welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 4

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الحجّ
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 4

صفحه 5
الحجّ
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الرابع
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
هوية الكتاب
اسم الكتاب: الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء
المؤلف: آية الله جعفر السبحاني
الجزء: الرابع
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1427 هـ . ق / 1385 هـ . ش
الكمية: 2000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم: ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 7
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 8

صفحه 9
الفصل الخامس عشر
القول في الطواف

صفحه 10

صفحه 11

القول في الطواف

الطواف: أوّل واجبات العمرة، وهو عبارة عن سبعة أشواط حول الكعبة المعظّمة بتفصيل وشرائط آتية، وهو ركن يبطل العمرة بتركه عمداً إلى وقت فوته; سواء كان عالماً بالحكم أو جاهلاً. ووقت فوته ما إذا ضاق الوقت عن إتيانه وإتيان سائر أعمال العمرة وإدراك الوقوف بعرفات.*
* في أحكام الطواف
وفيه فروع:
1. الطواف أوّل واجبات العمرة.
2. هو سبعة أشواط.
3. الطواف ركن تبطل العمرة بتركه عمداً ،عالماً كان بالحكم أو جاهلاً.
4. وقت فوته عبارة عمّا إذا ضاق الوقت عن إتيان الطواف مع سائر الفرائض وإدراك الوقوف.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: الطواف هو الواجب الأوّل من واجبات العمرة بعد النيّة.

كون الطواف أوّل واجبات العمرة من ضروريات الفقه، وعليه تضافرت

صفحه 12
الروايات البيانية لحجّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) واتّفقت عليه كلمات الفقهاء عند بيان فرائض العمرة، فترى أنّهم يذكرون بعد فريضة الإحرام، الطواف بالبيت، وهو صريح في كونه هو الواجب الأوّل بعد الإحرام.
وأمّا كلمات الفقهاء فمن السنّة قول ابن رشد قال: اتّفق العلماء على أنّ هذا النوع من النسك(التمتّع) الّذي هو المعنيُّ بقوله سبحانه:(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)1، هو أن يُهلّ الرجل بالعمرة في أشهر الحجّ من الميقات ـ إلى أن قال: ـ ثمّ يأتي حتّى يصل إلى البيت فيطوف لعمرته ويسعى ويحلق في تلك الأشهر بعينها ثمّ يُحلَّ.2
ومن الشيعة قول الشيخ في «الخلاف»:أفعال العمرة خمسة: الإحرام، والتلبية، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والتقصير. وإن حلق جاز، والتقصير أفضل، وبعد الحجّ، الحلق أفضل.
وقال الشافعي: أربعة، في أحد قوليه: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، والحلق أفضل.
وفي القول الآخر ثلاثة، والحلق أو التقصير ليس فيها، وإنّما هو إطلاق محظور.
دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأنّه إذا فعل ما قلناه فقد أتى بكمال العمرة بلا خلاف، وإن لم يفعل ففيه الخلاف.3
وقال في «المبسوط» في فصل خصّه لتفصيل فرائض الحجّ:
أمّا النيّة فهي ركن في الأنواع الثلاثة، مَن تركها فلا حجّ له....

(1) البقرة:196.
(2) بداية المجتهد:1/332.
(3) الخلاف:2/330ـ 331، كتاب الحجّ.

صفحه 13
ثمّ الإحرام من الميقات، وهو ركن مَن تركه متعمّداً فلا حجّ له.
والتلبيات الأربع فريضة....
والطواف بالبيت إن كان متمتعاً ثلاثة أطواف. (للعمرة والحج، والنساء).
ويجب مع كلّ طواف ركعتان عند المقام.
والسعي بين الصفا والمروة.1
ولعلّ هذا المقدار من الكلمات كاف في المقام مع كون الحكم من ضروريات الفقه.
أمّا الروايات ففي صحيح معاوية بن عمّار في حديث قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«التمتّع أفضل الحجّ، وبه نزل القرآن وجرت السنّة، فعلى المتمتّع إذا قدم مكة، الطواف بالبيت، وركعتان عند مقام إبراهيم، وسعي بين الصفا والمروة، ثمّ يقصّر وقد أُحلّ هذا للعمرة».2
وفي صحيح آخر له الّذي حكى فيه حجّ النبي : حتّى انتهى(الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)) إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجّة فطاف بالبيت سبعة أشواط، وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم ـ إلى أن قال: ـ ثمّ أتى الصفا فصعد عليه.3
إلى غير ذلك من الروايات التي وردت في بيان فرائض حجّ التمتّع.

الفرع الثاني: الطواف سبعة أشواط

وهذا أيضاً من ضروريات الفقه نصّاً وإجماعاً.
وأمّا كلمات الفقهاء فنذكر منها ما يلي:

(1) المبسوط:1/382ـ 384.
(2) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1.
(3) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.

صفحه 14
قال الشيخ: ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط ويقول في طوافه:«اللّهمّ إنّي أسألك باسمك...».1
وقال العلاّمة: ثمّ يطوف على هذه الهيئة سبعة أشواط واجباً، وهو قول كلّ العلماء، فلو طاف دون السبعة لزمه إتمامها. ولا يحلّ له ما حرم عليه حتّى يأتي ببقية الطواف ولو كان خطوة واحدة.2
أمّا الثاني (النص) فقد توافرت الروايات على أنّها سبعة بوجوه مختلفة.
منها: ما ينصّ على عدد.
ففي صحيحة معاوية بن عمّار الماضية في بيان كيفية حجّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)«فطاف بالبيت سبعة أشواط».3
وفي صحيحة محمّد بن قيس: «فإذا طفت بالبيت الحرام أُسبوعاً، كان لك بذلك عند اللّه عهد وذخر».4
وفي خبر كلثوم بن عبد المؤمن الحرّاني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في بيان كيفية حجّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):«حتّى انتهى بهما إلى موضع الحجر، فاستلم جبرئيل وأمرهما أن يستلما وطاف بهما أُسبوعاً».5
وفي رواية المفضل بن عمر: واستلمت الحجر الأسود فتحت به وختمت سبعة أشواط.6

(1) النهاية:236.
(2) المنتهى: 10/322، الفصل الثالث في الطواف، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية ، مشهد ـ 1424 هـ .
(3) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث2.
(4) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث7.
(5) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث23.
(6) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث30 .

صفحه 15
ومنها: ما ورد في باب من شكّ في عدد أشواط الطواف الواجب في السبعة وما دونها.1

الفرع الثالث: الطواف ركن تبطل العمرة بفوته عمداً عالماً كان بالحكم أو جاهلاً.

واعلم أنّ كلاً من الطواف والسعي ركن بلا خلاف، وقد صرّح به الأصحاب منهم المحقّق.2لكن المقصود من الركن في المقام غيره في باب الصلاة، فالمقصود به فيها هو الجزء الّذي يبطل الكلّ بتركه عمداً أو جهلاً أو سهواً، وأمّا في المقام فالمراد به هو الجزء الّذي يبطل الكلّ بتركه عمداً، لا نسياناً، ويلحق الجهل البسيط بالعمد، لأنّ الجاهل الملتفت، المحتمِل وجوبَ الجزء، إذا تركه، يصدق انّه تركه عمداً.
وما في «الجواهر» من إرداف العمد، بالعلم مخرجاً، الجهلَ البسيط في غير محلّه ويقول المحقّق: «الطواف ركن من تركه عامداً بطل» ويضيف صاحب الجواهر بعد «عامداً» قولَه: عالماً. 3 ولكنّه في غير محلّه، لما عرفت من أنّ الجاهل الملتفت التارك للجزء عامد.
هذا ولكنّه قد اقتصر في باب السعي بما ذكره المحقّق «عامداً» ولم يُضف إليه قوله: «عالماً».4
هذا هو معنى الركن في الحجّ، وأمّا سائر الأجزاء الّتي ليست ركناً،

(1) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، لاحظ عامة أحاديث الباب.
(2) الشرائع:1/270و 273.
(3) الجواهر:19/370.
(4) الجواهر:19/429.

صفحه 16
فالمقصود يجب إتيانها ولا يبطل العمل بتركها، وربّما استتبع قضاء ما تركه والكفّارة، مثلاً الرمي واجب لكن لا يبطل الحجّ بتركه، وهذا بخلاف الأجزاء الواجبة غير الركنية، في الصلاة فتبطل الصلاة بتركها عمداً لا سهواً.
وإن شئت التفصيل فنقول هنا قواعد ثلاث:
1. مقتضى القاعدة الأُولى في فوت أيِّ جزء من أجزاء العمرة والحجّ هو بطلان العمل، لأنّ الصحّة فرع كون المأتي به، مطابقاً للمأمور، والمفروض عدم التطابق.
2. انّ مقتضى القاعدة الثانوية هو بطلان عمل الصلاة والحجّ بالإخلال بالركن، لكن يختلف معنى الركن فيهما فالإخلال بالركن الصلائي يوجب البطلان في الأحوال الأربعة: الإخلال عن علم، عن جهل بسيط، عن جهل مركب، وعن نسيان. ولكن الإخلال بالركن الحجّي يوجب البطلان في صورتين: الإخلال عن علم أو عن جهل بسيط.
3. إنّ مقتضى قاعدة «لا تعاد » أنَّ الإخلال بسائر الأجزاء في الصلاة يوجب البطلان في صورة العمد، بل الجهل البسيط على قول دون الصورتين الأخيرتين. أخذاً بمفاد قاعدة «لا تعاد»، وأمّا الإخلال بسائر الأجزاء في الحجّ فلا يبطل في عامة الصور.
إذا عرفت ذلك فلنذكر كلمات الفقهاء:
قال المحقّق: الطواف ركن مَن تركه عامداً بطل حجّه.1
وقال الشهيد في «الدروس»: كلّ طواف واجب ركن إلاّ طواف النساء.2

(1) الشرائع:1/270.
(2) الدروس:1/116.

صفحه 17
وقال الشهيد في «المسالك»: والمراد بالركن هنا ما يبطل الحجّ عمداً خاصّة.1
وقال السيد الحكيم: وأمّا طواف عمرة التمتّع فهو ركن فيها، وتبطل بتعمّد تركه نحو سائر الأركان.2
واستدلّ على البطلان بعد الإجماع كما في «المستند» حيث قال: بلا خلاف كما صرّح به جماعة3 بوجوه:
1. انّ البطلان مقتضى القاعدة، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، فيبقى تحت عهدة التكليف.4
أقول: لا حاجة إلى التمسّك بالقاعدة، فإنّ القول بالصحّة مع الترك عمداً لا يجتمع مع كونه جزء الواجب، فكونه جزءاً كاف في البطلان عند الترك عمداً.
2. إطلاق دليل جزئية الطواف في حالتي العلم والجهل، نعم لو لم يكن له إطلاق كما إذا ثبتت الجزئية بالإجماع يكون الأصل حاكماً.
3. الروايات الدالّة على الإعادة عند الترك عن جهل، ففي صحيح علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة، قال:«إن كان على وجه جهالة في الحجّ أعاد وعليه بدنة».5
وفي رواية علي بن أبي حمزة: سُئل عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتّى

(1) المسالك:2/29.
(2) دليل الناسك:234.
(3) المستند:12/122.
(4) المستند:12/122.
(5) الوسائل:9، الباب56 من أبواب الطواف، الحديث 1.

صفحه 18
رجع إلى أهله؟ قال:«إذا كان على وجه جهالة أعاد الحجّ وعليه بدنة».1
ثمّ الظاهر أنّ التقييد بالجهالة ليس لإخراج العالم، لوضوح أنّ الحكم إذا ثبت في الجاهل المعذور يثبت في العالم غير المعذور. ولعلّه لإخراج الناسي دون العامد.
ثمّ إنّ الظاهر من الروايتين وجوب الكفّارة على الجاهل، فهل تجب على العالم؟ مقتضى الأولوية ذلك.
ثمّ إنّ الظاهر من عبارات الفقهاء هو بطلان الحجّ وعدم الاعتداد به. ويؤيّد ذلك خبر علي بن أبي حمزة حيث قال:«أعاد الحجّ وعليه بدنة». وأمّا صحيح علي بن يقطين ففيه:«إن كان على وجه جهالة في الحجّ أعاد وعليه بدنة». والظاهر أنّ المعاد هو الحجّ لا الطواف، لافتراض أنّه لم يطف حتّى يعيده.
وأمّا صحّة نسبة الإعادة إلى الحجّ فلأجل انّه أتى بسائر الأجزاء إلاّ الطواف، كما هو المفروض في كلام السائل.
ثمّ إنّ مصبَّ الروايتين هو بطلان الحجّ، وكلامنا في العُمرة، والظاهر من الروايتين أنّ البطلان من أحكام طبيعة ترك الطواف، سواء أكان في العمرة أم في الحجّ، ويؤيده أنّ عمرة التمتع من أجزاء الحجّ، وإذا أُطلق حجّ التمتع يراد به كلا الأمرين.

الفرع الرابع: في تحديد وقت الفوت

يضيق وقت عمرة التمتّع بحضور وقت الموقفين بحيث لا يفي الوقتُ إلاّ للتلبّس بالحجّ مع بقية أجزائه، إذ عندئذ ينقلب حجّه إلى الإفراد ويحجّ بنفس

(1) الوسائل:9، الباب56 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 19
الإحرام من دون حاجة إلى إحرام جديد.
نعم يبقى الكلام فيما هو المراد من الفوت؟ فهل الملاك هو فوت الواجب من الوقوف، كالوقوف في عرفات من الظهر إلى الغروب؟ أو فوت الركن من الوقوف؟ وقد تقدّم الكلام في ذلك عند البحث فيما إذا ضاق الوقت على الحائض أو في مَن قدم مكة والوقت ضيق فراجع.
وأمّا1 إذا كانت العمرة مفردة وكانت مجامعة لحجّ القران أو الإفراد، فالمشهور بقاء وقتها إلى نهاية الشهر وخروج السنة القمرية.
وأمّا وقت طواف الحجّ فينتهي بخروج ذي الحجّة، الّذي به ينتهي وقت الحجّ، قال سبحانه:(الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ)2. وفسّرت الأشهر بالأشهر الثلاثة: شوال، ذي القعدة الحرام، وذي الحجّة الحرام.

ما هو المحلِّل بعد فساد العمل؟

الكلام تارة يقع في التحلّل عند بطلان عمرة التمتع، وأُخرى في بطلان العمرة المفردة، وثالثة في بطلان الحجّ. والكلام في المقام مركّز على الصورة الأُولى.
أمّا بطلان عمرة التمتع، فتارة يقف عليه قبل انقضاء الوقت فيبقى على إحرامه استصحاباً، أي استصحاب حكم الإحرام إلى أن يعلم بحصول المحلل، وهذا هو الّذي جعله صاحب المدارك أحوط وأمّا القول بعدم الحاجة إلى المحلّل فبعيد جداً. وقياس بطلان العمرة ببطلان الصلاة، فكما يخرج المصلي عن حالة الصلاة عند بطلانها، فهكذا المحرم يخرج من إحرامه عند بطلان عمرته قياس مع

(1) راجع الفصل التاسع، المسألة الرابعة، ص 435ـ 436 من الجزء الثاني من هذه الموسوعة.
(2) البقرة: 197.

صفحه 20
الفارق، حيث إنّ الحجّ إذا فسد بالجماع يجب إتمامه والصلاة إذا فسدت، لا يجب إتمامها، بل يحرم، مضافاً إلى ما هو المشهور بين الفقهاء من أنّ المحْرم لا يخرج من الإحرام إلاّ بمحلّل.
وعلى ضوء ما ذكرنا من بقائه على إحرامه لا حاجة إلى العود إلى الميقات، بل يكفي إتيان الأعمال بنفس الإحرام.
وأمّا إذا وقف عليه بعد انقضاء الوقت، فيبقى على إحرامه ولا يخرج عنه إلاّ بالعدول إلى حجّ الإفراد مع العمرة المفردة بعد الحجّ. والمسألة غير منصوصة لكن يمكن الاستئناس بما ورد في ثلاثة مواطن:
1. إذا قدم مكّة والناس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف، فيعدل إلى حجّ الإفراد فإذا أتمّ حجّه ، صنع كما صنعت عائشة فلا هدي عليه.1
2. الحائض إذا ضاق عليها الوقت تعدل إلى حجّ الإفراد.2
وقد مرّ الكلام في كلا الموردين في الجزء الثاني من هذه الموسوعة.3
3. إذا قدم مكّة، وفات عمرة التمتع والحجّ ـ كما إذا ورد في اليوم الحادي عشر، فهو يتحلل بعمرة مفردة ففي صحيح معاوية عن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث أيّما حاج سائق للهدي أو مفرد للحج أو متمتع بالعمرة إلى الحجّ قدم وفاته الحجّ فليجعلها عمرة وعليه الحجّ من قابل.4 هذا ما نقله الشيخ وروى الكليني: «وليحلّ بعمرة» مكان «ليجعلها عمرة».

(1) الوسائل:8، الباب21 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث6.
(2) الوسائل:8، الباب21 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث2.
(3) لاحظ الجزء الثاني: 418، 420.
(4) الوسائل:10، الباب27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث1.

صفحه 21
والتأمّل في الروايات الماضية في المواطن الثلاثة، ـ وإن كانت تغاير المقام ـ يعطي أنّه لا محيص للمحرم، من الخروج عن الإحرام، بعمل ، إمّا بالعدول إلى حجّ الإفراد، أو بالعمرة المفردة، ولا أقلّ انّ مقتضى الاحتياط ذلك كما صرّح صاحب المدارك.1
وأمّا بطلان العمرة المفردة، فالمحرم يعيد الأعمال السابقة، ولا يخرج من الإحرام إلاّ بها استصحاباً لحكمه. نعم لا يتصوّر فيه الفوت كما يتصور في عمرة التمتع، وإنّما يتصوّر فيه الفساد بالجماع أو البطلان بترك الطواف.
وأمّا بطلان الحجّ بترك الطواف: فهذا هو الّذي ذكر فيه صاحب المدارك وجوهاً وقال: إذا بطل الحجّ بترك الركن كالطواف وما في معناه فهل يحصل التحلل بذلك؟ أو يبقى على إحرامه إلى أن يأتي بالفعل الفائت في محله، ويكون إطلاق اسم البطلان عليه مجازاً، كما قاله الشهيد في الحجّ الفاسد بناءً على أنّ الأوّل هو الفرض؟ أو يتحلّل بأفعال العمرة؟ أوجه، وجزم المحقّق الشيخ علي في حواشي القواعد2 بالأخير، وقال:»إنّه على هذا لا يكاد يتحقّق معنى الترك المقتضي للبطلان فيها، لأنّ العمرة المفردة، هي المحللة من الإحرام عند بطلان نسك آخر لا غيرها، فلو بطلت لاحتيج في التحلّل من إحرامها إلى أفعال العمرة وهو ظاهر البطلان».3
وما ذكره(رحمه الله) غير واضح المأخذ، فإنّ التحلّل بأفعال العمرة إنّما يثبت مع فوات الحجّ لا مع بطلان النسك مطلقاً. والمسألة قوية الإشكال، من حيث استصحاب حكم الإحرام إلى أن يعلم حصول المحلل وإنّما يعلم بالإتيان بأفعال

(1) مدارك الأحكام:8/175.
(2) جامع المقاصد:3/201.
(3) مدارك الأحكام:8/175.

صفحه 22
المسألة1: الأحوط لمن أبطل عمرته عمداً، الإتيان بحجّ الإفراد وبعده بالعمرة والحجّ من قابل.*
المسألة2: لو ترك الطواف سهواً يجب الإتيان به في أيّ وقت أمكنه، وإن رجع إلى محلّه وأمكنه الرجوع بلا مشقة وجب، وإلاّ استناب لإتيانه.**
العمرة، ومن أصالة عدم توقّفه على ذلك مع خلو الأخبار الواردة في مقام البيان منه، ولعل المصير إلى ما ذكر(رحمه الله) أحوط.1
وسيوافيك الكلام فيه ـ إن شاء اللّه ـ في البحث عن مناسك الحجّ فانتظر.

* التحلّل بحج الإفراد

قد تبيّن حال المسألة ممّا ذكرنا، آنفاً وكان عليه التفصيل بين بقاء الوقت للتدارك وعدمه، فإنّ ما ذكره يرجع إلى ما إذا فات التدارك.
إنّما الكلام في كفاية حجّ الإفراد عن حجّة الإسلام المكتوبة عليهم من التمتع، وقد احتاط المصنف في المتن فقال:«والحجّ من قابل».
وجهه: انّ ما دلّ على العدول من التمتع إلى حجّ الإفراد وإجزائه عن حجّة الإسلام مختص بالمضطر والأصل يقتضي عدم الاجتزاء به في غير مورده.

**من ترك الطواف نسياناً

كان الكلام في السابق في من ترك الطواف عمداً، وقد عرفت حكمه أنّه تبطل عمرته به، ويجب عليه الإتيان بالطواف مع سائر الأعمال إذا كان الوقت وسيعاً وإلاّ ينقلب حجّه إلى الإفراد، وأمّا الكلام في المقام فإنّما هو في من ترك

(1) مدارك الأحكام:8/174ـ 175.

صفحه 23
الطواف سهواً، فيجب عليه قضاؤه بإحدى الصور التالية:
أ. إذا كان في مكة المكرمة يأتي به في أي وقت تمكّن.
ب. إن رجع إلى محلّه وأمكنه الرجوع بلا مشقة، وجب الرجوع.
ج. وإن لم يتمكّن من الرجوع بلا مشقة استناب لإتيانه.
قال في «الجواهر»: بلا خلاف أجده فيه، بل عن كتاب الخلاف و الغنية الإجماع عليه.1
أقول: لم أعثر عليه في كتاب «الخلاف» إلاّ في من طاف بلا وضوء الّذي هو بمنزلة التارك له سهواً.
قال فيه: من طاف على غير وضوء وعاد إلى بلده، رجع وأعاد الطواف مع الإمكان، فإن لم يمكنه استناب من يطوف عنه. وقال الشافعي: يرجع ويطوف ولم يفصّل. وقال أبو حنيفة: يجبره بدم.
ويعل2م منه حكم ما لو كان في مكة فأولى أن يأتي به.
وقال في «الغنية»: وأمّا طواف الزيارة فركن من أركان الحج من تركه متعمّداً فلا حجّ له بلا خلاف، ومن تركه ناسياً قضاه وقت ذكره، فإن لم يذكره حتّى عاد إلى بلده لزمه قضاؤه من قابل بنفسه، بدليل الإجماع المشار إليه، وطريقة الاحتياط، فإن لم يستطع استناب من يطوف بدليل الإجماع المشار إليه.3
وكلامه وإن كان في طواف الزيارة(الحج) لكن الظاهر كون الحكم ثابتاً لطبيعة الطواف وإن كان للعُمرة.
وقال المحقّق: ومن تركه ناسياً قضاه ولو بعد المناسك.4

(1) الجواهر:19/374.
(2) الخلاف:2/324، المسألة 132.
(3) الغنية:1/71.
(4) الشرائع:1/268.

صفحه 24
وقال الشهيد: لو تركه ناسياً عادَ له فإن تعذّر استناب فيه، والمراد بالتعذّر المشقّة الكثيرة، ويحتمل أن يراد بالقدرة، استطاعة الحجّ المعهودة.1
وقال في «المدارك» بعد عبارة المحقّق السابقة الذكر: هذا هو مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفاً.2
واستدلّ عليه بصحيحين:
1. صحيح علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن رجل نسي طواف الفريضة حتّى قدم بلاده وواقع النساء كيف يصنع؟ قال: «يبعث بهدي، إن كان تركه في حجّ بعث به في حج، وإن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة، ووكّل من يطوف عنه ما تركه من طوافه».3
وإطلاق قوله:«طواف الفريضة» يشمل طواف الحجّ والعمرة. بل النساء على وجه ، والعجب أنّ الشيخ حمله على طواف النساء ـ بلا ملزم ـ واستند في ذلك إلى ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل نسي طواف النساء حتّى أتى الكوفة؟ قال:«لا تحلّ له النساء حتّى يطوف بالبيت» قلت: فإن لم يقدر؟ قال: «يأمر من يطوف عنه».4
أقول: لا وجه للحمل، ولا مانع من أن يكون الحكم ثابتاً في الموارد الثلاثة.
ولعلّ الّذي حمل الشيخ على التخصيص ـ مضافاً إلى رواية ابن عمّار ـ هو قول السائل: «وواقع النساء» فجعله قرينة على أنّ المراد من طواف الفريضة هو

(1) الدروس:1/404.
(2) المدارك:8/175.
(3) الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث1.
(4) الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث4.

صفحه 25
طواف النساء مع أنّ طواف الفريضة أعمّ منه، وإنّما ذكر مواقعة النساء تأكيداً بأنّه رجع إلى محلّه واشتغل بما يُهمُّه من الأُمور.
وبعبارة أُخرى: انّ الغرض من القيد هو بيان عمق الغفلة واستمرارها إلى حد إتيان الأهل دون أن يكون الحدّ دخيلاً في السؤال.
وبذلك يظهر أنّ ما جاء في ذيل الحديث «ما تركه من طوافه» هو الأعمّ من طواف الحجّ والعمرة، خصوصاً على ما في نسخة الوسائل:(ما تركه من طوافه)، وأمّا في نسخة«الجواهر»: «ما تركه من طواف الحجّ» فلا يعتمد عليه. وما في «الوسائل» هو الموافق للتهذيب.1
2. صحيح هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عمّن نسي زيارة البيت حتّى يرجع إلى أهله؟ فقال: «لا يضرّه إذا كان قد قضى مناسكه».2
ففي «الجواهر»«نسي طواف زيارة البيت» والظاهر أنّ المراد به طواف النساء، لوجهين:
أ. تفسيره بطواف النساء في صحيح معاوية بن عمّار عند وصف حجّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«وسعي بين الصفا والمروة، وطواف الزيارة وهو طواف النساء».3
ب. ما في «الفقيه» مكان قوله: حتّى إذا رجع إلى أهله: «حتّى لا يقرب إلى أهله».4
وعلى هذا فالمعتمد هو الصحيح الأوّل ، وعلى هذا يجوز له التوكيل

(1) التهذيب:5/128برقم 421.
(2) الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث4.
(3) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 2.
(4) الفقيه:2/245رقم 1172.

صفحه 26
المسألة3: لو لم يقدر على الطواف لمرض ونحوه، فإن أمكن أن يطاف به ـ ولو بحمله على سرير ـ وجب، ويجب مراعاة ما هو معتبر فيه بقدر الإمكان; وإلاّ تجب الاستنابة عنه.*
والاستنابة مطلقاً، سواء شقّ العود عليه أو لا، لإطلاق قوله:«ووكّل من يطوف عنه ما تركه من طوافه»، لكن الأحوط هو المباشرة بنفسه إذا كان العود غير معسور.
إلى هنا تمّ الكلام في حكم الطواف المتروك عمداً والمتروك نسياناً.
*من لا يتمكّن من الطواف
الكلام في هذه المسألة في من استمر مرضه ولا يتمكّن من الطواف بنفسه مستقلاً، فقد فصّل فيه بين من يستطيع أن يُطاف به ومن لا يستطيع، فيطاف عنه.
أقول: مقتضى القاعدة الأوّلية في العبادات، لزوم المباشرة بحيث يكون العمل قائماً به وبإرادته، وعندئذ يكفي الطواف راجلاً وراكباً ـ و قد طاف رسول اللّه راكباً ـ لكون العمل قائماً ببدنه وبإرادته. وأمّا إذا لم يتمكّن من ذلك، فتارة يتمكّن من الأوّل ـ قيام العمل به ـ دون الثاني ـ بأن تكون الحركة بإرادته ـ وأُخرى لا يتمكن من كلا الأمرين.
ففي الأوّل يطاف به، لإمكان قيام العمل به حيث إنّ الميسور لا يسقط بالمعسور.
وفي الثاني، يطاف عنه أخذاً بالقدر الممكن.
وعلى هذا يكون التفصيل بين المتمكّن فيطاف به وغير المتمكّن فيطاف عنه

صفحه 27
على وفق القاعدة، وعلى ذلك اتّفقت كلمات الأصحاب.
قال المحقّق: لو استمر مرضه بحيث لا يتمكّن أن يطاف به، طيف عنه.1
وقال في «المدارك»: هذا ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب.2
فهاهنا أمران:
1. من لا يمكنه الطواف بنفسه طيف به محمولاً.
2. من لم يتمكّن من أن يحمله أحد، لعدم استمساك طهارته المانع من دخول المسجد أو نحو ذلك من أنحاء العذر، طاف آخر عنه.
أمّا الأمر الأوّل فتدلّ عليه أخبار كثيرة:
1. صحيحة صفوان بن يحيى، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل المريض يقدم مكّة فلا يستطيع أن يطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة؟ قال:«يطاف به محمولاً يخط الأرض برجليه حتّى تمسّ الأرضُ قدميه في الطواف ثمّ يوقف به في أصل الصفا والمروة إذا كان معتلاً».3
أقول: إنّ خط الأرض بالرجلين مندوب لما عرفت من كفاية الطواف راكباً، وقد ورد في طواف أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه أخرج يده من كوة المحمل حتّى يجرّها على الأرض.4
2. صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يُطاف به ويُرمى عنه؟ قال، فقال:«نعم إذا كان لا يستطيع».5

(1) الشرائع:1/268.
(2) المدارك:8/155.
(3) الوسائل:9، الباب47 من أبواب الطواف، الحديث2.
(4) الوسائل:9، الباب47 من أبواب الطواف، الحديث8 .والسند فيه ما فيه لاحظ تعليقة المحقق على سند الحديث في هامش الوسائل.
(5) الوسائل:9، الباب47 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 28
3. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن المريض يطاف عنه بالكعبة؟ قال:«لا، ولكن يطاف به».1
إلى غير ذلك من الروايات.
أمّا الأمر الثاني: فمورده المبطون والكسير والمغمى عليه فتكفي فيه الروايات التالية:
1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال:«المبطون والكسير يطاف عنهما ويرمى عنهما».2
2. صحيح حبيب الخثعمي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»أمر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يطاف عن المبطون والكسير».3
وأمّا المغمى عليه فقد ورد فيه انّه يطاف به:
1. موثقة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: قلت: المريض المغلوب يطاف عنه؟ قال: «لا، ولكن يطاف به».4
2. صحيح حريز عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «المريض المغمى عليه يرمى عنه ويطاف به».5
ورواه صاحب الوسائل في باب آخر بأنّه يطاف عنه قال: المريض المغلوب والمغمى عليه يرمى عنه ويطاف عنه.6

(1) الوسائل:9، الباب47 من أبواب الطواف، الحديث7.
(2) الوسائل:9، الباب49 من أبواب الطواف، الحديث3.
(3) الوسائل:9، الباب49 من أبواب الطواف، الحديث5.
(4) الوسائل:9، الباب47 من أبواب الطواف، الحديث5.
(5) الوسائل:9، الباب47 من أبواب الطواف، الحديث1.
(6) الوسائل:9، الباب49 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 29
المسألة4: لو سعى قبل الطواف فالأحوط إعادته بعده. ولو قدّم الصلاة عليه يجب إعادتها بعده.*
وقد تبع صاحب الوسائل الشيخ في التهذيب حيث رواه تارة بـ«يطاف به» و أُخرى بـ«يطاف عنه».1
3. صحيح معاوية بن عمّـار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا كانت المرأة مريضة لا تعقل فليحرم عنها ويتّقى عليها ما يتقى على المحرم، ويطاف بها أو يطاف عنها و يرمى عنها».2
ويستفاد من هذا الحديث التخيير بين الإطافة بها أو الطواف عنها. وهذه الرواية تكون شاهدة على حمل رواية إسحاق بن عمار على بيان أفضل فردي التخيير. حيث قال فيها: لا، يطاف به.
وأمّا الاختلاف في رواية حريز فيمكن القول بسقوط جملة: «أو يطاف» عن كلا النقلين وانّ الأصل فيهما يطاف به أو يطاف عنها لما في رواية ابن عمّار فتكون النتيجة التخيّر بين الأمرين، لأنّ المفروض أنّه غير عاقل، فلا فرق بين أن يطاف به أو يطاف عنه، وبما أنّ الحضور في المطاف لا يخلو من تبرك كان الأفضل أن يطاف به.

* لو قدّم السعي أو الصلاة على الطواف

هنا فرعان:

(1) لاحظ التهذيب:ج5رقم 400 ورقم 403.
(2) الوسائل:9، الباب47 من أبواب الطواف، الحديث4.

صفحه 30
أ. إذا سعى قبل الطواف فهو يعيد السعي بعد الطواف.
ب. لو قدّم الصلاة على الطواف يعيد الصلاة بعد الطواف.
كان الأولى ذكر الفرع الأوّل في باب السعي، لأنّ المفروض أنّه قدم السعي على الطواف، فيقع الكلام عندئذ في إجزائه وعدمه.
كما كان الأولى ذكر الفرع الثاني في باب صلاة الطواف، لأنّ المفروض تقديمها على الطواف، فيقع الكلام في إجزائها وعدمه.
وعلى كلّ تقدير فكلامه حسب الظاهر يعمّ العامد والناسي، وقد صرّح بالتعميم في باب السعي حيث قال: يجب أن يكون السعي بعد الطواف وصلاته، فلو قدّمه على الطواف أعاده بعده ولو لم يكن عن عمد وعلم.1 والفرق هو انّه(قدس سره) احتاط في المقام ولكنّه أفتى بالإعادة هناك. ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ كلامه في المقام يختص بالناسي بشهادة أنّه احتاط بالإعادة، إذ لا وجه له إذا قدّم عن علم. وعلى كلّ تقدير فلنعد إلى الفرعين:
الأوّل: لو قدّم السعي على الطواف، فقد قال الشيخ فيه: ولا يجوز تقديم السعي على الطواف، فإن قدّم سعيه على الطواف كان عليه أن يطوف ثمّ يسعى بين الصفا والمروة.2
قال في «الدروس»: يجب تقديم طواف الحجّ والعمرة على السعي، فإن قدّم السعي لم يجزئ و إن كان سهواً.3
وقال في «الجواهر» بعد عبارة المحقّق«لا يجوز تقديم السعي على الطواف»

(1) القول في السعي المسألة 4.
(2) النهاية:241.
(3) الدروس:1/408، الدرس 105.

صفحه 31
ما هذا لفظه: لا في عُمرة ولا في حجّ اختياراً، بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد ، بل الإجماع بقسميه عليه، بل يمكن دعوى القطع به بملاحظة النصوص المشتملة على بيان الحجّ قولاً وفعلاً ـ إلى أن قال: ـ بل صرّح الفاضل والشهيد وغيرهما بأنّه لو عكس عمداً أو جهلاً أو سهواً أعاد سعيه.1
ويدلّ عليه أيضاً صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت؟ قال: «يطوف بالبيت ثمّ يعود إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما».2
وجه الدلالة: ترك الاستفصال بين العمد والنسيان. وبذلك يظهر انّ ما ذكره في باب السعي3من الإفتاء بالإعادة أولى ممّا في المقام من الاحتياط.
وأمّا الفرع الثاني: فقد أفتى المصنّف بوجوب إعادة الصلاة إذا قدّمها على الطواف.
ووجهه : أنّ محلّها بعده فلو قدّم فالمأتي به غير مأمور به، مضافاً إلى صحيحة ابن عمار: «إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين واجعله أمامك».4 وإطلاقه يعمّ العامد والناسي. وسيوافيك الكلام فيه أيضاً في أحكام صلاة الطواف.

(1) الجواهر:19/446.
(2) الوسائل:9، الباب63 من أبواب الطواف، الحديث2. وهو متّحد مع الحديث رقم 1، غير أنّ ما رواه الشيخ مشتمل على الدم دون ما نقلناه عن الكليني.
(3) لاحظ كلامه في فصل «القول في السعي » المسألة4.
(4) الوسائل:9، الباب3 من أبواب الطواف، الحديث1. وغيره من الروايات البيانية لعمل الحجّ. فلاحظ الوسائل:9، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ.

صفحه 32

القول في واجبات الطواف

وهي قسمان :
القسم الأوّل: في شرائطه وهي أُمور:
الأوّل: النيّة بالشرائط المتقدّمة في الإحرام.*

* في اعتبار النيّة في الطواف

لا شكّ أنّ الطواف جزء من أعمال العُمرة، فتعتبر النيّة في وقوعه جزءاً للواجب للفرق الواضح بين كون شيء جزءاً للشيء تكويناً وبين كونه جزءاً للشيء شرعاً. فالأوّل لا يحتاج إلى النيّة، مثلاً صبُّ الملح في الغذاء يجعله جزءاً منه، سواء أنوى أم لم ينو، بخلاف الطواف على الكعبة فلا يصير جزء للعمرة إلاّ إذا أتى به بعنوان انّه جزء للواجب .
إنّما الكلام فيما هو المراد من النيّة، فهل المراد، صدور العمل عن قصد واختيار . والفعل غير الاختياري خارج عن دائرة التكليف، أو المراد قصد القربة وإتيان العمل لامتثال أمره سبحانه أو لأجله، أو لا هذا ولا ذاك، بل المراد إتيان الطواف بما أنّه من أجزاء العمرة وواجباتها كما هو الحال في سائر الواجبات التعبدية؟
أمّا الاحتمال الأوّل فلا شكّ في اعتباره، لكن حمل كلمات القوم عليه بعيد حيث اختلفت كلماتهم في لزوم اعتبار نيّة مستقلة في الطواف وعدمه وانّ نيّة الإحرام كافية عن اعتبارها فيه أو لا. ولو كان المقصود صدور الفعل عن قصد لما صار مورداً للاختلاف .
وأمّا الثاني، فقد ذكره المصنّف بعد اعتبار النيّة بقوله في المتن:«بالشرائط المتقدّمة في الإحرام» فإنّ من الشرائط المتقدّمة هي قصد القربة كما سيوافيك بيانه.

صفحه 33
وعلى كلّ تقدير: فهل تكفي نيّة الإحرام في الميقات، أو يحتاج إلى نيّة خاصة به؟
قال المحقّق: فالواجب سبعة: النيّة.1
قال في «المسالك»: يجب فيها قصد الطواف بالبيت في الحجّ المعيّن من كونه إسلاميّاً أو غيره، تمتّعاً أو أحد قسيميه، وكذا القول في طواف العمرة، والوجه، والقربة، والمقارنة للحركة في الجزء الأوّل من الشوط.2
وظاهرها أنّه يحتاج إلى نيّة خاصّة وراء النيّة عند الإحرام.
قال في «الدروس»: وظاهر بعض القدماء أنّ نيّة الإحرام كافية عن خصوصيات نيّات الأفعال.
ومقتضى ا3لقاعدة هو كفاية نيّة الإحرام لما عرفت من أنّ الإحرام هو نيّة الدخول في عمل له حرمة كالعمرة والحجّ، فيكون الطواف كأجزاء العبادة المركبة الّتي لا تحتاج أجزاؤها إلى نيّة نظير الصلاة.
ويمكن أن يقال: وجود الفرق بين الصلاة والحجّ فانّ أجزاء الأُولى مرتبطة ومتصلة، فتكون النيّة ـ بمعنى الداعي إلى العمل ـ باقية محفوظة إلى آخر العمل. فيصدر جميع الأعمال منها ـ إلاّ إذا أخل ـ كما إذا ركع لتعظيم الغير بخلاف أعمال الحجّ، فأين زمان الإحرام من مسجد الشجرة من زمان الطواف بالبيت؟ وهذا الفاصل الزماني بين العملين يستدعي بطبعه تعلّق نيّة خاصّة بالطواف وراء تعلّقها بالإحرام.
ومراد المصنّف بالشرائط المتقدّمة ما ذكره في كيفية الإحرام من اعتبار القربة والخلوص في النيّة، وتعيين المنوي من الحجّ والعمرة وتعيين أنّ الحجّ تمتّع أو قران

(1) الشرائع:1/267.
(2) المسالك:2/331.
(3) الدروس:1/394.

صفحه 34
الثاني: الطهارة من الأكبر والأصغر، فلا يصحّ من الجنب والحائض ومن كان محدثاً بالأصغر، من غير فرق بين العالم والجاهل والناسي.*
أو إفراد وأنّه لنفسه أو لغيره.
وقد مرّ اعتبار بعضها وعدم اعتبار البعض الآخر، فلاحظ.

* في اعتبار الطهارة في الطواف

اختلفت كلمة الفقهاء في شرطية الطهارة في بعض أقسام الطواف.

أ. التفصيل بين الواجب والمندوب في الحدث الأصغر

يُفصّل بين الطواف الواجب والمندوب، فيشترط في الأوّل الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، وفي الثاني الطهارة من الحدث الأكبر دون الأصغر، وهذا هو الظاهر من العلاّمة في «التذكرة» قال: الطهارة شرط في الطواف الواجب فلا يصحّ طواف المحدث عند علمائنا، وبه قال مالك والشافعي لما رواه العامة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الطواف بالبيت صلاة إلاّ أنّكم تتكلّمون فيه».1 إلى أن قال: ...لا تشترط الطهارة في طواف النافلة وإن كانت أفضل لقول الصادق (عليه السلام) في رجل طاف على غير وضوء:«وإن كان تطوّعاً فليتوضّأ وليصل».2
وسأل عبيد بن زرارة الصادق(عليه السلام): إنّي أطوف طواف النافلة وأنا على غير وضوء؟ قال: «توضّأ وصلّ وإن كنت متعمّداً»3.4

(1) المغني:3/397. وفي سنن الترمذي:3/293 برقم 960 بتفاوت يسير.
(2) الوسائل:ج9، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث8.
(3) الوسائل: ج9، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث9.
(4) التذكرة:8/84.

صفحه 35
ومراده من عدم اشتراط الطهارة هو الطهارة من الحدث الأصغر لا الأكبر بقرينة الاستدلال بالروايتين، وقد جاء فيهما: «طاف على غير وضوء». أو «أطوف على غير وضوء».
ولعلّ هذا التفصيل هو مراد المحقّق قال: الطهارة شرط في الواجب دون الندب، حتّى أنّه يجوز ابتداء المندوب مع عدم الطهارة وإن كانت الطهارة أفضل.1

ب. اشتراطها مطلقاً

وهو الظاهر من أبي الصلاح في «الكافي».
قال: لا يصحّ طواف فرض ولا نفل لمحدث.2

ج. عدم اشتراطها مطلقاً في المندوب

وربّما يظهر من الشيخ في «النهاية» عدم اشتراط الطهارة مطلقاً ـ أي من الحدث الأكبر والأصغر ـ في المندوب قال: ومن طاف على غير وضوء أو طاف جنباً، فإن كان طوافه طواف فريضة توضّأ أو اغتسل وأعاد الطواف، وإن كان نافلة اغتسل أو توضّأ وصلّى وليس عليه إعادة الطواف.
وبهذه ا3لعبارة عبّر في محكي «التهذيب».
هذه هي الأقوال الموجودة في المسألة.
والمراد من الطواف الواجب ما يؤتى به بعنوان أنّه جزء الكل، أي جزء المناسك، سواء أكان الكلّ واجباً أم مندوباً. فالطواف في العمرة المفردة الرجبية طواف واجب، أي ممّا يجب أن يأتي به المحرم وإن كان أصل العمرة أصلاً

(1) الشرائع:1/268.
(2) الكافي في الفقه: 175.
(3) النهاية: 238.

صفحه 36
مستحباً، كما أنّ الإمساك من المفطّرات واجب في الصوم المندوب وإن كان أصل الصوم غير واجب.
وبالجملة المراد هو الوجوب الشرطي لا التكليفي، وبذلك يظهر لك معنى بعض الروايات.
كما أنّ المراد من الطواف المندوب هو الطواف المجرّد عن سائر المناسك، وقد قيل: إنّ تحية المسجد الحرام هو الطواف بالبيت، وهذا هو الطواف المندوب.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع في موضعين:
الأوّل: أنّ شرطية الطهارة للطواف الواجب أمر لا سترة عليه، وقد اتّفقت كلمتهم على ذلك.
قال في «الجواهر»: فالواجبات: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر في الطواف الواجب، بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه.1
وتدلّ عليه الروايات التالية:
1. صحيح معاوية بن عمار، عن الصادق(عليه السلام) قال:«لا بأس أن يقضي المناسك كلّها على غير وضوء إلاّ الطواف بالبيت، والوضوء أفضل».2 ولفظ «المناسك» قرينة على أنّ المقصود هو الطواف المعدود من المناسك، فيكون واجباً وإن كان أصل الحجّ مندوباً. وصيغته «افعل» مجرّدة عن المفاضلة ومعناه هنا انّه ذو فضل دون الآخر.
2. صحيح محمّد بن مسلم قال: سألت أحدهما(عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهر؟ قال: «يتوضّأ ويعيد طوافه، وإن كان تطوّعاً توضّأ وصلّى ركعتين».3

(1) الجواهر:19/269.
(2) الوسائل:9، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث 1و3.
(3) الوسائل:9، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث 1و3.

صفحه 37
وأمّا ما دلّ بإطلاقه على عدم لزومها في الواجب كخبر زيد الشحام فيقيد بما دلّ على وجوبها في الطواف الواجب كما سيوافيك بيانه.
هذا كلّه في الطواف الواجب، وقد عرفت شرطية الطهارة فيه بقول مطلق. بقي الكلام في الطواف المندوب وإليك بيانه:

في الطواف المندوب

أمّا الطواف المندوب، فتارة يبحث عن شرطية الطهارة فيه عن الحدث الأكبر، وأُخرى عن الحدث الأصغر.
أمّا الأوّل فمقتضى قوله: «الطواف بالبيت صلاة إلاّ أنّكم تتكلّمون فيه» اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر. ولم نعثر على رواية تنفي اشتراطها وظاهر الرواية هو عموم المنزلة بشهادة إخراج التكلّم، وتفسيرها بقيام الطواف بالبيت مكان صلاة التحيّة للمسجد كأنّه أخذ ببعض مفادها مع كون التنزيل مطلقاً. نعم مرّ عن الشيخ في «النهاية» عدم اشتراطها،ولعلّه متفرّد في هذا القول.
وأمّا الثاني فالظاهر من الروايات صحّة الطواف بلا وضوء، وانّه يتوضّأ للصلاة، ففي صحيح حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في رجل طاف تطوّعاً وصلّى ركعتين وهو على غير وضوء؟ فقال: «يعيد الركعتين ولا يعيد الطواف».1
وفي خبر عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا بأس أن يطوف الرجل النافلة على غير وضوء ثمّ يتوضّأ ويصلي، فإن طاف متعمّداً على غير وضوء فليتوضّأ وليصل، ومن طاف تطوّعاً وصلّى ركعتين على غير وضوء فليعد الركعتين ولا يعد الطواف».2
وفي صحيح محمد بن مسلم الماضي تصريح بما ذكر.3

(1) الوسائل:9، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث 7 و 2 و 3.
(2) الوسائل:9، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث 7 و 2 و 3.
(3) الوسائل:9، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث 7 و 2 و 3.

صفحه 38

دليل القول بالاشتراط مطلقاً

ذهب أبو الصلاح إلى اشتراط الطهارة في الطواف مطلقاً، واحتجّ بروايتين:
أ. «الطواف بالبيت صلاة».1
ب. ما رواه أبو حمزة في الموثّق عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه سئل: أينسك المناسك وهو على غير وضوء؟ فقال(عليه السلام):«نعم، إلاّ الطواف بالبيت فإنّ فيه صلاة».2
يلاحظ على الحديث الثاني:
أوّلاً: أنّ المراد من الطواف المندوب هو الطواف المجرّد عن سائر الأعمال الذي ليس من المناسك، وأمّا الطواف الذي هو جزء المناسك فليس هو طوافاً مندوباً وإن كان مجموع المناسك حجّاً مندوباً، فمورد الرواية هو الطواف الواجب. وإن أبيت فظاهر الرواية انّ الوضوء لغاية انّه يصلّي بعد الطواف بلا فاصل زماني، فالأولى أن يكون الطواف مع الوضوء حتّى يتسنّى له الصلاة معه .
وثانياً: أنّ دلالة الروايتين بالعموم فتقيّد بالروايات التي خصّصت وجوب الوضوء بالطواف الواجب.
ثمّ إنّ بعض الروايات يدلّ على عدم اعتبار الوضوء في مطلق الطواف من دون فرق بين الفريضة والتطوّع، كما أنّ بعضها يدلّ على وجوبه في مطلق الطواف.
أمّا الأوّل: نظير ما رواه الشيخ باسناده إلى زيد الشحّام، عن أبي عبد

(1) سنن الدارمي:2/44.
(2) الوسائل: 9، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث6.

صفحه 39
اللّه(عليه السلام) في رجل طاف بالبيت على غير وضوء؟ قال: «لا بأس».1
وأمّا الثاني: فنظير ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن(عليه السلام) في حديث فيه سؤالان ففي السؤال الثاني: سألته عن رجل طاف ثمّ ذكر أنّه على غير وضوء؟ قال: «يقطع طوافه ولا يعتدّ به».2 فالجمع بينهما واضح في ضوء ما ذكرنا من الروايات السابقة، فيحمل الأوّل على المندوب بالمعنى الذي عرفت، ويحمل الثاني على الواجب.
وأمّا ما ذهب إليه المصنّف(رحمه الله) من اشتراط الطهارة مطلقاً من الحدث الأكبر والأصغر من غير فرق بين العالم والجاهل، فالظاهر أنّ مصبّ كلامه هو الطواف الواجب، لأنّه بصدد بيان اعمال العمرة، وقد مرّ أنّ الطواف الّذي هو جزء المناسك فهو طواف واجب.
وعلى فرض إطلاق كلامه للمندوب، فالظاهر أنّه اعتمد على الإطلاقات نظير خبر زيد الشحّام وغيره.
وقد عرفت أنّ المطلق مقيّد بما دلّ على الصحّة في المندوب.
وأمّا العالم والجاهل والناسي فالظاهر عدم الفرق فيما يشترط فيه الطهارة، لظهور أنّ شرطية الطهارة في الطواف نظير شرطيتها في الصلاة في أنّها شرط واقعي لا ذكري، فيكون باطلاً في عامّة الصور مع العلم بالموضوع والجهل به ونسيانه.

(1) الوسائل:9، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث10.
(2) نفس المصدر والباب، الحديث4.

صفحه 40
المسألة1: لو عرضه في أثنائه الحدث الأصغر، فإن كان بعد إتمام الشوط الرابع توضّأ وأتى بالبقية وصحّ، وإن كان قبله فالأحوط الإتمام مع الوضوء والإعادة. ولو عرضه الأكبر وجب الخروج من المسجد فوراً، وأعاد الطواف بعد الغسل لو لم يتم أربعة أشواط، وإلاّ أتمّه.*

* عروض الحدث أثناء الطواف

قد تقدّم أنّ الطهارة شرط في الطواف الواجب، فيقع الكلام فيما لو عرضه الحدث في أثناء الطواف، فهل يبطل الطواف أو لا؟ أو فيه تفصيل؟ بينما إذا أحدث قبل إكمال الشوط الرابع إذا أحدث بعد إكماله هذا إذا جعلنا الملاك في التفصيل، إكمالَ الشوط الرابع وعدمه، وأمّا إذا جعلنا الملاك هو التجاوز عن النصف وعدمه فله أيضاً صورتان، وذلك لأنّه إذا أحدث في وسط الشوط فمع عُسر تشخيصه فهو ملحق بعدم التجاوز وليس قسماً ثالثاً.
كما أنّه ألحق الحدث الأكبر1 بالأصغر في كلا الصورتين. فلنذكر بعض الكلمات.
قال الشيخ في «الخلاف»: من طاف على وضوء وأحدث في خلاله، انصرف وتوضّأ وأعاد، فإن كان زاد على النصف بنى عليه، وإن لم يزد أعاد الطواف.
وقال الشافعي: إن لم يطل الفصل بنى قولاً واحداً، ولم يفصل، وإن طال فعلى قولين: قال في القديم: استأنف، وقال في الجديد: بنى. وهو المذهب عندهم ولم يفصل.2

(1) يراد من الحدث الأكبر، الجنابة، وأمّا الطمث فسيوافيك البحث فيه في المسألة الحادية والعشرين.
(2) الخلاف:2/323، المسألة 140.

صفحه 41
وقال المحقّق: من نقص من طوافه، فإن جاوز النصف رجع فأتمّ; وإن كان دون ذلك استأنف... إلى أن قال:وكذا لو أحدث في طواف الفريضة.1
وقال العلاّمة في «المنتهى»: لو أحدث في أثناء طواف الفريضة، فإن كان تجاوز النصف يتطهّر ويتمّ ما بقي، وإن كان حدثه قبل أن يبلغ النصف فإنّه يعيد الطواف من أوّله.2
وقال في «المدارك»: المراد من أحدث في طواف الفريضة يتوضّأ ويتمّ ما بقي إن كان حدثه بعد إكمال النصف، وإن كان قبله أعاد الطواف من أوّله، وهذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب.
هذا ويقع3 الكلام في مقامين:
الأوّل: في دليل التفصيل بين تجاوز النصف أو قبله أو بعد تمام الشوط الرابع أو قبله، فلا يعيد في الأوّل دون الثاني.
الثاني: هل الميزان هو تجاوز النصف أو إتمام الشوط الرابع؟
والكلام في المقام الثاني موكول إلى المسألة الحادية والعشرين فتربص حتى حين.

المقام الأوّل: دليل التفصيل

يدلّ على التفصيل المذكور ـ مضافاً إلى الاتّفاق الوارد في كلام «المدارك» وعدم نقل الخلاف في «المنتهى» و لو كان خلاف لنقل ، وعدم وجدانه كما في

(1) الشرائع:1/268، باب في كيفية الطواف الواجب.
(2) المنتهى::10/360، في أحكام الطواف.
(3) مدارك الأحكام:8/156.

صفحه 42
الجواهر1 ـ مرسل ابن أبي عمير أو جميل المنجبر بما سمعت.
عن بعض أصحابنا، عن أحدهما(عليهما السلام): في الرجل يحدث في طواف الفريضة وقد طاف بعضه؟ قال: «يخرج ويتوضّأ، فإن كان جاز النصف بنى على طوافه، وإن كان أقلّ من النصف أعاد الطواف».
ورواه الكليني عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا.2
والسؤال في الرواية وإن كان عن مطلق الحدث لكن المراد هو الحدث الأصغر بمناسبة أنّه أحدث في المسجد وحمله على الجنابة فيه بعيد جداً، ولذلك أجاب الإمام بالوضوء.

حكم الحدث الأكبر

هذا كلّه حول الحدث الأصغر، وأمّا الحدث الأكبر فألحقه المصنّف بالحدث الأصغر قال:«ولو عرضه الأكبر وجب الخروج من المسجد فوراً، وأعاد الطواف بعد الغُسْل لو لم يتم أربعة أشواط، وإلاّ أتمّ». ولكنّه مشكل لكونه خلاف مقتضى القاعدة أولاً، واختصاص النص بالحدث الأصغر ثانياً.
أمّا الأوّل: فلأنّ مقتضى القاعدة الأُولى هو شرطية الطهارة في الطواف من أوّله إلى آخره، فمن أحدث في أثناء الطواف كمن أحدث في أثناء الصلاة، خرج عنها الحدث الأصغر في الأثناء بعد تجاوز النصف أو إكمال الشوط الرابع ـ على ما سيأتي ـ و بقي الحدث الأكبر تحت القاعدة.
فإن قلت: إنّ الطواف اسم للأشواط السبعة فالأدلة دلّت على اشتراطه

(1) الجواهر:19/334.
(2) الوسائل: 9، الباب40 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 43
بالطهارة فاللازم إيقاع الأشواط كذلك، وأمّا اعتبار كون الطهارة شرطاً في الأكوان المتخلّلة أو كون الحدث قاطعاً فلا، وأمّا الصلاة فلولا النص فيها يقال فيه بمثل ما قيل في الطواف وانّ الطهارة شرط لأجزائها دون الأكوان المتخللة لكن دلّ الدليل على قاطعية الحدث فيها.1
قلت: إنّ ما استظهر خلاف ما هو المرتكز في كلا البابين: الصلاة والطواف، لانّ من كبّر فقد دخل في الصلاة وهو فيها إلى أن يخرج منها بالتسليم، ونظيره الطواف فإذا بدأ به من محاذاة الحجر الأسود، فقد دخل فيه وهو فيه إلى أن يخرج منه بإتمام الشوط السابع، فتخصيص شرطية الطهارة للأجزاء دون الأكوان المتخللة خلاف ما هو المرتكز.
وإن شئت قلت: إنّ الصلاة اسم للهيئة القائمة بالأجزاء والأكوان، الّتي يجمعها ويصيّرها أمراً واحداً، فما دلّ على شرطية الطهارة، يعمّ الأكوان، ولا يختص بالأجزاء ونظيرها الطواف.
هذا مقتضى القاعدة الأُولى وأمّا اختصاص النصّ فقد عرفت. ومع ذلك يمكن القول بالتفصيل في الحدث الأكبر أيضاً لوجهين:
1. انّ التفصيل المذكور من آثار نفس الطواف من غير فرق بين الحدث الأصغر والأكبر.
2. الاستئناس بالقول بذلك التفصيل في غير مورد الحدث، نظير:
أ. القطع لأجل المرض.
ب. القطع لعروض الطمث.

(1) المعتمد:4/295.

صفحه 44
المسألة2: لو كان له عذر عن المائية يتيمّم بدلاً عن الوضوء أو الغسل، والأحوط مع رجاء ارتفاع العذر، الصبر إلى ضيق الوقت.*
إلى هنا تمّ الكلام في الحدث الأصغر والأكبر أي الجنابة، وأمّا إذا طرأ الطمث أو المرض فسيوافيك الكلام فيهما في المسألة الحادية والعشرين، لأنّ المصنف طرح فيها، مسألة طروء الحدث والمرض، ولعلّه أراد من الحدث هنا الطمث ولذا نؤجل البحث فيه إلى هناك.
ج. القطع لقضاء حاجة المؤمن.
د. القطع لأجل دخول الكعبة.
هـ. في عروض النجاسة على ثوبه وبدنه في حال الطواف.
فقد فصّلوا في هذه الموارد بين التجاوز وعدمه، كلّ ذلك يشعر بأنّ التفصيل المذكور من آثار الطواف.
وأمّا الكلام فيما هو الميزان فهل هو التجاوز عن النصف، أو إتمام الشوط الرابع؟ فسيوافيك الكلام فيه في المسألة الحادية والعشرين.
* المشهور: انّ ما تبيحه الطهارة المائيّة، تبيحه الطهارة الترابية، فيجزي التيمم بدلاً عن الوضوء والغُسل عند اجتماع الشرائط أخذاً بإطلاق قوله(عليه السلام): «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين»، انّما الكلام في جواز البدار مع رجاء ارتفاع العذر أو لزوم الصبر إلى ضيق الوقت. وقد احتاط المصنّف بالصبر إلى ضيق الوقت.
ونقل في الجواهر عن المدارك»انّه ذهب فخر المحقّقين إلى عدم إباحة

صفحه 45
التيمّم للجنب الدخول في المسجدين ولا اللبث فيما عداهما» ورتّب عليه صاحب المدارك عدم استباحة الطواف به. وأضاف صاحب الجواهر بأنّه كذلك لكن لا صراحة فيه ببطلان الطواف به مع النسيان ونحوه ممّا لا نهي معه من حيث الكون.
ثمّ ضعّف قول الفخر بالنصوص والفتاوى ومعاقد الإجماعات على إباحة الترابية ما تبيحه المائية من غير فرق بين الحدث الأصغر والأكبر الّذي كان الإجماع على إجزائه فيه، كإجزاء طهارة المستحاضة فيه بلا خلاف، لقول الصادق(عليه السلام) في مرسل:«المستحاضة تطوف بالبيت وتصلي ولا تدخل الكعبة».1
ثمّ إنّ صاحب الجواهر استثنى ما إذا تيمّم لغاية يبيحها التيمّم، ولكن نسي جنابته ودخل المسجد وطاف، لعدم النهي واختصاص المورد بالأمر فإنّ ما ذكره صحيح، وأمّا في صورة العلم بها ـ مع قبول نظرية الفخر ـ فلا يصحّ تصحيحه عن طريق صحّة اجتماع الأمر والنهي بزعم اختلاف متعلقيهما، وأنّ متعلّق الأمر هو الطواف، ومتعلّق النهي، هو الدخول واللبث، وذلك لما قلنا في محله انّ تصحيح الاجتماع، لا يكفي، إذا لم يتمش من الطائف قصد القربة وإتيان العمل للّه. وهو مع وحدة الوجود، مشكل.

(1) الجواهر:19/271. ولاحظ المسألة في ج3/351ـ 363.

صفحه 46
المسألة3: لو شكّ في أثناء الطواف أنّه كان على وضوء، فإن كان بعد تمام الشوط الرابع توضّأ وأتمّ طوافه وصحّ، وإلاّ فالأحوط الإتمام ثمّ الإعادة. ولو شكّ في أثنائه في أنّه اغتسل من الأكبر؟ يجب الخروج فوراً، فإن أتمّ الشوط الرابع فشكّ، أتمّ الطواف بعد الغسل وصحّ، والأحوط الإعادة، وإن عرضه الشك قبله أعاد الطواف بعد الغسل، ولو شكّ بعد الطواف لا يعتني به، ويأتي بالطهور للأعمال اللاحقة.*
* في المسألة فروع:
1. لو شكّ في أثناء الطواف في طهارته عن الحدث الأصغر.
2. لو شك في أثناء الطواف في أنّه اغتسل من الأكبر.
3. لو شك بعد الطواف.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر:

الأوّل: الشكّ في الوضوء في أثناء الطواف

لو شكّ أثناء الطواف في أنّه كان على وضوء حينما ابتدأ به أو لا؟ فهناك آراء:
وقبل الإشارة إليها يجب تعيين موضوع الفرع، و الظاهر خروج ما إذا كان متطهّراً فشكّ في طروء الحدث واختصاص النزاع بما إذا كان محدثاً، كما هو الظاهر من المتن ـ على ما سيأتي ـ أو يعمّه ، ومن جهلت حالته السابقة.

صفحه 47

1. التفريق بين الشك في الأثناء وبعد العمل

اختاره العلاّمة الحلّي في كتبه الثلاثة: فهو يفرّق بين كون الشك في الأثناء، فيتوضّأ ويستأنف الطواف، وبين كونه بعده فلا يعتد بشكه.
قال في «التحرير»: وإن شكّ في الطهارة، فإن كان في أثناء الطواف تطهّر واستأنف، وإن كان بعده لم يستأنف.1
وقال في «التذكرة»: ولو شكّ في الطّهارة، فإن كان في أثناء الطواف تطهّر واستأنف، لأنّه شكّ في العبادة قبل فراغها فيعيد كالصلاة، ولو شكّ بعد الفراغ لم يستأنف.2
وقال في «المدارك» بعد نقله عن «التذكرة»:«وهو غير جيّد ولا مطابق للأُصول».3 ولم يعلم وجه مخالفته للأُصول إذا كان موضوع الفرع من كان كان محدثاً قبل الطواف واحتمل التطهير عن الحدث، أو كانت الحالة السابقة مجهولة.
وقال في «المنتهى»: لو شكّ في الطهارة فإن كان في أثناء الطواف يتطهّر ويستأنف، لأنّه شكّ في شرط العبادة قبل فراغها فيعيد كالصلاة، ولو شكّ بعد الفراغ لم يستأنف.4

2. التفريق بين مستصحب الطهارة والحدث

اختاره صاحب المدارك، فقد فصّل بين كونه مستصحب الحدث فيعيد

(1) التحرير:2/586، برقم 2029.
(2) التذكرة:8/113، المسألة 476.
(3) المدارك:8/141.
(4) المنتهى:10/361.

صفحه 48
مطلقاً لو شكّ في الأثناء أو بعد الفراغ، وبين كونه مستصحب الطهارة لم يُعد مطلقاً.
قال: الحقّ أنّ الشكّ إن كان بعد يقين الحدث وجب عليه الإعادة مطلقاً، وإن كان الشك في الطهارة بمعنى الشك في بقائها للشك في وقوع الحدث بعد يقين الطهارة لم يجب عليه الإعادة كذلك.1
ولقد أجاد صاحب المدارك حيث فرّق بين مستصحب الطهارة ومستصحب الحدث بعد أن كان مغفولاً عنه عند العلاّمة. ولكنّه لم يذكر حكم ما إذا كانت الحالة السابقة مجهولة.

3 ـ التفريق بين الشكّ في الأثناء وبعد العمل

هذا هو الّذي اختاره صاحب الجواهر وقال:إن شكّ في الطهارة في أثناء الطواف وكان محدثاً قبله استأنفه مع الطهارة، لقاعدة اقتضاء الشك في الشرط الشك في المشروط، بل هو محدث شرعاً ـ والصحّة في الصلاة لو قلنا بها لدليل خاص ـ إلى أن قال:ـ نعم لو شكّ بعد الفراغ لم يلتفت إليه كالصلاة وغيرها، من دون فرق بين أجزائها وشرائطها.2
ولعلّ الفرق بين القولين: قول العلاّمة الحلّي وصاحب الجواهر هو شمول كلام الأوّل للصور الثلاث: مستصحب الطهارة، ومستصحب الحدث، ومن جهلت حالته السابقة، واختصاص كلام الثاني بمستصحب الحدث، لكن يحتمل التوضّؤ قبل الطواف.
يلاحظ عليه: بأنّ مستصحب الحدث أو مستصحب الطهارة واضح

(1) المدارك:8/141.
(2) جواهر الكلام:19/273، ولاحظ المستند:12/99.

صفحه 49
حكمه فإنّه يعمل بمقتضى الاستصحاب وكان عليه التركيز على ما إذا كانت الحالة السابقة مجهولة.

4 ـ التفريق بين الشكّ بعد الشوط الرابع وقبله

هذا هو ما اختاره المصنّف في المتن، فإذا شكّ بعد تمام الشوط الرابع يتوضّأ ويتم طوافه، وإن كان قبله يتم ثمّ يعيد الطواف بالوضوء.
إنّما الكلام في دليل هذا التفصيل ولعلّه استفاده ممّا ورد في من أحدث في الأثناء، فقد مضى أنّه يبني على ما سبق ـ بعد التوضؤ ـ إذا كان بعد تمام الشوط الرابع، ويعيد إذا كان الشك قبل تمامه.
ولكنّه ضعيف للفرق بين المقيس والمقيس عليه، لأنّ الطائف في المقيس عليه متطهر وإنّما عرض له الحدث في الأثناء بعد تمام الشوط الرابع أو قبله، بخلاف المقام فإنّه إمّا محدث كما إذا كان مستصحب الحدث، أو ملزم بإحراز الطهارة كما إذا كان جاهلاً بالحالة السابقة.
والذي يهمّنا هو تبيين الموضوع في كلامه، فهل الموضوع فيه من أحدث قطعاً وشكّ في ارتفاعه، أو من كانت حالته السابقة مجهولة، كما إذا توالت عليه حالتان وشكّ في المتقدّم والمتأخّر منهما وكانت الحالة السابقة عليهما مجهولة أيضاً.
والظاهر انّ كلامه في الصورة الأُولى، أعني: من كان محدثاً قبل الطواف والدليل على ما ذكرنا وجهان:
1. قوله في الفرع الثاني: «لو شكّ في أثنائه انّه اغتسل من الأكبر يجب الخروج فوراً» فانّه صريح في كونه متيقناً بالحدث قبل الطواف وشكّ في الاغتسال حين الطواف في أنّه اغتسل من الأكبر» .
2. حكمه بالخروج فوراً، فإنّه يناسب من كان محدثاً وجداناً أو تعبداً.

صفحه 50
ومع ذلك أفتى المصنّف بالصحّة فيما إذا عرضه الشكّ في زوال الحدث الأصغر أو الأكبر بعد تمام الشوط الرابع، وإن احتاط بالإعادة فيما إذا شكّ في زوال الحدث الأكبر دون الأصغر، احتياطاً استحبابياً، وبالبطلان فيما إذا عرضه الشكّ قبله، وإن احتاط عند الشكّ في الحدث الأصغر بالإتمام ثمّ الإعادة بالوضوء، دون الشكّ في الحدث الأكبر، فقد أفتى بالإعادة بعد الغسل فقط.
وعندئذ يطرح السؤال التالي: كيف أفتى بالصحة والاعتداد بما أتى مع كونه مستصحب الحدث، ولعلّ وجهه هو عدم جريان الاستصحاب، عند الشك بعد تمام الشوط الرابع وجريان قاعدة التجاوز على عكس ما إذا شك قبل إتمامه.
أمّا الأوّل: فلأنّه تعتبر في جريان الاستصحاب فعلية الشكّ حين العمل، كما تشترط فعلية اليقين كذلك، والمفروض انّه دخل في الصلاة غافلاً عن كونه مستصحب الحدث، فيخرج المقام من عموم «لا تنقض اليقين بالشك».
وأمّا الثاني: فلولا ما ورد من التفصيل بين التجاوز بين النصف وعدمه، أو إتمام الشوط الرابع وعدمه ـ على اختلاف في المقطع ـ في غير واحد من الموارد، كما مرّ لقلنا بعدم جريان قاعدة التجاوز في أثناء الطواف عند الشكّ في الطهارة، غير أنّ تضافر الروايات أضفى للأشواط الأربعة نوعَ استقلال في الموضوعية، وبذلك تجري ـ عند الشكّ في زوال الحدث ـ قاعدة التجاوز، بعد تمام الشوط الرابع على حد تعبير المصنف، فتكون محكومة بالصحة ، دون ما إذا شكّ قبل تمامه، إذ ليس له استقلال في الموضوعية.
وبذلك يعلم حكم ما إذا كانت الحالة السابقة مجهولة، إذ يكون الحكم بالصحة عند إتمام الشوط الرابع أولى ممّا إذا كان مستصحب الحدث.
فإن قلت: إنّ قاعدة التجاوز تُثبت أنّ الطائف على طهارة، فعليه أن يأتي

صفحه 51
بالباقي بهذا العنوان.
قلت: إنّ القاعدة تثبت كون الطائف واجداً للشرط بالنسبة إلى ما مضى، وأمّا بالنسبة لما يأتي فاستصحاب الحدث محكّم، ولذلك قال الفقهاء: إذا شكّ في الطهارة بعد أداء الظهر يحكم على ما أتى بالصّحة ويجب الوضوء بالنسبة لصلاة العصر.
فإن قلت: ما الفرق بين الصلاة والطواف حيث تجري قاعدة التجاوز في أثنائها كما إذا شكّ في القراءة بعد ما ركع، أو شكّ في الركوع بعد ما سجد. ولا يجري في الطواف إلاّ في مورد النص، أعني: بعد إكمال الشوط الرابع، لا قبله؟
قلت: الفارق هو النص، لتضافر النصوص في جريانها في الصلاة في أثنائها ولولاها لأمكن أن يقال بعدم جريانها إلاّ بعد الفراغ، لأنّ كلاً من الصلاة والطواف أمر واحد، لا يتصور فيهما التجاوز إلاّ بعد الفراغ.
الفرع الثاني: الشك في الغُسل من الأكبر أثناء الطواف
إذا شكّ في أثناء الطواف أنّه اغتسل من الأكبر، يعلم حكمه ممّا سبق في الصورة الأُولى. فيجب الخروج فوراً، لكونه محكوماً بالحدث الأكبر من حين الشكّ لا من أوّل الطواف، لما عرفت من عدم فعلية الشكّ فيه، وأمّا بالنسبة إلى الأشواط المأتي بها، فيفصل بين تمام الشوط الرابع فتجري قاعدة الفراغ وقبله فلا تجري.
هذا غاية ما يمكن به تفسير التفصيل الوارد في كلامه وهو من مختصاته.
ولكن الظاهر بطلان الطواف في كلا الفرعين ، يظهر وجهه ممّا ذكرناه في الفروع المترتبة على فعلية الشكّ في كلماتهم في محاضراتنا في الاستصحاب1 ، مثل ما إذا أحدث ثمّ غفل و صلّى ثمّ شكّ في أنّه تطهر قبل الصلاة أو لا، حيث قالوا

(1) إرشاد العقول إلى علم الأُصول: 4/104.

صفحه 52
بصحّة الصلاة، لأنّ الشكّ بعد الصلاة مجرى لقاعدة الفراغ ولا يجري استصحاب الحدث حين الصلاة لغفلته وعدم شكّه حين الافتتاح.
ونحن خالفنا القوم و قلنا بعدم جريان القاعدة، وانّ المورد مجرى الاستصحاب.
أمّا الأوّل فلأنّ موردها، إذا كانت الغفلة محتملة، لا معلومة واحتمل وقوع العمل صحيحاً من باب الصدفة حيث إنّ الأدلّة منصرفة عن هذه الصورة، ولذلك لا يحكم بصحّة الوضوء إذا توضّأ ـ غفلة ـ بأحد المائين مع كون أحدهما مضافاً والآخر مطلقاً واحتمل التوضّؤ بالمطلق صدفة.
وأمّا الثاني ـ أعني: جريان الاستصحاب ـ فلكفاية الشكّ بعد الصلاة في أنّه تطهر بعد الحدث وقبل الصلاة أو لا . فيحكم ـ بعد الصلاة ـ ببقاء الحدث السابق من لدن حدوثه إلى الحالة الّتي التفت فيها إلى كيفية وقوع العمل، وفي المقام يكفي الشكّ أثناء الطواف، فيستصحب بقاء الحدث من لدن تحقّقه إلى الوقت الّذي التفت فيه إلى كيفية العمل.
وعلى ضوء ما ذكرنا يكون العمل محكوماً بالبطلان مطلقاً، قبل إتمام الشوط الرابع وبعده ويتوضّأ أو يغتسل ثمّ يعيد الطواف.

الفرع الثالث: الشك في الطهارة بعد الطواف

لو شكّ في الطهارة بعد الطواف لا يعتد به، لقاعدة الفراغ، لكن يأتي بالأعمال الباقية بالطهور، لما عرفت من أنّ الحكم بكون الطائف واجداً للشرط حكم نسبي لا مطلق، فالعمل المتجاوز عنه محكوم بالطهارة، لا العمل الّذي لم يتجاوز عنه.
وعلى ضوء ما ذكرنا من عدم جريان قاعدة التجاوز في الفرعين السابقين، يمكن أن يقال بعدم جريانها في هذه الصورة أيضاً، لأنّ حالة الشك وحالة العمل سيّان من حيث الذكْر والالتفات، ويجري استصحاب الحدث بلا معارض بعد الالتفات.

صفحه 53
الثالث: طهارة البدن واللباس، والأحوط الاجتناب عمّا هو المعفو عنه في الصلاة، كالدم الأقل من الدرهم، وما لا تتم فيه الصلاة حتّى الخاتم. وأمّا دم القروح والجروح، فإن كان في تطهيره حرج عليه لا يجب. والأحوط تأخير الطواف مع رجاء إمكان التطهير بلا حرج; بشرط أن لا يضيق الوقت. كما أنّ الأحوط تطهير اللباس أو تعويضه مع الإمكان.*

* في طهارة البدن والثوب

في المسألة فروع:
1. شرطية طهارة البدن واللباس في صحّة الطواف.
2. الأحوط الاجتناب عن المعفوّ عنه في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم، أو ما لا تتم فيه الصلاة كالجورب والخاتم.
3. دم القروح والجروح، وفيه تفصيل بين استلزام التطهير الحرج وعدمه، فلا يجب في الأوّل دون الثاني.
4. الأحوط تأخير الطواف مع رجاء إمكان التطهير بلا حرج بشرط أن لا يضيق الوقت.
5. الأحوط تطهير اللباس أو تعويضه مع الإمكان فيما إذا كان غسل البدن حرجيّاً.
وإليك دراسة هذه الفروع واحداً بعد الآخر:

الأوّل: شرطية طهارة البدن واللباس في صحّة الطواف

وقد اختلفت فيه كلمات فقهاء السنّة، واتّفقت كلمات أكثر فقهاء الشيعة

صفحه 54
على شرطيته.
قال ابن رشد: والشافعي يشترط طهارة ثوب الطائف كاشتراط ذلك للمصلي.
وظاهر كلامه اختصاص القول بشرطية طهارة ثوب الطائف بالشافعي، ولكن يقول الخرقي ـ وهو حنبلي ـ :ويكون طاهراً في ثياب طاهرة، وقال ابن قدامة في شرحه: وذلك لأنّ الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحّة الطواف في المشهور عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي.1
وأمّا أصحابنا فقد قال الشيخ في «النهاية»: ولا يجوز للرجل أن يطوف وفي ثوبه شيء من النجاسة، فإن لم يعلم به ورأى في حال الطواف النجاسة رجع فغسل ثوبه، ثمّ عاد فتمم طوافه، فإن علم بعد فراغه من الطواف كان طوافه جائزاً 2 (أي نافذاً).
والظاهر من العلاّمة في كتابيه، عدم الخلاف لعدم ذكر القول المخالف، قال في «المنتهى»: خلوّ البدن والثوب من النجاسات شرط أيضاً في صحّة الطواف، سواء كانت النجاسة دماً أو غيره، قلّت أو كثرت; لقوله(عليه السلام):«الطواف بالبيت صلاة» ولأنّها شرط في الصلاة فتكون شرطاً في الطواف.3
وقال في «التذكرة»: يشترط خلو البدن والثوب من النجاسة في صحّة الطواف، سواء كانت النجاسة دماً أو غيره... إلى آخر ما ذكره في «المنتهى».4
ومع ذلك فالمسألة ليست اتفاقية.
قال العلاّمة: لا يجوز أن يطوف وفي ثوبه شيء من النجاسة، وبه قال ابن

(1) المغني:3/390.
(2) النهاية:240.
(3) المنتهى:10/315.
(4) التذكرة:8/84ـ 85.

صفحه 55
زهرة وابن إدريس. وقال أيضاً: لا فرق بين الدم وغيره، وسواء كان الدم دون الدرهم أو أزيد.
وقال ابن الجنيد: لو طاف في ثوب إحرامه وقد أصابه دم لا يحلّ له الصلاة فيه كره له ذلك. ويجزئه إذا نزعه عند صلاته. وجعل ابن حمزة الطواف في الثوب النجس مكروهاً، وكذا إذا أصاب بدنه نجاسة.1
فالمخـالف من القـدماء حسب ما ذكره العلاّمة شخصان ابن الجنيد وابن حمزة. أمّا المتأخّرون فالظاهر من المدارك والذخيرة والكفاية عدم الاشتراط.2
واستدلّ على الشرطية بوجوه:
1. النبوي المعروف: «الطواف بالبيت صلاة»، أخذاً بعموم المنزلة3 وحملها على إجزاء الطواف عن صلاة التحية، أخذ ببعض التنزيل، الظاهر في عموم المنزلة مثل قوله: «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين»، أو قوله:«الرضاع لحمة كلحمة النسب» إلى غير ذلك من التنزيلات في كلام النبيّ وآله(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. «الطواف بالثوب النجس، يستلزم إدخال النجاسة إلى المسجد وهو حرام». وضعفه ظاهر إذ لا دليل على حرمة إدخال النجاسة إلى المسجد إلاّ كونه هتكاً له، كما إذا كانت النجاسة سارية أو كانت كثيرة تعد هتكاً للمسجد وأمّا إذا كان طرف ثوبه نجساً، غير سار فلا.
3. يظهر من سؤال السائل عمّا إذا رأى النجس في أثناء الطواف المعرب

(1) المختلف:4/197ـ 198.
(2) لاحظ المدارك:8/117; الذخيرة:626; الكفاية:136.
(3) الجواهر:19/271.

صفحه 56
عن كون الشرطية أمراً مسلماً بين الإمام(عليه السلام) والسائل.والسائل هو يونس بن يعقوب الثقة رواها الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب باختلاف في الألفاظ. وطريق الصدوق إليه صحيح، إذ في طريقه الحكم بن مسكين (وهو من رجال ابن أبي عمير1 ) والحسن بن محبوب والحسن بن علي بن فضال وغيرهم من الأجلة، وهو كثير الرواية ومقبولها وصاحب كتب عديدة.
نعم في طريق الشيخ إليه بُنان بن محمد، ومحسن بن أحمد وكلاهما لم يوثّقا، ولكن ضعف الطريق لا يضر بعد انجبار الضعف لعمل المشهور بها، إلاّ من شذّ. وإليك الرواية على كلا النقلين، وليستا روايتين كما زعم صاحب الجواهر.2 تبعاً لصاحب الوسائل. حتى أنّ صاحب المدارك عدها روايتين كما سيوافيك في المستقبل.
1. روى الصدوق عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) رأيت في ثوبي شيئاً من دم وأنا أطوف. قال: «فاعرف الموضع، ثمّ أخرج فاغسله، ثمّ عدّ فابن على طوافك».3
2. روى الشيخ عنه قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطواف؟ قال: «ينظر الموضع الّذي رأى فيه الدم فيعرفه، ثمّ يخرج ويغسله، ثمّ يعود فيتم طوافه».4ونرجع إلى هذه الرواية في المسألة السادسة فانتظر.
ولا تعارضهما مرسلة البزنطي ـ وإن كانت في حكم الصحيحة ـ عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قلت له: رجل في ثوبه دم ممّا لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في

(1) الكافي:5/492، الحديث 40.
(2) الجواهر:19/272.
(3) الوسائل:9، الباب52 من أبواب الطواف، الحديث1.
(4) الوسائل:9، الباب52 من أبواب الطواف، الحديث 2.

صفحه 57
ثوبه؟ فقال: «أجزأه الطواف، ثمّ ينزعه ويصلّي في ثوب طاهر».1
وجهه: اختلاف موردها ، فمورد الأوّلين هو رؤية النجاسة في أثناء الطواف، ومورد الأخيرة رؤيتها بعده. أي طاف في الثوب النجس كما استظهره الشيخ في التهذيب.ولو حملت المرسلة على الطواف في الثوب النجس عامداً، لكان معرضاً عنها، وعلى ضوء الروايات الثلاث: رواية حبيب بن مظاهر، 2 ورواية يونس بن يعقوب، ورواية البزنطي ـ بناء على حمله على الجهل ـ تكون طهارة الثوب شرطاً علمياً لا شرطاً واقعياً.
نعم إطلاق صحيح يونس بن يعقوب هو عدم الفرق بين الطواف الواجب والمندوب لكن يقيّد إطلاقه بما دلّ على عدم شرطية الطهارة عن الحدث في المندوب، إذ تكون شرطية الطهارة عن الخبث في البدن والثوب أمراً بعيداً ومع ذلك فالإطلاق هو المحكّم إلاّ إذا قيل بانصرافها إلى الواجب.
الفرع الثاني: الأحوط الاجتناب حتّى عمّا هو المعفو عنه في الصلاة، كالدم الأقل من درهم، أو مطلق الدم لكن فيما لا تتم الصلاة فيه كالجورب. ونقل في الجواهر القطع بعدم العفو عن ابن إدريس والعلاّمة.3
والدليل عليه إطلاق الرواية وعدم التفرقة بين المعفو وغيره. ولكن احتاط المصنّف، لاستبعاد كون الأمر في الطواف أشدّ من الصلاة، مع أنّ الطواف منزل منزلة الصلاة، وهي أصل والطواف فرع. نعم مورد السؤال هو الثوب وهو يصدق على ما لا يتم فيه الصلاة مجازاً، ولكن لا يصدق على الخاتم، فالاحتياط فيه ـ كما في المتن ـ غير واضح.

(1) الوسائل:9، الباب52 من أبواب الطواف، الحديث 3.
(2) الوسائل:9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث2.
(3) الجواهر:19/273.

صفحه 58
المسألة4: لو علم بعد الطواف بنجاسة ثوبه أو بدنه حاله، فالأصحّ صحّة طوافه، ولو شكّ في طهارتهما قبل الطواف جاز الطواف بهما وصحّ، إلاّ مع العلم بالنجاسة والشكّ في التطهير.*
الفرع الثالث: دم القروح والجروح، فإنّ حكمهما في الطواف نفس حكمهما في الصلاة، فيفرَّق بين الحرج وعدمه، فتسقط الشرطية إذا كان التطهير حرجياً دون غيره، واستدلّ عليه في الجواهر بالحرج وغيره.1
الفرع الرابع: تأخير الطواف مع إمكان التطهير بلا حرج، وذلك على القول بعدم جواز البدار مع رجاء ارتفاع العذر.
الفرع الخامس: الأحوط تطهير اللباس أو تعويضه مع الإمكان مطلقاً، سواء كان تطهير البدن حرجياً أو لا، لاختصاص الحرج بغسل القروح والجروح، لا الثياب.
* في المسألة فرعان:
الأوّل: لو علم بالنجاسة في ثوبه أو بدنه بعد الفراغ من الطواف.
الثاني: إذا شك في الطهارة والنجاسة قبل الشروع بالطواف.
أمّا الأوّل: فيحكم بصحّة الطواف، لمرسلة البزنطي2، بناءً على حمله على صورة الجهل أو النسيان. كما استظهره الشيخ على ما مرّ، لأنّ حملها على صورة العلم بوجود الدم، يسبّب الإعراض عن مضمونها. ويمكن استفادة الصحة أيضاً من صحيح يونس بن يعقوب3الماضي ذكره حيث دلّ على صحّة ما أتى من

(1) الجواهر:19/273.
(2) الوسائل:9، الباب52 من أبواب الطواف الحديث3و 1.
(3) الوسائل:9، الباب52 من أبواب الطواف الحديث3و 1.

صفحه 59
المسألة 5: لو عرضته نجاسة في أثناء الطواف أتمّه بعد التطهير وصحّ، وكذا لو رأى نجاسة واحتمل عروضها في الحال، ولو علم أنّها كانت من أوّل الطواف فالأحوط الإتمام بعد التطهير ثمّ الإعادة، سيما إذا طال زمان التطهير، فالأحوط حينئذ الإتيان بصلاة الطواف بعد الإتمام ثمّ إعادة الطواف والصلاة، ولا فرق في ذلك الاحتياط بين إتمام الشوط الرابع وعدمه.*
أشواط الطواف إذا رأى النجاسة في أثنائه وعلم أنّها كانت في ثوبه من أوّل الطواف، فإذا لم يضرّ العلم بوجود النجاسة في الأثناء فأولى أن لا يضرّ إذا علم بها بعد الطواف لعدم الحاجة إلى قطع الطواف وغيره. ومع ذلك فالاعتماد على هذا الوجه مشكل للفرق بين المقيس والمقيس عليه، لأنّ الحكم بصحّة عمل فَقَدَ بعضُ أجزائه الشرطَ اللازم لا يلازم صحّة عمله إذا فَقَدَت عامّةُ أجزائه ذلك الشرط.
وأمّا الثاني: فيفرّق بين مستصحب الطهارة ومستصحب النجاسة، فالأوّل يجوز له الدخول في الطواف ويصحّ حتّى ولو تبين الخلاف، لكونه محكوماً بالطهارة، بخلاف الثاني فلا يجوز له الدخول لكونه محكوماً بالنجاسة.
ولو كان الثوب أو البدن مشكوك الطهارة والنجاسة من دون علم بالحالة السابقة يحكم عليها بالطهارة أيضاً فيجوز له الدخول في الطواف.
* في المسألة فروع:
1. لو عرضته نجاسة في أثناء الطواف.
2. لو رأى نجاسة واحتمل عروضها في الحال كما احتمل وجودها من حين الشروع فيه.

صفحه 60
3. لو رأى نجاسة في الأثناء وعلم أنّها كانت من أوّل الطواف.
4. لا فرق في رؤية النجاسة بين إتمام الشوط الرابع وعدمه.
والجامع بين الفروع الأربعة رؤية النجاسة في الأثناء وإن اختلفت في زمان الطروء.
وإليك دراستها واحداً بعد الآخر.
الأوّل: لو عرضته نجاسة في أثناء الطواف فهل له إزالة النجاسة وإتمام الطواف، سواء أتوقفت الإزالة على فعل يستدعي قطع الطواف أم لا، أو كان طروء النجاسة قبل إكمال الشوط الرابع أم لا؟
ويدلّ عليه ما ورد في الصحيح عن حمّاد بن عثمان، عن حبيب بن مظاهر قال: ابتدأت في طواف الفريضة فطفت شوطاً واحداً فإذا إنسان قد أصاب أنفي فأدماه، فخرجت فغسلته، ثمّ جئت فابتدأت الطواف، فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه(عليه السلام) فقال:«بئس ما صنعت، كان ينبغي لك أن تبني على ما طفت، ثمّ قال: أما إنّه ليس عليك شيء».1
وإطلاق النصّ يقتضي عدم الفرق بين ما لو توقّفت الإزالة على فعل يستدعي قطع الطواف وعدمه، ولا بين أن تطرأ النجاسة بعد تجاوز النصف أو قبله.
لكن السند غير نقيّ، لأنّ حبيب بن مظاهر لم يوثّق.
وفي هامش الوسائل عن المؤلف أنّ المراد منه، هو صحابي استشهد مع أبي عبد اللّه الحسين(عليه السلام) في كربلاء، وهو غير صحيح لأنّه استشهد بين يدي الإمام يوم عاشوراء عام 61هـ، فكيف يروي عنه حماد بن عثمان المتوفّى عام 190هـ،

(1) الوسائل:9، الباب41 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 61
وهو من أصحاب الرضا(عليه السلام).؟!ويمكن أن يستدلّ على الصحّة بإطلاق رواية يونس بن يعقوب كما يأتي في الفرع الثاني.
الفرع الثاني: لو رأى نجاسة واحتمل وجودها من أوّل الطواف أو عروضها في الحال .
ويمكن إرجاع الفرع الثاني إلى الأوّل موضوعاً حتى يتّحد حكماً، وذلك بأنّ البدن أو الثوب، محكوم بالطهارة في الأوّل وجداناً، وفي الثاني استصحاباً إلى الآن الذي رأى فيه النجاسة في ثوبه وبدنه، فإذا اتحدا موضوعاً يتّحدان حكماً، وعندئذ دلّ على صحّة ما أتى من الطواف في كلا الفرعين أمران:
1. حديث حبيب بن مظاهر انّ الملاك ، كون الثوب والبدن محكوماً بالطهارة إمّا وجداناً أو تعبّداً.
2. إطلاق صحيح يونس بن يعقوب على ما رواه الصدوق، وقد تقدّمت حال سنده قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) رأيت في ثوبي شيئاً من دم وأنا أطوف؟ قال: «فاعرف الموضع، ثمّ اخرج فاغسله، ثمّ عد فابن على طوافك».1 فإنّ إطلاقه يعم الفرعين، أي سواء كان قاطعاً بطروء الدم أثناء الطواف أو كان شاكاً واحتمل وجوده من أوّله.
الفرع الثالث: لو رأى نجاسة في الأثناء وعلم أنّها كانت من أوّل الطواف.
في المسألة آراء:
1. يغسل ثوبه ثمّ يعود فيتمم طوافه، ذهب إليه الشيخ الطوسي في «المبسوط» والمحقّق في «الشرائع»، قال الأوّل: ولا يجوز أن يطوف وفي ثوبه شيء من النجاسة، فإن لم يعلم ورأى خلال الطواف النجاسة، رجع فغسل ثوبه ثمّ عاد فتمم طوافه.2

(1) الوسائل:9، الباب52 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) المبسوط:1/358.

صفحه 62
وقال المحقّق: فإن لم يعلم ثمّ علم في أثناء الطواف أزاله وتمم.1
فإنّ قوله: «فإن لم يعلم» دال على وجوده من أوّل الطواف.
2. نفس الحكم بشرط أن يبلغ الأربعة، وإلاّ استأنفها، وهذا خيرة الشهيد في «الدروس»، قال: ولو علم في الأثناء أزالها وأتمّ إن بلغ الأربعة وإلاّ استأنف.2
3. نفس الحكم بشرط أن لا يستدعي فعلاً يوجب قطع الطواف، ـ كما إذا أمكن إبداله بثوب آخر ـ وهذا هو الظاهر من الشهيد الثاني في «المسالك» قال في ذيل كلام المحقّق :«أزاله وتمّم» ولم يحتج إلى فعل يستدعي قطع الطواف.3
فالشرط اللازم عند الشهيد هو إتمام الشوط الرابع ولكنّه عند الشهيد الثاني عدم توقّفه على قطع الطواف.
ولكن الظاهر من صاحب المدارك أنّ الشهيدين على رأي واحد قال: وجزم الشهيدان بوجوب الاستئناف إن توقفت الإزالة على فعل يستدعي قطع الطواف ولمّا يكمل أربعة أشواط، نظراً إلى ثبوت ذلك مع الحدث (طرؤه) في أثناء الطواف والحكم في المسألتين واحد... ثمّ أورد عليه بأنّه مع تسليم الحكم في الأصل لا يخرج عن القياس.4
4. التفريق بين الإخلال بالموالاة فيستأنف، وعدمه فيبني على السابق. وهذا خيرة المدارك قال: ولو قيل بوجوب الاستئناف مطلقاً مع الإخلال بالموالاة

(1) الشرائع:1/268.
(2) الدروس:1/405.
(3) المسالك:2/340.
(4) المدارك:8/146.

صفحه 63
الواجبة بدليل التأسي وغيره أمكن، لقصور الروايتين المتضمنتين للبناء من حيث السند. والاحتياط يقتضي البناء والإكمال ثمّ الاستئناف مطلقاً».1
يريد بالروايتين ، صحيح يونس بن يعقوب الذي روي بطريقين، وتخيّل أنّهما روايتان .
5. الاحتياط وهو البناء على ما سبق والإكمال ثمّ الاستئناف مطلقاً وهو خيرة المصنف حيث قال: فالأحوط الإتمام بعد التطهير ثمّ الإعادة لا سيما إذا طال زمان التطهير.
6. الاحتياط الكامل هو إتمام الطواف مع صلاته ثمّ إعادة الطواف والصلاة. وهذا هو الّذي ذكره المصنّف أيضاً في المتن.
هذه هي الوجوه المذكورة في كتب الأصحاب فلنرجع إلى الروايتين.
ويدلّ على البناء على ما سبق مطلقاً ـ أي سواء كان قبل الشوط الرابع أو بعده، استلزم قطع الطواف أو لا، أخلّ بالموالاة أو لا ـ صحيح يونس بن يعقوب. قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رأيت في ثوبي شيئاً من دم وأنا أطوف؟ قال: «فاعرف الموضع، ثمّ اخرج فاغسله، ثمّ عدّ فابن على طوافك».2
فهل المراد بقوله: «رأيت في ثوبي» هو التذكر بعد ما كان عالماً، فيكون السؤال راجعاً إلى الناسي، أو المراد هو العلم بالدم بعد ما لم يكن عالماً فيكون دليلاً على المورد؟
والظاهر هو الثاني فلا يعمّ الحديث صورة النسيان. فعلى ذلك لا فرق بين عامة الصور في حال الجهل سواء علم بأنّه طرأ أثناء الطواف، أو احتمله واحتمل

(1) المدارك:8/146.
(2) الوسائل:9، الباب52 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 64
المسألة 6:لو نسي الطهارة وتذكر بعد الطواف أو في أثنائه فالأحوط الإعادة.*
كونه موجوداً من أوّله أو قطع بوجوده من حين الشروع. وسواء كان الثوب ممّا تتم فيه الصلاة أو لا تتم، كما لا فرق بين الأقل من الدرهم والأكثر.
كلّ ذلك لإطلاق السؤال وترك الاستفصال في الجواب، والظاهر أنّ ذكر الدم من باب المثال، لأنّه الغالب من الابتلاء بالنجس عند الطواف.
وربّما يحتمل أنّ الرواية بصدد بيان الحكم التكليفي لا الوضعي، فلو خالف ولم يغسل عصى وصحّ طوافه، وهو بعيد جدّاً، لأنّ مساق هذه الروايات الواردة في السؤال عن الأجزاء والشرائط والموانع هو مساق بيان الشرطية والجزئية والمانعية.

* حكم ناسي النجاسة

في الفرع وجهان:
1. وجوب الإعادة لاختصاص الروايات الثلاث:حبيب بن مظاهر ويونس بن يعقوب والبزنطي بالجاهل المتذكّر في الأثناء، وأمّا الناسي فما أتى به غير مأمور به وما أمر به لم يأت به، فيكون المرجع هو مقتضى القاعدة وهو لزوم الإعادة.
2. عدم وجوب الإعادة لعدم دليل لفظي دالّ على شرطية الطهارة عن الخبث حتى يتمسّك بإطلاقه في مورد الناسي. لما عرفت من أنّ الدالّ على الشرطية، ظهور السؤال والجواب فيها عن كونها مسلماً عند السائل والإمام، وعندئذ يكون المرجع، هو الأصل وأعني الرفع، ولعلّ هذا وجه احتياط السيد الأُستاذ(قدس سره). وعدم الإفتاء بلزوم الإعادة.

صفحه 65
الرابع: أن يكون مختوناً، وهو شرط في الرجال لا النساء، والأحوط مراعاته في الأطفال، فلو أحرم الطفل الأغلف بأمر وليه أو أحرمه وليه صحّ إحرامه ولم يصحّ طوافه على الأحوط، فلو أحرم بإحرام الحجّ حرم عليه النساء على الأحوط، وتحل بطواف النساء مختوناً أو الاستنابة له للطواف، ولو تولد الطفل مختوناً صحّ طوافه.*
* في المسألة فروع:
1. الختان شرط في الرجال دون النساء.
2. حكم الطفل غير المختون إذا أحرم أو أحرمه وليّه.
3. لو تولّد الطفل مختوناً صحّ طوافه.
الفرع الأوّل: أمّا شرطية الختان، سواء أكان شرطاً للطواف أم للحجّ فهو من خصائص الفقه الإمامي ولم نجده في كتب أهل السنّة، كبداية المجتهد للقرطبي و المغني لابن قدامة والشرح الكبير المطبوع معه والموسوعة الفقهية الكويتية. ولذلك ذكره العلاّمة في «المنتهى» من دون إشارة إلى قولهم قال: والختان شرط في الطواف للرجل دون المرأة.1
فلو كان لأهل السنّة رأي لأشار إليه العلاّمة في كتبه.
وقال الشيخ: ولا يطوف الرجل بالبيت إلاّ مختوناً، ويجوز ذلك للنساء.2
وقال في «التذكرة»: والختان شرط في الطواف للرجل مع القدرة دون المرأة، لقول الصادق(عليه السلام)في الصحيح:»الأغلف لا يطوف بالبيت، ولا بأس أن تطوف

(1) المنتهى:10/317.
(2) المبسوط:1/358.

صفحه 66
المرأة».1
والظاهر أنّ المسألة متّفق عليها وإن تردد فيها الحلّي في «السرائر».2 ثمّ تأمّل فيها صاحب الذخيرة والكفاية.3
قال ابن إدريس: ولا يجوز للرجل أن يطوف بالبيت، وهو غير مختون، على ما روى أصحابنا في الأخبار، ولا بأس بذلك للنساء.
والروايات الواردة بظاهرها على طائفتين:

الأُولى: ما يظهر منها أنّه شرط لصحّة الطواف

1. صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «لا بأس أن تطوف المرأة غير المخفوضة، فأمّا الرجل فلا يطوف إلاّ وهو مختتن».4
2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«الأغلف لا يطوف بالبيت، ولا بأس أن تطوف المرأة».5
الطائفة الثانية: وهي التي يظهر منها أنّ الختان شرط انعقاد الحجّ.
1. صحيح إبراهيم بن ميمون، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في الرجل يُسلم فيريد أن يحجّ وقد حضر الحجّ أيحج أم يختتن؟ قال:«لا يحج حتى يختتن».6
2. صحيح حنان بن سدير قال:سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن نصراني أسلم وحضر الحجّ ولم يكن اختتن أيحج قبل أن يختتن؟ قال:«لا ولكن يبدأ بالسنّة».7

(1) التذكرة:8/85.
(2) السرائر:1/574.
(3) مستند الشيعة:12/56.
(4) الوسائل:9، الباب33 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث 3 و 1و2و4.
(5) الوسائل:9، الباب33 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث 3 و 1و2و4.
(6) الوسائل:9، الباب33 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث 3 و 1و2و4.
(7) الوسائل:9، الباب33 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث 3 و 1و2و4.

صفحه 67
وتظهر الثمرة بين القولين في موردين:
1. أنّه لو كان الختان شرطاً للحجّ يجوز طواف الأغلف وإن كان بالغاً إذا كان مندوباً، لأنّه مندوب مستقل لا صلة له بالحجّ.
2. لو كان الختان شرطاً لصحة الطواف يصحّ إحرامه مع كونه أغلف إذا اتّسع الوقت بعد الإحرام للختان، ويصحّ طوافه أيضاً إذا صار مختوناً عنده، وهذا بخلاف ما لو كان شرطاً للحجّ فلا يصحّ إحرامه في هذه الصورة.
ثمّ إنّ الظاهر من الروايات أنّ الختان شرط وضعي لصحّة الطواف أو الحجّ، وإن كان في نفسه أيضاً واجباً نفسياً وإن لم يكن مستطيعاً لظهور قوله(عليه السلام):«الأغلف لا يطوف بالبيت» في الشرط الوضعي، كما إذا قال: المحدث لا يصلي.
ثمّ الظاهر أنّ الختان شرط للطواف دون الحجّ، وأنّ جعله شرطاً للحجّ من باب الوصف بحال المتعلّق، وهذا هو الظاهر من كلام الشيخ:لا يطوف الرجل البيت إلاّ مختوناً. بل هو صريح كلام العلاّمة :الختان شرط في الطواف. وهو أيضاً خيرة الأُستاذ في المتن.

الفرع الثاني: في إحرام الطفل الأغلف

قد عرفت أنّ الختان شرط لصحّة الطواف في الذكور، فهل هو شرط أيضاً لصحّة طواف غير البالغ من الذكور أو لا؟ هناك وجوه:
1. عدم اعتباره في الصبي مطلقاً مميزاً كان أو غير مميز، أحرم بنفسه أو أحرمه وليّه، وهو خيرة الشهيد الثاني قائلاً بأنّ الأخبار خالية عن غير الرجل

صفحه 68
والمرأة.1
وعلى هذا لو أحرم وطاف وهو أغلف لم تحرم النساء عليه بعد البلوغ.
2. اعتبار الختان في الصبي مطلقاً وهو خيرة صاحب المدارك قائلاً بأنّ مقتضى إخراج المرأة (في صحيحي ابن عمار و حريز) من هذا الحكم بعد اعتباره في مطلق الطائف (الأغلف لا يطوف بالبيت ولا بأس أن تطوف المرأة) هو استواء الرجل والصبي والخنثى في ذلك.2
يلاحظ عليه: بأنّ مقابلة الأغلف مع المرأة ربما يكون دليلاً على أنّ المراد به هو الرجل، فيكون استثناء المرأة كالقرينة الصالحة لعدم انعقاد الإطلاق في الأغلف، ويشهد على ذلك تقابل المرأة مع الرجل في صحيح حريز عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا بأس أن تطوف المرأة غير المخفوضة، فأمّا الرجل فلا يطوف إلاّ هو مختتن».3
وسيوافيك ما يمكن الاستدلال به على هذا الوجه.
3. التفصيل بين الصبي المميز الّذي يطوف بنفسه والصبي غير المميز الّذي يطاف به، فيعتبر الختان في الأوّل دون الثاني وهو خيرة المحقّق الخوئي قائلاً بأنّ موضوع النهي في الروايات هو الشخص الّذي يطوف بنفسه ويكون مأموراً بالطواف بنفسه، وأمّا الّذي يطاف به ولا يطوف بنفسه فلا أمر له بالطواف، إذ المفروض أنّ التكليف متوجّه إلى الولي الّذي يطوف به، فمقتضى الأصل عدم الاعتبار بالنسبة إلى الصبي غير المميز.4

(1) المسالك:2/329.
(2) مدارك الأحكام:8/118.
(3) الوسائل:9، الباب33 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث3.
(4) المعتمد: 4/329.

صفحه 69
يلاحظ عليه: بأنّ النهي عن طواف الأغلف لا يخلو إمّا أن يكون حكماً تكليفياً، أو حكماً وضعياً. فعلى الأوّل يلزم اختصاص الحكم بالبالغ ولا يعم غير البالغ وإن كان مميزاً.
وعلى الثاني يكون النهي إرشاداً إلى شرطية الختان أو مانعية الأغلفية فلازمه كونه شرطاً لصحة العمل، والحكم الوضعي يعمّ البالغ وغير البالغ من غير فرق بين المميز وغير المميز، لأنّه إرشاد إلى أنّ قوام العمل به، فإذا قال:«لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه»، كان الدليل إرشاداً لمانعية ما لا يؤكل لحمه فمثل هذا يعم المكلّف وغير المكلّف وفي الثاني المميز وغير المميز.
والظاهر اعتبار الختان شرطاً لعمل الطواف مطلقاً، وذلك لما ألمعنا إليه في بعض مسفوراتنا بأنّ الروايات المتكفّلة ببيان الأجزاء والشرائط أو الموانع والقواطع ناظرة إلى بيان واقع العمل بشرائطه وجزئياته من دون نظر إلى كون العمل واجباً أو مندوباً، صادراً من البالغ أو من غيره، ولذلك نرى أنّ الفقهاء يعطفون النوافل في اعتبار الشروط والأجزاء على الواجبات حتّى وإن كان الدليل وارداً في مورد الواجب. وذلك لأنّ الشارع لم يعقد فصلاً لبيان أجزاء وشرائط العبادة الواجبة وفصلاً آخر لبيان أجزاء وشرائط المندوبات، وإنّما يستفاد حكم الثانية من الأُولى.
وعلى ضوء ذلك فالختان شرط لصحّة العمل، فإذا أحرم لا تحل عليه النساء لبطلان طوافه إلاّ إذا طاف مختوناً أو يستنيب أحداً له إذا لم يتمكن من المباشرة، بل ومع المباشرة كما قوينا فيما سبق.
ثمّ إنّ المصنف لم يُفت بشرطية الختان لصحّة الطواف، بل قال: »الأحوط

صفحه 70
مراعاته في الأطفال» ورتّب عليه بأنّه لو أحرم للعمرة لم يصحّ طوافه ولو أحرم للحج حرمت عليه النساء لكن تحل بطواف النساء مختوناً أو الاستنابة له للطواف، لكن مقتضى عدم صحة طوافه في العمرة عدم صحّته هنا فلا تحلّ إلاّ بطواف نفسه مختوناً أو الاستنابة، وأمّا انّه لماذا لم يفت بشرطيّته واحتاط؟ فلعلّه لاحتمال كون المراد من الأغلف هو الرجل، بقرينة ورود الرجل في صحيح ابن ميمون وحريز.

الفرع الثالث: لو تولد مختوناً صحّ طوافه لعدم صدق الأغلف عليه

وبعبارة أُخرى المعتبر هو اسم المصدر لا نفسه.
تكملة: إذا استطاع وهو غير مختون
وهذا الفرع تعرّض له صاحب الجواهر والمحقّق الخوئي في «المعتمد» ولم يذكره المصنّف. والفرع عبارة :عما إذا استطاع المكلف وهو غير مختون فإن أمكنه الختان في سنة الاستطاعة وجب القيام بهما، وإنّما الكلام إذا لم يمكنه الختان في هذه السنة أو أمكنه ولكنه لم يندمل إلى وقت الخروج، فهل يحجّ في نفس السنة غير مختون، أو يؤخر الحج إلى السنة القادمة؟ وجهان:

الأوّل: أنّه يحجّ في نفس السنة

وهو خيرة صاحب القواعد وصاحب كشف اللثام.
قال في الأوّل: إنّ الختان شرط في الرجل المتمكن خاصة.1

(1) قواعد الأحكام:1/425.

صفحه 71
واستفاد منه صاحب الجواهر انّه لو تعذر ولو لضيق الوقت سقط، ولعلّه لاشتراط التكليف بالتمكّن مع عموم أدلة الحجّ.1
وعلى هذا القول فهل هو يطوف بنفسه أو يستنيب؟ والأوّل ظاهر القواعد، لأنّ الساقط لأجل عدم التمكن هو الشرط ـ أي الختان ـ دون المشروط. والثاني خيرة الفاضل الاصفهاني حيث قال بوجوب الاستنابة عليه كالمبطون.2
ومن هنا يعلم أنّ خيرة «كشف اللثام» ليس قولاً مقابلاً لقول «القواعد» بل القولان يشتركان في وجوب الحجّ في نفس السنة دون أن يؤخّر، غاية الأمر يختلفان في كيفية الطواف، فالقواعد على الطواف بنفسه والكشف على الاستنابة.

الثاني:أنّه يؤخر إلى السنة القادمة

وهو خيرة صاحب الجواهر قال: ولعلّ المتجه فيه: سقوط وجوب الحجّ عنه في ذلك العام لفوات المشروط بفوات شرطه، بل لعلّ خبر إبراهيم بن ميمون لا يخلو من إشعار بذلك.3
واختاره المحقّق الخوئي قائلاً بأنّه إن أمكنه الختان والحجّ في سنة الاستطاعة وجب ذلك، وإلاّ أخّر الحجّ إلى السنة القادمة.4
والظاهر قوة القول الثاني لإطلاق دليل شرطية الختان من غير فرق بين المتمكن وغيره خصوصاً بالنسبة إلى ما عرفت من أنّ أمثال هذه الأدلة سيقت لبيان شرائط الطواف من غير نظر إلى الطوارئ والعوارض.

(1) الجواهر:19/275.
(2) كشف اللثام:5/413.
(3) الجواهر:19/275.
(4) المعتمد:4/330.

صفحه 72
ثمّ إنّه ربما يؤيد القول الأوّل ـ أعني: وجوب الحجّ في نفس سنة الاستطاعة بما إذا علمت المرأة موافاة أيام طوافها في الحجّ مع أيام عادتها فلا يكون علمها بذلك سبباً لسقوط وجوب الحجّ، غاية الأمر تستنيب كالمبطون العالم بأنّه لا يتمكن من الطواف.
ولكن القياس مع الفارق فإنّ الحيض وعدم الاستمساك من الطوارئ الخارجة عن اختيار المكلف فيكون معذوراً في أمثالهما. قال الإمام(عليه السلام): «فاللّه أولى بالعذر». 1 وهذا بخلاف البقاء على الأغلفية فلا يعدّ معذوراً بل يعدّ تقصيراً منه.
ثمّ إذا لم يتمكن من الختان أصلاً لضرورة أو حرج أو نحو ذلك، فقال المحقّق الخوئي: اللازم عليه الحج لكن الأحوط الجمع بين طوافه بنفسه واستنابة من يطوف عنه ويصلي هو صلاة الطواف بعد طواف النائب.2
ووجه تقديم دليل وجوب الحجّ(مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)3 على إطلاق دليل الشرطية لانصراف الثاني إلى من يتمكن منه عبر حياته، وأمّا إذا لم يتمكن طول عمره منه فدليل الشرطية منصرف عنه، وعلى ذلك فالأقوى كفاية طوافه بنفسه، وإن كان الأحوط استحباباً الاستنابة، وما ذكرناه من الوجه لفتواه أوضح ممّا جاء في كلامه فراجع.

(1) الكافي:3/67، الحديث1.
(2) المعتمد:4/330.
(3) آل عمران:97.

صفحه 73
الخامس: ستر العورة، فلو طاف بلا ستر بطل طوافه، وتعتبر في الساتر الإباحة فلا يصحّ مع المغصوب، بل لا يصحّ على الأحوط مع غصبيّة غيره من سائر لباسه.*
* في المسألة فروع:
1. ستر العورة شرط لصحّة الطواف.
2. اشتراط الإباحة في الساتر.
3. إذا كان الساتر مباحاً دون غيره.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر:

الفرع الأوّل: ستر العورة شرط لصحّة الطواف

ذكر جماعة من الفقهاء أنّ ستر العورة من واجبات الطواف على نحو لو طاف بلا ستر ـ و إن لم يكن هناك ناظر محترم ـ بطل طوافه، منهم:
1. الشيخ في«الخلاف» قال: لا يجوز الطواف إلاّ على طهارة من حدث ونجس وستر العورة، فإن أخلّ بشيء من ذلك لم يصحّ طوافه ولا يعتد به. وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وعامّة أهل العلم.1
2. ابن زهرة في «الغنية» قال:والواجب في الطواف النيّة ومقارنتها واستمرار حكمها، والطهارة من الحدث والنجس، وستر العورة.2
3. العلاّمة في «القواعد» قال:وواجباته أحد عشر: طهارة الحدث والخبث

(1) الخلاف:2/323، المسألة129.
(2) غنية النزوع: 1/172.

صفحه 74
عن الثوب والبدن، وستر العورة.1
4. الشهيد في«الدروس»قال:ويجب قبل الطواف أشياء... وستر العورة، والختان في الرجل.2
نعم لم يذكره المحقّق في الشرائع والنافع، وعلى كلّ تقدير يمكن الاستدلال على وجوب الستر في الطواف بما يلي:
1. عموم التنزيل في النبوي:«الطواف بالبيت صلاة» فالظاهر أنّ حكمه حكمها في جميع الآثار، إلاّ التكلّم. والاستثناء دليل على عموم التنزيل نظير قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» ولذلك تمسك العلماء على خلافة الإمام علي(عليه السلام) و قيادته. وعدم وروده من طرقنا لا يضر لأنّه موثوق الصدور، وكفى في الحجّية الوثوق بالصدور وإن لم يكن السند صحيحاً.
2. النصوص المتضافرة على النهي عن الطواف عارياً، وقد رواها الفريقان على نحو يحصل الاطمئنان بصدوره.3
ونقله صاحب الوسائل عن عدّة كتب.4 وأكثرها وإن كان مرسلاً لكن المجموع من حيث المجموع يفيد الوثوق بالصدور، وقد قلنا في محله أنّ ما هو الحجّة هو الخبر الموثوق الصدور لا خبر الثقة، ولو اشترطت وثاقة الراوي فلأجل أنّ الوثاقة من أسباب الوثوق بالصدور.
كما أنّ المراد من الطواف عرياناً هو الطواف بلا ستر للعورة لا مَنْ طاف

(1) القواعد:1/425.
(2) الدروس: 1/293، الدرس103.
(3) الجواهر:19/278.
(4) الوسائل:9، الباب53 من أبواب الطواف(عامة أحاديث الباب).

صفحه 75
بلا ثوب وإن كان ساتراً للعورة، بنحو من الأنحاء، وذلك لوجهين:
الأوّل: الإجماع ـ في الظاهر ـ على صحّة طواف الرجل عارياً مع ستر عورته.
الثاني: ما تضافر من الروايات في شأن النهي من الطواف عرياناً، فإنّ المتبادر منها انّ سبب النهي هو انّ امرأة مشركة طافت بلا وجود ساتر للعورة إلاّ يديها، وإليك البيان:
نقل أصحاب السير والتفسير في شأن نزول الآيات الّتي بعث بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) علياً(عليه السلام) ليقرأها على الحاضرين في الموسم. قالوا:
كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنّة، وكان سنّةً عند العرب في الحج ، أنّه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه، لم يحل له إمساكها، وكانوا يتصدّقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف، وكان من وافى مكة يستعير ثوباً ويطوف فيه، ثمّ يردّه، ومن لم يجد عارية اكترى ثياباً، ومن لم يجد عارية ولا كراءً ولم يكن له إلاّ ثوب واحد، طاف بالبيت عرياناً، فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة، فطلبت ثوباً عارية أو كراءً، فلم تجده، فقالوا لها: إن طفت في ثيابك احتجتِ أن تتصدقي بها، فقالت: وكيف أتصدق بها وليس لي غيرها، فطافت بالبيت عريانة، وأشرف عليها الناس، فوضعت إحدى يديها على قُبُلِها والأُخرى على دُبُرها، فقالت مرتجزة:
اليوم يبدو بعضه أو كلُّه *** فما بـدا منـه فـلا أحـلّه
فلمّا فرغت من الطواف خطبها جماعة، فقالت: إنّ لي زوجاً.1
ومع ذلك يبقى هناك بحث وهو: هل ستر العورة واجب نفسي وانّ ستره

(1) تفسير القمي:1/281، سورة التوبة; نور الثقلين:2/281، تفسير آية (بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُوله) من سورة التوبة، الحديث20; بحار الأنوار:35/291.

صفحه 76
في الطواف لأجل عدم خلو المطاف من ناظر محترم؟ أو هو واجب شرطي لصحّة الطواف؟ ومقتضى تنزيل الطواف منزلة الصلاة هو الثاني.
وبعبارة أُخرى: هل هذه الروايات بصدد ردع السنّة الجاهلية؟ أو لبيان شرطية الستر للطواف؟

الفرع الثاني: اشتراط الإباحة في الساتر

للمسألة صورتان:
الأُولى: إذا قلنا بقيام الدليل على شرطية ستر العورة في صحّة الطواف، فلا إشكال في شرطية الإباحة في الساتر، لأنّ دليل الشرط لا يشمل المحرم، فلو افترضنا أنّ الشارع قال: «طف مع الساتر» وقال أيضاً: «لا تغصب» فإنّ الدليل الأوّل يتضيق قهراً بغير المغصوب، لأنّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب فيخرج من تحته.
وإلى هذه الصورة يشير في «الجواهر» فيقول: ومنه يعلم عدم الجواز في المغصوب، وفي جلد الميتة، وفي المذهّب للرجال، بل لو قلنا بشرطية لبسهما في الإحرام اشترط إباحته (الملبوس) أيضاً، ولو لأنّ دليل الشرطية لا يشمل المحرَّم، فلا يجوز حينئذ في الحرير للرجال، ولا في جلد الميتة والمغصوب والمذهّب.1
وبذلك يعلم أنّ هذه الصورة خارجة عن مسألة اجتماع الأمر والنهي، فإنّ مصبَّ تلك المسألة هو الصورة الثانية.
الثانية: إذا لم يقم دليل على شرطية ستر العورة في صحّة الطواف أو مكان المصلّـي مثلاً وقلنا بأنّ النهي عن الطواف عرياناً لأجل ردع السيرة الجاهلية

(1) الجواهر:18/241.

صفحه 77
حيث كانوا يطوفون عراة، فعندئذ لو طاف مكشوف العورة ولم يكن هناك ناظر لصحّ طوافه، فعندئذ تدخل المسألة في باب اجتماع الأمر والنهي حيث يكون بين الدليلين عموم وخصوص من وجه، كما إذا قال: «طف بالبيت مطلقاً» وقال:«لا تغصب» فطاف بالساتر المغصوب، فالقائل بالامتناع يقدم أقوى الدليلين ملاكاً على الآخر، وأمّا القائل بالاجتماع فلو كان المجمع توصلياً صحّ العمل، وإذا كان تعبدياً فالعمل باطل كما سيوافيك بيانه.
ولكن المحقّق الخوئي فصّل بين اتحاد العنوانين وجوداً فقال بالبطلان وبين عدم اتحادهما كذلك فقال بالصحّة وقال: بأنّه إذا طاف بالساتر المغصوب يصحّ طوافه، وذلك لأنّ كلاً من الثوب والبدن يتحرك بالحركة الدورية حول الكعبة، فإنّ جسم الإنسان يتحرك بدوران البدن حول البيت وكذلك الثوب يتحرك بحركة البدن، فالعلّة لحركة الثوب هي حركة البدن حول البيت، والمحرم هو المعلول، ولا تسري الحرمة من المعلول إلى العلة.1
ونقول: إنّ ما ذكره من تفكيك الحرام عن الواجب في مقام التحلّل لو كان صحيحاً لما أفاد في صحة العمل، وذلك لأنّ التحليل الموجود في ذهن ذلك المحقّق غير موجود في ذهن الطائف، والمفروض شرطية تمشّي القربة من الطائف لا من المحلِّل، والإنسان العامي يرى العملين شيئاً واحداً، وهذا يصده عن أن يقصد القربة بعمله الّذي يراه معصية ونقضاً للقانون.
وبهذا يظهر أنّ أكثر ما يحتال به الفقهاء في موارد من الفقه إنّما يفيد لو كانوا قائمين بالعمل بأنفسهم لا بالمقلدين الذين لا يدور في خلدهم شيء من هذه الحيل.

(1) المعتمد:4/334.

صفحه 78
السادس: الموالاة بين الأشواط عرفاً على الأحوط، بمعنى أن لا يفصل بين الأشواط بما يخرج عن صورة طواف واحد.*

الفرع الثالث: إذا كان الساتر مباحاً دون غيره

والطواف في هذه الصورة محكوم بالبطلان أيضاً لعدم تمشي القربة، لأنّ المبعّد لا يكون مقرباً، والتفكيك العقلي دقة فلسفية يغفل عنها العامة.
* يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في تفسير الموالاة

يظهر من الشهيد وصاحب الحدائق والجواهر أنّ المراد بالموالاة ما يقابل الخروج عن المطاف.
قال الشهيد في «الدروس»: وحادي عشرها ]الواجبات[ الموالاة فيه، فلو قطعه في أثنائه ولم يطف أربعة أعاد، سواء أكان لحدث أو خبث أو دخول البيت أو صلاة فريضة على الأصحّ، أو نافلة أو لحاجة له أو لغيره أم لا.1
فإنّ الإشارة إلى الموارد الممنوعة قبل إكمال الشوط الرابع والجائزة بعده، أقوى دليل على أنّه يفسّر الموالاة بالخروج عن المطاف لغاية من الغايات; كما أنّ صاحب الحدائق يتفق مع الشهيد في تعريف الموالاة، إلاّ أنّه يخص الجواز بين الصور المذكورة في كلام الشهيد بصورتين: القطع للمرض، والقطع للحدث.2 وذلك لورود النص فيهما فقط.

(1) الدروس:1/395، مؤسسة النشر الإسلامي، قم وفي طبعة أُخرى: 1/338.
(2) الحدائق:16/224.

صفحه 79
وهذا هو الظاهر أيضاً من صاحب الجواهر حيث يقول: فظاهر الأصحاب هنا والنصوص في وجوب الموالاة في الطواف الواجب في غير المواضع الّتي عرفت.1
ولكن الصحيح ما جاء في المتن: حيث فسرها بقوله:«أن لا يفصل بين الأشواط بما يخرج عن صورة طواف واحد» .وعلى ذلك لا فرق بين الفصل الطويل بين الأشواط أو في نفس الشوط الواحد، ومن المعلوم أنّ النسبة بين الموالاة بهذا المعنى وما استظهرناه من الأعلام الثلاثة عموم وخصوص من وجه، فربّما يتحقّق الفصل الطويل بلا حاجة إلى الخروج، كما أنّه ربما يتحقّق الخروج دون أن تفوت الموالاة، كما إذا كان الفاصل الزماني قصيراً، وربّما يجتمعان.
ويظهر من متن «الشرح الكبير» لشمس الدين ابن قدامة المقدسي أنّ الموالاة شرط، وفسّره أيضاً بمثل ما في المتن قال: والموالاة شرط في الطواف فمتى قطعه بفصل طويل ابتدأ سواء أكان عمداً أو سهواً، مثل أن يترك شوطاً من الطواف يظن أنّه قد أتمّه.2
المقام الثاني: الدليل على وجوب الموالاة بالمعنى المذكور في المتن، ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:
1. قوله(عليه السلام): «الطواف بالبيت صلاة» و قد عرفت عموم المنزلة.
2. التأسّـي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّه طاف بلا فصل بين الشوط الواحد أو الأشواط.
3. انّ الأُمور العبادية توقيفية، فالشك في جوازها بغير الشكل المأثور عن طريق العمل يحتاج إلى دليل.

(1) الجواهر:19/339.
(2) الشرح الكبير:3/399.

صفحه 80
القسم الثاني : ما عدّ جزءاً لحقيقته، ولكن بعضها من قبيل الشرط، والأمر سهل.
وهي أُمور:
الأوّل: الابتداء بالحجر الأسود، وهو يحصل بالشروع من الحجر الأسود من أوّله أو وسطه أو آخره.*
4. الشهرة الفتوائية بين الفقهاء.
5. أنّ الطواف عمل واحد، وطبيعة العمل الواحد تقتضي الإتيان به مجتمعاً متوالياً في نظر العرف، إلاّ ما دلّ الدليل على عدم اعتبار الوحدة العرفية، كما في المندوب من الطواف أو في الواجب بعد إتمام الشوط الرابع لعذر كالقطع للمرض والحدث المنصوصين.
ولعل المجموع يفيد الاطمئنان بشرطية الموالاة ولذلك احتاط المصنّف.
نعم الاستدلال على اعتبار الموالاة بالروايات الّتي تفصّل بين التجاوز عن الصنف وعدمه قاصر عن إثبات وجوب الموالاة بالمعنى المذكور في المتن، لما عرفت من أنّ النسبة بين الموالاة بهذا التفسير ومفاد الروايات عموم وخصوص من وجه.

* الابتداء بالحجر الأسود

ما ذكره المصنّف أمر اتّفقت عليه كلمة الفقهاء حيث عبروا عنه بقولهم بـ: البداءة بالحجر والختم به.
قال المحقّق: فالواجب سبعة: النية والبداءة بالحجر، والختم به.1

(1) الشرائع:1/267.

صفحه 81
قال في «الحدائق» بعد هذه الجملة: وهو موضع اتّفاق بين العلماء.1
وقال في «الدروس»: ثالثها: البدء بالحجر، فمن ابتدأ بغيره فلغو حتّى يأتيه فيُجدد عنده النية. ورابعها الختم، فلو نقص خطوة أو أقلّ من ذلك لم يجزئ، ولو زاد عليه متعمداً بطل ولو خطوة.2
وقال في «الرياض»: بعد قول المحقّق «البدأة بالحجر والختم به»: بالإجماع كما في كلام جماعة.3
ويدلّ عليه ـ بعد إجماع الفقهاء ـ السيرة العملية بين المسلمين من قاطبة الطوائف، فلم يُر أحد ابتدأ بالطواف من غير الحجر الأسود، ولأجل وضوح الأمر لم يقع مورداً للسؤال وإنّما ورد الأمر به في أثناء الجواب عن موضوع آخر نظير:
1. صحيح معاوية بن عمّار: «من اختصر في الحِجْر في الطواف فليُعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود».4
2. صحيح الحسن بن عطية5 قال: سأله سليمان بن خالد ـ وأنا معه ـ عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط، قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«وكيف طاف ستة أشواط؟» قال: استقبل الحجر وقال اللّه أكبر وعقد واحداً، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يطوف شوطاً» فقال سليمان : فإنّه فاته ذلك حتى أتى أهله، قال: «يأمر من يطوف عنه».6
وعلى كلّ تقدير فلو ابتدأ الطائف من غيره، لم يعتد بما قبله حتّى ينتهي إلى

(1) الحدائق:16/100.
(2) الدروس:1/394.
(3) الرياض:6/533.
(4) الوسائل:9، الباب31 من أبواب الطواف، الحديث3.
(5) صحيح حسب ما رواه الشيخ، وحسن حسب ما رواه الكليني.
(6) الوسائل:9، الباب32 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 82
الحجر الأسود، فيبتدئ طوافه منه، وأمّا ما في صحيح ابن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) :«كنّا نقول لابدّ أن نستفتح بالحجر ونختم به، فأمّا اليوم فقد كثر الناس عليه».1
فليس المراد عُسر الابتداء بالحجر والختم به، بل المراد ـ كما في الجواهر2 ـ انّ كثرة الحجاج تمنع من استلام الحجر في البدء والختم.ويدلّ عليه ما في روايته الثانية قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل حجّ ولم يستلم الحجر؟ فقال: «هو من السنّة، فإن لم يقدر عليه فاللّه أولى بالعذر».3

ما هو المقصود من البدء بالحجر الأسود؟

إنّ الطواف بالبيت كالطواف بغيره أمر عرفي يتحقّق بما يصدق عليه الطواف به عرفاً، ويكفي في ذلك محاذاة الحجر الأسود عرفاً خصوصاً بعد ما ورد أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)طاف على راحلته واستلم الحجر بمحجنه وسعى عليها بين الصفا والمروة4من دون حاجة إلى جعل أوّل جزء من الحجر محاذياً لأوّل جزء من مقاديم بدنه ثمّ يمرّ عليه بعد النية بجميع بدنه علماً أو ظناً، ولذلك قال في المتن بكفاية الشروع من الحجر الأسود: أوّله أو وسطه أو آخره . فبما أنّ تشخيص أوّل الحجر أو وسطه أو آخره أمر مشكل لوجود الزحام فالأولى ـ إن تمكن ـ أن يقف بقليل من باب المقدّمة العلمية فينوي الطواف من الموضع الّذي تتحقّق فيه المحاذاة بصورة واضحة ويكون الزائد لغواً، ومثله الحال عند نهاية الأشواط.
ثمّ إنّ قوله(قدس سره) : »وهو يحصل بالشروع من الحجر الأسود بأوّله أو وسطه أو

(1) الوسائل:9، الباب16 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) الجواهر:19/290.
(3) الوسائل:9، الباب16 من أبواب الطواف، الحديث2.
(4) الوسائل:9، الباب81 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 83
آخره« ناظر للردّ لما اعتبره العلاّمة في »التذكرة« والشهيد الثاني في »المسالك» من جعل أوّل جزء من الحجر محاذياً لأوّل جزء من مقاديم قدمه حيث يمرّ عليه بعد النية بجميع بدنه علماً أو ظناً.1
ولا يخفى عدم لزومه، لأنّ الطواف أمر عرفي يُتبع في امتثاله صدقُ البدء من الحجر عرفاً، خصوصاً بعد ما عرفت من طواف رسول اللّه على راحلته. وعلى كلّ تقدير فما ذكر في المتن هو الصحيح.
وأعجب من ذلك أنّهم اختلفوا في ما هو الجزء الأوّل من البدن، فهل هو الأنف أو البطن أو إبهام القدمين؟2

هل الواجب واقع الابتداء أو هو مع القصد؟

هل الواجب على الطائف أن يبتدئ بالحجر ويختم به، أو يجب عليه وراء ذلك، قصد البدأة بالحجر؟ الظاهر هو الأوّل، ضرورة انّ الواجب عليه الطواف بالبيت من الحجرَ إلى الحَجَر سبعة أشواط، امتثالاً لقوله سبحانه: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)3 ، وأمّا الزائد عليه فلا، ونظيره السعي بين الصفا والمروة، فقصد نفس البدء من الحجر إلى الحجر يغني عن قصد عنوانه، فما في «الجواهر» من نفي الريب من أنّه أحوط4 أشبه بالالتزام بما يلزم، ولا يقول به أحد في نظائره، كالصوم من الفجر إلى الغروب، فإنّ اللازم هو نفس الإمساك بين الوقتين; وأمّا لزوم قصد الإمساك من الفجر إليه، فلم يقل به أحد.

(1) التذكرة:8/87، المسألة 454; المسالك:2/331.
(2) الجواهر:19/289.
(3) الحج:29.
(4) الجواهر:19/288.

صفحه 84
الثاني: الختم به ويجب الختم في كل شوط بما ابتدأ منه، ويتم الشوط به، وهذان الشرطان يحصلان بالشروع من جزء منه ـ والدور سبعة أشواط ـ والختم بما بدأ منه ولا يجب، بل لا يجوز ما فعله بعض أهل الوسوسة وبعض الجهال ممّا يوجب الوهن على المذهب الحق، بل لو فعله ففي صحة طوافه إشكال.*
* أشار في كلامه ـ مضافاً إلى الدور سبعة أشواط ـ إلى أُمور:
1. الختم بالحجر الأسود.
2. يتحقّق ختم كلّ شوط بالوصول إلى ما بدأ به.
3. عدم جواز ما يرتكبه أهل الوسوسة.
وإليك بيانها:
أمّا الأوّل: فيدلّ عليه ما دلّ على لزوم البدء بالحجر من السيرة العملية والتأسّـي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وانّ وضوح الحكم صار سبباً لعدم وروده إلاّ في ضمن أُمور أُخرى.
وأمّا الثاني:ففيه احتمالات ثلاث ـ كما سيوافيك في نهاية البحث ـ وقد اختار المصنف الاحتمال الثاني، أي حصول ختم الشوط بما بدأ به، فبيانه أنّه لو افترضنا انّه بدأ بالطواف بأوّل الحجَر، فيتم الشوط بالوصول إليه من دون حاجة إلى وصوله إلى وسطه أو آخره، ولو ابتدأ بوسطه أو آخره، يتم الشوط بالوصول إلى الوسط أو الآخر، وما هذا إلاّ ليكمل الشوط من غير زيادة ولا نقيصة، وهذا هو الّذي وصفه صاحب الجواهر بأنّه أحوط إن لم يكن أقوى.1

(1) الجواهر:19/291.

صفحه 85
أقول: لو كان الطواف بالبيت مبتدئاً بالحجر وخاتماً به أمراً عرفياً، فالأقوى عدم اعتبار رعاية موضع الابتداء، فلو ابتدأ ب آخر الحجر كان له الختم بأوّله، لأنّه يصدق أنّه ابتدأ بالحجر وختم به. ودعوى عدم صدق الختم حتّى يصل إلى محل الابتداء الذي هو الوسط أو الآخر، ممنوعة ، لافتراض أنّ الطواف بالبيت والبدء والختم بالحجر أمر عرفي، وأين العرف ودقائق الأُمور؟!وعلى ضوء ما ذكرنا فما ذكره في المتن مبنيّ على الدقّة العقلية خلافاً لما ذكره في بيان البدء.
وحصيلة الكلام: أنّه لو ابتدأ من أوّله، يكفي الوصول إليه دون أن تتوقّف تمامية الشوط إلى الوصول إلى آخره، كما أنّه لو بدأ ب آخره يكفي الوصول إلى أوّل الحجر أو وسطه، فما في المتن من التدقيق بالختم بما بدأ به، خروج عن كون الموضوع أمراً عرفاً ومثاراً للوسوسة الّتي ندّد بها في الأمر الثالث. بل هو يورث الوسوسة التي ذكرها في الأمر الثالث.
فظهر أنّ في المقام احتمالات ثلاثة:
1. لزوم الوصول إلى آخر الحجر، فلو ابتدأ بأوّله أو وسطه فلا يكفي الوصول إليه بل لابدّ من الوصول إلى آخره.
2. كفاية الوصول إلى ما بدأ به. وهو خيرة المصنف كما شرحناه.
3. كفاية الوصول إلى جزء من محاذاة الحجر وإن لم يصل إلى ما بدأ، فلو بدأ ب آخره يكفي الوصول إلى أوّله. وهذا هو الأقوى.
الأمر الثالث: في ما يفعل أهل الوسوسة وبعض الجهّال، ولعلّه يشير إلى ما حكاه العلاّمة من جعل أوّله جزء من مقاديم بدنه على أوّل جزء من الحجر ماراً بجميع بدنه كلّه محافظاً على الطواف على اليسار، ولا شكّ أنّ لحاظ هذه الأُمور ،

صفحه 86
المسألة7: لا يجب الوقوف في كلّ شوط، ولا يجوز ما فعله الجهال من الوقوف والتقدّم والتأخّر بما يوجب الوهن على المذهب.*
كما في «الجواهر» ربما يكون مثاراً للوسواس.1 ويأتي في المسألة السابعة إشارة إلى بعض أفعالهم أيضاً.

* كفاية نيّة واحدة للأشواط السبعة

لأنّه عمل واحد مركب من أشواط سبعة تكفيه نيّة واحدة، وأمّا الوقوف في كلّ شوط فإن كان للاستراحة أو لعدّ الأشواط فله وجه، وإلاّ فلا وجه له، ولو طال الوقوف لأضرّ بالموالاة.
وأمّا التقدّم والتأخّر وهو أنّ الطائف إذا أتمّ شوطاً ربما يتقدّم عليه، ثمّ يرجع إلى الوراء لكي ينوي الشوط التالي من أوّل الحجر، وهذا يوجب تقدّماً وتأخّراً، ولكنّه أمر غير لازم لما ذكرنا من أنّه عمل واحد تكفيه نية واحدة. والأشواط السبعة كلّ ، تلوَ الآخر وانّما يتقدّم عند نهاية الشوط الأوّل ـ مثلاًـ ثمّ يتأخّر لابتداء الشوط الآخر كلّ ذلك لتحصيل العلم بأنّه طاف من الحجر إلى الحجر.
وهذا النوع من العمل ـ لو لم يضرّ ربما يوجب زيادة في الطواف ـ ليس له وجه. ولو حاول الاحتياط فله أن يقف في خصوص الشوط الأوّل دون الحجر بقليل من باب المقدمة العلمية، فينوي الطواف من الموضع الّذي تتحقّق المحاذاة واقعاً ويكون الزائد لغواً ويتجاوز عن الحجر بقليل في الشوط الأخير وينوي الختم بالمحاذاة واقعاً وكون الزائد لغواً.

(1) الجواهر:19/290.

صفحه 87
الثالث: الطواف على اليسار بأن تكون الكعبة المعظمة حال الطواف على يساره، ولا يجب أن يكون البيت في تمام الحالات محاذياً حقيقة للكتف، فلو انحرف قليلاً حين الوصول إلى حجر إسماعيل(عليه السلام) صح وإن تمايل البيت إلى خلفه ولكن كان الدور على المتعارف، وكذا لو كان ذلك عند العبور عن زوايا البيت ، فإنّه لا إشكال فيه بعد كون الدور على النحو المتعارف ممّا فعله سائر المسلمين.*
* الطواف على يسار الكعبة
هنا مسألتان:
1. الطواف على اليسار وكون الكعبة على يسار الطائف.
2. كون كتف الطائف محاذياً للبيت.
وإليك دراسة هذين الأمرين:

الأوّل: الطواف على اليسار

الطواف على اليسار ممّا أجمع عليه علماؤنا وأكثر أئمّة المذاهب الأربعة.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا طاف منكوساً ـ وهو أن يجعل البيت على يمينه ـ فلا يجزيه، وعليه الإعادة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن أقام بمكة أعاده، وإن عاد إلى بلده جبره بدم. إلى أن قال: لا خلاف في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ما قلناه وقد قال: «خذوا عني مناسككم» فمن خالفه لا يجزيه.1
وقال ابن رشد: والجمهور مجمعون على أنّ صفة كلّ طواف واجباً كان أو

(1) الخلاف:2/325، المسألة 134.

صفحه 88
غير واجب يجب أن يُبتدأ من الحجر الأسود، فإن استطاع أن يقبّله قبّله أو يلمسه بيده ويقبلها إن أمكنه، ثمّ يجعل البيت على يساره ويمضي على يمينه ويطوف سبعة أشواط يرمل في الثلاثة أشواط الأُول ثمّ يمشي في الأربعة.1
وقال العلاّمة في «المنتهى»: يجب أن يطوف على يساره بأن يجعل البيت عن يساره ويطوف عن يمين نفسه، فإن عكس الطواف بأن جعل البيت عن يمينه وطاف عن يساره لم يجزأه ووجب عليه الإعادة. وبه قال الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: يصحّ طوافه ويعيد مادام بمكة، فإن خرج إلى بلده لزمه الدم. ثمّ استدلّ العلاّمة بالتأسّي.2
والمسألة غنية عن الدليل، ومع ذلك فقد استدلّ النراقي في المستند3 والجواهر4 ببعض الروايات.
ولنتبرّك بذكر البعض:
1. صحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عمّن نسي أن يلتزم في آخر طوافه حتى جاز الركن اليماني أيصلح أن يلتزم بين الركن اليماني وبين الحجر أو يدع ذلك؟
قال(عليه السلام): «يترك اللزوم ويمضي».5
فقه الحديث: إنّ المستجار هو الملتَزم، وفيه يستجاب الدعاء وتغفر الذنوب، وهو قبل الركن اليماني فلمّا نسي الالتزام سأل الإمام(عليه السلام) عن جواز اللزوم

(1) بداية المجتهد:1/340.
(2) المنتهى:10/320.
(3) المستند:12/71.
(4) الجواهر:19/291.
(5) الوسائل:9، الباب27 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 89
بين الركن اليماني والحجر؟ فأمره الإمام بترك اللزوم والمشي إلى طرف الحجر، وهذا دليل على أنّ الطواف بحيث تكون الكعبة على يساره.
2. صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوّذ، وهو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب فقل: اللهم ـ إلى أن قال: ـ ثمّ استلم الركن اليماني، ثمّ ائت الحجرَ فاختم به».1
3. صحيح معاوية بن عمّار قال : قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك، وبلغت مؤخّر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يدك على البيت ـ إلى أن قال:ـ ثمّ ائت الحجر الأسود».2

الفرع الثاني: كون كتف الطائف محاذياً للبيت

إنّ الطواف على اليسار يجعل كتف الطائف محاذياً للبيت غالباً، إلاّ أنّه إذا وصل إلى حجر إسماعيل تختلف الحال.
فحينما يتجاوز الركن ويصل إلى الفتحة الأُولى لحجر إسماعيل فالكعبة تكون خلفه، وحينما يدور على الحِجْر ويقرب من الفتحة الثانية يقع البيت أمامه، نعم في وسط الحجر فقط تكون الكعبة على يساره. ولكنّه غير مضر، لأنّ الطواف على اليسار يلازم هذين الأمرين، ولذلك قال المصنف: فلو انحرف قليلاً حين الوصول إلى حجر إسماعيل صحّ وإن تمايل البيت إلى خلفه. والأولى أن يضيف إليه ويقول:« أو وقع البيت أمامه» لأنّ البيت يقع خلفه عند العبور من الفتحة الأُولى كما يقع أمامه عند الوصول إلى الفتحة الثانية.

(1) الوسائل:9، الباب26 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب26 من أبواب الطواف، الحديث4. ولاحظ صحيحه الآخر برقم5.

صفحه 90
المسألة8: الاحتياط بكون البيت في جميع الحالات على الكتف الآخر وإن كان ضعيفاً جداً، ويجب على الجهال والعوام الاحتراز عنه لو كان موجباً للشهرة ووهن المذهب، لكن لا مانع منه لو فعله عالم عاقل بنحو لا يكون مخالفاً للتقية أو موجباً للشهرة.*
* عقد هذه المسألة لأجل ملاحظة أمرين، فمن جانب يجب أن يكون البيت في جميع الحالات على الكتف الأيسر. ومن جانب آخر أنّه إذا تجاوز الركن ووصل إلى الفتحة الأُولى من حِجْر إسماعيل يخرج البيت عن كتفه الأيسر ويقع البيت خلفه، فالجمع بينهما أمر مشكل.
والجواب هو عدم وجوب كون البيت في جميع الحالات على الكتف الأيسر، إنّما الواجب الطواف على يسار البيت، والبيت في جميع الحالات على يسار الطائف.
ثمّ إنّ مراده من قوله: «ويجب على الجهال والعوام الاحتراز عنه» هو ما يفعله بعض الناس من التمايل إلى اليسار بعد التجاوز عن الركن وقبل الوصول إلى الفتحة الأُولى للحِجْر والتمايل إلى اليمين قبل الفتحة الثانية.
قال المحقّق النائيني في مناسكه تبعاً للشيخ الأنصاري فيها : وينبغي التباعد في الطواف عن البيت، والتحفّظ على القياس المذكور عند فتحتي الحجر وعند الأركان; وإن كان الأقوى عدم لزوم المداقّة.1 وعلله السيد الحكيم بقوله: للصدق والسيرة.
ومن المعلوم أنّ التمايل إلى اليسار قبل الفتحة الأُولى وإلى اليمين قبل

(1) دليل الناسك: 251.

صفحه 91
المسألة9: لو طاف على خلاف المتعارف في بعض أجزاء شوطه مثلاً ـ كما لو صار بواسطة المزاحمة وجهه إلى الكعبة أو خلفه إليها أو طاف على خلفه على عكس المتعارف ـ يجب جبرانه، ولا يجوز الاكتفاء به.*
المسألة10: لو سلب بواسطة الازدحام الاختيار منه في طوافه، فطاف ولو على اليسار بلا اختيار وجب جبرانه باختيار، ولا يجوز الاكتفاء بما فعل.**
الفتحة الثانية، إذا قامت به الشيعة جَماعيّاً، يوجب الشهرة والتميّز دون أن يفهم المخالف وجهه وهو أمر غير ممدوح، نعم لو قام به فرد أو فردان، لا تترتب عليه تلك المفسدة.
* وجهه مخالفة المأتي به للمأمور به فتجب إعادة خصوص ما صار مخالفاً للمأمور به دون ما أتى به صحيحاً، وليس الطواف كالصلاة حيث إنّ وقوع بعض أجزائها على خلاف المأمور به يوجب بطلان ما وقع صحيحاً، والفارق وجود الدليل في الصلاة دون المقام .
نعم لو صار خصوص وجهه إلى الكعبة دون أن يخرج البيت عن يساره فالظاهر صحّة ما أتى في هذه الحالة، فما في المتن من الحكم بالبطلان فيما إذا صار خصوص وجهه نحو الكعبة ناظر فيما إذا خرج البيت عن يساره
** لأنّ الطواف من الأُمور التعبدية أو القربية المشروطة بالاختيار كلاً وجزءاً، فالصادر بلا اختيار غير مأمور به فلا يكون مجزياً.
إنّما الكلام في الجزء اليسير منه، فهل هو معفوٌ عنه أو لا؟ والظاهر هو الأوّل، لأنّ الزحام لا يخلو من ذلك، وكان الزحام موجوداً في عصر أئمّة أهل

صفحه 92
المسألة11: يصحّ الطواف بأي نحو من السرعة والبطء ماشياً وراكباً، لكن الأولى المشي اقتصاداً.*
البيت(عليهم السلام) فلو كان مضراً لوجب التنبيه عليه، وبذلك يعلم وجه ما ذكره صاحب المدارك في غير هذا المقام حيث قال: ولو استقبله بوجهه أو استدبره أو جعله على يمينه ولو في خطوة منه لم يجزئه ووجب عليه الإعادة. ولا يقدح في جعله على اليسار، الانحراف اليسير إلى جهة اليمين قطعاً.1
وتبعه صاحب الجواهر فقال: نعم، لا يقدح في جعله على اليسار الانحراف على جهة اليمين قطعاً.2
والظاهر أنّ الأمر اليسير غيرُ مضر في عامّة المراتب.
* قال في «الشرائع»: وأن يكون في طوافه مقتصداً في مشيه.3
وقال في «المسالك»: الاقتصاد في المشي التوسّط فيه بين الإسراع والبطء.4
ويدلّ عليه أوّلاً: أنّ الملاك هو استناد الحركة إليه، وهو موجود في الحركة السريعة والبطيئة وفي الركوب بشرط أن تكون الحركة والوقوف تابعين لإرادته، إلاّ أنْ يكون من مقولة الإطافة.
وثانياً: الروايات التالية:
1. مرسلة حماد بن عيسى، عمّن أخبره، عن العبد الصالح(عليه السلام) قال: دخلت عليه يوماً وأنا أُريد أن أسأله عن مسائل كثيرة ـ إلى أن قال: ـ قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): »ما من طائف يطوف بهذا البيت حين تزول الشمس حاسراً عن رأسه، حافياً

(1) مدارك الأحكام:8/128.
(2) الجواهر:19/292.
(3) الشرائع:1/269.
(4) المسالك:2/343.

صفحه 93
الرابع: إدخال حجر إسماعيل(عليه السلام) في الطواف، فيطوف خارجه عند الطواف حول البيت، فلو طاف من داخله أو على جداره بطل طوافه وتجب الإعادة، ولو فعله عمداً فحكمه حكم من أبطل الطواف عمداً كما مرّ، ولو كان سهواً فحكمه حكم إبطال الطواف سهواً. ولو تخلّف في بعض الأشواط فالأحوط إعادة الشوط، والظاهر عدم لزوم إعادة الطواف وإن كانت أحوط.*
يقارب بين خطاه ويغضّ بصره...».1
2. رواية عبد الرحمن بن سيابة، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الطواف فقلت: أُسرعُ وأُكثر، أو أُبطئ قال(عليه السلام): «مشي بين مشيين».2
ولا يتعيّن الاقتصاد، بل يجوز مسرعاً ومبطئاً، ففي صحيحة سعيد الأعرج، قال: إنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المسرع والمبطئ في الطواف؟ فقال:«كلّ واسع مالم يؤذ أحداً».3
وأمّا جوازه راكباً ففي رواية عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: »طاف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) على ناقته العضباء، وجعل يستلم الأركان بمحجنه ويقبّل المحجن».4
* هنا فروع ثلاثة:

(1) الوسائل:9، الباب5 من أبواب الطواف، الحديث 1.
(2) الوسائل:9، الباب29 من أبواب الطواف، الحديث4.
(3) الوسائل: 9، الباب29 من أبواب الطواف، الحديث1.
(4) الوسائل: 9، الباب81 من أبوب الطواف ، الحديث 1. والمحجن عصاً في رأسها إعوجاج.

صفحه 94
1. إدخال حجر إسماعيل في الطواف.
2. حكم من لم يدخل الحجر في الطواف عمداً أو سهواً.
3. حكم من تخلّف في بعض الأشواط.

الفرع الأوّل: وجوب إدخال الحِجْر في الطواف

الحجر ـ بكسر الحاء وسكون الجيم ـ هو الموضع المحاط بجدار مقوس تحت ميزاب الكعبة في الجهة الشمالية من الكعبة، ودخول الحجر في الطواف أمر مشهور بين الفريقين.
قال في «الخلاف»: الطواف يجب أن يكون حول البيت والحِجْر معاً، فإن سلك الحجر لم يعتد به. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:إذا سلك الحجر أجزأه.1
وفي «الموسوعة الفقهية الكويتية»: دخول الحجر في الطواف واجب، لأنّ كونه جزءاً من البيت ثبت بخبر الواحد، وخبر الواحد يثبت به الوجوب لا الفرض.2
وقال المحقّق:... وأن يدخل الحِجْر في الطواف.3
وفي «المدارك»: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب أيضاً.4
قال في «الجواهر» بعد قول المحقّق«أن يدخل الحِجْر في الطواف»: بلا خلاف أجده.5

(1) الخلاف: 2/324، المسألة 132.
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية:29/128.
(3) الشرائع:1/267.
(4) المدارك:8/128.
(5) الجواهر:19/229.

صفحه 95
وتدلّ عليه روايات المنع عن الاختصار في الشوط.
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطاً واحداً في الحِجْر، قال: «يعيد ذلك الشوط». ورواه الصدوق عن ابن مسكان مثله، إلاّ أنّه قال:«يعيد الطواف الواحد».1 والمراد به هو الشوط.
2. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«من اختصر في الحجّ في الطواف فليعد طوافه من الحَجر الأسود إلى الحجر الأسود».2
إلى غير ذلك من الروايات.
وعلى ضوء ذلك فيجب الطواف خارج الحِجْر، فلو طاف من داخله أو على جداره بطل طوافه وتجب الإعادة ، من غير فرق بين كونه من البيت أو لا.
قال في «المدارك»: واعلم أنّ وجوب إدخال الحِجْر في الطواف لا يستلزم كونه من البيت. بل الأصح أنّه ليس منه، كما يدلّ عليه صحيح معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الحجر أمن البيت هو، أو فيه شيء من البيت؟ قال:«ولا قلامةُ ظفر، ولكن إسماعيلَ دَفنَ أُمَّه فيه فكره أن يُوطّأ فحَجَر عليه حجراً، وفيه قبور الأنبياء».3
ونقل العلاّمة عن الشافعي: أنّ الّذي هو من البيت من الحجر قدر ستة أذرع تفصل بالبيت، لأنّ عائشة قالت:نَذَرتُ أن أُصلّي ركعتين في البيت، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «صل في الحجر، فإنّ ستة أذرع منه من البيت».4

(1) الوسائل:9، الباب31 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) المصدر والباب نفسه، الحديث3.
(3) المدارك:8/129.
(4) التذكرة:8/91.

صفحه 96
وحصيلة الكلام: انّ الإمامية اتّفقت على أمرين:
1. وجوب إدخال الحجر في الطواف.
2. عدم كون الحجر من البيت.
فوجوب إدخاله في الطواف لا يلازم كونه من البيت. نعم نقل العلاّمة في «التذكرة» ما يخالف ذلك الاتفاق ننقل كلامه إذ فيه فوائد قال: وجب أن يبتدئ في الطواف من الحجر الأسود الّذي في الركن العراقي; فإنّ البيت له أربعة أركان: ركنان يمانيّان، وركنان شاميّان، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان: شرقيّ وغربيّ، فهدمه السيل قبل مبعث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بعشر سنين، وأعادت قريش عمارته على الهيئة الّتي هو عليها اليوم، وقصرت الأموال الطيّبة والهدايا والنذور عن عمارته، فتركوا من جانب الحجر بعض البيت.
روت عائشة: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ستّة أذرع من الحِجْر من البيت».
فتركوا بعض البيت من جانب الحجر خارجاً; لأنّ النفقة كانت تضيق عن العمارة، وخلّفوا الركنين الشاميّين عن قواعد إبراهيم(عليه السلام)، وضيّقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشامي الّذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً، وهو الّذي يسمّى: الشاذروان.
وروي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعائشة:»لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت وبنيته على قواعد إبراهيم(عليه السلام)، فألصقته بالأرض، وجعلتُ له بابين شرقيّاً وغربيّاً».
ثمّ هدمه ابن الزبير أيّام ولايته، وبناه على قواعد إبراهيم(عليه السلام)، كما تمنّاه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ لمّا استولى عليه الحجّاج، هدمه، وأعاده على الصورة الّتي عليه اليوم، وهي بناء قريش والركن الأسود، والباب في صوب الشرق والأسود، وهو أحد

صفحه 97
الركنين اليمانيّين، والباب بينه و بين أحد الشاميّين، وهو الّذي يسمّى عراقيّاً أيضاً، والباب إلى الأسود أقرب منه إليه، ويليه الركن الآخر الشامي، والحجر بينهما، والميزاب بينهما، ويلي هذا الركن اليماني الآخر الّذي عن يمين الأسود.1

الفرع الثاني: حكم من لم يدخل الحِجْر عمداً أو سهواً

إنّ من لم يدخل الحجر في طوافه، يبطل طوافه، وبما أنّه ركن يختلف حكم العامد والناسي مع اشتراكهما في بطلان طوافهما، فالعامد تبطل عمرته إلى وقت فوته، إذا ضاق الوقت عن إتيانه، وإتيان سائر أعمال العمرة وإدراك الوقوف بعرفات، وإلاّ فيعدل إلى حج الإفراد على النحو المذكور في المسألة الأُولى.
وأمّا الناسي فيجب الإتيان به في أي وقت أمكنه، وإن رجع إلى محلّه وأمكنه الرجوع بلا مشقة وجب، وإلاّ استناب لإتيانه. حسب ما مرّ فيها.

الفرع الثالث: حكم من تخلّف في بعض الأشواط

من اختصر شوطاً في الحجر هل يجب عليه إعادة ذلك الشوط وحده، أو تجب إعادة الطواف من رأس؟ وجهان، والظاهر هو الأوّل للتصريح به في صحيح الحلبي وظهور البعض الآخر فيه. نظير:
1. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت رجل طاف بالبيت فاختصر شوطاً واحداً في الحجر، قال: «يعيد ذلك الشوط».2 والرواية صريحة في إعادة الشوط الذي وقع فيه الاختصار، وبذلك يرتفع الإبهام في بعض الروايات

(1) التذكرة:8/86ـ 87.
(2) الوسائل:9، الباب31 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 98
التالية. واحتمال إعادة المقدار الذي تركه لأجل السلوك في الحجر فهو غير محتمل في هذه الرواية.
2. وفي رواية الصدوق، عن ابن مسكان: يعيد الطواف الواحد. 1 والظاهر انّ المراد هو الشوط الواحد من باب تسمية الجزء باسم الكلّ.والظاهر وحدة الروايتين وسقوط الحلبي في سند الصدوق.
3. حديث حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يطوف بالبيت فيختصر في الحجر قال(عليه السلام):«يقضي ما اختصر من طوافه».2
في الحديث احتمالان:
1. أن يكون المراد من الموصول «ما اختصر هو الشوط» ويكون «من» في «من طوافه» للتبعيض.
2. أن يكون المراد من الموصول، المقدار الذي اختصره ولم يسلكه لأجل الدخول في الحجر، ويكون «من» في قوله«من طوافه» بيانيّة.
والظاهر هو الأوّل، بقرينة صحيحة الحلبي، مضافاً إلى استبعاد الاكتفاء بقضاء المقدار الذي تركه لأجل الدخول في الحجر فانّ مآل ذلك إلى عدم رعاية الترتيب في أجزاء الشوط الواحد.
4. صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«من اختصر في الحجر في الطواف، فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود».3
وظاهره إعادة نفس الطواف لأجل وقوع الاختصار في عامة أشواطه ولكن الظاهر يحمل على ما في صحيح الحلبي.

(1) الوسائل:9، الباب31 من أبواب الطواف،ذيل الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب31 من أبواب الطواف، الحديث2
(3) الوسائل:9، الباب31 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 99
الخامس: أن يكون الطواف بين البيت ومقام إبراهيم(عليه السلام) ومقدار الفصل بينهما في سائر الجوانب، فلا يزيد عنه، وقالوا: إنّ الفصل بينهما ستة وعشرون ذراعاً ونصف ذراع، فلابدّ أن لا يكون الطواف في جميع الأطراف زائداً على هذا المقدار.*
5. ما رواه إبراهيم بن سفيان قال:كتبت إلى أبي الحسن الرضا(عليه السلام): امرأة طافت طواف الحجّ فلمّا كانت في الشوط السابع اختصرت وطافت في الحِجر وصلّت ركعتي الفريضة وسعت وطافت طواف النساء ثمّ أتت منى، فكتب(عليه السلام): «تعيد».1 فهو مجمل مردد بين إعادة نفس الشوط أو الطواف فيحمل على الأوّل بقرينة صحيح الحلبي.
* كون المطاف بين البيت ومقام إبراهيم(عليه السلام) هو المعروف بين الأصحاب.
أقول: هناك أُمور ثلاثة أوجبت حرجاً في الحجّ في زماننا هذا:
الأوّل: تحديد المطاف بما بين البيت والمقام.
الثاني: تحديد المطاف خلف حجر إسماعيل بستة أذرع ونصف، بناءً على أنّ المبدأ لستة وعشرين ذراعاً ونصف هو جدار البيت في حجر إسماعيل لا جدار الحجر.

الثالث: وجوب صلاة ركعتي الطواف خلف المقام.

وقد ذكر المصنّف الأمر الأوّل في هذا المقام والمسألة الثانية عشرة، كما ذكر الأمر الثاني في المسألة الثالثة عشرة. وسيأتي الثالث في مورده. وإليك التفصيل:

(1) الوسائل:9، الباب31 من أبواب الطواف، الحديث4.

صفحه 100

الأوّل: حدّ المطاف في كلمات الأصحاب

ذهب أكثر فقهاء الشيعة إلى أنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين البيت والمقام الموجود حالياً، ونص على ذلك جلّهم، وإليك بعض النصوص:
1. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا تباعد من البيت حتّى يطوف بالسقاية وزمزم لم يجزه. وقال الشافعي: يجزيه. 1
2. قال الشيخ في «المبسوط»: وينبغي أن يكونَ طوافه فيما بين المقام والبيت ولا يجوزه، فإن جاز المقام وتباعد عنه لم يصح طوافه.2
3. وقال في «النهاية»: وينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين المقام والبيت ولا يجوزه، فإن جاز المقام أو تباعد عنه لم يكن طوافه شيئاً.3
وذيل العبارة في الكتابين يدلّ على أنّ مراده من قوله «ينبغي» هو الوجوب.
4. وقال ابن البراج: ويجب أن يكون طوافه بين المقام والبيت.4
5. وقال ابن زهرة: والواجب في الطواف النية ـ إلى أن قال: ـ وأن يكون بين البيت والمقام ، فمن ترك شيئاً من ذلك لم يجزه الطواف.5
6. وقال ابن إدريس: ينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين مقام إبراهيم(عليه السلام) والبيت يُخرج المقام في طوافه، ويدخل الحجر في طوافه ويجعل الكعبة في شماله، فمتى أخلّ بهذه الكيفية أو نسي منها بطل طوافه.6

(1) الخلاف:2/324، المسألة133.
(2) المبسوط:1/357.
(3) النهاية: 237.
(4) المهذب:1/233.
(5) الغنية:172.
(6) السرائر:1/572.

صفحه 101
7. قال العلاّمة: يجب عندنا أن يكون الطواف بين البيت والمقام، ويدخل الحجر في طوافه، فلو طاف في المسجد خلف المقام لم يصحّ طوافه، لأنّه خرج بالتباعد عن القدر الواجب فلم يكن مجزئاً.
وقال الشافعي: لا بأس بالحائل بين الطائف و البيت كالسقاية والسواري، ولا بكونه في آخر باب المسجد وتحت السقف، وعلى الأروقة والسطوح إذا كان البيت أرفع بناءً على ما هو اليوم، فإن جعل سقف المسجد أعلاه لم يجز الطواف على سطحه... إلى أن قال: ولو اتّسعت خطة المسجد اتّسع المطاف، وقد جعلته العباسية أوسع ممّا كان في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).1
8. وقال في «المنتهى»: ويجب أن يكون ]الطواف[ بين البيت والمقام.2
9. وقال في «المدارك»: وأمّا أنّه يعتبر كون الطواف واقعاً بين البيت والمقام بمعنى كونه في المحل الخارج عن جميع البيت والداخل عن جميع المقام، فهو المعروف من مذهب الأصحاب.3
10. وقال في «الجواهر»: لا خلاف معتد به أجده في وجوب كون الطواف بينه و بين البيت، بل عن «الغنية» الإجماع عليه.4
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يقف عليها المتتبع في الكتب، ومع ذلك فقد خالف المشهور قليل من الأصحاب كالصدوق والمحقّق الأردبيلي وسيوافيك كلامهما في المسألة الثانية عشرة.

(1) التذكرة:8/93ـ 94.
(2) المنتهى:10/320.
(3) المدارك:8/130.
(4) الجواهر:19/295.

صفحه 102
وأمّا السنّة فقد عرفت اتّفاقهم على جواز الطواف داخل المقام وخارجه من غير فرق بين مكان دون مكان مادام في المسجد كما مرّ عن العلاّمة، وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: مكان الطواف هو حول الكعبة المشرفة داخل المسجد الحرام قريباً من البيت أو بعيداً عنه، فلو طاف من وراء مقام إبراهيم(عليه السلام) ، أو من وراء حائل كمنبر أو غيره كالأعمدة، أو على سطح المسجد الحرام أجزأه ذلك، لأنّه قد حصل حول البيت مادام ضمن المسجد وإن وسّع المسجد، ومهما توسّع ما لم يبلغ الحل عند الجمهور، لكن خصّت المالكية الطواف بالسقائف بصورة الزحام.1
وأمّا كون الفصل بين البيت والمقام ستة وعشرين ذراعاً ونصف ذراع، فهذا هو المعروف والمشهور، وأمّا حسب المتر فالحدّ الفاصل 12متراً.

دليل التحديد

قد عرفت أنّ هذا هو القول المعروف، والدليل الوحيد ـ سوى الشهرة ـ صحيحة محمد بن مسلم ـ حسب ما رواه الكليني ـ قال: سألته عن حدّ الطواف بالبيت الّذي من خرج منه لم يكن طائفاً بالبيت؟ قال: »كان الناس على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يطوفون بالبيت والمقام، وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحدّ موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، والحد قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت، بمنزلة من طاف بالمسجد، لأنّه طاف في غير حدّ، ولا طواف له».2
والاستدلال بالرواية فرع صحّة السند وإتقان الدلالة.

(1) الموسوعة الفقهية الكويتية:29/127.
(2) الوسائل:9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 103
وأمّا السند فرواه في «الوسائل»: عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى وغيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى; ولكن الموجود في «التهذيب»: محمد بن يحيى، عن غير واحد، عن أحمد بن محمد بن عيسى.1
والسند على ما في «التهذيب» نقلاً عن الكليني لا غبار عليه، والجميع ثقات إلاّ ياسين الضرير، فقد عرفه النجاشي وقال: »الزيات البصري، لقى أبا الحسن(عليه السلام) لمّا كان بالبصرة وروى عنه، وصنّف هذا الكتاب المنسوب إليه».
وقال الشيخ الطوسي: «له كتاب، وللصدوق إليه طريق».
وعلى هذا فلم يوثّقه العلَمان لكن حسّنه في «الوجيزة» وقال المحقّق الداماد حديثه قويّ له أكثر من إحدى وثلاثين رواية في الكتب الأربعة.2
على هذا فالرواية حسنة، وعلى فرض الضعف فعمل المشهور جابر لضعفها، فقد عرفت ذهاب المشهور إلى الإفتاء بمضمونها وليس في المقام رواية سواها، فيظهر اعتمادهم عليها.
هذا كلّه حول السند، وأمّا الدلالة فالرواية تتحدّث عن أمرين:
الأوّل: حدّ المطاف وأنّه بين المقام والبيت، وانّ الحدّ قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها. ولا يظهر من الرواية أي إبهام في ذلك، ولو كان فيها شيء من إبهام فهو بالنسبة للأمر التالي.
الثاني: انّ المقام كان في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)متصلاً بالبيت، لكنّه الآن في مكان آخر، وهذا هو الذي لا يرضى به الإمام. وليس بين الفقرتين صلة حتّى يكون الغمض على الثانية سبباً للغمض على الأُولى.
وبذلك يظهر النظر فيما ذكره صاحب الجواهر من الاختلاف بين الفقرتين

(1) التهذيب:5/108، رقم الحديث 351.
(2) الموسوعة الرجالية الميسرة:497.

صفحه 104
ويقول: وكأن لا وجه ما فيه من الاختلاف بين اليوم وعهده (صلى الله عليه وآله وسلم) مع قوله(عليه السلام) : «والحد قبل اليوم واليوم واحد».1
يلاحظ عليه: أنّه لا اختلاف بين الفقرتين، وانّما الاعتراض يتوجّه إلى الأمر الثاني لا إلى الأمر الأوّل، فدلالة الرواية على لزوم الطواف بين البيت والمقام الموجود حالياً ممّا لا غبار عليه. وأمّا الأمر الثاني فسيأتي به في آخر البحث.
ثمّ إنّه يظهر من رواية محمد بن علي الحلبي جواز الطواف خارج المقام قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الطواف خلف المقام؟ قال: «ما أُحب ذلك وما أرى به بأساً، فلا تفعله إلاّ أن لا تجد منه بُداً».2 ومن كان عارفاً بكلماتهم(عليهم السلام) يرى أنّ الإمام ابتلى بالتقية حيث قد عرفت أنّ العامة قاطبة لا يرون المطاف حدّاً سوى كونه في المسجد، وبما أنّ الطواف خارج المقام كان غير صحيح قال الإمام(عليه السلام) : «ما أُحبّ ذلك»، ولمّا كان هذا مخالفاً للتقية أردفه بقوله: «وما أرى به بأساً»، ثمّ قال: «فلا تفعله إلاّ أن لا تجد منه بُداً». فالرواية ليست معرضاً عنها وإنّما وردت في مورد التقية، والتنافي بين الفقرتين لأجل الجمع بين بيان الحكم الواقعي و حفظ التقية، فلم يكن بد للإمام إلاّ أن يتكلم بشكل يجمع بين الأمرين. نعم الحديث يدلّ على الجواز عند الاضطرار وسيأتي الكلام فيه في المسألة التالية.

بحث تاريخي حول المقام

قد عرفت أنّ الكلام يقع في مقامين:
الأوّل: في دلالة الرواية على تحديد المطاف، وقد مرّ بيانه.

(1) الجواهر:19/296.
(2) الوسائل:9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 105
الثاني: دراسة موضع المقام وما جرى عليه من نقل وتبديل.
وهذا هو بحث تاريخي نذكره في المقام على وجه الإيجاز.
فقـد دلّـت الروايات من طرقنا على كونه ملتصقاً بالبيت في عصر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وإليك ما ورد من طرقنا:
1. رواية محمد بن مسلم الماضية فقد جاء فيها كان الناس على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)«يطوفون بالبيت والمقام» ولم تشر الرواية إلى الوقت الذي نقل المقام من جانب البيت إلى الموضع الحالي.
2. ما رواه الصدوق عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) :قد أدركت الحسين(عليه السلام)؟ قال: »نعم أذكر وأنا معه في المسجد الحرام وقد دخل فيه السيل والناس يقومون على المقام يخرج الخارج فيقول: قد ذهب به السيل، ويدخل الداخل فيقول: هو مكانه، قال: فقال :يا فلان ما يصنع هؤلاء؟ فقلت: أصلحك اللّه تعالى يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام، فقال لهم: إنّ اللّه عزّوجلّ جعله علماً لم يكن يذهب به فاستقروا ، وكان موضعُ المقام الذي وضعه إبراهيم عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم، فلما فتح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة ردّه إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم(عليه السلام)فلم يزل هناك إلى أن تولّى عمر فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟ فقال رجل: أنا كنتُ قد أخذت مقداره بتسع، فهو عندي، فقال: إئتني به، فأتاه به فقاسه فردّه إلى ذلك المكان».1
هاتان الروايتان متفقتان على أنّ المقام كان ملتصقاً بالبيت في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)،غير أنّ الرواية الثانية تذكر بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أزاله من مكانه

(1) الفقيه:2/158 الرقم:681.

صفحه 106
الحالي وألصقه بالبيت في عام فتح مكة ،غير أنّ الخليفة الثاني ردّه إلى مكانه الحالي.
ويؤيد هذا المضمون ما حكاه صاحب الجواهر عن الطبري أنّ قريشاً في الجاهلية، كانت قد ألصقته بالبيت خوفاً عليه من السيول، واستمر كذلك في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعهد أبي بكر، فلمّـا ولي عمر ردّه إلى موضعه الحالي، الذي هو مكانه في زمن الخليل(عليه السلام). 1 وهذه الروايات الثلاث مع الاختلاف في وجود المضامين متفقة على أنّ المقام كان ملتصقاً بالبيت في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو هو الذي ألصقه بالبيت كما في رواية زرارة.
نعم يرد على ما رواه الطبري في ذيل كلامه »فلمّا ولي عمر ردّه إلى موضعه الحالي الذي هو مكانه في زمان الخليل(عليه السلام)». هو أنّه لو كان الأمر كما ذكره الطبري ـ وانّ موضعه في زمن الخليل(عليه السلام) كان موقعه الحالي ـ فالنبي أولى بردّه إلى مكانه اليوم. فلماذا لم ينقله حتّى قام عمر بذلك؟! والظاهر أنّ الذيل غير صحيح.
وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الخليفة الثاني أزاله من مكانه وجعله في المقام لأجل رفع الزحام، إذ لو كان ملصقاً بالبيت لضاق المطاف بالطائفين، لأنّ جماعة منهم يصلون وراء المقام، فلأجل إزالة الزحام أزاله من مكانه وجعله في نهاية المطاف، وهذا النوع من العمل كثير في حياة الخلفاء حيث كانوا يعملون بالمصالح أمام التشريع. ولكن تغيير مكان المقام الذي هو حجر فيه أثر قدمي إبراهيم، لا يؤثر في مقدار المطاف.
هذا و يظهر من الأزرقي(المتوفّى عام 222) في كتاب «أخبار مكة» غير ما ورد في هذه الروايات، إذ هو يعتقد بأنّ موضع المقام هو موضعه اليوم في الجاهلية وفي عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي بكر وعمر، إلاّ أنّ السيل ذهب به في خلافة عمر إلى أسفل

(1) الجواهر:19/296.

صفحه 107
مكة ثمّ وجدوه وجعلوه ملصقاً بالبيت، فلمّـا جاء عمر في شهر رمضان ردّه إلى مكانه اليوم، وإليك نصّ كلامه في كتابه «أخبار مكة وما فيها من الآثار»: قال: حدثني جدّي قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد قال : سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هذا الّذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبي بكر وعمر، إلاّ أنّ السيل ذهب به في خلافة عمر فجعل في وجه الكعبة حتّى قدم عمر فردّه بمحضر الناس.
وقال أيضاً: ... حتّى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب يقال له: سيل أُم نهشل، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتّى وجد بأسفل مكة، فأُتي به فربط إلى أستار الكعبة في وجهها، وكتب في ذلك إلى عمر، فأقبل عمر فدخل بعُمرة في شهر رمضان وقد غُبي موضعه وعفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال: أُنشد اللّه عبداً عنده علم في هذا المقام، فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك فقد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن ومن موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط، وهو عندي في البيت، فقال له عمر: فاجلس عندي، وأرسل إليها فأتي بها فمدّها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس وشاورهم فقالوا: نعم هذا موضعه، فلمّا استثبت ذلك عمر وحقّ عنده أمر به، فاعلم ببناء ربضه تحت المقام ثمّ حوله فهو في مكانه هذا إلى اليوم.1 واللّه العالم.

(1) أخبار مكة:2/33ـ35.

صفحه 108
المسألة 12 : لا يجوز جعل مقام إبراهيم داخلاً في طوافه، فلو أدخله بطل، ولو أدخله في بعضه أعاد ذلك البعض، والأحوط إعادة الطواف بعد إتمام دوره بإخراجه.*
* في المسألة فرعان:
1. بطلان الطواف لو أدخل المقام في طوافه.
2. لزوم إعادة ما فات إذا أدخله.
أمّا الأوّل: فهو مقتضى صحيح محمد بن مسلم مع الشهرة المحقّقة بين الأصحاب، وقد صرّح الإمام فيه بأنّ من طاف في غير هذا الحد كان طائفاً بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد«، وقد خالف فيه الصدوق في »الفقيه« والأردبيلي في »مجمع الفائدة».
أمّا الأوّل فإنّه روى حديث الحلبي1 الذي يتضمن عدم البأس بالطواف خارج الحدّ، بناء على أنّ نقل الرواية يلازم الإفتاء بمضمونها في كتاب «الفقيه» على ما يظهر من مقدّمته.
وأمّا الثاني: فإنّه بعد ما نقل رواية الحلبي قال: إنّها ظاهرة في الجواز خلف المقام على سبيل الكراهة وتزول مع الضرورة.2
وعلى ما ذكرنا فالمخالف ينحصر فيهما.
نعم نقل العلاّمة الجواز عن ابن الجنيد عند الضرورة حيث قال: اضطرّ أن يطوف خارج المقام أجزأه.3 ويظهر من «التذكرة» انّه اختاره حيث قال بعد نقل

(1) الفقيه:2/399، الباب219 ما جاء في الطواف. ومضى نصّ الحديث.
(2) مجمع الفائدة والبرهان:7/87.
(3) المختلف:4/183.

صفحه 109
خبر الفقيه: وهو يعطي الجواز مع الحاجة كالزحام.1
والأقوى جوازه عند العسر والحرج وذلك لأمرين:
1. مضافاً إلى قاعدة الحرج، رواية الفقيه فقد عرفت أنّ الرواية غير معرض عنها، وقد جاء فيها الجواز عند الضرورة.
2. انّه سبحانه يأمر مجموع الحجيج الحاضرين في المسجد بالطواف بقوله:(ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ الْعَتِيقِ).2 هذا من جانب.
ومن جانب آخر يقول سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).3
فمقتضى دعوة الحاضرين في المسجد إلى الطواف مع رعاية عدم تسبب الحرج، هو كون المطاف في هذه الظروف أوسع من الحدّ المذكور مع ملاحظة الأقرب فالأقرب.
وربّما يقال بوجوب الاستنابة عند عدم الاستطاعة، أو إذا كان حرجّياً .
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الطواف حرجياً على أكثر الطائفين فكيف يمكن الاستنابة؟ نعم إذا كان الابتلاء موردياً صحّ ما احتمل، وإلاّ فلو كان ممّا تبتلى به العامّة، فالطواف نيابة يصبح أيضاً حرجياً.
هذا كلّه حول الفرع الأوّل.
الفرع الثاني: لو أدخله، أعاد ذلك البعض، دون الشوط كلّه لعدم الدليل على إعادة تمام الشوط، وإن كان الأولى إتمام الشوط بإعادة ذلك البعض ثمّ إعادة الطواف.

(1) التذكرة:4/183.
(2) الحج:29.
(3) الحج:78.

صفحه 110
المسألة 13: يضيق محل الطواف خلف حجر إسماعيل بمقداره. وقالوا بقي هناك ستة أذرع ونصف تقريباً، فيجب أن لا يتجاوز هذا الحد، ولو تخلّف أعاد هذا الجزء في الحدّ.*
* هذه هي المسألة الثانية التي اتّفقت أنظار الفقهاء عليها.
توضيحه:
إنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين الكعبة ومقام إبراهيم، وقد حدّد بستة وعشرين ذراعاً ونصف ذراع وهو يقرب من 12متراً، فعلى الطائف ألاّ يخرج عن هذا الحد في الجوانب الأربعة من الكعبة إلاّ عند الضرورة كما قلنا.
واتّفقوا على أنّ مبدأ هذا الحد في الأضلاع الثلاثة هو جدار الكعبة.
وأمّا الضلع الذي يتّصل به حجر إسماعيل فهل يُحسب الحدّ الفاصل من جدار الكعبة كما هو المشهور عند أكثر فقهائنا; أو يُحسب من جدار الحجر إلى نهاية 12متراً، كما عليه لفيف من المتقدّمين والمعاصرين؟
فلو قلنا بالاحتمال الأوّل يكون مقدار المسافة للطواف نحو ثلاثة أمتار، وهو يسبّب الحرج في أكثر الأوقات، ولازم ذلك أن يكون المطاف في الأضلاع الثلاثة هو 12متراً، وفي الضلع المتّصل به حجر إسماعيل 3 أمتار.
وأمّا لو قلنا بالاحتمال الثاني، فبما أنّ مبدأ المسافة وهو خارج الحجر يكون المطاف نظير سائر الأضلاع، وبذلك يزول الحرج في غالب الأوقات.
ذهب المشهور إلى أنّ المبدأ هو البيت في ذلك الضلع أيضاً، ولا حاجة لنقل كلماتهم وانّما نذكر كلمة من قال بخلافهم، وإليك مقتطفات من كلماتهم:
1. قال الشهيد الثاني في «الروضة»: وتحتسب المسافة من جهة الحجر من

صفحه 111
خارجه وإن جعلناه خارجاً من البيت.1
2. وقال أيضاً في «المسالك»: وتجب مراعاة هذه النسبة من جميع الجهات، فلو خرج عنها ولو قليلاً بطل، ومن جهة الحجر تحتسب المسافة من خارجه بأن ينزله منزلة البيت، وإن قلنا بخروجه عنه.
ثمّ إنّه (قدس سره) تردّد فيما ذكر وقال: مع احتمال احتسابه (الحجر) منها على القول بخروجه وإن لم يجز سلوكه.2
3. وقال سبطه في «المدارك»: وقد قطع الأصحاب بأنّه يجب مراعاة قدر ما بين البيت والمقام من جميع الجهات، وفي رواية محمد بن مسلم دلالة عليه، وتحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه وإن كان خارجاً من البيت، لوجوب إدخاله في الطواف، فلا يكون محسوباً من المسافة.3
4. وقال المحقّق السبزواري في «الذخيرة»: وقد ذكر جماعة من المتأخّرين انّه يحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه، ومنهم من قال: وإن كان خارجاً من البيت، ومنهم من علّله بوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوباً من المسافة.4
5. ما نقله المحقّق النراقي عن جماعة من المتأخّرين.5
6. وقال في «الجواهر»: نعم لا إشكال في احتساب المسافة من جهة الحجر من خارجه، بناءً على أنّه من البيت، بل في «المدارك» وغيرها وإن قلنا بخروجه

(1) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:2/249.
(2) مسالك الأفهام:2/333.
(3) مدارك الأحكام:8/131.
(4) ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد:628.
(5) مستند الشيعة:12/76.

صفحه 112
منه، لوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوباً من المسافة.1 وإن استشكل في ما ذكره و زعم أنّه خلاف ظاهر الخبر وإليك نصه: قال سألته عن حدّ الطواف الذي مَن خرج عنه لم يكن طائفاً بالبيت؟ قال: «كان الناس على عهد رسول اللّه يطوفون بالبيت والمقام، وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحدُّ موضعَ المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف والحدّ قبل اليوم، واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت، بمنزلة من طاف بالمسجد، لأنّه طاف في غير حدّ ولا طواف له».2
استدل المشهور على أنّ المبدأ في جانب الحجر أيضاً هو البيت لا جدار الحجر، بقوله «والحدّ قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها» فالمطاف عبارة عن ما بين المقام والبيت لا في نواح ثلاثة بل النواحي كلّها، ومن تلك النواحي جانب الحجر.
هذا ويمكن أن يقال: إنّ في قوله: «قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها» احتمالين:
الأوّل: أن يكون الحديث في مقام بيان حدّ الابتعاد عن البيت وانّه لا يجوز أن يتباعد منه إلاّ بمقدار ما بين البيت والمقام في الجوانب الأربع للبيت، وعلى هذا لا يجوز له أن يتباعد من البيت في جانب الحجر أيضاً أزيد من اثني عشر متراً، وعندئذ يتضيّق المطاف من جانب الحجر وينحصر بثلاثة أمتار ، إذ لو تباعد أكثر منها، يكون الابتعاد من البيت أكثر من المقدر الملحوظ.

(1) الجواهر:19/298.
(2) الوسائل:9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 113
الثاني: أن يكون بصدد بيان المسافة التي يصح للطائف أن يطوف من أي جز ءمنها من جوانب البيت وانّها عبارة عن قدر ما بين المقام والبيت من نواحي البيت كلّها، فالمسافة في عامة الجوانب واحدة، وعلى هذا يجب أن تكون المسافة في جهة الحجر بنفس المسافة من الجوانب الثلاثة، وهذا يلازم كون المطاف فيه أوسع من ثلاثة أمتار وان يكون المبدأ هو حد الحجر، مع رعاية انحنائه، وليس الاحتمال الأوّل أولى من الثاني.
ويؤيد الاحتمال الثاني أمران:
1. أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)طاف في عمرة القضاء مع أصحابه الذين صدّهم المشركون في العام الماضي، فهل يمكن أن يطوف هذا الجمّ الغفير في مسافة قليلة لا تتجاوز عن ثلاثة أمتار.
قال ابن هشام: ثمّ استلم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتّى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتّى يستلم الركن الأسود، ثمّ هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها.1
وقد شارك النبي في غزوة الحديبية حوالي 700 رجل، ولمّا صُدُّوا في ذلك العام ، قضوا عمرتهم في السنة القادمة، والظاهر أنّهم شاركوا في القضاء بلا استثناء.
قال ابن إسحاق: وخرج معه المسلمون ممّن كان صدّ معه في عمرته تلك، وهي سنة سبع، فلمّا سمع به أهل مكة خرجوا عنها.2
ومن المعلوم أنّ طواف هؤلاء في زمان قليل من تلك المسافة الضيّقة، لا

(1) السيرة النبوية:2/371، عمرة القضاء.
(2) السيرة النبوية:2/370، عمرة القضاء.

صفحه 114
السادس: الخروج عن حائط البيت وأساسه، فلو مشى عليهما لم يجز ويجب جبرانه، كما لو مشى على جدران الحجر وجب الجبران وإعادة ذاك الجزء، ولا بأس بوضع اليد على الجدار عند الشاذروان، والأولى تركه.*
يخلو من حرج، ولو كان واجباً لنصّ عليه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، كلّ ذلك يعرب عن أنّ المطاف من جانب الحجر أوسع ويساوي في السعة سائر الجوانب، فتدبّر.
2. انّ المسألة ممّا تبتلي بها العامّة، فلو كان المطاف في جانب الحجر ضيقاً لورد في رواية ولسئل عنها، مع أنّه لم يرد في أي رواية.
فالأقوى كون المطاف في جانب الحجر أوسع، غاية الأمر لو أمكن الاحتياط لطاف في ثلاثة أمتار ولا يخرج منها، وإلاّ يجزي الطواف في خارجها بلا إشكال.

*وجوب الخروج عن حائط البيت

في المسألة فروع:
1. خروج الطائف بعامة أجزاء بدنه عن البيت، وهو لايتحقّق إلاّ بالخروج عن حائط البيت وأساسه أيضاً، فلو مشى عليهما لم يجز ويجب جبرانه.
2. لو مشى على جدران الحجر لم يجز ووجب إعادة ذلك الجزء.
3. حكم وضع اليد على الشاذَرْوان.
وإليك دراستها واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: حكم الطواف على الحائط وأساس البيت

المراد من الحائط هو جدار البيت، كما أنّ المراد من أساسه هو الشاذَرْوان،

صفحه 115
وهو ـ على المشهور ـ ما نقّصته قريش من عرض أساس الكعبة حين ظهر على الأرض.
وفي الموسوعة الكويتية: هو الجزء السفلي الخارج عن جدار البيت مرتفعاً على وجه الأرض.
وأمّا ضبطه: ففي «مجمع البحرين»: الشاذَرْوان ـ بفتح الذال ـ من جدار البيت الخ .(المجمع، مادة شذذ). وإليك بعض الكلمات:
قال المحقّق: ولو مشى على أساس البيت أو حائط الحجر لم يُجزه، والمراد من أساس البيت هو الشاذروان.1
وقال العلاّمة: ويجب أن يكون بجميع بدنه خارجاً من البيت، فلا يجوز أن يمشي على شاذروان البيت، لأنّه من البيت، والطواف المأمور به هو الطواف بالبيت، قال اللّه تعالى: (ولْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتيقِ)2، وإنّما يكون طائفاً به لو كان خارجاً عنه، وإلاّ كان طائفاً فيه.3
والظاهر أنّ الأبنية المتأخّرة كان على ذلك الأساس، بمعنى أنّهم بنوا على ما نقصته قريش. وتقدم الكلام فيه في بناء الكعبة.
وجهه ـ على ما أشار إليه العلاّمة ـ هو أنّ المشي على حائط البيت أو أساسه يوجب كون الطواف في البيت لا به، وقال سبحانه: (وليَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتيقِ)4 ، و على ذلك فلو مشى فيهما لم يجز ويجب إعادة ذلك الجزء، لا تمام الشوط لعدم الدليل عليه.
الفرع الثاني: لو مشى على حائط الحِجر لم يُجزئ و تجب إعادة ذلك الجزء، لما عرفت من وجوب إدخاله في الطواف، سواء قلنا بكونه من البيت أو خارجاً

(1) الشرائع:1/267.
(2) الحج:29.
(3) التذكرة:8/90.
(4) الحج:29.

صفحه 116
السابع: أن يكون طوافه سبعة أشواط.*
عنه، ولا يتحقّق ذلك بالمشي على حائطه، فلو مشى عليه يجب جبرانه وإعادة ذلك الجزء، لعدم الدليل على إعادة تمام الشوط.
الفرع الثالث: وضع اليد على البيت حال الطواف، فهل يجوز للطائف مسّ جدار الكعبة بيده في موازاة الشاذَرْوان؟ قال المصنّف: لا بأس بوضع اليد على الجدار عند الشاذروان وإن كان الأولى تركه. لكنّه يشكل، لأنّ مسّه على هذا الوجه يوجب وقوع بعض بدنه في البيت فلا يتحقّق الشرط، أعني: خروجه عن البيت، إلاّ أن يقال إذا كان معظم بدنه خارجاً عنه يصدق على أنّه طائف بالبيت، ولعلّ الثاني أقوى.
وبذلك يعلم أنّ وضع يده على جدار الحِجْر حكم وضعها على جدار البيت في موازاة الشاذروان.

* الطواف سبعة أشواط

اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الطواف سبعة أشواط، والمسألة من ضروريات مسائل الحجّ وعليها جرت السيرة بين عامة المسلمين، ولذلك لم يقع مورد السؤال ، وإن وقع، فانّما سئل عمّا يتعلّق بالسبعة كالشك في عدد الأشواط، والقران بين الطوافين وغيرهما. كلّ ذلك يُعرب عن كون الحكم أمراً مفروغاً عنه. نعم ورد الأمر بالسبعة في بعض الروايات كما سيوافيك. ولا بأس بذكر بعض الكلمات:
قال المحقّق: وأن يكمله سبعاً.1

(1) الشرائع:1/267.

صفحه 117
المسألة14. لو قصد الإتيان زائداً عليها أو ناقصاً عنها بطل طوافه ولو أتمّه سبعاً، والأحوط إلحاق الجاهل بالحكم، بل الساهي والغافل بالعامد في وجوب الإعادة.*
وقال في «المدارك»: وأمّا وجوب إكمال السبع فموضع وفاق بين العلماء، والنصوص به مستفيضة، بل متواترة.1
وقال في «الجواهر» بعد قول المحقّق«وان يكمله سبعاً»: بلا خلاف أجده، وللإجماع بقسميه عليه، مضافاً إلى النصوص المستفيضة بل المتوافرة.2
روى الصدوق عن الإمام الصادق عن آبائه(عليهم السلام) في وصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): قال: »يا علي إنّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه عزّ وجلّ له في الإسلام ـ إلى أن قال(صلى الله عليه وآله وسلم): ـ و لم يكن للطواف عدد عند قريش فسنّ لهم عبد المطلب سبعة أشواط، فأجرى اللّه عزّ وجلّ ذلك في الإسلام».3
وروى الكليني بسند صحيح عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) : «طف بالبيت سبعة أشواط».4

* من زاد أو نقص ملتفتاً للموضوع

الفرق بين المقام وما سيوافيك في المسألة الثانية عشرة هو أنّ صورة العمل في المقام ، محفوظة وهي مورد التفات للطائف فهو يعلم بأنّه يزيد أو ينقص

(1) المدارك:8/130.
(2) الجواهر:19/295.
(3) الوسائل:9، الباب19 من أبواب الطواف، الحديث1. ولاحظ بقية روايات الباب، وأيضاً الباب32 من أبواب الطواف.
(4) الوسائل:9، الباب20 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 118
بخلاف ما يأتي في تلك المسألة، فصورة العمل ليست محفوظة عند الطائف فهو يتصوّر أنّه لم يزد مع أنّه زاد.
ثمّ إنّ الداعي إلى الزيادة والنقيصة في المقام أحد الأُمور التالية:
1. العمد وعدم المبالاة بالزيادة والنقيصة في إتيان الأوامر العبادية.
2. الجهل بالحكم الشرعي، ويحتمل جواز الزيادة والنقيصة.
3. نسيانه الحكم الشرعي وغفلته عنه مع الالتفات إلى الموضوع.
وعلى كلّ تقدير يزيد وينقص مع العلم بكيفية عمله.
وهذا بخلاف ما يأتي، حيث إنّ صورة العمل غير معلومة للطائف، فهو يتصوّر أنّه يأتي بالمأمور، بلا زيادة على السبعة ولا نقيصة عنها، ولكن الصادر عنه على خلاف ما تصوّره.
إذا علمت ذلك فنقول: إنّ للمسألة صوراً:
الأُولى: إذا زاد أو نقص مع العلم والعمد. لأجل عدم المبالاة في مقام الامتثال بالزيادة والنقيصة، ولا شك في بطلانه، لأنّ ما أتى به غير مأمور به، وما أُمر به لم يأت به.
وبذلك يعلم أنّه لا حاجة في الاستدلال على البطلان إلى الاستناد بالتشريع، كما عليه المحقّق النائيني حيث قال: فلو زاد أو نقص في ابتداء النيّة أو في أثنائها بطل على كلّ تقدير وكان آثماً في تشريعه.1
ولعلّ ذكر «التشريع» للاستدلال على الإثم، لا لبطلان العمل . وعلى فرض كونه دليلاً على البطلان، فقد أورد عليه السيد الحكيم بأنّ البطلان من جهة التشريع محل إشكال، لعدم ملازمته له ما لم يوجب إخلالاً في قصد الأمر.2

(1) دليل الناسك:255.
(2) نفس المصدر.

صفحه 119
ويمكن أن يقال: بأنّ العمل المحقّق للتشريع مبغوض، والمبغوض لا يكون مقرّباً، سواء أخلّ بقصد الأمر أم لا.
كما يمكن الاستدلال على البطلان بخبر عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن(عليه السلام)قال:«الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الإعادة وكذلك السعي».1
والاحتجاج بالحديث فرع صحّة سنده واتّفاق دلالته.
أمّا السند فرواه الشيخ بسند صحيح عن موسى بن القاسم ـ الثقة ـ عن صفوان بن يحيى الثقة (المتوفّى سنة 210هـ)، عن عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن. المراد به، هو أبو الحسن الأوّل ـ أعني: موسى بن جعفر(عليهما السلام) ـ بقرينة رواية صفوان عنه بالواسطة، لأنّه يروي عن أبي الحسن الثاني ـ الرضا(عليه السلام) ـ بلا واسطة.
إنّما الكلام في عبد اللّه بن محمد فالظاهر أنّه عبد اللّه بن محمد الأهوازي الّذي ترجمه النجاشي وقال: ذكر بعض أصحابنا أنّه رأى له: مسائله لموسى بن جعفر(عليهما السلام).2 والرجل إماميّ ولكن لم يرد فيه توثيق، والحديث بإطلاقه شامل للعامد.
ثمّ إنّ للزيادة العمديّة صوراً ذكرها صاحب الجواهر سيوافيك بيانها في ضمن المسألة الثامنة عشرة، فانتظر.
هذا كلّه في الزيادة، وأمّا النقصان فمع فوات الموالاة ـ بناءً على اعتبارها ـ فالبطلان ظاهر، إنّما الكلام مع عدم فواتها أو عدم اعتبارها فربّما يقال: إنّ البطلان غير ظاهر.

(1) الوسائل:19، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث11.
(2) رجال النجاشي: برقم 596.

صفحه 120
يلاحظ عليه: أنّ العمل المحقّق للتشريع عمل مبغوض وهو لا يكون مقرّباً وإن أتمّه بعد.

الثانية: الزيادة والنقيصة مع الجهل بالحكم

هذا إذا كانت الزيادة والنقصان العمدية مع العلم بالحكم إنّما الكلام إذا كانتا عمدية مع الجهل بالحكم، فيمكن القول بالصحة، لأنّه من باب الخطأ في التطبيق.
توضيحه: أنّ الجاهل بالحكم بصدد امتثال الأمر الواقعي على نحو لو علم حدود المأمور به لا يزيد ولا ينقص قدر شعرة، ولكن لأجل الجهل به يتصوّر أنّه تجوز الزيادة، فهو يأتي بالطواف مع الشوط الزائد بقصد امتثال الأمر الواقعي، فيكون مقتضى القاعدة هو الصحّة، فالقربة متمشّية وهو يكفي في صحّة العمل ويُلغي الزائد، وقد قصد امتثال الأمر الواقعي غير أنّه اشتبه عليه الأمر في تشخيصه.
نعم لو كان الإتيان بالزيادة على وجه التقييد على نحو لو لم يكن الشوط الثامن جزءاً للواجب لما أتى بالطواف يبطل طوافه، لعدم كونه بصدد امتثال الأمر الواقعي.
وأمّا النقيصة لأجل الجهل فيتدارك إذا لم يخل بالموالاة.
وبذلك يعلم أنّ الاحتياط في المتن بوجوب الإعادة استحبابي إلاّ في النقيصة إذا تخلّل الفعل الكثير، المفوّت للموالاة العرفية، هذا حسب الأدلّة الاجتهادية ومعها لا حاجة إلى التمسّك بحديث الرفع . نعم مع فقدانها، يكون مقتضى حديث الرفع، صحّة ما آتاه.

صفحه 121
المسألة 15: لو تخيل استحباب شوط بعد السبعة الواجبة، فقصد أن يأتي بالسبعة الواجبة، وأتى بشوط آخر مستحب صحّ طوافه.*
المسألة16: لو نقص من طوافه سهواً، فإن جاوز النصف فالأقوى وجوب إتمامه إلاّ أن يتخلّل الفعل الكثير، فحينئذ الأحوط الإتمام والإعادة، وإن لم يجاوزه أعاد الطواف، لكن الأحوط الإتمام والإعادة.**

الثالثة: إذا زاد أو نقص مع نسيان للحكم

إذا زاد و نقص مع نسيان للحكم مع الالتفات إلى الموضوع وانّه زائد على السبعة أو ناقص عنها فيكون حكمه، حكم من زاد أو نقص جهلاً، لأنّه من موارد الخطأ في التطبيق فتكون الصحّة هي مقتضى القاعدة، إلاّ أنّ المصنّف ألحقه بالعامد احتياطاً. ولكن الأقوى عدم الإلحاق وإن كان الإلحاق أحوط.

* الإتيان بشوط استحباباً بعد السبعة

إذا زاد شوطاً بزعم الاستحباب يصحّ ما أتى منه، لأنّ المأتي به موافق للمأمور به، وما تخيله مستحباً لم يأت به جزءاً للواجب، بل بما أنّه فعل مستحب مستقل بعد الواجب، والاعتقاد باستحباب شيء بعد الإتيان بالواجب لا يضرّ بما أتى.

**من نقص من طوافه سهواً

الكلام في المقام في من نقص من طوافه سهواً، أي مع الغفلة عن الموضوع وأنّه زيادة على السبعة أو نقيصة، فقد فصل فيها المصنّف بين من تجاوز عن النصف ومن لم يتجاوز، فيتم في الأوّل، إذا لم يتخلّل الفعل الكثير ـ و إلاّ فيتم

صفحه 122
ويعيد على الأحوط ـ و يعيد في الثاني وإن كان الأحوط الإتمام والإعادة.
ثمّ إنّ الضابطة ـ التجاوز عن النصف وعدمه ـ لا تختص بالمقام، بل وتجري في موارد أُخرى، ولأجل ذلك نرى أنّ المحقّق ذكر خمس مسائل متسلسلة، حكم فيها الضابطة فقال:
1. من نقص من طوافه، فإن جاوز النصف، رجع فأتمّ، ولو عاد إلى أهله أمر من يطوف عنه، وإن كان دون ذلك استأنف.
2. وكذا من قطع طواف الفريضة لدخول البيت أو بالسعي في حاجة.
3. وكذا من مرض في أثناء طوافه.
4. كذا لو أحدث في طواف الفريضة.
5. ولو دخل في السعي فذكر أنّه لم يتم طوافه، رجع فأتمّ طوافه إن كان تجاوز النصف ثم تمّم السعي.1
ترى أنّه أخذ الضابطة ملاكاً للإتمام أو إعادة الطواف والسعي.
ولذا أشار المحدّث البحراني إلى كون الضابطة أساساً في هذه المسائل، بقوله: المشهور بين الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ انّه لو نقص عدد طوافه أو قطعه لدخول البيت أو لحاجة أو لمرض أو لحدث، أو دخل في السعي فذكر انّه لم يتم طوافه فإن تجاوز النصف رجع فأتمّ، ولو عاد إلى أهله استناب ولو كان دون النصف استأنف.2
وقد تبعهم المصنّف، في هذه المسألة وفيمن قطع طوافه (المسألة العشرون) ومن حدث له عذر أثناء طوافه من مرض أو أحدث بلا اختيار(المسألة الحادية والعشرون) ، وتحقيق حكم الفرع يقتضي البحث في موضعين:

(1) الشرائع:1/268.
(2) الحدائق:16/212.

صفحه 123
1. الاستدلال بالروايات على حكم الفرع.
2. الاستدلال على ما في المتن من التفصيل بالضابطة الّتي تعد أساساً لهذه المسائل.
وقبل البحث في الموضوع الأوّل نذكر كلمات الفقهاء ، وقد عرفت كلام المحقّق وتفصيله فيه بين تجاوز النصف وعدمه. وإليك كلمات الآخرين:
1. قال العلاّمة في «التذكرة» لو طاف ستة أشواط ناسياً ثمّ ذكر فليضف إليها شوطاً آخر ولا شيء عليه، وإن لم يذكر حتّى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه.1
2. ذكره في «المنتهى» بنفس ذلك النص.2
وانّما اختار نسيان شوط واحد، لورود النص فيه.
3. قال في «المدارك»: هذا التفصيل ـ في مَن نقص من طوافه ـ مشهور بين الأصحاب ولم أقف على رواية تدلّ عليه، ثمّ نقل عن الشيخ في «التهذيب»:ومن طاف بالبيت ستة أشواط وانصرف فليضف إليه شوطاً آخر ولا شيء عليه، وإن لم يذكر حتّى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه.3
وقال صاحب المدارك بعد هذا النقل: وربما أشعر التخصيص بالذكر (نسيان شوط واحد) على أنّ حكم مازاد على الشوط خلاف ذلك... إلى أن قال: المعتمد البناء إن كان المنقوص شوطاً واحداً وكان النقص على وجه الجهل والنسيان، والاستئناف مطلقاً في غيره.4
وما ذكره يكشف عن عدم ثبوت الضابطة عنده في هذا المورد، وأمّا الموارد

(1) التذكرة:8/113، المسألة 477.
(2) المنتهى:2/697.
(3) التهذيب:5/109 برقم252.
(4) المدارك:8/149.

صفحه 124
الأُخر فسيأتي الكلام فيها في موارده.
إذا عرفت ذلك فلنذكر ما يدلّ على حكم الفرع من الروايات:

أ. الاستدلال بالروايات على حكم الفرع

قد وردت في الفرع المذكور روايتان:
الأُولى: ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن بن عطية قال: سأله سليمان بن خالد ـ وأنا معه ـ عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط؟ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «وكيف طاف ستّة أشواط؟» قال: استقبل الحجر وقال: اللّه أكبر وعقد واحداً، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام) :«يطوف شوطاً». فقال سليمان : فإنّه فاته ذلك حتّى أتى أهله؟ قال: «يأمر مَن يطوف عنه».1
أمّا فقه الحديث فإليك بيانه:
1. قوله: «قال: اللّه أكبر وعقد واحداً» كلام مجمل وما وجه صلته بالطواف ستة أشواط؟ ولذلك فسّره المجلسي وقال: «استقبل الحجر وقال... أي كان منشأ غلطه أنّه حين ابتدأ الشوط عقد واحداً فلما كملت الستة عقد السبعة فظن الإكمال».2
ومراده(قدس سره): أنّه نوى كلّ شوط مستقلاً، فلمّا وصل إلى الشوط السابع عقد السبعة، فظنّ أنّه أتى به ولم يأت به.
2. إنّ قوله في الشق الثاني:«فإنّه فاته ذلك حتّى أتى أهله» قرينة على أنّ الطائف في الشق الأوّل كان موجوداً في مكة، ويمكن له التدارك من غير فرق بين كون الموالاة محفوظة أو لا، أو تخلّل الفعل الكثير وعدمه، فالمتواجد في مكة يبني

(1) الوسائل:9، الباب32 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) مرآة العقول :18/41.

صفحه 125
على ما سبق، وأمّا اللاحق بأهله فهو يستنيب من يطوف عنه، إمّا شوطاً واحداً كما هو مقتضى وحدة حكم الشقين، أو طوافاً كاملاً كما هو ظاهر العبارة.
وعلى كلّ تقدير فالرواية أجنبيّة عن التفصيل وإنّما تركز على ما إذا كان الناقص شوطاً واحداً، و أمّا الزائد فساكتة عنه.
فإن قلت: إنّ القيد أي نسيان الشوط الواحد مأخوذ في كلام السائل دون الإمام.
قلت: إنّ أخذه في كلام الإمام وإن لم يورث مفهوماً، لكنّه يوجب اختصاص الجواب له وسكوت الرواية عن غير هذه الصورة.
الثانية: ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّـار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) رجل طاف بالبيت ثمّ خرج إلى الصفا فطاف بين الصفا والمروة، فبينما هو يطوف إذ ذكر أنّه قد ترك بعض طوافه بالبيت، قال(عليه السلام): «يرجع إلى البيت فيتم طوافه ثمّ يرجع إلى الصفا والمروة فيتمّ ما بقي».1
والظاهر أنّ المنسي كان شيئاً يسيراً من الطواف لمكان التعبير عنه بـ«بعض طوافه» فينطبق على نسيان الشوط الواحد أو شوطين على تأمّل، وأمّا الزائد فلا.
وربما يستدل بصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطاً واحداً في الحجر ، قال: «يعيد ذلك الشوط».2
ولكن الاستدلال في غير محله، لأنّ موردها الجهل بالحكم الشرعي. والكلام في النسيان اللهم إلاّ إذا كان الغرض الاستئناس بما ورد في الجهل بالحكم في مورد الناسي وعلى فرض الصحة لا تدل على التفصيل المذكور.

(1) الوسائل:9 ، الباب32 من أبواب الطواف، الحديث2.
(2) الوسائل:9، الباب31 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 126
وعلى ضوء ما ذكرنا فالروايتان الأُوليان تدلاّن على جواز الإعادة فيما إذا نسي شوطاً أو شوطين، وليس فيها من التفصيل المذكور في المتن أي دلالة، أي التفصيل بين التجاوز عن النصف وعدمه.
وبذلك يعلم أنّه ليس للتفصيل المذكور في عبارة «الشرائع» والمصنّف نص خاص، إلاّ التمسك بالضابطة بشرط عدم اختصاصها بمورد دون مورد، وسيوافيك توضيحها في محلها(المسألة الحادية والعشرون).
ولذلك قال صاحب الجواهر: قلت يمكن أن يكون مستند التفصيل المزبور فحوى ما تسمعه من النصوص في مسألة عروض الحدث في الأثناء الخ.1 مشيراً إلى الضابطة.
هذا كلّه حول الاستدلال على الفرع عن طريق الروايات، وقد عرفت أنّها غير ناهضة لإثبات ما في المتن وإنّما يدلّ على جواز الإعادة فيما إذا نسي شوطاً أو شوطين، لا أكثر.

ب. الاستدلال على الفرع عن طريق الضابطة

وربّما يستدلّ ـ كما مـرّ عن الجواهر ـ على الحكم المذكور في الحكم عن طـريق الضابطة المعـروفـة من صحّـة الطـواف إذا زاد على النصف والاستئناف إذا لم يزد عليه، وذلك بالتمسك بالتعليل الـوارد في خبر إبراهيم بن إسحاق]الأحمري النهاوندي الضعيف[ عمّن سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت أربعـة أشواط وهي معتمرة ثم طمثت، قال: »تتم طوافـها وليس عليها غيره ومتعتها تامّة. ولها أن تطوف بين الصفا والمـروة لأنّها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستـأنف بعـد الحـج، وإن هـي لم تطف إلاّ ثلاثـة أشـواط

(1) الجواهر:19/327. وسيأتي الكلام في أنّ الأولوية ظنيّة لا قطعية.

صفحه 127
فلتستـأنف (بعد خ ل) الحج، فـإن أقـام بها جمّالهـا بعـد الحج فلتخرج إلى الجعرّانة أو إلى التنعيم فلتعتمر».1
وإليك فقه الحديث سنداً ودلالة. أمّا الأوّل فالراوي هو إبراهيم بن إسحاق الأحمري النهاوندي الضعيف في حديثه، المتهم في دينه، وذكره الشيخ في من لم يرو عنهم ـ كما في المقام ـ أضف إلى ذلك أنّه مرسل عن رجل.
وأمّا المضمون فهو يفصل بين من طافت وزادت على النصف ثمّ طمثت فطوافها صحيح، تخرج من المسجد وتسعى ثمّ تستأنف بعد الحج، بمعنى أنّه يتم الباقي. وأمّا إذا طمثت، قبل الزيادة، فهي تعدل إلى حجّ الإفراد، فإذا أتمت أعمال الحجّ، تعتمر عمرة مفردة إن أقام جمّالها.
يلاحظ على الاستدلال ـ بعد الغمض عن ضعف السند ـ : انّ الظاهر هو إعادة الطواف إذا طمثت بعد النصف، لا انّه تتم الباقي كما هو قضية الضابطة.
وربّما يستدلّ على التفصيل في مورد النسيان بالأولوية كما مرّ عن صاحب الجواهر، فإذا صحّ التفصيل في مورد الطمث، والمرض، والحدث، فليكن كذلك في مورد نسيان الجزء .
يلاحظ عليه: أنّ الأولوية إنّما تفيد إذا كانت قطعية ـ كما في قوله: (لا تقل لهما أُفّ) دون المقام فإنّها ظنية وهي ليست بحجة.
إلى هنا ظهر عدم قيام دليل صحيح على الضابطة فيما إذا نسي الجزء، فالمرجع هو القاعدة وهي:
إنّه إذا تخلل الفعل الكثير يعيد الطواف، سواء تجاوز النصف أم لا، وإلاّ فيتم. فما أفاده المصنف في المتن من التفصيل بين تخلل الفعل الكثيرة وعدمه في خصوص ما إذا تجاوز النصف جار في غير صورة التجاوز.

(1) الوسائل: 9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث4.

صفحه 128
المسألة17: لو لم يتذكّر بالنقص إلاّ بعد الرجوع إلى وطنه ـ مثلاً ـ يجب مع الإمكان الرجوع إلى مكّة لاستئنافه، ومع عدمه أو حرجيّته تجب الاستنابة، والأحوط الإتمام ثمّ الإعادة.*

التفصيل بين تخلّل الفعل الكثير وعدمه

ثمّ إنّ المصنّف فصّل فيما إذا جاوز النصف، بين عدم تخلّل الفعل الكثير فيبني على ما سبق، وما إذا تخلّل فيتم ويستأنف على الأحوط.
وجهه: انّ القدر المتيقن من رواية ابن عطية، هو ما إذا لم يتخلل بينهما فعل كثير، وإلاّ فيتم ثمّ يستأنف.
وأمّا إذا لم يجاوز فهو يستأنف مطلقاً تخلّل الفعل الكثير أو لا، غاية الأمر يحتاط بالإتمام أوّلاً والاستئناف ثانياً.
يلاحظ عليه: بما مرّ أنّ تخلّل الفعل الكثير إنّما يضرّ لكونه منافياً للموالاة، وإلاّ فليس هو بما هوهو مانعاً، وعلى ذلك فيجب التفريق حتّى فيما إذا لم يجاوز، بين فوت الموالاة وعدمه فيستأنف في الأوّل: ويتم في الثاني لكون الموالاة محفوظة كما تقدّم.
وعلى كلّ تقدير فهل الملاك هو مجاوزة النصف، أو إتمام الشوط الرابع؟ فسيوافيك الكلام فيه في المسألة الحادية والعشرين.

* لو تذكر النقص بعد الرجوع إلى الأهل

لو رجع الحاج إلى وطنه وتذكّر أنّه نقص في طوافه، فله صورتان:
1. يتذكر أنّه نقص من طوافه قبل التجاوز.
2. يتذكر أنّه نقص من طوافه بعد التجاوز.

صفحه 129
والظاهر أنّ محط البحث بين الأصحاب هو الصورة الثانية لا الأُولى بشهادة أنّ المحقّق ذكر هذا الفرع بعد تجاوز النصف وقال: مَن نقص من طوافه فإن جاوز النصف رجع فأتمّ ولو عاد إلى أهله أمر من يطوف عنه، وإن كان دون ذلك استأنف.1
وظاهر هذه العبارة أنّ من نسي بعد التجاوز عن النصف يبني عليه النائب، وأمّا الناسي قبله فهو يستأنف مطلقاً مباشرة ونيابة . إذا تبين محط البحث فنقول في هذه المسألة أقوال:

الأوّل: الإتمام في من رجع إلى أهله مطلقاً

يظهر من المحقّق أنّه إذا أمكن له الرجوع رجع فيتم، وإن لم يمكن أمر مَن يطوف عنه فيما ترك.
وبذلك فسّر صاحب الجواهر عبارة الشرائع«ولو عاد إلى أهله أمر من يطوف عنه» بقوله:ما بقي عليه.2 وهو خيرة ابن إدريس قال ومن طاف بالبيت ستة أشواط ناسياً وانصرف فليضف إليه شوطاً آخر ولا شيء عليه، وإن لم يذكر حتّى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه الشوط الباقي.
والعبارت3ان صريحتان في وظيفة النائب فإذا كان الإتمام وظيفة النائب فأولى أن يكون وظيفة المباشر أيضاً.
ويدلّ على ذلك ما في معتبرة الحسن بن عطية قال: سأله سليمان بن خالد وأنا معه عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط؟ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):»وكيف طاف

(1) شرائع الإسلام:1/268.
(2) الجواهر:19/376.
(3) السرائر:1/572.

صفحه 130
ستة أشواط؟» قال استقبل الحِجْر وقال: اللّه أكبر وعقد واحداً، فقال أبو عبداللّه(عليه السلام): «يطوف شوطاً»، فقال سليمان: فإنّه فاته ذلك حتّى أتى أهله. قال(عليه السلام): «يأمر من يطوف عنه».1
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من قوله يطوف عنه، هو الاستئناف لا الإتمام.

الثاني: التفصيل في مَن رجع إلى أهله بين المباشر والنائب

يظهر من الشيخ في «النهاية» والعلاّمة في «التحرير» انّ المباشر يتم الطواف والنائب يعيده.
قال الشيخ: ومن طاف بالبيت ستة أشواط ناسياً وانصرف فليضف إليها شوطاً آخر ولا شيء عليه، فإن لم يذكر حتّى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه.2
وتخصيص ستة أشواط بالذكر، لكونه مورد النص.
وقال العلاّمة في «التحرير»: لو طاف ستة وانصرف، فليضف إليها شوطاً آخر، ولا شيء عليه، وإن لم يذكر حتّى رجع إلى أهله، أمر أن يطوف عنه ولا دم.3
ولعلّ الاكتفاء بإضافة شوط آخر لكونه متواجداً في مكة وإلاّ فلو رجع إلى أهله فأراد أن يقضى الطواف بنفسه فوظيفة المباشر والنائب واحد.

الثالث: الاستئناف في مَن رجع إلى أهله مطلقاً

يظهر من مناسك المحقّق النائيني أنّه يستأنف مطلقاً حيث قال: ولو

(1) الوسائل:9، الباب32 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) النهاية:237.
(3) تحرير الأحكام:1/586.

صفحه 131
المسألة18: لو زاد على سبعة سهواً، فإن كان الزائد أقلّ من شوط قطع وصحّ طوافه، ولو كان شوطاً أو أزيد فالأحوط إتمامه سبعة أشواط بقصد القربة; من غير تعيين الاستحباب أو الوجوب، وصلّى ركعتين قبل السعي، وجعلهما للفريضة من غير تعيين لطواف الأوّل أو الثاني، وصلّى ركعتين بعد السعي لغير الفريضة.*
تذكّر النقص بعد خروجه عن مكة كان كمن نسي الطواف رأساً، وقد تقدّم حكمه.1 وقد قال في مورد ناسي الطواف: الناسي يقضيه متى تذكّر وإن كان بعد أداء المناسك وخروج ذي الحجة. وإطلاق2 كلامه يعم المباشر والنائب.
وظاهر المصنّف في المقام ـ كما تقدّم ـ اختيار هذا القول، لأنّه أفتى بأنّه إذا رجع إلى مكة يستأنف ولا يتم، فإذا وجب الاستئناف على المباشر فعلى النائب بطريق أولى، ثمّ الظاهر أنّ قوله: «والأحوط الإتمام ثمّ الإعادة» يرجع إلى المباشر والغائب ولا يختص بالأخير في النائب.
وهذا القول هو الأقوى لفوات الموالاة بين العمل الواحد، ولم يدل دليل على عدم إخلاله إلاّ في موارد خاصة كما سيوافيك.

* حكم الزيادة في الطواف

خصّ المصنّف بحثه با لزيادة السهوية ولم يذكر شيئاً من الزيادة العمدية لقلّة الابتلاء، واكتفى بما أشار إليه في المسألة الرابعة عشرة، ولنذكر شيئاً منها في المقام تبعاً لصاحب الجواهر فنقول:

(1) دليل الناسك:260.
(2) نفس المصدر:237.

صفحه 132
المشهور أنّ الزيادة العمدية في الطواف توجب البطلان، وإلى ذلك يشير المحقّق بقوله: الزيادة على السبع في الطواف الواجب محظورة على الأظهر، وفي النافلة مكروهة.1
وحملها صاحب الجواهر على الزيادة العمدية، ثمّ نقل الحظر عن الوسيلة والاقتصاد والجمل والعقود والمهذّب وقال: بل في المدارك أنّه المعروف من مذهب الأصحاب، وفي كشف اللثام أنّه المشهور.2
ثمّ إنّه(قدس سره) ذكر صوراً للزيادة العمدية نشير إليها على وجه الإجمال:
1. إذا نوى الزيادة في الابتداء على وجه الإدخال في الكيفية نظير من نوى صوم الوصال.
2. لو نواها في الأثناء.
3. إذا تعمّد فعلها من غير إدخال لذلك في النيّة في الابتداء أو في الأثناء; ثمّ ذكر أنّ له صورتين:
أ. تعمّد فعلها لا من هذا الطواف.
ب. تعمّدها من هذا الطواف.
ومن المعلوم بطلان الصورة الأُولى لأنّه لم ينو ما أمر به الشارع، والصورة الثانية لأنّه لم يستدم النيّة الصحيحة، وأمّا الصورة الثالثة فالقسم الأوّل منها غير مضر، لأنّه يقع لغواً أو جزءاً من طواف آخر، بخلاف القسم الآخر فالظاهر هو البطلان، لأنّه كزيادة ركعة في الصلاة لقوله: «الطواف بالبيت صلاة».3 و قول أبي الحسن(عليه السلام) في خبر «عبد اللّه بن محمد»: »الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل

(1) الشرائع:1/267.
(2) الجواهر:19/308.
(3) سنن البيهقي:5/87.

صفحه 133
الصلاة المفروضة إذا زدت عليها فعليك الإعادة وكذلك السعي». 1 لاحظ الجواهر.2
وبما أنّ بحث المصنّف في من زاد سهواً فلنقتصر على هذا المقدار في الزيادة العمدية.
وإليك الكلام في الزيادة السهوية.
فنقول: لو زاد على سبعة سهواً فلها صورتان:
الأُولى: إذا زاد سهواً فتذكر قبل إتمام الشوط الثامن.
الثانية: إذا تذكر بعد إتمامه.

الصورة الأُولى

إذا سها وزاد، وتذكّر قبل إكمال الشوط؟ فظاهر أكثر الفتاوى هو القطع. وإليك نزراً منها:
1. قال الشيخ: ومن طاف ثمانية أشواط متعمّداً كان عليه إعادة الطواف، فإن طافه ناسياً أضاف إليها ستة أشواط أُخر وصلّى معها أربع ركعات. يصلّي ركعتين منها عند الفراغ من الطواف لطواف الفريضة، ويمضي إلى الصفا فيسعى، فإذا فرغ من سعيه عاد فصلى ركعتين أُخراوين. «ومن ذكر في الشوط الثامن قبل أن يبلغ الركن أنّه طاف سبعاً قطع الطواف».3
2. قال ابن البراج: إذا سها وذكر في الشوط الثامن أنّه طاف سبعاً، فإن

(1) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث11.
(2) الجواهر:19/308.
(3) النهاية:237ـ 238.

صفحه 134
ذكر ذلك قبل بلوغه الحجر الأسود قطعه، وإن كان ذكر ذلك بعد تجاوزه تمّم أربعة عشر شوطاً.
3. قا1ل ابن حمزة: وإن زاد في الفريضة ناسياً، وذكر في الشوط الثامن قبل أن يصل إلى الركن طرح الزيادة، وإن ذكر بعد أن يصل الركن تمّم أسبوعين.2
4. قال المحقّق: ومن زاد على السبع ناسياً وذكر قبل بلوغه الركن قطع ولا شيء عليه، وإلاّ استُحبَّ إكماله في أُسبوعين.3
5. وقال العلاّمة: لو زاد على السبع شوطاً ناسياً أضاف إليها ستة أشواط أُخرى ـ إلى أن قال: ـ وبه قال علي بن بابويه و ابن الجنيد.4
نعم في النافع: ولو زاد سهواً أكملها أُسبوعين وصلّى ركعتي الواجب منهما قبل السعي وركعتي الزيادة بعده.5
ترى أنّه لم يقيّد بالبلوغ إلى الركن وأطلق الإتمام. لكنّه يقيّد بما مرّ من الشرائع كما سيوافيك.
6. وقال النراقي في «المستند»: وإطلاق بعض العبارات يقتضي عدم الفرق بين بلوغه وعدم بلوغه في وجوب الإتمام أربعة عشر.6
نعم أطلق المحقّق في مورد وقيّد في مورد آخر.
أمّا الأوّل: فقال في باب مندوبات الإحرام «ومن زاد على السبعة أكملها أُسبوعين».7

(1) المهذب:1/238.
(2) الوسيلة:173ـ 174.
(3) الشرائع:1/270.
(4) مختلف الشيعة:4/190.
(5) المختصر النافع:93.
(6) مستند الشيعة:12/93.
(7) الشرائع: 1/269.

صفحه 135
وأمّا الثاني: فقال في المسألة الثانية من اثنتي عشرة مسألة في أحكام الطواف: من زاد على السبع ناسياً وذكر قبل بلوغ الركن قطع ولا شيء عليه، وإلاّ استحب إكماله بأُسبوعين.1
وقد تلقّاها صاحب المدارك وتبعه صاحب الجواهر، مقيّدة، وقال: هذه المسألة كالمقيّدة لقوله: ومن زاد على السبعة سهواً أكملها أُسبوعين.2
أمّا الروايات، فالموضوع للسؤال فيها «من طاف ثماني مرّات أو ثمانية أشواط».3
ولم يرد أي سؤال عمّن تذكر وهو في أثناء الشوط الثامن، نعم ورد التفصيل في خبر أبي كهمس ـ أعني: الهيثم بن عبد اللّه الكوفي، الذي له 25 رواية في الكتب الأربعة، وللصدوق إليه طريق، وحسّنه المجلسي في «الوجيزة» ـ قال:سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل نسي فطاف ثمانية أشواط؟ قال: «إن ذكر قبل أن يبلغ الركن فليقطعه،وقد أجزأ عنه، وإن لم يذكر حتّى بلغه فليتم أربعة عشر شوطاً وليصل أربع ركعات».4 وضعفه منجبر بعمل الأصحاب.
نعم يعارضه صحيح عبد الرحمن عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:سمعته يقول: «من طاف بالبيت فوهم حتّى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطاً ثمّ ليصلّ ركعتين».5والمراد من عبد الرحمن هو ابن أبي نجران الثقة

(1) الشرائع: 1/270.
(2) المدارك:8/181; الجواهر:19/384.
(3) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث 1، 6، 7، 8، 9، 10، 12، 13، 14، 15، 16، 17.
(4) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث3و 4.
(5) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث5.

صفحه 136
بقرينة نقل موسى بن القاسم عنه، وليس المراد منه: عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه البصري.
يلاحظ عليه: بأنّ المراد من الدخول في الثامن ، هو الدخول في الركن ـ أعني: الحجر الأسود ـ أي وهم واستمرّ وهمه إلى أن أتمّ الشوط بالدخول في الركن.
والدليل عليه هو أنّه لو كان المراد به الدخول بمعنى الشروع في الشوط الثامن، ـ كما هو ظاهره ـ يلزم أن يكون القيد (الثامن) لغواً، لأنّ إكماله بأربعة عشر شوطاً، لا يختص بهذه الصورة، بل يعمّ فيما إذا أتمّ الشوط الثامن كما تضافرت عليه الروايات ـ التي ستوافيك ـ فيكون هذا قرينة لما ذكرنا من أنّ المراد هو إتمام الثامن، لا الشروع به فتقع الرواية في عداد روايات الصورة الثانية .
الصورة الثانية: إذا كمل الشوط الثامن وتذكر الزيادة فهنا جهات من البحث:
الأُولى: صحة الطواف الأوّل.
الثانية: هل الصحّة مختصّة بالطواف المندوب، أو تعمّ الطواف الواجب؟
الثالثة: هل الإكمال واجب أو مستحب؟
الرابعة: إذا أكمل الزائد بطواف آخر فما هو الواجب من الطوافين؟
الخامسة: هل تجب صلاتان أو تكفي صلاة واحدة؟
هذه هي الجهات الّتي نبحث عنها في هذه المسألة، وإليك دراستها واحدة بعد أُخرى.

1. صحّة الطواف الأوّل إذا زاد على سبعة سهواً

إذا زاد على سبعة سهواً، ففي المسألة قولان بعد اتفاقهم على صحّة الطواف الثاني:
1. الصحة وعدم البطلان وهو خيرة المشهور. وقد مرّت نصوصهم عند

صفحه 137
البحث في الصورة الأُولى.
2. البطلان. وهو خيرة الصدوق، قال في «المقنع»: «وإن طفت بالبيت الطواف المفروض ثمانية أشواط فأعد الطواف».1 ومعناه عدم الاعتداد لا بالسبعة ولا الشوط الثامن بل يعيده من رأس.
أقول: أمّا مقتضى القاعدة فهو فساد الطواف الأوّل، لما ورد من أنّ الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة، فإذا زدت عليها فعليك الإعادة وكذا السعي، وهكذا الشوط الثامن فهو أيضاً مثل الطواف الأوّل لكن لأجل عدم النية2 وتصوّر انّ حديث الرفع حاكم على الحديث في صورة النسيان فالبطلان مختص بصورة العمد، مدفوع بأنّ منصرف الحديث هو السهو، فلا يكون حديث الرفع حاكماً عليه، لأنّه ورد في مورد السهو.
إذا علمت ذلك فلندرس القولين:

القول الأوّل: صحّة الطواف

فقد تواترت النصوص على الصحّة، لكنّها بين كونها مقيّدة بالنسيان أو منصرفة إليه. فلنذكر من كلتا الطائفتين.

الطائفة الأُولى: ما يدلّ على الصحّة عند النسيان

1. خبر أبي كهمس المتقدم وفيه، و قد أجزأ عنه، وإن لم يذكر حتّى بلغه فليتم أربعة عشر شوطاً وليصل أربع ركعات.3
2. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال سمعته يقول:»من طاف بالبيت فوهم حتّى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطاً ثمّ ليصلّ

(1) المقنع:266.
(2) الجواهر:9/366.
(3) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث 3و4.

صفحه 138
ركعتين».1 وسيوافيك ما هو الوجه في الاقتصار بركعتين.
3. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«إنّ في كتاب علي: إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن ثمانية أضاف إليها ستاً».2
والرواية وإن لم تكن مقيّدة بالسهو والنسيان لكن قوله: «فاستيقن» ظاهرة فيه.
4. ما رواه ابن إدريس عن جميل أنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عمّن طاف ثمانية أشواط وهو يرى أنّها سبعة؟ قال: فقال: »إنّ في كتاب عليّ(عليه السلام) أنّه إذا طاف ثمانية أشواط يضم إليها ستة أشواط، ثمّ يصلي الركعات بعدُ».3
قوله:«وهو يرى» قرينة على أنّه زاد سهواً.
5. ما رواه المفيد في «المقنعة» قال: قال(عليه السلام): «مَن طاف بالبيت ثمانية أشواط ناسياً، ثمّ علم بعد ذلك فليضف إليها ستة أشواط».4
وهذه الروايات وغيرها ممّا سيوافيك في الطائفة الثانية تدلّ على صحّة الطوافين، وانّه ليس للطائف إبطال الطواف الأوّل ولا ترك ما شرع به من الطواف الثاني، بل يكملهما أُسبوعين، كما أنّها ظاهرة في الزيادة السهوية.
الطائفة الثانية، أعني: ما يستشم منها الصحّة في الزيادة العمدية، لكنّها ظهور بدئي، بل هي منصرفة إلى صورة السهو ولا إطلاق فيها، وإليك ما يتوهّم منه الإطلاق.
6. ما رواه الصدوق باسناده عن أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام)

(1) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث5.
(2) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث10. وهو متّحد مع الحديث رقم 12 في نفس الباب.
(3) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث16.
(4) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث17.

صفحه 139
رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة، قال: «فليضم إليها ستاً ثمّ يصلّي أربع ركعات».1
7. خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سُئل ـ وأنا حاضر ـ عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط؟ فقال: «نافلة أو فريضة» فقال: فريضة، فقال: »يضيف إليها ستة، فإذا فرغ صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، ثمّ خرج إلى الصفا والمروة فطاف بينهما، فإذا فرغ صلّى ركعتين أُخراوين، فكان طواف نافلة وطواف فريضة».2
والروايتان محمولتان أو منصرفتان إلى من زاد سهواً ، ولا تعمّان العامد لندرة الزيادة العمدية في هذا العمل العظيم، إذ قلّما يتّفق للطائف العارف بالعمل المحدّد بالسبعة، أن يترك الحدّ ويضيف إلى الطواف شوطاً أو أشواطاً لداع من الدواعي. كما أنّ حملها على الجاهل بالحكم يعيد لندرة الجهل بالحكم في مثل الطواف الذي يسعى الحاج بتعلم أحكامه منذ يلبس ثوبي الإحرام.
إلى هنا تمّ الكلام في أمرين:
1. صحّة الطواف الأوّل عند الزيادة وعلاجها.
2. اختصاص الصحّة بالزيادة السهوية.

القول الثاني: بطلان الطواف

قد عرفت أنّ القول بالصحّة هو المشهور نصّاً وفتوى، غير أنّ الصدوق اختار البطلان في نفس الموضوع، قال في «المقنع»: وإن طفت بالبيت المفروض

(1) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث13.
(2) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث15.

صفحه 140
ثمانية فأعد الطواف.1 وقد مرّت حكايته عن بعض من قارب عصر صاحب الجواهر.
ويدلّ على قوله أحاديث ثلاثة:
1. صحيحة أبي بصير قال:سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض؟ قال: «يعيد حتّى يثبته».2 والظاهر انّ «المفروض» ، مفعول لقوله«طاف» أي طاف الطواف المفروض.
وفي «الكافي» المطبوع: حتّى يثبته، وفي الهامش نقلاً عن بعض النسخ: حتّى يتبينه، وفي «التهذيب»: حتّى يستتمه.3
فقوله: حتّى يثبته أي يأتي به من غير سهو، وبهذا المعنى أيضاً قوله: حتّى يتبيّنه، فيدلّ على عدم الاعتداد بما أتى بخلاف ما إذا كانت النسخة: «حتى يستتمه» فإنّها ظاهرة في لزوم إتمام طواف آخر، دون بطلان الأوّل، ولعلّ المجموع ظاهر في من أتى ساهياً.
2. موثقة أبي بصير في حديث قال: قلت له بأنّه طاف وهو متطوع ثماني مرات وهو ناس، قال: «فليتمّه طوافين ثمّ يصلي أربع ركعات، وأمّا الفريضة فليعد حتّى يتم سبعة أشواط».4
3. ما رواه صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال:«الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الإعادة وكذلك السعي».5

(1) المقنع:266.
(2) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث1.
(3) الكافي:4/417.
(4) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث2.
(5) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث11.

صفحه 141
والرواية الأُولى صحيحة، لأنّ أبا بصير على الإطلاق ثقة، وإن عبّر عنها في «الجواهر» بالخبر. وموثّقة أبي بصير صريحة في الناسي، والباقي إمّا ظاهر في النسيان، أو منصرف إليه. و على كلّ تقدير فالمعارضة بظاهرها متحقّقة الروايات، ففي رفعها وجوه:
الأوّل:الجمع بين ما دلّ على الصحّة وما يستظهر منه البطلان بحمل الأخير على العمد.
يلاحظ عليه : بأنّ حملها على العمد بل الجاهل الحكم، حمل للروايات على الفرد النادر من غير فرق بين ما دلّ على الصحّة، أو ما دلّ على البطلان، بل الجميع منصرف إلى الساهي ومختص بالطواف الواجب، ولو قلنا بمضمون الروايات الأخيرة، يلزم التفصيل بين المندوب فيصحّ ، دون الواجب فيعاد .
الثاني: الجمع بين الروايات بتفسير الإعادة بالانقلاب، أي انقلاب الأوّل إلى المستحب وانتقال الواجب إلى الثاني وإليك تفصيله:
إنّ الصدوق الّذي استدلّ بالحديث الأوّل على البطلان، قال بعد نقله: وروى: يضيف إليه ستة فيجعل واحداً فريضة والآخر نافلة.1 وظاهره الترديد في القول بالبطلان وإن رجّحه على الثاني.
إنّ المراد من الأمر بالإعادة في هذه الروايات ليس بمعنى بطلان الطواف الأوّل وعدم الاعتداد بالشوط الواحد الزائد الّذي هو مختار الصدوق، بل المراد بها هو انقلاب الطواف الأوّل من الواجب إلى المندوب وصيرورة الفريضة هي الطواف الثاني الّذي يتم بإضافة ستة أشواط.
وعلى ما ذكر فلا تعارض بين الطائفتين، حتّى تترجح الأُولى منهما على

(1) المقنع:266.

صفحه 142
الثانية بعمل الأصحاب بها دون الثانية فلاحظ.
ويشهد على ذلك أُمور:
1. خبر علي بن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سئل ـ وأنا حاضر ـ عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط فقال: «نافلة أو فريضة» فقال: فريضة، فقال: «يضيف إليها ستة فإذا فرغ صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثمّ خرج إلى الصفا والمروة فطاف بينهما فإذا فرغ صلّى ركعتين أُخراوين فكان طواف نافلة وطواف فريضة» .1 فالأمر بالطوافين آية صحتهما، كما أنّ قوله فصار طواف نافلة وطواف فريضة دال على انقلاب الأوّل إلى العمل والثاني إلى الوجوب.
2. ما رواه ابن إدريس في «مستطرفات السرائر » نقلاً من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر ا لبزنطى ، عن جميل انّه سأل أبا عبد اللّه عمّن طاف ثمانية أشواط وهو يرى أنّها سبعة قال: فقال: «في كتاب علي انّه إذا طاف ثمانية أشواط يضم إليها ستة أشواط ثمّ يصلى الركعات بعد، قال: وسئل عن الركعات كيف يصلّيهن أو يجمعهن أو ماذا، قال: يصلي ركعتين للفريضة ثمّ يخرج إلى الصفا والمروة فإذا رجع من طوافه بينهما رجع يصلي ركعتين للأُسبوع الآخر».2
ترى أنّه أوجب الصلاتين لكلّ من الطوافين مقدّماً إحداهما على السعي والآخر بعد السعي فهو آية صحّة الطوافين.
3. ما رواه الصدوق:واعلم أنّ الفريضة هي الطواف الثاني والركعتين الأُولتين لطواف الفريضة والركعتين الأُخرتين، والطواف الأوّل تطوّع.3

(1) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث15.
(2) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث16.
(3) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث14.

صفحه 143
أقول: ما ذكره هو نصّ فقه الرضا(عليه السلام).1
والأسناد وإن كانت لا تخلو من ضعف إلاّ أنّ الجميع يصلح لأن تكون قرينة على المراد من الإعادة.
الثالث: الرجوع إلى المرجّحات بالأخذ بما دلّ على الصحّة لعمل الأصحاب بها، دون الطائفة الأُخرى لإعراض الأصحاب عنها.
يلاحظ عليه: بأنّه لا تصل النوبة إليه مع إمكان الجمع بين الطائفتين.
الرابع: التخيير بين العمل بالطائفتين: وهو خيرة المحقّق الخوئي قال: إنّ مقتضى الجمع بين الروايات هو التخيير بين أن يقطع الطواف ويعيده من رأس وبين أن يكمله بستة أشواط ويجعله طوافين.2
يلاحظ عليه: أنّه لا تصل النوبة إلى التخيير بعد إمكان الجمع أوّلاً، ووجود المرجح في بعضها ثانياً، فالمرجع إمّا الجمع، أو العمل بذي المزية لا التخيير.

2. عدم اختصاص الصحّة بالمندوب

ربما يتصوّر أنّ الحكم بالصحّة مختص بالمندوب ولا يعمّ الطواف الواجب اغتراراً بالروايات الثلاث التي استدلّ بها على البطلان، فإنّ موردها هو طواف الفريضة فقد جاء فيها: «قلت له: بأنّه طاف وهو متطوع ثماني مرّات وهو ناس، قال: »فليتمّه ثمّ يصلّي أربع ركعات، وأمّا الفريضة فليعد حتّى يتم سبعة أشواط» لكنّك عرفت أنّ مفادها هو انقلاب الطواف الأوّل إلى المندوب وكون الواجب هو

(1) فقه الرضا:220ـ 221; المستدرك:ج9، الباب24 من أبواب الطواف، الحديث 2.
(2) المعتمد:4/375.

صفحه 144
الثاني وعلى هذا لا فرق بين المندوب والواجب، مضافاً إلى أنّ نصوص الصحّة تعمّ المندوب والواجب بإطلاقه كما في رواية ابن مسلم1 ، أو بنصّه كما هو الحال في رواية زرارة 2 في طواف علي(عليه السلام)، وغيرهما.
وإليك الكلام في الجهة الثالثة للصورة الثانية.

3. هل الإكمال واجب أو مستحب؟

هل الإكمال واجب، أو أمر مستحب؟ ظاهر الفتاوى والنصوص هو الأوّل، غير أنّ ظاهر كلام المحقّق في «الشرائع»، والعلاّمة في «القواعد»، والشهيد في «الدروس» هو الاستحباب.
فقال الأوّل: ومن زاد على السبع ناسياً وذكر قبل بلوغه الركن قطعه ولا شيء عليه، وإلاّ استحب إكماله في أُسبوعين.3
وقال الثاني: ولو كان سهواً قطع إن ذكر قبل بلوغه الركن،ولو كان بعده استحب إكماله أُسبوعين.
وقال الثال4ث: يستحب إكمال أُسبوعين لمن زاد شوطاً ناسياً، ولو لم يبلغ الحجر قطعه وجوباً.
ويظهر م5ن صاحب الجواهر اختياره حيث قال: مستدلاً بأصالة البراءة بعد بقاء الأوّل على الصحّة المقتضية لذلك باعتبار نيّته، وللاتّفاق على عدم وجوب طوافين، بل قد سمعت التصريح في الصحيح السابق بأنّ أحدهما فريضة والآخر ندب، فالأصل بقاء الأوّل على وجوبه.6 وهو خيرة المحقّق الخوئي في

(1) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث12و7.
(2) الوسائل: 9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث12و7.
(3) الشرائع:1/270.
(4) القواعد:1/426.
(5) الدروس:1 /420.
(6) الجواهر:19/367.

صفحه 145
«المعتمد».1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الأصل دليل حيث لا دليل، وظاهر الروايات هو الوجوب لقوله:«فليتم»، أو «أضاف» ونظائرهما.
وثانياً: أنّ الاتفاق على عدم وجوب طوافين لا صلة له بالمقام فإنّه راجع إلى عمل العمرة والحج وانّه سبحانه لم يفرض فيهما إلاّ طوافاً واحداً بالذات، وأمّا إيجاب طواف آخر، إمّا لانقلاب الأوّل إلى مندوب وكون الواجب هو الثاني، أو لكونه عقوبة كما هو الحال في المندوب فلا ينافي الاتفاق المذكور.

4. ما هو الواجب من الطوافين؟

إذا طاف طوافين، يقع الكلام في ما هو الواجب منهما؟ فمن قال باستحباب الإكمال كالمحقّق والعلاّمة والشهيد، فالظاهر أنّ الواجب عندهم هو الأوّل، ويحسب الثاني عقوبة.
إنّما الكلام في ما إذا قلنا بوجوب الإكمال كما هو ظاهر النصوص والفتاوى فما هو الواجب؟
فالظاهر كما سبق أنّ الواجب هو الثاني، ويدلّ عليه الروايات الثلاث التي استندنا بها على تفسير الإعادة بانقلاب الواجب مستحباً وانتقال الوجوب إلى الثاني.
ولمّا لم تكن أدلّة الطرفين مقنعة عند المصنّف احتاط(قدس سره) بأنّه يتم سبعة أشواط بقصد القربة من غير تعيين الاستحباب أو الوجوب; كما أنّه احتاط أيضاً في الصلاتين من دون أن يعيّن إحداهما للطواف الأوّل والأُخرى للطواف الثاني.

(1) المعتمد:5/376.

صفحه 146
وأمّا على حسب ما ذكرنا فالواجب هو الطواف الثاني فالصلاة المأتي بها بعده هي الواجبة، والمأتي بها بعد السعي هي المندوبة.

5. هل تجب صلاتان أو صلاة واحدة؟

لا شكّ أنّ لكلّ طواف صحيح ركعتين، مستحباً كان أو واجباً، وظاهر الروايات هو صحّة الطوافين فمقتضى القاعدة تعدّد الصلاة.
نعم ورد في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه يصلّي صلاة واحدة، حيث قال: «ثم ليصل ركعتين».1
والظاهر أنّ المراد حصر الصلاة الفريضة في الركعتين التي يأتي بهما الطائف بعد الطواف الثاني، ولا ينافي وجوب ركعتين أُخراوين للطواف الأوّل، وعلى ذلك فما دلّ على إيجاب أربع ركعات لا ينافي إيجاب خصوص ركعتين.
ثمّ إنّه يقع الكلام في محلّهما.
فالروايات بين مطلقة ومقيّدة; فالمطلقة كخبر أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة، قال:«فليضم إليها ستّاً ثمّ يصلي أربع ركعات».2
لكن مقتضى القاعدة، حملها على المقيّد، وهو انّه يفرق بين الصلاتين، فيصلي ركعتين بعد الطواف الثاني، وركعتين أُخراوين بعد السعي، وذلك مقتضى بعض النصوص. ففي خبر جميل: قال: وسئل عن الركعات كيف يصلّيهن أو يجمعهن أوماذا؟ قال: »يصلي ركعتين للفريضة، ثمّ يخرج إلى الصفا والمروة، فإذا

(1) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث5.
(2) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث13.

صفحه 147
المسألة19: يجوز قطع الطواف المستحب بلا عذر، وكذا المفروض على الأقوى، والأحوط عدم قطعه بمعنى قطعه بلا رجوع إلى فوت الموالاة العرفية.*
رجع من طوافه بينهما رجع يصلي ركعتين للأُسبوع الآخر».1وبما انّ المقيد غير معتبر سنداً فلا ينهض للتقييد فيكون الأحوط تأخير الثانية إلى بعد السعي.

* في قطع الطواف المندوب والواجب

يقع الكلام في قطع الطواف، في المندوب تارة، و في الواجب أُخرى.
أمّا الأوّل أي قطع الطواف المندوب فله صور:
1. قطعه للحرج والأذى من ضعف طارئ على الطائف أو حرارة شديدة محرجة.
2. قطعه لأغراض خاصة راجحة في نفسها كحاجة المؤمن.
3. قطعه لا لغرض.
لا شكّ في جواز قطع الطواف في الصورة الأُولى، وهكذا الثاني لورود روايات في هذا الشأن.
إنّما 2الكلام فـي الصـورة الثالثة، والظاهر جواز قطعه حينئذ قال في الجواهر: أمّا قطع الطواف عمداً لا لغرض فقد يقوى جوازه في غير طواف الفريضة بناءً على جواز قطع صلاة النافلة كذلك، لأنّ الطواف بالبيت صلاة ولكن الأحوط تركه .3

(1) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث16، ولاحظ الحديث 7 و15.
(2) الوسائل:9، الباب42 من أبواب الطواف، الحديث1.
(3) الجواهر:19/340.

صفحه 148
و يؤيده الارتكاز الدالّ على الملازمة بين النفل وقطعه إلاّ ما خرج بالدليل كما في الاعتكاف إذا دخل في اليوم الثالث.

قطع الطواف الواجب

هل يجوز قطع الطواف الواجب بلا عذر أو لا؟ قد عرفت معنى العذر والمراد به الغرض الشرعي الراجح في نفسه ، يظهر من المستند اختصاص الجواز بصورة العذر قال: وهل يجوز قطع الطواف قبل إتمامه أو لا؟الظاهر نعم للأصل و الأخبار الآتية المجوزة للقطع لمطلق الحاجة وعيادة المريض و دخول وقت الفريضة ولو مع السعة ونحو ذلك.1
وإطلاق عبارته منصرف إلى الطواف الواجب ، أو يعمه وغيره.
ويظهر من الجواهر حرمة القطع لا لغرض حيث إنّه جوزه في الطواف المندوب ـ كما نقلناه ـ فقال بعده: بخلاف طواف الفريضة بناءً على حرمة القطع في الصلاة الواجبة. 2وما ذكره من التفصيل هو الأقوى، لأنّ الأصل في الواجبات حرمة القطع إلاّ ما خرج بالدليل، وهو منحصر فيما إذا كان مسوغ.
روى الشيخ عن صفوان الجمال: الرجل يأتي أخاه وهو في الطواف، فقال: «يخرج معه في حاجته ثمّ يرجع ويبني على طوافه».3
والرواية إمّا مطلقة تعمّ المندوب والفريضة، أو منصرفة إلى الثانية والخروج عن المطاف كناية عن قطع الطواف لأمر راجح في نفسه، فيعمّ كلّ أمر راجح على أنّ في صحيح أبان بن تغلب تصريح بالجواز في الطواف الواجب وأمّا انّه بعد القطع4 فهل يعيد أو يبني على ما أتى، أو التفصيل بين تجاوز النصف وعدمه؟

(1) المستند:12/99.
(2) الجواهر:19/340.
(3) الوسائل:9، الباب42 من أبواب الطواف، الحديث1.
(4) الوسائل:9، الباب41 من أبواب الطواف، الحديث7، ولاحظ الحديث الثاني من الباب42.

صفحه 149
المسألة 20: لو قطع طوافه ولم يأت بالمنافي حتّى مثل الفصل الطويل أتمّه وصحّ طوافه، ولو أتى بالمنافي فإن كان قطعه بعد تمام الشوط الرابع فالأحوط إتمامه وإعادته.*
فسيوافيك الكلام في المسائل الآتية ، فانتظر.
وعلى ذلك جرى المحقّق النائيني و قال: ولو لم يكن القطع لضرورة ولا تفوته حاجة لم يجز قطع الطواف الواجب حتّى لدخول البيت على الأحوط.1
ثمّ إنّ المصنف بعد ما أفتى بجواز القطع في الطواف المفروض بلا عذر احتاط بعده وقال: والأحوط عدم قطعه بمعنى قطعه بلا رجوع إلى فوت الموالاة العرفية.
وهذا الاحتياط احتياط في الحكم الوضعي، بمعنى أنّه لو حاول أن يبني على ما أتى من الأشواط فعليه أن يرجع إلى المطاف قبل فوت الموالاة، فإن تأخّر وفاتت الموالاة بطل ما أتى وضعاً. وأمّا التكليفي فقد أفتى فيه بوضوح بالجواز دون أن يحتاط .
ويدلّ على أنّه احتياط في الوضعي لا التكليفي قوله في المسألة السابعة والعشرين قال فيها: وجاز قطع الطواف وتقبيل البيت والرجوع لإتمامه، كما جاز الجلوس والاستلقاء بينه بمقدار لا يضرّ بالموالاة العرفية، وإلاّ فالأحوط الإتمام والإعادة.

* في صور قطع الطواف

في المسألة فروع:

(1) دليل الناسك:261.

صفحه 150
1. إذا قطع طوافه دون أن يأتي بالمنافي كما إذا جلس للاستراحة.
2. لو أتى بالمنافي بعد تمام الشوط الرابع.
3. لو أتى بالمنافي قبل الشوط الرابع. وهذا الفرع غير مذكور في المتن صريحاً ولكنّه مفهوم منه. وقد ذكرنا حكمه في ضمن الفرع الأوّل .
وقبل دراسة الفروع الثلاثة نذكر أُموراً:
1. انّ مصب الكلام هو الطواف الواجب لا المندوب لاتّفاقهم على صحّة ما أتى إذا قطع، سواء أتجاوز عن النصف أم لا؟ وسيوافيك في نهاية البحث ما ورد حول الطواف المندوب.
2. انّ المراد عن المنافي هو تخلّل الفعل الكثير أو الفصل الطويل، وأمّا طروء الحدث والطمث والمرض وقد مرّ الكلام في الحدث في المسألة الأُولى من مسائل واجبات الطواف وسيوافيك في الأخيرين الكلام في المسألة التالية.
3. انّ الاستدل بالروايات الواردة في الموارد المنصوصة على المقام، أشبه بالقياس إلاّ ما ورد فيها التنصيص بالملاك كما سيوافيك.
ولنذكر كلمات الأصحاب في المقام.
أقول: المشهور بين الأصحاب انّه إذا قطع طوافه لحاجة أو للصلاة أو لزعم أنّه أتمّه هو انّه يبني على ما سبق إذا تجاوز النصف وإلاّ يبطل خصوصاً إذا أخلّ بالموالاة.
قال الشيخ: ومن قطع طوافه بدخول البيت أو بالسعي في حاجة له أو لغيره فإن كان قد جاوز النصف بنى عليه، وإن لم يكن جاوز النصف وكان طوافَ الفريضة أعاد الطوافَ، وإن كان طواف نافلة بنى عليه على كلّ حال.1

(1) النهاية:239.

صفحه 151
فقد أقرّ بالتفصيل فيما إذا قطع للسعي في حاجة له أو لغيره، ولعلّ الجميع من باب المثال.
وقال في «الغنية»: ولا يجوز قطع الطواف إلاّ لصلاة فريضة أو لضرورة، وإن قطعه للصلاة بنى على ما طاف ولو كان شوطاً واحداً، وإن قطعه لضرورة أو سهو بنى على ما طاف إن كان أكثر من النصف، وإن كان أقل منه استأنفه، ويستأنفه إن قطعه مختاراً على كلّ حال.1
فقد أفتى بالضابطة إلاّ فيما إذا قطع للصلاة فبنى على ما أتى مطلقاً تجاوز النصف أم لا؟
وقال المحقّق في «الشرائع»: من نقص من طوافه، فإن جاوز النصف، رجع فأتمّ; ولو عاد إلى أهله، أمر من يطوف عنه وإن كان دون ذلك استأنف. وكذا من قطع طواف الفريضة لدخول البيت أو بالسعي في حاجة، وكذا لو مرض في أثناء طوافه.2 وموضع الاستشهاد آخر كلامه.
وقال العلاّمة في «التذكرة»: لو قطع طوافه بدخول البيت أو بالسعي في حاجة له أو لغيره في الفريضة فإن كان قد جاز النصف بنى، وإن لم يكن جاز أعاد، وإن كان طواف نافلة بنى عليه مطلقاً.3
وقال في «القواعد»: ولو شرع في السعي وذكر نقصان الطواف رجع إليه وأتمّه مع تجاوز النصف ثمّ أتمّ السعي، ولو لم يتجاوز استأنف الطواف ثمّ استأنف السعي.4
إذا علمت هذا فلندرس الفروع.

(1) غنية النزوع:1/176.
(2) الشرائع:1/268.
(3) التذكرة:8/114، المسألة 478.
(4) القواعد:1/427.

صفحه 152
الفرع الأوّل: انّ صحّة الطواف ولزوم استمراره غني عن البيان، لأنّ المفروض أنّه لم يأت بالمنافي ولم يكن هناك فصل طويل ينافي الموالاة. ويصدق عليه انّه عمل واحد ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى ما ذكرنا ـ ما يلي:
1. صحيح علي بن رئاب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يعيا في الطواف أله أن يستريح؟ قال: «نعم يستريح ثمّ يقوم فيبني على طوافه في فريضة أو غيرها ويفعل ذلك في سعيه وجميع مناسكه».1
2. ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) انّه سُئل عن الرجل يستريح في طوافه؟ فقال:« نعم أنا قد كانت توضع لي مرفقة فاجلس عليها».2 والمرفقة شيء أشبه بالمخدّة.
وهذه الصورة لا إشكال فيها.
كما أنّ الصورة الثالثة أي الإتيان بالمنافي قبل تجاوز النصف لا إشكال في بطلانها ، لأنّ تخلل الفعل الكثير يبطل ما سبق إذا كان الطواف واجباً. وسيوافيك الكلام في الروايات الدالّة على جواز الخروج أثناء الطواف وقطعه اختياراً والبناء على ما قطعه، وأنّها مع ضعف أسانيدها محمولة على ما إذا تجاوز النصف. فانتظر.
الفرع الثاني: أي الإتيان بالمنافي بعد التجاوز عن النصف، (بعد تمام الشوط الرابع ) وهذا هو الّذي يحتاج إلى دراسة والكلام فيها ـ كما تقدم ـ في غير المنصوص ـ أعني: الحدث والطمث والمرض ـ إذ لا إشكال في أنّ المنافي لا يضرّ في هذه الموارد إذا تجاوز عن النصف إنّما الكلام في غير الموارد المنصوصة كالخروج عن المطاف لقضاء حاجة المؤمن كالفصل الطويل بين الأشواط. التفصيل

(1) الوسائل:9، الباب46 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب46 من أبواب الطواف، الحديث 3.

صفحه 153
المشهور بين الأصحاب لم يرد في الروايات ومع ذلك قال في الجواهر: التفصيل المذكور هو المشهور بل في «الرياض»: لا يكاد يظهر فيه الخلاف إلاّ ممّن تأخّر حيث قالوا لم نظفر بمستند لهذا التفصيل.1
إذا عرفت هذا الكلمات فلندرس ما ورد في الروايات فإنّها على طائفتين:
الأُولى: ما يظهر منه صحة الطواف والبناء على ما سبق من غير فرق بين تجاوز النصف وعدمه، وهي روايات أربع نذكر إحداها في المتن ونشير إلى ما لم نذكر في الهامش.
صحيحة صفوان الجمال قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل يأتي أخاه وهو في الطواف فقال: «يخرج معه في حاجته ثمّ يرجع ويبني على طوافه».2
ويؤيّده ما روي من جواز القطع والبناء على ما قطع فيما إذا أدركته صلاة الفريضة.3 أو قطع لأجل صلاة ا4لوتر.
وإطلاق الرواية يعم الواجب والمندوب والمتجاوز عن النصف وغيره.

الثانية: يظهر منه التفصيل بين الفريضة والنافلة نظير:

صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل طاف شوطاً أو شوطين ثمّ خرج مع رجل في حاجته؟ قال: إن كان طواف نافلة بنى عليه وإن كان طواف فريضة لم يبن، وفي رواية الكليني لم يبن عليه.5

(1) الجواهر:19/326.
(2) الوسائل:9، الباب42 من أبواب الطواف، الحديث1. وأمّا الحديث الثالث من هذا الباب فلا دلالة له على البناء وعلى ما سبق.
(3) الوسائل:9، الباب43 من أبواب الطواف، الحديث 1و2.والحديث الثاني أصحّ سنداً.
(4) الوسائل:9، الباب44 من أبواب الطواف، الحديث1.فناهزت الروايات الدالة على جواز البناء على ما سبق، أربعاً.
(5) الوسائل:9، الباب41 من أبواب الطواف، الحديث 5.

صفحه 154
وهذه الصحيحة كالسابقة في عدم الفرق بين تجاوز النصف وعدمه إلاّ أنّها تفصل بين الطواف المندوب (فيبني على ما أتى به) والطواف الواجب (فيعيده).
يقول المحقّق الخوئي: إنّ الحديث دالّ على البطلان بالخروج عن المطاف وقد قطع الطواف ولا نحتمل دخل الشوط أو الشوطين في الحكم بالبطلان.
وما أفاده واضح لا غبار عليه، لكنّه(قدس سره) استشكل في وجود الإطلاق بما إذا خرج بعد النصف، وقال: بل المستفاد منه أنّ العبرة في الحكم بالبطلان قبل التجاوز عن النصف، فالحكم بالنسبة إلى ما قبل النصف واضح، وأمّا إذا تجاوز النصف فلا يمكن الجزم بشمول الدليل له.1
أقول: إطلاق الرواية لا غبار عليه، والقول بالتفصيل يحتاج إلى دليل غير ماورد في الأعذار المنصوصة ـ أعني: الطمث والحدث والعلّة ـ والاستدلال بها على المقام أشبه بالقياس.
2.مرسل النخعي وجميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما(عليهما السلام) وفيها: «إن كان نافلة بنى على الشوط أو الشوطين وإن كان فريضة ثمّ خرج في حاجة مع رجل لم يبن ولا في حاجة نفسه».2ومقتضى الصناعة، تقييد الطائفة الأُولى بالطائفة الثانية فتكون النتيجة البناء على ما أتى في المندوب والإعادة في الواجب.
هذا و يمكن استفادة الضابطة ـ حتّى في غير مورد النص ـ من التعليل الوارد في روايتين، حيث يعلل البناء على ما سبق، بتجاوز النصف، وبما أنّ العلّة تعمّم وتخصّص فنأخذ بها ونعمّم الحكم لعامة الأعذار ونخصص بها ما دلّ على البناء مطلقاً تجاوز النصف أو لا، كصحيحة صفوان الجمال، أو ما ورد في القطع لإدراك الفريضة أو القطع لصلاة الوتر.

(1) المعتمد:5/52.
(2) الوسائل:9، الباب41 من أبواب الطواف، الحديث8.

صفحه 155
وأمّا الروايتان الدالّتان على هذا الملاك فهما:
1. روى إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت؟ قال: «تتم طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامة، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة، لأنّها زادت على النصف، وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، وإن هي لم تطف إلاّ ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمّالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر».1
2. ما رواه سعيد الأعرج قال: سُئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت، قال: «تتم طوافها، فليس عليها غيره، ومتعتها تامة، فلها أن تطوف بين الصفا والمروة، وذلك لأنّها زادت على النصف وقد مضت متعتها ولتستأنف بعد الحجّ».2
فقوله: «لأنّها زادت على النصف» في الروايتين دليل على أنّ الملاك في البناء وعدمه هو الزيادة على النصف وعدمها، وبذلك تقيّد صحيحة صفوان الدالة على البناء على ما أتى مطلقاً، كما يقيد ما دلّ على البناء مطلقاً في مورد القطع للصلاة الفريضة أو الوتر مما أومأنا إليه في الهامش. وصحيحة أبان الدالّة على عدم البناء في الفريضة مطلقاً.
وكان الأولى تأخير هذه المسألة عمّا يأتي في مابعدها، أعني: المسألة الحادية والعشرين الّتي يأتي فيها الموارد المنصوصة كالمرض والحدث، إذ بعد دراستها ربّما يسهل التصديق بما عليه المشهور في مسألتنا هذه.

(1) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث4.
(2) الوسائل:9، الباب86 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 156
ولعلّ تضافر الإطلاقات على البناء والإتمام كما في صحيحة صفوان أو في مورد القطع لصلاة الفريضة أو الوتر على ما أشرنا إليه في الهامش. صار سبباً لاحتياط المصنّف في المقام حيث قال: «ولو أتى بالمنافي فإن كان قطعه بعد تمام الشوط الرابع فالأحوط إتمامه وإعادته». مضافاً إلى ما سبق من وجود الضعف في هاتين الروايتين المشتملتين على التعليل، فما ذكره في المتن من الاحتياط هو الأوفق بالقواعد. هذا لمن أراد الاحتياط وأمّا على ما سبق من أنّ الميزان فوت الموالاة وعدمه من غير فرق بين التجاوز وعدمه. إلاّ فيما ورد فيه النصّ، أعني : مورد الحدث والطمث والمرض.
ثمّ إنّ المعارض الوحيد لهذا الجمع، خبر حبيب بن مظاهر قال: ابتدأت في طواف الفريضة فطفت شوطاً واحداً، فإذا إنسان قد أصاب أنفي فأدماه، فخرجت فغسلته، ثمّ جئت فابتدأت الطواف، فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (الحسين(عليه السلام)) فقال: بئس ما صنعت، كان ينبغي لك أن تبني على ما طفت.1
وفي تعليقة صاحب الوسائل انّه فسّر «أبي عبد اللّه» بالحسين، وعلى كلّ تقدير فلو كان المراد من حبيب هو المستشهد بين يدي الحسين(عليه السلام) فالرواية مرسلة، لأنّ حماد بن عثمان المتوفّى عام 190هـ، لا يمكن أن يروي عمّن استشهد عام 61هـ، وإن كان غيره فالرواية مجهولة فلا يعتدّ بالمعارض.
بقي الكلام في ما يدلّ على أنّ القطع لأجل دخول الكعبة مبطل.
روى الصدوق عن حفص البختري عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) فيمن كان يطوف بالبيت فيعرض له دخول الكعبة فيدخلها قال: يستقبل طوافه.2
أقول: فالظاهر أنّ موردها الفريضة، فيحمل على ما إذا كان الدخول قبل

(1) الوسائل:9، الباب41 من أبواب الطواف، الحديث2.
(2) الوسائل:9، الباب41 من أبواب الطواف، الحديث1. ولاحظ الحديث 3و4.

صفحه 157
المسألة 21: لو حدث عذرٌ بين طوافه من مرض أو حدث بلا اختيار فإن كان بعد تمام الشوط الرابع أتمّه بعد رفع الضرر وصحّ وإلاّ أعاده.*
التجاوز مضافاً إلى أنّ مورد بعضها ما إذا دخل البيت ولم يتجاوز النصف، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط ثمّ وجد من البيت خلوة فدخله كيف يصنع؟ قال: «يعيد طوافه وقد خالف السنّة».1
وفي خبر ابن مسكان قال: حدّثني من سأله عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة ثلاثة أشواط، ثمّ وجد خلوة من البيت فدخله، قال: «نقض طوافه وخالف السنّة فليعد».2
والظاهر أنّ المراد بمخالفة السنّة هو قطع الطواف، أو عدم رعاية الموالاة.

* لو حدث عذر في أثناء الطواف

نركّز البحث في المقام على أمرين :
1. طروء الطمث أثناء الطواف.
2. طروء المرض أثناء الطواف وأمّا طروء الحدث الأصغر أو الجنابة فقد استوفينا الكلام فيها في المسألة الأُولى من فصل واجبات الطواف.
أمّا الطمث فقد ورد فيه التفصيل في روايات:
1. ما رواه أحمد بن عمر الحلاّل عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلّت قال: »إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت

(1) الوسائل:9، الباب41 من أبواب الطواف، الحديث3.
(2) الوسائل:9، الباب41 من أبواب الطواف، الحديث4.

صفحه 158
أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف، علّمت ذاك الموضع الذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله».1
2. ما رواه إبراهيم بن إسحاق، عمّن سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت؟ قال: «تتم طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامة، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة لأنّها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، وإن هي لم تطف إلاّ ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمّالها بعد الحجّ فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر».2 وغيرهما.3
نعم هناك ما يدلّ على خلاف ما ذكر في خصوص الطمث; أعني: صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقلّ من ذلك ثمّ رأت دماً؟ قال(عليه السلام): «تحفظ مكانها، فإذا طهرت، طافت واعتدت بما مضى».4
وقد أفتى بمضمونها الصدوق، وقال: وبهذا الحديث أُفتي، لأنّه رخصة ورحمة.
لكنّه بعيد لاستلزامه أن يكون الأمر في الطمث أخفّ من الحدث الأصغر، حيث إنّه لا يبني فيه إلاّ بعد التجاوز، بخلاف الطمث فيبني فيه مطلقاً، ولذلك حمله الشيخ على النفل من الطواف.
هذا كلّه حول الطمث بقي الكلام في طروء المرض.

(1) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث2.
(2) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث4.
(3) الوسائل:9، الباب86 من أبواب الطواف، الحديث1و2.
(4) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 159

طروء المرض أثناء الطواف

فقد أفتى المشهور فيه بمثل ما أفتوا به في الحدث والطمث من التفصيل، وتدلّ عليه موثّقة إسحاق بن عمّار:
أمّا المرض فقد دلّ على التفصيل فيه موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن(عليه السلام) في رجل طاف طواف الفريضة ثمّ اعتلّ علّة لا يقدر معها على إتمام الطواف، فقال: «إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تمّ طوافه، وإن كان طاف ثلاثة أشواط ولا يقدر على الطواف فإنّ هذا ممّا غلب اللّه عليه، فلا بأس بأن يؤخّر الطواف يوماً ويومين، فإن خلّته العلة عاد فطاف أُسبوعاً، وإن طالت علّته أمر من يطوف عنه أُسبوعاً، ويصلي هو ركعتين، ويسعى عنه، وقد خرج من إحرامه وكذلك يفعل في السعي، وفي رمي الجمار».1
ولا منافاة بين الذيل «فطاف أُسبوعاً» و ما ورد في الصدر: «يطوف عنه ثلاثة أشواط» ، لاختلاف موردهما، فمورد الذيل من طاف ثلاثة أشواط ومورد الصدر من طاف أربعة أشواط.

مجاوزة النصف أو إتمام الشوط الرابع

اختلفت كلمات الفقهاء في المقام، فمنهم من عبر بمجاوزة النصف وعدمها كما عليه الشيخ في النهاية2 ، وابن سعيد في الجامع.3 ومنهم من عبّر ببلوغ أربعة أشواط وعدمه كما عليه العلاّمة في المنتهى4 ، قولان.
وأمّا المحقّق فقد جعل الملاك تجاوز النصف في عدّة من الموارد.5

(1) الوسائل:9، الباب45 من أبواب الطواف، الحديث2.
(2) النهاية: 239.
(3) الجامع للشرائع:198.
(4) المنتهى:10/368.
(5) شرائع الإسلام:1/268.

صفحه 160
نعم فسّر صاحب الجواهر قول المحقّق«فإن جاوز النصف» بقوله: أي طاف أربعة أشواط وقال: كما فسّره به في «المسالك» وحاشية الكركي، بل جعلا المراد بالمجاوز ذلك، بل ربّما يشهد له ما تسمعه من خبر إسحاق بن عمار الذي به يقيد إطلاق غيره.1 ومراده من رواية إسحاق هو قول الإمام(عليه السلام) في مَن قطع طوافه للاعتدال: «إن كان طاف أربعة أشواط أمرَ مَن يطوف عنه ثلاثة أشواط، فقد تمّ طوافه، وإن كان طاف ثلاثة أشواط ولا يقدر على الطواف...» .2
وأمّا المصنّف فقد اختلفت كلمته فقد جعل المحور في المسألة الأُولى من مسائل واجبات الطواف إتمام الشوط الرابع حيث قال: «فإن كان بعد تمام الشوط الرابع توضّأ وأتم طوافه وصحّ». وبه قال أيضاً في مسألتنا حيث قال: لو حدث عذر بين طوافه من مرض أو حدث بلا اختيار، فإن كان بعد تمام الشوط الرابع أتمّه بعد رفع العذر وصحّ، وإلاّ أعاد.
لكنّه جعل الميزان في المسألة السادسة عشرة هو مجاوزة النصف فقال: لو نقص من طوافه سهواً فإن جاوز النصف فالأقوى وجوب إتمامه... إلى أن قال: وإن لم يجاوزه أعاد الطواف.
وتعيين أحد الملاكين يحتاج إلى دراسة الروايات الواردة في المقام في شتى الموارد.
أمّا عنوان بلوغ أربعة أشواط وعدمه فقد جاء في كلام الإمام في مورد واحد، أعني: اعتلال الرجل حين الطواف. روى إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن(عليه السلام) في رجل طاف طواف الفريضة ثمّ اعتل علّة لا يقدر معها على إتمام الطواف، فقال:

(1) المسالك:2/340.
(2) المدارك:8/150. ونقله في الجواهر :19/326عن حاشية الكركي.

صفحه 161
«إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تمّ طوافه، وإن كان طاف ثلاثة أشواط ولا يقدر على الطواف، فإنّ هذا ممّا غلب اللّه عليه، فلا بأس بأن يؤخّر الطواف يوماً ويومين، فإن خلّته العلّة عاد فطاف أُسبوعاً، وإن طالت علّته أمر من يطوف عنه أُسبوعاً».1
وأمّا عنوان التجاوز عن النصف فقد ورد في موارد أربع:
1. في مرسل جميل على ما عرفت.2
2. في المرأة إذا طمثت أثناء الطواف. روى الكليني عن إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت؟ قال:«تتمّ طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامة، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة، لأنّها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحجّ، وإن هي لم تطف إلاّ ثلاثة أشواط فلتستأنف الحجّ، فإن أقام بها جمّالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر».3
وقد ورد عنوان أربعة أشواط في كلام السائل دون الإمام وإنّما الوارد في كلامه (عليه السلام) هو الزيادة على النصف، ولعلّ المعيار هو الزيادة على النصف، سواء أبلغت أربعة أشواط أم لا.
3. روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع... إلى أن قال: فإن هي قطعت طوافها في أقلّ من النصف.4

(1) الوسائل:9، الباب45 من أبواب الطواف، الحديث2.
(2) الوسائل:9، الباب 40 من أبواب الطواف، الحديث1.
(3) الوسائل: 9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث4.
(4) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 162
4. روى أحمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلّت. قال: «إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علّمت ذلك الموضع الّذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقلّ من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله».1
فعلى هذا فقد ورد عنوان التجاوز عن النصف في موارد أربعة، أحدها فيمن أحدث أثناء الطواف، والثلاثة الباقية في المرأة إذا حاضت أثناء الطواف، كما ورد إكمال الشوط الرابع في مورد واحد، وهو اعتلال الرجل أثناء الطواف.
وعلى هذا يجب الإمعان في إرجاع أحدهما إلى الآخر.
ويمكن القول بأنّ الميزان هو التجاوز عن النصف، وذلك:
أوّلاً: تضافر التعبير بذلك في كلمات الفقهاء و قد مرّ قسم منها ، حيث إنّ الأكثر عبر بتجاوز النصف. نعم أرجع صاحبا المسالك2 والمدارك3 مجاوزة النصف إلى أربعة أشواط كما مر ، كما تقدّم أنّ صاحب الجواهر أيضاً اعتبر النصف أربعة أشواط ونسب التفسير به إلى حاشية الكركي.4
وثانياً: تضافر التعبير بمجاوزة النصف في روايات أربع، بخلاف العنوان الآخر، فإنّه ورد في رواية واحدة.
ولعلّ هذه الوجوه تقرب ما عليه كلمات المشهور من أنّ الميزان هو تجاوز النصف.
وثالثاً: انّ الإمام علل الاعتداد بما أتت من أربعة أشواط في رواية إبراهيم

(1) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث2.
(2) المسالك:2/240.
(3) المدارك:8/150.
(4) الجواهر:19/326.

صفحه 163
بن إسحاق «بأنّها زادت على النصف» مع أنّ السائل صرح أنّها طافت أربعة أشواط، ولكن الإمام صححها لأجل كونها زادت على النصف دون أن يقول: لأنّها طافت أربعة أشواط.
وبعبارة أُخرى بأنّه لو كان الميزان هو إكمال أربعة أشواط كان الأنسب أن يقول في الشق الثاني:«وإن لم يطف أربعة أشواط» مع أنّ الإمام قال: «وإن كان طاف ثلاثة أشواط»، والحال أنّ طواف ثلاثة أشواط وطواف ثلاثة أشواط ونصف أو ثلاثة أرباع أو أربعة أخماس مثل من طاف ثلاثة أشواط، فلماذا خصّ الأخير بالذكر؟
فإن قلت: إنّ الإمام ركز في ذيل الرواية ـ عند عدم الاعتداد بثلاثة أشواط ـ وقال: «وإن هي لم تطف إلاّ ثلاثة أشواط فلتستأنف» وعليه يكون المعيار، هو الشوط الكامل ، لا الشوط الناقص، وإلاّ كان عليه أن يقول: وإن لم تزد على النصف.
قلت: الإمام صرح بحكم صورة واحدة، وهي إذا طافت ثلاثة أشواط وترك ذكر الصورة الأُخرى، وهي ما إذا زادت على الثلاثة ولم تتجاوز النصف، لمعلومية حكمها، بالتعليل المذكور.
فإن قلت: إنّ الملاك في رواية إسحاق بن عمّار، هو الشوط الكامل حيث قال: إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تمّ طوافه، وإن كان طاف ثلاثة أشواط ولا يقدر على الطواف قال: هذا ممّا غلب اللّه عليه، الخ. ولو كان الملاك هو النصف لكان الأنسب أن يقول: «وإن طاف ثلاثة أشواط أو زاد عليها ولم يتجاوز النصف».
قلت: الإشكال مبني على أنّ الإمام بصدد بيان أحكام تمام الصور، غاية

صفحه 164
المسألة22: لو شكّ بعد الطواف والانصراف في زيادة الأشواط لا يعتني به وبنى على الصحّة، ولو شكّ في النقيصة فكذلك ـ على إشكال ـ فلا يترك الاحتياط.
ولو شكّ بعده في صحّته من جهة الشكّ في أنّه طاف مع فقد شرط أو وجود مانع بنى على الصحّة، حتّى إذا حدث قبل الانصراف بعد حفظ السبعة بلا نقيصة ولا زيادة.*
الأمر لم يذكر حكم الصورة المذكورة، أضف إلى ذلك: أنّ المفروض في كلام الإمام هو عدم قدرته على أزيد من ثلاثة أشواط، فكيف يناسب ذكر حكم من زاد على الثلاثة ولم يتجاوز النصف؟!
وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ غير المتجاوز عن النصف، يقطع ويتوضّأ أو يغتسل، ويعيد، ومن أتمّ الشوط الرابع، يبني على ما سبق ويتمّ بلا إشكال; وأمّا المتجاوز عن النصف غير المتم للشوط الرابع، فهو يحتاط بالإتمام أوّلاً، ثمّ بالإعادة ثانياً لتردده بين بقائه تحت المستثنى منه أو خروجه عنه.
* في المسألة فروع:
1. الشكّ في الزيادة بعد الانصراف عن الطواف.
2. الشكّ في النقيصة بعد الانصراف. وكلاهما من قبيل الشكّ في الكميّة.
3. الشكّ في الكيفية، أي وجود الشرط قبل الانصراف مع حفظ السبعة.
وإليك دراسة هذه الفروع واحداً بعد الآخر:

الفرع الأوّل: الشكّ في الزيادة

وإن شئت قلت: الشكّ في كميّة الطواف بعد الانصراف.

صفحه 165
يقول المحقّق في هذا الصدد: ومن شكّ في عدده بعد انصرافه لم يلتفت.1
والعبارة المذكورة تعم الشك في الزيادة والشك في النقيصة.
أقول: إنّ الصحّة مقتضى قاعدة الفراغ، لأنّ المفروض أنّه شكّ في الزيادة بعد الانصراف مضافاً إلى صحيح الحلبيّ: قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة، فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية، فقال: «أمّا السبعة فقد استيقن ، وإنّما وقع وهمه على الثامن فليصلّ ركعتين».2
فلو قلنا بأنّ مورده، هو الطائف المنصرف عن عمل الطواف، والداخل في عمل آخر، يكون حجّة في المورد، بمنطوقه.
وأمّا لو قلنا بأنّ مورده الفارغ عن العمل دون المنصرف عنه ـ كما سيأتي في المسألة 23 ـ أعني: من شك بعد الوصول إلى الحجر الأسود في أنّه زاد على طوافه أو لا، فيكون حجّة في المورد، بالأولوية، فإذا وجب البناء على الصحّة في الفارغ غير المنصرف، وجب في الفارغ المنصرف بوجه أولى.

الفرع الثاني: الشكّ في النقيصة

إذا شكّ في النقيصة فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: مقتضى القاعدة الأُولى : فلو قلنا ـ بالمختار ـ من جواز الفصل بين الأشواط ما لم يُخلّ بالموالاة من غير فرق بين إتمام الشوط الرابع وعدمه فيرجع ويتم إذا كانت الموالاة حين الشكّ، محفوظة بخلاف ما إذا كانت حينه غير محفوظة فلا يعتد بالشك لوجود التجاوز عن المحل.
وأمّا إذا قلنا بأنّ الملاك هو إتمام الشوط الرابع وعدمه، فلو شك في الإتيان

(1) الشرائع:1/270.
(2) الوسائل:9، الباب35 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 166
بالشوط الثالث أو الرابع ومابعده، فقد تجاوز محله فلا يرجع، وأمّا لو تعلّق الشك، بالشوط الخامس أو أزيد، فيما أنّه لم يتجاوز عن محلّه حتى وان انصرف لما ذكرنا من جواز الفصل، حتى وإن انتهى إلى فوت الموالاة، وعندئذ يرجع ويعتدّ بالشك، ولعله لأجل ذلك احتاط الإمام في الشك في النقيصة دون الزيادة، وكان عليه أن يفصّل بين الشك في الشوط الرابع وماقبله فلا يعتد، وتعلّقه بما بعده فيعتد، هذا إذا كان مستند الاحتياط هو القاعدة، لا ما يأتي من الروايتين .
الثاني: مقتضى الروايات: الظاهر من الروايتين التاليتين صحّة الطواف إذ انصرف منه :
1. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أستّة طاف أو سبعة طواف فريضة؟ قال: «فليعد طوافه»، قيل: إنّه قد خرج وفاته ذلك؟ قال: «ليس عليه شيء».1
2. صحيح منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: «فليعد طوافه».
قلت: ففاته؟ قال: «ما أرى عليه شيئاً والإعادة أحبّ إليّ وأفضل».2

المناقشة في سند الرواية الأُولى

أقول: إنّ الشيخ قد رواها في «التهذيب» باسناده عن موسى بن قاسم، عن عبدالرحمان بن سيابة، عن حمّاد عن حريز، عن محمد بن مسلم.
وقال في «الوسائل» بعد نقل السند عن «التهذيب». أقول: عبد الرحمن الّذي يروي عنه موسى بن قاسم هو ابن أبي نجران وتفسيرها هنا بابن سيّابة:

(1) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث8.

صفحه 167
غلطٌ، كما حقّقه صاحب المنتقى وغيره.
أقول: لا شكّ في وثاقة عبد الرحمن بن أبي نجران، غير أنّ عبد الرحمن بن سيابة مختلف فيه، واستظهر شيخنا في «قاموس الرجال» كونه مذموماً، والدليل على صحّة ما ذكره صاحب الوسائل هو اختلاف الطبقة بين الراوي«موسى بن القاسم» والمروي عنه «عبد الرحمن بن سيابة»، فإنّ الثاني من أصحاب أبي عبد اللّه(عليه السلام)، روى الكشي أنّ أبا عبد اللّه(عليه السلام) دفع إليه مالاً ليقسمه في عيالات من أُصيب مع عمّه زيد، وقد استشهد زيد في سنة 121هـ، وأمّا موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب فهو من رجال الإمام الرضا والجواد(عليهما السلام)، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى «منتقى الجمان» لصاحب المعالم.1
فكيف يمكن أن ينقل من هو من أصحاب الرضا والجواد عمّن يعدّ من الطبقة الأُولى من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام).
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاستدلال بالروايتين مبني على اختلاف ظرف عروض الشكّ على الطائف في الشقين.
أمّا الشقّ الأوّل فقد عرض له الشكّ بين الستة والسبعة، وهو بعد لم ينصرف عن الطواف فلا تجري فيه قاعدة الفراغ، ولذلك يجب عليه إعادة الطواف، لصريح قوله: فليعد طوافه لما سيوافيك في المسألة 23 من أنّ الشكّ في النقيصة في الأثناء يوجب الإعادة.
وأمّا الشق الثاني الذي هو الصالح للاستدلال به على الفرع، فلابد أن يحمل على ما إذا عرض له الشكّ بين الستّة والسبعة لكن بعد انصرافه وخروجه عن المطاف فتجري في حقّه قاعدة الفراغ، ولذلك قال الإمام(عليه السلام) :»لا شيء

(1) منتقى الجمان:3/283.

صفحه 168
عليه«.وهذا هو الّذي اختاره في »الجواهر».1
وحصيلة الكلام : انّ الاستدلال بهما في المقام مبني على اختلاف زمان عروض الشك،ّ ففي الأوّل عرض الشك وهو بعد في المطاف لم ينصرف ، ولذلك قال يعيد طوافه، وفي الثاني عرض بعد انصرافه وخروجه عن المطاف فيكون الشق الثاني دليلاً على الصحة في المقام ولا يبقى مجال للاحتياط كما في المتن.
ولكن في الرواية احتمالاً آخر وهو وحدة زمان عروض الشك في كلا الشقين، غير أنّ الفرق بين الشقّين بقاء الرجل في المطاف في الأوّل وخروجه عن مكّة وربّما لحوقه بأهله في الثاني.
والدليل على أنّ المفروض في الصدر والذيل أمرٌ واحد هو أنّ الضمير في قول السائل في الشق الثاني: «أنّه قد خرج وفاته ذلك» يرجع إلى نفس الشاك في الشق الأوّل وأنّه خرج وفاته. فتفسير الشق الثاني بالشكّ بعد الانصراف يستلزم التفكيك بين المرجع والضمير الراجع إليه، فإنّ المتبادر أنّ هنا رجلاً شك بين الستة والسبعة في حال الطواف، فأمر الإمام بإعادة طوافه، عند تواجده في المطاف.
ثمّ إنّ الراوي أعاد السؤال، وقال: ذلك الرجل الشاك قد خرج وفاته ذلك، فقال الإمام: «ليس عليه شيء»، فالجواب في السؤالين يرجع إلى موضوع واحد.
ولكن الذي يضعف هذا الاحتمال، انّه لو كان ظرف الشك في الشقّين واحداً يلزم خرق الإجماع، قال في الجواهر: انّ الشكّ في الأثناء يوجب الاستئناف ـ أو إتيان شوط آخر أو هو إمّا عن عمل أو جهل أو نسيان، ولكلّ موجب، ولأنّه كترك الطواف كلاً أو بعضاً، وليس فيها أنّه لا شيء عليه أصلاً، فالحكم به صريحاً

(1) الجواهر:19/382.

صفحه 169
المسألة23: لو شكّ بعد الوصول إلى الحجر الأسود في أنّه زاد على طوافه بنى على الصحّة، ولو شكّ قبل الوصول في أنّ ما بيده السابع أو الثامن مثلاً بطل، ولو شكّ في آخر الدور أو في الأثناء أنّه السابع أو السادس أو غيره من صور النقصان بطل طوافه.*
في الروايات ـ بعد مراعاة الإجماع، أو صح دليل على إرادة صورة الشك بعد الانصراف.1
وقال في موضع آخر: ومن هنا قلنا يجب حمل الصحيح ونحوه على إرادة كون الشكّ بعد الفراغ وإن أبيت فالطرح وإيكال علمه إليهم(عليهم السلام) خير من ذلك.2
الفرع الثالث: لو حدث الشكّ في وجود الشرط أو وجود المانع بعد الفراغ عن العمل الذي يشير إليه المصنّف بقوله بعد حفظ السبعة، يبني على الصحة، ووجهه : انّه لا يشترط في جريان القاعدة الدخول في الغير، بل يكفي الفراغ كما ثبت في محلّه.والمقام أشبه بمن صلّى وشك ـ بعد الفراغ ـ في أنّه هل كان على وضوء أو لا.

* الشكّ في الزيادة والنقيصة قبل الانصراف

كان البحث في المسألة السابقة حول الشكّ في الزيادة والنقيصة بعد الانصراف.
وأمّا الكلام في المقام فالشكّ في الزيادة والنقيصة قبل الانصراف.

(1) الجواهر:19/378.
(2) الجواهر:19/383.

صفحه 170
إنّ الشكّ في الزيادة والنقيصة يطرأ تارة بعد الوصول إلى الركن وأُخرى قبله، فتصير الأقسام أربعة.
ثمّ إنّه ربّما يكون الشكّ متمحّضاً في الزيادة كما إذا شكّ بعد الوصول إلى الركن بين السبعة والثمانية، وأُخرى يكون غير متمحض فيها كما إذا شكّ قبل الوصول إلى الركن انّ ما بيده السابع أو الثامن. فلو قطع يحتمل النقص، ولو استمرّ في العمل يحتمل الزيادة.
وأمّا الفروع المذكورة في المتن بشكل صريح أو غير صريح فهي عبارة عن:
1. إذا شكّ بعد الوصول إلى الحجر الأسود أنّه زاد في طوافه أو لا. فالشكّ متمحض في الزيادة.
2. إذا شكّ قبل الوصول إليه في أنّ ما بيده هو السابع أو الثامن، فالأمر يدور بين الزيادة والنقيصة.
3. إذا شكّ بعد الوصول إلى الحجر الأسود أنّه السابع أو السادس.
4. إذا شكّ قبل الوصول إلى الحجر الأسود أنّه السابع أو السادس.
والشكّ في الأخيرين متمحض في النقيصة.
هذا ما ذكره المصنّف لكن أقسام الشكّ أكثر ممّا ذكره وربّما أشار إلى ما لم يذكر بقوله: «أو غيره من صور النقصان» لأنّ ما ذكره يدور حول الشكّ بين الكامل والزائد، أو بين الناقص والكامل، ولكن ربما يكون غير ذلك نظير:
1. الشكّ بين الناقصين، كالشكّ بين الثلاثة والأربعة.
2. الشكّ بين الناقص والزائد كالشك بين الستة والثمانية.
3. الشكّ بين الناقص والكامل والزائد كالشك بين الستة والسبعة والثمانية.

صفحه 171
وإليك دراسة الفروع الأربعة المذكورة في كلام المصنّف بشكل صريح أو غير صريح واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: لو شكّ عند الركن في أنّه طاف سبعة أو ثمانية

ومراده (قدس سره) من هذا الفرع هو: الشكّ بعد الفراغ عن الطواف وقبل الانصراف، وأمّا إذا شكّ بعد الانصراف فيدخل في المسألة السابقة ولا شكّ في صحته، كما مرّ.
وبذلك يعلم ما هو المقصود من عبارة صاحب الشرائع فإنّه ذكر فرعين بالنحو التالي:
أ. ومن شكّ في عدده بعد انصرافه لم يلتفت.
ب. وإن كان في أثنائه وكان شاكاً في الزيادة قطع ولا شيء عليه.1
فالجملة الأُولى داخلة في المسألة السابقة الّتي فرغنا عنها، وأمّا الجملة الثانية، والظاهر انّه أُريد به الفرع الأوّل في المقام، فانّ الظاهر انّ مراده، بالأثناء هو عدم الانصراف بقرينة الجملة المتقدمة«ومن شكّ في عدده بعد انصرافه» وعلى هذا يكون مراده من القطع، عدم الإتيان بشوط آخر، وكان على المحقّق أن يستخدم عبارة «قبل الانصراف» مكان الأثناء، ولذلك فسّر غير واحد من شُرّاح الشرائع هذه العبارة كما يلي:
قال الشهيد في «المسالك» في ذيل العبارة الثانية: إنّما يقطع مع الشكّ في الزيادة إذا كان على منتهى الشوط(الفرع الأوّل) أمّا لو كان في أثنائه بطل طوافه لتردده بين محذورين; الإكمال المحتمل للزيادة عمداً والقطع للنقيصة.2

(1) شرائع الإسلام:1/270.
(2) المسالك:2/349.

صفحه 172
وقال في «الجواهر» في ذيل عبارة المحقّق: نعم لا يكون ذلك إلاّ إذا كان الشكّ عند الركن قبل نية الانصراف، لأنّه إذا كان قبله استلزم الشكّ في النقصان المقتضي تردّده بين محذورين... الخ.1
إذا عرفت ذلك فلنذكر شيئاً من كلمات الأصحاب حول الفرع.
قال الشيخ : ومن شكّ فلم يعلم سبعة طاف أم ثمانية قطع الطواف، وصلّى ركعتين وليس عليه شيء.2
وكلام الشيخ إمّا مطلق يعم صورتي الانصراف وعدمه، أو ناظر إلى خصوص ما لو شكّ بعد الوصول إلى الركن، ولم يتجاوز ولم ينصرف.
ويمكـن أن يستـدل على هذا الفرع بصحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أو ثمانية؟ فقال (عليه السلام):«أمّا السبعة فقد استيقن، وإنّما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين».3 ورواه الشيخ أيضاً بسند آخر عن الحلبي.4
والروايتان متحدتان، ومقتضى إطلاق السؤال والجواب، هو صحّة الطواف سواء أشكّ وهو بعدُ في المطاف ولم ينصرف، أم شكّ وهو خرج عنه وانصرف (الصورة الثانية هي المسألة السابقة).
ولو قلنا باختصاصها بما إذا شكّ وهو بعد لم ينصرف دلّت على الصحة في صورة الانصراف بالأولوية.
نعم لو قلنا بالعكس وانّ مورد السؤال والجواب هو ما إذا انصرف، فلا يدلّ على الصحّة في المقام، لكن الاحتمال الأخير ضعيف والأقوى هو الأوّل، أي

(1) الجواهر:19/379.
(2) النهاية: 238.
(3) الوسائل: 9، الباب35 من أبواب الطواف، الحديث1.
(4) الوسائل: 9، الباب35 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 173
إطلاق الحديث وشموله لكلتا الصورتين، ثمّ الثاني.
وبذلك يظهر وجه الاستدلال بالرواية التالية:
وروى محمد بن إدريس في آخر «السرائر» عن جميل أنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف فلم يدر سبعاً طاف أم ثمانياً؟ قال: «يصلّي ركعتين».1
فقوله :«يصلّي ركعتين» أي لا يعتني بالشكّ ويصلّي ركعتي الطواف. وعلى هذا فالصحّة في الفرع الأوّل لا غبار عليها.

الفرع الثاني: إذا شكّ في أثناء الشوط أهو السابع أو الثامن

إذا شكّ في أنّ ما بيده بأنّه السابع أو الثامن ولا يتصوّر ذلك إلاّ إذا طرأ الشكّ في أثناء الشوط، كما إذا شكّ فيه بين كونه ستة أشواط ونصف أو سبعة أشواط ونصف.
ويتميّز هذا الفرع عمّا سبق أنّ الشكّ في السابق كان متمحضّاً في الزيادة ولم يكن فيه حالَ الشك احتمالُ النقص بخلاف هذا الفرع، فإنّ الطائف في حال الشك يحتمل أنّ ما بيده جزء الطواف، فلو لم يأت به يلزم النقص، أو زائد عليه فلو أتى به يلزم الزيادة، فلذلك يدور أمره بين النقص لو قطع، والزيادة لو استمر في العمل.
إذا علمت ذلك فلندرس هذا الفرع، فنقول: فقد أفتى المصنّف بالبطلان تبعاً لما ادّعى من الشهرة عليه، فيقع الكلام في مقتضى القاعدة الأوّلية، ثمّ مقتضى القاعدة الثانوية.
أمّا الأُولى فإنّ مقتضاها هو الصحة ولزوم الاستمرار في العمل أخذاً

(1) الوسائل: 9، الباب35 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 174
بالاستصحاب، فالحكم الظاهري في حقّه هو عدم الإتيان بالشوط السابع، فعليه أن لا ينقض يقينه بالشكّ، فيستمر في العمل، حتى ولو كان ما بيده زائداً في الواقع فهو مغتفر عملاً بالحكم الظاهري.
وما ربّما يقال من أنّ الأمر دائر بين الزيادة والنقيصة مدفوع بأنّ الأصل عدم الزيادة، وعدم الإتيان بالزائد، فالنقص هو المطابق للأصل.
وأمّا مقتضى الأدلّة الثانوية فربما يقال بأنّ مقتضاها هو البطلان بالوجوه التالية:1
الوجه الأوّل: ما تضافر من الروايات على أنّ الشاك بين الستّة والسبعة يعيد: ومصب هذه الروايات هو الفرع الثالث والرابع، لكن يمكن الاستدلال على هذا الفرع كما سيوافيك:
1. وهي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل لم يدر ستّة طاف أو سبعة؟ قال: «يستقبل».2
2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل لم يدر أستة طاف أو سبعة؟ فقال: «يستقبل».3 إلى غير ذلك من الروايات الّتي ستوافيك في الفرعين: الثالث والرابع.
فإنّ إطلاقها يشمل بعد الفراغ من الشوط ووصوله إلى الحجر الأسود كما انّه يشمل الأثناء وقبل الوصول إليه، فلو تجاوز عنه بمقدار خطوات وشكّ انّ ما في يده سادس أو سابع يصدق عليه أنّه طاف ولم يدر ستة طاف أو طاف سبعة وإن لم يصل إلى الحجر ولم يتم الشوط، بل تخصيص حصول الشكّ بين الستة

(1) لاحظ المعتمد:5/78، طبعة منشورات دار العلم ـ 1410 هـ.
(2) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث9.
(3) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 175
والسبعة بحين الوصول إلى الحجر تخصيص بالفرد النادر، إذ الشكّ غالباً يحصل في الأثناء وقبل الوصول إلى الحَجر.1
يلاحظ عليه: عدم الصلة بين الروايتين2 والفرع المذكور، وذلك من وجهين:
الأوّل: الاختلاف في زمان الشك، فانّ ظرفه في الروايات حين الوصول إلى الحجر، فيشك في أنّ ما أتى به هل هو الشوط السادس أو السابع، بخلاف المقام، فإنّ ظرف الشكّ أثناء الطواف، لما عرفت من أنّ الشكّ بين الستة والسبعة يرجع إلى الشكّ في أنّ ما بيده ستة أشواط ونصف أو سبعة أشواط ونصف.
الثاني: الاختلاف في متعلّقه، فإنّ متعلّقه في الروايات هو الشوط الكامل وفي المقام هو الشوط الناقص.
نعم يشتركان في دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة.
اللهم إلاّ أن يقال : إنّ الملاك في الإعادة هو دوران الأمر بين المحذورين: النقيصة والزيادة، من غير فرق بين الشوط الكامل والشوط الناقص، أي من غير فرق بين طروء الشك عند الركن، كما في مورد الروايات أو في الأثناء كما هو المفروض في هذا الفرع.
الوجه الثاني: الاستدلال بالتعليل الوارد في صحيح الحلبي: انّ العبرة بالتيقّن بالسبع قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية؟ فقال: »أمّا السبعة فقد استيقن، وإنّما

(1) المعتمد:5/79.
(2) إنّ مورد الروايتين هو الفرع الثالث والرابع اللّذين يكون الشك فيه ممحضاً في النقيصة فقط، لكن السيد الخوئي استدلّ بهما على الفرع الثاني الذي يدور الشكّ بين النقيصة والزيادة بالبيان الماضي في كلامه.

صفحه 176
وقع وهمه على الثامن فليصلّ ركعتين».1
فظاهر الرواية أنّ السبب للحكم بعدم الإعادة هو إحراز السبعة حين الشكّ وبعد لا يضرّ الشكّ في الزيادة، وأمّا المقام فلم يحرز فيه السبعة، لما عرفت من أنّ الشكّ دائر بين ستة ونصف أو سبعة ونصف.
فإن قلت: إنّ الشاك إذا استمر في الطواف حتى ينهي ما في يده يدخل تحت الرواية، وتكون السبعة محرزة والثمانية مشكوكة.
قلت: إنّ المتبادر من الرواية أن تكون السبعة محرزة حين الشك بنفسه لا أن يحرز بالعمل الزائد.
أضف إلى ذلك أنّ التمسك بالرواية لجواز إكمال الشوط يرجع إلى إثبات الحكم موضوعه، وهو أمر غير صحيح، وإلاّ لزم تصحيح بعض الشكوك الباطلة، مثلاً في صحيح زرارة، عن أحدهما(عليهما السلام):
قال: قلت له: من لم يدر في اثنتين هو أم في أربع؟ قال:«يسلّم ويقوم فيصلّي ركعتين ثم يسلّم ولا شيء عليه».2
فلو افترضنا أنّه شك قبل السجدة الثانية في أنّ ما بيده من الركعة، فهل له أن يسجد حتى يصدق عليه أنّه شكّ بين اثنتين وأربع؟
الوجه الثالث: التعليل الوارد في معتبرة أبي بصير قال: قلت له: رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة أم ثمانية، قال: «يعيد طوافه حتّى يحفظ».3

(1) الوسائل: 9، الباب35 من أبواب الطواف، الحديث1. انّ مورد الرواية هو الفرع الأوّل الذي يكون الشك متمحضاً في الزيادة لكن استدلّ بالتعليل الوارد فيها على بطلان الفرع الثاني.
(2) الوسائل:5، الباب11 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث4.
(3) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث11. ومورد الحديث هو الشكّ في الزيادة والنقيصة، لكن استدلّ بالتعليل الوارد فيه على بطلان الفرع الثاني.

صفحه 177
والتعليل في كلا الحديثين واحد، وإن كان المورد مختلفاً كما هو واضح.
وفي السند إسماعيل بن مرّار، ويظهر من كلام ابن الوليد، وثاقته، لأنّه روى أكثر من مائتي رواية عن يونس، قال ابن الوليد: كتب يونس الّتي هي بالروايات كلّها صحيحة معتمد عليها، إلاّ ما ينفرد به محمد بن عيسى بن العبيد.
ومضمونه قريب من مضمون صحيح الحلبي، وظاهره انّ الصحة رهن حفظ السبعة أشواط وإحرازه وهو بعد غير محرز في المقام، لأنّ الشوط الناقص دائر بين كونه متمّماً للشوط السابع أو للشوط الثامن.
الوجه الرابع: إطلاق خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل شكّ في طواف الفريضة؟ قال: «يعيد كلّما شك» قلت: جعلت فداك: شكّ في طواف نافلة قال: «يبني على الأقل».1
وفي السند علي بن حمزة لكن الراوي عنه هو عن علي بن الحكم، ومن البعيد أن يروي مثله عنه حين وقفه. وهو صالح للتأييد، لشمول إطلاقه المقام.
والمجموع كاف لإثبات ما نسب إلى المشهور من البطلان.

الفرع الثالث والرابع: فيما إذا تمحض الشكّ في النقيصة

إذا شكّ في آخر الدور أو في الأثناء بين السابع أو السادس على نحو يكون الشكّ متمحّضاً في النقصان وتكون الزيادة قطعي العدم، فالظاهر كما عليه الماتن هو بطلان الطواف شهرة ورواية.
قال ابن زهرة: ويستأنفه إن شك وهو طائف فلم يدر كم طاف ولا يحصل له شيء جملة أو شكّ بين ستة وسبعة بالإجماع المذكور وطريقة الاحتياط.2

(1) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث12.
(2) غنية النزوع:1/176.

صفحه 178
وقال ابن إدريس: ومن شكّ في طوافه وكان شكّه في ما دون السبعة وهو في حال الطواف قبل انصرافه منه، فإن كان طواف فريضة وجب عليه الإعادة.1
وقال المحقّق: وإن كان في النقصان استأنف في الفريضة.2
وقال العلاّمة: وإن كان في النقصان مثل أن يشكّ بين الستة والسبعة أو الستة والأقل، فإن كان طواف الفريضة أعاده من أوّله.3
وقال في «المدارك» بعد قول المحقّق: هذا هو المشهور.4
ومع ذلك ففي المقام قول بالأخذ بالأقل نقله العلاّمة في «المختلف» عن عدّة من القدماء ـ كما سيوافيك ـ واختاره صاحب المدارك .
والدليل على وجوب الاستئناف مضافاً إلى الشهرة، بل الإجماع المدّعى في «الغنية» ما تضافر من الروايات من أنّ من شكّ بين الستة والسبعة يعيد طوافه. وقد تقدّم قليل منها في الفرع الثاني5، وإليك ما لم نذكر:
1. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أستة طاف أو سبعة طواف فريضة؟ قال: «فليعد طوافه» قيل: انّه قد خرج وفاته ذلك، قال: ليس عليه شيء».6 وقد مرّ الكلام في سنده. وقوله: «فليعد طوافه »صريح في بطلان ما أتى.
2. صحيح منصور بن حازم قلت: لأبي عبد اللّه(عليه السلام) إنّي طفت فلم أدر أستة طفت أم سبعة فطفت طوافاً آخر؟ فقال: «هلاّ استأنفت». فقلت: طفت

(1) السرائر:1/572.
(2) شرائع الإسلام:1/270.
(3) تحرير الاحكام:1/588.
(4) المدارك:8/179.
(5) صحيح الحلبي وابن عمار لاحظ الباب33 من أبواب الطواف، الحديث 9و2.
(6) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 179
وذهبت قال: «ليس عليك شيء».1 فقوله: «هلا استأنفت» تحريض على الإعادة الكاشفة عن البطلان.
بل يستفاد من بعض الروايات انّ الشكّ في النقصان بصوره المختلفة سبب للبطلان ولزوم الإعادة، نظير:
3. موثّقة حنان بن سدير، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): ما تقول في رجل طاف فأوهم، قال: طفت أربعة أو طفت ثلاثة؟ فقال أبو عبداللّه(عليه السلام): «أي الطوافين كان طواف نافلة أم طواف فريضة؟ قال: إن كان طواف فريضة فليلق ما في يده وليستأنف...».2
وهذه الرواية مع ما نقلناه في الفرع السابق بأنّ الشكّ في النقصان بصوره المختلفة موضوع للإعادة.
4. ما روى الصدوق: وسئل(عليه السلام) عن رجل لا يدري ثلاثة طاف أو أربعة؟قال: «طواف نافلة أو فريضة؟» قيل: أجبني فيهما جميعاً. قال: «إن كان طواف نافلة فابن على ما شئت، وإن كان طواف فريضة فأعد الطواف».3
5. خبر أحمد بن عمر المرهبي عن أبي الحسن الثاني(عليه السلام) قال: قلت:رجل شكّ في طوافه فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: »إن كان في فريضة أعاد كلّما شكّ، وإن كان نافلة بنى على ما هو أقلّ4 ». وقد مرّ صحيحا الحلبي ومعاوية عند البحث في الفرع الثاني، ومعهما عدد الروايات إلى سبعة.

(1) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث3. ولاحظ الحديث8.
(2) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث7.
(3) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث6.
(4) الوسائل: 9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث4. وأحمد بن عمر المرهبي مجهول له رواية واحدة.

صفحه 180
إنّ الفقيه بعد الإحاطة بالروايات الواردة حول الشكّ في نقصان الطواف ينتقل إلى أنّ الشكّ في النقصان بصوره المختلفة سبب للإعادة، وعند ذلك يكون حكم الفرعين الثالث والرابع واحد. بل قد عرفت إمكان الاستدلال بها على البطلان في الفرع الثاني فيكون حكم الفروع الثلاثة واحداً.
هذا كلّه يثبت بأنّ الإعادة طريق الامتثال.
ومع ذلك كلّه فهنا قول آخر، وهو البناءعلى الأقلوالاستمرار في العملحتى يكمل الأشواط. وقد نقله العلاّمة في «المختلف» عن المفيد وعلي بن بابويه في رسالته وأبي الصلاح وابن الجنيد.1
قال المفيد: من طاف بالبيت فلم يدر ستة طاف أو سبعةً فليطف طوافاً آخر ليستيقن أنّه طاف سبعاً.2
إنّما الكلام في مصدر هذا القول. فنقول:
يمكن الاستدلال عليه بوجهين:
1. انّ البناء على الأقل مقتضى القاعدة الأوّلية، لأنّ الأصل عدم الإتيان بالمشكوك، ومقتضى الاشتغال اليقيني هو البراءة اليقينية، غاية الأمر يأتي بالمشكوك رجاءً وعلى وجه الاحتياط، بل على وجه الجزئية أخذاً بمقتضى الاستصحاب. اللّهم إلاّ إذا كان الموضوع هو الأشواط السبعة الموصوفة بعدم الزيادة، فلا يمكن إحراز الوصف بالأصل.
2. الروايات الدالّة على جواز الاكتفاء بالأقل:

(1) المختلف:4/187.
(2) المقنعة:440.

صفحه 181
1. صحيحة رفاعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل لا يدري ستة طاف أو سبعة؟ قال: «يبني على يقينه».1
والرواية وإن كانت صريحة في لزوم البناء على الأقل، لكن مقتضى الجمع بينها و بين ما دلّ على الإعادة، هو جواز البناء على اليقين وعدم تعيّنه فللطائف أن يمتثل بأحد الوجهين.
ثمّ إنّه ربّما يجمع بين هذه الرواية وما سبق من الروايات بوجهين آخرين:
أ. حملها على النافلة وبالتالي التصرف في المادة.
ب. حملها على الشكّ بعد الفراغ والانصراف.
يلاحظ عليهما: أنّ ما ذكرنا من الجمع جمع عرفي فيتصرف في الهيئة الدالّة على التعيّن بقرينة الروايات السابقة وتكون النتيجة هي التخيير بخلاف ما ذكر من الوجهين، فإنّ الكلّ تصرف بلا شاهد.
2. صحيح منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّي طفت فلم أدر أستّة طفت أم سبعة فطفت طوافاً آخر، فقال: «هلاّ استأنفت؟» قلت: طفت وذهبت، قال: «ليس عليك شيء».
فإنّ 2الظاهر أنّ المراد من قوله: «فطفت طوافاً آخر»، هو الطواف شوطاً إضافياً، بقرينة أنّ الإمام حثّه على الاستئناف، فلو كان المقصود الطواف الكامل، لما كان وجه للتخصيص بقوله:«هلاّ استأنفت» لأنّه على هذا الفرض قد استأنف. ومع ذلك قال: «هلاّ استأنفت»، وهذا يدلّ على جواز الاكتفاء بالأقل والإتيان بالمشكوك رجاءً، أو بعنوان الجزئية حسب مقتضى الحكم الظاهري.

(1) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث5.
(2) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 182
ومن الغريب ما احتمله صاحب الجواهر وقال: بل قد يحتمل قوله:«وقد طفت» الإعادة على معنى فعلت الأمرين: الإكمال والإعادة.1 لأنّ الظاهر أنّ قوله: «طفت وذهبت» إشارة إلى قوله المتقدّم: «فطفت طوافاً آخر» الذي عرفت أنّه بمعنى الشوط الواحد لا الطواف الكامل، ولذلك يقول:«وذهبت» أي طفت شوطاً واحداً وذهبت إلى سائر أعمالي، وما أعدت.
وهاتان الروايتان ظاهرتان في جواز البناء على الأقل والإتيان بشوط.
ثمّ إنّه ربّما يستدلّ على جواز البناء على الأقل بروايتين قـد مـرّ الكلام فيهما:
1. صحيح محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل، طاف بالبيت فلم يدر أستة طاف أو سبعة طواف فريضة؟ قال:«فليعد طوافه». قيل: إنّه قد خرج وفاته ذلك، قال: «ليس عليه شيء».2
فقوله:«فليعد طوافه» أمر بالإعادة، ولكن الذيل دليل على عدم تعيّنه. قال: ليس عليه شيء.
2. صحيح منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: «فليعد طوافه»، قلت: ففاته، قال: «ما أرى عليه شيئاً والإعادة أحبّ إليّ وأفضل».3
يلاحظ على الاستدلال بأنّه: إنّما يتمّ إذا كان في الرواية دليل شاهد على أنّه بنى على الأقل وطاف شوطاً آخر، والظاهر أنّه ترك المطاف مع الشكّ دون أن يتدارك، فالاستدلال بهما على القول الثاني غير تامّ أوّلاً، وذيل الرواية معرض عنه

(1) الجواهر:19/382.
(2) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث1.
(3) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث8.

صفحه 183
المسألة 24: كثير الشك في أعداد الأشواط لا يعتني بشكّه. والأحوط استنابة شخص وثيق لحفظ الأشواط، والظن في عدد الأشواط بحكم الشكّ*
ثانياً، لأنّ الأمر يدور بين أحد أمرين: إمّا الإعادة كما هو المشهور، أو البناء على الأقل والإتيان بشوط آخر، وأمّا ترك المطاف وعدم الإتيان بشيء فهو خلاف المجمع عليه.
فتلخّص من هذا البحث الضافي انّ الشكّ قبل الانصراف إذا كان ممحّضاً في الزيادة، فالطواف صحيح، وأمّا إذا كان دائراً بين الزيادة والشكّ، فالبطلان أظهر، وأمّا إذا كان ممحّضاً في النقيصة ففيه وجهان في طريق الامتثال: الإعادة أو إضافة شوط آخر.
* في المسألة فرعان:
1. كثير الشكّ لا يعتني بشكّه.
2. الظن في الأشواط ليس بحجة.
وإليك دراسة الفرعين:

الأوّل: كثير الشكّ في أعداد الأشواط لا يعتني بشكّه

توضيحه: أنّ الشكّ موضوع للحكم في بابي الصلاة والطواف.
الشكّ في الأُولتين من الفريضة يوجب بطلان الصلاة.
الشكّ في عدد صلاة الفجر والجمعة والمغرب يوجب الإعادة.
الشكّ بين الثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين يبني على الثلاث، وهكذا، هذا في الصلاة، وأمّا في الطواف فقد عرفت أنّ للشكّ أحكاماً.

صفحه 184
فلو شكّ في الزيادة والنقيصة بعد الانصراف فلا يعتدّ به مطلقاً.
ولو شكّ قبل الانصراف، فلو كان الشك في الزيادة فقط صح الطواف، ولو كان دائراً بين الزيادة والنقيصة يبطل، ولو كان في النقيصة فقط فعليه الإعادة. متعيّناً أو مخيّراً على ما مرّ.
فهل هذه الأحكام ثابتة لمطلق الشاك ولو على من كثر سهوه، أو أنّها منصرفة إلى الشاك العادي، فمن كثر سهوه فهو يبني على إتيان ما شكّ فيه؟
فقد دلّت روايات عديدة على اختصاص أدلّة أحكام الشكوك في الصلاة بالشك العادي دون من كثر شكه فإنّه لا يعتد به فيها.
ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر قال(عليه السلام):«إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك إنّما هو من الشيطان».1
وفي رواية أُخرى عن زرارة وأبي بصير قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيراً في صلاته حتى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه، قال: «يعيد».
قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ، قال: »يمضي في شكّه ـ إلى أن قال(عليه السلام): ـ إنّما يريد الخبيث (الشيطان) أن يطاع، فإذا عُصي لم يعد إلى أحدكم».2
فلسان هذه الروايات التي نقلها الشيخ الحرّ العاملي(رحمه الله) في وسائله يعرب عن أنّ أحكام الشكوك في أي باب من أبواب الفقه راجع إلى الشكّ العادي، وأمّا الشكّ الخارج عن العادة فالعناية به مورد رغبة الشيطان والإعراض عنه عصيان له، وعلى ذلك يجب ألا يعتني بشكّه إذا كان كثير الشك، ومن يكثر عليه السهو، من غير فرق بين ما في الصلاة والطواف.

(1) الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل، الحديث1.
(2) الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل، الحديث2.

صفحه 185
ثمّ إنّ المصنّف احتاط باستنابة شخص وثيق لحفظ الأشواط، وهذا هو الذي أشار إليه المحقّق وغيره في كتبهم.
قال المحقّق: لا بأس أن يعوّل الرجل على غيره في تعداد الطواف، لأنّه كالأمارة.1
وقال العلاّمة في «التذكرة»: ويجوز التعويل على غيره في عدد الطواف كالصلاة، لأنّ سعيد الأعرج سأل الصادق (عليه السلام) عن الطواف أيكتفي الرجل بإحصاء صاحبه؟ قال(عليه السلام): «نعم».2
أقول: ويدلّ عليه:
1. ما رواه الشيخ وابن بابويه في الصحيح عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الطواف أيكتفي الرجل بإحصاء صاحبه؟ قال(عليه السلام):«نعم».3
وفي «الوسائل»(طبعة طهران): «صاحبه» مكان «صاحبته» وهو تصحيف.
2. روى الصدوق باسناده عن ابن مسكان، عن الهذيل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنها وعن الصبيّ؟ فقال:«نعم، ألا ترى أنّك تأتمّ بالإمام إذا صلّيت خلفه، فهو مثله».4
والكلام يأتي في سند الروايتين; فإنّ سعيد الأعرج لم يوثّق سوى أنّ صفوان روى عنه بسند صحيح في «الكافي».5
كما أنّ هذيل بن صدقة الأسدي الطحّان لم يوثّق، لكن نقل عبد اللّه بن

(1) الشرائع:1/271.
(2) التذكرة:8/118.
(3) الوسائل:9، الباب66 من أبواب الطواف، الحديث1.
(4) الوسائل:9، الباب66 من أبواب الطواف، الحديث3.
(5) الكافي:5/277، الحديث1.

صفحه 186
مسكان عنه يؤيّد الاعتماد عليه.
وبما أنّ الإمام شبّهه بالإمام الذي يصلّى خلفه فيعتد بعلمه، يلزم أن يكون الصاحب في الطواف ممّن يعتمد عليهم. ولذا قال في «المدارك»: يشترط فيه البلوغ والعقل، إذ لا اعتداد بخبر الصبي والمجنون ـ ثمّ قال: ـ و لا يبعد اعتبار عدالته للأمر بالتثبت عن خبر الفاسق.1
والظاهر كفاية إفادة قوله الاطمئنان الذي هو علم عرفي.
كما أنّ الظاهر عدم الفرق بين الوسواسي وكثير الشكّ، والميزان كما في النصوص من يكثر سهوه، فما في بعض المناسك من التفريق بين العنوانين. نابع عن الاحتياط، وإلاّ فأدلّة الشكوك منصرفة عنهما، لكون الجميع داخلين في من يكثر سهوه غير أنّ أحدهما (الوسواسي) أكثر من الآخر.

الفرع الثاني: اعتبار الظن في عدد الأشواط وعدمه

إنّ الأصل الأوّلي هو عدم حجّية الظن في مقام الامتثال، وقد حقّق في محلّه أنّ الشكّ في حجّيته مساوق للقطع بعدم الحجّية، نعم خرجت موارد دلّ الدليل على حجّية الظن فيها التي منها عدد الركعات.
ففي رواية عبد الرحمان بن سيابة وأبي العباس جميعاً، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): قال: «إذا لم تدر ثلاثاً صلّيت أو أربعاً ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث».2
وقد كان سيدنا الأُستاذ المحقّق البروجردي يقول ـ في درسه الشريف ـ بحجّية الظن ـ مضافاً إلى الركعات ـ في الأفعال أيضاً قائلاً: بأنّ العرف ينتقل من

(1) المدارك:8/195.
(2) الوسائل:5، الباب7 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث1.

صفحه 187
حجّيته في الركعات إلى حجّيته في أجزائها.
وحصيلة الكلام: أنّه لم يرد دليل على حجّيته في باب الطواف، ولذلك يكون حكمه حكم الشكّ في عامّة الموارد.
بل يمكن أن يقال: إنّه قد دلّ غير واحد من الروايات على أنّ الواجب في باب الطواف هو حفظ أعداد الأشواط.1 والتثبّت من أعدادها.2 وأين التثبّت والتحفّظ من ترجيح أحد الطرفين بأدناه.
ممّا ذكرنا يظهر ضعف ما استقرب به صاحب الجواهر على حجّية الظن في المورد وقال: ولا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه الّذي قد يؤدّيه أنّ النص والفتوى قد جعلت الأحكام المذكورة للشكّ في الطواف على وجه يظهر منه عدم اندراج المظنون معه في الحكم المزبور، ولا ينافيه ما تقدّم في بعض النصوص من قوله(عليه السلام): «حتّى تثبته»أو «حتّى تحفظه» لإمكان القول بأنّ الظنّ إثبات له وحفظ له، خصوصاً بعد الخبرين المزبورين اللّذين قد يقوى اعتبار حكم الصلاة هنا بملاحظة الثاني منهما المذكور فيه الائتمام المشعر باتحاد حال الصلاة مع الطواف زيادة على التشبيه، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط لعدم تعرض كثير لتحرير المسألة.3
يلاحظ عليه: أنّ الظنّ المعتبر في عدد الركعات هو مطلق الرجحان الّذي عُبِّر عنه في الروايات «بالوهم» وهو يصدق على أدنى الترجيح، وأين هو من قوله:«حتّى تثبته» أو «حتّى تحفظه»؟!
وما في ذيل الحديث من تشبيه قول المعوّل عليه، بقول الإمام في الصلاة في

(1) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث11.
(2) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث1.
(3) الجواهر:19/404.

صفحه 188
المسألة25: لو علم في حال السعي عدم الإتيان بالطواف قطع وأتى به ثمّ أعاد السعي. ولو علم نقصان طوافه قطع وأتم ما نقص ورجع وأتمّ ما بقي من السعي وصحّ. لكن الأحوط فيها الإتمام والإعادة لو طاف أقل من أربعة أشواط، وكذا لو سعى أقلّ منها، فتذكر.*
حفظ عدد الركعات نوع تقريب لرفع الاستبعاد، ولا يهدف إلى أنّ الطواف والصلاة في عامّة الأحكام متساويان، مع الاختلاف الشاسع بين أحكامهما.
حيث يجوز التكلّم في الطواف دون الصلاة، وتجوز الاستراحة بين الأشواط دون الصلاة، ويجوز الخروج عن الطواف لغرض إذا تجاوز النصف أو بلغ الشوط الرابع دون الأُخرى، إلى غير ذلك من الأحكام، ومع هذا كيف يصحّ استنتاج حجّية الظن فيها من هذا التشبيه؟!
فإن قلت: قد دلّ غير واحد من الروايات على جواز الاعتماد على إحصاء الغير.1 وهو لا يفيد إلاّ الظن.
قلت: بما انّه يشترط فيه، الوثاقة والضبط، كما هي منصرف الروايات، فيفيد قولُه الاطمئنانَ وسكونَ النفس، وأين هو من العمل بأدنى رجحان؟!

* العلم بنقصان الطواف حال السعي

في المسألة فروع:
1. لو علم في حال السعي عدم الإتيان بالطواف.
2. لو علم في حال السعي نقصان طوافه وقد طاف أربعة أشواط.

(1) الوسائل:9، الباب66 من أبواب الطواف، الحديث 1، 2، 3.

صفحه 189
3. لو علم في حال السعي نقصان طوافه وقد طاف أقل من أربعة أشواط.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الأوّل: العلم بعدم الإتيان بالطواف حين السعي

إذا علم حين السعي أنّه لم يأت بالطواف، قطعه وطاف ثمّ أعاد السعي ولم يعتد بما أتى منه.
ويدلّ عليه صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل بدأ بالسعي بين الصفا والمروة؟ قال(عليه السلام): «يرجع فيطوف بالبيت، ثمّ يستأنف السعي»، قلت: إنّ ذلك قد فاته، قال: عليه دم، ألا ترى أنّك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك».1
والحديث منصرف عن صورة العلم، لكي يعم صورتي الجهل والنسيان من غير فرق بين تذكره أثناء السعي أو بعد الفراغ منه.
وقد استدلّ في «الرياض»2 بموثّق إسحاق بن عمّار الآتي، ولكن مورده الالتفات إلى نقصان الطواف لا عدم إتيانه، كما سيوافيك في الفرع الثاني إلاّ أن يستدلّ به على المقام بالأولويّة.
ولعلّ نظره إلى الجواب عن السؤال الوارد في الفقرة الثانية حيث فرق الإمام بين من دخل في السعي قبل أن يدخل في الطواف فهو يستأنف السعي، ومن دخله بعد ما دخل في شيء من الطواف، فهو يتم الطواف والسعي معاً كما سيوافيك.

(1) الوسائل:9، الباب63 من أبواب الطواف، الحديث 1 . وهو نفس ما رواه عن الكليني برقم2.
(2) رياض المسائل:6/572.

صفحه 190

الفرع الثاني والثالث: لو علم في حال السعي نقصان طوافه

إذا علم بنقصان طوافه في حال السعي ففي المسألة أقوال ثلاثة:
القول الأوّل: الفرق بين تجاوز الطواف عن النصف وعدمه، ففي الأوّل يرجع ويتمّ، ثمّ يتمّ السعي، وفي الثاني يستأنفهما. وعليه الشيخ والمحقّق والعلاّمة في بعض كتبه.
قال في «المبسوط»: ومن ذكر أنّه نقص شيئاً من الطواف في حال السعي قطع السعي ورجع، فإن كان طاف أكثر من النصف تمّم ورجع فتمّم السعي، وإن كان أقل من النصف أعاد الطواف ثمّ استأنف السعي.1
وقال المحقّق: لو دخل في السعي فذكر أنّه لم يُتمّ طوافه، رجع فأتمّ طوافه إن كان تجاوز النصف وتمّم السعي.2
ومفهومه أنّه إن التفت قبل أن يتجاوز النصف استأنفهما، ولذلك أضاف صاحب «الجواهر» ـ بعد قول المحقّق ـ : وإن لم يكن قد تجاوز النصف استأنف الطواف ثمّ استأنف السعي.3
وقال العلاّمة في «القواعد»: ولو شرع في السعي فذكر نقصان الطواف رجع إليه فأتمّه مع تجاوز النصف ثمّ أتمّ السعي، ولو لم يتجاوز استأنف الطواف ثمّ استأنف السعي.4
القول الثاني: إتمام الطواف السعي مطلقاً، سواء علم قبل تجاوز النصف أو بعده. وهذا هو خيرة الشيخ في «النهاية»، والعلاّمة في «المنتهى». وهو خيرة المتن وإن احتاط بعدُ كما سيوافيك.

(1) المبسوط:1/358.
(2) الشرائع:1/274.
(3) الجواهر:19/335.
(4) القواعد:1/427.

صفحه 191
قال الشيخ: فإن ذكر أنّه لم يكن أتمّ طوافه وقد سعى بعض السعي، قطع السعي وعاد فتمّم طوافه ثمّ تمّم السعي.1
وقال العلاّمة في «المنتهى»: ولو طاف بعض الطواف ثمّ مضى إلى السعي ناسياً فذكر في أثناء السعي نقيصة الطواف، رجع فأتمّ طوافه ثمّ عاد إلى السعي فأتمّ سعيه.2
القول الثالث: التفصيل في الطواف بين الأربعة فبنى عليها والأقل فيستأنف، وأمّا السعي فيتمه في كلتا الصورتين ، سواء طاف أربعة أو أقل. وهو خيرة ابن سعيد في «الجامع» قال:
وإن سعى بعض السعي ظنّاً منه إتمام الطواف فذكر نقصه، وكان أربعة بنى عليه، وإن كان دونها يستأنف ثمّ يتم السعي بكلّ حال.3
ثمّ مدار التفصيل هو بين الأربعة والأقل هو الطواف وأمّا السعي فلم يرد فيه التفصيل في الأقوال، غير أنّ المصنّف احتاط في موضعين بالاستئناف: أحدهما: إذا كان طاف أقلّ من أربعة ، ثانيهما: ما إذا سعى دون الأربعة وإن طاف أربعة أو ما زاد، فتدبّر.
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ بموثقة إسحاق بن عمار الّذي هو كالصحيح.
قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل طاف بالكعبة ثمّ خرج فطاف بين الصفا والمروة، فبينما هو يطوف إذ ذكر أنّه قد ترك من طوافه بالبيت؟ قال: «يرجع إلى البيت فيتمّ طوافه، ثمّ يرجع إلى الصّفا والمروة فيتمّ ما بقي».

(1) النهاية:241.
(2) المنتهى:10/426.
(3) الجامع للشرائع:198.

صفحه 192
قلت: فإنّه بدأ بالصفا والمروة قبل أن يبدأ بالبيت، فقال:«يأتي البيت فيطوف به ثمّ يستأنف طوافه بين الصفا والمروة»، قلت: فما فرق بين هذين؟ قال: «لأنّ هذا قد دخل في شيء من الطواف، وهذا لم يدخل في شيء منه».1
واعلم أنّ المشايخ الثلاثة نقلوا الحديث ـ مضافاً إلى الاختلاف في بعض الألفاظ ـ مع الزيادة والنقيصة.
فرواه الكليني في «الكافي» إلى قوله:فيتم ما بقي.2
ورواه الشيخ في «التهذيب» تارة نحو ما في «الكافي».3
ورواه في موضع آخر كما مرّ(كاملاً).4
نعم رواه الصدوق كاملاً وأخذ الحديث عن كتاب صفوان عن إسحاق بن عمار.5
هذا كلّه راجع إلى مجموع الحديث، وأمّا الاختلاف في بعض الألفاظ.
روى الصدوق: إذا ذكر أنّه قد ترك من طوافه بالبيت.
ونقله الشيخ في «التهذيب»: «ثمّ ذكر أنّه قد بقي عليه من طوافه شيء». ونقله في الجواهر كما هو في «التهذيب».
والعجب أنّ صاحب الوسائل روى الحديث بصورة التمام عن الكافي، مع أنّ الموجود فيه، غير مشتمل على الذيل: السؤال والجواب، ومع ذلك نقل عن الشيخ أنّه نقل الحديث عن الكافي، بلا ذيل؟
إذا علمت هذا. فلنذكر أدلة القولين الأوّلين.

(1) الوسائل: 9، الباب63 من أبواب الطواف، الحديث3.
(2) الكافي:4/418، باب السهو في الطواف، الحديث8.
(3) التهذيب:5/109برقم 355.
(4) التهذيب:5/130برقم 428.
(5) من لا يحضره الفقيه:2/252، باب ما يجب على من بدأ بالسعي، الحديث رقم 1217.

صفحه 193
أما القول الأوّل: أعني التفصيل بين ما إذا طاف أربعة فيرجع ويتم، وبين ما إذا طاف أنقص فيستأنف الطواف ويتم السعي، فيمكن الاستدلال عليه بوجهين:
الأوّل: ما في نسخة التهذيب:«ثم ذكر انّه قد بقي عليه من طوافه شيء» الظاهر في أنّ الباقي أقلّ ممّا أتى، فينطبق على ما إذا طاف أربعة أو أكثر.
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى تفرّد التهذيب بهذا النقل وخلو الكافي والفقيه عنه ـ: أنّ التعليل الوارد في السؤال الثاني ـ أعني: قوله لأنّ هذا قد دخل في شيء من الطواف ـ ظاهر في كفاية مطلق الدخول من غير فرق بين القليل و الكثير فظهوره في كفاية مطلق الدخول في الطواف أقوى من ظهور الصدر من أنّ الباقي شيء قليل من الطواف.
الثاني: الضابطة الماضية في إعادة الطواف وعدمها وقد ذكرنا سابقاً ما يؤيد إطلاق الضابطة ففي موثّقة إبراهيم بن إسحاق، عمّن سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت؟ قال: «تتمّ طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامة، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة، لأنّها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحجّ، وإن هي لم تطف إلاّ ثلاثة أشواط فلتستأنف الحجّ، فإن أقام بها جمّالها بعد الحجّ فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر».1
يلاحظ عليه: أنّ التعليل ورد في روايتين ضعيفتين ـ أعني: حديث إبراهيم بن إسحاق وسعيد الأعرج2 ـ وقد تقدّم سابقاً ضعف الروايتين ، فالشك به، في مقابل التعليل الوارد في حديث إسحاق بن عمّار الظاهر في كفاية مطلق الدخول

(1) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث 4; والباب86 منه، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث 4; والباب86 منه، الحديث1.

صفحه 194
المسألة26: التكلّم والضحك وإنشاد الشعر لا تضرّ بطوافه، لكنّها مكروهة، ويستحب فيه: القراءة، والدعاء، وذكر اللّه تعالى.*
غير تام.
وأمّا القول الثاني: أعني الإتمام مطلقاً، فيستدل عليه بوجهين:
الأوّل: ما في نسخة الفقيه إذ جاء فيها:«انّه ذكر أنّه قد ترك من طوافه بالبيت»، وهو يعمّ كون المتروك أقلّ ممّا أتى أو أكثر.
الثاني: ما في ذيل الحديث حيث علّل الإتمام بدخوله في الطواف وقال: «لأنّ هذا قد دخل في شيء من الطواف»، وهو يدلّ على أنّ مجرّد الدخول كاف في البناء على ما سبق و الإتمام.
والظاهر قوة القول الثاني لقوة التعليل وصراحته أوّلاً، وتردّد الصدر بين كونه: «قد بقي عليه من طوافه شيء» كما في نسخة التهذيب، وكونه:«وقد ترك من طوافه بالبيت» ثانياً. فعلى الأوّل يشترط كون المتروك قليلاً بخلاف الثاني.
وأمّا القول الثالث فلم نجد ما يصلح له دليلاً بالنسبة إلى السعي إلاّ سعة الضابطة وعمومها للسعي، فتدبّر.

* استحباب الدعاء حال الطواف

تشتمل المسألة على جواز أُمور أوّلاً، و في الوقت نفسه كراهتها ثانياً، واستحباب الدعاء ثالثاً.
قال في «المبسوط»: ويكره الكلام في حال الطواف إلاّ بذكر اللّه وقراءة القرآن، ويكره إنشاد الشعر في حال الطواف.1

(1) المبسوط:1/359.

صفحه 195
وقال في «الشرائع»: ويكره الكلام في الطواف بغير الدعاء والقراءة.1
وقال في «المنتهى»: يستحب الدعاء في الطواف بما تقدّم، ويجوز الكلام فيه بالمباح، وهو قول كافّة العلماء، روى الجمهور عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:الطواف في البيت صلاة إلاّ أنّكم تتكلّمون فيه.
وقال أيضاً: قراءة القرآن في الطواف مستحبة غير مكروهة، قاله علماؤنا، وبه قال عطاء ومجاهد والثوري وابن المبارك والشافعي وأبوثور وأصحاب الرأي، وروي عن عروة والحسن ومالك أنّها مكروهة، وعن أحمد روايتان.2
ويدلّ على جواز الأُمور الثلاثة ما رواه علي بن يقطين، عن أبي الحسن(عليه السلام) عن الكلام في الطواف وإنشاد الشعر والضحك في الفريضة أو غير الفريضة، أيستقيم ذلك؟
قال:«لا بأس به، والشعر ما كان لا بأس به منه (مثله خ ل)».3
ويدل على كراهتها ما رواه محمد بن فضيل، عن محمد بن علي الرضا(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال(عليه السلام):«طواف الفريضة لا ينبغي أن تتكلم فيه إلاّ بالدعاء وذكر اللّه وتلاوة القرآن، قال: والنافلة، يلقى الرجل أخاه فيسلّم عليه ويحدّثه بالشيء من أمر الآخرة والدنيا لا بأس به».
ويدل4ّ على استحباب الدعاء ما رواه معاوية بن عمّار من الدعاء.5

(1) الشرائع:1/269.
(2) المنتهى:10/188.
(3) الوسائل:9، الباب54 من أبواب الطواف، الحديث1.
(4) الوسائل:9، الباب54 من أبواب الطواف، الحديث2.
(5) الوسائل:9، الباب20 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 196
المسألة 27: لا يجب في حال الطواف كون صفحة الوجه إلى القدام، بل يجوز الميل إلى اليمين واليسار والعقب بصفحة وجهه، وجاز قطع الطواف وتقبيل البيت والرجوع لإتمامه، كما جاز الجلوس والاستلقاء بينه بمقدار لا يضرّ بالموالاة العرفية، وإلاّ فالأحوط الإتمام والإعادة.*
* في المسألة فروع:
1. جواز الميل في حال الطواف بوجهه إلى اليمين واليسار والعقب.
2. جواز قطع الطواف لتقبيل البيت.
3. جواز الجلوس و الاستلقاء أثناء الطواف بشرط عدم فوت الموالاة.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر:

الأوّل: جواز الميل بالوجه إلى اليمين واليسار والخلف

إنّ الميل بالوجه إلى اليمين واليسار والخلف هو أحد الفروق بين الصلاة والطواف، فإنّ الواجب في الصلاة استقبال القبلة بمقاديم بدنه، الّتي منها الوجه فلا يجوز الميل إلى اليمين واليسار أو العقب بوجهه، بخلاف الطواف، لأنّ الواجب حسب التأسي وصحيح عبد اللّه بن سنان1 هو الطواف على اليسار، وهذا يصدق مع الميل بصفحة الوجه إلى اليمين واليسار.
نعم لو جعل الكعبة على يمينه أو استقبلها بوجهه، أو استدبرها جهلاً أو سهواً أو عمداً لم يصحّ عندنا، لخروجه عن الطواف على اليسار.
نعم لا يقدح في جعل الكعبة على اليسار الانحراف إلى جهة اليمين يسيراً.

(1) راجع الوسائل:9، الباب26 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 197

الثاني: جواز قطع الطواف لتقبيل البيت

يجوز قطع الطواف لأسباب مختلفة، منها قطعه لتقبيل البيت; ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوّذ، وهو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب فقل: »اللّهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، اللّهم من قِبَلك الروح والفرج« ثم استلم الركن اليماني، ثمّ ائت الحجر فاختم به».1
وهذا يدلّ على جواز قطع الطواف لقراءة الدعاء أمام المتعوّذ، كما يجوز قطعه لاستلام الركن اليماني.

الثالث: جواز الجلوس والاستلقاء أثناء الطواف

يجوز قطع الطواف بالجلوس للاستراحة. ويدلّ عليه صحيح علي بن رئاب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) : الرجل يعيا في الطواف ألهُ أن يستريح؟ قال: «نعم يستريح، ثمّ يقوم فيبني على طوافه في فريضة أو غيرها، ويفعل ذلك في سعيه وجميع مناسكه».2
وفي صحيحة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سُئل عن الرجل يستريح في طوافه؟ فقال:«نعم، أنا قد كانت توضع لي مرفقة فأجلس عليها».3
ثمّ لو طال الجلوس والاستلقاء على وجه أضرّ بالموالاة العرفية، فعلى القول بوجوب الموالاة بين الأشواط يجب عليه إعادة ما أتى به، وإن كان الأحوط الإتمام ثمّ الإعادة، خروجاً عن مخالفة من لا يشترط الموالاة في الطواف، كما هو المختار

(1) الوسائل:9، الباب26 من أبواب الطواف، الحديث1، ولاحظ سائر روايات الباب.
(2) الوسائل:9، الباب46 من أبواب الطواف، الحديث1. ولاحظ الحديث2 .
(3) الوسائل:9، الباب46 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 198

القول في صلاة الطواف

المسألة1: يجب بعد الطواف صلاة ركعتين له، وتجب المبادرة إليها بعده على الأحوط، وكيفيتها كصلاة الصبح، ويجوز فيهما الإتيان بكلّ سورة إلاّ العزائم، ويستحبّ في الأُولى التوحيد وفي الثانية الجحد، وجاز الإجهار بالقراءة والإخفات.*
لدى صاحب الحدائق حيث ناقش في وجوب الموالاة في طواف الفريضة، لبعض النصوص الّتي مرّت.1

* في صلاة الطواف وكيفيتها

المسألة تشتمل على فروع:
1. وجوب صلاة الطواف.
2. المبادرة إليها بعد الطواف.
3. كيفيتها كصلاة الصبح.
4. استحباب قراءة التوحيد في الركعة الأُولى وفي الثانية الجحد.
5. ويجوز فيها الإجهار والمخافتة.
وإليك دراسة هذه الفروع:

الأوّل: وجوب ركعتين بعد الطواف

يجب الإتيان بركعتين بعد الطواف على المعروف من مذهب الأصحاب،

(1) لاحظ الجواهر:19/339.

صفحه 199
كما صرح به جماعة1، بل قيل: كاد أن يكون إجماعاً.2
قال الشيخ: ركعتا الطواف واجبتان عند أكثر أصحابنا. وبه قال عامّة أهل العلم: أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والثوري.
وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، والآخر أنّهما غير واجبتين وهو أصحّ القولين عندهم، وبه قال قوم من أصحابنا...إلى أن قال: ولا خلاف أنّ النبيّ صلاّهما،وظاهر ذلك يقتضي الوجوب.3
مع أنّ الشيخ ينسب عدم الوجوب إلى قوم من أصحابنا ـ كما عرفت ـ لكن العلاّمة يصفه بكونه قولاً شاذاً من علمائنا.
قال في «التذكرة»:إذا فرغ من طواف سبعة أشواط تامّة صلّى ركعتي الطواف في مقام إبراهيم حيث هو الآن ـ و هو سنة ثمان عشرة وسبعمائة ـ إلى أن قال : ـ وقال مالك والشافعي بالقول الثاني وأصرّا أنّهما مستحبتان، ـ و هو قول شاذ من علمائنا ـ لأنّها صلاة لم يشرع لها أذان ولا إقامة، فلا تكون واجبة.4
وقال في «السرائر»: وركعتا طواف الفريضة فريضة مثل الطواف على الصحيح من أقوال أصحابنا، وقد ذهب شاذ منهم إلى أنّهما مسنونان، والأظهر الأوّل، لقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى)5، والأمر في عرف الشارع يقتضي الوجوب عندنا بغير خلاف، وموضع المقام حيث هو الساعة وهي سنة سبع وثمانين وخمسمائة.6
ويدلّ على الوجوب أُمور نذكر منها وجهين:

(1) المدارك:8/133; الحدائق:16/134.
(2) المفاتيح:1/327; لاحظ المستند:12/136.
(3) الخلاف:2/327.
(4) التذكرة:8/94.
(5) البقرة:125.
(6) السرائر:1/571.

صفحه 200
1. الآية المباركة والأمر حقيقة فيه.
2. الروايات يستفاد منها وجوب الركعتين. وإليك دراسة الوجهين:
الأوّل: قوله سبحانه: (وَإِذْ جَعَلْنا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفينَ وَالْعاكِفينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).1
أي (إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً): «مرجعاً للناس».
(وَأَمْناً): »فلا يتعرض لمن التجأ إليه من الجناة خارجاً عنه، وقال سبحانه في سورة أُخرى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً).2
(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهيمَ مُصَلّىً): والمراد الصلاة الخاصة به، فخرجت الصلوات اليومية لعدم اختصاصها بمقام خاص من المسجد الحرام، والمقام ـ بفتح الميم ـ : من قام يقوم، بمعنى محل القيام، بخلاف المُقام بضمها، فإنّه من أقام يقيم، بمعنى الإقامة كما في قول بشير:
يا أهل يثرب لا مُقام لكم بها *** قتل الحسين فأدمعي مـدرار
أي لا إقامة لكم بها لما حلّ بكم من مصيبة عظمى وهي قتل الحسين(عليه السلام).
ومقام إبراهيم هو الحجر الّذي ارتفع عليه إبراهيم وفيه أثر قدميه، وبما أنّه لا يمكن الصلاة فيه، والمراد الصلاة في قربه، ويشهد عليه قوله لفظة «من» فإنّها للتبعيض، أي البعض المخصوص خلفه أو جانبيه على ما يأتي. والأمر للوجوب ما لم يدلّ دليل على خلافه و (مُصَلّىً): أي موضعاً للصلاة لا للدعاء، فما نقل القرطبي عن مجاهد انّه بمعنى مدّعى يدعى فيه3 مردود، لأنّ السورة مدنية، وقد

(1) البقرة:125.
(2) آل عمران:97.
(3) تفسير القرطبي:2/113.

صفحه 201
صارت لفظ الصلاة وما اشتق منها، حقيقة في المعنى المخصوص في ذلك العصر، بل يمكن أن يقال: إنّها كانت كذلك في صدر الرسالة، لقوله سبحانه في سورة العلق: (أَرَأَيْتَ الّذى يَنْهى* عَبْداً إِذَا صَلَّى)1، مضافاً إلى ذيل الآية(أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).2
قال الجصاص: إنّ لفظ الصلاة إذا أُطلق تعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود، ألا ترى أنّ مصلّى المصر هو الموضع الّذي يصلّى فيه صلاة العيد، وقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لأُسامة بن زيد:«المصلّى أمامك» يعني: موضع الصلاة المفعولة3 مضافاً إلى أنّ الروايات الواردة عن الفريقين حول الآية.
أخرج السيوطي في «الدر المنثور» عن جابر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً، حتّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خلفه ركعتين، ثمّ قرأ(واتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلّى).
روى الشيخ عن صفوان بن يحيى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلاّ خلف المقام، لقول اللّه عزّ وجلّ:(واتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلّى)، فإن صلّيتها في غيره فعليك إعادة الصلاة».4
روي أيضاً عن أبي عبد اللّه الأبزاري، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل نسي فصلّى ركعتي طواف الفريضة في الحجر، قال: »يعيدهما خلف المقام، لأنّ اللّه تعالى يقول: (واتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلّى) عنى بذلك ركعتي طواف

(1) العلق:9ـ10.
(2) البقرة:125.
(3) أحكام القرآن:1/75.
(4) الدر المنثور:1/290.

صفحه 202
الفريضة».1
كلّ ذلك يدلّ على أنّ المصلّى في الآية بمعنى المحلّ للصلاة المعروفة.

الثاني: الروايات وهي على قسمين:

1. ما ورد فيها الأمر بالصلاة في المقام ففي صحيح معاوية بن عمّار، قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم(عليه السلام) فصلّ ركعتين واجعله إماماً، واقرأ في الأُولى منهما سورة التوحيد(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) وفي الثانية(قُلْ يَا أَيُّها الكَافِرُونَ).2
وفي صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن رجل طاف طواف الفريضة وفرغ من طوافه حين غربت الشمس قال: «وجبت عليه تلك الساعة الركعتان فليصلهما قبل المغرب».
وفي صحى3ح معاوية بن عمار ...وهاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك أن تصليها في أي الساعات شئت عند طلوع الشمس وعند غروبها ولا تؤخّرها ساعة تطوف وتفرغ فصلّهما» .
و4الأمر في الصدر ولفظ الفريضة في الذيل دليلا الوجوب.
2. الأمر بعود من نسي إلى مكة ليصليها ففي رواية عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه(عليه السلام)فيمن نسي ركعتي الطواف حتّى ارتحل من مكة، قال: «إن كان قد مضى قليلاً فليرجع فليصلّهما، أو يأمر بعض الناس فليصلّهما عنه».5

(1) الوسائل:9، الباب72 من أبواب الطواف، الحديث2 . والآية 125 من سورة البقرة.
(2) الوسائل: 9، الباب71 من أبواب الطواف، الحديث3.
(3) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث1، 3.
(4) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث1، 3.
(5) الوسائل: 9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث1. لاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 203
إلى غير ذلك من الأدلّة والقرائن الدالّة على وجوبهما.
وهذا المقدار من البحث ودلالة الذكر الحكيم على الوجوب، يكفي في المقام، ولا حاجة لدراسة أدلّة القائل بالاستحباب لضعفها، وقد تعرّض صاحب الجواهر لها وفنّدها، فراجع.1
تمّ الكلام في الفرع الأوّل، وإليك الكلام في الفرع الثاني.

الفرع الثاني: وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الطواف

المشهور هو وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الطواف مبادرة عرفية وجوباً شرطياً لصحة الصلاة لا وجوباً تكليفيّاً، حتّى تصحّ الصلاة مع التأخير، لكنّ الظاهر من «الدروس» هو الاستحباب حيث قال: وتنبغي المبادرة بهما، لقول الصادق(عليه السلام) لا تؤخّرها ساعة، إذا طفت فصلّ بها.2
ولكن الحديث ظاهر في عدم جواز التأخير إلاّ أن يكون مراده من قوله:«لا ينبغي» هو عدم جوازه.
ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى أنّ الصلاة من متمّمات الطواف ومقتضى ذلك عدم الفصل بينهما ـ روايات:
1. ففي صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة وفرغ من طوافه حين غربت الشمس، قال:«وجبت عليه تلك الساعة، الركعتان فليصلّهما قبل المغرب».3

(1) الجواهر:19/301ـ 302; والتذكرة:8/95.
(2) الدروس:1/397.
(3) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 204
2. وفي صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن ركعتي طواف الفريضة؟ قال:«لا تؤخّرها ساعة إذا طفت فصل».1
3. وفي صحيح معاوية بن عمار: قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين ـ إلى أن قال: ـ وهاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك أن تصلّيهما في أي الساعات شئت، عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولا تؤخّرها ساعة تطوف وتفرغ فصلّهما».2
والأوامر فيها أوامر إرشادية إلى شرطية المبادرة في صحة الصلاة، إذ هي المتبادر من أمثال هذه الأوامر.
نعم في مقابل ما ذكرناه ما يدلّ على جواز تأخيرها في أوقات خاصة.
1. صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن ركعتي طواف الفريضة؟ فقال: «وقتهما إذا فرغت من طوافك، وأكرهه عند اصفرار الشمس وعند طلوعها».3 والظاهر انّ الضمير في «اكرهه» يرجع إلى الطواف فلا صلة له بتأخير صلاته عند اصفرار الشمس وطلوعها.
2. وفي صحيحة أُخرى لمحمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) في حديث قال:«يطوف ويصلّي الركعتين ما لم يكن عند طلوع الشمس أو عند إحمرارها».4
والظاهر انّ النهي يرجع إلى الطواف، لا إلى خصوص الصلاة عند الوقتين فالروايتان خارجتان عن مصب البحث.
3. خبر علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الّذي يطوف بعد

(1) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث5.
(2) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث3.
(3) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث7.
(4) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث8.

صفحه 205
الغداة وبعد العصر وهو في وقت الصلاة، أيصلّي ركعات الطواف نافلة كانت أو فريضة؟ قال(عليه السلام):«لا».1
وهذه الرواية هي الرواية الوحيدة في مورد التعارض حيث تنهى عن خصوص الصلاة بعد الطواف إذا طاف بعد الغداة أو بعد العصر.
ويمكن الجمع بوجوه:
الأوّل: الحمل على التقية، فقد رووا عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:«لا صلاة بعد صلاة العصر ولا بعد صلاة الفجر»، غير أنّهم استثنوا ما إذا كان هناك سبب كما إذا لم يصلّ العصر والغداة بالجماعة وأراد أن يصلي فرادى، أو طاف وأراد أن يصلّي ركعتيه ولكن الإمام(عليه السلام) نهاه لدفع التهمة، فربّما يتصور أنّه يريد الصلاة تطوعاً، فيكون سمة التشيع. أو آية المخالفة للسنّة.
ويشهد على ذلك صحيح ابن بزيع قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن صلاة الطواف التطوع بعد العصر؟ فقال: «لا»، فذكرت له قول بعض آبائه انّ الناس لم يأخذوا عن الحسن والحسين إلاّ الصلاة بعد العصر بمكة، فقال: «نعم، ولكن إذا رأيت الناس يقبلون على شيء فاجتنبه» فقلت: إنّ هؤلاء ليفعلون، فقال:«لستم مثلهم».2
ومفاد الرواية: أنّ عمل أهل السنة بعد صلاة العصر، في المسجد الحرام لا يضرّهم، لأنّه يحمل عملهم على الجهل بالحكم فلا يُؤخذون، وأمّا إذا صليتم أنتم فيما انّكم معروفون بالتشيع ستؤخذون.
ومن لاحظ مسجد الحرام بعد صلاة العصر أو الفجر، يرى أنّ المسجد

(1) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث11.
(2) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث10.

صفحه 206
غاصّ بأهله، لكن لا يوجد فيه من يصلي، إلى أن تغرب الشمس أو تطلع.
كلّ ذلك دليل على أنّ النهي عن إقامة صلاة الطواف بعد الوقتين، نهي سياسي وليس حكماً شرعياً، وذلك لحفظ شؤون الشيعة لدى المخالفين. وإن كان الحكم الشرعي الواقعي هو الجواز.
ويشهد على ما ذكرنا من أنّ النهي كان حكماً حكومياً أو سياسياً لحفظ شؤون الشيعة ما تقدم من صحيح معاوية بن عمّار الماضي: «وهاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك أن تصلّيهما في أي الساعات شئت، عند طلوع الشمس وعند غروبها».1
وفي رواية ميسر، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«صلّ ركعتي طواف الفريضة بعد الفجر كان أو بعد العصر».2
وفي رواية رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال:»أما بلغك قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): يا بني عبد المطلب لا تمنعوا الناس من الصلاة بعد العصر فتمنعوهم من الطواف».3
ومن كان عارفاً بأحاديثهم يميّز ما ورد لبيان الحكم الواقعي عمّا ورد لأجل التقية.
الثاني: حمل الروايات المانعة على النافلة كما نقله صاحب المستند.4
يلاحظ عليه: بأنّ في حديث ابن يقطين تصريح بكون المنع يعمّ النافلة والفريضة.5

(1) الوسائل:9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث3.
(2) الوسائل:9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث6.
(3) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث2.
(4) المستند:12/156.
(5) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث11.

صفحه 207
الثالث: تخصيص الفورية بغير الأوقات الّتي تكره فيها الصلاة كمطالع الشمس ومغاربها، لأنّ فيه تشبّهاً بعَبَدتها.
يلاحظ عليه بوجهين:
1. انّ مورد رواية علي بن يقطين الناهية هو الصلاة بعد الغد والعصر ، وهو أعمّ من الصلاة في مطلع الشمس ومغربها.
2. أنّ في حديث عن عباس عن حكيم بن أبي العلاء1 تصريحاً بجواز الإتيان بها عند غروب الشمس، فالوجه في الجمع هو الأوّل.
ثمّ إنّه نسب محقق كتاب «دليل الناسك» للسيد الحكيم جواز التأخير إلى العلاّمة في «المنتهى» مع أنّ كلامه فيه شاهد على خلافه، نعم هو يجوّز التأخير في النافلة وهو خارج عن البحث.2
الفرع الثالث والرابع: كيفيتها والسور الّتي يستحبّ قراءتها فيها
وأمّا الكيفية فهما ركعتان مثل فريضة الغداة، وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب هو ركعتان لا غير، غير أنّه يستحب عندنا قراءة سورة التوحيد في الركعة الأُولى وسورة الجحد في الركعة الثانية. كما نلاحظه في الروايات التالية:
1. روى جميل، عن بعض أصحابنا قال: قال أحدهما(عليهما السلام): »يصلّي الرجل ركعتي الطواف طواف الفريضة والنافلة بـ(قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ) و (قُلْ يَا أَيُّها الكافِرُون).3

(1) الوسائل: 9، الباب76 من أبواب الطواف، الحديث9.
(2) دليل الناسك:272; المنتهى: 2/692.
(3) الوسائل: 9، الباب71 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 208
2. صحيح معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم(عليه السلام) فصلّ ركعتين، واجعله إماماً، واقرأ في الأُولى منهما سورة التوحيد(قُل هُو اللّهُ أَحَدٌ)، وفي الثانية: (قلْ يَا أَيُّها الكافِرُون) ثم تشهد....1
ومع ذلك قال العلاّمة في «التحرير»: يستحب أن يقرأ في الأوّل الحمد والتوحيد وفي الثانية الحمد والجحد، وروي العكس.2
والرواية ليست من طرقنا، بل رواها النسائي في سننه3، والبيهقي في سننه4، كما ذكره محقّق «تحرير الأحكام» في الهامش. ثمّ إنّ ظاهر الروايتين لزوم إتيانها بالكيفية المذكورة، لكن الذي يصدّنا عن الأخذ به ، ورودها في صحيح ابن عمار مع عدّة من المستحبات، مثل قوله:«واحمد اللّه واثني عليه وصلّ على النبيّ الخ». مضافاً إلى الإجماع على عدم تعيّن سورة خاصة، وإلى خلوّ سائر الروايات عن تعيّن سورة خاصة ولذلك اتّفقت كلمتهم على الاستحباب.

الفرع الخامس: جواز الجهر والمخافتة

إنّ الجهر والمخافتة من صفات الصلوات اليومية النهارية والليلية كما هو الحال في الفرائض الخمسة، وأمّا الصلوات الّتي لا تختص بالنهار ولا بالليل فالإنسان مخيّر بين الإجهار والمخافتة، كما هو الحال في صلاة الآيات، والنوافل المطلقة، مضافاً إلى عدم الأمر بالكيفية في الروايات.

(1) الوسائل: 9، الباب71 من أبواب الطواف، الحديث3.
(2) التحرير:1/582.
(3) سنن النسائي:5/236.
(4) سنن البيهقي:5/91.

صفحه 209
المسألة 2: الشك في عدد الركعات موجب للبطلان ، ولا يبعد اعتبار الظن فيه، وهذه الصلاة كسائر الفرائض في الأحكام.*
* في المسألة فروع:
1. بطلان الصلاة بالشكّ في عدد ركعاتها.
2. اعتبار الظن في عدد ركعاتها.
3. هذه الصلاة كسائر الفرائض في الأحكام.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الأوّل: بطلان الصلاة بالشكّ في ركعاتها

اتّفقت كلمتهم على أنّ الشكّ في صلاة الفجر والجمعة والمغرب والركعتين الأُوليين من الرباعية موجب لبطلان الصلاة. وهل الشكّ في أعداد ركعات صلاة الطواف، مثل ما سبق أو لا؟ لم يرد فيها نصّ خاص، ولكن الإمعان في الروايات الواردة، بأنّ البطلان من خصائص الركعتين، دون أن يختص بالفرائض اليومية: والشاهد على ذلك أنّ الإمام علّل البطلان في صلاة الغداة والجمعة بكونهما ركعتين.
ففي موثّق سماعة قال: سألته عن السهو في صلاة الغداة؟ قال:«إذا لم تدر واحدة صلّيت أو اثنتين فأعد الصلاة من أوّلها، والجمعة أيضاً إذا سها فيها الإمام فعليه أن يعيد الصلاة لأنّها ركعتان».1

(1) الوسائل:5، الباب1 من أبواب الخلل، الحديث 18.

صفحه 210
وروى زرارة: «إنّما فرض اللّه كلّ صلاة ركعتين، وزاد رسول اللّه سبعاً وفيهن الوهم».1ولاحظ سائر الروايات في البابين، تجد أنّ الأُولتين ـ اللتين لا يدخل فيهما الشكّ ـ في الروايات كناية عن الركعتين، سواء إذا كانت معهما ركعة أو ركعات أُخرى، أو لا.

الثاني: اعتبار الظن في ركعاتها

هل يعتبر الظن في عدد ركعاتها، لأنّ الظنّ في عدد الركعات مطلقاً حتّى فيما تعلّق بالركعتين الأُوليين من الرباعية أو بالثنائية أو الثلاثية كاليقين، ومن البعيد أن تختص صلاة الطواف بحكم ماض وعليه استقرت نظرية فقهاء العصر حتّى المصنّف في مبحث الخلل2: القول في حكم الظن بالأفعال، فيكون الظن حجّة في المقام أيضاً.

الثالث: صلاة الطواف كسائر الفرائض في الأحكام

حكم صلاة الطواف حكم سائر الفرائض في الشروط والموانع إلاّ ما خرج بالدليل كعدم الأذان والإقامة فيها، لأنّ ما عُدّ شرطاً أو مانعاً، فإنّما هو شرط ومانع لطبيعة الصلاة فقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا صلاة إلاّ بطهور»، وقوله: «لا تصلّ في وبر ما لا تؤكل لحمه» راجع إلى طبيعة الصلاة.

(1) الوسائل:5، الباب1 من أبواب الخلل، الحديث2.
(2) تحرير الوسيلة:1/189.

صفحه 211
المسألة3: يجب أن تكون الصلاة عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، والأحوط وجوباً كونها خلفه، وكلّما قرب إليه أفضل، لكن لا بحيث يزاحم الناس، ولو تعذّر الخلف للازدحام أتى عنده من اليمين أو اليسار، ولو لم يمكنه أن يصلّي عنده يختار الأقرب من الجانبين والخلف، ومع التساوي يختار الخلف، ولو كان الطرفان أقرب من الخلف لكن خرج الجميع عن صدق كونها عنده لا يبعد الاكتفاء بالخلف، لكن الأحوط إتيان صلاة أُخرى في أحد الجانبين مع رعاية الأقربية، والأحوط إعادة الصلاة مع الإمكان خلف المقام لو تمكّن بعدها إلى أن يضيق وقت السعي.*
* في المسألة فروع:
1. لزوم إتيان صلاة الطواف خلف المقام.
2. إذا تعذّر الخلف أتى عند المقام من اليمين أو اليسار.
3. لو لم يتمكّن من الصلاة عنده يختار الأقرب من الجانبين أو الخلف ومع التساوي يختار الخلف.
4. لو كان الطرفان أقرب من الخلف لكن لا يصدق على الجميع كون الصلاة عند المقام، لا يبعد الاكتفاء بالخلف.
5. يحتاط في الصورة الرابعة بوجهين:
أ. الإتيان بصلاة أُخرى في أحد الجانبين مع رعاية الأقربية.
ب. إعادة الصلاة لو تمكّن بعدها من الصلاة خلف المقام إلى أن يضيق وقت السعي.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

صفحه 212

الأوّل: وجوب إتيان صلاة الطواف خلف المقام

إنّ إضافة الصلاة إلى الطواف كإضافتها إلى الميّت والخسوف ويقال: صلاة الميت وصلاة الخسوف، فكأنّ موت الإنسان أو خسوف القمر سبب لوجوب الصلاة، وهكذا في المقام فإنّ الإتيان بالطواف سبب لوجوبها. وبما أنّ الصلاة متأخّرة عن الطواف لا تعدّ جزءاً له ولا شرطاً لصحّته، لأنّ المألوف عند العرف تقارن الجزء، وتقدّم الشرط أو تقارنه. والمفروض خلافه، أي تأخّرها عن الطواف اللّهم إلاّ أن يكون شرطاً متأخراً، وهو رهن وجود الدليل.
وأمّا بالنسبة إلى السعي فلا تعدّ جزءاً له، لاستقلال العملين لظهور قوله(عليه السلام) في ذلك:»فإذا فرغ صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام) ثمّ خرج إلى الصفا والمروة فطاف بينهما».1
نعم تقدّمه شرط ذُكريّ لصحّة السعي، لما سيأتي في المسألة الرابعة من أنّ من نسي الصلاة وتذكّر أثناء السعي يقطع سعيه ويصلّي ثمّ يرجع ويتمّ سعيه. وذلك لأنّ المتبادر من الوجوب في هذه المقامات (وجوب قطع السعي) ان تقدم الصلاة شرط لصحة السعي.

صلاة الطواف ومكانها

اتّفق الفقهاء على وجوب ركعتين بعد الطواف في العمرة والحجّ إلاّ ما يحكي عن الشافعي في أحد قوليه2 ، والكلام في المقام في مكانها عند الزحام

(1) الوسائل:9، الباب34 من أبواب الطواف، الحديث15.
(2) الخلاف:2/327.

صفحه 213
وغيره. والأصل في ذلك قوله سبحانه:(واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصلّىً) أي اتّخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلّون فيه. والمعروف حسب النصوص والروايات وكلمات العلماء أنّ المقام ـ الّذي هو موضع وقوف إبراهيم(عليه السلام) عند بنائه للبيت ـ هو صخرة على شكل مكعب متساوي الأضلاع، وطول الضلع ذراع واحد بذراع اليد، أي ما يساوي 50سانتمتراً تقريباً، وهذا المقدار لا يتسع لأداء الصلاة، لأنّ ما يشغله المصلّي المستوي الخلقة ـ عادة ـ من المساحة الكافية لوقوفه وركوعه وسجوده وجلوسه هو 50 سم عرضاً في 100 سم طولاً، وأين هذا من مساحة الحجر؟1 فيقع الكلام في تفسير الآية وسوف يوافيك معناه.
إنّ تعبير المحقّق: «يجب أن يصلّي في المقام» أثار بحثاً بين الشُّراح قال في «المدارك»: إنّه غير جيّد، أمّا لو قلنا بأنّ المقام نفس العمود الصخري فواضح، وأمّا إن أُريد به مجموع البناء الّذي حوله فلأنّه لا يتعيّن وقوع الصلاة فيه قطعاً.2 وقريب منه في «المستند».3
يرد على الاحتمال الثاني: أنّ البناء كان أمراً مستحدثاً ولم يكن في عصر الرسول حين نزول الآية حتّى تفسر به. وقد أُزيل في السنين الأخيرة وكان موجوداً إلى أوائل العقد الثامن من القرن الرابع عشر، أعني: سنة 1381هـ.
وقد وافقه صاحب الجواهر فقال: إنّ تعبير بعض الفقهاء بالصلاة في المقام مجاز تسمية لما حول المقام باسمه، إذ القطع بأنّ الصخرة الّتي فيها أثر قدمي إبراهيم لا يصلّى عليها.4
ثمّ إنّ بعض المفسرين من السنّة حاول حفظ ظهور الآية وهو انّ كون

(1) مبادئ علم الفقه:3/210.
(2) المدارك:8/181.
(3) المستند:12/139.
(4) الجواهر:5/318.

صفحه 214
الصلاة في المقام حقيقة فقال: المراد من مقام إبراهيم هو عرفة والمزدلفة والجمار، لأنّه قام في هذه المواضع وسعى فيها، وعن النخعي الحرم كلّه مقام إبراهيم.1
واحتمل بعضهم أنّ المراد من المقام هو المسجد الحرام، ولكنّه محجوج بفعل النبي حيث إنّه بعد ما طاف سبعة أشواط أتى إلى المقام فصلاّهما، وتلا قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً)، فأفهم الناس أنّ هذه الآية أمر بهذه الصلاة وهنا مكانها.2
وفي صحيح مسلم بسنده عن جابر في بيان حج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهيمَ مُصَلّىً).3

توضيح مفاد الآية

المهم هو توضيح مفاد الآية فهناك فرق بين قولنا: «فاتّخذوا مقام إبراهيم مصلّى» و قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهيمَ مُصَلّىً). وإنّما يلزم المحال عند الجمود على ظاهر الأوّل، لعدم التمكّن من الصلاة في المقام الّذي هو الصخرة.
وأمّا الثاني فقد ذكروا في الجار «من» احتمالات من كونها للتبعيض، أو بمعنى في، أو للابتداء، أو بمعنى عند. والأولى الرجوع إلى الآيات الّتي ورد فيها هذا النوع من التركيب حتّى يتعيّن أحد الاحتمالات.
قال سبحانه: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً).4

(1) الكشاف:1/287.
(2) سنن الترمذي:3/211 رقم الحديث856; سنن النسائي:5/235.
(3) صحيح مسلم:4/40ـ41، باب حجة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
(4) النحل:68.

صفحه 215
وقال سبحانه: (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً).1
هذا كلّه في مورد المكان، وأمّا في غيره فمثل قوله سبحانه:
(لاتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً).2
(ولاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً).3
(تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً).4
ومثّل في «الجواهر» وقال: «اتّخذت من فلان صديقاً ناصحاً، ووهب إليه لي من فلان أخاً مشفقاً».5
ترى في هذه الموارد أنّ شيئاً عامّاً يؤخذ منه جزء لغرض، فالنحل تتخذ من الجبال جزءاً بصفة البيت، أو أنّهم كانوا يتّخذون من سهول الأرض قصوراً، أو أنّ الشيطان يتّخذ من عباد اللّه نصيباً، إلى غير ذلك.
فإذا كان هذا ظاهر هذه التراكيب، فالآية منزّلة على هذا النمط من الكلام، فيراد من المقام ما يجاوره ويقاربه تسمية لما حول المقام باسمه، ضرورة أنّ المقام لا يتبعض لأخذ المصلّى منه، فعلى الطائف أن يأخذ جز ءاًمن هذا المقام المجازيّ مصلّىً يصلّي فيه، وإطلاق الآية يعمّ الخلف وما حوله من اليمين واليسار، ولا يختصّ مفاده بالخلف. لأنّ المقام حسب ما استظهرناه هو المكان المتّسع قرب المقام الحقيقي، المسوِّغ لتسمية ذلك المكان مقاماً أيضاً، فالموضوع هو الصلاة قربه.
فخرجنا بتلك النتيجة: أنّ المقام أُطلق وأُريد منه ما يجاوره ويليه، وأنّ

(1) الأعراف:74.
(2) النساء:118.
(3) النساء:89.
(4) النحل:67.
(5) الجواهر:19/319.

صفحه 216
«من» تبعيضية لا غير، وسائر الاحتمالات الأُخرى غير تامّة.
وعلى ضوء ما ذكرنا فاللازم هو التصرف في لفظ «المقام» على ما عرفت، وأمّا التصرف في الجار، أعني: «من» ، وجعله تارة بمعنى«في»، و أُخرى بمعنى «عند»، فغير وجيه.
وذلك لأنّ مجرد جواز استعمال «من» مكان «في» أو «عند» ـ على فرض صحّته ـ لا يسوّغ تفسير الآية بهما، لأنّ مادة الفعل «الأخذ» لا يتعدى لا بـ«في» و لا بـ«عند»، ولو فرض صحة استعماله فهو استعمال شاذ، لا يحمل عليه الذكر الحكيم.
هذا هو مفاد الآية فإن دلّت الروايات على أوسع من الآية أو أضيق منه، نأخذه، وإلاّ فمفاد الآية هو المتّبع.
وسيوافيك أنّ المستفاد من الروايات كفاية إتيان الصلاة قريباً من المقام. من غير فرق بين الخلف وأحد الجانبين، فما دام يصدق على العمل كونه «عنده» فهو مسقط للفريضة، وأمّا التركيز على كونها خلف المقام كما في طائفة من الروايات، فالظاهر أنّه بصدد الرد على تقديم الصلاة على المقام، ولزوم تأخّرها عنه. لا بلزوم كونها خلفه لا جنبه، وهو يصدق مع إتيانها يميناً ويساراً وخلفاً.

العناوين الواردة في كلمات الفقهاء

إذا عرفت ذلك فلنذكر العناوين الواردة في كلمات فقهائنا ثمّ ما هو الوارد في لسان الروايات.
أمّا الأُولى: فقد اختلفت كلمة الفقهاء في التعبير عن موضع الصلاة على الشكل التالي:
1. الصلاة في المقام.

صفحه 217
2. الصلاة خلف المقام.
3. الصلاة عند المقام.
أمّا الأوّل: فقد عبّر عنه كثير من الفقهاء.
قال المحقّق في «الشرائع»: يجب أن يصلّي ركعتي الطواف في المقام.1
وقال العلاّمة: وتجبان ـ الركعتان ـ في الواجب بعده في مقام إبراهيم(عليه السلام) حيث هو الآن ولا يجوز في غيره.2
وأمّا الثاني: أي خلف المقام، فقال ابن الجنيد: ركعتا طواف الفريضة فريضة عقيبه خلف مقام إبراهيم، وكذا قال ابن أبي عقيل.3
وبذلك عبّر الشهيد في «الروضة»4، والأردبيلي في «مجمع الفائدة»5، والبحراني في «الحدائق».
أمّا الثا6لث: أي عند المقام فقال ابن البراج: والصلاة ـ ركعتا الطواف ـ عند مقام إبراهيم.7
والظاهر أنّ الجميع يرشد إلى معنى واحد وهو الصلاة قرب مقام إبراهيم، ولذلك نرى أنّ الصدوق بعدما قال: ثمّ ائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين قال: واجعله أمامك.8
هذا كلّه ناظر إلى كلمات الفقهاء.
وأمّا النصوص الواردة في تحديد موضع صلاة الطواف فهي على طوائف،

(1) الشرائع:1/268.
(2) قواعد الأحكام:1/427.
(3) المختلف:4/201.
(4) الروضة البهية:2/250.
(5) مجمع الفائدة:7/87.
(6) الحدائق:16/135.
(7) المهذب:1/231.
(8) الهداية:58.

صفحه 218
وتتلخّص في العناوين التالية:
1. خلف المقام.
2. جعل المقام إماماً.
3. في المقام.
4. عند المقام.
والظاهر رجوع العنوان الثاني إلى الأوّل فإنّ من جعل المقام إماماً، يقع خلف المقام فليس هذا عنواناً جديداً . ففي صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم(عليه السلام) فصلّ ركعتين واجعله إماماً».1 ومعنى ذلك لا تتقدّم عليه وكن خلفه.
ولنقتصر بنقل ما يدلّ على لزوم الإتيان بها في موقع خاص من هذه المواقع، على نحو ينفي في بدء النظر جواز إتيانها في موقع آخر، فتكون النتيجة وجود المنافاة بين الروايات. وأمّا ما يدلّ على الجواز في بعض هذه المواقع، كفعل النبي أو الإمام الّذي لا يستفاد منها التعيّن، أو ما لا يدلّ على المطلوب، لكون الرواية في مقام بيان أمر آخر فنتركه للقارئ الكريم.

الطائفة الأُولى: تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام

1. صحيحة معاوية بن عمار الماضية قال:»فائت مقام إبراهيم(عليه السلام) فصلّ ركعتين، واجعله إماماً، واقرأ في الأُولى منهما سورة التوحيد(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) وفي الثانية (قُلْ يَا أَيُّهَا الكافِرُونَ)، ثمّ تشهد واحمد اللّه واثن عليه، وصلّ على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

(1) الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 219
واسأله أن يتقبّل منك».1
وقد مرّ أنّ مفاد الحديث هو إتيان الصلاة خلف المقام، والأمر ظاهر في التعيّـن، واشتمال الرواية على قسم من المندوبات لا يضرّ بظهورها فيه، إذ المتبع هو الظهور ما لم يدلّ دليل على الخلاف.
2. مرسلة صفوان، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلاّ خلف المقام، لقول اللّه عزّ وجلّ:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً)، فإن صلّيتها في غيره فعليك إعادة الصلاة».2
ودلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، وإن كانت دلالة الآية عليه (خلف المقام)، غير واضحة لنا.
3. خبر أبي عبد اللّه الأبزاري قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل نسي فصلّى ركعتي طواف الفريضة في الحِجر، قال: »يعيدهما خلف المقام، لأنّ اللّه تعالى يقول: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً) عنى بذلك ركعتي طواف الفريضة».3
ودلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، وإن كانت دلالة الآية عليه غير واضحة لنا.
4. معتبرة سليمان بن حفص المروزي، عن الفقيه(عليه السلام) قال: »إذا حجّ الرجل فدخل مكّة متمتّعاً فطاف بالبيت وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم(عليه السلام) وسعى بن الصفا والمروة وقصّر، فقد حلّ له كلّ شيء ما خلا النساء، لأنّ عليه لتحلّة

(1) الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث3.
(2) الوسائل: 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث1.
(3) الوسائل: 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 220
النساء طوافاً وصلاة».1 ودلالته بظاهره على لزوم إتيانها خلف المقام لا غبار عليها.
5. مرسل جميل، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه قال:«يصلّي الرجل ركعتي طواف الفريضة خلف المقام».2
6. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إنّما نسك الّذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت، وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحجّ».3
ودلالته على لزوم الإتيان بها خلفه في التمتع، لأجل اشتراك الأقسام: التمتع، والقران والإفراد في الحكم إلاّ ما خرج.
7. صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) في تعريف المتعة؟ فقال: «يهلّ بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت فصلّى الركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصّر وأحل...».4
فالحديث في مقام بيان مقدّمات حجّ التمتع، وأنّ منها الصلاة خلف المقام.
ولعلّ هذا المقدار من النصوص كاف والروايات أكثر ممّا نقلت، وإنّما تركت بعضها لعدم وضوح دلالتها على التعيين. وسيوافيك أنّ التأكيد على

(1) الوسائل: 9، الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث7.
(2) الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب الطواف، الحديث9.
(3) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث6.
(4) الوسائل:8، الباب5 من أبواب أقسام الحج، الحديث3.

صفحه 221
الصلاة خلف المقام لأجل ردّ جواز الصلاة بين البيت والمقام.فانتظر.

الطائفة الثانية: وجوب إتيان الصلاة عند المقام

هناك روايات تدلّ على لزوم الإتيان بها «عند المقام» نذكر منها ما يلي:
1. حديث جميل بن دراج، عن أحدهما(عليهما السلام) أنّ الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي.1
2. صحيح أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثمّ حاضت قبل أن تصلّي الركعتين؟ قال: «إذا طهرت فلتصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم وقد قضت طوافها».2
3. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «القارن لا يكون إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف بعد الحج، وهو طواف النساء».3
4. صحيحه الأُخر في بيان ما يعتبر في حجّ التمتع عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): »على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف ـ إلى أن قال: ـ و ركعتان عند مقام إبراهيم(عليه السلام)».4
5. صحيحه الثالث قال:»المفرد للحج عليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم(عليه السلام)».5

(1) الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث3.
(2) الوسائل: 9، الباب 88 من أبواب الطواف، الحديث2.
(3) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث12.
(4) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث8.
(5) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث13.

صفحه 222
والأحاديث الثلاثة لابن عمار، بصدد بيان أجزاء الحج بأقسامه الثلاثة: القران، والتمتع والإفراد ومن أجزاء الحج بأقسامه الثلاثة، هي الصلاة عند المقام.
6. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج ـ إلى أن قال: ـ فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها، ثمّ يأتي مكّة ولا يقطع التلبية حتّى ينظر إلى البيت، ثمّ يطوف بالبيت ويصلي الركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام) ...».1
إلى غير ذلك من الأحاديث المبثوثة في أبواب أقسام الحج والطواف.

الطائفة الثالثة: الصلاة في المقام

وهناك ما يدلّ على أنّ المعتبر هو الصلاة في المقام.
1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سُئل عن رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين ـ إلى أن قال: ـ و يرجع إلى المقام فيصلّي ركعتين».2 أي فيه.
2. خبر أحمد بن عمر الحلاّل قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتّى أتى منى؟ قال: «يرجع إلى مقام إبراهيم فيصلّيهما».3 أي فيه.
3. وفي صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين».4 أي فيه.

(1) الوسائل:8، الباب8 من أبواب أقسام الحج، الحديث2.
(2) الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث5.
(3) الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث12.
(4) الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 223

الجمع الدلالي بين الروايات

هذه عمدة الروايات الواردة، وقد مرّ أنّ ما ذكر لفظ «الأمام» يريد به كون المصلّـى خلف المقام، وأمّا الصنف الأخير، الدال على الإتيان بها في المقام، فقد مرّ أنّ الصلاة فيه غير ممكنة فلابدّ أن يراد به حول المقام ، فلم يبق من العناوين إلاّ العنوانان التاليان:
1. خلف المقام.
2. عند المقام.
وأمّا الجمع بينهما فهو: أنّ التأكيد على الإتيان بها خلف المقام، لغاية نفي التقدّم على المقام، كما إذا صلّى بين البيت و المقام على نحو يكون المقام خلفه، ولعلّ الإصرار على ذلك هو اشتهار أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت ثمّ أتى به إلى المكان المعهود، فكان ذلك سبباً لإتيان الصلاة قبل المقام، فتأكيد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على الإتيان بالصلاة وراء المقام ، كان رداً لتلك الفكرة، ويشهد على هذا صحيح إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت: للرضا(عليه السلام): أُصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة، أو حيث كان على عهد رسول اللّه، قال: «حيث هو الساعة».1
وفي صحيح محمد بن مسلم: »كان الناس على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يطوفون بالبيت والمقام وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحد موضع المقام اليوم».2

(1) الوسائل:9، الباب71 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 224
وحاصل الكلام: كان المعروف في عصر صدور الروايات، انّ المقام كان ملصقاً بالبيت، وكان ذلك سبباً، لتوهم جواز الإتيان بالصلاة بين البيت والمقام اليوم، فعمد أئمّة أهل البيت برد الوهم والتأكيد على إتيانها خلف المقام، وجعله أمامه لا خلفه، وعند ذلك يكون الموضوع «كون الصلاة عند المقام» أي حوله. وهو يصدق على الصلاة خلفه أو أحد جانبيه.
والحاصل: كما أنّ للآيات شأنَ نزول، كذلك للروايات أيضاً سبب صدور وبالرجوع إليه يرتفع الإبهام عن وجوبها.
وعلى ضوء ذلك، فيمكن أن يقال: أنّ سبب التركيز على وقوع الصلاة خلف المقام لا لأجل اعتبار الخلفيّة في مقابل اليمين واليسار، بل التركيز لأجل نفي التقدّم، ولذلك أمر الإمام أن يجعل المقام إماماً، أي لا يتقدّم عليه.
فيكون الموضوع حسب الآية والروايات «الصلاة عند المقام ولديه» سواء كان خلف المقام أو اليمين واليسار، لكن بشرط عدم التقدّم عليه.
وأمّا على مختار الأصحاب من التركيز على شرطية الخلف وعدم كفاية الصلاة في أحد الجانبين فالموضوع عندهم مركب من أمرين:
1. كون الصلاة خلف المقام.
2. كون الصلاة عند المقام.
وعلى ذلك لو صدق كون الصلاة خلف المقام ولم يصدق كونها عنده، فلا يكفي ذلك، كما إذا صلّى خلف المقام لكن بعيداً عنه.
كما أنّه لو صلّى عند المقام دون خلفه، فلا يكفي، كما إذا صلّى في أحد الجانبين: اليمين واليسار.

صفحه 225
نعم ورد في خبر أبي بلال المكّي، قال: رأيت أبا عبد اللّه(عليه السلام) طاف بالبيت ثمّ صلّى فيما بين الباب والحجر الأسود ركعتين، فقلت له: ما رأيت أحداً منكم صلّى في هذا الموضع، فقال: «هذا المكان الّذي تيب على آدم فيه».1
فلو كان المراد من الباب باب الكعبة كما هو الظاهر، لزم أن يكون الإمام صلّى الركعتين والمقام خلفه لا أمامه.
واحتمال أنّ الإمام صلّى عند المقام محاذياً بين الباب والحجر الأسود غير صحيح، لأنّ هذا لا يثير تعجّب الراوي، إذ يكون عملاً عاديّاً.
كما أنّ حمل الصلاة على التطوّع غير صحيح، لأنّ الظاهر أنّ الإمام صلّى في الموضع الّذي صلّى فيه لأجل طوافه بالبيت حيث قال: طاف بالبيت ثمّ صلّى فيه. فالرواية لا يُحتج بها، لأنّها معرض عنها.
اللّهمّ إلاّ أن يحمل على الطواف المجرّد عن سائر الأعمال فيجوز إتيان صلاته من حيث شاء ويدل عليه خبر زرارة.2
ومن ذلك يعرف النظر في بعض الكلمات على ما عرفت، وأنّه ليس للخلفية موضوعية وانّما الموضوعية لعند المقام ولديه.

حكم الصلاة عند الزحام

ما ذكرنا من الحفاظ على عنوان «العندّية» فقط أو «الخلفيّة» و «العندّية» راجع إلى حال الاختيار وعدم الزحام، وأمّا عند كثرة الطائفين فكثيراً ما يكون

(1) الوسائل:9، الباب73 من أبواب الطواف، الحديث3.
(2) الوسائل:9، الباب73 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 226
«خلف المقام » مطافاً للطائفين فيأتون زرافات ووحداناً ، والمصلّون من الشيعة خلف المقام بين قائم وراكع وساجد، وعند ذلك يقع التدافع وتثور ثورة الطائفين من جانب ومنع المصلّين من جانب آخر، وينتهي الأمر إلى الجدال الممنوع في الحجّ فما هو الواجب في هذه الحالة؟
وبما أنّ المسألة ليست حديثة الابتلاء، بل لها جذور في تاريخ الحجّ، تعرض لها الفقهاء في كتبهم، وقد اختلفت كلمتهم في هذا الموضع بالنحو التالي:

1. مخيّر بين وراء المقام أو أحد جانبيه

قال المحقّق: فإن منعه زحام صلّى وراءه أو إلى أحد جانبيه.1

2. تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان

قال صاحب الرياض: الأحوط تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان.2

3 . تحرّي الأقرب فالأقرب

واختار الفاضل الاصبهاني تحرّي القرب منه ما أمكن، وإذا تعذّر لزحام جاز البعد بقدر الضرورة.3
وعلى كلّ تقدير يقع الكلام تارة في حكمها من حيث القواعد، وأُخرى من حيث النصوص.

(1) شرائع الإسلام:1/268.
(2) رياض المسائل:6/540.
(3) كشف اللثام:5/449.

صفحه 227
أمّا مقتضى القواعد فهناك احتمالان:
أ. سقوط وجوب الصلاة عند تعذّر الشرط.
ب. سقوط وصف «العندية» أو «الخلفية» لا نفس الصلاة.
أمّا الأوّل: فهو ضعيف جدّاً بشهادة أنّه لو نسي صلاة الطواف يقضيها أينما تذكر إذا شق عليه الرجوع، وإلاّ يرجع فيصلّي في المقام كما سيوافيك.
بقي الثاني: ولكن سقوط «العنديّة» على وجه الإطلاق بمجرّد الزحام غير صحيح، بل يتربّص إلى الحدّ الّذي لا يفوت معه الموالاة بين الصلاة والسعي.
فإذا لم يسقط الواجب ولم يتمكّن من الصلاة عند المقام حتّى بعد الصبر والتربّص يلزم ـ على المختار عندنا ـ عليه الصلاة في كلّ نقطة أقرب إلى المقام بشرط أن لا يتقدّم عليه، من غير فرق بين الخلف والجانبين، بل الموضوع هو حفظ «العنديّة» مهما أمكن، أي الأقرب فالأقرب، وعلى ذلك ينزل ما روي عن حسين بن عثمان بسندين: أحدهما نقيّ والآخر غير نقيّ.
أمّا الأوّل، فقد رواه الكليني في «الكافي» و قال: رأيت أبا الحسن موسى(عليه السلام) يصلّي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريباً من ظلال المسجد.
وأمّا الثاني فقد رواه الشيخ وقال: رأيت أبا الحسن(عليه السلام) يصلّي ركعتي الفريضة بحيال المقام قريباً من الظلال لكثرة الناس.1
والتعبير في كليهما واحد غير وجود التصريح بالسبب في رواية «التهذيب» دون «الكافي»، وما ذكر فيه السبب، وإن كان ضعيف السند، لكن وحدة المتن يكشف عن صدق الراوي في الحديث، ومن البعيد أن يزيد من جانبه شيئاً.

(1) الوسائل:9، الباب75 من أبواب الطواف، الحديث1و2.

صفحه 228
وبذلك يعلم أنّ ابتعاد الإمام(عليه السلام) عن نفس المقام لأجل كثرة الناس، وأمّا انتخابه قريباً من ظلال المسجد وفي الوقت نفسه حيال المقام لأجل أنّه كان في ذلك الوقت أقرب من سائر الأمكنة.
هذا على المختار، وأمّا على مختار الأصحاب فبما أنّ المعتبر عندهم رعاية أمرين: الخلفية والعنديّة ، فقد فصلّوا في ذلك كالتالي:
ففي نجاة العباد: يختار عند الزحام الأقرب إلى المقام من الخلف، وإلاّ فيختار أحد الجانبين، وإلاّ فحيث يشاء مع رعاية الأقرب إلى الخلف.1
وأمّا المصنّف فقد أخذ «خلف المقام» محوراً ـ مثل الأصحاب ـ لكن فصّل بوجه أدق، قال:
1. تقدّم الصلاة في الخلف على الصلاة في الجانبين، مادام يصدق عليه كونها عنده.
2. لو كان الابتعاد عن المقام كثيراً على نحو لا يصدق عليها الصلاة خلف المقام بخلاف الصلاة في أحد الجانبين يقدّم الثاني على الخلف.
3. لو لم يتمكن من الصلاة عند المقام مطلقاً، سواء صلّى خلف المقام أو أحدهما، يختار الأقرب إلى المقام من الخلف وأحد الجانبين.
4. ولو تساويا في القرب واشتركا في عدم صدق الصلاة عند المقام، يقدّم الخلف على أحدهما.
5. لو كان الطرفان أقرب من الخلف لكن يفقد الجميع: الصلاة خلف المقام والجانبين وصف كون الصلاة عند المقام، لا يبعد الاكتفاء بالخلف.

(1) نجاة العباد:33.

صفحه 229
المسألة 4: لو نسي الصلاة أتى بها أينما تذكر عند المقام، ولو تذكر بين السعي رجع وصلّى ثمّ أتم السعي من حيث قطعه وصحّ ولو تذكر بعد الأعمال المترتبة عليها لا تجب إعادتها بعدها، ولو تذكر في محل يشق عليه الرجوع إلى المسجد الحرام صلّى في مكانه ولو كان بلداً آخر، ولا يجب الرجوع إلى الحرم ولو كان سهلاً، والجاهل بالحكم بحكم الناسي في جميع الأحكام.*
ولكن الأحوط بعد الإتيان بالصلاة في الخلف، الاحتياط بإتيان صلاة أُخرى في أحد الجانبين مع رعاية الأقربية.
وأخيراً احتاط بإتيان صلاة خلف المقام إذا تمكّن من الفرد الاختياري، أعني: الصلاة خلف المقام إلى أن يضيق وقت السعي.
أرى أنّ هذا التفصيل في «نجاة العباد» والمتن، مبني على إعطاء الأصالة للصلاة خلف المقام، وأمّا على ما قلناه فالميزان هو الصلاة عند المقام مهما أمكن وإلاّ فالأقرب والأقرب إليه.
* في المسألة فروع:
1. لو نسي الصلاة ]قبل السعي[ وتذكّر بعده.
2. لو نسي صلاة الطواف وتذكّر في أثناء السعي.
3. لو نسي صلاة الطواف وتذكر بعد السعي أو بعد الفراغ من الأعمال.
4. الجاهل بالحكم، كحكم الناسي في جميع الأحكام.
وإليك دراسة الفروع واحد بعد الآخر:
الفرع الأوّل: لو نسي الصلاة وتذكر قبل السعي، يأتي بالصلاة عند المقام،

صفحه 230
وهو مقتضى عامّة الروايات الواردة في المسألة على اختلاف صنوفها ويكفي إطلاق صحيح الكناني، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) رجل نسي أن يصلي الركعتين عند مقام إبراهيم في طواف الحج والعمرة؟ فقال: إن كان بالبلد صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام) ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً)1 ، وإن كان قد ارتحل فلا آمره أن يرجع. وإطلا2ق الحديث يعم المورد.

الفرع الثاني: التذكّر أثناء السعي

لو تذكّر أثناء السعي أنّه لم يصلّ ركعتي الطواف، ففي المسألة قولان:
الأوّل: يرجع إلى المقام ويصلّي ثم يتمّم سعيه، وبذلك قال العلاّمة وصاحب الحدائق وغيرهما.
الثاني: أنّه مخيّر بين الرجوع إلى المقام وبين إتمام السعي ثمّ إتيان الصلاة، وهو خيرة الصدوق.
وإليك بعض الكلمات:
قال العلاّمة: ولو نسيها حتّى شرع في السعي قطع السعي وعاد إلى المقام فصلّى الركعتين ثمّ عاد فتمم السعي، ثمّ استدلّ برواية محمد بن مسلم.3
وقد عنونه في «الحدائق» ونقل روايات الباب ولم يذكر فيه خلافاً.4
وقد عقد صاحب الوسائل باباً خاصاً نقل فيه روايات الفرع، ويظهر منها

(1) البقرة:125.
(2) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث16.
(3) التذكرة:8/100، وستوافيك روايته برقم 2.
(4) الحدائق الناضرة:16/291.

صفحه 231
عدم الفرق بين كون التذكّر قبل التجاوز عن النصف أو بعده، إلاّ في حديث ذكر السائل في سؤاله أنّه أتى بخمسة أشواط أو أقل، ومن المعلوم أنّ القيد في كلام السائل لا يخصص الحكم، وربما يوجب عدم انعقاد الإطلاق.
وإليك هذه الروايات:
1. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل طاف طـواف الفريضـة ونسـي الركعتين حتّى طـاف بين الصفـا والمـروة ثـمّ ذكـر، قـال (عليه السلام):«يُعلّم ذلك المكان ثم يعود فيصلي الركعتين، ثم يعود إلى مكانه».1
2. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) قال:سألته عن رجل يطوف بالبيت ثمّ ينسى أن يصلّي الركعتين حتّى يسعى بين الصفا والمروة خمسة أشواط أو أقلّ من ذلك؟ قال (عليه السلام):«ينصرف حتّى يصلّي الركعتين، ثمّ يأتي مكانه الّذي كان فيه فيتمّ سعيه».2
3. مرسل حمّاد بن عيسى، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال في رجل طاف طواف الفريضة ونسي الركعتين حتّى طاف بين الصفا والمروة، قال:«يعلم ذلك الموضع ثم يعود فيصلّي ثم يعود إلى مكانه».3
4. ولكن روى الصدوق عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه رخّص له أن يتمّ طوافه( المراد السعي) ثمّ يرجع فيركع خلف المقام. قال الصدوق بعد نقل هذه الرواية ورواية معاوية بن عمّار: «بأيّ الخبرين أخذ جاز».4

(1) الوسائل:9، الباب77 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب77 من أبواب الطواف، الحديث3.
(3) الوسائل:9، الباب77 من أبواب الطواف، الحديث4.
(4) الوسائل:9، الباب77 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 232
ولكن الأقوى ما هو المشهور لأجل كثرة رواياته، وجريان العمل بها.
نعم في طريق الصدوق إلى محمد بن مسلم الثقفي علي بن أحمد بن عبد اللّه البرقي والولد والوالد مهملان، ولكنّه لا يضر; لما ذكرنا في بحوثنا الرجالية من أنّ الكتب الّتي اعتمد عليها الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» كانت كتباً مشهورة مسلّمة الثبوت إلى مؤلّفيها، وإنّما ذكر الأسانيد لأجل إخراجها عن صورة الإرسال إلى صورة الإسناد، كما صرّح به في مقدّمة كتابه، فلاحظ.

الفرع الثالث: إذا تذكّر بعد الفراغ من العمل

كالتقصير في العمرة، فلا شكّ في وجوب إتيانها وتدلّ عليه عامّة روايات الباب، إنّما الكلام في محلها، فهل يأتي بها أينما تذكر، أو يأتي بها في المقام؟ ففي المسألة قولان مشهوران وإن كان الأوّل أشهر.

الأوّل: وجوب الرجوع ولو شقّ قضاهما حيث ذكر

المشهور انّه يجب الرجوع إلى المقام حيث ذكر، إذا لم يكن شاقاً، وإلاّ قضاهما حيث ذكر من غير فرق بين كونه في مكّة أو خارجها، كان في الحرم أو خارجه، وهذا هو المشهور.
قال الشيخ في «النهاية»: فمن نسي هاتين الركعتين، أو صلاّهما في غير المقام ثم ذكرهما، فليعد إلى المقام، فليصل فيه، ولا يجوز له أن يصلّي في غيره، فإن خرج من مكّة وكان قد نسي ركعتي الطواف وأمكنه الرجوع إليها رجع وصلّى عند المقام; وإن لم يمكنه الرجوع، صلّى حيث ذكر، وليس عليه شيء.1 وقد عبر بمثل

(1) النهاية:242.

صفحه 233
هذه العبارة في «المبسوط».1
وقال المحقّق: ولو نسيهما ـ الركعتين ـ وجب عليه الرجوع، ولو شقّ، قضاهما حيث ذكر، ولو مات قضاهما الولي.2
وقال العلاّمة: لو نسي ركعتي الطواف، رجع إلى المقام، وصلاّهما فيه مع القدرة، وإن شقّ عليه الرجوع صلّى حيث ذكر.3
ويقرب من هذا التفصيل ما اختاره الشهيد في «الدروس»، حيث قال: ولو نسي الركعتين رجع إلى المقام، فإن تعذر فحيث شاء من الحرم، وإن تعذّر فحيث أمكن من البقاع.4
وجه الرجوع إلى المقام مطلقاً إذا كان بمكة هو أنّ الغالب على المتواجد فيها هو سهولة إتيان الصلاة في المقام ولذلك لم يفصّل في المتواجد، وأمّا غير المتواجد فيها فإذا تعذر الرجوع إلى المقام فلو أمكن الرجوع إلى الحرم فالصلاة فيه مقدّمة على الصلاة في سائر البقاع، فتقديم الحرم على غيره مختص بالشهيد.

الثاني: جواز الإيقاع أينما تذكّر

لا يجب الرجوع مطلقاً ويجوز الإيقاع حيث تذكّر، مع أفضلية الرجوع مع الإمكان. وهو خيرة المحقّق النراقي في «المستند»،5 ومال إليه صاحب الذخيرة،6 وصاحب الحدائق.7
واعلم أنّ روايات الباب مختلفة جدّاً ، وإرجاع الجميع إلى أمر واحد

(1) المبسوط:1/360.
(2) الشرائع:1/267.
(3) التذكرة:8/98; والمنتهى:10/327.
(4) الدروس:1/396.
(5) المستند:12/146.
(6) الذخيرة:630.
(7) الحدائق الناضرة:16/145.

صفحه 234
مشكل، فلنقدّم المحكمات على المتشابهات حتّى نفسر الثانية بالأُولى ويرتفع التعارض بينها، خضوعاً للقاعدة المعروفة:«الجمع مهما أمكن أولى من الطرح»; ومن المعلوم أنّ المراد من الجمع هو الجمع العرفي لا الجمع التبرعي، أي الجمع بلا شاهد، وإليك الطوائف الواردة في الروايات:

الأُولى: ما يفصّل بين المرتحل وغيره

فيرجع الثاني إلى المقام ويصلّي فيه دون الأوّل فيقضي حيث ذكر، نظير:
1. معتبر أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل نسي أن يصلّي الركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام) في طواف الحجّ والعمرة، فقال: »إن كان بالبلد صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، فإنّ اللّه عزّوجلّ يقول:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً)1، وإن كان قد ارتحل فلا آمره أن يرجع».2
2. صحيح معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل نسي الركعتين خلف مقام إبراهيم(عليه السلام) فلم يذكر حتّى ارتحل من مكّة، قال: «فليصلّهما حيث ذكر، وإن ذكرهما وهو في البلد فلا يبرح حتّى يقضيهما».3
3. خبر حنان بن سدير قال: زرت فنسيت ركعتي الطواف فأتيت أبا عبد اللّه(عليه السلام) وهو بقرن الثعالب فسألته فقال: «صل في مكانك».4
«وقرن الثعالب» هو «قرن المنازل» ميقات أهل الطائف. والحديث يدلّ على أنّه تذكر بعدما ارتحل من مكة ولقي الإمام(عليه السلام) فيه.

(1) البقرة:125.
(2) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث16.
(3) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث18.
(4) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث11.

صفحه 235
الطائفة الثانية: ما يدلّ على أنّ الميزان في الرجوع وعدمه كون الرجوع شاقّاً نظير:
صحيح أبي بصير ـ يعني المرادي ـ قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام، وقد قال اللّه تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّىً)حتّى ارتحل، قال: «إن كان ارتحل فإنّي لا أشقّ عليه، ولا آمره أن يرجع ولكن يصلي حيث يذكر».1
وهذه الرواية كالحاكمة على الطائفة الأُولى وان عدم رجوع المرتحل ليس لأجل ارتحاله على نحو لو لم يشقَّ عليه لا يرجع إلى المقام بل لأجل كونه مقروناً بالمشقة غالباً أو دائماً، وعلى ذلك يكون الميزان هو كون الرجوع حرجيّاً وعدمه، ففي الأوّل يُصلّي حيث ذكر، وفي الثاني يرجع.
ويشهد على ذلك صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) فيمن نسي ركعتي الطواف حتّى ارتحل من مكة قال: «إن كان مضى قليلاً فليرجع فليصلّهما أو يأمر بعض الناس فليصلّهما عنه»2 ترى أنّه يأمر برجوع المرتحل إذا تجاوز مكّة قليلاً، وإلاّ فلو كان الموضوع هو الارتحال لما أمره بالرجوع. أمّا الذيل فسيوافيك توضيحه.
فإن قلت: قد مضى في صحيح معاوية بن عمّار قوله:«وان ذكرهما وهو في البلد، فلا يبرح حتّى يقضيهما»3 وهذا دليل على أنّ المراد هو التواجد في مكّة وعدمه لا الحرج وخلافه.

(1) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث10.
(2) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث1.
(3) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث18.

صفحه 236
قلت: إن أمره بالرجوع لغير المرتحل لأجل أنّه يرافق عدم الحرج والمشقة دائماً إلاّ ما شذّ وندر مثل ما إذا كان مريضاً لا يرجى برؤه قبل خروج القافلة، ولأجل ذلك يجب أن يركّز البحث في عامّة الروايات لغير المتواجد في مكّة، كما إذا كان في الأبطح أو منى، أو قبل الميقات أو بعده.
إلى هنا تبين أنّ الطائفتين تَصبّان مصباً واحداً فيكون المرجع ما هو المشهور، واعترف بالشهرة صاحب الحدائق وقال: قد صرّح جملة من الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) بأنّه لو نسي ركعتي الطواف وجب عليه الرجوع إلاّ أن يشق عليه فيقضيهما حيث ذكر.1
فإن قلت: لو كان الميزان في الرجوع وعدمه هو المشقة فلماذا أمر الإمام في خبر ابن مسكان بالرجوع مع تجاوزه ميقات أهل أرضه؟ وقال وفي حديث آخر: »إن كان جاوز ميقات أهل أرضه فليرجع وليصلهما، فإنّ اللّه تعالى يقول:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّىً).2
قلت: محمول على ما إذا كان ميقات أهل أرضه قريباً لا يشق الرجوع كما هو الحال في قرن المنازل أو الجعرّانة.
ويشهد على ما ذكرنا من الحمل ما مرّ صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث قال:«إن كان قد مضى قليلاً فليرجع فليصلّهما، أو يأمر بعض الناس فليصلهما عنه».3 فإنّ الظاهر أنّ كلا الشقّين راجعان إلى من قد مضى قليلاً، فالمتمكن من الرجوع، يرجع وغيره يستنيب.

(1) الحدائق الناضرة:16/141.
(2) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث15.
(3) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 237
الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّه يرجع إذا ذكر و هو بالأبطح أو بمنى نظير:
1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام): قال سُئل عن رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين حتّى طاف بين الصفا والمروة، ثمّ طاف طواف النساء ولم يصل لذلك الطواف حتّى ذكر وهو بالأبطح؟ قال: «يرجع إلى المقام فيصلي ركعتين»1 والمراد يصلي لكلّ طواف ركعتين، كما سيأتي التصريح في موثق عبيد.
2. موثّق عبيد بن زرارة وقد جاء فيه نفس السؤال الوارد في صحيح محمد بن مسلم فأجاب الإمام قائلاً: «يرجع فيصلي عند المقام أربعاً».2
3. صحيح أحمد بن عمر الحلال: قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتّى أتى منى؟ قال: «يرجع إلى مقام إبراهيم فيصليهما».3
4. خبر ابن مسكان: إن كان جاوز ميقات أهل أرضه فليرجع وليصلّيهما فإنّ اللّه يقول:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّىً).4 فإذا وجب الرجوع عند تجاوزه ميقات أهله، يكون الرجوع أوجب إذا كان في منى أو سائر ضواحي مكّة.
وهذه الطائفة، بحكم الطائفة الثانية راجعة إلى ما إذا كان الرجوع غير شاق، كما هو الحال في غير خبر ابن مسكان. وامّا خبره فهو قضية في واقعة. ولعلّ

(1) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث5.
(2) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث7.
(3) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث12.
(4) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث15.

صفحه 238
ميقات أهله كان قريباً كالجعرّانة أو قرن المنازل ولم يكن الرجوع عليه شاقّاً.
هذه الطوائف الثلاث هي الروايات المحكمة يشدّ بعضها بعضاً، وتدلّ على ما هو المشهور من أنّ الملاك في وجوب الرجوع وعدمه كونه حرجياً أو لا. بقي في المقام طائفتان أُخريان يجب إمعان النظر فيهما.

الطائفة الرابعة: يصلّي أينما تذكّر

هناك روايات تدلّ على أنّه يصلّي حيث تذكّر، وهذه الروايات دليل القول الثاني، وقد تقدّم أنّه خيرة لفيف من الفقهاء، وهذه الروايات هي:
1. خبر هشام بن المثنى قال: نسيت أن أُصلي الركعتين للطواف خلف المقام حتّى انتهيت إلى منى فرجعت إلى مكة فصليتهما ثم عدت إلى منى فذكرنا ذلك لأبي عبد اللّه(عليه السلام)فقال:«أفلا صلاّهما حيث ذكر».1
2. وفي خبر آخر عن هشام بن المثنى و حنان بن سدير قالا: طفنا بالبيت طواف النساء ونسينا الركعتين فلمّا صرنا بمنى ذكرناهما، فأتينا أبا عبد اللّه فسألناه فقال(عليه السلام): «صلياهما بمنى».
3. خبر2 عمر بن البراء عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) فيمن نسي ركعتي طواف الفريضة حتّى أتى منى أنّه رخص له أن يصلّيهما بمنى.3
والتعارض بين هذه الطائفة، وما سبق من الطائفة الثالثة واضح، فلابدّ من العلاج بأحد وجهين:

(1) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث9.وسيوافيك الكلام في سنده وانّ الراوي هل هو هشام بن المثنى أو هاشم بن المثنى؟
(2) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث17.
(3) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 239
أمّا أوّلاً: ترجيح الطائفة الثالثة لصحة اسنادها وضعف أسانيد الرابعة.
أمّا الرواية الأُولى ، فلكون الراوي عن الإمام مردداً بين هشام بن المثنى الّذي لم يوثق كما عليه نسخة الكافي1 ، أو هاشم بن المثنى كما في التهذيب2 الموثّق، والظاهر هو الأوّل لتفرد التهذيب بـ«هاشم». اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ الراوي عنهما هو ابن أبي عمير وهو لا يروي إلاّ عن ثقة، فيدلّ على كونه ثقة إذا كان هشاماً أيضاً.
وأمّا الثانية ، فلأنّ محمد بن الحسين بن زعلان مجهول لم يرد في كتب الرجال; والموجود محمد بن الحسن بن زعلان أو محمد بن الحسن بن علان، وكلاهما مهمل.3
وأمّا الثالثة، فلأنّ عمرو بن البراء له أربع روايات ولم يوثّق.
وثانياً: بالجمع بحملها على ما إذا كان العود حرجيّاً، وذلك لأنّ الراوي ذكر فعله للإمام، ولعلّه كان حرجياً مقروناً بالمشقّة، كما أنّ لفظة رخّص في الثالثة آية كون العود شاقاً.

الطائفة الخامسة: ما يدلّ على الاستنابة

ويدلّ بعض الروايات على أنّه يستنيب، وهذا نظير:
1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن رجل نسي أن يصلي الركعتين؟ قال: «يُصلّى عنه».4 يحمل على من خرج من مكة وكان الرجوع

(1) الكافي:4/426، رقم 4.
(2) التهذيب:5/137.
(3) لاحظ الموسوعة الرجالية الميسرة: 406 برقم 5199، و ص 407 و 410.
(4) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث4.

صفحه 240
شاقاً عليه بقرينة الرواية الآتية.
2. مرسلة ابن مسكان قال: حدثني من سأله عن الرجل ينسى ركعتي طواف الفريضة حتّى يخرج؟ قال:«يوكّل».1
والرواية الثانية قرينة على أنّ مورد السؤال في الأُولى هو ما إذا كان الناسي خارجاً عن مكّة، ومن المعلوم أنّه يلازم الحرج نوعاً، فتدلاّن على جواز الاستنابة إذا كان الرجوع شاقاً، والجمع بين هذه الطائفة والطائفتين الأُولتين بعد تقييدها بما إذا كان الرجوع حرجيّاً هو التخيير عند الحرج بين إقامة الصلاة مباشرة أينما تذكر، والاستنابة ليصلّى عنه في المطاف. غير أنّ المشهور ذكروا أحد شقي التخيير، وهو الصلاة في مكان التذكّر وتركوا ذكر الاستنابة، وإن كانت الاستنابة أيضاً كافية.
إلى هنا خرجنا بالنتائج التالية:
1. إذا كان الناسي في البلد، يجب عليه الرجوع إلى المقام والصلاة فيه لصحيح ابن عمّار: «وان ذكرهما وهو في البلد فلا يبرح حتّى يقضيهما». وقلّما يتفق أن يكون الرجوع للمقيم شاقّاً.
2. انّ الملاك في الطائفة الأُولى يرجع إلى الثانية، وهو انّ الملاك كون الرجوع شاقاً وعدمه.
3. انّ الطائفة الثالثة الدالة على الرجوع إذا كان بالأبطح أو منى ناظرة إلى ما إذا لم يكن الرجوع شاقاً، كما هو الغالب لمن خرج عن مكّة لا خروجاً ارتحالياً، بل خرج لغاية من الغايات أو للعود إلى منى.
4. انّ الطائفة الرابعة المسوغة لإتيان الصلاة حيث تذكّر (منى) إمّا مرجوحة ومطروحة ، أو راجعة إلى ما إذا كان الرجوع شاقاً.

(1) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث14.

صفحه 241
5. انّ الطائفة الخامسة ناظرة إلى بيان أحد فروض التخيير فلا مانع من الأخذ به، أي أن الناسي مخيّر بين الإتيان بها مباشرة أو تسبيباً.

حكم الأعمال المترتّبة على الصلاة

أنّه إذا نسي الصلاة حتّى فرغ من العمل، وقد قلنا بأنّه يقضيها على التفصيل الماضي، فهناك سؤال يطرح نفسه، وهو ما هو حكم الأعمال المترتّبة على الصلاة المنسيّة، فهل يجب قضاؤها أو أنّها صحيحة؟
فقد استشكل صاحب «المدارك» في صحّة الأعمال المتأخّرة عنها وقال: وكذا الإشكال في صحّة الأفعال المتأخّرة عنهما من حيث صدق الإتيان بها ومن عدم وقوعها على الوجه المأمور به.1
وتبعه المحقّق السبزواري في الذخيرة2، وكفاية الأحكام.3
وذكروا للإشكال وجهين:
1. عدم وقوعها على الوجه المأمور به وقد تقدّم عن «المدارك».
2. انّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه الخاص المستلزم للفساد في العبادة.
يلاحظ على الوجه الأوّل بأنّا نستكشف من الروايات المذكورة بأنّ الترتيب شرط ذكري لا شرط واقعي. وقد مرّ أنّه لو تذكّر أثناء السعي أنّه لم يصلّ يُعلّم مكانه فيرجع ويصلّي ثم يأتي ببقية السعي من المكان الذي علّمه، وهذا دليل على صحّة الأعمال المترتّبة.

(1) المدارك:8/136.
(2) الذخيرة:630.
(3) كفاية الأحكام:67.

صفحه 242
وعن الثاني بأنّ كون الأمر بالشيء نهياً عن ضدّه، غير ثابت، وقد فرغنا عن عدم صحّته في الأُصول فإنّها مبنية على مقدّمات غير صحيحة.
والعجب أنّهم غفلوا عن وجه الاستدلال بالروايات المتضافرة حيث إنّها بكلمة واحدة سكتت في إعادة الأعمال المترتّبة، فلو كانت الإعادة واجبة لما سكتت الروايات الهائلة عن ذكرها، فالسكوت فيها أفضل دليل على عدم وجوبها.
ثمّ إنّ صاحب المستند يذكر هنا قضية طريفة في بابها ويقول: والعجب كلّ العجب من بعض مشايخي بالإجازة ـ يعني صاحب الرياض ـ أنّه استجود ما ذكره صاحبا المدارك والذخيرة من قرب بطلان الأفعال المتأخّرة عن الركعتين جميعاً ، الّتي منها: السعي والوقوفان في طواف العمرة.
ومع ذلك لمّا شاهد ما ذكره والدي العلاّمة المحقّق في «التحفة الرضوية»: أنّ من قصّر في تصحيح وضوئه وقراءته وركوعه وسجوده ـ ولأجله بطلت صلاته ـ يحصل الإشكال في صحّة حجّه من جهة بطلان ركعتي طوافه.
اعترض عليه: بأنّه لا وجه لبطلان العمرة والحجّ ببطلان الركعتين; مع أنّهما ليستا من أركان الحجّ.
ولمّا وصلتُ إلى خدمته في الحائر الحسيني(عليه السلام) عند مسافرتي إلى بيت اللّه ـ بعد انتقال والدي إلى جوار اللّه ـ قال لي: إنّه قد ذكر الوالد المعظّم كذا في التحفة، ويلزم عليك إخراج ذلك منه; لئلاّ يتوهّم بعد ذلك وقوع ا لخلاف في بطلان الحجّ ببطلان الركعتين مع أنّه لم يقل به أحد.
ولم يتيسّر لي ـ بعد ملاحظة المسألة ـ بيان الحال له والعرض عليه.1

(1) المستند:12/150ـ151.

صفحه 243

الفرع الرابع: انّ الجاهل كالناسي

إذا ترك ركعتي الطواف عن جهل بحكمها ثم تعلّم بعدما أتى بالأعمال فهو كالناسي كما هو المشهور.
قال الشهيد: والجاهل كالناسي لو تركهما للنص.1
وقال في «المدارك»: ولم يذكر المصنّف حكم غير الناسي، والظاهر إلحاق الجاهل به.2
وقال في «المستند»:الجاهل كالناسي وفاقاً لصريح جماعة.3
والدليل على وحدة الحكم، صحيح جميل، عن أحدهما(عليهما السلام): أنّ الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي.4
هذا كلّه حول الناسي والجاهل، وأمّا العامد فمقتضى القاعدة الأوّلية وجوب الرجوع إلى المقام والصلاة فيه، أخذاً بإطلاق الأدلّة الأوّلية.
قال في «المسالك»: أمّا العامد فلم يتعرّضوا لذكره، والّذي يقتضيه الأصل أن يجب عليه العود مع الإمكان، ومع التعذّر يصلّيها حيث أمكن، وأوجب العلاّمة الاستنابة في فعلها فيه عند تعذّر العود وجعلها ممّا يستثنى من الصلاة الواجبة من عدم جواز النيابة فيها حال الحياة، وفي بعض الأخبار دلالة عليه، وإن كان فعلها مباشرة حيث أمكن أقوى وأصحّ سنداً.5

(1) الدروس:1/397.
(2) المدارك:8/136.
(3) المستند:12/149.
(4) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث3.
(5) المسالك:2/335.

صفحه 244
المسألة5: لو مات وعليه صلاة الطواف يجب على ولده الأكبر القضاء.*
وبذلك يعلم أنّه كما يجب عليه الرجوع إلى المقام والصلاة فيه يجب عليه إعادة الأفعال المتأخّرة عن الركعتين.
وربما يقال: إنّ القدر المتيقّن من الأدلّة وجوب الركعتين بين الطواف والسعي، وأمّا توقّف صحّة الأعمال المترتّبة عليهما فلم يدلّ عليه دليل.
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّت الأعمال المترتّبة في صورة العمد أيضاً، يلزم انتفاء الشرطية لا واقعاً ـ كما هو المفروض حيث تصحّ أعمال الناسي والجاهل، ولا ذُكْراً ـ لو قلنا بعدم الحاجة إلى الإعادة في العامد.
* إذا مات الرجل وعليه صلاة طواف فهل على وليه القضاء عنه كسائر الصلوات الّتي على ذمة الميت؟
الظاهر من عدة من الأصحاب وجوب القضاء على الولد الأكبر.
يقول الشيخ في هذا الصدد: فإن أدركه الموت قضى عنه وليه.1
وقال ابن إدريس: ومن نسي ركعتي الطواف فأدركه الموت قبل أن يقضيهما كان على وليه القضاء عنه.2
وقال ابن حمزة: فإن لم يمكنه صلّى مكانه، فإن مات قضى عنه وليّه.3
وقال ابن سعيد: فإن مات قضى عنه وليّه أو غيره.4

(1) النهاية:240.
(2) السرائر:1/577.
(3) الوسيلة:174.
(4) الجامع للشرائع:198.

صفحه 245
وموضع بعض هذه الكلمات طواف النساء.
وقال المحقّق: ولو مات قضاهما الولي.1
والمهم وجود الدليل عليه.
1. صحيح عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«من نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة حتّى خرج من مكّة فعليه أن يقضي، أو يقضي عنه وليّه، أو رجل من المسلمين».2
وربما يقال بأنّه لا يستفاد من الحديث سوى المشروعية والاجتزاء بأحد تلك الأُمور، وأمّا كونها واجبة على الولي بعد الموت فلا.
يلاحظ عليه: بأنّ قوله:«أو يقضي عنه وليّه» عطف على قوله:«أن يقضي». فمقتضى وحدة السياق هو وجوب الإتيان بهما عليه مادام حياً وعلى الولي بعد ما فات.
أضف إلى ذلك أنّ الجملة الخبرية أوقع في إفادة الوجوب من الجملة الإنشائية فقوله: ولدي يصلّي أبلغ في الإيجاب من قوله: صل يا ولدي.
هذا كلّه مع قطع النظر عن الأدلّة العامّة في وجوب قضاء الفوائت عن الميت، من غير فرق بين فائتة دون فائتة وصلاة دون صلاة. ففي صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام، قال:«يقضي عنه أولى الناس بميراثه».3

(1) الشرائع:1/264.
(2) الوسائل:9، الباب74 من أبواب الطواف، الحديث 13.
(3) الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث5.

صفحه 246
المسألة 6: لو لم يتمكّن من القراءة الصحيحة ولم يتمكّن من التعلّم صلّى بما أمكنه وصحّت، ولو أمكن تلقينه فالأحوط ذلك، والأحوط الاقتداء بشخص عادل، لكن لا يكتفي به كما لا يكتفي بالنائب.*
* في المسألة فروع:
1. إذا لم يتمكّن من التعليم صلّى بما أمكنه.
2. لو أمكن التلقين أو الاقتداء بشخص عادل، أو الاستنابة.
المسألة معنونة في باب القراءة في الصلاة، وقد اتّفقوا فيها على أمرين:
أ. وجوب التعلّم إذا اتّسع الوقت.
ب. الاقتصار بما تيّسر منها إذا ضاق الوقت.
قال المحقّق: ومن لا يحسنها (الفاتحة) يجب عليه التعلّم، فإن ضاق الوقت قرأ ما تيسّر منها.1
أمّا وجوب التعلّم فهو وجوب مقدّمي واجب شرعاً أو عقلاً.
أقول: للمسألة صور قال:
الأُولى: إذا لم يتمكّن من التعلّم لضعف استعداده فلا شكّ انّه يقتصر بما تيسّـر أخذاً بقوله سبحانه: (لا يُكلّفُ اللّه نَفْساً إِلاّ وُسعها)2 بلا حاجة إلى التلقين أو الاقتداء بشخص عادل ـ مضافاً إلى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا أمرتكم بشيء فأتوا به ما استطعتم» وقوله: الميسور لا يسقط بالمعسور، إلى غير ذلك من الدلائل المذكورة في باب القراءة.3

(1) الشرائع:1/81.
(2) البقرة:286.
(3) الجواهر:9/303ـ 304.

صفحه 247
الثانية: إذا كان متمكّناً منه ولم يتعلم وضاق الوقت، فقد احتاط في المتن بوجوب التلقين والاكتفاء به، كما هو ظاهر كلامه لكن الأحوط الجمع بينه و بين الإتيان بما تيسّر فالأحوط التلقين، بعد الإتيان بما تيسّر.
وأمّا الاقتداء بشخص عادل فهو فرع مشروعية الجماعة في صلاة الطواف ولم يرد فيه شيء على أنّ الاقتداء يجدي في القراءة التي تسقط من المأموم دون ما لا يسقط كأذكار الركوع والسجود والتشهد، فلو اقتدى به رجاءً فلابدّ من الإتيان بما تيسّر أيضاً لقاعدة الاشتغال.
وأمّا النيابة فقد وردت في المريض والكبير، لكن النائب عنهما ينوب في الطواف والصلاة لا في مجردها.
والأحوط الإتيان بما تيسر ثمّ الجمع بالأُمور الثلاثة مهما أمكن .
***
بلغ الكلام إلى هنا يوم الاثنين، الحادي عشر من شهر ربيع الأوّل من شهور عام ألف وأربعمائة وسبعة وعشرين وذلك في قم المشرفة، والرجاء من اللّه سبحانه أن يوفق المؤلف لإتمام سائر المباحث، إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

صفحه 248

صفحه 249
الفصل السادس عشر
القول في السعي

صفحه 250

صفحه 251

القول في السعي

المسألة1: يجب بعد ركعتي الطواف، السعي بين الصفا والمروة، ويجب أن يكون سبعة أشواط من الصفا إلى المروة شوط، ومنها إليه شوط آخر، فيجب البدأة بالصفا والختم بالمروة، ولو عكس بطل، وتجب الإعادة أينما تذكر ولو بين السعي.*
* في المسألة فروع:
1. وجوب السعي بين الصفا والمروة بعد صلاة الطواف.
2. عدد الأشواط سبعة، وكلّ من الذهاب أو الإياب شوط.
3. الابتداء من الصفا والختم بالمروة.
4. ولو عكس بطل ويجب الإعادة إذا خالف.
وقبل الخوض في دراسة الفروع نذكر أُموراً لها صلة بالموضوع:
1. قد ذكر أصحاب المعاجم للسعي معان مختلفة، ولعلّ الجميع صور متنوعة لأصل واحد، والمقصود في المقام هو المشي بين الجبلين امتثالاً لأمره سبحانه أو تقرّباً منه.
2. إنّ الصفا جزء من جبل أبي قبيس، وكان متّصلاً به كما أنّ المروة جزء من جبل قيقعان على ما في تهذيب النووي1 ، وكان متّصلاً به غير أنّ التوسعة الأخيرة للحرم المكّي فصلتهما عن الأصل، فأُحدث ممرّ ومعبر وراء الجبلين.

(1) الجواهر:19/421.

صفحه 252
3. المسعى عبارة عن الوادي بين الجبلين المعروف بوادي إبراهيم(عليه السلام)، وقد ورد في غير واحد من الروايات من الأمر بالصعود على الصفا.
ففي صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «فاصعد على الصفا حتّى تنظر إلى البيت».1
كلّ ذلك يدلّ على أنّ المسعى كان أخفض من الجبل، وقد صنعوا في الخلافة العباسية للصعود على كلا الجبلين دَرَجاً، ونقل الأزرقي أنّ في جانب الصفا اثنتا عشرة درجة من حجارة وعلى المروة خمس عشرة درجة.2 وذرعُ ما بين الصفا والمروة سبعمائة ذراع وستة وستون ذراعاً ونصف.3
4. هذا ما يرجع إلى العصور السالفة والآن لا ترى من الدرج أثراً، حيث إنّ المسعى مفروش بالرخام وقد أزيل الدرج منذ قرون وجعل مكانهما الطريق المنحدر من كلا الجانبين ليسهل الصعود عليهما، وعلى أيّ حال إنّ الصفا حد المسعى من الجنوب، والمروة حدّه من الشمال، والوادي هو الأرض الطبيعية بين الجبلين، وقد مرّت مساحة المسعى بالذراع، وأمّا مساحته بالمتر: فالمسعى بكامله400متر، وطول الوادي منه 375متراً، وعرضه عشرين متراً وارتفاع طابقه الأوّل اثنا عشر متراً ، والثاني تسعة أمتار، وعدد أبوابه 18باباً موزعة على جانبيه الشرقي والغربي وشبابيكه 148شباكاً.4
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر:

(1) الوسائل:9، الباب4 من أبواب السعي، الحديث1.
(2) أخبار مكة:2/120، كان في خلافة أبي جعفر المنصور.
(3) أخبار مكة:2/119.
(4) مبادى علم الفقه:123.

صفحه 253

الأوّل: وجوب السعي بعد صلاة الطواف

اختلفت كلمة الفقهاء في حكم السعي:
1. السعي واجب وركن من أركان الحج والعمرة ويبطل الحج بالإخلال به عمداً. وهو مذهب الإمامية قاطبة، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.
2. انّه واجب وليس بركن إذا تركه وجب عليه دم. وبه قال الحسن البصري والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة.
3. قال: ابن مسعود وابن عباس وأُبي بن كعب السعي سنّة وليس بواجب.1
حجّة القائلين بأنّها سنّة وليس بواجب ظاهر الآية، أعني قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِر اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ).2
فإنّ الآية بصدد نفي الحرج عن الطواف بينهما وأين هو من الوجوب، لأنّ رفع الحرج دليل على عدم الوجوب.
لكن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فسروا الآية ببيان سبب نزولها، وقد روي عنهم في ذلك وجهان:
الوجه الأوّل: ما رُوي عن الإمام الصادق: كان على الصفا صنم يقال له: (اساف)، وعلى المروة صنم يقال له: (نائلة)، وكان المشركون إذا طافوا بهما مسحوهما فتحرّج المسلمون عن الطواف بهما (في عمرة القضاء) لأجل الصنمين،

(1) الخلاف:2/338، المسألة 328; ولاحظ المنتهى:10/414ـ 415.
(2) البقرة:158.

صفحه 254
فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، فرجع رفع الجناح عن الطواف بهما إلى تحرّجهم عن الطواف بهما لأجل الصنمين لا إلى عين الطواف.
الوجه الثاني: أيضاً عنه(عليه السلام) : انّه كان ذلك في عُمرة القضاء، وذلك أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام فتشاغل رجل من أصحابه حتّى أُعيدت الأصنام، فجاءوا إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل له: إنّ فلاناً لم يطف وقد أُعيدت الأصنام فنزلت هذه الآية: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) أي والأصنام عليهما، قال: فكان الناس يسعون والأصنام على حالها.1
فالآية ناظرة إلى ردّ تلك الفكرة أي أنّ وجود الأصنام مانع عن صحّة السعي، وأمّا ما هو حكم الطواف فالآية ساكتة عنه.
قال العلاّمة: إنّ رفع الحرج لا ينافي الوجوب ولا عدمه، لا أنّه دليل على عدم الوجوب، بل ليس له إشعار بأحدهما، إذ هو جنس لهما، والجنس لا دلالة له على النوع.2 فلو دلّ دليل على الوجوب لما كان منافياً للآية.
ويدلّ على وجوبه، سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كما رواه مسلم عن الإمام الصادق عن الإمام الباقر(عليهما السلام)عن جابر في صفة حج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:»حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم(عليه السلام)فقرأ(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبراهيم مُصَلّىً) فجعل المقام بينه و بين البيت فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلاّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقرأ في الركعتين(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ يَا أَيُّها الْكَافِرُونَ)ثمّ رجع إلى الركن فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصّفا قرأ:(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّه)أبدأ بما بدأ اللّه به، فبدأ بالصفا

(1) مجمع البيان:1/240.
(2) المنتهى:10/417.

صفحه 255
فَرَقى عليه حتّى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحّد اللّه وكبّره...إلى أن قال: ثمّ نزل إلى المروة، حتّى إذا انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى حتّى إذا صعدتا مشى حتّى أتى المروة ففعل في المروة كما فعل على الصفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة...».1
نعم انّ السيرة أعمّ من الوجوب والاستحباب، لكن لما كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في سفره هذا قاصداً لتعليم مناسك الحجّ، وكان يقول: «خذوا عني مناسككم» فالعمل يكون ظاهراً في جزئية السعي.
أمّا أحاديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) : فقد تضافرت الروايات على وجوبه ونقتصر بالقليل منها.
1 . روى معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث، قال: «السعي بين الصفا والمروة فريضة».2
2. روى الشيخ عن الحسن بن علي الصيرفي، عن بعض أصحابنا قال: سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)عن السعي بين الصفا والمروة فريضة أم سنّة؟ فقال: «فريضة».3
وأمّا كون السعي بعد صلاة الطواف فقد مضى التصريح به في رواية مسلم عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أضف إليه ما دلّ من الروايات على أنّ من شرع في السعي وقد نسي ركعتي الطواف الواجب فعليه أن يقطعه ويصلّي الركعتين ثمّ يرجع إلى المسعى.4

(1) صحيح مسلم:4/39ـ 43، باب حجة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); سنن أبي داود:2/182، الحديث رقم 1905.
(2) الوسائل:9، الباب1 من أبواب السعي، الحديث1.
(3) الوسائل:9، الباب1 من أبواب السعي، الحديث6.
(4) لاحظ الوسائل:9، الباب77 من أبواب الطواف.

صفحه 256

الفرع الثاني: أشواطه سبعة وكلّ من الذهاب أو الإياب شوط

اتّفقت كلمة المسلمين على أنّ عدد أشواط السعي سبعة. ولو كان هنا اختلاف فإنّما هو كيفية العدّ.
قال العلاّمة في «التذكرة»: يجب أن يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط يحتسب ذهابه من الصفا إلى المروة شوطاً وعوده من المروة إلى الصفا آخر، هكذا سبع مرات عند علمائنا أجمع وهو قول عامة العلماء... إلى أن قال: وقال أبو بكر الصيرفي من الشافعية، يحتسب سعيه من الصفا إلى المروة ومنها إلى الصفا شوطاً واحداً.1 وكأنّه شبّه السعي بالطواف، فكما أنّ الطواف حول البيت شوط وهكذا السعي بين الصفا والمروة شوط.
وقال الشيخ في «الخلاف»: السعي بين الصفا والمروة سبع، يبتدئ بالصفا، ويختم بالمروة، بلا خلاف بين أهل العلم، وصفته أن يعدّ ذهابه إلى المروة دفعة، ورجوعه إلى الصفا أُخرى، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة وهكذا. وعليه جميع الفقهاء وأهل العلم إلاّ أهل الظاهر، وابن جرير، وأبا بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي فانّهم اعتبروا الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا دفعة واحدة.
وحكي عن ابن جرير انّه استفتي فأفتى بذلك، فحمل الفتيا إلى أبي بكر الصيرفي فأفتى بمثله، فحمل إلى أبي إسحاق المروزي فخط على فتيا الصيرفي ظنّاً منه أنّه تبع ابن جرير، فأقام الصيرفي على فتياه.
إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ بالصفا وختم بالمروة، فلو كان ما قالوه صحيحاً لكان خاتماً بالصفا، وذلك باطل بالاتّفاق.2

(1) التذكرة:8/133ـ 134.
(2) الخلاف:2/328ـ 329، المسألة 141 ، كتاب الحجّ.

صفحه 257
أقول: إنّ السعي لمّا كان عملاً واحداً مركّباً من أشواط وكلّ شوط من الذهاب والإياب جزء من ذلك العمل، يكون البدء بالصفا والختم بالمروة وصفاً للواجب الموحّد، فيبدأ به بالصفا ويختم بالشوط السابع بالوصول إلى المروة.
وهذا بخلاف ما إذا جعلناه وصفاً لكلّ شوط، إذ يلزم عند ذلك أن يكون ختم كلّ شوط بالصفا.
ويشهد لما ذكرنا من المعنى روايتان:
1. ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»إنّ إبراهيم لمّا خلف إسماعيل بمكّة عطش الصبيّ، وكان فيما بين الصفا والمروة شجر، فخرجت أُمّه حتّى قامت على الصفا، فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد، فمضت حتّى انتهت إلى المروة فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم تجب، ثمّ رجعت إلى الصفا.
فقالت كذلك حتّى صنعت ذلك سبعاً، فأجرى اللّه ذلك سنّة».1
2. صحيح هشام بن سالم قال: سعيت بين الصفا والمروة أنا وعبيد اللّه بن راشد فقلت له: تحفظ عليّ، فجعل يعد ذاهباً وجائياً شوطاً واحداً، فبلغ مثل ذلك، فقلت له: كيف تعدّ؟ قال: ذاهباً وجائياً شوطاً واحداً، فأتممنا أربعة عشر شوطاً، فذكرنا لأبي عبد اللّه(عليه السلام) فقال:«قد زادوا على ما عليهم، ليس عليهم شيء».2

الفرع الثالث: البدء بالصفا والختم بالمروة

يجب البدء بالصفا والختم بالمروة وتدلّ عليه روايات:

(1) الوسائل:9، الباب1 من أبواب السعي، الحديث10.
(2) الوسائل:9، الباب11 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 258
1. معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حين فرغ من طوافه وركعتيه قال: ابدأوا بما بدأ اللّه به من إتيان الصفا، إنّ اللّه عزّو جلّ يقول:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّه)».1
والسيرة أو العمل وإن كان أعمّ من الوجوب لكن لمّا كان النبي بصدد تعليم المناسك فيجب الأخذ به إلاّ ما خرج بالدليل.
2. ما رواه معاوية بن عمّارأيضاً، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «فاصنع عليها كما صنعت على الصفا، ثمّ طف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا، وتختم بالمروة».2

الفرع الرابع: لو عكس لبطل

لو عكس فبدأ من المروة إلى الصفا بطل ما أتاه هذا، كما إذا بدأ من المروة وتذكر أثناء الشوط الأوّل أو في نهايته، فلا شكّ انّه يبطل، لعدم مطابقة المأتي به للمأمور به.
إنّما الكلام إذا تذكر وهو في وسط الشوط الثاني الّذي هو من الصفا إلى المروة أو نهايته، فهل يعيده أيضاً، أو يجعله شوطاً أوّلاً؟
ظاهر كلام الشيخ والعلاّمة الإعادة من أوّله، قال الشيخ في «الخلاف»: إذا طاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط وهو عند الصفا أعاد السعي من أوّله لأنّه لا بدء بالمروة.3
ونقل العلاّمة كلام الشيخ عن الخلاف مشعراً باختياره ثمّ قال: وقال

(1) الوسائل:9، الباب6 من أبواب السعي، الحديث7.
(2) الوسائل:9، الباب6 من أبواب السعي، الحديث1.
(3) الخلاف:2/330، المسألة 143.

صفحه 259
الجمهور كافة يسقط الأوّل ويبني على أنّه بدأ بالصفا، فيضيف إليه شوطاً آخر.1
أقول: الروايات الواردة على قسمين:
الأوّل: ما يأمر بطرح ما أتاه وذلك كما في رواية معاوية بن عمّار، بأسانيد مختلفة.
1. ما رواه الشيخ بسنده عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى ويبدأ بالصفا قبل المروة».2
فإنّ ظاهر الحديث هو عدم الاعتداد بما أتى من الأشواط.
2. ما رواه أيضاً عن معاوية بن عمّـار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «وإن بدأ بالمروة فليطرح ما سعى وليبدأ بالصفا».3
3. ما رواه الكليني عن معاوية بن عمّار ـ في حديث ـ قال: وإن بدأ بالمروة فليطرح ويبدأ بالصفا.
وإطلاق 4الروايات يعمّ جميع الصور، كما إذا كان في أثناء الشوط الرابع أو السادس فلا يعيد بما أتى به من السعي، وإن كان في مسيره من الصفا إلى المروة حسب الفرض فعليه أن يطرح الجميع.
الثاني: ما يظهر من بعض الروايات هو علاج السعي بما يحصل به الترتيب، مثلاً لو بدأ بالمروة إلى الصفا ثمّ منه إلى المروة، تذكّر وهو في المروة فيحسب سعيه من الصفا إلى المروة شوطاً أوّلاً حتّى يتم الأشواط السبعة، وعلى ذلك لا يلزم إلاّ إعادة شوط واحد. وإنّما يفهم ذلك بتشبيه المقام بالوضوء إذا بدأ بشماله قبل

(1) المنتهى:10/419.
(2) الوسائل:9، الباب10 من أبواب السعي، الحديث1 و 2و 3. والجميع حديث واحد لوحدة الراوي والإمام المسؤول عنه.
(3) الوسائل:9، الباب10 من أبواب السعي، الحديث1 و 2و 3. والجميع حديث واحد لوحدة الراوي والإمام المسؤول عنه.
(4) الوسائل:9، الباب10 من أبواب السعي، الحديث1 و 2و 3. والجميع حديث واحد لوحدة الراوي والإمام المسؤول عنه.

صفحه 260
يمينه نظير:
1. ما رواه عليّ بن أبي حمزة، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا، قال: «يعيد، ألا ترى أنّه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراد أن يعيد الوضوء».1
2. ما رواه علي الصائغ قال: سُئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) ـ وأنا حاضر ـ عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا؟ قال: «يعيد. ألا ترى أنّه لو بدأ بشماله قبل يمينه كان عليه أن يبدأ بيمينه، ثمّ يعيد على شماله».2
ظاهر الحديثين الأخيرين هو أنّ اللازم هو الإعادة على نحو يحصل الترتيب، لا الإعادة بمعنى عدم الاعتداد بما سبق كله، بشهادة أنّ الواجب في المشبّه به (الوضوء) هو ذلك، وقد صرّح الإمام(عليه السلام) في حديث علي الصائغ بهذا النوع من الإعاده، فقال: «كان عليه أن يبدأ بيمينه ثمّ يعيد على شماله».
قال في «الجواهر»: ومقتضى التشبيه الموجود، الاجتزاء بالاحتساب من الصفا إذا كان قد بدأ بالمروة ثم بالصفا، ولا يحتاج إلى إعادة السعي بالصفا جديداً كما صرّح به بعض الناس، وإن كان هو أحوط، بل ربّما أمكن دعوى ظهور النصوص السابقة فيه.3
وربّما يجمع بينهما بحمل ما دلّ على عدم الاعتداد من رأسه على الفضل والاستحباب، وإن كان العمل على وفق ما يتحقّق به الترتيب أيضاً كافياً.
ولكن الظاهر خلافه، لأنّ دلالة الطائفة الأُولى على إبطال ما سبق أظهر

(1) الوسائل:9، الباب10 من أبواب السعي، الحديث4.
(2) الوسائل:9، الباب10 من أبواب السعي، الحديث5.
(3) الجواهر:19/419.

صفحه 261
المسألة 2: يجب على الأحوط أن يكون الابتداء بالسعي من أوّل جزء من الصفا، فلو صعد إلى بعض الدرج في الجبل وشرع كفى، ويجب الختم بأوّل جزء من المروة، وكفى الصعود إلى بعض الدرج، ويجوز السعي ماشياً وراكباً، والأفضل المشي.*
من دلالة الطائفة الثانية على كفاية إعادة الترتيب، لأنّ دلالتها لأجل تشبيه السعي بالوضوء، حيث يكفي في الوضوء إعادة العمل الّذي يحصل به الترتيب لا إبطاله من رأس، ولكن يمكن أن يقال: إنّ وجه الشبه هو خصوص لزوم حفظ الترتيب بين الأشواط، لا في كيفية العلاج، فما أفاده السيد الأُستاذ في المتن هو الأقوى.
بل يمكن أن يقال: «انّ ظهور قوله يعيد» في القسم الثاني قبل التشبيه ظاهر في إعادة الجميع، لا خصوص ما يحصل به الترتيب، خصوصاً إذا ذكر في الشوط الرابع و السادس، وأما التشبيه الوارد بعده فلا يكون صارفاً عنه إلاّ إذا تبيّن أنّ وجه الشبه كون المقام مثل الوضوء في عامة الأحكام حتّى كيفية العلاج لا خصوص حفظ الترتيب بين الأشواط.
* في المسألة فروع:
1. الابتداء والختم بأوّل جزء من الصفا والمروة.
2. يكفي في إحراز ذلك الصعود إلى بعض الدرج.
3. يجوز السعي ماشياً وراكباً.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: يجب الابتداء بأوّل جزء من الصفا كما يجب الختم بأوّل جزء

صفحه 262
من المروة. وقد مرّ ذلك في المسألة السابقة، إنّما الكلام في كيفية تحقيق ذلك. قالوا: طريقه أن يُلصق عقب1 إحدى رجليه أو كليهما بالصفا، فإذا عاد ألصق أصابع قدمه أو قدميه بالصفا أو بموضع عقبه أو عقبيه، هذا كلّه في الصفا.
وأمّا المروة فيلصق أصابع قدمه أو قدميه بالمروة كلّ ذلك لأجل إحراز استيعاب المسافة بين الصفا والمروة.
وهذا هو الظاهر من العلاّمة(قدس سره) حيث قال: يجب السعي بين الصفا والمروة في المسافة الّتي بينهما فلا يجوز الإخلال بشيء منها، بل يلصق عقبه بالصفا في الابتداء وأصابع رجليه به في العود وبالعكس في المروة.2
وقد استحسنه صاحب الرياض وادّعى اتّفاق الأصحاب عليه وقال: وهو حسن ، بل لولا اتفاق الأصحاب في الظاهر على وجوب إلصاق العقب بالصفا والأصابع بالمروة ، لكان القول بعدم لزوم هذه الدقة والاكتفاء بأقل من ذلك ممّا يصدق معه السعي بين الصفا والمروة عرفاً وعادة ـ كما اختاره بعض المعاصرين ـ لا يخلو عن قوّة.3
وأورد عليه في الجواهر قائلاً: بأنّك قد عرفت أنّ مقتضى إطلاق الأدلّة، السعي بينهما ويمكن فهم الاستيعاب منها خصوصاً مع ملاحظة صدق البدأة والختم. نعم هو في الراكب والراجل كلّ بحسب ما عرفنا.4
والظاهر انّ الحقّ مع صاحب الرياض وأنّ الأمر أوسع من ذلك كما ادّعاه غير واحد من الأصحاب، كيف وأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سعى راكباً، ولا يتحقّق ما ذكروه

(1) العَقْب والعقِب: مؤخّر القدم.
(2) التذكرة:8/134.
(3) رياض المسائل:7/94.
(4) الجواهر:19/420.

صفحه 263
من الدقة معه، والتفريق بين الراكب والراجل بالتوسيع في الأوّل والتضييق في الثاني يلزم أن يختلف المسعى لديهما، وهو كما ترى.
قال صاحب الحدائق: المفهوم من الأخبار أنّ الأمر أوسع من ذلك، فإنّ السعي على الإبل الّذي دلّت عليه الأخبار، وانّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يسعى على ناقته، لا يتّفق فيه هذا التضييق من جعل عقبه ملصقة بالصفا في الابتداء وأصابعه يلصقها بالصفا موضع العقب بعد العود فضلاً عن ركوب الدرج، بل يكفي فيه الأمر العرفي، فإنّه يصدق بالقرب من الصفا والمروة وإن كان بدون هذا الوجه الّذي ذكروه.1

الفرع الثاني: الصعود إلى بعض الدرج

قال في الرياض: ويحسن البدأة بالصفا والختم بالمروة إمّا بالصعود عليها، أو يجعل عقبه وكعبه ملاصقاً للصفا.2
ويظهر من الصدوق في «المقنع» و المفيد في «مقنعته» وسلاّر في «مراسمه» وجوبه.
فقال الصدوق: ثمّ اخرج إلى الصفا وقم عليه حتى تستقبل.3
ومراده من الصفا نفس الجبل والصعود عليه لا يمكن إلاّ بالصعود على الدرج المنتهي إلى الجبل.
وقال المفيد: ثمّ ليصعد عليه وليستقبل البيت بوجهه.4

(1) الحدائق: 16/266.
(2) الرياض:7/93.
(3) المقنع:258.
(4) المقنعة:404.

صفحه 264
وقال سلاّر: ثمّ ليخرج إلى الصفا من الباب المقابل للحجر الأسود ندباً، حتّى يقطع الوادي خاشعاً. وليصعد على الصفا، وليستقبل البيت ثمّ يكبّر.1
ومع ذلك لا يجب الصعود، لما عرفت من أنّ الواجب السعي بين الجبلين، وهو حاصل بدون الصعود عليه.
قال العلاّمة: ولا يجب الصعود على الصفا والمروة، خلافاً لبعض الشافعية2. وقد تقدّم لقوله سبحانه: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).3
وقد نسب في موضع آخر الوجوب إلى القول الشاذ، وقال في ذكر مندوبات السعي: الخامس: الصعود على الصفا إجماعاً، إلاّ من شذّ ذهب إلى وجوبه.4

إلفات نظر

البحث في صعود الدرج استحباباً أو وجوباً أو إلصاق العقب بالجبل عند الصفا، وإلصاق أصابع القدم أو القدمين به عند المروة أصبح اليوم كحديث أمس الدابر، وذلك لأنّه قد طرأ تغير على سفحي الجبلين في السنوات المتأخّرة، ولم يبق من الدرج أثر، وقد كان الدرج في العصور السالفة في كلا الطرفين واقعاً على سفح الجبل وكان المحرم يصعد به إلى قمة الجبل، وقد أزيل اليوم من أساسه وحلّ مكانه طريق مرتفع ينتهي إلى وسط الجبل، فإذا سعى المحرم في هذا الطريق فقد سعى في المسعى كلّه وشيء من الجبل لما مرّ من أنّ شيئاً من الجبلين ـ أعني: ما كان يغطّيه الدرج ـ قد أُزيل وحلّ مكانه الطريق المرتفع عند الصعود أو المنحدر عند الهبوط. كما يُصبح إلصاق العقب أو العقبين بما بقي من الجبل أمراً لغواً لا

(1) المراسم:110.
(2) التذكرة:8/134.
(3) البقرة:158.
(4) التذكرة:8/130.

صفحه 265
طائل تحته، وإن كان المرشدون في الحج يصرّون على ذلك غافلين عمّا طرأ على مكان الدرج من التغيّر والتبدّل، ثمّ لو قلنا بالإلصاق فلا يكفي إلصاق القدمين أو القدم، بل يلزم إلصاق البدن كلّه على الجبل وهو كما ترى.

الفرع الثالث: جواز السعي راكباً

يظهر من غير واحد من الأصحاب استحباب السعي ماشياً، قال المحقّق: والمستحب أربعة أن يكون ماشياً، ولو كان راكباً جاز.1
وعلّله في «الجواهر» في قوله: لأنّه أحمز وأدخل في الخضوع، وقد ورد أنّ المسعى أحب الأراضي إلى اللّه، لأنّه تذل فيه الجبابرة.2
ومع ذلك اتّفق الأصحاب إلاّ العمّاني على جواز السعي راكباً. قال العلاّمة: المشهور انّه يكره الطواف راكباً، بل الأفضل المشي.3
ونقل العلاّمة عن ابن زهرة انّه قال: لا يجوز الركوب إلاّ لضرورة. ولكن الموجود في الطبعة المحقّقة في مؤسستنا من الغنية غير ذلك حيث قال: ويجوز السعي راكباً والمشي أفضل.4

(1) الشرائع:1/273.
(2) الجواهر:19/423; ولاحظ الوسائل:9، الباب1 من أبواب السعي، الحديث14. وقد نقله(قدس سره) بالمعنى.
(3) مختلف الشيعة:4/210.
(4) الغنية:1/179. وقد أحال محقّق كتاب (مختلف الشيعة) إلى الجوامع الفقهية الّتي طبع فيها عدّة كتب فقهية منها غنية النزوع وعين رقم الصفحة: (517)، وعند مراجعتنا إلى الجوامع الفقهية وجدنا أنّ هذه الصفحة تتعلق بكتاب جواهر الفقه للقاضي لا للغنية لابن زهرة، وأمّا الموجود في الغنية المطبوع هناك ص 579 فهو مطابق لما نقلناه من الطبعة المحقّقة، فعلى مراكز التحقيق استخدام رجال دقيقين في تحقيق تراث الشيعة العلمي.

صفحه 266
المسألة 3: لا تعتبر الطهارة من الحدث والخبث ولا ستر العورة في السعي وإن كان الأحوط الطهارة من الحدث.*
ويدلّ على الجواز لفيف من الروايات:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:سألته عن السعي بين الصفا والمروة على الدابة؟ قال: «نعم، وعلى المحمل».1
2. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:سألته عن الرجل يسعى بين الصفا والمروة راكباً؟ قال: «لا بأس، والمشي أفضل».2
3. روى الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:»حدّثني أبي أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) طاف على راحلته واستلم الحجر بمحجنه وسعى عليها بين الصفا والمروة».3
* في المسألة فرعان:
1. عدم اعتبار الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر والخبث.
2. عدم اعتبار ستر العورة في السعي.
وإليك دراسة كلا الفرعين:

الفرع الأوّل: في عدم اشتراط الطهارة

قد اتّفقت كلمة الأصحاب على عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر والخبث في صحّة السعي، ولم ينقل الخلاف إلاّ عن ابن أبي عقيل.

(1) الوسائل:9، الباب16 من أبواب السعي، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب16 من أبواب السعي، الحديث2.
(3) الوسائل:9، الباب16 من أبواب السعي، الحديث6.

صفحه 267
قال العلاّمة: المشهور أنّ الطهارة ليست شرطاً في السعي، بل هي مستحبة; ذهب إليه الشيخان وغيرهما. وقال ابن أبي عقيل: لا يجوز الطواف والسعي بين الصفا والمروة إلاّ بطهارة.1
ويظهر من كلامه أنّ السعي كالطواف عبادة نفسية فيشترط فيه الطهارة كالطواف.
وعلى كلّ تقدير فالمشهور هو عدم الاشتراط، قال العلاّمة في «التذكرة»: الطهارة وهي مستحبة في السعي غير واجبة عند علمائنا، وهو قول عامة العلماء للأصل.2
وقال النراقي: وليست بواجبة على الحق المشهور، بل المجمع عليه حيث لا تقدح فيه مخالفة الشاذ، للأصل السالم عن المزيل وللمستفيضة بل المتواترة معنى، كالأخبار الواردة في حدوث الحيض بعد الطواف قبل السعي وانّها تسعى وهي كثيرة.3
والظاهر أنّ فتوى المشهور لأجل الروايات الواردة في المقام والّذي يظهر منها بعد الإمعان عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر والحيض، وأمّا عدم اشتراط الطهارة من الجنابة فلم يرد فيه نص.
واعلم أنّ الروايات الواردة في المقام على قسمين:
أ. ما يدلّ على عدم شرطية الطهارة من الحدث الأصغر . نظير:
1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»لا بأس أن تقضي

(1) مختلف الشيعة:4/211.
(2) التذكرة:8/129.
(3) مستند الشيعة:12/157ـ 158.

صفحه 268
المناسك كلّها على غير وضوء إلاّ الطواف، فإنّ فيه صلاة والوضوء أفضل».1
2. صحيح رفاعة بن موسى (الّذي كان واقفياً ثمّ رجع وهو ثقة) قال: قلت: لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أشهد شيئاً من المناسك وأنا على غير وضوء؟ قال: «نعم، إلاّ الطواف بالبيت فإنّ فيه صلاة».2
والتعليل فيهما يدلّ على أنّ اعتبار الطهارة في الطواف ليس لأجله، بل لأجل ارتباطه بالصلاة الّتي لا تصحّ إلاّ بالطهور.
3. خبر زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يسعى بين الصفا والمروة على غير وضوء؟ فقال: «لا بأس».3
4. خبر يحيى الأزرق قال: قلت لأبي الحسن(عليه السلام) رجل سعى بين الصفا والمروة فسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثمّ بال ثمّ أتمّ سعيه بغير وضوء؟ فقال:«لا بأس ولو أتمّ مناسكه بوضوء لكان أحبّ إليّ».4
وهذه الروايات الأربع لو تمّ إسناد جميعها لدلّت على عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر.
ب. ما يدلّ على عدم شرطية الطهارة من الحيض. نظير:
صحيحة معاوية بن عمّار أنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة طافت بين الصفا والمروة وحاضت بينهما، قال: «تتمّ سعيها».
وسأله عن امرأة طافت بالبيت ثمّ حاضت قبل أن تسعى؟

(1) الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث2.
(3) الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث4.
(4) الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث6.

صفحه 269
قال:«تسعى».1
بقي الكلام في شرطية الطهارة عن الجنابة فسيوافيك الكلام فيها بعد دراسة دليل القائل بشرطية الطهارة.

ما يصلح دليلاً للعماني

وتوجد روايات تمنع عن السعي بلا وضوء، وهي:
1. صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المرأة تطوف بين الصفا والمروة وهي حائض؟ قال: »لا إنّ اللّه يقول:(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ)»2. فكأنّه قال: ولا يجوز مسّ الشعائر إلاّ مع الطهارة.
ويمكن الجمع بينها و بين ما مرّ بوجهين:
أ. حمل هذه الرواية على الاستحباب. كما فعل الشيخ ويؤيده انّ البُدْن أيضاً من شعائر اللّه، قال سبحانه:(وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّه)3 ، ولم يقل أحد بشرطية الطهارة فيها.
ب. حملها على السعي الواجب، وما تقدّم على السعي المندوب، والظاهر هو الأوّل، إذ لم يثبت أنّ السعي مجرداً عبادة مستقلة.
2. موثقة ابن فضال قال: قال أبو الحسن(عليه السلام) :«لا تطوف ولا تسعى إلاّ بوضوء».4 وحمله الشيخ ـ على ما في الوسائل ـ على النهي عن مجموع الأمرين لا عن كلّ واحد بانفراده، والأولى حملها على الاستحباب.

(1) الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث5.
(2) الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث3.
(3) الحج:36.
(4) الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث7.

صفحه 270
3. ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه قال: سألته عن الرجل يصلح أن يقضي شيئاً من المناسك، وهو على غير وضوء؟ قال:«لا يصلح إلاّ على وضوء».1 ولا يخفى أنّ مفاده اعتبار الطهارة في جميع المناسك من الوقوفين والرمي والذبح، ولم يقل به أحد.
وتحمل هذه الرواية على ما حملت الأُوليان عليه وهو القول بالاستحباب.
فتحصل من ذلك: أنّ ما ورد من الروايات إنّما يشير إلى عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر. إنّما الكلام في شرطية الطهارة عن الجنابة وإليك الكلام فيه.

ما يدلّ على شرطية الطهارة من الجنابة

روى الصدوق بسند فيه محمد بن موسى بن المتوكل ـ الّذي ادّعى ابن طاووس الإجماع على وثاقته ووثّقه ابن داود والعلاّمة ـ عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي ـ الّذي قال النجاشي في حقّه : إنّه ضعيف ـ عن عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت أُسبوعاً طواف الفريضة ثمّ سعى بين الصفا والمروة أربعة أشواط، ثمّ غمزه بطنه فخرج فقضى حاجته ثمّ غشى أهله؟ قال: «يغتسل ثمّ يعود ويطوف ثلاثة أشواط ، ويستغفر ربّه ولا شيء عليه».2
فالرواية تدلّ على اشتراط الطهارة من الجنابة بشهادة أنّه قد أمره بالاغتسال. وخلوّ «التهذيب»3عن الأمر بالاغتسال لا يضرّ مع وجوده في

(1) الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث8.
(2) الوسائل:9، الباب11 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
(3) التهذيب:5/321 برقم 1107.

صفحه 271
«الكافي».1
ولولا اشتمال السند على عبد العزيز العبدي لصحّ الإفتاء باشتراطها. ولولا ما في قوله: «ولا شيء عليه» إذ عليه الكفّارة للغشيان قبل طواف النساء، ولذلك حملها الشيخ على أنّه قطع السعي على أنّه قام فطاف طواف النساء ثمّ ذكر حينئذ فلا تلزمه الكفّارة، وهو كما ترى حمل بلا دليل.
وبما أنّ الراوي عنه هو الحسن بن محبوب ذلك الفقيه الكبير يمكن أن يكون ذلك آية على صحّة الحديث.
نعم ينافيه خبر أبي غسان حميد بن مسعود قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رمي الجمار على غير طهور؟ قال: «الجمار عندنا مثل الصفا والمروة حيطان، إن طفت بينهما على غير طهور لم يضرك، والطهر أحبّ إليّ، فلا تدعه وأنت قادر عليه».2
ودلالته على عدم اعتبار الطهارة مطلقاً واضحة، ولكن السند ضعيف فالأحوط رعاية الطهارة من الجنابة.

ج. عدم اشتراط الطهارة من الخبث

وأمّا عدم اشتراط الطهارة عن الخبث، فلعدم الدليل عليه.
نعم حكى في «الجواهر» القول باستحبابها عن جماعة، وفي مناسك المحقق النائيني: بل الأولى رعاية الطهارة عن الخبث أيضاً.3
وفي «الجواهر»: لم يحضرني الآن ما يشهد له سوى مناسبة التعظيم. وكون

(1) الكافي: 4/379 برقم6.
(2) الوسائل:10، الباب2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث5.
(3) دليل الناسك:299.

صفحه 272
المسألة4: يجب أن يكون السعي بعد الطواف وصلاته، فلو قدّمه على الطواف أعاده بعده ولو لم يكن عن عمد وعلم.*
الحكم ندباً يكتفى في مثله بنحو ذلك.1
أمّا التعظيم ، فالاستدلال به أشبه بالاستحسان، ولو صحّ لاقتضى استحبابها في عامّة المناسك.
وأمّا كون الحكم ندباً كما أفاد فقد أشار به إلى مسألة التسامح في أدلّة السنن، وهو أيضاً ضعيف، لأنّ مداليلها، هو ترتّب الثواب على العمل الّذي ورد فيه الخبر على استحبابه وإن كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقله،لا انقلاب الفعل المجهول استحبابه فعلاً مندوباً. ولعلّ في تجويز السعي مع الحيض دلالة على عدم شرطية الطهارة من الخبث، لأنّ الحائض لا تنفك عن قذف الدم النجس.

الفرع الثاني: عدم اشتراط ستر العورة

لا شكّ أنّه يجب ستر العورة عن الناظر وجوباً نفسياً من غير فرق بين المحرم وغيره، إنّما الكلام في وجوبه الوضعي للمحرم، على أن يكون شرطاً للصحّة وليس ما بأيدينا دليل عليه، والنهي عن كشف العورة أو الأمر بسترها، عند وجود الناظر، لا يستلزم كونه شرطاً لصحة السعي خصوصاً إذا لم يكن ناظراً، والمسألة نادرة الاتّفاق.

*السعي بعد الطواف

تأخّر السعي عن الطواف شرط لصحّته، في حال كونه شرطاً واقعياً، لا

(1) الجواهر:19/411.

صفحه 273
علمياً، فلو قدّمه عليه ولو جهلاً بالحكم أو الموضوع أعاده بعد الطواف، وهذا ممّا اتّفقت عليه كلمة الأصحاب.
قال المحقّق: لايجوز تقديم السعي على الطواف، كما لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي فإن قدّمه طاف ثمّ أعاد السعي.1
وقال الشهيد: فإن قدّم السعي لم يجزئ وإن كان سهواً.2
وقال في «المدارك»: أمّا أنّه لا يجوز تقديم السعي على الطواف فلا خلاف فيه بين الأصحاب.
وفي »ال3جواهر»: بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل الإجماع بقسميه، بل يُمكن دعوى القطع بملاحظة النصوص.4
أمّا الدليل على اعتبار التأخر عن الطواف في حال العلم فتكفي في ذلك الروايات المتضافرة البيانية لأعمال الحجّ والعمرة حيث يذكر الطواف أوّلاً ثمّ السعي.5
إنّما الكلام في سعة شرطية التأخير حتّى في صورة الجهل بالحكم أو نسيانه فيكفي في ذلك صحيح منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت؟ قال: «يطوف بالبيت، ثمّ يعود إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما».6
حيث إنّ الرواية ظاهرة في تقديمه على الطواف نسياناً أو جهلاً بالحكم،

(1) الشرائع:1/274.
(2) الدروس:408، الدرس 105.
(3) المدارك:8/219.
(4) الجواهر:19/446.
(5) الوسائل:8، الباب2 من أبواب كيفية أقسام الحج، الحديث 4، 8، 13، 14، 15، 16 و 19 إلى غير ذلك.
(6) الوسائل:9، الباب63 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 274
المسألة5: يجب أن يكون السعي من الطريق المتعارف ، فلا يجوز الانحراف الفاحش. نعم يجوز من الطبقة الفوقانيّة أو التحتانية، لو فرض حدوثها بشرط أن تكون بين الجبلين، لا فوقهما ولا تحتهما، والأحوط اختيار الطريق المتعارف قبل إحداث الطبقتين.*
فإنّ السؤال عن صورة التقدّم، يكشف عن أنّه كان عارفاً بحكم الموضوع وانّه لا يقدّم السعيَ على الطواف، عمداً فسئل عمّا إذا قدم بلا وعي؟ فأجاب الإمام بالبطلان والإعادة، فإذا كان هذا حال العذر، فصورة العمد والعلم، أولى أن يكون كذلك.
* في المسألة فرعان:
1. أن يكون الذهاب والإياب بين الصفا والمروة من الطريق المتعارف.
2. حكم السعي في الطبقة الفوقانية أو التحتانيّة.
وإليك دراسة الفرعين واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: السعي بين الجبلين من الطريق المتعارف.
يجب على المحرم استيعاب السعي بين الصفا والمروة امتثالاً، لقوله تعالى:(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِر اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما).1
والمتبادر من السعي بين الجبلين هو المشي بينهما بالنحو المتعارف، وأمّا لو مشى بينهما بالخط المنكسر، كما إذا نزل من الصفا ومشى مقداراً منه ثمّ دخل المسجد الحرام ثمّ رجع إليه ثانياً ووصل إلى المروة، فلا يقال: إنّه سعى بين الجبلين، وهكذا لو نزل من الصفا ومشى مقداراً منه ثمّ خرج عن الطريق

(1) البقرة:158.

صفحه 275
المتعارف إلى الساحة الكبيرة الّتي أنشأوها أخيراً ثمّ رجع إلى المروة. ومثله النزول من المروة والخروج إلى اليمين واليسار كلّ ذلك خارج عن مفاد الآية.
قال في «الدروس»: الذهاب بالطريق المعهود، فلو اقتحم المسجد الحرام ثمّ خرج من باب آخر لم يجزئ، وكذا لو سلك سوق الليل، وقد روي أنّ المسعى اختُصر.1
هذا هو المعروف بين الأصحاب.
نعم لا يعتبر المشي على نحو الخط الهندسي المستقيم فلا يضرّ الميل إلى اليمين واليسار ما لم يخرج من الجادّة المعهودة المظللة. لصدق السعي بين الجبلين.
ثمّ إنّ ما ذكرنا مبني على أنّ الجبلين: الصفا والمروة، يمتدان بمقدار عرض الطريق المتعارف للسعي، وأمّا لو امتدّا بأكثر من عرضه، فلا مانع من السعي في خارج الطريق المألوف وإن كان يظهر من عبارة «معجم البلدان» الآتية أنّ عرض جبل الصفا والمسجد الحرام عرض الوادي، وهو ظاهر في انقطاع امتداده من جانب المسجد وهو يقع في يسار المحرم عند استقبال المروة، وجانب يمينه عند استقبال الصفا فلو امتد وكان أوسع من عرض الطريق فلا مانع من السعي فيه وإن استلزم الخروج عن الطريق المألوف.
ولعلّه إلى ما ذكرناه يشير ما في رواية معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«وكان المسعى أوسعَ ممّا هو اليوم، ولكن الناس ضيّقوه».2 ولعلّه كان أوسع من جانب يمين الساعي من الصفا ويساره من المروة أيضاً حيث إنّ جدار المسعى حُدّد في عصرنا بما بين الجدارين، واللّه العالم.

(1) الدروس:1/410، درس 106.
(2) الوسائل:9، الباب6 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 276
ففي «معجم البلدان»: الصفا والمروة جبلان بين بطحاء مكّة والمسجد، أمّا الصفا فمكان مرتفع من جبل أبي قبيس، بينه وبين المسجد عرض الوادي الّذي هو طريق وسوق، ومن وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود.1
وقال في المروة: جبل بمكّة يعطف على الصفا، وانّها أكمة لطيفة في وسط مكّة وعليها دور أهل مكّة ومنازلهم، وهي في جانب مكّة الّذي يلي قعيقعان.2
الفرع الثاني: حكم السعي في الطبقة الفوقانية أو التحتانية
قد عرفت أنّ الواجب استيعاب السعي بين الصفا والمروة فالسعي فوق الجبلين أو تحت الجبلين لا يوصف بأنّه سعى بينهما إلاّ تسامحاً.
والحكم بأنّ الطبقة الفوقانية فوق الجبلين أو بينهما مبني على تحديد ارتفاع الجبلين. وأكثر المعاصرين كالماتن يعلّقون الجواز على كون الطابق الثاني بين الجبلين، من دون أن يحقّقوا الموضوع فإذا لم يتيسر لهم التحقيق فكيف للمقلّد؟!
يظهر من بعض أهل الخبرة انّ الطابق الثاني أعلى من الجبلين، وذلك بالبيان التالي:
إنّ ارتفاع الطابق السفلي اثنا عشر متراً، فإذا أُضيف إليه سمك السقف يصبح أكثر من اثني عشر متراً.
وأمّا ارتفاع جبل الصفا فمع ملاحظة الدرجات التي كانت قبل التوسعة والآن صارت بصورة أرض مرتفعة عند الصعود أو منحدرة عند الهبوط، ثمانية أمتار، ستة أمتار لنفس الجبل ومتران لمقدار الدرجات.
وأمّا جبل المروة فارتفاعه أربعة أمتار ومع ملاحظة الدرجات التي هي متران يكون ستة أمتار.

(1) معجم البلدان:3/411، مادة «صفا».
(2) معجم البلدان:5/116، مادة «مروة».

صفحه 277
المسألة 6: يعتبر عند السعي إلى المروة أو إلى الصفا الاستقبال إليهما، فلا يجوز المشي على الخلف أو أحد الجانبين، لكن يجوز الميل بصفحة وجهه إلى أحد الجانبين أو إلى الخلف، كما يجوز الجلوس والنوم على الصفا أو المروة أو بينهما قبل تمام السعي ولو بلا عذر.*
وعلى هذا فالطابق الثاني أعلى من الجبل بأكثر من أربعة أمتار في جانب الصفا وستة أمتار في جانب المروة.1 فتكون النتيجة عدم جواز السعي فيه، لأنّه سعي فوق الجبلين لا بينهما.
* في المسألة فرعان:
1. وجوب الاستقبال إلى الصفا والمروة.
2. جواز الجلوس والنوم على الصفا أو المروة أو بينهما قبل تمام السعي.
وإليك دراسة الفرعين واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: وجوب الاستقبال

قال الشهيد: ومن الشروط استقبال المطلوب بوجهه، فلو اعترض أو مشى القهقرى فالأشبه عدم الإجزاء.2 والمراد من المطلوب هو المروة عند الذهاب من الصفا إليه، والصفا عند الإياب من المروة إليه.
ووجهه أنّه خلاف المعهود فلا يتحقّق به الامتثال. نعم لا يضر فيه الالتفات إلى اليمين واليسار في الوجه لصدق السعي بين الصفا والمروة مع الالتفات أو لا، وقلّما يتّفق لإنسان أن يمشي هذه المسافة الطويلة (380متراً)

(1) مبادئ علم الفقه:225ـ 226. لاحظ مرآة الحرمين:1/320ـ321.
(2) الدروس:1/411.

صفحه 278
نسبياً دون أن يلتفت إلى اليمين والشمال ثانياً.

الفرع الثاني: جواز الجلوس

جواز الجلوس خلال السعي للراحة هو المعروف بين الأصحاب، ويظهر من صاحب الجواهر1 أنّ الجلوس على الصفا والمروة إجماعي: ويدلّ عليه صحيح معاوية بن عمار: أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : يُجلس على الصفا والمروة؟ قال: نعم.2 وترك الاستفصال دليل على جوازه عليهما مطلقاً على الأنحاء الثلاثة الآتية.
إنّما الكلام في الجلوس أثناء السعي وهو يتصوّر على أنحاء ثلاثة:
1. إذا عجز عن الاستمرار في السعي كما هو الحال في الشيخ والشيخة.
2. إذا أصابه التعب وحاول أن يجلس للاستراحة مع التمكن من الاستمرار.
3. إذا حاول أن يجلس لغاية المذاكرة في أمر من الأُمور.
يظهر من ابن زهرة اختصاص الجواز بالصورة الأُولى قال: ولا يجوز الجلوس بين الصفا والمروة، ويجوز الوقوف عند الإعياء والجلوس على الصفا والمروة.3
ومع ذلك يمكن أن يكون المراد من الإعياء هو التعب المطلق الّذي يتطلّب الاستراحة مع تمكّنه من الاستمرار في العمل، ولو أراد خصوص العجز المانع عن الاستمرار في العمل دون غيره فهو محجوج بما ورد من جواز الجلوس للاستراحة.
ففي صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يطوف بين

(1) الجواهر:19/428.
(2) الوسائل:9، الباب20 من أبواب السعي، الحديث3.
(3) الغنية:1/179.

صفحه 279
الصفا والمروة أيستريح؟ قال: «نعم إن شاء جلس على الصفا والمروة وبينهما فليجلس».1
وفي صحيح علي بن رئاب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل يعيا في الطواف أله أن يستريح؟ قال: «نعم يستريح ثمّ يقوم فيبني على طوافه في فريضة أو غيرها، ويفعل ذلك في سعيه وجميع مناسكه».2 ولعلّ المراد من العيّ هو العجز العرفي الصادق على التعب لا العقلي الملازم مع العجز عن الاستمرار.
فإن قلت: لعلّ صاحب الغنية اعتمد على صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: لا يُجلس بين الصفا والمروة إلاّ من جهد.3
قلت: لعلّ المراد من الجهد هو مطلق التعب لا العيّ والعجز، بشهادة تعليق جواز الجلوس في صحيحة الحلبي على المشيّة وقال: «إن شاء جلس». ومعنى المشيّة أنّ له أن لا يجلس ويستمرّ في العمل، فلو اختص الجلوس بصورة العجز لمّا كان للمشيّة معنى صحيح، إذ لا محيص له عندئذ من الجلوس شاء أم لم يشأ.
إنّما الكلام في الجلوس اختياراً لا لغاية الاستراحة بل لغاية أُخرى فقد استدلّ عليه في الجواهر بصحيح معاوية بن عمّار ـ في حديث ـ قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة يجلس عليهما؟ قال:«أو ليس هو ذا يسعى على الدواب».4 قائلاً بأنّ مورده وإن كان الجلوس عليهما ولا خلاف فيه، إلاّ أنّ قوله (عليه السلام): «أو ليس... » في قوة الجواب له بـ«نعم» مع تعليله

(1) الوسائل:9، الباب20 من أبواب السعي، الحديث1.
(2) الوسائل:9، الباب46 من أبواب الطواف، الحديث1.
(3) الوسائل:9، الباب20 من أبواب السعي، الحديث4.
(4) الوسائل:9، الباب20 من أبواب السعي، الحديث2.

صفحه 280
بما يعمّ الجلوس بينهما، بل التعليل أنسب بهذا، بل لعلّه حينئذ ظاهر في جوازه بينهما ولو لغير الاستراحة، كما في السعي راكباً.1
وجه كونه أنسب بالجلوس بينهما هو انّه إذا جاز السعي راكباً فهو دليل على جواز الجلوس في السعي بينهما، لأنّ السعي مع الدابة يلازم الجلوس عليها بين الجبلين، غاية الأمر انّه جالس متحرك وغيره جالس ساكن. وأمّا وجه ظهوره في جوازه مطلقاً فهو مقتض ترك الاستفصال. فقد استفاد صاحب الجواهر من الرواية أمرين:
1. جواز الجلوس بينهما.
2. جواز الجلوس مطلقاً ولو لغاية غير الاستراحة.
وعلى كلّ تقدير فجواز الجلوس مشروط بعدم الإخلال في الموالاة ـ كما سيوافيك ـ .

حفظ الموالاة في أشواط السعي

هل تشترط في صحّة السعي الموالاة في أشواط السعي كالطواف، أو لا ؟
ذهب العلاّمة في «التذكرة» إلى عدمه ونقل الاشتراط عن أحمد، واستدلّ العلاّمة تارة برواية سودة امرأة عروة بن الزبير من أنّها سعت بين الصفا والمروة فقضت طوافها في ثلاثة أيام وكانت ضخمة، وأُخرى برواية الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) المتقدّمة.2 وليس في كلامه ما يشير إلى أنّه إجماعي وإن نسبه إليه النراقي في كلامه.3
أقول: إنّ السعي عمل واحد، كالطواف والرمي وغيرهما، وطبع العمل

(1) الجواهر:19/429.
(2) التذكرة:8/140.
(3) المستند:13/185.

صفحه 281
المسألة7: يجوز تأخير السعي عن الطواف وصلاته للاستراحة وتخفيف الحرّ بلا عذر حتى إلى الليل، والأحوط عدم التأخير إلى الليل، ولا يجوز التأخير إلى الغد بلا عذر.*
الواحد، يقتضي اتّصال أجزائه اتّصالاً عرفياً إلاّ إذا قام الدليل على خلافه، وليس هنا ما يدلّ على الخلاف.
أمّا فعل سودة، فليس بحجّة، ولعلّها كانت مضطرة كما يشهد عليها قوله:«وكانت ضخمة»، وأمّا ما تقدّم من الروايات فالقدر المتيقّن هو الجلوس للاستراحة على نحو لا تفوت الموالاة، فإنّ جلوسه عند الجبلين أو في الطريق، لتجديد النشاط لأجل الاستمرار في العمل يُضفي على العمل وحدة وموالاة.
فإن قلت: قد ورد الأمر بقطع السعي عند إقامة الصلاة ثمّ العود إليه.1 كما ورد جواز قطع السعي لإجابة دعوة صديقه أو رفع حاجته، وإن طاف ثلاثة أشواط أو أربعة.2 وقد مرّ في المسائل السابقة ما يؤيد جواز القطع لغاية أُخرى.3
قلت: الأصل هو الموالاة خرجنا عنه في هذه الموارد، وأمّا في غيرها فهو محكوم بالقاعدة التي اشترطنا إليها، ولو لم نقل بوجوب الموالاة فلا أقلّ من الاحتياط بمراعاته.
* في المسألة فروع:
1. تأخير السعي عن الطواف للاستراحة وتخفيف الحرّ.

(1) الوسائل:9، الباب18 من أبواب السعي، الحديث1و2.
(2) الوسائل:9، الباب19 من أبواب السعي، الحديث1و2.
(3) الوسائل:9، الباب11 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 282
2. تأخير السعي إلى الليل.
3. تأخيره إلى الغد.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر:

الفرع الأوّل: تأخير السعي في الطواف للاستراحة وتخفيف الحرّ

قد اتّفقت عليه كلمات الأصحاب تبعاً للنص.
قال العلاّمة: إذا طاف جاز له أن يؤخّر السعي إلى بعد ساعة، ولا يجوز إلى غد يومه، وبه قال أحمد وعطاء والحسن وسعيد بن جبير، لأنّ الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي ففيما بينه و بين الطواف أولى.1
والأولى الاستدلال بالصحيحة; أعني: ما رواه الكليني بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقدم مكة حاجاً، وقد اشتد عليه الحرّ، فيطوف بالكعبة ويؤخر السعي إلى أن يبرد؟ فقال: «لا بأس به، وربّما فعلت».
ورواه الشيخ بسند صحيح وأضاف: وربما رأيته يؤخّر السعي إلى الليل.
ورواه الصدوق باسناده عن عبد اللّه بن سنان مثل رواية الكليني وزاد: وفي حديث آخر: يؤخّره إلى الليل.2
إنّ الحديث حسب نقل الكليني يشتمل على نقل قول فقط وهو: «لا بأس به»(التأخير للحرارة) وربّما فعلت، وليست الحرارة عذراً حتّى تحمل الرواية عليه، وإنّما يترك السعي معها للاستراحة والرواية دليل الفرع بوجه واضح.
وأمّا حسب نقل الشيخ فهو يشمل قول وفعل، أمّا القول فقد تقدّم في نقل الكليني وأمّا الفعل فهو قوله: «وربما رأيته يؤخّر السعي إلى الليل» وهو راجع إلى ا لفرع الثاني ، كما أنّ ما نقله الصدوق زيادة على نقل الكليني ، أعني: » يـؤخرّه

(1) التذكرة:8/141.
(2) الوسائل:9، الباب60 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 283
إلى الليل» فهو نقل قول لا فعل.
وعلى كلّ تقدير فما نقله الشيخ من الفعل والصدوق من القول راجع إلى الفرع الثاني، والكلام في الفرع الأوّل. ويمكن الاستدلال على هذا الفرع بإطلاق صحيحة ابن مسلم الآتية في الفرع التالي، أعني قوله:«نعم» كما سيوافيك حيث يدلّ على جواز تأخيره في نفس اليوم وإلى الليل.

الفرع الثاني: تأخير السعي إلى الليل

يظهر من غير واحد من الأصحاب أنّ التأخير إلى الليل جائز بالاتّفاق، سواء كان لعذر كالمرض وغيره، أو لأجل الاستراحة وترفيه الحال.
قال النراقي: ويجوز التأخير في يوم الطواف إلى آخره وإلى الليل قولاً واحداً للأصل.1
قال في «الجواهر»: وأمّا التأخير ولو إلى آخر الليل كما أشرنا إليه سابقاً فلا بأس به للأصل إن لم يكن ظاهر الإطلاق السابق هذا كلّه مع القدرة، وأمّا مع عدمها فلا إشكال في الجواز.2
ويدلّ عليه أُمور:
1. نقل القول في مرسلة الصدوق حيث قال بعد نقل صحيح ابن سنان: وفي حديث آخر يؤخّره إلى الليل.
2. نقل الفعل الذي ورد في نفس الصحيحة قال: «وربّما رأيته يؤخّر السعي إلى الليل»، وهو وإن كان حكاية للفعل لكن الظاهر أنّ تأخيره لنفس العذر السابق، أعني: الحرارة ونظيرتها، بشهادة انّه ذكر فعله عقيبها فيصحّ الاستدلال بفعله أيضاً.
3. إطلاق صحيحة محمد بن مسلم حسب ما رواه الشيخ بالسند التالي:

(1) مستند الشيعة:12/198.
(2) الجواهر:19/391.

صفحه 284
عن صفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما (عليهما السلام)عن رجل طاف بالبيت فأعيا، أيؤخّر الطواف بين الصفا والمروة؟
قال(عليه السلام): «نعم».1 وإطلاقه يعمّ ما لو طاف في النهار وسعى في الجزء الآخر من الليل.
ولعلّ هذه الوجوه الثلاثة كافية في إثبات جواز التأخير إلى الليل.

الفرع الثالث: التأخير إلى الغد

التأخير إلى الغد ممنوع عند الأصحاب، وقد مرّ المنع في كلام العلاّمة الّذي ذكرناه في الفرع الأوّل، ومع ذلك أنّ للمحقّق في «الشرائع» كلاماً مجملاً ربّما يستظهر منه جواز التأخير إلى الغد، وإليك نص عبارته.
قال: الخامسة من طاف كان بالخيار في تأخير السعي إلى الغد، ثمّ لا يجوز مع القدرة.2 بناء على دخول الغاية في حكم المغيّى.
وقال الشهيد في «الدروس»: ولا يجوز تأخير السعي عن يوم الطواف إلى الغد في المشهور إلاّ لضرورة، فلو أخّره أثم وأجزأ، وقال المحقّق: يجوز تأخيره إلى الغد ولا يجوز عن الغد، والأوّل مرويّ.3
يريد من الأوّل: تأخيره إلى الغد، بلا عذر; وذلك حسب ما رواه الكليني بسنده الصحيح عن صفوان، عن العلاء بن رزين قال: سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيا أيؤخّر الطواف بين الصفا والمروة إلى غد؟ قال:«لا».4

(1) الوسائل:9، الباب60 من أبواب الطواف، الحديث2.
(2) الشرائع:1/270. أي لا يجوز تأخيره عن الغد مع القدرة.
(3) الدروس:1/412، الدرس 106.
(4) الوسائل:9، الباب60 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 285
أقول: الظاهر سقوط الواسطة بين العلاء و الإمام وهو محمد بن مسلم، لأنّ العلاء بن رزين راويته، والشاهد على ذلك الحديث السابق الّذي رواه العلاء عن محمد بن مسلم عن الإمام(عليه السلام) ، مضافاً إلى وجود الواسطة في نقل الصدوق، هذا أوّلاً.
وثانياً: الظاهر أنّ محمد بن مسلم سأل الإمام (عليه السلام)عن صورتين:
الأُولى: ما تقدّم في الفرع السابق وهو عن رجل طاف بالبيت فأعيا أيؤخّر الطواف بين الصفا والمروة؟ قال: نعم. وهذا هو الذي رواه الشيخ كما مر.
ثمّ عاد يسأله عن صورة ثانية وهي تأخيره إلى الغد فأجاب بالنفي. وهذا هو الذي رواه الكليني.
وعلى ضوء ذلك فلا يمكن القول بوحدة الروايتين، لأنّ السؤال والجواب مختلفان، ولو قيل بالوحدة فانّما هي بمعنى أنّ سند الروايتين ينتهي إلى محمد بن مسلم فقط لا بمعنى وحدة المضمون، كيف فانّ الاختلاف في السؤال دليل على تعددهما ، وقد نقل الشيخ ما يرجع إلى الفرعين الأوّلين، ونقل الكليني ما يرجع إلى الفرع الثالث.
فصارت النتيجة على ضوء الروايتين، جواز التأخير إلى مطلع الفجر لا بعده.
وليعلم لمّا كان تعبير الشرائع تعبيراً شاذاً مخالفاً لما اتّفق عليه الأصحاب، حاول القوم تفسيره بشكل لا يخالف الإجماع، مثلاً كما قال في «الجواهر» بعد نقل كلام الشرائع وهو (الخامسة: من طاف كان بالخيار في تأخير السعي)ساعة ونحوها بل (إلى) زمان سابق على صدق اسم (الغد): بلا خلاف أجده فيه.1

(1) الجواهر: 19/390.

صفحه 286
المسألة8: السعي عبادة يجب فيه ما يعتبر فيها من القصد وخلوصه، وهو ركن وحكم تركه عمداً أو سهواً حكم ترك الطواف كما مرّ.*
* في المسألة فروع:
1. تعتبر النية والقربة في صحّة السعي.
2. ترك السعي عمداً.
3. ترك السعي سهواً.
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: تعتبر النية والقربة في صحّة السعي

قال المحقّق في «الشرائع»: والواجب فيه أربعة: النية...1 وأراد بها، صدور السعي عن الزائر عن وعي وشعور أوّلاً ، وكونه لغاية امتثال أمره سبحانه والتقرب إليه.
وقال الشهيد في «الدروس»: وواجبها عشرة: النية ويذكر فيها مميزاته عن غيره على وجه تقرباً إلى اللّه ويستديم حكمها إلى الفراغ.2
أقول: وجهه واضح، لأنّ الحج بعامّة أجزائه عبادة، وروح العبادة هو قصد القربة والخلوص من شوائب الرياء. ومن البعيد أن يكون غير العبادي جزءاً للعبادة.

الفرع الثاني: ترك السعي عمداً

اتّفقت كلمة الأصحاب على أنّ السعي كالطواف ركن . معنى الركنية هو

(1) الشرائع:1/273.
(2) الدروس:1/410.

صفحه 287
بطلان العمل بتركه عمداً، لا سهواً، كما سيوافيك.
1. قال الشيخ: السعي بين الصفا والمروة ركن لا يتم الحجّ إلاّ به، فإن تركه أو ترك بعضه ولو خطوة لم تحل له النساء حتى يأتي به ـ إلى أن قال: ـ وقال أبو حنيفة: واجب وليس بركن، وهو بمنزلة المبيت بالمزدلفة، فإن تركه فعليه دم.1
2. وقال في «النهاية»: السعي بين الصفا والمروة فريضة لا يجوز تركه، فمن تركه متعمداً فلا حجّ له، ومن تركه ناسياً كان عليه إعادة السعي لا غير.2
3. وقال ابن زهرة في«الغنية»:السعي ركن من أركان الحجّ وهو على ضربين: سعي المتعة، وسعي الحجّ.3
4. وقال ابن إدريس: السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ ، من تركه فلا حجّ له.4ومنصرف كلامه هو تركه عمداً.
5. وقال المحقّق: السعي ركن من تركه عامداً بطل حجّه، ولو كان ناسياً وجب عليه الإتيان به، فإن خرج عاد ليأتي به فإن تعذّر عليه استناب فيه.5
6. وقال العلاّمة في «المنتهى»: السعي واجب وركن من أركان الحجّ والعمرة، يبطل الحج بالإخلال به عمداً، ذهب إليه علماؤنا أجمع، وبه قالت عائشة وعروة ومالك والشافعي ـ إلى أن قال: ـ وقال أبو حنيفة: وهو واجب وليس بركن إذا تركه وجب عليه دم.6
إلى غير ذلك من الكلمات.

معنى كون السعي ركناً

قد تقدّم في الطواف أنّ معنى الركن في الحجّ يخالف معناه في الصلاة، فإنّ

(1) الخلاف:2/328، المسألة 140.
(2) النهاية:244.
(3) الغنية:1/177.
(4) السرائر:1/578.
(5) الشرائع:1/273.
(6) منتهى المطلب: 10/414.

صفحه 288
الركن فيها ما تبطل الصلاة بتركه، سواء كان عن عمد أو نسيان، وأمّا الركن في الحجّ فهو بمعنى ما يبطل الحجّ بتركه عامداً فقط دون ما إذا تركه نسياناً. غاية الأمر انّه لو تمكن يأت به وإلاّ استناب.
فلذلك لو ترك الطواف والسعي عن عمد تبطل العمرة والحجّ إذا انقضى وقته، وأمّا سائر الأجزاء غير الركنية، فمعنى وجوبه كون الإتيان به واجباً شرعاً ، فلو تركه عمداً لا يبطل به الحجّ وربّما تتعلّق به الكفّارة.
نعم قد مضى في الطواف أنّ تاركه مع الجهل البسيط عامد، وذلك لأنّه يحتمل الوجوب ومع ذلك يتركه، وهو تارك لكلّ واحد من الطواف والسعي تركاً عمدياً.
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى دراسة دليل كون السعي ركناً بالمعنى الّذي عرفت. وإليك ما يدلّ عليه:
1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمّـار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل ترك السعي متعمداً؟ قال:«عليه الحجّ من قابل».1 ومعنى الأمر بالحجّ من قابل هو فساد ما أتى به من الحجّ وإلاّ لما احتاج إلى القضاء.
وأمّا اختصاص البطلان بصورة العمد، لا النسيان فهو غير واضح، لأنّ العمد جاء في سؤال السائل لا في جواب الإمام(عليه السلام)، فالرواية بالنسبة إلى صورة النسيان ساكتة; كما أنّها ساكتة عن ترك السعي في العمرة إلاّ أن تُدعى وحدة حكم العمرة والحجّ، وانّ الحكم لطبيعة ترك السعي سواء أكان السعي للعمرة أم للحجّ.

(1) الوسائل:9، الباب7 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 289
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمّار، قال: قال أبوعبد اللّه(عليه السلام):«من ترك السعي متعمداً فعليه الحجّ من قابل».1
وهذه الرواية على خلاف الرواية السابقة حيث جاء التعمّد في كلام الإمام لا الراوي، فيدلّ بمفهومها على الصحة في صورة النسيان.
ومع ذلك يحتمل وحدة الروايتين، وقد نقل بصورتين، لأنّ الراوي للحديثين هو ابن أبي عمير عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام).
وعند ذلك لا يصحّ الاحتجاج بالرواية على صحّة الحجّ عند النسيان لاحتمال كون العمد كان مأخوذاً في لسان السائل، وقد نقل بالمعنى في الرواية الثانية.
3. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ أنّه قال في رجل ترك السعي متعمّداً، قال:«لا حجّ له».2
ويتوجه على هذه الرواية ما ذكرناه في الأُولى حيث إنّ القيد مأخوذ في كلام الراوي فلا تدلاّن على الصحة في صورة النسيان. نعم يمكن استنباط حكم السهو من الروايات الواردة فيه. كما سيأتي في الفرع الثالث.

الفرع الثالث: حكم ترك السعي نسياناً

إنّ معنى كون حكم السعي كحكم الطواف ـ كما في المتن ـ أنّه يبطل الحجّ بتركه عمداً وجهلاً بالجهل البسيط دونما إذا تركه نسياناً.
أمّا العمد فقد تبيّن وجهه، وأمّا إذا نسي فيجب عليه الرجوع والإتيان به

(1) الوسائل:9، الباب7 من أبواب السعي، الحديث2.
(2) الوسائل:9، الباب7 من أبواب السعي، الحديث3.

صفحه 290
وإلاّ استناب، وهذه هي الفتوى المشهورة بين الأصحاب، وقد عرفت عبارة المحقّق حيث قال: ولو كان ناسياً وجب عليه الإتيان به فإن خرج عاد ليأتي به وإن تعذّر عليه استناب فيه.
والكلام في المقام هو ترك السعي بتاتاً، لا ما إذا نقصه، إذ يأتي حكمه في المسألة التاسعة فانتظر.
والمهم استفادة هذا الحكم من الروايات وهي على قسمين:

الأوّل: ما يدلّ على وجوب الإتيان عليه بالمباشرة

نظير ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: رجل نسي السعي بين الصفا والمروة؟ قال:«يعيد السعي»، قلتُ: فإنّه خرج.1 قال: »يرجع فيعيد السعي، إنّ هذا ليس كرمي الجمار إنّ الرمي سنّة، والسعي بين الصفا والمروة فريضة».2
وظاهر الرواية أنّه نسي السعي واستمر نسيانه حتّى ترك البلد الأمين وهو في الطريق، وأمّا إذا استمر النسيان حتّى وصل إلى أهله فهو خارج عن مضمون الرواية. فلا تدلّ على وجوب العود.
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ التعليل في ذيل الرواية، أعني قوله: السعي بين الصفا والمروة فريضة يعمّ كلتا الحالتين وانّه يجب العود حتّى بعد الوصول إلى بيته.
وأمّا استخدام لفظ الإعادة مع أنّه لم يأت بالسعي فمن باب المجاز، وكأنّه كان من شأنه أن يأت ، فلم يأت به فقال:«يعيد».

(1) وفي المصدر: فاته ذلك حتى خرج; الكافي:4/484.
(2) الوسائل:9، الباب8 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 291
وعلى كلّ تقدير فالظاهر أنّ المراد من «الفريضة» وروده في القرآن الكريم، وأمّا «السنّة» فهي ما ورد على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو علم من فعله أو تقريره.

الثاني: ما يدلّ على الاستنابة

وتدلّ عليه روايتان:
1. خبر زيد الشحام، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا والمروة حتّى يرجع إلى أهله؟ فقال: «يُطاف عنه».1
فالرواية ظاهرة في جواز الاستنابة فيعارض ما ورد في القسم الأوّل من تعيّن المباشرة.
ولكن الرواية تختص بمن رجع إلى أهله، ولا تشمل من كان في أثناء الطريق.
2. ما رواه محمد بن مسلم ، عن أحدهما قال: سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا والمروة؟ قال: «يطاف عنه».2
والرواية حسب نقل الفقيه ضعيفة، لأنّ في طريقه إلى محمد بن مسلم ضعف بخلاف ما نقله الشيخ في «التهذيب». والرواية صريحة في جواز الاستنابة مطلقاً، سواء كان في أثناء الطريق أو وصل إلى أهله، نعم هي منصرفة لمن كان في مكّة المكرمة.

كيفية الجمع بين القسمين؟

ويمكن الجمع بين القسمين بالنحوين التاليين:

(1) الوسائل:9، الباب8 من أبواب السعي، الحديث2.
(2) الوسائل:9، الباب8 من أبواب السعي، الحديث3.

صفحه 292
الأوّل: الحمل على التخيير بين المباشرة والاستنابة، وذلك لأنّ الطائفة الثانية صريحة في التخيير، بخلاف الأُولى فهي ظاهرة في المباشرة فيقدّم النص على الظاهر.
الثاني: حمل المباشرة على ما إذا لم تكن هناك مشقة، كما إذا كان في جدّة وأمكن له الرجوع إلى مكّة المكرمة في السعي، بخلاف ما إذا كان الرجوع مقروناً بالمشقّة فيستنيب.1
والمراد من المشقّة هو العمل المحتاج إلى بذل الجهد دون ما إذا كان رافعاً للتكليف، وأمّا معه فالاستنابة متعيّنة.2
والظاهر من الأصحاب هو تقديم الوجه الثاني من وجهي الجمع كما هو صريح كلام المحقّق في «الشرائع»، وعليه يحمل كلام المصنّف حيث قال: حكمه حكم الطواف، حيث قال في باب الطواف: لو ترك الطواف سهواً يجب الإتيان به في أي وقت أمكنه، وإن رجع إلى محلّه وأمكنه الرجوع بلا مشقّة وجب وإلاّ استناب لإتيانه.
وربّما يؤيد هذا الجمع روايتان في باب الطواف:
الأُولى: ما رواه معاوية بن عمّار ، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل نسي طواف النساء حتّى أتى الكوفة، قال: «لا تحلّ له النساء حتّى يطوف بالبيت». قلت: فإن لم يقدر؟ قال: «يأمر من يطوف عنه».3 الظاهر أنّ المراد من عدم القدرة، هو القسم العرفي المقرون بالحرج، لا القسم العقلي المسقط للتكليف.
الثانية: ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي طواف النساء حتّى يرجع إلى أهله؟ قال: »لا تحلّ له النساء حتّى يزور

(1) مستند الشيعة:12/176.
(2) مستند الشيعة:12/176.
(3) الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث4.

صفحه 293
المسألة 9: لو زاد فيه سهواً شوطاً أو أزيد صحّ سعيه، والأولى قطعه من حيث تذكر وإن لا يبعد جواز تتميمه سبعاً، ولو نقصه وجب الإتمام أينما تذكّر، ولو رجع إلى بلده وأمكنه الرجوع بلا مشقة وجب، ولو لم يمكنه أو كان شاقّاً استناب، ولو أتى ببعض الشوط الأوّل وسها ولم يأت بالسعي فالأحوط الاستئناف.*
البيت، فإن هو مات فليقض عنه وليّه أو غيره، فأمّا مادام حيّاً فلا يصلح أن يقضى عنه، وإن نسي الجمار فليسا بسواء إن الرمي سنّة، والطواف فريضة».1
وجه الدلالة: أنّ قوله: «فلا يصلح» ظاهر في كراهة الاستنابة، حتّى ولو رجع إلى أهله.
وأمّا ما ورد في الباب33 من أبواب الطواف فهو يرجع إلى ما إذا ترك بعض الطواف لا كلّه، وهذا ما يأتي في المسألة التاسعة.
* في المسألة فروع:
1. لو زاد فيه شوطاً أو أزيد يقطع حيث تذكر، ويحتمل جواز إكماله سبعاً.
2. لو نقصه سهواً وجب الإتمام أينما تذكّر.
3. لو نقصه وعلم بعد ما رجع إلى أهله ففيه التفصيل بين كون الرجوع شاقّاً وعدمه.
4. لو أتى ببعض الشوط الأوّل ونسي ولم يأت بالسعي فالأحوط الاستئناف.
وقبل الخوض في شرح الفروع والبرهنة عليها نذكر أُموراً:

(1) الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 294

1. الزيادة العمديّة وترك ذكرها

ذكر الماتن في المسألة السابقة حكم ترك السعي بتاتاً عمداً كان أو سهواً، كما أنّه ذكر في هذه المسألة حكم زيادة السعي والنقيصة سهواً ولم يشر إلى حكم زيادة السعي عمداً، مع أنّ صاحب الوسائل عقد باباً للزيادة العمديّة، وباباً آخر للزيادة السهوية.1 ونقل حول الزيادة العمدية روايتين: أُولاهما منصرفة عن الزيادة العمديّة، والثانية لها إطلاق يعمّ الزيادة العمديّة أيضاً. نعم لا ينحصر الاستدلال على حكم الزيادة العمديّة بهما كما سيوافيك.
ولمّا كان حكم الزيادة العمديّة واضحاً(لأنّ الساعي عندئذ مشرع بعقيدته، مبدع بعمله، لا يتمشّى منه القربة فيكون محكوماً بالبطلان، إذ لا يكون مقرّباً) تركه المصنّف، وسيوافيك تفصيله.

2. أقسام الزيادة ومقتضى القاعدة الأوّلية

تتحقّق الزيادة تارة بأقلّ من شوط، وأُخرى بالشوط الواحد، وثالثة بأكثر ولا تبلغ إلى أربعة عشر، ورابعة تبلغ إلى أربعة عشر، وخامسة إلى خمسة عشر. وعلى كلّ تقدير، فالزيادة تارة تكون عمدية وأُخرى سهوية، وعلى جميع التقادير تكون الزيادة تارة مقصودة من بدء السعي، وأُخرى تبدو له في الأثناء، وثالثة عند إتمامه وإكماله.
مقتضى القاعدة الأوّلية هو البطلان حتى في صورة السهو، إذا كان تحديد السعي بالسبعة دليلاً على أخذها «بشرط لا» لرجوع الزيادة عندئذ إلى نقصان الوصف إذا أخذ وصفاً للأشواط السبعة أو الجزء، إذا كان مأخوذاً فيها بنحو

(1) الوسائل: 9، الباب12 و 13 من أبواب السعي.

صفحه 295
الجزئية فهذا هو المتبع إلاّ أن يدلّ دليل حاكم على الصحّة.

3. كلمات الأصحاب في الزيادة العمدية والسهوية

المشهور بطلان السعي بالزيادة عمداً وصحّته بالزيادة سهواً:
أ. قال المحقّق: لا يجوز الزيادة على سبع، ولو زاد عامداً تبطل، ولا تبطل بالزيادة سهواً.1
ب. وقال في «المدارك» بعد قول المحقّق «ولا تبطل بالزيادة سهواً»: لا ريب في عدم البطلان بذلك، ويتخيّر من زاد ساهياً بين طرح الزيادة والاعتداد بالسبعة وبين إكمال أُسبوعين، ويكون الثاني مستحباً.2
ولا يخفى أنّ ما ذكره لا يعمّ بعض الصور، كما إذا أكمله أربعة عشر شوطاً أو خمسة عشر شوطاً.
فما ذكره صاحب المدارك من الوجهين هما اللّذان ذكرهما المصنّف في المتن، لكنّه خصّهما بما إذا كان الزائد شوطاً أو أزيد، قال: والأولى قطعه من حيث تذكّر، وأن لا يبعد جواز تتميمه سبعاً.
ج. وقال في «الرياض»: «ولا يبطل بالزيادة السهوية» إجماعاً للأصل والصحاح المستفيضة، وإن اختلفت في الدلالة على إطراح الزائد والاجتزاء بالسبعة كما في أكثرها.3
د. وقال في «المستند»: وإن كانت الزيادة سهواً فلا خلاف في عدم البطلان نصاً وفتوى وعليه الإجماع في كلام بعضهم.4

(1) الشرائع:1/273.
(2) المدارك:8/213.
(3) الرياض:7/100.
(4) المستند:12/178.

صفحه 296
و. وفي «الجواهر»: بعد قول المحقّق«ولا تبطل بالزيادة سهواً»: بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه.1
إذا عرفت ذلك فلنذكر حكم القسمين: الزيادة العمدية والزيادة السهوية.

حكم الزيادة العمدية

قد عرفت أنّ المشهور بين الأصحاب هو بطلان السعي بالزيادة العمدية، وذلك لوجهين:
1. انّ الزيادة تعدّ بدعة والعمل مبغوضاً والساعي مشرّعاً، وعندئذ لا يصحّ التقرب به، وقصد القربة هو روح العبادة. هذا كلّه يصحّ في العامد العالم بالحكم، وأمّا الجاهل البسيط المتردّد بين كون الواجب هو السبعة أو أكثر، فيمكن أن يقال بصحّة عمله وجعل الموضوع من قبيل الخطأ في التطبيق، وذلك لأنّه قصد امتثال الأمر الواقعي، ولكنّه احتمل أن يكون الواجب هو الزائد على السبعة فأتى به احتمالاً، فعندئذ لا يكون عمله مبعّداً أو مبغوضاً.
هذا كلّه حسب القاعدة الأوّلية، وأمّا الروايات فيمكن الاستدلال على البطلان بالروايتين التاليتين:
1. ما رواه الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم (بن معاوية بن عمّار)، عن صفوان بن يحيى(الذي صنف ثلاثين كتاباً وتوفّي سنة 210هـ)، عن عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال:»الطواف المفروض إذا زدت عليه، مثل الصلاة،

(1) الجواهر:12/432.

صفحه 297
فإذا زدت عليها فعليك الإعادة وكذا السعي».1 فإنّ تنزيل السعي منزلة الطواف أو الصلاة يوجب التفريق بين الزيادة العمدية فتبطل دون السهوية فلا.
وفي «المدارك» أنّ هذه الرواية ضعيفة السند باشتراك الراوي بين الثقة والضعيف.2
ووافقه البحراني في الحدائق وأجاب بجبر الضعف بعمل الأصحاب.3
لو كان المراد من «أبي الحسن» هو الإمام الرضا (عليه السلام) فهو مردد بين عبد اللّه بن محمد الحصيني الأهوازي الثقة وعبد اللّه بن محمد الحجال الثقة فانّهما من أصحاب الإمام الرضا المشهورين، وأمّا الباقون فليسوا بمشهورين فلا ينصرف المطلق إلاّ إليهما، بل ليس لغيرهما رواية في الكتب الأربعة.4
2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي إبراهيم(عليه السلام) في رجل سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط ما عليه؟ فقال: «إن كان خطأ أطرح واحداً واعتدّ بسبعة».5
والمراد من الخطأ هو السهو والنسيان فيعتدّ بما أتى ويطرح الزائد، وبحكم المفهوم لو كانت الزيادة عن علم فلا يعتدّ به وهو آية البطلان.
واستدلّ المحقّق الخوئي برواية ثالثة وهي صحيحة معاوية بن عمّار قال: من طاف بين الصفا والمروة خمسة عشر شوطاً طرح ثمانية واعتدّ بسبعة6، قائلاً بأنّ طرح الثمانية السابقة يدلّ على بطلان السعي بالزيادة.7

(1) الوسائل: 9، الباب12 من أبواب السعي، الحديث2.
(2) المدارك:8/213.
(3) الحدائق:16/187.
(4) المعتمد:5/64.
(5) الوسائل: 9، الباب13 من أبواب السعي، الحديث3.
(6) الوسائل: 9، الباب13 من أبواب السعي، الحديث4.
(7) المعتمد:5/83.

صفحه 298
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى انصراف الرواية إلى صورة السهو دون العمد ـ : أنّ الرواية قاصرة الدلالة على بطلان السبعة الأُولى، إذ يحتمل أن تكون الثمانية المطروحة من الأشواط الأخيرة أي بعد السبعة إلى الخمسة عشر فيعتد بالسبعة الأُولى، لا الثمانية الأُولى حتى يكون دليلاً على البطلان.
والحقّ كما قلناه: إنّ الروايات منصرفة إلى صورة الزيادة السهوية.

حكم الزيادة السهوية

قد عرفت كلمات الأصحاب وأنّ الزيادة السهوية لا توجب البطلان إنّما الاختلاف في كيفية العلاج عند الالتفات بالزيادة، فهناك وجوه، وكلّها مأخوذة من الروايات، فإنّ ما ورد في المقام على طوائف:

الأُولى: الاستئناف

روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إن طاف الرجل بين الصفا والمروة تسعة أشواط فليسع على واحد وليطرح ثمانية، وإن طاف بين الصفا والمروة ثمانية أشواط فليطرحها وليستأنف السعي».1
والرواية تتضمن بطلان السبعة الأُولى مطلقاً، وذلك لأنّه إذا زاد شوطاً كما في الشق الثاني في الرواية فلا يمكن أن يحسب من السعي الصحيح، إذ عندئذ يلزم الابتداء من المروة، وهذا بخلاف ما إذا زاد شوطين، إذ يلزم عليه الابتداء بالصفا، فلذلك تُلغى الثمانية ولا تلغى التسعة بتمامها، بل يؤخذ بشوط واحد. وهو ذهابه من الصفا إلى المروة دون إيابه منها إليه. وعلى الصورتين فالزيادة مبطلة. ومنصرف الرواية هو السهو، إذ من البعيد أن يزيد من تحمل جهود السفر

(1) الوسائل: 9، الباب12 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 299
ووعثاءه أن يزيد شيئاً في العبادة مع العلم بعدم تشريعه.

الثانية: الصحّة مطلقاً

ويدلّ عليه ما سبق من رواية عبد اللّه بن محمد حيث نزّل السعي منزلة الصلاة، ومن المعلوم أنّ الزيادة السهوية غير مبطلة في الصلاة (نعم خرجت الأركان بدليل خاص). وعلى هذا فقوله فيه: فعليك الإعادة، يرجع إلى صورة العمد لا السهو. نعم ليس في هذا القسم ما يدلّ على كيفية العلاج ولعلّه يتحقق بالوجهين الأخيرين.

الثالثة: الاعتداد بالسبعة الأُولى وطرح الزائد

هناك ثلاث روايات يجمعها أنّ الزائد سواء أكان واحداً أم سبعة أم تسعة يعتد بالسبعة الأُولى ويطرح الباقي، وإليك ما يدلُّ عليه:
1. روى عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي إبراهيم(عليه السلام) في رجل سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط ما عليه؟ فقال: «إن كان خطأ أطرح واحداً واعتدّ بالسبعة».1
2. روى جميل بن درّاج قال: حججنا ونحن صرورة فسعينا بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطاً، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك؟ فقال:«لا بأس سبعة لك وسبعة تطرح».2
والرواية تدلّ على صحّة إحدى السبعتين وطرح الآخر، ولعلّه ظاهر في

(1) الوسائل: 9، الباب13 من أبواب السعي، الحديث3.
(2) الوسائل: 9، الباب13 من أبواب السعي، الحديث5.

صفحه 300
الأخذ بالسبعة الأُولى وطرح السبعة الآخرة. وقوله:«ونحن صرورة» يدل على أنّ الزيادة كانت عن جهل.
هذا في الأربعة عشر وأمّا في الخمسة عشر فقد روى معاوية بن عمّار قال: من طاف بين الصفا والمروة خمسة عشر شوطاً طرح ثمانية واعتدّ بسبعة.1
والظاهر أنّ المراد من السبعة هو السبعة الأُولى.

الرابعة: إضافة ستة

هناك ما يدلّ على أنّه إذا سعى ثمانية أشواط أضاف إليها ستة أشواط:
1. ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ـ في حديث الطواف ـ قال: وكذا إذا استيقن أنّه سعى ثمانية أضاف إليها ستة.
2. وما رواه أيضاً محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) في حديث قال:«وكذلك إذا استيقن أنّه طاف بين الصفا والمروة ثمانية فليضف إليها ستة».2
ويحتمل وحدة الروايتين لوحدة الراوي والمروي عنه.
هذه هي أصناف الروايات والمهم الجمع بينها.

الجمع بين الطوائف

لا شكّ في وجود التعارض بين هذه الطوائف، وذلك:
1. انّ الطائفة الأُولى تدلّ على الاستئناف وعدم الاعتداد بما أتى من الأشواط الثمانية.
2. الطائفة الثانية الّتي تعطف السعي على الصلاة في الحكم، تدلّ على

(1) الوسائل: 9، الباب13 من أبواب السعي، الحديث4.
(2) الوسائل: 9، الباب13 من أبواب السعي، الحديث1 و2.

صفحه 301
عدم إخلال الزيادة السهوية وإمكان علاجها وأمّا العلاج، فيمكن بأحد الوجهين المذكورين في الطائفتين: الثالثة والرابعة.
3. الطائفة الثالثة تدلّ على الاعتداد بالسبعة وإطراح الزائد.
4. الطائفة الرابعة تدلّ على الاعتداد بالسبعة وإكمالها.
وأمّا الجمع بينهما فيمكن بالنحو التالي:
رفع اليد عن ظهور الأمر بالاستئناف في التعيّن بحمله على الرجحان وكونه أفضل، وبما أنّ الطائفتين الأخيرتين تشتركان في أنّ الزيادة السهوية ليست مخلّة، وتعالجان الموضوع بأحد الوجهين، تكون النتيجة عندئذ هو التخيير بين الأُمور الثلاثة:
1. الاستئناف.
2. الإكمال.
3. الاعتداد بالسبعة وطرح الزائد.
وقد أشار المصنّف إلى الوجهين الأوّلين بقوله: «والأولى قطعه حيث تذكّر، وأن لا يبعد جواز تتميمه سبعاً». وكان الأولى أن يشير إلى الوجه الثالث أيضاً.
نعم ذكر صاحب المدارك أنّ الإكمال يختص بما إذا تذكّر بعد إكمال الثامن وإلاّ تعيّن القطع، لاختصاص الرواية المتضمّنة للإكمال لما إذا لم يحصل التذكر حتّى أتم الثمانية.1
فإن قلت: كيف تصحّ إضافة ستة أشواط على الثمانية، إذ عندئذ يلزم أن يبدأ السعي بالمروة، ضرورة انّ لازم احتساب الشوط الثامن، هو البدء بالمروة مع أنّه ورد: ابدأوا بما بدأ اللّه.2

(1) المدارك: 8/214.
(2) الوسائل:9، الباب6 من أبواب السعي، الحديث7.

صفحه 302
قلت: لازم القول بإضافة الستة، هو جواز البدء من المروة في السعي المندوب، وما ورد من البدء بما بدأ اللّه به من أحكام السعي الواجب، ولأجل ذلك قلنا: إنّ الواجب هو السبعة الأُولى لا الثمانية.
وإلى ما ذكرنا أشار صاحب المدارك بقوله: ومتى أكمل الزائد أُسبوعين كان الثامن مستحباً لجواز الطرح، ولا يشرع استحباب السعي إلاّ هنا، ولا يشرع ابتداءً مطلقاً.1
وبما ذكرنا يعلم ضعف ما في «الحدائق» في رد جعل السبعة الأخيرة سعياً مستحباً قال: إنّ صحيحة محمد بن مسلم ـ الدالّة على إضافة الستة ـ لا تخلو عن إشكال.
أمّا أوّلاً: فلأنّ السعي ليس مثل الطواف والصلاة، حتّى تكون عبادة برأسها تقع مستحبة وواجبة ليكون الثاني نافلة، فإنّا لم نقف في غير هذا الخبر على ما يدلّ على وقوعه مستحباً.
وأمّا الثاني: فمع تسليم وقوعه مستحباً، فإنّ اللازم من الطواف ثمانية، كون الابتداء بالثامن من المروة، فكيف يجوز أن يعتدّ به ويبني عليه سعياً مستأنفاً، مع اتّفاق الأخبار وكلمة الأصحاب على وجوب الابتداء في السعي من الصفا، وانّه لو بدأ من المروة وجب عليه الإعادة عامداً كان أو ساهياً كما تقدّم.2
وجه الضعف: انّه لا مانع من الالتزام بالأمرين إذا دلّ الخبر الصحيح عليه:
1. استحباب السعي في مورد خاص.

(1) المدارك:8/214.
(2) الحدائق:16/281ـ 282.

صفحه 303
2. جواز البدء من المروة في السعي المستحب.
يقول صاحب الجواهر: قلت: ـ ما ذكره صاحب الحدائق ـ كما ترى كالاجتهاد في مقابلة النص بعد تسليم ظهور الفتاوى في ذلك ولا استبعاد في مشروعية هذا السعي من المروة وتخصيص تلك الأدلة به بعد جمعه لشرائط الحجّية والعمل به ، كما لا استبعاد في استحباب السعي هنا وإن كان لم يشرع استحبابه ابتداءً.
وبذلك يعلم انّ ما هو المشهور من التخيير بين اهدار الشوط الزائد مما زاد، والبناء على السبعة وبين الإكمال أُسبوعين هو الأقوى.
نعم رجّح صاحب الرياض الوجه الأوّل وقال: الأولى والأحوط الاقتصار على الأوّل. وذكر نفس الإشكال المنقول عن الحدائق،1 وقد مرّ دفعه.

الفرع الثاني: فيما إذا نقص السعي سهواً

قد عرفت حكم الزيادة السهوية، وقد حان البحث عن النقيصة السهوية ففيها قولان:
الأوّل: البناء على ما سبق مطلقاً من غير فرق بين تجاوز النصف وعدمه والإتيان بالنقيصة متى تذكر، سواء فاتت الموالاة أم لا، وسواء أكان النقص أقل من النصف أم أكثر.
نعم كلّ هذا إذا لم يرجع إلى أهله، وإلاّ فإن أمكنه الرجوع يرجع ويأتي بالنقيصة وإلاّ استناب فيه.
وهذا هو القول المشهور بين الفقهاء.

(1) الرياض:7/101.

صفحه 304
يقول المحقّق: متى تيقّن النقيصة أتى بها.1
وقال العلاّمة في «التذكرة»: لو سعى أقل من سبعة أشواط ولو خطوة وجب عليه الإتيان بها ولا يحلّ له ما يحرم على المحرم قبل الإتيان به، فإن رجع إلى بلده وجب عليه العود مع المكنة وإتمام السعي، لأنّ الموالاة لا تجب إجماعاً.2
وقال في «المنتهى»: ولو نقص ولو خطوة واحدة وجب عليه الإتيان بها، إلى آخر عبارة «التذكرة» وأضاف: ولا نعلم فيه خلافاً.3
وقد حكي هذا القول في «الجواهر» عن الشيخ في كتبه وابن حمزة وابن إدريس وابن سعيد.
الثان4ي: التفصيل بين تجاوز النصف وعدمه فيبني على ما أتى في الأوّل ويستأنف عند الثاني، قيل وعليه جماعة من المتقدّمين، كالمفيد في مقنعته وسلاّر في مراسمه وابن زهرة في غنيته، ولكن نصوص بعضهم ليست صريحة في المورد.
قال الشيخ المفيد: وحكم السعي في النصف وأقلّ منه وأكثر حكم الطواف سواء.5
أقول: إطلاق عبارته وإن كان يعمّ النقص السهوي، لكنّها ليست صريحة فيه ويحتمل رجوعه إلى ما إذا قطعه للصلاة أو للحاجة أو لغيرها، وأين هما من النقص السهوي؟!
وقال سلاّر في فصل ذكر النسيان من أفعال الحجّ: ومن وجد نفسه عند ظنه بنقصان السعي ـ إلى أن قال: ـ وحكم من قطع السعي حكم قطع الطواف

(1) شرائع الإسلام:1/274.
(2) تذكرة الفقهاء:8/138.
(3) المنتهى:10/420.
(4) الجواهر:19/440.
(5) المقنعة:441.

صفحه 305
في اعتبار مجاوزة النصف في البناء وإن لم يجاوزه استأنف.1
أقول: الظاهر أنّ كلامه ككلام الشيخ المفيد ناظر إلى من قطع السعي لأجل إقامة الصلاة وغيرها والكلام فيمن نسي، اللّهم إلاّ أن يكون حكم الموضوعين عنده واحداً.
وقال في «الغنية»:وحكم قطع السعي والسهو فيه والشك حكم ذلك في الطواف.2
والفرق بينه وبين المراسم أنّه عطف على حكم قطع السعي قوله «والسهو فيه والشك»، فيكون صريحاً في المسألة.
استدلّ على القول المشهور بما دلّ على القطع للصلاة بعد شوط وللحاجة بعد ثلاثة أشواط، أو ستة أشواط.
أمّا الأوّل ففي موثّقة الحسن بن علي بن فضال قال: سأل محمد بن علي أبا الحسن(عليه السلام)فقال له:سعيت شوطاً واحداً ثمّ طلع الفجر، فقال: «صل ثمّ عد فأتمّ سعيك».3
وأمّا الثاني ففي خبر يحيى بن عبد الرحمن الأزرق قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثمّ يلقاه الصديق له فيدعوه إلى الحاجة أو إلى الطعام؟ قال:«إن أجابه فلا بأس».4
يلاحظ على الاستدلال بهما: بأنّ الكلام فيما إذا نقص سهواً، وأمّا مورد الحديثين فيرجع إلى من نقص عمداً للصلاة أو لقضاء الحاجة، وأين هو من

(1) المراسم:124.
(2) غنية النزوع:1/179.
(3) الوسائل:9، الباب18 من أبواب السعي، الحديث2.
(4) الوسائل:9، الباب19 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 306
النقص السهوي على أنّ قوله في رواية الأزرق:«إن أجابه فلا بأس» ظاهر في جواز القطع لا في جواز البناء على ما أتى. ولعلّه يرجع ثانياً ويستأنف.
وأمّا الثالث ففي صحيحة سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط ثمّ رجع إلى منزله وهو يرى قد فرغ منه وقلم أظفاره وأحلّ ثمّ ذكر أنّه سعى ستة أشواط؟ فقال لي: « يحفظ انّه قد سعى ستّة أشواط، فإن كان يحفظ انّه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطاً وليرق دماً». فقلت: دم ماذا؟ قال:«بقرة». قال:«وإن لم يكن حفظ أنّه قد سعى ستة (أشواط) فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط ثمّ يُرق دم بقرة».1
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال به ـ على القول المشهور من عدم اعتبار تجاوز النصف ـ فرع إمكان إلغاء الخصوصية، فإنّ مورده هو تجاوز النصف حيث أتى بستة أشواط ونسي الأخير وإلغاؤها مشكل، لما تقدّم انّ لتجاوز النصف وعدمه في روايات الطواف وكلمات الأصحاب في مورد السعي دوراً وخصوصية. وسيوافيك الكلام فيهما في المسألة العاشرة، فانتظر.
وأمّا الذيل، أعني قوله:«وإن لم يكن حفظ أنّه قد سعى ستة أشواط» فالمتبادر منه أنّه لا يدري كم عدد الأشواط، فهو يستأنف.
انّ صاحب المستند عنون المسألة وقال:«وإن نقص سهواً أتى بالنقيصة متى تذكر، سواء كانت النقيصة أقلّ من النصف أو لا وفاقاً للمشهور» ثمّ استدلّ عليه بالإجماع والأخبار المستفيضة ،وقال:
كصحيحة ابن عمار :»فإن سعى الرجل أقل من سبعة أشواط ثمّ رجع إلى

(1) الوسائل:9، الباب14 من أبواب السعي، الحديث1. ويقرب منه خبر ابن مسكان في نفس الباب وفي سنده محمد بن سنان.

صفحه 307
أهله، فعليه أن يرجع ليسعى تمامه وليس عليه شيء، وإن كان لم يعلم ما نقص فعليه أن يسعى سبعاً».1 فقوله: «أقل من سبعة أشواط» يشمل ما لا يتجاوز النصف.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ليست رواية ابن عمّار، بل هي عبارة الشيخ ذكرها عنواناً للمسألة حتّى يدرسها، ثمّ استدل عليه برواية سعيد بن يسار المتقدّمة.2
ولعل الّذي أوقع صاحب المستند في الاشتباه هو أنّه جاء ما ذكره في «الوافي» بصورة الرواية وقال: التهذيب:الحسين، عن فضالة وصفوان، عن ابن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): «فإن سعى الرجل... ـ إلى قوله: ـ فعليه أن يسعى سبعاً»3. ولكنّك لا تجد أثراً منها في الوسائل.
وحصيلة البحث أنّ الأُوليين وردتا في غير مورد السهو، والثالثة والرابعة التي أشرنا إليها في الهامش وردتا في ما إذا سعى ستة أشواط وفي السابع . والإفتاء بها يتوقّف على إلغاء خصوصيتين: إلغاء خصوصية القطع لغير السهو، وإلغاء خصوصية السهو بعد التجاوز عن النصف.
واستدلّ على القول بالتفصيل بما يلي:
1. روى الشيخ في «التهذيب» عن أحمد بن محمد، عمّن ذكره، عن أحمد بن عمر الحلاّل، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلّت، قال: »إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف، علّمت ذلك الموضع الّذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في

(1) المستند: 12/181.
(2) التهذيب:5/175.
(3) الـوافي:8/948ـ 949، وما ذكره من السند، راجع إلى رواية أُخرى لمعـاوية بن عمّار، أعني: إن طاف الرجل بين الصفا والمروة فجعله الفيض سنداً أيضاً، لعبارة الشيخ بتوهم انّه حديث ابن عمّار.

صفحه 308
أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله».1
2. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة فجاوزت النصف فعلّمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمّت بقية طوافها من الموضع الّذي علّمته، فإن هي قطعت طوافها في أقلّ من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله».2
يلاحظ على الاستدلال بالروايتين:
أوّلاً: بضعف سندهما، فإنّ الأُولى مرسلة، والثانية ضعيفة لوقوع سلمة بن الخطاب المحكوم بالضعف في طريقه، وأمّا اشتمال السند على علي بن أبي حمزة البطائني فليس بمهم، لأنّ الراوي ـ أي علي بن الحسن بن فضّال ـ يروي عنه وعن محمد بن زياد ـ أي ابن أبي عمير ـ في عرض واحد.
وثانياً: وجود الشذوذ في مضمونها حيث إنّ الظاهر أنّ الحيض مانع عن السعي، والمعلوم خلافه.
هذا وقد عرفت ضعف دليل كلّ من القولين، فهل المرجع ـ بعد ثبوت الرجوع والبناء على ما أتى بالإجماع إجمالاً، وغيره ـ هو الأصل ، أي عدم اشتراط تجاوز النصف، كما عليه صاحب الجواهر; أو المرجع هو الاشتغال والشك في سقوط الأمر؟
الأقوى هو الأوّل، لأنّ المورد من قبيل الأقل والأكثر الارتباطيين، والثاني هو الأحوط، وجه كونه أحوط ما مرّ في باب الطواف أنّ لتجاوز النصف دوراً وموضوعية للأحكام، وأحوط منه، أن يكمله أوّلاً ثمّ يستأنف.

(1) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث2.والحلاّل لأنّه كان يبيع الحلّ ، وهو بمعنى الشيرج، وصفه الشيخ بكونه « ثقة رديء الأصل»، وتوقّف العلاّمة في قبول روايته، له 12 رواية.
(2) الوسائل:9، الباب85 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 309

الفرع الثالث:

لو نقصه وعلم بعد رجوعه إلى أهله، وقد عرفت فيه التفصيل بين كون الرجوع شاقّاً وعدمه.
ويمكن الاستدلال عليه بما مرّ في ترك السعي في المسألة الثامنة، فلاحظ.

الفرع الرابع:

لو أتى ببعض الشوط الأوّل وسها ولم يأت بالسعي، فقد احتاط المصنّف بالاستئناف.
ولعلّ وجهه أنّ ما ورد من البناء على ما أتى إنّما ورد فيما لو أتمّ الشوط الأوّل، وليس له إطلاق يعم ما لو سها في وسط الشوط الأوّل، إلاّ ما يظهر من رواية ابن عمّار حيث يقول: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيدخل وقت الصلاة، أيخفف أو يقطع ويصلّي ثم يعود، أو يثبت كما هو على حاله حتى يفرغ؟ قال:«لا بل يصلّي ثمّ يعود». لو افترضن1ا أنّه في مقام البيان.

إكمال

قد تقدّم أنّه إذا شقّ عليه الرجوع يستنيب، فهل النائب يكمل ما ترك، أو يستأنف السعي؟
مقتضى القاعدة هو الأوّل، لأنّه ينوب عمّا في ذمّته، وليس في ذمّته إلاّ ما ترك من أشواط السعي لا السعي كلّه، إلاّ أن يقال: إنّ النيابة في بعض أجزاء العمل على خلاف القاعدة، بخلاف النيابة في جميعه فعليه أن يأتي بالسعي كلّه، ومع ذلك فالأحوط الجمع بين الإكمال والاستئناف.

(1) الوسائل:9، الباب18 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 310
المسألة10: لو أحلّ في عمرة التمتّع قبل تمام السعي سهواً بتخيّل الإتمام وجامع زوجته يجب عليه إتمام السعي، والكفّارة بذبح بقرة على الأحوط، بل لو قصر قبل تمام السعي سهواً،1فالأحوط الإتمام والكفّارة، والأحوط إلحاق السعي في غير عمرة التمتع به فيها في الصورتين.*
كما أنّ الرجل إذا حاول إكمال ما ترك مباشرة فإنّما يجوز الإكمال إذا لم يخرج الشهر الحرام، وأمّا لو تذكّر النقص بعد مضي أشهر الحجّ فاللازم الإتيان بتمامه قضاءً، وإلاّ فلو أتمّ ما نقص يلزم تركب العمل الواحد من الأداء و القضاء، وهو كما ترى. كلّ ذلك لأجل أنّ الحجّ محدّد (بأشهر معلومات) 2 فإذا خرجت خرج وقت الأداء وحال وقت القضاء، ولو جاز الإكمال يلزم تركّب عمل مركب من أداء وقضاء، وهو أمر غريب.
* في المسألة فرعان:
الّذي يتحصّل من الإمعان في كلمات الأصحاب خصوصاً في كلام المحقّق في «الشرائع» أنّ في المقام فرعين فُرِضا في عمرة التمتّع.
الأوّل: إذا كان متمتّعاً بالعمرة وظن أنّه أتمّ (السعي) فأحلّ وخرج عن الإحرام (بالتقليم أو قصر الشعر) وواقع النساء ثم ذكر ما نقص.
الثاني: إذا كان في عمرة التمتّع وظنّ أنّه أتمّ السعي، فقلّم أظفاره أو قصّ شعره فقط.
والفرق بينهما، هو تجرّد التقصير في الثاني عن الوقاع دون الأوّل.

(1) في بعض النسخ كالمطبوع في قم، مؤسسة النشر الإسلامي زيادة: «وفعل ذلك»، وسيوافيك أنّ الأولى عدمه.
(2) البقرة:197.

صفحه 311
نعم أضاف المصنّف فرعاً ثالثاً: وهو نفس الصورتين في العمرة المفردة، وسيوافيك الكلام فيها.
وبذلك يعلم أنّ ما أثبتناه من النصّ في المتن أكثر انطباقاً على عبارات الأصحاب.
حيث جاء في بعض الطبعات قوله في الفرع الثاني:«وفعل ذلك» مشيراً بذلك إلى أنّه جامع زوجته في هذه الصورة أيضاً، ومن المعلوم أنّه يتّحد الفرعان عندئذ لبّاً. غير أنّه ورد في الفرع الأوّل قوله: «أحلّ» وفي الفرع الثاني: «قصّر». ولا مناص من تجريد الفرع الثاني عن الجماع.
وإليك بعض الكلمات:
1. قال المفيد: وإذا سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط وظنّ أنّه طاف سبعة وقصر وجامع وجب عليه دم بقرة ويسعى شوطاً آخر، فإن لم يجامع النساء سعى شوطاً ولا شيء عليه.1
فقوله:«فإن لم يجامع» يشير به إلى الفرع الثاني، فذهب المفيد فيه إلى عدم الكفّارة. وسيوافيك ورود الصحيحة في هذا الفرع.
2. قال الشيخ في «النهاية»: وإن كان قد واقع أهله قبل إتمامه السعي وجب عليه دم بقرة، وكذلك إن قصّر أو قلّم أظفاره كان عليه دم بقرة وإتمام ما نقص من السعي.2
والفرق بين الفرعين هو اشتمال الأوّل على الجماع قبل تمام السعي(بعد الاحلال بالتقصير) واشتمال الثاني على مجرد التقصير قبل تمام السعي. نعم ليس في الشقّ الأوّل الإحلال بالتقصير قبل الجماع، لكنّه معلوم بقرينة الشق الثاني;

(1) المقنعة:434.
(2) النهاية:345.

صفحه 312
مضافاً إلى أنّ «النهاية» فقه منصوص، وقد ورد فيه الإحلال بالتقصير قبل الجماع كما في رواية محمد بن سنان، فقد ورد فيها الإحلال بالتقليم ثمّ الوقاع، كما سيوافيك.
3. وقال في «المبسوط»: وإن واقع أهله قبل إتمام السعي فعليه دم بقرة، وكذلك إن قصّر أو قلّم أظفاره كان عليه دم بقرة.1
وعبارة المبسوط كالنهاية في اشتمال الفرع الأوّل على الوقاع قبل تمام السعي والآخر على التقليم والتقصير قبل إتمامه، لكن الإحلال مقدّر.
4. وقال المحقّق: ولو كان متمتّعاً بالعمرة وظن أنّه أتمّ، فأحلّ وواقع النساء، ثمّ ذكر ما نقص كان عليه دم بقرة على رواية ويتمّ النقصان. وكذا قيل لو قلّم أظفاره أو قصّ شعره.2 فقد أفتى في الفرع الأوّل ونسب وجوب الدم في الفرع الثاني ـ أعني: إذا تجرّد عن الوقاع ـ إلى القيل، وسيوافيك ما فيه من العجب.
5. وقال العلاّمة في «التذكرة»: ولو لم يذكر حتى واقع أهله أو قصّر أو قلّم كان عليه دم بقرة وإتمام السعي.3 وقد جاء الفرعان في كلام العلاّمة في سياق واحد.
إلى غير ذلك من الكلمات.
وعلى كلّ تقدير فلابدّ من دراسة مصدر الحكم وهما روايتان إحداهما صحيحة والأُخرى ضعيفة، والمهم الإمعان في مرماهما هل هو مختص بعمرة التمتّع أو هو أعمّ منها ويشمل العمرة المفردة؟ فنقول:
الأُولى: صحيحة سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل متمتّع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط، ثمّ رجع إلى منزله وهو يرى أنّه قد فرغ منه، وقلّم أظافيره وأحلّ، ثمّ ذكر أنّه سعى ستة أشواط، فقال لي: »يحفظ أنّه قد سعى

(1) المبسوط:1/362.
(2) الشرائع:1/274.
(3) التذكرة:8/138.

صفحه 313
ستة أشواط، فإن كان يحفظ أنّه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطاً وليُرق دماً«. فقلت: دم ماذا؟ قال: »بقرة«. قال: »وإن لم يكن حفظ أنّه قد سعى ستة، فليعد فليتبدئ السعي حتّى يكمل سبعة أشواط ثمّ ليرق دم بقرة».1 والرواية ناظرة إلى الفرع الثاني.
وإليك فقه الحديث ونكاته:
1. انّ الرواية مختصّة بعمرة التمتّع ولا تعمّ العمرة المفردة، بشهادة أنّ السائل لا يرى بين السعي والإحلال إلاّ أمراً واحداً وهو تقليم الأظفار، وهو ينطبق على عمرة التمتع حيث بالتقليم تحل كلّ المحرمات في عمرة التمتع، وهذا بخلاف العمرة المفردة، فإنّ التقصير لا يكون سبباً للإحلال التام إلاّ بعد طواف النساء.
ولعل المحقّق فهم الاختصاص بعمرة التمتع فقال:ولو كان متمتعاً بالعمرة وظن انّه أتم فأحلّ، الخ كما مرّ.
فإن قلت: كيف يتصوّر أنّه أتمّ السعي مع أنّ مكانه عند سادس الأشواط، هو الصفا، ومن الواضح لزوم الختم في المروة، والمفروض أنّه عالم بأنّه يجب عليه سبعة أشواط لكن اشتبه عليه الموضوع؟
قلت: ربّما تكون الظروف صعبة ولا يلتفت حتى الإنسان العالم بالحكم إلى اشتباهه ويتصوّر أنّه أكمل السعي وهو في الصفا.
2. انّ قيد التمتع وقع في السؤال دون كلام الإمام، ومثله يفقد المفهوم، لكن يوجب قصر الجواب عليه وعدم شموله لغيره.
3. وهل الحكم يختص بستة أشواط ولا يعم الخمسة وما دونها؟ الظاهر أنّها من باب المثال والمقصود قبل إتمام السعي، ولذلك أمر في الجواب بالإتمام وقال:

(1) الوسائل:9، الباب14 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 314
«فليعد وليتمّ شوطاً»، خلافاً لصاحب الجواهر.1
4. هل لتقليم الأظافر مدخلية، فلا يعمّ تقليم الظفرين أو قصر الشعر أو هو كناية عن الإحلال بالمحلّ، قبل إكمال السعي؟
الظاهر هو الثاني، فالمقصود هو الإحلال، قبل إكمال السعي لا خصوص التقليم، وإلاّ لكان ذكر الإحلال بعد التقليم لغواً حيث قال: وقلّم أظافيره وأحلّ.
5. هل الكفّارة لنقصان السعي، أو للتقصير المتحقّق في غير محلّه أو للجميع، وجوه.
6. اتّفقت كلمتهم على أنّه لا كفّارة للخاطئ إلاّ في الصيد، وكيف يجب عليه التكفير للإحلال بالتقصير قبل إكمال السعي، مع أنّه خاطئ.
والجواب: انّ الضابطة، قابلة للتخصيص وليست من القواعد العقلية الّتي لا تخصّص.
7. إذا وجب ذبح البقرة مع عدم الجماع، فهو يدلّ على أنّه ليس للوقاع دور في وجوبه كما هو المفروض في الفرع الآخر.
8. لقد توقّف المحقّق في وجوب الكفّارة في هذا الفرع ونفاها المفيد مع وجود الصحيحة في مورده حيث نسبها إلى القيل.
الثانية: خبر محمد بن سنان، عن عبد اللّه بن مسكان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا والمروة ستة أشواط وهو يظن أنّها سبعة، فذكر بعدما أحلّ وواقع النساء أنّه إنّما طاف ستة أشواط؟ قال: «عليه بقرة يذبحها، ويطوف شوطاً آخر».2 والرواية ناظرة للفرع الأوّل الوارد في المتن.

(1) الجواهر:19/443.
(2) الوسائل:9، الباب14 من أبواب السعي، الحديث2.

صفحه 315
وإليك فقه الحديث:
1. لو كان الظن بمعنى ترجيح أحد الطرفين على الآخر، تكون الرواية أجنبية عن المقام، لأنّ الكفّارة عندئذ لأجل انّه أحل مع أنّه غير قاطع بإتمام السعي، وأين هذا من المقام الّذي أحل قاطعاً بأنّه أتم، فتبيّن خلافه.
لكن المراد من الظن في هذه الرواية ، هو نفس ما ورد من الرؤية في صحيحة سعيد بن يسار، وقد أُريد بهما في الموضعين الاطمئنان الّذي تسكن إليه النفس لا الظن بمعنى مطلق الرجحان المعتبر عند الشك في عدد الركعات. واستعمال الظن في المعنى الّذي ذكرنا أمر رائج. قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللّه كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ).1
2. ثم الظاهر أنّ الخبر أيضاً راجع إلى عمرة التمتّع بنفس القرينة المذكورة في الصحيحة، فقد تقدّم أنّ السائل كان يرى أنّه ليس بين السعي ومسّ النساء إلاّ الإحلال بالتقليم أو التقصير، وهذا لا يتصور إلاّ في عمرة التمتّع، وأمّا غيرها كإحرام الحجّ أو العمرة المفردة، فيتوسط بين السعي والمسّ وراء الإحلال بالتقليم، طواف النساء وصلاته ولكن المتبادر من الرواية انّ المحقّق عنده عدم توسط شيء آخر وراء الإحلال.
3. انّ الوقاع ورد في كلام السائل، دون الإمام فلا يدلّ على مدخليته في وجوب الكفّارة.
فإن قلت: إنّ مقتضى القاعدة تقييد إطلاق الصحيحة بما ورد في الرواية الثانية حتّى يكون الموضوع مركباً من أمرين: الإحلال قبل السعي والوقاع بعد الإحلال.

(1) البقرة:249.

صفحه 316
قلت: ما ذكرت انّما يتمّ لو كان القيد فيها وارداً في كلام الإمام، ولكن قد عرفت انّه ورد في كلام السائل، وغاية ما يدلّ عليه، هو سكوت الإمام عن غير هذه الصورة لا نفي الحكم عنه، ولكن الصحيحة تدلّ على سعة الحكم وعدم اختصاصه بصورة الوقاع.
4. فإن قلت: كيف يجب عليه ذبح بقرة مع أنّ الواجب في الجماع عالماً وعامداً بدنة، ولا شيء عليه في الخاطئ؟
قلت: إنّ المقام من قبيل الخاطئ، فلأجل ذلك لا تجب عليه بدنة فإنّها للجماع عامداً، ولا مانع من أن يجب عليه أمر آخر وهو ذبح بقرة لأجل تقصيره حيث لم يُمعن في عمله حتى يقف على أنّ ما بيده شوط سادس لا سابع بدليل أنّه وجد نفسه في الصفا. وقد عرفت أنّه ليس للوقاع دور في ثبوت الكفّارة، لثبوتها في المجرد عنه حسب صحيحة سعيد بن يسار. وعلى ذلك فلا يثبت بخبر ابن مسكان شيء جديد سوى ما دلّ عليه صحيح سعيد بن يسار.
فتلخّص من ذلك: أنّ الحكم مختص بعمرة التمتّع ولا يعمّ العمرة المفردة، والإفتاء بالفرعين الأوّلين لا مانع عنه، لوجود الصحيحة في الفرع الأوّل وعمل الأصحاب بالخبر في الفرع الثاني.
والّذي يثير العجب، هو أنّ الأصحاب أفتوا بوجوب الكفّارة في موضوع الوقاع، مع أنّ الرواية الواردة فيه ضعيفة بمحمد بن سنان، واحتاطوا فيما ورد فيه رواية صحيحة، أعني: ما إذا تجرّد عنه.
وأمّا الفرع الثالث، أعني: إسراء الحكم إلى إحرام العمرة المفردة، فلا دليل عليه، سوى الاحتياط واحتمال الإطلاق في رواية ابن مسكان. وقد عرفت عدم صحته، لأنّ التحللّ بالتقصير يختص بعمرة التمتع.

صفحه 317
المسألة11: لو شك في عدد الأشواط بعد التقصير يمضي ويبني على الصحّة.
وكذا لو شكّ في الزيادة بعد الفراغ من العمل، ولو شك في النقيصة بعد الفراغ و الانصراف ففي البناء على الصحّة إشكال، فالأحوط إتمام ما احتمل من النقص، ولو شك بعد الفراغ أو بعد كلّ شوط في صحّة ما فعل بنى على الصحّة، وكذا لو شكّ في صحّة جزء من الشوط بعد المضي.*
* أنّ الشكّ تارة يطرأ بعد التقصير، وأُخرى بعد الفراغ من السعي والانصراف عن العمل، وثالثة قبل الفراغ.
وعلى كلّ تقدير فتارة يتعلّق الشك بالنقيصة، وأُخرى بالزيادة، وثالثة بصحّة ما أتى به من الشوط أو الأشواط، فتكون الفروع تسعة والصور ثلاثاً.
وإليك دراسة الصور بفروعها.

الصورة الأُولى: إذا شكّ بعد التقصير

إذا شكّ بعد التقصير سواء أتعلّق الشك بعدد الأشواط من حيث النقيصة أو من حيث الزيادة، أو تعلّق بها من حيث الصحّة أي صحّة بعض الأشواط فلا يعتد في الجميع بهذا الشك، أخذاً بقاعدة التجاوز المتّفق عليها في أبواب العبادات أو غيرها أيضاً. ففي صحيح زرارة: إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء.1
وفي موثّقة ابن أبي يعفور: عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»...إنّما الشكّ إذا كنت

(1) الوسائل:5، الباب23 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث1.

صفحه 318
في شيء لم تجزه.1ولم يذكر المصنف من هذه الصورة إلاّ الشكّ في الأعداد من حيث الزيادة والنقيصة ولم يذكر الشك في الصحّة مع أنّه يمضي في عامة الأقسام.
فإن قلت: ذكر المحقّق في «الشرائع»: «أنّ من لم يُحصِّل عدد سعيه أعاده».2 ومقتضى إطلاقه هو الاعتداد بالشك على النحو الّذي ذكره حتى ولو كان بعد التقصير.
قلت: قد حُمِلَ كلام المحقّق على من شك وهو في الأثناء، نقله صاحب الجواهر عن «المهذّب» لابن فهد، ووافقه هو نفسه وقال في تفسير كلامه: «من لم يحصل عدد سعيه» بمعنى أنّه شك فيه وهو في الأثناء ولم يكن بين السبعة فمازاد.3
فإن قلت: إنّ المستفاد من صحيح سعيد بن يسار هو بطلان العمل في الشك في النقيصة حتّى بعد الشكّ في التقصير حيث إنّ الموضوع فيه هو الشكّ بعد ما قلّم أظافيره، فاشترط في الصحّة كونه حافظاً للستة وإلاّ فيستأنف حيث قال(عليه السلام):«فإن كان يحفظ انّه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطاً وليرق دماً»، فقلت: دم ماذا؟ قال:بقرة «وإن لم يكن حفظ انّه قد سعى ستة فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل ستة أشواط».4
قلت: إنّ مورد قوله:«وإن لم يكن حفظ انّه قد سعى ستة» هو الجهل بمقدار ما نقص مع العلم بأصله، والفرق بين الشقّين هو العلم بمقدار النقص في الأوّل والجهل به في الثاني مع العلم بأصله.

(1) الوسائل:1، الباب42 من أبواب الوضوء، الحديث2.
(2) شرائع الإسلام:1/274.
(3) الجواهر:19/438.
(4) الوسائل:9، الباب14 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 319
وأين ذلك ممّا نحن فيه من الشك في النقيصة؟! ولذلك يجب التفصيل بين ما لو شك في النقص بعد التقصير فلا يعتد بشكّه، وما لو علم به وشكّ في مقداره.

الصورة الثانية: إذا شك بعد الفراغ عن العمل

فتارة يشك في الزيادة، وأُخرى في النقيصة، وثالثة في صحّة ما أتى به من الأشواط، أو شوط واحد، وقد ذكر في المتن الأقسام الثلاثة من الشك في الزيادة والنقيصة والصحّة وفصّل وقال بعدم الاعتداد بالشكّ في موردين:
أ. إذا شكّ في الزيادة.
ب. إذا شكّ في صحّة الجزء المأتي به.
واستشكل فيما لو شكّ في النقيصة.
أمّا الزيادة فكما لو شكّ ـ بعد الفراغ ـ بين السبعة والتسعة، فلا يعتدّ بالشك ويبني على الصحّة لأمرين:
1. أصالة عدم الزيادة.
2. وعدم إفساد الزيادة السهوية، فإنّ الزيادة ـ على فرض ثبوتها ـ فإنّما تحقّقت سهواً، وهي غير مخلّة.
وأمّا الشكّ في صحّة ما فعل أو الشكّ في صحّة جزء من أحد الأشواط فتجري فيه قاعدة التجاوز، وذلك للعلم بوجود الموضوع في محلّه وموضعه ـ أعني: سبعة أشواط ـ غاية الأمر يشكّ في وصفه من الصحّة والفساد، وبما أنّ الميزان في جريان القاعدة في حديث زرارة هو الخروج من الشيء وفي موثّق ابن أبي يعفور هو التجاوز يصدق كلّ من العنوانين على هذا الشك فقد خرج وتجاوز عنه بإتمام السعي.
هذا كلّه في شقّيّ الصورة الثانية، أي الشكّ في الزيادة أو الصحّة بعد

صفحه 320
الفراغ عن العمل، إنّما الكلام في ما إذا شك في النقيصة وقد فرغ وانصرف، فقد استشكل المصنّف في جريان قاعدة التجاوز.
وربما يقال في وجهه: إنّ الشرط في جريان القاعدة هو المضي إمّا حقيقة، وإمّا حكماً.
أمّا الأوّل فكما إذا شكّ في عدد الركعات وقد خرج عن الصلاة واشتغل بغيرها.
وأمّا الثاني فكما إذا شكّ في القراءة بعد الدخول في السورة فإنّ المضي الحقيقي غير حاصل، لأنّ التدارك ممكن لعدم الدخول في الركوع.
وأمّا المقام فلا يصدق عليه المضي، لا الحقيقي ولا الحكمي، لأنّه لو خرج من المسعى(بعد الفراغ) ولم يحرز الشوط السابع فهو بعد لم يتجاوز ولم يتحقّق الفراغ، بل هو في الأثناء1فلابدّ من الاعتناء به.2
وبعبارة أُخرى: انّ مصبّ القاعدة فيما إذا تعلّق الشكّ بأمر سابق لا بأمر بالفعل، فلذلك لا تجري القاعدة فيما إذا شكّ في طهارة اللباس والبدن والستر وهو في الصلاة، أو شكّ في دخول الوقت وهو فيها، لأنّ الشكّ راجع إلى الأمر بالفعل لا إلى الأمر الماضي، ومثله المقام حيث لم يعلم تحقّق الفراغ لافتراض أنّه يصحّ إتمام السعي بالإتيان بالنقيصة لو كان ناقصاً في الواقع.
يلاحظ عليه: أنّ الميزان في جريان القاعدة وعدمها ليس إمكان التدارك وعدمه، فلو أمكن التدارك فلا تجري وإلاّ فتجري بشهادة انّه تجري القاعدة إذا شكّ في القراءة وهو في السورة، ولذلك التجأ في إدخاله تحت القاعدة ، بتقسيم المضيّ إلى قسمين: حقيقي وحكمي، بل الميزان حسب ما فهمناه من صحيحة

(1) الأولى أن يقول: بل من المحتمل أنّه في الأثناء.
(2) المعتمد:5/97ـ 98.

صفحه 321
المسألة 12: لو شكّ وهو في المروة بين السبع والزيادة كالتسع مثلاً بنى على الصحّة، ولو شكّ في أثناء الشوط أنّه السبع أو الست مثلاً بطل سعيه، وكذا في أشباهه من احتمال النقيصة، وكذا لو شكّ في أنّ ما بيده سبع أو أكثر قبل تمام الدور.*
زرارة أو موثّقة ابن أبي يعفور هو الخروج والتجاوز العرفيّان، والمفروض أنّه يصدق عليه أنّه خرج عن العمل وتجاوز عنه، وإمكان التدارك بإتيان ما يحتمل نقصه لا ينافي صدق هذين العنوانين: الخروج و التجاوز عنه، وإلاّ لزم عدم جريانه فيما إذا شك في صحّة الشوط الأخير بعد الإذعان بوجوده لإمكان التدارك بإعادة الشوط.

الصورة الثالثة: إذا شكّ قبل الفراغ

إذا شكّ في الزيادة والنقيصة وهو في المسعى وهذا ما ذكره المصنف في المسألة الثانية.
* في المسألة فروع:
وحاصل الفروع أنّ الشكّ تارة يتلخّص في الزيادة، وأُخرى في النقيصة، وثالثة يدور بين النقيصة والزيادة، وهذه الأُمور متجلّية في الفروع الثلاثة التالية:
1. لو شكّ وهو في المروة بين السبع والتسع.
2. لو شك في أثناء الشوط بين السبع والخمس.
3. لو شك أنّ ما بيده سبع أو أكثر قبل تمام الدور.

الفرع الأوّل: لو شكّ وهو في المروة بين السبع والتسع

إذا كان الشكّ يتلخّص في الزيادة فقط ولا يكون هناك أي شكّ في النقيصة. مثلاً إذا كان في المروة وشكّ بين السبع والتسع، أو السبع والحادي عشر

صفحه 322
وهكذا، يبني على الصحّة.
لما مرّ من أنّ السعي ركن، ومعناه بطلان العمل بتركه أو نقصانه عمداً دون زيادته سهواً، فالزيادة المحتملة ـ على فرض تحقّقها ـ غير مخلّة.
ويمكن الاستئناس أيضاً بما ورد في مورد الطواف بصحيح الحلبي الوارد فيمن شك في طواف البيت بين السبعة والثمانية قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة أم ثمانية؟ فقال: «أمّا السبعة فقد استيقن، وإنّما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين».1
وإنّما قلنا: «يستأنس»، لأنّ مورده الشكّ في زيادة الطواف لا السعي، لكنّ التعليل يصلح للاستدلال به في غيره وهو أنّه يأخذ بالمتيقّن ويطرح المشكوك.
ولو قصرت اليد عن الدليل الاجتهادي، فالمرجع هو الأصل الموضوع الّذي عرفت، وهو أصالة عدم الزيادة ـ كما مرّ ـ.

الفرع الثاني: لو شكّ في أثناء الشوط بين السبع والخمس

إذا كان شكّه يتلخّص في النقيصة مع العلم بعدم الزيادة، كما إذا شكّ في أثناء الشوط ودار أمره بين السبع والخمس.2 فمقتضى القاعدة هو البناء على الأقل أخذاً بأصالة عدم الإتيان، ثمّ العمل بما يتيقّن معه بالبراءة، ولو صار البناء

(1) الوسائل:9، الباب35 من أبواب الطواف، الحديث1.
(2) وأمّا ما مثل به في المتن من تردد الشوط بين السبع والست، فهو بعيد، لأنّه إن شك وهو في طريقه إلى المروة فهو محتمل السبع لا غير، ولو شكّ وهو في طريقه إلى الصفا، فهو محتمل الست دون السبع، لأنّ الشوط عند الذهاب إلى المروة مقطوع الفردية وعند الإياب إلى الصفا مقطوع الزوجية فكيف يتصور أن يكون الشوط الواحد مردداً بين السبع والست. وبعبارة أُخرى: لو كان ذاهباً إلى المروة فهو ليس بمحتمل الست ولو كان راجعاً إلى الصفا فهو ليس بمحتمل السبع، فلاحظ.

صفحه 323
على الأقل سبباً للزيادة، في الواقع فيما انّها غير عمدية لا تخل بصحّة السعي، بل يمكن له أن يأتي بالمشكوك رجاءً بأن يكون جزءاً للسعي لو كان ناقصاً، ولا كذلك إذا كان تاماً.
هذا هو مقتضى القاعدة.
ولكن ربّما يقال: مقتضى القاعدة الثانوية هو البطلان بوجوه:
1. ما رواه عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال:«الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة، فإذا زدت عليها فعليك الإعادة وكذا السعي».1 مستدلاًّ بأنّ المتبادر من تنزيل السعي منزلة الصلاة، أنّه يبطل السعي، بالشك، فيما تبطل الصلاة به، فلو شكّ في أنّه الشوط الأوّل أو الثاني، أو الثاني أو الثالث، قبل أن يتم يحكم عليه بالبطلان كما هو الحال في الركعتين الأُوليين في الصلاة.
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّه يتم إذا شك في الشوطين الأوّل والثاني حتّى يكون حكم الشكّ فيهما، حكم الشك في الركعتين الأُولتين، انّ وجه الشبه، إبطال الزيادة العمدية فقط، لا الشكّ بين الأوّلين أو الثاني والثالث. ويشهد على ذلك قوله:«إذا زدت عليه مثل الصلاة». فهو ظاهر في أنّ وجه التنزيل، هو إبطال الزيادة العمدية.
2. ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل لم يدر ستة طاف أو سبعة قال: «يستقبل».2
يلاحظ عليه: بأنّ مورد الشك في عدد الطواف بالبيت، فعطف السعي على الطواف، أشبه بالقياس.والفرق بين هذه الرواية وما سبق في الفرع الأوّل واضح، وهو وجود الضابطة في الأُولى، أعني قوله:«أمّا السبعة فقد استيقن» دون هذه.

(1) الوسائل:9، الباب12 من أبواب السعي، الحديث2.
(2) الوسائل:9، الباب33 من أبواب الطواف، الحديث9.

صفحه 324
3. ما دلّ عليه صحيح سعيد بن يسار من لزوم حفظ أعداد الأشواط حيث قال:«وإن لم يكن حفظ أنّه قد سعى ستة، فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط».1
وذكر الستة لأجل وروده في كلام السائل حيث قال:رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط الخ. ولا يحتمل أن يكون الحكم مختصاً بها. ولعلّ المصنّف اعتماداً على هذه الصحيحة قال في المتن: ولو شك في أثناء الشوط أنّه السبع أو الست مثلاً بطل سعيه، وكذا في أشباهه من احتمال النقيصة.
نعم لو شكّ بين السبعة والخمسة وهو في نهاية الشوط كالمروة، فمقتضى القاعدة البناء على الأقلّ والإتيان بالمشكوك رجاءً ولا تشمله الصحيحة، لأنّ مورده فيما إذا علم بالنقيصة، كما إذا كان أثناء الشوط لا ما إذا احتمل وهو في نهاية الشوط حيث يحتمل انّه سعى سبعة أشواط، لا أنّه يعلم. وكان عليه(قدس سره) التعرض لهذا الفرع أيضاً.

الفرع الثالث: لو شكّ أنّ ما بيده سبع أو أكثر قبل تمام الدور

إذا كان شكّه يدور بين الزيادة والنقيصة، كما إذا شكّ أنّ ما بيده سبع أو أكثر، فمقتضى القاعدة الأوّلية هو إكماله سبعاً، أخذاً بأصالة عدم الإتيان به، لكن مقتضى صحيح سعيد بن يسار هو البطلان إذا شك وهو في وسط الشوط بين السبع والأكثر حيث إنّ النقص قطعي بخلاف ما إذا شكّ وهو في نهاية الشوط فالأقوى الصحة، ومنه يظهر انّ المصنّف تعرض في الفرعين الثاني والثالث لأحد الشقين، أعني: إذا شكّ وهو في أثناء الشوط دون الآخرين، أعني: إذا شكّ

(1) الوسائل:9، الباب14 من أبواب السعي، الحديث1.

صفحه 325
المسألة13: لو شكّ بعد التقصير في إتيان السعي بنى على الإتيان، ولو شكّ بعد اليوم الّذي أتى بالطواف في إتيان السعي لا يبعد البناء عليه أيضاً، لكن الأحوط الإتيان به إن شك قبل التقصير.*
وهو في نهاية الشوط، فلاحظ.
* في المسألة فرعان:
1. لو شكّ بعد التقصير في إتيان السعي بنى على الإتيان.
2. لو شكّ ـ بعد اليوم الّذي أتى فيه بالطواف ـ في إتيان السعي.
أمّا الفرع الأوّل: فيبنى على الإتيان، لأنّه من قبيل الشكّ بعد التجاوز عنه، وقد عرفت أنّ الموضوع للقاعدة، الخروج عن الشيء والتجاوز عنه، سواء أمكن التدارك أم لا.
أمّا الفرع الثاني: فالبناء على الصحة وعدمه، مبنيّ على جواز تأخير السعي، إلى ما بعد اليوم الّذي طاف فيه أولا.
فعلى الأوّل يكون الشكّ في شيء لم يتجاوز عنه أو عن محلّه، وأمّا لو قلنا بخروجه بانقضاء الليل، وطلوع فجر الغد، فقد تجاوز المحرم عن محلّ السعي وخرج عنه فيبني على الصحّة، وهذا كما إذا شك في الإتيان بالصلاة بعد خروج الوقت. كلّ ذلك إذا لم يحتمل أن يكون التأخير لعذر، إذ معه يكون غير متجاوز عن محله يلزم عليه السعي.
تمّ الكلام في السعي
والحمد للّه ربّ العالمين

صفحه 326

صفحه 327
الفصل السابع عشر
القول في التقصير

صفحه 328

صفحه 329

القول في التقصير

المسألة1: يجب بعد السعي التقصير، أي قصّ مقدار من الظفر أو شعر الرأس أو الشارب أو اللحية، والأولى الأحوط عدم الاكتفاء بقصّ الظفر، ولا يكفي حلق الرأس فضلاً عن اللحية.*
* في المسألة فروع:
1. وجوب التقصير في العمرة.
2. كيفية التقصير.
3. عدم كفاية الحلق عن التقصير في العمرة.

الفرع الأوّل: التقصير من أعمال العمرة

واعلم أنّ التقصير آخر أعمال العمرة المتمتّع بها، فإذا قصّر يحلّ له كلّ المحظورات حتى النساء، وعلى هذا فأعمال العمرة تتلخّص في الأُمور الخمسة التالية: «الإحرام، الطواف، وركعتاه، والسعي، والتقصير» واتّفق الفقهاء ـ إلاّ الشافعي في أحد قوليه ـ أنّ التقصير نسك في العمرة. ذهب إليه علماؤنا أجمع.1
وقال العلاّمة في«التذكرة»: التقصير نسك في العمرة، فلا يقع الإحلال إلاّ به أو بالحلق عند علمائنا أجمع. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد القولين ـ إلى أن قال: ـ و قال الشافعي في الآخر: إنّه إطلاق محظور بأنّ كلّ ما كان

(1) المنتهى:10/434.

صفحه 330
محرماً في الإحرام فإذا جاز له، كان إطلاق محظور.1
ويدلّ عليه الروايات البيانية للحج.
روى السنّة عن ابن عمر قال: تمتّع الناس مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعمرة إلى الحجّ، فلمّا قدم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مكة قال للناس:«مَن كان معه هدي فإنّه لا يحلّ من شيء أحرم منه حتى يقضي حجّته، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل».2
ومن طرقنا على ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبداللّه(عليه السلام) أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم أنزل اللّه عليه (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ...)3 ـ إلى أن قال: ـ حتى فرغ من سعيه ثمّ أتى جبرئيل وهو على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلّوا إلاّ سائق هدي.4
والروايات البيانية لحجّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) متوفّرة في هذا الباب.
وقد جاء عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) روايات نقتصر على ذكر التالي منها:
صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا فرغت من سعيك وأنت متمتّع فقصّر من شعرك من جوانبه ولحيتك وخُذ من شاربك، وقلّم من أظفارك وأبق منها لحجّك، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شيء يحلّ منه المُحرم وأحرمت منه، فطف بالبيت تطوّعاً ما شئت».5

(1) التذكرة:8/146; الخلاف:2/330، برقم 144. قوله: إطلاق محظور أي مبيح له. وإلاّ فأعمال العمرة هي الأربعة الأُولى.
(2) صحيح مسلم:2/901 برقم 1227; سنن أبي داود:2/160برقم 1805; سنن النسائي: 5/151.
(3) الحج:27.
(4) الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.
(5) الوسائل:9 ، الباب1 من أبواب التقصير، الحديث4. وفي السند إبراهيم بن أبي سماك، قال المحقق التستري في قاموسه:(1/144): إنّه متّحد مع إبراهيم بن أبي بكر بن أبي سماك الثقة. وتردّد فيه في «معجم رجال الحديث» لاختلافهما في الراوي والمرويّ عنهما.

صفحه 331
إلى غير ذلك من الروايات الّتي تتكفل لبيان كيفيته.

الفرع الثاني: كيفية التقصير

المشهور كفاية التقصير من الشعر أو الظفر، لكن نسب إلى الشيخ في «النهاية» و العلاّمة في «التحرير» إلى لزوم كونه من الشعر وعدم كفاية قصّ الظفر، ولكن كلامهما فيهما على خلاف ما نسب.
قال الشيخ: وأدنى التقصير أن يقصّ أظفاره ويجزّ شيئاً من شعر رأسه وإن كان يسيراً.1
وظاهر هذا الكلام عدم كفاية كلّ من قص الأظفار وجزّ الشعر ولزوم الجمع بينهما; ولعلّه محمول على الاستحباب. وأين هو من عدم كفاية خصوص قصّ الظفر؟!
وقال العلاّمة: لو قصّر الشعر بأيّ شيء كان أجزأه، وكذا لو نتفه وأزاله بالنورة...ثمّ قال: وكذا لو قصّر من أظفاره، أو أخذ من شاربه أو حاجبه أو لحيته.2 والعبارة صريحة في كفاية قصّ الظفر.
وأمّا الروايات فعلى أصناف:

الأوّل: ما يدلّ على الجمع بين الأُمور الأربعة

روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث السعي قال:«ثمّ قصّر من رأسك من جوانبه، ولحيتك، وخذ من شاربك وقلّم أظفارك...».3

(1) النهاية:246.
(2) تحرير الأحكام:1/598.
(3) الوسائل:9، الباب1 من أبواب التقصير، الحديث1.

صفحه 332

الثاني: الجمع بين الأمرين

روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن متمتع قرض أظفاره وأخذ من شعره بمشْقَص1؟ قال:»لا بأس ، ليس كلّ أحد يجد جُلّما2».3
الثالث: تقصير الشعر
روى عبداللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول:«طواف المتمتّع أن يطوف بالكعبة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقصّر من شعره...».4
وروى الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): جعلت فداك، إنّي لمّا قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي ولم أُقصّر، قال:«عليك بدنة»، قال: قلت: إنّي لمّا أردت ذلك منها ولم تكن قصّرت امتنعت، فلمّا غلبتُها قرضت بعض شعرها بأسنانها، فقال: «رحمها اللّه، كانت أفقه منك، عليك بدنة وليس عليها شيء».5
ومقتضى الجمع بين هذه الأصناف هو كفاية كلّ واحد منها، والأفضل الجمع بين الأُمور الأربعة ثمّ قص الشعر والظفر، ثمّ قص الشعر وحده. نعم أفتى المصنّف بعدم كفاية قص الظفر وحده لعدم وروده في النصوص، فالأحوط أن لا يكتفي بقصّ الظفر حتى الأظافير، وقد عرفت تنصيص العلاّمة بكفايته.
وأمّا من حيث الآلة فلا يشترط في التقصير أن يكون بالمقراض ولا بالحديد، بل يكفي القطع ولو بالسن والظفر ففي رواية محمد الحلبي: فقرضتْ منها

(1) المشقص: نصل عريض أو سهمٌ فيه نصل عريض(المنجد: مادة شقص).
(2) الجُلم: المقص.
(3) الوسائل:9، الباب2 من أبواب التقصير، الحديث1.
(4) الوسائل:9، الباب1 من أبواب التقصير، الحديث2.
(5) الوسائل:9، الباب3 من أبواب التقصير، الحديث2.

صفحه 333
بأسنانها وقرضتْ بأظافيرها، هل عليها شيء؟ قال: لا، ليس كلّ أحد يجد المقاريض. وفـي كفايـة النتف بمعنى النزع تأمل بعدم صدق التقصير عليه وما في الجواهر1 من كفايته غير ثابت . ولو قيل: إنّ المقصود هي الإزالة بأية كيفية تحقّقت ومن جملتها النتف، فهو أوّل الكلام، إذ من أين علم أنّ الملاك هو الإزالة؟!
وأمّا من حيث العدد فهو موكول إلى العرف، فإذا صدق أنّه قصر شعره أو أظفاره يكفي.
قال العلاّمة في «المنتهى»: وأدنى التقصير أن يقصّر شيئاً من شعر رأسه ولو كان يسيراً، وأقلّه ثلاث شعرات; لأنّ الامتثال يحصل به، فيكون مجزئاً.2
ففي مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«تقصّر المرأة من شعرها لعمرتها مقدار الأنملة».3

الفرع الثالث: تعيّن التقصير

المشهور عند أصحابنا أنّه يتعيّن التقصير في إحلال عمرة التمتّع ولا يجزي عنه حلق الرأس، بل يحرم الحلق عليه، وإذا حلق لزمه التكفير عنه بشاة.
نعم ذهب الشيخ في «الخلاف» إلى التخيير بين الأمرين، قال: أفعال العمرة خمسة;... إلى أن قال: والتقصير وإن حلق جاز، والتقصير أفضل، وبعد الحجّ الحلق أفضل.4

(1) الجواهر:20/451.
(2) منتهى المطلب: 11/443.
(3) الوسائل:9، الباب3 من أبواب التقصير، الحديث3.
(4) الخلاف:2/330، المسألة 143.

صفحه 334
ولكنّه منع في غير «الخلاف» من الحلق وأوجب به دم شاة مع العمد.1
وقال العلاّمة في «التذكرة» وقال أحمد:التقصير أفضل، كما رواه العامّة عن جعفر بن محمد عن أبيه(عليهما السلام) عن جابر لمّا وصف حج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لأصحابه: حلّوا من إحرامكم بطواف بين الصفا والمروة وقصّروا.2
واختار العلاّمة: أنّه لو حلق في إحرام العمرة أجزأه.3
وذهب صاحب الحدائق إلى جواز الحلق وخصّ الجواز بصورة حلق بعض الرأس لاتمامه.
يلاحظ عل4يه: أنّ عنوان التقصير غير عنوان الحلق، فكيف يكفي أحدهما عن الآخر. والظاهر تعيّن التقصير لظهور الروايات في تعيّنه. وفي صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«وليس في المتعة إلاّ التقصير».5 وليس على التخير دليل ، كما أنّه ليس على اجتزائه على فرض كونه حراماً عن التقصير دليل. لأنّه إذا كان الحلق حراماً ـ كما سيوافيك ـ فكيف يجزي الحرام عن الواجب القربي، إذ لا يتمكن من قصد القربة؟!
فإذاً لا يكفي حلق الرأس فضلاً عن حلق اللحية.

في حرمة الحلق

ثمّ الظاهر أنّ الحلق حرام، قال المحقّق: ولا يجوز حلق الرأس، ولو حلقه

(1) النهاية:246; المبسوط:1/336.
(2) التذكرة:8/149.
(3) تحرير الأحكام:1/598.
(4) الحدائق:16/301; الدروس:1/415 قال: ولو حلق بعض جوانبه أجزأ عن التقصير.
(5) الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث8.

صفحه 335
المسألة2: التقصير عبادة تجب فيه النيّة بشرائطها، فلو أخلّ بها بطل إحرامه، إلاّ مع الجبران.*
لزمه دم.1
وقال في «المدارك»: هذا هو المشهور بين الأصحاب، ويدلّ عليه ما رواه في «التهذيب»2 عن المتمتّع أراد أن يقصّر فحلق رأسه؟ قال: «عليه دم».3
نعم سند هذه الرواية ضعيف بمحمد بن سنان، واستشكل في المستند في حرمة الحلق حتى على فرض صحّة السند بأنّه لا يثبت الحرمة، لجواز ترتب الدم على فعل مباح أو ترك مستحب.4
يلاحظ عليه: بما مرّ مراراً بأنّ ترتّب الكفّارة دليل على حرمة العمل، إلاّ إذا رخّص الشارع في العمل، كما في إفطار الشيخ والشيخة.
بل يمكن أن يقال بوجوب الكفّارة لحرمة الحلق على المحر