welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 1
   
    الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 2

صفحه 3
السياسة الإسلاميّة
         1
الحدود والتعزيرات
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
العلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني، 1347ق. ـ
الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1432 ق. = 1390
6 ـ 482ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجز الفهرس طبقاً لمعلومات فيبا:
1. الحدود والتعزيرات. 2. فقه الشيعة ـ ـ القرن الخامس عشر . ألف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.
1390 7ت 2س/ 102BP   179/297
اسم الكتاب:    الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء
المؤلّف:    الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1432هـ . ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:655                  تسلسل الطبعة الأُولى:378
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir
info@tohid.ir

صفحه 5
m
الحمد لله رب العالمين ; والصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل بريته محمد وآله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أمّا بعد;
فإنّ إجراء الحدود والتعزيرات الواردة في الكتاب والسنّة رهن وجود حكومة إسلامية تتبنّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء وفق الشريعة الإسلامية الغرّاء.
إلاّ أنّ وجود مثل هذه الحكومة كانت أُمنية ـ كغيرها من الأماني الكثيرة ـ ولأجل ذلك كانت دراسة قسم من أبواب الفقه مهجورة غير معروفة، لا اجتهاداً ولا تقليداً، وقلّما يتفق لفقيه أن يؤلّف كتاباً حول الجهاد أو القضاء الشرعي أو الحدود والتعزيرات، وأمثالها.
وبعد أن بزغت علينا شمس الإسلام وقامت الثورة الإسلامية في إيران متبنية تطبيق الأحكام الشرعية على أرض الواقع، وجب على أساتذة وفقهاء

صفحه 6
الحوزة الغور في هذه المباحث وتبيين أحكامها حتّى يتسنّى لقضاة الشرع القضاء بين الناس على وفقها .
ولأجل هذه الغاية بدأنا ـ ونحن في سنة 1400 هـ ـ تدريس الحدود والتعزيرات بحضور جمع من فضلاء الحوزة العلمية، عسى أن يوفّقنا الله سبحانه لأداء ما على عاتقنا من مسؤولية نشر أحكام الشريعة المحمدية السمحاء. وقد تناولنا البحث على ضوء ما جاء في كتاب «شرائع الإسلام» للمحقّق الحلّي (قدس سره)، الّذي قسّم كتابه إلى قسمين، ونحن نقتفيه وإن كان لنا بعض الملاحظات على تقسيمه.
القسم الأوّل: في الحدود. وفيه أبواب: 1. في حدّ الزنا. 2. في اللواط والسحق والقيادة. 3. في القذف. 4. في شرب الخمر. 5. في السرقة. 6. في المحارب وقطع الطريق. وهذا القسم بأبوابه الستّة متّفق عليه بين العلماء.
القسم الثاني: في التعزيرات. وفيه أبواب: 1. في المرتد. وهو من الحدود حسب رأينا ورأي أكثر العلماء. 2. في إتيان البهائم ووطء الأموات وما يتبع ذلك. 3. في الدفاع عن النفس والنفيس. وهو يختص بكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب رأينا.
والحمد لله رب العالمين
جعفرالسبحاني
5 صفر المظفر 1400 هـ

صفحه 7
القسم الأوّل:
كتاب الحدود
وفيه مقدّمة وأبواب
   مقدّمة: الحدّ والتعزير لغة واصطلاحاً
   في أسباب الحد وفيه ستة أبواب
1. في حدّ الزنا
2. في حدّ اللواط والسحق والقيادة
3. في حدّ القذف
4. في حدّ المسكر والفقّاع
5. في حدّ السرقة
6. في حدّ المحارب

صفحه 8

صفحه 9

الحدّ والتعزير لغةً واصطلاحاً

الحدّ لغة

الحدّ في اللغة بمعنى المنع، وبهذا المعنى الواحد استعمل في الموارد التالية; فيسمّى الحاجز بين البيتين حدّاً كما يطلق على ما بين البلدين من حواجز، وعلى المعرّف التام، ويسمّى البوّاب والسجّان حدّاداً أيضاً، كلّ ذلك بملاك واحد وهو المنع من الدخول والخروج حسب المعنى المناسب لكلّ مورد.
وسمّيت أحكام الله حدوداً لأنّها خطوط يحرم تجاوزها، يقول سبحانه: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)1، وقال سبحانه: (وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)2، وقال أيضاً: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَ نِفَاقًا وَ أَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)3.

1 . البقرة: 187 .
2 . البقرة: 229 .
3 . التوبة: 97 .

صفحه 10
 
الحدّ في مصطلح الشرع
الحدّ هو عبارة عن العقوبة الّتي عيّنها الشارع كمّاً وكيفاً في مورد
العصاة.
وإن شئت قلت: عقوبة مقدّرة بتقدير الشارع، وربّما يطلق الحدّ على نفس الجريمة يقال: ارتكب الحدّ فاستحقّ العقوبة.

التعزير لغة

التعزير بمعنى المنع، يقال: عزّره عن كذا منعه وردّه; وربّما يستعمل بمعنى التفخيم والتعظيم، قال سبحانه: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )1، فإنّ التعزير في الآية بمعنى التفخيم والتعظيم لا النصرة بقرينة أنّه ذكرها بقوله: (وَ نَصَرُوهُ). وسُمّي التأديب الشرعي تعزيراً لأنّ الحاكم بتأديبه يمنعه عن معاودة القبيح.

التعزير اصطلاحاً

في أسباب الحدّ   
التعزير عبارة عن عقوبة لا تقدير لها بأصل الشرع; وبعبارة أُخرى: الحدّ عبارة عن ارتكاب المحرّم الّذي عيّن الشارع له العقوبة كمّاً وكيفاً، والتعزير عبارة عن ارتكاب المحرّم الّذي لم ينصب الشارع له حدّاً بل أوكله إلى نظر الحاكم.

1 . الأعراف: 157 .

صفحه 11
وإن شئت قلت: التعزير تأديب دون الحدّ، فخرجنا بالنتيجة التالية:
أنّ التأديب على قسمين: مقدّر، وغير مقدّر .
نعم ربّما يستعمل التعزير في مورد الحدّ، إذ أنّ صاحب الوسائل عقد باباً بعنوان: باب «أنّ من أكره زوجته على الجماع نهاراً في شهر رمضان بطل صومه ووجب عليه كفّارتان والتعزير بخمسين سوطاً ولا شيء عليها، فإن طاوعته فعلى كلّ منهما كفّارة والتعزير بخمسة وعشرين سوطاً» وقد ذكر فيه رواية واحدة والوارد فيها هو أنّه حدّ لا تعزير، لتعيينه كمّاً وكيفاً، إذ أنّ ما جاء فيها هو: «وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحدّ، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً وضربت خمسة وعشرين سوطاً» 1.
ثم إنّ الروايات تشبّه الحدود بالمطر، ففي رواية حنان بن سدير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة وأيامها» 2.
وجه التشبيه كما أنّ المطر يطهّر الأرض من الأقذار ويورث الخصب، فهكذا الحدّ يطهّر المجتمع من الرذائل أوّلاً وينبت الفضائل ثانياً.

أسباب الحدّ

ذكر المحقّق أنّ أسباب الحدّ ستة:
1. الزنا .

1 . الوسائل:7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم وقت الامساك، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب مقدمات الحدود واحكامها العامّة، الحديث 2.

صفحه 12
2. ما يتبعه (الزنا) من اللواط والسحق والقيادة.
3. القذف، ولواحقه، كسبّ النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام)، ومَن ادّعى النبوّة، والساحر...
4. شرب الخمر والفقاع.
5. السرقة.
6. قطع الطريق.1
وهو موافق لما عليه الحنفية، ويرى المالكية أنّ الحدود سبعة فيضيفون إليها الردّة والبغي، وربّما عدّ بعض الشافعيّة منها القصاص، حتّى أنّ المالكية عدّ تارك الصلاة عمداً من الحدود.2
لا شك أنّ الموارد المذكورة من قبيل الحدّ، لا التعزير ، لأنّ التعزير عبارة عن ارتكاب المحرّم الذي لم ينصب الشارع له حدّاً مخصوصاً، وهو موكول إلى ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه بخلاف الحدّ، وتظهر الثمرة في اختصاص الحدّ بأُمور:
1. درء الحدّ بالشبهة، 2. عدم اليمين في الحدّ، 3. عدم الكفالة فيه، 4. للإمام العفو عن الحدّ الثابت بالإقرار، دون البيّنة، 5. عدم الشفاعة فيه.
إذا عرفت ذلك فلندرس العناوين التي ذكرها المحقّق، بإذن الله سبحانه.

1 . شرائع الإسلام: 4/147.
2 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 17 / 131 ـ 132.

صفحه 13

الباب الأوّل:

في حدّ الزنا

الزنا من المفاهيم العرفية الواضحة التي لا يتأمّل في فهم معناها أحد من الناس، فلا تحتاج إلى التعريف.
وقد روي أنّ ماعز بن مالك لمّا أقرّ بالزنا أربعاً، قال له النبي(صلى الله عليه وآله): أتعرف الزنا؟ فقال: هو أن يأتي الرجل حراماً كما يأتي حلالاً.1
ومع ذلك فقد عرّفه المحقّق بقوله: إيلاج الرجل ذكره في فرج امرأة محرّمة من غير عقد ولا ملك ولا شبهة، ويتحقّق ذلك بغيبوبة الحشفة قبلاً أو دبراً.2 فقوله:«من غير عقد...» تفسير للمحرّمة.
يلاحظ عليه: أنّ المعرَّف لو كان مطلق ما يسمّى زناً سواء أترتّب عليه الحدّ أو لا، يكون قوله:«ولا شبهة» زائداً; لأن الوطء بالشبهة زنا لكن لا يترتّب عليه الحدّ، فيكون التعريف غير جامع، لخروج الوطء بالشبهة عن التعريف مع أنّه داخل فيه; وإن كان المعرّف خصوص ما يترتّب عليه الحدّ فيجب إضافة قيود أُخرى من العقل والبلوغ والاختيار، إلاّ أن يقال: إنّ قوله:

1 . جواهر الكلام :41/ 260 عن طريق العامة.
2 . شرائع الإسلام :4/149.

صفحه 14
«محرّمة» دليل على وجود هذه الشروط; لأنّ المرأة لا تحرم على الرجل من دون هذه الشروط.
وعرّفه ابن رشد بقوله: كلّ وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين، وقال: هذا متّفق عليه بالجملة من علماء الإسلام.1وهو يشمل كلا الطرفين، بخلاف التعريف السابق فإنّه يختصّ بالرجل مع أنّ الزنا يعمّه والمرأة.
ومع ذلك يرد عليه بعض ما أوردناه على التعريف السابق.
هل يشترط الإنزال في وجوب الحدّ أو يكفي مجرّد الدخول؟
الظاهر هو الثاني، أي كفاية غيبوبة الحشفة. ويدلّ على ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام)قال: سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال: «إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم».2
في حدّ الزنا   
ونظيره صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريباً من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل». فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: «نعم».3 ومن المعلوم أنّ ما هو الموضوع للغسل هو الموضوع للمهر والرجم، فلا يرد الإشكال باختصاص الصحيحة بالغسل فلا يلازم كون الالتقاء كافياً في غيره ـ أعني: المهر والرجم ـ لما عرفت من وحدة الموضوع.

1 . بداية المجتهد2/424، ط مصر.
2 . الوسائل:1، الباب6 من أبواب الجنابة، الحديث 1.
3 . الوسائل:1، الباب6 من أبواب الجنابة، الحديث 2.

صفحه 15
وأمّا كفاية غيبوبة الحشفة فقد جاء التصريح به في صحيحة ابن بزيع، وربّما يتوهّم دخول الكلّ لما في صحيحة محمد بن مسلم: «إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم».1
يلاحظ عليه: أنّ صحيحة ابن بزيع صريحة في كفاية التقاء الختانين فيقدّم على ظهور الحديث الآخر.
وأمّا كفاية الدخول في الدبر فهو صريح المحقّق كما مرّ، وقال في الجواهر نقلاً عن الرياض: لم أجد فيه خلافاً.2
نعم ظاهر المقنعة والنهاية اختصاصه بالفرج.
قال الشيخ المفيد في «المقنعة»: الزنا الموجب للحدّ وطء من حرّم الله تعالى وطأه من النساء بغير عقد مشروع إذا كان الوطء في الفرج خاصّة دون ما سواه.3
وفي «النهاية» ذكر الشيخ الطوسي قريب من عبارة المقنعة.4 ويؤيّدهما ما رواه ابن بزيع من قوله: «إذا التقى الختانان» كما مرّ.
نعم في «الوسيلة»: في الوطء في دبر المرأة قولان: أحدهما: أن يكون زنا، وهو الأثبت ; والثاني: أن يكون لواطاً.5

1 . الوسائل:1، الباب6 من أبواب الجنابة، الحديث1.
2 . جواهر الكلام :41/ 260.
3 . المقنعة:774.
4 . النهاية:688.
5 . الوسيلة:409.

صفحه 16
ويمكن أن يستظهر العموم من القبل والدبر من قوله في صحيحة محمد بن مسلم:«إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم»، مضافاً إلى صدق الفاحشة وسوء السبيل الوارد في قوله سبحانه:(وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً )1 عليه.
هذا كلّه في الإنسان السالم، وأمّا مقطوع الحشفة فالظاهر كفاية دخول مقدار الحشفة ; لأنّ التحديد بها لإيعاز كفاية دخول مقدارها دون أن يكون للحشفة مدخلية.
في شرائط ثبوت حدّ الزنا   

شرائط ثبوت حدّ الزنا

لا شكّ أنّ الحدّ عقوبة دنيوية على الإنسان المكلّف الذي اقترف المعصية، والتكليف مشروط بالأُمور العامّة التي اتّفق العقلاء على شرطيتها في كلّ مورد ـ أعني: العقل والقدرة والعلم بالموضوع ـ ودلّ النقل على شرطية الاختيار في مقابل الإكراه، فكلّ ما دلّ من الأدلّة على شرطية هذه الأُمور في التكاليف كاف في المقام أيضاً من دون حاجة إلى الاستدلال على لزوم وجود كلّ واحد من هذه الشرائط.
وعلى ضوء هذا فالمستفيضة المعروفة عن الإمام علي(عليه السلام): «أما علمت إنّ القلم يرفع عن ثلاثة:... وعن المجنون حتى يفيق»،2 وحديث الرفع المعروف الّذي رواه الصدوق بسند صحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال

1 . الإسراء:32.
2 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث11.

صفحه 17
رسول الله(صلى الله عليه وآله): «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه... الخ».1 فإنّهما كافيان في شرطية الاختيار وخروج المكره عن الحكم.
وعلى ضوء هذه الأدلّة العامّة فلا نحتاج في إثبات شرطية الأُمور العامّة في ترتّب حكم الزنا، إلى دليل خاص، ومع ذلك وردت روايات خاصّة في هذا المورد أيضاً، وإليك هذه الشروط:
الأوّل: العقل
لا حدّ على المجنونة إجماعاً، ولا على المجنون على المشهور.
ويدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى حكم العقل برفع الحدّ عنهما ـ روايات نظير:
1. ما رواه الأصبغ بن نباتة قال: أُتي عمر بخمسة نفر أُخذوا في الزنا، فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم الحدّ، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) حاضراً فقال: «يا عمر ليس هذا حكمهم».
فحكم على الخامس منهم بالتعزير، فقال: «وأمّا الخامس فمجنون».2
2. ما رواه علاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) في امرأة زنت وهي مجنونة، قال: «إنّها لا تملك أمرها».3

1 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث16.
3 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2. ولاحظ الحديث 3 من هذا الباب، والحديث 1 من الباب 21، والحديث 1 من الباب 26، والحديث 11 من الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات .

صفحه 18
نعم يخالفه ما رواه أبان بن تغلب في خصوص المجنون والمعتوه قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحدّ، وإن كان محصناً رُجم». قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة؟ فقال: «المرأة إنّما تؤتى، والرجل يأتي، وإنّما يزني إذا عقل كيف يأتي اللذة، وإنّ المرأة إنّما تُستكره ويفعل بها وهي لا تعقل ما يفعل بها» .1
ولكن الرواية محمولة على بقاء تمييز وشعور له بقدر أقل مناط التكليف، كما يُفهم من قوله (عليه السلام).
الثاني: البلوغ
يدلّ على شرطية البلوغ روايات منبثّة في مقدّمة العبادات وكتاب الحجر والوصايا، وغير ذلك، ونقتصر على ما يلي:
1. روى يزيد الكناسي، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «الجارية إذا بلغت تسع سنين، ذهب عنها اليتم وزوّجت وأُقيمت عليها الحدود التامّة لها وعليها».2
2. روى حُمران قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) قلت له: متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامّة ويقام عليه ويؤخذ بها؟ قال: «إذا خرج عنه اليُتم وأدرك». قلت: فلذلك حدٌ يُعرف به؟ فقال:«إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر أو أنبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامّة».3
3. ما رواه الأعمش عن ابن ظبيان قال: أُتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت،

1 . الوسائل:18، الباب21 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
2 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث3.
3 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث2.

صفحه 19
فأمر برجمها فقال علي(عليه السلام): «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ».1
وبما أنّ المسألة اتّفاقية اقتصرنا بالمذكور من الروايات.
الثالث: الاختيار
يشترط في ثبوت الحدّ كون الزاني مختاراً في عمله، لا مكرهاً.
قال المحقّق: ويشترط في تعلق الحدّ، العلم بالتحريم، والاختيار.2
وفي الجواهر ـ بعد ذكر العبارة المتقدّمة ـ قال: على الأصحّ.3
وقد عقد في الوسائل باباً باسم «سقوط الحدّ عن المستكرهة على الزنا ولو بأن تُمكِّن من نفسها خوفاً من الهلاك عند العطش وتصدّق إذا ادّعت»، وقد أورد فيه ثمانية أحاديث.
ففي رواية طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)قال: «ليس على زان عُقر ـ المهر ـ و لا على مستكرهة حدّ».4
وفي رواية موسى بن بكر قال: سمعته وهو يقول: «ليس على المستكرهة حدّ، إذا قالت: إنّما استكرهت».5
قال المحقّق: ويسقط الحدّ مع الإكراه، وهو يتحقّق في طرف المرأة قطعاً،

1 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11.
2 . شرائع الإسلام:4/150.
3 . جواهر الكلام:41/262.
4 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حد الزنا، الحديث 5.
5 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حد الزنا، الحديث6.

صفحه 20
وفي تحقّقه في طرف الرجل تردّد، والأشبه إمكانه، لما يعرض من ميل الطبع المزجور بالشرع.1
وفي الجواهر عن «الغنية»: الجزم بعدمه ; لأنّ الإكراه يمنع عن انتشار العضو وانبعاث القوى، لتوقّفهما على الميل النفساني المنافي لانصراف النفس عن الفعل المتوقّف عليه صدق الإكراه، وإليه يرجع ما في كشف اللثام من التعليل بعدم انتشار الآلة إلاّ مع الشهوة المنافية للخوف.2
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين الإكراه على العمل الذي ينزجر عنه الإنسان حسب الطبع، وبين الإكراه بمعنى الصارف مع ميل النفس بالذات، والمانع عن الانتشار هو الأوّل دون الثاني.
وبعبارة أُخرى: لو كان العمل ممّا لا يقبله الطبع فهو يمنع عن الانتشار خلافاً لما يميل إليه الطبع ولكن يصدّه عن العمل، الخوفُ من الحدّ، أو العذاب الأُخروي.
نعم الوارد في الروايات هو المستكرهة، وذلك لأنّ الإكراه في مورد الزنا غالباً ما يقع من جانب الرجل لا المرأة.
وهنا نكتة وهي أنّ ظاهر عبارة المحقّق وغيره أنّ المكرَه غير مختار، ولكنّه خلاف التحقيق، بل هو مختار بمعنى أنّه بعد ما رأى نفسه بين أمرين يختار الأهون وكان في وسعه أن يختار الأشق ولا يزني، فالأَولى أن يقال: إنّ الشرط: عدم الإكراه لا الاختيار .

1 . شرائع الإسلام: 4/150.
2 . جواهر الكلام:41/265.

صفحه 21
الرابع: العلم
قال المحقّق ـ بعد ذكر العلم من الشرائط ـ : وكذا يسقط في كلّ موضع يتوهم الحلّ كمن وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته فوطئها.1
أقول: أي من غير فرق بين الجاهل بالحكم أو الجاهل بالموضوع. ويدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى الأدلّة العامّة الدالّة على شرطية العلم في التكليف التي وردت في باب البراءة ـ خصوص ما ورد في المقام، نظير ما تضافر في مَن آمن ودخل في الإسلام لكن شرب الخمر وزنا، فلمّا اعتذر بجهله قبل عذره. روى محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): رجلاً دعوناه إلى جملة الإسلام، فأقرّ به ثم شرب الخمر وزنا وأكل الربا، ولم يتبيّن له شيء من الحلال والحرام، أُقيم عليه الحدّ إذا جهله؟ قال: «لا، إلاّ أن تقوم عليه بيّنة أنّه قد كان أقرّ بتحريمها».2
ويظهر من هذه الروايات معذورية الجاهل في الحدود مضافاً إلى ما روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:«أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه».3
والظاهر كما مرّ عدم الفرق بين الجاهل بالحكم ـ كما هو مورد أكثر الروايات ـ والجاهل بالموضوع.
روى أبو بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة تزوجها رجل

1 . شرائع الإسلام:4/150.
2 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2; ولاحظ الحديث 1و 3 و 4و 5.
3 . الوسائل:8 ، الباب45 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 22
فوجد لها زوجاً؟ قال: «عليه الجلد وعليها الرجم، لأنّه تقدّم بعلم]بغير علم [وتقدّمت هي بعلم».1
واستدلّ المحقّق الخوئي على شرطية العلم بدخول عدم الاستحقاق في مفهوم الزنا كالغصب والسرقة، فلا يصدق مع الجهل بالموضوع أو الحكم.
يلاحظ عليه: أنّ الألفاظ موضوعة للمفاهيم الواقعية لا المعلومة، فليس الزنا إلاّ كسائر الأعمال، كالضرب والقتل أو الشتم، لايراد منها إلاّ المفاهيم الواقعية، ولذلك عُدّت المجامعة مع الشبهة زناً، مع أنّ العدوان لا يصدق عليها.
نعم الغصب والسرقة فرع العدوان فهو داخل في حقيقتها.
   

الوطء عن شبهة

اتفقت كلمتهم على درء الحدّ بالشبهة، والمراد منها هنا هو الوطء عن شبهة، واختلفوا في تعريفه، فعرّف بتعاريف:
1. الوطء الذي ليس بمستحق مع عدم العلم بالتحريم، ومقتضاه الاكتفاء بالاحتمال وإن كان مرجوحاً.2

1 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 5. وفي الكافي المطبوع: 7 / 193 ح 3 «بغير علم» ونقله أيضاً في الوسائل عن الكافي أيضاً وهو الظاهر، وحمل العلاّمة المجلسي «الحّد» فيه على التعزير لتقصيره في التفتيشِ، أو على ما إذا ظنّ أنّ لها «زوج» وذكر الشيخ في الاستبصار احتمالات أُخرى، لاحظ : ج 4 / 209، الباب 120 : مَن تزوّج امرأة ولها زوج، الحديث 781.
2 . مسالك الأفهام: 7 / 202، نقله عنه في الجواهر.

صفحه 23
2. الوطء الذي ليس بمستحق مع ظن الاستحقاق،1 ومقتضاه كفاية الظن.
3. الوطء الذى ليس بمستحق في نفس الأمر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق، ومقتضاه القطع بالحلّية .2
ثمّ إنّ صاحب الجواهر عدل عن ظاهر التعريف إلى تعميم الاعتقاد 3للقطع والظن الذي لم يتنبه صاحبه إلى عدم جواز العمل به، ولو بتقصير منه في المقدّمات وتعميمه أيضاً للمقصّر فيما اقتضاه، كأهل المذاهب الفاسدة وغيرهم.4
والأولى أن يقال بأنّه الوطء الذي ليس بمستحق مع استناده إلى حجّة شرعية، سواء أكانت الحجّة هي الأصل كما إذا كانت دائرة الحرام غير محصورة; أو كان غيره، كما إذا عوّل على إخبار المرأة بعدم الزوج، أو انقضاء العدّة إذا كانت ثقة، أو أفاد قولها الوثوق، أو شهادة العدلين بطلاق الزوج أو موته، أو كان قاطعاً بالحلّية جهلاً، ونحو ذلك.
والحاصل أن يستند إلى حجّة شرعية، ولا يضر احتمال عدم الاستحقاق.
وبذلك يظهر حال الجاهل بالموضوع أو الحكم، فإنّ ملاك المعذورية هو الاستناد إلى حجة شرعية، سواء أَكان محتملاً للخلاف أو كان جهلاً مركباً،

1 . رياض المسائل:13/427، حيث قال: فظنها زوجته أو أمته.
2 . جواهر الكلام:29/244 نقلاً عن المصابيح للعلاّمة الطباطبائي.
3 . أي تعميم الاعتقاد في التعريف الثالث.
4 . جواهر الكلام:29/255.

صفحه 24
فالجهل عن قصور أو عن تقصير في المقدّمات مع ارتكاب الفاعل عن حجّة شرعية مسقط للحدّ دون مَن كان جاهلاً بالحكم عن تقصير لكن ملتفتاً إلى جهله، أو بالموضوع مرتكباً بلا حجة شرعية. ففي هذه المواضع يثبت الحدّ.
وبذلك يظهر ضعف الأقوال الثلاثة المتقدمة، فإنّ الاكتفاء بالاحتمال مع كون الأصل في الإعراض هو الحرمة، أو الاكتفاء بالظن مع كون الأصل فيه عدم الحجّية، غير صحيح، وتخصيصه بصورة وجود القطع مع كون الحجّية أوسع منه، كذلك أيضاً.
وما ذكرناه هو المستفاد من صحيحة يزيد الكناسي والتي جاء فيها: قلت: فإن كانت تعلم أنّ عليها عدّة ولا تدري كم هي؟ فقال:«اذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتى تعلم».1
فهذه الجملة تعطي ضابطة كلّية في باب العذر، وهي لزوم وجود الحجّة في ارتكاب العمل مطلقاً. بل يستفاد من هذه الرواية أنّه لا يوجد في هذه المسائل جاهل بالحكم بين المسلمين، فقد جاء فيها: قلت: أرأيت إن كان ذلك منها بجهالة، قال فقال: «ما مِن امرأة اليوم من نساء المسلمين إلاّ وهي تعلم أنّ عليها عدّة في طلاق أو موت، ولقد كنّ نساء الجاهلية يعرفن ذلك».2 فإذا كان لزوم العدّة من الواضحات فحرمة الزنا أوضح.
و من هنا نقف على حكم عدّة مسائل وهي:
1. لو عقد على امرأة محرّمة كزوجة الولد والأب والمرضعة جاهلاً

1 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
2 . نفس المصدر.

صفحه 25
بالموضوع فوطئها سقط عنه الحدّ، وأمّا لو كان جاهلاً بالحكم فهو ليس بمعذور حسب صحيحة يزيد الكناسي، لأنّ هذه المسألة يعرفها عامّة المسلمين.
2. من وجد على فراشه امرأة فاعتقد أنّها زوجته، فوطئها، سقط الحدّ عن الطرفين، وإن كان من أحد الطرفين سقط عنه، وذلك لأنّ ثبوت الحدّ على كلّ من الرجل والمرأة فرع عدم المعذورية، فالمشتبه معذور دون غيره.
3. لو تشبهت امرأة بزوجة رجل فوطئها فعليها الحدّ دونه، لما مرّ من أنّ ثبوت الحدّ على كلّ من الرجل والمرأة فرع عدم المعذورية، فالمشتبه معذور دون غيره.
وأمّا ما رواه أبو روح: أنّ امرأة تشبّهت بأمة لرجل ـ و ذلك ليلاً ـ فواقعها وهو يرى أنّها جاريته، فرفع إلى عمر فأرسل إلى علي(عليه السلام) فقال: «اضرب الرجل حدّاً في السرّ، واضرب المرأة حدّاً في العلانية»،1 فهي مؤوّلة متروكة، ففي «نكت النهاية»: سمعت من بعض فقهائنا أنّه أراد إيهام الحاضرين بالأمر بإقامة الحدّ على الرجل سرّاً، ولم يُقم الحدّ عليه، استصلاحاً وحسماً للمادّة لئلاّ يتّخذ الجاهل، الشبهة عذراً.2
ومن الغرائب ما نقله الشيخ عن أبي حنيفة في كتاب الحدود، حيث قال: إذا عقد النكاح على ذات محرم له كأُمّه وبنته وخالته وعمّته من نسب أو رضاع أو امرأة ابنه أو أبيه أو تزوّج بخامسة أو امرأة لها زوج ووطئها، أو وطأ

1 . الوسائل:18، الباب38 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . نكت النهاية: 3 / 295، وقوله: «استصلاحاً» تعليل لقوله: «إيهام الحاضرين بالأمر... الخ».

صفحه 26
امرأة بعد أن بانت باللعان أو بالطلاق الثلاث مع العلم بالتحريم فعليه القتل في وطء ذات محرم، والحدّ في وطء الأجنبية. وبه قال الشافعي إلاّ أنّه لم يفصّل، وقال: وقال أبو حنيفة: لا حدّ في شيء من هذا، حتى قال: لو استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها لا حدّ عليه، فإن استأجرها للخدمة فوطئها فعليه الحدّ.1
من شرائط ثبوت حدّ الزنا: الإحصان   
ونقل ابن رشد ما نقله الشيخ عن أبي حنيفة حيث قال: ومنها ما يراه أبو حنيفة من درء الحدّ عن واطئ المستأجر، والجمهور على خلاف ذلك، وقوله في ذلك ضعيف ومرغوب عنه، وكأنّه رأى أنّ هذه المنفعة أشبهت سائر المنافع التي استأجرها عليها فدخلت الشبهة وأشبه نكاح المتعة.2
وقال في «المغني»: وإن تزوّج ذات محرمه فالنكاح باطل بالإجماع، فإنّ وطئها فعليه الحدّ في قول أكثر أهل العلم، منهم: الحسن وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو أيوب وابن أبي خيثمة; وقال أبو حنيفة والثوري: لا حدّ عليه لأنّه وطء تمكّنت الشبهة منه فلم يوجب الحدّ، كما لو اشترى اخته من الرضاع ثم وطئها، وبيان الشبهة أنّه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الّذي هو سبب للإباحة فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة بقيت صورته شبهة دارئة للحدّ الّذي يندرئ بالشبهات.
ولنا: أنّه وطء في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك، والواطئ من أهل الحدّ عالم بالتحريم فيلزمه الحدّ، كما لو لم يوجد

1 . الخلاف:5/386.
2 . بداية المجتهد:2/425.

صفحه 27
العقد، وصورة المبيح إنّما تكون شبهة إذا كانت صحيحة، والعقد هاهنا باطل محرّم وفعله جناية تقتضي العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة.1
ولا يخفى أنّ بهذه الفتيا تمنع السماء ماءها، والأرض بركاتها، فلابدّ من تأويل ذلك كما أولّه ابن رُشد، وإن كان فيه ما فيه.
ثم إنّ القوم ـ تبعاً للشرائع ـ ذكروا في المقام أُموراً حول الإكراه من ثبوت المهر عليه وغيره، وبما أنّ موضع بحثها هو كتاب النكاح، فقد عنونه صاحب العروة في كتاب النكاح في المسألة الثالثة عشرة من الفصل الرابع، وعنونه شيخ مشايخنا الحائري في تقريراته(الصفحة 52)، فالأولى إحالة هذه البحوث إلى كتاب النكاح، ولنذكر بقية الشرائط.

الخامس: الإحصان

إنّ الحِصْن بمعنى الحفظ ويستعمل في القلاع والأمكنة المستحكمة لكونها محفوظة من التعرّض.(2) ويجمع على حصون، قال الله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ)2، وقال سبحانه:(لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة).3
ومنه درع حصينة لكونها حصناً للبدن.
والمراد به هنا المرء المحفوظ بزوجته، أو المرأة المحفوظة بزوجها.

1 . المغني:10/152 ـ 153 .   2 . المقاييس:1/69.
2 . الحشر:2.
3 . الحشر:14.

صفحه 28
وربّما يستعمل في مطلق العفيفة، قال سبحانه: (وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا).1
ثمّ إنّه يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: إحصان الرجل.
الثاني: إحصان المرأة.
   

الكلام في إحصان الرجل

قال الشيخ: ليس من شرط إحصان الرجم الإسلام، بل شرطه الحرّية والبلوغ وكمال العقل والوطء في نكاح صحيح ; فإذا وجدت هذه الشرائط فقد أُحصن إحصان رجم، وهكذا إذا وطأ المسلم امرأته الكافرة فقد أُحصنا. وبه قال الشافعي.2
وقال المحقّق: ولا يثبت الإحصان الذي يجب معه الرجم حتى يكون الواطئ بالغاً حرّاً ويطأ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرق متمكّناً منه يغدو عليه ويروح..... وفي اعتبار كمال العقل خلاف، فلو وطأ المجنون عاقلة وجب عليه الحدّ رجماً أو جلداً; هذا اختيار الشيخين (رحمهما الله)، وفيه تردد... إلى أن قال: والإحصان في المرأة كالإحصان في الرجل، لكن يراعى فيها كمال العقل إجماعاً.3
وقبل الدخول في تبيين الشروط اللازمة نشير إلى ما ذكره الشيخ من

1 . التحريم:12.
2 . الخلاف:5/402. كتاب الحدود، المسألة 46.
3 . شرائع الإسلام:4/150 ـ 151 .

صفحه 29
عدم شرطية الإسلام في الإحصان، وقد اختلف فيه فقهاء السنّة، فاشترطه مالك وأبوحنيفة ولم يشترطه الشافعي. واستدلّ الشافعي بحديث متّفق عليه من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) رجم اليهودي واليهودية اللّذين زنيا إذ رفع إليه اليهود، قال تعالى: (وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ).1(2)
واستدلّ الشيخ الطوسي على عدم الاشتراط بما رواه ابن المسيّب عن أبي جويرة أنّ يهوديين أقرّا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالزنا وكانا قد أُحصنا، فرجمهما، وهذا صريح في الرجم والإحصان .(3)
ولم يرد في الروايات شيء من شرطية الإسلام.
وقد اشترط في الإحصان أُمور، فلندرسها بالترتيب التالي:

1. العقل

ويدلّ عليه ما دلّ على شرطيته في الحدّ الأصغر، وإنّما خالف فيه الشيخان حيث ذهبا إلى وجوب الحدّ على خصوص المجنون، وتحقّق الإحصان منه فيثبت عليه الرجم معه والجلد بدونه، استناداً إلى رواية أبان بن تغلب عن الصادق(عليه السلام)2، وقد مرّ تأويل الرواية; وفي المسالك أنّ هذه الرواية ظاهرة في كون الفاعل غير مجنون وإن كان صدرها قد تضمّن حكم المجنون، فتحمل على مجنون يعتوره الجنون إذا زنى بعد تحصينه، لتناسب العلّة التي ذكرها في الرواية.3

1 . المائدة: 42.    2 . بداية المجتهد:2/407.   3 . الخلاف:5/403.
2 . الوسائل:18، الباب21 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
3 . مسالك الأفهام :14/333.

صفحه 30
أضف إلى ذلك: أنّ الاعتماد على رواية واحدة في مقابل ما دلّ على شرطية العقل في التكاليف، واتّفاق العقلاء على رفع التكليف عن المجنون، أمر غير صحيح.

2.البلوغ

ويدلّ عليه ما دلّ على شرطيته في الحدّ الأصغر، فالصبي ليس بمحصن ولا حدّ عليه، لأنّ فعله ليس بجنابة حتى تناط به عقوبة.

3. الحرّية

فلا رجم على العبد، فالرقيق ليس بمحصن ولا يرجم بالزنا، وإن أصاب في نكاح صحيح، ففي الجواهر: لا خلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.1
ويدلّ عليه صحيح أبي بصير ـ يعني المرادي ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في العبد يتزوج الحرّة ثم يعتق فيصيب فاحشة، قال: فقال: «لا رجم عليه حتّى يواقع الحرّة بعد ما يعتق».2
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه الشيخ عن زرارة، عن الحسن بن السّري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا زنى العبد والأمة وهما محصنان فليس عليهما الرجم، عليهما الضرب خمسين، نصف الحدّ».3

1 . جواهر الكلام:41/269.
2 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
3 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 3.

صفحه 31
وروى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في العبيد إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة وإن كان مسلماً أوكافراً أو نصرانياً، ولا يرجم ولا يُنفى».1
ورفع الرجم عن العبد والأمة وإن كانا متزوّجين لأجل تخفيف الحكم عنهما في مقابل ما عليهما من التكاليف مقابل مالكهما.
وفقدان الموضوع في مجتمعاتنا وزماننا الحاضر يغنينا عن إفاضة الكلام فيه.

4. التمكّن من الوطء الصحيح

يشترط في تحقّق الإحصان أن تكون له زوجة دائمة قد دخل بها أو أمة كذلك وهو متمكّن من وطئها متى شاء أو أراد، فلو كانت زوجته غائبة عنه بحيث لا يتمكّن من الاستمتاع بها، أو كان محبوساً فلا يتمكّن من الخروج إليها، لم يترتّب عليه حكم الإحصان.
وهذا الشرط ينحل إلى أُمور:
أ. أن تكون له زوجة دائمة، فلا تكفي الزوجة المؤقّتة.
ب. أن تكون له أمة مملوكة، فلا تكفي الأمة المحلّلة.
ج. الوطء قبل أن يزني.
د. تمكّنه من الوطء متى شاء.
وإليك بيانها:

1 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.

صفحه 32
أمّا كفاية الزوجة الدائمة فيدلّ عليه إطلاق صحيح إسماعيل بن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت: ما المحصن رحمك الله؟ قال: «من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهومحصن».1
وما رواه الكليني عن أبي بصير قال:قال: «لا يكون محصناً حتى تكون عنده امرأة يغلق عليها بابه».2 وهو صريح في الدائم.
وأمّا عدم كفاية المنقطعة فيدلّ على ذلك ما رواه إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي إبراهيم(عليه السلام): الرجل تكون له الجارية أتحصنه؟ قال: فقال: «نعم، إنّما هو على وجه الاستغناء»، قال: قلت: والمرأة المتعة؟ قال: فقال: «لا، إنّما ذلك على الشيء الدائم».3
وما رواه الحفص البختري، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل يتزوّج المتعة أتحصنه؟ قال: «لا، إنّما ذلك على الشيء الدائم عنده».4
وما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: «لا يرجم الغائب عن أهله، ولا المملك الذي لم يبن بأهله، ولا صاحب المتعة».5
وأمّا كفاية الأمة المملوكة وعدم كفاية المحلّلة فيدلّ عليه ما مرّ في رواية إسحاق بن عمّار وروايته الأُخرى قال: سألت أبا إبراهيم عن الرجل إذا هو زنا

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث6.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
4 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
5 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.

صفحه 33
وعنده السرية والأمة يطأها، تحصنه الأمة وتكون عنده؟ قال (عليه السلام): «نعم، إنّما ذلك لأنّ عنده ما يغنيه عن الزنا».1
ولعلّ الروايتان متّحدتان، مع اختلاف في اللفظ.
إلى غير ذلك من الروايات.
وأمّا عدم كفاية الأمة المحلّلة فلأنّ الأصل في باب الحدود هو الاحتياط، خرج منه ما إذا تمكّن من الزوجة والأمة المملوكة، وبقيت المحلّلة تحت المنع.
ثم إنّ كفاية الأمة المملوكة ممّا انفرد به مشاهير الإمامية، بخلاف غيرهم فلا يثبت عندهم بالتمكّن منها الإحصانُ، قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في أنّ الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصناً، ولا نعلم خلافاً في أنّ التسرّي لا يحصل به الإحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح، ولا تثبت فيه أحكامه.2
وإليه ذهب بعض قدماء الأصحاب كابن جنيد وابن أبي عقيل. أمّا الأوّل فقال: أن يكون الزوجان حرّين مسلمين.... وقال الثاني: المحصن الذي يكون له زوجة حرّة مسلمة يغدو عليها ويروح.3
ودلّ عليه بعض الروايات، منها: ما رواه محمد بن مسلم عن أبي

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
2 . المغني:9/8.
3 . مختلف الشيعة:9/137.

صفحه 34
جعفر(عليه السلام)في الذي يأتي وليدة امرأته بغير إذنها، عليه مثل ما على الزاني يجلد مائة جلدة، قال: «ولا يرجم إن زنى بيهوديّة أو نصرانية أو أمة، فإن فجر بامرأة حرّة وله امرأة حرّة فإن عليه الرجم، وقال: وكما لا تحصنه الأمة واليهودية والنصرانية إن زنى بحرّة، كذلك لا يكون عليه حدّ المحصن إن زنى بيهودية أو نصرانية أو أمة وتحته حرّة».1
وهذه الرواية وما أشبهها مطروحة لقلّتها وكثرة المعارض، مضافاً إلى كونها موافقة للعامّة، وعلى فرض التعارض فيتساقطان، فالمرجع عموم قول أبي جعفر(عليه السلام): «من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن».2
وأمّا اشتراط الوطء قبل أن يزني فتدلّ عليه موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم(عليه السلام) فقد جاء فيها: فإن زعم أنّه لم يكن يطأها؟ قال: فقال: «لا يصدّق، وإنّما أوجب ذلك عليه لأنّه يملكها».3
ويدلّ عليه أيضاً رواية إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت: ما المحصن رحمك الله؟ قال: «من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن».4
وأمّا شرطية التمكّن فيدلّ عليها صحيح إسماعيل بن جابر المتقدّم،

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث9. ويلاحظ أنّ هذه الرواية هي ذاتها ما ذكره صاحب الوسائل في الباب الخامس برقم 1. ولا يضر اختلافهما في المتن بعدد وحدة المضمون لاحتمال النقل بالمعنى.
2 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
4 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 35
مضافاً إلى ما رواه حريز، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المحصن؟ قال: فقال: «الذي يزني وعنده ما يغنيه».1
وقد عقد صاحب الوسائل باباً تحت عنوان: عدم ثبوت الإحصان مع وجود الزوجة الغائبة ولا الحاضرة التي لا يقدر على الوصول إليها.2
أمّا الكلام في تحديد الموضوع ـ أعني: التمكّن من الوطء ـ فقد اختلف فيه لسان الروايات، فإنّ الروايات الواردة في هذا الموضوع بين ما هي تبيّن معنى المحصن، وبين ما تستثني جماعة، فلابدّ من دراسة الطائفتين واستخراج الموضوع منها:
أمّا الأُولى: فمنها ما رواه إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر، قال: قلت: ما المحصن رحمك الله؟ قال(عليه السلام):«من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن».3
وأمّا الطائفة الثانية: فقد حدّدت الموضوع بذكر المستثنى، وهو على أصناف:
1. المغيّب والمغيّبة: روى محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: «المغيّب و المغيّبة ليس عليهما رجم، إلاّ أن يكون الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل».4

1. الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
2 . لاحظ : الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ الزنا.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
4 . الوسائل:18، الباب3من أبواب حدّ الزنا، الحديث1 ; ولاحظ الحديث3، وذيل الحديث4.

صفحه 36
2. المحبوس: روى أبو عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل محبوس في السجن وله امرأة حرّة في بيته في المصر، وهو لا يصل إليها، فزنا في السجن قال: «عليه الحدّ (في نسخة: يجلد الجلد) ويدرأ عنه الرجم».1
3. المسافر: روى الحارث قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل له امرأة بالعراق، فأصاب فجوراً وهو في الحجاز؟ فقال(عليه السلام): «يضرب حدّ الزاني مائة جلدة ولا يرجم».2
والإمعان في هذه الأحاديث يعرب عن أنّ الموضوع في الواقع هو التمكّن من لقاء الزوجة، سواء أكان غائباً أو حاضراً أو مسافراً، وبذلك يعلم أنّ تحديد السفر في بعض الروايات بما إذا أوجب القصر والإفطار محمول على أنّ هذا الفاصل المكاني كان سبباً لعدم التمكّن، ففي رواية محمد بن الحسين رفعه، قال: الحدّ في السفر الذي إن زنا لم يرجم إن كان محصناً؟ قال: «إذا قصّر فأفطر».3
و قريب منه رواية عمر بن يزيد.4
ولا شك أنّ من سافر في زماننا ثمانية فراسخ وزنا مع تمكّنه من الرجوع لا يوصف بعدم التمكّن، كما أنّ من سافر يوماً ثم زنا لا يُعدّ غير متمكّن، بل

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
2 . الوسائل:15، الباب3 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
3 . الوسائل:18، الباب4، من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 37
الخارج عن القاعدة هو من غلب عليه الشبق ولا يتمكّن من إطفائه، فغلب عليه الهوى فزنى، فهو يُجلد ولا يُرجم.
ثمّ إنّه لا يلحق بغير المتمكّن من كانت امرأته حائضاً أو مريضة، لمنع القياس أوّلاً، ووجود الفارق ثانياً.

فرعان:

الأوّل: لو أولج غير البالغ ـ كما إذا كان مراهقاً ـ في زوجته بقدر الحشفة، ثم زنا بالغاً، لا يكون الوطء الأوّل معتبراً في تحقّق الإحصان، لأنّ المنصرف من أخبار الدخول غير هذا، ولو شُكّ في الكفاية فالأصل هو الاحتياط.
الفرع الثاني: يسقط الحدّ بادّعاء الزوجية ولا يكلّف المدّعي البيّنة واليمين; لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات، والمفروض عدم العلم بكذبه، ويمكن الاستئناس للحكم بما ورد في قبول قول المرأة بأنّ الرجل استكرهها . روى أبو عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّ عليّاً(عليه السلام) أُتي بامرأة مع رجل فجر بها، فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحدّ، ولو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا: لا تصدّق، وقد والله فعله أمير المؤمنين(عليه السلام)».1

القول في إحصان المرأة

قال المحقّق: والإحصان في المرأة كالإحصان في الرجل، لكن يراعى فيها كمال العقل إجماعاً.2

1 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1 ; ولاحظ الحديث2 و4.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 151 .

صفحه 38
يشترط في إحصان المرأة ما اشترط في إحصان الرجل وهي الأُمور التالية:
الأوّل: البلوغ، لرفع القلم عن غير البالغة.
الثاني: كمال العقل ـ إجماعاً ـ وإن اختلف في شرطيته في جانب الرجل، حيث خالف فيه الصدوق وصاحب المقنعة. فلا حدّ على المجنونة وإن زنا العاقل بها، لارتفاع التكليف عنها.
الثالث: الحرّية، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى عدم الخلاف ـ صحيحة بريد العجلي عن أبي عبدالله(عليه السلام) في الأمة تزني؟ قال: «تجلد نصف الحدّ، كان لها زوج أو لم يكن لها زوج».1
الرابع: أن يكون لها زوج دائم قد دخل بها، وهذا الشرط ينحل إلى أُمور:
أ. شرطية الزوج، وتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم في حديث:«إلاّ أن يكون الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل».2
ب. كون الزواج دائماً، ولم يرد شيء يدلّ عليه في جانب المرأة، وإنّما الوارد كما تقدّم اعتباره في جانب الزوج، ومع ذلك يمكن إلغاء الخصوصية، ففي موثقة إسحاق بن عمّار ـ من قوله: قلت: والمرأة المتعة؟ قال: فقال: «لا، إنّما ذلك على الشيء الدائم».3
فالمستفاد منها شرطية الدوام في الزواج من الطرفين.

1 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2، ولاحظ الباب33، الحديث3.
2 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1، ولاحظ أيضاً الباب27، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.

صفحه 39
ج. الوطء: ويدلّ عليه ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال:سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (فإذا أُحصنّ)؟ قال: «إحصانهن أن يدخل بهن». قلت: إن لم يدخل بهن، أما عليهنّ حدّ؟ قال: «بلى».1 أي بلى عليهنّ الحدّ بمعنى الجلد.
وربّما يحتمل اعتبار البصر، فلا يرجم الأعمى زوجاً كان أو زوجة، وليس عليه دليل صالح إذا ثبت أنّ الزنا تحقّق عن علم.
نعم لو أُدعيت الشبهة، كما لو وجد الأعمى المرأة في فراشه فيمكن قبول قوله في الشبهة.

حكم المطلّقة والمتوفّى عنها زوجها

المطلّقة إمّا رجعية أو بائنة، والظاهر من رواية يزيد الكناسي التفريق بينهما، فالمطلقة رجعيةً زوجةٌ، تترتب عليها آثار الزوجية، دون البائن، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن امرأة تزوّجت في عدّتها؟ فقال: «إن كانت تزوّجت في عدّة طلاق لزوجها عليها الرجعة فإنّ عليها الرجم».2
وأمّا البائن فتخرج بالطلاق عن الإحصان.
وأمّا الأرملة فقد اتّفقت كلمتهم على عدم الرجم، ويدلّ عليه ذيل صحيحة الكناسي فقد جاء فيها: «وإن كانت تزوّجت في عدّة بعد موت

1 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.

صفحه 40
زوجها من قبل انقضاء الأربعة أشهر والعشرة أيام، فلا رجم عليها، وعليها ضرب مائة جلدة».1
وأمّا لو طلّق زوجته خلعاً فرجعت الزوجة بالبذل ورجع الزوج بها، ثم زنا قبل أن يطأ زوجته لم يرجم، وهكذا إذا زنت زوجته قبل الدخول، لأنّهما خرجا عن الإحصان بالخُلع، والرجوع في حكم الزواج الجديد، وقد تقدّمت شرطية الدخول والمفروض عدمه.

في ثبوت الزنا بالإقرار

يثبت الزنا بالإقرار وتعتبر في المقرّ شروط ثلاثة:
1. العقل
فلا عبرة بإقرار المجنون وكلامه، وتقدّم ما يدلّ عليه.
2. الاختيار
فالمستكره مرفوع عنه الأثر، تكليفاً ووضعاً، فإقراره بمنزلة العدم، ولحديث الرفع، ومنه يُعلم عدم العبرة بإقرار السكران والنائم والساهي والغافل. وقد مرّ أنّ الأولى التعبير بـ«عدم الإكراه».

3. الحرية

ذكره المحقّق ضمن شرائط نفوذ الإقرار.2

1 . الوسائل:18، الباب27من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
2 . شرائع الإسلام:4/151.

صفحه 41
وجاء في «الرياض» قوله: بلا خلاف كما في سائر الأقارير، بل اعتبارها هنا أولى.1
ويدلّ عليه أمران:
الأوّل: أنّه إقرار في حق المولى وأنّه مملوك له فلا ينفذ إقرار الإنسان في حق الغير.
الثاني: ما رواه الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«إذا أقرّ المملوك على نفسه بالسرقة لم يقطع وإن شهد عليه شاهدان قطع».2ومورده هو السرقة لكـن الملاك في السـرقة والـزنا واحد، لأنّه إقـرار في حق الغير.
وفي «القواعد»: أنّه لو صدّقه مولاه صحّ، ولو أُعتق بعد الإقرار فالأقرب الثبوت.3
وفي «الجواهر»: يتّجه قبوله مع تصديق المولى وتبعيته به بعد العتق مع عدمه .4
وربّما يقاس المقام على الإقرار بإتلاف مال فإنّه يثبت به الضمان من حين الإقرار ويكلّف بتفريغ الذمّة بعد العتق.

1 . رياض المسائل:13/430.
2 . الوسائل:18، الباب35 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.
3 . قواعد الأحكام :3/522.
4 . جواهر الكلام:41/280.

صفحه 42
يلاحظ عليه: بالفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإنّ الإقرار بالإتلاف وإن كان نافذاً لكن يجوز فيه التأجيل، ويكلّف بتفريغ الذمّة بعد العتق، وأمّا الحدود فلا يجوز فيها التأجيل إلاّ إذا كانت مقرونة بالمانع، ككون الزانية حُبلى، نعم يمكن أن يقال بتعلّق الحدّ على ذات المملوك إلاّ أنّ كونه ملكاً للغير مانع عن إجرائه كما هو الحال في الحمل ; وعلى ما ذكرنا يحمل ما رواه ضريس عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:«العبد إذا أقرّ على نفسه عند الإمام مرّة أنّه قد سرق قطعه، والأمة إذا أقرّت بالسرقة قطعها».1 أي يتعلّق به لكن القطع بعد العتق.
ولكن فقدان الموضوع أغنانا عن إطالة الكلام.
ثمّ إنّه يقع الكلام في إقرار الحرّ تارة في عدده، وأُخرى في كفاية وحدة المكان أو لزوم تعدّده، وهذا ما يبحث عنهما تالياً.

4. تكرار الإقرار أربعاً

قال الشيخ في «الخلاف»: لا يجب الحدّ بالزنا إلاّ بالإقرار أربع مرات في أربعة مجالس، فأمّا دفعة واحدة فلا يثبت به على حال. وقال الشافعي: إذا أقرّ دفعة واحدة لزمه الحدّ بِكراً كان أو ثيباً. وبه قال في الصحابة: أبو بكر وعمر، وفي الفقهاء: حمّاد بن أبي سليمان ومالك. وقال ابن أبي ليلى: لا يثبت إلاّ بأن يعترف أربع مرات، سواء كان في أربع مجالس أو مجلس واحد.2

1 . الوسائل:18، الباب3من أبواب حدّ السرقة، الحديث2.
2 . الخلاف:5/377.

صفحه 43
وقال العلاّمة في «المختلف»: المشهور عند علمائنا أنّه لا يقبل الإقرار بالزنا إلاّ أربع مرات. ذهب إليه الشيخان وابن الجنيد وغيرهم، وقال ابن أبي عقيل: إذا أقرّ الرجل أو المرأة بالزنا ثم جحدا، جُلدا،... إلى أن قال: والمعتمد الأوّل ; لأنّ التشديد في الشهادة يناسب التشديد في الإقرار.1
ويدلّ عليه ما يلي:
1. ما رواه جميل عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا يقطع السارق حتى يقرّ بالسرقة مرتين، ولا يرجم الزاني حتى يقرّ أربع مرّات».2
2. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل قال لامرأته: يا زانية، أنا زنيت بك، قال: «عليه حدّ واحد لقذفه إيّاها، وأمّا قوله: أنا زنيت بك، فلا حدّ فيه إلاّ أن يشهد على نفسه أربع شهادات بالزنا عند الإمام».3
3. ما تضافر في مورد الرجم أنّ امرأة جاءت إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)
فقالت: إنّي زنيت فطهّرني طهّرك الله. فلمّا كانت ذات حمل قال لها علي(عليه السلام): «انطلقي فضعي ما في بطنك ثم إئتيني أُطهرك»، فلمّا ولّت عنه المرأة فصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللّهم انّها شهادة. فلما وضعت حملها جاءت إلى أمير المؤمنين، فطلبت تطهيرها، فقال أمير المؤمنين: «انطلقي فارضعيه حولين كاملين كما أمرك الله»، فانصرفت المرأة فلمّا صارت منه حيث لا تسمع كلامه قال: «اللّهم إنّهما شهادتان»... فلمّا أقرّت المرأة بالزنا قال أمير

1 . مختلف الشيعة: 9 / 165 .
2 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
3 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.

صفحه 44
المؤمنين: «اللهم هذه ثلاث شهادات»، إلى أن قال: «اللّهم إنّه قد ثبت عليها أربع شهادات».1

كيفية الدلالة

إنّ الإمام (عليه السلام)جعل الإقرار في الزنا بمنزلة الشهادة، فإذا كان الحكم لا يثبت إلاّ بشهادات أربع فيقوم كلّ إقرار مقام شهادة.
نعم تخالفه صحيحة الفضيل قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: «من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ (بحدّ) من حدود الله مرّة واحدة، حرّاً كان أو عبداً، أو حرّة كانت أو أمة، فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه للذي أقرّ به على نفسه كائناً من كان إلاّ الزاني المحصن، فإنّه لا يرجمه حتى يشهد عليه أربعة شهداء، فإذا شهدوا ضربه الحدّ مائة جلدة، ثم يرجمه».2
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه موافق لفتوى من قال: إنّه إذا أقرّ دفعة واحدة لزمه الحدّ، وقد قال به في الصحابة الشيخان، وفي الفقهاء حمّاد بن أبي سليمان ومالك. وفي الرواية تصريح بكفاية الإفراد مرة واحدة في صدرها وذيلها الذي تركنا نقله، فلاحظ.
وثانياً: أنّها تشتمل على نفوذ إقرار العبد في الحدود، وقد عرفت أنّ الحقّ عند أصحابنا هو عدمه، فلا يمكن الاحتجاج بمثل هذه الرواية.

1 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب 32 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.

صفحه 45

5. الإقرار أربعاً في مجلس واحد

الظاهر أنّه يكفي لو أقرّ أربعاً في مجلس واحد، قال المفيد: إذا أقرّ على نفسه بالزنا أربع مرات على اختيار منه للإقرار وجب عليه الحدّ. وإطلاقه دليل على عدم لزوم تعدّد المجالس، ولكن الظاهر من الخلاف والمبسوط شرطية تعدّد المجالس، قال الشيخ: لا يثبت الحدّ بالزنا إلاّ بإقرار أربع مرّات في أربعة مجالس، وقال ابن أبي ليلى: لا يثبت إلاّ بأن يعترف أربع مرات سواء كان في أربع مجالس أو مجلس واحد.1
وقال المحقّق في «النافع»: وهل يشترط اختلاف مجالس الإقرار؟ أشبهه أنّه لا يشترط.2
وقال في «الرياض» في شرح تلك العبارة: وفاقاً لإطلاق الأكثر، وبه صرّح عامّة مَن تأخّر، لإطلاق الخبر الذي مرّ.3
ويدلّ على كفاية المجلس الواحد أمران:
1. ما أشار إليه في «الرياض» من إطلاق خبر جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يقطع السارق حتى يقرّ بالسرقة مرتين ولا يرجم الزاني حتى يقرّ أربع مرّات».4

1 . المقنعة: 775 ; الخلاف:5/377، المسألة 16. ولاحظ : المبسوط:8/4; والوسيلة لابن حمزة:410; ومختلف الشيعة: 9 / 158 .
2 . المختصرالنافع:214، افست طبعة مصر.
3 . رياض المسائل:13/431.
4 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.

صفحه 46
2. ما رواه أبو العباس قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «أتى النبي(صلى الله عليه وآله) رجل
فقال: إنّي زنيت، فصرف النبي وجهه عنه، فأتاه من جانبه الآخر ثم قال
مثل ما قال، فصرف وجهه عنه... الخ»،1 فاعترف أربع مرّات في مجلس واحد. ويقرب منه إطلاق مرفوعة أحمد بن محمد بن خالد على ما في الوسائل.2
وما ربّما يتراءى من تعدّد مجالس الأقارير عند الأمير(عليه السلام) فهو قضية اتفاقية; لأنّ المرأة كانت حبلى فأقرّت فأمرها الإمام أن تنتظر حتى تضع حملها، فلمّا جاءت بعد وضع ولدها، أمرها الإمام بإرضاع ولدها، كلّ ذلك صار سبباً لتعدّد المجالس.
ولعلّ وجه تعدّد الإقرار هو دفع توهّم كون الأوّل أو الثاني غير جامع للشرائط من سفه وكره وسكر ومزاح، فلأهمية الموضوع اشترط تعدّد الأقارير، ومن غير فرق في ذلك بين وحدة المجالس ولا تعدّدها.

لا فرق بين الرجل والمرأة في تعدّد الإقرار

قال المحقّق: ويستوي في ذلك الرجل والمرأة.3

1 . الوسائل:18، الباب15 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
2 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.ولاحظ أيضاً الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 2، فقد ورد فيه الحديث بتمامه.
نعم يظهر من الكافي وتفسير القمي أنّ الإقرارات وقعت في مجالس. لاحظ : الكافي: 7، كتاب الحدود باب آخر منه، حديث3; وتفسير القمي:2/96.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 152 .

صفحه 47
أقول: وعلّله في الجواهر «بإطلاق الأدلّة»1، ولأنّ مورد رواية صالح بن ميثم هو المرأة حيث اعترفت عند الوصي بالزنا، فقالت: إنّي زنيت... إلخ.
كما أنّ مورد رواية أحمد بن محمد بن خالد هو الرجل حيث قال: أتاه رجل بالكوفة فقال يا أمير المؤمنين: إنّي زنيت فطهرني... إلخ.2
كيفية إقرار الأخرس
قال الشيخ: إذا أقرّ الأخرس بالزنا بإشارة مقبولة، لزمه الحدّ.3
وقال المحقّق: وتقوم الإشارة المفيدة للإقرار في الأخرس، مقام النطق.4
ففي الصلاة يشير بأصبعه ويحرك لسانه، وفي الطلاق يلقي القناع على رأس الزوجة، والميزان دلالة أعماله على ما في ضميره، ولو احتاج الحاكم إلى الترجمة يشترط التعدّد في المترجم فيشهدان على أنّه أقرّ أربع مرات على فعله.
الإنكار بعد الإقرار في الرجم
من القواعد المسلّمة عدم تأثير الإنكار بعد الإقرار، وستوافيك دراسة القاعدة لاحقاً في باب السرقة وغيره، نعم خرج عنها الإقرار بما يوجب الرجم ثم الإنكار، فيسمع ويسقط.
قال الشيخ: إذا أقرّ بحدّ ثم رجع عنه، سقط الحدّ، وهو قول أبي حنيفة

1 . جواهر الكلام:41/283.
2 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1و2.
3 . الخلاف:5/381، المسألة 21.
4 . شرائع الإسلام:4/152.

صفحه 48
والشافعي واحدى الروايتين عن مالك، وعنه رواية أُخرى أنّه لا يسقط. وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وداود.
دليلنا: فإنّ ماعزاً أقرّ عند النبي(صلى الله عليه وآله) بالزنا فأعرض عنه مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: لعلك لمست، لعلّك قبّلت. فعرّض له بالرجوع حين أعرض عن إقراره، وصرّح له بذلك في قوله: لعلّك لمست، لعلّك قبّلت. ولولا أنّ ذلك يقبل منه، وإلاّ لم يكن له فائدة.1
يلاحظ على دليله بأنّ الكلام فيما إذا ثبت الحدّ وهو لا يثبت إلاّ بعد الأربعة، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أعرض عنه قبل الأربعة.
قال المحقّق: ولو أقرّ بما يوجب الرجم ثم أنكر سقط الرجم، ولو أقرّ بحدّ غير الرجم لم يسقط بالإنكار.(2)
وقد فصّل المحقّق بين الحدّين: الرجم وغيره فيقبل في الأوّل دون الثاني، خلافاً لإطلاق الشيخ في كلامه.
ويدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «من أقرّ على نفسه بحدّ أقمته عليه، إلاّ الرجم فإنّه إذا أقرّ على نفسه ثم جحد، لم يُرجم».2
والرواية تدلّ على عدم سقوط غير الرجم من سائر الحدود بالإنكار، وبذلك يظهر أنّ إطلاق «الخلاف» الشامل للجلد في الزنا والسرقة والسكر والقذف، في غير محلّه.

1 . الخلاف:5/379، المسألة 17.   2 . شرائع الإسلام :4 / 152.
2 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث3.

صفحه 49
وفي حسنة الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال:«إذا أقرّ الرجل على نفسه بحدّ أو فرية، ثمّ جحد جلد»، قلت: أرأيت إن أقرّ على نفسه بحدّ يبلغ فيه الرجم]ثم جحد[ أكنت ترجمه؟ قال: «لا، ولكن كنت ضاربه».1 والاستدلال بها مبني على سقوط كلمة «ثم جحد» بقرينة كلام الإمام في صدرها.
هذا كلّه في الرجم، وأمّا حكم الإنكار في غيره كالقطع في السرقة فسيوافيك الكلام في محلّه فإنّ لكلّ مسألة مقاماً، وإن جمع في الجواهر بينهما.

العفو عن الحدّ إذا ثبت بالإقرار

قال المحقّق: ولو أقرّ بحدّ ثم تاب كان الإمام مخيّراً في إقامته رجماً كان أو جلداً.2
أقول: إنّ كلام المحقّق مطلق يعمّ الإقرار بكلّ الحدود لكنّا ندرس حدّ الزنا فنركز البحث على الرجم والجلد، ونحيل الكلام في كلّ حدٍّ إلى بابه المناسب، كالإقرار بالسرقة وغيرها.
فاعلم أنّه لا يجوز تعطيل الحدود أو تأخيرها فعن علي(عليه السلام): «ليس في الحدود نظر ساعة».وفي حديث آخر قال: «إذا كان في الحدّ لعل وعسى، فالحدّ معطّل».3

1 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
2 . شرائع الإسلام :4/152.
3 . الوسائل:18، الباب25 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1و2.

صفحه 50
ومع ذلك خرج عن الضابطة إذا ثبت الحدّ في الزنا بالإقرار دون البيّنة، فهنا أُمور:
1. جواز العفو إذا ثبت بالإقرار.
2. هل يشترط في العفو توبة المقرّ، أو أنّ للإمام الاختيار وإن لم يتب؟
3. ما هو المراد من الإمام، هل هو المعصوم أو مطلق الحاكم الشرعي؟ وإليك بيانها.
الأوّل: جواز العفو إذا ثبت بالإقرار
ويدلّ عليه ما تضمّنته غير واحدة من الروايات:
1. جاء رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فأقرّ بالسرقة، فقال: «أتقرأ شيئاً من القرآن؟» قال: نعم، سورة البقرة، قال: «قد وهبت يدك لسورة البقرة»، قال: فقال الأشعث: أتعطّل حدّاً من حدود الله؟ فقال: «وما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، وإذا أقرّ الرجل على نفسه فذاك إلى الإمام إن شاء عفا، وإن شاء قطع».1
2. طلحة بن زيد عن جعفر (عليه السلام) قال: «حدّثني بعض أهلي أنّ شابّاً أتى أمير المؤمنين(عليه السلام) فأقرّ عنده بالسرقة، قال: فقال له عليٌّ(عليه السلام): إنّي أراك شابّاً لا بأس بهبتك(بهيئتك) فهل تقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم، سورة البقرة، فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: وإنّما منعه أن يقطعه لأنّه لم تقم عليه بيّنة».2

1 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث3.
2 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث5.

صفحه 51
3. ما رواه حسن بن علي بن شعبة في «تحف العقول» عن أبي الحسن الثالث(عليه السلام) في حديث، قال: «وأمّا الرجل الذي اعترف باللواط، فإنّه لم يقم عليه البينة، وإنّما تطوّع بالإقرار من نفسه، وإذا كان للإمام الذي من الله أن يعاقب عن الله، كان له أن يمْنّ عن الله، أما سمعت قول الله:(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب)».1
إلى هنا تمّ الكلام في الأمر الأوّل، وإليك الكلام في الأمر الثاني.
الثاني: هل يشترط في عفو الإمام توبة المقرّ؟
الظاهر لا، إذ ليس في الروايات الماضية أثر منه، بل يمكن أن يقال: إنّ التوبة برأسها مسقطة للحدّ من دون حاجّة إلى العفو، وسيأتي البحث عمّا إذا تاب قبل قيام البيّنة وأنّه يسقط عنه الحدّ. اللّهم إلاّ أن يقال بإشعار كلمة التطوّع بالندم والتوبة في مرسلة «تحف العقول» التي جاء فيها: «وإنّما تطوع بالإقرار من نفسه».2
الثالث: هل الحكم مختصّ بالإمام المعصوم أو يعمّ من قام مقامه؟
والأوّل أحوط، والثاني هـو الأقـوى; لأنّ هـذا الحكـم قـد صـدر فـي زمـان الحضـور ولم يكن الشيعـة متمكّنين مـن لقاء الإمام والإقرار عنده، فلا محيص من شمول الحكم لغير المعصوم القائم مقام الإمام.

1 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث4، والآية 39 من سورة «ص ».
2 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث4.

صفحه 52
 
فروع:
الفرع الأوّل: لو حملت المرأة ولا بعل لها هل تُحدّ أو لا؟
قال الشيخ: إذا وجدت امرأة حبلى ولا زوج لها، وأنكرت أن يكون من زنا، لا حدّ عليها. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: عليها الحدّ. ثم استدلّ الشيخ بأنّ الأصل براءة الذمّة وإيجاب الحدّ يحتاج إلى دليل، وأيضاً يحتمل أن يكون من وطء شبهة، ويحتمل أن تكون مكرهة .1
وفي «الشرائع»: لم تحدّ إلاّ أن تقرّ بالزنا أربعاً.2
وجهه واضح، ممّا ذكره الشيخ من احتمال الشبهة والإكراه وغيرهما، ولا حدّ مع الشبهة.
نعم لو أقرّت بالزنا أربعاً، أو قامت عليها البيّنة تُحدّ.
الفرع الثاني: لو أقرّ بأنّه زنا بامرأة فكذبته، حُدّ الرجل دونها، إذ لا يؤخذ أحد بإقرار غيره.
الفرع الثالث: لو أقرّ مَن يعتوره الجنون بالزنا حال إفاقته وقال: زنيت في حال الإفاقة، حُدّ، ولو أطلق لم يُحدّ لاحتمال وقوعه حال جنونه، والحدود تُدرأ بالشبهات.
ولو أقرّ العاقل بوطء امرأة وادّعى أنّها امرأته فأنكرت المرأة الزوجية

1 . الخلاف: 5 / 374، المسألة 10 .
2 . شرائع الإسلام :4/152.

صفحه 53
والوطء، فلا حدّ عليه وإن أقرّ أربعاً; لأنّ الحدّ فرع ثبوت كون الوطء بلا سبب شرعي، والمفروض أنّه لم يثبت.
الفرع الرابع:لو ادّعت أنّه أكرهها عليه، أو اشتبه عليها، فلا حدّ على أحد منهما، وعليه المهر.
تمّ الكلام في ثبوت الزنا بالإقرار

صفحه 54
   

ثبوت الزنا بالبيّنة

إنّ الزنا كما يثبت بالإقرار، كذلك يثبت بالبيّنة، ولها طرق:

الأوّل: شهادة أربعة رجال

ويدلّ عليه الكتاب والسنّة المستفيضة.
أمّا الكتاب: فقال تعالى:(وَ اللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ).1
قال الطبرسي في تفسير الآية: لمّا بيّن سبحانه حكم الرجال والنساء في باب النكاح والميراث بيّن حكم الحدود فيهن إذا ارتكبن الحرام فقال: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ): أي يفعلن الزنا(مِنْ نِسَائِكُمْ)الحرائر، فالمعنى: اللاتي يزنين (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ): أي من المسلمين، يخاطب الحكام والأئمة، ويأمرهم بطلب أربعة من الشهود في ذلك، عند عدم الإقرار، وقيل: هو خطاب للأزواج في نسائهم، أي فاستشهدوا عليهم أربعة منكم.2
وأمّا السنة الشريفة: ففي صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «حدّ الرجم هو أن يشهد أربعة أنّهم رأوه يدخل ويخرج».
وجاء في صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قال أمير

1 . النساء:15.
2 . مجمع البيان:3/39.

صفحه 55
المؤمنين(عليه السلام): لا يُرجم رجل ولا امرأة حتى يشهد عليه أربعة شهود على الإيلاج والإخراج».1

الطريق الثاني: شهادة ثلاثة رجال وامرأتين

قال المحقّق: فلا يكفي أقل من أربعة رجال، أو ثلاثة وامرأتين.2
وفي «الرياض»: يثبت بالثاني على الأظهر الأشهر، بل عليه عامّة مَن تأخّر عدا من سيُذكر، وربّما نفي الخلاف عنه، وفي «الغنية» الإجماع عليه، وهو الحجّة مضافاً إلى الصحاح المستفيضة.(3)
ولم يخالف فيه إلاّ المفيد وابن أبي عقيل وسلاّر.
قال المفيد: لا تقبل في الزنا واللواط والسحق شهادة أقل من أربعة رجال مسلمين عدولاً، ولا تقبل شهادة النساء في النكاح والطلاق والحدود.3
وقال ابن أبي عقيل: وشهادة النساء مع الرجال جائزة في كلّ شيء فيما سوى الزنا.4
وفي «المختلف»: وافق سلاّر شيخنا المفيد في المنع من قبول شهادة النساء مطلقاً في الحدود.5
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الأكثر ذهبوا إلى قبول شهادتهنّ مع رجال ثلاثة.

1 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1و 2 و لاحظ بقية روايات الباب.
2 . شرائع الإسلام :4/152.   3 . رياض المسائل:13/437.
3 . المقنعة:727.
4 . مختلف الشيعة:8/486.
5 . مختلف الشيعة:8/486.

صفحه 56
استدُلّ للقول بعدم القبول بإطلاق الروايات التالية:
1. روى جميل بن درّاج ومحمد بن حمران عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده. إنّ عليّاً(عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم».1
2. وروى غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علىّ(عليهم السلام)قال: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القود».2
3. وروى موسى بن إسماعيل مثله، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام).3
4. وروى السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام) أنّه كان يقول: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق ولا نكاح ولا حدود، إلاّ في الديون، وما لا يستطيع الرجال النظر إليه».4
يلاحظ عليه بوجهين:
1. الإطلاقات الواردة فيها محمولة على ما إذا شهدن بمفردهنّ بلا ضمّ رجال إليهنّ.
2. إنّ هذه الإطلاقات تقيّد بما تضافر من الروايات على جواز شهادتهنّ إذا كان معهنّ رجال ثلاثة، بل تجوز إذا كان هناك رجلان وأربع نسوة كما سيأتي في الطريق الثالث.

1 . الوسائل: 18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث1.
2 . الوسائل: 18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث29.
3 . الوسائل: 18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث30.
4 . الوسائل: 18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث 42.

صفحه 57
ويدلّ على قول المشهور الروايات التالية:
1. روى الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن شهادة النساء في الرجم؟ فقال: «إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم تجز في الرجم».1
2. روى أبو بصير في حديث:«ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم غير أنّها تجوز شهادتها في حدّ الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة».2
3. روى محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)... إلى أن قال: «وتجوز شهادتهنّ في النكاح إذا كان معهنّ رجل، وتجوز شهادتهنّ في حدّ الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة رجلين وأربعة نسوة في الزنا والرجم».3
4. عن عبد الله بن سنان في حديث عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «ولا يجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتان».4
5. روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «وقال علي(عليه السلام): تجوز شهادة النساء في الرجم إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، وإذا كان أربع نسوة ورجلان فلا يجوز الرجم».5

1 . الوسائل: 18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث3.
2 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث4.
3 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث7.
4 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث10.
5 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث 11 ; ولاحظ : خبر زيد الشحّام برقم 32.

صفحه 58
وبما ذكر وما أشرنا إليه في الهامش ظهر تضافر الروايات على جواز شهادتهن إذا كان معهن ثلاثة رجال.
بقيت هنا رواية واحدة شاذّة وهي ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم يجز في الرجم، ولا تجوز شهادة النساء في القتل».1
وجه الشذوذ اشتمالها على عدم جواز شهادتهنّ في الدم مع أنّه روي عن علي(عليه السلام) متضافراً بأنّه أجاز شهادتهنّ في القتل، لأنّه لا يبطل دم امرئ مسلم.2

الطريق الثالث: شهادة رجلين وأربع نساء

وهل يثبت بشهادة رجلين وأربع نساء؟ فيه خلاف.
ذهب الشيخ في «النهاية» إلى جواز شهادتهنّ لكن في الزنا لا في الرجم، قال: لو شهد رجلان وأربع نسوة بالزنا، قُبلت شهادتهنّ، ولا يرجم المشهود عليه، بل يُحدّ حدّ الزاني.3 وظاهر كلام ابن البراج في «المهذّب» موافقة الشيخ.(4)
ووافق الشيخ ابن حمزة في «الوسيلة».4 وابن إدريس في «السرائر».(6)

1 . الوسائل: 18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث28.
2 . لاحظ : الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث1.
3 . النهاية: 332 .   4 . المهذب:2/526.
4 . لاحظ : الوسيلة:221.   6 . السرائر:2/137.

صفحه 59
ويظهر من الشيخ في «الخلاف» كون المسألة خلافية.1
واختار العلاّمة في «المختلف» المنع ; لأنّه لو ثبت الزنا بشهادتهم لثبت الرجم. والتالي باطل للأخبار الدالّة على عدم سماع شهادة رجلين وأربع نسوة في الرجم، وهي كثيرة ; فالمقدّم مثله.(2)
يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من أن يكون ثبوت أحد القسمين (الزنا عن إحصان) متوقّفاً على شهادة رجال ثلاثة وشهادة امرأتين، وأمّا القسم الآخر (أعني: الزنا بغير إحصان) فيكفي فيه شهادة رجلين مع نساء أربع، وقد مرّ فيما ذكرنا من الروايات ما دلّ على عدم ثبوت الرجم وثبوت الزنا.
أقول: الروايات هنا على صنفين:
الأوّل: ما يدلّ على عدم الجواز مطلقاً في الجلد والرجم، وهي:
1. ما رواه أبو بصير، قال: سألته عن شهادة النساء... إلى أن قال: «ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم، غير أنّها تجوز شهادتها في حدّ الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة».2
2. ما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم يجز».3
وإطلاق هذه الروايات يعمّ الجلد والرجم، ولكن يمكن تقييد إطلاقها بروايات الصنف الثاني.

1 . الخلاف:6/251، المسألة 2.   2 . مختلف الشيعة:8/272.
2 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث4.
3 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث25.

صفحه 60
الثاني: ما يدلّ على التفصيل بين الجلد والرجم، وقد مرّ بعضها فلنذكرها أيضاً:
1. روى الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: «وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم تجز في الرجم».1
2. روى محمد بن الفضيل. قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)...إلى أن قال: «ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة في الزنا والرجم».2 بناء على أنّ عطف الرجم على الزنا عطف تفسير.
3. روى عبد الله بن سنان في حديث عن أبي عبد الله(عليه السلام): «ولا يجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتان».3
4. روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث: «وإذا كان أربع نسوة ورجلان فلا يجوز في الرجم».4
وعلى هذا فيقيّد ما دلّ على عدم الجواز مطلقاً بما ورد من التفصيل في هذه الروايات، بل في رواية أبي الصباح الكناني التي دلّت بإطلاقها على عدم الجواز، قرينةٌ على التفصيل إذ ورد فيها قوله: «وإذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان جاز في الرجم، وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم يجز» أي لم يجز في الرجم بقرينة ما مرّ في صدر الرواية، فلم يبق ما دلّ بإطلاقه على عدم الجواز إلاّ

1 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث3.
2 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث7.
3 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث10.
4 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث11.

صفحه 61
رواية واحدة وهي رواية أبي بصير.
5. وفي خبر زيد الشحّام قوله: «لا تجوز شهادة النساء في الرجم إلاّ
مع ثلاثة رجال وامرأتين، فإن كان رجلان وأربع نسوة فلا تجوز في الرجم».1
وما ذكرناه هو خيرة المحقّق في «الشرائع»، قال: وتقبل شهادة رجلين وأربع نساء ويثبت بها الجلد لا الرجم.2
وهو أيضاً خيرة السيد الخوئي، قال: لابدّ في ثبوت الزنا من شهادة أربعة رجال عدول، أو ثلاثة وامرأتين، أو رجلين وأربع نساء، إلاّ أنّه لا يثبت الرجم بالأخيرة.3

الطريق الرابع: شهادة رجل واحد وست نساء

إذا شهد رجل واحد ونساء ست، قال الشيخ: يجب الحدّ دون الرجم.4
والظاهر أنّ الشيخ تفرّد بذلك.
واعلم أنّه لا يثبت الرجم ولا الجلد بالأُمور التالية:
1. شهادة رجل وست نساء.
2. شهادة رجل ويمين.

1 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث32.
2 . شرائع الإسلام :4/152.
3 . مباني تكملة المنهاج:1/178.
4 . الخلاف:6/251، المسألة 2.

صفحه 62
إلى غير ذلك من الصور التي لم يدلّ دليل على الثبوت بها لو لم نقل بالعكس.

لو شهد ما دون الأربع

إذا شهد ما دون الأربع لم يجب الحدّ(لعدم استكمال الشهود)، وحُدّ كُلٌّ منهم حدّ القذف ، يقول سبحانه:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).1
وفي آية أُخرى قال سبحانه:(فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ )2.
ويدلّ على ذلك:
   
1. ما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام) في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا، فقال علي(عليه السلام):«أين الرابع؟» قالوا: الآن يجيء، فقال(عليه السلام):«حدّوهم، فليس في الحدود نظر ساعة».3
2. وما رواه عبّاد البصري قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وقالوا: الآن نأتي بالرابع؟ قال: «يُجلدون حدّ القاذف ثمانين جلدة كلّ رجل منهم».4

1 . النور: 4.
2 . النور:13.
3 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث8.
4 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث9.

صفحه 63

فرع: ما هو المعتبر في الشهادة؟

قال المحقّق: ولابد في شهادتهم من ذكر المشاهدة للولوج كالميل في المكحلة من غير عقد ولا ملك ولا شبهة، ويكفي أن يقولوا: لا نعلم بينهما سبب التحليل.1
فعلى هذا فلابد للشهود أن يذكروا المشاهدة للإيلاج في الفرج.
وقد ذكر صاحب الرياض أنّ وجه اشتراط المعاينة بأنّ الشهادة إنّما تُسمع بما عُوين أو سُمع ولا معنى للزنا حقيقة إلاّ ذلك، فلا تسمع الشهادة به إلاّ إذا عوين كذلك.(2)
أقول: لو كان المناط هو المعاينة بالنحو المذكور في الروايات المتقدّمة لم يثبت الزنا إلاّ في موارد نادرة، لأنّ الزاني والزانية لا يقومان بهذا العمل إلاّ في أمكنة مستورة أو غرف مقفولة وقلّما يتفق أن يقع هذا العمل أمام الأنظار.
والقضاء البات في المسألة رهن دراسة الروايات، ولكنّها مختلفة المضمون فهي على أصناف:

الأوّل: ما يدلّ على لزوم الشهادة على الرؤية

1. روى الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «حدّ الرجم أن يشهد أربع أنّهم رأوه يدخل ويُخرج».2

1 . شرائع الإسلام :4/152.   2 . رياض المسائل:13/440.
2 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 64
2. ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا يجب الرجم حتى يشهد الشهود الأربع أنّهم قد رأوه يجامعها».1
3. ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «حدّ الرجم في الزنا أن يشهد أربعة أنّهم رأوه يدخل ويخرج».2
وعلى هذا الصنف فالميزان هو المشاهدة والمعاينة.

الثاني: الشهادة على الإيلاج والإخراج

يدلّ بعض الروايات على كفاية مجرد الشهادة على الإيلاج والإخراج من دون لزوم الشهادة على الرؤية والمعاينة، منها:
1. روى محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«قال أمير المؤمنين(عليه السلام): لا يرجم رجل ولا امرأة حتى يشهد عليه أربعة شهود على الإيلاج والإخراج».3
2. روى محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«قال أمير المؤمنين(عليه السلام): لا يجلد رجل ولا امرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهود على الإيلاج والإخراج».4
والظاهر وحدة الروايتين وإن كانتا مختلفتين في التعبير حيث جاء في الأُولى «لا يرجم» و في الثانية «لا يجلد».

1 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
2 . الوسائل: 18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
3 . الوسائل: 18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب12من أبواب حدّ الزنا، الحديث 11.

صفحه 65

الثالث: الجمع بين الجماع والإيلاج

روى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع والإيلاج والإدخال كالميل في المكحلة».1
ومقتضى الجمود على ظاهر الرواية اعتبار الشهادة على الأُمور الثلاثة. وعدم كفاية الشهادة على الجماع فقط حتى يضم إليها الشهادة على الأمرين الآخرين، ولعلّه لعدم صراحة الجماع في العمل الخاص.

الرابع: كفاية الشهادة على الزنا

ويظهر من بعض الروايات كفاية الشهادة على الزنا من أي سبب حصل له العلم، نظير :
ما رواه عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل يشهد عليه ثلاثة رجال أنّه قد زنى بفلانة ويشهد الرابع أنّه لا يدري بمن زنى؟ قال:«لا يُحد ولا يرجم».2
وجه الدلالة: أنّ المتبادر من قوله:«أنّه زنى بفلانة» كاف في مقام الشهادة، وأمّا عدم إجراء الحدّ في المورد فلأجل وجود النقيصة في شهادة الرابع حيث لم يعيّن الزانية.

1 . الوسائل:18، الباب12من أبواب حدّ الزنا، الحديث 4.
2 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث6.

صفحه 66
ويمكن أن يقال: بأنّ الرواية بصدد بيان وجوب تعيين الزاني والمزني بها وليست بصدد بيان كيفية الشهادة على الزنا حتى يؤخذ بإطلاق قوله:«قد زنى»، فتدبّر.

الخامس: كفاية الشهادة على المقدّمات

1. روى عبدالله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:سمعته يقول: «حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان في لحاف واحد، والمرأتان توجدان في لحاف واحد».1
يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال إنّما يتمّ لو اقتصر على الفقرة الأُولى، أعني: قوله: «حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد» ولكن عُطِفَ عليها الرجلان والمرأتان، ومن المعلوم أنّ عملهما ليس من مقولة الزنا، وهو بين لواط ومساحقة، ويمكن أن تحمل في الموارد الثلاثة على التعزير بما دون المائة، كما عليه صاحب الوسائل.
2. روى عبدالرحمن بن قراع قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: «إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد جُلدا مائة جلدة».2
يلاحظ عليه: بأنّه يحتمل الحمل على أنّه يجلد كلّ واحد منهما خمسين جلدة.
3. روى عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «كان

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.

صفحه 67
علي(عليه السلام) إذا وجد الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ، فإذا أخذ المرأتين في لحاف ضربهما الحدّ».1
وقد حملها الحر العاملي على الجلد دون المائة. على أنّها خارجة عن مورد البحث(الزنا).
4. ما رواه أبو عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «كان علي(عليه السلام) إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حدّ الزاني مائة جلدة، كلّ واحد منهما».2
يلاحظ عليه: بأنّه لا يمكن الاعتماد عليه لما ورد في غير واحد من أنّه يُجلد كل واحد منهما مائة سوط غير سوط.3
ولأجل هذه الملاحظات لا يمكن الاعتماد على هذا القسم، كما أنّ الحديث الرابع خارج عمّا نحن فيه.

السادس: الجلوس مجلس الرجل من امرأته

روى الشيخ باسناد صحيح عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا قال الشاهد أنّه قد جلس منها مجلس الرجل من امرأته أُقيم عليه الحدّ».4 بناءً على أنّ الضمير يرجع إلى الزاني، لا إلى الشاهد. ومن المحتمل أنّ الضمير يرجع إلى الشاهد فيحدّ حدّ القذف لعدم وجود شهود أربعة.

1 . الوسائل:18، الباب10، من أبواب حدّ الزنا، الحديث6.
2 . الوسائل:18، الباب10، من أبواب حدّ الزنا، الحديث15.
3 . الوسائل:18، الباب10، من أبواب حدّ الزنا، الحديث19، ولاحظ الحديث 20.
4 . الوسائل:18، الباب12، من أبواب حدّ الزنا، الحديث10.

صفحه 68
هذه هي أصناف الروايات الواردة في تحديد موضوع الشهادة، والظاهر وجود التعارض بين الثلاثة الأُولى والثلاثة الأخيرة، فإنّ مقتضى الأُولى شرطية الرؤية والشهادة على الإيلاج والإخراج، بخلاف الثانية فإنّ مقتضاها كفاية الأعم.
وأمّا الجمع بينها فقد ذهب العلاّمة المجلسي إلى التفريق بين الرجم والجلد، فاشترط في الرجم الرؤية الدالّة على الإيلاج والإخراج، واكتفى في الجلد بمجرد الشهادة على الزنا، قال: والأظهر في الجمع بين الأخبار مع قطع النظر عن هذه الشهرة العظيمة أن يؤخذ بالأخبار الدالّة على تمام الحدّ بأن يقال: لا يشترط في ثبوت الحدّ المعاينة كالميل في المكحلة، وتحمل الأخبار الدالة على اشتراط ذلك على الرجم.1
أقول: مقتضى القواعد الأخذ بمفاد الثلاثة الأُولى لقوة دلالتها وظهورها في مفادها، بخلاف الأصناف الباقية لما عرفت من المناقشة في دلالتها.
أمّا الرابع فلما مرّ من أنّه ليس بصدد بيان كيفية الشهادة على الزنا حتى يؤخذ بإطلاق قوله: قد زنا.
وأمّا الخامس فقد مرّ وجود الاضطراب في مضمون الروايات، مضافاً إلى وجود التعارض بينها.
وأمّا السادس فقد عرفت احتمال أنّ المرجع للضمير هو الشاهد، وعلى هذا فيثبت ما هو المشهور.

1 . ملاذ الأخيار في معاني الأخبار: 16 / 82 ـ 83 .

صفحه 69
ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ الزنا كسائر الوقائع التي يُشهد عليها، فكما أنّه يكفي فيها رؤية المقدّمات الملازمة للواقعة خارجاً المحقّقة لصدق الرؤية والحسّ فهكذا الزنا، فتكفي رؤية مقدّماته الملازمة له خارجاً، المحقّقة لصدق الرؤية والحسّ بالإضافة إلى المشهود به عرفاً. وأمّا ما ورد في الحديث الأوّل والثاني من اشتراط الشهادة على الرؤية، والإيلاج والإخراج فإنّما هو للتأكيد على العلم بذلك بأن تكون المقدّمات على نحو تلازم المشهود به خارجاً حتى يشهد على الإدخال كالميل في المكحلة.
وعلى ما ذكرنا فلا فرق بين الجلد والرجم في كفاية مشاهدة المقدّمات ومعاينتها التي تلازم الإدخال والإيلاج، فقد تضافر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام) أنّهما قد أجريا حدّ الجلد والرجم على الرجل والمرأة مع الشهود، والقول بأنّهم رأوا الإيلاج والإدخال كالميل في المكحلة بعيد جداً، فلابدّ من تفسير الروايات على النحو الماضي.

الشهادة على فعل واحد زماناً ومكاناً

لا يثبت الحدّ إلاّ إذا شهد الشهود على فعل واحد زماناً ومكاناً.
قال المحقّق: ولابدّ من تواردهم على الفعل الواحد في الزمان الواحد والمكان الواحد، فلو شهد بعض بالزنا في زاوية من بيت وبعض في زاوية أُخرى، أو شهد بعض في يوم الجمعة وبعض في يوم السبت، فلا حدّ.1
أقول: وجهه واضح ; لأنّ الكتاب والسنّة يركّزان على لزوم شهادة أربعة

1 . شرائع الإسلام:4/153.

صفحه 70
رجال على أمر واحد، فلو اختلف الشهود على نحو يكون الفعل الواحد فعلين أو ثلاثة أفعال، لم يقم على الفعل الواحد أربعة شهداء.
ثمّ الظاهر من المحقّق اشتراط تعرض الشهود لهذه القيود، فلا يكفي إطلاقهم الشهادة على الزنا إلاّ مع تصريحهم باتّحاد الزمان والمكان حتى لو أطلق بعضهم وقيّد آخرون حُدّوا.
ثم إنّ ما ذكره المحقّق (عن التوارد) غير موجود في النصوص، فهذا هو الشيخ في «النهاية» ـ التي هي فقه منصوص ـ لا يذكر عن هذا الشرط شيئاً حيث يقول: وهو أن يشهد أربعة نفر عدول على رجل بأنّه وطئ امرأة وليس بينه وبينها عقد ولا شبهة عقد، وشاهدوه يطئها في الفرج، فإذا شهدوا كذلك قبلت شهادتهم، وحكم عليه بالزنا، وكان عليه ما على فاعله ممّا نُبيّنه.1 وهذا صريح في عدم اعتبار التقييد بالزمان والمكان.
والحق التفصيل بأنّه لو شهدوا على الزنا من دون ذكر الخصوصيات، كفت شهادتهم من دون حاجة لذكر الزمان والمكان وسائر الخصوصيات; وأمّا لو استفصل القاضي عن الخصوصيات، كان على الشهود ذكرها، وعندئذ لو اختلفوا في زمان الفعل ومكانه لم يثبت.
إذا اختلف الشهود في خصوصيات الزنا   

إذا اختلفوا في خصوصيات الزنا

قال المحقّق: ولو شهد بعض أنّه أكرهها وبعض بالمطاوعة، ففي ثبوت

1 . النهاية:689.

صفحه 71
الحدّ على الزنا وجهان: أحدهما: يثبت للاتّفاق على الزنا الموجب للحدّ على كلا التقديرين. والآخر: لا يثبت لأنّ الزنا بقيد الإكراه، غيره بقيد المطاوعة، فكأنّه شهادة على فعلين.1
أقول: و ما ذكره المحقّق من الوجه لعدم الثبوت هو الذي أشار إليه الشيخ في «الخلاف» في مسألة أُخرى حيث قال:إذا شهد أربعة شهود على رجل بالزنا بامرأة، فشهد اثنان أنّه أكرهها وآخران أنّها طاوعته، قال الشافعي: أنّه لا يجب عليه الحدّ، وهو الأقوى عندي، وقال أبو حنيفة: عليه الحدّ، وبه قال أبو العباس. ثم استدلّ الشيخ بأنّ الشهادة لم تكمل بفعل واحد وإنّما هي شهادة على فعلين، لأنّ الزنا طوعاً غير الزنا كرهاً.2
وأمّا وجه الثبوت فلأنّ الشهود اتّفقوا على وحدة الزمان والمكان ولم يختلفوا في الزاني وإنّما اختلفوا في المزنيّ بها، ولذلك عدل الشيخ في «المبسوط» فقال: يُحدّ الرجل لثبوت الزنا على كلّ واحد من التقديرين المشهود بهما ; ولأنّ الاختلاف إنّما هو في قول الشهود لا في فعله ]الزاني [وهذا هو مختار ابن الجنيد وابن إدريس.3
ثمّ إنّ العلاّمة أصرّ على أنّ الزنا بقيد الإكراه مغاير له بقيد المطاوعة، وقال: كما أنّ الزنا في أحد الزوايا مغاير له في الزاوية الأُخرى، وكما لا تسمع الثانية وإن اتّفقا على مطلق الزنا فكذا في الأوّل للتغاير.

1 . شرائع الإسلام :4/153.
2 . الخلاف:5/383، المسألة 24.
3 . المبسوط: 8/8 ; مختلف الشيعة:9/124; السرائر:3/432.

صفحه 72
ثم اعترض على ابن إدريس وقال:إنّ ابن إدريس لقصور فهمه وعدم قوته المميزة لم يتفطّن لذلك وتعجّب من استدلال الشيخ بالمغايرة إلى أن قال: وهو غلط ظاهر.1
يلاحظ عليه: بالفرق الجوهري بين المقيس والمقيس عليه فإنّ الاختلاف في مكان الزنا يجعل الفعل الواحد فعلين، إذ لا يمكن أن يكون الزنا في زاوية نفس الزنا في زاوية أُخرى. ولذلك لا يثبت تعدّد الفعل لعدم الشهادة بالنسبة إلى كلٍّ، وأمّا المقام فالجماع سواء أكان عن إكراه أو مطاوعة فهو عمل واحد بالنسبة إلى الرجل، فيلزم أن تكون الشهادة نافذة بالنسبة إليه.
لكن الذي يصدّنا عن القبول، هو أمر آخر وهو أنّ الرجلين اللّذين يشهدان على مطاوعة المرأة يصبحان قاذفين بالنسبة إليها، وعند ذلك تسقط شهادتهما عن الحجّية حتى في حق الرجل. نعم هـذا إذا شهدا بزنا المرأة عن مطاوعة الذي يعادل القذف.
وأمّا لو شهدا على جماع المرأة عن إكراه، الذي يجتمع مع الجماع عن شبهة، فلا تعدّ الشهادة بالنسبة إلى المرأة قذفاً، فلا يخرجان عن العدالة فتكون شهادة الجميع نافذة بالنسبة إلى الرجل.
في إقامة الشهادة مع عدم حضور كلّ الشهود   

1 . مختلف الشيعة:9/125.

صفحه 73

إقامة الشهادة مع عدم حضور كلّ الشهود

قال الشيخ: إذا تكامل شهود الزنا، فقد ثبت الحكم بشهادتهم، سواء أشهدوا في مجلس واحد أم في مجالس، وشهادتهم مفترقين أحوط. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كانوا شهدوا في مجلس واحد، ثبت الحكم بشهادتهم، وإن كانوا شهدوا في مجالس فهم قذفة يُحدّون، والمجلس عندهم مجلس الحكم، فإن جلس بكرة ولم يقم إلى العشي فمجلس واحد، وإن شهد اثنان فيه بكرة وآخران عشيّة، ثبت الحكم، ولو جلس لحظة وانصرف وعاد فهما مجلسان.
ثمّ إنّ الشيخ تمسّك في عدم شرطية حضور الكلّ بإطلاق قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).1 ولم يفصّل.(2) حيث يصدق الإتيان بالشهداء ولو في مجلسين ; هذا قول الشيخ وذهب الآخرون إلى خلافه، منهم: ابن حمزة والمحقّق وإليك قوليهما:
قال ابن حمزة: إنّما تقبل البيّنة مع ثبوت العدالة بستة شروط:.... قيامها في مجلس واحد2 .
ووافقه المحقّق في «الشرائع» وقال: ولو أقام الشهادة بعض في وقت حدّوا للقذف ولم يترقّب إتمام البيّنة، لأنّه لا تأخير في حدٍّ.(4)

1 . النور:4.   2 . الخلاف:5/388، المسألة 31.
2 . الوسيلة:409.   4 . شرائع الإسلام :4/153.

صفحه 74
والحق هو القول الثاني، لأنّ إطلاق الآية مقيّد بما ورد في السنّة، ففي موثقة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علىّ(عليه السلام) في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا، فقال علي(عليه السلام): «أين الرابع؟» قالوا: الآن يجيء، فقال علي(عليه السلام): «حدّوهم، فليس في الحدود نظر ساعة».1
وفيما رواه عبّاد البصري، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وقالوا: الآن نأتي بالرابع. قال: «يُجلدون حدّ القاذف ثمانين جلدة كلّ رجل منهم».2
وفيما رواه الصدوق باسناده إلى قضايا أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «إذا كان في الحدّ لعل وعسى فالحدّ معطّل».3
وعلى ذلك فلم يخالف في المسألة إلاّ الشيخ في «الخلاف» كما عرفت، وابن سعيد في جامعه حيث قال: وإن شهد ثلاثة في وقت ثم تمّ العدد في وقت آخر ثبت الزنا، وقال أيضاً: وروي: لا نظرة فيه ويحدّون وتدرأ الحدود بالشبهات.4
وقد أوّل العلاّمة كلام القائل بكفاية التفريق بحمله على المسألة الآتية من تفريق الشهود بعد اجتماعهم لإقامة الشهادة، إذ عند التفريق تقع الشهادة تلو الشهادة غير مجتمعين.(5)

1 . الوسائل: 18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث8.
2 . الوسائل: 18، الباب12 من أبواب حدّ الزنا، الحديث9.
3 . الوسائل:18، الباب25 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
4 . الجامع للشرائع:548.   5 . مختلف الشيعة:9/172.

صفحه 75
وقد بالغ العلاّمة في «القواعد» فاشترط حضورهم أيضاً قبل الشهادة للإقامة، فلو تفرّقوا في الحضور حُدّوا وإن اجتمعوا في الإقامة .1 ولا يخفى أنّ ما ذكره مبالغة لا دليل عليها.
ومع ذلك فالمراد من وحدة المجلس هو الوحدة العرفية لا الوحدة العقلية، فالتراخي إذا كان قليلاً لا يضرّ بوحدة المجلس.
فإن قلت: ورد في رواية عبّاد البصري أنّ الإمام جلد من قالوا: الآن نأتي بالرابع .
قلت: الظاهر أنّ الإتيان بالرابع كان في وقت متأخّر، بشهادة أنّ الرجل حدّ، ولم يحضر الرابع أو اشتغل الجلاد بالمقدّمات ولم يأت الرابع، وهذا دليل على أنّ قوله: «الآن نأتي بالرابع» محمول على التسامح.
ولو شهد البعض وأبى الآخر بعد الحضور عن الشهادة حُدّ الشاهد للقذف. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا حضر أربعة ليشهدوا بالزنا، فشهد واحد أو ثلاثة ولم يشهد الرابع، لم يثبت على المشهود عليه بالزنا، لأنّ الشهادة ما تكاملت بلا خلاف، ومَن لم يشهد لا شيء عليه بلا خلاف، ومن شهد فعليه الحدّ، حدّ القذف. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه في القديم والجديد، وقال في الشهادات: لا يجب الحدّ، وهي المشهورة بالقولين، والأوّل أظهر في الآية، والثاني أقيس.(2)
ويدلّ عليه فحوى الخبرين السابقين ـ أعني: خبر السكوني وعبّاد

1 . قواعد الأحكام:2/251.   2 . الخلاف:5/389، المسألة 32.

صفحه 76
البصري ـ وقد مرّ نصّهما، ويمكن الاستدلال عليه بصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال: «لا أكون أوّل الشهود الأربعة في الزنا أخشى أن ينكل بعضهم فأُجلد».1
ومع ذلك كلّه فلو دلّت القرائن على أنّ نكول البعض كان مؤامرة لغاية إجراء الحدّ على باقي الشهود، ففي هذا الموضع لا يجري حدّ القذف على الشهود، مضافاً إلى أنّ الحدود تدرأ بالشبهات.

تقادم الزنا على الشهادة

قال المحقّق: ولا يقدح تقادم الزنا في الشهادة، وفي بعض الأخبار: إن زاد عن ستة أشهر لم تسمع، وهو مطرح.2
وقد أشار المحقّق إلى مرسل ابن أبي عمير، عن جميل، عن رجل، عن أحدهما(عليهما السلام) إلى أن قال: قال ابن أبي عمير: قلت: فإن كان أمراً قريباً لم تُقم؟ قال: «لو كان خمسة أشهر أو أقل وقد ظهر منه أمر جميل لم تقم عليه الحدود».3
   
وعلى كلّ تقدير فالحق القديم لا يبطله شيء، فإذا ثبت الموضوع يتبعه الحدّ، إلاّ إذا تاب، ولعلّ الرواية الدالّة على أنّه لو كان الفاصل الزماني خمسة أشهر لم يحدّ، محمولة على التوبة قبل قيام البيّنة.

1 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ القذف، الحديث2.
2 . شرائع الإسلام :4/153.
3 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث3.

صفحه 77

التوبة قبل قيام البيّنة

قال الشيخ في «النهاية»: ومن زنى وتاب قبل قيام البيّنة عليه بذلك، درأتْ التوبةُ عنه الحدّ، فإن تاب بعد قيام الشهادة عليه وجب عليه الحدّ، ولم يجز للإمام العفو عنه.1
وقال الشيخ المفيد: ومن زنى، وتاب قبل أن تقوم الشهادة عليه بالزنا، أدرأت التوبة عنه الحدّ، فإن تاب بعد قيام الشهادة عليه كان للإمام الخيار في العفو عنه أو إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك له ولأهل الإسلام، فإن لم يتب لم يجز العفو عنه في الحدّ بحال.(2) ووافقه أبو الصلاح في الكافي 2.
ونقل في «المختلف» موافقة أبي الصلاح معه، لكن المشهور هو إيجاب الحدّ عليه إذا تاب بعد قيام الشهادة عليه دون التخيير. نعم التخيير إنّما إذا تاب بعد الإقرار.(4)
ويدلّ على السقوط إذا تاب قبل قيام البيّنة مرسلة جميل السابقة عن أحدهما(عليهما السلام) في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى، فلم يُعلم ذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح، فقال: «إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يُقم عليه الحدّ».3
وأمّا عدم سقوطه بتوبته بعد إقامة البيّنة فتدل عليه رواية أبي بصير عن

1 . النهاية:696.                                          2 . المقنعة:777.
2 . الكافي في الفقه: 407 .   4 . مختلف الشيعة: 9 / 147 .
3 . الوسائل:18، الباب 16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث3.

صفحه 78
أبي عبد الله(عليه السلام)في رجل أقيمت عليه البيّنة بأنّه زنى ثم هرب قبل أن يُضرب، قال: «إن تاب فما عليه شيء، وإن وقع في يد الإمام أقام عليه الحدّ، وإن علم مكانه بعث إليه».1، بناءً على أنّ المراد من قوله(عليه السلام): «إن تاب فما عليه شيء» هو سقوط العقوبة الأُخروية لأجل التوبة، كما أنّ المراد من قوله(عليه السلام): «وإن وقع في يد الإمام أقام عليه الحدّ» هو العقوبة الدنيوية، والظاهر أنّ هذه الفقرة ناظرة إلى صورة توبته من الذنب بقرينة قوله:«فإن تاب فما عليه شيء».
وحاصل الكلام: أنّ التوبة تسقط العقوبة الأُخروية دون العقوبة الدنيوية.

تفريق الشهود في الإقامة

تفريق الشهود في الإقامة بعد الاجتماع أمر موافق للاحتياط وليس بواجب، لإطلاق الأدلة ولذلك يقول المحقّق: ومن الاحتياط تفريق الشهود في الإقامة بعد الاجتماع.2
فإذا حضروا جميعاً في المجلس يفرّقون ويستنطق كلّ واحد منهم بعد واحد استظهاراً للحقيقة، فللقاضي أن يجتهد في الأمر حتى تتبيّن له الحال. ومع ذلك يستحب للشهود ترك إقامة الشهادة ستراً على المؤمن، إلاّ إذا اقتضى ذلك فساداً .
إنّ موضع تفريق الشهود فيما إذا ارتاب القاضي بهم أو توهّم غلطهم، لخفّة عقل وجدها فيهم، فينبغي أن يفرقهم ويسأل كلّ واحد منهم عن

1 . الوسائل:18، الباب 16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 4.
2 . شرائع الإسلام:4/153.

صفحه 79
مشخّصات القضية من وقت تحمّل الشهادة عاماً وشهراً ويوماً وغدوة وعشيّة، وعن مكانه ومحلّه وسكّة وداراً وصفّة وصحناً. ويسأل أنّه تحمّل وحده أو كان هناك غيره، وأنّه كتب شهادته أم لا، وأنّه كتب قبل ما كتب فلان أم بعده، وما أشبه ذلك، ليستدلّ على صدقهم إن اتّفقت كلمتهم، ويقف على عوده إن لم يتّفق.1
ومع ذلك يستحب ستر المؤمن نفسه والتوبة.
روى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «السارق إذا جاء من قبل نفسه تائباً إلى الله عزّ وجلّ تُردّ سرقته إلى صاحبها، ولا قطع عليه».2
وفي مرفوعة أحمد بن محمد بن خالد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في حديث الزاني الذي أقرّ أربع مرات، أنّه قال لقنبر: «احتفظ به»، ثم غضب وقال: «ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ، أفلا تاب في بيته، فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحدّ».3
بل يستحب للقاضي التعريض بالترغيب عن إقامتها، كما هو المروي عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين(عليه السلام).4

1 . مسالك الأفهام:13/411.
2 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث6.

صفحه 80
 
أنواع حدّ الزنا
إنّ الزاني إمّا يقتل أو يرجم أو يُجلد، ولكلّ موارد، وربما يضاف إلى هذه الأنواع الجزّ والتغريب، وإليك فهرس هذه الحدود التي سيوافيك شرحها:
1. القتل.
2. الجلد ثم الرجم.
3. الرجم فقط دون الجلد.
4. الجلد ثم التغريب.
5. الجلد فقط دون النفي.
هذا ما ذكره الشيخ في «النهاية»، فلنبدأ بدراستها:
الموارد الّتي يجري فيها الحدّ بالقتل   

صفحه 81

الأوّل: القتل

الحدّ بالقتل يُجرى في موارد خمسة:
1. من زنى بذات محرم كالأُم والبنت والأُخت.
2. الذمّيّ إذا زنى بمسلمة.
3. من زنى ثلاث مرّات.
4. إذا زنى بامرأة مكرهاً لها.
5. مَن زنى بزوجة أبيه.
وإليك دراسة هذه الموارد واحداً بعد الآخر.

1. الزنا بذات محرم

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا عقد النكاح على ذات محرم له، كأُمّه وبنته وأُخته وخالته وعمّته من نسب أو رضاع، أو امرأة ابنه أو أبيه، أو تزوّج بخامسة، أو امرأة لها زوج ووطئها، أو وطأ امرأته بعد أن بانت باللعان، أو بالطلاق الثلاث مع العلم بالتحريم ; فعليه القتل في وطء ذات محرم، والحدّ في وطء الأجنبية. وبه قال الشافعي إلاّ أنّه لا يفصّل.
وقال أبو حنيفة: لا حدّ في شيء من هذا... حتى قال: لو استأجر امرأة

صفحه 82
ليزني بها فزنى بها لا حدّ عليه، فإن استأجرها للخدمة فوطئها فعليه الحدّ... إلى أن قال : وروى البراء بن عازب قال: بينا أطوف على إبل لي ضلّت، إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء، فجعل الاعراب يطيفون بي لمنزلتي من النبي(صلى الله عليه وآله)، إذ أتوا قبّة فاستخرجوا منها رجلاً، فضربوا عنقه، فسألت عنه، فذكروا أنّه أعرس بامرأة أبيه.
ثم قال الشيخ: وما فعل القوم هكذا إلاّ وكان بأمر النبي(صلى الله عليه وآله) أو بعلمه فأقرّهم عليه.1
وقال ابن قدامة: وإن تزوّج ذات محرمه فالنكاح باطل بالإجماع، فإن وطئها فعليه الحدّ في قول أكثر أهل العلم، منهم: الحسن وجابر بن زيد و مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو أيوب وابن أبي خيثمة. وقال أبو حنيفة والثوري: لا حدّ عليه ; لأنّه وطء تمكّنت الشبهة منه فلم يوجب الحدّ، كما لو اشترى أُخته من الرضاع ثم وطئها، وبيان الشبهة أنّه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الذي هو سبب للإباحة فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة بقيت صورته شبهة دارئة للحدّ الذي يندرئ بالشبهات.(2)
الزنا بذات محرم يجري فيه الحدّ بالقتل   
أقول: إنّ الموضوع للحدّ هو الوطء بذات محرم، وأمّا العقد حسب ما ذكره الشيخ أو التزوّج في عبارة ابن قدامة، فلأجل المجاراة مع أبي حنيفة حيث إنّه نفى الحدّ لأجل عقد النكاح، قائلاً بأنّه قد وجدت صورة المبيح

1 . الخلاف:5/386، المسألة 29.   2 . المغني:9/26.

صفحه 83
وهو عقد النكاح ومعها يُدرأ الحدّ للشبهة، وإلاّ فالموضوع هو الوطء، سواء عقد أم لم يعقد، ولذلك نرى أنّ ابن قدامة يرد على أبي حنيفة بقوله: إنّه وطء في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك، والواطئ من أهل الحدّ عالم بالتحريم فيلزمه الحدّ كما لولم يوجد العقد، وصورة المبيح إنّما تكون شبهة إذا كانت صحيحة والعقد هاهنا باطل محرم وفعله جناية تقتضي العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة كما لو أكرهها وعاقبها ثم زنى بها، ثم يبطل بالاستيلاء عليها فإنّ الاستيلاء سبب للملك في المباحات وليس بشبهة.1
وعلى كلّ تقدير فالمسألة إجماعية وقد حكى صاحب الجواهر الإجماع عليها بقسميه.2
وقد وردت فيها روايات نذكر منها ما يلي:
1. ما رواه أبو أيوب قال: سمعت ابن بكير بن أعين يروي عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «من زنى بذات محرم حتى يواقعها ضرب ضربة بالسيف أخذت منه ما أخذت، وإن كانت تابعت ضربت ضربة بالسيف أخذت منها ما أخذت» قيل له: فمن يضربهما وليس لهما خصم؟ قال: «ذاك على الإمام إذا رفعا إليه».3
2. روى جميل بن درّاج قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أين يُضرب الذي

1 . المغني:9/26.
2 . جواهر الكلام:41/309.
3 . الوسائل:18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 84
يأتي ذات محرم بالسيف؟ أين هذه الضربة؟ قال:«تضرب عنقه، أو قال: تضرب رقبته».1
وعلى هذا فالحدّ هو القتل فقط، وربّما يستشم من بعض الروايات غير ذلك:
1. موثّقة إسحاق بن عمّار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا زنى الرجل بذات محرم، حُدّ حدّ الزاني، إلاّ أنّه أعظم ذنباً».2
ولو أخذنا بظاهر الرواية فيكون الحدّ هو مائة جلدة حسب قوله سبحانه:(الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة).
ولأجل رفع المعارضة حملها الشيخ على أنّ الإمام مخيّر بين قتله بالسيف ورجمه، ولا يخفى أنّه تأويل بلا دليل، والأولى طرح الرواية، لقصورها عن معارضة ما تضافرت الروايات عليه.
2. ما رواه إسماعيل بن أبي زياد(السكوني) عن جعفر(عليه السلام)، عن أبيه، عن أمير المؤمنين(عليهم السلام) أنّه رفع إليه رجل وقع على امرأة أبيه، فرجمه وكان غير محصن.3
   
أقول: إنّ الحكم مقصور على مورده، وهو الوقوع على زوجة الأب، كما سيوافيك في المورد الخامس، ومثل هذا لا يعدّ معارضاً.

1 . الوسائل:18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3 ; ولاحظ الحديث 2، 5، 6، 11.
2 . الوسائل:18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 8 .
3 . الوسائل:18، الباب 19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث9.

صفحه 85

إذا لم يمت بضربة واحدة

إذا ضربوه ضربة واحدة ولم يمت، قال صاحب الرياض: إنّ أكثر النصوص الواردة في المسألة الاكتفاء بالضربة الواحدة مطلقاً، أو في الرقبة، وهي لا تستلزم القتل، كما في صريح بعضها: عن رجل وقع على أُخته، قال: يُضرب ضربة بالسيف، قلت: فإنّه يخلص، قال: يحبس أبداً حتى يموت. وبمعناه آخر، وهو شيء لم يذكره أحد ممّن تقدّم أو تأخّر، بل عباراتهم طافحة بذكر القتل الحاصل بضرب السيف وغيره.1
وما ذكره في ذيل كلامه هو الحق المتبع، فإنّ الضرب بالسيف كناية عن القتل كما فهمها المشهور .
نعم ورد في روايتين الحبس إذا خلص:
1. مرسلة محمد بن عبدالله بن مهران، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سألته عن رجل وقع على أُخته؟ قال: «يضرب ضربة بالسيف»، قلت: فإنّه يخلص؟ قال: «يحبس أبداً حتى يموت».2
2. ما رواه عامر بن السمط، عن علي بن الحسين(عليهما السلام) في الرجل يقع على أُخته، قال: «يضرب ضربة بالسيف بلغت ما بلغت، فإن عاش خُلّد في السجن حتى يموت».3
والرواية الأُولى ضعيفة بالإرسال، كما أنّ الثانية ضعيفة بعامر بن السمط

1 . رياض المسائل:13/448ـ449.
2 . الوسائل:18، الباب 19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
3 . الوسائل:18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث10.

صفحه 86
فإنّه لم يوثّق وله في الكتب الأربعة روايات أربع.
وأمّا قوله: في رواية أبي أيوب المتقدّمة: «أخذت ما أخذت» فليس المراد هو الاكتفاء بالضربة الواحدة إذا لم يمت، بل المراد هو القتل بشهادة ورود العبارة ذاتها في الزنا عن عنف مع اتّفاقهم على القتل.1
بل وردت أيضاً في حدّ اللواط ففي حديث سليمان بن هلال عن أبي عبد الله(عليه السلام): «... ثم ضُرب بالسيف ضربة أخذ السيف منه ما أخذ» فقلت له: هو القتل؟ قال: «هو ذاك».2 والمقصود أنّ الضربة الواحدة تنتهي إلى القتل بخروج الدم تدريجاً ولا يلزم قطع ما بقي من العروق.

عدم تعيّن القتل بالسيف

ثمّ إنّ ظاهر الروايات في تعيّن الضرب بالسيف في رقبته، ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ الحدّ هو قتله بأي نحو كان، والضرب بالسيف على الرقبة كان هو الطريق المألوف في ذلك الزمان، فإذا كان هناك طريق للقتل غير الضرب بالسيف على الرقبة لكفى.
وهل يقتصر على قتله فقط كما هو المتبادر من الروايات، أو يُجلد ثم يُقتل إن لم يكن محصناً، ويجلد ثم يرجم إن كان محصناً عملاً بمقتضى الدليلين؟ ففي الشرائع: الأوّل (الاقتصار على القتل) هو الأظهر، والثاني هو المروي عن ابن إدريس.

1 . الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3و 6.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث2.

صفحه 87
وفي «الجواهر» أنّ القول الثاني كالاجتهاد في مقابلة النص، ولكنّ المحكّيّ عن «كشف اللثام» ترجيح القول الثاني لرواية أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «إذا زنى الرجل بذات محرم حُدّ حدّ الزاني إلاّ أنّه أعظم ذنباً».1 قائلاً بأنّ الجلد وجب بقوله(عليه السلام): «حدّ حدّ الزاني» والقتل بقوله(عليه السلام): «أعظم ذنباً».
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الرواية هو أنّ الزنا بذات محرم لا يزيد حكمه عن حكم الزنا قانوناً، وإثباتاً، وأمّا منزلته عند الله فهو أعظم ذنباً من سائر أنواع الزنا. ولا يدلّ على وجوب الجلد قبل القتل.
وعلى كلّ تقدير فالروايات التي جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب19 خالية عن الجلد.
ثمّ إنّه لا فرق بين المحصن وغيره، والحرّ والعبد، والمسلم والكافر، والشيخ والشاب ; لكون الملاك هو الزنا بذات محرم، ففي صحيحة بُريد العجلي سئل أبو جعفر(عليه السلام)عن رجل اغتصب امرأة فرجها؟ قال:«يُقتل محصناً كان أو غير محصن»،2 كما لا فرق بين الرجل والمرأة إذا تابعته، وقد مرّ في صحيحة ابن بكير.3

1 . الوسائل:18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث8.
2 . الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 88
هل يختص الحكم بالقتل بالمحرم النسبي أو عمومه؟   

اختصاص الحكم بالمحرم النسبي أو عمومه

هل يختصّ الحكم بالمحرم النسبي كالأُم والبنت والأُخت وبناتهن، أو أنّه يعمّ السببي، كالزوجة وأُختها والمحرم بالرضاع؟ فيه أقوال:
الأوّل: شمول الحكم لكلّ ذات محرم من غير فرق بين النسب والرضاع والمصاهرة، حتى من بانت باللعان أو بالطلاق الثلاث. وهذا هو خيرة الشيخ في «الخلاف» كما مرّ.
الثاني: اختصاص الحكم بالمحرم نسباً لا غير. وهذا هو الظاهر من المحقّق في «الشرائع»، حيث قال: مَن زنى بذات محرم كالأُم والبنت وشبههما.1
الثالث: التفصيل بين المحرم بالنسب والرضاع والمصاهرة، وبين المحرم تأديباً كما في اللعان والمطلقة تسعاً ومن يحرم نكاحها باللواط. وهذا هو خيرة السيد الخوئي.2
وفي «المسالك»: المتبادر من ذات المحرم النسبيّة ويمكن شمولها للسببيّة، وقد تقدّم أنّ المحرم من يحرم نكاحه مؤبّداً بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وحينئذ فلا يقتصر على امرأة الأب، بل يتعدّى إلى غيرها من المحرّمات السببية والرضاعية.3

1 . شرائع الإسلام :4/154.
2 . مباني تكملة المنهاج:1/192.
3 . مسالك الأفهام:14/361.

صفحه 89
ويؤيد القول بالعموم أنّ القرآن الكريم ذكر المحرّمات النسبية والسببية جنباً إلى جنب.
قال تعالى:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيماً).1
أقول: التهجّم على الدماء أمر مشكل، والحكم بالقتل في غير النسبي تمسّكاً بإطلاق ذات المحرم وورود النسبي والسببي في الآية مشكل أيضاً، ولذلك خصّ الحكم على ذات محرم نسبيّ: المحقَقُ في الشرائع(2)، وابن إدريس في السرائر(3)، وابن زهرة في الغنية(4)، وابن حمزة في الوسيلة2.
نعم فصّل الشيخ في المبسوط(6) والخلاف(7)، وابن سعيد في الجامع3بين الرضاع فألحقه بالنسب، وغيره من الأسباب
وقال السيد الخوئي: الأظهر عموم الحكم للمحرم بالرضاع أو بالمصاهرة، تمسّكاً بإطلاقات الأدلّة الدالّة على ذلك الحكم ; لأنّ المراد بالمحرم من حرم نكاحها، وهو شامل للمحرم بالنسب والرضاع والمصاهرة.

1 . النساء: 23.      2. شرائع الإسلام:4/154.      3. السرائر: 3/437.   4. غنية النزوع:1/421.
2 . الوسيلة:410.   6 . المبسوط: 8/8 .   7. الخلاف: 5/386 .
3 . الجامع للشرائع:549.

صفحه 90
ثمّ إنّه احتمل انصراف ذات المحرم عمّن حرم نكاحها تأديباً كما في اللعان والمطلقة تسعاً ومن يحرم نكاحها باللواط ونحو ذلك.
أقول: إنّ العناوين الواردة في الروايات عبارة عن الأُمور التالية:
1. مَن زنا بذات محرم.1
2. الذي يأتي ذات محرم.2
3. وقع على أُخته.3
4. امرأة أبيه.4
فإن تمّ إطلاق ذات محرم فهو، وأمّا لو شك فالحدود تدرأ بالشبهات، فيقتصر على النسبية.
وأمّا قوله:«الرضاع لحمة كلحمة النسب»، فإنّما يريد منه نشر الحرمة لا ثبوت أحكام النسب عليه، ولذلك لا يرث ولا تكون له ولاية.
ثم لو قلنا بالشمول فهو يختصّ بالسبب الشرعي فلا يشمل المحرّم من الزنا ولا يثبت له فيها الحدّ المزبور، كما إذا زنى بأُمّ الموطوء وأُخته.
إلى هنا تمّ الكلام في المورد الأوّل من الموارد الخمسة من حدّ الزنا، التي يتعيّن فيها القتل، وإليك الكلام في المورد الثاني منها.
الذمّي إذا زنى بمسلمة يجري فيه الحدّ بالقتل   
***

1 . الوسائل: 18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1 و 8 .
2 . الوسائل:18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2 و 3 و 5 و 6 و 7.
3 . الوسائل: 18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4 و 10.
4 . الوسائل: 18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 9 .

صفحه 91

2. الذمّيّ إذا زنى بمسلمة

هذا هو المورد الثاني من موارد حدّ الزنا بالقتل، فنقول:
إذا زنى الذمّيّ بمسلمة يُقتل، سواء كانت مطاوعة أو مكرهة، فإنّ حدّه القتل .
ويدلّ عليه موثّقة حنان بن سُدير، عن الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن يهودي فجر بمسلمة، قال: «يُقتل».1
هذا كلّه إذا لم يسلم فلو أسلم بعد الزنا فهل يسقط الحدّ أو لا؟ ففي «المقنعة» و «النهاية» وغيرهما: عدم السقوط.
قال الشيخ في «النهاية»: وكذلك الذمّيّ إذا زنى بامرأة مسلمة، يجب عليه القتل على كلّ حال، وكان على المسلمة الحدّ إمّا الرجم أو الجلد على ما تستحقه من الحدّ، فإن أسلم الذمّيّ لم يسقط بذلك عنه الحدّ بالقتل ووجب قتله على كلّ حال.2
وقال الشيخ المفيد: وإذا فجر ذمّيّ بمسلمة كان حدّه القتل، فإن أسلم عند إقامة الحدّ عليه قُبل إسلامه وأُمضي فيه الحدّ بضرب عنقه، ولم يمنع إظهاره الإسلام مِنْ قتله.(3)
ويدلّ عليه ما رواه جعفر بن رزق الله قال: قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة وأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن

1 . الوسائل:18، الباب36 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . النهاية:692.   3 . المقنعة:783.

صفحه 92
أكثم: قد هدم إيمانُه شركَه وفعلَه، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث(عليه السلام)وسؤاله عن ذلك، فلمّا قدم الكتاب كتب أبو الحسن(عليه السلام): «يُضرب حتى يموت»، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين سله عن هذا فإنّه شيء لم ينطق به كتاب، ولم تجئ به السنّة، فكتب: إنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم تجئ به سنة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا بما أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟ فكتب(عليه السلام): «بسم الله الرحمن الرحيم (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)1، قال: فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.2 وجعفر بن رزق الله وإن كان مجهولاً لكن إتقان المضمون يكشف عن صدقه، وإنّه من أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
هذا فيما إذا أسلم لدرء الحدّ، بقيت هنا صورتان:
1. إذا جهلت الحال ولم يعلم أنّه أسلم عن جدّ أو أسلم لدرء الحدّ.
2. إذا علم أنّه أسلم عن جدّ وصدق لا لدفع العذاب الدنيوي، كما إذا كان ممتنعاً عن الإسلام حتى بعد ثبوت الحدّ أيضاً لكن انقلب فأسلم عن صدق، فالصورتان الأخيرتان هما موضوع النقاش بين الفاضل الهندي في كشفه والسيد الطباطبائي في الرياض.

1 . غافر: 84 ـ 85 .
2 . الوسائل:18، الباب36 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.

صفحه 93
أمّا الأوّل فقال: ويحتمل السقوط لجبّ الإسلام ما قبله والاحتياط في الدماء، وحينئذ يسقط عنه الحدّ رأساً ولا ينقل إلى الجلد للأصل.1
واعترض عليه في الرياض فقال: ما ذكره ضعيف للغاية لكونه اجتهاداً في مقابلة الرواية، المعتبرة بفتوى هؤلاء الجماعة، المؤيدة باستصحاب الحالة السابقة. وأضعف منه قوله فيما بعد: «وحينئذ يسقط عنه الحدّ ولا ينقل إلى الجلد رأساً، للأصل» لفحوى ما دلّ على عدم سقوط الحدّ مطلقاً من المسلم بتوبته إذا ثبت عليه بالبيّنة وغاية الاسلام أن تكون توبة، فتأمّل.(2)
يلاحظ عليه: أنّ كلام «كشف اللثام» ليس اجتهاداً في مقابلة الرواية، فإنّ كلامه في الصورتين الأخيرتين، أعني: إذا لم يُعلم أنّه أسلم حقيقة أو لا، أو علم كونه عن جدّ وصدق، وأمّا إذا أسلم لدرء الحدّ فيحكم عليه بالقتل كما هو الظاهر من كلام الإمام الهادي(عليه السلام) أنّه أسلم لدفع العذاب، نعم لو كان كلام الفاضل راجعاً إلى ما ورد في الرواية يكون اجتهاداً في مقابل النصّ، وهو بعيد عنه جدّاً، ولذلك عنون المسألة بعد ما نقل الرواية.
وعلى كلّ تقدير فلو كان موضع كلامه نفس ما ورد في الرواية فهو ضعيف، وأمّا لو كان كلامه في غير موضعها ـ كما احتملناه ـ فلكلامه وجه وجيه. ولذلك أورد صاحب الجواهر على ما في الرياض بقوله: ضرورة أنّه ]ما ذكره صاحب كشف اللثام[ المتّجه مع فرض سقوط الحدّ عنه للأصل وغيره.(3)

1 . كشف اللثام:10/437.   2 . رياض المسائل:13/450.   3 . جواهر الكلام:41/315.

صفحه 94
فإنّ الرواية غير شاملة لما هو المفروض، وعندئذ تصل النوبة إلى الأصل وهو عدم ثبوت الحدّ، كما أنّه أجاب عن القياس على التوبة بأنّه ليس من مذهبنا، على أنّ القياس لا يقتضي ثبوت الجلد.
وعلى كلّ تقدير فالحكم لا يختصّ بالذمّي، فلو زنى المهادن بالمسلمة فالحكم نفس الحكم في الذمّي، فإنّ الكفر ملّة واحدة، وأمّا المحارب فليس لدمه حرمة، سواء زنى أم لم يزن.
***
قد سبق منّا أنّ حدّ القتل في موارد خمسة:
1. مَن زنا بذات محرم.
2. الذمّيّ إذا زنا بمسلمة.
وقد استوفينا الكلام فيهما، وإليك الكلام فيما بقي.

3. لو زنى ثلاث مرّات

لو زنى ثلاث مرّات، مَن زنى بامرأة مكرهاً لها يجري فيهما حدّ القتل   
لو تكرر من الحرّ غير المحصن ـ ولو امرأة ـ الزنا، وأُقيم عليه الحدّ مرتين قتل في الثالثة عند بعضهم، وفي الرابعة عند البعض الآخر، ولكلّ رواية، ففي صحيحة يونس عن الإمام الكاظم(عليه السلام) قال: «أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيم عليهم الحدّ مرتين قتلوا في الثالثة».1
وفي موثّقة أبي بصير، قال أبو عبد الله(عليه السلام): «الزاني إذا زنى يجلد ثلاثاً

1 . الوسائل:19، الباب20 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.

صفحه 95
ويقتل في الرابعة» يعني إذا جُلد ثلاث مرات.1
وروى الصدوق بأسانيده عن محمد بن سنان، عن الرضا(عليه السلام) في ما كتب إليه:«وعلّة القتل بعد إقامة الحدّ في الثالثة على الزاني والزانية لاستحقاقهما وقلّة مبالاتهما بالضرب حتى كأنّه مطلق لهما ذلك....»2.
ولا يخفى أنّ القول الثاني أحوط، بل أقوى ; لأنّ موثّقة أبي بصير تصلح أن تكون مخصّصة لصحيح يونس. أضف إلى ذلك: أنّ الأمة إذا زنت ثماني مرات وأُقيم عليها الحدّ ترجم في الثامنة3، وبما أنّ حدّ الأمة نصف الحرة يتعيّن في رجم الحرة، القول بالأربع.

4. مَن زنى بامرأة مكرهاً لها

من زنى بامرأة مكرهاً لها فقد تضافرت النصوص على أنّه يُقتل، من غير خلاف. قال المفيد: ومن غصب امرأة على نفسها، ووطأها مكرهاً لها، ضربت عنقه، محصناً كان أو غير محصن.4
وقال الشيخ: ومن غصب امرأة فرجها، فإنّه يجب عليه القتل على كلّ حال، محصناً كان أو غير محصن.(5)
وقال ابن حمزة: وقهر المرأة على فرجها.(6)

1 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
3 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
4 . المقنعة:778.   5. النهاية:693.   6 . الوسيلة:410.

صفحه 96
وقال المحقّق: وكذا (يقتل) من زنى بامرأة مكرها لها.1
وقال ابن سعيد: ومن أكره امرأة على نفسها قتل، عبداً كان أو حرّاً، شاباً كان أو شيخاً أو نصفاً، محصناً كان أو غير محصن، وعليه مهر نسائها.(2)
وفي «الجواهر»: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكيّ منهما مستفيض.(3)
ويدلّ عليه:
1. صحيح العجلي قال: سئل أبو جعفر(عليه السلام) عن رجل اغتصب امرأة فرجها؟ قال: «يقتل محصناً كان أو غير محصن».2
2. صحيح زرارة، عن أحدهما(عليهما السلام)، في رجل غصب امرأة نفسها، قال: «يقتل».3
وما ربّما يتبادر من بعض الروايات من أنّ حدّه هو الضربة الواحدة، مات أو لم يمت، مطروح أو مؤوّل.4
الزنا بزوجة الأب يجري فيه الحدّ بالقتل   

5. الزنا بزوجة الأب

المشهور بين الأصحاب أنّ مَن زنى بزوجة الأب يقتل، محصناً كان أو غير محصن.

1 . شرائع الإسلام :4/154.   2. الجامع للشرائع:549.   3 . جواهر الكلام:41/315.
2 . الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4، إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي جمعها صاحب الوسائل في الباب17 من أبواب حدّ الزنا.
4 . لاحظ : الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 3 و 6.

صفحه 97
قال الشيخ: ومن زنى بامرأة أبيه وجب أيضاً عليه القتل، محصناً كان أو غير محصن.1
وقال المحقّق : وكذا قيل في الزنا بامرأة أبيه.2
وقال ابن سعيد: ومَن زنى بامرأة أبيه قتل بكلّ حال.3
وعليه أبو الصلاح في «الكافي»4، وابن زهرة في «الغنية»5، وابن حمزة في «الوسيلة».6
وفي «الجواهر»: بل نسبه بعض إلى كثير، وآخر إلى الشهرة، بل عن «الغنية» الإجماع عليه وهو الحجّة، ثم قال: وقد صرّح غير واحد هنا أيضاً بعدم الفرق بين المحصن وغيره، والعبد والحرّ، والكافر والمسلم.
نعم روي عن عليّ: الرجم. روى إسماعيل بن أبي زياد (السكوني) عن جعفر، عن أبيه، عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه رفع إليه رجل وقع على امرأة أبيه فرجمه، وكان غير محصن.7
والرواية غير معمول بها، والفتوى على القتل، فلو عمل بالرواية فهو

1 . النهاية:693.
2 . شرائع الإسلام : 4 / 154.
3 . الجامع للشرائع: 550.
4 . الكافي في الفقه: 405.
5 . غنية النزوع: 1 / 421.
6 . الوسيلة : 410.
7 . الوسائل: 18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث9.

صفحه 98
استثناء من حكم الرجم، لأنّه مختصّ بالمحصن ولا يعمّ غيره، لكن عرفت أنّ الفتوى على القتل.
نعم ذهب ابن إدريس إلى وجوب الجمع بين القتل والحدّ وقال: وكذلك من زنى بامرأة أبيه أو ابنه وجب عليه أيضاً القتل والحدّ معاً على كلّ حال، محصناً كان أو غير محصن.1
ووصفه في «الجواهر» بأنّه كالاجتهاد في مقابل النصّ.2 ولم يعلم مراده من النصّ، إذ ليس في المورد نصّ خاصّ سوى ما روي عن علي(عليه السلام)، فهو وإن كان غير شامل للجلد لكنّه يوجب الرجم لا القتل، فلا يكون شاهداً لردّ قول ابن إدريس، ويمكن أن يكون مراده ما مرّ من أنّ من زنى بذات محرم يقتل.3
إلى هنا تمّ الكلام في الحدّ الأوّل للزنا وهو القتل، وإليك الكلام في الحدّ الثاني.

1 . السرائر:3/438.
2 . جواهر الكلام:41/317.
3 . الوسائل: 18، الباب19 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1و2.

صفحه 99

الحدّ الثاني: الجلد والرجم

والحدّ الثالث: الرجم

قد تقدم أنّ لحدّ الزنا أنواعاً مختلفة فالأوّل منها هو القتل وقد تعرّفت على مواضعه الخمسة، فيقع الكلام هنا في النوع الثاني والثالث من أنواع الحدود، وهو «الجلد ثم الرجم»، و «الرجم» بمفرده. وإليك مواضعهما ضمن فروع:
الأوّل: الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين.
الثاني: إذا زنى الرجل والمرأة وكانا شابين ومحصنين.
وأمّا الأقوال حول هذين الموردين فلا تتجاوز عن ثلاثة:
الأوّل: ما عليه جمع من القدماء من أنّ الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين فإنّ على كلّ واحد منهما جلد مائة ثم الرجم، يقدّم الجلد عليه ثم بعده الرجم .1
وقد أشار في «الخلاف» إلى كلا شقّي المسألة، وقال: إذا كان شيخاً أو

1 . النهاية:693.

صفحه 100
شيخة فعليهما الجلد والرجم، وإن كانا شابين فعليهما الرجم بلا جلد.1
وقال ابن حمزة: إنّ الجلد والرجم لزنا الشيخ والشيخة بعد الإحصان.(2)
وقد أشار إلى الفرع الأوّل، وسكت عن الشاب والشابة.
وقال ابن سعيد: والمحصن يرجم فقط، إلاّ الشيخ والشيخة فإنّهما يجلدان ثم يتركان حتى يبرءا ثم يرجمان.2
الثاني: ما عليه ابن جنيد(4) والشيخ المفيد3 والمرتضى (6) و ابن
إدريس4 وسلاّر(8) بأنّ المحصن يجلد ثم يرجم بلا تفصيل بين الشيخ والشيخة والشاب والشابّة. وهو خيرة داود وأهل الظاهر، كما نسبه الشيخ إليهم في «الخلاف»، وقال: وقال داود وأهل الظاهر، عليهما الحدّ والرجم ولم
يفصّلوا، وبه قال جماعة من أصحابنا.5 ووصفه المحقّق بأنّه أشبه.(10)
الحدّ الثاني والثالث من أنواع حدّ الزنا: الجلد والرجم معاً، والرجم وحده   
الثالث: ليس على المحصن مطلقاً إلاّ الرجم دون الجلد. وهو قول فقهاء السنّة.
قال الشيخ في «الخلاف»: وقال جميع الفقهاء: ليس عليهما إلاّ الرجم دون الجلد.6

1 . الخلاف:5/361، المسألة2.                2 . الوسيلة:411.
2 . الجامع للشرائع:550.                   4 . مختلف الشيعة:9/132.
3 . المقنعة: 775 ـ 776.   6 . نقله عنه العلاّمة في مختلف الشيعة:9/131.
4 . السرائر: 3 / 437 .                      8 . المراسم:252.
5 . الخلاف:5/366، المسألة2.                10. شرائع الإسلام : 4 / 155 .
6 . الخلاف:5/366، المسألة2.

صفحه 101

استدلال الشيخ برواية قاصرة الدلالة

استدلّ الشيخ على التفصيل برواية قاصرة الدلالة، قال: وروى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيّب بالثيّب جلد مائة ثم الرجم». وروى أيضاً: أنّ علياً(عليه السلام) جلد شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقيل له: تحدّها حدّين؟ فقال: «جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)».1
ولا يخفى أنّ الرواية الأُولى تفصّل بين البكر والثيّب، لا بين الشيخ والشيخة والشاب والشابّة، والبكر كناية عن غير المتزوّج أو المتزوّج لكن لم يدخل كما سيأتي، فالرواية تدلّ على الجلد في غير المحصن(البكر)مع تغريب عام، والجلد والرجم في المحصن.
والأولى دراسة الروايات وتصنيفها والجمع بينها، ثم ملاحظة النتيجة بعدئذ.
إنّ الروايات على أقسام:
القسم الأوّل: ما يدلّ على الجمع بين الحدّين مطلقاً من دون تفصيل بين الشيخ والشاب، نظير:
أ. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث: «المحصن يُجلد مائة ويرجم».2

1 . الخلاف:5/366، المسألة2.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث7.

صفحه 102
ب. ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) : «في المحصن والمحصنة جلد مائة ثم الرجم».1
ج. ما رواه الفضيل قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «من أقرّ على نفسه عند الإمام ـ إلى أن قال:ـ إلاّ الزاني المحصن فإنّه لا يرجمه إلاّ أن يشهد عليه أربعة شهداء، فإذا شهدوا ضربه الحدّ مائة جلدة ثم يرجمه».2
وهذه الروايات تدلّ بإطلاقها على أنّ المحصن يجري فيه الحدّان بلا تفصيل. ويظهر من «الجواهر» أنّ القائلين بعدم الفرق(أصحاب القول الثاني) اعتمدوا على إطلاق روايتي زرارة ومحمد بن مسلم وفضيل.3
القسم الثاني: ما يدلّ على الجمع في خصوص الشيخ والشيخة، نظير:
أ. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«في الشيخ والشيخة جلد مائة والرجم، والبكر والبكرة جلد مائة ونفي سنة».4
ب. ما رواه عبد الله بن طلحة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا زنا الشيخ والعجوز جُلدا ثم رُجما عقوبة لهما، وإذا زنا النصف من الرجال رُجم ولم يجلد إذا كان قد أُحصن، وإذا زنا الشاب الحدث السن جُلد ونفي سنة من مصره».5 وفي هذه الرواية ثلاث فقرات:

1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث8.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث15 .
3 . جواهر الكلام: 41/ 319.
4 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث9.
5 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث11.

صفحه 103
الأُولى: تدلّ على حكم الشيخ والشيخة فحدّهما الجمع، إذا كانا محصنين، كما سيظهر.
الثانية: تدلّ على حكم النصف(وهو ما بين الحدث والمسن) ففيه الرجم فقط دون الجلد إذا كان محصناً.
الثالثة: ما يدلّ على حكم الشاب، وهو محمول على ما إذا لم يكن محصناً، وهو الجلد والتغريب.
وعلى كلّ تقدير فالشاهد هو الفقرة الأُولى. وبما أنّ الرجم من خصائص الإحصان، يحمل إطلاق الفقرة الأُولى على المحصن منهما.
ج. ما رواه عبد الرحمن عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«كان علي(عليه السلام) يضرب الشيخ والشيخة مائة ويرجمهما، ويرجم المحصن والمحصنة، ويجلد البكر والبكرة وينفيهما سنة».1
ففي هذه الرواية فقرات ثلاث:
الأُولى: تدلّ على حكم الشيخ والشيخة وهو الجمع، وبما أنّ الرجم من خصائص الإحصان فهي محمولة على الإحصان.
الثانية: تدلّ على حكم المحصن والمحصنة، وبما أنّهما وقعا في
مقابل الشيخ والشيخة فيراد بهما الشاب والشابّة أو المتوسط بين الشاب والمسنّ.
الثالثة: تدلّ على حكم البكر والبكرة، فهما يجلدان وينفيان سنة.

1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث12.

صفحه 104
وعلى كلّ تقدير فإطلاق القسم الأول يُقيّد بما ورد من التفصيل في القسم الثاني.
القسم الثالث: ما يدلّ على الرجم وحده في الشيخ والشيخة، نظير:
أ. ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «الرجم في القرآن قول الله عزّ وجلّ: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فإنّهما قضيا الشهوة»1.
ب. ما رواه سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): في القرآن رجم؟ قال: «نعم». قلت: كيف؟ قال: «الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة، فإنّهما قضيا الشهوة».2
يلاحـظ علـى الـروايتين ـ مضـافاً إلـى عـدم دلالتهمـا علـى عـدم الجلـد، لأنّهمـا بصـدد بيـان وجود الرجم فـي القـرآن، لا بصـدد نفـي الجمـع بيـن الـرجـم والجلـد ـ أنّهما وردتا تقية، لأنّ مضمونهما نفس ما روي عن عمر بن الخطاب من أنّه قال: لولا أنّي أخشـى أن يقال: زاد عمر في القرآن لكتبت آية الرجم في حاشية المصحف: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجمـوهما ألبتة، نكالاً من الله.3

1 . الوسائل: 18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
2 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث18.
3 . الموطأ: 4 / 824 ، الحديث 10; والسنن الكبرى:8/213.

صفحه 105
القسم الرابع: ما يدلّ على الرجم وحده مطلقاً، نظير:
أ. ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«الرجم حدّ الله الأكبر، والجلد حدّ الله الأصغر، فإذا زنى الرجل المحصن رجم ولم يُجلد».1
ب. ما رواه أبو العباس عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «رجم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم يجلد»، وذكروا أنّ علياً(عليه السلام)رجم بالكوفة وجلد، فأنكر ذلك أبو عبد الله(عليه السلام)وقال: «ما نعرف هذا». أي لم يحدّ رجلاً حدّين: جلد ورجم في ذنب واحد.2

كيفية الجمع بين الأقسام

هذه هي الأقسام الأربعة وقد عرفت أنّ الثالث منها لا دلالة فيه أوّلاً، ولم تصحّ جهته (جهة الصدور) ثانياً، فالتقية فيه قوية، وبقيت الأقسام الثلاثة، فالقسم الأوّل لا يفصّل بين الشيخ والشاب، بل يدلّ على الجمع بين الجلد والرجم في المحصن مطلقاً، شيخاً كان أو شاباً; والقسم الثاني يدلّ على الجمع في خصوص الشيخ والشيخة، فيقيّد إطلاق الأوّل بالثاني.
وأمّا القسم الرابع فلو صحّ من جهة الصدور يُحمل على ما إذا لم يكن شيخاً وشيخة، فتكون النتيجة ما هو المشهور بين الأصحاب من وجوب الجمع في الشيخ والشيخة وخصوص الرجم في غيرهما إذا كان الجميع محصناً.

1 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حد الزنا، الحديث1.
2 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.

صفحه 106
ثمّ إنّ السيد الخوئي(رحمه الله) احتمل في القسم الرابع بأنّ قوله: فأنكر ذلك أبو عبد الله(عليه السلام) ناظر إلى نفي الوقوع خارجاً لا إلى نفي التشريع، كما يدلّ على ذلك صدر الصحيحة من أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يجلد، على أنّها على تقدير المعارضة تحمل على التقية.1
فإن قلت: إنّه قد ورد في رواية لزرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى علي(عليه السلام) في امرأة زنت فحبلت فقتلت ولدها سرّاً، فأمر بها فجلدها مائة جلدة، ثمّ رجمت، وكانت أوّل من رجمها».2
نرى أنّ الإمام(عليه السلام) قد أجرى الحدّين وكانت المرأة حبلى، وهي تدلّ على أنّها لم تكن شيخة، فعندئذ تنتقض القاعدة من اختصاص الجمع بالشيخ والشيخة.
قلت: إنّ في الرواية إشكالاً آخر أيضاً وهو أنّ الرجم من خصائص الإحصان، وليس في الرواية ما يدلّ على أنّ المرأة كانت محصنة، ومجرد كونها حبلى لا يلازم وجود الزوج لها الذي تغدو وتروح عليه، بل أنّ قتل الولد ربّما يكون أمارة على كونها غير ذات بعل، إذ لو كانت ذات بعل لم تخف من الوالد، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك فيحتمل أنّها قتلته حفظاً لعرضها، فلذلك فالعمل بالرواية مشكل.وهي قضية في واقعة يرد علمها إلى قائلها.
ولعلّ الجمع بين الجلد والرجم مطلقاً من خصائص تلك الواقعة(قتل الولد) وإن لم يكن إحصان.

1 . مباني تكملة المنهاج:1/196. لاتّفاق المخالف على الرجم فقط دون الجلد.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث13.

صفحه 107
فظهر ممّا ذكرنا حكم الحدّين الثاني والثالث:
أ. الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين يجلدان ويرجمان.
ب. الشاب والشابة إذا زنيا وكانا محصنين يرجمان ولا يجلدان.
بقيت هنا فروع أُخرى:
الثالث: لو زنى البالغ العاقل المحصن بغير البالغة.
الرابع: لو زنى العاقل المحصن بالمجنونة.
والجامع بين الفرعين كون المزني بها ليست بمكلفة، وقد ذهب فيهما الشيخ إلى أنّ الرجل يُجلد ولا يرجم، قال: إذا زنى الرجل بصبيّة لم تبلغ ولا مثلها قد بلغ، لم يكن عليه أكثر من الجلد، وليس عليه رجم. ويجب على الصبيّة التأديب.
وقال أيضاً: الرجل إذا زنى بمجنونة لم يكن عليه رجم وكان عليه جلد مائة، وليس على المجنونة شيء.1
وقال المحقّق: لو زنى البالغ المحصن بغير البالغة أو بالمجنونة فعليه الحدّ لا الرجم.2
وقال يحيى بن سعيد: والعاقل إذا زنى بصبيّة أو مجنونة، حُدّ ولم يرجم وإن أحصن.3

1 . النهاية:695.
2 . شرائع الإسلام :4/155.
3 . الجامع للشرائع:552.

صفحه 108
وقال في «الجواهر»: بل في الروضة دعوى الشهرة على عدم الرجم في الفرع الرابع ـ ثم قال: ـ وإن كنّا لم نتحقّقها.1
ولعلّ وجه عدم الرجم وجود القصور في الأدلّة، لكنّ الكلام في قصور الأدلّة عن شمول حكم الإحصان لهاتين الصورتين، وربّما يُعلّل بنقص حرمتهما بالنسبة إلى الكاملة ولذا لا يُحدّ قاذفهما، ولنقص اللذة في الصغيرة، وفحوى نفي الرجم عن المحصنة إذا زنى بها صبىّ (كما سيأتي في الفرع الخامس) ولكن الاعتماد على هذه الوجوه الاستحسانية في مقابل الإطلاق من ثبوت الحدّ على البالغ منهما، مشكل. ونقص حرمتها لا مدخلية له في صدق زنا المحصن، فالتمسّك بالإطلاقات هنا قوي.
نعم يمكن الاستدلال على الاقتصار بالجلد بما رواه ابن بكير عن أبي مريم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)في آخر ما لقيته عن غلام لم يبلغ الحلم وقع على امرأة و فجر بامرأة، أي شيء يصنع بهما؟ قال: «يُضرب الغلام دون الحدّ، ويقام على المرأة الحدّ».(الفرع الخامس)
قلت: جارية لم تبلغ وجدت مع رجل يفجر بها؟ قال: «تضرب الجارية دون الحدّ، ويقام على الرجل الحدّ».2(الفرع الرابع)
وجه الاستدلال: أنّ الحدّ الوارد في الفقرة الأُولى يحمل على الجلد، دون الرجم; لما سيوافيك في الفرع الخامس من أنّ المرأة لو زنى بها طفل لا ترجم، لصحيحة أبي بصير كما سيوافيك ; ولو حمل الحدّ في الفقرة الثانية

1 . جواهر الكلام:41/320.
2 . الوسائل:18، الباب9 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.

صفحه 109
على الجلد لزم الحمل في الفقرة الأُولى أيضاً، وهو نفس ما سيوافيك في الفرع الخامس من أنّ المرأة لا ترجم بل تجلد، فالأولى جعل الرواية دليلاً على تقييد إطلاق ما دلّ على رجم كلّ محصن زنى إلاّ إذا كانت المزني بها غير مكلّفة. والموضوع في رواية أبي مريم وإن كان هو غير البالغة، لكن يمكن إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى المجنونة.
ومن هنا يعلم ضعف ما في «الجواهر»، حيث جعل الرواية دليلاً على الرجم.1

الخامس: لو زنت المرأة البالغة المحصنة بصبي

وهذا الفرع على خلاف الفرعين السابقين فالنقص هنا يرجع إلى الفاعل، قال الشيخ: وكذلك المرأة إذا زنت بصبي لم يبلغ لم يكن عليهما رجم وكان عليها جلد مائة، ويجب على الصبي والصبيّة التأديب.2
وقال المحقّق: وكذا]عليها الحدّ لا الرجم[ المرأة لو زنى بها طفل.3
مقتضى إطلاق الأدلّة هو ثبوت الرجم أيضاً ; لأنّ المفروض أنّ المرأة محصنة غير أنّ الإطلاق قُيّد بصحيح أبي بصير عن الصادق(عليه السلام) في غلام صغير لم يدرك، ابن عشر سنين، زنى بامرأة؟ قال: «يُجلد الغلام دون الحدّ وتجلد المرأة الحدّ كاملاً»، قيل: فإن كانت محصنة؟ قال: «لا تُرجم لأنّ الّذي

1 . جواهر الكلام:41/321.
2 . النهاية:696.
3 . شرائع الإسلام : 4 / 155 .

صفحه 110
نكحها ليس بمدرك، ولو كان مدركاً رُجمت».1
وما ربما يُقال من أنّ لازم العمل بالرواية هنا هو لزوم ثبوت الجلد دون الرجم في الفرعين السابقين اللّذين هما عكس المورد، كما إذا زنى الرجل بغير البالغة أو المجنونة، فهو مدفوع بأنّ المرجع هو إطلاق الأدلّة في الموارد كلّها، خرج منه هذا المورد الخاص، أي زنا المرأة بالصغير، لا زنا المرء بالصغيرة. ومع ذلك مرّ ما يمكن القول بوجوب الجلد دون الرجم برواية أبي مريم.

السادس: لو زنت البالغة العاقلة المحصنة بالمجنون

الفرق بين هذا الفرع و ما سبق(الخامس) هو أنّ الزاني كان صبيّاً فيه ومجنوناً هنا. قال الشيخ: فإن زنى مجنون بامرأة كان عليها الحدّ تامّاً، جلد مائة أو الرجم.2
وقال المحقّق: ولو زنى بها المجنون فعليها الحدّ كاملاً.3
ويدلّ عليه إطلاق الأدلّة.
وبذلك علمت أحكام الفروع التالية:
1. الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين يجلدان ويرجمان وفاقاً للمشهور.

1 . الوسائل:18، الباب9 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . النهاية: 696. والظاهر أنّ العبارة فيها تصحيف، والصحيح: ثم ترجم .
3 . شرائع الإسلام :4/155.

صفحه 111
2. الشاب والشابة إذا زنيا وكانا محصنين يرجمان ولا يجلدان وفاقاً للمشهور.
3. لو زنى البالغ العاقل المحصن بغير البالغة.
4. لو زنى البالغ العاقل المحصن بالمجنونة.
فذهب الشيخ وجماعة فيهما إلى أنّه يجلد ولا يرجم، ولكن مقتضى الإطلاق ثبوت الرجم عند الإحصان، غاية الأمر يفرق بين الشيخ والشيخة فيجلدان ويرجمان، بخلاف الشاب والشابة فيرجمان فقط، ولكن يمكن القول بالجلد فقط لرواية ابن بكير عن أبي مريم.
5. لو زنت المرأة البالغة المحصنة بصبي، مقتضى الإطلاق هو ثبوت الرجم إمّا مع الجلد أو بدونه، لكن عدل عنه بصحيح أبي بصير.
6. لو زنت البالغة العاقلة بالمجنون، تجلد وترجم وفاقاً للشيخ والمحقّق، وعندئذ يتوجّه الإشكال إليهما في التفريق بين هذه المسألة، وبين الثالث والرابع حيث اقتصرا على الجلد فقط دون المقام، وكون الزاني في المقام هو المجنون، وفي الثالث والرابع هو الرجل، غير فارق بعد تضافر الإطلاقات على رجم المحصن، ولكن عرفت إمكان تقييد الإطلاق برواية أبي مريم.

صفحه 112
الحدّ الرابع من أنواع حدّ الزنا: الجلد والتغريب   

الحدّ الرابع: الجلد و التغريب

قال المحقّق: الذكر الحرّ غير المحصن ]إذا زنى[ يُجلد مائة، ويجز رأسه، ويُغرّب عن مصره عاماً.1
قال الشيخ: البكر عبارة عن غير المحصن، فإذا زنى البكر جلد مائة وغرّب عامّاً، كلّ واحد منهما حدّ إن كان ذكراً، وإن كان أُنثى لم يكن عليها تغريب. وبه قال مالك. وقال قوم: هما سواء، ذهب إليه الأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفة: الحدّ هو الجلد فقط، والتغريب ليس بحدّ، وإنّما هو تعزير إلى اجتهاد الإمام، وليس بمقدّر، فإن رأى الحبس فعل، وإن رأى التغريب إلى بلد آخر فعل من غير تقدير، وسواء كان ذكراً أو أُنثى.(2)
فظهر أنّ في المسألة قولين. ثم استدلّ الشيخ على عدم تغريب المرأة بأصل البراءة أوّلاً، وبأنّه لو لزم التغريب في المرأة الحرّة للزم في الأمة، ولم يقل به أحد، لقوله(عليه السلام): «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها»، فكان هذا كلّ الواجب.

1 . شرائع الإسلام :4/155.   2 . الخلاف:5/368، المسألة3.

صفحه 113
وأمّا الدليل على أنّهما حدّان ظاهر الأخبار، وأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) فعل ذلك وأمر به، فمن حمل ذلك على التعزير أو جعله إلى اجتهاد الإمام، فعليه الدليل، وهو إجماع الصحابة. ثم ذكر أنّ الخلفاء الثلاثة جلدوا وغرّبوا، وأنّ علياً جلد وغرّب.1
يلاحظ عليه: أنّ العمل لا ظهور فيه في كونه حدّاً، لاحتمال كونه تعزيراً.
أقول: أمّا الجلد فقد ظهر دليله ممّا سبق، لقوله سبحانه:(الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة).(2) إنّما الكلام في التغريب وفيه قولان:
1. يُغرّب من مصره إلى مصر آخر، عاماً، مُمْلِكاً كان أو غير مملك. وفسّر المملك من عقد على امرأة دواماً، ولم يدخل بها، ويقابله مَن لم يعقد.
2. اختصاص التغريب بمن أملك ولم يدخل، دون من لم يملك. والاختلاف مبني على تفسير البكر، فهل هو أعمّ ممّن لم يعقد ومن عقد ولم يدخل، أو يختصّ بمن عقد. فقد ذهب إلى كلٍّ جماعة:
أمّا الأوّل: فهو خيرة الشيخ في «الخلاف»، وقد مرّ نصّه حيث لم يذكر شيئاً عن التملّك.
وقال ابن إدريس: البكر هو غير المحصن، سواء أكان مملكاً أو لا.(3)
وقال المحقّق: الذكر الحر غير المحصن يجلد مائة ويجز رأسه ويُغرّب عن مصره عاماً، مملكاً كان أو غير مملك، وقيل: يختصّ التغريب بمن أملك ولم

1 . نفس المصدر السابق.   2 . النور:2.   3 . السرائر:3/441.

صفحه 114
يدخل، وهو مبني على أنّ البكر ما هو؟ والأشبه أنّه عبارة عن غير المحصن وإن لم يكن مملكاً.1
أمّا الثاني ـ أعني: شرطية كون الزاني مملكاً ـ فهو خيرة الصدوق، والشيخ المفيد، والشيخ في «النهاية» وغيرهم، وإليك كلماتهم:
قال الصدوق: والذي أُملك ولم يدخل بها، جُلد مائة وينفى.(2)
وقال الشيخ المفيد: إذا زنى الرجل وقد أملك بامرأة وكان زناه قبل أن يدخل بها، جُزّت ناصيته، وجلد مائة جلدة، ونفي عن المصر حولاً كاملاً.2
وقال الشيخ في «النهاية»: القسم الرابع وهو مَن يجب عليه الجلد ثم النفي وهو البكر والبكرة، والبكر هو الذي قد أملك على امرأة ولا يكون قد دخل بها بعدُ ثم زنى، فإنّه يجب عليه الجلد مائة ونفي سنة، من مصره إلى مصر آخر، بعد أن يُجزّ رأسه; والبكرة تجلد مائة، وليس عليها جز الشعر، ولا نفي على كلّ حال.(4)
وقد تبع هؤلاء ابن البرّاج3، وابن حمزة(6)، والعلاّمة في
«المختلف»4.
استدلّ للقول الأوّل ـ أي عدم اختصاص التغريب بمن أملك ـ بالإطلاقات الواردة في الروايات التالية:

1 . شرائع الإسلام :4/155.   2 . المقنع:142.
2 . المقنعة:780.   4 . النهاية:694.
3 . المهذب:2/520.   6 . الوسيلة:411.
4 . مختلف الشيعة:9/135.

صفحه 115
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«النفي من بلدة إلى بلدة»، وقال: «قد نفى علي(عليه السلام)رجلين من الكوفة إلى البصرة».1
2. صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الزاني إذا زنى، أينفى؟ قال: فقال: «نعم من التي جُلد فيها إلى غيرها».2
3. موثّقة سماعة قال :قال أبو عبدالله(عليه السلام): «إذا زنى الرجل ينبغي للإمام أن ينفيه من الأرض التي جلد فيها إلى غيرها، فإنّما على الإمام أن يخرجه من المصر الذي جُلد فيه».3
يلاحظ عليه: أنّ الروايات المذكورة وغيرها بصدد بيان لزوم النفي من بلد إلى بلد آخر، لا بصدد بيان خصوصيات المنفىّ من كونه مملكاً أو لا، حتى يؤخذ بإطلاقه وشموله لمن أملك ولمن لم يملك، فلا إطلاق في هذه الروايات. إنّ القائل بهذا القول حمل البكر على المعنى اللغويّ فهو أعمّ من المملك، لكن الكلام في البكر في مصطلح الروايات .
ويدلّ على القول الثاني ـ أعني: اختصاص التغريب بمن أُملك ـ روايات منها:
1. روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)... إلى أن قال: وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة ونفي سنة في غير مصرهما، وهما اللّذان قد أُملكا ولم يدخل بها».4

1 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1.
2 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 2 .
3 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 3، ولاحظ كذلك الحديث 4 و 5.
4 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 2 .

صفحه 116
وفي مضمونه شذوذ حيث إنّ ظاهره عموم النفي للبكرة، وهو خلاف ما اتّفقوا عليه كما سيأتي.
2. روى يونس، عمّن رواه، عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «المحصن يُرجم، والذي قد أملك ولم يدخل بها فجلد مائة ونفي سنة».1 وفي سنده إرسال ولكن الدليل لا ينحصر بهما، وسيوافيك في حلق الشعر ما يدلّ على أنّ الإملاك أمر مفروض مسلّم، فانتظر.
أضف إلى ذلك: أنّ شمول الحكم لمن لم يُملّك مورد شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
ثمّ إنّه هل المراد من المصر الذي يغرّب عنه وطنه، أو المصر الذي زنى فيه أو الذي جلد فيه؟ والظاهر هو مصر الجلد، ويدلّ عليه الروايات التالية:
1. صحيح أبي بصير: «نعم من التي جُلد فيها إلى غيرها».2
2. موثّقة سماعة: «فإنّما على الإمام أن يخرجه من المصر الذي جُلد فيه».3
في حلق الشعر   
3. وفي رواية أُخرى عنه: «ينبغي للإمام أن ينفيه من الأرض الّتي جُلد فيها إلى غيرها».4

1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 6 ; ولاحظ أيضاً الباب7، الحديث 1 و 7 و 8 .
2 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 2.
3 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 3.
4 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 5.

صفحه 117
ولو زنى في فلاة فالظاهر إجراء الحكم ; لأنّ المصلحة في العقوبة والتأديب.

حلق الشعر

هذا كلّه حول التغريب، وإليك الكلام في حلق الشعر. ويدلّ عليه ما رواه حنّان قال: سأل رجل أبا عبدالله(عليه السلام) ـ وأنا أسمع ـ عن البكر يفجر وقد تزوّج ففجر قبل أن يدخل بأهله؟، فقال: «يضرب مائة، ويُجز شعره، وينفى من المصر حولاً، ويفرّق بينه وبين أهله».1
ونظيره ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوّج امرأةً ولم يدخل بها، فزنى، ما عليه؟ قال: «يجلد الحدّ، ويُحلق رأسه، ويفرّق بينه وبين أهله، وينفى سنة».2
وعلى الروايتين فالحلق يختصّ بمن أملك.
هذا كلّه حول حدّ الرجل.

حدّ المرأة

أمّا المرأة فيحكم عليها بجلد مائة بلا إشكال، لقوله سبحانه:(الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)، و أمّا الجزّ والحلق فليس

1 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 7 .
2 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 8 .

صفحه 118
حدّاً للمرأة، لاختصاص ما دلّ عليه بالرجل.1 إنّما الكلام في التغريب، فهل تغرّب المرأة أو لا؟
قال الشيخ في «الخلاف»: وإن كان أنثى لم يكن عليها تغريب. وبه قال مالك. واستدلّ عليه أيضاً بقوله تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الُْمحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)2 ; فلو كانت المرأة الحرّة يجب عليها التغريب، لكان على الأمة نصفها، وقد أجمعنا على أنّه لا تغريب على الأمة، لقوله(عليه السلام): «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها».3
وقد تضافرت الروايات على أنّ الأمة تُجلد نصف الحدّ فقط، نظير:
1. روى بريد العجلي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الأمة تزني، قال: «تجلد نصف الحدّ، كان لها زوج أو لم يكن لها زوج».4
2. روى زرارة عن الحسن بن السري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا زنى العبد والأمة وهما محصنان فليس عليهما الرجم إنّما عليهما الضرب خمسين نصف الحدّ».5 مضافاً إلى أنّ التغريب في مورد المرأة من قبيل دفع الفاسد بالأفسد.
   

1 . لاحظ الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 7و 8 .
2 . النساء:25.
3 . الخلاف:5/369، المسألة3.
4 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 2 .
5 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3، ولاحظ باقي روايات الباب.

صفحه 119

لو تكرر الفعل مع تكرر الحدّ

قال المحقّق: لو تكرر من الحرّ، الزنا فأُقيم عليه الحدّ مرتين، قُتل في الثالثة، وقيل: في الرابعة، وهو أولى.1
أقول: وقد تكرر هذا الفرع ـ من المحقّق ـ في مواضع متعدّدة، كما سيوافيك، والدليل في جميع الموارد واحد، سواء قلنا بأنّه يقتل في الرابعة، أو يقتل في الثالثة، وإليك دليل القولين:
أمّا الأوّل: ـ أعني: يقتل في الثالثة ـ فدليله صحيح يونس عن الإمام الكاظم(عليه السلام)قال: «أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة».2
وأمّا الثاني: فهو القول بتخصيص الضابطة في الزنا لموثّق إسحاق بن عمّار عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«الزاني إذا زنى يجلد ثلاثاً ويقتل في الرابعة».3 يعني إذا جلد ثلاث مرات يقتل في الرابعة.
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه الصدوق بأسانيده عن محمد بن سنان، عن الإمام الرضا(عليه السلام) فيما كتب إليه: «وعلّة القتل بعد إقامة الحدّ في الثالثة على الزاني والزانية لاستحقاقهما وقلّة مبالاتهما بالضرب حتّى كأنّه مطلق لهما ذلك، وعلّة أُخرى أنّ المستخف بالله وبالحدّ كافر، فوجب عليه القتل لدخوله في الكفر».4

1 . شرائع الإسلام:4/155.
2 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
4 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.

صفحه 120
ويؤيده أنّ المملوك إذا أُقيم عليه الحدّ سبعاً قتل في الثامنة.1
فبما أنّ حدّ المملوك على الضعف من حدّ الحرّ، فيكشف قتله في الثامنة أنّ الحرّ يقتل في الرابعة.

حدّ الحامل

اتّفقت كلمتهم على أنّ الحدّ لا يقام على الحامل حتى تضع، وعلى قول حتى ترضع الولد إن لم يكن تتّفق له مرضعة.
فإذاً لا فرق في المنع من إقامة الحدّ بين أن يكون جلداً أو رجماً مراعاة لحق الولد، فإنّه لا سبيل عليه، ثم إن كان للولد من يرضعه ويكفله أُقيم عليها الحدّ ولو رجماً، بعد شربه اللبأ، بناءً على المشهور من أنّه لا يعيش غالباً بدونه، وإلاّ انتظر بها إلى استغناء الولد عنها، وهذا هو الظاهر من فعل النبي(صلى الله عليه وآله)والوصي(عليه السلام).2

حكم المريض والمستحاضة رجماً وجلداً

إذا زنى المريض والمستحاضة عن إحصان يُرجمان، لقوله(عليه السلام):«ليس في الحدود نظر ساعة»، أضف إلى ذلك عدم الفائدة في الانتظار فإنّهما على كلّ تقدير يقتلان. هذا حكم الرجم.
وأمّا لو زنيا لا عن إحصان، فلا يُجلدان توقّياً من السراية والموت.

1 . الوسائل:18، الباب 32 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1.
2 . لاحظ الوسائل:18، الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1، 4، 5، 6.

صفحه 121
ويدلّ على تأخير الجلد ما يلي:
1. روى السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«أُتي أمير المؤمنين(عليه السلام)برجل أصاب حدّاً وبه قروح في جسده كثيرة، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام):أقرّوه حتى تبرأ، لا تنكؤوها عليه فتقتلوه».1
2. خبر مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)أُتي برجل أصاب حدّاً وبه قروح ومرض وأشباه ذلك، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): أخرّوه حتى يبرأ، لا تنكأ قروحه عليه فيموت، ولكن إذا برئ حددناه».2
ويدلّ على حكم المستحاضة ما رواه السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «لا يقام الحدّ على المستحاضة حتى ينقطع الدم عنها».3
وإطلاق الرواية محمول على الجلد لا الرجم وعلى صورة الخوف عليها.
إلى هنا تبيّن التفصيل بين الرجم والجلد، فلا ينتظر في الأوّل بخلاف الثاني جمعاً بين الحقّين، إذ هو مستحق للجلد لا ما يُزاد عليه عن طريق الجلد، ويؤخّر حتى لا يحصل الإضرار.
ثمّ هل التأخير منحصر بصورة الخوف من طروء المرض إذا أُجري عليه الحدّ، أو يعمّ إذا خيف من سراية المرض أو تأخّر البرء؟ والظاهر هو الثاني،

1 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب مقدّمات الحدود ، الحديث 4.
2 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 6.نكأ القرحة: قشرها قبل أن تبرأ.
3 . الوسائل:18، الباب 13 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث3.

صفحه 122
لأنّ فيه جمعاً بين الحقّين. ويؤيده ما مرّ من رواية السكوني، ومسمع فلاحظ.
نعم إذا كان البرء غير متوقع كالسلّ والزمانة وضعف الخلقة بحيث لا يحتمل النشاط1، قال المحقّق: ضرب بالضغث المشتمل على العدد، ولا يشترط وصول كلّ شمراخ إلى جسده.2
ويدلّ عليه ما يلي:
1. روى يحيى بن عبّاد المكّي قال: قال لي سفيان الثوري: إنّي أرى لك من أبي عبد الله(عليه السلام) منزلة فسله عن رجل زنى وهو مريض، إن أُقيم عليه الحدّ مات، ما تقول فيه؟ فسألته، فقال: «هذه المسألة من تلقاء نفسك؟ أو قال لك إنسان أن تسألني عنها»؟ فقلت: سفيان الثوري سألني أن أسألك عنها؟ فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)أُتي برجل احتبن 3 مستسقى البطن، قد بدت عروق فخذيه، وقد زنى بامرأة مريضة فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعذق فيه شمراخ، فضرب به الرجل ضربة، وضربت به المرأة ضربة، ثمّ خلّى سبيلهما، ثمّ قرأ هذه الآية: (وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَ لاَ تَحْنَثْ)4».5

1 . جواهر الكلام:41/340، هكذا فسر كلام المحقق ويحتمل أن يكون مورد كلامه ما إذا كان البرء متوقعاً لكن اقتضت المصلحة التعجيل.
2 . شرائع الإسلام :4/156.
3 . في الفقيه: 4 / 28، برقم 5007: أحبن. والأحبن: المستسقي، من الحبن بالتحريك: وهو عظم البطن. النهاية لابن الأثير: 1 / 323، مادة «حبن».
4 . ص: 44.
5 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1، ولاحظ الحديث 5 و 7 و 9.

صفحه 123
ولا يشترط وصول كلّ شمراخ إلى بدنه، لإطلاق الدليل مع التعذّر عادة، ولو تحمّل سياطاً ضعافاً قدّم على الشماريخ.
هذا كلّه حول المريض والمستحاضة، وأمّا الحائض فلا يؤخّر حدّها ; لأنّ الحيض ليس بمرض، بل هو دليل على صحّة الجسم. وفيه تأمّل ; لقوله سبحانه:(وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الَْمحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى)1، والظاهر أنّه نوع انحراف عن حالة الصحّة.

الجنون الطارئ على الحدّ

لو وجب الحدّ ثم جُنّ أو ارتدّ، لا يسقط الحدّ، رجماً كان أو جلداً، لسبق سبب الحدّ على الجنون; مضافاً إلى صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل وجب عليه الحدّ، فلم يُضرب حتى خولط، فقال(عليه السلام):«إن كان أوجب على نفسه الحدّ وهو صحيح لا علّة به من ذهاب عقل، أُقيم عليه الحدّ كائناً ما كان».2
نعم لو كان الحدّ هو الجلد وكان الجنون أدوارياً، فالأحوط التأخير أخذاً بحكمة الحدّ وهو الارتداع، وإن كانت العبرة للغير متحقّقة مطلقاً، ويمكن حمل الصحيحة على المطبق.

1 . البقرة:222.
2 . الوسائل:18، الباب9 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.

صفحه 124

إقامة الحدّ في شدّة الحرّ و البرد

قال الشيخ في «النهاية»: ولا يُضرب أحدٌ في الأوقات الحارّة الشديدة الحرّ، ولا في الأوقات الشديدة البرد، بل يُضرب في الأوقات المعتدلة.1
وتبعه ابن البراج(2)، وابن حمزة(3)، والكيدري2.
وقال المحقّق: ولا يقام الحدّ في شدّة الحر ولا في شدة البرد، و يتوخّى به في الشتاء وسط النهار وفي الصيف طرفاه.(5)
وقال الشهيد في «المسالك»: كما لا يُقام الحدّ في المرض خشية الهلاك بتعاون الجلد والمرض، كذا لا يُقام في الحرّ والبرد المفرطين خشية الهلاك بتعاون الجلد والهواء، ولكن يؤخّر إلى اعتدال الهواء، وذلك في وسط نهار الشتاء وطرفي نهار الصيف، ونحو ذلك ممّا يُراعى فيه السلامة.(6)
هذا كلّه في الجلد، وأمّا الحدّ الموجب للرجم فحكمه حكم المريض، وقد مرّ أنّه يُرجم المريض والمستحاضة.
في إقامة الحدّ في أرض العدو   
ويدلّ على الحكم خبر هشام بن أحمر، عن العبد الصالح(عليه السلام) قال: كان جالساً في المسجد وأنا معه، فسمع صوت رجل يضرب صلاة الغداة في يوم شديد البرد، فقال: «ما هذا؟» قالوا: رجل يضرب، فقال: «سبحان الله، في هذه الساعة إنّه لا يضرب أحد في شيء من الحدود في الشتاء إلاّ في أحرِّ ساعة من النهار، ولا في الصيف إلاّ في أبرد ما يكون من النهار».3

1 . النهاية:701.   2 . المهذّب: 2 / 529.   3 . الوسيلة:412.
2 . إصباح الشيعة:516.   5 . شرائع الإسلام:4/156.   6 . مسالك الأفهام:14/381.
3 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1; ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 125

إقامة الحدّ في أرض العدو

قال الشيخ: ولا تقام الحدود في أرض العدو لئلاّ يحمل المحدود الحميّة والغضب على اللحوق بهم.1
وقال المحقّق: لا يقام الحدّ في أرض العدو مخافة الالتحاق.(2)
ويدل عليه معتبرة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)أنّه قال: «لا أُقيم على رجل حدّاً بأرض العدو حتى يخرج منها، مخافة أن تحمله الحميّة فيلحق بالعدو».2

حكم مَن التجأ إلى الحرم

إذا زنى خارج الحرم والتجأ إليه، فلا يُقام عليه الحدّ، بل يضيّق عليه في المطعم والمشرب ليخرج .3
وقد ورد في صحيح هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يجني في غير الحرم، ثم يلجأ إلى الحرم، قال: «لا يُقام عليه الحدّ; ولا يطعم، ولا يسقى، ولا يكلّم، ولا يبايع، فإنّه إذا فعل به ذلك يوشك أن يخرج فيقام عليه الحدّ، وإن جنى في الحرم جناية، أُقيم عليه الحدّ في الحرم، فإنّه لم ير للحرم حُرمة».4

1 . النهاية:702.   2 . شرائع الإسلام:4/157.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
3 . النهاية: 702 ; شرائع الإسلام : 4 / 156.
4 . الوسائل:18، الباب34 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.

صفحه 126
نعم لو زنى في الحرم يُقام عليه الحدّ; لأنّه هتك حرمة الحرم كما مرّ في ذيل رواية هشام.
وأرسل في «الفقيه»: لو أنّ رجلاً دخل الكعبة فبال فيها معانداً، أُخرج من الكعبة ومن الحرم وضربت عُنقُه.
ويحمل الحرم فيه على حرم مكّة.
   

مَن اجتمع فيه حدّان أو حدود

قال الشيخ: مَن اجتمع عليه حدود أحدها القتل بُدئ أوّلاً بما ليس فيه القتل، ثم قُتل. مثلاً أن يكون قتل وسرق وزنا وهو غير محصن، أو قذف، فإنّه يجلد أوّلاً للزنا أو للقذف، ثم تقطع يده للسرقة، ثم يُقاد منه للقتل.1
وقال المحقّق: إذا اجتمع الجلد والرجم جُلد أوّلاً، وكذا إذا اجتمعت حدود بُدئ بما لا يفوت معه الآخر.(2)
ووجهه واضح: وذلك أوّلاً: فيه الجمع بين الحقوق.
ثانياً: للصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة في رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل، قال: «يُبدأ بالحدود التي هي دون القتل، ويقتل بعد».2
هذا ممّا لا خلاف فيه، وإنّما الخلاف فيما إذا اجتمع فيه الجلد والرجم فجلد أوّلاً، فهل يجب تأخير الرجم عن الجلد إلى أن يبرأ منه كما عليه المفيد

1 . النهاية:702.   2 . شرائع الإسلام :4/156.
2 . الوسائل:18، الباب15 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 6 و 8 و هكذا بقية أخبار الباب.

صفحه 127
في «المقنعة» والشيخ في «النهاية»؟
قال الشيخ المفيد: وإذا قامت البيّنة على رجل حرّ مسلم بالزنا، أو أقرّ بذلك على نفسه كما ذكرناه وكان محصناً وجب عليه جلد مائة ثم يُترك حتى يبرأ جلده، ثم تحفر له حفيرة إلى صدره.1
وقال الشيخ في «النهاية»: المحصن الذي وجب عليه الجلد والرجم يُجلد أوّلاً، ثم يترك حتى يبرأ جلده فإذا برأ رُجم.2
ولعلّ وجهه هو التأكيد في الزجر، ومنعاً من كون الواجب الإتلاف مطلقاً، بل جاز أن يكون بعض الغرض والبعض الآخر قصد التعذيب.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من التعليل لا دليل عليه، وإثبات هذا الحكم المخالف للأصل ـ كما في المسالك ـ يتوقّف على مستند صالح، ومجرد ما ذُكر غير كاف.3
ويمكن أن يقال: إنّ في تقديم الجلد عملاً بفرضين بخلاف تقديم الرجم ففيه ترك العمل بأحدهما.
ولو اجتمع حدّان متساويان كما إذا شرب الخمر وقذف، فإنّ حدّ كلٍّ منهما ثمانون جلدة، فهل القاضي مخيّر في تقديم أيّهما شاء، أو يجب تقديم حقّ الناس؟ والثاني أظهر مع المطالبة.

1 . المقنعة:575.وإطلاق كلامه مبني على عدم تفريقه بين الشيخ والشاب إذا كانا محصنين، على خلاف ما هو المختار عندنا.
2 . النهاية:699.
3 . مسالك الأفهام:14/383.

صفحه 128
في كيّفية الرجم   

كيّفية الرجم

يقع الكلام في كيّفية الرجم، في مقامين:
1. لا شكّ أنّ المرجوم يدفن في الحفيرة، ولكن هل هناك فرق بين الرجل والمرأة في مقدارالدفن؟
2. وعلى كلّ تقدير فهل الدفن يجب مطلقاً، أو يختص بما إذا ثبت بالبيّنة؟
وإليك الكلام في المقامين:

الأوّل: مقدار دفن كلّ من الرجل والمرأة المرجومين

يظهر من الشيخ الطوسي والمحقّق أنّ الرجل يدفن إلى حقويه والمرأة إلى صدرها، ثم يرجمان.
قال الأوّل: فإن كان الذي وجب عليه ذلك قد قامت عليه بيّنة أُمر بأن يحفر له حفيرة ودفن فيها إلى حَقْويه، ثم يرجم; والمرأة مثل ذلك تدفن إلى صدرها ثم ترجم.1
وقال المحقّق: ويدفن المرجوم إلى حقويه، والمرأة إلى صدرها.2
ويدلّ على ما ذكراه روايتان:
1. روى سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «تدفن المرأة إلى وسطها ثم

1 . النهاية:700.
2 . شرائع الإسلام:4/156.

صفحه 129
يرمي الإمام ويرمي الناس بأحجار صغار، ولا يدفن الرجل إذا رُجم إلاّ إلى حقويه».1
2. ما رواه أبو بصير عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «تدفن المرأة إلى وسطها إذا أرادوا أن يرجموها».2
والرواية ذكرت حكم المرأة دون الرجل. لكن تخصيص المرأة بالوسط يدل على اختلاف حكمها مع الرجل،وليس له حكم إلاّ الدفن إلى الحقوين.
وبذلك ظهرت قوّة ما ذكره الشيخ الطوسي والمحقّق.
نعم يظهر من الشيخ المفيد أنّ الرجل أيضاً تحفر له حفيرة إلى صدره ثم يرجم بعد ذلك.3
ولكنّه قول شاذ، يخالف رواية سماعة.
هذا كلّه حول المقام الأوّل وهو مقدار الدفن، والفرق فيه بين الرجل والمرأة.

المقام الثاني: اختصاص الدفن فيما لو ثبت الزنا بالبيّنة

هل يختصّ الدفن فيما لو ثبت الزنا بالبيّنة، أو يعمّ ما إذا ثبت بالإقرار؟
الظاهر هو الأعمّ، بشهادة أنّ مورد رواية سماعة وأبي بصير هو الثبوت

1 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
2 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
3 . المقنعة:775.

صفحه 130
بالإقرار، وقد جاء فيهما: «ويرمي الإمام ثم يرمي الناس» فإنّ الإمام لا يتقدّم بالرمي إلاّ فيما إذا ثبت الزنا بالإقرار، وأمّا إذا ثبت بالبيّنة فيتقدّم الناس.
ومع ذلك كلّه احتمل الشهيد الثاني أنّ الدفن مستحب والأمر موكول إلى الإمام.1 وعلى هذا لو أمكن الرجم بلا دفن كفى لحصول الغرض.
في فرار المرجوم   

فرار المرجوم

إذا فرّ المرجوم وكان الموجب ثابتاً بالبيّنة وجبت إعادته.
وإن ثبت بالإقرار وفرّ، فيه قولان:
1. لم يُعَد مطلقاً.
2. التفصيل بين الفرار قبل إصابة الحجارة، أُعيد، وإلاّ فلا.
والأوّل خيرة المفيد،(2) وأبي الصلاح(3)، وسلاّر2، وابن زهرة(5).
والثاني هو خيرة الشيخ في «النهاية».(6)
وقد أشار المحقّق إلى القولين فقال: فإن فرّ أُعيد وجوباً إن ثبت زناه بالبيّنة، ولو ثبت بالإقرار لم يُعد، وقيل: إن فرّ قبل إصابة الحجارة أُعيد.3
أمّا الأوّل: ـ أعني ما إذا ثبت زناه بالبيّنة ـ فلا خلاف في إعادته ; لأنّه محكوم بوجوب إتلافه بالرجم، ولا يتم إلاّ بالإعادة، فتجب من باب المقدّمة،

1 . مسالك الأفهام:14/384.   2 . المقنعة:775.   3 . الكافي في الفقه:407.
2 . المراسم:252.   5 . غنية النزوع:1/424.   6 . النهاية:700.
3 . شرائع الإسلام:4/156.

صفحه 131
ولو شُكّ في وجوب الإتلاف فالمستصحب هو المحكّم; ويدلّ عليه إطلاق المرسل في الشق الثاني حيث سئل الصادق(عليه السلام) عن المرجوم يفرّ؟ قال(عليه السلام):«إن كان أقرّ على نفسه فلا يُردّ، وإن كان شهد عليه الشهود يُردّ».1
أمّا الثاني ـ أعني: إذا ثبت بالإقرار ـ : فقد مرّ أنّ فيه قولين:
1. لا يردّ مطلقاً، 2. التفصيل بين الفرار قبل الإصابة، أعيد، وإلاّ فلا.
استدلّ للقول الأوّل ـ أعني: عدم إعادته مطلقاً ـ مضافاً إلى إطلاق المرسل في الشق الأوّل، بأنّ الفرار يتضمّن الرجوع عن الإقرار أو كالرجوع، والرجوع عن الإقرار مسقط للرجم.
يلاحظ على الاستدلال: بمنع كون الهرب بمنزلة الرجوع عن الإقرار، وإنّما هو لأجل حفظ السلامة.
واستدلّ للقول الثاني ـ أعني: التفصيل بين الفرار قبل الإصابة والفرار بعدها ـ بما يلي:
1. خبر أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): المرجوم يفرّ من الحفيرة، فيُطلب؟ قال: «لا، ولا يُعرّض إن كان أصابه حجر واحد لم يطلب، وإن هرب قبل أن تصيبه الحجارة رُدّ حتى يصيبه ألم العذاب».2
2. خبر الحسين بن خالد قال: قلت لأبي الحسن(عليه السلام): أخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة، هل يردُّ حتى يُقام عليه الحدّ؟ فقال: «يردُّ،

1 . الوسائل:18، الباب15 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب15 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.

صفحه 132
ولا يردُّ»، فقلت: وكيف ذاك؟فقال: «إن كان هو المقرّ على نفسه ثمّ هرب من الحفيرة بعد ما يصيبه شيء من الحجارة لم يردّ، وإن كان إنّما قامت عليه البيّنة وهو يجحد، ثمّ هرب ردّ وهو صاغر، حتّى يُقام عليه الحدّ، وذلك أنّ ماعز بن مالك أقرّ عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالزنا فأمر به أن يُرجم فهرب من الحفرة، فرماه الزبير بن العوام بساق بعير فعقله فسقط فلحقه الناس فقتلوه، ثمّ أخبروا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بذلك، فقال لهم: فهلا تركتموه إذا هرب يذهب فإنّما هو الّذي أقرّ على نفسه، وقال لهم: أما لو كان عليٌّ حاضراً معكم لما ضللتم، قال: ووداه رسول الله(صلى الله عليه وآله) من بيت مال المسلمين».1
وعلى هذا فيقيّد إطلاق المرسل في الشق الأوّل بما في هذين الخبرين.
كما أنّ حديث ماعز بن مالك محمول على الهرب بعد الإصابة.
وحصيلة الكلام: أنّ ما يدلّ على عدم الردّ مطلقاً حديث مرسل، وأمّا ما يدل على التفصيل فهما خبران، فالمشهور أخذ بإطلاق المرسل، والشيخ أخذ بالتفصيل الوارد في الخبرين.
وصناعة الفقه تقتضي حمل المطلق على المقيّد.
هذا كلّه على القول بحجيّة المرسل والخبرين، وإلاّ فالمحكّم هو الاستصحاب، وهو الردّ مطلقاً في الإقرار مثل ما إذا ثبت بالبيّنة، سواء هرب قبل إصابة الحجارة أم لا.
في حكم الجلد عند الفرار، مَن يبدأ بالرجم؟   

1 . الوسائل:18، الباب15 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 133

حكم الجلد عند الفرار

إذا هرب قبل الجلد أو في أثنائه، لم يسقط الحدّ; ففي رواية محمد بن عيسى بن عبد الله، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): الزاني يُجلد فيهرب بعد أن أصابه بعض الحدّ، أيجب عليه أن يُخلّى عنه ولا يُرد كما يجب للمحصن إذا رُجم، قال: «لا، ولكن يُردّ حتى يُضرب الحدّ كاملاً».1
ولو صحّت الرواية لكانت دليلاً على التفصيل الوارد في هروب المحصن، حيث إنّ الرواية تكشف عن أنّ التفصيل بين إصابة البعض وعدمها في الرجم كان أمراً مسلّماً بين الراوي والإمام.

مَن يبدأ بالرجم؟

قال الشيخ: إذا حضر الإمامُ والشهود موضع الرجم، فإن كان الحدّ ثبت بالإقرار وجب على الإمام البدأة به، ثم يتبعه الناس، وإن كان ثبت بالبيّنة، بدأ أولاً الشهود ثم الإمام ثم الناس. وقال أبو حنيفة مثل ذلك، وقال الشافعي: لا يجب على واحد منهم البدأة بالرجم.
ثم استدلّ الشيخ بإجماع الطائفة وأخبارهم، وطريقة الاحتياط.2واختاره المحقّق في «الشرائع» حيث قال: ويبدأ الشهود برجمه وجوباً، ولو كان مقرّاً بدأ الإمام.3

1 . الوسائل:18، الباب35 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . الخلاف:5/377، المسألة 15. وجه الاحتياط: أنّ الأمر دائر بين التعيّن (التعيّن على الإمام) والتخيير، ففيه التعيّن مقدّم.
3 . شرائع الإسلام:4/157.

صفحه 134
أقول: مستند التفصيل رواية صفوان المرسلة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا أقرّ الزاني المحصن كان أوّل مَن يرجمه الإمام ثم الناس، فإذا قامت عليه البيّنة كان أوّل مَن يرجمه البيّنة ثم الإمام ثم الناس».1
ورواه الصدوق باسناده عن عبد الله بن مغيرة وصفوان وغير واحد رفعوه إلى أبي عبد الله(عليه السلام).
نعم في غير واحدة من الروايات يبدأ الإمام مطلقاً; ففي رواية أبي بصير: «ويرمي الإمام ثم يرمي الناس»2، وفي رواية سماعة: «ثم يرمي الإمام ويرمي الناس بأحجار صغار».3 ويحمل المطلق على المقيّد، وبما أنّ الراوي هو صفوان بن يحيى وهو ممّن لا يروي إلاّ عن ثقة، فالحمل غير بعيد.

إعلام الناس للحضور عند إقامة الحدّ

في حضور الشهود عند إقامة الحدّ   
الظاهر أنّه يجب على الإمام أن يأمر مَن ينادي بحضور جماعة عند إجراء الحدّ، لقوله سبحانه:(وَ لْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)4، وهذا هو الظاهر من الشيخ المفيد حيث قال: وإذا أراد الإمام أو خليفته جلد الزانيين، نادى بحضور جلدهما، فإذا اجتمع الناس جلدهما بمحضر منهم، لينزجر من يشاهدهما عن مثل ما أتياه، ويكونا عبرة لغيرهما، وموعظة لمن سواهما، قال الله تعالى:(وَ لْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).(5)

1 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
2 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1.
3 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
4 . النور:2.   5 . المقنعة: 780.

صفحه 135
وهذا هو الظاهر من أبي الصلاح الحلبي1، وابن حمزة2، وابن إدريس3، يقول الأخير: الذي أذهب إليه أنّ الحضور واجب، لقوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، ولا خلاف أنّه أمر، والأمر عندنا يقتضي الوجوب.
ولا يتحقق الشهود إلاّ بالإعلام غالباً، ولكن الظاهر من الشيخ في «الخلاف»، الاستحباب قال: يستحبّ أن يحضر عند إقامة الحدّ على الزاني طائفة من المؤمنين، لقوله تعالى:(وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).4
وبه أيضاً قال في «المبسوط»5، وتبعه ابن البرّاج6; ولكنّ الحق هو ما اختاره المفيد وغيره، لوجود الأمر المؤكّد، أعني: (وَلْيَشْهَدْ).

حضور الشهود عند إقامة الحدّ

لا شكّ أنّه إذا ثبت الزنا بالإقرار لا موضوع للبحث عن حضور الشهود، إنّما الكلام إذا ثبت الزنا بالبيّنة، فهل يجب حضور الشهود أو لا؟
قال الشيخ: لم يجب على الشهود حضور موضع الرجم. وبه قال الشافعي.

1 . الكافي في الفقه: 406.
2 . الوسيلة:412.
3 . السرائر:3/453.
4 . الخلاف:5/374، المسألة 11.
5 . المبسوط: 8 / 8 .
6 . المهذّب:2/528.

صفحه 136
وقال أبو حنيفة: يلزمهم ذلك.
دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمّة، وإيجاب الحضور عليهم يحتاج إلى دليل.
وقد روى أصحابنا أنّه إذا وجب الرجم بالبيّنة، فأوّل مَن يرجمه الشهود، ثم الإمام; وإن كان مقرّاً على نفسه كان أوّل من يرجمه الإمام، فعلى هذا يلزمهم الحضور.1 ومع وجود الدليل لا مجال للبراءة.
وما احتمله أخيراً هو الظاهر، وهو خيرة المحقّق حيث نقل عن الشيخ أنّه لا يجب على الشهود حضور موضع الرجم فقال: ولعلّ الأشبه الوجوب لوجوب بدأتهم بالرجم.(2)
ويدلّ عليه رواية صفوان المرسلة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا أقرّ الزاني المحصن كان أوّل مَن يرجمه الإمام ثم الناس، فإذا قامت عليه البيّنة كان أوّل مَن يرجمه البيّنة ثم الإمام ثم الناس».2
وقد قلنا: إنّ الرواية معتبرة ; لأنّ المرسل هو صفوان الذي لا يروي إلاّ عن ثقة.
في عدد الجماعة الحاضرة عند استيفاء الحدّ   

عدد الجماعة الحاضرة عند استيفاء الحدّ

أمر سبحانه وتعالى بحضور طائفة عند إجراء الحدّ، إنّما الكلام في عددهم ، وهنا أقوال:

1 . الخلاف:5/376.   2 . شرائع الإسلام :4/158.
2 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.

صفحه 137
1. أقلّها واحد. وهو خيرة الشيخ في «النهاية»1، والمحقّق في «الشرائع»2، لأنّه المنقول عن بعض أهل اللغة3; ولأنّ الطائفة قطعة من الشيء وهي تصدق على الواحد، ويؤيده رواية «التهذيب»، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق(عليه السلام) عن أبيه عن أمير المؤمنين(عليه السلام)في قوله تعالى:(وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) قال: «الطائفة واحد».4
2. أقلّها عشرة. اختاره الشيخ في «الخلاف» وقال: أقلّ ذلك عشرة. وبه قال الحسن البصري.5
3. أقلّها ثلاثة. وهو خيرة ابن إدريس محتجّاً بدلالة العرف وشاهد الحال، مع أصالة البراءة من الزائد.6
ولعلّ القول الأوّل أظهر لوجود الرواية مع كونه مدعماً بما نقلناه من أعلام اللغة، ومع ذلك نقل الشيخ أقوالاً أُخرى فقال: قال عكرمة: اثنان، وقال الشافعي: أربعة. والقول الأوّل أظهر ـ كما تقدّم ـ والثلاثة وما فوقهما أحوط. فإنّ إطلاق الطائفة وإرادة الواحد غير معروف، وغياث بن إبراهيم عامّي لا يعتدّ به، ولم تستعمل الطائفة في القرآن إلاّ في مورد الجماعة.

1 . النهاية:701.
2 . شرائع الإسلام :4/157.
3 . لسان العرب:9/226; القاموس المحيط:3/170.
4 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
5 . الخلاف:5/374.
6 . السرائر:3/454.

صفحه 138

الرجم بأحجار صغار

قال المحقّق: وينبغي أن تكون الحجارة صغاراً لئلاّ يسرع التلف.1احترازاً برمي صخرة واحدة تجهز عليه وتقتله لخروجه عن معنى الرجم، ومع ذلك فقال في «القواعد»: ثم يرمى بالحجار الصغار، وفي «كشف اللثام» في شرح العبارة: لئلاّ يتلف سريعاً.(2)
روى أبو بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «ثم يرمي الناس بعد بأحجار صغار».2

من كان لله قِبَله حدّ

قال المحقّق: وقيل: لا يرجمه من كان لله قبله حدّ، وهو على الكراهية.3
أقول: والمستند ما روي عن علي(عليه السلام) لمّا رجم المرأة نادى بأعلى صوته: «أيّها الناس إنّ الله عهد إلى نبيّه(صلى الله عليه وآله)عهداً، وعهده محمد(صلى الله عليه وآله) إليّ، بأنّه لا يقيم الحدّ مَنْ لله عليه حدّ، فمن كان لله عليه مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحدّ».4
في الجلد مجرّداً أو على الحال التي وجد عليها   
وحمل النهي على الكراهة رهن دليل خصوصاً إذا كان النهي متضافراً. وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك نقل فيه خمس روايات وقال: ويأتي ما

1 . شرائع الإسلام :4/157.   2 . كشف اللثام:10/469.
2 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1 ; ولاحظ الحديث3.
3 . شرائع الإسلام:4/157.
4 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.

صفحه 139
يدلّ على بعض ذلك، فالقول بالحرمة أقوى.
وعلى كلّ تقدير فهل الميزان مثل ما على المحدود كما هو الظاهر ممّا نقلناه، أو مطلق الحق لله1، أو مطلق الحدّ2، ومقتضى القاعدة تفسير الحق والحدّ، بالمثل .

الجلد مجرّداً أو على الحال التي وجد عليها

هل يجلد الزاني مجرّداً كما عليه المحقّق 3، أو على الحال التي وجد
عليها عارياً أو كاسياً كما عليه الشيخ(4)، وأبو الصلاح(5)، وابن البراج،4وغيرهم؟
استدلّ للقول الأوّل بأنّ حقيقة الجَلد ضرب الجِلد، ولخبر إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام)عن الزاني كيف يُجلد؟ قال:«أشدّ الجلد»، فقلت: من فوق الثياب؟ قال: «بل يجرد».5
واستدلّ للقول الثاني بخبر طلحة بن زيد: «ولا يجرد في الحدّ ولا يشنح ـ يعني يُمدّ ـ و يضرب الزاني على الحال التي وجد عليها إن وُجد عرياناً ضرب عرياناً، وإن وجد وعليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه».6

1 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث3.
2 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 5.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 157.      4. النهاية:700.      5. الكافي في الفقه:407.
4 . المهذب:2/527.
5 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 3، ولاحظ الحديث 2.
6 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ الزاني، الحديث7.

صفحه 140
والظاهر تقديم القول الأوّل ; لأنّ حديث إسحاق بن عمّار موثّق يقدّم على خبر طلحة بن زيد وهو عامي، وعلى فرض التعارض فالمرجع هو الإطلاق، وكفاية الجلد كاسياً.
وممّا يورث العجب ما في «المقنع»: يُجلدان معاً على الحالة التي وجدا عليها، فإن وجدا مجردين ضربا مجردين.1 مع أنّ بدن المرأة عورة فلا يجوز تجريدها، وكذا يجب ستر عورة الرجل.

كيفية ضرب الرجل والمرأة

قال المحقق: يُجلد الزاني قائماً، والمرأة تضرب جالسة وتربط عليها ثيابها.(2)
أقول: مصدر الحكم معتبر زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «يضرب الرجل الحدّ قائماً، والمرأة قاعدة، ويضرب على كلّ عضو ويترك الرأس والمذاكير».2
لو شهد أربعة على امرأة بالزنا وادّعت أنّها بكر   
هذا كلّه في الجلد، وأمّا الرجم، فقد روى أبو مريم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «أتت امرأة أمير المؤمنين(عليه السلام)فقالت: إنّي قد فجرت... ـ إلى أن قال: ـ ثم أمر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوباً جديداً».3 ولعلّه مختص بالمرأة ولا يشمل الرجل، والله العالم.

1 . المقنع:428.   2 . شرائع الإسلام:4/157.
2 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.

صفحه 141

مسائل عشر

قد عنون المحقّق في «الشرائع» مسائل عشر في المقام، ونحن نقتفيه عنواناً وشرحاً:
المسألة الأُولى: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا قُبلاً فادّعت أنّها بكر، فشهد لها أربع نساء بذلك، فلا حدّ.
وهل يُحدّ الشهود للفرية؟ قال في «النهاية»: نعم، وقال في «المبسوط»: لا حدّ، لاحتمال الشبهة في المشاهدة، والأوّل أشبه.1
أقول: يقع الكلام تارة في إجراء الحدّ على المرأة، وأُخرى في إجرائه على الشهود، وللمسألة صور تختلف أحكامها حسب القواعد مع قطع النظر عن الروايات:
1. أن يدّعي الشهود على الزنا قُبلاً، فإذن لا تُحدّ المرأة ويُحدّ الشهود للفرية، وعلى هذه الصورة يحمل قول الشيخ في «النهاية»: وإذا شهد أربعة رجال على امرأة بالزنا، فادّعت أنّها بكر أُمر النساء بأن ينظرن إليها، فإن كانت

1 . شرائع الإسلام:4/157.

صفحه 142
كما قالت: درأ عنها الرجم والحدّ، وجُلد الأربعة حدّ الفرية. وإن لم تكن كذلك رُجمت أو حُدّت .1
وذهب الشيخ وابن حمزة وابن سعيد إلى أنّه لا حدّ على المشهود عليه ـ كما هو واضح ـ ولا على الشهود لاحتمال عود العذرة. 2 لكنّه كما ترى احتمال بعيد، خصوصاً إذا كان الزمان بين الزنا وشهادة النساء قليلاً.ومثله احتمال الشبهة في المشاهدة على ما مرّ في نقل المحقّق، فهو أيضاً بعيد مع تعدّد الشهود.
2. إذا شهدوا بالزنا دُبراً، فعندئذ لا تعارض بين شهادتهم وشهادتهنّ. إذ لا منافاة بين الزنا دبراً، وكونها بكراً، فعندئذ ترجم أو تُحدّ فقط.
3. إذا شهدوا على الزنا مطلقاً من دون تعيين محلّه على نحو يمكن أن يكون الزنا دبراً لا قبلاً، فيه وجهان:
الف. أنّها تُحدّ أو تُرجم.
ب. أنّ الإطلاق منصرف إلى الزنا قبلاً، والنساء شهدن على كونها بكراً، فحينئذ لا تُحدّ ولا تُرجم، بل يُحدّ الشهود الرجال للفرية.
فبأي من القولين يؤخذ، وبما أنّ المورد من أقسام الشبهة فتدرأ الحدود عن كلا الجانبين.
4. ما لو شهدن النساء على أنّها رتقاء، فلو كانت الشهادة على الزنا قُبلاً، لا

1 . النهاية:332.
2 . المبسوط: 8 / 10. ولاحظ : الوسيلة:410 ; والجامع للشرائع:549.

صفحه 143
تُحدّ المرأة ويُحدّ الشهود عملاً بالضابطة.
5. لو شهدوا على الدبر تحدّ، أو ترجم المرأة دون الشهود.
6. لو كانت الشهادة على الزنا مطلقاً وهي رتقاء ففيه الوجهان المذكوران في الصورة الثالثة.
7. لو شهدوا على الرجل بالزنا ثم شهد شهود آخرون على كونه مجبوباً، سقط عنه الحدّ دون الشهود لتحقّق كذبهم، وليس الرجل كالمرأة في احتمال تعدّد المحل.
هذا كلّه على ضوء القواعد، وأمّا الروايات :
1. روى السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أُتي أمير المؤمنين(عليه السلام)
بامرأة بكر زعموا أنّها زنت فأمر النساء فنظرن إليها فقلن هي عذراء، فقال: ما كنت لأضرب من عليها خاتم من الله، وكان يجيز شهادة النساء في مثل هذا».1
والرواية محمولة على الصورة الأُولى، أي إذا شهدوا بالزنا قبلاً، فظهر كذبهم بشهادة النساء.
2. ما رواه زرارة عن أحدهما(عليهما السلام) في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا فقالت: أنا بكر، فنظر إليها النساء، فوجدنها بكراً قال: «تقبل شهادة النساء».2ولم يذكر فيها حكم الشهود فهو محمول على الصورة الأُولى.

1 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث 13.
2 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث 44.

صفحه 144
المسألة الثانية: لا يشترط حضور الشهود عند إقامة الحدّ، بل يُقام وإن ماتوا أو غابوا ـ لا فراراً ـ لثبوت السبب الموجب1.
أقول: الظاهر أنّ المحقّق بصدد بيان أنّ عدم حضور الشهود لموتهم أو غيبتهم، لا يكون سبباً لعدم إجراء الحدّ، وليس بصدد بيان عدم وجوب حضور الشهود حتى ينافي المسألة الثالثة وما مرّ من أنّ الشهود يبدأوا بالرجم، وعلى هذا فيجري الحدّ، إلاّ إذا غابوا فراراً فعندئذ يسقط الحدّ للشبهة.
ويُرشد إليه حسنة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل أُتي به إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فشهد عليه رجلان بالسرقة فأمرهما بأن يُمسك أحدهما يده ويقطعها الآخر ففرّا، فقال المشهود عليه: يا أمير المؤمنين شهد علىّ الرجلان ظلماً، فلمّا ضرب الناس واختلطوا أرسلاني وفرّا، ولو كانا صادقين لم يرسلاني، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَن يدلّني على هذين أنكّلهما».(2)
المسألة الثالثة: لا يجب على الشهود حضور موضع الرجم، ولعلّ الأشبه الوجوب، لوجوب بدأتهم بالرجم.2
إذا كان الزوج أحد الشهود الأربعة    
أقول: ذهب الشيخ إلى عدم الوجوب وقال: إذا ثبت الزنا بالبيّنة لم يجب على الشهود حضور موضع الرجم. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يلزمهم ذلك. ثم استدلّ الشيخ بأنّ إيجاب الحضور عليهم يحتاج إلى دليل.3

1 . شرائع الإسلام: 4 / 157 .   2 . الكافي: 7 / 264.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 158 .
3 . الخلاف:5/376، المسألة14.

صفحه 145
والظاهر وجود الدليل لما مرّ من وجوب بدأتهم بالرجم، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ المستند غير نقي. وعلى أي حال فما اختاره المحقّق من الوجوب أحوط. وعلّله بقوله: لوجوب بدأتهم بالرجم.
المسألة الرابعة: إذا كان الزوج أحد الأربعة، فيه روايتان، ووجه الجمع: سقوط الحدّ، إن اختلّ بعض شروط الشهادة، مثل أن يسبق الزوج بالقذف فيحدّ الزوج، أو يدرأ باللعان ويُحدّ الباقون. وثبوت الحدّ إن لم يسبق بالقذف ولم يختل بعض الشرائط.1
أقول: أشار المحقّق إلى طائفتين من الروايات في المسألة، كما أشار إلى وجه الجمع، وهي:
ما رواه عباد بن كثير، عن إبراهيم بن نعيم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا، أحدهم زوجها؟ قال: «تجوز شهادتهم».2
والمضمون لا غبار عليه، ولكن السند ضعيف، فإنّ عباد بن كثير البصري ضعيف وردت في ذمّه روايات في الكافي.
وأمّا إبراهيم بن نعيم فلو أُريد به العبدي فهو أبو الصباح الكناني، ثقة، ولو أُريد به الأزدي فهو مهمل لم يوثّق، والظاهر هو الأوّل لأنّ الأزدي ينقل عنه الحسن بن محبوب، كما سيأتي في الرواية التالية. وأمّا المخالف فهو الروايتان التاليتان:

1 . شرائع الإسلام:4/158.
2 . الوسائل:15، الباب12 من أبواب اللعان، الحديث1.

صفحه 146
1. ما رواه إسماعيل بن خراش، عن زرارة، عن أحدهما(عليهما السلام) في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا، أحدهم زوجها؟ قال: «يلاعن الزوج ويجلد الآخرون»1. والمضمون واضح ولكن السند مخدوش، فإنّ إسماعيل بن خراش ـ على ما في الوسائل ـ أو إسماعيل الخراش ـ كما في التهذيب2 ـ مهمل في الرجال، فلا يحتجّ بالرواية.
2. ما رواه الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن نعيم، عن أبي سيّار مسمع، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في أربعة شهدوا على امرأة بفجور أحدهم زوجها، قال: «يجلدون الثلاثة ويلاعنها زوجها ويفرّق بينهما ولا تحلّ له أبداً».3 والسند ـ أيضاً ـ ضعيف والمراد من إبراهيم بن نعيم هو الأزدي بشهادة رواية ابن محبوب عنه، ومع ذلك ففي التهذيب والفقيه نُعيم بن إبراهيم مكان إبراهيم بن نعيم، ولذا فالرواية لا يحتجّ بها.
ومع ذلك فمقتضى القاعدة هو سماع الشهادة بشرط أن لا يسبق من الزوج قذف بالنسبة إلى زوجته، ولذلك عمل المحقّق بالرواية الأُولى، وحملها على ما إذا لم يصدر من الزوج قذف.
في وجوب إقامة حدود الله تعالى على الحاكم بعلمه   
وأمّا الروايتان الأخيرتان فهما ساقطتان لا يحتجّ بهما، لكنّ المحقّق حملهما على ما إذا صدر قذف من الزوج بالنسبة إلى زوجته.

1 . الوسائل:15، الباب12 من أبواب اللعان، الحديث2.
2 . التهذيب: 6 / 282، برقم 777.
3 . الوسائل:15، الباب12 من أبواب اللعان، الحديث3.

صفحه 147
المسألة الخامسة: يجب على الحاكم إقامة حدود الله تعالى بعلمه، كحدّ الزنا، أمّا حقوق الناس، فتقف إقامتها على المطالبة، حدّاً كان أو تعزيراً.1
أقول: ظاهر كلام المحقّق أنّه يجب على الحاكم أن يعمل بعلمه مطلقاً في حدود الله وحقوق الناس، غاية الأمر لا يعمل بعلمه في الثانية إلاّ بمطالبة الناس.
والمسألة شائكة وقد تضاربت الأقوال فيها، وقد استخرجنا من كلمات الأصحاب أنّ الأقوال عندهم تناهز الستة، وهي:
1. القول بالمنع، كما عن ابن الجنيد.
2. الجواز مطلقاً، كما عليه الأكثر.
3. يجوز في حقوق الناس دون حقوق الله.
4. عكس الثالث، وهو خيرة ابن الجنيد في الأحمدي.
5. الفرق بين كون القاضي مأموناً وعدمه، فيقضي في الأوّل دون الثاني.
6. الفرق بين الحدود وغيرها فلا يقضي في الأوّل بعلمه، وهو خيرة الشيخ في موضع من «المبسوط». وهو غير القول الثالث، لأنّه يفرّق بين حق الناس وحق الله، فيقضي في الأوّل دون الثاني، وهذا يفرّق بين الحدود ـ و إن كان حق الناس ـ وغيرها، وعلى هذا لا يعمل بعلمه في القصاص وحدّ القذف، لأنّهما وإن كانا من حقوق الناس، لكنّهما من الحدود.
وأمّا أهل السنّة فقد ذكرنا كلماتهم في كتاب «القضاء في الشريعة

1 . شرائع الإسلام:4/158.

صفحه 148
الإسلامية الغرّاء» وحاصل أقوالهم هو: إنّ المشهور في حقوق الآدميّين هو عدم الجواز إلاّ على أحد القولين للشافعي، وبه قال يوسف والمزني; وأمّا في حقوق الله فمن قال: لا يجوز في الآدميين، قال به فيها، ومن يجوّز فيها فله قولان فيها، ولا يفصل.
وبما أنّا استوفينا أدلّة الطرفين في كتابنا هذا ، فنرجع القارئ الكريم إلى ما حقّقناه هناك.1
ولكن نذكر هنا نكتة وهي: كيف يمكن أن يقال: بأنّ الحاكم يعمل بعلمه في مورد الزنا، مع أنّ المتضافر عن النبي أو الوصي وسنّتهما أنّهم كانوا مصرّين على ستر الأمر في حقّ المحصن والمحصنة، وعدم الرغبة إلى إقرارهما مع الإذعان بصدقهما. فلو كان علم القاضي قائماً مقام بيّنة المدّعي كان اللازم عليهما ـ صلوات الله عليهما ـ إجراء الحدّ، مع أنّا نرى في الروايات المستفيضة تجاهلهما بالنسبة إلى صدور الزنا ومحاولتهما أن لا يقرّا بما فعلا. والقائلون بجواز العمل بالعلم في مجال حقوق الله لمّا واجهوا هذه الروايات، حاولوا علاجها بالتخصيص في الضابطة.
أضف إلى ذلك: أنّه انعقد الإجماع على أنّه لا يثبت الإحصان، إلاّ بالبيّنة والأقارير الأربعة.
إذا شهد بعض وردّت شهادة الباقين   
وكان الأولى جعل الروايات دليلاً على بطلان الضابطة، ومن أراد أن يقف على سيرة النبي والوصي(عليهما السلام)في رفض العلم في زنا المحصن

1 . لاحظ : القضاء في الشريعة الإسلامية الغرّاء:1/190ـ212.

صفحه 149
والمحصنة، فليرجع إلى الروايات؟1
ولذلك نطوي الكلام في المقام، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «القضاء في الشريعة الإسلامية الغرّاء».
المسألة السادسة: إذا شهد بعض وردّت شهادة الباقين، قال في المبسوط والخلاف: إن ردّت بأمر ظاهر، حُدَّ الجميع; وإن ردّت بأمر خفيّ، فعلى المردود الحدّ دون الباقين، وفيه إشكال، من حيث تحققق القذف العاري عن بيّنة. ولو رجع واحد بعد شهادة الأربع، حُدّ الراجع دون غيره .2
أقول: في المسألة قولان:
1. التفصيل بين ما لو ردّت شهادة البعض بأمر ظاهر، فيُحدّ الجميع، وبين ما لو ردّت بأمر خفي، فيحدّ مردود الشهادة، دون الباقين، وهذا هو خيرة الشيخ في «الخلاف»، قال: إذا شهد الأربعة على رجل بالزنا فردّت شهادة واحد منهم، فإن رُدّت بأمر ظاهر لا يخفى على أحد فإنّه يجب على الأربعة حدّ القذف، وإن رُدّت بأمر خفيّ لا يقف عليه إلاّ آحادهم فإنّه يُقام على مردود الشهادة الحدّ، والثلاثة لا يُقام عليهم.3
وكان عليه أن يضيف إلى كلامه، ولا يُحدّ المشهود عليه أيضاً ـ كما هو واضح ـ في الحالين.

1 . لاحظ : الوسائل:18، الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1و 2 و 5; سنن البيهقي:7/407 و ج8/226.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 158 .
3 . الخلاف:5/391، المسألة 33.

صفحه 150
2. أنّه يُحدّ الجميع لتحقّق القذف العاري عن البيّنة التي يثبت بها الزنا، وهو خيرة المحقّق في «الشرائع».1 من غير فرق بين الردّ بأمر خفيّ أو بأمر ظاهر.
ويؤيّد القول الثاني إطلاق قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).(2)
ومع ذلك كلّه فالقول الأوّل هو الأقرب إلى الاعتبار، وذلك لما أفاده الشيخ في «الخلاف» حيث قال: لا دليل على أنّه يجب على هؤلاء الحدّ، فإنّهم غير مفرّطين في إقامة الشهادة، فإنّ أحداً لا يقف على بواطن الناس، فكان عذراً في إقامتها، فلهذا لا يُحدّ، بخلاف ما إذا كان الرد بأمر ظاهر ; لأنّ التفريط كان منهم فلهذا حُدّوا.
أضف إلى ذلك: أنّه لو وجب الحدّ فيما إذا رُدّت بأمر خفي، امتنع الناس عن إقامة الشهادة، إذ كُلٌّ يحتمل أن تُردّ شهادة صاحبه بأمر خفيّ لا يعرفه.
بل يمكن أن يقال بعدم حدّ الباقين حتى فيما إذا كان الردّ بأمر ظاهر إذا كان الشهود جاهلين بالمسألة وأنّ الشيء الفلاني في صاحبهم يورث الفسق، ولم يكن المورد ممّا يبتلي به المكلّف حتى لا يُعدّ جهله عذراً.
وعلى ما ذكرنا فما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فلم يعدلوا، قال: «يُضربون الحدّ»2; محمول على ما إذا كان الرد بأمر ظاهر وكان الشهود عالمين به.

1 . شرائع الإسلام:4/158.   2 . النور:4.
2 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ القذف، الحديث4.

صفحه 151
ثمّ إنّ المحقّق ذيّل هذه المسألة بفرع آخر دون أن يجعله مسألة مستقلة، قال: ولو رجع واحد بعد شهادة الأربعة، حُدّ الراجع دون غيره.
أقول: ما ذكره هو خيرة الشيخ في «الخلاف»، قال: إذا شهد أربعة ثم رجع واحد منهم، فلا حدّ على المشهود عليه، بلا خلاف; وعلى الراجع الحدّ أيضاً بلا خلاف، وأمّا الثلاثة فلا حدّ عليهم.
ثم استدل على عدم إقامة الحدّ على الثلاثة بقوله تعالى:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)، وهذا قد أتى بأربعة شهداء ورجوع واحد منهم لا يؤثر فيما ثبت; وأيضاً الأصل براءة الذمّة، فمن أوجب عليهم الحدّ فعليه الدلالة.1 وظاهر كلام الشيخ أنّ الرجوع بعد صدور الحكم أو بعد شهادة الجميع; لكن ظاهر كلام المحقّق هو الإطلاق، أي سواء رجع قبل الحكم أو بعده.
وقد استشكل صاحب الجواهر على الإطلاق وقال: إنّ الرجوع قبل الحكم بمنزلة عدم الشهادة فيحدّ الجميع، بخلاف الأوّل (الرجوع بعد الحكم).2
ومع ذلك كلّه فالقول بحدّ الباقين فيما لو كان الرجوع قبل الحكم مشكل فيما إذا احتمل القاضي أنّ رجوعه كان رجوعاً سياسياً أو لأجل إيجاد الأذى على الثلاثة أو غير ذلك من الاحتمالات، فغاية ما يمكن القول بأنّه لو كان

1 . الخلاف: 5 / 392، المسألة 34.
2 . جواهر الكلام:41/368.

صفحه 152
رجوعه واقعياً وقطعياً يُحدّ الثلاثة لأجل القذف، لتفريطهم في الاعتماد على مثل هذا الشاهد دون ما لم يكن كذلك ولو احتمالاً، وعلى كلّ تقدير فكلّ مورد واجه القاضي بالشبهة فهي تدرأ الحدّ.
يؤيد ما ذكرناه مرسلة ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام)في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثم رجع أحدهم بعدما قُتل الرجل فقال: «إن قال الرابع: أوهمت، ضرب الحدّ وأُغرم الدية، وإن قال: تعمدّت، قتل».1
وجه الدلالة: أنّ سكوت الرواية عن حكم الثلاثة شاهد على عدم الحكم عليهم بشيء مع أنّه في مقام البيان. وأمّا ما روي عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال: «لا أكون أوّل الشهود الأربعة في الزنا، أخشى أن ينكل بعضهم فأُجلد»2، فهو راجع إلى النكول قبل الشهادة، والكلام هو الرجوع بعدها.
المسألة السابعة: إذا وجد مع زوجته رجلاً يزني بها، فله قتلهما ولا إثم عليه.3
   
أقول: مقتضى القاعدة عدم جواز استيفاء الزوج منهما بنفسه إذا لم يكن من أهل الاستيفاء، لأنّ الحدّ للحاكم الشرعي، ولكن خرجت هذه المسألة عن الضابطة بالنصّ، وظاهر كلام المحقّق جواز القتل في عامّة الصور، سواء كان الفعل يوجب الرجم أو الجلد، كما لو كان الزاني غير محصن، أو كانا غير

1 . الوسائل:18، الباب 12 من أبواب الشهادات، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ القذف، الحديث2.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 158 .

صفحه 153
محصنين (كما إذا كانت الزوجة غير مدخول بها)، وسواء أكان العقد دائماً أم متعة. وهذه الفتوى مشهورة بين الأصحاب.

كلمات الأصحاب في إقامة الحدّ على الأهل والولد

قال الشيخ في «النهاية»: وقد رخّص في حال قصور أيدي أئمة أهل الحق و تغلّب الظالمين أن يُقيم الإنسان الحدّ على ولده وأهله ومماليكه، إذا لم يخف في ذلك ضرراً من الظالمين، وأمن من بوائقهم; فمتى لم يأمن ذلك، لم يجز له التعرض لذلك على حال.1
وقد ذكر المفيد إقامة الحدّ على الولد والعبد، دون الزوجة حيث قال: فمَن تمكّن من إقامتها على ولده وعبده ولم يخف من سلطان الجور، إضراراً به على ذلك فليقمها ـ ثم قال ـ وكذلك مَن استطاع إقامة الحدود على من يليه من قومه وأمن بوائق الظالمين في ذلك فقد لزمه إقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم، ويجلد زانيهم، ويقتل قاتلهم.(2) وظاهر العبارة أنّ المراد من قوله:«فمن تمكّن» هو غير الفقيه، ولذلك خصّه بالولد والعبد.
وقال سلاّر: وأمّا القتل والجراح في الإنكار فإلى السلطان ومن يأمره، فإن تعذر الأمر لمانع فقد فوضّوا(عليهم السلام)إلى الفقهاء إقامة الحدود والأحكام بين الناس بعد أن لا يتعدوا واجباً ولا يتجاوزوا حدّاً. إلى أن قال: وقد روي أنّ للإنسان أن يقيم على ولده وعبده الحدود إذا كان فقيهاً ولم يخف من ذلك على نفسه.2

1 . النهاية:301.   2 . المقنعة: 810 .
2 . المراسم:263ـ264. ومراده من الانكار: المنكر، وقد ورد في صدر كلامه.

صفحه 154
ولا يخفى أنّ كلامه في إجراء الحدّ الشرعي لا خصوص القتل علاوة على أن يكون المجري فقيهاً فلا صلة لكلامه بالمقام.
وقال ابن إدريس: وقد رُخّص في حال قصور أيدي أئمة الحق وتغلّب الظالمين أن يُقيم الإنسان الحدّ على ولده وأهله ومماليكه، إذا لم يخف في ذلك ضرراً من الظالمين وأمن بوائقهم، ثم قال: والأقوى عندي أنّه لا يجوز له أن يُقيم الحدود إلاّ على عبده فحسب دون ماعداه من الأهل والقرابات، لما قد ورد في العبد من الأخبار واستفاض به النقل بين الخاص والعام.1
أقول: إنّ مصب كلام الأعلام الأربعة إجراء الحدّ، وهو غير ما نحن فيه فإنّ الكلام في قتل الزوج للزوجة، سواء استحقت القتل أو الجلد.
ويشهد على ما ذكرنا أنّ العلاّمة عنون كلتا المسألتين قال: وللزوج الحر إقامة الحدّ على زوجته، سواء دخل بها أو لا، في الدائم دون المنقطع.2
وقال مشيراً إلى مسألتنا: ولو وجد مع زوجته رجلاً يزني بها فله قتلهما ولا إثم عليه وفي الظاهر يقاد إلاّ مع البيّنة بدعواه أو يصدّقه الولي.3
كما أنّه ذكر الفرع الثاني في الإرشاد وقال: ومن وجد مع زوجته رجلاً يزني بها فله قتلهما ولا يصدّق إلاّ ببيّنة أو تصديق وليهما.4
وعلى كلّ تقدير فدليل المسألة هو الإجماع المؤيد بالنقل، كما ذكر ذلك

1 . السرائر:2/24.
2 . قواعد الأحكام:3/532.
3 . قواعد الأحكام :3/534.
4 . إرشاد الأذهان:2/174.

صفحه 155
المحقّق الأردبيلي في «مجمع الفائدة» حيث قال: إنّ أصل الحكم مشهور بل يمكن أن يكون إجماعياً حيث لم يذكر الخلاف .1
وحصيلة الكلام: أنّ ما ذكروه في المقام أمر خارج عن الضابطة من إجراء الجلد في غير المحصن، والرجم فيه فمقتضى إطلاق كلامهم: أنّ من وجد من يجامع زوجته فله قتلهما بحسب نفس الأمر ـ لا حدّاً ـ ولا إثم عليه في ذلك سواء دخل بزوجته أم لا، وسواء كان حرّاً أو عبداً، وسواء كانت زوجته أمة أو حرّة، وسواء كان الزاني بها حرّاً أو عبداً، محصناً أو غير محصن، ممّا يجب قتلهما بالزنا، أم لا، وسواء كان الزوج حاكماً ممّن يجوز له قتل ذلك الزاني أم لا.2
ولا يخفى أنّ إثبات ذلك الحكم بسعته رهن دليل قاطع يصحّ الاعتماد عليه في مورد النفوس.
أقول: قد استدلّوا عليه بالإجماع ـ كما نقلنا عن المحقّق الأردبيلي ـ وبطائفة من الروايات نختار منها ما يلي:
1. ما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: في رجل أراد (راود) امرأة على نفسها حراماً فرمته بحجر فأصابت منه مقتلاً؟ قال: «ليس عليها شيء فيما بينها وبين الله عزّ وجلّ، وإن قُدّمت إلى إمام عادل أهدر دمه».3 والسند لا بأس به.

1 . مجمع الفائدة والبرهان :13/95.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:13/94ـ95.
3 . الوسائل:19، الباب23 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.

صفحه 156
فإذا كان القتل جائزاً في هذا المورد ففي المقام أولى. ومع ذلك فالتعدّي مشكل، لأنّ القتل فيها من مقولة شبه العمد دون المقام.
2. ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن المختار بن محمد بن المختار ومحمد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعاً، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن(عليه السلام) في رجل دخل دار آخر للتلصلص أو الفجور، فقتله صاحب الدار، أيقتل به أم لا؟ فقال: «اعلم أنّ مَن دخل دار غيره فقد أهدر دمه، ولا يجب عليه شيء».1
ولا يخفى أنّ السند ضعيف لاشتماله على رجال بين مهمل ومجهول، وهم:
أ. المختار بن محمد بن المختار.
ب. محمد بن الحسن، وهو مشترك بين أفراد كثيرين.
ج. عبد الله بن الحسن العلوي، وهو مهمل لم يوثّق.
د. الفتح بن يزيد الجرجاني، مهمل لم يوثّق.
ثم إنّ هذه الرواية تخصّ الحكم فيما لو دخل رجل دار آخر، للتلصلص أو الفجور، لكن الحكم في كلام الأصحاب غير مقيّد بالبيت، بل الموضوع هو من وجد رجلاً أجنبياً يزني بامرأته من غير فرق بين البيت وغيره.
3. روى يحيى بن سعيد عن بصير بن المسيّب أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري: أنّ ابن أبي الجسرين وجد رجلاً مع امرأته فقتله، فأسأل لي

1 . الوسائل:19، الباب27 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.

صفحه 157
عليّاً عن هذا؟ قال أبوموسى: فلقيت عليّاً(عليه السلام) فسألته... إلى أن قال: «أنا أبو الحسن، إن جاء بأربعة يشهدون بما شهد، وإلاّ دُفع برمّته».1
ومورد الرواية وإن كان هو مقام الإثبات وأنّه بإتيان شهداء أربعة يرفع القود عن نفسه، وفي الوقت نفسه تدلّ على جواز القتل واقعاً، وإلاّ يقاد منه وإن أقام شهداء أربعة.
إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به على الحكم، وسند الروايات غير منقّح. وفي مقابل هذه الروايات رواية أُخرى يظهر من ذيلها عدم جواز القتل.
وهي ما رواه أبو مَخْلَد عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «كنت عند داود بن علي فأُتي برجل قد قتل رجلاً، فقال له داود بن علي: ما تقول؟ قتلت هذا الرجل؟ قال: نعم، أنا قتلته، فقال له داود: ولِمَ قتلته؟ فقال: إنّه كان يدخل منزلي بغير إذني فاستعديت عليه الولاة الذين كانوا قبلك، فأمروني إن هو دخل بغير إذن أن أقتله فقتلته، فالتفت إليَّ داود بن عليّ فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في هذا؟ فقلت: أرى أنّه أقرَّ بقتل رجل مسلم فاقتله، فأمر به فقتل».
ثم قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّ ناساً من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان فيهم سعد بن عبادة، فقالوا: يا سعد ما تقول لو ذهبت إلى منزلك فوجدت فيه
رجلاً على بطن امرأتك ما كنت صانعاً به؟ فقال سعد: كنت والله أضرب رقبته بالسيف، قال: فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهم في هذا الكلام فقال: يا سعد من هذا الذي قلت: أضرب عنقه بالسيف؟ فأخبره الذي قالوا، وما قال سعد، فقال

1 . الوسائل:19، الباب69 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.

صفحه 158
رسول الله(صلى الله عليه وآله): يا سعد فأين الشهود الأربعة الذي قال الله عزّ وجلّ؟ فقال سعد: يا رسول الله بعد رأي عيني وعلم الله أنّه قد فعل؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إي والله يا سعد بعد رأي عينك وعلم الله، إنَّ الله قد جعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل على من تعدَّى حدود الله حدّاً، وجعل ما دون الشهود الأربعة مستوراً على المسلمين».1
فإن قلت: إنّ صدر الرواية ينافي ما سبق من رواية الجرجاني حيث دلّ على أنّ مَن يدخل منزل آخر فقد أهدر دمه، ومع ذلك فكيف أمر الإمام الصادق(عليه السلام)بقتله بمجرد أنّه قتل رجلاً مسلماً مع أنّه قتله في بيته؟
قلت: السؤال مبني على ثبوت رواية الجرجاني، وهي بعد لم تثبت ولم يدلّ دليل على أنّ مجرد الورود في بيت أحد بلا إذن مجوّز للقتل، ولذلك أمر الإمام بقتله ; لأنّه قتل مسلماً بعنوان أنّه دخل بلا إذن، فكان على الإمام أن يأمر بالتحقيق عن صحّة الموضوع وأنّه هل كان الرجل دخل بيته بلا إذن أو لا؟ فلو ثبت أنّه دخل بإذنه فليأمر بقتله حينئذ.
ثمّ إنّ ذيل الرواية يدلّ على عدم الجواز، حتى ولو دخل بلا إذن وارتكب العمل مع زوجته حيث قال: فأين الشهود الأربعة؟ فقال يا رسول الله: بعد رأي عيني وعلم الله أنّه قد فعل؟ فعند ذلك قال رسول الله:«أي والله يا سعد، بعد رأي عينك وعلم الله، إنّ الله قد جعل لكلّ شيء حدّاً ـ إلى أن

1 . الوسائل:19، الباب69 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1. و أبو مَخلد هو السراج الراوي للحديث ثقة، يروي عنه ابن أبي عمير.

صفحه 159
قال: ـ وجعل ما دون الشهود الأربعة مستوراً على المسلمين».
فإنّ الظاهر منه هو أنّه لا يجوز له قتله ; لأنّه سبحانه جعل مادون الأربعة مستوراً على المسلمين.
نعم يمكن أن يقال: إنّ النهي راجع إلى مقام الإثبات وأنّه لو قتله، ولم يكن معه شهداء، يقاد به، فليترك قتله .
فغاية ما يمكن أن يقال:إنّه إذا شاهد العمل بنفسه، سواء أكان في بيته أو غير بيته، فله قتله فقط.
وأمّا جواز قتله إذا لم يشاهد وإنّما قامت الشهود الأربعة على العمل،
فلا يجوز له القتل; لأنّ القتل اعتماداً على البيّنة من شؤون القاضي لا
الزوج.
فبهذا علم حكم الفروع التالية:
1. إذا شاهد العمل بأُمّ عينيه فله أن يقتله.
2. إذا أقام البيّنة على العمل بعد القتل فيسقط عنه القود.
3. إذا أقرّ وليّ الدم بالعمل، يسقط أيضاً القود.
4. إذا لم يشاهد بنفسه ولكن قامت البيّنة على العمل فليس له القتل.

صفحه 160
المسألة الثامنة: مَن افتض بكراً باصبعه لزمه مهر نسائها، ولو كانت أمة كان عليه عشر قيمتها، وقيل: يلزمه الأرش، والأوّل مروي1.
أقول: هنا فرعان:

الأوّل: إذا افتضّ بكراً حرّة بأصبعه

فيقع الكلام تارة في مهرها، وأُخرى في حدّه.
أمّا الأوّل فعليه مهر المثل، ويدلّ عليه صحيحة ابن سنان، عن الصادق(عليه السلام)في امرأة اقتضت جارية بيدها، قال(عليه السلام): «عليها المهر وتضرب الحدّ».2
وفي رواية أُخرى عنه أيضاً عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)قضى بذلك، وقال: تجلد ثمانين.3
وفي رواية ثالثة عنه عن أبي عبد الله(عليه السلام) في امرأة اقتضت جارية بيدها، قال: قال: «عليها مهرها وتجلد ثمانين».4
مَن افتضّ بكراً حرّة أو أمة بأصبعه   
وظاهر الروايات هو صداق المثل، نظير ما رواه السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام): «أنّ علياً رفع إليه جاريتان دخلتا الحمام فافتضت إحداهما الأُخرى بأصبعها، فقضى على التي فعلت عقلها» ـ أي صداقها ـ .5

1 . شرائع الإسلام:4/158.
2 . الوسائل:18، الباب39 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب39 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 3.
4 . الوسائل: 18، الباب39 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 4.
5 . الوسائل:19، الباب45 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 161
وروى عبد الله بن سنان ـ في حديث ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ شعر المرأة وعذرتها شريكان في الجمال، فإذا ذهب بأحدهما وجب لها المهر كملاً».1
والأخير ضعيف بمحمد بن سليمان المنقري في السند، ولكن المجموع كاف في إثبات مهر المثل.
وربّما يحتمل تعيّن مهر السنة استناداً إلى رواية ضعيفة، عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث طويل: «إنّ امرأة دعت نسوة فأمسكن صبيّة يتيمة بعد ما رمتها بالزنا، وأخذت عذرتها باصبعها، فقضى أمير المؤمنين(عليه السلام) أن تضرب المرأة حدّ القاذف، وألزمهن جميعاً العقر، وجعل عقرها أربعمائة درهم».2
وأمّا الثاني: أي حدّها فقد مرّ أنّها تجلد ثمانين جلدة.

الثاني: إذا افتضّ بكراً أمة بأصبعه

وأمّا حكم الأمة، فقد ذهب الأكثر بلزوم عُشر القيمة استناداً إلى الرواية الدالّة على ذلك. وقال ابن إدريس: يلزمه الأرش طرداً للرواية ورجوعاً إلى حكم الأصل من الجناية على الأمة، فيضمن ما نقصت الجناية من قيمتها فيغرم ما بين قيمتها بكراً وثيّباً.3

1 . الوسائل:19، الباب30 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . الوسائل:14، الباب3 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث2.
3 . السرائر:3/449.

صفحه 162
وما ذكره صحيح لولا النصّ.1
مَن تزوج أمة على حرّة مسلمة فوطأها قبل الإذن   
المسألة التاسعة: مَن تزوّج أمة على حرّة مسلمة، فوطأها قبل الإذن كان عليه ثمن حدّ الزاني.2
أقول: وقال الأردبيلي: ومَن تزوج وعقد أمة على حرّة مسلمة بدون إذن الحرّة ووطئها قبل إذنها، فعليه ثمن حدّ الزاني وهو اثنا عشر سوطاً ونصفاً.(3)
ويدلّ عليه:
1. خبر حذيفة بن المنصور قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل تزوج أمة على حرّة لم يستأذنها؟ قال: «يفرّق بينهما». قلت: عليه أدب؟ قال: «نعم، اثنا عشر سوطاً ونصف، ثمن حدّ الزاني وهو صاغر».3
2. ما رواه سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن رجل تزوج أمة على حرّة؟ قال: «إن شاءت الحرة أن تقيم مع الأمة أقامت، وإن شاءت ذهبت إلى أهلها»، قال: قلـت: فـإن لـم ترض بذلك وذهبت إلـى أهلهـا، أله عليهـا سبيـل؟ قـال: «لا سبيـل عليهـا إذا لـم ترض حين تعلم». قلت: فذهابها إلى أهلها طلاقها؟ قال: «نعم إذا خرجت من منزلـه اعتدت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت».4
والرواية تدلّ على صحّة تزويج الأمة على الحرّة غير أنّ للحرة الخيار

1 . لاحظ : الوسائل:18، الباب39 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
2 . شرائع الإسلام:4/158.   3 . مجمع الفائدة والبرهان:13/98.
3 . الوسائل:14، الباب47 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث2.
4 . الوسائل:14، الباب27 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث3.

صفحه 163
بين المقام والذهاب إلى أهلها، وليس فيها إشارة إلى الحدّ.
وقد استدلّ صاحب الجواهر تبعاً لصاحب كشف اللثام1 بخبر منصور ابن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام)، مع أنّ المورد هناك هو من تزوج الذميّة على المسلمة.2
ونظيره رواية هشام بن سالم.3
نعم يشتركان في أنّ الحدّ في كلا الموردين هو ثمن حدّ الزاني.وعلى هذا فلم يرد الحدّ إلاّ في خبر واحد.
وأمّا المراد من النصف فيحتمل أمرين:
1. كون النصف باعتبار الكيفية فيضرب ضرباً أخف من الضرب الشديد المعتبر في حدّ الزاني؟ بمقدار النصف.
2. يحتمل كونه مقدار طول السوط فيؤخذ من نصفه فيضرب به.
والمحتمل الثاني وارد في الروايات، فقد جاء في صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «في نصف الجلدة وثلث الجلدة يؤخذ بنصف السوط وثلثي السوط».4
ثم إنّ المحقّق قيّد الحكم بالوطء، وحديث حذيفة بن منصور خال عنه، ولعل لفظة«تزوج» منصرف إلى الدخول، وعلى كلّ تقدير فهل العقد باطل أو

1 . كشف اللثام:10/480.
2 . لاحظ : الوسائل:18، الباب49 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
3 . لاحظ : الوسائل:14، الباب7 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث4.
4 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.

صفحه 164
صحيح، ويؤيد الثاني كون الحدّ ثمن حدّ الزاني، ولو كان باطلاً وجب الحدّ التام لصدق الزنا .
نعم لو رضيت الحرّة فبها، وإلاّ فلو اختارت الذهاب إلى أهلها بقي زواج الأمة بحاله، وإن أرادت المقام كان ردّها طلاقاً للأمة، والتفصيل في كتاب النكاح، والله العالم.
المسألـة العاشـرة: مَن زنى في شهر رمضان، نهاراً كان أو ليلاً، عوقب زيادة على الحدّ، لانتهاكه الحرمة. وكذا لو كان في مكان شريف، أو زمان شريف.1
ويدلّ عليه ما رواه جابر ـ مرفوعاً عن أبي مريم ـ قال: أُتي أمير المؤمنين(عليه السلام)بالنجاشي الشاعر قد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه ثمانين، ثمّ حبسه ليلة، ثم دعا به من الغد فضربه عشرين، فقال له: يا أمير المؤمنين هذا ضربتني ثمانين في شرب الخمر، وهذه العشرون ما هي؟ فقال: «هذا لتجرّئك على شرب الخمر في شهر رمضان».2 والرواية مرفوعة، لا يحتجّ بها إلاّ إذا قلنا يجبر ضعفها بعمل الأصحاب.
وفي «الجواهر»: ومن التعليل يستفاد الحكم لغير مورده كما فهمه الأصحاب، ويشهد له الاعتبار، بل لا يبعد ملاحظة الخصوصيات أيضاً في الأزمنة والأمكنة، كليلة القدر من شهر رمضان... إلى غير ذلك ممّا يكون فيه هتك حرمة، أو زيادة هتك.3

1 . شرائع الإسلام:4/158.
2 . الوسائل:18، الباب9 من أبواب حدّ المسكر، الحديث1.
3 . جواهر الكلام: 41 / 374 .

صفحه 165

الباب الثاني:

في حدّ اللواط والسحق والقيادة

إنّ المحقّق جعل الزنا سبباً للحدّ، وعطف عليه اللواط، والسحق، والقيادة، ولم يجعلها مواضيع مستقلّة، ونحن نقتفيه في هذا المنهج فنقول:

في حدّ اللواط

لا شكّ في حرمة اللواط، واشتق اسمه من فعل قوم لوط، وهو من الكبائر الموبقة، وقد ثبتت حرمته في الكتاب والسنّة، قال سبحانه حاكياً عن النبي لوط(عليه السلام): (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ)1.
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «مَن جامع غلاماً جاء جُنباً يوم القيامة، لا ينقّيه ماء الدنيا، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له جهنم وساء مصيراً... ».2
وروى السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام): قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لو كان ينبغي لأحد أن يُرجم مرتين لرُجم اللوطي».3

1 . العنكبوت:28.
2 . الوسائل:14، الباب17 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث1; ولاحظ بقية روايات الباب.
3 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث2، ولاحظ بقية روايات الباب; ولاحظ أيضاً: مستدرك الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ اللواط، كافة روايات الباب.

صفحه 166
وقد عرّفه المحقّق بقوله: هو وطء الذكران بإيقاب وغيره.1
أقول: فبما أنّ الإيقاب لغة هو الإدخال، فيصدق بإدخال بعض الحشفة، وإن كان الغسل متوقّفاً على إدخال الجميع.
ولكن يظهر من العلاّمة أنّ الموضوع إيقاب الحشفة، قال: فإن كان بإيقاب ـ وحدّه غيبوبة الحشفة في الدبر ـ وجب القتل على الفاعل والمفعول مع بلوغهما، ورشدهما.2
وأراد المحقّق بقوله: «أو بغيره» التفخيذ وبين الإليتين، وفي «المسالك»: كلاهما يطلق عليه اسم اللواط، وإن كان حكمه مختلفاً، وأضاف بأنّ في إطلاق الوطء على هذا القسم في هذا الباب تجوّز. ولو أُطلق الوطء على الإيقاب وخصّ غيره باسم آخر ـ وإن أوجب الحدّ المخصوص ـ كان أوفق بالاصطلاح، ولكن المصنّف تبع في إطلاقه على ذلك الروايات، ففي رواية حذيفة بن منصور قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن اللواط؟ فقال: «ما بين الفخذين»، قال: وسألته عن الّذي يوقب ؟ : فقال: «ذاك الكفر بما أنزل الله على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)»3.4
في كيفية ثبوت اللواط   
وعلى كل تقدير فالظاهر دخول تمام الحشفة لا جزء منها، ولو شُكّ فالأصل العدم، والحدود تدرأ بالشبهات.

1 . شرائع الإسلام:4/159.
2 . قواعد الأحكام:3/537.
3 . الوسائل:14، الباب20 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث3.
4 . مسالك الأفهام: 14 / 401 .

صفحه 167

كيفية ثبوت اللواط

قال المحقّق: وكلاهما لا يثبتان إلاّ بالإقرار أربع مرّات، أو شهادة أربعة رجال بالمعاينة.1
أقول: ويثبت اللواط بأمرين:
1. الإقرار أربع مرات.
2. شهادة أربعة رجال بالمعاينة.
أمّا الأوّل: فتدل عليه صحيحة مالك بن عطية، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «بينما أمير المؤمنين(عليه السلام) في ملأ من أصحابه إذ أتاه رجل فقال: يا أميرالمؤمنين إنّي أوقبت على غلام فطهّرني، فقال له: يا هذا إذهب إلى منزلك لعلّ مراراً هاج بك، حتّى فعل ذلك ثلاثاً بعد مرّته الأُولى، فلمّا كان في الرابعة قال له: يا هذا إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيهنّ شئت... إلى آخر الحديث.2
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم عن أبيه في امرأة أتت إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)فقالت: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهرني، فقال: اللهم إنّها شهادة، ولمّا أقرّت ثانياً قال: اللّهم إنّها شهادتان، ولمّا أقرّت ثالثاً، قال: اللهم هذه ثلاث شهادات ، فلمّا أقرت بالرابعة قال: «اللهم إنّه قد ثبت عليها أربع شهادات»3 .

1 . شرائع الإسلام: 4 / 159 .
2 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب حدّ اللواط، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 168
نعم يشترط في المقرّ، الشرائط المعروفة في حجّية كل إقرار وهي: البلوغ، وكمال العقل، والحرية، والاختيار، فاعلاً كان أو مفعولاً.
وأمّا الثاني ـ أي لزوم شهادة أربعة رجال بالمعاينة ـ فقد أجمل صاحب الجواهر الكلام فيه، فقال: على، حسب ما سمعته في الزنا.1 ومراده أنّه يكفي فيها أربعة رجال أو ثلاثة رجال وامرأتان، حسب ما مرّ في مبحث الزنا.
وأمّا المقام ففي رواية أبي بكر الحضرمي2، ومحمد بن عبد الرحمن العرزمي عن أبيه عبد الرحمن3، لفظ الشهود.
كما ورد في رواية سيف التمّار4 لفظ البيّنة.
وبما أنّ عمل اللواط أشنع من الزنا فلا يقبل فيه أقلّ ممّا يقبل في حدّ الزنا من رجال أربعة أو ثلاثة رجال وامرأتان، والله العالم.

إذا شهد دون الأربعة

قال المحقّق: ولو شهد بذلك دون الأربعة، لم يثبت، وكان عليهم الحدّ للفرية.5
في كيفية إقامة الحدّ على اللائط والملوط به   
أقول: قد مرّ وجهه.

1 . جواهر الكلام:41/377.
2 . لاحظ : الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ اللواط، الحديث1.
3 . لاحظ : الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث3.
4 . لاحظ : الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ اللواط، الحديث2.
5 . شرائع الإسلام:4/159.

صفحه 169

في كيفية اقامة الحدّ

يقع الكلام تارة في إقامة الحدّ على اللائط، وأُخرى على الملوط به. ثم الأوّل تارة يفسّر بالموقِب، وأُخرى بغيره كما إذا لم يكن إيقاباً كالتفخيذ أو بين الإليتين. فيدور البحث على محاور ثلاثة:

1. حكم الموقِب

إذا كان اللائط موقباً ففي كيفية حدّه، قولان:
1. القتل، والإمام مخيّر في قتله بين: ضربه بالسيف، أو تحريقه، أو رجمه، أو إلقائه من شاهق، أو إلقاء جدار عليه، ويجوز أن يجمع بين أحد هذه وتحريقه. والشاهد في قوله:«القتل». وأمّا الكيفية فسيأتي الكلام فيها.
2. التفصيل بين كونه محصناً فيرجم، وكونه غير محصن فيجلد.
والأوّل أشهر كما في الشرائع.1
ولنذكر كلمات الأصحاب ليعلم موقف القول الأوّل من الشهرة.
1. قال المفيد: الثاني: الإيلاج في الدبر، ففيه القتل، سواء كان المتفاعلان على الإحصان أو على غير الإحصان.2
2. وقال الشيخ: ومَن ثبت عليه حكم اللواط بفعله الإيقاب كان حدّه: إمّا أن يدهده من جبل، أو حائط عال، أو يُرمى عليه جدار، أو تضرب رقبته، أو

1 . لاحظ : شرائع الإسلام:4/160.
2 . المقنعة:785.

صفحه 170
يرجمه الإمام والناس، أو يحرقه بالنار; والإمام مخيّر في ذلك أيّها رأى من ذلك صلاحاً فعله.1
ترى أنّه لا أثر من التفصيل ـ في كلامهما ـ بين المحصن وغيره، بل في كلام المفيد تصريح بالإطلاق .
3. وقال في «الخلاف»: إذا لاط الرجل فأوقب وجب عليه القتل ; والإمام مخيّر بين أن يقتله بالسيف، أو يرمي عليه حائطاً، أو يُرمى به من موضع عال... إلى أن قال:
وقال الشافعي في أحد قوليه: إنّ حكمه حكم الزاني يجلد إن كان بكراً ويرجم إن كان ثيباً. وبه قال الزهري والحسن البصري وأبو يوسف ومحمد]بن الحسن الشيباني[.
والقول الآخر: إنّه يقتل بكلّ حال ـ كما قلناه ـ و به قال مالك وأحمد وإسحاق إلاّ أنّهم لم يفصّلوا.
وقال أبو حنيفة:لا يجب فيه الحدّ وإنّما يجب فيه التعزير.
ثم استدلّ الشيخ بإجماع الفرقة وأخبارهم وقال: وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَن عمل عمل قوم لوط فاقتل الفاعل والمفعول به».2
هذا يدلّ على أنّ لأهل السنّة في الموقب قولين:
في حكم الموقِب   
أحدهما: التفصيل بين المحصن وغيره. وهو قول الزهري والحسن

1 . النهاية:704.
2 . الخلاف:5/381، المسألة 22.

صفحه 171
البصري وأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.
وثانيهما: أنّه يقتل بكلّ حال، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق. وهو خيرة الشيخ والمشهور.
4. وقال ابن زهرة: ففي الأوّل ـ الإيقاب ـ إذا ثبت الثبوت الشرعي قتل الفاعل والمفعول به.1
5. وقال ابن حمزة: فإن أوقب وكان عاقلاً لزمه الحدّ كاملاً.(2) والمراد من الحدّ الكامل هو القتل، وليس فيه أثر من التفصيل.
6. وقال ابن إدريس: فإذا ثبت على اللائط حكم اللواط بالإيقاب كان حدّه القتل، إلاّ أنّ الإمام بالخيار في كيفية قتل اللائط... ـ إلى أن قال: ـ فأمّا التلوّط بالإيقاب فلا خلاف بين أصحابنا أنّ حدّه ما ذكرناه، سواء كان الفاعل والمفعول محصناً أو غير محصن.2
7. ووافقه المحقّق في «الشرائع» كما نقلنا في صدر البحث.
8. ووافقه العلاّمة في «القواعد» حيث قال: وجب القتل على الفاعل والمفعول مع بلوغهما ورشدهما، سواء الحر والعبد، والمسلم والكافر، والمحصن وغيره.(4)
9. ويظهر من صاحب الرياض أنّ القول الثاني لا قائل به وإنّما ورد في النصوص، حيث قال بعد قول المحقّق في «المختصر النافع» (وموجب الإيقاب: القتل للفاعل والمفعول، إذا كان كلّ منهما بالغاً عاقلاً) ما هذا لفظه:

1 . غنية النزوع:1/425.   2 . الوسيلة:413.
2 . السرائر:3/458ـ459.   4 . قواعد الأحكام:3/536.

صفحه 172
ظاهرهم الإجماع عليه كما في جملة من العبائر، ومنها: الانتصار والغنية، وهو الحجّة مضافاً إلى النصوص المستفيضة، الآتي إلى جملة منها الإشارة، ولكن بإزائها نصوص أُخر دالّة على أنّ حدّ اللوطي حدّ الزاني إن كان قد أُحصن رُجم، وإلاّ جُلد إلاّ أنّها شاذة لا عامل بها، موافقة للتقية ; كما صرّح به شيخ الطائفة.1
10. وفي «الجواهر» بعد قول المحقّق (لكن الأوّل أشهر): رواية في العمل ولقد عرفت عدم الخلاف فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه.(2) وأمّا القول الآخر فهو أكثر وأشهر رواية لا عملاً.
وبهذا لم نجد مَن قال بالقول الثاني، إلاّ أنّ دراسة الروايات تدلّ على القول الثاني، فلولا الإعراض لوجب الإفتاء بمضمونها، وإليك دراستها، وهي على طوائف:
1. ما دلّ على القتل مطلقاً.
2. ما دلّ على قتل المحصن فقط.
3. ما دلّ على الرجم مطلقاً.
4. ما دلّ على رجم المحصن فقط.
وعلى ذلك فيجمع بينها بتقييد ما دلّ على القتل مطلقاً بما دلّ على القتل إذا كان محصناً، كما يجمع بتقييد ما دلّ على الرجم مطلقاً بما دلّ على الرجم إذا كان محصناً، فتكون النتيجة: أنّ المحصن محكوم بالقتل وبالجلد، وغير

1 . رياض المسائل:13/499.   2 . جواهر الكلام:41/380.

صفحه 173
المحصن محكوم بالجلد، وما تعيّن فيه القتل فالإمام مخيّر بين الأُمور الثلاثة أو أزيد. وإليك الإشارة إلى الطوائف الأربع:

الأُولى: ما يدلّ على القتل مطلقاً، وهي:

ما رواه مالك بن عطية، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال لرجل أقرّ عنده باللواط أربعاً: «يا هذا إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيهنّ شئت، قال: وما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة منك ما بلغت، أو إهداب]اهداء[ من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق في النار».1

الثانية: ما يدلّ على قتل المحصن فقط، وهي:

ما رواه حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل أتى رجلاً؟ قال: «عليه إن كان محصناً القتل، وإن لم يكن محصناً فعليه الجلد»، قال: قلت: فما على المؤتى به؟ قال: «عليه القتل على كلّ حال محصناً كان أو غير محصن».2
نعم الذيل يدلّ على عدم التفصيل في مورد المؤتى به. وسيوافيك الكلام فيه في المحور الثاني.

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث1; ولاحظ : الباب1، الحديث 2، والباب2 الحديث2.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث 4، ولاحظ أيضاً: الباب2، الحديث1.

صفحه 174

الثالثة: ما يدلّ على الرجم مطلقاً، وهي:

ما رواه السكوني ، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لو كان ينبغي لأحد أن يُرجم مرتين لرُجم اللوطي».1 مضافاً إلى أنّه ليس في مقام البيان من جهة الإحصان وعدمه.

الرابعة: ما يدلّ على رجم المحصن، وهي:

ما رواه العلاء بن فضيل قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «حدّ اللوطي مثل حدّ الزاني، وقال إن كان قد أحصن رجم وإلاّ جُلد».2
فخرجنا بالنتيجة التالية، وهي: تقييد ما دلّ على القتل مطلقاً بما دلّ به في صورة الإحصان، وبتقييد ما دلّ على الرجم مطلقاً بما دلّ على رجم المحصن...
وعلى ما ذكرنا فالقول الثاني هو الأقرب بالنسبة إلى النصوص لولا الإعراض، وثبوته محل تأمّل ; مضافاً إلى أنّ الحدود تدرأ بالشبهات، فقتل الفاعل إذا كان غير محصن مورد للشبهة، فتدرأ.
وقد اعترض صاحب الجواهر على هذا الجمع بأنّ إثبات الرجم على المحصن لا ينافي الحكم بقتل غيره.3
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا تساعده الطائفة الثانية الدالّة على قتل

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث2.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث3، ولاحظ الحديث 1 و 7 و 8.
3 . جواهر الكلام:41/380.

صفحه 175
المحصن فقط ، حيث قال: «وإن لم يكن محصناً فعليه الجلد» كما مرّ.

2. حكم الموقَب

هذا كلّه في حكم اللائط، وأمّا حكم المؤتى به (الملوط) فهو القتل أو الرجم من غير فرق بين المحصن وغيره، والروايات على طوائف والجميع مشترك في عدم التفريق بين المحصن وغيره:
1. ما دلّ على الرجم مطلقاً.
2. ما دلّ على القتل مطلقاً.
3. ما دلّ على إحراقه .
4. ما دلّ على القتل والإحراق.
5. ما دلّ على إهداره (إهدابه) من شاهق مشدود اليدين والرجلين.
أمّا الأُولى: فقد ورد في ما رواه السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إذا كان الرجل كلامه كلام النساء، ومشيه مشية النساء، ويمكّن من نفسه، ينكح كما تنكح المرأة، فارجموه ولا تستحيوه».1
وأمّا الثانية ـ أعني ما دلّ على القتل مطلقاً ـ : فقد ورد في رواية حمّاد بن عثمان، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام)... قال: قلت: فما على المؤتى به؟ قال: «عليه القتل على كلّ حال، محصناً كان أو غير محصن».2

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث5.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث4.

صفحه 176
وأمّا الثالثة ـ أعني ما يدلّ على الإحراق ـ : فقد روى عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «كتب خالد إلى أبي بكر: سلام عليك أمّا بعد فإنّي أُتيت برجل قامت عليه البيّنة أنّه يؤتى في دبره كما تؤتى المرأة... إلى أن قال: فاستشار فيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) فقال: أحرقه بالنار، فإنّ العرب لا ترى القتل شيئاً».1
وأمّا الرابعة ـ أعني ما دلّ على القتل والإحراق ـ : فقد روى محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام) قال: «أُتي عمر برجل قد نكح في دبره... ثم قال: فقال علي(عليه السلام): أرى أن تُضرب عنقه، قال: فأمر فضربت عنقه، ثم قال: خذوه، فقد بقيت له عقوبة أُخرى، قال: وما هي؟ قال: ادع بطنّ من حطب، فدعا بطنّ من حطب فلفّ فيه ثم أحرقه بالنار...» .2
الخامسة ـ أعني إهداره (إهدابه) من شاهق مشدود اليدين والرجلين ـ : لفحوى جوازه في اللائط الذي هو أخف مؤونة، كما هو مفاد صحيحة مالك بن عطية.3
ومن العلماء من أفتى بإلقاء الجدار عليه، ويأتي في كلام الصدوق فانتظر.
في حكم التفخيذ   
وأمّا ما يُستشم منه التفصيل فهو محمول على اللائط، كما في رواية

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث9.
2 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث3.
3 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب حدّ اللواط، الحديث1.

صفحه 177
العلاء بن الفضيل1، والحسين بن علوان2، وأبي بصير3 .
وقد عرفت نفي التفصيل في المأتي في رواية حماد.4

3. حكم التفخيذ

هذا كلّه في اللواط بمعنى الإيقاب، وأمّا اللواط بالمعنى المجازي ـ أعني: التفخيذ أو الإدخال بين الإليتين ـ فقد نقل المحقّق فيه قولين:
1. حدّه مائة جلدة.
2. يرجم إن كان محصناً، ويجلد إن لم يكن.
أمّا الأوّل فقد قال به المفيد حيث قال: إيقاع الفعل في ما سوى الدبر من الفخذين، وفيه جلد مائة للفاعل والمفعول، ولا يراعى في جلدهما عدم إحصان ولا وجوده.5 وبه قال ابن أبي عقيل، والسيد المرتضى، وسلاّر، وأبو الصلاح.(6)
وأمّا الثاني فهو خيرة الشيخ في «النهاية» حيث قال: الضرب الثاني من اللواط وهو مادون الإيقاب، فهو على ضربين: إن كان الفاعل أو المفعول به محصناً وجب الرجم، وإن كان غير محصن كان عليه الجلد مائة جلدة.(7)

1 . لاحظ : الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث3.
2 . لاحظ : الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث6.
3 . لاحظ : الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث7.
4 . لاحظ : الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث4.
5 . المقنعة:785.   6 . مختلف الشيعة :9/176.   7 . النهاية:704.

صفحه 178
وهو خيرة القاضي1، وابن حمزة.2
وهنا قول ثالث للصدوقين وابن الجنيد وهو القتل مطلقاً; لأنّهم فرضوه في غير الموقب، وجعلوا الإيقاب هو الكفر بالله، أخذاً من رواية حذيفة بن منصور.3
أمّا القول الأوّل فيدلّ عليه خبر عبد الصمد بن بشير، عن سليمان بن هلال، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يفعل بالرجل، قال: فقال: «إن كان دون الثقب فالجلد، وإن كان ثقب أُقيم قائماً ثم ضرب بالسيف ضربة أخذ السيف منه ما أخذ»، فقلت له: هو القتل؟ قال: «هو ذاك».4
وسليمان بن هلال وإن لم يوثّق، لكن يروي عنه عبد الصمد بن بشير وعثمان بن عيسى، وهما من أصحاب الإجماع.
والنجاشي يصف عبد الصمد بقوله: كوفي، ثقة ثقة.5
وأمّا عثمان بن عيسى فقد قال الشيخ عنه: عملت الطائفة برواياته، لأجل كونه موثوقاً ومتحرّزاً عن الكذب. وعدّه ابن شهر آشوب من ثقات أبي الحسن(عليه السلام).6

1 . المهذب:2/530.
2 . الوسيلة:413.
3 . الوسائل:14، الباب20 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث3.
4 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث2.
5 . رجال النجاشي: 248، برقم 654.
6 . معجم رجال الحديث: 12 / 132، برقم 7623.

صفحه 179
وعلى هذا فضعف الرواية منجبر بما ذكرنا من اعتماد المشايخ عليه، مضافاً إلى عمل المشهور بها.
ويمكن الاستدلال على هذا القول بما ورد في المسألة الآتية من وجود رجلين تحت لحاف واحد ; نظير صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سمعته يقول: «إنّ في كتاب علي(عليه السلام): إذا أُخذ الرجل مع غلام في
لحاف مجردين ضُرب الرجل وأُدّب الغلام، وإن كان ثقب وكان محصناً رُجم».1
فإنّ الظاهر من ضرب الرجل هو الضرب بالحدّ، كما أنّ قوله: «وإن كان ثقب» دليل على وقوع شيء من الرجل دون الثقب وليس هو إلاّ التفخيذ وما ماثله.
وأمّا القول الثاني ـ أعني: الرجم عند الإحصان والجلد في غيره ـ : فليس له دليل ظاهر، إلاّ ما ربما يُقال من الجمع بين الخبرين:
1. ما دلّ على أنّ حدّ اللواط حدّ الزاني; كرواية زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «الملوط حدّه حدّ الزاني».2
2. ما دلّ على أنّ حدّ اللواط هو القتل، على ما مرّ من الروايات. فقالوا: فحمل الأوّل على غير الموقب، والثاني على الموقب. وكما أنّ الزاني يُجلد عند عدم الإحصان ويرجم عند وجوده، فهكذا غير الموقب.

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ اللواط، الحديث7.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ اللواط، الحديث1.

صفحه 180
ثمّ إنّ العلاّمة وصف هذا القول الذي هو قول الشيخ بأنّه لا بأس به.1
يلاحظ عليه: أنّ ما دلّ على أنّ حكم اللواط حكم الزنا منصرف إلى اللواط بالدبر، لا التفخيذ ولا الإدخال بين الإليتين. فليس ناظراً إلى غير صورة الإيقاب حتى يكون قرينة على الجمع. فالرواية من أدلّة القول غير المشهور في اللائط فتدبّر.
وأمّا القول الثالث: أعني: قول الصدوق وأبيه في رسالته، قالا: أمّا اللواط فهو ما بين الفخذين، وأمّا الدبر فهو الكفر بالله العظيم; ومن لاط بغلام فعقوبته أن يُحرق بالنار، أو يهدم عليه حائط، أو يضرب ضربة بالسيف. ثم قال بعد ذلك أبوه: فإذا أوقب فهو الكفر بالله العظيم، وقال العلاّمة بعد نقل هذا الكلام: إنّ عبارتهما تعطي بأنّ القتل يجب بالتفخيذ.2
واحتجّ الصدوق بما رواه حذيفة بن منصور قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن اللواط؟ فقال: «ما بين الفخذين». قال: وسألته عن الذي يوقب؟ فقال: «ذاك الكفر بما أنزل الله على نبيه(صلى الله عليه وآله)».3
والظاهر أنّ مصبّ الحديث مصبّ المبالغة في الذم حيث حصر اللواط في غير الإيقاب، وعلى هذا فما ذهب إليه المشهور هو المنصور.
في تكرّر اللواط، في المجتمعين تحت لحاف واحد مجرّدين   

1 . مختلف الشيعة :9/177.
2 . مختلف الشيعة:9/176.
3 . الوسائل:14، الباب20 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث3.

صفحه 181

في تكرّر اللواط

قال المحقّق: ولو تكرّر منه الفعل، وتخلّله الحدّ مرّتين، قتل في الثالثة، وقيل: في الرابعة، وهو أشبه. 1
أقول: ولو تكرر منه الفعل وتخلّله الحدّ مرتين قتل في الثالثة حسب الضابطة الواردة في صحيحة يونس، وفي الرابعة حسب ما ورد في خصوص الزنا، ويظهر من غير واحد الإجماع على عدم الفرق بين الزنا واللواط، فالمختار هو الذي سبق في مورد الزنا، فلا حاجة إلى التكرار.
***

المجتمعان تحت لحاف واحد مجرّدين

أقول: إنّ للمسألة صوراً هي:
1. إذا وجد رجلان تحت لحاف واحد.
2. إذا وجدت امرأتان تحت لحاف واحد.
3. إذا وجدت امرأة ورجل تحت لحاف واحد.
وإليك دراسة الصور، وإن كانت النتيجة في الجميع واحدة.
الصورة الأُولى: إذا وجد رجلان تحت لحاف واحد
قال المحقّق: والمجتمعان تحت إزار واحد مجردين وليس بينهما رحم، يعزّران من ثلاثين سوطاً إلى تسعة وتسعين سوطاً.(2)

1 و 2 . شرائع الإسلام: 4 / 160 .

صفحه 182
أقول: في هذه الصورة أقوال ثلاثة:
1. أنّهما يُعزران من ثلاثين سوطاً إلى تسعة وتسعين سوطاً. وهذا هو المشهور.
2. ما ذهب إليه ابن الجنيد والصدوق وهو: الحدّ مائة سوط.
3. ما اختاره الشيخ المفيد من تعزيرهما من عشرة أسواط إلى تسعة وتسعين سوطاً، بحسب ما يراه الحاكم من عقابهما في الحال، وبحسب التهمة لهما والظن بهما السيئات.1
أمّا القول الأوّل فهو خيرة الشيخ في «النهاية» حيث قال: ومتى وجد رجلان في إزار واحد مجردين، أو رجل وغلام وقامت عليهما بذلك بيّنة أو أقرّ بفعله، ضرب كلّ واحد منهما تعزيراً من ثلاثين سوطاً إلى تسعة وتسعين سوطاً بحسب ما يراه الإمام، فإن عادا إلى ذلك ضربا مثل ذلك، فإن عادا أُقيم عليهما الحدّ على الكمال مائة جلدة.2 وهو خيرة ابن البراج3، وابن إدريس.4
واستدلّ على هذا القول بأنّه نتيجة الجمع بين الروايتين التاليتين:
في المجتمعين تحت لحاف واحد مجرّدين   
الأُولى: وهي رواية سليمان بن هلال، قال: سأل بعض أصحابنا أبا عبد الله(عليه السلام) فقال: جُعلت فداك الرجل ينام مع الرجل في لحاف واحد؟ فقال: «ذوا

1 . المقنعة:785.
2 . النهاية:705.
3 . المهذب:2/531.
4 . السرائر:3/460.

صفحه 183
محرم؟»، فقال: لا، قال: «من ضرورة؟»، قال: لا، قال: «يضربان ثلاثين سوطاً، ثلاثين سوطاً».1
فإنّ الرواية تدلّ على أنّ المورد من موارد التعزير، وأنّ أقله ثلاثين سوطاً.
الثانية: وهي ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجلين يوجدان في لحاف واحد قال: «يجلدان غير سوط واحد».2
فالجمع بين ما دلّ على الثلاثين والتسع والتسعين يثبت القول الأوّل، غير أنّ الإمام مخيّر في انتخاب أي درجة شاء.
الثالثة: ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام)فدخل عليه عبّاد البصري ومعه أُناس من أصحابه، فقال له: حدِّثني عن الرجلين إذا أُخذا في لحاف واحد، فقال له: «كان عليٌّ(عليه السلام) إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ»، فقال له عبّاد: إنّك قلت لي: غير سوط، فأعاد عليه ذكر الحديث]الحدّ[، حتّى أعاد ذلك مراراً، فقال: غير سوط، فكتب القوم الحضور عند ذلك الحديث.3
وجه الدلالة: أنّ الإمام في المرّة الأُولى التي سأله عبّاد وهو وحيد، أفتى بالحكم الواقعي فقال: غير سوط، ولمّا سأله عبّاد البصري في مجلس آخر عن الحكم وكان معه أُناس من أصحابه (من السنّة) أفتى الإمام بالتقية، فقال:

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 21.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث18.
3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.

صفحه 184
إنّهما يضربان الحدّ (أي مائة جلدة)، فلمّا أعاد عليه عبّاد السؤال مرّة أُخرى وألحّ عليه، أفتى بالحكم الواقعي وقال: غير سوط.
وظاهر الرواية أنّ الإمام(عليه السلام) كان يتحرّج من الإفتاء بالمائة إلاّ سوطاً، فلمّا أصرّ عبّاد عليه أفتى به.
الرابعة: صحيحة معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأتان تنامان في ثوب واحد، فقال: «تضربان». فقلت: حدّاً؟ قال: «لا»، قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد، فقال: «يضربان». قال: قلت: الحدّ؟ قال: «لا».1
والشاهد في الفقرة الثانية، وسيوافيك الكلام في الفقرة الأُولى.
إلى هنا تبيّن أنّ ما يدلّ على فتوى المشهور لا يتجاوز عن أربعة أحاديث.
وأمّا القول الثاني ـ أي أنّه يحدّ مائة جلدة ـ : فيدلّ عليه روايات :
1. ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «كان علي(عليه السلام) إذا وجد الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ، فإذا أخذ المرأتين في لحاف ضربهما الحدّ».2
2. ما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «حدّ الجلد أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحدّ، والمرأتان

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث16.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث6.

صفحه 185
تجلدان إذا أُخذتا في لحاف واحد الحدّ».1
3. ما رواه عبد الرحمن الحذّاء قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«إذا وجدا الرجل والمرأة في لحاف واحد جلدا مائة جلدة».2
4. ما رواه أبو عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «كان علي(عليه السلام) إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجرّدين جلدهما حدّ الزاني مائة جلدة كلّ واحد منهما، وكذلك المرأتان إذا وجدتا في لحاف واحد مجرّدتين جلدهما كلّ واحدة منهما مائة جلدة».3
5. صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يوجدان في لحاف واحد والمرأتان توجدان في لحاف واحد».4 والحدّ ظاهر في مائة جلدة.
6. ما رواه عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يوجدان في لحاف واحد، والمرأتان توجدان في لحاف واحد».5
والظاهر أنّهما رواية واحدة، وإن جعلهما في التهذيب روايتين وتبعه صاحب الوسائل.

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث15.
4 . الوسائل: 18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
5 . الوسائل: 18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 22 و 23.

صفحه 186
وعلى كلّ تقدير تدلّ هذه الروايات على أنّ الحدّ هو حدّ الزنا، أعني: مائة جلدة.
وقد عولجت المعارضة بالأمرين التاليين:
1. ما ورد عن الشيخ من أنّ مرجع هذه الروايات إلى ما لو تكرّر منهما الفعل وتخلّل التعزير.
يلاحظ عليه: أنّه ليس فيما ورد ما يؤيد ذلك الحمل.
2. الحمل على إرادة بيان أنّ ذلك هو الغاية لأنّه هو المتعيّن.
يلاحظ عليه: بأنّه لو افترضنا أنّ الروايات لبيان الغاية لا أنّها هي المتعيّنة، لكن يبقى التعارض بين كون الغاية تسعة وتسعين أو كونها المائة، وظاهر الرواية هو الأخير فيبقى التعارض.
ثمّ إنّي لم أقف على فتوى أهل السنّة في الرجلين تحت لحاف واحد، نعم نقل الشيخ في «الخلاف» فتواهم فيما إذا وجد رجل مع امرأة أجنبية فقال: روى أصحابنا في الرجل إذا وجد مع امرأة أجنبية يقبلها ويعانقها في فراش واحد إنّ عليهما مائة جلدة، وروي ذلك عن علي(عليه السلام). وقد روي أنّ عليهما أقل من الحدّ. وقال جميع الفقهاء: عليه التعزير.1
في المرأتين تحت لحاف واحد مجرّدتين   
فلو كان الإفتاء بالتعزير غير مختصّ برجل وامرأة، بل يعمّ الرجلين يكون قرينة على ما ذكره المجلسي من حمل الطائفة الأُولى(يعزّران من ثلاثين إلى تسع وتسعين) على التقيّة.
ولكن الذي يبعده ما ورد في رواية عبد الرحمن بن الحجّاج حيث

1 . الخلاف:5/373، المسألة9.

صفحه 187
استظهرنا أنّ القول بأنّه يضرب غير سوط هو الحكم الواقعي الذي ذكره الإمام لعبّاد البصري وهو وحيد، وأمّا القول بالحدّ فقد صدر عنه في بدء الكلام تقيّة وعندئذ ينعكس الأمر، فيكون القول بالتعزير هو الحكم الواقعي، والقول بالحدّ هو الموافق للتقية، فإذا لم يتبيّن الأمر، فيكون المرجع هو العمل بما عليه المشهور وهو التعزير.
وعلى كلّ تقدير فالمشهور هو العمل بالطائفة الأُولى دون الثانية.
وأمّا القول الثالث ـ أعني: قول المفيد ـ وهو التخيير بين عشرة أسواط إلى تسعة وتسعين. فقد اختاره ابن زهرة في «الغنية» فقال: واللواط من النوم في إزار واحد والضم والتقبيل إلى غير ذلك، على حسب ما يراه الحاكم من عشرة أسواط إلى تسعة وتسعين سوطاً. 1 ولعلّ مستنده ما في «الجعفريات» عن علي (عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «لا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر يزيد على عشرة أسواط إلاّ في حدّ».2 وفي دلالته على مختار المفيد تأمّل واضح. حيث إنّه يدلّ على تعيّن العشرة.

الصورة الثانية: امرأتان وجدتا تحت لحاف واحد

قال المحقّق: والأجنبيتان إذا وجدتا في إزار مجرّدتين عزّرت كلّ واحدة دون الحدّ. 3
أقول: إذا وجدت امرأتان تحت لحاف واحد، بلا ضرورة، فما هو

1 . غنية النزوع: 1 / 435 .
2 . مستدرك الوسائل :18، الباب3 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث4.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 161 .

صفحه 188
المختار في الفرع السابق هو المختار في المقام لأنّ الظاهر من الصحيحين التاليين، اتّحاد حكم الفرع مع الأصل:
1. صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يوجدان في لحاف واحد، والمرأتان توجدان في لحاف واحد».1 والرواية ظاهرة في كون الموردين من قبيل الحدّ لا التعزير.
2. صحيحة ابن مسكان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ : «والرجلان يوجدان في لحاف واحد، والمرأتان توجدان في لحاف واحد».2 والرواية ساكتة عن الحدّ والتعزير وتدلّ على وحدة حكمهما. لكن ورد في رواية أُخرى: «حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد».3
في رجل وامرأة تحت لحاف واحد   
وبما أنّ المختار في الفرع السابق هو التخيير بين ثلاثين سوطاً إلى تسعة وتسعين سوطاً، يكون هو المختار في المقام أيضاً، لأنّه مقتضى وحدة حكمهما. ويؤيده صحيحة معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): المرأتان تنامان في ثوب واحد، فقال: «تضربان»، فقلت: حدّاً؟ قال: «لا». قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد فقال: «يضربان». قال: قلت: الحدّ؟ قال: «لا».4

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث23.
3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث22.
4 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث16.

صفحه 189
وعلى ما ذكر فما دلّ على أنّهما يضربان مائة جلدة، مصيره، نفس مصير ما مرّ في الفرع السابق نظير: ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «حدّ الجلد أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحدّ، والمرأتان تجلدان إذا أخذتا في لحاف واحد، الحدّ».1 فلو أخذنا بقول المشهور في المقامين، يُحمل ما دلّ على مائة سوط، على التقية.

الصورة الثالثة: رجل وامرأة تحت لحاف واحد

والروايات في هذا الفرع نفس الفرعين السابقين :
1. ما يدلّ على أنّه يحدّا مائة سوط إلاّ سوطاً ; كصحيح أبان بن عثمان، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّ علياً(عليه السلام)وجد امرأة مع رجل في لحاف واحد، فجلد كلّ واحد منهما مائة سوط غير سوط».2
2. ما يدلّ على أنّهما يجلدان مائة لصحيحة عبد الرحمن الحذّاء قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد جلدا مائة جلدة».3
والمختار في الجميع واحد. والله العالم.
***

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1 ; ولاحظ الحديث 6 و 15، وقد مرّت روايتا ابن سنان وابن مسكان في مورد وحدة حكم الفرعين.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث19 ولاحظ الحديث 20، من نفس الباب.
3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5 ولاحظ الحديث 7، 9، 10، 24.

صفحه 190

هل يوجد فرق بين المحرم وغيره وبين الرحم وغيره؟

وهل هنا فرق بين المحرم وغيره كما في رواية سليمان بن هلال حيث سأله الإمام وقال: «ذوا محرم»؟1 أو فرق بين الرحم وغيره كما في عبارة المحقّق حيث قال: «والمجتمعان تحت إزار واحد، مجردين وليس بينهما رحم»2، مع أنّ بين القيدين عموماً وخصوصاً من وجه، فالأُخت والأخ رحمان ومحرمان، وأُمّ الزوجة محرم لا رحم، وبنت العمّة رحم لا محرم. وعلى كلّ تقدير فالقيد الأوّل ورد في رواية سليمان بن هلال، وأمّا القيد الثاني فلم نجده في مصدر، ومقتضى القاعدة عدم الفرق بين المحرم وغيره. والمراد من المحرم في الرجلين هو وجود القرابة النسبية، ولعلّها مراد المحقّق من الرحم، ولو عملنا برواية سليمان لكان التفريق صحيحاً. ومع ذلك لو دلّت القرائن على أنّ المقصود من التواجد تحت لحاف واحد هو التلذّذ الجنسي فيعزران وإن كانا محرمين، وإن كان الفرض نادراً.
ثمّ إنّ ظاهر بعضهم اختصاص الحكم بالعاريين ولا يعمّ الكاسيين.
في تقبيل الغلام بشهوة   
ويدلّ عليه رواية أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «كان علي(عليه السلام)إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجرّدين، جلدهما حدّ الزاني».3
وعلى هذا فلا يشمل الحكم فيما لو كانا كاسيين، خصوصاً إذا كان المبرر هو برودة الجو وقلّة الغطاء.

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 21.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 160 .
3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث15.

صفحه 191
ومع ذلك لو دلّت القرائن على أنّ الغاية من النوم تحت لحاف واحد أمر غير مشروع، يعزّران وإن كانا كاسيين، فعلى هذا فلا فرق بين الكاسيين والعاريين.
ويدلّ على كون الملاك قصد الالتذاذ وعدمه، رواية أبي خديجة قال: «لا ينبغي لامرأتين تنامان في لحاف واحد إلاّ وبينهما حاجز».1
لأنّ الحلّية مع الحاجز لأجل أنّه يكون مانعاً عن التصاق إحداهما بالأُخرى، وبالتالي مانعاً عن الالتذاذ، بلا فرق بين الكاسيين والعاريين إذا كانت الغاية الالتذاذ.
نعم لا شكّ في عدم جواز نوم رجل مع الامرأة الأجنبية عارياً كان أو كاسياً.

تقبيل الغلام بشهوة

قال المحقّق: يُعزّر من قبّل غلاماً ليس له بمحرم بشهوة.2
أقول: ذلك لأنّه فعل فعلاً محرّماً فيستحق فاعله التعزير مطلقاً كغيره من المحرمات. وهذا يكفي في ثبوت التعزير، مع أنّه ورد في حرمته روايات أيضاً، منها:
1. ما رواه طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):«من

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 25.
2 . شرائع الإسلام:4/160.

صفحه 192
قبّل غلاماً من شهوة ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار».1
2. ما ورد في «فقه الرضا(عليه السلام)» قال: «مَن قبّل غلاماً بشهوة، لعنته ملائكة السماء، وملائكة الأرض، وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب، وأعدّ له جهنم وساءت مصيراً».2
وليس في الرواية شيء يدلّ على التقييد بعدم المحرمية إذا كان التقبيل بشهوة، اللّهم إلاّ أن يحمل على إيراده مورد الغالب من ظهور الشهوة في غير المحرم دونه. ولو دلّت القرائن على كونه عن شهوة فلا فرق بين المحرم وغيره بل بين الصغير وغيره.
أمّا الكلام في حدّ التعزير فالمعروف أنّه دون المائة، لكن في موثّقة إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): محرم قبّل غلاماً من شهوة؟ قال: «يضرب مائة سوط».3 ولعلّ التشديد لأجل اجتماع جهة أُخرى، وهي كون المقبل مَحْرماً، وإلاّ فحكمه حكم سائر المحرّمات التي فيها التعزير حيث لا يتجاوز الحدّ الوارد في الشرع.
في توبة اللائط   

1 . الوسائل:14، الباب21 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث1.
2 . مستدرك الوسائل:14، الباب18 من أبواب النكاح المحرم، الحديث3.
3 . الوسائل:14، الباب21 من أبواب النكاح المحرم، الحديث3.

صفحه 193
 
توبة اللائط
قال المحقّق: إذا تاب اللائط قبل قيام البيّنة، سقط عنه الحدّ، ولو تاب بعده لم يسقط.1
أقول: ويدلّ عليه رواية جميل، عن رجل، عن أحدهما(عليهما السلام) في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنا فلم يُعلم بذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح؟ فقال: «إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يُقم عليه الحدّ».2
وأمّا عدم سقوطه بتوبته بعد قيام البيّنة فلثبوته في ذمّته فيستصحب. ويدلّ عليه ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل أُقيمت عليه البيّنة بأنّه زنى، ثم هرب قبل أن يضرب، قال: «إن تاب فما عليه شيء، وإن وقع في يد الإمام أقام عليه الحدّ، وإن علم مكانه بعث إليه».3
والظاهر أنّ الحكم إثر التوبة بلا اختصاص للمورد ـ أعني: الزنا ـ فيعمّ غيره. وقوله: «إن تاب فما عليه شيء» يريد رفع العقوبة الأُخروية.
وأمّا لو كان مقرّاً كان الإمام مخيّراً بين العفو والاستيفاء، وقد تقدّم الكلام في ذلك في حدّ الزنا.

1 . شرائع الإسلام:4/160.
2 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث3.
3 . الوسائل:18، الباب16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث4.

صفحه 194
   

في حدّ السحق

قد مرّ أنّ المحقّق جعل الزنا سبباً للحدّ، وعطف عليه المضاجعة في إزار واحد1، واللواط(2)، وعطف عليه أيضاً السحق(3) ولم يجعله موضوعاً مستقلاًِّ.
ويعرّف السحق: بوطء المرأة مثلها، المكنّى عنه باللواتي مع اللواتي، وهو من عظائم المحرّمات.
أقول: ويدلّ على حرمته ما رواه بشير بن النبال قال: رأيت عند أبي عبد الله(عليه السلام)رجلاً فقال له: ما تقول في اللواتي مع اللواتي؟ فقال: «لا أُخبرك حتى تحلف لتُحدِّثَن بما أُحدّثك النساء» قال: فحلف له، فقال: «هما في النار، عليهما سبعون حلّة من نار فوق تلك الحلل جلد جاف غليظ من نار، عليهما نطاقان من نار وتاجان من نار فوق تلك الحلل وخفّان من نار وهما في النار».2
وأمّا حدّه: ففيه قولان:

1 . شرائع الإسلام:4/152.   2 . شرائع الإسلام:4/159.   3 . شرائع الإسلام:4/160.
2 . الوسائل:14، الباب24 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث4، ولاحظ الحديث 5.

صفحه 195
القول الأوّل: وهو مائة جلدة، حرّة كانت أو أمة، مسلمة كانت أو كافرة، محصنة كانت أو غير محصنة، الفاعلة أو المفعولة.1
أقول: وهذا هو خيرة المفيد (2)، والمرتضى(3)، وأبي الصلاح2، وابن إدريس(5)، والمحقّق(6)، ويحيى بن سعيد.(3)
القول الثاني: وهو الرجم مع الإحصان، والحدّ مع عدمه.4
أقول: وهو قول الشيخ في «النهاية»5، وابن البراج6، وابن حمزة7.
واختلاف القولين راجع إلى اختلاف الروايات، وهي على طوائف:

الأُولى: حدّها حدّ الزاني

وهي رواية ابن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة وهشام وحفص كلّهم، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق؟ فقال: «حدّها حدّ الزاني»، فقالت المرأة: ما ذكر الله ذلك في القرآن؟ فقال: «بلى» قالت: وأين هنَّ؟ قال: «هنّ أصحاب الرسّ».8

1 . شرائع الإسلام: 4 / 160 .   2 . المقنعة:787.   3 . الانتصار:253.
2. الكافي في الفقه:409.   5. السرائر:3/433.   6. شرائع الإسلام:4/160.
3 . الجامع للشرائع:555.
4 . شرائع الإسلام: 4 / 160، بتصرّف.
5 . النهاية:706.
6 . المهذب:2/531.
7 . الوسيلة:404.
8 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث1.

صفحه 196

الطائفة الثانية: السحّاقة تجلد

وهي رواية زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«السحّاقة تجلد».1

الطائفة الثالثة: السحق في النساء بمنزلة اللواط في الرجل، تقتل

وهي ما أورده الحسن الطبرسي في «مكارم الأخلاق» عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: «السحق في النساء بمنزلة اللواط في الرجال، فمن فعل ذلك شيئاً فاقتلوهما، ثم اقتلوهما».2

الطائفة الرابعة: القتل بالسيف ثم الحرق

وهي رواية سيف التمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «أُتي أمير المؤمنين(عليه السلام) بامرأتين وجدتا في لحاف واحد، وقامت عليهما البيّنة أنّهما كانتا تتساحقان، فدعا بالنطع، ثم أمر بهما فأُحرقتا بالنار».3

الطائفة الخامسة: إذا نقلت نطفتها إلى غيرها، ترجم

وهي ثلاث روايات:
1. صحيحة محمد بن مسلم والتي جاء فيها قول الإمام الحسن (عليه السلام):«ثم ترجم المرأة لأنّها محصنة».4 وكان الإحصان يلائم كونها ذات بعل تحمل

1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث2.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث3.
3 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث4.
4 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث 1 ; ولاحظ الحديث 2و3.

صفحه 197
نطفته فتنقلها إلى الغير لدى المساحقة.
2. ما رواه المعلّى بن خنيس، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل وطئ امرأته فنقلت ماءه إلى جارية بكر فحبلت؟ فقال: «الولد للرجل، وعلى المرأة الرجم، وعلى الجارية الحدّ».1
3. ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا أتى رجل امرأة فاحتملت ماءه فساحقت به جارية فحملت، رجمت المرأة، وجلدت الجارية، وأُلحق الولد بأبيه».2

الطائفة السادسة: إذا وجدتا في لحاف واحد، تجلد كلّ منهما مائة جلدة

وفيها روايتان:
1. ما رواه أبو خديجة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «ليس لامرأتين أن تبيتا في لحاف واحد، إلاّ أن يكون بينهما حاجز، فإن فعلتا نهيتا عن ذلك، وإن وجدتا مع النهي جلدت كلّ واحدة منهما حدّاً حدّاً، فإن وجدتا أيضاً في لحاف جلدتا، فإن وجدتا الثالثة قتلتا».3 أي في الرابعة. نعم في رواية الصدوق: «فإن وجدتا في الرابعة قتلتا».
2. ما رواه سماعة بن مهران، قال: سألته عن المرأتين توجدان في لحاف واحد؟ قال(عليه السلام): «تجلد كلّ واحدة منهما مائة جلدة».4

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث5.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث1، ولاحظ الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث3.

صفحه 198
هذه هي طوائف ست من روايات الباب، ولا يخفى أنّ الطوائف الثلاث الأخيرة لا صلة لها بالمقام .
أمّا الرابعة فلأنّ المفروض فيها ـ وراء المساحقة ـ تواجدهما تحت لحاف واحد وهو في نفسه، موجب للحدّ أو التعزير، فإذا انضمّ إلى المساحقة، يكون العقاب آكد، فلا يكون دليلاً على حكم السحق المجرد عن أمر آخر.
وبما ذكر يظهر ما ورد في السادسة فلأنّ الحال فيها نفسه في الرابعة، فلا تصلح للاحتجاج.
وأمّا الخامسة فلأنّ الروايات الثلاث فيها تتضمّن وراء المساحقة، نقل ماء الرجل إلى الجارية فيكون العقاب آكد، فلا يصلح الاحتجاج بها فيما لو جرّد عنه، كما هو الموضوع في المقام.
بقي الكلام في الجمع بين روايات الطوائف الثلاث.
فنقول: أمّا ما دلّ على أنّه بمنزلة اللواط في الرجل ـ أعني: الطائفة الثالثة ـ فهو حديث مرسل، لا يستدلّ به.
   
بقيت الأُولى والثانية وبما أنّ الثانية صريحة في الجلد، فتجلد مائة سوط، وبها تفسّر الأُولى من أنّ حدّها حدّ الزاني، والمتبادر من حدّ الزاني هو قوله سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)1. وأمّا الرجم عند الإحصان وإن كان من حدود الزنا لكنّه ورد في السنّة ولا يتبادر

1 . النور:2.

صفحه 199
من لفظه «حدّه حدّ الزاني» إلاّ بعد التدبّر والتأمّل. فالأقوى هو الحدّ مائة سوط من غير فرق بين الإحصان وغيره.

في تكرّر المساحقة

قال المحقّق: وإذا تكرّرت المساحقة مع إقامة الحدّ ثلاثاً، قُتلت في الرابعة.1
أقول: والضابطة وردت في رواية يونس، عن أبي الحسن الماضي(عليه السلام)قال: «أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في
الثالثة».2
وما أوجب الحدّ كالمساحقة، من المعاصي الكبيرة، وعلى هذا يجب
أن يقتل في المرة الثالثة مع تخلّل الحدّ، خرج منها الزنا ; لموثقة أبي
بصير: «الزاني إذا زنى يجلد ثلاثاً ويقتل في الرابعة ـ يعني: جُلد
ثلاث مرّات».3 ولأجل الإجماع على مساواة السحق مع الزنا ألحقه
المحقّق به، وإلاّ فالضابطة ما ذكرناه ; وأمّا إذا لم يُقم عليه الحدّ، فلا يقتل لعدم الدليل.

1 . شرائع الإسلام:4/160.
2 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.

صفحه 200

ولو تكرّر الفعل (التواجد في لحاف واحد)

قال المحقّق: وإن تكرر الفعل منهما والتعزير مرتين، أُقيم عليهما الحدّ في الثالثة، فإن عادتا، قال في النهاية: قُتلتا، والأولى الاقتصار على التعزير، احتياطاً في التهجم على الدم.1
أقول: قد مرّ أنّ المتواجدين في لحاف واحد يعزّران من ثلاثين سوطاً إلى تسعة وتسعين سوطاً. إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ في العبارة فرعين:
1. إذا تكرّر الفعل والتعزير مرتين، فلا تعزّران، بل يقام عليهما الحدّ في الثالثة، أي جلد مائة .
2. إذا عادتا بعد إقامة الحدّ في الثالثة، فالشيخ في «النهاية» على القتل، والمحقّق على التعزير.
أمّا الأوّل: فيدلّ عليه خبر أبي خديجة قال:«لا ينبغي لامرأتين تنامان في لحاف واحد إلاّ وبينهما حاجز، فإن فعلتا نهيتا عن ذلك، فإن وجدهما بعد النهي في لحاف واحد جلدتا كلّ واحدة منهما حدّاً حدّاً، فإن وجدتا الثالثة في لحاف حدّتا، فإن وجدتا الرابعة قتلتا».2 والاستدلال بالرواية على الفرع الأوّل مبني على حمل النهي في قوله: «نهيتا عن ذلك» على التعزير، وحمل قوله: «جلدتا كلّ واحدة منهما حدّاً حدّاً» على التعزير أيضاً، فيتمحّض الأمر في الدفعة الثالثة في الحدّ، أعني: الجلد مائة مرة.

1 . شرائع الإسلام:4/161.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث25. وفي نسخة الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام).

صفحه 201
وأمّا الثاني ـ أعني: إذا عادتا بعد إجراء الحدّ في الثالثة ـ : فقد ذهب الشيخ إلى أنّهما يقتلان، والدليل هو الخبر المتقدّم لأبي خديجة; إلاّ أنّ المحقّق قال بالحدّ في الثالثة، وخالف الشيخ في الرابعة فأفتى بالتعزير رابعة وخامسة، وبالحدّ في السادسة، ثم التعزير سابعة وثامنة، وبالحدّ في التاسعة، فاقتصر على التعزير بعد كلّ حدّ، فعليه فلو عادتا بعد الحدّ الأوّل حدّتا في السادسة، وهكذا في التاسعة.
ومعنى هذا أنّه أخذ بعض الحديث دون البعض الآخر، فأخذ بالحدّ في الثالثة دون القتل في الرابعة.
وقد تبع المحقّق العلاّمة في «القواعد» حيث قال: وإذا وجدت الأجنبيتان مجرّدتين في إزار عُزّرتا، فإن تكرر الفعل و التعزير حُدّتا في الثالثة، فإن عادتا عُزرتا، وقيل: قتلتا.1
والذي يمكن أن يقال: إنّ خبر أبي خديجة إن كان حجّة يجب الأخذ بكماله: الحدّ في الثالثة والقتل في الرابعة. وإن لم يكن حجّة فلا مستند للقول حتى بالحدّ في الثالثة ثم في السادسة ثم في التاسعة. بل يتعيّن التعزير مطلقاً. إلاّ أن يقال: إنّ عدم الأخذ بالفقرة الأخيرة لأجل الاحتياط في الدماء، فيقدّم على الخبر غير الموصوف بالصحّة.

1 . قواعد الأحكام:3/538.

صفحه 202

قواعد ثلاث

قال المحقّق:
1. لا كفالة في حدّ.
2. ولا تأخير فيه مع القدرة على إقامته، والأمن من توجّه الضرر.
3. ولا شفاعة في إسقاطه.1
أقول: أمّا الأُولى: فلا كفالة في الحدّ، زناً كان أو غيره، للنبوي والعلوي.
أمّا النبوي فما رواه السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): لا كفالة في حدّ».2
وأمّا العلوي فما رواه الصدوق بإسناده: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه لا كفالة في حدّ».3
وأمّا الثانية ـ أعني: لا تأخير فيه مع القدرة على إقامته ـ : فيدلّ عليها ما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام) في حديث قال: «ليس في الحدود نظر ساعة».4
لو جامع الرجل زوجته فوقعت على جارية فساحقتها   
وروى الصدوق عن قضايا أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «إن كان في الحدّ (لعلّ) أو (عسى) فالحدّ معطّل».5

1 . شرائع الإسلام: 4 / 161 .
2 . الوسائل:18، الباب21 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
3 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الضمان، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب25 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
5 . الوسائل:18، الباب25 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.

صفحه 203
وأمّا الثالثة ـ أعني: لا شفاعة في إسقاطه ـ : فلقوله تعالى:(وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ).1
ولما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «كان لأُمّ سلمة زوج النبي(صلى الله عليه وآله) أمة فسرقت من قوم، فأُتي بها النبي(صلى الله عليه وآله)، فكلّمته أُمّ سلمة فيها، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): يا أُمّ سلمة هذا حدّ من حدود الله لا يُضيّع، فقطعها رسول الله(صلى الله عليه وآله)».2

مسألة: لو جامع الرجل زوجته فوقعت على جارية فساحقتها

قال المحقّق: لو وطئ زوجته، فساحقت بِكراً، فحملت، قال في «النهاية»: على المرأة الرجم، وعلى الصبيّة جلد مائة بعد الوضع. ويلحق الولد بالرجل، ويلزم المرأة المهر. 3
أقول: في هذه المسألة أُمور أربعة:
1. حكم المرأة التي ساحقت.
2. حكم الجارية البكر.
3. حكم الولد.
4. حكم مهر الجارية.
أمّا الثلاثة الأُولى فقد وردت في رواية المعلّى بن خنيس المتقدّمة،

1 . النور: 2.
2 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 161 .

صفحه 204
قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل وطئ امرأته فنقلت ماءه إلى جارية
بكر، فحبلت؟ فقال: «الولد للرجل، وعلى المرأة الرجم، وعلى الجارية الحدّ».1
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) بلا واسطة، قال: «إذا أتى رجل امرأة فاحتملت ماءه فساحقت به جارية فحملت، رجمت المرأة، وجلدت الجارية، وأُلحق الولد بأبيه».2 دون أُمّه ; لأنّ احتباله لم يكن بمشروع.
وأمّا الأمر الرابع ـ أعني: المهر ـ فقد ورد ذكره في صحيحة محمد بن
مسلم والتي جاء فيها... ثم قال: «يُعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر
الجارية البكر في أوّل وهلة ; لأنّ الولد لا يخرج منها حتى تشقّ، فتذهب عذرتها».3
والتفريق بين رضا الجارية بالزنا ورضاها بالمساحقة لأجل أنّ الأوّل يدلّ بالدلالة المطابقية على قبولها بذهاب عذرتها، بخلاف المقام فإنّ الدلالة على رضاها بذهاب عذرتها فرع التفاتها ; لذلك لأنّ انتقال النطفة وصيرورتها حاملاً من الأُمور الاتفاقية التي قلّما يلتفت الإنسان إلى لوازمها.
نعم لو كانت محتملة لذلك وملتفتة إلى هذا الأمر، لكان احتمال سقوط المهر قوياً.

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب3من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث5.
3 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث 1 ; ولاحظ الحديث 2و 3.

صفحه 205
وأمّا كون الولد لصاحب النطفة فهو مقتضى القاعدة لأنّه صاحب النطفة، نعم إنّما الكلام في عمل المشهور بالرواية في مورد الرجم، ولذلك نرى أنّ المحقّق بعد ما حكى عن «النهاية» الرجم، يقول: فعلى ما مضى من التردّد، وأشبهه الاقتصار على الجلد.1

1 . شرائع الإسلام:4/161.

صفحه 206
   
في حدّ القيادة
وتعريفها: الجمع بين الرجال والنساء للزنا، وبين الرجال والرجال للّواط، وبين النساء والنساء للسحق.
وهنا أُمور:

الأوّل: ثبوت القيادة

تثبت القيادة بشهادة شاهدين، أو الإقرار مرتين.
أمّا ثبوتها بشاهدين فلإطلاق أدلّة البيّنة، وأمّا ثبوتها بالإقرار مرتين، فلما مرّ من أنّ الإمام علياً(عليه السلام) نزّل كلّ إقرار منزلة شهادة شاهد.1

الثاني: حدّ القيادة

اتّفقت كلمتهم على أنّ حدّ القيادة خمس وسبعون جلدة ; لصحيح عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أخبرني عن القوّاد ما حدّه؟ قال: «لا حدّ على القوّاد، أليس إنّما يُعطى الأجر على أن يقود؟!» قلت: جعلت فداك، إنّما يجمع بين الذكر والأُنثى حراماً، قال: «ذاك المؤلّف بين الذكر والأُنثى حراماً»، فقلت: هو ذاك، قال: «يضرب ثلاثة أرباع حدّ الزاني خمسة وسبعين سوطاً، وينفى من المصر الذي هو فيه...» .2

1 . لاحظ : الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب حدّ السحق والقيادة، الحديث1.

صفحه 207
وهل يحلق رأسه ويشهّر في البلد ثم يُنفى من البلد الذي فعل ذلك فيه إلى غيره من الأمصار؟! ذهب إليه الشيخ في «النهاية».1
غير أنّ المفيد قال: يُجلد ويحلق رأسه ويشهّر، في المرّة الأُولى، فإن عاد ثانية جُلد ونفي،(2) وتبعه أبو الصلاح(3)، وسلاّر2.
أقول: أمّا النفي من المصر فقد ورد في رواية عبد الله بن سنان ـ كما عرفت ـ إنّما الكلام في ثبوت الحلق والتشهير،فلا شك أنّه مشهور بين الأصحاب حتى عند ابن إدريس الذي لا يعمل بخبر الواحد(5) ; لكنّنا لم نجد له دليلاً صالحاً، إلاّ الشُّهرة بين الأصحاب، وإليه أشار صاحب الرياض وقال: وقد ادعّي عليه الإجماع، وهو كاف في الثبوت لا سيّما مع الاعتبار بفتوى المشهور...(6)
وقد ورد التغريب في موردين:
1. في زنا المحصن (مَن عقد ولم يدخل).
2. إذا زنى البكر جُلد مائة وغرّب عاماً.

الثالث: في عقوبة المرأة

المرأة تجلد بلا خلاف لكن ليس عليها جزّ ولا تشهير ولا نفي، لمنافاة النفي والتشهير لما يجب مراعاته من ستر المرأة.
***

1 . النهاية:710.   2 . المقنعة:791.   3 . الكافي في الفقه:410.
2 . المراسم:257.   5 . السرائر:3/471.   6. رياض المسائل: 13 / 515 .

صفحه 208

الباب الثالث

في حدّ القذف

القذف ـ لغة ـ : الرمي، يقال: قذف بالحجارة: رماها، وكأنّ السابّ يرمي المسبوب بالكلمة المؤذية.
والكلام فيه يقع في خمسة أُمور:
الأوّل: في الموجب
الثاني: في القاذف
الثالث: في المقذوف
الرابع: في الأحكام
الخامس: في اللواحق
وإليك دراستها واحداً بعد الآخر:
في الكلام الموجب للقذف   

صفحه 209
 
الأوّل:

الكلام في الموجب

الموجب للقذف عند الفقهاء أمران: إمّا الرمي بالزنا، أو الرمي باللواط فقط. فلو قال: زنيت، أو لطت، أو ليط بك، أو أنت زان، أو لائط، أو منكوح في دبره، أو ما يؤدي هذا المعنى صريحاً مع معرفة القائل بموضع اللفظ بأي لغة اتّفق، فقد قذف. ويظهر اختصاص القذف بالرمي بأحد الأمرين من غير واحد من الفقهاء. وأمّا الرمي بغيرهما فيوجب التعزير لا الحدّ، قال المحقّق: وكلّ تعريض بما يكرهه المواجه ولم يوضع للقذف لغة ولا عرفاً، يثبت به التعزير لا الحدّ، كقوله: أنت ولد حرام، أو حملت بك أُمّك في حيضها، أو يقول لزوجته: لم أجدك عذراء، أو يقول : يا فاسق، يا شارب الخمر وهو متظاهر الستر، أو يا خنزير، أو يا حقير، أو يا وضيع.1 و سيوافيك توضيحه.2
وإليك كلمات الفقهاء في هذا الموضوع:
قال المفيد: ومَن افترى على رجل حرّ مسلم فقذفه بالزنا، كان عليه الحدّ في ذلك ثمانون جلدة ـ إلى أن قال: ـ والقذف باللواط كالقذف بالزنا، والحدّ فيهما سواء.3

1 . شرائع الإسلام:4/164.
2 . في الصفحة 213 .
3 . المقنعة:792.

صفحه 210
وقال الشيخ في «النهاية»: إذا قال الرجل أو المرأة ـ كافرين كانا أو مسلمين، حُرّين أو عبدين، بعد أن يكونا بالغين ـ لغيرهما من المسلمين البالغين الأحرار:«يا زاني»، أو «يا لائط»، أو «يا منكوحاً في دُبُره»، أو «قد زنيت»، أو «لطت»، أو «نكحت»، أو ما معناه معنى هذا الكلام، بأي لغة كانت، بعد أن يكون عارفاً بها وبموضوعها وبفائدة اللفظة; وجب عليه الحدُّ ثمانون جلدة، وهو حدُّ القاذف.1
وقال ابن إدريس : فأمّا الكلام الذي يكون قذفاً يوجب الحدّ فهو أن يقول: يا زاني، يا لائط، يا منكوحاً في دبره، أو قد زنيت أو لطت أو نُكحت، أو ما معناه معنى هذا الكلام، بأي لغة كانت، بعد أن يكون القائل عارفاً بها وبموضوعها، وإن لم يكن المقول له عارفاً بذلك، بل الاعتبار بمعرفة القائل.2
وقال العلاّمة في «القواعد»: الموجب وهو القذف بالزنا أو اللواط مثل: زنيت أو لطت. ولو قال: يا ديوث، أو يا كشخان3، أو يا قرنان4، أو غير ذلك من الألفاظ، فإن أفادت القذف في عرف القائل، ثبت الحدّ.5
وقد بسط الفقهاء الكلام في صغريات الموضوع أي الموجب وأنّه هل

1 . النهاية:722ـ 723.
2 . السرائر:3/516.
3 . الكشخان: الديوث، ويقال: للشاتم لا تكشخ فلاناً. (انظر لسان العرب: مادة «كشخ»).
4 . القرنان: الذي يشارك في امرأته كأنّه يقرن به غيره، وهو نعت سوء للرجل الذي لا غيرة له.(انظر لسان العرب: مادة «قرن»).
5 . قواعد الأحكام: 3/542.

صفحه 211
هو قذف أو لا؟ والظاهر أنّ المرجع في ذلك هو العرف لا الفقه.
والمهم في الأمثلة التي طرحها الفقهاء في هذا الباب هو تشخيص المقذوف، وإليك الأمثلة المطروحة في كلماتهم:
1. لو قال: يا ابن الزاني، أو زنى بك أبوك، أو لاط، كان عليه الحدّ، لأبيه، لأنّه المقذوف، لا المخاطب.
2. ولو قال له: «يا ابن الزانيين» أو زنى بك أبواك كان عليه حدّان: حدّ للأب، وحدّ للأُمّ .
3. فإن قال: ابنك زان، أو لائط، أو بنتك زانية، أو قد زنت، كان عليه الحدّ، والمقذوف عليه هو الابن والبنت.
4. ولو قال: ولدت من الزنا، يثبت الحدّ للأب، وفي وجوب الحدّ لأُمّه، تردّد، لاحتمال انفراد الأب بالزنا،ولا يثبت الحدّ مع الاحتمال.
5. ولو قال: ولدتك أُمّك من الزنا، فهو قذف للأُمّ، ويحتمل عدمه، لاحتمال كونها مكرهة فيكون قذفاً للأب.
6. ولو قال: يا زوج الزانية، فالحدّ للزوجة.
7. ولو قال: يا أب الزانية، يا أخ الزانية، فالحدّ لمن نسب إليها الزنا، من البنت والأُخت دون المخاطب.
8. ولو قال: زنيت بفلانة أو لطت بفلان، فالقذف (فالحدّ) للمخاطب.
وفي ثبوته للمنسوب إليه ـ أعني: فلاناً ـ تأمّل، لاحتمال أن لا يكون مختاراً في عمله.

صفحه 212
في الموجب للقذف   
9. ولو قال لابن الملاعنة: يابن الزانية، فعليه الحدّ، لأجل أُمّه.
10. ولو قال لابن المحدودة قبل التوبة: يابن الزانية، لم يجب به الحدّ، ولو قال بعدها، يثبت الحدّ.
روى الهاشمي عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله وأبا الحسن(عليهما السلام) عن امرأة زنت فأتت بولد وأقرّت عند إمام المسلمين بأنّها زنت، وأنّ ولدها ذلك من الزنا، فأُقيم عليها الحدّ، وأنّ ذلك الولد نشأ حتى صار رجلاً، فافترى عليه رجل، هل يجلد مَن افترى عليه؟ فقال: «يجلد ولا يجلد»، فقلت: كيف يجلد ولا يجلد؟ فقال: من قال له: «يا ولد الزنا لم يجلد ويعزّر وهو دون الحدّ، ومن قال له: يابن الزانية، جلد الحدّ كاملاً»، قلت له: كيف جلد هكذا؟ فقال: «إنّه إذا قال له: يا ولد الزنا، كان قد صدق فيه وعزّر على تعييره أُمّه ثانية، وقد أُقيم عليها الحدّ، فإن قال له: يا ابن الزانية، جلد الحدّ تامّاً لفريته عليها بعد إظهار التوبة وإقامة الإمام عليها الحدّ».1
11. ولو قال لامرأته أو غيرها: زنيت بك، فلها حدّ عليه، ولا يثبت في طرفه حدّ الزنا (القائل) حتى يُقرّ أربعاً.
12. ولو قال لولده الذي أقرّ به أو حُكم به شرعاً: لست ولدي، لوجب عليه الحدّ لأُمّه، وكذا لو قال لغيره: لست لأبيك.
وقال الشهيد الثاني في «المسالك»: هذه الصيغة عندنا من ألفاظ القذف الصريح لغة وعرفاً، وفي خبر السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام): «من أقرّ بولد ثم

1 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.

صفحه 213
نفاه، جُلد الحدّ وأُلزم الولد».1
إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها الفقهاء في المقام. وأنت إذا أمعنت النظر في هذه الموارد الاثني عشر تقدر على تمييز القذف والمقذوف عن غيرهما، قال الشيخ: التعريض بالقذف ـ على نحو الكناية ـ ليس بقذف، سواء كان بحال الرضا أو بحال الغضب. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: هو قذف حال الغضب وليس بقذف حال الرضا.2
وقال المحقّق: وكلّ تعريض بما يكرهه المواجه، ولم يُوضع للقذف لغة ولا عرفاً يثبت به التعزير لا الحدّ.3
أقول: التعريض على قسمين:
تارة: لا صلة له بالقذف أبداً وإنّما يوجب الأذى في المواجه، كما إذا قال: يا فاسق، يا شارب الخمر، يا خنزير، يا وضيع، يا حقير، مع أنّه متظاهر بالستر، أو له مكان في المجتمع، فيعزّر ولا يُحدّ.
وأُخرى: ما يستشم منه القذف، كقوله: أنت ولد حرام، أو حملت بك أُمّك في حيضها، أو يقول لزوجته: لم أجدك عذراء، ففيه أيضاً يُعزّر ولا يُحدّ; لأنّ العبارات السابقة ليست صريحة في القذف، لاحتمال الحمل في حال الحيض أو الصوم أو الإحرام، نعم لو كان في نظر العرف مساوياً لقوله: يابن الزنا، يُحدّ حدّ القذف.

1 . الوسائل:18، الباب23 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.
2 . الخلاف:5/408.
3 . شرائع الإسلام:4/164.

صفحه 214
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ كلّ تعبير يكون في نظر العرف مساوياً لرمي الرجل أو المرأة بالزنا أو اللواط، سواء أكان هو المواجه في الكلام أو غيره، فهو قذف، ويُحدّ القاذف; وأمّا إذا لم يكن كذلك فيعزّر، سواء أكان إفتراء أم لم يكن، كما إذا قال للرجل: يا أجذم أو يا أبرص، فبما أنّه فيه إيذاء وتحقير فيوجب التعزير.
تمّ الكلام في الأمر الأوّل ـ أعني:
ما هو الموجب للقذف؟ وحان البحث في تاليه.
   

الثاني:

الكلام في القاذف

يعتبر في القاذف شرطان:
1. البلوغ.      2. كمال العقل.
أمّا الأوّل: فلو قذف الصبيُّ، لم يُحدّ، لرفع القلم عنه; ففي خبر أبي مريم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن الغلام لم يحتلم، يقذف الرجل، هل يجلد؟ قال: «لا، وذلك لو أن رجلاً قذف الغلام لم يُجلد».1
وأمّا الثاني ـ أعني: كمال العقل ـ : فلو كان القاذف مجنوناً فهو أيضاً كالصبيّ قد رفع عنه القلم. نعم لو كان أدوارياً وقذف في دور الصحّة حُدّ في حال الصحّة.

1 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.

صفحه 215
وكان على المحقّق أن يعتبر شرطاً آخر، وهو كون المتكلّم قاصداً، فخرج الساهي والغافل والنائم.

اشتراط الحرية في القاذف

قال المحقّق: وهل يشترط في وجوب الحدّ الكامل الحرّية؟ قيل: نعم، وقيل: لا يشترط.
فعلى الأوّل: يثبت نصف الحدّ، وعلى الثاني: يثبت الحدّ كاملاً وهو ثمانون.1
أقول: إطلاق الآية يدعم القول الثاني، قال سبحانه:(وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)(2).
ويدعم إطلاق الآية روايات كثيرة لا تخلو من تواتر إجمالي; منها: حسنة الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا قذف العبدُ الحرّ جُلد ثمانين، وقال: هذا من حقوق الناس».2
وفي الحديث إشارة إلى أنّ كل حدّ يُعدّ من حدود الناس لا ينتصف على المملوك.
ومع ذلك ذهب الشيخ في «المبسوط»،3 والصدوق في «الهداية»(5) إلى

1 . شرائع الإسلام:4/164.   2 . النور:4.
2 . الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ القذف، الحديث4. ولاحظ الحديث 1 و 5 و 7 و 8 و 10 و 14، وغيرها.
3 . المبسوط:8/16.   5 . الهداية:76.

صفحه 216
أنّ العبد يجلد أربعين سوطاً; لقوله تعالى: (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الُْمحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ).1
يلاحظ عليه: أنّ المراد بالفاحشة الزنا، بشهادة تنكيرها فلا تعمّ، نعم روي عن القاسم بن سليمان قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن العبد إذا افترى على الحر، كم يُجلد؟ قال: «أربعين»، وقال: «إذا أتى بفاحشة فعليه نصف العذاب».2
يلاحظ عليه: أنّ الرواية معارضة بما هو أكثر منها وأجود منها سنداً، وأمّا ما دلّ على النصف فيحمل على التقية بشهادة قول القرطبي في «بداية المجتهد»، قال: واختلفوا في العبد يقذف الحر، كم حدّه؟ فقال الجمهور من فقهاء الأمصار: حدّه نصف حدّ الحر، وذلك أربعون جلدة، وروي ذلك عن الخلفاء الأربعة، وعن ابن عباس; وقالت طائفة: حدّه حدّ الحر، وبه قال ابن مسعود من الصحابة، وعمر بن عبد العزيز وجماعة من فقهاء الأمصار، وأبو ثور والأوزاعي وداود وأصحابه من أهل الظاهر، فعمدة الجمهور قياس حدّه في القذف على حدّه في الزنا.3
الكلام في المقذوف وما يشترط فيه   
وقال في «المغني»: أجمع أهل العلم على وجوب الحدّ على العبد إذا قذف الحر المحصن ; لأنّه داخل في عموم الآية، وحدّه أربعون في قول أكثر أهل العلم. روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنّه قال: أدركت أبا بكر وعمر

1 . النساء:25.
2 . الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ القذف، الحديث15.
3 . بداية المجتهد:2/433.

صفحه 217
وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلاّ أربعين.1
والعجب أنّ المحقّق قد نقل القولين ولم يرجّح أحدهما على الآخر،(2) مع وجود روايات كثيرة تدلّ على مساواة الحر والعبد، وقد أشرنا إلى مواضعها في الهامش، وبما أنّ المسألة غير مبتلى بها في هذه الأيام فالأولى الاقتصار بما ذكرنا.

الثالث:

الكلام في المقذوف

وفيه فروع:

1. في ما يشترط في المقذوف

ويشترط فيه الأُمور التالية:
1. الإحصان
وهو هنا عبارة عن: البلوغ، وكمال العقل، والحريّة، والإسلام، والعفّة. ويعبّر عن الجميع بالإحصان، وكأنّ اجتماع هذه الأُمور الخمسة يكون سبباً لمنع الآخرين في التدخل في عرضه واتّهامه بالأمرين ; وذلك لأنّ الإحصان بمعنى المنع، يقول سبحانه: (لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ)2 وقال تعالى:(فِي قُرى مُحَصَّنَة)(4).

1 . المغني:9/58.                   2 . شرائع الإسلام:4/164.
2 . الأنبياء: 80 .   4 . الحشر:14.

صفحه 218
وبهذا المعنى العام استعمل في موارد لوجود المنع فيها، كالإسلام قال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة)1 .
والحرّية، قال تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الُْمحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)2، يعني الحرائر.
والتزويج، قال تعالى: (وَالُْمحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)3، أي المزوّجات.
والعفة من الزنا، كقوله:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ)4، ومنه قوله تعالى في مورد المتعة:(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)5، أي تكون الغاية هو تحصين النفس، لا سفح الماء.
وبهذا ظهر أنّ المراد من الإحصان، هو المنع الكامل الذي يحصل بالأُمور الخمسة.
وإليك دراسة دليل كلّ واحد منها.
أمّا الأوّل والثاني ـ أعني: البلوغ والعقل ـ : فيدلّ عليه:
1. صحيح فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «لا حدّ لمن

1 . النساء:25. قال الطبرسي: مَن قرأ بضمّ الهمزة معناه فإذا زوّجن فأحصنهن أزواجهن، ومَن قرأ بالفتح فمعناه أسلمن. (مجمع البيان:2/34).
2 . النساء:25.
3 . النساء:24.
4 . النور:4.
5 . النساء:24.

صفحه 219
لا حدّ عليه، يعني لو أنّ مجنوناً قذف رجلاً لم أر عليه شيئاً، ولو قذفه رجل فقال: يا زان، لم يكن عليه حدّ».1
ومورده وإن كان هو المجنون لكن الضابطة: (لا حدّ لمن لا حدّ عليه) تعمّ الصبي أيضاً.
2. وخبر أبي مريم الأنصاري قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الغلام لم يحتلم يقذف الرجل هل يُجلد؟ قال: «لا، و ذلك لو أنّ رجلاً قذف الغلام لم يُجلد».2
وأمّا الثالث ـ أعني الحرّية ـ : فلأجل أنّ الرقيق ليس بمحصن، ولذا لا يرجم بالزنا; مضافاً إلى ورود روايات، منها: خبر عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «لو أُتيت برجل قذف عبداً مسلماً بالزنا لا نعلم منه إلاّ خيراً، لضربته الحدّ، حدّ الحر، إلاّ سوطاً».3
وأوضح منه ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «مَن افترى على مملوك عُزّر لحرمة الإسلام».4
وأمّا الرابع ـ أعني: الإسلام ـ: فلأجل خبر إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الافتراء على أهل الذمّة وأهل الكتاب، هل يجلد المسلم الحدّ في الافتراء عليهم؟ قال: «لا، ولكن يُعزّر».5

1 . الوسائل:18، الباب19 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ القذف، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ القذف، الحديث12.
5 . الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ القذف، الحديث4.

صفحه 220
وأمّا الخامس ـ أعني: العفّة ـ : فيخرج المتظاهر بالزنا واللواط فلا حرمة لهما، بل يمكن أن يقال: ولا تعزير، وإن كان الظاهر من الشرائع أنّ فيه التعزير.1
نعم لو كان متظاهراً بالفسق ولكن لم يكن متظاهراً بالزنا واللواط فقذفه فيه الحدّ. وعلى ضوء ما ذكرنا يظهر حكم ما يلي:
لو قال لمسلم: يابن الزانية، أو أُمّك زانية، وكانت أُمّه كافرة أو أمة، فبما أنّ المقذوف الواقعي هو الأُمّ الكافرة أو الأمة فلا حدّ على القاذف، خلافاً للشيخ حيث قال في «النهاية»: عليه الحدّ تاماً، لحرمة ولدها(المسلم الحر).(2)
وذهب المحقّق إلى أنّ الأشبه هو التعزير، بحكم الأدلة السابقة من شرطية كون المقذوف مسلماً وحرّاً.
وربّما يؤيد قول الشيخ بما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «النصرانية واليهودية تكون تحت المسلم فيقذف ابنها، يضرب القاذف، لأنّ المسلم قد حصّنها».2
يلاحظ عليه: بأنّ المقذوف هو ابنها وهو تابع لأشرف الأبوين وهو الأب، والأُمّ غير مقذوفة، فالرواية لا صلة لها بالمقام حتى يؤيد بها رأي الشيخ.
نعم استشكل عليه بأنّ الضرب أعمّ من الحدّ، ولكن الموجود في

1 . شرائع الإسلام:4/ 165.   2 . النهاية:725.
2 . الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ القذف، الحديث6.

صفحه 221
الكافي: «ويضرب القاذف حدّاً».1
وربما يؤيد أيضاً بما رواه أبو بكر الحضرمي، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: جُعلت فداك ما تقول في الرجل يقذف بعض جاهلية العرب؟ قال: «يضرب الحدّ، إنّ ذلك يدخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله)».2
ولكن المضمون غريب، لأنّ رمي واحد من العرب في الجاهلية لا يمسّ كرامة النبي(صلى الله عليه وآله) الذي لم تدنّسه الجاهلية بأنجاسها، كما دنّست غيره.
ومن الغريب ما حكاه الشهيد في «غاية المراد» نقلاً عن الطبري: أنّ الأمر لم يزل على ذلك ـ أي حدّ المسلم عند قذف الكافر ـ إلى أن أشار عبد الله بن عمر على عمر بن عبد العزيز بأن لا يُحدّ مسلم في كافر، فترك.3
وجه الغرابة أنّ عبد الله بن عمر توفي عام 73 هـ ، أي قبل استخلاف عمر ابن عبد العزيز بخمس وعشرين سنة، فكيف يشير إلى مَن ليس له بالحكم صلّة، حيث إنّ عمر بن عبد العزيز قد ولد عام 62 هـ ، فيكون عمره عند وفاة عبد الله بن عمر حوالي 11 سنة، وهو قد استخلف سنة 99 هـ .

2. قذف الأب ولده

لو قذف الأب ولده لم يُحدّ وعُزّر.
ولو قذف زوجته الميّتة، كذلك.

1 . الكافي: 7/209، برقم 21.
2 . الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ القذف، الحديث7.
3 . غاية المراد:345.

صفحه 222
أمّا الأوّل: فلأنّه لا تثبت على الأب عقوبة لأجل ولده، من قتل ولا حدّ، وللإمام أن يُعزّره من حيث فعله المحرّم لا لأجل حق ولده .
ويدلّ عليه أيضاً: صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل قذف ابنه بالزنا؟ قال: «لو قتله ما قتل به، وإن قذفه لم يجلد له».
وأمّا الثاني: فيدلّ عليه قوله في نفس هذه الرواية: «وإن كان قال لابنه: يا ابن الزانية وأُمّه ميتة ولم يكن لها مَن يأخذ بحقّها منه إلاّ ولدها منه بأنّه لا يقام عليه الحدّ، لأنّ حقّ الحدّ قد صار لولده منها، فإن كان لها ولد من غيره فهو وليّها، يجلد له، وإن لم يكن لها ولد من غيره وكان لها قرابة يقومون بأخذ الحدّ، جُلد لهم».1
ومنه يُعلم أنّ قول المحقق: ولا وارث إلاّ ولده، يرجع إلى كلا الفرعين (يعني لو قذف ولده أو قذف أُمّه الميّتة).
نعم لو كان لها ولد من غيره كان له الحدّ التام.

3. لو قذف الولدُ الوالد أو الأُم

لو قذف أحدٌ والده أو أُمّه فيُحدّ، عملاً بالعمومات.
***
في أحكام القذف   

1 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.

صفحه 223

الرابع:

في الأحكام

وفيه مسائل تسع:

المسألة الأُولى: لو قذف جماعة

قال المحقّق: إذا قذف جماعة واحداً بعد واحد، فلكلّ واحد حدّ; ولو قذفهم بلفظ واحد، وجاءوا به مجتمعين، فلكلّ حدّ واحد; ولو افترقوا في المطالبة، فلكل واحد حدّ .1
أقول: في المسألة فرعان:
1. إذا قذف جماعة واحداً بعد آخر.
2. إذا قذفهم بلفظ واحد.
أمّا الفرع الأوّل: فحكمه واضح، فلكلّ واحد حدّ القذف، إنّما الكلام إذا قذفهم بلفظ واحد.
قال الشيخ في «الخلاف» و «المبسوط»: إذا قذف جماعة واحداً بعد واحد، كلّ واحد منهم بكلمة مفردة، فعليه لكلّ واحد منهم حدّ القذف، سواء

1 . شرائع الإسلام: 4 / 165 ـ 166 .

صفحه 224
جاءُوا به متفرّقين أو مجتمعين، وإن قذفهم بكلمة واحدة فقال: زنيتم، أو أنتم زناة، فإن جاءُوا به متفرّقين كان لكلّ واحد منهم حدّ كامل، وإن جاءوا به مجتمعين كان عليه حدّ واحد لجماعتهم.
وبمثله قال في «النهاية»، وشيخنا المفيد في «المقنعة»، وسلاّر، وأبو الصلاح، وابن البراج، وابن إدريس وادّعى عليه الإجماع.1
ويدلّ على مختارهم روايات:
1. صحيح جميل بن دراج، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن رجل افترى على قوم جماعة؟ فقال: «إن أتوا به مجتمعين ضرب حدّاً واحداً، وإن أتوا به متفرقين ضرب لكل منهم حدّاً».2
لو قذف جماعة   
ومورد الرواية بشهادة قوله: «على قوم جماعة»، أنّه قد قذف الجميع بكلمة واحدة، لا كلّ واحد مستقلاً، ولذلك فصّل الإمام بين إتيانهم به مجتمعين وإتيانهم به متفرّقين، وأمّا لو قذف كلّ واحد مستقلاً فهو خارج عن منطوق الحديث.
2. خبر بريد، عن أبي جعفر (عليه السلام)في الرجل يقذف القوم جميعاً بكلمة واحدة، قال: «إذا لم يسمّهم فإنّما عليه حدّ واحد، وإن سمّى فعليه لكلّ رجل حدٌّ».3

1 . الخلاف: 5/404، المسألة 48; المبسوط:8/16; النهاية: 725 ; المقنعة: 796 ـ 797; المراسم:256; الكافي في الفقه : 414 ; السرائر: 3 / 519 ; مختلف الشيعة : 9 / 256.
2 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ القذف، الحديث5،

صفحه 225
ومورد السؤال ما إذا كان القذف جماعياً لا استقلالياً (انفرادياً)، لكن الإمام بيّن حكم كلا القسمين بأنّ في القذف الجماعي حدّاً واحداً، وفي الاستقلالي يتعدّد الحدّ حسب تعدّد المقذوف عليه ; لكنّ إطلاق الرواية في القذف الجماعي الدالّ على وحدة الحدّ مطلقاً، سواء أتوا به مجتمعين أو متفرّقين، يقيّد بما ورد في صحيح جميل بأنّ وحدة الحدّ إنّما هو فيما إذا أتوا به مجتمعين لا متفرّقين.
3. ما رواه الحسن العطّار قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل قذف قوماً، قال: «بكلمة واحدة؟» قلت: نعم، قال: «يضرب حدّاً واحداً، فإن فرّق بينهم في القذف ضرب لكلّ واحد منهم حدّاً».1
وهذه الرواية أيضاً نظير خبر بريد حيث إنّ السائل سأل عن القذف بكلمة واحدة، لكنّ الإمام بيّن حكم كلا النوعين بأنّ في القذف الجماعي حدّ واحد، وفي الاستقلالي متعدّد. فالفقرة الأُولى ـ أعني: يضرب حدّاً واحداً ـ ناظرة إلى القذف الجماعي، والفقرة الثانية ـ أعني قوله: فإن فرق بينهم في القذف ـ ناظرة إلى القذف الاستقلالي، لكن إطلاق الأُولى يقيّد بما مرّ في رواية جميل على غرار ما قلناه في خبر بريد.
نعم لابن الجنيد هاهنا قول آخر وهو جعل القذف بلفظ واحد موجباً لاتّحاد الحدّ، سواء جاءُوا به مجتمعين أو متفرّقين، وأمّا إن كان بألفاظ متعدّدة بتسمية كلّ واحد واحد فعند ذلك يفصّل بين المجيء به مجتمعين فيُحدّ

1 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ القذف، الحديث2.

صفحه 226
حدّاً واحداً، أو المجيء به متفرّقين فيحدّ لكلٍّ حدّاً.1
واحتجّ ابن الجنيد بصحيح جميل(الخبر الأوّل) حيث ورد فيه: سألته عن رجل افترى على قوم جماعة؟ فقال: «إن أتوا به مجتمعين ضرب حدّاً واحداً، وإن أتوا به متفرّقين ضرب لكلّ منهم حدّاً».2
وجه الاستدلال: جعل كلمة «جماعة» صفة للقذف المدلول عليه بالفعل وهو افترى، وأُريد بـ«جماعة»القذف المتعدّد، أي افترى على قوم فرية جماعة: أي متكدّسة بعضها فوق بعض ، ولا يخفى أنّه لو أُريد من الحديث قذف القوم بتسميتهم واحداً بعد الآخر لعبّر بلفظ آخر. وفي الباب أخبار أُخر غير معتبرة الاسناد، ولذا ضربنا عنها صفحاً.

هل الحكم بالتعزير مثل القذف؟

قال المحقّق: هل الحكم بالتعزير كذلك؟ قال جماعة: نعم.3
أقول: وفي «المسالك»: المشهور بين الأصحاب أنّ حكم التعزير حكم الحدّ، في التفصيل السابق.4
   
ولكن المحقّق قال: لا معنى للاختلاف هنا; لأنّ المرجع في كميّة التعزير إلى نظر الحاكم .

1 . مختلف الشيعة:9/256.
2 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.
3 . شرائع الإسلام:4/166.
4 . مسالك الأفهام:14/444.

صفحه 227

المسألة الثانية: في إرث حدّ القذف

قال المحقّق: حدّ القذف موروث يرثه مَن يرث المال من الذكور والإناث، عدا الزوج والزوجة.1
أقول: إنّما يورث حدّ القذف إذا لم يستوفه المقذوف ولا عفا عنه، وإلاّ فلا موضوع للإرث.
قال الشيخ: حدّ القذف موروث يرثه كلّ مَن يرث المال من ذوي الأنساب دون ذوي الأسباب عند الاجتماع والانفراد.
وقال أبو حنيفة: حدّ القذف لا يورث. وقال الشافعي: هو موروث لكن من يرثه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: مثل ما قلناه.
والثاني: يرثه العصبات من الرجال فقط.
والثالث: وهو المذهب، أنّه يرثه كلّ من يرث المال من النساء والرجال من ذوي الأنساب والأسباب، يعني الزوجة.2
ويدلّ على إرث حدّ القذف صحيح محمد بن مسلم المذكور في حديث: «وإن كان قال لابنه يابن الزانية، وأُمّه ميتة ولم يكن لها من يأخذ بحقها منه الاّ ولدها منه، فإنّه لا يقام عليه الحدّ، لأنّ حق الحدّ قد صار لولده منها ; فإن كان لها ولد من غيره فهو وليها يجلد له، وإن لم يكن لها ولد من

1 . شرائع الإسلام:4/166.
2 . الخلاف:5/406ـ407، المسألة 51.

صفحه 228
غيره وكان لها قرابة يقومون بأخذ الحدّ جلد لهم».1
نعم ورد في خبر السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «الحدّ لا يورث».2
لكنّه محمول على عدم كونه موروثاً حسب إرث المال، ففي موثّق عمّار الساباطي عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سمعته يقول:«إنّ الحدّ لا يورث كما تورث الدية والمال والعقار، ولكن مَن قام به من الورثة فطلبه فهو وليّه، ومن لم يطلبه فلا حقّ له; وذلك مثل رجل قذف رجلاً وللمقذوف أخ، فإن عفا عنه أحدهما، كان للآخر أن يطلبه بحقّه، لأنّها أُمّهما جميعاً والعفو إليهما جميعاً».3
ويظهر من غير واحد من الفقهاء أنّ حرمان الزوج والزوجة من حدّ القذف للإجماع، قال ابن إدريس: أمّا ذوي الأسباب فلا يرثون منه شيئاً، والمراد بذوي الأسباب هاهنا الزوج والزوجة دون مَن عداهما من ذوي الأسباب، لإجماع أصحابنا على ذلك.4
ويقول المحقّق الأردبيلي: وكأنّه للإجماع، والظاهر أنّ غيرها في الأسباب كذلك، وأمّا غيرهما من الأسباب فيرثون الحدّ ـ ذكراً كان أو أُنثى ـ بمعنى أنّ لكلّ واحد المطالبة بذلك بدون إذن الآخر وشركته.5

1 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب23 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
3 . الوسائل:18، الباب 23 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1; ولاحظ الباب22 من أبواب حدّ القذف، الحديث2.
4 . السرائر:3/521.
5 . مجمع الفائدة والبرهان:13/166.

صفحه 229

المسألة الثالثة: في قذف الابن أو البنت

قال المحقّق: لو قال: ابنك زان أو لائط، أو بنتك زانية، فالحدّ لهما لا للمواجه. فإن سبقا بالاستيفاء أو العفو فلا بحث، وإن سبق الأب، قال في «النهاية»: له المطالبة والعفو، وفيه إشكال ; لأنّ المستحق موجود، وله ولاية المطالبة، فلا يتسلّط الأب كما في غيره من الحقوق.1
أقول: لو قال: ابنك زان أو لائط، أو بنتك زانية، فالمقذوف هو الابن أو البنت، لا الأب، لأنّه المواجه والمخاطب، لا المقذوف; ولذلك لو سبق الابنُ أو البنتُ بأحد الأمرين: الاستيفاء أو العفو، فلا بحث ولا موضوع للكلام; وإن لم يسبقا، فهل للأب المطالبة حتى يُحدّ القاذف، أو العفو حتى يترك؟ فالتحقيق : لا ; وذلك لأنّ المستحق بعدُ موجود، فلم يطلب بعدُ ولم يُسقط فيكون الحق ثابتاً، وأمّا الأب، فليس بمقذوف حتى يطالب أو يعفو. خلافاً للمفيد حيث قال: فإن قذف ابنتَه، كان الحق له (الأب)، سواء كانت البنتُ حيّة أو ميتة، إلاّ أن تسبقه بالعفو عنه وهي مالكة لأمرها بالبلوغ وكمال العقل، فلا يكون له عليه حق في حدّه(2).
ويظهر من الشيخ أنّ المقذوف هو الأب، حيث قال: كان عليه الحدّ، وللمقذوف المطالبة بإقامة الحدّ عليه، سواء كان ابنه أو بنته حيين أو ميتين، وكان إليه العفو إلاّ أن يسبقه الابن أو البنت إلى العفو، فإن سبقا إلى ذلك، كان عفوهما جائزاً.(3)

1 . شرائع الإسلام: 4 / 166 .   2 . المقنعة:794   3 . النهاية:724.

صفحه 230
وليس كلامهما في الصغيرين ; لأنّ كلامهما صريح في أنّ المقذوفين بالغان كاملان، مضافاً إلى ما مرّ من أنّه لا حدّ في قذف الصغير كما مرّ، ولأجل كون الموضوع هو البالغ، علّق ابن إدريس على كلام المفيد بقوله: الذي يقتضيه المذهب أنّهما إن كانا حيين غير مولّى عليهما، فالحق لهما وهما المطالبان به، ولا يجوز لأحد العفو عنه دونهما، ولهما العفو عنه ; لأنّ حدّ القذف حق من حقوق الآدميين يستحقه صاحبه المقذوف به دون غيره.1
ونقل العلاّمة في «المختلف» بأنّ الشيخ احتجّ بأنّ العار هنا لاحِق للأب فكان له المطالبة بالحدّ. وأجاب بالمنع عن الملازمة.2
وحاصل الجواب: أنّه لا شكّ أنّ كلامه إهانة بالنسبة إلى الأب، ولكن لا ملازمة بين الإهانة والمطالبة بالحدّ.

المسألة الرابعة: إذا ورث الحدّ جماعة

لو ورث الحدّ جماعة   
قال المحقّق: إذا ورث الحدّ جماعة، لم يسقط بعضه بعفو البعض فللباقين المطالبة بالحدّ تامّاً ولو بقي واحد. أمّا لو عفا الجماعة، أو كان المستحق واحداً فعفا، فقد سقط الحدّ. ولمستحق الحدّ أن يعفو قبل ثبوت حقّه وبعده. وليس للحاكم الاعتراض عليه، ولا يُقام إلاّ بعد مطالبة المستحق .3
أقول: هنا فرعان:

1 . السرائر:3/519.
2 . مختلف الشيعة:9/253.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 166 .

صفحه 231
1. لا يسقط الحدّ بعفو البعض، فللباقين المطالبة بالحدّ تامّاً حتى ولو بقي واحد ; لما في موثقة عمّار ففيها: «فإن عفا عنه أحدهما كان للآخر أن يطلبه بحقّه، لأنّها أُمّهما جميعاً والعفو إليهما جميعاً».1 وقد مرّ أنّ إرث الحدّ ليس على حدّ ميراث غيره وإنّما هو مجرّد ولاية، فلا يسقط جميعه ولا بعضه بعفو بعض الورثة، وربّما يسقط بعفو الجميع.2
وعلى ضوء ما ذكرنا فلو عفا الجماعة، أو كان المستحق واحداً فعفا فقد سقط الحق.
2. إنّ لمستحق الحدّ العفو قبل ثبوت حقّه; وذلك لأنّه المستحق حسب اعتقاده، فله إسقاط حقّه.
إنّما الكلام في جواز العفو بعد ثبوته عند الحاكم، فقد منعه الشيخ في مورد واحد وقال: إنّ المقذوفة لو رافعته إلى الحاكم لم يكن لها بعد ذلك العفو ; لصحيحة محمد بن مسلم قال: سألته(عليه السلام) عن الرجل يقذف امرأته؟ قال: «يُجلد»، قلت: أرأيت إن عفت عنه؟ قال: «لا، ولا كرامة».3 أي ليس لها العفو ولا كرامة له في عفوها عنه ; لأنّه لا يقبل منها.
ولو عملنا بالحديث فلازم إطلاق عدم صحّة عفو الزوجة (لا مطلق المقذوفة) إذا قذفها الزوج، سواء أكان بعد الرفع إلى الحاكم أو قبله، ولكن الشيخ حمله على العفو بعد الرفع إلى الحاكم، جمعاً بينها وبين ما ذكرنا من

1 . الوسائل: 18، الباب23 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
2 . مسالك الأفهام:14/447.
3 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب حدّ القذف، الحديث4.

صفحه 232
جواز العفو من أنّه المستحق دون غيره فله إسقاطه، لكن أفتى الصدوق بمضمون الرواية وقال بعدم جواز العفو للزوجة مطلقاً قبل الثبوت وبعده.
وربما يُقال بأنّ الرواية موقوفة 1، فلا تصلح مستنداً للقولين (منع عفو الزوجة بعد الثبوت، ومنع عفو الزوجة مطلقاً)، ولكنّه كما ترى بأنّ المضمِر هو محمد بن مسلم، وشأنه وولاؤه يمنعان من الرجوع إلى الغير،...
نعم الرواية معرض عنها لم يعمل بها غير الشيخ والصدوق مع اختلافهما في المختار، وربّما تؤيد الرواية بما يلي:
1. موثّقة سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «من أخذ سارقاً فعفا عنه فذلك له، فإذا رفع إلى الإمام قطعه، فإن قال الذي سرق له: أنا أهبه له، لم يدعه إلى الإمام حتى يقطعه إذا رفعه إليه، وإنّما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام، وذلك قول الله عزّوجل:(وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ)2، فإذا انتهى الحدّ إلى الإمام فليس لأحد أن يتركه».3
ولا يخلو السند من ضعف. وعلى كلّ تقدير فجواز العفو قبل الوصول إلى الحاكم هو الموافق للقواعد.
لو تكرّر الحدّ   

1 . مسالك الأفهام:14/448.
2 . التوبة:112.
3 . الوسائل:18، الباب 17 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 3 ; ولاحظ : الباب21 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.

صفحه 233

المسألة الخامسة: إذا تكرّر الحدّ

قال المحقّق: إذا تكرّر الحدّ بتكرر القذف مرتين، قُتل في الثالثة، وقيل: في الرابعة، وهو أولى. ولو قذف فحدّ، فقال: الّذي قلت كان صحيحاً، وجب بالثاني التعزير، لأنّه ليس بصريح. والقذف المتكرّر يوجب حدّاً واحداً لا أكثر .1
أقول: في المسألة فروع ثلاثة:
1. إذا تكرّر الحدّ بتكرّر القذف مرتين قُتل إمّا في الثالثة و إمّا في الرابعة. وقد تقدّم نظير ذلك في الزنا واللواط والسحق، ومرّ أنّ أصحاب الكبائر إذا أُقيم عليهم الحدّ قتلوا في الثالثة أو الرابعة، والمحقّق في عامّة المواضع يرجّح الرابعة .
2. لو قذف وحُدّ، ثم قال بعد الحدّ: الذي قلته كان صحيحاً. فهل يحسب قوله هذا قذفاً جديداً، أو لا؟
قال المحقق: إنّه لا يُحسب لأنّه ليس بصريح. ويدلّ عليه صحيح محمد ابن مسلم عن الباقر(عليه السلام) في الرجل يقذف الرجل فيجلد فيعود عليه بالقذف، فقال: «إن قال له: إنّ الذي قلت لك حقّ، لم يجلد، وإن قذفه بالزنا بعد ما جلد فعليه الحدّ، وإن قذفه قبل ما يجلد بعشر قذفات لم يكن عليه إلاّ حدٌّ واحد».2
3. القذف المتكرّر يوجب حدّاً واحداً لا أكثر، للصحيح السابق، أعني:

1 . شرائع الإسلام: 4 / 166 .
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.

صفحه 234
«وإن قذفه قبل ما يجلد بعشر قذفات لم يكن عليه إلاّ حدٌّ واحد».
ويستثنى من القاعدة ما يلي:
1. لو تكرّر القذف لكن بتعدّد المقذوف، فلا شكّ أنّه يتعدّد الحدّ.
2. إذا اتّحد المقذوف ولكن تعدّد المقذوف به، كما لو قذفه بالزنا مرّة وباللواط أُخرى، فلكلّ قذف حدّ وإن لم يتخلّل الحدّ، ولا دليل على التداخل، اللهم إلاّ أن يقال: إذا اتّحد المقذوف واختلف المقذوف به يكون مرجع الجميع إلى القذف، فيدخل تحت الضابطة.

المسألة السادسة: لا يسقط الحدّ عن القاذف إلاّ بسبب

قال المحقّق: لا يسقط الحدّ عن القاذف إلاّ بالبيّنة المصدّقة، أو تصديق مستحق الحدّ أو العفو. ولو قذف زوجته، سقط الحدّ بذلك وباللعان .1
أقول: إذا تحقّق القذف لم يسقط الحدّ، إلاّ إذا كان بسبب وهو أحد الأُمور التالية:
1. البيّنة المصدّقة للقاذف في صحّة ما قذفه به.
2. تصديق المقذوف على ذلك.
3. عفو المقذوف.
   
وهذه الأُمور الثلاثة يشترك فيها جميع أفراد المقذوفين، إلاّ أنّ في الزوجة أمراً رابعاً وهو إن قذفها الزوج فلها حقّ اللعان، فإذا تلاعنا يسقط حدّ القذف، كما تقرّر في محلّه.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 166 .

صفحه 235
إنّما الكلام في تعزير القاذف، فهل يُعزّر بعد سقوط الحدّ أو لا؟ وجهان; من أنّ الثابت عليه الحدّ وقد سقط ولا دليل على ثبوت التعزير، ومن أنّ ثبوت المقذوف به بالإقرار والبيّنة لا يجوّز القذف، وإن جوّز إظهاره عند الحاكم فقط لإقامة الحدّ عليه. والتعزير ثابت في كلّ كبيرة.1

المسألة السابعة: في مقدار حدّ القذف

قال المحقّق: الحدّ ثمانون جلدة، حرّاً كان أو عبداً، ويجلد بثيابه ولا يجرّد; ويقتصر على الضرب المتوسط، ولا يبلغ به الضرب في الزنا، ويُشهّر القاذف لتجتنب شهادته. ويثبت القذف بشهادة عدلين، أو الإقرار مرتين. ويشترط في المقرّ: التكليف والحرية والاختيار.(2)
أقول: في المسألة فروع:
1. الحدّ ثمانون جلدة، حرّاً كان أو عبداً ، ذكراً كان أو أُنثى.
ويدلّ عليه قوله سبحانه:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).(3)
2. يجلد بثيابه ولا يُجرّد، ويقتصر على الضرب المتوسط، ولا يبلغ به الضرب في الزنا، ويُشهّر القاذف لتجتنب شهادته.
ويدلّ عليه موثّقة إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن(عليه السلام): «المفتري يضرب بين الضربين، يضرب جسده كلّه فوق ثيابه».2

1 . كشف اللثام: 10/541.   2 . شرائع الإسلام :4 / 166 ـ 167 .   3 . النور:4.
2 . الوسائل:18، الباب15 من أبواب حدّ القذف، الحديث3.

صفحه 236
وفي رواية أُخرى عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن لا ينزع شيء من ثياب القاذف إلاّ الرداء».1
وروى مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): الزاني أشدّ ضرباً من شارب الخمر، وشارب الخمر أشد ضرباً من القاذف، والقاذف أشد ضرباً من التعزير».2
وأمّا التشهير فليس له دليل خاص إلاّ أنّه من مصاديق شاهد الزور.
3. يثبت القذف بأمرين: بالشهادة، والإقرار مرتين. أمّا الأوّل فلإطلاق أدلّة حجّية البيّنة، وأمّا الثاني فلعموم إقرار العقلاء، لكن يجب أن يكون مرتين لتنزيل كلّ إقرار منزلة الشهادة على العمل، بشرط أن يكون المقرّ مكلّفاً حرّاً مختاراً.

المسألة الثامنة: حكم المتقاذفين

قال المحقّق: إذا تقاذف اثنان ]محصنان [ سقط الحدّ وعُزّرا.3
أقول: ويدلّ عليه صحيحان:
1. صحيح ابن سنان، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجلين افترى كلّ واحد منهما على صاحبه؟ فقال: «يدرأ عنهما الحدّ ويعزّران».4

1 . الوسائل:18، الباب15 من أبواب حدّ القذف، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب15 من أبواب حدّ القذف، الحديث5، ولاحظ سائر روايات الباب .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 167 .
4 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.

صفحه 237
2. صحيح أبي ولاّد الحّناط، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «أُتي أمير المؤمنين(عليه السلام) برجلين قذف كلّ واحد منهما صاحبه بالزنا في بدنه، قال: فدرأ عنهما الحدّ وعزّرهما».1

المسألة التاسعة: في تعزير الكفّار عند التنابز بالألقاب

قال المحقّق: قيل: لا يعزّر الكفّار مع التنابز بالألقاب والتعيير بالأمراض، إلاّ أن يُخشى حدوث فتنة، فيحسمها الإمام بما يراه.2
أقول: إذا تنابز الكفّار بالألقاب، أو عيّر بعضهم بعضاً بالأمراض لم يؤدّب أحدٌ منهم على ذلك، إلاّ أن يُثمر فساداً في البلاد، فيدبّر أمرهم حينئذ بما يمنع من الفساد.(3)
ولعلّ وجهه ـ كما في المسالك ـ تكافؤ السب والهجاء من الجانبين كما يسقط الحدّ عن المسلمين بالتقاذف.3
نعم إذا خُشي حدوث الفتنة فيحسمها الإمام بما يراه، ولم ينسبه المحقّق إلى أحد وقال: قيل: لا يُعزّر الكفّار مع التنابز بالألقاب والتعيير بالأمراض، إلاّ أن يُخشى حدوث فتنة. ولعلّ الساقط هو الحدّ للتكافؤ، وأمّا التعزير فغير ساقط لا في حقّ الكافر ولا في حقّ المؤمن.
تمّ الكلام في المسائل التسع.
***

1 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حدّ القذف، الحديث2.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 167 .   3 . المقنعة:798.
3 . مسالك الأفهام: 14 / 451 .

صفحه 238
في حكم سبّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)   

الخامس:

في اللواحق

وفيها مسائل:

الأُولى: في حكم سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

قال المحقّق: مَن سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جاز لسامعه قتله، ما لم يخف الضرر على نفسه أو ماله، أو غيره من أهل الإيمان .1
أقول: اتّفق الفقهاء على أنّ سابّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقتل، والظاهر أنّ هذا من خصائص النبي، ولا فرق بين كون السابّ مسلماً أو كافراً، وبذلك يعلم أمران:
1. تعليل الحكم بالارتداد وأنّ الساب يخرج عن الإسلام في غير محلّه; لأنّ معنى ذلك اختصاص الحكم بالمسلم إذا سبّ، ولا يعمّ الكافر، مع أنّ دليل الحكم مطلق.
2. أنّ عطف سبّ بنت النبي والأئمة وسائر الأنبياء (عليهم السلام)، على سبّ النبي إنّما يصحّ إذا رجع سبّهم إلى سبّ النبي، وإلاّ، فلا يدخل في الموضوع.نعم

1 . شرائع الإسلام: 4 / 167 .

صفحه 239
يجوز قتلهم، بعنوان آخر، وهو كونهم نُصّاباً أو مرتدّين.
إذا عرفت ذلك، فلندرس الموضوع حسب الأقوال والأدلّة.
قال الشيخ: ومَن سبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو واحداً من الأئمّة(عليهم السلام) صار دمه هدراً، وحلّ لمن سمع ذلك منه قتله، ما لم يخف في قتله على نفسه أو غيره، فإن خاف على نفسه أو على بعض المؤمنين ضرراً في الحال أو المستقبل، فلا يتعرض له على حال.1
وقال ابن قدامة: وقذف النبي(صلى الله عليه وآله) وقذف أُمّه ردّة عن الإسلام وخروج عن الملّة، وكذلك سبّه بغير القذف.(2)
ولا يخفى وجود الخلط في كلامه فإنّ سبّ النبي بما هوهو موضوع للحكم من دون نظر إلى رجوعه إلى الارتداد، وقد تنبّه بما ذكرنا صاحب الجواهر فقال: فقد يشكل جريان المرتدّ على قذف النبي(صلى الله عليه وآله)الذي يرجع إلى سبّه الذي قد عرفت أنّ حكمه القتل على كلّ حال، نعم ما لا يرجع منه إلى السبّ يتّجه فيه ذلك.2
وعلى كلّ تقدير فالمسألة مورد اتّفاق، ويدل عليها :
1. النبويّ الآتي في ذيل حديث علي بن جعفر.
2. صحيح الحسن بن علي الوشاء، قال: سمعت أبا الحسن(عليه السلام)يقول: «شتم رجل على عهد جعفر بن محمد(عليهما السلام) رسول الله(صلى الله عليه وآله)فأُتي به عامل

1 . النهاية:703.   2 . المغني:9/72.
2 . جواهر الكلام:41/438.

صفحه 240
المدينة، فجمع الناس فدخل عليه أبو عبد الله(عليه السلام) ـ و هو قريب العهد بالعلّة وعليه رداء له مورّد ـ فأجلسه في صدر المجلس، واستأذنه في الاتّكاء، وقال لهم: ما ترون؟ فقال له عبد الله بن الحسن، والحسن بن زيد، وغيرهما: نرى أن تقطع لسانه، فالتفت العامل إلى ربيعة الرأي وأصحابه، فقال: ما ترون؟ قال: يؤدّب، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «سبحان الله فليس بين رسول الله(صلى الله عليه وآله)وبين أصحابه فرق».1
3. وتقرأ تفصيل الواقعة في رواية علي بن جعفر، قال: أخبرني أخي موسى (عليهما السلام) قال: «كنت واقفاً على رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيد الله الحارثي ـ عامل المدينة ـ فقال: يقول لك الأمير: انهض إلىّ، فاعتلَّ بعلّة، فعاد إليه الرسول فقال: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوك، قال: فنهض أبي واعتمد عليَّ ودخل على الوالي، وقد جمع فقهاء أهل المدينة كلّهم وبين يديه كتاب فيه شهادة على رجل من أهل وادي القرى قد ذكر النبي(صلى الله عليه وآله) فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد الله انظر في الكتاب، قال: حتّى أنظر ما قالوا، فالتفت إليهم، فقال: ما قلتم؟ قالوا: قلنا: يؤدَّب ويضرب ويعزَّر ] يعذَّب [ ويحبس، قال: فقال لهم: أرأيتم لو ذكر رجلاً من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) ما كان الحكم فيه؟ قالوا: مثل هذا، قال: «فليس بين النبي(صلى الله عليه وآله)وبين رجل من أصحابه فرق»؟! فقال الوالي: دع هؤلاء يا أبا عبد الله لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك.
فقال أبو عبد الله(عليه السلام): أخبرني أبي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: الناس فيَّ أُسوة

1 . الوسائل:18، الباب25 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.

صفحه 241
سواء، مَن سمع أحداً يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال منّي، فقال زياد بن عبيد الله: اخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد الله(عليه السلام)».1
كلّ ذلك ما لم يخف الضرر على نفسه أو ماله أو غيره من أهل الإيمان. ويدلّ على القيد صحيح محمد بن مسلم في حديث، قال: فقلت لأبي جعفر(عليه السلام): أرأيت لو أنّ رجلاً الآن سبّ النبي(صلى الله عليه وآله) أيقتل؟ قال: «ما لم تخف على نفسك فاقتله».2 ومفاد الحديث عدم الجواز عند الخوف ; لأنّ صيانة النفس واجبة، و تعريضها للهلاك حرام. نعم هو يخصّ الحكم بالخوف على النفس لكنّ المحقّق وغيرُه لم يفرقوا بين النفس والمال وغيرهما.
وربّما أُلحق بسبّ النبي الخاتم سبّ أحد الأنبياء ; لأنّ كمالهم وتعظيمهم عُلم من دين الإسلام ضرورة، فسبّهم ارتداد.3
وفي «رياض المسائل» أمر بالتأمّل;4 ولعلّ وجهه أنّ الموضوع عندئذ يدخل في الارتداد، ويكون محكوماً بحكمه، لا في موضوع السبّ الذي يقتل على أي حال، وقد مرّ التنبيه عليه فلاحظ.
وأَلحق العلاّمة في التحرير بالنبي أُمّه وبنته من غير تخصيص بفاطمة(عليها السلام).5

1 . الوسائل:18، الباب25 من أبواب حدّ القذف، الحديث2.
2 . الوسائل:18، الباب25 من أبواب حدّ القذف، ذيل الحديث3.
3 . مسالك الأفهام: 14/453 .
4 . رياض المسائل: 13/532.
5 . تحرير الأحكام: 5/410، ذكره تحت عنوان قذف النبي وعلّله بالارتداد; ولكنّه في مورد آخر عطف على سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، سبّ أحد الأئمة (عليهم السلام)، لاحظ : ج 5/396.

صفحه 242
ولا يخفى أنّ الدليل ورد في سبّ النبي، ولا يلحق به غيره إلاّ أن يرجع سبُّه إلى سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعندئذ يقتل لأجل كون سبّهما سبّ النبي والنيل منه.
ولنذكر ما أفتى به الإمام الخميني في حق «سلمان رشدي» المرتد حيث رمى في كتابه «الآيات الشيطانية» أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأُمور منكرة، فأفتى بارتداده ووجوب قتله ولو انجرّ إلى قتل القاتل إذ يحسب شهيداً في سبيل الله، إذ في بقاء المرتد وكتابه خطر على أساس الدين وكيانه.

في مَن سبّ أحد الأئمة (عليهم السلام)

يقول المحقّق: وكذا مَن سبّ أحد الأئمة (عليهم السلام).1
أقول: ويكفي في ذلك أنّ الساب ناصبي ودمه حلال. ويدلّ عليه ما رواه داود بن فرقد عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له : ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: «حلال الدم، ولكن اتّقي عليك».2
   
وروى عبد الله بن سليمان العامري قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أي شيء تقول في رجل سمعته يشتم علياً(عليه السلام) ويبرأ منه؟ قال: فقال لي:«والله هو حلال الدم، وما ألف منهم برجل منكم، دعه».3 ولا يخفى أنّ الناصبي غير محقون الدم، سواء أشتم أم لا يشتم.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 167 .
2 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب حدّ القذف، الحديث5.
3 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب حدّ القذف، الحديث2 ; ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 243

المسألة الثانية: في مدّعي النبوة

قال المحقّق: مَن ادّعى النبوة، وجب قتله، وكذا من قال: لا أدري محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله) صادق أو لا، وكان على ظاهر الإسلام.1
أقول: أمّا قتل مَن ادّعى النبوة، فلمجاهرته بالكفر والارتداد، وإبقاؤه حيّاً يوجب الفساد وانخداع الناس بدعواه; مضافاً إلى موثّقة ابن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ بزيعاً يزعم أنّه نبي؟ فقال: «إن سمعته يقول ذلك فاقتله». 2
قال: وأمّا الشاك في نبوة محمد(صلى الله عليه وآله) أو في صدقه كما إذا قال: لا أدري أنّ محمّداً صادق أو لا، فيقتل إذا وقع من المسلم لارتداده.
يلاحظ عليه: بأنّ الكلام في القتل مطلقاً، لا القتل باعتبار الارتداد. إذ هو خارج عن موضوع البحث.
وعلى كلّ تقدير فلو وقع ذلك من الكافر فلا يقتل، ولذلك قيّده المحقّق بقوله: وكان على ظاهر الإسلام.
وبذلك يُعلم حكم مَن ادّعى الإمامة وكان على ظاهر التشيّع ليكون بذلك منكراً لضروري الدين بعد أن كان عنده من الدين وضرورياته، ولكنّه لا يخلو عن إشكال ; لأنّ إنكار الضروري بما هوهو لا يبرر القتل إلاّ إذا رجع إلى إنكار الأُصول الثلاثة، وهو بعد غير ملازم له. نعم يؤخذ ويُعزّر، إلاّ إذا كان

1 . شرائع الإسلام:4/167.
2 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ المرتد، الحديث2.

صفحه 244
في بقائه فسادٌ عظيمٌ، يفسد عقيدة الناس فيدخل في عنوان المفسد.

المسألة الثالثة: في حدّ الساحر

قال المحقّق: من عمل بالسحر يقتل إن كان مسلماً، ويؤدّب إن كان كافراً.1
أقول: وعلّله في «كشف اللثام»2 بالارتداد ولم يُعلم وجهه، والأولى تعليله بما ورد في النصوص:
1. روى الكليني بسند صحيح عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ساحر المسلمين يُقتل، وساحر الكفّار لا يقتل، فقيل: يا رسول الله: ولم لا يقتل ساحر الكفّار؟ قال: لأنّ الكفر أعظم من السحر، ولأنّ السحر والشرك مقرونان».3
2. خبر زيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام) قال: «سُئل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن الساحر؟ فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا بذلك فقد حلّ دمه».4
والقدر المتيقّن من الحديث هو مَن اتّخذ السحر صنعة وعملاً، لا من تعلمه ولم يعمل به، أو وقع منه نادراً; كما أنّ المتيقن منه أيضاً هو استعمال السحر لغايات دنيوية، وأمّا إذا كانت الغاية إبطاله فلا إشكال فيه، كما إذا ادّعى رجل النبوة بسحره أعين الناس، وقام الآخر بإعماله لغاية الإبطال.

1 . شرائع الإسلام:4/167.
2 . كشف اللثام:10/546.
3 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب بقية الحدود، الحديث1.
4 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب بقية الحدود، الحديث1.

صفحه 245
وإطلاق الحديث يقتضي عدم الفرق بين المستحلّ وغيره.
وأمّا ثبوته فبالبيّنة والإقرار ولو مرّة واحدة، والأحوط هو الإقرار ثانياً.

المسألة الرابعة: في مقدار تعزير الصبيّ والمملوك

قال المحقّق: يُكره أن يُزاد في تأديب الصبيّ على عشرة أسواط، وكذا المملوك.1
أقول: ذكر المحقّق كراهة الزيادة على عشرة أسواط في تأديب الصبيّ، ولكن نحن لم نعثر على رواية بهذا المضمون. وبما أنّ تأديب الصبيّ من باب التعزير فالمرجع إلى نظر الحاكم، ولذلك اختلفت الروايات في تأديب الصبيّ اختلافاً كبيراً، والجمع بين الروايات هو أنّ اختلافها لأجل اختلاف الظروف وطبيعة الأطفال ونوع الأسواط.
ففي خبر حمّاد بن عثمان: «خمسة أو ستة، وأرفق»2
وفي خبر السكوني: «ثلاث ضربات في الأدب».3
وفي خبر زرارة بن أعين: «ثلاثة، أربعة، خمسة».4
وفي رواية إسحاق بن عمّار: «واحد إلى خمس».5

1 . شرائع الإسلام:4/167.
2 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب بقية الحدود، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب بقية الحدود، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب بقية الحدود، الحديث3.
5 . الوسائل:18، الباب30 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.

صفحه 246
نعم في مرسلة الفقيه: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):«لا يحل لوال يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجلد أكثر من عشرة أسواط إلاّ في حدّ، وأذن في المملوك من ثلاثة إلى خمسة».1
ولكن هذه الرواية معارضة بما دلّ على أنّ التعزير دون الحدّ، فيجوز فوق العشرة.
وعلى كلّ تقدير فيمكن العمل بهذه الروايات حسب نظر الحاكم.

المسألة الخامسة: ما تثبت به حقوق الله تعالى

قال المحقّق: كلّ ما فيه التعزير من حقوق الله سبحانه وتعالى يثبت بشاهدين، أو الإقرار مرّتين على قول.2
أقول: أمّا الأوّل فلإطلاق دليل حجّية البيّنة، وأمّا ثبوته بالإقرار فلإطلاق قوله: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز». وقد تكرّرت هذه المسألة أكثر من مرّة.

المسألة السادسة: في حدّ التعزير

قال المحقّق: كلّ مَن فعل محرّماً، أو ترك واجباً فللإمام (عليه السلام) تعزيره بما لا يبلغ الحدّ، وتقديره إلى الإمام ولا يبلغ به حدّ الحرّ في الحرّ، ولا حدّ العبد في العبد.(3)
أقول: اشتهر في كلامهم أنّ للإمام(عليه السلام) تعزير العاصي بما لا يبلغ
الحدّ، وقد فُسّر بوجوه:

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب بقية الحدود، الحديث2.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 167 .   3 . شرائع الإسلام:4/168.

صفحه 247
1. لايجوز تعزير الحر بأعلى درجة الحدّ فيه كالمائة، ولا تعزير العبد بأعلى درجة الحدّ فيه وهو أربعون، في غير ما يشارك فيه الحرّ والعبد، كما في القذف حيث يحدّان ثمانين بلا فرق بينهما .
وعلى هذا تكون النتيجة: أنّ للإمام إذا أراد تعزير الحرّ أن يعزّره بما دون المائة ولو بلغ تسعة وتسعين، ولو أراد تعزير العبد فله أن يعزّره ما دون الأربعين، ولو تسعة وثلاثين.
2. يجب ألاّ يبلغ أقل الحدّ، ففي الحرّ خمسة وسبعون وهي ديّة القيادة، وفي العبد نصفها.
3. في ما ناسب الزنا يجب أن لا يبلغ حدّه، وفي ما ناسب القذف والشرب يجب أن لا يبلغ حدّهما، وإليه أشار الشهيد الثاني فقال: والأجود أنّ المراد به الحدّ لصنف تلك المعصية بحسب حال فاعلها، فإن كان الموجب كلاماً دون القذف لم يبلغ تعزيره حدّ القذف، وإن كان فعلاً دون الزنا لم يبلغ حدّ الزنا.1
وقد سبقه الشيخ في «المبسوط» حيث قال: من أنّ تعزير كلّ صنف من موجبات الحدّ، أقلّ من حدّ ذلك الصنف لورود النص بأنّه لا يبلغ بالتعزير الحدّ.(2)
ولعلّ الشيخ أشار إلى رواية علي بن مهزيار، عن محمد بن يحيى، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: كم التعزير؟ فقال: «دون الحدّ»، قال: قلت: دون ثمانين؟ قال: «لا، ولكن دون أربعين فإنّها حدّ

1 . مسالك الأفهام:14/457.   2 . المبسوط:8/69ـ70.

صفحه 248
المملوك»، قلت: وكم ذاك؟ قال: «على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوّة بدنه».1
وإلى ذلك أشار العلاّمة في «المختلف» وقال: الوجه ما قاله الشيخ(رحمه الله) من أنّ تعزير كلّ صنف من موجبات الحدّ أقل من حدّ ذلك الصنف.2
بقي هنا أمران:
1. لو ارتكب معصية كبيرة لم يقرر لها حدّ في الشريعة، وليس لصنفها حدّ حتى يكون له الميزان في عدم التجاوز، كالاحتكار في عام المجاعة، أو التطفيف، فما هو المرجع في تحديد التعزير؟
الظاهر أنّ المرجع ما ورد في ذيل الرواية، أعني: «على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه»، ومع ذلك فالأحوط أن لا يتجاوز أقصى الحدود في المعاصي، أعني: مائة سوط.
2. هل ينحصر التعزير، بالضرب بالسوط، أو يعمّ كلّ ما يراه الحاكم مناسباً لتأديب العاصي; كحبسه، أو غلق مكسبه ومنعه عن البيع والشراء مدّة مديدة، أو الحكم عليه بدفع ضريبة باهظة، أو غير ذلك من الأُمور الرائجة في العصور الحاضرة؟
الظاهر، جوازه حسب ما يراه الحاكم من المصالح لتنظيم الأُمور، والله العالم.
***
تمّ الكلام في حدّ القذف وأحكامه ولواحقه

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب بقية الحدود، الحديث3.
2 . مختلف الشيعة:9/269.

صفحه 249

الباب الرابع:

في حدّ المسكر والفقّاع

وفيه مباحث أربعة:
الأوّل: في الموجب.
الثاني: في كيفية الحدّ.
الثالث: في أحكامه.
الرابع: إكمال يشتمل على مسائل.
وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر.
   

صفحه 250

صفحه 251
 
المبحث الأوّل:

في الموجب

إنّ الله سبحانه حرّم الخمر في الكتاب العزيز تحريماً تدريجياً لا دفعياً; وذلك لأنّ عرب الجاهلية كانت مولعة بالخمر، فالنهي الدفعي عن شربها لو حصل لأثار حفيظتهم، وأبعدهم عن استماع خطاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)منذ الوهلة الأُولى، ولذلك تدرّج في التنديد والتنبيه في شربها على مراحل أربع.
ففي المرحلة الأُولى جعل السكر ضدّاً للرزق الحسن، فقال: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَ الأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَ رِزْقًا حَسَنًا)1، ففي استخدام لفظة السكر مقابل الرزق الحسن، إشارة إلى أنّه ليس رزقاً حسناً، بل هو سيّء.
وفي المرحلة الثانية نزل الوحي بلحن آكد وأشدّ من الأوّل وقال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)(2)، فالآية تعترف بأنّ في الخمر والميسر منافع للناس من حيث البيع والشراء ولكن إثمهما أكثر من نفعهما، حيث إنّهما تزيلان العقل وتسلّطان الشيطان على النفس. فهيّأت هذه الآية النفوس لتقبّل خطاباً أشدّ منها.

1 . النحل:67.   2 . البقرة: 219.

صفحه 252
وفي المرحلة الثالثة حرّم استخدام المسكر في حالة الصلاة، فقال: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَ أَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)1، وبذلك استطاع منع المسلمين عن شرب المسكر في حالة خاصّة.
ثم إنّ هذه الآية هيّأت الأمر للتحريم المطلق في المرحلة الرابعة فجاء الوحي قائلاً: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الأَنْصَابُ وَ الأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).2
كلّ ذلك يعرب عن أنّ تناول الخمر كان أمراً شائعاً اعتاد عليه العرب في الجاهلية وأخذ مأخذه من حياتهم، فصار ذلك سبباً للتدّرج في تبليغ الحكم الشرعي.
القيود الّتي توجب الحدّ لشارب الخمر   
ثمّ إنّ بعض المشكّكين في الأُمور الواضحة يتصوّرون أنّه لم يرد دليل واضح على حرمة الخمر بلفظ «التحريم»، وقد عُرض هذا السؤال على الإمام الكاظم (عليه السلام) فأجاب بما هذا توضيحه: إنّه سبحانه أخبر بأنّ في الخمر إثماً كبيراً كما في قوله: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، وفي آية أُخرى حرّم الإثم وقال: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ وَ الإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ

1 . النساء: 43.
2 . المائدة: 90ـ91.

صفحه 253
تَعْلَمُونَ).1 فتكون النتيجة: أنّ شرب الخمر إثم، وكلّ إثم حرام، فشرب الخمر حرام.2
إذا علمت ذلك فلنعطف عنان الكلام إلى بيان موجب الحدّ، فنقول: إنّه قد عرّفه المحقّق بقوله:
تناول المسكر أو الفقّاع اختياراً مع العلم بالتحريم إذا كان المتناول كاملاً.3
وإليك دراسة هذه القيود:

1. التناول

حدّده به مكان الشرب ليعمّ الاصطباغ ـ جعل الخمر إداماً ـ ، و أخذُه ممزوجاً بالأغذية والأدوية; وذلك لأنّ المحرّم ذات المسكر ولا يختلف حكمه بالتمييز وعدمه.
وإن شئت قلت: إنّ الحكم في الروايات وإن كان معلقّاً على شرب الخمر وشرب النبيذ،4 إلاّ أنّه من قبيل السبب الغالب، فلو ترتّب أثر السبب الغالب على سبب غير غالب يكون متّحداً في الحكم معه ; وذلك لأنّه إذا كان الشيء مبغوضاً بما هوهو يحرم في عامّة الصور والأسباب من غير فرق بين السبب

1 . الأعراف:33.
2 . لاحظ : الكافي: 6 / 406 ، الحديث 1، باب تحريم الخمر في الكتاب.
3 . شرائع الإسلام:4/168.
4 . لاحظ : الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ المسكر، (روايات الباب).

صفحه 254
العادي وغيره، فإنّ المسكر يزيل العقل، وهذا أمر مبغوض عند الشارع فلا فرق في ذلك إذا شرب المسكر أو تناوله بغير هذا السبب.
ولذلك يحرم تناوله بالسعوط وغيره، ولذا قال العلامة في «القواعد»: وإذا عجن بالخمر عجيناً فخبزه وأكله، فالأقرب وجوب الحدّ، ولو تسعّط به حدّ.1
لكن في العجن تأمّلاً ; لأنّ النار تأكل أجزاء الخمر، نعم يحرم أكله لأجل النجاسة.

2. المسكر

هو ما من شأنه أن يُسكر وإن لم يُسكر فعلاً، فيشمل الحكم تناول قطرة منه فيحكم عليه بالحدّ; وذلك لأنّ ما أسكر كثيره فقليله حرام. وقد استفاضت النصوص على استواء القليل والكثير منه في إيجاب الحدّ. وعقد صاحب الوسائل باباً تحت عنوان: أنّ حدّ الشرب ثمانون جلدة وإن شرب قليلاً; ففي رواية إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل شرب حسوة خمر؟ قال: «يُجلد ثمانين جلدة، قليلها وكثيرها حرام».2 والحسوة: الجرعة.
قال الشيخ: الخمر المجمع على تحريمها هي عصير العنب الذي اشتدّ وأسكر. وبه قال أبو يوسف و محمد والشافعي.

1 . قواعد الأحكام:3/553.
2 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ المسكر، الحديث 7.

صفحه 255
وقال أبو حنيفة: اشتدّ وأسكر وأزبد. فاعتبر أن يزبد. فهذه حرام نجسة، يُحدّ شاربها، أسكر أم لم يسكر بلا خلاف.1
فقوله: أم لم يسكر إشارة إلى مدمن الخمر فربّما يشرب ولا يسكر، بخلاف غيره الذي ربّما يسكره أقل منه.

3. الفقّاع

الفقّاع ـ كرمّان ـ : شيء يشرب يتّخذ من ماء الشعير فقط، وليس بمسكر ولكن ورد النهي عنه. وإنّما سُمّي فقّاعاً لما يرتفع في رأسه من الزبد.2
وفي المنجد قال: إنّه الشراب يُتّخذ من الشعير أو من الأثمار، سُمّيَ به لما يعلوه من الزبد.3
وما ذكره الطريحي هو المصطلح، ووجه عدم كونه مسكراً قلّة درجة الكحول فيه إلى 1% أو 2%، ولو تجاوز الحدّ لأسكر، ولذلك عطف المحقّق الفقّاع على الخمر وقال: «تناول المسكر أو الفقّاع». مشعراً بحرمته مطلقاً أسكر أم لم يسكر.
روى الكليني عن الوشّاء قال: كتبت إليه ـ يعني: الرضا(عليه السلام) ـ أسأله عن الفقّاع؟ فكتب: «حرام وهو خمر».4

1 . الخلاف:5/474.
2 . مجمع البحرين: مادة «فقع».
3 . المنجد:591، مادة «فقع».
4 . الوسائل:16، الباب27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1.

صفحه 256
وروى أيضاً عن الرضا(عليه السلام) قال: «كلّ مسكر حرام، وكلّ مخمّر حرام، والفقّاع حرام».1
فعلى هذا فالموضوع هو المسكر وأُلحق به الفقّاع. ولذا فلا فرق بين جميع المسكرات التمرية والزبيبية والعسلية أو غير ذلك .
وأمّا النبيذ: فهو ما يُعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، يقال :نبذت التمر أو العنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً.2
وجاء في «المنجد» قوله: النبيذ: الخمر المعتصر من العنب أو التمر، سمّي نبيذاً لأنّ الذي يتّخذه يأخذ تمراً أو زبيباً فيلقيه في وعاء ويصب عليه الماء ويتركه حتى يفور فيصير مسكراً،... ثم قال: النبيذ: الشراب عموماً.3
بقيت هنا أُمور، وهي:
أ. العصير إذا غلى واشتدّ
ب. التمر إذا غلى ولم يبلغ حدّ الإسكار
ج . الزبيب إذا نقع بالماء فغلى من نفسه أو بالنار.
فالكلام في هذه الأُمور من جهة كونها مسكرة أوْ لا؟ طاهرة أوْ لا؟ لا علاقة له بباب الحدود، فلنترك البحث فيها الآن وننتقل إلى الكلام في القيد الرابع، وهو الاختيار.

1 . الوسائل:16، الباب27 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث3.
2 . مجمع البحرين: مادة «نبذ».
3 . المنجد: مادة «نبذ».

صفحه 257

4. الاختيار

خرج بالاختيار المكره تفصيّاً عمّا حُدّد به، لقوله(صلى الله عليه وآله): «رفع عن أُمّتي، تسعة... منها: المستكره عليه».
نعم ورد في بعض الروايات أنّ أبا جعفر(عليه السلام) قال: «ثلاث لا أتّقي فيهنّ أحداً: شرب المسكر، والمسح على الخفّين، ومتعة الحجّ».1
وقد ذكرنا في رسالة التقية أنّ المراد عدم التقية في بيان حكمه، وهو يختصّ بالإمام، ولذلك قال: «ثلاث لا أتّقي...»، وأمّا غيره فيلزم عليه العمل بالتقيّة في عامّة المراحل.

5. العلم بالتحريم

يسقط الحدّ عمّن جهل بالتحريم. ويدلّ عليه موثقة ابن بكير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر، فرفع إلى أبي بكر، فقال له: أشربت خمراً؟ قال: نعم، قال: ولِمَ وهي محرّمة؟ قال: فقال له الرجل: إنّي أسلمت وحسن إسلامي ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلّون، ولو علمت أنّها حرام اجتنبتها، فالتفت أبوبكر إلى عمر، فقال: ما تقول في أمر هذا الرجل؟ فقال عمر: معضلة وليس لها إلاّ أبو الحسن، فقال أبو بكر: ادعُ لنا عليّاً، فقال عمر: يؤتى الحكم في بيته، فقاما والرجل معهما ومن حضرهما من الناس حتى أتوا أمير المؤمنين(عليه السلام) فأخبراه بقصّة الرجل،

1 . الوسائل:16، الباب 22 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.

صفحه 258
وقصّ الرجل قصّته، فقال: ابعثوا معه مَن يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه، ففعلوا ذلك به، فلم يشهد عليه أحد بأنّه قرأ عليه آية التحريم، فخلّى سبيله، فقال له: إن شربت بعدها أقمنا عليك الحدّ».1
وقد عقد صاحب الوسائل باباً باسم: أنّ من فعل ما يوجب الحدّ جاهلاً بالتحريم لم يلزمه شيء من الحدّ.2
نعم يُقبل عذر الجاهل إذا كان قريب العهد بالإسلام، ومن نشأ في بلاد بعيدة عن معالمه بحيث يمكن في حقّه ذلك، أي احتمال الجهل بالحكم.
نعم لو قال: كنت عالماً بالتحريم ولكن لم أكن عالماً بالحدّ فيه، لم يُعذر، وأُقيم عليه الحدّ. نعم يُعذر إذا كان جاهلاً بالموضوع، فشرب المائع معتقداً أنّه ماء فبان خمراً.
ثمّ إنّه قد وردت في الأخبار وكلمات الفقهاء المصطلحات التالية:
1. النقيع: شراب يُتّخذ من زبيب ينقع في الماء من غير طبخ، وقد جاء في الحديث كذلك.3
2. البتع ـ بكسر الباء، وإسكان التاء ـ : نبيذ العسل، وهو خمر أهل اليمن، وقد تحرُّك التاء ويتلفّظ كعنب.

1 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ المسكر، الحديث1.
2 . لاحظ : الوسائل:18، الباب14من أبواب مقدّمات الحدود.
3 . مجمع البحرين: مادة «نقع».

صفحه 259
3. المزر، هو المعمول من الشعير أو الحنطة أو الذرة.1
وفي المجمع: المزر ـ بكسر الميم والزاء المعجمة ثم الراء ـ : نبيذ يتّخذ من الذرة، وقيل: من الشعير أو الحنطة، قاله الجوهري; وذكر أبو عبيدة: أنّ ابن عمر فسّر الأنبذة فقال: البتع: نبيذ العسل، والجعة: نبيذ الشعير، والمزر: من الذرة، والسكر: من التمر، والخمر: من العنب.2
ثمّ إنّ الحكم يدور مدار الإسكار إلاّ الفقّاع، فلا حاجّة لنا في التعرّف على المصداق أنّه من أي شيء قد أُخذ، ولعلّ صناعة الخمر قد تحولت إلى نحو ربّما يتجاوز هذه الأسماء، والله العالم.
ثمّ إنّ الظاهر من غير واحدة من الروايات أنّ العناوين الموجودة في عصر الرسالة ليست ملاكاً للحكم، وإنّما الملاك كون الشيء مسكراً مزيلاً للعقل، ففي حديث: إنّ أهل اليمن بعثوا وفداً لهم يسألون عن النبيذ؟ فقال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله): «وما النبيذ، صفوه لي؟» قال: يؤخذ التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء، حتى يمتلي، ثم يوقد تحته، حتى ينطبخ، فإذا انطبخ أخرجوه فألقوه في إناء، ثم صبّوا عليه ماءً، ثم مرس، ثم صفوه بثوب، ثم ألقي في إناء، ثم صب عليه من عكر ما كان قبله، ثم هدر وغلا، ثم سكن على عكره. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «يا هذا قد أكثرت عليّ، أفيسكر؟» قال: نعم، فقال(صلى الله عليه وآله): «كلّ مسكر حرام».3

1 . شرائع الإسلام:4/168.
2 . مجمع البحرين: مادة «مزر».
3 . الوسائل:17، الباب24 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث6.

صفحه 260
وعلى ضوء هذه الرواية وما في معناها من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد حرّم كلّ مسكر، يتّضح حكم المخدرات التي تصنع هذه الأيام بألوان وصنوف مختلفة، والتي يختلف استعمالها تارة بالسعوط، والأُخرى بزرق الأُبر، أو بالتناول عن طريق الفم.
فإذا صارت نتيجة هذه الأعمال نفس ما يترتّب على استعمال النبيذ وغيره، فيكون استعمالها حراماً يحكم عليه بالحدّ.
بقي هنا كلام وهو أنّ حرمة الخمر قد ثبتت بالقرآن الكريم، وأمّا حرمة المسكر فإنّما ثبتت بالسُّنّة، ويظهر من بعض الروايات أنّه من سنن النبي(صلى الله عليه وآله); روى الكليني عن الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّ الله قد فرض الصلاة ركعتين ركعتين... ثم قال: إنّ الله حرّم الخمر بعينها، وحرّم رسول الله(صلى الله عليه وآله) المسكر من كلّ شراب».1
وروى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «وضع رسول الله دية العين ودية النفس وحرّم النبيذ وكلّ مسكر، فقال له رجل: وضع رسول الله من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ فقال: نعم، ليُعلَم مَن يطيع الرسول ممّن يعصيه».2
في طريق ثبوت شرب الخمر   
وقد ذكرنا وجه ذلك في كتابنا «مفاهيم القرآن الكريم»، وقلنا: نقلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام)حيث يصف النبي في الخطبة القاصعة بقوله:
«وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلاَئِكَتِهِ

1 . أُصول الكافي:1/266، الحديث4.
2 . الوسائل 17، الباب24 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث2.

صفحه 261
يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ»1. فإن مَن ربّاه أعظم ملك من ملائكة الله لا ينفك عن المصونية من الانحراف والخطأ; وكذلك يصف آل البيت(عليهم السلام)بأنّهم قد عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَة وَرِعَايَة، لاَ عَقْلَ
سَمَاع وَرِوَايَة. فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ(2).2
وعلى ضوء ذلك كان النبي(صلى الله عليه وآله) بتعليم من الله سبحانه واقفاً على علل الأحكام وملاكاتها، ولذلك شرّع ما سبق، وإن كان بالنسبة إلى ما شرَّع الله سبحانه قليلاً جدّاً.

طريق ثبوته

إنّ طريق ثبوت هذا النوع من الذنب كسائر الموضوعات غير المشروطة بالأربعة، ويثبت بأمرين:
1. شهادة عدلين مسلمين، لإطلاق حجّية دليل البيّنة.
نعم، لا تقبل فيه شهادة المرأة كغيره من الحدود، لما مرّ من اختصاص شهادتهنّ بالمال، أو بما لا يطّلع عليه الرجال غالباً.
2. الإقرار مرتين على الأحوط، ومن قال بالتعدّد نزّل كل إقرار منزلة شهادة واحدة. فبما أنّه يعتبر فيه تعدّد الشاهد فيعتبر فيه تعدّد الإقرار.
نعم يشترط في المقرّ: البلوغ، وكمال العقل، والحرّية، والاختيار، والقصد. وعلى ذلك فلا تكفي الرائحة والنكهة، لاحتمال الإكراه والجهل.

1 . نهج البلاغة: 2 / 157، الخطبة 192 .   2 . نهج البلاغة: 2 / 232، الخطبة 239 .
2 . راجع: مفاهيم القرآن: 5 / 44 ـ 45 .

صفحه 262
في كيفية الحدّ لشارب الخمر   

المبحث الثاني:

في كيفية الحدّ

قال المحقّق: وهو ثمانون جلدة، رجلاً كان الشارب أو امرأة، حرّاً كان أو عبداً. وفي رواية يُحدّ العبد أربعين، وهي متروكة.1
أقول: اتّفق أصحابنا بأنّ حدّ شارب الخمر ثمانون جلدة، وإليك آراء غيرهم.
قال الشيخ: حدّ شارب الخمر ثمانون جلدة. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومالك، لا يُزاد عليه ولا ينقص منه. وقال الشافعي: حدّه أربعون، فإن رأى الإمام أن يزيد عليها أربعين تعزيراً ليكون التعزير والحدّ ثمانين، فعل.
واستدلّ الشيخ بما روي عن أنس بن مالك، أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) جلد شارب الخمر بجريدتين نحو أربعين، فإذا كان أربعون بجريدتين كان ثمانون بواحدة.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 169 .

صفحه 263
وروى منبه بن وهب، عن محمد بن علي(عليه السلام)، عن أبيه(عليه السلام) أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)جلد شارب الخمر ثمانين، وهذا نصّ وهو إجماع الصحابة.1
ويظهر من غير واحدة من الروايات أنّ التحديد بثمانين ثبت في عصر الرسالة، روى أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: كيف كان يجلد رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ قال: فقال: «كان يضرب بالنعال، ويزيد كُلّما أُتي بالشارب، ثم لم يزل الناس يزيدون حتى وقف على ثمانين. أشار بذلك علي(عليه السلام) على عمر فرضي بها».2
وبهذا المضمون حديث الحلبي3، والظاهر أنّ هذا هو الأظهر، ويبعد عدم وضوح حدّ المسكر أو عدم صدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله)مع كثرة الابتلاء به.
نعم يظهر ممّا رواه الفريقان أنّ التحديد تحقّق بتعليل علىّ(عليه السلام); روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إنّ عليّاً(عليه السلام) كان يقول: إنّ الرجل إذا شرب الخمر سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجلدوه حدّ المفتري».4
ورواه أهل السنة أيضاً، روى الشيخ أنّ عمر استشار الصحابة، فقال: إنّ الناس قد تبايعوا في شرب الخمر، واستحقّوا حدّها، فما ترون؟ فقال علي(عليه السلام): «أنّه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيُحد به حدّ المفتري».5

1 . الخلاف:5/490، المسألة7.
2 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ المسكر، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ المسكر، الحديث3.
4 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ المسكر، الحديث4.
5 . الموطأ: 2/842 ، الحديث 2; مسند الشافعي:2/90 ; عمدة القارئ:23/266.

صفحه 264
ورواه ابن قدامة في المغني وقال: روي أنّ علياً قال في المشورة: «إنّه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدّوه حدّ المفتري». روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.1
وعلى كلّ تقدير سواء أكان الحدّ نزل به الوحي في عصر الرسالة أو ثبت بعده بتقرير علي(عليه السلام)، فالحدّ هو الثمانون.

دليل القول بالأربعين

استدلّ للقول الثاني ـ أي أنّ الحدّ أربعون ـ بأنّ عليّاً جلد الوليد بن عقبة أربعين.2
يلاحظ عليه: أنّ الإمام (عليه السلام)ضربه أربعين جلدة بسوط له طرفان; فعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «إنّ الوليد بن عقبة حين شُهد عليه بشرب الخمر، قال عثمان لعلي(عليه السلام): اقض بينه وبين هؤلاء، الذين زعموا أنّه شرب الخمر، فأمر علي(عليه السلام) فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة».3
وروي أيضاً عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:«أُقيم عبيد الله بن عمر وقد شرب الخمر فأمر به عمر أن يضرب، فلم يتقدّم عليه أحد يضربه حتى قام علي(عليه السلام) بنسعة مثنية لها طرفان، فضربه بها أربعين».4 والنسع حبل

1 . المغني:9/141.
2 . المغني:9/142.
3 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب حدّ المسكر، الحديث1.
4 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ المسكر، الحديث2.

صفحه 265
طويل عريض يشدّ به الرحال، والقطعة منه: النِسْعة.
أقول: لا دلالة في الروايتين ; لأنّ الضرب بسوط له شعبتان أو الضرب بنسعة لها طرفان لا يقوم مقام الضرب بثمانين، نعم لا يقوم به إلاّ الإمام، فعلى غيره إجراء الحدّ تماماً.
بقي هنا أمران:
الأوّل: قد يستظهر من بعض الآيات استحلال شرب الخمر كما في قوله سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِي مَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اللهُ يُحِبُّ الُْمحْسِنِينَ).1
فإنّ الآية وردت بعد آيات تحريم الخمر(في سورة المائدة) فيستظهر من قوله: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِي مَا طَعِمُوا)أنّه لا إثم على من آمن وعمل صالحاً أن يشرب منه.
وقد برّر قدامة بن مظعون شربه الخمر بهذه الآية، قال الشيخ المفيد: روت العامة والخاصّة أنّ قدامة بن مظعون شرب الخمر، فأراد عمر أن يحدّه، فقال: لا يجب عليّ الحدّ إنّ الله يقول: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِي مَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا)(2)، فدرأ عنه عمر الحدّ; فبلغ ذلك أمير المؤمنين(عليه السلام)، فمشى إلى عمر فقال: «ليس قدامة من أهل هذه الآية ولا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرّم الله، إنّ الذين آمنوا

1 . المائدة: 93.   2 . المائدة:93.

صفحه 266
وعملوا الصالحات لا يستحلّون حراماً، فاردد قدامة فاستتبه ممّا قال، فإن تاب فأقم عليه الحدّ، وإن لم يتب فاقتله فقد خرج من الملّة»، فاستيقظ عمر لذلك وعرّف قدامة الخبر، فأظهر التوبة والإقلاع فدرأ عنه القتل ولم يدر كيف يحدّه، فقال لعلي(عليه السلام): أشر عليّ، فقال: «حدّه ثمانين جلدة، إنّ شارب الخمر إذا شربها سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى»، فجلده عمر ثمانين جلدة.1
والظاهر أنّ الآية ناظرة إلى المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات لكن طعموا في الأزمنة السابقة شيئاً من الخمر، والشاهد على ذلك مجيء الفعل بصيغة الماضي أي (طعموا) ولم يقل «فيما يطعمون». ويؤيد ذلك أيضاً أنّ المفسّرين ذكروا في شأن نزول الآية أنّ الصحابة قالوا لرسول الله(صلى الله عليه وآله): ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فأنزل الله هذه الآية.2
الثاني: وقد يظهر من بعض الروايات حلّية النبيذ إذا لم يسكر، كما إذا كان قليلاً، نظير:
أ. روى أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ قلت: أرأيت إن أخذ شارب النبيذ ولم يسكر، أيجلد؟ قال: «لا».3
ب . روى الحلبي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) قلت: أرأيت إن أخذ شارب

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ المسكر، الحديث1.
2 . مجمع البيان:2/240.
3 . الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ المسكر، الحديث4.

صفحه 267
النبيذ ولم يسكر أيجلد ثمانين؟ قال: «لا، وكلّ مسكر حرام».1
وقد حملها الشيخ على التقية، والظاهر أنّها محمولة على النبيذ الذي لم يبلغ حدّ الإسكار; بشهادة رواية سماعة بن مهران عن الكلبي النسّابة أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن النبيذ؟ فقال: «حلال»، فقال: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر، وما سوى ذلك، فقال: «شه، شه، تلك الخمر المنتنة»، قلت: جعلت فداك فأيّ نبيذ تعني؟ فقال: «إنّ أهل المدينة شكوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) تغيّر الماء، وفساد طبائعهم فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كفّ من تمر فيقذف به في الشنّ، فمنه شربه، ومنه طهوره». فقلت: وكم كان عدد التمر الذي في الكف؟ فقال: ما حمل الكف، فقلت: واحدة أو اثنتين؟ فقال: «ربما كانت واحدة، وربما كانت اثنتين»، فقلت: وكم كان يسع الشنّ ماء؟ فقال: «ما بين الأربعين إلى الثمانين، إلى مافوق ذلك»، فقلت: بأي الأرطال؟ فقال: «أرطال مكيال العراق».2
والرواية تدلّ على أنّ النبيذ الحلال هو الماء الذي تُنبذ به تميرات معدودة لتذهب بمرارته، دون أن يكون فيه غليان أو أن يركد في قعر الإناء شيء.
والروايات التي أشرنا إليها محمولة على هذا، وإن أردت التفصيل في ذلك فاقرأ ما رواه صاحب الوسائل في الجزء17، الباب 24 من أبواب

1 . الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ المسكر، الحديث 5.
2 . الوسائل:1، الباب2 من أبواب الماء المضاف، الحديث2. قوله: «شه شه» كأنّه كناية عن التنفّر والانزجار.

صفحه 268
الأشربة المحرّمة، الحديث 1 و 3 و 5 .

لا فرق بين المسلم والكافر في حدّ المسكر

قال المحقّق: أمّا الكافر فإن تظاهر به حُدّ، وإن استتر لم يحد.1
أقول: ثم إنّ الكافر والمسلم في ذلك سواء، فإن تظاهر به حُدّ، وإن استتر لم يُحدّ، ويدلّ عليه:
1. موثقة أبي بصير، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «كان علي(عليه السلام) يضرب في الخمر والنبيذ ثمانين، الحرّ والعبد واليهودي والنصراني». قلت: وما شأن اليهودي والنصراني؟ قال: «ليس لهم أن يظهروا شربه، يكون ذلك في بيوتهم».2
2. وروى محمد بن أبي قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)، مثله.3
وأمّا كيفية الضرب في كلا الموردين، فقد قال المحقّق: ويضرب الشارب عُرياناً على ظهره وكتفيه، ويُتقى وجهه وفرجه، ولا يقام عليه الحدّ حتى يفيق.4
أقول: ويدلّ عليه صحيحة أبي بصير ـ في حديث ـ قال: سألته عن السكران والزاني؟ قال: «يجلدان بالسياط، مجردين بين الكتفين. فأمّا الحدّ

1 . شرائع الإسلام: 4 / 170 .
2 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب حدّ المسكر، الحديث 1.
3 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب حدّ المسكر، الحديث 3 ; ولاحظ الحديث2.
4 . شرائع الإسلام:4/170.

صفحه 269
في القذف فيجلد على ما به ضرباً بين الضربين».1
وأمّا عدم إقامة الحدّ عليه حتى يفيق فلأجل تحصيل الغاية من إيجاب الحدّ حتى يشعر بالأذى وينزجر عن التكرار، وأمّا المرأة فتحدّ جالسة مربوطة عليها ثيابها، مثل ما مرّ في حدّ الزنا.

إذا حُدّ الشارب مرتين

قد تقدّمت هذه المسألة في غير واحد من المواضع، كالزنا والقذف والسحق، وأنّه إذا تكرر منه الفعل مع تخلّل الحدّ، فهل يُقتل في الثالثة أو الرابعة؟
وقد اختار المحقّق في المسائل السابقة أنّه يقتل في الرابعة، ولكنّه في هذه المسألة اختار العكس وقال: وإذا حُدّ مرتين، قُتل في الثالثة، وهو المروي، وقال في الخلاف: يُقتل في الرابعة.2
ووجه قتله في الثالثة أنّ الروايات بذلك كثيرة ربّما تناهز العشر، وقد عقد صاحب الوسائل باباً بهذا العنوان: انّ شارب الخمر والنبيذ ونحوهما يقتل في الثالثة بعد جلده مرتين. ولنذكر شيئاً ممّا يدل عليه:
روى سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الثالثة فاقتلوه». وروي ذلك

1 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب حدّ المسكر، الحديث 1 ; ولاحظ الباب15 من أبواب حدّ القذف، الحديث5.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 170 .

صفحه 270
عن أبي جعفر(عليه السلام).1
ويؤيد ذلك ما هو المعروف عن أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام) قال: «أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيمت عليهم الحدود مرتين قتلوا في الثالثة».2
وعلى كلّ تقدير فلو شرب أكثر من مرّة ولم يتخلّل حدّ بينهما كفى حدّ واحد، بلا فرق بين اختلاف جنس المشروب واتّحاده. ووجهه البراءة من أكثر من حدّ واحد.
تمّ الكلام في كيفيّة الحدّ

1 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ المسكر، الحديث1. والأحاديث بهذا المضمون كثيرة، في نفس الباب.
2 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب حدّ المسكر، الحديث2.

صفحه 271

المبحث الثالث:

في أحكامه

وفيه مسائل أربع:

المسألة الأُولى: لو شهد واحد بشربها والآخر بقيئها

قال المحقّق: لو شهد واحد بشربها، وآخر بقيئها، وجب الحدّ. ويلزم على ذلك وجوب الحدّ، لو شهدا بقيئها.1
أقول: الأصل في ذلك ما رواه الحسين بن زيد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام)قال: «أُتي عمر بن الخطاب بقدامة بن مظعون وقد شرب الخمر، فشهد عليه رجلان: أحدهما خصىّ وهو عمرو التميمي، والآخر المعلّى بن الجارود، فشهد أحدهما أنّه رآه يشرب، وشهد الآخر أنّه رآه يقيء الخمر، فأرسل عمر إلى ناس من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيهم أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال لأمير المؤمنين(عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟ فإنّك الذي قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله):

1 . شرائع الإسلام: 4 / 170 .

صفحه 272
أنت أعلم هذه الأُمّة وأقضاها بالحق، فإنّ هذين قد اختلفا في شهادتهما. فقال علي (عليه السلام): «ما اختلفا في شهادتهما وما قاءها حتى شربها... ».1
فإن قلت: إنّ شرب الخمر لا يثبت بشهادة واحد، وإنّما يثبت بشهادتين على أنّه شرب الخمر، ولكن أحدهما شهد أنّه شرب الخمر، والآخر شهد أنّه قاء ما شرب. ويحتمل أن يكون شربه عن إكراه.
قلت: الاحتمال مدفوع; لأنّه لو كان كذلك لدفع به عن نفسه، ولذلك نرى أنّ قدامة سكت عن الدفاع عن نفسه بالإكراه.نعم لو ادّعى أنّه كان مكرهاً يُسمع منه لضابطة درء الحدّ بالشبهة.
ومنه يظهر حكم فرع آخر، وهو : لو شهدا بقيئها، وذلك بنفس التعليل الوارد في الرواية.
وحاصل الكلام: ثبوت الحدّ في كلا الفرعين، إلاّ إذا ادّعى الإكراه بشرط عدم دلالة القرائن على كذبه.
   

المسألة الثانية: مَن شرب الخمر مستحلاًّ

قال المحقّق: مَن شرب خمراً مستحلاً أستُتيب، فإن تاب أُقيم عليه الحدّ، وإن امتنع قتل. وقيل: يكون حكمه حكم المرتدّ، وهو قويّ.2

1 . من لا يحضره الفقيه: 3 / 42 برقم 3288 ; الوسائل: 18، الباب14 من أبواب حدّ المسكر، الحديث 1. وقد سقطت عبارة: (فقال علي (عليه السلام): ما اختلفا في شهادتهما) من نسخة الوسائل، فلاحظ.
2 . شرائع الإسلام:4/170.

صفحه 273
أقول: مَن شرب الخمر مستحلاًّ ففيه قولان:
1. استتيب، فإن تاب أُقيم عليه الحدّ، وإن امتنع قُتل.
2. أنّ حرمة الخمر من الضروريات فإنكارها إنكار لأحد الأُصول الثلاثة، فيكون حكمه حكم المرتدّ فيقتل بلا استتابة.
وهو خيرة المحقّق حيث قال: وقيل: يكون حكمه حكم المرتد، وهو قويّ.
واختاره الفاضل الإصفهاني حيث قال: ولو شرب الخمر مستحلاًّ فهو مرتد إذا علم أنّ حرمتها من ضروريات الدين، فإن كان ارتداده عن فطرة قتل، ولم يستتب، وإلاّ استتيب فإن تاب حُدّ.1
واختار القول الأوّل جماعة منهم: الشيخ المفيد، قال: فمن شرب الخمر ممّن هو على ظاهر الملّة مستحلاًّ لشربها، خرج عن ملّة الإسلام، وحلّ دمه بذلك إلاّ أن يتوب قبل قيام الحدّ عليه، ويراجع الإيمان.2
ومنهم: الشيخ حيث قال في «النهاية»: فمَن شرب الخمر مستحلاًّ لها، حلّ دمه، ووجب على الإمام أن يستتيبه، فإن تاب أقام عليه حدّ الشراب إن كان شربه، وإن لم يتب قتله.3
ومنهم: ابن حمزة قال: فإن شربه مستحلاًّ لم يرتدّ وعُزّر على استحلاله، وحُدّ لشربه بعد استتابة الحاكم إيّاه، وإن لم يتب كان في حكم المرتد.4

1 . كشف اللثام:1/516.
2 . المقنعة:799.
3 . النهاية:711.
4 . الوسيلة:416.

صفحه 274
وعلى ذلك لا فرق في المستحلّ بين الفطري وغيره، وليس لهذا القول دليل سوى إمكان عروض شبهة في الشرب فاستحلّه، والحدود تدرأ بالشبهات.
أقول: لا يصحّ هذا الوجه إلاّ لمن قرب عهده بالإسلام، حيث يحتمل في حقّه عدم علمه بحرمة شرب الخمر، وعلى ذلك تحمل استتابة قدامة بن مظعون حيث شرب مستحلاًّ واستتيب وحُدّ، وإلاّ فلا يُقبل في غير هذا الصنف; لأنّ حرمة الخمر بين المسلمين حكم ضروري يلازم إنكار حرمته إنكار أحد الأُصول، وعلى ذلك يكون القول الثاني الذي اختاره المحقّق والفاضل الإصفهاني هو الأقرب، فيكون حكمه حكم المرتدّ فيفرّق بين الفطري وغيره.

استحلال سائر المسكرات

قال المحقّق: وأمّا سائر المسكرات فلا يقتل مستحلّها، لتحقّق الخلاف بين المسلمين فيها.1
أقول: إذا استحلّ سائر المسكرات كالفقّاع والنبيذ وشربها، فلا يستتاب بل يقام عليه الحدّ وإن كان مستحلاًّ; وذلك لعدم كون حرمة غير الخمر من الضروريات، لوقوع الخلاف فيها بين المسلمين، حيث حلّله بعض وحرّمه بعض آخر.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 170 .

صفحه 275

المسألة الثالثة: مَن باع الخمر مستحلاًّ

قال المحقّق: من باع الخمر مستحلاًّ يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل، وإن لم يكن مستحلاًّ عُزِّر. وما سواه لا يقتل وإن لم يتب، بل يؤدّب.1
أقول: إنّ المحقّق فصّل بين من استحلّ شرب الخمر فاستقوى كونه مرتدّاً، وأمّا من باع الخمر مستحلاًّ فلم يلحقه بالمرتدّ، بل اختار قول المفيد والشيخ في المسألة الثانية، ولذلك قال: يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل. فيقع الكلام في وجه الفرق بين المسألتين. فقد ذكر الشهيد الثاني وجه الفرق: بأنّ بيع الخمر ليس حكمه كشربه، فإنّ الشرب هو المعلوم تحريمه من دين الإسلام، وأمّا مجرد البيع فليس تحريمه معلوماً ضرورة، فقد تقع فيه الشبهة من حيث إنّه يسوغ تناوله على بعض وجوه الضرورات كما سلف، فيُعزّر فاعله ويستتاب إن فعله مستحلاًّ، فإن تاب قبل منه، وإن أصرّ على استحلاله قتل حدّاً، وكأنّه موضع وفاق، وما وقفت على نص يقتضيه.2
ووافقه على ذلك الفاضل الإصفهاني في «كشف اللثام» حيث قال: فإنّ حرمته ليست من الضروريات.
ومع ذلك اختار التفصيل وقال: والتحقيق أنّه إن استحلّه مع اعترافه بحرمته في الشريعة، فهو مرتدّ، حكمه حكم غيره من المرتدين]فيكون حكم مستحلّ البيع كمستحل الشرب[، وإلاّ عُرِّفَ ذلك، فإن تاب وإلاّ قُتل;

1 . شرائع الإسلام:4/170.
2 . مسالك الأفهام: 14/469.

صفحه 276
وكذا الحكم في كلّ من أنكر مجمعاً عليه بين المسلمين فإنّ إنكاره ارتداد، مع العلم بالحال لا بدونه، بلا فرق بين شيء وشيء; وكذا من أنكر شيئاً مع علمه أو زعمه أنّه في الشريعة على خلاف ذلك، وإن لم يكن مجمعاً عليه فإنّه تكذيب للنبي(صلى الله عليه وآله) في علمه أو زعمه.1
وأورد عليه في الجواهر بما لا يخلو عن نظر، فلاحظ.2

المسألة الرابعة: في توبة شارب الخمر قبل قيام البيّنة

ذكر المحقّق في هذه المسألة ما مرّ ذكره في غير واحد من الأبواب وحاصله: ـ أنّ شارب الخمر ـ إذا تاب قبل قيام البيّنة، سقط عنه الحدّ; وإن تاب بعدها لم يسقط; ولو ثبت بإقراره، كان الإمام مخيّراً بين حدّه وعفوه.3
أقول: قد مضى دليل المسألة في غير واحد من الموارد، إنّما الكلام فيما إذا ثبت بالإقرار ، فالمشهور أنّ الإمام مخيّر بين العفو والاستيفاء، خلافاً لابن إدريس الذي أوجب الاستيفاء، حيث قال: فإن كان قد أقرّ عند الحاكم أو الإمام ثم تاب بعد إقراره عندهما فإنّه يقام الحدّ عليه ولا يجوز إسقاطه ; لأنّ هذا الحدّ لا يوجب القتل بل الجلد وقد ثبت، فمن أسقطه يحتاج إلى دليل.4

1 . كشف اللثام:10/561ـ562.
2 . لاحظ : جواهر الكلام:41/468.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 170 ـ 171.
4 . السرائر:3/448.

صفحه 277
ثمّ إنّه نسب ذلك إلى الشيخ في مسائل خلافه ومبسوطه وقال: كلّ حدّ لا يوجب القتل وأقرّ به من جنى، فلا يجوز للإمام العفو عنه ووجب عليه إقامته.1
وحاصل كلامه: أنّ المقام لا يقاس بالرجم إذا تاب بعد الإقرار بالزنا عند الحاكم، فهو مخيّر بين العفو والاستيفاء، للفرق بين المقامين ; لأنّ عدم العفو هناك يوجب القتل دون المقام، فغايته الحدّ...
وما نسب إلى الشيخ في ذينك الكتابين حسب نقل ابن إدريس يخالف مختاره في نهايته.2

1 . السرائر:3/479.
2 . النهاية:714.

صفحه 278

تتمة

تشتمل على مسائل:

الأُولى: مَن استحلّ شيئاً من المحرّمات المجمع عليها

قال المحقّق: مَن استحلّ شيئاً من المحرمات المجمع عليها، كالميتة والدم والربا ولحم الخنزير، ممّن ولد على الفطرة، يُقتل، ولو ارتكب ذلك لا مستحلاً عُزّر.1
أقول: والظاهر من المحقّق أنّ الموضوع للارتداد هو إنكار ما أجمع المسلمون على حرمته، وهذا هو الظاهر أيضاً من الشيخ في «النهاية» حيث قال: ومن استحلّ الميتة أو الدم أو لحم الخنزير ممّن هو مولود على فطرة الإسلام، فقد ارتدّ بذلك عن الدين، ووجب عليه القتل بالإجماع.(2)
وفصّل الشهيد الثاني بين ما عُلم ثبوته بالضرورة وبين ما أجمع عليه المسلمون، فقال بالارتداد في الأوّل دون الثاني، حيث قال: مستحل المحرّم إن كان ثبوته معلوماً من الشرع ضرورة فلا شبهة في كفره ; لأنّه حينئذ راد

1 . شرائع الاسلام:4/171.   2 . النهاية:713.

صفحه 279
للشرع الذي لا يتحقّق الإسلام بدون قبوله ولو بالاعتقاد.
وإن كان مجمعاً عليه بين المسلمين ولكن لم يكن ثبوته ضرورياً، فمقتضى عبارة الشرائع وكثير من الأصحاب، الحكم بكفره أيضاً; لأنّ إجماع جميع فرق المسلمين عليه يوجب ظهور حكمه، فيكون أمره كالمعلوم.
ثم أورد عليه بأنّ حجّية الإجماع ظنيّة لا قطعية، ومن ثم اختلف فيها وفي جهتها، ونحن لا نكفّر من ردّ أصل الإجماع فكيف نكفّر من ردّ مدلوله؟ فالأصحّ اعتبار القيد الأخير.1
ولكن الحق أنّ الميزان هو وجود الملازمة في نظر المنكر بين إنكار ذلك الحكم وإنكار رسالة النبي(صلى الله عليه وآله)، من غير فرق بين ثبوته بالضرورة أو ثبوته بإجماع المسلمين، وقد أحسن صاحب الجواهر 2 حيث لم يفرّق بين ما عُلم بالضرورة و ما لو أجمع عليه المسلمون، ولكنّه لم يشترط ما اشترطناه وهو وجود الملازمة في نظر المنكر بين إنكار هذا الحكم وإنكار صاحب الشرع، غاية الأمر ربّما يشترطون وجود الملازمة بين إنكار الحكم وإنكار صاحب الشرع، عند المسلمين، ولكنّه غير كاف، بل يشترط وجود الملازمة عند المنكر، ولذلك قلنا في محلّه: إنّ إنكار الضروري ليس أصلاً برأسه وإنّما الملاك وجود الملازمة بين الإنكارين، ولكن وجودها بين المسلمين لا يكون ملاكاً لتكفير المنكر إذا لم تتحقّق عنده الملازمة، إذ ليس على هذا الفرض هو منكراً لصاحب الشريعة ورسالته.

1 . مسالك الأفهام :14/471ـ472.
2 . جواهر الكلام: 41 / 469 .

صفحه 280
نعم لو ارتكب ذلك دون أن يكون مستحلاًّ حُدّ إن كان الفعل موجباً للحدّ، ويُعزّر إن كان الفعل موجباً للتعزير.
في دية مَن قتله الحدّ أو التعزير   

المسألة الثانية: مَن قتله الحدّ أو التعزير

قال المحقّق: مَن قتله الحدّ أو التعزير فلا دية له، وقيل: تجب على بيت المال. والأوّل مروي.1
أقول: في المسألة قولان:
الأوّل: لا دية له. وهذا هو خيرة الشيخ، قال: ومن قتله القصاص أو الحدّ، فلا قود له ولا دية.2
وبه قال العلاّمة في «القواعد»، قال: ومَن مات في الحدّ أو التعزير فلا دية له.3
واستدلّ عليه في «المسالك» بقوله: لأنّه فعل سائغ أو واجب فلا يتعقّبه الضمان; ولأنّ الإمام محسن في امتثال أوامر الله تعالى وإقامة حدوده، و (مَا عَلَى الُْمحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل)4; ولحسنة الحلبي عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له».5 و «أيّ» من صيغ العموم،

1 . شرائع الإسلام: 4 / 171 .
2 . النهاية:755.
3 . قواعد الأحكام :3/552.
4 . التوبة:91.
5 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث9.

صفحه 281
وكذلك «الحدّ» في: «قتله الحدّ» عند من جعل المفرد المعرّف للعموم من الأُصوليين.1 هذا هو القول الأوّل.
القول الثاني: التفصيل بين كون الحدّ للناس فيضمن، وكونه لله لم يضمن. وهو خيرة الشيخ المفيد: قال: ومن جلده إمام المسلمين حدّاً في حدود الله فمات لم تكن له دية، فإن جلده حدّاً أو أدباً في حقوق الناس كان ضامناً لديته.2
وظاهر العبارة أنّ الإمام بشخصه ضامن في ماله، لا في مال بيت مال المسلمين. وقد استند المفيد إلى مرسلة الصدوق وقال: قال الصادق(عليه السلام): «من ضربناه حدّاً من حدود الله فمات، فلا دية له علينا; ومن ضربناه حدّاً من حدود الناس فمات، فإنّ ديته علينا».3
وظاهر الحديث أنّ الضمان على مال الإمام بشخصه، لكن الشيخ في «الاستبصار» ذهب إلى أنّ الدية على بيت المال جمعاً بين الأخبار.4
ويمكن القول: إنّ التعبير بأنّ ديته علينا لأجل أنّه الإمام المأمور من جانب الله على إجراء الحدود فلا يكون بذمّته الشخصية ضامناً، بل بذمّته بما هو إمام، ومعه مفاتيح بيت مال المسلمين فيكون الضمان عليه.
ويظهر من الشيخ في «الخلاف» أنّ موضع الضمان هو التعزير لا الحدّ،

1 . مسالك الأفهام:14/472.
2 . المقنعة:743.
3 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث4.
4 . الاستبصار:4/279، ذيل الحديث 1056.

صفحه 282
قال: إذا عزّر الإمام مَن يجب تعزيره أو يجوز تعزيره وإن لم يجب، فمات منه، لم يكن عليه شيء. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يلزمه ديته. وأين تجب؟ فيه قولان: أحدهما ـ وهو الصحيح عندهم ـ : على عاقلته، والثاني: في بيت المال.
دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمّة وشغلها يحتاج إلى دليل. وأيضاً التعزير حدٌّ من حدود الله. وقد روي عنهم(عليهم السلام): «أنّ مَن حددناه حدّاً من حدود الله، فمات فليس له شيء، ومن ضربناه حدّاً من حدود الآدميين فمات، كان علينا ضمانه»، والتعزير من حدود الله.1
ولكن الظاهر من الروايات ـ كما سيوافيك ـ و كلمات الفقهاء عدم اختصاصه بالتعزير، بل مورد كثير من الروايات هو الحدّ.
وعلى كلّ تقدير فقد دلّت على القول الأوّل روايات متضافرة مطلقة غير مقيّدة بحقوق الله تعالى، وإليك نقلها:
1. ما مرّ من رواية الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام):«أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له»2
2. ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) في حديث قال: «ومَن قتله القصاص فلا دية له».3
3. ما رواه معلى بن عثمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: «مَن قتله

1 . الخلاف:5/493.
2 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث9.
3 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث5.

صفحه 283
القصاص أو الحدّ لم يكن له دية».1
4. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «مَن قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة».2
وهذه الإطلاقات المتضافرة لا تقيّد إلاّ بدليل رصين، وليس في المقام إلاّ مرسلة الصدوق على ما عرفت.3
والمرسلة لا تقاوم الإطلاقات المتضافرة، نظير ذلك ما دلّ على حقّ المارّة، فإنّ الحديث مرسل لا يقاوم ما دلّ على حرمة مال المسلم إلاّ بإذنه.
نعم روى صاحب الوسائل مرسلة الصدوق في أبواب القصاص في النفس بالسند التالي: وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سمعته يقول: «مَن ضربناه حدّاً من حدود الله فمات، فلا دية له علينا... ».4
ولكن الموجود في «الكافي» هو أنّ صدر الحديث كما يلي:«عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: كان علي(عليه السلام)يقول: من ضربناه... ».
فظهر من ذلك أنّ الحديث نقله الصدوق مرسلاً ونقل في الوسائل في أبواب مقدّمات الحدود كذلك، ونقله الكليني وصاحب الوسائل في المقام، مسنداً.5

1 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث6.
2 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث8.
3 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث4.
4 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.
5 . الكافي:7/292، كتاب الديات، باب من لا دية له، الحديث10.

صفحه 284
وعلى ذلك يمكن أن يقال بتقديم المقيّد على المطلق مضافاً إلى أنّه أحوط.
ثمّ إنّ قول المحقّق بأنّ القول الأوّل مرويّ، غير تام، فالثاني ـ كما عرفت ـ مرويّ أيضاً.

المسألة الثالثة:

وفيها فروع:
   

الأوّل: لو أقام الحاكم الحدّ فبان فسق الشاهدين

قال المحقّق: لو أقام الحاكم الحدّ بالقتل فبان فسوق الشاهدين، كانت الدية في بيت المال، ولا يضمنها الحاكم ولا عاقلته.1
أقول: مقتضى القاعدة هو ضمان عاقلته لأنّه قتل الخطأ المحض ولكن السنّة على خلافها.
وروى الصدوق باسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)أنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين.2
نعم ذهب أبو الصلاح إلى الضمان في ماله.3 وليس بتام. ثمّ إنّ مورد البحث ظهور فسقهما لا كذبهما وإلاّ فيقتصّ منهما.

1 . شرائع الإسلام:4/171.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب آداب القاضي، الحديث1.
3 . الكافي في الفقه:848.

صفحه 285

الفرع الثاني: لو أنفذ الحكام إلى حامل لأقامة الحدّ فأجهضت خوفاً

قال المحقّق: ولو أنفذ ] الحاكم[ إلى حامل لإقامة الحدّ، فأجهضت خوفاً، قال الشيخ: دية الجنين في بيت المال، وهو قوي لأنّه خطأ، وخطأ الحاكم في بيت المال. وقيل: يكون على عاقلة الإمام.1
أقول: لأنّ دية القتل الخطئي على العاقلة.
أمّا الأوّل فيدلّ عليه حديث الأصبغ، والقول الثاني لابن إدريس حيث قال: والذي تقتضيه أُصول مذهبنا أنّ دية الجنين على عاقلة الإمام والحاكم، لأنّ هذا بعينه قتل الخطأ المحض،وهو أن يكون غير عامد في قصده، فكذلك هذا، لأنّه لم يقصد الجنين بفعل،ولا قصد قتله، وإنّما قصد شيئاً آخر، وهي أُمّه، فإذا تقرر ذلك فالدية على عاقلته والكفّارة في ماله.2
واستدلّ بما رواه علي بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «كانت امرأة تؤتى، فبلغ ذلك عمر فبعث إليها، فروّعها وأمر أن يجاء بها إليه، ففزعت المرأة فأخذها الطلق، فذهبت إلى بعض الدور فولدت غلاماً، فاستهلّ الغلام ثم مات، فدخل عليه من روعة المرأة ومن موت الغلام ما شاء الله(ما ساءه) فقال له بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين ما عليك من هذا شيء؟ وقال بعضهم: وما هذا؟ قال: سلوا أبا الحسن(عليه السلام)، فقال لهم أبو الحسن(عليه السلام): لئن كنتم اجتهدتم، ما أصبتم، ولئن كنتم برأيكم قلتم، لقد

1 . شرائع الإسلام:4/171.
2 . السرائر:3/480.

صفحه 286
أخطأتم، ثم قال: عليك دية الصبي».1
والظاهر عدم صحّة الاستدلال: أمّا أوّلاً فإنّ السند غير معتبر.2
وثانياً: أنّ المورد من مقولة شبه العمد لا من الخطأ في الحكم به لأنّ إنفاذ الحاكم إلى حامل لإقامة حدّ أو لتحقيق موجبه يورث الظن بإسقاط الجنين.
وثالثاً: أنّ الحاكم لم يكن حاكم حق كما هو معلوم، ولذلك لم يجعل في بيت مال المسلمين.3

الفرع الثالث: لو ضرب الحاكم المحدود زيادة عن القدر أدّت إلى وفاته

قال المحقّق: ولو أمر الحاكم بضرب المحدود زيادة عن الحدّ فمات، فعليه نصف الدية في ماله إن لم يعلم الحدّاد، لأنّه شبيه العمد. ولو كان سهواً، فالنصف على بيت المال.4
أقول: إذا أمر الحاكم بضرب المحدود زيادة عن القدر، عن عمد لغاية من الغايات، فمات المحدود بسبب الضرب، فعلى الحاكم نصف الدية لأنّه مات بسببين: أحدهما سائغ (وهو ما عيّنه الشرع)، والآخر مضمون على الحاكم في ماله ; لأنّه شبيه عمد من حيث قصده للفعل دون القتل.
نعم لو كان مازاد به سهواً فالنصف على بيت المال، مثلاً: إذا غفل الحاكم

1 . الوسائل:19، الباب30 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
2 . مسالك الأفهام :14/476. ولعلّ وجهه وقوع علي بن الحسن الميثمي في السند.
3 . جواهر الكلام:41/473.
4 . شرائع الإسلام: 4 / 171 .

صفحه 287
عن أنّه حدّ الشارب، فتصور أنّه حدّ الزنا، فيكون نصف الدية على بيت المال.
هذا إذا لم يعلم الحدّاد، وإلاّ كان هو الضامن لأنّه المباشر، والمباشر أقوى من الآمر فيضمن النصف.
وربما يقال بأنّ الحدّاد لو كان عالماً فعليه القصاص ; لأنّه باشر الإتلاف.1
يلاحظ عليه: بأنّه قصد الفعل ولم يقصد القتل، فيكون شبه عمد، فيكون عليه نصف الدية، لأنّها تقسّم على فعلين: سائغ، ومضمون، وإلاّ فيجب القصاص فيما إذا كان الحاكم عالماً دون الحدّاد.

في زيادة الحدّاد عمداً وسهواً

الفرع الرابع: ولو أمر بالاقتصار على الحدّ فزاد الحدّاد عمداً، فالنصف على الحدّاد في ماله.(2)

أقول: لأنّه شبه العمد، فيجب عليه دفع الدية التي تقسّم على فعلين.

الفرع الخامس: ولو زاد الحدّاد سهواً، فالدية على عاقلته .2

أقول: لأنّه قتل خطائيّ، فالدية على عاقلة القاتل.

1 . مسالك الأفهام :14/476.   2 . شرائع الإسلام: 4/ 171 ـ 172 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 172 .

صفحه 288
وقد أشار المحقّق إلى أنّ في هذا الفرع احتمالاً آخر وهو تقسيط الدية على الأسواط التي حصل بها الموت وهي جميع ما ضرب به من أسواط الحدّ والزيادة، فيسقط من الدية ما قابل السائغ، فلو زاد على الثمانين واحداً مثلاً لم يلزمه إلاّ جزءاً من واحد وثمانين جزءاً من الدية، ولكنّه احتمال بعيد، إذ ربّما يكون السوط الأخير هو الجزء الأخير من العلّة التامّة.

صفحه 289

الباب الخامس

في حدّ السرقة

ويقع الكلام فيه في أُمور خمسة:
1. السارق.
2. المسروق.
3. الحجّة أو ما يثبت به .
4. الحدّ.
5. اللواحق.
وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر.

الأوّل: في السارق

ويشترط في وجوب الحدّ عليه الأُمور التالية:
1. البلوغ، 2. العقل، 3. ارتفاع الشبهة، 4. ارتفاع الشركة، 5. هتك الحرز، 6. إخراج المال بالمباشرة والتسبيب، 7. أن لا يكون والداً سارقاً من ولده، 8. الأخذ سرّاً. هذاما ذكره المحقّق في «الشرائع».1

1 . شرائع الإسلام: 4 / 172 .

صفحه 290
وربما يضاف إليه: الاختيار فلا يكون مكرهاً، وكون المال في حرز. والأخير مستدرك لدلالة الشرط الخامس عليه ـ أي هتك الحرز ـ فإنّ لازمه كونه في حرز. وإليك دراسة الجميع.
في شرائط وجوب الحدّ على السارق   

الأوّل: البلوغ

قال المحقّق: فلو سرق الطفل لم يحدّ ويؤدب، ولو تكرّرت سرقته. وفي النهاية: يُعفى عنه أوّلاً، فإن عاد أُدّب، فإن عاد حُكّت أنامله حتّى تُدمى، فإن عاد قُطعت أنامله، فإن عاد قُطِع كما يقطع الرجل، وبهذا روايات.1
أقول: لو سرق الصبيّ لم يحدّ، لرفع القلم عنه، ولكن يؤدّب حسب ما يراه الحاكم، كسائر الأُمور المنهية إذا مارسها الصبيّ.
وللشيخ تفصيل في «النهاية» فقال: ومتى سرق مَن ليس بكامل العقل بأن يكون مجنوناً أو صبيّاً لم يبلغ، وإن نقب وكسر القفل، لم يكن عليه قطع; فإن كان صبيّاً عفي عنه مرّة; فإن عاد، أُدِّب، فإن عاد ثالثةً، حُكَّت (يداه) حتى أصابعه تَدْمى ; فإن عاد، قُطعت أنامله ; فإن عاد بعد ذلك، قُطِع أسفل من ذلك كما يقطع الرجل سواء.2
وتبعه ابن حمزة في «الوسيلة»3، والعلاّمة في «المختلف»4 ونسبه إلى

1 . شرائع الإسلام: 4 / 172 .
2 . النهاية:715ـ716.
3 . الوسيلة: 418.
4 . مختلف الشيعة:9/204.

صفحه 291
الأكثر، وقال الفاضل الاصفهاني: لم أظفر بخبر يتضمّن هذا التفصيل.1
وقد عقد صاحب الوسائل باباً باسم: باب حكم الصبيان إذا سرقوا، فأورد فيه 16 حديثاً، ولمّا كانت المضامين مختلفة في بعض الفروض، قال: وجه الجمع في بعض الفروض المذكورة، تخيير الإمام(عليه السلام)، وأنّ له أن يفعل ما تقتضيه المصلحة.2
ولنذكر بعض الروايات:
1. صحيحة عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الصبيّ يسرق؟قال: «يعفا عنه مرّة ومرّتين، ويعزّر في الثالثة، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك».3
2. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن الصبيّ يسرق؟ فقال: «إذا سرق مرّة وهو صغير عفي عنه، فإن عاد عفي عنه، فإن عاد قطع بنانه،فإن عاد قطع أسفل من ذلك». ورواه الشيخ بإسناده عن أبي علي الأشعري إلاّ أنّه قال: «فإن عاد قطع أسفل من بنانه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك».4
3. حسنة الحلبي عن الصادق(عليه السلام) قال: «إذا سرق الصبيّ عفي عنه، فإن عاد عُزّر، فإن عاد قطع أطراف الأصابع، فإن عاد قطع أسفل من ذلك».5

1 . كشف اللثام:10/569.
2 . لاحظ : الوسائل:18، الباب 28 من أبواب حدّ السرقة.
3 . الوسائل:18، الباب28 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.
4 . الوسائل:18، الباب28 من أبواب حدّ السرقة، الحديث4.
5 . الوسائل:18، الباب28 من أبواب حدّ السرقة، الحديث2.

صفحه 292
ترى أنّ الإمام في الرواية الأُولى والثانية يأمر بالعفو مرتين، وفي الثالثة يأمر به مرّة واحدة، ويقول: إنّه إن عاد عُزّر،وهكذا الاختلاف في سائر أحاديث الباب. والعمل بهذه الروايات في مقابل ما تواتر عنه(صلى الله عليه وآله) في حديث الرفع: «والصبي حتى يحتلم» مشكل، وحمل قطع الأنامل على التعزير أشكل; ولذلك نرى أنّ المحقّق قد طرح هذه الأحاديث وقال ـ تعليقاً على كلام الشيخ ـ : والذي أراه تعزير الصبيّ والاقتصار على ما يراه الإمام أردع له. وقد اختلفت الأخبار في كيفية حدّه، فيسقط حكمها لاختلافها، وما ذكره الشيخ(رحمه الله) خبر واحد لا يحكم به في الحدود لعدم إفادته اليقين، والحدّ يسقط بالاحتمال.1
ثمّ إنّ صاحب الجواهر بعدما نقل كثيراً من الروايات قال: وهي كما ترى ليس في شيء منها تمام التفصيل المزبور، بل لم أجد العمل بشيء منها عدا مَنْ عرفت... ـ إلى أن قال: ـ إلاّ أنّ الإنصاف عدم الجرأة لغير المعصوم(عليه السلام) في الوصول في التأديب إلى القطع ولو الأنملة فضلاً عن القطع كما في الكبير الذي لا يوافق ما دلّ على كون التعزير دون الحدّ، ولذا قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لم يصنعه إلاّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)وأنا»2، ولعلّه لأنّهما يحيطان بما لم يحط به غيرهما.3
وبذلك يمكن أن يقال: إنّ الأحكام الواردة في الروايات كانت أحكاماً

1 . نكت النهاية:3/324.
2 . الوسائل: 18، الباب28 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 8 و 9.
3 . جواهر الكلام:41/479ـ480.

صفحه 293
حكومية، خاصّة بالنبيّ والوصي لا أحكاماً واقعية مستمرة عبر الزمان.
والأحوط هو الاكتفاء بالتعزير بغير الإدماء، هذا ما يرجع إلى الحاكم، وهنا وظيفة أُخرى ترجع إلى أولياء الطفل، وهي إزالة الأسباب المؤدّية إلى سرقة الطفل من حاجة مادية أو زوجية حتى يسدّ بذلك باب السرقة.

الثاني: العقل

قال المحقّق: فلا يقطع المجنون ويؤدّب وإن تكرّرت منه.1
أقول: لا يقطع المجنون ويؤدّب، وإن تكررت ـ السرقة ـ منه لرفع القلم عنه، بغير معارض. نعم لو سرق حال إفاقته لم يسقط عنه الحدّ بالجنون الطارئ، فلو أفاق يجري عليه الحدّ.
نعم تأديب المجنون من باب التعزير يختصّ بما إذا عقل بأنّ الحدّ لأجل السرقة، بخلاف ما إذا لم يعقله فلا فائدة في التعزير.

الثالث: ارتفاع الشبهة

قال المحقّق: فلو توهّم الملك، فبان غير المالك، لم يقطع. وكذا لو كان المال مشتركاً، فأخذ ما يظن أنّه قدر نصيبه .2
أقول: لو توهّم الملك فبان الخلاف لم يقطع، للشبهة حيث لا يُعدّ فعله

1 . شرائع الإسلام: 4 / 172 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 173.

صفحه 294
سرقة، كما لو اشتبه صندوق الإنسان، بصندوق الغير ففتحه وأخذ شيئاً منه، ثم تبيّن الخلاف.
والأخذ في المقام يختلف مع الأخذ في المقام التالي حيث إنّ الأخذ هنا بعنوان أنّه ملكه وسهمه، بخلاف المقام التالي فالأخذ فيه بعنوان السرقة، فلاحظ.

الرابع: ارتفاع الشركة

قال المحقّق: فلو سرق من مال الغنيمة، فيه روايتان: إحداهما: لا يقطع، والأُخرى: إن زاد ما سرقه عن نصيبه بقدر النصاب قطع، والتفصيل حسن.1أقول: الموضوع هو السرقة لا مطلق الأخذ.
ثمّ إنّه يقع الكلام تارة في السرقة من مال الغنيمة، وأُخرى من مال الشركة.
أمّا الأوّل ـ أي السرقة من مال الغنيمة ـ : فالروايات على طائفتين: ما يدلّ على عدم القطع مطلقاً، وما يدلّ على التفصيل:
أمّا الأُولى: ما يدلّ على عدم القطع مطلقاً فإليك ما ورد فيه من الروايات:
1. روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ علياً(عليه السلام) قال في رجل أخذ بيضة من المغنم، فقالوا: قد سرق إقطعه، فقال: «إنّي لم أقطع أحداً له فيما أخذ شرك».2

1 . شرائع الإسلام:4/173.
2 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.

صفحه 295
2. ما رواه مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «أنّ عليّاً(عليه السلام) أُتي برجل سرق من بيت المال، فقال: لا يقطع فإنّ له فيه نصيباً».1
3. ما رواه السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام):أربعة لا قطع عليهم: المختلس، والغلول، ومن سرق من الغنيمة، وسرقة الأجير فإنّها خيانة».2
وقد عمل بمضمون الروايات المفيد3، وسلاّر4، وفخر الدين 5.
وأمّا الطائفة الثانية ـ أي ما يدلّ على التفصيل، ففيها الرواية التالية:
4. صحيح عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت: رجل سرق من المغنم، أيش الذي يجب عليه؟ أيقطع؟ قال: «يُنظر، كم نصيبه، فإن كان الذي أخذ أقل من نصيبه عُزّر ودفع إليه تمام ماله، وإن كان أخذ مثل الذي له فلا شيء عليه، وإن كان أخذ فضلاً بقدر ثمن مجن ـ وهو ربع دينار ـ قطع».6

1 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2.
2 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب حدّ السرقة، الحديث3. والمختلس هو الذي يأخذ المال خفية من غير الحرز، والمستلب هو من يأخذ المال جهراً ويهرب.
3 . المقنعة:803 .
4 . المراسم:258.
5 . إيضاح الفوائد:4/225.
6 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ السرقة، الحديث4. وقد عمل بها الشيخ في الخلاف:5/453، المسألة 56 قال: إذا سرق الغانم من أربعة أخماس الغنيمة ما يزيد على مقدار نصيبه نصاباً وجب قطعه. وأمّا وجه عدم التعزير فيما أخذ مثل الذي له، فلعلّ أخذ المثل قرينة على أنّه لم يكن بصدد السرقة، وإلاّ لما اقتصر على ما يستحق بخلاف القسمين الآخرين.

صفحه 296
والمحقّق رجّح العمل بهذه الرواية لصحّة سندها، وأمّا ما دلّ على خلاف التفصيل من الروايات الثلاث، فقد ورد في سند الأُولى: سهل بن زياد، وفي سند الثالثة: السكوني، مضافاً إلى أنّ ما يفصّل يقيّد ما يدلّ بإطلاقه على عدم التفصيل.
فإن قلت: روى عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن البيضة التي قطع فيها أمير المؤمنين(عليه السلام)؟ فقال: «كانت بيضة حديد سرقها رجل من المغنم فقطعه».1
قلت: الرواية محمولة على زيادتها عن نصيبه بما يقتضي القطع، أو على أنّ السارق لم يكن من أهل المغنم، على أنّ قضايا أمير المؤمنين(عليه السلام) قضايا في واقعة.
هذا كلّه إذا سرق من الغنيمة، وأمّا إذا سرق من المال المشترك فهذا هو الذي أشار إليه المحقّق بقوله: ولو سرق من المال المشترك قدر نصيبه، لم يقطع، ولو زاد بقدر النصاب قُطع.2
أقول: فيدل عليه ما سبق من صحيح ابن سنان.
فإن قلت: إنّ مورد الروايات هو السرقة من الغنيمة، فإسراء الحكم إلى الشركة في الأموال أشبه بالقياس.
قلت: إنّ شركة الغانم أضعف من شركة المالك الحقيقي، فإذا قلنا بعدم قطع الغانم إذا لم يزد عن نصيبه، فالشريك أولى.(3)

1 . الوسائل:18، الباب 24 من أبواب حدّ السرقة، الحديث3.
2 . شرائع الإسلام:4/173.   3 . مسالك الأفهام:14/484.

صفحه 297

الخامس: هتك الحرز

قال المحقّق: أن يهتك الحرز، منفرداً كان أو مشاركاً، فلو هتك غيره، وأخرج هو، لم يقطع.1
أقول: هذا الشرط يتضمّن شرطين:
1. كون المال محرزاً، أي موضوعاً في محل يمنع من ضياع وتلف، فلا قطع في ما ليس بمحرز.
2. هتك الآخذ الحرز، يقال: هتك الستر ونحوه: خرقه، وفي مجمع البحرين: هتك الستر تمزيقه وخرقه، وذلك إمّا بالنقب أو فتح الباب أو كسر القفل.
وعلى ذلك فالحدّ على الهاتك المخرج للمال، فلو هتك واحد وأخرج الآخر، يجب على الأوّل ضمان ما أفسد من الحرز، وعلى الثاني ضمان المال.
نعم نُقل عن بعض أهل السنّة ثبوت القطع على الثاني لئلاّ يُتخذ ذلك ذريعة لإسقاط الحدّ، وربما عكس آخرون فحكموا بالقطع على الأوّل، وكلا القولين لا يوافق أُصولنا.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالحدّ على من اجتمعت فيه إزالة الحرز وأخذ المال، وعلى ذلك فلو تعاونا على النقب وما يحصل به هتك الحرز، ولكن انفرد أحدهما بالإخراج فالقطع على المخرج خاصّة.
ويدلّ على كلّ ما ذكرنا:

1 . شرائع الإسلام: 4 / 173.

صفحه 298
1. صحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل نقب بيتاً، فأُخذ قبل أن يصل إلى شيء؟ قال: «يعاقب، فإن أُخذ وقد أخرج متاعاً فعليه القطع». قال: وسألته عن رجل أُخذ وقد حمل كارة1 من ثياب وقال: صاحب البيت أعطانيها. قال: «يدرأ عنه القطع إلاّ أن تقوم عليه بيّنة، فإن قامت البيّنة عليه قطع».2
2. ما رواه السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في السارق، إذا أُخذ وقد أخذ المتاع وهو في البيت لم يخرج بعد. قال: ليس عليه القطع حتى يخرج به من الدار».3
3. وما رواه إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام): «أنّ علياً(عليه السلام)كان يقول: لا قطع على السارق حتى يخرج بالسرقة من البيت، ويكون فيها ما يجب فيه القطع».4
4. خبر طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)، قال: «ليس على السارق قطع حتى يخرج بالسرقة من البيت».5
5. صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن قوم اصطحبوا في

1 . والكارة هي ما يحمل على الظهر من الثياب. وتكوير المتاع: جمعه وشدّه. لاحظ : لسان العرب، مادة «كور».
2 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب حدّ السرقة، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب حدّ السرقة، الحديث3.
5 . الوسائل:18، الباب8 من أبواب حدّ السرقة، الحديث4.

صفحه 299
السفر رفقاء فسرق بعضهم متاع بعض؟ فقال: «هذا خائن لا يقطع ولكن يتبع بسرقته وخيانته».1
6. روى السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «كلّ مدخل يدخل فيه بغير إذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه» يعني الحمامات والخانات والأرحية.2
7. روى السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أُتي أمير المؤمنين(عليه السلام)بطرار قد طرّ دراهم من كمّ رجل. قال: إن كان طرّ من قميصه الأعلى لم أقطعه، وإن كان طرّ من قميصه الداخل قطعته».3
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على كلا القيدين، وهو كون المال في حرز مع هتكه وإخراجه، نعم في المورد روايات ربّما يعارض ظاهرها مع ما سبق ويدلّ على عدم الاشتراط نظير:
1. ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل سرق من بستان عذقاً قيمته درهمان، قال: «يقطع به».4
والرواية شاذّة لأنّه لا تقطع اليد إلاّ بربع دينار، والربع يعادل درهمين ونصف.

1 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حدّ السرقة، الحديث2.
3 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب حدّ السرقة، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب2من أبواب حدّ السرقة، الحديث14. والعذق النخلة بحملها (راجع مجمع البحرين) وأمّا العذق ـ بالكسر فهو عنقود التمر ـ والعذق: عنقود من العنب ومن النخل هو كالعنقود من العنب (المنجد)، والظاهر هو المعنى الأوّل وكأنّه قطع النخلة من وسطها مع ثمرها.

صفحه 300
2. ما رواه الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا أخذ الرجل من النخل والزرع قبل أن يصرم فليس عليه قطع، وإذا صرم النخل وأخذ وحصد الزرع، فأُخذ قطع».1
أقول: الظاهر أنّ الرواية ليست في مقام بيان كون النخل والزرع محرزين وعدمه، فلا يعتدّ بإطلاقها، ومع ذلك فقد قال المحقّق الأردبيلي: لو لم يكن إجماع على شرط الحرز لأمكن القول بعدمه، وعلى تقدير الاشتراط فهو المتعارف بمعنى أنّ كلّ موضع يقال له حرز لمثل هذا المتاع فهو حرز له، مثل الاصطبل للدواب، والبيوت للظروف والفروش، ولكن الظاهر مع الغلق.2
وهناك روايات أُخرى ربما يستظهر منها عدم اشتراط الحرز ولكن ليست صريحة في المراد، فلاحظ.3

السادس: إخراج المال بالمباشرة والتسبيب

قال المحقّق: ويتحقق الإخراج بالمباشرة والتسبيب .4
أقول: ويتحقّق الإخراج بالمباشرة تارة، وبالتسبيب أُخرى، على نحو يُسند الفعل فيه إلى ذي التسبيب، مثل أن يشدّه بحبل ثم يجذبه من الخارج،

1 . الوسائل:18، الباب23 من أبواب حدّ السرقة، الحديث4.
2 . مجمع الفائدة والبرهان :13/222ـ223.
3 . لاحظ: الوسائل:18، الباب33 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1; والباب 17 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2; والباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 13.
4 . شرائع الإسلام: 4 / 173.

صفحه 301
أو يضعه على دابة من الحرز ليخرجها به بأن ساقها أو قادها. بل يكفي في ذلك إذا استعان بجناح طائر من شأنه العود إليه، كما إذا شدّ السكة في جناحه.
ويدلّ على هذا الشرط ـ مضافاً إلى عدم صدق السرقة قبل الإخراج عن الحرز ـ الروايات الماضية فقد دلّت على هذا الشرط بعبارات مختلفة، ففي بعضها: «لا قطع على السارق حتى يخرج بالسرقة عن البيت».
وعلى كلّ تقدير إذا أُسند الإخراج إليه بأي سبب كان، ومنه يُعلم ما لو استخدم (صبيّاً) صغيراً غير مميز لإخراجه، تعلّق بالآمر القطع، لأنّ الصبيّ كالآلة، وكذا المجنون، ونظيره الصبيّ مع التمييز; لأنّ إرادة الآمر غالبة على إرادة الصبيّ وإن كان مميّزاً، وهذا من الموارد التي يكون فيها السبب أقوى من المباشر.

السابع: أن لا يكون والداً من ولده

قال المحقّق: أن لا يكون والداً من ولده، ويقطع الولد لو سرق من الوالد. وكذا يقطع الأقارب. وكذا الأُم لو سرقت من الولد.1
أقول: مقتضى عموم الآية عموم القطع لسرقة الأقارب والأجانب، من غير فرق بين الوالد والولد، أو الأُم والولد، إلاّ أنّ الوالد قد خرج عن الضابطة، مضافاً إلى فحوى عدم قتله به، وقوله(عليه السلام):«أنت ومالك لأبيك».
نعم لو سرقت الأُم من مال الولد، فتقطع، لعدم الدليل على تقييد الآية.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 173.

صفحه 302
لكن ألحق أبو الصلاح الأُم بالأب.1 ونفى عنه في «المختلف» البأس.(2)

الثامن: أن يأخذ سرّاً

قال المحقّق: فلو هتك قهراً ظاهراً وأُخذ، لم يقطع. وكذا المستأمن لو خان. ويقطع الذمّي كالمسلم والمملوك، مع قيام البيّنة. وحكم الأُنثى في ذلك كلّه حكمُ الذكر.2
أقول: لو هتك قاهراً، فأخذ لم يقطع إذ لا يسمّى الآخذ سارقاً بل غاصباً، وكذا لو أخذ المستأمن، لأنّه لم يُحرز من دونه، إذ المال في يده من غير فرق بين الودعي وغيره.
ثمّ إنّه لا فرق بين كون السارق مسلماً أو ذمّياً، سواء سرق من مسلم أو من ذمي، لاحترام ماله، فيندرج تحت إطلاق الأدلّة; وحكم الأُنثى في ذلك كلّه حكم الذكر، إجماعاً ولعموم الأدلّة.
إلى هنا تمّت دراسة الشروط الثمانية، فلو ضُمّ إليها الاختيار، وكون المال في حرز لأصبحت عشرة كاملة، وإن كان الثاني مفهوماً من الشرط الخامس ـ أعني: هتك الحرز ـ كما مرّ. نعم هو من شروط المسروق أيضاً.
   
ثمّ إنّ المحقّق ذكر هنا مسائل ندرسها تالياً 3:

1 . الكافي في الفقه:411.   2 . مختلف الشيعة: 9/233.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 173 .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 174 .

صفحه 303
مسائل

الأُولى: في سرقة العين المرهونة والمستأجرة

إذا سرق الراهنُ العينَ المرهونة، أو الموجرُ العين المستأجرة، لا تقطع يداهما وإن عصيا; لأنّ الملاك في صدق السرقة إخراج العين المملوكة من الحرز، والمرتهن ليس مالكاً للعين المرهونة، كما أنّ المستأجر كذلك وإنّما يستحق المرتهن إمساك العين حتى يستوفي دينه، كما أنّ المستأجر يملك استحقاق الانتفاع من العين. والحيلولة بين العين وإمساك المرتهن أو بين العين واستحقاق الانتفاع، ليس من مقولة إخراج العين المملوكة من الحرز.

الثانية: في سرقة العبد من مال مولاه

إذا سرق عبد المولى من ماله أو عبد الغنيمة من المغنم، فلا تقطع يد العبد، وعلّله المحقّق بأنّ فيه زيادة إضرار إمّا على المولى ـ كما إذا سرق ماله ـ ، أو على الغنيمة إذا سرق منها، وهو واضح لأنّ قطع اليد يوجب نزول قيمة العبد في كلا الموردين، ولا يتحمل الضرر إلاّ المولى أو الغنيمة.
وما ذكره وإن كان تعليلاً جيّداً، ولكن مستند الحكم الروايتين التاليتين:
1. ما رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في عبد سرق واختان من مال مولاه، قال: ليس عليه قطع».1

1 . الوسائل:18، الباب29 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.

صفحه 304
2. ما رواه السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «عبدي إذا سرقني لم أقطعه، وعبدي إذا سرق غيري قطعته، وعبد الإمارة إذا سرق لم أقطعه لأنّه فيء».1
إلاّ أنّ في سند الرواية الأُولى ابن أبي نجران وهو لم يوثّق، وفي الثانية النوفلي عن السكوني. ولعلّهما مع ما علّله المحقّق يكفيان للحكم بالمضمون.

الثالثة:

وفيها فروع:

الفرع الأوّل: إذا سرق الأجير من مال المستأجر

فيه قولان:
الأوّل: يقطع على المشهور بين الأصحاب، وذلك فيما لو كان المال في حرز فأخرجه الأجير، للعمومات الدالّة على القطع في تلك الحالة.
الثاني: لا يقطع، عملاً بروايات محمولة على ما إذا كان الأجير مستأمناً، أي وضعه تحت يده وسرقه، والروايات هي:
1. روى الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال في رجل استأجر أجيراً وأقعده على متاعه فسرقه، قال: «هو مؤتمن...» الحديث.2

1 . الوسائل:18، الباب29 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2.
2 . الوسائل:18، الباب 14 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.

صفحه 305
2. روى سماعة، قال: سألته عن رجل استأجر أجيراً فأخذ الأجير متاعه فسرقه؟ فقال: «هو مؤتمن ـ ثمّ قال: ـ الأجير والضيف أُمناء ليس يقع عليهم حدّ السرقة».1
والروايتان محمولتان على حال الاستئمان. ويدلّ عليه ما في صحيحة الحلبي من قوله: «وأقعده على متاعه». ولا يشمل ما إذا أخرجه من الحرز.

الفرع الثاني: في سرقة الزوج والزوجة كلٌّ من الآخر

إذا سرق الزوج من زوجته ما أحرزته دونه، أو الزوجة من الزوج ما أحرزه دونها، فيقطعا بلا خلاف، للعمومات.
نعم لا بأس بسرقة الزوجة مقدار النفقة إذا منعها منها، وقد أجاز النبي(صلى الله عليه وآله)لزوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله إذا منعها من حقّها، قالت هند ـ زوجة أبي سفيان ـ لرسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّه رجل شحيح وأنّه لا يعطيني وولدي إلاّ ما آخذ منه سرّاً وهو لا يعلم فهل عليّ فيه شيء؟ فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».2
ويؤيده ما رواه المفضّل بن صالح، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا سرق السارق من البيدر من إمام جائر فلا قطع عليه، إنّما أخذ حقّه، فإذا كان من إمام عادل فعليه القتل».3 والظاهر تصحيف القطع بالقتل.

1 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب حدّ السرقة، الحديث4.
2 . سنن البيهقي:7/466.
3 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب حدّ السرقة، الحديث5.

صفحه 306
ولو صحّ ذلك فيجوز لكلّ مستحق أن يسرق من مال المستحق عليه إذا كان ممتنعاً عن أداء الحق.
قال العلاّمة: وكلّ مستحق للنفقة إذا سرق من المستحق عليه مع الحاجة لم يقطع، ويقطع بدونها إلاّ مع الشبهة.1
والأولى تقييد الجواز بصورة الضرورة وامتناع المستحق عليه من أداء حقّه.

الفرع الثالث: في سرقة الضيف

إذا سرق الضيف ففيه قولان:
أ. عدم القطع مطلقاً.
ب. القطع إذا أحرز من دونه.
قال الشيخ: وكذا الضيف إذا سرق من مال مضيفه لا يجب عليه قطع.2
والظاهر أنّ حكمه حكم الأجير، فإن كان المال في حرزه وأخرجه الضيف فيقطع، وإلاّ فإن كان في غير الحرز كما إذا كان على المائدة أو في الغرفة المعدّة للضيف ثم سرقه، فلا قطع.

1 . قواعد الأحكام :3/358.
2 . النهاية:717.

صفحه 307
 
الرابعة: لو اختلفا في كيفية الإخراج
لو اختلفا في كيفية الإخراج، مثلاً: لو أخرج متاعاً فقال صاحب المنزل: سرقته، وقال المخرج: وهبتنيه أو أذنت في إخراجه، لا يقطع لوجود الشبهة الدارءة للحدّ، وإن كان القول قول صاحب المنزل مع يمينه لاعتراف مدّعي الهبة بمالكيته وإنّما يدّعي الانتقال إليه بالهبة، ومقتضى الاستصحاب بقاء العين على ملك المالك السابق، ومع ذلك لا تقطع يده، للشبهة.
ومثله إذا قال المُخرج: المال لي، وأنكر صاحب المنزل، لا يقطع لمكان الشبهة، غاية الأمر أنّ المُخرج يردّ المال إلى صاحب المنزل.
***
تمّ الكلام في الأمر الأوّل وهو السارق،
وإليك الكلام في الأمر الثاني
***

صفحه 308
   

الأمر الثاني:

في المسروق

قال المحقّق: لا قطع فيما نقص عن ربع دينار. ويقطع فيما بلغه ذهباً خالصاً، مضروباً عليه السكة.1
أقول: اتّفقت كلمتهم على لزوم بلوغ المسروق حدّ النصاب، وهذا ممّا لا خلاف فيه، إلاّ أنّهم اختلفوا في مقداره، فالمشهور أنّه ربع دينار من الذهب الخالص، المضروب بسكة المعاملة، أو ما قيمته ربع دينار، فلا قطع فيما دون ذلك.
وعن ابن أبي عقيل بلوغه ديناراً فصاعداً.
وقال ابن بابويه: بلوغه خُمس دينار، أو ما قيمته ذلك.2 ويدلّ عليه روايات ستوافيك.
ويظهر من ابن جُنيد الميل إليه.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 174.
2 . من لا يحضره الفقيه:4/64، برقم 5113 و 5114.

صفحه 309
فصارت الأقوال ثلاثة.
قال العلاّمة في «المختلف»: المشهور بين علمائنا أنّ النصاب الذي يجب به قطع السارق ربع دينار ذهباً خالصاً، أو ما قيمته ذلك، سواء كان منقوشاً أو لا. ذهب إليه الشيخان، والسيد المرتضى، وسلاّر، وابن البرّاج، وأبو الصلاح، وابن حمزة، وابن زهرة، وأكثر علمائنا.1
وقال الشيخ في «الخلاف»: النصاب الذي يقطع به، ربع دينار فصاعداً، أو قيمته ربع دينار، سواء كان درهماً أو غيره من المتاع. وبه قال في الصحابة: علي(عليه السلام) وأبو بكر وعمر وعثمان وابن عمر وعائشة، وفي الفقهاء: الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي.2
ثمّ إنّه نقل أقوال بقية أهل السنّة وهي ثمانية:
1. داود وأهل الظاهر والخوارج: يقطع بقليل الشيء وكثيره، وليس لأقلّه حدّ.
2. الحسن البصري وابن الزبير: القطع في نصف دينار فصاعداً.
3. عثمان البتي: القطع في درهم واحد فصاعداً.
4. زياد بن أبي زياد: القطع في درهمين فصاعداً.
5. مالك: نصاب الذهب ربع دينار، ونصاب الفضة ثلاثة دراهم، وإن سرق غيرهما قوّم بالدراهم فإن بلغ ثلاثة دراهم قطع.

1 . مختلف الشيعة:9/213ـ214.
2 . الخلاف: 5/411، المسألة 1 .

صفحه 310
6. أبو هريرة وأبو سعيد الخدري: القطع في أربعة دراهم فصاعداً.
7. النخعي: القطع في خمسة دراهم فصاعداً.
8. أبو حنيفة وأصحابه: القطع في عشرة دراهم فصاعداً، فإن سُرق من غيرها، قوّم بها.1
هذه هي الأقوال.
ويدلّ على القول المشهور عند الإمامية روايات متضافرة وهي:
النبوي: «لا قطع إلاّ في ربع دينار»(2).
وصحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): في كم يقطع السارق؟ قال: «في ربع دينار».
قال: قلت له: في درهمين؟
قال: «في ربع دينار، بلغ الدينار ما بلغ».
قال: قلت له: أرأيت من سرق أقلّ من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ وهل هو عند الله سارق؟
فقال: «كلّ مَن سرق من مسلم شيئاً قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق، وهو عند الله سارق، ولكن لا يقطع إلاّ في ربع دينار أو أكثر، ولو قطعت أيدي السرّاق فيما هو أقلّ من ربع دينار لألفيت عامّة الناس مقطّعين».2

1 . الخلاف:5/411ـ413.   2 . سنن البيهقي:8/254.
2 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1; ولاحظ الحديث 2، 4، 5، 6، 8، 16.

صفحه 311
هاتان الروايتان مع ما أشرنا إليه في الهامش تدلّ على أنّ النصاب ربع دينار.
وقد اشتهر هذا النصاب عبْر القرون، واعترض بعض الملاحدة على هذا النصاب قائلاً:
   يد بخمس مئين عسجد فديت       ما بالها قطعت في ربع دينار
وأجاب السيد المرتضى على اعتراضه بقوله:
   عز الأمانة أغلاها وأرخصها         ذل الخيانة فافهم حكمة الباري1
نعم توجد روايات تدلّ على خلاف المشهور وهي على طوائف:
الطائفة الأُولى: ما يدلّ على اعتبار بلوغ قيمة المسروق خمس الدينار. وقد عرفت أنّه خيرة ابن بابويه والد الصدوق، نظير:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «يقطع السارق في كلّ شيء بلغ قيمته خمس دينار، إن سرق من سوق أو زرع أو ضرع وغير ذلك».2
2. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «أدنى ما يقطع فيه يد السارق، خمس دينار».3
4. صحيحة محمد بن مسلم الأُخرى، قال: قال أبوجعفر(عليه السلام): «أدنى ما تقطع فيه يد السارق، خمس دينار، والخمس آخر الحدّ الذي لا يكون القطع

1 . لاحظ : القواعد والفوائد للشهيد الأوّل: 1 / 142 ; نضد القواعد الفقهية للمقداد السيوري: 82 .
2 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 12.
3 . الوسائل:18، الباب 2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث3.

صفحه 312
في دونه ويقطع فيه وفيما فوقه».1
5. معتبرة إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل سرق من بستان عذقاً قيمته درهمان، قال: «يقطع به».2 فإن الدينار غالباً يعادل عشرة دراهم فالدرهمان خمس الدينار.
6. صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن حدّ ما يقطع فيه السارق؟ فقال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): بيضة حديد بدرهمين أو ثلاث».3
وسيوافيك وجه الجمع بين القول بربع دينار، وما في هذه الطائفة من كفاية خمسه، فانتظر.
الطائفة الثانية: ما يدلّ على اعتبار بلوغ قيمة المسروق ثلث دينار، نظير:
1. معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قطع أمير المؤمنين(عليه السلام)رجلاً في بيضة»، قلت: وأي بيضة؟ قال: «بيضة حديد قيمتها ثلث دينار»، فقلت: هذا أدنى حدّ السارق؟ فسكت.4 وسكوت الإمام قرينة على وجود التقية.
2. معتبرة سماعة قال: سألته: على كم يقطع السارق؟ قال: «أدناه على ثلث دينار».5 القول بالثلث، يقارب قول مالك في الدرهم حيث قال بكفاية ثلاث دراهم الذي هو يقارب ثلث الدينار.

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 13.
2 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث14.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث22.
4 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث10.
5 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث11.

صفحه 313
الطائفة الثالثة: ما يدلّ على اعتبار بلوغ قيمة المسروق عشرة دراهم، نظير صحيحة أبي حمزة، قال: سألت أباجعفر(عليه السلام): في كم يقطع السارق؟ فجمع كفيّه ثم قال: «في عددها من الدراهم».1
يلاحظ على الطائفة الأخيرة بأنّه لا يخفى إجمال الرواية في بيان المراد، والاستدلال مبني على أنّ المراد عدد الأصابع، وهذا أيضاً غير ظاهر، ولسان الحديث حاك عن وجود التقية، وإلاّ لبيّن الإمام ما هو الموضوع صريحاً ; مضافاً إلى أنّ القول بأنّ القطع في عشرة دراهم ممّا يقول به أبو حنيفة وأصحابه، وليس بين الأصحاب مَن عمل بهذه الرواية.
وأمّا الطائفة الثانية ـ أعني: ما يدلّ على أنّ الملاك ثلث دينار ـ فهو قريب ممّا ذهب إليه مالك حيث قال: نصاب الفضة ثلاثة دراهم،وليس بين الأصحاب من أفتى بذلك، مضافاً إلى سكوت الإمام المريب.
وحصيلة الكلام: أنّ الطائفة الثالثة توافق فتوى أبي حنيفة، والثانية توافق فتوى مالك، ولا يبعد صدورهما تقية، ولذلك لمّا سأل أبو بصير أبا عبد الله(عليه السلام)في الثلث وقال: هذا أدنى حدّ السارق؟ سكت الإمام(عليه السلام).
كلّ ذلك يدلّ على وجود نوع تقية في الطائفتين.
بقي الكلام في ما دلّ على الربع وما دلّ على الخمس الذي عرفت تضافر الروايات فيه. فالمشهور هو ترجيح ما دلّ على الربع على ما دلّ على الخمس; ولكنّ المحقّق الخوئي جعل العكسَ هو الأظهر وأنّه يقطع في

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث9.

صفحه 314
خمس دينار، واستدلّ عليه بأنّ ما دلّ على الخمس موافق للقرآن، فيرجّح على الآخر أو يتعيّن العمل به بناء على أنّ موافقة القرآن من قبيل تمييز الحجّة عن اللا حجّة. ثمّ إنّه ذكر وجه الموافقة بالبيان التالي:
إنّ مقتضى الإطلاق في الآية المباركة وجوب القطع في السرقة مطلقاً: قليلاً كان المسروق أم كثيراً، ولكنّا علمنا من الخارج أنّه لا قطع في أقلّ من خمس، فترفع اليد عن إطلاق الآية بهذا المقدار. وأمّا التخصيص الزائد فلم يثبت، لمعارضة ما دلّ على ذلك، بالروايات الدالّة على اعتبار الخمس، فتطرح من ناحية مخالفتها لظاهر الكتاب، فالنتيجة: أنّ القول باعتبار الخمس هو الأظهر.1
أقول: ما ذكره مبني على أنّ التخصيص بالربع يستلزم تخصيصاً زائداً والأصل عدمه، ولكن الظاهر أنّ الأمر دائر بين المتبائنين إمّا التخصيص بالثلث أو التخصيص بالربع، ولا يستلزم التخصيص بالربع تخصيصاً أكثر; وذلك لأنّ المتكلّم لم يلاحظ كلّ مقدار من المال شيئاً مستقلاً حتى يكون التخصيص بالعشر أقل من التخصيص بالتُّسع، وهكذا وإنّما لاحظ كون الموضوع سرقة المال فقط. ولكن علمنا من الخارج أنّ المطلق ليس موضوعاً للحكم، وأنّه إمّا مقيّد بالخمس أو مقيّد بالربع، وفي مثله لا يمكن التمسّك بالإطلاق، وتصل النوبة إلى وجود الشبهة في الخمس دون الربع فلا يقطع بالأوّل لدرء الحدّ بالشبهة.
***

1 . مباني تكملة المنهاج:1/296.

صفحه 315
ثمّ إنّ المحقّق لم يفرّق بين ما بلغت قيمته ربع دينار، وبين كونه ثوباً أو طعاماً أو فاكهة أو غيره، سواء كان أصله الإباحة أو لم يكن، وضابطه ما يملكه المسلم.
ثم أضاف: وفي الطين وحجارة الرخام رواية بسقوط الحدّ، ضعيفة.1
وقد أشار بذلك (قدّس سرّه) إلى خلاف أبي حنيفة في المسألة، قال الشيخ: كلّ جنس يتمولّ في العادة فيه القطع، سواء كان أصله الإباحة أو غير الإباحة، فما لم يكن على الإباحة كالثياب والأثاث والحبوب، وما أصله الإباحة من ذلك الصيود على اختلافها إذا كانت مباحة، وكذلك الجوارح المعلّمة، وكذلك الخشب كله، الحطب وغيره، الساج2 وغيره، الباب واحد، وكذلك الطين وجميع ما يعمل منه من الخزف والظروف والأواني والزجاج، وجميع ما يعمل منه والحجر، وجميع ما يعمل منه من القدور، وكذلك كلّ ما يستخرج من المعادن كالقير والنفط والموميائي والملح،وجميع الجواهر من اليواقيت وغيرها، وكذلك الذهب والفضة، كلّ هذا فيه القطع، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: ما لم يكن أصله الإباحة مثل قولنا، وما كان أصله الإباحة في دار الإسلام فلا قطع فيه... ـ ثم قال: ـ وكلّما يعمل من الطين من الخزف والفخار والقدور وغيرها من الأواني لا قطع فيه.3
كلّ ذلك تقييد بلا دليل.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 174 ـ 175 .
2 . الساج شجر عظيم جداً تنبت ببلاد الهند ولا تكاد الأرض تبليه، وينتج منها أجود الأخشاب الصلبة. راجع مجمع البحرين: 2 / 447، مادة «سوج».
3 . الخلاف:5/416ـ417.

صفحه 316
نعم وردت في الرخام رواية رواها السكوني عن الصادق(عليه السلام) قال: «لا قطع على مَن سرق الحجارة ـ يعني: الرخام ـ وأشباه ذلك».1
وبهذا الاسناد قال: «قضى النبي(صلى الله عليه وآله) في مَن سرق الثمار في كمّه فما أكل منه فلا شيء عليه، وما حمل فيُعزّر ويغرّم قيمته مرتين».
وبهذا الاسناد أيضاً قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):«لا قطع في ثمر ولا كثر»2. إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها الشيخ الحر العاملي.3
والجميع محمول على عدم الأخذ من الحرز، وفي رواية الفضيل إشارة إلى ذلك، حيث جاء فيها:«إذا أخذ الرجل من النخل والزرع قبل أن يصرم فليس عليه قطع، فإذا صرم النخل وحصد الزرع فأخذ، قطع».4
   

كون المال محرزاً

قال المحقّق: ومن شرطه أن يكون محرزاً بقفل أو غلق أو دفن، وقيل: كلّ موضع ليس لغير مالكه الدخول إليه إلاّ بإذنه. فما ليس بمحرز فلا يقطع سارقه، كالمأخوذ من الأرحبة والحمّامات، والمواضع المأذون في غشيانها كالمساجد.5
أقول: اختلفت كلمة الأصحاب في تفسير هذا الشرط على قولين:

1 . الوسائل: 18، الباب23 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.
2 . الكثر هو شحم النخل أو الجمّار.
3 . لاحظ : الوسائل: 18، الباب 23 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2، 3 .
4 . الوسائل:18، الباب23 من أبواب حدّ السرقة، الحديث4.
5 . شرائع الإسلام: 4 / 175.

صفحه 317
1. المشهور، أن يكون المال محرزاً بقفل أو غلق أو دفن أو ما أشبه ذلك. ويدلّ على ذلك خبر السكوني عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «لا يقطع إلاّ من نقب نقباً أو كسر قفلاً».1
وروى جميل عن بعض أصحابه، عن أحدهما(عليهما السلام): «لا يقطع إلاّ من نقب بيتاً أو كسر قفلاً».2
2. قال الشيخ: والحرز هو كلّ موضع لم يكن لغير المتصرّف فيه الدخول إليه إلاّ بإذنه، أو يكون مقفلاً عليه أو مدفوناً... ثم قال: وأمّا المواضع التي يطرقها الناس كلّهم وليس يختصّ بواحد دون غيره فليس حرزاً، وذلك مثل الخانات والحمامات والمساجد والأرحية، وما أشبه ذلك من المواضع، فإن كان الشيء في أحد هذه المواضع مدفوناً أو مقفلاً عليه فسرقه إنسان، كان عليه القطع ; لأنّه بالقفل والدفن قد أحرزه.3
وما ذكره لا غبار عليه إلاّ قوله: كلّ موضع لم يكن لغير المتصرّف الدخول إليه بإذنه، حيث اكتفى بذلك، مع أنّه تعريف بالأعمّ ; وذلك لأنّ الدار المفتوحة أو التي لا باب لها، ليس لغيره الدخول إليها بدون إذنه، ومع ذلك لو سرق منها لا يقطع.
وحصيلة الكلام: أنّ الحرز حقيقة عرفية كسائر المفاهيم العرفية كالقبض والتفرّغ وإحياء الموات. وقد دلّ العرف على أنّ القفل على الظرف الذي لا

1 . الوسائل: 18 ، الباب18 من أبواب حدّ السرقة، الحديث3.
2 . الوسائل: 18، الباب18 من أبواب حدّ السرقة، الحديث5.
3 . النهاية:714.

صفحه 318
ينقل عادة كالبيت والصندوق الكبير، والغلق على الدار، والدفن للمال، كلّه حرز. ولكلّ شيء حرز خاص مثلاً: حرز الثياب الصندوق المقفل، وحرز الدواب الاسطبل، وحرز الأمتعة التي من شأنها أن توضع في الدكاكين هي وضعها فيها وغلقها.

هل وجود المراعي محقّق للحرز؟

قال المحقّق: وقيل: إذا كان المالك مراعياً له، كان محرزاً، كما قطع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سارق مئزر صفوان في المسجد، وفيه تردّد.1
أقول: قال الشيخ: إذا كان الباب مفتوحاً لم يكن حرزاً حتى يكون الذي معها مراعياً لها غير نائم.2 فالمراعاة عنده حرز، فالسرقة معها وإن كان الباب مفتوحاً، محكومة بالقطع.
وقد استدلّ على ذلك بما روى الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يأخذ اللص، يرفعه أو يتركه؟ فقال: «إنّ صفوان بن أُمية كان مضطجعاً في المسجد الحرام، فوضع رداءه وخرج يهريق الماء، فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي، فذهب يطلبه فأخذ صاحبه، فرفعه إلى النبي(صلى الله عليه وآله)، فقال(صلى الله عليه وآله): «اقطعوا يده».
فقال الرجل: تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله؟

1 . شرائع الإسلام: 4 / 175.
2 . المبسوط:8/24. الضمير في قوله:«معها» يرجع إلى الحظيرة في ما قبل كلامه.

صفحه 319
قال: «نعم». قال: فأنا أهبه له، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «فهلاّ كان هذا قبل أن ترفعه إليّ!»
قلت: فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال: «نعم».1
وأورد الشهيد الثاني على الاستدلال بالرواية فقال: إنّ في جعل المراعاة حرزاً إشكالاً ; لأنّ السارق إن أخذ المال مع نظر المالك إليه لتتحقّق المراعاة لم يحصل الشرط، وهو أخذه سرّاً، وإنّما يكون مستلباً غاصباً، وهو لا يقطع; وإن كان مع الغفلة عنه، لم يكن محرزاً بالمراعاة.2
والظاهر من «المبسوط» أنّ الرداء كان تحت رأسه حيث قال: وإن كان معه ثوب ففرشه ونام عليه أو اتّكأ عليه ونام وتوسّده فهو حرز في أي موضع كان في البلد أو البادية ; لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قطع سارق رداء صفوان وكان سرقه من تحت رأسه في المسجد، لأنّه كان متوسّداً له، فإن تدحرج عن الثوب زال الحرز.3
أقول: إنّ قوله:«وكان سرقه من تحت رأسه في المسجد» مخالف لظاهر الرواية، لقوله فيها: «وخرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق».
ولا يمكن العمل بهذه الرواية ; لأنّ المال لم يكن محرزاً، فإن قلنا بما ذكره الشيخ من الحمل فهو، وإلاّ يرجع علمها إلى أصحابها.

1 . الوسائل:18، الباب17 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
2 . مسالك الأفهام:14/497.
3 . المبسوط:8/24.

صفحه 320

سرقة ستارة الكعبة

قال المحقّق: وهل يقطع سارق ستارة الكعبة؟ قال في المبسوط والخلاف: نعم. وفيه اشكال ; لأنّ الناس في غشيانها شرع .1
أقول: قال في الخلاف: من سرق من ستارة الكعبة ما قيمته ربع دينار وجب قطعه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه.2 ونظيره في «المبسوط»3.
واستدلّ بما روى أصحابنا من أنّ الإمام(عليه السلام) إذا قام قطع أيدي بني شيبة وعلّقها على البيت ونادى عليهم: هؤلاء سرّاق بيت الله.4
والاستدلال بالرواية ضعيف ; لأنّ شرط الحرز أن يكون المال بغير يد السارق، والمفروض في ستارة الكعبة كونها من مبدأ الإسلام إلى يومنا هذا بأيديهم; مضافاً إلى ما ذكره المحقّق من أنّ الناس أمامها شرع سواء. ولعلّ القطع لأجل إفسادهم لا لسرقتهم، كما يظهر من ذيل الرواية رقم 14 المذكور في هامش الوسائل، فلاحظ.
وقد جرت السيرة بين الحجّاج على قطع شيء من ستار الكعبة تبرّكاً.
   

1 . شرائع الإسلام:4/175.
2 . الخلاف:5/429.
3 . المبسوط:8/33.
4 . الوسائل:9، الباب22 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث13.

صفحه 321

إذا سرق من جيب إنسان أو كمّه

قال المحقّق: ولا يقطع من سرق من جيب إنسان أو كُمّه الظاهرين، ويقطع لو كان باطنين .1
أقول: إذا أخذ السارق شيئاً من جيب إنسان أو من كمّه الظاهرين لا يقطع لعدم كون المال محرزاً، بخلاف ما إذا أخذه من جيب أو كمّ باطنين.
قال الشيخ في «الخلاف»: مَن سرق من جيب غيره، وكان باطناً بأن يكون فوقه قميص آخر أو من كمّه وكان كذلك، كان عليه القطع.
وإن سرق من الكمّ الأعلى أو الجيب الأعلى فلا قطع عليه، سواء شدّه في الكمّ من داخل أو من خارج.
ثم قال: دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً الأصل براءة الذمة. وأيضاً ما ذكرناه مجمع على وجوب القطع فيه، وما ذكروه ليس عليه دليل.(2)

سرقة الثمرة على الشجرة

قال المحقّق: ولا قطع في ثمرة على شجرها، ويقطع لو سرق بعد إحرازها.2
أقول: إذا سرق الثمرة على الشجرة، فلا يقطع لعدم الإحراز، بخلاف ما لو سرق بعد إحرازها.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 175 .   2 . الخلاف:5/451ـ452.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 175.

صفحه 322
نعم الروايات الواردة في المقام ظاهرة في عدم الفرق بين كون الثمرة على الشجرة وبين المحرزة بغلق.1
ومقتضى إطلاق الروايات التي أشرنا إليها في الهامش، عدم الفرق في عدم القطع بين عدم الإحراز والإحراز بغلق ونحوه، والأخذ بهذا الإطلاق مشكل، اللهم إلاّ أن يُدّعى انصرافها إلى ما هو الغالب من عدم الحرز لها في حال كونها على الشجرة، بخلاف ما إذا اجتنيت فتودع الثمار في مكان مأمون من السرقة ; ولذلك ذهب العلاّمة في «القواعد» إلى القطع إذا كانت محرزة حيث قال: ولو كانت الشجرة في موضع حرز كالدار، فالأولى القطع (بسرقة ثمرها) مطلقاً.2
وعلى هذا فحينئذ التفصيل بين كونها محرزة وغير محرزة هو القوي، والأقوى التفريق بين كون البستان ذا جدران وباب مغلق فيقطع إذا كسر القفل، أو تسلّق الجدار، ونزل البستان; وبين كونه فاقداً لما يصون الغير عن الدخول، فلا يقطع، سواء كانت الثمرة على الشجرة أو على الأرض.

السرقة في عام المجاعة

قال المحقّق: ولا قطع على مَن سرق مأكولاً في عام المجاعة 3.
أقول: وقال الشيخ في «الخلاف»: روى أصحابنا أنّ السارق إذا سرق عام

1 . لاحظ : الوسائل:18، الباب23 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2، 3، 5، 6، 8 .
2 . قواعد الأحكام: 3/561، ولاحظ : مسالك الأفهام:14/500.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 175 .

صفحه 323
المجاعة، لا قطع عليه، ولم يفصّلوا.
وقال الشافعي: إن كان الطعام موجوداً مقدوراً عليه ولكن بالثمن الغالي فعليه القطع، وإن كان القوت متعذّراً لا يقدر عليه، فسرق سارق طعاماً، فلا قطع عليه.
دليلنا: ما رواه أصحابنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «لا قطع في عام مجاعة». وروي ذلك عن عمر أنّه قال: لا قطع في عام مجاعة، ولا قطع في عام السنة، ولم يفصّلوا.1
والمراد من المأكول هو الأعمّ المأكول بالفعل كالخبز، وبالقوة كاللحم والحبوب، والقدر المتيقّن هو المضطّر دون غيره، وإن ذكر في «المسالك»2عدم الفرق بين المضطّر وغيره.
ويدلّ عليه روايات لا بأس بالعمل بها، نظير:
1. روى زياد القندي، عمّن ذكره، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا يقطع السارق في سنة المحل في شيء ممّا يؤكل مثل الخبز واللحم وأشباه ذلك».3
2. وروى السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال: «لا يقطع السارق في عام سنة» ـ يعني عام مجاعة4.

1 . الخلاف: 5 / 432 ـ 433، المسألة 27.
2 . مسالك الأفهام: 14 / 500 .
3 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1. والمراد من المِحل: المجاعة. وفي الفقيه والتهذيب «سنة المحق».
4 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2; ولاحظ الحديث 3 .

صفحه 324
3. روى السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهم السلام)، قال: «لا يقطع السارق في عام سنّة مجدبة» يعني: في المأكول دون غيره.1
وعلى هذا فلو سرق ذهباً، أو فضة ليبيعه ويشتري به المأكول، فهل يقطع أو لا؟
ظاهر رواية القندي والسكوني اختصاصه بالمأكول دون غيره، لكن زياد القندي ضعيف، ويحتمل أن يكون التفصيل في رواية السكوني من الصدوق، والظاهر أنّه إذا كان مضطّراً، فلا فرق بين مسروق ومسروق إذا كانت الغاية دفع المجاعة، ولو شُكّ فمقتضى كون الشبهة دارئة، عدم القطع.
وعلى كلّ تقدير فتجويز السرقة لايلازم عدم الضمان، فلو تمكّن من أداء مثله أو قيمته فهو، وإلاّ فالله أولى بالعذر.
لو سرق صغيراً   

إذا سرق صغيراً

قال المحقّق: ومَن سرق صغيراً فإن كان مملوكاً قطع، ولو كان حرّاً فباعه لم يقطع حدّاً، وقيل: يقطع دفعاً لفساده.2
أقول: ويقع الكلام تارة في العبد، وأُخرى في الحرّ.
أما الأوّل، فقال الشيخ: إذا سرق عبداً صغيراً لا يعقل أنّه لا ينبغي أن يقبل إلاّ من سيّده، وجب عليه القطع. وبه قال أبو حنيفة ومحمد والشافعي، وقال أبو يوسف: لا قطع عليه كالكبير.

1 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 4.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 175 .

صفحه 325
واستدلّ الشيخ بإطلاق قوله تعالى: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)1 ولم يفرّق. وقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «القطع في ربع دينار» ولم يفصّل، لأنّه أراد ما قيمته ربع دينار، وهذا يساوي أكثر من ربع دينار 2 .
إنّما الكلام إذا كان كبيراً، قال في «المسالك»: إذا كان المملوك كبيراً مميّزاً فلا قطع بسرقته; لأنّه متحفّظ بنفسه، إلاّ أن يكون نائماً أو في حكمه، أو لا يعرف سيّده من غيره، فإنّه حينئذ كالصغير 3 .
والفرق بين الفرعين هو أنّ الصبي بما أنّه لا يعرف سيّده فإنّه لا يتمكّن من الرجوع إليه، بخلاف الكبير فإنّه وإن سُرق لكن بإمكانه أن يرجع إلى مالكه، إلاّ إذا سُجن أو أُبعد إلى مكان لا يتمكّن من الرجوع إلى سيّده. والمسألة ليس لها موضوع في أيامنا هذه.
أما الثاني ـ أعني: لو سرق حرّاً ـ فقد اختلف في حكم سرقته، فقيل: لا يقطع ; لأنّه ليس بمال، ولا يتصوّر فيه بلوغ النصاب، لكن ذهب الشيخ إلى أنّه يُقطع حيث قال: ومن سرق حرّاً فباعه، وجب عليه القطع ; لأنّه من المفسدين في الأرض .4
وخالف في «الخلاف» وقال: إذا سرق حرّاً صغيراً فلا قطع عليه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: عليه القطع. وقد روى ذلك أصحابنا.

1 . المائدة: 38.
2 . الخلاف: 5 / 427، المسألة 18 .
3 . مسالك الأفهام: 14 / 501 .
4 . النهاية: 722.

صفحه 326
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم على أنّ القطع لا يجب إلاّ في ربع دينار فصاعداً، والحرّ لا قيمة له بحال.1
ويؤيد القول بالقطع ما ورد في المقام من الروايات، نظير:
1. ما رواه السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام)أُتي برجل قد باع حرّاً، فقطع يده» 2.
2. ما رواه عبدالله بن طلحة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يبيع الرجل وهما حرّان، يبيع هذا هذا، وهذا هذا ويفرّان من بلد إلى بلد فيبيعان أنفسهما ويفرّان بأموال الناس؟ قال: «تقطع أيديهما ; لأنّهما سارقا أنفسهما وأموال الناس ».3
والروايتان مطلقتان غير مقيّدتين بالصغر فتعمّان الصغير والكبير .
فإن قلت: إنّ الكبير متحفّظ بنفسه فلا تتحقّق سرقته.
قلت: إنّ القطع للإفساد لا للسرقة.
وحاصل الكلام: أنّه لو كان القطع للسرقة فلا موضوع، لعدم وجود المال، وإن كان لكونه مفسداً في الأرض، فيحكم عليه بحكمه وربّما تقطع يداه لا يد واحدة .
لو نقب المعير وسرق   
ولو سرقه ولم يبعه أُدّب بما يراه الحاكم، لاختصاص نصوص القطع بالبيع .

1 . الخلاف: 5 / 428، المسألة 19 .
2 . الوسائل: 18، الباب 20 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2، ولاحظ الحديث 1 .
3 . الوسائل: 18، الباب 20 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3.

صفحه 327
ولو كانت عليه ثياب أو حليّ تبلغ النصاب، فلو كانت معه لا يقطع، لثبوت يده عليها، وأمّا إذا لم تكن يده عليها، كأن انتزعها وباعها، اتّجه عليه القطع .

إذا نقب المعير وسرق

قال المحقّق: لو أعار بيتاً فنقبه المعير وسرق منه مالاً للمستعير، قطع; وكذا لو أجّر بيتاً، وسرق منه مالاً للمستأجر. ويقطع مَن سرق مالاً موقوفاً مع مطالبة الموقوف عليه ; لأنّه مملوك له .1
أقول: وفي المسألة فروع ثلاثة إليك دراستها:
أمّا الأوّل ـ أي السرقة بالنقب ـ : فلا نطباق حدّ السرقة عليه، فإنّ النقب ككسر الحرز.
وأمّا الثاني: فمثله، لأنّه إذا أجّر بيتاً وسلّطه على الانتفاع وكان البيت ذا باب مقفل، فمن ورد فيه من غير إذن المستأجر وأخذ شيئاً ينطبق عليه حدّ سرقة المال .
وأمّا الثالث: أي إذا سرق مالاً موقوفاً على محصور، كالكتب الموقوفة على الأولاد، يقطع لانطباق حدّ السرقة عليه.
ومثله إذا كان البستان وقفاً لجماعة خاصّة فسرق ثمرته .
نعم لو كان الوقف على المصالح العامة ، فلا ينطبق عليه حدّ السرقة ; لأنّ الملك فيه لله، عند بعضهم ; أو للعنوان، كما هو المختار. ولا يُعامل معاملة

1 . شرائع الإسلام : 4 / 175 .

صفحه 328
الملك المختصّ بعنوان ينطبق على أفراد محدّدين.
ثم إنّ المحقّق عنون مسألة مرّ حكمها، وهو قوله: ولا تصير الجمال محرزة بمراعاة صاحبها، ولا الغنم بإشراف الراعي عليها.1
أقول: قد مرّ أنّه لا ينطبق عليه حدّ السرقة، ويكون حكمه حكم المستلب.

لو سرق باب الحرز أو من أبنيته

قال المحقّق: ولو سرق باب الحرز أو من أبنيته، قال ] الشيخ [ في «المبسوط»: يقطع، لأنّه محرز بالعادة.2
أقول: المسألة مبنية على تفسير الحرز، فإن قلنا بأنّه عبارة عمّا ليس لغير المالك دخوله، أو بما كان سارقه على خطر وخوف من الاطّلاع عليه فيصدق عليه الحرز، وينطبق عليه حدّ السرقة; وأمّا لو قلنا بأنّه عبارة عمّا كان مغلقاً عليه أو مقفلاً أو مدفوناً، فلا يقطع، لعدم صدق حدّ السرقة .
   
نعم ما ذكرناه من عدم صدق حدّ السرقة ينطبق على الباب الخارجي للدار (المؤدّي إلى باحة البيت) والّتي يدخل الإنسان من خلالها إلى الدار، وأمّا الأبواب المنصوبة في داخل الدار فلو أنّه قلعها وأخذها، فيقطع، لأنّها تعدُّ في حرز.

1 . شرائع الإسلام : 4 / 175.
2 . شرائع الإسلام : 4 / 175.

صفحه 329

سارق الكفن أو النبّاش

قال المحقّق: ويقطع سارق الكفن، لأن القبر حرز له. وهل يشرط بلوغ قيمته نصاباً؟ قيل: نعم، وقيل يشترط في المرة الأُولى دون الثانية والثالثة، وقيل: لا يشترط، والأوّل أشبه. ولو نبش ولم يأخذ عُزّر. ولو تكرّر منه الفعل وفات السلطان، كان له قتله للردع .1
أقول: إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض.
قال الشيخ: النبّاش يُقطع إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض. وبه قال ابن الزبير وعائشة وعمر بن عبدالعزيز والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب حمّاد بن أبي سليمان، وربيعة ومالك والشافعي وعثمان البتّي وأبو يوسف وأحمد وإسحاق .
وقال الأوزاعي، والثوري وأبو حنيفة ومحمد: لا يقطع النبّاش، لأنّ القبر ليس بحرز، لأنّه لو كان حرزاً لشيء لكان حرزاً لمثله كالخزائن الموثقة .(2)
وعلى هذا فأهل السنّة على قولين، وأمّا أصحابنا فلهم في حكم سارق الكفن من القبر أقوالاً خمسة نشير إليها حسب ما ذكره الشهيد الثاني في «المسالك»:
1. يقطع مطلقاً، سواء بلغ الكفن حدّ النصاب أو لا، والقبر حرز للكفن .
2. يقطع بشرط بلوغ قيمته النصاب. وهو خيرة المفيد،2 وسلاّر (4)، وأبي الصلاح (5) .

1 . شرائع الإسلام: 4 / 176.   2 . الخلاف: 5 / 433، المسألة 28.
2 . المقنعة: 804 .   4 . المراسم: 258 .   5 . الكافي في الفقه: 412.

صفحه 330
3. يشترط بلوغ النصاب في المرّة الأُولى خاصّة، وأمّا الثانية فلأنّه مع اعتياده مفسد، فيقطع لإفساده. وهو خيرة ابن إدريس. 1 وليس في الروايات ما يدلّ عليه.
4. يقطع مع إخراجه الكفن مطلقاً أو اعتياده النبش وإن لم يأخذ الكفن. وهذا قول الشيخ 2.
5. عدم قطعه مطلقاً، إلاّ مع النبش مراراً. وهو قول الصدوق، ومقتضى كلامه عدم الفرق بين بلوغ النصاب وعدمه 3.
هذه هي أقوال الفقهاء في المسألة ومنشأ الاختلاف اختلافُ الأخبار 4. وإن كان في تطبيقها على الأقوال غموض وإبهام.
أقول: الروايات على أقسام:
الأوّل: ما يدلّ على أنّ حكم الموتى حكم الأحياء، من غير فرق بين السرقة والزنا، نظير:
1. ما رواه عبدالله بن محمد الجعفي قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام)وجاءه كتاب هشام بن عبدالملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ثم نكحها، فإن الناس قد اختلفوا علينا: طائفة قالوا اقتلوه وطائفة قالوا أحرقوه؟ فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): «إنّ حرمة الميّت كحرمة الحي، تقطع يده لنبشه وسلبه الثياب،

1 . السرائر: 3 / 512.
2 . الاستبصار: 4 / 247، ذيل الحديث 936.
3 . المقنع: 447.
4 . لاحظ : مسالك الأفهام: 14 / 509 ـ 512.

صفحه 331
ويقام عليه الحدّ في الزنا: إن أُحصن رجم، وإن لم يكن أُحصن جلد مائة» 1.
2. ما رواه إسحاق بن عمّار إنّ عليّاً (عليه السلام)قطع نبّاش القبر فقيل له: أتقطع في الموتى؟ فقال: «إنّا نقطع لأمواتنا كما نقطع لأحيائنا» .2
الثاني: ما يدلّ على القطع، وهي أكثر، نظير:
1. ما رواه حفص بن البختري، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «حدُّ النبّاش حدّ السارق» .3
2. حديث منصور بن حازم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «يقطع النبّاش والطرّار، ولا يقطع المختلس».4
الثالث: ما يدلّ على مختار الصدوق وهو القطع إذا نبش مراراً، نظير:
ما رواه علي بن سعيد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أُخذ وهو ينبش؟ قال: «لا أرى عليه قطعاً، إلاّ أن يؤخذ وقد نبش مراراً، فاقطعه ».5وبهذا المضمون روايات أُخرى أشرنا إلى محلّها في الهامش وسيوافيك توضيحها.
الرابع: ما يدلّ على القتل، نظير ما رواه ابن عمير، عن غير واحد من

1 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2، ولاحظ الحديث 6 و 4 .
2 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 12.
3 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1.
4 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 7، ولاحظ الحديث 5 و 9 و 10.
5 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث11، ولاحظ الحديث 13 و 15 و 16.

صفحه 332
أصحابنا قال: «أُتي أمير المؤمنين (عليه السلام)برجل نبّاش فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام)بشعره فضرب به الأرض، ثمّ أمر الناس أن يطؤوه بأرجلهم، فوطؤوه حتّى مات ».1
الخامس: ما يدلّ على عدم القطع، نظير ما رواه الفضيل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)عن الطرّار والنبّاش والمختلس، قال: «لا يقطع» 2.
هذه هي الروايات الواردة في المقام، ولابدّ من الجمع بينها.
فنقول: لا شك من لزوم الأخذ بالقسمين الأوّلين لمطابقتهما للكتاب والسنّة، ولكونهما أكثر عدداً وفيهما الصحيح وغيره، خصوصاً إذا أضفنا إليهما ما رواه المحدّث النوري في المستدرك.
وأمّا القسم الثالث ـ أعني: أنّه لا يقطع في المرة الأُولى والثانية، وإنّما يقطع إذا نبش مراراً ـ فيدل عليه روايات ـ :
1. ما نقلناه عن علي بن سعيد.
2. روايته الأُخرى قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن النبّاش؟ قال: «إذا لم يكن النبش له بعادة، لم يقطع ويُعزّر» 3.
ولكن الاستدلال بهاتين الروايتين مشكل; وذلك لأنّ علي بن سعيد

1 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3. ولاحظ الحديث 17 و 8 ، وكلها تحكي عمل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولذا فالجميع رواية واحدة. وفي الكافي والتهذيب «ابن أبي عمير» مكان «ابن عمير».
2 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 14 .
3 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 13.

صفحه 333
مشترك بين رجال مهملين إلاّ علي بن سعيد بن رزّام القاشاني فإنّه ثقة في الحديث مأمون كما ذكر النجاشي، ولكنّه يروي عن ابن أبي الخطاب المتوفّى عام 262 هـ ، وأين هو من علي بن سعيد الراوي عن الإمام أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)فالرجل مهمل في الرجال لا يمكن الاحتجاج بروايته.
3. ما رواه الفضيل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «النبّاش إذا كان معروفاً بذلك قطع» .1 ومعنى كونه معروفاً: تكرّر صدور العمل منه .
4. ما رواه ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «في النبّاش إذا أُخذ أوّل مرّة عُزّر، فإن عاد قُطع» 2.
ولكن لا يمكن العمل بهذه الروايات في مقابل ما تضافر من الروايات الدالّة على القطع مطلقاً، سواء كان عمله للمرة الأُولى، أو تكرّر منه ذلك.
غير أنّ الشيخ الطوسي حمل هذه الروايات ـ الّتي نفت القطع في المرة الأُولى ـ على مَن نبش ولم يأخذ شيئاً، فهو بمنزلة مَن نقب بيتاً ولم يأخذ شيئاً 3 .
وأمّا القسم الرابع من الروايات ـ أعني: ما يدلّ على القتل ـ فقد وردت فيه رواية بثلاث طرق ـ كما أشرنا إليها في الهامش ـ فتحمل على ما إذا تكرّر منه الفعل كما يومي إليه لفظ النبّاش، وأُجري عليه الحدّ، فعندئذ يقتل عملاً

1 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 15 .
2 . الوسائل: 18، الباب 19 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 16.
3 . التهذيب: 10 / 117، الحديث 468 .

صفحه 334
بصحيحة يونس، قال: «أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيم عليهم الحدّ مرتين قتلوا في الثالثة ».1
فيكون القتل موافقاً للقاعدة. ولعلّ المورد ـ الّذي أُتي به إلى الإمام (عليه السلام)وأمر بوطئه، كان مصداقاً للقاعدة.
ولو حملت الرواية على التكرار فلعلّه من خصائص الإمام المعصوم (عليه السلام)إذ له التشديد في العقوبة لما يرى من المصلحة.
وأمّا القسم الخامس من الروايات ـ أعني: ما يدلّ على عدم القطع ـ فقد مرّ ما يدلّ عليه، وهي رواية مرفوضة لم يعمل بها أحد كما أنّها توافق رأي الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومحمد، حيث قالوا: لا يقطع النبّاش لأنّ القبر ليس بحرز .
إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية: أنّ العمل على القسمين الأوّلين .

اشتراط بلوغ النصاب

هل يشترط بلوغ قيمة الكفن النصاب أو لا؟
ذهب الشيخ المفيد إلى الاشتراط وقال: يقطع النبّاش إذا سرق من الأكفان ما قيمته ربع دينار، كما يقطع غيره من السرّاق إذا سرقوا من الأحراز.2
وتبعه أبو الصلاح وقال: يقطع النبّاش إذا أخذ من الأكفان ما يجب في

1 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1 .
2 . المقنعة: 804.

صفحه 335
مثله القطع. 1 ونظير قولهما قول ابن إدريس. (2)
وهناك من ذهب إلى عدم اشتراط بلوغ النصاب، كما هو مقتضى إطلاق عبارة الشيخ في «الخلاف» حيث قال: النبّاش يقطع إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض.(3)
ولكنّ الراجح هو الاشتراط، لمقتضى قوله (عليه السلام): «إنّا نقطع لأمواتنا كما نقطع لأحيائنا» ومعناه تنزيل الموتى منزلة الأحياء. وكلام الشيخ في «الخلاف» ليس في مقام البيان من هذه الجهة حتى يستدلّ بإطلاق كلامه.
ثمّ إنّ القوم اعتبروا في صدق السرقة كون المال محرزاً بما يناسب حاله، وقد مثّلوا له أمثلة كثيرة وبيّنوا أنّ لكلّ شيء حرزاً.
هذا ما ذكره الفقهاء في العصور السابقة لكن الحضارة الحديثة والظروف الزمانية والمكانية وسّعت لنا معنى الحرز من دون أن يكون له قفل على المال أو كون المال في باب مغلق، وهو المصارف (البنوك) الرائجة في عامة البلاد، فإنّ الناس يودعون أموالهم فيها ولكلّ شخص حساب خاص ورمز معيّن يستفيد منه عند الحاجة إلى المال.
ولكنّ السُّراق في هذا الزمان ربّما يتمكّنون من الدخول إلى حسابات الآخرين فيأخذوا أموال الغير بحيلة خاصّة، فمن المعلوم أنّ ذلك العمل يُعدّ سرقة وإخراجاً للمال من الحرز، ويحكم عليه بما يحكم على مَن كسر الحرز والباب ودخل البيت .

1 . الكافي في الفقه: 412 .         2 . السرائر: 3 / 512 .   3 . الخلاف: 5 /433، المسألة 28.

صفحه 336
 
الأمر الثالث:
   

الحجّة أو ما تثبت به السرقة

قال المحقّق: ويثبت: بشاهدين عدلين، أو بالإقرار مرّتين ولا يكفي المرّة.1
أقول: تثبت السرقة بأحد أمرين:
1. شهادة رجلين عدلين.
2. الإقرار مرتين .
أمّا الأوّل: فيدلّ عليه مضافاً إلى إطلاق حجّية البيّنة ما ورد في أبواب الشهادات، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)في رجل شهد عليه رجلان بأنّه سرق، فقطع يده، حتّى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الّذي قطعت يده، إنّما شبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرّمهما نصف الدّية، ولم يُجز شهادتهما على الآخر» 2.
ويستفاد من مجموع ما ورد من الروايات الّتي أشرنا إليها في الهامش أنّ اعتبار شهادة الرجلين كان أمراً مفروغاً عنه.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .
2 . الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب الشهادات، الحديث 1. ولاحظ الحديث 2 و 3 .

صفحه 337
وأمّا كونهما رجلين، فلأجل أنّ شهادة النساء لا تقبل في الحدود، وإنّما تقبل في مورد الأموال كما ثبت في كتاب الشهادات.
وأمّا الثاني: وهو الإقرار، وهل يشترط فيه التعدّد، لأجل أنّ كلّ إقرار ينزّل منزلة شهادة واحدة، أو لا يشترط التعدّد؟
قال الشيخ في «الخلاف»: لا يثبت الحكم بالسرقة، ووجوب القطع بالإقرار مرّة واحدة، ويحتاج أن يقرّ مرّتين حتّى يحكم عليه بالسرقة. وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة، وأبو يوسف، وزفر، وأحمد وإسحاق .
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: إنّه يثبت بإقرار مرة واحدة، ويغرّم ويقطع .1
وقال ابن قدامة: لا يقطع إلاّ بشهادة عدلين، أو اعتراف مرتين... إلى أن قال: وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن: يقطع باعتراف مرّة، لأنّه حق يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه التكرار كحقّ الآدمي، ثم استدلّ بما رواه أبو داود باسناده عن أبي أُمية المخزومي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُتي بلص قد اعترف فقال له: وما أخالك سرقت، قال: بلى فأعاد عليه مرّتين أو ثلاثاً فأمر به فقطع، ولو وجب القطع بأوّل مرّة لما أخّره.(2)
وقال العلاّمة في «المختلف»: المشهور أنّ القطع لا يجب بالإقرار مرّة واحدة، وإنّما يجب بالإقرار مرّتين. وقال الصدوق: والحرّ إذا أقرّ على نفسه عند الإمام مرّة واحدة بالسرقة، قُطع .(3)

1 . الخلاف: 5 / 443، المسألة 40 .   2 . المغني: 9 / 116 .   3 . مختلف الشيعة: 9 / 210 .

صفحه 338
وما نقله العلاّمة عن الصدوق في «المقنع» لا يوافق ما هو الموجود في المطبوع والّذي جاء فيه: والحر إذا أقرّ على نفسه لم يقطع .1
ويدلّ على القول المشهور:
1. ما رواه جميل بن دُرّاج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام)ـ في حديث ـ قال: «لا يقطع السارق حتّى يقرّ بالسرقة مرّتين، فإن رجع ضمن السرقة، ولم يقطع إذا لم يكن شهود ».2
2. وما رواه جميل ـ أيضاً ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا يقطع السارق حتّى يقرّ بالسرقة مرّتين، ولا يرجم الزاني حتّى يقرّ أربع مرّات». 3 ولعلّ في السند سقطاً.
3. وفي «دعائم الإسلام» عن علي (عليه السلام): أنّ رجلاً أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي سرقت، فانتهره، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي سرقت، فقال: «أتشهد على نفسك مرتين» فقطعه .4
4. وجاء في «فقه الرضا (عليه السلام)»: «ولا يقطع السارق حتّى يقرّ مرتين». 5
نعم يعارض قول المشهور:
1. ما رواه الكليني عن ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «العبد إذا أقرّ على

1 . المقنع: 151 .
2 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1; ورواها العياشي في تفسيره: 1 / 319، الحديث 107 .
3 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 6 .
4 . مستدرك الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 .
5 . مستدرك الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 5 .

صفحه 339
نفسه عند الإمام مرّة أنّه قد سرق، قطعه، والأمة إذا أقرّت بالسرقة قطعها» 1. والرواية لا تخلو من شذوذ، لما سيوافيك من أنّ إقرار العبد على السرقة لا يسمع ; لأنّه إقرار في حقّ الغير.
2. ما رواه الفضيل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن أقرّ الرجل الحُرّ على نفسه مرّة واحدة عند الإمام قطع»2.
والموضوع هو الرجل الحرّ، بخلاف ما تقدّم.
فقوله: «مرّة واحدة» مفعول «أقرّ» تشتمل ـ أيضاً ـ على الشذوذ الموجود في الرواية الأُولى.
3. نقل الشيخ رواية أُخرى عن الفضيل قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ، (وفي المصدر: بحدّ) من حدود الله مرّة واحدة، حرّاً كان أو عبداً، أو حرّة كانت أو أمة، فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه للذي أقرّ به على نفسه كائناً من كان، إلاّ الزاني المحصن». 3
والظاهر العمل بما هو المشهور ; لأنّه أكثر عدداً على نحو يمكن ادّعاء تضافر المضمون وإن كان الغالب عليها ضعف السند .
وأمّا ما يدلّ على الخلاف فلا يبعد حمله على التقيّة لما عرفت من أنّ قسماً من أهل السنّة كعطاء والثوري وأبي حنيفة والشافعي ومحمد بن

1 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 18، الباب 32 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1 .

صفحه 340
الحسن ذهبوا إلى أنّه يقطع باعتراف مرّة، قائلين بأنّه حق يثبت بالإقرار، فلم يعتبر فيه التكرار 1.
نعم أنّ مؤلّفي المغني ـ متناً وشرحاً ـ اختارا ما هو المشهور عند علمائنا، فلا يكون هذا دليلاً على عدم التقيّة في هذه الروايات كما زعمه السيد الخوئي (قدس سره)مضافاً إلى أنّ تعارض الروايات يورد الشبهة الدارئة للحدّ، فالأقوى عدم إجراء الحدّ إلاّ بالإقرار مرّتين .
   

شرائط المقرّ

قال المحقّق: ويشترط في المقرّ: البلوغ، وكمال العقل، والحرّية، والاختيار.(2)
أقول: يشترط في المقرّ الأُمور الأربعة:
1. البلوغ 2. كمال العقل 3. الحرّية 4. الاختيار.
وقد مضى دليلُ كلِّ ذلك في غير مورد من الموارد، إنّما الكلام في الأُمور المترتّبة عليها.

إذا أقرّ العبد

قال المحقّق: فلو أقرّ العبد لم يقطع، لما يتضمّن من إتلاف مال الغير.(3)
أقول: مرّ أنّه يشترط في المقرّ، الحرّية فيترتّب عليه أنّه لو أقرّ العبد لم

1 . المغني: 9 / 116 .         2 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .   3 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .

صفحه 341
يقطع، لأنّه إقرار في حق الغير، بمعنى أنّه يتضمّن إتلاف مال الغير، مضافاً إلى صحيح الفضيل عن الصادق (عليه السلام): «إذا أقرّ المملوك على نفسه بالسرقة، لم يقطع، وإن شهد عليه شاهدان قُطع» 1.
نعم يعارض ما ذكرنا ما سبق من رواية ضريس والفضيل الثانية.
1. روى ضريس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «العبد إذا أقرّ على نفسه عند الإمام مرةً أنّه قد سرق قطعه، والأمة إذا أقرتّ بالسرقة قطعها» 2 .
2. روى الفضيل، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «مَن أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ (بحدّ) من حدود الله مرّة واحدة، حرّاً كان أو عبداً، أو حرّة كانت أو أمة، فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه، للذي أقرّ به على نفسه كائناً مَنْ كان، إلاّ الزاني المحصن...».3
ويمكن الإجابة عن الروايتين بأُمور:
1. ما ذكره الشيخ من احتمال ضم البيّنة إلى الإقرار.
2. الحمل على التقيّة. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا أقرّ العبد على نفسه بالسرقة، لايقبل إقراره .
وقال جميع الفقهاء: إنّه يقبل إقراره ويقطع، ثم استدلّ بأنّ إقراره إقرار على مال الغير، لأنّه لا يملك نفسه وهو ملك لغيره، فلا يقبل إقراره على غيره.4

1 . الوسائل: 18، الباب 35 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2.
3 . الوسائل: 18، الباب 32 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1 .
4 . الخلاف: 5 / 453، المسألة 54 .

صفحه 342
3. حملهما على ما إذا صدّقه السيّد، فإنّ الأقرب حينئذ قطعه، لأنّ الحق لا يعدوهما.
مضافاً إلى وجود الشذوذ فيهما من حيث الاكتفاء بإقرار واحد.
وأمّا المال فيثبت حتّى بالمرّة ويتبع به بعد العتق.
ثم إنّه يقع الكلام في أنّه إذا أقرّ مرّتين وقلنا بعدم القطع بحجة أنّه إقرار في حقّ الغير، فهل يقطع بعد العتق بحكم أنّه أقرّ مرتين قبله، أو لا ؟
الظاهر: لا، أخذاً باستصحاب حكم المخصّص، لأنّ هذا الفرد قبل العتق كان محكوماً بعدم القطع، فهكذا بعده، فلا يلزم من خروجه في الحالتين إلاّ تخصيص واحد، وليس المقام من قبيل الرجوع إلى عموم العام، ومنه يظهر الضعف في كلام صاحب الجواهر .1
توضيحه: أنّه إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم زيداً يوم الجمعة، وشككنا في حكمه يوم السبت، فلو كان الزمان في العام مفرِّداً للموضوع بحيث يكون كلّ يوم موضوعاً مستقلاً للعام، ففي مثله، يتمسّك بالعام ; لأنّ في استصحاب المخصّص تخصيصاً زائداً، وأمّا لو كان الزمان ظرفاً للعام، فزيد يوم الجمعة نفسه يوم السبت فيستصحب حكم المخصّص لعدم استلزامه التخصيص الزائد، نظير ذلك إذا ظهر الغبن في الشراء ولكن المشتري تسامح في إعماله، فهل يستصحب حكم المخصّص (أي الغبن) أو يتمسّك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، فكل موضع تابع لكون الزمان مفرّداً أو ظرفاً، ومثله المقام فلاحظ.

1 . لاحظ : جواهر الكلام: 41 / 525 .

صفحه 343

لو ردّ المسروق بعد الإقرار بالضرب

قال المحقّق: وكذا لو أقرّ مكرهاً، ولا يثبت به حدّ ولا غرم. فلو ردّ السرقة بعينها، بعد الإقرار بالضرب قال في النهاية: يقطع. وقال بعض الأصحاب: لا يقطع، لتطرّق الاحتمال إلى الإقرار، إذ من الممكن أن يكون المال في يده، من غير جهة السرقة. وهذا حسن.1
أقول: مرّ أنّه يشترط في المقرّ الاختيار، فلا قطع على المكره والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه، ولو افترضنا أنّ المتّهم بالسرقة ضُرب فأقرّ، فمن المعلوم أنّ هذا النوع من الإقرار لا قيمة له.
ولكن لو ردّ المسروق بعد الإقرار بالضرب بعينه حينئذ، فهل يقطع أو لا؟ قولان:
القول الأوّل: إنّه يقطع.
وهو قول الشيخ في «النهاية»، وابن سعيد في «الجامع».
قال الأوّل: فإن أقرّ تحت الضرب بالسرقة وردّها بعينها وجب عليه أيضاً القطع.2
وقال الثاني: وإن أقرّ تحت الضرب فأخرجها، قُطع، وإن لم يخرجها لم يقطع .3

1 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .
2 . النهاية: 718.
3 . الجامع للشرائع: 561 .

صفحه 344
ويدلّ عليه حسنة سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام)قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل سرق سرقة فكابر عنها فضرب، فجاء بها بعينها، هل يجب عليه القطع؟ قال: «نعم، ولكن لو اعترف ولم يجئ بالسرقة لم تقطع يده، لأنّه اعترف على العذاب ».1
وأورد على الاستدلال بأنّ الظاهر من الرواية أنّه قد ثبتت السرقة قبل الضرب، وكان الضرب لأجل المجيء بالعين كما هو المتبادر من قول السائل: رجل سرق سرقة فكابر عنها (أي ثبتت سرقته غير أنّه كان يكابر) فضرب فجاء بها بعينها. ومن المعلوم أنّ هذا خارج عن محلّ البحث، لأنّه فيما إذا لم يكن دليل على سرقته سوى أنّه أقرّ بالسرقة بعد الضرب وجاء بالمسروق.
يلاحظ عليه: بأنّ ما استظهر من صدر الرواية، ينافي ذيلها فإنّ قوله فيه:«ولكن لو اعترف ولم يجئ بالسرقة لم تقطع يده، لأنّه اعترف على العذاب» ظاهر في أنّه لم يعترف إلاّ على العذاب، من دون اختيار، ومن المعلوم أنّ الموضوع في الذيل هو نفسه في الصدر، فيكون الاعتراف في الصدر أيضاً على العذاب لا عن اختيار، فتصلح الرواية دليلاً على الفرع.
لكنّ الذي يصدّنا عن العمل بالرواية، هو كونه مخالفاً للقواعد المسلّمة حيث إنّ هنا أمرين:
1. الاعتراف على العذاب.

1 . الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 .

صفحه 345
2. المجيء بالعين.
أمّا الأوّل: فلا يعتدّ به لشرطية الاختيار.
وأمّا الثاني: فلا يصلح أن يكون دليلاً على السرقة لاحتمال امتلاكها بالهبة أو الشراء، وبذلك يفترق عمّا إذا قاء الخمر حيث استدلّ بأنّه قاء ما شرب، إذ ليس للقيء سبب آخر دون الشرب، واحتمال شربه إكراهاً خلاف الفرض مع كونه بعيداً، بخلاف المقام فإنّ الاستيلاء على العين له أسباب كالشراء والاتّهاب والسرقة.
القول الثاني: عدم وجوب القطع.
وهو مختار ابن إدريس، قال: والّذي يقوى عندي أنّه لا يجب عليه القطع; لأنّا قد بيّنا أنّ من أقرّ تحت الضرب، لا يعتد بإقراره في وجوب القطع وإنّما بيّنة القطع شهادة عدلين، أو إقرار السارق مرتين مختاراً، وهذا ليس كذلك، والأصل أنّه لا قطع، وإدخال الألم على الحيوان قبيح، إلاّ ما قام عليه دليل .1
ويدلّ على قوله ما رواه إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ علياً (عليه السلام)كان يقول لا قطع على أحد يخوّف من ضرب ولا قيد ولا سجن ولا تعنيف إلاّ أن يعترف، فإن اعترف قطع، وإن لم يعترف سقط عنه لمكان التخويف ».2

1 . السرائر: 3 / 490 .
2 . الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3 ; ولاحظ الحديث 2 .

صفحه 346
والاستثناء في قوله (عليه السلام): «إلاّ أن يعترف»، استثناء منقطع أي: اعترف طوعاً.
وفي «دعائم الإسلام» عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «من أقرّ بحدّ على تخويف أو حبس أو ضرب، لم يجز ذلك عليه ولا يُحدّ». 1
وإطلاق الروايتين يعمّ ما إذا جاء بالعين المسروقة، أو لم يجئ بها، إذا كان الاعتراف صادراً عن عنف وإكراه وتهديد وعذاب، كما في المقام.

لو أقرّ مرّتين أو مرّة ورجع

قال المحقّق: لو أقرّ مرتين ورجع، لم يسقط الحد، وتحتّمت الإقامة ولزمه الغرم. ولو أقرّ مرّة، لم يجب الحدّ ووجب الغرم .2
أقول: إعلم أنّه إذا أقرّ بالسرقة مرتين، فالذي يمكن أن ينقض إقراره أحد الأُمور التالية:
1. علم الحاكم بكذبه فيعزّر لكذبه، إذا علم أنّه يكذب عمداً.
2. إذا أنكر المُقر له أنّ المال ماله.
3. إذا قامت الشواهد على كذبه. وهذا ميسور في باب الزنا، كما إذا أقرّت المرأة بالزنا مع رجل صالح لإسقاطه في عيون الناس.
4. الإنكار بعد الإقرار. وهذا هو الّذي ندرسه هنا، وفيه فرعان أشار إليهما المحقّق:

1 . مستدرك الوسائل: 18، الباب 7 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .

صفحه 347
الأوّل: ما لو أقرّ مرتين ثم رجع فقد عرفت كلامه . وقال الشيخ في «الخلاف»: إذا ثبت القطع باعترافه، ثم رجع عنه، سقط برجوعه، وبه قال جماعة الفقهاء إلاّ ابن أبي ليلى، فإنّه قال: لا يسقط برجوعه. 1 وقال في نهايته: ومن أقرّ بالسرقة مختاراً ثم رجع عن ذلك أُلزم السرقة وسقط عنه القطع.2
وتبعه ابن البراج 3، وأبو الصلاح 4، ولكن الشيخ خالف ما في «الخلاف» في «المبسوط» حيث قال: متى رجع عن اعترافه يسقط برجوعه عندهم إلاّ ابن أبي ليلى لا يسقط برجوعه، وهو الّذي يقتضيه مذهبنا، وحمله على الزنا قياس لا نقول به .5
والظاهر أنّ الضمير في قوله: «وهو الّذي » يرجع إلى قول ابن أبي ليلى ، وهو عدم السقوط، ولذلك ردّ ابن إدريس على ما في نهايته لا على ما في المبسوط. قال بعد نقل ما في النهاية: وهذا غير واضح، لأنّه لا دليل عليه من كتاب، ولا سنّة مقطوع بها، ولا إجماع، بل مخالف لكتاب الله تعالى وتعطيل لحدوده، ولا يرجع في مثل ذلك إلى خبر شاذ، إن كان قد ورد. 6
الثاني: إذا أقرّ مرة لم يجب الحدّ ووجب الغرم.

1 . الخلاف: 5 / 444، المسألة 41 .
2 . النهاية:718.
3 . المهذّب: 2 / 544 .
4 . الكافي في الفقه: 412 .
5 . المبسوط: 8 / 40 .
6 . السرائر: 3 / 491 .

صفحه 348
إذا عرفت ذلك فلنقدّم الكلام في الثاني فنقول: ما إذا أقرّ مرّة لم يجب الحدّ، لما قلنا من أنّه لا يثبت إلاّ بالإقرار مرتين، وأمّا وجوب الغرامة فلإطلاق قوله: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، فيجب عليه ردّ ما اعترف به. وبالجملة ثبوت الحدّ مشروط بالإقرار مرّتين، وأمّا ثبوت الغرامة فليس مشروطاً بالإقرار مرّتين، بل تكفي المرّة الواحدة.
إنّما الكلام في الفرع الأوّل، أعني: إذا أقرّ مرّتين، وثبت الحدُّ عند الحاكم، لكنه رجع، فهل يُسقط الرجوع الحدَّ أو لا؟
الظاهر: عدم السقوط، لوجود العلّة التامّة لثبوت الحدّ وهو الإقرار مرّتين ولا إنكار بعد الإقرار، مضافاً إلى الروايتين التاليتين:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أقرّ على نفسه بحدّ ثم جحد بعد؟ فقال: «إذا أقرّ على نفسه عند الإمام أنّه سرق ثم جحد قطعت يده، وإن رغمَ أنفه» 1.
2. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «من أقرّ على نفسه بحدّ أقمته عليه، إلاّ الرجم فإنّه إذا أقرّ على نفسه ثم جحد، لم يُرجم» .2فقوله: «ثم جحد» قرينة على أنّه يُقام الحدّ وإن جحد، لكن استثنى منه الرجم.
بقي الكلام فيما يمكن أن يستدلّ به على قول الشيخ في «النهاية» و

1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 3 .

صفحه 349
«الخلاف» وهو حديث جميل، حيث روى عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام)في حديث قال: «لا يقطع السارق حتّى يقرّ بالسرقة مرّتين، فإن رجع ضمن السرقة، ولم يقطع إذا لم يكن شهود» .1
يلاحظ عليه: أنّ الحديث مرسل أوّلاً، ويحتمل أنّ عدم القطع لأجل إمكان عفو الإمام. ويشهد عليه ما رواه ضريس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا يعفى عن الحدود الّتي لله دون الإمام، فأمّا ما كان من حقّ الناس في حدّ فلا بأس بأن يُعفى عنه دون الإمام». 2 وحدّ السرقة من حدود الله وقد ورد في غير واحدة من الروايات أنّه جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)فأقرّ بالسرقة، فقال له: «أتقرأ شيئاً من القرآن؟» قال: نعم، سورة البقرة، قال: «قد وهبت يدك لسورة البقرة».
قال: فقال الأشعث: أتعطل حدّاً من حدود الله؟ فقال: «وما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، وإذا أقرّ الرجل على نفسه فذاك إلى الإمام إن شاء عفا، وإن شاء قطع» .3
فإذا جاز العفو مع عدم الإنكار، فالعفو أولى بالجواز مع الإنكار.
***

1 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 3 ولاحظ الحديث 5 من نفس الباب .

صفحه 350
   

الأمر الرابع:

في الحدّ

قال المحقّق: وهو قطع الأصابع الأربع من اليد اليمنى، ويترك لهُ الراحة والإبهام .1
أقول: اختلفت كلمة الفقهاء في موضع القطع، فالإمامية على أنّ موضعه قطع الأصابع الأربع من اليد اليمنى وترك الراحة والإبهام.
قال الشيخ في «الخلاف»: موضع القطع في اليد من أُصول الأصابع دون الكف، ويترك له الإبهام، ومن الرجل عند معقد الشراك من عند الناتئ على ظهر القدم، يترك له ما يمشي عليه، وهو المروي عن علي (عليه السلام)وجماعة من السلف.
وقال جميع الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والشافعي: إن القطع في اليد من الكوع ـ وهو المفصل الّذي بين الكف والذراع ـ وكذلك تقطع الرجل من المفصل بين الساق والقدم. وقالت الخوارج: يقطع من المنكب، لأنّ اسم اليد يقع على هذا.(2)
وقال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في أنّ السارق أوّل ما يقطع منه

1 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .   2 . الخلاف: 5 / 437 ـ 438، المسألة 31.

صفحه 351
يده اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع، وفي قراءة عبدالله بن مسعود (فاقطعوا أيمانهما)، وهذا إن كان قراءة وإلاّ فهو تفسير.
وقد استدلّ بما روي عن أبي بكر وعمر أنّهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ثم قال: ولا مخالف لهما في الصحابة; ولأن البطش بها أقوى فكانت البداية بها أردع، ولأنّها آلة السرقة فناسب عقوبته بإعدام آلتها، وإذا سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، وبذلك قال الجماعة إلاّ عطاء حُكيّ عنه أنّه تقطع يده اليسرى، لقوله سبحانه: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا); ولأنّها آلة السرقة والبطش فكانت العقوبة بقطعها أولى. وروي ذلك عن ربيعة وداود، وهذا شذوذ يخالف قول جماعة الأمصار من أهل الفقه والأثر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول أبي بكر وعمر 1.
ويدلّ على قول الإمامية ما تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في هذا الباب، وقد نقل صاحب الوسائل في الباب 4 من أبواب حدّ السرقة ثمان روايات في هذا المضمار، ونقل أيضاً روايتين في الباب 30 من أبواب حدّ السرقة، فالحكم متضافر، ولنتبرّك بنقل بعض ما يدلّ عليه:
1. روى الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: من أين يجب القطع؟ فبسط أصابعه وقال: «من هاهنا». يعني: من مفصل الكف 2.
2. وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «القطع من وسط الكف، ولا يقطع الإبهام، وإذا قطعت الرجل ترك العقب لم يقطع ».3

1 . المغني: 9 / 97 .
2 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2.

صفحه 352
نعم بقيت هنا فروع :
1. لو كانت له إصبع زائدة متميّزة، أُثبتت لحرمة قطع الزائد، وإن لم تتميّز على وجه يكونان أصليين، يكون الحاكم على الخيار.
2. لو كانت له أصبع زائدة متصلة بالأصلي لا يمكن قطع الأصلي إلاّ بقطع الزائدة، فهنا وجوه ثلاثة:
ألف: في القواعد: قطعت ثلاث. 1 وعلّله في الجواهر بقوله: ولعلّه إبقاءً للزائدة مقدّمةً لحرمة إتلافها.
ب : إن أمكن قطع بعض الإصبع الملتصقة، اقتصر عليه.
ج : ويحتمل عدم المبالاة بالزائدة 2.
3. ولو كانت يده ناقصة اجتزأ بالثلاث، حتّى لو لم يبق إلاّ إصبع غير الإبهام قطعت دون الراحة والإبهام .
   

لو عاد إلى السرقة بعد إجراء الحدّ

قال المحقّق: ولو سرق ثانيةً قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، ويترك له العقب يعتمد عليها.3
أقول: لو سرق ثانية قطعت رجله اليسرى إجماعاً من عامّة الفقهاء إلاّ

1 . قواعد الأحكام: 3 / 536 .
2 . جواهر الكلام: 41 / 566 .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .

صفحه 353
عطاء من التابعين، إنّما الكلام في كيفيّة القطع، فهنا قولان:
الأوّل: تقطع رجليه من وسط القدم، وعلى هذا فمحل القطع في الرجل هو الكعب الّذي هو وسط القدم عند معقد الشراك، وقد صرّح بذلك لفيف من الأصحاب، منهم:
الشيخ في المبسوط 1، والخلاف (2)، والسيد المرتضى في
الانتصار 2، وابن زهرة في الغنية 3، والحلّي في السرائر 4، وقد ادّعوا إجماع الإمامية عليه. وقد حُكي عن غير هؤلاء أيضاً، وعلى هذا يكون المقطوع من عظامها، الأصابع والمُشط ويبقى الرسغ والعظم الزورقي والنردي 5 والعقب.
القول الثاني: تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم، ويترك له العقب يعتمد عليها. وهو ظاهر المفيد في المقنعة 6، والشيخ في النهاية 7، وسلاّر في المراسم 8، والمحقّق في الشرائع 9، والعلاّمة في القواعد10

1 . المبسوط: 8 / 35 .   2 . الخلاف: 5 / 437، المسألة 31 .
2 . الانتصار: 528 .
3 . غنية النزوع: 1 / 432 .
4 . السرائر: 3 / 489 .
5 . عظم واسع الأسفل، مخروط الأعلى.
6 . المقنعة: 802 .
7 . النهاية: 717 .
8 . المراسم: 259 .
9 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .
10 . قواعد الأحكام: 3 / 566 .

صفحه 354
والمختلف 1، فكلامهم ظاهر في كون القطع من أصل الساق أي المفصل بين الساق والقدم، وعلى هذا لا يبقى من عظام القدم إلاّ عظم العقب وما بينه وبين عظم الساق.
وقد بسط العلاّمة الكلام في نقل كلمات الأصحاب في المختلف 2 .
واللازم دراسة الروايات الواردة في المقام واستخراج الموضوع منها، وهي على أقسام ثلاثة:
بين ما هو مجمل ليس في مقام البيان، وهذا ما نتركه للقارئ
ليقوم بدراستها، وملاحظتها بنفسه وأكثر ما أورده صاحب الوسائل في
الباب الخامس مجملات لا يستفاد منها شيء، وأمّا غير المجمل فهي على صنفين:
1. ما يستفاد منه أنّ القطع من وسط القدم، نظير:
أ. رواية سماعة بن مهران قال : قال (عليه السلام): «إذا أُخذ السارق قطعت يده من وسط الكف، فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم، فإن عاد استودع السجن، فإن سرق في السجن قتل». 3
ب. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)ـ في حديث السرقة ـ قال: «وكان إذا قطع اليد قطعها دون المفصل، فإذا قطع الرجل قطعها من الكعب» 4.

1 . مختلف الشيعة: 9 / 242 .
2 . مختلف الشيعة: 9 / 241 ـ 242 .
3 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3 .
4 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 8 .

صفحه 355
ج. رواية محمد بن عبدالله بن هلال، عن أبيه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: أخبرني عن السارق لم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ولا تقطع يده اليمنى ورجله اليمنى؟ فقال: «ما أحسن ما سألت، إذا قطعت يده اليمنى ورجله اليمنى سقط على جانبه الأيسر ولم يقدر على القيام، فإذا قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى اعتدل واستوى قائماً»، قلت له: جعلت فداك، وكيف يقوم وقد قطعت رجله؟ فقال: «إنّ القطع ليس من حيث رأيت يُقطع، إنّما يقطع الرِّجل من الكعب ويترك من قدمه ما يقوم عليه ويصلّي ويعبد الله». الحديث .1
والكعب هو العظم الناتئ في ظهر القدم.
2. ما يستفاد منه أنّ القطع من مفصل القدم، نظير:
أ. ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «القطع من وسط الكف ولا يقطع الإبهام، وإذا قطعت الرجل تُرك العقب لم يقطع ».2
ب. ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)قال: «تقطع يد السارق ويترك إبهامه وصدر راحته وتقطع رجله ويترك له عقبه يمشي عليها».3
ج. ما رواه معاوية بن عمّار قال أبو عبدالله (عليه السلام): «يقطع من السارق أربع أصابع ويترك الإبهام وتقطع الرجل من المفصل ويترك العقب يطأ عليه».4

1 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 8 .
2 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2.
3 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 4.
4 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 7.

صفحه 356
ولا يخفى أنّ الصنف الأوّل من الروايات أصرح وأظهر من الثاني، فيحمل الصنف الأخير على الأوّل ويؤيّده كون الحدّ على القول الأوّل على الرفق .
قال في الرياض: والمسألة محل إشكال ومقتضاه المصير إلى الأوّل تقليلاً للعقوبة ودرءً للحدّ، ويستفاد من كلام الشيخ في الخلاف والمبسوط أنّ القول الثاني موافق للتقيّة، قال: القطع عندنا في الرجل من عند معقد الشراك، من عند الناتئ على ظهر القدم، ويترك ما يمشي عليه، وعندهم (أي أهل السنّة) من الكوع وهو المفصل الّذي بين الساق والقدم. 1 وعلى هذا فيحمل الصنف الثاني على التقية.
وحصيلة الكلام: أنّ لعلاج التعارض طريقين:
الأوّل: الجمع بين الصنفين بحمل الظاهر على الأظهر، كما مرّ، وهو حمل الصنف الثاني على الأوّل.
الثاني: الطرح، أي طرح ما يوافق أهل السنّة وهو القول الثاني. ولكن الوجه الثاني ينافي صدر الروايات فقد جاء فيها أنّه يقطع في المرة الأُولى من أُصول الأصابع، فكيف يكون صدرها على خلاف التقية وذيلها على وفاقها؟!
ويؤيّد ترجيح الصنّف الأوّل على الثاني ما مرّ من رواية إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام)حيث جاء فيها كما مرّ: «وتقطع رجله ويترك له عقبه يمشي عليها»، فإذا كانت الغاية ترك شيء يمشي عليه، فمن المعلوم أنّه لا يتحقّق

1 . المبسوط: 8 / 35 ; الخلاف: 5 / 437، المسألة 31 .

صفحه 357
بمجرد العقب المجرد، بل به وبما يتّصل به إلى الكعب من عظام القدم، فينبغي أن يصرف به لفظ العقب عمّا هو ظاهر فيه من التجرّد، إلى ما يوافق الأوّل، وأن يُراد به ما يقابل صدر القدم من الأصابع والمشط إلى وسط القدم.1

لو سرق مرّة ثالثة

قال المحقّق: فإن سرق ثالثة، حبس دائماً.2
أقول: إذا سرق ثالثة حُبس دائماً حتّى يموت أو يتوب وأُنفق عليه من بيت المال إن لم يكن له مال، ولا يقطع شيء منه بلا خلاف.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا سرق السارق ـ بعد قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ـ في الثالثة، خُلّد في الحبس ولا قطع عليه، فإن سرق في الحبس من حرز وجب قتله .
وقال الشافعي: تقطع يده اليُسرى في الثالثة ورجله اليمنى في الرابعة، وبه قال مالك وإسحاق، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد: لا يقطع في الثالثة، مثل ما قلناه، غير أنّهم لم يقولوا بتخليد الحبس.3
وفي متن المغني: (فإن عاد حبس ولا يقطع غير يد ورجل) وفي شرحه: إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله لم يقطع منه شيء آخر وحبس، وبهذا قال

1 . رياض المسائل: 13 / 601 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .
3 . الخلاف: 5 / 436، المسألة 30 .

صفحه 358
علي (عليه السلام)والحسن والشعبي والنخعي والزهري وحمّاد والثوري وأصحاب الرأي. وعن أحمد: أنّه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يعزّر ويحبس. 1
وفي رواياتنا المتضافرة رد على قول المخالف.
1. روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)في السارق إذا سرق قطعت يمينه، وإذا سرق مرّة أُخرى قطعت رجله اليسرى، ثمّ إذا سرق مرّة أُخرى سجنه وتركت رجله اليمنى يمشي عليها إلى الغائط ويده اليسرى يأكل بها ويستنجي بها، فقال: إنّي لأستحيي من الله أن أتركه لا ينتفع بشيء ولكنّي أسجنه حتّى يموت في السجن، وقال: ما قطع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من سارق بعد يده ورجله» 2.
2. روى عبدالرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن السارق يسرق فتقطع يده ثم يسرق فقطع رجله، ثم يسرق، هل عليه قطع؟ فقال: «في كتاب عليّ (عليه السلام): إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مضى قبل أن يقطع أكثر من يد ورجل، وكان عليٌّ (عليه السلام)يقول: إنّي لأستحيي من ربّي أن لا أدع له يداً يستنجي بها، أو رجلاً يمشي عليها». الحديث 3.
وقد روى صاحب المغني كلام الإمام علي (عليه السلام)بشكل أبسط، قال: روى سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه قال: حضرت علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)

1 . المغني: 9 / 102 .
2 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 9.

صفحه 359
أُتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين، قال: قتلته إذاً وما عليه القتل، بأي شيء يأكل الطعام، بأي شيء يتوضّأ للصلاة؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ بأي شيء يقوم على حاجته؟ فردّه إلى السجن أياماً ثم أخرجه، فاستشار أصحابه فقالوا مثل قولهم الأوّل، وقال لهم مثل ما قال أوّل مرّة، فجلده جلداً شديداً ثم أرسله .1
نعم ما في ذيله من الجلد ثم التسريح مخالف لما نقلناه عنه (عليه السلام)من مصادرنا.

لو سرق في الحبس

قال المحقّق: ولو سرق بعد ذلك قتل.(2)
أقول: قال الشيخ في «الخلاف»: قد بيّنا أنّ السارق إذا سرق رابعاً، قُتل في الرابعة، ولا يتقدّر فيما زاد عليه حكم. وقال جميع الفقهاء بعد الرابعة: لا قطع وإنّما يُعزّر. وقال عثمان بن عفان وعبدالله بن عمرو بن العاص: إنّه يقتل في الخامسة. وبه قال عمر بن عبدالعزيز .(3)
ويدلّ عليه موثّقة سماعة قال: قال: «إذا أُخذ السارق قطعت يده من وسط الكف، فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم، فإن عاد استودع السجن، فإن سرق في السجن قُتل» 2.

1. المغني:9/102 ـ 103.    2. شرائع الإسلام:4/176.   3. الخلاف:5/438 ـ 439، المسألة 32.
2 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 4.

صفحه 360
وروى في الفقيه مرسلاً قال: وروي أنّه من سرق في السجن قُتل .1
وروي في «دعائم الإسلام» في حديث ـ : وكان أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا أُتي به في الثالثة بعد أن قطع يده ورجله في المرتين، خلّده في السجن، وأنفق عليه من فيء المسلمين، فإن سرق في السجن قتله. 2

لو تكرّرت السرقة قبل إجراء الحدّ

قال المحقّق: ولو تكرّرت السرقة، فالحدّ الواحد كاف.3
أقول: قال الشيخ في «الخلاف»: إذا سرق دفعة بعد أُخرى، وطولب دفعة واحدة بالقطع، لم يجب عليه إلاّ قطع يده فحسب بلا خلاف. ويدلّ عليه رواية عبدالرحمن بن الحجاج وبكير بن أعين عن أبي جعفر(عليه السلام)في رجل سرق فلم يقدر عليه ثم سرق مرّة أُخرى ولم يُقدر عليه وسرق مرة أُخرى فأُخذ فجاءت البيّنة فشهدوا عليه بالسرقة الأُولى والسرقة الأخيرة، فقال: «تقطع يده بالسرقة الأُولى ولا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة» .4
لو تكرّرت السرقة قبل إجراء الحدّ   
ثم قال : فإن سبق بعضهم وطالب بالقطع، فقطع مرة واحدة، ثم طالب الباقون: روى أصحابنا أنّه يقطع للباقين أيضاً. وقال الشافعي وجميع الفقهاء: لا يقطع للباقين، لأنّه إذا قطع بالسرقة فلا يقطع دفعة أُخرى قبل أن يسرق،

1 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 11 .
2 . مستدرك الوسائل: 18 / 126، الباب 5 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 176 .
4 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1، ولاحظ الحديث 2 .

صفحه 361
وهذا أقوى، غير أنّ الرواية ما قلناه .1
وقد أشار (قدس سره)إلى ما رواه الكليني، عن بكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل سرق فلم يقدر عليه ثم سرق مرّة أُخرى فلم يقدر عليه وسرق مرَّة أُخرى فأخذ فجاءت البيّنة فشهدوا عليه بالسرقة الأُولى والسرقة الأخيرة، فقال: «تقطع يده بالسرقة الأُولى ولا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة». فقيل: كيف ذاك؟ فقال: «لأنّ الشهود شهدوا جميعاً في مقام واحد بالسرقة الأُولى والأخيرة قبل أن يقطع بالسرقة الأُولى، ولو أنّ الشهود شهدوا عليه بالسرقة الأُولى ثمّ أمسكوا حتّى يقطع ثمّ شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة، قطعت رجله اليسرى».2

فروع تجب دراستها على ضوء القواعد

قال المحقّق: ولا يقطع اليسار مع وجود اليمين، بل يقطع اليمين ولو كانت شلاّء. وكذا لو كانت اليسار شلاّء أو كانتا شلاّءين، قُطِعت اليمين على التقديرين. ولو لم يكن له يسار، قال في «المبسوط»: قُطعت يمينه، وفي رواية عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبدالله (عليه السلام): لا يقطع. والأوّل أشبه .3
أقول: قد تقدّم في النصوص ومعاقد الإجماعات أنّ متعلّق القطع هو اليد اليمنى، في المرّة الأُولى، وعلى ضوء ذلك يتّضح وجوب قطعها ـ اليمنى ـ في الصور التالية:

1 . الخلاف: 5 / 441، المسألة 36 .
2 . الكافي: 7 / 224، باب حدّ القطع، الحديث 12; ونقله في التهذيب: 10 / 107، الحديث 418 .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .

صفحه 362
1. لو كانت اليمين شلاّء، واليسار صحيحة.
2. لو كانت اليمين صحيحة، واليسار شلاّء.
3. لو كانتا شلاّئين.
4. وأمّا إذا لم تكن له يسار، فهل تقطع يمينه؟
قال الشيخ في «المبسوط»: إذا سرق ويساره مفقودة أو ناقصة قطعت يمينه.1
ويؤيّده عموم الأدّلة الدالّة على قطع يمين السارق، فهي تتناول ما إذا كانت له يسار وما لو لم تكن; وخصوص صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: لو أنّ رجلاً قطعت يده اليسرى في قصاص، فسرق، ما يصنع به؟ قال: فقال: «لا يقطع ولا يترك بغير ساق».2
وهو خيرة العلاّمة في «القواعد». 3 وقال ابن الجنيد: لا تقطع اليمنى إلاّ مع سلامة اليسار من القطع والشلل لما تقدم من العلّة.4
ويؤيده ما رواه المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن الصادق (عليه السلام)لو كانت له يمين قبل السرقة، لو سرق ولا يمين له   
قال: «إذا سرق الرجل ويده اليسرى شلاّء لم تقطع يمينه ولا رجله ».5
ولكن المحقّق قال: والأوّل أشبه بأُصول المذهب وقواعده .

1 . المبسوط: 8 / 39 .
2 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3.
3 . قواعد الأحكام: 3 / 536 .
4 . مختلف الشيعة: 9 / 237 .
5 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 2 .

صفحه 363
وقد حمل العلاّمة رواية عبدالرحمن بن الحجّاج على إظهاره التوبة، جمعاً بينها وبين الأدلّة، وأمّا رواية المفضل بن صالح، فهي مرسلة. 1

5. لو كانت له يمين قبل السرقة

قال المحقّق: أمّا لو كان له يمين حين القطع فذهبت، لم يقطع اليسار، لتعلّق القطع بالذاهبة.2
أقول: قال الشيخ في «المبسوط»: فإن سرق ويمينه كاملة تامّة، فذهبت يمينه قبل أن تقطع بالسرقة، لمرض أو آفة سقط القطع عنه، لأنّ القطع تعلّق بها. فإذا ذهبت سقط القطع 3.
ونظير هذا جناية العبد، فتتعلّق الجناية برقبته، فإذا هلك سقط أرشها.

6. لو سرق ولا يمين له

قال المحقّق: ولو سرق ولا يمين له، قال في النهاية: قطعت يساره وقال في المبسوط: ينتقل إلى رجله.4
أقول: لو سرق ولا يمين فللشيخ فيه قولان:
أ. قال في «النهاية»: ومن سرق وليس له اليمنى، فإن كانت قطعت في

1 . مختلف الشيعة: 9 / 237 ـ 238 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .
3 . المبسوط: 8 / 38 ـ 39 .
4 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .

صفحه 364
القصاص وغير ذلك، وكانت له اليسرى قطعت يسراه، وإن لم تكن له أيضاً اليسرى قطعت رجله، فإن لم يكن له رجل، لم يكن عليه أكثر من الحبس، على ما بيّناه.1
ب. قال في «المبسوط»: وإن سرق وليس له يمين قطعت يساره عندهم، وعندنا ينقل القطع إلى الرجل، وإن كان الأوّل قد رُوي أيضاً .2 وهذا أقرب ممّا ذكره في «النهاية». ومع ذلك لا يخلو من إشكال.
وهناك احتمال ثالث وهو سقوط الحدّ ; وذلك لأن الانتقال إلى اليسرى بعد تقييد الآية باليمين يحتاج إلى دليل، وليس هنا عموم.
كما أنّ الانتقال إلى الرجل اليسرى يحتاج إلى دليل فإنّها تقطع في السرقة الثانية، وعلى هذا يسقط الحد لفقدان الموضوع وينتقل إلى التعزير. نعم لو سرق مرة ثانية ينتقل إلى الرجل اليسرى.
لو سرق ولا يد له ولا رجل، سقوط الحدّ بالتوبة   

7. لو سرق وليس له يد لا يمنى ولا يسرى

قال المحقّق: ولو لم يكن له يسار، قطعت رجله اليسرى.3
أقول: ذهب الشيخ في «النهاية» إلى أنّه تقطع رجله اليسرى، قال: فإن لم تكن له أيضاً اليسرى، قطعت رجله اليمنى.4 وفيه إشكال كما سيظهر.

1 . النهاية: 717 .
2 . المبسوط: 8 / 39 .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .
4 . النهاية: 717 .

صفحه 365

8. لو سرق ولا يد له ولا رجل

قال المحقّق: ولو سرق ولا يد له ولا رجل حُبِس .1
أقول: قال الشيخ في «النهاية»: فإن لم يكن له رجل لم يكن عليه أكثر من الحبس، على ما بيّناه .2
ولا يخفى عليك أنّ أكثر هذه الفروع خروج عن موضع الإذن الشرعي في القطع، يقول المحقّق: وفي الكلّ إشكال من حيث إنّه تخط عن موضع القطع، فيقف على إذن الشرع، وهو مفقود .3
والأقرب بالنسبة إلى القواعد أنّ كلّ مورد كان فيه متعلّق القطع مفقوداً، هو سقوط القطع والانتقال إلى التعزير دون إسراء الحكم إلى ما هو في الدرجة الثانية للسرقة، والله العالم.

سقوط الحدّ بالتوبة

قال المحقّق: ويسقط الحدّ بالتوبة قبل ثبوته، ويتحتّم لو تاب بعد البيّنة. ولو تاب بعد الإقرار، قيل: يتحتّم القطع، وقيل يتخيّر الإمام في الإقامة والعفو .4
أقول: قد اشار المحقّق في كلامه هذا إلى فروع ثلاثة:

1 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .
2 . النهاية: 717 .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .
4 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .

صفحه 366

1. سقوط الحدّ بالتوبة قبل ثبوته

إنّ حدّ السرقة يسقط بالتوبة كغيره من الحدود، قبل أن يثبت عند الحاكم، لصحيح ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال:
«السارق إذا جاء من قبل نفسه تائباً إلى الله عز وجل، تردُّ سرقته إلى صاحبها، ولا قطع عليه» .1
وعن أحدهما (عليهما السلام)في مرسل جميل في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى، فلم يُعلم ذلك منه ولم يؤخذ حتّى تاب وصلح: «إذا صلح وعرف منه أمر جميل، لم يُقم عليه الحدّ».2

2. لو تاب بعد البيّنة لم يسقط

إذا تاب بعد ثبوت الحدّ بالبيّنة لم يسقط لقول أمير المؤمنين (عليه السلام)للأشعث: «إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، وإذا أقرّ الرجل على نفسه فذاك إلى الإمام إن شاء عفا، وإن شاء قطع ».3
سقوط الحدّ بالتوبة   

3. لو تاب بعد الإقرار

فيه قولان:

1 . الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 3 .

صفحه 367
الأوّل: ما أشار إليه المحقّق بقوله: لم يسقط الحد، وتحتمت الإقامة، ولكنّه نسبه إلى القيل. ويدلّ عليه الصحيحتان:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أقرّ على نفسه بحدّ ثم جحد بعد؟ فقال: «إذا أقرّ على نفسه عند الإمام أنّه سرق ثم جحد قطعت يده، وإن رغمَ أنفه» 1.
2. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من أقرّ على نفسه بحدّ أقمته عليه، إلاّ الرجم فإنّه إذا أقرّ على نفسه ثم جحد، لم يرجم» 2.
يلاحظ على الاستدلال بأنّ موردهما هو الإنكار والجحد دون التوبة، وعدم العفو فيه لا يلازم عدمه في صورة التوبة، إذ فرق بين الجاحد الكاذب المصرّ على عصيانه وبين التائب الّذي أصلح أمره.
الثاني: قول الشيخ في «النهاية»، قال: فإن كان أقرّ على نفسه، ثم تاب بعد الإقرار جاز للإمام العفو عنه، أو إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه أردع في الحال.3
وقال ابن سعيد : فإن أقرّ بالسرقة ثم تاب فله قطعه وله العفو عنه.4
واستُدلّ لهذا القول بمرسلة جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام)في حديث قال: «ولا يقطع السارق حتّى يقر بالسرقة مرتين، فإن رجع ضمن

1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 3 .
3 . النهاية: 718 .
4 . الجامع للشرائع: 561 .

صفحه 368
السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود» .1 فإنّ الظاهر أنّ «رجع» بمعنى «تاب» لا بمعنى «جحد».
وعلى كلّ تقدير فإنّ القطع في المقام مورد للشبهة وهي كافية في درء الحدّ بشرط أن يُعلم أنّ التوبة حقيقية وليست لدرء العذاب، وإلاّ فيقطع .
والأولى أن يستدل بقول الإمام علي(عليه السلام) للأشعث: «وإذا أقرّ الرجل على نفسه، فذاك إلى الإمام إن شاء عفا وإن شاء قطع»2.
وربما يؤيد القول الثاني بخبر طلحة بن زيد، عن جعفر (عليه السلام)قال: «حدّثني بعض أهلي أن شابّاً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام)فأقرّ عنده بالسرقة، قال: فقال له علي (عليه السلام): إنّي أراك شابّاً لا بأس بهيئتك، فهل تقرأ شيئاً من القرآن، قال: نعم، سورة البقرة، قال: قد وهبتُ يدك لسورة البقرة، قال: وإنّما منعه أن يقطعه لأنّه لم يُقم عليه بيّنة ».3
وجه التأييد: أنّ مجيئه إلى الإمام باختياره، آية كونه تائباً فيكون دليلاً على الفرع.
   

لو قطع الحدّاد يسار السارق مع العلم

قال المحقّق: ولو قطع الحدّاد يساره مع العلم، فعليه القصاص، ولا يسقط قطع اليمين بالسرقة. ولو ظنّها اليمين، فعلى الحدّاد الدية. وهل يسقط قطع

1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 3.
3 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 5 .

صفحه 369
اليمين؟ قال في المبسوط: لا، لتعلّق القطع بما قبل ذهابها. وفي رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّ علياً (عليه السلام)قال: لا يقطع يمينه وقد قطعت شماله.1
أقول: هنا فرعان:
الأوّل: لو قطع الحدّاد يسار السارق، مع العلم بأنّها يساره لا يمينه، فيقع الكلام في قصاص الحدّاد، وحكم قطع اليمين.
أمّا الأوّل: فلا إشكال فيه، لأنّه جناية عمدية; وأمّا الثاني: أي قطع اليمين حدّاً فالمحقّق وغيره عليه، حتّى ادّعى صاحب الجواهر عدم الخلاف في لزوم قطعه.2 وفيه تأمّل يظهر ممّا ذكره في نهاية الفرع الثاني.
الثاني: ولو ظن الحدّاد أنّها اليمين، فبان اليسار، فعلى الحدّاد الدية لأنّه شبه العمد، ; إنّما الكلام في قطع اليمين، فذهب الشيخ في «المبسوط» إلى وجوب القطع، قال: فإن قال القاطع: دهشت وما علمت أنّها يساره، (أو علمت يساره لكنّني ظننت أنّ قطعها يقوم مقام اليمين)3، فلا قود على القاطع، وعليه الدية، ويقطع يمين السارق، وقال قوم: لا يقطع. والأوّل أقوى، لأنّ يساره ذهبت بعد وجوب القطع في يمينه، كما لو ذهبت قصاصاً.4
ويدلّ على القول الآخر رواية محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)في رجل أُمر به أن تقطع يمينه، فقدّمت شماله فقطعوها وحسبوها يمينه، وقالوا: إنّما قطعنا شماله، أتقطع يمينه؟ قال: فقال:

1 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .
2 . جواهر الكلام: 41 / 541 .
3 . هذه الفقرة ناظرة إلى الفرع الأوّل، ولذا جعلناها بين القوسين.
4 . المبسوط: 8 / 39 .

صفحه 370
لا، لا تقطع يمينه، قد قطعت شماله; وقال في رجل أخذ بيضة من المقسم (المغنم خ ل) وقالوا: قد سرق إقطعه، فقال: إنّي لم أقطع أحدّاً له فيما أخذ شرك».1
وقد أفتى بمضمون الرواية ابن الجنيد كما في «المختلف» 2، والصدوق في «الفقيه» 3.
واختاره العلاّمة وقال: إنّه قطع مساوي اليمين فيسقط القطع لاستيفاء مساوي الحق منه، ثم ذكر رواية محمد بن قيس، ثم ردّ استدلال الشيخ وقال بوجود الفرق بين القطع في القصاص والقطع في المقام، فإنّ قطع اليسار في القصاص ليس إستيفاءً لحدّ السرقة ولا لمساويه فيبقى في عهدة الاستحقاق، بخلاف قطعها في السرقة. 4
والّذي يمكن أن يقال: إنّ مقتضى مذاق الفقه عدم إجراء الحدّ وسقوطه ; وذلك لأنّه فقد اليد اليسار في طريق إجراء الحدّ وحكم الحاكم، ولازم ذلك هوالتخفيف ودرء الحدّ; مضافاً إلى ما مرّ من استدلال الإمام على أنّ الحدّ في المرّة الثانية قطع الرجل اليسرى لا اليد اليسرى من أنّه إذا سرق مرّة أُخرى (ثالثة) سجنه وتركت رجله اليمنى يمشي عليها إلى الغائط ويده اليسرى يأكل بها ويستنجي، فقال: «إنّي لأستحيي من الله أن أتركه لا ينتفع بشيء، ولكنّي أسجنه حتّى يموت في السجن ».

1 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 .
2 . مختلف الشيعة: 9 / 244 .
3 . من لا يحضره الفقيه: ذيل الحديث 5114 .
4 . مختلف الشيعة: 9 / 243 ـ 244 .

صفحه 371
وقد تضافر هذا عن الإمام (عليه السلام).
وعلى هذا فلو قطعت اليسرى لأصبح إنساناً عاجزاً لا يقدر أن يأكل ويشرب وغير ذلك، فدرء الحد بالشبهة هنا أولى. وبذلك يظهر النظر في الفرع الأوّل وهو قطع الحدّاد يسار السارق عن علم، إذ الملاك في الفرعين واحد.

ماذا يجب بعد قطع اليد؟

قال المحقّق: وإذا قطع السارق، يستحب حسمه بالزيت المغلي نظراً له، وليس بلازم .1
أقول: ليس في رواياتنا ما يدلّ على ذلك، نعم ورد في «كنز العمال» ما يشير إلى أنّه من فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).2
قال ابن قدامة: وإذا قطع حُسم، وهو أن يُغلى الزيت فإذا قطع غمس عضوه في الزيت لتنسد أفواه العروق لئلاّ ينزف الدم فيموت، وقد روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُتي بسارق سرق شملة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أقطعوه واحسموه» وهو حديث فيه مقال، قاله ابن المنذر. وممّن استحب ذلك الشافعي وأبو ثور وغيرهما من أهل العلم، ويكون الزيت من بيت المال ; لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر به القاطع، وذلك يقتضي أن يكون من بيت المال، فإن لم يُحسم فذكر القاضي

1 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .
2 . كنز العمال: 5 / 322، برقم 2165 .

صفحه 372
أنّه لا شيء عليه ; لأنّ عليه القطع لا مداواة المحدود، ويستحب للمقطوع حسم نفسه .1 وسيوافيك النظر فيما ذكر، فانتظر.
أقول: إنّ حسم الدم بوضع العروق في الزيت المغلي كان هو الطريقة الوحيدة لقطع الدم وإن كان فيها إيذاءٌ للمقطوع لكن فيها حياته، وأمّا اليوم فلابدّ من سدّ العروق بالطرق الجراحية الحديثة بلا إيذاء .
ويظهر من غير واحدة من الروايات أنّ الإمام بعد القطع يتعاطف مع السارق كثيراً، وقد عقد صاحب الوسائل باباً أورد فيه أربع روايات نقتصر بذكر واحدة منها:
روى الحارث بن حصيرة، قال: مررت بحبشي وهو يستقي بالمدينة فإذا هو أقطع، فقلت له: من قطعك؟ قال: قطعني خير الناس، إنّا أُخذنا في سرقة ونحن ثمانية نفر فذهب بنا إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)فأقررنا بالسرقة، فقال لنا: «تعرفون أنّها حرام؟» فقلنا: نعم، فأمر بنا فقطعت أصابعنا من الراحة وخلّيت الإبهام، ثمّ أمر بنا فحبسنا في بيت يطعمنا فيه السمن والعسل حتّى برئت أيدينا، ثمّ أمر بنا فأخرجنا وكسانا فأحسن كسوتنا، ثم قال لنا: «إن تتوبوا وتصلحوا فهو خير لكم يلحقكم الله بأيديكم في الجنة، وإلاّ تفعلوا يلحقكم الله بأيديكم في النار».2
ثم إنّك قد عرفت أنّ ابن قدامة قال: «فإن لم يحسم (القاطع) فذكر القاضي أنّه لا شيء عليه; لأنّ عليه القطع لا مداواة المحدود». ولا يخفى ما

1 . المغني: 9 / 98 .
2 . الوسائل: 18، الباب 30 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1، ولاحظ الحديث 2 و 3 و 4 .

صفحه 373
فيه من فظاظة، إذ كما يجب إجراء الحدّ يلزم حفظ حياة المسلم فالجمع بينهما يقتضي لزوم العمل على حسم الدم وقطعه، لذا يجب أن تتوفر عند الحاكم لجنة طبية تتصدى وتشرف على إجراء هذا الحدّ حتّى يجمع بين إجراء الحد وحفظ الحياة .
نعم قال المحقّق: وسراية الحدّ ليست مضمونة وإن أُقيم في حرّ أو برد، لأنّه استيفاء سائغ .1
أقول: في إطلاقه نظر، إذ يجب على الحاكم التحرّي بين القطع وعدم سراية الحدّ، فلو أُقيم الحد، فيجب عليه التحرّز عن إقامة الحدّ في حرّ أو برد يستلزم السراية. فما علّله أنّه استيفاء سائغ، وإن كان صحيحاً لكن يجب عليه أن يستوفي الحدّ في ظروف لا تُسبّب الضرر والضرار على المقطوع .
وحصيلة الكلام: يجب أن نستعرض القوانين الجزائية في الشريعة على وجه تتقبّله الطباع السليمة ولا يسيء للإسلام، لا بمعنى أن نتصرّف فيها ما لم يرد فيه، بل بمعنى التأمّل في سائر أحكامه ثم الخروج بعد الجمع بالنتيجة المطلوبة منه.
***

1 . شرائع الإسلام: 4 / 177 .

صفحه 374

الأمر الخامس:

في اللواحق

وهي مسائل ثمان:

المسألة الأُولى: إعادة العين المسروقة أو بدلها

قال المحقّق: يجب على السارق إعادة العين المسروقة، وان تَلفتْ أُغرم مثلها، أو قيمتها، إن لم يكن لها مثل.1
أقول: إنّ العين المسروقة ملك للمسروق منه ولا تخرج عن ملكه بالسرقة، فيكون حكمها حكم المغصوب، فيجب ردّ عينه إن أمكن، وإلاّ فبدله من المثل أو القيمة، وهذا من ضروريات الفقه الإمامي، وهو غني عن الاستدلال. ومع ذلك يدلّ عليه صحيح سليمان بن خالد قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إذا سرق السارق قطعت يده وغرم ما أخذ» 2.
وموثّق محمد بن مسلم قال: «السارق يتبع بسرقته وإن قطعت يده، ولا يترك أن يذهب بمال امرئ مسلم»، (3) إلى غير ذلك من الروايات.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 178 .
2 و 3 . الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 و 4، ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 375
والظاهر أنّ الروايات ناظرة لرد ما ورد عن أبي حنيفة ومالك، في المقام، حيث قال الأوّل : لا أجمع بين الغرم والقطع، فإذا طالب المسروق منه بالسرقة ورفعه إلى السلطان، فإن غرم له ما سرق سقط القطع، وإن سكت حتّى قطعه الإمام سقط الغرم عنه، وكان صبره وسكوته حتّى قطعه رضى منه بالقطع عن الغرم.
وقال مالك: يغرم إن كان موسراً، وإن كان فقيراً لا يغرم .
ولأبي حنيفة تفصيل آخر، قال: إذا سرق حديداً، فجعله كوزاً، فقطع، لم يرد الكوز، لأنّ الكوز كالعين الأُخرى، فلو كانت السرقة ثوباً فصبغه أسود، فقطع لم يرد الثوب، لأنّ السواد جعله كالمستهلك، وإن صبغه أحمر كان عليه ردّه، لأن الحمرة لا تجعله كالمستهلك.1
ومن هنا يعلم أنّه إذا نقصت عنده بفعله أو بفعل الغير فعليه أرش النقصان نظير الغاصب، كما أنّه لو زادت، فالزيادة للمالك مَن غير فرق بين الزيادة المتّصلة كسمن الغنم، أو المنفصلة كالنتاج.
ولو مات المالك فالعين مع توابعها للوارث مثل سائر الأموال فيراعى طبقات الإرث، فإن لم يكن له ولاءٌ، فالوارث هو الإمام. ويدلّ عليه ما رواه حمزة بن حمران 2، فلاحظ.
***

1 . الخلاف: 5 / 446 ـ 447، المسألة 46 .
2 . الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 5 .

صفحه 376

المسألة الثانية: إذا سرق اثنان نصاباً

قال المحقّق: إذا سرق اثنان نصاباً، ففي وجوب القطع قولان: قال في «النهاية»: يجب القطع. وقال في «الخلاف»: إذا نقب ثلاثة فبلغ نصيب كلّ واحد نصاباً، قطعوا. وإن كان دون ذلك، فلا قطع، فالتوقّف أحوط.1
أقول: إذا سرق اثنان نصاباً، فللمسألة صور:
1. إذا هتكا معاً الحرز، وأخرج كلّ منهما نصف نصاب على حدته (ثمن الدينار) فلا خلاف في عدم القطع، لعدم اجتماع الموجب في كلّ واحد منهما، والمجموع وإن أخرج نصاباً، لكنّه أمر اعتباري لا وجود له في الخارج.
2. لو هتكا معا الحرز وأخرج كل منهما نصاباً على حدة، فلا شك في وجوب القطع ; لأن كلاّ منهما، سرق النصاب المستقل، وكلّ أخرج نصاباً، من دون استعانة بالآخر .
3. إذا هتكا معاً الحرز وأخرجا نصاباً معاً، بأن وضعا أيديهما عليه وأخرجاه، فهنا قولان: