welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 1

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
أحكام البيع
في الشريعة الإسلامية الغرّاء
         1

صفحه 4
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 5
أحكام البيع
في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء
الجزء الأوّل
تأليف
سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم ـ إيران

صفحه 6
اسم الكتاب: أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء: الأوّل
المؤلف: آية الله العظمى جعفرالسبحاني
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1429 هـ / 1387 ش
الكمية: 1000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدللّه الّذي أحلّ البيع وحرّم الربا، وأجاز أكل المال بالتراضي ومنع عن الأكل بالباطل، وأمر بالوفاء بالعقود، ونهى عن نقض المواثيق والعهود.
والصلاة والسلام على أفضل الخلائق، وخاتِم الشرائع الذي خُتمت به النبوة، وأُوصدت به الرسالة، فكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتِمة الشرائع، وعلى آله مصابيح الدجى وأعلام الهدى وحجج اللّه على الورى، صلاة دائمة نامية، ما هدر حمام، وقطر غمام.
أمّا بعد;
فهذه محاضرات في البيع وما يتعلّق به، ألقيتها على جمع من فضلاء الحوزة العلمية في قم المقدسة، مستضيئاً بما كتبه شيخ المحقّقين مرتضى الأنصاري(قدس سره) ومن تلاه من الأساطين، مراعياً التلخيص والإيجاز، متجنباً الإطناب والإسهاب، عسى أن ينتفع به فضلاء الطلاّب.
***
واعلم أنّ كتاب المتاجر من أهم آثار الشيخ الأنصاري ومن أحسن تآليفه وأتقنها، ومن فهمه حقّ فهمه فهو مجتهد ـ بلا إشكال ـ يحرم عليه التقليد. وقد استعرض في أوّله أبحاثاً حول المواضيع التالية:

صفحه 8
1. تعريف البيع بتعاريف ستة.
2. تحديد العوضين باختصاصهما بالعين، أو عدمه وشمولهما للمنافع والحقوق أيضاً أو عدمه.
3. بيـان أقسام الحقوق بمناسبة وقوعها معوضاً وعوضاً، ومثلها عمل الحرّ.
4. وجه التمسك بالعمومات عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للبيع، مع القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح.
هذه هي رؤوس الأُمور المذكورة التي طرحها الشيخ في صدر كتاب المتاجر قبل الدخول في بحث المعاطاة.
إلاّ أنّنا ندرس تلك المواضيع مضافاً إلى مواضيع أُخرى ، والتي لها تمام التأثير في أبواب المتاجر، كالمال والملك والحق، فإنّ الفقيه يمارس هذه المفاهيم أكثر من غيرها في أبواب التجارة، ويأتي الجميع ضمن جهات عشر، وهي:
الأُولى: تعريف المال.
الثانية: تعريف الملك.
الثالثة: الفرق بين الملك والحق.
الرابعة: الفرق بين الحكم والحق.
الخامسة: الحقوق المستحدثة.
السادسة: العقد والعهد لغة وكتاباً واصطلاحاً.
السابعة: تعريف البيع.
الثامنة: اختصاص البيع بالعين أو شموله للمنافع والحقوق.

صفحه 9
التاسعة: التمسك بالإطلاقات على القول بالصحيح.
العاشرة: شمول الإطلاقات للمعاملات الحديثة.
وإليك الكلام في هذه الجهات العشر واحدة بعد الأُخرى، والجميع كالمقدّمة لأحكام المتاجر الّتي أسهب الشيخ الأنصاري، الكلام فيها.
***

الجهة الأُولى:

تعريف المال

إنّ المال ـ المبحوث عنه في أبواب المتاجر والمأخوذ في تعريف البيع على ما سيأتي ـ : عبارة عمّا يرغب فيه العقلاء، ويُبذل بإزائه الثمن، وله ندرة نسبية.
فبـالقيـد الأوّل خـرج كلّ منفـور لا يرغب فيه كالحشرات، ونفايات البيت.
وبالقيد الثاني خرجت الحبّة أو الحبّات من الحنطة فهي تُعدّ ملكاً ولا تُعدّ مالاً، إذ لا يبذل بإزائها الثمن.
وبالقيد الثالث خرج المبذول كالهواء والماء على شاطئ النهر.
وعلى هذا فلا يختص المال بالأعيان، بل يعم الأعمال والمنافع لانطباق تعريف المال عليهما، فالمنافع والحقوق يبذل بازائهما الثمن.
إن قلت : إنّ المنافع ليست مالاً لكونها معدومة .
قلت: إنّ العين تُعدّ عند العرف وجوداً جمعيّاً للمنافع، ومشيرة إليها، وكيف

صفحه 10
لا تكون المنافع مالاً مع أنّ مالية الأشياء عند العقلاء باعتبار منافعها، فنفس المنفعة أولى بأن تكون مالاً ويبذل بازائها الثمن.
ويشهد على ما ذكرنا ـ عدم اختصاص المال بالأعيان ـ صحّة جعل ما في الذمم المعتبرة ثمناً للبيع إذا باع نسيئة أو مثمناً كما إذا باع سلماً، فوصف ما في الذمة المعدوم مالاً دليل على عدم اختصاصه بالأعيان .
فكما يشمل المال المنافع، يعمّ الحقوق أيضاً، كحق الشرب من النهر والعين وحق العبور، حيث إنّ كلاً منهما أمر مرغوب فيه، يبذل بازائه الثمن.

منابع المالية

إنّ مالية الشيء تارة تستند إلى قابليته الذاتية للانتفاع به، نظير ما خلق اللّه سبحانه من الطيبات النباتية والحيوانية الّتي تسدّ حاجات الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية.
وأُخرى تستند إلى وجوده الصناعي كالبيت والأواني وكلّ مصنوع ينتفع به الإنسان ويبذل بإزائه الثمن.
وثالثة تستند إلى اعتبار عقلائي أو عقد اجتماعي على كونه مالاً كالأوراق النقدية، وقد كانت يوم ظهورها للعالم تُعدّ وثائق من الدولة على أنّها تتعهد بمنح حاملها شيئاً من النقود الفضية أو الذهبية، إلاّ أنّها صارت بمرور السنين ذات قيمة ومالية مستقلّة وخرجت عن كونها وثيقة.
وأمّا الأسهم الّتي شاع بيعها وشراؤها في هذه الأيّام فالظاهر أنّها ملك مشاع لأصحاب السهام في أموال الشركة.
***

صفحه 11

الجهة الثانية:

تعريف الملك

الملك: في اللغة هو الاحتواء والإحراز، يقال ملك الشيء: احتواه ، قادراً على التصرف فيه، وهو إضافة اعتبارية بين الشخص وما احتواه. وإليك بيانها:
إنّ في واقع الملكية أقوالاً أو احتمالات نشير إليها مع ما فيها:
الأوّل: أنّها من مقولة الإضافة القائمة بين المالك والملك فهي أمر تكويني كسائر الإضافات كالأُبوة القائمة بين الأب والابن، وهذا هو الظاهر من صدر المتألهين في أسفاره حيث قال: فإنّ هذا (الملك) من مقولة المضاف لا غير.1
وهو الظاهر ـ أيضاً ـ من الشيخ الأنصاري حيث قال: إنّها نسبة بين المالك والمملوك2، فلو أراد من النسبة الإضافة الحقيقية، فتكون الملكية أمراً تكوينياً، وإن أراد نسبة اعتبارية فتتحد مع المختار الآتي بيانه.
الثاني: انّها من مقولة الجدة، وهي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء كالتعمّم والتقمص. وقد نقل هذا القول السيد الطباطبائي اليزدي في تعليقته عن بعضهم.3
وذكره صدر المتألهين بصورة احتمال، قال ـ بعد تعريف الجدة ـ : وقد يعبر عن الملك بمقولة «له»، فمنه طبيعي ككون القوى للنفس، ومنه اعتبار خارجي

1 . الأسفار:4/223. وقد أراد من الملك «الملكية» لا ذات الشيء.
2 . المتاجر:79، طبعة تبريز.
3 . تعليقة السيد محمد كاظم اليزدي على المتاجر:58.

صفحه 12
ككون الفرس لزيد.1
أقول: إنّ الملكية ـ سواء أقلنا بأنّها من مقولة الإضافة أم من مقولة الجدة ـ على هذين القولين عرض لا محالة، وهو لا ينفك عن موضوع يعرضه، وعندئذ نسأل ما هو موضوع ذلك العرض أي الملكية، فهل الموضوع هو المملوك فينتقض بالمملوك في الذمة فهو ملك وليس موجوداً في الخارج كالدين وبيع السلم؟
أو أنّ الموضوع هو المالك فينتقض بما إذا كان المالك هو الجهة كالمسجد والمدرسة وعامة الجهات الحقوقية؟
فإن قلت: هب أنّها ليست من المقولات العشر الأرسطوئيّة، فلماذا لا تكون من الصفات الحقيقية الّتي لا تحتاج إلى محل، كامتناع شريك الباري وإمكان الإنسان وإن لم يكن إنسان في الخارج، فلتكن الملكية صفة حقيقية من سنخ الامتناع والإمكان؟
قلت: ما ذكرته غير صحيح في المنزّل عليه، فكيف يصحّ في المنزَّل؟! أمّا الأوّل كيف يكون الامتناع والإمكان من الصفات الحقيقية والحال انّ امتناع الشيء أمر عدمي، كما أنّ الإمكان ـ بمعنى سلب الضرورتين عن الماهية سلباً تحصيلياً ـ ، عدمي، والعدم بطلان محض حتّى المضاف منه إلى الملكة، والجمل المتشكّلة من هذه المفردات إخبار عن البطلان المحض، فقولنا: «شريك الباري ممتنع» أي لا واقعية له، فالإخبار أمر وجودي والمخبر به بطلان محض.
يقول المحقّق السبزواري:
لا ميز في الأعدام من حيث العدم *** وهـــــو لهــــا إذاً بوهـم يُرتَسَم
كذاك في الأعــــــدام لا عليّـــة *** وان بهــــا فاهُــوا فتقــريبيــة2

1 . الأسفار:4/223.
2 . شرح المنظومة:42.

صفحه 13
وأمّا الإخبار عنه كما في قولهم: «المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه» فقد أجاب عنه أهل الفن في محله.
فإذا كان هذا حال المشبه به فكيف حال المشبه (الملكية)؟!
والذي يدلك على أنّها ليست من الأُمور الحقيقية اختلاف الشرع والعرف في حصول الملكية بالإنشاء فيما إذا كان المبيع خمراً أو خنزيراً فالشرع ينفيها والعرف يثبتها، وهذا أوضح دليل على أنّها ليست أمراً حقيقياً، وإلاّ لم يختلفا في المُنشأ مع وجود السبب التام له.
الثالث: انّ الملكية من الأُمور الانتزاعية وقد اختلفوا في منشأ انتزاعها إلى أقوال:
أ . انّ المنشأ هو العقد أو المعاطاة مثلاً، فإنّ كلاً منهما أمر خارجي يصحّ منه انتزاع الملك.
ب. انّها منتزعة من الأحكام التكليفية كجواز التصرف بالنقل وغيره، نظراً إلى أنّ الملكية بمعنى السلطنة، فمعنى جواز التقلب فيه بأي وجه هو أنّ زمام أمره بيده، ولا نعني بالسلطنة الوضعية إلاّ ذلك.
ج. انّ تمكّن الشخص من بيع العين ونقلها بأنواعه شرعاً، أو قانوناً منشأ لانتزاع الملكية شرعاً، فقدرته خارجاً على العين بأنواع التصرفات شرعاً، منشأ انتزاع الملكية لا مجرد جواز التصرف شرعاً.1 والفرق بينه وبين الثاني واضح، فإنّ المنشأ في الثاني هو الأحكام الشرعية أو العرفية وفي الثالث هو السلطنة والقدرة التكوينية على التصرّف والتغلب.
هذه الوجوه الثلاثة نقلها المحقّق الإصفهاني في تعليقته على المتاجر،2

1 . تعليقة المحقّق الإصفهاني على المتاجر:5ـ6.
2 . تعليقة المحقّق الإصفهاني على المتاجر:5ـ6.

صفحه 14
وناقش في الجميع.
والّذي يمكن أن يقال:إنّ الأوّل غير تام ضرورة أنّ الملكية أوسع من العقد والمعاطاة، فمن حاز شيئاً من البحر أو غيره يرى نفسه مالكاً له من دون أن يكون هناك عقد أو معاطاة.
وأمّا الثاني ـ أعني: كونها منتزعة من الأحكام التكليفية ـ فكالأوّل، لأنّ الأحكام التكليفية تابعة لاعتبار الملكية، فالملكية موضوع لها لا أنّها منشأ انتزاع لها، أضف إلى ذلك أنّ الملكية تكون معتبرة مع المنع عن التصرف، وهذا كالمفلس فهو مالك لما تحت يده، ولكنّه لا يجوز له التصرف، كما أنّ الصبي مالك لما ورثه مع أنّه لا يجوز له التصرف، ونحو ذلك.
وأمّا الثالث ـ أعني: تمكن الشخص من بيع العين ونقلها شرعاً أو قانوناً منشأ لانتزاع الملكية ـ فيرد عليه: انّ كون السلطة المذكورة منشأ للانتزاع ليس أولى من القول بأنّها سبب لانتقال المعتبِر إلى اعتبار الإضافة بين المسلّط والمسلّط عليه، فكونها سبباً للانتقال غير كونها منشأ للانتزاع، كما أنّ وجود الزوجين تكويناً، يكون سبباً لانتقال الإنسان إلى اعتبار الزوجية بين الرجل والمرأة.
الرابع: الملكية من الأُمور الاعتبارية العقلائية، لأنّ العقلاء في حياتهم الاجتماعية لا محيص لهم من اعتبار أُمور ذات آثار اجتماعية حتّى تدور عليها رحى الحياة، وليست الملكية فريدة في بابها بل الأُمور الاعتبارية العقلائية أكثر فأكثر وربّما تزيد حسب تكامل الحياة وتقدّم الحضارة.
إلاّ أنّ المهم هو أن نقف على ما هو السبب لانتقال الإنسان إلى ذلك الأمر الاعتباري وتثبيته في المجتمع.
والذي يمكن أن يقال هو: إنّ الأُمور الاعتبارية كلّها استنساخ للأُمور

صفحه 15
التكوينية، فالعقل العملي للإنسان ينتقل من ملاحظة الأُمور التكوينية إلى الأُمور الاعتبارية على نحو يكون المعتَبر كالمستنسخ من التكوين، والفرد الاعتباري منبثقاً من الفرد التكويني.
ولنذكر مثالاً في المقام: إنّ الرأس في الإنسان يدير مجموع البدن والأعضاء، فيأمر اليد بالقبض والبسط، والقدم بالمشي والوقوف، والعين بالغمض والفتح، إلى غير ذلك من الأعمال الّتي تصدر من الإنسان برئاسة الرأس الّذي يحتوي على المخ والعقل الإنساني حسب الظاهر، هذا هو حال الفرد من الإنسان.
وأمّا المجتمع الصغير أو الكبير فبما أنّه يتشكّل من أفراد مختلفة ذوي أهواء متعدّدة فلابد في جعلهم كتلة واحدة تصبُّ جهودَهم في مصب واحد، من وجود شخص نافذ الكلمة مطاع القول، و هذا هو الّذي يطلق عليه الرئيس فاعتبار ذلك الشخص رئيساً، اعتبار عقلائي مستنسخ من رئاسة الرأس لجسد الإنسان، وهذا هو الّذي عبّرنا عنه بأنّ الأُمور الاعتبارية كلّها أو أكثرها نوع استنساخ للأُمور التكوينية.
ولنذكر مثالاً آخر: يرى الإنسان في عالم التكوين زوجين، كالعينين والأُذنين واليدين والرجلين وكلّ يعين الآخر فيما خلقا له، فهذه زوجية تكوينية مخلوقة للّه سبحانه، ومنها تنبثق الزوجية الاعتبارية بين رجل وامرأة بينهما بُعد المشرقين من حيث الثقافة واللغة واللون، لكن كلّ يجذب الآخر ويشاركه معه فيما يحتاج إليه في الحياة، فيعتبران زوجين اعتباراً كالأُذنين تكويناً.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الّتي كشف عن حقيقتها سيدنا العلاّمة الطباطبائي في بحوثه الفلسفية.1

1 . راجع الجزء الثاني من أُصول الفلسفة.

صفحه 16
إذا عرفت هذين المثالين فقس عليهما الملكية الاعتبارية المستنسخة من الملكية التكوينية، فالإنسان حسب التكوين يملك كلّ واحد من أعضاء جسده وكيفية أعماله ويضيفه إلى نفسه فيقول هذه يدي، وهذه رجلي، وهذه عيني إلى غير ذلك من الأعضاء، بل ربّما يترقّى حتّى ينسب أعماله الناشئة بواسطة هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول، هذه حسنتي وهذه جنايتي.
كلّ ذلك إضافة تكوينية مندمجة في خلق الإنسان وفطرته، إلاّ أنّه ربّما تنتقل من هذه الإضافة التكوينية إلى إضافة اعتبارية لغاية اجتماعية، وهو أنّه إذا حاز شيئاً من البحر أو جنى شيئاً من الغابة، يرى نفسه أولى به من غيره، فيعتبر نفسه مالكاً وما بيده مملوكاً، والنسبة الدائرة بين المالك والمملوك ملكية اعتبارية.
ومهما اتّسعت دائرة الحضارة اتّسعت دائرة الاعتبار كما سيوافيك بيانه.
هذا هو واقع الملكية ومن عبّر عنها بالإضافة بين المالك والمملوك فهو يريد إضافة اعتبارية تحكي الإضافة التكوينية.
ومن جعلها من مقولة الجدة ـ أي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء، وفي المقام إحاطة المالك بالمملوك ـ فعليه أن يجعلها جدة اعتبارية تعكس جدة تكوينية.
ومن جعلها من الأُمور الانتزاعية فالصحيح أن يعبر عنها بالاعتبارية، لأنّ للأُمور الانتزاعية مناشئ خارجية هي من مراتب الوجود، كتخلّق الولد من ماء الوالد فينتزع منه الابوّة والبنوة وغيرهما. وأمّا المقام فليست للملكية مناشئ خارجية، نعم ربما يكون العمل الخارجي كحيازة الشيء من البحر سبباً للانتقال إلى اعتبار تلك الإضافة.

أسباب اعتبار الملكية

إنّ لاعتبار الملكية أسباباً و مناشئ نشير إليها:

صفحه 17

الأوّل: الحيازة

وهي أُمّ المملكات، مثلاً إذا ذهب إنسان إلى البحر وصاد سمكة فأحاط بها إحاطة ليست لغيره، يرى نفسه أولى بها من غيره كما يراه العقلاء كذلك، قال الإمام علي(عليه السلام) لعبد اللّه بن زمعة:«إنّ هذَا الْمالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنّما هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمينَ، وَجَلْبُ أَسْيافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ، فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْواهِهِمْ»1، فاصطياد السمك نوع احتواء له، ويصير الاحتواء سبباً لاعتبار نسبة بين المحرز وما أحرزه، ويعبّر عن تلك النسبة بالملكية، وعن الطرفين بالمالكية والمملوكية، وتصير مبدأ لآثار كثيرة منها جواز بيعه وشرائه بمعنى تبديل طرفي الإضافة في جانبي البائع والمشتري، فالمبيع المنسوب إلى البائع، يكون منسوباً إلى المشتري على عكس الثمن.

الثاني: العمل

لا شكّ أنّ للعمل تأثيراً في زيادة القيمة ومرغوبية المادة، فإذا صنع الخشب سريراً أو الطين كوزاً، فالعمل هذا يوجد في المادة المملوكة هيئة خاصة مفيدة في الحياة. فهو يملك المادة بالحيازة والهيئة بالعمل.
وربّما يقال بأنّ الهيئة تملك تبعاً للمادة. وملكية الهيئة تنـدكّ في ملكيـة المـادة، ولا تُرى ـ عرفاً ـ ملكيـة خاصـة للهيئـة.
أقول: ما ذُكر صحيح لو كانت ملكية الإنسان للهيئة في عرض ملكيته للمادة، وأمّا إذا كانت ملكيته لها في طول ملكيته للمادة فهو أمر صحيح عقلائي.

1 . نهج البلاغة، الخطبة:232.

صفحه 18
نعم لمّا كانت الهيئة أمراً غير منفك عن المادة يلاحظ الجميع ـ تسامحاً ـ ملكاً واحداً، وإلاّ فالهيئة شيء والمادة شيء آخر.
ويشهد على ذلك بعض أُمور:
1. أنّ المزارع يقسّم الانتاج مع المالك بنسبة معينة، فالمالك يملك نصيبه من الزراعة بتبع المادة (الأرض)، ولكن المزارع يملك نتيجة عمله.
2.أنّ المضارب يُقسّم الربح مع مالك رأس المال بنسبة معينة، فالمالك يملك نصيبه من الربح بتبع رأس المال والمضارب يملك نتيجة عمله.
3. أنّ الرجل إذا باع أرضاً على رجل آخر ولكن كان العقد فاسداً والمشتري جاهلاً بالفساد، فعمل بالأرض بالإصلاح وقطع الأعشاب وإعدادها للزراعة. فإذا تبين الفساد فالبائع يرد المسمّى على المشتري مع قيمة الأعمال الّتي قام بها المشتري بإذن منه، خضوعاً لقاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، وهذا يدل على أنّ العمل من المملّكات،غاية الأمر إذا كانت المادة ملكاً لنفس العامل يتراءى المجموع ملكاً واحداً، ولكنّهما عند التحليل يتراءى كلّ ملكاً في طول الآخر.

الثالث: نماء المملوك

إذا كان الأصل ملكاً لإنسان فنماؤه ونتاجه يكون ملكاً له، وذلك كاللبن وولد الشاة وغيرهما.

الرابع: الإرث

إنّ الإرث من عوامل التمليك، فإذا مات الوالد يرثه أولاده حسب المقرّرات الشرعية، عند الملتزمين بها، أو حسب المقرّرات الوضعية عند غير المتشرعة.

صفحه 19

الخامس: العقود والإيقاعات

وهي من ا لمملّكات على اختلافها وبها يختلف طرفي الإضافة، فالبائع يملك الثمن والمشتري يملك المثمن وتتبادل الإضافات.ويدخل فيها الهبة والإيصاء بناء على أنّه من العقود، والوقف بناء على أنّه من الإيقاعات.

السادس: الإضرار بالنفس والنفيس

من الأسباب المملكة الإضرار بالنفس والأطراف(الأعضاء) والأموال والمنافع والحقوق، فيدخل فيه الغرامات والديات التي يتملكها الإنسان في مقابل الجرائم.

اتّساع دائرة الملكية الاعتبارية حسب تطور الحضارة

كلّما اتّسعت الحضارة، اتّسعت دائرة الاعتبار، وهذا الاتّساع تارة في جانب المالك وأُخرى في جانب المملوك.
أمّا الأوّل: فيظهر في مالكية الجهة فإنّ المالك فيها ليس شخصاً خاصاً بل الجهة الخاصة القائمة بالأشخاص عبر القرون، كمالكية الفقراء للزكاة، ومالكية مقام الإمامة للحقوق الواجبة.
روى أبو علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث(عليه السلام):إنّا نُؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر(عليه السلام) فكيف نصنع؟ فقال(عليه السلام): «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه وسنة نبيّه».1 فقوله: «بسبب الإمامة» إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي للحقوق الشرعية هو منصب الإمامة المتمثّل يومذاك في الإمام الهادي (عليه السلام).

1 . الوسائل:6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث6.

صفحه 20
فقد كان عنوان المالك قائماً بالفرد الحقيقي ولكن الحضارة وسّعت ذلك إلى حد صارت العناوين والجهات القائمة بالأشخاص عبر القرون، ربما تعدّ مالكة حقيقة أيضاً.
وقد يعبر عن مالكية الجهة، بمالكية المؤسسات والجمعيات والشركات، والهدف من تشريع هذه الشخصيات الحقوقية هو أنّ أهدافها وأغراضها ومصارفها تختلف عن الهدف والغرض والمصرف الشخصي لأي فرد حتّى الأفراد القائمين بها.
نعم الشركة العادية بين شخصين لا تعتبر شخصية حقوقية وليس لها ذمة ولا متملكات، وإنّما المتملك هم الأشخاص الذين أسّسوا الشركة العادية.
وأمّا الشركات الحقوقية فلها ذمم ومتملكات على نحو لو أفلست الشركة فليس للديان حقّ إلاّ في أموال الشركة، فلو كان لأصحاب الشركة أموال في غيرها لا تتعلّق بها ديون الديّان.
أمّا الثاني: أي الاتساع في جانب المملوك، فهو نظير ما ربما يقع ما في الذمة ـ المعدوم ـ طرفاً للإضافة الاعتبارية، كما في بيع السلم. والمصحح لذلك أي كون العدم طرفاً للإضافة الاعتبارية استطاعة المُسلِف من تسليم ما تعهد به في الوقت المقرر. ومن هذا القبيل منح الامتياز وبيعه في موارد مختلفة، فمن ألّف كتاباً وأفنى فيه عمره وأبلى فيه قدراته، نراه يسمح لغيره، بطبعه ونشره في مقابل مبلغ معيّن. ويمنع غيره من طبعه ونشره.

ما هي النسبة بين المال والملك؟

إنّ النسبة بين المال والملك عموم وخصوص من وجه فملاك الأوّل رغبة الناس إلى الشيء، وملاك الثاني الاحتواء ووقوع الشيء في حيازته واختصاصه به،

صفحه 21
وعلى ضوء ذلك فقد يقع الشيء في حيازة الإنسان ولا يعدّ مالاً، لعدم وجود الرغبة فيه كالحبة من الحنطة، وربما تتعلق الرغبة بالشيء ولا يُعدّ ملكاً كحق الشفعة والتحجير، وقد يجتمعان وهو متوفر.

الجهة الثالثة:

الفرق بين الملك والحق

الحق إن أخذ مبدأً فهو بمعنى الثبوت، و إن أُخذ وصفاً للشيء فهو بمعنى الثابت، و بهذا المعنى أُطلق على اللّه سبحانه، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)1 ، فهو سبحانه حق بأفضل أنواع الثبوت، وجودٌ صرفٌ لا يخالطه العدم ولا العدمي.
وأمّا في مصطلح الفقهاء ففي تفسير الحق أقوال:

الأوّل: الحق مرتبة ضعيفة من الملك

الحق مرتبة ضعيفة من الملك وهذا ما نُسب إلى المشهور، والجامع بينهما أنّ كلاً منهما إضافة بين المالك ومتعلّقهما، وهذه الإضافة لو كانت من حيث نفسها ومن حيث متعلّقها تامّة، بأن تكون قابلة لأنحاء التقلّبات تُسمّى ملكاً، ولو كانت ضعيفة إمّا لقصور نفس الإضافة ـ كحق المرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة ـ و إمّا لقصور في متعلّقه فتسمّى حقاً، وذلك كما في الأمثلة التالية:
1. حق الخيار بناءً على تعلّقه بالعقد غير القابل لما عدا الفسخ والإجازة،

1 . الحج:62.

صفحه 22
2. حق الاختصاص بالنسبة إلى الخمر القابل للتخليل .
وعلى هذا فلو لم يكن المجعول الشرعي مستتبعاً للإضافة فليس إلاّ حكماً كالأحكام التكليفية الخمسة، وتسميته بالحق إنّما هو بلحاظ معناه اللغوي1.
فإن قلت: إنّ مقتضى كون الشيء من مقولة الملك جواز عامّة التصرفات فيه مع أنّه لا يجوز لذي الحق إلاّ التصرف المحدود.
قلت: إنّ الاختلاف رهن قوة الإضافة وضعفها، فلو كانت الإضافة تامة تستتبع جواز عامة التصرفات، ولو كانت ضعيفة يقتصر بالمقدار الميسور منها.
فإن قلت: ربّما يكون عمل الحر متعلّقاً للحق كما في حق الفسخ والإمضاء فإنّ الفسخ والإمضاء عمل لصاحب الحق، وفي الوقت نفسه متعلّق للحق، مع أنّ عمل الحر لا يملك، إذ لا يتصور أن يكون الإنسان مالكاً لمشيه وأكله وشربه. لأنّ مالكيته لعمله تكوينية، غنية عن اعتبار الملكية.
قلت: صحيح أنّ عمل الحر لا يملك، لأنّ مالكية الإنسان لعمله أمر تكويني غني عن الملكية الاعتبارية، وإنّما تتصوّر الملكية بالنسبة إلى الأعيان والأشياء الخارجة عن وجود الإنسان، وأمّا ما هو داخل في وجوده وهو مالك له تكويناً، فإنّ اعتبار الملكية في هذه الموارد أمر لغو لا يحوم حوله العقلاء.
وأمّا الفسخ والإمضاء فلهما جهتان:
الأُولى: انّ الفسخ والإمضاء بما انّ كلاً منهما عمل خارجي وفعل تكويني صادر من الإنسان كسائر الأعمال، وهما بهذا الوصف كسائر الأفعال التكوينية لا يخضعان للتملك الاعتباري، لغنائهما عنه بوجود الملكية التكوينية.
الثانية: انّ الفسخ والإمضاء ـ بمعنى حل العقد وتثبيته ـ من الأُمور

1 . منية الطالب:1/41.

صفحه 23
الاعتبارية، حيث لاحلّ حقيقة، ولا حكماً واقعاً. إلاّ في ظرف الاعتبار، وقد اعتبر العقلاء، قول المالك: «فسخت» أو «رضيت»، إنشاءً وإيجاداً في عالم الاعتبار لهذين المفهومين. فهما بهذا المعنى ـ بما أنّهما من الأُمور الاعتبارية ـ قابلان للتملّك، ويقعان متعلّقين للحق.1
فإن قلت: ربّما يضاف الحق إلى شيء لم يكن له اعتبار الملك شرعاً كحق الاختصاص بالخمر الّتي كانت خلاً قبل ذلك. وكحق الأولوية في الأرض المحجرة الّتي لا تملك بالإحياء، على المشهور.
قلت: لا نسلم عدم الملكية في هذين الموردين بالمعنى الضعيف، فالملكية الناقصة موجودة وإن لم تكن التامة منها موجودة.
هذا توضيح القول الأوّل الّذي هو خيرة المحقّق النائيني(رحمه الله). وينسب إلى المشهور.

القول الثاني: الحق من مقولة السلطنة

إنّ الملك من مقولة، والحقُ من مقولة أُخرى، ولا وجه لجعل أحدهما من مقولة واحدة.
أمّا الملك فهو اعتبار بين المالك والمملوك بما أنّه واجد له، وفي حيطته وتصرفه، إمّا تصرفاً تكوينياً أو قانونياً.
وأمّا الحقّ فهو اعتبار بين ذي الحق ومتعلّقه، بما أنّ له سلطنة في الإعمال وعدمه.
ولنذكر لذلك أمثلة هي:

1 . المناقشة والإجابة من المحقّق الإصفهاني لكن بتوضيح منا. لاحظ التعليقة على المتاجر: 10. و لا يخلو كلامه من تعقيد.

صفحه 24
1. حق القصاص، كما في قوله سبحانه:(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً).1
فقد أعطى اللّه سبحانه للولي سلطنة وضعية وصلاحية قانونية لإجراء القصاص وعدمه بالعفو عن الجاني.
2. حق الشفعة، فقد أعطت الشريعة المقدّسة للشريك، صلاحية قانونية لضمّ حصة الشريك الآخر إلى حصته بنفس القيمة.
3. حق الخيار بمعنى السلطنة على اختيار الفسخ أو الإمضاء، بمعنى أنّه فوّض لذي الخيار أحد الأمرين، فله السلطنة في انتخاب أحدهما.
وعلى ضوء ذلك فكلّ مورد كان للإنسان سلطنة على الشيء ـ إنساناً كان أو عيناً خارجية أو عملاً ـ فهو من مقولة الحق.
وهذه النظرية هي الّتي اختارها الشيخ حيث فسّر الحق بأنّه عبارة عن السلطنة مقابلاً للملك.2
فإن قلت: إنّ هناك ما يُعدّ من الحقوق وليس فيها سلطنة لذي الحق على مورده كولاية الجدّ والأب على الصغير، وحق الأولوية في من سبق إلى المسجد أو الأمكنة الأُخرى الموقوفة، وكذلك حق أولوية الإحياء في مورد التحجير. فمن سبق إلى مكان في المسجد أو الأراضي المتسعة من الموقوفات، فلا شبهة في أنّه لا يملك المسبوق إليه بوجه من الوجوه.3
قلت:إنّ ما ذكر من الأمثلة يصلح لأن يكون نقضاً للقول الأوّل حيث عدّ

1 . الإسراء:33.
2 . المتاجر:79.
3 . كتاب البيع للسيد الأُستاذ(قدس سره) :1/40ـ43 بتلخيص منّا.

صفحه 25
الحق من مراتب الملك وليس في هذه المواضع شيء منه ولو ضعيفاً، ولكنّه لا يُعد نقضاً للقول الثاني، وانّ السلطنة يختلف اعتبارها حسب اختلاف المتعلّق، فلا مانع من القول أنّ للجد والأب سلطاناً على أموال المولّى عليه ونكاحه في إطار خاص، كما أنّ للسابق إلى المساجد والموقوفات سلطاناً على ما حازه ولو سلطنة مؤقتة، وكما هو الحال فيمن كان له خلّ فصار خمراً فله سلطنة عليه في حفظه لكي يعود خلاً.
وعلى كلّ تقدير فالقول الثاني أظهر من القول الأوّل، لأنّه أنسب لمفهوم الحق والملك. وسيوافيك في نهاية الكلام في الجهة الرابعة، أنّ بعض ما عدّ من الحقوق من مقولة الأحكام، فانتظر.

القول الثالث: الحقوق اعتبارات مختلفة

ذهب المحقّق الاصفهاني(رحمه الله) إلى أنّ للحق الّذي يقابل الحكم اعتبارات مختلفة في الموارد المتشتتة، حيث قال: ويمكن أن يقال ـ و إن لم أجد من وافق عليه صريحاً ـ :إنّ الحق مصداق في كلّ مورد لاعتبار مخصوص له آثار خاصّة.
1. فحق الولاية ليس إلاّ اعتبار ولاية الحاكم والأب والجد، ومن أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرّفه في مال المولّى عليه تكليفاً ووضعاً ولا حاجة إلى اعتبار آخر، فإضافة الحق إلى الولاية بيانية (أي الحق الّذي هو الولاية)، كذلك حق التولية وحق النظارة.
2. بل كذلك حق الرهانة فإنّه ليس إلاّ اعتبار كون العين وثيقة شرعاً، وأثره جواز الاستيفاء ببيعه عند الامتناع من الوفاء.
3. وحق التحجير ـ أي المسبب عنه ـ ليس إلاّ اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر.

صفحه 26
4. وحق الاختصاص في الخمر ليس إلاّ نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخر دون اعتبار ملك أو سلطنة له وأثر الأولوية والاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير.1
أقول: الظاهر أنّ هنا اعتباراً واحداً لا اعتبارات مختلفة وليس هو السلطنة وإنّما الاختلاف في متعلّقها، فلو أراد من طرح هذه الأمثلة نفي الملك في مواردها فهو صحيح، وأمّا لو حاول نفي السلطنة فهو غير تام.
أمّا ولاية الحاكم والأب والجد فلهم سلطنة على أموال المولّى عليه ، لكن في إطار مصلحته وجواز تصرفهم في ماله من شؤون وجود السلطنة لهم عليها اعتباراً ووضعاً كما مرّ آنفاً.
وكذلك حق الرهانة فإنّ للمرتهن سلطاناً على العين لجواز استيفاء حقّه ببيعها عند الامتناع عن الوفاء، ونظيره حق التحجير فإنّ له سلطة على ما حجّر ليست لغيره إذا فرض هناك تشاحّ.
وعلى كلّ تقدير فلا مانع من إرجاع الاعتبار في هذه الموارد إلى السلطة الاعتبارية .وإن شئت قلت: السلطنة الوضعية. نعم كلّ مورد يفقد السلطنة الوضعية بل كان اعتباراً محضاً لغاية وأثر خاص فهو ليس من الحق المصطلح، بل هو حق بالمعنى اللغويّ أو عطف إلى الحق المصطلح، طرداً للباب.2
والّذي يدلّك على اعتبار مفهوم السلطنة في مفهوم الحق، هو انّ الحق تقوم بأمرين: ذي الحق ومن عليه الحق، فلا يتصور الحق المصطلح إلاّ إذا كان هناك من عليه الحق، بخلاف الملك، فهو إضافة قائمة بالمالك والمملوك عليه، ولا

1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 10ـ 11.
2 . سيوافيك الكلام في هذه الموارد في نهاية الجهة الرابعة.

صفحه 27
يتوقّف على تصوّر المملوك عليه.
وما ربّما يقال: بأنّ الملك أيضاً قد فرض في حيثيته التعليلية وجود المملوك عليه، فلو لم يكن في العالم إلاّ شخص واحد يتصرف في كلّ الأموال كما يشاء، لم يكن نكتة لفرض مالكيته لها.1
مدفوع بوجود الفرق بين «مَن عليه الحق»، و «مَن في مقابله الملك»، فالحق إضافة قائمة بين ذي الحق، ومن على ضرره الحق، بخلاف الملك فهو قائم بين المالك والمملوك لا في مقابل الآخرين . فتدبر.
وبذلك يعلم أنّ إضافة الحق إلى التحجير والحضانة باعتبار وجود أطماع في البين، يسبّب ثبوت الحق لواحد من المتشاحّين، وحرمان الآخرين عنه.

الجهة الرابعة:

في الفرق بين الحكم والحق

الحكم: عبارة عن مجعول شرعي على موضوع، زمامه بيد الشارع، وأمر وضعه ورفعه إليه.
أمّا الحق: فهو مجعول شرعي جُعل لصاحبه على نحو يكون زمامه بيده، فله الأخذ به، وله العفو، وله الإسقاط.
وإن شئت قلت: الحق سلطنة مجعولة، زمامها بيد ذي الحق، فله الاختيار على الإعمال والإسقاط; بخلاف الحكم فإنّ رفعه ووضعه بيد الشارع.

1 . فقه العقود:121.

صفحه 28
نعم كلٌّ من الحكم والحق مجعولان شرعيان لكن الجاعل وضعه على قسمين، تارةً وضعه وجعل زمام المجعول بيده فيسمى حكماً، وأُخرى وضعه وجعل زمامه بيد ذي الحق.
وبعبـارة أوضـح: أنّ الحكم تكليفاً كـان أو وضعـاً متعلّق بفعل الإنسان من حيث الرخصة فيه أو المنع عنه، أو ترتّب الأثر عليه. فجعـلُ الرخصةِ ـ مثلاً ـ حكمٌ، والشخص مورده ومحله، وفعله موضوعه. وهو لا يسقط بالإسقاط، ولا ينقل بالنواقل ـ بالبديهة ـ لأنّ أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه.
نعم الأحكام الخمسة المجعولة على فعل المكلف كلها من قبيل الحكم، كما أنّ الأحكام الوضعية من الطهارة والنجاسة والميراث وغيرها أحكام وضعية شرعية وهذا ممّا لا شكّ فيه.

نظرية وحدة الحق والحكم

ذهب المحقّق الخوئي إلى وحدة الحق والحكم، وقال في توضيحها: إنّ المجعولات الشرعية على أقسام ستة:
1. التكليف الإلزامي، كالواجبات والمحرمات.
2. التكليف غير الإلزامي، كالمستحبات والمكروهات.
3. الوضعي اللزومي الّذي يقبل الانفساخ، كالبيع والإجارة.
4. الوضعي اللزومي الّذي لا يقبل الانفساخ كالزواج فإنّه لا ينفسخ إلاّ في موارد.
5. الوضعي الترخيصي الذي يقبل الإسقاط، كحق الشفعة.
6. الوضعي الترخيصي الّذي لا يقبل الإسقاط، كالجواز في الهبة.

صفحه 29
وهذه الأُمور الاعتبارية وإن اختلفت من حيث الآثار ولكنّها تشترك في أنّ قوامها بالاعتبار المحض، فلا وجه لتقسيم المجعول الشرعي إلى الحق والحكم.1
ثمّ إنّه(قدس سره) أكمل ما رامه بالبيان التالي فقال: فاعطف نظرك هل ترى فارقاً بين جواز قتل المشرك الّذي يسمّى حكماً شرعياً وبين سلطنة وليّ الدم على قتل القاتل الّذي يسمّى حقّاً شرعيّاً لقبوله الإسقاط؟2
وقال في تقرير آخر:
وممّا يشهد لما ذكرنا من أنّ الحقّ هو الحكم بعينه أنّا لا نرى فرقاً بين الجواز الحكمي غير القابل للإسقاط في جواز قتل الكافر تكليفاً وبين الجواز الحقّي في جواز قتل الجاني قصاصاً. وهكذا لا فرق في جواز رجوع الواهب وضعاً وجواز رجوع من له الخيار في البيع مع أنّ الأوّل حكمي والثاني حقّي.3
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ كون الحكم والحق قائمين بالاعتبار المحض لا يكون سبباً لوحدة المعتبر، وإلاّ يلزم أن تكون الأقسام الستة قسماً واحداً.
ثانياً: انّ الحقّ والحكم وإن كانا من المجعولات الشرعية لكن تختلف كيفية الجعل والاعتبار، فتارة يجعل زمامه بيد الجاعل كجواز قتل الكافر حيث إنّه لا يسقط بإسقاط المكلف، وأُخرى يجعل زمامه بيد من ينتفع به على نحو يكون إسقاطه وعدمه بيده، ومع هذا الفرق الجوهري بين الاعتبارين كيف نجعلهما من

1 . مصباح الفقاهة:2/54.
2 . مصباح الفقاهة:2/46.
3 . المحاضرات:2/21.

صفحه 30
مقولة واحدة؟
وثالثاً: أنّ الاختلاف في الآثار يدلّ على اختلاف الموضوع اعتباراً ولحاظاً، فلو كانا من سنخ واحد، لكان اللازم هو الوحدة في الآثار.

أقسام الحق وأحكامه

من البحوث اللازمة التعرف على أقسام الحق وأحكامه، فإنّه حسب الظاهر من المشهور على أقسام:
1. ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل
2. ما يقبل النقل الاختياري وما لا يقبل.
3. ما يقبل التوارث وما لا يقبل.
قال السيد الطباطبائي اليزدي : الحق نوع من السلطنة على شيء متعلّق بعين، كحق التحجير وحق الرهانة، وحق الغرماء في تركة الميّت أو غيرها كحق الخيار المتعلق بالعقد، أو على شخص كحق القصاص وحق الحضانة وحق القسم، ونحو ذلك،1 ثم عدّ من أقسام الحق ما لا يقبل الإسقاط ولا النقل.
اعترض عليه المحقّق النائيني بأنّ ما أفاده السيّد(قدس سره) في حاشيته على المتن من تقسيم الحقوق أوّلاً إلى ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل، لا وجه له، فإنّ كون الشيء حقاً وغير قابل للإسقاط لا يعقل.2 وسيوافيك القضاء بين العلمين، فانتظر. وتحقيق الحق يقتضي الكلام في الأقسام الثلاثة:

1 . تعليقة السيد:1/55.
2 . منية الطالب:1/42.

صفحه 31

الأوّل : ما يقبل الإسقاط وعدمه

قد ذكر المحقّقون لما يقبل الإسقاط وما لا يقبل، ضوابط ثلاث ندرسها واحدة بعد الأُخرى:

الأُولى: مراجعة الدليل للتعرف على ما يقبل الإسقاط وعدمه

لما ذهب السيد الخوئي إلى عدم وجود الفرق الجوهري بين الحق والحكم وانّ كلا الأمرين من سنخ الحكم، اختار عدم ترتّب الأثر على التفريق بينهما وتسمية أحدهما حقاً والآخر حكماً بعد كونهما شيئاً واحداً.
وأمّا التفريق بين ما يجوز إسقاطه عمّا لا يجوز، فليس من آثار كون الأوّل حقاً والثاني حكماً، لما عرفت من عدم الفرق بين الحق والحكم، فللتعرف على ما يجوز إسقاطه عما لا يجوز، على مبناه لابدّ من مراجعة الأدلّة في شأن ذلك الحكم. فإن دلّ على جواز إسقاطه أو عدم جوازه فنتبع الدليل، ومثل ذلك معرفة ما يجوز نقله أو إرثه عمّا لا يجوز، فالمرجع في معرفة كلّ ذلك لسان الدليل لا كونه حقاً أو كونه حكماً.
هذا وقد عرفت عدم تمامية هذا المبنى وانّ الحقّ والحكم متميزان بواقعهما، فإن كان زمام الأمر بيد المكلّف فهو حق، وإن كان بيد الشارع فهو حكم. ومن المعلوم أنّ الحكم الشرعي غير قابل للإسقاط ولا النقل ولا الإرث إلاّ إذا كان هناك دليل على الخلاف.

الثانية: التفريق بين صالح ذي الحق و صالح من عليه الحق

ذكر المحقّق الإصفهاني ضابطة للتفريق بين الأمرين وقال: التحقيق أنّ قبول

صفحه 32
كلّ حق للسقوط وعدمه يتبع دليل ذلك الحكم ومناسبة الحكم وموضوعه والمصالح والحِكم المقتضية لذلك الحكم، فمثل حق الولاية للحاكم والوصاية للوصي لخصوصية كونه حاكماً شرعياً وله هذا المنصب، وأنّ الوصي لوحظت فيه خصوصية في نظر الموصي فلذا عيّنه للوصاية دون غيره. فإنّ التخصيص بلا مخصص محال من العاقل (الملتفت)،وعندئذ فنقله إلى غيره غير معقول لفقد الخصوصية، أو لوجود هذا الاعتبار له بنفسه من دون حاجة إلى النقل، كحاكم آخر.
وحيث إنّ هذا الاعتبار لمكان رعاية حال المولّى عليه والموصي لا لرعاية نفس الولي والوصي فلا يناسبه السقوط بالإسقاط.
وهذا بخلاف سائر الحقوق كحق الخيار وحق الشفعة فإنّ مصلحة الإرفاق بالبائع أو بالمشتري أو بهما معاً أوجب لهم اعتبار السلطنة على فسخ البيع وإمضائه رعاية لذي الحق لا لمن عليه الحق فله إسقاطه، وكذا الشفعة فإن تضرر الشريك ببيعه حصة شريكه ممّن لا يلائمه أحياناً أوجب جعل حق التملك من المشتري بالعوض كما في بعض الروايات المتكفّلة لحكمة التشريع. فمع تكلّفه للضرر(تحمله له) أو لعدم التضرر من باب الاتفاق صحّ له إسقاط حقّه.1
وحاصل هذه الضابطة: التفريق بين الحق المجعول لصالح من عليه الحق، والحق المجعول لصالح ذي الحق فلا يجوز إسقاط الأوّل بخلاف الثاني.
وبذلك تقف على القضاء الصحيح بين العلمين فالحق مع السيد الطباطبائي اليزدي حيث عرفت تقسيم الحق إلى ما يقبل وما لا يقبل، وأمّا كلام المحقّق النائيني فما ذكره صحيح في القسم الثاني، أعني: المجعول لصالح ذي

1 . تعليقة المحقق الاصفهاني:12.

صفحه 33
الحق، إذ لا معنى لكون شيء حقاً للشخص ومع ذلك لا يصلح للإسقاط، وأمّا القسم الأوّل فقد عرفت عدم صلاحيته للإسقاط، ولا منافاة بينه و بين كونه حقاً، إذا لم يشرع لصالح ذي الحق، بل شرع لصالح من عليه الحق، أعني: المولّى عليه.
هذا و يمكن أن يقال: بأنّ ما شرع لصالح المولّى عليه، سواء كان أمراً عاماً كالمجتمع بالنسبة إلى ولاية الحاكم، أو خاصاً كولاية الجد بالنسبة إلى الأولاد ، أشبه بالحكم الشرعي وتسميته حقاً إنّما هو بالمعنى اللغوي. وسيأتي تفصيله في الضابطة الثالثة.

الثالثة: التفريق بن الحق العام، والحق الخاصّ

وهذه الضابطة مبنية على تقسيم الحق إلى حقّ عام، وحق خاصّ والمراد من الأوّل هو الحق المجعول لصالح المجتمع أو طائفة خاصة منهم، كما أنّ المراد من الثاني هو الحقّ المجعول لصالح شخص خاص والّذي يعبّر عنه بذي الحق; فالأوّل غير قابل للإسقاط، إذ ليست الغاية من جعله حفظ مصالحه، حتّى يسقطه، بل الغاية حفظ المصالح العامّة. ولك أن تعبّر عن مثله بالحكم الشرعي الإلزامي، أو الحق العام ولا مشاحة في الاصطلاح.
ومن هذا القسم (الحق العام) الأُمور التالية:
1. ولاية الحاكم على القُصّر والغُيّب.
2. حق التولية المجعول من الواقف للمتولي على الوقف.
3. حق الوصاية المجعول من الوصي لشخص معيّن على أطفاله أو على التصرف في ثلث ماله ونحو ذلك، ممّا يكون من شؤون ولايته على الأطفال وسلطنته على نفسه أو ماله فيجعله للوصي من بعده. فالجميع لا يصح نقله ولا إسقاطه ولا توارثه.

صفحه 34

الحق العام ليس حقّاً اصطلاحياً بل حكم شرعي

إنّ الظاهر أنّ الحق العام من قبيل الحق بالمعنى الأعمّ أي ما هو المجعول شرعاً وليس من الحق المصطلح المفسّر بالسلطنة، فعدم جواز إسقاطه لأجل كونه حكماً شرعياً، لا لكونه حقاً لكن غير جائز الإسقاط. وإليك تحليل الأمثلة الثلاثة.
1. انّ معنى مسؤولية الحاكم وجوب قيامه ـ الذي هو حكم شرعي ـ برعاية مصالح القاصرين والغائبين في أموالهم ومصالح المسلمين في أُمورهم. وبما أنّ الغاية المتوخاة من الولاية لا تتحقّق إلاّ بوجوب القبول ممّن عليهم الولاية فيجب على المولّى عليهم طاعة الحاكم وامتثال أوامره، فهذا النوع من الولاية أشبه بالحكم الشرعي الإلزامي. وفي الوقت نفسه من الحقوق العامة.
2. انّ حق التولية ليس إلاّ مسؤولية ملقاة على عاتق المتولي في العين الموقوفة ومعنى مسؤوليته هو وجوب قيامه بأعمال يحافظ بها عليها من التلف والاندثار وان تصرف منافعها فيما وقفت له. ولو عُيّن للمتولي في صيغة الوقف شيئاً من الحقوق المالية فإنّما هو أُجرة مقابل الأعمال الّتي يقوم بها.وبهذا يكون حكماً شرعياً ومن مقولة الحق بالمعنى العام.
3. انّ حق الوصاية إن أُريد به انّ للموصي حقاً على الوصي بمعنى أن يتّخذه وصيّاً لنفسه، فهذا ليس حقاً بل حكماً شرعياً بمعنى أنّه يجوز له أن يتخذ الغير وصياً.
وإن أُريد به انّه حق للوصي بمعنى انّه يجوز له الردّ في حال الحياة وعدمه بعد الموت، فهذا أيضاً يرجع إلى الحكم الشرعي بمعنى انّه يجوز للوصي القبول والرد معاً في حال الحياة دون الموت. وإن لم يرد فهو حكم شرّع لا لصالح الوصي بل

صفحه 35
لمصلحة الميت وأولاده.
وبذلك يظهر أنّ الولايات على إطلاقها وشعبها من قبيل الأحكام الشرعية، فلو أُطلق عليه (حق) فهو بالمعنى العام، أي بمعنى ما ثبت شرعاً لا من الحق بالمعنى الأخصّ الّذي هو من مراتب الملك القابل للإسقاط أو من مقولة السلطنة.
وأمّا الحقّ الخاص فهو عبارة عن ما يجعله الشارع أو العرف شخصاً ذا حظ ونصيب ينتفع به بنوع من الانتفاع ويصح له رد الحق وإسقاطه، وهذا كحق الشفعة والتحجير، والقسم وغيرها ولو صحّ تعجب المحقق النائيني فإنّما يصح في هذا القسم، إذ فرض كون شيء حقاً مع القول بعدم جواز إسقاطه كأنّه جمع بين المتقابلين.
فإن قلت: إنّ الخمس والزكاة المتعلّقين بمال الغير يُعدّان حقاً لأربابهما ومستحقيهما، وهما من الحقوق بالمعنى الأخص حيث ينتفع أربابهما بهما مع أنّه لا يجوز إسقاط هذا الحق عمّن عليه، فكيف يقال: إنّ الحق الخاص وعدم جواز الإسقاط أشبه بالجمع بين المتقابلين، فالخمس والزكاة من الحقوق الخاصة ولا يجوز لصاحب الحق إسقاطهما.
قلت:إنّ الزكاة والخمس من الحقوق الشرعية، وأمّا عدم جواز إسقاطها فلأجل مانع في جانب ذي الحق، وهو انّ الحقوق الشرعية ليست حقاً قائماً بشخص الفقير الّذي يريد الإسقاط وإنّما هو حق للجهة القائمة به وبغيره من المستحقين،ولذلك لا يصحّ له إسقاط الحق، إذ أنّه ليس نائباً ولا وكيلاً عن عامة الفقراء حتّى يصحّ له الإسقاط، قال سبحانه: (إِنَّما الصَّدقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلينَ عَلَيها وَالْمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ

صفحه 36
فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)1، فقوله سبحانه: (لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِين) إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي ـ ولو شأناً ـ هو عنوان الفقر والمسكنة وإلى غير ذلك من العناوين، وليس هو متمثلاً في شخص واحد معيّن حتّى يسقط الحق بإسقاطه.2

الثاني: ما يجوز نقله وعدمه

قد عرفت الضابطة لما يجوز إسقاطه ولما لا يجوز فيقع الكلام في بيان الضابطة فيما يجوز نقله إلى الغير وما لا يجوز، فنقول: إنّ الضابطة في ذلك هو التعرف على أنّ العنوان المأخوذ في موضوع الحكم عنوان مقوّّم أو عنوان معرّف. فعلى الأوّل لا يجوز نقله وعلى الثاني يجوز.
توضيح ذلك: انّه ربما يستفاد من الأدلة أنّ العنوان المأخوذ في لسان الدليل

1 . التوبة:60.
2 . واعلم أنّه اختلفت آراء الفقهاء في كيفية تعلّق الزكاة والخمس بالمال، وربما ناهز عدد هذه الآراء العشرة.
والمختار عندنا أنّ فريضة الزكاة متعلّقة بالعين لا بالذمة ولكن تعلّقها بها ليس بنحو الملك الفعلي في العين، لا بنحو الشركة الحقيقية الّتي يعبّر عنها بالإشاعة ولا بنحو الكلي في المعيّن وإنّما هو حقّ مالي معيّن فرضه اللّه تعالى على المالك متعلّق بماله المعيّن، فهو حقّ متعلّق بماليّة النصاب لا ملكاً للمستحق في العين ـ لا بنحو الإشاعة ولا بنحو الكلّي في المعيّن ـ و لذلك فهو مخيّر بين أدائه من نفس المال أو من ماله الآخر. وبالتالي هو ملك للمستحق لكن شأناً لا فعلاً.
وإن أردنا أن نمثل له بمثال نستطيع أن نقول: إنّ تعلق الخمس والزكاة بالنصاب أشبه بإرث الزوجة من الأبنية والنخيل والأشجار فإنّه حق متعلق بماليتها، ولذلك يجب على الوارث دفع القيمة للزوجة، نعم لو أمكن دفعها من العين كما في الأشجار والنخيل جاز.
نعم فرق بين تعلّق الزكاة والخمس بالنصاب وتعلق إرث الزوجة بغير الأرض، وهو أنّ الزوجة مالكة بالفعل بالنسبة إلى الأعيان، لأنّ إرثها من المنقول بنحو الملك الفعلي فيكون إرثها من غير المنقول كذلك، وأمّا الزكاة والخمس فليسا ملكاً فعلياً بل ملكاً شأنياً.

صفحه 37
مقوم للحكم وعلّة له، وعندئذ لا يجوز نقله إلى الغير. ولنذكر على ذلك أمثلة:
1. حق الشفعة فالذي يمكن أن يتضرر أحياناً هو الشريك دون غيره، فلا معنى لنقله إلى غيره بعد ما لم يكن شريكاً له.
2. حق الرهانة فإنّ كون العين وثيقة لغير الدائن غير معقول، فنقله إلى غيره غير معقول إلاّ بتبع نقل دينه إلى غيره وعندئذ ينقل حق الرهانة أيضاً تبعاً.
3. حق القَسْم فإنّ نقله من زوجة إلى أُخرى صحيح لاتصافها بذلك العنوان وصحة استفادتها من الحق، وأمّا إلى امرأة أُخرى ليست زوجة له، فغير معقول.
كلّ ذلك يتبع كون العنوان مقوّماً ودخيلاً في الحكم والحكم دائراً مداره، يوجد بوجوده وينعدم بانعدامه.
وأمّا إذا افترضنا أنّ العنوان معرّف وعنوان مشيرٌ إلى موضوع أعم فيجوز فيه النقل، وهذا كحق التحجير فإنّه ليس فيه شيء من هذه الموانع فيصح نقله إلى غيره في مقابل الثمن.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا كان الموضوع هو العلّة التامة للحكم فلا يقبل النقل إلاّ إذا كان مثلها موجوداً في المنقول إليه. وأمّا إذا كان مشيراً إلى ما هو الموضوع، غير مقوّم للحكم فيجوز نقله إلى غيره.
الثالث: ما يورث وما لا يورث
ما ذكرنا من الضابطة في جواز النقل وعدمه هي نفسها في جواز الإرث وعدمه. فلو كان العنوان مقوّماً فمعناه أنّ الحق قائم بالشخص فلا ينتقل إلى غيره، وهذا كحق القسم فإنّه حق للزوجة بما هي زوجة، فإذا ماتت لا يتصور أن يقوم الوارث مقام الزوجة في هذا الحق، ولا تعقل استفادته من هذا الحق. وهذا

صفحه 38
بخلاف حق التحجير فقد عرفت أنّ العنوان معرّف ومشير فيرثه الوارث كما يرث أمواله وسائر حقوقه.
وحصيلة الكلام: أنّه لابدّ من ملاحظة دليل كلّ حق وما يحتف به من القرائن من الوجوه والمصالح والمناسبات.1
فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الميزان في الإسقاط وعدمه كون الحكم موضوعاً لصالح ذي الحقّ أو لأمر آخر، فيجوز إسقاطه في الأوّل دون الثاني.
وأمّا الميزان في كون الشيء قابلاً للنقل أو الإرث، فلو كان العنوان مقوّماً فلا ينقل ولا يورث. وأمّا لو كان عنواناً مشيراً فينقل ويورث.
نعم للسيد الأُستاذ(قدس سره) مناقشات في بعض الأمثلة، والظاهر عدم تماميتها، فلاحظ.2

إذا شكّ في قبول الحق للإسقاط

إذا شكّ في كون الشيء قابلاً للإسقاط والنقل وعدمه، نظير: حق الرجوع في العدة وحق النفقة على الأقارب وحق الفسخ بالعيوب في النكاح، فله صورتان:
الأُولى: أن يكون منشأ الشك احتمال كونه حكماً، لا حقّاً، فالشكّ يرجع إلى وجود الموضوع (الحق) وعدمه، ومع الشك في الموضوع لا يمكن أن يتمسّك بالعمومات كعمومات الصلح والبيع وغيرهما، وذلك لأنّ الشكّ في الموضوع، إنّما هو بمعنى هل هناك موضوع للعمومات أو لا؟
وعندئذ فالمرجع هو الأُصول العملية ومقتضاها هو عدم سقوطه بالإسقاط

1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:12.
2 . كتاب البيع:1/48.

صفحه 39
أخذاً باستصحاب بقاء ما كان قبل الإسقاط، وعلى هذا فلو شك في كون شيء حقاً أو حكماً فلا يجوز إسقاطه ولا نقله. نعم لا يثبت باستصحاب بقائه كون المشكوك حكماً لأنّه بالنسبة إليه أصل مثبت.
الثانية: إذا كان منشأ الشك ـ مع القطع بكونه حقاً ـ احتمال كونه سنخَ حق، له الإباء عن الإسقاط والنقل كحق الولاية الّتي عرفت إباءها عن الإسقاط. على القول بكونه حقّاً، فذهب المحقّق الإصفهاني إلى جواز التمسك في هذه الصورة بإطلاق دليل الصلح على سقوطه ونقله، أو بعموم أدلة الإرث لانتقاله.1
يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين الصورتين وأنّ الشكّ يرجع إلى الشبهة المصداقية في كلا المقامين.
أمّا الأوّل فقد عرفت وجهه في كلامه.
وأمّا الثاني فلأنّه خرج ما لا يقبل النقل والإرث عن تحت عمومات الصلح والبيع، فإذا شككنا في جواز نقله وعدمه يرجع الشكّ إلى أنّ المورد باق تحت العموم إذا كان قابلاً للنقل، أو خارجاً عنه إذا لم يكن قابلاً للنقل، ومعه يكون التمسك بإطلاقات أدلّة الصلح والبيع من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص.
ثمّ إنّه(قدس سره) التفت إلى هذا الإشكال وأجاب عنه بقوله: إنّ الحقّ القابل، والحقّ غير القابل عنوانان انتزاعيان من الحق الداخل تحت العموم والخارج عنه، لا أنّ العام2 معنون بعنوان القابل، والمخصص معنون بعنوان غير القابل.3
يلاحظ عليه: أنّ كون القابل وغير القابل من العناوين الانتزاعية لا يصحح

1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:12.
2 . في المصدر: (لأنّ العام) والصحيح ما أثبتناه.
3 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:12.

صفحه 40
التمسك بالعام، وذلك لأنّا نعلم أنّ عدّة من الحقوق داخلة تحت العام، وأنّ قسماً منها خارجٌ منه وداخلٌ تحت المخصص، ففي هذه الحالة نشك في أنّ هذا الحق هل هو من الحقوق الباقية تحت العام أو الخارجة عنه؟ وفي مثله لا يجوز التمسك بالعام.
ولو صحّ ما ذكره صحّ التمسك في الشبهات المصداقية للمخصص في عامة الموارد، مثلاً إذا قال المولى: أكرم العالم، ثم قال: لا تكرم الفاسق من العلماء، وشككنا في حال زيد العالم هل هو فاسق أم لا؟ فيمكن أن يقال: إنّ الفاسق وغير الفاسق عنوانان انتزاعيان من الفرد الداخل تحت العموم والخارج عنه، لا أنّ العام معنون بعنوان غير الفاسق والمخصص معنون بعنوان الفاسق، وهو كما ترى.
وبذلك يعلم أنّ تعجب المحقّق النائيني من السيد الطباطبائي في غير محله، إذ لا ملازمة بين الحق والإسقاط لما عرفت من أنّ الملاك هو كون العنوان مقوماً أو معرّفاً.
كما ظهر عدم تمامية ما اشتهر بينهم، انّ لكلّ ذي حق إسقاط حقّه، إذ لم يرد في آية أو رواية أو معقد إجماع معتبر، فليتأمل.
نعم هنا صورة ثالثة لا بأس فيها بالتمسك بالعمومات وهي ما إذا أُحرزت قابلية الحق للنقل والانتقال عرفاً وعلم أنّه ليس من سنخ الحقوق الآبية عنها، لكن نشك في وجود المنع التعبدي فيها. ففي هذه الصورة يجوز التمسك بالعمومات لإثبات صحة النقل بالعقد كالصلح، نحو قوله سبحانه:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «الصلح جائز بين المسلمين»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«المؤمنون عند

1 . المائدة:1.
Website Security Test