welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام الديات في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

أحكام الديات في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 1

صفحه 2

صفحه 3
السياسة الإسلاميّة
         3
أحكام الديات
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
 
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحاني تبريزي ، جعفر، 1308 ـ
      أحكام الديات في الشريعة الإسلامية الغرّاء / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      ص 672. (السياسة الإسلامية، 3)    ISBN: 978 - 964 - 357 - 523 - 6
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
1. ديات (فقه). 2. فقه جعفرى ـ ـ قرن 15 . الف. مؤسسه امام صادق 7. ب. عنوان.
3الف 2س/9 / 183 BP   3422 / 297
1392
اسم الكتاب:    أحكام الديات في الشريعة الإسلامية الغرّاء
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    وزيري
عدد النسخ:   1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 784   تسلسل الطبعة الأُولى:405
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
   
    أحكام الديات في الشريعة الإسلامية الغرّاء
الحمد لله ربّ العالمين; والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وأفضل رسله محمد وآله العترة الطاهرين.
أمّا بعد; فإنّ الإسلام عقيدة، وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر; والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الكريمة، وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.
وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تواجه الإنسان بحيث أغنت المسلمين عن التطفّل على موائد الآخرين. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ وجود الأحكام الكثيرة في الفقه الإسلامي أدلّ دليل على أنّ الشريعة الإسلامية هي ثمرة الوحي السماوي، إذ يمتنع لإنسان عادي أن يأتي بهذا الكم الهائل من التشريع الذي ينبثق عنه نظام كامل للحياة على المستوى الاجتماعي والفردي، ومنها الأحكام السياسية التي هي عماد الأمن والاستقرار في المجتمع.
ولمّا فرغنا عن دراسة الحدود الشرعية والقصاص باشرنا بدراسة كتاب الديات استجابة لرغبات حضّار بحثنا، وقد اتّخذنا كتاب «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ الإمام الخميني ـ أعلى الله مقامه ـ منهجاً للدراسة.
والكلام في كتابنا ـ الديات ـ يدور على المحاور التالية:

صفحه 6
1. أقسام القتل.
2. مقادير الديات.
3. موجبات الضمان.
4. الجناية على الأطراف. وفيه مقاصد:
1. في ديات الأعضاء.
2. في الجناية على المنافع.
3. في الشجاج والجراح. مضافاً إليها ملاحق أربع: في دية الجنين، والعاقلة، والجناية على الحيوان، وكفّارة القتل. ويشكّل هذا المحور عمدة البحوث الموجودة في الكتاب.
كما يشتمل كتابنا هذا على خاتمة فيها أمران، وهما:
1. ما هو السبب لتحمّل العاقلة؟
2. كتاب ظريف. وهو عبارة عن الرواية التي رواها ظريف بن ناصح عن أمير المؤمنين (عليه السلام)في الديات. وقد جئنا بها كاملة لأهميّتها، ولنقلنا عنها كثيراً في ثنايا بحوثنا المختلفة.
هذا وفي الختام أرجو أن يكون كتابي هذا نبراساً يضيء الطريق لطلاّب العلم والفضيلة، وأن يكون ذخراً للمؤلّف يوم لا ينفع مال ولا بنون.
والحمد لله ربّ العالمين.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
27 ربيع الثاني ـ 1434 هـ

صفحه 7
كتاب الديات
وهي جمع الدية بتخفيف الياء، وهي المال الواجب بالجناية على الحر في النفس أو ما دونها، سواء كان مقدّراً أو لا، وربّما يسمّى غير المقدّر بالأرش والحكومة، والمقدّر بالدية، والنظر فيه: في أقسام القتل، ومقادير الديات، وموجبات الضمان، والجناية على الأطراف، واللواحق.*
* قد أشار (قدس سره)إلى أُمور:
1. الديات: جمع الدية بتخفيف الياء، والتشديد لحن، والتاء في آخره عوض عن «الفاء» المحذوف، والأصل ودي حذفت (الواو ) وأُبدل مكانها (التاء) مثل: عِدة، الّتي أصلها: وعد، وعلى هذا فهو مصدر.
2. تعريف الدية: المال الواجب بالجناية على الحرّ في النفس أو فيما دونها، كالأطراف والمنافع .
3. أنّ المال الواجب لو كان مقدّراً في الشرع يسمّى (ديةً)، وإلاّ فيطلق عليه الأرش أو الحكومة، وربّما تطلق الدية على الجميع.
4. الكلام في هذا الكتاب يدور على المحاور التالية:
الأوّل: أقسام القتل.
الثاني: مقادير الديات.
الثالث: موجبات الضمان.

صفحه 8
 
القول في أقسام القتل
المسألة 1. القتل إمّا عمد محض، أو شبيه عمد، أو خطأ محض. *
الرابع: الجناية على الأطراف والمنافع، الّتي عبّر عنها باللواحق.
والدليل على مشروعية الدية قوله سبحانه: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً)1.
مضافاً إلى الاتّفاق بين المسلمين، والسنّة المتواترة كما ستوافيك .
وإليك الكلام في المحور الأوّل.
* ينقسم القتل إلى :
1. قتل عمد محض.
2. قتل شبه عمد.
3. قتل خطأ محض.
   
ولكلّ حكم خاص، فيجب على الفقيه التعرّف عليها بشكل يستطيع تمييز كلٍّ عن الآخر.

1 . النساء: 92 .

صفحه 9
المسألة 2. يتحقّق العمد بلا إشكال بقصد القتل بفعل يقتل بمثله نوعاً، وكذا بقصد فعل يقتل به نوعاً وإن لم يقصد القتل، بل الظاهر تحقّقه بفعل لا يقتل به غالباً رجاء تحقّق القتل، كمن ضربه بالعصا برجاء القتل فاتّفق ذلك. *

* القتل العمدي

كان على المصنّف تعريف القتل العمدي، ولكنّه اكتفى بذكر الأمثلة، ويمكن انتزاع التعريف من مجموعها.
فذكر (قدس سره)أنّ قتل العمد يتحقّق بأحد الأُمور الثلاثة:
1. إذا قصد القتل بفعل يقتل بمثله، وبعبارة أُخرى: إذا كان قاصداً للقتل والآلة قتّالة.
2. إذا قصد فعلاً يقتل به نوعاً بمعنى أنّ الآلة قتّالة وإن لم يقصد القتل.
3. إذا فعل فعلاً لا يقتل به غالباً بمعنى أنّ الآلة لا تكون قتّالة، مثلاً ضرب بالعصا رجاء تحقّق القتل ، فاتّفق ذلك. وإنّما ذكر «الرجاء» دونّ «القصد» لوضوح أنّه إذا لم تكن الآلة قاتلة لم يتمشّ القصد الجدّي إلاّ إذا كان بصورة الرجاء فما ربّما يُقال: إنّه إذا قصد القتل وإن لم يكن الفعل أو الآلة ممّا يقتل، عمد لا يخلو عن تسامح.
فتكون النتيجة: أنّ القتل يوصف بالعمد إذا كانت الآلة قتّالة والفاعل قاصداً للقتل، أو إذا كانت الآلة قتّالة ولم يقصد القتل، أو قصد فعلاً لا يقتل به غالباً رجاء تحقّق القتل. وبذلك يُعلم أنّه لو منعه من الطعام والشراب في   2

صفحه 10
E مدّة لا يحتمل فيها البقاء ولم يقصد به القتل، فهو عمد ـ كما سيوافيك في المسألة الرابعة ـ وهو داخل في القسم الثاني: أي فعل فعلاً يقتل به نوعاً وإن لم يقصد القتل .
وقد مرّ الكلام في هذه الأقسام في كتاب القصاص، ويمكن استفادة حكم الجميع من صحيحة الحلبي، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كله عمد، والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره» 1.
فقوله: «اعتمد شيئاً» أي: قصد إنساناً بما يقتل كالحديدة، والحجر، فيدخل فيه الأمران الأوّلان. إذا قصد القتل والمفروض أنّ الآلة قتّالة فهو الأمر الأوّل، وإذا قصد الضرب مع فرض كون الآلة قتّالة فهو الأمر الثاني.
وفي قوله: «أو بوكزة» يدخل الأمر الثالث، فإنّ الوكزة غير قتّالة غالباً، لكن ربّما يتّفق معها القتل، كما هو الحال في قصة موسى (عليه السلام)، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ )2، لكن يوصف بالعمد إذا كان مع رجاء القتل، نعم لا يوصف عمل النبي موسى بالعمد ; لأنّه لم يكن قاصداً للقتل، بل حاول الدفاع عن الإسرائيلي، والتفصيل في محلّه.

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
2 . القصص: 15 .

صفحه 11
المسألة 3: إذا قصد فعلاً لا يحصل به الموت غالباً ولم يقصد به القتل، كما لو ضربه بسوط خفيف أو حصاة ونحوهما، فاتّفق القتل فهل هو عمد أو لا؟ فيه قولان، أشبههما الثاني.*
المسألة 4: لو ضربه بعصا ولم يقلع عنه حتّى مات، فهو عمد وإن لم يقصد به القتل; وكذا لو منعه من الطعام أو الشراب في مدّة لا يحتمل فيها البقاء، ولو رماه فقتله فهو عمد وإن لم يقصده. **
* إذا قصد الضرب دون القتل، ولم تكن الآلة قاتلة، لكن ترتّب عليه القتل، كما لو ضربه بسوط خفيف أو حصاة، فاتّفق القتل، فهل هو عمد أو لا؟ فيه قولان، الأشبه عند المصنّف أنّه ليس بعمد.
وقد أوضحنا الكلام في ذلك في كتاب القصاص.
وتظهر الثمرة في أنّه لو كان من قبيل العمد وشبهه فالدية على الضارب، ولو كان من قبيل الخطأ فالدية على العاقلة.
** أشار إلى أمثلة ثلاثة كلّها من قبيل العمد :
1. لو ضربه بعصا ولم يقلع عنه حتّى مات فهو عمد، وإن لم يقصد به القتل; وذلك لأنّ الآلة قتّالة، لأنّ المراد الضرب بالعصا عدّة مرات، وعدم الإقلاع كناية عن الضرب بعد الضرب .
وتشهد على ذلك رواية يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن ضرب رجل رجلاً بعصاً أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يَشبه العمد فالدية على القاتل، وإن علاه وألحّ عليه بالعصا   2

صفحه 12
المسألة 5: شبيه العمد ما يكون قاصداً للفعل الّذي لا يقتل به غالباً غير قاصد للقتل، كما ] لو [ ضربه تأديباً بسوط ونحوه فاتّفق القتل، ومنه علاج الطبيب إذا اتّفق منه القتل مع مباشرته العلاج، ومنه الختان إذا تجاوز الحدّ، ومنه الضرب عدواناً بما لا يقتل به غالباً من دون قصد القتل. *
E أو بالحجارة حتّى يقتله فهو عمد يقتل به، وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد» .1
وفي رواية أُخرى عن العلاء بن فضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «العمد الّذي يضرب بالسلاح أو بالعصا لا يقلع عنه حتّى يقتل، والخطأ الّذي لا يتعمّده»2.
والحاصل: كون الآلة قتّالة، يكفي في صدق العمد.
2. لو منعه من الطعام أو الشراب في مدّة لا يحتمل فيه البقاء.
3. ولو رماه فقتله فهو عمد وإن لم يقصده، لأنّ الفعل ممّا يقتل به .

* القتل شبه العمد

شبه العمد ما لا يكون الفعل يقتل به، ولا كان الضارب قاصداً للقتل، كما لو ضربه تأديباً بسوط فاتّفق القتل.
وجه كونه غير عمد لأنّه لم يقصد القتل ولم يكن الفعل ممّا يقتل به   2

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 9، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.

صفحه 13
المسألة 6: يلحق بشبيه العمد لو قتل شخصاً باعتقاد كونه مهدور الدم أو باعتقاد القصاص فبان الخلاف، أو بظن أنّه صيد فبان إنساناً. *
E غالباً، ووجه كونه شبه العمد لأنّه قصد الفعل أي الضرب، الملازم في الواقع للقتل وإن لم يعلم به الضارب، فلا يوصف مثله بالخطأ المحض.
ومنه علاج الطبيب إذا اتفق منه القتل مع مباشرته للعلاج، حيث إنّه قصد الفعل أي العلاج بقطع عضو أو حقن إبرة، وبما أنّه لم يكن واقفاً على أنّه ينتهي إلى القتل وصف بشبه العمد.
ونظيره الختان إذا تجاوز الحدّ.
وحصيلة الأمر: كلّ فعل مقصود لا يلازم القتل ولم يكن الفاعل قاصداً له لكن انتهى إليه، يُسمّى بشبه العمد.
وعلى هذا فلو صفعه عدواناً وانتهى إلى القتل فهو شبه العمد.
* لو اعتقد أنّ زيداً مهدور الدم أو قاتل أبيه وقتله، فبان الخلاف; أو ظن أنّه صيدٌ فبان إنساناً، فهو ملحق بشبه العمد، لأنّه وإن قصد قتل الشخص لكن باعتقاد أنّه مهدور الدم، أو أنّه قاتل أبيه فقتله قصاصاً، فبان الخلاف، فلا يمكن وصفه بالعمد لأنّه لم يقصد قتل إنسان مصون الدم.
قال المحقّق في تعريف العمد: إزهاق النفس المعصومة المكافئة عمداً عدواناً.1
ومن المعلوم أنّه وإن أزهق النفس المعصومة المكافئة لكن جهله   2

1 . شرائع الإسلام : 4 / 159 .

صفحه 14
المسألة 7: الخطأ المحض المعبّر عنه بالخطأ الّذي لا شبهة فيه هو أن لا يقصد الفعل ولا القتل، كمن رمى صيداً أو ألقى حجراً فأصاب إنساناً فقتله، ومنه ما لو رمى إنساناً مهدور الدم فأصاب إنساناً آخر فقتله. *
Eبعصمتها يصدّه عن كون القتل عمداً وعدواناً. ومع ذلك فقد ألحقه المصنّف بشبه العمد حكماً لا موضوعاً .
وجهه: أنّ الجاني في المقام قصد القتل بما هو هو، (فيفارق فعل المعلّم والطبيب والختّان حيث لم يقصدوا القتل مطلقاً) ولكن جهله بالمصونية صار سبباً لإلحاقه بشبه العمد، دون العمد نفسه .

* القتل الخطئيّ المحض

القتل الخطئيّ المحض عبارة عمّا لو قصد شيئاً فأصاب غيره، بحيث لم يكن الغير مقصوداً أبداً ; ففي صحيح أبي العباس عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت: أرمي الشاة فأصيب رجلاً، قال: «هذا الخطأ الّذي لاشكّ فيه»1 فلو رمى صيداً أو ألقى حجراً فأصاب إنساناً فقتله، فصدق أنّه قصد شيئاً فأصاب غيره، ومنه يعلم معنى قوله في المتن: «أن لا يقصد الفعل ولا القتل» فعدم قصدهما إنّما يصحّ إذا قيسا إلى الإنسان أو إلى مصون الدم، وإلاّ فهو قصد الفعل في المثال الأوّل والقتل في المثال الثاني.

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7.

صفحه 15
المسألة 8 : يلحق بالخطأ محضاً فعل الصبي والمجنون شرعاً. *
المسألة 9 : تجري الأقسام الثلاثة في الجناية على الأطراف أيضاً، فمنها عمد، ومنها شبه عمد، ومنها خطأ محض. **
* بما أنّ قصد الصبي كلا قصد، والمجنون كذلك لا اعتبار بقصده، فيوصف فعلهما بالخطأ المحض، وإلاّ فقتل الصبي قتل عمدي لغة وإن لم يكن كذلك شرعاً.
** كما أنّ الجناية على النفس تنقسم إلى أقسام ثلاثة، فهكذا الجناية على الأطراف والمنافع كاليد والعين ونحوها، تنقسم إلى ثلاثة: فمنها العمد، ومنها شبه العمد، ومنها الخطأ المحض .
فتلخّص ممّا ذكره المصنّف أنّ أقسام القتل لا تتجاوز عن خمسة هي:
1. يقصد القتل بعمل يقتل بمثله نوعاً (قصد القتل والآلة قتّالة).
2. يقصد فعلاً يُقتل به نوعاً وإن لم يقصد القتل (الآلة قتّالة لكن لم يقصد القتل) .
3. يقصد فعلاً لا يقتل به غالباً، لكن رجاء تحقّقه (قصد القتل رجاءً والآلة غير قتّالة).
4. أن يقصد الفعل (أي الضرب) دون القتل، بآلة لا تقتل إلاّ نادراً .
5. أن يقصد الفعل (أي الرمي) إلى شيء، لكنّه يصيب إنساناً خطأ. أو يريد القتل بتصوّر أنّه غير محقون الدم فبان خلافه.
فالثلاثة الأُولى من مقولة العمد، والرابع شبه عمد، والخامس بكلا   2

صفحه 16
E المثالين من الخطأ المحض.
وبما أنّا أشبعنا الكلام في هذه الأقسام في كتاب القصاص نكتفي بهذا المقدار.

ملحق يتعلّق بحوادث الطرق

يقع البحث في هذا الموضوع على وجهين:
1. ما يتعلّق بالسائق.
2. ما يتعلّق بالمارّة.
أمّا ما يتعلّق بالسائق في داخل المدينة، فإنّه إذا خالف الإشارات الّتي تأمر بالتوقّف، أو تمنع عن الحركة السريعة، ومع ذلك لم يعتدّ بعلامات المرور، ووقع الحادث فقتل إنساناً، فلو أطمأنّ بأن مخالفة الإشارات والضوابط تؤدّي إلى قتل مصون النفس فلا شكّ أنّه قتل عمد، وإلاّ فهو شبه عمد، وتكون الدية على القاتل لا على عاقلته.
ومنه يظهر حال السائق في خارج المدن، فالحكم كما مرّ في داخل المدن، يعدّ عمداً إن اطمأنّ بأنّ عمله سيؤدي إلى القتل، وشبه عمد إذا لم يطمأنّ بذلك.
   
وأمّا ما يتعلّق بالمارّة، فلو خالف إنسان الضوابط الّتي تأمر بعدم العبور أو العبور من المكان المخصص للعبور، فلو كان السائق واقفاً على حال المارّة، فهو عمد. وإلاّ فهو أيضاً شبه عمد لو لم يكن خطأ محض .
إلاّ أن تكون نسبة القتل إلى السبب ـ أعني: المارّة ـ أقوى من نسبته   2

صفحه 17

القول في مقادير الديات

المسألة 1: في قتل العمد حيث تتعيّن الدية أو يصالح عليها مطلقاً مائة إبل، أو مائتا بقرة، أو ألف شاة، أو مائتا حلّة، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. *
E إلى المباشر ـ أعني: السائق ـ وهذا كما في المثال التالي:
إذا كان السائق ملتزماً بقانون المرور، ومطبّقاً عمله على وفقه، ولكن العابر ظهر أمام السيارة فجأة، بحيث لم يتمكّن السائق من إيقاف سيارته، فالقتل منتسب إلى السائق بالمباشرة وإلى العابر بالتسبيب، لكنّ نسبته إلى العابر أقوى، فالحكم بعدم تعلّق الدية أقوى.
غير أنّ الحكم السائد في عامّة الموارد في المحاكم هو نسبة القتل إلى السائق حتّى في المثال المزبور، ولعلّه لأجل المحافظة على الدماء، حتّى لا يكون ذريعة بيد السائق فيدّعي ظهور العابر أمامه بصورة مفاجئة وعدم تمكّنه من إيقاف عجلته.
* ذكر المصنّف في هذه المسألة دية العمد، وستوافيك دية شبه العمد ودية الخطأ في المسألة 13 وما بعدها.
ثم إنّ قول المصنّف: «حيث تتعيّن الدية» إشارة إلى الصور الّتي لا يجوز فيها القصاص مع كون القتل عن عمد، كقتل الوالد ولده، أو كقتل العاقل المجنون، على ما مرّ في كتاب القصاص.
وأمّا قوله: «أو يصالح عليها مطلقاً» إشارة إلى ما إذا كان الحكم الأوّلي   2

صفحه 18
E هو القصاص، لكن الجاني وأولياء المجنيّ عليه تصالحوا على الدية. فإن تصالحا على مبلغ خاصّ قليلاً كان أو كثيراً فهو، وإن أطلقا فيتعيّن ما في المقام. وهذا هو المراد من قوله: «أو يصالح عليها مطلقاً ».
ثمّ إنّ المصنّف ذكر في قتل العمد أُموراً ستة:
1. مائة من الإبل.    2. مائتا بقرة.      3. ألف شاة.       4. مائتا حُلّة.
5. ألف دينار.      6. عشرة آلاف درهم.
ولندرس هذه المقادير كما وردت في الروايات الّتي هي على طوائف:

الأُولى: ما تضمّنت الأُمور الستة:

1. ما رواه عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل فأقرّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم إنّه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، وفرض على أهل الشاة ألف شاة ثنيّة، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل اليمن الحلل مائتي حُلّة.
قال عبدالرحمن بن الحجّاج: فسألت أبا عبدالله (عليه السلام)عمّا روى ابن أبي ليلى، فقال: كان عليّ (عليه السلام)يقول: «الدية ألف دينار (وقيمة الدينار عشرة دراهم)، وعشرة آلاف لأهل الأمصار، وعلى أهل البوادي مائة من الإبل، ولأهل السواد مائتا بقرة، أو ألف شاة»1. والحديث صحيح، ويأتي ذيل الحديث في الطائفة الثانية.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .

صفحه 19
E 2. روى جميل بن درّاج في الدية: قال: ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، ويؤخذ من أصحاب الحُلل الحُلل، ومن أصحاب الإبل الإبل، ومن أصحاب الغنم الغنم، ومن أصحاب البقر البقر1. والحديث صحيح.
ولا يخفى أنّ الحلّة قد جاءت في رواية ابن أبي ليلى دون ما رواه عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبدالله (عليه السلام).
نعم وردت في الرواية الثانية، ولم يعلم أنّه كلام الإمام، إذ ربّما يكون فتوى من جميل بن درّاج، ثم إنّ المستفاد من الروايتين هو التنويع بمعنى كون الواجب على أهل الإبل هو الإبل، والبقر لأهله. وسيوافيك أنّ التنويع لغاية التسهيل فلا ينافي التخيير.

الطائفة الثانية: ما ذكر فيها الأُمور الخمسة

3. ويدلّ عليها مضافاً إلى ما مرّ من رواية عبدالرحمن بن الحجّاج الذي سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن صحّة ما رواه ابن أبي ليلى ; ما رواه أبو بصير ـ في حديث ـ قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الدية؟ فقال: «دية المسلم عشرة آلاف من الفضّة، وألف مثقال من الذهب، وألف من الشاة على أسنانها أثلاثاً، ومن الإبل مائة على أسنانها، ومن البقر مائتان»2.
أمّا السند، فالحديث ضعيف بعلي بن أبي حمزة. إلاّ أن يقال: إنّ جلالة الراوي عنه ـ أعني: علي بن الحكم بن الزبير النخعي الأنباري الذي يقول   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 2 .

صفحه 20
E الطوسي في حقّه: ثقة، جليل القدر ـ دليل على أنّه أخذ الحديث عن علي بن أبي حمزة أيّام استقامته، لا أيّام وقفه، إذ من البعيد أن يأخذ عنه في ذلك الوقت، هذا كلّه حول السند .
وأمّا المضمون، فالمراد من قوله: «ألف من الشاة على أسنانها أثلاثاً» : ثلاثة أسنان أي: الأعلى والأدنى والأوسط، أي يعطي من الجميع، ولا يجبر على الدفع بسنّ واحد. ويدلّ على ذلك ما يأتي «ألف شاة مخلطة»1.
ثم إنّ أهل اللغة ذكروا للغنم أسماء مختلفة حسب عمرها، قالوا: ولد الشاة حين تضعه ذكراً كان أو أُنثى سخلة وبهمة، فإذا فصل عن أُمّه فهو حمل وخروف، فإذا أكل واجترّ فهو بذج وفرفور، فإذا بلغ النزو فهو عمروس. وكلّ أولاد الضأن والمعز في السنة الثانية جَذَع، وفي الثالثة ثني، وفي الرابعة رباع، وفي الخامسة سديس، وفي السادسة سالغ، وليس له بعد هذا اسم .2
وكذلك ذكروا للبقر أسماء حسب عمرها، قال الجوهري: ولد البقرة أول سنة عجل، ثم تبيع، ثم جذع، ثم ثني، ثم رباع، ثم سديس، ثم سالغ سنة، وسالغ سنتين إلى ما زاد .3
وأمّا قوله: «ومن الأبل مائة على أسنانها» فيحتمل أن يكون المراد مثل ما ذكرناه في الغنم، أي من الأقسام الثلاثة مخلوطة، ويحتمل أن يراد الأسنان المعروفة للإبل، وعندئذ لم يُبيّن في الرواية ما هو السن المجزي.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 12 .
2 . نهاية الأرب في فنون الأدب: 10 / 128 .
3 . الصحاح للجوهري: مادة «سلغ».

صفحه 21
E وأمّا الأسنان المعروفة فقد ذكرها الكليني في «الكافي»، والصدوق في «الفقيه» و «معاني الأخبار» في باب أسنان الإبل وحاصله:
أوّل ما تطرحه أُمّه إلى تمام السنة يُسمّى حوار.
فإذا دخل في الثانية سُمّي ابن مخاض، لأنّ أُمّه قد حملت.
فإذا دخل في الثالثة سُمّي ابن لبون، وذلك أنّ أُمّه قد وضعت وصار لها لبن.
فإذا دخل في الرابعة سُمّي الذكر حقّاً والأُنثى حِقّة لأنّه استحق أن يحمل عليه .
فإذا دخل في الخامسة سّمّي جذعاً.
فإذا دخل في السادسة سُمّي ثنيّاً لأنّه قد ألقى ثنيته. ويطلق عليه المسان كما سيأتي.
فإذا دخل في السابعة ألقى رباعيته وسُمّي رباعيّاً.
فإذا دخل في الثامنة ألقى السن الّتي بعد الرباعية وسُمّي سديساً.
فإذا دخل في التاسعة فطر نابه وسُمّي بازلاً.
فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، وليس له بعد هذا اسم .1
وأمّا ما هو المجزي من هذه الأسنان فسيوافيك بيانه في المسائل التالية.
ثم الظاهر من الرواية هو التخيير لا التنويع، ومع ذلك يمكن أن يقال:   2

1 . الكافي: 3 / 533 ; الفقيه: 2 / 13; معاني الأخبار: 328 .

صفحه 22
E عدم التنافي بين التنويع والتخيير إذا كان التنويع لأجل التسهيل والرخصة لا العزيمة، بمعنى أنّ دفع الإبل لإصحابها لمّا كان أسهل من عشرة آلاف درهم، جعل الفريضة على أهل الإبل هو الإبل لكن رخصة لا عزيمة، وعلى غيرهم، الذهب والفضة.
وتقديمهما على الأنعام الثلاثة لا يدلّ على أنّهما هما الأصل .

الطائفة الثالثة: ما ذكر فيها الأُمور الأربعة

4. روى عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول في حديث: «إنّ الدية مائة من الإبل، وقيمة كلّ بعير من الورق مائة وعشرون درهماً، أو عشرة دنانير، ومن الغنم قيمة كلّ ناب من الإبل عشرون شاة» 1، والحديث مرسل، حسب نقل الكليني. نعم رواها الشيخ بسند صحيح وفيه دلالة على التخيير. والمراد من قوله: «كلّ ناب» الناقة المسنّة سُمّيت بذلك لطول نابها ولا يقال للجمل ناب، وسيوافيك معنى (المسانّ).2
5. روى العلاء بن الفضيل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «في قتل الخطأ مائة من الإبل، أو ألف من الغنم، أو عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار».3
وفي السند ضعف، لوجود محمد بن سنان في السند ويدلّ على التخيير، وقد عرفت أنّ مرجع التنويع إلى التسهيل ولا ينافي التخيير.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 3 .
2 . مجمع البحرين: مادة «ينب».
3 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 8 .

صفحه 23
E 6. روى العلاء بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «والخطأ مائة من الإبل، أو ألف من الغنم أو عشرة آلاف درهم أو ألف دينار»1. والحديث ضعيف لوجود محمد بن سنان في السند.

الطائفة الرابعة: ما ذكر فيها الأُمور الثلاثة

7. روى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الدية عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار» قال جميل: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «الدية مائة من الإبل ».2 والحديث صحيح. ولا منافاة بين ما يرويه الحلبي وما رواه جميل.
8. ما رواه يونس عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث، قال: «الدية عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار، أو مائة من الإبل».3
والحديث مرسل، ودلالته على التخيير واضحة.
9. ما رواه عبدالله بن سنان، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «مَن قتل مؤمناً متعمّداً قيد منه ، إلاّ أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية اثنا عشر ألفاً، أو ألف دينار، أو مائة من الإبل، وإن كان في أرض فيها الدنانير فألف دينار، وإن كان في أرض فيها الإبل فمائة من الإبل، وإن كان في أرض فيها الدراهم فدراهم بحساب ذلك اثنا عشر ألفاً».4 والحديث صحيح. وسيوافيك الكلام في قوله: «فالدية اثنا عشر   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 13.
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 5.
3 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 7 .
4 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 9 .

صفحه 24
E ألفاً» مع أنّ المشهور عشرة آلاف درهم .
10. روى عبيدالله بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الدية ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، أو مائة من الإبل» .1 وفي السند قاسم بن سليمان وهو لم يوثق لكن القرائن تدلّ على وثاقته.
11. روى أبو بصير، قال: دية الرجل مائة من الإبل، فإن لم يكن فمن البقر بقيمة ذلك، فإن لم يكن فألف كبش، هذا في العمد، وفي الخطأ مثل العمد ألف شاة مخلطة.2 والحديث ضعيف لوجود علي بن أبي حمزة في السند.

الطائفة الخامسة: ما ذكر فيها أمران فقط

12. صحيح معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن دية العمد؟ فقال: «مائة من فحولة الإبل المسان، فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم» .3
13. موثقة أبي بصير، قال: سألته عن دية العمد الّذي يقتل الرجل عمداً؟ قال: فقال: «مائة من فحولة الإبل المسانّ، فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم».4 وظاهر الرواية اشتراط الفحولة وإن كان المشهور عدمه.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 10 .
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 12.
3 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.
4 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 3. المسان: جمع المسنة وهي من الإبل ما دخل السادسة وتُسمّى الثنية.

صفحه 25
E 14. ما رواه زيد الشحام، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في العبد يقتل حراً عمداً، قال: «مائة من الإبل المسانّ، فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم» 1.

الطائفة السادسة: ما ذكر فيها أمر واحد من الستة

15. روى محمد بن مسلم وزرارة وغيرهما، عن أحدهما (عليهما السلام)في الدية، قال: «هي مائة من الإبل وليس فيها دنانير ولا دراهم ولا غير ذلك ...» 2الحديث . وهو صحيح.
يقول صاحب الوسائل: ضمير (فيها) راجع إلى الإبل أي لا يعتبر فيها القيمة بل العدد، ويحتمل اختصاصه بأهل الإبل، والله أعلم .
17. روى الصدوق باسناده عن حمّاد بن عمرو وأنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد عن آبائه(عليهم السلام)في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعليٍّ (عليه السلام)، قال: «يا عليّ، إنّ عبدالمطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها الله له في الإسلام... إلى أن قال: وسنّ في القتل مائة من الإبل فأجرى الله ذلك في الإسلام».3

إكمال

ويمكن استفادة دية النفس من الروايات التي تحدد ديتها، بألف دينار، ونصفها بخمس مائة دينار، وثلثي الدية، بستمائة وستة وستين ديناراً    2

1 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 5.
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 14 .

صفحه 26
E وثلثي دينار، وثلث الدية، بثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ديناراً وثلث دينار، وخمس الدية، بمائتي دينار، وثمن الدية، بمائة وخمسة وعشرين دينار، وعشر الدية بمائة دينار.1 إلى غير ذلك من الروايات.

الاختلاف بين الروايات

1. في عدد الغنم

تضافرت الروايات على أنّ الدية من الغنم ألف شاة، ولكن يظهر من رواية عبدالله بن سنان2 أنّ مقدار الدية هو ألفان حيث قال: ومن الغنم قيمة كلّ ناب (المسنّة) من الإبل عشرون شاةً، فبما أنّ الواجب من الإبل هو مائة من الإبل، والبدل من كلّ واحد من الإبل عشرون شاة، تكون النتيجة وجوب 2000 من الشياه.
20 × 100 = 2000 .
والّذي يمكن أن يقال هو وجود الضعف في الرواية ; لأنّها مرسلة حيث إنّ السند كالتالي: علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه عن عبدالله بن سنان، نعم نقلها الشيخ بسند صحيح كما مرّ، مضافاً إلى إعراض الأصحاب عن مضمونها حيث لم يقل به أحد من الأصحاب. نعم دلّت الروايات الصحاح الثلاث 3 على العدد المذكور ولكن لم يعمل بها الأصحاب.   2

1 . لاحظ : الوسائل: 19، الباب 1، 2، 5، 9، 13، 16، 17، 18، 19 من أبواب ديات الأعضاء.
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 3، ومضى برقم 4 .
3 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 2، 3 و 5. وتقدمت في الطائفة الخامسة برقم 12، 13 و 14 .

صفحه 27

E 2. في عدد الدراهم

دلت الروايات المتقدّمة تحت الرقم : 1 و 2 و 3 و 5 و 6 و 7 و 8 على أنّ نصاب الدراهم هو عشرة آلاف درهم.
وفي مقابلها ما يدلّ على أنّ النصاب هو اثنى عشر ألف درهم وهي الروايات 4 و 9 و 10. والأُولى ضعيفة للإرسال في السند. والثالثة في سندها القاسم بن سليمان وهو لم يوثق وإن دلّت القرائن على توثيقه.
وأمّا الدلالة فهنا وجهان :
1. الجمع الدلالي على النحو الذي قال به الشيخ وهذا لفظه:
إن هذا العدد «اثنا عشر ألف درهم» من وزن ستة، فإذا كان كذلك فهو يرجع إلى عشرة آلاف ] إذا كان من سبعة [ ولا تنافي بين الأخبار.1
وهذا يدلّ على أنّ الدراهم كانت مختلفة الوزن، فعلى بعض الأوزان الخفيفة يجب دفع 000,12 درهم إذا كان وزنها من ستة دوانيق، ويجب 000,10 درهم إذا كان من سبعة، وبما أنّ الغالب كان هو الثاني لذلك تضافرت الروايات عليه.
قال الشيخ الطوسي: من يقل اثني عشر ألفاً أراد من وزن ستة، ومن يقل عشرة آلاف أراد من وزن سبعة، فلا يتعارضان على هذا .2
فإن قلت: لو دفع 000,12 درهم، من وزن ستة دوانق، يلزم أن يدفع   2

1 . التهذيب: 10 / 162، برقم 645 .
2 . الخلاف: 5 / 228، المسألة رقم 10 .

صفحه 28
E 333 درهماً زيادة.
توضيحه: إن 000,10 درهم من وزن 7 دوانق يكون وزنها 000,70 دانق، فلو قسمت على وزن 6 دوانق يكون الحاصل أنّ عليه أن يدفع 666,11 درهماً، والتفاوت بين 000,12 و 666,11 هو 333 درهم.1
قلت: هذه الزيادة ليست مهمة لأنّ الاعتبار بالسكة على الدرهم لا على مقدار المادة الّتي فيها، فعلى هذا لا مانع من أن يكون عشرة آلاف درهم مساوياً في القيمة مع 000,12 درهم، وذلك لأنّ الدرهم ذا وزن 7 دوانق له اعتبار سوقي أكثر من الدرهم ذا وزن 6 دوانق .
الثاني: أن يحمل ما دلّ على اثني عشر ألف، على التقية، بقرينة ما سيوافيك من أنّ الشافعي في القديم يقول: الأصل مائة من الإبل، فإن اعوزت انتقلت إلى أصلين ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، فتكون الدية أُصولاً ثلاثة: مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم.2

3. في الحلل

أمّا كفاية الحلل فقد قال في «الجواهر»: فلا أجد فيه خلافاً معتدّاً به بل عن بعض الأصحاب نفيه عنه، بل عن الغنية وظاهر المبسوط والسرائر   2

1 . ويمكن إجراء هذه المحاسبة بالشكل التالي:
12000 درهم من وزن 6 دوانق = 72000 دانق
10000 درهم من وزن 7 دوانق = 70000 دانق فالتفاوت بين الوزنين = 2000 دانق وهو يساوي وزن 333 درهماً من وزن 6 دوانق، ويساوي وزن 285 درهماً من وزن 7 دوانق.
2 . الخلاف: 5 / 226، المسألة 10.

صفحه 29
E والتحرير وغيرهما، الإجماع عليه .1
ومع ذلك فليس له دليل صالح في الروايات سوى صحيح عبدالرحمن (بن الحجّاج) وقد ورد في كلام ابن أبي ليلى دون كلام الإمام الصادق (عليه السلام)كما مرّ .
نعم ورد في صحيح جميل بن درّاج: في الدية: قال: ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، ويؤخذ من أصحاب الحلل الحلل، ومن أصحاب الإبل الإبل ومن أصحاب الغنم الغنم، ومن أصحاب البقر البقر .2
ولكن لم يرد فيها العدد، بل على كفاية أصل الحلل.
وعلى ذلك فالاكتفاء بمائتي حلّة في غاية الإشكال لوجود الاختلاف الفاحش في القيمة بينها وبين الآخرين، لأنّ المراد من الحلّتين الرداء والإزار. فلو فرضناها ثلاث قطع فالثالثة هي العمامة، فأين هي من مائة من الإبل أو مائتي بقرة وألف شاة، والتخيير بينها تخيير بين الأقل والأكثر وهو غير جائز، لأنّ الجاني يختار الأقل مطلقاً فيبقى تشريع الأكثر كاللغو.
ثم إنّه يمكن حل الإشكال بوجهين:
1. تخصيص الحُلّة بأهلها، ولعلّ الاكتفاء هناك بالحلتين أو الحلل لأجل تسهيل الأمر على أهلها .
2. أنّ الاكتفاء بالحلّة لأجل كون كلّ حلّة يومذاك عشرة دنانير ويدلّ   2

1 . جواهر الكلام: 43 / 7 .
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 4 .

صفحه 30
E على ذلك ما رواه في «دعائم الإسلام»1، إذ جاء فيها: «وعلى أهل البزّ 2، مائة حلّة قيمة كلّ حلّة عشرة دنانير»، وعلى هذا فيرتفع الاختلاف ولا يمكن الاكتفاء بالحلل الرخيصة الّتي تورث الاختلاف في القيمة.
هذا كلّه حول ما ذكره المصنّف ويأتي في المسائل الآتية ما يتعلّق بالأُمور الستة.
فإن قلت: إنّ أكثر ما دلّ على دية النفس وارد في قتل الخطأ، فكيف يمكن أن يستدلّ بهذه الروايات على دية العمد، وقد مضى أنّ المصنّف قال في المسألة: في قتل العمد حيث تتعيّن الدية... الخ.
قلت: إنّ الأصل في قتل العمد هو القصاص لا الدية، وإنّما تتعيّن الدية فيما لا يجوز القصاص فيه، أو فيما إذا تصالحوا عليها، فعندئذ تكون الدية في هذه الحالة دية الخطأ، فلا مانع من ورود هذه الروايات في دية الخطأ وكونها أصلاً في دية العمد أيضاً .
   

أُصول الديات في فقه أهل السنّة

هذا ما عندنا ووافقنا في ذلك: أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وأحمد بن حنبل إلاّ أنّهم قالوا في الشاة: إنّها ألفان.
وقال أبو حنيفة: لها ثلاثة أُصول: الإبل مائة، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، ولا يجعل الإعواز شرطاً، بل يكون بالخيار في تسليم أي   2

1 . جامع أحاديث الشيعة: 31 / 394 .
2 . البزّ: الثياب .

صفحه 31
E الثلاثة شاء.
وللشافعي فيه قولان، قال في القديم: الأصل مائة من الإبل، فإن أعوزت انتقلت إلى أصلين: ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم. كلّ واحد منهما أصل، فتكون الدية ثلاثة أُصول: مائة من الإبل أو ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم.
إلاّ أنّ للإبل مزية وهي أنّها متى وجدت لم يُعدل عنها، وبه قال أبو بكر وعمر وأنس بن مالك.
وقال في الجديد: إن أعوز الإبل انتقل إلى قيمة الإبل حين القبض ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم، فالدية الإبل والقيمة بدل عنها لا عن النفس .
ثم قال الشيخ: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم.1
وقال في «المغني» : قال القاضي: لا يختلف المذهب أنّ أُصول الدية: الإبل والذهب والورق، والبقر والغنم، وهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها، وهذا قول عمر وعطاء وطاووس، وفقهاء المدينة السبعة، وبه قال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد لأن عمرو بن حزم روى في كتابه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كتب إلى أهل اليمن :
«إنّ من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بيّنة فإنّه قود إلاّ أن يرضي أولياء المقتول، وإنّ في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعاً الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلثا أو ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كلّ إصبع من الأصابع    2

1 . الخلاف: 5 / 226 ـ 227، المسألة 10 .

صفحه 32
المسألة 2: يعتبر في الإبل أن تكون مسنّة، وهي الّتي كملت الخامسة ودخلت في السادسة، وأمّا البقرة فلا يعتبر فيها السن ولا الذكورة والأُنوثة وكذا الشاة، فيكفي فيهما ما يسمّى البقرة أو الشاة، والأحوط اعتبار الفحولة في الإبل وإن كان عدم الاعتبار لا يخلو من قوة.*
E في اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، والرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار».1
وروى ابن عباس أنّ رجلاً من بني عديّ قُتل فجعل النبي ديته اثني عشر ألفاً، رواه ابن داود وابن ماجة.2
وهذا النصّ يدلّ على وجود الخلاف بينهم في عدد الدراهم.
والعجب أنّ القاضي لم يذكر الحلل .

* ما هي الشروط المعتبرة في الإبل ؟

قال المحقّق: ودية العمد مائة بعير من مسانّ الإبل، أو مائتا بقرة، أو مائتا حلّة كلّ حلّة ثوبان من برود اليمن، أو ألف دينار، أو ألف شاة أو عشرة آلاف درهم .3
اشترط المصنّف في الإبل أن تكون مسنّة، وهي الّتي كملت الخامسة   2

1 . مكاتيب الرسول: 2 / 575، كتابه (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أهل اليمن .
2 . المغني: 9 / 481 .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 245، بتلخيص .

صفحه 33
E ودخلت في السادسة، ونقل في «الجواهر» عن «المهذب البارع» وغيره، وقال: المسانّ: جمع المسنّة وهي من الإبل ما دخل في السادسة، وتسمّى الثنيّة أيضاً. فإن دخلت في السابعة فهي الرباع والرباعية1.
ويدلّ على هذا الشرط ما ورد في صحيح معاوية بن وهب ورواية زيد الشحّام وموثقة أبي بصير، أعني قوله (عليه السلام): «الإبل المسانّ»2.
هذا كلّه حول شرط كونها من المسانّ، فهل يشترط فيها الفحولة؟
الظاهر: اشتراطه لما عرفت من رواية معاوية بن وهب وموثقة أبي بصير الّتي جاء فيهما: «مائة من فحولة الإبل المسانّ، فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم».
والجمل يقابل الناقة، والإبل مشترك بينهما.
ورواية زيد الشحّام وإن لم يشتمل المقطع الأوّل منها على كلمة «الفحولة» ولكنّه يستفاد اشتراطها من المقطع الثاني حيث قال: «وإن لم يكن فمكان كلّ جمل». ورواية عبدالله بن سنان وقد مرّت في الطائفة الثالثة برقم 4، فلاحظ .
وبهذه الروايات الأربع يقيّد ما ورد في بعض الروايات من الإطلاق، ولذلك قال في «الجواهر»: والاحتياط لا ينبغي تركه. وتبعه المصنّف وقال: والأحوط اعتبار الفحولة في الإبل، ولكنّه قوّى عدم الاعتبار، لاشتمال   2

1 . جواهر الكلام: 43 / 5 .
2 . لاحظ الوسائل 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 2 و 5 و 3. وقد مرّ نصّ الروايات الثلاث في الطائفة الخامسة، برقم 12، 13 و 14 .

صفحه 34
E الروايات الثلاث على الترتيب الّذي لا نقول به، أعني: إعطاء مقابل كلّ جمل عشرون من الغنم .
أقول: إنّ الدليل على اشتراط السنّ والفحولة في الإبل هو هذه الروايات الثلاث، وهي مشتملة على أمرين لا نقول بهما:
الأوّل: اشتراط الترتيب، فلا تصل النوبة إلى فحولة الغنم إلاّ بعد عدم إمكان دفع الجمال.
الثاني: أنّ كلّ جمل يعادل عشرين من فحولة الغنم، فاللازم في الغنم طبقاً لهذه الروايات هو ألفان من فحولة الغنم، لا الألف.
وعندئذ نقول: لو كان اشتمال الروايات الثلاث على هذين الأمرين، مانعاً عن الاحتجاج بها فيلزم عدم اشتراط السنّ ولا الفحولة، وإن لم يكن مانعاً فالسنّ والفحولة في عرض واحد، ولا وجه للإفتاء باعتبار السنّ والاحتياط في الفحولة، بل يجب إمّا الإفتاء فيهما أو الاحتياط فيهما، فما في المتن من الإفتاء في السنّ والاحتياط في الفحولة لا يوافق الضابطة.
هذا كلّه في الإبل، وأمّا البقر، فقد قال المحقّق: أو مائتا بقرة. 1 والتاءفي البقرة للجنس لا للتأنيث. واعتبرها في محكيّ النهاية والجامع والمهذّب وتبعهم المصنّف وقال : فلا يعتبر فيها السنّ ولا الذكورة ولا الأُنوثة. وكذا الشاة، فيكفي فيهما ما يسمّى البقرة أو الشاة.
أقول: فيما ذكره نظر:   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 245 .

صفحه 35
المسألة 3: الحلّة ثوبان، والأحوط أن تكون من برود اليمن. والدينار والدرهم هما المسكوكان، ولا يكفي ألف مثقال ذهب أو عشرة آلاف مثقال فضة غير مسكوكين.*
E أمّا أوّلاً: فقد ورد ذكر فحولة الغنم في الروايات الثلاث، فلو كانت ممّا يحتجّ به ـ كما احتجّ بها في السنّ ـ فيجب أن يحتجّ بها في فحولة الغنم.
وثانياً: قد ورد التعبير عن الغنم بالكبش في بعض الروايات، ففي رواية العلاء بن الفضيل: «وإن كانت من الغنم فألف كبش» 1، كما ورد في رواية معلى أبي عثمان قوله: «ومن الشاة في المغلظة ألف كبش إذا لم يكن إبل»2.
* في المسألة أمران:

الأوّل: ما هو المراد بالحُلّة؟

الحُلّة ثوبان، والأحوط أن تكون من برود اليمن.
قال المحقّق في «الشرائع»: أو مائتا حُلّة كلّ حلّة ثوبان من برود اليمن(3).
ويدلّ عليه ما رواه عبدالرحمن بن الحجّاج: قال: سمعت ابن أبي ليلى... إلى أن قال: وعلى أهل الحلل (وفي بعض النسخ: أهل اليمن) الحلل، مائتي حُلّة3. ولكن قد تقدّم أن في «دعائم الإسلام» وجوب (مائة حُلّة قيمة كلّ حُلّة عشرة دنانير) 4.2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 13.
2 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 9 .   3 . شرائع الإسلام: 4 / 245 .
3 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 1.
4 . جامع أحاديث الشيعة: 31 / 331 .

صفحه 36
E وفي «المصباح المنير»: الحُلّة ـ بالضم ـ لا تكون إلاّ ثوبين من جنس واحد. 1
وفي «النهاية» الأثيرية: الحُلّة واحدة الحُلل، وهي برود اليمن، ولا تُسمّى حُلّة إلاّ أن تكون ثوبين من جنس واحد.2
وقد نقل في «الجواهر» كلمات سائر اللغويين وأكثرهم على أنّ الحُلّة هي الثوبان، أحدهما إزار والآخر رداء، وبما أنّك قد عرفت أنّ الاقتصار بثوبين في دفع الدية لا يخلو من إشكال، إذ لم يرد في رواية صحيحة، وإن ورد في كلمات الفقهاء، فقلنا ـ كما سبق ـ : أنّها لا تجزي إلاّ في صورتين:
1. إذا بلغت قيمة المائتي حلّة ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، كما في رواية «دعائم الإسلام».
2. أو إذا وقعت الجناية عند أهل الحلل تسهيلاً لأمرهم فالأولى الاقتصار بالخمسة.

الأمر الثاني: ما هو المراد بالدينار والدرهم؟

يجب أن يكون الدينار والدرهم مسكوكين. ويدلّ على شرطية السكّة ورودها في رواية عبدالرحمن بن الحجّاج وجميل بن درّاج، والعلاء بن الفضيل، والحلبي، ويونس وعبدالله بن سنان وعبيد الله بن زرارة 3.   2

1 . المصباح المنير: 1 / 148، مادة «حل».
2 . النهاية في غريب الحديث: 1 / 432، مادة «حلل».
3 . لاحظ الروايات المذكورة تحت الارقام 1 و 2 و 5 و 6 و 7 و 8 و 9 و 10.

صفحه 37
E نعم ورد في رواية أبي بصير: «دية المسلم عشرة آلاف من الفضة وألف مثقال من الذهب» 1 .
وهنا سؤال: ما هو المراد من السكّة؟ هل أُريد بها السكّة الإسلامية فهي غير موجودة الآن، لأنّ المراد السكّة التي يتعامل بها فتقع ثمناً، وإن أُريد الأعمّ إسلامية كانت أم غيرها فهو أيضاً لا يخلو من إشكال، إذ لا يتعامل بها.
والّذي يمكن أن يقال هو: إنّ الميزان ما في رواية أبي بصير، وهو أنّ المطلوب هو الفضة والذهب الخالصين من الغش، وإنّما اعتبرت السكّة لأجل أنّ المسكوك يقع مورد ثقة عند الإنسان لخلّوه من الغش، ويظهر من الرجوع إلى الروايات في بيع الدرهم المغشوش أنّ الدراهم والدنانير كانا مختلفين من حيث النقاوة، ولذلك اعتبر الإمام (عليه السلام)في بعض الموارد الورق الخاص .
فظهر بذلك جواز الاكتفاء بنفس الذهب والفضة إذا كانا خالصين من الغش بحيث يكونا قريبين من الدرهم والدينار المسكوكين من جهة الاشتمال على المادّة.

1 . لاحظ الرواية تحت رقم 3 .

صفحه 38
المسألة 4. الظاهر أنّ الستة على سبيل التخيير، والجاني مخيّر بينها، وليس للولي الامتناع عن قبول بذله، لا التنويع بأن يجب على أهل الإبل الإبل، وعلى أهل الغنم الغنم وهكذا، فلأهل البوادي أداء أيّ فرد منها، وهكذا غيرهم وإن كان الأحوط التنويع.*

* الجاني مخيّر في بذل ما يشاء وليس للولي الاعتراض

قال المحقّق: وهذه الستة أُصولٌ في نفسها، وليس بعضها مشروطاً بعدم بعض، والجاني مخيّر في بذل أيّها شاء 1 .
وقد أشار المحقّق في الفقرة الأُولى إلى المسألة الخامسة في كلام المصنّف، وفي الفقرة الثانية إلى مسألتنا هذه، وكان على المصنّف تقديم المسألة الخامسة على الرابعة لأنّ التخيير فرع كونها أُصولاً ستة .
ما ذكره (قدس سره)هو ظاهر قسم من الروايات،2 لكن الظاهر ممّا رواه معاوية بن وهب وزيد الشحّام وأبو بصير، خلاف ذلك.
ففي الأُولى: «فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم».3
ونظيره ما في رواية زيد الشحّام،4 ورواية أبي بصير 5.   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 245 ـ 246 .
2 . لاحظ الرواية رقم 3 و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 .
3 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 2 .
4 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 5 .
5 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 3 .

صفحه 39
المسألة 5. الظاهر أنّ الستة أُصول في نفسها، وليس بعضها بدلاً عن بعض ولا بعضها مشروطاً بعدم بعض، ولا يعتبر التساوي في القيمة ولا التراضي، فالجاني مخيّر في بذل أيّها شاء.*
E وفي رواية أبي بصير الأُخرى: «دية الرجل مائة من الإبل فإن لم يكن فمن البقر بقيمة ذلك »1.
وقد حمله صاحب الجواهر على التقية لرجحان الأُخرى عليها، ويمكن أن يقال: إنّ هذه الروايات وردت تعليماً، لا أنّ الثاني مشروط بعدم الأوّل، نظير قول الإمام (عليه السلام): «وإن فاتك الماء لم يفتك التراب».
والمراد تسهيل الأمر على الناس لا تضييق الأمر عليهم. كما هو اللازم من إلزام البدوي بدفع الأنعام، والقروي بدفع النقدين.
فإذا كان في مقام التعليم لا يستفاد منه شرطية عدم الأوّل إلاّ إذا كانت هناك قرينة كما في رواية التيمّم.
حصيلة الكلام: أنّ في تخصيص كلّ طائفة بنوع خاص بحيث لا يجوز له دفع النوع الآخر، حرجاً لا يلائم روح الإسلام، بعد كون الجميع مساوياً لما هو الغاية من الدية .

* الجاني مخيّر في بذل ما شاء من الأُصول الستة

أمّا كونها أُصولاً مستقلّة فهو ظاهر ما دلّ على التخيير كما مرّ، فإنّ لازم التخيير كونها أُصولاً مستقلة، وقد عرفت أنّ ما دلّ على اختصاص   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 12.

صفحه 40
E بعض الأصناف بطائفة خاصّة إنّما هو من باب التسهيل، خصوصاً في زمان كان الدرهم والدينار في غاية الندرة، كما يُعلم ممّا روي عن علي (عليه السلام).
نعم يظهر من ابن البرّاج اعتبار التساوي في القيم، قال: فدية العمد المحض إذا كان القاتل من أصحاب الذهب ألف دينار جياد، وإن كان من أصحاب الفضّة فعشرة آلاف درهم جياد، وإن كان من أصحاب الإبل فمائة مسنّة قيمة كلّ واحدة منها عشرة دنانير، أو مائتا مسنّة من البقر إن كان من أصحاب البقر قيمة كلّ واحدة منها خمسة دنانير، أو ألف شاة إن كان من أصحاب الغنم قيمة كلّ واحدة منها دينار واحد، أو مائتا حُلّة إن كان من أصحاب الحلل قيمة كلّ حلّة خمسة دنانير»1.
وبذلك يُعلم أنّ ما ذكره المصنّف تبعاً لأكثر الفقهاء من قوله: «ولا يعتبر التساوي في القيمة ولا التراضي فالجاني مخيّر في بذل أيّها شاء» لا يمكن المساعدة عليه، إذا كان التفاوت فاحشاً، نعم التقارب القليل لا يكون مانعاً، لأنّه لازم تجويز الأُصول الستة على وجه التخيير، إذ قلّما يتّفق أن يكون النوعان متّحدين في القيمة مائة بالمائة.
نعم لا يبعد التقارب بين الأُصول الخمسة أي: ألف دينار وعشرة آلاف درهم، ومائة إبل ومائتا بقرة، وألف شاة في عصر صدور الروايات.
ويظهر هذا ممّا رواه الفريقان في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دفع ديناراً لعروة البارقي ليشتري شاة. والرواية دالّة على أنّ قيمة الشاة يوم ذاك كانت ديناراً، وهو   2

1 . المهذب: 2 / 457 ; جواهر الكلام: 43 / 16.

صفحه 41
E وإن اشترى شاتين، بذكائه ولكنّه باع إحداهما بدينار 1، وهو أيضاً يحكي عمّا ذكرناه من كون قيمة الشاة كانت ديناراً.
ولو افترضنا وجود التفاوت الكثير بين الأنواع في عصرنا فما هو الحل؟ فهنا وجهان:
1. أنّ المرجع هو الذهب والفضة، وذلك لأنّ التقدير بهما أمر ثابت، وإنّما يقدّر سائر الأجناس بهما، وعلى هذا فالميزان هو ما ذُكر، فلو وافق سائر الأجناس معهما أو قاربهما فهو، وإلاّ فيترك ويؤخذ بالدرهم والدينار، ولعلّ قيمة سائر الأجناس كانت في عصر الصدور وبعده قليلاً، مساوية لألف دينار أو عشرة آلاف درهم كما مرّ.
ويشهد على ذلك أنّه لو اختلف مقدار المساحة مع مقدار الوزن بالكيل في الكرّ يكون المرجع هو الثاني لأنّه أمر ثابت، بخلاف المساحة بالأشبار فإنّها تختلف حسب كون الإنسان قصيراً أو طويلاً.
2. أن يكون المرجع هو الإبل، لأنّه الأصل في دية النفس وقد سنّها عبدالمطلب وأمضاها الإسلام، وما بقي من الأصناف فرع له، فيكون المرجع هو الأصل عند الاختلاف البارز بين الأُصول.
نعم لو كان الاختلاف قليلاً، والذي لا تنفك عنه الأُصول المختلفة الفرع فالجاني مخيّر بينهما.

1 . مسند أحمد: 4 / 376 .

صفحه 42
المسألة 6. يعتبر في الأنعام الثلاثة هنا وفي قتل شبيه العمد والخطأ المحض: السلامة من العيب، والصحّة من المرض، ولا يعتبر فيها السمن، نعم الأحوط أن لا تكون مهزولة جدّاً وعلى خلاف المتعارف، بل لا يخلو ذلك من قوّة، وفي الثلاثة الأُخر السلامة من العيب، فلا تجزي الحلّة المعيوبة، ولا الدينار والدرهم المغشوشان أو المكسوران، ويعتبر في الحلّة أن لا تقصر عن الثوب، فلا تجزي الناقصة عنه بأن يكون كلّ من جزئيها بمقدار ستر العورة، فإنّه لا يكفي. *

* الشروط المعتبرة في الأُصول الستة

في المسألة أُمور ثلاثة:
1. السلامة من العيب والصحّة من المرض في الأنعام الثلاثة.
2. السلامة من الغش والكسر في الدينار والدرهم ومن العيب في الحُلّة.
3. يشترط في الحلّة أن لا تقصر عن الثوب، فلا تجزي الناقصة عنه.
أمّا الدليل على السلامة من العيب والصحّة من المرض هو انصراف إطلاقات الروايات إلى العاري منهما، كما هو الحال إذا بيع واحد منهما فينصرف إلى السليم والصحيح، فلو بان أيضاً معيوباً أو مريضاً فللمشتري خيار الفسخ، وما ذلك إلاّ لأنّ المبيع منصرف إلى الصحيح من العيب والسليم من المرض وإن لم يذكرا في متن العقد.
ومنه يعلم حال الثلاثة الأخيرة، فالمغشوش أو المكسور من الدينار والدرهم، والمعيوب من الحلّة لا يجزي لانصراف الأدلّة إلى غيرهما.   2

صفحه 43
المسألة 7. تستأدى دية العمد في سنة واحدة، ولا يجوز له التأخير إلاّ مع التراضي، وله الأداء في خلال السنة أو آخرها، وليس للولي عدم القبول في خلالها، فدية العمد مغلّظة بالنسبة إلى شبه العمد والخطأ المحض في السنّ في الإبل والاستيفاء، كما يأتي الكلام فيهما.*
E والجميع من قبيل الشروط المبني عليها العقد في المعاملات وإن لم يكن مذكوراً في متنه، ومثله المقام فالروايات منصرفة إلى الصحيح من العيب والسليم من المرض.
وهذا كلّه حول السلامة والصحّة.
نعم يشترط في الحلّة ألاّ تقصر عن الثوب فلا تجزي الناقصة عنه، فلا يكفي أن يكون كُلٌ ساتراً للعورة، بل يجب أن يكون القميص طويلاً والاتّزار بالإزار كذلك .

* دية العمد تُستأدى في سنة واحدة

قال المحقّق: تستأدى دية العمد في سنة واحدة من مال الجاني، مع التراضي بالدية، وهي مغلّظة في السن والاستيفاء .1
الدية تنقسم إلى مغلّظة ومخفّفة، فدية العمد مغلّظة بالنسبة إلى دية شبه العمد، والدية الثانية مغلّظة بالنسبة إلى دية الخطأ.
وقد أشار المصنّف هنا إلى أنّ التغليظ في أمرين:
1. أن تكون من مسانّ الإبل وهي ما دخل السنة السادسة.   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 245 .

صفحه 44
E 2. تستأدى في سنة واحدة بخلاف شبه العمد والخطأ.
ويدلّ على الأوّل ما رواه معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن دية العمد؟ فقال: «مائة من فحولة الإبل المسانّ».1
ويدلّ على الثاني صحيحة أبي ولاّد عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان علي (عليه السلام)يقول: تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، وتستأدى دية العمد في سنة» 2. والمسألة مورد اتّفاق.
قال في «الخلاف»: الدية المغلّظة هي ما تجب عن العمد المحض، وهي مائة من مسانّ الإبل.
وقال أيضاً: دية العمد المحض حالّة في مال القاتل. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: هي مؤجلة عليه في ثلاث سنين.3
ومراده من كونها حالّة في مقابل التأجيل في ثلاث سنين، فذكر في كلامه التغليظ في الأمرين المذكورين.
وبذلك يُعلم أنّ ما أورده صاحب الجواهر على الشيخ غير تامّ.4
وأمّا مبدأ السنّة فربما قيل من حين التراضي لا من حين الجناية، ولكن الظاهر أنّ المبدأ هو صدور الحكم من القاضي بالدية.
نعم لو بذل الجاني الدية فليس للمجني عليه عدم القبول، شأن كلّ   2

1 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 2. ولاحظ الحديث 3 و 5 .
2 . الوسائل: 19، الباب 4 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .
3 . الخلاف: 5 / 219، المسألة 3 و 4 .
4 . جواهر الكلام: 43 / 13.

صفحه 45
المسألة 8 . للجاني أن يبذل من إبل البلد أو غيرها، أو يبذل من إبله أو يشتري أدون أو أعلى مع وجدان الشرائط من الصحّة والسلامة والسنّ، فليس للولي مطالبة الأعلى أو مطالبة الإبل المملوك له فعلاً. *
E دين حالّ إذا بذله المديون فليس للدائن الامتناع عن أخذه، إلاّ أن يرضى ولي المجنيّ عليه بالتأخير، فيجوز.
فالتغليظ في السنّ يرجع إلى الإبل خاصّة، والتغليظ في الاستيفاء يرجع إلى عامّة الأُصول.
وبذلك يصحّ عدم جواز التأخير عن السنة مع الإمكان.

* الجاني مخيّر في البذل مع مراعاة الشرائط

قد عرفت أنّ المشهور هو تخيير الجاني بين الأصناف الخمسة أو الستة، فعلى هذا فللجاني أن يبذل أي إبل كانت، إبل أهل بلده أو غيره، الإبل الّتي يملكها أو يشتريها من غيره، من غير فرق بين الأعلى والأوسط والأدنى إذا كان جامعاً للصحّة والسلامة والسنّ.
فلو طلب المجنيّ عليه الإبل الأعلى أو الإبل المملوكة له، فلا يجب على الجاني إجابته.
والدليل في كلّ ذلك إطلاق الدليل في كلّ الصور.
 

صفحه 46
المسألة 9. لا يجب على الولي قبول القيمة السوقية عن الأصناف لو بذلها الجاني مع وجود الأُصول، ولا على الجاني أداؤها لو طالبها الولي مع وجودها، نعم لو تعذّر جميع الأصناف وطالب الولي القيمة تجب أداء قيمة واحدة منها، والجاني مخيّر في ذلك، وليس للولي مطالبة قيمة أحدها المعيّن.*
المسألة 10. الظاهر عدم إجزاء التلفيق بأن يؤدّي مثلاً نصف المقدّر ديناراً ونصفه درهماً، أو النصف من الإبل والنصف من غيرها. **

* لو بذل الجاني القيمة السوقية مع وجود الأُصول

إذا كان الواجب على الجاني نفس الأُصول الستة فذمّته مشغولة بأحدها لا بقيمتها، وعلى هذا لو بذل الجاني القيمة مع وجود الأُصول، لا يجب على الولي قبول القيمة السوقية عن الأصناف، ولو طالب بها الولي لا يجب على الجاني أداؤها مع وجود الأصناف، لما عرفت من أنّ الواجب هو نفس الأُصول.
نعم لو تعذّرت جميع الأصناف فإن صبر الولي حتّى يرتفع العذر فهو، وإن طالب ينتقل إلى أداء قيمة واحدة منها. وبما أنّ الجاني مخيّر بين الأصناف، فتكون النتيجة أنّه مخيّر بين قيمة واحد منها.

** عدم إجزاء التلفيق بين الأُصول

إنّ الواجب على الجاني أحد الأُصول، والملفقّ ليس منها، إلاّ إذا كان بينهما تراض وتصالح.

صفحه 47
المسألة 11. الظاهر جواز النقل إلى القيمة مع تراضيهما، كما أنّ الظاهر جواز التلفيق بأن يؤدّي نصف المقدّر أصلاً، وعن نصفه الآخر من المقدّر الآخر قيمة عنه لا أصلاً.*
المسألة 12. هذه الدية على الجاني، لا على العاقلة ولا على بيت المال ; سواء تصالحا على الدية وتراضيا بها، أو وجبت ابتداءً، كما في قتل الوالد ولده ونحوه ممّا تعيّنت الدية.**

* في جواز التراضي على القيمة أو على التلفيق

إذا كان الواجب عليه أوّلاً وبالذات هو الأُصول الخمسة أو الستة فالجاني مديون والمجني عليه دائن، وللدائن إسقاط الدية عن ذمّته من رأس، فإذا كان هذا جائزاً فالتراضي على القيمة أو على التلفيق أولى بأن يكون جائزاً، لأنّ كلّ ذلك من باب الدين، والاختيار بيد المديون.

** دية قتل العمد على الجاني لا على العاقلة

ويدلّ عليه معتبر أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا تضمن العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً»1.
وفي السند «عليّ بن أبي حمزة» ولكن الراوي عنه، هو الحسن بن محبوب، وهو أجلّ من أن يروي عن واقفي حين وقفه، فلابد من أن يقال: إنّه أخذ عنه الحديث حين استقامته; ومثله خبر السكوني.2   2

1 . الوسائل: 19، الباب 3 من أبواب العاقلة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 19، الباب 3 من أبواب العاقلة، الحديث 2 .

صفحه 48
المسألة 13. دية شبيه العمد هي الأصناف المتقدّمة، وكذا دية الخطأ. ويختصّ العمد بالتغليظ في السنّ في الإبل والاستيفاء كما تقدّم.*
E ولا على بيت المال لاختصاصه بما إذا لم يُعرف الجاني. والمسألة مورد اتّفاق.
هذا من غير فرق بين وجوب القصاص ابتداء وتراضيا على الدية، أو وجبت الدية ابتداءً كما في قتل الوالد ولده، فإنّ الوالد لا يقتل بالولد، فالواجب عليه الدية ابتداءً، والدليل ما تقدّم.
وبالجملة مقتضى القاعدة كون الجاني هو الضامن للدية ; سواء ثبتت ابتداءً، أو تراضيا عليها، خرج منه قتل الخطأ حيث تضمنها العاقلة على خلاف القاعدة.

* الدية في العمد وشبهه والخطأ واحدة

الدية في الأقسام الثلاثة (العمد وشبهه والخطأ) واحدة، وهو ظاهر الإطلاقات الكثيرة حيث سُئل عن مقدار الدية على وجه الإطلاق، فأجاب بأنّ الدية كذا وكذا، من غير فرق بين الأقسام الثلاثة.
روى عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان علي (عليه السلام)يقول: الدية ألف دينار، وقيمة الدينار عشرة دراهم، وعشرة الآف لأهل الأمصار، وعلى أهل البوادي مائة من الإبل، وعلى أهل السواد مائتي بقرة أو ألف شاة».1
وإطلاق الرواية وغيرها يعمّ الأقسام الثلاثة، فلاحظ.

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، ذيل الحديث 1 .

صفحه 49
المسألة 14. اختلفت الأخبار والآراء في دية شبيه العمد، ففي رواية: أربعون خلفة أي الحامل، وثنيّة، وهي الداخلة في السنة السادسة، وثلاثون حقّة، وهي الداخلة في السنة الرابعة، وثلاثون بنت لبون، وهي الداخلة في السنة الثالثة.
وفي أُخرى: ثلاث وثلاثون حقّة وثلاث وثلاثون جذعة، وهي الداخلة في السنة الخامسة، وأربع وثلاثون ثنيّة كلّها طروقة، أي البالغة ضراب الفحل أو ما طرقها الفحل فحملت.
وفي ثالثة: بدل «كلّها طروقة» «كلّها خلفة».
وفي رابعة جمع بينهما فقال: كلّها خلفة من طروقة الفحل، إلى غير ذلك، فالقول بالتخيير للجاني بينها غير بعيد، لكن لا يخلو من إشكال، فالأحوط التصالح، وللجاني الأخذ بأحوطها.*

* اختلاف الأخبار والآراء في دية شبه العمد

قبل البدء في بيان مصادر الأحكام المختلفة في دية شبه العمد نذكر معنى المفردات الواردة فيها:
1. الخلفة: الحامل من النوق، وإنّما تطلق على الحامل لأنّها تخلِف الولد.
2. الثنيّة: هي الّتي تدخل في السنة السادسة والناقة ثنيّة، والثنيّ الّذي يلقي ثنيّته وهي أسنان مقدّم الفم ثنتان من فوق وثنتان من أسفل.
3. الحِقّة: الطاعن في الرابعة، للذكر والأُنثى يقال لها: حقّة لأنّها يحقّ لها أن تركب. وربّما يطلق على المذكّر «حقّ» والمؤنث «حقّة» .   2

صفحه 50
E 4. الجذعة: وهي الداخلة في السنة الخامسة، سمّيت بذلك لأنّها تجذع مقدّم أسنانها أي تسقط.
ولعلّ الفرق بين الثنيّة والجذعة في الإبل هو زمان سقوط الأسنان، لكن في الصحاح: الجذع اسم له في زمن ليس بسن تنبت ولا تسقط، وعلى هذا فالفرق بينهما واضح.
ثم إنّ الماتن أتى في المتن بمصطلحات نشير إليها تباعاً:
5. ثنيّة كلّها طروقة: أي البالغة ضراب الفحل، ولعلّ العبارة تشير إلى قابليتها للحمل .
6. أوما طرقها الفحل فحملت إشارة إلى فعلية الحمل.
7. بدل «كلّها طروقة»، «كلّها خلفة»، أي الحوامل.
8. جمع بينهما فقال: كلّها خلفة من طروقة الفحل، ولعلّه إشارة إلى كونها حوامل من طروقة الفحل .
وهناك مصطلحات لا بأس بالإشارة إليها:
أوّل ما تطرحه أُمّه إلى تمام السنة: حوار، مالم ينفصل عن أُمّه، فإذا انفصل فهو: فصيل .
وإذا دخل في الثانية سمّي: ابن مخاض، أي ولد أُمّ حامل وهي مخاض; وذلك لأنّ الناقة بعد فصل الولد تصير حاملاً .
فإذا دخل في الثالثة سمّي ابن لبون، أي ولد أم ترضع ولدها .
وقد علمت أسماء من دخل الخامسة والسادسة، فإذا دخل في   2

صفحه 51
E السابعة ألقى رباعيته وسمّي رَباعاً، فإذا دخل في الثامنة ألقى السنّ الّتي بعد الرباعية سمّي سديساً، فإذا دخل في التاسعة فطر نابه وسمّي بازل، يقال: بزل ناب البعير أي طلع، فإذا دخل في العاشر فهو مخلف 1 .
ذكر المصنّف أنّ الأخبار اختلفت في دية شبيه العمد، فذكر روايات أربع، وها نحن نذكر تلك الروايات مع الإشارة إلى مَنْ أفتى طبقاً لمضمونها.

الأوّل: ما يدلّ على أنّ دية شبه العمد هي 40 خلفة وثنيّة، و30 حقّة، و 30 بنت لبون

ويدلّ عليه رواية واحدة وهي صحيحة عبدالله بن سنان، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في الخطأ شبه العمد أن يقتل بالسوط أو بالعصا أو بالحجر، أنّ دية ذلك تغلظ، وهي مائة من الإبل: منها أربعون خلفة من بين ثنيِّة إلى بازل عامها ـ أي الحاملة من بين الداخلة السنة السادسة إلى التاسعة ـ وثلاثون حقّة، وثلاثون بنت لبون» 2 .
وقد رواها المشايخ الثلاثة والسند صحيح، فهذا هو المستند في الباب لولم يدلّ دليل أقوى منه على الخلاف.
فإن قلت: إنّ ظاهر الرواية تعيّن الإبل في دية شبه العمد، وهو مخالف للإجماع.   2

1 . انظر من لا يحضره الفقيه: كتاب الزكاة: 2 / 25، ونقله أيضاً في معاني الأخبار: 328 وقال: وجدت مثبتاً بخط سعد بن عبد الله بن أبي خلف .
2 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .

صفحه 52
E قلت: إنّ الرواية بصدد بيان من يريد دفع الدية من الإبل وأنّه يجب أن يدفع كذا وكذا، لا أنّ الإبل متعيّنة مطلقاً.
وقد ذكر المحقّق قولين وقال بعد ذكر الأوّل: وفي رواية: ثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقّة، وأربعون خلفة وهي الحامل .1
وقال العاملي في «مفتاح الكرامة»: هذه الرواية رواها المحمّدون الثلاثة وهي صحيحة في بعض الطرق عن عبدالله بن سنان، وبها عمل الصدوق في الفقيه في ظاهره، والمقنع والجامع على ما حُكي عنه، والمختلف والمقتصر والمسالك والمفاتيح، وقد حكي عن أبي عليّ وهو الظاهر عن التحرير، ونسبه في الغنية إلى الرواية. وقد عمل بها في «المبسوط» غير أنّه أثبت مكان «ثلاثين بنت لبون» ثلاثين جذعة .2
وقد اختاره صاحب الجواهر حيث قال: فالمتّجه العمل بما في رواية عبدالله بن سنان عن الصادق (عليه السلام)3. فاللازم دفع أربعين خلفة من بين ثنيّة إلى بازل عامها وثلاثون حِقّة وثلاثون جَذَعة .
الثاني: الواجب ثلاث وثلاثون حقّة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنيّة كلّها طروقة .
ويدلّ عليه ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)حيث قال: «دية المغلظة الّتي تشبه العمد... ثلاث، وثلاثون حقّة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 246 .
2 . مفتاح الكرامة: 10 / 359 ـ 360، الطبعة القديمة .
3 . جواهر الكلام: 43 / 20 .

صفحه 53
E وثلاثون ثنية كلّها طروقة الفحل».1
والطروقة على وزن فعولة بمعنى مركوبة الفحل، وكلّ امرأة طروقة فحلها، كذا كلّ ناقة طروقة فحلها، والجملة كناية عن الحمل.
وفي السند علي بن أبي حمزة إلاّ أنّ الراوي عنه علي بن الحكم الذي هو ثقة جليل القدر من رجال الإمام الرضا (عليه السلام)والجواد (عليه السلام)، له أكثر من 1462 رواية في الكتب الأربعة.
الثالث: ثلاث وثلاثون حِقّة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنيّة كلّها خَلِفَة.
ويمكن أن يكون نظر المؤلّف إلى ما رواه ابن أبي عمير قال: فقلت لجميل هل للإبل أسنان معروفة؟ فقال: نعم ثلاث وثلاثون حقّة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنيّة إلى بازل عامها، كلّها خلفة إلى بازل عامها2 .
لكن الرواية في مورد الخطأ لا في مورد شبه العمد كما صرّح به في ذيل الرواية ; ويمكن أن يكون مستنده ما رواه في «عوالي اللآلي» عن محمد بن سنان عن العلاء بن الفضيل، عن الصادق (عليه السلام)أنّها (أي دية المغلظّة الّتي تشبه العمد) ثلاث وثلاثون حقّة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون كلّها خلفة3.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 7 .
3 . عوالي اللآلي: 3 / 609. ولعلّه سقط لفظ «ثنيّة» بعد قوله: «وأربع وثلاثون» وإلاّ لا تصلح للاستدلال وتكفي رواية ابن أبي عمير.

صفحه 54
E الرابع: ثلاث وثلاثون حقّة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنيّة كلّها خلفة من طروقة الفحل.
ويدلّ عليه ما رواه العلاء بن الفضيل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال:... والدية المغلّظة في الخطأ الذي يشبه العمد... ثلاث وثلاثون حقّة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنيّة كلّها خَلِفة من طروقة الفحل».1
والسند لا يخلو من ضعف لوجود محمد بن سنان فيه.
والعجب أنّ الظاهر من الشرائع أنّ الأقرب عنده: ثلاث وثلاثون بنت لبون، وثلاث وثلاثون حقّة، وأربع وثلاثون ثنيّة طروقة الفحل .2
وليس في الروايات ما يدلّ عليه إلاّ أنّ الجزء الأوّل من كلامه ـ أعني: ثلاث وثلاثون بنت لبون ـ لم يرد في واحدة من الروايات وإنّما الوارد في رواية عبدالله بن سنان ثلاثون بنت لبون .
وأمّا الفقرة الثانية ـ أعني: ثلاث وثلاثون حقّة وأربع وثلاثون ثنيّة طروقة الفحل ـ فقد وردت في رواية العلاء بن الفضيل. فالجزء الأوّل من كلامه ليس له دليل والجزءان الآخران وردا في رواية العلاء بن الفضيل، أعني: هي دليل القول الثالث.
دية شبه العمد من مال الجاني لا العاقلة   
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ المسألة شائكة والروايات متعارضة وليس للأصحاب قول موحّد، فلم يستبعد المصنّف تخيير الجاني لكنّه استدرك وقال: لكن لا يخلو من إشكال، فالأحوط التصالح، وللجاني   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 13 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 246 .

صفحه 55
المسألة 15: هذه الدية أيضاً من مال الجاني لا العاقلة، فلو لم يكن له مال استسعى أو أُمهل إلى الميسرة كما في سائر الديون، ولو لم يقدر عليها ففي كونها على بيت المال احتمال.*
E الأخذ بأحوطها.
ولكن الأقوى هو الأخذ بالقول الأوّل وهو رواية عبدالله بن سنان الّتي نقلها المشايخ الثلاثة، وعن جمع من الأصحاب العمل به .
* في المسألة فروع ثلاثة:

الأوّل: دية شبه العمد على الجاني

وذلك مقتضى قاعدة كون دية الجناية على الجاني، فالمباشر لها أولى بأن يدفع ثمن الجناية من غيره، وأمّا ثبوتها على العاقلة في الخطأ فقد خرج بالنص، والسرّ في تشريعها على العاقلة، إيجاد التعاون والتعاضد في أداء هذا الدين الباهض، وبقي الباقي تحت القاعدة وأنّه على الجاني.

الثاني: لو ثبت إعسار الجاني

فهنا احتمالان:
1. أن يستسعي في أداء الدية، استلهاماً من قول الإمام علي(عليه السلام) في المديون ليس له مال: «يدفع إلى الغرماء فيقال: اصنعوا به ما شئتم إن شئتم فآجروه، وإن شئتم استعملوه».1 وهو يدلّ على وجوب التكسّب.   2

1 . الوسيلة:441.

صفحه 56
المسألة 16. الأحوط للجاني أن لا يؤخّر هذه الدية عن سنتين، والأحوط للوليّ أن يمهله إلى سنتين، وإن لا يبعد أن يقال تُستأدى في سنتين.*
E 2. الإمهال إلى الميسرة ولا يجب عليه التكسّب; لقوله تعالى:(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)1، كما إذا صار صاحب مال عن طريق الإرث والهبة، وقد أشار المصنّف إلى كلا القولين.
ولكن القول الأوّل هو الأقرب، كما عليه المحقّق في باب الدين.

الثالث: لو لم يقدر على الدية

ولو لم يقدر عليها، فهل هي على بيت المال؟ احتمال ذكره المصنّف في المتن أخذاً بالضابطة الكلية لئلاّ يبطل دم امرئ مسلم، لكن في عموم القاعدة بحث ونظر.
   

* في مدة استيفاء دية شبه العمد

في المسألة أقوال ثلاثة:
الأوّل: أنّ دية شبه العمد تستوفى في سنتين، ونقله في «مفتاح الكرامة» عن المقنعة والمبسوط والمراسم والغنية والسرائر والإرشاد والتبصرة والمختلف واللمعة والمهذب البارع والمقتصر، والرياض إلى غير ذلك من أعلام الفقه، على نحو يعرب عن كونه المشهور بين الأصحاب.
الثاني: ما عليه ابن حمزة من أنّه تؤدّى في سنة إن كان موسراً، وإلاّ في سنتين.(2)   2

1 . البقرة: 280 .   2 . الوسيلة: 441 .

صفحه 57
E الثالث: إنّها تؤدّى في ثلاث سنين، وهو خيرة السيد الخوئي .
أمّا القول الأوّل: فقد استدلّ عليه في «المختلف»، وغيره بالاعتبار ; لأنّه كما ظهر التفاوت بين العمد والخطأ في الأجل لتفاوت الجناية فيها، وجب أن يظهر بالنسبة إليهما وإلى شبيه العمد في الزمان لوجود المقتضي عملاً بالمناسبة.1
وبعبارة أُخرى: إنّ الاستيفاء في سنتين فيه تخفيف بالإضافة إلى العمد، وتغليظ بالإضافة إلى الخطأ المحض، حيث إنّ الدية في الأوّل تؤدّى في سنة، وفي الثاني تؤدّى في ثلاث، ففي شبه العمد تؤدّى لا محالة في سنتين.
وأمّا الثاني: أنّها تؤدّى في سنة إن كان موسراً، والظاهر أنّه لا دليل عليه إلاّ إمكان إطلاق العمد عليه في الجملة فإنّه يقال عمد شبيه بالخطأ، (2) ولا يخفى ضعفه، فإنّ ما دلّ على أنّ دية العمد تُستأدى إلى سنة منصرف إلى العمد المحض.
وأمّا الثالث: أنّها تستأدى في ثلاث سنين: وهو خيرة السيد الخوئي. واستدلّ عليه بإطلاق صحيحة أبي ولاّد عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان علي (عليه السلام)يقول: «تُستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، وتُستأدى دية العمد في سنة»2.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الإمام مقتصراً بذكر الخطأ لصحّ الأخذ بإطلاقه الشامل للخطأ شبه العمد، لكن تذييله بذكر حكم العمد يورث الإجمال   2

1 و 2 . مفتاح الكرامة: 10 / 361 .
2 . الوسائل: 19، الباب 4 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .

صفحه 58
Eفي الصدر لاحتمال دخول المورد في العمد.
وبعبارة أُخرى: أنّ سكوت الإمام عن دية شبه العمد، دائر بين دخولها في دية الخطأ أو في دية العمد، ولا وجه للترجيح.
نعم يؤيّده ما ورد في صحيحة عبدالله بن سنان: «في الخطأ وشبه العمد أن يقتل بالسوط»1، حيث جعل شبه العمد تفسيراً للخطأ، وهذا دليل على دخوله في الخطأ لا في العمد.

ما هو مقتضى الأصل عند الشكّ ؟

إذا كان المورد مردّداً بين دخوله في العمد وبين دخوله في الخطأ، يقع الكلام في مقتضى الأصل فيمكن أن يقال: الأصل في الدية الفورية، وخرج عنه التأخير إلى سنة بالإجماع والأصل بقاؤها على حالها.
يلاحظ عليه: أنّ الفور والتراخي خارجان عن مدلول الأمر بدفع الدية وكلٌّ رهن دليل خارجي كما حقّق في محلّه وكون الشيء ديناً، لا يلازم إيفاءه فوراً، بل تابع لكيفية تعلّقه .
ويمكن أن يقال: العلم بحرمة تأخيرها عن ثلاث سنوات، أمر مسلّم، وأمّا الزائد عليها ـ أعني: حرمة التأخير عن السنة أو السنتين ـ فهي أمر مشكوك والأصل عدمها، فينطبق على مختار السيد الخوئي (قدس سره).
ثم إنّ المصنّف احتاط في جانب الجاني فقال: عليه أن لا يؤخّر هذه الدية عن سنتين، واحتاط في جانب الولي فقال: عليه أن يمهله إلى سنتين.   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 59
المسألة 17. لو قلنا بلزوم إعطاء الحوامل لو اختلف الولي ومن عليه الدية في الحمل، فالمرجع أهل الخبرة، ولا يعتبر فيه العدالة، وتكفي الوثاقة واعتبار التعدّد أحوط وأولى، ولو تبيّن الخطأ لزم الاستدراك، ولو سقط الحمل، أو وضع الحامل، أو تعيّب ما يجب أداؤه، فإن كان قبل الإقباض يجب الإبدال، وإلاّ فلا.*
E أقول: الأَولى أن يقول: أن لا يؤخّر عن سنة لاحتمال دخول الجناية في العمد، كما أنّ الأَولى أن يقول: الأحوط أن يمهله الولي إلى ثلاث سنين لاحتمال دخولها في الخطأ.
وأمّا قول المصنّف في آخر المسألة: لا يبعد أن يقال: تُستأدى في سنتين لأجل أنّ الشهرة الفتوائية كافية في ثبوت الحكم، كما حقّق في محلّه .

* القول بلزوم إعطاء الحوامل والاختلاف فيها

في المسألة فروع خمسة:
1. لو اختلف الولي ومن عليه الدية في وجود الحمل فما هو المرجع؟
2. لو كان المرجع، هو أهل الخبرة فهل تعتبر فيهم العدالة أو تكفي الوثاقة؟
3. هل يعتبر فيهم التعدّد أو يكفي الواحد ؟
4. لو تبيّن خطأ أهل الخبرة.
5. لو سقط الحمل أو وضع أو تعيّب.
أمّا الأوّل: فقد قال المحقّق: ولو اختلف في الحوامل رجع إلى أهل   2

صفحه 60
E المعرفة، ولو تبيّن الغلط لزم الاستدراك. ولو أُزلقت بعد الإحضار قبل التسليم لزم الإبدال، وبعد الإقباض لا يلزم. 1
لم يسبق من المصنّف اعتبار الحوامل في دية شبه العمد وإن ورد في صحيحة عبد الله بن سنان، ولذلك قال:«لو قلنا بلزوم إعطاء الحوامل» نعم هو المختار عندنا فقد ورد فيها «أربعون خَلِفة بمعنى الحامل» فلو عملنا بها، فعندئذ يقع الكلام فيما لو اختلف الولي ومن عليه الدية في وجود الحمل وأنّ الناقة، هل هي حامل أو لا؟ فالمرجع فيه ـ كسائر الموضوعات الّتي يختلف فيها المترافعان ـ هم أهل الخبرة.
وأمّا الثاني : فالظاهر كفاية الوثوق للسيرة المستمرة بين العقلاء في المقام، حيث يرجعون إلى الأطباء وأصحاب التخصّصات إذا كانوا ثقاة، وقد قلنا في محلّه: إنّ الحجّة ليست قول الثقة، بل الخبر الموثوق الصدور.
وأمّا الثالث: كفاية الواحد، فالظاهر كفايته لما أثبتنا في كتاب «كليات في علم الرجال» حجّية قوله في غير ما اشترط فيه تعدّد الشاهد، كالمرافعات والهلال والطلاق، وقد احتاط في المتن باعتبار التعدّد، وهو حسن .
الرابع: لو تبيّن خطأ حدس الخبير لزم الاستدراك على الجاني ; لأنّ قوله حجّة من باب الطريقية، وقد انكشف عدم صوابه، فالذمة مشغولة بردّ الحامل واقعاً.
وأمّا الخامس: فلو فرضنا سقوط الحمل أو وضع الحامل أو تعيّبه،   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 246 .

صفحه 61
المسألة 18. في دية الخطأ روايتان: أُولاهما: ثلاثون حقّة وثلاثون بنت لبون وعشرون بنت مخاض ـ وهي الداخلة في السنة الثانية ـ وعشرون ابن لبون. والأُخرى: خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقّة وخمس وعشرون جذعة، ولا يبعد ترجيح الأُولى، ويحتمل التخيير، والأحوط التصالح.*
Eفلو كان بعد الإقباض فذمّة الجاني بريئة بإقباض الحامل الصحيحة، نعم لو كان قبل الإقباض يجب الإبدال، لعدم خروجه كما هو الواجب عليه.
إلى هنا تمّ الكلام في دية العمد وشبه العمد.
بقي الكلام في دية الخطأ، وهذا هو الّذي يذكره المصنّف في المسألة التالية.

* في دية الخطأ

قد عرفت أنّ دية العمد عبارة عن مائة من الإبل بشرط أن تكون مسنّة ـ أعني: ما كملت الخامسة ودخلت في السادسة ـ وعرفت أنّ دية شبيه العمد قد اختلفت فيها الأقوال، والمختار عندنا هو طبقاً لما رواه عبدالله بن سنان.
وأمّا دية الخطأ ففيها قولان.
قال المحقّق: ودية الخطأ المحض عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقّة، وفي رواية: خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقّة وخمس وعشرون جذعة .1    2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 246 .

صفحه 62
E أقول: أمّا القول الأوّل فقد دلّ عليه ما ورد في ذيل رواية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «والخطأ يكون فيه ثلاثون حقّة وثلاثون ابنة لبون وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون ذكر» .1
وأمّا القول الثاني فقد دلّت عليه روايتان:
1. ما رواه العلاء بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث، قال: «والخطأ مائة من الإبل... إلى أن قال: وإن كانت (الدية) الإبل فخمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقّة وخمس وعشرون جذعة ».2
2. ما رواه العياشي في تفسيره عن عبدالرحمن عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان علي (عليه السلام)يقول: في الخطأ خمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون حقّة، وخمس وعشرون جذعة» 3.
والأقوى هو الأخذ بالقول الأوّل لصحّة سند رواية عبدالله بن سنان، وقد عرفت أنّ المشايخ الثلاثة قد نقلوها .
وأمّا القول الثاني فالرواية الأُولى فيه ضعيفة لوقوع محمد بن سنان في السند، وأمّا الرواية الثانية فهي مرسلة ; لأنّ العياشي يروي عن عبدالرحمن وبين العياشي والراوي فاصل زماني كبير، ولعلّ الراوي عن الإمام هو عبدالرحمن بن أبي عبدالله الّذي كان من فقهاء البصرة، ولذلك قال   2

1 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 13 .
3 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 10 .

صفحه 63
المسألة 19. دية الخطأ المحض مخفّفة عن العمد وشبهه في سنّ الإبل وصفتها لو اعتبرنا الحمل في شبهه، وفي الاستيفاء فإنّها تُستأدى في ثلاث سنين في كلّ سنة ثلثها، وفي غير الإبل من الأصناف الأُخر المتقدّمة لا فرق بينها وبين غيرها.*
E المصنّف: ولا يبعد ترجيح الأُولى، ثم احتمل التخيير واحتاط بالتصالح .

* دية الخطأ مخفّفة في السن والصفة والاستيفاء

قال المحقّق: دية الخطأ مخفّفة في السن والصفة والاستيفاء .1
يريد أنّ دية الخطأ المحض مخفّفة بالنسبة إلى العمد وشبهه في أُمور ثلاثة:
1. سنّ الإبل .
2. صفة الإبل.
3. مدّة الاستيفاء.
أمّا الأُولى فقد عرفت أنّه يشترط أن تكون الإبل في دية العمد مسنّة، دون المقام .
وأمّا الثانية ـ أي الصفة ـ فقد عرفت أنّه يشترط في دية شبه العمد في قسم من الإبل أن تكون حوامل. وقد مرّ في صحيحة عبد الله بن سنان أربعون خَلِفة من بين ثنية إلى بازل عامها، فيشترط فيه دون المقام.
وأمّا الثالثة فإنّه يشترط في دية العمد أن تستوفى في سنة واحدة،   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 246 .

صفحه 64
المسألة 20. تُستأدى الدية في سنة أو سنتين أو ثلاث سنين على اختلاف أقسام القتل، سواء كانت الدية تامّة كدية الحر المسلم، أو ناقصة كدية المرأة والذمّي والجنين أو دية الأطراف.*
E وفي شبه العمد في سنتين، على أحد القولين . وأمّا في الخطأ فقد اتّفقوا أنّه تستأدى عبر ثلاث سنين. كما مرّ في صحيحة أبي ولاّد. ثمّ الظاهر أنّه يجب الأداء طول تلك المدة ; سواء دفعها مرّة واحدة، أو أثلاثاً في كلّ سنة ثلثاً، أو أقل أو أكثر والأقل لأجل تسهيل الأمر على الجاني، والكيفية تابعة لاختياره. وسيأتي الكلام فيه في المسألة 21.
ثمّ إنّ عدم اعتبار السنّ والحمل إنّما يتصوّر إذا كانت الدية الإبل وأمّا في غيرها فالتخفيف ينحصر في مدة الاستيفاء.

* في مدة استيفاء دية الخطأ

قال المحقّق: وتُستأدى في ثلاث سنين ; سواء كانت الدية تامّة، أو ناقصة، أو دية طرف .1
لا شكّ أنّه إذا كانت الدية تامّة كمائة من الإبل أو ألف دينار فإنّها تُستأدى ـ حسب ما مرّ ـ في سنة في العمد، وسنتين في شبه العمد ـ على اختلاف فيها ـ ، وثلاث سنين في الخطأ.
إنّما الكلام إذا كانت الدية غير تامّة، كما إذا كان المقتول امرأة أو ذمّياً أو جنيناً، فالظاهر أنّها أيضاً محكومة بنفس الحكم; فالعمد في سنة، وشبهه   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 246 .

صفحه 65
E في سنتين، والخطأ في ثلاث سنين.
لأنّ ظاهر إطلاق صحيحة أبي ولاّد عدم الفرق بين كون الدية تامّة أو ناقصة إذا تعلّقت الدية بالقتل .
روى أبو ولاّد عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان علي (عليه السلام)يقول: تُستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، وتُستأدى دية العمد في سنة»، 1 من غير فرق بين تمام الدية أو نقصها في العمد والخطأ ; لصدق الدية على التام والناقص.
ومن غير فرق بين كون المَنْشأ هو قتل النفس أو الجناية على الأطراف الّتي تكون الدية فيه ناقصة، كقطع اليد الواحدة، فالحكم في التامّة والناقصة واحد تُستأدى حسب نوع الجناية من العمد وشبهه والخطأ.
ولكن هناك قول آخر في دية الأطراف أشار إليه المصنّف في المسألة التالية.

1 . الوسائل: 19، الباب 4 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .

صفحه 66
المسألة 21. قيل: إن كانت دية الطرف قدر الثلث أُخذ في سنة واحدة في الخطأ، وإن كان أكثر حلّ الثلث بانسلاخ الحول، وحلّ الزائد عند انسلاخ الثاني إن كان ثلثاً آخر فما دون، وإن كان أكثر حلّ الثلث عند انسلاخ الثاني والزائد عند انسلاخ الثالث، وفيه تأمّل وإشكال، بل الأقرب التوزيع إلى ثلاث سنين.*

* في مدة استيفاء دية الأطراف

قد عرفت فتوى المحقّق والمصنّف في دية الأطراف وأنّ حكمها مع قتل النفس واحد، والجميع يؤدّى في سنة أو سنتين أو ثلاث سنين، لصدق (الدية) على الجميع، والموضوع هو الدية من غير فرق بين التمام والنقصان. ولو كانت دية الطرف ثلث دية النفس فهي أيضاً تُؤدّى في ثلاث سنين إذا كان خطأ.
ثم إنّ صاحب الجواهر حكى عن العلاّمة، الخلافَ في تقسيم دية الطرف (إذا كانت ثلث الدية، أو ثلثين) إلى ثلاث سنين، وذكر أنّ وجهه أصالة الحلول أوّلاً ودعوى انسباق الصحيح (يعني صحيح أبي ولاّد) إلى دية النفس ثانياً.
ثم قال: وإن كان فيه منع بعد تصريح مَن عرفت وظهور غيره.
لكنّه (قدس سره)عاد يوجّه فتوى العلاّمة بالحلول بوجه آخر وهو أنّ الظاهر كون الأجل المزبور متمّماً لها (الدية) فيلحقه التوزيع أيضاً بتوزيعها، وحينئذ فالطرف إن كانت ديته قدر الثلث أُخذ في سنة واحدة في الخطأ، وإن كان أزيد حَلّ الثلث بانسلاخ الحول، وحلّ الزائد عند انسلاخ الثاني إن كان ثلثاً آخر   2

صفحه 67
E فما دون، وإن كان أكثر، حلّ الثلث عند انسلاخ الثاني والزائد عند انسلاخ الثالث، وإن تعدّد الجاني والمجنيّ عليه حلّ عند كلّ حول ثلثٌ، وإن قلع عينيه وقطع يديه ورجليه حلّ له ثلث لكلّ جناية، وكذا الكلام في الطرف لو قطع عمداً أو شبه عمد بالنسبة إلى أجلهما.
نعم قد يقال بالحلول فيما ليس له مقدّر من الجراح مع احتمال إلحاقه بالدية المقدّرة بعد ملاحظة النسبة 1.
والفرق بين القولين أنّ العلاّمة يقول بالحلول مطلقاً، وصاحب الجواهر يقول به في مقدار ثلث دية النفس ولو كانت تمامها.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ معنى قوله(عليه السلام): «تُستأدى في ثلاث سنين» هو لزوم تأدية ثلث دية النفس في السنة الأُولى. فرتّب على هذا، أنّه لو كان كلّ الدية ثلث دية النفس، فيجب دفعه في تلك السنة، فكان دفع الثلث لازم فيها، سواء كان ثلث دية النفس، أو كان الكلّ، هو الثلث.
يلاحظ عليه: أنّ الاستظهار ممنوع، فلو سلّمنا الاستظهار المذكور ـ وليس بمسلّم ـ فإنّ مفاده أنّه يجب دفع ثلث الدية فيها، إذا كان دية النفس لا مطلق الثلث ولوكان تمام الدية.
ولذلك اختار المصنّف قولاً ثالثاً وهو تقسيط كلّ دية إلى ثلاثة أقساط، سواء كان دية النفس أو دية الطرف التي ربما يكون تمامها، ثلث دية النفس.
وهنا نظر رابع وهو أنّ الرواية ـ في مورد أي نوع من الديات ـ ،   2

1 . جواهر الكلام: 43 / 24.

صفحه 68
المسألة 22. دية قتل الخطأ على العاقلة بتفصيل يأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ ولا يضمن الجاني منها شيئاً، ولا ترجع العاقلة على القاتل. *
E ليست بصدد بيان تقسيط الدية أثلاثاً، بل بصدد بيان أنّه يجب على الجاني، الخروج عن عهدة الدية في تلك السنين وليس له التأخير عنها، وأمّا كيفية الخروج فهو موكول إلى إمكانات الجاني واختياره، فله الخروج عن العهدة مرة واحدة ولو في السنة الأخيرة، أو التقسيط أنصافاً، أو أثلاثاً أو أرباعاً بشرط الخروج عمّا يجب في ثلاث سنين.

* دية قتل الخطأ على العاقلة

ذكر المصنّف هنا فرعان:
1. دية قتل الخطأ على العاقلة، ولا يضمن الجاني منها شيئاً.
2. لا ترجع العاقلة على القاتل.
أمّا الأوّل فالمسألة اتّفاقية بين الفريقين، قال الشيخ: دية قتل الخطأ على العاقلة، وبه قال جميع الفقهاء. وقال الأصمّ: إنّه يلزم القاتل دون العاقلة، قال ابن المنذر: وبه قالت الخوارج... ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً إجماع الأُمّة، والأصمّ لا يعتدّ به مع أنّ خلافه قد انقرض .1
وأمّا الثاني فهذا هو المشهور أخذاً بإطلاق الروايات لكن في «مفتاح الكرامة»: ولا ترجع بها العاقلة على القاتل بإجماع الأُمّة كما في السرائر، خلافاً للمفيد وسلاّر كما سيأتي .2   2

1 . الخلاف: 5 / 275 ـ 276، المسألة 96.
2 . مفتاح الكرامة: 21 / 164، من الطبعة المحقّقة.

صفحه 69
المسألة 23. لو ارتكب القتل في أشهر الحرم ـ رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرّم ـ فعليه الدية وثلث من أي الأجناس كان تغليظاً، وكذا لو ارتكبه في حرم مكة المعظمة، ولا يلحق بها حرم المدينة المنورة ولا سائر المشاهد المشرّفة، ولا تغليظ في الأطراف ولا في قتل الأقارب.*
E ولكن الموجود في «المقنعة» لا يوافق المحكيّ، قال: ومَن قتل خطأ ولم تكن له عاقلة تؤدّي عنه الدية، أدّاها هو ]الجاني[ من ماله، فإن لم يكن له مال ولا حيلة أدّاها عنه السلطان من بيت المال .1
والظاهر من كلامه هو ضمان العاقلة لا الجاني، غاية الأمر أنّه إذا لم يكن للعاقلة مال أدّى عنها الجاني. وقد نبّه بذلك صاحب «مفتاح الكرامة» وأنّ ابن إدريس هو الذي نسبه إلى المفيد خطأً.

* لو ارتكب القتل في الأشهر الحرم

لو قتل إنسانٌ محقون الدم في أشهر الحرم، وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، أضعفت الدية بإضافة الثلث وهو مورد وفاق.
والكلام في المقام في دية المقتول، وأمّا ما يجب على القاتل من الكفّارة فهو شيء آخر لم يذكره المصنّف هنا وإنّما ذكرها في آخر الكتاب تحت عنوان «اللواحق في كفّارة القتل».
وإليك كلمات الأصحاب:
قال الشيخ: دية الخطأ تغلّظ في الحرام وفي الحرم، وقال الشافعي:   2

1 . المقنعة: 743 .

صفحه 70
E تغلّظ في ثلاثة مواضع في الحرم والشهر الحرام، وإذا قتل ذا رحم محرّم مثل الأبوين والإخوة والأخوات وأولادهم. وبه قال (وذكر جمعاً من الصحابة والتابعين) وقال أبو حنيفة ومالك: لا تغلظ في موضع من المواضع وبه قال (وذكر جمعاً من التابعين) وروي عن ابن مسعود 1.
وقال المحقّق: ولو قتل في أشهر الحرم أُلزم دية وثلثاً من أي الأجناس كان، فهل يلزم مثل ذلك في حرم مكة؟ قال الشيخان: نعم، ولا يعرف التغليظ في الأطراف.(2)
أقول: يقع الكلام في أُمور خمسة:
1. تغليظ الدية في أشهر الحرم .
2. تغليظ الدية في حرم مكة.
3. تغليظ الدية في الحرم النبوي وسائر المشاهد.
4. تغليظ الدية في الأطراف .
5. تغليظ الدية في قتل الأقارب.

الأمر الأوّل: تغليظ الدية في أشهر الحرم

تغلّظ الدية في أشهر الحرم، وقد وقفت على أقوال الفقهاء. ويدلّ عليه روايتان:
1. خبر كليب الأسدي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يقتل في   2

1 . الخلاف: 5 / 222، المسألة 6 .   2 . شرائع الإسلام: 4 / 246 .

صفحه 71
E الشهر الحرام، ما ديته؟ قال: «دية وثلث» 1.
قال في «الجواهر»: وخبره الآخر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «مَن قتل في شهر حرام فعليه دية وثلث» .2
والظاهر وحدة الخبرين كما هو الظاهر من الوسائل حيث روى لفظ الحديث عن الكليني ثم أشار إلى أنّ الصدوق والشيخ رويا مثله.
2. ما رواه في الفقيه بإسناده عن أبان عن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «عليه دية وثلث» 3.
ولكن الاستدلال بالحديث الثاني مورد نظر ; لأنّ الصدوق لم يذكر صدر الحديث حتّى يُعلم مورده وهل هو القتل في الأشهر الحرام أو القتل في الحرم ومع هذا الإجمال لا يحتجّ به .
فاتّضح أنّ الدليل الوحيد هو خبر كليب الأسدي وأمّا رواية الصدوق، فبما أنّ السؤال غير مذكور فلا يمكن الاستدلال بها. وأمّا ما رواه في الوسائل عن علي بن رئاب عن زرارة4 فهو راجع إلى الكفّارة ولذلك لم نستدلّ به. ويأتي الاستشهاد به في آخر البحث لأمر آخر، فانتظر.
نعم يمكن الاستدلال أيضاً برواية زرارة التي رواها كلّ من الكليني   2

1 . الوسائل: 19، الباب 3 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .
2 . التهذيب: 10 / 215; جواهر الكلام: 43 / 26 .
3 . الوسائل: 19، الباب 3 من أبواب ديات النفس، الحديث 5 ; لاحظ الفقيه: 4 / 110، باب القود ومبلغ الدية، الحديث 20 .
4 . الوسائل:19، الباب3 من أبواب ديات النفس، الحديث4.

صفحه 72
E والشيخ، وبما أنّها صالحة للاستدلال بها على الحرم المكيّ، نرجئ دراستها إلى الفرع التالي.

الأمر الثاني: تغليظ الدية في حرم مكّة

اتّفقت كلمات الفقهاء أنّه لا يلحق بالحرم المكيّ الحرم النبوي ولا سائر المشاهد، وأمّا مكة المكرّمة فقد نسبه في الشرائع إلى الشيخين كما عرفت لكن مع تردّده فيه، قال صاحب «مفتاح الكرامة»: قال المحقّق في نكت النهاية: في قتل الحرم توقّف، ونحن نطالب الشيخين بدليل ذلك، ونحوه ما في «النافع» حيث قال: لا أعرف الوجه، واقتصر في «الشرائع» و «التحرير» على نسبة ذلك إلى الشيخين; وتبعهما على ذلك أبو العباس والمقداد والشهيد الثاني في كتابيه والكاشاني، وكذا الشهيد في «غاية المرام» مع تصريح أكثرهم بعدم النصّ; وأنّ ذلك لعجيب مع وجود النصّ المعتبر السند، الواضح الدلالة، المعتضد بالإجماعات المذكورة، وبما علّله به المتأخّرون من اشتراكهما في الحرمة وتغليظ قتل الصيد فيه المناسب لتغليظ غيره، مضافاً إلى الأخبار المرسلة في «الخلاف» في موضعين منه.1
أقول: أشار في كلامه إلى أمرين:
1. وجود النصّ المعتبر.
2. الأخبار المرسلة في الخلاف.
أمّا الثاني فليس هناك حديث منقول باللفظ في الخلاف، وإنّما أحال   2

1 . مفتاح الكرامة: 21 / 167 .

صفحه 73
E المسألة إلى أخبار الفرقة كعادته في سائر المواضع، ومراده من الأخبار ما أشار إليه في الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الأوّل ـ أعني: النص المعتبر ـ فهو كالتالي:
1. ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن تغلب، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل قتل رجلاً في الحرم، قال: «عليه دية وثلث، ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، ويعتق رقبة، ويطعم ستين مسكيناً» قال: قلت: يدخل في هذا شيء، قال: «وما يدخل»؟ قلت: العيدان وأيام التشريق، قال: «يصومه فإنّه حق لزمه»1.
وقد أورد السيد الخوئي على الاستدلال بالرواية بوجهين:
أوّلاً: من جهة الإرسال، فإن في سندها ابن أبي عمير وهو لا يمكن أن يروي عن أبان بن تغلب بلا واسطة، فإنّ أبان قد مات في زمان الصادق (عليه السلام)أي في عام 141 هـ ، وابن أبي عمير لم يدرك الإمام الصادق (عليه السلام)(المستشهد في 148 هـ) فإذن الرواية ساقطة من جهة الإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها .2
ويمكن الإجابة عنه بأنّ سقوط الواسطة لا يضر، لما ثبت من أنّ ابن أبي عمير لا يروي إلاّ عن ثقة، ويمكن أن يكون الراوي المحذوف اسمه هو جميل، لرواية ابن أبي عمير عن جميل عن أبان بن تغلب في بعض   2

1 . الكافي: 4 / 140، برقم 9 ; ولاحظ الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 2 ، وفيه: «يصوم» بدل «يصومه» .
2 . مباني تكملة المنهاج: 2 / 204 .

صفحه 74
E الموارد.1
ويحتمل تطرّق الغلط إلى نسخ الكافي، والصحيح أبان بن عثمان لا أبان بن تغلب كما في رواية الشيخ الآتية.
ثانياً: اشتمال الرواية على العيدين مع أنّه ليس في الأشهر الحرم إلاّ عيدٌ واحد، وهو عيد الأضحى، وأمّا عيد الفطر فهو ليس في الأشهر الحرم.(2)
ويمكن الإجابة عنه بإمكان تطرّق الغلط إلى نسخ الكافي بشهادة أنّه رواه في التهذيب بصورة المفرد، كما سيوافيك.
2. روى الشيخ باسناده عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل قتل في الحرم؟ قال: «عليه دية وثلث، ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» قال: قلت: هذا يدخُل فيه العيد وأيام التشريق؟ فقال: «يصومه فإنّه حق لزمه».2
والظاهر أنّ هنا رواية واحدة لزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)غير أنّ الكافي نقلها عن زرارة عن طريق أبان بن تغلب، والشيخ عن طريق أبان بن عثمان المتوفّى عام 191 هـ ، وقد توفّي ابن أبي عمير سنة 217 هـ ، والكافي نقله بصيغة التثنية (العيدان) والشيخ بصيغة المفرد، فالرواية صالحة للاستدلال لولا احتمال أنّ الحرم مقروء بالضم أي الحُرم، فعندئذ ينطبق على الفرع الأوّل أي القتل في الشهر الحرام، ولذلك لا يمكن الاستدلال على الفرع الثاني، بل يمكن استظهار كونه بصيغة الجمع، أعني: الحُرُم، بما ذكره صاحب   2

1. لاحظ : الكافي:4/413، باب الرجل يطوف فتعرض له الحاجة.   2. مباني تكملة المنهاج:2/204.
2 . الوسائل:19، الباب3 من أبواب ديات النفس، الحديث3; لاحظ التهذيب:10/216 برقم 851.

صفحه 75
E الجواهر من أن ما ذُكر من الكفّارة، كفّارة القاتل في الشهر الحرام لا الحرم الشريف.1 ويريد صيام شهرين متتابعين في أشهر الحرم في روايتي الكليني والشيخ .
ويدلّ على ذلك ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً خطأ في أشهر الحرم؟ فقال: «عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم...» الحديث.(2)

الأمر الثالث: تغليظ الدية في الحرم النبوي وسائر المشاهد

لو قلنا بعموم الحكم بالحرم المكي، فلا دليل على إلحاق الحرم النبوي وسائر المشاهد به كما هو واضح.

الأمر الرابع: تغليظ الدية في الأطراف

الظاهر اختصاص الحكم بالقتل، ولا يعمّ جناية الطرف لعدم الدليل على الإلحاق.

الأمر الخامس: تغليظ الدية في قتل الاقارب

لا دليل على إلحاق الأقارب بالقتل في الحرم، وإن ذهب إليه الشافعي.
بقيت هنا كلمة وهي عموم الحكم للصور الثلاث للقتل، وقد صرّح بعمومه في «مباني تكملة المنهاج» قائلاً: دية القتل في الأشهر الحرم عمداً أو خطأ دية كاملة وثلثها»، ولفظ الدية في الرواية لا يكون قرينة على الخطأ   2

1 . جواهر الكلام: 34 / 27 .   2 . الوسائل:19، الباب3 من أبواب ديات النفس، الحديث4.

صفحه 76
المسألة24. لو رمى وهو في الحلّ ـ بسهم ونحوه ـ إلى مَن هو في الحرم فقتله فيه لزمه التغليظ، ولو رمى وهو في الحرم إلى مَن كان في الحلّ فقتله فيه، فالظاهر أنّه لم يلزمه. وكذا لو رماه في الحل فذهب إلى الحرم ومات فيه أو العكس لم يلزمه، كان الرامي في الحل أو الحرم.*
E لإمكان أخذها في العمد إذا تصالحا عليها، ثم لو ثبت التغليظ في الخطأ لثبت في صورة العمد بطريق أولى. نعم جاء لفظ الخطأ في رواية زرارة.1

* لو رمى في الحل إلى الحرم وبالعكس

قال المحقّق: لو رمى في الحلّ إلى الحرم فقتل فيه، لزم التغليظ، وهل يغلظ مع العكس؟ فيه تردّد.2
وقد ذكر المحقّق فرعين إلاّ أنّ المتن يشتمل على فروع أُخرى أيضاً، وهي:
1. لو رمى وهو في الحل بسهم إلى مَن هو في الحرم فقتله فيه.
2. لو رمى وهو في الحرم إلى من كان في الحل فقتله فيه.
3. لو رماه في الحل فذهب إلى الحرم فمات فيه.
4. لو رماه في الحرم فذهب إلى الحل فمات فيه.
أمّا الفرع الأوّل: فلا شكّ أنّه يُغلَّظ ; لأنّه يصدق أنّه قتله في الحرم، وإن كان الرامي خارج الحرم، فالموضوع هو القتل في الحرم، من دون تقييد   2

1 . الوسائل:19، الباب3 من أبواب ديات النفس، الحديث4.
2 . شرائع الإسلام:4/246.

صفحه 77
المسألة 25. لو قتل خارج الحرم والتجأ إليه لا يقتصّ منه فيه، لكن ضيّق عليه في المأكل والمشرب إلى أن يخرج منه، فيقاد منه، ولو جنى في الحرم اقتصّ منه فيه، ويلحق به المشاهد المشرّفة على رأي.*
E بكون الرامي في الحرم.
أمّا الفرع الثاني ـ أعني: إذا رمى وهو في الحرم إلى من كان في الحل فقتله فيه ـ فقد تردّد فيه المحقّق، والظاهر ـ كما عليه المصنّف ـ عدم التغليظ، لعدم صدق القتل في الحرم، ومجرّد حصول سببه في الحرم لا يكفي في صدق وقوع القتل في الحرم. وقياس المقام بمن رمى من الحرم صيداً في الحلّ ـ حيث يجب عليه التغليظ ـ قياس لا نقول به.
وأمّا الفرع الثالث ـ أعني: لو رماه في الحلّ فذهب إلى الحرم فمات فيه ـ فلا تغليظ; لأنّه ذهب باختياره إلى الحرم، ولولاه لمات في الحلّ، فلا يقال: «إنّه قتله في الحرم».
وأمّا الفرع الرابع ـ أعني: لو رماه في الحرم وخرج بنفسه إلى الحل فمات فيه ـ فلا تغليظ لعدم صدق القتل في الحرم.
وبعبارة أُخرى: القتل هو زهوق الروح لا مجرّد الرمي والإصابة، والمفروض أنّ روحه قد أُزهقت وهو في الحلّ.
* هنا فروع:

الأوّل: في حكم الاقتصاص لو قتل خارج الحرم ثم لجأ إليه

لو جنى خارج الحرم ودخل الحرم، فلا يقتل ولكن يضيّق عليه   2

صفحه 78
E في الطعام والشراب.
قال المحقّق: ولا يقتص من الملتجئ إلى الحرم فيه ويضيّق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج.1
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قَتَل أو قَطَعَ في غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم، لم يُقتل ولم يُقطع، بل يضيّق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج، فيقام عليه الحدّ.
وقال الشافعي: يُستقاد منه في الطرف والنفس معاً في الحرم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يستقاد منه في الطرف، فأمّا في النفس فلا يستقاد منه حتى يخرج، ويضيّق عليه، ويُهجر، ولا يبايع ولا يُشارى حتى يخرج. قالوا:والقياس يقتضي أن يُقتل به، لكنّا لا نقتله استحساناً.
فصارت الأقوال ثلاثة من عدم الاستقادة مطلقاً، والاستقادة كذلك، والتفصيل بين النفس فلا يستقاد والطرف فيستقاد.
ثمّ استدلّ الشيخ بإجماع الفرقة وأخبارهم وبما ورد في القرآن والسنّة.(2) ويدلّ عليه:
1. ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يجني في غير الحرم، ثم يلجأ إلى الحرم؟ قال: «لا يقام عليه الحدّ، ولا يطعم، ولا يسقى، ولا يكلّم، ولا يبايع، فإنّه إذا فعل به ذلك يُوشِك أن يخرج فيقام عليه الحدّ، وإن جنى في الحرم جنايـة، أُقيم عليه   2

1 . شرائع الإسلام:4/246.   2 . الخلاف:5/224، المسألة8 .

صفحه 79
E الحدّ في الحرم، فإنّه لم ير للحرم حرمة». ورواه الصدوق بإسناده عن ابن أبي عمير.1
2. ما رواه الكليني بسنده عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً في الحلّ ثمّ دخل الحرم؟ فقال: «لا يُقتل ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع ولا يُؤوى، حتّى يخرج من الحرم فيقام عليه الحدّ».2

الفرع الثاني: في حكم الاقتصاص لو جنى في الحرم

لو جنى في الحرم اقتصّ منه فيه، وذلك لانتهاكه الحرمة، والمسألة مورد اتّفاق، وفي الشق الآخر من هذه الصحيحة (صحيحة معاوية بن عمار):
قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق؟ قال: «يقام عليه الحدّ في الحرم صاغراً لأنّه لم ير للحرم حرمة، وقد قال الله عزّ وجلّ: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)3 فقال: هذا هو في الحرم، وقال: (فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)».(4) ويشهد على ذلك ما تقدّمه من الآيات على أنّ مورد الآية هو الحرم، نظير:(وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ)(5)، إلى غيرها   2

1 . الوسائل:18، الباب34 من أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامّة، الحديث1.
2 . الوسائل: 9، الباب14 من أبواب مقدمات الطواف، الحديث1، ولاحظ بقية أحاديث الباب.
3 . البقرة: 194.   4 . البقرة: 193.   5. البقرة:191.

صفحه 80
E من الآيات الواردة حول قتال المسلمين مع كفّار قريش في الحرم الشريف.

الفرع الثالث: حكم مَن جنى ثم لجأ إلى المشاهد المشرّفة

حكم مَن جنى في الخارج والتجأ إلى المشاهد المشرّفة أو جنى فيها، فهل تلحق بالحرم أم لا؟
فقد قال به المفيد في المقنعة، والشيخ في النهاية، وابن البراج في المهذّب، وابن إدريس في السرائر، واستحسنه المحقّق في النكت، وأفتى به صاحب الجواهر حتى قال: قد تُشعر عبارة المحقّق بل صريح غيره بالتوقّف بل المنع، لكن وصفه بقوله: ولا يخلومن جرأة.1
الظاهر أنّه لا تختص الجرأة بمن توقّف أو منع، بل تعمّ مَن أفتى باللحوق بوجوه اعتبارية، كما عليه صاحب الجواهر، حيث استدلّ عليه بما ورد عنهم: «إنّ بيوتنا مساجد» ولما تواتر من رفع العذاب الأُخروي عمّن يدفن بها، والعذاب الدنيوي أولى، فإنّ كلّ ذلك مناسب لوجوب تعظيمها واستحباب المجاورة بها، والقصد إليها، لا لحوقها بالحرم المكّي، فالتوقّف أولى.

1 . جواهر الكلام: 43 / 32.

صفحه 81
المسألة26. ما ذكر من التقادير دية الرجل الحرّ المسلم، وأمّا دية المرأة الحرّة المسلمة فعلى النصف من جميع التقادير المتقدّمة، فمن الإبل خمسون ومن الدنانير خمسمائة، وهكذا.*

* في دية المرأة الحرة المسلمة

قال المحقّق: ودية المرأة على النصف من جميع الأجناس.1
وقال الشيخ في «الخلاف»: دية المرأة نصف دية الرجل. وبه قال جميع الفقهاء، وقال ابن عُليّة والأصمّ: هما سواء في الدية. ثم استدلّ بما روى عمرو بن حزم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» وروى معاذ نحو هذا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وهو إجماع الأُمّة، وروي ذلك عن علي(عليه السلام) وعن عمر و زيد بن ثابت ولا مخالف لهم.(2)
المراد من المرأة هنا الحرّة المسلمة لا الأمة، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة، سليمة الأعضاء أو غير سليمة. ويدلّ على تنصيف الدية روايات منها:
1. ما رواه عبد الله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «دية المرأة نصف دية الرجل».2
2. ما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول في رجل قتل امرأته متعمداً، فقال: «إن شاء أهلها أن يقتلوه ويؤدّوا إلى أهله نصف الدية.   2

1 . شرائع الإسلام:4/246.   2 . الخلاف:5/254،المسألة 63.
2 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 82
المسألة 27. تتساوى المرأة والرجل في الجراح قصاصاً ودية حتى تبلغ ثلث دية الحرّ، فينتصف بعد ذلك ديتها، فما لم تبلغ الثلث يقتص كلّ من الآخر بلا ردّ، فإذا بلغته يقتصّ للرجل منها بلا ردّ، ولها من الرجل مع الردّ، ولا يلحق بها الخنثى المشكل.*
E وإن شاءُوا أخذوا نصف الدية; خمسة آلاف درهم».1
فعلى هذا فديتها من الإبل خمسون، ومن الدنانير خمسمائة، وهكذا.
وقد مرّ التفصيل في ذلك في كتاب القصاص، فلاحظ.

* في تساوي المرأة والرجل في الجراح حتى تبلغ الثلث

أقول: مرّ الكلام في هذه المسألة في كتاب القصاص، في فصل القول في الشرائط المعتبرة في القصاص، المسألة الثانية والتي جاء فيها ما يلي: يقتصّ للرجل من المرأة في الأطراف، وكذا يقتصّ للمرأة من الرجل فيها من غير ردّ. وتتساوى ديتهما في الأطراف ما لم تبلغ جراحة المرأة ثلث دية الحرّ، فإذا بلغته ترجع إلى النصف من الرجل فيها، فحينئذ لا يقتصّ من الرجل لها إلاّ مع ردّ التفاوت.
وبما أنّا استقصينا الكلام في المسألة في كتاب القصاص فمن أراد فليرجع إلى هناك.
نعم يبقى الكلام في قوله: «ولا يلحق بها الخنثى المشكل»، وذلك لأنّه مردّد بين كونها رجلاً فالدية تامّة، أو مرأة فالدية على النصف فلا يمكن   2

1 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث2، ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 83
المسألة 28. جميع فرق المسلمين المحقّة والمبطلة متساوية في الدية إلاّ المحكوم منهم بالكفر كالنواصب والخوارج والغلاة مع بلوغ غلوهم الكفر.*
E التمسّك بأحد الدليلين بحقّها، لأنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، ولجهة الاحتياط يؤخذ نصف من دية المرأة ونصف من دية الرجل، فتكون ديته ثلاثة أرباع دية الرجل على ما نقله صاحب الجواهر عن بعضهم.1 والأولى التصالح فيما زاد على النصف.

* في تساوي جميع فرق المسلمين في الدية إلاّ المحكوم بالكفر

وجه المساواة في غير الفرق الثلاثة هو أنّ الموضوع في الروايات هو دية المسلم2، والمفروض أنّ الجميع متفيّئون تحت راية الإسلام.
روى الإمام علي بن موسى الرضا(عليهما السلام) عن آبائه(عليهم السلام) عن عليّ(عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها حرمت عليّ دماؤهم وأموالهم».3
روى مسلم عن عمر بن الخطاب: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دفع الراية يوم خيبر إلى علي (عليه السلام)وقال: امش ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك; قال: فسار علي شيئاً ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل؟ قال: «قاتِلْهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك منعوا   2

1 . جواهر الكلام:43/33، ولاحظ: مفتاح الكرامة:10/368.
2 . وقد عقد صاحب الوسائل باباً باسم في دية الرجل الحرّ المسلم، فلاحظ.
3 . بحارالأنوار: 65/242، عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1 / 70 برقم 280 .

صفحه 84
المسألة 29. دية ولد الزنا إذا أظهر الإسلام بعد بلوغه ـ بل بعد بلوغه حدّ التميّز ـ دية سائر المسلمين، وفي ديته قبل ذلك تردّد.*
E منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله»1.
ولا شكّ أنّ الاعتقاد بالمعاد من أركان الإسلام، وعدم ذكره لكونه أمراً مسلماً في عامّة الشرائع، إذ لا مفهوم لشريعة سماوية إذا جرّدت عن المعاد.
وأمّا الطوائف الثلاثة فلأجل كفرهم، والنواصب والخوارج خارجون عن كرامة الإسلام، وأمّا الغلاة فيحكم بكفرهم إذا بلغ غلوهم حدّ الكفر.

* في دية ولد الزنا

قال المحقّق: ودية ولد الزنا إذا أظهر الإسلام دية المسلم، وقيل: دية الذمّي، وفي مستند ذلك ضعف.2
وفي المسألة أقوال ثلاثة:
الأوّل: أنّ دية ولد الزنا دية المسلم في صورتين:
1. بلغ وأظهر الإسلام.
2. لم يبلغ ولكن بلغ حدّ التمييز وأظهر الإسلام.
وأمّا إذا كان صغيراً لم يبلغ حدّ التمييز فلم يذكره المحقّق، وإنّما ذكره المصنّف لكن تردّد في ديته هل هي دية المسلم أو لا؟ وفي حواشي الشهيد: أنّ المنقول أنّه إن أظهر الإسلام فديته دية مسلم وإلاّ دية ذمي وهو جمع   2

1 . صحيح مسلم:7/ 121، كتاب فضائل علي(عليه السلام).
2 . شرائع الإسلام:4/247.

صفحه 85
E بين القولين.1
وقد نسب السيد العاملي ما ذكره المحقّق إلى الشرائع والنافع وكشف الرموز والتحرير والإرشاد والمختلف وحواشي الشهيد والمسالك والمقدّس الأردبيلي، ثم أضاف: أنّ هذا القول لم يُعرف لأحد قبل المحقّق والشهرات حدثت بعده.
وقال في «المسالك»: القول الأوّل (دية المسلم) مذهب الأكثر، وهم القائلون بإسلامه، لأنّه حينئذ مسلم فيدخل تحت عموم المسلمين. ثم يصفه بالأصحّية.2
وقال الأردبيلي: كون دية ولد الزنا، دية المسلم هو المشهور، ولعلّ مبناه أنّه مسلم على المشهور، وفيه إشكال فإنّه ليس بمسلم حقيقة وملحق به شرعاً، نعم ذلك غير بعيد إذا بلغ وقال بالإسلام.3
القول الثاني: أنّ ديته دية الذمّي، ذهب إليه السيد المرتضى حيث قال: وممّا انفردت به الإمامية: القول بأنّ دية ولد الزنا ثمانمائة درهم. وخالف باقي الفقهاء في ذلك. والحجّة لنا بعد الإجماع المتردّد: أنّا قد بيّنا أنّ من مذهب هذه الطائفة أنّ ولد الزنا لا يكون قط طاهراً ولا مؤمناً بإيثاره واختياره وإن أظهر الإيمان، وهم على ذلك قاطعون وبه عاملون.4   2

1 . لاحظ : مفتاح الكرامة:21/172.
2 . مسالك الأفهام:15/323.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:14/322.
4 . الانتصار:273.

صفحه 86
E ويظهر من كلامه أنّ ما ذكره مورد اتّفاق حيث قال: والحجّة بعد الإجماع المتردّد أنّا قد بيّنا... الخ.
وممّن وافق المرتضى من المتأخّرين صاحب الرياض حيث قال: إنّ قول السيد ليس بذلك البعيد للأصل مع عدم معلومية دخول ولد الزنا في إطلاق أخبار الديات، حتى ما ذُكر فيه لفظ المؤمن والمسلم لإطلاقهما غير معلوم الانصراف إلى نحوه من حيث عدم تبادره منه1 مع انسباق سياقه إلى بيان مقدار الديات2 وغيره ممّا لا يتعلّق بما نحن فيه، فيصير بالنسبة إليه كالمجمل الذي لا يمكن التمسّك به، وكذا شمول ما دلّ على جريان أحكام الإسلام على مُظْهره ، لنحو ما نحن فيه، ليس بمقطوع به، فلا يخرج عن مقتضى الأصل بمثله.3
أقول: ما ذكره العلمان في غاية الغرابة، أمّا ما ذكره السيد من أنّ مذهب الطائفة أنّ ولد الزنا لا يكون قط طاهراً... الخ، لم يثبت، بشهادة أنّ المشهور لم يعد ولد الزنا من النجاسات، وقد ذكرنا في محلّه أنّ الإجماعات الواردة في الخلاف وانتصار السيد المرتضى لا يمكن الاعتماد عليه، لأنّ الاحتجاج به في الكتابين وقع محاكاة لاحتجاج أهل السنّة حيث يحتجّون به.
وأمّا ما ذكره صاحب الرياض من التمسّك بالأصل فهو مقطوع بالدليل الاجتهادي، قال سبحانه: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا   2

1 . الضمير في «نحوه» يرجع إلى ولد الزنا.
2 . يريد أنّ الروايات في مقام بيان مقدار الديات، ولا إطلاق لها بالنسبة إلى من له الدية.
3 . جواهر الكلام:43/36 نقلاً عن رياض المسائل.

صفحه 87
E تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)1 وإطلاقه يعمّ كلّ الناس حتى بالنسبة إلى ولد الزنا إذا أظهر الإسلام، أضف إلى ذلك قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ مولود يولد على الفطرة ثمّ أبواه ينصّرانه ويهوّدانه ويمجّسانه».(2)
وقال ابن إدريس ـ بعد ما نقل مذهب السيد المرتضى ـ : ولم أجد لباقي أصحابنا قولاً فأحكيه، والذي تقتضيه الأدلّة التوقّف في ذلك، ولا دية له ; لأنّ الأصل براءة الذمّة.2
ولكن العلاّمة ردّ على السيد ومؤيّده وقال: الوجه عندي وجوب دية المسلم إن كان متظاهراً بالإسلام، بل ويجب القود لو قتله مسلم عمداً; لعموم الآية (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، وقوله(عليه السلام): «المسلمون بعضهم أكفّاء لبعض».(4)
والأصل الذي بناه السيد عليه من كفر ولد الزنا، ممنوع.3
القول الثالث: أنّ ديته دية المسلم وإن كان غير بالغ ولا مميّز، وهذا هو المستفاد من الإطلاق في النافع والإرشاد وكشف الرموز وغاية المراد والمقتصر والتنقيح، إذ ليس من هذا القيد فيها أثر.(6)
والظاهر أنّ هذا هو الأقوى ; لأنَّ الموضوع في الآيات والروايات هو الولد اللغوي ـ أعني: من خُلق من ماء رجل ـ فهو يعم ولد الحلال والحيض والزنا. ويترتّب عليه كلّ آثار الولد من وجوب النفقة وجواز النظر، وحرمة نكاح الزاني مع بنته المتولدة من زناه، وحرمة نكاح الولد مع أُخته من   2

1 . النساء:94.   2 . البرهان:3/261، الحديث5; التاج الجامع للأُصول:4/180.
2 . السرائر:3/352.   4 . سنن أبي داود :4/180، 181، برقم 4530 ، كتاب الديات.
3 . مختلف الشيعة:9/325.   6 . مفتاح الكرامة:21/172.

صفحه 88
E أبيه، ووجوب الصلاة عليه عند الموت.
نعم سلب الشارع بعض الآثار عن ولد الزنا كعدم التوارث وعدم الإمامة والمرجعية; وذلك لأنّ الآيات والروايات تعمّ الجميع دفعة واحدة، ويترتّب عليه كلّ ما يترتّب على غيره إلاّ ما خرج بالدليل.
نعم لا تبعد شرطية إظهار الإسلام للبالغ لانقطاع التبعية بعد البلوغ والحكم بالإسلام يحتاج إلى دليل وليس إلاّ الإظهار به من غير فرق بين ولدي الحلال والزنا.
هذا هو مقتضى القاعدة، نعم في المسألة روايات تؤكّد على أنّ دية ولد الزنا هي دية الذمّي، ولكنّها لا تؤيّد موقف السيد المرتضى، لأنّ ولد الزنا في نظره كالكافر الحربيّ، فيكون دمه هدراً، وإليك دراسة الروايات:
1. روى الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن بن حمّاد، عن عبد الرحمن بن عبد الحميد عن بعض مواليه قال: قال لي أبو الحسن(عليه السلام): «دية ولد الزنا دية اليهودي ثمانمائة درهم».1
وقد مرّ أنّ المحقّق قال: وقيل: دية الذمّي، وفي مستند ذلك ضعف، فلندرس هذا الضعف.
أمّا السند فالكلام في عبد الرحمن بن حمّاد وما بعده.
أمّا هو فقد قال عنه النجاشي: عبد الرحمن بن (أبي) حمّاد، أبو القاسم كوفي صيرفي انتقل إلى قم وسكنها وهو صاحب دار أحمد بن أبي عبد الله البرقي. ورُمي بالضعف والغلو.(2)   2

1 . الوسائل:19، الباب15 من أبواب ديات النفس، الحديث1.   2 . رجال النجاشي برقم: 631.

صفحه 89
E الظاهر أنّ كلمة (أبي) في كلام النجاشي زائدة.
وأمّا عبد الرحمن بن عبد الحميد، فليس له إلاّ رواية واحدة في الكتب الأربعة.1، فهو مهمل لم يوثّق، كما أنّ الواقع في آخر السند (بعض مواليه) مجهول، فالضعف في السند واضح لأنّ السند مؤلّف ممّن رُمي بالضعف ومن أُهمل ومَنْ جُهل.
2. روى الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن بعض رجاله قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن دية ولد الزنا؟ قال: «ثمانمائة درهم مثل دية اليهودي والنصراني والمجوسي».(2)
والسند ينتهي إلى جعفر بن بشير ولا غبار عليه، وإنّما الإشكال فيمن يروي عنه ـ أعني:«عن بعض رجاله» ـ فهو مجهول، ولكن يمكن الذب عنه بأنّ جعفر بن بشير ممّن لا يروي إلاّ عن ثقة.
3. ما رواه الشيخ عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد الرحمن بن حمّاد، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن جعفر(عليه السلام) قال: «دية ولد الزنا دية الذمّي ثمانمائة درهم».2
وفي السند عبد الرحمن بن حمّاد، وقد مرّ عليك بأنّه قد رمي بالضعف والغلو.
وأمّا إبراهيم بن عبد الحميد فهو مختلف فيه فقد وثّقه الطوسي وقال: ثقة له أصل ذكره في رجال الصادق(عليه السلام)، ووصفه في رجال الكاظم(عليه السلام)   2

1. لاحظ التهذيب:10/315 برقم12.   2. الوسائل:19، الباب15 من أبواب ديات النفس، الحديث2.
2 . الوسائل19، الباب15 من أبواب ديات النفس، الحديث3.

صفحه 90
E بقوله: واقفي، وقال النجاشي: له كتاب النوادر، يرويه عنه جماعة، ولكن لم يوثّقه.
وقد نقل الأردبيلي الروايات الثلاث، ووصف الرواية الأُولى بأنّ في طريقها عبد الرحمن بن حمّاد، وهو مجهول، ووصف الرواية الثانية بأنّ في طريقها إبراهيم بن عبد الحميد، وقد قيل: إنّه واقفي.
ووصف الرواية الثالثة بجهل بعض رجالها.
وعلى كلّ تقدير فالروايات الثلاث لا تخلو عن ضعف، فلا يمكن أن يحتجّ بها في هذه المسألة الشائكة.
وأمّا ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن دية ولد الزنا؟ قال: «يُعطى الذي أنفق عليه ما أنفق عليه».1
فالحديث لا يخلو عن ضعف في المتن حيث سُئل عن مقدار الدية، وأُجيب بشيء آخر .
نعم روى الصدوق في «المقنع» عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: دية ولد الزنا دية العبد ثمانمائة درهم، 2 ولكنّه مرسل.
وعلى ما ذكرنا فقد خرجنا بالنتيجة التالية:
1. إذا بلغ وأظهر الإسلام، فهو مسلم حقيقة له ما لغيره من المسلمين يقتصّ من قاتله، وديته دية المسلم.
2. إذا بلغ وامتنع من إظهار الإسلام فهو محكوم بالكفر لا يقتص   2

1 . الوسائل19، الباب15 من أبواب ديات النفس، الحديث4.
2 . مستدرك الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .

صفحه 91
المسألة 30. دية الذمّي الحرّ ثمانمائة درهم يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية المرأة الحرّة منهم نصف دية الرجل، بل الظاهر أنّ دية أعضائهما وجراحاتهما من ديتهما كدية أعضاء المسلم وجراحاته من ديته، كما أنّ الظاهر أنّ دية الرجل والمرأة منهم تتساوى حتى تبلغ الثلث مثل المسلم، بل لا يبعد الحكم بالتغليظ عليهم بما يغلّظ به على المسلم.*
E من قاتله وديته دية الكافر.
3. إذا بلغ وميّز أو لم يميّز فعلى ما ذكرنا من بقاء التبعية، ديته دية مسلم.

* في دية الذمّي

ذكر المصنّف في المسألة فروعاً، المهم منها الأوّل وهو تحديد مقدار دية الذمّي، وأمّا سائر الفروع فسيوافيك بيانها في نهاية دراسة الفرع المذكور، أقول:

الأوّل: في مقدار دية الذمّيّ الحر

دية الذمّي من المسائل الشائكة لاختلاف الروايات وكلمات الأصحاب فلنذكر أوّلاً شيئاً من الأقوال:
قال الشيخ في «الخلاف»: دية اليهودي والنصراني مثل دية المجوسي ثمانمائة درهم، واختلف الناس فيها على أربعة مذاهب، فقال الشافعي: ثلث دية المسلم، وقال قوم: هي على النصف من دية المسلم، ذهب إليه: عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، وفي الفقهاء مالك بن أنس.   2

صفحه 92
E وذهب قوم إلى أنّها مثل دية المسلم لا يفترقان. ذهب إليه ابن مسعود، وهو إحدى الروايتين عن عمر، وعثمان، وبه قال في التابعين: الزهري، وفي الفقهاء: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال أحمد بن حنبل: إن كان القتل عمداً فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم، والذمّي والمعاهد والمستأمن في كلّ هذا سواء.1
فهم على أقوال أربعة: ثلث دية المسلم، نصف ديته، مثل دية المسلم، التفصيل بين العمد فدية المسلم والخطأ فنصف ديته.
هذا قول أهل السنّة، وأمّا أصحابنا فدية الذمّي الحرّ ـ عندهم ـ ثمانمائة درهم إجماعاً ; كما في الانتصار والخلاف والغنية وكنز العرفان، وهو المشهور رواية وفتوىً كما في كشف اللثام، وأشهر فيهما كما في الروضة، والمشهور في عمل الأصحاب كما في المقتصر، والمشهور كما في النافع و كشف الرموز والمهذب البارع و التنقيح و ملاذ الأخيار، وعليه عامّة أصحابنا إلاّ النادر كما في الرياض. والأخبار بذلك متضافرة وهي سبعة أو أكثر وفيها الصحيح والمعتبر، معتضدة بالأصل والشهرات والإجماعات.2
إذا عرفت هذا فلندرس الروايات الواردة، وهي على طوائف:
1. الطائفة الأُولى: ما يؤّكد على أنّ الدية ثمانمائة درهم، فتارة يكون الموضوع فيها اليهودي أو النصراني أو المجوسي، وأُخرى لفظ الذمّي، وثالثة اليهود والنصارى دون المجوس، ورابعة يذكر المجوس ويلحقه باليهود    2

1 . الخلاف:5/263ـ264، المسألة 77 .
2 . مفتاح الكرامة:21/176.

صفحه 93
E والنصارى، ففي الجميع نجد التأكيد على العدد المذكور، وإليك ذكر هذه الروايات:
1. روى الكليني بسند صحيح عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إبراهيم يزعم أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي سواء، فقال: «نعم، قال الحق».1
والرواية بصدد بيان التسوية من دون بيان الحدّ، وأمّا مَن هو إبراهيم في المتن، فليس بواضح، وليس مؤثراً في فقه الحديث. ولعلّ المراد به إبراهيم النخعي الكوفي التابعي المتوفّى سنة 93 هـ ، وكانت آراؤه معروفة في الكوفة في عصر الصادقين (عليهما السلام).
2. روى الكليني بسند صحيح عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «دية اليهودي والنصراني والمجوسي، ثمانمائة درهم».2
3. روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث، قال: «دية الذمّي ثمانمائة درهم».3
4. روى الكليني أيضاً بسند موثّق عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن دية النصراني واليهودي والمجوسي؟ فقال: «ديتهم جميعاً سواء ثمانمائة درهم، ثمانمائة درهم».4   2

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
2 . الوسائل19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث2.
3 . الوسائل19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث3.
4 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث5.

صفحه 94
E 5. روى عبد الله بن جعفر في «قرب الإسناد» عن عبد الله بن
الحسن، عن 1 علي بن جعفر ، عن أخيه (عليه السلام)قال : سألته عن دية اليهودي والنصراني والمجوسي ، كم هي؟ سواء ؟ قال : «ثمانمائة، ثمانمائة كلّ رجل منهم».2
6. روى الشيخ في «التهذيب» عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «بعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد إلى البحرين، فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى فوديتهم ثمانمائة درهم ثمانمائة، وأصبت دماء قوم من المجوس، ولم تكن عهدت إليَّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال: إنّهم أهل الكتاب».3
7. روى الشيخ عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن دية اليهود والنصارى والمجوس؟ قال: «هم سواء ثمانمائة درهم».4
8. روى الشيخ عن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): كم دية الذمّي؟ قال:«ثمانمائة درهم».5
9. روى أيضاً عن ليث المرادي وعبد الأعلى بن أعين جميعاً، عن   2

1 . الظاهر سقوط لفظ : عن جدّه.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث6.
3 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس،الحديث7.
4 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث8.
5 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث9.

صفحه 95
E أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «دية اليهودي والنصراني ثمانمائة درهم ثمانمائة درهم».1
10. صحيح بريد العجلي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل مسلم فقأ عين نصراني؟ قال: «إنّ دية عين النصراني أربعمائة درهم».2 وهو يدلّ بالملازمة على أنّ دية النفس هو ثمانمائة ; لأنّ في العينين دية كاملة.
11. روي في «دعائم الإسلام» عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:«إذا قتل المسلم اليهودي أو النصراني أُدّب أدباً بليغاً وغُرم ديته وهو ثمانمائة درهم».3
12. روي في الفقه الرضوي: «ودية الذمّي ثمانمائة درهم، والمرأة على هذا الحساب أربعمائة درهم».4
***
ويظهر من بعض الروايات أنّ المرتكز لدى صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في دية اليهودي والنصراني هو ثمانمائة درهم، وكان الشكّ عالقاً بدية المجوسي، كما مرّ في قضية خالد بن الوليد.
وهذه الروايات التي ناهزت اثنتي عشرة رواية تؤكّد على أنّ دية الذمّي هي ثمانمائة درهم، وقد اُدّعي الإجماع عليه أيضاً، والشهرة أيضاً توافقه وفي الوقت نفسه تخالف فتوى العامّة، ومع ذلك ففي المقام روايات أُخرى تخالفها ندرسها تالياً.   2

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث10.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث4.
3 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
4 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث2.

صفحه 96

E الطائفة الثانية: ما يدلّ على أنّ دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة

روى الشيخ عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم».1

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّ ديتهم جميعاً أربعة آلاف درهم

روى الصدوق، قال: روي أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي أربعة آلاف درهم، لأنّهم أهل الكتاب.2

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على أنّ ديتهم جميعاً هي دية المسلم

1. روى الشيخ عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم».3
2. روى الشيخ باسناده، عن زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«من أعطاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذمة فديته كاملة»، قال زرارة: فهؤلاء؟ قال أبو عبد الله(عليه السلام): «وهؤلاء من(ممن) أعطاهم ذمة».4
هذا جملة مما ورد في المقام من الروايات المؤيدة والمخالفة فلندرسها سنداً ودلالة.   2

1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث4.
2 . الوسائل19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث12.
3 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث2.
4 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث3.

صفحه 97
E أمّا ما ورد في الطائفة الثانية ـ أعني: كون دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة ـ فهي ضعيفة لوقوع علي بن أبي حمزة البطائني في سندها، والراوي عنه «القاسم بن محمد الجوهري» وهو واقفي مثله.
وأمّا ما ورد في الطائفة الثالثة أعني رواية الصدوق، فهي مرسلة.
وأمّا روايات الطائفة الرابعة، فرواية أبان بن تغلب وزرارة صحيحتان سنداً. وأمّا علاج التعارض فبوجوه:
1. حمل الصحيحتين على التقيّة لما عرفت من القول بالمساواة عن عدّة من التابعين والفقهاء.
2. حملهما على المتعوّد لقتل أهل الذمّة إذ يجوز قتله قصاصاً فكيف لا يجوز أخذ دية النفس منه؟! وقد حمل صاحب المستدرك ما دلّ على المساواة على المتعوّد .1
3. الحكم بالمساواة لأجل مصلحة وقتية. ويدلّ على ذلك رواية سماعة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن مسلم قتل ذميّاً؟ فقال: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس، فليعط أهله دية المسلم حتى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمّي»، ثمّ قال: «لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذمّيّين، ومن قتل ذميّاً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميّاً حراماً ما آمن بالجزية وأدّاها ولم يجحدها».2   2

1 . مستدرك الوسائل:18، الباب12 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 98
E فالظاهر أنّ قوله: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس» أي القول بأنّ ديتهم ثمانمائة درهم، لأنّه يصير ذريعة لقتل الذمّي، وإلاّ فالحكم الواقعي هو هذا، نعم يتجاوز عنه لمصلحة خاصّة، فلعل ما دلّ على المساواة محمول على هذا القسم، ويقرب من ذلك حمل هذه الطائفة على المتعوّد على قتل الذمّيّين.
وإن شئت قلت: إنّ الحديث يدلّ على وجود التفاوت بين الديتين، أعني: قوله:«فليعط أهله، دية المسلم»، كما أنّ قوله:«ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم» يدلّ على أنّ الحكم الأوّلي والمسلّم بين المسلمين في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده في دية الذمّي هو ثمانمائة، وإنّما عدل الإمام عنه إلى كونها تساوي دية المسلم، لمصلحة ملزمة وقد أُشير إليها بقوله: «حتى ينكل عن قتل أهل السواد وعن قتل الذمّي»، ويكون الحكم عندئذ أشبه بالحكم الولائي لدَرء المفسدة، لا حكماً شرعيّاً كليّاً وإن فقد ملاكه.
ويدلّ على كون الحكم ولائياً ما سبق من أنّ المسلم المتعوّد لقتل الذمي يُقتل قصاصاً لئلاّ يتّخذ ذلك ذريعة لقتل أهل الكتاب.
إلى هنا تمّت دراسة الفرع الأوّل وإليك الكلام في سائر الفروع:

الثاني: دية المرأة الذمّيّة

دية المرأة من أهل الذمّة نصف دية الرجل منهم. وقد ورد التصريح به في الفقه الرضوي: «دية الذمّي ثمانمائة درهم ودية المرأة على هذا الحساب أربعمائة درهم» وورد أيضاً التقييد بالرجل في رواية «قرب الإسناد» حيث قال: «ثمانمائة كلّ رجل منهم».1   2

1 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

صفحه 99
E والمتلقّى من هذين الحديثين وغيرهما أنّ كون دية الرجل ضعف دية المرأة يرجع إلى طبيعة الجنسين من غير فرق بين المسلم والذمّي، ويكفي في المقام قوله: «دية المرأة نصف دية الرجل».1

الثالث: في دية أعضاء الذمّي وجراحاته

إنّ دية أعضائهما وجراحاتهما من ديتهما، كدية أعضاء المسلم وجراحاته من ديته.
وعلى هذا فدية اليد الواحدة من الرجل نصف تمام دية نفس الذمّي، فبما أنّ دية النفس فيه ثمانمائة درهم تكون دية اليد الواحدة أربعمائة درهم، وبما أنّ دية النفس في المرأة أربعمائة درهم، تكون دية اليد الواحدة لها مائتا درهم.

الرابع: تساوي دية الذمّي والذمّية في الأعضاء حتى تبلغ الثلث

إنّ دية الرجل والمرأة منهم تتساوى في الأعضاء حتى تبلغ الثلث مثل المسلم، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف كما هو الحال في المرأة المسلمة; وذلك لأنّ الموضوع هو الرجل والمرأة وإطلاقهما يعمّ الذمّيّ والذمّيّة.

الخامس: التغليظ على أهل الذمّة

الحكم بالتغليظ عليهم بما يغلّظ به في المسلم ; لأنّ التغليظ من آثار هتك حرمة الأشهر الحُرم أو الحرم على القول به في الثاني. وهو مشترك بين قتل المسلم والذمّي.

1 . الوسائل: 19، الباب 5 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .

صفحه 100
المسألة31. لا دية لغير أهل الذمّة من الكفّار; سواء كانوا ذوي عهد أم لا، وسواء بلغتهم الدعوة أم لا، بل الظاهر أن لا دية للذمّي لو خرج عن الذمّة، وكذا لا دية له لو ارتدّ عن دينه إلى غير أهل الذمّة، ولو خرج ذمّي من دينه إلى دين ذمّي آخر ففي ثبوتها إشكال، وإن لا يبعد ذلك.*
* في المسألة فروع:
1. لا دية لغير أهل الذمّة من الكفّار.
2. لا دية للذمّي لو خرج عن الذمّة.
3. لا دية للذمّي لو ارتدّ عن دينه إلى غير أهل الذمّة، كما لو صار النصراني صابئياً.
4. لو خرج ذمّي من دينه إلى دين ذمّي آخر، كما لو تنصّر اليهودي، أو تهوّد النصراني.
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: لا دية لغير أهل الذمّة من الكفّار

فقد قال الشيخ في «الخلاف»: من لم تبلغه الدعوة لا يجوز قتله قبل دعائه إلى الإسلام بلا خلاف. وإن بادر إنسان فقتله لم يجب عليه القود بلا خلاف أيضاً، وعندنا لا تجب عليه الدية. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يلزمه الدية، وكم يلزمه؟ فيه وجهان: منهم من قال: يلزمه دية المسلم، لأنّه ولد على الفطرة، والمذهب أنّه يلزمه أقل الديات ثمانمائة درهم دية المجوسي.   2

صفحه 101
E دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمّة، وشغلها يحتاج إلى دليل.1
وقال المحقّق: ولا دية لغير أهل الذمّة من الكفّار، ذوي عهد كانوا أو أهل حرب، بلغتهم الدعوة أو لم تبلغ.(2) ويظهر وجهه ممّا سنذكره في الفرع الثاني.

الفرع الثاني: لا دية لمن خرج عن الذمّة

فقد استدلّ عليه في «الجواهر» بالأصل وقال: بلا خلاف للأصل.2
أقول: إذا تمّ الإجماع فهو، وإلاّ فلا مجال لأصل البراءة بعد كون المرتكز في النفوس، احترام الدماء وحرمة إراقتها إلاّ بحق، قال علي (عليه السلام): «الناس صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»3.
أضف إلى ذلك: ورود ألفاظ اليهود والنصارى والمجوس في غير واحد من النصوص السابقة، الشاملة للذمّي وغيره، وإن ورد في بعضها لفظ الذمّيّ، لكن ليس المقام من قبيل تقييد المطلق بالمقيّد، لكونهما مثبتين.
والذي يمكن الاستدلال به ما رواه الشيخ بإسناده عن إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال: «لا، إلاّ يكون متعوّداً لقتلهم»4.
وجه الدلالة: أنّ الظاهر أنّهم كانوا ذمّيين فخرجوا بعدائهم   2

1 . الخلاف:5/265، المسألة 79.   2 . شرائع الإسلام:4/247.
2 . جواهر الكلام: 43 / 41 .
3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 53 .
4 . الوسائل: 19، الباب 16 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .

صفحه 102
E وغشّهم المسلمين عنها، فيُستفاد منه كبرى كلّيّة وهي أنّه لا قصاص ولا دية لغير الذمّي سواء كان ذمّياً ثم خرج عنه أو لم يكن، ومع ذلك كلّه لابدّ من التأديب والتعزير; لما عرفت من أنّ الأصل حرمة الدماء إلاّ بحق. والله العالم.
ومنه يظهر حكم الفرع الثالث.

الفرع الرابع: لو خرج ذمّي من دينه إلى دين ذمّي آخر

لا بأس من القول فيه بثبوت الدية; لأنّه لم يخرج عن كونه ذمّياً لأنّه بالعدول من دينه إلى دين ذمّي آخر لم يخرج عن موضوع الدليل.
   

صفحه 103
 
القول في موجبات الضمان
وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: في المباشر1

المسألة1. المراد بالمباشرة أعمّ من أن يصدر الفعل منه بلا آلة، كخنقه بيده أو ضربه بها أو برجله فقتل به، أو بآلة كرميه بسهم ونحوه، أو ذبحه بمدية، أو كان القتل منسوباً إليه بلا تأوّل عرفاً، كإلقائه في النار، أو غرقه في البحر، أو إلقائه من شاهق، إلى غير ذلك من الوسائط التي معها تصدق نسبة القتل إليه.*

* ما هو المراد بالمباشر؟

الفعل المنسوب إلى الإنسان تارة يوصف بالفعل المباشري وأُخرى بالتسبيبي، أمّا الأوّل فقد عرّفه المصنّف في المقام، وأمّا الثاني فقد عرّفه في المبحث الثاني الآتي، فالفعل المباشري عبارة عن الفعل الذي ينسب إلى فاعله في نظر العرف بلا تسبيب سبب من غير فرق بين أن يصدر منه بلا آلة، كالخنق باليد والضرب بها وبالرّجل، أو أن يصدر بآلة كالرمي بالسهم والحجر والذبح بالسكين، فبما أنّ الآلة في المقام عديمة الشعور ينسب الفعل إلى الفاعل ويُلغى دور الآلة.   2

1 . كذا في المصدر والصحيح: المباشرة.

صفحه 104
المسألة 2. لو وقع القتل عمداً يثبت فيه القصاص. والكلام هاهنا فيما لا يقع عمداً، نحو أن يرمي غرضاً فأصاب إنساناً، أو ضربه تأديباً فاتّفق الموت، وأشباه ذلك ممّا مرّ الكلام فيها في شبيه العمد والخطأ المحض.*
E ونظيره إذا قتله بالإلقاء في النار أو من شاهق، فالمباشرة في هذه الفروض متحقّقة عرفاً وإن كان للنار تأثيرٌ في الموت على وجه لولاها لما مات، لكنّها لما كانت غير شاعرة بفعلها ينسب إلى الملقي.
وحصيلة الكلام: أنّه لا يشترط في الفعل المباشري عدم توسّط الآلة بين الفاعل والفعل، بل تصدق المباشرة معها، لما عرفت من أنّ الآلة يغفل العرف عن تأثيرها لأجل كونها عديمة الشعور.
   

* لو رمى غرضاً فأصاب إنساناً

قال المحقّق: فضابطها (المباشرة) الإتلاف لا مع القصد إليه، كمن رمى غرضاً فأصاب إنساناً أو كالضرب للتأديب فيتّفق الموت منه،1 أي أنّ الميزان في غير العمد، صدق الإتلاف دون القصد إليه وإلاّ لثبت القصاص.
وبما أنّ الكلام في المقام في الدية خرج القتل العمدي عن محطّ الكلام، فانحصر البحث على شبيه العمد والخطأ، فالأوّل كما لو ضرب تأديباً فاتّفق الموت، والثاني كما إذا رمى غرضاً فأصاب إنساناً.
وحاصل الكلام: أنّه يشترط في ثبوت الدية نسبة الإتلاف إلى   2

1 . شرائع الإسلام :4/248.

صفحه 105
المسألة3. لو ضرب تأديباً فاتّفق القتل فهو ضامن; زوجاً كان الضارب، أو وليّاً للطفل، أو وصيّاً للوليّ، أو معلّماً للصبيان، والضمان في ذلك في ماله.*
E الفاعل دون قصده، وإلاّ لثبت القصاص، ولذلك قال المحقّق: فضابطها ـ يعني المباشرة ـ الإتلاف لا مع القصد إليه.
ثمّ إنّه لو ضرب المعلم الطفل أو الزوج الزوجة لغاية التأديب فانجرّ إلى الموت، فيقع الكلام في ضمان المعلم والزوج، وهذا ما أشار إليه المصنّف في المسألة التالية.

* لو ضرب تأديباً فاتّفق القتل فهو ضامن

الكلام فيما لو ضرب تأديباً فانتهى إلى القتل، كضرب الزوج للزوجة، والولي للطفل أو وصيه، أو المعلم للصبي.
إذا ضرب الزوج الزوجة أو الولي أو وصيه الطفل أو المعلم الصبي، يقع الكلام في تبيين موضوعه أوّلاً، وبيان حكمه ثانياً.
أمّا الأوّل فهو ليس من قبيل العمد، لأنّه لم يقصد القتل وليس الفعل ممّا يقتل ، وليس أيضاً من قبيل الخطأ المحض، لأنّه يشترط فيه أن لا يقصد وقوع الفعل على الإنسان، كما إذا رمى غرضاً فأصاب إنساناً حيث لم يقصد رمي الإنسان، فيكون المقام من قبيل شبه العمد.
وأمّا الثاني أي حكمه من الضمان وعدمه فقال المصنّف بالضمان ; وجهه: صدق الإتلاف ولا يشترط في صدقه قصده، بل تكفي نسبة الإتلاف إليه ولو مع عدم القصد، كما إذا أتلف حال كونه نائماً شيئاً من غير فرق   2

صفحه 106
E بين الأنفس والأموال. وبه قال الشيخ في «المبسوط» حسب ما حكى عنه صاحب «مفتاح الكرامة»: إنّه يضمن الدية في ماله، لأنّ التأديب مشروط بالسلامة.1
فإن قلت: إنّه من التعزير السائغ فينبغي أن لا يوجب ضماناً.
قلت: إنّ التعزير السائغ محدّد بعدم الإتلاف،فلو انتهى إليه فقد خرج عن السائغ إلى غيره، غاية الأمر جهل الفاعل بالتجاوز يوجب رفع القود، وأمّا الدية فلا وجه لعدمها بعد انتساب الإتلاف إلى الضارب.
ثمّ إنّ الدية في الموارد المذكورة على الضارب: لأنّه قصد وقوع الفعل على المقتول وإن لم يقصد موته، فافترق مع من رمى غرضاً فأصاب إنساناً، لا على العاقلة لأنّه من قبيل شبه العمد فهو على الفاعل نفسه.

1 . مفتاح الكرامة:21/4.

صفحه 107
المسألة 4. الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصراً في العلم أو العمل ولو كان مأذوناً، أو عالج قاصراً بدون إذن وليّه أو بالغاً بلا إذنه، وإن كان عالماً متقناً في العمل، ولو أذن المريض أو وليّه الحاذق في العلم والعمل، قيل: لا يضمن، والأقوى ضمانه في ماله، وكذا البيطار. هذا كلّه مع مباشرة العلاج بنفسه، وأمّا لو وصف دواءً وقال: إنّه مفيد للمرض الفلاني، أو قال: إنّ دواءك كذا من غير أمر بشربه، فالأقوى عدم الضمان. نعم لا يبعد الضمان في التطبّب على النحو المتعارف.*

* في ضمان الطبيب

في المسألة فروع:
1. إذا أتلف الطبيبُ بعلاجه وكان قاصراً في العلم أو العمل، وإن أذن له المريض.
2. إذا عالج الطبيبُ قاصراً كالطفل والمجنون بدون إذن وليّه، أو بالغاً بلا إذنه،وإن كان متقناً في العلم والعمل.
3. لو كان حاذقاً في العلم والعمل وعالج المريض بإذنه.
4. لو وصف الطبيب دواءً وقال: إنّه مفيد للمرض الفلاني أو قال: إنّ دواءك كذا من غير أمر بشربه.
5. لو راجع المريض عيادة الطبيب وأجرى له الفحص على النحو المتعارف وكتب له الوصفة مشيراً عليه بالعمل بها.
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: قال المحقّق: الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن   2

صفحه 108
E كان قاصراً.1
وقال العلاّمة: الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصراً.(2)
وقال صاحب مفتاح الكرامة: وكذا يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصر المعرفة إجماعاً كما في التنقيح.2
ويقرر وجه الضمان بوجهين:
1. أنّ الميزان في الضمان هو الاتلاف من غير إذن والمريض أذن بالتطبّب لا في الإتلاف.
2. إنّه إذن بالتطبّب بزعم أنّه صالح له علماً وعملاً ولم يكن كذلك حتى عند الطبيب نفسه فيكون مضموناً قطعاً.
الفرع الثاني: إذا عالج قاصراً بدون إذن وليه أو بالغاً بلا إذنه، يضمن وإن كان عالماً متقناً في العمل.
قال المحقّق:(يضمن) إذا عالج طفلاً أو مجنوناً لا بإذن الولي أو بالغاً لم يأذن.3
وقال العلاّمة: الطبيب يضمن إذا عالج طفلاً أو مجنوناً بغير إذن الولي أو بالغاً عاقلاً لم يأذن.4 ويكفي في الحكم بالضمان صدق الإتلاف بغير إذن منه، كما لو أتلف مال الغير بلا إذن فيضمن إجماعاً.   2

1 . شرائع الإسلام:4/248.   2 . تحرير الأحكام:5/527.
2 . مفتاح الكرامة:21/9.
3 . شرائع الإسلام:4/248.
4 . تحرير الأحكام:5/527.

صفحه 109
E الفرع الثالث: لو أتلف الطبيب الحاذق في العلم والعمل وعالج المريض بإذنه، فقد نقل في المتن وجهين: الضمان وعدمه، واستقوى الأوّل في مال نفس الطبيب.
قال المحقّق: ولو كان الطبيب عارفاً وأذن له المريض في العلاج فآل إلى التلف، ففيه قولان:
1. لا يضمن، لأنّ الضمان يسقط بالإذن، لأنّه فعل سائغ شرعاً.
2. أنّه يضمن لمباشرته الإتلاف وهو أشبه.
فإن قلنا: لا يضمن فلابحث، وإن قيل: يضمن، فهو يضمن في ماله.1
وقال العلاّمة في «القواعد»: وإن كان حاذقاً وأذن له المريض، فآل علاجه إلى التلف فالأقرب الضمان في ماله.2 أمّا الضمان فهو قول الشيخ المفيد، والطوسي في النهاية، وابن البراج في الكامل، وسلاّر وأبي الصلاح وابن زهرة والطبرسي والكيدري ونجم الدين ونجيب الدين ابني سعيد، وجعلوه شبيه عمد.3
والظاهر الضمان ; لأنّ الإذن بالطبابة غير الإذن بالإتلاف، والمفروض انحصار الإذن في السلامة لا في ضدها.
نعم ذهب ابن إدريس إلى القول بأنّه لا يضمن لوجوه ثلاثة: للأصل أوّلاً، وسقوطه بإذنه ثانياً، ولأنّه فعل سائغ شرعاً فلا يستعقب ضماناً ثالثاً.   2

1 . شرائع الإسلام :4/248ـ249.
2 . قواعد الأحكام: 3 / 651 .
3 . مفتاح الكرامة:21/10.

صفحه 110
E يلاحظ على الجميع: أنّ الأصل ـ أي أصالة البراءة ـ مقطوع بالدليل لقاعدة الضمان على المتلف، والإذن في العلاج ـ كما مرّ ـ ليس إذناً في الإتلاف، والجواز الشرعي لا ينافي الضمان، كما في الضرب للتأديب، غاية الأمر بما أنّه لم يكن عامداً لا يقتص منه.1
أضف إلى ذلك: رواية السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام)مَن تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه، وإلاّ فهو ضامن».2
وجه الدلالة: أنّه لو لم يكن ضامناً لما أُمر بأخذ البراءة، مضافاً إلى التصريح بالضمان في قوله: «فهو ضامن».
الفرع الرابع: لو لم يباشر العلاج بنفسه وإنّما وصف دواءً بأنّه مفيد للمرض الفلاني أو دواءك كذا، وكان المخاطب مبتلى بنفس المرض فاستعمله وأدّى إلى تلفه، فلا يضمن لعدم صحّة نسبة التلف إلى الطبيب، إذ لم يأمر به نظير من قرأ الكتب الطبية وعالج مرضه بما وجد فيها فأدّى إلى تلفه، فلا يعدّ المؤلّف ضامناً.
الفرع الخامس: التطبيب على النحو المتعارف إذا كتب له الوصفة مشيراً إلى كيفية العمل بها، فالظاهر هو الضمان لاستناد التلف إليه عرفاً وكون المريض مختاراً في العمل بها لا يضرّ بعد صحّة استناد الإتلاف إلى الطبيب، بل هذه الصورة، هي المورد المتيقّن من رواية السكوني فلاحظ.

1 . جواهر الكلام:43/46.
2 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 111
المسألة5. الختّان ضامن إذا تجاوز الحدّ وإن كان ماهراً، وفي ضمانه إذا لم يتجاوزه ـ كما إذا أضرّ الختان بالولد فمات ـ إشكال، والأشبه عدم الضمان.*

* الختّان ضامن إذا تجاوز الحدّ

قال الشيخ في «الخلاف»: الختّان، والبيطار، والحجّام يضمنون ما يجنون بأفعالهم، ولم أجد أحداً من الفقهاء ضمّنهم، بل حكى المزني أنّ أحداً لا يضمنهم. دليلنا: إجماع الفرقة المحقّة.1
أشار(قدس سره) في هذه المسألة إلى صورتين:
1. إذا تجاوز الختّان الحدّ وإن كان ماهراً.
2. إذا لم يتجاوزه لكن أضر الختان بالولد فمات.
أمّا الأُولى: إذا تجاوز الختّان وقطع شيئاً من الحشفة فهو ضامن في عامّة الصور، فرّط في العمل أو لا، كان قاصراً في عمله أو لا.
ويدلّ على ما ذكرنا من العموم وجوه:
1. أنّه من مقولة الإتلاف، وما يقال من أنّ إذن الولي كاف في عدم الضمان، غير تامّ ; لأنّ الإذن مقيّد بالسلامة، والمفروض أنّه تجاوزها.
2. ما رواه الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه أنّ علياً(عليه السلام) ضمّن ختّاناً قطع حشفة غلام.2 ومورده هذه الصورة،   2

1 . الخلاف:5/ 503، المسألة 26.
2 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب موجبات الضمان، الحديث12.

صفحه 112
E لأنّه كان مأذوناً في قطع الغلاف لا في قطع الحشفة، فكيف لا يكون ضامناً؟! وقال المحقّق بعد ذكرها: والرواية مناسبة للمذهب.1 وإطلاق الرواية يعمّ صورتي التفريط وعدمه ; وما في «الجواهر» من أنّه قضيّة في واقعة، محتملة لتفريط الختّان بقطع الحشفة الذي لم يؤمر به، خلاف الإطلاق، ولو كان المورد من مقولة التفريط لصرّح الإمام الحاكي لفعل جدّه.
3. روايته الأُخرى عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَن تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه، وإلاّ فهو له ضامن».2
فإنّ منصرف قوله:«فهو له ضامن» ما إذا كان ماهراً وتجاوز الحدّ ; لأنّ الولي لا يأذن له إلاّ إذا علم أنّه ماهر في فنّه، فإذا لم يأخذ البراءة ـ كما هو المفروض ـ فيكون ضامناً.
أمّا الصورة الثانية: فالمفروض أنّ الطبيب ماهر مأذون وهو لم يتجاوز حدّ الختان، إلاّ أنّ العمل أضرّ بالولد فمات، بحيث لو قام بها أي ختّان لترتّب على عمله الموت أيضاً، فالظاهر ـ بل الأقوى ـ عدم الضمان، لأنّه من لوازم العمل المأذون الذي يكون الطبيب والولي عنه غافلين، فالحكم بالضمان مع عدم وجود التقصير والقصور في ناحية الطبيب، أمر بعيد.
وما روي عن علي(عليه السلام) من أنّه ضمّن الختّان فمنصرف عن هذه الصورة.
أضف إلى ذلك: أنّ عملية الختان واجب كفائي للطبيب وقد قام بوظيفته دون تقصير أو قصور، فلا يحكم عليه بالضمان، فوجود أرضية خاصّة   2

1 . شرائع الإسلام:4/251.
2 . الوسائل:19، الباب 24 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1.

صفحه 113
E في الولد صارت مع الختان سبباً للموت، لا توجب الضمان. ثمّ على القول بالضمان في كلتا الصورتين فهو من ماله لا على العاقلة.
فإن قلت: المتبادر من قوله: «فليأخذ البراءة من وليه» انحصار عدم الضمان بالبراءة وإلاّ فيضمن.
قلت: هذا فيما إذا علم الاستناد دون ما إذا لم يعلم، أو علم عدمه كما في المقام، فإنّ الموت إنّما هو لوجود أرضية خاصّة في المختون أدّت إلى موته.
ثمّ إنّه قد ورد في المقام روايات تؤيّد عدم ضمان الطبيب إذا لم يتجاوز الحدّ، منها:
1. ما رواه محمد بن يحيى، عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن أحمد بن إسحاق قال: كان لي ابن وكان تصيبه الحصاة، فقيل لي: ليس له علاج إلاّ أن تبطّه، فبططته فمات، فقالت الشيعة: شركت في دم ابنك، قال: فكتبت إلى أبي الحسن العسكري(عليه السلام) فوقّع(عليه السلام):«يا أحمد، ليس عليك فيما فعلت شيء، إنّما التمست الدواء وكان أجلُه فيما فعلت».1 والبط هو الشقّ، والحصاة واحدة الحصى وهي صغار الحجارة.
فلو ثبتت حجّية الرواية لدلّت على كفاية الظن بالسلامة في المداواة.
2. خبر إسماعيل بن الحسن المتطبّب المروي في «روضة الكافي» قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي رجل من العرب، ولي بالطبّ بصر، وطبّي طبّ عربي، ولست آخذ عليه صفداً؟ فقال: «لا بأس»، قلت: إنّا نبط الجرح ونكوي بالنار، قال: «لا بأس»، قلت: ونسقي هذه السموم الأسمحيقون والغاريقون،   2

1 . الكافي:6/53، كتاب الحقيقة، باب النوادر، الحديث6، وفيه حمدان بن إسحاق.

صفحه 114
المسألة6. الظاهر براءة الطبيب ونحوه ـ من البيطار والختّان ـ بالإبراء قبل العلاج، والظاهر اعتبار إبراء المريض إذا كان بالغاً عاقلاً فيما لا ينتهي إلى القتل، والوليّ فيما ينتهي إليه، وصاحب المال في البيطار، والوليّ في القاصر، ولا تبعد كفاية إبراء المريض الكامل العقل حتى فيما ينتهي إلى القتل، والأحوط الاستبراء منهما.*
E قال: «لا بأس»، قلت: إنّه ربّما مات؟ قال: «وإن مات».1
أقول: كانت عملية الطبابة ـ آنذاك ـ على حدّ البساطة والسذاجة، ولم يكن طريق للعلاج إلاّ ما ورد فيها، وأمّا اليوم فقد تطوّر الطب وتشعبّت فروعه، فاحتاج كلّ عضو من أعضاء الإنسان إلى متخصّص يعالج المريض بأحدث الأجهزة، فالعلاج بهذه الطرق وبهذه الأدوية إذا أدّت للموت، موجب للضمان أيضاً.
* في المسألة فروع:
1. براءة الطبيب بالإبراء قبل العلاج.
2. اعتبار إبراء المريض إذا كان بالغاً عاقلاً مطلقاً فيما ينتهي إلى القتل أولا.
3. اعتبار إبراء الولي في القاصر.
4. اعتبار إبراء صاحب المال في البيطار.
وإليك دراسة الفروع:   2

1 . الكافي:8/193، الحديث 229. الصفد: الأجر، الأسمحيقون: نوع من الأدوية وفي المجمع حبّ مسهل.

صفحه 115

E الأوّل: براءة الطبيب بالإبراء قبل العلاج

براءة الطبيب بالإبراء، سواء كان المبرئ هو المريض أو الوليّ، وهو كذلك فتوى ونصّاً.
أمّا الأوّل، فقد قال المحقّق: وهل يبرأ]يعني الطبيب ونحوه[ بالإبراء قبل العلاج؟ قيل: نعم، لرواية السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَن تطبّب أو تبيطر، فليأخذ البراءة من وليّه وإلاّ فهو ضامن». ولأنّ العلاج ممّا تمسّ الحاجة إليه، فلو لم يشرع الإبراء، تعذّر العلاج، وقيل: لا يبرأ لأنّه إسقاط الحق قبل ثبوته.1
وقال العلاّمة في التحرير: ولو أبرأه المريض قبل العلاج قيل: يصحّ، لرواية السكوني عن الصادق(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من تطبب... إلخ، وإلاّ فهو ضامن». ولأنّه ممّا تمسّ الحاجة إليه، فلولا تسويغه لحصل الضرر.
وقيل: لا يصحّ لأنّه إبراء ممّا لم يثبت. ثم ذكر رواية تضمين علي(عليه السلام)للختّان الذي قطع حشفة غلام.(2)
ثمّ إنّ القول بصحّة البراءة مذكور في كلمات المشايخ، منهم: الشيخ المفيد(3)، والشيخ2، وأتباعهما، وأبو الصلاح.(5)
وأمّا النص فيدلّ عليه رواية النوفلي، عن السكوني، عن الصادق(عليه السلام) ـ كما مرّ ـ و الأصحاب عملوا بروايتهما إذا لم تخالف قاعدة مسلّمة.
أضف إلى ما ذكرنا: أنّه ربما يكون المريض على عتبة الموت   2

1 . شرائع الإسلام:4/249.   2 . التحرير: 5/ 528 .   3 . المقنعة:734.
2 . النهاية:734 .   5 . الكافي في الفقه:402.

صفحه 116
E فعندئذ يجب على الطبيب علاجه، ومن ناحية أُخرى ربما ينتهي العلاج إلى موته، فالحكم عليه بالضمان ضرر.
وأمّا ما يستدلّ به من أنّه إبراء لما لم يثبت، فهو نظير القول بضمان ما لم يجب، فهو غير تام لما قلنا في محلّه من كفاية وجود المقتضي للضمان والإبراء، ولا يشترط اشتغال الذمّة فعليّاً.وكم له من نظير في الفقه ضماناً وبراءة، كضمان التالف في زمان العقد عن البائع إذا بان أنّ المبيع مِلكٌ للغير، وكبراءة بائع الحيوان من العيب الطارئ عليه في ثلاثة أيام.1

الثاني: اعتبار إبراء المريض لو كان بالغاً عاقلاً

اعتبار إبراء المريض إذا كان بالغاً عاقلاً مطلقاً من غير فرق بين ما ينتهي إلى القتل أولا، بل لا يكفي إذن الولي، إذ لا ولي له في هذا الحال وإنّما هو أولى بنفسه، وكون الولي هو المطالِب بعد ذلك لا يرفع سلطنته الآن على نفسه.(2)
وما في المتن من تخصيص اعتبار إبرائه ممّا لا ينتهي إلى القتل، غير واضح ولعلّه اعتمد في التفصيل على رواية السكوني حيث جاء فيها: «فليأخذ البراءة من وليّه» ولكن الظاهر أنّ التعبير بالولي لأجل الاختصار بكلمة تعمّ المريض، والطفل والقاصر ورب المال.
نعم الأحوط كما أفاد في المتن أخذ البراءة من المريض والولي.
وأمّا الفرع الثالث والرابع فواضحان، إذ لو كان المريض هو الحيوان فالمبرئ هو مالكه، ولو كان المريض غير بالغ أو مجنوناً، فالمبرئ وليّه.
ثمّ الظاهر كفاية الاستبراء وإن لم يكن في ضمن عقد بناءً على   2

1 . الوسائل:12، الباب16 من أبواب الخيار، الحديث 2، 3، 4.   2 . جواهر الكلام:43/48.

صفحه 117
المسألة7. النائم إذا أتلف نفساً أو طرفاً بانقلابه أو سائر حركاته على وجه يستند الإتلاف إليه، فضمانه في مال العاقلة، وفي الظئر إذا انقلبت فقتلت الطفل رواية: بأنّ عليها الدية كاملة من مالها خاصّة إن كانت إنّما ظأرت طلباً للعزّ والفخر، وإن كانت إنّما ظأرت من الفقر فإنّ الضمان على عاقلتها، وفي العمل بها تردّد، ولو كان ظئرها للفقر والفخر معاً فالظاهر أنّ الدية على العاقلة، والأُمّ لا تُلحق بالظئر.*
E لزوم العمل بالشرط الابتدائي وعليه المحقّق الأردبيلي.1 وأمّا على القول بعدم لزوم الوفاء بالشرط الابتدائي فيجب أن يؤخذ في إجارة الطبيب، وعندئذ يكون كاشتراط سقوط خيار الحيوان وخيار المجلس في نفس العقد .
وبما أنّ الأقوى عندنا كفاية كل من الصورتين فلا فرق بين الأخذ في ضمن عقد أو الاشتراط على وجه الإطلاق; لعموم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم».
* في المسألة فرعان:
1. إذا أتلف النائم نفساً أو طرفاً بانقلابه أو سائر حركاته.
2. إذا انقلبت الظئر فقتلت الطفل.
وإليك دراسة الفرعين:

الفرع الأوّل: إذا أتلف النائم نفساً أو طرفاً بانقلابه أو سائر حركاته

لا شكّ في ثبوت الضمان في المقام، إنّما الإشكال في أنّه هل هو   2

1 . جواهر الكلام:43/48.

صفحه 118
E على النائم أو على العاقلة؟
ذهب الشيخ في «النهاية» إلى أنّه على النائم وقال: ومن نام فانقلب على غيره فقتله، فإنّ ذلك شبيه العمد تلزمه الدية في ماله خاصّة، وليس عليه قود.1
وأمّا المحقّق فالظاهر من صدر عبارته التوقّف وقال: النائم إذا أتلف نفساً بانقلابه أو بحركته قيل: يضمن الدية في ماله، وقيل: في مال العاقلة. ثمّ إنّه جاء بعد هذه العبارة في المطبوع من «الشرائع» قوله: «والأوّل أشبه» فيكون موافقاً للشيخ، ولكن وردت في متن الشرائع في المسالك والجواهر مكان: «الأوّل»، قوله: «وهو»، الراجع إلى مال العاقلة فيكون مخالفاً للشيخ.2
وظاهر العلاّمة مخالفة الشيخ وموافقة المحقّق حسب نسختي المسالك والجواهر قال: النائم إذا انقلب على غيره فأتلفه، قيل: يضمن في ماله، وقيل: يضمن على العاقلة، وهو أقوى، واضطرب ابن إدريس هنا.3
وظاهر المتن أنّه على العاقلة ; لأنّه مـن مقولة الخطأ المحض، باعتبار عدم قصد الفعل ولا قصد القتل.
وتصوّر أنّه من مقولة شبه العمد غير تام، لعدم وجود القصد في انقلاب النائم حتى يلحق به. نعم روى ابن إدريس رواية مرسلة وقال: «إنّ من نام وانقلب على غيره فقتله كان ذلك شبيه العمد تلزمه الدية في ماله خاصّة وليس عليه القود»(4) لكنّها رواية مرسلة لا يحتجّ بها.   2

1 . النهاية:758.
2 . لاحظ : شرائع الإسلام: 4 / 249 ; مسالك الأفهام: 15 / 330 ; جواهر الكلام: 43 / 51 .
3 . تحرير الأحكام:5/528، المسألة رقم 7167.   4. السرائر:3/365، باب ضمان النفوس وغيره.

صفحه 119
E وذهب السيد الخوئي إلى عدم ثبوت الدية مطلقاً لا في ماله ولا في مال العاقلة، أمّا الأوّل فلعدم استناد القتل إليه بعمد أو شبه عمد، وأمّا الثاني فلما تقدّم من أنّه يعتبر في القتل الخطئي ـ على ما فُسّر في الرواية ـ العمد في الفعل بأن يريد شيئاً ويصيب غيره، والمفروض انتفاء القصد هنا، فلا يكون داخلاً في القتل الخطئي.1
أقول: لا شكّ أنّ هنا قتلاً ومقتولاً، لا يمكن إنكارهما فلابدّ لهما من فاعل، فمن هو الفاعل؟ والمفروض أنّه لم يمت حتفه أنفه، وإنّما قتل بسبب الضغط الوارد عليه، والقتل إمّا يوصف بالعمد أو شبه عمد أو بالخطأ، فكيف يمكن أن يخرج عن الأقسام الثلاثة؟!
وأمّا التفسير الوارد في الرواية فهو من باب الغلبة، فإنّ القتل الخطئي يتحقّق بالنحو الوارد فيها.

الفرع الثاني: لو انقلبت الظئر فقتلت الطفل

لو انقلبت الظئر فقتلت الطفل، فهل الضمان عليها أو على عاقلتها؟
الأشبه بالقواعد أنّه على العاقلة لما ذكرنا في انقلاب النائم من عدم قصد الفعل ولا القتل.
ومع ذلك فقد وردت رواية تدلّ على التفصيل، ورواها الكليني والشيخ والصدوق والبرقي:
1. روى الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن   2

1 . مباني تكملة المنهاج:2/222.

صفحه 120
E خالد، عن محمد بن أسلم، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر(عليه السلام):«أيّما ظئر قوم قتلت صبياً لهم وهي نائمة ] فانقلبت عليه [فقتلته، فإنّ عليها الدية من مالها خاصّة إن كانت إنّما ظاءرت طلباً للعزّ والفخر، وإن كانت إنّما ظاءرت من الفقر فإنّ الدية على عاقلتها».1
وفي السند كما تقدّم محمد بن أسلم، قال النجاشي عنه: أصله كوفي، وكان يتّجر إلى طبرستان يقال: إنّه كان غالياً فاسد الحديث،2 وضعّفه في الوجيزة.
2. ورواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن أسلم...
3. ورواه أيضاً بإسناده عن الصفار، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن أسلم الجبلي...
4. ورواه البرقي عن أبيه، عن محمد بن أسلم، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم.3
لو أعنف الرجل بزوجته جماعاً وضمّاً   
فقد وقع في هذه الأسانيد الأربعة محمد بن أسلم وقد عرفت حاله.
5. ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن ناجية، عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن سالم، عن أبيه، عن أبي جعفر(عليه السلام). وفي السند محمد بن ناجية وله روايتان في الكافي والفقيه    2

1 . الوسائل:19، الباب29 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
2 . رجال النجاشي: 368، برقم 999.
3 . نفس المصدر: وقد سقط: اسم محمد بن أسلم عن سند البرقي في الوسائل، ولذلك حكم السيد الخوئي بصحّة السند أخذاً بما ورد في المطبوع ولم يرجع إلى المحاسن.

صفحه 121
المسألة 8 . لو أعنف الرجل بزوجته جماعاً فماتت يضمن الدية في ماله، وكذا لو أعنف بها ضمّاً; وكذا الزوجة لو اعنفت بالرجل ضماً، وكذا الأجنبي والأجنبية مع عدم قصد القتل.*
E والتهذيب ولم يوثّق، مضافاً إلى أنّ محمد بن علي مشترك.
6. ورواه الصدوق بنفس السند وفيه محمد بن ناجية.
ففي الأسانيد الأربعة وقع محمد بن أسلم وفي الأسنادين الأخيرين وقع محمد بن ناجية، ولأجل هذا تردّد المصنّف، ولكن يمكن أن يقال: إذا كثرت الأسانيد يعضد بعضها بعضاً، فالعدول عن مثله مشكل.
نعم قال العلاّمة: وعندي في هذا التفصيل نظر، لأنّ فعل النائم إن كان خطأ، فالدية على العاقلة على التقديرين، وإن كان شبيه العمد فالدية في ماله على التقديرين، والتفصيل لا وجه له.1
والظاهر أنّه لو قلنا بحجّية الرواية فلا إشكال في التفصيل تعبّداً. نعم التفصيل يختصّ بالظئر لا بالأُم المرضعة، فحكمها حكم النائم إذا انقلب على غيره، فلو قتلته فالضمان على العاقلة.
* في المسألة فرعان:
1. لو أعنف الرجل بزوجته جماعاً، أو ضمّاً، وكذا لو أعنفت الزوجة بالزوج ضمّاً.
2. لو أعنف الأجنبي بالأجنبية مع عدم قصد القتل.
وإليك دراسة الفرعين:   2

1 . تحرير الأحكام:5/529، المسألة رقم 7167.

صفحه 122
   

E الفرع الأوّل: لو أعنف الرجل بزوجته جماعاً وضمّاً

قال المحقّق: إذا أعنف بزوجته جماعاً في قبل أو دبر، أو ضمّاً، فماتت، ضمن الدية، وكذا الزوجة.1
ووجه كونه في ماله أنّه قصد الفعل ولم يقصد القتل فيكون من مصاديق شبه العمد، فالدية في ماله، أضف إلى ذلك: صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سُئل عن رجل أعنف على امرأته فزعم أنّها ماتت من عنفه؟ قال: «الدية كاملة ولا يقتل الرجل».2
ونسبه في «الجواهر» إلى الشيخين وسلاّر وابن إدريس والقاضي وغيرهم.3
ويؤيده خبر زيد عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل نكح امرأة في دبرها فألح عليها حتى ماتت من ذلك؟ قال: «عليه الدية».4
وللشيخ في «النهاية» تفصيل قال: فإن كانا متّهمين أُلزما الدية، وإن كانا مأمونين لم يكن عليهما شيء.(5)
وقد استند في ذلك إلى مرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أعنف على امرأته أو امرأة أعنفت على زوجها فقتل أحدهما الآخر، قال: «لا شيء عليهما إذا كانا مأمونين، فإن اتّهما   2

1 . شرائع الإسلام:4/249.
2 . الوسائل:19، الباب31 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
3 . جواهر الكلام:43/53.
4 . الوسائل:19، الباب31 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.   5 . النهاية:758.

صفحه 123
المسألة9. من حمل شيئاً فأصاب به إنساناً ضمن جنايته عليه في ماله.*
E ألزما اليمين بالله أنّهما لم يردا القتل».1 وتكون النتيجة هو تعلّق الدية بالحالف.
والرواية لإرسالها لا تصلح للاحتجاج، ويحتمل أن يكون اليمين فيها على القسامة إثباتاً للقود دون الدية كما في الجواهر.(2)

الفرع الثاني: لو أعنف الأجنبي بالأجنبية مع عدم قصد القتل

فقد عُلم حكمه ممّا سبق، فإنّه من قبيل شبه العمد حيث قصد الفعل ولم يقصد القتل.

* مَن حمل شيئاً فأصاب به إنساناً

إذا حمل إنسان على رأسه متاعاً فأصاب به إنساناً، كما لو حمل على رأسه خشبة طويلة، أو حطباً، فالمشهور أنّه يضمن، بشرط أن لا يدفعه غيره، وإلاّ كان ضمان ذلك على الدافع.
قال المحقّق: من حمل على رأسه متاعاً فكسره، وأصاب به إنساناً، ضمن جنايته ] في كلا الموردين[ في ماله.2
وقال العلاّمة: إذا حمل على رأسه متاعاً فكسره، أو أصاب به إنساناً، فجنى في نفس أو طرف أو جرح، ضمن المتاع وما جناه، من ماله.3 أي لا   2

1 . الوسائل:19، الباب31 من أبواب موجبات الضمان، الحديث4.   2 . جواهر الكلام:43/54.
2 . شرائع الإسلام:4/249.
3 . تحريرالأحكام:5/529، المسألة رقم 7169.

صفحه 124
E من مال العاقلة. وعليه المصنّف في المتن.
أقول: يجب أن يكون الكلام مركّزاً على ضمان الجناية على النفس أو الطرف بدفع الدية وعدمه، وأمّا ضمان المال المكسور وغيره فهو خارج عن مصبّ البحث، ويبحث فيه في كتاب الإجارة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يدلّ على الضمان ما رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل حمل متاعاً على رأسه فأصاب إنساناً فمات أو انكسر منه؟ فقال: «هو ضامن».1 الظاهر أنّ الضمير في قوله:«منه» يرجع إلى الإنسان لا إلى المتاع لكونه أقرب فتكون الرواية ممحضة لبيان موت الإنسان أو كسر شيء من أجزاء بدنه.
وأورد عليه في «المسالك» بوجهين:
الأوّل: ضعف السند لوقوع سهل بن زياد فيه.
أقول: إنّ هذه الرواية رويت بطرق وقع في بعضها سهل بن زياد دون الآخر، وإليك الطرق:
1. أمّا الكليني فقد عرفت السند.
2. ما رواه الشيخ بإسناده عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان.2   2

1 . الوسائل:19، الباب10 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
2 . التهذيب:10/230، برقم 909.

صفحه 125
E وهذا الطريقان فيهما سهل بن زياد، وإليك الطرق الأُخرى:
3. ما رواه الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله(عليه السلام).1
وأمّا سند الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب فبالنحو التالي: الحسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه محمد بن يحيى، عن محمد بن علي بن محبوب.2
4. ما رواه الصدوق عن ابن أبي نصر3 وسنده إليه بالنحو التالي، قال: فقد رويته عن أبي ومحمد بن الحسن(رضي الله عنهما) عن سعد بن عبد الله والحميري، جميعاً عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.4
فعُلم أنّ السندين الأخيرين صحيحان بلا إشكال.
على أنّ سهل بن زياد، الأمر فيه سهل.
إلى هنا اتّضح عدم الإشكال في السند.
الوجه الثاني: أي ممّا أورده صاحب المسالك، قال: إنّ إطلاق الرواية مخالف للقواعد لأنّه إنّما يضمن المصدوم في ماله، مع قصده إلى الفعل وخطئه في القصد، فلو لم يقصد الفعل كان خطأ محضاً، كما تُقرر.   2

1 . التهذيب:7/222، برقم 973.
2 . تهذيب الأحكام: قسم شرح المشيخة:10/72.
3 . الفقيه:3/123، برقم 13.
4 . الفقيه: قسم المشيخة:4/18.

صفحه 126
E وأمّا المتاع المحمول فيعتبر في ضمانه لو كان لغيره التفريط إذا كان أميناً عليه، كغيره من الأموال.1
وحاصل الإشكال الثاني: أنّ المضمون مشكل من جهتين:
1. إنّ القتل في المقام خطأ محض، بشهادة أنّه لم يقصد وقوع الفعل على المقتول، فكان خطأ محضاً فتحمله العاقلة لا نفس الشخص كما عليه الرواية.
2. أنّ المعتبر في ضمان المتاع هو التفريط والمفروض أنّه لم يفرّط، فكيف يحكم بالضمان على الإطلاق.
أقول: إنّ المضمون مشكل من جهة ثالثة وهي: أنّ هذه الرواية نقلها الصدوق بنحو آخر حيث قال: إنّه مأمون، ومع التعارض بين نقلي الكليني والصدوق كيف يصحّ الأخذ بالأوّل؟!
وربما يتصوّر التعارض بين الصحيحة وما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الجمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه؟ قال: «إن كان مأموناً فليس عليه شيء، وإن كان غير مأمون فهو ضامن».2 والظاهر عدم التعارض لما مرّ من أنّ الضمير في «منه» يرجع إلى الإنسان لا إلى المتاع، فليس فيها ما يدلّ على حكم المتاع، حتى يلزم التعارض.
وعلى كلّ تقدير فالعمل بالرواية لهذه الجهات مشكل، فالقول بأنّ الضمان على العاقلة أقوى.

1 . مسالك الأفهام:15/331.
2 . الوسائل:13، الباب30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث7.

صفحه 127
المسألة 10. مَن صاح ببالغ غير غافل فمات أو سقط فمات، فلا دية إلاّ مع العلم باستناد الموت إليه، فحينئذ إن كان قاصداً لقتله فهو عمد يقتصّ منه، وإلاّ شبيه عمد فالدية من ماله، فلو صاح بطفل أو مريض أو جبان أو غافل فمات، فالظاهر ثبوت الدية إلاّ أن يثبت عدم الاستناد، ] ومع ثبوت الاستناد أو الشكّ فيه[1 فمع قصد القتل بفعله فهو عمد، وإلاّ فشبيهه مع عدم الترتّب نوعاً أو غفلته عنه، ومن هذا الباب كلّ فعل يستند إليه القتل، ففيه التفصيل المتقدّم، كمن شهر سيفه في وجه إنسان، أو أرسل كلبه إليه فأخافه، إلى غير ذلك من أسباب الإخافة.*

* مَن صاح ببالغ غير غافل

قال المحقّق: مَن صاح ببالغ (عاقل غير غافل) فمات، فلا دية. أمّا لو كان مريضاً أو مجنوناً أو طفلاً، أو اغتفل البالغ الكامل، وفاجأه بالصيحة، لزمه الضمان. ولو قيل بالتسوية في الضمان، كان حسناً، لأنّه سبب الإتلاف ظاهراً. وقال الشيخ: الدية على العاقلة، وفيه إشكال، من حيث قصد الصائح إلى الإخافة، فهو عمد الخطأ. وكذا البحث لو شهر سيفه في وجه إنسان.2
وقال العلاّمة: لو صاح بصبي أو مجنون، أو بالغ كامل مريض، أو اغتفل الرشيد البالغ، أو فاجأه بالصيحة، ضمن، ولو صاح بالبالغ العاقل من غير اغتفال ولا مفاجأة فمات، فلا ضمان إلاّ أن ينسب الموت إلى الصيحة فيضمن،   2

1 . الزيادة منا يقتضيها سياق العبارة.
2 . شرائع الإسلام:4/249.

صفحه 128
E وكذا لو ذهب عقل البالغ أو الصبي بالصيحة.1
وفي المسألة فروع:
1. من صاح ببالغ عاقل غير غافل ومات فلا دية، إلاّ إذا علم استناد موته به، وقصد الصائح قتل المصاح به.
2. تلك الصورة أي عُلم الاستناد لكنّه صاح به وقصد الفعل دون القتل، كما لو قصد الإخافة فقط.
3. لو صاح بطفل أو مريض أو صبي أو جبان أو غافل، فمات، فالأصل استناد موته إليه، وعندئذ ففيه التفصيل بين قصد قتل المصاح به، وإخافته.
4. كلّ فعل استند إليه القتل ففيه التفصيل المتقدّم كمن شهر سيفه في وجه إنسان أو أرسل كلبه إليه فأخافه إلى غير ذلك من أسباب الإخافة.

الفرع الأوّل: مَن صاح ببالغ غير غافل ومات

إذا صاح ببالغ عاقل غير غافل، فلا دية لعدم ثبوت الاستناد وكونه عاقلاً بالغا مصحّاً يمنع عن طروء الظن باستناد الموت إلى مجرد فعل الصائح. وسيأتي وجه الفرق بينه وبين الفرع الثالث، لكنّه إذا علم الاستناد، أو صاح وقصد به القتل، أو كانت الصيحة على نحو يترتّب عليها الموت عادة وكان الصائح عالماً بذلك، فهو قتل عمد.

الفرع الثاني: لو قصد الفعل دون القتل

لو قصد الفعل دون القتل ولم تكن الصيحة ممّا يترتّب عليها   2

1 . تحرير الأحكام: 5/529، المسألة 7170.

صفحه 129
E الموت عادة فهو شبه عمد، ففيه الدية في ماله، وهو مقتضى القواعد.
وأمّا صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أيّما رجل فزّع رجلاً من الجدار أو نفّر به عن دابته، فخرّ فمات فهو ضامن لديته، وإن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه»،1 فهي محمولة على ما إذا قصد الفعل ولم يقصد القتل ولم يكن الفعل ممّا يترتّب عليه القتل عادة.

الفرع الثالث: مَن صاح بطفل أو مريض أو جبان أو غافل

إذا كان المصاح به طفلاً أو مريضاً أو جباناً أو غافلاً فمات، فإن ثبت عدم استناد الموت إلى صياحه فهو، وإن لم يثبت فإن قصد القتل فهو عمد، وإلاّ فشبه العمد إذا لم يكن الموت مترتّباً على فعله عادة أو كان غافلاً ففيه الدية في ماله.
نعم يبقى الكلام في التفريق بين الفرعين الأوّل والثالث حيث جعل الأصل في الأوّل عدم الاستناد إلاّ أن يثبت، ولكنّه جعل الأصل في الثالث الاستناد إلاّ أن يثبت خلافه.
ويمكن أن يقال: إنّ المصاح به في الأوّل بالغ عاقل غير غافل فيبعد استناد موته إلى الصياح، فلذلك لا يضمن إلاّ أن يثبت الاستناد ; بخلاف الثاني فإنّ المصاح به طفل أو مريض أو جبان أو غافل فإنّ طبيعة هؤلاء طبيعة ضعيفة مستعدة للموت بالصيحة، ولذلك فالأصل فيه هو استناد الموت إلى الصياح، إلاّ أن يثبت عدمه.
وبما ذكر يعلم حكم الفرع الرابع أعني: كلّ فعل يستند إليه القتل،   2

1 . الوسائل:19، الباب15 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.

صفحه 130
المسألة 11. لو أخافه فهرب فأوقع نفسه من شاهق أو في بئر فمات، فإن زال عقله واختياره بواسطة الإخافة فالظاهر ضمان المخيف، وإلاّ فلا ضمان، ولو صادفه في هربه سبع فقتله فلا ضمان.*
E كما لو شهر سيفه في وجه إنسان أوأرسل إليه كلبه فاخافه ، ففيه التفصيل المتقدّم، أي التفصيل بين البالغ العاقل غير الغافل، وبين المريض وامثاله، ولكلّ صورتان: قصد القتل، وعدمه.

* لو أخافه فهرب

في المسألة فروع:
1. لو أخافه فزال عقله واختياره بواسطة الإخافة، فأوقع نفسه من شاهق أو في بئر فمات.
2. لو أخافه ولم يزل عقله واختياره، فهرب فأوقع نفسه من شاهق وغيره.
3. لو أخافه فهرب فصادفه في هربه سبعٌ فقتله.
وإليك دراسة الفروع:
أمّا الفرع الأوّل: فلا شكّ في ضمان المخيف ; لأنّ السبب أقوى من المباشر، لأنّه بإخافته صار سبباً لزوال عقله فقتل نفسه من حيث لا يشعر. ثمّ الضمان إمّا بالقصاص، أو بالدية إذا اجتمعت شروطهما.
وأمّا الفرع الثاني: فعدم الضمان هو الظاهر ; لأنّه أخافه فقط والمفروض بقاء عقله وشعوره واختياره، فلو قتل نفسه فإنّما قتلها باختياره، فهذا التفصيل في كلام المصنّف أولى من الإطلاق في كلام الشيخ الطوسي حيث قال:   2

صفحه 131
المسألة12. لو وقع من علوّ على غيره فقتله، فمع قصد قتله فهو عمد وعليه القود، وإن لم يقصده وقصد الوقوع وكان ممّا لا يقتل به غالباً، فهو شبيه عمد يلزمه الدية في ماله، وكذا لو وقع إلجاءً واضطراراً مع قصد الوقوع، ] والفعل ممّا لا يقتل غالباً [.1 ولو ألقته الريح أو زلق بنحو لا يسند الفعل إليه، فلا ضمان عليه ولا على عاقلته، ولو مات الذي وقع فهو هدر على جميع التقادير.*
E لو طلب إنسان بسيف مشهور ففر، فألقى نفسه في بئر، فلا ضمان لأنّه ألجأه إلى الهرب لا إلى الوقوع، فهو المباشر لإهلاك نفسه، فيقوى أثره على السبب.(2)
وأمّا الفرع الثالث: فقد قال الشيخ: وكذا (أي لا ضمان) لو صادفه في هربه سبع فأكله.(3)
والظاهر هو الضمان ; لأنّه لولا إخافته بسيف مشهور لما هرب، ولما أكله السبع، ولذلك نرى العلاّمة في التحرير يقول: ولو قيل بالضمان كان وجهاً.2

* لو وقع من علوّ على غيره

في المسألة فروع:
1. إذا وقع من علوّ على غيره مع قصد قتله فقتله.   2

1 . الزيادة ممّا يقتضيه سياق العبارة.   2. و 3 . المبسوط:7/159.
2 . تحرير الأحكام:5/530، المسألة 7170.

صفحه 132
E 2. تلك الصورة ولكن لم يقصد القتل، بل قصد الوقوع، وكان الوقوع ممّا لا يقتل به غالباً.
3. لو وقع من علوّ على غيره إلجاءً واضطراراً مع قصد الوقوع.
4. لو ألقته الريح أو زلق بنحو لا يسند الفعل إليه.
5. لو مات الواقع.
وإليك دراسة الفروع:
أمّا الفرع الأوّل: فهو من مقولة العمد حيث قصد القتل ; سواء أكان الوقوع ممّا يقتل به غالباً، أو لم يكن، فعليه القود.
وأمّا الفرع الثاني ـ أعني: ما لو لم يقصد القتل بل قصد الوقوع وكان الفعل ممّا لا يقتل به غالباً ـ : فهو شبه العمد، لانطباق تعريفه عليه، فتكون الدية في ماله.
وأمّا الفرع الثالث ـ أي ما لو وقع إلجاءً واضطراراً مع قصد الوقوع ـ : فهو أيضاً من مقولة شبه العمد لكونه قصد الوقوع وكان الفعل ممّا لا يقتل غالباً.
فالفعل في هذه الفروع الثلاثة منتسب إلى الواقع، غاية الأمر يختلف حكمها لأجل قصد القتل وعدمه، أو كون الوقوع ممّا يقتل به غالباً أم لا.
وأمّا الفرع الرابع ـ أعني: ما لو ألقته الريح أو زلق ـ : فلا ضمان عليه ولا على عاقلته لعدم استناد الفعل إليه.
وعلى هذا يحمل ما رواه عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل وقع على رجل فقتله؟ فقال: «ليس عليه شيء»، وبهذا المضمون روايات أُخرى.1   2

1 . الوسائل:19، الباب20 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1، 2، 3، 4.

صفحه 133
E وأمّا الفرع الخامس: لو مات الذي وقع فهو هدر على جميع التقادير الأربعة الماضية; لأنّه هو السبب المباشر في قتل نفسه من دون مدخلية شخص آخر لقتله.
ثمّ إنّ عبارة المصنّف في قوله: وكذا لو وقع إلجاءً واضطراراً مع قصد الوقوع، أولى من عبارة المحقّق حيث قال: وإن وقع مضطراً إلى الوقوع أو قصد الوقوع لغير ذلك، فهو خطأ محض والدية فيه على العاقلة.1
حيث عطف قوله: أو قصد الوقوع بـ «أو»، مع أنّ المصنّف عبّر عنه بـ : «مع».
وأورد عليه في «كشف اللثام»(2) بما هذا توضيحه:
1. ماذا يريد المحقّق من قوله:وإن وقع مضطرّاً إلى الوقوع، فإن أراد ما يزول به القصد إلى الوقوع فيكون كمن ألقته الريح فلا تترتّب عليه الدية مع أنّه قال:الدية فيه على العاقلة.
2. وإن أراد الإلجاء، مع القصد إلى الوقوع على الغير، فيكون من قبيل شبه العمد، والدية في ماله، لا على عاقلته كما ذكر.
3. وإن قصد الوقوع لا على الغير، فعندئذ لا يكون فرق بين المعطوف والمعطوف عليه، حيث جاء في الثاني: أو قصد الوقوع لغير ذلك، فلا معنى للعطف بـ : «أو».
وقد قام صاحب الجواهر بدفع الإشكال عن العبارة، فمن أراد التوضيح فليرجع إليه.(3)

1 . شرائع الإسلام :4/251.         2. كشف اللثام:11/243.   3. لاحظ : جواهر الكلام:43/71.

صفحه 134
المسألة 13. لو دفعه دافع فمات فالقود في فرض العمد والدية في شبهه على الدافع، ولو دفعه فوقع على غيره فمات فالقود أو الدية على الدافع أيضاً، وفي رواية صحيحة: أنّها على الذي وقع على الرجل فقتله، لأولياء المقتول، ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه، ويمكن حملها على أنّ الدفع اضطره إلى الوقوع بحيث كان الفعل منسوباً إليه بوجه.*

* لو دفعه دافع فمات أو وقع على غيره

كان الكلام في المسألة السابقة هو وقوع الإنسان بنفسه من علو على غيره، ولكن الموضوع في هذه المسألة هو سقوطه بدفع الغير، وفيها فرعان:
1. لو دفعه دافع فمات المدفوع.
2. لو دفعه ووقع على غيره فمات من وقع عليه.
وإليك دراستهما:
أمّا الفرع الأوّل: فينقسم إلى العمد وشبهه، فإن قصد قتل المدفوع أو كان الفعل ممّا يقتل غالباً، فهو عمد، وعليه القود.
وإن لم يقصد القتل ولم يكن الفعل قاتلاً، فهو شبه عمد والدية على القاتل.
وأمّا الفرع الثاني ـ أعني: لو دفعه فوقع على غيره فمات الغير ـ فلو تحقّق شرط العمد فيقاد، وإن تحقّق شرط شبه العمد فالدية في ماله، والمسؤول في كلتا الصورتين هو الدافع.
هذا حسب القواعد ولكن ورد في رواية عبد الله بن سنان التي   2

صفحه 135
E رواها الكليني ـ وفي سنده «سهل بن زياد» ـ والصدوق عن الحسن بن محبوب ـ وسنده إليه صحيح ـ : عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل دفع رجلاً على رجل فقتله، فقال: «الدية على الذي وقع على الرجل فقتله، لأولياء المقتول، قال: ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه، قال: وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً».1
وانطباقها على القواعد مشكل; لأنّ الفعل لو كان فعل الدافع ومستنداً إليه فالدية ابتداءً في ماله لا في مال المدفوع، وإن كان مستنداً إلى المدفوع فالدية في ماله ولا معنى لرجوعه بعد الدفع إلى الدافع، ولذلك صار المصنّف بصدد تأويله. وقال: ويمكن حملها على أنّ الدفع اضطرّه إلى الوقوع بحيث كان الفعل منسوباً إليه بوجه.
وعلى هذا بما أنّ الدافع صار سبباً للوقوع على الغير فيُرجع إليه نهاية، وبما أنّ المدفوع صار مضطرّاً إلى الوقوع، تتعلّق الدية بماله ويرجع نهاية على الدافع.

1 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.

صفحه 136
المسألة 14. لو صدمه فمات المصدوم، فإن قصد القتل أو كان الفعل ممّا يقتل غالباً فهو عمد يقتصّ منه، وإن قصد الصدم دون القتل ولم يكن قاتلاً غالباً، فديته في مال الصادم. ولو مات الصادم فهدر لو كان المصدوم في ملكه أو محل مباح أو طريق واسع. ولو كان واقفاً في شارع ضيّق فصدمه بلا قصد يضمن المصدوم ديته، وكذا لو جلس فيه فعثر به إنسان، نعم لو كان قاصداً لذلك وله مندوحة فدمه هدر، وعليه ضمان المصدوم.*

* لو صدمه صادم فمات أحدهما

قال المحقّق: إذا صدمه فمات المصدوم، فديته في مال الصادم، أمّا الصادم لو مات فهدر، إذا كان المصدوم في ملكه، أو في موضع مباح، أو في طريق واسع. ولو كان في طريق المسلمين ضِيْق، قيل: يضمن المصدوم ديته، لأنّه فرّط بوقوفه في موضع ليس له الوقوف فيه، كما إذا جلس في الطريق الضيّق وعثر به إنسان. هذا إذا كان لا عن قصد. ولو كان قاصداً وله مندوحة، فدمه هدرٌ، وعليه ضمان المصدوم.1
الفرق بين هذه المسألة وما سيأتي هو أنّ الاصطدام حصل هنا من جانب واحد، فإنّ واحداً منهما صادم والآخر مصدوم، بخلاف ما سيأتي، فهناك اصطدام من الجانبين.
وفي المسألة فرعان :   2

1 . شرائع الإسلام:4/250. يقال صدمه: دفعه وضربه بجسده، واصطدم الفارسان ضرب أحدهما الآخر.

صفحه 137
E 1. لو صدمه فمات المصدوم.
2. لو صدمه فمات الصادم.
وإليك دراسة الفرعين:
أمّا الفرع الأوّل: فتأتي فيه الصور الثلاث: العمد وشبهه والخطأ.
فإن قصد القتل أو كان الفعل ممّا يقتل غالباً فهو عمد يقتصّ منه; ولو لم يقصد القتل، ولم يكن الصدام قاتلاً غالباً وإن قصده، فهو شبه العمد وديته في مال الصادم.
وإن كان الصدام تلقائياً أي دون أن يقصد الصدام، فهو خطأ.
وأمّا الفرع الثاني: فلو مات الصادم فهنا صور:
1. لو كان المصدوم واقفاً في ملكه أو محل مباح أو طريق واسع، فحصل الصدام ومات الصادم، فدمه هدر، لاستناد الموت إلى فعله.
2. ولو كان المصدوم واقفاً في طريق ضيّق، فحصل الصدام بلا قصد من الصادم، يضمن المصدوم ديته لأنّه كشبه العمد، حيث إنّ الوقوف في شارع ضيّق يستعقب الصدام، فجلوسه فيه نوع قصد للفعل، غاية الأمر بما أنّه لم يقصد القتل ولم يكن الوقوف قاتلاً، فيوصف بشبه العمد.
وحصيلة الكلام: أنّه لو كان الصادم مقصراً دون المصدوم، كما إذا كان المصدوم واقفاً في ملكه أو طريق وسيع فحصل الصدام وقتل الصادم، فدم الصادم هدر; وأمّا لو انعكس بأن كان المصدوم هو المقصر، كما إذا كان جالساً في شارع ضيّق، فمات الصادم بالصدام من دون قصد من الصادم، فالدية على المصدوم; ونظير ذلك فيما لو عثر به إنسان، فمات العاثر.

صفحه 138
المسألة15. إذا اصطدم حرّان بالغان عاقلان فماتا فإن قصدا القتل فهو عمد، وإن لم يقصدا ذلك ولم يكن الفعل ممّا يقتل غالباً فهو شبيه العمد; يكون لورثة كلّ منهما نصف ديته، ويسقط النصف الآخر، ويستوي فيهما الراجلان والفارسان والفارس والراجل، وعلى كلّ واحد منهما نصف قيمة مركوب الآخر لو تلف بالتصادم; من غير فرق بين اتّحاد جنس المركوب واختلافه وإن تفاوتا في القوّة والضعف، ومن غير فرق بين شدّة حركة أحدهما دون الآخر، أو تساويهما في ذلك إذا صدق التصادم. نعم لو كان أحدهما قليل الحركة بحيث لا يصدق التصادم بل يقال صدمه الآخر، فلا ضمان على المصدوم، فلو صادمت سيّارة صغيرة مع سيّارة كبيرة كان الحكم كما ذكر، فيقع التقاصّ في الدية والقيمة، ويرجع صاحب الفضل إن كان على تركة الآخر.*
3. نعم لو سلك الصادم هذا الطريق الضيّق مع علمه بوقوف المصدوم فيه، سلكه بقصد الصدام، فانتهى إلى موت الصادم، فدمه هدر، ويكون ضمان المصدوم عليه، لكونه قاصداً للفعل فانتهى إلى قتله، فيكون القتل مستنداً إلى فعله.
ثم إنّ المصنّف قيّد هدر دم الصادم بوجود المندوحة كالمكان الوسيع، والظاهر عدم الحاجة، لأنّ المفروض كون الصادم قصد بسلوكه الطريق الضيّق، الصدام،َ وهذا يكفي في كون دمه هدراً، سواء أكانت مندوحة أو لا.

* لو اصطدم حرّان بالغان عاقلان

في المسألة فروع:   2

صفحه 139
E 1. إذا اصطدم حرّان بالغان عاقلان، قاصدان القتل.
2. تلك الصورة، لكن قصدا الفعل دون القتل، ولم يكن الفعل ممّا يقتل غالباً.
3. تلك الصورة، ولكن لم يتعمدا الاصطدام لا قتلاً ولا فعلاً، كما إذا كان الطريق مظلماً.
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: لو اصطدم حرّان بالغان عاقلان قاصدان

فهو من مقولة العمد ; وذلك لأنّ كلاًّ منهما قصد قتل الآخر، من غير فرق بين أن يكون الفعل ممّا يقتل أو لا. وبما أنّ المفروض أنّهما ماتا فيسقط القصاص تهاتراً، نعم لو قصد أحدهما القتل دون الآخر ومات غير القاصد، يقتصّ من القاصد الباقي.

الفرع الثاني: لو اصطدم حران غير قاصدين للقتل

فهو من مقولة شبه العمد، لأنّ المفروض أنّ الطرفين قصدا الفعل دون القتل، ولم يكن الفعل ممّا يقتل غالباً، وبما أنّ كلاًّ منهما قتل بفعل نفسه وبفعل غيره، يكون لورثة كلٍّ منهما نصف ديته ويسقط النصف الآخر ; وذلك لأنّه لم يقتل بفعل الآخر تماماً بل النصف منه، ولذلك قلنا: يسقط النصف الآخر.
قال المحقّق: إذا اصطدم حرّان فماتا، فلورثة كلّ منهما نصف ديته ويسقط النصف وهو قدر نصيبه، لأنّ كلّ واحد منهما تلف بفعله وفعل غيره.1   2

1 . شرائع الإسلام :4/250.

صفحه 140
E نعم لو كانا متساويين في الدية يسقط نصف دية كلٍّ في مقابل الآخر.
وأمّا لو كانا مختلفين، كما لو كانا أحدهما رجلاً والآخر امرأة، رجع صاحب الفضل إلى تركة الآخر.
هذا كلّه حكم الدية، وأمّا المركوب فعلى كلّ واحد منهما نصف قيمة مركوب الآخر إن تلف بالتصادم، من غير فرق بين كون الاصطدام عمدياً أو شبه عمد فهذا الحكم في المتن يعمّ كلا الفرعين، فتذكّر .
ولا فرق بين اتّحاد جنس المركوب واختلافه وإن تفاوتا في الشدّة والضعف،فلو كانت سيارة أحدهما أعلى قيمة والآخر أنزلها، يجب على الثاني نصف قيمة سيارة الآخر وإن بلغت ما بلغت، لأنّ النصف من وسيلته تلف به، نعم تلف النصف الآخر بسبب صاحبها.
ثمّ لا فرق بين المركوبين بين أن يتّفق سيرهما قوّة وضعفاً، أو يختلف، مثلاً: لو كان أحدهما يعدو والآخر يمشي، لأنّ الاصطدام والحركة المؤثرة إن وجدت منهما جميعاً اكتفي به، ولم ينظر إلى مقادير المؤثر وتفاوت الأثر، وهكذا الحال في الراجلين، وجه الجمع أنّ الموضوع هو الاصطدام وهو يصدق على عامّة الصور.1
وهذا نظير ما لو قَتل شخصان شخصاً، غير أنّ أحدهما جرحه جرحاً واحداً وجرحه الآخر أكثر من جرح واحد، لكن القتل استند إلى فعلهما معاً، فيستويان في القصاص والدية.
نعم لو كانت حركة أحداهما ضعيفة جدّاً بحيث يُعدّ اصطدامه مع   2

1 . جواهر الكلام:43/64.

صفحه 141
المسألة 16. لو لم يتعمّد الاصطدام ـ بأن كان الطريق مظلماً أو كانا غافلين أو أعميين ـ فنصف دية كلّ منهما على عاقلة الآخر، وكذا لو كان المصطدمان صبيّين أو مجنونين أو أحدهما صبيّاً والآخر مجنوناً لو كان الركوب منهما أو من وليّهما فيما إذا كان سائغاً له، ولو أركبهما أجنبي أو الولي في غير مورد الجواز أي مورد المفسدة فدية كلّ منهما تماماً على الذي ركّبهما، وكذا قيمة دابتهما لو تلفتا.*
E الآخر أمراً ضعيفاً، فالقصاص والدية على الطرف الآخر.
هذا وقد جعل المحقّق موضوع الاصطدام هو الدابة، ولكن الموضوع في حياتنا الحاضرة هو السيارة أو السفينة، فيجري فيهما ما مرّ في الدابة، فيتصوّر فيه كون القتل عمداً أو شبه عمد. فلو كانا متساويين يقع التقاصّ في الدية والقيمة، وإلاّ يرجع صاحب الفضل على تركة الآخر.
وأمّا الفرع الثالث، فسيوافيك شرحه في المسألة التالية.

* لو لم يتعمّدا الاصطدام

كان الموضوع في المسألة الماضية القتل العمدي وشبه العمد الناتج عن الاصطدام، ولكن الموضوع في هذه المسألة ما يكون القتل خطأ، وإليك صورهُ:
1. إذا كان الطريق مظلماً، أو كان المصطدمان غافلين أو أعميين.
2. لو كان المصطدمان صبيين أو مجنونين أو أحدهما صبياً والآخر مجنوناً، وكان الركوب منهما أو من ولييهما فيما إذا كان الركوب سائغاً.
3. لو أركبهما أجنبي أو ولي في غير مورد الجواز، كما إذا كان في   2

صفحه 142
E مورد المفسدة.
أمّا الصورة الأُولى: فقد قتل نصف كلّ بنفسه، والنصف الآخر، بمقابله، فلا دية في الأوّل لأنّه قتل نفسه، ولو عن خطأ، وتجب نصف الدية في الثاني لأنّ الغير قتله عن خطأ، ويكون نصف الدية على عاقلته.
وأمّا الصورة الثانية: فهي كالصورة الأُولى ; لأنّ المفروض أنّ الركوب كان منهما أو من وليّهما فيما كان الركوب جائزاً، فبما أنّ نصف كلّ منهما قتل بفعل نفسه، فلا دية عليه والنصف الآخر قتل بفعل الغير، وبما أنّ عمد الصبي والمجنون خطأ، فنصف الدية فيه على عاقلة الآخر.
ومنه يظهر حكم قيمة مركوبهما في كلتا الصورتين، فنصف قيمة مركوب كلّ على الآخر، فضمان الدابتين عليهما كغيرهما، ممّا يتلفانه من الأموال.
وأمّا الصورة الثالثة: قال المحقّق: لو أركبهما أجنبي أو الولي في غير مورد الجواز، فإنّ ضمان دية كلّ منهما بتمامها على المُركب.1 بلا خلاف وكذا دابتهما، لاستناد القتل والإتلاف إليه ولم يكن مجوّز للارتكاب، فالسبب هنا أقوى من المباشر الذي قصدُه كلا قصد، ولذلك يختلف حكم هذه الصورة عن الثانية حيث إنّ المناط فيها هو المباشر وهو صبيّ، والملاك في المقام على السبب ـ أعني: الولي الذي أركبه بلا مجوّز شرعي ـ ولكن نقل عن كشف اللثام والمبسوط أنّ دية الراكب على عاقلة المُركب،(2) ولكن الظاهر غيره، لأنّ مورد ضمان العاقلة إنّما هو في الخطأ المحض، والمفروض أنّ الولييّن أركباهما مع العلم بعدم وجود مسوّغ للإركاب، فيضمنان الدية وقيمة المركوب.

1 . شرائع الإسلام:4/250.   2 . راجع: جواهر الكلام: 43 / 66 .

صفحه 143
المسألة 17. لو اصطدم حرّان فمات أحدهما وكان القتل شبيه عمد، يضمن الحي نصف دية التالف، وفي رواية: يضمن الباقي تمام دية الميّت; وفيها ضعف. ولو تصادم حاملان فأسقطتا وماتتا، سقط نصف دية كلّ واحدة منهما وثبت النصف، وثبت في مالهما نصف دية الجنين مع كون القتل شبيه العمد، ولو كان خطأً فعلى العاقلة.*
* في المسألة فرعان:
1. لو اصطدم حرّان ومات أحدهما وكان القتل شبه عمد.
2. لو تصادم حاملان فأسقطتا، وماتتا.
هذه المسألة نفس المسألة السابقة والفرق موت كليهما في السابقة وموت أحدهما في المقام، فلندرس الفرعان:

الفرع الأوّل: لو اصطدم حرّان فمات أحدهما

قال المحقّق: لو اصطدم الحرّان فمات أحدهما وكان القتل شبه عمد، يضمن الباقي نصف دية التالف، والنصف الآخر هدر، لأنّه من جنايته.1
وذلك لأنّ المفروض أنّه قتل نصفه بفعله ولا دية فيه، والنصف الآخر بفعل الآخر، فيكون النصف الآخر عليه لا على العاقلة ; لأنّ المفروض كما يحكي عنه لفظ «الاصطدام» عدم وجود قصد القتل، وليس مجرد الاصطدام قاتلاً، فيكون القتل شبه عمد. نعم وردت رواية تدلّ على أنّ الباقي يضمن تمام دية الميّت، وإليك متن الرواية ثمّ دراسة سندها ومتنها.   2

1 . شرائع الإسلام:4/250.

صفحه 144
E روى الكليني عن أحمد بن محمد الكوفي، عن إبراهيم بن الحسن، عن محمد بن خلف، عن موسى بن إبراهيم المروزي، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في فرسين اصطدما، فمات أحدهما فضمّن الباقي دية الميّت».1
والمحقّق وصف الرواية بأنّها شاذّة. وجه الشذوذ عدم صحّة السند أوّلاً ومخالفة المضمون القواعد ثانياً.
وإليك دراسة السند، فأحمد بن محمد الكوفي مردّد بين كونه أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة أو أحمد بن محمد العاصمي، وكلاهما ثقة.
أمّا إبراهيم بن الحسن فهو مهمل في الرجال، ويروي عن وهب بن حفص، كما في الكافي.(2)
ومحمد بن خلف أيضاً مهمل في الرجال، ومثله موسى بن إبراهيم المروزي، فهو أيضاً مهمل في الرجال.
وحصيلة السند أنّ الرواية لا يمكن الاحتجاج بمثلها.
وأمّا المضمون فالضامن هو العاقلة لكون القتل عن خطأ، وعلى فرض ضمان الباقي فإنّما يضمن النصف لا تمامها ; لأنّ المفروض أنّ نصفه قتل بنفسه.

الفرع الثاني: لو تصادم حاملان فأسقطتا وماتتا

لوتصادم حاملان فأسقطتا وماتتا، يقع الكلام في دية   2

1. الوسائل:19، الباب25 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.   2. الكافي:1/472، الحديث1.

صفحه 145
المسألة18. لو دعا غيره فأخرجه من منزله ليلاً فهو له ضامن حتى يرجع إليه، فإن فقد ولم يعلم حاله فهو ضامن لديته، وإن وجد مقتولاً وادّعى على غيره وأقام بيّنة فقد برئ، وإن عدم البيّنة فعليه الدية ولا قود عليه على الأصحّ. وكذا لو لم يقرّ بقتله ولا ادّعاه على غيره. وإن وجد ميتاً فإن علم أنّه مات حتف أنفه أو بلدغ حية أو عقرب ولم يحتمل قتله فلا ضمان، ومع احتمال قتله فعليه الضمان على الأصحّ.*
E أنفسهما وجنينيهما.
قال المحقّق: ولو تصادم حاملان سقط نصف دية كلّ واحدة وضمنت نصف دية الأُخرى، أمّا الجنين فيثبت في مال كلّ منهما نصف دية جنين كامل.1
أمّا الأوّل فلأنّ المفروض أنّ النصف من أي من النفسين ، قُتل بفعل أنفسهما فيكون هدراً، وأمّا النصف الآخر فقُتل بفعل الآخر فعليه نصف الدية، لكن ثبتت دية الجنين في مالهما.
ويراد من الجنين في المسألة ما تمّت خلقته ودخلته الروح، ففي الأُنثى خمسمائة دينار، وفي الذكر ألف دينار، هذا كلّه إذا كان القتل شبه العمد، ولو كان خطأ فعلى العاقلة، فهي تدفع نصف دية الأُم ونصف دية الجنين.

* لو دعا غيره فأخرجه من منزله ليلاً ثم فُقِد

في المسألة فروع:   2

1 . شرائع الإسلام :4/250.

صفحه 146
E 1. لو دعا غيره فأخرجه من منزله ليلاً وفقد ولم يُعلم حاله.
2. إن وجد مقتولاً وادّعى أنّ غيره قتله وأقام بيّنة على ما ادّعى.
3. تلك الصورة لكن لم تكن لديه بيّنة.
4. لو لم يقرّ بقتله ولا ادّعاه على غيره.
5. إن وجد ميتاً، ولم يحتمل قتله.
6. تلك الصورة مع احتمال قتله.
وإليك دراسة الفروع:
أمّا الفرع الأوّل: لو دعا غيره فأخرجه من منزله ليلاً ولم يعلم حاله وأنّه حي أو ميّت، فهو له ضامن حتّى يرجع إليه، وعليه المشهور.
قال المحقّق: من دعا غيره، فأخرجه من منزله ليلاً، فهو له ضامن حتّى يرجع إليه. فإن عدم فهو ضامن لديته.1
ويراد من الضمان الأوّل كونه مسؤولاً عن إرجاعه إلى بيته، فإن طرأ اليأس من العود فهو ضامن لديته.
وحكاه في «مفتاح الكرامة» عن كثير من أصحابنا ; كالمفيد في المقنعة، والشيخ في النهاية، وسلاّر في المراسم، والحلبي في الكافي، والوسيلة لابن حمزة، و ابن زهرة في الغنية، والمحقّق في الشرائع والنافع، والعلاّمة في التحرير والإرشاد والتبصرة والمختلف، إلى غير ذلك.(2)
ونُقل عن ابن إدريس في «السرائر» أنّه قال: الذي تقتضيه الأدلّة أنّه إذا كان غير متّهم عليه ولا يعلم بينهما إلاّ خير وصلح فلا دية عليه بحال; وأمّا إذا

1 . شرائع الإسلام:4/252.   2 . مفتاح الكرامة:21/33.

صفحه 147
E كان يعلم بينهما مخاصمة وعداوة، فلأوليائه القسامة بما يدّعونه من أنواع القتل، فإن ادّعوا قتله عمداً كان لهم القود، وإن ادّعوا أنّه خطأ كان لهم الدية لأنّ إخراجه ووجود العداوة بينهما تقوم مقام اللوث.1
ويدلّ على قول المشهور :
1. ما رواه عبد الله بن ميمون عن الصادق(عليه السلام)، قال: «إذا دعا الرجل أخاه بليل، فهو له ضامن حتى يرجع إلى بيته».2
2. ما رواه عمرو بن أبي المقدام ـ في رواية طويلة ـ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليهما السلام)، أنّه قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ من طرق رجلاً بالليل فأخرجه من منزله فهو ضامن، إلاّ أن يقيم عليه البيّنة أنّه قد ردّه إلى منزله».3
والرواية صحيحة مضافاً إلى عمل الأصحاب بها.
وأمّا الفرع الثاني: إذا وجد مقتولاً ودار الأمر بين كونه مقتولاً بيد المخرج أو غيره، فإن ادّعى المخرج أنّ غيره قتله وأقام بيّنة على ما ادّعى، فلا شكّ أنّه تبرأ ذمّته ما لم تقم البيّنة على مشاركته في القتل، بمعنى أنّه أخرجه عن بيته وقتله الآخر ، بل قامت البيّنة على أنّه قد قتله غيره وهي ساكتة عن حال المخرج.
وأمّا الفرع الثالث: إذا وجد مقتولاً وادّعاه على غيره لكن عدمت البيّنة، ففي المتن: على المخرج الدية دون القود.   2

1 . مفتاح الكرامة: 21/33; السرائر:3/364.
2 . الوسائل:19، الباب 36 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب18 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1. وللرواية ذيل فراجعه، وأمر الإمام بقتل المخرج كان صورياً لأجل استكشاف الأمر، كما هو الظاهر من ذيل الرواية.

صفحه 148
E ويدلّ عليه إطلاق الرواية الأُولى، حيث قال: «فهو له ضامن حتى يرجع إلى بيته» والقدر المتيقّن هو الدية لا القود، لعدم ثبوت استناد القتل إليه.
وبالجملة يحكم عليه بالدية لأنّه أخرجه من بيته ولم يردّه إليه، لا بالقود لعدم ثبوت استناد القتل إليه.
وأمّا الفرع الرابع: لو وجد مقتولاً ولكن المخرج لم ينسبه إلى غيره، خلافاً للفرع الثالث حيث ادّعاه على غيره، فعليه الدية لإطلاق الرواية، دون القود لعدم ثبوت استناد القتل إليه.
وأمّا الفرع الخامس: فلو وجد ميّتاً حتف أنفه أو بلدغ حيّة أو عقرب ولم يحتمل قتله، فلا ضمان، لفرض موته حتف أنفه.
وأمّا الفرع السادس: تلك الصورة ولكن يحتمل قتله بالسمّ وغيره، ففيه الضمان عملاً بإطلاق الرواية.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّه ضامن إلاّ إذا أقام بيّنة أنّ غيره قتله، أو ما إذا ثبت موته حتف أنفه، ولم يحتمل قتله، ففي هاتين الصورتين يضمن الدية ما لم يثبت كونه قاتلاً.
   
بقي الكلام في مدخلية الليل في الحكم الشرعي وعدمها، ظاهر النص كونه جزء الموضوع فلا يعمّ الحكم لما إذا أخرجه من منزله نهاراً.
ويحتمل أن يكون القيد وارداً مورد الغالب، لأنّ الليل أفضل ساتر لعملية الاختطاف، ولو كانت الظروف على نحو صار نهارها كليلها، كما هو الحال في المدن الكبيرة فلا يبعد إلغاء الخصوصية وتعميم الحكم لهما. والله العالم.

صفحه 149
 
المبحث الثاني: في الأسباب
والمراد بها هاهنا: كلّ فعل يحصل التلف عنده بعلّة غيره، بحيث لولاه لما حصل التلف، كحفر البئر ونصب السكّين وإلقاء الحجر وإيجاد المعاثر ونحوها.*
* عقد المصنّف باباً باسم موجبات الضمان، ثم قال: وفيه مباحث، خصّ المبحث الأوّل منها بالمباشر، وهذا هو الذي خرجنا من دراسته، وأمّا المبحث الثاني فقد خصّ بالتسبيب; وذلك لأنّ القاتل تارة يباشر بنفسه القتل وقد سبق الكلام فيه ، و أُخرى يسبب دون أن يباشر، فاستدعى ذلك تعريف السبب أوّلاً، ثمّ دراسة مسائل هذا المبحث.
والمراد من السبب غير ما يُراد به في الأُصول وهو: المقتضي لولا المانع، أو في العلوم العقلية وهو: العلّة المؤثرة، بل المراد ـ هنا ـ ما عُرّف بقولهم: «ما لولاه لما حصل التلف» وإن كانت علّة التلف غيره، كحفر البئر ونصب السكين، فإنّ التلف عنده بسبب العثار، ولكن لولا هذه الأُمور لما حصل التلف.
وإن عُبّر عن السبب هنا بالشرط لكان أفضل، أي ما يتوقّف عليه تأثير المؤثر.
 

صفحه 150
المسألة 1. لو وضع حجراً في ملكه أو ملك مباح أو حفر بئراً أو أوتد وتداً أو ألقى معاثر ونحو ذلك، لم يضمن دية العاثر; ولو كان في طريق المسلمين أو في ملك غيره بلا إذنه، فعليه الضمان في ماله. ولو حفر في ملك غيره فرضي به المالك فالظاهر سقوط الضمان من الحافر، ولو فعل ذلك لمصلحة المارّة فالظاهر عدم الضمان، كمن رشّ الماء في الطريق لدفع الحّر أو لعدم نشر الغبار ونحو ذلك.*
   
* في المسألة فروع:
1. لو وضع حجراً في ملكه أو ملك مباح أو حفر بئراً، وصار ذلك سبباً لعثر العاثر وقتله.
2. لو وضعه في طريق المسلمين أو في ملك غيره بلا إذنه.
3. لو وضعه في ملك غيره فرضي به المالك.
4. لو فعل ذلك في طريق المسلمين لمصلحة المارّة، كمن رشّ الماء في الطريق لدفع الحَرّ أو لعدم نشر الغبار.
وإليك دراسة الفروع:
لو وضع حجراً في ملكه أو ملك مباح أو حفر بئراً فلا ضمان عليه   

الفرع الأوّل: لو وضع حجراً في ملكه أو ملك مباح أو حفر بئراً

لو وضع حجراً أو حفر بئراً أو أوتد وتداً أو ألقى معاثر أو ما أشبهها في ملكه أو ملك مباح له التصرّف فيه بما أراد، لم يضمن دية العاثر، لأنّه تصرّف في ملكه تصرّفاً مباحاً، أو فيما يجوز له التصرّف فيه شرعاً، ولم يُدْخِل العاثرَ إلى ملكه وإنّما دخل هو من تلقاء نفسه، فلا يعدّ عمله سبباً للقتل، مضافاً   2

صفحه 151
إلى النبوي المعروف:«البئر جُبار، والعجماء جُبار، والمعدن جُبار»،1 بناءً على كون المراد هدر دية الواقع في مثل البئر.
وأمّا العجماء فهي الدابّة، وأمّا المعدن فهو ما إذا إنهار على من يعمل فيه فهلك لم يؤخذ به مستأجره. بشرط أن يقوم بواجبه في نظر الحفّارين .
ويدلّ عليه مضافاً إلى الحديث النبوي الروايات التالية:
1. ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن الرجل يحفر البئر في داره أو في أرضه؟ فقال: «أمّا ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان، وأمّا ما حفر في الطريق أو في غير ما يملك فهو ضامن لما يسقط فيه».2
2. و ما رواه أيضاً بإسناده عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن مثنى الحنّاط، عن زرارة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«لو أنّ رجلاً حفر بئراً في داره ثم دخل رجلٌ فوقع فيها لم يكن عليه شيء ولا ضمان ولكن ليغطها»،3 وظاهر قوله: «ثم دخل» أنّه دخل بلا إذن، وإلاّ لقال: ثم «ادخل» أو ما يفيد ذلك.

الفرع الثاني: الضمان على مَن وضع حجراً في طريق المسلمين أو في ملك غيره

فلو حفر في طريق المسلمين أو في ملك غيره بلا إذنه، فعليه الضمان. ويدلّ عليه:
1. ما رواه الشيخ باسناده عن ابن أبي نجران، عن مثنى، عن زرارة،   2

1 . الوسائل:19، الباب32 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث3. ويروي أحمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسى زهاء مائة وأربعة وخمسين رواية، قيل: هو واقفي وقد تاب.
3 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث4.

صفحه 152
E عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: رجل حفر بئراً في غير ملكه، فمرّ عليها رجل فوقع فيها؟ فقال: «عليه الضمان ; لأنّ كلّ من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان».1
والظاهر أنّ المراد في غير ملكه يعمّ طريق المسلمين ; لأنّه كناية عمّن ليس له فيه حقّ التصرّف ; سواء أكان مملوكاً للغير، أو لم يكن له مالك.
2. ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أبي الصباح الكناني، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن».2

الفرع الثالث: لا ضمان على من وضع حجراً في ملك غيره فرضي به المالك

لو فعل ذلك في ملك غيره فرضي به، فلا يضمن ; لأنّه كمن حفر بئراً للغير في ملكه، فلو سقط فيه شخص لا يستند الفعل إلى الحافر. لأنّه أشبه بالأجير يعمل ويترك المحل لمالكه، وعليه أن يغطَ البئر إذا احتمل دخول الغير مأذوناً.

الفرع الرابع: لا ضمان على مَن عمل عملاً حسناً في طريق المسلمين

   
لو فعل ذلك في طريق المسلمين لكن لمصلحة المارّة، كما إذا رش الماء لدفع الحَر وغيره، فليس عليه ضمان، لانصراف الأدلّة عن ذلك.   2

1 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1. وابن أبي نجران: عبدالرحمن بن أبي نجران الثقة. والظاهر أنّ المراد من «مثنى» هو الحنّاط بقرينة الرواية السابقة.
2 . الوسائل:19، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2. علي بن النعمان في السند ثقة المعروف بالأعلم النخعيّ. وأبو الصباح هو إبراهيم بن نعيم الثقة.

صفحه 153
المسألة2. لو حفر بئراً ـ مثلاً ـ في ملكه ثم دعا مَن لم يطّلع كالأعمى، أو كان الطريق مظلماً، فالظاهر ضمانه، ولو دخل بلا إذنه أو بإذنه السابق قبل حفر البئر ولم يطّلع الآذن فلا يضمن.*
E مضافاً إلى قوله تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل)1.

* لو حفر بئراً ودخل عليه مَن لم يطّلع

في المسألة فرعان:
1. لو حفر بئراً مثلاً في ملكه ثم دعا مَن لم يطّلع، كالأعمى أو كان الطريق مظلماً، فقد استظهر المصنّف ضمان المالك، ولو قال: «فهو ضامن قطعاً» لكان أفضل، إذ يُعدّ المالك سبباً للتلف; لأنّه حفر بئراً على نحو لو سقط فيه شخص يموت قطعاً، ففي هذه الحالة لو دعا إنساناً غير مطّلع على ملكه وهو يحتمل احتمالاً قوياً أنّ المدعو، ربما يمرّ على البئر، ومع هذا لم يقدم على إخباره، فيعدّ سبباً للموت، فيكون ضامناً.
2. تلك الصورة لكن دخل بلا إذنه أو إذنه السابق قبل حفر البئر، ولم يطّلع عليه الآذن، فلا يضمن، لعدم استناد التلف إليه، إذ كلّ إنسان مأذون في حفر البئر في ملكه، فالإشكال على الداخل حيث دخل بلا إذن أو اكتفى بالإذن السابق. نعم لو علم المالك بأنّه ربما يدخل فيه بعض الأصدقاء ولو بلا إذن، ومع ذلك فلم يغط البئر، ربما يمكن أن يكون ضامناً.

1 . التوبة: 91 .

صفحه 154
المسألة3. لو جاء السيل بحجر فلا ضمان على أحد وإن تمكّن من إزالته، ولو رفع الحجر ووضعه في محلّ آخر نحو المحلّ الأوّل أو أضرّ منه، فلا إشكال في الضمان، وأمّا لو دفعه عن وسط الطريق إلى جانبه لمصلحة المارّة فالظاهر عدم الضمان.*

* لو جاء السيل بحجر

فرض المسألة فيما إذا صار الحجر سبباً لعثار العاثر وقتله.
وفي المسألة فروع:
1. لو جاء السيل بالحجر وصار سبباً لقتل أحد، فلا ضمان على أحد لعدم استناد القتل إليه، وإن تمكّن الآخرون من إزالته لعدم وجوب الإزالة على أحد، واحتمال كونه سبباً لعثار العاثر لا يوجب التنجيز، إلاّ أن يقال: على الحاكم الشرعي أن يقوم بواجبه برفع الحجر إذا احتمل أنّه يوجب العثر والقتل، ولو تساهل فعليه الدية من بيت المال، فتأمّل .
2. لو رفع الحجر ووضعه في محلّ آخر نحو المحلّ الأوّل، أو أضرّ منه، فلا إشكال في الضمان، لاستناد التلف إليه، خصوصاً إذا علم بأنّ المحل الثاني مظنّة لعثار العاثر، ولو لم يرفعه عن مكانه لما قتل به الرجل، وعندئذ لا فرق بين كون الحجر ممّا جاء به السيل أو وضعه الآخر في ذلك المكان، لكن لا يضمن الأوّل لعدم التكليف بخلاف الثاني.
3. لو قام بذلك عن وسط الطريق إلى جانبه لمصلحة المارّة وانتهى إلى عثور العاثر إذا مشى على ذلك الطريق، فلا يضمن لعدم استناد التلف إليه، لكونه محسناً.    2

صفحه 155
المسألة 4. لو حفر بئراً في ملك غيره عدواناً فدخل ثالث فيه عدواناً ووقع في البئر، ضمن الحافر.*
E 4. لو حفر بئراً إلى جانب هذا الحجر الذي جاء به السيل فعثر إنسان بذلك الحجر وسقط في البئر، ففي «القواعد»1: الضمان جميعه على الحافر، لتعديه بالحفر قرب الحجر المزبور وتركه له، فكأنّه هو الواضع له حينئذ.(2)
ولم يذكره المصنّف.
وجه الضمان: وجود أرضية لعثور العاثر بالحجر وسقوطه في البئر غير المغطّى، ففعله هذا جنب الحجر، يُعدّ سبباً للتلف.

* في ضمان مَن حفر بئراً في ملك غيره عدواناً

لو حفر بئراً في ملك غيره عدواناً فوقع فيها شخص آخر ; سواء أكان هو المالك، أو الداخل فيه عدواناً فهو ضامن.
أمّا الضمان في المالك فهو واضح ; لأنّ تلف المالك يستند إلى حفر البئر حيث تصرّف في ملكه بلا إذنه وعدم إطّلاعه بمحل البئر.
إنّما الكلام في مَن دخل فيه عدواناً، فيضمن لاستناد القتل إلى الحافر، خصوصاً إذا علم أنّه ربما يدخل فيه الغير عدواناً ونسياناً، وكون الدخول محرّماً لا يسبب عدم ضمانه ; لأنّ القتل يستند إلى فعل الحافر لا الداخل.
فإن قلت: ما الفرق بين مَن حفر في ملكه بئراً ودخل فيه ثالث عصياناً فوقع فيه، فقد مرّ أنّه ليس هناك ضمان، وبين مَن حفر في ملك الغير ودخل   2

1 . قواعد الأحكام: 3 / 654.   2 . جواهر الكلام:43/100.

صفحه 156
المسألة 5. من الإضرار بطريق المسلمين إيقاف الدواب فيه وإلقاء الأشياء للبيع، وكذا إيقاف السيارات إلاّ لصلاح المارّة بمقدار يتوقّف عليه ركوبهم ونقلهم.*
E فيه ثالث فيضمن الحافر؟
قلت: الفرق واضح إذ للمالك أن يتصرّف في ماله، فلو حفر بئراً في ملكه فقد تصرّف تصرفاً سائغاً، وبما أنّ دخول الغير كان بلا إذنه لا يُعدّ التلف أثراً لفعله ـ أعني: الحفر ـ لأنّه جاء غاصباً، ولم يكن المالك مطّلعاً على دخوله حتى يغطي البئر، بخلاف الشخص الثالث فإنّه وإن تصرّف في مال الغير تصرّفاً عدوانياً لكن موته ليس من آثار ذلك التصرّف، بل من آثار حفر الحافر بشهادة أنّه لو لم يحفر البئر لما وقع فيها.
وبعبارة أُخرى: دخوله في ملك الغير لم يكن منتهياً لموته لولا حفر الحافر.

* في ضمان مَن أضرّ بطريق المسلمين

قال المحقّق: ولو حفر في الطريق المسلوك لمصلحة المسلمين قيل: لا يضمن ; لأنّ الحفر لذلك سائغ، وهو حسن.1
وعلّله بقوله: لأنّ الحفر لذلك سائغ، وأوضحه في «الجواهر» بقوله: مع إذن الإمام الذي قد عرفت أنّه أقوى في ولايته من المالك.
أقول: لابدّ من تقييد ذلك بتغطية البئر، وإلاّ لما كان الحفر غير المغطى لمصلحة المسلمين، خصوصاً في الليل المظلم.   2

1 . شرائع الإسلام:4/254.

صفحه 157
المسألة 6. ومن الإضرار إخراج الميازيب بنحو يضرّ بالطريق، فإنّ الظاهر فيه الضمان، ومع عدم الإضرار لو اتّفق إيقاعها على الغير فأهلكه فالظاهر عدم الضمان. وكذا الكلام في إخراج الرواشن والأجنحة، ولعلّ الضابط في الضمان وعدمه إذن الشارع وعدمه، فكلّ ما هو مأذون فيه شرعاً ليس فيه ضمان ما تلف لأجله، كإخراج الرواشن غير المضرّة ونصب الميازيب كذلك، وكلّ ما هو غير مأذون فيه ففيه الضمان، كالإضرار بطريق المسلمين بأيّ نحو كان، فلو تلف بسببه فالضمان ثابت، وإن لا تخلو الكلية في الموضعين من كلام وإشكال.*
E ويدلّ ذلك على أنّ كلّ عمل كان لمصلحة المسلمين فهو جائز.
وبذلك يعلم أنّ كلّ ما كان مضرّاً بسالكي الطريق فإن صار سبباً للقتل فهو ضامن، ومثّل له المصنّف بقوله:
1. إيقاف الدواب فيه.
2. عرض الأشياء للبيع في الطرق.
3. إيقاف السيارات إلاّ بمقدار يتوقّف عليه ركوبهم ونزولهم.
فإنّ هذه الأعمال أعمال غير مأذون بها، فلو صارت أسباباً للتلف يكون صاحبها ضامناً.
* الميازيب: جمع الميزاب، هو القناة التي يجري فيها الماء، وتوضع على أطراف سقف البيت.
الرواشن: جمع روشن وهو الكوّة، أي النقبة في الحائط،   2

صفحه 158
E والروشن والجناح يشتركان في إخراج خشب من حائط المالك إلى الطريق، بحيث لا يصل إلى الجدار المقابل ويبنى عليهما، ولو وصل إلى الجدار المقابل فهو الساباط.
وربما فرّق بين الرواشن والأجنحة بأنّ الجناح يُضم إلى ما ذكر بأن يوضع لها أعمدة من الطريق، وفي القاموس: الساباط: سقيفة بين دارين تحتها طريق.
إذا وقفت على مفردات المسألة ففيها فرعان:

الأوّل: في حكم إخراج الميازيب لو أدى إلى قتل إنسان أو تلف متاع

قال الشيخ: مَن أخرج ميزاباً إلى شارع فوقع على إنسان فقتله، أو متاع فأتلفه، كان ضامناً. وبه قال جميع الفقهاء، إلاّ بعض أصحاب الشافعي، فإنّه قال: لا ضمان عليه، لأنّه محتاج إليه، قال أصحابه: ليس هذا بشيء. دليلنا: إجماع الأُمّة، وهذا القول شاذ لا يعتدّ به.1
وقال المحقّق: نصب الميازيب إلى الطرق جائز وعليه عمل الناس، وهل يضمن لو وقعت فأتلفت؟ قال المفيد(رحمه الله): لا يضمن. وقال الشيخ: يضمن لأنّ نصبها مشروط بالسلامة، والأوّل أشبه.2
وقد فرّق المصنّف بين الإضرار فيضمن، وعدمه فلا يضمن; وقد جعل نصب الميزاب على قسمين:   2

1 . الخلاف:5/290، المسألة 119.
2 . شرائع الإسلام:4/255.

صفحه 159
E 1. ما يضرّ بالطريق، وهو ما إذا كان على ارتفاع منخفض، ربما يضر بالمارّة، فيزاحم عبورَ الناس، فلو سقط فأهلك المارّة ففيه الضمان.
2. ما لا يضرّ بالطريق، كما إذا كان على ارتفاع عال، على نحو لا يزاحم عبور الناس، فلو سقط فأهلك أحد المارّة، فلا ضمان. والقسمان مبنيّان على الملازمة بين الحكم التكليفي والوضعي فلو جاز لعدم كونه مضرّاً بالمارّة، فلا يضمن، ولو لم يجز كما إذا كان مضرّاً بهم ضمن، ولكن كلّية القاعدة مورد إشكال، كما صرّح به المصنّف في ذيل المسألة بشهادة أنّه يجوز أكلُ طعام الغير في المجاعة ولكنّه ضامن، كما أنّه لو تساهل في إنجاء غريق فيعصي ولكن ليس بضامن، وسيوافيك تفصيله في نهاية المطاف.

الفرع الثاني: إخراج الرواشن والأجنحة في الطريق المسلوكة

فلو سقط الروشن ونحوه وأهلك ففيه التفصيل السابق، فلو كان غير مضار يكون مأذوناً، بخلاف ما إذا أضرّ بالطريق فلو سقط ففيه الضمان. وسيوافيك وجه التفصيل في كلام المحقّق في الشرائع.
قال الشيخ: إذا أشرع جناحاً إلى طريق المسلمين، أو إلى درب نافذ (أي المسلوك) أو غير نافذ وبابه فيه، أو أراد إصلاح ساباط على وجه لا يضرّ بأحد من المارّة، فليس لأحد معارضته ولا منعه منه. وبه قال الشافعي، وقال أبوحنيفة: له ذلك ما لم يمنعه مانع، فأمّا إن اعترض عليه معترض أو منعه مانع كان عليه قلعه. دليلنا: أنّ الأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل.1   2

1 . الخلاف:5/290، المسألة 118.

صفحه 160
E وكلامه هذا ناظر إلى جواز العمل، وأمّا إذا صار سبباً لهلاك إنسان أو تلف متاع، فلم يذكر فيه شيئاً، والمهم هو الثاني لا الأوّل، فإنّ السيرة المستمرة من عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى قرون هي إخراج الأجنحة والرواشن وإيجاد الساباطات بين الطرق. وقد استدلّ الشيخ على الجواز وقال: لأنّ هذه الأجنحة والساباطات والسقائف (كسقيفة بني النجار وسقيفة بني ساعدة وغيرها) إلى يومنا هذا لم ينقل أنّ أحداً اعترض عليها، ولا أُزيلت باعتراض معترض عليها. ثبت أنّ إقرارها جائز بإجماع المسلمين.
وعبارته هذه صريحة بأنّ كلامه في المقام الأوّل.
نعم ذكر المحقّق كلا الأمرين وقال: وكذا إخراج الرواشن في الطرق المسلوكة إذا لم تضرّ بالمارّة. قال الشيخ: يضمن نصف الدية ; لأنّه هلك عن مباح، ومحظور، والأقرب أنّه لا يضمن مع القول بالجواز. وضابطه أنّ كلّ ما للإنسان إحداثه في الطريق لا يضمن ما يتلف بسببه، ويضمن بما ليس له إحداثه.1
وقد تبعه المصنّف في هذا التفصيل في كلا الفرعين وقال: ولعلّ الضابط في الضمان وعدمه إذن الشارع وعدمه، فكلّ ما هو مأذون فيه شرعاً ليس فيه ضمان ما تلف لأجله...، وكلّ ما هو غير مأذون فيه، ففيه الضمان.
ولعلّ وجهه هو تبعية الأحكام الوضعية ـ الضمان وعدمه ـ للأحكام التكليفية ـ كالحرمة والجواز ـ فلو كان العمل حراماً يلازم الضمان، ولو   2

1 . شرائع الإسلام:4/255.

صفحه 161
E كان جائزاً فهو يلازم عدمه، ولعل ما ذكره هو المعروف عرفاً في حياتنا الحاضرة، فلو كان العمل أمراً جائزاً حسب المقررات، وانتهى اتّفاقاً إلى الهلاك والتلف لا يحكم على صاحب البيت بالضمان إذا لم يقصّر في عمله، بخلاف العكس.
فإن قلت: إنّ القاعدة في فقهنا ليست كلّية، وأشار إلى ذلك السيد العاملي بقوله: إنّ إباحة السبب لا تُسقط الضمان، كالتأديب والطبابة، والبيطرة، وبلّ الطين في الطريق لحاجته، وطرح القمامة والتراب فيه، وقشور البطيخ وشبهها، وبول دابته فيه، فإنّه يباح له ذلك كله بشرط السلامة.1
وربما يؤيّد القول بالضمان مطلقاً ما رواه المحمدون الثلاثة عن النوفلي عن السكوني عن الإمام الصادق(عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من أخرج ميزاباً أو كنيفاً أو أوتد وتداً، أو أوثق دابة أو حفر بئراً في طريق المسلمين، فأصاب شيئاً فعطب فهو له ضامن».2
قلت: الظاهر صحّة القاعدة، أمّا الرواية فالمتبادر منها ما إذا كان عمله عملاً محرّماً بقرينة قوله: «أو أوتد وتداً أو أوثق دابة أو حفر بئراً في طريق المسلمين» وهذا قرينة على أنّ الميزاب وغيره كان يوجد ضرراً للمارّة ـ مثلاً كان منصوباً على ارتفاع منخفض بحيث كان يضر بالمارّة ـ والظاهر في المسألة ما ذكره المحقّق، وخروج بعض الموارد لا يضرّ بالاستدلال بالقاعدة ما لم يدلّ دليل على تخصيص القاعدة.   2

1 . مفتاح الكرامة:21/60.
2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 162
E وأمّا مسألة البيطار والطبيب فخارجة بالدليل، وأمّا ما يقال بالضمان في مؤدّب زوجته، والمعلّم إذا أدّب الصبي، فليس فيهما نصّ وإنّما جروا بذلك على القواعد. ونظيره الضمان في عام المجاعة ; وذلك لأنّ «لا ضرر» قاعدة امتنانية، فلا يكون جواز الأكل سبباً لعدم الضمان. كما أنّ عدم الضمان فيما إذا تساهل في إنجاء الغريق، لأجل عدم استناد الغرق إلى الناظر المتساهل بعد كون الورود إلى الماء الكثير مع عدم معرفة السباحة، علّة تامّة للغرق.
وحصيلة الكلام: أنّ الظاهر ملازمة الجواز الشرعي لعدم الضمان والضمان في موارد خاصّة إمّا للنصّ، وإمّا لأنّ الجواز الشرعي بلا ضمان إذا كان موجباً للضرر بالغير فيحكم بالضمان ; لأنّ القاعدة امتنانية فلا امتنان في الجواز بلا ضمان.
وقد ذكر المحقّق أيضاً بأنّه لو وضع إناءً على حائطه وكان في معرض السقوط، فسقط فتلف به إنسان أو حيوان أو أكثر ضمن، وإن لم يكن في معرض السقوط وسقط اتّفاقاً لم يضمن.1
وهو يؤيّد التفصيل المعروف، أي القاعدة الكلّية.

1 . شرائع الإسلام:4/256.

صفحه 163
المسألة7. لو اصطدم سفينتان فهلك ما فيهما من النفس والمال، فإن كان ذلك بتعمّد من القيّمين لهما فهو عمد، وإن لم يكن عن تعمّد، وكان الاصطدام بفعلهما أو بتفريط منهما مع عدم قصد القتل وعدم غلبة التصادم للتسبّب إليه، فهو شبيه عمد أو من باب الأسباب الموجبة للضمان، فلكلّ منهما على صاحبه نصف قيمة ما أتلفه، وعلى كلّ منهما نصف دية صاحبه لو تلفا، وعلى كلّ منهما نصف دية من تلف فيهما،ولو كان القيّمان غير مالكين كالغاصب والأجير ضمن كلّ نصف السفينتين وما فيهما، فالضمان في أموالهما نفساً كان التالف أو مالاً. ولو كان الاصطدام بغير فعلهما ومن غير تفريط منهما بأن غلبتهما الرياح فلا ضمان، ولو فرّط أحدهما دون الآخر فالمفرّط ضامن، ولو كان إحدى السفينتين واقفة أو كالواقفة ولم يفرّط صاحبها لا يضمن.*

* لو اصطدمت سفينتان فهلك ما فيهما من النفس والمال

في المسألة فروع ستة، والموضوع فيها اصطدام سفينتين وحكمهما يُعلم من مسألة اصطدام الفارسين، لأنّ السفينتين كالفرسين، والملاحين كالفارسين.1 والفروع التي ستوافيك يعلم حكمها ممّا ذكرنا في تعريف قتل العمد وشبهه والقتل الخطئي، وحكم المفرّط وعدمه، والجميع واضحة الحكم، ذكرها الفقهاء في كتبهم إلاّ أنّ المصنّف أضاف شقوقاً أُخرى، والفروع هي:   2

1 . مفتاح الكرامة:21/122.

صفحه 164
E الأوّل: لو اصطدم سفينتان فهلك ما فيهما من النفس والمال، فإن كان ذلك بعمد من القيّمين، فهو عمد ; لأنّ المفروض أنّ الاصطدام صدر عن عمد من كليهما فالتلف حصل بفعله وفعل غيره فبما أنّهما ماتا يسقط القصاص بالتهاتر. نعم يضمن كلّ، نصف ما أتلف في ماله. قال المحقّق: لو اصطدمت سفينتان بتفريط القيّمين وهما مالكان، فلكلّ منهما على صاحبه نصف قيمة ما أتلف صاحبه.1 وأشار في المتن إلى هذا الفرع بقوله: «فان كان ذلك بتعمّد من القيّمين».
قال العلاّمة في «القواعد»: ولو اصطدمت سفينتان فهلك ما فيهما من المال والنفس، فإن كانا مالكين وقصدا التصادم وعلما بحصول التلف معه غالباً، فعلى كلّ منهما القصاص لورثة كلّ قتيل، وعلى كلّ واحد منهما نصف قيمة سفينة صاحبه ونصف ما فيها من المال.2
وكان عليه أن يضيف ويقول: وعلى كّل واحد منهما أيضاً نصف دية صاحبه إن تلف إذا لم يتمكّن من القصاص، كما جاء في «مفتاح الكرامة».3
الثاني: تلك الصورة ولكن لم يكن الاصطدام عن تعمّد بل كان الاصطدام بفعلهما أو بتفريط منهما مع عدم قصد القتل وعدم غلبة التصادم للتسبب إلى التلف فهو شبيه عمد; لأنّ المفروض أنّ الفعل مقصود لكن لا بقصد القتل ولم يكن السبب قتّالاً غالباً، فلكلّ منهما على صاحبه نصف    2

1 . شرائع الإسلام:4/255.
2 . القواعد:3/662.
3 . مفتاح الكرامة21/122.

صفحه 165
E قيمة ما أتلفه، وعلى كلّ منهما نصف دية صاحبه لو تلفا، وعلى كلّ منهما نصف دية من تلف فيهما; وذلك لأنّ التلف كان بفعلهما، فيقسّط الضمان في كلّ ما تلف عليهما.
الفرع الثالث: ولو كان القيّمان غير مالكين كالغاصب والأجير، وكان التلف بفعلهما ضمن كلٌّ نصف السفينتين وما فيهما، فالضمان في أموالهما نفساً كان التالف أو مالاً.
قال العلاّمة: ولو لم يكونا مالكين ضمن كلّ منهما نصف السفينتين وما فيهما.1
والظاهر أنّ هذا الفرع ينقسم إلى صورتين: العمد، وشبه العمد.
ولذلك صار كلّ الضمان على عهدة الأجيرين أو الغاصبين دون العاقلة.
الفرع الرابع: ولو كان الاصطدام بغير فعلهما من غير تفريط منهما كالريح العاصفة، فلا ضمان. قال الشيخ: إذا اصطدمت السفينتان من غير تفريط من القائم بهما في شيء من أسباب التفريط بريح فهلكتا وما فيهما من المال والأنفس أو بعضه، كان ذلك هدراً ولا يلزم واحداً منهما لصاحبه شيء. وللشافعي فيه قولان: أحدهما عليهما الضمان، والآخر لا ضمان عليهما.2
وقال العلاّمة: ولو لم يفرطا، بل غلبتهما الرياح، فلا ضمان.3 وعلّله في «مفتاح الكرامة» بقوله لأنَّهما مغلوبان، فكان كما لو غلبتهما دابتاهما على   2

1 . القواعد:3/663.
2 . الخلاف:5/275، المسألة 194.
3 . القواعد :3/663

صفحه 166
E أنّ ضبط الدابة أسهل من إمساك السفينة في البحر إذا هاج، ولا ضمان على العاقلة، إذ القتل غير مستند إليهما بل إلى عامل خارجي. نعم قد احتمل في راكبي الدابتين الغالبتين ضمان العاقلة، تلفَ النفس وتركه هنا مع أنّ غلبة الريح كغلبة الدابّة، والسفينة كالدابة والملاح كالراكب.1
والحقّ أنّ القياس في غير محلّه لمن ركب السفينة وشاهد هيجان البحر.
الفرع الخامس: ولو فرّط أحدهما دون الآخر، فالمفرّط ضامن.
قال العلاّمة: ولو اختلف حالهما بأن يكون أحدهما عامداً أو مفرّطاً، لم يتغيّر حكم كلّ منهما باختلاف حال صاحبه.2
فقد تبع العلاّمة في ذلك «مبسوط» الشيخ، قال: فأمّا إذا كان أحدهما مفرّطاً والآخر غير مفرّط، فحكم المفرّط بمنزلة أن لو كانا مفرّطين حرفاً بحرف، وحكم غير المفرّط بمنزلة أن لو كانا غير مفرّطين.3
والمراد أنّ لكلّ من العامد والمفرّط حكم والطرف الآخر له حكمه، فلو كان صدور الفعل من أحدهما عمدياً والآخر شبه العمد يحكم كلّ بحكم فعله.
الفرع السادس: لو كانت إحدى السفينتين واقفة أو كالواقفة ولم يفرّط صاحبها، لا يضمن، قال العلاّمة: ولو وقعت سفينة على أُخرى واقفة، أو سائرة لم يضمن صاحب الأُخرى، وضمن صاحب الواقعة مع التفريط.4   2

1 . مفتاح الكرامة:21/123.
2 . القواعد:3/663.
3 . المبسوط: 7 / 168 .
4 . القواعد:3/663.

صفحه 167
E ونظيرهما السيارتان إذا كانت إحداهما واقفة في الليل الأظلم فإن كان قد أعطى إشارة على توقّفه بمصباح الإشارة فلا يُعدُّ مفرّطاً، بخلاف ما لو لم يعط إشارة.
هذه هي أحكام اصطدام السفينتين ومنها يعلم حكم اصطدام السيارتين ولكن تشخيص المقصّر عن غيره يرجع إلى قضاء شرطة المرور وقوانين تنظيم حركة السيارات في الطرق، فيجب أن تكون متبعة في تشخيص المقصّر.
فلو قاد أحد سيارته إلى الوراء واصطدم بالسيارة التي تأتي وراءه فيعدّ الأوّل مقصّراً وإن لم يقصد الاصطدام، وكذا لو دخل في زقاق ممنوع الدخول من جانب واحد فحصل التصادم، لأنّ هذه القوانين موضوعة لمنع حصول خسائر في الأرواح والأموال، فمن أخذ إجازة السياقة فقد التزم بهذه القوانين، فليس له الاعتراض بأنّها قوانين بشرية لا صلة لها بالشرع; وذلك لأنّها مثل الشروط الّتي يلتزم بها المتبايعان عند العقد ويتبعها حكم الشرع بالضمان وغيره.

صفحه 168
المسألة 8 . لو بنى حائطاً في ملكه أو ملك مباح على أساس يثبت مثله عادة فسقط من دون ميل ولا استهدام، بل على خلاف العادة كسقوطه بزلزلة ونحوها، لا يضمن صاحبه ما تلف به وإن سقط في الطريق أو في ملك الغير، وكذا لو بناه مائلاً إلى ملكه، ولو بناه مائلاً إلى ملك غيره أو إلى الشارع ضمن، وكذا لو بناه في غير ملكه بلا إذن من المالك. ولو بناه في ملكه مستوياً فمال إلى غير ملكه، فإن سقط قبل تمكّنه من الإزالة فلا ضمان، وإن تمكّن منها فللضمان وجه. ولو أماله غيره فالضمان عليه إن لم يتمكّن المالك من الإزالة، وإن تمكّن فالضمان لا يرفع عن الغير، فهل عليه ضمان فيرجع الورثة إليه وهو يرجع إلى المتعدّي، أو لا ضمان إلاّ على المتعدّي؟ لا يبعد الثاني.*
   
* في المسألة فروع ستة:

الأوّل: لا ضمان على مَن بنى حائطاً في ملكه فسقط بسبب خارجي

لو بنى حائطاً في ملكه أو ملك مباح على أساس يثبت مثله عادة، فسقط من دون ميل في الجدار إلى أحد الجانبين ولا استهدام، بل على خلاف القاعدة كسقوطه بزلزلة ونحوها، لا يضمن صاحبه ما تلف به وإن سقط في الطريق أو في ملك الغير. قال العلاّمة: وإذا بنى حائطاً في ملكه أو مباح فوقع الحائط على إنسان فمات فلا ضمان، سواء وقع إلى الطريق أو إلى ملكه، وسواء مات بسقوطه عليه، أو بغباره إن كان قد بناه مستوياً على أساس يثبت مثله عليه.1ومثله ورد في الشرائع.(2)   2

1 . قواعد الأحكام:3/655.   2 . شرائع الإسلام:4/255.

صفحه 169
E وذلك لعدم تعدّيه وتفريطه بوجه، والمفروض أنّه سقط على خلاف العادة من دون ميل ولا استهدام، فلابدّ أن يكون السقوط معلولاً لوجود هزة في الأرض أو عاصفة تقلع الأشجار القوية فضلاً عن الجدار المبني حديثاً، وعلى كلّ تقدير فالضمان فرع استناد التلف إلى الباني، والمفروض عدمه.

الفرع الثاني: لا ضمان على مَن بنى حائطاً مائلاً إلى ملكه

تلك الصورة ولكن بناه مائلاً إلى ملكه، فعدم الضمان واضح فالخسارة على صاحب الملك. نعم لو دعا ضيوفاً فجلسوا في ظل الجدار فسقط عليهم، يكون المالك ضامناً لكونه مفرّطاً في بناء الجدار وإجلاس الضيوف في ظلّه.

الفرع الثالث: لو بنى حائطاً مائلاً إلى ملك غيره فهو ضامن

ولو بناه مائلاً إلى ملك غيره أو إلى الشارع، فسقط وأتلف، ضمن.
قال المحقّق: ولو بناه مائلاً إلى غير ملكه ضمن.1
وقال العلاّمة: ولو بناه مائلاً إلى الشارع أو إلى ملك جاره أو مال إليهما بعد الاستواء وفرّط في الإزالة أو بناه على غير أساس، ضمن إن تمكّن من الإزالة بعد ميله، ومطلقاً إن كان مائلاً من الأصل أو على غير أساس.(2)
وجه الضمان واضح ; لأنّ التلف مستند إلى فعله فإنّ الجدار المائل يسقط بأدنى سبب. والمفروض أنّه تمكّن من الإزالة، أو قصّر من بدء الأمر.

الفرع الرابع: لو بنى حائطاً في غير ملكه بلا إذن فهو ضامن

لو بناه في غير ملكه بلا إذن من المالك، ففيه ـ مضافاً إلى   2

1 . شرائع الإسلام:4/255.   2 . قواعد الأحكام:3/655.

صفحه 170
E الضمان ـ تصرّف في ملك الغير، وسكوت الغير ليس دليلاً على رضاه بالفعل. فالتلف مستند إلى فعله.

الفرع الخامس: لو بنى حائطاً مستوياً في ملكه فمال إلى غير ملكه

لو بناه في ملكه مستوياً فمال إلى غير ملكه1، فلو سقط مع عدم تمكّنه من الإزالة فلا ضمان، وإن تمكّن منها فللضمان وجه.
قال المحقّق: ولو بناه في ملكه مستوياً فمال إلى الطريق أو إلى غير ملكه ضمن إن تمكّن من الإزالة، ولو وقع قبل التمكّن لم يضمن ما يتلف به، لعدم التعدّي.2
قال الشيخ في «المبسوط»: ولو بناه مستوياً في ملكه فمال بنفسه إلى الطريق ثم وقع، قال قوم: لا ضمان عليه، وقال بعضهم: عليه الضمان. والأوّل أقوى لأنّه بناه في ملكه ومال بغير فعله فوجب أن لا يضمن،... ثم قال: وقال بعضهم: إذا وقع فأتلف نفساً وأموالاً فإن كان قبل المطالبة بنقضه وقبل الإشهاد عليه فلا ضمان، وإن كان قد طولب بنقضه وأشهد عليه به فوقع بعد القدرة على نقضه، فعليه الضمان. وإن كان قبل القدرة على نقضه فلا ضمان، وهذا أقوى.(3)
وفي «مفتاح الكرامة» مثل ذلك عن القاضي، والجماعة أعرضوا عن ذلك التفصيل، ولعلّه لعدم ظهور وجهه. واحتمل في توجيهه احتمال الغفلة بدونهما.3   2

1 . والفرق بين هذا الفرع والفرع الثالث، وجود الميل من أوّل الأمر في الجدار فيه وحدوثه هنا.
2 . شرائع الإسلام:4/255.   3. المبسوط: 7 / 187، وقد ذكر للمسألة خمسة فروع.
3 . مفتاح الكرامة:21/56.

صفحه 171
E ولا يخفى أنّ الشيخ ذكر في كلامه تفصيلين: التفصيل بين قبل المطالبة بنقضه والإشهاد عليه فلا يضمن، وأمّا إذا كان بعدهما ففيه التفصيل بين القدرة على نقضه فالضمان، وعدمها فلا ضمان. أمّا وجه التفصيل الأوّل فلما ذكره صاحب مفتاح الكرامة من عدم احتمال الغفلة عند المطالبة والإشهاد، واحتماله عند عدمها. وأمّا وجه التفصيل الثاني بأنّ وجوب النقض مشروط بالقدرة والمفروض أنّه سقط قبل القدرة خصوصاً مع أطلاع الجار عن حال الجدار.

الفرع السادس: لو بنى حائطاً وأماله غيره فالضمان عليه

ولو أماله غيره فله صورتان:
الأُولى: إن لم يتمكّن المالك من الإزالة فالضمان على الغير.
الثانية: وإن تمكّن فالضمان لا يرفع عن الغير، فهل على المالك ضمان فيرجع الورثة إليه؟ وهو يرجع إلى المتعدّي أو لا ضمان على المتعدّى؟ لم يستبعد المصنّف الثاني.
أمّا الصورة الأُولى فحكمها واضح ; لأنّه السبب الوحيد للتلف، لأنّه أمال الحائط ولم يتمكّن المالك من الإزالة.
إنّما الكلام في الصورة الثانية حيث إنّ إمالة الغير لا تكون سبباً تامّاً مع تمكّن المالك من الإزالة، لكنّه توهّم باطل، إذ معنى ذلك أن يتحمّل أحدٌ إضرار الغير وإن كان واقعاً في ملكه، والظاهر أنّ الضمان على المتعدّي لا على صاحب الملك.

صفحه 172
المسألة9. لو أجّج ناراً في ملكه بمقدار حاجته مع عدم احتمال التعدّي، لم يضمن لو اتّفق التعدّي فأتلفت نفساً أو مالاً بلا إشكال، كما لا إشكال في الضمان لو زاد على مقدار حاجته مع علمه بالتعدّي، والظاهر ضمانه مع علمه بالتعدّي وإن كان بمقدار الحاجة، بل الظاهر الضمان لو اقتضت العادة التعدّي مع الغفلة عنه فضلاً عن عدمها، ولو أجّج زائداً على مقدار حاجته، فلو اقتضت العادة عدم التعدّي فاتّفق بأمر آخر على خلاف العادة ولم يظنّ التعدّي، فالظاهر عدم الضمان، ولو كان التعدّي بسبب فعله ضمن ولو كان التأجيج بقدر الحاجة.*

* لو أجّج ناراً في ملكه

في المسألة فروع:
1. لو أجّج ناراً في ملكه بمقدار حاجته، مع عدم احتمال التعدّي واتّفق التعدّي فأتلفت نفساً أو مالاً.
2. لو زاد على مقدار حاجته مع علمه بالتعدّي.
3. لو كان بمقدار حاجته مع علمه بالتعدّي.
4. لو أجّج زائداً على مقدار حاجته واقتضت العادة عدم التعدّي فاتّفق على خلاف العادة، ولم يظن التعدّي.
5. لو اقتضت العادة التعدّي مع الغفلة عنه فضلاً عن عدمها.
6. لو كان التأجيج بمقدار الحاجة وكان التعدّي بسبب فعله.
أقول: الفروع المذكورة غير منصوصة، فلابدّ لاستخراج أحكامها   2

صفحه 173
E من التمسّك بالقواعد، والملاك في وجوب الضمان ما هو؟ يُحتمل أمران:
1. العلم بالتعدّي بل الظن به، سواء كان التأجيج بمقدار الحاجة أو زائداً عليه.
2. كفاية التأجيج زائداً على الحاجة، وإن لم يكن معه ظن أو علم بالتعدّي.
وأمّا ما نقل في «مفتاح الكرامة» عن بعض فتاوى الشهيد أنّه اعتبر في الضمان أحد الأُمور الثلاثة:
1. مجاوزة الحاجة. 2. وجود الريح العاصفة. 3. غلبة الظن بالتعدّي.1
فلا يخفى أنّ مرجع الأخيرتين واحد، لأنّ عصف الريح سبب لحصول غلبة الظن .
إذا علمت ذلك فلندرس أحكام الفروع على ضوء القواعد.
الفرع الأوّل: إذا لم يتجاوز عن مقدار الحاجة ولم يحتمل التعدّي، فلا يضمن لو اتّفق التعدّي فأتلف نفساً أو مالاً، لعدم وجود واحد من السببين وقد قام بعمل مأذون شرعاً وعرفاً، لكن اتّفق التعدّي من حيث لا يظن ولا يُعلم، فلا يُعدّ المؤجّج سبباً للتلف.
وإلى هذه الصورة يشير العلاّمة بقوله: ولو أشعل ناراً في ملكه فطارت شرارة أو سرت إلى ملك جاره، فإن كان الهواء ساكناً أو كان بينه وبين الجار حائل يمنع الريح، ولم يتجاوز قدر الحاجة، فلا ضمان.(2)   2

1 . مفتاح الكرامة21/69.   2 . قواعد الأحكام:3/656.

صفحه 174
E ومع ذلك فالقول بعدم الضمان بصورة قاطعة لا يخلو من تأمّل، لأنّه وإن قام بعمل مأذون لكنّه لا ينافي الضمان، ومثله كونه غير مفرّط فلابدّ في نفي الضمان من فرض وجود عامل خارجي، سبّب سريان النار إلى الأموال والنفوس في ملكه كهبوب الريح العاصفة أو كون الهواء مساعداً للإحراق، أو وجود أسلاك كهربائية مستعدة للاحتراق إلى غير ذلك من الأُمور الخارجة عن الترقّب والتنبّؤ، فلاحظ.
الفرع الثاني: ما لو أجّج زائداً على مقدار الحاجة مع علمه بالتعدّي، فلا شكّ في ضمانه لأنّ العلم بالتعدّي وحده كاف في ضمان المؤجّج فضلاً عمّا لو أجّج أزيد من حاجته، وإلى هذه الصورة يشير المحقّق بقوله: إلاّ أن يزيد على مقدار الحاجة مع غلبة الظن بالتعدّي كما في أيام الأهوية.1
الفرع الثالث: لو أجّج بمقدار الحاجة مع العلم بالتعدّي، فيضمن قطعاً لأنّ العلم بالتعدّي ـ وحده ـ من أسباب الضمان.
لو أجّج ناراً في ملك غيره بغير إذنه فهو ضامن   
الفرع الرابع: عكس الفرع الثالث، وهذا هو الفرع الخامس في كلام المصنّف لكن جعلناه فرعاً رابعاً ليكون عدلاً للثالث، فلو أجّج زائد على مقدار حاجته، مع عدم احتمال التعدّي، لكن اتّفق أمرٌ آخر على خلاف العادة، ولم يكن مظنوناً، فلا يضمن لأنّ التلف مستند إلى طروء أمر آخر، كعصف الريح بغتة ولم تكن مظنونة، وإلى هذا يشير المحقّق بقوله:ولو عصفت بغتة لم يضمن.2   2

1 . شرائع الإسلام4/256، ونظيره ما ورد في قواعد العلاّمة.
2 . شرائع الإسلام :4/256.

صفحه 175
المسألة10. لو أجّجها في ملك غيره بغير إذنه، أو في الشارع لا لمصلحة المارّة ضمن ما يتلف بها بوقوعه فيها من النفوس والأموال وإن لم يقصد ذلك. نعم لو ألقى آخر مالاً أو شخصاً في النار لم يضمن مؤجّجها، بل الضمان على المُلقي، ولو وقعت الجناية بفعله التوليدي كما ] لو [ أجّجها وسرت إلى محلّ فيه الأنفس والأموال يكون ضامناً للأموال، وأمّا الأنفس فمع العمد وتعذّر الفرار فعليه القصاص، ومع شبيهه الدية في ماله، ومع الخطأ المحض فعلى العاقلة، ثمّ إنّه يأتي في فتح المياه ما ذكرنا في إضرام النار.*
E فظهر الفرق بين الفرعين الثالث والرابع فالضمان في الأُوّل دون الثاني; لأنّ العلم بالتعدّي في الأُوّل كاف في الضمان، لأنّه قام بعمل عدواني في نفسه، بخلاف الثاني فقد أجّج زائداً على حاجته دون أن يحتمل السريان لكن فوجئ بعامل خارجي.
الفرع الخامس: لو اقتضت العادة التعدّي، كما لو كانت الريح عاصفة لكن المؤجّج غافل عنه، أو غير غافل، فالظاهر الضمان في كلا الحالين; وذلك لأنّ الغفلة وعدم الغفلة يؤثّر في الحكم التكليفي، وأمّا الحكم الوضعي ـ أعني: الضمان ـ فهو تابع للسببية والمفروض أنّ السبب هو المؤجّج.
الفرع السادس: تلك الصورة ولكن كان التعدّي بسبب فعله كما لو صبّ الزيت في النار بمقدار الحاجة ضمن ; لأنّ التلف مستند إليه.
* في المسألة فروع:
1. لو أجّج النار في ملك غيره بغير إذنه، أو في الشارع لا لمصلحة   2

صفحه 176
E المارّة، فتلفت نفس أو مال وإن لم يقصد.
2. لو ألقى مالاً أو شخصاً في نار أجّجها غيره.
3. لو وقعت الجناية بفعله التوليدي كما لو أجّجها فسرت إلى محلٍّ فيه الأنفس والأموال.
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: لو أجّج ناراً في ملك غيره فهو ضامن

فقد أشار إليه المحقّق بقوله: ولو أجّجها في ملك غيره ضمن الأنفس والأموال في ماله لأنّه عدوان مقصود.1
ومراده بقوله: «لأنّه عدوان مقصود»، هو أنّ تأجيج النار في ملك الغير وإن لم يقصد تلف الأنفس والأموال، لكن إذا كان العمل حراماً يكفي في ثبوت ما يتبعه من سائر الأعمال من الحرمة والعدوان، وإن لم يقصد.
وهذا نظير حفر البئر في ملك الغير عدواناً، ونحوها، فإنّ الضمان فيه على الحافر لا المالك.
   
والظاهر التفصيل بين الأموال والنفوس، أمّا الأُولى فلا خلاف في ضمانها، وأمّا الأنفس فإن أمكنهم الفرار أو التخلّص فلا ضمان وإلاّ ضمن، نقله في «مفتاح الكرامة» عن الشهيد في حواشيه وعليه المصنّف.(2)
ثم إنّ الضمير المؤنث في قوله: «بها» أو «فيها» يرجع إلى النار، والضمير المذكّر في «بوقوعه» يرجع إلى الموصول، والمقصود: وجود   2

1 . شرائع الإسلام:4/256.   2 . مفتاح الكرامة:21/69.

صفحه 177
E الأنفس والأموال في ملك الغير أو الشارع فتلفتا بهذه النار فيكون ضامناً وإن لم يقصد .

الفرع الثاني: لو ألقى مالاً أو شخصاً في نار أجّجها غيره

لو أجّج شخصٌ ناراً وَألقى آخرُ مالاً أو إنساناً في النار، فالضامن هو الآخر لأنّ المباشر أقوى من السبب، خصوصاً إذا أجّج النار لمصلحة نفسه، من غير فرق بين كون النار في ملكه أو في ملك غيره.

الفرع الثالث: لو وقعت الجناية بفعله التوليدي

لووقعت الجناية بفعله التوليدي، كما لو أجّجها وسرت إلى محل فيه الأنفس والأموال، والفرق بين هذا الفرع والأوّل واضح، وهو أنّ النفوس والأموال كانت موجودة في محل التأجيج في الفرع الأوّل، بخلاف المقام فإنّهما كانا بعيدين عن محل التأجيج لكن النار سرت إلى محلّهما، فعندئذ حكم الأموال يختلف مع الأنفس.
إذا علمت الفرق يقع الكلام في مورد الفرع.
أمّا الأموال فلا شكّ أنّه يضمنها لأنّ التلف مستند إلى فعله ; سواء أكان قاصداً للسراية، أم لم يقصد، فإنّ الحكم الوضعي ـ أعني: الضمان ـ لا يلازم كون الفعل مقصوداً، فكون الفعل التوليدي حلالاً لا يكون دليلاً على عدم ضمان مال الغير إذا تلف به.
إنّما الكلام إذا تلفت به النفوس، فإنّ المصنّف قسّمه إلى عمد وشبهه وخطأ محض.   2

صفحه 178
E أمّا الأوّل: فيتصوّر بما لو قصد بفعله التوليدي سريان النار وانتهائه إلى البيت المجاور وقتل من فيه، ولكنّه لا يحكم بالعمد إلاّ إذا تعذّر الفرار، وإلاّ فيعزّر ولا يقتصّ منه.
يبقى الكلام في تصوّر القسمين الآخرين.
وأمّا الثاني: ففيما إذا لم يقصد القتل ولا السريان، ولكن يعلم بوجود إنسان وراء الجدار، فسرت النار وقتلته فهو شبه العمد لعدم كون القتل مقصوداً ولا الفعل قتّالاً .
وأمّا الثالث: أي الخطأ المحض، فيأتي فيه التفصيل السابق فلو لم يتمكّن من الفرار فعلى العاقلة، وإن تمكّن فيذهب سُدى.
ومن هذه الفروع الثلاثة الخاصّة بتأجيج النار يعلم حكم فتح المياه.
هذا كلّه حسب القواعد، وأمّا الروايات فقد وردت في المورد رواية واحدة عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليه السلام): أنّه قضى في رجل أقبل بنار فأشعلها في دار قوم فاحترقت، واحترق متاعهم؟ قال: «يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل».1
ولا يخفى أنّ موضع الرواية هو العمد، أي جاء بالنار لإحراق الدار ومن فيها.

1 . الوسائل:19، الباب41 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 179
المسألة 11. لو ألقى فضولات منزله المزلقة ـ كقشور البطيخ ـ في الشارع، أو رشّ الدرب بالماء على خلاف المتعارف لا لمصلحة المارّة فزلق به إنسان، ضمن. نعم لو وضع المارّ العاقل متعمّداً رجله عليها فالوجه عدم الضمان، ولو تلف به حيوان أو مجنون أو غير مميّز ضمن.*

* لو ألقى قُمامة منزله المزلقة في الشارع

قال المحقّق: وكذا ] يضمن [ لو ألقى قمامة المنزل المزلقة، كقشور البطيخ أو رشّ الدرب بالماء.1 أمّا إلقاء الفضولات فإنّ طريق المسلمين ليس محلّ إلقاء القمامة، فهو من قبيل الإضرار في طريقهم وإن لم يقصد الإضرار، إذ يكفي فيه كون التلف مستنداً إلى فعله.
وقد خصّ صاحب الشرائع الضمان بمن لم ير الرشّ أو لم يشاهد القمامة، و إلى هذا أشار المصنّف بقوله: نعم لووضع المار العاقل متعمّداً رجله عليها، فالوجه عدم الضمان، وذلك لقوّة المباشر وضعف السبب.
وأمّا الرشّ فلو كان لا لمصلحة المارّة على وجه صار الطريق مزلقة فيضمن لاستناد التلف إليه، وأمّا لو كان الرشّ عادياً لمصلحة البيت أو المارة فلا يحكم بالضمان لجريان العادة على رشّ الأرض أمام البيوت منعاً لإثارة الغبار، ومنه يظهر حكم ما لو تلف حيوان أو مجنون أو صبي غير مميّز، بإلقاء القشور أو الرشّ الخارج عن المتعارف.

1 . شرائع الإسلام:4/ 256.

صفحه 180
المسألة12. لو وضع على حائطه إناءً أو غيره فسقط وتلف به نفس أو مال لم يضمن إلاّ أن يضعه مائلاً إلى الطريق، أو وضعه بنحو تقتضي العادة سقوطه على الطريق، فإنّه يضمن حينئذ.*

* لو وضع على حائطه إناء فسقط

لو وضع على حائطه إناءً أو غيره فسقط وتلف به نفس أو مال، لم يضمن لأنّه تصرّف في ماله تصرّفاً مأذوناً، وكان الوضع جامعاً للشرائط وكانت العادة قاضية على بقاء الإناء في محلّه، فلو سقط فإنّما سقط بعامل خارج عن قدرة الواضع.
نعم لو وضعه مائلاً إلى الطريق أو وضعه على وجه يسقط مثله، فيضمن لقوّة السبب.
 

صفحه 181
المسألة13. يجب حفظ دابته الصائلة، كالبعير المغتلم والفرس العضوض والكلب العقور لو اقتناه، فلو أهمل حفظها ضمن جنايتها، ولو جهل حالها أو علم ولم يقدر على حفظها ولم يفرط فلا ضمان، ولو صالت على شخص فدفعها بمقدار يقتضي الدفاع ذلك فماتت، أو وردت عليها جناية لم يضمن، بل لو دفعها عن نفس محترمة أو مال كذلك لم يضمن، فلو أفرط في الدفاع فجنى عليها مع إمكان دفعها بغير ذلك، أو جنى عليها لغير الدفاع ضمن. والظاهر جريان الحكم في الطيور الضارية والهرّة كذلك حتى في الضمان مع التعدّي عن مقدار الدفاع.*

* في أحكام الدابة الصائلة والطيور الضارية

في المسألة فروع:
1. حكم الدابة الصائلة كالبعير المغتلم (الهائج)، والفرس العضوض، والكلب العقور، مع العلم بحالها، والقدرة على حفظها.
2. تلك الصورة مع الجهل بحالها أو عدم القدرة على حفظها.
3. لو صالت الدابة الصائلة على شخص فقتلها دفاعاً عن نفسه، أو وردت عليها جناية.
4. تلك الصورة ولكن دفعها عن نفس محترمة أو مال كذلك.
5. لو أفرط في الدفاع فجنى عليها.
6. لو جنى عليها لغير الدفاع.
7. جناية الهرّة مع الضراوة.   2

صفحه 182
E وإليك دراسة الفروع:
أمّا الفرع الأوّل: فلا شكّ أنّه يجب على المالك حفظ دابته الصائلة، دفعاً للضرر والضرار، ولو أهمل ضمن جنايتها لأقوائية السبب ـ أعني: مالك الدابة لشعوره وعلمه وقدرته ـ من المباشر ـ أعني: الدابة لفقدانها الشعور ـ وعلى ذلك تضافرت كلمات الأصحاب، قال المحقّق: يجب حفظ دابته الصائلة، كالبعير المغتلم والكلب العقور، فلو أهمل، ضمن جنايتها.1 وذكر العلاّمة في «القواعد» ما يقرب منه.(2)
ويدلّ عليه صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سئل عن بختي اغتلم فخرج من الدار فقتل رجلاً، فجاء أخو الرجل فضرب الفحل بالسيف؟ فقال: «صاحب البختي ضامن للدية، ويقتصّ ثمن بختيه...».2
وقريب منه خبر علي بن جعفر عن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام).3
وأمّا ما روي من أنّ العجماء جُبار4، فهو محمول على غير هذه الصورة، والمراد من الجُبار الهدر الذي لا دية فيه ولا قود.
الفرع الثاني: لو كانت الدابة صائلة وجهل المالك بحالها، أو علم ولم يقدر على حفظها، فلا يضمن، إذا لم يفرّط لقوة المباشر وضعف السبب. قال المحقّق: ولو جهل حالها أو علم ولم يفرّط، فلا ضمان.5   2

1 . شرائع الإسلام:4/256.   2 . قواعد الأحكام:3/657.
2 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
3 . نفس المصدر، الحديث4.
4 . الوسائل:19، الباب32 من أبواب موجبات الضمان، روايات الباب.
5 . شرائع الإسلام:4/256 ; ولاحظ: قواعد الأحكام:3/657.

صفحه 183
E ولعلّه يشير إلى التفصيل بين علم المالك وجهله خبر مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان إذا صال الفحل أوّل مرّة لم يضمّن صاحبه، فإذا ثنّى ضمّن صاحبه».1
وذلك لأنّه في أوّل مرّة لم يكن عالماً بحاله، بخلاف المرّة الثانية، وسيوافيك الكلام فيه أيضاً .
الفرع الثالث: ولو جنى على الدابة الصائلة جان، لم يضمن إذا كان للدفع ; لأنَّ دفعه حينئذ جائز إن لم يكن واجباً، بل لو دفع آدمياً فقتله لم يكن ضامناً، فكيف بالحيوان.
الفرع الرابع: لا فرق بين أن يكون الدفع عن نفسه أو عن نفس محترمة أو مال محترم، على نحو لم يكن يندفع إلاّ بالجناية، فيجب الاقتصار على ما يندفع به.
الفرع الخامس: نعم لو أفرط في الدفاع ضمن.
الفرع السادس: لو جنى على الحيوان لا للدفع أو لإمكان اندفاعه بدونه، فيضمن لعدم المجوّز للجناية مع احترام مال المسلم، فمن أتلف مالاً فهو له ضامن.
الفرع السابع: الظاهر وحدة الحكم في عامّة الدواب الصائلة والضارية، ولذلك عطف العلاّمة الهرّة الضارية على الكلب العقور.2، ولكن   2

1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2. وفي السند محمد بن الحسن بن شمّون، وهو واقفي غال.
2 . قواعد الأحكام:3/657.

صفحه 184
E المحقّق استبعد الموضوع في الهرّة، قائلاً: بأنّه لم تجر العادة بربطها وحفظها بخلاف الدواب، وأورد عليه في «الجواهر» بندرة الضراوة في الهرّة المملوكة لمعيّن، فلا وجه للاستناد إلى العادة في ذلك.1
بقي هنا أمر وهو وجود التفصيل في بعض الروايات بين الليل والنهار أو المرّة والمرّتين:
1. روى زيد بن علي، عن آبائه(عليهم السلام)، عن علي(عليه السلام) أنّه كان يضمّن صاحب الكلب إذا عقر نهاراً، ولا يضمنّه إذا عقر بالليل.2
2. روى السكوني عن جعفر، عن أبيه (عليها السلام)قال:«كان علي(عليه السلام) لا يضمّن ما أفسدت البهائم نهاراً، ويقول: على صاحب الزرع حفظ زرعه، وكان يضمّن ما أفسدت البهائم ليلاً».3
3. ما رواه مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان إذا صال الفحل أوّل مرّة لم يضمّن صاحبه، فإذا ثنّى ضمّن صاحبه».4
والظاهر أنّ الموضوع ليس هو الليل والنهار أو المرّة والمرّتين، بل الملاك هو التفريط وعدمه حيث إنّ على صاحب الكلب حفظه نهاراً عن أذى الآخرين، فلو عقر أحداً فقد فرّط في حفظه، بخلاف الليل فإنّ حفظه في   2

1 . جواهر الكلام:43/131.
2 . الوسائل:19، الباب17 من أبواب موجبات الضمان، الحديث3.
3 . الوسائل:19، الباب40 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
4 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.

صفحه 185
E الليل ليس على صاحبه، بل جرت العادة على ربط الكلب نهاراً لا ليلاً، وذلك لحراسة الدار والبستان، فعلى المارّ أن يحفظ نفسه من شرّه ; ومن ذلك يظهر حال الزرع نهاراً فعلى صاحب الحائط حفظ زرعه فلو أفسدته الدابة كشف عن تفريطه، بخلاف الليل. ومنه يظهر وجه الفرق بين المرّة والمرّتين، لأنّ حال الفحل غير معلوم في المرّة الأُولى، فلا يُعدّ عدم حفظه تفريطاً، بخلاف المرّة الثانية.
ويشهد على ما ذكرنا من أنّ الميزان هو التفريط وعدمه، عدم تضمين الإمام (عليه السلام)إضرار فرس لرجل من أهل اليمن، ويحمل على أنّ الإضرار كان في المرّة الأُولى منه حيث لم يُعلم حال الفرس حتى يكلّف المالك بحفظه.
روى عبيد الله الحلبي عن رجل عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)إلى اليمن، فأفلت فرس لرجل من أهل اليمن ومرّ يعدو فمرّ برجل فنفحه برجله فقتله، فجاء أولياء المقتول إلى الرجل فأخذوه فرفعوه إلى علي(عليه السلام)، فأقام صاحب الفرس البيّنة عند علي (عليه السلام) أنّ فرسه أفلت من داره ونفح الرجل، فأبطل علي(عليه السلام)دم صاحبهم، فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله إنّ عليّاً ظلمنا وأبطل دم صاحبنا، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ عليّاً ليس بظلاّم ولم يخلق للظلم، إنّ الولاية لعلي من بعدي،والحكم حكمه، والقول قوله، لا يرد حكمه وقوله وولايته إلاّ كافر».1
والوجه ما ذكرنا من أنّ حال الفرس لم يكن معلوماً عند مالكها.

1 . الوسائل:19، الباب20 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 186
المسألة 14. لو هجمت دابة على أُخرى فجنت الداخلة، فإن كان بتفريط المالك في الاحتفاظ ضمن، وإن جنت المدخول عليها كان هدراً.*
المسألة15. مَن دخل دار قوم فعقره كلبهم ضمنوا إن دخل بإذنهم، وإلاّ فلا ضمان، من غير فرق بين كون الكلب حاضراً في الدار أو دخل بعد دخوله، ومن غير فرق بين علم صاحب الدار بكونه يعقره وعدمه.**

* لو هجمت دابة على أُخرى

الفرق بين فرعي المسألة واضح، فجناية الداخلة على المدخولة دليل على أنّ صاحبها فرّط في حفظها حيث خرجت عن مربطها وجنت على المدخولة في مربطها، وأمّا إذا انعكست فجنت المدخولة فدم الداخلة هدر بنفس الدليل، والحاصل: أنّه يجب على صاحب الدابة ربطها لئلاّ تدخل على الأُخرى فتجني أو يجنى عليها.

** مَن دخل دار قوم فعقره كلبهم

التفريق بين الدخول بإذن صاحب الدار فيضمن عقر كلبه، وبين دخوله بلا إذن فلا يضمن لأجل أنّ الإذن في الدخول علامة أنّه يحميه في داره عن كلّ شرّ يتمكّن من دفعه، فلو عقره كلبه فيكشف عن عدم الحماية والتفريط; بخلاف ما إذا دخل بلا إذنه، فلا إعلان للحماية، فلا تفريط من جانب المالك. ولا فرق بين كون الكلب حاضراً في الدار أو دخل بعد دخوله، إذا تمكّن صاحب الداخل من دفعه.   2

صفحه 187
E ثمّ إنّ المصنّف أضاف شيئاً آخر وقال: من غير فرق بين علم صاحب الدار بكونه يعقره وعدمه; وذلك لأنّ معنى الإذن في الدخول هو الحماية المطلقة.
ويشهد على ذلك إطلاق ما يلي من الروايات:
1. ما رواه زيد بن علي(عليه السلام) عن آبائه، عن علي(عليهم السلام): «... وإذا دخلت دار قوم بإذنهم فعقرك كلبهم فهم ضامنون، وإذا دخلت بغير إذن فلا ضمان عليهم».1
2. رواية السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل دخل دار قوم بغير إذنهم فعقره كلبهم، قال: لا ضمان عليهم، وإن دخل بإذنهم ضمنوا».2

1 . الوسائل:19، الباب17 من أبواب موجبات الضمان، الحديث3.
2 . الوسائل:19، الباب17 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.

صفحه 188
المسألة16. راكب الدابة يضمن ما تجنيه بيديها وإن لم يكن عن تفريط لا برجليها، ولا يبعد ضمان ما تجنيه برأسها أو بمقاديم بدنها، ولو ركبها على عكس المتعارف ففي ضمان ما تجنيه برجليها دون يديها وجه لا يخلو من إشكال. وإن كان كلتا رجليه إلى ناحية واحدة لا يبعد ضمان جناية يديها، وفي ضمان جناية رجليها تردّد. وهل يعتبر في الضمان التفريط؟ فيه وجه لا يخلو من إشكال، نعم لو سلبت الدابة اختياره مع عدم علمه بالواقعة وعدم كون الدابّة شموساً، فالوجه عدم الضمان لا برجلها ولا بيدها ومقاديم بدنها. وكذا الكلام في القائد في التفصيل المتقدّم، أي ضمان ما تجنيه بيدها ومقاديمها دون رجلها1. ولو وقف بها ضمن ما تجنيه بيدها ومقاديمها ورجلها وإن لم يكن عن تفريط، والظاهر عدم الفرق بين الطريق الضيّق والواسع. وكذا السائق يضمن ما تجنيه مطلقاً، ولو ضربها فجنت لأجله ضمن مطلقاً، وكذا لو ضربها غيره فجنت لأجله ضمن ذلك الغير، إلاّ أن يكون الضرب دفاعاً عن نفسه، فإنّه لا يضمن حينئذ الصاحب ولا غيره.*

* في أحكام ضمان الدابة الجانية

في المسألة فروع:
1. إذا امتطى الدابة وركبها على الوجه المتعارف، فجنت بيديها   2

1 . في المطبوع«ورجلها» وهو تصحيف إذ لو ضمن ما برجلها لم يكن هناك تفصيل، وفي بعض النسخ نفس ما أثبتناه في المتن.

صفحه 189
E أو رجليها، أو برأسها أو بمقاديم بدنها.
2. إذا ركبها على عكس المتعارف فجنت برجليها ويديها.
3. إذا جنت وكان كلتا رجلي الراكب إلى ناحية واحدة.
4. لو سلبت الدابة اختياره مع عدم علمه بالواقعة وعدم كون الدابة شموساً.
5. لو جنت الدابة وهو قائد.
6. لو جنت الدابة وهو واقف بها.
7. إذا جنت في الطريق: الضيّق والواسع.
8. إذا جنت الدابة وهو سائق.
9. لو جنت الدابة لأجل ضرب الضارب.
10. إذا كان الضرب دفاعاً عن النفس.
وقبل دراسة هذه الفروع نقدّم أمرين:
1. أنّ وجه كثرة الفروع في هذه المسألة هو اختلاف حالات الدابة، ومن بيده عند الجناية، فتارة تجني بيدها، وأُخرى برجلها، وثالثة برأسها، ورابعة بمقاديم بدنها.
ثمّ إنّ من بيده الدابة إما راكب أو قائد أو سائق أو واقف بها، وعلى جميع التقادير إنّ الدابة تارة تجني بنفسها من دون ضم عامل آخر إليها، وأُخرى لأجل ضربها، ولأجل هذا كثرت فروع المسألة.
ثمّ إنّه في وسع الراكب على الوجه المتعارف أن يسيطر على يدي   2

صفحه 190
E الدابة دون رجليها، بخلاف السائق فإنّه يسيطر على الرجلين واليدين، كما في رواية العلاء بن الفضيل.
2. أنّه يظهر من التعليل الوارد في الرواية أنّ الحكم بالضمان في بعض الموارد ليس حكماً تعبدّياً، بل حكماً نابعاً من إمكان السيطرة على الدابة وعدمه، فترى أنّه يقول في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)ـ تعليلاً للضمان بما إذا جنت بيدها دون رجلها ـ : بأنّ «رجليها خلفه إن ركب، فإن كان قاد بها فإنّه يملك بإذن الله يدها يضعها حيث يشاء».
وعلى ذلك فالضابطة في الضمان هي التفريط في السيطرة على الدابة، وعدمه، إلاّ إذا دلّ الدليل على الخلاف، فيكون الدليل هو المتّبع.
إذا علمت ذلك فلنشرع في دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: إذا جنت الدابة المركوبة

قال المحقّق: راكب الدابة يضمن ما تجنيه بيديها، وفيما تجنيه برأسها تردّد، أقربه الضمان لتمكّنه من مراعاته.1
وظاهر عبارة المحقّق أنّ الضمان مختصّ بصورة التفريط حيث قال: «لتمكّنه من مراعاته» وأمّا المصنّف فقد عمّم صورة عدم التفريط أيضاً، فحكم بالضمان ; سواء أكان بيديها، أو برأسها، أو بمقاديم بدنها إلاّ رجليها. ومقتضى التعليل لضمان ما تجنيه باليدين ولعدمه في الرجلين في الصحيحين هو ما ذكره المحقّق من أنّ الميزان هو التفريط، ولذلك لابأس أن يقال: مصب ما   2

1 . شرائع الإسلام:4/257.

صفحه 191
E ورد من الروايات في المقام هو صورة التفريط دون غيره كما إذا قام بكلّ ما يلزم على المالك من الحفظ والصيانة. وأمّا الروايات فهي:
1. روى العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سئل عن رجل يسير على طريق من طرق المسلمين على دابته فتصيب برجلها، قال:«ليس عليه ما أصابت برجلها، وعليه ما أصابت بيدها».1 والرواية منصرفة إلى الركوب المتعارف بأن يكون كلّ رجل إلى جانب لا الرجلان إلى جانب واحد.
2. صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل يمرّ على طريق من طرق المسلمين فتصيب دابته إنساناً برجلها، فقال: «ليس عليه ما أصابت برجلها ولكن عليه ما أصابت بيدها، لأنّ رجليها خلفه إن ركب، فإن كان قاد بها فإنّه يملك بإذن الله يدها يضعها حيث يشاء». الحديث2
وأمّا ما رواه أبو مريم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)، في صاحب الداية أنّه يضمن ما وطأت بيدها ورجلها، وما نفحت برجلها فلا ضمان عليه إلاّ أن يضربها إنسان»،3 فلا يخالف ما ذكرناه ; لأنّ الموضوع فيها هو الوطء باليدين والرجلين بمعنى أنّه يطأ عليه باليدين ثم بالرجلين بعد كون السبب هو اليدان. ثمّ إنّ قوله: «نفحت» كما في الكافي4 فالظاهر أنّ الصحيح «بعجت» بمعنى «شقت».5   2

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2. وفي السند محمد بن سنان.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث3.
3 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 4.
4 . الكافي:7/153.
5 . التهذيب:10/227.

صفحه 192

E الفرع الثاني: لو ركب وكان وجهه إلى خلف الدابة

هنا وجهان:
1. العكس في الضمان لمفهوم التعليل المزبور، فيضمن ما تجنيه برجلها دون يديها.
2. الضمان في الجميع. أمّا اليدان فلإطلاق النصّ، وأمّا الرجلان فلأنّه حينئذ يملكها.
والظاهر أن يقال: خروج المورد عن النصّ، فيكون المرجع هو الضابطة، أعني: التفريط وعدمه من غير فرق بين اليدين والرجلين.

الفرع الثالث: لو ركب ورجليه إلى جهة واحدة

لو ركب وكلتا رجليه إلى ناحية واحدة، قال المصنّف: لا يبعد ضمان جناية يديها، وفي ضمان جناية رجليها تردّد.
أقول: الظاهر خروج المورد عن النصّ والمرجع هو الضابطة في هذه الموارد، وبما أنّ الدابة حيوان غير عاقل ولكن زمام أمرها بيد الراكب العاقل، فيكون هو المسؤول عن الجناية، فلو فرّط يسند الفعل إليه لأقوائيّة السبب، وإن لم يفرّط فلا، بل يكون المباشر أقوى من السبب. فالحكم في هذا الفرع نفس الحكم في السابق.
والذي يمكن أن يقال: إنّ ما ورد من الروايات ليس نابعاً عن التعبّد، وإنّما هو تبيين لما في ارتكاز العقلاء في هذه الموارد من توجّه المسؤولية إلى من فرّط دون من لم يفرّط. وعلى هذا فالضابطة هي التفريط إلاّ أن يدلّ دليل   2

صفحه 193
E على الضيق والسعة.

الفرع الرابع: لو سلبت الدابة اختيار راكبها

لو سلبت الدابة اختيار راكبها مع عدم علمه بالواقعة وعدم كون الدابة شموساً، فقد أفتى المصنف بعدم الضمان لما أصابت برجلها ولا بيدها ولا بمقاديم بدنها. ووجه عدم الضمان أمران:
1. عدم علمه بالمصاب(الواقعة) وإلاّ كان عليه إعمال الحفظ بالنسبة إليه، وعدم الضمان هنا يدلّ على أنّ الميزان هو التفريط.
2. عدم كون الدابة شموساً، إذ يلزم عند ذلك التحفّظ عن شرّها.

الفرع الخامس: لو جنت الدابة وهو قائد

لو جنت الدابة وهو قائد، فهو كالراكب يضمن ما تجنيه بيديها ومقاديمها، دون رجليها، نعم في المطبوع «ورجلها» وهو تصحيف والصحيح كما في بعض النسخ: دون رجلها; لأنّه التفصيل المتقدّم وإلاّ فلا معنى للتفصيل. ويدلّ عليه ما رواه السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام): أنّه ضمّن القائد والسائق والراكب، فقال: «ما أصاب الرجلُ فعلى السائق، وما أصاب اليد فعلى القائد والراكب».1
ونظيره ما رواه السكوني أنّ عليّاً(عليه السلام) كان يضمّن القائد والسائق والراكب.2 ويحمل في صورة الجمع على التفصيل الوارد في روايته   2

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث5.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث11.

صفحه 194
E السابقة من اختصاص ما أصابته الرجلُ بالسائق، وما أصابته اليد بالقائد والراكب.

الفرع السادس: في ضمان الواقف بدابته

لو وقف بها، فقد أفتى المصنّف بضمان ما تجنيه بيدها ومقاديمها ورجلها وإن لم يكن عن تفريط.
قال العاملي: أمّا ضمان الواقف بدابته في الطريق ـ راكباً كان أو قائداً ـ جنايتها، فهو صريح المبسوط وغيره وأنّه يضمن ما تجنيه بيديها ورجليها، وقد تعطي هذه أنّه لا يضمن ما تجنيه برأسها.
ويؤيد ذلك ما رواه العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله(عليه السلام): «وإذا وقف فعليه ما أصابت بيدها ورجلها»1.2
وما ذكره في المتن من عطف المقاديم هو الأحوط والأوفق بالقاعدة.

الفرع السابع: لو كان الطريق ضيقاً أو واسعاً

لا فرق بين أن يكون الطريق ضيّقاً أو واسعاً ; لأنّه إنّما سوّغ له الانتفاع بهذه المرافق بشرط السلامة فيضمن ما يحدث من ذلك.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الميزان هو التفريط فيجب أن يفرّق بين الطريق الضيّق والواسع، إذ ربما يكون جناية الدابة أمراً ممّا لابدّ منه في الطريق الضيّق، وإن لم يفرط صاحب الدابة، فإذن تفريطه بذهابه في هذا الطريق.   2

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.
2 . مفتاح الكرامة:21/84 ـ 85 .

صفحه 195

E الفرع الثامن: لو جنت الدابة وهو سائق

إذا جنت الدابة وهو سائق، فقد أفتى المصنّف بضمان الجميع، لرواية العلاء بن الفضيل، قوله: «وإن كان يسوقها فعليه ما أصابت بيدها ورجلها».1
ويؤيّده التعليل الوارد في صحيحة الحلبي في مورد الراكب من:«أنّه يملك بإذن الله يدها يضعها حيث يشاء».2
والمفروض أنّه يملك مجموع يديها ورجليها. ولا ينافي ما ذكرناه في التفصيل السابق في رواية السكوني من اختصاص ما أصابته الرجلُ بالسائق ; لأنّه في صورة اجتماع من السائق والقائد والراكب، فتذكرّ.

الفرع التاسع: لو جنت الدابة بسبب الضرب

لو جنت الدابة بسبب ضرب الراكب أو غيره فالضمان على الضارب، راكباً كان أو غيره. قال المحقّق: وكذا إذا ضربها فجنت، ضمن; وكذا لو ضربها غيره، ضمن الضارب.(3)
وذلك لتحقّق النسبة إليه، مضافاً إلى صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام)في حديث أنّه سُئل عن الرجل ينفّر بالرجل فيعقره، وتعقر دابته رجلاً آخر؟ فقال: «هو ضامن لما كان من شيء».3   2

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث3.   3 . شرائع الإسلام:4/257.
3 . الوسائل:19، الباب15 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1. يقال: نفرت الدابة من كذا: جزعت وتباعدت، ويقال: عقرت الدابة بالسيف: ضربت قوائمها، وفي نسخة الوسائل طبعة طهران:«ويعقر دابته رجل آخر» وهو تصحيف، وما أثبتناه في المتن هو الموافق للتهذيب. لاحظ التهذيب10/227، رقم الحديث 8905.

صفحه 196
المسألة 17. لو كان للدابة راكب وسائق وقائد أو اثنان منها، فالظاهر الاشتراك فيما فيه الاشتراك والانفراد فيما فيه كذلك، من غير فرق بين المالك وغيره. وقيل: لو كان صاحب الدابة معها ضمن دون الراكب، وهو كذلك لو كان الراكب قاصراً.*
E وحديثه الآخر عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أيّما رجل فزّع رجلاً من الجدار أو نفّر به عن دابته فخرّ فمات، فهو ضامن لديته، وإن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه».1

الفرع العاشر: لو كان ضارب الدابة يدافع عن نفسه

إذا كان ضرب الغير دفاعاً عن النفس، فلو قصد الدفع لم يكن ضامناً، للأصل والشك في اندراجه في إطلاق الأدلّة; مضافاً إلى ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل كان راكباً على دابة فغشي رجلاً ماشياً حتى كاد أن يوطأه فزجر الماشي الدابة عنه فخرّ عنها فأصابه موت أو جرح؟ قال: «ليس الذي زجر بضامن، وإنّما زجر عن نفسه».2

* لو كان للدابة راكب وسائق وقائد

لو اجتمع في المورد راكب وسائق وقائد، أو اثنان منهم، فيشترك الجميع فيما فيه الاشتراك، وينفرد كلٌّ بما فيه الانفراد. أمّا الأوّل فاشتركوا في ضمان ما تجنيه بيديها ورأسها، واختصّ السائق بجناية الرجلين، أخذاً   2

1 . الوسائل:19، الباب15 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب21 من أبواب قصاص النفس، الحديث3.

صفحه 197
المسألة 18. لو ركبها رديفان تساويا في الضمان، إلاّ إذا كان أحدهما ضعيفاً لمرض أو صغر، فالضمان على الآخر.*
E بحكم الكل. وربّما يفصّل بين كون صاحب الدابة معها، فالضمان عليه دون الراكب، وهو صحيح فيما إذا لم يكن للراكب أي مسؤولية، وإنّما ركب الدابة وألقى كلّ الأُمور على صاحبها.
قال العلاّمة: ولا ضمان على الراكب إذا كان صاحب الدابة معها.1

* لو ركب الدابة اثنان تساويا في الضمان

لو ركبها اثنان تساويا في ضمان ما تجنيه بيدها ورأسها، لصدق الراكب على كلّ منهما; ولخبر سلمة بن تمّام عن علي(عليه السلام) في دابة عليها ردفان، فقتلت الدابة رجلاً أو جرحت، فقضى في الغرامة بين الردفين بالسوية.2
اللهمّ إلاّ إذا كان الآخر ضعيفاً ـ لكبر أو صغر أو مرض ـ لا دور له في توجيه الدابة.
أقول: ما دلّ على ضمان الراكب ناظر إلى ما إذا كان الراكب وحده، ولا أقل هو القدر المتيقّن، وعلى ضوء ما ذكرنا فإنّ ضمان الراكب ليس بما أنّه راكب بل بما أنّ بيده أمر الدابة فلا يشمل ما دلّ على الضمان، الرديفَ الثاني الذي ليس له دور في قيادة الدابة، وأمّا ما روي عن علي (عليه السلام)فهو قضية في واقعة لا يمكن الاستدلال به، لما عرفت من أنّ الضمان في هذه الموارد ليس أمراً تعبديّاً، بل لأجل كون الضمان على من بيده زمام الدابّة، ومن الممكن أن يمنع الدابة   2

1 . قواعد الأحكام:3/657 ولاحظ ما مرّ من السكوني صفحة 193.
2 . الوسائل:19، الباب43 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 198
لو اجتمع السبب والمباشر   
 
المبحث الثالث: في تزاحم الموجبات
المسألة1. إذا اجتمع السبب والمباشر فمع مساواتهما أو كان المباشر أقوى ضمن المباشر، كاجتماع الدافع والحافر، واجتماع واضع المعاثر وناصب السكّين والدافع، واجتماع مؤجّج النار مع الملقي، واجتماع الباني لحائط مائل مع مسقطه. ولو كان المباشر ضعيفاً والسبب قويّاً فالضمان على السبب، كما لو حفر بئراً في الشارع وغطّاها فدفع غيره ثالثاً مع جهله بالواقعة فسقط في البئر، فإنّ الضمان على الحافر.*
E عن الجناية أساساً.
* قد مرّ أنّ المراد من السبب هو الشرط، بمعنى أنّه لولاه لما حصل المسبب، ثمّ إنّه إذا اجتمع السبب والمباشر، فلهما حالات ثلاث:
1. إذا كان تأثير كلّ من السبب والمباشر متساويين.
2. لو كان تأثير المباشر أقوى.
3. لو كان تأثير المباشر ضعيفاً والسبب قوياً.
وقد أفتى المصنّف في الحالتين الأُوليتين بأنّ الضمان على المباشر، بخلاف الثالث فالضمان على السبب، وإليك الأمثلة:
1. الدافع مع الحافر، كما لو حفر بئراً في غير ملكه، وعلم به الغير ودفع ثالثاً إليها، فالضمان على الدافع، لأنّ القتل مستند إليه، دون الحافر.
2. ناصب السكّين والدافع، فلو نصب سكّيناً في الطريق ودفع الآخرُ   2

صفحه 199
E ثالثاً عليها، فالضمان على الدافع لاستناد القتل إليه.
3. مؤجّج النار مع الملقي، فلو أجّج ناراً في الطريق، وألقى آخرُ شخصاً فيها، فالضمان على الملقي.
4. اجتماع باني الحائط مائلاً مع مسقطه، فلو بنى حائطاً مائلاً إلى السقوط وأسقطه الآخر على الغير.
ففي هذه الصور الضمان على المباشر وإن كان هو والسبب متساويين، فضلاً عمّا لو كان المباشر أقوى.
كلّ ذلك في صورة العلم.
وأمّا إذا انعكس الأمر، بأن كان المباشر ضعيفاً والسبب قوياً فالضمان على السبب، كما لو حفر بئراً في الطريق وغطّاها، فدفع غيره شخصاً ثالثاً عليها مع جهله بوجود البئر، فسقط فيها فإنّ الضمان على الحافر.
وحصيلة الكلام: أنّ الضمان على مَن يستند إليه القتل عُرفاً وإن كان للغير نحو مدخلية فيه، فلذلك ترى في صورة علم السبب والمباشر يكون الضمان على الثاني، وفي صورة جهل المباشر، وعلم السبب ينعكس الحكم.
ثمّ إنّ السيد الخوئي(رحمه الله) استشكل في الصورة الأخيرة ـ أعني: إذا كان الدافع جاهلاً ـ فقال: وأمّا إذا كان جاهلاً فالمشهور أنّ الضمان على الحافر،... ثم قال: وفيه إشكال، ولا يبعد كون الضمان على كليهما ; أمّا الحافر فلإطلاق ما دلّ على ضمانه1، وأمّا الدافع فلاستناد القتل إليه، فيكون داخلاً في القتل   2

1 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1، وغيره.

صفحه 200
E الشبيه بالعمد، والجهل بالحال لا يكون رافعاً لصحة استناد القتل إليه. ومن هنا لو دفع شخصاً إلى حفيرة طبيعية لا يعلمها الدافع فسقط فيها فمات، أو دفعه إلى بئر في ملكه لا يعلمها، فلا شبهة في ضمان الدافع، ولا فرق بين ذلك وما نحن فيه.1
أقول: يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ضمان الحافر في المقام لأجل استناد القتل إليه. لا لإطلاق الروايات فإنّ مصبّها ما إذا كان الحفر علّة تامّة له كما هو ظاهر قوله: رجل حفر بئراً في غير ملكه فمرّ عليها رجل فوقع فيها، فقال: «عليه الضمان ; لأنّ كلّ مَن حفر بئراً في غير ملكه كان عليه الضمان».2 وليس الحفر في المقام كذلك.
وثانياً: أنّ الدافع ليس بضامن في المقام، وقياسه بالموردين قياس مع الفارق، حيث إنّ مشاركة الحافر مع الدافع صارت سبباً لعدم ضمان الدافع لأنّ السبب كان أقوى، بخلاف الموردين إذ لم يشارك الدافع أحد، فيكون هو الضامن.
   
وحصيلة الكلام: أنّ القول بالتفصيل بضمان الدافع في صورة العلم، والحافر في صورة الجهل، هو الأنسب للقواعد والأوفق للعقول الحصيفة.

1 . مباني تكملة المنهاج:2/259. الظاهر أنّ الضمير في «ملكه» يرجع إلى المدفوع وضمير الفاعل في «لا يعلمها» يرجع إلى الدافع.
2 . الوسائل: 19، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1 وغيره.

صفحه 201
المسألة2. لو اجتمع السببان فالظاهر أنّ الضمان على السابق تأثيراً، وإن كان حدوثه متأخّراً، كما لو حفر بئراً في الشارع وجعل آخر حجراً على جنبها، فسقط العاثر بالحجر في البئر فالضمان على الواضع. ولو نصب سكّيناً في البئر فسقط في البئر على السكّين، فالضمان على الحافر، ولو وضع حجراً ووضع آخر حجراً خلفه فعثر بحجر وسقط على آخر، فالضمان على الواضع الذي عثر بحجره، وهكذا. هذا مع تساويهما في العدوان، ولو كان أحدهما عادياً فالضمان عليه خاصّة، كما لو وضع حجراً في ملكه وحفر المتعدّي بئراً فعثر بالحجر وسقط في البئر، فالضمان على الحافر المتعدّي.*

* لو اجتمع السببان فعلى مَن الضمان ؟

كان البحث في المسألة السابقة حول اجتماع السبب والمباشر، والكلام في المقام هو اجتماع السببين، وقد مثّل له المصنّف بما يلي:
الأوّل: لو حفر أحدٌ بئراً في الشارع، وجعل آخر حجراً على جنبها، فسقط العاثر بالحجر في البئر. وقد أفتى المصنّف بأنّ الضمان على السبب السابق تأثيراً وإن تأخر حدوثاً، وهو وضع الحجر لأنّه أثّر قبل أن يؤثر البئر.
وقد فرض في المتن، حفر البئر متقدّماً على وضع الحجر، لكن الحجر أسبق تأثيراً على البئر، ولعلّه إلى هذا أشار المحقّق بقوله: لو اجتمع سببان، ضمن مَن سبقت الجناية بسببه، كما لو ألقى حجراً في غير ملكه وحفر الآخر بئراً، فلو سقط العاثر بالحجر في البئر، فالضمان على الواضع.1   2

1 . شرائع الإسلام:4/258.

صفحه 202
E وفي «الجواهر» بقوله: فالضمان على الذي سبقت الجناية بسببه المقتضي لضمانه فيستصحب حكم أثر السبب الأوّل، وبه رُجّح على السبب الثاني الذي قد صار بالنسبة إلى الأوّل كالشرط للمباشر.1
قال العلاّمة: ولو اجتمع سببان مختلفان، قدّم الأوّل منهما في الضمان.2
واستشكل فيه السيد الخوئي وقال: الأظهر أنّ الضمان على كليهما ; وذلك لأنّ ما استند إليه لا يخلو من إشكال، وذلك لأنّه لا مجال للاستصحاب أصلاً حيث إنّه لا أثر للسبب الأوّل قبل السبب الثاني، بل هو مستند إلى كليهما معاً، فالنتيجة أنّ نسبة الضمان بالنسبة إلى كلا السببين على حدّ سواء، فلا وجه لترجيح السابق جناية على اللاحق كذلك.3
ولعلّه الظاهر، إذ فرق بين هذه الصورة وما اجتمع فيه المباشر والسبب، حيث يلاحظ فيه ما هو أقوى تأثيراً لكن الظاهر في المقام أنّ التلف مستند إلى فعلهما، إذ ليس مجرد وضع الحجر سبباً للتلف لولا حفر الحافر، وكذلك العكس.
المثال الثاني: لو حفر بئراً في غير ملكه ونصب آخر سكّيناً في البئر فسقط أحدٌ في البئر على السكّين، فعلى مقتضى ما ذكره من كون الضمان على السابق تأثيراً، فالضمان على الحافر لأنّه أسبق تأثيراً قبل واضع السكّين، ويأتي هنا ما استشكل به السيد الخوئي في المثال السابق، لأنّ كلاًّ من الحفر   2

1 . جواهر الكلام:43/146.
2 . قواعد الأحكام:3/658.
3 . مباني تكملة المنهاج:2/260.

صفحه 203
E ونصب السكّين وإن كان سبباً تامّاً للقتل لكن السبب الأوّل خرج عن كونه سبباً تامّاً لوقوعه على السكّين فاشتركا في القتل، وهذا نظير من ضرب ضربة قاتلة ولكن قبل زهوق روحه ضرب الآخر ضربة أثرت فيه فالضمان عليهما.
المثال الثالث: لو وضع حجراً ووضع شخص آخر حجراً خلفه، فعثر بالحجر وسقط إلى الخَلف، فالحكم عند المصنّف مثل ما سبق فالمؤثر سابقاً هو الحجر الذي عُثر به دون الحجر الذي سقط عليه. ولو قيل بالاشتراك يكون أولى ; لأنّ كلاًّ بمجرده ليس سبباً للتلف، بل السبب هو المجموع من السببين.
هذا كلّه مع تساويهما في العدوان، ولو كان أحدهما عادياً كان الضمان عليه، كما لو وضع حجراً في ملكه وحفر المتعدّي بئراً في ملك الغير، فعثر بالحجر وسقط في البئر، فالضمان على الحافر المتعدّي، وإن كان تأثيره متأخّراً عن الحجر الذي عُثر به; وذلك لأنّ واضع الحجر لم يكن عادياً بل جارياً على أُسلوب القانون في ملكه، وأمّا الآخر الذي حفر بئراً في ملك الغير هو المتعدّي فيكون الضمان عليه.

صفحه 204
المسألة3. لو حفر بئراً قليل العمق فعمّقها غيرُه، فهل الضمان على الأوّل للسبق، أو على الثاني، أو عليهما؟ احتمالات، أرجحها الأوّل.*

* لو حفر بئراً وعمّقه غيره فعلى مَن الضمان ؟

مفروض المسألة فيما إذا حفر أحدٌ بئراً في طريق المسلمين لكن كان قليل العمق بحيث لا يكون التردي فيها موجباً للقتل، ثم جاء شخص آخر فزاد في عمقها، فإذا وقع فيه أحد المارّة، فهل الضمان على الحافر الأوّل لأنّه أسبق السببين في التأثير وهو خيرة التحرير والإرشاد، أو يكون على الاشتراك وذلك لأنّ التلف استند إلى سبب واحد وهو التردّي في البئر بما لها من العمق، وهو خيرة الإيضاح والمحقّق الثاني؟1
قال العلاّمة: ولو حفر بئراً قليل العمق فعمّقها غيره، فالضمان على الأوّل أو يشتركان، إشكال.(2)
ورجّح المصنّف الوجه الأوّل استناداً على الضابطة السابقة من تقديم السابق تأثيراً.
لكن القول بالاشتراك أظهر ; لأنّ كلاًّ من الفعلين غير متلف، وإنّما المتلف هو المجموع من الحفرين فيؤاخذان، ولو قلنا بضمان السابق تأثيراً فيما إذا حفر أحدهما ونصب الآخر سكّيناً في وسط البئر، لا نقول به في المقام لأنّه قياس مع الفارق، وأنّ كلاًّ من الحفر ونصب السكّين متلف مستقلاً، فإذا اجتمعا تنسب الجناية إلى الأوّل، بخلاف المقام فإنّ الأوّل غير متلف بمفرده، وإنّما يتلف بضم الآخر.

1 . مفتاح الكرامة:21/94.   2 . قواعد الأحكام:3/658.

صفحه 205
المسألة4. لو اشترك اثنان أو أكثر في وضع حجر ـ مثلاً ـ فالضمان على الجميع، والظاهر أنّه بالسويّة وإن اختلف قواهم.*
المسألة5. لو سقط اثنان في البئر فهلك كلّ منهما باصطدام الآخر، فالضمان على الحافر.**

* لو اشترك اثنان أو أكثر في وضع حجر فعلى مَن الضمان

لا شكّ أنّ المسألة من باب المشاركة في القتل فيكون الضمان على الجميع، وقد مرّ أنّه لا يعتبر في المشاركة مساواة العمل، بل يكفي نفس المشاركة، وإن كان تأثير البعض أخفّ من تأثير الآخر، لكن المجموع بما هو مجموع قد أثّر في القتل، ومثله المقام.

** لو سقط اثنان في البئر فماتا فعلى من الضمان ؟

لو حفر إنسان بئراً في طريق المسلمين، فغطّاها ثمّ سقط اثنان في البئر فهلك كلٌّ باصطدام الآخر، فأفتى المصنّف أنّ الضمان على الحافر.
وصريح كلام المصنّف أنّ كلاًّ هلك باصطدام الآخر، ولكن المُعنون في كلام العلاّمة غيره.
قال : ولو تردّى في بئر فسقط عليه آخر فضمانهما على الحافر، وهل لورثة الأوّل الرجوع على عاقلة الثاني بنصف الدية، حتى يرجعوا به على الحافر، إشكال.1   2

1 . قواعد الأحكام:3/658.

صفحه 206
E ومحل الفرض في كلامه ما إذا كانت البئر محفورة عدواناً واستند موت الأوّل إلى أمرين التردّي وسقوط الآخر عليه، كما أنّ موت الثاني استند إلى الاصطدام، فالضمان على الحافر; لأنّه السبب في ترديهما وموتهما.
وبما أنّ الأوّل قُتِل نصفه بالتردّي ونصفه الآخر بسقوط الآخر عليه، احتمل رجوع ورثة الأوّل على عاقلة الثاني بنصف الدية، حتى يرجعوا به على الحافر، ولكنّه ضعيف.
بل المقام من مقولة أقوائيّة السبب(الحافر) من المباشر(أي الساقط الثاني).
   

صفحه 207
 
القول في الجناية على الأطراف
وفيه مقاصد:

المقصد الأوّل: في ديات الأعضاء

اعلم أنّ كلّ ما لا تقدير فيه شرعاً ففيه الأرش المسمّى بالحكومة، فيفرض الحر عبداً قابلاً للتقويم ويقوّم صحيحه ومعيبه ويؤخذ الأرش. ولابدّ من ملاحظة خصوصيّات الصحيح والمعيب حتى كونه معيباً في أمد: كما في شعر الرأس الذي ينبت في مدّة، وأمّا التقدير ففي موارد:
* دية الأعضاء على قسمين:
الأوّل: ما ورد فيه التقدير شرعاً، وهو في ثمانية عشر عضواً عند المحقّق، نظير:
1. الشعر، 2. العينان، 3. الأنفس، 4. الأُذنان، 5. الشفتان، 6. اللسان، 7. الأسنان، 8. العنق، 9. اللحيان، 10. اليدان، 11. الأصابع، 12. الظهر، 13. النخاع، 14. الثديان، 15. الذكر، 16. الشفران ، 17. الاليتان، 18. الرجلان.
واقتصر السيد الخوئي على ستة عشر موضعاً 1 وزاد المصنّف وأنهاها إلى الحادي والعشرين موضعاً كما سيوافيك.   2

1 . مباني تكملة المنهاج: 2 / 267 .

صفحه 208
E الثاني: ما لم يرد فيه التقدير شرعاً، ففيه الأرش. وهناك ثلاثة طرق لمحاسبة التفاوت:

الطريق الأوّل: محاسبة التفاوت بفرض المجروح حرّاً وعبداً

ما ذكره المصنّف في كيفية تقدير الدية فيما لا نصّ فيه هو المعروف بين القدماء، وطريقه أن يجعل الحرّ بمنزلة المملوك فيقوّم صحيحاً ومجروحاً مثلاً، وتنسب إحداهما إلى الأُخرى، فيؤخذ من ديته بنسبة النقص، فلو لم يجب الأرش مع عدم التقدير، لزم الاعتراف بوجود جناية لا استيفاء لها ولا قصاص ولا دية، في الشرع وهو مناف لما يمكن القطع به من الأدلّة; ففي خبر أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّ عندنا الجامعة»، قلت: وما الجامعة؟ قال: «الجامعة صحيفة فيها كلّ حلال وكلّ حرام وكلّ ما يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش».1
مثلاً في شعر الرأس الدية الكاملة، إذا لم ينبت، فإن نبت ففيه الأرش، بمعنى يفرض عبداً ويقوّم مع الشعر وبلا شعر، فالتفاوت بين القيمتين هو الأساس والحكومة على وجه الإجمال، ثمّ إنّه يقع الكلام في صحّة هذا الطريق من وجوه:

الأوّل: ما هو الدليل عليه؟

هذا الطريق وإن كان معروفاً بين القدماء بل الفقهاء، لكنّ الروايات الواردة في المقام تشير إلى أحد العناوين الثلاثة:   2

1 . الكافي:1/239، والحديث مفصّل نقلناه بتلخيص.

صفحه 209
E 1. قيمة عدل.
2. الحكومة.
3. الأرش.
وليس في هذه العناوين أيّة إشارة إلى هذا الطريق، وإليك دراسة الروايات الواردة في المقام.
أمّا العنوان الأوّل: فنذكر منه ما يلي:
1. روى سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام): «في الرِجْل الواحدة نصف الدية، وفي الأُذن نصف الدية إذا قطعها من أصلها، وإذا قطع طرفها ففيها قيمة عدل».1 وأين هذه الرواية من الاحتساب المذكور.
2. روى العياشي في تفسيره عن ابن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في دية الأنف... إلى أن قال: وما كان من ذلك من جروح أو تنكل فيحكم به ذو عدل منكم ـ يعني به الإمام ـ قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)2»3. ويحتمل ان تكون الرواية ناظرة إلى العنوان الثاني.
وأمّا العنوان الثاني ـ أعني: الحكومة ـ فقد وردت في رواية عن الصدوق بإسناده عن أبان وقال: إنّ في روايته: الجائفة ما وقعت في الجوف ليس لصاحبها قصاص إلاّ الحكومة والمنقلة تنقل منها العظام وليس فيها   2

1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث7.
2 . المائدة: 44.
3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث14. ويحتمل أن يكون ما في الرواية من باب الحكومة، فلاحظ.

صفحه 210
E قصاص إلاّ الحكومة.1 ولا تدلّ الرواية على ما ذكروه من الاحتساب.
وأمّا العنوان الثالث ـ أعني: الأرش ـ فقد ورد فيما رواه إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: ميّت قطع رأسه، قال: «عليه الدية»، قلت: فمن يأخذ ديته؟ قال: «الإمام هذا لله، وإن قطعت يمينه أو شيء من جوارحه فعليه الأرش للإمام».2

الثاني: عدم التمكّن من إعمال هذا القياس

ما ذكروه من الطريق صحيح بالنسبة إلى أعصارهم، فقد كان العبد والأمة متوفران في مجتمعاتهم ولذلك لجأوا إلى هذا الطريق، ونعم الطريق هو.
وأمّا الأحوال الحاضرة، فلا يمكن الوصول إلى هذا الطريق، لعدم وجود العبيد والإماء في مجتمعاتنا المعاصرة.
نعم الحضارة الغربية ألغت نظام الرق وأنعمت على كلّ فرد بالحرية، ولكنّها من باب آخر فرضت مكان العبودية الفردية العبودية الجماعية، بواسطة الاستعمار الذي أُريد به ـ في أوّل أيامه ـ عمران البلدان، ولكن أصبحت أهدافه بعد ذلك، امتصاص ثروات هذه البلدان واستعباد أهلها.

الثالث: إذا عُلم التفاوت فما هو المنسوب إليه؟

لو وقفنا على مقدار التفاوت، بين الشخصين، كما في المثال المذكور حيث صار التفاوت عشرة، يقع الكلام في أنّه هل يؤخذ بهذا التفاوت،   2

1 . الوسائل:19، الباب16 من أبواب قصاص الطرف، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث3.

صفحه 211
E أو ينسب إلى دية النفس، أو دية العضو؟ هنا احتمالات:
1. ينسب التفاوت إلى دية النفس التي هي ألف دينار، فيجب أن يدفع عُشر دية النفس وهي مائة.
2. ينسب التفاوت إلى دية العضو، كالدية التي هي خمسمائة دينار، فيؤخذ منها عُشرها، أعني خمسون ديناراً.
3. يحتمل أن تكون دية هذا التفاوت بلا نسبة إلى شيء، أعني: عشرة دنانير.
والظاهر هو الأوّل دون الثاني والثالث.
***

الطريق الثاني: تقدير الحاكم

هذا الطريق هو خيرة السيد الخوئي فإنّه استشكل على الطريق الأوّل، قائلاً بأنّ الإجماع المدّعى في المسألة إنّما هو الإجماع على الحكومة وأمّا تفسيرها في المتن، فلم يثبت بدليل ولا إجماع عليه، فإذن الصحيح ما ذكرناه (أن يأخذ الحاكم من الجاني ما يرى فيه المصلحة)، واستدلّ على ذلك بروايات:
منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«دية اليد إذا قطعت خمسون من الإبل، وما كان جروحاً دون الاصطلام فيحكم به ذوا عدل منكم، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)1.   2

1 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب ديات الشجاج والجراح، الحديث1.

صفحه 212
E فإنّ هذه الصحيحة تدلّ على أنّ تعيين الدية في الجروح دون الاصطلام إنّما هو بحكم ذوي عدل من المسلمين، بمعنى أنّ الحاكم يستعين في تعيين الدية في أمثال ذلك بشهادتهما.
ثم استدلّ بروايتين أُخريين تدلاّن على أنّ حقّ المسلم لا يذهب هدراً، ثمّ قال: لو لم يعيّن الحاكم غرامته بمقتضى شهادة ذوي عدل من المسلمين، لذهب حقّ المسلم هدراً.1
أقول: لا شكّ أنّ الرجوع إلى الحاكم وكون الملاك ما رآه مصلحة، لا يحل العقدة، إذ يبقى الكلام فيما هو الملاك لديه للتقدير إلاّ أن يتّكل على ما في الطريق الثالث.

الطريق الثالث: تقدير أهل الخبرة

الرجوع إلى أهل الخبرة من الأطباء وغيرهم ليقدروا نسبة العجز إلى النفس، وهذا هو المعمول في تعيين مقدار التعويق عند المعوّقين، مثلاً يقولون: فلان معوّق خمساً وعشرين بالمائة 25%.
نعم هذا يتمّ في الأعضاء التي لها مدخلية في القدرة والعجز، ولا يتمّ في الأعضاء المتعلّقة بكمال الإنسان وجماله.
مثلاً لو كوى وجنته بحديدة محماة، فسوف يوجد في وجهه نقطة سوداء تؤثر في جمال الإنسان، فكيف يمكن لنا تقدير أرشه، على حسب عجزه إلى النفس، والمفروض أنّه لا دخل له في العجز والقدرة.   2

1 . مباني تكملة المنهاج:2/267.

صفحه 213
E والذي يمكن أن يقال: إنّ الطريق الثاني المستفاد من الروايات لابدّ أن تستمدّ في التقدير من ضابطة، وليست هي إلاّ ما جاء في الطريق الثالث وكيفية المحاسبة.
إنّ الأطباء والخبراء إذا قدّروا مقدار النقص بحسب النسبة المئوية من الواحد إلى التسع والتسعين، فبهذا المقدار من النسبة المئوية يؤخذ من دية النفس، فلو كان النقص بقدر خمس وعشرين بالمائة، يؤخذ من دية النفس الربع،ولو قدّر خمسون يؤخذ من الدية نصفها. وبهذا يمكن الجمع بين الطرق الثلاثة في النتيجة.
وعلى كلّ تقدير فيجب على الفقيه أن يتحرّى الطريق الأصلح للخروج من هذا المأزق.

صفحه 214
في دية الشعر   

الأوّل: الشعر

المسألة 1. في شعر رأس الذكر ـ صغيراً كان أو كبيراً، كثيفاً أو خفيفاً ـ الدية كاملة إن لم ينبت، كما لو صب على رأسه ماءً حاراً فسقط شعره ولم ينبت، أو أذهب شعره بأيّ وجه كان. وكذا في اللحية إذا حلقت أو نتفت ـ مثلاً ـ ولم تنبت، الدية كاملة، وإن نبتا ففي اللحية ثلث الدية على الأقوى، وفي شعر الرأس الأرش، وأمّا الأنثى ففي شعرها ديتها كاملة إن لم ينبت، ولو نبت ففيه مهر نسائها، من غير فرق بين الصغيرة والكبيرة.*
* في المسألة فروع:
1. إذا جنى على شعر رأس الذكر، ولم ينبت.
2. إذا جنى على لحية رجل، ولم تنبت.
3. إذا جنى على اللحية ونبتت.
4. إذا جنى على شعر الرأس ونبت.
5. إذا جنى على شعر رأس الأُنثى ولم ينبت.
6. إذا جنى على شعرها ولكن نبت.
وإليك دراسة الفروع.
وحاصل الأحكام في الفروع الستة: أنّه فيما لم ينبت الدية الكاملة، فالرجل ألف دينار والمرأة خمسمائة.
وفيما نبت فالمنصوص شعر اللحية وفيه ثلث الدية، وأمّا شعر الرأس ففيه الأرش. وفي شعر المرأة مهر نسائها.   2

صفحه 215
E وإليك التفصيل:

الفرع الأوّل: لو جنى على شعر رأس الذكر

إذا جنى على شعر رأس الذكر بصبّ ماء حار أو غيره على نحو لم ينبت ففيه الدية كاملة، لدخوله تحت الضابطة من أنّ كلّ ما يكون في بدن الإنسان منه واحد، ففيه الدية كاملة. وهذا خيرة المشهور، ولم يتأمّل فيه إلاّ صاحب المسالك وتبعه الأردبيلي وسيأتي وجه تأمّله.1
ويدلّ على خيرة المشهور:
1. ما رواه الصدوق في الفقيه عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن جعفر بن بشير، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل صبّ ماءً حاراً على رأس رجل فامتعط شعره فلا ينبت أبداً؟ قال:«عليه الدية».(2)
والرواية صحيحة السند، والصدوق أخذ الرواية عن كتاب جعفر بن بشير وذكر سنده إليه في المشيخة وذكره في الوسائل على نحو الإجمال.2والرواية هذه خالية عن ذكر «اللحية».
ثمّ إنّ الشيخ الطوسي نقل الرواية بالجمع بين شعر الرأس واللحية، فروى عن محمد بن الحسن الصفّار عن محمد بن الحسين] بن أبي الخطاب [عن جعفر بن بشير، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل دخل الحمّام فصُبَّ عليه ماءٌ حار، فامتعط شعر رأسه   2

1 . مجمع الفائدة والبرهان:14/356.   2 . من لا يحضره الفقيه: 4 / 149 برقم 5330 .
2 . لاحظ : الوسائل:19، الباب37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.

صفحه 216
E ولحيته فلا ينبت أبداً؟ قال:«عليه الدية».1
والسند نفس السند غير أنّ الراوي في الفقيه عن محمد بن الحسين (بن أبي الخطاب) هو: سعد بن عبد الله القمّي، وفي التهذيب هو: محمد بن الحسن الصفار.
ترى أنّه جمع بين شعر رأس واللحية، ولذلك استشكل في «المسالك» وقال: وفي الاستدلال نظر لدلالة الرواية على وجوب الدية لهما معاً، لا لكل واحد الذي هو المدّعى.(2)
يلاحظ عليه: بأنّه وقف على رواية التهذيب دون رواية الفقيه وقد جاء في الثاني «شعره» أي فقط، كما مرّ ومن المعلوم أنّ «الفقيه»أضبط من «التهذيب» على أنّه من المحتمل أن تكون الـ«واو» بمعنى «أو» فيكون المعنى كلّ واحد منهما.
2. خبر سلمة بن تمّام المروزي، قال: أهرق رجل قدراً فيها مرق على رأس رجل فذهب شعره، فاختصموا في ذلك إلى علي(عليه السلام) فأجّله سنة فجاء فلم ينبت شعره، فقضى عليه بالدية.2
وضعف الخبر منجبر بالشهرة العملية المعلومة.
ثمّ لا فرق في شعر الرأس إذا لم ينبت بين الذكر والأُنثى والصغير والكبير، ولا بين الكثيف والخفيف; لإطلاق الرواية، ومعقد الإجماع.
ثمّ إنّ صاحب المسالك استدلّ برواية مسمع، والظاهر أنّه من سهو   2

1 . التهذيب:10/250، الحديث992.   2 . مسالك الأفهام:15/398.
2 . الوسائل:19، الباب37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث3.

صفحه 217
E القلم فإنّ موردها هو اللحية لا شعر الرأس .

الفرع الثاني: إذا جنى على لحية رجل ولم تنبت

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا حلق لحية غيره فنبتت كان عليه ثلث الدية وعند الفقهاء لا شيء عليه، وإن لم تنبت فقد ذكرنا الخلاف فيه. وقال في موضع آخر: شعر الرأس واللحية والحاجبين وأهداب العينين متى أُعدم إنبات شيء منها، ففيها الدية، ففي شعر الرأس واللحية دية كاملة. ثم روى عن زيد وقال: إنّه قضى فيه بثلث الدية.1
وقال المحقّق:وكذا (الدية) في شعر اللحية.(2) وقال العلاّمة في «القواعد»: وفي شعر اللحية الدية، إن لم ينبت.2
ووصفه العاملي بالمشهور ناقلاً عن المسالك والمفاتيح.(4)
ويدلّ عليه الخبران التاليان:
1. خبر مسمع عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قَضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في اللحية إذا حلقت فلم تنبت، الدية كاملة، فإذا نبتت فثلث الدية».3
2. ما رواه الصدوق باسناده عن السكوني: مثله.4
ويؤيّده ما رواه سليمان بن خالد حيث جمع بين اللحية والرأس، وقد قلنا: إنّه يحتمل كون «الواو» بمعنى «أو».   2

1 . الخلاف:5/197، المسألة 67.   2 . شرائع الإسلام:4/261.
2 . قواعد الأحكام:3/670.   4 . مفتاح الكرامة:21/197.
3 . الوسائل:19، الباب37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
4 . نفس المصدر، ذيل الحديث1.

صفحه 218
في دية الشعر واللحية   

E الفرع الثالث والرابع: لو جنى على اللحية والشعر فنبتا

إذا جنى على اللحية فنبتت، أو على شعر الرأس فنبت، فقد أفتى في المتن بأنّ في الأوّل ثلث الدية وفي الثاني الأرش. أمّا الأوّل فقد ذهب إليه أبو علي والصدوق في المقنع وظاهر الفقيه والشيخ في النهاية والمبسوط والخلاف، ونسبه في المختلف إلى ابن إدريس.1
وفي الشرائع: فإن نبتا فقد قيل في اللحية ثلث الدية، والرواية ضعيفة.(2)
ويدلّ عليه خبر مسمع المروي في الكافي والتهذيب باسنادين عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في اللحية إذا حلقت فلم تنبت، الدية كاملة، فإذا نبتت فثلث الدية».
ورواه الصدوق في الفقيه عن السكوني 2.
والرواية وإن كانت ضعيفة لكن رواها المحمدون الثلاثة ولا معارض لها، وقد عمل بها الأقدمون حتّى من لا يعمل بأخبار الآحاد، ولذلك قال في المتن: على الأقوى.
وأمّا الثاني ففيه الأرش، وذلك للضابطة الكلية من أنّ كلّ مورد لا مقدّر فيه للدية شرعاً، فالمرجع فيه هو الحكومة .
   
هذا كلّه يرجع إلى شعر الذكر ولحيته، بصورهما الأربع، وإليك الكلام في شعر رأس المرأة.   2

1 . مفتاح الكرامة:21/199.   2 . شرائع الإسلام:4/261.
2 . الوسائل:19، الباب37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1 و ذيله. نقلاً عن الفقيه: 4 / 150 برقم 5332 .

صفحه 219

E الفرع الخامس: لو جنى على شعر المرأة

إذا جنى على شعر المرأة، فلم ينبت، ففيه الدية كاملة.
قال المحقّق: أمّا شعر المرأة ففيه ديتها.1
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده.(2) ويدلّ عليه ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن سليمان عن عبد الله بن سنان في حديث، قال: جعلت فداك فما على رجل وثب على امرأة فحلق رأسها؟ قال: «يضرب ضرباً وجيعاً ويحبس في سجن المسلمين حتى يستبرأ شعرها، فإن نبت أُخذ منه مهر نسائها، وإن لم ينبت أُخذت منه الدية كاملة: خمسة آلاف درهم».(3)
وروى الصدوق في الفقيه جزءاً من الحديث بالسند التالي: قال: روى إبراهيم بن هاشم، عن صالح بن السندي، عن محمد بن سليمان المصري عن عبد الله بن سنان.2
ونقله الشيخ بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن سليمان المنقري، عن عبد الله بن سنان.(5)
ترى أنّ الراوي عن عبد الله بن سنان في طريق الكافي كما مرّ هو: محمد بن سليمان، وفي طريق الصدوق في الفقيه هو: محمد بن سليمان المصري، وفي طريق التهذيب حسب نقل الوسائل: محمد بن سليمان المنقري، ولكن في أصل التهذيب: سليمان المنقري وهو الصحيح، فإنّ سليمان المنقري   2

1 . شرائع الإسلام:4/261.   2 . جواهر الكلام:43/147.   3 . الكافي:7/261، الحديث10.
2 . الفقيه:4/34، برقم 100.   5 . التهذيب:10/262، برقم 1036.

صفحه 220
E هو سليمان بن داود المنقري وهو ثقة.
وأمّا محمد بن سليمان فالظاهر أنّه مجهول، واحتمل السيد الخوئي أنّ المراد منه هو محمد بن سليمان الديلمي وهو ضعيف. ولا مانع من أن يروي عن عبدالله بن سنان اثنان: محمد بن سليمان، وسليمان بن داود المنقري.
وعلى هذا فالمستند هو ما رواه الشيخ على ما في «التهذيب» عن سليمان المنقري الذي يراد به سليمان بن داود المنقري.
ثمّ إنّ السيد العاملي تفطّن إلى الاضطراب في السند فقال: الحديث مروي بسندين: أحدهما: في باب الحدّ في القيادة رواه المحمدون الثلاث، وفيه محمد بن سليمان، وهو مجهول.
والآخر: رواه في «التهذيب» في باب الديات كذلك فيما وجدناه فيما عندنا من نسخة، ولكنّه في «الوافي» رواه في المقام عن سليمان بن داود المنقري، فإن صحّ ما في «الوافي» كان الحديث حسناً عندنا أو صحيحاً على الأقرب عند الأُستاذ(قدس سره).1
هذا كلّه إذا لم ينبت.

الفرع السادس: لو جنى على شعر رأس المرأة ثم نبت

إذا جنى على شعر الرأس، ولكن نبت، ففيه مهر نسائها، إجماعاً كما في «الغنية»، وبلا خلاف أجده إلاّ من الإسكافي كما في «الرياض»، وهو المشهور بحيث لم يظهر الخلاف إلاّ من ابن الجنيد فأثبت فيه ثلث الدية، والدليل   2

1 . مفتاح الكرامة:21/197.

صفحه 221
المسألة2. لو نبت بعضه دون بعض فهل فيه الأرش، أو أخذ من الدية بالحساب فيلاحظ نسبة غير النابت إلى الجميع فيؤخذ نصف الدية إن كان نصفاً، وثلثها إن كان ثلثاً، وهكذا ولا يلاحظ خفة الشعر وكثافته؟ الثاني أرجح في غير النابت، وفي النابت لا يسقط الأرش على الظاهر.*
E على ما ذكرناه هو صحيح عبد الله بن سنان على ماعرفت، فقد جاء فيه: «فإن نبت أخذ منه مهر نسائها، وإن لم ينبت أخذ منه الدية كاملة».
قلت: فكيف صار مهر نسائها إن نبت شعرها؟ فقال:«يابن سنان إنّ شعر المرأة وعذرتها شريكان في الجمال، فإذا ذهب بأحدهما وجب لها المهر كملاً».1

* لو نبت بعض الشعر دون البعض فهل فيه الأرش ؟

كان مدار البحث في المسألة السابقة فيما إذا لم ينبت كلّ الشعر أو نبت كلّه، وأمّا لو فرض أنّه نبت نصف شعر الرأس أو ثلثه، فهذا هو موضوع البحث في المقام، وقد ذكر في المتن وجهان:
1. أنّ فيه الأرش، وهو خيرة «الوسيلة» لابن حمزة قال: إنّ شعر الرأس لا قصاص فيه، فإن كان رجلاً ولم ينبت ففيه الدية، وإن نبت بعضه أو كلّه ففيه الأرش على ما يراه الإمام.(2)
2. أُخذ من الدية بالحساب، نقله في «كشف اللثام» عن الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا(عليه السلام) قال: إنّه لو نبت كلّه أو بعضه، أُخذ من الدية بالحساب،   2

1 . الوسائل:19، الباب30 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.   2 . الوسيلة:444.

صفحه 222
المسألة3. تشخيص عدم نبات الشعر أبداً موكول إلى أهل الخبرة، فإن حكم أهل الخبرة بعدم النبات تؤخذ الدية، ولو نبت بعد ذلك فالظاهر رجوع ما فضل من الدية.*
E وأضاف أنّه أقرب إن أمكنت معرفة قدر النابت وغيره.1
وأضاف في «الجواهر» وقال: ستعرف اتّفاقهم ظاهراً على اعتبار النسبة في أبعاض كلّ ما له مقدّر.(2)
ثمّ إنّ المصنّف اختار الوجه الثاني في غير النابت وقال: الثاني أرجح في غير النابت. ثم قال: وفي النابت لا يسقط الأرش على الظاهر، وذلك لأنّ مورد الروايات فيما لو نبت الكل أو لم ينبت منه شيء، وأمّا إذا نبت البعض فهو خارج عن مصبّ الروايات، ولا يكون فيه إلاّ الأرش، وقد مرّ أنّه إذا نبت الكلّ ففي اللحية ثلث الدية وفي شعر الرأس، الأرش، فإذا كان هذا حال الكلّ، فالأولى أن يكون البعض (إذا نبت بعضه) كذلك ففيه الأرش، إذ لم يرد فيه تقدير.

* تشخيص عدم نبات الشعر موكول إلى أهل الخبرة

قد عرفت أنّ الإمام يحبس الجاني حتى يعلم حال شعر المجني عليه، وأنّه هل ينبت شعره أو لا؟ وعلى هذا فلو اختلفوا في إمكان الإنبات وعدمه، يؤخذ بقول أهل الخبرة من دون حبس سنة، فلو حكم أهل الخبرة بعدم الإنبات ولكن ظهر الخلاف ونبت الشعر، فحينئذ ينقص الدية إلى مقدار   2

1 . كشف اللثام:11/325.   2 . جواهر الكلام:43/172.

صفحه 223
المسألة4. لو زاد مهر مثل المرأة على مهر السنّة، يؤخذ مهر المثل. نعم لو زاد على الدية الكاملة فليس لها إلاّ الدية، ويحتمل الرجوع إلى الأرش.*
E الأرش الذي هو حكم من نبت شعر رأسه. ولو أخذ تمام الدية في شعر اللحية ثم نبت، يتعيّن عليه ثلث الدية فينقص الدية إلى ثلثها.

* لو زاد مهر مثل المرأة على مهر السنّة

قد عرفت أنّه إذا جنى على شعر المرأة ثم نبت بعد الجناية، فإنّ لها على الجاني مهر نسائها. ثمّ إنّ مهر نسائها إمّا أن يزيد على مهر السنّة، أو يزيد على الدية الكاملة. فعلى الأوّل يؤخذ بمهر نسائها أخذاً بإطلاق الرواية، إنّما الكلام إذا زاد عن ديتها كاملة فهناك احتمالات ثلاثة:
1. الأخذ بالإطلاق ما دلّ على أنّ ديتها، مهر نسائها، من غير فرق بين كونه أنقص من الدية أو مساوياً أو أزيد .
2. الأخذ بالدية الكاملة لاستبعاد أن تكون دية الشعر بعد ما نبت أزيد من الدية الكاملة، فيكون المرجع هو الدية. وأمّا إطلاق الرواية فهو منصرف إلى غير هذه الصورة.
3. الرجوع إلى الأرش، ولعلّ الثاني أظهر. ولكون المورد ممّا لم يرد فيه نصّ، فالأفضل التصالح.

صفحه 224
المسألة5. في شعر الحاجبين معاً خمسمائة دينار، وفي كلّ واحد نصف ذلك، وفي بعض منه على حساب ذلك. هذا إذا لم ينبت، وإلاّ ففيه الأرش، فلو نبت بعض ولم ينبت بعض ففي غير النابت بالحساب، وفي النابت الأرش ظاهراً.*

* لو جنى على الحاجبين

في المسألة فروع:
1. إذا جنى على الحاجبين أو أحدهما ولم ينبت.
2. تلك الصورة ولكن نبت.
3. نبت البعض دون البعض.
أمّا الفرع الأوّل: أي إذا جنى على الحاجبين معاً ولم ينبت، ففي كلّ واحد منها ربع الدية والمجموع نصفها ـ أعني: خمسمائة دينار ـ قال المحقّق: وفي الحاجبين خمسمائة دينار، وفي كلّ واحدة نصف ذلك، وما أُصيب منه فعلى الحساب.1
وقال العلاّمة: وفي الحاجبين خمسمائة دينار ، وفي كلّ واحد نصف ذلك ربع الدية، وفي البعض بالحساب.2
وقال السيد العاملي بعد نقل عبارة العلاّمة: كما في المقنعة والنهاية والمبسوط في القصاص، والمراسم والوسيلة والسرائر والشرائع والنافع    2

1 . شرائع الإسلام:4/ 261 .
2 . قواعد الأحكام:3/670.

صفحه 225
E والإرشاد والتحرير والتبصرة واللمعة والروضة. ووصفه في المسالك والمفاتيح ومجمع البرهان بأنّه المشهور، ومذهب الأكثر كما في كشف اللثام والرياض.1
ويدلّ عليه خبر أبي عمرو المتطبّب عن أبي عبد الله(عليه السلام) من إفتاء أمير المؤمنين(عليه السلام): «وإن أُصيب الحاجب فذهب شعره كُلّه فديته نصف دية العين مائتا دينار وخمسون ديناراً، فما أُصيب منه فعلى حساب ذلك».2
ومنصرف الرواية عدم الإنبات، وإلاّ كان اللازم أن يذكره.
ويؤيّده ما ورد في فقه الرضا(عليه السلام): إذا أُصيب الحاجب فذهب شعره كلّه فديته نصف دية العين، فإن نقص من شعره شيء حسب على هذا القياس.3وتكون الرواية مخصّصة لما دلّ على أنّ ما كان في الجسد اثنان ففيه الدية.
هذا هو المشهور، وهناك قولان آخران هما:
1. الدية كاملة، وهو خيرة الشيخ في المبسوط قال: فأمّا اللحية وشعر الرأس والحاجبين فإنّه يجب فيها عندنا الدية.4 وهو خيرة ابن زهرة في الغنية، والكيدري في الإصباح على ما حكاه في الجواهر.5
وفي الوقت نفسه خالفه في موضع آخر(في كتاب القصاص)   2

1 . مفتاح الكرامة:21 / 199.
2 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث3.
3 . فقه الرضا (عليه السلام):42.
4 . المبسوط:7/153.
5 . جواهر الكلام:43/175.

صفحه 226
E قال: وعندنا... وشعر الحاجبين بنصف الدية.1
ويدلّ على ما اختاره ما ورد من أنّه ما كان في الجسد اثنان ففيه الدية.
يلاحظ عليه: بأنّ ذلك ضابطة عامّة، وما ذكرناه من الروايات مخصّص لها.
2. ما اختاره سلاّر في مراسمه من أنّه إذا ذهب بحاجبه فنبت ففيه ربع الدية، وقد روي أيضاً أنّ فيهما إذا لم ينبت مائة دينار.2
لو أراد من قوله: بحاجبه أحد الحاجبين فينطبق على المشهور، ولو أراد كليهما فيخالف، وأمّا ما ذكره من مائة دينار فقد قال في «الجواهر»: ولكن لم تثبت الرواية.3
الفرع الثاني: إذا جنى على الحاجبين أو أحدها ونبت ففيه الأرش، أخذاً بالضابطة فيما لم يرد فيه تقدير.
الفرع الثالث: إذا نبت بعض ولم ينبت بعض، ففي غير النابت بالحساب، ويعتبر بنسبة المحل المقطوع منه إلى جميع الأجزاء، فيؤخذ بالحساب، فلو لم ينبت نصف الحاجب فعليه نصف ربع الدية.
وفي النابت فبالأرش، وذلك لأنّه إذا نبت الكلّ ففيه الأرش، فكيف إذا نبت البعض، ولا يعتبر نسبته إلى أرش الجميع بالجزء.

1 . المبسوط:7/83 .
2 . المراسم: 245، باب ذكر أحكام الجناية على ما دون النفس.
3 . جواهر الكلام:43/177.

صفحه 227
المسألة6. في الأهداب الأربعة أي الشعور النابتة على الأجفان أقوال أقربها الأرش، وأحوطها الدية كاملة مع عدم النبت.*

* لو جنى على الأهداب

وقبل بيان المسألة نشير إلى بعض المصطلحات:
1. الجفن: جمعه جفون وأجفان: غطاء العين من أعلى إلى أسفل.
2. الشفر، والشُفر، جمعه أشفار: أصل منبت شعر الجفن.
3. الأهداب، الهدب شعر أشفار العينين.
4. لكلّ عين جفنان وبالتالي شفران وهدبان، فتكون الأهداب أربعة أي الشعور النابتة على الأجفان حسب تعبير الجواهر وتبعه المصنّف، أو الثابتة على الأشفار حسب اللغة.
إذا عرفت ذلك فلو جنى على الأهداب الأربعة ففيه أقوال:
1. ما ذهب إليه الشيخ في «الخلاف»: إذا جنى على أهداب العينين فاعدم إنباتها ففيها الدية كاملة.1
واستدلّ(رحمه الله) بإجماع الفرقة وأخبارهم، ولم نقف على رواية إلاّ ما حكاه محقّقو الكتاب عن «دعائم الإسلام».(2)
ولذلك فسّره في «مفتاح الكرامة» بقوله: لعلّه أراد ما مرّ من أنّ ما كان من الأعضاء اثنين ففيهما الدية، وفيما كان أربعة ففيه الدية وهكذا.2   2

1 . الخلاف:5/237، المسألة 25.   2 . دعائم الإسلام:2/431، ح1493.
2 . مفتاح الكرامة:21/201.

صفحه 228
E ونقل في «مفتاح الكرامة» أنّ القول بالدية نسب في الوسيلة إلى الرواية، وفي الروض إلى الأكثر.1 والنسبة إلى ابن حمزة غير صحيحة.2
2. ما نقل عن القاضي أنّ فيهما نصف الدية كالحاجبين، حكاه عنه الشهيدان وغيرهما، والمنقول من عبارته في «المختلف» أنّ ذلك في الأشفار.3
3. ذهب المحقّق إلى أنّ الأقرب السقوط حال الانضمام والأرش حال الانفراد.4
وبه قال العلاّمة في «القواعد»، قال: وفي الأهداب الدية على رأي، فإن قطعت الأجفان بالأهداب فديتان،ولو قيل بالأرش حال الانفراد والسقوط حال الاجتماع، أمكن.5
ويراد من حال الاجتماع قطع الأجفان معها لكونها حينئذ تابعة كشعر اليدين للأصل، وأمّا الأرش حال الانفراد فلأنّهم لم يذكروا في الشعور مقدّراً سوى شعر الرأس واللحية والحاجبين،فيكون الأرش هو المحكّم بعد عدم دليل معتبر على التقدير المزبور.6
وأمّا المصنّف فقد استقرب الأرش لنفس الدليل المذكور حيث لم   2

1 . مفتاح الكرامة:21/201.
2 . لاحظ الوسيلة:447.
3 . مفتاح الكرامة:21/201.
4 . شرائع الإسلام:4/262.
5 . قواعد الأحكام:3/670.
6 . جواهر الكلام:43/177.

صفحه 229
المسألة 7. لا تقدير في غير ما تقدّم من الشعر، لكن يثبت له الأرش إن قلع منفرداً، ولا شيء فيه لو انضم إلى العضو إذا قطع أو إلى الجلد إذا كشط، فلا شيء للأهداب إذا قطع الأجفان، ولا في شعر الساعد أو الساق إذا قطعا زائداً على دية العضو.*
E يرد في الشعور تقدير إلاّ ما مرّ.
نعم الأحوط الدية كاملة بما مرّ من أنّ كلّ ما في الإنسان كان منه اثنان ففيه الدية كاملة، والمراد بالاثنان هو التعدّد فيشمل الأهداب الأربعة.

* لو جنى على الشعر النابت على الساعدين أو الساقين

قد تقدّم وجوب التقدير في اللحية وشعر الرأس رجلاً أو امرأة، ولم يرد في غيرهما أي تقدير، فعلى هذا فلا تقدير في النابت على الساعدين أو الساقين، لكن إذا أزال هذا الشعر فيهما منفرداً ففيه الأرش .
نعم لو كان مع الانضمام مع العضو كما لو قطعه، أو إلى الجلد كما لو كشطه فلا شيء على الشعر، لكونه تبعاً للعضو والجلد، فتختصّ الدية بالعضو فقط.
وعلى هذا إذا قطع الأجفان فلا شيء على الأهداب.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ ما لا نصّ فيه من الشعر إذا أزاله منفرداً ففيه الأرش، وأمّا إذا أُزيل منضمّاً إلى الجلد أو العضو فالدية عليهما، ولا شيء على الشعر بداهة أنّ قطع العضو أو كشط الجلد لا ينفكّ عن الشعر مع عدم ورود الدية إلاّ عليهما لا على الشعر.

صفحه 230
المسألة 8 . يثبت الأرش في لحية الخنثى المشكل، وكذا في لحية المرأة لو فرض النقص وفي كلّ مورد ممّا لا تقدير فيه، ولو فرض أنّ إزالة الشعر في العبد أو الأمة تزيد في القيمة أو لا ينقص منها، لا شيء عليه إلاّ التعزير، ولو فرض التعييب بذلك وجب الأرش.*
* في المسألة فروع:
1. لحية الخنثى المشكل.
2. لحية المرأة.
3. إزالة الشعر في العبد والأمة إذا لم تنقص القيمة.
4. تلك الصورة لو فرض التعييب بالإزالة. وإليك دراسة الفروع.

الفرع الأوّل: الجناية على لحية الخنثى المشكل

إذا قلنا بأنّ الخنثى المشكل طبيعة ثالثة فتكون ممّا لم يرد فيها تقدير، فلابدّ في إزالة شعرها من الأرش، إنّما الكلام فيما إذا لم نقل بذلك فيدور أمرها بين كونه مذكراً ففي إزالة لحيته تقدير، ولو كان امرأة ففيها الأرش.
ومع وجود هذا العلم الإجمالي قال في الروضة: إنّ الخنثى المشكل كالمرأة، في لحيتها الأرش.1
لو جنى على لحية الخنثى المشكل والمرأة   
وقال في «الجواهر»: وكذا يثبت الأرش في لحية الخنثى المشكل.(2)
مع أنّ الأرش أحد طرفي العلم الإجمالي والطرف الآخر هو التقدير، فاللازم أكثر الأمرين من الأرش أو التقدير خروجاً عن الاشتغال، إلاّ أن   2

1 . مفتاح الكرامة:21/203.   2 . جواهر الكلام :43/180.

صفحه 231
E يقال: إنّ وجود اللحية آية كونها ذكراً، فتجب ديتها.

الفرع الثاني: الجناية على لحية المرأة

إذا أزال لحية المرأة، واعتبرت هذه الإزالة نقصاً في المرأة، فالواجب الأرش.
قال العلاّمة: لو كانت اللحية للمرأة فالواجب الأرش إن نقصت بها القيمة.1
ولكن الغالب عدم نقص القيمة، لأنّ المرغوب في المرأة هو عدم وجود اللحية، ولذلك يتعيّن فيه التعزير دون الأرش، وافتراض نقص قيمتها بالإزالة فرض بعيد جدّاً.

الفرع الثالث: إزالة الشعر في العبد والأمة

إزالة الشعر في العبد والأمة إذا لم تنقص القيمة، أقول: مراده من إزالة الشعر في العبد غير اللحية وغير شعر الرأس، لما عرفت من وجود التقدير فيهما.
فالمراد هنا إزالة الشعر في غير هذين الموضعين، فإن صار ذلك سبباً لنقص القيمة ففيه الأرش، وإلاّ التعزير.

الفرع الرابع: لو فرض التعيّب بإزالة الشعر

لو فرض التعيّب بالإزالة، والفرق بين هذا الفرع وما سبقه هو أنّ   2

1 . قواعد الأحكام:3/670.

صفحه 232

الثاني: العينان

المسألة1. في العينين معاً الدية، وفي كلّ واحدة منهما نصفها، والأعمش والأحول والأخفش والأعشى والأرمد كالصحيح، ولو كان على سواد عينه بياض فإن كان الإبصار باقياً بأن لا يكون ذلك على الناظر فالدية تامّة، وإلاّ سقطت بالحساب من الدية لو أمكن التشخيص، وإلاّ ففيه الأرش.*
في دية العينين   
E إزالة الشعر أوجب نقص القيمة من دون إحداث عيب فيه، وأمّا لو أحدث العيب فالأرش متعيّن.

* في دية العينين

قبل الدخول في شرح المسألة نذكر معاني المفردات المذكورة فيها:
1. الأعمش: وهو الذي ضعف بصره مع سيلان دمع عينه في أكثر الأوقات، وجمعه عُمُش، ومؤنثه: عمشاء.
2. الأحول: من به حَوَل وهو أن تميل إحدى الحدقتين إلى الأنف والأُخرى إلى الصُّدغ، والعين الحولاء هي المنحرفة عن مركزها الأصلي.
3. الأخفش: وهو من كان بَصرُهُ ضعيفاً خِلقةً، أو ضاقت عيناه، أو يُبصر في الليل دون النهار.
4. الأعشى: من ساء بصره بالليل والنهار، أو يُبصر بالنهار ولم يبصر بالليل.
5. الأرمد: من به رمدَ، وهو كلّ ما يؤلم العين، أو يسبب هيجانها.   2

صفحه 233
E إذا علمت ذلك فهذه الأصناف الخمسة من الأعين مع ما فيها من النقص فهي بحكم العين الصحيحة، فبما أنّ في العينين تمام الدية وفي كلّ واحدة نصفها، فهذه الأعين والصحيحة سواء. ويدلّ على ما ذكرنا الضابطة الكلّية من أنّ في كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففي كل واحد منه نصف الدية، كما يدلّ عليه من الروايات ما يلي:
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يكسر ظهره، قال: «فيه الدية كاملة، وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي الأُذنين الدية،... إلخ».1
2. صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية، مثل اليدين والعينين». قلت: رجل فقئت عينه؟ قال: «نصف الدية... إلخ».2
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الباب الأوّل من أبواب ديات الأعضاء، من غير فرق بين العين الصحيحة وغيرها ممّا ذكرنا من الأقسام.
نعم لو كان على سواد عينيه بياض، فإن كان الإبصار باقياً بأن لا يكون ذلك على الناظر فالدية تامّة ; لأنّ الدية في مقابل الإبصار والمفروض وجوده. ولو فرضنا وجوده في إحدى العينين فنصف الدية. وإن لم يكن كذلك بمعنى أنّ قسماً من الإبصار كان باقياً دون البعض أسقط الحاكم من الدية بمقدار الذاهب من الإبصار إن عُرف بالأجهزة الصناعية، وإلاّ كان فيه الأرش.

1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث4.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 234
المسألة 2. في العين الصحيحة من الأعور الدية كاملة إن كان العور خلقة أو بآفة من الله تعالى، ولو أعورها جان واستحقّ ديتها منه كان في الصحيحة نصف الدية، سواء أخذ ديتها أم لا، وسواء كان قادراً على الأخذ أم لا، بل وكذا النصف لو كان العور قصاصاً.*

* لو جنى على العين الصحيحة للأعور

الأعور: هو من ذهب حِسُّ إحدى عينيه.
فيقع الكلام فيما لو جُني على عينه الصحيحة، وأُخرى فيما لو جُني على عينه العوراء، وسيأتي الكلام في الثانية في المسألة التالية.
إذا عرفت ذلك :فلو جنى أحد على العين الصحيحة من الأعور، ففيه الدية الكاملة ; لأنّ عينه الصحيحة كانت تقوم مقام كلا العينين الصحيحتين فبالجناية على الصحيحة جعله أعمى.
ويدلّ عليه من الروايات:
1. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «في عين الأعور الدية كاملة»1. والمراد عينه الصحيحة، لا العين العوراء، وهذا مصطلح فإذا قيل عين الأعور فيراد عينه الصحيحة، ولو قصدت الأُخرى لقيل: العين العوراء.
2. ما رواه محمد بن قيس قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل أعور أُصيبت عينه الصحيحة ففقئت، أن تفقأ   2

1 . الوسائل:19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 235
E إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة ويعفو عن عين صاحبه».1
والقدر المتيقّن من الروايتين ما إذا كان العور خلقة أو بأخذ من الله ; وأمّا إذا كان العور قصاصاً، أو بجناية جان كان في الصحيحة نصف الدية خمسمائة دينار. ويدلّ عليه أُمور:
1. إطلاق ما دلّ على أنّ في إحدى العينين نصف الدية، خرجت الصورة الأُولى بالدليل وبقيت الصورة الثانية تحت الإطلاق.
2. الإجماع الظاهر في «الخلاف» قال: في العين العوراء إذا كانت خلقة أو ذهبت بآفة من قبل الله الدية كاملة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.2
والعبارة وإن كانت راجعة إلى الصورة الأُولى لكن التقييد كاشف عن اختصاص الحكم بما إذا كان العور خلقياً أو عارضاً بآفة .
3. إنّ أخذه العوض أو استحقاقه له وإن لم يأخذه، أو ذهابه قصاصاً يصدّ عن تنزيل عينه الموجودة منزلة العينين، بل ينزلها منزلة إحدى العينين .3
 

1 . الوسائل:19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2. ولاحظ سائر أحاديث الباب.
2 . الخلاف:5/212، المسألة 95.
3 . جواهر الكلام:43/185.

صفحه 236
المسألة3. في العين العوراء ثلث الدية إذا خسفها أو قلعها، سواء كانت عوراء خلقة أو بجناية جان.*

* لو جنى على العين العوراء

كان الكلام في المسألة السابقة إذا جُني على العين الصحيحة للأعور، وأمّا المقام فالكلام فيما إذا جُني على العين العوراء، فيما لو خسفها أو قلعها، ففيه ثلث الدية من غير فرق بين كونها عوراء خلقة أو بجناية جان. قال الشيخ: في العين القائمة إذا خُسفت ثلث ديتها صحيحة. وبه قال زيد بن ثابت، وقال جميع الفقهاء: فيها الحكومة.1
قال المحقّق: أمّا العوراء ففي خسفها روايتان: إحداهما: ربع الدية،وهي متروكة; والأُخرى: ثلث الدية، وهي مشهورة، سواء كانت خلقة أو بجناية جان.(2)
قال العلاّمة: وفي خسف العوراء ثلث دية الصحيحة، وروي الربع سواء أكانت بخلقة أو جناية.(3)
أقول: إنّ الروايات على أصناف ثلاثة:
الأوّل: ما يدلّ على ربع الدية. نظير ما رواه عبد الله بن أبي جعفر، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في العين العوراء تكون قائمة فتخسف؟ فقال: «قضى فيها علي بن أبي طالب(عليه السلام) نصف الدية في العين الصحيحة».2   2

1 . الخلاف:5/212، المسألة 96.   2 . شرائع الإسلام:4/263.   3 . قواعد الأحكام:3/671.
2 . الوسائل:19، الباب29 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 237
E وقد عمل بها المفيد وسلاّر. فإنّ نصف دية العين الصحيحة، يكون ربع الدية التامّة.
الثاني: ما يدلّ على ثمن الدية. نظير ما رواه عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل فقأ عين رجل ذاهبة وهي قائمة؟ قال: «عليه ربع دية العين».1 وواضح أنّ ربع دية عين واحدة هو ثمن دية الإنسان كاملة، وفي «الجواهر»: لم يعمل بها أحد.2
الثالث: ما يدلّ على ثلث الدية. نظير صحيح بريد بن معاوية، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «في لسان الأخرس وعين الأعمى وذكر الخصي وأُنثييه، ثلث الدية».3 والعين العوراء قسم من العين العمياء وهو الذي استظهره صاحب الوسائل حيث إنّه بعد ما نقل ما يدلّ على نصف الدية في العين الصحيحة أو ما يدلّ على ربع دية العين، قال:«ويأتي ما يدلّ على أنّ في عين الأعمى ثلث الدية»، وظاهره أنّه تلقّاه معارضاً للوجهين الأوّلين، ولا تصحّ المعارضة إلاّ إذا قلنا بأنّ العين العوراء من قبيل العين العمياء فما دلّ على حكم العين العمياء فهو دليل على حكم العين العوراء فتدبّر. ووصفه في «الشرائع» بأنّها مشهورة. وعليها العمل ويظهر من «الخلاف» كما مرّ الإجماع عليه.

1 . الوسائل:19، الباب29 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.
2 . جواهر الكلام: 43 / 185 ـ 186 .
3 . الوسائل:19، الباب31 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1. وقد سقطت كلمة «ثلث» في الوسائل.

صفحه 238
المسألة 4. في الأجفان الدية، وفي تقدير كلّ جفن خلاف، فمن قائل: في كلّ واحد ربع الدية، ومن قائل: في الأعلى ثلثاها وفي الأسفل الثلث، ومن قائل: في الأعلى ثلث الدية وفي الأسفل النصف، وهذا لا يخلو من ترجيح، لكن لا يترك الاحتياط بالتصالح.*
* في المسألة فرعان:
1. دية الأجفان.
2. ما يجب في كلّ جفن.
في دية الأجفان   
أمّا الفرع الأوّل: دية الأجفان
فالظاهر من الشيخ وغيره أنّ فيهما الدية كاملة، قال في «الخلاف»: في الأربعة الأجفان الدية كاملة، وفي كلّ جفنين من عين واحدة خمسمائة دينار، في الأسفل منها ثلث ديتها، وفي العليا ثلثا ديتها.1
وأرسله في «الشرائع» إرسال المسلّمات، وقال: وفي الأجفان الدية.2
ونفى عنه الخلاف في «التحرير» وقال: وفي الأجفان الأربعة الدية بلا خلاف.3
أقول: الأجفان جمع الجَفْن: غطاء العين.
ويدلّ عليه من طريق الأخبار الصحيحة:   2

1 . الخلاف:5/236، المسألة 34.
2 . شرائع الإسلام:4/262.
3 . تحرير الأحكام:5/599.

صفحه 239
E 1. صحيحة ابن سنان: «ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية مثل اليدين».1 والمراد: ففي الواحد نصف الدية كما في نسخة «الكافي». ويدلّ بالملازمة على أنّ في الجميع تمام الدية، فيكون كلّ جفنين بمنزلة واحد فيكونان كالعين الواحدة.
2. صحيحة هشام بن سالم قال: «كلّ ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، وما كان فيه واحد ففيه الدية».2
والحديث حسب نقل الشيخ منقطع، وحسب ما رواه الصدوق متّصل إلى أبي عبد الله(عليه السلام).3
وما ربّما يقال من أنّ الأجفان ليس ممّا في الإنسان منه اثنان، بل أربعة مدفوع بأنّ الجفنين هما غطاء عين واحدة، فيوصف كلاهما في كلّ عين واحدة.
الفرع الثاني: إذا قطع جفناً واحداً
أقول: فيه أقوال ثلاثة كلّها للشيخ، ذكرها المحقّق في «الشرائع» وقال: وفي تقدير كلّ جفن خلاف.
1. قال في «المبسوط»: في كلّ واحد ربع الدية.4
2. وقال في «الخلاف»: في العليا ثلثا ديتها، وفي الأسفل ثلث   2

1 . لاحظ : الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث12.
3 . لاحظ : الفقيه:4/100، برقم 332.
4 . المبسوط:7/130.

صفحه 240
E دية العين.1
3. وقال في موضع آخر: في شفر العين الأعلى ثلث دية العين، وفي شفر العين الأسفل نصف دية العين.2
أمّا القول الأوّل: فقد استند إلى صحيحة هشام وصحيحة عبد الله بن سنان، بالبيان الماضي، حيث يكون كلّ جفنين بمنزلة الواحد، فيكونان كالعين الواحدة، ولازم ذلك أنّ في كلّ جفن ربع الدية.
وأوضحه في «الجواهر» قائلاً بإمكان استفادة توزيع الدية على المتعدّد الذي يثبت فيه الدية والفرض الإجماع على ثبوتها في الأربع، فتتوزع عليها ; لأنّ الأصل عدم الزيادة، مضافاً إلى انسباق التوزيع للتساوي في مثله ; ولعلّه لأجله قال في «المسالك»: هو الأظهر، بعد أن اعترض بضعف دلالة الخبرين عليه.3
وأمّا القول الثاني: فقد نسبه الشيخ في «الخلاف» إلى الشافعي وادّعى إجماع الفرقة عليه وأخبارهم.
وفي «الجواهر»: فلم نقف له على دليل سوى الدعوى المزبورة التي لم نقف فيها على خبر، كيف وقد خالف هذا القول في موضع آخر من «الخلاف»، كما سيوافيك.4   2

1 . الخلاف:5/236، المسألة 24.
2 . النهاية:764، ولاحظ: شرائع الإسلام:4/262.
3 . جواهر الكلام:43/182.
4 . جواهر الكلام:43/182.

صفحه 241
E وأمّا القول الثالث: فقد اختاره كثير من الفقهاء، ونقله في «مفتاح الكرامة» عن كثير من القدماء والمتأخّرين، وفي «المراسم» أنّه ثابت بالرسم النبوي العلوي.1
ويريد به رواية ظريف بن ناصح عن الصادق(عليه السلام) في كتابه المشهور في الديات بين الأصحاب، ورواه المحمّدون الثلاثة بطرق عديدة جدّاً، ولو كان في السند ضعيف أو مجهول، فهو منجبر بالشهرة العملية بين المتقدّمين والمتأخّرين، وقد جاء فيه: «إن أُصيب شفر العين الأعلى فشتر، فديته ثلث دية العين مائة دينار وستة وستون ديناراً وثلثا دينار، وإن أُصيب شفر العين الأسفل فشتر، فديته نصف دية العين مائتا دينار وخمسون ديناراً».2
نعم يختصّ الحديث بصورة الشتر، ولا يعمّ سائر الصور إلاّ بإلغاء الخصوصية فلاحظ.
ولا يخفى أنّه لولا هذا النصّ لكان القول الأوّل أولى بالعناية والأخذ لما مرّ من صاحب الجواهر من حديث التوزيع، إذ أنّ العرف يوزّع دية الكل على كلّ عضو، لكن الرواية الأخيرة تصدّنا عن الأخذ به فهو أظهر من القولين، ومع ذلك فالتصالح أولى، كما أشار إليه في المتن.

1 . مفتاح الكرامة:21/208.
2 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1. شتر الشيء: قطعه، وشتر العين: قلب جفنها.

صفحه 242

الثالث: الأنف

المسألة 1. في الأنف إذا قطع من أصله الدية كاملة، وكذا في مارنه، وهو ما لان منه ونزل عن قصبته. ولو قطع المارن وبعض القصبة دفعة فالدية كاملة، ولو قطع المارن ثم بعض القصبة فالدية كاملة في المارن والأرش في القصبة، ولو قطع المارن ثم قطع جميع القصبة ففي المارن الدية، فهل للقصبة الدية أو الأرش، فيه تأمّل، ولو قطع بعض المارن فبحساب المارن.*
في دية الأنف   

* في دية الأنف

في المسألة فروع:
1. إذا قطع الأنف من أصله.
2. إذا قطع مارنه كلّه فقط.
3. إذا قطع المارن وبعض القصبة1 دفعة واحدة.
4. إذا قطع المارن ثم قطع بعض القصبة.
5. إذا قطع المارن ثم قطع جميع القصبة.
6. إذا قطع بعض المارن.
وإليك دراسة الفروع:   2

1 . القصبة كلّ عظم ذي مخّ نحو الساق والذراعين على التشبيه بالقصبة، وهي كلّ نبات يكون ساقه أنابيب. مجمع البحرين: مادة «قصب».

صفحه 243

E الفرع الأوّل: لو قطع الأنف من أصله

إذا قطع الأنف من أصله ففيه الدية كاملة. قال الشيخ في «الخلاف»: في ذهاب الشمّ بالأنف، الدية بلا خلاف.1 ومورد العبارة وإن كان ذهاب الشمّ فيكون في قطع الأنف بوجه أولى.
ويدلّ عليه ـ قبل الروايات الخاصّة ـ ما مرّ من رواية هشام بن سالم وعبد الله بن سنان أنّ ما في الإنسان واحد ففيه الدية.
وأمّا ما ورد فيه بالخصوص، فهو:
موثّقة سماعة وقد جاء فيها: «وفي الأنف إذا قُطع الدية كاملة» وغيرها.2
وظاهر الموثّقة أنّ الدية لتمام الأنف الشامل للقصبة والمارن.

الفرع الثاني: لو قطع المارن

والمارن هو ما لان من الأنف، فلو قُطع كلّه ففيه الدية كاملة، قال العاملي: هذا ما تسالم فيه الخصوم واستفاضت به النصوص وفيها الصحيح والحسن والموثّق.3
يشير(رحمه الله) إلى الروايات التالية:
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) وجاء فيها: «وفي الأنف إذا قطع المارن الدية».(4)   2

1 . الخلاف:5/238، المسألة 28.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث7 ولاحظ الحديث 3 و 14.
3 . مفتاح الكرامة:21/212.   4 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 4.

صفحه 244
E 2. ما رواه زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) وفيها قوله: «وفي الأنف إذا قطع المارن الدية».1
3. ما رواه العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا قطع الأنف من المارن ففيه الدية تامة».2
4. ما رواه سماعة: «وفي الأنف إذا قطع المارن الدية كاملة».3

الفرع الثالث: لو قطع المارن وبعض القصبة

إذا قطع المارن وبعض القصبة دفعة واحدة، ففيه الدية كاملة.
قال العلاّمة في «القواعد»: ولو قطع المارن وبعض القصبة، فالدية.4
وجهه ما ذكرنا من أنّ المتبادر من الروايات أنّ الدية على مجموع الأنف المركّب من القصبة والمارن،وعلى هذا فلو قطع المارن وبعض القصبة مرّة واحدة، فلا تزيد ديتها على دية الكلّ، بل يمكن أن يقال: إنّ هذا الفرد داخل تحت الصورة السابقة، أعني: قطع الأنف كاملاً، إنّما الكلام في الفرع التالي.

الفرع الرابع: لو قطع المارن ثم قطع بعض القصبة

إذا قطع المارن ثم قطع بعض القصبة فقولنا: ثم قطع بعض القصبة، إشارة إلى التفريق في الجناية عليهما، فيكون هناك جنايتان، ورد في إحداهما   2

1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 6.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 8 .
3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 10.
4 . قواعد الأحكام: 3/671.

صفحه 245
E التقدير وهو قطع المارن، ولم يرد في الأُخرى ـ أعني: قطع بعض القصبة ـ تقدير، فيرجع فيه إلى الحكومة.

الفرع الخامس: لو قطع المارن ثم قطع جميع القصبة

إذا قطع المارن ثم قطع جميع القصبة، قال العلاّمة:ولو قطع المارن ثم القصبة، فالأقرب ثبوت الدية في المارن والحكومة في القصبة.1
وهناك احتمال آخر أشار إليه المصنّف وهو ديةٌ للمارن ودية للقصبة.وهو بعيد إذ لم يثبت في قطع نفس القصبة شيء من التقدير بخلاف المارن إذا قطع مجرداً، فقد ورد فيه التقدير، فيكون المحكّم هو الدية للمارن والأرش للقصبة.

الفرع السادس: لو قطع بعض المارن

إذا قطع بعض المارن، قال العلاّمة: وفي بعضه بحسابه من المارن.2
ووجهه أنّ كلّ عضو له مقدّر شرعي فإذا قطع بعضه، نُسب إليه وأُخذ له بالحساب، كما هو الحال في غير هذا المقام.

1 . قواعد الأحكام:3/672.
2 . قواعد الأحكام:3/671.

صفحه 246
المسألة2. لو فسد الأنف وذهب بكسر أو إحراق أو نحو ذلك ففيه الدية كاملة،ولو جبر على غير عيب فمائة دينار على قول مشهور.*
* في المسألة فرعان:
1. إذا فسد الأنف وذهب بكسر أو إحراق.
2. لو جُبر بدون طروء عيب. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: لو فسد الأنف وذهب بكسر أو إحراق

أقول: الفرعان مذكوران في «الشرائع» على النحو التالي: وكذا ] الدية كاملة [ لو كُسر ففسد، ولو جُبر على غير عيب فمائة دينار.1
فهل المراد من فساد الأنف كما عن الروض2 سقوطه لا صيرورته أشلّ، الذي يأتي حكمه ودليله، أو أنّ المراد ذهاب شمّه دون سقوطه؟
الظاهر هو الثاني بشهادة الفرع الثاني من إمكان الجبر، فإنّه لو سقط لا يبقى للجبر مكان.
وعلى هذا فالكلام مركّز فيما إذا كان الأنف باقياً لكن فسد شمّه وصار كالعدم، ولعلّه يشمله قوله(عليه السلام): «وما كان فيه واحد، ففيه الدية».3
فهو كما يشمل القطع يشمل الفساد، لاشتراكهما في عدم استخدام الأنف في وظيفته وهي الشمّ.   2

1 . شرائع الإسلام :4/263.
2 . جواهر الكلام:43/191.
3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث12.

صفحه 247
المسألة3. في شلل الأنف ثلثا ديته صحيحاً، وإذا قطع الأشل فعليه ثلثها.*

E الفرع الثاني: لو انجبر الأنف بدون عيب

لو انجبر الأنف على غير عيب، فقد أفتى المحقّق والمصنّف في المتن أنّ فيه مائة دينار، وليس هناك نصّ وإنّما يمكن استفادة حكمه ممّا ورد في كسر الظهر إذا جُبر، فقد جاء في كتاب ظريف: «وإن انكسر الصلب فجبر على غير عثم ولا عيب فديته مائة دينار، وإن عثم فديته ألف دينار».1
فإنّ المتبادر من الرواية أنّ ذلك حكم كلّ ما كُسر وجبر، والظهر مورد للحكم لا مقيّده، فتأمّل.
* في المسألة فرعان:
1. إذا جنى على أنفه فصار أشلّ.
2. إذا قطع الأنف الأشل.
وإليك دراسة الفرعين:

الفرع الأوّل: إذا جنى على أنفه فصار أشلّ

قال المحقّق: وفي شلله ثلثا ديته.2
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا جنى على أنفه فصار أشلّ، كان فيه ثلثا   2

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1. عثم العظم المكسور: إذا انجبر من غير استواء، ومنه: عثمت يده: إذا جبرت على غير استواء.
2 . شرائع الإسلام :4/263.

صفحه 248
E دية الأنف، وقال الشافعي: فيه قولان، أحدهما الدية كاملة، والثاني: فيه الحكومة.1
والدليل على ذلك الضابطة التي ذكرها الأصحاب في شلل كلّ الأعضاء، وأنّ الدية ثلثا دية ذلك العضو المشلول.
ويدلّ على الضابطة ما رواه الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن الذراع إذا ضرب فانكسر منه الزند؟ قال: فقال: «إذا يبست منه الكفّ فشلت أصابع الكف كلّها، فإنّ فيها ثلثي الدية دية اليد، قال: وإن شلّت بعض الأصابع وبقي بعض، فإنّ في كلّ أصبع شلّت ثلثي ديتها، قال: وكذلك الحكم في الساق والقدم إذا شلّت أصابع القدم».2 وتوهّم أنّ مورد الرواية هو الذراع وسراية حكمه إلى الأنف أشبه بالقياس، مدفوع بما في الذيل، أعني قوله:«وكذلك الحكم في الساق والقدم إذا شلّت أصابع القدم»، فإنّه يدلّ على سعة الحكم.

الفرع الثاني: لو قطع الأنف الأشل

كان الكلام في الفرع السابق مركّزاً على الجناية التي صارت سبباً لشلل الأنف، وقد عرفت أنّ ديتها هو ثلثا الدية، وأمّا الكلام في هذا الفرع فهو مركّز على قطع الأشل، ويدلّ عليه:
خبر الحكم بن عتيبة، وفيه: «وكلّ ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح»،3 ولا تعارض بين الخبرين لاختلاف موضوعهما، كما مرّ.

1 . الخلاف:5/237، المسألة 27.
2 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث5.
3 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 249
المسألة 4. في الروثة نصف الدية إذا قطعت، فهل هي طرف الأنف، أو الحاجز بين المنخرين، أو مجمع المارن؟ احتمالات، ويحتمل أن ترجع الاحتمالات إلى أمر واحد، وهو طرف الأنف الذي يقطر منه الدم، وهو مجمع المارن، وهو محل الحاجز، فإذا قطع الحاجز من حيث يرى من الأعلى إلى الأسفل قطع طرف الأنف، وهو مجمع المارن، وإن لا يخلو من تأمّل.*

* لو جنى على روثة الأنف

هذه المسألة واضحة الحكم،مجملة الموضوع، وأمّا وضوح الحكم فلما ورد في كتاب ظريف من قوله:«فإن قطعت روثة الأنف وهي طرفه فديتها خمسمائة دينار».1
وقال في «الفقيه»: وإن قطعت روثة الأنف فديتها خمسمائة دينار نصف الدية.2
وامّا إجمال الموضوع فقد اختلفت كلمتهم في تفسيره فذكر المصنّف وجوهاً ثلاثة:
1. طرْف الأنف.
2. الحاجز بين المنخرين.
3. مجمع المارن.   2

1 . الكافي:7/331.
2 . الفقيه:4/57. والظاهر سقوط لفظة «وهي طرفه» عن نسخة الفقيه.

صفحه 250
E ثم ارجع الاحتمالات الثلاثة إلى أمر واحد.
قال المحقّق: الحاجز بين المنخرين.1
وفي «اللسان» فسّره بالمعاني التالية:
1. الروثة مقدّم الأنف أجمع.
2. طرْف الأنف حيث يقطر الرعاف.
3. روثة الأنف طرْفه.
4. الروثة طرف الإرنبة.
وفي المجمع: «رأيت على أنف رسول الله وإرنبته أثر الماء والطين» ومثله «كان يسجد على جبهته وإرنبته»، والإرنبة: «طرف الأنف» عند الكلّ.
5. قيل: فلان يضرب بلسانه روثة أنفه.
6. في حديث حسّان أنّه أخرج لسانه فضرب به روثة أنفه، أي أرنبته وطرفه من مقدّمه.
7. روثة العقاب منقاره.2
والذي يمكن أن يقال بعد الإحاطة بما جاء في تفسير لفظة «روثة» في حديث ظريف وكلمات أصحاب المعاجم، إنّ «الروثة» عبارة عن رأس المارن، فإنّ المارن عبارة عن مجموع ما لان من الأنف، والروثة عبارة عن رأسه، ويدلّ على ذلك الأُمور التالية:   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 263 .
2 . لسان العرب: 2 / 157، مادة «روث».

صفحه 251
E 1. إنّ الحديث فسّرها بالطَرْف والظاهر أنّه بالسكون، قال سبحانه: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيٍّ)1 أي ينظرون إلى العذاب بغضّ معظم عيونهم.
2. ما في المجمع ـ كما مرّ ـ من أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سجد وفي إرنبته أثر الماء والطين، والإرنبة هي الروثة، ومن المعلوم أنّ الماء والطين يلصقان في منتهى الأنف من أسفل، وهو رأس المارن.
3. إنّ صاحب اللسان ـ وهو خرّيت الفن ـ قد فسّرها أوّلاً بمقدّم الأنف.
4. الأمثال الدارجة من أنّ فلاناً ضرب بلسانه روثة أنفه، ومن المعلوم أنّ الإنسان إذا استعلى عليه الغضب إنّما يضرب بلسانه منتهى أنفه.
وعلى ذلك فالصحيح ما ذكره المصنّف من الاحتمال الأوّل وهو طرف الأنف، وأمّا تفسيرها بالحاجز كما عن المحقّق فلا ينافي ما ذكرنا فإنّ منتهى الأنف يصل إلى الحاجز بين المنخرين، فقطع الروثة لا ينفك غالباً عن قطع الحاجز.
وأمّا تفسيره بمجمع المارن فمثل ما سبق ; لأنّ أجزاء المارن تجتمع في روثة الأنف.
 

1 . الشورى:45.

صفحه 252
المسألة5. في]قطع[ أحد المنخرين ثلث الدية، وقيل: نصفها، والأوّل أرجح، ولو نفذت في الأنف نافذة على وجه لا تفسد ـ كرمح أو سهم ـ فخرقت المنخرين والحاجز فثلث الدية; وكذا لو ثقبته، فإن جبر وصلح فخمس الدية على الأحوط.*
* في المسألة فروع:
1. إذا قطع أحد المنخرين.
2. إذا خرقت المنخرين والحاجز.
3. إذا ثقبت النافذة الأنف مكان الخرق.
4. إذا جنى بالخرق والثقب لكن جبر والتئم. وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: إذا قطع أحد المنخرين
ففيه ثلاثة أقوال:
1. أنّ فيه الثلث.
2. أنّ فيه النصف.
3. أنّ فيه الربع.
أمّا القول الأوّل: فهو خيرة الشرائع وجمع من المتأخّرين; ويدلّ عليه ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن العباس بن معروف، عن الحسن بن محمد بن يحيى، عن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ(عليهم السلام) أنّه قضى في شحمة الأُذن بثلث دية الأذن، وفي الإصبع الزائدة ثلث دية الإصبع، وفي كلّ جانب من الأنف ثلث دية الأنف.1 والرواية صريحة في قطع   2

1 . الوسائل:19، الباب43 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 253
E أحد الطرفين.
والرواية ضعيفة كما أشار إليه المحقّق وقال: وفي الرواية ضعف غير أنّ العمل بمضمونها أشبه.1
وجه الأشبهية هو اشتمال الأنف على المنخرين والحاجز بينهما، فتقسط الدية أثلاثاً.
ويؤيده ما رواه عن يوسف بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه (عبدالرحمن) عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام): «أنّه جعل في... وفي خشاش الأنف كلّ واحد ثلث الدية».2 ولفظة: «كلّ واحد» إشارة إلى المنخرين.
والخشاش: بكسر الخاء المعجمة عويد يُجعل في أنف البعير يشدّ به الزمام ليكون أسرع لانقياده، وكأنّ المراد في الرواية محلّ الخشاش تسمية للمحل باسم الحال مجازاً وليست ناصّة على المطلوب.
وأمّا القول الثاني ـ أعني: نصف الدية ـ فهو خيرة المبسوط والوسيلة.3
قال العلاّمة: وفي أحد المنخرين نصف الدية، واستدلّ عليه في المبسوط بأنّه ذهب نصف الجمال والمنفعة4، وقد أُيّد بأنّهما اثنان فيعمّها مامرّ من الحكم فيما إذا كانا اثنين.   2

1 . شرائع الإسلام :4/263. وجه الضعف وقوع «غياث بن كلوب» في السند وهو عاميّ.
2 . الوسائل:19، الباب43 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2. وفي الوسائل: عن عبدالرحمن، والظاهر زيادة لفظ «عن» وما ذكرنا مطابق لنقل الشيخ في التهذيب .
3 . مفتاح الكرامة:21/216.
4 . المبسوط:7/131; قواعد الأحكام:3/672.

صفحه 254
E والظاهر انصراف الاثنين إلى المنفصلين 1 لا كلّ ما يمكن أن يقال ـ إنّهما اثنان في الجملة، ولهذا لا يجب بقطعهما معه من دون قطع الحاجز ـ تمام الدية.
فالقول الأوّل هو الأقوى.
وأمّا القول الثالث: وهو فيه ربع الدية فهو المنسوب إلى الكيدري والتقي، ولم نجد له دليلاً، ويمكن أن يقال: إنّ المارن الذي فيه الدية الكاملة أربعة أجزاء هي: المنخران والحاجز والروثة، فتقسّط الدية عليها مضافاً إلى أصالة البراءة من الزائد.2

الفرع الثاني: إذا خرقت المنخرين والحاجز

كان الفرع الأوّل حول قطع أحد المنخرين، وأمّا هذا الفرع ففيما لو نفذت في الأنف نافذة على وجه لا يفسد كرمح أو سهم، فخرقت المنخرين والحاجز، ففيه ثلث الدية. ويدلّ عليه ما رواه ظريف عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في الأنف: وإن نفذت فيه نافذة لا تنسد بسهم أو رمح، فديته ثلاثمائة دينار وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار.3 وهو ثلث الدية.
وما في المتن: «لا تفسد» الظاهر انّه مصحف لا تنسدّ في الحديث، ولعلّ نسخة المصنّف كانت «لا تنسد» فطرق التصحيف عليها في الطبع.   2

1 . خرجت البيضتان بالدليل.
2 . جواهر الكلام:43/197.
3 . الوسائل:19، الباب4 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.ويؤيده الحديث2 من ذلك الباب.

صفحه 255

E الفرع الثالث: إذا ثقبت النافذة الأنف مكان الخرق

إنّ الموضوع في الفرعين الثالث والثاني واحد غير أنّه في الثاني هو خرق الأنف وفي المقام ثقبه، والضمير في كلام المصنّف(ولو ثقبه) يرجع إلى الأنف، وقد حكم المصنّف بوحدة الحكم في الخرق والثقب أخذاً بالمناط.

الفرع الرابع: إذا جنى بالخرق والثقب لكن جبر والتئم

أفتى في المتن بخمس الدية على الأحوط أي مائتا دينار، لكن في رواية ظريف حسب نقل «الكافي» خمس دية الروثة حيث قال:«وإن كانت نافذة فبرأت والتأمت فديتها خمس دية روثة الأنف مائة دينار».1
وفي الوسائل:«فديتها خمس دية الأنف، مائتا دينار».2
ولعلّ المصنّف اعتمد على نسخة الوسائل، ولكن الموجود في «الكافي» الذي نقلت عنه الرواية ما عرفت، والعجب أنّ محقّق الوسائل جعل مصادر مابين الهلالين كتاب «الكافي» في الهامش مع أنّ الموجود فيه خلافه.3

1 . الكافي:7/331، الباب 38.
2 . الوسائل:19، الباب4 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
3 . لاحظ: الوسائل:29/ 293، تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).

صفحه 256
في دية الأُذن   

الرابع: الأُذن

المسألة 1. في الأُذنين إذا استؤصلا الدية كاملة، وفي استئصال كلّ واحدة منهما نصفها، وفي بعضها بحساب ديتها إن كان نصفاً فنصف، أو ثلثاً فثلث وهكذا.*

* في دية الأُذن

في المسألة فروع:
1. إذا قُطعت الأُذنان.
2. إذا قطعت أُذن واحدة.
3. إذا قطع بعض الأُذن.
وإليك دراسة الفروع:
أمّا الأوّلان فيكفي فيهما ما تضافر من أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففي كلّ واحد منهما نصف الدية، وفيهما تمام الدية، وقد مرّ ما يدلّ على ذلك، فلنذكر بعض الروايات:
1. صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية».
هكذا في الوسائل ولكن في «الكافي»: «ففي الواحد نصف الدية».1
2. وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يُكسر ظهره؟   2

1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1. ولاحظ الحديث 12 من هذا الباب.

صفحه 257
E قال: «فيه الدية كاملة»، إلى أن قال: «وفي الأُذنين الدية وفي إحداهما نصف الدية».1
3. روى العلاء بن فضيل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«في أسنان الرجل الدية تامّة، وفي أُذنيه الدية كاملة».2
وأمّا الفرع الثالث: فقد قال المحقّق: وفي بعضها بحسب ديتها.3
قال الشيخ في «النهاية»: وفيما قطع منهما بحسب ذلك.(4) ونقله العاملي عن النهاية والمبسوط وأكثر من تأخّر عن الشيخ.4
ويدلّ عليه خبر سماعة، قال: سألته عن اليد؟ قال: «نصف الدية، وفي الأُذن نصف الدية إذا قطعها من أصلها، وإذا قطع طرفاً منها قيمة عدل».5
وفي كتاب ظريف عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في الأُذنين إذا قطعت إحداهما فديتها خمسمائة دينار، وما قطع منها فبحساب ذلك.6
وربّما يستدلّ عليه بخبر مسمع ولكن مورده شحمة الأُذن، كما سيوافيك، وبذلك يُعلم أنّ المراد من قوله:«قيمة عدل» هو ملاحظة المساحة كلّها ثم نسبة المقطوع إليه فتؤخذ الدية بحسب النسبة.

1 . الوسائل:19، الباب1من أبواب ديات الأعضاء، الحديث4.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث8 . ولاحظ الحديث9 و 12 وغيرهما من نفس الباب.
3 . شرائع الإسلام:4/263.   4 . النهاية:736.
4 . مفتاح الكرامة:21/224.
5 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث9 و10.
6 . الوسائل:19، الباب7 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 258
المسألة2. في خصوص شحمة الأذن ثلث دية الأذن، وفي بعضها فبحسابها، وفي خرم الأُذن ثلث ديتها على الأحوط بل الأظهر.*
* في المسألة فروع:
1. إذا قطع شحمة الأُذن.
2. إذا قطع بعض الشحمة.
3. إذا ثقب (خرم) الشحمة. وإليك دراستها.

الفرع الأوّل: لو قطع شحمة الأُذن

إذا قطع شحمة الأُذن ففيه ثلث دية الأُذن. قال الشيخ في «الخلاف»: في شحمة الأُذن ثلث دية الأُذن، وكذلك في خرمها، وقال الشافعي: فيها بحسب ما نقص من الأُذن.1
وهذا خيرة المحقّق، قال: وفي شحمتها ثلث دية الأُذن على رواية فيها ضعف لكن تؤيّدها الشهرة. ويريد خبر مسمع: «أنّ علياً قضى في شحمة الأُذن ثلث دية الأُذن».2

الفرع الثاني: لو قطع بعض الشحمة

إذا قطع بعض الشحمة، فالضابطة أنّ دية ذلك البعض بحساب دية الأصل، فإذا كانت دية الأصل هي ثلث الدية، (دية الأُذن الواحدة) فلو قطع ثلث الشحمة فالدية ثلث الثلث، فبما أنّ ثلث الدية عبارة عن 66,166   2

1 . الخلاف:5/234، المسألة19.
2 . شرائع الإسلام :4/263.

صفحه 259
E فثلثه 55,55.1

الفرع الثالث: لو خرم شحمة الأُذن

إذا خرم الشحمة أي ثقبها، فقد مرّ عن الشيخ في النهاية: وفي شحمة الأُذن ثلث دية الأُذن وكذلك في خرمها ثلث ديتها.2 ولمّا كان ذلك أمراً غريباً إذ كيف تتساوى دية قطع الشحمة مع ثقبها ولأجل ذلك فقد مرّ عن الشيخ في «الخلاف» أنّ في خرم الشحمة ثلث دية الأُذن. وحمل ابن إدريس عبارة الشيخ على ثلث دية الشحمة لا ثلث دية الأُذن.3
وجعله المصنّف في المتن هو الأحوط والأظهر، أمّا الأحوط فهو واضح بالنسبة للجاني لحصول البراءة اليقينية من الدية، وأمّا كونه أظهر، فهو رهن تأييد الأخبار له وربّما يستدلّ بالروايات:
1. خبر معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل أصاب سرّة رجل ففتقها؟ فقال(عليه السلام):«في كلّ فتق ثلث الدية».4 أي ثلث دية العضو الذي حصل فيه الفتق.
2. ما جاء في كتاب ظريف قال(عليه السلام):«وفي قرحة لا تبرأ ثلث دية العظم الذي هو فيه».5   2

1 . لاحظ : الوسائل:19، الباب7 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2.
2 . النهاية:766.
3 . السرائر:4/382.
4 . الوسائل:19، الباب32 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
5 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات الشجاج والجراح، الحديث3.

صفحه 260
E 3. ما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قضى في خرم الأنف ثلث دية الأنف.1
ولعلّ هذه الأحاديث تشرف الفقيه على الاطمئنان بأنّ المراد ثلث دية الأُذن لا ثلث دية الشحمة.
ولكن يمكن المناقشة فيما ذكر أوّلاً بأنّ الفتق في الرواية الأُولى غير الثقب كما أنّ القرحة في الرواية الثانية غيره، نعم تبقى الرواية الثالثة وموردها الأنف دون الأُذن، ووحدة الحكم رهن إلغاء الخصوصية .
فبذلك يظهر أوّلاً أنّ ما ذكر في المتن بأنّه الأظهر، غير ظاهر.
وثانياً: أنّ مقتضى البراءة هو عدم الزائد على ثلث دية الشحمة.
وثالثاً: أنّه من المستبعد أن تكون دية قطع الشحمة وثقبها واحدة، وهو ثلث دية الأُذن، فما ذكر أحوط دون الأظهر.
وأمّا مقتضى القواعد فهو الاكتفاء بثلث دية الشحمة أخذاً بأصل البراءة.
هذا مع أنّ تعبير المتن: «وفي خرم الأُذن» غير منطبق على عنوان المسألة في كتب الأصحاب ; لأنّ الموضوع فيها خرم الشحمة لا الأُذن، ولعلّه اتّخذ الأُذن موضوعاً ليسهل الحكم بثلث دية العضو، فلاحظ.

1 . الوسائل:19، الباب4 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.

صفحه 261
المسألة 3. لو ضربها فاستحشفت أي يبست فعليه ثلثا ديتها، ولو قطعها بعد الشلل فثلثها على الأحوط في الموضعين، بل لا يخلوان من قرب.*
* في المسألة فرعان:
1. لو ضرب الأُذن فيبست، وانقطع جريان الدم عنها.
2. لو قطعها بعد الشلل. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: لو ضرب الأُذن فيبست

إذا ضرب الأُذن فيبست وانقطع جريان الدم عنها، فقد اختار الشيخ أنّ فيهما الدية كاملة، قال: إذا جنى على أُذنيه جناية فشلّتا ففيهما ثلثا ديتهما.1، والمختار عند صاحب الجواهر والمصنّف أنّه من قبيل شلل العضو الذي فيه ثلثا ديته بلا خلاف أجده فيه.(2)
وقد مرّ في المسألة الثالثة من مسائل الأنف أنّ في شلل الأنف ثلثا ديته صحيحاً وإذا قطع الأشل فعليه ثلثها، والمقامان من واد واحد.
واعلم أنّ الضابطة: في شلل العضو ثلثا الدية وردت في مورد اليد والذراع والساق والقدم في رواية الفضيل بن يسار2 وقد فهم المشهور أنّ ما ورد فيها، ضابطة كلية لكلّ عضو من أعضاء بدن الإنسان وإن لم يكن منها، ولذلك قلنا به في الأنف أيضاً ومثله المقام، أعني: الأوّل.   2

1 . الخلاف:5/233، المسألة 18.   2 . جواهر الكلام :43/203.
2 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث5.

صفحه 262
المسألة4. الأصم فيما مرّ كالصحيح، ولو قطع الأُذن ـ مثلاً ـ فسرى إلى السمع فأبطله أو نقص منه ففيه ـ مضافاً إلى دية الأُذن ـ دية المنفعة من غير تداخل، وكذا لو قطعها بنحو أوضح العظم، وجب مع دية الأُذن دية الموضحة من غير تداخل.*

E الفرع الثاني: لو قطع الأُذن بعد الشلل

لو قطعها بعد الشلل، فقد عرفت في الأنف أنّ عليه ثلث الدية، وهكذا المقام مضافاً إلى مارواه الحكم بن عتيبة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن أصابع اليدين... إلى أن قال: «وكلّ ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح».1
* في المسألة فروع:
1. حكم الأصم.
2. لو قطع الأُذن فسرى إلى السمع فأبطله أو نقص منه.
3. لو قطعها بنحو أوضح العظم. وإليك دراستها.

الفرع الأوّل: في أُذن الأصم

أُذن الأصم كأُذن الصحيح بلا خلاف ولا إشكال، إذ الصمم ليس نقصاً في الأُذن بل في السماع.(2) والدية للأُذن لا للسماع، وهي جمال للإنسان.

الفرع الثاني: لو قطع الأُذن فأبطل السمع

في دية الشفتين   
لو قطع الأُذن فسرى إلى السمع فأبطله أو نقص سمعه، ففيه ديتان:   2

1 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.   2 . جواهر الكلام :43/203.

صفحه 263

الخامس: الشفتان

المسألة1. في الشفتين الدية كاملة، وفي كلّ واحدة منهما النصف على الأقوى، والأحوط في السفلى ستمائة دينار، وفي قطع بعضها بنسبة مساحتها طولاً وعرضاً.*
E دية الأُذن ودية المنفعة. وفي «مفتاح الكرامة»: لو قطع أُذنه فأزال سمعه كانتا جنايتين لا ترتبط إحداهما بالأُخرى، وقد قالوا في باب القصاص: إنّه تستوي أُذن الصغير والكبير والصحيحة والمثقوبة والسمينة والهزيلة.1

الفرع الثالث: لو قطع الأُذن بنحو أوضح العظم

لو قطعها بنحو أوضح العظم، وجبت عليه مع دية الأُذن دية الموضحة لأصالة عدم التداخل، وكذلك الحال لو سرى إلى السمع فأفسده، لم تتداخل الديات: دية القطع، دية الموضحة، ودية ذهاب المنفعة. وسيوافيك في المقصد الثالث في الشجاج والجراح أنّ دية الموضحة هو خمسة أبعرة، وبما أنّ الأُذن تعدّ من الرأس، فحكم الموضحة في الرأس هو ما ذكرنا.

* في دية الشفتين

في المسألة فرعان:
1. إذا قطع الشفتين.
2. إذا قطع واحدة منهما. وإليك دراستهما.   2

1 . مفتاح الكرامة:21/226.

صفحه 264

E الفرع الأوّل: لو قطع الشفتين

فيدلّ عليه مضافاً إلى الضابطة المنصوصة، من أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية، روايتان:
1. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) وفيها:«وفي الشفتين الدية».1
2. رواية زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام):«وفي الشفتين الدية».2

الفرع الثاني: لو قطع واحدة من الشفتين

إذا قطع واحدة منهما، فللأصحاب فيه أقوال أربعة:
1. في العليا الثلث وفي السفلى الثلثان، وهو خيرة المفيد.3
2. في العليا أربعمائة وفي السفلى ستمائة، وهو خيرة الشيخ في «النهاية».(4)
3. في العليا نصف الدية وفي السفلى الثلثان، وقد نقله المحقّق عن ابن بابويه، والمراد به علي بن بابويه والد الشيخ الصدوق.(5)
4. إنّهما سيّان لا يختلفان، وهو خيرة ابن أبي عقيل واستحسنه المحقّق.
وإليك دراسة أدلّة الأقوال.
أمّا القول الأوّل: فقد علّله المفيد بأنّ المنفعة بها أكثر، وبما ثبت عن آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).   2

1 . الوسائل:19، الباب1من أبواب ديات الأعضاء، الحديث4.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث6.
3 . المقنعة:755.            4 . النهاية:766.   5 . لاحظ : شرائع الإسلام :4/264.

صفحه 265
E يلاحظ عليه: أمّا الوجه الأوّل فهو استحسان، وأمّا قوله: وبما ثبت عن آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم نقف على دليل له، قال العاملي: إنّ هذا شهادة من المفيد على ثبوت ذلك وهو أبلغ وأثبت ممّا يرويه ويسنده.1
نعم تدلّ رواية ظريف على دية الشفة السفلى هي ثلثا الدية وتكون دليلاً على فتوى المفيد في السفلى فقط، وأمّا العليا ممّا ورد فيه لا يوافقه كما سيأتي عند الكلام في القول الثالث.
وأمّا القول الثاني: أعني في العليا أربعمائة دينار وفي السفلى ستمائة دينار، فهو خيرة المقنع والهداية والنهاية والوسيلة والمهذب والطبرسي والمختلف.(2) واستدلّ عليه بوجهين:
1. رواية أبي جميلة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: «في الشفة السفلى ستة آلاف درهم، وفي العليا أربعة آلاف، لأنّ السفلى تمسك الماء».(3)
2. نسبه المحقّق في الشرائع إلى كتاب ظريف : «وذكره ظريف في كتابه أيضاً».2
ولكن الموجود فيه غيره، إذ جاء فيه: «ودية الشفة السفلى ـ إذا استؤصلت ـ ثلثا الدية: ستمائة وستة وستون ديناراً وثلثا دينار».(5)
بقي الكلام في رواية أبي جميلة، وهو المفضّل بن صالح، قال النجاشي في ترجمة جابر بن زيد: روى عنه جماعة غُمز فيهم وضعّفوا منهم   2

1 و 2 . مفتاح الكرامة:21/227.   3 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.
2 . شرائع الإسلام :4/264.   5 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 266
E المفضّل بن صالح، فلا يعتمد على خبره لو كان هناك دليل على خلافه.
وأمّا القول الثالث: وهو المنسوب إلى ابن بابويه وهو أنّ في العليا نصف الدية، وفي السفلى الثلثان، وهو قول نادر مضافاً إلى أنّ لازمه الزيادة على الدية بمقدار 160 ديناراً. ومع ذلك تدلّ عليه رواية ظريف فقد جاء فيها :وإذا قطعت الشفة العليا واستؤصلت فديتها خمسمائة دينار ـ إلى أن قال : ـ ودية الشفة السفلى إذا استؤصلت ثلثا الدية: ستمائة وستة وستون ديناراً وثلثا دينار.1
أمّا القول الرابع: أي أنّهما سواء في الدية، فتؤيّده الضابطة والأخبار الخاصّة.
أمّا الضابطة فقد مرّ مراراً أنّ كلّ ما في الجسد منه اثنان ففي الواحد نصف الدية.
وأمّا الأخبار فكالتالي:
1. مضمرة سماعة:«الشفتان العليا والسفلى سواء في الدية».2 بناءً على أنّ المراد بيان التقدير لا أصل وجوب الدية، إذ ليس هو محل الشكّ.
2. خبر زرارة:«في الشفتين الدية، وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية».3
والظاهر أنّ المراد من «وفي إحداهما» أي إحدى كلٍّ من الشفتين والعينين لا خصوص العينين، ويؤيّد الحكم أصالة البراءة من الزيادة،   2

1 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث10; التهذيب:10/246.
3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث6.

صفحه 267
المسألة2. حدّ الشفة في العليا ما تجافى عن اللثّة متصلة بالمنخرين والحاجز عرضاً، وطولها طول الفم، وحدّ السفلى ما تجافى عن اللثّة عرضاً وطولها طول الفم، وليست حاشية الشدقين منهما.*
E ولعلّه لأجل هذا وصفه في الشرائع بأنّه حسن.
وحصيلة الكلام: أنّه يدلّ على القول الثاني خبر أبي جميلة وهو ضعيف، ويدلّ على القول الثالث رواية ظريف وهو مخالف للقاعدة، فلم يكن بد من الأخذ بالقول الرابع لأنّ الضابطة المعروفة هي المرجع في المقام، وقد عرفت أنّ روايتا سماعة وزرارة تؤيّدان القاعدة، فالعدول عنها بلا دليل قاطع،غير جائز.

* في حدّ الشفة العليا والسفلى

قال المحقّق: وحدّ الشفة السفلى عرضاً ما تجافى عن اللثّة مع طول الفم، والعليا ما تجافى عن اللثّة متّصلاً بالمنخرين والحاجز مع طول الفم.1
وقال العلاّمة في «التحرير»: وحدّ السفلى عرضاً ما تجافى عن الأسنان واللثّة ممّا ارتفع عن جلدة الذقن، وحدّ العليا عرضاً ما تجافى عن الأسنان واللثّة إلى اتّصاله بالمنخرين والحاجز، وحدّهما في الطول طول الفم إلى حاشية الشدقين، وليست حاشية الشدقين منهما.(2)
كما أنّ لكلّ آية شأن نزول، ولكلّ رواية سبب صدور، فهكذا أنّ لعنوان كثير من المسائل سبباً، وهذا هو الشيخ في «المبسوط»، والديلمي   2

1 . شرائع الإسلام :4/247.   2 . تحريرالأحكام:5/587. وأمّا الشدقان فلا شكّ أنّهما من الشفة.

صفحه 268
المسألة 3. لو جنى عليها حتى تقلّصت فلم تنطبق على الأسنان ففيه الحكومة، ولو استرختا بالجناية فلم تنفصلا عن الأسنان بضحك ونحوه، فثلثا الدية على الأحوط، ولو قطعت بعد الشلل فثلثها.*
E في «المراسم» والمحقّق في «الشرائع» والعلاّمة في «القواعد» تعرّضوا لحدّ الشفتين، وفي «الجواهر» كان المراد بذلك الردّ على من قال من العامّة بعدم القصاص فيهما لعدم حدّ لهما، ومنهم من حدّهما بغير ذلك.1
أقول: لا إشكال في حدّ الطول وإن طول كلّ من الشفتين يتحّد مع طول الفم، إنّما الكلام في تحديد عرض كلّ من الشفتين العليا والسفلى.
وأمّا حدّهما عرضاً فنقول:إنّ لكلّ شفة داخلاً وخارجاً، فالشفة العليا من الداخل تتّصل باللّثة، ومن الخارج تتّصل بالمنخرين والحاجز الذي بينهما.
وأمّا الشفة السفلى فداخلها يتّصل بلثّة الأسنان من الفك الأسفل، والخارج يتّصل بجلدة الذقن، وأمّا معنى التجافي في الموردين فالمراد أنّ حدّ العليا يتعدّى من اللثة إلى حدّ المنخرين، وأمّا السفلى فيتعدّى عن اللثّة وتتجاوز عنها إلى جلدة الذقن.
* في المسألة فروع:
1. إذا جنى على الشفة حتى تقلّصت.
2. لو جنى عليهما فاسترختا.
3. لو قطعت بعد الشلل .   2

1 . راجع: جواهر الكلام:4/206.

صفحه 269

E لو جنى على الشفتين حتى تقلّصت أو استرختا

أمّا الفرع الأوّل والثاني: فيقع الكلام فيهما في مقامين:
الأوّل: أنّ المصنّف في المتن ـ تبعاً للمحقق ـ أفرد الضمير في التقلّص وثنّاه في الاسترخاء، مع أنّ الشيخ الطوسي ثنّى الضمير في كلا الموردين وقال: فإن جنى عليهما جان فيبستا وصارتا مقلّصتين، لا تنطبقان على الأسنان أو استرختا حتّى صارتا... لا تنفصلان عن الأسنان إذا كشّر (أي تبسّم) وضحك ففيهما الدية، لأنّهما في حكم المتلفين ولا يبقى معهما الجمال1.
والحقّ مع المحقّق: لأنّ التقلّص عبارة عن انزواء الشفة علوّاً كما في المنجد، ومن المعلوم أنّه يتصوّر في الشفة العليا حيث تنكمش إلى الفوق، دون السفلى، ومع ذلك يحتمل التقلّص في الشفة السفلى.
الثاني: هل في التقلّص الحكومة كما استقربه المحقّق(2) وأفتى به في المتن، أو أنّ فيه الدية تامّة كما عليه الشيخ في «المبسوط» على ما حكاه في «مفتاح الكرامة».(3)
الظاهر هو الأوّل لأنّه لم يرد فيه حدّ معيّن. وأمّا الدية كاملة فهي فيما إذا قطع الشفة كاملة.
نعم وجّه الشهيد الثاني كلام الشيخ بقوله: فإنّ مع التقلص تزول المنفعة المخلوقة لأجلها والجمال فيجري مجرى عدمها.2
يلاحظ عليه:أنّ التقلّص لا يفقد الإحساس فلا يلحق بالعضو التالف.   2

1 . المبسوط: 7 / 132.   2 . شرائع الإسلام:4/264.   3. مفتاح الكرامة:21/230.
2 . مسالك الأفهام:15/414.

صفحه 270
المسألة4. لو شقّ الشفتين حتى بدت الأسنان فعليه ثلث الدية، فإن برأت فخمس الدية، وفي إحداهما ثلث ديتها إن لم تبرأ، وإن برأت فخمس ديتها على قول معروف في الجميع.*

E الفرع الثالث: لو قطع الشفة المشلولة

لو قطعت الشفة المشلولة ففيها ثلث ديتها، أخذاً بالضابطة التي ذكرناها في المسألة الثالثة من مسائل الأنف بأنّه إذا قطع الأشل (من الأنف) ففيه ثلث ديته، ومرّ الاستدلال على الضابطة بصحيحة الفضيل بن يسار وخبر الحكم بن عتيبة، فراجع.

* لو شقّ الشفتين أو إحداهما

ذكر المصنّف لمن شُقّت شفته أو شفتاه، صوراً:
1. لو شُقّت الشفتان حتى بدت الأسنان، فعلى الجاني ثلث الدية.
2. فإن برأتا فخمس الدية.
3. في إحداهما ثلث ديتها إن لم تبرأ.
4. وإن برأت فخمس ديتها.
وحاصل الصور: أنّ الشفتين إذا شقّتا حتى بدت الأسنان ولم يبق شيء منهما ولم تبرءا أو لم يلتئما ففيه ثلث الدية، وإن برأتا فخمس الدية.
وإذا شقّت إحداهما ولم تبرأ ثلث دية الشفة، فإن برأت فخمس ديتها.
ففي الصورة الأُولى يكون ثلث الدية الكاملة، أي مقدار333 ديناراً   2

صفحه 271
E وثلث الدينار، وفي الصورة الثانية يكون خمس الدية الكاملة أي مقدار 200 دينار، وفي الصورة الثالثة يكون ثلث دية الشفة أي مقدار32/166 ديناراً، وفي الصورة الرابعة يكون خمس دية الشفة أي مقدار 100دينار.
وعلى هذا: فالمأخذ في الشفتين الدية الكاملة وثلثها فيما إذا لم تلتئم وخمسها إذا التأمت. والمأخذ في إحداهما إذا لم تلتئم ثلث دية الشفة، وعند الالتئام خمس دية الشفة.
وحصيلة الكلام: أنّ في الشفتين عند عدم الالتئام 333 ديناراً وثلثه، وفيهما عند الالتئام200 دينار.
وفي إحداهما عند عدم الالتئام 32/ 166ديناراً.
وفي إحداهما عند الالتئام            100دينار
وقال في «الجواهر» بعد نقل الصور: وفي «كشف اللثام» نسبته إلى قطع الأصحاب، بل عن الغنية الإجماع عليه.1
إنّما الكلام في تطبيق ما اتّفقوا عليه على رواية ظريف، فعليك بالتأمّل فيما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم لرواية ظريف.2 والظاهر عدم الانطباق في بعض الصور.

1 . جواهر الكلام:43/207ـ 208.
2 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 272
في دية اللسان   

السادس: اللسان

المسألة1. في لسان الصحيح إذا استؤصل الدية كاملة، وفي لسان الأخرس ثلث الدية مع الاستئصال.*

* في دية اللسان

في المسألة فرعان:
1. إذا قطع اللسان الصحيح جسماً ونطقاً.
2. إذا قطع لسان الأخرس. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: لو قطع اللسان الصحيح جسماً ونطقاً

فمقتضى النصوص هو الدية الكاملة، وقد دلّت صحيحة هشام بن سالم على أنّ كلّ ما في الإنسان واحد ففيه الدية كاملة، وأمّا النصوص الخاصّة فهي:
1. صحيح العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله(عليه السلام):«في أنف الرجل... إلى أن قال: و (في) لسانه الديةُ تامّة».1
2. موثّقة سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام):«...وفي اللسان إذا قطع الدية كاملة».2

الفرع الثاني: لو قطع لسان الأخرس

لو قطع لسان الأخرس، فالظاهر أنّ ثلث الدية مورد وفاق، قال الشيخ في «الخلاف»: في لسان الأخرس إذا قطع ثلث دية اللسان الصحيح، وقال   2

1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث11.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث7.

صفحه 273
المسألة 2. لو قطع بعض لسان الأخرس فبحساب المساحة، وأمّا الصحيح فيعتبر قطعه بحروف المعجم، وتبسط الدية على الجميع بالسوية، من غير فرق بين خفيفها وثقيلها، واللسنيّة وغيرها، فإن ذهبت أجمع فالدية كاملة، وإن ذهب بعضها وجب نصيب الذاهب خاصّة.*
E الشافعي وجميع الفقهاء: فيه الحكومة ولا مقدّر فيه.1
ويدلّ عليه صحيحة بُريد بن معاوية عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«في لسان الأخرس وعين الأعمى وذكر الخصيّ وأُنثييه، ثلث الدية».2
ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الأخرس خلقة أو عرضاً، ولكن ورد التفصيل بينهما في صحيح أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سأله بعض آل زرارة عن رجل قطع لسان رجل أخرس؟ فقال: «إن كان ولدته أُمّه وهو أخرس فعليه الدية، وإن كان لسانه ذهب به وجع أو آفة بعدما كان يتكلّم فإنّ على الذي قطع لسانه ثلث دية لسانه».3
ولكن الرواية غير معمول بها فلا يمكن الاحتجاج بها.
* في المسألة فرعان:
1. لو قطع بعض لسان الأخرس .
2. لو قطع بعض لسان الصحيح. وإليك دراستهما.   2

1 . الخلاف:5/241، المسألة 34.
2 . الوسائل:19، الباب31 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب31 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2، هذا على ما في مرآة العقول، وأمّا الكافي والتهذيب ففي كلا الموردين: «ثلث الدية» وعليه لا يدلّ على التفصيل.

صفحه 274

E الفرع الأوّل: لو قطع بعض لسان الأخرس

إذا قطع بعض لسان الأخرس، فبحسابه مساحة، فإنّ مثل لسانه كسائر الأعضاء وجوارح الإنسان، فما لم يكن له مقدّر، فيؤخذ بحسابه إلى المقدّر، فبما أنّ في قطع لسان الأخرس كلّه ثلث الدية، فلو قطع نصفه يكون فيه نصف ثلث الدية، فإذا كان ثلث الدية هو31 333، فنصفه32 166.

الفرع الثاني: لو قطع بعض لسان الصحيح

إذا قطع بعض اللسان الصحيح، فيحاسب بحروف المعجم ويعطى الدية بحسب ما لا يفصح منها لا بحساب المساحة، وهذا القول هو المعروف بأنّ المدار هو ذهاب المنفعة أي منفعة اللسان في أداء الحروف. قال السيد العاملي ـ بعد قول العلاّمة في القواعد: «لو قطع بعض لسان الصحيح اعتبر بحروف المعجم» ـ : بإجماع الفرقة وأخبارهم وعندنا وعند العامّة،كما في «المبسوط» و«السرائر»، وهو المشهور كما في«المسالك»، ومذهب الأكثر كما في «مجمع البرهان»، وبه صرّح في «المقنعة» و«النهاية» و«المراسم» و«الوسيلة» و «الشرائع» و«النافع» و«التحرير» و «الإرشاد» و«التبصرة» و «اللمعة» و «المهذب البارع» و«المقتصر» و «الروضة» وغيرها، بل هو خيرة «الغنية» و«الكافي» و«الإصباح» ـ كما ستسمع ـ وفي أكثرها التصريح بعدم الاعتداد بالمساحة وهو ظاهر الباقين كما ستعرف.1
هذا ممّا لا إشكال فيه إنّما الكلام فيما هو المراد من حروف المعجم، فالمشهور هو الحروف الثمان والعشرين، أو التسعة والعشرين، التي   2

1 . مفتاح الكرامة: 21 / 233 .

صفحه 275
E تشكّل العمود الفقري للّغة العربية، فتقسم الدية عليها بالسوية، وهذا المشهور وعليه أكثر الروايات، إلاّ رواية واحدة (وهي رواية سماعة التي تتضمّن تقسيم الدية على حساب الجمل) كما سيأتي الكلام فيه.

تقسيم الدية وفقاً لما يفصحه وما لا يفصحه

وردت روايات تدلّ على أنّ الدية تقسّط على منافع اللسان فما لم يفصح به كان عليه الدية، وهي كثيرة، وموردهاـ إلاّ رواية سماعة ـ : ضرب الرجل على نحو يحدث فيه تلك الحالة دون أن يُقطع من لسانه شيء، ولكن لا فرق بين الصورتين، من حيث الحكم.
وقد جمعها صاحب الوسائل في الباب الثاني من أبواب ديات المنافع، وإليك الروايات:
1. ما رواه سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً في رأسه، فثقل لسانه؟ أنّه يعرض عليه حروف المعجم كلّها، ثمّ يعطى الدية بحصة ما لم يفصحه منها.1
فهذه الضابطة ـ أعني: (الدية على ما لم يفصح) ـ ممّا تضافرت عليه بقية الروايات.
2. ما رواه الكليني عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، في رجل ضرب رجلاً بعصا على رأسه فثقل لسانه، فقال: «يعرض عليه حروف المعجم فما أفصح منها فلا شيء فيه، و مالم يفصح به كان عليه الدية، وهي تسعة   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث1.

صفحه 276
E وعشرون حرفاً» ورواه الصدوق عن البزنطي عن عبد الله بن سنان إلاّ أنّه قال: ثمانية وعشرون حرفاً.1
3. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا ضرب الرجل على رأسه فثقل لسانه عرضت عليه حروف المعجم تقرأ، ثمّ قسِّمت الدية على حروف المعجم، فما لم يفصح به الكلام كانت الدية بالقياس من ذلك».2
4. ما رواه سماعة قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل ضرب غلاماً على رأسه فثقل بعض لسانه وأفصح ببعض الكلام ولم يفصح ببعض، فأقرأه المعجم، فقسّم الدية عليه، فما أفصح به طرحه، وما لم يفصح به ألزمه إياه».3
5. ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «إذا ضرب الرجل على رأسه فثقل لسانه عرضت عليه حروف المعجم، فما لم يفصح به منها يؤدّي بقدر ذلك من المعجم، (يقسم) أصل الدية على المعجم كلّه، يعطى بحساب ما لم يفصح به منها، وهي تسعة وعشرين حرفاً».4 وهذه الرواية نفس ما رواه الكليني والصدوق وذكرناها برقم 2.
وقد مرّ أنّ في نقل الكليني ونقل الشيخ هنا أنّ عدد المعجم تسعة وعشرون حرفاً، وفي نقل الصدوق ثمانية وعشرون حرفاً. وسيوافيك الكلام في ترجيح أحدهما على الآخر.
6. روى الشيخ بسنده عن السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أُتي   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث3.
3 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث 4.
4 . الوسائل:19، الباب 2 من أبواب ديات المنافع، الحديث5.

صفحه 277
E أمير المؤمنين(عليه السلام) برجل ضرب فذهب بعض كلامه وبقي البعض، فجعل ديته على حروف المعجم، ثمّ قال: تكلّم بالمعجم فما نقص من كلامه فبحساب ذلك، والمعجم ثمانية وعشرون حرفاً، فجعل ثمانية وعشرين جزءاً، فما نقص من كلامه فبحساب ذلك».1
7. روى الصدوق في «عيون الأخبار» بإسناده عن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال: «إنّ أوّل ما خلق الله عزّ وجلّ ليعرف به خلقه الكتابة حروف المعجم، وأنّ الرجل إذا ضُرِب على رأسه بعصا فزعم أنّه لا يفصح ببعض الكلام، فالحكم فيه أن يعرض عليه حروف المعجم، ثمّ يعطى الدية بقدر ما لم يفصح منها...».2
إذا عرفت ما ذكرنا من الروايات فلنذكر أُموراً:
1. الإعجام عبارة عن إزالة الإبهام عن الحرف، فلذلك قسّمت الحروف إلى معجمة ـ أي منقوطة ـ ومهملة ـ أي غير منقوطة ـ لكن المراد هنا مطلق الحروف من غير فرق بين المهملة والمعجمة.
2. إنّ حروف المعجم في رواية عبد الله بن سنان على نقل الكليني والشيخ تسعة وعشرون حرفاً، وعلى نقل الصدوق لتلك الرواية ثمانية وعشرون حرفاً، وعلى رواية السكوني التي نقلها الشيخ ثمانية وعشرون حرفاً، فمن عدّها أكثر فقد جعل الهمزة والألف حرفين، ومن اكتفى بالأقل فقد عدّهما حرفاً واحداً. والظاهر كون الأقل أقوى وأشهر، لأنّ في رواية    2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث6.
2 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث8.

صفحه 278
E التسع والعشرين اضطراباً حيث نقلها الصدوق على نحو والكليني على نحو آخر، حتى أنّ الشيخ الذي نقل العدد الأكثر، نقل الأقل في رواية السكوني1، ولذلك يقول صاحب الوسائل: الأقل أقوى وأشهر، فإذا سقطت رواية ابن سنان لأجل الاضطراب عن الحجية يكون المرجع رواية السكوني، خلافاً للسيد الخوئي حيث عكس الأمر وجعل التسعة والعشرين
أقوى مستدلاًّ بأنّ رواية السكوني فيها ضعف حيث إنّ في سند الشيخ إلى النوفلي ضعفاً، واعتمد على رواية عبد الله بن سنان حسب نقل الكليني والشيخ، وقدّمها على رواية الصدوق. ومع ذلك كلّه فالمشهور هو ثمانية وعشرون، يقول ابن دريد: واعلم أنّ الحروف التي استعملتها العرب في كلامها في الأسماء والأفعال والحركات والأصوات تسعة وعشرون حرفاً مرجعهن إلى ثمانية وعشرين حرفاً.(2) وليعلم أنّ المناقشة في أسانيد المشايخ إلى أصحاب الكتب والأُصول غير تامّة; لأنّ هذه الكتب كانت مشهورة رائجة ثابتة نسبتها إلى مؤلّفيها، وإنّما ذكرت الأسانيد في المشيخة، لأجل اخراجها عن الإرسال إلى الاسناد، وقد حققنا الكلام في ذلك في كتابنا«كليات في علم الرجال».
3. مورد الروايات عامّة فيما إذا عجز عن التكلّم لعروض ثقل على لسانه بسبب الضربة، فالموضوع في عامّة الروايات هو ثقل لسانه، أو ثقل بعض لسانه، وأمّا إذا قطع من لسانه فهونظير ما لو ضرب فثقل لسانه، فالميزان في كلا الموردين واحد، وهو: تقسيم الدية على ما يفصح وما لا يفصح.   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث6.   2 . جمهرة اللغة:1/41.

صفحه 279
E ويدلّ عليه رواية أُخرى لسماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: رجل ضرب غلامه ضربة فقطع بعض لسانه فأفصح ببعض ولم يفصح ببعض، فقال: «يقرأ المعجم فما أفصح به طرح من الدية، وما لم يفصح به أُلزم الدية»، قال: قلت: كيف هو؟ قال: «على حساب الجُمل».1
فعلى هذا فلا فرق في سلب التكلّم بالحروف بين كونه مستنداً إلى ثقل اللسان أو قطع شيء منه، فالجميع من واد واحد ويدلّ على القسم الأوّل ـ أي الاستناد إلى ثقل اللسان ـ روايات ست، ويدلّ على القسم الثاني ـ أي الاستناد إلى قطع شيء من اللسان ـ رواية سُماعة، وسيوافيك في المسألة الرابعة أنّ في قطع اللسان قولين آخرين:
أ. الاعتبار بالمساحة، وهو خيرة الأردبيلي.
ب. الأخذ بأكثر الأمرين، وهو خيرة الشهيد الثاني. وسيأتي الكلام فيهما.
ولولا أنّ المصنّف ذكر مسألة قطع اللسان بصورة مستقلّة، لاستوفينا الكلام في الأقوال فيها، هنا.
4. قد اتّفقت الروايات الست على أنّ الميزان هو حروف المعجم غير أنّ الرواية الأخيرة جعلت العبرة «على حساب الجمل» ولولا ذيل الرواية لحملنا حساب الجمل على حساب المعجم، لكن الرواية مذيّلة بشيء يمنع عن ذلك، لأنّه يفسره بالنحو التالي:   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث7.

صفحه 280
E «الألف ديتها واحد، والباء ديتها اثنان، والجيم ثلاثة، والدال أربعة، والهاء خمسة، والواو ستة، والزاء سبعة، والحاء ثمانية، والطاء تسعة، والياء عشرة، والكاف عشرون، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والنون خمسون، والسين ستّون، والعين سبعون، والفاء ثمانون، والصاد تسعون، والقاف مائة، والراء مائتان، والشين ثلاثمائة، والتاء أربعمائة، وكلّ حرف يزيد بعد هذا من ألف ب ت ث، زدتَ له مائة درهم».
ولا يخفى ما في هذا الذيل من إشكالات ثلاثة:
الأوّل: ما أشار إليه الشيخ الطوسي إذ قال: ما تضمّن هذا الخبر من تفصيل الدية على الحروف، يشبه أن يكون من كلام بعض الرواة حيث سمعوا أنّه قال: يفرّق على حروف الجمل، ظنّوا أنّه على ما يتعارفه الحساب، ولم يكن القصد ذلك، بل القصد أنّها تقسّم على أجزاء متساوية.1
الثاني: أنّ حروف الجمل هي الحروف الأبجدية أعني:
أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ. وإذا أردنا أن نقف على حساب الجمل فهي هكذا:   2

1 . التهذيب:10/263 برقم 1043.

صفحه 281
E
أ      1
ب      2
ج      3
د      4
هـ      5
و      6
ز      7
ح      8
ط      9
ي      10
ك      20
ل      30
م      40
ن      50
س      60
ع      70
ف      80
ص   90
ق      100
ر      200
ش      300
ت      400
ث      500
خ      600
ذ      700
ض   800
ظ    900
غ    1000
فلو كان حساب الدية على حساب الجمل الرائج المصور آنفاً بالدرهم لنقص مجموع ما ذكر من الأرقام عن العشرة آلاف درهم، بل تكون نتيجة الجمع:5995.
ولو كان حسابها بالدينار تكون النتيجة 5995 ولزادت عن الألف بكثير لأنّ حساب كلّ عدد متقدّم يحفظ بحاله ويزيد عليه حساب العدد المتأخّر لا أنّ الأوّل يدغم في الثاني. مع العلم بأنّ الرواية قد صرّحت بأنّ الحساب بالدرهم.
الثالث: أنّه توقّف على قوله: «التاء» أربعمائة مع أنّه لم يذكر حروف الجملتين أعني: (ثخذ، و ضظغ) إلاّ أن يقال: كفى في ذكرهما قوله: «وكلّ حرف يزيد بعد هذا زدت له مائة درهم».
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الميزان هو مقدار الإفصاح وعدمه، من غير فرق بين كون السبب هو الضرب وثقل اللسان، أو القطع.

صفحه 282
المسألة3. حروف المعجم في العربية ثمانية وعشرون حرفاً، فتجعل الدية موزعة عليها، وأمّا غير العربية فإن كان موافقاً لها فبهذا الحساب، ولو كان حروفه أقل أو أكثر فالظاهر التقسيط عليها بالسوية كلّ بحسب لغته.*

* توزيع دية اللسان على حروف المعجم في العربية

قد مرّ الكلام في المسألة السابقة، في وجود الاختلاف بين الروايات في عدد حروف المعجم، ففي رواية عبد الله بن سنان على نقل الكليني والشيخ هو تسع وعشرون حرفاً، وعلى رواية الصدوق لها ثمانية وعشرون حرفاً، كما أنّ عددها على رواية السكوني ثمانية وعشرين، وقد مرّ تصريح صاحب جمهرة اللغة على الثاني، ولعلّه الأقوى ـ وقد مرّ وجهه ـ ، غير أنّ الكلام في
غير العربية، فالحروف الفارسية اثنان وثلاثون، وهي في سائر اللغات أكثر
من ذلك، فمقتضى القاعدة تقسيط الدية بحسب لغة المجنيّ عليه، لا اللغة العربية.
إذ في اللغة الفارسية حروف تختصّ بهذه اللغة نظير:
پ، چ، ژ، گ، فتبلغ اثنين وثلاثين حرفاً.
ومناسبة الحكم والموضوع تقتضي ذلك، بل يمكن أن يقال: انصراف الروايات إلى لغة كلّ إنسان.
إنّما يقع الكلام في أنّ الميزان في عد الحروف هو الكتابة أو أنّ الميزان هو التلفّظ فلو كان الميزان هو الأُولى لصحّ القول بزيادة حروفها على   2

صفحه 283
المسألة 4. الاعتبار في صحيح اللسان بما يذهب الحروف لا بمساحة اللسان، فلو قطع نصفه فذهب ربع الحروف فربع الدية، ولو قطع ربعه فذهب نصف الحروف فنصف الدية.*
E العربية، وأمّا لو كان الميزان هو التلفّظ فتنقص عن العدد المذكور فإنّ كثيراً من الحروف العربية، يتلفّظ في الفارسية على نمط واحد نظير: الزاء والضاد والذال والظاء، وكذا الحاء والهاء وعند ذلك ينقص عدد الحروف فيها عن الرقم المذكور. الظاهر هو القول الثاني لما في موثقة سماعة: «يقرأ المعجم فما أفصح به طرح من الدية» وعلى هذا فلو عجز عن التكلّم بالزاء والذال والضاد والظاء فيحسب حرفاً واحداً، والله العالم.

* لو ذهبت منفعة اللسان بسبب القطع

كان البحث في المسائل المتقدّمة، هو ذهاب منفعة اللسان بسبب الضرب، دون القطع، إنّما الكلام فيما إذا كان ذهاب المنفعة بسبب القطع فلو كان المقطوع كلّ اللسان، ففيه الدية كاملة.
إنّما الكلام إذا قطع بعضه ففي المقام أقوال أربعة:
الأوّل: ما في المتن من أنّ الميزان مقدار ذهاب المنافع لا مقدار المساحة من اللسان، فلو قطع نصفه لكن ذهب ربع الحروف ففيه الربع، ولو قطع ربعه فذهب نصف الحروف ففيه النصف. وتدلّ عليه رواية سماعة المتقدّمة1حيث إنّ موردها القطع، وقد جعل الميزان مقدار ما يفصح وما لا يفصح.   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث7.

صفحه 284
E القول الثاني: أنّ الميزان في مقدار الدية هو مساحة اللسان، فلو قطع الكلّ فلا أثر في الاختلاف وإنّما يلزم على الجاني، الدية كاملة ; وأمّا لو قطع نصفه فالدية بالنصف، وإن كان ذهاب المنفعة ربعها، كما أنّه لو كان ذهاب المنفعة ثلثاها فالدية على النصف، وهذا القول هو الذي قوّاه المحقّق الأردبيلي في شرحه على الإرشاد، قال: فإنّ الدليل على ما سمعت، إنّما دلّ على كون المدار على المنفعة فيما إذا ذهبت المنفعة فقط ولم يذهب من الجرم شيء، إذ ما كان في الدليل ما يشمل على قطع بعض اللسان مع كون المدار على نقصان الحروف. وأنّه قد يسقط من اللسان ولا يحصل قصور في صدور الحروف، فالمناسب أن يكون المدار على المنفعة فيما إذا كان النقص فيها فقط، وعلى المساحة والمقدار على تقدير النقص فيه 1 فقط.
وعلى تقدير الاجتماع يحتمل جعل المدار على المساحة فإنّها المدار فيما له مقدّر، وليس للنقص مقدّر.
ويبعد احتمال جعل المدار على المنفعة كما هو ظاهر المتن (فإنّه قال في المتن: وفي البعض بنسبة ما يسقط من حروف المعجم...)، والأكثر.(2)
ويحتمل أكثر الأمرين للاحتياط وللعمل بدليل المساحة والمنفعة.(3)
وحاصل كلامه:
1. أنّ ما دلّ على أنّ المدار هو نقصان الحروف، ورد في مورد ذهاب المنفعة ولم يذهب من جرم اللسان شيء، فلا يحتجّ به في المقام، أعني: ما إذا قطع بعض اللسان مع ذهاب المنفعة.   2

1 . اللسان .            2 . أي وظاهر الأكثر .   3 . مجمع الفائدة والبرهان:14/377.

صفحه 285
E 2. لو فرضنا أنّه قطع بعض اللسان ولم يحصل نقص في إظهار الحروف، فلا يظهر هنا ملاحظة المنافع، إذ الفرض أنّ المنافع محفوظة مع قطع البعض.
3. ثمّ إنّ هنا صوراً ثلاثاً: والمدار على المنافع في أولاها، والمساحة في الأُخريين، وإليك الصور:
1. إذا حصل النقص في المنفعة فقط فالمدار هو ملاحظة ما فات من المنافع.
2. إذا قطع بعض اللسان، دون أن يحصل نقص في المنافع فالمدار هو ملاحظة المساحة.
3. إذا اجتمعا فالمدار هو المساحة لأنّها المدار في سائر الموارد، كالأُذن والأنف.
4. واحتمل وجوب أكثر الأمرين للاحتياط والعمل بدليلين: المساحة والمنفعة.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف رواية سماعة1 حيث إنّ موردها القطع، وقد جعل الميزان في مقدار الدية ما يفصح وما لا يفصح مع قطع النظر عمّا في ذيله من حساب الجمل.
القول الثالث: وهو للشهيد الثاني حيث قال: وقيل: مع قطع البعض يعتبر أكثر الأمرين من الذاهب من اللسان ومن الحروف، لأنّ اللسان عضو متّحد في الإنسان فيه الدية من غير اعتبار الحروف، كما أنّ النطق بالحروف منفعة   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب ديات المنافع، الحديث7.

صفحه 286
E متّحدة فيها الدية من غير اعتبار اللسان، فإذا كان الذاهب من اللسان أكثر من الحروف وجب دية الزائد من حيث اللسان، وبالعكس، وهذا أظهر.1
وهذا هو الذي ذكره الأردبيلي في آخر كلامه ثم عدل عنه في ذيل كلامه.(2)
نعم هو موافق للاحتياط في جانب الجاني لأجل براءة ذمّته، لا في جانب المجنيّ عليه، لاحتمال أن يكون الواجب أحد الأمرين، لا أكثر الأمرين. أضف إلى ذلك: أنّه مخالف لإطلاق الروايات.
القول الرابع: أن يكون الواجب مجموع الأمرين كما ذكره المحقّق الأردبيلي وقوّاه صاحب الرياض.2
ولكن النسبة إلى الأردبيلي غير صحيحة، إذ لم يقل بمجموع الأمرين بل قال بأكثر الأمرين، إذ يلزم على الأوّل ديتان، بخلاف الثاني فيلزم فيه أكثر الديتين، قال: ويحتمل أكثر الأمرين، للاحتياط وللعمل بدليل المساحة والمنفعة.(4)
ولا يخفى ضعف هذا الاحتمال على فرض وجود القائل به لعدم وجوب أكثر من دية واحدة، إمّا الأقل وإمّا الأكثر لا الجمع بين الديتين.
وعلى كلّ تقدير فقد أفتى المصنّف بما هو المشهور وقال: لو قطع نصفه فذهب ربع الحروف فربع الدية. ولو قطع ربعه فذهب نصف الحروف، فنصف الدية وقد عرفت دليله.

1 . مسالك الأفهام:15/417.   2 . مجمع الفائدة والبرهان:14/378.
2 . مباني تكملة المنهاج:2/287.   4 . مجمع الفائدة والبرهان:14/387.

صفحه 287
المسألة5. لو لم يذهب الحرف بالجناية لكن تغيّر بما يوجب العيب فصار ثقيل اللسان أو سريع النطق بما يعدّ عيباً، أو تغيّر حرف بحرف آخر ولو كان الثاني صحيحاً لكن يعد عيباً، فالمرجع الحكومة.*

* لو صار لسانه ثقيلاً أو سريع النطق

قال المحقّق: ولو صار سريع النطق أو إزداد سرعة، أو كان ثقيلاً فزاد ثقلاً فلا تقدير فيه، وفيه الحكومة، وكذا لو نقص، فصار ينقل الحرف الفاسد إلى الصحيح.1
وحاصله: أنّه إذا زالت السرعة بعدما كان سريعاً أو زاد في الثقل بعد ما كان ثقيلاً أو صار الضرب سبباً لأداء الصحيح بالفاسد، كأن يأتي بالراء شبيهة بالغين، كلّ ذلك فيه الحكومة، إذ ليس فيه تقدير صحيح.
ونقل في الجواهر أنّه ربّما يحتمل لزوم دية الحرف في صورة بقائه غير صحيح، وأورد عليه بأنّ الحكومة أعدل منه.
هذا من غير فرق بين طروء العيب المذكور بسبب الضرب أو بسبب قطع اللسان.
نعم يحتمل أنّه إذا كان العيب مستنداً إلى قطع اللسان، لزوم أرش القطع باعتبار المساحة خاصّة، وهو خيرة صاحب كشف اللثام كما نقله صاحب الجواهر.2

1 . شرائع الإسلام:4/264.
2 . جواهر الكلام:43/217.

صفحه 288
المسألة 6. لو قطع لسانه جان فأذهب بعض كلامه ثم قطع آخر بعضه فذهب بعض الباقي، أخذ بنسبة ما ذهب بعد جناية الأوّلي إلى ما بقي بعدها، فلو ذهب بجناية الأوّل نصف كلامه فعليه نصف الدية، ثم ذهب بجناية الثاني نصف ما بقي، فعليه نصف هذا النصف أي الربع وهكذا.*

* لو قطع لسانه جان ثم قطع آخر بعضه

قال المحقّق: ولو جنى آخر اعتبر بما بقي وأُخذ بنسبة ما ذهب بعد جناية الأوّل.1
توضيحه: أنّه لو جنى شخصان على لسان واحد، فجنى الأوّل فاذهب بجنايته نصف الحروف مثلاً، ثمّ جاء الثاني فاذهب نصف الباقي لا كلّه، ففي المسألة وجهان:
1. وجب عليه الربع لوضوح أنّه أذهب ربع المنفعة، لا جميعها، نعم لو أذهب النصف الباقي تماماً يجب عليه النصف.
2. يعتبر أكثر الأمرين من المقطوع والذاهب من الكلام.2 وتظهر الثمرة في فرع آخر وهو أنّه لو قطع الأوّل ربع اللسان فذهب نصف الكلام كان عليه نصف الدية، لأنّ الذاهب من الكلام أكثر من الذاهب من اللسان لأنّ المفروض أنّه قطع ربع اللسان.   2

1 . شرائع الإسلام:4/265.
2 . جواهر الكلام:43/220.

صفحه 289
المسألة7. لو أعدم شخص كلامه بالضرب على رأسه ونحوه من دون قطع، فعليه الدية، ولو نقص من كلامه فبالنسبة كما مرّ، ولو قطع آخر لسانه الذي أخرس بفعل السابق فعليه ثلث الدية وإن بقيت للّسان فائدة الذوق والعون بعمل الطحن، من غير فرق بين قدرة المجنيّ عليه على الحروف الشفوية والحلقية أم لا.*
E ثمّ لو جاء الآخر فقطع بقية اللسان وافترضنا أنّه ذهب ربع الكلام فلو قلنا بأنّ العبرة هنا بالمساحة لا بالذاهب من الكلام يجب عليه ثلاثة أرباع الدية، إذ المفروض أنّه قطع ثلاثة أرباع من اللسان، وإن ذهب ربع المنافع.

* لو أعدم شخص كلامه ثم قطعه آخر

قال العلاّمة في «القواعد»: ولو أعدم الأوّل كلامه ثم قطعه آخر، كان على الأوّل الدية، وعلى الثاني الثلث.1
وذلك لأنّ الأوّل أعدم كلامه رأساً من غير قطع فوجبت عليه الدية تامّة لذهاب المنفعة كلّها، وعلى الآخر ثلث الدية لأنّ لسانه لسان الأخرس، لأنّ الذي لا ينطق بحرف فهو أخرس، ولو عرضاً.
فإن قلت: ربّما تبقى في اللسان فائدة الذوق، وربّما تبقى الحروف الشفوية والحلقية.
قلت: إنّها ليست من منفعة اللسان، وإن اعتبرت في قطعه.2

1 . قواعد الأحكام:3/675.
2 . جواهر الكلام:43/220.

صفحه 290
المسألة8. لو قطع لسان طفل قبل بلوغه حدّ النطق فعليه الدية كاملة، ولو بلغ حدّه ولم ينطق فبقطعه لا يثبت إلاّ الثلث، ولو انكشف الخلاف يؤخذ ما نقص من الجاني.*
المسألة9. لو جنى عليه بغير قطع فذهب كلامه ثم عاد فالظاهر أنّه تستعاد الدية، وأمّا لو قلع سنّه فعادت فلا تستعاد ديتها.**

* لو قطع لسان طفل قبل بلوغه

لو قطع لسان طفل كان فيه الدية، إذ الأصل السلامة، ولو بلغ حدّاً ينطق مثله ولم ينطق فالثلث لظن الآفة.
ثمّ إذا انكشف الخلاف بأن نطق بعد ذلك فيعتبر حينئذ بالحروف فيؤخذ من الجاني ما نقص، فإن كان بقدر المأخوذ أوّلاً، فهو، وإلاّ أتم له، وإن نقص1 أُستعيد منه، ولو لم يذهب شيء من الحروف فالحكومة.(2)
ولا يخفى أنّ ما ذُكر إنّما يصحّ فيما لو قطع شيئاً من لسان الطفل، فالتعبير بأنّه قطع لسان طفل كما في المتن،والشرائع والقواعد، ليس بجيّد.

** لو ذهب كلامه بغير قطع ثم عاد

قال العلاّمة: إن جنى عليه فذهب بكلامه من غير أن يقطع شيئاً من اللسان، فأخذ الدية، ثم عاد كلامه، استُعيد منه الدية، لأنّه لو ذهب كلامه لما عاد، فلمّا رجع عُلم أنّه لم يذهب، قاله في المبسوط(3). وقال في «الخلاف»:   2

1 . الظاهر: زاد.   2 . قواعد الأحكام:3/675.   3 . المبسوط:7/163.

صفحه 291
E لا تستردّ.1 وهو حسن.2
وما اختاره العلاّمة هو نفس خيرة المحقّق حيث قال: وهو الأشبه.3
ووجه كونه أشبه لأنّ الأخذ كان بحق، والاستعادة تفتقر إلى دليل كما أفاده الشيخ في «الخلاف».
وقد استشكل عليه في «الجواهر» 4 بأنّ المنساق من النصوص كون الذاهب دائماً دون الذاهب مدّة، ولذلك أفتى المصنّف بأنّ تستعاد.
والظاهر أنّ الجناية أثرّت في أعصاب المجنيّ عليه تأثيراً مؤقّتاً عاقه عن إعمال النطق، لكن مضي الزمان صار سبباً لقوّة الأعصاب على أداء الكلام، فلا يكون العود هبة جديدة بل نفس الشيء.
نعم يقع الكلام في الفرق بين المقام حيث قالوا بالاستعادة وبين قلع السنّ فيما لو عادت، فقالوا: لا تستعاد ديتها، وذلك لأنّ السن الجديدة هبة جديدة، وليس عوداً للمقلوع، ولذلك قال المحقّق: أمّا لو قلع سن المثغر فأخذ ديتها وعادت لم تستعد ديتها لأنّ الثانية غير الأُولى.5

1 . الخلاف:5/242، المسألة 37.
2 . تحرير الأحكام:5/577، المسألة 7229.
3 . شرائع الإسلام:4/265.
4 . جواهر الكلام: 43 / 224 .
5 . شرائع الإسلام:4/265.

صفحه 292
في دية الأسنان   

السابع: الأسنان

المسألة1. في الأسنان الدية كاملة، وهي موزعة على ثمان وعشرين سناً، اثنتا عشرة في مقاديم الفم: ثنيتان ورباعيتان ونابان من أعلى ومثلها من أسفل، ففي كلّ واحدة منها خمسون ديناراً، فالجميع ستمائة دينار، وست عشرة في مآخر الفم، في كلّ جانب من الجوانب الأربعة (أربعة ضواحك)1 وأضراس ثلاثة، في كلّ واحدة منها خمسة وعشرون ديناراً، فالجميع أربعمائة دينار، ولا يلحظ النواجذ في الحساب ولا الأسنان الزائدة.*

* في دية الأسنان

قال الشيخ في «المبسوط»: دية الأسنان:... وعندنا في جميعها الدية كاملة، في اثني عشر المقاديم ستمائة دينار، خمسون، خمسون، وفي ستة عشر في مواخير الفم، أربعمائة، في كلّ واحدة خمسة وعشرون ديناراً.2
ويظهر من قوله:«عندنا» أنّ المسألة اتّفاقية، وقال الشيخ في «الخلاف»: الأسنان كلّها فيها الدية بلا خلاف، وعندنا أنّها ثمانية وعشرون سناً، الأصلية اثنا عشر في مقاديم الفم، وستة عشر في مواخيره، ففي التي في مقاديم الفم في كلّ واحدة خمس من الإبل، أو خمسون ديناراً، وفي التي في مواخيره في كلّ واحدة خمسة وعشرون ديناراً، الجميع ألف دينار. وقال الشافعي:   2

1 . الصحيح: ضاحك واحد. فالمجموع أربعة ضواحك في الجوانب الأربعة.
2 . المبسوط:7/137.

صفحه 293
E الأسنان اثنان وثلاثون. الأصلية في كلّ سن خمس من الإبل، والمقاديم والمواخير سواء، فإن قلعت واحدة كان فيها خمس من الإبل. وبه قال ابن عباس، ومعاوية. وقال عمر بن الخطاب: في السن خمس من الإبل، وهي التي تبين عند الكلام والأكل. فأمّا الأضراس ففي كلّ ضرس بعير. وإن قلعت دفعة واحدة فللشافعي فيه قولان: المشهور منهما أنّ فيها مائة وستين بعيراً. والقول الآخر: فيها دية كاملة لا أكثر منها.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً ما قلنا مجمع على وجوبه، وما زاد عليه لا دليل على وجوبه، والأصل براءة الذمّة.1
وقال به العلاّمة في «التحرير» حيث قال: في الأسنان الدية كاملة إجماعاً، وتقسّم على ثمانية وعشرين سناً، اثنا عشر مقاديم وستة عشرة مآخير.(2)

الروايات المؤيدة

1. خبر الحكم بن عتيبة، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): بعض الناس في فيه اثنان وثلاثون سنّاً، وبعضهم له ثمانية وعشرون سنّاً، فعلى كم تقسّم دية الأسنان؟ فقال:«الخلقة إنّما هي ثمانية وعشرون سنّاً اثنى عشرة في مقاديم الفم وستّ عشرة في مواخيره، فعلى هذا قسمة دية الأسنان، فدية كلّ سنّ من المقاديم إذا كسرت حتّى تذهب خمسمائة درهم، فديتها كلّها ستّة آلاف درهم، وفي كلّ سنّ من المواخير إذا كسرت حتّى تذهب فإنّ ديتها مائتان وخمسون درهماً وهي ست عشرة سنّاً فديتها كلّها أربعة آلاف درهم،   2

1 . الخلاف:5/243، المسألة 38.   2 . تحرير الأحكام :5/602.

صفحه 294
E فجميع دية المقاديم والمواخير من الأسنان عشرة آلاف درهم، وإنّما وضعت الدية على هذا، فما زاد على ثمانية وعشرين سنّاً فلا دية له، وما نقص فلا دية له، هكذا وجدناه في كتاب علي(عليه السلام)».1
والسند ضعيف بالحكم بن عتيبة فإنّه زيدي بتري، ووقع في أربع وعشرين مورداً في الكتب الأربعة، لكن الأصحاب عملوا بهذه الرواية، والرجل من رجال الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام).
2. روى الصدوق، قال: وروى ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام):
قال: «أصابع اليدين والرجلين في الدية سواء».
وقال: «في السن إذا ضربت انتظر بها سنة...».
وقضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في الأسنان التي تقسم عليها الدية أنّها ثمانية وعشرون سنّاً: ستة عشر في مواخير الفم واثنا عشر في مقاديمه، فدية كلّ سنّ من المقاديم إذا كُسر حتى يذهب خمسون ديناراً يكون ذلك ستمائة دينار، ودية كلّ سنّ من المواخير إذا كُسر حتى يذهب على النصف من دية المقاديم خمسة وعشرون ديناراً، فيكون ذلك أربعمائة دينار فذلك ألف دينار، فما نقص فلا دية له وما زاد فلا دية له.
قال مصنّف هذا الكتاب(رحمه الله): إذا أُصيب الأسنان كلّها فما زاد على الخلقة المستوية وهي ثمانية وعشرون سنّاً فلا دية لها، وإذا أُصيبت الزائدة مفردة   2

1 . الوسائل:19، الباب38 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.

صفحه 295
E عن جميعها ففيها ثلث دية التي تليها.1
أقول: ذكر المحقّق الأردبيلي أنّ قول الفقيه أي:(قال مصنّف هذا الكتاب) يدلّ على أنّ قوله:«قضى» في صدر الحديث إلى قوله:«قال مصنّف هذا الكتاب» تتمة رواية عبد الله بن سنان، وهي صحيحة فتكون على المشهور رواية صحيحة، وإن لم تكن من تتمّتها فلم تكن صحيحة، بل مرسلة ولكنّها مؤيّدة لرواية الحكم المشهورة.2
وقال في «مفتاح الكرامة» بعد نقل كلام الأردبيلي، قلت: الظاهر أنّها مرسلة.(3)
وعلى كلّ تقدير فالروايتان مع إطباق الأصحاب عليهما ـ إلاّ من شذّ ـ دليل كون الحكم قطعياً.
نعم تردّد الشهيد الثاني فقال: بأنّ التفصيل المذكور هو المعروف من مذهب الأصحاب وبه رواية ضعيفة، لكنّها مشهورة مجبورة بذلك على قاعدتهم3، ثم ذكر الروايات المخالفة التي سندرسها تالياً.

الروايات المخالفة

1. روى الكليني بسند صحيح عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «الأسنان كلّها سواء في كلّ سنّ خمسمائة درهم».(5)   2

1 . الفقيه:4/103، برقم346. ولاحظ : الوسائل:19، الباب38 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1، نقله ملخّصاً.
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 389 .   3 . مفتاح الكرامة:21/255.
3 . مسالك الأفهام:15/420.   5 . الوسائل:19، الباب38 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث3.

صفحه 296
E يلاحظ على الاستدلال بأنّ ما ورد في الرواية يزيد على الدية الكاملة، لأنّ نتيجة ضرب 500درهم في 28 سنّاً يكون 14000درهم، ولذلك حملها الشيخ على الثنايا والمقاديم دون المآخير، لما تقدّم ويأتي.
2. ما رواه ظريف عن أمير المؤمنين(عليه السلام)قال: «وفي الأسنان في كلّ سنّ خمسون ديناراً، والأسنان كلّها سواء».1
لكنّه لا يصلح للمعارضة، لأنّ نتيجة ضرب 28×50 يساوي 1400 دينار.
3. نعم روى العامّة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كتب لعمرو بن حزم:«وفي السنّ خمس من الإبل».2 وروى أصحابنا مثل ذلك أيضاً.وعليه تكون الدية حسب الإبل 120 بعيراً.
4. خبر ظريف، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «في السنّ خمس من الإبل».3
ولا يخفى أنّ هذه الروايات إمّا مؤوّلة، أو محمولة على التقية.
بقي الكلام في قوله:«ولا يلحظ النواجذ من الأسنان في الحساب، ولا الأسنان الزائدة» أي ليس لها أحكام ما سبق من الأسنان مقاديمها ومآخيرها، نعم لو قلعت منفردة فستوافيك أحكامها، لأنّ هذه الأحكام للثمانية والعشرين، لا لغيرها، نعم لها أحكام خاصّة في المسألة الثالثة.

1 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . سنن البيهقي:8/89 .
3 . الوسائل:19، الباب38 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث6.

صفحه 297
المسألة2. لو نقصت الأسنان عن ثمان وعشرين نقص من الدية بإزائه، كان النقص خلقة أو عارضاً.*
المسألة3. ليس للزائد على ثمان وعشرين دية مقدّرة، والظاهر الرجوع إلى الحكومة، سواء كانت الزيادة من قبيل النواجذ التي هي في رديف الأسنان أو نبت الزائد جنبها داخلاً أو خارجاً، ولو لم يكن في قلعها نقص أو زاد كمالاً فلا شيء، وإن كان الفاعل ظالماً آثماً، وللحاكم تعزيره.**

* لو نقصت الأسنان عن ثمان وعشرين

الدليل على حكم المسألة هو ما مرّ في خبر الحكم بن عتيبة، فقد جاء فيه: «فما زاد على الثمانية وعشرين فلا دية له، وما نقص فلا دية له» والمقام من مصاديق الفقرة الثانية.
وبعبارة أُخرى: الدية على عدد الأسنان المتبقية فلكلّ سنّ دية خاصّة، ومن المعلوم أنّ الحكم فرع وجود الموضوع.
** في المسألة فرعان:
1. حكم الأسنان الزائدة على الثمانية والعشرين.
2. لو قلع سنّاً زائداً فلم يحصل نقص، أو زاد كمالاً. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: حكم الأسنان الزائدة على الثمانية والعشرين

الأسنان الزائدة على قسمين; قسم ينبت على رديف الأسنان   2

صفحه 298
E ويسمّى بالنواجذ، أو أسنان العقل.
وقسم ينبت في جنب السنّ داخلاً أو خارجاً.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ في الفرع قولين:
الأوّل: الحكومة، وهو خيرة المفيد، قال في «المقنعة»: وما زاد على هذه الأسنان في العدد فليس له دية موظّفة، لكنّه ينظر فيماينقص من قيمة صاحبه بذهابه منه أن لو كان عبداً، ويعطى بحساب دية الحرّ منه.1
وهو خيرة المصنّف أيضاً. وجهه: أنّ المورد لم يرد فيه تقدير فيكون من مصاديق الحكومة.
الثاني: ثلث دية الأصلي. وقد اختاره المحقّق حيث قال: وليس للزائدة دية إن قلعت منضمة إلى البواقي وفيها ثلث دية الأصلي لو قلعت منفردة، وقيل: فيها الحكومة، والأوّل أظهر.(2)
ووجهه ما تقرّر في غير هذا الموضع من وجوب ثلث دية الأصل لكلّ عضو زائد، والمقام من مصاديق هذه الضابطة.
والدليل عليها ما رواه غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الاصبع الزائدة إذا قطعت ثلث دية الصحيحة.2
يلاحظ عليه: أنّ مورد الرواية خصوص الاصبع وقياس غيره عليه باطل، اللّهمّ إلاّ أن يدّعى ظهور الرواية في كونها قاعدة كلّية، في كلّ الأعضاء، فالمتّجه حينئذ الحكومة مطلقاً، ولا ينافيه قوله في خبر الحَكم:«فما زاد على   2

1 . المقنعة:756.   2 . شرائع الإسلام:4/266.
2 . الوسائل:19، الباب 39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.

صفحه 299
المسألة4. لا فرق في الأسنان بين أبيضها وأصفرها وأسودها إذا كان اللون أصلياً لا لعارض وعيب، ولو اسودت بالجناية ولم تسقط فديتها ثلثا ديتها صحيحة على الأقوى، ولو قلع السن السوداء بالجناية أو لعارض فثلث الدية على الأحوط، بل لا يخلو من قرب، وفي انصداع السن بلا سقوط، الحكومة على الأقوى.*
E ثمانية وعشرين فلا دية له»، وذلك لوجهين:
1. أنّ العبارة محمولة على ما لو قُلع الزائد مع سائر الأسنان.
2. أنّ المراد نفي الدية المقدّرة لا الأرش.

الفرع الثاني: لو قلع سناً زائداً ولم يحصل نقص

لو قلع السن الزائد دون أن يحدث نقص، أو ظهر فيه كمال، فلا شكّ أنّ القالع لو كان طبيب الأسنان وكان القلع بإذن صاحب السنّ فلا إثم تكليفاً، ولا وضيعة وضعاً، إنّما الكلام فيما إذا قلعه طبيب الأسنان أو غيره بلا إذن صاحب السن، فلا شكّ أنّه يُعدّ آثماً ويعزر، ولكن لا يحكم عليه بالدية أو الأرش، بحجّة أنّ عمله لا يُعدّ جناية، لو لم يحدث فيه كمال.
* في المسألة فروع:
1. عدم الفرق بين الأسنان أبيضها وأصفرها وأسودها.
2. لو جنى على السنّ واسودّت ولم تسقط.
3. لو قلع السنّ السوداء بالجناية أو لعارض.
4. لو جنى فانصدع السنّ ولم يسقط.   2

صفحه 300
E وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: لا فرق بين الأسنان البيضاء والسوداء خلقةً

قال العلاّمة: لا فرق بين البيضاء والسوداء خلقة أو الصفراء، بأن كانت قبل أن يثغر سوداء ثم نبتت كذلك، أمّا لو كانت بيضاء قبل أن يثغر ثم نبتت سوداء رُجع إلى العارفين، فإن اسندوا السواد إلى علّة فالحكومة، وإلاّ فالدية.1
وحاصل كلامه: أنّ السواد إذا كان خلقيّاً لا يُعدّ عيباً، وهكذا الاصفرار، ولو كان قبل أن يثغر سوداء ثم نبت كذلك فهو دليل على أنّه خلقي، نعم لو تغيّر وكان أبيض ـ قبل أن يثغر ـ ثم نبت أسود، فلو حكم العارفون بأنّ السواد طبيعي فهو، وإلاّ فلا يحكم بحكم الأسود الصحيح. وجه عدم الفرق بين الأقسام الثلاثة إطلاق الرواية أو الروايتين على ما سلف.

الفرع الثاني: لو جنى على السن حتى اسودّت

لو جنى على السن جان فاسودّت ولم تسقط، ففيها ثلثا دية الصحيحة.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا ضرب سنّه فاسودّت كان عليه ثلثا دية سقوطها، وقال الشافعي: فيه الحكومة.(2)
ويدلّ عليه ما يلي:
صحيح عبد الله بن سنان عن الصادق(عليه السلام) قال: «السن إذا ضُربت انتظر بها سنة، فإن وقعت أُغرم الضارب خمسمائة درهم، وإن لم تقع واسودّت أُغرم ثلثي الدية».2   2

1 . قواعد الأحكام:3/677.   2 . الخلاف: 5/ 246، المسألة 45.
2 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 4.

صفحه 301
E وموردها وإن كان ما فيه الدية خمسمائة درهم إلاّ أنّه من باب المثال فتعمّ ما إذا كانت الدية مائتين وخمسين درهماً.
ويؤيّده ما سيوافيك من أنّ فيها الثلث إذا قلعت سوداء.

دراسة الروايات النافية

نعم ينافيها ما يلي:
دلّت الروايات الثلاث على أنّ دية الإسوداد هو الدية الكاملة، وهي بين مرسلة ومعتبرة:
1. ما في مرسل أبان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: إذا اسودَّت الثنية جعل فيها الدية».1
ولكن الشيخ حمل لفظ الدية على إيجاب ثلثي الدية فيها دون الدية الكاملة، أضف إليه: أنّها مرسلة لا نحتجّ بها في مقابل الصحيحة.
2. ما في كتاب ظريف، قال(عليه السلام): «فإذا اسودّت السن إلى الحول 2 ولم تسقط فديتها دية الساقطة خمسون ديناراً».3 ولعلّه شاهد على أنّ الدية في مرسل أبان هي الدية الكاملة، وبما أنّ كتاب ظريف معتبر، تقع المعارضة بينه وبين الصحيحة .
3. ما حكي عن الفقه المنسوب إلى الرضا(عليه السلام) من أنّ السن إذا اسودّت   2

1 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث3. وفي نسخة «زيادة ثلث» في هامش المخطوط.
2 . إلى مضّي حول فإنّ الإسوداد يحصل تدريجيّاً.
3 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 302
E إلى الحول، ولم تسقط فديتها دية الساقطة خمسون ديناراً. وفيه ما مرّ في المنقول عن كتاب ظريف.
والمرجع بعد التساقط هو البراءة عن الزائد على الثلثين.
نعم في بعض الأخبار: إذا تغيّرت السن إلى السواد ديته ستة دنانير،
وإذا تغيّرت إلى الحمرة فثلاثة دنانير، وإذا تغيّرت إلى الخضرة
فدينار ونصف.1
ومن المعلوم أنّ هذه الرواية غير معمول بها.

الفرع الثالث: لو قلع السنّ السوداء بالجناية

لو قلع السنّ السوداء بالجناية أو لعارض، ففي المسألة أقوال ثلاثة كلّها للشيخ.
الأوّل: قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قلعها قالع بعد اسودادها، كان عليه ثلث ديتها صحيحة،وقال الشافعي: عليه ديتها كاملة.2
وهو خيرة المحقّق قال : وفيها بعد الاسوداد الثلث على الأشهر.(3)
ويدلّ عليه خبر العرزمي، عن أبيه عن عبدالرحمن، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)أنّه جعل في السنّ السوداء ثلث ديتها.3
ولكن الرواية ضعيفة بيوسف بن الحارث ومحمد بن عبد   2

1 . مفتاح الكرامة:21/206.ورواه المعلّق على الوسائل عن الفقه المنسوب إلى الرضا(عليه السلام):43.
2 . الخلاف:5/246، المسألة 46.   3 . شرائع الإسلام:4/266.
3 . الوسائل:19، الباب43 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.

صفحه 303
E الرحمن العرزمي. فإنّ الأوّل ممّا استثناه ابن الوليد من روايات نوادر الحكمة، وله ثلاث روايات في الكافي والتهذيب. وأمّا الثاني فهو لم يوّثق، نعم له روايات في الكافي والتهذيب وهو من رجال الصادق(عليه السلام).
والذي يمكن أن يقال: إنّ المحقّق وصف هذا القول بالأشهرية، وقد عمل به كثير من الأصحاب. وقال العاملي بعد نقل القول: وعليه الإجماع كما في الخلاف وظاهر الغنية فيما حُكي، وهو خيرة المقنع والوسيلة والسرائر والشرائع والنافع والتحرير والإرشاد والمختلف واللمعة والمختصر، والروض والروضة ومجمع البرهان والرياض.1
ولعلّ هذا المقدار من الشهرة كاف في جبر الرواية، مضافاً إلى أنّه يؤيّده ما ورد في شلل العضو من قول الإمام الباقر(عليه السلام): «وكلّ ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح».2 بناءً على أنّ السن السوداء شلل.
القول الثاني: يجب ربع ديتها، لخبر عجلان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «في دية السن الأسود ربع دية السنّ».3، وهو خيرة الشيخ في النهاية.(4)
ولكن الرواية ضعيفة بعلي بن محمد بن الحسين، فهو مجهول، وأمّا عجلان فلو كان المراد به عجلان أباصالح فقد روى الكشي عن العياشي أنّه قال: سمعت علي بن الحسن بن فضال يقول: عجلان أبو صالح ثقة، وعلى كلّ تقدير فلا يحتج بالرواية. نعم أفتى به الشيخ في «النهاية»، والقاضي في   2

1 . مفتاح الكرامة:21/262.
2 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب40 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث3.   4 . النهاية:767.

صفحه 304
E «الكامل»، وابن سعيد في «الجامع للشرائع»، على ما حُكي.1
وأورد عليه السيد العاملي وقال: وفيه على ضعف الخبر وندرة القول به وعدم مقاومته لما مرّ، أنّه يلزم نقصان ديتها عن إتلافها بالجناية بادئ بدء.
ولعلّ مراده: أنّه لو جنى أحد على السن واسودّت تكون ديتها ثلثا دية السن، ثم لو أسقطه هو تكون ديتها ربع الدية، فيكون المجموع أقل من الدية الكاملة للسن، وذلك لأنّ مجموع ثلثي دية السن وربعها يصير 1211 وهو أقلّ من دية السن الكاملة.
القول الثالث: المرجع هو الحكومة وهو خيرة الشيخ في «المبسوط»، لضعف الأخبار الواردة في الثلث فيرجع إلى القاعدة، ومال إليه في المسالك واستحسنه في المفاتيح.(2) هذا هو ما يمكن أن يقال في هذا الفرع.
ثمّ إنّ السيد الخوئي اختار أنّ الدية هو ربعها وقال: ويمكن الاستدلال لهذا القول بقوله(عليه السلام) في معتبرة ظريف:«فإن سقطت بعد وهي سوداء فديتها اثنا عشر ديناراً ونصف الدينار» بتقريب أنّ المفروض في الرواية أنّ دية السن خمسون ديناراً فيكون اثنا عشر دينار ونصف دينار ربع دية السن، ففيما كان دية السن خمسة وعشرين ديناراً كانت دية السوداء منه ستة دنانير وربع.
فإن قيل: إنّ ما ذكر من الرواية إنّما هو موافق لما في الكافي والتهذيب، وأمّا الفقيه فالموجود فيه أنّ ديته خمسة وعشرون ديناراً، وبما أنّ النقل عن كتاب ظريف معارض بمثله فلا يمكن الاستدلال بشيء منهما.   2

1 و 2 . مفتاح الكرامة:21/262.

صفحه 305
E قلنا: نعم إلاّ أنّ التعارض إنّما هو في المقدار الزائد على الربع وأمّا مقدار الربع فهو المتّفق عليه بين النقلين ويثبت ذلك لا محالة ويدفع الزائد بالبراءة. وبعبارة أُخرى: أنّ كتاب ظريف كان مشتملاً على تقدير دية السنّ السوداء ولكنّها مردّدة بين الربع والنصف فيؤخذ بالمتيقّن ويرجع في المشكوك إلى أصالة البراءة. ويؤيّد ذلك ـ مضافاً إلى ما هو المشهور من أنّ الكليني أضبط نقلاً من الصدوق ولا سيّما مع موافقة الشيخ له في النقل ـ أنّ ما في الفقيه لم يوجد له قائل منّا.1
وحاصل التعارض: أنّ المفروض في رواية ظريف أنّ دية الصحيحة خمسون ديناراً فيكون 5,12 دينار هو الربع، وأمّا على رواية الفقيه، فقد جاء فيها: وإن سقطت بعد وهي سوداء فديتها خمسة وعشرون ديناراً.2
فإذا تعارضتا يؤخذ بالمتيقّن منهما.
أقول: ما ذكره(قدس سره) صحيح في تعارض البيّنتين وأمّا تعارض الخبرين، فالظاهر سقوطهما عن الحجّية لأنّ كلاًّ منهما ينفي الآخر، فما يدلّ على الربع ينفي النصف، وما يدلّ على النصف ينفي الربع بحدّه، وإن لم ينفه بذاته، فكيف يؤخذ بالأقل بحدّه، ولعلّ القول الأوّل أقوى.

الفرع الرابع: لو جنى فانصدعت السن ولم تسقط

لو جنى فانصدعت السنّ ولم تسقط، ففيه قولان:   2

1 . مباني تكملة المنهاج:2/296ـ297.
2 . الفقيه:4/59.

صفحه 306
E الأوّل: ديتها ثلثا دية الصحيحة. قال المحقّق: وفي انصداعها ولم يسقط «ثلثا ديتها» وفي الرواية ضعف.
الثاني: الحكومة.
والأوّل خيرة الشيخ في النهاية، قال: وإذا ضربت السنّ فلم تسقط لكنّها اسودت أو انصدعت ففيها ثلثا دية سقوطها.1 وقال به العلاّمة في التحرير.2
والثاني أي الحكومة قال المحقّق: الحكومة أشبه.3
أمّا القول الأوّل فقال في «مفتاح الكرامة»: إنّ به رواية لكنّها ضعيفة .4
وقال المحقّق: وفي الرواية ضعف....
ولكن اعترف غير واحد ممّن تأخّر عنه بعدم العثور عليها، وليس المورد من الشهرة الفتوائية المجردة التي قلنا بحجيتها، إذ لم تثبت الشهرة ولا الشهرة العملية، إذ لم يثبت أصل الرواية، فكيف العمل بها؟! ولهذا صارت الحكومة أشبه بأُصول المذهب كما مرّ عن المحقّق، ولأجل ذلك اختار المحقّق والمصنّف الحكومة...
وأمّا ما في كتاب ظريف: «فإن انصدعت ولم تسقط فديتها خمسة وعشرون ديناراً».5 فلم يعمل به أحد.

1 . النهاية:768.
2 . تحرير الأحكام:5/602، المسألة7254.
3 . شرائع الإسلام:4/267.
4 . مفتاح الكرامة:21/260.
5 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 307
المسألة5. لو كسر ما برز عن اللثّة خاصّة وبقي السنخ ـ أي أصله المدفون فيها ـ فالدية كالسنّ المقلوعة، ولو كسر شخص ما برز عنها ثم قلع الآخر السنخ فالحكومة للسنخ، سواء كان الجاني شخصين أو شخصاً واحداً في دفعتين.*
* في المسألة فرعان:
1.لو كسر ما برز عن اللثّة خاصّة، وبقي السنخ.
2. لو كسر شخص ما برز عنها ثم قلع الآخر السنخ، أو نفس الشخص في دفعتين. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: لو كسر ما برز عن اللثة

لو كُسر الظاهر أجمع وبقي السنخ أي الأصل المدفون، ففيه الدية، وعلّله في «المبسوط» بقوله: السنّ ما شاهدته زائداً على اللثّة، والسنخ أصلها المدفون في اللثّة.1 وقال أهل اللغة: السنخ أصل السن.2
والظاهر أنّه ليس هناك فرق بين كسر السن من اللثّة أو قلعها، فإنّ السنخ المدفون في اللحم لا عبرة به، بل ربّما يوجب الأذى فعلى صاحبها قلعه، ولم يشكّ فيه سوى الأردبيلي. ويظهر من «الشرائع» أيضاً الترديد.3   2

1 . المبسوط:7/137.
2 . مفتاح الكرامة:21/263. السنخ في كلمات أهل اللغة: «أصل كلّ شيء» وفي مورد السنِّ يكون المراد جَذْرها.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 266. حيث قال: ولو كسر ما برز من اللثّة ففيه تردّد، والأقرب أنّ فيه دية السن.

صفحه 308
المسألة6. لو قلع سنّ الصغير غير المثغر انتظر إلى مضيّ زمان جرت العادة بنباتها، فإن نبتت فالأرش على قول، ولا يبعد أن تكون دية كلّ سنّ بعيراً، وإن لم تنبت فديتها كسنّ البالغ.*

E الفرع الثاني: لو كسر ما برز عن اللثة وقلع آخر السنخ

لو قُلع السنخُ فعليه الحكومة لعدم التقدير فيه، سواء كان الجاني شخصين أو شخصاً واحداً في دفعتين.
وتصوّر أنّه يلزم أن يكون الواجب أكثر من الدية حيث إنّ الكاسر يدفع الدية والقالع يدفع شيئاً حسب نظر الحاكم، غير تام، لاختلاف العملين وقتاً، فإنّ الحكومة لأجل الألم والأذى، بخلاف ما لو قلع الجميع مرّة واحدة.

* لو قلع سن الصغير غير المثغر

في المسألة أقوال ثلاثة:
1. ينتظر بها، فإن نبتت لزم الأرش، وإلاّ ففيها الدية.
2. أنّ فيها الدية مطلقاً من غير تفصيل.
3. أنّ فيها بعيراً.
أمّا القول الأوّل: ففيما إذا لم ينبت فالقول بالدية على القاعدة، وتكفي فيه الإطلاقات، إنّما الحاجة إلى الدليل فيما إذا نبت بعد فترة فقيل الحكومة، مستدلاًّ برواية جميل، عن بعض أصحابه، عن أحدهما(عليهما السلام)أنّه قال: في سنّ الصبيّ يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت؟ قال: «ليس عليه قصاص، وعليه   2

صفحه 309
E الأرش».1
يلاحظ عليه: بضعف الرواية بوجهين:
1. للإرسال .
2. لم يرد فيه الانتظار مع لزومه حتى يتبيّن حال سنّ الصبيّ في المستقبل أنّه هل ينبت أو لا؟ وسيوافيك ما يؤيّده في القول الثالث.
وأمّا القول الثاني: فدليله إطلاق النصوص ومقتضاه عدم الفرق بين سنّ الصغير وغيره.
يلاحظ عليه: أنّ مصبّ الروايات هو الأسنان الثابتة كأسنان المثغر، وأمّا أسنان الصبيّ التي هي في معرض السقوط فلا تشملها الإطلاقات إلاّ إذا انتظر وتبيّن أنّه لا ينبت، فعندئذ يصحّ التمسّك بالإطلاق ; لأنّ الجاني بجنايته ضيّع على الصبيّ السنّ الصحيح الثابت، إذ لولا قلعه، يسقط سنّ الصغر، وينبت مكانه السنّ الثابت كما هو السنّة في أغلب الصبيان إلاّ ما شذّ وندر الذي لا يحسب، بخلاف ما إذا نبت فالإطلاق لا يشمله.
وأمّا القول الثالث: أعني أنّه إن نبتت فديتها بعير، وإن لم تنبت ففيها ديتها، قال في «مفتاح الكرامة»: القائل بالبعير أبو علي.2 وقد استند في ذلك إلى ما رواه مسمع عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ علياً(عليه السلام) قضى في سنّ الصبي قبل أن يثغر بعيراً بعيراً في كلّ سنّ».3   2

1 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . يعني ابن الجنيد.
3 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث6.

صفحه 310
المسألة 7. لو قلعت سنّ فأُثبتت في محلّها فنبتت كما كانت ففي قلعها الدية كاملة، ولو جعلت في محلّها سنّ فصارت كالسنّ الأصلية حيّة نابتة، فالأحوط في قلعها دية الأصليّة كاملة، بل لا يخلو من وجه.*
E والرواية تشهد على الشق الأوّل، وقد مرّ أنّ الشق الثاني ـ أي الدية في صورة عدم الإنبات ـ غني عن الدليل الخاص لكفاية الإطلاقات .
ويحتمل أن يكون حكم الإمام من باب الأرش وعندئذ يتّحد مع القول الأوّل.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأقوى هو القول الأوّل، وقد عرفت ضعف التمسّك بالإطلاقات ومرّ احتمال رجوع الثالث إلى الأوّل.
* في المسألة فرعان:
1. لو قلعت سن فأُثبتت تلك السنّ في محلّها فنبتت فقلعها قالع.
2. تلك الصورة ولكن جعلت في محلها سنٌ آخر، فصارت كالأصلية حيّة نابتة. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: لو قلعت سن فأُثبتت في محلّها

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا جنى على سنّه فندرت ـ يعني: سقطت ـ ثم أعادها في مغرزها بحرارة دمها فثبتت ثم قلعها بعد هذا قالعٌ كان عليه الدية.
وقال الشافعي: لا شيء على القالع ; لأنّه قد أحسن فإنّه كان عليه أن يقلعها، وإلاّ أجبره السلطان على قلعها لأنّها ميتة ألصقها ببدنه فلا تصحّ صلاته فيها مثل الأُذن.   2

صفحه 311
E ثمّ ردّ الشيخ وقال: إنّ السن لا يلحقها حكم الميتة، فأمّا الدية فعموم الأخبار يدلّ عليها.1
وعلى هذا فالرجل يأخذ ديتين دية من القالع الأوّل، والثانية من القالع الثاني، أخذاً بالإطلاق وهو أمر غريب. ولعلّه لأجل ذلك ذهب المحقّق الخوئي إلى أنّ فيه الحكومة قائلاً بانصراف ما دلّ على ثبوت الدية في قلع السنّ عن ذلك.2 ويحتمل أن يكون التعدّد لأجل تعدّد القلع وإن كانت السن واحدة. فلاحظ.
وأمّا الحكومة فلما عرفت من أنّ كلّ مورد لا مقدّر فيه شرعاً فالمرجع فيه نظر الحاكم، حيث إنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

الفرع الثاني: لو قلعت سن وجعل مكانها سن آخر

تلك الصورة ولكن جعلت في محلّها سنّ أُخرى، وهذا ما عبّر عنه المحقّق بقوله: ولو أثبت الإنسان في موضع المقلوعة عظماً فنبت فقلعه قالع، قال الشيخ: لا دية ويقوى فيه الأرش، لأنّه يستصحب ألماً وشيناً.(3)
ولكن المصنّف ذهب فيه كالصورة الأُولى إلى الدية،ولو قلنا بانصراف الأدلّة عن هذه الصورة كالصورة السابقة لندرة الوجود خصوصاً في عصر صدور الرواية وشذوذه، وأين زرع السن عن زرع سائر الأعضاء من حيث الشيوع فيها دونها، فالحكومة في كلا الفرعين أولى .

1 . الخلاف:5/245، المسألة 42.
2 . مباني تكملة المنهاج:2/299.   3 . شرائع الإسلام:4/266.

صفحه 312
في دية العنق   

الثامن: العنق

المسألة1. في العنق إذا كسر فصار الشخص أصعر ـ أي مال عنقه ويثنى في ناحية ـ الدية كاملة على الأحوط، وكذا لو جنى عليه على وجه يثني عنقه وصعر، وكذا لو جنى عليه بما يمنع عن الازدراد وعاش كذلك بإيصال الغذاء إليه بطريق آخر، وقيل في الموردين بالحكومة، ولا يبعد هذا القول.*

* في دية العنق

في المسألة فروع:
1. إذا جنى فكسر عنق شخص فصار أصعر أي مائل العنق. يقال صَعِر وجهه: مال إلى أحد الشقّين.
2. لو جنى عليه على وجه يُثنى عنقه، بلا كسر. يقال: ثنى الشيء طواه وعطف بعضه على بعض.
3. لو جنى عليه بما يمنع عن الازدراد، وعاش كذلك بإيصال الغذاء إليه بطريق آخر.

الفرع الأوّل: لو كسر عنق شخص فصار أصعر

قال المحقّق: إذا كُسر فصار الإنسان أصور،1 الدية.2
وقد حكى محقق كتاب الجواهر أنّ في الأصل أصغر ولكن   2

1 . أصور: ذو الصَور، والصور: الميل والعوج، يقال: في عنقه صور، أي عوج.
2 . شرائع الإسلام:4/267.

صفحه 313
E الصحيح أحد الأمرين أصعر أو أصور، وسيوافيك في خبر مسمع: «في الصعر الدية».
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا كسر رقبته فصار كالملتفت ولم يعد إلى ما كان عليه، الدية. وقال الشافعي: فيه الحكومة. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم.1
أقول: ويدلّ عليه ما مرّ مراراً من أنّ كلّ ما في بدن الإنسان منه واحدٌ ففيه الدية، كما في رواية هشام بن سالم.
مضافاً إلى خبر مسمع عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام):... وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «في الصعر الدية و الصعر أن يثنى عنقه فيصير في ناحية».(2)
نعم جاء في كتاب ظريف: وإن اعترى الرجل من ذلك صعر لا يستطيع أن يلتفت، فديته خمسمائة دينار.2
وفي الجواهر: «لم أجد عاملاً به منّا»، نعم نقل العاملي: «الإفتاء به في الوسيلة».3

الفرع الثاني: لو جنى على شخص فصار أصور

إذا جنى عليه فصار أصور وإن لم يكن كسر، ففيه الدية كاملة   2

1 . الخلاف:5/253، المسألة 62 .   2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب ديات المنافع، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
3 . مفتاح ا لكرامة: 10 / 436. ويظهر من الكيدري في إصباح الشيعة: 507، العمل به. فلاحظ .

صفحه 314
E بنفس الدليل الماضي في الفرع السابق. لكن شموله لهذه الصورة لا يخلو من خفاء، ولعلّ القدر المتيقّن من كونه أصعر اجتماع الأمرين: الكسر والميل دون الأخير فقط، ولذلك احتمل في المتن الحكومة في هذه الصورة وما بعدها.

الفرع الثالث: لو جنى عليه بما يمنع عن الازدراد

لو جنى عليه بما يمنع الازدراد رأساً، ففيه احتمالان:
1. الدية، لأنّ فوت هذه المنفعة أعظم من فوت الذوق الذي ستعرف وجوب الدية في ذهابه.
2. الحكومة. وهو خيرة الشيخ في «المبسوط»، قال: وقد روى أصحابنا أنّه إذا صار أصور فيه الدية، وإن صيّره بحيث لا يزدرد شيئاً فإن مات فعليه القود، وإن عاش قالوا: لا شيء عليه، وينبغي أن يقول: إنّ عليه حكومة.1
وقد مال إليه في المتن بل في الفرع السابق أيضاً، لعدم ورود التقدير فيه، وقياسه على فوت الذوق لا نقول به.
 

1 . المبسوط:7/147.

صفحه 315
المسألة2. لو زال العيب ـ أي تمايل العنق وبطلان الازدراد ـ فلا دية، وعليه الأرش، وكذا لو صار بنحو يمكنه الازدراد وإقامة العنق والالتفات بعسر.*

* لو زال العيب فلا دية وعليه الأرش

قال المحقّق: لو زال الصَّوَر أو بطلان الازدراد، فلا دية، وفيه الأرش. وكذا إذا صار صَور لكن يمكن الإقامة والالتفات بعسر، أو أمكنه الازدراد.1
وجهه واضح لعدم الموضوع للدية، لكن عمل الجاني جناية وفيه الأرش.
ثمّ إنّ معنى ما ذكر أنّه إذا أخذ الدية ثم برأ على النحو المذكور، يسترد الدية ويأخذ الأرش، فتأمّل.

1 . جواهر الكلام: 43 / 244 .

صفحه 316
في دية اللحيين   

التاسع: اللحيان

المسألة1. في اللحيين إذا قلعا الدية كاملة، وفي كلّ واحد منهما نصفها خمسمائة دينار، وهما العظمان اللّذان ملتقاهما الذقن، وفي الجانب الأعلى يتّصل طرف كلّ واحد منهما بالأُذن من جانبي الوجه، وعليهما نبات الأسنان السفلى.*

* في دية اللحيين

اللحيان: هما العظمان اللّذان مجتمع رأسيهما الذقن، والرأسان الآخران لهما في أُصول الأُذنين وعليهما نبات الأسنان السفلى، وهما من تمام الخلقة وفيهما الجمال والمنفعة.1
فإذا قلعا ففيهما الدية كاملة، وفي كلّ واحد منهما نصف الدية أخذاً بالضابطة المذكورة في روايتي ابن سنان2، وهشام بن سالم.3 مضافاً إلى الإجماع ولا فرق بين اليمنى واليسرى كما في اليدين ولا في كون إحداهما أقوى والأُخرى أضعف.
هذا كلّه إذا قُلعا بلا أسنان، كلحيي الطفل، أو من لا أسنان له لكبر أو آفة.
وسيوافيك ما لو قلعا مع الأسنان في المسألة الثالثة.

1 . المبسوط:7/141.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 12.

صفحه 317
المسألة2. لو قُلع بعضٌ من كلّ منهما أو من أحدهما فبالحساب مساحة، ولو قلع واحد منهما وبعض من آخر فنصف الدية للمقلوع، وبالحساب للبعض الآخر.*
المسألة3. ما ذكرناه ثابت فيما إذا قلعا منفردين عن الأسنان، كقلعهما عمّن لا سنّ له، وأمّا لو قلعا مع الأسنان فتزاد دية الأسنان ولا تتداخلان.**

* لو قلع أحد اللحيين أو بعضهما

في المسألة فرعان:
1. لو قلع بعض من كلٍّ منهما أو من أحدهما.
2. لو قلع واحدٌ منهما وبعضٌ من آخر. وإليك دراستهما:
الفرع الأوّل: لو قلع بعضاً من واحد أو من كليهما فالمصنّف على الحساب بحسب المساحة، ويساعده العرف، فإذا كان لمجموع المساحة دية فلبعض منها بحسب المساحة.
الفرع الثاني: لو قلع واحدٌ منهما وبعضٌ من الآخر، فللمقلوع نصف الدية، أخذاً بروايتي ابن سنان وهشام بن سالم، وأمّا البعض من الآخر فبحسب مساحة المقلوع.

** اللحيان لو قلعا مع الأسنان

قال المحقّق: ولو قلعا مع الأسنان، فديتان1، لهما وللأسنان، لأنّ   2

1 . شرائع الإسلام:4/267.

صفحه 318
المسألة4. لو جني عليهما ونقص المضغ أو حصل نقص فيهما ففيه الحكومة.*

العاشر: اليدان

المسألة 1. في اليدين الدية كاملة، وفي كلّ واحدة نصفها، من غير فرق بين اليمنى واليسرى، ومن كانت له يد واحدة خلقة أو لعارض فلها نصف الدية.**
E الأصل عدم التداخل، لكن الأسنان بالحساب فلو كانت مجموع الثمانية والعشرين موجودة فدية كاملة، ومع نقصانها، فبحسابه.

* لو جنى على اللحيين ونقص المضغ

قال المحقّق: وفي نقصان المضغ مع الجناية عليهما أو تصلّبهما، (على وجه يعسر تحريكهما) الأرش1 كما إذا لم يكن هناك قلع لهما أو لأحدهما، بل كان نتيجة الجناية نقصان المضغ، فالأرش لعدم وجود التقدير في هذا الحال.
في دية اليدين   

** في دية اليدين

في المسألة فرعان:
1. دية اليدين، ودية اليد الواحدة.
2. من كانت له يد واحدة.   2

1 . شرائع الإسلام:4/267.

صفحه 319

E أمّا الفرع الأوّل: في دية اليدين ودية اليد الواحدة

قال الشيخ في «المبسوط»: في اليدين الدية بلا خلاف، لقوله(عليه السلام):«وفي اليدين الدية»، ولقوله(عليه السلام):«وفي اليد خمسون من الإبل»، وفي كلّ واحدة منهما نصف الدية.1
وظاهر العبارة أنّ المسألة اتّفاقية بين المسلمين.
ويدلّ عليه صحيحتا عبد الله بن سنان، وهشام بن سالم.2
وروى العياشي في تفسيره عن ابن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام):... وكذلك دية اليد إذا قطعت خمسون من الإبل».3
وفي موثّقة سماعة، قال: سألته عن اليد، قال: «نصف الدية».4

الفرع الثاني: من كانت له يد واحدة

قال الشيخ في «الخلاف»: من قطعت إحدى يديه في الجهاد وبقيت الأُخرى، فقطعها إنسان كان فيها نصف الدية. وبه قال جميع الفقهاء، وقال الأوزاعي: كمال الدية دية اليدين.5
وظاهر كلام الشيخ اتّفاق المسلمين. ويدلّ عليه إطلاق قوله:«في اليد نصف الدية» من غير فرق بين من له يدان ومن له يد واحدة.

1 . المبسوط:7/143.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1، 12.
3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث14.
4 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث9.
5 . الخلاف:5/250، المسألة 56.

صفحه 320
المسألة2. حدّ اليد التي فيها الدية المعصم ـ أي المفصل الذي بين الكف والذراع ـ فلو قطعت إحداهما من المفصل ففيها نصف الدية، وإن كانت فيها الأصابع فلا دية للأصابع في الفرض، ولو قطعت الأصابع منفردة ففيها خمسمائة دينار نصف الدية.*
* في المسألة فروع:

الأوّل: ما هو حدّ اليد؟

حدّ اليد هو المعصم ويراد به: الكوع، والمفصل الذي بين الكف والذراع، موضع السوار.
قال الشيخ: إنّ اليد التي يجب هذا فيها، هي الكف أي الكوع، وهو أن يقلعها من المفصل الذي بينها وبين الذراع، فإن قطع أكثر من ذلك كان فيها دية وحكومة بقدر ما يقطع.1
وفي «كشف اللثام» الإجماع عليه حيث قال: وحدّ اليد المعصم عندنا خلافاً لبعض العامّة.2
وجهه: أنّ لفظ اليد يستعمل تارة في جميع العضو أي رؤوس الأصابع إلى أصل المنكب، وأُخرى في الأصابع خاصّة، وثالثة فيها مع الكف، ورابعة فيهما مع الذراع، وعلى هذا فحمل اليد في النصوص على حدّ المعصم يحتاج إلى دليل وهو الإجماع.   2

1 . المبسوط:7/143.
2 . مفتاح الكرامة:21/270.

صفحه 321

E الفرع الثاني: إذا قطع إحدى اليدين من المعصم

لو قطع أحد اليدين من المعصم فنصف الدية، وقد اتّضح دليله لما عرفت من أنّ المراد من اليد في النصوص هو الكف وإن كان فيها أصابع إذ الأصابع عندئذ تابعة لليد، ولإطلاق قوله:«في كلّ واحدة نصف الدية».

الفرع الثالث: إذا قطعت الأصابع منفردة

قال الشيخ في «الخلاف»: في الخمس الأصابع من يد واحدة خمسون من الإبل بلا خلاف.1
وقال في «المبسوط»: وأمّا الأصابع إذا قطعها وحدها دون الكف ففيها نصف الدية، والواجب فيها بالسوية كلّ أصبع عشر من الإبل.2
ويدلّ عليه ما رواه الحكم بن عتيبة، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن أصابع اليدين وأصابع الرجلين...فقال لي: «يا حكم الخلقة التي قسمت عليها الدية عشرة أصابع في اليدين».3
وسيأتي من المصنّف تفصيل ذلك في القسم الحادي عشر. ولا وجه لذكره في المقام.

1 . الخلاف:5/248، المسألة 50.
2 . المبسوط:7/143.
3 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 322
المسألة3. في قطع الكف مع فقد الأصابع الحكومة، سواء كان بلا أصابع خلقة أم بآفة أم بجناية جان.*

* في قطع الكف مع فقد الأصابع

قال العلاّمة:وفي قطع كف لا إصبع عليه الحكومة.1
وجهه: عدم تقدير له، ولا تطلق اليد على الكف وحده، وإطلاقه على الأصابع وحدها للنصّ.2
ولكن شرط العلاّمة: لا يجوز أن يبلغ أرش الكف على دية الأصابع أجمع، أي لا يزيد الأرش عن خمسمائة دينار.
ووجهه: أنّه يلزم أن يكون في اليد الواحدة من رؤوس الأصابع إلى المعصم دية نفس كاملة، نصفها للكف والنصف الآخر للأصابع.

1 . قواعد الأحكام:3/679.
2 . كما في حدّ السارق.

صفحه 323
المسألة 4. لو قطعت الكف ذات الأصابع مع زيادة من الزند، ففي اليد خمسمائة دينار. وكذا لو قطعها مع مقدار من الذراع، فهل في الزيادة حكومة أو الاعتبار بحساب المساحة؟ فيه تردد.*
* في المسألة فرعان:
1. إذا قطعت الكف ذات الأصابع مع زيادة من الزند.
2. لو قطعها مع مقدار من الذراع.

الفرع الأوّل: لو قطعت الكف مع زيادة من الزند

قال المحقّق: ولو قُطع معها شيءٌ من الزند، ففي اليد خمسمائة دينار، وفي الزائدة الحكومة.1
وقال العلاّمة: ولو قطع اليد ومعها شيء من الزند، ففي اليد نصف الدية وفي الزائد الحكومة.(2)
وعليه الشيخ في «المبسوط»، قال: فإن قطع أكثر من ذلك(المعصم) كان فيها دية وحكومة، بقدر ما يقطع2، وذلك لأنّه إذا قطع شيئاً من الزند كان جناية لا تقدير فيها، فيكون فيها الحكومة ; لأنّه ليس هناك مفصل محسوس.(4)
ووجهه واضح، إذ لا تقدير لما زاد على المعصم فتكون فيه الحكومة.   2

1 . شرائع الإسلام:4/267.   2 . قواعد الأحكام:3/678.
2 . المبسوط:7/143.   4 . مفتاح الكرامة:21/272. بتلخيص.

صفحه 324

E الفرع الثاني: لو قطع مع مقدار من الذراع

تلك الصورة، لكن قطعها مع مقدار من الذراع، ففيه أقوال ثلاثة:
الأوّل: الحكومة فيما زاد، وحكاه في «مفتاح الكرامة» عن الأكثر.
القول الثاني: الاعتبار بحساب المساحة. وقد حُكي عن ابن إدريس، وتردّد المصنّف(رحمه الله) بين الحكومة والاعتبار بحساب المساحة.
وقد علّله صاحب «مفتاح الكرامة» بقوله: إنّ في الذراعين الدية، وفي أحدهما نصفها، ومقتضاه أنّه يجيء اعتبار المساحة وتقسيط دية الذراع عليها، فلو قطع مع الكف عشر الذراع كان عليه دية اليد وعشر دية الذراع. واحتمل في الجواهر أنّ مراد مَن قال بالحكومة هو ما لا ينافي المساحة.1
القول الثالث: لا تجب إلاّ نصف الدية. وهو خيرة المفاتيح.
وجهه: أنّ الاخبار قد وردت على أنّه في اليدين الدية، فلا يجب على من قطع الكفّ مع بعض الزند أو الذراع إلاّ نصف الدية لمكان الصدق ودخول الأضعف في الأغلظ.2
وهنا قول رابع وهو كون الحاكم مخيّراً بين الحكومة والمساحة .

1 . جواهر الكلام:43/246.
2 . مفتاح الكرامة:21/272.

صفحه 325
المسألة 5. في قطع اليد من المرفق خمسمائة دينار ; كان لها كف أو لا، ومن المنكب كذلك كان لها مرفق أو لا، ولو قطعت من فوق المرفق فيحتمل في الزيادة الحكومة، ويحتمل الحساب مساحة.*
* في المسألة فروع:
1. قطع اليد من المرفق.
2. قطع اليد من المنكب.
3. لو قطع شيئاً من فوق المرفق.
أقول: الفرع الأخير نظير الفرعين في المسألة المتقدّمة، غير أنّ المحور هناك الزند وما فوقه، وأمّا المقام فالموضوع هو المرفق وما فوقه، فيأتي فيهما ما ذكرناه هناك، فنقول:

الفرع الأوّل: قطع اليد من المرفق

أي نصف الدية إذا قطع اليد من المرفق، سواء كان لها كف أو لا.
وجهه: عموم النصوص فإنّها دلت بأنّ في اليدين الدية وفي إحداهما نصفها، وقد عرفت أنّ لها إطلاقات أربعة:... الأصابع، من الزند، من المرفق، من المنكب، فلا يجب في شيء من هذه الموارد الأربعة إلاّ الدية، ولو شكّ يدفع بالأصل .

الفرع الثاني: لو قطع اليد من المنكب

إذا قطع اليد من المنكب فحكمه ما مرّ في الأوّل وهو عموم   2

صفحه 326
E النص، وصحّة إطلاق اليد على المجموع من المنكب إلى الأصابع.

الفرع الثالث: لو قطع شيئاً من فوق المرفق

تلك الصورة ولكن قطع شيئاً من فوق المرفق ففيه احتمالات ثلاثة:
1. الحكومة.
2. الاعتبار بحساب المساحة.
3. عدم وجوب شيء زائد على الدية.
وذلك لنفس الوجوه التي ذكرناها في المسألة السابقة.
ويحتمل كما مرّ كون الحاكم مخيّراً بين الحكومة والمساحة.
 

صفحه 327
المسألة 6. لو كان له يدان على زند أو على مرفق أو على منكب ففي الأصلية دية اليد كاملة وفي الزائدة الحكومة، والتشخيص بينهما عرفي أو موكول إلى أهل الخبرة، ومع الاشتباه وعدم التميّز لو قطعهما معاً شخص واحد فعليه الدية والأرش، ومع تعدّد القاطع، فالظاهر الحكومة بالنسبة إلى كلّ منهما، ولو كان القاطع واحداً لكن قطع الثاني بعد دفع الحكومة، فالظاهر لزوم دية كاملة عليه.*

* لو كان له يد زائدة

في المسألة فروع:
1. لو كانت له يدان على زند أو على مرفق أو على منكب، وقطع أحدهما وكانت الأصلية متميّزة عن الزائدة.
2. تلك الصورة ولكن كانت الأصلية غير متميّزة، وقطعهما شخص واحد.
3. تلك الصورة لكن تعدّد القاطع.
4. نفس الصورة ولكن القاطع واحد، وقد قطع الثانية بعد دفع الحكومة. وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: لو كانت له يدان على زند أو على مرفق أو منكب، فلو قطع أحدهما، ففي الأصلية الدية وفي الزائدة الحكومة، والتشخيص بينهما عرفي أو موكول إلى أهل الخبرة.
وجهه واضح ; لأنّ الأصلية تدخل تحت قوله:«وفي اليد نصف   2

صفحه 328
E الدية»، وأمّا الزائدة فلا تُعدّ يداً حقيقة، ولكنّه جناية لا تترك سُدى، فيكون فيها الحكومة.
وأمّا تميّز الأصلية فيتمّ بانفرادها بالبطش، أو كونها أشدّ بطشاً والأخذ بصولة وشدّة، أو أنّ أهل الخبرة يميزون الأصلية من غيرها.
الفرع الثاني: كان الفرع الأوّل مبنياً على قطع أحدهما مع تميز الأصلية عن الزائدة، ولكن الأساس في هذا الفرع عدم التميّز، فعندئذ نقول: لو قطعهما معاً شخص واحد فعليه الدية والأرش، للعلم الإجمالي بأنّه قطع يداً أصلية ويداً زائدة، فلكلّ حكمها.
ولا يخفى أنّ عدم التمييز ليس مؤثراً في هذا الفرع، بل حكمه مع التمييز واحد وإنّما يؤثر في الفرع الأوّل .
الفرع الثالث: لو اشتبهت الأصلية بالزائدة، لكن كان القاطع متعدّداً، فهناك علم إجمالي بأنّ أحدهما محكوم بإعطاء الدية والآخر محكوم بالحكومة، والمفروض أنّ قاطع الأصلية غير متميّز عن قاطع الزائدة.
وفي «الجواهر»: أنّ المتّجه الحكومة في كلّ منهما للأصل.1
وجهه: أنّ العلم الإجمالي إنّما يؤثر إذا كان القاطع شخصاً واحداً، وأمّا إذا كان دائراً بين شخصين فكلّ منهما يجري الأصل في الزائد على الحكومة.
في دية الأصابع   
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك هو علم القاضي بعدم وصول حقّ المجني عليه تماماً، ولذلك يحتمل تقسيط الحكومة والدية عليهما عملاً بقاعدة العدل والإنصاف.   2

1 . جواهر الكلام:43/250.

صفحه 329

الحادي عشر: الأصابع

المسألة1. في أصابع اليدين الدية كاملة، وكذا في أصابع الرجلين، وفي كلّ واحدة منهما عشر الدية، من غير فرق بين الإبهام وغيره.*
E وأمّا الرجوع إلى القرعة في تعيين الجاني على اليد الأصلية فغير تام لاختصاصها بصورة المرافعة والمنازعة، وليس هنا نزاع ; لأنّ الجميع من الجانبين والقاضي، جاهلون بالموضوع متحيّرون.
الفرع الرابع: تلك الصورة أي اشتباه الأصلية بالزائدة، لكن كان القاطع واحداً، وقد قطع الثانية بعد دفعه الحكومة، فيجب عليه دفعُ دية كاملة، للعلم الإجمالي بأنّه يجب عليه في القطع الأوّل إمّا الدية وإمّا الحكومة، ومثله في القطع الثاني، فيحصل له علم تفصيلي بوجوب الأمرين. وما في المتن «فالظاهر» ليس بجيد، بل اللازم أن يقول: فالمتعيّن. والله العالم.
وهنا احتمال آخر في الزائدة، وهو دفع ثلث دية اليد قياساً على الإصبع الزائدة، كما سيوافيك في المسألة 3. فانتظر.

* في دية الأصابع

في المسألة فرعان:
1. دية أصابع اليدين والرجلين.
2. دية كلّ إصبع، من غير فرق بين الإبهام وغيره.

الفرع الأوّل: في دية أصابع اليدين والرجلين

في أصابع اليدين العشر، وكذا في أصابع الرجلين ديةٌ كاملة،   2

صفحه 330
E والظاهر أنّ المسألة اتّفاقية بين المسلمين.
قال في «الخلاف»: في الخمس الأصابع من يد واحدة خمسون من الإبل، بلا خلاف.1
ويدلّ عليه ما رواه ابن سنان وهشام بن سالم كما مرّ مراراً، ولو كان هناك خلاف فإنّما هو في الفرع التالي. ثم المراد من الاثنين في الحديث هو المتعدد لا الاثنان في مقابل الواحد، ولذلك تشمل الأصابع.

الفرع الثاني: في دية كلّ إصبع

وفيها أقوال ثلاثة:
الأوّل: لا شكّ أنّه لو قطع الخمس من الأصابع فعليه نصف دية كاملة، إنّما الكلام إذا قطع بعضها فالمشهور في كلّ إصبع عشر الدية، وفي «كشف الرموز»: أنّه الأظهر بين الأصحاب والأشهر في الروايات، وفي «السرائر» أنّه هو الصحيح الذي تقتضيه أُصول المذهب، وفي «الرياض»: أنّه عليه المتأخّرون كافّة، وفي «النافع»: أنّه الأشهر، وفي المسالك ومجمع البرهان والمفاتيح: أنّه المشهور.(2)
ويدلّ عليه عدّة روايات:
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الإصبع عُشر الدية إذا قطعت من أصلها أو شُلّت، قال: وسألته عن الأصابع أهنّ سواء في الدية؟ قال: نعم....2   2

1 . الخلاف:5/248، المسألة 50.   2 . مفتاح الكرامة:21/281.
2 . الوسائل:19، الباب39، من أبواب ديات الأعضاء، الحديث3.

صفحه 331
E 2. خبر الحكم بن عُتيبة، وفيه: «وفي كلّ أصبع من أصابع الرجلين ألف درهم».1
3. ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أصابع اليدين والرجلين سواء في الدية، في كلِّ أصبع عَشرٌ من الإبل».2
4. ما رواه سماعة قال: سألته عن الأصابع هل لبعضها على بعض فضل في الدية؟ فقال: «هنّ سواء في الدية».3
5. ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «في السن خمسة من الإبل أقصاها وأدناها سواء، وفي الأصبع عشرة من الإبل».4
6. ما رواه زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : «في الأصبع عشر من الإبل، إذا قطعت من أصلها أو شُلّت».5
وهذا القول هو المعروف الذي دلّت عليه روايات متضافرة، نعم هذا القول هو خيرة الشافعي أيضاً، قال الشيخ: وقال الشافعي: الخمسة متساوية في كلّ واحدة عشر من الإبل.6
القول الثاني: ما عليه الشيخ في «الخلاف»، في الإبهام ثلث دية اليد الواحدة وفي الأربع البواقي الثلثان بالسوية.   2

1 . الوسائل:19، الباب 39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب 39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث4.
3 . الوسائل:19، الباب 39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث6.
4 . الوسائل:19، الباب 39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث7.
5 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث8.
6 . الخلاف:5/248، المسألة 50 .

صفحه 332
E قال الشيخ: وروى أصحابنا أنّ في الإبهام منها ثلث ديتها وفي الأربع الأصابع منها ثلثا ديتها بالسوية، وقال الشافعي: الخمسة متساوية في كلّ واحدة عشر من الإبل.1
وكلام الشيخ ظاهر في أنّ المشهور بين الأصحاب هو القول الثاني ولذا قال: وروى أصحابنا أنّ في الإبهام منها ثلث ديتها... إلخ، ثمّ إنّه ذكر قول الشافعي المبني على التسوية المشعر بأنّه قول المخالف.
ولكن الذي يضعّف رأي الشيخ أنّه قال: روى أصحابنا، ويكفي في ذلك أنّهم رووا ما في كتاب ظريف، ولم يقل: وبه قال أصحابنا.
وعلى ذلك فالشهرة مع القول الأوّل دون القول الثاني، نعم استند القول الثاني إلى ما في كتاب ظريف من قوله: ففي الإبهام إذا قطع ثلث دية اليد مائة دينار وستّة وستون ديناراً وثلثا دينار، ـ إلى أن قال ـ : وفي الأصابع في كلّ أصبع سدس دية اليد ثلاثةٌ وثمانون ديناراً وثلث دينار.2
والمجموع يصير دية كاملة لليد ; لأنّ للإبهام ثلث دية اليد، أي 166 ديناراً و 32دينار، و إذا كان في كلّ أصبع83 ديناراً و31 دينار، فيكون مجموع دية الأصابع الأربعة 333 ديناراً و 31 دينار.
فإذا أُضيفت إليها دية الإبهام، تكون صورة المسألة هكذا:
333 و 31
+ 166 و 32 فيكون مجموع دية الأصابع الخمسة: 500 دينار.   2

1 . الخلاف:5/248 ، المسألة 50 .
2 . الوسائل:19، الباب12 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 333
E ولكن الحق هو القول الأوّل لتضافر الروايات وكونها مشهورة، ومجرد كونها موافقة للعامّة لا يسبب رفع اليد عنها.
الظاهر هنا تقديم المشهور الموافق للعامة على غير المشهور المخالف للعامّة ; وذلك لأنّ الشهرة العملية بالرواية من قبيل مميزات الحجّة من الدليلين عن اللا حجّة منهما بخلاف مخالفة العامّة، فإنّها من مرجّحات إحدى الحجّتين على الأُخرى، وعلى ذلك كان على السيد الخوئي ترجيح القول الأوّل لا الثاني.
وهنا قول ثالث: اختاره أبو الصلاح الحلبي، قال: في كلّ أصبع عُشر الدية إلاّ الإبهام فديتها ثلث دية اليد.1
يلاحظ عليه: أنّه إن أراد عُشر دية اليد الواحدة تكون دية اليد عندئذ أقلّ من خمسمائة دينار، وذلك لأنّ عشر دية اليد الواحدة عبارة عن خمسين ديناراً، فتكون دية الأصابع 50×4=200 دينار للأصابع الأربع.
وبما أنّ دية الإبهام ثلث دية اليد3500=6,166
فمجموع دية الأصابع الخمسة200+6/166=366 ديناراً .
وهو أقل من دية اليد الكاملة أي (500دينار) كماترى.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ القول الأوّل هو الأقوى، وكونه موافقاً لما عليه العامّة لا يعارض الشهرة العملية، خلافاً للمحقّق الخوئي حيث عكس الأمر، فلاحظ.2

1 . الكافي في الفقه:398.
2 . مباني تكملة المنهاج:2/303.

صفحه 334
المسألة 2. دية كلّ إصبع مقسومة على ثلاث عقد، في كلّ عقدة ثلثها، وفي الإبهام مقسومة على اثنتين ; في كلّ منهما نصفها.*

* في دية الأنامل

قال الشيخ في «الخلاف»: في كلّ أنملة من الأصابع الأربع ثلث ديتها وفي الإبهام نصف ديتها ; لأنّ لها مفصلين. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: في أنملة الإبهام ثلث ديتها مثل غيرها ; لأنّ لها ثلاث أنامل ظاهرتان وباطنة.1
وقال المحقّق: ودية كلّ إصبع مقسومة على ثلاث أنامل بالسوية، عدا الإبهام فإنّ ديتها مقسومة بالسوية على اثنين.2
ويدلّ عليه ما رواه الصدوق عن السكوني بطريق قوي، وروى الشيخ عنه معلّقاً عن أبي عبد الله(عليه السلام):«أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يقضي في كلّ مفصل من الإصبع بثلث عقل تلك الإصبع إلاّ الإبهام فإنّه كان يقضي في مفصلها بنصف عقل تلك الإبهام، لأنّ لها مفصلين».3
وعلى هذا فلو قطع أنملة من السبابة ففيها ثلث دية الأصبع، أمّا لو قطع أنملة من الإبهام ففيها نصف دية الأصبع.
 

1 . الخلاف:5/ 249 ، المسألة 51 .
2 . شرائع الإسلام:4/268.
3 . الوسائل:19، الباب42 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 335
المسألة 3. في الإصبع الزائدة إذا قطعت من أصلها ثلث الأصلية، ولا يبعد جريان الحكم بالنسبة إلى الأنملة الزائدة.*
* في المسألة فرعان:
1. دية الإصبع الزائدة.
2. دية الأنملة الزائدة. وإليك دراستهما.

أمّا الأوّل: في دية الأصبع الزائدة

قال المحقّق: وفي الإصبع الزائدة ثلث الأصلية.1
قال السيد العاملي: إجماعاً كما في صريح الغنية أو ظاهرها، ولا نعرف فيه خلافاً كما في كشف اللثام، وبه صرّح في المقنعة والنهاية والمراسم والسرائر والشرائع والنافع والتحرير والإرشاد واللمعة والروض والروضة وغيرها.(2)
ويدلّ عليه ما رواه المشايخ الثلاثة عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(عليه السلام): «في الإصبع الزائدة إذا قطعت ثلث دية الصحيحة».2
نعم ربّما تتوهّم المعارضة بينها وبين ما في خبر الحكم بن عتيبة حيث قال(عليه السلام): «يا حكم، الخلقة التي قسّمت عليها الدية عشرة أصابع في اليدين، فما زاد أو نقص فلا دية له، وعشرة أصابع في الرجلين فما زاد أو نقص فلا دية له».3   2

1 . شرائع الإسلام:4 / 268 .   2 . مفتاح الكرامة:21/284.
2 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.
3 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 336
المسألة 4. لو كان عدد الأصابع الأصلية في بعض الطوائف وكذا عدد أناملهم الأصلية زائداً على القدر المتعارف، لا يبعد أن يكون التقسيط على حسبها.*
المسألة 5. في شلل كلّ واحدة من الأصابع ثلثا ديتها، وفي قطعها بعد الشلل ثلثها.**
E ولكنّه محمول على قطع الزائد منضمّاً، وأمّا خبر غياث فمحمول على قطعها منفردة.

الفرع الثاني: في دية الأنملة الزائدة

قطع الأنملة الزائدة فيه ثلث دية الأنملة الأصلية، وليس له دليل صالح إلاّ فحوى الخبر المزبور.

* لو كان عدد الأصابع والأنامل زائداً على المتعارف

إنّ الروايات الواردة في دية اليد والأصابع وإن كانت ظاهرة أو منصرفة إلى المتعارف، لكن ملاك الحكم يشمل من له أصبع أصلي زائد على الخمسة، أو أنملة زائدة على الثلاث، وذلك لأنّ الدية على مجموع الأصابع، والمجموع يُقسّم على الأجزاء، فلو كانت الأجزاء خمسة أصابع فهو، وإلاّ فعلى الستة أصابع. ومنه يعلم حكم التقسيم على الأنامل، فعشر الدية لكلّ إصبع، فلو اشتملت الإصبع على أربع أنامل فالعشر للجميع. كما أنّها لو اشتملت على الأقل من الثلاثة فالعشر يقسّم على الاثنين كما هو الحال في الإبهام حيث يقسّم العشر على أنملتين.
** في المسألة فرعان:   2

صفحه 337
E 1. إذا جنى على إصبع أو مفصل منه فشُلّت.
2. لو قطع الإصبع بعد شللها. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: لو جنى على إصبع أو مفصل منه فشلّت

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا جنى على أصبع أو مفصل منه، فشُلّت كان فيها ثلثا ديتها.1
وقال الشافعي: فيها ديتها.(2)
قال المحقّق: وفي شلل كلّ واحدة ثلثا ديتها.2
وقال العاملي: المحكيّ في الخلاف والغنية على أنّ كلّ عضو فيه مقدّر إذا جنى عليه فصار أشلّ وجب فيه ثلثا ديته.(4)
ويدلّ عليه ما رواه المحمدون الثلاثة عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الذراع إذا ضرب فانكسر منه الزند، قال: فقال: إذا يبست منه الكفّ فشلّت أصابع الكفّ كلها فإنّ فيها ثلثي الدية دية اليد، قال: وإن شلّت بعض الأصابع وبقي بعض فإنّ في كلّ إصبع شلّت ثلثي ديتها، قال: وكذلك الحكم في الساق والقدم إذا شلّت أصابع القدم.3
نعم ويعارضها روايات إمّا محمولة على التقية أو مؤوّلة حيث تدلّ على وجوب دية العضو، كما حكيناه عن الشافعي، نظير:
1. خبر زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «في الإصبع عشرة من الإبل   2

1 . وفي المطبوع ثلث ديتها، وهو تصحيف.   2 . الخلاف:5/249، المسألة 52.
2 . شرائع الإسلام:4/268.   4 . مفتاح الكرامة:21/284.
3 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث5.

صفحه 338
E إذا قطعت من أصلها أو شُلّت».1
2. حسنة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام): «في الإصبع عشر الدية إذا قطعت من أصلها أو شُلّت».2
3. ما ورد في كتاب ظريف: وشلل اليدين كلتاهما الشلل كلّه ألف دينار، وشلل الرجلين ألف دينار.3
أقول: يمكن حمل الأوّلتين بأنّ الصحيح (سُلّت) مكان (شُلّت) فيكون عطف تفسير للقطع، فلا يكون دليلاً لصورة الشلل التي ليس فيها قطع. مضافاً إلى ما في اللسان نقلاً عن الأزهري: سمعت أعرابياً يقول: شُلّ يد فلان بمعنى قطعت.

الفرع الثاني: لو قطع الإصبع بعد شللها

لو قطعها بعد الشلل، ففيه الثلث، قال المحقّق: وفي قطعها بعد الشلل الثلث، وكذا لو كان الشلل خلقة.4
ويدلّ عليه قول أبي جعفر(عليه السلام) للحكم بن عتيبة: «وفي كلّ أصبع من أصابع الرجلين ألف درهم، وكلّما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح».5   2

1 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث8.
2 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث3.
3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات المنافع، الحديث1.
4 . شرائع الإسلام:4/268.
5 . الوسائل:19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 339
المسألة 6. في الظفر إذا لم ينبت أو نبت أسود فاسداً عشرة دنانير على الأحوط، وإن نبت أبيض فخمسة دنانير.*
E ويدلّ عليه أيضاً قول أبي عبد الله(عليه السلام) للحسن بن صالح، قال: سألته عن عبد قطع يد رجل حرّ وله ثلاث أصابع من يده شلل... إلى أن قال: «وقيمة الثلاث أصابع الشلل مع الكف ألف درهم لأنّها على الثلث من دية الصحاح».1
وجه الدلالة: إنّ دية ثلاثة أصابع الصحيحة، ثلاثة آلاف درهم، وثلثها ألف درهم. ولكن يشكل الاستدلال به لأنّه جعل الثلث دية الأصابع مع الكفّ والكلام في ديتها مجرّدة عنه.
ومنه يعلم عدم الفرق بين كون الشلل لعارض أو لخلقة، لإطلاق النصّ.

* في دية الظفر

قال الشيخ في «النهاية»: وفي الظفر إذا قلع ولم ينبت أو نبت أسود عشرة دنانير، فإن خرج أبيض خمسة دنانير.2
ونسبه في «مفتاح الكرامة» إلى كتب المتقدّمين والمتأخّرين.3
ويدلّ عليه ما رواه مسمع عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في الظفر إذا قطع ولم ينبت أو خرج أسود فاسداً عشرة   2

1 . الوسائل:19، الباب28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2. والحسن بن صالح عرفه النجاشي بقوله: كوفي له كتاب.
2 . النهاية:768.
3 . مفتاح الكرامة: 21 / 286 .

صفحه 340
E دنانير، فإن خرج أبيض فخمسة دنانير».1
قال المحقّق: وفي الرواية ضعف، غير أنّها مشهورة. 2
وفي رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام): «وفي الظفر خمسة دنانير».3
ويمكن الجمع بحملها على ما إذا خرج أبيض. ولم يتعرض لحكم خروجه أسود، ومنه يظهر ما في كتاب ظريف: في كلّ ظفر من أظفار اليد خمسة دنانير، ومن أظفار الرجل عشر دنانير.4 ولكن التفصيل بين أظفار اليد والرجل مشكل، لم يقل به أحد وما في المتن من التفريق بين الصورتين هو الأقوى.
في دية الظهر   

1 . الوسائل:19، الباب 41 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . شرائع الإسلام :4/268.
3 . الوسائل: 19، الباب 41 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2.
4 . الكافي:7/337 و 342.

صفحه 341

الثاني عشر: الظهر

المسألة1. في كسر الظهر الدية كاملة إذا لم يصلح بالعلاج والجبر، وكذا لو احدودب بالجناية فخرج ظهره وارتفع عن الاستواء، أو صار بحيث لا يقدر على القعود أو المشي.*

* في دية الظهر

لو كُسر الظهر ولم يصلح، أو أُصيب فاحدودب ـ كُسر أو لم يُكسر ـ أو صار بحيث لا يقدر على القعود أو المشي، ففي جميع هذه الصور الدية كاملة.
قال العلاّمة في «القواعد»: وفي الظهر إذا كُسر، الدية كاملة، وكذا لو أُصيب فاحدودب، أو ارتفعت قدرته على القعود.1
ويدلّ عليه مضافاً إلى ما رواه ابن سنان وهشام بن سالم من أنّ «كلّ ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية... وما كان فيه واحد ففيه الدية، الروايات التالية:
1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يكسر ظهره، قال: «فيه الدية كاملة».2
2. ما رواه الشيخ باسناده عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في الصلب الدية».3
3. ما رواه الكليني عن بريد العجلي، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«قضى   2

1 . قواعد الأحكام :3/680.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث4.
3 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.

صفحه 342
المسألة2. لو عولج وبقي على الاحديداب فالدية كاملة، وكذا لو بقي من آثار الكسر شيء بأن لا يقدر على المشي إلاّ بعصا، أو ذهب بذلك جماعه أو ماؤه، أو حدث به سلس ونحو ذلك.*
E أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل كُسر صلبه فلا يستطيع أن يجلس، أنّ فيه الدية».1
4. ما رواه الشيخ في «التهذيب» قال: روى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال ومحمد بن عيسى، عن يونس جميعاً، عن الرضا(عليه السلام) قالا: عرضنا عليه الكتاب، قال: «هو نعم حق، وقد كان أمير المؤمنين(عليه السلام)يأمر عماله بذلك،... ثم قال: والظهر إذا حدب ألف دينار».2

* لو عولج الظهر وبقي من أثر الجناية

قد مرّ في المسألة الأُولى الدية الكاملة فيما لو لم يصلح الظهر بالعلاج والجبر، وعندئذ يبقى الكلام فيما إذا عولج، وقد ذكر في المتن صوراً ثلاثاً:
1. إذا عولج ولكن بقي على حالة الاحديداب.
2. لو بقي من آثار الكسر شيء، بأن لا يقدر على المشي إلاّ بعصا.
3. ذهب بذلك جماعُه أو ماؤه أو حدث به سلس، فاللازم في الصور الثلاث عدم سقوط الدية بل يجب دفعها كاملة، وذلك لأنّ ما دلّ(3) على أنّه لو عولج وصلح فديته مائة دينار ـ كما سيأتي في المسألة الثالثة ـ خاصّ   2

1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . التهذيب:10/297.   3 . سيأتي في المسألة3.

صفحه 343
المسألة 3. لو عولج فصلح ولم يبق من أثر الجناية شيء فمائة دينار.*
E بالمقام الذي لم يبق من أثر الجناية شيءٌ، والمفروض بقاء أثرها إمّا بصورة الاحديداب، أو غيره من الآثار المترتّبة على الجناية، أخذاً بحكم الحالة السابقة من كمال الدية الثابت قبل العلاج .

* لو عولج الظهر فصلح ولم يبق من أثر الجناية شيء

في المسألة قولان:
1. الواجب دفع ثلث الدية.
2. الواجب دفع مائة دينار.
أمّا القول الأوّل فعليه الشيخ في «النهاية»، والمحقّق في «الشرائع» .
قال المحقّق: ولو صلح كان فيه ثلث الدية، وفي رواية ظريف: إن انكسر الصلب وانجبر على غير عيب فمائة دينار.1
قال الشيخ في «النهاية»: وفي الظهر إذا كُسر ثم صلح ثلث الدية.2
ومن المعلوم أنّ «النهاية» فقه منصوص.
والظاهر أنّه المشهور بين الفقهاء، والظاهر وجود نصّ وصل إليهم ولم يصل إلينا، إذ ليس بأيدينا ما يدلّ عليه.
والذي يمكن أن يؤيّد هذا القول أمران:
1. الشهرة الفتوائية بين القدماء، وهي بنفسها تصلح أن تكون دليلاً   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 268 .
2 . النهاية:768.

صفحه 344
E على المسألة لولا المعارض.
2. يمكن الاستئناس للمقام بما ورد في خرم الأنف، روى مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)قضى في خرم الأنف ثلث دية الأنف»1، وهو ثلث دية النفس.
ونظيره: ما رواه محمد بن عبد الرحمن العزرمي عن أبيه عبد الرحمن، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام): «... وفي خشاش الأنف في كلّ واحد ثلث الدية».2
وتأييده بما ورد في رضّ الرصغ أو الرسغ 3 إذا جبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية اليد.4 غير صحيح، إذ الوارد فيه ثلث دية اليد. نعم لو فسّرت اليد، باليدين يكون ثلث ديتهما، ثلث دية النفس .
ويدلّ على التقدير الثاني رواية ظريف.
روى محمد بن يعقوب بأسانيده إلى كتاب ظريف عن أمير المؤمنين(عليه السلام): وإن إنكسر الصلب فجبر على غير عثم 5 ولا عيب فديته مائة دينار.6 وبه أفتى في المتن ، ولا يخفى أنّ التفاوت بين الديتين كثير، وبالتعارض يسقط الدليلان، فالمرجع هو أصل البراءة من الزائد، ولعلّه لذلك أفتى في المتن بالأقل.

1 . الوسائل:19، الباب4 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث13.
3 . الرسغ المفصل بين الساعد والكف والساق والقدم، ومثل ذلك في الدابّة.
4 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
5 . العثم: الانجبار من غير استواء.
6 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 345
المسألة4. المراد بالظهر هو العظم الذي ذوفقار ممتدّ من الكاهل إلى العجز وهو الصلب، وكسره يوجب الدية.*

* ما هو المراد من الظهر والصلب ؟

هل الصلب و الظهر بمعنى واحد؟ أو أنّهما مختلفان؟
ذهب صاحب الجواهر إلى الأوّل، فنقل عن مختصر النهاية أنّ الصلب هو الظهر.1
والظاهر أنّ الظهر في مقابل البطن، ويطلق من لدن الكاهل إلى العَجْب طولاً و مابين المنكبين عرضاً. وأمّا الصلب فإنّما يطلق على خصوص العظم الذي فيه فقار.
نعم إذا أُطلق كسر الظهر يراد به كسر الصلب، إذ ليس في الظهر عظم يعتدّ به إلاّ العظم الذي فيه فقار. ويشهد على ما ذكرناه قول ابن منظور والمصباح المنير.
قال الأوّل: الصلب عظم من لدن الكاهل2 إلى العَجْب3، والجمع أصلب... ثم قال: والصلب من الظهر، وكلّ شيء من الظهر فيه فقار فذلك الصلب.4   2

1 . جواهر الكلام:43/262.
2 . الكاهل: أعلى الظهر ممّا يلي العنق، يقال: كاهل القوم سندهم وسيدهم.
3 . والعجب: ما انضم إليه الوركان من أصل الذنب المغروز في مؤخّر العجز، وقيل: هوأصل الذنب كلّه. انظر لسان العرب: 1 / 582، مادة «عجب».
4 . لسان العرب:1/526، مادة «صلب».

صفحه 346
المسألة5. لو كسر فشلّت الرجلان فدية لكسر الظهر، وثلثا الدية لشلل الرجلين.*
E وفي «المصباح المنير»: والصلب كلّ ظهر له فقار.1
وبهذا يُعلم أنّ ما ذكره في المتن من تفسير الظهر بالعظم الذي ذو فقار ليس تفسيراً لغوياً بل تفسيراً بالقرينة وهو كسر الظهر الذي ليس له موضع إلاّ العظم، وأمّا ما جاء في زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) من قول الزائر: «أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة» لا يدلّ على واحد من القولين، بل قابل للانطباق على كلا المعنيين.

* لو كسر الظهر فشلّت الرجلان

إذا كسر ظهره وانتهى الكسر إلى شلّ الرجلين، فهل هناك دية واحدة ـ أعني: لكسر الظهر ـ أو ديتان: إحداهما لكسر الظهر، والأُخرى لشل الرجلين؟ مقتضى القاعدة عدم التداخل; ولذلك قال الشيخ في «الخلاف»: إذا كُسر صلبه فشَلّت رجلاه، كانت عليه دية في كسر الصلب وثلثا الدية في شلل الرجلين، وقال الشافعي: فيه دية وحكومة، فالدية عنده في شلل الرجلين والحكومة في كسر الصلب.(2)
في دية النخاع   
ويدلّ عليه ما مضى من أنّ في شلل الأصابع ثلثي الدية، وقد مضى أنّ الفقهاء فهموا من الرواية كونها ضابطة كلّية في كلّ الأعضاء.2
نعم يعارضه ما في كتاب ظريف، قوله:«والشلل في اليدين كلتاهما   2

1 . المصباح المنير:417.   2 . الخلاف:5/252، المسألة 59 .
2 . لاحظ : الوسائل: 19، الباب39 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث5.

صفحه 347

الثالث عشر: النخاع

المسألة 1. في قطع النخاع دية كاملة، وفي بعضه الحساب بنسبة المساحة.*
المسألة 2. لو قطع النخاع فعيب به عضو آخر فإن كان فيه الدية المقدّرة يثبت ـ مضافاً إلى دية النخاع ـ دية أُخرى، وإن لم تكن فيه الدية فالحكومة.**
E ألف دينار، وشلل الرجلين ألف دينار».1 وهي محمولة على الشلل المجرّد عن القطع أو الكسر، وفيه تأمّل.

* في دية قطع النخاع

والنخاع ـ بالضم ـ هو الخيط الأبيض داخل عظم الرقبة، ممتد إلى الصلب يكون في جوف الفقار.2
وبما أنّه في بدن الإنسان منه واحد، يكون في الجناية عليه ـ أي قطعه ـ دية كاملة، إنّما الكلام في قطع بعضه، فالماتن قال: الحساب بنسبة المساحة، تبعاً لصاحب الجواهر، والمراد هو المحاسبة من الطول لا العرض.
وسيأتي الكلام في النخاع عند البحث عن دية المنافع .

* لو قطع النخاع فعيب به عضو آخر

وجه المسألة واضح ; لأنّه إذا كان لكلّ عضو دية مقرّرة فلا   2

1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.
2 . مجمع البحرين، مادة «نخع».

صفحه 348
في دية الثديين   

الرابع عشر: الثديان

المسألة1. الثديان من المرأة فيهما ديتها، وفي كلّ واحدة منهما نصف ديتها.*
المسألة2. لو قطعتا أو قطعت واحدة منهما مع شيء من جلد الصدر ففي الثدي ديتها بما مرّ، وفي الجلد الحكومة، ولو أجاف الصدر لزم مع ذلك دية الجائفة.**
E وجه للتداخل، كما أنّه إذا لم يكن له دية مقرّرة فالحكومة محكّمة.

* في دية الثديين

قال الشيخ: في ثديي المرأة ديتها، لأنّهما من أصل الخلقة، وفيهما الجمال والمنفعة، وفي كلّ واحدة منهما نصف ديتها.1
والدليل عليه القاعدة المتقدّمة مراراً ; وما ورد في صحيح أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل قطع ثدي امرأته، قال: «إذن أُغرّمه لها نصف الدية»2.

** لو قطع مع الثديين شيئاً من الجلد

قال العلاّمة في «القواعد»: ولو قطع معهما شيئاً من جلد الصدر فالدية وحكومة.(3)
أمّا الدية فلهما، وأمّا الحكومة فلقطع الجلد لأنّ قطعه لابدّ له من   2

1 . المبسوط:7/148.
2 . الوسائل:19، الباب46 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.   3. قواعد الأحكام:3/681.

صفحه 349
المسألة3. لو أُصيب الثدي وانقطع لبنها مع بقائها، أو تعذّر نزول اللبن مع كونه فيها، أو تعذّر نزوله في وقته مع عدم كونه فعلاً فيها، أو قلّ لبنها، أو عيب كما إذا در مختلطاً بالدم أو القيح، ففيه الحكومة.*
E عوض، وما قدّر له في الشرع مقدّر. 1
ثم قال العلاّمة: فإن أجاف (الصدر) فدية للثديين وحكومة عن الجلد ودية الجائفة.(2) فتجتمع هنا ديتان للثدي والإجافة وحكومة للجلد. وتأتي دية الإجافة في فصل الشجاج والجراح.

* لو أُصيب الثدي وانقطع اللبن

ذكر المصنّف هنا صوراً:
1. انقطع لبنها مع بقائها.
2. تعذّر نزول اللبن، مع كونه فيها.
3. تعذّر نزوله في وقته مع كونه فيها فعلاً.
4. قلّ لبنها.
5. إذا عيب، كما لو صار مختلطاً بالدم أو القيح.
فبما أنّ الجميع ممّا ليس له مقدّر في الشرع، فالمرجع فيه الحكومة.
قال الشيخ في «المبسوط»: فإن كان فيهما لبن فانقطع، فحكومة، وإن لم يكن فيهما لبن فعاد وقت نزول اللبن فيهما ولم ينزل فإن قال أهل الخبرة: إنّما لا ينزل للجناية، ففيهما حكومة، وإن قالوا: قد ينقطع بجناية وغير   2

1 . مفتاح الكرامة:21/296.   2 . قواعد الأحكام:3/680.

صفحه 350
المسألة4. لو قطع الحلمتين من المرأة قيل فيه الدية، وفيه إشكال ويحتمل الحكومة، ويحتمل الحساب بالمساحة، والأخير لا يخلو من رجحان.*
E جناية،1 فحكومة.
ووقت نزوله في العادة الحامل لأربعين يوماً، فإذا وضعت فشرب اللباء منها لم يدرّ منها لبن حتى يمضي ثلاث أو مدّة النفاس ثم يدرّ لبنها، فإذا لم يعاود في وقت عوده في العادة حينئذ سئل أهل الخبرة ويكون على ما مضى.(2)

* هل في حلمتي المرأة دية أو حكومة؟

قال الشيخ في «المبسوط»: إذا قطع من الثديين الحلمتين، وهما كهيئة الزّر2 في رأس الثدي يلتقمهما الطفل، وفيهما الدية، لأنّهما من تمام الخلقة، ففيهما الجمال والمنفعة.3
واستشكل فيه المحقّق قائلاً: من أنّ الدية للثديين والحلمتان بعضهما.(5)
يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من أن تكون جزءاً من الثدي، ومع ذلك تحسب مستقلة إذا جُني عليها، وذلك كالأصابع فإنّها جزء من اليد تابعة لها، لكن إذا وقعت مورد الجناية تحسب مستقلة .   2

1 . أي انقطع بسبب الأمرين لا الجناية فقط.   2 . المبسوط:7/148.
2 . الزّر: ما يجعل في اللباس: قال الشاعر: قد زُرّ أزاره على القمر.
3 . المبسوط:7/148.   5 . شرائع الإسلام :4/269.

صفحه 351
المسألة5. في حلمة ثدي الرجل ثُمن الدية مائة وخمسة وعشرون ديناراً، وفيهما معاً الربع، وفي قول: إنّ فيهما الدية، والأوّل أقوى.*
E وبما أنّ لحلمة الثدي شأناً خاصّاً في جمال المرأة وانتفاع الطفل بها فلا يبعد عدّها أمراً مستقلاً تشمله الروايات العامّة من كونه واحداً في بدن الإنسان أو متعدّداً.
فلو قلنا بالدية فهو وإلاّ فالقول بالحكومة هو الأرجح ; لأنّ فيه جمال المرأة والمنفعة، واحتمال الحساب بالمساحة كما في المتن، لا يخلو من بعد لأنّ نسبتها إلى مجموع الثدي قليلة جداً.

* في حلمة ثدي الرجل

في المسألة أقوال:
1. فيهما الدية. وهو خيرة الشيخ في «المبسوط»، قال: أمّا حلمتا الرجل، قال قوم: فيهما الحكومة، وقال آخرون: فيهما الدية، وهو مذهبنا.1
وقد استشكل فيه المحقّق، وذلك لعدم ثديين للرجل يكونان بعضاً منهما، لأنّ الحلمة فرع وجود الثدي، فإذا لم يكن الأصل محكوماً بالدية فكيف يحكم على الفرع بها.
2. ما اختاره ابن بابويه وقال: في حلمتي ثدي الرجل، ثمن الدية، مائة وخمسة وعشرون ديناراً، وفيهما معاً ربع الدية.
ويدلّ عليه ما ورد في كتاب ظريف، قوله: «وفي حلمة ثدي الرجل   2

1 . المبسوط:7/148.

صفحه 352
في دية الذكر   

الخامس عشر: الذكر

المسألة1. في الحشفة فما زاد الدية كاملة وإن استؤصل إذا كان بقطع واحد، من غير فرق بين ذكر الشاب والشيخ والصبيّ والخصيّ خلقة، ومن سلّت أو رضّت خصيتاه وغيره إذا لم يكن موجباً للشلل.*
E ثمن الدية مائة وخمسة وعشرون ديناراً».1 ولعلّه أرجح لوجود النصّ. وعلى هذا يكون حديث ظريف مخصّصاً لما دلّ على تمام الدية فيما يكون في بدن الإنسان متعدّداً، إذ لازم ذلك تمام دية النفس .
3. الحكومة، وهو خيرة الإيضاح والمسالك.2 ولا يخفى ضعفه بعد وجود النص.

* في دية الذكر

في المسألة فرعان:
1. إذا قطع الحشفة فما زاد حتى مع الاستئصال.
2. عدم الفرق بين الشاب والشيخ والصبيّ والخصيّ. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: في دية حشفة الذكر

قال الشيخ في «الخلاف»: في الذكر الدية.3
وقال المحقّق: وفي الحشفة فما زاد الدية وإن استؤصل.(4)   2

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1، ولاحظ: الفقيه:4/65، برقم 194.
2 . مفتاح الكرامة:21/298، ولاحظ: المسالك:15/434; وإيضاح الفوائد:4/699.
3 . الخلاف:5/259، المسألة 70.   4 . شرائع الإسلام:4/269.

صفحه 353
E وقال العلاّمة في «القواعد»: وتثبت الدية في الحشفة فما زاد وإن استؤصل.1
وحصيله الكلام: أنّ في قطع الحشفة وحدها الدية، كما أنّ في قطعها مع القضيب إلى حدّ الاستئصال دية واحدة، لا ديتان، إذا كان القطع دفعة واحدة، فحينئذ فالقضيب كالكف، والحشفة كالأصبع، لا تتفاوت الحال في وجوب كمال الدية بقطع الحشفة خاصّة أو مع القضيب أو بعضه من غير وجوب دية أُخرى أو حكومة لما زاد عليها.(2)
ويدلّ عليه روايات:
1. صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«... وفي الذكر إذا قطع من موضع الحشفة، الدية».2
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام): «وفي الذكر إذا قطعت الحشفة وما فوق، الدية».3
والرواية دليل على أنّ قطع جميع الذكر دفعة واحدة فيه دية واحدة.
3. ما رواه يونس أنّه عرض على أبي الحسن الرضا(عليه السلام) كتاب الديات، وكان فيه:... والذكر إذا استؤصل ألف دينار.4
وفيما ذكرنا غنى وكفاية، ولاحظ سائر الروايات.5   2

1 . قواعد الأحكام:3/681.   2 . جواهر الكلام:43/266.
2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث5.
3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث4.
4 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.
5 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات الأعضاء، الأحاديث 6 و 7 و 10 و 14.

صفحه 354
المسألة 2. لو قطع بعض الحشفة كانت دية المقطوع بنسبة الدية من مساحة الحشفة حسب، لا جميع الذكر.*

E الفرع الثاني: في ذكر الشاب والشيخ والصبي والخصي خلقة

لا فرق بين شاب أو شيخ أو صبيّ لم يبلغ، والخصيّ خلقة، ومن سُلّت خصيتاه أو رُضّتا على وجه لا يؤدي إلى شلل في ذكره.
ويدلّ عليه إطلاق النصوص والفتاوى ومعقد الإجماع.
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال أمير المؤمنين(عليه السلام): في ذكر الصبيّ الدية، وفي ذكر العنين الدية».1
مضافاً إلى أنّه في أكثر الروايات كون الموضوع هو الذكر، نعم ورد في صحيح بريد بن معاوية عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «في لسان الأخرس، وعين الأعمى، وذكر الخصيّ وأُنثييه ثلث الدية».2
فهو محمول على وجود شلل فيه.
ونقل العاملي عن أبي حنيفة أنّه لم يوجب في ذكر الخصيّ إلاّ الحكومة.3

* لو قطع بعض الحشفة

لو قطع بعض الحشفة نسب المقطوع إلى الحشفة خاصّة ولا ينسب   2

1 . الوسائل:19، الباب35 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب31 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
3 . مفتاح الكرامة:21/306.

صفحه 355
المسألة3. لو انخرم مجرى البول من دون قطع ففيه الحكومة، ولو قطع بعض الحشفة وكان القطع ملازماً لخرم المجرى فلا شيء إلاّ ما للحشفة، وإن لم يكن ملازماً وكان الخرم جناية زائدة فله الحكومة، وللحشفة ما تقدّم.*
E إلى جميع الذكر على ما حكي عن بعض العامّة، فإن كان المقطوع نصفها فنصف الدية، وإن ثلثاً فالثلث، وعلى هذا فقس، لما مرّ من أنّ في قطع الحشفة الدية كاملة، فيحسب المقطوع بالنسبة إلى العضو الذي له دية كاملة. نظير قطع شيء من الإصبع، حيث إنّ الدية بالنسبة إلى الإصبع لا إلى اليد، وذلك لأنّ للأصابع في حدّ نفسها دية.

* لو انخرم مجرى البول

في المسألة فروع:
1. لو جنى على نحو انخرم1 مجرى البول من دون قطع.
2. لو قطع بعض الحشفة وكان القطع ملازماً لخرم المجرى.
3. لو قطع بعض الحشفة ولم يكن القطع ملازماً لخرم المجرى، بل عُدّ الخرم جناية زائدة.
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: إذا انخرم مجرى البول دون قطع فبما أنّه ليس فيه دية مقدّرة ففيه الحكومة.   2

1 . خرمه: ثلمه، ثَقبه، شق وَتَرَة أنْفِه. والظاهر أنّ المراد هو الشق.

صفحه 356
المسألة 4. لو قطع الحشفة وقطع آخر أو هو بقطع آخر ما بقي، فالدية لقطعها والحكومة لقطع الباقي، ولو قطع بعض الحشفة والآخر ما بقي منها فعلى كلّ منهما بحساب المساحة.*
E الفرع الثاني: إذا قطع بعض الحشفة وكان القطع ملازماً لخرم المجرى، فالمجموع جناية واحدة، فلا شيء إلاّ ما للحشفة بحساب المساحة، لأنّ قطع بعض الحشفة يلازم خرم المجرى طبيعة.
الفرع الثالث: لو قطع ولم يكن القطع في حدّ نفسه ملازماً للخرم ولكن اتّفق الخرم، فيحسب الخرم جناية زائدة وراء قطع الحشفة فللجناية الزائدة الحكومة، ولقطع بعض الحشفة ما بحساب المساحة.
* في المسألة فرعان:
1. لو قطع شخص الحشفة ثم قطع آخر ـ أو هو نفسه ـ ما بقي من الذكر.
2. لو قطع شخص بعض الحشفة وجاء الآخر وقطع ما بقي منها. وإليك دراستهما:

الفرع الأوّل: لو قطع الحشفة ثم ما بقي من الذكر

فعلى مَن قطع الحشفة الدية كاملة، وأمّا من قطع الباقي من الذكر سواء كان هو القاطع الأوّل أو شخص آخر، الحكومة، لأنّ في قطع الحشفة دية مقدّرة، أمّا الباقي من الذكر فليس فيه دية مقدّرة، ففيه الحكومة.
وهو نظير ما لو قطع الأصابع ثم قطع هو أو غيره الكف، فعلى الأوّل الدية لوجود التقدير، وعلى الثاني الحكومة لعدم التقدير فيه.   2

صفحه 357
المسألة 5. لو قطع بعض الحشفة وقطع آخر الذكر باستئصال، ففي قطع بعضها الحساب بالمساحة، وفي قطع الباقي وجوه: الحكومة أو الحساب بالنسبة إلى الحشفة والحكومة فيما بقي، أو الدية كاملة، أوجهها الأوّل وأحوطها الأخير.*

E الفرع الثاني: لو قطع بعض الحشفة والآخر ما بقي منها

وأمّا لو قطعت الحشفة بواسطة شخصين فعلى كلّ منهما بحساب المساحة، فلو قطع الأوّل الثلث والآخر الثلثين، فعلى الأوّل ثلث الدية وعلى الثاني ثلثا الدية، وهكذا.

* لو قطع بعض الحشفة وقطع الآخر ما بقي مع الذكر

لو قطع شخص بعض الحشفة وقطع آخر الباقي من الحشفة والذكر باستئصال، فلا شكّ أنّ على الأوّل الحساب بالمساحة لأنّ الدية على مجموع الحشفة، فلو قطع بعضها فيحسب حسب المساحة، فلو قطع النصف فنصف الدية وهكذا. إنّما الكلام على مَن قطع باقي الحشفة مع القضيب باستئصال، فقد احتمل المصنّف فيه الوجوه التالية:
1. الحكومة، 2. الحساب بالنسبة إلى الحشفة. والحكومة فيما بقي، 3. الدية كاملة.
لا شكّ أنّ الأخير هو الأحوط، إنّما الكلام فيما هو الأوجه من الوجهين الباقيين.
والظاهر أنّ الأوجه هو الثاني ; وذلك لأنّ المفروض أنّ للحشفة   2

صفحه 358
المسألة 6. في ذكر العنّين ثلث الدية، وكذا في قطع الأشلّ، وفي قطع بعضه بحسابه، ولا يبعد أن يكون الحساب بالنسبة إلى المجموع لا خصوص الحشفة.*
E الدية، وهذا القاطع الثاني قطع بعض الحشفة، فعليه الحساب بحساب المساحة لأجل قطع بعض الحشفة، وبما أنّ في قطع القضيب لم يرد تقدير، ففيه الحكومة، فعلى القاطعين بالنسبة إلى الحشفة، الدية بحسب المساحة، فتكون النتيجة دفع دية كاملة، وأمّا القضيب فهو على القاطع الثاني بالحكومة.
* في المسألة فروع:
1. دية ذكر العنّين.
2. دية قطع الأشلّ.
3. دية قطع بعض الأشلّ. وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: في ذكَر العنّين

قولان:
1. ما هو المشهور: أنّ فيه ثلث الدية. وهو خيرة الشيخ في الخلاف والنهاية.
قال في الأوّل: وفي ذكر العنّين ثلث دية الذكر الصحيح، وقال جميع الفقهاء فيه الحكومة.1
وقال في «النهاية»: وفي ذكر العنّين ثلث دية الصحيح(2).   2

1 . الخلاف:5/202، المسألة 74.   2 . النهاية:769.

صفحه 359
E وعليه المحقّق في الشرائع، قال: وفي ذكر العنّين ثلث الدية وفيما قطع منه فبحسابه.1
وكأنّهم أدخلوه في الشلل، قال الشيخ في كتاب ديات «