بين ما إذا كان المورد متعيّناً في الواقع كاشتباه الحرّ بالعبد وبين ما إذا لم يكن كذلك، فالأوّل من وظائف نائب

1. القواعد والفوائد:183، القاعدة 213.
2. تقدّم برقم24و25.

صفحه 170
الإمام، والثاني يقوم به كلّ الناس؟ وهو الظاهر من صاحب الوافي كما سيوافيك.
وهناك وجه رابع وهو جواز قيام المتشاحّين بالقرعة إلاّ إذا كان لفضّ الخصومة، فإنّ القضاء حسب الروايات من شؤون الإمام (عليه السلام)أو الجالس مجلسه كالنائب العام، فتكون القرعة مثل الحلف وإقامة البيّنة من الأُمور التي لها صلة بالقضاء والحكومة بين الشخصين، ولا يقوم به إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ على ما في الروايات.1
وهذا القول هو الأقوى، إذ لو كان مجرى القرعة من قبيل التنازع والخصومة، فكما أنّ فصلها عن طريق إقامة البيّنة أو الحلف بيد الإمام أو المنصوب من قبله خصوصاً أو عموماً، فكذلك فصلها عن طريق القرعة، ولو لم يكن هنا رواية دالّة على اختصاصها به، لكفى في ذلك ما دلّ على أنّ الحكومة من شؤون الإمام.
وأمّا إذا لم يكن كذلك، كما إذا اتّفق أرباب الأراضي المشتركة بالتقسيم عن طريق القرعة، فلا وجه لاختصاصها بالإمام بعد كون ذلك شائعاً بين العقلاء والمسلمين.
ويؤيد ذلك ما في رواية معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد، فولدت، فادّعوه جميعاً، أقرع الوالي بينهم، فمن قرع كان الولد ولده».
فلمّا كان المورد من قبيل التخاصم وفصل الخصومة جعلت القرعة من وظائف الوالي.

1. الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

صفحه 171
نعم لو اتّفق المتنازعان على التصالح عن طريق القرعة من دون المراجعة إلى القاضي، جاز لهما، إذ لا يشترط في التصالح سوى الرضا، وعدم تحريم الحلال، وتحليل الحرام; لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين، إلاّ صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً».1
ثمّ إنّ المحقّق النراقي ممّن ذهب إلى أنّ القرعة من وظيفة الإمام أو نائبه الخاص أو العام، بمعنى أنّه لا يترتّب أثر على إقراع غيره، استثنى بعض الموارد فقال: ولا يخفى أنّ ما ذكرناه من اختصاص القارع بالنائب العام في زمان غيبة الإمام إنّما هو من باب الأصل، وقد يخرج عنه بدليل دال على أنّ الإذن لغيره أيضاً من إجماع أو غيره، كما في قرعة الشاة المنكوحة، واقتراع المدرس لتقديم بعض المتعلّمين، والزوج للزوجات.
وبالجملة الأصل الاختصاص بالنائب العام، إلاّ فيما ثبت جواز اقتراع الغير أيضاً.
ثمّ قال: إنّ صاحب الوافي من متأخّري المتأخّرين جمع بين ما دلّ على اختصاص القرعة بالإمام وبين ما يدلّ على العموم بحمل الأوّل، على ما إذا كان العمل فيما يقرع عليه متعيّناً في الواقع، والثاني على ما لم يكن متعيّناً وأُريد التعيّن بالقرعة. ثمّ أورد عليه بأنّه جمع بلا شاهد.2
أقول: السيرة العقلائية هنا أوضح طريق لكشف الحقيقة، فإنّ الأمر المتنازع فيه كان يرجع إلى الحياة الشخصية للإنسان فهو يتصدّى للقرعة، وأمّا

1. الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب الصلح، الحديث 2. ولو صحّ هذا الاستدراك لم يبق مورد يختصّ بالإمام أو نائبه.
2. عوائد الأيام:228.

صفحه 172
إذا كانت القرعة من لوازم القضاء بعد إقامة البيّنة أو حلف المنكر، فيكون من شؤون الوالي فيرجع إليه.
ويؤيد ذلك ما رواه العلاّمة المجلسي من أنّ أبناء يعقوب أقرعوا بينهم لمّا قال لهم يوسف(عليه السلام): «إنّي أحبس منكم واحداً يكون عندي وارجعوا إلى أبيكم واقرؤوه مني السلام» وقالوا له: ... فلمّا قال يوسف هذا، اقترعوا بينهم، فخرجت القرعة على شمعون، فأمر به، فحبس.1 فإنّ القضية كانت أمراً شخصياً دائراً بين أبناء يعقوب.
ونظير ذلك ما رواه البخاري من اقتسام المهاجرين بالقرعة، أخرج البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت أنّ أُمّ العلاء امرأة من الأنصار بايعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبرته أنّه اقتُسِم المهاجرون قُرعةً فطار لنا عثمان بن مظعون(رحمه الله)، فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي توفّي فيه.2
ويدلّ على ما ذكرنا من أنّه إذا كان من شؤون القضاء يقوم به الإمام أو نائبه، عدّة، روايات:
أ: ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد، فولدت، فادّعوه جميعاً، أقرع الوالي بينهم فمن قرع كان الولد ولده، ويردّ قيمة الولد على صاحب الجارية».3
ب: مضمرة يونس، قال في رجل كان له عدّة مماليك، فقال: أيّكم

1. بحار الأنوار:12/257.
2. صحيح البخاري:2/72، باب الدخول على الميّت من كتاب الجنائز برقم 1243. قوله: «قرعة» أي بقرعة والمعنى: اقتسم الأنصار والمهاجرين بقرعة.
3. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 14.

صفحه 173
علّمني آية من كتاب اللّه فهو حرٌّ، فعلّمه واحد منهم، ثمّ مات المولى ولم يدر أيّهم الذي علّمه، أنّه قال: «يستخرج بالقرعة، قال: ولا يستخرجه إلاّ الإمام، لأنّ له على القرعة كلاماً ودعاءً لا يعلمه غيره».1
إنّ التعليل الوارد في الرواية كأنّه تعليل إقناعي، ولعلّ المراد أنّه لا يصحّ كلّ دعاء وكلام بل دعاء خاص لا يعلمه ولا يقتدر على إنشائه غيره فيختص به وبمن علّمه. والسبب الحقيقي هو أنّ المورد من شؤون القضاء.
ج: ما رواه إسحاق العزرمي والفضيل بن يسار في ميراث مَن ليس له إلاّ دبر، فقد جاء في الأوّل:«يجلس الإمام ويجلس معه ناس». وفي الثاني: «يقرأ عليه الإمام»2.

الأمر الثامن

هل العمل بالقرعة عزيمة أو رخصة؟

قد عرفت أنّ مورد القرعة، تارة يكون أمراً معيّناً في الواقع مجهولاً عندنا، وأُخرى في كلّ أمر مردّد بين شيئين أو شخصين أو أكثر غير متعيّن في الواقع يطلب فيه التعيّن، وقد ثبت جواز القرعة شرعاً في كلّ من القسمين،بقي الكلام في أنّها عزيمة حتى يتعيّن بناء الأمر عليها أو رخصة يمكن ترك العمل بها.
فهنا أمران:

1. الوسائل: 16، الباب 34 من أبواب العتق، الحديث 1.
2. تقدّما برقم 26و 27.

صفحه 174

1. وجوب العمل بالقرعة في الموردين

لا شكّ أنّه لو كان مورد التنازع من الحقوق التي يجب تعيينها، سواء أكان معيّناً في الواقع ومجهولاً عندنا كالخنثى المشكل بناء على أنّ الخنثى ليست طبيعة ثالثة، أو لم يكن معيّناً في الواقع ولكنّه يجب تعيّنها كما لو نذر عتق أوّل مملوك ملكه فملك أكثر من واحد، أو يوصي بعتق رقاب أربعة من عبيده العشرين، فإنّه لا يمكن عتق الأربعة المبهمة ولا خمس الكلّ مشاعاً، لعدم صدق الرقبة على الجزء بل بحسب عتق المعيّن.
ففي هذه الموارد التي فيها أمر إلزامي بالعمل بالحقّ، يكون العمل بالقرعة فيها عزيمة، والمفروض أنّه لا طريق آخر هناك. وأمّا إذا لم يكن هناك حقّ يجب تعيينه أو العمل به، كتقديم أحد المتعلّمين في التدريس، أو تقديم إحدى الزوجتين في المتعة، فلا يجب العمل بالقرعة.
وبذلك يعلم أنّ العمل بالقرعة بشخصه ليس موضوعاً لوجوب العمل وعدمه، بل يتبع موردها في الحقوق التي يجب التحفّظ عليها وعدمها.

2. ترك العمل به بعد الإقراع

إذا استخرج المحقّ بالقرعة، فهل يجوز العدول عنه؟ الظاهر لا، لأنّ الإقراع يجعل الخارج بالقرعة محكوماً بحكم شرعي، ففي الخنثى المشكل إذا خرج السهم باسم الذكر يكون محكوماً شرعاً بكونه ذكراً، وكذا في مورد النذر والإيصاء بالعتق فإذا خرج بالقرعة تعيّن عتقه، ومثله ما ورد النصّ بالعمل بالقرعة فيه، كمسألة الشاة المنكوحة.
***
تمّت قاعدة القرعة

صفحه 175
القواعد الفقهية
         11
قاعدة العدل والانصاف    

قاعدة

العدل والإنصاف

تفسير مفردات القاعدة
القاعدة في كلمات الفقهاء
الاستدلال على القاعدة بوجوه:
1. العدل والإنصاف أساس القضاء في الإسلام.
2. الاستدلال بسيرة العقلاء.
3. الاستدلال بالروايات، وهي على طوائف:
أ. ما ورد حول الدرهم أو الدراهم المردّدة بين شخصين.
ب. اختصام الرجلين في الدابة.
ج. الاختلاف في متاع البيت.
د. ما ورد حول مَن طلّق واحدة من زوجاته الأربع.
عدم الفرق بين تردّد العين وتردّد الذمّة.
تنبيهان:
1. عدم التعارض بين القاعدة ودليل القرعة.
2. عدم التعارض بين القاعدة وبين كون القضاء بالأيمان والبيّنات.
تطبيقات القاعدة
اشتهرت على ألسنة المتأخّرين قاعدة باسم قاعدة العدل والإنصاف أو قاعدة مقتضى العدل والإنصاف، وقد أفتوا بمضمونها في عدد من المسائل ولم نعثر على ذكر لها في كلمات القدماء، وإن كان بعض ما أفتوا به يُعدّ من

صفحه 176
مصاديق القاعدة، فلنبدأ بتفسير مفرداتها، ثم بذكر كلمات العلماء فيها، ثم بالبحث عن دلائلها وتطبيقاتها، وليعلم أنّ الغاية من القاعدة استكشاف ما يستحقّ ومن يستحقّ عند الاشتباه، ولهذا جعلناها ضمن هذا الفصل.

تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مركّبة من لفظين: العدل، والإنصاف.
وأظن أنّ العدل من الأُمور الواضحة لدى الأذهان الصافية وليس من المفاهيم الخفية حتّى نحتاج إلى نقل كلمات أصحاب المعاجم، والدليل على ذلك أنّه سبحانه أمر بالعدل وقال: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)1، وهذا دليل على أنّه من المفاهيم الواضحة.
وهكذا الإنصاف فهو أمر عرفي واضح المفهوم، وقد حثّ عليه الإسلام، قال الإمام علي (عليه السلام): «ألا إنّه مَن ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلاّ عزّاً»2.
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن أنصف الناس من نفسه رُضي به حكماً لغيره».3
ومع ذلك لا بأس بنقل ما ذكره أحد أصحاب المعاجم لزيادة الإيضاح .
قال الطريحي: العدل خلاف الجور، ثم قال: العدل: أن يثيب على

1. النحل: 90 .
2. الكافي: 2 / 144، ح4، باب العدل والإنصاف.
3. الكافي: 2 / 146، ح12، باب العدل والإنصاف .

صفحه 177
الحسنة، الحسنة، ويعاقب على السيئة، السيئة، ثم أضاف: العدل هو التسوية بين الشيئين .1
أقول: ما ذكره أوّلاً من أنّ العدل خلاف الجور هو المتعيّن، وأمّا ما ذكره أخيراً أنّ العدل هو التسوية بين الشيئين، فغير ظاهر، لأنّ المساواة تارة تكون على وفق العدل كما هو الأكثر، وأُخرى على خلافه، فمن عمل أربع ساعات ليس كمن عمل ثمان ساعات، فالتسوية بينهما في الأُجور إذا كانا متساويين في الرتبة على خلاف العدل.
والذي يشهد على ما ذكرنا من أنّ العدل خلاف الجور قول الإمام علي (عليه السلام): «وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ!»2.
هذا كلّه حول العدل وأمّا حول الإنصاف فقد قال الطريحي: جاء في الكتاب والسنّة ذكر النصف، وهو أحد شقّي الشيء.3
لكن المراد في المقام غير المعنى اللغوي أعني: التنصيف والتقسيط إلى شيئين متساويين ـ وإنّما أُريد به ما أُريد به العدل، ولذلك لو عثر ثلاثة على دينار غير معلّم، فيقال: مقتضى الإنصاف تقسيمه بينهم أثلاثاً، وكلّ ما زاد العدد يرتقي عدد الأقسام.
قلنا: إنّ اللفظين من المفاهيم الواضحة وإنّما ذكرناه إيضاحاً للبحث .

1. مجمع البحرين: 5/421، مادة «عدل».
2. نهج البلاغة: الخطبة 5.
3. مجمع البحرين:5/124، مادة «نصف».

صفحه 178

القاعدة في كلمات الفقهاء

قد مرّت الإشارة إلى أنّ الفقهاء بالنسبة لهذه القاعدة على طائفتين، طائفة منهم أفتوا بمضمونها دون أن يعتمدوا على لفظ القاعدة، وأُخرى أفتوا بمضمونها معتمدين عليها، فلنذكر شيئاً من كلماتهم، وستوافيك بقية الكلمات عند البحث في التطبيقات.

الطائفة الأُولى: مَن أفتى بمضمون القاعدة دون لفظها

1. قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: إذا كان أبواه ] الولد [ معسرين، وليس يفضل عن كفاية نفقته إلاّ نفقة أحدهما، كان بينهما بالسوية.
ثم قال: دليلنا: أنّهما تساويا في الدرجة، وليس أحدهما أولى من صاحبه، أشركنا بينهما، ومن قدّم أحدهما فعليه الدلالة.1
2. وقال الشيخ أيضاً: إذا كان معسراً، وله أب وابن موسران، كانت نفقته عليهما بالسوية.
ثم قال: دليلنا: إنّ جهة النفقة عليهما واحدة، وهي إجماع الفرقة، ولا ترجيح لأحدهما، فوجب التسوية بينهما.(2)
3. قال الشهيد الثاني بعد ذكر كلام الشهيد الأوّل: (وكذا لو أودعه رجل درهمين وآخر درهماً وامتزجا بلا تفريط، وتلف أحدهما) فإنّه يختص ذو الدرهمين بواحد، ويقسّم الآخر بينهما، ويقول هذا هو المشهور بين الأصحاب ورواه السكوني عن الصادق (عليه السلام).2

1. الخلاف: 5 / 125، المسألة 27.   2 . الخلاف: 5 / 126، المسألة 30 .
2. الروضة البهية: 4 / 183.

صفحه 179
ترى أنّ ما أفتى به الأصحاب إنّما هو مقتضى قاعدة العدل والإنصاف، والحديث يؤيد القاعدة.
مع أنّ الإفتاء بالتقسيم حسب القواعد أمر مشكل لأنّه إمّا لصاحب أحد الدرهمين أو لصاحب كلا الدرهمين، ولكن لما لم يمكن حسم النزاع إلاّ عن طريق التقسيم، اتّخذوه حلاًّ للمشكلة.

الطائفة الثانية: مَن تمسّك بلفظ القاعدة

إنّ أوّل مَن تمسّك بالقاعدة بنفس اللفظ وإن لم يصفها بالقاعدة، هو السيد العاملي صاحب المدارك في «نهاية المرام في شرح مختصر شرائع الإسلام»، عند شرح كلام المحقّق بأنّه «يستحب التسوية بين الزوجات في الإنفاق وإطلاق الوجه والجماع» قال: لا ريب في استحباب ذلك لما فيه من رعاية العدل وتمام الإنصاف.1
ونقل أيضاً عن العلاّمة في «التحرير» أنّه جعل النهار تابعاً لليلة الماضية، حيث قال: النهار تابع لليلة الماضية، فلصاحبتها نهار تلك الليلة، ثم إنّه (قدس سره)قال: ودليله غير واضح على الخصوص وإن كان المصير إلى ما ذكره مقتضى العدل والإنصاف.(2)
وقال المحقّق البحراني في «الحدائق»: ومنها حقوق الزوجة استحباب التسوية بين الزوجات في الإنفاق وحسن المعاشرة وطلاقة الوجه والجماع ونحو ذلك، لما في ذلك من رعاية العدل والإنصاف.2

1. نهاية المرام: 1 / 424.   2 . نهاية المرام: 1 / 420 .
2. الحدائق الناضرة: 24 / 609 .

صفحه 180
وقد تبع في كلامه هذا كلام صاحب المدارك في نهاية المرام.
وفي «الجواهر» بعد ما ذكر كلام المحقّق بالنحو التالي: «ولو كان معهما درهمان وادّعاهما أحدهما وادّعى الآخر أحدهما كان لمدّعيهما درهم ونصف وللآخر ما بقي» قال في شرحه بعد كلام طويل: فليس النصف المحكوم به في النص والفتوى إلاّ لقطع الخصومة بينهما بالعدل والإنصاف.1
كما ذكر هذه العبارة أيضاً في مسألة استحباب التسوية بين الزوجات وقال: بعد عبارة المحقّق : وغير ذلك، لأنّه من كمال العدل والإنصاف المرغّب فيهما شرعاً.2
وأمّا المتأخّرون عن صاحب الجواهر فقد ورد ذكر القاعدة في كلماتهم كثيراً.
هذا ما عثرنا عليه في كلمات أصحابنا وأمّا فقهاء أهل السنّة فقد ذكر ابن حزم (المتوفّى 456 هـ): روى شدّاد بن أوس قال: خصلتان سمعتهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتل، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدّ أحدكم شفرته ويُرح ذبيحته» ثم قال: وهذا صحيح وغاية الإحسان في القتلة أن يقتله بمثل ما قتل هو، وهذا هو عين العدل والإنصاف .3
وقال ابن قدامة في «المغني»: فصل: وإذا ادّعى زيد شاة في يد عمرو،

1. جواهر الكلام: 26 / 224، كتاب الصلح.
2. جواهر الكلام: 31 / 182 .
3. المحلى : 10 / 375، أحكام الدّيات.

صفحه 181
وأقام بها بيّنة، فحكم له بها حاكم، ثم ادّعاها عمرو على زيد وأقام بها بيّنة... إلى أن قال: وإن كانت بيّنة عمرو قد شهدت له أيضاً وردّها الحاكم لفسقها ثم عدلت، لم ينقض الحكم أيضاً، لأنّ حكم الحاكم الأصل جريانه على العدل والإنصاف والصحّة فلا ينتقض بالاحتمال .1 والظاهر أنّه أُريد منها، الصحّة وهي غير ما هو المقصود لنا في المقام.

الاستدلال على القاعدة

قد استدلّ القائلون بصحّة القاعدة بوجوه نذكرها تالياً:

1. العدل والإنصاف أساس القضاء في الإسلام

لاشكّ أنّ الإسلام دعا إلى العدل حيث قال عز من قائل: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)2.
كما أمر بالقسط عند الحكم وقال: (وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )3.
وقال أيضاً: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)4 أضف إلى ذلك ما ورد من الأمر بالعدل في غير واحدة من الروايات.
كما أمر بالإنصاف، قال أمير المؤمنين (عليه السلام)في كلام له: «ألا إنّه مَن ينصف

1. الشرح الكبير (المغني): 12 / 171، بتلخيص .
2. النحل: 90 .
3. المائدة: 42.
4. النساء: 58 .

صفحه 182
الناس من نفسه لم يزده الله إلاّ عزّاً»1، والباحث في غنى عن نقل ما ورد من النصوص حول الأمر بالعدل والقسط والإنصاف. فإذا علم ثبوت حقّ معلوم العين والمقدار واشتبه من له الحق بين اثنين فصاعداً واستوت نسبة كلّ واحد إليه، فلو حكم القاضي بتقسيم العين أو القيمة بينهم، صدق أنّه حكم بالعدل والقسط .
والذي يدلّ على وجود السيرة بين الفقهاء، الإفتاء بمضمون القاعدة من عصر الشيخ الطوسي إلى زماننا هذا، نعم خالف غير واحد من العمل بها، لكن إفتاء الباقين، يكشف عن صدورهم عن السيرة على وجه الاحتمال .
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يستفاد من الآيات والروايات الواردة في الدعوة إليهما، وجوب رعايتهما في مقام الترافع والتحاكم، ولكن لايستفاد منهما كيفية الحكم، فهل هي، مطلقاً سواء أمكن التحالف أو لا؟ وفي صورة التمكّن، هل يقُضى معه أو لا معه؟ فالآيات والروايات عندئذ ساكتتان عن الكيفية. وسيوافيك تحرير مورد القاعدة على وجه لا ينافي ما ورد في الإسلام حول كيفية القضاء من الرجوع إلى البيّنة واليمين.
وبعبارة أُخرى: إنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما أقضي بينكم بالأيمان والبيّنات» قد تكفّل لبيان أُسس القضاء وأُطره، فالحكم بالتقسيم مجرّداً عنهما، يحتاج إلى دليل، ولا يكفي كونه موافقاً للعدل والقسط، والاستدلال بما دل على لزوم العدل والقسط ورعاية الإنصاف، على الحكم الشرعي مجرّداً عمّا ورد في الشريعة في كيفية الحكم، أشبه بالتمسّك بالإطلاق مع وجود المقيّد.

1. الكافي: 4 / 144، ح 4، باب الإنصاف والعدل.

صفحه 183

2. الاستدلال بسيرة العقلاء

جرت سيرة العقلاء فيما إذا علم ثبوت حقّ معلوم العين والمقدار واشتبه مَن له الحق بين اثنين أو صاعداً على نحو استوت نسبة الحق إلى كلّ واحد منهما، على ترتّب الأثر على جميع أطراف الشبهة، ولعلّ أساس سيرتهم أحد الأُمور:
1. قبح الترجيح بلا مرجّح.
2. تخصيص الحق بواحد دون آخر، لا يقطع النزاع والتشاجر.
3. أنّه الطريق الممكن إلى إيصال الحق إلى صاحبه إذ في غير هذه الصورة، لا علم لوصول الحق إليه، نعم العمل بالقاعدة وإن كان ملازماً لعدم وصول بعض حقّه إليه، لكنّه لضيق المجال ولا محيص عنه.
وبالجملة: إذا سُدّت جميع طرق الحل في وجوههم في رفع التنازع، أو إيصال الحق إلى صاحبه، يلتجئون إلى تلك القاعدة وتكون القاعدة كالأصل العملي الذي ينتهي إليه المجتهد بعد اليأس عن الدليل الاجتهادي، وإنكار السيرة بهذا المقدار أمر غير تام، وقد شهدنا قضاءهم بهذه القاعدة في بعض الموارد من دون استناد إلى دليل آخر.
والحق أنّه لو ثبتت هذه السيرة تكون كالمقيّد لما دلّ من أنّ القضاء بالأيمان والبيّنات، نعم لمّا كانت دليلاً لبيّاً يؤخذ بالمورد المتيقّن وهو ما إذا كان أطراف الشبهة غير عالمين بالواقع غير متمكّنين من الحلف، نظير الأمثلة التالية:
1. إذا كان عند الودعي ثلاثة دراهم، اثنان منهما لواحد والآخر لآخر فتلف من غير تفريط أحدها، حيث إنّ صاحب الدرهمين أو الدرهم الواحد،

صفحه 184
جاهلان بأنّ التالف من أيّ منهما، فيحكم بنصف الدرهم الواحد، بينهما لعدم إمكان الحلف .
2. في المال الحلال المختلط بالحرام إذا علم مقدار المال ولم يعلم صاحبه لكن علم في عدد محصور، فقد نقل السيد اليزدي الأقوال التالية:
أ. وجوب التخلّص من الجميع ولو بإرضائهم بأي وجه كان .
ب. وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه.
جـ . استخراج المالك بالقرعة.
د. توزيع ذلك المقدار عليهم بالسوية.
ثم قال: أقواه الأخير.1
ففي مثله يصحّ التمسّك بالسيرة لعدم التمكّن من التحليف فإنّه أقرب الطرق إلى إيصال الحقّ ولو بالنسبة إلى صاحبه دون إمكان الجميع.
3. لو طلّق مَن كان عنده أربع زوجات، واحدة منهن وتزوّج بعد خروج العدّة ثم مات ولم يعيّن المطلّقة واشتبهت بين أربع فالحل منحصر، بأنّ للخامسة ربع الفريضة لأنّها إحدى الأربع من دون اشتباه والباقي لأربع منهن بالسوية، لعدم إمكان التحليف، رعاية للعدل والإنصاف .

تحرير مورد القاعدة

ثم إنّ أكثر مَن تمسّك بالقاعدة في غير مورد من الموارد لم يحرّر موردها بوجه يكون جامعاً مانعاً، والذي يمكن أن يقال: إنّ مصبّ القاعدة ما إذا كان أصحاب الحقّ جاهلين غير عالمين بحقّهم وملكهم كما في مورد

1. العروة الوثقى: كتاب الخمس، المسألة 30.

صفحه 185
الودعي، وإلاّ فلو كانت لكلّ منهما بيّنة أو استيلاءً ففي هذه الصورة يحكم بالتنصيف لكن لا لقاعدة العدل والإنصاف، بل لوجود البيّنة أو لوجود اليد لكلّ منهما، حتّى أنّه لو كان لكليهما يد ولكن حلف أحدهما دون الآخر فيقدّم الحالف على غيره، وبذلك يُعلم أن مصبّ القاعدة فيما إذا كانت جميع طرق الحلّ من البيّنة واليد والحلف مسدودة في وجه القاضي فيحكم ببركة هذه القاعدة على التنصيف أو التثليث حسب اختلاف المورد.

اعتراض على سيرة العقلاء في المقام

وقد اعترض على الاستدلال بالسيرة غير واحد من أعاظم العصر منهم السيد الخوئي، يقول: إنّ القاعدة في نفسها غير تامّة إذ لم يثبت بناء ولا سيرة من العقلاء على ذلك حتّى تكون ممضاة لدى الشارع، اللهم إلاّ إذا تصالحا وتراضيا على التقسيم على وجه التنصيف فإنّه أمر آخر، وإلاّ فجريان السيرة على ذلك بالتعبّد من العقلاء أو الشارع استناداً إلى ما يسمّى بقاعدة العدل والإنصاف لا أساس له وإن كان التعبير حسناً مستحسناً، إذ لم يقم أيّ دليل على جواز إيصال مقدار من المال إلى غير مالكه مقدّمة للعلم بوصول المقدار الآخر إلى المالك، نعم، في المقدّمة الوجودية ثبت ذلك حسبةً1، وأمّا العلمية فكلاّ، فقياس إحدى المقدّمتين بالأُخرى قياساً مع الفارق الظاهر كما لا يخفى .2
يلاحظ عليه: أنّ إنكار وجود السيرة فيما ذكرنا من الأمثلة وما ضاهاها

1. مثّل لذلك: ما لو توقّف الإيصال على صرف مقدار من المال كأُجرة العمل فإنّه لا ينبغي الإشكال في جوازه مقدّمة للإيصال.
2. موسوعة السيد الخوئي (الخمس): 25 / 147 .

صفحه 186
بعيد جدّاً، وذلك لأنّ السيرة مختصّة بما إذا لم يكن هنا أي طريق للحل، وإلاّ فلو كانت للمدعيين البيّنة أو حلفا على ما يدّعون، فالتنصيف في ذلك مستند إلى قيام البيّنة ووجود الحلف، لا إلى القاعدة، فعندئذ لم يكن للقاضي إلاّ طريق واحد في رفع الخصومة.
3. الاستدلال بالروايات
استدلّ القائلون بالقاعدة بروايات تدعم مضمونها، وهي على طوائف:
الأُولى: ما ورد حول الدرهم أو الدراهم المردّدة بين شخصين، وهي كالتالي:
الرواية الأُولى: ما رواه الصدوق بإسناده عن عبدالله بن المغيرة عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما الدرهمان لي وقال الآخر هما بيني وبينك. فقال: «أمّا الذي قال: هما بيني وبينك فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له وأنّه لصاحبه، ويقسّم الآخر بينهما».
ورواها الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن عبدالله بن المغيرة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)مثله، إلاّ أنّه قال: «ويقسّم الدرهم الثاني بينهما نصفين».
ورواها الشيخ أيضاً عن ابن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة، عمّن ذكره، عن أبي عبدالله(عليه السلام) نحوه.1
والرواية مرسلة لكنّ القرائن تؤيّد صدقها:

1. الوسائل: 13، الباب 9 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 1 وذيله.

صفحه 187
أوّلاً: أنّ عبدالله بن المغيرة من أصحاب الإجماع، وهو ينقل الرواية عن غير واحد من أصحابنا كما في السند الأوّل وهذا يعطي للرواية قوّة.
ثانياً: أنّ ابن أبي عمير ينقلها عن محمد بن أبي حمزة عمّن ذكره، وقد ثبت أنّ مشايخ ابن أبي عمير كلهم ثقات.
ثالثاً: أنّ مضمون الرواية مدعم بروايات أُخرى ستوافيك. وليس من التصالح أثر في الرواية.
وعلى هذا فلا يصحّ الشكّ في سند الرواية.
وجه الدلالة في الرواية: أنّ المورد ممّا تردّد من له الحق، بين اثنين فصاعداً ونسبة الدرهم الموجود بالنسبة إلى الاثنين على السواء وعدم المرجّح عقلاً وشرعاً لافتراض أنّ لكلّ يداً بالنسبة إلى الدرهمين وإلاّ فيكون ذو اليد منكراً والآخر مدّعياً، ويتوقّف القضاء على بيّنة الخارج وإلاّ فحلف الداخل.
نعم يرد على الاستدلال بأنّ الدليل أخصّ من المدّعى فإنّ المفروض أنّ لكلّ واحد من المدّعيين يداً بالنسبة للدرهمين، فالتقسيم نتيجة استيلائهما عليهما، إنّما الكلام فيما إذا كان الحق دائراً بين شخصين دون أن يكون لواحد منهما يد، فالمورد والحكم بالتنصيف وإن كان موافقاً للقاعدة، لكن الحكم غير مستند إلى القاعدة بل مستند إلى الاستيلاء.
ومنه يظهر ما لو كان لكليهما بيّنة، أو حلف كلّ منهما، فالحكم بالتنصيف لأجل وجود البيّنة أو الحلف دون أن يكون مستنداً لقاعدة العدل والإنصاف، فالتساوي في النتيجة غير كون المورد من مصاديق القاعدة.
الرواية الثانية: روى الصدوق بإسناده عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن

صفحه 188
السكوني، عن الصادق، عن أبيه (عليهما السلام)في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر ديناراً، فضاع دينار منها، قال: «يعطي صاحب الدينارين ديناراً، ويقسّم الآخر بينهما نصفين» 1.
أقول: الرواية من مصاديق القاعدة لعدم استيلاء المدّعيين على العين وعدم وجود البيّنة، وعدم إمكان التحليف، فالحكم بالتقسيم نصفين ليس له دليل إلاّ القاعدة.
ثم إنّه استشكل على الرواية بالمناقشة في السند أعني: وقوع النوفلي فيه ـ ، والمناقشة في الدلالة وهو من لزوم الاقتصار على ما إذا لم يمكن الحلف لجهلهما ولم نتعد إلى فرض نكولهما.
أقول: أمّا المناقشة في السند، فغير صحيحة لأنّ الشيخ الطوسي نقل إجماع الطائفة على العمل برواية النوفلي والسكوني، والدليل على وثاقة النوفلي أنّ للرجل في الكتب الأربعة حوالي ثمانمائة رواية، وكثرة نقل المشايخ عن شخص، دليل على وثاقة المنقول عنه.
نعم أصل النقل عن الضعيف لا يدلّ على الوثاقة، لكن كثرة النقل يكون دليلاً على وثاقة المنقول عنه، وإلاّ لذهب جهدهم سُدى .
وأمّا الإشكال على الدلالة فمثل الإشكال على السند لما عرفت أن مصبّ القاعدة هو ما ذكرنا، أي إذا لم تكن هناك بيّنة ولا يمين، وإلاّ ففي موضع البيّنة واليمين يكون التنصيف مستنداً إليهما. وفرض النكول ربما يكون غالباً مقارناً لعدم تمكّنهما من الحلف، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى القاعدة.

1. الوسائل: 13، الباب 12 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 1.

صفحه 189
نعم ربّما يورد على الرواية إشكال آخر وهو أنّ مقتضى القاعدة إنّما هو الحكم بالتساوي في الخسارة مع التساوي في جميع الجهات احتمالاً ومحتملاً، لا مع عدم التساوي كما في مورد الرواية، فإنّ المناسب أن يعطى صاحب الدرهمين درهماً وثلثاً ويعطى صاحب الدرهم ثلثي درهم.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ لو قلنا بحصول الشركة بالاختلاط والاشتباه، لكنّه غير تام، فإنّ الشركة تحصل بالامتزاج واستهلاك أحد الجنسين في نظر العرف في الجنس الآخر لا بالاختلاط، واشتباه أحد الملكين بالملك الآخر، كما في المقام حيث إنّ الودعي لا يعرف أيّاً منهما.
الرواية الثالثة: روى الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام):«في رجل أقرّ عند موته فقال لفلان وفلان لأحدهما عندي ألف درهم ثم مات على تلك الحال. فقال علي (عليه السلام): أيهما أقام البيّنة فله المال، فإن لم يقم واحد منهما البيّنة فالمال بينهما نصفان»2.
والرواية من مصاديق القاعدة حيث إنّ كلاًّ منهما يفقد البيّنة بل يمكن أن يكونا جاهلين بوجود حقّ لهما في ذمة الميّت، فقد حكم الإمام بالتنصيف بلا حلف.
أقول: المناقشة في السند لا وجه لها، كما أنّ احتمال التقسيم بالمناصفة كان على أساس التصالح والتراضي، أو كان حكماً ولائياً من الإمام، وكلا الاحتمالين، بمكان من الضعف.

1. قاعدة لا ضرر ولا ضرار للسيد السيستاني «دام ظله»: 322.
2. الوسائل: 12، الباب 25 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 1.

صفحه 190
إلى هنا تمّت الطائفة الأُولى من الروايات وإليك الثانية.

الطائفة الثانية: اختصام الرجلين في دابة

قد وردت في اختصام الرجلين في دابة روايات ثلاث:
الرواية الأُولى:
روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن الخشّاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبدالله (عليه السلام):
«أنّ رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)في دابة في أيديهما وأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده، فأحلفهما علي (عليه السلام)فحلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف.
فقيل له: فلولم تكن في يد واحد منهما وأقاما البيّنة؟ قال: «أُحلفهما فأيّهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين».
قيل: فإن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعاً البيّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده»1.
أقول: أمّا السند فلا بأس به، فقد رواها الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري صاحب نوادر الحكمة، عن الحسن بن موسى الخشّاب من وجوه أصحابنا، عن غياث بن كلوب ـ الذي

1. الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. وفي هذه الرواية وغيرها شذوذ من جهة أنّ المشهور، هو تقديم بيّنة الخارج على بيّنة الداخل أي ذي اليد، والوارد فيها وفي غيرها يخالف ما هو المشهور.

صفحه 191
تظهر من الشيخ في العدّة وثاقته ـ عن إسحاق بن عمّار الثقة، والظاهر أنّ جميع الصور الواردة في الرواية لا صلة لها بالقاعدة، وإليك الصور:
1. أقام كلّ البيّنة فأحلفهما عليّ (عليه السلام)فحلف واحد دون الآخر، فقضى للحالف.
2. لم تكن في يد واحد منهما، وأقاما البيّنة، وحلف واحد دون الآخر، جعلها للحالف.
3. لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البيّنة، وحلفا جميعاً، جعلها بينهما نصفين.
4. إن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعاً البيّنة، قضى بها للحالف.
والذي يمكن أن يتوهّم أنّه مصداقاً للقاعدة هو الصورة الثالثة، لكنّه خارج أيضاً عن مصبّ القاعدة لافتراض وجود البيّنة لكليهما، فعندئذ أمر بالحلف، وأين هذا من مورد القاعدة؟
الرواية الثانية:
روى الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد (البزنطي)، عن محمد بن يحيى (الخزاز)، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)اختصم إليه رجلان في دابّة وكلاهما أقام البيّنة أنّه انتجها، فقضى بها للذي هي في يده.
وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين».1
أمّا السند فصحيح، إنّما الكلام في الدلالة فربّما يتوهّم أنّ قوله: «لولم

1. الوسائل:18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.

صفحه 192
تكن في يده جعلتها بينهما نصفين» حيث إنّ التنصيف مستند إلى القاعدة، ولكنّه غير صحيح، لأنّ ما ذكره شقّ آخر لقوله: «وكلاهما أقام البيّنة أنّه انتجها» فذكر الإمام له صورتين:
1. إذا كان لواحد منهما يد دون الآخر، فقضى لذي اليد.
2. «لو لم تكن في يده، جعلتها بينهما نصفين» فهو من شقوق ما إذا أقاما البيّنة، وقد عرفت أنّ مصبّ القاعدة، ما إذا لم يكن هناك من أدوات القضاء كالبيّنة واليد والحلف.
الرواية الثالثة:
روى الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن سمّاك بن حرب، عن تميم بن طرفة أنّ رجلين ادّعيا بعيراً فأقام كلّ واحد منهما بيّنة، فجعله الإمام بينهما1.
أقول: إنّ السند لا يخلو عن ضعف; لأنّ سمّاك بن حرب وتميم بن طرفة مجهولان، وأمّا الدلالة فقد اتّضح وجهها حيث إنّ التنصيف لمقتضى البيّنة لا لمقتضى القاعدة، والنتيجة وإن كانت سيّان، لكن المستند هو البيّنة.

الطائفة الثالثة: الاختلاف في متاع البيت

وقد ورد فيها روايتان :
الرواية الأُولى: صحيحة يونس
روى الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن، عن محمّد بن الوليد، عن

1. الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4.

صفحه 193
يونس بن يعقوب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في امرأة تموت قبل الرجل، أو رجل قبل المرأة، قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومَن استولى على شيء منه، فهو له».1
والرواية خارجة عن مصبّ القاعدة لوجود الاستيلاء واليد، ولعلّ التنصيف لأجلهما.
الرواية الثانية: صحيحة رفاعة
روى الكليني بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن مسكين، عن رفاعة النخّاس، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إذا طلّق الرجل امرأته، وفي بيتها متاع فلها ما يكون للنساء، وما يكون للرجال والنساء قسّم بينهما، قال: وإذا طلّق الرجل المرأة فادّعت أنّ المتاع لها، وادّعى الرجل أنّ المتاع له، كان له ما للرجال، ولها ما يكون للنساء، وما يكون للرجال والنساء قسّم بينهما».2 ويرد على الاستدلال ما ذكرناه آنفاً من وجود اليد.

الطائفة الرابعة: فيمن طلق إحدى زوجاته الأربع

روى الكليني بسند صحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل تزوّج أربع نسوة في عقدة واحدة أو قال في مجلس واحد، ومهورهنّ مختلفة قال: «جائز له ولهن».
قلت: أرأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان فطلّق واحدة من الأربع وأشهد على طلاقها قوماً من أهل تلك البلاد وهم لا يعرفون المرأة، ثم تزوّج

1. الوسائل:17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.
2. الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 4.

صفحه 194
امرأة من أهل تلك البلاد بعد انتفاء عدّة المطلقة ثم مات بعدما دخل بها، كيف يقسّم ميراثه؟
فقال: «إن كان له ولد فإنّ للمرأة الّتي تزوّج بها أخيراً من أهل تلك البلاد ربع ثمن ما ترك إلى أن قال : وإن لم تعرف الّتي طلّقت من الأربع قسّمن النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهن جميعاً، وعليهن جميعاً العدّة».1
ومورد الرواية ما إذا لم يمكن التحليف، لافتراض عدم علمهنّ بالمطلّقة، والرواية من مصاديق القاعدة لما عرفت ما هو المعيار لكون المورد مصداقاً للقاعدة.

فذلكة البحث

بلغ عدد ما استدلّ به أو يمكن الاستدلال به إلى تسع روايات، ولكن الغالب خروجها عن مصبّ القاعدة وأنّ التنصيف مستند إمّا إلى البيّنة أو إلى اليد أو إلى حلف أحد الطرفين دون الآخر، ولكن الكلام فيما إذا لم يكن هناك أي حل للمسألة، فعندئذ بما أنّ نسبة العين أو الحق إلى الطرفين على وجه سواء، فمقتضى السيرة وهذه الروايات هو الحكم بالتناصف، وعلى ذلك فالذي يمكن الاستدلال به هو ما يلي:
1. رواية السكوني في الودعي: الرواية الثانية من الطائفة الأُولى.
2. رواية السكوني في مَن أقرّ لأحد شخصين ولم يعيّن: الرواية الثالثة من الطائفة الأُولى.
3. رواية أبي بصير في مَن طلق واحدة من زوجاته الأربع.

1. الوسائل: 17، الباب 9 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 .

صفحه 195
4. ويمكن أن يستدل أيضاً برواية رابعة وهي رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهماً في ثوب، وآخر عشرين درهماً في ثوب، فبعث الثوبين ولم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه، قال: «يباع الثوبان فيُعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن، والآخر خمسي الثمن»، قلت: فإنّ صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين: اختر أيّهما شئت، قال: «قد أنصفه».1
وجه الاستدلال: أنّه قد علم ثبوت حقّ واشتبهت عينه، فتردّد بين اثنين فصاعداً وتساوت نسبة كلّ من العينين إلى كلّ واحد من المالكين ولا مرجّح في البين، فيكون من مصاديق قاعدة العدل والإنصاف; لأنّ تساويهما في النسبة موجب للحكم بالاشتراك في مرحلة الظاهر حسب نسبتهما إليهما .
فإنّ نسبة صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن ونسبة صاحب العشرين خمسا الثمن.
وهذا النوع من التقسيم هو مقتضى قاعدة العدل والإنصاف.
هذا إذا لم يكن أحد الثوبين أكثر رغبة من الآخر، ففي هذه الحالة يتميّز ثوب صاحب الثلاثين عن الآخر، بل ولو فرضنا أنّ ثمن الثوبين في السوق واحد، فإذا بيعا يكون سهم صاحب الثلاثين أكثر من سهم صاحب العشرين.
***

1. الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 1 .

صفحه 196

تردّد الذمّة كتردّد العين

إنّ القاعدة لا تختصّ بما إذا تردّدت العين بين شخصين بل تجري فيما إذا كان ما في ذمّة الإنسان مردّداً بين شخصين كأن علم زيد بثبوت دين معلوم المقدار في ذمّته واشتبه في أنّه هل هو مديون لعمرو أو لبكر، فتساوي النسبة حاكمة في المقام مثل تساوي النسبة في العين.
فإن كان لكلّ واحد منهما بيّنة قضي بينهما بالنصف وإن حلف كلّ منهما فكذلك، وإن كان لأحدهما بيّنة أو حلف واحد منهما فيحكم له، وإلاّ فينصّف بينهما أخذاً بقاعدة العدل والإنصاف في الصورة الأخيرة.
نعم لو صالح واحد منهما يكون أفضل.
وأمّا ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)باليمن في قوم انهدمت عليهم دار لهم، فبقي صبيان، أحدهما مملوك، والآخر حرّ، فأسهم بينهما، فخرج السهم على أحدهما فجعل المال له، وأعتق الآخر».1
فلو عمل بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف يجب تقسيم الرقيّة والحرّية بين الصبيّين ولكن عُدل عنها لأنّ التبعيض في الحرّية والرقيّة غير معهود إلاّ في عقد الكتابة المطلقة، فلا وجه لأن يقال: إنّ مقتضى القاعدة تقسيم الرقيّة والحرّية بينهما، بل مقتضاها ما عمل به الإمام (عليه السلام)من القرعة فمن خرجت القرعة باسمه فيحكم عليه بالحرية ويرث تركة أبيه وأُمّه، ومن لم يخرج اسمه فالإمام أعتقه. ولعلّ المراد حكم بعتقه أخذاً بالاحتياط.
نعم ذهب أبو حنيفة إلى أن يعتق نصف هذا ونصف هذا، كما في ما رواه

1. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم، الحديث 1.

صفحه 197
الصدوق، عن حمّاد عن المختار، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبدالله (عليه السلام)، فقال له أبو عبدالله (عليه السلام): «ما تقول في بيت سقط على قوم، فبقي منهم صبيان أحدهما حرّ، والآخر مملوك لصاحبه، فلم يعرف الحرّ من العبد؟»، فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا، ونصف هذا، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «ليس كذلك، ولكنّه يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو الحرّ، ويُعتق هذا، فيُجعل مولى لهذا»1.
ولا يخفى أنّ ما ذهب إليه أبو حنيفة يزيد في الطين بلّة، ولا يحلّ المشكلة، مضافاً إلى بعده عن روح الإسلام .
***

تنبيهان:

التنبيه الأوّل: عدم التعارض بين القاعدة ودليل القرعة
قال الشهيد الثاني: والذي يقتضيه النظر وتشهد له الأُصول الشرعية: القول بالقرعة في أحد الدرهمين، ومال إليه المصنّف في «الدروس»، لكنّه لم يجسر على مخالفة الأصحاب، والقول في اليمين كما مرّ من عدم تعرّض الأصحاب له، وربّما امتنع هنا إذا لم يعلم الحالف عين محقّه.2
موضع النقاش في فتوى الأصحاب أمران:
1. عملوا بقاعدة العدل والإنصاف في الودعي مع أنّ المورد من مصاديق القرعة.

1. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 7.
2. الروضة البهية: 4 / 184 .

صفحه 198
2. قالوا بأنّ الدرهم الباقي يقسّم بين الطرفين بلا يمين مع أنّ الدعوى لا يقضى عليها إلاّ بالبيّنة واليمين.
فنقول أمّا الأمر الأوّل فيلاحظ عليه بما ذكرناه في محلّه من اختصاص أدلّة القرعة بصورة التنازع; وأمّا الأمر الثاني فليس هناك تنازع بل جهل من الطرفين حيث لايعرف صاحب الحق حقّه.
وإن شئت قلت: إنّ القرعة في كلّ أمر مشكل، وقد روي عن الصادقين(عليهم السلام)أنّهم أوجبوا الحكم في القرعة فيما أشكل .1
والمقام ليس أمراً مشكلاً بل مشتبهاً، فما اشتهر في الألسن من أنّ القرعة لكلّ أمر مشتبه، ليس له دليل صالح .
وأما القضاء بلا يمين فسيوافيك ما في التنبيه الآتي.
التنبيه الثاني: عدم التعارض بين القاعدة وبين كون القضاء مبنياً على الأيمان والبيّنات
وما يتوهّم أنّ إعمال القاعدة في مواردها الخاصّة الّتي أشرنا إليها ينافي ما تواتر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّما أقضي بينكم بالأيمان والبيّنات».
يلاحظ عليه: أنّ ما تضافر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما هو فيما إذا أمكن إقامة البيّنة والحلف، ومورد القاعدة ما إذا لم يكن هناك أي حلّ من الحلول فلا يد ولا بيّنة ولا حلف، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)منصرف عن هذه الصورة.
تطبيقات القاعدة
وللإشارة إلى موارد القاعدة في كلمات القوم نذكر ما يلي:

1. مستدرك الوسائل: 17 / 373، كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 .

صفحه 199
1. قال العلاّمة: يجوز تعدّد كلّ من المالك والعامل فيضارب الواحد اثنين وبالعكس، فإذا تعدّد العامل بأن قارض الواحد اثنين اشترط تعيين الحصّة لهما، ولا يجب تفصيلها بل يجوز أن يجعل النصف لهما معاً ]على وجه الإجمال من دون أن يشخّص سهم كلّ من هذا النصف [فيحكم بالنصف لهما بالسوية لاقتضاء الإطلاق ذلك وأصالة عدم التفصيل .1
2. لو دفع مالاً إلى وكيل شخصين لكلّ منهما عليه(الواقع) دين ولم يعيّن أحدهما، أو كان عليه لشخص دينان احدهما برهن والآخر بلا رهن، ولم يعيّن ما دفعه عن دين الرهن أو عن الآخر، إذ عندئذ يحتمل التوزيع كما تقتضيه قاعدة العدل .2
ثم إنّه استدلّ على القاعدة بما رواه في «كنز العمال» في أبواب القضاء من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أتاه رجلان يختصمان في بعير وأقام كلّ واحد شاهدين أنّه له، فجعله بينهما .3
ولا يخفى أنّ الرواية أجنبية عن القاعدة وإن كانت النتيجة واحدة.
***
تمّت قاعدة
العدل والإنصاف

1. تذكرة الفقهاء: 2 / 230، كتاب القراض، (ط. ق).
2. تحرير المجلة: 1 / 282 .
3. تحرير المجلة: 1 / 284 .

صفحه 200
قاعدة من اتلف مال الغير فهو له ضامن   
القواعد الفقهية
      12
قاعدة حجّية خبر الواحد في الموضوعات   

قاعدة

حجّية خبر الواحد في الموضوعات
المشهور عدم حجّية خبر الواحد في الموضوعات
مَن يقول بحجّية خبر الواحد في الموضوعات مستدلاًّ بآية النبأ وآية المنع عن كتمان الشهادة.
الاستدلال على حجّية خبر الواحد في الموضوعات بالروايات
دليل القائل بعدم حجّية قول الثقة في الموضوعات كصاحب المنتقى
دليل آخر على عدم الحجّية كرواية مسعدة بن صدقة
دليل ثالث لهم: لو كان خبر الواحد حجّة لم تبق حاجة إلى البيّنة
إذا كان حجّة، فالحجّة عبارة عن الخبر الموثوق الصدور، لا خبر الثقة فقط
اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّه لا اعتبار بخبر العدل الواحد في الدعاوى والترافع، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «البيّنة للمدّعي واليمين على مَن أنكر»، وأُريد من البيّنة العدلان .
كما أنّ قسماً من الأُمور لا يثبت إلاّ بشهود أربعة كالزنا أو القذف، كما اتّفق أكثرهم على حجّية خبر العدل الواحد في الأحكام، إنّما الكلام في حجّية خبر العدل في الموضوعات وهناك قولان:
الأوّل: كفاية خبر العدل الواحد، وهو خيرة جمع كثير منهم العلاّمة في

صفحه 201
«التهذيب» بل قيل: إنّ عليه الأكثر، وفي «البداية»: إنّه قول مشهور لنا ولمخالفينا، إلاّ ما خرج بالدليل كرؤية الهلال وغيرها.
الثاني: عدم الكفاية وتعيّن العدلين وهو خيرة آخرين، منهم المحقّق ومَن تبعه ومنهم سيد المدارك .1
ولكنّ الحق هو القول الأوّل وقد استدلّ عليه بوجوه نذكرها تباعاً :

أدلّة القائلين بحجّية خبر الواحد في الموضوعات

الأوّل: الاستدلال على القاعدة بالقرآن الكريم
1. آية النبأ: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )2.
فلو دلّت الآية على حجّية قول الثقة عن طريق المفهوم وصفاً كان أو شرطاً، فإطلاقها يعمّ الموضوعات والأحكام، والذي يؤيّد ذلك أنّ مورد الآية هو الموضوعات حيث أخبر الوليد عن ردّة قبيلة بني المصطلق فنزلت الآية ردّاً لإخباره، فإخراج الموضوعات عن تحت المفهوم أمر لا يرضى به العرف.
بل يمكن الاستدلال بالتعليل الوارد في الآية أعني قوله تعالى: ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)وقد قلنا في محلّه: إن المراد بالجهالة ليس هو عدم العلم بوجوده في خبر الثقة أيضاً، بل الأمر الذي لا يرتضيه العقلاء، الذي نعبّر عنه في الفارسية بـ «نادانى» ومن المعلوم أنّ الاعتماد على قول الثقة في الموضوعات ليس أمراً على

1 . مقباس الهداية: 88 .
2. الحجرات: 6 .

صفحه 202
خلاف ما عليه العقل والعقلاء.
والتفكيك في مفاد الآية بين الأحكام فيقبل قوله، والموضوعات فيردّ، تفكيك لا يقبله الذوق السليم.
2. آية المنع
نعم ربّما يستدلّ على حجّية قول الثقة في الموضوعات بقوله تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ )1.
ببيان أنّه إذا حرم على الشاهد الكتمان أو وجب عليه البيان لزم القبول، وإلاّ كان الأمر بالبيان أمراً لغواً.
يلاحظ عليه: بأنّه إنّما تلزم اللغوية لو لم يترتّب عليه أثر أصلاً، وأمّا إذا ترتّب عليه الأثر بضمّ اليمين أو بضمّ شاهد آخر فلا يكون الأمر بالبيان لغواً، فإنّ الشاهد الواحد يشهد على ما شهده، ثم القاضي ينتظر، فإذا شهد شاهد آخر، أو كان الموضوع ممّا يُقبل فيه الشاهد الواحد مع اليمين، يترتّب عليه الأثر .

الثاني: الروايات الواردة في أبواب متفرّقة

وهذه الروايات على طوائف:

الأُولى: ما ورد في أنّ المؤذّن مؤتمن

1. روى عيسى بن عبد الله عن أبيه، عن جدّه، عن عليٍّ(عليه السلام) قال: «المؤذّن مؤتمن والإمام ضامن».(2)

1. البقرة: 283 .   2 . الوسائل:4، الباب3 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث2.

صفحه 203
فإذا كان المؤذّن أميناً فلازم ذلك حجّية قوله. نعم الإمام ضامن لقراءة المأموم حيث يتحمّلها عنه.
2. روى الصدوق، قال: قال الصادق(عليه السلام) في المؤذّنين:«إنّهم الأُمناء».1
3. وروى الصدوق أيضاً بإسناده عن بلال قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول:«المؤذّنون أُمناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم».2
4. يظهر ممّا رواه الفقيه عن الفضل بن شاذان فيما ذكره الإمام الرضا(عليه السلام)من العلل قال:«إنّما أُمر الناس بالأذان لعلل كثيرة منها أن يكون تذكيراً للناس، وتنبيهاً للغافل، وتعريفاً لمن جهل الوقت واشتغل عنه».3

الطائفة الثانية: حجّية قول البائع للأمة

1. روى المحدّث النوري عن «فقه الرضا(عليه السلام)» قال:«إن كان البائع (للأمة) ثقة وذكر أنّه استبرأها جاز نكاحها من وقته، وإن لم يكن ثقة، استبرأها المشتري بحيضة».4
2. روى الشيخ بإسناده عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله(عليه السلام)في الرجل يشتري الأمة من رجل، فيقول: إنّي لم أطأها، فقال: «إن وثق به فلا بأس أن يأتيها».5

1. الوسائل:4، الباب3 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث6.
2. الوسائل:4، الباب3 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث7.
3. الوسائل:4، الباب19 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث14.
4. مستدرك الوسائل:13/373، الباب 9 من أبواب بيع الحيوان، الحديث4.
5. الوسائل:14، الباب6 من أبواب العبيد والإماء، الحديث1.

صفحه 204
فإن قلت: إنّ حجّية قول البائع لأجل كونه ذا يد، والبحث مركّز على حجّية قول الثقة وإن لم يكن كذلك.
قلت: الإمام(عليه السلام) ركّز على كون البائع ثقة لا على كونه ذا يد، فيعلم منه أنّ المناط الوثوق لا كونه صاحب يد.

الطائفة الثالثة: حجّية قول الثقة في ادعاء الزوجية

روى سماعة قال: سألت(الإمام(عليه السلام)) عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها فحدّثه رجل ثقة أو غير ثقة، فقال: إنّ هذه امرأتي وليست لي بيّنة، فقال: «إن كان ثقة فلا يقربها، وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه».1
فإن قلت: لعلّ القبول لأجل لزوم الاحتياط في الأعراض.
قلت:الإمام (عليه السلام) ركّز على الوثاقة، وإلاّ يلزم القبول في كلتا الحالتين سواء أكان الرجل ثقة أو لا.

الطائفة الرابعة: قبول قول الثقة في عزل الوكيل

روى الصدوق عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل وكّل آخر على وكالة في أمر من الأُمور وأشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال: إشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة... إلى أن قال الإمام(عليه السلام):«إنّ الوكيل إذا وكّل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبداً، والوكالة ثابتة حتّى يبلغ العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافهه بالعزل عن الوكالة».2

1. الوسائل:14، الباب 23 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث2.
2. الوسائل:13، الباب2 من أبواب كتاب الوكالة، الحديث1.

صفحه 205

الطائفة الخامسة: في قبول شهادة القابلة على حياة المولود

روى عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل مات وترك امرأته وهي حامل، فوضعت بعد موته غلاماً، ثم مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض، فشهدت المرأة التي قبلتها أنّه استهلّ وصاح حين وقع إلى الأرض، ثمّ مات؟ قال: «على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام».1

الطائفة السادسة: قبول قول المرأة في الوصية

روى الربعي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في شهادة امرأة حضرت رجلاً يوصي ليس معها رجل، فقال: «يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها».2
وقد تضافرت الروايات على ذلك.3
هذا ما وقفنا عليه في الباب، وربما يستدلّ بروايتين غير ناهضتين هما:
أ. خبر عبد الله بن بكير، إذ سأل الصادق(عليه السلام) عن رجل أعار رجلاً ثوباً فصلّى فيه، وهو لا يصلّي فيه؟ قال: «يعلمه ذلك» قلت: فإن أعلمه؟ قال: «يعيد».4
ولكن الاستدلال بالحديث الأخير مشكل:
أوّلاً: يمكن أن يكون قبول قوله من باب إخبار ذي اليد بالنجاسة، وهو غير مسألتنا، فإنّ الموضوع فيها حجّية خبر العدل عن موضوع وإن لم يكن تحت يده.

1. الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث6.
2. الوسائل:13، الباب22 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 1.
3. لاحظ: الوسائل:13، الباب22 من أبواب كتاب الوصايا.
4. الوسائل:2، الباب74 من أبواب النجاسات، الحديث3.

صفحه 206
ثانياً: الرواية على خلاف مذهب المشهور حيث إنّ مانعية النجاسة مانعية علمية، وإن شئت قلت: شرطية طهارة الثوب شرط علمي، فإذا كان جاهلاً فالصلاة فيه حائزة للشرط ولذلك ذهب المشهور إلى عدم وجوب إعلام الجاهل بنجاسة الثوب فوجوب قضائه على خلاف قول المشهور .
ب. ما رواه بكر بن حبيب قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن الجبن وأنّه توضع فيه الأنفحة من الميتة، قال: «لا تصلح» ثم أرسل بدرهم فقال: «اشتر من رجل ولا تسأله عن شيء»1. حيث دلّ بمفهومه أنّه لو سئل واعترف بوضع الأنفحة فيه يكون قوله متبعاً.
وفي الاستدلال به إشكالان:
الأوّل: أنّ الأنفحة من الميتة ممّا استثني من أحكام الميتة، ولعلّ قوله: «لا تصلح» محمول على الكراهة.
الثاني: أنّ حجّية قول البائع هنا من باب إخبار ذي اليد، وهو أخصّ ممّا ذكرنا.
وهذه الروايات وإن وردت في موارد خاصّة لكن الفقيه إذا معن فيها النظر يتّخذ منها قاعدة كلّية وهي حجّية خبر العادل في الموضوعات في غير ما اشترط فيه التعدّد.
***
إلى هنا تمّ الاستدلال على حجّية قول الثقة في الموضوعات بالكتاب والسنّة، ويمكن أن يستدلّ عليها بالسيرة العقلائية، فقد جرت سيرتهم على

1. الوسائل: 16، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4 .

صفحه 207
العمل بقول الثقة في معاشهم ومعادهم بل عملهم بالموضوعات أكثر من عملهم في الأحكام، إذ ما من يوم إلاّ وهم يصدرون عن قول الثقة في تجارتهم ومكاسبهم ومعاملاتهم، ولعلّها من أتقن السير العقلائية الّتي لا يمكن إنكارها.
إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به على القاعدة.

دليل القول بعدم حجّية قول الثقة في الموضوعات

استدلّ القائل بعدم الحجّية بوجوه :
1. ما استدلّ به صاحب «المنتقى» على أنّه لا يكفي في تزكية الراوي قول الثقة الواحد، فقال: إنّ اشتراط العدالة في الراوي يقتضي اعتبار العلم بها، وظاهر أنّ تزكية الواحد لا تفيده بمجردها، والاكتفاء بالعدلين مع عدم إفادتهما العلم إنّما هو لقيامهما مقامه شرعاً، فلا يقاس تزكية الواحد عليه .1
يلاحظ عليه: بمثل ما يجاب عن البيّنة فكما أنّ البيّنة تقوم مقام العلم شرعاً، فهكذا قول الثقة أيضاً فهو يقوم مقام العلم شرعاً.
وعندئذ لا فرق بين الإخبار بالأحكام أو بالموضوعات ومنها الشهادة على عدالة الراوي، فقول العادل بحكم إطلاق الروايات والسيرة العقلائية، يكون قائماً مقام العلم.
2. رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه

1. منتقى الجمّان: 1 / 14 15 .

صفحه 208
أو خُدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»1.
ثم إنّ السيد الخوئي أجاب عن الاستدلال بوجوه منها:
أ. أنّ الرواية ضعيفة ولم تثبت وثاقة مسعدة بن صدقة.
ب. أنّ البيّنة ليست بمعنى شهادة العدلين بل هي بمعناها اللغوي، مثل قوله سبحانه: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)2 وخبر الثقة ممّا يستبان به.
ج. أن الرواية ليست في مقام الحصر لثبوت الموضوع باليد والاستصحاب.
ولعلّ الجواب الأخير هو الأفضل.
3. لو كان خبر الواحد حجّة في الموضوعات لم تبق حاجة إلى البيّنة فيها.
والظاهر أنّه أضعف الأدلة لعدم التمانع بين حجّية قول الثقة في موارد وحجّية البيّنة في موارد أُخرى، فإنّ في الفقه موارد لا يقبل فيها إلاّ شهادة عدلين كباب المرافعات، والطلاق، والهلال، والحدود الشرعية، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي يشترط فيها التعدّد.
بقي هنا كلام وهو: هل يشترط في المُخبر كونه عادلاً بمعنى مجتنباً عن الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، أو يكفي كون الخبر موثوق الصدور؟

1. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
2. البيّنة: 1 .

صفحه 209
والمسألة مبنيّة على المختار في حجّية قول العادل في الأحكام، فلو قلنا بأنّ الحجّة هو خبر العادل فتختص الحجّية في الأحكام والموضوعات به، وإن قلنا بأنّ الحجّة هو الخبر موثوق الصدور وأنّ وثاقة الراوي كالطريق إلى الوثاقة بالصدور، فيكفي كون الخبر موثوق الصدور لأجل كون الراوي مجتنباً عن الكذب ومتثبّتاً في إخباره، وإن كان غير عادل في سائر مسائله.
ولا يتوهّم من ذلك أنّ الرجل إذا كان مرابياً زانياً ظالماً، ولكنّه كان صادقاً في قوله فيكون كلامه حجّة، لأنّ الغارق في هذه المعاصي قلّما يتّفق أن يكون متثبّتاً في قوله. إنّما الكلام في إنسان بعيد عن هذه الأعمال القبيحة وغير معروف بالفسق ولكن ثبت لنا تثبّته في الأخبار فيكون كلامه حجّة.
***
تمّت قاعدة
حجّية خبر الواحد في الموضوعات

صفحه 210

صفحه 211
الفصل الثاني:
في موجبات الضمان ومسقطاته
قد خصّصنا الفصل الأوّل بالبحث عن القواعد الّتي يستشكف بها حال الموضوع المشتبه، ونخصّ هذا الفصل بالقواعد الموجبة للضمان، أو المسقطة له، وهي كما يلي:
1. قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن
2. قاعدة على اليد ما أخذت حتّى تؤدي
3. قاعدة الأمين غير ضامن إلاّ بالتعدّي أو التفريط
4. قاعدة المغرور يرجع إلى الغار
5. قاعدة الخراج بالضمان
6. قاعدة الإحسان
7. قاعدة كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه
8. قاعدة التلف في زمن الخيار فهو ممّن لا خيار له
9. قاعدة الإقدام المسقط للضمان تارة والموجب له أُخرى
10. قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده
11. قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده
12. «غصب مال الغير أو استيفاء منافع ملك الغير» وهما يندرجان تحت قاعدة على اليد.      ***

صفحه 212

صفحه 213
قاعدة مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن   
القواعد الفقهية
         13

قاعدة

مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن
الإتلاف من أسباب الضمان
تفسير مفردات القاعدة
دليل القاعدة:
   الأوّل: الاستدلال بالقرآن الكريم
   الثاني: الاستدلال بالسنّة، وهي على طوائف
   الثالث: الاستدلال ببناء العقلاء
   الرابع: الاستدلال بالإجماع
تطبيقات القاعدة
اجتماع المباشر والسبب
ذكر الفقهاء قاعدة الإتلاف عند البحث في أسباب الضمان فقالوا: منها: الإتلاف، فإنّ مَن أتلف شيئاً ضمنه، والتعبير المعروف هو: مَن أتلف مال غيره، فهو له ضامن .
وهي قاعدة عامّة تجري في العالم والجاهل، والعامد والغافل، والناسي والذاكر، والصبيّ والبالغ. والفرق بين هذه القاعدة الّتي هي من أسباب الضمان وقاعدة «على اليد» التي هي أيضاً من أسبابه، هو أنّ الموضوع للضمان في هذه القاعدة هو الإتلاف بما هو هو، سواء أكان مستولياً على الشيء أو لا، أتلفه

صفحه 214
مباشرة أو بالتسبيب، وهذا بخلاف الموضوع في القاعدة الثانية فإنّ الموضوع فيها هو الاستيلاء على مال الغير، فهو موجب للضمان من غير فرق بين التلف والإتلاف.
والقاعدة باللفظ المذكور ليست منصوصة، ولكن مفادها متضافر.
ويقع البحث في جهات:

1. تفسير مفردات القاعدة

المهمّ في مفردات القاعدة أمران:
1. «المال» وهو عبارة عن كلّ شيء يبذل بإزائه الثمن من غير فرق بين الأعيان من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمساكن، والمنافع كركوب الدابة وسكنى الدار والحقوق القابلة للانتقال، وما له مالية اعتبارية كالعملة الورقية الّتي يتعامل بها الناس اليوم، إذ ليس لها في نفسها قيمة يبذل بإزائها الثمن، ولكن تعهد من اعتبرها مالاً، صار سبباً لماليتها.
والذي يدلّ على شمول المال للأقسام الأربعة: الأعيان، والمنافع، والحقوق، والاعتبارات المالية، قوله سبحانه: (الْمَالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )1 ولا شكّ في شمول الآية للأُمور المذكورة جميعاً، فكلّ ما يعدّ زينة الحياة الدنيا فهو مال. وعرّفه السيد الحجّة الكوهكمري في درسه الشريف: بما يبذل بإزائه الثمن، ولعلّه من أوضح المفاهيم العرفية الغنية عن التوضيح.
2. الضمان في ذيل القاعدة ـ أعني: «فهو له ضامن» ـ ففي «المجمع»: ضمنت الشيء ضماناً: كفلت به فأنا ضامن وضمين، وضمنت المال:

1. الكهف: 46.

صفحه 215
التزمته1، وربما يفسّر بردّ المال بعينه إن كان وإلاّ ردّ المثلي بالمثل، والقيمي بالقيمة، وسيوافيك توضيحه عند الكلام عن قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي».

2. دليل القاعدة

إنّ القاعدة من ضروريات الفقه لا يشكّ في كبراها كُلُّ من له إلمام بالفقه، ولا تجد أي عاقل يشكّ في مفهوم القاعدة حيث إنّ بناء المجتمع على أساس احترام المال، وأنّ من اعتدى على مال الغير فعليه أن يجبر ما أتلفه، إذا عرفت ذلك فنقول :
استدلّ على القاعدة بوجوه غير ناجعة إلاّ ما ورد في السنّة وإليك بيانها:

الأوّل: الاستدلال على القاعدة بالقرآن الكريم

أمّا الكتاب فقد استدلّ بالآيات التالية:
1. قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)2.
قال ابن إدريس: فمن غصب شيئاً له مثل، وجب عليه ردّه بعينه، فإن تلف فعليه مثله بدليل الآية المتقدّمة .3
2. قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا )4.

1. مجمع البحرين:6/275، باب «ضمن».
2. البقرة: 194 .
3. السرائر: 2 / 480 .
4. الشورى: 40 .

صفحه 216
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الآيات بصدد جواز التعدّي على المعتدي، أو إيراد سيئة عليه، وهذا غير الضمان بالمثل أو القيمة، فلو قتل حيواناً فلنا قتل حيوان له مثله، وهذا غير المطلوب، والمطلوب في المقام، كون الجاني ملزماً بدفع المثل أو القيمة.
ثمّ إنّ الشيخ استدلّ في «المبسوط» 1 ببعض الآيات نظير:
أ. (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)2.
ب. (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)3.
ج. (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)4.
يلاحظ عليه: أنّ هذه الآيات تدلّ بالدلالة المطابقية على الحرمة التكليفية، وأنّ تلك التصرّفات حرام جدّاً، والكلام في الحرمة الوضعية أي اشتغال ذمّة المتلف بالمثل أو القيمة.
على أنّ الكلام في الإتلاف، ولا إتلاف في مورد هذه الآيات، بل الحيلولة بين المالك وماله. نعم لو قلنا بدلالتها على الضمان بالمعنى المعروف، فلا إشكال فيه، والأَولى الاستدلال بالسنّة.

1. المبسوط: 3 / 59 ـ 60 .
2. النساء: 29 .
3. النساء: 10 .
4. المطففين: 1 3 .

صفحه 217

الثاني: الاستدلال بالسنّة

وهي على صنفين:
الصنف الأوّل: ما يدلّ على الحرمة التكليفية دون الوضعية، نظير :
1. ما رواه عبدالله بن السائب عن أبيه، عن جدّه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جادّاً ولا لاعباً، من أخذ عصا أخيه فليردّها».1
2. ما رواه حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح (عليه السلام)، أنّه قال: «وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود».2
فإنّ هذين الحديثين وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» لا تدلّ بالدلالة المطابقية على ضمان التالف بالمثل والقيمة إلاّ بالتقريب الذي ذكره الشيخ الأنصاري وغيره وهو أن ردّ التالف في نظر العرف إمّا برد العين إن أمكن وإلاّ فبالمثل أو القيمة.
الصنف الثاني: ما يدلّ على الضمان والحرمة الوضعية، وهي على طوائف:

الطائفة الأُولى: ما ورد حول ما تجنيه الدابّة

تضافرت الروايات على أنّ الدابة إذا جنت يضمن صاحبها; ثمّ إنّ مَن بيده الدابة إمّا راكب، أو قائد أو سائق أو واقف; كما أنّ الدابة تارة تجني بيدها، وأُخرى برجلها، وثالثة بكليهما، ورابعة برأسها، وخامسة بمقاديم بدنها.

1. مستدرك الوسائل: 12 / 105، الباب 78، من أبواب الجهاد، الحديث 4.
2. الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4.

صفحه 218
وفي عامّة الصور فصاحب الدابة ضامن، غير أنّه يختلف مقدار الضمان حسب اختلاف حالات صاحبها من الركوب والقيادة والسياقة والوقوف، والتفصيل في محلّه1، ونقتصر بذكر رواية واحدة، وهي:
صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه سئل عن الرجل يمرّ على طريق من طرق المسلمين فتصيب دابته إنساناً برجلها، فقال: «ليس عليه ما أصابت برجلها ولكن عليه ما أصابت بيدها، لأنّ رجليها خلفه إن ركب، فإن كان قاد بها فإنّه يملك بإذن الله يدها يضعها حيث يشاء»2. ومورد الرواية هو كون صاحبها راكباً فخصّ الضمان بيديها.

الطائفة الثانية: ما ورد حول ما أفسدته البهيمة

عقد الحر العاملي في كتاب الدّيات باباً بعنوان: أنّ صاحب البهيمة لا يضمن ما أفسدت نهاراً ويضمن ما أفسدت ليلاً، أورد فيه روايات، نذكر واحدة منها، وهي:
روى السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليهم السلام)قال: «كان عليٌّ (عليه السلام)، لا يضمّن ما أفسدت البهائم نهاراً، ويقول: على صاحب الزرع حفظ زرعه، وكان يضمّن ما أفسدت البهائم ليلاً».3
وأنت إذا تفحّصت كتاب الدّيات تجد فيه أبواباً عقدها الحر العاملي كلّها تدلّ على الضمان نذكر عناوينها:

1. لاحظ كتابنا أحكام الدّيات:188ـ 195.
2. الوسائل: 19، الباب 13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 3، ولاحظ بهذا المضمون الحديث 2 و4.
3. الوسائل: 19، الباب 40 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1 .

صفحه 219
أ. باب مَن وضع على الطريق شيئاً يضرّ به، ضمن ما يتلف بسببه.
ب. باب مَن حمل على رأسه شيئاً، ضمن ما يتلفه من نفس وغيرها.
ج . باب مَن أخرج ميزاباً أو كنيفاً أو نحوهما إلى الطريق، ضمن ما يتلف بسببه، إلى غير ذلك من الأبواب1.
والجميع يكشف عن اتّفاق الكلّ على ضمان ما أتلف.
ولذلك فالقاعدة من الأُمور المسلّمة، فالاستدلال عليها أشبه بالاستدلال على أمر واضح، وربما يستدلّ عليها بالأمرين التاليين:

الثالث: بناء العقلاء

إنّ بناء العقلاء في عامّة الحضارات هو تضمين مَن أتلف مال الغير بلا مجوّز ولا مبرر، وعلى القاعدة تدور رحى القضاء في عامّة الشرائع والملل، وعلى هذا فالسيرة ممضاة لا غبار عليها، حتّى يمكن أن يقال: إنّ تضمين الخاطئ أو العامد أمر فطري وأنّ العقلاء يصدرون بالحكم بالضمان عن قضاء الفطرة، وأنّ من أتلف مال الغير فقد ظلمه وتعدّى عليه، فعليه أن يقوم بتعويضه عنه.2

الرابع: الإجماع

إنّ إفتاء العلماء بالضمان في كتاب الغصب وكتاب الضمان وكتاب الدّيات في مورد إتلاف الأموال أفضل دليل على أنّ القاعدة إجماعية، وسيمرّ

1. لاحظ : الوسائل: 19، الباب 5 و8، و9 و10 و11 من أبواب موجبات الضمان.
2. مجمع الفائدة والبرهان: 6 / 424.

صفحه 220
عليك بعض كلماتهم، ولكن الإجماع مستند إمّا إلى الروايات أو إلى السيرة ولا يكون دليلاً مستقلاًّ.
وأظن أنّ البحث في الكبرى أزيد من ذلك، غير لازم، إنّما الكلام في تطبيق القاعدة على مواردها.

3. تطبيقات القاعدة

قال العلاّمة: كلّ فعل يحصل به التلف فهو موجب للضمان وإن لم يكن غصباً، كمن باشر الإتلاف لعين، فقتل حيواناً مملوكاً أو خرق الثوب، أو لمنفعة كمن سكن الدار أو ركب الدابّة، وكالمسبِّب بأن يحفر بئراً في غير ملكه عدواناً، أو يطرح المعاثر في الطرق 1.
فإتلاف العين والمنفعة أمر واضح لا يحتاج إلى التمثيل، إنّما الكلام في الإتلاف بالسبب، فنأتي ببعض الأمثلة :
1. لو فتح قفصاً عن طائر أو حلّ دابة، فذهبا، ضمنهما.
2. لو فتح القفص أو حلّ الدابة، فوقفا فجاء آخر فنفّرهما فالضمان على المنفِّرَ، لأنّ سببه أخصّ، فاختصّ به الضمان كالدافع مع الحافر.
3. لو خرج طائر إنسان عن القفص ووقع على جدار فنفَّره آخر فطار، لم يضمنه لأنّ تنفيره لم يكن سبب فواته، لأنّه كان ممتنعاً قبل التنفير.
4. لو حلّ زقَّاً فيه مائع فاندفق، ضمنه سواء خرج على الحال أو على التدريج.

1. تحرير الأحكام: 4 / 523، المسألة 6141.

صفحه 221
أمّا لو قلبته الريح أو زلزلة الأرض أو كان جامداً وأذابته الشمس، ففي الضمان وجهان مبنيّان على غلبة المباشر أو السبب.
ولو قرّب آخر منه ناراً فأذابه، فسال، فالضمان على المقرّب، فإنّ سببه اختصّ بحصول التلف عقيبه.
6. ولو أذابه أحدهما أوّلاً ثم فتح الثاني رأسه فاندفق، فالضمان على الثاني.
7. ولو فتح زقّاً مستعلي الرأس، فخرج بعضه، واستمرّ خروجه على التدريج فنكّسه آخر فاندفق، فضمان ما بعد التنكيس على الثاني، وما قبله على الأوّل .1
8. لو أرسل الماء في ملكه بقدر حاجته وهو يعلم أنّه ينزل إلى ملك غيره وأنّه لا حاجز لمنعه، ضمن.
9. وكذا لو طرح ناراً في زرعه وهو يعلم اتّصال زرعه بزرع غيره، وأنّ النار تسري إليه، ضمن.
10. لو ألقى صبيّاً في مسبعة، أو حيواناً يضعف عن الفرار، فأكله السبع، ضمنه.
11. لو غصب شاة فمات ولدها جوعاً، فيضمن.
12. لو أكلت الدابة حشيش غيره، ضمن صاحب الدابة مع تفريطه في حفظها.2

1. تحرير الأحكام: 4 / 524، المسألة 6142.
2. تحرير الاحكام: 4 / 524 ـ 525، المسألة 6143.

صفحه 222

4. اجتماع المباشر والسبب

قال العلاّمة: ولو اجتمع المباشر والسبب فالضمان على المباشر، كمن دفع غيره في بئر حفرها ثالث متعدّياً، فالضمان على الدافع.
ولو كان متلِف المال مكرهاً فالضمان على المكرِه، لضعف المباشرة بالإكراه من السبب.1
وكان على العلاّمة عطف المغرور على المكره، فإنّ الضمان فيه على الغار، كما عليه الشهيد في اللمعة في كتاب الغصب.
ثم إنّ القوم ذكروا ضمان المباشر والسبب وتقديم أحدهما على الآخر وعرّفوا المباشر بمن يصدر منه الفعل بلا واسطة، وعرّفوا السبب بكلّ فعل صار سبباً لوقوع التلف بحيث لو لم يصدر عنه هذا الفعل لم يقع التلف، كما هو الحال في حفر البئر، ولكن المهم هو تشخيص المتلف عرفاً سواء أكان هو المباشر أو موجد السبب.
وربّما يكون المتلف هو المباشر دون السبب، كما لو دفع شخصاً إلى بئر حفرها غيره.
وربّما يكون المتلف هو السبب دون المباشر كما لو ألقى صبيّاً أو حيواناً عاجزاً في مسبعة وقتله السبع، وربّما يكون كليهما، كما إذا فتح رأس زق فيه شيء مذاب وجاء الآخر فدفعه من غير وعي .
فإذا كان المدار الصدق العرفي فالبحث عن المباشر والسبب غير مهم .
ثم إنّهم يجعلون الضمان في الإكراه على المكره، بخلاف الغرور

1. تحرير الأحكام: 4 / 523، المسألة 6141.

صفحه 223
فيجعلونه على المغرور وهو يرجع إلى الغار، ولعلّ الوجه هو ضعف إرادة المكره بسبب ضغط المكره، فيناسب كون الضمان على المكرِه ابتداءً، بخلاف المغرور فإنّه مستقل في الإرادة، وإن كان الباعث هو تغرير الغار.
ومع ذلك كلّه فجعل القسمين من باب واحد، أفضل، فإنّ المُكرَه مختار في فعله حيث إنّ المُكرَه مريد وليس مضطراً حيث يرجّح العمل الإكراهي على الوعيد الذي توعِّد به، فالأَولى أن يقال: إنّ الضمان عليهما ابتداءً ويرجعان على المكرِه والغار.
***
تمّ الكلام في قاعدة
مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن

صفحه 224
القواعد الفقهية
   14
قاعدة على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي   

قاعدة

على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي
الإيعاز إلى قاعدتين: قاعدة اليد، وقاعدة على اليد
مصدر ما رُوي من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): على اليد ما أخذت حتّى تؤدِّيه.
الكلام في سند الرواية وأنّه ساقط جدّاً; وموردها في مصادر أهل السنّة، هو العارية
دلالة الرواية على الضمان
مفاد الرواية، وفيها احتمالات ثلاثة
توجيه كون العين الشخصية على عهدة المستولي
تأييد القاعدة بأُمور أُخرى
فروع القاعدة
احتمال عدم الضمان إذا تلف بآفة عامّة لا تستند إلى الآخذ
ضمان المنافع المستوفاة
ضمان المنافع غير المستوفاة، ووجه الفرق بين المقام والمقبوض بالعقد الفاسد
ما هو الميزان في كون التالف مثليّاً أو قيميّاً؟
ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة وما هو الدليل على تلك الضابطة؟
لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل .
لو تعذّر المثل في المثلي
لو كان التالف قيمياً
إحالة مسألة توارد الأيدي إلى قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»
مرّ الإيعاز إلى أنّ بين القواعد الفقهية قاعدتين يوجد نوع تشابه بينهما:

صفحه 225
إحداهما قاعدة «اليد»، والأُخرى قاعدة «على اليد» .
والأُولى أمارة الملكية، والثانية سبب لضمان ما استولى عليه وموضوعها الاستيلاء على مال الغير استيلاءً غصبياً أو استيلاءً مأذوناً من قبل المالك، لكن خرج تالياً عن كونه مأذوناً بسبب التعدّي والتفريط، ولذلك يعبّر عن القاعدة الأُولى بـ «اليد» وعن الثانية بقاعدة «على اليد»، استلهاماً من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه»، وقد أرسل الفقهاء هذه الرواية في كتبهم الفقهية إرسال المسلّمات، ولكنّها لم ترد في طرقنا مسندة، نعم رواها الجمهور مسندة عن سمرة بن جندب:

مصادر الرواية

1. روى أبو داود السجستاني الأزدي (202 ـ 275 هـ) في باب «في تضمين العارية» بسنده عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» ثم إنّ الحسن نسي فقال: هو أمينك لا ضمان عليه .1
2. روى الترمذي (209 ـ 279 هـ) في باب «ما جاء في أن العارية مؤدّاة» عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه»، قال: ثم نسي الحسن فقال: فهو أمينك لا ضمان عليه، يعني العارية.
قال أبو عيسى (المؤلّف): هذا حديث حسن صحيح. وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم إلى هذا. وقالوا: يضمن صاحب العارية. وهو قول الشافعي وأحمد.

1. سنن أبي داود: 3 / 296، الحديث 3561 .

صفحه 226
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلاّ أن يخالف. وهو قول الثوري وأهل الكوفة. وبه يقول إسحاق .1
3. روى ابن ماجة (207ـ275 هـ) في باب العارية، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه»2.
ويقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في سند الحديث.
الثاني: في دلالته.وإليك دراستهما.

المقام الأوّل: في سند الحديث

أمّا دراسة السند، فمع قطع النظر عن دراسة أحوال سائر من ورد في الاسناد، فيكفي في سقوطه أنّ الراوي هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري الذي يعرّفه الذهبي في تاريخه بقوله: له صحبة ورواية وشرف، ولي إمرة الكوفة والبصرة خلافة لزياد، وكان شديداً على الخوارج وقتل منهم جماعة، فكان الحسن وابن سيرين يُشينان عليه.3
هذا ما يذكره الذهبي في بدء ترجمته، ولكنّه يذكر في حقّه ما يدلّ على فسقه، حيث قال: عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة

1. سنن الترمذي: 3 / 566، الحديث 1266 .
2. سنن ابن ماجة: 2 / 802، الحديث 2400 .
3. تاريخ الإسلام، الجزء الخاص بحوادث عهد معاوية، ص 231، وجدنا العبارة «يُثنيان» وهو تصحيف، والصحيح ما ذكرناه، بقرينة ما سيمرّ عليك ممّا أورده الطبري في تاريخه. وما ذكره نفس الذهبي.

صفحه 227
سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة في ذلك، فقال: إنّي كنت أنا وهو(سمرة) وأبو هريرة في بيت فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: آخركم موتاً في النار، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة.1
وروي عن ابن طاووس وغيره أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لأبي هريرة وسمرة بن جندب وآخر(أبي محذورة): «آخركم موتاً في النار» فمات الرجل(أبو محذورة) قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يُغيض أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيُغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة.
ثمّ قال: وقتل سمرة بشراً كثيراً. ونقل عن عامر بن أبي عامر، قال: كنّا في مجلس يونس بن عبيد فقالوا: ما في الأرض بقعة نشفت من الدم مثل ما نشفت هذه يعنون دار الإمارة قُتِل بها سبعون ألفاً، فسألت يونس، فقال: نعم من بين قتيل وقطيع، قيل: مَن فعل ذلك؟ فقال: «زياد وابنه وسمرة».
ثمّ نقل عن أبي بكر البيهقي أنّه قال: نرجو له بصحبته.2
وذكر ابن الأثير ما نقلناه عن الذهبي وقال: سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا سار إلى البصرة فكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر، إلى آخر ما ذكر.3
روى الطبري في حوادث سنة 50 هـ ، قال: عن محمد بن سليم قال:

1. سير أعلام النبلاء: 3 / 183 ـ 185. ومعنى ذلك أنّ سمرة آخر من مات منهم.
2. سير أعلام النبلاء: 3 / 183 ـ 185. قوله: بقعة نشفت من الدم، بمعنى شربت الدم يقال: نشف الثوبُ العرقَ: شربه.
3. أُسد الغابة: 2 / 354 .

صفحه 228
سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.1
ونقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي جعفر أنّه قال: وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام): (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)2.
وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ )3 فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك.4
ثم إنّ المعروف بين الأصحاب ـ خصوصاً فيمن يعتمد على مثل هذه الرواية ـ هو أنّ ضعف السند منجبر بعمل الأصحاب، لكن الظاهر أنّ عمل

1. تاريخ الطبري: 3 / 176 .
2. البقرة: 204 ـ 205 .
3. البقرة: 207 .
4. شرح نهج البلاغة: 4 / 73 .

صفحه 229
الأصحاب بها لم يكن اعتماداً على الرواية، بل كان جدلاً واحتجاجاً على الآخرين، فقد اعتمد عليه الشيخ في كتاب «الخلاف» في غير واحد من الأبواب، احتجاجاً على المخالف لا دليلاً على نظره ورأيه، مثلاً:
قال في كتاب «الغصب»: إذا غصب شيئاً ثم غيّره عن صفته التي هو عليها لم يملكه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا غيّر الغصب تغييراً أزال به الاسم والمنفعة المقصودة، بفعله، ملكه. ثم استدلّ وقال: دليلنا: أنّه ثبت أنّ هذا الشيء قبل التغيير، كان ملكه، فمن ادّعى أنّه أزال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة.
ثم قال «الشيخ»: وروى قتادة عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»1، فالظاهر أنّه بصدد الاحتجاج على أبي حنيفة لا أنّه يستند إلى نفس الرواية.2
وعلى ذلك فالاعتماد على الحديث بعمل الأصحاب أمر غير تام.

المقام الثاني: دلالة الرواية على الضمان

وقبل الخوض في بيان الدلالة نذكر أُموراً:
1. من البعيد أن يتكلّم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذا الحديث، بلا مناسبة ولا سؤال، فقد ورد الحديث في جواب سؤال جهل مورده، فهل مورده الغصب أو السرقة أو الأمانة المأذونة لكن خرجت عن كونها أمانة مأذونة بالتعدّي والتفريط، أو أنّ موردها الأمانة المأذونة الّتي لم يطرأ فيها على العين أي تعدّ

1. الخلاف: 3 / 407، المسألة 20 .
2. يلاحظ: الخلاف: المسألة 22، كتاب الغصب.

صفحه 230
ولا تفريط ومع هذا الاحتمال لايمكن الأخذ بإطلاق الحديث.
2. أنّ الحسن الذي روى الحديث عن سمرة، لمّا أفتى بعدم ضمان العارية، قائلاً: «هو أمينك لا ضمان عليه» حملوا كلامه هذا على نسيانه الحديث، وأنّه لو كان ذاكراً لما قال بعدم ضمانه. ويمكن أن يقال: إنّه ما نسي ولكن حمل الرواية على الوجوب التكليفي لا الوضعي بمعنى الضمان.
3. أنّ أصحاب السنن كلّهم رووا الحديث في باب العارية وهذا قرينة على أنّ مورد الرواية هو العارية، ويؤيّد ذلك ما روى ابن مالك، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «العارية مؤدّاة، والمنحة مردودة» 1
أقول: المراد من المنحة العطية كأرض يعطيها للزرع، وشاة للبن، أو شجرة لأكل الثمرة، ومن القريب أن يكون الحديث ناظراً لمورد العارية والمنحة.
إذا عرفت ذلك فبما أنّ الأصحاب اعتمدوا على الرواية إمّا جدلاً كما هو الحقّ، أو استدلالاً، فلا بأس بتوضيح ألفاظ الرواية.

احتمالات ثلاثة في مفاد الرواية

قوله: «على اليد» خبر مقدّم، وقوله: «ما» مبتدأ مؤخّر، ويكون التقدير: ما أخذت اليد عليها.
وبما أنّ الظرف ظرف مستقر، وقوله: «على اليد» متعلّق بأحد الأفعال العامّة، مثل: ثابت أو: مستقر، فيكون التقدير: على اليد ثابت أو مستقر عليها ما أخذت، فيكون دليلاً على الضمان.

1. سنن ابن ماجة: 2 / 802، الحديث 2399 .

صفحه 231
وأمّا لو قلنا بأنّ المقدّر هو الحفظ والتقدير: على اليد حفظ ما أخذت حتّى تؤدّيه، فليس ببعيد إذا كان مورد الرواية هو العارية على ما ذكرنا من القرائن فيكون دليلاً على الوجوب التكليفي.
وأمّا احتمال تقدير: على اليد يجب رد ما أخذت حتّى تؤدّيه، فغير صحيح إذ يلزم أن تكون الغاية والمغيّى واحداً.
ثم إنّ لفظ اليد تارة يطلق ويراد بها الجارحة، مثل قوله تعالى: (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ )1.
وأُخرى تطلق ويراد بها الشخص القادر، كقوله سبحانه: (فَسُبْحَانَ الذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)2.
وثالثة تطلق وتستعمل بالإرادة الاستعمالية في الجارحة ولكن كناية عن الشخص بما له من الاستيلاء على الشيء، وعندئذ يكون معنى الرواية: ضمان الشخص المستولي لما أخذ ثابت حتّى يفرغ ويخرج عن العهدة. وعندئذ تدلّ الرواية على الضمان.

توجيه كون العين الشخصيّة على عهدة المستولي

فإن قلت: إنّ العين المضمونة موجودة في الخارج، والخارج ظرف لها، فكيف يمكن أن تكون في ذمّة المستولي، فإنّ الذمم موضع الكلّيات لا الأعيان الخارجية.
قلت: هذا ما أوردته على السيد الأُستاذ (رحمه الله) عند دراسته متاجر الشيخ .

1. المائدة: 38 .
2. يس: 83 .

صفحه 232
وحاصل ما أجاب به: هو أنّ المراد من استقراره على اليد هو كونها مسؤولة عن العين لا في ذمّته، وهذا مثل الكفالة فالكفيل مسؤول عن المكفول بأن يحضره كلّما أراد القاضي لا أنّه على ذمّة الكفيل، فمسؤولية المستولي على العين شيء، وكونها في ذمّته شيء آخر، والرواية ناظرة إلى المعنى الأوّل.
فإن قلت أيضاً: إنّ غاية ما يدلّ عليه الحديث كون المستولي مسؤولاً عن العين وعليه ردّها إلى المالك. وأمّا إذا تلفت العين فيجب عليه ردّ المثل أو القيمة، فهذا ما لا يستفاد من الرواية.
قلت:يمكن تقريب ذلك بوجهين:
1. ليس المراد من الاستيلاء هو الاستيلاء الخارجي على العين حتّى يدور مداره، بل الاستيلاء على الشيء كناية عن الاستيلاء على ماليته، فالذي أخذه وإن كان هو العين لكن العين إنّما تكون مطلوبة للناس بما أنّ لها ماليّة، فإذا استولى على شيء له مالية فيجب عليه الخروج عن ذلك التعهّد، والخروج عند العرف عبارة عن ما ذكرنا من ردّ العين عند وجودها وردّ ما يقوم مقامها عند عدمها.
2. أنّ المفهوم من ردِّ العين هو ردّها مهما أمكن، ولكن للردّ مراحل فلو كانت موجودة، فيكون محكوماً بردّها، وإن تلفت فإن كانت مثلية فبمثلها وإن كانت قيمية فبقيمتها، هذا هو المفهوم عرفاً، وكأنّ لردّ العين درجات ومراتب فإن أمكن ردّها بخصوصياتها الشخصية فهو، وإلاّ فبخصوصياتها النوعية إن كانت مثلية، وإلاّ فبماليتها.
فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الرواية (مع قطع النظر عمّا قدّمناه) على أنّ اليد

صفحه 233
سبب لضمان ما وقع تحتها.

تأييد القاعدة بأُمور أُخرى

إنّ القاعدة بلفظها وإن لم تثبت، لكن هناك قرائن تدلّ على صحّة مضمونها، نظير:

1. بناء العقلاء

جرت سيرة العقلاء على ضمان مَن استولى على مال الغير بغير وجه شرعي أو قانوني، سواء أكان من باب السرقة أو الغصب أو عن طريق الجهل بكونه مال الغير، فإذا تلفت العين تحت يده يحكم عليه بالضمان والخروج عن العهدة من دون تردّد ولا ريب.

2. حرمة مال المسلم

إنّ حرمة مال المسلم بل الذمّي من الأحكام القطعية في الشريعة الإسلاميّة، ويكفي في ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجّة الوداع: «فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم»1.
وروى الشيخ في المجالس والأخبار بأسناده عن أبي ذر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في وصية له: قال يا أبا ذر: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه».2

1. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب القصاص، الحديث 3.
2. الوسائل: 8 ، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 9 .

صفحه 234

3. الروايات الواردة في الأُجراء

وردت روايات متضافرة في مورد الغسّال والصباغ والقصّار والصائغ والبيطار والدلاّل بأنّهم إذا أفسدوا متاعاً ضمنوا1.
كما وردت روايات في أبواب مختلفة:
1. مورد الجمّال والحمّال والمُكاري والملاّح على ثبوت الضمان إذا فرّطوا.
2. في مورد المستأجر إذا استأجر دابة إلى مسافة فتجاوزها يضمن .2
3. ما ورد في باب العين المستأجرة في أنّ العين أمانة لا يضمنها المستأجر إلاّ مع التفريط. فكلّ ذلك يدلّ على حرمة مال المسلم، وإن أخذه يضمن تحت شرائط خاصّة، فربّما تتبدّل اليد المأذونة إلى اليد غير المأذونة.
ولعلّ هذا المقدار كاف في إثبات أصل الضمان.

فروع القاعدة

الكلام في المقام في تلف العين وهي في يد المستولي كما إذا سُرقت العين، خرج أمران:
1. إذا أتلفها المستولي، إذ عندئذ يدخل تحت القاعدة الماضية: من أتلف مال الغير فهو له ضامن.
2. إذا تلفت العين بآفة سماوية أو أرضية بحيث لو كانت العين في يد المالك لتلفت .

1. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة.
2. الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب كتاب الإجارة.

صفحه 235
فهذان الأمران خارجان عن مصبّ البحث ومفاد القاعدة. أمّا الأوّل فلما عرفت وأمّا الثاني فستوافيك دراسته عن قريب.
ثم إنّ مقتضى إطلاق الرواية وسائر الروايات عدم الفرق بين العلم والجهل فمَن استولى على مال الغير وتلف بيده بسرقة أو غصب ، فهو ضامن، سواء علم أو جهل، لإطلاق الرواية، ويشهد على ذلك بالخصوص ما رواه الصدوق بإسناده عن علي بن زيد صاحب السابري قال: أوصى إليّ رجل بتركته فأمرني أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك فإذا هي شيء يسير لا يكفي للحج، فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة، فقالوا: تصدّق بها عنه إلى أن قال: فلقيت جعفر بن محمد (عليهما السلام)في الحجّ فقلت له: رجل مات وأوصى إليّ بتركته أن أحجّ بها عنه فنظرت في ذلك فلم يكف للحجّ، فسألت من عندنا من الفقهاء، فقالوا: تصدّق بها، فقال: ما صنعت؟ قلت: تصدّقت بها، قال (عليه السلام): «ضمنت إلاّ أن لا يكون مبلغ ما يحجّ به من مكّة فإن كان لا يبلغ ما يحجّ به من مكّة فليس عليك ضمان، وإن كان يبلغ ما يحجّ به من مكّة فأنت ضامن»1.
سيوافيك أنّ الإمام (عليه السلام)فرض على أبي ولاّد ضمان المنافع المستوفاة في حديث طويل سيوافيك في المستقبل، وهو كان رجلاً جاهلاً بالضمان، فلو ثبت الضمان على الجاهل في المنافع المستوفاة ففي تلف العين بطريق أولى .

حكم التلف بأسباب سماوية

إذا استولى شخص على عين الغير ولكن تلفت بأسباب سماوية

1. الوسائل: 13، الباب 37 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 2.

صفحه 236
كالزلزال والطوفان والعدو الخارجي على نحو لو كانت العين تحت يد المالك نفسه لتعرّضت إلى نفس هذا التلف، فهل المستولي ضامن في هذه الصورة أو لا؟
ربما يقال: إطلاق ظاهر الأدلّة هو ذلك، ولكن القول به مشكل لعدم مدخلية المستولي في التلف أصلاً إذ الفرض أنّ سبب التلف قد عمّ كلّ ما في البلد، نعم مقتضى الاستصحاب لو كان قصور في الدليل الاجتهادي هو الضمان ما لم يدلّ دليل على عدمه، والمفروض عدم دليل صالح قاطع. ولكن مقتضى الاحتياط هو التصالح إذا رضي المالك وإلاّ فيحكم بالضمان والله العالم.

حكم المنافع المستوفاة

إذا استولى على عين لها منفعة قد استوفاها، فهل عليه ردّ قيمتها؟ المشهور هو الضمان، واحتجّ له بوجوه:
1. عموم على اليد ما أخذت، فإنّ عمومها يشمل المنافع المستوفاة أيضاً ، والاستيلاء على العين استيلاء على المنفعة، فتدخل المنفعة في استيلاء المستولي.
وأُورد عليه بأنّ الاستيلاء على المنافع بالاستيلاء على العين لكن دخولها في الحديث ممنوع لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حتّى تؤدّيه» فإنّ المتبادر هو ردّ ما أخذه بعينه وهو ينطبق على العين دون المنفعة، لأنّ المنفعة لا يمكن ردّها بعينها.
2. ما رواه أبو ذر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «وحرمة مال المسلم

صفحه 237
كحرمة دمه» والظاهر من هذه الفقرة هو أنّ مال المسلم محترم، ومعنى الحرمة ردّه بعينه إذا أمكن أو بما ينوب عنه، والقيمة تنوب عن المنفعة.
وأظن أنّ الفقيه في المقام غني عن إقامة الدليل على ضمان المنافع المستوفاة; وذلك:
أوّلاً: وجود السيرة القطعية العقلائية الممضاة عند عامّة الشعوب، وهو أنّ استيفاء مال الغير لا يذهب هدراً وأنّ حرمة المال أمر فطري.
وثانياً: صحيحة أبي ولاّد الحناط في حديث طويل، حاصله: قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجّهت نحو النيل، فلمّا أتيت النيل خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى بغداد فأتبعته وظفرت به وفرغت ممّا بيني وبينه ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فلمّا ذكرت القصّة لأبي عبدالله (عليه السلام)قال الإمام (عليه السلام): «أرى له صاحب البغل عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة، توفّيه إيّاه».1
ومن المعلوم أنّ يد أبي ولاّد كانت يداً ضامنة; لأنّه خالف ما اتّفق مع المالك في عقد الإجارة حيث استأجر البغل للذهاب إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً، ولكنّه لمّا أتاه الخبر بأنّ غريمه توجه إلى النيل سار إلى النيل، وهكذا.
وثالثاً: روايات الأمة المسروقة إذا تبينت السرقة بعد أن أولدها

1. الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1.

صفحه 238
المشتري فقال الإمام(عليه السلام):«إنّه يأخذ الجارية صاحبها ويأخذ الرجل ولدها بقيمتة».1

ضمان المنافع غير المستوفاة

الكلام في المنافع غير المستوفاة يقع تارة في المبيع المقبوض بالعقد الفاسد، وأُخرى في اليد غير المأذونة دون أن يكون في البين عقد، وهذا هو الذي يهمنا في المقام.
ويمكن الاستدلال بوجهين:
1. بناء العقلاء، 2. قاعدة حرمة مال المسلم .
أمّا الأوّل: فنقول: لو غصب إنسان دار الغير ولم ينتفع بها عبر سنين، فهل يمكن القول ببراءة الغاصب من منافع العين المغصوبة؟ حتّى ولو قلنا بعدم الضمان بالمقبوض بالعقد الفاسد، فلا يمكن القول به في المقام، وذلك لأنّ المال المغصوب بالقهر والعدوان عند العقلاء مضمون على الغاصب بجميع خصوصياته وشؤونه ومن جملة الشؤون، المنافع سواء استوفاها أم لم يستوفها، وذلك لأنّ ضمان العين رمز لضمان المنافع وكأنّها تمثّل لها، فكيف يكون ضامناً للعين دون أن يكون ضامناً لمنافعها، وعلى هذا يجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة على المالك بجميع منافعها حتّى الفائتة بغير استيفاء.
وأمّا الثاني أعني: قاعدة حرمة مال المسلم: فيدل عليها ما في وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي ذر: «وحرمة ماله كحرمة دمه»2.

1. الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث3.
2. الوسائل: 8 ، الباب 152 من أبواب العشرة، الحديث 3.

صفحه 239
ونظيره ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجّة الوداع وقال: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»1.
ويمكن الاستئناس على الضمان بقاعدة مَن أتلف، فإنّ الاستيلاء على العين ومنع المالك عن الانتفاع بها، تفريط لمنافعها ويصدق عليه الإتلاف عرفاً.2
وأمّا ضمان المنافع غير المستوفاة في المقبوض بالعقد الفاسد فهو خارج عن محط بحثنا.
ثم إنّ أكثر المباحث المذكورة في قاعدة اليد هي نفسها في قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» ومنها هذه المسألة أي ضمان المنافع غير المستوفاة فتارة يبحث عنها تحت قاعدة «على اليد» الّتي يدور الحكم فيها على مدار الاستيلاء دون العقد، وأُخرى يبحث عنها في قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» الّتي يدور البحث فيها حول المقبوض بالعقد الفاسد، وهكذا البحوث التالية الّتي ستمر عليك فهي مشتركة بين القاعدتين، ولذلك يقع الكلام في أُمور :

الأوّل: ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة

إنّ الشيخ الأنصاري استقصى البحث فيه عند البحث عن قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» غير أنّ هذا البحث مشترك بين القاعدتين فنقول: ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمي، يشتمل على أمرين:

1. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
2. تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر: 96.

صفحه 240
1. ما هو الميزان في كون التالف مثلياً أو قيمياً؟ وهذا بحث صغروي .
2. ضمان المثلي بالمثل وضمان القيمي بالقيمة، وهو بحث كبروي، وقد أطال الشيخ الكلام في الصغرى وأوجزه في الكبرى، ولو أوجز في كليهما لكان أفضل، فلنقدّم البحث في الصغرى، أعني:

ما هو الميزان في كون التالف مثلياً أو قيمياً؟

أقول: إنّ صاحب الجواهر عرّفهما بتعاريف ربّما تناهز العشرة أو تتجاوزها .1
مثلاً: عرّفوا المثلي ما تتساوى قيمة أجزائه، كالحنطة، والقيمي ما لا تتساوى قيمة أجزاء صنف واحد من النوع. ثم عقبوا البحث بالنقض والإبرام في كون التعريف جامعاً أو مانعاً.
أقول: الظاهر أنّ الفقهاء بتعاريفهم تلك أرادوا أن يشرحوا ما هو المرتكز في العرف; لأنّ العرف بفطرته يعرف ما هو المثلي والقيمي ويميّز بينهما بلا حاجة إلى هذه التعاريف، فلو أرجعنا القضاء في ذلك إلى العرف لكان أفضل، فما حكم به العرف أنّه مثلي فيضمن بالمثل، وما حكم به أنّه قيمي فيضمن بالقيمة.
ولصاحب العناوين هنا كلام متين نورده بنصّه، قال: والتحقيق أن يقال: إنّ المثلي والقيمي تحديدهما موكول إلى العرف، فإنّ أهل العرف يعدّون بعض الأشياء ممّا لا تفاوت بين أفرادها ولا يداقّون في أخذ فرد دون فرد، وينسبون كلّ مَن فرّق بين أفراده إلى السفاهة والبلاهة، لاهتمامه فيما لا

1. جواهر الكلام: 37 / 90 .

صفحه 241
يلتفت إليه عند العقلاء.
ويعدّون بعض الأشياء ممّا يصير فيها التفاوت وإن تشابهت في الصورة ولم يتميّز في الحسّ في بادئ النظر، بل عند الأغلب، لكن يعرفون أنّ الممارسين في هذا الشيء أو هذه الصنعة يعرفون أنّ فيه جيداً ورديئاً وإن كان لا يطّلع عليه كلّ ناظر، بل الغالب يتخيّلون التساوي، ولذلك لا يعتنون بمن لم يتفحّص عن ذلك، ويخرجونه عن ربقة الرشد وكمال العقل، وهذان الأمران ممّا يقال لهما المثلي والقيميّ.1

إكمال

الذي يجب التركيز عليه أنّ كثيراً من القيميات صارت في أعصارنا هذه مثليات، فإنّ النهضة الصناعية جعلت كثيراً من القيميات مثلية، مثلاً: كان الحيوان والثوب أمراً قيمياً لقلّة العثور على حيوان يشبه الآخر تماماً كالغنم، وهكذا الثوب الذي كان ينسج بالآلات اليدوية، لكن مصانع النسيج في أيامنا هذه تنتج إلى الأسواق كلّ يوم آلاف الأمتار من القماش كلّ منها مثل للآخر نوعاً أو صنفاً، وكذلك حقول الدواجن فإنّها تنتج الطيور بوزن واحد ومواصفات متشابهة، ونظيرها الأواني المصنوعة، فإنّ الجميع على طراز واحد لا فرق بين فرد وفرد فلو أتلف كأساً من الألمنيوم أو ماعوناً خزفياً، فيمكنه الحصول على مثله.
إلى هنا تمّ الكلام في الصغرى وقد أوجزنا الكلام فيه خلافاً للشيخ، إنّما الكلام في الكبرى، أعني:

1. العناوين: 2 / 526، العنوان69.

صفحه 242

ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة

وهذه القاعدة لم يرد فيها نصّ في الروايات ولكنّها أمر متّفق عليه1، ولكن يمكن اقتناص حكمها من بعض النصوص، وقد استدلّ الشيخ الطوسي على القاعدة بقوله سبحانه: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ والْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)2.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من المماثلة هي المماثلة في جنس الاعتداء فمعنى الآية: اعتدوا عليه بمثل اعتدائه عليكم، فإنّ «ما» في قوله: (بِمِثْلِ مَا)مصدرية غير زمانية، ومعنى الآية: فإن قتلوا، فاقتلوا وإن أتلفوا مالاً فافعلوا مثله، فالآية ترخّص للمسلمين الاعتداء على المشركين اعتداءً مماثلاً لاعتدائهم، حتّى لا يخرجوا عن حدود العدل، وأين هي من الدلالة على ضمان المثلي بالمثلي والقيمي بالقيمة، خصوصاً أنّ الآية تركّز على الفعل دون العين .
والأولى أن يستدلّ بما ذكره المحقّق النائيني بقوله: إنّ مقتضى النبوي أنّ كلّ ما دخل تحت اليد يجب على الغاصب ردّه، فما دامت العين موجودة تدخل بخصوصياتها الشخصية والنوعية والمالية تحت الضمان، وإذا تلفت لابدّ من ردّ عوضها، فإذا لم يتمكّن من ردّ الخصوصية الشخصية تبقى النوعية والمالية في ضمان الشخص.3

1. الخلاف:2/402 و403 بتلخيص.
2. البقرة: 194.
3. منية الطالب: 135 .

صفحه 243
فإن قلت: إنّ لازم ما ذكره المحقّق النائيني دفع المثل في القيمي إذا وجد له مثل اتّفاقاً، كما إذا أتلف عبداً من شخص باعه عبداً موصوفاً بصفات ذلك العبد بعينه، كما مثّل به الشيخ الأنصاري.
قلت: لا بأس بذلك مثلاً لو كان له فرسان توأمان باعهما شخص آخر بعقدين أحدهما فاسد والآخر صحيح، وقد تلف المأخوذ بالعقد الفاسد فيجب عليه دفع الفرس الآخر الذي عنده، كما يجوز للمالك طلبه ورفض القيمة، وذلك لما عرفت من أنّ الثابت في الذمّة هو نفس العين التالفة المضمونة بصفات نوعها وصنفها وشخصها وماليتها، فلو أمكن تدارك هذه الصفات سوى الشخصية كما في الفرض فيجب دفعه كما يجب على الآخر قبضه.
ولكن لمّا كانت المماثلة في المالية في المثلي نادرة جدّاً التي هي المهمّة، يضمن القيمي بالقيمي ولا يعتدّ بالصفات الصنفية والنوعية، ولذلك قالوا: يضمن القيمي بالقيمة.
وعلى ذلك فلا حاجة إلى إطالة الكلام، خصوصاً أنّ كيفية الضمان أمر عقلائي لا تختصّ بدائرة الشرع ولا بالمسلمين، وحكم العقلاء في أبواب الغصب وفي إتلاف الأمين أو المقبوض بعقد فاسد، ضمان المثليات بالمثل .
وبذلك تعرف أنّه لا حاجة إلى الكلام في مسألة أُخرى وهي: لو شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً، إذ الظاهر أنّ الأمر لا ينتهي إلى الشكّ، والعرف يقضي قضاءً قاطعاً من دون تردّد.
وعلى فرض الشكّ فاللازم ردّ المثل لما مرّ من أنّ اللازم ردّ العين بخصوصياتها الشخصية والصنفية والنوعية، فإذا تلفت العين ولم يتمكّن من

صفحه 244
أداء الخصوصيات الشخصية تجب المحافظة على سائر الخصوصيات: الصنفية والنوعية، مضافاً إلى المالية.
أضف إلى ذلك: أنّ ردّ المثل يُعد خروجاً يقينياً عن الاشتغال دون القيمة، فإنّها تشتمل فقط على مالية التالف، دون الخصوصيات النوعية والصنفية .

الأمر الثاني: لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل

لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمنه فله صورتان:
1. إذا كان السبب ارتفاع قيمة المثل، لكثرة الرغبات والطلبات مع كثرة وجوده فصارت قيمة المثل أكثر من قيمة التالف يوم تلفه، فلاشكّ في وجوب شراء المثل وإبراء الذمّة، مضافاً إلى أنّه لو أراد دفع القيمة يجب عليه أداء قيمة يوم الأداء، كما سيأتي، وهو لا يفارق عن أداء المثل غاية ونتيجة.
نعم لو كان الغلاء لأجل عزّة وجوده وقلته فلا يوجد إلاّ عند من يبيع بأزيد من قيمة المثل، ففي هذه الصورة يلحق المورد بالمعدوم فينتقل إلى القيمة لعدم شمول إطلاقات الأدلّة لهذا النوع من المثل.
فظهر الفرق بين ارتفاع القيمة مع كثرة وجوده فيضمن المثل، وبين قلّة وجوده إلاّ عند من لا يبيع إلاّ بقيمة غالية لا تتحمّل.

الأمر الثالث: لو تعذّر المثل في المثلي

لو تعذّر المثل في المثلي بمعنى أنّ المثل كان موجوداً فلم يغرمه حتّى فُقد أو كان مفقوداً حين التلف، فلا شكّ أنّه يجب عليه دفع القيمة; لأنّ دفع الخصوصيات النوعية والصنفية والشخصية متعذّر، بل الممكن هو دفع مالية

صفحه 245
التالف، ويتحقّق ذلك بدفع القيمة، إنّما الكلام في تعيين قيمة أي يوم من الأيام، ففيه وجوه:
1. قيمة يوم الاستيلاء.
2. قيمة يوم التلف.
3. قيمة يوم الدفع.
4. أعلى القيم من زمان الاستيلاء إلى زمان الدفع.
والأقوى هو قيمة يوم الدفع، ويدلّ على ذلك أنّ القابض بالاستيلاء على مال الغير صار مسؤولاً بالنسبة إلى ما تحت يده، وبعبارة أُخرى مسؤول عن العين (لا عن مثلها ولا عن قيمتها) إلى يوم الدفع، كما هو ظاهر قوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤديه» أو ما هو بمضمونه، وإنّما يحصل الانقلاب لأجل الإعواز بالتراضي بالعوض، فتقوّم العين على فرض وجودها وتدفع قيمتها إلى البائع، وهذا عبارة أُخرى عن ضمان قيمة المثل يوم الدفع .
وإن شئت قلت: إنّ المستولي مسؤول عن العين إلى آخر يوم التراضي وليس مسؤولاً عن القيمة، وإنّما يحصل الانقلاب بالتراضي يوم الدفع، فيجب المنقلب إليه وهو قيمة يوم الدفع، وبذلك يعلم حال سائر الاحتمالات وضعفها، لأنّ أكثرها مبنيّ على انقلاب المثلي إلى القيمة يوم الإعواز أو يوم التلف، وقد عرفت أنّ المسؤولية بالنسبة إلى العين باقية إلى يوم التلف، ولا أثر لارتفاع القيمة أو نزولها بين التلف والأداء .
فلو تمكّن من المثل بعد دفع قيمته فهل يعود المثل إلى ذمته أو لا؟ الأقوى هو الثاني فإنّ الاتّفاق على أخذ القيمة مكان المثل نوع تعاهد من الطرفين على الإبراء مطلقاً، سواء وجد المثل بعدُ أم لم يوجد، وليس دفع

صفحه 246
القيمة كبدل الحيلولة إلى أن يتمكّن من ردّ العين; لأنّ القرينة هناك دالّة على أنّ المصالحة مؤقتة، خلاف المقام.
***

لو كان التالف قيمياً

وبما ذكرنا يظهر حكم ما لو كان التالف قيمياً، وفرضنا اختلاف قيمة التالف من يوم الاستيلاء إلى يوم الدفع، فاللازم دفع قيمة يوم الدفع بنفس البيان السابق في المثلي.

توضيحه:

إنّ مقتضى القاعدة كما في المثلي المتعذّر مثله، هو تعيّن يوم الأداء، وذلك لما عرفت من أنّ المرتكز في الأذهان أنّ المشتري ضامن للعين فهو مسؤول بالنسبة إليها ومتعهّد بها إلى اليوم الّذي يتّفق فيه الطرفان على كيفية الخروج بدفع القيمة وهو يوم الأداء، ففي هذه الصورة لا يجد البائع مناصاً من أن يغض النظر عن الصفات النوعية والصنفية والشخصية ويقتصر على المالية، وعندئذ يحصل التراضي بحلول القيمة محلّ العين، وتدارك الخسارة المالية بالقيمة، فمقتضى كون العين بماليتها على عهدة المشتري تعيّن قيمة يوم الأداء.
ثمّ إنّي بعد ما ذكرت ذلك وقفت على كلام للسيد الأُستاذ(قدس سره) لا في المقام حيث يستدلّ على أنّ الملاك يوم الأداء بقوله:
إنّ العين في المضمونات على العهدة، إمّا بشخصيتها، أو بمطلق خصوصياتها، أو بخصوصياتها الدخيلة في الغرامات، أو قلنا بأنّ المثل على

صفحه 247
العهدة حتّى في القيميات، لما قلنا بأنّ العهدة إذا اشتغلت بالعين أو المثل لابدّ من الخروج عنها وهو بأداء قيمة يوم الأداء، فإنّها نحو أداء لهما، وأمّا أداء قيمة الأيام السالفة أو المستقبلة فلا يُعدّ أداءً إذا نقصت القيمة عن يوم الأداء، وأداءً وزيادةً إذا زادت.1
وقد سبقه إلى اختيار تلك النظرية فقيه عصره السيد الطباطبائي في تعليقته على المتاجر وقال: إنّ نفس العين باقية في الذمة والعهدة، وبحسب الخروج عن عهدتها، لكن لما لم يكن ردّ نفسها، وجب دفع عوضها وبدلها فهي بنفسها باقية في العهدة إلى حين الأداء، وإعطاء البدل إنّما هو من باب الوفاء، كما إذا كان له عليه منّ من الحنطة ولم يمكنه أداؤه فإنّ الذمّة مشغولة بالحنطة حتّى حين التعذّر، ودفع البدل من باب الوفاء بغير الجنس ولا ينتقل إلى البدل من حين التعذّر.2
هذا هو مقتضى القاعدة الأوّلية، فإن دلّ شيء على خلافه نأخذ به وإلاّ فهو المحكّم.
وأمّا ما هو مفاد صحيحة أبي ولاّد، فقد أوضحنا حالها في كتابنا أحكام البيع.3
2. كلّ ما ذكرناه كان راجعاً إلى المغصوب أو المقبوض بدون إذن المالك تحت يد واحدة، وأمّا لو تعاقبت الأيدي الغاصبة أو غير المأذونة على مال الغير، فلاشكّ في أنّ كلّ واحدة من تلك الأيدي تضمن المال الذي وقع

1. كتاب البيع:1/593.
2. تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:96.
3. لاحظ: أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء:1/328ـ 336.

صفحه 248
تحت سيطرتها، إنّما الكلام في أنّ المالك يرجع إلى أي منهم؟ وهذا هو البحث المعروف بتوارد الأيدي، وبما انا استوفينا الكلام فيهما في كتابنا: «أحكام البيع في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء» فنحيل القارئ الكريم إلى الجزء الأوّل منه.
***
تمّ الكلام في قاعدة
على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي

صفحه 249
قاعدة الأمين غير ضامن إلاّ بالتعدي أو التفريط   
القواعد الفقهية
         15

قاعدة

الأمين غير ضامن

إلاّ بالتعدّي أو التفريط

أُمور تمهيدية:
1. العنوان المذكور قاعدة واحدة لا قاعدتان، كما يظهر من صاحب العناوين.
2. أنّ الأمين غير المستأمن ويختلف حكمهما في بعض الموارد.
3. الكلام في مورد الأمين والمستأمن يقع تارة في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الإثبات.
عدم ضمان الأمين ثبوتاً وعدمه إثباتاً عند الاختلاف .
عدم ضمان المستأمن ثبوتاً والاستدلال عليه بوجوه .
حكم المستأمن إثباتاً عند الاختلاف .
دراسة الروايات النافية للضمان والمثبتة له .
هل يجوز اشتراط الضمان على المستأمن والاستدلال عليه بوجوه.
أدلّة القائلين بفساد الشرط
دراسة موارد انتقاض القاعدة.

أُمور تمهيدية

وقبل الورود في صلب الموضوع نذكر أُموراً تمهيدية:

صفحه 250

1. العنوان المذكور قاعدة واحدة لا قاعدتان

الظاهر أنّ ما جاء في العنوان قاعدة واحدة لا قاعدتان، فالبحث عن المستثنى والمستثنى منه مرّة واحدة، دليل على وحدتهما، إلاّ أنّ السيد المراغي جعلهما قاعدتين، ففي العنوان برقم 65 قال: من جملة أسباب إسقاط الضمان قاعدة الاستئمان. وفي العنوان برقم 60 قال: من جملة أسباب الضمان التعدّي والتفريط، ذكرهما الفقهاء في الأمانات المالكية والشرعية.1

2. الأمين غير المستأمن

إنّ الأمين غير المستأمن; فالأوّل عبارة عمّن ليس له نفع في قبض مال الغير وإنّما قبضه إحساناً وخدمة للمالك، كالودعي وكآخذ اللقطة لأجل إيصالها إلى مالكها، وهكذا المأذون شرعاً كالولي والوصي بالنسبة إلى أموال القصّر والغُيّب والمتوفين، فالأمين في هذه الموارد بمعنى الثقة; وأمّا المستأمن فهو عبارة عمّن استولى على مال الغير بإذن منه للانتفاع به، وهذا كيد المستأجر والشريك وعامل المضاربة والمستعير وعامل المزارعة والمساقاة والوكيل لما في يده من مال الموكّل، فإنّ هؤلاء مستأمنون، أي تلقاه المالك أنّهم أُمناء بمعنى أنّهم ليسوا غاصبين ولا خائنين، وفي الوقت نفسه يمكن أن لا يكونوا ثقات بالمعنى الأوّل. فعلى هذا يجب إفراد البحث عن الأمين، عن البحث عن المستأمن.

3. في ضمان الأمين والمستأمن ثبوتاً وإثباتاً

إنّ البحث في المقام أعني: عدم ضمان الأمين أو المستأمن تارة يرجع

1. العناوين: 2 / 447 و483 .

صفحه 251
إلى مقام الثبوت أي هل الأمين والمستأمن في الشرع محكومان بالضمان أو لا؟ وأُخرى في مقام الإثبات بمعنى أنّه لو تلف واتّفقا على عدم التعدّي والتفريط أو اختلفا فيهما فهل يحكم بالضمان أو لا؟ ولذلك يجب إفراد البحث لكلّ من المقامين، فإنّ قسماً من الروايات يرجع إلى مقام الثبوت وقسماً منها يرجع إلى مقام الإثبات، وربّما يتصوّر التعارض بينهما غفلة عن مصبّ الطائفتين.
4. أنّ الأمانة على قسمين: أمانة مالكية، وأمانة شرعية.
أمّا الأوّل: فهي عبارة عمّا إذا كان التسليط بإذن من المالك في إثبات اليد عليه، وهذا كما في المستأجر وعامل المضاربة والمزارعة والمساقاة والمستعير والقصّار والخياط، إلى غير ذلك، فالمال عند هؤلاء أمانة مالكية.
وأمّا الثاني: فهو عبارة عمّا إذا كان التسليط بإذن من الشارع في إثبات اليد عليه بدون اطّلاع المالك، كيد الملتقط ويد الأولياء على أموال المولّى عليهم من حاكم أو وصي أو أب أو جد أو أمين لأحدهم، فإنّه استئمان من الشرع، وهكذا يد المالك على الزكاة والخمس، واليد على مجهول المالك، والمال المأخوذ من يد سارق أو غاصب من دون اطّلاع على مالك المال.
وعلى هذا فالاستئمان أمر جامع بينهما وهو مَن استولى على مال الغير مأذوناً أمّا من المالك أو من الشارع .
5. قد أطنب غير واحد الكلام في معنى التعدّي والتفريط مع أنّه لم يرد في النص شيءٌ من العنوانين، فلو قلنا بعدم ضمان الأمين أو المستأمن فإنّما نقول في الحدود الّتي أذن له، وأمّا إذا خرج عن حدّ المأذون بأي نحو كان فيكون ضامناً لأنّه تصرّف في مال الغير بلا إذنه، كما في صحيحة أبي ولاّد لمّا

صفحه 252
اكترى بغلاً إلى مكان معيّن ولكنّه تجاوز عمّا اتّفق مع صاحب البغل، فعندئذ سأل الإمام(عليه السلام) بقوله: قلت: جعلت فداك قد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ فقال: لا لأنّك غاصب، قال: فقلت له: أرأيت لو عطب البغل ونفق، أليس كان يلزمني؟ قال: نعم (يلزمك) قيمة بغل يوم خالفته .1 فقد حكم الإمام (عليه السلام)بضمان أبي ولاّد مع أنّه كان مستأمناً ومستأجراً لكن لمّا خرج عن حدّ المأذون وركب البغل إلى غير الموضع الذي أكتراه حكم الإمام بالضمان.
إذا عرفت ذلك فلنبحث في موضعين:

الموضع الأوّل: عدم ضمان الأمين ثبوتاً

وأُريد من مقام الثبوت: هو ضمان الأمين عند الاستيلاء على العين في الواقع وعدمه.
قد عرفت أنّ الأمين هنا بهذا العنوان بمعنى الثقة مضافاً إلى عدم وجود نفع له في الاستيلاء على مال الغير، وأوضح الأمثلة هو المودع أو الملتقط وبعدهما الوصيّ والجدّ ووكيلهما، فقد اتّفق الفقهاء على عدم ضمانهم; وذلك لأنّ تضمين هؤلاء في هذه الصورة يستقبح عقلاً وعرفاً، ولعلّ قوله سبحانه: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل)2 ناظر إلى هذه الموارد.
وبعبارة أُخرى: أنّ هنا فرقاً بين الأمانة بصفة كونها مجرّدة عن أي نفع، وبين الأمانة المختلطة كما لو كان الدفع لمصلحة الطرفين، مثل الأيدي المستأجرة ومالك المضاربة ونظائرها حتّى العارية، فالتضمين في القسم

1. الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1 .
2. التوبة: 91 .

صفحه 253
الأوّل قبيح عقلاً، فيُلام من حاول تضمين الأمين.
وسبب وضوح الحكم في هذا القسم من الأمانة هو ما دلّت الروايات عليه، نظير:
1. ما رواه البيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن استودع وديعة فلا ضمان عليه».1
2. ما رواه محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ فقال: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها فهو لها ضامن حتّى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان لأنّه قد خرجت من يده، وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامناً لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، فإن لم يجد فليس عليه ضمان»2 .
ترى أنّ الإمام يحكم بعدم ضمان صاحب الزكاة أو الوصي إذا لم يجدا من يكون مستحقّاً لها فضاعت، دون ما إذا وجدا مستحقّاً وتساهلا، فيحكم عليهما بالضمان، ومن المعلوم أنّ صاحب الزكاة وهكذا الوصيّ من مقولة الأمانة المجرّدة عن الانتفاع.

في حكم ضمان الأمين إثباتاً

إلى هنا تبيّن أنّ الأمين الذي كانت أمانته مجرّدة عن النفع لا يضمن ثبوتاً، وأمّا إثباتاً فله صورتان:

1. سنن البيهقي: 6 / 289 .
2. الوسائل: 7، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1، ولاحظ الحديث 2.

صفحه 254
الأُولى: ما إذا اتّفقا على أنّ التلف كان بسبب خارج عن اختيار الأمين، فيحكم بعدم الضمان تبعية مقام الإثبات لمقام الثبوت.
الثانية: ما إذا اختلفا فادّعى صاحب المال تعدّي الأمين أو تفريطه وأنكره الأمين، فلو كان للمدّعي البيّنة فهو وإلاّ تعيّن الحلف; لأنّ فصل القضاء إمّا باليمين أو بالبيّنة.وما اشتهر في الكتب وألسن المحصّلين من أنّه «ليس على الأمين إلاّ اليمين» فمورده هنا دون المستأمن، بل يحكم عليه بالضمان عند الاختلاف إلاّ في بعض الصور كما سيوافيك.
***

الموضع الثاني: في المستأمن

قد تقدّم أنّه عبارة عمّن استولى على مال الغير لمصلحته كالمستعير أو لمصلحة الطرفين كالعين المستأجرة، والمضاربة، فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ضمان المستأمن ثبوتاً

وأُريد من مقام الثبوت هو أنّ استيلاء المستأمن على مال الغير موجب للضمان مع قطع النظر عن التلف، أو لا، والظاهر هو الثاني; لأنّ وصف اليد عند الاستيلاء بالضمان فرع أحد أمرين:
أ. كون اليد، يداً عادية لقوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» فإن قلنا بأنّ مورد الحديث هو اليد العادية أعني: يد الغاصب فالموضوع غير منطبق على المورد، وإن قلنا بأنّ اليد في الرواية أعمّ من العادية فيعمّ غير المأذونة من قبل المالك أو من قبل الله تعالى، والمفروض أنّ المستأمن مأذون من قبل الطرفين.

صفحه 255
ب. التغرير فإنّ المغرور يرجع على الغار، والمفروض عدم التغرير في المقام، مضافاً إلى الروايات الخاصّة في غير واحد من الأبواب، وسوف نذكر من كلّ باب رواية واحدة:
1. ما ورد في أبواب العارية; مثل ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنها إلاّ أن يكون اشترط عليه »1.
2. ما ورد في باب الرهن; مثل ما رواه أبان بن عثمان، عمّن أخبره، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «في الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع في حقّه على الراهن فأخذه.. الخ»2.
3. ما ورد في باب المضاربة; مثل ما رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من أتجر مالاً واشترط نصف الربح، ليس عليه ضمان ».3
4. ما ورد في أبواب التجارة; مثل ما رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام)في حديث: ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة»4.
5. ما ورد في عدم ضمان الأجير; مثل ما روى علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه (يعني أبا الحسن (عليه السلام)): رجل أمر رجلاً يشتري له متاعاً أو غير ذلك، فاشتراه فسرق منه، أو قطع عليه الطريق، من مال مَنْ ذهب المتاع، من

1. الوسائل: 16، الباب 4 من أبواب الوديعة، الحديث 7 .
2. الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب كتاب الرهن، الحديث 7 .
3. الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث 2.
4. الوسائل: 13، الباب 32 من أبواب الإجارة، الحديث 1.

صفحه 256
مال الآمر أو من مال المأمور؟ فكتب (عليه السلام): «من مال الآمر»1.
6. ما دلّ على الضمان عند الاشتراط; مثل ما رواه محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لا يركب بحراً ولا ينزل وادياً، فإن فعلتم فأنتم له ضامنون، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأجاز شرطه عليهم».2
والحديث يدلّ على أنّ طبع العمل يقتضي عدم الضمان إلاّإذا اشترط عليه.
7. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «في الرجل يعطي المال فيقول له: إيت أرض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها، فإن تجاوزها وهلك المال فهو له ضامن ».3
والرواية تدلّ على عدم الضمان إلاّ عند التعدّي والتجاوز.
8 . ما رواه أبان بن عثمان، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: وسألته عن الذي يستبضع المال فيهلك أو يُسرق، أعلى صاحبه ضمان؟ فقال: «ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً »4.
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في أبواب مختلفة، فالكلّ يدلّ على أنّ المؤتمن بما هو هو، غير ضامن للطوارئ الخارجة عن اختياره. فمصبّ هذه الروايات هو الثبوت.
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في المقام الثاني.

1. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 15 .
2. الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 12.
3. الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 2 .
4. الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث 5.

صفحه 257

المقام الثاني: حكم الموضوع إثباتاً

أقول: إنّ هاهنا صورتان:
الأُولى: إذا اتّفقا على أنّ التلف بسبب خارج عن الاختيار، فالحكم عدم الضمان لتبعية مقام الإثبات للثبوت، مضافاً إلى ما ورد في الثوب المضاع في الحمّام.
1. روى غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)أُتي بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمّنه وقال: إنّما هو أمين».1
2. روى إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام): «أنّ عليّاً كان يقول: لا ضمان على صاحب الحمّام فيما ذهب به من الثياب لأنّه أخذ الجعل على الحمّام ولم يأخذ على الثياب».2
الثانية: إذا اختلف صاحب المال مع المؤتمن، فاتّهمه بالتعدّي أو التفريط، فهل يضمن أو لا؟
أقول: إنّ الروايات في المقام على طوائف:
الطائفة الأُولى: ما يدلّ على أنّه ليس لصاحب المال اتّهام المؤتمن، منها:
1. ما رواه عبدالله بن جعفر، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ليس لك أن تأتمن من خانك ولا تتهم من إئتمنت».3

1. الوسائل:13، الباب28 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث1.
2. الوسائل:13، الباب28 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث3.
3. الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث 9 .

صفحه 258
فإنّ ظاهر الرواية أنّه كان هناك مظنّة نزاع بين المؤتمن وصاحب المال فالإمام (عليه السلام)نهى عن اتّهام المؤتمن.
2. ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل استأجر ظئراً فدفع إليها ولده، فغابت بالولد سنين، ثم جاءت بالولد وزعمت أنّها لا تعرفه، وزعم أهلها أنّهم لا يعرفونه، قال (عليه السلام): «ليس لهم ذلك فليقبلوه إنّما الظئر مأمونة»1.

الطائفة الثانية: ما دلّ على التفصيل بين إقامة البيّنة وعدمها

1. ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن قصّار دفعت إليه ثوباً فزعم أنّه سُرق من بين متاعه، قال: «فعليه أن يقيم البيّنة أنّه سُرق من بين متاعه، وليس عليه شيء، فإن سُرق متاعه كلّه فليس عليه شيء».2
أمّا التفريق بين ذهاب خصوص مال السائل فلم يقبل قول القصّار إلاّ مع البيّنة، وبين ذهاب المال كلّه فيقبل قوله بلا بيّنة، فوجهه أنّ القرينة قائمة على صدق قول المدّعي في الصورة الثانية دون الأُولى.
2. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حمّال يحمل معه الزيت، فيقول: قد ذهب أو أُهرق أو قطع عليه الطريق، «فإن جاء ببيّنة عادلة أنّه قطع عليه، أو ذهب، فليس عليه شيء، وإلاّ ضمن»3.
3. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سئل عن رجل جمّال استكري منه إبلاً، وبعث معه بزيت إلى أرض فزعم أنّ بعض زقاق الزيت انخرق

1. الوسائل: 19، الباب 29 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.
2. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 5.
3. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 16.

صفحه 259
فاهراق ما فيه؟ فقال: «إن شاء أخذ الزيت وقال: إنّه انخرق، ولكنّه لا يصدّق إلاّ ببيّنة عادلة»1.
4. ما رواه علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن رجل استأجر دابّة فوقعت في بئر فانكسرت، ما عليه؟ قال: «هو ضامن إن كان لم يستوثق منها، فإن أقام البيّنة أنّه ربطها فاستوثق منها، فليس عليه شيء».2
يلاحظ على هذه الروايات: أنّها محمولة على ما دلّت القرائن على كذب قول الطرف، فصارت مظنّة الخيانة، فلا بأس بالقول بالضمان، والشاهد على ذلك أنّه بعدما يحكم أمير المؤمنين (عليه السلام)بضمان الأجير المشارك يستثني طوائف: إلاّ من سبع أو من غرق أو حرق أو لص مكابر،3 لأنّ مظنّة الإتلاف منتفية في المستثنى.

الطائفة الثالثة: ما يفصّل بين كون الأجير ثقة أو لا؟

وهي كثيرة نذكر منها:
ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الحمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه؟ قال: «إن كان مأموناً فليس عليه شيء، وإن كان غير مأمون فهو له ضامن »4.

1. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1.
2. الوسائل: 13، الباب 32 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 4.
3. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 4 .
4. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 7، وبهذا المضمون لاحظ: الأحاديث 3، و12 من الباب 30، ولاحظ الحديث 3 من الباب 32، ولاحظ الحديث 3 من الباب4.

صفحه 260
وهذه الروايات محمولة على ما في القسم الثاني من وجود أمارات تدلّ على عدم التعدّي والتفريط، ولذلك فرّق بين المأمون وغير المأمون .

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على ضمانه إلاّ إذا حلف

ويدلّ على ذلك ما رواه بكر بن حبيب قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أعطيت جبّة إلى القصّار فذهبت بزعمه؟ قال: «إن اتّهمته فاستحلفه، وإن لم تتّهمه ليس عليه شيء».1
وحصيلة الكلام في هذه الروايات ما يلي:
1. ما يدلّ على عدم الضمان مطلقاً.
2. ما يدلّ على الضمان إلاّ إذا أقام البيّنة على عدم التعدّي والتفريط.
3. ما يدلّ على الضمان إلاّ إذا كان الأجير ثقة أميناً.
4. ما يدلّ على الضمان إلاّ إذا استحلفه وحلف على عدم التعدّي والتفريط.
الإمعان في هذه الطوائف يثبت بأنّ الأصل في مقام الترافع هو الضمان وأنّه لا يمكن الاعتماد على قول الأجير إلاّ أن تكون هنا قرينة تعطي الاطمئنان، نظير:
1. سرقة أموال الأجير والموجر، إذ هو قرينة على صدق قوله .
2. إذا شهدت البيّنة على أنّ التلف لم يكن مستنداً إلى عمل الأجير.
3. إذا كان الأجير ثقة وأميناً، قلّما يتفق أن يكذب.

1. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 6; ولاحظ الحديث 6 من الباب 30.

صفحه 261
4. إذا حلف على عدم التعدّي.
وعلى هذا فتقيّد الطائفة الأُولى بما ورد في هذه الروايات من التفصيل.
بقي هنا شيءٌ وهو أنّ ما ذكرنا في مقام الثبوت والإثبات فيما إذا لم يثبت تفريط العامل أو الأجير أو المستأجر، وإلاّ فيحكم بالضمان وتدلّ على ذلك الروايات التالية:
1. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سئل عن القصّار يفسد؟ فقال: «كلّ أجير يُعطى الأُجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن»1.
2. ما رواه إسماعيل بن أبي الصباح عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الثوب ادفعه إلى القصّار فيحرقه؟ قال: «أغرمه، فإنّك إنّما دفعته إليه ليصلحه ولم تدفع إليه ليفسده».2
3. روى السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:«أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)رفع إليه رجل استأجر رجلاً يصلح بابه، فضرب المسمار فانصدع الباب، فضمّنه أمير المؤمنين (عليه السلام)».3
4. روى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يُعطي الثوب ليصبغه فيفسده، فقال: «كلّ عامل أعطيته أجراً على أن يصلح فأفسد فهو ضامن»4.
***

1. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1.
2. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب التجارة، الحديث 8 .
3. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 10.
4. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 19 .

صفحه 262

هل يجوز اشتراط الضمان على الأمين والمستأمن؟

قد عرفت أنّ الحكم الثبوتي هو عدم الضمان إذا اتّفقا على عدم التعدّي والتفريط من جانب الأجير، وعندئذ يقع الكلام: هل يجوز شرط الضمان على الأجير والحال هذه حتّى يضمن إذا سرق أو غرق، ونحو ذلك، أو لا؟
قال السيد الطباطبائي: العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة فلا يضمن تلفها أو تعيّبها إلاّ بالتعدّي أو التفريط، ولو شرط المؤجر ضمانها على المستأجر بدونهما، فالمشهور عدم الصحّة لكن الأقوى الصحّة وأولى بالصحّة إذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من مال على تقدير التلف أو التعيب لا بعنوان الضمان.1
وجه كونه أولى لأنّه لا يشترط عليه الضمان حتى يشتغل بما سيوافيك، وإنّما يشترط عليه عملاً كإعطاء مقدار مخصوص نظير إذا اشترط عليه خياطة قميص.
أقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: اشتراط الضمان على الأمين أي من له صفة الأمانة مجرّدة عن أي نفع، فالظاهر عدم صحّته، لوضوح كونه منافياً لمقتضى العقد عرفاً على نحو يعدّ الاشتراط أمراً قبيحاً يلام المشترط على رؤوس الأشهاد .
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا شرط في الوديعة أن تكون مضمونة، كان الشرط باطلاً، ولا تكون مضمونة بالشرط، وبه قال جميع الفقهاء إلاّ عبيد الله ابن الحسن العنبري فإنه قال: تكون مضمونة. دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع

1. العروة الوثقى:5/61، كتاب الإجارة.

صفحه 263
الأُمّة; لأنّ خلاف العنبري قد انقرض، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ليس على المستودع ضمان» ولم يفصّل 1.
الثاني: اشتراط الضمان على المستأمن: أي تلقّاه أميناً حسب فعله
وإن لم تثبت أمانته واقعاً، وهذا هو محلّ البحث كالمستأجر والمستعير وغيرهما فقد نسب إلى المشهور فساد الشرط، وذهب السيد المرتضى (2) والأردبيلي 2، وصاحب الرياض 3 إلى الصحّة، ويكفي في القول بها، عموم أدلّة نفوذ الشروط من قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم»، وكأنّه ملازمة بين الإيمان والعمل بالشروط، لكن بشرط أن لا يكون في المقام مانع عن نفوذه، ولذلك تجب علينا دراسة أدلّة القائلين بالفساد.

أدلّة القائلين بفساد الشرط

استدلّ القائلون بالفساد بوجوه أربعة:

1. التضمين مخالف للإطلاقات

الإطلاقات المتضافرة الدالّة على أنّه ليس على المؤتمن ضمان، وقد مرّت الروايات عند دراسة ضمان المؤتمن في مقام الثبوت فلاحظ.
والجواب واضح، لأنّها ناظرة إلى بيان طبع العقد، وأنّه لا يقتضي الضمان بخلاف البيع، لا أنّه يقتضي عدم الضمان .
وبعبارة أُخرى: إنّ عقد الإجارة بما هو هو لايقتضي ضمان العين

1. الخلاف: 4 / 171، المسألة 2.   2 . الانتصار: 467 .
2. مجمع الفائدة والبرهان: 10 / 96 .
3. رياض المسائل: 9 / 200 .

صفحه 264
المستأجرة، وأمّا أنّه لا يقتضي الضمان حتّى مع الاشتراط فالروايات منصرفة عنه لتقدّم أحكام العناوين الثانوية (الاشتراط) على العناوين الأوّلية (عقد الإجارة بما هو هو).

2. التضمين مخالف لمقتضى العقد

بما أنّ مقتضى عقد الإجارة عدم الضمان فشرط التضمين مخالف لمقتضى عقدها، وكلّ شرط كذلك فهو فاسد ومفسد.
يلاحظ عليه: أنّه مخالف لمقتضى العقد المطلق، لا مقتضى مطلق العقد. توضيحه: أنّه فرق بين الأثر المترتّب على مطلق العقد في عامّة الصور وبين الأثر المترتّب على صورة واحدة وهي ما إذا كان العقد مطلقاً لا مقيّداً.
أمّا الأوّل أي الأثر المترتّب على مطلق العقد في عامّة الحالات، فهذا نظير وجود الثمن في البيع والأُجرة في الإجارة، فمثل هذا لا يمكن شرط عدمه، فلو باع بلا ثمن أو آجر بلا أُجرة فالشرط فاسد والعقد باطل، وذلك لأنّ البيع مبادلة مال بمال والإجارة تسليط المستأجر على العين في مقابل أُجرة، فالبيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة يلازم نفي حقيقتهما، ولذلك لا يصحّ شرط عدمهما.
وأمّا الثاني أعني: الأثر المترتّب على العقد في حالة الإطلاق لا في عامّة الحالات فهذا نظير كون الثمن نقداً، فلو اشترط تأخير الثمن يكون نافذاً، إذ ليس فيه شيء ينافي ماهية البيع وإنّما ينافي إطلاقه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المقام من قبيل القسم الثاني فإنّ عقد الإجارة لا يقتضي ضمان المستأجر العين، لأنّ الضمان رهن أحد أُمور ثلاثة:

صفحه 265
1. كون الاستيلاء عدوانياً.
2. كون المستأجر غارّاً.
3. كونه متلفاً.
والمفروض انتفاء كلّ ذلك، وأمّا أنّه يقتضي عدم الضمان فلا ولذلك يصحّ تضمينه، ولا يُعد اشتراط الضمان نفياً لماهية الإجارة.

3. شرط التضمين كشرط النتيجة

كلّ أمر شرعي له سبب خاص، يجب على الإنسان أن يسلك طريقه وذلك كالنكاح والطلاق، فإنّ الشارع جعل لكلّ سبباً خاصّاً; مثلاً قال في الطلاق: إنّما الطلاق أن يقول الزوج: أنت طالق، ومثله باب الوقف، فإن جعل شيء موقوفاً يحتاج إلى سبب خاص، فمثل هذه الأُمور لا تتحقّق بالشرط في ضمن عقد، فلو شرط في ضمن البيع والإجارة كون الزوجة مطلّقة أو كون ماله وقفاً يكون الشرط فاسداً، والتضمين من هذا القبيل يحتاج إلى سبب خاص لا يتحقّق بالشرط.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الكبرى أمر مسلّم وهو أنّ كلّ مجعول شرعي أو عقلائي رهن سبب خاصّ، لا يتحقّق بالشرط كما مثّل، وأمّا كون الضمان على عهدة المستأجر من مصاديق هذه الكبرى، فليس بواضح، ويشهد على ذلك صحّة الاشتراط في العارية، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلاّ أن يكون قد اشترط عليه».1

1. الوسائل:13، الباب 1 من أبواب كتاب العارية، الحديث1.

صفحه 266
ثمّ كيف لا يصحّ ضمان العين بالاشتراط مع أنّ الضمان ليس بأصعب من الميراث وقد دلّت الروايات على توريث المتمتع بها عند الاشتراط; روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)قال: «تزويج المتعة نكاح بميراث، ونكاح بغير ميراث، إن اشترطت كان، وإن لم تشترط لم يكن».1

4. «المؤمنون عند شروطهم» ليس بمشرّع

وهنا دليل رابع ذكره السيد الخوئي(رحمه الله) وحاصل كلامه: أنّ قول الرسول(صلى الله عليه وآله): «المؤمنون عند شروطهم» ليس مشرّعاً، وإنّما يلزم العمل بالشرط إذا ثبتت مشروعيته من ذي قبل، وإلاّ فالحكم لا يثبت موضوعه.
هذا حاصل كلامه وإليك نصّه، قال: إنّ الشرط الصحيح يرجع إلى أحد أمرين: إمّا تعليق الالتزام بالعقد بتحقّق وصف أو أمر خارجي كمكاتبة العبد، والمقام ليس من هذا القبيل، أو تعليق أصل العقد على الالتزام بشيء، فيجب الوفاء به بمقتضى عموم «المؤمنون» وعليه فيعتبر في مورد الشرط أن يكون شيئاً قابلاً لتعلّق الالتزام به بأن يكون داخلاً تحت قدرة المشروط عليه واختياره، ومن الواضح أنّ الضمان الذي معناه: كون التلف في عهدة الشخص وكون الذمّة مشغولة بمثل التالف أو قيمته، حكم شرعي أو عقلائي مجعول بأسباب خاصّة ولا يكاد يتحقّق بجعل الشارط ولا بالتزام المشروط عليه لخروجه عن اختيار المتعاقدين... إلى أن قال: إنّ ما هو خارج عن اختيار المشروط عليه راجع إلى الشارع والمقنّن كالمجعولات الشرعية الّتي منها الضمان فليس للشارط تغيير القانون وتبديله ولا يكاد يشمله عموم

1. الوسائل:14، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث1.

صفحه 267
«المؤمنون» بوجه لعدم كون الشرط مشرِّعاً ولا موجداً لحكم لم يكن مشروعاً في حدّ نفسه 1.
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ التضمين من الأُمور الاعتبارية التي يعتبرها العقلاء في موارد خاصّة ويكفي في صحّتها شرعاً، عدم ردعها في الشرع كسائر العقود والإيقاعات، والمفروض عدم ورود المنع، فيصحّ التمسّك في لزومه شرعاً بالنبوي.
ولذلك نرى أنّ الفقهاء يتمسّكون به إذا لم يكن الشرط مخالفاً للكتاب والسنّة من دون أن يتبادر إلى أذهانهم عدم كون النبوي مشرّعاً .
وثانياً: يمكن للعاقد المشترط أن يعبّر عن هذا الشرط بإنشاء الضمان ويقول: آجرتك هذه الدابة وأنت ضامن إذا تلفت تحت يدك من غير تعدّ ولا تفريط، وهذا غير ما أشار إليه السيد الطباطبائي اليزدي في مقام التصحيح حيث قال في متن العروة: وأولى بالصحّة إذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيّب لا بعنوان الضمان.

موارد انتقاض القاعدة

قد عرفت عدم ضمان المؤتمن لما قبضه عند التلف بغير تعدّ ولا تفريط، غير أنّ السيد المراغي في عناوينه قال: إنّ القاعدة منقوضة بعدّة موارد، وهو وإن أجاب عنها بوجه غير ناهض لكن نحن ندرس كلّ واحد على وجه الاستقلال:

1. المستند في شرح العروة الوثقى: 30 / 225 ـ 226، موسوعة السيد الخوئي.

صفحه 268
1. حكمهم بضمان المقبوض بالسوم، قال العلاّمة في «التحرير»: المقبوض بالبيع الفاسد مضمون، وكذا المقبوض بالسوم.1
إنّما الكلام في دليل المسألة، فقال السيد المراغي: الدليل قوله: «على اليد ما أخذت» وهو كماترى; لأنّ القدر المتيقّن من الرواية هو الغاصب أو غير المأذون من المالك، والمفروض أنّه مأذون منه.
قال الشيخ في «النهاية»: ومَن اشترى من رجل عبداً وكان عند البائع عبدان، فقال للمبتاع: اذهب بهما فاختر أيّهما شئت وردّ الآخر، و]البائع [قبض المال، فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده، فليرد الذي عنده منهما ويقبض نصف الثمن ممّا أعطى ويذهب في طلب الغلام، فإن وجده اختار حينئذ أيّهما شاء وردّ النصف الذي أخذه، وإن لم يجده كان العبد بينهما نصفين.2
ثمّ إنّ الشيخ استند في كلامه هذا على رواية محمد بن مسلم عن الإمام الباقر(عليه السلام)، قال: سألته عن رجل اشترى من رجل عبداً وكان عنده عبدان، فقال للمشتري: اذهب بهما فأختر أيّهما شئت ورد الآخر، وقد قبض المال، وذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده؟ قال(عليه السلام): «ليردّ الذي عنده منهما، ويقبض نصف الثمن ممّا أعطى من البيع، ويذهب في طلب الغلام، فإن وجده اختار أيهما شاء، وردّ النصف الذي أخذ; وإن لم يوجد كان العبد بينهما، نصفه للبائع ونصفه للمبتاع».3

1. تحرير الأحكام: 4 / 526 .
2. النهاية:411.
3. الوسائل:13، الباب16 من أبواب بيع الحيوان، الحديث1.

صفحه 269
قال ابن إدريس: الرواية مخالفة لأُصول مذهب أصحابنا وفتاويهم وتصانيفهم وإجماعهم; لأنّ المبيع إذا كان مجهولاً كان البيع باطلاً بغير خلاف، وقوله:«يقبض نصف الثمن ويكون العبد الآبق بينهما ويردّ الباقي من العبدين» فيه اضطراب كثير وخلل كبير، إن كان الآبق الذي وقع عليه البيع فمن مال مشتريه والثمن بكماله لبائعه، وإن كان الآبق غير من وقع عليه البيع والباقي]هو [الذي وقع عليه البيع فلأيّ شيء يردّه؟».1
وحاصل إشكاله: أنّ للمسألة ثلاث صور:
الأُولى: إذا كان البيع مجهولاً فالبيع باطل من رأس.
الثانية: إذا كان المبيع هو الآبق فذهب من مال المشتري، فلابدّ أن يرد نصف الثمن إلى البائع.
الثالثة: إذا كان المبيع هو الباقي فالبيع صحيح ولا معنى لأخذ النصف.
أقول: أمّا الرواية ففي سندها ابن أبي حبيب وهو ليس كثير الرواية، ولم يوثّق خصوصاً، نعم روى عنه ابن أبي عمير بسند صحيح في «الوافي»، فلا يمكن الاستناد بمثل هذه الرواية، فثبت أنّ المقبوض بالسوم غير مضمون إذا تلف. خصوصاً أنّ الرواية خارجة عن المقام; لأنّ المفروض أنّ المقبوض بالسوم بعدُ، لم يملكه المشتري بخلاف ظاهر الرواية.
2. حكمهم بالضمان في المقبوض بالعقد الفاسد فإنّهم أجروه مجرى الغصب إلاّ في الإثم إذ كان جاهلاً بالفساد ومع أنّ القابض مأذون من قبل المالك.

1. السرائر:2/350.

صفحه 270
يلاحظ عليه: أنّه خارج عن موضوع الأمانات المالكية لأنّها عبارة عن أن يأذن المالك للقابض في قبض مال المالك الآذن، وأمّا المقبوض بالعقد الفاسد فإنّ المالك أقبض ماله للمشتري باعتبار أنّه ماله وأنّه ملك بالعقد وأنّ العقد صحيح. فأين هو من باب الأمانات؟!
3. صاحب اليد مأذون في الصدقة إذا كان المأخوذ مجهول المالك مع أنّه ضامن.
يلاحظ عليه: أنّه مالم يتصدّق ليس بضامن وإنّما يضمن إذا أتلفه بأن يصدقه عن صاحب المال والضمان في هذه الصورة خارج عن موضع القاعدة.
4. أنّ آكل المال في المخمصة مأذون في الأخذ مع أنّه ضامن.
يلاحظ عليه: أنّه مأذون من باب الأمر بالأخذ بشرط الضمان، ودفع مثل ما أكل عند التمكّن.
وإن شئت قلت: إنّ المورد على خلاف الصدقة فهناك لم يكن ضامناً وإنّما يضمن عند الإتلاف، وأمّا الأكل في المخمصة فالقابض ضامن بالقبض من أوّل الأمر.
5. أنّ كلاًّ من الصائغ والطبيب ونحوهما مأذون في التصرّف في المال مع أنّه ضامن لما تلف في يده عندهم، ونحوهما الملاح والمكاري والأجير.1
يلاحظ عليه: بأنّ البحث مركّز على الضمان في صورة التلف، وهؤلاء

1. العناوين: 2 / 483، العنوان65.

صفحه 271
لم يكتب عليهم الضمان عند التلف وإنّما يضمنون عند الإتلاف، وهو خارج عن محطّ البحث.
ثم إنّ السيد المراغي أجاب عن جميع الإشكالات وقال: إنّ الاستئمان عبارة عن إذن المالك أو الشارع في قبض المال أو التصرّف فيه لمصلحة المالك لا لمصلحة القابض نفسه ولا للمركّب منهما، فهذه الأمثلة ليست كذلك، فإنّها إمّا لمصلحة القابض أو للمركّب منهما.1
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين الأمين والمستأمن، ولو صحّ ما ذكر لاختصّ عدم الضمان بالودعي، مع أنّ الأصحاب عمّموا القاعدة للأجير والوكيل والعامل في المضاربة والساقي في المساقاة، ومن المعلوم أنّ القبض في هذه الموارد لمصلحة القابض أو للمركّب منهما.
***
تمّ الكلام في قاعدة
الأمين غير ضامن إلاّ بالتعدّي أو التفريط

1. العناوين: 2 / 484 .

صفحه 272
قاعدة المغرور يرجع إلى الغار   
القواعد الفقهية
      16

قاعدة

المغرور يرجع إلى الغارّ

الأسباب العامّة للضمان
تفسير مفردات القاعدة
دليل القاعدة:
   1. النبوي الشريف: «المغرور يرجع إلى مَن غرّه»
   2. ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)
   3. بناء العقلاء
مفاد القاعدة
فيما إذا كان الغارّ متعدّداً
لا فرق في الرجوع بين العين والمنافع
تطبيقات القاعدة
ذكر الفقهاء للضمان أسباباً أهمها مايلي:
1. «اليد» للنبوي المشهور :«على اليد ما أخذت حتى تؤدي».
2. «الإتلاف» أعني قولهم :«مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن».
3. «الغرور» وقد أشتهر قولهم :«المغرور يرجع إلى الغارّ».
وللضمان أسباب أُخرى كالأمر بعمل محترم فالآمر ضامن بقيمة العمل، أو الأمر بإلقاء مال إلى البحر لتخفّ الفلك. أو الإقدام بتملّك شيء

صفحه 273
بالعوض لا بالمجانّ، وسيأتي تفصيله في قاعدة «مايضمن»، إلى غير ذلك من الأسباب المذكورة في محلّها، وما نحن بصدد بيانه هو تبيين القاعدة المعروفة :«المغرور يرجع إلى الغارّ» التي لها جذور في الروايات المتضافرة في باب النكاح، إذا كان مقروناً بالتدليس ، وباب شهادة الزور إذا رجع الشاهد بعد الحكم ،و مثّلوا لها بأمثلة نظير:
لو قدّم لك شخص طعاماً لتأكله مجاناً أو دابة لتركبها ،ثم ظهر أنّهما لغيره ،فللمالك أن يرجع إليك بالقيمة أو الأجرة لقاعدة الإتلاف، ولك أن ترجع بما دفعت على من غرّك أو أغراك بأنّه طعامه وقد بذله لك، أو أنّها دابته وقد أحلّ لك ركوبها.
و بعبارة أُخرى: كلّ غرامة وردت على جاهل بالواقع كان منشؤها شخصاً آخر بحيث كان تدليسه سبباً لذلك، فهو ضامن لها.
ثم إنّه يقع الكلام في أُمور:

1. تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مركّبة من أُمور ثلاثة، والمهم منها تفسير لفظة «غرّ».
أمّا اللغة فذُكر في «اللسان»: غرّ يغر غِرّاً وغُرّة وغروراً :خدعه وأطمعه بالباطل1، و المادّة تدلّ على وجود الخدعة في المقام ،و بذلك يعلم أنّ النبوي الوارد في النهي عن بيع الغرر عبارة عن البيع الذي فيه الخدعة والتدليس ولاصلة له بالبيع المجهول ،فمن فسّر الغرر بالضرر والجهل فقد غفل عن معناه الحقيقي.

1. لسان العرب:5/11، مادة «غرر».

صفحه 274

2. دليل القاعدة

قد استدلّ على القاعدة بمايلي:
الدليل الأوّل: النبويّ المعروف: «المغرور يرجع إلى من غرّه»
وقد أرسلوه في الكتب الفقهية إرسال المسلّمات، ولم نعثر على ذكر له في كتب الحديث إلاّ ما ذكره البيهقي في سننه ناقلاً عن الشافعي: أنّهم (أي الإمام علي(عليه السلام) وعمر وابن عباس) قضوا في المغرور يرجع بالمهر على من غرّه.1
وذكره ابن الأثير في «النهاية».(2)
والظاهر أنّ القاعدة مأخوذة من بناء العقلاء حيث إنّ المتضرّر يرجع إلى مَن أوقعه في الضرر إذا كان المتضرّر جاهلاً، وعلى كلّ تقدير ففيما يأتي من الأدلّة غنى وكفاية.
الدليل الثاني: ما روي عن ائمة أهل البيت(عليهم السلام) في مورد النكاح وشهادة الزور
أمّا الأوّل: فإليك نقل المهم منها:
1. صحيحة أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : في رجل تزوّج امرأة من وليّها فوجد بها عيباً بعد ما دخل بها، قال: فقال: «إذا دُلّست العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة فإنّها تردّ على أهلها من غير طلاق، ويأخذ الزوج المهر من وليّها الذي كان دلّسها».2

1. السنن الكبرى: 7 / 219 .   2 . النهاية في الحديث والأثر:3 / 356، مادة «غرر».
2 . الوسائل:14،الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس،الحديث 1.

صفحه 275
العفلاء: المرأة التي يخرج في قبلها شيء يمنع عن وطئها.1 والزمانة: العاهة والآفة، ورجل «زمن» أي مبتلى، بيّن الزمانة كعدم بعض الأعضاء، أو تعطيل القوى. ويقال: زمن الشخص زمناً وزمانة فهو زمن، وهو مرض يدوم زماناً طويلاً.(2)
وقوله: «دلِّست» يُقرأ بصيغة المجهول بشهادة ذيل الحديث:«من وليها الذي كان دلّسها» فهو يدلّ على أنّ المدلّس هو الولي لا الزوجة، والمورد ممّا يفسخ بلا طلاق.
2. معتبرة رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبدلله(عليه السلام) عن البرصاء؟ فقال:«قضى أميرالمؤمنين(عليه السلام) في امرأة زوّجها وليّها وهي برصاء، أنّ لها المهر بما اُسْتحلَّ من فرجها، وأنّ المهر على الذي زوّجها وإنّما صار عليه المهر لأنّه دلّسها».2
و الروايتان كافيتان في المقام; لأنّ قوله في الرواية الأُولى: «كان دلّسها» وفي الثانية: «لأنّه دلّسها» من قبيل التنصيص بالعلّة التي تستفاد منها ضابطة كلّية وأنّ كلّ مورد ينطبق عليه عنوان التدليس وتضرّر به شخص فالضرر يستقرّ على المدلِّس.
3. ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«في كتاب علي (عليه السلام): مَن زوّج امرأة فيها عيب دلّسه ولم يبيّن ذلك لزوجها فإنّه يكون لها الصداق لما استحلّ من فرجها، ويكون الذي ساق الرجل إليها، على الذي زوّجها ولم يبيّن».3

1. مجمع البحرين:5/424، مادة «عفل».   2 . مجمع البحرين:6/260، مادة «زمن».
2 . الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 2.
3 . الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 7.

صفحه 276
أقول: يراد من الموصول الأوّل «الذي ساق الرجل إليها»: المهر، ومن الموصول الثاني «الذي زوجها»: الولي.
4. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إنّما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل» ، قلت: أرأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: المهر لها بما استحل من فرجها ويغرم وليّها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها»1.
وإطلاق الرواية محمول على ما إذا كان هناك تدليس; وذلك لأنّ الولي يعلم قطعاً أنّ الّتي يزوّجها، لها أحد هذه العيوب، ومع ذلك سكت عنها، فالسكوت تدليس في المقام، لأنّ المتزوّج يحمل سكوته على أنّ المورد فاقد لهذه العيوب.
5. ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء أوعرجاء أو برصاء، قال: «ترد على وليّها ويكون لها المهر على وليّها»2.
و الكلام في هذه الرواية كالكلام في سابقتها، وأنّ الإطلاق محمول على التدليس بالبيان السابق.
6. ما ورد في «دعائم الإسلام» عن علي (عليه السلام)أنّه قال: «ترد المرأة من القرن، والجذام، والجنون، و البرص، وإن كان دخل بها فعليه المهر، وإن شاء أمسك وإن شاء فارق، ويرجع بالمهر على من غرّه بها، وإن كانت هي التي

1 . الوسائل14، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 5.
2 . الوسائل14، الباب2 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 6.

صفحه 277
غرّته رجع به عليها، وترك لها أدنى شيء ممّا يستحلّ به الفرج».1
و الرواية لا تخلو من بيان العلّة وأنّ الغرور هو السبب للرجوع .
إلى غير ذلك من الروايات في أبواب العيوب والتدليس من كتاب النكاح، فراجع.2
وأمّا الثاني: أي ما ورد في شهادة الزور، فهي:
7. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام) في شاهد الزور، ما توبته؟ قال: «يؤدّي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله، إن كان النصف أو الثلث إن كان شهد هذا وآخر معه».3
8 . صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبدالله(عليه السلام) في شاهد الزور؟ قال: «إن كان شيء قائماً بعينه رد على صاحبه، وإن لم يكن قائماً ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل».4
9. مرسلة الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله(عليه السلام)في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثم رجع أحدهم بعدما قتل الرجل؟ قال: «إن قال الرابع (الراجع): أُوهمتُ، ضرب الحد وأُغرم الدّية، وإن قال: تعمّدتُ، قتل»5.
ومورد الاستدلال هو قوله: «أُغرم الدية» لأنّه صار سبباً لقتل الرجل.

1. مستدرك الوسائل: 15، الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 6.
2 . لاحظ: الوسائل: 14، الباب 7 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 1 و2.
3 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1.
4 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 2.
5. الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1 .

صفحه 278
10. ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في رجل شهد عليه رجلان بأنّه سرق، فقطعت يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، إنّما شبّهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرما نصف الدية ولم يجز شهادتهما على الآخر».1
والمراد بنصف الدية هو خمسمائة دينار وهي دية اليد الواحدة وهو نصف دية الإنسان الكاملة.
و ربما يردّ الاستدلال بما ورد في شاهد الزور بأنّه خارج عن مورد النزاع وهو ما إذا كان التدليس والتغرير هو السبب الوحيد للضمان، وأمّا في مورد شاهد الزور فضمانه لأجل الإتلاف; و ذلك لأنّ الإتلاف وإن كان بحكم القاضي ومُجري حكمه، لكن السبب هنا أقوى من المباشر، إذ لولا شهادته لما أقدم القاضي على الحكم بالقطع، فعلى هذا فالضمان لأجل الإتلاف وهو ينسب إلى الشاهد لأنّه أقوى من المباشر لأجل التدليس .
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الإتلاف هو الإتلاف المباشري، وشاهد الزور لا يوصف بكونه متلفاً إتلافاً مباشرياً، واستقرار الضمان عليه لغاية تدليسه أو كذبه أو اشتباهه.
و حصيلة الكلام: أنّ الحكم بضمان شاهد الزور لغاية التغرير ولا يصدق عليه كونه متلفاً.

1. الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب كتاب الشهادات. الحديث 1،ولاحظ الحديث 2 و3 أعني ما رواه السكوني عن علي (عليه السلام).

صفحه 279

الدليل الثالث: بناء العقلاء

جرت سيرة العقلاء في عامّة الأعصار على مؤاخذة من غرّ رجلاً، وصار تغريره سبباً لتضرّر الشخص، فيؤخذ الغارّ بجبر ضرر المغرور، ولعلّ الروايات المتقدّمة إمضاء لسيرة العقلاء، والشاهد عليه هو التعليل الوارد فيها.
هذا هو المهم في الباب وأمّا الاستدلال بالإجماع فضعيف جدّاً; وذلك لأنّ المجمعين إنّما صدروا عن بناء العقلاء أو عن الروايات الواردة في باب النكاح وشهادة الزور. نعم من تتبّع أبواب الفقه يجد أنّ القاعدة كانت أمراً مسلّماً بينهم.

3. مفاد القاعدة

إنّ للقاعدة صوراً أربع:
أ. إذا كان الغارّ والمغرور عالمين بالواقع.
ب. إذا كان الغارّ جاهلاً والمغرور عالماً.
ج. إذا كان الغارّ عالماً والمغرور جاهلاً.
د. إذا كان كلّ منهما جاهلاً.
ولا شكّ أنّ الصورتين الأُولتين خارجتان عن مصبّ البحث لعدم صدق التغرير بعد كونهما عالمين بالواقع، فنفترض أنّ الولي يمدح المرأة التي يريد تزويجها ويخفي المرض الذي يوجب الفسخ، وكان الزوج عالماً بحالها من ابتلائها بالبرص وغير ذلك، فلا يقال إنّ الولي غرّر الزوج; والثاني أيضاً مثله، لعدم صدق الغرر كذلك; وأمّا الثالثة فهي المورد المتيقّن للروايات، فالولي مع علمه بما عليه المرأة مثلاً يغرّر ويمدحها بشكل يتصوّر

صفحه 280
الزوج أنّها امرأة حسناء بريئة من العيب، والزوج جاهل.
إنّما الكلام في الصورة الرابعة، أي فيما إذا كانا جاهلين، فهل يصدق أنه غرّه وخدعه أو لا؟ وجهان:
1. من أنّ الخدعة ليست من العناوين القصدية التي تتوقّف على العلم كالقيام للتعظيم والقعود للتحقير، فإذا قام بمدح بنته على نحو سبَّب رغبة الزوج بها مع ما فيها من العيوب التي تسقطها من القيمة، يصدق أنّه غرّه.
2. أنّ الغرر فسّر بالخدعة والحيلة، ومن المعلوم أنّ الإنسان الجاهل غير القاصد لا يقال عنه أنّه احتال وخدع. نعم لا يبعد أن يكون الحكم شاملاً لهذه الصورة، ملاكاً.
إنّ الجاهل بالموضوع وإن لم يكن غارّاً، لكن النتيجة بين صورة الغرور وعدمه واحدة، وهو تضرّر الطرف بفعل الرجل الجاهل.
وإن شئت قلت: إنّ الجهل سبب لرفع الحكم التكليفي أعني: الحرمة والعقاب وأمّا الحكم الوضعي، أي كون الرجل سبباً للخسارة، فهي غير مرفوعة.
ولقد أحسن السيد المراغي في المقام فقال: وأمّا لو كان جاهلاً في الواقع كمن اعتقد أنّه مال نفسه فبذله لغيره فتبيّن أنّه مال الغير فهل يصدق عليه الغارّ أم لا؟ احتمالان، ومثله مالو زعم أنّه مأذون في الدفع، أو اعتقد أنّه وكيل ونحو ذلك من الطرق الرافعة للضمان باعتقاده فبان خطأه. والذي يقوى في النظر حينئذ: أنّ ذلك أيضاً يعدّ غروراً، فإنّ فعله قد غرّ الآخذ الثاني، و إن كان هو أيضاً غير عالم بالواقع، وتغرّره بنفسه لا ينافي كونه غارّاً لغيره، وإن

صفحه 281
كان في الصدق حينئذ نوع خفاء.1

4 . فيما إذا كان الغار متعدّداً

لمّا كان الملاك هو التغرير فلا فرق بين أن يكون الغارّ واحداً، أو متعدّداً. والثاني على قسمين: إمّا أن يكونا عرضيين كما إذا اتّفق اثنان أو ثلاثة على تغرير شخص آخر، فيرجع إلى الجميع ويقسّط عليهم، وقد مرّ أنّ الإمام قسّط دية اليد على شاهدي الزور.
أو يكونا طوليّين بأن يغرّ واحد الآخر وهو الثالث وهلمّ جرّاً، فكلّ مغرور يرجع إلى من قبله، ويستقرّ الضمان على السبب الأوّل.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام في أنّ كلّ مغرور يرجع إلى مَن غرّه، لا إلى مَن تقدّمه، وبين مسألة توارد الأيدي على مبيع واحد ثم تلف، فقالوا: بأنّ للمالك الرجوع إلى كلّ من جرت يده عليه؟
قلت: الفرق بينهما واضح، فإنّ سبب الضمان في المقام هو الغرّة، وكلّ مغرور يرجع إلى من غرّه لاعلى المتقدّم عليه; بخلاف توارد الأيدي، فإنّ وجه الضمان هو وضع اليد على الشيء، وهو سبب ضمان مستقلّ، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي».

5. لا فرق في الرجوع بين العين والمنافع

فلو قدّم مال الغير لضيفه فأكله فهو له ضامن، وهكذا ما إذا أعاره مال الغير، فالمستعير يرجع إلى المعير في قيمة المنافع التي يدفعها إلى مالك

1 . العناوين :2 / 441 ، برقم 59.

صفحه 282
العارية، ونظيره إذا أباح له ركوب الدابة أو سياقة السيارة في حوائجه، ثم بان أنّهما ملك الغير.

6. تطبيقات القاعدة

قد عرفت فيما سبق بعض مصاديق القاعدة وإليك مالم نذكر:
1. إذا باع مال الغير (كالدابة) من شخص موهماً أنّه ماله، ثم تبيّن للمشتري أنّه مال الغير، فالمالك الأصلي يأخذ العين من المغرور مع أُجرة المنافع التي استوفاها، ثم هو يرجع إلى الغارّ; لأنّه استوفاها باعتقاد أنّه ملكه والمنافع له، وإلاّ لم يقدم على الاستيفاء.
وبذلك ظهر أنّه لو انتفع بلبن الشاة أو بركوب الدابّة بزعم أنّها ملكه ثم تبيّن أنّها ملك غيره يرجع فيما دفعه إلى المالك إلى الغارّ.
2. إذا قدّم ثوباً لخيّاط فقال: إقطعه لي قميصاً إذا كان كافياً له، فصدقه الخياط وقطع الثوب فصار غير كاف للقميص، فيرجع صاحب الثوب على الخيّاط بما نقص لا بقيمة كل الثوب.
3. إذا باع دابة بعنوان أنّه مالكها وكانت من مال الغير، فباعها المشتري، ثم بانت أنّها من مال الغير فيرجع في قيمة ما بذله إلى الغارّ، وأمّا حكم المنافع المستوفاة فقد ظهر حكمها ممّا تقدّم.
إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها الباحث.
***
تمّت قاعدة
المغرور يرجع إلى الغارّ

صفحه 283
قاعدة الخراج بالضمان   
القواعد الفقهية
      17

قاعدة

الخراج بالضمان

القاعدة في مصادر أهل السنّة
القاعدة في مصادر الإمامية
تبيين مفردات القاعدة
نقل كلمات الأصحاب حول القاعدة.
عدم شمول القاعدة للمقبوض غصباً، وفيه نقل فتوى شاذّة عن أبي حنيفة.
عدم شمول القاعدة للمقبوض بالعقد الفاسد.
اختصاص القاعدة بالمقبوض الصحيح .
نقوض القاعدة والإجابة عنها.
احتمالان في منافع الثمن المستوفاة.
من القواعد المعروفة الّتي عمل بها الفقهاء من الفريقين ـ مع التفاوت في بيان مجراها ـ قاعدة «الخراج بالضمان».

القاعدة في مصادر أهل السنّة

1. أخرج ابن ماجة بسنده عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنّ رجلاً اشترى عبداً فاستغلّه ثم وجد به عيباً فردّه، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّه قد استغلّ غلامي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الخراج بالضمان».1

1. سنن ابن ماجة: 2 / 754، برقم 2242.

صفحه 284
2. وفي حديث آخر عن عائشة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى أنّ خراج العبد بضمانه.
وفي هامش سنن ابن ماجة في تفسير الحديث: الخراج ما يحصل ويخرج من غلّة العبد المشترى، وذلك بأن من اشترى عبداً ثم استغلّه زماناً ثم اطّلع منه على عيب، فله ردّه واسترداد ثمنه ويكون للمشتري ما استغلّه.1
3. وأخرج الحاكم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّ رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبه عيب لم يعلم به فاستغلّه ثم علم العيب فردّه فخاصمه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله إنّه استغلّه منذ زمان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)«الغلّة بالضمان».2
4. وأخرج أيضاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قضى أنّ الخراج بالضمان. وأسانيد الرواية تنتهي إلى عائشة.3
وحاصل الرواية: أنّ المشتري وإن استثمر العبد واستغلّه لكن الانتفاع له في مقابل أنّه ضمن على نحو أنّه لو تلف، لتلف في ملكه.
5. وأخرج البيهقي في سننه عن مخلد بن خفّاف قال: إبتعتُ غلاماً فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبدالعزيز، فقضى لي بردّه، وقضى عليّ بردّ غلّته، فأتيت (عروة) فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية فأخبره أنّ عائشة أخبرتني أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى في مثل هذا أنّ الخراج بالضمان، فعجّلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة، عن عائشة، عن

1. سنن ابن ماجة: 2 / 754، برقم 2243.
2. مستدرك الحاكم:2/15.
3. مستدرك الحاكم:2/15.

صفحه 285
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال عمر: فما أيسر عليّ من قضاء قضيته، الله يعلم أنّي لم أرد فيه إلاّ الحق، فبلغتني فيه سنّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأردّ قضاء عمر، وأُنفذ سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليّ، له1.
والجميع رواية واحدة تنتهي إلى عائشة.

القاعدة في مصادر الإمامية

وأمّا من طرقنا فلم يرد بهذا اللفظ وإنّما ورد ما يمكن أن ينطبق عليه بوجه آخر :
1. روى الشيخ عن إسحاق بن عمّار قال: حدّثني مَن سمع أبا عبدالله (عليه السلام)وسأله رجل وأنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه، فقال: أبيعك داري هذه، وتكون لك أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ؟ فقال: «لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه».
قلت: فإنّها كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة لمن تكون الغلّة؟
فقال: «الغلّة للمشتري، ألاترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله».2
وما ذكره عبارة أُخرى عن قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الخراج بالضمان».
2. روى الشيخ عن معاوية بن ميسرة قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل باع داراً له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى

1. سنن البيهقي: 5 / 321.
2. الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1 .

صفحه 286
منه الدار حاصر، فشرط إنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال: «له شرطه». وفي بعض النسخ «حاضر» بدل «حاصر» أي الشاهد الذي يكتب لهما ويمنعهما من الإنكار1.
وهذه القاعدة عبارة أُخرى عن قولهم: «مَن عليه الغرم فله الغُنم».

تبيين مفردات القاعدة

القاعدة مؤلّفة من كلمتين:
1. الخراج. 2. الضمان.
أمّا الأوّل: فقد فسّر ابن الأثير الخراج في «النهاية» بقوله: يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبداً كان أو أمة أو ملكاً، وذلك أن يشتريه فيستغلّه زماناً ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه، أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغلّه، لأنّ المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء. والباء في «بالضمان» متعلّقة لمحذوف تقديره: الخراج مستحقّ بالضمان: أي بسببه.2
ويمكن أن تكون الباء بمعنى المقابلة أي الخراج في مقابل الضمان .
أمّا الثاني ـ أي معنى الضمان وماذا أُريد منه ـ : فالظاهر أنّ المراد به خصوصاً بالنظر إلى ما ورد من طرقنا، هو أنّ المشتري ضمن العين بالعقد الصحيح، بمعنى أنّها إذا تلفت، تلفت من ملكه.

1. الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3; لاحظ التهذيب: 7/176، باب الرهون برقم 37 قسم التعليقة.
2. النهاية في غريب الحديث والأثر: 2 / 19 .

صفحه 287
وليس المراد بالضمان هنا المعنى المعروف من ردّ الشيء إلى مالكه بنفسه أو بما يقوم مقامه من المثل والقيمة، والشاهد هو ما ورد من طرقنا حيث قال(عليه السلام): «الغلّة للمشتري، ألاترى لو احترقت لكانت من ماله».
وإن شئت قلت: تعهد المشتري في مقابل دفع الثمن في ضمن العقد بأنّه ملكه ومن المعلوم أنّ الملك إذا تلف، يحسب على صاحبه.
وبذلك يعلم أن الاحتمالات الكثيرة الّتي ذكرها السيد الخوئي في محاضراته أمر غير لازم، فالرواية أوضح من تلك الاحتمالات.1
نقل كلمات الأصحاب حول القاعدة
قال الشيخ: إذا اشترى جارية حاملاً، فولدت في ملك المشتري عبداً مملوكاً، ثم وجد بالأُم عيباً، فإنّه يردّ الأُم دون الولد.
وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلنا. والثاني: له أن يردّهما معاً، لأنّه لا يجوز أن يفرّق بين الأُم وولدها فيما دون سبع سنين. والأوّل أصحّ عندهم. دليلنا: عموم قوله (عليه السلام): «الخراج بالضمان» 2.
وقال ابن حمزة في «الوسيلة» في فصل خصّه لبيان بيع الإقالة: بيع الإقالة إنّما يصحّ بأربعة شروط.. إلى أن قال: والرابع: أن يكون المبيع ممّا يبقى إلى تلك المدّة من غير أن يفسد ويتغيّر عن حاله، فإذا باع شيئاً على أن يقيل البيع في وقت كذا بمثل الثمن الذي باعه به منه، لزمته الإقالة إذا جاء بمثل الثمن في المدّة، أو قبلها. فإن جاء به بعد انقضاء المدّة لم تلزمه وكان مخيّراً،

1. مصباح الفقاهة: 2 / 387.
2. الخلاف: 3 / 108، المسألة 176 .

صفحه 288
فإن تلف المبيع في المدّة المضروبة كان من مال المبتاع، وإن حصل منه غلّة كانت له، لأنّ الخراج بالضمان .1

حكم المقبوض غصباً أو بالعقد الفاسد

ثم إنّه يقع الكلام في سعة القاعدة وضيقها فبما أنّ اللام في الضمان للجنس فتعمّ بظاهرها الأقسام الثلاثة التالية:
1. المقبوض غصباً.
2. المقبوض بالعقد الفاسد.
3. المقبوض بالعقد الصحيح.
أمّا الأوّل: فهو احتمال باطل بضرورة الفقه، إذ لو عمّه يكون معنى ذلك أن كلّ من اغتصب مال الغير وانتفع به مدّة مديدة لا يضمن المنافع المستوفاة في مقابل ضمانه للعين المغصوبة، وهذا ممّا لم يقل به أحد إلاّ أبو حنيفة، وقد وصف الإمام الصادق (عليه السلام)قضاءه هذا بقوله: «بمثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركاتها»2.
وقد بلغت فتوى أبي حنيفة في باب الحيل إلى درجة أغضبت البخاري فعقد (في صحيحه) كتاباً باسم كتاب الحيّل وصدّره بحديث إنّما الأعمال بالنيّات ولكلّ امرئ مانوى ثم قال: إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت فقُضي بقيمة الجارية الميّتة، ثم وجدها صاحبها فهي له وتُرَدُّ القيمة ولا تكون القيمة ثمناً، ثم قال: وقال بعض الناس ـ يريد أبا حنيفة ـ : الجارية للغاصب لأخذه

1. الوسيلة: 249.
2. الوسائل: 13، الباب 13 من أبواب الإجارة، الحديث 1.

صفحه 289
القيمة، ثم ردّ البخاري عليه بقوله: وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتل بأنّها ماتت حتّى يأخذ ربها قيمتها فيطيب للغاصب جارية غيره. ثم أضاف وقال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أموالكم عليكم حرام، ولكلّ غادر لواء يوم القيامة يعرف به» ثم ذكر البخاري، بعد ذلك باباً آخر تحت عنوان باب في النكاح ذكر أيضاً حيلة أُخرى لأبي حنيفة ثم ردّ عليه .1 وقد ذكر البخاري موارد عديدة من هذه الفتاوى الشاذة لأبي حنيفة وردّ عليها، وكان يذكره بعبارة: «وقال بعض الناس» .
إلى هنا تمّ بيان بطلان القسم الأوّل.
أمّا القسم الثاني أعني: المقبوض بالعقد الفاسد والذي لم يمضه الشارع ولم تحصل الملكية للمشتري فلا تشمله الرواية، خصوصاً على ما قلنا من أنّ غرض الرواية أنّ انتفاع المشتري بالمال في مقابل انتفاع البائع بالثمن فيكون هذا مقابل هذا، وهذا يختصّ بما إذا كانت هناك معاملة صحيحة وملكية محقّقة. فالمقبوض بالعقد الفاسد خارج عن القاعدة خروجاً موضوعيّاً لافتراض عدم كون القابض مالكاً.
وأمّا القسم الثالث أعني: المقبوض بالعقد الصحيح :فهذا هو القدر المتيقّن، فالمنافع المستوفاة للمشتري لكونه مالكاً، والفرع أي المنافع تابع للأصل، فاللام في قوله: «بالضمان» مشير إلى هذا النوع من الضمان، أي لو تلف المبيع لتلف في ملك.
ويشهد على ما ذكرنا ما ورد من طرقنا، فإنّ مورد الجميع هو العقد

1. صحيح البخاري: 1749، كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية، برقم 6965.

صفحه 290
الصحيح، ثم إنّه نُسِبَ إلى الشيخ الطوسي عدم ضمان المشتري المنافع المستوفاة في المقبوض بالعقد الفاسد، فلا يردّ المشتري إلى البائع بعد تبيّن الفساد أُجرة الركوب ولا قيمة اللبن، وما استشهد به من كلامه في «المبسوط» راجع إلى العقد الصحيح إذا استغلّ منافع المبيع ولا يشمل العقد الفاسد حيث قال: فصل في أنّ الخراج بالضمان ثم ذكر تحت هذا العنوان قوله: «إذا كان لرجل مال فيه عيب فأراد بيعه وجب عليه أن يبيّن للمشتري عيبه، ولا يكتمه أو يتبرّأ إليه من العيوب; والأوّل أحوط فإن لم يبيّنه واشتراه إنسان فوجد به عيباً كان المشتري بالخيار إن شاء رضي به، وإن شاء ردّ بالعيب واسترجع الثمن، فإن اختار فسخ البيع وردّ المبيع، نظر فإن لم يكن حصل من جهة المبيع نماء ردّه واسترجع ثمنه، وإن كان حصل نماء وفائدة فلا يخلو من أن يكون كسباً من جهته أو نتاجاً وثمرة، فإن كان كسباً مثل أن يكتسب بعلمه أو تجارته... فإنّه يرد المعيب، ولا يرد الكسب بلا خلاف، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الخراج بالضمان» .1
ترى أن كلامه إنّما هو في العقد الصحيح لا في العقد الفاسد، نعم شذّ من فقهائنا قول ابن حمزة حيث عقد فصلاً تحت عنوان في بيان البيع الفاسد، فقال: فإذا باع أحد بيعاً فاسداً، وانتفع به المبتاع، ولم يعلما بفساده ثم عرفا، واستردّ البائع المبيع، لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به، أو استرداد الولد إن حملت الأُم عنده وولدت، لأنّه لو تلف لكان من ماله، والخراج بالضمان.2ولم نجد من يوافقه في هذا القول.

1. المبسوط: 2 / 126، كتاب البيع.
2. الوسيلة: 255 .

صفحه 291
وعلى هذا فلو كان العقد صحيحاً وفسخ المشتري العقد فيردّ المبيع ويأخذ الثمن والمنافع المستوفاة له، وأمّا إذا فسخ وكان العقد فاسداً فالمنافع المستوفاة غير داخلة تحت هذه القاعدة وإنّما يبحث عنها في قاعدة أُخرى، وهي: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

نقوض القاعدة

قد أُورد على قاعدة «الخراج بالضمان» بالمعنى المختار عدّة نقوض، وهي كما يلي:
1. النقض بالعارية فإنّ الخراج أي الانتفاع من المستعار للمستعير، مع أنّه غير ضامن.
2. تلف المبيع قبل القبض، فإنّ الخراج بين العقد والقبض كاللبن والصوف للمشتري، إلاّ أنّ الضمان على البائع لقولهم: «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»، فالضامن هو البائع والمنتفع هو المشتري.
3. الضمان بعد القبض، إذا اشترط الضمان على البائع إلى مدّة فإنّ الخراج للمشتري والضمان على البائع لو قلنا بصحّة هذا الشرط.
يلاحظ على النقض الأوّل: من أنّ مفاد القاعدة: إنّما يملك المنافع من لو تلفت العين، لتلف في ملكه، وهذا ينطبق على المالك المستعير، فهو يملك المنافع لأنّه يملك العين التي لو تلفت لتلفت في ملكه، لا على المستعير، لأنّه لا يملك المنافع أصلاً بل أُبيح له التصرّف والانتفاع.
وبعبارة أُخرى: لبّ القاعدة، أنّ المنافع إنّما يملكها من لو تلفت العين لوقع التلف في ملكه، وأين هذا من المستعير الذي لا يملك العين ولا المنافع،

صفحه 292
غاية الأمر يباح له الانتفاع بإذن المالك.
ويلاحظ على النقض الثاني: بأنّ الاشتباه نابع من خلط معنى الضمان في قوله: الخراج بالضمان، بالضمان الوارد في قاعدة «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»، إذ المراد من الضمان في القاعدة بمعنى كونه مالكاً، فالمنافع له. وأمّا الضمان في القاعدة الأُخرى فيرجع إلى الضمان المصطلح بمعنى أنّ البائع ضمن درك ملك الغير إذا كان قبل القبض.
وعلى هذا فالمشتري ضامن بمعنى والبائع ضامن بمعنى آخر. أمّا الأوّل فضامن بمعنى أنّه مالك في مقابل تعهده بدفع الثمن إلى المشتري، فالانتفاع له.
وأمّا البائع فضامن بمعنى أنّه ضمن درك مال الغير إذا كان قبل القبض، ومنه يظهر جواب النقض الثالث، فالخلط حصل بعدم التمييز بين معني الضمانين.

إكمال

كلّ ما ذكرنا يرجع إلى المنافع المستوفاة للمبيع قبل الفسخ فقلنا: إنّها للمشتري دون البائع، حتّى إذا فسخ، إنّما الكلام إذا كانت المنافع للثمن، كما إذا كان الثمن غنماً لها صوف ولبن، ثم فسخ البائع، فهل المنافع المستوفاة للبائع أخذاً بإطلاق قوله: الخراج بالضمان، أو هي لصاحب الثمن؟ وجهان.
لو قلنا بأنّ الدليل هو النبوي فالظاهر شموله لكلتا الصورتين .
وأمّا لو قلنا بأنّ الدليل ما ورد من طرقنا فهو مختصّ بخراج المبيع ولا يعمّ خراج الثمن، إلاّ بإلغاء الخصوصية والأخذ بمفاد العلّة أعني قوله: «ألا

صفحه 293
ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله»والثمن لو سرق لكان من مال البائع، والله العالم.
***
تمّت قاعدة
الخراج بالضمان

صفحه 294
قاعدة الإحسان   
القواعد الفقهية
      18

قاعدة الإحسان

«قاعدة الإحسان» غير قاعدة «عدم ضمان المؤتمن»
دليل القاعدة من الكتاب العزيز والعقل
ما هو المراد من الإحسان؟ وهل يقتصر برفع الضرر أو يعمّ إيصال النفع؟
كفاية قصد الفاعل الإحسان وعدمها
اجتماع الضمان مع صدق الإحسان في بعض الموارد
تطبيقات القاعدة في كلمات الفقهاء
سُمّيت القاعدة بقاعدة الإحسان أخذاً من لسان دليلها، أعني قوله تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل)1.
وفيها جهات من البحث:

الجهة الأُولى: قاعدة الإحسان غير قاعدة عدم ضمان المؤتمن

هل القاعدة هي نفس قاعدة عدم ضمان المؤتمن، أو غيرها، أو أنّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه؟
الظاهر التعدّد، فالموضوع في الأُولى المؤتمن بما هو مؤتمن الذي لا ينتفع بعمله، فلو تلفت الوديعة بلا إفراط ولا تفريط فلا يضمن.

1. التوبة: 91 .

صفحه 295
وأمّا الموضوع في الثانية فهو المحسن، أي مَن يقوم بعمل حسن الذي يستحسنه العقلاء، كما لو وجد حيواناً ضالاًّ في مكان فأعلفه وسقاه ونجّاه من الهلاك لكن لا تبرّعاً، فعليه الرجوع على صاحبه لأجل أنّه لا سبيل على المحسن، حتّى أنّ الحيوان لو تلف تحت يده، فلا ضمان عليه لأنّه كان محسناً وضع يده عليه لغاية الإحسان لا الانتفاع.
نعم ربّما يكون المؤتمن محسناً أيضاً لكنّه لا يكون دليلاً على وحدة القاعدتين، إذ ربّما يفترقان.
وبذلك يعلم أنّ تعبير صاحب العناوين عن القاعدة بقوله: من جملة المسقطات للضمان قاعدة الإحسان1، غير وجيه، إذ هو تخصيص بلا وجه، فالقاعدة كما تسقط الضمان توجب رجوع المحسن إلى صاحب المال بما بذل.

الجهة الثانية: دليل القاعدة من الكتاب العزيز والعقل

استدلّ على القاعدة بوجوه امتنها اثنان:
الأوّل: دليل القاعدة من الكتاب العزيز
قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)2.
وفي «المجمع»: أنّ الآية نزلت في عبدالله بن زائدة، وهو ابن أُمّ مكتوم،

1. العناوين : 2 / 474، برقم 64 .
2. التوبة: 91 .

صفحه 296
وكان ضرير البصر، جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا نبي الله، إنّي شيخ ضرير، خفيف الحال، نحيف الجسم، وليس لي قائد، فهل لي رخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فسكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأنزل الله الآية.1
استثنى سبحانه في هذه الآية طوائف ثلاث:
1. الضعفاء وهم الذين كانت قوتهم ناقصة بالزمانة والعجز.
2. المرضى وهم أصحاب العلل المانعة من الخروج.
3. الذين لا يجدون ما ينفقون للسفر بشرط (إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ): أي أخلصوا أعمالهم من الغش. ولم يجروا في قعودهم على ما يجري عليه المنافقون من إفساد القلوب والإرجاف والتثبيط.
ثم إنّه سبحانه نفى عن هؤلاء أي سبيل، لكنّه أثبته لطائفة رابعة وقال: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)2 وأُريد بهذه الطائفة المتمكّنون من الجهاد لكن يريدون أن يكونوا مع الخوالف من النساء والصبيان.
فبملاحظة الآيتين يكون المراد من السبيل هو الحرج المذكور في الآية المتقدّمة المستتبع للذمّ والعقاب والمؤاخذة، أي لا يتطرّق إليهم عتاب وذمّ، وإنّما يتطرّق هذان الأمران إلى الطائفة الأُخرى.
وبما أنّ الفقرة كلمة جامعة يستدلّ بها على مورد النزول وغيره; لأنّ القرآن يجري كما تجري الشمس والقمر كما في قول الإمام الباقر(عليه السلام): «ظهره

1. مجمع البيان: 5 / 113 .
2. التوبة: 93 .

صفحه 297
تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما قد مضى، ومنه ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس والقمر».1
وعلى هذا فالقرآن حجّة عبر القرون مهما تجدّدت له مصاديق ولا يختصّ بمصداق ومورد واحد، وبذلك نرى أنّ العلماء يستدلون به في غير واحد من الموارد، إنّما الكلام في مدلول الفقرة من الآية.
إنّ المحسنين جمع المحسن بمعنى كلّ محسن فربما يتوهّم بأنّه من قبيل سلب العموم; لأنّ النفي إذا ورد على العموم يفيد سلب العموم لا عموم السلب، فعلى هذا فيكون المراد ما على كلّهم سبيل، فالمنفي سلب السبيل عن الكلّ، ومع ذلك لا ينافي تطرّق السبيل على بعضهم نظير قول الشاعر:
قد أصبحت أُمّ الخيار تدعي *** عليّ ذنباً كلّه لم أصنع
بناءً على أنّ قراءة الكلّ بالنصب، أي لم أصنع كلّه لكن بعضه صنعته. ولكن الإشكال ضئيل جدّاً إذ لم تثبت القاعدة; لأنّها منقوضة بآيات، منها قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور)2 .
ومن المعلوم أنّ المراد هو عموم السلب، أي أنّ الله لا يحب كلّ واحد واحد منهم، لا بمعنى أنّ الله لا يحب المجموع من حيث المجموع بحيث لا ينافي حب البعض، فإنّه باطل بالضرورة.
وأمّا الفقرة، أعني:(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل) فبما أنّ الملاك في عدم تطرّق السبيل هو الإحسان بما هو وهو أمر مطلوب عقلاً وشرعاً فمقتضى ذلك هو عموم السلب، أي لا سبيل إلى أيّ واحد من آحاد المحسنين.

1. بصائر الدرجات:216 ح7; الوسائل:18، الباب13 من أبواب صفات القاضي، الحديث49.
2. لقمان: 18 .

صفحه 298
فعلى هذا فلو قام الوصي أو القيّم على الصغير بالتصرّف في مال اليتيم طالباً به الإحسان، وكان العمل في نظر العقلاء موصوفاً به، بمعنى أن كلّ عاقل لو ولي كان له تلك الحالة فلو قام بهذا النحو أحد الأولياء، ولكن اتّفق على أنّه ترتّب على فعله ضرر فلا يضمن; لأنّ تضمينه يُعدّ نوع سبيل عليه.
والحاصل: أنّ كلّ عمل منه ينطبق عليه عنوان الملاك فلا يُذم المحسن ولا يعاقب ولا يؤاخذ بشيء.
نعم لو أتلف ذلك المحسن مورد العمل أو تعدّى عليه أو فرّط فيه فالسبيل عليه قطعيٌ، لأنّ الحكم معلّق بالإحسان وهذا النوع من العمل فاقد للملاك.
وإن شئت قلت: إنّ الفقرة عبارة أُخرى عن قوله سبحانه: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)1، فكلّ محسن جزاؤه الإحسان، فالحكم بالضمان أو الذم أو غير ذلك، ينافي إطلاق الآية.
والحاصل: أنّ ثبوت الضمان على المحسن سبيل وحرج وضيق عليه، وكلّ سبيل على المحسن منفي في الشرع، فينتج: ثبوت الضمان على المحسن، منفيّ في الشرع.

الثاني: حكم العقل

لاشكّ أنّ العقل يستقلّ بتحسين بعض الأفعال كما يستقل بتقبيحها، وممّا يستقل به العقل هو أنّ دفع الضرر عن الأخ المسلم أو إيصال الخير إليه أمر حسن، يمدح فاعله، فلو أُخذ ذلك الرجل بشيء من المؤاخذة لقيامه بهذا

1. الرحمن: 60 .

صفحه 299
العمل فيذم الفاعل ويُعدّ عمله قبيحاً.
وعلى هذا البيان فهو استدلال عقلي ليس من مقولة الاستحسان أو الظن. أضف إلى ذلك: أنّ المقام من قبيل المستقلاّت العقلية التي تستتبع حكماً شرعياً من عدم الضمان وغيره.
نعم كلّ ذلك فيما إذا كان العمل بريئاً عن التعدّي أو التفريط أو الإتلاف أو كلّ عمل يضادّ الإحسان.

الجهة الثالثة: ما هو المراد من الإحسان؟

هل المراد من الإحسان هو إيصال النفع إلى الغير؟ كما فسّره الطبرسي وقال: هو إيصال النفع إلى الغير لينتفع به مع تعرّيه من وجوه القبح.1
أو يشمل دفع الضرر أيضاً؟ الظاهر هو العموم.
وعلى هذا فلو احترقت دار إنسان أو محلّ كسبه وتوقّف إطفاء النار على كسر الباب أو هدم الجدار حتّى يصل الماء إلى النار فتُطفأ ويقلّ الضرر، فيعد كلّ ذلك إحساناً، ولذا نرى أنّ عُمّال إطفاء الحريق يعمدون إلى كسر الأبواب والشبابيك وهدم الجدران والسقوف ليصلوا إلى مصدر النار ليسيطروا عليه ويطفئوا النار، أو لإخراج ما يمكن إخراجه قبل أن يحترق.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الإحسان أمر أعمّ من إيصال النفع أو تقليل الضرر .
ثم إنّ صاحب العناوين لمّا سوّى بين الأمرين وقال: لاشبهة في أنّ إيصال نفع إلى غيره يُسمّى إحساناً للتبادر، وعدم صحّة السلب، ونصّ أهل اللغة، فهكذا دفع المضرّة نوع من الإحسان، وإن كان لفظ الإحسان يومي إلى

1. مجمع البيان: 5 / 144 .

صفحه 300
نوع من إيجاده، ومنع المضرّة ليس فيه إيجاد الإحسان، ولكن الظاهر أنّه لا يصحّ سلبه، والقدر المشترك متبادر منه .1
أقول: الظاهر أنّ الإحسان بمعنى العمل المفيد، والعمل الذي يرضى به الإنسان، وتقليل الضرر عمل مفيد يرضى به الإنسان ويمدح فاعله، وأنّ أعمال فُرق الإطفاء كلّها من هذا القبيل.
ونقل صاحب العناوين عن أُستاذه الوحيد البهبهاني بأنّه صرّح في أثناء الكلام: «انّ قاعدة الإحسان تختصّ بصورة دفع المضرّة ولا تشمل صورة جلب المنفعة». وهو أيضاً بعيد; لأنّ إيصال النفع إلى الغير عمل مفيد يمدح فاعله، فعلى هذا فتجارة الولي بمال اليتيم إذا كان عملاً عقلائياً يستحسنه كلّ من يمارس هذا العمل، لأنّه إنّما يقوم لغاية جلب المنفعة وهو إحسان إليه، فلو تلف من غير تعدّ ولا تفريط لا يضمن.

الجهة الرابعة: كفاية قصد الفاعل الإحسان وعدمها

لو قام المحسن بعمل بقصد دفع الضرر أو إيصال المنفعة وصادف العمل الواقع، فدفع الضرر; كما إذا كانت غنم شخص في معرض افتراس السباع فأدخلها في حظيرتها، فهو محسن قطعاً، أو كانت اللقطة في معرض الهلاك فأعلفها وسقاها، حتّى وجد صاحبها، فهذا أيضاً من أقسام الإحسان، لاجتماع القصد ومصادفة الواقع.
إنّما الكلام في الصورتين التاليتين:
1. إذا قصد الإحسان ولكن تخلّف عن الواقع، فأعلفها وسقاها لكن كان

1. العناوين : 2 / 476، برقم 64.

صفحه 301
الماء أو العلف مسموماً فصار سبباً لهلاكها، أو أدخلها في مأمنها ولكن انهدم البناء عليها من غير اختيار.
2. لم يقصد دفع الضرر أو إيصال المنفعة، ولكن صادف الواقع.
فما هو حكم هاتين الصورتين المذكورتين؟
ذهب السيد المراغي إلى وجوب اجتماع الشرطين: مصادفة الواقع واعتبار القصد; أمّا مصادفة الواقع لأنّه المتبادر من لفظ الإحسان حيث يوصف به إذا كان دافعاً للضرر، وأمّا اعتبار القصد فلأجل أنّ مجرّد كونه في الواقع دفع ضرر لا يكفي في صدق اللفظ، وعلى هذا فمتى ما كان قصده الإحسان واتّفق أنّه صادف الواقع، وكان فيه دفع مضرّة، فهو داخل في الآية وموجب لعدم الضمان .1
وذهب السيد البجنوردي إلى كفاية كون العمل حسناً في الواقع قائلاً: الظاهر أنّه دائر مدار الإحسان الواقعي وإن لم يقصد به الإحسان; لأنّ الظاهر من العناوين والمفاهيم الذي أخذ موضوعاً للحكم الشرعي هو واقعها والمعنى الحقيقي لها، إلاّ أن يكون المتفاهم العرفي معنى آخر غير المعنى الحقيقي .2
وهناك احتمال ثالث وهو أن يقال: أنّه يكفي قصد الإحسان، وقصد دفع الضرر عن الغير أو قصد إيصال النفع إليه، سواء أوافق الواقع أم خالف، وكأنّ المقام من مقولة الانقياد، حيث يمدح فاعله بل يثاب .

1. العناوين : 2 / 478، برقم 64 بتصرّف.
2. القواعد الفقهية: 4 / 12.

صفحه 302
وعلى هذا فالقول الأوّل هو الأحوط، والثالث هو الأقوى، وأمّا الثاني أعني: كون الميزان هو الواقع قياساً بالمفاهيم الواقعية فهو ضعيف; فإنّ الخمر اسم للخمر الواقعي، لا الخمر المظنون المخالف للواقع، لكن المقام من فروع الحسن والقبح العقليّين اللّذين يستقلّ العقل بهما، والميزان فيه هو نيّة الفاعل وقصده، سواء أوافق الواقع أم لا؟ولا يقاس المقام بالمفاهيم الواقعيّة.

الجهة الخامسة: اجتماع الضمان مع صدق الإحسان في بعض الموارد

ربّما تنتقض القاعدة بالدين المجهول صاحبه، والقراضة في دكان الصائغ مع جهل أربابها ونحو ذلك من الصنائع، حيث إنّ صاحب اليد يتصدّق به عن المالك; وعلّلوا جوازه بأنهّ إحسان محض إلى المالك، ومع ذلك حكموا بأنّه لو ظهر مالكه فهو ضامن، فقد اجتمع الإحسان مع الضمان.
وقد أجاب عنه صاحب العناوين بقوله: إنّ تحقّق الإحسان هناك معلّق على الضمان، لأنّه إن ظهر صاحبه فهو ضامن يعطيه، وإن لم يظهر فقد وصل إليه بالصدقة، فبالمجموع المركّب صار هذا إحساناً، وأمّا بدون الضمان فلا إحسان، إذ لا يمكن أخذ مال الناس والتصدّق به عنهم بحجة أنّه إحسان إليهم، لأنّ الإحسان أمر عرفي وهو غير صادق في المقام. نعم لو كان مع الضمان مع عدم إمكان الوصول إلى المالك فلا شبهة في أنّه إحسان.1
ولكن الظاهر أنّ المورد خارج عن موضوع القاعدة; وذلك لأنّ المراد إيصال النفع إلى صاحب المال في الدنيا، وأمّا كونه نافعاً له في الآخرة وواصلاً إليه فهو خارج عن مدلول القاعدة. فالحكم بالضمان لا يعدّ نقضاً للقاعدة.

1. العناوين : 2 / 478 ـ 479، برقم 64 .

صفحه 303
وأمّا ضمان الطبيب فلأجل أنّه خارج عن القاعدة; لأنّ المحسن عبارة عمّن يعمل دون أن ينتفع بعمله، فالمنتفع بعمله خارج عن القاعدة وإن كان عمله حسناً.

الجهة السادسة: تطبيقات القاعدة في كلمات الفقهاء

1. قال المحقّق: لو وقع الصيد في شبكة فأراد (المحرم) تخليصه فهلك أو عاب، ضمن.1
وقال في «الجواهر»: كما في محكي الخلاف والمبسوط والجامع، وجميع كتب الفاضل إلاّ التبصرة فلم يتعرض فيها له; لصدق قتل الصيد ولو خطأ، لكن عن الشهيد الإشكال فيه من ذلك (قتل الصيد) ومن قاعدة الإحسان، وتبعه على ذلك غيره بل في المدارك: ينبغي القطع بعدم الضمان مع انتفاء التعدّي والتفريط; لأنّ تخليصه على هذا مباح بل إحسان محض، وما على المحسنين من سبيل، ومثله لو خلص الصيد من فم هرّة أو سبع أو من شق جدار وأخذه ليداويه ويتعهّده فمات في يده بما ناله من السبع.2
2. قال المحقّق: كلّ أرض ترك أهلها عمارتها، كان للإمام (عليه السلام)تقبيلها ممن يقوم بها وعليه طسقها لأربابها.3 واستدلّ عليه بخبر سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمّرها ويزرعها، ماذا عليه؟ قال: الصدقة، قلت: وإن كان يعرف

1. شرائع الإسلام: 1 / 290 .
2. جواهر الكلام: 20 / 291، كتاب الحج.
3. شرائع الإسلام: 1 / 247 .

صفحه 304
صاحبها، قال: «فليؤدّ إليه حقّه».1 وأضاف في «الجواهر» بعد الاستدلال بالرواية: خصوصاً إذا بلغت حدّ الموات، مضافاً إلى قاعدة الإحسان .2
وعلى ذلك فالأرض الخربة المتروكة وإن عُلم صاحبها المشرفة على الموات، يجوز للمسلم إحياؤها وأداء حقوقها إلى صاحبها أخذاً بقاعدة الإحسان .
3. قال المحقّق: إنّ الولاية في مال الطفل والمجنون للأب والجدّ للأب، فإن لم يكونا فللوصي، فإن لم يكن فللحاكم.
ولمّا لم يذكر المحقّق ولاية المؤمنين بعضهم على بعض، استدرك صاحب الجواهر وقال: إنّ قاعدة الإحسان ولاية المؤمنين بعضهم على بعض ولزوم التعطيل بل والضرر في كثير من الموارد .3
4. قال المحقّق: (ولو اختلف في التلف فالقول قول الوكيل لأنّه أمين وقد يتعذّر إقامة البيّنة بالتلف غالباً فاقتنع بقوله دفعاً لالتزام ما تعذّر غالباً) وعلّله صاحب الجواهر بالقواعد التالية: قاعدة العسر والحرج والإحسان والأمانة.4
ولكن جعل المقام من مصاديق قاعدة الإحسان لا يخلو من نظر; لأنّ المتيقّن من القاعدة من كان محسناً ولم يكن منتفعاً، والوكيل منتفع.
5. قال المحقّق: فالبعير لا يؤخذ إذا وجد في كلأ وماء فلو أخذه ضمنه،

1. الوسائل: 16، الباب 3 من كتاب إحياء الموات، الحديث 3.
2. جواهر الكلام: 21 / 80 .
3. جواهر الكلام: 26 / 103، كتاب الحجر.
4. جواهر الكلام: 27 / 433، كتاب الوكالة.

صفحه 305
وفي «الجواهر»: وفي ضمانه بنية الحفظ لمالكه قولان، من إطلاق الأخبار بالنهي، والإحسان.1
6. لو كانت السفينة مشحونة بأموال شخص واحد، فرأى ربّان السفينة بأنّ نجاتهم ونجاة أموال صاحب الأموال هو بإلقاء قسم من أمواله في البحر لتخفّ السفينة، فألقاها فهو ليس بضامن.
7. لو افترضنا أنّ الولي حبس المبيع لغاية ارتفاع الأسعار، وكان أمراً عقلائياً، ولكن نزل السوق فلا ضمان على الولي.
8. لو قام الولي بالزراعة في أرض المولّى عليه غير أنّ الجفاف أضرّ بالمحصول، ولم يفي حتّى بثمن ما صُرف في الزراعة.
إلى غير ذلك من الفروع الّتي ذكرها الفقهاء في تصرّف الأولياء وعدول المؤمنين والحكام إنّما لغاية دفع الضرر أو إيصال المنفعة.
***
تمّت قاعدة الإحسان

1. جواهر الكلام: 38 / 221.

صفحه 306
القواعد الفقهية
      19
قاعدة كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه   

قاعدة

كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه
فهو من مال بائعه
مقتضى القاعدة أن يكون التلف من مال المشتري لكن دلّت الروايات على خلافه
الاستدلال على القاعدة بالروايات
الاستدلال على القاعدة بالإجماع وسيرة العقلاء
هل القاعدة تشمل الثمن أو لا؟
ما هو المراد من التلف؟
إذا تلف المبيع بفعل المشتري أو الأجنبي أو البائع
ما هو المراد من قوله: من مال بائعه؟
حكم النماء بعد العقد وقبل التلف
شمول القاعدة لسائر العقود المعاوضية وعدمه
شمول القاعدة لتلف البعض
شمول القاعدة للوصف المفقود
حكم إبراء المشتري البائع عن ضمان المبيع
قبل الشروع في دراسة القاعدة وما حولها من البحوث والفروع نشير إلى نكتة، وهي:
إنّ تحمّل البائع خسارة المبيع قبل القبض على خلاف القواعد الفقهية، وإن كان موافقاً لسيرة العقلاء، والدليل على كونه خلاف القواعد ما يلي:
ذهب المشهور إلى أنّ العقد سبب تام لحصول الملكية لا يتوقّف على

صفحه 307
القبض، فالمشتري بالعقد يملك المبيع وهكذا البائع يملك الثمن، فإذا تلف المبيع، ولو قبل القبض فقد تلف ما ملكه المشتري بالعقد، فجعل الضمان على البائع دون المبتاع حينئذ يكون على خلاف القاعدة الفقهية، بل مقتضاها كون التلف من المشتري، لأنّ التالف ملكه، والمفروض أنّ التلف ليس مستنداً إلى البائع بل إلى سبب طبيعي.
وإلى ما ذكرنا يشير السيد العاملي بقوله:فكان ذلك(دليل القاعدة) مخرجاً عن حكم القاعدة الأُخرى القائلة بحصول الملك بمجرد العقد، المستلزمة لكون التلف من المشتري، فينبغي أن يندفع الإشكال عن المقدّس الأردبيلي ومن تبعه، لأنّه قد استشكله هنا وأعاده في باب القبض.1
نعم القبض في بيع الصرف والسَّلم من أجزاء السبب المملِّك، بمعنى أنّه لولا القبض لما حصل التمليك والتملّك، فلو تلف المبيع قبل القبض، فقد تلف مال البائع لعدم انتقال المثمن إلى المشتري قبل القبض.
وبما أنّ القبض في غير الصرف والسَّلم، ليس مملّكاً، فمقتضى القاعدة كون التلف من مال المشتري، غير أنّ سيرة العقلاء على خلافها، والقاعدة وردت على وفقها.
ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ القاعدة ليست مخالفة لسائر القواعد; وذلك لأنّ المبيع وإن كان ملكاً للمشتري والتلف وقع في ملكه، لكن البائع لم يقم ببعض وظائفه وهو إقباض المبيع حتى تلف تحت يده، فيكون هو مسؤولاً عن التلف لا المشتري.
وبعبارة أُخرى: العقد شيء والوفاء به شيء آخر، والذي قام به البائع هو

1 . مفتاح الكرامة:10/1025.

صفحه 308
الأوّل، وأمّا الثاني ـ أعني: الوفاء بالعقد ـ فهو بعد لم يتحقّق ومع ذلك كيف يكون التلف من مال المشتري، ولذلك تطابقت الروايات والسيرة على أنّ التلف من مال البائع. هذا وسيوافيك بيان آخر لكون التلف من مال البائع في الأمر الخامس، فانتظر.
وإن شئت قلت: إنّ العقد ومجرد دخول المبيع في ملك المشتري ليس سبباً تامّاً لضمانه، بل السبب التام هو العقد المتعقّب بقيام البائع على الوفاء أعني: تسليم المبيع وهو بعد لم يحصل.

الاستدلال على القاعدة

وقد استدلّ على القاعدة بما يلي:

الأوّل: الروايات

1. ما رواه عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل اشترى متاعاً من آخر وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، وقال: آتيك غداً إن شاء الله، فسُرِق المتاع، من مال مَن يكون؟
قال(عليه السلام): «من مال صاحب المتاع الّذي هو في بيته حتّى يُقبض ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه ]البائع[ حتّى يردّ ماله إليه».1
ولا خفاء في دلالة الرواية على المقصود. إنّما الكلام في سندها وقد ورد فيه محمد بن عبدالله بن هلال ولم يرد فيه توثيق، لكن المشايخ يروون عنه; نظراء: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والحسين بن عبيد، ومحمد

1 . الوسائل:12، الباب10 من أبواب الخيار، الحديث1. والمراد من المال هو الثمن.

صفحه 309
بن أحمد بن يحيى صاحب النوادر، وغيرهم.
وأمّا عقبة بن خالد فهو الّذي روى أقضية النبي(صلى الله عليه وآله) عن الصادق(عليه السلام)وهو ممدوح، وعلى هذا فالسند لا بأس به.
2. النبوي الّذي رواه صاحب المستدرك:«كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه، فهو من مال بائعه».1
3. ما رواه بريد بن معاوية، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طُنّ قصباً في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة والأنبار فيه ثلاثون ألف طُن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طُن، فقال المشتري: قد قبلت واشتريت ورضيت، فأعطاه من ثمنه ألف درهم، ووكّل المشتري من يقبضه، فأصبحوا وقد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون ألف طُن وبقي عشرة آلاف طُن، فقال: «العشرة آلاف طُن الّتي بقيت هي للمشتري، والعشرون الّتي احترقت من مال البائع».2
والطُّن عبارة عن حزمة من حطب أو قصب، والجمع أطنان مثل قفل وأقفال، وأمّا الطن في الوقت الحاضر فهو وزن مقداره ألف كيلو غرام.
ودلالة الرواية على المقصود واضحة حيث إنّ التلف مع كون المبيع على نحو الكلّي في المعيّن، لا في ذمّة البائع، حُسبَ على البائع لكونه قبل القبض.
4. ما رواه ابن الحجّاج الكرخي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: «كلّ طعام اشتريته في بيدر أو طسّوج فأتى الله عليه، فليس للمشتري إلاّ رأس ماله،

1 . مستدرك الوسائل: 13 / 303، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث1.
2. الوسائل:12، الباب19 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 310
ومَن اشترى من طعام موصوف ولم يسمّ فيه قرية ولا موضعاً فعلى صاحبه أن يؤدّيه».1
والرواية الأخيرة تفصّل بين العين الشخصية والمبيع الكلّي في الذمّة، فعلى الأوّل لو تلفت العين تبطل المعاملة بشهادة أنّه يأخذ رأس ماله، وعلى الثاني يجب على البائع أن يحصّل المبيع ويسلّمه إلى المشتري وإن حدث ما حدث في مزرعته.
وهذه الروايات بأجمعها تصلح لتكون دليلاً على القاعدة، وسيوافيك المراد من قوله:«فهو من مال بائعه».
واستدلّ المحقّق السبزواري على القاعدة في مورد خيار التأخير أعني: إذا تلف المبيع بعد الثلاثة وقبل الثلاثة بصحيحة علي بن يقطين أنّه سأل أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن؟ قال:«فإنّ الأجل بينهما ثلاثة أيّام، فإن قبض بيعه، وإلاّ فلا بيع بينهما».2
يلاحظ عليه: أنّ الرواية لا تدلّ على المطلوب، إذ ليس فيه عن التلف أثر، وإنّما الكلام في تأخير الثمن وأنّ المشتري لو أخّر أزيد من ثلاثة فالبيع ينفسخ.
ثمّ إنّ المحقّق السبزواري نقل عن المفيد والمرتضى وسلاّر ومن تبعهم أنّهم ذهبوا إلى أن تلف المبيع بعد مضي ثلاثة أيام من المشتري نظراً إلى ثبوت الناقل عن غير خيار.(3)

1. الوسائل:13، الباب13 من أبواب السلف، الحديث2. الطسّوج كسفود: الناحية، لاحظ: القاموس المحيط:1/205، مادة «طسج».
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث3.   3 . كفاية الأحكام:1/468.

صفحه 311
أقول: ما نقله عن المفيد وتلميذيه هو الذي نقله أيضاً عنهما في «مفتاح الكرامة» وقال: والمخالف، المفيد والسيدان ومن تبعهم في خصوص خيار التأخير.1 أي إذا أخّر المشتري تسليم الثمن ومضت ثلاثة أيام فصار البائع ذا خيار، دون المشتري ففي هذه الصورة قالوا بأنّ التلف من المشتري لا مطلقاً. ولعلّ وجه كونه من مال المشتري لأجل قاعدة أُخرى، أعني: «كلّ مبيع قد تلف في زمن الخيار فهو ممّن لا خيار له» والمفروض أنّ المشتري ممّن لا خيار له.
أقول: سيأتي الكلام في هذه القاعدة. وأنّها من فروع خيار الحيوان وليست قاعدة مستقلّة بل مصبّها بيع الحيوان، والمراد من التلف تلف الحيوان في زمن الخيار، أعني: ثلاثة أيام، فيحسب ممّن لا خيار له أعني: البائع وذلك لأنّ موته في أيام الخيار الذي ورد في قوله(عليه السلام):«صاحب الحيوان بالخيار» يكشف عن وجود مرض في الحيوان قبل العقد والذي صار سبباً لموته فيه، فالمبيع كان معيباً لا صحيحاً. وعلى ما فسّرناه لا صلة له بمورد البحث.

الثاني: الإجماع

حكى الإجماع على مفاد القاعدة غير واحد من الأصحاب.
قال العلاّمة في «التذكرة»:ولا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً، فلو تلف حينئذ، انفسخ العقد وسقط الثمن وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، وهو محكي عن الشعبي وربيعة لأنّه قبض مستحق بالعقد، فإذا تعذّر، انفسخ البيع، كما لو تفرّقا قبل القبض في الصرف.

1 . مفتاح الكرامة:10/1025.

صفحه 312
وقال أبو حنيفة: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع إلاّ العقار.
وقال مالك: إذا هلك المبيع قبل القبض، لا يبطل البيع، ويكون من ضمان المشتري ]والتلف يُحسب عليه[، إلاّ أن يطالبه]المشتري[ به فلا يسلمه]البائع[، فيجب عليه]البائع [قيمته للمشتري وبه قال أحمد وإسحاق لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الخراج بالضمان»1 ونماؤه للمشتري فضمانه عليه، ولأنّه من ضمانه بعد القبض، فكذا قبله كالميراث.2
أقول: سيوافيك الكلام في نماء المبيع التالف، فانتظر.
وقال العاملي بعد قول العلاّمة «وإذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه»: إجماعاً كما في السرائر، وكشف الرموز، وجامع المقاصد، والروضة، ويتناوله إجماع الغنية بإطلاقه، كما تسمع، ففي التذكرة في باب القبض: لا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً، فلو تلف حينئذ، انفسخ العقد وسقط الثمن.
وفي الكفاية: أنّه لا يعرف فيه خلافاً إلى أن قال: مضافاً إلى ما ذكروه في باب الثمار فيما إذا تلفت الثمرة المبتاعة، فإنّهم حكموا من غير خلاف ولا تأمّل بأنّ تلفها قبل القبض من البائع.3
ولعلّ هذه الكلمات كافية في إثبات الاتّفاق في المقام.
نعم يحتمل أن يكون إجماعهم مستنداً إلى الروايات الّتي تقدّمت قبل ذلك فيكون الإجماع مدركياً لا تعبدياً.

1. تعليل لقوله:«ويكون من ضمان المشتري».
2 . تذكرة الفقهاء:10/112ـ113.
3 . مفتاح الكرامة:10/1024ـ 1025.

صفحه 313

الثالث: سيرة العقلاء على أنّ التلف من البائع

جرت سيرة العقلاء في المقام على وقوع الخسارة على البائع; وذلك لأنّ العقد وإن تمّ والمشتري وإن ملك المبيع، لكن لمّا كان البيع مقدّمة للتسليم والإقباض وكانت الغاية القصوى من التعهّد هو انتفاع المشتري من المبيع، فإذا امتنع ما هو المقصود الأقصى لما كان هناك أي تكليف على المشتري لأنّه تعهد في مقابل تسلّم المبيع والانتفاع به والمفروض أنّه لم يتحقّق، فإذا غلب التقدير على تدبير العباد فيكون البائع هو المسؤول عن التلف لا المشتري.
وفيما ذكرنا من الأدلّة الثلاثة غنى وكفاية.

الكلام في أُمور:

1. هل القاعدة تشمل الثمن أو لا؟

هل القاعدة تختصّ بتلف المبيع، أو تعمّ تلف الثمن أيضاً عند المشتري قبل قبضه؟
الظاهر هو الثاني لما ذكرنا من أنّ الغاية من البيع عند العقلاء هي المعاوضة وانتفاع كلّ بما في يد الآخر من المتاع والثمن، فإذا امتنعت المعاوضة تسقط المسؤولية، فلا يكون للمشتري مسؤولية أمام البائع، كما هو المفروض، وبالعكس.
نعم ربّما يقال بشمول القاعدة للثمن أيضاً بلفظها، لأنّ المبيع يطلق ويراد به الأعمّ.1 ولكنّه لو صحّ فإنّما هو من باب المجاز ولا يصار إليه إلاّ

1 . جواهر الكلام :23/85 .

صفحه 314
بدليل، والأولى في التعميم ما ذكرنا من الدليل الثالث.

2. ما هو المراد من التلف؟

ثمّ إنّ المراد من التلف خروج العين المبتاعة عن حيز الانتفاع جزءاً أو كلاًّ، سواء بقيت العين كالأعيان المسروقة، أو لم تبق، كما إذا تلفت بالحرق. ولا فرق أيضاً بين تلف العين أو تلف الصفات كالفواكه الفاسدة، وذلك لما عرفت من أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبّدية وإنّما هي قاعدة عقلائية أمضاها الشارع، وبما أنّ الغاية من البيع هو انتفاع الطرفين من العوضين، فإذا امتنع الانتفاع لم يحصل الغرض، فلا محيص عن انحلال العقد، وعلى هذا فلا فرق بين تلف العين أو تلف الصفات الدخيلة في الغرض.
بل يمكن أن يقال شمول القاعدة لما يجب إتلافه شرعاً، كما إذا باع عبداً جنى قبل القبض أو ارتد كذلك، وبذلك يعلم أنّ تفسير صاحب الجواهر التلف بآفة سماوية تفسير بالفرد الغالب.1

3. لو امتنع المشتري من القبض

إذا كان البائع مستعدّاً للإقباض ولكن امتنع المشتري عن القبض، فهل التلف من مال البائع أيضاً أو لا؟
ففي «الجواهر»: أنّ الظاهر كونه من مال المشتري إذا كان عدم القبض لامتناع منه، بلا خلاف أجده فيه، لانصراف القاعدة إلى غير هذه الصورة.
بل قد يقال بذلك أيضاً إذا كان التأخير بالتماس من المشتري بعد

1 . جواهر الكلام:23/83.

صفحه 315
العرض عليه والتمكين منه، وفاقاً لجماعة، إمّا لأنّ مثله يسمّى قبضاً، أو لأنّ المراد من النبوي غيره.1
أقول: أمّا الشق الثاني ـ أعني: إذا كان التأخير بالتماس منه ـ فالضمان فيه على البائع، لأنّه مورد رواية عقبة بن خالد حيث قال المشتري: آتيك غداً إن شاء الله، فسرق المتاع.2
نعم الروايات منصرفة عن الشق الأوّل وهو امتناع المشتري، بل يمكن أن يقال إنّها خارجة عنها موضوعاً لصدق القبض عندئذ; لأنّه عبارة عن رفع الموانع عن استيلاء المشتري على المتاع وهو حاصل، بل ولولا النص لقلنا بخروج البائع عن الضمان في صورة الالتماس أيضاً لصدق القبض عرفاً.

4. إذا تلف المبيع بفعل المشتري أو الأجنبي أو البائع

الظاهر من التلف في الروايات هو التلف بآفة داخليّة، أو خارجة عن حيطة المتبايعين; فيقع الكلام فيما إذا تلف بفعل المشتري تسبيباً أو مباشرة، أو البائع كذلك، أو الأجنبي.
أمّا إذا تلف بفعل المشتري فلا شكّ أنّ إتلافه يعدّ قبضاً من غير فرق بين التسبيب والمباشرة.
وأمّا إذا تلف بفعل البائع فيرجع المشتري إليه بالمثل أو القيمة، ولا وجه لانحلال العقد.
وهذا بخلاف ما لو أتلفه الأجنبي، ففيه احتمالات:

1 . جواهر الكلام:23/83 .
2 . الوسائل:12، الباب10 من أبواب الخيار، الحديث1.

صفحه 316
1. يتخيّر المشتري بين الرجوع إلى الأجنبي والفسخ والرجوع بالثمن. وهذا ما نسبه صاحب الجواهر إلى المشهور.1
2. رجوع البائع إلى الأجنبي للأخذ بالمثل أو القيمة، وعندئذ يكون المشتري مخيّراً بين قبول البدل، أو فسخ العقد والرجوع بالثمن.
3. انحلال العقد وانفساخه ورجوع المشتري إلى الثمن فقط، والبائع إلى الأجنبي لعدم إمكان التقابض. ولعلّ الأخير هو الأقوى.

5. ما هو المراد من قوله:«من مال بائعه»؟

إنّ الظاهر من العبارة وقوع التلف في ملك البائع، حيث فرض أنّه من ماله، مع أنّ المفروض أنّه حين التلف كان ملكاً للمشتري، فوقوع التلف في مال البائع يلازم القول بأنّه ينفسخ العقد قبل التلف ويدخل المبيع في ملك البائع فيقع التلف في ملكه، فيصدق عليه أنّه من مال البائع، ويعبّر عنه بالضمان المعاملىّ.
فعلى هذا لابد من الالتزام بأمرين:
أ. تقدير دخول المبيع في ملك البائع قبل التلف.
ب. انحلال العقد وانفساخه.
والأمران مفهومان من قوله: «من مال بائعه»، إذ لا يمكن أن يكون الشيء الواحد بتمامه مالاً لشخصين، فإذا صار مالاً للبائع فلابدّ أن ينحل العقد وتخرج العين من ملك المشتري وتدخل في ملك البائع فيصدق أنّه من مال البائع.

1 . جواهر الكلام:23/83 .

صفحه 317
وهذا النوع من التقدير غير عزيز في الفقه، نظير:
1. إذا قال: «اعتق عبدك عنّي» فمعناه تمليك العبد للقائل ثم عتقه عنه.
2. إذا قال: «ألق متاعك في البحر» فبما أنّ الإتلاف في المورد يتحقّق بفعل المالك، فضمان الغير أعني: الآمر يتوقّف على تمليكه إيّاه ثم إتلافه بأمره.
3. إذا اشترى أحد العمودين فقد ورد في الرواية «أنّهم إذا مُلكوا عُتقوا»، والرواية تؤيد الملكية التقديرية ثم العتق، وعلى كلّ تقدير فالمتبادر من الرواية ما ذكرنا.
4. إذا قتل المورّث، يقدّر دخول الدية في ملك الميّت ثم تورث .
وعلى هذا لا تكون القاعدة مخالفة لسائر القواعد، لافتراض أنّ التلف على القول بالانفساخ والملكية التقديرية وقع في ملك البائع، لاالمشتري، فيكون هو الضامن لا المشتري.
وربّما يحتمل: أن يكون قوله:«فهو من مال بائعه» كناية عن كون الخسارة والغرامة عليه من دون أن ينحل العقد وينفسخ ويخرج المبيع من ملك المشتري، وعلى ذلك يجب على البائع دفع الخسارة والغرامة بالمثل أو القيمة، وهذا ما يعبّر عنه بالضمان الواقعي.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه مخالف لقوله: «فهو من مال بائعه»، ولو صحّ ما ذكر يجب أن يقول: فهو على بائعه.
وثانياً: أنّه مخالف لرواية الحجّاج الكرخي حيث قال: فليس للمشتري

صفحه 318
إلاّ رأس ماله.1 وقد مرّ الكلام فيه وعرفت كلام المحقق السبزواري في المقام.
وسيوافيك نظير هذا البحث في القاعدة الثانية فتربص حتّى حين.

6. حكم النماء بعد العقد وقبل التلف

لو كان للمبيع نماءٌ منفصل كاللبن والنتاج، فتلف المبيع قبل قبضه وبقي النتاج، المشهور أنّه للمشتري، لأنّه نماء ملكه، والمفروض أنّ الفسخ من حين الفسخ لا من حين العقد.
وبعبارة أُخرى: النماء حصل في ملك المشتري والفرع تابع للأصل فمن ملك الأصل ملك فرعه، والمفروض تأخّر الانفساخ عن وجود النماء.
أقول: المسألة مبنية على أنّ انحلال العقد من حين التلف أو من زمان العقد.
فلو قلنا بالأوّل فالنماء للمشتري لأنّه حصل في ملك المشتري، والفرع تابع للأصل، فلو خرج عن ملكه ودخل في ملك البائع فلا تبطل الملكية السابقة.
ولو قلنا بالثاني فهو للبائع والعرف يساعده حيث يعدّ تملّك المشتري للنماء أكل المال بالباطل بعد ما رجع المشتري إلى تمام ثمنه بل يراه مخالفاً للعدل والإنصاف، خصوصاً إذا كان النتاج كثيراً والبائع بعدُ لم يَقبض الثمن أو قبض وكانت المدّة قصيرة، وعندئذ فلا مناص من القول بالانحلال من رأس لا من زمان التلف. فالقول بكون النماء للبائع هو الأقوى.

1 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب السلف، الحديث2.

صفحه 319
فإن قلت: إذا كان الانحلال من حين العقد فما معنى كون المبيع داخلاً في ملك البائع قبل التلف، إذ لم يخرج عن ملكه حتى يدخل فيه ثانياً؟
قلت: لا منافاة بين الأمرين، فمن جانب أنّ العقد صحيح فلازم ذلك دخول المبيع في ملك المشتري إلى زمان تلفه، ومن جانب آخر أنّ التلف في مال البائع وانحلال العقد من حينه ودخوله في ملكه ثم انحلال العقد عند التلف، ويكفي في خروجه عن ملك المشتري ودخوله في ملكه تملّك البائع المبيع من حين العقد إلى زمان التلف اعتباراً.
فإن قلت: لازم ذلك الفرض كون شيء واحد ملكاً لشخصين في فترة واحدة وهي: بدء العقد إلى زمان الانحلال.
قلت: الاعتبار خفيف المؤونة، ويكفي في صحّته ترتّب الأثر والمسوّغ لهذين الاعتبارين، اختلاف زمانهما، فالأوّل من الاعتبارين كان في زمان العقد، والاعتبار الثاني كان حين الانحلال، فاختلاف زمان الاعتبارين كاف في صحّتهما وإن كان زمان المعتبَر واحداً.

7. شمول القاعدة لسائر العقود المعاوضية

هل القاعدة تختص بالبيع، أو تعمّ سائر العقود المعاوضية أيضاً كالإجارة والصلح بالعوض والهبة المعوّضة إلى غير ذلك من العقود الّتي يكون الغرض الأقصى منها التقابض والانتفاع؟
أمّا النصوص فلا يستفاد منها شمول القاعدة لغير البيع، غير أنّك عرفت أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبّدية تمنع عن الخروج عن إطار النص، وإنّما هي قاعدة عقلائية مطابقة لقضاء العرف في ذلك المجال.

صفحه 320
وعلى هذا فلا مانع من شمولها لكلّ عقد معاوضي، مثلاً إذا احترق البيت الّذي آجره أو عطبت الدابة المستأجرة قبل القبض، ينحل العقد لعدم إمكان العمل بما تعهّد، ومنه يعلم حال الصلح بالعوض والهبة المعوّضة.
وبالجملة كلّما امتنع العمل بالمسؤولية خصوصاً لأجل الأعذار العامّة، فالعرف يقضي بانحلال العقد لعدم إمكان العمل خصوصاً إذا امتنع بآفة سماوية حيث يتلقّى أنّ التقدير كان على خلاف التدبير.

8 . شمول القاعدة لتلف البعض

إذا وقع التلف على بعض المبيع، كما إذا باع طناً من الحنطة وتلف النصف منه، أو باع فرسين وعطب أحدهما، أو باع نعلين وضاع أحدهما.
قال العلاّمة: احتراق السقف أو تلف بعض الأبنية ]هو[ كتلف عبد من عبدين، لأنّه يمكن إفراده في البيع بتقدير الاتّصال والانفصال، بخلاف يد العبد، فهو أصحّ وجهي الشافعية، والآخر أنّه كسقوط يد العبد.1
أقول: المسألة مبنيّة على تعدّد المطلوب وأنّ الباقي مطلوب، والهالك مطلوب آخر، أو وحدته، بحيث لو هلك بعض الأجزاء لما رغب الطرف بالباقي لعدم الانتفاع المطلوب بالباقي أو قلّته.
وعلى هذا فلو تلف نصف طن من الحنطة فيمكن القول ببقاء العقد لا انحلاله، غاية الأمر للمشتري الخيار لتبعّض الصفقة، بخلاف ما إذا سرق أحد النعلين، فالغاية المطلوبة صارت غير ميّسرة والتقابض غير ممكن، فلا محيص إلاّ عن انحلال العقد.

1 . تذكرة الفقهاء: 10/119.

صفحه 321
وأمّا النصوص فلا يعلم منها حكم الجزء الهالك كما لا يعلم من معقد الإجماع، فلا محيص من عرض المورد على العرف وتحكيمه فيه.

9. شمول القاعدة للوصف المفقود

لو تلف وصف المبيع، سواء أكان المفقود وصف كمال أو وصف صحّة، ففيه وجهان:
1. خروج المورد عن تحت القاعدة بمعنى عدم انحلال العقد لإمكان التقابض والعمل بالتعهّد، فيكون العقد باقياً بحاله ويدخل المورد تحت قاعدة أُخرى وهي كون المشتري عندئذ مخيّر بين فسخ العقد وأخذ الأرش عند فقد وصف الصحّة، وله خصوص الردّ عند فقدان وصف الكمال. ونظير المقام، العيب الموجود قبل العقد إذا كان المشتري جاهلاً بالعيب حيث إنّه مخيّر بين الرد والأرش عند فقد وصف الصحّة، وله خصوص الرد عند فقد وصف الكمال.
2. شمول القاعدة للمورد لا بالنصوص الواردة،بل بمناطها وهو أنّ الغاية القصوى للمتعاقدين هو المبيع الموصوف أو المرئي، والمفروض أنّه عرض التلف لبعض صفاته وامتنع العمل بما تعهّد به البائع بكماله، فينحلّ العقد من حين التلف أو من حين العقد، ومقتضى القواعد عند المشهور هو الوجه الأوّل لكن يحتمل إلحاق الجميع بالقاعدة بالملاك الّذي عرفت.

10. حكم إبراء المشتري البائع عن ضمان المبيع

هل يجوز للمشتري أن يبرئ البائع عن ضمان المبيع، أو يبرئ البائع المشتري عن ضمان الثمن، أو لا؟

صفحه 322
قال العلاّمة في «التذكرة»: لو أبرأ المشتري البائع من ضمان المبيع لم يبرأ، وحكم العقد لا يتغيّر، وبه قال الشافعي.1
أقول: المسألة مبنيّة على أنّ ضمان البائع حكم شرعي فلا يسقط بإسقاط المشتري، أو هو حقّ للمشتري فله أن يسقط حقّه.
وربّما يقرّر وجه عدم جواز الإسقاط بأنّ انحلال العقد ورجوع العوض الموجود بعد تلف العوض الآخر إلى مالكه قبل العقد، أمر قهري وليس من فعل أحد المتعاقدين حتّى يكون من قبيل الخيار الّذي هو حقّ حلّ العقد وإبرامه كي يكون قابلاً للإسقاط كسائر الحقوق القابلة للإسقاط.
يلاحظ عليه: أنّ الانحلال أمر قهري عند التلف، ولكن المفروض أنّ إسقاط الضمان إنّما هو قبل التلف، ومن المعلوم أنّ انحلال العقد إنّما هو لأجل عدم تمكّن البائع من الوفاء بما تعهّد في حقّ المشتري، فإذا أسقط المشتري حقّه(ضمان البائع) قبل عروض التلف فلا يبقى موضوع لانحلال العقد حتى يقال: أنّه أمر قهري وليس من قبيل الخيار.
وبعبارة أُخرى: أنّه لا يُسقط انحلال العقد حتى يقال إنّه أمر قهري لا يقبل الإسقاط، بل يسقط ما يكون منشأ لهذا الأمر القهري غير القابل للإسقاط، فلاحظ.
***
تمّ الكلام في قاعدة
كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه

1 . تذكرة الفقهاء:10/113.

صفحه 323
قاعدة التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له   
القواعدة الفقهية
      20

قاعدة

التلف في زمن الخيار

ممّن لا خيار له

كلمات العلماء في القاعدة
هل القاعدة مختصّة ببيع الحيوان وتلفه في أيام الخيار أو لا؟
دراسة الروايات الواردة في هذا المضمار
اختصاص الروايتين بخيار الحيوان
الاستدلال على سعة القاعدة بوجهين، ونقدهما
حصيلة الكلام في الروايات
اختصاص القاعدة بتلف الحيوان بعد إقباض البائع للمشتري في الأيام الثلاثة
عدم شمول القاعدة للثمن
هل الحكم مختص بالمبيع المعيّن أو يعمّ الكلّي؟
هل الضمان معاملي أو واقعي؟
لو أتلف المشتري المبيع
حكم تعارض هذه القاعدة مع قاعدة (كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه)
قد اشتهر بين الفقهاء أنّ التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له. وإيضاح مفاد القاعدة ودليلها والفروع المترتّبة عليها رهن البحث في موارد:

صفحه 324

1. كلمات العلماء في القاعدة

قال المحقّق: إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه، وإن تلف بعد قبضه وبعد انقضاء الخيار فهو من مال المشتري.
وإن كان ] بعد القبض [ في زمان الخيار من غير تفريط وكان الخيار للبائع، فالتلف من المشتري، وإن كان الخيار للمشتري فالتلف من البائع .1
وقال العلاّمة في «القواعد»: وإن تلف بعد قبضه وانقضاء الخيار فهو من مال المشتري، وإن كان في مدّة الخيار من غير تفريط، فمن المشتري إن كان الخيار للبائع أو لهما أو لأجنبي، وإن كان للمشتري خاصّة فمن البائع .2
وقال في «التحرير»: إذا تلف المبيع في زمن الخيار قبل القبض، انفسخ البيع، وكان من ضمان البائع; وإن كان بعد القبض، والخيار للبائع فالتلف من المشتري، وإن كان للمشتري فالتلف من البائع، ولو كان مشتركاً فالتلف من المشتري.3
وقال السيد العاملي: إذا تلف المبيع بعد قبضه وقبل انقضاء الخيار، بل في مدّته وزمنه; فقد حكم المصنّف هنا وفي «التذكرة» والمحقّق الثاني والفاضل الميسيّ أنّه يكون من المشتري إن كان الخيار للبائع أو لهما أو لأجنبيّ، وأنّه إن كان للمشتري خاصّة فمن البائع.
وهو فيما عدا الأجنبيّ وما عدا ما إذا كان الخيار لهما على ما ستعرف الحال فيه موافق لما في «السرائر» و«جامع الشرائع» لابن سعيد و«الإرشاد»

1 . شرائع الإسلام: 2 / 23 ـ 24 .
2 . قواعد الأحكام: 2 / 69، في أحكام الخيار.
3 . تحرير الأحكام: 2 / 296 .

صفحه 325
و«شرحه» لولده و«مجمع البرهان» من أنّ التلف إن كان في مدّة الخيار فهو ممّن لا خيار له.
وهو معنى ما في «الشرائع» و«التحرير» و«التذكرة» و «المسالك» و«المفاتيح» من أنّه إن كان الخيار للبائع فالتلف من المشتري، وإن كان للمشتري فالتلف من البائع.
ولا أجد في شيء من ذلك خلافاً.1
وهذه الكلمات تعرب عن أنّ مصبّ القاعدة إنّما هو بعد القبض، وهل للقاعدة سعة من جهة الأُمور الأربعة :
1. من جهة المبيع حيواناً كان أو غيره.
2. من جهة الخيار، خيار حيوان كان أو غيره.
3. من ناحية سبب التلف، بسبب داخلي كان أو خارجي.
4. من جهة ذي الخيار، مشترياً كان أو بائعاً. وإثبات قاعدة بهذه السعة رهن أدلّة قاطعة، وهو موكول إلى المستقبل .

2. هل القاعدة مختصّة ببيع الحيوان وتلفه في أيام الخيار أو لا؟

ربّما يقال باختصاص القاعدة ببيع الحيوان أوّلاً، واختصاص الخيار بخيار الحيوان ثانياً الّذي حدّده الشرع بثلاثة أيام، واختصاص التلف بالتلف

1. مفتاح الكرامة: 3 / 1028. وسيوافيك أنّ مورد القاعدة نصّاً واعتباراً فيما إذا كان البيع لازماً من جانب البائع، وجائزاً من جانب المشتري، وأمّا العكس فخارج عن مصبّ القاعدة وموردها، فما ذكره العلاّمة في القواعد والتحرير والعاملي في مفتاحه من تصوير كون العقد جائزاً من جانب البائع ولازماً من المشتري، لا صلة له بمورد القاعدة، فانتظر.

صفحه 326
بآفة داخلية كالمرض، وعندئذ تكون القاعدة من فروع القاعدة السابقة، أعني: «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» .
توضيح ذلك: أنّ الحيوان يفترق عن سائر الموجودات فهو في معرض الأمراض والعيوب، وربّما يغيب المرض عن عين المشتري ويظهر بعد مضيّ أيام، ولأجل ذلك جعل الشارع للمشتري خيار ثلاثة أيام لكي تُعلم صحّته وبراءته من العيب .
فإذا تلف في زمن الخيار فقد تلف بعيب داخلي كان غائباً عن عين المشتري، ومن المعلوم أنّ البائع لا يخرج عن الضمان إلاّ بإقباض حيوان صحيح، وتلفه في أيام الخيار أوضح دليل على أنّه لم يُقبض بما تعهّد به. فهو وإن أقبض حيواناً ولكن المبيع هو الحيوان الصحيح، فيكون التلف في ضمن الثلاثة كتلف شيء لم يقبض.
ويدلّ على ذلك (قبض المعيب بمنزلة عدمه) أنّ المشهور يتعاملون مع الصحّة والعيب معاملة الأجزاء، فكما أنّ تخلّف الجزء يورث الخيار والأرش، فهكذا تخلّف وصف الصحّة يوجب كون المشتري مخيّراً بين الأرش والخيار، وليس أخذ الأرش عند فقد الصحّة عقوبة ماليّة، بل هو استرداد للثمن بنسبة العيب الّذي هو بمثابة النقصان، فعندما لم يخرج البائع عن ضمان تمام الثمن بتسليم المعيب فلم يُقبض ما تعهّد به تمام القبض، فلو تلف بآفة داخلية، فكأنه تلف قبل القبض .1
أقول: ما ذكره متين إذا ثبت اختصاص القاعدة ببيع الحيوان أو خياره

1 . الفوائد لآية الله ميرزا صادق التبريزي: 72 ـ 74 .

صفحه 327
وتلفه بآفة داخلية، فيكون التلف بعد القبض في الأيام الثلاثة كالتلف قبل القبض، كما عرفت أنّ قبض الناقص (المعيب) كلاّ قبض، وعندئذ لا تكون قاعدة مستقلّة. وتكون القاعدة بحكم اتّحادها مع القاعدة السابقة موافقة للقاعدة بالمعنى الّذي تقدّم في القاعدة الأُولى. نعم إنّما تكون موافقة للقاعدة إذا كانت محدّدة بالأُمور الثلاثة: كون المبيع حيواناً، والخيار خيار حيوان، والتلف بآفة داخلية.
وربّما يُتصوّر أنّ القاعدة بسعتها ـ من جانبين: (الخيار غير المختصّ بخيار الحيوان، وسبب التلف الشامل بسبب داخلي أو خارجي) موافقة للقواعد ـ على خلاف ما قرّرناه إذ أنكرنا سعتهاقائلاً بأنّ ملكية ذي الخيار لما دخل في ملكه بسبب المعاملة، متزلزلة، وكذلك خروج ما خرج]الثمن [متزلزل، متوقّف على بقاء ما دخل في ملكه، فإذا وقع عليه التلف قهراً تنفسخ المعاملة ولا يبقى مورد للتأمّل والنظر حتّى يختار الفسخ أو الإبرام، فحكمة جعل الخيار في الحيوان ثلاثة أيّام، أو جعل الخيار والشرط من نفس المتعاقدين يقتضي أن يكون الضمان أي المسمّى ينتقل ثانياً ممّن ليس له الخيار إلى الّذي له الخيار.1
يلاحظ عليه: بأنّ مجرد كون المشتري ذا خيار لغاية التروّي في المبيع لا يكون دليلاً على ضمان البائع إلاّ في صورة واحدة، وهي ما إذا كان التلف لعامل داخلي كان موجوداً قبل القبض، وإلاّ فالقول بسعة القاعدة في مورد المبيع أوّلاً وسعة الخيار الشامل لخيار الحيوان وغيره ثانياً، وتعميم استناد

1. القواعد الفقهية للسيد البجنوردي:2/134. وقد وصفه القائل بأنّه استحسان، ومعه كيف يمكن الاعتماد عليه؟! وما ذكره موجود في كلام صاحب السرائر، كما سيوافيك.

صفحه 328
التلف إلى عامل داخلي وخارجي ثالثاً، لا يكون سبباً لضمان المقابل.

3. دراسة الروايات الواردة في هذا المضمار

1. موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوماً أو يومين، فماتت عنده وقد قطع الثمن، على مَن يكون الضمان؟! فقال: «ليس على الّذي اشترى ضمان حتّى يمضي شرطه».1
عبّرنا عن الرواية بالموثّقة، لوقوع حميد بن زياد الثقة الواقفي، والحسن بن محمد بن سماعة الذي هو من شيوخ الواقفة في سند الرواية، وقوله:«فيه عن غير واحد» ربّما يخرجه عن الإرسال، فلاحظ. وعلى كلّ تقدير فالرواية حجّة ويؤيّدها ما سيوافيك من صحيحة ابن سنان.
ودلالة الرواية على أنّ تلف الأمة في أيّام الخيار على البائع الّذي لا خيار له، واضحة، غير أنّ الكلام في سعة القاعدة.
وذلك لأنّ المبيع أمة، وللمشتري فيها خيار ثلاثة أيّام اشترط أم لم يشترط، والظاهر أنّ المشتري غفل عن الخيار المجعول شرعاً، ولذلك شَرط على البائع يوماً أو يومين.
إنّما الكلام في قوله (عليه السلام): «ليس على الّذي اشترى ضمانٌ حتّى يمضي شرطه». فهل المراد من مضيّ الشرط هو مضي يوم أو يومين، أو المراد الخيار المجعول شرعاً؟ وربّما يطلق الشرط ويراد منه الخيار كما يأتي في صحيحة ابن سنان، فلعلّ الإمام(عليه السلام) حكم بالضمان لأجل الخيار المجعول شرعاً لا لما

1. الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 329
اشترطه المشتري على البائع من خيار يوم أو يومين حتّى تكون الرواية دليلاً على شمول القاعدة لخيار الشرط، ومع هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بسعة القاعدة وعمومها لغير خيار الحيوان.
ويؤيّد ما ذكرنا الرواية التالية حيث إنّ الإمام (عليه السلام)قال فيها: «على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري» فركّز الإمام على مضي ثلاثة أيّام لا على ما اشترط من يوم أو يومين، فيكون السبب هو خيار الحيوان لا مطلق الخيار .
2. صحيحة عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث، على مَن ضمان ذلك؟ فقال: «على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري»، هذا على نقل الكليني ورواها الشيخ بالتهذيب مذيّلة بالذيل التالي: «وإن كان بينهما شرط أياماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط، فهو من مال البائع».1

4. اختصاص الروايتين بخيار الحيوان

ودلالة الروايتين على أنّ تلف الدابة أو العبد في أيّام الخيار من البائع واضحة، لكن الكلام في سعة القاعدة حيث إنّ المبيع فيها هو الدابة أو العبد وللمشتري فيهما خيار ثلاثة أيّام، وهو وإن شرط الخيار يوماً أو يومين لكن

1. الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2. والمجموع حديث واحد روى في الوسائل صدره في الباب 5 وذيله في الباب 8. والشيخ نقله في التهذيب:7/24 حيث قال بعد نقل ما رواه الكليني: وإن كان... إلخ.

صفحه 330
الإمام (عليه السلام)أعرض عن شرطه، وحكم بأنّ التلف على البائع ضمن ثلاثة أيّام، لا أنّه ذو خيار في ضمن يوم أو يومين .
وهذا ربما يكون قرينة على أنّ التلف من البائع لأجل خيار الحيوان لا لخيار الشرط بقرينة أنّ الإمام (عليه السلام)قال: «حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري».
ويؤيد ذلك أنّ الصدوق رواه مرسلاً إلاّ أنّه قال: «لا ضمان على المبتاع حتّى ينقضي الشرط ويصير البيع له»1 وأراد من الشرط خيار الحيوان لا الشرط المجعول من جانب المشتري، بقرينة قوله: «حتّى ينقضي الشرط ويصير البيع له» ولا يصير المبيع له إلاّ بعد مضيّ ثلاثة أيّام لا بعد مضيّ يوم أو يومين.
وبهذا يتّضح ما ذكرناه في الموثّق (حديث عبدالرحمن بن أبي عبدالله) فإنّ حكم الإمام بضمان البائع كان مبنيّاً على كون المشتري ذا خيار شرعي في مورد الحيوان، والتجاوز عن المورد (كون المبيع حيواناً والخيار خيار حيوان والمشتري هو صاحب الخيار) يحتاج إلى دليل قاطع.
وبالجملة استفادة العموم من الروايتين أمرٌ غير تام، أي عموم الرواية لمطلق المبيع، سواء أكان حيواناً أو لا، عمومها لمطلق الخيار، سواء أكان خيارَ حيوان أو خيار شرط، وعمومها لمطلق ذي الخيار، سواء كان المشتري أو البائع. بل اللازم الاقتصار على مورد النص إلاّ أن يدلّ دليل آخر على السعة والشمول .

1 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب الخيار، في ذيل الحديث 2 .

صفحه 331

5. الاستدلال على سعة القاعدة بوجهين ونقدهما

1. إنّ قوله في صحيحة ابن سنان: «حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري» مفيد للعلّية، وعلى ذلك يكون معنى الحديث أنّ كلّ مَن لم يستقرّ عليه المال لكونه ذا خيار، ويقدر أن يسلب ملكيّته عن نفسه، فتلف ماله على غيره، أي بالتلف تنفسخ المعاملة ويدخل التالف قبل التلف آناً ما في ملك من لا خيار له ثم يتلف من ماله ، وعلى هذا فلا فرق بين الخيار الثابت للبائع أو المشتري، ولا بين خيار الحيوان والشرط وغيرهما من خيار المجلس وخيار تخلّف الشروط الضمنية.1
يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر أنّ لفظة «حتّى» للغاية لا للعلّية، والشاهد على قوله: «على من ضمان ذلك» فقال:«على البائع حتّى ينقضي الشرط»، أي الضمان عليه مستمر إلى انقضاء الشرط ، وقوله: «ويصير المبيع للمشتري» تأكيد له ولا يصير له إلاّ إذا انقضى الخيار بتمامه.
فبذلك يظهر أنّ استظهار عموم الرواية لخيار الشرط غير صحيح وإن تلقّاه الشيخ الأعظم كونه مورد إجماع إذ قال: إنّ الخيار إذا كان للمشتري فقط من جهة الحيوان فلا إشكال ولا خلاف في كون المبيع في ضمان البائع. وكذلك الخيار الثابت له من جهة الشرط بلا خلاف في ذلك.(2)
2. قوله (عليه السلام)في ذيل صحيحة ابن سنان: «وإن ما كان بينهما شرط أيّاماً معدودة فهلك في يد المشتري فهو من مال بائعه». الذي تفرّد بنقله الشيخ في «التهذيب».2

1. منية الطالب: 2 / 177. وقد نقل الاستدلال ثم ردّ عليه .   2 . كتاب المكاسب:6/173.
2. الوسائل:18، الباب8 من أبواب الخيار، ذيل الحديث2 ولاحظ التهذيب:7/24، الحديث20.

صفحه 332
قال الشيخ: ولو كان للمشتري فقط خيار المجلس دون البائع فظاهر قوله(عليه السلام): «حتّى ينقضي شرطه ويصير المبيع للمشتري» أنّه كذلك1 بناءً على أنّ المناط انقضاء الشرط الّذي تقدّم أنّه يطلق على خيار المجلس في الأخبار، بل ظاهره أنّ المناط في رفع ضمان البائع صيرورة المبيع للمشتري واختصاصه به بحيث لا يقدر على سلبه عن نفسه (وعلى هذا تشمل الرواية عامّة الخيارات) وإلى هذا المناط ينظر تعليل هذا الحكم في «السرائر» حيث قال:
فكلّ مَن كان له خيار، فالمتاع يهلك من مال من ليس له خيار، لأنّه قد استقر عليه العقد والّذي له الخيار ما استقر عليه العقد ولزم، فإن كان الخيار للبائع دون المشتري وكان المتاع قد قبضه المشتري وهلك في يده، كان هلاكه من مال المشتري دون البائع، لأنّ العقد مستقر على المشتري لازم له.2
ثمّ إنّ الشيخ استنبط ممّا ذكر كلّية القاعدة وقال: ومن هنا يعلم أنّه يمكن بناءً على فهم هذا المناط طرد الحكم في كلّ خيار، فتثبت القاعدة المعروفة من «أنّ التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له» من غير فرق بين أقسام الخيار ولا بين الثمن والمثمن كما يظهر من كلمات غير واحد من الأصحاب. ثمّ نقل الكلمات.3
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مقتضى الجمود على ما في صدر الرواية هو حمل

1. إشارة إلى ما تقدّم في كلامه من تلف الحيوان في زمن الخيار للمشتري.
2. كتاب المكاسب: 6 / 175 ـ 176. لاحظ: السرائر:2/277.
3. المكاسب:6/176.

صفحه 333
الشرط، على أحد اليومين (اليوم أو اليومين) اللّذين جعل المشتري الخيار لنفسه فيهما لا على خيار المجلس، ومجرد استعمال الشرط في خيار المجلس نادراً1 لا يكون دليلاً على حمل الرواية عليه، فالمراد من الشرط هو الشرط المجعول لا خيار المجلس .
وثانياً: يمكن أن يقال: إنّ ما في ذيل الرواية أعني: قوله: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة» فالظاهر منه أيضاً هو الأيّام الثلاثة في بيع الحيوان. خصوصاً أنّ كون المبيع هو الحيوان وتصريحه بثلاثة أيّام في صدر الرواية يمنع عن انعقاد الإطلاق لذيل الرواية، أعني: قوله: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة». والتمسّك بالإطلاق إنّما يصحّ إذا لم يكن مكتنفاً ممّا يصلح للقرينية، وصدر الرواية صالح لصرف الذيل عن الإطلاق، ولا أقل تصبح الرواية مجملة لا تصلح للاستدلال.
وثالثاً: أنّ ما نقله عن صاحب السرائر فالدليل فيه هو نفس المدّعى; لأنّ تزلزل البيع من جانب أحد الطرفين واستقراره من الجانب الآخر لا يكون دليلاً على سوق التلف إلى من لا خيار له بعد ما تلف تحت يده وقبضه، ومجرد أنّ مَن له الخيار له التروّي والتأمّل في الأخذ والردّ لا يكون دليلاً على تحمّل الآخر غرر المبيع بعد القبض، اللّهم إلاّ إذا كان المبيع حيواناً وتلف في ثلاثة أيّام وكشف التلف عن وجود مرض فيه كان مخفياً عن المشتري، فعندئذ يصحّ أن يحتج على البائع بأنّه لم يقبض ما تعهّد به.
وكان على الشيخ أن يستدلّ بصدر الرواية مكان الاستدلال بذيلها.

1. قلنا: «نادراً» لاعتراف محقّق كتاب المكاسب بأنّه لم يعثر على ذلك صريحاً.

صفحه 334
إلى هنا ظهر أنّ كلاًّ من الروايتين لا ينهض لإثبات السعة، فلندرس ما بقي من الروايات.
3. ما رواه عبدالله بن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جعفر بن محمد (عليه السلام)قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في رجل اشترى عبداً بشرط ثلاثة أيّام فمات العبد في الشرط، قال:يستحلف بالله ما رضيه، ثم هو بريء من الضمان».1
والمبيع في الرواية هو الحيوان ويكون الخيار هو خياره لا مطلق الخيار، وقوله: «بشرط ثلاثة أيّام» يمكن أن يكون إشارة إلى الثلاثة المعروفة في بيع الحيوان، ولعلّ الخيار في هذه الأيام كان سائداً أيضاً في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وما بعده، فلا يدلّ على عموم الحكم وشموله لمطلق المبيع والخيار والتلف .
والظاهر أنّ الاستحلاف بالله بعدم رضاه، كناية عن عدم إسقاطه خيار الحيوان.
4. ما رواه الحسن بن علي بن رباط، عمّن رواه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيّام فهو من مال البائع» 2.
يلاحظ عليه: بمثل ما تقدّم من عدم دلالته على القاعدة بسعتها في الجهات الأربع: مبيعاً، خياراً، سبباً، ومتعاقداً.

1 . الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 4.
2 . الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 5 .

صفحه 335

6. حصيلة الكلام في الروايات

هذا مجموع ما يمكن الاستدلال به على عموم القاعدة، وقد عرفت قصورها في إثبات سعة القاعدة، مضافاً إلى أنّه لو كان الحكم على سعته في الموارد الأربعة: المبيع، الخيار، وسبب التلف، والمتعاقد، يلزم أن يرد في الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ما يصرّح بذلك، وأمّا ما مضى من الروايات فهي أقصر من أن تثبت سعة القاعدة مع احتفاف الكل بالقرائن الّتي تؤيد اختصاص الحكم بتلف الحيوان بعد قبضه في ثلاثة أيّام.
وربّما يستدلّ بالروايتين التاليتين.
5. ما رواه إسحاق بن عمّار قال: حدّثني مَن سمع أبا عبدالله (عليه السلام)وسأله رجل وأنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه وتكون لك أحب إليّ من أن تكون لغيرك، على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردها عليّ؟ فقال: «لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه»، قلت: فإنّها كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة، لمن تكون الغلّة؟ فقال: «الغلّة للمشتري، ألا ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله ».1
6. وما رواه معاوية بن ميسرة قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجل باع داراً له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الّذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط إنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال: «له شرطه». قال له أبو الجارود: فإنّ ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين، قال: «هو ماله»، وقال أبو عبدالله (عليه السلام): «أرايت لو أنّ الدار

1 . الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 336
احترقت مِن مال مَن كانت؟ تكون الدار دار المشتري ».1
وجه الدلالة في الروايتين هو أنّ الإمام(عليه السلام) قد حكم بأنّه لو تلفت الدار لكانت من مال المشتري الّذي لا خيار له دون البائع الّذي هو ذو خيار، فتدلاّن على مفاد القاعدة، أعني: تلف المبيع (الدار) في زمن الخيار، من (المشتري) الّذي لا خيار له .
ونقل السيد العاملي عن «مجمع البرهان» أنّه قال: إنّ دليل المسألة بفروعها غير ظاهر، وفي الكفاية: لا أعرف في المسألة مستنداً سوى الروايات الخمس 2، فينبغي إناطة الحكم بها .
وأراد بالروايات الخمس: رواية إسحاق بن عمّار الواردة في خيار الشرط الدالّة على أنّ التلف من المشتري بعد القبض حيث إنّه لا خيار له، ورواية معاوية بن ميسرة الّتي هي مثل رواية إسحاق، والروايات ] الأربع [الواردة في خيار الحيوان المتضمّنة أنّ التلف من البائع حتّى ينقضي شرط المشتري وخياره، وقد بينّا الحال فيها فيما مرّ .3
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الإمام يؤكّد على أنّ الخراج للمشتري، مستدلاًّ بأنّه لو تلف لكان من ماله، فإذا كانت الحال كذلك فالخراج أولى أن يكون له لا لغيره من دون نظر إلى أن البائع ذو خيار أو لا. والمشتري لا خيار له بل الخيار وعدمه مغفولان في ثبوت الحكم.

1. الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3. وفي بعض النسخ «الحاضر»، ولعلّ المراد من يكتب العقد بين الطرفين .
2 . الأولى أن يقول: الستّ كما عرفت منّا.
3 . مفتاح الكرامة: 10 / 1031 .

صفحه 337
وبعبارة أُخرى: أنّ حال البائع سواء أكان ذا خيار أو لا ليست مؤثّرة في حكم الإمام (عليه السلام)بالضمان، وإنّما المؤثّر هو أنّ كلّ مَن يكون التلف من ماله، فأولى أن يكون الخراج له .
ولو استدلّ بالروايتين على القاعدة المعروفة «الخراج بالضمان» بالمعنى الصحيح عندنالا عند غيرنا لكان أولى .
وبما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده الشيخ الأعظم حيث قال: ومن هنا يعلم أنّه يمكن بناءً على فهم هذا المناط، طرد الحكم في كلّ خيار، فتثبت القاعدة المعروفة: «أنّ التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له» من غير فرق بين أقسام الخيار، ولا بين الثمن والمثمن، كما يظهر من كلمات غير واحد من الأصحاب، بل نسبه جماعة إلى إطلاق الأصحاب .1

عودة إلى صحيحة ابن سنان

أقول: أقصى ما يستفاد من صحيحة ابن سنان أنّه لو تمّت القاعدة في غير خيار الحيوان فإنّما تتمّ في شرط الخيار بشرط أن يكون المبيع حيواناً وتلف بعد الثلاثة، لأنّ التلف في الثلاثة من مال البائع للنصوص المتضافرة، ولا حاجة في كون التلف من مال البائع فيها للشرط لوجود خيار الحيوان، وإنّما الحاجة لها بعد انقضاء الثلاثة. والإمام يركّز على الشرط كما هو ظاهر ذيل صحيحة ابن سنان، أعني قوله: «وإن كان بينهما شرطٌ أيّاماً معدودة» بناء على حمل الشرط على شرط الخيار لكن في مورد الحيوان، كلّ ذلك على تأمّل.

1 . كتاب المكاسب: 6 / 176 .

صفحه 338
وممّا يدلّ على أنّ القاعدة لا تشمل خيار الغبن والعيب وتخلّف الشرط وتدليس المشتري وتبعّض الصفقة، أنّ المتبادر من قوله: «ويصير المبيع للمشتري» هو المتزلزل من أوّل الأمر، ولا يشمل المتزلزل المسبوق باللزوم بأن يكون المبيع في ضمان المشتري بعد القبض ثم يرجع بعد عروض التزلزل إلى ضمان البائع. كما هو الحال في الخيارات الخمسة المذكورة.
اللّهم إلاّ إذا قيل بوجود الخيار من أوّل الأمر وظهوره بظهور سببه وهوالغبن والعيب.
وإلى بعض 1 ما ذكرنا يشير الشيخ الأعظم بقوله: إنّ ظاهر الرواية استمرار الضمان الثابت قبل القبض إلى أن يصير المبيع لازماً على المشتري، وهذا مختصّ بالبيع المتزلزل من أوّل الأمر، فلا يشمل المتزلزل المسبوق باللزوم، بأن يكون المبيع في ضمان المشتري بعد القبض ثم يرجع بعد عروض التزلزل إلى ضمان البائع، فاتّضح بذلك أنّ الصحيحة مختصّة بالخيارات الثلاثة، على تأمّل في خيار المجلس .2

7. اختصاص القاعدة بتلف الحيوان بعد إقباض البائع للمشتري في الأيام الثلاثة

إنّ الفقيه إذا تجرد عمّا ذكره الأصحاب حول هذه القاعدة وأمعن النظر في دليلها يذعن بأنّه لا سعة للقاعدة، وأنّ موردها تلف الحيوان بعد قبض البائع للمشتري في الأيام الثلاثة، وأقصى ما يمكن أن يقال: شمولها لشرط

1 . إنّما قلنا البعض، لأجل عدم شمول الرواية عندنا لخيار المجلس وإن قال به الشيخ الأعظم (قدس سره). على تأمّل.
2. كتاب المكاسب: 6 / 181. يريد بالخيارات الثلاثة: خيار الحيوان، وشرط الخيار، وخيار المجلس.

صفحه 339
الخيار في خصوص الحيوان بعد ثلاثة أيّام إذا تلف فيها لقوله(عليه السلام) في صحيحة ابن سنان:«وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة فهلك في يدي المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع».1 ولا يعمّ غير هذين الموردين2، وأنّ ما اُستدلّ به على سعة الحكم لا يتجاوز حد الإشعار ولا يمكن الاعتماد عليه، لكون الحكم على خلاف القاعدة .
ومن حُسنِ الحظ أنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)ممّن ذهب إلى اختصاص هذا الحكم بخيار الحيوان وشرط الخيار إذا كان مورد الشرط بيع الحيوان.3قال (قدس سره): والإنصاف أنّ التعدّي عن مورد الرواية إلى غيره، غير وجيه، فإلحاق خيار المجلس به في غير محلّه، ومجرد إطلاق الشرط عليه، لا يوجب التعدّي، بعدما كان المراد «بالشرط» في الروايات هو خيار الحيوان .
بل في التعدّي إلى خيار الشرط في غير الحيوان أيضاً كلام بعد ما كانت الروايات مختصّة بالحيوان . ولم يكن له مستند إلاّ ذيل صحيحة ابن سنان على رواية «التهذيب» وهو قوله (عليه السلام): «حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام، ويصير المبيع للمشتري، شرط له البائع أو لم يشترطه».4
قال: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط، فهو من مال البائع»5 بدعوى: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً

1 . الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2 .
2. خيار الحيوان، وشرط الخيار فوق الثلاثة في الحيوان.
3. وقد تقدّم منّا ذلك قبل قليل عند قولنا: «أقصى ما يمكن أن يقال» .
4 . لاحظ : الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2 و3 .
5. الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2. والروايتان في الحقيقة رواية واحدة حصل التعدّد لأجل التقطيع كما مرّ.

صفحه 340
معدودة»، شامل للزائد على ثلاثة أيّام، ويعمّ ما إذا كان في بيع غير الحيوان إذا كان الشرط للمشتري بقرينة قوله: «من مال بائعه» .
إذ يمكن أن يقال: إنّ صدر الرواية وجميع فقراته إلى قوله هذا، مخصوص بالحيوان، وهو قرينة على أنّ المراد من الذيل أيضاً، الشرط في الحيوان، وإنّما ذكر ذلك لبيان عدم الاختصاص فيه بالثلاثة ; وذلك لخصوصية فيه]الحيوان[ أوّلاً، ولظهوره في الاختصاص بخيار المشتري الّذي مرّ حكمه في ثلاثة أيّام ثانياً، وإلاّ فلو كان الحكم لخيار الشرط مطلقاً، كان المبيع حيواناً أو لا، لم يكن وجه لاختصاصه بالمشتري; ضرورة عدم الفرق في شرط الخيار بينه وبين البائع، فالإطلاق فيها محلّ إشكال.
نعم، لا إشكال في استفادة أمر زائد منها بالنظر إلى الذيل، وهو الشرط الزائد على ثلاثة أيّام.
والإنصاف: أنّ دعوى اختصاص الروايات جميعاً بالشرط في الحيوان، غير مجازفة.
ولو سلّم إلحاق خيار الشرط مطلقاً سواء كان المبيع حيواناً أو غيره بالحيوان، فلا ينبغي التأمّل في عدم إلحاق خيار المجلس، فضلاً عن سائر الخيارات; لفقد الدليل بعد كون الحكم على خلاف القواعد.1
نعم قال صاحب الجواهر بشمول الحكم بخيار الحيوان والشرط، لكن عمّم متعلّق الشرط ولم يفرّق بين كونه حيواناً أو داراً .2

1 . كتاب البيع: 5 / 463 .
2. لاحظ جواهر الكلام: 23/89، كتاب البيع. وبهذا ظهر الفرق بين القولين بعد اشتراكهما في شمول الرواية لشرط الخيار لكن السيّد الأُستاذ خصّه بالحيوان، وعمّمه صاحب الجواهر عليه وعلى غيره.

صفحه 341
كما عمّم الشيخ الأعظم وقال بجريان القاعدة في خيار المجلس، وأبعد الأقوال القول بجريانها في الخيارات الزمانية وغيرها، وهو خيرة السيد الطباطبائي في تعليقته.1
وأقصى ما عند الأخير من الدليل التمسّك بقوله: «حتّى يصير المبيع للمشتري»، وقد عرفت ضعف الاستدلال.
وبذلك ظهر أنّ الأقوال في مفاد القاعدة، خمسة:
1. يختصّ الحكم بخيار الحيوان.
2. يشمل شرط الخيار أيضاً بشرط كون المبيع حيواناً. وهو خيرة سيدنا الأُستاذ.
3. ذلك القول لكن يعمّ الحيوان وغيره. وهو خيرة صاحب الجواهر.
4. يشمل خيار المجلس. كما عليه الشيخ الأنصاري.
5. يعمّ عامّة الخيارات.كما هو ظاهر المشهور.

8 . عدم شمول القاعدة للثمن

إذا باع البائع وجعل لنفسه خياراً في عدّة أيّام وقبض الثمن وتلف عنده، فهل يكون التلف من مال من لا خيار له حتّى لو كان المبيع حيواناً؟
تظهر الحال فيه ممّا قدّمناه حيث قلنا بوجود القصور في دلالة الروايات على سعة الحكم، وأنّها مختصّة بتلف المبيع إذا كان حيواناً ولا تشمل الثمن .

1. يلاحظ: تعليقة السيد الطباطبائي: 169، مبحث الخيارات .

صفحه 342
قال السيد العاملي: وأمّا إذا تلف الثمن بعد قبضه والخيار للبائع فهذا محل إشكال ; لأنّ الأصل بمعنى القاعدة يقضي بأنّ التلف من البائع لا من المشتري، ولم يتعرّض أحد لحال هذا الفرع أصلاً، والمقدّس الأردبيلي إنّما تعرض لحال الثمن قبل القبض، والأخبار إنّما وردت في المبيع، وخبر عقبة1 وإن كان يشم منه التعميم إلاّ أنّه صريح في ما قبل القبض .2
واستدلّ الشيخ الأعظم على عموم القاعدة بوجهين:
1. عمومية المناط وهو كون العقد خياريّاً من جانب، ولازماً من جانب آخر.
2. استصحاب ضمان المشتري له الثابت قبل القبض.3
وكلا الوجهين غير تاميّن:
أمّا الأوّل، فلأنّ الأخذ بالمناط، إنّما يصحّ إذا كان قطعيّاً لا ظنيّاً كما في المقام، خصوصاً أنّ الحكم في المبيع على خلاف القاعدة وخلاف السيرة المألوفة بين العقلاء.
وأمّا الثاني، فهو أشبه بإسراء حكم من موضوع (ضمان المشتري قبل إقباضه، نظير ضمان البائع للمبيع قبل إقباضه) إلى موضوع آخر، (وهو ضمانه للثمن بعد إقباضه للبائع، نظير ضمان البائع للمبيع بعد إقباضه للمشتري) فإنّ الضمان بعد الإقباض موضوع جديد لا يصحّ إسراء حكم ما قبل القبض إلى ما

1. الوسائل: 12، الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1. مرّ الحديث في قاعدة: كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه. لاحظ القاعدة رقم 19، ص 306 من هذا الكتاب.
2 . مفتاح الكرامة: 10 / 1032 .
3. كتاب المكاسب:6/181.

صفحه 343
بعده، إلاّ إذا دلّ عليه دليل كما في مورد المبيع إذا كان حيواناً.

9 . هل الحكم مختصّ بالمبيع المعيّن أو يعمّ المبيع الكلّي؟

الإمعان في الروايات يعطي أنّ الضمان من خصائص كون المبيع حيواناً على المختار، غاية الأمر يعمّ التلف في الثلاثة أو فوقها إذا كان للمشتري شرط الخيار، وعلى هذا لا موضوع لهذا البحث; لأنّ المبيع في الذمّة إنّما يصحّ في المثليات لا في القيميات، والأنعام الثلاثة من القيميات. نعم على القول بعموم القاعدة بغير الحيوان يصحّ البحث في شمولها للكلّي أولا، فلو فرضنا أنّه باع طُناً من حنطة وكان البيع قطعيّاً من جانب البائع وخيارياً من جانب المشتري، فهل يحسب تلف المبيع الكلّي إذا أقبضه بتسليم فرد منه، على البائع أو لا؟
ربما يقال بالشمول قائلاً بأنّ المبيع وإن كان كلّياً لكنّه يكون معيّناً بتسليم فرد منه، فلا فرق بين كونه معيّناً من أوّل الأمر، أو صار معيّناً بتسليم فرد منه والخروج عمّا تعهد.
لكنّ الشيخ وتبعه السيّد الخوئي خصّا الحكم بالمبيع الشخصي، واستدلّ عليه الأخير بالوجه التالي:
إنّ الموضوع هو تلف المبيع الّذي يستلزم انفساخ العقد، وهذا إنّما يتصوّر إذا كان المبيع شخصياً، وأمّا الكلّي فالفرد المقبوض إذا تلف فليس هو من مقولة تلف المبيع، بل من مصاديق تلف مصداق منه، والموضوع في الروايات هو تلف المبيع.
ولأجل ذلك (المقبوض في بيع الشخصي نفس المبيع وفي بيع الكلّي فرد منه) يفارق ظهور العيب في العين الشخصية حكماً مع ظهوره في الفرد

صفحه 344
المقبوض بما أنّه مصداق للكلّي، ففي الأوّل يكون مخيّراً بين الفسخ والإمضاء مع الأرش أو لا معه، دون الثاني، بل على البائع أن يبدّله بفرد آخر ولا ينفسخ العقد.1
يلاحظ عليه: أنّها دقّة عقلية لا يلتفت إليها العرف، فإنّ المبيع الكلّي إذا انطبق على الفرد يصدق عليه أنّه المبيع فتشمله الروايات، كقوله (عليه السلام): «لا ضمان على المبتاع حتّى ينقضي الشرط ويصير المبيع له»2، وتصوّر أنّ في الصدق تأوّلاً وتجوّزاً وإن كان صحيحاً، لكنّه لا يلتفت إليه إلاّ الفقيه الدقيق لا العرف المخاطب بالروايات. فإذا جسّد البائع الكلّي في ضمن فرد فقد أقبض نفس المبيع عرفاً، والذي يؤيد ذلك أنّ العناوين كلّها مرايا للخارج، والكلّي بما هوهو لا يبذل بإزائه الثمن، وعليه يكون المدفوع في نظر المتعاملين نفس المبيع.
فلو قلنا بعموم القاعدة بغير الحيوان يكون التلف بعد القبض على البائع.
ثم إنّ الشيخ استدلّ بوجه آخر لا يخلو عن تعقيد، وقد أوضحناه مع ما فيه من النظر في كتابنا «المختار في أحكام الخيار».3
والأولى أن يقال: إنّ القاعدة مختصّة بالحيوان، ولا يصحّ بيعه في الذمّة على الوجه الكلّي.

1. مصباح الفقاهة: 7 / 530. لاحظ: كتاب المكاسب:6/182.
2. الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الخيار، في ذيل الحديث 2 .
3 . لاحظ : المختار في أحكام الخيار: 626 ـ 627 .

صفحه 345

10 . هل الضمان معاملي(معاوضيّ) أو واقعي؟

إذا افترضنا أنّ الحيوان المبيع تلف بعد قبضه في الأيام الثلاثة فصار التلف ممّن لا خيار له، أي من البائع، فالخسارة متوجّهة إلى البائع، وعندئذ يقع الكلام في وظيفته أمام المشتري الّذي دفع الثمن وخرج المبيع عن ملكه، فهنا احتمالان:
1. أن يكون ضامناً للمسمّى، أي بدفع الثمن بعد خروج المبيع عن ملك المشتري ودخوله في ملك البائع الذي يلازم خروج الثمن عن ملكه لئلاّ يلزم الجمع بين العوض والمعوّض، فيجب عليه دفع المسمّى. وسيوافيك أنّ ضمانه بعد القبض، نفس الضمان الموجود قبله إذا كان للمشتري خيار.
2. أن يكون ضامناً بالمثل أو القيمة بمعنى أنّه إذا تلف المبيع في ملك البائع فالعقد باق على حاله فيجب عليه تدارك الخسارة بالمثل أو القيمة. فعلى الأوّل الضمان معاملي، وعلى الثاني واقعي، ولكلّ من الاحتمالين قائل.
أمّا الأوّل: فهو خيرة الشيخ وغيره، حيث قال: المراد بضمان «من لا خيار له لما انتقل إلى غيره»، هو بقاء الضمان الثابت قبل قبضه وانفساخ العقد آناً ما قبل التلف، (ودخول المبيع في ملك البائع) وهو الظاهر من قول الشهيد (قدس سره)في «الدروس» حيث قال: «وبالقبض ينتقل الضمان إلى القابض مالم يكن له خيار».1
إنّ مفهوم كلام الشيخ أنّه مع خيار القابض لا ينتقل الضمان إليه، بل يبقى على ضمان ناقله (البائع) الثابت قبل القبض، وقد عرفت أنّ معنى الضمان قبل

1. الدروس الشرعية: 3 / 210 .

صفحه 346
القبض هو تقدير انفساخ العقد وتلفه في ملك ناقله.1
وأمّا الثاني: فهو خيرة العلاّمة في «التذكرة». قال: لو تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار، فإن كان قبل القبض، انفسخ البيع قطعاً، وإن كان بعده، لم يبطل خيار المشتري ولا البائع، وتجب القيمة على ما تقدّم. 2
إنّما الكلام في تعيين أحد الاحتمالين، وربّما يستظهر المعنى الأوّل بما يلي :
1. ما ورد في ذيل صحيحة عبدالله بن سنان حيث قال(عليه السلام): «وإن كان بينهما شرطٌ أيّاماً معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع» 3.
2. النبوي الوارد في القاعدة الأُولى، أعني: «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».4
3. ما في مرسلة الحسن بن علي بن رباط، عمّن رواه عن أبي عبد الله(عليه السلام):«إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع».5
وجه الاستظهار من قوله:«مال بائعه»: أنّ التلف لا يكون من مال البائع بعد كونه ملك المشتري إلاّ بانفساخ العقد آناً ما قبل التلف حتّى يعود المبيع إلى ملك البائع ويقع التلف في ملكه ويعود الثمن إلى ملك المشتري; لأنّه

1. لاحظ: كتاب المكاسب: 6 / 186 .
2. تذكرة الفقهاء: 11 / 166، المسألة334.
3 . الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2.
4 . مستدرك الوسائل: 13، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
5. الوسائل:12، الباب5 من أبواب الخيار، الحديث5.

صفحه 347
لازم انفساخ العقد، وفرض المعاملة كأن لم تكن.
4. قوله في القاعدة الثانية: «على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري».1
وجه الاستظهار: أنّه لمّا كانت مالكية المشتري للمبيع متزلزلة في زمن الخيار، فلا يملك المشتري على وجه الاستقرار إلاّ بعد مضيّ الخيار، فإذا تلف قبل مضيّه يخرج من ملك المشتري بحكم أنّ ملكيّته كانت متزلزلة ويدخل في ملك البائع آناً ما وينفسخ فيه. ولازم الانفساخ رجوع كلّ إلى الحالة السابقة أي مالكه السابق.
قد وردت الرواية الأُولى والثالثة والرابعة من هذه الروايات حول القاعدة الثانية، والرواية الثانية حول القاعدة الأُولى، وبما أنّ القاعدتين متقاربتان، وقد عرفت أنّ القاعدة الثانية عندنا من شقوق القاعدة الأُولى إلاّ في موردين كما سيوافيك، وليس لنا قاعدة سوى الأُولى، فيكون مآل الجميع واحداً.
والّذي يؤكّد المختار، (كون الضمان بردّ المسمّى لا بالمثل والقيمة) هو ما نقلناه عن آية الله ميرزا صادق التبريزي (قدس سره) حيث اختار أنّ القاعدة مختصّة بالحيوان، وهي من الموجودات الّتي لا تعلم صحّتها أو مرضها إلاّ بمرور الزمان، فتلفه بآفة سماوية بين الثلاثة يكشف عن كون المبيع معيباً من أوّل الأمر، وبما أنّ العقد وقع على المبيع بوصف أنّه صحيح فلا يكون المقبوض قبضاً شرعيّاً، بل قبض مالم يقع العقد عليه فيكون كالتلف قبل القبض.

1 . الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.

صفحه 348
نعم ما ذكره يتمّ لو كانت القاعدة مختصّة بالحيوان وخياره فقط، وأمّا لو قلنا بشمولها العيب الحادث في الثلاثة، أو لعمومها لشرط الخيار وإن كان أكثر من ثلاثة، فلابد من تصحيح القاعدة بالقول بما ذكره الشيخ أو ما ذكرناه .
وهنا دليل آخر على أنّ الضمان في المقام معاملي يتحدّد بدفع المسمّى، لا واقعي بمعنى ردّ البدل إذا لم يكن المبدل; وذلك لأنّ إيجاب البدل على البائع فرع تعهّد منه بالنسبة إليه. والمفروض أنّه لم يتعمّد إلاّ بإقباض المبيع المعيّن وقد فعل، غاية الأمر لمّا صار التلف الخارج عن اختيار البائع سبباً لانفساخ العقد ورجوع المبيع قبل التلف إلى ملك البائع، بحكم الشارع تعيّن عليه ردّ المسمّى، لا أزيد لفقدان التعهّد منه بالنسبة إليه، وأمّا ردّ المسمّى، فلأجل عدم جواز الجمع بين المعوّض والعوض.

11. لو أتلف المشتري المبيع

ولو أتلفه المشتري في أيّام الخيار، قال العلاّمة: استقّر الثمن عليه(يكون العقد لازماً)، فإن أتلفه في يد البائع وجعلنا إتلافه قبضاً، فهو كما لو تلف في يده1.
وجه ما ذكره، أنّه أتلف ماله لا البائع ولا الآفة السماوية، فالعقد يكون لازماً من غير فرق بين إتلافه تحت يده أو تحت يد البائع.
ولو أتلفه الأجنبي، قال العلاّمة: لم ينفسخ البيع ولا يبطل الخيار لأصالتهما.2

1. تذكرة الفقهاء:11/168، المسألة335 .
2. تذكرة الفقهاء:11/168، المسألة 335.

صفحه 349
إنّ كلامه مشتمل على أمرين :
1. عدم انفساخ العقد .
2. عدم بطلان الخيار .
أمّا الأوّل ـ أعني: عدم انفساخ العقد ـ فهو صحيح، لأنّ حكم المبيع هنا (الحيوان) كسائر الموارد، فقد أتلف الأجنبي ملك المشتري فيرجع إليه بالمثل أو القيمة من دون أن يكون هنا مسؤولية للبائع، لأنّه خرج عن المسؤولية.
وأمّا الثاني: أي عدم بطلان الخيار، فمعناه أنّ المشتري يفسخ العقد لأجل الخيار ويرجع بالثمن إلى البائع، وبالتالي يرجع البائع إلى الأجنبي ، فهو إنّما يتمّ إذا كان مصبّ الخيار هو العقد دون العين، ومصبّ الخيار في بيع الحيوان هو العين الخارجية، فإذا بطلت العين بطل الخيار القائم بها.
إنّ الخيار تارة يكون قائماً بالعين، كجواز رجوع الواهب إلى العين الموهوبة مادامت موجودة; وأُخرى قائماً بالعين، كما إذا اشترى ثوباً وكان للبائع خيار فباعه المشتري في أيام الخيار وفسخ البائع، فالبيع الثاني صحيح لازم، غاية الأمر يرجع البائع إلى المثل أو القيمة لعدم بطلان الخيار، ببيع المشتري.
على أنّ فسخ المشتري للعقد ثم الرجوع بالمسمّى إلى البائع ورجوع البائع إلى الأجنبي أمر لا يوافقه الذوق الفقهي ، لأنّ للبائع أن يحتج بأنّه خرج عمّا عليه من المسؤوليّة، فلا معنى للرجوع إلى الثمن وإرجاع البائع إلى الأجنبي الّذي ربّما لا يتمكّن من أخذ المثل أو القيمة منه .
إلى هنا تمّ الكلام حول القاعدتين المعروفتين. فقد عرفت أنّ الثانية من

صفحه 350
فروع القاعدة الأُولى، وليس شيئاً مستقلاً، على قول المحقّق التبريزي، إلاّ أن يقال بشمولها للعيب الحادث في الثلاثة أو لشرط الخيار، مع كون المبيع حيواناً، وقد عرفت حالهما.

حكم تعارض هذه القاعدة مع قاعدة: «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»

ربّما يتصوّر وجود التعارض بين القاعدتين، وهذا فيما إذا وقع التلف قبل قبض المشتري المبيع، وكان للبائع الخيار دون المشتري، ونبيّن ذلك ضمن مثالين:
1. إذا كان المبيع غير الحيوان وكان الخيار للبائع، فتلف قبل القبض، فبما أنّ التلف قبل القبض، فالمورد داخل تحت القاعدة الأُولى ، فالتلف على البائع; وبما أنّ التلف وقع في زمان خيار البائع ولزوم البيع على المشتري، فالمورد داخل تحت القاعدة الثانية، فالتلف ممّن لا خيار له أي المشتري.
2. إذا كان المبيع حيواناً وقد أسقط المشتري خيار الحيوان، وكان للبائع شرط الخيار أو خيار تأخير الثمن أزيد من ثلاثة ، فتلف قبل القبض، فبما أنّ التلف قبل القبض، فالمورد داخل في القاعدة الأُولى والتلف على البائع، وبما أنّ التلف وقع وللبائع خيار دون المشتري، فالمورد داخل في القاعدة الثانية والضمان على المشتري.
الجواب: أمّا المثال الأوّل فقد عرفت أنّ القاعدة مختصّة بالحيوان، فإذا كان المبيع غير الحيوان فهو خارج عن مصبّ القاعدة.
وأمّا المثال الثاني، فنحن وإن عمّمنا الخيار الوارد في الرواية، لشرط

صفحه 351
الخيار، لكن بشرط أن يكون ذو الخيار هو المشتري، والمفروض أنّ شرط الخيار في المثال للبائع.
وحصيلة الكلام: أنّ المثال الأوّل أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، فإنّ موضوع القاعدة هو الحيوان. وأمّا المثال الثاني فالمبيع وإن كان حيواناً لكن الخيار للبائع، مع أن القدر المتيقّن من الرواية كون الخيار للمشتري لقوله (عليه السلام): «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع» فذيل الحديث: «قبل أن يمضي الشرط» دليل على اختصاص شرط الخيار الوارد في قوله: «شرطٌ أيّاماً للمشتري لا للبائع». لو لم نقل أنّ المراد هو خيار الحيوان، لا شرط الخيار بشهادة اختصاصه للمشتري، وإلاّ فلو كان المراد هو شرط الخيار فلا وجه لاختصاصه بالمشتري، كما مرّ في كلام سيدنا الأُستاذ(قدس سره).
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي ذكر وجه تقدّم قاعدة التلف قبل القبض، على قاعدة المتلف في زمن الخيار فيما إذا كان المبيع غير الحيوان مكان الخيار للمانع، وقال ما هذا نصّه: إنّ مقتضى قاعدة التلف قبل القبض كونه على البائع، ومقتضى هذه القاعدة كونه على المشتري لفرض كون الخيار للبائع.
والأقوى ترجيح قاعدة التلف قبل القبض، وذلك لقوّة دليلها على دليل هذه القاعدة من حيث تعميمها لمثل هذه الصورة ، وذلك لأنّ المدرك لها (القاعدة الثانية) إن كان هو قاعدة «كون التلف من المالك» حيث إنّ المبيع في خيار التأخير 1 للمشتري والخيار مختصّ بالبائع، فكون التلف على المشتري بمقتضى قاعدة الملكية، وكذا كون التلف في خيار الشرط ]للبائع [

1 . أي ملك للمشتري.

صفحه 352
في الصورة الّتي فرضناها، على المشتري من جهة أنّه مالك، فلا شك أنّ قاعدة التلف قبل القبض أخصّ من قاعدة كون الضمان على المالك ومقدّمة عليها.
وإن كان المدرك لها الأخبار الخاصّة المتقدّمة فموردها ضمان البائع للمبيع لا المشتري له، فلا يستفاد منها هذا العموم إلاّ من جهة فهم المناط من قوله (عليه السلام): «ويصير المبيع للمشتري» ]وأنّ المناط في عدم الضمان هو التزلزل، فيعمّ ما إذا كان البيع متزلزلاً من جانب البائع إمّا لخيار تأخير الثمن، أو شرط الخيار[ ، ومن المعلوم أنّ قاعدة التلف قبل القبض المستفادة من النص الخاص وهي رواية عقبة بن خالد أقوى من ظهور هذه الفقرة في التعميم على فرض تسليمه، فلا ينبغي التأمّل في تقديمها.1
وملخّص كلامه: إنّ القول بأنّ التلف من المشتري في المثال المذكور يمكن أن يكون مستنداً إلى أحد أمرين:
1. كون التلف من المالك، أي كلّ شيء تلف فهو يُحسب على مالكه، كما في الموردين التاليين:
أ. لو كان للبائع خيار تأخير الثمن، والمبيع في هذا الظرف ملك للمشتري فلو تلف يكون التلف من ماله.
ب. لو كان للبائع خيار الشرط والمبيع في هذا الظرف ملك للمشتري فلو تلف يكون التلف في ماله.
لا شكّ أنّ مورد القاعدة (كون التلف من المالك) إنّما هو بعد القبض فلا يشمل مورد المثال، ولو فرض كونها عامّة لأنّ القاعدة الثانية(التلف قبل

1 . تعليقة السيد الطباطبائي: 169، قسم الخيارات.

صفحه 353
القبض) أخصّ منها.
2. قوله(عليه السلام) في صحيحة ابن سنان: «ويصير المبيع للمشتري» فهو يشمل المقام، أي حتى تصير المعاملة لازمة بخروج زمان الخيار، لكن مورد الرواية عكس المثال المذكور، حيث كان الخيار للمشتري لا للبائع، على خلاف المثال، وعلى فرض شمول الفقرة لمورد المثال فرواية عقبة بن خالد في مورد التلف قبل القبض، أقوى من عموم هذه الفقرة.
***
تمّت قاعدة
التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له

صفحه 354
قاعدة الإقدام المسقط للضمان تارة والموجب له أُخرى   
القواعد الفقهية
      21

قاعدة

الإقدام المسقط للضمان تارة

والموجب له أُخرى

الإقدام المسقط للضمان
الأصل في الأموال، الحرمة، إلاّ ما خرج بالدليل
هتك المالك لحرمة ماله، موجب لسقوط الضمان
ذكر موارد لهذا الأصل
تطبيقات القاعدة
قاعدة الإقدام هي الدليل لقاعدة: ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده
قاعدة الإقدام مثبتة للضمان
ضمان المشتري مثل المبيع أو قيمته عند فساد المعاملة
من القواعد الفقهية التي يتمسّك بها بين المتأخّرين هي قاعدة الإقدام، فالقاعدة تارة تكون دليلاً على نفي الضمان وأُخرى على ثبوته، وذلك بالبيان التالي:

1. الإقدام المسقط للضمان

الأصل المستنبط من الكتاب والسنّة وسيرة العقلاء هو احترام الأموال مطلقاً، سواء أعلم أنّه مال محترم أم شكّ فيه، فالحرمة في الأوّل حكم واقعي

صفحه 355
وفي الثاني حكم ظاهري، والأصل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لايحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه» فما لم يحرز طيب نفس المالك فالتصرّف فيه ممنوع إلاّ إذا ثبت طيب نفسه بالتصرّف بلا عوض، كما إذا أعطى عطيّة أو تبرّع بشيء من الأموال أو الأعمال، ففي هذه المجالات لايحكم بالضمان، وما هذا إلاّ لأنّ المالك هو الذي أسقط حرمة ماله حيث بذل ماله أو عمله بلاعوض.
و بتعبير آخر هو الذي هتك حرمة ماله، وعندئذ فالمتصرّف لايكون ضامناً لدخوله في المستثنى (إلاّ بطيب نفسه)، وبذلك ظهر مصدر القاعدة وهو دخولها في المستثنى. مضافاً إلى أنّها قاعدة عقلائية لا يختلف فيها اثنان.

ذكر موارد هذا الأصل

ولما ذكرنا من الأصل (حرمة الأموال) موارد، منها:
1. حرمة التصرّف في الموقوفات إلاّ بمجوّز واقعي فلو تصرّف شخص فيها ولم يحرز وجود المجوّز، يحكم عليه بالفساد لا بالصحّة، بزعم أنّ الأصل في عمل المسلم هو الصحّة، ذلك لأنّ الأصل في عمل المسلم هو الصحّة لكن في غير الموضوعات الّتي يكون الأصل فيها الفساد، فالأصل الأوّلي في الوقف الفساد إلاّ أن يحرز المجوّز لبيع الوقف.
2. النظر إلى النساء، فالنظر إليهن حرام ما لم يحرز أنّهنّ من المحارم، لأنّ الأصل هو الحرمة والجواز يحتاج إلى الدليل، قال سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)1.
3. التصرّف في مال اليتيم حرام، فلا يجوز التصرّف إلاّ إذا كانت فيه

1 . النور: 30.

صفحه 356
غبطة للصغير، فلو باع شخص مال اليتيم ولم تحرز الغبطة فلا تجري أصالة الصحّة، لأنّ الأصل فيه هو الحرمة، والفساد والصحّة يحتاج إلى دليل.

تطبيقات القاعدة

إذا عرفت ما هو الأصل في الأموال فلنرجع إلى صلب الموضوع، وهو أنّ الأصل في الأموال هو الحرمة إلاّ إذا أسقط المالك الضمان، فيسقط الضمان في الموارد التالية إمّا لدخوله تحت الاستثناء «إلاّ بطيب نفسه» أو كونه قاعدة عقلائية لم يردع عنها الشارع ـ:
أ. إذا ابتاع المشتري مع العلم بعيب المبيع فلا ضمان على البائع; لأنّ المشتري أسقطه بإقدامه.
ب. لو أعار شخص أرضاً لرجل للانتفاع بها، فانتفع بها الرجل ببناء دار أو غرس الأشجار، فلو كانت دائرة إباحته وسيعة إلى حدٍّ يشمل مثل البناء وغرس الأشجار فاستعاد المعير الأرض، يكون العود مع ضمان قيمة البناء وغرس الأشجار; لأنّه أجاز للمستعير عملاً له بقاء بعد الرجوع، وإلاّ فيرجع بلاضمان; لأنّ المستعير هتك حرمة ماله.
ج. ارتداد الزوجة قبل الدخول بها، فإنّها قد أقدمت على سقوط مهرها بإبطال عُلقة الزوجية بارتدادها.
د. نشوز الزوجة فإنّه إقدام على إسقاط نفقتها.
هـ . إسلام الذمّي المقرض للخمر لمثله، فإنّه إقدام على سقوط قرضه.
و. إذا صرف الغاصب في دفع المغصوب إلى مالكه، مالاً أو تحمّل عملاً، فلا ضمان للمالك; لأنّ الغاصب بعمله أسقط احترام ماله.

صفحه 357
ز. لو غصب دابة فأعلفها وسقاها وبذلك زادت زيادة متّصلة وفي الوقت نفسه ردّها إلى صاحبها، فلاضمان للمالك; لأنّ الغاصب هتك بغصبه حرمة ماله.
ح. إذا صاد صيداً ثم أعرض عنه عملاً، فوجده آخر وتملّكه، فلا ضمان على الواجد; لأنّ الأوّل بإعراضه قد هتك حرمة ماله.

قاعدة الإقدام هي الدليل لقاعدة: ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده

ثم إنّ القوم يستدلّون بقاعدة الإقدام على عدم الضمان في القاعدة المعروفة: «ما لا يضمن بصحيحة لايضمن بفاسده» .
و حاصل القاعدة: أنّ العين إذا لم تكن مضمونة في العقد الصحيح، فلو تبيّن فساد العقد فهي أيضاً غير مضمونة ، وذلك كالإجارة والعارية والهبة، فإنّ المستأجر غير ضامن للعين إذا تلفت بآفة سماوية، وهكذا المستعير.
و مثله المتّهب إذا تصرّف في الهبة وتبيّن فساد العقد، فبما أنّ عقد الهبة لو كان صحيحاً وتصرّف المتّهب لايكون ضامناً، فهكذا إذا تبيّن فساده. ولأنّ الطرف الآخر أقدم بهذه النية فلو تبيّن فساد العقد فالذي يحكم به هو عدم ترتّب أثر الصحّة، وأمّا ما وراء ذلك ممّا اتّفق عليه الطرفان كعدم الضمان بالنسبة إلى العين، فهو باق.
فإن قلت: إنّ الشارع حكم بعدم الضمان في فرض صحّة العقد، فإذا تبيّن فساده، فلا معنى لإسراء الحكم الشرعي إلى غير تلك الصورة; لأنّ حكمه مختصّ بصورة صحّة العقد، والمفروض تبيّن فساده.
قلت: إنّ المستشكل غفل عن أصل واقعي وهو أنّ المستأجر وهكذا

صفحه 358
المستعير أو المتّهب لايقدمون على هذه العقود إلاّ إذا اتّفق الطرفان على عدم الضمان، خصوصاً إذا كان التلف أمراً سماوياً. وهذا الأصل أمر معتبر عندهم في عامّة الحالات، غاية الأمر أنّ فساد العقد يكون حجّة في عدم ترتّب الأثر الشرعي، وأمّا ما اتّفق عليه قبل العقد بحيث لو كان هناك ضمان لما أقدم على الإجارة والإعارة والهبة، فهو باق بحاله.
و لذلك اتّفق المشهور على أنّ الودعي غير ضامن إذا تلفت العين بآفة سماوية من غير إفراط ولا تفريط، وذلك لأنّ المالك بإيداع ماله في بيته يصفه بأنّه أمين غير منتفع بقبول الوديعة، فلو تلفت الوديعة بآفة سماوية فإيجاب الضمان عليه يخالف عمل المودع.
***

2. الإقدام المثبت للضمان

قد عرفت أنّ قاعدة الإقدام لها وجهان، وجه مسقط للضمان وقد تكلّمنا عنه، وعرفت بعض المواضع التي يسقط الضمان فيها، وإليك المواضع التي يُستدلّ بها على أنّ الإقدام يثبت الضمان، وهو ما يتعلّق بالمقبوض في العقد الفاسد، فمثلاً:
لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد، لم يملكه وكان مضموناً عليه إذا تلف .
أمّا عدم الملك فهو مقتضى فرض الفساد، وأمّا الضمان - بمعنى كون تلفه عليه - فهذا هو أحد الآثار المتفرّعة على القبض بالعقد الفاسد، ولذلك يقال: ما يضمن بصحيحه، يضمن بفاسده، مثلاً: لو اشترى غنماً وقبضها لكن كانت المعاملة فاسدة، فلو كانت العين باقية، رُدّ المبيع بعينه، وأمّا إذا كانت

صفحه 359
تالفة فالمشتري ضامن إمّا برد مثلها إن كانت مثليّة، أو قيمتها إن كانت قيمية. كلّ ذلك مع أخذ الثمن من البائع، وهذا ما يقال عنه :ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. وقد استدلّوا عليه بوجوه كثيرة منها قاعدة الإقدام، فقد قال الشيخ الطوسي: فإن كان المبيع قائماً ردّه، وإن كان تالفاً ردّ بدله، إن كان له مثل، وإلاّ قيمته، لأنّ البائع دخل على أن يسلّم له الثمن المسمّى في مقابل ملكه، فإذا لم يسلّم له المسمّى اقتضى الرجوع إلى عين ماله، فإذا هلكت كان له بدلها.1
وبما أنّ لهذه القاعدة صلة بالقاعدتين المعروفتين: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، و «ما لايضمن بصحيحه لايضمن بفاسده»، لذا نقتصر بما أوردناه، وسيوافيك التفصيل فيهما.
***
تمّ الكلام في قاعدة
الإقدام المسقط للضمان تارة والموجب له أُخرى

1 . المبسوط:3 / 65 .

صفحه 360
قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده   
القواعد الفقهية
      22

قاعدة

ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده

القاعدة ليست منصوصة وإنّما هي مصطادة
ما هو المراد من الضمان في كلتا الفقرتين؟
توضيح الفرق بين الضمان الجعلي والضمان الواقعي
فساد المعاملة يسبب عدم تملّك المشتري المبيع، وأمّا كون التسلّط مقروناً بالعوض فهو باق على حاله
أدّلة القاعدة:
1. السيرة العقلائية على احترام أموال الناس
   نقد ما ربّما يقال من أنّ الاتّفاق كان على المسمّى لا على المثل والقيمة
2. قاعدة الإقدام ونقل كلام الشيخ الأنصاري ونقده
3. قاعدة نفي الضرر وأنّها تعمّ نفي الحكم وإثباته
4. روايات الأَمة المسروقة وهي تدلّ على ضمان المنافع المستوفاة
5. قاعدة «على اليد»
إرجاع التفاصيل في المقام إلى ما ذُكر في قاعدة «على اليد»
اشتهرت بين المتأخّرين قاعدتان معروفتان إحداهما من موجبات الضمان، والأُخرى من مسقطاته، وهما:
1. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
2. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

صفحه 361
فنخصّ المقام بالبحث عن القاعدة الأُولى ونقول: إنّ القاعدة لم ترد في نص من النصوص ولكن إصطادها الفقهاء من مختلف الموارد التي أفتوا فيها بالضمان، فصار الاستقراء أحد الأدلّة على القاعدة.
والفرق بين هذه القاعدة وقاعدة: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» هو أنّ سبب الضمان في المقام هو العقد الصحيح، وفي الأُخرى الاستيلاء على ملك الغير، فالموضوعان مختلفان.
نعم ربّما يستدلّ بقاعدة «على اليد» على هذه القاعدة كما سيوافيك.
وقبل الورود في صلب الموضوع نوضح مفاد القاعدة فنقول: إنّ المهم بيان أمرين:
1. ما هو المراد من الموصول أعني: ما يضمن؟
2. ما هو المراد من الضمان في الموردين؟
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ المراد من الموصول هو العقد الصحيح كالبيع والصلح والهبة إذا اشتمل على العوض والهبة المعوّضة والعارية المضمونة كالذهب والفضّة.
والعقد سواء اشتمل نوعه على العوض كالبيع أو اشتمل صنفه عليه كالصلح والهبة إذا اشتملا على الأعواض المضمونة كالذهب والفضّة .
وعلى هذا فيراد من الموصول : العقد وهو أعمّ من أن يكون الضمان لازم النوع أو الصنف.
وأمّا الثاني: أعني ما هو المراد من الضمان الذي هو بمعنى الغرامة في الموردين:
أمّا المورد الأوّل أعني: ما يضمن بصحيحه هو الضمان الجعلي في

صفحه 362
العقد الصحيح الذي تراضا عليه المتعاقدان، حيث رضي البائع بدفع المثمن في مقابل الثمن، كما رضي بذلك المشتري. والمهم في المقام رضا المشتري حيث تعهّد أن يكون الثمن للبائع في مقابل المبيع.
وأمّا المورد الثاني فالمراد به الضمان الواقعي إذا كان العقد فاسداً، ويكون مفاد القاعدة: أنّ كلّ عقد صحيح كان هناك ضمان جعلي، فلو كان مثل هذا العقد فاسداً فهو مضمون لا بضمان جعلي له على فرض فساد العقد، بل بضمان واقعي، أعني: المثل والقيمة، وهذه القاعدة تنطبق على كلّ عقد اشتمل نوعه أو صنفه على العوض كما مثلنا، فإذا كان صحيحه مضموناً بالعوض ففاسده مضمون بالعوض الواقعي لا بالجعلي لافتراض فساد العقد.
وعلى ضوء هذا فلو باع المبيع وكان العقد صحيحاً لكن تلف بيد المشتري، فالضمان على المشتري بمعنى دركه عليه; لأنّه تملّك تملّكاً صحيحاً وتلف بيده بسبب من الأسباب، فإذا كان التلف في ملكه يُحسب دركه على المالك، وهذا ما يقال: كلّ عقد يضمن بصحيحه.
وأمّا إذا كان العقد فاسداً فالمبيع يكون باقياً على ملك البائع لغرض فساد العقد ولكن لو قبضه المشتري وتلف في يده فيضمنه لا بالثمن المدفوع لفرض فساد العقد بل بالعوض الواقعي أعني: المثل أو القيمة وهذا ما يقال: «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».
ولك أن تعبّر عن القاعدة ببيان عرفي، وهو أنّ البائع إذا حفظ حرمة ماله ولم يدفع ما يملكه إلى الغير بالمجّان وإنّما سلّطه عليه في مقابل شيء ما، فهنا حالتان:
1. صحّة المعاملة وصيرورة المبيع ملكاً للمشتري، فإذا تلف فإنّما

صفحه 363
يتلف في ملك المشتري، ومعنى الضمان عليه كون الدرك عليه وحرمة مطالبة الثمن من البائع.
2. بطلان المعاملة وفساد العقد لكن فساده يقتضي عدم تملّك المشتري المبيع، وأمّا ما اتّفقا عليه من عدم كون التسليط مجانياً فهو باق على حاله، فلو تلفت العين في يد المشتري فأقصى ما يقتضيه الفساد طلب ثمنه من البائع، وأمّا أنّ التسليط لم يكن مجانياً فهو باق على حاله فيجب أن يخرج المشتري عن تعهده وضمانه وليس هو إلاّ دفع المثل أو القيمة. وهذا ما يعبّر عنه: يضمن بفاسده.
إنّ مقتضى إطلاق الكلمات، عدم الفرق في الفاسد بين كون الفساد من جهة نفس العقد أو فوات ما يعتبر في المتعاقدين منهما أو أحدهما، أو في العوضين; وسواء كان المتعاقدان عالمين بالفساد أو جاهلين، أم أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.
***
ثم إنّ القاعدة تشتمل على فقرتين:
1. ما يضمن بصحيحه.
2. يضمن بفاسده.
والمهم هو التركيز على دليل الفقرة الثانية، وأمّا الفقرة الأُولى أعني: الضمان بالمسمّى عند صحّة العقد ـ فهي غنية عن الدليل، فكلّ ما ندرسه تالياً يرجع إلى الفقرة الثانية الّتي يقصد بها الضمان عند فساد العقد. ويراد بالضمان، الضمان الواقعي، أعني: المثل والقيمة.
***

صفحه 364

أدلّة القاعدة

استدلّ للقاعدة بوجوه:

الأوّل: السيرة العقلائية

جرت السيرة العقلائية على احترام أموال المالك إذا ملك قانونياً، وأنّ رحى الحياة تدور على الحرمة، وقد أمضاها الشارع بتعابير مختلفة منها:
1. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة الوداع: «وإنّ حرمة ماله كحرمة دمه»1.
2. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يصلح ذهاب حقّ أحد» .2
3. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».3
والظاهر أنّ الشارع لم يكن بصدد تأسيس قاعدة وإنّما كان بصدد التأكيد على السيرة العقلائية، غير أنّه خصّ القاعدة بمال المؤمن دون الكافر المحارب.
ثم إنّ حرمة المال أمر عرفي لا يحتاج إلى بيان، إذ يتبادر منه عند العقلاء حرمة التصرّف فيه بلا إذنه فلو كانت العين باقية تردّ إلى مالكها، وإن تلفت يجب عليه أداء الغرامة، فإن كانت مثليةً فبالمثل وإن كان قيميةً فبالقيمة .
وعلى ضوء ذلك فلو كان العقد صحيحاً فتملّكه للثمن بدل العين، يحقّق حرمة ماله; وأمّا إذا افترضنا فساد العقد، فمن جانب أنّ البائع لا يملك الثمن لافتراض فساد المعاملة، فيجب عليه ردّ الثمن، ومن جانب آخر أنّ

1. الوسائل: 18، الباب 152 من أبواب العشرة، الحديث 12.
2. الوسائل: 18، الباب 40 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1 .
3. جامع أحاديث الشيعة: 18 / 530 .

صفحه 365
لمال البائع حرمة وكرامة، فالجمع بينهما يتحقّق بتداركه بالمثل إذا كان مثلياً أو بالقيمة إذا كان قيمياً.
فإن قلت: إنّ المتعاقدين تواطآ على تحديد حرمة المال بالمسمّى، فإذا لم يسلّم المسمّى للبائع، لفساد العقد، فلا تعهد للمشتري بالنسبة إلى العين عندئذ.
قلت: إنّ غاية ما يقتضي فساد العقد هو سقوط المسمّى لا سقوط احترام ماله.
فبذلك يظهر أنّ السيرة العقلائية من أوضح الأدلّة على الضمان بالمسمّى عند الصحّة، وبغيره عند الفساد.
فنتيجة حرمة المال هو صيانة البائع عن توجّه الضرر إليه في عامّة الحالات، سواء أكان العقد صحيحاً أم فاسداً.
إنّ قاعدة الاحترام أعمّ من حديث «على اليد» الآتي على القول باختصاص الثاني بالأعيان، بخلاف الأوّل فإنّه يعمّ الأعمال ويكون عمل الأجير بالإجارة الفاسدة مضموناً على المستأجر بأُجرة المثل كما هو مضمون بالمسمّى في الإجارة الصحيحة.

الثاني: قاعدة الإقدام

اشتهر الاستدلال على الضمان بالمسمّى عند الصحّة وبغيره عند الفساد بقاعدة الإقدام، وأوّل مَن تمسّك بها من الأصحاب هو الشيخ الطوسي حيث إنّه علّل الضمان في غير موضع من العقود الفاسدة، بما معناه من أنّه دخل على أن يكون المال مضموناً عليه، وإليك بعض ما وقفنا عليه في «المبسوط»:

صفحه 366
1. قال في فصل «تفريق الصفقة»: وإن تلفت في يده كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت القبض إلى وقت التلف، وفي الناس مَن قال: لا يضمن بقيمته يوم التلف، وإنّما وجب الضمان عليه لأنّه أخذ الشيء بعوض، وإذا لم يسلّم العوض المسمّى وجب عوض المثل لما تلف في يده، سواء