welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 1
   
    الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 2

صفحه 3
السياسة الإسلاميّة
         1
الحدود والتعزيرات
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
العلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني، 1347ق. ـ
الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1432 ق. = 1390
6 ـ 482ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجز الفهرس طبقاً لمعلومات فيبا:
1. الحدود والتعزيرات. 2. فقه الشيعة ـ ـ القرن الخامس عشر . ألف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.
1390 7ت 2س/ 102BP   179/297
اسم الكتاب:    الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء
المؤلّف:    الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1432هـ . ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:655                  تسلسل الطبعة الأُولى:378
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir
info@tohid.ir

صفحه 5
m
الحمد لله رب العالمين ; والصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل بريته محمد وآله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أمّا بعد;
فإنّ إجراء الحدود والتعزيرات الواردة في الكتاب والسنّة رهن وجود حكومة إسلامية تتبنّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء وفق الشريعة الإسلامية الغرّاء.
إلاّ أنّ وجود مثل هذه الحكومة كانت أُمنية ـ كغيرها من الأماني الكثيرة ـ ولأجل ذلك كانت دراسة قسم من أبواب الفقه مهجورة غير معروفة، لا اجتهاداً ولا تقليداً، وقلّما يتفق لفقيه أن يؤلّف كتاباً حول الجهاد أو القضاء الشرعي أو الحدود والتعزيرات، وأمثالها.
وبعد أن بزغت علينا شمس الإسلام وقامت الثورة الإسلامية في إيران متبنية تطبيق الأحكام الشرعية على أرض الواقع، وجب على أساتذة وفقهاء

صفحه 6
الحوزة الغور في هذه المباحث وتبيين أحكامها حتّى يتسنّى لقضاة الشرع القضاء بين الناس على وفقها .
ولأجل هذه الغاية بدأنا ـ ونحن في سنة 1400 هـ ـ تدريس الحدود والتعزيرات بحضور جمع من فضلاء الحوزة العلمية، عسى أن يوفّقنا الله سبحانه لأداء ما على عاتقنا من مسؤولية نشر أحكام الشريعة المحمدية السمحاء. وقد تناولنا البحث على ضوء ما جاء في كتاب «شرائع الإسلام» للمحقّق الحلّي (قدس سره)، الّذي قسّم كتابه إلى قسمين، ونحن نقتفيه وإن كان لنا بعض الملاحظات على تقسيمه.
القسم الأوّل: في الحدود. وفيه أبواب: 1. في حدّ الزنا. 2. في اللواط والسحق والقيادة. 3. في القذف. 4. في شرب الخمر. 5. في السرقة. 6. في المحارب وقطع الطريق. وهذا القسم بأبوابه الستّة متّفق عليه بين العلماء.
القسم الثاني: في التعزيرات. وفيه أبواب: 1. في المرتد. وهو من الحدود حسب رأينا ورأي أكثر العلماء. 2. في إتيان البهائم ووطء الأموات وما يتبع ذلك. 3. في الدفاع عن النفس والنفيس. وهو يختص بكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب رأينا.
والحمد لله رب العالمين
جعفرالسبحاني
5 صفر المظفر 1400 هـ

صفحه 7
القسم الأوّل:
كتاب الحدود
وفيه مقدّمة وأبواب
   مقدّمة: الحدّ والتعزير لغة واصطلاحاً
   في أسباب الحد وفيه ستة أبواب
1. في حدّ الزنا
2. في حدّ اللواط والسحق والقيادة
3. في حدّ القذف
4. في حدّ المسكر والفقّاع
5. في حدّ السرقة
6. في حدّ المحارب

صفحه 8

صفحه 9

الحدّ والتعزير لغةً واصطلاحاً

الحدّ لغة

الحدّ في اللغة بمعنى المنع، وبهذا المعنى الواحد استعمل في الموارد التالية; فيسمّى الحاجز بين البيتين حدّاً كما يطلق على ما بين البلدين من حواجز، وعلى المعرّف التام، ويسمّى البوّاب والسجّان حدّاداً أيضاً، كلّ ذلك بملاك واحد وهو المنع من الدخول والخروج حسب المعنى المناسب لكلّ مورد.
وسمّيت أحكام الله حدوداً لأنّها خطوط يحرم تجاوزها، يقول سبحانه: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)1، وقال سبحانه: (وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)2، وقال أيضاً: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَ نِفَاقًا وَ أَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)3.

1 . البقرة: 187 .
2 . البقرة: 229 .
3 . التوبة: 97 .

صفحه 10
 
الحدّ في مصطلح الشرع
الحدّ هو عبارة عن العقوبة الّتي عيّنها الشارع كمّاً وكيفاً في مورد
العصاة.
وإن شئت قلت: عقوبة مقدّرة بتقدير الشارع، وربّما يطلق الحدّ على نفس الجريمة يقال: ارتكب الحدّ فاستحقّ العقوبة.

التعزير لغة

التعزير بمعنى المنع، يقال: عزّره عن كذا منعه وردّه; وربّما يستعمل بمعنى التفخيم والتعظيم، قال سبحانه: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )1، فإنّ التعزير في الآية بمعنى التفخيم والتعظيم لا النصرة بقرينة أنّه ذكرها بقوله: (وَ نَصَرُوهُ). وسُمّي التأديب الشرعي تعزيراً لأنّ الحاكم بتأديبه يمنعه عن معاودة القبيح.

التعزير اصطلاحاً

في أسباب الحدّ   
التعزير عبارة عن عقوبة لا تقدير لها بأصل الشرع; وبعبارة أُخرى: الحدّ عبارة عن ارتكاب المحرّم الّذي عيّن الشارع له العقوبة كمّاً وكيفاً، والتعزير عبارة عن ارتكاب المحرّم الّذي لم ينصب الشارع له حدّاً بل أوكله إلى نظر الحاكم.

1 . الأعراف: 157 .

صفحه 11
وإن شئت قلت: التعزير تأديب دون الحدّ، فخرجنا بالنتيجة التالية:
أنّ التأديب على قسمين: مقدّر، وغير مقدّر .
نعم ربّما يستعمل التعزير في مورد الحدّ، إذ أنّ صاحب الوسائل عقد باباً بعنوان: باب «أنّ من أكره زوجته على الجماع نهاراً في شهر رمضان بطل صومه ووجب عليه كفّارتان والتعزير بخمسين سوطاً ولا شيء عليها، فإن طاوعته فعلى كلّ منهما كفّارة والتعزير بخمسة وعشرين سوطاً» وقد ذكر فيه رواية واحدة والوارد فيها هو أنّه حدّ لا تعزير، لتعيينه كمّاً وكيفاً، إذ أنّ ما جاء فيها هو: «وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحدّ، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً وضربت خمسة وعشرين سوطاً» 1.
ثم إنّ الروايات تشبّه الحدود بالمطر، ففي رواية حنان بن سدير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة وأيامها» 2.
وجه التشبيه كما أنّ المطر يطهّر الأرض من الأقذار ويورث الخصب، فهكذا الحدّ يطهّر المجتمع من الرذائل أوّلاً وينبت الفضائل ثانياً.

أسباب الحدّ

ذكر المحقّق أنّ أسباب الحدّ ستة:
1. الزنا .

1 . الوسائل:7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم وقت الامساك، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب مقدمات الحدود واحكامها العامّة، الحديث 2.

صفحه 12
2. ما يتبعه (الزنا) من اللواط والسحق والقيادة.
3. القذف، ولواحقه، كسبّ النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام)، ومَن ادّعى النبوّة، والساحر...
4. شرب الخمر والفقاع.
5. السرقة.
6. قطع الطريق.1
وهو موافق لما عليه الحنفية، ويرى المالكية أنّ الحدود سبعة فيضيفون إليها الردّة والبغي، وربّما عدّ بعض الشافعيّة منها القصاص، حتّى أنّ المالكية عدّ تارك الصلاة عمداً من الحدود.2
لا شك أنّ الموارد المذكورة من قبيل الحدّ، لا التعزير ، لأنّ التعزير عبارة عن ارتكاب المحرّم الذي لم ينصب الشارع له حدّاً مخصوصاً، وهو موكول إلى ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه بخلاف الحدّ، وتظهر الثمرة في اختصاص الحدّ بأُمور:
1. درء الحدّ بالشبهة، 2. عدم اليمين في الحدّ، 3. عدم الكفالة فيه، 4. للإمام العفو عن الحدّ الثابت بالإقرار، دون البيّنة، 5. عدم الشفاعة فيه.
إذا عرفت ذلك فلندرس العناوين التي ذكرها المحقّق، بإذن الله سبحانه.

1 . شرائع الإسلام: 4/147.
2 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 17 / 131 ـ 132.

صفحه 13

الباب الأوّل:

في حدّ الزنا

الزنا من المفاهيم العرفية الواضحة التي لا يتأمّل في فهم معناها أحد من الناس، فلا تحتاج إلى التعريف.
وقد روي أنّ ماعز بن مالك لمّا أقرّ بالزنا أربعاً، قال له النبي(صلى الله عليه وآله): أتعرف الزنا؟ فقال: هو أن يأتي الرجل حراماً كما يأتي حلالاً.1
ومع ذلك فقد عرّفه المحقّق بقوله: إيلاج الرجل ذكره في فرج امرأة محرّمة من غير عقد ولا ملك ولا شبهة، ويتحقّق ذلك بغيبوبة الحشفة قبلاً أو دبراً.2 فقوله:«من غير عقد...» تفسير للمحرّمة.
يلاحظ عليه: أنّ المعرَّف لو كان مطلق ما يسمّى زناً سواء أترتّب عليه الحدّ أو لا، يكون قوله:«ولا شبهة» زائداً; لأن الوطء بالشبهة زنا لكن لا يترتّب عليه الحدّ، فيكون التعريف غير جامع، لخروج الوطء بالشبهة عن التعريف مع أنّه داخل فيه; وإن كان المعرّف خصوص ما يترتّب عليه الحدّ فيجب إضافة قيود أُخرى من العقل والبلوغ والاختيار، إلاّ أن يقال: إنّ قوله:

1 . جواهر الكلام :41/ 260 عن طريق العامة.
2 . شرائع الإسلام :4/149.

صفحه 14
«محرّمة» دليل على وجود هذه الشروط; لأنّ المرأة لا تحرم على الرجل من دون هذه الشروط.
وعرّفه ابن رشد بقوله: كلّ وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين، وقال: هذا متّفق عليه بالجملة من علماء الإسلام.1وهو يشمل كلا الطرفين، بخلاف التعريف السابق فإنّه يختصّ بالرجل مع أنّ الزنا يعمّه والمرأة.
ومع ذلك يرد عليه بعض ما أوردناه على التعريف السابق.
هل يشترط الإنزال في وجوب الحدّ أو يكفي مجرّد الدخول؟
الظاهر هو الثاني، أي كفاية غيبوبة الحشفة. ويدلّ على ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام)قال: سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال: «إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم».2
في حدّ الزنا   
ونظيره صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريباً من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل». فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: «نعم».3 ومن المعلوم أنّ ما هو الموضوع للغسل هو الموضوع للمهر والرجم، فلا يرد الإشكال باختصاص الصحيحة بالغسل فلا يلازم كون الالتقاء كافياً في غيره ـ أعني: المهر والرجم ـ لما عرفت من وحدة الموضوع.

1 . بداية المجتهد2/424، ط مصر.
2 . الوسائل:1، الباب6 من أبواب الجنابة، الحديث 1.
3 . الوسائل:1، الباب6 من أبواب الجنابة، الحديث 2.

صفحه 15
وأمّا كفاية غيبوبة الحشفة فقد جاء التصريح به في صحيحة ابن بزيع، وربّما يتوهّم دخول الكلّ لما في صحيحة محمد بن مسلم: «إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم».1
يلاحظ عليه: أنّ صحيحة ابن بزيع صريحة في كفاية التقاء الختانين فيقدّم على ظهور الحديث الآخر.
وأمّا كفاية الدخول في الدبر فهو صريح المحقّق كما مرّ، وقال في الجواهر نقلاً عن الرياض: لم أجد فيه خلافاً.2
نعم ظاهر المقنعة والنهاية اختصاصه بالفرج.
قال الشيخ المفيد في «المقنعة»: الزنا الموجب للحدّ وطء من حرّم الله تعالى وطأه من النساء بغير عقد مشروع إذا كان الوطء في الفرج خاصّة دون ما سواه.3
وفي «النهاية» ذكر الشيخ الطوسي قريب من عبارة المقنعة.4 ويؤيّدهما ما رواه ابن بزيع من قوله: «إذا التقى الختانان» كما مرّ.
نعم في «الوسيلة»: في الوطء في دبر المرأة قولان: أحدهما: أن يكون زنا، وهو الأثبت ; والثاني: أن يكون لواطاً.5

1 . الوسائل:1، الباب6 من أبواب الجنابة، الحديث1.
2 . جواهر الكلام :41/ 260.
3 . المقنعة:774.
4 . النهاية:688.
5 . الوسيلة:409.

صفحه 16
ويمكن أن يستظهر العموم من القبل والدبر من قوله في صحيحة محمد بن مسلم:«إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم»، مضافاً إلى صدق الفاحشة وسوء السبيل الوارد في قوله سبحانه:(وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً )1 عليه.
هذا كلّه في الإنسان السالم، وأمّا مقطوع الحشفة فالظاهر كفاية دخول مقدار الحشفة ; لأنّ التحديد بها لإيعاز كفاية دخول مقدارها دون أن يكون للحشفة مدخلية.
في شرائط ثبوت حدّ الزنا   

شرائط ثبوت حدّ الزنا

لا شكّ أنّ الحدّ عقوبة دنيوية على الإنسان المكلّف الذي اقترف المعصية، والتكليف مشروط بالأُمور العامّة التي اتّفق العقلاء على شرطيتها في كلّ مورد ـ أعني: العقل والقدرة والعلم بالموضوع ـ ودلّ النقل على شرطية الاختيار في مقابل الإكراه، فكلّ ما دلّ من الأدلّة على شرطية هذه الأُمور في التكاليف كاف في المقام أيضاً من دون حاجة إلى الاستدلال على لزوم وجود كلّ واحد من هذه الشرائط.
وعلى ضوء هذا فالمستفيضة المعروفة عن الإمام علي(عليه السلام): «أما علمت إنّ القلم يرفع عن ثلاثة:... وعن المجنون حتى يفيق»،2 وحديث الرفع المعروف الّذي رواه الصدوق بسند صحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال

1 . الإسراء:32.
2 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث11.

صفحه 17
رسول الله(صلى الله عليه وآله): «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه... الخ».1 فإنّهما كافيان في شرطية الاختيار وخروج المكره عن الحكم.
وعلى ضوء هذه الأدلّة العامّة فلا نحتاج في إثبات شرطية الأُمور العامّة في ترتّب حكم الزنا، إلى دليل خاص، ومع ذلك وردت روايات خاصّة في هذا المورد أيضاً، وإليك هذه الشروط:
الأوّل: العقل
لا حدّ على المجنونة إجماعاً، ولا على المجنون على المشهور.
ويدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى حكم العقل برفع الحدّ عنهما ـ روايات نظير:
1. ما رواه الأصبغ بن نباتة قال: أُتي عمر بخمسة نفر أُخذوا في الزنا، فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم الحدّ، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) حاضراً فقال: «يا عمر ليس هذا حكمهم».
فحكم على الخامس منهم بالتعزير، فقال: «وأمّا الخامس فمجنون».2
2. ما رواه علاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) في امرأة زنت وهي مجنونة، قال: «إنّها لا تملك أمرها».3

1 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب حدّ الزنا، الحديث16.
3 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2. ولاحظ الحديث 3 من هذا الباب، والحديث 1 من الباب 21، والحديث 1 من الباب 26، والحديث 11 من الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات .

صفحه 18
نعم يخالفه ما رواه أبان بن تغلب في خصوص المجنون والمعتوه قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحدّ، وإن كان محصناً رُجم». قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة؟ فقال: «المرأة إنّما تؤتى، والرجل يأتي، وإنّما يزني إذا عقل كيف يأتي اللذة، وإنّ المرأة إنّما تُستكره ويفعل بها وهي لا تعقل ما يفعل بها» .1
ولكن الرواية محمولة على بقاء تمييز وشعور له بقدر أقل مناط التكليف، كما يُفهم من قوله (عليه السلام).
الثاني: البلوغ
يدلّ على شرطية البلوغ روايات منبثّة في مقدّمة العبادات وكتاب الحجر والوصايا، وغير ذلك، ونقتصر على ما يلي:
1. روى يزيد الكناسي، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «الجارية إذا بلغت تسع سنين، ذهب عنها اليتم وزوّجت وأُقيمت عليها الحدود التامّة لها وعليها».2
2. روى حُمران قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) قلت له: متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامّة ويقام عليه ويؤخذ بها؟ قال: «إذا خرج عنه اليُتم وأدرك». قلت: فلذلك حدٌ يُعرف به؟ فقال:«إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر أو أنبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامّة».3
3. ما رواه الأعمش عن ابن ظبيان قال: أُتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت،

1 . الوسائل:18، الباب21 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
2 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث3.
3 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث2.

صفحه 19
فأمر برجمها فقال علي(عليه السلام): «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ».1
وبما أنّ المسألة اتّفاقية اقتصرنا بالمذكور من الروايات.
الثالث: الاختيار
يشترط في ثبوت الحدّ كون الزاني مختاراً في عمله، لا مكرهاً.
قال المحقّق: ويشترط في تعلق الحدّ، العلم بالتحريم، والاختيار.2
وفي الجواهر ـ بعد ذكر العبارة المتقدّمة ـ قال: على الأصحّ.3
وقد عقد في الوسائل باباً باسم «سقوط الحدّ عن المستكرهة على الزنا ولو بأن تُمكِّن من نفسها خوفاً من الهلاك عند العطش وتصدّق إذا ادّعت»، وقد أورد فيه ثمانية أحاديث.
ففي رواية طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)قال: «ليس على زان عُقر ـ المهر ـ و لا على مستكرهة حدّ».4
وفي رواية موسى بن بكر قال: سمعته وهو يقول: «ليس على المستكرهة حدّ، إذا قالت: إنّما استكرهت».5
قال المحقّق: ويسقط الحدّ مع الإكراه، وهو يتحقّق في طرف المرأة قطعاً،

1 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11.
2 . شرائع الإسلام:4/150.
3 . جواهر الكلام:41/262.
4 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حد الزنا، الحديث 5.
5 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حد الزنا، الحديث6.

صفحه 20
وفي تحقّقه في طرف الرجل تردّد، والأشبه إمكانه، لما يعرض من ميل الطبع المزجور بالشرع.1
وفي الجواهر عن «الغنية»: الجزم بعدمه ; لأنّ الإكراه يمنع عن انتشار العضو وانبعاث القوى، لتوقّفهما على الميل النفساني المنافي لانصراف النفس عن الفعل المتوقّف عليه صدق الإكراه، وإليه يرجع ما في كشف اللثام من التعليل بعدم انتشار الآلة إلاّ مع الشهوة المنافية للخوف.2
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين الإكراه على العمل الذي ينزجر عنه الإنسان حسب الطبع، وبين الإكراه بمعنى الصارف مع ميل النفس بالذات، والمانع عن الانتشار هو الأوّل دون الثاني.
وبعبارة أُخرى: لو كان العمل ممّا لا يقبله الطبع فهو يمنع عن الانتشار خلافاً لما يميل إليه الطبع ولكن يصدّه عن العمل، الخوفُ من الحدّ، أو العذاب الأُخروي.
نعم الوارد في الروايات هو المستكرهة، وذلك لأنّ الإكراه في مورد الزنا غالباً ما يقع من جانب الرجل لا المرأة.
وهنا نكتة وهي أنّ ظاهر عبارة المحقّق وغيره أنّ المكرَه غير مختار، ولكنّه خلاف التحقيق، بل هو مختار بمعنى أنّه بعد ما رأى نفسه بين أمرين يختار الأهون وكان في وسعه أن يختار الأشق ولا يزني، فالأَولى أن يقال: إنّ الشرط: عدم الإكراه لا الاختيار .

1 . شرائع الإسلام: 4/150.
2 . جواهر الكلام:41/265.

صفحه 21
الرابع: العلم
قال المحقّق ـ بعد ذكر العلم من الشرائط ـ : وكذا يسقط في كلّ موضع يتوهم الحلّ كمن وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته فوطئها.1
أقول: أي من غير فرق بين الجاهل بالحكم أو الجاهل بالموضوع. ويدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى الأدلّة العامّة الدالّة على شرطية العلم في التكليف التي وردت في باب البراءة ـ خصوص ما ورد في المقام، نظير ما تضافر في مَن آمن ودخل في الإسلام لكن شرب الخمر وزنا، فلمّا اعتذر بجهله قبل عذره. روى محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): رجلاً دعوناه إلى جملة الإسلام، فأقرّ به ثم شرب الخمر وزنا وأكل الربا، ولم يتبيّن له شيء من الحلال والحرام، أُقيم عليه الحدّ إذا جهله؟ قال: «لا، إلاّ أن تقوم عليه بيّنة أنّه قد كان أقرّ بتحريمها».2
ويظهر من هذه الروايات معذورية الجاهل في الحدود مضافاً إلى ما روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:«أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه».3
والظاهر كما مرّ عدم الفرق بين الجاهل بالحكم ـ كما هو مورد أكثر الروايات ـ والجاهل بالموضوع.
روى أبو بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة تزوجها رجل

1 . شرائع الإسلام:4/150.
2 . الوسائل:18، الباب14 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2; ولاحظ الحديث 1و 3 و 4و 5.
3 . الوسائل:8 ، الباب45 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 22
فوجد لها زوجاً؟ قال: «عليه الجلد وعليها الرجم، لأنّه تقدّم بعلم]بغير علم [وتقدّمت هي بعلم».1
واستدلّ المحقّق الخوئي على شرطية العلم بدخول عدم الاستحقاق في مفهوم الزنا كالغصب والسرقة، فلا يصدق مع الجهل بالموضوع أو الحكم.
يلاحظ عليه: أنّ الألفاظ موضوعة للمفاهيم الواقعية لا المعلومة، فليس الزنا إلاّ كسائر الأعمال، كالضرب والقتل أو الشتم، لايراد منها إلاّ المفاهيم الواقعية، ولذلك عُدّت المجامعة مع الشبهة زناً، مع أنّ العدوان لا يصدق عليها.
نعم الغصب والسرقة فرع العدوان فهو داخل في حقيقتها.
   

الوطء عن شبهة

اتفقت كلمتهم على درء الحدّ بالشبهة، والمراد منها هنا هو الوطء عن شبهة، واختلفوا في تعريفه، فعرّف بتعاريف:
1. الوطء الذي ليس بمستحق مع عدم العلم بالتحريم، ومقتضاه الاكتفاء بالاحتمال وإن كان مرجوحاً.2

1 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 5. وفي الكافي المطبوع: 7 / 193 ح 3 «بغير علم» ونقله أيضاً في الوسائل عن الكافي أيضاً وهو الظاهر، وحمل العلاّمة المجلسي «الحّد» فيه على التعزير لتقصيره في التفتيشِ، أو على ما إذا ظنّ أنّ لها «زوج» وذكر الشيخ في الاستبصار احتمالات أُخرى، لاحظ : ج 4 / 209، الباب 120 : مَن تزوّج امرأة ولها زوج، الحديث 781.
2 . مسالك الأفهام: 7 / 202، نقله عنه في الجواهر.

صفحه 23
2. الوطء الذي ليس بمستحق مع ظن الاستحقاق،1 ومقتضاه كفاية الظن.
3. الوطء الذى ليس بمستحق في نفس الأمر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق، ومقتضاه القطع بالحلّية .2
ثمّ إنّ صاحب الجواهر عدل عن ظاهر التعريف إلى تعميم الاعتقاد 3للقطع والظن الذي لم يتنبه صاحبه إلى عدم جواز العمل به، ولو بتقصير منه في المقدّمات وتعميمه أيضاً للمقصّر فيما اقتضاه، كأهل المذاهب الفاسدة وغيرهم.4
والأولى أن يقال بأنّه الوطء الذي ليس بمستحق مع استناده إلى حجّة شرعية، سواء أكانت الحجّة هي الأصل كما إذا كانت دائرة الحرام غير محصورة; أو كان غيره، كما إذا عوّل على إخبار المرأة بعدم الزوج، أو انقضاء العدّة إذا كانت ثقة، أو أفاد قولها الوثوق، أو شهادة العدلين بطلاق الزوج أو موته، أو كان قاطعاً بالحلّية جهلاً، ونحو ذلك.
والحاصل أن يستند إلى حجّة شرعية، ولا يضر احتمال عدم الاستحقاق.
وبذلك يظهر حال الجاهل بالموضوع أو الحكم، فإنّ ملاك المعذورية هو الاستناد إلى حجة شرعية، سواء أَكان محتملاً للخلاف أو كان جهلاً مركباً،

1 . رياض المسائل:13/427، حيث قال: فظنها زوجته أو أمته.
2 . جواهر الكلام:29/244 نقلاً عن المصابيح للعلاّمة الطباطبائي.
3 . أي تعميم الاعتقاد في التعريف الثالث.
4 . جواهر الكلام:29/255.

صفحه 24
فالجهل عن قصور أو عن تقصير في المقدّمات مع ارتكاب الفاعل عن حجّة شرعية مسقط للحدّ دون مَن كان جاهلاً بالحكم عن تقصير لكن ملتفتاً إلى جهله، أو بالموضوع مرتكباً بلا حجة شرعية. ففي هذه المواضع يثبت الحدّ.
وبذلك يظهر ضعف الأقوال الثلاثة المتقدمة، فإنّ الاكتفاء بالاحتمال مع كون الأصل في الإعراض هو الحرمة، أو الاكتفاء بالظن مع كون الأصل فيه عدم الحجّية، غير صحيح، وتخصيصه بصورة وجود القطع مع كون الحجّية أوسع منه، كذلك أيضاً.
وما ذكرناه هو المستفاد من صحيحة يزيد الكناسي والتي جاء فيها: قلت: فإن كانت تعلم أنّ عليها عدّة ولا تدري كم هي؟ فقال:«اذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتى تعلم».1
فهذه الجملة تعطي ضابطة كلّية في باب العذر، وهي لزوم وجود الحجّة في ارتكاب العمل مطلقاً. بل يستفاد من هذه الرواية أنّه لا يوجد في هذه المسائل جاهل بالحكم بين المسلمين، فقد جاء فيها: قلت: أرأيت إن كان ذلك منها بجهالة، قال فقال: «ما مِن امرأة اليوم من نساء المسلمين إلاّ وهي تعلم أنّ عليها عدّة في طلاق أو موت، ولقد كنّ نساء الجاهلية يعرفن ذلك».2 فإذا كان لزوم العدّة من الواضحات فحرمة الزنا أوضح.
و من هنا نقف على حكم عدّة مسائل وهي:
1. لو عقد على امرأة محرّمة كزوجة الولد والأب والمرضعة جاهلاً

1 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
2 . نفس المصدر.

صفحه 25
بالموضوع فوطئها سقط عنه الحدّ، وأمّا لو كان جاهلاً بالحكم فهو ليس بمعذور حسب صحيحة يزيد الكناسي، لأنّ هذه المسألة يعرفها عامّة المسلمين.
2. من وجد على فراشه امرأة فاعتقد أنّها زوجته، فوطئها، سقط الحدّ عن الطرفين، وإن كان من أحد الطرفين سقط عنه، وذلك لأنّ ثبوت الحدّ على كلّ من الرجل والمرأة فرع عدم المعذورية، فالمشتبه معذور دون غيره.
3. لو تشبهت امرأة بزوجة رجل فوطئها فعليها الحدّ دونه، لما مرّ من أنّ ثبوت الحدّ على كلّ من الرجل والمرأة فرع عدم المعذورية، فالمشتبه معذور دون غيره.
وأمّا ما رواه أبو روح: أنّ امرأة تشبّهت بأمة لرجل ـ و ذلك ليلاً ـ فواقعها وهو يرى أنّها جاريته، فرفع إلى عمر فأرسل إلى علي(عليه السلام) فقال: «اضرب الرجل حدّاً في السرّ، واضرب المرأة حدّاً في العلانية»،1 فهي مؤوّلة متروكة، ففي «نكت النهاية»: سمعت من بعض فقهائنا أنّه أراد إيهام الحاضرين بالأمر بإقامة الحدّ على الرجل سرّاً، ولم يُقم الحدّ عليه، استصلاحاً وحسماً للمادّة لئلاّ يتّخذ الجاهل، الشبهة عذراً.2
ومن الغرائب ما نقله الشيخ عن أبي حنيفة في كتاب الحدود، حيث قال: إذا عقد النكاح على ذات محرم له كأُمّه وبنته وخالته وعمّته من نسب أو رضاع أو امرأة ابنه أو أبيه أو تزوّج بخامسة أو امرأة لها زوج ووطئها، أو وطأ

1 . الوسائل:18، الباب38 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . نكت النهاية: 3 / 295، وقوله: «استصلاحاً» تعليل لقوله: «إيهام الحاضرين بالأمر... الخ».

صفحه 26
امرأة بعد أن بانت باللعان أو بالطلاق الثلاث مع العلم بالتحريم فعليه القتل في وطء ذات محرم، والحدّ في وطء الأجنبية. وبه قال الشافعي إلاّ أنّه لم يفصّل، وقال: وقال أبو حنيفة: لا حدّ في شيء من هذا، حتى قال: لو استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها لا حدّ عليه، فإن استأجرها للخدمة فوطئها فعليه الحدّ.1
من شرائط ثبوت حدّ الزنا: الإحصان   
ونقل ابن رشد ما نقله الشيخ عن أبي حنيفة حيث قال: ومنها ما يراه أبو حنيفة من درء الحدّ عن واطئ المستأجر، والجمهور على خلاف ذلك، وقوله في ذلك ضعيف ومرغوب عنه، وكأنّه رأى أنّ هذه المنفعة أشبهت سائر المنافع التي استأجرها عليها فدخلت الشبهة وأشبه نكاح المتعة.2
وقال في «المغني»: وإن تزوّج ذات محرمه فالنكاح باطل بالإجماع، فإنّ وطئها فعليه الحدّ في قول أكثر أهل العلم، منهم: الحسن وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو أيوب وابن أبي خيثمة; وقال أبو حنيفة والثوري: لا حدّ عليه لأنّه وطء تمكّنت الشبهة منه فلم يوجب الحدّ، كما لو اشترى اخته من الرضاع ثم وطئها، وبيان الشبهة أنّه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الّذي هو سبب للإباحة فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة بقيت صورته شبهة دارئة للحدّ الّذي يندرئ بالشبهات.
ولنا: أنّه وطء في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك، والواطئ من أهل الحدّ عالم بالتحريم فيلزمه الحدّ، كما لو لم يوجد

1 . الخلاف:5/386.
2 . بداية المجتهد:2/425.

صفحه 27
العقد، وصورة المبيح إنّما تكون شبهة إذا كانت صحيحة، والعقد هاهنا باطل محرّم وفعله جناية تقتضي العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة.1
ولا يخفى أنّ بهذه الفتيا تمنع السماء ماءها، والأرض بركاتها، فلابدّ من تأويل ذلك كما أولّه ابن رُشد، وإن كان فيه ما فيه.
ثم إنّ القوم ـ تبعاً للشرائع ـ ذكروا في المقام أُموراً حول الإكراه من ثبوت المهر عليه وغيره، وبما أنّ موضع بحثها هو كتاب النكاح، فقد عنونه صاحب العروة في كتاب النكاح في المسألة الثالثة عشرة من الفصل الرابع، وعنونه شيخ مشايخنا الحائري في تقريراته(الصفحة 52)، فالأولى إحالة هذه البحوث إلى كتاب النكاح، ولنذكر بقية الشرائط.

الخامس: الإحصان

إنّ الحِصْن بمعنى الحفظ ويستعمل في القلاع والأمكنة المستحكمة لكونها محفوظة من التعرّض.(2) ويجمع على حصون، قال الله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ)2، وقال سبحانه:(لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة).3
ومنه درع حصينة لكونها حصناً للبدن.
والمراد به هنا المرء المحفوظ بزوجته، أو المرأة المحفوظة بزوجها.

1 . المغني:10/152 ـ 153 .   2 . المقاييس:1/69.
2 . الحشر:2.
3 . الحشر:14.

صفحه 28
وربّما يستعمل في مطلق العفيفة، قال سبحانه: (وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا).1
ثمّ إنّه يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: إحصان الرجل.
الثاني: إحصان المرأة.
   

الكلام في إحصان الرجل

قال الشيخ: ليس من شرط إحصان الرجم الإسلام، بل شرطه الحرّية والبلوغ وكمال العقل والوطء في نكاح صحيح ; فإذا وجدت هذه الشرائط فقد أُحصن إحصان رجم، وهكذا إذا وطأ المسلم امرأته الكافرة فقد أُحصنا. وبه قال الشافعي.2
وقال المحقّق: ولا يثبت الإحصان الذي يجب معه الرجم حتى يكون الواطئ بالغاً حرّاً ويطأ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرق متمكّناً منه يغدو عليه ويروح..... وفي اعتبار كمال العقل خلاف، فلو وطأ المجنون عاقلة وجب عليه الحدّ رجماً أو جلداً; هذا اختيار الشيخين (رحمهما الله)، وفيه تردد... إلى أن قال: والإحصان في المرأة كالإحصان في الرجل، لكن يراعى فيها كمال العقل إجماعاً.3
وقبل الدخول في تبيين الشروط اللازمة نشير إلى ما ذكره الشيخ من

1 . التحريم:12.
2 . الخلاف:5/402. كتاب الحدود، المسألة 46.
3 . شرائع الإسلام:4/150 ـ 151 .

صفحه 29
عدم شرطية الإسلام في الإحصان، وقد اختلف فيه فقهاء السنّة، فاشترطه مالك وأبوحنيفة ولم يشترطه الشافعي. واستدلّ الشافعي بحديث متّفق عليه من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) رجم اليهودي واليهودية اللّذين زنيا إذ رفع إليه اليهود، قال تعالى: (وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ).1(2)
واستدلّ الشيخ الطوسي على عدم الاشتراط بما رواه ابن المسيّب عن أبي جويرة أنّ يهوديين أقرّا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالزنا وكانا قد أُحصنا، فرجمهما، وهذا صريح في الرجم والإحصان .(3)
ولم يرد في الروايات شيء من شرطية الإسلام.
وقد اشترط في الإحصان أُمور، فلندرسها بالترتيب التالي:

1. العقل

ويدلّ عليه ما دلّ على شرطيته في الحدّ الأصغر، وإنّما خالف فيه الشيخان حيث ذهبا إلى وجوب الحدّ على خصوص المجنون، وتحقّق الإحصان منه فيثبت عليه الرجم معه والجلد بدونه، استناداً إلى رواية أبان بن تغلب عن الصادق(عليه السلام)2، وقد مرّ تأويل الرواية; وفي المسالك أنّ هذه الرواية ظاهرة في كون الفاعل غير مجنون وإن كان صدرها قد تضمّن حكم المجنون، فتحمل على مجنون يعتوره الجنون إذا زنى بعد تحصينه، لتناسب العلّة التي ذكرها في الرواية.3

1 . المائدة: 42.    2 . بداية المجتهد:2/407.   3 . الخلاف:5/403.
2 . الوسائل:18، الباب21 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
3 . مسالك الأفهام :14/333.

صفحه 30
أضف إلى ذلك: أنّ الاعتماد على رواية واحدة في مقابل ما دلّ على شرطية العقل في التكاليف، واتّفاق العقلاء على رفع التكليف عن المجنون، أمر غير صحيح.

2.البلوغ

ويدلّ عليه ما دلّ على شرطيته في الحدّ الأصغر، فالصبي ليس بمحصن ولا حدّ عليه، لأنّ فعله ليس بجنابة حتى تناط به عقوبة.

3. الحرّية

فلا رجم على العبد، فالرقيق ليس بمحصن ولا يرجم بالزنا، وإن أصاب في نكاح صحيح، ففي الجواهر: لا خلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.1
ويدلّ عليه صحيح أبي بصير ـ يعني المرادي ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في العبد يتزوج الحرّة ثم يعتق فيصيب فاحشة، قال: فقال: «لا رجم عليه حتّى يواقع الحرّة بعد ما يعتق».2
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه الشيخ عن زرارة، عن الحسن بن السّري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا زنى العبد والأمة وهما محصنان فليس عليهما الرجم، عليهما الضرب خمسين، نصف الحدّ».3

1 . جواهر الكلام:41/269.
2 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
3 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 3.

صفحه 31
وروى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في العبيد إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة وإن كان مسلماً أوكافراً أو نصرانياً، ولا يرجم ولا يُنفى».1
ورفع الرجم عن العبد والأمة وإن كانا متزوّجين لأجل تخفيف الحكم عنهما في مقابل ما عليهما من التكاليف مقابل مالكهما.
وفقدان الموضوع في مجتمعاتنا وزماننا الحاضر يغنينا عن إفاضة الكلام فيه.

4. التمكّن من الوطء الصحيح

يشترط في تحقّق الإحصان أن تكون له زوجة دائمة قد دخل بها أو أمة كذلك وهو متمكّن من وطئها متى شاء أو أراد، فلو كانت زوجته غائبة عنه بحيث لا يتمكّن من الاستمتاع بها، أو كان محبوساً فلا يتمكّن من الخروج إليها، لم يترتّب عليه حكم الإحصان.
وهذا الشرط ينحل إلى أُمور:
أ. أن تكون له زوجة دائمة، فلا تكفي الزوجة المؤقّتة.
ب. أن تكون له أمة مملوكة، فلا تكفي الأمة المحلّلة.
ج. الوطء قبل أن يزني.
د. تمكّنه من الوطء متى شاء.
وإليك بيانها:

1 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.

صفحه 32
أمّا كفاية الزوجة الدائمة فيدلّ عليه إطلاق صحيح إسماعيل بن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت: ما المحصن رحمك الله؟ قال: «من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهومحصن».1
وما رواه الكليني عن أبي بصير قال:قال: «لا يكون محصناً حتى تكون عنده امرأة يغلق عليها بابه».2 وهو صريح في الدائم.
وأمّا عدم كفاية المنقطعة فيدلّ على ذلك ما رواه إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي إبراهيم(عليه السلام): الرجل تكون له الجارية أتحصنه؟ قال: فقال: «نعم، إنّما هو على وجه الاستغناء»، قال: قلت: والمرأة المتعة؟ قال: فقال: «لا، إنّما ذلك على الشيء الدائم».3
وما رواه الحفص البختري، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل يتزوّج المتعة أتحصنه؟ قال: «لا، إنّما ذلك على الشيء الدائم عنده».4
وما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: «لا يرجم الغائب عن أهله، ولا المملك الذي لم يبن بأهله، ولا صاحب المتعة».5
وأمّا كفاية الأمة المملوكة وعدم كفاية المحلّلة فيدلّ عليه ما مرّ في رواية إسحاق بن عمّار وروايته الأُخرى قال: سألت أبا إبراهيم عن الرجل إذا هو زنا

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث6.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
4 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
5 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.

صفحه 33
وعنده السرية والأمة يطأها، تحصنه الأمة وتكون عنده؟ قال (عليه السلام): «نعم، إنّما ذلك لأنّ عنده ما يغنيه عن الزنا».1
ولعلّ الروايتان متّحدتان، مع اختلاف في اللفظ.
إلى غير ذلك من الروايات.
وأمّا عدم كفاية الأمة المحلّلة فلأنّ الأصل في باب الحدود هو الاحتياط، خرج منه ما إذا تمكّن من الزوجة والأمة المملوكة، وبقيت المحلّلة تحت المنع.
ثم إنّ كفاية الأمة المملوكة ممّا انفرد به مشاهير الإمامية، بخلاف غيرهم فلا يثبت عندهم بالتمكّن منها الإحصانُ، قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في أنّ الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصناً، ولا نعلم خلافاً في أنّ التسرّي لا يحصل به الإحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح، ولا تثبت فيه أحكامه.2
وإليه ذهب بعض قدماء الأصحاب كابن جنيد وابن أبي عقيل. أمّا الأوّل فقال: أن يكون الزوجان حرّين مسلمين.... وقال الثاني: المحصن الذي يكون له زوجة حرّة مسلمة يغدو عليها ويروح.3
ودلّ عليه بعض الروايات، منها: ما رواه محمد بن مسلم عن أبي

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
2 . المغني:9/8.
3 . مختلف الشيعة:9/137.

صفحه 34
جعفر(عليه السلام)في الذي يأتي وليدة امرأته بغير إذنها، عليه مثل ما على الزاني يجلد مائة جلدة، قال: «ولا يرجم إن زنى بيهوديّة أو نصرانية أو أمة، فإن فجر بامرأة حرّة وله امرأة حرّة فإن عليه الرجم، وقال: وكما لا تحصنه الأمة واليهودية والنصرانية إن زنى بحرّة، كذلك لا يكون عليه حدّ المحصن إن زنى بيهودية أو نصرانية أو أمة وتحته حرّة».1
وهذه الرواية وما أشبهها مطروحة لقلّتها وكثرة المعارض، مضافاً إلى كونها موافقة للعامّة، وعلى فرض التعارض فيتساقطان، فالمرجع عموم قول أبي جعفر(عليه السلام): «من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن».2
وأمّا اشتراط الوطء قبل أن يزني فتدلّ عليه موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم(عليه السلام) فقد جاء فيها: فإن زعم أنّه لم يكن يطأها؟ قال: فقال: «لا يصدّق، وإنّما أوجب ذلك عليه لأنّه يملكها».3
ويدلّ عليه أيضاً رواية إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت: ما المحصن رحمك الله؟ قال: «من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن».4
وأمّا شرطية التمكّن فيدلّ عليها صحيح إسماعيل بن جابر المتقدّم،

1 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث9. ويلاحظ أنّ هذه الرواية هي ذاتها ما ذكره صاحب الوسائل في الباب الخامس برقم 1. ولا يضر اختلافهما في المتن بعدد وحدة المضمون لاحتمال النقل بالمعنى.
2 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.
4 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 35
مضافاً إلى ما رواه حريز، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المحصن؟ قال: فقال: «الذي يزني وعنده ما يغنيه».1
وقد عقد صاحب الوسائل باباً تحت عنوان: عدم ثبوت الإحصان مع وجود الزوجة الغائبة ولا الحاضرة التي لا يقدر على الوصول إليها.2
أمّا الكلام في تحديد الموضوع ـ أعني: التمكّن من الوطء ـ فقد اختلف فيه لسان الروايات، فإنّ الروايات الواردة في هذا الموضوع بين ما هي تبيّن معنى المحصن، وبين ما تستثني جماعة، فلابدّ من دراسة الطائفتين واستخراج الموضوع منها:
أمّا الأُولى: فمنها ما رواه إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر، قال: قلت: ما المحصن رحمك الله؟ قال(عليه السلام):«من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن».3
وأمّا الطائفة الثانية: فقد حدّدت الموضوع بذكر المستثنى، وهو على أصناف:
1. المغيّب والمغيّبة: روى محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: «المغيّب و المغيّبة ليس عليهما رجم، إلاّ أن يكون الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل».4

1. الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
2 . لاحظ : الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ الزنا.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.
4 . الوسائل:18، الباب3من أبواب حدّ الزنا، الحديث1 ; ولاحظ الحديث3، وذيل الحديث4.

صفحه 36
2. المحبوس: روى أبو عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل محبوس في السجن وله امرأة حرّة في بيته في المصر، وهو لا يصل إليها، فزنا في السجن قال: «عليه الحدّ (في نسخة: يجلد الجلد) ويدرأ عنه الرجم».1
3. المسافر: روى الحارث قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل له امرأة بالعراق، فأصاب فجوراً وهو في الحجاز؟ فقال(عليه السلام): «يضرب حدّ الزاني مائة جلدة ولا يرجم».2
والإمعان في هذه الأحاديث يعرب عن أنّ الموضوع في الواقع هو التمكّن من لقاء الزوجة، سواء أكان غائباً أو حاضراً أو مسافراً، وبذلك يعلم أنّ تحديد السفر في بعض الروايات بما إذا أوجب القصر والإفطار محمول على أنّ هذا الفاصل المكاني كان سبباً لعدم التمكّن، ففي رواية محمد بن الحسين رفعه، قال: الحدّ في السفر الذي إن زنا لم يرجم إن كان محصناً؟ قال: «إذا قصّر فأفطر».3
و قريب منه رواية عمر بن يزيد.4
ولا شك أنّ من سافر في زماننا ثمانية فراسخ وزنا مع تمكّنه من الرجوع لا يوصف بعدم التمكّن، كما أنّ من سافر يوماً ثم زنا لا يُعدّ غير متمكّن، بل

1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
2 . الوسائل:15، الباب3 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
3 . الوسائل:18، الباب4، من أبواب حدّ الزنا، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب4 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1.

صفحه 37
الخارج عن القاعدة هو من غلب عليه الشبق ولا يتمكّن من إطفائه، فغلب عليه الهوى فزنى، فهو يُجلد ولا يُرجم.
ثمّ إنّه لا يلحق بغير المتمكّن من كانت امرأته حائضاً أو مريضة، لمنع القياس أوّلاً، ووجود الفارق ثانياً.

فرعان:

الأوّل: لو أولج غير البالغ ـ كما إذا كان مراهقاً ـ في زوجته بقدر الحشفة، ثم زنا بالغاً، لا يكون الوطء الأوّل معتبراً في تحقّق الإحصان، لأنّ المنصرف من أخبار الدخول غير هذا، ولو شُكّ في الكفاية فالأصل هو الاحتياط.
الفرع الثاني: يسقط الحدّ بادّعاء الزوجية ولا يكلّف المدّعي البيّنة واليمين; لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات، والمفروض عدم العلم بكذبه، ويمكن الاستئناس للحكم بما ورد في قبول قول المرأة بأنّ الرجل استكرهها . روى أبو عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّ عليّاً(عليه السلام) أُتي بامرأة مع رجل فجر بها، فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحدّ، ولو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا: لا تصدّق، وقد والله فعله أمير المؤمنين(عليه السلام)».1

القول في إحصان المرأة

قال المحقّق: والإحصان في المرأة كالإحصان في الرجل، لكن يراعى فيها كمال العقل إجماعاً.2

1 . الوسائل:18، الباب18 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1 ; ولاحظ الحديث2 و4.
2 . شرائع الإسلام: 4 / 151 .

صفحه 38
يشترط في إحصان المرأة ما اشترط في إحصان الرجل وهي الأُمور التالية:
الأوّل: البلوغ، لرفع القلم عن غير البالغة.
الثاني: كمال العقل ـ إجماعاً ـ وإن اختلف في شرطيته في جانب الرجل، حيث خالف فيه الصدوق وصاحب المقنعة. فلا حدّ على المجنونة وإن زنا العاقل بها، لارتفاع التكليف عنها.
الثالث: الحرّية، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى عدم الخلاف ـ صحيحة بريد العجلي عن أبي عبدالله(عليه السلام) في الأمة تزني؟ قال: «تجلد نصف الحدّ، كان لها زوج أو لم يكن لها زوج».1
الرابع: أن يكون لها زوج دائم قد دخل بها، وهذا الشرط ينحل إلى أُمور:
أ. شرطية الزوج، وتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم في حديث:«إلاّ أن يكون الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل».2
ب. كون الزواج دائماً، ولم يرد شيء يدلّ عليه في جانب المرأة، وإنّما الوارد كما تقدّم اعتباره في جانب الزوج، ومع ذلك يمكن إلغاء الخصوصية، ففي موثقة إسحاق بن عمّار ـ من قوله: قلت: والمرأة المتعة؟ قال: فقال: «لا، إنّما ذلك على الشيء الدائم».3
فالمستفاد منها شرطية الدوام في الزواج من الطرفين.

1 . الوسائل:18، الباب31 من أبواب حدّ الزنا، الحديث2، ولاحظ الباب33، الحديث3.
2 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب حدّ الزنا، الحديث1، ولاحظ أيضاً الباب27، الحديث1.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب حدّ الزنا، الحديث5.

صفحه 39
ج. الوطء: ويدلّ عليه ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال:سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (فإذا أُحصنّ)؟ قال: «إحصانهن أن يدخل بهن». قلت: إن لم يدخل بهن، أما عليهنّ حدّ؟ قال: «بلى».1 أي بلى عليهنّ الحدّ بمعنى الجلد.
وربّما يحتمل اعتبار البصر، فلا يرجم الأعمى زوجاً كان أو زوجة، وليس عليه دليل صالح إذا ثبت أنّ الزنا تحقّق عن علم.
نعم لو أُدعيت الشبهة، كما لو وجد الأعمى المرأة في فراشه فيمكن قبول قوله في الشبهة.

حكم المطلّقة والمتوفّى عنها زوجها

المطلّقة إمّا رجعية أو بائنة، والظاهر من رواية يزيد الكناسي التفريق بينهما، فالمطلقة رجعيةً زوجةٌ، تترتب عليها آثار الزوجية، دون البائن، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن امرأة تزوّجت في عدّتها؟ فقال: «إن كانت تزوّجت في عدّة طلاق لزوجها عليها الرجعة فإنّ عليها الرجم».2
وأمّا البائن فتخرج بالطلاق عن الإحصان.
وأمّا الأرملة فقد اتّفقت كلمتهم على عدم الرجم، ويدلّ عليه ذيل صحيحة الكناسي فقد جاء فيها: «وإن كانت تزوّجت في عدّة بعد موت

1 . الوسائل:18، الباب7 من أبواب حدّ الزنا، الحديث4.
2 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.

صفحه 40
زوجها من قبل انقضاء الأربعة أشهر والعشرة أيام، فلا رجم عليها، وعليها ضرب مائة جلدة».1
وأمّا لو طلّق زوجته خلعاً فرجعت الزوجة بالبذل ورجع الزوج بها، ثم زنا قبل أن يطأ زوجته لم يرجم، وهكذا إذا زنت زوجته قبل الدخول، لأنّهما خرجا عن الإحصان بالخُلع، والرجوع في حكم الزواج الجديد، وقد تقدّمت شرطية الدخول والمفروض عدمه.

في ثبوت الزنا بالإقرار

يثبت الزنا بالإقرار وتعتبر في المقرّ شروط ثلاثة:
1. العقل
فلا عبرة بإقرار المجنون وكلامه، وتقدّم ما يدلّ عليه.
2. الاختيار
فالمستكره مرفوع عنه الأثر، تكليفاً ووضعاً، فإقراره بمنزلة العدم، ولحديث الرفع، ومنه يُعلم عدم العبرة بإقرار السكران والنائم والساهي والغافل. وقد مرّ أنّ الأولى التعبير بـ«عدم الإكراه».

3. الحرية

ذكره المحقّق ضمن شرائط نفوذ الإقرار.2

1 . الوسائل:18، الباب27من أبواب حدّ الزنا، الحديث3.
2 . شرائع الإسلام:4/151.
Website Security Test