welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 1

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
أحكام البيع
في الشريعة الإسلامية الغرّاء
         1

صفحه 4
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 5
أحكام البيع
في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء
الجزء الأوّل
تأليف
سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم ـ إيران

صفحه 6
اسم الكتاب: أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء: الأوّل
المؤلف: آية الله العظمى جعفرالسبحاني
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1429 هـ / 1387 ش
الكمية: 1000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدللّه الّذي أحلّ البيع وحرّم الربا، وأجاز أكل المال بالتراضي ومنع عن الأكل بالباطل، وأمر بالوفاء بالعقود، ونهى عن نقض المواثيق والعهود.
والصلاة والسلام على أفضل الخلائق، وخاتِم الشرائع الذي خُتمت به النبوة، وأُوصدت به الرسالة، فكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتِمة الشرائع، وعلى آله مصابيح الدجى وأعلام الهدى وحجج اللّه على الورى، صلاة دائمة نامية، ما هدر حمام، وقطر غمام.
أمّا بعد;
فهذه محاضرات في البيع وما يتعلّق به، ألقيتها على جمع من فضلاء الحوزة العلمية في قم المقدسة، مستضيئاً بما كتبه شيخ المحقّقين مرتضى الأنصاري(قدس سره) ومن تلاه من الأساطين، مراعياً التلخيص والإيجاز، متجنباً الإطناب والإسهاب، عسى أن ينتفع به فضلاء الطلاّب.
***
واعلم أنّ كتاب المتاجر من أهم آثار الشيخ الأنصاري ومن أحسن تآليفه وأتقنها، ومن فهمه حقّ فهمه فهو مجتهد ـ بلا إشكال ـ يحرم عليه التقليد. وقد استعرض في أوّله أبحاثاً حول المواضيع التالية:

صفحه 8
1. تعريف البيع بتعاريف ستة.
2. تحديد العوضين باختصاصهما بالعين، أو عدمه وشمولهما للمنافع والحقوق أيضاً أو عدمه.
3. بيـان أقسام الحقوق بمناسبة وقوعها معوضاً وعوضاً، ومثلها عمل الحرّ.
4. وجه التمسك بالعمومات عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للبيع، مع القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح.
هذه هي رؤوس الأُمور المذكورة التي طرحها الشيخ في صدر كتاب المتاجر قبل الدخول في بحث المعاطاة.
إلاّ أنّنا ندرس تلك المواضيع مضافاً إلى مواضيع أُخرى ، والتي لها تمام التأثير في أبواب المتاجر، كالمال والملك والحق، فإنّ الفقيه يمارس هذه المفاهيم أكثر من غيرها في أبواب التجارة، ويأتي الجميع ضمن جهات عشر، وهي:
الأُولى: تعريف المال.
الثانية: تعريف الملك.
الثالثة: الفرق بين الملك والحق.
الرابعة: الفرق بين الحكم والحق.
الخامسة: الحقوق المستحدثة.
السادسة: العقد والعهد لغة وكتاباً واصطلاحاً.
السابعة: تعريف البيع.
الثامنة: اختصاص البيع بالعين أو شموله للمنافع والحقوق.

صفحه 9
التاسعة: التمسك بالإطلاقات على القول بالصحيح.
العاشرة: شمول الإطلاقات للمعاملات الحديثة.
وإليك الكلام في هذه الجهات العشر واحدة بعد الأُخرى، والجميع كالمقدّمة لأحكام المتاجر الّتي أسهب الشيخ الأنصاري، الكلام فيها.
***

الجهة الأُولى:

تعريف المال

إنّ المال ـ المبحوث عنه في أبواب المتاجر والمأخوذ في تعريف البيع على ما سيأتي ـ : عبارة عمّا يرغب فيه العقلاء، ويُبذل بإزائه الثمن، وله ندرة نسبية.
فبـالقيـد الأوّل خـرج كلّ منفـور لا يرغب فيه كالحشرات، ونفايات البيت.
وبالقيد الثاني خرجت الحبّة أو الحبّات من الحنطة فهي تُعدّ ملكاً ولا تُعدّ مالاً، إذ لا يبذل بإزائها الثمن.
وبالقيد الثالث خرج المبذول كالهواء والماء على شاطئ النهر.
وعلى هذا فلا يختص المال بالأعيان، بل يعم الأعمال والمنافع لانطباق تعريف المال عليهما، فالمنافع والحقوق يبذل بازائهما الثمن.
إن قلت : إنّ المنافع ليست مالاً لكونها معدومة .
قلت: إنّ العين تُعدّ عند العرف وجوداً جمعيّاً للمنافع، ومشيرة إليها، وكيف

صفحه 10
لا تكون المنافع مالاً مع أنّ مالية الأشياء عند العقلاء باعتبار منافعها، فنفس المنفعة أولى بأن تكون مالاً ويبذل بازائها الثمن.
ويشهد على ما ذكرنا ـ عدم اختصاص المال بالأعيان ـ صحّة جعل ما في الذمم المعتبرة ثمناً للبيع إذا باع نسيئة أو مثمناً كما إذا باع سلماً، فوصف ما في الذمة المعدوم مالاً دليل على عدم اختصاصه بالأعيان .
فكما يشمل المال المنافع، يعمّ الحقوق أيضاً، كحق الشرب من النهر والعين وحق العبور، حيث إنّ كلاً منهما أمر مرغوب فيه، يبذل بازائه الثمن.

منابع المالية

إنّ مالية الشيء تارة تستند إلى قابليته الذاتية للانتفاع به، نظير ما خلق اللّه سبحانه من الطيبات النباتية والحيوانية الّتي تسدّ حاجات الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية.
وأُخرى تستند إلى وجوده الصناعي كالبيت والأواني وكلّ مصنوع ينتفع به الإنسان ويبذل بإزائه الثمن.
وثالثة تستند إلى اعتبار عقلائي أو عقد اجتماعي على كونه مالاً كالأوراق النقدية، وقد كانت يوم ظهورها للعالم تُعدّ وثائق من الدولة على أنّها تتعهد بمنح حاملها شيئاً من النقود الفضية أو الذهبية، إلاّ أنّها صارت بمرور السنين ذات قيمة ومالية مستقلّة وخرجت عن كونها وثيقة.
وأمّا الأسهم الّتي شاع بيعها وشراؤها في هذه الأيّام فالظاهر أنّها ملك مشاع لأصحاب السهام في أموال الشركة.
***

صفحه 11

الجهة الثانية:

تعريف الملك

الملك: في اللغة هو الاحتواء والإحراز، يقال ملك الشيء: احتواه ، قادراً على التصرف فيه، وهو إضافة اعتبارية بين الشخص وما احتواه. وإليك بيانها:
إنّ في واقع الملكية أقوالاً أو احتمالات نشير إليها مع ما فيها:
الأوّل: أنّها من مقولة الإضافة القائمة بين المالك والملك فهي أمر تكويني كسائر الإضافات كالأُبوة القائمة بين الأب والابن، وهذا هو الظاهر من صدر المتألهين في أسفاره حيث قال: فإنّ هذا (الملك) من مقولة المضاف لا غير.1
وهو الظاهر ـ أيضاً ـ من الشيخ الأنصاري حيث قال: إنّها نسبة بين المالك والمملوك2، فلو أراد من النسبة الإضافة الحقيقية، فتكون الملكية أمراً تكوينياً، وإن أراد نسبة اعتبارية فتتحد مع المختار الآتي بيانه.
الثاني: انّها من مقولة الجدة، وهي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء كالتعمّم والتقمص. وقد نقل هذا القول السيد الطباطبائي اليزدي في تعليقته عن بعضهم.3
وذكره صدر المتألهين بصورة احتمال، قال ـ بعد تعريف الجدة ـ : وقد يعبر عن الملك بمقولة «له»، فمنه طبيعي ككون القوى للنفس، ومنه اعتبار خارجي

1 . الأسفار:4/223. وقد أراد من الملك «الملكية» لا ذات الشيء.
2 . المتاجر:79، طبعة تبريز.
3 . تعليقة السيد محمد كاظم اليزدي على المتاجر:58.

صفحه 12
ككون الفرس لزيد.1
أقول: إنّ الملكية ـ سواء أقلنا بأنّها من مقولة الإضافة أم من مقولة الجدة ـ على هذين القولين عرض لا محالة، وهو لا ينفك عن موضوع يعرضه، وعندئذ نسأل ما هو موضوع ذلك العرض أي الملكية، فهل الموضوع هو المملوك فينتقض بالمملوك في الذمة فهو ملك وليس موجوداً في الخارج كالدين وبيع السلم؟
أو أنّ الموضوع هو المالك فينتقض بما إذا كان المالك هو الجهة كالمسجد والمدرسة وعامة الجهات الحقوقية؟
فإن قلت: هب أنّها ليست من المقولات العشر الأرسطوئيّة، فلماذا لا تكون من الصفات الحقيقية الّتي لا تحتاج إلى محل، كامتناع شريك الباري وإمكان الإنسان وإن لم يكن إنسان في الخارج، فلتكن الملكية صفة حقيقية من سنخ الامتناع والإمكان؟
قلت: ما ذكرته غير صحيح في المنزّل عليه، فكيف يصحّ في المنزَّل؟! أمّا الأوّل كيف يكون الامتناع والإمكان من الصفات الحقيقية والحال انّ امتناع الشيء أمر عدمي، كما أنّ الإمكان ـ بمعنى سلب الضرورتين عن الماهية سلباً تحصيلياً ـ ، عدمي، والعدم بطلان محض حتّى المضاف منه إلى الملكة، والجمل المتشكّلة من هذه المفردات إخبار عن البطلان المحض، فقولنا: «شريك الباري ممتنع» أي لا واقعية له، فالإخبار أمر وجودي والمخبر به بطلان محض.
يقول المحقّق السبزواري:
لا ميز في الأعدام من حيث العدم *** وهـــــو لهــــا إذاً بوهـم يُرتَسَم
كذاك في الأعــــــدام لا عليّـــة *** وان بهــــا فاهُــوا فتقــريبيــة2

1 . الأسفار:4/223.
2 . شرح المنظومة:42.

صفحه 13
وأمّا الإخبار عنه كما في قولهم: «المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه» فقد أجاب عنه أهل الفن في محله.
فإذا كان هذا حال المشبه به فكيف حال المشبه (الملكية)؟!
والذي يدلك على أنّها ليست من الأُمور الحقيقية اختلاف الشرع والعرف في حصول الملكية بالإنشاء فيما إذا كان المبيع خمراً أو خنزيراً فالشرع ينفيها والعرف يثبتها، وهذا أوضح دليل على أنّها ليست أمراً حقيقياً، وإلاّ لم يختلفا في المُنشأ مع وجود السبب التام له.
الثالث: انّ الملكية من الأُمور الانتزاعية وقد اختلفوا في منشأ انتزاعها إلى أقوال:
أ . انّ المنشأ هو العقد أو المعاطاة مثلاً، فإنّ كلاً منهما أمر خارجي يصحّ منه انتزاع الملك.
ب. انّها منتزعة من الأحكام التكليفية كجواز التصرف بالنقل وغيره، نظراً إلى أنّ الملكية بمعنى السلطنة، فمعنى جواز التقلب فيه بأي وجه هو أنّ زمام أمره بيده، ولا نعني بالسلطنة الوضعية إلاّ ذلك.
ج. انّ تمكّن الشخص من بيع العين ونقلها بأنواعه شرعاً، أو قانوناً منشأ لانتزاع الملكية شرعاً، فقدرته خارجاً على العين بأنواع التصرفات شرعاً، منشأ انتزاع الملكية لا مجرد جواز التصرف شرعاً.1 والفرق بينه وبين الثاني واضح، فإنّ المنشأ في الثاني هو الأحكام الشرعية أو العرفية وفي الثالث هو السلطنة والقدرة التكوينية على التصرّف والتغلب.
هذه الوجوه الثلاثة نقلها المحقّق الإصفهاني في تعليقته على المتاجر،2

1 . تعليقة المحقّق الإصفهاني على المتاجر:5ـ6.
2 . تعليقة المحقّق الإصفهاني على المتاجر:5ـ6.

صفحه 14
وناقش في الجميع.
والّذي يمكن أن يقال:إنّ الأوّل غير تام ضرورة أنّ الملكية أوسع من العقد والمعاطاة، فمن حاز شيئاً من البحر أو غيره يرى نفسه مالكاً له من دون أن يكون هناك عقد أو معاطاة.
وأمّا الثاني ـ أعني: كونها منتزعة من الأحكام التكليفية ـ فكالأوّل، لأنّ الأحكام التكليفية تابعة لاعتبار الملكية، فالملكية موضوع لها لا أنّها منشأ انتزاع لها، أضف إلى ذلك أنّ الملكية تكون معتبرة مع المنع عن التصرف، وهذا كالمفلس فهو مالك لما تحت يده، ولكنّه لا يجوز له التصرف، كما أنّ الصبي مالك لما ورثه مع أنّه لا يجوز له التصرف، ونحو ذلك.
وأمّا الثالث ـ أعني: تمكن الشخص من بيع العين ونقلها شرعاً أو قانوناً منشأ لانتزاع الملكية ـ فيرد عليه: انّ كون السلطة المذكورة منشأ للانتزاع ليس أولى من القول بأنّها سبب لانتقال المعتبِر إلى اعتبار الإضافة بين المسلّط والمسلّط عليه، فكونها سبباً للانتقال غير كونها منشأ للانتزاع، كما أنّ وجود الزوجين تكويناً، يكون سبباً لانتقال الإنسان إلى اعتبار الزوجية بين الرجل والمرأة.
الرابع: الملكية من الأُمور الاعتبارية العقلائية، لأنّ العقلاء في حياتهم الاجتماعية لا محيص لهم من اعتبار أُمور ذات آثار اجتماعية حتّى تدور عليها رحى الحياة، وليست الملكية فريدة في بابها بل الأُمور الاعتبارية العقلائية أكثر فأكثر وربّما تزيد حسب تكامل الحياة وتقدّم الحضارة.
إلاّ أنّ المهم هو أن نقف على ما هو السبب لانتقال الإنسان إلى ذلك الأمر الاعتباري وتثبيته في المجتمع.
والذي يمكن أن يقال هو: إنّ الأُمور الاعتبارية كلّها استنساخ للأُمور

صفحه 15
التكوينية، فالعقل العملي للإنسان ينتقل من ملاحظة الأُمور التكوينية إلى الأُمور الاعتبارية على نحو يكون المعتَبر كالمستنسخ من التكوين، والفرد الاعتباري منبثقاً من الفرد التكويني.
ولنذكر مثالاً في المقام: إنّ الرأس في الإنسان يدير مجموع البدن والأعضاء، فيأمر اليد بالقبض والبسط، والقدم بالمشي والوقوف، والعين بالغمض والفتح، إلى غير ذلك من الأعمال الّتي تصدر من الإنسان برئاسة الرأس الّذي يحتوي على المخ والعقل الإنساني حسب الظاهر، هذا هو حال الفرد من الإنسان.
وأمّا المجتمع الصغير أو الكبير فبما أنّه يتشكّل من أفراد مختلفة ذوي أهواء متعدّدة فلابد في جعلهم كتلة واحدة تصبُّ جهودَهم في مصب واحد، من وجود شخص نافذ الكلمة مطاع القول، و هذا هو الّذي يطلق عليه الرئيس فاعتبار ذلك الشخص رئيساً، اعتبار عقلائي مستنسخ من رئاسة الرأس لجسد الإنسان، وهذا هو الّذي عبّرنا عنه بأنّ الأُمور الاعتبارية كلّها أو أكثرها نوع استنساخ للأُمور التكوينية.
ولنذكر مثالاً آخر: يرى الإنسان في عالم التكوين زوجين، كالعينين والأُذنين واليدين والرجلين وكلّ يعين الآخر فيما خلقا له، فهذه زوجية تكوينية مخلوقة للّه سبحانه، ومنها تنبثق الزوجية الاعتبارية بين رجل وامرأة بينهما بُعد المشرقين من حيث الثقافة واللغة واللون، لكن كلّ يجذب الآخر ويشاركه معه فيما يحتاج إليه في الحياة، فيعتبران زوجين اعتباراً كالأُذنين تكويناً.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الّتي كشف عن حقيقتها سيدنا العلاّمة الطباطبائي في بحوثه الفلسفية.1

1 . راجع الجزء الثاني من أُصول الفلسفة.

صفحه 16
إذا عرفت هذين المثالين فقس عليهما الملكية الاعتبارية المستنسخة من الملكية التكوينية، فالإنسان حسب التكوين يملك كلّ واحد من أعضاء جسده وكيفية أعماله ويضيفه إلى نفسه فيقول هذه يدي، وهذه رجلي، وهذه عيني إلى غير ذلك من الأعضاء، بل ربّما يترقّى حتّى ينسب أعماله الناشئة بواسطة هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول، هذه حسنتي وهذه جنايتي.
كلّ ذلك إضافة تكوينية مندمجة في خلق الإنسان وفطرته، إلاّ أنّه ربّما تنتقل من هذه الإضافة التكوينية إلى إضافة اعتبارية لغاية اجتماعية، وهو أنّه إذا حاز شيئاً من البحر أو جنى شيئاً من الغابة، يرى نفسه أولى به من غيره، فيعتبر نفسه مالكاً وما بيده مملوكاً، والنسبة الدائرة بين المالك والمملوك ملكية اعتبارية.
ومهما اتّسعت دائرة الحضارة اتّسعت دائرة الاعتبار كما سيوافيك بيانه.
هذا هو واقع الملكية ومن عبّر عنها بالإضافة بين المالك والمملوك فهو يريد إضافة اعتبارية تحكي الإضافة التكوينية.
ومن جعلها من مقولة الجدة ـ أي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء، وفي المقام إحاطة المالك بالمملوك ـ فعليه أن يجعلها جدة اعتبارية تعكس جدة تكوينية.
ومن جعلها من الأُمور الانتزاعية فالصحيح أن يعبر عنها بالاعتبارية، لأنّ للأُمور الانتزاعية مناشئ خارجية هي من مراتب الوجود، كتخلّق الولد من ماء الوالد فينتزع منه الابوّة والبنوة وغيرهما. وأمّا المقام فليست للملكية مناشئ خارجية، نعم ربما يكون العمل الخارجي كحيازة الشيء من البحر سبباً للانتقال إلى اعتبار تلك الإضافة.

أسباب اعتبار الملكية

إنّ لاعتبار الملكية أسباباً و مناشئ نشير إليها:

صفحه 17

الأوّل: الحيازة

وهي أُمّ المملكات، مثلاً إذا ذهب إنسان إلى البحر وصاد سمكة فأحاط بها إحاطة ليست لغيره، يرى نفسه أولى بها من غيره كما يراه العقلاء كذلك، قال الإمام علي(عليه السلام) لعبد اللّه بن زمعة:«إنّ هذَا الْمالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنّما هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمينَ، وَجَلْبُ أَسْيافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ، فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْواهِهِمْ»1، فاصطياد السمك نوع احتواء له، ويصير الاحتواء سبباً لاعتبار نسبة بين المحرز وما أحرزه، ويعبّر عن تلك النسبة بالملكية، وعن الطرفين بالمالكية والمملوكية، وتصير مبدأ لآثار كثيرة منها جواز بيعه وشرائه بمعنى تبديل طرفي الإضافة في جانبي البائع والمشتري، فالمبيع المنسوب إلى البائع، يكون منسوباً إلى المشتري على عكس الثمن.

الثاني: العمل

لا شكّ أنّ للعمل تأثيراً في زيادة القيمة ومرغوبية المادة، فإذا صنع الخشب سريراً أو الطين كوزاً، فالعمل هذا يوجد في المادة المملوكة هيئة خاصة مفيدة في الحياة. فهو يملك المادة بالحيازة والهيئة بالعمل.
وربّما يقال بأنّ الهيئة تملك تبعاً للمادة. وملكية الهيئة تنـدكّ في ملكيـة المـادة، ولا تُرى ـ عرفاً ـ ملكيـة خاصـة للهيئـة.
أقول: ما ذُكر صحيح لو كانت ملكية الإنسان للهيئة في عرض ملكيته للمادة، وأمّا إذا كانت ملكيته لها في طول ملكيته للمادة فهو أمر صحيح عقلائي.

1 . نهج البلاغة، الخطبة:232.

صفحه 18
نعم لمّا كانت الهيئة أمراً غير منفك عن المادة يلاحظ الجميع ـ تسامحاً ـ ملكاً واحداً، وإلاّ فالهيئة شيء والمادة شيء آخر.
ويشهد على ذلك بعض أُمور:
1. أنّ المزارع يقسّم الانتاج مع المالك بنسبة معينة، فالمالك يملك نصيبه من الزراعة بتبع المادة (الأرض)، ولكن المزارع يملك نتيجة عمله.
2.أنّ المضارب يُقسّم الربح مع مالك رأس المال بنسبة معينة، فالمالك يملك نصيبه من الربح بتبع رأس المال والمضارب يملك نتيجة عمله.
3. أنّ الرجل إذا باع أرضاً على رجل آخر ولكن كان العقد فاسداً والمشتري جاهلاً بالفساد، فعمل بالأرض بالإصلاح وقطع الأعشاب وإعدادها للزراعة. فإذا تبين الفساد فالبائع يرد المسمّى على المشتري مع قيمة الأعمال الّتي قام بها المشتري بإذن منه، خضوعاً لقاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، وهذا يدل على أنّ العمل من المملّكات،غاية الأمر إذا كانت المادة ملكاً لنفس العامل يتراءى المجموع ملكاً واحداً، ولكنّهما عند التحليل يتراءى كلّ ملكاً في طول الآخر.

الثالث: نماء المملوك

إذا كان الأصل ملكاً لإنسان فنماؤه ونتاجه يكون ملكاً له، وذلك كاللبن وولد الشاة وغيرهما.

الرابع: الإرث

إنّ الإرث من عوامل التمليك، فإذا مات الوالد يرثه أولاده حسب المقرّرات الشرعية، عند الملتزمين بها، أو حسب المقرّرات الوضعية عند غير المتشرعة.

صفحه 19

الخامس: العقود والإيقاعات

وهي من ا لمملّكات على اختلافها وبها يختلف طرفي الإضافة، فالبائع يملك الثمن والمشتري يملك المثمن وتتبادل الإضافات.ويدخل فيها الهبة والإيصاء بناء على أنّه من العقود، والوقف بناء على أنّه من الإيقاعات.

السادس: الإضرار بالنفس والنفيس

من الأسباب المملكة الإضرار بالنفس والأطراف(الأعضاء) والأموال والمنافع والحقوق، فيدخل فيه الغرامات والديات التي يتملكها الإنسان في مقابل الجرائم.

اتّساع دائرة الملكية الاعتبارية حسب تطور الحضارة

كلّما اتّسعت الحضارة، اتّسعت دائرة الاعتبار، وهذا الاتّساع تارة في جانب المالك وأُخرى في جانب المملوك.
أمّا الأوّل: فيظهر في مالكية الجهة فإنّ المالك فيها ليس شخصاً خاصاً بل الجهة الخاصة القائمة بالأشخاص عبر القرون، كمالكية الفقراء للزكاة، ومالكية مقام الإمامة للحقوق الواجبة.
روى أبو علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث(عليه السلام):إنّا نُؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر(عليه السلام) فكيف نصنع؟ فقال(عليه السلام): «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه وسنة نبيّه».1 فقوله: «بسبب الإمامة» إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي للحقوق الشرعية هو منصب الإمامة المتمثّل يومذاك في الإمام الهادي (عليه السلام).

1 . الوسائل:6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث6.

صفحه 20
فقد كان عنوان المالك قائماً بالفرد الحقيقي ولكن الحضارة وسّعت ذلك إلى حد صارت العناوين والجهات القائمة بالأشخاص عبر القرون، ربما تعدّ مالكة حقيقة أيضاً.
وقد يعبر عن مالكية الجهة، بمالكية المؤسسات والجمعيات والشركات، والهدف من تشريع هذه الشخصيات الحقوقية هو أنّ أهدافها وأغراضها ومصارفها تختلف عن الهدف والغرض والمصرف الشخصي لأي فرد حتّى الأفراد القائمين بها.
نعم الشركة العادية بين شخصين لا تعتبر شخصية حقوقية وليس لها ذمة ولا متملكات، وإنّما المتملك هم الأشخاص الذين أسّسوا الشركة العادية.
وأمّا الشركات الحقوقية فلها ذمم ومتملكات على نحو لو أفلست الشركة فليس للديان حقّ إلاّ في أموال الشركة، فلو كان لأصحاب الشركة أموال في غيرها لا تتعلّق بها ديون الديّان.
أمّا الثاني: أي الاتساع في جانب المملوك، فهو نظير ما ربما يقع ما في الذمة ـ المعدوم ـ طرفاً للإضافة الاعتبارية، كما في بيع السلم. والمصحح لذلك أي كون العدم طرفاً للإضافة الاعتبارية استطاعة المُسلِف من تسليم ما تعهد به في الوقت المقرر. ومن هذا القبيل منح الامتياز وبيعه في موارد مختلفة، فمن ألّف كتاباً وأفنى فيه عمره وأبلى فيه قدراته، نراه يسمح لغيره، بطبعه ونشره في مقابل مبلغ معيّن. ويمنع غيره من طبعه ونشره.

ما هي النسبة بين المال والملك؟

إنّ النسبة بين المال والملك عموم وخصوص من وجه فملاك الأوّل رغبة الناس إلى الشيء، وملاك الثاني الاحتواء ووقوع الشيء في حيازته واختصاصه به،

صفحه 21
وعلى ضوء ذلك فقد يقع الشيء في حيازة الإنسان ولا يعدّ مالاً، لعدم وجود الرغبة فيه كالحبة من الحنطة، وربما تتعلق الرغبة بالشيء ولا يُعدّ ملكاً كحق الشفعة والتحجير، وقد يجتمعان وهو متوفر.

الجهة الثالثة:

الفرق بين الملك والحق

الحق إن أخذ مبدأً فهو بمعنى الثبوت، و إن أُخذ وصفاً للشيء فهو بمعنى الثابت، و بهذا المعنى أُطلق على اللّه سبحانه، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)1 ، فهو سبحانه حق بأفضل أنواع الثبوت، وجودٌ صرفٌ لا يخالطه العدم ولا العدمي.
وأمّا في مصطلح الفقهاء ففي تفسير الحق أقوال:

الأوّل: الحق مرتبة ضعيفة من الملك

الحق مرتبة ضعيفة من الملك وهذا ما نُسب إلى المشهور، والجامع بينهما أنّ كلاً منهما إضافة بين المالك ومتعلّقهما، وهذه الإضافة لو كانت من حيث نفسها ومن حيث متعلّقها تامّة، بأن تكون قابلة لأنحاء التقلّبات تُسمّى ملكاً، ولو كانت ضعيفة إمّا لقصور نفس الإضافة ـ كحق المرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة ـ و إمّا لقصور في متعلّقه فتسمّى حقاً، وذلك كما في الأمثلة التالية:
1. حق الخيار بناءً على تعلّقه بالعقد غير القابل لما عدا الفسخ والإجازة،

1 . الحج:62.

صفحه 22
2. حق الاختصاص بالنسبة إلى الخمر القابل للتخليل .
وعلى هذا فلو لم يكن المجعول الشرعي مستتبعاً للإضافة فليس إلاّ حكماً كالأحكام التكليفية الخمسة، وتسميته بالحق إنّما هو بلحاظ معناه اللغوي1.
فإن قلت: إنّ مقتضى كون الشيء من مقولة الملك جواز عامّة التصرفات فيه مع أنّه لا يجوز لذي الحق إلاّ التصرف المحدود.
قلت: إنّ الاختلاف رهن قوة الإضافة وضعفها، فلو كانت الإضافة تامة تستتبع جواز عامة التصرفات، ولو كانت ضعيفة يقتصر بالمقدار الميسور منها.
فإن قلت: ربّما يكون عمل الحر متعلّقاً للحق كما في حق الفسخ والإمضاء فإنّ الفسخ والإمضاء عمل لصاحب الحق، وفي الوقت نفسه متعلّق للحق، مع أنّ عمل الحر لا يملك، إذ لا يتصور أن يكون الإنسان مالكاً لمشيه وأكله وشربه. لأنّ مالكيته لعمله تكوينية، غنية عن اعتبار الملكية.
قلت: صحيح أنّ عمل الحر لا يملك، لأنّ مالكية الإنسان لعمله أمر تكويني غني عن الملكية الاعتبارية، وإنّما تتصوّر الملكية بالنسبة إلى الأعيان والأشياء الخارجة عن وجود الإنسان، وأمّا ما هو داخل في وجوده وهو مالك له تكويناً، فإنّ اعتبار الملكية في هذه الموارد أمر لغو لا يحوم حوله العقلاء.
وأمّا الفسخ والإمضاء فلهما جهتان:
الأُولى: انّ الفسخ والإمضاء بما انّ كلاً منهما عمل خارجي وفعل تكويني صادر من الإنسان كسائر الأعمال، وهما بهذا الوصف كسائر الأفعال التكوينية لا يخضعان للتملك الاعتباري، لغنائهما عنه بوجود الملكية التكوينية.
الثانية: انّ الفسخ والإمضاء ـ بمعنى حل العقد وتثبيته ـ من الأُمور

1 . منية الطالب:1/41.

صفحه 23
الاعتبارية، حيث لاحلّ حقيقة، ولا حكماً واقعاً. إلاّ في ظرف الاعتبار، وقد اعتبر العقلاء، قول المالك: «فسخت» أو «رضيت»، إنشاءً وإيجاداً في عالم الاعتبار لهذين المفهومين. فهما بهذا المعنى ـ بما أنّهما من الأُمور الاعتبارية ـ قابلان للتملّك، ويقعان متعلّقين للحق.1
فإن قلت: ربّما يضاف الحق إلى شيء لم يكن له اعتبار الملك شرعاً كحق الاختصاص بالخمر الّتي كانت خلاً قبل ذلك. وكحق الأولوية في الأرض المحجرة الّتي لا تملك بالإحياء، على المشهور.
قلت: لا نسلم عدم الملكية في هذين الموردين بالمعنى الضعيف، فالملكية الناقصة موجودة وإن لم تكن التامة منها موجودة.
هذا توضيح القول الأوّل الّذي هو خيرة المحقّق النائيني(رحمه الله). وينسب إلى المشهور.

القول الثاني: الحق من مقولة السلطنة

إنّ الملك من مقولة، والحقُ من مقولة أُخرى، ولا وجه لجعل أحدهما من مقولة واحدة.
أمّا الملك فهو اعتبار بين المالك والمملوك بما أنّه واجد له، وفي حيطته وتصرفه، إمّا تصرفاً تكوينياً أو قانونياً.
وأمّا الحقّ فهو اعتبار بين ذي الحق ومتعلّقه، بما أنّ له سلطنة في الإعمال وعدمه.
ولنذكر لذلك أمثلة هي:

1 . المناقشة والإجابة من المحقّق الإصفهاني لكن بتوضيح منا. لاحظ التعليقة على المتاجر: 10. و لا يخلو كلامه من تعقيد.

صفحه 24
1. حق القصاص، كما في قوله سبحانه:(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً).1
فقد أعطى اللّه سبحانه للولي سلطنة وضعية وصلاحية قانونية لإجراء القصاص وعدمه بالعفو عن الجاني.
2. حق الشفعة، فقد أعطت الشريعة المقدّسة للشريك، صلاحية قانونية لضمّ حصة الشريك الآخر إلى حصته بنفس القيمة.
3. حق الخيار بمعنى السلطنة على اختيار الفسخ أو الإمضاء، بمعنى أنّه فوّض لذي الخيار أحد الأمرين، فله السلطنة في انتخاب أحدهما.
وعلى ضوء ذلك فكلّ مورد كان للإنسان سلطنة على الشيء ـ إنساناً كان أو عيناً خارجية أو عملاً ـ فهو من مقولة الحق.
وهذه النظرية هي الّتي اختارها الشيخ حيث فسّر الحق بأنّه عبارة عن السلطنة مقابلاً للملك.2
فإن قلت: إنّ هناك ما يُعدّ من الحقوق وليس فيها سلطنة لذي الحق على مورده كولاية الجدّ والأب على الصغير، وحق الأولوية في من سبق إلى المسجد أو الأمكنة الأُخرى الموقوفة، وكذلك حق أولوية الإحياء في مورد التحجير. فمن سبق إلى مكان في المسجد أو الأراضي المتسعة من الموقوفات، فلا شبهة في أنّه لا يملك المسبوق إليه بوجه من الوجوه.3
قلت:إنّ ما ذكر من الأمثلة يصلح لأن يكون نقضاً للقول الأوّل حيث عدّ

1 . الإسراء:33.
2 . المتاجر:79.
3 . كتاب البيع للسيد الأُستاذ(قدس سره) :1/40ـ43 بتلخيص منّا.

صفحه 25
الحق من مراتب الملك وليس في هذه المواضع شيء منه ولو ضعيفاً، ولكنّه لا يُعد نقضاً للقول الثاني، وانّ السلطنة يختلف اعتبارها حسب اختلاف المتعلّق، فلا مانع من القول أنّ للجد والأب سلطاناً على أموال المولّى عليه ونكاحه في إطار خاص، كما أنّ للسابق إلى المساجد والموقوفات سلطاناً على ما حازه ولو سلطنة مؤقتة، وكما هو الحال فيمن كان له خلّ فصار خمراً فله سلطنة عليه في حفظه لكي يعود خلاً.
وعلى كلّ تقدير فالقول الثاني أظهر من القول الأوّل، لأنّه أنسب لمفهوم الحق والملك. وسيوافيك في نهاية الكلام في الجهة الرابعة، أنّ بعض ما عدّ من الحقوق من مقولة الأحكام، فانتظر.

القول الثالث: الحقوق اعتبارات مختلفة

ذهب المحقّق الاصفهاني(رحمه الله) إلى أنّ للحق الّذي يقابل الحكم اعتبارات مختلفة في الموارد المتشتتة، حيث قال: ويمكن أن يقال ـ و إن لم أجد من وافق عليه صريحاً ـ :إنّ الحق مصداق في كلّ مورد لاعتبار مخصوص له آثار خاصّة.
1. فحق الولاية ليس إلاّ اعتبار ولاية الحاكم والأب والجد، ومن أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرّفه في مال المولّى عليه تكليفاً ووضعاً ولا حاجة إلى اعتبار آخر، فإضافة الحق إلى الولاية بيانية (أي الحق الّذي هو الولاية)، كذلك حق التولية وحق النظارة.
2. بل كذلك حق الرهانة فإنّه ليس إلاّ اعتبار كون العين وثيقة شرعاً، وأثره جواز الاستيفاء ببيعه عند الامتناع من الوفاء.
3. وحق التحجير ـ أي المسبب عنه ـ ليس إلاّ اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر.

صفحه 26
4. وحق الاختصاص في الخمر ليس إلاّ نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخر دون اعتبار ملك أو سلطنة له وأثر الأولوية والاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير.1
أقول: الظاهر أنّ هنا اعتباراً واحداً لا اعتبارات مختلفة وليس هو السلطنة وإنّما الاختلاف في متعلّقها، فلو أراد من طرح هذه الأمثلة نفي الملك في مواردها فهو صحيح، وأمّا لو حاول نفي السلطنة فهو غير تام.
أمّا ولاية الحاكم والأب والجد فلهم سلطنة على أموال المولّى عليه ، لكن في إطار مصلحته وجواز تصرفهم في ماله من شؤون وجود السلطنة لهم عليها اعتباراً ووضعاً كما مرّ آنفاً.
وكذلك حق الرهانة فإنّ للمرتهن سلطاناً على العين لجواز استيفاء حقّه ببيعها عند الامتناع عن الوفاء، ونظيره حق التحجير فإنّ له سلطة على ما حجّر ليست لغيره إذا فرض هناك تشاحّ.
وعلى كلّ تقدير فلا مانع من إرجاع الاعتبار في هذه الموارد إلى السلطة الاعتبارية .وإن شئت قلت: السلطنة الوضعية. نعم كلّ مورد يفقد السلطنة الوضعية بل كان اعتباراً محضاً لغاية وأثر خاص فهو ليس من الحق المصطلح، بل هو حق بالمعنى اللغويّ أو عطف إلى الحق المصطلح، طرداً للباب.2
والّذي يدلّك على اعتبار مفهوم السلطنة في مفهوم الحق، هو انّ الحق تقوم بأمرين: ذي الحق ومن عليه الحق، فلا يتصور الحق المصطلح إلاّ إذا كان هناك من عليه الحق، بخلاف الملك، فهو إضافة قائمة بالمالك والمملوك عليه، ولا

1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 10ـ 11.
2 . سيوافيك الكلام في هذه الموارد في نهاية الجهة الرابعة.

صفحه 27
يتوقّف على تصوّر المملوك عليه.
وما ربّما يقال: بأنّ الملك أيضاً قد فرض في حيثيته التعليلية وجود المملوك عليه، فلو لم يكن في العالم إلاّ شخص واحد يتصرف في كلّ الأموال كما يشاء، لم يكن نكتة لفرض مالكيته لها.1
مدفوع بوجود الفرق بين «مَن عليه الحق»، و «مَن في مقابله الملك»، فالحق إضافة قائمة بين ذي الحق، ومن على ضرره الحق، بخلاف الملك فهو قائم بين المالك والمملوك لا في مقابل الآخرين . فتدبر.
وبذلك يعلم أنّ إضافة الحق إلى التحجير والحضانة باعتبار وجود أطماع في البين، يسبّب ثبوت الحق لواحد من المتشاحّين، وحرمان الآخرين عنه.

الجهة الرابعة:

في الفرق بين الحكم والحق

الحكم: عبارة عن مجعول شرعي على موضوع، زمامه بيد الشارع، وأمر وضعه ورفعه إليه.
أمّا الحق: فهو مجعول شرعي جُعل لصاحبه على نحو يكون زمامه بيده، فله الأخذ به، وله العفو، وله الإسقاط.
وإن شئت قلت: الحق سلطنة مجعولة، زمامها بيد ذي الحق، فله الاختيار على الإعمال والإسقاط; بخلاف الحكم فإنّ رفعه ووضعه بيد الشارع.

1 . فقه العقود:121.

صفحه 28
نعم كلٌّ من الحكم والحق مجعولان شرعيان لكن الجاعل وضعه على قسمين، تارةً وضعه وجعل زمام المجعول بيده فيسمى حكماً، وأُخرى وضعه وجعل زمامه بيد ذي الحق.
وبعبـارة أوضـح: أنّ الحكم تكليفاً كـان أو وضعـاً متعلّق بفعل الإنسان من حيث الرخصة فيه أو المنع عنه، أو ترتّب الأثر عليه. فجعـلُ الرخصةِ ـ مثلاً ـ حكمٌ، والشخص مورده ومحله، وفعله موضوعه. وهو لا يسقط بالإسقاط، ولا ينقل بالنواقل ـ بالبديهة ـ لأنّ أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه.
نعم الأحكام الخمسة المجعولة على فعل المكلف كلها من قبيل الحكم، كما أنّ الأحكام الوضعية من الطهارة والنجاسة والميراث وغيرها أحكام وضعية شرعية وهذا ممّا لا شكّ فيه.

نظرية وحدة الحق والحكم

ذهب المحقّق الخوئي إلى وحدة الحق والحكم، وقال في توضيحها: إنّ المجعولات الشرعية على أقسام ستة:
1. التكليف الإلزامي، كالواجبات والمحرمات.
2. التكليف غير الإلزامي، كالمستحبات والمكروهات.
3. الوضعي اللزومي الّذي يقبل الانفساخ، كالبيع والإجارة.
4. الوضعي اللزومي الّذي لا يقبل الانفساخ كالزواج فإنّه لا ينفسخ إلاّ في موارد.
5. الوضعي الترخيصي الذي يقبل الإسقاط، كحق الشفعة.
6. الوضعي الترخيصي الّذي لا يقبل الإسقاط، كالجواز في الهبة.

صفحه 29
وهذه الأُمور الاعتبارية وإن اختلفت من حيث الآثار ولكنّها تشترك في أنّ قوامها بالاعتبار المحض، فلا وجه لتقسيم المجعول الشرعي إلى الحق والحكم.1
ثمّ إنّه(قدس سره) أكمل ما رامه بالبيان التالي فقال: فاعطف نظرك هل ترى فارقاً بين جواز قتل المشرك الّذي يسمّى حكماً شرعياً وبين سلطنة وليّ الدم على قتل القاتل الّذي يسمّى حقّاً شرعيّاً لقبوله الإسقاط؟2
وقال في تقرير آخر:
وممّا يشهد لما ذكرنا من أنّ الحقّ هو الحكم بعينه أنّا لا نرى فرقاً بين الجواز الحكمي غير القابل للإسقاط في جواز قتل الكافر تكليفاً وبين الجواز الحقّي في جواز قتل الجاني قصاصاً. وهكذا لا فرق في جواز رجوع الواهب وضعاً وجواز رجوع من له الخيار في البيع مع أنّ الأوّل حكمي والثاني حقّي.3
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ كون الحكم والحق قائمين بالاعتبار المحض لا يكون سبباً لوحدة المعتبر، وإلاّ يلزم أن تكون الأقسام الستة قسماً واحداً.
ثانياً: انّ الحقّ والحكم وإن كانا من المجعولات الشرعية لكن تختلف كيفية الجعل والاعتبار، فتارة يجعل زمامه بيد الجاعل كجواز قتل الكافر حيث إنّه لا يسقط بإسقاط المكلف، وأُخرى يجعل زمامه بيد من ينتفع به على نحو يكون إسقاطه وعدمه بيده، ومع هذا الفرق الجوهري بين الاعتبارين كيف نجعلهما من

1 . مصباح الفقاهة:2/54.
2 . مصباح الفقاهة:2/46.
3 . المحاضرات:2/21.

صفحه 30
مقولة واحدة؟
وثالثاً: أنّ الاختلاف في الآثار يدلّ على اختلاف الموضوع اعتباراً ولحاظاً، فلو كانا من سنخ واحد، لكان اللازم هو الوحدة في الآثار.

أقسام الحق وأحكامه

من البحوث اللازمة التعرف على أقسام الحق وأحكامه، فإنّه حسب الظاهر من المشهور على أقسام:
1. ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل
2. ما يقبل النقل الاختياري وما لا يقبل.
3. ما يقبل التوارث وما لا يقبل.
قال السيد الطباطبائي اليزدي : الحق نوع من السلطنة على شيء متعلّق بعين، كحق التحجير وحق الرهانة، وحق الغرماء في تركة الميّت أو غيرها كحق الخيار المتعلق بالعقد، أو على شخص كحق القصاص وحق الحضانة وحق القسم، ونحو ذلك،1 ثم عدّ من أقسام الحق ما لا يقبل الإسقاط ولا النقل.
اعترض عليه المحقّق النائيني بأنّ ما أفاده السيّد(قدس سره) في حاشيته على المتن من تقسيم الحقوق أوّلاً إلى ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل، لا وجه له، فإنّ كون الشيء حقاً وغير قابل للإسقاط لا يعقل.2 وسيوافيك القضاء بين العلمين، فانتظر. وتحقيق الحق يقتضي الكلام في الأقسام الثلاثة:

1 . تعليقة السيد:1/55.
2 . منية الطالب:1/42.

صفحه 31

الأوّل : ما يقبل الإسقاط وعدمه

قد ذكر المحقّقون لما يقبل الإسقاط وما لا يقبل، ضوابط ثلاث ندرسها واحدة بعد الأُخرى:

الأُولى: مراجعة الدليل للتعرف على ما يقبل الإسقاط وعدمه

لما ذهب السيد الخوئي إلى عدم وجود الفرق الجوهري بين الحق والحكم وانّ كلا الأمرين من سنخ الحكم، اختار عدم ترتّب الأثر على التفريق بينهما وتسمية أحدهما حقاً والآخر حكماً بعد كونهما شيئاً واحداً.
وأمّا التفريق بين ما يجوز إسقاطه عمّا لا يجوز، فليس من آثار كون الأوّل حقاً والثاني حكماً، لما عرفت من عدم الفرق بين الحق والحكم، فللتعرف على ما يجوز إسقاطه عما لا يجوز، على مبناه لابدّ من مراجعة الأدلّة في شأن ذلك الحكم. فإن دلّ على جواز إسقاطه أو عدم جوازه فنتبع الدليل، ومثل ذلك معرفة ما يجوز نقله أو إرثه عمّا لا يجوز، فالمرجع في معرفة كلّ ذلك لسان الدليل لا كونه حقاً أو كونه حكماً.
هذا وقد عرفت عدم تمامية هذا المبنى وانّ الحقّ والحكم متميزان بواقعهما، فإن كان زمام الأمر بيد المكلّف فهو حق، وإن كان بيد الشارع فهو حكم. ومن المعلوم أنّ الحكم الشرعي غير قابل للإسقاط ولا النقل ولا الإرث إلاّ إذا كان هناك دليل على الخلاف.

الثانية: التفريق بين صالح ذي الحق و صالح من عليه الحق

ذكر المحقّق الإصفهاني ضابطة للتفريق بين الأمرين وقال: التحقيق أنّ قبول

صفحه 32
كلّ حق للسقوط وعدمه يتبع دليل ذلك الحكم ومناسبة الحكم وموضوعه والمصالح والحِكم المقتضية لذلك الحكم، فمثل حق الولاية للحاكم والوصاية للوصي لخصوصية كونه حاكماً شرعياً وله هذا المنصب، وأنّ الوصي لوحظت فيه خصوصية في نظر الموصي فلذا عيّنه للوصاية دون غيره. فإنّ التخصيص بلا مخصص محال من العاقل (الملتفت)،وعندئذ فنقله إلى غيره غير معقول لفقد الخصوصية، أو لوجود هذا الاعتبار له بنفسه من دون حاجة إلى النقل، كحاكم آخر.
وحيث إنّ هذا الاعتبار لمكان رعاية حال المولّى عليه والموصي لا لرعاية نفس الولي والوصي فلا يناسبه السقوط بالإسقاط.
وهذا بخلاف سائر الحقوق كحق الخيار وحق الشفعة فإنّ مصلحة الإرفاق بالبائع أو بالمشتري أو بهما معاً أوجب لهم اعتبار السلطنة على فسخ البيع وإمضائه رعاية لذي الحق لا لمن عليه الحق فله إسقاطه، وكذا الشفعة فإن تضرر الشريك ببيعه حصة شريكه ممّن لا يلائمه أحياناً أوجب جعل حق التملك من المشتري بالعوض كما في بعض الروايات المتكفّلة لحكمة التشريع. فمع تكلّفه للضرر(تحمله له) أو لعدم التضرر من باب الاتفاق صحّ له إسقاط حقّه.1
وحاصل هذه الضابطة: التفريق بين الحق المجعول لصالح من عليه الحق، والحق المجعول لصالح ذي الحق فلا يجوز إسقاط الأوّل بخلاف الثاني.
وبذلك تقف على القضاء الصحيح بين العلمين فالحق مع السيد الطباطبائي اليزدي حيث عرفت تقسيم الحق إلى ما يقبل وما لا يقبل، وأمّا كلام المحقّق النائيني فما ذكره صحيح في القسم الثاني، أعني: المجعول لصالح ذي

1 . تعليقة المحقق الاصفهاني:12.

صفحه 33
الحق، إذ لا معنى لكون شيء حقاً للشخص ومع ذلك لا يصلح للإسقاط، وأمّا القسم الأوّل فقد عرفت عدم صلاحيته للإسقاط، ولا منافاة بينه و بين كونه حقاً، إذا لم يشرع لصالح ذي الحق، بل شرع لصالح من عليه الحق، أعني: المولّى عليه.
هذا و يمكن أن يقال: بأنّ ما شرع لصالح المولّى عليه، سواء كان أمراً عاماً كالمجتمع بالنسبة إلى ولاية الحاكم، أو خاصاً كولاية الجد بالنسبة إلى الأولاد ، أشبه بالحكم الشرعي وتسميته حقاً إنّما هو بالمعنى اللغوي. وسيأتي تفصيله في الضابطة الثالثة.

الثالثة: التفريق بن الحق العام، والحق الخاصّ

وهذه الضابطة مبنية على تقسيم الحق إلى حقّ عام، وحق خاصّ والمراد من الأوّل هو الحق المجعول لصالح المجتمع أو طائفة خاصة منهم، كما أنّ المراد من الثاني هو الحقّ المجعول لصالح شخص خاص والّذي يعبّر عنه بذي الحق; فالأوّل غير قابل للإسقاط، إذ ليست الغاية من جعله حفظ مصالحه، حتّى يسقطه، بل الغاية حفظ المصالح العامّة. ولك أن تعبّر عن مثله بالحكم الشرعي الإلزامي، أو الحق العام ولا مشاحة في الاصطلاح.
ومن هذا القسم (الحق العام) الأُمور التالية:
1. ولاية الحاكم على القُصّر والغُيّب.
2. حق التولية المجعول من الواقف للمتولي على الوقف.
3. حق الوصاية المجعول من الوصي لشخص معيّن على أطفاله أو على التصرف في ثلث ماله ونحو ذلك، ممّا يكون من شؤون ولايته على الأطفال وسلطنته على نفسه أو ماله فيجعله للوصي من بعده. فالجميع لا يصح نقله ولا إسقاطه ولا توارثه.

صفحه 34

الحق العام ليس حقّاً اصطلاحياً بل حكم شرعي

إنّ الظاهر أنّ الحق العام من قبيل الحق بالمعنى الأعمّ أي ما هو المجعول شرعاً وليس من الحق المصطلح المفسّر بالسلطنة، فعدم جواز إسقاطه لأجل كونه حكماً شرعياً، لا لكونه حقاً لكن غير جائز الإسقاط. وإليك تحليل الأمثلة الثلاثة.
1. انّ معنى مسؤولية الحاكم وجوب قيامه ـ الذي هو حكم شرعي ـ برعاية مصالح القاصرين والغائبين في أموالهم ومصالح المسلمين في أُمورهم. وبما أنّ الغاية المتوخاة من الولاية لا تتحقّق إلاّ بوجوب القبول ممّن عليهم الولاية فيجب على المولّى عليهم طاعة الحاكم وامتثال أوامره، فهذا النوع من الولاية أشبه بالحكم الشرعي الإلزامي. وفي الوقت نفسه من الحقوق العامة.
2. انّ حق التولية ليس إلاّ مسؤولية ملقاة على عاتق المتولي في العين الموقوفة ومعنى مسؤوليته هو وجوب قيامه بأعمال يحافظ بها عليها من التلف والاندثار وان تصرف منافعها فيما وقفت له. ولو عُيّن للمتولي في صيغة الوقف شيئاً من الحقوق المالية فإنّما هو أُجرة مقابل الأعمال الّتي يقوم بها.وبهذا يكون حكماً شرعياً ومن مقولة الحق بالمعنى العام.
3. انّ حق الوصاية إن أُريد به انّ للموصي حقاً على الوصي بمعنى أن يتّخذه وصيّاً لنفسه، فهذا ليس حقاً بل حكماً شرعياً بمعنى أنّه يجوز له أن يتخذ الغير وصياً.
وإن أُريد به انّه حق للوصي بمعنى انّه يجوز له الردّ في حال الحياة وعدمه بعد الموت، فهذا أيضاً يرجع إلى الحكم الشرعي بمعنى انّه يجوز للوصي القبول والرد معاً في حال الحياة دون الموت. وإن لم يرد فهو حكم شرّع لا لصالح الوصي بل

صفحه 35
لمصلحة الميت وأولاده.
وبذلك يظهر أنّ الولايات على إطلاقها وشعبها من قبيل الأحكام الشرعية، فلو أُطلق عليه (حق) فهو بالمعنى العام، أي بمعنى ما ثبت شرعاً لا من الحق بالمعنى الأخصّ الّذي هو من مراتب الملك القابل للإسقاط أو من مقولة السلطنة.
وأمّا الحقّ الخاص فهو عبارة عن ما يجعله الشارع أو العرف شخصاً ذا حظ ونصيب ينتفع به بنوع من الانتفاع ويصح له رد الحق وإسقاطه، وهذا كحق الشفعة والتحجير، والقسم وغيرها ولو صحّ تعجب المحقق النائيني فإنّما يصح في هذا القسم، إذ فرض كون شيء حقاً مع القول بعدم جواز إسقاطه كأنّه جمع بين المتقابلين.
فإن قلت: إنّ الخمس والزكاة المتعلّقين بمال الغير يُعدّان حقاً لأربابهما ومستحقيهما، وهما من الحقوق بالمعنى الأخص حيث ينتفع أربابهما بهما مع أنّه لا يجوز إسقاط هذا الحق عمّن عليه، فكيف يقال: إنّ الحق الخاص وعدم جواز الإسقاط أشبه بالجمع بين المتقابلين، فالخمس والزكاة من الحقوق الخاصة ولا يجوز لصاحب الحق إسقاطهما.
قلت:إنّ الزكاة والخمس من الحقوق الشرعية، وأمّا عدم جواز إسقاطها فلأجل مانع في جانب ذي الحق، وهو انّ الحقوق الشرعية ليست حقاً قائماً بشخص الفقير الّذي يريد الإسقاط وإنّما هو حق للجهة القائمة به وبغيره من المستحقين،ولذلك لا يصحّ له إسقاط الحق، إذ أنّه ليس نائباً ولا وكيلاً عن عامة الفقراء حتّى يصحّ له الإسقاط، قال سبحانه: (إِنَّما الصَّدقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلينَ عَلَيها وَالْمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ

صفحه 36
فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)1، فقوله سبحانه: (لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِين) إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي ـ ولو شأناً ـ هو عنوان الفقر والمسكنة وإلى غير ذلك من العناوين، وليس هو متمثلاً في شخص واحد معيّن حتّى يسقط الحق بإسقاطه.2

الثاني: ما يجوز نقله وعدمه

قد عرفت الضابطة لما يجوز إسقاطه ولما لا يجوز فيقع الكلام في بيان الضابطة فيما يجوز نقله إلى الغير وما لا يجوز، فنقول: إنّ الضابطة في ذلك هو التعرف على أنّ العنوان المأخوذ في موضوع الحكم عنوان مقوّّم أو عنوان معرّف. فعلى الأوّل لا يجوز نقله وعلى الثاني يجوز.
توضيح ذلك: انّه ربما يستفاد من الأدلة أنّ العنوان المأخوذ في لسان الدليل

1 . التوبة:60.
2 . واعلم أنّه اختلفت آراء الفقهاء في كيفية تعلّق الزكاة والخمس بالمال، وربما ناهز عدد هذه الآراء العشرة.
والمختار عندنا أنّ فريضة الزكاة متعلّقة بالعين لا بالذمة ولكن تعلّقها بها ليس بنحو الملك الفعلي في العين، لا بنحو الشركة الحقيقية الّتي يعبّر عنها بالإشاعة ولا بنحو الكلي في المعيّن وإنّما هو حقّ مالي معيّن فرضه اللّه تعالى على المالك متعلّق بماله المعيّن، فهو حقّ متعلّق بماليّة النصاب لا ملكاً للمستحق في العين ـ لا بنحو الإشاعة ولا بنحو الكلّي في المعيّن ـ و لذلك فهو مخيّر بين أدائه من نفس المال أو من ماله الآخر. وبالتالي هو ملك للمستحق لكن شأناً لا فعلاً.
وإن أردنا أن نمثل له بمثال نستطيع أن نقول: إنّ تعلق الخمس والزكاة بالنصاب أشبه بإرث الزوجة من الأبنية والنخيل والأشجار فإنّه حق متعلق بماليتها، ولذلك يجب على الوارث دفع القيمة للزوجة، نعم لو أمكن دفعها من العين كما في الأشجار والنخيل جاز.
نعم فرق بين تعلّق الزكاة والخمس بالنصاب وتعلق إرث الزوجة بغير الأرض، وهو أنّ الزوجة مالكة بالفعل بالنسبة إلى الأعيان، لأنّ إرثها من المنقول بنحو الملك الفعلي فيكون إرثها من غير المنقول كذلك، وأمّا الزكاة والخمس فليسا ملكاً فعلياً بل ملكاً شأنياً.

صفحه 37
مقوم للحكم وعلّة له، وعندئذ لا يجوز نقله إلى الغير. ولنذكر على ذلك أمثلة:
1. حق الشفعة فالذي يمكن أن يتضرر أحياناً هو الشريك دون غيره، فلا معنى لنقله إلى غيره بعد ما لم يكن شريكاً له.
2. حق الرهانة فإنّ كون العين وثيقة لغير الدائن غير معقول، فنقله إلى غيره غير معقول إلاّ بتبع نقل دينه إلى غيره وعندئذ ينقل حق الرهانة أيضاً تبعاً.
3. حق القَسْم فإنّ نقله من زوجة إلى أُخرى صحيح لاتصافها بذلك العنوان وصحة استفادتها من الحق، وأمّا إلى امرأة أُخرى ليست زوجة له، فغير معقول.
كلّ ذلك يتبع كون العنوان مقوّماً ودخيلاً في الحكم والحكم دائراً مداره، يوجد بوجوده وينعدم بانعدامه.
وأمّا إذا افترضنا أنّ العنوان معرّف وعنوان مشيرٌ إلى موضوع أعم فيجوز فيه النقل، وهذا كحق التحجير فإنّه ليس فيه شيء من هذه الموانع فيصح نقله إلى غيره في مقابل الثمن.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا كان الموضوع هو العلّة التامة للحكم فلا يقبل النقل إلاّ إذا كان مثلها موجوداً في المنقول إليه. وأمّا إذا كان مشيراً إلى ما هو الموضوع، غير مقوّم للحكم فيجوز نقله إلى غيره.
الثالث: ما يورث وما لا يورث
ما ذكرنا من الضابطة في جواز النقل وعدمه هي نفسها في جواز الإرث وعدمه. فلو كان العنوان مقوّماً فمعناه أنّ الحق قائم بالشخص فلا ينتقل إلى غيره، وهذا كحق القسم فإنّه حق للزوجة بما هي زوجة، فإذا ماتت لا يتصور أن يقوم الوارث مقام الزوجة في هذا الحق، ولا تعقل استفادته من هذا الحق. وهذا

صفحه 38
بخلاف حق التحجير فقد عرفت أنّ العنوان معرّف ومشير فيرثه الوارث كما يرث أمواله وسائر حقوقه.
وحصيلة الكلام: أنّه لابدّ من ملاحظة دليل كلّ حق وما يحتف به من القرائن من الوجوه والمصالح والمناسبات.1
فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الميزان في الإسقاط وعدمه كون الحكم موضوعاً لصالح ذي الحقّ أو لأمر آخر، فيجوز إسقاطه في الأوّل دون الثاني.
وأمّا الميزان في كون الشيء قابلاً للنقل أو الإرث، فلو كان العنوان مقوّماً فلا ينقل ولا يورث. وأمّا لو كان عنواناً مشيراً فينقل ويورث.
نعم للسيد الأُستاذ(قدس سره) مناقشات في بعض الأمثلة، والظاهر عدم تماميتها، فلاحظ.2

إذا شكّ في قبول الحق للإسقاط

إذا شكّ في كون الشيء قابلاً للإسقاط والنقل وعدمه، نظير: حق الرجوع في العدة وحق النفقة على الأقارب وحق الفسخ بالعيوب في النكاح، فله صورتان:
الأُولى: أن يكون منشأ الشك احتمال كونه حكماً، لا حقّاً، فالشكّ يرجع إلى وجود الموضوع (الحق) وعدمه، ومع الشك في الموضوع لا يمكن أن يتمسّك بالعمومات كعمومات الصلح والبيع وغيرهما، وذلك لأنّ الشكّ في الموضوع، إنّما هو بمعنى هل هناك موضوع للعمومات أو لا؟
وعندئذ فالمرجع هو الأُصول العملية ومقتضاها هو عدم سقوطه بالإسقاط

1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:12.
2 . كتاب البيع:1/48.

صفحه 39
أخذاً باستصحاب بقاء ما كان قبل الإسقاط، وعلى هذا فلو شك في كون شيء حقاً أو حكماً فلا يجوز إسقاطه ولا نقله. نعم لا يثبت باستصحاب بقائه كون المشكوك حكماً لأنّه بالنسبة إليه أصل مثبت.
الثانية: إذا كان منشأ الشك ـ مع القطع بكونه حقاً ـ احتمال كونه سنخَ حق، له الإباء عن الإسقاط والنقل كحق الولاية الّتي عرفت إباءها عن الإسقاط. على القول بكونه حقّاً، فذهب المحقّق الإصفهاني إلى جواز التمسك في هذه الصورة بإطلاق دليل الصلح على سقوطه ونقله، أو بعموم أدلة الإرث لانتقاله.1
يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين الصورتين وأنّ الشكّ يرجع إلى الشبهة المصداقية في كلا المقامين.
أمّا الأوّل فقد عرفت وجهه في كلامه.
وأمّا الثاني فلأنّه خرج ما لا يقبل النقل والإرث عن تحت عمومات الصلح والبيع، فإذا شككنا في جواز نقله وعدمه يرجع الشكّ إلى أنّ المورد باق تحت العموم إذا كان قابلاً للنقل، أو خارجاً عنه إذا لم يكن قابلاً للنقل، ومعه يكون التمسك بإطلاقات أدلّة الصلح والبيع من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص.
ثمّ إنّه(قدس سره) التفت إلى هذا الإشكال وأجاب عنه بقوله: إنّ الحقّ القابل، والحقّ غير القابل عنوانان انتزاعيان من الحق الداخل تحت العموم والخارج عنه، لا أنّ العام2 معنون بعنوان القابل، والمخصص معنون بعنوان غير القابل.3
يلاحظ عليه: أنّ كون القابل وغير القابل من العناوين الانتزاعية لا يصحح

1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:12.
2 . في المصدر: (لأنّ العام) والصحيح ما أثبتناه.
3 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:12.

صفحه 40
التمسك بالعام، وذلك لأنّا نعلم أنّ عدّة من الحقوق داخلة تحت العام، وأنّ قسماً منها خارجٌ منه وداخلٌ تحت المخصص، ففي هذه الحالة نشك في أنّ هذا الحق هل هو من الحقوق الباقية تحت العام أو الخارجة عنه؟ وفي مثله لا يجوز التمسك بالعام.
ولو صحّ ما ذكره صحّ التمسك في الشبهات المصداقية للمخصص في عامة الموارد، مثلاً إذا قال المولى: أكرم العالم، ثم قال: لا تكرم الفاسق من العلماء، وشككنا في حال زيد العالم هل هو فاسق أم لا؟ فيمكن أن يقال: إنّ الفاسق وغير الفاسق عنوانان انتزاعيان من الفرد الداخل تحت العموم والخارج عنه، لا أنّ العام معنون بعنوان غير الفاسق والمخصص معنون بعنوان الفاسق، وهو كما ترى.
وبذلك يعلم أنّ تعجب المحقّق النائيني من السيد الطباطبائي في غير محله، إذ لا ملازمة بين الحق والإسقاط لما عرفت من أنّ الملاك هو كون العنوان مقوماً أو معرّفاً.
كما ظهر عدم تمامية ما اشتهر بينهم، انّ لكلّ ذي حق إسقاط حقّه، إذ لم يرد في آية أو رواية أو معقد إجماع معتبر، فليتأمل.
نعم هنا صورة ثالثة لا بأس فيها بالتمسك بالعمومات وهي ما إذا أُحرزت قابلية الحق للنقل والانتقال عرفاً وعلم أنّه ليس من سنخ الحقوق الآبية عنها، لكن نشك في وجود المنع التعبدي فيها. ففي هذه الصورة يجوز التمسك بالعمومات لإثبات صحة النقل بالعقد كالصلح، نحو قوله سبحانه:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «الصلح جائز بين المسلمين»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«المؤمنون عند

1 . المائدة:1.

صفحه 41
شروطهم» وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما ترك الميّت من حق فلوارثه»، فلو قام بالنقل أو مات صاحب الحق والحال هذه يحكم بصحّة النقل وصحّة الانتقال ببركة هذه العمومات، إذا وقع النقل بالعقد أو الصلح أو جعل شرطاً في المعاملة، وما ذلك إلاّ لأنّ قابلية الحق للنقل والانتقال عند العرف، تكون طريقاً صحيحاً إلى كونه كذلك عند الشرع.
ولذلك يصحّ التمسك بهذه العمومات عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للبيع وغيره، وذلك لأنّ البيع الصحيح عند العرف طريق إلى البيع الصحيح عند الشرع، فإذا حكم العرف بكونه مصداقاً للبيع، يحرز به كونه مصداقاً له عند الشرع فيشمله قوله: (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْع)1 ، ونظيره المقام فإذا كان الحقّ قابلاً للنقل والانتقال عند العرف، نستكشف به كونه كذلك عند الشرع فتشمله العمومات. وسيوافيك تفصيله في الجهة التاسعة فانتظر.

تنبيه

ربّما عدّت الأُمور التالية من الحقوق الخاصّة، أعني:
1. حقّ الأُبوّة.
2. حق الاستمتاع بالزوجة.
3. حق الجار على جاره.
4. حق المؤمن على أخيه.
والظاهر أنّ الأُمور المذكورة من أقسام الحكم الشرعي وليست من الحقوق، وإليك دراستها.

1 . البقرة:275.

صفحه 42
أمّا الأوّل ـ أعني حق الأُبوّة ـ: فالظاهر أنّه يرجع إلى وجوب الطاعة أو حرمة العقوق وسخط الأبوين، فهو حكم شرعي إلزامي على الولد بالنسبة إلى والديه، ثبت ـ بدليل خاص ـ احتراماً لهما وجزاءً على إحسانهما إليه.
فلو وجبت على الولد الطاعة وجب على الوالد الإحسان إلى أولاده الصغار، فيجوز له التصرف في ماله إذا كان فيه مصلحة للولد.
وفي إزاء الخدمات الّتي يقدّمها الوالد إلى الولد، أجاز الشارع للولي أن يأكل من مال ولده من غير إسراف.
روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام): أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لرجل:«أنت ومالك لأبيك» ثم قال أبو جعفر(عليه السلام):«ما أحب أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما احتاج إليه ممّا لابدّ منه، إنّ اللّه لا يحبّ الفساد».1
فالجميع في جانب الولد والوالد حكم شرعي وإن كان يتراءى أنّه من أقسام الحقوق، ولا بأس بتسميته بالحق بالمعنى العام لا الحق بالمعنى الخاص، الّذي وقفت على معناه.
وأمّا الثاني ـ أعني حق الاستمتاع بالزوجة ـ: فهو أيضاً حكم شرعي على الزوجة أن لا تمتنع عند إرادة الزوج لها إذا كان الزوج قائماً بحقوقها.
وأمّا الثالث والرابع ـ أعني: حق الجار على جاره وحق المؤمن على أخيه ـ: فكلّها من الأحكام وليست من الحقوق بمعنى الملك الضعيف، وأمّا ما ورد في الروايات من وجوب الاستحلال إذا اغتاب مؤمناً فإنّما هو لأجل المحافظة على مقام الاخوّة، لا لثبوت حق مملوك له عليه.

1 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 43

الجهة الخامسة:

في الحقوق المستحدثة

1. حق الاختراع

شاع في أيامنا هذه حقّ يسمّى بحقّ الابتكار أو الاختراع، وهذا ما أحدثه التقدّم الصناعي في عصرنا الحاضر.
وحاصله: أنّه يقوم أحد الباحثين باختراع جهاز أو آلة أو تأليف كتاب، يبذل في سبيل ذلك جهوداً مادية ومعنوية مضنية، وبذلك يقدّم شيئاً ينتفع به المجتمع انتفاعاً بالغاً، لم يكن له مثيل في السابق.
ثمّ إنّ هذا العمل يسجل في سجل الاختراعات والابتكارات باسمه، ويُمنع الآخرون من تقليده، وانتاج مثله، أو طبعه ونشره على نفس النسخة أو بنضد وترتيب آخر.
وهذا النوع من الابتكار قد اعترف به علماء الحقوق في الغرب والشرق، والغاية من الاعتراف بهذا الحق وإقراره هو تشجيع المؤلفين والمخترعين والمبتكرين للاستمرار بعملهم وتأليفهم لطمأنتهم بأنّه لا يتمكّن أحد من اقتباس عملهم، وإنّما تكون الفائدة منحصرة بصاحب الابتكار.
إنّما الكلام في مشروعية ذلك في الفقه الإسلامي، ويمكن التطرق إلى ذلك بالوجهين التاليين:

الأوّل: كون هذا الحق ارتكازياً

لا شكّ أنّ من قرأ حياة المخترعين والمبتكرين، وشاهد جهود المؤلفين

صفحه 44
وسعيهم ليل ونهار في طريق ما ينشدونه حيث لا يعرفون طعماً للراحة والاستقرار، فعند ذلك يحكم بأنّ لهم حقاً في منع الغير عن اقتباس أعمالهم وسرقة جهودهم. وهذا النوع من الحق أمر عرفي لم يردع عنه الشارع.
فإن قلت: الحقوق الّتي لم يردع عنها الشارع عبارة عن الحقوق الّتي كانت موجودة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فإذا لم يردع عنها يُحكم بمشروعيتها.
وأمّا هذا النوع من الحقّ فقد مرّ أنّه وليد التقدّم الصناعي الذي مكّن التجار والعمال من استغلال جهود السابقين بسبب الأجهزة والآلات التي اخترعت حديثاً، فعدم الردع أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
قلت: إنّ المصداق وإن كان حديثاً غير موجود في عصر الرسالة، لكن الكبرى الكلية المرتكزة ليست أمراً حديثاً، وهو أنّ المرتكز في ذهن كلّ إنسان أنّه إذا حاز شيئاً أو حفر بئراً أو غرس شجراً أو أحيا أرضاً فالجهود المبذولة في طريق ذلك لا تذهب سدى بل تُثمر وتكون نتائجها له، وهذا أمر ارتكازي لم يردع عنه الشارع ، ولذلك نرى أنّ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) قال لعبد اللّه بن زمعة: «إنّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنّما هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمينَ، وَجَلْبُ أَسْيافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاّ فَجَناةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْواهِهِمْ».1
فعندئذ نقول: ما هو الفرق بين جني الثمرة من البستان أو إحياء الأرض وبين بذل الجهود الباهظة في ابتكار جهاز للنسيج، أو تأليف كتاب كرّس مؤلّفه عمره في جمعه وتصنيفه، فالعرف يتلقّى الكل من نسيج واحد؟!
وبذلك يعلم أنّ الحقوق الاجتماعية أو الفردية الحادثة في الأعصار الأخيرة إذا

1 . نهج البلاغة، الخطبة:232.

صفحه 45
اعترف بها العقلاء في عيشهم وحياتهم فهو أمر ماض عند الشرع، لما عرفت من أنّ الاعتراف بالحقوق ليس أمراً تعبدياً بل ارتكازياً له جذور في فطرة الإنسان، ومعه لا فرق بين الحق الحديث أو القديم.
والّذي يدلّك على عدم الفرق هو أنّ الفقهاء سوّوا في تملك ما حازه الصياد بين الأسباب القديمة كالشبكة الصغيرة، وبين الآلات الصناعية الحديثة كسفن الصيد الكبيرة الّتي تخترق البحار والمحيطات وتنشر شباك صيدها الواسعة وتصطاد السمك من هنا و هناك.
كما لم يفرّقوا في إحياء الأرض بين أداة قديمة كالمعول والمسحاة، وبين إحيائها بالجرّافة وسائر المكائن الزراعية الحديثة.

الثاني: كون الاقتباس ظلماً

لا شكّ أنّ الظلم قبيح عقلاً وحرام شرعاً، وحقيقة الظلم هو التعدّي على حقوق الآخرين وأموالهم وأعراضهم وكلّ ما يمت لهم بصلة. وقد اعترفت العدلية بالتحسين والتقبيح العقليين، ومن أوضح أمثلتهما قبح الظلم وحسن العدل اللّذين لا يشكّ أحدٌ من أصحاب الفطرة السليمة في قبح الأوّل وحسن الآخر. هذه هي الكبرى الّتي أصفق العدليون على هذا الحكم فيهما.
نعم أنكرت الأشاعرة قسم العقليَّين منهما ولكنّهم اعترفوا بالشرعيين. وانّ الشارع قبّح الظلم وحسّن العدل.
وعلى كلّ تقدير فلا كلام في الكبرى، وإنّما الكلام في الصغرى فنقول: إنّ تشخيص المصاديق بيد العرف دائماً أو غالباً. ولا شكّ أنّ تسويغ حق الاقتباس والتقليد لعمل المبتكرين والمخترعين والمؤلفين بلا إذن منهم يُعدّ ظلماً لحقّهم وتضييعاً لجهودهم.

صفحه 46
فنفترض أنّ أحد دور النشر أعطت مبلغاً كبيراً لأحد الخطّاطين لكتابة المصحف الكريم ثم استخدم أصحاب الاختصاص في ضبط إعرابه وحركاته، وعلامات الوقف إلى غير ذلك، ثم عقدت اتفاقية مع أصحاب المطابع لطبعه وتجليده وعرضه إلى السوق، فمنذ أن ظهرت عدة نسخ منه بادر أحد الانتهازيين لتصويره وطبعه ونشره وباعه بقيمة أرخص من قيمة الأصل أو بمثلها. فلا شكّ أنّ من له طبع سليم يُقبّح عمل الثاني ويؤنبه ويصفه بالتعدي والعدوان على حقوق الآخرين.
نعم كان سيدنا الأُستاذ (قدس سره) لا يعترف بهذا الحق، وقد بقي على هذا الرأي إلى أُخريات حياته(قدس سره).

2.حق السرقفلية

شاع في زماننا حق باسم «السرقفلية» وحقيقته انّه إذا استأجر رجل حانوتاً أو محلاً للتجارة وانتهت مدة الإجارة، فلو حاول المالك إخراجه فالمستأجر يطالب بالسرقفلية وانّه لا يترك المحل إلاّ بأخذ مبلغ خاص يتفاوت باختلاف الأماكن.
أو يؤجّر المحل من مستأجر اخر ويأخذ منه ذلك المبلغ إمّا بإذن المالك أو بلا إذنه، والقانون الوضعي نطق بأنّه لا يتركه إلى الغير إلاّ بإذن المالك.
وعلى كلّ تقدير فقد صار هذا الحق أمراً دارجاً أكبّ عليه عامة المستأجرين من متدينيهم وغيرهم.
فهل هذا الحقّ له مبدأ شرعي أو لا؟
أقول: إنّ مقتضى القواعد أنّه إذا انتهت مدة الإجارة فعلى المستأجر ترك ما استأجره بلا طلب عوض. إنّما الكلام في إمكانية تصوير نوع حق للمستأجر عند تركه للمحل أو دفعه إلى شخص آخر؟

صفحه 47
يمكن القول بوجود حق للمستأجر في صور خمس هي:
الأُولى: لو اشترط المستأجر على صاحب الدار في ضمن عقد الإجارة بأنّه لا يترك هذا الحانوت إلاّ إذا أخذ من المالك ما هو المرسوم في تسليم هذه المحلات لأصحابها. و لم يدفع عند الإيجار مبلغاً للمالك باسم السرقفلية.
الثانية : تلك الصورة ولكن دفع إلى المالك مبلغاً باسم السرقفلية وبالتالي تملّك ذلك الحق، فيجوز له أن لا يترك المحلّ إلاّ بعد أخذ ما هو المرسوم في تسليمه.
الثالثة: إذا اشترط على الموجر في ضمن عقد الاجارة بأنّ له حق إيجار المحل من شخص آخر عند انتهاء الإجارة، ثم إنّه يؤجره منه ويشترط عليه أن يعطيه مبلغاً إضافة إلى الأُجرة الّتي يدفعها إلى المالك.
الرابعة: يشترط على المالك إيجاره للغير قبل انتهاء مدة الإجارة ثمّ إنّه يؤجره من شخص آخر بنفس المبلغ ولكن يشترط على المستأجر الثاني دفع مبلغ عند الإيجار، مقابل فسخ المدة المتبقية من وقت الإجارة.
الخامسة: لو كان الخان أو الحانوت غير معروف بين الناس إلاّ أنّ المستأجر بذل جهوداً حتّى عَرَفَهُ الناسُ إلى حدّ أصبح يتقاطرون عليه في عامّة الأوقات بحيث خرج المحل عن كونه غير معروف وصار محلاً مرغوباً، فعندما تنتهي الإجارة فللمستأجر أن يطلب من المؤجر حقاً مقابل القيمة الإضافية الّتي أوجدها المستأجر في هذا المكان، على وجه لو حلّ شخص آخر محله لانتفع من جهوده السابقة بعد ما لم يكن لهذا المحل تلك السمعة، وهذا يُعدّ حقاً معروفاً باسم حق المهنة والكسب فله أن يطلب عنه مبلغاً في مقابل ما اكتسبه من قيمة إضافية لا بعنوان السرقفليّة.

صفحه 48
وبأحد هذه الوجوه يمكن تصحيح السرقفلية الرائجة في أعصارنا هذه. واللّه العالم

الجهة السادسة:

العقد والعهد

لغة، كتاباً واصطلاحاً

إنّ من الألفاظ الرائجة في لسان الفقهاء لفظتي العقد والعهد، انطلاقاً من قوله سبحانه:(يَا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ).1
وقوله سبحانه:(وَأَوفُوا بِالْعَهْدِ).2
فلذلك نوضّح معنى العهد والعقد في اللغة أوّلاً ، وفي الكتاب ثانياً، ومصطلح الفقهاء ثالثاً.

العقد نقيض الحلّ لغة

العقد في اللغة نقيض الحلّ، وقد ذاع وشاع قولهم: أهل الحل والعقد. وفي اللسان: العقد نقيض الحل، وقالوا للرجل إذا لم يكن عنده غناء: فلان لا يعقد الحبل، أي أنّه يعجز عن هذا على هوانه وخفته، والعُقَد جمع عقدة.3وتفسيره بالشدّ غير صحيح، لأنّه عبارة عن توثيق العقد يقال: شدّ العقدة قوّاها وأوثقها.4

1 . المائدة:1.
2 . الإسراء:34.
3 . لسان العرب:2/296، مادة «عقد».
4 . المنجد، مادة «شدّ».

صفحه 49
وأمّا قوله سبحانه: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الأَيْمان)1 فعقد الأيمان مقابل للغوها، كما يقول:لا واللّه وبلى اللّه بلا التزام. وهذا ما لا يجب حفظه بخلاف ما لو عقد الأيمان. والجملة كناية عن المبالغة في العقد الذي يناسب معنى الشد، فلو صحّ تفسير العقد بالشد فإنّما يصحّ في المضاعف لا مطلقاً.

العقد في الكتاب

اختلفت كلمتهم فيما هو المراد منه في الآية المباركة، فقد ذكر الطبرسي أقوالاً:
أ. المراد بها العهود الّتي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضاً فيها على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمهم أو بغاهم سوءاً.
ب. العقود الّتي أخذ اللّه سبحانه على عباده بالإيمان به وطاعته في ما أحل لهم ( الطيبات) أو حرّم عليهم (الخبائث)(كلاهما مرويان عن ابن عباس).
ج. العقود الّتي يتعاهدها الناس بينهم ويأخذها المرء على نفسه، كعقد النكاح والبيع. (نقله عن ابن زيد).
د. انّ ذلك أمر من اللّه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به من عند اللّه.
ثمّ قال: وأقوى الأقوال القول الثاني و انّ المراد بها عقود اللّه الّتي أوجبها على العباد بالحلال والحرام والفرائض والحدود.
ثمّ قال: فيدخل في ذلك جميع الأقوال الأُخر، فيجب الوفاء بجميع ذلك.2

1 . المائدة:89.
2 . تفسير جوامع الجامع:1/528.

صفحه 50
يلاحظ على بعض هذه الأقوال:
أمّا على الأوّل: فلأنّه لا وجه لتخصيص العقود الّتي عقدها المسلمون في عصر الجاهلية.
كما يلاحظ على الرابع بأنّه خلاف ظاهر الآية، لأنّ الخطاب للمؤمنين لا لأهل الكتاب.
فبقي القول الثاني الّذي هو أعمّ من الثالث، فقد رجّحه الطبرسي على الثالث وجعله أقوى الأقوال لسعة مفهومه ومضمونه.
ولكن يمكن أن يقال برجحان القول الثالث على الثاني بوجهين:
1. انّ اللام في قوله بالعقود عوض عن المضاف إليه، كأنّه قال: «أوفوا بعقودكم» فتختصّ بالعقود الّتي يعقدها المؤمنون بعضهم مع بعض، كالبيع والإجارة والنكاح وغير ذلك.
ويشهد على ذلك قوله سبحانه:(أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ).1
وقوله:(وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ).2
2. استدلال الفقهاء عبر القرون بالآية على لزوم الوفاء بالعقود الدارجة بين الناس كالنكاح والبيع والإجارة، فالاستدلال بالآية على العقود الّتي يعقدها الناس بعضهم مع بعض أوفق بمضمون الآية.

العقد في مصطلح الفقهاء

وقد عُرّف العقد ببعض التعاريف نذكر منها:
1. قال المحقّق الإصفهاني: العقد في اصطلاح الفقهاء ارتباط أحد القرارين

1 . البقرة:237.
2 . البقرة:235.

صفحه 51
بالآخر من الموجب والقابل.1
2 . وعرّفه السيد الخوئي بقوله: شدّ أحد الالتزامين وعقده بالآخر.
يلاحظ عليهما: أوّلاً: أنّهما يشملان القسم الصحيح والفاسد، ولا يختصان بالصحيح، كما أنّ الأولى تبديل الشد بالوصل لما مرّ..
ولو أنّهما أضافا إلى هذين التعريفين جملة: «على وجه مؤثر» لاختصّ التعريف بالصحيح ولا يعم الفاسد.
ولذلك عرّفه بعضهم بالنحو التالي:
ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله.2
ثانياً: أنّ التعريف الثاني يُعرّف العقد بارتباط أحد القرارين بالآخر ولا يشير إلى السبب الّذي يربط بينهما. فلو أُضيف إلى التعريف جملة «بالإيجاب والقبول» ونحوهما من الأسباب الفعلية لكان التعريف أوضح وأتم.
ثمّ إنّ المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي واضحة جداً لما قلنا من أنّ العقد في اللغة هو نقيض الحلّ، فإذا حصل ربط بين الحبلين يقال عقدهما ويقال: عقَد الخيط جعل فيه عقدة. وكأنّ الإيجاب والقبول بمنزلة حبلين منفصلين فيتصلان بالعقدة التي يعبر عنها في اللغة الفارسية بـ«گره». غير أنّ العقد بين الحبلين تكويني وخارجي ولكنّه بين الإيجاب والقبول اعتباري.
وبذلك يظهر أنّ تفسير العقد بالعهد أو بالشدّ تفسير غير صحيح، والعقد غير العهد كما سيوافيك بيانه، كما أنّ «الشدّ» وصف للعقد فإنّ العقد تارة يكون ضعيفاً وتارة يكون شديداً.
هذا كلّه حول العقد، وبما أنّ العقد ربّما يفسر بالعهد نذكر شيئاً حوله.

1 . تعليقة السيد:35.
2 . الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: 1، الفقرة 132.

صفحه 52

تفسير العهد

الظاهر أنّ العهد غير العقد، إذ الأوّل عبارة عن جعل شيء في الذمة وتقبله، سواء أكان الجاعل هو نفس المتعهد كما في النذر، مثل قوله: عاهدت اللّه أن أفعل كذا، وقوله سبحانه: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ أتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ).1 أو كان الجعل من غيره، كما في قوله تعالى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْراهيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفينَ).2
فإذن العقد غير العهد، نعم ربّما يستعار العقد للالتزام والعهد لأجل الأثر الموجود في العقد، أعني: الإبرام وعدم الانفصال، فما ربّما يقال من أنّ العقد هو العهد المشدّد ناش من خلط المعنى اللغوي بالمعنى الاستعاري المجازي.

تقسيم العقد إلى إذني وعهدي

قسم المحقّق النائيني(رحمه الله) العقد إلى قسمين أسماهما بالإذني والعهدي، فقال: أمّا العقود الإذنية فتسمّى عقوداً لأنّها ترتبط بشخصين لا أنّ فيها عهداً وعقداً، فقوله عزّ من قائل: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ) لا يشمل هذه العقود، لخروجها عنه تخصّصاً.
وبالجملة ما كان قوامه بالإذن ومجرد رضا ولي الأمر ومالكه لا يكون فيه عهدٌ والتزام وهذه كالوديعة والعارية بناء على أن يكون مفادها الإباحة المجانية.
ثمّ قال: قد يكون العقد مركباً من عهدي وإذني باعتبار مدلوله المطابقي والالتزامي، كالإجارة فإنّها تدخل من جهة تمليك المنفعة بالعوض في العهدية، ومن جهة تصرف المستأجر في العين في باب الأمانات المالكية الّتي ترجع جميع

1 . التوبة:75.
2 . البقرة:125.

صفحه 53
العقود الإذنية إليها.1
يلاحظ عليه أوّلاً: بما عرفت من أنّ اعتبار العقد غير اعتبار العهد، والعقد ربط قرار بقرار آخر، وأمّا العهد فهو جعل شيء في الذمة وتقبله سواء كان الجاعل نفس المتعهد أم غيره، فتقسيم العقد إلى إذني وعهدي تقسيم غير تامّ، إذ ليس في العقد شيء من العهد، نعم ربّما يمكن استعارة العقد للعهد، بجامع أنّ كلا الأمرين فيهما شدّ لا ينفصم بسهولة.
نعم روى العياشي في تفسيره عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن قول اللّه عز وجل: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ) قال: «العهود».2 فعلى هذا فيختص العقد بالعهد.
ولكن الرواية ضعيفة بالإرسال، حيث حذف مستنسخ التفسير سند عامة روايات المؤلف إلى الراوي عن الإمام، فلا يحتج به، ولو صحّ تفسير العقود بالعهود يلزم سدّ باب الاستدلال بالآية في أبواب المعاملات، وهو على خلاف المشهور بين الفقهاء.
وثانياً: أنّ العقد كما عرفت عبارة عن وصل أحد الحبلين بالآخر، واستعير لربط أحد القرارين بالقرار الآخر. وبما أنّ العقود الإذنية يكفي فيها العلم بالإذن بالتصرف فليس هناك قرار موصول بقرار آخر إلاّ إذا كان هناك إيجاب وقبول فيصدق عندئذ العقد.
وثالثاً: أنّ تسمية الإجارة بالعقد المركب من العهد باعتبار تمليك المنفعة، ومن الإذن باعتبار كون العين أمانة مالكية، تحليل غير تام، لما حقّق في محله أنّ الإجارة

1 . منية الطالب:1/33، طبعة النجف الأشرف.
2 . تفسير العياشي:1/289.

صفحه 54
ليست من قبيل تمليك المنفعة، بشهادة أنّه لا يقال: ملّكت منفعة الدار، بل هي عبارة عن تسليم العين للمستأجر في مقابل الأُجرة مدة معينة لغاية الانتفاع بمنافعها، سواء انتفع أم لا، فكون العين أمانة مالكية للانتفاع ، لازم تسليم العين لغاية الانتفاع، فليس جزءاً لمدلول العقد.

الجهة السابعة:

في تعريف البيع

اختلفت أنظار العلماء ـ قدس اللّه أسرارهم ـ في تعريف البيع، فقد عرّفه صاحب المصباح بأنّه: مبادلة مال بمال، وعرّفه الشيخ الطوسي في المبسوط بأنّه: انتقال عين من شخص لآخر بعوض مقدر.
ولمّا كان الانتقال ثمرة البيع ونتيجته، عدل آخرون إلى تعريفه بتعاريف أُخرى، فقد عرفه المحقّق الثاني بأنّه: نقل عين بالصيغة المخصصة.
وعرّفه الشيخ الأعظم في متاجره بأنّه: إنشاء تمليك عين بمال.
وقد أطالوا الكلام في النقض والإبرام بما لا حاجة للتعرض للإشكالات وما قيل في أجوبتها، فالأولى عطف عنان الكلام إلى تمهيد مقدمة يتضح بها حال جميع التعاريف وإليك بيانها.

المفاهيم وأقسامها

تنقسم المفاهيم إلى أقسام أربعة:
الأوّل: المفهوم الذي له مصداق خارجي، سواء أكان قائماً بنفسه كالجواهر أو قائماً بغيره كالأعراض، وهذا ما يعبر عنه بالحقائق.

صفحه 55
الثاني: المفهوم الّذي ليس له موطن إلاّ الذهن بحيث لو خرج عن الذهن لأصبح معدوماً، كالإنسان الكلي، فالإنسان بما هو كلي لا وجود له إلاّ في الذهن، وإلاّ فالإنسان الخارجي جزئي. وقد اشتهر انّ الوجود مدار الوحدة والتشخّص.
الثالث: المفهوم الانتزاعي الّذي ليس له مصداق في الخارج حتى ينطبق عليه انطباق الجواهر والأعراض على مصاديقها، ولكن له منشأ انتزاع بمعنى اشتمال المنشأ على حيثية وجودية تُصحح انتزاع هذا المفهوم منه، وهذا كالأُبوّة إذ ليس لها مصداق في الخارج بالمباشرة، ولكن تخلق الولد من ماء الوالد يكون مصححاً لانتزاع مفهوم الأُبوة منه.
الرابع: المفاهيم الاعتبارية التي يعتبرها الذهن لمصالح اجتماعية أو آثار شرعية وعرفية وليس لها واقعية إلاّ نفس الاعتبار، مثلا تعتبر المرأة الهندية زوجة للرجل العربي مع الفارق الكبير الذي بينهما من حيث الثقافة واللسان والأخلاق، فالأُمور الاعتبارية ليست من الجواهر ولا من الأعراض ولا من الانتزاعيات وإنّما قوامه باعتبار المعتبر ولحاظ اللاحظ غاية الأمر يشترط في اعتبارها عقلاً وعرفاً أن يكون لها أثر في المجتمع وإلاّ فتصبح من الموهومات، فالزوجية من الاعتبارات العقلائية، أمّا اعتبار إنسان له مائة رأس فهو من الأُمور الوهمية.
فإذا كان الأمر الاعتباري أمراً قائماً بالتصور واللحاظ، يكون ـ عندئذ ـ فاقداً للجنس والفصل وإن كان غير فاقد للآثار العرفية والشرعية، فإذا كان فاقداً للجنس والفصل يكون فاقداً للذات والذاتي، إذ كلّ ذلك فرع أن يكون المفهوم مأخوذاً من الخارج ومنطبقاً عليه، والمفروض أنّ الأمر الاعتباري يفقد ذلك، فليس له جنس ولا فصل ويترتّب عليه أنّه ليس له ماهية ولا حدّ تام ولا حدّ ناقص، إذ كل ذلك من آثار المفاهيم المأخوذة من الخارج، فاشتمال الخارج على

صفحه 56
المادة والصورة يكون مبدأ لاشتمال النوع على الجنس والفصل.
نعم ربما يفرض للأمر الاعتباري مفهوم عام بمنزلة الجنس ومفهوم خاص بمنزلة الفصل، ولكنّهما ليسا بجنس ولا فصل.
وبذلك ظهر أنّه لا يمكن تعريف الأمر الاعتباري بالجنس والفصل ولا بالحدّ التام ولا بالحدّ الناقص، غاية ما يمكن يصحّ اعتبار شيء لعمومه بمنزلة الجنس، وكما يصحّ اعتبار شيء آخر لأخصيته فصلاً، كلّ ذلك تنزيلاً لا تحقيقاً.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ واقع البيع ـ الاعتباري ـ عبارة عن ربط قائم بين المالين، مقابل الصلح الّذي هو ربط بين الشخصين، قال سبحانه: (إِنّما المُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)1 ترى أنّ اللّه سبحانه يركز في الصلح على أنّه أمر قائم بين أخوين، بعكس البيع فإنّه ربط بين المالين ، ولا يذكر فيه شيئاً من الطرفين، قول سبحانه: (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا). ولعلّ ما ذكره المصباح أوضح التعاريف وانّ البيع مبادلة مال بمال. وإن شئت قلت: ربط قائم بين المالين.
ولما كان الربط المذكور محتاجاً إلى السبب، فقد قسموا السبب إلى لفظي كالعقد، وفعلي كالمعاطاة.
فإن قلت: الهبة المعوضة أيضاً من مقولة مبادلة مال بمال أو ربط قائم بين المالين فليس التعريف جامعاً.
قلت: إنّ البيع يغاير الهبة المعوضة في عالم الاعتبار، وإن كانت النتيجة واحدة، فالبيع هو المبادلة بين المالين وجعل أحدهما بإزاء الآخر بأن تكون العوضية

1 . الحجرات:10.

صفحه 57
فيه ملحوظة ولا يكون بلا عوض، وأمّا الهبة فالعوض فيها ليس في مقابل المال بل في مقابل الفعل، لأنّ الرجل لما قام بتكريم رجل بهدية، صار ذلك سبباً لقيام الآخر بإهداء شيء في مقابل تكريمه وتبجيله، وبذلك سُمّي أحدهما بيعاً ومبادلة، والآخر هبة وهدية ولذلك يقول:أهِبكَ لهبتِك إلي.

تقييم

هذه التعاريف الماضية تبيّن لنا واقع البيع الاعتباري في مقابل الصلح والهبة، فكلّ يغاير الآخر حسب الاعتبار.
وأمّا التعاريف الأُخرى فكلّ واحد منها يشير إلى جانب من جوانب البيع ولوازمه، مثلاً لمّا كانت حقيقة البيع هي الربط بين المالين بجعل أحدهما في مقابل الآخر، عبّر عنه صاحب المصباح بأنّه: مبادلة مال بمال. ولمّا كان لازم الربط بين المالين كون المشتري مالكاً للمبيع عرّفه الشيخ بأنّه: عبارة عن إنشاء تمليك عين بمال. ولمّا كان لازم الربط بين المالين هو انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع عرّفوه بانتقال عين من شخص إلى آخر، فالجميعُ يُشير إلى ناحية أو أثر من آثار هذا الأمر الاعتباري، دون أن يكون المعرّفون مختلفين في حقيقته وواقعيته الاعتبارية.

نظرة في تعريف الشيخ

إنّ الشيخ الأنصاري بعد أن ناقش الكثير من التعاريف قال: فالأولى تعريفه: «بأنّه إنشاء تمليك عين بمال»، ثم صار بصدد دفع الاعتراضات المتوجهة إليه، ولكن يمكن المناقشة فيه بوجهين:
الأوّل: إنّ لفظ البيع موضوع للماهية الاعتبارية من دون دخل للوجود فيه، كما

صفحه 58
هو الحال في الحقائق التكوينية، وعلى ذلك يكون أخذ لفظ (الإنشاء)أمراً زائداً، لأنّ الإنشاء آلة إيجاد الماهية الاعتبارية وليس جزءاً منها، فالأفضل أن يقول: تمليك عين بمال.
وبعبارة أُخرى: انّ حقيقة كلّ معاملة اعتبارية تنشأ بالإنشاء، فلو كان الإنشاء جزءاً لها يلزم ـ عند إجراء الصيغة ـ إنشاء الإنشاء.
الثاني: انّ الالتزام بالتمليك في قسم من الموارد أمر مشكل أشار إليه المحقّق الإصفهاني في تعليقته، وإليك هذه الموارد:
1. بيع العبد على من ينعتق عليه فإنّ الإنسان لا يملك العمودين.
وما ربما يقال من أنّ المشتري يملك آناً ما ثم ينعتق، غير صحيح، لأنّه إذا امتنع تحقّق المالكية في زمان طويل يمتنع كذلك في زمان قصير.
2. بيع الدين على مَن هو عليه، إذا لا يعقل أن يملك الإنسان ما في ذمة نفسه ولأجل ذلك يسقط، فمانع البقاء مانع الحدوث.
3. بيع العبد من نفسه1 ، فإنّ اتحاد المالك والمملوك ممتنع عندهم.
4. شراء العبد تحت الشدّة من الزكاة، فإنّ المشتري ـ سواء أكان من عليه الزكاة أو كان الحاكم الشرعي ـ وإن كان له حق التصرف والولاية على الشراء ، لكنّهما لا يملكان الرقبة.
5. شراء الآلات للمسجد من الزكاة فإنّه لا يملك تلك الآلات أحدٌ لعدم الموجب.
6. البيع بإزاء سقوط الحق، حيث لا معنى لحصول التمليك أو التبدل بلحاظ الملكية من الطرفين.

1 . يريد بذلك إذا كان الوارث عبداً فيشتري من التركة كما سيأتي بيانه .

صفحه 59
فالالتزام بالتمليك الحقيقي في هذه الموارد لا يخلو عن تكلّف.1
أقول: يمكن الإجابة عن الإشكال الوارد على الشيخ بالنحو التالي:
وهو: انّ الموارد المذكورة على قسمين:
الأوّل: ما هو من مقولة البيع حقاً ويتصوّر فيه التمليك.
الثاني: ما هو بيع صوري والغاية هي الإسقاط لا المبادلة الواقعية. وإليك البيان.
أمّاالأوّل فكالأمثلة التالية:
1. يتصور التمليك في بيع العبد على من ينعتق عليه، إذ لا مانع من الالتزام بأنّ المشتري يملك أحد العمودين آناً ما حقيقة ثم ينعتق عليه بحكم الشرع، وما ذكره (قدس سره): من أنّه«إذا امتنع تحقّق المالكية في زمان طويل يمتنع كذلك في زمان قصير» ليس بتام، فإنّ امتناع مالكية أحد العمودين ليس أمراً عقلياً حتّى لا يجوز فيه التفريق بين الزمن الطويل والقصير، وإنّما هو حكم شرعي مجعول من اللّه سبحانه لرعاية كرامة الوالدين، فمنع المشتري من أن يملك أباه أو أُمّه في حياته لغاية أن لا يكون له استعلاء عليهما، وهذا الملاك غير موجود في الزمان القصير الّذي اعتبرت فيه المالكية حفظاً للقواعد حتّى يترتب عليها الانعتاق، ويؤيد ما ذكرنا ورود النصوص بالتملّك وهي:
أ. روى الشيخ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال:«إذا ملك الرجل والده أو أُخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أُخته ـ و ذكر أهل هذه الآية من النساء ـ عُتِقُوا جميعاً، ويملك عمه وابن أخيه وابن أُخته والخال، ولا يملك

1 . تعليقة المحقّق الإصفهاني على متاجر الشيخ:16.

صفحه 60
أُمّه من الرضاعة، ولا أُخته ولا عمّته ولا خالته(فإنّهن) إذا مُلِكْن عُتِقَنَ».1
فترى أنّه(عليه السلام) يثبت الملكية للمشتري فيقول: (إذا مُلِكْن عتقن). والمراد من قوله:«ولا يملك أُمّه من الرضاعة و...» انّه لا يملكها كسائر الإماء والعبيد الأجانب، لا أنّه لا يملكها ولو في جزء يسير من الزمان.
ب. وروى الشيخ أيضاً عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: سمعته(عليه السلام)يقول:«لا يملك ذات محرم من النساء، ولا يملك أبويه، ولا ولده»، وقال: «إذا ملك والديه، أو أُخته، أو عمّته، أو خالته، أو بنت أخيه ـ وذكر أهل هذه الآية من النساء ـ أُعتقوا، ويملك ابن أخيه، وخاله، ولا يملك أُمّه من الرضاعة، ولا يملك أُخته، ولا خالته، إذا ملكهم عتقوا».2
ج. وروى الكليني عن عبدالرحمن بن عبداللّه قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الرجل يتّخذ أباه أو أُمّه أو أخاه أو أُخته عبيداً؟ فقال(عليه السلام):« أمّا الأُخت فقد عتقت حين يملكها، وأمّا الأخ فيسترقّه، وأمّا الأبوان فقد عتقا حين يملكهما».3
2. شراء الآلات للمسجد من الزكاة إذ لا مانع من اعتبار مالكية عنوان المسجد الّذي مرجعه إلى مالكية الجهة وهو أمر عقلائي دارج.
وحصيلة الكلام: أنّ الملكية أمر اعتباري فلا مانع من أن تقوم بعنوان اعتباري عقلائي يترتب عليه الأثر، ولا يجب أن يكون المالك ذا عقل وشعور وقد ورد في الشريعة نظيره.
روى الكليني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): أنّ المنصور سأله عن رجل قطع رأس رجل بعد موته؟ فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «عليه مائة دينار ـ إلى أن قال: ـ ليس

1 . الوسائل:12، الباب4 من أبواب بيع الحيوان، الحديث1.
2 . الوسائل:16، كتاب العتق، الباب7، الحديث7.
3 . المصدر نفسه، الحديث5.

صفحه 61
لورثته فيها شيء، إنّما هذا شيء أُوتي إليه في بدنه بعد موته يُحجّ بها عنه أو تصدق بها عنه أو تصرف في سبيل من سبل الخير».1
وأنت ترى أنّ الميت يملك ديته وهو موجود غير شاعر، ولكن اعتبر مالكاً لغاية ترتب الأثر عليه وهو صرفه في سبيل الخير، وهذا يؤيد أنّه لا يشترط في المالك الشعور والعقل، فالجهات كلّها تصير مالكة وإن كانت غير شاعرة ويكفي شعور مَن يدبرها ويديرها.
3. شراء العبد تحت الشدّة إذ لا مانع من مالكية الحاكم لما يشتريه بالولاية لغاية انعتاقه، والقول بأنّ الحاكم لا يملك صحيح إذا أُريد به شخصه، وغير صحيح إذا أُريد به عنوانه أي عنوان الولاية على المجتمع.
4. بيع العبد من نفسه فإنّ واقع ذلك يرجع إلى مالكية الحاكم، لأنّه يتصدّى لشراء العبد بما ورثه العبد، مثلاً إذا ورث العبد من مورثه الحرّ مالاً، وبما أنّ العبد لا يملك شيئاً ، هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ شراء العبد من مال مورثه حادثة لم يُسمّ القائم بها، وكلّ حادثة كانت كذلك فالمرجع فيها هو الحاكم، فالحاكم يشتري العبد بالثمن الّذي ورثه فيملكه ولاية ثم يعتقه.
ففي هذه الأمثلة يمكن القول بحصول التمليك.
أمّا القسم الثاني فهو انّ ظاهر القضية هو البيع ولكن التعبير به، تعبير مجازي و الواقع غير ذلك كما في الصورتين التاليتين:
1. إذا ابتاع كلياً مؤجلاً بثمن حالّ، فإذا حلّ الأجل يجوز للمشتري بيع ما في ذمّته (الكلي من الحنطة) عليه، وظاهره وإن كان هو البيع ولكن الحقيقة هو إسقاط ما في ذمّة البائع في مقابل الثمن الّذي يأخذه منه، الّذي ربما يكون أكثر

1 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 62
ممّا دفع إليه في عقد السلم، أو أقل.
2. البيع بإزاء سقوط الحق كما إذا باع حق الشفعة لشريكه فإنّه بظاهره صورة بيع وإنّما واقع الأمر هو إسقاط حقه في مقابل شيء.
فصارت النتيجة: انّ الموارد المنقوضة بين ما يصحّ فيه تصور التمليك فهو من باب البيع حقيقة، وما لا يصحّ فهو ليس بيعاً حقيقياً وإنّما الغاية منه شيء آخر.
ومع ذلك فالتمليك خارج عن حقيقة البيع لما عرفت من أنّ البيع حقيقة في الربط بين المالين ومبادلة أحدهما بالآخر. نعم لازم ذلك تمليك المبيع للمشتري والثمن للبائع، فمن أخذ التمليك في تعريف البيع فقد أخذ لازمه فيه.

هل القبول داخل في حقيقة البيع أو لا؟

نقل الشيخ الأعظم عن الشيخ كاشف الغطاء أنّه عرّف البيع: بتمليك العين بشرط تعقبه بتملك المشتري، ثمّ قال : و إليه نظر بعض مشايخنا حيث أخذ قيد التعقب بالقبول في تعريف البيع المصطلح، ثمّ ذكر لذلك الأخذ وجهين:
1. تبادر التمليك المقرون بالقبول من اللفظ.
2. صحّة السلب عن المجرد، إذ لا يقال: باع فلان ماله إلاّ بعد أن يكون قد اشتراه غيره.
ولكن الظاهر من الشيخ خروج القبول عن ماهية البيع، فقال: أمّا البيع بمعنى الإيجاب المتعقب للقبول فالظاهر أنّه ليس مقابلاً للأوّل(تعريف نفس الشيخ) وإنّما هو فرد انصرف إليه اللفظ في مقام قيام القرينة على إرادة الإيجاب المثمر إذ لا ثمرة في الإيجاب المجرد فقوله المخبر «بعت» إنّما أراد الإيجاب المقيّد، فالقيد مستفاد من الخارج لا أنّ البيع مستعمل في الإيجاب المتعقب للقبول. نعم

صفحه 63
تحقّق القبول شرط للانتقال في الخارج لا في نظر الناقل، إذ الأثر لا ينفك عن تأثير المؤثر، فالبيع وما يساويه من قبيل الإيجاب والوجوب لا الكسر والانكسار كما احتمله بعض، ومنه يظهر ضعف أخذ القيد المذكور في معنى البيع المصطلح، فضلاً عن أن يجعل أحد معانيها.1
يلاحظ عليه: أنّ حقيقة البيع هو الربط بين المالين بمبادلة أحدهما مكان الآخر. والألفاظ موضوعة لنفس الماهية، سواء كانت مقولية كالإنسان أو اعتبارية كالبيع من دون دخل للوجود فيها فكما أنّ (الإنسان هو الحيوان الناطق) والوجود خارج عنه، فكذلك البيع فهو الربط بين المالين وتبادل موضعهما، وأمّا الإيجاب فضلاً عن القبول فهما ـ بوصف الجمع ـ آلة لإيجاد هذا المفهوم الاعتباري، فالإيجاب ليس داخلاً في حقيقة البيع فضلاً عن القبول، هذا من جانب وأمّا من جانب آخر: أنّ الأُمور الاعتبارية لا يترتّب عليها الأثر إلاّ بإيجادها وإنشائها في عالم الاعتبار، ومن المعلوم أنّ إيجاد الربط بين المالين وإيجاد المبادلة رهن وقوع الإيجاب من البائع والقبول من المشتري، وعلى ضوء ما ذكرنا فالحقّ أنّه إن أُريد من تعريف البيع المفهوم الاعتباري فالإيجاب ليس داخلاً في تعريفه فضلاً عن القبول، وإن أُريد به البيع الّذي يترتب عليه الأثر فهو فرع إنشاء المبادلة القائمة بالإيجاب من أحدهما والقبول من الجانب الآخر، فهما أشبه بالكسر والانكسار حيث إنّ الكسر يلازم الانكسار، لا الإيجاب والوجوب، الذي لا يلازم الإيجاب، الوجوب في الخارج كما هو الحال في إيجاب المساوي أو الذاتي، حيث إنّ فيهما إيجاباً لا وجوباً في الخارج.

1 . المتاجر(كتاب البيع):80 يريد من تشبيهه بالإيجاب والوجوب، انّ الإيجاب، ينفك عن الوجوب بخلاف الكسر فإنّه لا ينفك عن الانكسار.

صفحه 64
وبما ذكرنا يظهر الفرق بن لفظي «البيع» و «بعت» الإخباريّ، فالأوّل يشير إلى ماهية اعتبارية، أعني: الربط بين المالين، أو المبادلة بينهما، فالإيجاب والقبول ليسا داخلين في ماهيته، بل هما من أداة تحقّقه في الخارج، والثاني إخبار عن تحقّقه الذي لا يوجد إلاّ بالإيجاب والقبول.

نظرية السيد الطباطبائى ونقده

ومن هنا يعلم ضعف ما أفاده السيّد الطباطبائي في تعليقته مؤيداً لقول القائل من كون التعقب بالقبول معتبراً في تحقّق البيع بالمعنى المصطلح حيث قال وممّا يوضح ما ذكرناه انّه لو قال أحد:«أنكحت فلانة من نفسي بكذا من الصداق» مع عدم حضورها ولا حضور وكيلها، بل ولا علمهما وشعورهما لا يصدق أنّه نكح وانّه أنشأ الزوجية بمجرد هذا الإنشاء قطعاً، بل يعد إنشاءً لغواً حتى في نظر نفسه، وكذا لو قال للجدار1: بعتك داري أو بعت داري من زيد بكذا مع عدم حضوره وعدم اطّلاعه، ولو كان مجرد إنشاء التمليك أو الزوجية كافياً لزم الصدق .2
وجه الضعف أنّ ما ذكر من الأمثلة كلّها جمل خبرية تحكي عن تحقّق المعنى الاعتباري، أعني: الربط بين المالين أو المبادلة بينهما على نحو مؤثر وفي مثله، يكون القبول داخلاً في مفهومه فضلاً عن الأبحاث، بخلاف ما إذا كنا بصدد تفسير ألفاظ البيع أو «النكاح» أو الصلح موضوعاً فالجميع يحكي عن الماهية، كالإنسان الحاكي عنها، وأمّا الوجود الحقيقي الوجود أو الاعتباري الموجد لها، فهو خارج عن مفاهيمها ، وهذا كتفسير الإنسان بالحيوان الناطق الذي لا يتحقق إلاّ

1 . كذا في المصدر، والصحيح: للجار.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي:62.

صفحه 65
بإفاضة الوجود عليه من مفيض الوجود، فمنزلة الإيجاب والقبول بالنسبة الماهية الاعتبارية، منزلة الوجود بالنسبة إلى ماهية الإنسان.
فإن قلت: إذا كان البيع من العقود، فكيف يكون الإيجاب والقبول خارجين عن مدلوله.
قلت: معنى كونه من العقود، انّ من شأنه عدم تحقّقه إلاّ بهما.

الجهة الثامنة:

في اختصاص البيع بالعين أو شموله للمنفعة والحق وعمل الحرّ

لا شكّ أنّ العين تصلح أن تكون مبيعاً، إنّما الكلام في صلاحية الأُمور الثلاثة للبيع وإليك الكلام فيها:

الأوّل: في المنفعة

الظاهر من الشيخ التفصيل بين المعوض والعوض، فالأوّل يختص بالعين وأمّا الثاني فيعم المنفعة، قال: الظاهر اختصاص المعوض بالعين فلا يعمّ إبدال المنافع بغيرها، وعليه استقر اصطلاح الفقهاء، وأمّا العوض فلا إشكال في جواز كونه منفعة كما في غير موضع من القواعد وعن التذكرة وجامع المقاصد، ولا يبعد عدم الخلاف فيه. نعم نُسب إلى بعض الأعيان الخلاف فيه ولعله لما اشتهر في كلامهم من أنّ «المبيع نقل الأعيان» والظاهر إرادتهم بيان المبيع نظير قولهم: إنّ الإجارة نقل المنافع.1
والدليل الوحيد على عدم جواز بيع المنافع هو تبادر العين في موارد استعمال

1 . المتاجر(كتاب البيع): 79.

صفحه 66
البيع، وصحّة سلبه عن تمليك المنفعة بعوض، هذا ما ذكره الشيخ وما يمكن أن يستدلّ على قوله ومع ذلك فلا يخلو الاستدلال من إبهام، وذلك:
أوّلاً: انّ اختصاص البيع بالعين ينافي تعريف «المصباح» بأنّه مبادلة مال بمال فالمعيار ـ على هذا التعريف ـ كون المعوض مالاً، ومنفعة الدار وركوب الدابة مال بلا إشكال، بشهادة أنّه يبذل بإزائهما الثمن، إلاّ أن يحمل تعريف «المصباح» على المسامحة.
ثانياً: لو أُريد بالعين الجزئي الخارجي المشخص، يلزم عدم صحة بيع المشاع والكلي في المعيّن كصاع من صبرة، لعدم كونهما مشخصين. وإن أُريد ما له وجود خارجي وتحقّق في العين بنحو من الأنحاء فينتقض ببيع الكلي في الذمة، أعني: بيع السلف، اللّهم إلاّ أن يراد بالعين المتبادر من لفظ البيع ما يكون عيناً بالفعل أو بالقوة، لكن بتبدّل القوة إلى الفعل عند الإقباض.
وـ مع ذلك ـ يمكن دعم مقالة الشيخ بأن يقال: إنّ طبيعة البيع هي تسليم العين مع قطع ارتباطها بالمالك على الوجه الكلي، بخلاف الإجارة فإنّها تسليم العين للانتفاع مع استمرار صلتها بالمالك، فلو جعلت منفعة العين مبيعاً يلزم عدم انقطاع صلتها به حيث تبقى العين على ملك المالك. وهذا على خلاف ما هو المتبادر في البيع وبذلك يظهر الفرق بين قولنا: «آجرت البستان»، و «بعث ثمرته الموجودة على الشجرة»، فالأوّل لا يصلح إلاّ للإجارة، بخلاف الثاني فهو لا يصلح إلاّ للبيع، لبقاء الصلة بين المورد والمالك، في الأوّل بخلاف الثاني.
فإن قلت: قد ورد في غير واحد من الروايات بيع المنفعة، نظير:
1. ما رواه إسحاق بن عمار، عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له ولم تزل في يده ويد آبائه من قبله، قد أعلمه من مضى من آبائه

صفحه 67
أنّها ليست لهم ولا يدرون لمن هي، فيبيعها ويأخذ ثمنها؟ قال(عليه السلام): «ما أُحبُ أن يبيع ما ليس له ». إلى أن قال: قلت:فيبيع سكناها أو مكانها في يده، فيقول: أبيعك سكناي وتكون في يدك كما هي في يدي؟ قال(عليه السلام): «نعم يبيعها».1
يلاحظ عليه: أنّ التعبير بالبيع في مورد المنافع من باب المشاكلة لما تقدّم من أنّ الراوي سأل أوّلاً عن بيع الرقبة فمنعه الإمام(عليه السلام) ثم قال: فما رأيك في بيع السكنى، فقال الإمام(عليه السلام): يبيعها، فالتعبير عن الإجارة بالبيع من باب المشاكلة، ويحتمل أن يكون المقام من قبيل بيع الحقوق، لأنّه سبق إلى هذا المكان فاستحق حق السكنى، وسيأتي أنّ الحقوق قابلة للبيع.نعم يبقى الإشكال في وجه جواز بيع السكنى مع كونهم غير مالكين للرقبة، واحتمال كونها وقفاً لهم لا يلائم ظاهر الحديث.
2. ما رواه السكوني، عن جعفر بن محمد(عليه السلام) ،عن أبيه، عن علي(عليه السلام)قال: «باع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خدمة المدبّر ولم يبع رقبته».2
يلاحظ عليه: أنّ التعبير بالبيع من باب المشاكلة.
3. ما رواه أبو مريم قال: سُئل أبو عبداللّه(عليه السلام) عن رجل يعتق جاريته عن دَبر، أيطؤها إن شاء، أو ينكحها أو يبيع خدمتها حياته، فقال(عليه السلام): «أي ذلك شاء فعل».3
والشاهد في قوله: «يبيع خدمتها»، والخدمة منفعة يبيعها في حياته، وإن كانت تعتق بعد حياة الرجل لأنّها مدبرة.

1 . الوسائل:12، الباب1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث5.
2 . الوسائل:16، الباب 3 من أبواب التدبير، الحديث4.
3 . الوسائل:16، الباب3 من أبواب التدبير، الحديث1.

صفحه 68
يلاحظ عليه: أنّ التعبير بالبيع من باب المجاز.
4. رواية الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل أعتق جارية له عن دبر في حياته؟ قال: «إن أراد بيعها باع خدمتها في حياته، فإذا مات اعتقت الجارية، وإن ولدت أولاداً فهم بمنزلتها».1
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا في الحديث السابق، أي أنّ التعبير إمّا مجازي أو من باب المشاكلة.
تلخّص أنّ التعبير في الأوّلين من باب المشاكلة ، وفي الأخير من باب المجاز وإن كانت الأُولى أيضاً قسماً منه.

الثاني: في بيع الحقوق

وقد اختلفت كلمات الفقهاء في جعل الحقوق معوضاً أو عوضاً، والّذي صار وجهاً للمنع أُمور ثلاثة:
1. عدم صدق المال على الحقوق.
2. عدم كون الحقوق من الأعيان.
3. عدم كونها ملكاً.
أمّا الأوّل: فقد اعتمد عليه الشيخ الأنصاري فقال: إنّ في جواز وقوعها عوضاً للبيع إشكالاً من أخذ المال في عوض المبايعة لغة وعرفاً، مع ظهور كلمات الفقهاء ـ عند التعرض لشروط العوضين ولما يصح أن يكون أُجرة في الإجارة ـ في حصر الثمن بالمال.2
وما ذكره من الوجه يشمل المعوض أيضاً، لأنّ المالية من شروط العوضين،

1 . الوسائل:16، الباب3 من أبواب التدبير، الحديث3.
2 . المتاجر:79.

صفحه 69
والحقوق ليست من مقولة المال.
يلاحظ عليه: ما مرّ من تعريف المال من أنّه عبارة عمّا يرغب فيه العقلاء ويبذل بازائه الثمن، وله ندرة نسبيّة، والحقوق من مقولة المال بشهادة انطباق التعريف عليها.
وأمّا الثاني : فهو الظاهر من تعليقة السيد اليزدي الطباطبائي، حيث قال: المراد بالعين في المقام(تعريف البيع، أنّه تمليك عين بمال) ما يقابل المنفعة والحق. وهذا الوجه هو خيرة المحقّق النائيني أيضاً، إذ أنّه قال: ولكن بعد الفراغ من عدم إمكان جعل الحق مبيعاً، لما ظهر من اعتبار كونه من الأعيان، فلا يصحّ جعله منفعة فضلاً عن كونه حقاً.1
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكر، لاختصّ بالمعوض لا بالعوض، إذ لم يشترط أحد في العوض كونه عيناً، أضف إلى ذلك: أنّ واقع البيع وقوامه هو المبادلة بين المالين، وقد مرّ أنّ الحقوق مال، يبذل بازائه الثمن.
وأمّا الثالث: وهو أنّ المعتبر في البيع أن يكون كلّ من الثمن والمثمن داخلاً في ملك الآخر، ولا شبهة انّ الحقّ ليس ملكاً، بل يباين مع الملك سنخاً، وكونه من المراتب الضعيفة للملك غير كاف لوقوعه عوضاً.2
يلاحظ عليه: أنّ البيع ليس من الأُمور التعبدية، بل هو من الأُمور العرفية، ويكفي في صدقه، كونه قابلاً للنقل والانتقال، والحق وإن لم يكن من مقولة الملك ولكنّه من مقولة السلطنة، فيكفي في صدق البيع; المبادلة بين الحق والثمن، وخروجه عن سلطة أحدهما ودخوله في سلطة الآخر على عكس الثمن.
فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّه لا مانع من وقوع الحق معوضاً وعوضاً. ويؤيده بعض

1 . منية الطالب:1/43.
2 . منية الطالب:1/44 بتلخيص.

صفحه 70
الروايات:
1. روى الكليني، عن سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له الشرب مع قوم في قناة فيها شركاء، فيستغني بعضهم عن شربه، أيبيع شربه؟ قال: «نعم إن شاء باعه بورق، وإن شاء باعه بكيل حنطة».1
2. ويقرب من ذلك ما رواه البزنطي عن محمد بن عبد اللّه، قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن الرجل تكون له الضيعة وتكون لها حدود، تبلغ حدودها عشرين ميلاً أو أقل أو أكثر يأتيه الرجل فيقول له: أعطني من مراعي ضيعتك وأعطيك كذا وكذا درهماً، فقال(عليه السلام):«إذا كانت الضيعة له فلا بأس».2
والمراد من حدود الضيعة هو حريمها المعدّ للرعي وتسليمها للرعي كما يحتمل أن يكون من مقولة الإجارة، يحتمل أن يكون من مقولة بيع الحق فيكون شاهداً على المقام.

مناقشة كلام كاشف الغطاء

ثمّ إنّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء ـ كما في الجواهر ـ اعتبر أن يكون المبيع غير حق، وناقش فيه صاحب الجواهر بوجهين:
1. انّ البيع كالصلح الّذي لا إشكال في وقوعه على الحقوق.
2. انّ مقتضى وقوع الحق معوضاً أو عوضاً هو سقوطه.
ثمّ قال: كأن نظر الشيخ كاشف الغطاء إلى أنّ البيع من النواقل لا من المسقطات بخلاف الصلح، فلا معنى لنقل الحق ـ كالشفعة ـ على من عليه الحق.

1 . الوسائل:17، كتاب إحياء الموات، الباب6، الحديث1.
2 . الوسائل:17، كتاب إحياء الموات، الباب9، الحديث1.

صفحه 71
ثمّ أجاب عنه بالنقض ببيع الدين على من هو عليه، ولا ريب في اقتضائه حينئذ الإسقاط ولو باعتبار أنّ الإنسان لا يملك على نفسه ما يملكه غيره عليه الّذي بعينه يقرر في نحو حق الخيار والشفعة.1
وأجاب الشيخ عن النقض المذكور بما هذا لفظه: ولا ينتقض ببيع الدين ـ الحنطة في السلم ـ على ما هو عليه، لأنّه لا مانع من كونه تمليكاً، والحاصل أنّه يعقل أن يكون مالكاً لما في ذمته ويؤثر تمليكه السقوط، ولا يعقل أن يتسلط على نفسه، والسرّ أنّ الحقّ سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفها بشخص واحد، بخلاف الملك فإنّها نسبة بين المالك والمملوك، ولا يحتاج إلى من يملك عليه حتّى يستحيل اتحاد المالك والمملوك عليه.2
وحاصل كلامه: وجود الفرق بين بيع الدين على من هو عليه فلا يلزم فيه اتحاد المالك والمملوك عليه، وبين بيع الحق على من هو عليه حيث يلزم اتحاد المستحق والمستحق عليه.
توضيحه: أنّ الملك ـ في المثال المزبور ـ إضافة قائمة بين المالك والمملوك، وأمّا المملوك عليه ـ أعني: ذمّة الغير ـ فخارج عن طرف الإضافة، فليس هناك إلاّ أمران: مالك ومملوك(أي ما في ذمّة الغير); وهذا بخلاف الحق فهو سلطنة قائمة بين من له الحق ومن عليه الحق، فيكون مَن عليه الحق (ذمّة الغير) طرفاً للإضافة، وهذا كحق الشفعة فإنّه إضافة بين الشريك و ذمّة الشريك الآخر فيكون المستحق عليه طرفاً للإضافة، فلو بيع حق الشفعة لمن عليه الحق يلزم اتحاد المستحق والمستحق عليه، أمّا المستحق فبعد البيع وأمّا المستحق عليه فقد كان

1 . الجواهر:22/209.
2 . المتاجر:79.

صفحه 72
طرفاً للحق قبل البيع.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا نقله إلى مَن عليه الحق، وأمّا إذا نقله إلى غيره ـ إذا كان الحق قابلاً للنقل ـ فلا يلزم منه اتحاد المستحق والمستحق عليه.
ثانياً: لما كان الحق أمراً اعتبارياً لا تكوينياً فلا مانع من اعتبار ذمة الشخص مستحقةً بشراء الحق ومستحقاً عليه، ولا يلزم منه اجتماع الضدين ولا اجتماع النقيضين، بل هو اعتبار اجتماع أمرين متضادين وهو أمر لغو لو لم يترتب عليه الأثر، والأثر هو سقوط الدين.
ثالثاً: أنّ ما ذكره من اتحاد المستحق والمستحق عليه إنّما يتم في مثل الشفعة، فلو باع أحد الشريكين حقّه من الآخر، يلزم ما ذكره، لا في مثل بيع حق الشرب من ماء النهر من أحد الشركاء أو غير ذلك، لأنّ واقع الشفعة قائم بالمستحق والمستحق عليه عرفاً، بخلاف حق الشرب أو حق الرعي فإنّ تصوّرها لا يلازم تصوّر المستحق عليه عرفاً.

الثالث: عمل الحرّ ووقوعه عوضاً

بقي الكلام في عمل الحرّ فهل يقع عوضاً في البيع أو لا؟ قال الشيخ: فإن قلنا إنّه قبل المعاوضة عليه من الأموال، فلا إشكال، وإلاّ ففيه إشكال من حيث احتمال اعتبار كون العوضين في البيع مالاً قبل المعاوضة، كما يدلّ عليه ما تقدّم عن المصباح.1
أقول: يقع الكلام تارة بعد وقوع المعاوضة على عمل، كما إذا كان أجيراً لغيره،

1 . المتاجر:79.

صفحه 73
إذ يجوز أن يجعل عوضاً في البيع، لأنّه ملك أوّلاً، ومال ثانياً، يُبذل بازائه الثمن ويكون أشبه بعمل العبد، وسكنى الدار، وركوب الدابة.
وأُخرى قبل وقوع المعاوضة عليه كما إذا أراد الحر أن يجعل عمله عوضاً في البيع، كما إذا اشترى شيئاً وجعل عمله المستقبلي ثمناً، كالخياطة، والسياقة وغيرهما، فلا شكّ انّه ليس ملكاً للحرّ عرفاً لما مرّ من أنّ الحرّ مالك لعمله تكويناً، وما هذا شأنه فهو غني عن لحاظ الملكيّة الاعتبارية، ومع ذلك يمكن أن يقع عوضاً، لأنّه لا يشترط في البيع كونه ملكاً، بل يكفي كونه مالاً. وتدلّ عليه الوجوه التالية:
1. يبذل بازائه الثمن عرفاً بلا إشكال.
2. يصحّ الصلح عليه عند النزاع في مال أو حق.
3. لا فرق بينه وبين عمل العبد.
4. جعل عمل الحرّ عوضاً قبل المعاوضة ـ أشبه ببيع الكلّـي في الذمة حيث إنّ الحرّ متمكن من تسليم المال ـ أعني: عمله كالخياطة وعند الأجل المعيّن.

الجهة التاسعة:

التمسّك بالإطلاقات على القول بالصحيح

إذا شُكّ في جزئية شيء للبيع وغيره أو شرطيته، فإن قلنا بأنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح يشكل التمسك بالإطلاقات لنفي جزئية الجزء المشكوك أو شرطيته، وذلك لأنّ ألفاظ المعاملات على هذا القول تصبح مجملة ويكون التمسّك بها عند الشك أشبه بالتمسّك بالعام في الشبهات المصداقية. وهذا

صفحه 74
الإشكال هو الّذي أشار إليه الشيخ في المقام وقال:
ويشكل بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق نحو: (أَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ)وإطلاقات أدلة سائر العقود، في مقام الشك في اعتبار شيء منها، مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات.1
وأجاب الشيخ الأنصاري عن هذا الإشكال بوجهين:
1. إنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف، حُمل لفظ البيع وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف.
2. أو حمل على المصدر الّذي يُراد من لفظ: «بعت»، و يستدل بإطلاق الحكم بحلّه أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثراً في نظر الشارع.2
وكلّ من الوجهين يحتاج إلى التوضيح لما فيهما من التعقيد .
أمّا الوجه الأوّل: فهو مبني على أنّ البيع في قوله:(أَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ) موضوع للبيع العرفي، وما هذا إلاّ لأجل أنّ لفظ البيع كان متداولاً عند العرب قبل نزول الآية الكريمة. فإذا قال سبحانه:(أَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ) فإنّما يريد ما يسمّيه العرف بيعاً.
هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ الشرع ألغى بعض البيوع المعتبرة عند العرف، كبيع المنابذة أو الملامسة أو بيع الغرر، وهذا يشكّل إشكالاً في التمسّك بعموم الآية أو إطلاقها في موارد الشك، لأنّه يحتمل أنّ مورد الشك خرج عن مفهوم الآية.
ولكن الّذي يحلّ المشكلة هو أنّ الشرع جعل البيع العرفي طريقاً إلى البيع

1 . المتاجر:79.
2 . المتاجر:80، آخر تعريف البيع.

صفحه 75
الشرعي، وبعبارة أُخرى اتّخذ اعتباره، طريقاً لاعتباره.
ولمّا كانت الطريقية غير جارية في عامة الموارد، أخرج بعض البيوع الفاسدة عنده كما أشرنا، فيكون التخصيص وارداً على الطريقية بمعنى أنّ البيع العرفي طريق إلى البيع الشرعي، إلاّ في هذه الموارد دون أن يتوجه التخصيص إلى حكم البيع، أعني: الحلّية. فلو دلّ دليل على التخلّف في الطريقية يؤخذ به وإلاّ فيكون اعتبار البيع عرفاً طريقاً إلى اعتباره شرعاً، فيكون الإطلاق حجة في موارد الشك في الجزئية والشرطية إذا لم يكن المشكوك معتبراً عند العرف.
وأمّا الوجه الثاني: فهو مبني على أنّ البيع الوارد في الآية محمول على البيع المعتبر شرعاً لا المعتبر عرفاً، ولذلك أخرج ما ليس بمعتبر عنده، أعني: بيع المنابذة وأشباهه. وأمّا وجه التمسّك بالآية عند الشك في صحة بعض مصاديق البيع، فهو الاستدلال بإطلاق الحكم بحلّية البيع على كونه مؤثراً في نظر الشارع، وذلك لأنّ مقتضى إطلاق الحكم بضميمة هذه التخصيصات، انّ ما بقي تحت الإطلاق بيع معتبر شرعاً وإلاّ لزمت لغوية جواز البيع، إذ تصير الآية عندئذ مجملة، وعلى هذا فما لم يعتبره الشارع يكون تخصيصاً في الحكم أي حلية البيع لا تخصيصاً في الطريقية. فإن دلّ دليل على التخصيص في الحكم نأخذ به، وإلاّ يؤخذ بإطلاق الحكم بالحلية.
وما ذكرناه في تفسير الوجهين هو خلاصة ما تلقّيناه من المحقّق السيد محمد الكوهكمري(رحمه الله) في درسه الشريف.1

1 . الذي حضرناه في عام 1370هـ.

صفحه 76

إجابة ثالثة للمحقّق النائيني

إنّ المحقّق النائيني(قدس سره) أوضح الإشكال والجواب على النحو التالي:
إنّ الإطلاقات الواردة في أبواب المعاملات راجعة إلى إمضاء المسببات لا إلى الأسباب، إذ لا معنى مثلاً لحمل قوله:(أَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ) على حلية مجرد إنشاء الإيجاب والقبول، وإنّما المقصود حلّية المسبَّب، فإذا شككنا في تحقّق المسبّب، لأجل الشك في دخل شيء شرطاً أو شطراً في السبب، كان التمسّك فيه بالعام تمسّكاً في الشبهة المصداقية للعام.
ثم أوضح الجواب بقوله: إنّ الدليل وإن كان ناظراً إلى إمضاء المسببات لكن إمضاء المسببات يدل بالملازمة على إمضاء أسبابها، إذ لا يتحقّق المسبب من دون السبب.
ثمّ أورد عليه بأنّ إمضاء المسبب إنّما يقتضي إمضاء السبب في الجملة، إذ يكفي في تحقّق المسبب تحقّق السبب في الجملة ولا يقتضي إمضاءَ السببِ بقول مطلق كي نتمسّك ـ لدى الشك ـ بالإطلاق.1
يلاحظ عليه: أنّه إن أراد من «إمضاء السبب في الجملة» إمضاء بعضه على وجه الإجمال من دون تبيين، ففيه انّه لا يصون الكلام عن اللغوية; وإن أراد به متيقّن الاعتبار بالإضافة إلى غيره ـ كما هو الظاهر من كلام السيد الخوئي2 ـ فلا يخلو إمّا أن يريد المتيقّن في مجلس التخاطب، ففيه أنّه لم يكن عند أذهان الصحابة أي قدر متيقّن عند نزول الآية; وإن أراد المتيقن خارج التخاطب الحاصل بعد التأمل، ففيه أنّه لا ينافي انعقاد الإطلاق، وإلاّ لم ينعقد لمطلق

1 . تقريرات المحقّق النائيني بقلم الفقيه الشيخ محمدتقي الآملي:1/11.
2 . مصباح الفقاهة:2/83.

صفحه 77
إطلاق، إذ ما من مطلق إلاّ وله قدر متيقّن بعد التأمّل.

إجابة رابعة

إنّ الإطلاق الحكمي ينقسم إلى إطلاق خطابي وإطلاق مقامي، فالأوّل هو ما عرفته في كلام شيخنا الأنصاري بوجهين مختلفين، وأمّا الإطلاق المقامي فهو عبارة عن التمسك بكلام الشارع في الأجزاء والشروط الّتي تكون بعيدة عن عامّة الأذهان، نظير ما قلناه في نفي وجوب قصد الوجه والتمييز، فلو كانا معتبرين لزم تنبيه الشارع على اعتبارهما، وإلاّ فعامة الناس غير ملتفتين إلى هذا النوع من الشرائط. ومثله باب المعاملات إذا كانت الشروط والأجزاء ممّا لا يخطر ببال أحد، فلو كان معتبراً يجب التنبيه عليه، ولو سكت دلّ على عدم اعتبار هذا النوع من الشروط.

إجابة خامسة

وهاهنا إطلاق آخر لا صلة له بإطلاق الحكم ولا إلى الإطلاق المقامي، بل هو إطلاق موضوعي يستدل به في أبواب العبادات، وهو انّه إذا كان المتكلّم الحكيم بصدد بيان أجزاء الموضوع وشرائطه يجب عليه أن يذكر كلّ ما هو دخيل فيه، فلو سكت دلّ الدليل على عدم اعتباره، مثلاً قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي»1، أو قول أبي جعفر الباقر(عليه السلام):«ألا أحكي عليكم وضوء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)...»2، أو قوله(عليه السلام) في صحيحة حماد بن عيسى في بيان الشرائط والأجزاء المعتبرة في الصلاة3 ، فسكوته عن الشرط أو الجزء المشكوك دليل على عدم

1 . سنن البيهقي:2/345.
2 . الوسائل:2. الباب15 من أبواب الوضوء، الحديث2.
3 . الوسائل:4، الباب1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث1.

صفحه 78
اعتباره. وهذا النوع من الإطلاق لا صلة له بالمقام، بل يختص بالروايات الواردة لبيان أجزاء الواجبات وشرائطها.
وتلخّص: أنّ الإطلاق الحكمي ينقسم إلى خطابي ومقامي، ويقابله الإطلاق الموضوعي.
هذا كلّه حول الإشكال وما يمكن أن يكون جواباً له.

إكمال: الأُمور الاعتبارية لا تقبل التخطئة

الظاهر من شيخ المحقّقين صاحب الحاشية على «المعالم» أنّ اختلاف الشرع والعرف من باب الاختلاف في المصداق، فالموضوع له عند العرف والشرع للبيع أمر واحد، وإنّما الاختلاف في تشخيص المصداق، فالشرع بإحاطته العلمية يُخطئ العرف في جعل ما ليس بمصداق للبيع مصداقاً له. فالنتيجة: أنّ الموضوع له واحد والاختلاف في المصداق، والتخطئة ترجع إليه. وإليك متن كلامه:
إنّ الأظهر أن يقال بوضعها لخصوص الصحة بمعنى ما يكون مفيداً للأثر المطلوب منه وانّه ليس للشارع فيها وضع جديد، بل هي عنده أيضاً موضوعة لما يفيد الأثر، غاية الأمر أنّ المؤثر عند العرف قد لا يكون مؤثراً عنده فيكون من باب الاختلاف في المصداق، وإلاّ فالموضوع له غير مختلف، فيرجع الأمر إلى تخطئة الشارع للعرف في المصداق، بحيث لو انكشف لهم أنّ ما هو مؤثر باعتقادهم، غير مؤثر في الواقع، يكون خارجاً عندهم أيضاً عن حقيقة المعاملة، وإذا كان كذلك فيجوز التمسّك بالإطلاقات، فإنّ موضوعها هي المعاملات المؤثرة في نظر العرف، وهي مفيدة لكونها مؤثرة في نظر الشارع أيضاً إلاّ ما ثبت خروجه.1

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:65. نقلاً عن هداية المسترشدين.

صفحه 79
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي اليزدي حمل كلام الشيخ الأنصاري في المقام على ما رامه شيخ المحقّقين وقال: هذا وعبارة المصنّف(قدس سره) ـ وإن كانت قاصرة عن إفادة ما ذكرنا من المراد ـ إلاّ أنّه يجب حملها عليه بقرينة أخذ جميع ما ذكره في المقام من كلام ذلك المحقّق.1
أقول: الأُمور الاعتبارية الّتي لا واقع لها إلاّ الاعتبار وليس لها واقعية سوى اعتبار المعتبر، لا تقبل التخطئة، وذلك لأنّها من شؤون موضوع له واقعية وراء اعتبار المعتبر كالماء والتراب، فيصح فيها التخطئة ويقال: إنّ ما زعمه ماءً سراب ليس بماء، أو ما زعمه تراباً ليس من سنخه بل هو رمل. وأمّا الأُمور الاعتبارية فليس لها واقعية وراء اعتبار المعتبر حتّى يكون أحدهما فرداً حقيقياً والآخر فرداً غير حقيقي، ومن هنا يُعلم أنّ رد الشارع بيع المنابذة وبيع الغـرر ليس من قبيل تخطئة العرف بأنّهما ليسا ببيع، وإنّما هو إمّا تخصيص في الطريقية على البيان الأوّل أو تخصيص في الحكم على البيان الثاني، كما مرّ.

الجهة العاشرة:

الإطلاقات والمعاملات المستحدثة

لا شكّ أنّ الحضارة الحديثة أنشأت عقوداً جديدة لم يكن لها أثر في عصر نزول الآيات وصدور الروايات الإمضائية للعقود والعهود، فهل تختص الإطلاقات بالمعاملات المتداولة في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وتبقى كلّ معاملة حديثة تحت المنع، أو أنّها إطلاقات إمضائية على عنواني العقد والبيع، فتعمّ المعاملات

1 . تعليقة السيد الطباطبائي(حاشية المكاسب):1/65.

صفحه 80
القديمة والجديدة.
قال السيد عبد الفتاح المراغي في هذا الصدد: ولا يبعد منع الانصراف إلى المتعارف، نظراً إلى العموم الاستغراقي إنّما هو مفيد لعموم الأفراد ـ لا الأنواع ـ على مقتضى الوضع والعرف، وحمله على استغراق الأنواع ممّا لا شاهد له ـ إلى أن قال: ـ لم أجد وجهاً في إخراج الأنواع النادرة دون الأفراد النادرة من الأنواع الشائعة.1
واختاره الفقيه السوري مصطفى أحمد الزرقا وقال: والشرع الإسلامي لم يُحصر التعاقد في موضوعات معينة يمنع تجاوزها إلى موضوعات أُخرى، وليس في نصوص الشريعة ما يوجب تحديد أنواع العقود أو تقيد موضوعاتها، إلاّ بأن تكون غير منافية لما قرره الشرع من القواعد والشرائط العامّة، والمبدأ العام في هذا الشأن قول القرآن الكريم:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)2.3
أقول: إنّ في شمول قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) للعقود الجديدة احتمالين:
أ. لو قلنا إنّ المراد بالعقود، هي الأنواع المتداولة في عصر الرسالة من غير فرق بين كثير التداول وقليله، فالآية تشمل أنواع العقود الموجودة في عصر الرسالة ولا تشمل الأنواع الحديثة، وكون اللام للاستغراق لا يفيد أكثر من استغراق الأنواع الموجودة دون غير الموجودة، فعقد التأمين أو الشركات المعاصرة من العقود الجديدة، التي لم يكن لها أثر في عصر نزول الآية، فكيف يمكن أن تكون

1 . العناوين:2/15ـ16.
2 . المائدة:1.
3 . المدخل الفقهي العام:1/571.

صفحه 81
الآية الكريمة ناظرةً إلى هذه الأنواع؟!
ب. المراد من «العقود» هو أفرادها من دون نظر بين كون الفرد داخلاً تحت نوع أو نوع آخر، فكلّ فرد يصدق عليه أنّه عقد، فهو داخل في الآية، سواء أكان نظير هذا الفرد موجوداً في عصر نزول الآية أم لم يكن.
والظاهر من الآية هو الاحتمال الثاني، أي تبادر أفراد العقد لا أنواعه بشهادة أنّه لو قال القائل: أكرم العلماء، فاللفظ ينصرف إلى كلّ فرد فرد يصدق عليه أنّه عالم، من دون نظر إلى أنواع العلم وأصناف العلماء من فقيه أو حكيم، أو أديب.
و يؤيد ذلك أمران:
الأوّل: انّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعليّة. فإيجاب الوفاء بالعقود إنّما هو لأجل أنّه عقد وتعهد والتزام، ومن المعلوم أنّ نقض العهد ورفض الالتزام على خلاف كرامة الإنسان، وعلى هذا فلا فرق بين عهد رائج في عصر الرسالة وما ليس كذلك، فإنّ الملاك الملزم لوجوب الوفاء هو التعهد.
إنّه سبحانه وتعالى علل حرمة استرجاع ما أعطاه الزوج للزوجة من المهر، إذا كرهها وأراد طلاقها ، بقوله: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَد أَفْضَى بعْضُكُمْ إِلَى بَعْض وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَليظاً)1 ، أي كيف تأخذون ذلك منهن، مع إفضاء بعضكم لبعض(كناية عن الوقاع) أوّلاً، ووجود الميثاق الغليظ بينكم ثانياً، ولعل الغليظ تأكيد للميثاق، لأنّ طبعه هو كونه غليظاً وشديداً.
وكون التعليل وارد في مورد النكاح لا يضرّ بالمقصود، وهو عمومية التعليل. وانّ الميثاق ممّا يجب أن يحترم ولا ينقض من غير فرق بين مقام دون مقام.
فالمعاملات المستحدثة إذا لم تكن منهياً عنها، لا موضوعاً ولا شرطاً ، فهي

1 . النساء:21.

صفحه 82
مواثيق بين المتعاملين، يجب الوفاء بها.
الثاني: وجود الفرق الواضح بين العبادات والمعاملات فالأُولى منهما من الأُمور التوقيفية الّتي ليس للعقل إليها سبيل، ولذلك لا يمكن التمسّك بالإطلاقات الواردة في مورد العبادات نحو قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ)، إذ لا طريق لنا إلى معرفة ما هو المشروع من العبادات عند اللّه سبحانه.
وأمّا الثانية فهي أُمور عرفية ليست غريبة عن عقول الناس وفطرتهم.
ولأجل ذلك صارت المعاملات أُموراً إمضائية لا تأسيسية على خلاف العبادات.
هذا من جانب و من جانب آخر أنّ العقل البشري ربما لا يحيط بالمصالح والمفاسد، فيتصور الضارّ نافعاً، وبالعكس، فلذلك حدّد الشارع المعاملات بحدود وقيود، فحكم بفساد بعضها وأبقى الباقي تحت ا لعمومات.
وعلى ضوء ذلك فكلّ عقد عقلائي يقع بين فردين يجب الوفاء به بشرط أن لا يكون ممّا حرّمه اللّه سبحانه، كما إذا كان ربوياً أو غريراً أو غير ذلك، وهذا هو ما يمكن للفقيه أن يعتمد عليه في كلّ عقد حديث ومعاملة جديدة إذا راجت بين العقلاء ولم تكن أكلاً بالباطل ولا ممّا حرّمه اللّه سبحانه، فعندئذ يحكم الفقيه بوجوب الوفاء به ويرتّب عليه الأثر من دون حاجة إلى تجشّم إدخال هذه المعاملات تحت العناوين القديمة التالدة، واللّه العالم.
تمّ الكلام في الجهات العشر، ويليه البحث في المعاطاة
والحمد للّه ربّ العالمين

صفحه 83

الفصل الأوّل

أحكام المعاطاة

1. ما هو محل النزاع بين الفقهاء في مسألة المعاطاة؟
2. بيان الأقوال الثمانية في المسألة.
3. المعاطاة مفيدة للإباحة.
4. المعاطاة مفيدة للملكية اللازمة والاستدلال عليها بأُمور سبعة.
5. الاستدلال على الملكية اللازمة بالنبويات الأربعة.
6. دراسة الأدلة القائمة على عدم صحّة المعاطاة أو لزومها.
7. تنبيهات عشرة:
أ. اعتبار شروط البيع في المعاطاة وعدم اعتبارها.
ب. اشتراط التعاطي من الطرفين وعدمه.
ج. كيفية تمييز البائع عن المشتري في المعاطاة.
د. أقسام المعاطاة حسب قصد المتعاطيين.
هـ. جريان المعاطاة في غير البيع.
و. في ملزمات المعاطاة على القول بأنّها مفيدة للإباحة.
ز. جريان الخيارات في المعاطاة.
ح. العقد الفاقد لبعض الشرائط إذا تعقبته المعاطاة.
ط. الإنشاء بالكتابة والإشارة اختياراً، مجز أو لا؟
ي. حكم النماء في المعاطاة.

صفحه 84

صفحه 85

المعاطاة

المعاطاة: لغة مصدر عاطى عطاء ومعاطاة، بمعنى ناوله إياه; وفي مصطلح الفقهاء أن يُعطي كلّ من الطرفين عوضاً عمّا يأخذه من الآخر.
وما ذكر من التفسير يختصّ بالمعاطاة نقداً، ولكن الأولى تفسيرها بالنحو التالي: إعطاء أحد الطرفين مع أخذ الآخر، سواء أعطى الطرف الآخر شيئاً أو لا، حتّى يعمّ المعاطاة نسيئة أو سلفاً فلا يلزم التعاطي بالفعل من الطرفين، فيكون الإعطاء من المعطي بمنزلة الإيجاب وأخذ الآخر بمنزلة القبول، ويكون الإعطاء منه للعوض بعد ذلك من باب الوفاء.1 وسيوافيك تفصيله في التنبيه الثاني من التنبيهات العشرة الّتي عقدها الشيخ في نهاية المطاف.
وقد اختلفت كلماتهم في أنّها هل تفيد الإباحة أو الملكية؟ وعلى القول بالملكية هل تفيد الملكية المتزلزلة أو الملكية اللازمة؟ وتحقيق المقام يقتضي البحث في أُمور:

1 . تعليقة السيد الطباطبائي:66.

صفحه 86

1

ما هو محل النزاع؟

اختلفت كلماتهم في بيان محل النزاع إلى أقوال، هي:
1. قصـد الطرفين الإباحة المطلقة بالأفعال والتسليط على التصرف نحو التسليط بالبيع وغيره ممّا يفيد الملك، بل ربما يذكر لفظ البيع ونحوه مريداً به الدلالة على هذا القسم من الإباحة، لا أنّ المراد منه الملك والتمليك البيعي، وهذه الصورة تسمّى بالمعاطاة، ومفادها إباحة مطلقة للمال بعوض كذلك.
2. قصد البيع بذلك على إرادة النقل البيعي من غير تعرض للوازم البيع من اللزوم وعدمه.
3. أن يقع الفعل من المتعاطيين من غير قصد البيع ولا تصريح بالإباحة المزبورة.
4. أن يقصد الملك المطلق.1
والأوّل هو خيرة صاحب الجواهر، والثاني هو خيرة الشيخ الأنصاري وقد استظهره من كلمات الأصحاب، والثالث خيرة سيدنا الأُستاذ الحجة الكوهكمري(قدس سره) على ما في مذكّراتي من درسه الشريف.
والظاهر انّ محلّ النزاع هو القول الثاني خصوصاً في الأُمور الجليلة.
وأمّا الأوّل: فنادر جدّاً بالنسبة إلى القول الثاني، وأمّا القول الثالث ـ أي

1 . الجواهر:22/218ـ227.

صفحه 87
إرادة مجرد التعاطي ـ والرابع ـ أي إرادة مجرد الملك ـ فلا أظن أن يكونا محلاً للنزاع. وإن كان السيد الحجة(قدس سره) مصرّاً على الثالث، ولو صحّ ما ذكر فإنّما يصحّ في الأشياء الحقيرة.
والشاهد على ما ذكرنا أنّهم يتدارسون المعاطاة المتداولة بين الناس، ومن المعلوم أنّ المتداول منها هو على ضوء القول الثاني. وهم يقصدون التمليك والتملّك، وأمّا اللزوم وعدمه فهو من الأحكام الشرعية للبيع فالبيّعان على الخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع.
ويشهد على ما ذكرنا عبارة الشيخ في الخلاف والمحقّق في الشرائع والعلاّمة في التذكرة حيث ذكروا المعاطاة بعد القول باعتبار الصيغة في البيع، وهذا يدلّ على أنّ المعاطاة جامعة لعامة شرائط البيع سوى الصيغة.
قال في «الخلاف»: إذا دفع قطعة إلى البقلي، أو إلى الشارب، وقال: اعطني بقلاً أو ماء، فأعطاه، فإنّه لا يكون بيعاً، وكذلك سائر المحقرات، وإنّما يكون إباحة، له أن يتصرف كلّ واحد منهما فيما أخذه، تصرفاً مباحاً من غير أن يكون ملكه. وفائدة ذلك، أنّ البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل، أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك، لأنّ الملك لم يحصل لهما. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكون بيعاً صحيحاً وإن لم يوجد الإيجاب والقبول، قال ذلك في المحقرات دون غيرها.
دليلنا: إنّ العقد حكم شرعي، ولا دلالة في الشرع على وجوده هاهنا، فيجب أن لا يثبت. فأمّا الاستباحة بذلك فهو مجمع عليه، لا يختلف العلماء فيها.1

1 . الخلاف:3/41.

صفحه 88
فإنّ الاستدلال على عدم الملكية بأنّ العقد حكم شرعي ولا عقد هنا دليل على أنّ المورد جامع لعامة الشرائط، أعني: إرادة الملكية سوى العقد، ولو كان غير قاصد للملكية كان على الشيخ أن يستدل به لا بعدم العقد، لأنّ الاستدلال بالذاتي مقدّم على الاستدلال بغيره.
وقال المحقّق: العقد هو اللفظ الدالّ على نقل الملك من مالك إلى آخر بعوض معلوم ولا يكفي التقابض من غير لفظ وإن حصل من الأمارات ما يدلّ على إرادة البيع في الحقير أو الخطير.1
وقال العلاّمة: الأشهر عندنا: أنّه لابدّ منها ]الصيغة[، ولا تكفي المعاطاة في الجليل والحقير، مثل: أعطني بهذا الدينار ثوباً، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار، فيأخذ ـ وبه قال الشافعي مطلقاً ـ لأصالة بقاء الملك، وقصور الأفعال عن الدلالة على المقاصد. وبعض الحنفية وابن سريج في الجليلة.
وقال أحمد: ينعقد مطلقاً ـ و نحوه قال مالك; فإنّه قال: بع بما يعتقده الناس بيعاً ـ لأنّه تعالى أحلّ البيع ولم يبيّن الكيفية، فتحال على العرف كالقبض، والبيع وقع في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)كثيراً ولم ينقل اللفظ، وإلاّ لتواتر.
والجواب: المعاطاة تثبت في غير البيع، فيجب عود النص إلى غيرها. ونمنع عدم التواتر، والاستغناء بالإباحة عنه.2

1 . شرائع الإسلام:2/7.
2 . تذكرة الفقهاء:10/7.

صفحه 89

2

الأقوال في المسألة

ذكر الشيخ الأنصاري أنّ الأقوال في المعاطاة ستة، وربما تناهز ثمانية:
1. اللزوم على وجه الإطلاق. وهو منقول عن المفيد في المقنعة، واستظهر الشيخ الأنصاري وجود القائل به عند الأصحاب غير المفيد أيضاً بشهادة أنّ العلاّمة قال: الأشهر عندنا أنّه لابدّ من الصيغة. ويقابله المشهور انّ الصيغة غير لازمة.
2. اللزوم بشرط كون الدالّ على التراضي أو المعاملة لفظاً . حكاه الشهيد الثاني عن بعض مشايخه، ثم استجوده إلاّأنّه قال بعده : إنّه مخالف لمقتضى الأصل.1
3. انّ المعاطاة تفيد الملكية الجائزة، وهو خيرة المحقّق الثاني وقد حمل عليه كلمة القائلين بأنّ المعاطاة تفيد الإباحة،2 إلاّ أنّ الحمل غريب عن مساق كلمات القائلين بالإباحة.
4. المعاطاة تفيد إباحة جميع التصرفات حتّى المتوقفة على الملك مع بقاء كلّ من العينين على ملك صاحبه، إلاّ أنّه يحصل الملك اللازم بتلف إحدى العينين أو ما هو بمنزلة التلف، بل قال في المسالك: إنّ كلّ من قال بالإباحة قال بإباحة جميع التصرفات.3

1 . مسالك الافهام:3/147 .
2 . جامع المقاصد:4/58.
3 . مسالك الأفهام:3/147.

صفحه 90
5. انّ المعاطاة تفيد إباحة جميع التصرفات إلاّ ما يتوقف على الملك كالوطء والعتق والبيع. وهو الظاهر من المبسوط.1
6. المعاطاة معاملة فاسدة. وهو خيرة العلاّمة في نهاية الأحكام.2
7. انّها معاملة مستقلة مفيدة للملكية وليست بيعاً وإن كانت في مقامه. وهو خيرة كاشف الغطاء على ما حكاه السيد الطباطبائي في حاشيته.3واحتمله الشهيد الثاني في المسالك.4
8. ما اختاره المحقّق الشيخ هادي الطهراني. وحاصله: انّ المعطي يعرض عن ماله ويتملّكه الآخذ بفعله، وذلك لأنّ الإعراض على قسمين:
قسم يكون إعراضاً مطلقاً لا في مقابل شيء، فالناس فيه شرع سواء.
وقسم يكون في مقابل شيء آخر بمعنى أنّ إعراضه عنه في مقابل إعراض الآخر عن ماله. فالمعطي بإعراضه عن ماله أباح للآخر الأخذ والتصرف.5
قد عرفت أقوال الأصحاب وأنّها ثمانية، والجميع يشتركون في القول بالصحة إلاّ القول السادس ـ أعني: خيرة العلامة في «نهاية الأحكام» فهو قائل بالفساد ـ ولكنّه قول غير صحيح لانعقاد الإجماع على الصحّة بين المسلمين، ولم يقل به أحد لا قبله ولا بعده، وسيوافيك البحث فيه تحت عنوان أدلة القائلين بلزوم الصيغة في صحة البيع. فالذي يهمّنا للدراسة هو بقية الأقوال وهي بين ما يرى أنّ المعاطاة تفيد الإباحة وأُخرى تفيد الملكية، فنقدم البحث عن القول بالإباحة ثم نرجع إلى القول بإفادتها للملكية.

1 . المبسوط:3/15.
2 . نهاية الأحكام:2/448.
3 . تعليقة السيد الطباطبائي:68.
4 . المسالك:3/151.
5 . هذا ما حكاه عنه سيدنا الأُستاذ الحجة الكوهكمري في درسه الشريف على ما في مذكّراتي.

صفحه 91

3

حكم المعاطاة على القول بالإباحة

إنّ القول الرابع والخامس يشتركان في أنّ المعاطاة تفيد الإباحة غير أنّ الرابع يقول بإباحة كلّ شيء حتّى المتوقّفة على الملك، ولكن الخامس يخصّها بما لا يتوقّف عليه كالعتق والبيع، فنقول:
الّذي يمكن أن يكون أساساً للقول بالإباحة هو أحد الأمرين التاليين:
1. قصد المتعاطين الإباحة.
2. قصد الإعطاء مجرداً عن قصد الملكية أو قصد الإباحة.
وكان السيد المحقّق الكوهكمري(قدس سره) يصرّ على أنّ محلّ النزاع هو الثاني وكان يستشهد ببعض الكلمات، مثلاً قال الشيخ في «الخلاف»: مثلاً إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب فقال: اعطني بها بقلاً أو ماءً فأعطاه فانّه لا يكون بيعاً... الخ، وقال ابن إدريس: فإذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب فقال: اعطني: فإنّه لا يكون بيعاً ولا عقداً، لأنّ الإيجاب والقبول ما حصلا ... الخ. إلى غير ذلك من الكلمات الظاهرة في أنّ محلّ النزاع فيما إذا صدر من الطرفين الإعطاء من دون أن يكون هناك قصد الإباحة أو قصد الملكية، وبما أنّ الإباحة هي القدر المتيقّن، قيل: إنّ المعاطاة مفيدة للإباحة.
وكلا الأمرين منتفيان:
أمّا أولاً: فلأنّ موضوع البحث هو المعاطاة المتداولة بين الناس، المقرونة

صفحه 92
بقصد التمليك لا قصد الإباحة ولا مجرّد الإعطاء والأخذ من دون أن يقترن بأحدهما، ولو صحّ فإنّما يصحّ في المحقّرات على احتمال كالبقل وغيره.
وثانياً: إنّ ما أُشير إليه من الكلمات وإن كانت ظاهرة فيما يدّعيه ولكن ذيل هذه الكلمات دال على أنّ النزاع فيما إذا اجتمعت عامة الشروط إلاّ الإيجاب والقبول وقد مرّ الإيعاز إليه، فكيف يمكن أن يكون محط النزاع في الإعطاء المجرد عن الإباحة والتمليك؟!
والّذي يمكن أن يقال في نقد هذا القول هو أنّ الإباحة إمّا شرعية وإمّا مالكية.
أمّا الأُولى: فكالوضوء من الأنهار الكبيرة، وقد أباح الشارع الانتفاع بها حتّى وإن لم يكن المالك راضياً.
وأمّا الثانية: فهي على قسمين: تارة يكون التصرف موقوفاً على إحراز الرضا فقط، كصلاة الضيف في بيت مضيفه بلا استئذان لأنّه يعلم برضاه.
وأُخرى يتوقّف على الإذن بشرط الكاشف بأن يكون الموضوع هو الإذن المقترن به، وهذا كالوكالة فإنّها قائمة بإذن الموكل مع قرينة كاشفة عن إذنه، وهذا ما يسمّى بالعقود الاذنية أو العقود الجائزة، والكاشف هو أعمّ من القول أو الفعل.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ القول بالإباحة لا يخلو عن أحد هذه الوجوه الثلاثة: أمّا الإباحة الشرعية فهي منتفية جدّاً، إذ لم تصدر أيةُ إباحة من الشارع في مورد المعاطاة.
وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقق الخوئي من أنّ مراد القائلين بالإباحة هو الإباحة الشرعية وموضوعها التعاطي الخارجي والمقصود به الملك، وقد حكم

صفحه 93
بها الشارع عند تحقق موضوعها كما حكم بإباحة أموال الناس من المتضررين عند المخمصة والمجاعة.1
يلاحظ عليه: أنّ الإباحة الشرعية عبارة عمّا ورد فيه دليل خاص كما في الأنهار الكبيرة ونظيرها ما أشار إليه من جواز أكل أموال الناس عند المخمصة والمجاعة بشرط الضمان ولم يرد في مورد المعاطاة دليل خاصّ يدلّ عليها، فالقول بالإباحة الشرعية أضعف الأقوال.
وأمّا الإباحة المالكية بكلا المعنيين فتكون محددة بالمقدار المنكشف ومقدار ما أُحرزت رضايته فربما يكون المنكشف جواز التصرفات غير المتوقفة على الملك، وأُخرى يكون أوسع من ذلك، ولكن تسمية ذلك معاملة أو بيعاً، غير صحيح بل لا يحتاج إلى البحث، إذ من المعلوم أنّ المأذون يتصرّف في مال الآذن بمقدار رضاه.

تأويل الإباحة، بالملكية المتزلزلة

ثمّ إنّ القول بالإباحة مع قصد المتعاطيين الملكية لمّا كان أمراً غريباً قام المحقّق الثاني بتأويل كلماتهم فقال:«وما يوجد في عبارة جمع من متأخّري الأصحاب: من أنّها تفيد إباحة، وتلزم بذهاب إحدى العينين، يريدون به: عدم اللزوم في أوّل الأمر، وبالذهاب يتحقّق اللزوم، لامتناع إرادة الإباحة ا لمجردة عن أصل الملك، إذ المقصود للمتعاطيين إنّما هو الملك، فإذا لم يحصل كانت فاسدة ولم يجز التصرف في العين، وكافّة الأصحاب على خلافه.2
ولا يخفى أنّ القول بالإباحة مع قصد المتعاطيين التمليك وإن كان غريباً،

1 . مصباح الفقاهة:2/103ـ 104.
2 . جامع المقاصد:4/58.

صفحه 94
ولكن حمل الإباحة على الملكية المتزلزلة أغرب، لأنّها تخالف ظاهر كلماتهم في غير مورد.

لزوم تأسيس قواعد جديدة على القول بالإباحة

إنّ الشيخ الأكبر كاشف الغطاء نصر المحقّق الثاني في شرحه1 على قواعد العلاّمة قائلاً بأنّ القول بالإباحة المجردة مع قصد المتعاطيين التمليك وحصول الملكية بالتصرف مستلزم لتأسيس قواعد جديدة ،وذكر منها ما يلي:
1. العقود تابعة للقصود، فالقول بالإباحة مع قصد المتعاطيين التمليك، يناقض تلك الضابطة.
2. انّ القول بالإباحة يلزم الالتزام بأحد الأمرين على سبيل مانعة الخلو وهما:
أ. الالتزام بأنّ إرادة التصرف في المأخوذ بالمعاطاة، مملّكة.
ب. الالتزام بأنّ التصرف بنفسه من المملّكات. وكلّ من الأمرين بعيد.
3. تعلّق الخمس بما في يد أحد المتعاطيين ـ إذا زادت عن المؤونة ـ مع أنّه ليس بمالك، ونظيره الزكاة.
4. كون التصرف من جانب مملّكاً للجانب الآخر.
5. كون التلف السماوي من جانب مملكاً للجانب الآخر.
6. يجوز للآخذ بالمعاطاة أن يتصرف في النماء الحادث من المأخوذ بالمعاطاة قبل التصرف فيما أخذ(العين).
فإن قلنا: إنّ حدوث النماء مملّك للنماء فقط لا للأصل، فهو بعيد، إذ لا

1 . مخطوط لم ير النور.

صفحه 95
وجه للتفكيك.
وإن قلنا: بأنّ حدوث النماء مملك للفرع والأصل، فهو بعيد أيضاً، لأنّ ظاهر أكثر الفقهاء توقّف ملكية الأصل على التصرف فيه.
وإن قلنا: بأنّ التصرف في النماء مستند إلى إذن المالك، فهو بعيد، لأنّ مالك الأصل لم يأذن للمباح له .
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ومن جاء بعده أجابوا عن هذه الإشكالات، ونحن في غنى عن الخوض فيها وما قيل حولها، لما عرفت من عدم صحة القول بالإباحة. فالدفاع عن فرضية غير صحيحة أمر غير ملزم.

الأُمور الملزمة على القول بالإباحة

ثمّ إنّ القائلين بأنّ المعاطاة مفيدة للإباحة قالوا بانقلابها إلى اللزوم بالأُمور التالية:
1. تلف العينين.
2. تلف أحدهما.
3. نقل العينين أو أحدهما بعقد لازم.
4. امتزاجهما بغيرهما من أموال البائع والمشتري امتزاجاً يمنع التراد أو امتزاج أحدهما كذلك.
5. التصرف المغيّر للصورة كطحن الحنطة وفصل الثوب، كلّ ذلك على مبنى الملكية الجائزة أو الإباحة.
وسيوافيك البحث عن ملزمات المعاطاة على القول بالإباحة في التنبيه السادس.
هذا كلّه حول القول بالإباحة الّتي عليها القول الرابع والخامس.

صفحه 96

4

المعاطاة مفيدة للملكية اللازمة

و

الاستدلال عليها بوجوه سبعة

إنّ القول بأنّ المعاطاة تفيد الملكية يتصوّر على وجهين:
1. المعاطاة مفيدة للملكية اللازمة كما حُكي عن المفيد وبعض أهل السنة.
2. انّها مفيدة للملكية الجائزة.
فلندرس القول الأوّل وأمّا الثاني فقدمرّ الكلام فيه نقلاً عن المحقّق الثاني.
وأساس القول الأوّل انّ المعاطاة بيع كالبيع اللفظي وتشاركه في عامّة الأحكام حتّى اللزوم، ويدلّ على ذلك الأُمور السبعة التالية:

1. انّ المعاطاة هي الأصل، والبيع بالصيغة فرع لها

إنّ أساس حياة الإنسان منذ أن وجد على سطح هذا الكوكب، هو التعاون ورفع الحاجات عن طريق المعاطاة، خصوصاً عندما كانت الحياة بسيطة، فكان يعطي ما اصطاده من السمك مقابل الحنطة الّتي زرعها الآخرون.
ولم تكن المعاطاة مختصة بمورد دون مورد، بل كانت تعم موارد الإجارة

صفحه 97
والهبة والرهن إلى غير ذلك من الموارد.
فبساطة الحياة، ومحدودية الممتلكات، ألزمت الناس للتعامل بهذا النوع من العقود من دون استخدام لفظ أو إيجاب وقبول.
ولمّا اتّسعت الحضارة وكثرت الممتلكات ـ خاصة ما لا يقبل النقل ـ حل البيع اللفظي والإيجاب والقبول مكان الإعطاء والأخذ، إذ رب متملّك غير خاضع للإعطاء باليد والأخذ بها. وربما لا يقتصرون بالعقد اللفظي إلاّ مع ضم الكتابة إليه. فلو كان الفرع ـ أعني: البيع بالإيجاب والقبول ـ مفيداً للملكية اللازمة فليكن الأصل كذلك.
والظاهر أنّ مسألة المعاطاة طرحت في القرن الثاني من الهجرة، وزعم كثير من فقهاء أهل السنة أنّ الأصل في البيع هو الإيجاب والقبول، فصار هذا سبباً للاختلاف في حكم المعاطاة، ولمّا دخلت هذه المسألة في كتبنا الفقهية وأخذها الأصحاب بالبحث والدراسة ظهرت بينهم آراء، ولو أنّ الفقهاء تدارسوا تاريخ اقتصاد المجتمع البشري ووسائلهم في رفع حاجاتهم لربما توصلوا إلى ما روي عن المفيد وغيره من أنّ المعاطاة مفيدة للملكية اللازمة، وانّها لو لم تكن أولى من البيع بالصيغة فليست أقلّ منه.

2. وجود المعاطاة في عصر الرسالة

كانت المعاطاة رائجة في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام) حتّى أنّ «مارية» وُهبت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من دون أن يكون هناك إيجاب لفظي وقبول مثله، حيث إنّ النجاشي ملك الحبشة أرسلها إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يرد في التاريخ ولا في الحديث أنّه كان هناك منهما إيجاب وقبول.

صفحه 98
هذا ولم يرد في آية ولا رواية حكم حول المعاطاة مع كثرة الابتلاء بها، فلو كان للمعاطاة حكم خاص وراء البيع عند الشرع لزم التنبيه عليه.

3. السيرة المستمرة بين المسلمين

السيرة المستمرة بين المسلمين من زمان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا على إجراء أحكام البيع على المأخوذ بالمعاطاة ولا يفرقون بينه وبين المأخوذ بالصيغة، ولعمري انّه ممّا لا يقبل الإنكار ودعوى انّه مبني على عدم المبالاة كما ترى، بل من المعلوم أنّ الأئمّة وأصحابهم بل سائر الناس من العلماء والعوام كانوا يتصرفون في الهدايا والعطايا تصرف الملاك، ولم يعهد من أحد منهم إجراء الصيغة فيها مع أنّه لا فرق بينها و بين البيع بناء على اعتبارها في الملكية، فتدبّر.
ومن هنا يعلم ضعف ما أفاده الشيخ الأنصاري حول هذا الاستدلال حيث قال:
وأمّا ثبوت السيرة واستمرارها على التوريث فهي كسائر سيرهم الناشئة عن المسامحة وقلة المبالاة في الدين ممّا لا يحصى في عباداتهم ومعاملاتهم وسياساتهم كما لا يخفى.1
أقول: لو كان ملاك الاستدلال بالسيرة المستمرة بين المتشرعة بما هي هي لكان لما ذكره الشيخ وجه، ولكن ملاك الاستدلال في الواقع هو وجود السيرة المستمرة من عصر النبي والأئمّة(عليهم السلام) مع عدم ردع منهم عن تلك السيرة، فاحتمال صدور المتشرعة عن المسامحة، وإن كان غير منتف لكن سكوت أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في المقام يكشف عن كونها سيرة صالحة.

1 . المتاجر:83، طبعة تبريز.

صفحه 99
وأمّا اهتمام العقلاء في جلائل الأُمور باللفظ بل بالكتابة لأجل دفع بعض الشكوك التي تعتري مورد المعاملة، حتّى أنّ كثيراً منهم لا يكتفي باللفظ في بيع غير المنقول فضلاً عن المعاطاة بل لا يقتنع إلاّ بالكتابة، إمّا بخط العلماء الذين يرجع الناس إليهم في معاملاتهم وأنكحتهم، أو بالتسجيل في المكاتب الرسمية المختصّة بذلك.

4. إجماع العلماء على الصحّة

أجمع العلماء على جواز التصرفات حتّى المتوقّفة على الملك، إلاّ العلاّمة في كتاب النهاية فقد منع منه، إلاّ أنّه رجع عن ذلك في غيره.

5. جريان البراءة عن شرطية الصيغة

إنّ المسألة راجعة إلى الشك في شرطية الصيغة على انعقاد البيع ولا دليل عليها، وعدم الدليل في مثل هذه المسألة دليل العدم ،لأنّه لو كان لبان، ووجب على الشارع البيان، وما استدل به من الروايات على لزوم الإيجاب والقبول لا دلالة فيه على ما يرتؤون، كما سيوافيك.

6. البيع طبعه اللزوم

المعاملات الرائجة بين الناس على قسمين: قسم يقتضي طبعها اللزوم، لأنّ الغاية المتواخاة منها لا تحصل إلاّ إذا كان لازماً، وهذا كالبيع والنكاح والإجارة والمضاربة والمساقاة فإنّ طبعها هو اللزوم وعروض الخيار كأنّه استثناء أو تخصيص، فما لم يكن هناك دليل على عدم اللزوم، يؤخذ بهذا الأصل.
وقسم آخر يقتضي طبعها عدم اللزوم، كالوكالة والعارية والهبة والوديعة

صفحه 100
والأمانة، وهذا ما يسمّى بالعقود الإذنية فإنّ بناءها على الجواز وإنّما يلزم بالعرض.
إذا عرفت ذلك فأعلم أنّ المعاطاة من البيع، وقد مرّ أنّ طبع البيع هو اللزوم إلاّ ما خرج بالدليل.

7. الاستدلال بالآيات الثلاث: على الصحة واللزوم1

أ. قوله سبحانه:(أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).2
ب. قوله سبحانه: (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض).3
ج. قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالعُقُودِ).4
وإليك دراستها واحدة تلو الأُخرى.

الآية الأُولى:

آية حلّية البيع

قال سبحانه:(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّما الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا

1 . الغاية من الاستدلال بالآيات هو إثبات لزوم المعاطاة بعد ثبوت صحتها، والمهم في المقام هو إثبات اللزوم، فتدبر.
2 . البقرة:275.
3 . النساء:29.
4 . المائدة:1.

صفحه 101
فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).1
الاستدلال بالآية يتوقّف على بيان أُمور:

الأوّل: ما هو معنى «أحلّ» في الآية لغةً؟

استعمل هذا اللفظ في الذكر الحكيم في المعاني التالية:
أ. النزول، كقوله سبحانه:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوارِ).2
ب. الفتح في مقابل الشد، كقوله تعالى:(وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَاني).3
ج. الرخصة في مقابل الحرمة بمعنى المنع، وهذا هو المتبادر في الموارد الّتي يقع فيها هذا اللفظ في مقابل الحرمة، نظير قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ).4
هذه هي موارد استعمال لفظ «أحلّ» في القرآن الكريم5، إنّما الكلام في تعيين المراد منه في الآية الكريمة.
يظهر من المحقّق الاصفهاني: أنّ الحل في الآية من الحلول بمعنى القرار، والمراد أنّه تعالى أحلّه محلّه وأقرّه مقرّه ولم يجعله كالقمار.6
وأورد عليه السيد الخوئي بأنّ الحلّ من الحلول وإن وقع في الاستعمالات العرفية الصحيحة الفصيحة، بل في الكتاب العزيز(أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوارِ)7،

1 . البقرة:275.
2 . إبراهيم:28.
3 . طه:27.
4 . التحريم:1.
5 . لاحظ في ذلك، المقاييس لابن فارس.
6 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:25.
7 . إبراهيم:28.

صفحه 102
إلاّ أنّ هذا المعنى لا يناسب الحلّ بمعنى الإطلاق والإرسال الّذي ورد في بعض الآيات. ثمّ إنّه (قدس سره)اختار أنّ اللفظ في المقام بمعنى الإرسال، وأنّ اللّه قد رخّص في إيجاد البيع وأطلقه وأرسله ولم يمنع عن تحقّقه في الخارج.1
يلاحظ على الأمرين: أنّ لفظ «أحلّ» في الآية الكريمة يعني(أَحَـلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) لا بمعنى الإحلال ولا بمعنى الإطلاق والإرسال، بل المراد هو الحلّية بقرينة مقابله، أعني قوله تعالى: (وَحَـرَّمَ الرِّبَا)، فالآية بصدد بيان أنّ البيع حلال والربا حرام.
وهذا نظير قوله سبحانه حاكياً عن بعضهم:(وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تِصِفُ أَلْسِنَتكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وَهَذا حَرَامٌ).2

الثاني: هل الآية في مقام البيان؟

الاستدلال بالآية على مورد المعاطاة، بل سائر الموارد مبني على أن تكون الآية في مقام البيان بأنّ البيع بعامة شقوقه وصوره وموارده حلال وربّما يتصوّر أنّ الآية ليست في مقام بيان حلية البيع بعامة أشكاله، بل بصدد بيان نفي التسوية بين البيع والربا حيث إنّ المشركين سوّوا بينهما وقالوا:(إِنّما الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا)، وأنّ الربح العائد إلى الإنسان من جانب الربا، كالربح العائد إليه من جانب البيع، فنزل الوحي بنفي هذه التسوية وانّهما ليسا بمتساويين وقال:(وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)،وربما يستظهر ذلك المعنى من الإمعان في الآية صدراً وذيلاً. ويؤيد ذلك أنّ حلية البيع لم تكن محط كلامهم حتّى ينزل الوحي بحليته.

1 . مصباح الفقاهة:2/107.
2 . النحل:116.

صفحه 103
وقد أجاب المحقّق الإصفهاني عن الإشكال بما هذا لفظه:
إنّ منع الإطلاق في المقام بما يشترك معه سائر الإطلاقات مخدوش باشتهار التمسّك به من علماء الإسلام في موارد الشك، بل يظهر من بعض الأخبار أنّه أمر مسلم مفروغ عنه كما في الفقيه بسنده عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) :جُعلت فداك إنّ الناس يزعمون أنّ الربح على المضطر حرام وهو من الربا؟ قال: «وهل رأيت أحداً يشتري ـ غنياً أو فقيراً ـ إلاّ من ضرورة1، يا عمر قد أحلّ اللّه البيع وحرّم الربا فأربح ولا ترب»، قلت: وما الربا؟ قال: «دراهم بدراهم مثلين بمثل».2 والظاهر أنّه إشارة إلى الآية الشريفة، وليس الربح على المضطر بأظهر ولا بأغلب من المعاطاة ليمنع عن شمولها بإطلاقها.3
وحاصل كلامه: انّ الإمام(عليه السلام) استدل بإطلاق (حرّمَ الرِّبَا)على حرمته على المضطر، وشمول حرمة الربا للمضطر ليس بأظهر من شمول حلية البيع للمعاطاة.
ويمكن الجواب أيضاً عن الإشكال بوجهين آخرين:
الأوّل: ما أفاده سيدنا الأُستاذ(رحمه الله) وهو أن ّ ردع القائلين بأنّ البيع مثل الربا تارةً يكون ببيان عدم التسوية، بأن يقال: إنّهما غير مثلين، فإنّ أحدهما حلال، والآخر حرام.
وأُخرى يكون ببيان حكم الموضوعين ليكون ردعاً لهم بلازم الكلام، نحو الآية الشريفة، فإنّها ردع لهم ببيان حكم الموضوعين، فحينئذ تكون في مقام بيان

1 . قوله: «غنياً أو فقيراً» عطف بيان لقوله:«أحداً» والتقدير: هل رأيت أحداً غنياً كان أو فقيراً يشتري إلاّ من ضرورة، فالضرورة لا تبيح الربا.
2 . الوسائل:12، الباب40 من أبواب آداب التجارة، الحديث1.
3 . تعليقة المحقّق الإصفهاني على المتاجر:26.

صفحه 104
حكمهما، ليترتّب عليه ردعهم، وهذا لا يضرّ بالإطلاق.1
وحاصل كلامه: أنّه لو كان سبحانه في مقام نفي التسوية لكان عليه أن يقول: ليس البيع مثل الربا، أو: ليسا بمتساويين نظير قول امرأة عمران:(وليس الذكر كالأُنثى) 2 مع أنّا نرى أنّه في مقام نفي التسوية أتى بشيء زائد وهو حليّة البيع وحرمة الربا، فأفاد ضمناً نفي التسوية، فيعلم من ذلك أنّ الغاية ليست نفي التسوية فقط، بل هي أمر ضمني، والمقصود هو الحكم بتشريع أحدهما وعدم تشريع الآخر.
الثاني: التمسّك بإطلاق الحكم، وذلك لأنّه سبحانه يحكي بالجملة الماضوية عن جعل الحلية للبيع والحرمة للربا في الزمان الماضي فتكون الآية حاكية عن التشريع، لا مشرعة بالفعل وبما أنّ الآية تحكي عن حلية البيع بلا قيد نستكشف عن كون المحكي أيضاً بلا قيد.
على أنّ الإشكال مخالف لفهم الفقهاء منذ العصور الأُولى إلى يومنا هذا، فهم يستدلون بإطلاق الآية في مقامات مختلفة.

الثالث: المراد، الحلّية الوضعية لا التكليفية

اختلفت كلماتهم في مفاد الآية، فهل هو بصدد بيان الحكم التكليفي ـ أعني: حلّية التصرفات ـ دون حصول التمليك والتملك كما عليه الشيخ الأنصاري، أو بصدد بيان الحكم الوضعي وأنّ البيع مشروع والربا ممنوع، وبالتالي حصول مضمونه أي التمليك والتملك في البيع وعدمه في الربا، أو بصدد بيان

1 . كتاب البيع:1/98.
2 . آل عمران:36.

صفحه 105
كلا الحكمين التكليفي والوضعي، كما هو الظاهر من المحقّق الخوئي1؟
الظاهر هو المعنى الثاني، للفرق بين تعلّق لفظ «أحلّ» بالأعيان، أو الأفعال كالكذب، وتعلّقه بالأسباب والأدوات.
أمّا الأوّل: ـ أعني: تعلّق الحكم بالأعيان ـ فإنّ المتبادر من تعلّق النهي بالأعيان الخارجية هو حرمة التصرف والانتفاع بها، كقوله سبحانه:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِه وَالْمنْخَنِقَةُ وَالْمَوقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ومَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ).2
وأمّا الثاني: ـ أعني: تعلّق الحلّية بالسبب ـ فإنّ البيع وإن كان اسماً للمسبّب، أي المبادلة الحاصلة بالسبب القولي تارة والفعلي أُخرى، لكن السبب والمسبب معاً أداة وسبب لما يتوخاهُ الطرفان من البيع ـ أعني: التمليك، والتملّك ـ ومن المعلوم أنّ السبب بهذا المعنى، إذا تعلّقت به الحلّية يراد بها الحلّيّة الوضعيّة فتكون ملازمة للصحّة وتحقّق ما يتوخّاه الطرفان من العقد من حصول التمليك والتملّك.
نعم افترض بعضهم تبعاً للشيخ: انّ المراد من الحلّية، هو القسم التكليفي ورتّب عليه انّ الآية لا تدلّ على التمليك والتملّك. وحاصل كلامه ـ مع ما فيه من الإطناب ـ: أنّ الآية لا تدلّ على التمليك والتملّك ـ على خلاف ما اخترناه ـ و ذلك انّ الحلية لا تتعلّق بالبيع، لأنّه إنشاء تمليك عين بمال وحلّيته لا تحتاج إلى البيان فلابدّ من تفسير الآية بتعلّق الحلية بالتصرفات، فالآية تدلّ على إباحة جميع التصرفات حتّى المتوقّفة على الملك غير أنّها تدلّ على الملكية في غير مورد المعاطاة

1 . مصباح الفقاهة:2/105.
2 . المائدة:3.

صفحه 106
لأجل قيام الإجماع على الملازمة بين حلية التصرفات والملكية، وأمّا المعاطاة فأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ جواز التصرّفات المتوقّفة على الملك تتوقّف على تقدير الملك قبل التصرف لا حصوله من أوّل الأمر. على هذا فالمعاطاة لا تفيد الملكيّة بل إباحة التصرفات، غاية الأمر إذا انتهى التصرّف إلى ما لا يجوز إلاّ في الملك، يتملكه المشتري عندئذ.
يلاحظ عليه: الظاهر دلالة الآية على حصول التمليك والتملّك من دون حاجة إلى الإجماع، كما في غير المعاطاة، أو انتهاء الأمر إلى ما لا يجوز التصرف إلاّ في الملك، من غير فرق بين كون الحلّية وضعية أو تكليفية.
أمّا على الأُولى فلأنّ المراد من الحلية هو الحلية الوضعية بقرينة تعلّقها بالأدوات، فتكون ملازمة للصحّة وتحقّق مضمون البيع (أي التمليك) من لدن إنشائه.
وأمّا على الثانية والمراد من الحلية هو الحلية التكليفية المتعلّقة بالتصرفات، فلأنّ حلّية جميع التصرفات بما فيها الموقوفة على الملك تدلّ عرفاً على حصول الملك بالفعل،1 من دون حاجة في حصوله إلى ضم ما أفاده(قدس سره) من الإجماع، أو انتهاء الأمر إلى ما لا يجوز إلاّ في الملك.
وبذلك ظهرت دلالة الآية على التمليك والتملّك، لأنّهما من لوازم إمضاء مقصود المتعاطيين.

الرابع: المعاطاة بيع عرفاً

كانت الأُمور الثلاثة راجعة إلى الكبرى وتحديد مفاد الآية، وهذا الأمر

1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:25. لاحظ خيارات الشيخ الأنصاري:216.

صفحه 107
يبحث عن الصغرى وهي أنّ المعاطاة بيع بلا إشكال، ومن تردّد فيه فقد شكّ في أمر واضح لا سترة فيه، فحينئذ تنطبق عليه الآية المباركة ويكون المعنى أنّ المعاطاة بيع، فله من الأحكام ما لسائر أنواع البيوع من حصول التمليك والتملّك اللازمين.

الآية الثانية:

آية التجارة

قال سبحانه:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً).1
الاستدلال يتوقّف على بيان أُمور:
الأوّل: ليس المراد من الأكل المعنى اللغوي، بل هو كناية عن أحد أمرين:
أ. التملّك.
ب. مطلق التصرفات المتوقّفة على الملكية.
فلو قلنا بالأوّل يكون مفاد الآية في جانب المستثنى والمستثنى منه: لا تتملّكوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن يكون التملّك ناشئاً عن تجارة عن تراض، فتكون التجارة بالتراضي تفيد الملكية، فيكون مفاد الاستثناء بيان الحكم الوضعي.
ولو قلنا بالثاني يكون مفاد الآية في جانب المستثنى والمستثنى منه: لا تتصرفوا في أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن يكون التصرف ناشئاً عن تجارة . ومن المعلوم أنّ تجويز عامة التصرفات حتّى المتوقفة على الملك يلازم حصول المتوقَّف

1 . النساء:29.

صفحه 108
عليه.
وعلى كلّ تقدير فالتجارة عن تراض إمّا مفيدة للملكية، أو مفيدة لجواز التصرف الملازم للملكية.
الثاني: الظاهر أنّ الاستثناء منقطع لعدم دخول التجارة عن تراض في المستثنى منه، وإلاّ يلزم أن يكون جميع التجارات داخلة في الباطل موضوعاً، وخارجة منها حكماً، وجائزة تكليفاً، وهذا على خلاف البلاغة، فإنّ المتبادر من الآية أنّ التجارة عن تراض خارج عن الباطل موضوعاً لا حكماً فقط.
وأمّا تصوير كون الاستثناء متصلاً بالنحو التالي: (لا تَأْكُلُوا أَموالَكُمْ بَيْنَكُمْ)بكل سبب، فإنّه باطل(إلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض) فبعيد عن الأذهان، والاستثناء المنقطع شائع في لغة العرب وكلمات البلغاء.
نعم ربما يقال بظهور الثمرة في كون الاستثناء متصلاً أو منقطعاً باستفادة الحصر على الأوّل دون الثاني، فقولنا: جاء القوم إلاّ زيداً، يفيد الحصر، دون قولنا: جاء القوم إلاّ حمارهم، فعلى الأوّل تدخل المعاطاة في المستثنى لأنّه إذا لم يكن داخلاً في المستثنى منه ـ للاتفاق على جواز الأكل فيها ـ ويكون داخلاً في المستثنى، وعلى الثاني يحتمل أن يكون قسماً آخر غير داخل في المستثنى.
ثمّ إنّ صاحب «البلغة» أقام دليلاً على أنّ الاستثناء منقطع وليس متصلاً وبذلك أبطل لزوم كون المعاطاة داخلةً في (تجارة عن تراض)، بل يحتمل أن يكون قسماً ثالثاً نظير أروش الجنايات، وحاصله:
إنّ حمله على الاتصال ـ المستلزم للحصر ـ يستلزم كثرة التخصيص المستهجن لعدم حصر أسباب الحل والجواز بالمستثنى وهو« التجارة عن تراض» ضرورة أنّه ـ كما يحل بذلك ـ يحل بالهبات والوقوف والصدقات والوصايا وأروش

صفحه 109
الجنايات وسائر النواقل الشرعية، والإباحات بقسميها الشرعية والمالكية. فكيف يكون مطلق غير التجارة عن تراض أكلاً بالباطل، ولا كذلك على المنقطع لرجوعه إلى ذكر السبب الخاص لا حصر الأسباب به. وعليه لا يتم الاستدلال بالآية على المدّعى.1
يلاحظ عليه بوجهين:
1. انّ قسماً من المذكورات داخل في التجارة، أعني: ما يتوقّف على القبول، كالهبات والصدقات والوصايا، وإنّما تخرج أروش الجنايات ولا مانع من خروجها لندرتها، وهذا لا يستلزم الاستهجان في التخصيص.
2. انّ كون المعاطاة من أقسام التجارة عن تراض أمر وجداني يحكم به كلّ من تدبر في الآية، وعليه فلا يتوقّف الاستدلال على استفادة الحصر من المستثنى، بل يكفي كون المعاطاة من مصاديق المستثنى وجداناً.
الثالث: انّ الباء في قوله: (بِالْباطِلِ) بمعنى السبب، فنهى عن أكل الأموال بسبب باطل، وأخرج منه التجارة عن تراض. وهذا يدلّ على أنّ المراد بالباطل ماوراء التراضي وذلك كالقمار والسرقة والخيانة إلاّ أن تكون الأموال أموال تجارة، أي حاصلة بالتجارة.
وقد سبق أنّ الحكم الشرعي إذا تعلّق بالسبب يكون ظاهراً في الحكم الوضعي جوازاً ومنعاً، فتكون الآية ظاهرة في الصحة الوضعية2 ، فمعنى الآية أنّ الأكل بالتجارة، مرخّص فيه لكونها حقاً ثابتاً وطريقاً صحيحاً لتحصيل الأموال، فإذا كانت التجارة عن تراض مرضية عند الشرع ومرخصة تكون المعاطاة من

1 . بلغة الفقيه:2/104.
2 . تقدم أنّه لو قلنا بأنّ مفاد الآية هو الحكم التكليفي لدلت أيضاً على صحة المعاطاة وإفادتها للتمليك والتملك.

صفحه 110
مصاديقها لأنّها تجارة مرضية بين الطرفين وليس من الأسباب الباطلة خصوصاً إذا قلنا بأنّ التجارة عن تراض لا تختص بالبيع، بل تعم كلّ المعاملات كالصلح والإجارة والحيازة والصيد.
فإن قلت: إنّما يتم الاستدلال بالآية إذا كان المراد بالباطل، هو الباطل العرفي كما في السرقة والخيانة والغش، وعندئذ تكون كلّ تجارة مقرونة بالتراضي خارجة عن المستثنى منه وداخلة في المستثنى . وأمّا إذا أُريد به الباطل الشرعي (كالربا)، تكون الآية مجملة، إذ من المحتمل أن تكون التجارة بالمعاطاة من الباطل الشرعي وإن لم تكن كذلك عند العرف، نظير الربا فهو باطل شرعاً وليس باطلاً عرفاً، وقد نقل في «مجمع البيان» عن أبي جعفر، أنّ الربا من مقولة الأكل بالباطل.1
قلت: إنّ الآية بصدد تعليم الناس التجارة المحلّلة وتمييزها عن المحرمة فلابدّ أن تكون الآية واضحة المراد، مبينة المقصود، فلو أُريد به الباطل عند الشرع، تصبح الآية مجملة غير مفيدة.
وبذلك يعلم ضعف ما يظهر من المحقّق الأردبيلي حيث قال: فالآية تدلّ على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذن صاحبه ما لم يرد في الشرع إذن، ففي الآية إجمال.2
والظاهر أنّ الآيـة ليس فيها إجمـال، والمـراد ما ليس بـاطلاً عـرفاً، وأمّـا عـدّ الـربا منـه فـي الـروايـة فهـو داخـل فـي البـاطل حكماً وتعبّداً، لا موضوعاً. نعم هو منقول في المجمع عن أبي جعفر(عليه السلام) مرسلاً. ورواه في الوسائل

1 . مجمع البيان:3/59.
2 . زبدة البيان:427.

صفحه 111
عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) مسنداً.1
ودلالة الآية على الصحة واضحة، وأمّا دلالتها على اللزوم فلأنّ استرجاع المبيع بغير رضا المشتري بالفسخ، يعدّ أكلاً بغير رضى، وهو أكل بالباطل.

الآية الثالثة:

آية الوفاء بالعقود

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُريدُ).2
الاستدلال بالآية على صحة المعاطاة ولزومها بالتفرق عن مجلس المعاملة، رهن إيضاح أُمور:
الأوّل: ما هو المراد من العقد؟
الثاني: ما هو المراد من العهد؟
الثالث: ما هو المراد من الوفاء؟
الرابع: ما هي الصلة بين قوله سبحانه: (أَوفُوا بِالعُقُودِ)وقوله:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ)؟
أمّا الأوّلان فقد قدمنا البحث فيهما عند الكلام في الجهات العشر قبل المعاطاة، بقي الكلام في الثالث والرابع. وإليك دراستهما:

1 . الوسائل:12، الباب35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
2 . المائدة:1.

صفحه 112

ما هو المراد من الوفاء بالعقود؟

الإيفاء أو التوفّي، هو إعطاء الشيء وافياً غير منقوص، كقوله سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ)1 ، فيكون المراد العملُ بالالتزامات بلا نقيصة، ذلك لأنّ العمل بالالتزامات أساس الحياة ولا غنى للإنسان في حياته عنه أبداً، من غير فرق بين التزام والتزام، ومن مصاديقها عقود المصالحات والمهادنات في الحروب، والتعاقد على نصر المظلوم ، وعلى هذا فكلّ التزام جرى بين بالغين عاقلين عن طيب نفس على أي شيء كان، عقد يجب الوفاء به حسب الآية شريطة أن لا يُحرّم حلالاً، ولا يحلّل حراماً.
ثمّ إنّ الوفاء بالعقد بمعنى الالتزام يختلف العمل به حسب اختلاف المورد، ففي مورد النذر، الوفاء بالنذر يتحقّق بدفع الصدقة إلى الفقير، وفي مورد البيع الوفاء به عبارة عن تسليم العوضين قاطعاً كلٌّ صلته بما دفع، فالبائع يقطع صلته بالمبيع والمشتري بالثمن.
وبهذا ظهر أنّ قوله سبحانه :(أَوفُوا بالعُقُودِ) على إيجازها عظيمة النفع، حيث تتضمن تشريع أصل يعد أساساً في العلاقات الاقتصادية في حياة الإنسان.

ما هي الصلة بين الجملتين؟

يقول سبحانه: (أَوفُوا بِالعُقُودِ)ويقول بعدها: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ)، والظاهر أنّ الجملة الثانية، جملة مستأنفة، تمهيداً لما يرد بعدها من الأحكام المحللة والمحرمة.
***

1 . النساء:173.

صفحه 113
فلنرجع إلى بيان دلالة الآية على صحّة المعاطاة ولزومها.
فاعلم أنّه يمكن بيان دلالة الآية على صحّة المعاطاة ولزومها لوجهين:
الأوّل: ما أفاده المحقّق الخوئي وقال: المراد من الأمر بالوفاء بالعقد، هو الإرشاد إلى لزومه وعدم انقسامه بالفسخ، إذ لو كان الأمر بالوفاء تكليفياً لكان فسخ العقد حراماً، وهو واضح البطلان وعليه مفاد الآية انّه يجب الوفاء بكلّ ما صدق عليه عنوان العقد عرفاً، ومن الواضح جدّاً أنّ المعاطاة عقد عرفي كسائر العقود، فتكون مشمولة بعموم الآية.1
الثاني: ما تقدّم من أنّ الحكم إذا تعلّق بالأداة به ـ لا بالأعيان ولا بالأعمال ـ يكون ظاهراً في الإرشاد، ويكون وجوب الوفاء بالعقد، كناية عن الالتزام العملي بمفاد العقد، وهو في مورد البيع عبارة عن كون المثمن ملكاً للمشتري، والثمن، ملكاً للبائع ملكية قطعية هو لا ينفك عن الصحة واللزوم من غير فرق بين البيع بالصيغة، والبيع بالمعاطاة.
ثمّ إنّ الفاضل المعاصر الشيخ محمد علي التوحيدي(قدس سره) 2 في تقريره لبحوث السيد الخوئي ذكر أنّ الشيخ الأنصاري لم يستدلّ ب آية وجوب الوفاء في المقام وذكر له وجهاً وهو:
إنّ الآية تدلّ على لزوم العقد دلالة مطابقية، فإذا دلّت الآية على لزومه بالمطابقة دلّت على صحّته بالالتزام، ولمّا سقطت الدلالة المطابقية في المقام ـ لأجل انعقاد الإجماع على عدم لزوم المعاطاة ـ سقطت الدلالة الالتزامية، أي

1 . مصباح الفقاهة:2/159.
2 . كان (رحمه الله) عالماً فاضلاً تقيّاً شجاعاً في إبداء الرأي وكانت لنا معه صلة قديمة ترجع جذورها إلى أيام تواجدنا في تبريز في مدرسة «الطالبية».

صفحه 114
الدلالة على صحّة المعاطاة، لوضوح تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية، فإذا سقطت دلالة الآية بالمطابقة على لزوم المعاطاة سقطت دلالتها الالتزامية على صحتها.1
يلاحظ عليه: أنّ مفاد الآية بالدلالة المطابقية هو وجوب الوفاء، وأمّا اللزوم والصحّة فهما من المداليل الالتزامية لوجوب الوفاء، فليس أحدهما أصلاً والآخر فرعاً، بل كلاهما في عرض واحد.
نعم انّ الشيخ لم يستدلّ بالآية بالمباشرة، ولكنّه نقل الاستدلال وقال: وقد يستدل بعموم قوله تعالى:(أَوفُوا بِالعُقُودِ).2

كلام للمحقّق النائيني

ثمّ إنّ المحقّق النائيني ذهب إلى أنّ التعاطي بقصد التمليك يفيد الملك الجائز ولا يفيد اللزوم. أمّا إفادته الملكية فلأنّ تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله كما يتحقّق بالقول كذلك يتحقّق بالفعل، غاية الأمر يتوقّف تحقّقه به على قصد التمليك منه والدليل عليه صدق البيع عرفاً فيدل على صحة جميع الأدلة الدالّة على صحة البيع بالقول.
وأمّا عدم اللزوم وهو التزام كلّ من المتعاقدين بما أوجدا من التبديل ومن هذه الجهة يسمّى التبديل القولي عقداً وعهداً مؤكّداً، وهذا المعنى لا يمكن أن يتحقّق بالفعل الّذي يحصل به التبديل، لأنّه ليس للفعل دلالة الالتزام، نعم قد يوجد ذلك المعنى بفعل آخر كالمصافقة كما هو المتعارف بين الدلالين أو المالك

1 . نفس المصدر:2/118، والكلام للمقرر لا للسيد الخوئي.
2 . المتاجر:85.

صفحه 115
والمشتري.1
يلاحظ عليه:
1. ما عرفت من أنّ العقد في مقابل الحلّ وإنّما يستعار لمطلق الاتفاقيات والالتزامات من غير فرق بين التزام والتزام آخر، فالقول: «بأنّ العقد هو العهد المؤكّد ـ كما في كلامه ـ » فاقد للدليل.
2. انّ ظاهر كلامه أنّ المضمون في البيع وسائر الالتزامات على وزان واحد والّذي يُضفي على العقد تأكيداً هو إيجاده باللفظ، ففيه انّه إذا قال: بعت وقال الآخر: اشتريت، فأي تأكيد في مقام الإنشاء، وإنّما دور اللفظ هو إبراز ما في النفس من المقصود، من دون دلالة على التأكيد. فليكن الفعل كذلك.
3. يلزم عليه التفصيل بين اقتران المعاطاة بالمصافقة فتكون لازمة، وعدمه فتكون جائزة، وهو كما ترى.
4. إذا كانت المصافقة مفيدة للتأكيد، فالقرائن الحافّة في المعاطاة الرائجة على أنّ الطرفين بصدد البيع والشراء اللازمين أقوى من المصافقة.
***

1 . منية الطالب:1/49بتلخيص منّا.

صفحه 116

5

الاستدلال بالنبويات على اللزوم

ثمّ إنّه ربّما استدل على أنّ المعاطاة مفيدة للملكية اللازمة لا الجائزة بالنبويات الأربعة، وإليك دراستها.

الأوّل: سلطنة الناس على أموالهم

اعلم أنّه استدلّ بالنبوي المذكور تارة على إفادة المعاطاة الملكية، وأُخرى على إفادتها اللزوم، وقد استدلّ به الشيخ في كلا المقامين. وأشكل في المقام الأوّل على الاستدلال دون الثاني. وإليك بيانه ووجه التفصيل في كلا الموضعين:

الاستدلال بالنبوي على إفادة المعاطاة الملكية

قال الشيخ الأنصاري: وأمّا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «الناس مسلّطون على أموالهم» فلا دلالة فيه على المدّعى، لأنّ عمومه باعتبار أنواع السلطنة، وهو يجدي فيما إذا شُكّ في أنّ هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك وماضية شرعاً في حقّه أو لا، أمّا إذا قطعنا بأنّ سلطنة خاصّة كتمليك ماله للغير نافذة في حقّه، ماضية شرعاً لكن شُكّ في أنّ هذا التمليك الخاص هل يحصل بمجرد التعاطي مع القصد أو لا، أو لابدّ من القول الدالّ عليه؟ فلا يجوز الاستدلال على سببية المعاطاة في الشريعة للتمليك بعموم تسلّط الناس على أموالهم.1
وبعبارة أُخرى: إنّ النبوي ليس مشرّعاً وإنّما هو بصدد بيان سلطنة الناس

1 . المتاجر:83.

صفحه 117
على ضوء القواعد والضوابط المعلومة، فإذا شُك في أنّ التمليك هل يحصل بالمعاطاة أو لا، أو يحصل بالكتابة أو لا؟ فلا يكون النبوي مفيداً في ذلك المجال. وإلى هذا الإشكال أشار سيدنا الأُستاذ في كتاب البيع، قائلاً: بأنّ ما لدى العرف في إنفاذ المعاملات يتوقّف على أمرين:
أحدهما: سلطنة المالك على ماله، فمثل المجنون والطفل غير المميز ليس له سلطان لدى العقلاء فلابدّ في إنفاذ المعاملة من السلطنة على المال.
ثانيهما: إيقاع المعاملة على طبق المقررات العقلائية، فبيع المجهول المطلق بمجهول مطلق ليس نافذاً لديهم، لا لقصور في سلطنة المالك، بل لمخالفته للمقرّر العقلائي، فتسلّط الناس على أموالهم شيء، ولزوم تبعية العاقد للمقررات العقلائية شيء آخر، وليس المقررات العقلائية ناشئة عن السلطنة، وليست من شؤونها، بل هي قواعد لديهم لتنظيم الأُمور وسدّ باب الهرج.1

الاستدلال بالنبوي على إفادة المعاطاة اللزوم

استدلّ الشيخ بالنبوي على إفادة المعاطاة اللزوم من دون أن يعترض عليه بما أورده في المقام الأوّل، فقال: ويدلّ على اللزوم مضافاً إلى ما ذُكر عموم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الناس مسلّطون على أموالهم» فإنّ مقتضى السلطنة لا يخرج عن ملكيته بغير اختيار فجواز تملّكه عنه بالرجوع فيه من دون رضاه مناف للسلطنة المطلقة فاندفع ما ربّما يتوهم من أنّ غاية مدلول الرواية سلطنة الشخص على ملكه، ولا نسلّم ملكية له بعد رجوع المالك الأصلي.2
وحاصل الاستدلال: انّه ـ بعد تسليم كون المعاطاة مفيدةً للملكية ـ

1 . كتاب البيع:1/123.
2 . المتاجر:85.

صفحه 118
يقال: إذا كانت المعاطاة مفيدةً لها فسلطنة كل من البائع على الثمن والمشتري على المثمن ـ بعد المعاطاة ـ تقتضي بقاء مال كلّ في ملكه فلا يجوز لغيره أن يزاحمه في تصرفاته فيخرجه عن ملكه ولو بالفسخ، فإنّ ذلك مناف لسلطنة المالك الفعلية.
ثمّ إنّ الفرق بين المقامين واضح، فإنّ الاستدلال في الأوّل لغاية إثبات أنّ المعاطاة مفيدة للملكية، ومعناه إثبات أنّ السبب الفعلي يقوم مقام السبب القولي في النتيجة، وبما أنّه غير ثابت فلا يمكن الاستدلال بسلطنة الإنسان على ماله، على تسلّطه على الضوابط والقواعد وانّ السبب الفعلي كالسبب القولي، وما هذا إلاّ كون دليل السلطنة ليس مشرعاً.
بخلاف المقام الثاني فإنّ أصل الملكية معترف بها لا غبار عليها، إنّما الكلام في جواز تصرف كلّ من البائع والمشتري في ملك الآخر، ودليل السلطنة ينفي ذلك الجواز من دون أن يكون مشرعاً.
وبهذا يظهر عدم التناقض في كلمات الشيخ ووجه التفريق بين المقامين.
هذا ما يمكن أن يقال في الاستدلال بالنبوي، ومع ذلك كلّه ففيه نظر:
وذلك لأنّ السلطنة تابعة لكون كلّ من الثمن والمثمن للبائع والمشتري فمع ثبوت كلّ منهما ملكاً لصاحبه لا يجوز مزاحمة الغير له.
وأمّا إذا شككنا في بقاء الملكية بعد الفسخ حيث نحتمل تأثيره، لأنّ الملكية لو كانت جائزة يكون للفسخ مجالٌ وتأثير، ولو كانت لازمة لم يكن له تأثير، وبذلك نشك في بقاء كلّ منهما في ملك صاحبه، وعندئذ يكون التمسك بدليل السلطنة تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.
ولعله إلى ما ذكرنا يشير السيد الخوئي بقوله: وأيضاً لا دلالة فيه على

صفحه 119
استمرار السلطنة الفعلية للمالك وبقائها حتّى بعد رجوع المالك الأوّل في مورد المعاطاة.1

الثاني: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحلّ مال امرئ إلاّ عن طيب نفسه»2

روى سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحل دم امرئ مسلم، ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه».3والرواية موثّقة لوجود سماعة وزرعة في سندها.
إلى غير ذلك من الروايات الّتي تثبت صحّة المضمون.
وكيفية الاستدلال على نحو ما عرفت في النبوي السابق، من أنّ المعاطاة مفيدة للملكية بالاتفاق فيصير الثمن ملكاً ومالاً للبائع، والمثمن ملكاً للمشتري، وعندئذ لا يجوز لآخر مزاحمته إلاّ بطيب نفسه ومن المزاحمة جواز الفسخ.
يلاحظ عليه: أنّ التمسك بالحديث بعد الفسخ تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للشك في كونه مالاً للمالك السابق بعد الفسخ.

الثالث: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «البيّعان بالخيار»

روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«البيّعان

1 . مصباح الفقاهة:2/159، ولا يخفى أنّ له إشكالاً آخر على الاستدلال لكنّه يرجع إلى المقام الأوّل، ولا مساس له بمقامنا هذا، وكان عليه أن يذكر الإشكال الأوّل في المقام الأوّل والإشكال الثاني في هذا المقام.
2 . ورد نحو هذا الحديث في التوقيع الشريف عن محمد بن عثمان العمري عن صاحب الزمان ـ عجل اللّه فرجه ـ، قال:«ولا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه».انظر الاحتجاج:2/559 برقم 351.
3 . الوسائل:3، الباب3 من أبواب مكان المصلي، الحديث1.والاستثناء يرجع إلى الأخير.

صفحه 120
بالخيار حتّى يفترقا». ورواه أيضاً زرارة بن أعين، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام).
وروى فضيل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، وإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما».
وروى الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «أيّما رجل اشترى من رجل بيعاً فهما بالخيار حتّى يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما».1
وجه الدلالة: أنّ المعاطاة بيع والمتعاطيان بيّعان فتدخل المعاطاة تحت هذه القاعدة، فإذا افترقا افتراقاً يكشف عن رضاهما بالبيع فلا خيار لهما.
وليس التمسّك في المقام من قبيل التمسّك بالشبهة المصداقية للعام، وذلك لأنّ الموضوع هو البيعان وهو صادق بعد الفسخ أيضاً. نعم ربّما قيل:إنّ اللزوم في الرواية لزوم نسبي، أي اللزوم من ناحية خيار المجلس فقط لا من جميع النواحي، ولكنّه غير تام جداً، لأنّ ظاهر الروايات أنّ البيع لازم على وجه الإطلاق وليس لأحد من المتبايعين نقض البيع. نعم خرج بيع الحيوان وغيره من الموارد الّتي ثبت فيها الخيار.

الرابع: قوله(عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم»

روى عبداللّه بن سنان ،عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«المسلمون عند شروطهم إلاّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّ وجلّ فلا يجوز».2
استدلّ به الشيخ على صحة المعاطاة ولزومها، فإنّ الشرط لغة مطلق

1 . راجع في هذه الأحاديث الوسائل، ج12، الباب1 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2، 3، 4.
2 . الوسائل:12، الباب6 من أبواب الخيار، الحديث1. وسوف تنقل مرة أُخرى عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولاحظ سائر الروايات في هذا الباب.

صفحه 121
الالتزام ويشمل ما كان بغير اللفظ، ومعنى الرواية هو انّ المؤمن ملزم بشرطه وانّ شرطه لا يزول بالفسخ.1
واعترض عليه: بأنّ الشرط في اللغة بمعنى الربط بين شيئين، وقد حكي عن القاموس أنّه قال: الشرط هو الالتزام في بيع ونحوه.2 فالشروط الابتدائية خارجة عن حدود الرواية.
ويؤيد ذلك أنّ ابن فارس قال: أصل يدلّ على عَلَم وعلامة، ومن ذلك أشراط الساعة ومن هذا الباب الشريط وهو خيط يربط به البُهم، وإنّما سمّي بذلك لأنّها إذا ربطت به صار لذلك أثر.3 فكأنّه أخذ في مفهومه الربط فلا يشمل الحديث الالتزامات الابتدائية.
قلت: والّذي يدلّ على أنّ الشرط هو الالتزام في ضمن الالتزام انّ أغلب الروايات الواردة في المقام هي على هذا النحو، مثلاً ما رواه منصور بزرج عن عبد صالح أنّه قال: قلت له: إنّ رجلاً من مواليك تزوّج امرأة ثمّ طلّقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلاّ أن يجعل للّه عليه أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، فأعطاها ذلك، ثمّ بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال(عليه السلام): «بئس ما صنع، وما كان يُدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له فليفِ للمرأة بشرطها، فإنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: المؤمنون عند شروطهم».4
ترى أنّ الشرط هو الالتزام في ضمن عقد النكاح، وهكذا غيرها من

1 . المتاجر:85.
2 . مصباح الفقاهة:2/158.
3 . المقاييس:3/260، مادة «شرط».
4 . الوسائل:15، الباب20 من أبواب المهور، الحديث4.

صفحه 122
الروايات الواردة في أبواب المهور،1 والمتعة.2
وأمّا ما في بعض الروايات من قوله(عليه السلام):«شرط اللّه قبل شرطكم»3حيث إنّ شـرط اللّه لم يكن في ضمن العقـد بخلاف شرط المتعاقدين، فلا دلالة فيه على أنّ الشرط في لغة العرب بمعنى مطلق الالتزام، لأنّ التعبير عن حكم اللّه سبحانه بالشرط من باب المشاكلة، لأنّ ما التزمه الطرفان لما كان شرطاً في ضمن العقد عبّر عن حكمه سبحانه بالشرط، وهكذا سائر الروايات الواردة على هذه الشاكلة.
ومع الاعتراف بذلك إلاّ أنّ هنا كلاماً هو أنّ لزوم الالتزام بالشرط في ضمن العقد هل هو أمر تعبدي أو أنّ الملاك هو احترام الإنسان لما تعهد به سواء أكان في ضمن العقد أو غيره، فعندئذ يعم كلا الالتزامين; الابتدائي وغيره. فلو قيل بالثاني لشملت الروايات، المعاطاة.
مضافاً إلى ما ورد في استعمال الشرط في الالتزام الابتدائي في دعاء الندبة وفيه:«بَعْدَ أَنْ شَرَطْتَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَ فِي دَرَجاتِ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنيّة وَزُخْرُفِها وَزِبْرِجِها، فَشَرطُوا لَكَ ذلكَ وَعَلِمتَ مِنْهُمُ الْوَفاء بِه».

1 . كما في الوسائل:15، الباب40 من أبواب المهور، الحديث2.
2 . الوسائل:14، الباب32 من أبواب المتعة، الحديث9.
3 . الوسائل:15، الباب20 من أبواب المهور، الحديث6.

صفحه 123

6

أدلّة القائلين بعدم صحّة المعاطاة أو لزومها

استدلّ بطوائف من الروايات على عدم صحّة أو لزوم المعاطاة، والمراد من عدم الصحّة، عدم إفادتها إباحة التصرف وقد ورد الترديد في كلام الشيخ1 ، وبما أنّ القول بعدم إفادتها إباحة التصرف شاذ، فالأولى الاستدلال بها على عدم اللزوم، وإليك هذه الروايات:

الأُولى: ما ورد في كيفية شراء المصحف

روى عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال سمعته يقول: «إنّ المصاحف لن تشترى، فإذا اشتريت فقل: إنّما اشتري منك الورق، وما فيه من الأديم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا».2
يلاحظ عليه: أنّ هذه الطائفة الدالة على أنّه يجب أن يقول: «كذا ولا يقول كذا» بصدد صيانة كرامة القرآن وحرمته وانّه فوق أن يبذل بإزائه الثمن، فلابدّ من أن يكون المبيع هو الورق والجلد، فقوله: «قل كذا ولا تقل كذا» ورد إرشاداً لما هو المبيع عند بيع المصحف لا أنّ للفظ مدخلية في صحة الشراء، فلو اتّفق الطرفان على كون المبيع هو الجلد والورق كما إذا نُصب لوح أمام المصاحف على أنّ المبيع هو الورق مثلاً، فلا فرق بين البيع بالصيغة والبيع بالمعاطاة.

1 . المتاجر:86.
2 . الوسائل:12، الباب31 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1. وبهذا اللفظ وردت روايات أُخرى في نفس الباب فلاحظ.

صفحه 124

الثانية: ما ورد في بيع الكلّي في المعيّن

روى بريد بن معاوية، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طُن1 قصب في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة، والأنبار فيه ثلاثون ألف طُن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طُن، فقال المشتري: قد قبلت واشتريت ورضيت، فأعطاه من ثمنه ألف درهم، ووكل المشتري من يقبضه، فأصبحوا وقد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون ألف طُن وبقي عشرة آلاف طُن، فقال: «العشرة آلاف طُن الّتي بقيت هي للمشتري، والعشرون الّتي احترقت من مال البائع».2
والشاهد هو في قوله: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طُن، فقال المشتري: قد قبلت.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية هو صحّة البيع بالصيغة، وأمّا عدم صحّته بغيرها فلا تدلّ عليه.
ثانياً: أنّ المورد لما كان من قبيل بيع الكلي في المعيّن «عشرة آلاف طُن ضمن ثلاثين ألف طُن» وهذا لا تجري فيه المعاطاة، ولم يكن محيص في تعيين المبيع من البيع بالصيغة.

الثالثة: قوله(عليه السلام): «إنّما يحل الكلام...»

روى الشيخ في «التهذيب» عن ابن أبي عمير، عن يحيى بن الحجاج، عن خالد بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل يجيء فيقول اشتر هذا الثوب، وأربحك كذا وكذا، قال: «أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟» قلت:

1 . الطُن: هو حزمة من القصب.
2 . الوسائل:12، الباب20 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 125
بلى، قال:«لا بأس به إنّما يحلّل الكلام ، ويحرم الكلام».1ورواه في الكافي عن خالد بن نَجيح،2 والكافي أوثق من «التهذيب».
قلت: إنّ السند لا غبار عليه، أمّا خالد بن الحجاج الكرخي فقد ذكره النجاشي في ترجمة أخيه يحيى بن الحجاج ويروي عنه ابن أبي عمير بواسطة حفص بن البُختري ـ وهو كما قال النجاشي: كوفي ثقة ـ ، كما يروي عنه صفوان بن يحيى بواسطة محمد بن حكيم، فالقرائن تشهد على وثاقته ، مضافاً إلى إتقان المتن وتضافر المضمون في سائر الروايات.
وأمّا خالد بن نجيح فهو المشهور بالجوّان، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن(عليهما السلام)، ويروي عنه المشايخ الثلاثة باسناد صحيح ـ أعني: ابن أبي عمير وصفوان بسند فيه أحمد بن عبد اللّه، من مشايخ الكليني، وعثمان بن عيسى ـ فالقرائن تشهد على وثاقته.
وقد ذكر الشيخ في تفسير الرواية احتمالات أربعة، فقال:
1. أن يراد من الكلام في المقامين، اللفظ الدالّ على التحريم والتحليل بمعنى أنّ تحريم شيء وتحليله لا يكون إلاّ بالنطق بهما، فلا يتحقّق بالقصد المجرد عن الكلام، ولا بالقصد المدلول عليه بالأفعال دون الأقوال.
2. أن يراد بالكلام، اللفظ مع مضمونه وانّ المطلب الواحد يختلف حكمه الشرعي حلاً وحرمة باختلاف المضامين المؤداة بالكلام: مثلاً المقصود الواحد وهو التسليط على البضع مدة معينة يتأتى بقولها: «ملّكتك بضعي»، وبقولها: «متّعتك نفسي» فالأخير موجب للتحليل دون المتقدم.
3. أن يراد بالكلام في الفقرتين; الكلام الواحد، ويكون تحريمه وتحليله باعتبار وجوده وعدمه، فيكون وجود «أنكحت» مثلاً محلّلاً وعدم وجوده محرّماً.

1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.
2 . الكافي:5/201، الحديث 6.

صفحه 126
ولو صح ذلك لكان ذريعة على بطلان المعاطاة بأن يقال: صيغة البيع محلل وعدمه محرّم، وإن كانت هناك معاطاة.
4. أن يراد من الكلام المحلل خصوص المقاولة والمواعدة، ومن الكلام المحرم إيجاب البيع وإيقاعه.1
ثم إنّ الشيخ ناقش المعنى الأوّل والثاني ثم قال: فتعيّن المعنى الثالث أو الرابع، وكان عليه أن يعطف الثالث على الأوّلين ويجعل الرابع هو المتعيّن.
توضيح ذلك: أنّ تكثير الاحتمالات حول مفاد الحديث أمر غير مرغوب، بل يجب تفسير الحديث بالنظر إلى مورده والقرائن الموجودة فيه، والاحتمالان الأوّلان لا يمتّان بصلة بالنسبة إلى مورد الحديث، لأنّ مورد الحديث عبارة عن السمسار الّذي يضع الناس عنده أموالهم وممتلكاتهم ليبيعها لهم، فيأتي المشتري إلى السمسار فيقول له: اشتر هذا الثوب الّذي أُودِع عندك للبيع، من مالكه لنفسك ثم بعه لي أربحك مبلغ كذا ، ففي هذا المورد يقول الإمام(عليه السلام):«أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ» والضمير في قوله«إن شاء» يرجع إلى المشتري الّذي جاء إلى السمسار، والمعنى هل هو بعد هذه المقاولة مختار بين الأخذ والترك أو لا؟ فإن لم يكن مختاراً فالبيع باطل لأنّك بعته ما لم تملك، وأمّا إذا كان مختاراً في الأخذ والترك فالذي وقع هو مجرد المقاولة والمذاكرة دون أن يكون هناك إيجاب وقبول، فإذا اشتريته وعرضت عليه المبيع فإن أخذه عن اختيار فهو صحيح، لأنّك بعته بعدما ملكتَ.
ويشهد لهذا المعنى ما رواه الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) الرجل يجيئني يطلب المتاع، فأُقاوله على الربح، ثم اشتريه فأبيعه منه؟ فقال: «أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟» قلت: بلى، قال: «لا بأس به». فقلت: فإنّ من عندنا يفسده، قال: «ولِمَ»؟ قلت: باع ما ليس عنده. قال: «فما تقول في السلف قد باع

1 . المتاجر:86.

صفحه 127
صاحبه ما ليس عنده؟» فقلت: بلى. قال: «فإنّما صلح من قبل أنّهم يسمّونه سلفاً. إنّ أبي كان يقول: لا بأس ببيع كل متاع كنت تجده في الوقت الّذي بعته فيه».1
فالحديث وإن لم يكن مشتملاً على قوله:«إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» لكنّه يصلح لتفسير الحديث السابق بقوله: (فأُقاوله على الربح ثم اشتريه ثم أبيعه منه). فيكون مفاد الضابطة انّه إذا اتفق السمسار والمشتري على المقاولة والمذاكرة، وانّه بعدما يشتري من مالكه يبيعه منه وهو يكون مختاراً في الأخذ والترك، تكون المعاملة محلّلة، وأمّا إذا نجّز البيع من المشتري قبل اشترائه من المالك فهو يحرم، فالكلام (المقاولة والمذاكرة) يحلّل، والكلام(تنجيز البيع قبل اشترائه من المالك) يحرّم أي لا يحلّل.
ويظهر من الحديث الثاني أنّ بين أهل السنّة من لم يجوّز المورد حتّى بصورة المقاولة، فردّه الإمام بأنّه ليس من مقولة «باع ما ليس عنده» وإنّما يكون منه إذا نجّز البيع قبل اشترائه من المالك، ثم أجابه بالنقض بالسلف والسلم. ولعلّ حاصل النقض عبارة عن وجود الفرق بين البيع الشخصي قبل أن يمتلك وبين الكلي قبل أن يمتلك، فالأوّل غير جائز لاختلاف الأعيان الموجودة في الصفات والخصوصية فيما إذاكان غائباً لا مشاهداً فلا يجوز بيعه قبل أن يمتلك بخلاف الكلي فإنّه مشخّص ببيان الصفات والخصوصيات. وإن لم يكن موجوداً عند البيع ولكنّه موجود في وقت التسليم.
وحصيلة الكلام: أنّ الضابطة لا صلة لها بلزوم اللفظ في صحّة البيع وإنّما هي ناظرة إلى بيع العين من شخص ثالث قبل أن يمتلك فله صورتان: صورة تحلّل وصورة تحرّم كما عرفت.

1 . الوسائل:12، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.

صفحه 128
ثمّ إنّ لسيدنا الأُستاذ الحجة الكوهكمري(قدس سره) بياناً في المقام ذكره في درسه الشريف، وإليك إجماله ،قال:
لو قال زيد لعمرو: اشتر لي مال بكر ولك من الربح بالمائة عشرة، فلا يخلو ثبوتاً عن أحد احتمالات ثلاثة:
1. أن يوكّله في الشراء من بكر، وما جعله من الربح يكون أُجرة لعمله في الوكالة.
2. أن يكون هذا الكلام بمنزلة بيع عمرو مال بكر على زيد، وبمنزلة القبول منه.
3. أن يكون هذا الكلام لمجرد المقاولة والمذاكرة من دون بيع ولا توكيل.
والأوّل صحيح بلا كلام، والثاني باطل لأنّه من قبيل من باع ما ليس عنده، والثالث صحيح أيضاً. والفرق بين الثاني والثالث هو قطعية المعاملة على الثاني بحيث لا يكون لزيد الخيار في القبول وعدمه، بل ليس له إلاّ طريق واحد، بخلاف الثالث فإنّه مجرد مذاكرة من دون أن توصف المعاملة بالقطعية، ولذلك قال الإمام(عليه السلام):«أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟»، قلت: بلى.1 فكونه مختاراً في القبول والرد دليلٌ على أنّ عمراً لم يكن وكيلاً ولم تكن المعاملة قطعية بل كانت مقاولة ومذاكرة. وبذلك يتّضح معنى الحديث وهو أنّ صحة المعاملة وعدمها تابعة لكيفية الكلام، فتارة يحلّل الكلام إن لم يكن قصده بيع ما ليس عنده . وأُخرى يحرّم لو كان تعبيراً عن قطعية المعاملة. وعلى هذا ليس في الحديث إشارة إلى شرطية اللفظ في تحقّق البيع. بل هو بصدد بيان أمر آخر وهو أنّ الكلام الدائر بين السمسار والمشتري إن كان بيعاً يفسد، وإن كان مقاولة يصح.

1 . الوسائل:12، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.

صفحه 129

تنبيهات عشرة

ثمّ إنّ الشيخ بعد ما أنهى البحث في حقيقة المعاطاة وأحكامها، عقد في المقام تنبيهات عشرة، سنذكرها بإيجاز: والقائل بالملكية اللازمة في غنى عن بعض هذه التنبيهات، كالبحث في ملزمات المعاطاة وغيرها.

التنبيه الأوّل

اعتبار شروط البيع في المعاطاة

هل تشترط في المعاطاة نفس شروط البيع أو لا؟
الحق أنّه يختلف حسب اختلاف المباني، فللمسألة صور أربع:
الأُولى: إذا قلنا بأنّ المعاطاة من مقولة الإباحة الشرعية كالتوضّؤ من الأنهار الكبيرة، وأكل المارّة من ثمار البستان، فلا يشترط فيه سوى كون العوضين معلومين، لأنّه القدر المتيقّن من الإباحة الشرعية، يخرج عن الإباحة إذا كان أحد العوضين أو كلاهما مجهولاً.
الثانية: إذا قلنا بأنّ المعاطاة من مقولة الإباحة المالكية التي تدور مدار الإذن مع وجود الكاشف، فلو أذن في الانتفاع غير المتوقّف على الملكية يقتصر عليه كلبس الثوب، وأمّا لو أذن في الأعم حتّى المتوقّف على الملكية كالبيع والإتلاف، فلا تجوز له تلك التصرفات، لأنّها متوقّفة على الملك والمفروض عدمه.

صفحه 130
نعم يمكن أن يقال أنّه إذا أباح المالك جميع التصرفات الّتي هي له لا لغيره يكون ذلك عبارة أُخرى عن التمليك، بحيث لو صرح مع ذلك بعدم التمليك يُعدّ كلامه تناقضاً، فمرجع تلك الإباحة المطلقة إلى التمليك بالعوض، وهو عبارة أُخرى عن البيع.1
أمّا الشرط، فلا شكّ في اعتبار معلومية العوضين للنهي عن الغرر الشامل للبيع وغيره بناءً على أنّ النهي تعلّق بمطلق الغرر لا ببيع الغرر، ولو شك في اعتبار غيره من الشروط، كتساوي العوضين كيلاً ووزناً في معاوضة المتجانسين فقال الشيخ الأنصاري: إنّه يُرجع إلى الأدلّة الدالّة على صحة هذه الإباحة العوضية من خصوص أو عموم، وحيث إنّ المناسب لهذا القول التمسّك في مشروعيته بعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» كان مقتضى القاعدة هو نفي شرطية ما ثبتت شرطيته، كما أنّه لو تمسك لها بالسيرة كان مقتضى القاعدة العكس، والحاصل أنّ المرجع على هذا ـ عند الشك في شروطها ـ هي أدلة هذه المعاملة، سواء اعتبرت في البيع أو لا.2
يلاحظ عليه: أنّ دليل السلطنة ليس مشرعاً، ولو شُك في مشروعية إباحة مجردة عن الشرط فلا يمكن التمسّك به على نفي اعتباره. وقد مرّ أنّه لو شك في إفادة المعاطاة، الملكيّة ، لا يصح التمسّك بدليل السلطنة لإثباتها، لأنّ التسلّط على المال غير التسلّط على الضوابط العقلائية في إنشاء الملكية، وعليه فلو شك في مشروعية إباحة مجرّدة عن شرط التساوي فلا يمكن التمسّك بدليل السلطنة على عدم اعتباره.

1 . كتاب البيع للسيد الأُستاذ:1/155ـ156.
2 . المتاجر:87.

صفحه 131
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّه إذا كانت المعاملة المجردة عن الشرط أمراً عقلائياً وكانت موجودة في عصر الرسالة وما بعده فهي ممضاة بسكوت الشارع وعدم ردعه. ولكن هذا الفرض خارج عن محطّ البحث.
الثالثة: إذا قلنا ـ بما نقل عن الشهيد ـ من أنّها معاوضة مستقلة، ونقله السيد الطباطبائي في تعليقته1 على المتاجر عن بعضهم، فيشترط فيه شرائط المعاوضة المطلقة; نظير معلومية العوضين، وتساويهما كيلاً ووزناً إذا كانا من جنس واحد، إلى غير ذلك من شرائط مطلق المعاوضة.
وأمّا لزوم التقابض في النقدين وخيار المجلس فلا، لأنّهما من أحكام البيع لا مطلق المعاوضة.
الرابعة: إذا قلنا بأنّ المعاطاة بيع حقيقي وأنّ الأسباب الفعلية كالأسباب القولية فيشترط فيها مضافاً إلى ما يشترط في معاملة العوضين، التقابض في المجلس إذا كان الثمن والمثمن من النقدين، وخيار المجلس، وخيار الحيوان.
ودعوى انصراف «البيعان» إلى العقد اللفظي لا وجه له، لأنّ منشأ الانصراف أحـد الأمـرين إمّا كثـرة الاستعمال أو كثرة الوجود، وكلاهما منتفيان.
وبما أنّ المختار هو الاحتمال الرابع فيشترط فيها كلّ ما يشترط في البيع بالصيغة.

1 . تعليقة السيد الطباطبائي اليزدي:68، نقله عن كاشف الغطاء.

صفحه 132

التنبيه الثاني

اشتراط التعاطي من الطرفين وعدمه

قال الشيخ: إنّ المتيقّن من مورد المعاطاة هو حصول التعاطي فعلاً من الطرفين، فالملك والإباحة في كل منهما بالإعطاء، فلو حصل الإعطاء من جانب واحد ولم يحصل ما يوجب إباحة الآخر أو ملكيته، فلا تتحقّق المعاوضة ولا الإباحة رأساً، لأنّ كلاً منهما ملك أو مباح في مقابل ملك الآخر أو إباحته.1
أقول: لم يرد عنوان المعاطاة ولا التعاطي في لسان دليل شرعي، حتّى نسير على ضوئه، وإنّما يجب السير حسب دليل الأقوال والآراء.
فإن قلنا بأنّ المعاطاة من قبيل الإباحة الشرعية فالقدر المتيقّن من دليلها ما إذا كان هناك عطاء من الطرفين وإلاّ فيحكم بالفساد.
وأمّا لو كان من مقولة الإباحة المالكية فيتبع في الاشتراط وعدمه مقدار ما أذِنَ، فإن كان الإذن مقيّداً بالعطاء بالفعل فيفسد وإلاّ فيصح.
وأمّا لو قلنا بأنّها مفيدة للملكية اللازمة وانّها بيع وعقد، فعندئذ يقع الكلام في اشتراط التعاطي أو كفاية العطاء من طرف واحد.
أقول: إنّ البيع بغير صورة التعاطي يقع على قسمين:
1. ما يكون المثمن نقداً والثمن نسيئة.
2. ما يكون على العكس كما في بيع السلف والسلم.
وربما يتصوّر لزوم التعاطي في الموردين إذا كان بصورة المعاطاة لا بصورة

1 . المتاجر:88.

صفحه 133
البيع بالصيغة، وذلك لأنّ هناك فرقاً بين البيع بالصيغة في مورد النسيئة وبيع السلم وبين المعاطاة كذلك، ففي مورد البيع بالصيغة وإن كان أحد العوضين نقداً والآخر غير نقد لكن المشتري بقبوله يُكمل أركانَ العقد، وأمّا المعاطاة فبما انّ العطاء من جانب دون أن يصدر من الجانب الآخر فعلٌ، حتّى يكون بمنزلة القبول، يلزم عدم تحقّق واقع البيع.
قلت: إنّ الإعطاء في المعاطاة من جانب البائع إيجاب والأخذ من جانب المشتري قبول، وأمّا إعطاء الثمن ولو بعد شهر فليس قبولاً، بل وفاء بما التزم.
فتحصل من ذلك أنّه يجري في المعاطاة ما يجري في البيع بالصيغة. فعدم العطاء من الجانب الآخر لا ينافي واقع البيع.
فإن قلت: إنّ الإعطاء إذا كان مقروناً بعطاء الآخر يُضفي على الفعل ظهوراً في المعاوضة المالية، وأمّا إذا كان مجرداً عن عطاء الآخر لا يكون للفعل ظهور في العطاء المعاوضي.
قلت: يكفي في ذلك، المقاولة بين الطرفين قبل المعاطاة في إعطاء الظهور للفعل وانّه من مقولة المعاوضة.
ثمّ إنّ الشيخ ادّعى انعقاد المعاطاة بمجرد إيصال الثمن وأخذ المثمن من غير صدق إعطاء أصلاً فضلاً عن التعاطي، وذلك في الأمثلة التالية:
أ. أخذ الماء مع غيبة السقّاء ووضع الثمن في المكان المعدّ له.
ب. أخذ الخضروات ونحوها ووضع الثمن في المكان المعدّ له.
ج. دخول الحمام للاستحمام ووضع الأُجرة في المكان المعدّ لها.
وما ذكره مبني على أنّ الملاك هو الوصول إلى الطرفين، لا الإعطاء والأخذ.

صفحه 134

التنبيه الثالث:

تمييز البائع عن المشتري

إنّ حقيقة البيع قائمة بالتمليك والتملّك، فالقائم بأمر التمليك لفظاً هو البائع، والقائم بأمر التملّك كذلك هو المشتري، هذا إذا كان الإيجاب والقبول باللفظ، وأمّا إذا كان بالفعل فتمييز البائع عن المشتري يحتاج إلى دراسة، فنقول هنا صور:
1. إذا كان أحد العوضين عيناً والآخر نقداً، فلا شكّ أنّ صاحب العين هو البائع وصاحب النقد هو المشتري.
2. إذا كان كلٌّ من العوضين نقداً أو كان كلاهما متاعاً، فيُنظر إذا كان غرض أحد المتعاملين من المعاملة حفظ مالية ماله في ضمن أي متاع كان، مع كون غرضه أيضاً في ذلك هو تحصيل الربح والمنفعة وكان نظر الآخر إلى رفع حاجته، فالأوّل يسمى بائعاً والثاني مشترياً، مثلاً إذا ذهب صاحب الحنطة إلى القصّاب ومعه مقدار من الحنطة يساوي درهماً ليأخذ لحماً، فيعد الأوّل مشترياً والثاني بائعاً.
3. إذا كان غرض كل من المتعاملين في حفظ مالية المال ضمن أي متاع كان، أو كان غرضهما رفع الحاجة فقد ذكر الشيخ هناك وجوهاً أربعة وقال:
1. كونه بيعاً وشراءً بالنسبة إلى كلّ منهما. لكن لا تترتّب عليهما أحكام

صفحه 135
البائع ولا المشتري لانصرافها إلى مَن اختصّ بصفة البيع فقط أو الشراء كذلك.
2.كونه بيعاً بالنسبة إلى مَن يعطي أوّلاً لصدق الموجب عليه وشراءً بالنسبة إلى الآخذ.
3. أن يكون ذلك صلحاً معاطاتياً، لأنّ المصالحة بمعنى التسالم، ومن الواضح أنّ كلّ واحد من المتعاطيين تسالم على تبديل ماله بمال صاحبه، ومن هنا حملوا الرواية الواردة في قول أحد الشريكين لصاحبه: «لك ما عندك ولي ما عندي»1 على الصلح.
4. أن يكون معاوضة مستقلة من غير أن يدخل تحت أحد العناوين المتعارفة.2
والظاهر هو الأخير، أمّا الأوّل فلأنّ القول به لا يثمر ثمرة لاعتراف الشيخ بأنّه لا تترتّب عليه الأحكام المترتّبة على البائع أو المشتري، والغرض من دراسة هذا الموضوع هو معرفة البائع والمشتري، ليرتب عليها آثارهما.
وأمّا الثاني فهو منقوض بالسلم والسلف مع أنّه لا يسمّى دافع الثمن بائعاً.
وأمّا الثالث فإنّ الصلح إنّما يتصوّر فيما إذا كان هناك تخاصم ونزاع والمفروض عدمه .فتعيّن الرابع.

1 . الوسائل:13، الباب 5 من أبواب كتاب الصلح، الحديث1.
2 . المتاجر:88.

صفحه 136

التنبيه الرابع

أقسام المعاطاة حسب قصد المتعاطيين

إنّ واقع المعاطاة هو إعطاء مال في مقابل مال آخر، ومع ذلك ذكر الشيخ أنّ للمعاطاة حسب قصد المتعاطيين أقساماً أربعة، ولكن الأقسام أكثر ممّا ذكره الشيخ، وقد أضاف السيد الطباطبائي إلى ما ذكره صوراً أُخرى.1
وإليك الصور الّتي ذكرها الشيخ:
أحدها: أن يقصد كلّ منهما تمليك ماله بمال الآخر فيكون الآخذُ في أخذه قابلاً ومتملكاً بإزاء ما يدفعه فلا يكون في دفعه العوض إنشاء تمليك بل دفعاً لما التزمه على نفسه بإزاء ما تملّكه، فيكون الإيجاب والقبول بدفع العين الأُولى وأخذها فدفع العين الثانية خارج عن حقيقة المعاطاة، فلو مات الآخذ قبل دفع ماله، مات بعد تمام المعاطاة.
ثانيها: أن يقصد كلٌّ منهما تمليك الآخر ماله بإزاء تمليك ماله إياه، فيكون تمليك بإزاء تمليك، فالمقابلة بين التمليكين لا الملكين، والمعاملة متقوّمة بالعطاء من الطرفين فلو مات الثاني قبل الدفع لم تتحقّق المعاطاة.
ثالثها: أن يقصد الأوّل إباحة ماله بعوض ويقبل الآخر بأخذه إياه فيكون الصادر من الأوّل الإباحة بالعوض ومن الثاني ـ بقبوله لها ـ التمليك، كما لو صرّح بقوله: أبحت لك كذا بدرهم.

1 . لاحظ تعليقة السيد الطباطبائي اليزدي على المتاجر:77.

صفحه 137
رابعها: أن يقصد كلّ منهما الإباحة بإزاء إباحة آخر، فيكون إباحةٌ بإزاء إباحة أو إباحة لداعي إباحة.1
وإليك دراسة هذه الأقسام:
أمّا القسم الأوّل فلا غبار عليه، نعم أورد عليه السيد الطباطبائي اليزدي (قدس سره) بأنّ هذه الصورة أقلّ بالنسبة إلى الصورة الشائعة، وهي إنشاء القبول بدفع العوض أيضاً بأن يكون أخذ المعوض من باب الاستيفاء لا بعنوان القبول.2
أقول: ما ذكره الشيخ هو الأوفق بالقواعد، لما مرّ من أنّ حقيقة البيع عقداً كان أو معاطاة قائمة بالبائع أي صاحب المعوض، وأنّه ليس للمشتري سوى إمضاء عمل البائع وعلى ذلك فيكون أخذ المعوض تمام البيع، وأمّا دفع العوض فليس قبولاً لما أوجبه البائع بقول أو فعل، بل وفاء لما قبله وهو تبديل مال بمال.
بقي الكلام في الأقسام الثلاثة الباقية.
أمّا القسم الثاني، ففيه احتمالات:
أ. أنّه من مقولة البيع.
يلاحظ عليه: أنّ البيع مبادلة مال بمال، لا تمليك بتمليك.
ب. أنّه من مقولة الهبة المعوضة.
يلاحظ عليه: أنّ مقوم الهبة هو مفهوم العطية والتكريم وهي غير موجودة في المقام.
ج. أنّه من مقولة الصلح.
يلاحظ عليه: أنّه أخذ في مفهوم الصلح التسالم بعد التنازع، وليس هناك أي

1 . المتاجر:89.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي اليزدي:77.

صفحه 138
تنازع ثم تسالم.
والأولى جعل هذا القسم معاملة مستقلة، وقد عرفت عدم انحصار المعاملات الصحيحة في المعاملات الرائجة في عصر الرسالة فقط.
أضف إلى ذلك: أنّه يمكن إرجاع هذا القسم إلى القسم الأوّل بجعل التمليك طريقاً إلى مبادلة مال بمال، فالتعبير بمبادلة التمليكين عبارة أُخرى عن مبادلة المالين.
وأمّا القسم الرابع ـ أعني: الإباحة بإزاء إباحة ـ: فيأتي فيه ما ذكرناه في القسم الثاني من الاحتمالات والإشكالات.
فالمهم إذن هو البحث عن القسم الثالث، وقد ذكر فيه الشيخ إشكالين:
1. كيف يبيح المالك جميع التصرفات للآخذ حتّى المتوقّفة على الملك، مع أنّه لا يجوز، إذ التصرف الموقوف على الملك لا يسوغ لغير المالك بمجرد إذن المالك، فإذن المالك ليس مشرعاً.
2. انّ الإباحة بإزاء التمليك ـ الّتي ترجع إلى عقد مركب من إباحة وتمليك ـ خارجة عن المعاوضات المعهودة شرعاً وعرفاً، وفي صدق التجارة على هذه المعاوضة تأمل، فضلاً عن صدق البيع عليها، فإذاً لا تكون مشمولة لآية التجارة عن تراض ولا غيرها.1
أقول: المهم هو الإشكال الأوّل ـ أعني: إباحة ما يتوقّف على الملكية ـ وأمّا الإشكال الثاني فغير مهم، إذ يكفي في ذلك قاعدة السلطنة. إذ يجوز لكل واحد منهما التمليك والإباحة فاختار أحدهما الإباحة والآخر التمليك، فإذا جاز كلّ واحد منفرداً جاز مجتمعاً.

1 . المتاجر:89.

صفحه 139

إباحة ما يتوقّف على الملكية

هذا الإشكال هو المهم في المقام وهو مشترك بين القسم الثالث والرابع، وقد بسط الشيخ فيه الكلام، وقد اشتهر بينهم أنّ الوطء والبيع والعتق موقوفة على الملك، فكيف يجوز للمالك أن يبيح شيئاً مشروطاً بالملكية وهي غير موجودة؟!
أقول: أمّا الأوّل وهو توقف الوطء على الملك فهو ظاهر قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُروجِهِمْ حافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزّواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومينَ).1
فالآية صريحة في توقّف الوطء على تملّك الأمة، عيناً أو منفعة ـ كما هو الحال في تحليل الأمة ـ إنّما الكلام في توقّف البيع والعتق على الملك، وقد اشتهر بينهم: «لا بيع إلاّ في ملك» و«لا عتق إلاّ في ملك».
ثمّ إنّه أُجيب عن هذا الإشكال بالحلّ تارة، والنقض أُخرى. أمّا الحل فقالوا:إنّ تحليل البيع والعتق للمباح له مقتضى عموم: «الناس مسلطون على أموالهم» الدالّ على جواز هذه الإباحة المطلقة.
وضعفه واضح، لما عرفت سابقاً أنّ عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» إنّما يدلّ على تسلّط الناس على أموالهم لا على أحكامهم، فمقتضاه إمضاء الشارع لإباحة المالك كل تصرف جائز شرعاً، فالإباحة وإن كانت مطلقة إلاّ أنّه لا يباح بتلك الإباحة المطلقة إلاّ ما هو جائز بذاته في الشريعة.2
وأمّا النقض فقد ذكروا له موارد:
1. يجوز للمالك أن يقول لزيد: أبحت لك أن تبيع مالي لنفسك، فالبيع

1 . المؤمنون:5ـ6.
2 . المتاجر:89.

صفحه 140
صحيح واقع عن المباح له من دون أن يملك.
2. إذا قال: اعتق عبدي عن نفسك، فاعتقه فالعتق صحيح وواقع عن المخاطب مع أنّه لم يملك.
3. إذا قال: بع مالي عني والثمن لك، حيث إنّه يملك الثمن مع أنّه لم يكن مالكاً للمثمن.
وأُجيب عن هذه النقوض: بأنّ مقتضى دلالة الاقتضاء هو تمليك المبيع أو العبد للمباح له بنحو من الأنحاء.
أمّا الأوّل فالظاهر أنّه يوكل المخاطب أن يتملّك المال ثم يبيعه لنفسه.
وأمّا الثاني فإنّه ظاهر في توكيل المخاطب تملّك العبد ثم عتقه عن نفسه.
وأمّا الثالث فالظاهر أنّه يوكل المخاطب في بيع ماله عن المالك ثم نقل ماله إلى نفسه.
وبذلك يجمع بين صحّة هذه الإباحات وبين ما دلّ على لزوم الملك في البيع والعتق.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الجواب لو صحّ في موارد النقض لا يصحّ في مورد البحث، إذ لا توكيل في المقام حيث إنّ المبيح يُبيح عامّة التصرفات دون أن يوكّله في نقل المبيع إلى نفسه ثم يتصرف فيه، ولابدّ من حل الإشكال من باب آخر.
والحق أن يقال: الظاهر عدم اشتراط الملكية في البيع والعتق، فأمّا قولهم لا بيع إلاّ في ملك ولا عتق إلاّ في ملك فهي من القواعد الدائرة على ألسنة الفقهاء استنبطوها من أخبار الباب فلابدّ من دراستها.
روى أهل السنّة أنّه: لا يبيع إلاّ ما يملك، ولا يطلق إلاّ ما يملك، ولا يعتق

صفحه 141
إلاّ ما يملك.1
وأمّا من طرقنا فقد ورد في العتق والطلاق والتصدّق ما يلي:
أ. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه سئل عن رجل قال: كلّ امرأة أتزوّجها ماعاشت أُمّي فهي طالق؟ فقال(عليه السلام): «لا طلاق إلاّ بعد نكاح، ولا عتق إلاّ بعد ملك».2
ب. روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وإن اشتريت فلاناً فهو حرّ، وإن اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين، فقال(عليه السلام):« ليس بشيء، لا يطلق إلاّ ما يملك، ولا يعتق إلاّ ما يملك، ولا يصدّق إلاّ ما يملك».3
ج. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «كان الذين من قبلنا يقولون لا عتاق ولا طلاق إلاّ بعد ما يملك الرجل».4
د. روى معمر بن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألناه عن الرجل يقول: إن اشتريت فلاناً أو فلانة فهو حرّ، وإن اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين وإن نكحت فلانة فهي طالق؟ قال: «ليس ذلك بشيء، لا يطلق الرجل إلاّ ما ملك، ولا يعتق إلاّ ما ملك، ولا يتصدق إلاّ بما ملك».5
هـ. روى معمر بن يحيى بن سالم أنّه سمع أبا جعفر(عليه السلام) يقول:«لا يطلق الرجل إلاّ ما ملك، ولا يعتق إلاّ ما ملك، ولا يتصدق إلاّ بما ملك».6

1 . مسند أحمد:2/207; سنن أبي داود:1/487برقم2190.
2 . الوسائل:15، الباب12 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث1.
3 . نفس المصدر، الحديث2.
4 . نفس المصدر: الحديث6.
5 . نفس المصدر: الحديث10.
6 . نفس المصدر: الحديث11.

صفحه 142
إلى غير ذلك من الروايات الّتي تدلّ على أنّ العتق والطلاق والصدقة لا تصح بدون الملك. إلاّ أنّ دلالة هذه الروايات على اشتراط الملكية المصطلحة في صحّة هذه الأُمور محل نظر، والظاهر أنّ المراد من الملكية هو السلطنة والقدرة الشرعية بشهادة انّ الطلاق لا يشترط فيه سوى هذه، ووحدة السياق في الروايات تقتضي أن يكون المراد من الملك في البيع والصدقة هو نفس الملك في الطلاق حيث إنّ الإمام جمع الجميع في رواية واحدة وقال ـ كما في رواية أبي بصير ـ لا عتاق ولا طلاق إلاّ بعد ما يملك الرجل، فيكون المصحّح للجميع هو المعنى الجامع بمعنى كون المتصدّق والبائع ذا سلطنة وقدرة، وإلاّ يلزم التفكيك في تفسير الملك بين الموردين.
والّذي يؤيّد ما ذكرنا الأُمور التالية:
1. انّ هذه الروايات وردت في مقابل ما عليه أهل السنّة من جواز الطلاق و التصدّق والعتق قبل أن يتسلّط الرجل على المورد.
2. اتّفاق العلماء على كفاية السلطة والقدرة في بيع الحاكم الزكاة، كما أنّ لمتولي الوقف بيع الموقوف عند شرائطه مع أنّهما ليسا بمالكين.
3. اتّفاق الفقهاء في باب البيع على أنّ البائع لابدّ أن يكون مالكاً أو مأذوناً منه أو من الشارع، فإنّ العطف بـ«أو» يدلّ على أنّ الثلاثة في رتبة واحدة .
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّه إذا أباح المالك جميع التصرفات في مقابل عوض يجوز للمباح له كل التصرفات حتّى البيع والعتق والتصدق، خرج منه الوطء فإنّه فرع الملك المصطلح حسب ظاهر الآية، أو ملك المنفعة كما هو الحال في تحليل الأمة.
بقي هنا سؤال وهو ما ذكره العلاّمة من أنّ معنى البيع هو دخول الثمن في ملك من خرج المثمن عن ملكه، ولو صحّت المعاطاة بصورة الإباحة لزم دخول

صفحه 143
الثمن في ملك المبيح للمثمن وهو غير من خرج المثمن عن ملكه.
ويمكن أن يجاب عنه بأنّ البيع عبارة عن المبادلة بين المالين في مقابل الهبة. وأمّا دخول الثمن في ملك من خرج المثمن عنه فقاعدة غالبية وليس ضابطة كلية، بل ربما يدخل الثمن في ملك من سلّط الآخر على عينه.

التنبيه الخامس:

جريان المعاطاة في غير البيع

هل تجري المعاطاة في البيع فقط، أو أنّها جارية في بقية العقود، أو فيه تفصيل؟
هذه المسألة معنونة في غير واحد من الكتب الفقهية لفقهاء الطائفة، منهم العلمان التاليان:
1. المحقّق الثاني حيث قال في «جامع المقاصد»: إنّ في كلام بعضهم ما يقتضي اعتبار المعاطاة في الإجارة وكذا في الهبة، وذلك لأنّه إذا أمره بعمل على عوض معيّن، عمله واستحق الأجر، ولو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز له العمل، ولايستحق أُجرة مع علمه بالفساد، وظاهرهم الجواز بذلك، وكذا لو وهب بغير عقد، فإنّ ظاهرهم جواز الإتلاف له ولو كانت هبة فاسدة لم تجز، بل يمنع من مطلق التصرف، وهو ملخّص وجيه.1
2. صاحب الجواهر حيث قال: إنّما المهم بيان حكم المعاطاة في الصورة الثانية في باقي العقود، كالقرض والرهن والضمان والحوالة والكفالة والمزارعة

1 . جامع المقاصد:4/59.

صفحه 144
والمساقاة والصلح والإجارة والجعالة والوصية والوقف ونحوها، وبيان فائدة الصيغة في بعضها مع فرض جريانها فيها، كالقرض والضمان وأنّها اللزوم كما في المقام، فيجوز الرجوع فيما كان بالمعاطاة منها قبل حصول ما يقتضي لزومها بناء على مساواتها لمعاطاة البيع أيضاً فيما تلزم به، بخلاف ما لو كان بالصيغة أو غيرها، كلّ ذلك ونحوه غير محرر في كلامهم كما أنّ النصوص وغيرها خالية عن ذلك، وليس إلاّ السيرة الّتي يمكن دعوى حصولها في الجميع على وجه يلحقها اسم تلك المعاملة القائمة مقامها وحكمها عدا ما كان مختصاً بالصيغة منها كاللزوم.1
أقول: هناك احتمالات:
1. لو قلنا بانحصار العقود والإيقاعات بالألفاظ وانّ السبب الفعلي لا يقوم مقام السبب القولي، لم تجر المعاطاة إلاّ في مورد قام دليل خاص على جريانها فيه كما في البيع، فيرجع إلى القاعدة.وعلى هذا فالبحث عن جريان المعاطاة في غير البيع يصبح عديم الفائدة.
2. ولو قلنا بأنّ المعاطاة من العقود الجائزة بالذات فلا تجري فيما طبعه اللزوم كالنكاح والوقف والرهن والقرض والمضاربة، وعلى هذا يكون البحث في جريانها في هذه الموارد أمراً بلا طائل لوضوح عدم جريانها فيها لمخالفة المعاطاة مع طبعها.
3. وإن قلنا بأنّ السبب الفعلي كالسبب القولي في كلّ العقود، إلاّ أنّ هناك أُموراً لا يقوم الفعل مكان القول في إنشائها وإثباتها، وهذا هو الّذي أشار إليه صاحب الجواهر في صدر كلامه، وهذا هو المهم في المقام.

1 . الجواهر:22/239ـ240.

صفحه 145
ثمّ إنّهم مثلوا لهذا القسم من العقود الّذي لا يقوم الفعل ـ فيه ـ مقام القول بأُمور نذكرها:

1. النكاح

استدلّ الشيخ الأعظم(قدس سره) على لزوم العقد في النكاح بأنّه لولاه لم يبق فرقٌ بين النكاح والسفاح، إذ الثاني أيضاً يقع غالباً بالتراضي.1
يلاحظ عليه: أنّ النكاح ميثاق بين الزوجين وتعاهد من الطرفين على أمر له آثار شرعية وعرفية، بخلاف السفاح فإنّه لا يتجاوز نفس العمل وسفح الماء والتناكر بعده، فالفرق بين النكاح والسفاح يرجع إلى أمر جوهري لا صلة له باللفظ.
نعم لو قصد بالوطء تحقّق النكاح بالمعاطاة فهو سفاح باطل، وإنّما ينشأ النكاح ببعض الأفعال المتقدمة على الوطء، كما إذا تقاول الزوجان وقصدا الزواج ثم أنشأته المرأة ـ بذهابها إلى بيت المرء ـ و قبل المرء ذلك بتمكينها في البيت، فعندئذ تحقّقت الزوجية المعاطاتية وترتّبت عليها أحكامها من جواز النظر والوطء ووجوب النفقة وغيرها.2
وبذلك يُعلم ما ربما يُقال :عدم إمكان تصور المعاطاة في النكاح، وذلك لأنّ نفس المعاطاة في النكاح مصداق للسفاح أو الحرام، لأنّ هذا المصداق لم يكن عملاً ناشئاً عن زوجية وكان حراماً، وهذا بخلاف المعاطاة في البيع فإنّ القبض والإقباض الأوّل وإن لم يكن ناشئاً عن الملكية الجديدة لكنه ليس حراماً.
يلاحظ عليه: أنّ المقصود من المعاطاة في النكاح هو إحلال عمل آخر

1 . كتاب النكاح، للشيخ الأنصاري: 77.
2 . البيع للسيد الأُستاذ: 180.

صفحه 146
مكان العقد اللفظي، مثلاً إذا اجتمع أقارب الزوجين وأظهر كلا الطرفين رضاه بالزوجية، فعندئذ تتحقّق الزوجية بالأهازيج تارة، والتبريك ثانياً، وإهداء الهدية من جانب الزوج إلى الزوجة، ونهاية توقيع الزوجين في محضر الزواج.
وربما يستدلّ على جريان المعاطاة في النكاح بما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن نوح بن شعيب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلى عمر فقالت: إنّي زنيت فطهّرني فأمر بها أن ترجم، فأُخبر بذلك أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال: كيف زنيت؟ قالت: مررت بالبادية فأصابني عطش فاستقيت أعرابياً فأبى أن يسقيني إلاّ أن أُمكنه من نفسي، فلمّا أجهدني العطش وخفت على نفسي سقاني فأمكنته من نفسي، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): تزويجٌ ورب الكعبة».1
أقول: لا يحتج بهذه الرواية، لأنّها ضعيفة سنداً ودلالة.
أمّا السند: ففيه علي بن حسان وهو غال فاسد الاعتقاد، وهو يرويها عن عمه عبد الرحمن بن كثير الضعيف، وقيل:إنّه كان يضع الحديث.
أمّا الدلالة: فلأنّه كيف يكون تزويجاً مع أنّ الرجل لم يقصد إلاّ السفاح، وإطفاء الشهوة، والمرأة مكّنت نفسها منه اضطراراً؟!
ويؤيّده ما رواه الصدوق والشيخ عن محمد بن عمرو بن سعيد، عن بعض أصحابنا قال: أتت امرأة إلى عمر...وساق نفس القصة الّتي مرت في الرواية الأُولى، لكن الإمام(عليه السلام) برّر عمل المرأة بالاضطرار لا بالتزويج، وقال: هذه هي الّتي قال اللّه عزّ وجلّ: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد)2 ، هذه غير باغية ولا

1 . الوسائل:14، الباب21 من أبواب المتعة، الحديث8.
2 . البقرة:173.

صفحه 147
عادية.1
نعم الرواية ضعيفة للإرسال في آخرها، ولولا الإرسال فرجالها عدول ثقات.

عدم جريان المعاطاة في النكاح

الظاهر عدم جريان المعاطاة في النكاح لما يلي:
وهو وجود الفرق الواضح بين النكاح وسائر أبواب المعاملات. وذلك لأنّ المرتكز بين الناس من عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بل قبله أنّ النكاح والطلاق ـ بما لهما من الأهمية البالغة في تشكيل الأُسرة ـ لا ينعقدان إلاّ باللفظ بل اللفظ المخصوص كما في الطلاق،2 وكذلك في المتعة.3
ومن هذه الروايات في الأبواب الخاصة بالمتعة ما جاء عن الأحول أنّه قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): ما أدنى ما يتزوج الرجل به المتعة؟ قال(عليه السلام): «كفّ من بسر يقول لها: زوجيني».
ويظهر ممّا ورد في تزويج الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) خديجة أنّ أبا طالب خطب وعقدت خديجة، ويظهر من الروايات الواردة فيه أنّ النكاح انعقد باللفظ، وإليك بعض ما ورد.
1. روى الكليني في «الكافي» في حديث طويل لما أراد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يتزوج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته مع نفر من قريش حتّى دخل على ورقة بن نوفل عم خديجة فابتدأ أبو طالب الكلام فقال: الحمد لرب هذا البيت الّذي جعلنا من زرع إبراهيم... إلى أن قال: ثم إنّ ابن أخي هذا (يعني

1 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حد الزنا، الحديث7.
2 . الوسائل:15، الباب16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
3 . الوسائل:14، الباب18 من أبواب المتعة، الحديث 1و 3و 6.

صفحه 148
رسول اللّه) ممّن لا يوزن برجل من قريش إلاّ رجح به، ولا يُقاس به رجلٌ إلاّ عظم عنه، ولا عدل له في الخلق وإن كان مقلاً في المال. فإنّ المال رفد جار وظل زائل وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة.
فقالت خديجة مبتدأة: يا عمّاه إنّك وإن كنت أولى بنفسي منّي في الشهود فلست أولى بي من نفسي قد زوجتك يا محمد نفسي، والمهر عليّ في مالي.1
2.روى الكازروني في المنتقى أنّ أبا طالب خطب يومئذ، فلمّا أتمّ خطبته تكلم ورقة بن نوفل فقال: فاشهدوا عليّ معاشر قريش بأنّي قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد اللّه على أربعمائة دينار.2
وعلى هذا فالذي أجرى الصيغة هو ورقة بن نوفل.
والرائج أيضاً بين المسلمين عبر القرون هو إجراء النكاح مع العقد اللفظي.
نعم لو كان النكاح على وجه المعاطاة شائعاً في بعض المجتمعات فلا يحكم عليه بالفساد ولا على الوطء، بأنّه وطء بالشبهة ولا محيص عن اعتباره أخذاً بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لكلّ قوم نكاح»3 فلاحظ.

2. القرض

هل تجري المعاطاة في القرض؟
ربما يقال بعدمه، لأنّ تأثير الفعل مشروط بالقبض الخارجي، وعليه فلو

1 . الكافي: 5/374، كتاب النكاح، الحديث رقم9 من أبواب خطب النكاح.
2 . بحارالأنوار:16/19.
3 . التهذيب:7/472 برقم 1891.

صفحه 149
انعقد القرض بمجرد الفعل ـ أعني به: القبض والإقباض ـ لزم منه اتحاد المقتضي والشرط وهو محال ضرورة أنّ المقتضي يغاير الشرط في الوجود، وإذا فرضنا اتحادهما لزم منه اجتماع الضدين.1
وحاصله: أنّ القرض الصحيح مركب من أمرين:
إنشاء القرض أوّلاً، وقبض المبلغ ثانياً، وليس في المعاطاة إلاّ فعل واحد وهو القبض فأين الإنشاء.
يلاحظ عليه:
بالنقض أوّلاً: إذ لو صحّ ذلك الإشكال لجرى في الهبة وبيع الصرف والسلم، إذ ليس فيهما إلاّ فعل واحد.
وبالحل ثانياً: وذلك أنّ ما ذكر من باب خلط الاعتباريات بالحقائق، وحيث إنّ المقتضي في التكوين غير الشرط، وأمّا في عالم الاعتبار فيمكن أن يقال: إنّ للقبض الدائر بين الدائن والمديون حيثيتين، من حيث إنّه عطاء فهو إنشاء القبض ومن حيث إنّه أخذ يكون شرطاً لصحة القبض.
ومنه يعلم حال الهبة والصرف والسلم والرهن أيضاً، فإنّ الجميع من باب واحد فهناك إعطاء وأخذ.
ومع ذلك كلّه لا يتمحّض الفعل في هذه الأُمور إلاّ أن يقترن بقرائن أو مذاكرات متقدّمة تصلح لأن تعطي للفعل ظهوراً في القرض والهبة والصرف والسلم، وإلاّ فنفس الفعل بما هو فعل لا يكون له ظهور في نفس الأفعال.
فلو منع القائل جريان المعاطاة في هذه العقود لأجل أنّ الفعل المجرد عن كلّ شيء لا يتمحّض في العنوان المقصود فهو صحيح، وأمّا لو أراد أنّ الفعل لا

1 . مصباح الفقاهة:2/194.

صفحه 150
يتمحّض حتّى بعد القرائن الحافّة الدالة على المراد كما هو المعمول فليس بصحيح.

3. الوقف

الوقف على قسمين: وقف عام ووقف خاص.
أمّا الوقف العام فهو يشارك في الإشكال مع ما سبق من الهبة والصرف والسلم والرهن، في أنّ مقوّمه أمران: إنشاء وقبض، فليس في الوقف المعاطاتي إلاّ أمر واحد.
ويمكن أن يقال بتعدّد الأمر وهو أنّه إذا اشترى سجادّة للمسجد وفرشها فيه فهو إنشاء للوقف، وإذا صلّى عليها ركعتين فهو بمنزلة القبض، فليس الوقف إلاّ تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
نعم الوقف الخاص للأولاد على نحو تنتفع كلّ طبقة منهم بعد سابقتها ـ فهو ـ رهن الإنشاء باللفظ ولا يقوم مقامه الفعل، لأنّ دفع العين الموقوفة إلى الطبقة الأُولى وإن كان ظاهراً ـ ولو بالمذاكرات قبل الدفع ـ في الوقف، لكن لا يدلّ على انتفاع كلّ طبقة بعد سابقتها فمثل هذا رهن الإنشاء باللفظ.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي(رحمه الله) قد أتعب نفسه الشريفة في بيان جريان المعاطاة في الضمان و التدبير و الوصية، فلو قلنا بصحة ما ذكره لكن ليس كلّ فعل أو إشارة ونحوها يمكن أن يكون سبباً، بل لابدّ في الأسباب أن تكون عقلائية، ففي مثل الوصية للعتق بعد الموت أو التمليك بعده وإن أمكن إفهامها بالإشارة ونحوها، لكن صحّتها رهن كل تلك الأفعال أسباباً عقلائية.

صفحه 151

التنبيه السادس

في ملزمات المعاطاة

لو قلنا بأنّ المعاطاة بيع حقيقي وعقد والتزام عملي وانّ السبب الفعلي يقوم مقام السبب القولي، فالمعاطاة بيع وعقد لازم لا ينفسخ بفسخ أحد الطرفين كسائر العقود اللازمة، وعلى ذلك فلا موضوع لهذا التنبيه على هذا القول.
وإنّما يصحّ عقد هذا التنبيه على القول بالملكية المتزلزلة أو الإباحة الشرعية أو المالكية، فقد ذهب المشهور إلى أنّ الأُمور التالية ملزمة للمعاطاة:
1. تلف العينين.
2. تلف إحداهما.
3. نقل العينين أو إحداهما بعقد لازم.
4. امتزاجهما ـ أو امتزاج إحداهما ـ بغيرهما من أموال البائع والمشتري امتزاجاً يمنع التراد.
5. التصرف المغيّر للصورة كطحن الحنطة وفصال الثوب.
إنّما الكلام على دليل اللزوم في هذه الموارد.
والّذي يمكن أن يقال هو أنّ الجواز على قسمين:
1. جواز عقديّ قائم بالعقد.
2. جواز بمعنى تراد العينين وإرجاع كلّ عين إلى صاحبها.
فلو كان الجواز عقدياً وكان لأحدهما أو لكليهما خيار، فهذه الأُمور الخمسة المذكورة لا تؤثر في نفي الجواز وصيرورة العقد لازماً، وذلك لأنّ الجواز قائم بالعقد، والعقد له وجود اعتباري ثابت ما لم يقدم أحد الطرفين على الفسخ،

صفحه 152
ولذلك لا يكون تلف إحدى العينين أو كليهما من الملزمات، بل يبقى العقد بحاله فإن لم يفسخ أحد الطرفين فهو، وإلاّ فيرجع عند عدم إمكان الردّ إلى المثل والقيمة.
ولذلك (الجواز قائم بالعقد) لو تلف المبيع تحت يد المشتري وكان للبائع خيار الفسخ، فإذا فسخ ردّ الثمن إلى المشتري ويلزم عليه دفع المبيع عيناً ـ وهو غير ممكن ـ فينتقل إلى المثل أو القيمة.
ومن ذلك يعلم أنّ من عدّ المعاطاة من العقود الجائزة ومع ذلك أفتى بلزوم المعاطاة بأحد هذه الأُمور الخمسة فقد جمع بين أمرين متناقضين، وذلك لأنّه إذا كان الجواز قائماً بالعقد فلا يؤثر تلف العينين في نفي العقد فالعقد باق فيحق عندئذ لأحد الطرفين فسخه، فإذا كانت العين موجودة يأخذها، وإلاّ فيرجع إلى المثل أو القيمة، دون أن يكون التلف ملزماً، ومعه كيف يقول إنّ هذه الأُمور الخمسة من ملزمات المعاطاة؟!
وأمّا إذا كان الجواز غير قائم بالعقد بل قائماً بالعينين فإذا تلفت إحداهما أو نقلت إلى الغير بعقد لازم أو امتزجت أو تغيّرت صورتها، امتنع التراد بانتفاء موضوعه فلا تصل النوبة إلى المثل والقيمة.
وإن شئت قلت: إنّ الجواز بمنزلة العرض القائم بالعينين، وهما كالموضوع له، فإذا لم يكن هناك موضوع في الخارج فلا يعقل للجواز بقاء في عالم الاعتبار لانتفاء موضوعه.
وبذلك يعلم أنّ في التعبير باللزوم أو ملزمات المعاطاة مسامحة.
أضف إلى ذلك: أنّه لو بقي الجواز وأمكن لأحد الطرفين إلزام الآخر بردّ المثل أو القيمة لأدّى ذلك إلى التنازع بين الناس، فإنّ كثيراً من المعاملات الرائجة تتحقّق بالمعاطاة، وهذا يدلّ على لزومها عند طروء أحد هذه الأُمور الخمسة.

صفحه 153

التنبيه السابع:

المعاطاة وجريان الخيارات فيها

هل الخيارات المصطلحة تجري في المعاطاة أو لا؟
قبل الخوض في المقصود نشير إلى أُمور:
الأوّل: أنّ الخيارات على أقسام ثلاثة:
1. ما يختصّ بالبيع، كخياري المجلس والحيوان، فإنّ الدليل الدالّ عليهما يُخصصهما بالبيع، ولا يشملان غيره.
2. ما يعم البيع وغيره، وذلك كخيار تخلّف الشرط، والعيب، والتدليس، والغبن.
ومرجع الخيار فيها إمّا لوجود شرط صريح، أو ضمني في المعاملة.
والأوّل كما إذا شرط أن يكون المبيع كذا وكذا، أو شرط أحد المتبايعين على الآخر أن يفعل كذا وكذا وآل الأمر إلى التخلّف عن وجود الوصف أو العمل بالشرط، وهذا ما يسمّى عند التخلّف بخيار الشرط أي تخلّفه.
والثاني كما في خيار العيب والتدليس والغبن فإنّ الخيار فيها رهن تخلّف شرط ضمني بين المتبايعين مبني عليه العقد وإن لم يصرّحا به، كاشتراط الصحة في المبيع في خيار العيب، واشتراط كون جميع أجزاء المبيع على صفة واحدة في خيار التدليس، واشتراط مساواة العوضين في القيمة في خيار الغبن، فالشرط في هذه الموارد الثلاثة وإن لم يكن مذكوراً صريحاً ـ كالقسم الأوّل ـ لكنّه أمر اتّفق عليه المتبايعان وبنوا العقد عليه.

صفحه 154
3. الخيار المجعول من قبل المتبايعين وهذا ما يسمّى بشرط الخيار، كما إذا جعل أحد المتبايعين خيار الفسخ إلى شهر.
الثاني: أنّ البحث في جريان الخيارات في المعاطاة على القول بأنّها بيع حقيقي وعقد واقعي لا يحتاج إلى دراسة وبحث، لأنّه يكون من أقسام البيع فما يجري في البيع اللفظي من الخيارات ـ أعني: الأقسام الثلاثة ـ يجري في البيع غير اللفظي ـ أعني: المعاطاة ـ بلا كلام.
وإنّما يصحّ عقد هذا التنبيه على القول بأنّ المعاطاة مفيدة للملكية الجائزة، كما عليه المحقّق الثاني; أو مفيدة للإباحة، كما عليه المشهور.
الثالث: يمكن أن يقال: إنّ عقد البحث في المقام إنّما هو بعد لزوم المعاطاة بأحد الوجوه الخمسة الماضية، كتلف العينين أو إحداهما أو نقلهما أو نقل أحدهما بعقد لازم أو طروء التغيير في المبيع.
وأمّا قبل طروء اللزوم فالبحث عن جريان الخيارات فيها أمر لا طائل تحته، إذ لكلّ من المتعاطيين الرجوع إلى ما دفع ومعه لا حاجة للبحث عن الخيار العارض. ومع ذلك يمكن أن يقال بأنّه ربما يترتب على الخيارات المذكورة أثر غير موجود في المعاطاة قبل اللزوم، وهو أخذ الأرش دون الرد فهو من آثار خيار الغبن لا مطلق جواز المعاملة.
إذا عرفت ذلك فنقول:
أمّا على القول بأنّ المعاطاة بيع من أوّل الأمر فتجري أحكام عامة الخيارات فيها، إنّما الكلام على القول بالإباحة إذا طرأ على المبيع أحد الملزمات، فالحق فيها التفصيل بين الخيار المختصّ بالبيع والخيار غير المختصّ به.
أمّا المختصّ فلا يجري فلو تلف الثمن والمتعاطيان غير متفرقين فليس له

صفحه 155
فسخ المعاطاة بردّ المبيع والرجوع إلى ثمنه، لما عرفت من أنّ خيار المجلس من مختصات البيع، وهكذا خيار الحيوان فلو عطب الحيوان ضمن ثلاثة أيام فليس للمشتري الفسخ والرجوع إلى الثمن.
وأمّا غير المختصّ فلا مانع من جريان الخيارات فيها حتّى على القول بالإباحة، فلو كان أحد المتعاطيين مغبوناً أو كان المبيع معيباً أو كان في المعاطاة تدليسٌ، فلصاحب الخيار أعماله على النحو المعروف، اللّهمّ إلاّ إذا دلّ الدليل على سقوط الخيار بالتصرف عالماً أو جاهلاً.
ومثله إذا حصل التخلّف من أحد الطرفين، كما إذا شرط عليه خياطة الثوب فلم يقم به فله الخيار في إبقاء الإباحة أو إبطالها، غاية الأمر إذا تلف أحد العوضين يرجع فيها إلى المثل أو القيمة.

التنبيه الثامن

حكم العقد الفاقد لبعض الشرائط إذا تعقّبته المعاطاة

قال الشيخ:لا إشكال في تحقّق المعاطاة المصطلحة الّتي هي معركة الآراء بين الخاصة والعامة فيما إذا تحقّق إنشاء التمليك أو الإباحة بالفعل وهو قبض العينين(أو أحدهما)، أمّا إذا حصل بالقول غير الجامع لشرائط اللزوم، فهاهنا أقوال ثلاثة:
1. رجوع ذلك الإنشاء القولي إلى حكم المعاطاة مطلقاً.
2. رجوع ذلك الإنشاء القولي إلى المعاطاة بشرط تحقّق القبض والإقباض.

صفحه 156
3. عدم رجوعه إليها بل هو من البيوع الفاسدة.
ولنذكر قبل الخوض في المقصود أُموراً:
الأوّل: المقصود من فقد الشرط، ما يرجع إلى شروط العقد فقط، كالماضوية على القول بها، وتقدّم الإيجاب على القبول، والتنجيز، إلى غير ذلك من الشروط المعتبرة في العقد.
وأمّا إذا كان الشرط المفقود راجعاً إلى شروط العوضين ككونه معلوماً لا مجهولاً، أو راجعاً إلى المتعاقدين ككونهما بالغين فهو خارج عن مصبِّ البحث، لبطلان المعاملة على كلّ تقدير.
الثاني: أنّه إذا قلنا:إنّه لا يعتبر في العقد بالصيغة سوى كون الكلام ظاهراً في إنشاء البيع وأداء المقصود فلا موضوع لهذا البحث، إذ لا يعتبر فيه سوى كون اللفظ ظاهراً في إنشاء البيع ولا تعتبر الماضوية ولا تقدّم الإيجاب على القبول، نعم لا يقع بالكنايات البعيدة الّتي لا تكون ظاهرة في إنشاء البيع. وسيوافيك الكلام فيه.
وأمّا لو قلنا باعتبار هذه الشروط فيقع البحث في أنّه إذا فسد العقد وتعقّبته المعاطاة فهل يلحق بالمعاطاة أو لا؟

الثالث: صور المسألة

ذكر الشيخ للمسألة صوراً أربع، وإليك خلاصتها:
1. إذا وقع التقابض بعد فساد العقد بغير رضاً من كلّ منهما في تصرف الآخر بل حصل قهراً عليهما، أو على أحدهما وإجباراً على العمل بمقتضى العقد.
2. إذا وقع التقابض على وجه الرضا الناشئ عن بناء كلّ منهما على ملكية

صفحه 157
الآخر اعتقاداً أو تشريعاً، ولو وقفا على فساد العقد لما رضيا.
3. إذا وقع التقابض بعد الإعراض عن أثر العقد وتقابضا بقصد إنشاء التمليك ليكون معاطاةً صحيحة عقيب عقد فاسد.
4. إذا تقابضا وحصل الرضا بالتصرف بعد العقد من دون ابتنائه على استحقاقـه للعقـد السابق ولا قصـد إنشاء التمليك بل وقع مقارناً لاعتقاد الملكية الحاصلة بحيث لولاها كان الرضا أيضاً موجوداً.1 وإليك دراسة هذه الصور.
أمّا الصورة الأُولى: فلا إشكال في بطلانها، لأنّ العقد فاسد والتقابض وقع قهراً.
وأمّا الصورة الثانية: فهي أيضاً كالسابقة، وذلك لأنّ الرضا ناش عن الاعتقاد بملكية كلّ لما في يده بحيث لو وقفا على الفساد لما حصل الرضا بالتصرف، وهذا الوجه جار في كلّ قبض صدر عن اعتقاد الصحة بحيث لو عُلم عدم صحّته لما رضي بالتصرف. وتصحيح هذه الصورة بتعدّد المطلوب غير تام فيها لافتراض انّه لو وقفا على فساد العقد لما رضيا.
وأمّا الصورة الثالثة: فلا شكّ في صحّتها، لأنّ التقابض تحقّق لا بعنوان الوفاء بالعقد السابق بل بعنوان إنشاء التمليك من جديد مع غض النظر عن العقد السابق.
إنّما الكلام في الصورة الرابعة: وهي كفاية وجود الرضا التقديري بالتصرف ـ بمعنى لو سئل كلٌّ منهما عن رضاه بتصرف صاحبه على تقدير عدم التمليك ـ أو الفعلي ـ بعد تنبيهه على عدم حصول الملك ـ كان راضياً، فهل هذا يدخل تحت

1 . المتاجر:93.

صفحه 158
المعاطاة فيه وجهان:
الأوّل: حصول المعاطاة لأجل كفاية الرضا التقديري فضلاً عن الفعلي كما في بعض الشقوق، وعدم اشتراط الإنشاء في المعاطاة وكفاية مجرد الرضا، مع وصول كلّ من العوضين إلى الآخر.
الوجه الثاني: عدم حصولها، فإنّ محلّ الكلام في المعاطاة هو الإنشاء الحاصل من التقابض، وعلى هذا لابدّ من وجود الإنشاء الفعلي ـ مقابل القولي ـ في المعاطاة.
والظاهر هو الثاني لأنّ المعاطاة من أقسام البيع، والبيع أمر إنشائي وهو لا يحصل إلاّ بالقصد والمفروض في المقام عدمه، وإنّما الموجود الرضا التقديري ـ لو وقف على فساد العقد ـ أو الرضا الفعلي إذا وقف على الفساد ورضي ـ و مجرد الرضا بالتصرف يورث الإباحة لا الملكية; وما ذكره الشيخ من النقوض من أنّ بناء الناس على أخذ الماء والبقل من دكاكين أربابهما مع عدم حضورهم ووضع الثمن في الموضع المعدّ له، وعلى دخول الحمام مع عدم حضور صاحبه ووضع الأُجرة في كوز الحمامي، فالمعيار في المعاطاة وصول المالين أو أحدهما مع التراضي بالتصرف1، غير تام.
وذلك لأنّه لو أراد بالمعاطاة الّتي هي من أقسام البيع فهو لا ينفك عن الإنشاء، وإن أراد بالمعاطاة إباحة التصرف وإن لم يكن بيعاً فهو صحيح، والظاهر أنّ الأمثلة المذكورة من قبيل إباحة التصرف مقابل دفع الثمن.

1 . المتاجر:93.

صفحه 159

التنبيه التاسع

الإنشاء بالكتابة والإشارة في حال الاختيار

هل يجوز إنشاء البيع بالكتابة خصوصاً إذا وقع عليها التوقيع كما هو الرائج في أيامنا هذه أو لا؟ فيه خلاف. والبحث في المقام مركّز على صورة الاختيار، وأمّا العاجز فسيوافيك الكلام فيه في الفصل الآتي.1
قال العلاّمة: لابدّ في العقد من اللفظ، ولا تكفي الإشارة ولا الكتابة مع القدرة وإن كان غائباً.2
وقال المحقّق الكركي: انّ النطق معتبر في العقود اللازمة بالإجماع، إذ يمكن وقوعها عبثاً أو لغرض آخر.3
قال صاحب الجواهر في باب الوصية: وكذا الكلام في الكتابة فإنّه لا شكّ ـ كما عن جامع المقاصد بعد الاعتراف به ـ في الاكتفاء بها مع العجز عن النطق والقرينة الدالة على إرادة الوصية منها، بل عن التنقيح أنّه لا خلاف فيه، بل عن الإيضاح الإجماع على ذلك... ثم قال: نعم عن التذكرة احتمال الاكتفاء بها مع الاختيار في أوّل كلامه، بل لعلّه الظاهر من النافع، وفي الرياض أنّه لا يخلو من قوة مع قطعية دلالة القرينة.4

1 . في فصل البيع بالصيغة.
2 . تحرير الأحكام:2/275.
3 . جامع المقاصد في شرح القواعد:5/309.
4 . جواهر الكلام:28/249.

صفحه 160
هذا ما لدى الشيعة وأمّا السنّة فالظاهر أنّ الأحناف والمالكية قائلون بكفاية الكتابة.
قال السمرقندي: وكذا الكتاب على هذا بأن كتب إلى رجل وقال: أمّا بعد، فقد بعت عبدي فلاناً منك بألف درهم، فلما بلغه الكتاب وقرأ وفهم ما فيه، قال في مجلسه ذلك: اشتريت أو قبلت، ينعقد البيع.1
والإشكال في كفاية الكتابة من وجوه:
الأوّل: الإجماع على عدم كفاية الكتابة.
الثاني: احتمال العبث فيها.
الثالث: عدم اتحاد المجلس وذلك فيما إذا كان المتعاقدان غائبين فأرسل أحدهما رسالة وكتب فيها: بُعت الشيء الفلاني لك بكذا، فوصلت الرسالة إليه بعد عدة أيام وقال: قبلت أو اشتريت، فهل يصح مع عدم اتحاد مجلس الإيجاب والقبول؟!
والمجموع غير مفيد، أمّا الأوّل ـ أعني: الإجماع ـ: فالمنقول منه غير طائل، والمحصّل منه غير حاصل، وليس مثل هذا الإجماع كاشفاً عن دليل وصل إلى المجمعين ولم يصل إلينا.
وأمّا الثاني ـ أعني: احتمال العبثية ـ: فهو مردود إذا تحقّقت الكتابة في مكان معتمد عند الناس، كما لو كتب على ورقة رسمية موقّعة من قبل شهود، أو تمت الكتابة في المحاكم.
وأمّا الثالث ـ أي اتحاد المجلس ـ: فهو يختص بما لو كان المتعاقدان غائبين يعني إذا كان كلّ في مدينة، وأمّا لو كانا حاضرين في مجلس العقد فالبائع يكتب

1 . تحفة الفقهاء:2/32.

صفحه 161
والآخر يقبل بالكتابة فاتحاد المجلس واضح، وأمّا إذا وقع البيع بالمراسلة فمجلس العقد عبارة عن مجلس بلوغ الكتاب إلى المشتري.
والّذي يدلّ على اعتبار الكتابة مطلقاً ما ورد في الكتاب العزيز حول كتابة الدين، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسَمّىً فاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ).1
فلو لم تكن الكتابة معتبرة لما أمر اللّه سبحانه بها، ومورد الآية ـ و إن كان هو الدين ـ ولكن المتلقّى من الآية هو اعتبارها في كلّ مورد معرض للاحتجاج، وأنّ الدين ليس له مدخلية في مقبولية الكتابة بل الاعتبار كلّه للكتابة.
أضف إلى ذلك قوله(عليه السلام): «ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلاّ ووصيته تحت رأسه».2
على أنّ السيرة المستمرة بين العقلاء هو الاهتمام بالكتابة عند شراء ما له قيمة كبيرة، كالدار والبستان.
بل يمكن أن يقال: إنّ الكتابة وقعت موقع العقد اللفظي وصارت محوراً لعامة الانتقالات من البيع وغيره، وربما لا يكتفون في المعاملات الضخمة بالعقد اللفظي بل يلتزمون بالكتابة والتوقيع، وليس ذلك لأجل عدم كفاية العقد اللفظي ثبوتاً بل لأجل الاحتجاج على المالكية إثباتاً عند ظهور الاختلاف.
وأمّا البيع بالإشارة فهو أمر رائج في العالم فيما إذا اختلف لسان البائع مع المشتري، فيشير البائع إلى ثمن المبيع بأصابعه، كما أنّ المشتري يشير إلى المبيع كيفاً وكمّاً، فينعقد البيع من دون شك وريب.

1 . البقرة:282.
2 . الوسائل:13، الباب20 من أبواب وجوب الوصية، الحديث7.

صفحه 162
إنّ الإشارة عند العرف معتبرة في مقام التفاهم فليكن كذلك في مقام الإنشاء فيقوم مقام الفعل ـ أعني: العطاء والأخذ ـ فيكون فرعاً للمعاطاة، أو مقام اللفظ فيكون نظيراً لها، كلّ ذلك في حال الاختيار وأمّا في حال العجز فسيوافيك بيانه في الفصل التالي.
إنّ بعض الفقهاء تعاملوا مع البيع وسائر المعاملات نظير تعاملهم مع العبادات، حيث إنّ العبادات أُمور توقيفية فلا محيص هناك من السماع من الشارع.
وأمّا المعاملات فهي أُمور عرفية وليس للشارع فيها تأسيس ولا تصرف، فالجميع ممضى من الشرع إلاّ ما شمله التحريم.
والّذي يدلّ على أنّه ليس للشارع إلاّ بيان المحرمات لا بيان المحلّلات، قوله سبحانه:(قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتةً أَوْ دماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ)1 ، فظاهر الآية هو أنّ وظيفة الشارع بيان المحرّمات لا المحلّلات من غير فرق بين باب اللحوم وغيره.

التنبيه العاشر

حكم النماء في المعاطاة

إذا قلنا:إنّ المعاطاة بيع لازم فنماء كلّ من الثمن والمثمن لمن انتقل إليه.

1 . الأنعام:145.

صفحه 163
وكذا لو قلنا بأنّه ملك جائز فالنماء أيضاً تابع للملك فلو فسخه ترجع العين إلى الفاسخ دون نمائها، لأنّ الفسخ فسخ من حينه لا من أصله فقد حدث النماء في ملك المفسوخ عليه فيكون له.
وأمّا على القول بالإباحة فالعين والنماء للمبيح، نعم ما أتلفه المباح له من النماء ليس بضامن.
تمّ الكلام في المعاطاة بيد مؤلفه جعفر السبحاني
صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من شهر
جمادى الآخرة من شهور عام 1428هـ.
والحمد للّه أوّلاً وآخراً

صفحه 164

صفحه 165

الفصل الثاني

في شروط البيع بالصيغة

1.حكم العاجز عن التكلم.
2. المحاور الثلاثة في العقد بالصيغة.
ـ المحور الأوّل في مواد الألفاظ.
3. الألفاظ الّتي تصلح للإيجاب والقبول.
4. اشتراط العربية في البيع بالصيغة.
5. حكم الصيغة الملحونة.
6. شرطية علم المتكلم بمفاد الصيغة وعدمها.
***
ـ المحور الثاني
7. في صيغة كلّ من الإيجاب والقبول.
***
ـ المحور الثالث في هيئة تركيب الإيجاب والقبول.
8. في تقدّم الإيجاب على القبول.
9. الموالاة بين الإيجاب والقبول.
10. التنجيز في مقابل التعليق.
11. أدلة القائلين ببطلان العقد المعلّق.
12. التطابق بين الإيجاب والقبول.
13. بقاء المتعاقدين على الأهلية.
14. اختلاف المتعاقدين في شروط الصيغة.

صفحه 166

صفحه 167

الفصل الثاني

في شروط البيع بالصيغة

قد عرفت ممّا سبق أنّ المعاملات أُمور عرفية وليست توقيفية حتّى يُتبع فيها نصُ الشارع وإذنُه وترخيصُه، وانّ دور الشارع في غير العبادات هو الإرشاد والتنبيه إلى ما يضرّ وما لا يصلح، كحرمة الربا، والبيع الغرري وما شابه ذلك من المحرمات و المكروهات. فيتبع فيما ورد فيه النهي تحريماً أو تنزيهاً.
وعلى ذلك فالأسباب الفعلية والقولية على وزان واحد في إنشاء البيع وسائر العقود، بل قد عرفت أنّ السبب الفعلي هو الأصل والسبب القولي هو العارض، وعلى ذلك فالأصل في المعاملات هو وجود السبب الإنشائي عند العرف من غير فرق في السبب بين اللفظ وبين الفعل والكتابة والإشارة إذا كانت صريحة أو ظاهرة في إنشاء البيع.
نعم ذهب غير واحد من علمائنا إلى اعتبار اللفظ في البيع، بل في جميع العقود وقد نقلوا عليه الإجماع وتحقّقت فيه الشهرة العظيمة. وقد مرّت الروايات الّتي استدلّ بها على لزوم الصيغة في البيع وغيره في الفصل السابق، وعرفت عدم دلالتها على المقصود.
ولكن الإجماع غير محقّق وعلى فرض تحقّقه فهو ليس كاشفاً عن نص وصل

صفحه 168
إليهم ولم يصل إلينا.
ثمّ إنّ القائلين بلزوم العقد خصّوه بصورة القدرة، وأمّا مع العجز عنه كالأخرس أو من عرض له العجز لأجل المرض ففيه كلام.

1

حكم العاجز عن التكلّم

والظاهر من الروايات أنّ إشارة الأخرس في الطلاق تقع مكان اللفظ. فإذا كانت الإشارة كافية في الطلاق ففي غيره بطريق أولى.
ويدلّ على ذلك روايات كثيرة في باب الطلاق منها:
1. ما رواه أبان بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن طلاق الأخرس؟ قال: «يلفّ قناعَها على رأسها ويجذبه».1
2. روى السكوني قال: طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها، ويضعها على رأسها ويعتزلها.2
3. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها، ويضعها على رأسها ثم يعتزلها».3
والروايات صريحة في جواز الطلاق بالإشارة لغير المتمكّن.
فإن قلت: إنّ القدر المتيقّن من الروايات هو قيام الإشارة مكان الطلاق اللفظي إذا لم يتمكّن من التوكيل وأمّا معه فلا.

1 . الوسائل:15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث2.
2 . المصدر السابق، الحديث3.
3 . المصدر السابق، الحديث5.

صفحه 169
قلت: حمل الروايات على صورة عدم إمكان التوكيل حمل لها على الفرد النادر، وهو كما ترى، فالظاهر كفاية الإشارة للعاجز مطلقاً، تمكّن من التوكيل أولا.
ثمّ إنّ الظاهر كفاية الكتابة أيضاً للأخرس إنّما الكلام في تقدّم الإشارة عليها أو كونهما متساويين.
قال الشيخ: وأمّا مع القدرة على الإشارة فقد رجّح بعض الإشارة ولعلّه لأنّها أصرح في الإنشاء من الكتابة.1
إلاّ أنّ بعض الروايات ورد فيها الاكتفاء بالكتابة مع إمكان الإشارة، وأشار إليها الشيخ أيضاً في كلامه، وذلك:
1. ما رواه الصدوق عن أبي نصر البزنطي أنّه سأل أبا الحسن الرضا(عليه السلام)عن الرجل تكون عنده المرأة، يصمت ولا يتكلّم، قال(عليه السلام): «أخرس هو؟» قلت: نعم، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها، أيجوز أن يطلّق عنه وليّه؟ قال:«لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك»، قلت: أصلحك اللّه، فإنّه لا يكتب، ولا يسمع، كيف يطلّقها؟ قال: «بالذي يعـرف به مـن أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها».2
والرواية صحيحة وليست بحسنة وإن وصفها بها المحقّق الخوئي، وقال: حسنة بإبراهيم بن هاشم (في السند) وذلك لأنّ إبراهيم بن هاشم فوق الثقة وإن لم ترد في حقّه كلمة الثقة ولكن وردت فيه كلمات تشير إلى أنّه أحد الثقات العظام لا الثقة المطلقة. على أنّ إبراهيم بن هاشم وقع في سند الكليني لا في سند الفقيه

1 . المتاجر:93.
2 . الوسائل:15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث1.

صفحه 170
ولا في سند الشيخ.1 وسند الفقيه أيضاً صحيح.
2. ما رواه يونس في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته، قال (عليه السلام): «إذا فعل في قبل الطهر بشهود، وفهم عنه كما يفهم عن مثله، ويريد الطلاق، جاز طلاقه على السنّة».2
وقد حكم السيد الخوئي بضعف السند، لأنّ إسماعيل بن مرّار مجهول3 ، والأولى أن يقول:إنّه مهمل لا مجهول، فإنّ المجهول هو غير المعروف وقد حكم بجهالته، وإسماعيل بن مرّار معروف روى عنه إبراهيم بن هاشم، وروى هو أكثر من مائتي رواية عن يونس، بل يمكن أن يحكم بوثاقته لأنّ ابن الوليد لم يستثنه قال ابن الوليد: كتب يونس الّتي هي بالروايات كلّها صحيحة معتمد عليها إلاّ ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد، وهذا (عدم استثنائه) يشهد على وثاقته.
هذا ومن المعروف في هذه الأيّام هو وجود لغة خاصة للعاجزين عن النطق، وهي لغة الإشارة ولها مدارس وكتب، وبواسطتها يتعلّم هؤلاء مختلف الفنون ويعبرون عن حوائجهم بها، وهذا يدلّ على أنّ الإشارة تحتل مكاناً طبيعياً في إفهام العاجزين عن النطق.ولولا ما ورد من الرواية، لكان القول بتقدّم الإشارة على الكتابة وجه لأنّها لسان طبيعي له فيكون متقدماً على غيره.
هذا كلّه في العاجز عن النطق، وأمّا الكلام في المتمكن منه، فقد عرفت قول المشهور وكلامنا حوله أيضاً، وانّ البيع بالصيغة هو أحد الأسباب لا السبب المنحصر، وعلى ذلك فالكلام في العقد بالصيغة ليس لأجل شرطية الصيغة، بل

1 . لاحظ الوسائل:15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث4.
2 . الوسائل:15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث4.
3 . مصباح الفقاهة:2/256.

صفحه 171
لأجل احتمال اعتبار الشارع في خصوص صيغة البيع، شرائط للصحة أو اللزوم، والهدف، التعرف على هذه الشروط.

المحاور الثلاثة في العقد بالصيغة

ويقع الكلام في مقامات ثلاثة أشار إليها الشيخ في صدر كلامه:
1. مواد الألفاظ من حيث إفادة المعنى بالصراحة والظهور والحقيقة والمجاز والكناية.
2. هيئة كلّ من الإيجاب والقبول من حيث كونه بالجملة الفعلية وبصورة الفعل الماضي.
3. هيئة تركيب الإيجاب والقبول من حيث الترتيب والموالاة.
وسوف ندرس هذه المحاور الثلاثة مع فروعها في هذا الفصل ضمن أُمور:

صفحه 172

المحور الأوّل

وفيه مباحث

2

في مواد الألفاظ

لا شكّ في صحة إنشاء البيع بلفظ موضوع لإنشائه كما في قوله: بعت واشتريت، إنّما الكلام في وقوعه بالمجاز والكناية، فثمة أقوال وآراء:
1. الاقتصار على الألفاظ الّتي وضعها الشارع لهذا العقد.
2. الاقتصار على الألفاظ الّتي عبّر بها الشارع عن تلك المعاملة كإنشاء البيع، والنكاح، والإجارة بصيغة: بعت، أنكحت، وآجرت.
3. الاقتصار على اللفظ الموضوع لهذا العقد لغة، والّذي يكون استعماله فيه حقيقة، وعلى هذا لا يكفي المجاز قريبه وبعيده ولا الكناية.
4. كفاية المجاز في إنشاء العقد إذا كان مقروناً بالقرائن اللفظية دون ما يكون مقروناً بالقرائن الحالية ودون الكناية.1
5. الاكتفاء بكلّ لفظ يكون صريحاً أو ظاهراً في إنشاء العقد، سواء كان الاستعمال حقيقياً أو مجازياً أو كنائياً.

1 . قال الشهيد في الدروس:3/320: ولا تكفي الكناية.

صفحه 173
والوجه الأخير هو الأقوى كما سيتضح.

دراسة الأقوال الخمسة

أمّا القول الأوّل: فقد نقله الشيخ الأنصاري عن فخر المحقّقين(في الإيضاح) حيث قال: إنّ كلّ عقد لازم «وضع له الشارع صيغة مخصوصة» بالاستقراء فلابدّ من الاقتصار على المتيقّن.1
ولما كان هذا القول غير صحيح جدّاً وصفه الشيخ بقوله: وهو كلام لا محصل له عند من لاحظ فتاوى العلماء فضلاً عن الروايات المتكثرة.
وجهه: انّ العقود أُمور عرفية عقلائية وقد وضعوا لها ألفاظاً من عند أنفسهم والشارع استخدم نفس الألفاظ الّتي كان العقلاء يستعملونها في تلك المعاني وليس للشارع هناك دور في وضع هذه الألفاظ حتّى يُتّبع وضعه.
أمّا القول الثاني ـ أعني: الاقتصار على الألفاظ الّتي عبّر بها الشارع عن تلك المعاملة ـ: فقد احتمل الشيخ أنّ هذا القول هو مراد فخر المحقّقين من كلامه السابق حيث قال: فلعل المراد من الخصوصية المأخوذة في الصيغة شرعاً هي اشتمالها على العنوان المعبّر عن تلك المعاملة به في كلام الشارع، فإذا كانت العلاقة الحادثة بين الرجل والمرأة معبّراً عنها في كلام الشارع بالنكاح أو الزوجية أو المتعة فلابدّ من اشتمال عقدها على هذه العبارة، فلا يجوز بلفظ الهبة أو البيع أو الإجارة أو نحو ذلك، وهكذا الكلام في العقود المنشئة للمقاصد الأُخرى كالبيع والإجارة ونحوهما لأنّها بهذه العنوانات موارد للأحكام الشرعية الّتي لا تُحصى.2

1 . المتاجر:94.
2 . المتاجر:94ـ95.

صفحه 174
يلاحظ عليه: أنّ تعبير الشارع عن هذه العقود بالألفاظ الدارجة لأجل أنّ العرف يستخدمها في هذه العقود، فإذاً لا موضوعية لاستخدام الشارع بعدما كان تابعاً لاستخدام العرف، فالميزان كون اللفظ عند العرف قالباً لهذا المعنى ومنشئاً به.
أمّا القول الثالث ـ أعني: الاقتصار على اللفظ الموضوع له لغة ـ: فهو بمعنى أن يكون استعمال اللفظ في العقد المزبور استعمالاً حقيقياً لا مجازياً ولا كنائياً، واحتمل الشيخ أنّ ذلك هو مراد العلاّمة في «التذكرة» حيث قال:الرابع من شروط الصيغة التصريح، فلا يقع بالكناية بيع البتة، مثل قوله: أدخلته في ملكك، أو جعلته لك، أو خذه مني بكذا، أو سلطتك عليه بكذا، عملاً بأصالة بقاء الملك، ولأنّ المخاطب لا يدري بِمَ خوطب.
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ ظاهر العبارة هو إخراج خصوص الكناية دون المجاز ـ: أنّه كيف لا يجوز العقد بالألفاظ المجازية مع أنّ ظاهر كلامهم في غير واحد من الموارد هو الاكتفاء بالألفاظ غير الموضوعة لذلك العقد؟! مثلاً حُكي عن الأكثر تجويز البيع حالاً بلفظ «أسلمتُ»، إلى غير ذلك من الأمثلة الّتي نقلها الشيخ عن الأصحاب.
أضف إلى ذلك: أنّ المعاملات ليست من مقولة العبادات بل هي من مقولة الأُمور العقلائية، والمطلوب عند العقلاء كون اللفظ صريحاً في المعنى المقصود أو ظاهراً فيه، وعندئذ لا فرق بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ولهذا حمل المحقّق الثاني كلام هذا القائل على المجازات البعيدة الّتي لا يكون اللفظ ظاهراً في المعنى المقصود.
أمّا القول الرابع: وهو كفاية الإنشاء باللفظ، سواء كان الاستعمال حقيقياً

صفحه 175
أو مجازياً بشرط أن تكون القرينة الدالة على المعنى المجازي لفظية، وهذا هو الّذي اختاره الشيخ فقال بعد نقل كلام المحقّق الثاني: والأحسن منه أن يراد باعتبار الحقائق في العقود، اعتبار الدلالة اللفظية الوضعية، سواء أكان اللفظ الدالّ على إنشاء العقد موضوعاً له بنفسه أو مستعملاً فيه مجازاً بقرينة لفظ موضوع آخر لترجع الإفادة بالأخرة1 إلى اللفظ، إذ لا يعقل الفرق في الوضوح الّذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظ للمطلب بحكم الوضع أو إفادته له بضميمة لفظ آخر يدلّ بالوضع على إرادة المطلب من ذلك اللفظ.
وهذا بخلاف اللفظ الّذي تكون دلالته على المطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد، فإنّ الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين وإن كان من المجازات القريبة جدّاً، رجوع عمّا بني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد، ولذا لم يجوزوا العقد بالمعاطاة ولو مع سبق مقال أو اقتران حال تدلّ على إرادة البيع جزماً.2
فظاهر هذا القول عدم الاكتفاء بأمرين:
1. إنشاء العقد بالاستعمال المجازي إذا كانت القرينة حالية.
2. إنشاء العقد بالاستعمال الكنائي.
أمّا الأوّل فقد ذكر الشيخ في وجهه أنّ الاكتفاء بالقرائن الحالية رجوع عمّا بُني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد.
يلاحظ عليه: أنّ إنشاء المقاصد في مورد المجاز إنّما هو باللفظ لا بالقرائن الحالية وإنّما القرينة لتفهيم المقصود، فإذا قال: ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملك

1 . كذا في المصدر: والصحيح أخيراً، لأنّها غير عربية وإن استعمله التفتازاني في مورد من المطوّل.
2 . المتاجر:94.

صفحه 176
كريم، أو جاء حاتم عندما جاء الإنسان المعروف بالبخل، فقد أنشأ المدح الذم بنفس قوله: إن هذا إلاّ ملك كريم أو جاء حاتم. وإنّما القرينة لتفهيم المراد، وتطبيق العنوان على المصداق.
وأمّا الإنشاء بالكناية فالظاهر جواز الإنشاء بها إذا كان اللفظ ظاهراً في إفادة المطلوب ظهوراً عرفياً، والتفريق بين الإنشاء بالمجاز والإنشاء بالكناية غير تام.

كلام المحقّق النائيني حول الإنشاء بالكناية

ذهب المحقّق النائيني إلى التفريق بين المجاز والكناية فقال بجواز الإنشاء بالأوّل دون الثاني. وحاصل كلامه:
إنّ المجاز استعمال اللفظ في غير الموضوع له، فإذا أطلق اللفظ وأُريد المعنى المجازي الّذي هو مفاد العقد فقد أنشأ وأوجد العنوان الاعتباري للعقد، وهذا بخلاف الكنايات فإنّها قسيم المجازات، فإنّ قوله: «طويل النجاد» استعمل في نفس معناه الحقيقي، وأُلقي معنى اللفظ إلى المخاطب لينتقل إلى ملزومه وهو طول القامة، والانتقال إليه من دواعي استعمال هذه الألفاظ في معانيها، لا أنّها استعملت في طول القامة، فالأقوى عدم صحّة إنشاء العنوان بها; فإنّ إنشاء اللازم وإيجاده في الإنشاء القولي ليس إيجاداً للملزوم عرفاً. وكون الملزوم مقصوداً وداعياً من إيجاد اللازم، لا إثر له، لما عرفت من أنّ الدواعي والأغراض لا أثر لها.1
يلاحظ عليه: بأنّ التفكيك مبني على أنّ المجاز استعمال اللفظ في غير

1 . منية الطالب:1/105ـ106.

صفحه 177
الموضوع له ابتداءً، بخلاف الكناية فإنّها عبارة عن استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي (اللازم)1 لينتقل منه المخاطب إلى ملزومه، فقول القائل: «زيد طويل النجاد» أُريد به المعنى اللغوي لكنه صار وسيلة للانتقال إلى ملزومه وهو طول القامة، فلا يكون العقد منشئاً باللفظ وإنّما يكون تابعاً للمعنى المنشأ.
ولكن هذا التفريق غير صحيح فإنّ المجاز والكناية من باب واحد فاللفظ في كلّ منهما مستعمل في المعنى الحقيقي، غاية الأمر أنّ المتكلّم يدّعي ـ في المجاز الاستعاري ـ مصداقية المورد للمعنى الحقيقي، فقوله سبحانه وتعالى حاكياً عن النسوة اللواتي رأين يوسف: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)2 فلفظة «مَلك» مستعملة في الموجود النوراني لا في الفرد الحاضر في المجلس، ولكن ادّعي أنّ المورد من مصاديقه، وقد أوضحنا ذلك في دروسنا في علم الأُصول وقلنا لولا هذا لما صحّ التعجب في قول الشاعر:
قامتْ تُظلّلني ومـن عجـب *** شمسٌ تُظلِّلني عن الشمس
وأمّا الكناية فقد استعمل في اللازم بالإرادة الاستعمالية لينتقل المخاطب عنه إلى الملزوم المراد بالإرادة الجدّية، فإذا كان المجاز والكناية من باب واحد وانّ اللفظين استعملا في المعنى الحقيقي، ولكن الإرادة الجدّية تعلّقت بمصداقية المعنى المجازي، أو تعلّقت بالمعنى الملزوم في قوله: «زيد طويل النجاد»، فلا يصح ما ذكره(قدس سره) من «التفريق بين المجاز فيصح به الإنشاء دون الكناية فلا يصحّ، لأنّ الملزوم لم ينشأ أصالة بل تبعاً»، لأنّ المنشأ أصالة واستقلالاً في الكناية هو

1 . بناء على أنّ الكناية عبارة عن ذكر اللازم إرادة الملزوم على ما هو مختار القائل تبعاً للسكاكي، وربما تفسر بذكر الملزوم وإرادة اللازم، فراجع.
2 . يوسف:31.

صفحه 178
المعنى الثاني أي الملزوم ، وإلاّ لأصبحت الكناية أحد أنواع الكذب كما في قوله: زيد كثير الرماد، إذ ربما لا يكون في بيته رماد.
القول الخامس: هو الاكتفاء بكلّ لفظ صريح أو ظاهر في إنشاء العقد، وذلك لأنّ المعاملات أُمور عرفية وليست توقيفية، والإنشاء باللفظ سبب إلى تحقّق المعاملة، هذا من جانب ومن جانب آخر يجب أن يكون السبب صريحاً أو ظاهراً في المقصود، لكي يسدّ باب النزاع في المستقبل في وجه المتعاملين، فالجمع بين الأمرين هو كفاية القول الصريح أو الظاهر في المقصود. وعلى ذلك فلا فرق بين كون اللفظ مستعملاً في المقصود على وجه الحقيقة أو على وجه المجاز أو على وجه الكناية الّتي ربّما تكون أبلغ في أداء المقصود، فلا فرق في المجاز بين كون القرائن لفظية أو حالية، نعم تظهر الثمرة بينهما في مقام الخصومة حيث إنّ القرائن اللفظية تسد باب النزاع بخلاف القرائن الحالية فإنّها تزول بافتراق المتبايعين ومرور الزمان عليها، فلا تنفع في ذلك.
ثمّ إنّ للسيد الطباطبائي اليزدي كلاماً في جواز الإنشاء بالكناية، قال: التحقيق أنّه يجوز إنشاؤه بإنشاء اللازم. وبعبارة أُخرى: يجوز إيقاع المعاملة بالكناية بمعنى ذكر اللازم وإرادة الملزوم بأن يستعمل اللفظ الدالّ على اللازم فينتقل منه الذهن إلى الملزوم، كما في زيد طويل النجاد حيث إنّه استعمل وأُريد منه طول النجاد لينتقل إلى طول القامة، ففي المقام أيضاً يذكر لفظ النقل ويراد به معناه لينتقل إلى معنى البيع الّذي هو الملزوم.
فإن قلت: كيف يجوز ذلك واللازم إنشاء البيع والمفروض أنّه أنشأ لازمه لا نفسه؟
قلت: نعم ولكن البيع أيضاً منشأ، غايته أنّه منشأ ثانوي، ألا ترى أنّه لو

صفحه 179
مدح زيداً بطول النجاد مع قصد الانتقال إلى طول القامة يصدق أنّه مدحه بطول القامة، وهكذا في جميع موارد الكنايات من الأخباريات والإنشائيات، ولا دليل على وجوب كون حقيقة المعاملة مدلولاً أوّلياً للصيغة.1
ثمّ إنّ سيدنا الحجّة(قدس سره) أورد عليه في درسه الشريف ما هذا حاصله:
إنّه خلط بين الإيجاد والانتقال فلو كان البيع من الأُمور الإنشائية فلا يقع البيع بالكناية، لأنّها مستعملة في الملزوم وهو ليس مفاد العقد، وأمّا اللازم الّذي هو مفاد العقد فلم يستعمل فيه اللفظ حتّى يتحقّق باللفظ، فقول القائل: «خذ هذا» مريداً به التمليك، فاللفظ مستعمل في معناه اللغوي وهو البعث إلى الشيء، ولكنّه جعل طريقاً إلى إرادة اللازم وهو التمليك، فلا يتحقّق به التمليك الّذي هو معنى إيجادي.
نعم لو قلنا بأنّ البيع من المفاهيم الّتي يكفي في تحقّقها الانتقال إليها من إرادة معنى لكان للقول بانعقاده بالكناية مجال.
وبعبارة أُخرى: فرق بين العقود الإذنية كالعارية والإباحة الّتي يكفي فيها وجود الكاشف عن إرادة المتكلم، وبين العقود اللازمة كالبيع والإجارة الّتي هي من الأُمور الإيجادية الّتي لا تتحقّق إلاّ باستعمال اللفظ فيها ابتداءً لا بالواسطة.
ثمّ إنّه(قدس سره) كان يفرّق ـ كالمحقّق النائيني ـ بين المجاز والكناية قائلاً بأنّ اللفظ المجازي استعمل في غير ما وضع له ابتداءً الّذي هو مفاد العقد فيكون منشأ باللفظ، بخلاف الكناية فإنّ المعنى الإيجادي لم يستعمل فيه اللفظ وإنّما انتقل إليه المخاطب.
يلاحظ على ما ذكره(قدس سره) بما أوضحنا من عدم الفرق بين المجاز والكناية

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:86.

صفحه 180
والجميع من باب واحد، فلو لم يجز الإنشاء بالكناية لا يجوز بالمجاز أيضاً، فإنّ المعنى المجازي يقع في طول المعنى الحقيقي عند الاستعمال. حسب ما حقّقناه واللفظ استعمل في المعنى الحقيقي لينتقل إلى المصداق الادّعائي.
والحلّ أنّ الإرادة الاستعمالية فيهما وإن تعلّقت بالمعنى الحقيقي في المجاز والملزوم في الكناية لكن الإرادة الجدّية تعلقت بالمعنى المجازي أو اللازم اللّذين هما مفاد العقد فاللفظ في نظر العرف صدر لإنشاء المعنى الثانوي لا المعنى الأوّلي.وليس الحديث، حديث الانتقال بل حديث الإنشاء وأنّ المتكلّم أنشأ المعنى الثاني بالطريق الأبلغ، ولذلك لا يقال: إنّه أخبر عن كثرة الرماد، بل أنشأ مدحه بالسخاء.

3

الألفاظ الّتي تصلح للإيجاب والقبول

البحث عن الألفاظ الصالحة للإيجاب والقبول بحث لغوي أو عرفي لا صلة له بالفقه، فإنّ وظيفة الفقيه بيان الأحكام لا الموضوعات، ولذلك لا ترى أثراً من هذا البحث في كتب القدماء حتّى أنّ المحقّق اكتفى بقوله: ولا ينعقد إلاّ بلفظ الماضي في الإيجاب والقبول.1
ويؤيد ذلك ما قلناه من أنّ المعاملات أُمور عرفية، والعقلاء هم الذين اخترعوها ووضعوا لها أسماء وعيّنوا لها أسباباً فهم أعرف بالأسباب من غيرهم، فلو ورد الفقيه هذا البحث فإنّما يريد بيان ما هـو السبب عند العقلاء، فاللازم

1 . الشرائع:2/13، الفصل الثاني من كتاب التجارة، في عقد البيع.

صفحه 181
إيكال البحث إليهم فما رأوه سبباً فهو السبب وإلاّ فلا.
والّذي يمكن أن يقال: إنّ العرف والعقلاء ربما يتردّدون في كون لفظ سبباً أو لا، وهذا هو الّذي دفع الفقهاء المتأخّرين إلى فتح هذا الباب. والعجب أنّهم خصّصوا البحث بالصالح للإيجاب أو القبول في اللغة العربية مع أنّ نطاق البحث أعم، فهو يعم كلّ المسلمين من ذوي اللغات المختلفة، فلكل لغته ولفظه هذا ما يدلّ على أنّ الخوض في هذا البحث بلا موجب.
وعلى كلّ تقدير فنحن نقتفي أثرهم على وجه الإيجاز، فالألفاظ الصالحة للإيجاب أو ما يمكن أن يكون صالحاً عبارة عن الألفاظ التالية:
1. بعت. 2. شريت. 3. اشتريت. 4. ملّكت.
أمّا الأوّل أي الإيجاب بلفظة «بعت» فقد اتفقت كلمتهم على صلاحيته للإيجاب وقد شاع استعماله في الإيجاب.
قال سبحانه: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ).1
وقد اشتهر أنّ البيع من الأضداد، أي أنّه يستعمل في الشراء أيضاً.
لكن قال السيد الطباطبائي: يمكن أن يقال إنّه مشترك معنوي بين البيع والشراء، نظير ما يُحكى عن القاموس في لفظ الاشتراء من قوله: كلّ من ترك شيئاً وتمسّك بغيره فقد اشتراه، فيكون بمعنى التمليك بالعوض، أعمّ من الصريح كما في البيع أو الضمني كما في الشراء.2
ويؤيد ما ذكر من أنّه موضوع للجامع انّه سبحانه يقول:(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَومٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ).3

1 . التوبة:111.
2 . حاشية السيد على المكاسب:87.
3 . البقرة:254.

صفحه 182
وقال سبحانه:(رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ)1، فالمراد هو نفي المعاملة على وجه الإطلاق، أعني: البيع والشراء لا خصوص البيع، وإن شئت قلت: نفي الجامع.
وأمّا الثاني ـ أي الإيجاب بلفظ «شريت» ـ فلا ريب في جواز الإنشاء به. قال في القاموس: شراه ويشريه: ملكه بالبيع وباعه، كاشتراه وهما ضدّان. وكل من ترك شيئاً وتمسك بغيره فقد اشتراه، وفي القرآن الكريم: (وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْس دَراهِمَ مَعْدُودَة).2
وقال سبحانه:(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ).3
وقال سبحانه: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ).4
وربما يستشكل فيه بقلة استعماله عرفاً في البيع وكونه محتاجاً إلى القرينة المعيّنة وعدم نقل الإيجاب به في الأخبار وكلام القدماء.
وقال الشيخ بعد ـ نقل هذه الكلمة ـ ولا يخلو عن وجه.
واعترض عليه السيد الخوئي(رحمه الله) بأمرين:
1. لا نسلم وقوع الاستعمالات العرفية على خلاف الاستعمالات القرآنية.
2. لو سلمنا ذلك ولكن لا نسلم تقديم الاستعمالات العرفية على الاستعمالات القرآنية.5

1 . النور:37.
2 . يوسف:20.
3 . النساء:74.
4 . البقرة:207.
5 . مصباح الفقاهة:2/972.

صفحه 183
والظاهر عدم تمامية الوجهين:
أمّا الأوّل: فمن رجع إلى الاستعمالات الرائجة يقف على أنّ مادة «شرى» تستعمل في جانب القبول ومنه أخذ لفظ «اشتريت» و «المشتري».
وأمّا الثاني: فالمتبع هو الاستعمالات الرائجة لا القرآنية، وليس هذا قدحاً في القرآن، لأنّ الناس يتكلّمون بلسانهم لا بلسان القرآن، فلفظ الدابة في القرآن بمعنى كلّ ما يدب في الأرض وفي العرف هو الفرس، فلو قال: بعت دابةً، فالمراد هو الفرس لا مطلق ما يدب على الأرض.
وأمّا الثالث: «وهو الإيجاب بلفظ اشتريت» فقد نقل صاحب مفتاح الكرامة أنّه قد يقال: يصح الإيجاب باشتريت كما هو موجود في بعض نسخ التذكرة.1 ويدل على ذلك قوله سبحانه:(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرينَ *بِئْسَمَا اشْتَرَوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَب عَلَى غَضَب وَلِلْكافِرينَ عَذابٌ مُهِينٌ).2
ومعنى الآية أنّ اليهود كانوا قبل البعثة يستنصرون وينذرون الأوس والخزرج بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا جاء انقلب اليهود على أعقابهم وتراجعوا عمّا كانوا يروّجون له، وذلك لأنّهم لمّا رأوه عربياً من نسل إسماعيل أنكروه حسداً وتعصّباً للعنصرية اليهودية، وكانوا يعتقدون بأنّه يأتي إسرائيلياً من نسل إسحاق، فباعوا أنفسهم للشيطان ولا ثمن لنفوسهم إلاّ الحسد والتعصّب للجنسية اليهودية.

1 . مفتاح الكرامة:4/150.
2 . البقرة:89ـ 90.إنّ قوله:(أن يكفروا بما أنزل) مبتدأ لخبر مقدّم أي بئسما: أي كفرهم بما أنزل اللّه.

صفحه 184
ومع ذلك كلّه فالميزان هو العرف العام للمتبايعين، والظاهر أنّ العرف لا يساعده إلاّ بالقرينة، ويؤيد ذلك انّ اللفظة من باب الافتعال وهو يدلّ على القبول والمتابعة فهو بهذا المفهوم أصلح أن يكون قبولاً لا إيجاباً.
نعم يجوز الإنشاء به مع القرينة كجعله إيجاباً مقدّماً على القبول ونحو ذلك، غيرأنّ الشيخ لم يرض به قائلاً: بأنّ الاعتماد على القرينة غير اللفظية في تعيين المراد من ألفاظ العقود قد عرفت ما فيه.1
وأشار بقوله: «قد عرفت ما فيه» إلى اتّفاق العلماء على لزوم اللفظ في الإيجاديات والأُمور الإنشائية فالاعتماد على القرينة غير اللفظية لا يتناسب مع هذا الاتفاق.
وقد عرفت الإشكال فيه وهو انّ الإيجاد والإنشاء إنّما هو باللفظ والقرينة لتفهيم المخاطب، لا للإيجاد والإنشاء.
وأمّا الرابع ـ أعني: «ملّكت هذا بهذا» ـ قال الشيخ: والأكثر على وقوع البيع به بل ظاهر «نكت الإرشاد» الاتّفاق حيث قال: إنّه لا يقع البيع بغير اللفظ المتّفق عليه كبعت وملّكت.
ثمّ إنّه أشكل عليه بالنقض بالهبة المعوّضة فإنّ التمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر عند الإطلاق غيرها.
أقول: الظاهر صحّة الإيجاب به لكونه مرادفاً لمضمون «بعت هذا بهذا» فإنّ لقول القائل: «بعت هذا بهذا» معنيين; مطابقي وهو المبادلة بين المالين، والتزامي وهو تمليك هذا بهذا. فقوله: «ملكت» تصريح بالمعنى الالتزامي للفظ بعت.
وأمّا النقض بالهبة فقد ذكرنا غير مرّة أنّ الهبة تتضمن معنى العطية

1 . المتاجر:95.

صفحه 185
والمجانية ،غاية الأمر بشرط شيء والشرط في الدرجة الثانية، وهذا بخلاف البيع فهو مبني على المعاوضة والمبادلة لا العطية والمجانية.

الألفاظ الصالحة للقبول

الأصل فيه الصراحة والظهور العرفي، قال صاحب«الجواهر»: يجري في ألفاظ القبول ما سمعته في ألفاظ الإيجاب ضرورة عدم الفرق بين ألفاظه وألفاظ الإيجاب في اعتبار الصراحة.1
ثمّ إنّ الشيخ نفى الإشكال في وقوع القبول بالألفاظ التالية: قبلت، رضيت، اشتريت، شريت، ابتعت، تملكت، ملكت(مخففاً) واستشكل في انعقاد القبول بلفظ: أمضيت، أجزت، أنفذت وشبهها، وقال: فيها وجهان.
والظاهر عدم الإشكال في الجميع إذا كان اللفظ صدر بنية الإنشاء وكان ظاهراً في القبول.
نعم استشكل المحقّق الإصفهاني في القسم الثاني بقوله: إنّ عنوان الإمضاء والإجازة والإنفاذ لا يتعلق إلاّ بماله مضي وجواز ونفوذ، وما يترقب منه ذلك هو السبب التام وهو العقد لتقوّم السبب المترقّب منه التأثير في الملكية بالإيجاب والقبول معاً، فلا معنى للتسبّب في قوله: أمضيت وأجزت وأنفذت إلاّ في مثل العقد الفضولي لا بالإضافة إلى الإيجاب فقط.2
حاصل كلامه: أنّ هذه الألفاظ يشار بها إلى ما تمتّ سببية الشيء، وهو يناسب تنفيذ الفضولي الّذي تمّ فيه السببية بالإيجاب والقبول، ولا يناسب المقام

1 . الجواهر:22/250.
2 . تعليقة المحقق الاصفهاني:68.

صفحه 186
الّذي تفرد بالإيجاب فقط فليس هو سبباً تاماً حتّى ينفذ وإنّما السببية التامة بالقبول.
يلاحظ عليه: أنّ العقد الفضولي والإيجاب المتفرد قبل القبول من وزان واحد فليس للعقد الفضولي أي اعتبار وقيمة ما لم يلحق به الإذن فسببيته أيضاً ناقصة تكتمل بالإجازة والإنفاذ، نظير المقام على أنّه لا دليل على أنّ هذه الألفاظ وضعت لتنفيذ السبب التام إلاّ إذا أُريد السببية التامة من جانب البائع لا مطلقاً. وإن شئت قلت: يكفي وجود المقتضي في التنفيذ والإمضاء وهو الإيجاب.
ولو أوقع العقد بالألفاظ المشتركة بين الإيجاب والقبول ثم اختلفا في تعيين الموجب والقابل إمّا بناءً على جواز تقديم القبول أو من جهة اختلافهما في المتقدم والمتأخر قال الشيخ فلا يبعد الحكم بالتحالف ثم عدم ترتب الآثار المختصة لكلّ من البيع والاشتراء على واحد منهما.1
أقول: إن كان مصب الدعوى، هو ما ذكره الشيخ من الاختلاف في عنواني البائع والمشتري فالحق ما ذكره الشيخ من التحالف، لأنّ كلاً منهما يدّعي، ما يدّعيه الآخر، وبعبارة كلّ مدّع من جهة ومنكر من جهة أُخرى ولكن الفرض بعيد، إذ لا أثر شرعي يترتّب على عنواني البايع والمشتري حتّى يتنازعا فيهما، ولابدّ أن يكون النزاع لغاية أمر آخر نشير إليها تالياً.
وأمّا إن كان النزاع فيهما، لغاية أمر آخر وهو الخيار الشرعي الّذي يترتّب على عنوان المشتري، كخيار الحيوان مثلاً لو حصلت المبادلة بين الحنطة، والفرس بالألفاظ المشتركة بين الإيجاب والقبول، فلو كانت الحنطة مبيعاً والفرس ثمناً، فلا

1 . المتاجر:95.

صفحه 187
يكون لمن تملّك الفرس خيار ثلاثة أيّام ،لأنّه في هذه الصورة بائع وليس بمشتر; ولو انعكس الأمر وكان الفرس مبيعاً والحنطة ثمناً، يكون لمن تملكه خيار ثلاثة أيّام. فيصحّ ما ذكره الشيخ من التحالف وعدم ترتب الآثار المختصة لكلّ من البيع والاشتراء على واحد منهما.
وبما ذكرنا يظهر الحال إذا كانت المبادلة على وجه المعاطاة.

4

اشتراط العربية في البيع بالصيغة

هل تشترط العربية في انعقاد البيع؟ كما نقل عن الفاضل المقداد في التنقيح،1والمحقّق الثاني في جامع المقاصد2 والشهيد الثاني في الروضة البهية3، ولعلّ دليلهم هو لزوم التأسّي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من أهل بيته(عليهم السلام).
يلاحظ عليه: أنّ مورد التأسّي هو الأحكام الشرعية لا الأُمور العرفية. والنبي وإن كان يبيع ويشتري باللفظ العربي لكنّه لا يصدر إلاّ عن مقتضى المرتكز في فطرته وما تتطلبه بيئته، لأنّه عاش بين العرب الذين يسيّرون أُمورهم باللغة العربية، وأصدق شاهد على عدم اعتبارها أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يبعث جماعة إلى تعليم القرآن والأحكام، ولم ينقل أهل السير أنّه أرسل رسولاً لتعليم العقود، وما ذلك إلاّ لأنّ كلّ أُمّة تُسيّر أُمور حياتها بلغتها، بلا خصوصية للفظ دون لفظ.

1 . التنقيح الرائع:2/184.
2 . جامع المقاصد:4/59ـ60.
3 . الروضة البهية:3/225.

صفحه 188

5

حكم الصيغة الملحونة

هل ينفذ البيع بالصيغة الملحونة أو لا؟ فيه خلاف.
قال الشيخ: وهل يعتبر عدم اللحن من حيث المادة والهيئة بناءً على اشتراط (اللفظ) العربي؟ الأقوى ذلك، بناء على أنّ دليل اعتبار العربية هو لزوم الاقتصار على المتيقن من أسباب النقل، وكذا اللحن في الإعراب.1
ولكن الأقوى هو الصحة ما لم يتغير المعنى على وجه يخرجه عن حقيقته لجريان السيرة على التلفّظ باللغات المحرّفة في كلّ شعوب العالم.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت الجملة المحرفة عند العرف قالباً لإيجاد العقد بحيث يفهم منها المعنى المقصود، فالظاهر الاكتفاء بها.
ثمّ إنّ الشيخ رتّب لزوم الاقتصار على العربي الصحيح، على اعتبار العربية وعدم كفاية غيرها، مع أنّ الاقتصار يترتّب على القول بعدم اعتبار العربية أيضاً، وأنّها كسائر الأسباب، فالمتيقّن ـ أيضاً ـ عند القائل بعدم اعتبارها هو الاقتصار على العربية الصحيحة.

1 . المتاجر:95.

صفحه 189

6

علم المتكلم بمفاد الصيغة وعدمها

هل يشترط في صحة العقد علم المتكلم بمفاد الصيغة أو لا؟
الظاهر التفصيل بين العلم الإجمالي بمفاد مجموع الصيغة والعلم التفصيلي بمفرداتها وخصوصياتها، فيكفي الأوّل ولا يعتبر الثاني، لأنّ العلم بخصوصيات الصيغة وحروفها وأسمائها وأفعالها أمر مشكل على أهل اللغة فكيف لغيرهم، فإذاً لا مناص من القول الأوّل. فإذا قُصد المعنى من الجملة، يتحقّق الإنشاء ويحصل العقد.
إلى هنا تم الكلام في المحور الأوّل الذي يرجع إلى البحث عن مواد الألفاظ من حيث إفادة صراحتها وظهورها في المعنى المقصود.

صفحه 190

المحور الثاني:

7

في هيئة كلّ من الإيجاب والقبول

يقع الإيجاب تارة بلفظ الماضي كقولك: «بعت»، وأُخرى بصيغة الأمر كقوله: بعني، وثالثة: بصيغة المستقبل كقولك: أبيعك، فهل يقع الإيجاب بالجميع أو يختص بالماضي؟ حكي عن غير واحد اشتراط الماضوية.
قال العلامة في ضمن الشروط: الثاني: الإتيان بهما بلفظ الماضي، فلو قال أبيعك أو قال: اشتري، لم يقع إجماعاً لانصرافه إلى الوعد.1
وقال في «المختلف» بعد العبارة المذكورة: ولو أتى بلفظ الأمر أو الاستفهام لم يقع، اختاره الشيخ وابن حمزة.
وقال ابن البراج في «الكامل»: لو قال المشتري: «بعني هذا» فقال البائع:«بعتك» انعقد. وقال في «المهذب»: لو قال المشتري: «بعني هذا» فيقول البائع: «بعتك» صحّ.2
ولعل الاقتصار بالماضي لصراحته في الإنشاء، إذ المستقبل أشبه بالوعد والأمر استدعاء لا إيجاب مع أنّ قصد الإنشاء بلفظ الاستقبال خلاف المتعارف.

1 . التذكرة:10/8.
2 . المختلف:5/53.

صفحه 191
أقول: المعيار في الصحة وعدمها سيرة العقلاء، فإن كان النقل عندهم منحصراً بالماضي فتحمل العمومات عليه، وإن كان الرائج هو الأعم فالأدلة تعم الكل. والظاهر وقوعه بالكل لوجهين:
الأوّل: أنّ المعاملات أُمور عرفية وليست أُموراً عبادية حتّى تتحدّد في إطار خاص، والألفاظ وسيلة للتمليك والتملّك، فلو كان الجميع ظاهراً في هذا المقصود ينعقد.
الثاني: الروايات الواردة في بيع العبد الآبق واللبن في الضرع من الإيجاب بلفظ المضارع، وفحوى ما دلّ عليه في النكاح، ولذلك قال الشيخ ـ بعد الإشارة إلى هذه الروايات ـ: ولا يخلو من وجه. ولنذكر بعض ما ورد من الروايات:
1. روى سماعة قال: سألته عن اللبن يُشترى وهو في الضرع؟ قال:«لا إلاّ أن يهرق لك سكرجةً فتقول: اشتري منك هذا اللبن الّذي في السكرجة، وما بقي في ضروعها بثمن مسمّى، فإن لم يكن في الضرع شيء كان ما في السكرجة1».2
2. ما رواه رفاعة النخاس قال: سألت أبا الحسن ـ يعني موسى بن جعفر(عليهما السلام) ـ: يصلح لي أن أشتري من القوم، الجارية الآبقة، وأعطيهم الثمن، وأطلبها أنا؟ قال: «لا يصلح شراؤها إلاّ أن تشتري معها منهم شيئاً ثوباً أو متاعاً فتقول: لهم اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً، فإنّ ذلك جائز».3
3. روى أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): كيف أقول لها إذا

1 . السُّكرجة ـ بضم السين والكاف ـ إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم.
2 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث2.
3 . الوسائل:12، الباب11 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 192
خلوت بها؟ قال: «تقول: أتزوجك متعة على كتاب اللّه وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)لا وارثة، ولا موروثة كذا وكذا يوماً. فإذا قالت: نعم، فقد رضيت، فهي امرأتك وأنت أولى الناس بها».1
بناء على هذه الجمل إيجاب وما يأتي بعدها قبول. بناء على أنّ الإيجاب ليس من خصائص صاحب المتاع، بل يعمّ غيره أيضاً إذا تقدّم في الإنشاء، أو أنّها قبول مقدّم بصيغة المضارع، وظاهر عبارة العلاّمة شرطية الإتيان بالقبول أيضاً بلطف الماضي فتكون الروايات دليلاً على خلافه مطلقاً.
هذا كلّه في المضارع وأمّا الأمر، فقد روى الأحول قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): أدنى ما يتزوج به الرجل المتعة؟ قال: «كف من بُر، يقول لها: زوجيني نفسك متعة على كتاب اللّه وسنة نبيه نكاحاً غير سفاح».2
بناءً على أنّ قوله: «زوجيني نفسك متعة» إيجاب.
هذا وقد وردت روايات في باب بيع المصاحف.3
والمجموع من حيث المجموع كاف في إثبات المطلوب، وليس هناك إجماع كاشف عن وجود النص الواصل إليهم دوننا، وأمّا القول بأنّ صيغة المستقبل أشبه بالوعد، والأمر استدعاء لا إيجاب، فالكل مرفوع بأنّ القرائن الحاضرة السائدة على مجلس البيع تدفع ذلك. تمّ الكلام في المحور الثاني.

1 . الوسائل:14، الباب18 من أبواب المتعة، الحديث1. ولاحظ الحديث2، 3، 4.
2 . الوسائل:14، الباب18 من أبواب المتعة، الحديث5.
3 . لاحظ الوسائل:12، الباب31 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، 2، 3و 6.

صفحه 193

المحور الثالث

في هيئة تركيب الإيجاب والقبول

يقع الكلام في هذا المحور في موردين:
1. تقدّم الإيجاب على القبول.
2. الموالاة بينهما.

8

في تقدم الإيجاب على القبول

هل يشترط تقدّم الإيجاب على القبول؟ فيه خلاف.
ذكر المحقّق: هل يشترط تقديم الإيجاب على القبول؟ فيه تردد، والأشبه عدم الاشتراط.1 وقد استدل على الاشتراط بالأُمور التالية:
1. التقديم هو المتعارف، وآية لزوم الوفاء بالعقود محمولة على المتعارف.
2. القبول فرع الإيجاب.
3. ادّعاء الإجماع على التقديم عن «الخلاف» في باب البيع والنكاح.

1 . شرائع الإسلام:2/267.

صفحه 194
أمّا الأخير فقد راجعنا الخلاف في كلا الموضعين لم نجد ما يدلّ عليه، ثم وقفت بعد ذلك على كلام صاحب «مفتاح الكرامة» حيث قال: وقد نسب في «غاية المراد» و «المسالك» إلى«الخلاف» دعوى الإجماع، وهو وهم قطعاً، لأنّي تتبعت كتاب البيع فيه مسألة مسألة، وغيره حتّى النكاح فلم أجده.1
وأمّا العلاّمة فقد اضطرب كلامه فقال في «التذكرة» في ضمن شروط العقد: الأوّل: تقديم الإيجاب على الأقوى، خلافاً للشافعي وأحمد.2
وقال في «القواعد»: وفي اشتراط تقديم الإيجاب نظر.3
وبهذا ظهر عدم الإجماع في المسألة.
وأمّا الدليل الأوّل وهو أنّ المتعارف تقدّم الإيجاب على القبول فإنّما يتم إذا لم يكن هناك تعارف على العكس أيضاً.
وأمّا الدليل الثاني من أنّ القبول فرع الإيجاب فإنّما يتم فيما إذا كان بصدد قبول ما أوجبه المالك، وأمّا إذا كان قبولاً لما يوجبه بعد ثوان فلا يتم الاستدلال. فظهر ممّا ذكر جواز تقديم القبول على الإيجاب مطلقاً، خلافاً للشيخ الأنصاري حيث قال بالتفصيل الآتي:

التقسيم الثلاثي لألفاظ القبول

ثمّ إنّ الشيخ قسّم ألفاظ القبول إلى أقسام ثلاثة:
1. أن يكون بلفظ: قبلت ورضيت.
2. أن يكون بطريق الأمر والاستيجاب.

1 . مفتاح الكرامة:4/164.
2 . تذكرة الفقهاء:10/8.
3 . قواعد الكلام:2/17.

صفحه 195
3. أن يكون بلفظ: اشتريت وملكتُ(بالتخفيف) وابتعت.
ثمّ إنّه(قدس سره) منع تقدّم القبول على الإيجاب بالصورة الأُولى، واستدلّ عليه بكلام مفصّل يرجع لبُّه إلى أمرين، وربّما يخفى على المبتدئ.وإليك توضيح كلا الوجهين:
الأوّل: أنّ القبول ليس مجرد الرضا بالإيجاب كي يصحّ إمكان تعلّقه بالأمر المتأخّر، بل القبول عبارة عن الرضا بالإيجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلاً فعلياً، ومن الواضح أنّ هذا المعنى لا يتحقّق إلاّ بتأخّر الرضا عن الإيجاب، وهذا ما أشار إليه بقوله: ليس المراد من هذا القبول... إلى قوله: على وجه العوضية.
الثاني: ما أشار إليه بقوله: لأنّ المشتري ناقل كالبائع، وهذا لا يتحقّق إلاّ مع تأخّر الرضا عن الإيجاب، إذ مع تقدّمه لا يتحقّق النقل في الحال، فإنّ من رضي بمعاوضة يُنشؤها الموجب في المستقبل لم ينقل في الحال ماله إلى الموجب، بخلاف من رضي بالمعاوضة الّتي أنشأها الموجب سابقاً، فإنّه يرفع بهذا الرضا يده من ماله وينقله إلى غيره على وجه العوضية.1
يلاحظ على الوجه الأوّل: بمنع «كون القبول هو الرضا بالإيجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلاً فعلياً» بل معناه الرضا بالإيجاب، فإن كان الإيجاب متقدّماً فلازمه حصول النقل حينه، نظير إجازة الفضولي، وإن كان الإيجاب متأخّراً فلازمه النقل حين تحقّقه.
فإن قلت: إنّ اللفظين يتضمّنان معنى المطاوعة أي مطاوعة الإيجاب، ولا يعقل تقدّمه عليه كتقدّم الانكسار على الكسر.

1 . لاحظ المتاجر:97.

صفحه 196
قلت: ما ذكرته يرجع إلى المطاوعة التكوينية كالانكسار بالنسبة إلى الكسر لا المطاوعة الإنشائية فهو يُنشئ معنى المطاوعة، وليس هناك مطاوعة حقيقية حتّى يستلزم تقدّم شيء يطيعه.
وقد أجاب عنه سيدنا الأُستاذ(قدس سره) بوجهين فقال: إنّ القبول وإن كان مطاوعة وتنفيذاً لما أوقعه البائع لكن يمكن إنشاؤه مقدّماً على نحوين:
أحدهما بنحو الاشتراط: بأن يقول:«إن ملّكتني هذا بهذا قبلت» نظير الواجب المشروط، فيتحقّق القبول والمنشأ بعد الإيجاب ويكون مطاوعة له حقيقة، وتحصل الملكية بعد القبول الحقيقي بلا فصل لو فرض في الحال اشتراط حصولها بعده. وهو صحيح على القواعد إلاّ أن يثبت الإجماع على بطلانه.
وثانيهما بنحو الواجب التعليقي: فكما يمكن الأمر بأمر متأخّر من غير اشتراط يمكن إيقاع الإيجاب أو القبول، كذلك فللقابل أن يقبل الإيجاب في موضع تحقّقه1، فإنشاؤه حاليّ والمنشأ استقبالي.2
ويلاحظ على الوجه الثاني: بما ذكرنا سابقاً من أنّ حقيقة البيع قائمة بالبائع فهو الّذي ربط بين المالين وأوجد المبادلة بينهما، غاية الأمر أنّ عمله هذا لا يؤثر إلاّ بإمضاء المشتري فليس للمشتري إلاّ تنفيذه بإنشاء الرضا والقبول، وليس فيه إلاّ التملك لا التمليك ولا النقل.
وبما ذكرنا يظهر ما في كلام المحقّق النائيني، في غير هذا المقام حيث قال:

1 . والفرق بين الجوابين هو أنّ القبول في الأوّل مشروط فلا يتحقّق إلاّ بعد الإيجاب شأن كلّ قضية شرطية بخلافه في الثاني فإنّ القبول فعلي، وإن كان المقبول استقبالياً شأن الواجب المعلّق حيث إنّ الوجوب فيه حالي والواجب استقبالي.
2 . البيع للسيد الخميني:1/336.

صفحه 197
إنّ كلاً من الموجب والقابل في عقود المعاوضة ينشئ أمرين: أحدهما بالمطابقة، وثانيهما بالالتزام. فالموجب ينقل ماله إلى ملك المشتري مطابقة ويتملّك مال المشتري عوضاً عن ماله التزاماً، والقابل بعكس ذاك. وعلى هذا فلو لم يكن هناك لفظ يدلّ على نحو القصد كما إذا أنشأ كلّ منهما بلفظ «شريت» فنقول المقدّم هو الموجب والمتأخّر هو المشتري، ولو اشتبه أو تقارن وقلنا بصحّته فلا يترتّب الأثر الخاص على كلّ منهما كما أوضحناه في المعاطاة.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مخالف للوجدان، إذ معنى ذلك أنّ هناك تمليكين وتملّكين، بل ليس هناك إلاّ تمليك بعوض من جانب الموجب وقبول من جانب القابل. نعم عند التحليل يكون لكلّ، تمليك وتملّك، لكنّه تحليل عقلي وليس مدلولاً مطابقياً.
هذا كلّه حول اللفظين «قبلت»، و «رضيت».
وأمّا القسم الثاني ـ أعني: القبول بالأمر ـ: فقد ذكر الشيخ الأعظم في وجه المنع ما هذا لفظه: أنّ غاية الأمر في قوله: «بعني هذا بدرهم» دلالة طلب المعاوضة على الرضا بها، لكن لم يتحقّق بمجرد الرضا بالمعاوضة المستقبلة، نقل في الحال للدرهم إلى البائع.2
فقد اعتمد في منعه على الوجه الثاني المذكور في تقدّم لفظيّ:«قبلت» و «رضيت» وهو أنّ المشتري ناقل كالبائع، وليس في الأمر دلالة على النقل في الحال للدرهم إلى البائع. وإنّما يدلّ على طلب المعاوضة.
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّه لا يشترط في القبول نقل الثمن إلى البائع

1 . منية الطالب:109.
2 . المتاجر:97.

صفحه 198
فعلاً، بل يكفي فيه إنشاء الرضا والقبول لما ينشؤه الموجب في المستقبل.
فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الوجهين اللّذين اعتمد عليهما الشيخ في منع تقدّم القبول على الإيجاب في هذين القسمين غير تامّين.
ثمّ إنّه قد ورد تقدّم القبول بصورة الأمر على الإيجاب في الروايات:
1. ما رواه العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:جاءت امرأة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: زوّجني، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول اللّه، زوجنيها، فقال:ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء، قال: لا. فأعادت فأعاد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل. ثم أعادت فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في المرّة الثالثة: أتُحسِنُ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، قال: قد زوّجتكها على ما تُحسِنُ من القرآن فعلّمها إيّاه».1
2. ولعل هذه الرواية هي نفس ما رواه أهل السنّة عن سهل بن سعد الساعدي حيث قال: إنّي لفي القوم عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول اللّه، إنّها قد وهبت نفسها لك، فر2 فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً. ثم قامت فقالت: يا رسول اللّه، إنّها قد وهبت نفسها لك فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً. ثم قامت ثالثة فقالت: إنّها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك. فقام رجل فقال: يا رسول اللّه أنكحنيها.
قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا. قال: فاذهب فاطلب ولو خاتماً من حديد، فذهب فطلب، ثم جاء فقال: ما وجدت شيئاً ولا خاتماً من حديد. فقال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا.

1 . الوسائل:ج14، الباب2 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . صيغة أمر من «رأى» يرى و نظير وقى يقي، قِ

صفحه 199
قال: اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن.1
نعم يحتمل أن يكون الطلب الصادر من الرجل كونه إيجاباً لا قبولاً، ولا دليل على اختصاص الإيجاب بالمرأة.وعلى كلّ تقدير يدلّ على جواز إنشاء القبول أو الإيجاب بالأمر.
القسم الثالث: تقديم القبول بلفظ: «اشتريت» و «ابتعت» و «تملّكت» أو «ملكت» ـ هذا بكذا ـ فذهب الشيخ إلى جوازه.
ووجهه: أنّه ليس في حقيقة الاشتراء من حيث هو، معنى القبول، لكنّه لمّا كان الغالبُ وقوعَه عقيب الإيجاب. وإنشاء انتقال مال البائع إلى نفسه إذا وقع عقيب نقله إليه، يوجب تحقّق المطاوعة ومفهوم القبول، وهذا المعنى مفقود في الإيجاب المتأخر، لأنّ المشتري إنّما ينقل ماله إلى البائع بالالتزام الحاصل من جعل ماله عوضاً والبائع إنّما يُنشئ انتقال الثمن إليه كذلك لا بمدلول الصيغة.2
وهاهنا احتمال آخر وهو أن تكون كلّ هذه الأمثلة من قبيل الإيجاب لا القبول المتقدّم، وهذا ما احتمله سيدنا الأُستاذ فقال: إنّ مثل اشتريت ليس من قبيل القبول بل هو إيجاب من قبل المشتري، فإنّ ماهية البيع الّتي ليست إلاّ مبادلة مال بمال كما يمكن إيقاعها بالإيجاب من طرف البائع يمكن إيقاعها بإيجاب المشتري، فإذا قال المشتري:«اشتريت هذا بهذا» أو «تملّكت هذا بهذا» لم يبق محل لإيجاب البائع بل لابدّ له من قبول هذا الإيقاع وبقوله يتم موضوع اعتبار العقلاء.3

1 . صحيح البخاري:1323، رقم الحديث 5149، باب التزويج على القرآن وبغير صداق (8/175).
2 . المتاجر:97.
3 . كتاب البيع:1/335.

صفحه 200
وبهذا ظهر أنّ كون البائع هو الموجب والمشتري هو القابل ليس على إطلاقه، بل يمكن أن يكون المشتري موجباً والبائع قابلاً كما في هذه الصورة.
على ما ذكره(قدس سره) يمكن أن يقال:كلّما ورد القبول بصورة الأمر أو المضارع فهو إيجاب من جانب المشتري، وما يأتي بعده من البائع هو القبول.
بقي هنا أمران:
الأوّل: كلّ ما ذكرناه صحيح على ضوء القواعد ولكن المهم موافقة العرف معها، فلو كان تقديم القبول موافقاً للقواعد ولكن مخالفاً للعرف لم يتحقّق به العقد، لأنّ الممضى هو العقود العرفية.
الثاني: أنّ الشيخ(قدس سره) ذكر في آخر كلامه أنّ العقود على قسمين وقسّم كل قسم إلى قسمين آخرين، وقال: إنّ تقديم القبول على الإيجاب لا يكون إلاّ في القسم الثاني من كلّ من القسمين.
حاصل كلامه: إنّ القبول في العقود إمّا أن يكون فيه التزام بشيء من القابل كنقل مال عنه أو زوجية.
وإمّا أن لا يكون فيه سوى الرضا بالإيجاب.
أمّا الأوّل فهو على قسمين:
1. أن يكون الالتزام الحاصل من القابل نظير الالتزام الحاصل من الموجب كالمصالحة.
2. أو يكون الالتزام الحاصل من القابل متغايراً كالاشتراء.
وأمّا الثاني فهو أيضاً على قسمين:
3. أمّا أن يعتبر فيه عنوان المطاوعة كالارتهان والاتهاب والاقتراض.
4. وأمّا أن لا يثبت فيه اعتبار أزيد من الرضا بالإيجاب كالوكالة والعارية

صفحه 201
وشبهها.
فتقديم القبول على الإيجاب لا يتصور إلاّ في القسم الثاني من كلّ من القسمين. وذلك لأنّ القسم الأوّل بما أنّ الالتزامين متماثلان كما في الصلح فكلّ مَن تكلّم بالصلح قبل الآخر فهو الموجب والآخر هو القابل، ولا يتصور فيه تقديم القبول على الإيجاب، لأنّ الإيجاب متمايز بذاته عن القبول بالتقدّم.
أمّا الثاني ـ أعني إذا كان الالتزامان متغايرين، كالبيع من جانب البائع والاشتراء من جانب المشتري ـ: فهنا يتصور تقديم القبول على الإيجاب.
وأمّا الثالث ـ أعني: إذا كان في القبول عنوان المطاوعة ـ: لا يجوز فيه تقدّم القبول على الإيجاب، كما إذا قال: رهنتك وقال الآخر: ارتهنت . لأنّ قبول الارتهان فرع صدور الرهن من الراهن.
وأمّا الرابع ـ أعني: ما لا يعتبر فيه سوى الرضا بالإيجاب كالوكالة والعارية ـ: فيتصور فيه تقدم القبول على الإيجاب. لأنّ الإيجاب متمايز عن القبول بالذات.
وحصيلة الكلام: أنّ البحث في جواز تقديم القبول على الإيجاب وعدمه مركّز على هذين القسمين لا القسم الأوّل، لعدم التمايز; ولا القسم الثالث، لامتناع قبول الرهن قبل صدوره من الراهن.

صفحه 202

9

الموالاة بين الإيجاب والقبول

من شروط صحّة العقد; الموالاة بين الإيجاب والقبول، وقد ذكرها غير واحد من الفقهاء.
قال الشهيد في «القواعد»: الموالاة المعتبرة في العقد ونحوه وهي مأخوذة من اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه.1
وقد ذكروا في اعتبارها وجوهاً:
الأوّل: ما ذكره الشهيد في «القواعد» ولخّصه الشيخ الأنصاري قال: حاصله: انّ الأمر المتدرج شيئاً فشيئاً إذا كان له صورة اتصالية في العرف، فلابدّ في ترتّب الحكم المعلّق عليه في الشرع من اعتبار صورته الاتصالية، فالعقد المركب بين الإيجاب والقبول القائم بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض، فيقدح تخلّل الفصل المخلّ بهيئته الاتصالية، ولذا لا يصدق التعاقد إذا كان الفصل مفرطاً في الطول كسنة أو أزيد، وانضباط ذلك إنّما يكون بالعرف فهو في كلّ أمر بحسبه فيجوز الفصل بين كلّ من الإيجاب والقبول بما لا يجوز بين كلمات كلّ واحد منهما، ويجوز بين الكلمات بما لا يجوز بين الحروف كما في الأذان والإقامة (القراءة).2
ثمّ إنّ الشيخ فرّق بين العقد والبيع والتجارة عن تراض، لكنّه ليس بتام، لأنّ ما ذكره الشهيد يجري في العقد والبيع على السواء، والمناط في لزوم الموالاة هو

1 . القواعد والفوائد:1/234.
2 . المتاجر:98.

صفحه 203
كون الإيجاب والقبول بمنزلة كلام واحد، لابدّ في حفظ الوحدة، اعتبار الاتصال والتوالي بينهما. وهو مشترك بين الجميع.
الثاني: ما ذكره المحقّق الاصفهاني: انّ الإيجاب والقبول حيث إنّهما قائمان بأثر فلهما بنظر العرف جهة وحدة، فكأنّ الواحد قائم بأثر واحد، فلابدّ من كونهما على نحو من الاتصال العرفي فكأنّه كلام واحد بوحدة اتصالية يقوم بأثر واحد.وعليه فلا فرق بين دليل الوفاء بالعقد ودليل الحلية فإنّ المدار ليس على ما يقتضيه عنوان العقد، بل ما يقتضيه قيام ما هو كالواحد بأثر واحد.1
أقول: إنّ ما ذكره(قدس سره) قريب ممّا ذكره الشيخ، غير أنّ الثاني ركّز على وحدة الكلام ولزوم الصورة الاتصالية في حفظ الوحدة ولكن المحقّق الإصفهاني ركّز على اشتراك الإيجاب والقبول في إيجاد أثر واحد، فالأثر الواحد يقوم بموضوع واحد. والفصل القليل بين الإيجاب والقبول لا يضر بوحدة الموضوع.
الثالث: ما استدلّ به المحقّق النائيني بعد أن قسّم العقود إلى ما يعتبر فيه الموالاة قطعاً، ومنها ما لا يعتبر فيه قطعاً، ومنها ما هو محل إشكال.
أمّا القسم الأوّل فكالعقود العهدية المعاوضية كالبيع وما يلحق به، كالنكاح ونحوهما ووجه اعتبارها فيها أمران:
الأوّل: أنّه لمّا كان فيها خلع ولُبس أو إيجاد عُلقة فلابدّ أن يكون مقارناً للخلع، لبس، وهكذا مقارناً لإيجاد العلقة قبول. وإلاّ تقع الإضافة أو العلقة بلا محلّ ومضاف إليه.
الثاني: اعتبار كونها عقداً يقتضي أن يرتبط إنشاء أحدهما بإنشاء الآخر، بأن يصير بمنزلة كلام واحد... إلى آخر ما ذكره الشيخ.2

1 . تعليقة المحقّق الاصفهاني:71.
2 . منية الطالب:1/111.

صفحه 204
يلاحظ على الأمر الأوّل: بأنّه لا شكّ أنّ الخلع فعل الموجب حيث يخلع ملكية المبيع عن نفسه، وأمّا اللُّبس ـ أي جعل الثمن ملكاً للبايع ـ فإن كان فعل الموجب أيضاً فكلاهما يتحقّقان في زمن واحد، حيث إنّ البائع بإيجابه إنّما يخلع ملكية المثمن عن نفسه ويجعل الثمن لنفسه بإزاء ذلك الخلع.
وأمّا لو كان اللُّبس فعل المشتري فلو تمّ فرضه لصح الدليل، إلاّ أنّ الكلام في كون اللبس فعلاً للمشتري، لأنّ الخلع واللبس الإيقاعيين حصلا بالإيجاب، لأنّه تمام ماهية المعاملة فالموجب بإيجابه يملك المشتري ويتملّك الثمن إيقاعاً وإنشاءً وليس للقبول شأن إلاّ تنفيذ فعل الموجب. فلا يوجب الفصلُ بين الإيجاب والقبول الفصل بين الخلع واللبس.
وأمّا ما أفاده في ذيل كلامه من لزومه مقارنة القبول لإيجاد العلقة وإلاّ تقع الإضافة أو العلقة بلا محل، فمنظور فيه إذ لو تمّ لزم بطلان كافة العقود، لأنّه يفصل بين الإيجاب والقبول شيء من الزمان وامتناع العلقة بلا محل أمر عقلي لا تأثير لطول الزمان وقصره عليه.
وبذلك يظهر أنّ الوجه الثالث أشبه بدليل فلسفي على أمر اعتباري بخلاف الوجهين الأوّلين فإنّ لهما عرفية واضحة خصوصاً الوجه الأوّل.
الرابع: ما ذكره المحقّق الإيرواني بقوله: إنّ الإيجاب يفيد النقل من حينه، فإذا تأخّر القبول عنه، فإمّا أن يكون قبولاً لتمام مضمون الإيجاب، فعلى فرض الصحّة لزم حصول النقل قبل تمام العقد; أو بعض مضمونه، أعني: النقل من حين تحقّق القبول، فيلزم عدم المطابقة بين الإيجاب والقبول، وهو معفوّ في الفصل القليل دون الكثير.1

1 . تعليقة المحقّق الإيرواني:1/90 ، السطر 35.

صفحه 205
يلاحظ عليه بوجهين:
1. أنّ ما ذكره مبني على أنّ للقبول دوراً في النقل وعندئذ يتجه ما ذكره. وأمّا إذا قلنا بأنّه ليس له دور سوى تنفيذ ما نقله البائع، فالقابل ينفّذ ما نقله البائع بعد تمام الإيجاب ويكون دور القبول أشبه بدور الإجازة في الفضولي.
2. انّ ما ذكره مبني على أخذ الزمان قيداً للإيجاب مع أنّه ظرف لا قيد فمضمونه ليس سوى النقل فقط لا النقل من حين الإيجاب. نعم وقع النقل في حين الإيجاب لكنّه ليس قيداً لمضمون الإيجاب، بل هو مجرّد عن أيّ زمان، فإذا انضم إليه القبول يكون مطابقاً لمضمون الإيجاب.

أدلة القائل بعدم اعتبار الموالاة

ذهب المحقّق الخوئي إلى عدم اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول قائلاً: بأنّ العقد ليس اسماً للفظ المركب من الإيجاب والقبول، بل هو عبارة عن العهد المطلق أو العهد المشدّد، وهذا المعنى أمر نفساني قائم باعتبار الموجب والقابل، ومن الواضح أنّه لا ينفصم بتخلّل الفصل بين الإيجاب والقبول اللفظيين.
نعم لابدّ بعد ذلك أن يكون هناك مُظهِر في نظر أهل العرف لذلك الاعتبار النفساني، فإذن لا يكون الوجه المزبور دليلاً على اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول مادام الاعتبار قائماً بنفس الموجب.1
وحاصله: أنّ العقد قائم بالاعتبار النفساني إذا انضم إليه المبرز فمادام الأمر النفساني موجوداً يؤثر، وإذا ما انضم إليه القبول يتحقّق العقد. ولا يشترط بقاء المبرز.
والظاهر أنّ السيد المحقّق الخوئي تأثّر بما ذكره السيد الطباطبائي في

1 . مصباح الفقاهة:2/308.

صفحه 206
تعليقته حيث قال: إنّه لا دليل على اعتبار الموالاة بالمعنى المذكور لعدم الإجماع ـ وإن قيل:إنّ ظاهرهم الاتفاق عليه في العقود اللازمة ـ وعدم منافاته لصدق العقد إلاّ إذا كان بحيث لا يبقى معنى المعاهدة في نفس الموجب، وإلاّ فمع كونه باقياً عليه وبانياً على العمل بمقتضاه فنمنع عدم الصدق، ولذا لا يعتبر ذلك في العقود الجائزة بالاتفاق.1
ولعل الشهيدي(قدس سره) تبعه في تعليقته حيث قال: إنّ المدار في صدقه على بقاء الموجب على عهده إلى زمان مجيء القبول لا على الموالاة.2
يلاحظ عليه بوجهين:
الأوّل: عدم تسليم المبنى، فإنّ البيع وأمثاله من الأُمور الاعتبارية الإيجادية على نسق الأُمور التكوينية الموجودة بالتكوين، فالبيع عبارة عن إنشاء المبادلة بين المالين لا إبراز الإرادة النفسانية بتعلّقها على المبادلة، وهذا ما فرغنا منه في الفرق بين الإخبار والإنشاء.
الثاني: سلّمنا أنّ البيع من مقولة الإرادة الباطنية بشرط الإبراز لكن ليس كلّ إبراز موضوعاً عند العقلاء للأثر، فلو قال القائل: «بعتُ» وسكتَ القابل عن قبوله فترة طويلة لا يُعد ذلك موضوعاً لوجوب الوفاء بالعقد عرفاً، إلاّ في الموارد الّتي يقتضي المورد فيها جواز الفصل كما يأتي في البحث التالي.
ثمّ إنّ السيد المحقّق الخوئي أيّد ما اختاره بالوجوه التالية:
أ. انّ بعض الناس يرسل هدية إلى صاحبه الساكن في البلاد النائية وتصل إلى المهدى إليه بعد مدة طويلة مع أنّها صحيحة.
ب. انّ ملك الحبشة أهدى مارية القبطية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبلها النبي مع عدم

1 . تعليقة السيد الطباطبائي:90.
2 . تعليقة الشهيدي:197.

صفحه 207
الموالاة بينهما.
ج. قيام السيرة بين التجار المتدينين على معاملة بعضهم بعضاً بالكتابة والبرقية مع تخلل الفصل الطويل بين إيجابها وقبولها.
د. فحوى ما ورد في جواز جعل المهر شيئاً من القرآن بناءً على أنّ القبول في الرواية هو قول الصحابي: زوجنيها، والإيجاب هو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):« قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إياه»1.2
يلاحظ على الوجهين الأوّل والثاني: أنّ الموردين من العقود الإذنية ويكفي فيها وجود الإذن وبقاؤه في ذهن الموجب، غاية الأمر يحتاج إلى كاشف وهو إرسال الهدية إلى المهدى إليه.
ويلاحظ على الوجه الثالث: بأنّ للكتابة بقاء عرفياً فإذا وقّع عليها القـابل يتحقّـق العقد مع عـدم الفصل، وكذا لو أبـرق بالكتابة ووقّـع عليها القابل.
ويلاحظ على الوجه الرابع: أنّ المرأة فوضّت أمر تزويجها للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قالت: زوّجني، كما أنّ الرجل وكّل النبي أيضاً بقوله: زوّجنيها، فأصبح النبي وكيلاً عنهما، عندئذ فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): زوجتكها على ما معك من القرآن. ولو صحت الرواية لدلت على كفاية صيغة واحدة عنهما عن الإيجاب والقبول.
وقد ورد في بعض الروايات أنّه سبحانه عقد فاطمة(عليها السلام) لعلي(عليه السلام) فقال: زوّجت أمتي فاطمة عبدي علياً3، وهذا ليس ببعيد في الأولياء، فإذا كان الرجل

1 . الوسائل:14، الباب1 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث13.
2 . مصباح الفقاهة:2/310ـ311.
3 . راجع بحارالأنوار:43/128، الحديث32; نقلاً عن كشف الغمة:1/367، ومناقب الخوارزمي:347.

صفحه 208
ولياً للصغير والصغيرة يزوجهما بصيغة واحدة من باب الولاية.
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ اختار مذهباً وسطاً بين نفي التوالي وإيجابه وقال: ما هو المعتبر ارتباط قرارهما وعهدهما أي عهد البائع وقراره بقبول المشتري ـ لا تواليهما ـ وهو حاصل مع بقاء الإيجاب الاعتباري، ففيما لم يصر الإيجاب الكذائي منسياً ومعرضاً عنه، صحّ ضم القبول إليه، فلو قال: بعتك هذا الفرس قم وتفكّر في ما تراه صالحاً لك، فقام وتأمل ساعة أو ساعتين بل يوماً أو يومين فاختار القبول يصدق العقد عليه ويجب الوفاء به عرفاً وشرعاً. كما أنّ العهود والاتفاقيات بين الدول المكتوبة وبين الشركاء في التجارات لا يعتبر فيها التوالي لدى العقلاء، فالمضرّ عدم ربط المسببات والمعتبر ربطها لا التوالي بين الإيجاب والقبول وبين الأسباب، من غير فرق بين كون دليل التنفيذ قوله سبحانه: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ) أو (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)، أو (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض).1
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ الفصل بين الإيجاب والقبول ربّما يكون من مقتضيات المورد، كما إذا باع بالكتابة ووصل الكتاب بعد شهر إلى المشتري فأمضاه، وهذا داخل في العمومات لأنّ موالاة كلّ شيء بحسبه، ومثله العقود والاتفاقيات بين الدول والشركاء في التجارات. فإنّ لكلّ مورد توالياً عرفياً فلا يكون هذا دليلاً على جواز الفصل بين الإيجاب والقبول في التجارات الدارجة في السوق وبين الناس.وأمّا ما ذكره من المثال فالرائج هو الوعد من جانب المالك إلى أن يرى المشتري ثم يفي بوعده، لا البيع القطعيّ فتدبّر.

إكمال

قال الشهيد في «القواعد»: الموالاة معتبرة في العقد ونحوه، وهو مأخوذ من

1 . كتاب البيع:1/345.

صفحه 209
اعتبار الاتصال بين الاستثناء والمستثنى منه.1
وقد حمل المحقّق الخوئي الاستثناء في كلام الشهيد على ما هو المعروف في مصطلح النحاة والأُصوليين ولكن المراد منه هو الاستثناء بالمشيئة، قال سبحانه: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ).2 وقال تعالى:(إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرمُنَّها مُصْبِحينَ *ولا يَسْتَثْنُونَ)3 ،أي ليقطعن ثمرتها إذا دخلوا في وقت الصباح غير مستثنين في أيمانهم فلم يقولوا: إن شاء اللّه. قال: معنى قول القائل: لأفعلنّ كذا إلاّ أن يشاء اللّه، استثناء; ومعناه إلاّ أن يشاء اللّه منعي أو تمكين مانعي.4
وقد ورد في الروايات تعقيب النذر واليمين بالمشيئة .5والمراد، المشيئة.
كما ورد في بعض الروايات عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «من قرأ سورة العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين فهو ـ و اللّه، يا أبا محمد ـ من أهل الجنّة، لا أستثني فيه أبداً، ولا أخاف أن يكتب اللّه عليّ في يميني إثماً، وإنّ لهاتين السورتين من اللّه مكاناً».6
ومعنى «لا أستثني في ذلك أبداً» :أي لا أضمّ إلى قسمي هذا لفظة إن شاء اللّه، ليقيني على هذا، وربما تصحف لفظة أبداً بـ(أحداً).

1 . القواعد والفوائد: 1/234، القاعدة73. ولاحظ أيضاً الدروس:2/ 165 في أحكام اليمين.
2 . الكهف:23ـ24.
3 . القلم:17ـ 18.
4 . مجمع البيان:5/336.
5 . انظر: وسائل الشيعة:15، الباب25 من أبواب الأيمان، الحديث2. وقد ورد فيها قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حلف سرّاً فليستثن سرّاً، ومن حلف علانية فليستثن علانية».
6 . الوسائل:10/361، الباب 33 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.

صفحه 210

10

التنجيز في مقابل التعليق

من شرائط صحّة العقد هو التنجيز في العقد، بأن لا يكون معلقاً، ذكره جماعة من المتقدّمين والمتأخّرين. وقد نقل الشيخ الأنصاري كلماتهم في «المتاجر».
وقبل الخوض في بيان الأحكام نذكر أُموراً:
1. أقسام التعليق
قد ذكر الشيخ الأنصاري للتعليق أقساماً أنهاها إلى اثني عشر قسماً، وإليك بيانها:
إنّ الشرط المعلّق عليه على أصناف:
أ. أن يكون دخيلاً في مفهوم العقد.
ب. أن يكون دخيلاً في صحّة العقد.
ج. أن لا يكون دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته.
وهذه الأصناف الثلاثة تُعدّ أُصولاً للتقسيم.
وكلّ من هذه الأصناف ينقسم إلى معلوم الحصول في الحال ومجهوله، وإلى معلوم الحصول في المستقبل ومجهوله. فهذه اثنا عشر قسماً، إليك بيانها.
أمّا الصنف الأوّل ـ أعني: ما إذا كان الشرط دخيلاً في مفهوم العقد ـ فهو على أقسام أربعة:
1. أن يكون المعلق عليه أمراً حالياً معلوم الحصول، كما إذا قال: إن كانت

صفحه 211
هذه زوجتي فهي طالق، حيث إنّ الزوجية مأخوذة في عنوان الطلاق إذ هو فرع لها.
2. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً مجهول الحصول، كما إذا قال وهو شاك: إن كانت هذه زوجتي فهي طالق.
3. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول في ظرفه، كما إذا قال البائع للمشتري: بعتك داري إن قبلت، مع علمه بأنّ المشتري يقبله.
4. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول الحصول في ظرفه، كما إذا باع بالنحو السابق مع جهله بأنّه يقبله.
هذه الأقسام الأربعة كلّها ترجع إلى الشرط الّذي هو دخيل في مفهوم العقد.
وأمّا الصنف الثاني ـ أعني: ما إذا كان الشرط دخيلاً في صحة العقد ـ فهو أيضاً على أقسام أربعة:
5. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً معلوم الحصول، كما إذا قال البائع: إن كان هذا ملكي فقد بعته لك بكذا مع علمه بأنّه ملكه.
6. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً مجهول التحقّق والحصول، كما إذا قال البائع: بعت هذا بكذا إن كان ملكي.
7. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول في المستقبل، كما إذا علّق البائع بيعه بتسلم المشتري ـ في بيع الذهب والفضة ـ فإذا قال: بعتك هذا الدينار أو الدرهم إن أخذتها وسلمت إليّ الثمن.
8. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول التحقّق، كما إذا باعهما بقيد التسلم مع الشك في قبول المشتري.

صفحه 212
وهذه هي الأقسام الأربعة للصنف الثاني.
وأمّا الصنف الثالث ـ أعني: ما إذا لم يكن الشرط دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحته ـ فهو أيضاً على أقسام أربعة:
9. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً معلوم التحقّق، كما إذا قال: بعتك إن كان اليوم يوم الجمعة بكذا درهماً، مع العلم بكون اليوم يوم الجمعة.
10. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً مجهول التحقّق، كما إذا قال: إن كان هذا اليوم يوم الجمعة فقد بعتك هذا الكتاب، مع الشك في كون هذا اليوم يوم الجمعة.
11. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول، كما إذا قال: بعتك داري إذا دخل شهر رمضان، ويريد بذلك تحقّق البيع من حين دخول شهر رمضان لا من الآن.
12. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول الحصول والتحقّق، كما إذا قال: بعتك هذا الكتاب إن جاء زيد يوم الجمعة.

2. ما هو محل النزاع في هذه الأقسام؟

الظاهر أنّ الأقسام الأربعة الأُولى خارجة عن محط النزاع، لأنّها من مقتضيات العقد ومقوّماته وذكرها وحذفها سيّان، وكأنّ القيود في الأقسام الأربعة من مقوّمات الصيغة.
ومثلها الأقسام الأربعة الوسطى، فإذا كان الشرط دخيلاً في صحة العقد فكأنّه مذكور، وإلى ذلك يشير الشيخ الطوسي في كلامه فيقول: ومنهم من قال: يصح، لأنّه لم يشرط إلاّ ما يقتضيه إطلاق العقد، لأنّه إنّما يصحّ بيعه لهذه الجارية

صفحه 213
من الوكيل إن كان أذن له في الشراء بعشرين، وإذا اقتضاه الإطلاق لم يضر إظهاره وشرطه، كما لو شرط في البيع تسليم الثمن وتسليم المثمن وما أشبه ذلك.1
نعم أورد عليه الشيخ الأنصاري بأنّه لا يدفع مشكلة تعليق الإنشاء، حيث قال: إنّ المعلق على ذلك الشرط في الواقع هو ترتّب الأثر الشرعي على العقد دون إنشاء مدلول الكلام الّذي هو وظيفة المتكلّم، فالمعلّق في كلام المتكلّم غير معلق في الواقع على شيء، والمعلّق على شيء ليس معلّقاً في كلام المتكلّم على شيء ، بل ولا منجزاً بل هو شيء خارج عن مدلول الكلام.2
وحاصل إشكاله: أنّ الشارع رتّب الأثر على وجود هذه الشرائط في الواقع وهو أمر صحيح، ولكن المتكلم قيّد إنشاءه بهذه الأُمور، فالمعلّق في كلام الشارع هو الآثار، والمعلّق في كلام المتكلم هو الإنشاء أي إنشاء البيع.
ولكن كلام الشيخ الطوسي يعرب عن خروج هذه الأقسام الثمانية عن معقد الإجماع الّذي أُدعيّ على بطلان المعلّق ويثبت أنّ معقد الإجماع على فرض وقوعه هو الأقسام الأربعة للقسم الثالث، أعني: ما لا يكون الشرط دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته.

3. دخول التعليق في جوهر بعض الصيغ

إنّ بعض العقود يكون التعليق داخلاً في جوهرها بحيث ليس له إلاّ قسم واحد، كما في الصور التالية:
أ. في الوصية التمليكية، كما لو قال: هذا لفلان إن متُّ.

1 . المبسوط:2/385.
2 . المتاجر:100.

صفحه 214
ب. في التدبير، إذا قال: أنت حرٌّ إن مت.
ج. في السبق، كما إذا قال: هذه الجائزة لك إن كنت سابقاً، أو يخاطب الجماعة (الفريق الرياضي) ويقول: هذه الجائزة لكم إن فزتم على الفريق الآخر في المباراة.
د. الجعالة، كما إذا قال: من وجد ضالتي فله كذا.
إلى غير ذلك من الموارد.
والعجب أنّهم اتّفقوا على صحّة التوكيل إذا قال: أنت وكيلي ولكن لا تبع مالي إلاّ يوم الجمعة، ولكن اختلفوا إذا قال: أنت وكيلي في أن تبيع مالي يوم الجمعة، مع أنّ الاختلاف بينهما في اللفظ دون المعنى، ومن البعيد أن تكون إحدى الصيغتين نافذة دون الأُخرى عند الشرع.

4. اختلاف الأدلة سعة وضيقاً

إنّ القائلين ببطلان التعليق استدلّوا بوجوه يختلف مفادها سعة وضيقاً، وإليك الإشارة إلى بعضها:
أ. بطلان التعليق في الإنشاء.
ب. التعليق على الشرط تعليق على أمر مجهول وهو ينافي الجزم.
فلو كان المستند للبطلان هو الأوّل فهو يعم جميع الأقسام الاثني عشر.
وأمّا لو كان المستند هو الثاني فلا يضرّ التعليق إذا كان الشرط معلوم التحقّق في الحال أو معلوم الحصول في المستقبل.
إذا عرفت هذه الأُمور الأربعة فلندرس أدلّة القائلين بالبطلان.

صفحه 215

11

أدلة القائلين ببطلان العقد المعلّق

الدليل الأوّل: الإجماع

قد عدّ من أدلة لزوم التنجيز وبطلان التعليق الإجماع الوارد في كلام غير واحد من علمائنا، منهم الشيخ قال: إذا قال: إن قدم الحاج أو جاء رأس الشهر فقد وكلتك في البيع، فإنّ ذلك لا يصحّ. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يصح، دليلنا: أنّه لا دليل على صحة هذا العقد، وعقد الوكالة يحتاج إلى دليل.1
وذكر صاحب مفتاح الكرامة في شرح قول العلاّمة في القواعد: «ويجب أن تكون منجزة»: عند علمائنا كما في التذكرة، أجمع كما في جامع المقاصد، وفي شرح الإرشاد لفخر الإسلام أنّ تعليق الوكالة على الشرط لا يصحّ عند الإمامية، وعن غاية المرام أنّه لا خلاف فيه، ومع ذلك قال في الكفاية:إنّه المشهور وأنّه غير مرتبط بدليل واضح، ثم قال: قد صرح بوجوب التنجيز في الخلاف والمبسوط والسرائر والشرائع والنافع والتحرير والإرشاد واللمعة والتنقيح وجامع المقاصد والمسالك والروضة وهو مقتضى بقية الشروح والحواشي حيث سكتوا كما في بطونها.2
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لو كان في المسألة إجماع لاستند إليه الشيخ الطوسي في الخلاف حيث إنّه يستدل في أكثر المسائل إليه، ولكنّه في هذه المسألة اقتصر

1 . الخلاف:3/355، كتاب الوكالة، المسألة 23.
2 . مفتاح الكرامة:7/526.

صفحه 216
بقوله: إنّه لا دليل على صحّة هذا العقد.
ثانياً: أنّه لو كان التنجيز شرطاً في الصحة، والتعليق مبطلاً لها، لأشار إليه المفيد في المقنعة والطوسي في النهاية وابن الصلاح في الكافي والديلمي في المراسم وابن حمزة في الوسيلة والراوندي في فقه القرآن وابن سعيد في الجامع.1
ثالثاً: لو افترضنا وجود الإجماع فالإجماع مدركي اعتمد القائلون بالأدلة العقلية الّتي نتلوها عليك ، ومثله لا يكشف عن نص وصل إليهم ولم يصل إلينا.
نعم كلّ مورد قام الإجماع على بطلان التعليق يؤخذ به كما في مورد الطلاق والنكاح، وأمّا في غيرهما فالعموم والإطلاق في أدلّة البيع والعقد هو المحكم. وسيوافيك الكلام فيما ذكره الشيخ في آخر المبحث.

الثاني: استلزام التعليق في الإنشاء

هذا ما اعتمد عليه بعض القائلين بالبطلان، قال الشيخ: وربما يتوهم أنّ الوجه في اعتبار التنجيز هو عدم قابلية الإنشاء للتعليق ثم أجاب عنه بقوله: المراد بالإنشاء إن كان هو مدلول الكلام، فالتعليق فيه غير متصوّر، وإن كان الكلام في أنّه كما يصحّ إنشاء الملكية المتحقّقة على كلّ تقدير فهل يصحّ إنشاء الملكية المتحقّقة على تقدير دون آخر، كما إذا قال: هذا لك إن جاء زيدٌ غداً، أو : خُذ هذا المال قرضاً أو قراضاً إن أخذته من فلان، فلا ريب في أنّه متصوّر واقع في العرف والشرع كثيراً في الأوامر والمعاملات من العقود والإيقاعات.2
توضيحه: أنّه إذا قال: بعتك هذا المال إن جاء زيد غداً، فالشرط دائر بين أن يرجع إلى الإنشاء وبين أن يرجع إلى المنشأ.

1 . مفتاح الكرامة:7/526.
2 . المتاجر:100.

صفحه 217
أمّا الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ في معناه فهو يدور أمره بين الوجود والعدم، إذ أنّه إمّا أنشأ وإمّا لم يُنشئ، ولا يتصور أن يقال: أنشأ على وجه ولم يُنشئ على وجه. وهذا نظير قولنا: استعمل على وجه ولم يستعمل على وجه.
وأمّا المنشأ فهو الملكية فلا مانع من تصويرها على وجهين: فتارة يكون المنشأ ملكية مطلقة كما إذا قال: هذا لك، وأُخرى يقول: هذا لك إذا جاء ابني يوم الجمعة.
فما لم يتحقّق الشرط فالملكية تقديرية لا تحقيقية، ولها واقعية في حدّ نفسها، ولذلك يستغني البائع عن الإنشاء الجديد إذا حصل الشرط.
فإن قلت: كيف لا يجوز تعليق الإنشاء مع أنّ المحقّق الخراساني قال ـ في القضايا الشرطية نظير «أكرم زيداً إن أكرمك» ـ برجوع القيود إلى مفاد الهيئة، أعني: الطلب، خلافاً للشيخ الأنصاري الّذي قال برجوعها إلى المادة، أي الإكرام.
قلت: إنّ الإنشاء على كلا القولين مطلق غير مقيّد.
وإنّما الاختلاف في أنّ القيد راجع إلى المنشأ وهو الوجوب، أو راجع إلى ما تعلّق به الوجوب، أعني: الصلاة.
توضيحه: أنّه إذا قال: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، فهنا أُمور ثلاثة:
1.الإنشاء.
2. المنشأ.
3. المادة أو المتعلّق.
فالإنشاء بمعنى استعمال اللفظ في معناه الإيجادي أمر مطلق لا يقبل التعليق، لأنّ أمر الاستعمال دائر بين الوجود والعدم.

صفحه 218
والمنشأ عبارة عن المعنى الحاصل بسبب الاستعمال في عالم الاعتبار، أعني: الطلب فهو عند المحقّق الخراساني مقيّد بالزوال.
والمتعلّق عبارة عن الصلاة التي تعلّق بها الوجوب. نعم الصلاة عند الشيخ الأنصاري مقيدة بالزوال.
فعلى كلّ تقدير فالإنشاء مطلق غير مقيد.
فقوله: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، عند المحقّق الخراساني بمنزلة قوله: تجب عند زوال الشمس الصلاة.
وعند الشيخ الأنصاري بمنزلة قوله: تجب الصلاة المقيّدة بزوال الشمس.

الثالث: منافاة التعليق الجزم حال الإنشاء

اعتمد العلاّمة في «التذكرة» على هذا الدليل وقال: الخامس من الشروط: (الجزم); فلو علّق العقد على شرط، لم يصح، وإن كان الشرط المشيئة (إن شاء اللّه) للجهل بثبوتها حال العقد وبقائها مدته.1
يلاحظ عليه: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّما يتم فيما إذا كان الشرط مجهول الحصول لا محقّقه كما في بعض الأقسام.
أضف إلى ذلك أنّه لم يذكر لهذا الشرط دليلاً، إذ ليس هناك دليل قاطع على لزوم الجزم في العقود، بل يكفي في صحّة العقود كونها أمراً متعارفاً، وهو كذلك كما إذا شك في زوجية امرأة، فلا محيص من الطلاق بالتعليق ويقول: إن كنت زوجتي فأنت طالق.
ثمّ إنّ المنع عن التعليق بوجه مطلق ينافي المصلحة الاجتماعية، لأنّ كثيراً

1 . تذكرة الفقهاء:10/10.

صفحه 219
من الناس يعقدون الوكالة لشخص ولكن لا يريدون أن يكون مطلق العنان في الوكالة، بل يقيّدون الوكالة بقيد أو شرط.

الرابع: عدم ترتب الأثر حال العقد

ما ذكره صاحب الجواهر وهو أنّ ظاهر أدلّة سببية العقد هو ترتّب مسببه عليه حال وقوعه، فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين دون الشارع معارض لذلك، بل هو شبه إثبات حكم شرعي من غير أهله.1
وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ العقد سبب لوقوع مدلوله فيجب الوفاء به على طبق مدلوله، فليس مفاد (أَوفُوا بِالْعُقُودِ)إلاّ مفاد: (أوفوا بالعهد)، في أنّ العقد كالعهد إذا وقع على وجه التعليق، فترقّب تحقّق المعلّق عليه في تحقّق المعلّق لا يوجب عدم الوفاء بالعهد.2
توضيحه: أنّ الأثر الشرعي يترتّب على كيفية المنشأ، فإن كان المنشأ ملكية فعلية فالأثر ـ أعني: جواز التصرف ـ يترتّب عليه بالفعل، وإن كان المنشأ هو الملكية المعلّقة فيترتب عليه الأثر الشرعي على وجه التعليق، أي إذا وجد المعلق عليه يصحّ للمشتري التصرف فيه.

الخامس: الشك في شمول الأدلّة

إنّ المنجز داخل في الآية، وأمّا المعلّق ففيه الشك في شمول الآية ونحوها له.3

1 . الجواهر:22/253.
2 . المتاجر:100.
3 . الجواهر:22/253.

صفحه 220
وإليه ينظر قول الشيخ ويقول: والأضعف من الوجه المتقدّم التمسّك في ذلك بتوقيفية الأسباب الشرعية الموجبة لوجوب الاقتصار فيها على المتيقّن، وليس إلاّ العقد العاري عن التعليق.1
وأظن أنّ هذا الدليل هو الدليل الحاسم في المقام، وهو أنّ المرجع في صحّة عقد دون عقد هو العرف، فلو كان التعليق في البيع والإجارة أمراً عرفياً، ورائجاً بين الناس تشمله أدلة الإمضاء، وأمّا إذا كان أمراً غريباً غير رائج عندهم فلا يمكن الاستدلال بإطلاق أدلة الإمضاء على صحّته، لما عرفت من السابق من أنّ أدلة الإمضاء ناظرة إلى تصحيح ما بيد العرف على وجه يكون الصحيح عند العرف مرآة إلى الصحيح عند الشرع، فإذا كان التعليق أمراً غير مقبول عندهم فكيف يجوز التمسّك بإطلاق الأدلة؟!
ومن هنا يعلم أنّ ما أورده الشيخ على هذا الاستدلال، غير تام، قال: إذفيه:أنّ إطلاق الأدلّة مثل حلّية البيع وتسلّط الناس على أموالهم2 وحلّ التجارة عن تراض ووجوب الوفاء بالعقود وأدلة سائر العقود كاف في التوقيف. وبالجملة فإثبات هذا الشرط في العقود مع عموم أدلّتها ووقوع كثير منها في العرف على وجه التعليق بغير إجماع محقّق أو منقول، مشكل.3
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ أدلة الإمضاء ناظرة إلى ما هو الصحيح في العرف، فإذا كان التعليق مرفوضاً عندهم فلا يمكن إثبات صحّته بالإطلاقات، ومن هنا يعلم أنّ الميزان في صحّة التعليق وعدمه كونه رائجاً بين الناس، كما هو

1 . المتاجر:100.
2 . لا يخفى أنّ الاستدلال بدليل السلطنة على الأموال، ينافي ما مرّ من الشيخ من أنّه ليس مشرعاً والسلطنة على الأموال غيرها على الضوابط والقواعد العقلائية. فلاحظ.
3 . المتاجر:100.

صفحه 221
الحال في الوكالة، وبعض ما يشبهها، وأمّا الطلاق والنكاح والبيع والإجارة، فالتعليق فيها غير رائج، وما هذا إلاّ لأنّ الغرض من المعاملة قضاء الحاجات، والتعليق ينافي ذلك.
وبذلك يظهر الفرق بين مختارنا وما اختاره الشيخ الأنصاري(رحمه الله)، فقد ذهب الشيخ إلى جواز التعليق إلاّ إذا كان هناك إجماع على الخلاف محقّقاً أو منقولاً، وأمّا نحن فقد قلنا بأنّ الأصل كونه متعارفاً بين الناس، فما تعارف يجوز كما في التدبير والوصية والسبق والرماية والوكالة، وإلاّ فلا يجوز.

12

التطابق بين الإيجاب والقبول

من جملة شروط العقد: التطابق بين الإيجاب والقبول.
قال العلاّمة: لابدّ من التطابق في المعنى بين الصيغتين.
فلو قال: بعتك هذين بألف، فقال: قبلت أحدهما بخمسمائة، أو قبلت نصفهما بنصف الثمن. أو قال: بعتكما هذا بألف، فقال أحدهما: قبلت نصفه بنصف الثمن، لم يقع على إشكال في الأخير. أقربه: الصحة واختيار البائع.1
وقال المحقّق النائيني: إنّ اعتبار التطابق من القضايا الّتي قياساتها معها، لأنّ العقد عبارة عن أمر وحداني متحصّل من الإيجاب والقبول، فلو أنشأ أحدهما البيع والآخر قبل بعنوان الهبة، أو أحدهما باع الجارية والآخر اشترى العبد، لم يتحصّل معنى واحد منهما، لعدم ارتباط كلام أحدهما بالآخر.2
ويمكن أن يقرر ببيان آخر، وهو: أنّ القابل بقبوله يطاوع ما أنشأه الموجب،

1 . التذكرة:10/10.
2 . منية الطالب:1/114.

صفحه 222
ومقتضى المطاوعة هو تعلّق القبول بنفس ما تعلّق به الإيجاب، وإلاّ لم يصدق القبول ولا المطاوعة، بل لا يصدق عليه العقد الواحد، بل كلامان منفصلان لا صلة لأحدهما بالآخر.
ثمّ إنّ التطابق على أقسام:
1. التطابق في مقوّمات العقد وهذا كما في المبيع، لما مرّ من أنّه ربط بين المالين، كما أنّ النكاح ربط بين الزوجين; فلو باع عبداً وقبل الآخر جارية فلا يصدق عليه البيع، لأنّ البائع ربط بين العبد والثمن لا بين الجارية والثمن.
ونظيره ما لو زوجت المرأة نفسها بعمرو وقبلها بكر، فلا يصدق النكاح، لأنّ الموجبة ربطت بين نفسها وعمرو لا بينها وبين بكر، هذا كلّه راجع إلى التطابق في مقوّمات العقد ومحقّقاته.
2. التطابق في غير المقوّمات كالتطابق بين الإيجاب والقبول من ناحية البائع والمشتري، فلو قال زيد لعمرو: بعتك داري بكذا، ويقول عمرو: قبلت البيع لخالد، أو يقول خالد: قبلت البيع لنفسي بكذا، فهل يبطل العقد؟ ذكر المحقّق الخوئي(رحمه الله) أنّه يبطل العقد لعدم ورود الإيجاب والقبول على مورد واحد.1
أقول: قد عرفت أنّ مقوم البيع هو تبادل المالين ولا مدخلية للبائع والمشتري في حقيقته، فعلى ذلك يجب التفصيل بين ما إذا كان الثمن كليّاً قائماً بذمة المخاطب، كما إذا قال: بعتك داري بكذا في ذمتك، فلا يصح أن يقول القابل: قبلت لخالد، أو يقول خالد: قبلت البيع لنفسي، إذ لا اعتبار لذمّة خالد، سواء قبل مباشرة أو قبل عنه وكيله.

1 . مصباح الفقاهة:2/226.

صفحه 223
نعم لو كان الثمن عيناً خارجية فقال البائع: بعتك داري من عمرو في مقابل هذا الثمن، وكان الثمن لخالد، فقبل عمرو وكالة عن خالد، أو قبل خالد مباشرة، صح البيع.
3. التطابق بين الإيجاب والقبول في أجزاء المبيع والثمن، فلو قال البائع: بعتك داري بخمسين ديناراً، وقال المشتري: قبلت البيع في نصف المبيع بخمسة وعشرين ديناراً، فالظاهر بطلان البيع، لأنّ البائع ربط بين مجموع الدار ومجموع الخمسين ديناراً، أي المجموع في مقابل المجموع ، فقبول نصف المبيع في مقابل نصف الثمن خارج عن واقع عمل البائع.
4. التطابق بين الإيجاب والقبول من ناحية الشروط، فإذا باع البائع داره بثمن معين بشرط أن يخيط له ثوباً وقبل المشتري البيع بذلك الثمن مجرداً عن الشرط، فهل يصحّ أو لا؟ ربما يقال بالصحة وثبوت الخيار للمشروط له نظراً إلى أنّ الشرط لا يرتبط بالعقد وإنّما هو التزام في التزام.
والمسألة مبنية على أنّ الشرط التزام ثان وراء الالتزام بالثمن أو هو جزء الالتزام الواحد، والعرف مع الثاني دون الأوّل، والضابطة الكلية: أنّه إذا كان متلقّى العرف انحلال العقد الواحد إلى عقدين، لا يضرّ قبول أحد العقدين دون الآخر، كما إذا باع فرسه بألف وثوبه بألف، فقال من باب الجمع في التعبير: بعتهما بألفين، فقبل أحدهما دون الآخر ،صحّ في المقبول ولا يعد مثل ذلك على خلاف التطابق. وأمّا إذا كان المجموع في نظر العرف مبيعاً واحداً، فباع المجموع بألف، فلا يصحّ قبول البعض ورفض البعض الآخر. وقد مرّ كلام العلاّمة في صدر المبحث، فظهر من جميع ما ذكرنا أنّ ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ التطابق من القضايا الّتي قياساتها معها، كلام تام.

صفحه 224

13

بقاء المتعاقدين على الأهلية

قال الشيخ: ومن جملة الشروط في العقد أن يقع كلٌّ من إيجابه وقبوله في حال يجوز لكلّ واحد منهما الإنشاء، فلو كان المشتري في حال إيجاب البائع غير قابل للقبول أو خرج البائع حال القبول عن قابلية الإيجاب، لم ينعقد.1
وقال المحقّق النائيني: إنّ هذا الشرط أيضاً كالشرط السابق من القضايا الّتي قياساتها معها، بل منشأ اعتباره هو المنشأ لاعتبار الشرط السابق.
واستدل عليه بقوله: لأنّ العقد لا ينعقد إلاّ بفعل الاثنين، فلو فقد ـ حين أنشأ أحدهما ـ شرائط العقد فوجودها سابقاً أو لاحقاً لا أثر له، ومجرد تحقّق الشرط حين أنشأ الآخر لا يفيد بعد كون إنشائه جزءاً للعقد لا إيقاعاً مستقلاً، فلو كان المشتري حين إنشاء البائع نائماً لا يصحّ العقد وكذلك العكس.2
وفصّل السيد الطباطبائي بين ما كان المشتري في حال إيجاب البائع غير قابل للتخاطب من جهة الإغماء أو النوم أو الجنون، وبين ما لو لم يكن كذلك، كما إذا نام البائع بعد الإيجاب مع علمه بأنّ المشتري يقبل لا محالة. وكذا فيما إذا كان المانع هو الفلس أو السفه، ويشهد لما ذكرنا من صدق المعاهدة عدم الفرق في ذلك بين كون العقد جائزاً أو لازماً، مع أنّه لا بأس بالنوم بين الإيجاب والقبول في العقود الجائزة.3

1 . المتاجر:101.
2 . منية الطالب:1/114.
3 . تعليقة السيد: 92. وهذا هو الظاهر من المحقّق الاصفهاني في تعليقته على المتاجر، لاحظ:1/73.

صفحه 225
وحاصل التفصيل بطلان العقد في مورد وصحته في موردين، بطلانه فيما إذا كان المشتري غير قابل للخطاب وإن أفاق بعده، وضمنه فيما إذا كان البائع واجداً للشرط ثم فقد عند قبول المشتري. وفيما إذا كان المانع هو الفلس والسفه، مثلاً إذا كان البائع محجوراً عند الإيجاب ، وصار غير محجور عند القبول.
والظاهر التفصيل بين ما هو مقوّم لماهية العقد وقوامه، كالحياة والعقل; وبين ما هو مؤثر في ترتّب الآثار الشرعية والعرفية.
أمّا الأوّل: فوجود هذه الشرائط من بدء الإيجاب إلى ختام العقد ممّا لا ينبغي أن يشك في شرطية بقائها.
وذلك لأنّ الموجب يملك ماله في مقابل الثمن، فإذا قال: بعت هذا بهذا، ثم مات، فليس هناك تمليك حتّى يقبله المشتري، لأنّ التمليك زال بالموت وليس له عند العرف بقاء.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد الأُستاذ (قدس سره) أنّ البيع عبارة عن معادلة مال بمال، وهذه المبادلة أُنشئت بفعل الموجب وإيجابه من غير دخالة مخاطبه، فإذا كان المشتري نائماً عند الإيجاب فانتبه وعلم إيجاب البائع فقبله، صح العقد.
وجه النظر انّه إنّما يصحّ في جانب المشتري دون البائع، فلو مات البائع عند قبول المشتري فلا تمليك حتّى يقبل.
فإن قلت: إنّ الموصي يملّك ماله للموصى له فيقبله الثاني بعد موت الموصي.
قلت: إنّ حياة الموصي ليست مقوماً لتملّك الموصى له، بل موته شرط لتملّكه، فلا يضر موت الموصي لتملّكه، وهذا بخلاف المقام فإنّ حياة البائع مقوم لبقاء تمليك البائع حتّى يقبله المشتري، وبذلك يُعلم ضعف ما أفاده السيد في

صفحه 226
تعليقته حيث قال: ويشهد له ما في باب الوصية.
أمّا الثاني ـ أعني: ما هو المؤثر في ترتب الآثار كالقبض والاختيار ـ: فوجودها في مواردها كاف في الصحة، فلو كان المشتري مكرهاً عند الإيجاب ثم رضي عند القبول، ومثله ما لو باع شيئاً ثم ملكه فإنّ الملكية ليست معتبرة في أوّل العقد، بل يكفي عند التسليم.

14

اختلاف المتعاقدين في شروط الصيغة

إذا اختلف المتعاقدان في شروط الصيغة ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ فهل يجوز أن يكتفي كلّ بما يقتضيه مذهبه، أو لا؟ وجوه.
وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:

الأوّل: صور الاختلاف:

إنّ للاختلاف صوراً نذكرها تالياً:
1. في شروط العقد.
2. في شروط المتعاقدين.
3. في شروط العوضين.
4. في نفس الشروط من حيث الصحة والفساد.
أمّا الأوّل: كالعقد بالفارسية أو بغير الماضوية إذا صحّ عند أحد المتعاقدين دون الآخر.
وأمّا الثاني: كالاختلاف في حدّ البلوغ للمرأة، فأحدها رأى أنّ بلوغها بتمام

صفحه 227
التسع والآخر يراه بالحيض أو بالثلاث عشرة سنة، فعقدت ولها من العمر تسعاً.
وأمّا الثالث: كما إذا رأى أحد الطرفين الشيء مكيلاً أو موزوناً و الآخر رآه معدوداً.
وأمّا الرابع: كما لو اختلف في جواز شرط خاص وانّه هل هو مخالف لمقتضى العقد أو لا؟

الثاني: الأقوال والاحتمالات في المسألة

إنّ في المسألة أقوالاً أو احتمالات نذكر أهمها:
1. الاكتفاء مطلقاً.
2. عدم الاكتفاء مطلقاً.
3. الاكتفاء إلاّ إذا كان العقد المركب منهما ممّا لا قائل بكونه سبباً في النقل، كما إذا لم يوجد قائل بجواز تقديم القبول على الإيجاب والعقد بالفارسية، فعقدا بالفارسية وقدم القبول على الإيجاب، وهذا ما عدّه الشيخ أردأ الأقوال.
4. التفصيل بين العلم بالبطلان من ناحية أحدهما وبين مجرد الظن الحاصل من الأمارات، فيصح على الثاني دون الأوّل.
5. التفصيل بين ما لا يسري فساد أحد جزئي العقد إلى الآخر فيصح، وهذا كما إذا أوجب بالمضارع أو بالفارسية، دون ما لو سرى من جزء إلى آخر وهذا كالموالاة، فلو كانت الموالاة شرطاً عند الموجب دون القابل، فقبل بعد فوت الموالاة، فيسري الفساد إلى مجموع العقد، لأنّ الموالاة قائمة بمجموع الإيجاب والقبول.

صفحه 228

الثالث: تقسيم الأحكام

إنّ الأحكام الشرعية حسب تقسيم القوم على أقسام ثلاثة:
1. الحكم الواقعي الأوّلي، المشترك بين جميع الناس، سواء أكان عالماً أم جاهلاً، قادراً أم عاجزاً.
2. الحكم الواقعي الثانوي، وهو الحكم الثابت في حق المضطر، كوجوب التيمم بالنسبة إلى فاقد الماء، فهذا النوع من الحكم حكم شرعي له آثاره، ولذا يجوز للمتيمّم دخول المسجد ومس القرآن وغير ذلك.
3. الحكم الظاهري، وهو الحكم الموضوع عند الشكّ في الحكم الواقعي، كالبراءة والتخيير واستصحاب الحكم الثابت في زمان اليقين وجرّه إلى زمان الشك، فقد عدّ المشهور الحكم الظاهري حكماً مجعولاً من الشارع في ظرف الشك ثم ذكروا وجوهاً لوجه الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي إذا تعارضا.
وهناك قول آخر وهو الّذي رآه سيدنا المحقّق الكوهكمري(قدس سره) ، وهو أنّ الحكم الظاهري ليس حكماً شرعياً مجعولاً، بل هو جعل عذر للشاك إذا خالف الواقع. وإن شئت قلت: إنّ الشارع يرفع اليد عن الحكم الواقعي في مقام الفعلية عند الجهل به، مع ثبوته إنشاءً دون أن يكون هناك جعل من الشارع.
إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلّة الأقوال والاحتمالات.

أدلّة الاحتمالات الخمسة في المسألة

أمّا الاحتمال الأوّل ـ أعني: ترتيب الأثر مطلقاً حتّى بالنسبة إلى العالم بفساده ـ فهو مبنيّ على أنّ الأحكام الظاهرية، بمنزلة الأحكام الواقعية الاضطرارية، فالإيجاب بالفارسية بمنزلة إشارة الأخرس في طلاقه وصلاة المتيمّم

صفحه 229
بالنسبة إلى واجد الماء، فكما يجب ترتيب الأثر لإشارته وصلاته فهكذا المقام.
وأمّا الاحتمال الثاني فهو مبني على أنّ الأحكام الظاهرية ليست أحكاماً شرعية مجعولة من الشارع في حقّ الجاهل، غاية الأمر أنّها أحكام عذرية لمن جهل الحكم الشرعي دون العالم بخلافه.
وأمّا الاحتمال الثالث فهو احتمال مؤلف من الاحتمالين المذكورين: الأوّل والثاني حيث فصل بين كون الحكم الظاهر حكماً شرعياً مجعولاً كالأحكام الاضطرارية فيكون مجزياً مطلقاً، أو حكماً عذرياً بالنسبة إلى الجاهل فلا يكون كذلك.
وأمّا الاحتمال الرابع وهو التفصيل بين العلم بالبطلان من أحدهما وبين مجرد الظن الحاصل من الأمارات، مثلاً إذا حصل العلم ببطلان العقد الفارسي عند القابل، لا يجوز له ترتيب الأثر، وأمّا إذا قام الدليل الظني على بطلان العقد غير العربي، يجوز له ترتيب الأثر، فوجهه أنّ الشارع أمضى الحكم الظاهري في حق القائل بالجواز، فيجب على الطرف الآخر ترتيب الأثر على عمله، لأنّ القائل بالبطلان لم يحرز الحكم الواقعي المشترك بين الجميع وإنّما أحرز حكم الشارع بالأمارات. وهو بعد غير قطعي.
وأمّا الاحتمال الخامس ـ الّذي أشار إليه الشيخ أيضاً في ذيل كلامه ـ فلا غبار عليه بأن يقال انّ الكلام فيما إذا كان أحد الجزأين عند أحد المتعاقدين فاسداً دون الجزء الآخر، وأمّا إذا سرى الفساد من أحد الجزأين إلى الجزء الآخر فالعقد حينئذ محكوم بالبطلان، مثلاً الموجب القائل بالموالاة إذا قبله المشتري بلا موالاة فقد أفسد قبوله وإيجاب الآخر أيضاً فلا يعتمد عليه.
وهناك احتمال سادس ذكره السيد الطباطبائي في تعليقته، وحاصله: أنّه لا

صفحه 230
مانع من أن يكون الحكم الظاهري في حق واحد منهما حجّة في حقّ الآخر وإن اعتقد خطأه، وذلك فيما لو كان فعله موضوعاً للحكم بالنسبة إليه كما في مثال النكاح إذا عقد بالفارسية فيحرم، على من يرى وجوب العقد بالعربية ، تزويجها.
وأمّا إذا كان فعله قائماً مقام فعله بأن يتحمّل بفعله عن الطرفين، مثلاً إذا استأجر الولي الذي يجب عليه قضاء الميت من يعتقد بطلان صلاته وإن كانت صحيحة عند نفسه، فإن فعل الأجير فعل الولي ـ المستأجر ـ فلا يجوز الاكتفاء به.1
وقد أشار إليه السيد أيضاً في «العروة الوثقى» في أحكام الجماعة وقال: يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلدين أو المختلفين بالآخر مع اختلافهما في المسائل المتعلقة بالصلاة... إلى أن قال: فيما عدا ما يتعلق بالقراءة في الركعتين الأُوليين الّتي يتحملها الإمام عن المأموم، وذلك لأنّ الضامن حينئذ لم يخرج من عهدة الضمان حسب معتقد المضمون عنه، مثلاً إذا كان معتقد الإمام عدم وجوب السورة وقد تركها فيشكل جواز اقتداء من يعتقد وجوبها به، وكذا إذا كانت قراءة الإمام صحيحة عنده وباطلة بحسب معتقد المأموم من جهة ترك إدغام لازم أو مدّ لازم.2
نعم ما ذكره يختص بغير باب البيع، إذ ليس فيه ضمان بل كلّ يعمل بوظيفته.
وفي المقام قول سابع اختاره المحقّق الخوئي وحاصله: إنّ كلاً من المتبايعين يعمل بمقتضى وظيفته قال: التحقيق ـ هو ما ذكرناه ـ من الحكم بالصحة من

1 . التعليقة:93.
2 . العروة الوثقى:278، أحكام الجماعة، المسألة 31.

صفحه 231
جانب، وبالفساد من جانب آخر، ضرورة أنّ العقد وإن كان متقوماً بالإيجاب والقبول، إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي إلاّ التلازم ـ في الصحة أو الفساد ـ بحسب الحكم الواقعي، لأنّه لا يمكن في الواقع أن ينتقل المبيع إلى المشتري، ولا ينتقل الثمن إلى البائع أمّا بالنسبة إلى الحكم الظاهري فلا مانع من الالتزام بالتفكيك: بأن يعمل كلّ من الموجب والقابل بما تقتضيه وظيفته الظاهرية.
مثلاً: إذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة العقد بالفارسي وكان المشتري مقلداً لمن يقول ببطلان ذلك، جاز للبائع أن يتصرف في الثمن، لأنّه يراه ملكاً لنفسه، ولا يجوز له أن يتصرف في المبيع، لأنّه خارج عن ملكه في نظره.
أمّا المشتري فلا يجوز له التصرف في المبيع، لأنّه لا يراه ملكاً لنفسه بل يراه ملكاً لمالكه الأوّل.
ولا عجب في ذلك، لأنّ التفكيك في الأحكام الظاهرية بما لا يحصى.1
يلاحظ عليه: أنّه لو تم، ما ذكر فإنّما يتمّ لو كان المتبايعان عالمين بالحكم الشرعي حين البيع، فيجوز للبائع التصرف في الثمن لأنّه ملكه باعتقاده، ولا يجوز للمشتري التصرف في المبيع لاعتقاده بأنّه ملك للبائع; وأمّا لو كانا جاهلين أو كان المشتري جاهلاً ثم علم الحكم الشرعي، فكيف يجوز للبائع التصرف في الثمن مع أنّ تمليك المشتري مقيد، بتملّكه المبيع وإلاّ فلا يرضى بالتصرف أصلاً.
على أنّ هذا القول يورث الفوضى في المعاملات.
هذه هي الأقوال والاحتمالات ودلائلها.
وتلخص ممّا ذكرنا عدم الصحة على مذاق القوم في الموارد التالية:
1. إذا كان الاختلاف سبباً إلى جريان البطلان إلى مجموع العقد كالموالاة

1 . مصباح الفقاهة:2/84.

صفحه 232
والتعليق، فإذا علّق الموجب وكان الحكم عند القابل بطلان التعليق، يكون العقد بما هوهو معلقاً فيسري البطلان إلى مجموع العقد.
2. إذا كان الطرف المخالف عالماً وقاطعاً بفساد الإيجاب أو القبول، إذ مع العلم به لا يمكن أن يرتّب الأثر عليه.
3. ما يرجع إلى غير مقام البيع إذا كان أحد الطرفين متحمّلاً لضمان الآخر ولم يكن العمل موافقاً لرأي المضمون عنه. كما مرّ في مسألة القرابة.
وأمّا في غير تلك الموارد فالاكتفاء يتوقّف على جعل حكم شرعي ظاهري في موارد الجهل فيجب ترتيب الأثر حتّى من جانب المخالف، وأمّا إذا أنكر حكماً شرعياً ظاهريّاً بل قلنا:إنّ غاية ما في الباب وجود عذر للجاهل، فلا يترتّب الأثر.
ومع ذلك يمكن أن يقال:إنّ الحكم ببطلان المعاملة في هذه الموارد وما شابهها مخالف للسيرة المستمرة بين المسلمين في كثير من الموارد، مضافاً إلى أنّه يوجب العسر والحرج، لأنّ كثيراً من الناس يتعاملون مع أشخاص يختلفون معهم في الأحكام نظير الموارد التالية:
1. إذا عقد الرجل على امرأة بعقد، فيجب لمن يقول بفساده أن يترتّب عليه أثر الصحة.
2. إذا أوصى بشيء وكانت الوصية صحيحة حسب اجتهاده ، ولكن الوصي يرى ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ فساد الوصية فليس له أن يبدل الوصية، بل يجب عليه إجراؤها.
3.إذا وقف شيئاً وكان الوقف صحيحاً ـ حسب اجتهاده أو تقليده ـ ومات، وكان الوقف عند الموقوف عليهم باطلاً ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ لم يصح تبديل الوقف.

صفحه 233
4. انّ أهل السنة لا يرون الخمس في غير الغنائم، كما أنّ كثيراً من الشيعة لا يخمسون في بعض الموارد ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ كالهبة وشبهها.فلو أهدى أحدهم شيئاً من ماله أو جعله مهراً لزوجته فهل يجوز لنا القول بعدم جواز الأخذ؟
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الشارع دفعاً للحرج والعسر أمضى الحكم السائد في جانب المخالف في حق الآخرين، واللّه العالم.

صفحه 234

صفحه 235

الفصل الثالث

أحكام المقبوض بالعقد الفاسد

1. ضمان المقبوض بالعقد الفاسد وعدمه.
2. وجوب الرد إلى المالك.
3. حكم المنافع المستوفاة وغيرها.
4. ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة.
5. إذا لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من قيمته.
6. تعذّر المثل في المثلي.
7. قيمة التالف ومناط تقييمه.
8. حكم بدل الحيلولة.

صفحه 236

صفحه 237
هذه هي عناوين الموضوعات المطروحة في هذا البحث، وقد ركّز الشيخ الأنصاري على الأمر الأوّل أكثر من غيره، وأشار إلى قاعدتين تدوران ـ كثيراً ـ على ألسن الفقهاء، أعني:
1. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
2. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.
ونحن نقتفي إثر الشيخ في هذه المواضيع. وإليك الكلام في الأمر الأوّل.

الأمر الأوّل

ضمان المقبوض بالعقد الفاسد وعدمه

اشتهر على ألسن الفقهاء أنّ المشتري لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد، لم يملكه وكان مضموناً عليه.
وقد رتّبوا على العقد الفاسد أمرين:
1. عدم التملّك.
2. الضمان.
أمّا الأوّل فلأنّه مقتضى فساد العقد.
وأمّا الضمان بمعنى كون تلفه عليه (المشتري) فهو من مصاديق القاعدتين

صفحه 238
المعروفتين:
أ. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
ب. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.
فالضمان في المقبوض بالبيع الفاسد من مصاديق القاعدة الأُولى، فإذا قام الدليل على الكبرى (ما يضمن بصحيحه)يظهر حكم هذا الفرع، أعني: المبتاع بالعقد الفاسد، ظهورَ حكمِ الصغرى عند ظهور حكم الكبرى. فالتركيز في هذه المسألة هو على الضمان في الأصل وعدمه في العكس، وأمّا عدم التملّك فهو من القضايا الّتي قياساتها معها.
وأمّا جواز التصرف فهو مبني على بقاء إذنه فيه حتّى مع العلم بفساد العقد، إذ ربما لا يرضى به لو وقف على فساده.
ثمّ الظاهر أنّ القاعدتين لم تردا في رواية ولم تقعا معقد إجماع، وإنّما اصطادهما الفقهاء من الموارد المختلفة الّتي أفتوا فيها بالضمان تارة وبعدمه أُخرى، فصار الاستقراء في تلك المواضع أحد الأدلة على القاعدتين. وكان الأولى على الشيخ الخوض في مدرك القاعدتين، إلاّ أنّه لإيضاح مفاد القاعدتين قدّم أُموراً قبل ذلك، ونحن نقتفيه:

الأوّل: الاختلاف في التعبير والمفاد متقارب

إنّ الفقهاء عبّروا عن القاعدة بتعبيرين:
1. كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
2. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
فالمفاد والمقصود فيهما متقارب. ولعل التعبير بالعبارة الثانية لقصد

صفحه 239
تعميمها للإيقاعات المشتملة على التعهد والضمان، مثلاً لو بذلت الزوجة مالاً للزوج ليخلعها ويُخلِّصها عن ربقة الزوجية، فخلعها على ما بذلت، ولكن كان الخلع فاسداً لعدم اجتماع شروط صحته، فيضمن الزوج لها ما بذلته له لكونها لم تبذله مجاناً بل عوضاً عن خلاص نفسها عن تلك الربقة، وكذا الكلام في الجعالة في صورة فسادها حيث إنّ العامل لم يُبذِلْ عملَه تبرّعاً وإنّما بذله بإزاء الجُعل، فيضمن الجاعل له ما استوفاه من عمله بدفع أُجرة مثله.
وعلى كلّ تقدير فالتعبيران: كلّ عقد يضمن... أو; ما يضمن بصحيحه... الخ أفضل من قولهم: إنّ «من أسباب الضمان، القبض بالعقد الفاسد»، فإنّ القبض بالعقد الفاسد لا يوجب الضمان على الإطلاق، بل يوجب الضمان فيما إذا كان التسليطُ في مقابل العوض، لا ما إذا كان بالمجّان، كالعارية الفاسدة والهبة الفاسدة.

الثاني: ما هو المراد من «الموصول» في قولهم: ما يضمن...؟

ذكر الشيخ في تفسير «الموصول» ـ بعد تفسيره بالعقد ـ احتمالات:
أ. أن يكون المراد به نوع العقد فإذا كان موجباً للضمان في صحيحه فهو يوجب الضمان في فاسده، وهذا كالبيع والإجارة ، فالبيع يقتضي بنوعه الضمان، وهكذا الإجارة دون الصلح بما هوهو فإنّه لا يفيد إلاّ فائدة الهبة غير المعوضة.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد ما ذكر من كون الملاك، ملاحظة نوع العقد، يلزم اختصاص القاعدة بالبيع والإجارة، بخلاف ما إذا كان المراد هو الصنف فتعم أكثر العقود، نظير الصلح إذا اشتمل على العوض، والهبة المعوضة والعارية المضمونة كالذهب والفضة.

صفحه 240
ب. أن يكون المراد به صنف العقد لجواز أن لا يكون نوع العقد مقتضياً للضمان ولكن كان بعض أصنافه مقتضياً له، وهذا ـ كما مرّ ـ كالهبة فهي بنوعها لا تقتضي الضمان بخلاف الهبة المعوضة الّتي هي صنف من مطلق الهبة، ونظيرها العارية فإنّ عقد العارية لا يوجب الضمان، بخلاف عارية الذهب والفضة، ففي صحيحه الضمان فيتبعه الفاسد. وهكذا الصلح فإنّ نوعه لا يوجب الضمان بخلاف صنفه كما إذا اشتمل على الصنف.
ج. أن يكون المراد به شخص العقد بمعنى أنّ كلّ شخص من العقود يضمن به لو كان صحيحاً فيضمن به إذا كان فاسداً، وعلى هذا لا ضمان فيما إذا باع بلا ثمن أو استأجر بلا أُجرة، لأنّ شخص هذا العقد ـ لو فرض صحيحاً ـ لم يكن فيه ضمان لا بالثمن ولا بالمثل ولا القيمة، لافتراض أنّه باع بلا ثمن واستأجر بلا أُجرة. فهكذا إذا كان فاسداً.
واعترض عليه الشيخ بقوله: إنّ الموضوع هو العقد الّذي وجد له بالفعل فردان: فرد صحيح وفرد فاسد لا ما يفرض تارة صحيحاً وأُخرى فاسداً، فالمتعين بمقتضى هذه القاعدة الضمان فيما إذا باع بلا ثمن، لأنّ البيع الصحيح يضمن به. نعم ما ذكره بعضهم من التعليل لهذه القاعدة ـ بأنّه أقدم على العين مضمونة عليه ـ لا يجري في هذا الفرع لكن الكلام في معنى القاعدة لا في مدركها.1
أقول: قد عرفت أنّ القاعدة لم ترد في نص ولم ينعقد عليها إجماع معتبر، وإنّما هي قاعدة مخرجة ومستفادة من الأدلّة. وعلى هذا يجب إخضاع مفاد القاعدة لمدركها لا تفسيرها بما هي هي مع قطع النظر عن مدركها.
أمّا الأصل فلما سيوافيك من أنّها مخرجة من أدلّة احترام مال المسلم وعمله،

1 . المتاجر:102.

صفحه 241
المختص بصورة عدم إقدام مالكه على إسقاطه والتبرع به، مضافاً إلى قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي».
وأمّا العكس فهو مخرج من أدلّة التسليطات المجانية وأمانة اليد.
وعلى ضوء ذلك فالضمان وعدمه تابع لمدرك القاعدة، ومن الواضح أنّ البائع بلا ثمن لم يحتفظ بكرامة ماله وأقدم على البيع مجاناً، فالمورد عند ذلك داخل في عكس القاعدة لا في أصلها.
وبذلك يتّضح أنّ الحكم بالضمان وعدمه، تابع لمدرك القاعدة وينبغي إخضاع القاعدة له، فيكون المراد: من الموصول شخص العقد، لا نوعه ولا صنفه.
كما أنّ الهبة المشروط فيها العوض، والعارية المشروط فيها الضمان إذا كانتا فاسدتين يحكم فيهما بالضمان، لقاعدة الإقدام، وحفظ كرامة المال، فعندئذ تدخلان في الأصل لا في العكس. وبذلك يتّضح الفرق بين كون الميزان، هو النوع، أو الميزان هو شخص العقد. فعلى الأوّل يضمن فيما إذا باع بلا ثمن، ولا يضمن في المثالين الأخيرين أخذاً بحكم النوع. وعلى الثاني لا يضمن في الأوّل، ويضمن في الأخيرين.
ثمّ إنّ هنا احتمالاً آخر وهو أنّ إنشاء البيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة، مصداقان للهبة والعارية الصحيحتين بناء على صحة إنشاء عقد بلفظ آخر مع نصب قرينة للمراد، وعلى هذا فعدم الضمان فيهما واضح.
وربّما يفسر الموصول في «ما يضمن» و«ما لا يضمن»، بالمقبوض، فالموصول كناية عنه أو ما بحكمه كالاستيفاء للعمل، لأنّ القبض وما بحكمه هو الموجب للضمان، وأمّا العقد فهو سبب لما يترتّب عليه من القبض، وتفسير

صفحه 242
الموصول بالسبب القريب أولى من تفسيره بالبعيد(العقد)، على أنّ سببية العقد تتم في العقد الصحيح، وأمّا الفاسد فلا تأثير له في الضمان أصلاً، بل المؤثر هو القبض.1
يلاحظ عليه: أنّ الموصول ـ أعني: «ما يضمن» ـ من المبهمات، تفسره صلته ـ أي قوله: «بصحيحه، بفاسده» ـ والموصوف بهما هو العقد لا المقبوض باعتبار القبض.
وأمّا العقد الفاسد، فهو وإن لم يكن سبباً تاماً للضمان، لكنّه سبب ناقص، لأنّه المنشأ للقبض.

الثالث: مصب القاعدة

إنّ مورد القاعدة هو ما إذا تلف المبيع أو غيره بالعلل السماوية وشبهها دون أن يكون للمشتري دخلٌ في التلف، وأمّا الإتلاف فهو خارج عن مصبّها إذ هو يوجب الضمان مطلقاً، سواء كان في صحيحه ضمان أم لا، فإذا أتلف المستعير العارية، أو المستأجر العين المستأجرة، يثبت الضمان، وإن لم يكن في صحيح العارية والإجارة ضمان.

الرابع: ما هو المراد من الضمان؟

الضمان مصدر ضمن الشيء بمعنى تعهّد به.
روى الحسين بن كثير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام ؟فقال: «لا انّ الإمام ضامن للقراءة، وليس يضمن الإمام صلاة الذين يئم

1 . بلغة الفقيه:1/68.

صفحه 243
من خلفه إنّما يضمن القراءة».1
والمعنى انّ الإمام يتعهّد بها، وعليه فالمراد من الضمان هنا تعهّد الإنسان بمال شخص آخر، ولازم ذلك أن تكون خسارته من ماله، فكون الخسارة من ماله لازم تعهده بالنسبة إلى المال، ولذلك يقال في العرف: أنا متعهد بالنسبة لما آخذ، ثم يرتّب عليه: فلو تلف فالدرك عليَّ. فما فسّر به الشيخ الضمان وقال: هو «كون درك المضمون، عليه بمعنى كون خسارته ودركه2 في ماله الأصلي، فإذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه 3عنه»، فهو لازم المعنى عرفاً لا نفسه.
ثمّ إنّ التعهد بالنسبة إلى المال المأخوذ على وجهين: إمّا ضمانه بعوض واقعي، أو بعوض جعلي. أمّا الجعلي فهو ما اتّفقوا عليه من الثمن عند الصحة، وأمّا الواقعي فهو تداركه بالمثل إذا كان مثلياً وبالقيمة إذا كان قيمياً. وهذا أمر عرفي اتّفق عليه العقلاء حيث يُلزمون المستولي على مال الغير بخروجه عما علا عليه بردّ عينه عند بقائه، ومثله أو قيمته عند تلفه ولا يحتاج مثل ذلك إلى دليل سوى ما هو المرتكز عند العقلاء.
وبذلك يعلم أنّ العقد الفاسد مساو للصحيح في أصل تحقّق الضمان ولكنّهما يختلفان في المضمون وما هو في العهدة، فإنّه في الصحيح هو المسمّى في العقد، وفي الفاسد هو المثل أو القيمة وأُجرة المثل في الإجارة ونحوها، ومعنى القاعدة: ما يضمن بصحيحه بالمسمّى، يضمن بفاسده بالمثل أو القيمة، وهذا الاختلاف لازم صحة العقد وفساده.

1 . الوسائل:ج5، الباب30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1و 3و 4.
2 . الدرك اللحاق والتبعة يقال: ما لحقك من دَرَك فعليّ خلاصه. المنجد، مادة «درك».
3 . المتاجر:102.

صفحه 244
فإن قلت: لو كان الضمان في الصحيح بالعوض الجعلي وفي الفاسد بالعوض الواقعي من المثل والقيمة يلزم اختلاف معنى الضمان بين قوله: ما يضمن بصحيحه... الخ، وقوله: يضمن بفاسده، حيث إنّ الضمان في الأوّل بالمسمّى، وفي الثاني: بالمثل والقيمة، وهو خلاف الظاهر.
قلت: إنّ الضمان في كلا المكانين استعمل بمعنى واحد وهو التعهّد ولزوم الخروج عن التعهّد، وإنّما الاختلاف في كيفية الخروج ، ففيما إذا كان العقد صحيحاً يتعيّن التدارك بالعوض الجعلي، لاتّفاقهما عليه وإمضاء الشارع له.
وأمّا إذا كان العقد فاسداً فيمتنع الخروج بالعوض الجعلي لافتراض أنّ الشارع لم يمضه ولم يجزه، فيتعين التدارك بالمثل أو القيمة، لأنّهما أقرب الأشياء إلى التالف.
وبذلك يعلم أنّ اللازم للدراسة هو تفسير الضمان فيما إذا كان العقد فاسداً، وأنّه هل هو بالمثل أو القيمة أو غيرهما، لا ما إذا صحّ العقد لكفاية الأدلّة الدالة على صحة العقد في إثبات كيفية الضمان وهو دفع المسمى; وأمّا إذا دلّ الدليل على فساد العقد، فهذا هو اللازم للبحث والدراسة حتّى ندرس كيفية الخروج من العهدة.

الخامس: ما هو المراد من «الباء» في «بصحيحه»؟

إنّ معنى«الباء» في قوله: «بصحيحه...» يحتمل أحد الوجهين:
الأوّل: السببية المطلقة الشاملة للناقصة والتامّة، فإنّ العقد قد لا يوجب الضمان إلاّ بعد القبض كما في السلم والصرف، بل مطلق البيع حيث إنّ البيع قبل القبض مضمون على البائع، بمعنى أنّ دركه عليه وتداركه بردّ الثمن. فلا يضمن

صفحه 245
المشتري إلاّ بعد قبضه للقاعدة المسلمة: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.
وربما يقال: إنّ هذا يتم في العقد الصحيح، حيث إنّه مع القبض سبب تام للضمان. وأمّا العقد الفاسد، فسبب الضمان هو القبض لا العقد.
فقد أجاب عنه الشيخ بوجهين:
1. انّ العقد هو المنشأ للقبض على وجه الضمان الّذي هو سبب للضمان.
2. انّه سبب الحكم بالضمان بشرط القبض.1
توضيحه: أنّ الدليل على الضمان في العقد الفاسد، إمّا قاعدة «على اليد» فيكون العقد منشأ للسبب، لأنّ تسلّطه على العين لأجل العقد فيكون أشبه بسبب السبب.
أو يكون قاعدة الإقدام، فيكون العقد جزء العلة للضمان، لأنّه أقدم على العقد والقبض معاً.
الثاني: الظرفية نحو قوله تعالى:(نَجَّيْناهُمْ بِسَحَر)2 ، وقوله تعالى:(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْر)3 ، فيكون المراد: انّ ما يضمن في مورد الصحيح للعقد، يضمن كذلك في مورد الفاسد.

السادس: مقتضى إطلاق الكلمات

إنّ مقتضى إطلاق الكلمات، عدم الفرق في الفاسد بين كون الفساد من جهة نفس العقد أو فوات ما يعتبر في المتعاقدين منهما أو أحدهما، أو في

1 . المتاجر:102.
2 . القمر:34.
3 . آل عمران:123.

صفحه 246
العوضين، وسواء كان المتعاقدان عالمين بالفساد أم جاهلين، أم أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.
إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلة القاعدتين; أصلها وعكسها.

القاعدة: أصلها ودليلها

قد عرفت أنّ للقاعدة أصلاً إيجابياً وهو: ما يضمن بصحيحه، يضمن بفاسده; وعكساً سلبياً: ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده. والمهم في المقام هو التأكيد على الضمان في العقد الفاسد، وأمّا الضمان عند الصحة بالمسمّى ـ كما مرّ ـ فهو أمر لا يحتاج إلى دليل، فكلّ ما سنذكره من الأدلة يُقصد به الضمان عند فساد العقد، وإليك الأدلة:

الأوّل: قاعدة الاحترام

جرت السيرة العقلائية على احترام أموال المالك (إذا ملك قانوناً) ومنافعها حتّى الأعمال الّتي لها قيمة في السوق، وهذه السيرة نابعة من الاعتراف بمالكية الشخص، فكلّ من ثبتت مالكيته للشيء فلملكه حرمة واحترام عند الناس والعقلاء في جميع الأعصار، ولم يردّه الشارع، لأنّ رحى الحياة تدور على هذه القاعدة، بل أمضاها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بتعابير مختلفة، منها:
1. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة الوداع: وانّ حرمة ماله كحرمة دمه.1
2. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يصلح ذهاب حق أحد.2

1 . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث12.
2 . الوسائل:18، الباب40 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث1.

صفحه 247
3. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): على اليد ما أخذت حتّى تؤدي.1
والظاهر أنّ الشارع لم يكن بصدد تأسيس قاعدة وإنّما كان بصدد التأكيد على هذه السيرة غير أنّه خصّ القاعدة بمال المؤمن دون الكافر المحارب.
وحرمة المال مفهوم عرفي لا يحتاج إلى التفسير، إذ يتبادر منه عند العقلاء حرمة التصرف فيه بلا إذنه فيجب عليه رده إلى مالكه، وإن تلف يجب عليه أداء غرامته فإن كان مثلياً فبالمثل وإن كان قيمياً فبالقيمة.
وبذلك يعلم ضعف ما ربما يقال «من أنّ حرمة المال بمعنى حرمة مزاحمته(ووجوب دفعه إلى المالك) فهي معلّقة على وجود الموضوع ـ أي العين ـ فإذا تلف فلا موضوع لحرمة المزاحمة»، وذلك لأنّ عدم الضمان عند التلف لا يجتمع مع حرمة المال، فإنّ المتبادر من حرمته هو عدم الإضرار بمال المؤمن، ويتحقّق ذلك إمّا بدفع العين أو بدفع البدل، فالإلزام بدفع العين دون البدل عند التلف لا ينسجم مع الحرمة.
وبذلك يعلم أنّه إذا سلّط الغيرَ على ماله من دون عوض، فقد هتك هو بنفسه حرمة ماله وأهدر كرامته، فلو تلف لا يكون له ضمان فالتمليكات المجانية كالهبة والعارية وغيرهما، لا ضمان فيها على الآخذ في عامة الحالات، سواء أكانت العين باقية أم تالفة. وسيوافيك بيانه عند البحث في عكس القاعدة.
وعلى ضوء ذلك فلو كان العقد صحيحاً فحرمة ماله هو تملّكه للثمن بدل العين، وأمّا إذا افترضنا فساد العقد، فمن جانب أنّ البائع لا يملك الثمن لافتراض فساد المعاملة، ومن جانب آخر أنّ لماله حرمة وكرامة، فالجمع بينهما يتحقّق بتداركه بالمثل إذا كان مثلياً أو بالقيمة إذا كان قيمياً.

1 . جامع أحاديث الشيعة:18/530، وسيوافيك سائر مصادره.

صفحه 248
فإن قلت: إنّ المتعاقدين تواطآ على تحديد حرمة المال بالمسمّى، فإذا لم يسلّم المسمّى للبائع، فلا تعهد للمشتري بالنسبة إلى العين عندئذ.
قلت: إنّ غاية ما يقتضي فساد العقد هو سقوط المسمّى لا سقوط احترام ماله.
فبذلك يظهر أنّ هذه القاعدة من أوضح الأدلة على الضمان بالمسمّى عند الصحة، وبغيره عند الفساد.
فنتيجة حرمة المال هو صيانة البائع عن توجه الضرر إليه في عامة الحالات، سواء أكان العقد صحيحاً أم فاسداً.
إنّ قاعدة الاحترام أعمّ من حديث «على اليد» الآتي على القول باختصاص الثاني بالأعيان، بخلاف الأوّل فإنّه يعم الأعمال ويكون عمل الأجير بالإجارة الفاسدة مضموناً على المستأجر بأُجرة المثل كما هو مضمون بالمسمّى في الإجارة الصحيحة.

الثاني: قاعدة الإقدام

وقد اشتهر الاستدلال على الضمان بالمسمّى عند الصحة وبغيره عند الفساد بقاعدة الإقدام، وأوّل مَن تمسّك بها من الأصحاب هو الشيخ الطوسي حيث إنّه علل الضمان في غير موضع من العقود الفاسدة، بما معناه من أنّه دخل على أن يكون المال مضموناً عليه، وإليك بعض ما وقفنا عليه في المبسوط:
1. قال في فصل تفريق الصفقة: وإن تلفت في يده كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت القبض إلى وقت التلف، وفي الناس من قال لا يضمن بقيمته يوم التلف. وإنّما وجب الضمان عليه لأنّه أخذ الشيء بعوض وإذا لم يسلم العوض

صفحه 249
المسمّى وجب عوض المثل لما تلف في يده، سواء أتلفت جملته أم تلف بعض أجزائه.1
2. وقال في كتاب الغصب: فإن كان المبيع قائماً ردّه، وإن كان تالفاً ردّ بدله، إن كان له مثل و إلاّ قيمته، لأنّ البائع دخل على أن يسلم له الثمن المسمّى في مقابلة ملكه، فإذا لم يسلم له المسمّى اقتضى الرجوع إلى عين ماله، فإذا هلكت كان له بدلها.2
وحاصله: أنّ قبض المال مقدماً على ضمانه بعوض واقعي أو جعلي موجبٌ للضمان، وهذا المعنى يشمل القبوض بالعقود الفاسدة الّتي تضمن بصحيحها.

الشيخ الأنصاري وقاعدة الإقدام

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ردّ القاعدة أوّلاً، ثم أورد نقوضاً عليها ثانياً.
أمّا الرد فقال: «هذا الوجه لا يخلو عن تأمل، لأنّهما إنّما أقدما وتراضيا وتواطآ بالعقد الفاسد على ضمان خاص لا الضمان بالمثل والقيمة، والمفروض عدم إمضاء الشارع لذلك الضمان الخاص. ومطلق الضمان لا يبقى بعد انتفاء الخصوصية حتّى يتقوم بخصوصية أُخرى، فالضمان بالمثل أو القيمة إن ثبت فحكم شرعي تابع لدليله وليس ممّا أقدم عليه المتبايعان».
وبعبارة أُخرى: ما أقدما عليه بالعقد الفاسد، هو الضمان بالمسمّى، وهو لم يثبت لهما; وما هو ثابت من العوض بالمثل أو القيمة لم يقدما عليه.
وأمّا النقض فقال: إنّ بين قاعدة الإقدام والضمان من النسب عموماً

1 . المبسوط:2/149.
2 . المبسوط:3/65.

صفحه 250
وخصوصاً من وجه.
إذ قد يكون الإقدام موجوداً ولا ضمان كما في التلف قبل القبض.
وقد لا يكون إقدام في العقد الفاسد مع تحقّق الضمان، كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري. وكما إذا قال: بعتك بلا ثمن وآجرتك بلا أُجرة.1
والجميع منظور فيه:
أمّا الردّ; فلأنّ كلّ من يقدم على البيع والشراء منهما يتفق على أن لا يكون خروج المبيع والثمن عن ملكه محاباة وبلا عوض، وهذا أمر ارتكازي عندهما، غاية الأمر بما أنّهما كانا يتصوّران صحة البيع فإذا لم يسلّم له المسمّى، فالارتكاز السابق باق على حالته فلا يُترك المشتري إذا تلف المبيع في يده مع عدم تسليم المسمّى. ففي بقاء الضمان بوجه مطلق لا يحتاج إلى خصوصية.
وأمّا النقوض:
أمّا الأوّل: ففيما إذا تلف في يد البائع فعدم الضمان لأجل أنّ الإقدام كان مشروطاً بالقبض والمفروض عدمه، فيحكم على البيع بالانفساخ، وإن شئت قلت: إنّ المشتري تعهد بالضمان بشرط تسليم المبيع لا مطلقاً.
وأمّا الثاني ـ أعني: ما ذكره من تحقق الضمان مع عدم الإقدام ـ ففيه:
أوّلاً : أنّ الضمان مقترن بالإقدام بشهادة أنّه أخذ المبيع في مقابل الثمن، فالتزامه به عبارة أُخرى عن أنّه أقدم مع العوض، لا مجاناً وبلا شيء ولما كان مقتضى ذلك هو الخروج عن العهدة عند التلف أيضاً ـ بدفع المثل أو القيمة ـ ،

1 . المتاجر:103.

صفحه 251
نقل ذلك ـ بعد تحمّل الضمان ـ إلى البائع، ومعنى ذلك أنّه ضمن في كلتا الحالتين، غير أنّه نقله في الحالة الثانية إلى البائع.
وثانياً: ماذا يريد الشيخ من قوله: «مع تحقق الضمان»؟ فهل يريد ضمان المشتري كما هو ظاهر كلامه، فهو على خلاف الشرط إذا قلنا بصحة الشرط، ولو قلنا ببطلانه فهو يوجب بطلان العقد، فلا يكون موضوع للضمان وإن أراد ضمان البائع، فعلى زعمه، لا يكون من جانب المشتري ضمان ولا إقدام، ولا التفريق بينهما.
وأمّا الثالث ـ أعني: وجود الضمان مع عدم الإقدام كما إذا باع بلا ثمن ـ: فقد مرّ أنّه هبة بلسان البيع فلا ضمان هنا كما لا إقدام.
وبذلك تعلم تمامية قاعدة الإقدام، وعليه فيحكم بالضمان في المقبوض بالعقد الفاسد، أخذاً بما اتّفق عليه المتبايعان بأن لا يتم خروج المبيع أو الثمن إلاّ بالعوض، فإذا لم يسلّم له العوض يؤخذ بما اتّفقا عليه من الأصل. أعني: اتّفاقهما على عدم خروجهما إلاّ بالعوض.
ثمّ إنّ للسيد الخوئي هنا كلاماً مبسوطاً وحاصله: أنّ سبب الضمان هو اليد والاستيلاء على مال الغير، غاية الأمر أنّ التسليط المجاني مانع عن تأثير الاستيلاء في الضمان، وقاعدة الإقدام رافعة لهذا المانع حيث إنّ الطرفين اتّفقا على أن لا يكون التسليط بالمجان.1
نعم في شمول كلّ من قاعدتي الاحترام والإقدام لعامة صور التلف مشكل. فإنّ لتلف العين صوراً نشير إليها:
1. إذا فرّط المشتري في حفظ العين وكان العقد فاسداً.

1 . مصباح الفقاهة:2/350، بتلخيص وتوضيح منّا.

صفحه 252
2. ما تلف بسبب خارج عن الاختيار من غير تفريط لكنّه لو لم يكن عنده لما تلف، كما إذا سرقه سارق من بيته مع سائر أمواله، بلا تفريط منه.
3. إذا ما تلف بأمر سماوي خاصّ، كما إذا كان الحيوان مريضاً وتلف بيده على نحو لو كان تحت يد البائع لتلف كذلك.
4. ما إذا تلف بأمر سماوي عام، كما إذا رجّت الأرض أو أصابه سيلٌ، أتلف أموال عامة الناس ومنها المبيع.
والّذي يمكن أن يقال هو: إنّ قاعدة الاحترام أو الإقدام تشمل الوجهين الأوّلين على نحو يكون وقوع المال في يد المشتري مؤثراً في التلف، وأمّا الشق الثالث والرابع ـ أعني: ما إذا كان التلف بسبب على نحو لو كان المبيع في يد البائع أيضاً لعمه التلف ـ فالقول بالضمان هنا عند التلف خارج عن مقتضى قاعدتي الاحترام والإقدام.
فلو ثبت إجماع أو إطلاق دليل (قاعدة على اليد) فيمكن القول بالضمان فيه أيضاً، وإلاّ فالقول بعدم الضمان أشبه.

الدليل الثالث: قاعدة نفي الضرر

إنّ الحكم بعدم ضمان المأخوذ بالعقد الفاسد ضرر على البائع. وقد أورد عليه بأنّ قاعدة لا ضرر متكفّلة لنفي الأحكام الضررية ولا تثبت حكماً إيجابياً كالضمان.
يلاحظ عليه: بأنّ ما اشتهر من أنّ القاعدة لا تثبت حكماً إيجابياً لا يوافق مورد الرواية فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر سمرة بقوله: «استأذن يا سمرة» فالأمر بالاستئذان حكم إيجابي نابع عن قوله:« لا ضرر ولا ضرار». وعلى ضوء ما ذكرنا انّ «لا ضرر» تارة

صفحه 253
تنفي الحكم الناشئ منه الضرر، وأُخرى تثبت الحكم دفعاً للضرر.
ومن المعلوم أنّ ترك المشتري بلا ضمان عند التلف والحكم بعدم ضمانه عنده أمر ضرري يكون منفياً بقاعدة لا ضرر، وأمّا كيفية الخروج عن الضرر فهو موكول إلى العرف ولا تتكفّله القاعدة.
ثمّ إنّه ربّما يقال بأنّ الواجب في المأخوذ بالبيع الفاسد كون المبيع مضموناً بأقل الأمرين من المسمّى والمثل، فلو كان المثل أقل من المسمّى لم يضمن الزائد، لأنّ سبب ضمان الزيادة هو العقد وقد كان باطلاً، ولو كان المسمّى هو الأقل فسبب ضمان المثل ـ و هي اليد ـ وإن كان موجوداً ولكن الّذي يمنع عن ضمان الزيادة إهدار صاحب المال لماله بمقدار الزيادة برضاه بالمبادلة بما هو أقل.
يلاحظ عليه: نحن نختار أنّ المسمّى هو الأقل وسبب ضمان المثل هو اليد، لكن ادّعاء أنّ المالك أهدر من ماله بمقدار الزيادة مدفوع بأنّه إنّما أهدر على فرض صحة المعاملة حيث رضي بالمبادلة بما هو الأقل دون صورة فساد المعاملة، وعلى كلّ تقدير فقد استولى على مال الغير فيجب عليه ردّه إن كان موجوداً، وإلاّ فبدله وهو ليس إلاّ المثل أو القيمة.
نعم لو كان المبنى هو قاعدة الإقدام يجب أن لا تكون قيمة المثل أكثر من المسمّى، لأنّه لم يقدم إلاّ بالضمان المحدّد، ولذلك ذهب بعضهم إلى أنّ المشتري ضامن للأقل من المسمّى أو القيمة.

الدليل الرابع: روايات الأمة المسروقة

استدلّ على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد بالروايات المستفيضة على ضمان الأمة المسروقة، وقد استدلّ بها الشيخ وقال: ويدل على الحكم المذكور أيضاً قوله في الأمة المبتاعة ـ إذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري ـ : «أنّه يأخذ

صفحه 254
الجارية صاحبُها ويأخذ الرجل ولده بالقيمة»، فإنّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري، يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى فليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء، بل من قبيل إحداث نماء غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلَف.1 وسيوافيك وجه الاستدلال بها للمقام.
هذا كلام الشيخ، وأمّا أنّه هل هو من مقولة التلف أو الإتلاف؟ فهو رهن دراسة الروايات بأجمعها:
1. روى الشيخ بسند موثّق عن صفوان، عن معاوية بن حكيم2 ، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولّدها ثم يجيء مستحق الجارية (مالكها) قال: يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد الّتي أخذت منه.3
والسند لا غبار عليه، ومعاوية بن حكيم وإن كان فطحياً ولكنّه ثقة جليل، والشاهد في ضمان المنفعة التالفة حيث إنّ الولد انعقد حرّاً، فصارت كالتالفة.
2. ويظهر من رواية أُخرى أنّ في السند إرسالاً حيث روى الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدت الجارية مسروقة؟ قال: «يأخذ الجاريةَ صاحبُها ويأخذ الرجلُ ولده بقيمته».4
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري يُصرّ في المقام على أنّ استيلادها ليس من قبيل

1 . المتاجر:101.
2 . فطحي ثقة.
3 . الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث4.
4 . نفس المصدر: الحديث3.

صفحه 255
إتلاف النماء، بل من قبيل إحداث إنمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلف، فما وجه هذا الإصرار؟ حيث يقول: إنّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى، فليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء، بل من قبيل إحداث إنمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلف.1
ولعل وجهه أنّ محل البحث في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده إنّما هو ضمان اليد دون ضمان الإتلاف، وإلاّ لما كان هناك داع لدفع الدخل المقدر ببيان انّ حرية الولد من قبيل التلف لا من قبيل الإتلاف.
ويؤيد ما ذُكر (انّ محط البحث عند الشيخ هو ضمان اليد لا ضمان الإتلاف) أنّه خصّص في عكس القاعدة في مسألة ضمان منافع العين بالمنافع غير المستوفاة قائلاً بأنّ استيفاء المنافع يوجب الضمان بلا شك.
هذا هو نظر الشيخ.
وقد أورد على الشيخ بأنّه من قبيل الإتلاف ضرورة أنّ النطفة وإن كانت من الرجل إلاّ أنّها كانت متكوّنة بدم الأُمّ وكان تكوّنها حيواناً بالقوى المودعة في الرحم، فكان صيرورتها حيواناً من قبل الأُمّ، وقد أتلفها الرجل على الأب2.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره تدقيق فلسفي غير مطروح للعرف، ولو صحّ ما ذُكر لوجب على الرجل إعطاء قيمة نطفة المرأة والدم التالف وقيمة القوى المودعة لا قيمة الولد.
ومنه يظهر عدم صحة ما أفاده المحقّق الإيرواني حيث قال: إنّ المشتري

1 . المتاجر:101.
2 . (كذا في النسخة والظاهر على المالك) تعليقة الإصفهاني:1/75.ولعلّه تبع في التعبير خبر زرارة الآتي.

صفحه 256
استوفى منفعة الرحم بإشغاله بمائه ولا أقل من أنّه قد أتلف منفعته على المالك بذلك، فإنّه كان مستعداً لإنماء نطفة الرق، فسلب عنه ذلك بإشغاله بنطفته.1
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّه تدقيق فلسفي ـ : أنّه لو صحّ ما ذكر يجب عليه جبران إشغال الرحم بنطفته، لا قيمة الولد.
هذا ما ذكره القوم ولكن الرجوع إلى سائر الروايات الواردة في هذا الموضوع يثبت أنّ قيمة الولد كان عوضاً عن المنافع المختلفة المستوفاة.
3. روى الكليني بسند كالصحيح2 عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): الرجل يشتري الجارية من السوق ويولدها ثم يجيء الرجل فيقيم البيّنة على أنّها جاريته لم تُبَع ولم تُهَب؟ فقال(عليه السلام): ان يرد إليه جاريته ويعوّضه بما انتفع. قال: كأنّ معناه قيمة الولد.3 والظاهر أنّ التفسير من زرارة.
4. خبر زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولاداً، ثم إنّ أباها4 يزعم أنّها له وأقام

1 . تعليقة المحقّق الإيرواني:1/93.
2 . أقول: رواه في الكافي:5/216 برقم13 بالسند التالي:
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه الفرّاء، عن حريز عن زرارة.
ورواه في التهذيب:7/644 برقم276 بالسند التالي:
أحمد بن محمد، عن أبي عبد اللّه الفرّاء، عن حريز، عن زرارة.
والظاهر أنّ مراده من أحمد بن محمد هو أحمد بن محمد بن عيسى، والشيخ أخذ الرواية من كتابه. ولذلك حذف قول الكليني «عدّة من أصحابنا» فالسندان متحدان ومعتبران. وأبو عبد اللّه الفراء من مشايخ ابن أبي عمير فيكون ثقة. ولذا قلنا كالصحيح.
وبذلك يظهر أنّ صدر السند المذكور للرواية في الوسائل لا ينطبق على المصدرين.
3 . الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث2.
4 . وربما يتصور أنّ الصحيح صاحبها ولكن فسّره العلاّمة المجلسي في شرح التهذيب بقوله: أي ادّعى انّها ابنته حرّة الأصل أو اشترى ابنته وعتقت عليه.

صفحه 257
على ذلك البيّنة؟ قال: «يقبض ولده ويدفع إليه الجارية ويعوضه في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها».1
فلو كان التفسير في الحديث الثالث من الراوي لدلّ على أنّه فهم أنّ قيمة الولد عوض المنافع المستوفاة.
والحديث الرابع ينص على ضمان ما أصاب من لبنها وخدمتها.
وبما أنّ الروايتين الأُوليين لم تنصّا إلاّ على ضمان قيمة الولد ولم يذكر فيهما شيء من قيمة اللبن والخدمة، يمكن أن يقال إنّ قيمة الولد عوض عن كلّ ما انتفع به المشتري من الأُمّة من الانتفاعات الجنسية والخدمة في البيت ورضاع الولد، وبما أنّ تقييم كلّ ذلك كان أمراً غير ميسور قامت قيمة الولد مقامه.
وعلى ما ذكرنا فالاستدلال بها على المقام مشكل. لأنّ المنفعة المستوفاة مضمونة قطعاً والكلام في غير المستوفاة حتّى يكون دليلاً على ضمان العين التالفة بلا تفريط ولا تسبيب عن المشتري. وعلى ضوء ما ذكرنا فالروايات الواردة في الإماء المشتراة لا تصلح للاستدلال على المقام.

الدليل الخامس: قاعدة على اليد

«قاعدة على اليد» غير «قاعدة اليد»، فالثانية آية الملكية لقوله(عليه السلام): «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».2
والأُولى دليل الضمان، وهي حديث نبوي رواه قتادة عن الحسن البصري عن سمرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«على اليد ما أخذت حتى تؤديه».

1 . نفس المصدر، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب2 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2.

صفحه 258
يقول البيهقي: ثمّ إنّ الحسن نسي حديثه فقال: هو أمينك لا ضمان عليه.1
ورواه الترمذي عن الحسن، عن سمرة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، قال قتادة: ثم نسي الحسن فقال فهو: أمينك لا ضمان عليه، يعني العارية.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم إلى هذا، وقالوا: يَضمن صاحب العارية، وهو قول الشافعي وأحمد.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلاّ أن يخالف، وهو قول الثوري وأهل الكوفة، وبه قال إسحاق.2
ورواه أبو داود بسنده عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» ثمّ إنّ الحسن نسي وقال: هو أمينك لا ضمان عليه.3
أقول: يقع الكلام تارة في سند الحديث، وأُخرى في دلالته.
أمّا السند فساقط جدّاً ولا نتكلم إلاّ عما ورد في حق سمرة بن جندب بن هلال الفزاري.
فقد عرّفه الذهبي في تاريخه وقال: له صحبة ورواية وشرف، ولي إمرة الكوفة والبصرة خلافة لزياد، وكان شديداً على الخوارج وقَتَل منهم جماعة، فكان الحسن

1 . سنن البيهقي:6/90، باب العارية مضمونة.
2 . سنن الترمذي:3/566، الباب39 ، باب ما جاء في أنّ العارية مؤدّاة.
3 . سنن أبي داود، باب في تضمين العارية ، الحديث رقم 3561.

صفحه 259
وابن سيرين يشينان عليه.1
هذا ما يذكره الذهبي في بدء ترجمته، ولكنه يذكر في حقه ما يدلّ على فسقه، حيث قال: عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة في ذلك: إنّي كنت أنا وهو وأبو هريرة في بيت فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: آخركم موتاً في النار، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة.2
وروي عن ابن طاووس وغيره قال النبي لأبي هريرة وسمرة بن جندب وآخر: «آخركم موتاً في النار» فمات الرجل قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يُغيض أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيُغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة.
ثمّ قال: وقتل سمرة بشراً كثيراً. ونقل عن عامر بن أبي عامر، قال: كنّا في مجلس يونس بن عبيد فقالوا: ما في الأرض بقعة نشفت من الدم مثل ما نشفت هذه ـ يعنون دار الأمارة ـ قُتِل بها سبعون ألفاً فسألت يونس، فقال: نعم من بين قتيل وقطيع، قيل من فعل ذلك؟ فقال: «زياد وابنه وسمرة».
ثمّ نقل عن أبي بكر البيهقي أنّه قال: نرجو له بصحبته.3
وذكر ابن الأثير ما نقلناه عن الذهبي وقال: سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا صار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا صار إلى البصرة

1 . تاريخ الإسلام، الجزء الخاص بحوادث عهد معاوية، ص 231، وجدنا العبارة «يثنيان» و هو تصحيف، والصحيح ما ذكرناه، بقرينة ما سيمرّ عليك ممّا أورده الطبري في تاريخه. وما ذكره نفس الذهبي.
2 . سير أعلام النبلاء:3/183ـ 185. ومعنى ذلك انّ سمرة آخر من مات منهم.
3 . سير أعلام النبلاء:3/183ـ 185.قوله: بقعة نشفت من الدم، شربت الدم يقال: نشف الثوبُ العرقَ: شربه.

صفحه 260
فكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر إلى آخر ما ذكر.1
روى الطبري في حوادث سنة 50هـ، قال: عن محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.2
ونقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي جعفر أنّه قال: وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب(عليه السلام): (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ* وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ).3
وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى:(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ)4 فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك.5

1 . أُسد الغابة:2/354.
2 . تاريخ الطبري:3/176.
3 . البقرة:204ـ 205.
4 . البقرة:207.
5 . شرح نهج البلاغة:4/73.

صفحه 261
هذا هو حال السند، فكيف يمكن أن يُحتجّ به، وربّما يقال بأنّ ضعف السند منجبر بعمل الأصحاب، لكن الظاهر أنّ عمل الأصحاب بها لم يكن اعتماداً على الرواية، بل كان احتجاجاً على الآخرين، فقد اعتمد عليه الشيخ في كتاب «الخلاف» في غير واحد من الأبواب، احتجاجاً على المخالف لا دليلاً على نظره ورأيه، مثلاً:
قال في كتاب«الغصب»: إذا غصب شيئاً ثم غيّره عن صفته الّتي هو عليها لم يملكه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا غيّر الغصب تغييراً أزال به الاسم والمنفعة المقصودة، بفعله ملكه. ثم استدل وقال: دليلنا: أنّه ثبت أنّ هذا الشيء قبل التغيير، كان ملكه فمن ادّعى أنّه زال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة.
ثمّ قال (الشيخ): وروى قتادة عن الحسن، عن سمرة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي».1 فالظاهر أنّه بصدد الاحتجاج على أبي حنيفة لا أنّه يستند إلى نفس الرواية.2
وعلى ذلك فالاعتماد على الحديث بعمل الأصحاب أمر غير تام.
ومع ذلك فإتقان الحديث ربّما يؤيد صدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد كان سيدنا الأُستاذ(قدس سره)يعتمد عليه في درسه الشريف. لأجل إتقان اللفظ والمضمون. واللّه العالم.
هذا كلّه حول السند.
وأمّا الدلالة فربما يخدش فيها بأنّ الرواية لا تدل على الحكم الوضعي بمعنى الضمان، لأنّ كلمة «على» ظاهرة في الحكم التكليفي فلا تدل على الضمان.

1 . الخلاف:3/407، المسألة 20.
2 . ولاحظ أيضاً المسألة 22 من كتاب الغصب.

صفحه 262
وأجاب عنه الشيخ الأنصاري بأنّ هذا الظهور إنّما هو إذا أُسند الظرف إلى فعل من أفعال المكلفين، كما إذا قال: «عليه صلاة» لا إلى مال من الأموال كما يقال: «عليه دين». فإنّ لفظة «على» حينئذ لمجرد الاستقرار في العهدة، عيناً كان أو ديناً. ومن هنا كان المتجه صحة الاستدلال به على ضمان الصغير، بل المجنون إذا لم تكن يدهما ضعيفة لعدم التمييز والشعور.1
أقول: لو صحّ السند فالدلالة على الضمان أوضح من أن تخفى، وذلك لأنّ لفظة «يد» تطلق فيراد منها تارة الجارحة بما هي جارحة، كما قال سبحانه:(السَّـارِقُ وَالسَّـارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزاءً بِمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ).2
وأُخرى تطلق وتستعمل في الجارحة لكن كناية عن الشخص القادر، كقوله سبحانه: (فَسُبْحَانَ الّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).3
وثالثة تطلق وتستعمل في الجارحة لكن كناية عن الشخص بما له من الاستعلاء على الشيء كما في المقام.
وعند ذلك يكون الظرف خبراً للموصول، أعني: «ما أخذت» ويراد بالظرف (على اليد) الشخص المستعلي، فيكون معنى الرواية: في عهدة الشخص المستعلي ما أخذ حتّى يفرغ ويخرج عن العهدة، وهذا هو نفس الضمان الّذي نحن بصدد إثباته.
والغاية في الرواية وإن كان هو أداء ما استعلى عليه وإرجاعه إلى صاحبه لكن التفاهم عرفاً من الأداء هو المعنى العام، فإن كان موجوداً فيؤديه بعينه، وإن

1 . المتاجر:101.
2 . المائدة:38.
3 . يس:83.

صفحه 263
كان تالفاً فبما يقوم مقامه عند العرف، فلو كان مثلياً فبالمثل ولو كان قيمياً فبالقيمة.
وبذلك يسقط ، ما ربّما يقال من أنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية هو ردّ العين الموجودة فإذا انتفى فلا موضوع للرد. وذلك لأنّه ليس المراد من الاستعلاء هو الاستعلاء الخارجي على العين حتّى يدور مداره، بل الاستعلاء على الشيء كناية عن الاستعلاء على ماليته، فالذي أخذه وإن كان هو العين لكن العين إنّما تكون مطلوبة للناس بما أنّ لها مالية، فإذا استعلى على شيء له مالية فيجب عليه الخروج عن ذلك التعهد، والخروج عند العرف عبارة عن ما ذكرنا من ردّ العين عند وجودها وردّ ما يقوم مقامها عند عدمها.
ومن هنا يمكن استفادة كلا الحكمين من الحديث; الوضعي بالدلالة المطابقية، والتكليفي بالدلالة الالتزامية، فإنّ كون الشيء على العهدة لا أثر لاعتباره إلاّ أن يكون له أثر شرعي.

في شمول القاعدة للمنافع والأعمال

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري أورد على دلالة الحديث بأنّ مورده مختص بالأعيان، فلا يشمل المنافع والأعمال المضمونة في الإجارة الفاسدة.
ثم أجاب بأنّه يمكن أن يستدل على الضمان فيها بقواعد أُخرى نظير احترام مال المسلم،وأدلة نفي الضرر فلابدّ من أداء عوضه لقاعدتي الاحترام ونفي الضرر.1
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الإشكال بأنّ مورده وإن كان مختصّاً

1 . المتاجر:103.

صفحه 264
بالأعيان إلاّ أنّ قضية كونها مضمونة، هي ضمان منافعها، فضمان المنافع في الإجارة الفاسدة إنّما يكون بتبع ضمان العين المستأجرة. وبالجملة قضية ضمان اليد ضمان المنافع في ما كانت العين مضمونة بها، فاختصاص مورده بالأعيان لا يوجب اختصاص الضمان بها.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خارج عن مورد البحث، فإنّ مورد النقض عبارة عن الإجارة الفاسدة والعين فيها غير مضمونة، فكيف تكون المنافع مضمونة بتبعها؟!
والأولى أن يقال:إنّ الأخذ والردّ أشبه بالمتضايفين، فلو أمكن الأخذ لأمكن الردّ أيضاً، ولا شكّ أنّ المنافع مأخوذة بأخذ العين فتكون مردودة بردّها.

حكم المسابقة الفاسدة

بقي الكلام في ضمان بعض الأعمال المضمونة الّتي لا يرجع نفعها إلى الضامن، ولم تقع بأمره، كالسبق في المسابقة الفاسدة، فهل يُضمن للسابق، لا بالمسمّى بل بأُجرة المثل.
ربما حُكي عن الشيخ الطوسي2 والمحقّق3 عدم استحقاق السابق أُجرة المثل قائلين: بأنّ عمل العامل لم يعد نفعه إلى الآخر ولم يقع بأمره أيضاً فاحترام الأموال الّتي منها الأعمال لا يقضي بضمان الشخص له ووجوب عوضه عليه، لأنّه ليس كالمستوفى له، ولذا كانت شرعيته على خلاف القاعدة حيث إنّه بذل مال في مقابل عمل لا ينفع الباذل.4

1 . تعليقة المحقّق الخراساني:18.
2 . لاحظ المبسوط:2/302.
3 . شرائع الإسلام:2/240.
4 . المتاجر:103.

صفحه 265
توضيحه: أنّ مناط الضمان أحد أُمور ثلاثة:
أ. الاستيلاء على أموال الناس وإن لم ينتفع بها.
ب. استيفاء المنافع.
ج. الأمر بعمل محترم مع صدوره من المأمور في الخارج، سواء أ وَصَلَ نفع ذلك العمل إلى الآمر أم لم يصل إليه.
وهذا البيان لا بأس به وإن كان لا يخلو عن تأمل كما سيأتي.
ويظهر من المحقّق الخوئي أنّ المسابقة صحيحة كانت أم فاسدة من مصاديق القمار، لأنّه أكل المال بالباطل، غير أنّه قد خرجت منها المسابقة الصحيحة لمصالح خاصة وأمّا غيرها فهو باق على حرمته.1
أقول: الظاهر أنّ الاستدلال غير تام، لأنّ المسابقة لو كانت من مصاديق القمار لكانت من مصاديق الفحشاء واللّه لا يأمر بها.
قال سبحانه حاكياً عن المشركين حيث كانوا يعلّلون ويوجّهون أعمالهم السيئة بقولهم:
(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).2
وعلى هذا فالمسابقة ليست من مقولة القمار، والقمار عبارة عن أكل المال بالباطل وهو عمل لا يعود على المجتمع بالنفع ولا ينتفع به إلاّ المقامر، وهذا بخلاف المقام فإنّ في تشريع المسابقة والرمي تعبئة عسكرية تضفي على المجاهدين القوة والقدرة وتكون تجسيداً لقوله سبحانه:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ

1 . مصباح الفقاهة:2/353.
2 . الأعراف:28.

صفحه 266
مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ).1
فينحصر الاستدلال بما مرّ من أنّ وجه الضمان أحد الأُمور الثلاثة والكلّ غير موجود.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ هناك أمراً ضمنيّاً من أحد المتسابقين بالنسبة إلى الآخر كأنّه يقول: إرم فإن كنت فائزاً فمني لك كذا، وهكذا الآخر، هذا فيما إذا كان عقد الترامي بين شخصين، وربما يكون الآمر غير المتسابقين كالنوادي والمؤسسات الّتي تعقد هذه المسابقات في ميادين وحلبات السباق الخاصّة، فتكون هي الآمرة والباذلة.

علم الدافع وجهله

الصور المتصورة من ضرب علم وجهل كلّ من الدافع والآخذ، أربعة:
1 . أن يكونا عالمين.
2. أن يكونا جاهلين.
3. أن يكون الدافع عالماً والآخذ جاهلاً.
4. أن يكون الدافع جاهلاً والآخذ عالماً.
فالظاهر من الشيخ وغيره هو الضمان في جميع الصور أخذاً بإطلاق دليل «على اليد» والسيرة العقلائية القائمة على ضمان اليد مع الإقدام.
وربما يناقش في الضمان في موردين:
1. إذا كانا عالمين فإن علم كلّ من الدافع والآخذ بفساد العقد يُدخل الموضوع تحت التسليط المجاني، فالدافع سلّط الآخذ على المال بغير عوض

1 . الأنفال:60.

صفحه 267
شرعي، وهكذا الآخذ، فلو كان هناك تلف فلا يضمنه الآخذ، لكون التسليط مع اعتقاد الفساد كان بالمجّان.
وفصّل المحقّق النائيني بين الحكم التكليفي ـ أعني: حرمة التصرف ووجوب الردّ ـ والحكم الوضعي ـ أعني: الضمان ـ فقال بالأوّل دون الثاني قائلاً بأنّه:فرق بين الرضا الحاصل من باب أنّه ملك للقابض للجهل بالفساد، أو للبناء على الصحة تشريعاً(عند العلم بالفساد)، أو لا هذا ولا ذاك بل مجرد البناء المعاملي ولو عصياناً، كما في بناء الغاصب والمقامر ونحوهما على البيع; وبين الرضا الحاصل من باب أنّه ملك للآذن وما يوجد في المقبوض بالعقد الفاسد هو الأوّل والمفروض أنّ الشارع لم يرتب عليه الأثر فالأقوى بالنسبة إلى الحكم التكليفي هو حرمة التصرف ووجوب الرد فوراً.1
أقول: الظاهر هو العكس وأنّه يجوز التصرف ولا يجب الردّ لكنّه لو تلف يكون ضامناً. وذلك، أمّا الأوّل فلأنّ المورد داخل تحت قوله: «أو للبناء على الصحة تشريعاً»، وإن شئت قلت: وجود رضا بتصرف المأذون في ملك الآذن مطلقاً، سواء أصحت المعاملة عند الشرع أم لا.
وأمّا الحكم الوضعي فالميزان في الضمان هو تسليط الآخر على ماله مع العوض سواء أقرّ بتسليطه الشارع أم لا، وكون العقد فاسداً لا يلازم أنّ الرجل سلّط الغير على ماله بلا عوض، بل ربما يكون غير متشرّع وكان يتعامل معاملة القوانين الوضعية القائلة بالصحة.
2. إذا كان الدافع عالماً والآخذ جاهلاً، فتأتي هنا مشكلة الغرور، حيث إنّ الجاهل أقدم على المعاملة بتصوّر أنّ الضمان بالمسمّى ، فلو كانت قيمة المثل

1 . منية الطالب:1/116.

صفحه 268
أكثر من المسمّى بأضعاف، يعدّ تسليط الدافع العالم بالفساد للآخذ على المال إغراءً منه للآخذ. وعلى هذا فلو قلنا بالضمان فإنّما يضمن بالمسمّى وإن كان أقل من قيمة المثل.
يلاحظ عليه: بأنّ الغرور إنّما يصدق إذا كان من الدافع تمهيد لدعوة الآخذ على المعاملة ـ كما ربما يتفق ـ ولكن المفروض انّه لم يكن هناك أي تمهيد من الدافع، وإنّما تبايعا على نسق سائر المعاملات الصحيحة، ومجرد علم الدافع وسكوته لا يستلزم الغرور بمعنى الخدعة.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري(رحمه الله) ذكر النقوض الواردة على عكس القاعدة فأنهاها إلى خمسة ولم يذكر النقوض الواردة على الأصل فما يمكن أن يورد به على الأصل الإيجابي بالنقض بالبيع من السفيه المحجر عليه لو تلف المبيع في يده مع كون القبض بإذن البائع، فقد حكموا بفساد البيع وعدم تعلّق الضمان بالسفيه وإن فُكّ حَجْره.
قال العلاّمة في «القواعد»: فإن اشترى بعد الحجر فهو باطل، ويسترد البائع سلعته إن وجدها، وإلاّ فهي ضائعة إن قبضها بإذنه،عالماً كان البائع أو جاهلاً.1
أقول: الظاهر التفصيل بين علم الدافع بسفه القابض وجهله. ففي الأوّل لا يضمن السفيه إن تلف، لأنّ الدافع هو الذي سلط على ماله من لا يجوز تسليطه على أمواله، فكيف على مال الغير، يقول سبحانه:(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاء أَموالكُمُ الّتي جعَل اللّه لَكُم قياماً).2

1 . قواعد الأحكام:2/137، كتاب الحجر، الفصل الثاني في أحكام الحجر.
2 . النساء:5.

صفحه 269
بخلاف ما إذا كان جاهلاً ولم يكن في المورد مظنة السفه حتى لا يكون مقصراً في الاختبار فالظاهر ضمانه إذا كان البيع بإذن الولي فلا مناص من القول بضمان السفيه بعد فك حجره.

عكس القاعدة

ما تقدّم كان حول القاعدة الإيجابية، وأمّا السلبية ـ أعني:«ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» ـ فدليلها أنّ الصحيح من العقد إذا لم يقتض الضمان مع إمضاء الشارع له، فالفاسد الّذي هو بمنزلة العدم لا يؤثر في الضمان، لأنّ سبب الضمان أحد أمرين:
1. إقدام المتعاملين على الضمان، والمفروض عدمه، وإلاّ لضمن بصحيحه.
2. حكم الشارع بالضمان بواسطة هذه المعاملة الفاسدة، والمفروض أنّها لا تؤثر شيئاً.
فعلى هذا فلو وهب شيئاً بعقد فاسد لا يضمنه المتهب، لأنّه لا ضمان عند الصحة، لافتراض أنّ الواهب لم يحفظ حرمة ماله، وأهدر كرامته فيكون في صورة الفساد كذلك لاتحاد المناط.
وبعبارة أُخرى: انّ الأدلة الدالة على الضمان عند الصحة لا تشمل المقام، إذ هي عبارة عن الأُمور التالية:
1. حرمة مال المسلم.
2. إقدامه على أن يكون ماله مضموناً.
3. كون عدم الضمان موجباً للضرر.
4. الإجماع على الضمان.
والكلّ غير جار في المقام، لأنّه هو الّذي سلّط الغير على ماله مجّاناً فهدر

صفحه 270
حرمة ماله وكرامته وأقدم على المعاملة بلا ضمان وبلا عوض. ولو تضرّر فالضرر نابع من جانبه لا من جانب الآخذ. وليس في المقام إجماع على الضمان لو لم يكن على خلافه.
ثمّ إنّ الشيخ استدل على عدم الضمان ـ وراء ما ذكر ـ بالأولوية.
وحاصلها: أنّ الرهن لا يضمن بصحيحه فكيف يضمن بفاسده ـ وجه الأولوية ـ أنّ الصحيح إذا كان مفيداً للضمان أمكن أن يقال:إنّ الضمان من مقتضيات الصحيح، فلا يجري في الفاسد لكونه لغواً غير مؤثر على ما سبق تقريبه من أنّه أقدم على ضمان خاص والشارع لم يمضه فيرتفع أصل الضمان.1
وهذا بخلاف ما إذا كان عدم الضمان من مقتضيات الصحيح فيكون عدم الضمان من مقتضيات الفاسد بوجه أولى.
ولكنّه عدل عنه وقال: إنّه يجوز أن تكون صحة الرهن والإجازة المستلزمة لتسلط المرتهن والمؤجر على العين شرعاً مؤثرة في رفع الضمان بخلاف الفاسد الّذي لا يوجب تسلطاً لهما على العين فلا أولوية. وتبعه المحقّق النائيني وقال: بأنّ المالك في القبض الصحيح إذا سلّط القابض على ماله مجّاناً، تخرج يده عن عموم «على اليد...» إمّا تخصّصاً، أو تخصيصاً، وملاكه في الفاسد بعينه هو الملاك في الصحيح، لأنّ التسليط القابض على ماله مجاناً، ولا أولويّة لأحدهما.2
والأولى أن يستدل على عكس القاعدة بعدم جريان أدلة الضمان كما فيما أوضحناه.

1 . المتاجر:104.
2 . منية الطالب:1/122.

صفحه 271

إشكال وإجابة

أمّا الإشكال فهو أنّ الفاسد وإن لم يكن له دخل في الضمان إلاّ أنّ مقتضى عموم «على اليد» هو الضمان، خرج منه المقبوض بصحاح العقود الّتي تكون مواردها غير مضمونة على القابض وبقي الباقي.
وأمّا الجواب فيمكن أن يقال بأنّه لا إطلاق لقاعدة «على اليد» في الصور الّتي يسلّط المالكُ الغير على ماله بلا عوض ويُهدر حرمة ماله وكرامته، وذلك بالاستظهار من متن الحديث حيث إنّه يركز على الضمان فيما إذا أخذ ما يجب على الآخذ ردّه، وهو ينحصر في المقبوض غصباً والمقبوض بالعقد الفاسد الّذي لا يرضى المالك بخروج العين عن ملكه بلا عوض. وأمّا فيما أخذ ما لا يجب عليه ردّه كما إذا استأمنه عليه أو ملكه بلا عوض ففي هذه الموارد لا يجب على الآخذ الردّ ما لم يطلب المالك ملكه، فالحديث منصرف عن هذه الصور.
وإن شئت قلت: إنّ لحن الحديث، لحن توبيخيّ، ويدلّ على بقاء العين في يد القابض ممّا لا يرضى صاحبها فيناسب اليد العدوانية أو ما يقرب منها، أعني: ما لا يرضى صاحب العين خروجها عن ملكه إلاّ بعوض يملأ مكانها، ولا عموم للحديث لغير هذين الموردين.
والّذي يؤيد عدم العموم، انّ للحديث شأن صدور، ومن البعيد صدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ارتجالاً بلا تقدّم سؤال أو نظيره، ومثل هذا الاحتمال القوي يسلب الاعتماد على إطلاق الحديث حتّى يستدل به على المقام.
ثمّ إنّ الشيخ أجاب عن الإشكال بما حاصله:
إنّ عموم ما دلّ على أنّ «مَن لم يُضمّنه المالك فهو ليس بضامن» دليل على عدم الضمان في هذه العقود صحيحها وفاسدها، هذا إجمال الجواب.

صفحه 272
ولكنّه قسّم العقود الفاسدة غير المضمونة إلى قسمين:
1. ما لا يكون فيه تمليك، كما إذا دفعه إليه للانتفاع به كالعارية، أو الإجارة، أو استأمنه عليه لحفظه كما في الأمانة أو دفعه إليه لاستيفاء حقه أو العمل فيه بلا أُجرة كالخيّاط المتبرع، أو معها كما في الصانع غير المتبرع.
2. ما دفعه إليه تمليكاً بلا عوض كما في الهبة.
أمّا القسم الأوّل فقد استدل على عدم الضمان فيه بعموم ما دلّ على أنّ «مَن استأمنه المالك على ملكه فهو ليس ضامن» بل ليس لك أن تتهمه.
وأمّا الثاني فقد استدل على خروجها من عموم اليد بفحوى خروج مورد الاستئمان، فإنّ استئمان المالك لغيره على ملكه إذا اقتضى عدم ضمانه له، اقتضى التسليطُ المطلق عليه مجاناً عدم ضمانه بطريق أولى، ثم قال:
والتقييد بالمجانية لخروج الهبة المعوضّة.1
ثمّ إنّه لم يأت بدليل على العموم الّذي ادّعاه من أنّ «من استأمنه المالك على ملكه فهو غير ضامن».
ولعلّ نظره(رحمه الله) إلى الروايات التالية:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان». وقال: «ليس على مستعير عارية ضمان. وصاحب العارية والوديعة مؤتمن».2
2. عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت أو سرقت أو ضاعت إذا كان المستعير

1 . المتاجر:104.
2 . الوسائل:13، الباب1 من كتاب العارية، الحديث 6.

صفحه 273
مأموناً».1
3. ما رواه غياث، عن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) أُتي بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمّنه، وقال: إنّما هو أمين.2
***

نقوض القاعدة

ثمّ إنّه أُوردت نقوض على عكس القاعدة وحاول المحقّقون دفعها عنها مع أنّ عكس القاعدة كأصلها لم يرد في آية ولا رواية، فلا مانع من أن ينتقض في بعض الموارد.
نعم الّذي نُركز على كليته وعدم ورود النقض عليه هو أنّ ملاك عدم الضمان عبارة عن كون قرار المتعاملين على عدم الضمان أو لم تكن هناك يد، و هذا هو الذي لا يقبل النقض، وإليك دراسة بعض النقوض:

النقض الأوّل: النقض بضمان العين المستأجرة بالعقد الفاسد

إنّ العين المستأجرة بالعقد الصحيح لا تضمن، ولكنّها مضمونة بالعقد الفاسد ـ عند بعضهم ـ وإن اختار البعض الآخر منهم خلاف ذلك.
قال المحقّق الثاني: وهل العين مضمونة بالاستيفاء؟ يلوح من كلامهم العدم، والّذي ينساق إليه النظر كونها مضمونة، لأنّ التصرف في العين غير جائز3 فهو بغير حق، فيكون ـ في حال التصرف ـ استيلاؤه عليها بغير حق،

1 . الوسائل:13، الباب1 من كتاب العارية، الحديث10.
2 . الوسائل:13، الباب 28 من أبواب الإجارة، الحديث1.
3 . واقعاً وظاهراً في المستأجر العالم بالفساد، وواقعاً وحده في المستأجر الجاهل به.

صفحه 274
وذلك معنى الغصب.
ثمّ إنّه(قدس سره) اختار عدم الضمان وقال: إنّه دخل معه على عدم الضمان بهذا الاستيلاء وإن لم يكن مستحقاً1، والأصل براءة الذمة من الضمان، فلا تكون العين بذلك مضمونة إنّما يضمن المنفعة خاصة، ولولا ذلك لكان المرتهن ضامناً في فساد الرهن، لأنّ استيلاءه بغير حق، وهو باطل.2
ويظهر من المحقّق الأردبيلي القول بالضمان، في العالم بالفساد، فقد قال:
ثمّ إنّ الظاهر أنّ العالم كالغاصب، لا يجوز له التصرف، ولا يستحق شيئاً لما مرّ من أنّ الإذن إنّما علم بالعقد لاعتقاد أنّه صحيح ويلزم الطرف الآخر ما يلزمه، وقد بطل وهو عالم بالفرض فيبقى أصل المنع على حاله، كما قيل في البيع الباطل، بل يفهم من كلامهم الضمان مع الجهل أيضاً.3
هذه هي كلمات الأصحاب، فلو قلنا بالضمان يلزم النقض.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري حاول إخراج المورد ـ ضمان العين في الإجارة الفاسدة ـ عن عكس القاعدة بوجهين:
الأوّل: إنّ المراد بالمضمون مورد القاعدة، وموردها في الإجارة، المنفعة، فالعين ترجع في حكمها إلى القواعد وحيث كانت في صحيح الإجارة أمانة مأذوناً فيها شرعاً ومن طرف المالك، لم يكن فيها ضمان، وأمّا في فاسدها فدفع الموجر للعين إنّما هو للبناء على استحقاق المستأجر لها لحق الانتفاع فيه والمفروض عدم الاستحقاق فيده عليه يد عدوان لا ضمان.(فخروج العين عن القاعدة

1 . لفساد العقد.
2 . جامع المقاصد:6/216.
3 . مجمع الفائدة:10/50.

صفحه 275
خروج موضوعي ومن باب التخصص) لأنّ مبنى عدم الضمان ما إذا كان المستأجر مستحقاً لحق الانتفاع والمفروض عدمه فالتصرف في العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة خارج عن القاعدة موضوعاً.
الثاني: إنّ التصرف في العين المستأجرة وإن كان داخلاً تحت القاعدة لكنّها خصّصت بقاعدة «على اليد».
ثمّ اختار عدم الضمان، قال: والأقوى عدم الضمان فالقاعدة المذكورة غير مخصصة بالعين المستأجرة ولا متخصصة.1
فقوله: غير مخصصة إشارة إلى الوجه الثاني، وقوله: «ولا متخصصة» إشارة إلى الوجه الأوّل، فلو قدّم الثاني على الأوّل لكان أفضل.
أقول: هذان الوجهان ضعيفان.
أمّا الأوّل: انّ ما ذكره من أنّ معقد الإجارة هو المنفعة والعين يرجع في حكمها إلى القواعد على خلاف الارتكاز، فإنّ حقيقة الإجارة هو تسليم العين للانتفاع، فالانتفاع غاية وتسليم العين معقد الإجارة، وعلى هذا فلا فرق بين العقد الصحيح والعقد الفاسد، بشهادة أنّ المالك عند الإيجار يقول: آجرتك الدار أو الدابة ولا يقول: آجرتك منفعة الدار، أو غير ذلك.
وأمّا الوجه الثاني: من وجود التعارض بين عكس القاعدة وقاعدة على اليد، فهو أيضاً مدفوع بأنّ لحن قاعدة «على اليد» لحن زجري وهو يناسب الغاصب، ولا يعم من أخذ العين برضا المالك ثم ظهر فساد العقد. فوصف يده بأنّها يد عدوان كما ترى.فتأمل
نعم ما اختاره الشيخ أخيراً هو الأقوى، وعليه سيرة العقلاء، فلو تلفت

1 . المتاجر:103.

صفحه 276
الدابة أو عطلت السيارة بلا تفريط من المستأجر ولا إفراط، بل كان التلف والعطل نتيجة كثرة الانتفاع بهما، إذ لكلّ موجود طبيعي أو صناعي استعداد بقاء محدّد لا يتجاوز عنه، فلا يضمن المستأجر أبداً، ولو حُكم بالضمان لعُدَّ حكماً خارجاً عن موازين العدل من غير فرق بين كون العقد صحيحاً أو فاسداً.

النقض الثاني: استعارة المحرم الصيد

قال الشيخ: يشكل اطراد القاعدة في موارد :
منها: الصيد الّذي استعاره المحرم من المحل بناءً على فساد العارية، فإنّهم حكموا بضمان المحرم له بالقيمة مع أنّ صحيح العارية لا يُضمن به.
ثمّ إنّه(قدس سره) وجّه ضمانه ـ بعد البناء على أنّه يجب على المحرم إرساله وأداء قيمته ـ أنّ المستقر عليه قهراً بعد العارية(لأجل وجوب الإرسال) هي القيمة لا العين، فوجوب دفع القيمة ثابت قبل التلف بسبب وجوب الإتلاف الّذي هو سبب لضمان ملك الغير في كلّ عقد لا بسبب التلف.1
يلاحظ عليه بوجهين:
1. كان عليه أن يُحرِّر موضع النقض وهو أنّه عبارة عمّا إذا كان المحلّ مالكاً وجازت له الإعارة، كما إذا ملك الصيد في خارج الحرم، وأمّا لو ملكه داخل الحرم فالمحل والمحرم سواء، لا يملكان الصيد بل يجب عليهما إرساله، وعلى ضوء ما ذكرنا فموضع النقض ما إذا استعار المحرم الصيد من المحل خارج الحرم.
2. لو فرضنا أنّه يجب عليه الإرسال لكن وجوب الإرسال لا يُعدّ إتلافاً ما لم يُرسل، فلا يصحّ إدخال المورد تحت الإتلاف حتّى يكون خارجاً عن مورد القاعدة، لأنّ موردها التلف.

1 . المتاجر:103.

صفحه 277
3. انّ الوارد في الأدلة هو حرمة الإمساك لا وجوب الإرسال وانتقال الحرمة لا يتوقّف على الإرسال، بل يتحقّق برده إلى صاحبه .
وإليك ما يدلّ على الحكم الشرعي وهو حرمة الإمساك.
1. روى الصدوق في الفقيه بسنده عن علي بن رئاب، عن بكير بن أعين قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل أصاب ضبياً فأدخله الحرم فمات الضبي في الحرم؟ فقال: «إن كان حين أدخله خلّى سبيله فلا شيء عليه، وإن كان أمسكه حتّى مات فعليه الفداء».1
2.روى الكليني، عن أبي محبوب مثله إلاّ أنّه قال: «من أصاب طيراً في الحل فاشتراه فأدخله الحرم» ثم قال في آخره: «وإن كان أمسكه حتّى مات عنده في الحرم فعليه الفداء».2
وعدم تقيّد الموضوع بالمحرم غير ضار، لأنّه إذا ثبت الحكم في غيره ثبت في المحرم بطريق أولى.
نعم: لو كان الصيد بيد المالك فمرجع حرمة الإمساك إلى وجوب الإرسال، وأمّا إذا كان بيد المستعير فالتخلّص من الحرمة يكون بأحد وجهين:
1. الرد إلى المالك، ولا ضمان معه.
2. الإرسال، وهو يلازم الضمان.
فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ استعارة المحرم الصيد، لا يلازم الضمان كما هو مفاد النقض، بل إذا أرسله.
وبذلك يظهر أنّ التطويل حول المسألة غير لازم.
ثمّ إنّ السيد المحقّق الكوهكمري(رحمه الله) أشار إلى بعض ما ذكرناه وقال:

1 . الوسائل:9، الباب36 من أبواب كفارات الصيد، الحديث3.
2 . نفس المصدر: ذيل الحديث 3.

صفحه 278
أوّلاً: أنّه لا دليل على فساد العارية، لأنّ الثابت من الأدلة هو حرمة أخذ الصيد للمحرم وهي لا تلازم الفساد.
ثانياً: لم يدل دليل على وجوب الإرسال، فإنّ الثابت حسب الأدلة هو حرمة الإمساك، وهو كما يحصل بإرسال الصيد كذلك يحصل برده إلى مالكه، فلا وجه للقول بالضمان مطلقاً، بل إذا أرسله ، لا ما إذا ردّه.
ولذلك لم يذكر المحقّق1 سوى حرمة الإمساك وقال: لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيداً، لأنّه ليس له إمساكه، فلو أمسكه ضمن .2

النقض الثالث: المنافع غير المستوفاة في البيع الفاسد3

إنّ المنافع غير المستوفاة غير مضمونة في البيع الصحيح، لأنّ الثمن في مقابل العين فقط وليس شيء منه في مقابل منافعها مع أنّها مضمونة في البيع الفاسد، فيجب على المشتري ـ بعد استرداد الثمن ـ دفع شيء في مقابل المنافع وإن لم يستوفها.قال الشيخ: ويُشكل اطراد القاعدة أيضاً في البيع فاسداً بالنسبة إلى المنافع الّتي لم يستوفها فإنّ هذه المنافع غير مضمونة في العقد الصحيح مع أنّها مضمونة في العقد الفاسد ثم أجاب بقوله: إلاّ أن يقال : إنّ ضمان العين يستتبع ضمان المنافع في العقد الصحيح والفاسد.

1 . شرائع الإسلام:2/172، كتاب العارية، الفصل الثاني.
2 . من إفاضات الأُستاذ السيد الكوهكمري على ما في مذكراتي.
3 . سيأتي من الشيخ الأنصاري في الأمر الثالث من الأُمور المترتبة على المقبوض بالعقد الفاسد، البحث عن المنافع المستوفاة وغيرها والغرض هنا في جواب النقض هو تصوير انّ المنافع في البيع الصحيح مضمونة، فلا نقض لاتحاد حكم الصحيح والفاسد في الضمان، وأمّا بيان حكم المنافع في البيع الفاسد، فهو موكول إلى ذلك الأمر: فتدبر حتّى لا يتصور انّ البحث مستدرك.

صفحه 279
وحاصل كلامه: انّ المشتري يضمن العين استقلالاً والمنافع تبعاً في مقابل الثمن فهو في مقابل الأمرين، ولتكن كذلك مضمونة في الفاسد، وعندئذ يكون المورد داخلاً في الأصل لا العكس لكن كيفية الضمان مختلفة، فالضمان في الصحيح بالثمن وفي الفاسد بالقيمة بعد ردّ الثمن.
ثمّ إنّه(قدس سره) تنظّر فيما ذكره في قوله: وفيه نظر لأنّ نفس المنفعة غير مضمونة بشيء في العقد الصحيح، لأنّ الثمن إنّما هو بإزاء العين دون المنافع.1
وقد أجاب السيد الطباطبائي عنه بقوله: إنّ المنافع وإن لم تكن مقابلة بالمال ]في العقد الصحيح[ إلاّ أنّها ملحوظة في القيمة وزيادة الثمن، وهذا المقدار يكفي في صدق كونها مضمونة.2
أقول: الحق مع الشيخ في كلامه الأخير فإنّ المشتري إنّما يضمن شيئاً واحداً وهو المبيع، والمنافع مندكّة فيه، ولا يطلق عرفاً أنّ المشتري ضمن شيئين: العين والمنفعة؟ نعم للمنافع والقابلية تأثير في ارتفاع القيمة ونقصانها، ومع ذلك ليس لها ضمان، وراء ضمان المبيع. فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ المنافع غير مضمونة في البيع الصحيح. وأمّا الفاسد فالظاهر عدم الضمان أيضاً، وذلك لأنّ المالك والمشتري مشتركان في تفويت المنفعة، حيث سلّط البائع المشتري على المبيع وهو استولى عليه بإذن منه فكلاهما معاً سبب واحد لفوت المنافع فلا وجه لضمان ما لم يستوفها، وبذلك يظهر الفرق بين المورد والغاصب فالغاصب ضامن لما استوفاه لأجل الإتلاف، وغير المستوفاة لأجل كونه مفوتاً للمنفعة على مالك العين، كما إذا أقفل دار المالك أو حبس فرسه العامل وغير ذلك.بخلاف المشتري فهو غير

1 . المتاجر:103.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي:95.

صفحه 280
مفوّت.
وما ذكرناه هو مقتضى حكم العقل الفطري في المقام ويساعده العرف حيث إنّه بعد ما تبين فساد المعاملة، فإن استوفى المنافع فيضمن لأجل الاستيفاء واحترام مال المؤمن، وإن لم يستوف فيأخذ المسمّى ويدفع المبيع إلى صاحبه.
فتلخص انّ النقض غير وارد. إمّا لوجود الضمان في الصحيح والفاسد معاً كما عليه الشيخ في أوّل كلامه والسيد الطباطبائي فيكون المورد من مصاديق الأصل، أو لعدم الضمان في كليهما كما هو المختار. وعلى كلّ تقدير فليس هنا أي تفاوت بين صحيح العقد وفاسده.

النقض الرابع: النقض بحمل المبيع في العقد الفاسد

حكى الشيخ في «المتاجر» عن الطوسي في المبسوط، والمحقّق في الشرائع، والعلاّمة في التحرير، بأنّ الحمل في المبيع الفاسد مضمون على المشتري مع أنّه غير مضمون عليه في البيع الصحيح بناءً على أنّه للبائع.1
قال المحقّق: وإذا باع الحامل فالولد للبائع على الأظهر إلاّ أن يشترط المشتري.2 وأمّا أنّه غير مضمون على المشتري فلكونه أمانة مالكية بيده في العقد الصحيح، مع أنّه مضمون في العقد الفاسد.
يلاحظ عليه: بأنّ بيع الحامل بالعقد الصحيح تارة يكون الحمل جزء المبيع، وأُخرى خارجاً عنه. فعلى الأوّل يضمنه المشتري بالثمن الّذي يدفعه إلى البائع، فالثمن ليس للأُم وحدها بل لها مع مالها من الولد، فكيف يقال بأنّ الحمل غير مضمون على المشتري في العقد الصحيح؟!

1 . المتاجر:103.
2 . الشرائع:2/51.

صفحه 281
فإذا كان مضموناً على المشتري في مقابل المسمّى في الصحيح، فليكن كذلك في العقد الفاسد فهو داخل في أصل القاعدة ـ أعني: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ـ لا في عكسها، وعندئذ فلا نقض للقاعدة. غاية الأمر تختلف كيفية الضمان ففي الصحيح الضمان بالثمن المأخوذ وفي الفاسد بعد استرداد الثمن، بردّ قيمة الحمل.
وأمّا إذا لم يكن الحمل جزءاً للمبيع فالحمل عند المشتري أمانة مالكية إذا كان العقد صحيحاً، فلا يضمن إلاّ بالإفراط والتفريط.
وأمّا إذا كان بالعقد الفاسد الّذي هو محط النقض فنقول:
إنّ الحمل ـ بما أنّه لم يكن داخلاً في المبيع ـ كما هو المفروض، فهو أمانة مالكية أيضاً عند المشتري كما هو الحال في العقد الصحيح، وذلك لأنّه لما لم يكن جزء المبيع، ولا من متعلّقاته، بل من مقارناته، فيكون حكمه، في العقد الفاسد، كحكمه في العقد الصحيح فلا يضمن إلاّ بالتفريط، فقد أخذه بإذن المالك، فيكون أمانة.
فإن قلت: إنّ الإذن من المالك في البيع الفاسد، من جهة اعتقاد كونه مستحقاً عليه، والإذن مقيد بجهة الاستحقاق والمقيد ينتفي بانتفاء جهة تقييده.1
قلت: إنّ اعتقاده بالاستحقاق حيثية تعليلية وليس جهة تقييدية، وبعبارة أُخرى: هو من الدواعي لا من المشخّصات للموضوع، وتخلّفه لا يخرجه عن كونه أميناً. نظير ما قالوا في الاقتداء بإمام بزعم أنّه زيد ثم تبيّن خلافه، فلو اقتدى به بما أنّه زيد فإن لم يكن هو لم يقتد به، بطلت صلاته; و أمّا لو اقتدى بإمام حاضر،

1 . الجواهر:22/259، بتصرف في اللفظ.

صفحه 282
لكن بزعم انّه زيد و صار داعياً للاقتداء على نحو لو لم يكن زيداً لاقتدى به، صحت صلاته.

النقض الخامس: النقض بالشركة الفاسدة

لا يجوز التصرف في الشركة الفاسدة فأخذ المال المشترك حينئذ موجب للضمان مع أنّ التصرف في الشركة الصحيحة لا يوجب الضمان، فانتقضت القاعدة: ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده.
والظاهر عدم صحة النقض لوجهين:
1. لا يكفي عقد الشركة في جواز التصرف في المال المشترك الّذي تعاقدا على استرباحه مطلقاً، بل لا محيص في جواز التصرف من إذن خاص في التصرف، والعقد الصحيح والفاسد على نمط واحد، فإن كان التصرف بإذن الشريك فلا ضمان مطلقاً، صحيحاً كان أو فاسداً، وإن كان بلا إذنه فهو مضمون في كلتا الصورتين.فعقد الشركة تارة يكون داخلاً في الأصل (إذا كان بلا إذن) وفي العكس (إذا كان مع الإذن).
2. انّ الكلام في التلف لا في الإتلاف.
هذا تمام الكلام في عكس القاعدة وتحليل النقوض الواردة، حسب ما ذكره الشيخ، ولا يخفى أنّ كلامه في هذا المقام غير منسجم من جهتين:
أوّلاً: قدّم البحث في نقوض القاعدة ثم بحث عن دليل العكس وكان الأولى تقديم الدليل على النقوض.
ثانياً : ذكر مسألة ضمان العين المستأجرة في الفاسد وعدم ضمانها في الصحيح قبل بيان النقوض، مع أنّها من مصاديقها. غير أنّ الشيخ لما كان غارقاً في التفكير والتحقيق غفل عن تنظيم المطالب على نحو يناسب الكتاب

صفحه 283
الدراسي.
رحم اللّه علماءنا الماضين وحفظ الباقين منهم.
وهناك نقوض أُخرى لم يتعرض لها الشيخ، ونحن نذكر بعضها:

النقض السادس: ضمان العامل في المضاربة الفاسدة

إذا كان رأس المال في المضاربة بمقدار يعجز العامل عن التجارة به وكان قادراً على التجارة ببعضه واشترط المالك مباشرته في العمل بلا استعانة بالغير، تكون المضاربة عندئذ باطلة حيث إنّه يشترط في العامل أن يكون قادراً على العمل بمال القراض، فمع عجزه تبطل مضاربته، فلو اتجر ببعض المال وربح يكون الربح للمالك ولا نصيب للعامل فيه.
نعم له أُجرة مثل عمله مع جهله بالبطلان، ولو تضرر يكون ضامناً مع أنّه (العامل) غير ضامن في باب المضاربة، فانتقض العكس أي ما لا يضمن بصحيحه ـ في باب القراض ـ يضمن بفاسده.
يلاحظ عليه أوّلاً: المنع من فساد القراض، وذلك لأنّ المعاملة على مجموع رأس المال بالتجارة فيه واسترباحه، وإن كانت واحدة، لكنّها لدى التحليل معاملة على كلّ جزء منه يمكن التجارة به واسترباحه بحصة من ربحه، وفسادها بالنسبة إلى ما كان غير قادر على التجارة به، لا يقتضي الفساد بالنسبة إلى ما كان قادراً فيه من العمل، فيصح ويستحق الحصة من ربحه.ولو تضرّر فالضرر على المالك.
وثانياً: سلمنا فساد المضاربة لكن موضوع الضمان في القاعدة هو تلف المال، وأمّا المقام فهو من قبيل الإتلاف حيث إنّه اتجر وخسر فالحكم بالضمان لا يكون نقضاً للقاعدة.

صفحه 284

النقض السابع: استعارة العين المغصوبة

إذا استعار الرجل العينُ المغصوبة من الغاصب وتلفت في يده فيكون ضامناً، مع أنّ العارية ليس فيها ضمان، فانتقضت القاعدة، أعني: «ما لا يضمن بصحيحه ـ أي العارية ـ لكن يضمن هنا بفاسده» وعلى ذلك فللمالك الرجوع على أيّ منهما شاء من غير فرق بين كون العين تالفة في يد المستعير أو في يد المُعير لقاعدة تعاقب الأيدي.
يلاحظ عليه: أنّ القاعدة (عدم ضمان العارية) مختصة بالعين المستعارة من المالك لا المستعارة من الغاصب.
فإنّ كلاً من المعير والمستعير ضامن، فإن كان المستعير عالماً بالغصب فلا يرجع فيما غرمه للمالك إلى المعير الغاصب، وإن كان جاهلاً فلو رجع المالك على الغاصب المعير بقيمة العين التالفة عند المستعير فلا يرجع بما غرمه للمالك على المستعير المفروض كونه مغروراً من قبله.
وأمّا لو رجع المالك إلى المستعير فهو يرجع إلى الغاصب، لأنّ المغرور يرجع فيما غرمه على من غرّه كما في الحديث النبوي.

صفحه 285

الأمر الثاني:

وجوب الردّ إلى المالك فوراً1

من أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، وجوب ردّه إلى المالك فوراً، وهو من آثار عدم تملك المقبوض بالعقد الفاسد.
قال الشيخ: من الأُمور المتفرعة على عدم تملك المقبوض بالبيع الفاسد وجوب ردّه فوراً إلى المالك والظاهر انّه ممّا لا خلاف فيه على تقدير عدم جواز التصرف فيه كما يلوح من مجمع الفائدة.2 وقد افترض الشيخ المبنى أمراً مسلماً غنيّاً عن النقاش، ومع ذلك فلندرسه:

حرمة التصرف في المقبوض

يحرم التصرف فيه، لأنّ التصرف في مال الغير بلا إذنه حرام بلا إشكال.
روى صاحب الوسائل عن صاحب الدار (عليه السلام) في حديث طويل حيث جاء فيه: فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه.3

1 . كان الأمر الأوّل هو ضمان المقبوض وعدمه.
2 . المتاجر:104.
3 . الوسائل:7، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث7، نقلاً عن كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق:521.

صفحه 286
فإن قلت: إنّ تمليك المبيع للمشتري يتضمن الإذن في التصرف أيضاً، فيكون التصرف مقروناً بالإذن.
قلت: إنّ بقاء الإذن فرع تحقّق التمليك والمفروض فساد العقد الملازم لفساد مضمونه، الملازم لانتفاء التمليك فكيف يبقى الإذن مع انتفاء التمليك؟
نعم لو كان البائع عالماً بالفساد ومع ذلك أقدم على البيع يجوز للمشتري التصرف فيه لعدم تقيّد الإذن بالملكية الشرعية لكونه غير مبال بحكم الشرع، بل انّ تمام همّه كونه بيعاً عنده.
وقد أشار إلى ما ذكرنا من التفصيل ـ بين علم الدافع بالفساد وجهله به ـ السيد الطباطبائي في تعليقته بقوله: لا ينبغي الإشكال في عدم جواز التصرف فيه مع جهل الدافع، وأمّا مع علمه فيمكن الإشكال فيه ـ وإن كان باقياً على ملكه ـ وذلك للإذن فيه في ضمن التمليك.1
وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ الدافع إنّما جوّز التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد من حيث كونه ملكاً للقابض لا على وجه الإطلاق، ولما لم تحصل الملكية للقابض ولا أنّ المالك قد أذن له إذناً جديداً حرم على القابض التصرف فيه وضعاً وتكليفاً.2
يلاحظ عليه: أنّ الإذن في التصرف لم يكن مقيّداً بالملكية الشرعية حتّى ينتفي بانتفائها، بل كان مقيّداً بالملكية العرفية لكونه غير مبال بحكم الشرع فيكون الإذن باقياً ببقائها، والعجب أنّ السيد الطباطبائي قد أشار إلى نفس الإشكال (الّذي أورده السيد الخوئي) ودفعه، وقال: ودعوى أنّ الإذن مقيّد

1 . تعليقة السيد الطباطبائي:95.
2 . مصباح الفقاهة:2/370.

صفحه 287
بالملكية وهي غير حاصلة، مدفوعة بأنّ القيد ليس إلاّ الملكية في اعتبار البائع وهي حاصلة، إذ المفروض انّه أنشأها وبنى على كون المشتري مالكاً وقد قبل هو أيضاً، نعم لو كان مقيّداً بالملكية الشرعية صحّ دعوى عدم حصول القيد، لكنّه ليس كذلك.1
وبذلك يظهر أيضاً عدم ورود ما أفاده السيد الأُستاذ حيث قال: إنّ هذا الإذن إمّا يتعلق بالمبيع قبل نقله فهو خلاف المفروض، وإمّا أن يتعلق به بعده فلا يعقل الجدّ إليه، لأنّه إذن في تصرف المشتري في ماله وهو لا يمكن جدّه ولا أثر لإذنه وطيب نفسه في تصرف صاحب المال(المشتري) في ماله إذا تخلف عن الواقع وكان مال نفسه.2
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الإذن في التصرف يتعلق بالمبيع لا قبل النقل ولا بعده، بل يتعلق به حين النقل بالعقد الفاسد حيث إنّ التمليك يتضمن الإذن في التصرف في ماله.
ثانياً: أنّ ما لا يتصور الجد(فيه) لو كان البائع متشرعاً وحاول إنشاء الملكية الشرعية; وأمّا إذا كان غير مبال به فيتمشى الجدّ في إنشاء الملكية العرفية، والمفروض انّ المشتري أيضاً قد قبلها، وأظن أنّ تفصيل السيد الطباطبائي جدير بالقبول، وانّ مناقشة العلمين غير تامة.
إذا تبيّن المبنى وانّ التصرف غير جائز عند جهل البائع يقع الكلام في وجوب الردّ .
استدل على وجوب الردّ3 بوجوه:

1 . تعليقة السيد الطباطبائي:95.
2 . كتاب البيع:1/458.
3 . فيما إذا كان البائع جاهلاً بالفساد وإلاّ فقد مرّ جواز التصرف في المبيع ومعه لا يجب الردّ.

صفحه 288

الأوّل: انّ الإمساك من مصاديق التصرف في مال الغير

إنّ الإمساك من مصاديق التصرف فإذا حرم الإمساك وجب ضدّه وهو الردّ. وهذا هو خلاصة الاستدلال، وإليك التفصيل.
قال الشيخ: ويدلّ عليه أنّ الإمساك آناً ما تصرف في مال الغير بغير إذنه فلا يجوز لقوله(عج): «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلاّ بإذنه».1
ولو نوقش في كون الإمساك تصرفاً كفى عموم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلاّ عن طيب نفسه»2، حيث يدل على تحريم جميع الأفعال المتعلقة به الّتي منها كونه في يده.3
وقد سبق أنّ مبنى وجوب الرد هو حرمة التصرف وقد حاول الشيخ أن يثبت أنّ الإمساك تصرف في مال الغير، فإذا حرم الإمساك وجب الرد أخذاً بالقاعدة المعروفة أنّه إذا حرم أحد الضدين ـ اللذين لا ثالث لهما ـ وجب الضد الآخر. مثلاً إذا حرمت الحركة وجب السكون.
إنّ الشيخ يرى أنّ النبوي أوضح دلالة على حرمة التصرف من التوقيع حيث إنّ الموضوع في التوقيع هو التصرف في مال الغير فلأحد أن يمنع كون الإمساك مصداقاً للتصرف، وأمّا النبوي فالموضوع فيه «مال امرئ» و هو يعم عامة الشؤون لمال الغير الّتي منها الإمساك.
والعجب أنّ المحقّق الخراساني عكس الأمر حيث قال: إنّ المناقشة في عموم مثل «لا يحل» (النبوي) لغير التصرفات(الإمساك) أوضح4، ولم يعلم وجه

1 . مرّ مصدره وما ذكره الشيخ لا يتفق مع ما في المصدر.
2 . الوسائل 19، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3; الكافي:7/273.
3 . المتاجر:104.
4 . تعليقة المحقّق الخراساني:19.

صفحه 289
الأوضحية .
أقول: يرد على الاستدلال:
أوّلاً: انّ مفاد الحديثين واضح وكلاهما يهدفان إلى حرمة التصرفات الخارجية، ويقول إنّ المحرم هو التصرفات في كلا الحديثين والإمساك ليس منها.
وثانياً: ما أشار إليه المحقّق الخراساني في تعليقته وهو: أنّ حرمة أحد الضدين إنّما يلازم وجوب الضد الآخر إذا كانا من قبيل الضدين اللّذين لا ثالث لهما. وأمّا المقام فهناك أمر ثالث وهو إذا حرم التصرف فالتخلص عنه يكون بأحد الأمرين; الرد أو التخلية بينه وبين مالكه، فلا يجب على هذا القول إلاّ أحدهما لا خصوص الرد.1
فتبين أنّ الروايتين لا تنهضان لإثبات وجوب الردّ لوجهين:
1. انّ الإمساك لا يُعد تصرفاً. والروايتان ناظرتان إلى التصرفات الخارجية.
2. انّ التخلص من التصرف لا يختص بالردّ بل تكفي التخلية.

الثاني: عموم: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»

إنّ الحديث وإن لم يكن متعرضاً للحكم التكليفي بالدلالة المطابقية إلاّ أنّه متعرض له بالدلالة الالتزامية، فإنّ استقرار الضمان على عهدة القابض ملازم لوجوب الردّ، لأنّه لا أثر لاستقرار الضمان على العهدة إلاّ وجوب ردّ العين مادامت باقية وردّ المثل أو القيمة لو كانت تالفة.2و المفروض أنّها باقية.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في استقرار الضمان على العهدة وجوب أحد الأمرين; الردّ أو التخلية بين المال والمالك.

1 . تعليقة المحقّق الخراساني:19.
2 . منية الطالب:131.

صفحه 290
إلى هنا تبين عدم نهوض الدليلين لوجوب الردّ ولندرس الدليل الثالث.

الثالث: الاستدلال بما ينصّ على وجوب الردّ

استدل المحقّق الإصفهاني1 بما ورد في الأخبار من وجوب ردّ كلّ مال وقع في يد الغير إلى صاحبه نظير:
1. ما رواه الشيخ بسنده عن أحمد بن محمد بن أبي النصر قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام)عن الرجل يصيد الطير الّذي يسوي دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه، أيحل له إمساكه؟ فقال: «إذا عرف صاحبه ردّه عليه، وإن لم يكن يعرفه، وملك جناحه فهو له، وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه».2
2. ما رواه الصدوق باسناد عن زرعة، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)ـ في حديث ـ انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه».3
ويرد على الاستدلال بالرواية الأُولى :
أوّلاً: أنّ الطير ـ في الرواية ـ مقبوض بغير إذن مالكه فأشبه أن يكون بالغصب، وقد ورد في مرسلة حماد بن عيسى، عن العبد الصالح(عليه السلام) وفيها: «وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود»4،

1 . تعليقة المحقّق الإصفهاني:86.
2 . الوسائل:17، الباب15 من أبواب اللقطة، الحديث1.قوله: «مستوي الجناحين»: أي غير مقطوعهما، فإنّ القطع دليل على سبق الملكية فيجب التعريف.
3 . الوسائل:3، الباب3 من أبواب مكان المصلي، الحديث1.
4 . الوسائل:6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث4.

صفحه 291
وهذا بخلاف المقبوض بالبيع الفاسد فإنّه مقبوض بإذنه، فلو وجب الردّ في الأوّل لما دلّ على وجوبه في الثاني.
وثانياً: احتمال أنّ المراد من الردّ هو رفع اليد عنه وتمكين مالكه منه، لا خصوص إيصاله إليه.1
ويرد على الثانية بعدم تمامية دلالته، لأنّ الحديث منصرف إلى أنحاء التصرفات الخارجية، والإمساك لا يُعدّ تصرفاً خصوصاً إذا كان مسبوقاً بالإذن، والقابض مستعداً للرد إذا طالب المالك بذلك.
فلو صحّ الاستدلال بهما فليصح الاستدلال بما دلّ على وجوب أداء الأمانات إلى أهلها. مع عدم صحة الاستدلال بها، لأنّ مورد الآيتين2 هو الأمانة، وأين هي من المقبوض بالبيع الفاسد. فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يجب عليه أحد الأمرين: الردّ أو التخلية.

مؤونة الردّ أو التخلية

قد ظهر أنّ الأموال المنقولة يكفي فيها التخلية كغير المنقولة بمعنى كفاية تمكين الطرف من التسلّط على ماله، لكن ربما يتوقّف تمكن البائع من التسلّط على ماله على مؤونة، فهناك صور:
1. إذا نقله القابض إلى بلد آخر والمالك في بلد القبض فمؤونة النقل على القابض.
2. إذا نقله القابض إلى بلد آخر والمالك في البلد المنقول إليه، فلو

1 . نفس المصدر.
2 . البقرة:283، النساء:58.

صفحه 292
توقّف إيصالها إلى مكان يتمكّن البائع من التسلّط عليها فمؤونة ذلك على المشتري.
3. إذاكان المبيع في بلد القبض، سواء أكان البائع في نفس البلد أو في بلد آخر فليس على المشتري إلاّ إيصالها إلى مكان يتمكّن البائع من التسلّط عليها، فلو توقّف هذا الأمر على مؤونة فهو على عهدة المشتري، وأمّا الزائد فلا.

صفحه 293

الأمر الثالث:

حكم المنافع قبل الردّ

لو كان للعين المبتاعة منفعة فإمّا أن تكون مستوفاة أو غير مستوفاة، فلنقدم البحث في القسم الأوّل:
فنقول فإن استوفاها المشتري قبل الردّ، كان عليه عوضها على المشهور، وربما يستظهر من كلام ابن إدريس في «السرائر» أنّ المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب عند أصحابنا1، أنّ الحكم إجماعي، لأنّ وجوب العوض في منافع المغصوب أمر اتفاقي، والظاهر من ابن حمزة هو عدم الضمان.2

احتج للقول بالضمان بوجوه:

1. عموم «على اليد ما أخذت» فإنّ عمومها يشمل المنافع المستوفاة أيضاً، وقبض المنفعة بقبض العين، فتدخل المنفعة في ضمان المستأجر.
وأورد عليه بأنّ قبض المنافع وإن كان بقبض العين، لكن دخولها في الحديث ممنوع، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«حتّى تؤديه» فإنّ المتبادر ردّ ما أخذه بعينه، وهو ينطبق

1 . السرائر:2/285.
2 . الوسيلة:255، كتاب البيع.

صفحه 294
على العين دون المنفعة، لأنّ المنفعة لا يمكن ردّها بعينها بل ردّ ما يردّ العين.
2. ما رواه أبو ذر عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «وحرمة مال المسلم كحرمة دمه».1 والظاهر من هذه الجملة هو «أنّ مال المسلم محترم» ، ومعنى الحرمة ردّه بعينه إذا أمكن أو بما يقابله وينوب عنه. وقد مرّ أنّ المنفعة تعدّ مالاً.
وأورد عليه بأنّ الظاهر منه هو الحكم التكليفي، بمعنى أنّه لا يجوز إتلاف مال المؤمن بغير إذنه كما لا تجوز إراقة دمه.2
3. ما دلّ على عدم حلية مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه. روى الكليني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): أنّ رسول اللّه وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجة الوداع فقال: «فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا... إلى أن قال: ألا من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه».3
وكيفية الدلالة ، على الضمان على نحو ما ذكرناه في الحديث السابق.
4. قاعدة لا ضرر: فإنّ تشريع جواز الاستيفاء بلا عوض ضرر على المالك.
فإن قلت: إنّ إيجاب ضمان ما استوفى من المنافع لا يُعدّ ضرراً إذا كان المورد من قبيل الإجارة، فلو استأجر بيتاً ثم بان فساد العقد بعد سنة فيأخذ المسمّى ويدفع كراء المثل، فلا ضرر قطعاً.
وأمّا إذا ابتاع بيتاً ودفع الثمن وسكن فيه سنة، ثم بان فساد العقد فإيجاب ضمان ما استوفى من المنافع يُعدّ ضرراً ولا يجبره استلام مجرد الثمن، كما هو واضح،

1 . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث9.
2 . مصباح الفقاهة:2/324.
3 . الوسائل:19 ، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.

صفحه 295
مع أنّ البائع ربما ينتفع من الثمن خلال هذه المدّة.
قلت: كما أنّه يجب على المشتري ضمان ما استوفاه من منافع البيت، يجب على البائع ردُّ ما استوفاه من منافع الثمن خلال هذه المدّة، لأنّ الثمن ملك المشتري فلو اتّجر به البائع فإنّما اتّجر بمال الغير، فيكون أشبه بالمضاربة بمال الغير فضولة، ولو انتفع فإنّما انتفع بمال الغير فصحة ما ابتاع به تتوقّف على إجازة المشتري.
نعم لو لم ينتفع بالثمن، دخل المورد في المنافع غير المستوفاة وسيوافيك الكلام فيها. فضمان المنافع المستوفاة لا يختص بالمبيع بل يعم الثمن أيضاً.
ثمّ إنّه أُجيب عن هذه المناقشات بما لا حاجة إلى ذكره هنا.
والّذي ينبغي أن يقال: إنّ الفقيه في المقام في غنى عن إقامة الدليل على الضمان بهذه الوجوه الأربعة مع ما فيها من المناقشات والردود، فإنّ دليل الضمان هنا أوضح من أن يستدل عليه بهذه الوجوه، وهو وجود السيرة القطعية العقلائية الممضاة عند عامة الشعوب وهو أنّ استيفاء مال الغير لا يذهب هدراً وأنّ حرمة المال أمر فطري، اللّهمّ إلاّ إذا أهدر المالك كرامة ماله وأذن للآخرين استيفاء أمواله ومنافعها.
وربّما يستدل على الضمان بقاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن، قال السيد الخوئي: وهي بهذه الكيفية وإن لم تُذكر في رواية خاصة ولكنّها قاعدة كلية متصيّدة من الموارد الخاصّة الّتي نقطع بعدم وجود الخصوصية لتلك الموارد، وعليه فتكون تلك القاعدة متبعة في كلّ مورد تمس الحاجة إليه، والموارد الّتي أخذت منها هذه القاعدة هي الرهن والعارية والمضاربة والإجارة والوديعة وغير ذلك من الموارد المناسبة لها، فإنّه قد وردت فيها الأخبار الكثيرة الدالة على أنّ إتلاف مال

صفحه 296
الغير موجب للضمان، وقد استفاد منها الفقهاء ـ رضوان اللّه عليهم ـ قاعدة كلية، أعني بها قاعدة: «مَن أتلف مال غيره فهو له ضامن».1
يلاحظ عليه: أنّ هنا سببين مستقلين:
1. إتلاف مال الغير.
2. استيفاء منافع مال الغير.
فكلّ منهما سبب للضمان فالإتلاف عبارة عن حيلولة القابض بين المالك وماله فيضيع عليه ماله، وأمّا المقام فليس هناك حيلولة بل يقوم القابض باستيفاء منافع العين الّتي بيده، وعلى ذلك فلا وجه للاستدلال بقاعدة من أتلف على المورد، وها نحن نذكر بعض هذه الروايات الّتي أشار إليها المقرر في الهامش.
روى إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن الرجل يرهن الرجل بمائة درهم وهو يسوي ثلاثمائة فيهلك، أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مائتي درهم؟، قال: «نعم، لأنّه أخذ رهناً فيه فضل وضيّعه».2
إنّ التعليل في الرواية من أدلة القاعدة وأنّك ترى أنّه من موارد إضاعة المال على صاحبه لا استيفاء منافعه. إلى غير ذلك من الروايات الّتي وردت في الهامش.

نظرية ابن حمزة وعدم ضمان المنافع المستوفاة

ثمّ إنّ الظاهر من ابن حمزة في «الوسيلة» كما مرّ عدم ضمان المنافع المستوفاة في البيع الفاسد، مستنداً إلى النبوي المعروف: «الخراج بالضمان». روى أحمد في

1 . مصباح الفقاهة:2/385ـ 386.
2 . الوسائل:13، الباب 7 من أبواب الرهن، الحديث2.

صفحه 297
مسنده عن عروة، عن عائشة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الخراج بالضمان».1
وما رواه أحمد فإنّما هو جزء من حديث روته عائشة، إذ من البعيد أن يتكلم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ارتجالاً ويقول:«الخراج بالضمان» ما لم تكن هناك قضية يتوقف حلُّها على بيان ذلك الحكم.
وقد روى البيهقي في «باب المشتري يجد بما اشتراه عيباً وقد استغله زماناً»، عن مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاماً فاستغللته ثم ظهر منه عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي بردّه وقضى عليّ بردّ غلّته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية فأُخبره أنّ عائشة أخبرتني أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قضى في مثل هذا، انّ الخراج بالضمان، فعجّلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن رسول اللّه، فقال عمر: فما أيسر من قضاء قضيته، اللّه يعلم أنّي لم أرد فيه إلاّ الحقّ، فبلغتني فيه سُنّة عن رسول اللّه فأردّ قضاء عمر وأنفّذ سنة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الّذي قضى به عليّ.
ثم قال: وبهذا المعنى رواه مسلم بن خالد الزنجي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّ رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبه عيب لم يعلم به فاستغله ثم علم العيب، فردّه، فخاصمه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه إنّه استغله منذ زمان، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):الغلة بالضمان.2
كيفية الاستدلال: أنّ المنافع للمشتري في مقابل ضمانه لمال المالك بالثمن الّذي دفعه إليه، وهذا يعمّ العقد الصحيح والفاسد، ومن المنافع يعمّ المستوفاة وغيرها، فكأنّ الرواية بمنزلة بيان أنّ المشتري ينتفع بالمبيع في مقابل انتفاع البائع

1 . مسند أحمد:6/249.
2 . السنن الكبرى للبيهقي:5/322، كتاب البيع.

صفحه 298
بالثمن فهذا يقابل بهذا.
يلاحظ عليه: أنّ اللام في الضمان وإن كانت للجنس فتعم بظاهره الأقسام الثلاثة:
أ. المقبوض غصباً.
ب. المقبوض بالعقد الفاسد.
ج. المقبوض بالعقد الصحيح.
إلاّ أنّه لا يمكن الأخذ بالعموم.
أمّا الأوّل فلأنّه باطل لضرورة الفقه، إذ لو عمّه يكون معنى ذلك أنّ كلّ من اغتصب مال الغير وانتفع به مدّة مديدة لا يضمن المنافع المستوفاة في مقابل ضمانه للعين المغصوبة، وهذا هو الّذي قضى به أبو حنيفة1 وقد وصفه الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «بمثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركاتها»2، فهذا الاحتمال باطل جدّاً.
بقي الاحتمال الثاني والثالث الّذي نعبّر عنه بالضمان المعاوضي، سواء كان العقد صحيحاً أم كان فاسداً لكن مورد الرواية قرينة على أنّ المراد بالضمان هو الضمان المعاملي الصحيح، بأن يكون المشتري مالكاً شرعاً للمبيع ويستغله، ففي هذا المورد تكون الغلة في مقابل الثمن الّذي دفعه إليه، فاللام في الضمان تشير إلى هذا النوع من الضمان.
وأمّا الضمان المعاوضي الّذي لم يمضه الشارع ولم تحصل الملكية للمشتري

1 . المغني:5/400; المبسوط للسرخسي:11/54ـ57.
2 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب الإجارة، الحديث1. وهي صحيحة أبي ولاّد الحناط التي تأتي في الأمر السابع من هذا الفصل.

صفحه 299
فعموم الرواية بالنسبة إليه مورد تأمل، خصوصاً على ما قلنا من أنّ غرض الرواية أنّ انتفاع المشتري بالمال في مقابل انتفاع البائع بالثمن فيكون هذا مقابل هذا، وهذا يختص بما إذا كان هناك معاملة صحيحة وملكية محقّقة.
ويشهد على ما ذكرنا من التفسير لفيف من الروايات نذكر أحدها:
روى إسحاق بن عمار قال: حدثني من سمع أبا عبد اللّه(عليه السلام) وقد سأله رجل وأنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع دار فجاء إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه وتكون لك أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ؟ فقال: «لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه».
قلت: فإنّها كانت غلّة كثيرة فأخذ الغلّة لمن تكون الغلّة؟ فقال: «الغلّة للمشتري، ألا ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله».1
ترى أنّ الإمام حكم بأنّ الغلّة للمشتري في مقابل ضمانه للعين حيث لو احترقت لكان من ماله.
لاحظ بعض ما ورد في هذا المعنى فإنّ الجميع يشير إلى ما ذكرنا من معنى الرواية.2
وبذلك يعلم أنّ الاحتمالات الكثيرة حول الحديث كما احتمله السيد الخوئي إطناب غير لازم.3

1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث1.
2 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث3; والجزء 13 ، الباب5 من أبواب الرهن، الحديث6.
3 . مصباح الفقاهة:2/387ـ 388.

صفحه 300

نقوض قاعدة «الخراج بالضمان»

قد أُورد على قاعدة «الخراج بالضمان» عدة نقوض ناشئة من عدم الوقوف على حقيقتها، حسب ما فسّرناه آنفاً، وهي كما يلي:
1. النقض بالعارية، فإنّ الخراج ـ أي المنفعة ـ للمستعير مع أنّه غير ضامن.
2. تلف المبيع قبل القبض فإنّ الخراج بين العقد والقبض للمشتري كاللبن والصوف، إلاّ أنّ الضمان على البائع.
3. الخراج بعد القبض إذا اشترط الضمان على البائع إلى مدة، فإنّ الخراج للمشتري والضمان على البائع، لو قلنا بصحة هذا الشرط.
والجواب عن الجميع أنّ الضمان هناك كناية عن الملكية والتعليل في لسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ورد بأمر فطري ارتكازي، وقد قلنا في محلّه: إنّ التعليل في لسان الشرع يجب أن يكون بحكم عقلي بديهي أو قريب منه، أو بأمر فطري. إذا عرفت ذلك فمعنى الحديث النبوي انّ مالكية الخراج ـ أي المنافع المشروعية ـ تابع لمالكية العين، فالمشتري بما أنّه مالك للعين سواء أقبضها أم لم يقبض فالمنافع له. وبعبارة أُخرى: من عليه الغرم فله الغُنم وبذلك تبيّن جواب جميع النقوض.
أمّا النقض الأوّل فإنّ المستعير إنّما يتلقّى المنافع من المعير، فالمعير مالك والمنافع له أوّلاً وبالذات ويصدق في حقّه أنّ الخراج بالضمان; وأمّا المستعير فإنّما يملك المنافع بإذنه، ولكن المنافع بالذات للمالك.
كما يندفع النقضين: الثاني والثالث، فالمنافع للمشتري قبل القبض وبعد القبض في مقابل كونه مالكاً للعين، وليس المراد من الضمان هنا الضمان المصطلح

صفحه 301
حتّى يقال بأنّ البائع ضامن والمنافع للمشتري، بل الضمان كناية عن الملكية. فالمنافع للمشتري لكونه مالكاً.

حكم المنافع غير المستوفاة

قد عرفت أنّ الروايات الشريفة والسيرة العقلائية قائمة على ضمان المنافع المستوفاة، وأنّ مال المسلم لا يذهب هدراً، و أنّ مقتضى حرمة المال هو ضمانه، إنّما الكلام في المنافع غير المستوفاة، فقد استقصى الشيخ الأعظم الأقوال وهي خمسة:
الأوّل: الضمان; قال الشيخ: وكأنّه للأكثر، وقال في مكان آخر: وهو المشهور.
الثاني: عدم الضمان. وهو المحكي عن إيضاح فخر المحقّقين.(وقواه السيد المحقّق الخوئي).
الثالث: الضمان إلاّ مع علم البائع، وقد حكي عن بعض الحواشي على الشرائع.
الرابع: التوقّف في صورة علم البائع. استظهره صاحب جامع المقاصد، والسيد العميد من عبارة العلاّمة في القواعد.
الخامس: التوقّف مطلقاً، حكي عن الدروس والتنقيح والمسالك وهو محتمل قواعد العلاّمة.
هذه هي الأقوال الّتي جمعها الشيخ في المتاجر.1 وقال الشيخ: إنّ التوقّف أقرب إلى الإنصاف، ثمّ قال: القول بالضمان لا يخلو عن قوة.والأقوى هو القول الثاني.

1 . المتاجر:104ـ 105.

صفحه 302
وذلك بالبيان التالي:
إنّ هناك فرقاً بين الاستيلاء على مال الغير عنفاً وغصباً، وبين إقباض المالك العين للغير وقبضه بتصور أنّ العقد صحيح.
أمّا الأوّل: فيمكن أن يقال: إنّ المال المغصوب بالقهر والعدوان مضمون على الغاصب بجميع خصوصياته وشؤونه، ومن جملة الشؤون المنافع، سواء استوفاها، أم لم يستوفها فيجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة على المالك بجميع منافعها حتّى الفائتة بغير استيفاء.
وأمّـا الثاني: أي المقبوض باختيار المالك وإذنه، فالذي تقتضيه حرمة المال ضمان المنافع المستوفاة برد قيمتها لجريان السيرة العقلائية على الضمان، إذ لا وجه لأن ينتفع بمال الغير بلا عوض إلاّ إذا أذن إذناً جديداً، وأمّا غير المستوفاة فبما أنّ نسبة الدافع والقابض بالنسبة إلى فوت المنافع سيّان فلا وجه للحكم على القابض بالخروج عن المنافع الفائتة غير المستوفاة، بل يُعدّ ذلك عرفاً ظلماً وقولاً بالزور، إذ ليس له دور في فوت المنافع إلاّ نفس الدور الّذي للدافع.
وحصيلة الكلام: أنّ الضمان ـ بمعنى الاسم المصدري1 ـ كون المضمون في ذمة الضامن وعهدته، كما هو الحال في الغصب، والمقبوض بالسوم، أو الإتلاف يجب أن يكون للضامن فيه دور مستقل، وأمّا إذا لم يكن له ذلك فإلزامه بالضمان لا يناسب قاعدة العدل و الإنصاف، ولم نجد دليلاً صالحاً للضمان، وإليك دراسة أدلة القول بالضمان:

1 . المراد من الاسم المصدري هو كون الخسارة عليه سواء تعهد أم لا، في مقابل الضمان المصدري الّذي تكون الخسارة عليه لتعهده عرفاً وشرعاً.

صفحه 303

1. قاعدة «على اليد»

استدلّ بقاعدة «على اليد» بضمان المنافع غير المستوفاة بالبيان السابق في ضمان المنافع المستوفاة، وهو أنّ الاستيلاء على العين استيلاء على المنافع وأخذها أخذ بها، بل العين رمز للمنافع فلولاها لم يكن للعين قيمة.
يلاحظ عليه: بما مرّ من القدر المتيقّن من الرواية ـ بشهادة رجوع الضمير في قوله «يؤدّيه» إلى الموصول ـ هو ضمان العين لا المنافع ولا صلة لها بالمنافع، مستوفاة كانت أو لا، نعم هو ضامن للأولى بدليل آخر.

2. قاعدة الاحترام

لا شكّ أنّ مال المسلم محترم كحرمة دمه، ودلّ عليه الروايات التالية:
أ. ما قاله رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجة الوداع، :«دماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا وفي بلدكم هذا».1
ب. قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذر وفيه: «وحرمة ماله كحرمة دمه».2
ج. ما روي عن صاحب الدار(عج) قوله: لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه.3
وجه الاستدلال: هو أنّ المنافع ـ كما مرّ ـ مال فلا تحل لأحد بغير إذنه، والمفروض انتفاء إذن المالك وعدم الإذن الشرعي.
يلاحظ على الاستدلال: بعد تسليم أنّ هذه الروايات بصدد بيان الحكم

1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.
2 . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث3.
3 . الوسائل:7، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث7.

صفحه 304
الوضعي ـ كما مرّ ـ إنّما يطلق المال على الموجود بالفعل أو الموجود بالقوة إذا خرج إلى عالم الوجود، وأمّا الباقي في عالم القوة الّتي هي أشبه بعالم العدم فالروايات لا تشمله أبداً.

3. قاعدة نفي الضرر

ربما يتصور أنّ الحكم بعدم ضمان القابض ـ في المقام ـ للمنافع غير المستوفاة ضرر على المالك.
يلاحظ عليه: بأنّ مفاد الحديث ـ كما حققناه في محله ـ نفي الضرر المسبّب من الناس إلى بعضهم، فهذا النوع من الضرر ـ كضرر سمرة على صاحب البستان ـ منفي، ولكنّ الضرر في المقام ليس نابعاً من جانب القابض، بل مستند إلى الدافع ثم القابض.

4. قاعدة من أتلف

وقد استدلّ بها السيد الطباطبائي وقال: الضمان هو الأقوى، بمعنى أنّ حالها حال العين لقاعدة الإتلاف فإنّ الاستيلاء على العين ومنع المالك عن الانتفاع بها تفويت لمنافعها ويصدق عليه الإتلاف عرفاً، ولذا يحكم بالضمان لها في الغصب.1
يلاحظ عليه: بأنّه خلط بين يد المشتري الآخذ للعين بإذن البائع المستولي عليه حديثاً وبقاءً بطيبة نفس المالك، وبين الغاصب المستولي على العين عدواناً وقهراً، فما ذكره يتم في الثاني دون الأوّل.

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:96.

صفحه 305

5. الإجماع

وقد استظهره الشيخ الأنصاري عن كتاب السرائر. بيان ذلك: أنّ صاحب السرائر أفتى في باب الإجارة بضمان منافع المغصوب الفائتة.1وفي الوقت نفسه أفتى بأنّ البيع الفاسد عند أصحابنا بمنزلة الشيء المغصوب إلاّ في ارتفاع الإثم عن إمساكه.2
يلاحظ عليه: أنّ الإجماع المنقول ليس بحجة، خصوصاً في هذه المسألة الّتي نعلم قطعاً بعدم ورود نص فيها وصل إليهم ولم يصل إلينا، فمن المظنون أنّهم اعتمدوا على الوجوه الّتي درسناها وأثبتنا ضعفها. فالأقوى كما ذكرنا عدم الضمان.

1 . السرائر:2/285.
2 . المتاجر:105.

صفحه 306

الأمر الرابع

ضمان المثلي بالمثل

تحليل هذه القاعدة يتوقّف على دراسة أمرين:
الأوّل: ما هو الميزان في كون التالف مثلياً أو قيمياً؟ وهذا بحث صغروي .
الثاني: ضمان المثلي بالمثل وضمان القيمي بالقيمة وهو بحث كبروي. وقد أطال الشيخ(رحمه الله) الكلام في الصغرى وأوجز في الكبرى، ولو أوجز في كليهما لكان أفضل.
فلنقدّم البحث أوّلاً في الصغرى، ثم في الكبرى.
اعلم أنّ هذه القاعدة لم ترد في رواية، وإنّما وقعت موقع الإجماع، في كلام الفقهاء، كما سيوافيك.
وقد عرّف المثلي والقيمي بتعاريف ربّما ناهز عددها العشرة أو أكثر، كما أورده صاحب الجواهر1 غير أنّ الفقهاء بتعاريفهم تلك أرادوا أن يشرحوا ما هو المرتكز في العرف، لأنّ العرف بفطرته يعرف ما هو المثلي والقيمي ويميّز بينهما بلا حاجة إلى هذه التعاريف، ولذلك لو أرجعنا القضاء في ذلك إلى العرف لكان أفضل، فما حكم به العرف أنّه مثلي فيضمن بالمثل، وما حكم به العرف أنّه قيمي

1 . الجواهر:37/90.

صفحه 307
فبالقيمة. وبالرغم من ذلك لا بأس بذكر بعض التعاريف:
الأوّل: المثلي: هو ما تتساوى قيمة أجزائه، وزاد بعضهم بالتمثيل بالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والأدهان. وبما أنّه ربّما لا تتساوى قيمة أجزاء نوع الحنطة فسّره بعضهم بتساوي قيمة أجزاء الصنف من النوع منه، وبما أنّه لا تتساوى قيمة أجزاء صنف واحد من النوع فسّره بعضهم بالأشخاص من الصنف.1
وبذلك تعرف أنّ القيمي هو الّذي يقابل المثلي، أي الّذي لا تتساوى قيمة أجزائه.
فإن قلت: هذا يوجب أن لا يكون الدرهم الواحد مثلياً، إذ لو انكسر نصفين نقصت قيمة مثله عن نصف قيمة المجموع.
قلت: النقض غير وارد، لأنّ المراد هو نوع الدرهم أو صنفه أو شخصه الصحيح. ولذلك تساوي قيمة درهم واحد قيمة نصف الدرهمين.
فإن قلت: إن أُريد تساوي الأجزاء من صنف واحد من حيث القيمة تساوياً حقيقياً فقلّما يتفق ذلك، لأنّ أشخاص ذلك الصنف لا تكاد تتساوى في القيمة لتفاوتها بالخصوصيات الموجبة لزيادة الرغبة ونقصانها، وإن أُريد تقارب أجزاء ذلك الصنف من حيث القيمة وإن لم تتساو حقيقة تحقّق ذلك في أكثر القيميات، فإنّ لنوع الجارية أصنافاً متقاربة في الصفات الموجبة لتساوي القيمة، وبهذا الاعتبار يصح السلم فيها. حتّى أنّ الرطب والفواكه من القيميات مع أنّ نوع كلّ منهما مشتمل على أصناف متقاربة في القيمة بل متساوية عرفاً.
قلت: قد مرّ أنّ المحور في التساوي هو تساوي أجزاء الشخص لا النوع ولا

1 . جواهر الكلام:37/89.

صفحه 308
الصنف.
ولعل هذا التعريف هو أفضل التعاريف وأتقنها وهو المشهور، وهناك تعاريف أُخرى نتلوها عليك.
الثاني: المثلي ما تماثلت أجزاؤه وتقاربت صفاته. وهذا هو المحكي عن التحرير.1
الثالث: المثلي: المتساوي الأجزاء والمنفعة، المتقارب الصفات. وعليه الشهيدان في الدروس والروضة.2
الرابع: ما تساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية. وهو المحكي عن غاية المراد.3
الخامس: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن.
السادس: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن وجواز بيعه سلماً.
السابع: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن وجاز بيعه سلماً وبيع بعضه ببعض.
وقد حكيت التعاريف الثلاثة الأخيرة عن فقهاء السنة.4
إلاّ أنّ كلّ هذه التعاريف لا تُحلّ العُقدة ـ لو لم تزد في الطين بلة ـ والأولى الرجوع إلى العرف، فما رآه مثلياً فهو مثلي وما رآه قيمياً فهو قيمي، والتعاريف الّتي ذكرنا أتت في خدمة العرف وبيان مرتكزه، إلاّ أنّ الّذي يجب أن نركز عليه أنّ كثيراً من القيميات صارت في أعصارنا مثليات، فقد كان الحيوان والثوب أمراً

1 . تحرير الأحكام:4/529، كتاب الغصب.
2 . الدروس الشرعية:3/113، الدرس 219; الروضة البهية:7/36.
3 . غاية المراد:135.
4 . جواهر الكلام:37/90.

صفحه 309
قيمياً لقلة العثور على حيوان يشبه الآخر تماماً كالغنم، وهكذا الثوب الّذي كان ينسج بالآلات اليدوية.
ولكن بعد النهضة الصناعية أصبح كثيرٌ من القيميات أُموراً مثليّة، فإنّ مصانع النسيج تخرج إلى الأسواق كلّ يوم آلاف الأمتار من القماش وكلّ منها مثل للآخر أو صنفه أو شخصه.
وكذلك في حقول الدواجن فإنّها تنتج الطيور بوزن واحد ومواصفات متشابهة. ولذلك لا عتب على الإيجاز في التعريف وإرجاع الصغرى إلى العرف، إنّما الكلام في الكبرى.

دراسة كبرى القاعدة

أمّا الكبرى فهي مركبة من شيئين:
1. ضمان المثلي بالمثل.
2. ضمان القيمي بالقيمة.
ونخص المقام بالبحث عن الأمر الأوّل، ونحيل البحث عن الأمر الثاني إلى محله.

ضمان المثلي بالمثل

المشهور هو ضمان المثلي بالمثل، وقد استدلّ عليه بوجوه:
الأوّل: الاستدلال بالكتاب العزيز
قال سبحانه:(الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ

صفحه 310
الْمُتَّقِينَ).1
و(الشَّهرُ الْحَرامُ) عبارة عن أشهر رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم الحرام، سميت بذلك لحرمة القتال فيها.
فقوله:(الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرام) أي من استحل دمكم أيها المسلمون في هذا الشهر فاستحلوا أنتم دمه فيه.
وقوله: (وَالْحُرُماتُ قِصَاصٌ)أي مَن ينتهك حرمات اللّه يقتص منه ويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع كل عذر يتذرع به من ينتهك الحرمات، فمن استباح دماء الناس وأموالهم وأعراضهم استبيح منه ما استباح هو منهم.
وقوله: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ)بيان لكيفية القصاص، وهو أن تكون العقوبة مماثلة لجناية المعتدي دون زيادة أو نقصان.
هذا هو معنى الآية، إنّما الكلام في الموصول الوارد في قوله: (بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) ففيه وجهان:
الأوّل: المماثلة في جنس الاعتداء أن تكون مصدرية غير زمانية، فيكون معنى الآية اعتدوا عليه بمثل اعتدائه عليكم، فإذن تختص الآية بالاعتداء بالأفعال ويكون معنى الآية: انّه إن أتلف أموالكم فلكم أيضاً إتلاف أمواله، وعلى هذا فلا دلالة للآية على الضمان، بل تدل على جواز الإتلاف.
ولعل هذا هو المتيقّن لورود الآية في ثنايا آيات الجهاد مع المشركين، فالآية ترخّص للمسلمين الاعتداء على المشركين اعتداءً مماثلاً لاعتدائهم حتّى لا يخرجوا

1 . البقرة:194.

صفحه 311
عن حدود العدل. وأين هي من الدلالة على ضمن المثلي بالمثلي، مع أنّ الآية تركز على الأفعال، دون الأعيان.
الثاني: المماثلة في المعتدى به أن تكون «ما» موصولة ويكون المراد بها المعتدى به، فإن يكون المعنى: فاعتدوا عليه بمثل الشيء الّذي اعتدى به عليكم. فيكون المراد من الموصول الأعيان الخارجية من النقد والعرض. فيصير الاعتداء كناية عن اشتغال ذمة المعتدي بالمثل، ولكن سُمّي هذا اعتداءً مجاراةً لفعل المعتدي.

الثاني: الاستدلال بالسنّة

قد ورد في غير واحدة من الروايات من أنّه إذا اقترض الخبز أو الجوز يجوز ردّ مثله وإن اختلف في الكبر والصغر، منها:
1. روى الصدوق عن الصباح بن سيابة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انّا نستقرض الخبز من الجيران ونردّ أصغر منه أو أكبر، فقال(عليه السلام): «نحن نستقرض الجوز الستين والسبعين عدداً فيكون فيه الكبيرة والصغيرة فلا بأس».1
2. روى إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): استقرض الرغيف من الجيران ونأخذ كبيراً ونعطي صغيراً ونأخذ صغيراً ونعطي كبيراً؟ فقال: «لا بأس».2
يلاحظ عليه: أنّ الروايتين بصدد بيان عدم لزوم الربا بمناسبة الصغر والكبر، لا بصدد بيان ضمان المثلي بالمثل، بل تدلان على أنّ ضمانه به كان أمراً فطرياً ارتكازياً.

1 . الوسائل:13، الباب21 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.
2 . نفس المصدر: الحديث2.

صفحه 312

الثالث: الإجماع

قال: صاحب الجواهر: إنّ ضمان المثلي بالمثل من قطعيات الفقه كما يومي إليه أخذه مسلّماً في سائر أبوابه. ففي «جامع المقاصد» الإجماع عليه، بل في «غاية المراد» أطبق الأصحاب على ضمان المثلي بالمثل.1
والظاهر أنّ الدليل الوحيد هو الارتكاز وليس الإجماع كاشفاً عن الدليل بل إجماعهم لأجل وجود السيرة العقلائية على ضمان المثلي بالمثل، وذلك لقضاء العرف على أنّه إذا لم يتمكن من ردّ العين يرجع إلى الأقرب إلى التالف وهو المثل.
ويمكن أن يوجه الارتكاز بما ذكره المحقّق النائيني بقوله: إنّ مقتضى النبوي انّ كلّ ما دخل تحت اليد يجب على الضامن ردّه فمادامت العين موجودة تدخل بخصوصياتها النوعية والشخصية والمالية تحت الضمان، وإذا تلفت لابدّ من ردّ عوضها، فإذا لم يتمكن من ردّ الخصوصية الشخصية تبقى النوعية والمالية في ضمان الشخص.2
ويقول المحقّق الاصفهاني: نعم إذا دخلت العين في العهدة فقد دخلت بجميع شؤونها فيها، فإذا تلفت فقد تلفت بجميع شؤونها وحيثياتها، ومن أحكام عهدة العين التالفة شرعاً وعرفاً أداء بدلها بطبيعتها المماثلة وبماليتها، إذا أمكنتا، وبالأخيرة إذا لم يتمكن.3
ولعلّ ما ذكره كان توضيحاً لما هو المرتكز، والظاهر عدم الحاجة إلى هذه الإطالة، ويكفي في ذلك انّ كيفية الضمان أمر عقلائي لا يختص بدائرة الشرع ولا

1 . الجواهر:37/85.
2 . منية الطالب:135.
3 . تعليقة المحقّق الإصفهاني:79.

صفحه 313
بالمسلمين، وحكم العقلاء في أبواب الغصب وفي إتلاف الأمين أو الإتلاف من دون يد، هو ضمان المثليات بالمثل، فلا تجد تخلفاً عن ذلك من غير فرق بين باب الغرامات والضمانات.

إذا شكّ في كون شيء مثلياً أو قيمياً

إذا شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً ـ ولعلّ هذا الفرض قليل أو نادر ـ وإن كان الظاهر من الفقهاء أنّه شائع حيث اختلفوا في أنّ الذهب والفضة المسكوكين مثليان كما عليه الفقهاء، أو قيميان كما عليه الشيخ في المبسوط1، كما اختلفوا في الحديد والنحاس والرصاص، وكذلك اختلفوا في الرطب والعنب والزبيب والتمر.2
والمستفاد من الكلمات هو الضمان بالمثل، وسيأتي من الشيخ استثناء مورد من هذه الضابطة.
واستدل على الضابطة بأنّ كلّ ما أجمعوا على كونه قيمياً يؤخذ به، وأمّا في موارد الشك فيجب الرجوع إلى المثل، لأنّ مقتضى عموم الآية والأخبار وجوب المثل في جميع الموارد خرج منه ما أجمعوا على كونه قيمياً، إلاّ أنّ القيمي مردد مفهوماً بين الأقل والأكثر، ويقتصر في التخصيص على القدر المعلوم وهو ما أُجمع على كونه قيمياً، فيبقى المشكوك تحت العموم.3
توضيح ذلك: أنّه إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم الفساق من العلماء، فصار مفهوم الفاسق مجملاً مردداً بين كونه مرتكب الكبيرة أو أعم منه

1 . المبسوط:3/60.
2 . المبسوط:3/99; مختلف الشيعة:6/135.
3 . المتاجر:106.

صفحه 314
ومرتكب الصغيرة، فيقتصر في تخصيص العام بالأقل المتيقّن وهو الكبيرة ويرجع في الصغيرة إلى العام.
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ ما ذكره صحيح فيما إذا كان المخصص دائراً بين الأقل والأكثر مفهوماً كما في المثال المذكور لا مصداقاً كما هو الحال في المثال التالي: إذا قال: لا تكرم الفساق، وتردّد الفاسق بين التسعة والعشرة مصداقاً ، ففي هذا المقام لا يتمسك بالعموم في الفرد الزائد على التسعة. ونظيره المقام فإنّ القيمي معلوم مفهوماً، إنّما الإشكال في المصداق كالأمثلة الّتي تقدمت.
وربما يرجع في نفس المسألة (إذا شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً) إلى القرعة تارة وإلى حكم الحاكم أُخرى، ولكن الرجوع ضعيف، لأنّ موردهما الشبهة الموضوعية، كما إذا تردد الغنم الموطوء بين مائة رأس. لا مثل المقام حيث إنّ الشك تعلق بالحكم الكلي وهو: إذا دار الشيء بين كونه مثلياً أو قيمياً فماذا يكون حكمه الشرعي؟
والأولى أن يستدلّ على الرجوع بالمثل بالوجهين التاليين:
1. انّ اللازم أوّلاً ردّ نفس العين بجميع خصوصياتها النوعية والصنفية والشخصية والمالية. فإن تلفت العين ولم يتمكن من المحافظة على الخصوصيات الشخصية يجب المحافظة على الخصوصيات النوعيةوالصنفية والمالية، وإن لم يتمكن من المحافظة على الخصوصيات يجب المحافظة على المالية، ويترتّب على ذلك انّه لو تمكّن من ردّ المثل لا تصل النوبة إلى القيمة.
2. انّ الاشتغال اليقيني بردّ مال الغير يقتضي ردّ المثل، إذ معه يحصل اليقين بالخروج عن الاشتغال دون القيمة.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري استثنى منها مورداً وقال:وما شك في كونه قيمياً أو

صفحه 315
مثليّاً ملحقاً بالمثلي مع عدم اختلاف قيمتي المدفوع والتالف ومع الاختلاف(نقصان المثل عن التالف من حيث القيمة نقصاناً فاحشاً) أُلحِقَ بالقيمي.
قلت: لعلّ وجهه انّ المقام يكون من قبيل دوران الأمر بين المتباينين حيث إنّ الواجب مردد بين الخروج عن الذمة بالدرهم والدينار وبين الخروج عنها بالمثل. ومقتضى تحصيل البراءة اليقينية هو دفع القيمة.
وإنّي أرى أنّ الإطناب في المقام غير مطلوب، إذ قلّما يتفق للعرف الشك في كون شيء مثلياً أو قيمياً، ولو كان الشك غير عزيز في الأعصار السابقة ولكن الحضارة الصناعية تجاوزت هذه المسألة.

صفحه 316

الأمر الخامس

إذا لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل

قال العلاّمة في «القواعد»: لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل ففي وجوب الشراء تردد.1
أقول : للمسألة صورتان:
الأُولى: إذا كان ارتفاع القيمة لأجل ارتفاع السوق وذلك لكثرة الرغبات والطلبات، فصارت قيمة المثل أكثر من قيمة التالف يوم تلفه. وبعبارة أُخرى: إنّ ارتفاع القيمة لم يكن لعزّة وجوده وقلة حصوله، بل الوجود غير عزيز ولكن القيمة مرتفعة لأجل زيادة الطلب.
الثانية: إذا كان ارتفاع القيمة لعزة الوجود وفقده، إلاّ عند من يعطيه بأزيد ممّا يرغب فيه الناس حتّى مع وصف الإعواز بحيث يُعدّ بذل ما يُريد مالكه بإزائه ضرراً عرفاً.
أمّا الصورة الأُولى: فلا إشكال في وجوب شراء المثل وإبراء الذمّة وذلك لوجوب ردّ مال الناس إليهم من غير فرق بين عدم ارتفاع القيمة أو ارتفاعها، ولا

1 . قواعد الأحكام:2/227.

صفحه 317
يُعدّ ذلك إضراراً من الناس بالنسبة إلى الدافع.
أضف إلى ذلك أنّ الحكم بالضمان ورد في مورد الضرر، فلا يرتفع بدليل نفي الضرر.
وأمّا الصورة الثانية: فقد تردد فيها الشيخ بادئ الأمر وقال: فيمكن التردد فيها، لأنّ الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم، كالرقبة في الكفارة والهدي في الحج، لكنّه(قدس سره) قال بوجوب الشراء بنفس الدليل المذكور في الصورة الأُولى، ويريد بذلك عموم النص والفتوى.
ولكن المساعدة مع ما ذكره الشيخ مشكلة، لحكومة قاعدة نفي الضرر على العمومات.
وإن شئت قلت: إنّ عزة الوجود إلاّ عند من لا يبيع إلاّ بأزيد من ثمن المثل حتّى في حال الغلاء والقحط يُلحقُ المورد بالمعدوم فينتقل إلى القيمة لعدم شمول إطلاقات الأدلة لهذا النوع من المثل، اللّهم إلاّ إذا كانت الزيادة قليلة يتسامح فيها الناس عادة، فيجب عليه شراء المثل.
نعم لو أقدم بنفسه وحده ـ كما في الغاصب ـ كان لما ذُكر وجه، وأمّا في مسألتنا ففي صورة الجهل ليس المشتري مُقْدماً على الضرر.

صفحه 318

الأمر السادس

لو تعذر المثل في المثليّ

لو تعذر المثل في المثلي، بمعنى أنّ المثل كان موجوداً فلم يغرمه حتّى فُقد أو كان مفقوداً حين التلف، ففي المقام أُمور:

1. وجوب دفع القيمة مع المطالبة

إذا فقد المثلُ فهل يجب على القابض دفع القيمة أو لا؟ فهنا صورتان:
أ. أن يطالب المالك بحقه من القابض فيجب دفع القيمة.
ووجهه واضح: لأنّ منع المالك من المطالبة ظلم، ومن جانب آخر إلزام الضامن بالمثل منفيٌّ بالتعذر، فوجبت القيمة جمعاً بين الحقّين.
ب. أن لا يطالب بحقه ويصبر إلى العثور على المثل، فعندئذ لا دليل على سقوط حقه عن المثل، ولم يكن للقابض إجباره بالقيمة.
وبذلك يُعلم أن من أطلق الحكم بالقيمة عند تعذر المثل لعله أراد صورة المطالبة.

2. ما هو المعتبر في قيمة المثل المتعذر؟

هنا عدّة احتمالات نذكر منها ما يلي:
أ. قيمة يوم التلف.

صفحه 319
ب. قيمة يوم الدفع.
ج. قيمة يوم الأخذ.
د. أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان الدفع.
هـ. أعلى القيم من زمان التلف إلى زمان الأداء.
وقد ذكر العلاّمة بعض هذه الاحتمالات في القواعد، قال: ففي القيمة المعتبرة، احتمالات:
أ. أقصى قيمته من يوم الغصب إلى التلف.
ب. أقصى قيمته من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز.
ج. أقصى القيم من وقت الغصب إلى الإعواز.
د. أقصى القيم من وقت الغصب إلى وقت دفع القيمة.
هـ. القيمة يوم الإقباض(يوم الدفع).1
والاحتمال الأخير هو المشهور.
قال الشيخ: المشهور انّ العبرة في قيمة المثل المتعذر، بقيمته يوم الدفع، وهو الأقوى.
وذلك لأنّ القابض بغير حق شرعي لفساد العقد مسؤول بالنسبة إلى ما أخذ وهو على عهدته لا بمعنى أنّ العين الشخصية في ذمته حتّى يقال انّ العين الخارجية ظرفه الخارج والذمة ظرف للكليات. بل بمعنى أنّ القابض بأخذ مال الغير صار مسؤولاً بالنسبة لما أخذ فما لم يخرج عن العهدة والمسؤولية، فهو مسؤول عن العين لا عن مثلها ولا قيمتها، وإنّما يحصل الانقلاب لأجل الإعواز بالتراضي بالعوض، فتقوّم العين ـ على فرض وجودها ـ وتدفع قيمتها إلى البائع. وهذا عبارة

1 . قواعد الأحكام:2/227ـ 228. ولاحظ جامع المقاصد:6/253ـ 254.

صفحه 320
أُخرى عن ضمان قيمة المثل يوم الدفع.
وبذلك يُعلم وجود المسامحة في عبارة الشيخ حيث قال: المعتبر في قيمته المثل المتعذر بقيمته يوم الدفع، لأنّ المثل ثابت في الذمة إلى ذلك الزمان فلا دليل على سقوطه بتعذره، كما لا يسقط الدين بتعذر أدائه.1
وجه المسامحة: انّ الصحيح هو أن يقول: إنّ العين ثابتة في الذمة إلى ذلك الزمان... إلى آخر ما ذكره.
وبذلك يُعلم حال سائر الاحتمالات وضعفها، لأنّ أكثرها مبنيّة على انقلاب المثلي إلى القيمة يوم الإعواز أو يوم التلف أو يوم أدائها، وقد عرفت أنّ المسؤولية بالنسبة إلى العين باقية إلى يوم التلف ولا أثر لارتفاع القيمة أو نزولها بين الدفع وقبض العوض.
وقد أطال الشيخ الكلام بذكر الاحتمالات المتقدمة وما يصلح دليلاً عليها ولكن الجميع احتمالات ضعيفة مبنية على أصل غير صحيح وهو تبدل المسؤولية من العين إلى غيرها.
فإن قيل: إنّ الضمان لابدّ وأن ينتقل إلى القيمة عند إعواز المثل، وإلاّ لم ينتقل إلى المثل أيضاً عند تلف العين الشخصية.
قلت: قد عرفت أنّ الثابت في الذمة ـ بمعنى مسؤولية الإنسان تجاه المالكـ، هو نفس العين من غير فرق بين المثلي والقيمي، فما ذكره في ذيل كلامه: «وإلاّ لم ينتقل إلى المثل أيضاً عند تلف العين الشخصية» غير صحيح. إذ لا ينتقل إلى المثل عند التلف بل الثابت في الذمة مطلقاً هو العين إلى زمان الخروج عن العهدة.

1 . المتاجر:107.

صفحه 321

3. تعذر المثل من أوّل الأمر

ثمّ إنّ الظاهر من كلام العلاّمة في «القواعد» أنّ موضوع المسألة هو ما إذا لم يتعذر المثل حين التلف وإنّما فُقد بعده، حيث قال: لو تلف المثلي في يد الغاصب ـ و المثل موجود فلم يغرمه حتّى فقد ـ. ولكن الظاهر عدم الفرق، لما عرفت من أنّ المسؤولية بالنسبة إلى العين تبقى إلى حين الخروج عن الذمة، فوجود المثل حين التلف وعدمه لا يؤثر فيما ذكرنا.
نعم يمكن أن يتوهم على القول بانقلاب ضمان العين إلى المثل عند التلف.

4. ما هو المناط في التعذر والإعواز؟

حُكي عن العلاّمة أنّه قال: إنّ المراد بإعواز المثل أن لا يوجد في البلد ولا حوله، وزاد في المسالك قوله: ممّا يُنقل عادة منه إليه، وعن جامع المقاصد: إنّه يرجع فيه إلى العرف. ويظهر من الشيخ قول رابع وهو وجوب تحصيل المثل وإن توقّف تحصيله على مؤونة كثيرة.
ولكن الظاهر ما ذكره الأعلام الذين تعرّفت على كلامهم، فإنّ سيرة العقلاء جرت في الإعواز وعدمه، وهو وجود المثل وعدمه في البلد وأطرافه، وأمّا البلد النائي أو البلاد النائية الّتي يتوقف تحصيل المثل منها على مؤونة كثيرة فهو ضرر على المشتري.

5. معرفة قيمة المثل

إذا فرضنا إعواز المثل فهل الملاك في التعرف على قيمته، فرض وجوده ولو في غاية العزّة كالفاكهة في أوّل زمانها أو آخره، أو فرض وجوده في غاية الوفرة. أو

صفحه 322
لا هذا ولا ذاك بل المتوسط بين الفرضين، كما هو الحال في أكثر الموارد وهو الأقوى.
وربما يقال:إنّه يقدر وجوده حتّى على نحو العزّة، لأنّ المفروض أنّ الثابت في الذمة هو المثل، والقيمة هي قيمته بلا زيادة.
يلاحظ عليه: بأنّ قيمة المثل إذا كانت مختلفة فلماذا تعينت قيمة ذلك المثل؟ أضف إلى ذلك : أنّه يستلزم الضرر على المشتري من جانب البائع، إذ من المعلوم انّه ترتفع قيمة المثل عند عزّة الوجود إلى أضعاف قيمته عند الوفرة. ثم إنّ ما ذكرنا أنّ الملاك هو الزمان المتوسط بين العزّة والوفرة لا ينافي ما ذكرنا من كون القابض مسؤولاً عن العين، لكن كيفية الخروج عن العهدة إنّما هو بلحاظ الشيء في وقت لا نادر ولا وافر.

6. سقوط العين عن المالية

لو سقط المثل عن المالية بالمرّة كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في المفازة، والثلج في الشتاء إذا أتلفه في الصيف، فلا مناص من دفع القيمة، إنّما الكلام في تعيين قيمته فلا يمكن أن يقال تجب عليه قيمة يوم الدفع، لخروجه عن المالية، ولعل العرف يساعد على قيمة اليوم الّذي سقط فيه المثل عن المالية.

7. إذا تمكن من المثل بعد تعذره

لو دفع القيمة في المثلي المتعذر مثله، ثم تمكن من المثل، فهل يعود المثل إلى ذمته أو لا؟ وجهان:
1. لا يعود المثل إلى ذمته، لأنّ المثل كان ديناً في الذمة، سقط بأداء عوضه مع التراضي فلا يعود، كما لا يعود لو تراضيا بعوضه مع وجود المثل.

صفحه 323
2. يعود، لأنّ المثل بتعذره النازل منزلة التلف صار قيمياً، لا مطلقاً فلذلك يحتمل وجوب المثل عند وجوده، لأنّ القيمة حينئذ بدل الحيلولة عن المثل وحكمه حكم المبدل عند انتفاء الحيلولة.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر هو الأوّل وذلك لما عرفت من أنّ الثابت في الذمة في المثلي والقيمي هو العين مطلقاً، غير أنّ الطرفين يتفقان على سقوط ما في الذمة بالمثلي تارة إذا كان أقرب إلى العين، وبالقيمة ـ تارة أُخرى ـ فإذا كان المثلي متعذراً. فالاتفاق على السقوط نوع تعاهد من الطرفين على الإبراء مطلقاً سواء وجد المثل بعد أم لم يوجد.
وتصور أنّ دفع القيمة كبدل الحيلولة فإذا تمكّن من ردّ العين، يجب ردّها، بعيد عن أذهان العرف، لأنّ في دفع بدل الحيلولة نوع توقيت لما أخذ، كما إذا جعل الخشب المغصوب جزءاً للسفينة وهي في البحر، فما يأخذه من القيمة يكون بدل الحيلولة إلى أن تصل السفينة إلى الساحل ويأخذ خشبته; وهذا بخلاف المقام، فإنّ المتبادر هو انتهاء الأمر بينهما بأخذ القيمة، وإنهاء المخاصمة بأخذها.

صفحه 324

الأمر السابع

لو كان التالف المبيع بالعقد الفاسد، قيمياً

إذا كان التالف المبيع بالعقد الفاسد قيمياً فهناك بحوث ستة:

البحث الأوّل: ضمان التالف القيمي بالقيمة

اتفق الفقهاء ـ إلاّ من شذ ـ على أنّ التالف القيمي يُضمن بالقيمة، وتدل عليه الأخبار الكثيرة المتفرقة في كثير من القيميات، هذا ما ذكره الشيخ ولم يذكر من الروايات شيئاً، ويمكن أن يستدل عليه ببعض الروايات الواردة في تقويم العبد المشترك إذا باع أحد الشريكين حصته حيث تقوّم الحصة الأُخرى على من باعه، نظير:
1. روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «من كان شريكاً في عبد أو أمة قليلاً أو كثيراً فأعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كله، وإن لم تكن له سعة من مال نُظر في قيمته يوم أُعتق منه ما أُعتق ثم يسعى العبد بحساب ما بقي حتّى يُعتق».1 والرواية صحيحة لا حسنة، فإنّ إبراهيم بن هاشم من أعلى الثقات وإن لم يوصف بكونه ثقة.

1 . الوسائل:16، الباب18 من أبواب العتق، الحديث3. ولاحظ بقية الأحاديث في هذا الباب.

صفحه 325
2. روى السكوني قال: سُئل أمير المؤمنين(عليه السلام) عن سُفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وبيضها وجبنها وفيها سكّين؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يقوّم ما فيها ويؤكل لأنّه يفسد وليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن». قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال: «هم في سعة حتّى يعلموا».1
أمّا إذا لم يكن للتالف مثل فلا شك أنّه يُضمن بالقيمة للارتكاز المسلّم بين العقلاء، وقد مرّ أنّ كيفية الخروج عن الضمان أمر عقلائي.
إنّما الكلام فيما إذا كان قيمياً لكن وُجد له المثل، فهل يجب على الضامن دفع المثل، كما فيمن أتلف عبداً من شخص باعه عبداً موصوفاً بصفات ذلك العبد بعينه كما مثل به الشيخ، ويمكن التمثيل بما لو كان له فرسان توأمان باعهما لشخص آخر بعقدين أحدهما فاسد و الآخر صحيح، وقد تلف المأخوذ بالعقد الفاسد، فهل يجب عليه دفع الفرس الآخر الّذي عنده مع كون الفرس قيمياً؟ وهل يجوز للمضمون له رفض القيمة وطلب المثل أو لا؟
الظاهر يجب على القابض دفع المثل كما يجوز للمالك طلبه ورفض القيمة وذلك لما عرفت من أنّ الثابت في الذمة هو نفس العين التالفة المضمونة بصفات نوعها وصنفها وشخصها وماليتها، فإذا لم يتمكن من تدارك الصفات ـ بأجمعها ـ تبقى المالية في ذمته. وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ بقوله: «لأنّ خصوصيات الحقائق قد تقصد»2 مضافاً إلى أنّ العرف يساعد على ذلك.
ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي في المقام.

1 . الوسائل:2، الباب50 من أبواب النجاسات، الحديث11.
2 . المتاجر:109، طبعة تبريز.

صفحه 326
روى البيهقي عن أنس أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أُمّهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت (بعض نسائه) بيده فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول والقصعة حتّى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة.
وفي رواية أُخرى عن عائشة: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية بعثتْ إلى رسول اللّه بإناء فيه طعام، فضربته بيدي فكسرته، فقلت: يا رسول اللّه ما كفّارة هذا؟ قال: إناء مكان إناء وطعام مكان طعام.1
وجه الاستدلال: بأنّ الأواني من قبيل القيميات مع أنّ النبي دفع قصعة صحيحة مكان المكسورة، وهذا يشهد على أنّه إذا كان للقيمي مثل يقدم المثل على القيمة، ولذلك نرى أنّ صاحب الجواهر يقول في كتاب القرض: الإنصاف عدم خلو القول به من قوة.2
والظاهر أنّ الحكم لا يختص بكتاب القرض بل يعم عامة الضمانات.
وجهه انّ أبواب الضمانات والغرامات من الأُمور العرفية، وكيفية الخروج منها ترجع إليهم، وليس للشارع فيها طريقة خاصة، فطريقته هي طريقة العقلاء، وقد مرّ أنّ العرف يساعد على جواز مطالبة المضمون له المثلَ الموجودَ من الضامن.

البحث الثاني: ما هو الملاك في تعيين القيمة؟

قد عرفت أنّه إذا لم يكن للقيمي مثل فلا طريق إلى الخروج عن الضمان إلاّ بأداء القيمة، إنّما المهم هو بيان ما هو الملاك لتعيين القيمة فهناك احتمالات، وقد

1 . السنن الكبرى:6/96.
2 . جواهر الكلام:25/20.

صفحه 327
مرت عند البحث في تعذر المثل، فهل الملاك هو قيمة يوم الضمان، أو يوم التلف، أو يوم المطالبة، أو يوم الأداء، أو أعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف، أو أعلاها من يوم القبض إلى يوم الأداء، أو أعلاها من يوم التلف إلى يوم الأداء؟ وجوه واحتمالات.
أمّا الاحتمالات الثلاثة الأخيرة ـ أعني: أعلى القيم ـ فساقطة جدّاً لما عرفت من أنّ المضمون هو نفس العين إلى يوم الأداء فلا وجه بتعيّن أعلى القيم بصوره الثلاثة، إذ ليست القيمة مضمونة حتّى يضمن أعلاها، فبقي الكلام في الاحتمالات الأربعة الأُول: يوم الأداء ، يوم الضمان، يوم التلف، ويوم المطالبة.والأوّل مقتضى القاعدة، والثاني هو المستظهر من صحيحة أبي ولاّد، والثالث والرابع مبنيان على انقلاب العين إلى القيمة في ذينك اليومين، والأولى دراسة المسألة في مقامين:
الأوّل: مقتضى القاعدة .
الثاني: مقتضى صحيحة أبي ولاّد. ثم نعرج إلى القول بأعلى القيم.

1. مقتضى القاعدة: قيمة يوم الأداء

فنقول: إنّ مقتضى القاعدة كما في المثلي المتعذر مثله، هو تعيّن يوم الأداء، وذلك لما عرفت من أنّ المرتكز في الأذهان أنّ المشتري ضامن للعين فهو مسؤول بالنسبة إليها ومتعهد بها إلى اليوم الّذي يتّفق فيه الطرفان على كيفية الخروج بدفع القيمة وهو يوم الأداء، ففي هذه الصورة لا يجد البائع مناصاً من أن يغض النظر عن الصفات النوعية والصنفية والشخصية ويقتصر على المالية، وعندئذ يحصل التراضي بحلول القيمة محل العين، وتدارك الخسارة المالية بالقيمة، فمقتضى كون العين بماليتها على عهدة المشتري تعيّن قيمة يوم الأداء.

صفحه 328
ثمّ إنّي بعد ما ذكرت ذلك وقفت على كلام للسيد الأُستاذ (قدس سره) ـ لا في المقام ـ حيث يستدل على أنّ الملاك يوم الأداء بقوله:
إنّ العين في المضمونات على العهدة، إمّا بشخصيتها ، أو بمطلق خصوصياتها، أو بخصوصياتها الدخيلة في الغرامات، أو قلنا بأنّ المثل على العهدة حتّى في القيميات، لما قلنا بأنّ العهدة إذا اشتغلت بالعين أو المثل لابدّ من الخروج عنها وهو بأداء قيمة يوم الأداء، فإنّها نحو أداء لهما، وأمّا أداء قيمة الأيام السالفة أو المستقبلة فلا يُعدّ أداءً إذا نقصت القيمة عن يوم الأداء، وأداءً وزيادةً إذا زادت.1
وقد سبقه إلى اختيار تلك النظرية فقيه عصره السيد الطباطبائي في تعليقته على المتاجر وقال: إنّ نفس العين باقية في الذمة والعهدة، وبحسب الخروج عن عهدتها، لكن لما لم يمكن ردّ نفسها، وجب دفع عوضها وبدلها فهي بنفسها باقية في العهدة إلى حين الأداء، وإعطاء البدل إنّما هو من باب الوفاء ، كما إذا كان له عليه منّ من الحنطة ولم يمكنه أداؤه فإنّ الذمة مشغولة بالحنطة حتّى حين التعذر، ودفع البدل من باب الوفاء بغير الجنس ولا ينتقل إلى البدل من حين التعذر.2
هذا هو مقتضى القاعدة الأوّلية، فإن دلّ شيء على خلافه نأخذ به وإلاّ فهو المحكّم.

2. مقتضى صحيحة أبي ولاّد

وقد استدل على أنّ الواجب هو قيمة يوم الضمان بصحيحة أبي ولاّد

1 . كتاب البيع:1/593.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:96.

صفحه 329
الحنّاط، وإليك نصّها بطولها، قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجهت نحو النيل، فلمّا أتيت النيل خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى بغداد، فاتبعته وظفرت به، وفرغت ممّا بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة.
وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلّل منه ممّا صنعت وأرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهماً، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصّة، وأخبره الرجل.
فقال لي: وما صنعت بالبغل؟
فقلت: قد دفعته إليه سليماً.
قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً.
قال: فما تريد من الرجل؟
فقال: أُريد كراء بغلي، فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً.
فقال: ما أرى لك حقّاً; لأنّه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة، فخالف وركبه إلى النيل، وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل، وسقط الكراء، فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضتَه لم يلزمه الكراء.
قال: فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه، فحججت تلك السنة، فأخبرت أبا عبد اللّه(عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة.
فقال(عليه السلام): «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها».
قال: فقلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): فما ترى أنت؟

صفحه 330
فقال: «أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفّيه إيّاه».
قال فقلت: جعلت فداك، قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟
فقال: «لا; لأنّك غاصب».
قال: فقلت: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟
قال: «نعم، قيمة بغل يوم خالفته».
قلت: فإن أصاب البغل كسر، أو دبر، أو غمز؟
فقال: «عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه».
فقلت: من يعرف ذلك؟
قال: «أنت وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك».
فقلت: إنّي كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني.
فقال: «إنّما رضي بها وحلّلك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن إرجع إليه فأخبره بما أفتيتك به، فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك».
قال أبو ولاّد: فلمّا انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري، فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد اللّه، وقلت له: ما شئت حتّى أعطيكه؟
فقال: قد حبّبت إليّ جعفر بن محمّد(عليه السلام)، ووقع في قلبي له التفضيل، وأنت في حلّ، وإن أحببت أن أردّ عليك الذي أخذته منك، فعلت.1

1 . الوسائل:13، الباب 7 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث1.

صفحه 331

توضيح مفاد الصحيحة

إنّ صحيحة أبي ولاّد ـ قبل الخوض في الاستدلال بها ـ تحتاج إلى دراسة سنداً ومتناً ، فنقول:
أمّا السند فلا غبار عليه لأنّ كلّ من ورد في السند ثقة بلا كلام، وأمّا أبو ولاّد فهو حفص بن سالم الثقة، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن(عليهما السلام)وربما يشك في وثاقته بأنّه خالف ما اتفق عليه كما ورد في الرواية.
لكن هذا العمل وإن كان على خلاف الاتفاق ولكن من المحتمل انّه كان عالماً برضا المالك إذا دفع له أُجرة التأخير.
ثمّ إن استرضاءه صاحب البغل مع أنّ القاضي قضى لصالحه دليل على احتياطه وتقواه، كما أنّ سؤاله الإمام الصادق(عليه السلام) عن المسألة ورجوعه إلى صاحب البغل ليوقفه على فتوى الإمام الصادق كاشف عن كون الرجل متقياً محتاطاً.
هذا كلّه حول السند، وأمّا المتن، فلابدّ من النظر فيه من جهات:
الأُولى: إنّ البغل جاء منكّراً في موردين حسب نقل صاحب الوسائل ومرآة العقول كما يلي:
أ. أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل.
ب. نعم قيمة بغل يوم خالفته.
ولكن نقل في سائر الموارد معرّفاً.
وأمّا الكافي1 والوافي2 والتهذيب3 فقد نقلوا الجميع باللام.
الثانية: تفسير مفردات الرواية.

1 . الكافي:5/290.
2 . الوافي:10/26.
3 . التهذيب:7/215 برقم 943.

صفحه 332
النيل: نهر بمصر ونهر بالكوفة، وحكى الأزهري قال: رأيت في سواد الكوفة قرية يقال لها النيل.1
العطب: هو الموت، وأمّا النفق فلعلّه عطف تفسير، فيكون المراد هو الموت والهلاك، وربما يفسّر بالكسر وهو غير جيد، لأنّه سأل عنه مستقلاً بقوله: فإن أصاب البغل كسرٌ، وبذلك يعلم أنّ الصحيح: ونفق مكان (أو نفق).
الدبر ـ بالفتح ـ: الجراحة تحدث من الرحل وغيره.
الغمز: يقال غمزت الدابة مالت من رجلها.
الثالثة: إنّ فتوى أبي حنيفة على براءة الغاصب مبنية على تفسير الحديث النبوي «الخراج بالضمان» بمطلق الضمان ولو كان غاصباً، وقد عرفت أنّ المراد من الضمان هناك هو الملك لا الضمان المصطلح، فمن ملك شيئاً فخراجه له ـ لماذا؟ ـ لأجل ما دفع من الثمن، «فمن عليه الغرم فله الغنم»، ولا صلة للحديث بضمان الغاصب واستغلاله.
والظاهر انّ أبا حنيفة حمل «الضمان» في الحديث على الضمان بمعنى الاسم المصدري أي كون المال في العهدة، وانّ مطلق دخول الشيء في العهدة مقتض لاستحقاق منافعه، ويكون معنى الحديث: إنّ ما يحصل من العين من النماء والمنفعة بدل لضمان العين وإن كان الضمان بغير اختيار وإقدام، بل بحكم الشارع بمقتضى شمول حديث «على اليد» ولكن الظاهر أنّ الضمان بمعناه المصدري وهو التعهد الاختياري. وإن شئت قلت: الضمان المعاوضي فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ملكية المنافع والنماء بدلاً عن الضمان المعاوضي ببذل العوض، فإنّ الغرض المهم للمتعهد بذلك، كون المنافع والنماء له مجاناً.

1 . لسان العرب:11/686، مادة «نيل».

صفحه 333
والحديث يختص بالضمان المعاوضي ولا صلة له بالضمان غير الاختياري، إذ لا مناسبة بين كون المنافع له وكون العين في العهدة من غير اختيار.1
إذا علمت ذلك، فإنّ موضع الاستدلال في الرواية، هو المقاطع الثلاثة التالية:
1. «نعم قيمة بغل يوم خالفته».
2. «عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده عليه».
3. «يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكتري كذا وكذا فيلزمك».
فظاهر العبارة الأُولى أنّ الملاك قيمة يوم المخالفة.
وظاهر العبارة الثانية أنّ الملاك في تعيين الأرش قيمة يوم الردّ على المالك.
وظاهر العبارة الثالثة أنّ الملاك عند الاختلاف قيمة يوم الاكتراء.
فالجمع بين هذه المضامين الثلاثة أمر يحتاج إلى التدقيق، وقد أفاض الفقهاء المتأخّرون الكلام في تبيين مفاد الصحيحة.

الفقرة الأُولى والملاك يوم الضمان

فلنرجع إلى دراسة الفقرة الأُولى: أعني قوله: «نعم قيمة بغل يوم خالفته» فقد ذكر الشيخ في تعلق الظرف ـ أعني قوله: «يوم خالفته» ـ وجوهاً ثلاثة:
الأوّل: جعل اليوم قيداً للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل، بمعنى أنّ لفظ «القيمة»لما كان جامداً غير قابل لتعلق الظرف به فإذا أُضيف إلى البغل، يوجد فيه شائبة الحدثية فيخرج عن كونه جامداً. فيكون معناه أنّ الثابت في ذمتك هو قيمة المغصوب (بغل) يوم المخالفة.

1 . بلغة الفقيه:1/74.

صفحه 334
الثاني: جعل «اليوم » قيداً للقيمة باعتبار إضافة القيمة إليه ثانياً بعد ما أُضيف إلى البغل أوّلاً، فيكون معنى العبارة «قيمة بغل قيمة يوم المخالفة».
ولا يخفى بُعده، إذ المضاف إلى شيء لا يضاف إلى شيء آخر.
وعلى كلّ تقدير: فالاستدلال على أنّ الملاك هو قيمة يوم المخالفة مبني على كون الظرف ـ أعني: «يوم خالفته» ـ متعلّقاً بالقيمة بأحد الوجهين.
الثالث: تعلق الظرف (يوم) بقوله: «نعم» القائم مقام قوله(عليه السلام): «يلزمك». حيث قال السائل: قلت أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: «نعم، يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل». وعلى هذا فإنّما يدلّ على ضمان يوم المخالفة، بقيمة البغل.
وأمّا انّه يضمن قيمة ذلك اليوم فلا يدلّ عليه. وبعبارة أُخرى: الإمام بصدد بيان أنّ الغاصب يضمن ما حدث يوم المخالفة ولا يضمن ما حدث قبله.
وضعّفه الشيخ بقوله: إنّ غرض السائل هو العلم بما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة، والتفسير المزبور لا يكفي جواباً له وإنّما يدلّ على ما هو عالم به من أنّ زمان المخالفة زمان حدوث الضمان.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد ما ذكره الشيخ كان اللازم أن يقول: فماذا يلزمني؟ مع أنّه قال: أليس يلزمني؟ وهذا يدلّ على أنّ السؤال عن أصل الضمان وعدمه.
هذه هي الوجوه الثلاثة في بيان متعلق الظرف. والمهمّ تبيين متعلق الظرف. أعني:«يوم خالفته».
فنقول: إنّ لفظة «البغل» إمّا أن تكون محلاة باللام أو منونة، فلندرس مضمون الجملة على كلا الاحتمالين.

صفحه 335
أمّا على الاحتمال الأوّل: فالاستدلال مبني على أنّ السؤال عمّا يلزمه بعد ما علم أنّ عليه الضمان فقال الإمام: «قيمة البغل يوم خالفته»، ولكن الظاهر ـ كما سيظهر ـ أنّ السؤال عن أصل الضمان لا عما يلزمه.
توضيحه: أنّه لما ألزمه الإمام بدفع كراء البغل من النيل إلى بغداد ومنها إلى الكوفة طرح أبو ولاّد أمرين، ليدفع بهما وجوب دفع الكراء من هذه المواضع المختلفة هما:
1. أنّه علفه فله عليه علفه، فأجاب الإمام بالردّ فقال:«لا، لأنّك غاصب»، وهذا يدلّ على أنّ العلف في تلك الأيام كان على الموجر لا على المستأجر. لكنّه لما صار غاصباً كان التعليف عليه.
2. ما تلقاه من أبي حنيفة من سقوط الكراء في مقابل ضمان البغل، أي وجود الملازمة بين ضمان البغل وعدم الكراء ولذلك قال: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني قيمة البغل؟ فهذه الجملة إشارة إلى ما اختلج في ذهنه: كيف يجب عليّ الكراء مع كوني ضامناً للبغل.
فأجابه الإمام: نعم يلزمك الضمان يوم الاستيلاء على مال الغير قيمة البغل ولا منافاة بين الضمان ووجوب الكراء. وقد أخطأ أبو حنيفة حيث حسب المنافاة بين الضمان والكراء، فعلى هذا فالسؤال والجواب مركّز على الضمان وعدمه فالسائل لأجل تأثره لقول أبي حنيفة «الضمان بالخراج» يرجح عدمه والإمام يحكم بالضمان بمجرد الاستيلاء على مال الغير. وعلى هذا فذكر «يوم خالفته» بيان لمبدأ الضمان. فكأنّه قال: يلزمك يوم المخالفة ضمان البغل.
والّذي يدلّ على ما ذكرنا، هو أنّ الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسؤال فالسؤال كان عن أصل الضمان لا عما يلزم عليه ـ أعني: قيمة يوم المخالفة ـ نعم

صفحه 336
ربّما يُشعر بأنّ المدار قيمة يوم المخالفة ببيان انّه إذا قيل: يضمن يوم المخالفة، قيمة البغل، ينصرف الذهن إلى أنّه ضامن قيمة ذلك اليوم، ولكنّه إشعار وليس بدلالة.
وعلى هذا فمدار البحث والمذاكرة على حدوث الضمان يوم المخالفة وعدمه لا على ما يلزمه يوم المخالفة، وبعبارة أُخرى: انّ الرواية بصدد بيان أنّ مبدأ الضمان هو يوم المخالفة لا قبله، لأنّه كان أميناً قبلها وصار خائناً بالمخالفة فمن ذلك الزمان عليه ضمان البغل إذا عطب أو إذا نقص.
نعم النقصان السابق ـ عيناً وقيمة ـ غير مضمون ،لأنّه لم يكن غاصباً وإنّما المضمون منه هو بعد المخالفة.
وبذلك يُعلم أنّ الوجه الثالث الّذي استبعده الشيخ ليس ببعيد، وهو أن يقال:إنّ قوله نعم بمنزلة يلزمك، والمعنى يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل، وأمّا ما يلزمه من القيم المختلفة فليس مطروحاً للسائل والإمام.
ولو فرضنا دلالة الرواية على أنّ الملاك هو قيمة البغل يوم المخالفة فلعلّ الأمر به لأجل ثبات الأسعار يوم ذاك، فإذا استأجر بغل الغير وسافر به مدة خمسة عشر يوماً يكون قيمة البغل يوم المخالفة نفس قيمته يوم الأداء، وأمّا عدول الإمام عن قيمة يوم الأداء إلى قيمة يوم المخالفة لبيان أنّ الأحداث المتقدمة الواردة على البغل قبل يوم المخالفة غير مضمونة، لأنّ الرجل لم يكن غاصباً.
وأمّا على الاحتمال الثاني ـ أعني كون البغل مجرداًعن اللام ومحلّى بالتنوين ـ: فلعلّ الوجه في تنكيره هو أنّ البغل ربّما يكون يوم الضمان سميناً جامعاً لصفات تزيد معها الرغبة فيه، بخلاف يوم الردّ فربّما يصير هزيلاً غير مرغوب فيه. لأجل زيادة الركوب فذكر الإمام كلمة البغل منكراً إشارة إلى ذلك.

صفحه 337
وعلى أي حال فالظرف متعلق بالفعل المستفاد من قوله:«نعم»، وهو أنّه يلزمه الضمان يوم المخالفة قيمة بغل كذا وكذا، حتّى تكون هذه الصفات ملحوظة عند الضمان.
وهناك احتمال ثالث وهو تجريد الظرف عن اللام والتنوين وإضافته إلى مابعده بصورة تتابع الإضافات، أي قيمة بغل يوم خالفته، وهو وإن كان وارداً في اللغة الفصيحة، كقوله سبحانه:(مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوح وَعاد وَثَمُودَ)1 ، ولكنّه بعيد في هذه الجملة.
فقد ظهر من ذلك أنّ الرواية ساكتة عمّا هو الملاك في القيمة والمرجع هو القاعدة الّتي أسّسناها لو لم يدل دليل على خلافها.

الفقرة الثانية وقيمة يوم الردّ

وقد يستدل بقوله:«عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه عليه»
ففيه اختلفوا في متعلق الظرف ـ أعني قوله: «يوم تردّه» ـ وربما يقال:إنّه متعلّق بـ«عليك»، وأُخرى بأنّه متعلّق بـ«قيمة»، وثالثة بأنّه متعلّق بـ«العيب».
وقد استدل القائل بأنّ الملاك قيمة يوم الرد بهذه الفقرة جاعلاً الظرف متعلقاً بقوله «قيمة».
والمراد من الردّ إمّا رد البغل أو رد الأرش، ولكن الظاهر أنّ الظرف (يوم تردّه) متعلق بقوله: «عليك» الّذي يتضمن معنى الفعل، فيكون المراد من هذه الجملة نفس المراد من الجملة السابقة، وكأنّه يقول: يلزمك يوم تردّه قيمة ما بين الصحة والعيب.

1 . غافر:31.

صفحه 338
وأمّا ما هو الملاك في تعيين ما به التفاوت فالجملة ساكتة عنه، فهو راجع إلى قضاء العرف.
نعم هذه الفقرة لا تخلو عن إشعار بأنّ الملاك قيمة يوم الردّ ببيان انّه إذا قيل: يضمن يوم الردّ قيمة ما بين الصحة والعيب، ينصرف الذهن إلى قيمة يوم الردّ، لكنّه إشعار ليس بدلالة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه لا تعارض بين الفقرتين وانّهما تتكفّلان بيان أصل الضمان لا ما هو الملاك، وانّ الظرف فيهما ليس قيداً للقيمة بل لقوله: «نعم» في الفقرة الأُولى ولقوله: «عليك» في الفقرة الثانية.

الفقرة الثالثة: قيمة يوم الاكتراء

لما حكم الإمام بأنّه يجب عليه ردّ قيمة ما بين الصحة والعيب سأله أبو ولاّد عمّن يعرف ذلك التفاوت، فقال الإمام(عليه السلام): «أنت وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك».
أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتُري كذا وكذا فيلزمك.
فمقتضى توجه اليمين إلى صاحب البغل في الجملة الأُولى أن يكون منكراً والمستأجر مدعياً، فعلى صاحب البغل اليمين باعتبار كون موقفه هو الإنكار، أو ردّ اليمين على صاحب البغل هذا حسب الفقرة الأُولى.
وأمّا حسب الفقرة الثانية من أنّ له إقامة الشهود والبيّنة فهو مدع لا منكر، فكيف اجتمع في شخص واحد الوصفان: الإنكار والادّعاء؟!
والجواب: أنّ الإشكال مبني على أنّ المشار إليه في لفظة«ذلك» في قوله:

صفحه 339
«فمن يعرف ذلك» هو قيمة البغل، وعندئذ يطرح السؤال: كيف يتصور أن يكون شخص واحد منكراً ومدعياً، وأمّا لو قلنا بأنّ مرجع الإشارة هو تفاوت ما بين الصحيح والمعيب، فعند ذلك يمكن أن يقال: الموضوع في الفقرتين مختلف لا واحد. بيان ذلك:
إنّ الفقرة الأُولى ـ أعني: «إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين...»ـ راجعة إلى قيمة البغل المعيوب الموجود بين أيديهما.
فالمستأجر يدّعي زيادة قيمة المعيب وأنّه يساوي ثلاثين، والمالك يدّعي أنّه بسبب العيب انخفضت قيمته وأنّه يساوي عشرين بعد اتفاقهم على أنّ قيمة الصحيح هو الخمسون، فلو صحّ قول المالك يكون ما به التفاوت هو ثلاثون، ولو صحّ قول المستأجر يكون ما به التفاوت هو عشرون، وعلى هذا فالمالك منكر لموافقة قوله«الأصل» والمستأجر مدع، فاليمين على المالك فإن رده على المستأجر فعليه اليمين.
وأمّا الفقرة الثانية ـ أعني قوله: «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكترى كذا وكذا» ـ راجعة إلى اختلافهم في قيمة البغل الصحيح بعد اتفاقهم على قيمة البغل المعيوب، وأنّه عشرون، فالمالك يدّعي زيادة القيمة، والمستأجر ينكرها، يكون صاحب البغل مدّعياً فيجب عليه إقامة الشهود على أنّه يوم اكتري كان يساوي خمسين درهماً، بينما المستأجر يكون منكراً للزيادة وانّه يساوي أربعين، ومن المعلوم إذا كانت قيمة الصحيح مرتفعة يكون الأرش كثيراً. مثلاً إذا اتّفقا على أنّ المعيب يساوي عشرين، واختلفوا في الصحيح عند ما اكتراه فالمالك على أنّه كان يساوي خمسين فالتفاوت بين الصحيح والمعيب ثلاثون، والمستأجر يدّعي أنّه يوم اكتري يساوي أربعين فالتفاوت يساوي عشرين.

صفحه 340
إلى هنا خرجنا بأنّه لا دلالة للصحيحة على ما هو الملاك في القيمة فالمرجع هو القاعدة العامّة.
***

ضمان أعلى القيم

قد عرفت مفاد الصحيحة وأنّها غير ناظرة إلى ما هو الملاك في تعيين القيمة، وأنّ المرجع هو القاعدة الأوّلية، أعني: ضمان قيمة يوم الدفع. ثمّ إنّ بعضهم ذهب إلى الضمان بأعلى القيم من حين الغصب إلى يوم التلف بوجوه، أنهاها الشيخ الأنصاري1 إلى خمسة، وأضاف إليها المحقّق الخوئي2 وجهين آخرين، والوجوه متقاربة نقتصر على ما ذكره الشيخ، وهي:
الوجه الأوّل: ما استظهره الشهيد الثاني في «الروضة البهية» عن صحيحة أبي ولاّد إذ قال: ويمكن أن يستفاد من صحيح أبي ولاّد اعتبار الأكثر منه إلى يوم التلف، وهو قوي عملاً بالخبر الصحيح، وإلاّ لكان القول بقيمته يوم التلف مطلقاً، أقوى.3
وقال الشيخ بعد نقل هذا القول ـ عن الشهيد الثاني ـ : إذ لم يعلم لذلك وجه صحيح، ولم أظفر بمن وجّه دلالتها على هذا المطلب.4
ويمكن توجيهه بأنّ الإمام(عليه السلام) قال أوّلاً:«نعم قيمة بغل يوم خالفته». ثم قال (عليه السلام)ثانياً:«عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه»، فاعتبر يوم الغصب ويوم الرد معاً، ويستفاد منه أنّ الاعتبار بالأعلى من يوم الغصب إلى يوم الرد.

1 . المتاجر:111.
2 . مصباح الفقاهة:1/447ـ 452.
3 . الروضة البهية:7/43ـ 44.
4 . المتاجر:111.

صفحه 341
وذكر المحقّق الخوئي توجيهاً آخر فقال: إنّ المغصوب مضمون على الغاصب بقيمة يوم المخالفة، والمراد بيوم المخالفة إنّما هو طبيعيّ يوم المخالفة الّذي يصدق على كلّ يوم من أيام الغصب لا اليوم الخاص.1
ولا يخفى ضعف التوجيهين:
أمّا التوجيه الأوّل: فلأنّ الموضوع في الفقرة الأُولى هو موت الدابة، وفي الفقرة الثانية ورود النقص عليها فانتزاع قاعدة كلية من الفقرتين مبني على وحدة الموضوع في الحكم مع أنّه يمكن أن يقال أنّ الملاك في موت الدابة هو قيمة يوم المخالفة، وفي ورود النقص عليها هو قيمة يوم الردّ.
أمّا التوجيه الثاني: فلأنّ المتبادر من يوم المخالفة هو اليوم الخاص لا طبيعي المخالفة. وبعبارة أُخرى: المراد من اليوم هو اليوم المشخص، لا مطلق اليوم حتّى يصدق على طبيعيّه.
الوجه الثاني: ما نقله الشيخ بقوله: «إنّ العين مضمونة في جميع تلك الأزمنة الّتي منها زمان ارتفاع قيمته».
ولمّا كان هذا الكلام ادّعاءً مجرداً عن الدليل حاول الشيخ أن يوجّهه فقال في كلام مفصّل ما هذا ملخصه: إنّ للعين في كلّ زمان من أزمنة تفاوت قيمته، مرتبة من المالية أُزيلت يد المالك منها وانقطعت سلطنته عنها، فإن رُدّت العين فلا مال سواها يضمن وإن تلفت استقرت عليا تلك المراتب لدخول الأدنى تحت الأعلى نظير ما لو فرض للعين منافع متفاوتة متضادة حيث إنّه يضمن الأعلى منها.
وبعبارة أُخرى: أنّ كلّ زمان من أزمنة الغصب قد أُزيلت يد المالك من

1 . مصباح الفقاهة:2/448.

صفحه 342
العين على حسب ماليته ففي زمان، أُزيلت عن مقدار درهم، وفي آخر عن درهمين، وفي ثالث عن ثلاثة وإذا استمرت الإزالة إلى زمان التلف وجبت غرامة أكثرها.1
يلاحظ عليه: بأنّ مجرد إزالة يد المالك عن أعلى القيم إنّما يوجب الضمان إذا تلفت العين والقيمة هي أعلاها، وأمّا لو انخفضت القيمة بعد وصولها إلى أعلاها ثم تلفت فلا دليل على ضمان القيمة العليا الّتي أُزيلت عنها يد المالك بشهادة أنّه لو ردّت العين بعد الانخفاض لما كان عليه ضمان بالنسبة إلى القيمة العليا الّتي أُزيلت عنها يده.
وبعبارة أُخرى: المدّعى عام والدليل خاص بصورة واحدة، وهي إذا ارتفعت قيمة العين وتلفت في نفس الزمان لا مطلقاً حتّى لو انخفضت القيمة بعد ارتفاعها ثم تلفت العين، فعندئذ لا يضمن ارتفاع القيمة بشهادة أنّه لو ردّت العين بعد الانخفاض لما ضمن ارتفاع القيمة.
الوجه الثالث: التمسّك بقاعدة الاشتغال وأنّ ذمة القابض مشغولة بحق المالك ولا تحصل البراءة إلاّ بدفع أعلى القيم.
يلاحظ عليه: بأنّ المقام من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين حيث يدور الأمر بين اشتغال ذمته بالأقل أو الأكثر، فتجري البراءة عن الأكثر.
الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ من استصحاب الضمان المستفاد من حديث «على اليد».
يلاحظ عليه: بأنّه إن أُريد استصحاب ضمانه بالعين فلازمه دفع قيمة يوم الرد، على أنّه لا حاجة للاستصحاب بعد دلالة القاعدة الأوّلية عليه.

1 . المتاجر:111، بتلخيص.

صفحه 343
وإن أراد اشتغال الذمة بالقيمة بعد التلف فهو مردد بين الأقل والأكثر.
ثمّ إنّ هذه الوجوه العقلية لو تمت في حدّ نفسها لكنّها مخالفة لصحيحة أبي ولاّد إذا قلنا بدلالتها على أنّ الميزان هو قيمة يوم المخالفة، أو مخالفة للقاعدة الأوّلية الّتي أسّسناها.

البحث الثالث: ارتفاع القيمة حسب الأمكنة

قد عرفت حكم ارتفاع القيمة بحسب الأزمنة وانّ القابض لا يضمن سوى قيمة يوم الأداء. فعلى هذا لو كانت قيمة التالف يوم الردّ مختلفة حسب الأمكنة، مثلاً إذا كانت في محل الضمان بعشرة، وفي محل التلف بعشرين، وفي مكان المطالبة بثلاثين، فقال الشيخ: فالظاهر اعتبار محل التلف، لأنّ مالية الشيء تختلف حسب الأماكن وتداركه حسب ماليته في المكان الذي تلفت فيه.1
أقول: قد مرّ نظير البحث في المثلي حيث قال الشيخ: ثمّ إنّه لا فرق في جواز مطالبة المالك بالمثل بين كونه في مكان التلف أو غيره، ولا بين كون قيمته في مكان المطالبة أزيد من قيمته في مكان التلف أم لا، لعموم الناس مسلّطون على أموالهم.2
وعلى هذا فبين كلامي الشيخ اختلاف واضح.والظاهر أنّ له المطالبة في أي مكان شاء، وذلك لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم فلهم طلب العين إذا أمكن ردّها، وإلاّ فمطالبة القيمة في أي مكان اللّهمّ إلاّ إذا كان ردّ العين أو القيمة في مكان المطالبة أمراً حرجياً وإضراراً بالنسبة إلى القابض، كما إذا طلب إبله التالفة

1 . المتاجر:111.
2 . المتاجر:107.

صفحه 344
في البلاد الصناعية الّتي قلّما يتفق فيها وجود أمثال هذه الدواب.

البحث الرابع: إذا زادت القيمة لزيادة في العين

قال الشيخ: إنّ جميع ما ذكرنا من الخلاف إنّما هو في ارتفاع القيمة السوقية الناشئة من تفاوت رغبة الناس، وأمّا إذا كان حاصلاً من زيادة في العين فالظاهر ـ كما قيل ـ عدم الخلاف في ضمان أعلى القيم. وفي الحقيقة ليست قيم التالف مختلفة وإنّما زيادتها لأجل الزيادة العينية الحاصلة فيه النازلة منزلة الجزء الفائت.
وقال في الجواهر: إذا استند نقصان القيمة إلى حدوث نقص في العين، ثم تلفت، فإنّ الأعلى مضمون إجماعاً.1
أقول: إنّ الزيادات الحاصلة في العين تارة تكون منفصلة وأُخرى متصلة.
أمّا الأُولى فهي خارجة عن مصب البحث وأنّ حكمها حكم العين ويجب ردّ عينها، وإلاّ فإن تلفت يجب المثل أو القيمة، إنّما الكلام في الثانية، كما إذا سمنت الدابة في فترة من الزمان ثم هزلت وتلفت، فهل هي مضمونة أو لا؟ فمقتضى القول بأنّ العين مضمونة بصفاتها النوعية والصنفية والشخصية ضمان الصفات الّتي لها دخل في قيمة التالف، فتقدّر العين وهي موصوفة بتلك الأوصاف و تقوّم حين الردّ وترد قيمتها إلى البائع.
ومع ذلك ففي كونها مضمونة مطلقاً ،موضع تأمل وإنّما تكون مضمونة إذا كانت موجودة من أوّل الأمر، أو حدثت وكانت باقية إلى أن تلفت، وأمّا الأوصاف الّتي تحدث في بعض الفصول حسب طبيعتها وتزول في البعض الآخر، فالقول بضمانها مشكل لعدم وجود دور للغاصب وللقابض فيها.

1 . جواهر الكلام:37/107.

صفحه 345

البحث الخامس: في انخفاض القيمة السوقية

لو انخفضت القيمة السوقية للعين القيمية وكانت العين يوم أتلفها غالية وفي يوم أداء القيمة أصبحت رخيصة، فهل عليه ضمان القيمة المنخفضة أو لا؟
مقتضى القواعد عدم الضمان لما عرفت من أنّ العين مضمونة بعينها على القابض وإنّما ينتقل إلى القيمة يوم الدفع فيكون المتعين قيمة ذلك اليوم وإن كانت القيمة منخفضة ولا يُعدّ ذلك ضرراً، لأنّ المضمون له بإمكانه أن يشتري به نظير ما تلف عند القابض.
واستدل السيد الخوئي على عدم الضمان بأنّ انكسار القيمة العرفية لا يضمن وإلاّ للزم تضمين التاجر المستورد لبضاعة، الكاسر بذلك، قيمة البضاعة الموجدة لدى تاجر آخر.1
يلاحظ عليه: بالفرق بين المثال والممثل فإنّ الناس في مورد المثال أحرار في التجارة، والتجارة نوع تسابق في اكتساب الربح وهذا بخلاف المورد، فإنّ القابض ضامن لمالية المقبوض عند القبض والمفروض انكسارها عند الأداء، فتأتي هناك شبهة ضمان انكسار القيمة السوقية.

البحث السادس: ضمان انكسار القوة الشرائية

إذا باع الدراهم بعملة أُخرى ثم تبين فساد البيع، فيجب على القابض دفع ما أخذه من الدراهم، فإذا كانت الدراهم عند المعاملة لها قيمة عالية وعند الردّ انخفضت قيمتها، فهل يجب على القابض ضمان انكسار القيمة الشرائية للنقد أو لا؟

1 . المحاضرات:2/190.

صفحه 346
وهذا البحث ممّا لم يتطرق إليه الفقهاء الأقدمون، لأنّ العملة السابقة كانت درهماً أو ديناراً وهي كانت ثابتة غالباً، ولم يتعرض اقتصادهم إلى التضخم ، غير أنّ هذه المسألة ممّا يبتلي بها الناس في أبواب مختلفة منها:
1. باب القرض، إذا أقرض شخص شخصاً بالعملة الورقية الرائجة وكانت لها قوة شرائية معينة ـ مثلاً عشرين مثقال ذهب خالص ـ ولكنّها عند الردّ تنخفض قيمتها وتساوي (مثلاً 18 مثقالاً). فهل يجب عليه ضمان انكسار القيمة الشرائية بحجة أنّ رأس المال عبارة عن القوة الشرائية وهي كانت عشرين مثقالاً يوم الإقراض وأصبحت 18مثقالاً يوم الدفع، فلا يشمله: (فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).1
2. باب المهور، إذا تزوج على ألف تومان بالنقد الرائج حينئذاك وكانت قوة شرائها يومذاك تعادل30 مثقالاً ذهباً ولكنّها في هذه الأيام تساوي أقل من ذلك، فهل يجب على الزوج أن يدفع ما يكون في قوته الشرائية مساوياً لما كان قد أمهرها به؟
3. باب الغرامات: إذا أتلف شيئاً من العملة الرائجة وكانت لها قوة شرائية معيّنة، وبعد التلف أصبحت لها قوة شرائية أقل، فهل يجب على المتلف ضمان الفرق أو لا؟ إلى غير ذلك من الأبواب.
الظاهر ـ و اللّه العالم ـ وجوب الضمان وجبر الانكسار بشهادة أنّ الناس في كلّ الأبواب يتماكسون في قلة العملة وكثرتها، وما هذا إلاّ لأنّ للكثرة قوة شراء ليست للقلة كما أنّهم يتماكسون في المهور بين القليل والكثير. أضف إلى ذلك: أنّ الإغماض على خلاف قاعدة العدل والإنصاف.

1 . البقرة:279.

صفحه 347
وأمّا القرض فلا يجب على المقترض ضمان انكسار القيمة، وذلك لأنّ المقرض قد أهدر كرامة ماله بالنسبة إلى إنكسار القيمة، بإقراض ماله ـ مع علمه ـ بأنّ العملة النقديّة في الأحوال الحاضرة تترقى وترتفع تارة وتنخفض وتُكسر أُخرى، ومع ذلك أقرض ماله مدة سنة فإذا أخذ ما أقرض من العملة النقدية، فقد أخذ رأس ماله.

صفحه 348

الأمر الثامن:

حكم بدل الحيلولة

إذا كانت العين المقبوضة بالعقد الفاسد، موجودة فلابدّ من ردّها إلى المالك إذا أمكن الردّ بسهولة.
وإذا كانت تالفة فلابدّ من الخروج عن العهدة; بدفع المثل أو القيمة.
إنّما الكلام إذا كانت العين موجودة غير تالفة لكن يتعذر ردّها في وقت قصير، كما لو غرقت، وتوقف إخراجها من البحر على عمليات تستغرق وقتاً كثيراً فهل يضمن بدل الحيلولة بدفع قيمته حتّى يتّجر بها إلى أن يخرجه من البحر ونظيره اللوح المغصوب في السفينة إذا خيف من نزعه غرق مال لغير الغاصب، فهل تجب على الضامن دفع القيمة إلى أن يبلغ الساحل وقد حال القابض بين المالك وسلطنته على العين؟ وبعبارة أُخرى: الملكية والمالية للعين محفوظة وإنّما الزائل تسلط المالك على العين فلو وجب البدل، فهو بدل للحيلولة بينه وبين سلطة المالك على المال .

مورد بدل الحيلولة

وقبل دراسة أدلّة المسألة نشير إلى الموارد الّتي ربما يتصور كونها من

صفحه 349
مصاديقها:
1. إذا حال القابض بين المالك وسلطنته وعلم عدم تمكن القابض على إرجاعها.
2. تلك الصورة ولكن يتمكّن بعد سنين ملحقة عرفاً لعدم التمكّن.
3. يظن أو يعلم بتمكّن القابض من الإرجاع بعد مدة ربما يستحسن الصبر من المالك، للعثور على العين.
4. يتمكن من الإرجاع في زمان قصير جداً، ضمن يوم أو يومين أو أُسبوع.
فالأوّل والثاني، يلحقان بالتالف فالعين فيها في نظر العقلاء تالفة، أو كحكم التالف فلا محيص من دفع المثل أو القيمة.
كما أنّ إلزام القابض بالبدل في الصورة الرابعة مذموم عند العرف، فتعين أن يكون مورده، هو الصورة الثالثة.
وعلى أي حال فقد استدل لوجوب دفع البدل بوجوه:
الأوّل: ما روى محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن قال: كتبت إلى أبي محمد(عليه السلام): رجل دفع إلى رجل وديعة، وأمره أن يضعها في منزله أو لم يأمره، فوضعها في منزل جاره فضاعت، هل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها عن ملكه؟ فوقع(عليه السلام): «هو ضامن لها إن شاء اللّه».1
يلاحظ عليه: أنّ الرواية ناظرة إلى ما لا يرجى العثور عليه، الذي مرّ في صدر البحث أنّه ملحق بالتالف فأين هي من المقام؟ وقس عليه سائر ما استدل به من الروايات في هذا الباب.
الوجه الثاني: تسلّط الناس على أموالهم التي فرض كونها في عهدتهم

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث1.

صفحه 350
فيقتضي جوازَ مطالبة الخروج عن عهدتها عند تعذرها، نظير ما تقدم في تسلّطه على مطالبة القيمة للمثل المتعذر في المثلي.1
يلاحظ عليه ـ مع غض النظر عن سند الحديث ـ : أنّ القاعدة تدلّ على أنّ الناس مسلطون على أموالهم بالبيع واللبس والسكنى والهبة وغير ذلك.
وبعبارة أُخرى: ليس لغير المالك منع المالك عن التصرف في ماله. وأمّا أنّه إذا تلفت العين فصار الغير مسؤولاً عن المُتْلَف فإيجاب بدل الحيلولة إلى أن يخرج عن العهدة بإنقاذ ما غرق في البحر بالأدوات فهو ممّا لا يدل عليه الحديث.
وحصيلة الكلام: أنّه لا ملازمة بين تسلّط الناس على أموالهم وطلب البدل، وما جاء في آخر الكلام من قياس بدل الحيلولة على طلب القيمة عند تعذّر المثل في المثلي فقياس مع الفارق، فإنّ القابض في المقيس عليه مسؤول عن العين بصفاتها النوعية والصنفية والشخصية والمالية، فإذا لم يتمكن من الأُولى تتعين المرحلة الثانية وهكذا. وأمّا وجوب ردّ البدل إلى أن يدفع العين فلا يقاس عليه.
الوجه الثالث: قاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن»، فالغاصب قد أتلف سلطنته على العين ـ لافتراض بقاء العين ـ فهو لها ضامن، ولا يخرج عن العهدة إلاّ ببدل الحيلولة.
يلاحظ عليه: أنّ مورد القاعدة هو إتلاف العين، لا إتلاف السلطنة مع بقائها.
الوجه الرابع: قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».
وجه الاستدلال: أنّ مفاد الحديث ـ كما يظهر من مورده ـ هو عدم جواز إضرار بعض الناس على بعض، فهذا النوع من الإضرار ليس مشروعاً في الإسلام،

1 . المتاجر:112.

صفحه 351
ومن المعلوم أنّ الحيلولة بين المالك والعين المملوكة مدة طويلة ـ لا قصيرة ـ يُعدّ إضراراً من الناس إلى المالك، فمعنى عدم جوازه هو لزوم قيام الضارّ بعمل يسد هذا الضرر ومن طرقه دفع بدل الحيلولة.
فإن قلت: إنّ قاعدة «لا ضرر» تنفي الحكم الضرري ولا تثبت مكان النفي حكماً شرعياً يُسد به الضرر.
قلت: ما اشتهر بين المتأخّرين من أنّ القاعدة نافية وليست بمثبتة مخالف لما ورد في موردها فإنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر سمرة بالاستئذان وقال:«استأذن يا سمرة» وليس مصدر هذا الحكم إلاّ قاعدة «لا ضرر» كما هو ظاهر سياق الحديث.
الوجه الخامس: حرمة مال المؤمن الّتي مرّ دليلها نقلاً وعقلاً، فحرمة مال المؤمن من جانب وعدم تمكن القابض من ردّ العين من فوره يقتضي الجمع بين الحقين وهو جبر الخسارة ببدل الحيلولة بحيث يتصرف فيه كأنّه مالك. نعم وجوب الحيلولة، حكم تكليفي لا وضعي.
الوجه السادس: الاستدلال ببناء العقلاء ومرتكزاتهم في نظائر هذه الموارد، فإذا حال الإنسان بين المالك وماله بسبب من الأسباب ولم يتمكّن من رفع الحيلولة إلاّ بعد مضيّ فترة يتضرر بها المالك، فمرتكزهم هو دفع بدل يقوم مكان الملك الواقعي إلى أن يتمكّن القابض على رد المال إلى صاحبه، هذا هو مرتكز العقلاء ولم يردع الشارع عنه فهو حجة تغنينا عن الوجوه الخمسة التي عرفت النقاش في كثير منها.
بقيت هنا أُمور:

صفحه 352

1. إلزام الضامن، المالك بأخذ البدل

لا شكّ أنّه إذا تلفت العين يجوز إجبار الضامن المالكَ على قبول البدل، إنّما الكلام إذا لم يكن تالفاً بل ضاع أو غرق ويظن أو يرجى تمكنه من ردّها إلى المالك فهل حكم البدل (بدل الحيلولة) هنا كحكم المبدل فيما إذا تلفت العين حتّى يجوز للضامن إجبار المالك على قبول البدل، أو لا؟ الظاهر هو الثاني وذلك لأنّ تجويز طلب البدل من باب الامتنان للمالك على الضامن، فهو حقّ له لا للضامن عليه، فله أن يطلب البدلَ من الضامن وليس للضامن حق عليه حتّى يجبره على قبول البدل. ولذلك لو صبر المالك إلى أن يُعثر على العين لم يكن للضامن الإجبارُ بأخذ البدل.

2. هل البدل المبذول ملك لصاحب العين؟

إذا دفع الضامنُ البدلَ إلى المالك إلى أن يعثر على العين فهل المبذول له يملك البدل وفي الوقت نفسه مالك للعين المضاع أو المغرقة أو لا؟ قال المحقّق: ويملكه المغصوب منه ولا يملك الغاصب العين المغصوبة ولو عادت كان لكلّ منهما الرجوع.1
قال في الجواهر في شرح عبارة المحقّق: كما صرح بذلك كلّه غير واحد من أساطين الأصحاب كالشيخ وابن إدريس والفاضل والشهيد والكركي، بل في المسالك نسبته إليهم مشعراً بالاتفاق عليه، بل في محكي الخلاف والغنية نفي الخلاف عن ملك المغصوب منه البدل المزبور، بل ظاهرهما على ما قيل بين المسلمين.2

1 . الشرائع:3/241.
2 . جواهر الكلام:37/130.

صفحه 353
و أورد عليه الشهيد الثاني وقال: ولا يخلو من إشكال من حيث اجتماع العوض والمعوض على ملك المالك من غير دليل واضح، ولو قيل بحصول الملك لكلّ منهما متزلزلاً أو توقّف ملك المغصوب منه للبدل على اليأس من العين وإن جاز له التصرف فيه، كان وجهاً في المسألة.1
وحاصل الإشكال: أنّ مالكية المالك للبدل وعدم مالكية الغاصب للمبدل يستلزم اجتماع العوض والمعوض في شخص واحد، وتخلص عنه الشهيد الثاني بوجهين:
أ. حصول الملك لكلّ منهما متزلزلاً. فالغاصب يملك العين والمالك البدل متزلزلا.
ب. عدم تملك المالك البدل إلاّ عند اليأس من العين.
أقول: لا ينبغي الإشكال في بقاء العين المضمونة على ملك مالكها فلا وجه للاحتمال الأوّل، إنّما الكلام في البدل المبذول. فإن قلنا بأنّه يقتصر على التصرفات غير المتوقفة على الملك فهو، وأمّا لو قلنا بالعموم حتّى المتوقفة على الملك فلا محيص من القول بالملكية لكن ملكية مؤقتة مادامت سلطنته منقطعة، ولا بأس بالجمع بين البدل والمبدل بهذا النوع من الملكية. فلو تلفت العين استقرّ ملك المالك على الغرامة. ولو تمكّن من الردّ وردّها عاد البدل إلى الغارم كما سيوافيك تفصيله. نعم لو قلنا بالملكية المؤبدة وعدم رجوعها إلى الضامن حتّى بعد العثور على العين ودفعها إلى المالك لزم الإشكال.

1 . مسالك الأفهام:12/201.

صفحه 354

3. لو فاتت بعض المنافع

إنّ بقاء العين على ملك مالكها إنّما هو مع فوت معظم الانتفاعات، وأمّا لو لم يفت إلاّ بعض ما ليس به قوام المالية فهل هذا الموضع من موارد إيجاب التدارك بالعدل فيملك العين والبدل معاً بالنحو المذكور؟ الظاهر لا، وانّ المورد، من موارد إيجاب المثل أو القيمة وفاقاً للشيخ حيث قال: لو ورد دليل على وجوب غرامة قيمة، حينئذ، لم يبعد كشف ذلك عن انتقال العين إلى الغارم مثلاً:
لو وطأ الغاصبُ الحيوانَ الّذي يُركب، فلا يخرج عن المالية وإنّما يجب نفيه عن البلد وبيعه في بلد آخر لكن هذا لا يُعدّ فواتاً لما به قوام المالية، ولذلك ورد في الدابة الموطوءة من إلزام الواطئ بأخذ الدابة وإعطاء ثمنها.
روى سَدير عن أبي جعفر(عليه السلام) في الرجل يأتي البهيمة؟ قال: يُحدّ دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لأنّه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت ممّا يؤكل لحمه. وإن كانت ممّا يركب ظهره أغرم وجلد دون الحد وأخرجها من المدينة الّتي فعل بها فيها إلى بلاد أُخرى حيث لا تعرف فيبيعها فيها كي لا يعيّر بها صاحبها.1

4. إذا خرجت عن المالية مع بقائها على الملكية

كان محور البحث، انقطاع السلطنة عن العين مع بقائها على ماليّتها السابقة.
أمّا لو خرجت عن المالية (عن التقويم حسب تعبير الشيخ) مع بقائها على

1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب نكاح البهائم، الحديث4، وسَدير بن حكيم من رجال الباقر والصادق(عليهما السلام).

صفحه 355
صفة الملكية فقد اختار الشيخ وجوب كمال القيمة، مع بقاء العين على ملك المالك، لأنّ القيمة عوض الأوصاف والأجزاء الّتي خرجت العين لفواتها عن التقويم لا عوض العين نفسها كما في الرطوبة الباقية بعد الوضوء بالمغصوب ـ جهلاً بالموضوع ـ فإنّ بقاءها على ملكها لا ينافي وجوب الغرامة لفوات معظم الانتفاعات به فلا يجوز المسحُ بها إلاّ بإذن المالك1، ثم استشهد بكلام العلاّمة في القواعد بأنّه لو خاط ثوبه بخيوط مغصوبة (وطلبها المالك) وجب نزعها، فإن خيف تلفها لضعفها فالقيمة.2
وحاصل كلامه: أنّ السلطنة المطلقة على البدل، بدل عن السلطنة المنقطعة عن العين وليس بدلاً عن ملكية العين، فلا غرو في أن تكون الرطوبة والخيوط ملكاً للمالك وهذا معنى بدل الحيلولة.
يلاحظ عليه: أنّ الماء والخيوط وما أشبههما يُعدّان عندئذ من المتلفات مثل التلف الحقيقي فيكون هناك معاوضة قهرية بين البدل والمبدل. فلو طلب كمال القيمة ومع ذلك لم يُجز المسح بالرطوبة أو طلب الخيوط المقطعة، يُعد عمله هذا على خلاف العدل والإنصاف.
وأمّا لو غصب خل الغير، وصار خمراً عند الغاصب فهل يجب رد العين مع القيمة استصحاباً لحق الأولوية الثابتة للمالك قبل الغصب حيث إنّ الخل لو صار خمراً عنده لكان هو أولى به من غيره فيستصحب إلى ما صار خمراً عند الغاصب، أو لا يجب الرد؟ ذهب الشيخ إلى الأوّل، مؤيداً بأنّه لو عادت خلاً،

1 . المتاجر:112.
2 . قواعد الأحكام:2/235، وفي ما نقله الشيخ عن القواعد تصحيف وما أثبتناه هو الصحيح. ولعلّه من الناسخ لا من الشيخ نفسه.

صفحه 356
ثانياً ردت إلى المالك بلا خلاف ظاهر.
أقول: يؤيد قول الشيخ وجود الفرق بين المثالين والخمر فإنّ الرطوبة الباقية تعد تالفة وهكذا الخيوط، وهذا بخلاف الخمر فإنّه قابل للتخليل فلا مانع من بقاء حق الأولوية والاختصاص، غاية الأمر إذا قوّم، فإنّما يقوّم بعنوان الخل الّذي صار خمراً وهو قابل لئن يكون خلاً. وعندئذ تكون القيمة أنقص من الخل الّذي أُريق وتلف، وعندئذ لا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.

5. حكم نماء البدل والمبدل

لما كان الغرض المهم، هو الانتفاع بالبدل، فتكون عامة نماءات البدل له، إنّما الكلام في نماء المبدل فالتالف منه غير مضمون، لأنّ الغاية من دفع البدل تدارك المنافع غير المستوفاة، وأمّا غير التالف كنتاج الغنم فمقتضى القاعدة انّه ملك المالك، لمّا عرفت من عدم خروجه عن ملكه.

6. ارتفاع القيمة بعد الدفع

إذا ارتفعت قيمة العين بعد دفع البدل فهل يضمن الغارم ذلك الارتفاع أو لا؟ اختار الشيخ عدم الضمان قائلاً بأنّ مقتضى صدق الغرامة على المدفوع، خروج الغارم عن عهدة العين وضمانها، فلا يضمن ارتفاع قيمة العين، سواء كان للسوق أو للزيادة المتصلة أو المنفصلة كالثمرة، ولا يضمن منافعها.1 ثم إنّه حكى الضمان عن «التذكرة» والتوقّف عن «جامع المقاصد».
وما اختاره الشيخ هو الأقوى، لأنّ الغرض الأقصى هو الخروج عن العهدة

1 . المتاجر:113.

صفحه 357
والضمان مادام لم يردّ العين. فالقول بضمان الارتفاع بعد الدفع وقبل ردّ العين مناقض للغرض المنشود من دفع البدل. وربّما يقال بالتفصيل بين كونه «بدلاً عن العين أو السلطنة المنقطعة. فعلى الأوّل لا يضمن لبقاء العين بخلاف الثاني»لانقطاع السلطنة. وبما أنّ الشيخ يقول بالثاني، فلازم كلامه، ضمان الارتفاع مع أنّه لم يقل به هنا.

7. وجوب الردّ عند التمكّن

لا شكّ في وجوب رد العين بعد التمكّن منه وجوباً تكليفياً، لبقاء المبدل في ملكه، «وعلى اليد ردُّ ما أخذت حتّى تؤدّي»، وان توقف على المؤونة كما كانت الحال كذلك قبل دفع البدل. واستصحاب سقوط وجوب الردّ حين التعذر، غير تام،لأنّ سقوطه حين التعذر كان للتعذر العقلي وقد انقلب الموضوع. نعم للغاصب حبس العين حتّى يردّ البدل أخذاً بحكم البدلية، خلافاً لصاحب الجواهر حيث قال بعدم جواز الحبس لضرورة عدم المعاوضة الّتي مقتضاها ذلك في المقام، وإن كانت هي معاوضة معنوية فليست هي إلاّ نحو من كانت عنده عين، لمن له عنده كذلك.1
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقام وما قاسه عليه، حيث لا مقابلة ولا بدلية هناك، بخلاف المقام فإنّ البدل يحكي عن معناه وانّه عوض ذاك.

8. حكم بدل الحيلولة عند التمكّن من الردّ

إذا تمكّن من الردّ، فهل تخرج الغرامة عن ملك المالك وتعود إلى ملك

1 . الجواهر:37/132.

صفحه 358
الغارم فيضمن القابض العين من يوم التمكّن ضماناً جديداً، بمثله أو قيمته يوم حدوث الضمان أو يوم التلف أو أعلى القيم، أو تبقى على ملك مالك العين وتكون العين مضمونة بها لا بشيء آخر في ذمّة الغاصب، فلو تلفت استقر بالتلف ملك المالك على الغرامة فلا يحدث بالتمكّن سوى حكم تكليفيّ بالردّ.
الظاهر هو الثاني كما عليه الشيخ، لأنّ المفروض كونه بدلاً حتّى يردّ، لا أنّه بدل حتّى يتمكن من الردّ ، مضافاً إلى استصحاب كون العين مضمونة بالغرامة وعدم طروء ما يزيل ملكيته عنها.
بلغ الكلام إلى هنا عشية يوم الثلاثاء تاسع
رجب المرجب من شهور عام 1428هـ
في مدينة قم المحمية في جوار
الحضرة الفاطمية عليها
آلاف التحية والسلام.

صفحه 359

الفصل الرابع

في شرائط المتعاقدين

1. العقل.
2. البلوغ.
3. الرشد.
4. قصد المتعاقدين مدلول العقد.
5. الاختيار أو طيب النفس أو الرضا بالعقد.
6. إذن المولى لو كان العاقد عبداً.
7. كونهما ـ أو أحدهما ـ مالكين أو مأذونين من المالك.
8. كونهما ـ أو أحدهما ـ مأذونين من قبل الشارع كتصرف الأب والجد والفقيه الجامع للشرائط وعدول المؤمنين.

صفحه 360

صفحه 361
أركان البيع بالصيغة ثلاثة:
1. صيغة العقد.
2. شرائط المتعاقدين.
3. شرائط العوضين.
وقد تكفّل الفصل الثاني للبحث عن الركن الأوّل1، بقي الكلام في الركنين الأخيرين وهذا الفصل يتكفّل ببيان شرائط المتعاقدين كما أنّ الفصل الخامس يهتم ببيان شرائط العوضين، وبالإحاطة بمحتويات هذه الفصول تتم دراسة المباحث المهمة للبيع.

1 . وتضمن الفصل الثالث، البحث عن أحكام المقبوض بالعقد الفاسد.

صفحه 362

في شرائط المتعاقدين

1ـ3

العقل والبلوغ والرشد

ذكر الشيخ الأنصاري بطلان عقد الصبي مشعراً بأنّ الشرط هو البلوغ أو كون الصغر مانعاً، وكان عليه أن يذكر العقل والرشد، فإنّ الجميع من شرائط المتعاقدين عند المشهور وذَكَر المحقّق البلوغ والعقل فقال:«فلا يصح بيع الصبي ولا شراؤه ولا المجنون».1
فالأولى ذكر الشروط الثلاثة: العقل والبلوغ والرشد مضافاً إلى ما سيأتي من الشروط المتبقية.

في شرائط المتعاقدين

1

العقل

لا شكّ أنّ العقل من شرائط المتعاقدين فالمجنون غير مكلّف ولا قاصد.
بقي الكلام في الشرطين الأخيرين فلندرسهما تالياً:

1 . الشرائع:2/8.

صفحه 363

في شرائط المتعاقدين

2

البلوغ

اتّفق الفقهاء على بطلان عقد الصبي وبالتالي اتفقوا على شرطية البلوغ أو مانعية الصغر، وسيوافيك الصور المختلفة لعقد الصبي، إنّما الكلام في دليل هذا الشرط أو مانعية ضدّه.
إنّ الكتاب والسنّة يدلاّن على شرطية البلوغ، فمن الكتاب قوله سبحانه:(وَآتُوا الْيَتامى أَموالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبيثَ بِالطِّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلَى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبيراً).1
وقال سبحانه:(وَابْتَلُوا الْيَتَامى حَتّى إِذَا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَروا وَمَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَاشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللّهِ حَسِيباً).2
إنّ تفسير الآيتين والاستدلال بهما بحاجة إلى بيان مفرداتهما وتفسير جملهما، فنقول:
1. (الْيَتَامى): الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليُتم الانفراد ومنه: «الدرة اليتيمة»، واسم اليتيم مختص بالصغير فمادام يتيماً لا يجوز دفع ماله إليه، وإذا صار كبيراً زال عنه اليُتم ولا يوصف به فيجوز دفع ماله إليه، وبهذا يعلم أنّ المراد باليتامى هم الصغار. والحكم وإن كان متوجهاً إلى اليتيم ولكن المراد به

1 . النساء:2.
2 . النساء:6.

صفحه 364
مطلق الصغير وإن لم يكن يتيماً، لدوران المنع وعدمه بين الصغر والكبر فلا يجوز في الأوّل دون الثاني.وتخصيص الآية، اليتيمَ بالذكر لأنّه محل الابتلاء بحفظ الأموال ودفعها إليه عند كبره على ما ورد في الآية، وأمّا غير اليتيم فهو لا يملك شيئاً غالباً، لحياة مورّثه وإنّما يعيش في أحضان أبيه وأُمّه، فلا ملزم لذكره.
2. قوله سبحانه: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبيثَ بالطَّيِّبِ) المراد استبدال الحرام (وهو مال اليتامى) بالحلال وهو مال الولى، والمراد أخذ مال اليتيم الّذي هو الخبيث (بالنسبة إلى الآخذ) مكان مال الولي (الّذي هو الطيّب بالنسبة إليه)، نظير قوله سبحانه:(أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أَدْنَى بِالّذي هُوَ خَيْرٌ)1 أي أتقبلون الأدنى بدلاً عمّا هو الخير.
3. قوله في الآية الثانية: (وَلاَ تأْكُلُوها إِسْرافاً) أي لا تتجاوزا أيّها الأولياء في أكلكم من مال القاصر، الحدِّ المباح لكم، لأنّ الولي يجوز له أن يأكل من مال القاصر شريطة أن يكون فقيراً.
4.قوله: (وَبِداراً أَنْ يَكْبَروا) قد يبادر الولي ويستعجل ببعض التصرفات في أموال اليتيم مخافة أن يكبر وينتزع أمواله من الولي، فنهى اللّه سبحانه عن مثل هذا التصرف الّذي تعود فائدته على الولي لا على القاصر.
5. تستعمل لفظة «حتى» على وجوه ثلاثة:
تارة لبيان انتهاء الغاية وهو الغالب كما في المغني، كقوله سبحانه:(لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفينَ حَتّى يَرجع إِلينا موسى)2
وأُخرى ابتدائية فهي حرف تبدأ بعدها الجمل، فتارة تدخل على الجمل الاسمية كقول الفرزدق:

1 . البقرة:61.
2 . طه:91.

صفحه 365
فواعجبا حتى كُليبٌ تسبني *** كأنّ أباها نهشل أو مجاشع
ومعنى البيت: فوا عجب يسبني الناس حتى كليبٌ تسبني. كما أنّها تدخل على الجملة الفعلية كقوله سبحانه (ثم بدلنا مكانَ السيئة الحسنةَ حتى عفوا وقالوا قد مسّ آبائنا الضراءُ والسراءُ فأخذناهم بغتةً وهم لا يشعرون)1. وهذان الاستعملان هما المعروفان في لفظة حتى.2
ثالثة عاطفة، كقولك: جاء القوم حتى أبوك، وهو قليل جدّاً.
6. والمراد من «النكاح» في قوله: (حتى إِذا بلغوا النكاح) هو الاحتلام بشهادة قوله:(وَإِذا بَلَغَ الأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُم فَلْيَسْأذِنُوا).3
إذا عرفت ذلك فلنعرج إلى دلالة الآية على شرطية البلوغ في دفع الأموال إليهم واستقلالهم في المعاملة.

دلالة الآية على شرطية البلوغ بوجوه ثلاثة

تدلّ الآية المباركة على شرطية البلوغ بوجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: انّ «حتّى» في قوله سبحانه:(حتّى إِذا بَلَغُوا النّكاح) لبيان غاية الابتلاء ونهايته، والغاية(البلوغ) ولفظة «إذا» ظرفيّة لا شرطيّة، وعندئذ تحتمل الجملة معنين:
1. ابتلوا اليتامى في زمان إلى حدّ البلوغ.
2. ابتلوا اليتامى في زمان مع البلوغ.

1 . الأعراف:95.
2 . والفرق بين كونها للغاية أو للابتداء، هو أنّ الأُولى تفقد الاستقلال وتعد من متممات الجملة السابقة، والثانية تعدُّ جملة مستقلة وفي الوقت نفسه لها صلة بما قبلها كما هو شأن كل جملة مستأنفة.
3 . النور:59.

صفحه 366
ثمّ إنّه سبحانه فرع على هذه الفقرة قوله:(فإِنْ آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم)وعندئذ يختلف معنى التفريع، باختلاف معنى الفقرة السابقة.
فعلى الأوّل يكون المراد: (فإن آنستم منهم رشداً) في تلك الفترة: أي من بدء الاختبار إلى زمان البلوغ (فادفعوا إليهم أموالهم).
وعلى الثاني يكون المراد: ( فإن آنستم منهم رشدا) بعد البلوغ(فادفعوا إليهم أموالهم).
فلو صحّ المعنى الأوّل يكون الموضوع لدفع الأموال هو الرشد، ففي أي زمان أثبت الاختبارُ رشدهم تدفع إليهم أموالهم سواء كان قبل البلوغ أم بعده.
وأمّا على الثاني فبما أنّه تفريع على الابتلاء مع البلوغ يكون الموضوع لدفع الحال أمران : رشدهم مع البلوغ.
ولكن الاحتمال الأوّل مردود بوجهين:
أمّا أوّلاً: إذ لو كان الموضوع هو الرشد تماماً فلا وجه لذكر البلوغ، إذ لا مدخلية له.
وثانياً: انّ قوله سبحانه (وبداراً أن يكبُروا) يُرشد إلى أنّ الموضوع لدفع المال هو بلوغهم وكبرهم، غاية الأمر دلت الآية على انضمام الرشد فتعيّن المعنى الثاني وهو شرطية الرشد مع ضمّ البلوغ
فإن قلت: إذا كان الموضوع للدفع هو اجتماع الوصفين بحيث لا يجوز الدفع قبلهما، فلماذا أوجب الابتلاء قبل البلوغ من زمان يحتمل فيه الرشد إلى أوّل زمان بعد البلوغ؟
قلت: يحتمل أن يكون ذلك لأحد وجهين أو كليهما:
1. أهمية الموضوع واحتياج كشف الرشد وإيناسه إلى زمان معتدّ به يُجرَّب

صفحه 367
فيه الطفل ويعلم منه العقل والتدبير، وهو ممّا لا يمكن الاطلاع عليه بشهر أو شهرين.
2. لعل الأمر بالابتلاء قبل البلوغ ـ حين احتمال الرشد ـ إلى أوّل زمان البلوغ، لأجل عدم التأخير في ردّ المال إلى صاحبه في أوّل زمان اجتمعت فيه الشرطان وعدم الأكل منه في أوّل زمان استقلاله.1
ثمّ إنّ في تفسير الآية نظرين آخرين: الأوّل لأبي حنيفة، والثاني للمحقّق الإيرواني. وإليك دراستهما:
أمّا النظر الأوّل فقد ذهب أبو حنيفة إلى شرطية البلوغ في صحة المعاملة لكنّه يستثنى ما يقصد الابتلاء قبل البلوغ ويقول:إذا كان الابتلاء في زمان احتمال الرشد وقبل البلوغ فالعقود الصادرة منه في هذه الفترة تكون محكومة بالصحة، وعندئذ لا يكون البلوغ شرطاً للصحة؟وإليك كلام الرازي في تبيين نظره.
استدلّ أبو حنيفة بالآية على صحّة البيع في فترة الاختبار وقال: إنّ قوله: (وَابْتَلُوا الْيَتامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) يقتضي أنّ هذا الابتلاء إنّما يحصل قبل البلوغ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنّه هل له تصرف صالح للبيع والشراء؟ وهذا الاختبار إنّما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار، فهو داخل في الاختبار بدليل أنّه يصحّ الاستثناء، يقال: وابتلوا اليتامى إلاّ في البيع والشراء، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أنّ قوله:(وَابْتَلُوا الْيَتَامى)أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم.2

1 . منية الطالب:1/170; كتاب البيع:2/17.
2 . التفسير الكبير للرازي:9/188.

صفحه 368
وأجاب عنه الشافعي بأنّه ليس المراد من قوله:(وابْتَلُوا الْيَتامى) الإذن لهم بالتصرف حال الصغر، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) فإنّما أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنّه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر وجب أن لا يدفع إليه المال ولو للاختبار و يجوز تصرفه حال الصغر، لأنّه لا قائل بالفرق.
أقول: ما أجاب به الشافعي غير تام، لأنّ دفع المال إلى الصبي على قسمين:
1. دفع شيء يسير من ماله ليتّجر به ويختبر حاله فهذا غير مشروط بالبلوغ.
2. دفع مجموع أمواله إليه وإطلاق يده في التصرف بها بما يشاء.
والّذي اتّفق الفقهاء على بطلانه هو الثاني لا الأوّل، فادّعاء عدم الفرق بين القسمين غير صحيح.
والأولى أن يجاب: أوّلاً: بأنّ الابتلاء الّذي هو مقدمة لإيناس الرشد لا يتوقف على دفع شيء من ماله إليه ليتّجر به، بل يتحقّق بالأُمور الكثيرة في داخل البيت وخارجه حتّى يعلم مدى رشده. ويمكن التوصل إلى معرفة ذلك من خلال علم النفس.
ثانياً: يمكن أن يقوم الطفل بمقدمات المعاملة مع حضور الولي، فإذا كان العمل الّذي اتّفق عليه مفيداً غير ضارّ، يقدم الولي على إنجاز هذا العقد.
وحصيلة الكلام: انّ كلام أبي حنيفة مبني على أنّ المراد من الابتلاء هو تجارة الصبي بنفسه بشيء من ماله مع أنّه غير صريح ولا ظاهر في الابتلاء بالتجارة، فإنّ لإيناس الرشد طرقاً أُخرى، وعلى فرض كون المراد التجارة، لا دليل على استقلاله في حال الابتلاء. بل يكون الولي وراءه فينفذ إذا كان العمل نافعاً ويردّ إذا كان ضاراً.

صفحه 369
وأمّا النظر الثاني فهو للمحقّق الإيرواني قال: لا يبعد استفادة أنّ المدار في صحة معاملات الصبي على الرشد من الآية: (وابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتّى إِذَا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) على أن تكون الجملة الأخيرة استدراكاً عن صدر الآية وأنّه مع استيناس الرشد لا يتوقف في دفع المال ولا ينتظر البلوغ وأنّ اعتبار ]أمر [البلوغ طريقي اعتبر أمارة إلى الرشد بلا موضوعية له.1
ويلاحظ عليه: بأنّه لو كان الرشد تمام الموضوع لزم عند ذلك لغوية ذكر البلوغ في الآية.
إلى هنا تمّ الوجه الأوّل لدلالة الآية على شرطية البلوغ في دفع مال اليتيم إليه. وأساس الاستدلال، هو حمل «حتى» على بيان الغاية للحكم بالابتلاء.

الوجه الثاني لدلالة الآية على شرطية البلوغ

يفارق هذا الوجه ، الوجه السابق بحمل «حتى» على أنّه ابتدائية وليست لبيان الغاية وانّ «إذا» في قوله: (إِذا بلغوا)للشرطية وعلى ضوء هذين الأمرين قال:
الأصـوب أن تكـون إذا للشـرط كمـا هـو الأصـل فيهـا، وجوابـها مجمـوع الـشرط والجـزاء، وهـو قـولـه:(فـإنْ آنسْتُم...) وحتـى حرف ابتـداء وغـايتهـا مضمـون الجملـة التـي بعــدهـا، وهـو دفـع المال عقيب إينـاس الـرشد الـواقع عقيب بلوغ النكـاح، وإنّمـا كان كـذلك، لأنّ دفـع المال فـي الآية مشـروط بإينـاس الـرشد، فيكون مـؤخراً عنـه، وهذا الدفع المشروط بالإيناس

1 . تعليقة الإيرواني:107.

صفحه 370
مشروط بالبلوغ فيكون المشروط(ادفعوا) بشرطه(آنستم رشداً) المتقدم عليه، متأخراً عن البلوغ الذي هو شرط فيه، وترتب الشروط بحسب الوقوع، ترتيبها في الذكر، فإنّها في الآية قد وقعت على التوالي».1
وحاصل كلامه ـ مع ما في لفظه من التعقيد ـ أنّ هنا جملاً ثلاث:
1. (حتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاح).
2.(فإنْ آنسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً).
3. (فادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَموالهُم).
إنّ الجملة الشرطية في الجملتين الأُوليين يحتاج إلى جواب ولا شك أنّ جزاء الشرطية الثانية (فإنْ آنسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً) هو قوله:(فادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَموالهُم).
وأمّا الجملة الشرطية الأُولى فما جزاؤها، فاختار أنّ الجزاء هو مجموع الشرط والجزاء في الجملة الثانية والثالثة.
وأمّا كيفية الدلالة على شرطية البلوغ فهو أنّ دفع المال الوارد في الجملة الثالثة مشروط بإيناس الرشد، والمفروض أن إيناس الرشد متفرع على البلوغ فيكون دفع المال أيضاً متفرعاً على البلوغ.

الوجه الثالث لدلالة الآية على شرطية البلوغ

إنّ لسيدنا الأُستاذ بياناً ثالثاً يقرب من البيان الأوّل حاصله: أن تكون «حتى» (للغاية) و يكون المراد من الآية الكريمة أنّ لزوم الابتلاء مستمر إلى زمان البلوغ، وبعد استمراره إليه. إمّا أن يعلم رشده فيُرد إليه ماله أو لا فلا يُردّ، ولازم

1 . الجواهر:26/19.

صفحه 371
ذلك عدم كون واحد منهما تمام الموضوع لاستقلاله ووجوب دفعه إليه، وإنّما المجموع موضوع له.
ثمّ قال: وإنّما أوجب الابتلاء من زمان يحتمل فيه الرشد إلى زمان البلوغ، لأجل أهمية الموضوع ، واحتياج كشف الرشد وإيناسه إلى زمان معتدّ به، جرّب فيه الطفل، واحتياج كشف الرشد وإيناسه إلى زمان معتدّ به، جرّب فيه الطفل.
إلى هنا تمت دلالة الكتاب على شرطية البلوغ.

الصور الخمسة لتصرفات الصبيّ

وأمّا السنّة فستوافيك ما يدل عليه ضمن الاستدلال على أحكام الصور الخمسة في بيع الصبي، وإليك بيانها إجمالاً:
1. تصرفات الصبي لنفسه استقلالاً من دون سبق إذن من الولي أو لحوق إجازة منه.
2. تصرفات الصبي لنفسه مع سبق إذن الولي أو إجازته.
3. مباشرة الصبي لإجراء العقد فقط بعد مساومة الوليّ متاعاً وتعيين القيمة له.
4. مباشرة الصبي العقود والإيقاعات وكالة عن غيره بإذن الولي.
5. إذا كان الصبي وسيلة لإيصال كلّ من المالين إلى مالك آخر مع رضا الطرفين.
وإليك دراسة الصور:

صفحه 372

الصورة الأُولى

إذا عقد الصبي لنفسه استقلالاً

إذا عقد الصبي لنفسه استقلالاً من دون سبق إذن من الولي، فهذا هو الّذي اتّفق الفقهاء 1على بطلانه.
لأنّ صحته تنافي ولاية الولي المتّفق عليها. وإنّ لازم كونه تحت ولاية الأب والجدّ عدم صحّة عقده لنفسه من دون مباشرة الولي.

الصورة الثانية

إذا عقد لنفسه بإذن سابق من الولي

إذا تصرف الصبي في أمواله مستقلاً بإذن الولي فهل يجوز أو لا؟
المشهور هو عدم الصحة، نعم تردد المحقّق في الشرائع في إجارة المميز بإذن الولي 2 بعدما جزم بالصحة في العارية.3
وقال العلاّمة في القواعد: وفي صحة بيع المميز بإذن الولي نظر.4
وقد ذكر الشيخ5 بعض كلمات القوم في هذا المقام.
لكن من المحتمل أن تكون هذه الكلمات ناظرة إلى الصورة الثالثة، أعني، ما إذا كان عاقداً بإذن الولي لا متصرفاً، بل كان الولي متصرفاً والصبي عاقداً.

1 . إلاّأبا حنيفة في فترة اختبار الصبي قبل البلوغ، كما مرّ.
2 . الشرائع:2/180.
3 . الشرائع:2/171.
4 . القواعد:1/169.
5 . المتاجر:114.

صفحه 373
وعلى كلّ تقدير يمكن تأييد القول بالصحة بأنّ عقد الصبي لما كان ناقصاً من جانب المقتضي لأجل صباه فيستتم النقص بإذن الولي، وهذا ليس أمراً غريباً وله في الفقه نظائر، مثلاً ربما يكون النقص من جانب المقتضي كعقد الباكر لنفسها فيستتم النقص بإجازة الولي، وأُخرى يكون ناقصاً من جهة المانع كما إذا باع الراهن العين المرهونة بلا إذن المرتهن فإذا أذن يرتفع المانع وهو تعلق حق المرتهن بها.
ومع ذلك كلّه فالأقوى وفاقاً للمشهور هو البطلان، وذلك أخذاً بمضمون الآية، لأنّ تعليق جواز دفع مال الصبي إليه على البلوغ ويدلّ على أنّ المانع من دفع المال هو عدم البلوغ والمفروض كون الصبي غير بالغ، فتجويز دفع المال مع عدم البلوغ وإن كان بإذن الولي مخالف لمضمون الآية وأنّ إذنه لا يكون مشرّعاً.
ويدلّ على البطلان أيضاً ما دلّ من الروايات على أنّ أمر الغلام لا يجوز.
1. روى حمزة بن حمران، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ الجارية إذا تزوجت ودُخِلَ بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليُتم ودفع إليها مالها وجاز أمرها في الشراء والبيع، والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع ولا يخرج من اليتم حتّى يبلغ خمسة عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك».1
2. مرسلة الصدوق(رحمه الله) قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها وجاز أمرها في مالها وأُقيمت الحدود التامة لها وعليها».2
3. ما رواه أبو الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:سأله أبي

1 . الوسائل:12، الباب14 من أبواب عقد البيع، الحديث1; وكذا الجزء 13، الباب2من أبواب الحجر، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب2 من أبواب الحجر، الحديث2.

صفحه 374
ـ وأنا حاضر ـ عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال: «حتّى يبلغ أشدّه» قال: وما أشدُّه؟ قال: «احتلامه» قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقل أو أكثر ولم يحتلم؟ قال: «إذا بلغ وكتب عليه الشيء جاز أمره، إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً».1
ولا شكّ أنّ البيع في هذه الصورة أمر الصبي وليس أمرَ الولي فيشمله قوله(عليه السلام):«لا يجوز أمره في الشراء والبيع» ومجرد إذن الولي لا يوجب إسناد الفعل إليه، وإنّما يفيد إذنه في تتميم نقصان المقتضي لا في إسناد الفعل إلى الوليّ، وهذا بخلاف ما يأتي في الصورة الثالثة أو الرابعة فإنّ الفعل فيهما فعل الولي غاية الأمر يباشر الصبي مجرد إجراء العقد أصالة في أمواله ووكالة في أموال الغير.
وعلى ضوء ذلك فإطلاق الرواية يعمّ الصورتين: إذنَ الولي وعدم إذنه، وبذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده الشيخ حيث قال: لكن الإنصاف أنّ جواز الأمر في هذه الروايات ظاهر في استقلاله في التصرف، لأنّ الجواز مرادف للمضي. فلا ينافي عدمُه ثبوتَ الوقوف على الإجازة، كما يقال: بيع الفضولي غير ماض بل موقوف على الإجازة.2
وذلك لأنّ إطلاق الرواية يشمل كلتا الصورتين: إذن الولي وعدمه، وتخصيصه بصورة عدم الإذن يحتاج إلى الدليل، وقياسه بالفضولي قياس مع الفارق لوجود الدليل في الأوّل دون المقام.
وبالجملة فهذه الصورة لا مجال فيه للبحث والمحاولة لتصحيح العقد. وقد عرفت أنّ دفع المال ولو بإذن المولى مخالف لما تُرشد إليه الآية، حيث إنّها تأمر بالقبض قبل أن يجتمع الشرطين، فتجويز الدفع قبل البلوغ مخالف لذلك.

1 . نفس المصدر والباب، الحديث5.
2 . المتاجر:114.

صفحه 375

الاستدلال على الصحّة بموثقة السكوني

ثمّ إنّه ربّما يستدل على صحة معاملات الصبي ـ إذا أذن الولي ـ بموثقة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«نهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كسب الإماء، فإنّها إن لم تجد زنت إلاّ أمة قد عرفت بصنعة يد، ونهى عن كسب الغلام الصغير الّذي لا يحسن صناعة بيده فإنّه إن لم يجد سرق».1
توضيح الاستدلال: انّ النهي في الحديث يحتمل أحد وجهين:
1. الحمل على الكراهة فإن حمل عليها فصحة بيع الصبي واضحة ووجه الكراهة كونه مظنة التهمة والسرقة، نظير كراهة المعاملة مع أعوان الظلمة لاحتمال أنّ في أموالهم مالاً حراماً.
2. الحمل على الحرمة فإن حمل عليها ـ كما هو ظاهر النهي ـ فالتعليل بأمر عرضي (لو لم يجد لسرق) دليل على صحة المعاملة. إذ لو كانت معاملة الصبي باطلة بذاتها، لكان المتعيّن التعليل به، فعدم التعليل بأمر ذاتي والعدول إلى التعليل بأمر عرضي دليل الصحة .
يلاحظ عليه: بأنّ الكسب الوارد في كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «نهى عن كسب الصبيان» يحتمل أحد معنيين:
الأوّل: أن يحمل على المعنى المصدرى أي تكسّبه وعمله، وحينئذ يتم الاستدلال، لأنّ تعليل الفعل المحرم بالأمر العرضي مع وجود الذاتي دليل على الكراهة.
الثاني: أن يكون الكسب بمعنى ما اكتسبه من المال وملكه بحيازة أو هبة أو بيع.

1 . الوسائل:12، الباب33 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 376
وعندئذ تتضمن الرواية أمرين:
أ. نهي المكلفين عن أخذ ما بيد الصبي من الأموال لكونه معرضاً للاتّهام.
ب. الإشعار بمالكية الصبي لما في يده، غير أنّه لا يكون ملازماً لصحة عقوده، لأنّ الطريق إلى تحصيل المالك ليس منحصراً بالبيع حتّى تدلّ على صحته، بل له طرق أُخرى محللة، كالاتهاب بالهبة، والتملّك بالحيازة وأخذ اللقطة فيما لا يحتاج إلى تعريف سنة، كما إذا لم يكن له علامة وغير ذلك ممّا يمكن أن يكون مصدراً لما في يده. فإمضاء مالكية الصبي لما في يده لا يكون دليلاً على إمضاء بيعه، لما عرفت من أنّ مصدر مالكيته لا ينحصر بالبيع بل له طرق أُخرى.
وإن أبيت إلاّ عن حمل الرواية على المعنى الأوّل فهو مخالف للكتاب العزيز.

الصورة الثالثة:

في صحة مباشرة الصبي العقد في أمواله

إذا ساوم ولي الصبي متاعاً وعيّن له قيمة وأمر الصبي بمجرد إيقاع العقد مع الطرف الآخر فهل يصحّ أو لا؟
الظاهر هو الصحّة ولعلّ ما نقلناه من الشرائع والتحرير والتذكرة من القول بالصحة راجع إلى هذه الصورة، وما ذلك إلاّ لأنّ الشيخ الأنصاري لم يفرق بين الصورتين، وليس للبطلان وجه سوى القول بدلالة الروايات على أنّه مسلوب العبارة وأنّه ليس لكلامه أثر ولا قيمة، مع أنّ الآية والرواية خالية من الدلالة عليه.
أمّا الآية فلأنّها ناظرة إلى شرطية الأمرين ـ البلوغ والرشد ـ في دفع أمواله إليه

صفحه 377
وصيرورته في التصرف، وأين هو من إجراء العقد للغير من دون دفع أمواله إليه واستقلاله في التصرّف؟!
فلو كان إسلام الصبي إسلاماً حقيقياً وعباداته شرعية فلماذا يكون مسلوب العبارة في المقام.
وأمّا الروايات فهي على طوائف، وإليك دراستها:

الطائفة الأُولى: ما دلّ على عدم جواز أمر الصبي

ويمكن أن يستدلّ على البطلان بما تقدّم من الروايات الثلاث المتقدمة الدالة على عدم جواز أمر الصبيّ.
أقول: إنّ هذه الطائفة لا دلالة لها على أنّ الصبي مسلوب العبارة فإنّ الموضوع هو (مضي أمره) وهو ظاهر فيها إذا كان مستقلاً في الأمر، فإنّ إضافة لفظ الأمر إلى الضمير العائد إلى الغلام يدلّ على اعتماد الأمر عليه لا على وليه والمفروض هو العكس.
ولذلك نرى الشيخ يقول: ولكن الإنصاف انّ جواز الأمر في هذه الروايات ظاهر في استقلاله في التصرف.1
ويدلّ على ما ذكرنا أيضاً هو استثناء السفيه والضعيف من قوله:«جاز أمره في رواية أبي الحسين بيّاع اللؤلؤ حيث ورد فيها: إذا بلغ وكتب عليه الشيء جاز أمره: إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً.
وجه الدلالة: هو انّ السفيه ليس مسلوب العبارة وإنّما هو غير مستقل في التصرف فيعلم من ذلك أنّ المراد من قوله: «لا يجوز، أمره» أي لا يستقل في

1 . المتاجر:114.

صفحه 378
التصرف، فإذا بلغ جاز له التصرف مستقلاً إلاّ إذا كان مقروناً بالسفه والضعف في العقل.

الطائفة الثانية: ما دلّ على رفع القلم عن الصبي

روى ابن ظبيان قال: أُتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي(عليه السلام): «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ».1
وجهة الاستدلال على كون الصبي مسلوب العبارة هو أنّ المرفوع قلم جعل الأحكام، فهو غير محكوم بشيء من الأحكام التكليفية والوضعية فكيف يصحّ عقده؟!
والجواب عن الاستدلال : ما ذكره الشيخ من أنّ الظاهر منه قلم المؤاخذة2 وهذا لا ينافي جواز ممارسته لمجرد إجراء العقد دون التصرف في الأموال.
والّذي يدلّ على ذلك ـ أي أنّ المرفوع هو العقوبة ـ ورود «الرفع »في مورد المكره أيضاً في حديث الرفع، أعني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«رُفع عن أُمّتي تسعة... وما استكرهوا عليه»، ولم يقل أحد بأنّ المكره مسلوب العبارة، لأنّه بعد ما رضي وطابت نفسه صحّ عقده.
وعلى ضوء ما ذكرنا يجب التفكيك بين ما يرجع إلى الصبي وبين ما يرجع إلى غيره فالمرفوع هو الأوّل دون الثاني، مثلاً إذا تولى الولي مباشرة البيع ولكن حوّل

1 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث11. قد رواه الصدو