welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية المرام في علم الكلام /ج 2*
نویسنده :العلامة الحلّي*

نهاية المرام في علم الكلام /ج 2

صفحه 1
تحت إشراف
آية الله جعفر السبحاني
نهاية المرام
في
علم الكلام
تأليف
نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي
(648 726 هـ)
مَوسوعَةٌ كَلاميّةٌ تَتَعرضُ لِمُخْتَلَفِ المَذَاهِبِ والآراءِ الكَلاميّةِ بتَجَرُّد وَمَوْضُوعِيَّة
الجزء الثاني
تحقيق
فاضل العرفان

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب:    …نهاية المرام في علم الكلام
تأليف:    …العلامة الحلّي
إشراف:    …آية الله جعفر السبحاني
تحقيق:   …فاضل العرفان
الطبعة:    …الأُولى
الجزء:   …الثاني
المطبعة:    …اعتماد قم
التاريخ:   …1419 هـ
الكمية:   …1050نسخة
الناشر:   …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون:    …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
توزيع
مكتبة توحيد
قم ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الخامس:

في القسم الرابع من الكيفيات وهو:

الكيفيات النفسانية1

وهي المختصة بذوات الأنفس.
إعلم أنّ هذه الكيفيات قد تكون باقية راسخة فتسمّى ملكات2، وقد لا تبقى، بل تكون سريعة الزوال غير مستحكمة وتسمى حالات.
وهذان صنفان لا نوعان3، لأنّ الافتراق بينهما إنّما هو بالعوارض لا

1 . قارن شرح الإشارات2: 307; المباحث المشرقية1: 435.
2 . الملكة من الملك بمعنى القوة، والحال من التحول بمعنى التغير، شرح المواقف 5: 286.
3 . وفيه بحث في النقض والإبرام فانظر المصدر نفسه. وقال صدر المتألهين: «من أراد أن يعرف فساد هذا القول فينبغي أن ينظر في أمر الحال والملكة في باب العلم الخ» الأسفار 4: 110.

صفحه 4
الفصول; لأنّ الشخص الواحد في ابتداء تكوّنه يكون صبياً، لكن لا تغاير حقيقته عند بقائه واستحكامه في الرجولية، بل هو هو بالشخص، فضلاً عن الوحدة النوعية، كذا الكيفية النفسانية في حالتي ابتداء تكوّنها وبقائها.
فكلّ ملكة كانت حالاً; لأنّها تكون حالاً حال تكوّنها، وهو سابق على بقائها الذي باعتباره صارت ملكة، وليس كلّ حال يصير ملكة. فهنا أبواب:

صفحه 5

الباب الأوّل

في العلم وما يتعلّق به

وفيه مباحث:

البحث الأوّل

في العلم

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: في تعريفه 1

إعلم أنّ شعور كلّ أحد بغيره سواء كان ذلك حسّياً أو عقلياً، أمر معلوم لكلّ عاقل يجده الإنسان من نفسه على سبيل الضرورة، و يميز بينه و بين سائر أحواله النفسانية من جوعه وعطشه و ألمه و لذّته. وقد اضطرب العقلاء هنا في حقيقته اضطراباً عظيماً، وطوّلوا الكلام فيها لا لخفائها، بل لشدّة وضوحها.

1 . قارن شرح الإشارات2: 313ـ 314; أواخر نهاية العقول (الأصل السادس، المسألة الأولى: في حقيقة الإدراك والشعور). وليس المراد منه التعريف بالحدّ، لعدم الجنس والفصل، للعلم بمعناه العام. فليس هو من قبيل الماهيات لوجوده في الواجب تعالى أيضاً، ولا يمكن تعريفه بالرسم التام أيضاً، بل المراد ذكر أخصّ خواصّه. راجع الأسفار3: 278.

صفحه 6
فمنهم من جعل العلم إضافة بين العالم والمعلوم.1 و منهم من جعله صورة مساوية للمعلوم في العالم. و منهم من قال: إنّه غنيّ عن التعريف، فلا ينبغي أن يعرّف، وهو حقّ لكنّه قصد المَخْلص من مضايقات وقع غيرهم فيها. وضبط المذاهب المشهورة فيه أن نقول:
العلم إمّا أن يكون أمراً عدمياً أو ثبوتياً، والأوّل لا تعدد فيه. والثاني إمّا أن يكون صفة حقيقية أو إضافية، والثاني إمّا أن يكون إضافة محضة، أو صفة حقيقية تلزمها الإضافة.
وقبل الخوض في تحقيق ماهية العلم نقول:
زعم جلّ الأوائل أنّ تصور العلم بديهي لوجهين:
الأوّل: أنّ ما عدا العلم لا يعلم إلاّ بالعلم، فلو كان هو معلوماً بذلك الغير لزم الدور، وكيف لا يكون حقيقة ما به ينكشف جميع الأشياء منكشفة بذاتها غنيّة عن الكشف بغيرها؟
الثاني: أعلم بالضرورة علوماً خاصة لعلمي بأنّي عالم بوجودي وأنّي عالم بحرارة النار وضوء الشمس، وتصوّر العلم المطلق جزء من العلم الخاص فيكون سابقاً عليه، والسابق على البديهي أولى أن يكون بديهياً.
اعترض أفضل المحققين على الأوّل بأنّ المطلوب من حدّ العلم هو العلم بالعلم، وما عدا العلم يعلم بالعلم، لا بالعلم بالعلم2. وليس من المحال أن يكون هو كاشفاً عن غيره، و غيره كاشفاً عن العلم به.3

1 . وهو قول الايجي أيضاً. راجع المواقف: 140.
2 . لأنّ وجود العلم كاشف عمّا عداه، ومفهومه منكشف بما عداه.
3 . نقد المحصل: 155.

صفحه 7
وفيه نظر، فإنّ المحدود إنّما يعلم بحدّه وحدّ العلم ليس هو العلم نفسه فهو ممّا عداه، فإذن هو ممّا يعلم بالعلم، والعلم إنّما يعلم به لأنّه حدّه. وأيضاً العلم إذا علم بحدّه كان ذلك الحدّ معرفاً لكلّ علم، الّذي من جملته العلم بالعلم وبحدّ العلم، فيكون كلّ من العلم و العلم بحدّه معلوماً بصاحبه، وهو دور.
والتحقيق أن نقول: ما يعلم به الشيء يؤخذ باعتبارين:
الاعتبار الأوّل: أن يكون كاسباً له و معرفاً إيّاه، كالحدّ والرسم والحجّة.
الاعتبار الثاني: أن يكون آلة في العلم، بأن يكون صورة مساوية له، أو إضافة بين العلم والمعلوم على اختلاف الرأيين.
فحدّ العلم إذا علم به إنّما يؤخذ بالاعتبار الأوّل، وإذا علم بالعلم إنّما يؤخذ بالاعتبار الثاني.
وفي الثاني نظر، وهو المنع من وجود علم مطلق يكون جزءاً من كلّ علم، وحصول العلم بالعلم الخاص من كلّ وجه. وقد تقدّم مثله في الوجود.
وقيل: العلم هو الحاكم بامتياز كلّ شيء عمّا عداه، فكيف لا يميّز نفسه عن غيره؟ ولأنّ كلّ ما يعرّف به العلم فالعلم أعرف منه، لأنّه حالة نفسانية يجدها الحي من نفسه ابتداءً من غير لبس ولا اشتباه، وما هذا شأنه يتعذّر تعريفه. ولأنّ كلّ من عرف شيئاً أمكنه أن يعلم كونه عالماً بذلك الشيء من غير برهان و نظر، والعلم بكونه عالماً بشيء عبارة عن العلم باتصاف ذاته بالعلم، و العلم باتصاف أمر بأمر يستدعي العلم بكلّ واحد من الأمرين أعني الموصوف والصفة فلو كان العلم بحقيقة العلم مكتسباً لاستحال أن نعلم كوننا عالمين بشيء لا بنظر واستدلال، ولمّا لم يكن كذلك ثبت أنّ العلم بحقيقة العلم غني عن السبب.
وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من كونه هو الحاكم بامتياز كلّ شيء عمّا عداه أن

صفحه 8
يكون معلوماً بحقيقته، فجاز أن يعلم ببعض اعتباراته.
وكذا الجواب عن الثاني، فإنّ العلم بالاتصاف يستدعي العلم بالموصوف والصفة، لا من كلّ وجه بل من بعض الوجوه، فجاز أن يكون مجهول الماهية ويطلب بالحدّ تعريفه.

المسألة الثانية: في أنّ العلم ليس عدمياً1

اضطرب كلام الشيخ في حقيقة العلم، فتارة جعله أمراً عدمياًحيث بيّـن أنّ الباري تعالى عقل وعاقل و معقول، وأنّ ذلك لا يقتضي كثرة في ذاته; لأنّ العلم هو التجرّد عن المادة.2
وتارة يجعله صورة مساوية للمعلوم مرتسمة في الجوهر العاقل. وذلك حينما بيـّن أنّ تعقل الشيء لذاته ولآلة ذاته ليس إلاّ حضور ذاته عند ذاته. وأيضاً قال في الإشارات: «إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك».3
وتارة يجعله مجرّد إضافة. وذلك عند ما يبيـّن أنّ العقل البسيط ـالذي لواجب الوجود ليست عقليته لأجل حصول صور كثيرة فيه، بل لأجلفيضانها4 عنه، حتّى يكون العقل البسيط كالمبدأ الخلاّق للصور

1 . قارن المباحث المشرقية1: 444ـ 446.
2 . راجع النجاة: 243ـ 245.
3 . شرح الإشارات2: 308.
4 . لقد فهموا الاضافة المقولية من هذه الكلمة «الفيضان»، ولكن المرادمنها الإضافة الاشراقية التي بها تحصل الصور من إشراق ذاته تعالى. ولهذا وصف صدر المتألهين استناد الاضطراب إلى كلمات الشيخ بقوله: «الزعم من الناس» فراجع الأسفار3: 284.

صفحه 9
المتصلة1 في النفس.
وتارة يجعله عبارة عن كيفية ذات إضافة إلى الشيء الخارجي. وذلك عند ما يبيّـن أنّ العلم داخل في مقولة الكيف بالذات، وفي مقولة المضاف بالعرض.
وإذا عرفت اضطرابه فلنشرع في إبطال مذهبه فنقول:
لا يجوز أن يكون العلم عدمياً لوجوه:
الأوّل: لو كان العلم سلبياً لم يكن أيّ سلب اتّفق، فلا يكون سلب الإنسان علماً ولا سلب الفرس و غيرهما، بل لو كان سلباً لم يكن إلاّ سلب ما يقابله، والمقابل للعلم إنّما هو الجهل.إمّا مقابلة العدم و الملكة وهو الجهل البسيط، أو مقابلة التضاد وهو الجهل المركّب. فإن كان العلم عبارة عن سلب الأوّل الذي هو عدم العلم، كان العلم عدم العدم، فيكون ثبوتاً. وإن كان عبارة عن سلب الثاني فهو محال; لأنّه لا يلزم من سلب الجهل المركّب بالشيء حصول العلم بذلك الشيء لاحتمال خلوّ المحلّ عنهما.
وبعبارة أُخرى2: لو كان سلبياً لكان سلب ما ينافيه، والمنافي إن كان عدماً كان هو عدم العدم، فيكون ثبوتاً 3; وإن كان وجوداً فعدمه يصدق على العدم، فيكون العدم موصوفاً بالعالِمية، هذا خلف.
اعترضه أفضل المحققين: «بأنّ الحكم بكون العلم سلبياً باطل» صحيح، لكن في الدليل نظر; لأنّ المنافي إن كان مطلق العدم كان العلم مطلق الوجود، وإن كان عدمياً لا يكون العلم عدم العدم حتّى يكون ثبوتياً، إنّما هو عدم العدميّ، ولا يجب أن يكون عدم العدمي ثبوتياً، فإنّ عدم العمى كما في الجرو بل

1 . كذا في النسخ، وفي المباحث المشرقية: «المفصّلة».
2 . العبارة من الرازي والمعترض عليه هو الطوسي.
3 . في عبارة الرازي: «ثبوتياً» تلخيص المحصل: 155.

صفحه 10
في من نزل في عينه ماء بل في الجدار لا يكون إبصاراً.
وأيضاً يلزم من قوله: «وإن كان وجوداً فعدمه يصدق على العدم، فيكون العدم موصوفاً بالعلم» ثبوت ما ادّعى بطلانه; لأنّ وصف العدم لا يكون وجودياً، فإذن العلم سلبي.1
وفيه نظر، فإنّه لم يقصد المستدل كون العلم عدماً لمطلق العدم حتّى يكون العلم مطلق الوجود، بل عدم مقابله، وذلك المقابل إن كان عدم العلم كان العلم عدماً للعدم، فيكون ثبوتياً.
والتحقيق أن نقول: العدم قد يؤخذ مطلقاً فيقابله وجود مطلق، وقد يؤخذ مضافاً إلى شيء كعدم البصر مثلاً، فيقابله وجود البصر; لاتّحاد المضاف إليه في التقابل. فلما كان العدم المضاف منسوباً إلى البصر وجب أن يكون الوجود مضافاً إليه أيضاً. وهنا يكون عدم هذا الوجود إمّا لعدمه في نفسه أو لعدم إضافته، فإن كان لعدمه في نفسه لزم وجود مقابله أعني البصر، وإن كان لعدم إضافته لم يلزم ثبوت المقابل.
وقوله: «يلزم من قوله: إن كان وجوداً فعدمه يصدق على العدم فيكون العدم موصوفاً بالعلم، ثبوت ما ادّعى بطلانه; لأنّ وصف العدم لا يكون وجودياً» ليس بوارد عليه; لأنّه إنّما ذكر ذلك على سبيل الإلزام ليستثني نقيض اللازم، وهو أنّ العلم لا يصحّ أن يتصف به المعدوم.
الثاني: العلم يصحّ وصفه بالانتساب إلى شيء دون شيء فيقال: إنّه عالم بكذا و ليس عالماً بكذا، فيختص تعلّقه بشيء دون غيره بخلاف التجرّد فإنّه لا يعقل اختصاصه بشيء دون آخر لامتناع أن يقال: هذا الشيء مجرّد عن المادة

1 . نقد المحصل: 155ـ 156.

صفحه 11
بالنسبة إلى هذا دون ذاك، فالتجرّد مغاير للتعقّل.
الثالث: لو كان العلم هو التجرّد لاستحال اجتماع علمنا بكون الشيء مجرّداً عن المادّة وعلائقها من الوضع و قبول الإشارات وغير ذلك و جهلنا بكون الشيء عالماً; لامتناع صدق إيجاب الشيء على غيره و سلبه عنه، لكن التالي باطل، فإنّا قد نعلم كون الشيء مجرّداً عن المادة وعلائقها و نجهل كونه عالماً بشيء البتة ونفتقر بعد ذلك إلى الاستدلال، فلا يجوز أن يكون كون الشيء مجرّداًعبارة عن كونه عالماً، ولا داخلاً فيه مقوماً له، بل بعد العلم بتجرّده نشكّ في كون ذلك المجرّد عالماً، ومن المستحيل أن تكون الحقيقة الواحدة معلومة مجهولة دفعة واحدة، فثبت أنّ التعقّل والتجرّد متغايران.
الرابع: أنّنا نفرق بالضرورة بين حال تجدّد العلم لنا بشيء و بين حالنا قبله ونميز بينهما; فإنّا قبل ذلك العلـم لنا لا تكون لنا صفة العالمية ولا يحصل لنا باعتبار عدم هذا الوصف أمر وجودي، بل لم تحصل زيادة على العدم إليه فوجب أن يكون الفرق إنّما هو حصول أمر لنا بعد العلم1 لم يكن ثابتاً قبله. ولا فرق في أنّا نجد أنفسنا عالمين بالشيء و في أنّنا مريدين له، فإنّ كلّ واحد منهما حاصل بعد أن لم يكن، و إنّما نميّز بينهما وبين سائر الأحوال النفسانية2 المدركة لنا، وأنّ لهذا العلم خصوصية وانفراداً عن غيرها، وذلك لا يكون إلاّ إذا كانت تلك الحالة أمراً ثبوتياً.
فقد ظهر أنّ التعقّل لا يجوز أن يكون أمراًعدمياً، ولا سلب المادة ولا غيرها. نعم قد يلزمه ذلك، لكن أخذ لازم الشيء مكانه اغلوطة.

1 . ج: «العدم».
2 . كالغضب والشهوة والإرادة والقدرة.

صفحه 12

المسألة الثالثة: في أنّ العلم ليس هو الانطباع1

إعلم أنّه لا يجوز أن يكون العلم عبارة عن صورة مساوية للمعلوم منطبعة في العالم، خلافاً للرئيس، لوجوه:
الأوّل: لو كان التعقّل عبارة عن حصول صورة في العاقل مساوية للمعقول، لكان تعقّلنا لذاتنا: إمّا أن يكون عبارة عن حصول صورة مساوية لذاتنا في ذاتنا، أو يكون نفس حصول ذاتنا لذاتنا من غير صورة أُخرى منتزعة منها.
ويلزم من الأوّل اجتماع المثلين، فلا يكون إحداهما بالحالّية والأُخرى بالمحلّية أولى من العكس; ولا كون إحداهما آلة في التعقّل والأُخرى أصلاً بهيحصل التعقل و يكون هي المعقول أولى من العكس. ولأنّا ما لم نعقل أنّ تلك الصورة صورة ذاتنا لم نعقل ذاتنا، فيكون عقلنا لذاتنا قبل عقلنا لتلك الصورة.
والثاني باطل; لأنّه ليس مَن عقل الشيء المجرّد عقَل منه أنّه عاقل، ولهذا إذا عقلنا واجب الوجود لم يجب أن نعتقد أنّه عالم، بل نفتقر بعد علمنا بثبوته إلى دليل على علمه مع أنّه عالم بذاته في نفس الأمر. وأيضاً يبطل قولهم: التعقّل حصول صورة مساوية للمعقول في العاقل.
الثاني: لو كان التعقل عبارة عن حصول صورة المعقول للعاقل، لكان علمنا بذاتنا إمّا أن يكون نفس ذاتنا أو مغايراً له، والقسمان باطلان.
أمّا الأوّل، فلأنّ علمنا بذاتنا إذا كان هو نفس ذاتنا، فإمّا أن يكون علمنا بعلمنا بذاتنا هو نفس علمنا بذاتنا الذي هو نفس ذاتنا، وإمّا أن لا يكون. فإن

1 . قارن المباحث المشرقية1: 442ـ 443; نقد المحصل: 156 157; نهاية العقول (المسألة الثالثة: في أنّ الادراك هل هو نفس الانطباع أو لا ؟).

صفحه 13
كان لزم من حصول ذاتنا حصول علوم غير متناهية بالفعل; لأنّ ذاتنا موجودة بالفعل وعلمنا بذاتنا هو نفس ذاتنا، و كذا علمنا بعلمنا بذاتنا إلى ما لا يتناهى، ولمّا كانت ذاتنا موجودة بالفعل وجب أن تكون هذه الأشياء موجودة بالفعل; لاستحالة أن يكون الشيء الواحد موجوداً بالقوّة والفعل معاً، وإن لم يكن، لم يكن1 علمنا بذاتنا نفس ذاتنا، وهو غير القسم الذي نحن فيه.
لا يقال: العلم بالعلم هو بعينه العلم بالمعلوم.
لأنّا نقول: هذا باطل; لأنّا قد نعلم الشيء ونغفل عن علمنا بعلمنا به. فإنّا نستحضر في ذهننا العلم بالعلم ونجد تفرقة بينه و بين ما إذا لم نستحضر ذلك العلم مع أنّ العلم بالمعلوم حاصل في الوقتين.
ولأنّ العلم بالعلم إضافة إلى العلم، والعلم بالمعلوم إضافة إلى المعلوم، وتغاير المضافين يستدعي تغاير الإضافتين.
وأمّا الثاني، فلاستلزامه اجتماع المثلين.
اعترضه أفضل المحققين بأنّ علمنا بذاتنا هو نفس ذاتنا بالذات وغير ذاتنا بنوع من الاعتبار. والشيء الواحد قد يكون له اعتبارات ذهنية لا تنقطع مادام المعتبر يعتبره.2
وفيه نظر، لأنّ هذا الاعتبار الذي حصل به المغايرة إن كان جزءاً من علمنا بذاتنا دون ذاتنا أو من ذاتنا دون علمنا بذاتنا لم يتّحدا بالذات، لأنّ المغايرة في المقوم تستلزم المغايرة في الحقيقة، وإن لم يكن جزءاً من أحدهما كان عارضاً لذاتنا

1 . أي: إن لم يكن علمنا بعلمنا بذاتنا نفس علمنا بذاتنا، لم يكن حينئذ علمنا بذاتنا نفس ذاتنا وهذا خلاف الفرض.وهذا من اعتراضات المسعودي كما صرّح به الطوسي في شرح الإشارات2: 320ـ 321.
2 . هذا جواب على اعتراض المسعودي، راجع المصدر نفسه.

صفحه 14
الذي هو علمنا بذاتنا أو لعلمنا بذاتنا الذي هو نفس ذاتنا. ومتى عرض لذاتنا، عرض لعلمنا بذاتنا و بالعكس، لاتحادهما في الذات، فلا يحصل التغاير البتة.
الثالث: تعقل ذاتنا لذاتنا لا يكون نفس ذاتنا، وإلاّ لزم تعقلنا لذاتنا بدوام ذاتنا، وكذا يدوم علمنا بعلمنا بذاتنا، فتكون جميع المراتب التي لا تتناهى دائمة موجودة بالفعل لنا، وهو ضروري البطلان1 . ولا مغايراً لذاتنا زائداً عليها; لأنّ ذلك الزائد إن كان مساوياً للماهية كما يقولون: إنّه صورة للمعلوم في العالم لزم اجتماع المثلين، وإن لم يكن مساوياً بطل قولهم: علم الشيء بذاته نفس ذاته، وإنّ العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم; لأنّ هذا الزائد الذي جعلوه علماً ليس أحدهما.
الرابع:2 لو كان العلم هو حصول صورة الشيء لغيره، لكان الجسم الأسود مدرِكاً للسواد لأنّه حصل له السواد، والتالي باطل بالضرورة، فإنّا نعلم ضرورة أنّ الجمادات لا شعور لها البتة.
لا يقال: الإدراك حصول الشيء لا لأيّ شيء اتّفق بل للذات المدركة، والجماد ليس بمدرك.
وأيضاً، فإنّ ماهية النفس مخالفة لماهية الجسم، والإدراك هو حصول الشيء للنفس المجردة لا للجسم، ولا يلزم من كون حصول السواد في النفس إدراكاً للسواد أن يكون حصوله للجسم إدراكاً له.
ولأنّ حصول السواد للشيء إنّما يكون إدراكاً له لو وقع ذلك الحصول على وجه مخصوص و هو التجرّد عن المادة و لمّا لم يكن حصول السواد للجسم على وجه التجرّد لم يكن الجسم عالماً به.

1 . قارن شرح الرازي في شرحي الإشارات، النمط الثالث، ص 135.
2 . انظر هذا الوجه في المصدر نفسه: 134ـ 135.

صفحه 15
ولأنّ الحصول إنّما يستلزم التعقل لو اتّحدت الصورة بالعاقل، وهذا الشرط غير متحقق في الجسم والسواد.
لأنّا نقول: إذا كان الإدراك هو الحصول، فالمدرك شيء له الحصول أي الإدراك فأينمـا تحقـق الحصول وجب تحقق الإدراك; لأنّه نفسه فيكون الجماد مدركاً للسواد لأنّ السواد حصل له، لكن لما كذب على الجماد الإدراك و صدق عليه الحصول وجب التغاير، وإلاّ صار قولنا في الجماد إنّه حصلت له الصورة وهو غير مدرك أنّه حصلت له الصورة ولم تحصل له.
وأيضاً قولهم: «الإدراك حصول الشيء للذات المدركة» إن عنوا به للذات التي لها الحصول، فالحال كذلك. وإن عنوا به عين الحلول فهو المطلوب، ولمّا كانت النفس محلاً للإدراك كانت مغايرة له; لأنّ المحل مباين للحال و مغاير له. ولأنّ علمنا بالشيء لو كان عين ذاتنا لما كان يعتبر في علمنا بالشيء حصول حقيقة ذلك الشيء لنا. ولأنّه كان يجب أن نكون عالمين بذلك المعلوم أبداً.
فثبت، أنّ علمنا بالشيء زائد على ذاتنا، فذلك الزائد إن كان نفس الحقيقة المعقولة، فأينما تحققت تلك الحقيقة المعقولة حصل العلم فالجماد عالم، وإن كان غيره فهو المطلوب. فإذا كانت حقيقة الإدراك عندكم هو الحصول، فأينما تحقّق الحصول كان إدراكاً، إلاّ أن يجعل قول الوجود على الأمرين بالاشتراك اللفظي، فيكون وجوده عند كونه حاصلاً في التعقل مخالفاً لوجوده عند كونه حاصلاً للجسم وهو باطل، لأنّا إن جعلنا وجود الشيء نفس ماهيته استحال أن يختلف وجود الماهية الواحدة بحسب اختلاف القوابل وإن وقع الإشكال، لأنّ حقيقته إذا كانت مغايرة لمعقوليته وجب أن يكون وجوده مغايراً لمعقوليته. وإن جعلناه زائداً استحال أن يكون بالاشتراك اللفظي اتّفاقاً وبما سبق من الأدلّة.
لا يقال: لا شكّ في أنّ التعقّل زائداً على عين تلك الماهية.

صفحه 16
لأنّا نقول: ذلك الزائد إمّا وجود تلك الماهية، أو حصولها للمدرك.
والأوّل باطل بما تقدّم.
والثاني محال; لأنّ حصول ذلك الوجود للمدرك لا يمكن أن يكون ثبوتياً، وإلاّ تسلسل.
والتجرّد الّذي جعلوه شرطاً إن كان هو الحقيقة الموجودة عاد المحال، وإن كان زائداً سلباً كان أو إيجاباً ـ حصل المطلوب، والاتّحاد محال.
الخامس: العلم إذا كان صورة مساوية للماهية فنقول: هذه الصورة يمتنع أن تكون نفس المعلوم.
أمّا أوّلاً: فلمغايرة الشيء صورته.
وأمّا ثانياً: فللعلم الضروري بأنّا إذا علمنا الجبل والنار لم تحصل ماهية هذه الأشياء فينا بل تكون مغايرة لماهية المعلوم، ولا يخلو إمّا أن تكون مساوية له من كلّ وجه، أو من بعض الوجوه. والأوّل محال بالضرورة; لأنّه لا فرق بين الماهية وبين ما ساواها من كلّ وجه. وكما حكمت الضرورة بعدم حلول نفس الماهية في العاقل، كذا يحكم بامتناع حلول ما ساواها من كلّ وجه فيه. فإنّا نعلم بالضرورة أنّ مقدار الجبل وشكله وخواصه لا تحصل في العالم بالجبل.
وإن كانت مساوية من بعض الوجوه فنقول:
إمّا أن تحصل المخالفة بالوجود في بعض الصفات وعدمها، أو بالمخالفة بين بعض صفات أحدها وبعض صفات الآخر.
فالأوّل بأن1 تحصل المساواة بين الصورة المعقولة والماهية في بعض الوجوه، وتحصل للصورة صفة أو صفات لا تحصل للماهية، و تكون جميع صفات الماهية

1 . ج و س: باضافة«يكون» قبل «بأن».

صفحه 17
واعتباراتها حاصلة في الصورة، أو بأن ينعكس الحال، فتحصل للماهية مساواة للصورة في بعض الوجوه، وتحصل للماهية صفة أو صفات لا تحصل للصورة، وتكون جميع صفات الصورة حاصلة للماهية.
والثاني إمّا أن يكون يحصل في كلّ من الماهية والصورة جميع صفات الآخر، وتحصل لكلّ منهما صفة أو صفات لم تحصل للآخر، أو تحصل لكلّ منهما صفات يشارك بها بعض صفات الآخر وتحصل لكلّ منهما صفات لا تحصل للآخر.
والقسم الأوّل محال بالضرورة; لأنّا نعلم أنّه لم تحصل في الصورة العقلية جميـع صفات الماهية ولوازمهـا وحقيقتهـا الجوهريــة التـي في الجســـم مثلاً وعوارضها كما تقدّم.
والثاني محال أيضاً; لأنّه يلزم أن لا تكون الصفة التي زادت الماهية بها على الصورة معلومة، أو لا تكون معلومة بصورة مساوية لها. والأوّل باطل; لأنّا نفرض علمنا بشيء واحد من كلّ جهة، أو علمنا بالشيء بجميع جهاته وعوارضه ولواحقه. والثاني باطل أيضاً، وإلاّ لكان العلم على إضافته1بالاشتراك اللفظي حيث كان في بعضها بصورة مساوية وفي الآخر بغير صورة مساوية. ويلزم أيضاً الترجيح من غير مرجح. ولأنّ في الصورة العقلية صفات ليست في الماهية كالعرضية مع جوهرية الماهية.
وأمّا القسم الأوّل من قسمي القسم الثاني، فإنّه باطل بالضرورة أيضاً، لما تقدّم من امتناع حلول الماهية وما سواها في العاقل.
والثاني أيضاً باطل، وإلاّ لكان المعقول هو تلك الصفات المشتركة بين الماهية والصورة العقلية، ولا تكون باقي صفات الماهية معلومة أو تكون معلومة لا

1 . العبارة كذا، وفي بعض النسخ: « لكان قول للعلم على أوصافه».

صفحه 18
بصورة مساوية، فيخرج العلم عن كونه صورة مساوية للمعلوم في العالم.
قال أفضل المحققين: «لا يجب كون العالم بالحرارة حاراً; لأنّهم قالوا بانطباع صورة مساوية للحرارة. وفرق بين صورة الشيء و بينه، فإنّ الإنسان ناطق و صورته ليست ناطقة.
وليست الصورة مساوية للمعقول في تمام الماهية; لأنّ المساوي في تمام الماهية هو نفس الماهية أو شخص من أشخاصها لا صورتها.وإذا كان بين الماهية وصورتها اثنينية في النوع لكانت الصورة غير الماهية. ولجاز أن يكون المقتضي لكون المحل حاراً هو مجموع ما به الاشتراك وما به الامتياز.
ولا يلزم أن يكون الجدار عاقلاً، لأنّ الإدراك نفس الحصول لقابل مشروط بشرط مخصوص، فإنّا لو قلنا: الغنى: حصول مال عند ما من شأنه أن يحصل له مال، لا يلزم منه أن يكون الجماد1 الذي يحصل عنده مال غنياً.» 2
واعلم أنّ ما ذكرناه من التقسيم لا يتأتى معه شيء من هذا الكلام البتة، وإذا كان بين الماهية المعقولة والصورة العقلية اثنينية بالنوع لم تكن مساوية لها.
ثمّ قوله: «الجدار غير قابل» ضعيف; لأنّه قابل للحصول فيه، وإلاّ لم يتصف به، وليس قابلاً للتعقل فتغايرا. وحدّ الغنى لم يحصل في الجماد لأنّه لم يحصل له و إن حصل عنده، فلهذا لم يتحقق الغنى فيه.أمّا الجدار فإنّ حدّ التعقل و هو الحصول ثابت فيه. وإن قيدت الحصول بأنّه حصول عند ما من شأنه أن يعقل، سألناكم عن معنى قولكم: «أن يعقل»، فإن كان هو الحصول لزم التكرار، وأن يكون الجماد عاقلاً، وإن كان معنى غيره ثبت التغاير بين التعقل والحصول وهو المطلوب.

1 . وفي المصدر: «الحمار».
2 . نقد المحصل: 156ـ 157.

صفحه 19
قال أيضاً: «حصول الشيء للشيء يقع بالاشتراك أو1 التشابه على معان مختلفة، كحصول الجوهر للجوهر والعرض، وحصول العرض للعرض و الجوهر، والصورة للمادة أو الجسم وعكسهما، والحاضر لما حضر عنده و عكسه، إلى غير ذلك. ولمّا كان الحصول الإدراكيّ معلوماً ولم يكن أي حصول اتّفق بل حصول صورة ما للمدرك، لا للشيء على الإطلاق، ولم يكن هذا الحصول بمعنى حصول العرض لموضوعه، لم يجب أن يكون الأسود مدركاً للسواد».2
ولا مخلص فيه، فإنّ البحث في تفسير المدرك في قوله «الإدراك حصول شيء للمدرك لا أيّ حصول اتّفق» واقع.
السادس: لو كان التعقل هو الحصول، لوجب إذا تصورنا موجوداً ليس بجسم ولا قائماً في جسم، واعتقدنا حلول السواد فيه أن نقطع بكونه عالماً به.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ اعتقاد حلول السواد فيه، إن كان على سبيل حلوله في الأجسام فهو جهل و سخف. وإن كان على سبيل حلوله في المجرّدات فهو معنى كونه عالماً به، ولا تغاير بينهما إلاّ تغاير الألفاظ المرادفة.3
وفيه نظر، فإنّ مفهوم الحلول واحد، والبرهان آت في المجرّد.
فإنّا نقول: لو كان التعقل هو الحلول للصورة في المجرّد لكنّا إذا اعتقدنا حلول أمر في المجرّد نعتقد أنّ ذلك المجرّد عالم به، وليس كذلك، بل إنّما يحصل ذلك من مقدمتين:
إحداهما: الحلول في المجرّد.
الثانية: أنّ معنى الحلول في المجرّد هو التعقل، لكن النزاع إنّما وقع في هذا.
السابع: انّا بعد العلم بأنّ اللّه تعالى ليس بجسم ولا حالّ فيه، نشكك في أنّه

1 . في المصدر: «و».
2 . شرح الإشارات للطوسي2: 319.
3 . نفس المصدر: 320.

صفحه 20
هل يعلم ذاته؟ وهل يعلم كونه فاعلاً لغيره أم لا؟ وهذا يدل على أنّ كون الشيء عالماً بشيء، مغاير لحصول ذلك الشيء له.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ ذلك إنّما يقع إذا لم يتحقق أنّ ذاته بأي وجه حصل لذاته، وأنّ غيره بأيّ وجه حصل له، فإنّ معاني الحصول مختلفة. فإذا حقّقنا تجرّده، وحقّقنا أنّ كون الشيء مجرّداً قائماً بالذات يقتضي علمه بذاته وبصفاته كما يجيء بيانه، لم نشكك في ذلك.1
وفيه نظر، فإنّ «تحقّق كون الشيء مجرّداً قائماً بالذات يقتضي علمه بذاته وبصفاته»، يدل على مغايرة التعقّل للحصول، وهو المطلوب.
الثامن: الصور الجزئية تحصل في الخيال أو في الجليدية، والإدراك يكون في الحس المشترك أو في ملتقى العصبتين، فلو كان الحصول إدراكاً لكانا معاً.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ الإدراك ليس هو حصول الصورة في الآلة فقط، بل حصوله في المدرك لحصوله في الآلة، وهنا الإدراك لا يحصل في الحس المشترك ولا في ملتقى العصبتين، بل في النفس بواسطة هاتين الآلتين عند حصول الصورة في الموضعين المذكورين أو غيرهما.2
وفيه نظر، فإنّ آلة المدرك غير المدرك، وقد كنتم جعلتم الإدراك هو الحصول عند المدرك فكيف يدرك المدرك لحصول صورة المدرَك عند غيره؟ ثمّ إن حصلت صورة المدرَك للمدرك كما حصلت لآلته، كان هناك حصولان، ولا حاجة إلى حصول الصورة عند الآلة. وإن لم يكن إلاّ حصول عند الآلة وجب أن لا يكون المدرك إلاّ من حصلت له تلك الصورة.
التاسع: انّا نعلم أنّ المبصر هو زيد الموجود في الخارج، والقول بأنّه مثاله أو شبحه يقتضي الشكّ في الأوّليات.

1 . نفس المصدر.
2 . نفس المصدر.

صفحه 21
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ المبصر هو زيد بغير شك. أمّا الإبصار فهو حصول مثاله في آلة المدرك، وعدم التمييز بين المدرك والإدراك هو منشأ هذا الاعتراض.1
العاشر: كيف يكون الإدراك صورة ذهنية مطابقة لما في الخارج، والشعور بالمطابقة إنّما يكون بعد الشعور بما في الخارج؟
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ المطابقة غير الشعور2 بها، وإنّما اشترط فيه الأوّل دون الثاني.
الحادي عشر: المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في الخارج في تمام الماهية، وإلاّ لجاز أن يكون السواد مثل البياض في تمام الماهية; لأنّ المناسبة بين السواد والبياض لاشتراكهما في العرضية والحلول في المحل وكونهما محسوسين أتم من المناسبة بين المعقول من السماء الذي هو عرض غير محسوس حال في محل كذلك، وبين السماء الموجودة التي هي جوهر محسوس موجود في الخارج محيط بالأرض.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ ماهية الشيء هي ما يحصل في العقل من ذلك الشيء نفسه دون عوارضه الخارجة عنه، ولذلك اشتقت لفظة الماهية من لفظة ما هو، فإنّ الجواب عنها يكون بها. ولمّا كان كذلك كان معنى قول القائل: «المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في الخارج» هو أنّ السماء المعقولة المجرّدة عن اللواحق ليست بمساوية للسماء المحسوسة المقارنة إيّاها، وحينئذ إن أراد بعدم المساواة التجرّد واللاّتجرد كان صادقاً، وإن أراد به أنّ مفهوم السماء نفسه ليس بمشترك بين المجرّدة والمقارنة كان كاذباً. فإن زاد وقال: المعقول

1 . نفس المصدر: 322.
2 . في المصدر: «المشعور».

صفحه 22
من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في تمام الماهية، كان معناه أنّ المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في تمام المعقولية إذ ليس بمساو للسماء لها حال كونها معقولة. وهذا هذيان لما نسمعه، فإنّ المعقول من السماء هو نفس ماهية السماء، فضلاً عن المساواة.
وأمّا كون السواد غير مساو للبياض في تمام المعقولية، فظاهر. وظاهر أنّ المناسبة بين الموضعين غير صحيحة، فإنّ الفرق بين السماء المعقولة والمحسوسة بكون أحدهما عرضاً في محلّ مجرّد غير محسوس والآخر جوهراً محسوساً لا في محلّ، فرق بين الطبيعة النوعية المحصّلة المأخوذة تارة مع عواض وتارة مع مقابلاتها. والفرق بين السواد و البياض فرق بين الطبيعة الجنسية غير المحصلة المأخوذة تارة مع فصل يقومها نوعاً وتارة مع فصل آخر يقومها نوعاً مضاداً للأوّل. على أنّ السماء المعقولة إذا أخذت من حيث هي عرض قائم بنفس مّا، لم تكن ماهيته السماء، إنّما تكون ماهيته لها من حيث تكون صورة حصلت في العقل مطابقة لها.
وفيه نظر، لأنّا لم نقصد بالماهية المعنى المعقول باعتبار كونه ثابتاً في الذهن، بل نريد به نفس الحقيقة والذات التي للشيء في نفس الأمر.
وليس المقصود من قولنا: المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في الخارج، عدم المساواة في التجرّد و عدمه، ولا أنّها ليست مساوية لها في المفهوم الذهني، بل إنّه ليس بمساو لها في حقيقتها، وكيف يجوز جعل السماء الثابتة في التعقل التي حكم عليها بالعرضية والحلول في محلّ مجرّد غير محسوس والسماء الثابتة في الخارج التي حكم عليها بالجوهرية والإحساس والاستغناء عن المحلّ، مندرجتين تحت طبيعة نوعية محصلة مأخوذة تارة مع عوارض وتارة مع مقابلاتها، فإنّ إحدى الصورتين جوهر والأُخرى عرض، وإحداهما حالّة في محلّ مجرّد غير محسوس والأُخرى غير حالة في محلّ وهي محسوسة.

صفحه 23

المسألة الرابعة: في أنّ التعقل هل يتوقّف على الانطباع أم لا؟1

اختلف الناس في ذلك، فأكثر الأوائل عليه; لأنّا2 نتصور أُموراً لا وجود لها بالفعل سواء كانت ممكنة مثل كثير من الأشكال الهندسية، أو ممتنعة كشريك الباري، و نحكم على ما لا تحقّق له في الأعيان كالممتنعات بأحكام إيجابية، كالامتناع. فذلك المحكوم عليه يجب أن يكون ممتازاً عن غيره، وإلاّ لم يكن هو بذلك الحكم أولى من غيره، وكلّ ممتاز فهو ثابت، فإنّ العدم المحض والنفي الصرف لا يتحقق فيه امتياز ولا تعدد ولا تخصص، و لو جاز في العدم الصرف أن يكون بعضه متميزاً عن البعض بالمقدار و اللون والشكل لجاز في هذه الأُمور التي يتميز بعضها عن البعض بالبصر أن تكون معدومة، وهو سفسطة، بل هذه الامتيازات والمخصصات كلّها في لواحق الموجود الثابت.
وإذ ليس ذلك الثبوت والوجود في الخارج; لأنّا فرضناه ممتنعاً فيه معدوماً، و لأنّ ذلك الامتناع واجب الثبوت للممتنع لاستحالة أن ينقلب الممتنع غير ممتنع، فلو كان ذلك الامتناع ثابتاً في الخارج لكان وجود الممتنع واجباً في الخارج، لوجوب وجود الشرط عند وجود المشروط، فيكون ممتنع الثبوت في الخارج واجب الثبوت في الخارج، هذا خلف، فهو موجود في الذهن حتّى يتأتى للذهن أن يحكم عليه بامتناع أن يعرض له الوجود الخارجي.
لا يقال: لو كان كون الشيء ممتنع الوجود في الخارج لأجل حكم الذهن على الصورة الذهنية بامتناع حصولها في الخارج، لكانت الممكنات بأسرها ممتنعة;

1 . قارن المباحث المشرقية1: 439ـ 441; المسألة الثالثة عشرة من مباحث الكيف من شرح العلاّمة على تجريد الاعتقاد. والانطباع والارتسام والقبول من اصطلاحات المشاء.
2 . بهذا الدليل استدل القوم على اثبات الوجود الذهني أيضاً.

صفحه 24
لأنّ الصورة الحاصلة منها في الأذهان ممتنعة الحصول في الخارج.
لأنّا نقول: الصورة الذهنية لها ماهية ولها وجود، ولا شكّ أنّ للماهية اعتباراً، ولوجودها اعتباراً آخر مغايراً لاعتبارها. واعتبار الماهية من حيث هي هي وإن كان جزءاً من اعتبارها من حيث إنّها موجودة، لكنّهما متغايران تغاير الجزء والكلّ. وتلك الماهية إذا أُخذت من حيث هي ذهنية فهي ممتنعة الحصول في الخارج، سواء كانت تلك الصورة الذهنية مأخوذة عن الممتنع أو عن الممكن، لكن إذا نظر إلى تلك الماهية من حيث هي هي مع قطع النظر عن اعتبار كونها ذهنية، فإن حكم العقل بامتناع عروض الوجود الخارجي لها كانت ممتنعة، وإلاّ كانت ممكنة.
فالحاصل أنّ تلك الماهية لابدّ في حقيقتها من الوجود الذهني، لكن المحكوم عليه بالامكان والامتناع هو تلك الماهية فقط، لا من حيث اعتبار وجودها وعدمه، ولهذا1 كان كون الإنسان إنساناً غيرٌ وكونه بحيث لا يمتنع نفس مفهومه من الشركة غيرٌ; فإنّ أحد المفهومين ليس هو الآخر، ولا داخلاً فيه على ما عرفت، فكونه بحال لا يمنع الشركة عارض عرض لتلك الماهية، لكن يمتنع أن يعرض له ذلك العارض عند وجوده في الخارج; لأنّ كلّ موجود في الخارج مشخص و يمتنع أن يكون بنفسه وهو بعينه محمولاً على غيره على ما عرفت.
فإذن هذا العارض إنّما يعرض له عند كونه في العقل، فإذن للماهيات المعقولة وجود في العقل.
وأمّا إنّ الإرادات الجزئية لابدّ فيها من هذا الارتسام فسيأتي.

1 . هذا ممّا استدل به الرازي واختاره من البراهين الدالة على أنّ العلم بالشيء لا يحصل إلاّ بانطباع صورة المعلوم في العالِم، وسيرد اعتراض المصنف عليه.

صفحه 25
وفيه نظر، لأنّا نمنع استدعاء الامتياز الثبوت. وفرق بين المعدوم والعدم، فإنّ المعدوم شيء اتّصف بالعدم.لا أقول إنّه شيء ثابت في الخارج بل إنّه مفهوم اتّصف في الذهن بالعدم لا على أنّه ثابت في الذهن أيضاً.
وأيضاً المحكوم عليه بالامتناع ليس هو الصورة الذهنية، بل ما هذه الصورة صورته. وتلك الماهية لا ثبوت لها ذهناً ولا عيناً، لأنّا لا نقول: إنّ تلك الصورة الذهنية يمتنع وجودها في الخارج، وإلاّ لم يبق فرق بين الممكن والممتنع كما تقدّم، بل الماهية التي هذه الصورة صورة لها هي التي يحكم عليها بالامتناع.
لا يقال: المتصورات لا تتميّز بعضها عن البعض قبل وجودها، بل نحن قبل وجودها نعلم أنّها بعد وجودها يكون بعضها متميّزاً عن البعض، فالحاصل أنّ التميّز بصفات مترقبة الحصول.
لأنّا نقول: هذا باطل لأنّه إذا لم يكن هناك ما يشير العقل إليه و يحكم عليه بالامتياز استحال الحكم بأنّ بعضها متميز عن البعض بعد الوجود، والمعتمد نفي هذه الصورة لوجوه:
الأوّل: الأدلّة الدالّة على امتناع كون العلم صورة تدل على نفي الصورة أيضاً. ولأنّ1 حصول الاستدارة والحرارة في القوّة المدركة يقتضي صيرورتها مستديرة حارة.
اعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ الاستدارة إن كانت جزئية كانت ذات وضع، فلا محالة يكون محلّها ذا وضع فيصير الجزء الذي هو محلّها مستديراً بها من حيث هو محلّها، ولا يلزم من ذلك أن يصير المدرك الذي يكون ذلك المحلّ آلة له مستديراً. وإن كانت كلية لم تكن ذات وضع، ولا تقتضي أن يصير محلّها

1 . برهان آخر على عدم كون العلم حصول ماهية المعلوم عند العالم.

صفحه 26
مستديراً.1
وأمّا الحرارة، فإنّها لا تقتضي كون محلّها حاراً، إلاّ إذا كان الحالّ هي بعينها، والمحل جسماً خالياً عن ضدّها من شأنه أن ينفعل عنها. ولا يلزم من ذلك أنّ صورتها المغايرة لها إذا حلّت جسماً أو قوة جسمانية أن تجعلها حارة، فضلاً عن أن تجعل المدرك الذي يكون ذلك المحلّ آلة له حاراً.2
وقيل: الإستدارة ليست بنفسها حاصلة.3
وفيه نظر، فإن تدرك اشكالاً كثيرة لا تحضر كثرة متضادة دفعة أو قريباً من دفعة، ويمتنع حصولها في آلة واحدة لتضادها، وفي آلات متكثرة بتكثر تلك الصور; للعلم القطعي بقصور الآلة عن الإحاطة بهذه الأشكال المتكثرة. ثمّ إن فرضنا إمكان ذلك، فكيف تطبع الآلة إلى التشكلات المتكثّرة بسهولة جداً مع تضاد المتشكلات واحتياجها إلى زمان يتهيأ المحل للانفعال على هيئتها؟
و الاستدارة الكلية إذا عقلت فإنّما تعقل بحصولها نفسها في ذات العاقل عندهم، أو لحصول صورة مساوية لها، وعلى كلا التقديرين فإنّه يجب أن يكون المحلّ مستديراً; لأنّا لا نعني به إلاّ ما حلّ فيه الاستدارة أو صورتها. ولا فرق بين الكلي والجزئي في ذلك، وإلاّ لم يكن العلم حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم، ولا مدخل للجزئية والكلية في اتّصاف المحلّ بالاستدارة وعدمه، بل إن حصلت الاستدارة أو صورتها في محلّ وجب أن يكون مستديراً، سواء كانت الاستدارة كلية أو جزئية، وإن لم تحصل لم يجب أن يكون مستديراً.

1 . حاصله: أنّ الاستدارة إن كانت جزئية فمحلّها الآلة ولا يلزم من استدارتها استدارة المدرِك. وإن كانت كلية فلا يلزم أن يكون محلّها مستديراً.
2 . شرح الإشارات2: 318.
3 . هذا ما أجاب به قطب الدين الرازي بعد اعتراضه على جواب الخواجه، فراجع المصدر نفسه.

صفحه 27
فقوله: «إذا كانت كلية لم تكن ذات وضع» مسلّم، لكن قوله: «ولا يقتضي أن يصير محلّها مستديراً» لا يجامع قولهم: التعقل حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم.
وقوله: «الحرارة لا تقتضي كون محلّها حاراً، إلاّ إذا كان الحال هي بعينها، والمحلّ جسماً خالياً عن ضدّها من شأنه أن ينفعل عنها»، ضعيف.
لأنّا لا نعني بالحار إلاّ ما حلّ فيه الحرارة، فإن كانت الحرارة نفسها حالّة ثبت أنّه حار. وإن كانت صورتها، فإن ساوتها من كلّ وجه فكذلك، وإن ساوتها من بعض الوجوه لم تكن حقيقة الحرارة معلومة إلاّ من ذلك الوجه، لا من كلّ وجه. وإن كان حصول المساواة من بعض الوجوه مقتضياً للعلم بالماهية من كلّ وجه لم يكن لذلك الوجه الذي حذفناه عن درجة الاعتبار تخصص عن باقي الوجوه حتى تعتبر هي خاصة.
وقيل: إنّما يلزم كون الذهن مستديراً لو حصلت الاستدارة نفسها فيه، أمّا إذا حصلت صورتها و مثالها1 فلا.
وهو باطل; لأنّ مَثل الاستداراة وصورتها إن كان عين الاستدارة لزم كون الذهن مستديراً; لأنّ معناه ما حصلت فيه الاستدارة، وإن لم يكن، لم يكن تعقل الاستدارة حصول الاستدارة في العاقل، وهو المطلوب.
الثاني: الصورة الذهنية إن لم تكن مطابقة للخارج كانت جهلاً، وإن كانت مطابقة فلابدّ من أمر في الخارج وحينئذ لِمَ لا يجوز أن يكون الإدراك حالة نسبية بين

1 . قال الشيخ: إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثّلة عند المدرِك يشاهدها ما به يدرك.وقال الخواجه في شرحه: يقال تمثّل كذا عند كذا، إذا حضر منتصباًعنده بنفسه أو بمثاله. شرح الإشارات 2: 308و310; راجع أيضاً شرح الإشارات 3: 150ـ 151 و345، حيث يقول: وكمال الجوهر العاقل أن يتمثّل فيه جليّة الحقّ الأوّل قدر ما يمكنه أن ينال منه ببهائه الذي يخصّه، ثمّ يتمثّل فيه الوجود كلّه على ما هو عليه مجرّداً عن الشوب.

صفحه 28
المدرك و بينه؟
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ من الصور ما هي مطابقة للخارج وهي العلم، ومنها ما هي غير مطابقة للخارج و هي الجهل.أمّا الإضافة فلا توجد فيها المطابقة وعدمها; لامتناع وجودها في الخارج، فلا يكون الإدراك بمعنى الإضافة علماً ولا جهلاً.1
وفيه نظر أمّا أوّلاً: فللمنع من انحصار سبب الجهل في عدم المطابقة لها في الخارج، فإنّا إذا جعلنا العلم إضافة أمكن وجود الجهل مع عدم تلك الإضافة، ومع وقوعها على غير الشرائط المباينة لها.
وأمّا ثانياً: «كون كلّ ما لا يكون مطابقاً للخارج جهلاً»، فيكون علمنا باستحالة المستحيلات وبالممتنعات في الخارج جهلاً إذ لا مطابق لها في الخارج، وهو باطل; لأنّ قولنا: «شريك الباري ممتنع» حقّ و صدق.
الثالث: الصور المتخيلة جاز أن تكون موجودة قائمة بأنفسها، كما قاله أفلاطون، أو بغيرها من الأجرام الغائبة عنّا، وهذا و إن كان مستبعداً لكنّه بالتزام أنّ صورة السماء في الذهن مساوية للسماء غير مستبعد.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ أفلاطون لم يذهب ولا غيره إلى أنّ المحالات المناقضة لأنفسها موجودة في الخارج، ولا أمكن أن يذهب إلى ذلك ذاهب.
وأمّا القول بكون الصورة المدركة في جسم غائب عن المدرك، ليس بمستبعد فقط، إنّما هو مع ذلك من المحالات الظاهرة، و ليس كذلك القول: بأنّ صورة السماء المنطبعة في آلة الإدراك مساوية للسماء، لاحتمال أن يكون الانطباع في مادة الجسم الذي هو آلة الإدراك، أو في القوّة المدركة الحالّة فيه اللذين لا حظ

1 . شرح الإشارات2: 316.

صفحه 29
لهما في الصغر و الكبر من حيث ذاتيهما، أو لاحتمال أن يكون المنطبع أصغر مقداراً من السماء. وذلك غير قادح في المساواة بحسب الصورة، فإنّ الكبير والصغير من الإنسان متساويان في الصورة الإنسانية، ولمّا لم يكن ذلك محالاً، فمجرّد الاستبعاد الذي ادعاه لا يقتضي بطلانه.
على أنّ هذا الاستبعاد ليس بوارد على القول بأنّ الإدراك إنّما يكون بصورة مطلقاً، بل غاية ما في الباب، أنّه يرد على القائلين: بأنّ الإبصار إنّما يكون بانطباع صورة في الرطوبة الجليدية، والتخيل يكون بانطباع صورة في الآلة الجسمانية الموضوعة للتخيل. ولا يرد على سائر الإدراكات الجسمانية1والعقلية، ولا في الموضعين المذكورين أيضاً على القائلين بالشعاع، أو على من يذهب مذهب الشيخ أبي البركات في القول، بأنّ الصورة المتخيلة تنطبع في النفس.2
وفيه نظر، فإنّ التعقل إذا كان إضافة بين العالم والمعلوم أو صفة حقيقية يلزمها الإضافة أو صورة مساوية للمعلوم في العالم، لابدّ من فرض ما يتعلّق به العلم وتحقّقه في نفسه لا في العلم المفتقر إلى تحقّق هذا الفرض، ولولا ذلك لم يبق فرق بين الأحكام الصحيحة والباطلة فيما لا وجود له في الخارج، كما نقول شريك الباري ممتنع، والجسم ممتنع. فإذن المعلوم أي شيء كان يجب أن يكون له تحقّق في نفس الأمر، حتّى يتعلّق به العلم على ما يقف عليه. وهنا بحث معرفة الفرق بين الثابت في نفس الأمر والثابت في الخارج و سنذكره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
واستبعاد كون الصورة المدركة ثابتة في جسم غائب، ليس في موضعه، فإنّ محققي الأوائل ذهبوا إلى ثبوتها في العقل الفعّال، فأيّ فارق بين الأمرين؟ إلاّ بكون

1 . كالسمع و الشم والذوق واللمس; لانّها لا تحـس إلاّ بأشياء صغيرة، فلا يلزم انطباع الكبير في الصغير.
2 . نفس المصدر.

صفحه 30
الجسم ذا وضع بخلاف العقل.
أمّا انطباع الصورة المساوية للسماء في مادة آلة الإدراك فإنّه أشدّ امتناعاً.
أمّا أوّلاً: فلأنّ تلك المادة في غاية الصغر، فكيف ينطبع فيه هذا المقدار الأعظم؟ فإن لم يشترطوا المساواة في المقدار أو أنّ الحالّ في المادة الصغيرة لا يكون له مقدار، لزم أن لا يدرك المقدار العظيم على عظمه، والصغير على صغره، حيث لا صورة مساوية لهما في المادة.
وأمّا ثانياً: فلأنّ تلك المادة لا يمكن أن تقوم بغير مقدار لها فكيف يحصل فيها مقدار آخر ؟ والمساواة بحسب الصورة غير كافية في العلم بالمقدار.
الرابع: إن لزم من قول الشيخ، اثبات الصورة الذهنية فإنّما لزم فيما لا يكون موجوداً. أمّا المحسوسات التي لا تُدرك إلاّ إذا كانت موجودة، فيحتمل أن يكون إدراكها إضافةً مّا للمدرك إليها.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ الإدراك معنى واحد1، إنّما يختلف بإضافته إلى الحس أو العقل، فإذا دلّت ماهيته في موضع على كونه أمراً غير مضاف عرضت له الإضافة، علم قطعاً إنّه ليس نفس الإضافة أينما كان.
وفيه نظر، لأنّا نمنع كون الإدراك معنىً واحد، فإنّ التعقل لا يفتقر حصوله إلى حضور مادة بخصوصيتها بخلاف الإدراكات الجزئية.
الخامس: لو كان التعقل لأجل انطباع المعقول و صورته في العاقل، لكنّا إذا عقلنا أنّ السواد يضاد البياض، يلزم أن تنطبع صورة السواد والبياض فينا، ويلزم أن يكون محلّ السواد والبياض واحداً، لأنّا حكمنا بالتضاد بينهما، و القاضي على الشيئين لابدّ و أن يحضره المقضي عليهما، لكنّهما منافيان لذاتيهما.

1 . أي أنّ إدراك الموجودات والمعدومات بمعنى واحد فكما نحتاج في إدراك المعدومات والممتنعات إلى ارتسام الصورة فكذلك في ادراك الموجودات.

صفحه 31
اعترض1 بأنّ من عَقَل مضادة السواد والبياض فقد ارتسمت في عقله ماهيتاهما، وماهية الضدين تقتضيان التضاد لا مطلقاً، بل بشرط الوجود الخارجي، فلا يلزم تحقق التنافي عند فوات هذا الشرط.
وفيه نظر، لأنّ الصورة إن ساوت الماهية الخارجية لزم التضاد فيها، كما في الماهية.وإن لم تكن مساوية لها لم تكن صورتها.
السادس: الماهية إذا انطبعت في العقل فهي من حيث إنّها صورة جزئية حاصلة في نفس جزئية موجودة في الخارج، فوجوده الذهني إمّا أن يكون هو ذلك أو وجود آخر.
والأوّل يستلزم أن لا يبقى الفرق بين الوجود الذهني والخارجي أصلاً، وكان يجب أن يتوفر على تلك الماهية حينما تكون في الذهن جميع ما يتوفر عليها عند ما تكون خارجية، فالحرارة المعقولة محرقة، والسواد المعقول محسوس قابض للبصر، وهو محال.
والثاني أيضاً محال; لأنّه يقتضي أن يكون للشيء الواحد وجودان فيكون موجوداً مرتين، وهو محال. فهب أن له وجوداً آخر لكن الوجود الخارجي حاصل له، فكان يجب أن يتوفر عليه جميع ما يفرض له في الخارج.
اعترض2بأنّ للحرارة ماهية و لوازم، ولا يجب أن يكون ما يلزمها بحسب قابل يلزمها بحسب كلّ قابل، فإنّه من الجائز أن تختلف لوازم الشيء بحسب اختلاف القوابل حتى يكون للحرارة متى حلّت المادة الجسمانية تعرض لها عوارض مخصوصة، ومتى حلَّت 3 النفسَ المجردة عن الوضع والمقدار لا يعرض لها شيء من تلك العوارض. وتكون الماهية في الحالتين واحدة لأنّها ليست هي هي

1 . والمعترض هو الرازي في المباحث المشرقية1: 441.
2 . والمعترض هو الرازي في المصدر نفسه.
3 . ج: «خلت».

صفحه 32
بأنّها مسخنة، وإلاّ لكانت النار حينما لا تكون مسخنة لغيرها لا تكون ناراً، بل لأنّها شيء يلزمها السخونة عند حلول المادة الجسمانية. وهذا الحكم صادق عليها عند كونها ذهنية.
والحاصل أنّ النار عبارة عن الشيء الذي إذا وجد في الخارج كان محرقاً، وإذا كان كذلك فحقيقته النار و إن حصلت في الذهن، إلاّ أنّها لا تكون محرقة; لأنّ شرط كونها محرقة كونها موجودة في الخارج، وإذا كانت في الذهن صدق عليها أنّها لو كانت في الخارج لكانت محرقة.
ولو وجّه السائل الإشكال في نفس السخونة لم يندفع بهذا الجواب.
وفيه نظر سبق تقريره، وهو أنّ الماهية الذهنية إن ساوت الخارجية في جميع ما به صارت ماهية، لزم المحال من التساوي في جميع لوازم الماهية، وإلاّ لم تكن لوازم للماهية، بل بتوسط الوجود. وإن لم تكن مساوية بطل قولهم بالصورة و بالوجود الذهني، لأنّ الموجود حينئذ لا يكون هو نفس الماهية، ولا ما يساويها، فلا يكون تعقل الاستدارة هو حصول الاستدارة ولا صورتها المساوية في العاقل، وهو المطلوب.
وإذا عقلنا أنّ النار هي التي إذا وجدت في الخارج لزمها الإحراق، فقد عقلنا الإحراق; لأنّ علمنا بأنّ شيئاً يلزمه آخر بشرط مخصوص يتوقّف على العلم بحقيقة اللازم والملزوم، وإذا كنّا قد عقلنا الإحراق والتعقل حصول المعقول فقد حصل في ذهننا الاحراق، فيكون الذهن محترقاً إذ معنى المحترق: ما فيه الإحراق.
إلاّ أن يقال: نحن لا نعقل حقيقة الإحراق، بل نعقل منه أنّه الأمر الذي يلزمه اللازم الفلاني عند وجوده في الخارج، لكن كلامنا في اللازم الفلاني كالكلام في الأوّل. ولأنّ الموجود الذهني إن خالف الخارجي في مفهوم كونه موجوداً، كان

صفحه 33
لفظ الوجود واقعاً بالاشتراك اللفظي، وهو باطل عندهم، وإن ساواه بطل عذرهم; لأنّ الذهن ممكن الاتصاف بالوجود، فلا منافاة بين ذات العقل وبين ماهية المعقول و بين وجوده.
فإذن يجب أن يوجد فيه هذه المعقولات، وهو محال، وإلاّ لوجد فيه اللون والشكل و المقدار، فتتصف بالألوان المختلفة والأقدار والأشكال المختلفة دفعة، وهو محال. ولأنّه لا يبقى فرق بين الإنسان الموجود في الذهن و بين الإنسان في الخارج لتساويهما في الماهية والوجود، وهو مكابرة. وإن لم يكن الذهن ممكن الاتصاف بماهيات هذه العلوم، لم يكن التعقل حصول ماهية المعقول في العاقل، وهو المطلوب.
السابع: العلم بمضادة السواد والبياض يجب أن يكون متعلّقاً بهما، وإلاّ لكان متعلّقاً بالمضادة المطلقة، لا بمضادة السواد للبياض، وإذا كان العلم المتعلق بمضادة السواد للبياض متعلّقاً بهما فيكون العلم الواحد متعلقاً بمعلومين، وهو محال; لأنّ شرط العلم المطابقة، والشيء الواحد لا يطابق المختلفين.1
اعترض: بأنّ ذلك يلزم لو جعلنا العلم نفس الانطباع، أمّا إذا جعلناه اضافة مخصوصة مشروطة بالانطباع فالمحال غير لازم، وهو تسليم لكون العلم اضافة.2

المسألة الخامسة: في أنّ العلم هل هو إضافة محضة أو صفة تلزمها الإضافة؟

اعلم أنّ الصفات تنقسم إلى حقيقية كالسواد والبياض، وإلى إضافيّة محضة

1 . المباحث المشرقية1: 441.
2 . نفس المصدر.

صفحه 34
كالتيامن والتياسر، وإلى ما تكون حقيقة تلزمها الإضافة. وتنقسم إلى ما لا يتغير بتغير المضاف إليه كالقدرة، وإلى ما يتغير كالعلم.
إذا عرفت هذا فنقول: العلم لا يعقل إلاّمضافاً تارة إلى العالم، بأن يقال: العلم علم للعالم، والعالم عالم بالعلم، وتختلف هنا حرف الصلة بين المضاف والمضاف إليه. و تارة إلى المعلوم، فيقال: العلم علم بالمعلوم، والمعلوم معلوم بالعلم، فتتحد هنا حرف الصلة. فهل العلم نفس هذه الإضافة المحضة، أو هي صفة حقيقية تتبعها الإضافة؟
واختلف الناس في ذلك، فذهب بعضهم إلى الأوّل1، وآخرون إلى الثاني. وبالجملة فالعلم لا ينفك عن الإضافة، إمّا بأن يكون نوعاً منها، أو مشروطاً بها، والقولان متقاربان.
واستدل بعضهم على كونه إضافة، بأنّه لا يمكننا أن نعقل كون الشيء عالماً إلاّ إذا وضعنا في مقابلته معلوماً.2
وهذا لا يدلّ على مطلوبه، لجواز أن يكون أمراًتلزمه الإضافة.
ثمّ القائلون بكون العلم إضافة: منهم من سمّى هذه الإضافة بالتعلّق، وهو أبو الحسين البصري و من تبعه3، و أثبتوا معنى آخر يقتضي هذا التعلّق. ومنهم من قال: العلم عرض يوجب العالمية، والعالمية حالة لها تعلّق بالمعلوم، فأثبتوا أُموراً ثلاثة: العلم والعالمية والتعلّق، وهم القائلون بالأحوال4، وسيأتي

1 . هذا ما ذهب إليه الرازي في المباحث المشرقية1: 450 و تلخيص المحصل: 157، حيث قال فيه: «وقيل إنّه أمر إضافي وهو الحقّ».
2 . المستدل هو الرازي في المحصل (تلخيص المحصل: 157) .
3 . قال الايجي: «العلم لابدّ فيه من اضافة بين العالم والمعلوم وهو الذي نسميه التعلّق». شرح المواقف6: 2.
4 . منهم القاضي الباقلاني، كما في المصدر نفسه.

صفحه 35
البحث معهم إن شاء اللّه تعالى.
قال أفضل المحققين: «من جعل العلم إضافة، غَفَل عن استدعاء الإضافة ثبوت المتضايفين، فلزمه أن لا يكون ما ليس بموجود في الخارج مدركاً، وأن لا يكون إدراك مّا جهلاً البتة; لأنّ الجهل هو كون الصورة الذهنية للحقيقة الخارجية غير مطابقة إيّاها.1 والمعلوم إذا كان معدوماً، فليت شعري أين يكون إن لم يكن في الذهن؟» 2
وفيه نظر، فإنّه كما أنّ الإضافة تستدعي ثبوت المتضايفين، كذا الصورة; لأنّ فيها تضايفاً، وهي أنّها صورة لذي الصورة وحكاية له ومساوية إياه، والمساواة تستدعي الاثنينية والتغاير، فإن كانت ماهية في الذهن لزم إضافة الشيء إلى نفسه. ولأنّ ما في الذهن تابع لما في الخارج أو نفس الأمر، فلا يجوز أن يجعل التعقل مضافاً إلى التابع. ولزمه ما ألزم في المضافين.
ونمنع تفسير الجهل بما ذكر، بل معنى الجهل عدم المطابقة بين العلم والمعلوم، فإذا أخذت الإضافة إلى شيء على وجه لا يكون مطابقاً، كانت جهلاً. ولا يجب في المعلوم المعدوم أن يثبت له اثنينية حتى يسأل عن خصوصياتها.
وإذا تقرر هذا، فالعلم والإدراك والشعور صور حقيقية تلزمها حالة إضافية3لا توجد إلاّ عند وجود المضافين.
وقيل: إنّها حالة إضافية لا توجد إلاّ عند وجود المضافين4. فإن كان المعقول هو ذات العاقل استحال من ذلك العاقل أن يعقل ذلك المعقول إلاّ عند وجوده، فلا جرم لا حاجة إلى ارتسام صورة أُخرى منه فيه، بل تحصل لذاته من

1 . شرح الإشارات 2: 314.
2 . تلخيص المحصل: 157.
3 . نسب هذا القول إلى الأشاعرة أيضاً فراجع: شرح المواقف6: 2.
4 . عبارة: «وقيل... المضافين» موجودة في نسخة ج فقط. والقائل بهذا الرأي هو الرازي في المباحث المشرقية1: 450.

صفحه 36
حيث هو عاقل إضافة إلى ذاته من حيث هو معقول، وتلك الإضافة هي التعقل.
وإن كان المعقول غير العاقل، أمكن لذلك العاقل من حيث هو هو أن يعقل ذلك المعقول من حيث هو، حال كون ذلك المعقول معدوماً في الخارج، فلا جرم لابدّ من ارتسام صورة أُخرى من ذلك المعقول في العاقل لتحقّق النسبة المسمّى بالعاقلية بينهما. وعلى هذه القاعدة استمرت الأُصول المثبتة بالدلالة، فإنّ الحجّة لما قامت على أنّه لابدّ من الصور المنطبعة، لاجرم أثبتناها. وقامت الدلالة أيضاً على أنّ العلم ليس هو نفس ذلك الإنطباع،لا جرم أثبتنا إضافة زائدة على تلك الصورة الحاضرة. ولما حَصَرنا الأقسام و بطل ما سوى هذا القسم تعيّن الحقّ فيه.
واعلم أنّ لنا في تعقّل الواحد نفسه كلاماً سيأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
وقوله: «لابدّ من ارتسام صورة أُخرى من ذلك المعقول في العاقل» ممنوع، لما تقدّم من بطلان القول بالصورة. نعم الحقّ ما قدّمناه من كون العلم صفة حقيقية تلزمها الإضافة.

المسألة السادسة: في أنّ التعقّل لا يشرط فيه الاتحاد1

ههنا مذهبان غريبان عجيبان لقدماء الحكماء في التعقل حدثا بعد المعلم الأوّل.
أحدهما قد كان مشهوراً عند المشائين، وهو: أنّ الجوهر العاقل إذا عقل صورة عقلية صار هو هو، فاتحد العاقل بالصورة المعقولة عند تعقله إيّاها.

1 . راجع: المباحث المشرقية1: 446ـ 449.

صفحه 37
وشنع الشيخ عليهم في كتاب الإشارات وغيره1، لكن أفتى به في كتاب المبدأ والمعاد.2
والثاني: أنّ النفس الناطقة إذا عقلت شيئاً، فإنّما تعقل ذلك الشيء باتصالها بالعقل الفعال، و تتحد به و تصير مع نفس العقل الفعال.
والذي يدل على بطلان المذهبين معاً بالشركة: انّ الاتحاد محال في نفسه مطلقاً; لأنّ المتحدين قبل الاتحاد قد كانا اثنين متعددين متمايزين، فبعد الاتحاد إن بقيا كما كانا، فلا اتحاد لأنّهما لم يكونا متحدين بل متعددين متمايزين، والتقدير أنّهما بعد الاتحاد كذلك وأنّهما كما كانا قبل الاتحاد. وإن عدما و حدث ثالث، فلا اتحاد أيضاً، بل كان إعداماً لشيئين وإيجاد الثالث، وهذا غير منكر; ولأنّ الضرورة قاضية ببطلان اتحاد المعدومين. وإن عدم أحدهما وبقي الآخر، فلا اتحاد لقضاء الضرورة بامتناع اتحاد الموجود مع المعدوم.3
ويدل على إبطال الأوّل بخصوصيته: أنّ النفس إذا عقلت شيئاً ما و ليكن (الف) واتحدت به وصارت حقيقة النفس حقيقة (الف)، فإذا عقلت شيئاً آخر و ليكن (ب)، فإمّا أن تتحد به أو لا.
والثاني هو المطلوب، وهو: أنّ التعقل لا يستلزم الاتحاد. ولأنّه لا أولوية في اتحادها مع المعقول الأوّل دون اتحادها مع الثاني.

1 . قال الشيخ الرئيس: «وما يقال من أنّ ذات النفس تصير هي المعقولات فهو من جملة ما يستحيل عندي، فانّي لست أفهم قولهم...» الفصل السادس من المقالة الخامسة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء.
2 . وقال في نفس المصدر أيضاً: «نعم هذا في شيء آخر يمكن أن يكون على ما سنلمحه في موضعه». وهذا الموضع في كتابه «المبدأ والمعاد» كما صرّح به العلاّمة المصنّف و ستأتي عباراته إن شاء اللّه تعالى.
3 . راجع: نفس المصدر.

صفحه 38
والأوّل يستلزم اتحاد النفس مع جميع المعقولات لكنّها غير متناهية فيكون مالا يتناهى من الماهيات شيئاً واحداً، وهو محال; لاستحالة أن يكون الشيء الواحد حقيقتان مختلفتان، فكيف تكون له حقائق مختلفة غير متناهية؟ ولأنّه مع القول باتحاد العاقل بالمعقول يستلزم القول باتحاد جميع المعقولات، وهو معلوم البطلان بالضرورة.
وأيضاً إذا عقل العاقل (الف) فإمّا أن تبطل النفس عند تعقل (الف) أو لا تبطل. فإن بطلت النفس فلابدّ من حدوث غيرها، وإلاّلم يكن هناك شيء متعقل، و إذا بطلت حال التعقل لم يكن في تلك الحالة متحدة بالمعقول بل ولا عاقلة له، ولا تكون المتجددة عاقلة أيضاً لعود البحث إليها، مع أنّ الضرورة تقضي ببطلان هذا، فإنّ العالم شيء ثابت قبل العلم و معه و بعده.
وإن لم تبطل النفس مع أنّها قد تغيرت إذ هو التقدير كان التغير في حال من أحوال النفس لا في ذاتها، بل ذاتها باقية في الحالين، وذلك غير منكر إذ هو كسائر الاستحالات، ليس على ما يقولون.
ولأنّ النفس لو اتحدت بالمعقول فإمّا أن تتحد كلّها به، فلا تعقل غيره، وإلاّ لاتحدت المعقولات كما تقدّم، فكلما عقله واحد عقله كلّ واحد أو بعضها فيلزم انقسامها، وتعود المحالات المذكورة. ولأنّه إن كان للقدر الأوّل الذي وقع به الاتحاد تعيّن بحيث لا يزيد ولا ينقص، لزم وجوده قبل التعقل، لكن النفس يمكنها تعقلات غير متناهية فيشتمل على أجزاء بالفعل غير متناهية، ويكون ذات مقدار، وهو محال. وإن لم يكن لزم قبولها للقسمة والاتحاد فيكون كمّـاً. ولأنّه إذا عقلت صورة لم يكن تقدير البعض أولى مما هو أزيد منه أو أنقص، وكلّ ذلك محال.
ويدل على إبطال الثاني بخصوصيته أنّ العقل الفعال إمّا أن يكون شيئاً

صفحه 39
واحداً بعيداً عن التكثر، أو يكون ذا أجزاء و أبعاض. والأوّل يوجب أن تكون المتحدية لأجل تعقل واحد أن تعقل جميع المعقولات; لأنّ العقل الفعال عاقل لجميع المعقولات، والمتحد بالعاقل لجميع المعقولات عاقل لها، وإلاّ لم يصيرا واحداً، أو إن كان ذا أبعاض تتحد النفس عند تعقلها معقولاً واحداً ببعض تلك الأبعاض، وجب أن يكون للعقل الفعال بحسب كلّ تعقل ممكن الحصول لإنسان واحد جزء، لكن التعقلات التي يقوى عليها البشر غير متناهية.
ثمّ إنّ كلّ واحد من تلك التعقلات يمكن فيه حصول أعداد غير متناهية، فيكون كلّ واحد من تلك الأجزاء مركباً من أجزاء نوعية غير متناهية. فإذن العقل الفعال مركّب من أجزاء مختلفة الحقائق غير متناهية; لأنّ المعقولات المختلفة الماهية غير متناهية.
ثمّ كلّ واحد من تلك المعقولات يمكن حصولها للأنفس الغير المتناهية، فيكون تعقل زيد للسواد مثل تعقل عمرو. فإذن للعقل الفعال بحسبها أجزاء غير متناهية متحدة في النوع، فللعقل الفعال أجزاء غير متناهية، لا مرّة واحدة بل مراراً غير متناهية، ولا مختلفة بالنوع بل متحدة به، فتلك المتحدات بالنوع لا تتمايز بالماهية و لوازمها، بل بالعوارض، وذلك بسبب المادة. والعقل الفعال مجرّد فأجزاؤه مجرّدة، فهي غير متميزة بالعوارض، فلا تكون متكثرة، فهو بسيط وقد كان مركباً، هذا خلف.
وأيضاً النفسان إذ عقلتا معقولاً واحداً حتى اتحدتا بالعقل الفعال، فإمّا أن يكون الذي اتحدت به إحدى النفسين هو الذي اتحدت الأُخرى به فيلزم اتحاد النفسين، فكل ما عقله زيد عقله عمرو، فيلزم أن يكون كلّ عاقل عقل شيئاً وعقل آخـر إمّا ذلك الشيء أو غيره أن يتساويـا في تعقـل جميع الأشيـاء، وهو معلوم البطلان، أو يكون متغايراً، فيكون للعقل الفعال بحسب التعقلات غير المتناهية

صفحه 40
أجزاء غير متناهية مختلفة، فيكون له بحسب كلّ واحد من الأفراد غير المتناهية التي للنوع أجزاء غير متناهية، لا مرة واحدة بل مراراً غير متناهية، وهو محال لذاته. ولأنّ الامتياز بين الأُمور المتخالفة إمّا بالماهية أو اللوازم أو العوارض، والكلّ منتف هنا.
وهؤلاء قالوا: إنّ النفس إذا عقلت شيئاً فإنّما تعقل ذلك الشيء باتصالها بالعقل الفعال، واتصالها بالعقل الفعال هو أن تصير هي نفس العقل الفعال; لأنّها تصير العقل المستفاد، والعقل الفعال هو نفسه يتصل بالنفس، فيكون العقل المستفاد. وصدّقهم الرئيس في الاتصال بالعقل الفعال.
ونحن نقول: إنّه يمتنع تحقّق الاتصال بالمعنى الذي ذهبوا إليه من الاتحاد به و بالمعنى الذي يكون بين الأجسام، بل المراد به الاستعداد التام للنفس لقبول فيض المعارف منه.
قال الرئيس: كان لهم رجل يعرف بفرفوريوس1 عمل في العقل والمعقولات كتاباً يثني عليه المشاؤون، و هو سخف2 كلّه، وهم يعلمون من أنفسهم أنّهم لا يعلمونه ولا فرفوريوس نفسه، وقد ناقضه من أهل زمانه رجل وناقض هو ذلك المتناقض، بما هو أسقط من الأوّل.3
ومع هذا التشنيع العظيم من الرئيس على فِرفوريوس ذهب إلى قوله باتحاد النفس بالصورة المعقولة عند تعقلها إياها، فإنّه قال: بهذه العبارة (كلّ صورة

1 . « Porphurios» من مشاهير فلاسفة الاغارقة، تولد في «تيروس» في سوريا عام (232م) وتوفّي في الروم عام (304م) وكان مفسّراً لكلمات بلوتاينوس (افلوطين) ومؤلفاً لإيساغوجي) Eisagoge)وهو المدخل لمقولات أرسطوطاليس وقد كان على رأيه في جميع ما ذهب إليه. راجع الملل و النحل للشهرستاني2: 155ـ 158; نخستين فيلسوفان يونان للدكتور شرف الدين الخراساني: 174.
2 . وفي المصدر: «حشف» بمعنى أردأ التمر، و يقال أيضاً للضرع البالي.
3 . شرح الإشارات3: 295.

صفحه 41
مجرّدة عن المادة والعوارض إذا اتحدت بالعقل بالقوة صيّرته عقلاً بالفعل، لا بأنّ العقل بالقوة يكون منفصلاً عنها انفصالَ مادة الأجسام عن صورتها، فإنّه إن كان منفصلاً بالذات عنها و يعقلها كان ينال منها صورة أُخرى معقولة. والسؤال في تلك الصورة كالسؤال فيها، وذهب الأمر إلى غير النهاية) .
هذا ما ذكره على سبيل الإجمال وأمّا على سبيل التفصيل1فقال:
إنّ العقل بالفعل إمّا أن يكون حينئذ هذه الصورة أو العقل بالقوة التي حصلت لها هذه الصورة أو مجموعها.
ولا يجوز أن يكون العقل بالقوة هو العقل بالفعل لحصوله; لأنّه لا يخلو ذلك2 العقل بالقوة إمّا أن تعقِل تلك الصورة، أو لاتعقلها، فإن كان لا تعقل تلك الصورةَ، فلم تخرج بعدُ إلى الفعل، وإن كان تعقلها، فإمّا أن تعقّلها بأن تحدث لذاتِ العقلِ بالقوة منها صورةٌ أُخرى، أو تعقلها بأن تحصل هذه الصورة لذاتها فقط. فإن كان إنّما تعقِلها بأن تحدثَ له منها صورة أُخرى ذهب الأمر إلى غير النهاية، فإن3 كان تعقلها بأنّها موجودة له: فإمّا على الإطلاق، فيكون كلّ شيء حصلت له تلك الصورة عقلاً، لكن تلك4 الصورة حاصلة للمادة وحاصلة لتلك العوارض التي تقترن بها في المادة. فيجب أن تكون5 المادة والعوارض عقلاً بمقارنة تلك الصورة، فإنّ الصورة المعقولة موجودة في الأعيان الطبيعية، ولكن مخالطةً بغيرها لا مجردةً، والمخالِطُلا يعدمُ المخالطَ حقيقة ذاته.
وإمّا لا على الإطلاق، ولكن لأنّها موجودة لشيء من شأنه أن يعقل فيكون

1 . قال: «بل أُفصِّل هذا و أقول...».
2 . كذا في النسخ، وفي المصدر: «ذات».
3 . في المصدر: «و إن».
4 . في المصدر: «و تلك».
5 . ق: باضافة «تلك» بعد «تكون».

صفحه 42
حينئذ معنى «أن يعقل» إمّا نفسَ وجودها فيكون كأنّه يقول: لأنّها موجودة لشيءمن شأنه أن توجد له، وإمّا أن يكون معنى «أن يعقل»، ليس نفسَ وجودِ هذه الصورة له، وقد وُضِع هنا 1 «أن يعقل» نفسُ وجود هذه الصورة له، هذا خلف.
فإذن ليس «أن يعقل» بهذه2 الصورة نفسَ وجودِها للعقل بالقوة ولا وجودَ صورة مأخوذة عنها.
فإذن ليس العقل بالقوة هو العقل بالفعل البتة، إلاّ أن يوضع الحالُ بينهما حالَ المادةِوالصورة المذكورتين.
ولا يجوز أن يكون العقل بالفعل هنا، هي3 هذه الصورة نفسها فيكون العقل بالقوة لم يخرج إلى الفعل; لأنّه ليس هذه الصورة نفسها قابلٌ لها، وقد وُضع العاقل4 بالفعل هذه الصورة نفسها، فيكون العقلُ بالقوة ليس عقلاً بالفعل، بل موضوعاً للعقل بالفعل وقابلاً، فليس عقلاًبالقوة; لأنّ العقل بالقوة هو الذي من شأنه أن يكون عقلاً بالفعل فليس هاهنا شيء هو عقلٌ بالقوة.
أمّا الّذي يجري مجرى المادة فقد بيّناه. و5 الذي يجري مجرى الصورة، فإن كان عقلاً بالفعل فهو عقلٌ بالفعل دائماً، ولا يمكن أن يوجد وهو عقل بالقوة.
ولا يجوز أو يكون هذا العقلُ بالفعل مجموعهما; لأنّه لا يخلو: إمّا أن (يكون ذلك المجموع)6يعقل ذاته، أو غير ذاته. ولا يجوز أن يعقل غير ذاته; لأنّ ما هو

1 . أي فرض هنا.
2 . وفي المخطوطة: «هذه».
3 . «هي» ليست في المصدر.
4 . في المصدر: «لها العقل» بدل «العاقل».
5 . في المصدر: «وأمّا».
6 . ما بين الهلالين ليس في المصدر.

صفحه 43
غير ذاته، فإمّا جزء لذاته1 وهو2 الصورة والمادة المذكورتان، أو شيء خارجٌ عن ذاته فإن كان شيئاً خارجاً عن ذاته فهو يعقله بأن يقبل صورته المعقولة، فيحلُّ منه3 محلّ المادة، ولا تكون تلك الصورة هي الصورة التي نحن في بيان أمرها، بل صورة أُخرى بها يصير عقلاً بالفعل.
وأيضاً نحن إنّما نَضَع هاهنا الصورة التي بها يصير العقلُ بالفعل (عقلاً بالفعل هذه الصورة)4; ثمّ مع ذلك فإنّ الكلام في المجموع مع بقاء5 تلك الصورة القريبة6 ثابت.
ولا يجوز أن تكون أجزاء ذاتِه أيضاً; لأنّه إمّا أن يعقل الجزء الذي هو كالمادة، أو الجزء الذي هو كالصورة، أو كليهما; وكلّ واحد من هذه الأقسام، إمّا أن يعقله الجزء7 الذي هو كالمادة، أو الجزء الذي هو كالصورة، أو كلاهما.
وأنتَ إذا تبيّنت هذه الأقسام بان لك الخطأ في جميعها، فإنّه إن كان يعقل الجزءُالذي هو كالمادة بالجزء الذي كالمادة، فالجزء الذي كالمادة عاقلة لذاتها معقولة لذاتها، ولا منفعة للجزء الذي كالصورة في هذا الباب لما بيّنا.8
وإن كان يُعقَل الجزءُ الذي كالمادة بالجزء الذي كالصورة، فالجزء الذي كالصورة هو المبدأ الذي بالقوة، والجزء الذي كالمادة هو المبدأ الذي كالصورة

1 . في المصدر: «أجزاء ذاته».
2 . في المصدر: «هي».
3 . في المصدر: «منها».
4 . في المصدر:«بهذه الصورة» بدل ما بين الهلالين.
5 . «بقاء» ليست في المصدر.
6 . في المصدر: «الغريبة».
7 . في المصدر: «بالجزء».
8 . في المصدر: «هاهنا».

صفحه 44
والفعل1، وهذا عكس الواجب.
(وأيضاً يعود الكلام المذكور من أنّه تعقلها لحصولها لها على الإطلاق، أو لأنّها حصلت لشيء من شأنه أن يعقل. وقد أبطلناهما.
وإن كانت الصورة تعقل نفسها كانت عاقلة و معقولة بذاتها)2. وإن كان يعقل الجزء الذي كالمادة بالجزئين جميعاً، فصورة الجزء الذي كالمادة حالّةٌ في الجزء الذي كالمادة وفي الجزء الذي كالصورة فهي أكبر من ذاتها، هذا خلف.
واعتبر مثل هذا في جانب الجزء الذي كالصورة. ولذلك إن وضع أنّه يعقل كلّ جزء بكلّ جزء، فقد بطلت الأقسام الثلاثة، وصحّ أنّ الصورة العقلية ليست نسبتها إلى العقل بالقوة نسبة الصورة الطبيعية إلى الهيولى الطبيعية، بل هي إذا حَلَّت العقلَ بالقوة اتّحدت ذاتاهما (وصارتا)3 شيئاًواحداً، فلم يكن قابلٌ ومقبول متميّزي الذات. فيكون حينئذ العقلُ بالفعل4 بالحقيقة هي الصورةَ المجردةَ المعقولةَ. وهذه الصورةُ إذا كانت تجعل غيرَها عقلاً بالفعل بأن تكون له، فإذا كانت قائمةً بذاتها فهي أولى أن تكون عقلاً بالفعل، فإنّه لو كان الجزءُ من النار قائماً بذاته لكان أولى أن يُحرِق. والبياض لو كان قائماً بذاته فهو أولى أن يفرّق البصر.
وليس يجب للشيء المعقولِ أن يعقله غيرُه لا محالة، فإنّ العقل بالقوة يعقلُ لا محالة ذاتَه أنّه هو الذي من شأنه أن يعقل غيره5.

1 . في المصدر: «بالفعل».
2 . ما بين الهلالين ليس في المصدر.
3 . ما بين الهلالين ليس في المصدر.
4 . ساقطة في المخطوطة وأثبتناها من المصدر.
5 . في المصدر: «أن يعقله غيره». انتهى كلام الرئيس في المبدأ والمعاد: 7ـ 10.

صفحه 45
فقد ظهر من هذا أنّ كلّ ماهية جرِّدت عن المادة و عوارض المادة فهي معقولة بذاتها بالفعل، وهي عقلٌ بالفعل، ولا تحتاج في أن تكون معقولةً إلى شيء آخر يعقلها.1
والجواب: أنّا نختا ر الأوّل، وهو أنّ العقل بالفعل هو العقل بالقوة عند حلول الصورة المجرّدة فيه.
قوله: العقل بالقوة يعقل تلك الصورة لأجل حضورها فيه كيف ما كان2، أو لأجل حضورها في شيء من شأنه أن يعقل.
قلنا: نختار الثاني، وهو أن يعقل تلك الصورة لأنّها حلّت في شيء من شأنه أن يعقل.
قوله: يلزم أن يكون إنّما عقلها لأنّها حلت في شيء من شأنه أن يحل فيه شيء.
قلنا: إنّما يلزم ذلك لو جعلنا التعقل نفس حصول صورة المعقول ونحن لا نقول به، بل شيء آخر إمّا إضافة إليه أو غيرها. فإنّ المعقول إن كان هو ذات العاقل امتنع أن يكون التعقل بحصول صورة للمعقول في العاقل، وإلاّ لتضاعفت الصور، بل يكون بإضافة تحصل لذاته من حيث هو عاقل إلى ذاته من حيث هو معقول وتلك الإضافة التعقل، وإن كان غيره أمكن لذلك العاقل أن يعقل ذلك المعقول من حيث هو هو، حال كون المعقول معدوماً في الخارج. فلابدّ

1 . قال صدر المتألهين في مقام الدفاع عن الشيخ ـ: ولعلّ الشيخ تكلّم هاهنا على طريق التكلّف والمداراة مع طائفة من المشائيين من غير أن ينساق بطبعه إلى تحقيق هذا المرام وإلاّ لوجب عليه أن يدفع بعض النقوض الواردة عليه لكونه مدافعاً لكثير من الأحكام الّتي ذهب إليها هو و أشباهه من الحكماء. الأسفار3: 440ـ 441.
2 . أي على الإطلاق أو لا على الإطلاق.

صفحه 46
في ارتسام صورة أُخرى من ذلك المعقول في العاقل لتتحقق النسبة المسماة بالعاقلية بينهما.
أو نقول بتحقق الإضافة بالنسبة إلى ذات المعقول من حيث هي هي، لا من حيث إنّها ثابتة في الذهن أو في الخارج أو لا ثابتة، فهما على ما اخترناه نحن.1

المسألة السابعة: في الفرق بين حلول الصورة العقلية في النفس وبين حلول الصورة في المادة و سائر الصور في الجسم

إعلم2 أنّ القائلين بإثبات الصورة المعقولة في النفس فرّقوا بين حلول هذه الصورة العقلية في النفس و بين حلول سائر الصور في الجسم من وجوه:
أوّلاً: الصور المادية متمانعة لا يمكن اجتماع الكثير منها في مادة واحدة; فإنّ المشكَّل بشكل التربيـع مثلاً في الخـارج، لا يمكنه التشكّل بشكل التثليث مع حصول الأوّل، بل تعدم الأوّل حتى يمكن تحقق الثاني في تلك المادة، وليس كذلك الصور العقلية، فإنّها تجتمع في النفس، بل تتعاون في حصول بعضها مع

1 . والجدير بالذكر أن نقول: ليس المراد من الاتحاد بين العاقل والمعقول، الاتحاد الشخصي و الاتحاد في المفهوم و الماهية، لأنّ من البديهي أنّ ماهية العاقل لا تنقلب إلى ماهية المعقول ولا بالعكس، كما لا يعقل الاتحاد بين مفهومين متباينين، بل المراد إيجاد علاقة بين العاقل و المعقول بحيث تشمل اتحاد الرابط بالمستقل والرابطي بالموضوع، والأوّل حاصل في علم العلّة والمعلول ببعضها علماً حضورياً ويرجع هذا إلى التشكيك في حقيقة الوجود.
والثاني حاصل في العلوم الحصولية بناءً على القول بأنّ العلم كيف نفساني و انّ العرض يتحدّ بالجوهر حيث إنّ المعلوم بالذات هو الصورة العلمية لا الأشياء الخارجية فتتحد الصورة بموضوعها وهي النفس، فيصحّ القول باتحاد العاقل والمعقول بهذا المعنى فتأمّل.
2 . قارن: المباحث المشرقية1: 453ـ 454.

صفحه 47
بعض في النفس و تتعاضد، فإنّ النفس الخالية عن جميع العلوم يكون تصورها لشيء من الحقائق شاقاً شديداً، وكلما ازداد ارتسام الأشياء فيها و تكثرت علومها ازداد استعدادها للباقي.
ثانيـاً: الصور الخارجية إذا حلّت في مادة و كانت عظيمة لم تكن المادة صغيرة، فإنّ العظيم من الصور المادية لا تحل في مادة صغيرة، و الصور الذهنية بالعكس، فإنّ قبول النفس للعظيم منها مساو لقبول الصغير، ولهذا تمكنت النفس من تخيل السماوات والأرض والجبال و البحار حيث لم تكن للنفس مادة ولا للصورة مقدار في ذاتها بل لغيرها، فنسبة القوة العقلية إلى جميع التقادير واحدة.
ثالثــاً: الكيفية الضعيفة إذا طرأ عليها الكيفية القوية في المادة عدمت الضعيفة ولم يبق لها أثر البتة، بخلاف الصور العقلية النفسانية، فإنّ القوي لا يزيل الضعيف بل يجامعه.
رابعــاً: الكيفيات المادية محسوسة; فإنّ الحرارة الخارجية في النار محرقة لما يلاقيها، والبرودة في الثلج مبردة، بخلاف الصور العقلية فليس مَن تَصوَر الحرارة بصورة مساوية للحرارة يحترق ذهنه، ولا في تصور البرودة يبرد ذهنه. فالعقل لا يحكم على الصور الذهنية أنّها حينما يكون في الذهن محرقة أو مبردة، بل أنّها أُمور متى وجدت في الأعيان كانت محرقة أو مبردة.
خامساً: الصور العقلية بعد حصولها لا يجب زوالها بل تبقى ببقاء النفس دائماً، ولو زالت لم يحتج في استرجاعها إلى تجشّم كسب جديد، بخلاف الصور المادية فإنّها واجبة الزول لاستحالة بقاء القوى الجسمانية أبداً، وإذا زالت افتقر استرجاعها إلى تجدّد السبب الأوّل.

صفحه 48

المسألة الثامنة: في كون الصورة العقلية كلّية1

إنّ هنا طبائع وحقائق كلّية لا نشكّ فيها، وبأنّ 2 الطبيعة المائية متحققة في ماء البحر و النهر و غيرهما، والطبيعة الإنسانية ثابتة في الأشخاص الإنسانية كزيد وعمرو مثلاًـ، ولا نشير بذلك إلى أنّ ماء البحر والنهر قد اشتركا في إطلاق اسم الماء عليهما حتى يكون الاشتراك لفظياً لا غير، ولا أنّ زيداً وعمراً اشتركا في صدق لفظ الإنسان عليهما من غير أن يكون بينهما شركة معنوية، فإنّا لو فرضنا الواضع لم يضع لفظي الماء والإنسان لوجدنا الشركة بينهما ثابتة عقلية.
فإذن قول3 الماء والإنسان وغيرهما من الطبائع على الأشخاص المندرجة تحتها إنّما هو على سبيل الاشتراك المعنوي، وذلك المشترك لا يمكن أن يدخل في مفهومه قدر معيّـن وهيئة معينة وشكل معيّـن مالم يدخل في مفهومه بعض أفراده. ولا بشخص معيـّن، و إلاّلم يكن مشتركاً بين الأشخاص ذوات الأعراض المختلفة.
وإذا تقرر هذا فنقول: إنّ القوة العقلية إذا استحضرت ذلك المشترك بحيث يكون مجرداً عن جميع اللواحق الغريبة و العوارض الخارجية، فتلك الصورة تكون كلّية، وهي و إن كانت في نفسها شيئاً واحداً إلاّ أنّه لا تختلف نسبتها إلى أيّ واحد واحد من الناس، بمعنى أنّ أيّ واحد من الناس حضرت صورته عند الخيال ثمّ انتزع العقل منها المعنى الذي جرد عن العوارض الغريبة والغواشي اللاحقة به والمشخصات المخصصة له حصل في العقل تلك الصورة بعينها. وإذا سبق واحد فتأثرت النفس منه بذلك الأثر، لم يكن لغيره تأثير جديد، إلاّ بحكم هذا الجواز.

1 . قارن: المباحث المشرقية1: 454ـ 455.
2 . كذا.
3 . أي حملها على الأشخاص المندرجة تحتها.

صفحه 49
ولو كان بدل أحد هذه المؤثرات شيء غير مجانس لها كفرس و ثور، كان الأثر غير هذا الأثر، فهذا معنى كون الصورة العقلية مشتركاً فيها.
واعترض1بأنّ الصورة العقلية من حيث حلولها في نفس جزئية حلول العرض في الموضوع تكون جزئية، ويكون تشخّصها وعرضيتها وحلولها في تلك النفس ومقارنتها بصفات تلك النفس، عوارض غريبة لا تنفك عنها. وهذا يناقض قولهم: العقل يقدر على انتزاع صورة مجرّدة عن العوارض الغريبة.
وأيضاً تلك الصورة التي في نفس زيد مثلاً لا يمكن أن تكون جزءاً في ماهية الأشخاص الموجودة في الخارج قبل زيد وبعده. فإذن تلك الصورة ليست بمجردّة ولا بمشترك.
وأُجيب: بأنّ الإنسانية المشتركة الموجودة في الأشخاص في نفسها مجرّدة عن اللواحق فالعلم المتعلّق بها، من حيث هو، علم كلّي مجرّد; لأنّ معلومه كذلك، لا أنّ العلم في ذاته كذلك، و لهذا السبب سماه المتقدّمون كلّياً، تعويلاً على فهم المتعلّمين. والمتأخرون إذ لم يقفوا على أغراضهم ظنّوا أنّ في العقل صورة مجرّدة كلية. وليس الأمر على ما ظنوه، بل على ما حققناه.2
قال أفضل المحققين: الإنسانية التي في زيد ليست بعينها التي في عمرو، فالإنسانية المتناولة لهما معاً، من حيث هي متناولة لهما، ليست هي التي في كلّ واحد منهما، ولا هي فيهما معاً; لأنّ الموجود منها في أحدهما حينئذ لا يكون نفسها، بل جزءاً منها، فهي إنّما تكون في العقل فقط، وهي الإنسانية الكلية فهي من حيث كونها صورة واحدة في عقل زيد مثلاً جزئية، و من حيث كونها متعلّقة

1 . الاعتراض على دليل تجرّد النفس وكلّيتها، والمعترض والمجيب هو الرازي في شرح الإشارات2: 325ـ 326.
2 . انتهى اعتراض الرازي وجوابه .

صفحه 50
بكلّ واحد من الناس كلّية.
ومعنى تعلّقها1 : أنّ الإنسانية المدركة بتلك الصورة التي هي طبيعة صالحة لأن تكون كثيرة ولأن لا تكون، لو كانت في أيّ مادة من مواد الأشخاص لحصل ذلك الشخص بعينه. أو أيّ واحد من تلك الأشخاص سبق2 إلى أن يدركه زيد حصل في عقله تلك الصورة بعينها، فهذا معنى اشتراكها.
وأمّا معنى تجريدها: فكون3 تلك الطبيعة التي انضاف إليها معنى الاشتراك منتزعة عن اللواحق المادية الخارجية وإن كانت باعتبار آخر مكفوفة باللواحق الذهنية المشخّصة، فإنّها بأحد الاعتبارين ممّا ينظر به في شيء آخر ويدرك به (في) شيء 4آخر، فالاعتبار5 الآخر ممّا ينظر فيه و يدرك نفسه.
فإذن الصورة التي ذكرها6هاهنا هي الطبيعة الإنسانية التي ليست في الحقيقة كلية ولا جزئية.7
وفيه نظر، فإنّه أثبت صورة كلية متناولة لإنسانية زيد وإنسانية عمرو متعلّقة بكلّواحد من الناس في الذهن خاصة.
وفسر تعلّقها بأنّ الإنسانية المدركة بتلك الصورة التي هي طبيعة صالحة للكثرة والتشخص لو كانت في أيّ مادة من مواد الأشخاص لحصل ذلك الشخص بعينه.

1 . في النسخ: «تعقلها» وهو من اقحام الناسخ، صحّحناها طبقاً للمصدر.
2 . كذا في المصدر و نسخة ج، وفي نسخة ق: «يتفق».
3 . كذا في النسخ، وفي المصدر: «فتكون».
4 . ليست في المصدر.
5 . كذا، وفي المصدر: «وبالاعتبار».
6 . أي الرازي.
7 . انتهى كلام الطوسي في شرح الإشارات2: 326ـ 327.

صفحه 51
فنقول: هذه الطبيعة إن كانت في الخارج كانت شخصية ولم تصلح للكلية، وإن كانت ذهنية تضاعفت الصورة. ثمّ لو كفى أحد هذين الاعتبارين في كلية الصورة الذهنية، فليكف في كلية الصورة الخارجية، بأن نقول: هذه الصورة الخارجية وإن كانت شخصية إلاّ أنّ الطبيعة التي اشتمل ذلك الشخص عليها لو كانت في أيّ مادة من مواد الأشخاص كانت تحصل ذلك الشخص بعينه، أو أي واحد من تلك الأشخاص سبق إلى أن يدركه زيد حصل في عقله تلك الصورة بعينها; لصدق هذين الاعتبارين في الشخص الخارجي كما صدقا في الشخصي الذهني. فإنّ الكلّية بالمعنى الأوّل حصلت باعتبار تقدير فرض الطبيعة موجودة في أيّ مادة فرضت بدل المادة التي وحدت تلك الطبيعة فيها. وبالمعنى الثاني حصلت باعتبار أنّ أيّ صورة عقلت أوّلاً ساوت الصورة المعقولة أوّلاً غيرها.
واعلم1 أنّ الصورة النفسانية هَئية جزئية في نفس جزئية، فهي أحد أشخاص التصورات، وكما أنّ الشيء الواحد باعتبارات مختلفة يكون عاماً و خاصاً، كذلك باعتبارات مختلفة يكون كلياً وجزئياً، فمن حيث إنّ هذه الصورة صورة معينة هي صورة الإنسانية مثلاً في نفس جزئية، هي نفس زيد العاقل لها فهي جزئية، ومن حيث إنّها مشتركة فيها متعلّقة بالأشخاص الخارجية على ما فسرنا التعلق به فهي كلّية من غير تناقض; لاختلاف الاعتبار، لأنّه ليس يمتنع أن تفرض للذات الواحدة شركة بالإضافة إلى كثيرين، فإنّ الشركة في الكثرة إنّما يمكن بالإضافة لا غير، ولو كانت الإضافة لكثرة إلى كثرة لم تكن هناك شركة، فإذن يجب أن تكون هناك إضافات كثيرة لذات واحدة بالعدد، وهذه الصورة و إن كانت بالقياس إلى الأشخاص المضافة إليها كلّية، لكنّها بالقياس إلى النفس الجزئية التي انطبعت فيها شخصية.

1 . قارن: المباحث المشرقية1: 454ـ 455.

صفحه 52
ولمّا تعددت النفوس البشرية العاقلة وتكثّرت، وأمكن أن تعقل كلّ واحد ما عقله صاحبه تكثرت الصورة الكلية بالعدد، وصار للإنسانية الحاصلة في الذهن المعقولة صور متعددة بالقياس إلى العدد المحال، فهذه الصور الكلية كثيرة بالعدد من الجهة التي هي بها شخصية. ثمّ يكون لها معقول آخر كلّي هو بالقياس إليها كهِيَ بالقياس إلى ما في الخارج. و تتميّز إحداهما عن الأُخرى، بأنّ كلية إحداهما بالنسبة إلى أُمور في النفس، وكلية الأُخرى بالنسبة إلى أُمور في الخارج، و كلية الصورة الثانية بالنسبة إلى نوع الصورة الأُولى التي كليتها بالنسبة إلى أفراد نوع المعلوم. والكلام في الصورة ]الثانية [كالكلام في الصورة الأُولى إلى غير نهاية، ثمّ هي شخصية بالنسبة إلى محلّها.
ولأنّ في قوة النفس أن تعقل وتعقِل أنّها عقلت وإن تركّبت إضافات إلى إضافات إلى غير النهاية، لكنّها تكون بالقوة لا بالفعل; لأنّه ليس يلزم النفس إذا عقلت شيئاً أن تعقل بالفعل معها الأُمور التي يلزمها من غير وسط، فضلاً عمّا يلزمها بوسط، كتراوح عدد بأعداد غير متناهية بالتضعيف1، فإنّه ليس يلزم النفس في حالة واحدة أن تعقل تلك الأُمور كلّها، وهذا في النفوس الناطقة سهل.
أمّا في العقول المجرّدة التي يثبتونها كاملة ليس فيها شيء بالقوة، بل يجب لها كلّ ما يمكن، فالأمر فيها مشكل; لأنّ هذه الدرجات غير متناهية في كلّ واحد واحد من المعلومات التي لا تتناهى، وهي مترتبة; لأنّ الصورة الثانية مسبوقة بالصورة الأُولى، لأنّها منتزعة منها وحكاية عنها، وكذا الثالثة منتزعة من الثانية، لا من الأُولى، فبينها ترتّب طبيعي، فتكون هناك علل و معلولات غير متناهية لا مرّة واحدة بل مراراً لا نهاية لها، ولكن لها بداية وأوّل وهي الصورة الخارجية الأصلية التي انتزعت الصورة الذهنية منها بغير واسطة. والبرهان قام

1 . في المباحث المشرقية: «مثل مزاوجة أعداد بأعداد لا نهاية لها بالتضعيف».

صفحه 53
على وجوب البداية للأُمور المترتبة، ولم يقم على وجوب النهاية لها.
وفيه نظر، فإنّ برهان التطبيق1 آت فيها.
واعلم أنّ هذا المحال إنّما نشأ من القول بإثبات الصور الذهنية، أمّا على ما اخترناه من أنّه إضافة أو صفة تلزمها الإضافة فلا.

المسألة التاسعة: في مراتب التعقل

قسّم الرئيس التعقل إلى مراتب ثلاث:2
الأُولى: أن يكون بالقوة، وذلك عندما لا يكون حاصلاً للذات العاقلة، ولكن النفس تقوى على تحصيلها واكتسابها. وهذه المرتبة تشتمل على مراتب مختلفة بحسب القرب إلى الحصول العقلي والبعد عنه.
الثانية: أن يكون حاصلاً بالفعل التام على سبيل التفصيل بحيث يحضر عند المدرِك جميع أجزاء ذلك المعلوم إن كان ذا أجزاء، وبالجملة يكون حاصلاً له من كلّ وجه بالفعل.
الثالثة: أن يكون حاصلاً بالفعل على سبيل الإجمال لا التفصيل، بل على الوجه البسيط، كمن علم مسألة على سبيل التفصيل ثمّ غفل عنها فإذا سئل عنها حصل الجواب في ذهنه دفعة واحدة لا على سبيل التفصيل; لأنّ التفصيل إنّما يحصل عند شروعه في بيان ذلك، و أمّا في أوّل الأمر فإنّه يحصل العلم بذلك الجواب دفعة.
ولا يمكن أن يقال: إن علمه بذلك الجواب في تلك الحالة، إنّما هو علم

1 . برهان التطبيق هو أحد براهين استحالة التسلسل وفيه نقاش فليراجع: الأسفار2: 145 ومايليها.
2 . الفصل الخامس من المقالة الأُولى من الفنّ السادس من طبيعيات الشفاء.

صفحه 54
بالقوة لا بالفعل، لأنّ الإنسان يجد من نفسه قوة بديهية بين الحالتين، فإنّه قبل سماعه لتلك المسألة كان عالماً بها بالقوة، وبعد سماعه لم يبق كما كان، بل حصل في ذهنه شعور وعلم لم يكن حاصلاً قبل ذلك.
لا يقال: مراتب القوة مختلفة بالقرب والبعد، فجاز أن يكون التفاوت هنا بسبب أنّ علمه قبل السؤال كان بالقوة البعيدة، وبعد سماعه لذلك السؤال صار بالقوة القريبة.
لأنّا نقول: من المعلوم أنّه بعد سماعه لذلك السؤال عالم على سبيل التفصيل أنّه قادر على الجواب عن ذلك السؤال، والعلم باقتداره على الجواب علم بإضافة أمر إلى أمر، والعلم بإضافة شيء إلى شيء متوقف على العلم بكلّ واحد من المضافين، فلولا علمه بحقيقة ذلك الجواب لاستحال أن يعلم اقتداره على ذلك الجواب. فثبت أنّه عالم بحقيقة ذلك الجواب، وأنّ ذلك العلم حاصل بالفعل لا على سبيل التفصيل، بل على الوجه البسيط.
واعترض أفضل المتأخرين: بأنّ العلم إمّا أن يكون بالقوة، وإمّا أن يكون بالفعل على التفصيل.1
فأمّا القسم الثالث: وهو البسيط، فلا تحقّق له; لأنّ العلم عندهم عبارة عن حضور صورة المعقول في العاقل، فهذا العقل البسيط إن كان صورة واحدة مطابقة في الحقيقة لأُمور كثيرة فهو باطل; لأنّ الصورة العقلية الواحدة لو طابقت أُموراً كثيرة لكانت مساوية في الماهية لتلك الأُمور الكثيرة المختلفة في الحقيقة، فتكون لتلك الصورة حقائق مختلفة، فلا تكون الصورة الواحدة واحدة.
فإن قيل: بأنّ لهذا التعقل البسيط صوراً مختلفة بحسب اختلاف

1 . المباحث المشرقية1: 456.

صفحه 55
المعقولات، فالعلم التفصيلي بتلك المعلومات حاصل، إذ لا معنى للعلم التفصيلي إلاّ ذلك، وهو أن تكون صور المعلومات تنحضر على الترتيب الزماني واحد بعد آخر.
فإن أرادوا به ذلك فهو صحيح لا منازعة فيه، ولكنّه لا يكون مرتبة متوسطة بين القوّة المحضة والفعل المحض الذي يكون على التفصيل، بل حاصله راجع إلى أنّ المعلوم قد يجتمع في زمان واحد وقد لا يجتمع، بل يتوالى و يتعاقب.
وعلى القول بأنّ العلم إضافة1، فبطلان ما قالوه ظاهر أيضاً، لأنّ الإضافة إلى أحد الشيئين غير الإضافة إلى غيره، فإذا تعددت الإضافات فقد حصلت تلك العلوم على سبيل التفصيل، لأنّ معنى حصولها مفصلاً هو ذلك.
وقوله2 : علمه بقدرته على الجواب يتضمن العلم بالجواب.
فجوابه أنّه في تلك الحالة عالم باقتداره على شيء يدفع ذلك السؤال، وذلك هو العلم بالجواب على سبيل الإجمال، فأمّا حقيقة ذلك الشيء فهو غير عالم به.
والأصل فيه: أنّ الجواب، له ماهية ولازم، فماهيته مجهولة. ولازمه و هو كونه واقعاً للسؤال معلوم على سبيل التفصيل، كما أنّا نعرّف النفس من حيث إنّها شيء محرّك للبدن مديرة له، و نجهل ماهيتها، فالمعلوم لنا لازم من لوازمها على سبيل التفصيل، والمجهول نفس الماهية إلى أن تعرف بطريق آخر. ويخرج من هذا بطلان كون العلم الواحد علماً بمعلومات كثيرة.
والتحقيق أن نقول: إذا لم يسبق علمنا بشيء ولا علمناه الآن فإنّا نكون قادرين على العلم به، لكنّا لا نعلم بالفعل، وهذه القدرة هي العلم بالقوة، فإذا علمناه فقد يكون ملحوظاً بالفعل معتبراً، و هذا هو العلم بالفعل، وقد لا يكون

1 . وهو رأي الرازي والإيجي كمامرّ.
2 . أي قول الشيخ الرئيس.

صفحه 56
ملحوظاً بالفعل ولا معتبراً، بل يكون مغفولاً عنه، وهو الذي أشار إليه الرئيس بالمرتبة الوسطى. فإن أنكرها أفضل المتأخرين فهو مكابر، وإن 1اعترف بإثباتها و لم يسمّها علماً بالفعل بل بالقوة رجع النزاع إلى اللفظ. وإن ادّعى الرئيس أنّها حاصلة بالفعل فهو مكابر.
واعلم2 أنّ النفس الناطقة عند الأوائل و بعض المتكلمين: جوهر مجرّد له قوى وكمالات خلقه اللّه تعالى خالياً عن جميع العلوم وقابلاً لها وله قوّة التعقل. وهذا التعقل إمّا أن يكون باعتبار تأثير هذا الجوهر في البدن الموضوع لتصرفاته مكملاً له تأثيراً على جهة الاختيار و الإرادة، وإمّا أن يكون باعتبار تأثرها عمّا فوقها مستكملة في جوهرها بحسب استعدادها، والأُولى تسمى عقلاً عملياً، والثانية تسمى عقلاً علمياً، والعقل يطلق على هذه القوى باشتراك الإسم أو تشابهه.
والعقل الاختياري الذي يختص بالإنسان لا يتأتى إلاّ بإدراك ما ينبغي أن يعمل في كلّ باب وهو إدراك رأي كلّي مستنبط من مقدمات كلّية أوّلية، أو تجريبية، أو ذائعة، أو ظنية يحكم بها العقل النظري، ويستعملها العقل العملي في تحصيل ذلك الرأي الكلي من غير أن يختص بجزئي دون غيره. والعقل العملي يستعين بالنظري في ذلك. ثمّ إنّه ينتقل من ذلك باستعمال مقدمات جزئية أو محسوسة إلى الرائي الجزئي الحاصل فيعمل بحسبه، ويحصل بعمله مقاصده في معاشه و معاده.

1 . أي معاند ومانع مقتضى عقله.
2 . قارن: شرح الإشارات2: 352; الفصل الخامس من الفن السادس من طبيعيات الشفاء; طبيعيات النجاة: 163ـ 166; التحصيل لبهمنيار مع تصحيح و تعليق للشهيد مرتضى المطهّري: 789.

صفحه 57
وأمّا القوة النظرية فلها مراتب متعددة بحسب تعدد مراتبها في الاستكمال، وتلك المراتب تنقسم إلى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالقوة، وإلى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالفعل. والقوة تختلف بحسب الشدة والضعف.فأوّل تلك المراتب كما يكون للطفل من قوّة الكتابة1، وأوسطها كما يكون للرجل الأُمي المستعد لتعلم الكتابة، و آخرها كما يكون للعالم بالكتابة القادر عليها الذي لا يكتب لكن له أن يكتب كما شاء.
فقوة النفس المناسبة للمرتبة الأُولى تسمى عقلاً هيولانياً، تشبيهاً لها حينئذ بالهيولى الأُولى الخالية في نفسها عن جميع الصور مع استعدادها لقبولها، وهي حاصلة لجميع أفراد نوع الإنساني في مبدأ فطرتهم.
وأمّا القوة المتوسطة المناسبة للمرتبة المتوسطة، فإنّها تسمى عقلاً بالملكة، وذلك إنّما يكون إذا حصلت للنفس البديهيات التي هي المعقولات الأُولى، واستعدت بواسطة ذلك لتحصيل المعقولات الثانية التي هي العلوم النظرية المكتسبة بالفكر أو الحدس.
وتختلف مراتب الأشخاص البشرية في تحصيلها كمّـاً و كيفاً، أمّا بحسب

1 . قال السبزواري في منظومته:
كقوّة الطفل ومَن تَرَعْرَعا *** لِصنعة و ماهر ما صَنَعا
فَما هو اسْتعداد الأوّلي *** سُمّي بالعقل الهيولانيّ
وعقلٌ استعداد كسب المدركة *** من أوّليّات له بالملكة
بالفعل ذو استعداد الاستحضار *** للنظريّات بلا انظار
والعقل حيث انعدم استعداد *** واستحضر العلوم مستفاد
شرح المنظومة، قسم الحكمة، ص 311ـ 312. راجع أيضاً مراتب العقل النظري، كليات أبي البقاء: 451ـ 452; المعتبر في الحكمة لأبي البركات البغدادي: 407 413.

صفحه 58
الكمّ فبكثرة المتعقلات النظرية و قلّتها، وأمّا بحسب الكيف فبسرعة الحصول وبطئه1، فإنّ من الناس من يحصّل العلوم الكسبية لشوق بالنسبة إليها يبعثها على حركة فكريّة شاقّة في طلب تلك المعقولات، وهو من أصحاب الفكرة. ومنهم من يظفر بها من غير حركة، إمّا مع شوق ما إليها أو لا مع شوق، وهو من أصحاب الحدس. و تتكثر مراتب الصنفين، وصاحب المرتبة الأخيرة ذو نفس قدسية.
والفرق بين الحدس والفكر ظاهر; فإنّ الفكر هو حركةٌ ما للنفس في المعاني مستعينة بالتخيل في أكثر الأمر، يطلب بها الحدّ الأوسط أو ما يجري مجراه ممّا يصار به إلى العلم بالمجهول حالة الفقد استعراضاً للمخزون في الباطن من الصور الجزئية والمعاني الجزئية المخزونتين في الخيال والذاكرة ـ و ما يجري مجراه من الصور العقلية، فربما تأدت إلى المطلوب و ربما انبتّت.2
وإنّما استعان الفكر بالتخيل في أكثر الأمر; لأنّه يقع في الأكثر في الجزئيات، وإذا وقع في الكليات استعان بالتفكّر، وهما متغايران بالاعتبار.
فالفكر3 حركة في المعاني للنفس بالقوة التي آلتها مقدّم البطن الأوسط من الدّماغ المسمى بالدودة أيّ حركة كانت إذا كانت تلك الحركة في المعقولات; لأنّها في المحسوسات تسمى تخيلاً، سواء كانت الحركة من المطالب إلى المبادئ التي هي الحدود الوسطى وغيرها، أو من المبادئ إلى المطالب، فربما تأدت تلك الحركة من المطالب إلى المبادئ فتتم حينئذ بحركة أُخرى من الحدود الوسطى التي هي المبادئ إلى المطالب، و ربما انبتّت.

1 . فانّ من الناس من يصل فكره إلى المطلب في زمان قليل و منهم من يصل إليه في زمان طويل.
2 . أي انقطعت عن المطلوب ولم تصل إليه. لسان العرب1: 308; الصحاح1: كلمة بتّ.
3 . قارن شرح الإشارات1: 10ـ11.

صفحه 59
وقد يطلق الفكر على ما هو أخصّ من ذلك، وهو حركة من جملة الحركات المذكورة، تتوجه النفس بها من المطالب، مترددة في المعاني الحاضرة عندها، طالبة مبادئ تلك المطالب المؤدية إليها إلى أن تجدها ثمّ يرجع منها نحو المطالب.
وقد يطلق1 على معنى آخر، وهو الحركة الأُولى لا غير، وهي الحركة من المطالب إلى المبادئ من غير أن يجعل الرجوع إلى المطالب جزءاً منه وإن كان الغرض منها هو الرجوع إلى المطالب.
والأوّل هو الفكر المعدود في خواصّ نوع الإنسان، والثالث هو الفكر الذي يستعمل بأزائه الحدس، والثاني مركب منهما.
وأمّا الحدس2 فهو الظفر عند الالتفات إلى المطالب بالحدود الوسطى دفعة، وتمثل تلك المطالب في الذهن مع الحدود الوسطى كذلك من غير الحركتين المذكورتين، سواء كان مع شوق أو لا معه.
فالفرق بين الفكر والحدس من وجهين:
الأوّل: بإمكان الانبتات3 ولا إمكانه، إلاّ أنّ الفكر المنبتّ لا يكون مؤدياً إلى علم، وربما لا يُسمى فكراً.
الثاني: بوجود الحركة وعدمها، وهذا هو الصحيح في الفرق بينهما.

1 . قال بهمنيار: «الفكر حركة ذهن الإنسان نحو المبادي للمطالب، ليصير منها إلى المطالب.» التحصيل: 264.
2 . عرفه بهمنيار: «الحدس: حركة النفس إلى إصابة الحدّ الأوسط إذا وضع المطلوب أو إصابة الحدّ الأكبر إذا أُصيب الأوسطوبالجملة سرعة انتقال من معلوم إلى مجهول، كمن يرى شكل استنارة القمر، عند أحوال قربه وبعده من الشمس، فيحدس أنّه يستنير من الشمس.» نفس المصدر.
3 . أي احتمال عدم الوصول إلى المطلوب.

صفحه 60
ولمّا1 كان لمراتب الحدس والفكر اختلاف في التأدية إلى المطلوب بحسب الكيف باعتبار سرعة التأدية وبطئها، وبحسب الكم فلكثرة عددها و قلّته، والأوّل2يكون في الفكرة أكثر لاشتمالها على الحركة، والثاني3 يكون في الحدس أكثر لتجرّده عن الحركة; ولأنّ الحدس إنّما يكون لقوة في النفس. فكان لتلك المراتب حدّا نقصان و كمال. وحدّ النقصان هو أن ينبتّ جميع أفكار الشخص عن مطالبه. وحدّ الكمال هو أن يحصل لشخص مّا ما يمكن أن يحصل لنوعه من العلوم بحسب الكم ودفعة، أو قريباًمن ذلك بحسب الكيف على وجه يقيني يشتمل على الحدود الوسطى لا تقليديّ.
ولمّا كان طرف النقصان مشاهداً فكذا طرف الكمال ممكن الوجود، بل موجود في طرف الأنبياء والأوصياء وحُذاق العلماء الذين يستغنون في أكثر أحوالهم عن التعلّم و الفكر، وهم أصحاب القوّة القدسية.
وأمّا القوة المناسبة للمرتبة الأخيرة فيسمى عقلاً بالفعل، وهي ما يكون عند الاقتدار على استحضار المعقولات الثانية بالفعل متى شاء بعد الاكتساب بالفكر أو الحدس.
فهذه القوى الثلاث، أعني: القوة الهيولانية4 والقوة بالملكة والقوة بالفعل، هي قوى النفس في الإدراك. وأمّا حصول تلك المعقولات بالفعل، فإنّه كمال للنفس، وهو المسمى بالعقل المستفاد لأنّها مستفادة من اللّه تعالى عندنا. وعند الأوائل من عقل فعال في نفوس الناس يخرجها من درجة العقل الهيولاني إلى درجة

1 . قارن شرح الإشارات2: 360ـ 361.
2 . أي الاختلاف بحسب الكيف.
3 . أي الاختلاف بحسب الكمّ.
4 . ق: «هيولائية».

صفحه 61
العقل المستفاد; فإنّ كلّ ما يخرج من قوّة إلى فعل فإنّما يخرجه غيره، و قياس عقول الناس في استفادة المعقولات إلى العقل الفعال قياس أبصار الحيوانات في مشاهدة الألوان إلى الشمس.
واعلم أنّ هذه المراتب النفسانية1وردت في القرآن العزيز في التمثيل المورد لنور اللّه تعالى وهو قوله عزّ وجلّ: (اللّهُ نُورُ السّمواتِ والأَرض مَثَلُ نورِه كمِشكاة فيها مِصباحٌ المصباحُ في زجاجة الزُّجاجةُ كأنَّها كوكبٌ درّيٌّ يوقَدُ مِنْ شجرة مُباركة زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة يَكادُ زيتُها يضيء ولو لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نورٌ على نوٌر يهدي اللّهُ لنورِهِ مَنْ يَشاءُ)2 . ولهذا قيل في الخبر: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه».3
فالمشكاة شبيهة بالعقل الهيولاني لكونها مظلمة في ذاتها قابلة للنور لا على التساوي لاختلاف السطوح والثقب فيها.
والزجاجة بالعقل بالملكة; لأنها شفافة في نفسها قابلة للنور أتمّ قبول.
والشجرة الزيتونة بالفكرة; لكونها مستعدّة لأن تصير قابلة للنور بذاتها لكن بعد حركة كثيرة و تعب.
والزيت بالحدس; لكونه أقرب إلى ذلك من الزيتونة.
والذي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار بالقوّة القدسية، لأنّها تكاد تعقل

1 . أي مراتب العقل النظري.
2 . سورة النور، آية 35.
3 . روي عن علي (عليه السلام)كما في الدرر والغرر للآمدي: 232، رقم الحديث 4637. ورواه الفريقان عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً، و هو حديث مشهور .
وقد ذكر في تفسير الآية وجوه أنهاها بعضهم إلى اثني عشر وجهاً و من أراد الاطلاع عليها فليراجع: مصابيح الأنوار للعلاّمة شبّر 1: 204و 205; التوحيد للصدوق: 49ـ 50; الأسفار لصدر المتألهين 6: 377; الميزان في تفسير القرآن للعلاّمة الطباطبائي6: 170.

صفحه 62
بالفعل ولو لم يكن شيء يخرجها من القوّة إلى الفعل.
ونور على نور بالعقل المستفاد; فإنّ الصورة المعقولة نور والنفس القابلة لها نور آخر.
والمصباح بالعقل بالفعل; لأنّه نيّر بذاته من غير احتياج إلى نور يكتسبه.
والنار بالعقل الفعال; لأنّ المصابيح تشتعل منها.

المسألة العاشرة: في تقسيم العلم1

العلم إمّا تصوّر ويسميه بعضهم معرفة، وهو حصول صورة الشيء في العقل مطلقاً فيرادف العلم عندهم، أو مقيداًبعدم الحكم.
وإمّا تصديق و يسميه قوم علماً، وهو الحكم بأحد المتصورين على الآخر بالإيجاب أو السلب على رأي الحكماء القدماء، أو مجموع تصوّر المحكوم عليه والمحكوم به والحكم وإيقاع النسبة. وليست العلوم كلّها بديهية بالبديهة، ولا كسبية، وإلاّ دار أو تسلسل، بل كلّ منهما إمّا ضروري أو مكتسب. فالتصوّر الضروري ما لا يتوقف على طلب وكسب، والكسبي بخلافه. والتصديق الضروري ما يكفي تصوّر طرفيه في الحكم بنسبة أحدهما إلى الآخر إيجاباً أو سلباً، والكسبي ما يقابله. وهل يجب في كلّ ما لا يكون مكتسباً أن يكون كاسباً، أو يجوز وجود معارف وعلوم لا يكون كاسبة ولا مكتسبة؟ الأظهر جوازه.
والتصور إمّا تام و هو إدراك الماهية بجميع أجزائها و لوازمها وعوارضها ومعروضاتها، وإمّا ناقص وهو ما يقابله. والتصديق هو مطلق الحكم الشامل

1 . راجع شرح الإشارات1: 12 ومايليها.و من أراد التوسع في هذا البحث فليراجع كتاب المنطق للشيخ محمد رضا المظفر1: 15 ومايليها.

صفحه 63
للقطعي وغيره، إمّا أن يكون جازماً أو لا. والجازم إمّا أن يكون مطابقاً أو لا. والمطابق إمّا أن يكون ثابتاً أو لا. فالجازم المطابق الثابت هو العلم. والمطابق غير الثابت هو اعتقاد المقلِّد للحقّ. والجازم غير المطابق هو الجهل المركّب.1وغير الجازم هو الراجح الذي يجوز معه النقيض وهو الظن. ومقابله الوهم وهو مرجوح الظن. وما يتساوى الطرفان فيه هو الشك. هذا إذا اعتبر في الجازم المطابقة في الخارج وإن لم يعتبر، و إن كان لا يخلو2 عن المطابقة وعدمها لكنّها لم يعتبر. فإمّا أن يقارن تسليماً أو إنكاراً، والأوّل ينقسم إلى مسلّم عام إمّا مطلق يسلّمه الجمهور أو محدود يسلّمه طائفة، وإلى خاص يسلّمه شخص إمّا معلّم أو متعلّم أو منازع; والثاني يسمى وضعاً: فمنه ما يصادر به العلوم وتبنى عليه المسائل. ومنه ما يضعه القايس الخلفي وإن كان مناقضاً لما يعتقده، ليثبت به مطلوبه. ومنه ما يلتزمه المجيب الجدليّ ويذبّ عنه. ومنه ما يقول به القائل باللّسان دون أن يعتقده، كقول القائل لا وجود للحركة مثلاً ـ. فإنّ جميع هذه تسمى أوضاعاً وإن اختلفت الاعتبارات.
وقد يكون حكم واحد تسليميّاً باعتبار و وضعياً باعتبار آخر، مثل ما يلتزمه المجيب بالقياس إلى السائل و إليه. وقد يفترقان، فيوجد التسليم بدون الوضع، مثل ما لا ينازع فيه من المسلّمات، أو الوضع عن التسليم في مثل ما يوضع في بعض الأقيسة الخُلفية.
وقد يطلق الوضع على كلّ رأي يقول به قائل أو يفرضه فارض، فيكون أعمّ من التسليم وغيره.

1 . إنّما سمّي مركباً; لأنّه يعتقد بشيء على خلاف ما هو عليه فهذا جهل بذلك الشيء، و يعتقد بأنّه يعتقده على ما هو عليه فهذا جهل آخر قد تركبا معاً. راجع شرح المواقف6: 24.
2 . في الواقع.

صفحه 64
ومشايخ المعتزلة قسّموا العلم إلى ما يكون من فعلنا وهو الكسبي، وحقيقته ما يمكن العالم به نفيه عن نفسه لشبهة إذا انفرد.
واحترزوا بالانفراد عن العلم الكسبي بشيء ثمّ يشاهد، فإنّ النفي هنا محال حيث لم ينفرد، بل انضم إليه المشاهدة.
وإلى ما يكون من فعله تعالى فينا وهو الضروري، وهو ما لا يمكن العالم به نفيه عن نفسه لشبهة وإن انفرد.1
قالوا: وقد يصحّ العلم بالذات بصفتها ضرورةً وكسباً، وأن تعرف الذات بالضرورة، والصفة بالكسب. واختلفوا في العكس فمنعه الجمهور منهم خلافاً لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، فإنّه جوز في شرح الجامع الصغير2 أن يكون العلم بالذات مكتسباً و بالحال ضرورة. والجمهور بنوا ذلك على قضيتين، إحداهما: أنّه لا يجوز حصول العلم بالصفة مع الجهل بالذات. والثانية: أنّه لا يجوز ارتفاع العلم الضروري، ويجوز رفع الكسبي.
وإذا تقررت المقدمتان فنقول: لو كان العلم بالذات مكتسباً والعلم بالحال ضرورياً لصحّ نفي الكسبي بأن تدخل على أنفسنا شبهة فيزول عندها العلم بالذات، فإن بقي العلم بالصفة مع الجهل بالذات، فهو محال. وإن زال العلم بالحال وهو ضروري فقد زال الضروري، وهو محال.
واعترضوا أنفسهم بأنّهم منعوا من نفي الكسبي إذا لم ينفرد، وجوزوه مع الانفراد فنقول: لِمَ لا يجوز أن يكون العلم بالضروري بالصفة قائم مقام اقتران المشاهدة في النظري، فمنع من زوال الكسبي كما منعت المشاهدة هناك؟

1 . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 48ـ 49.
2 . لم نعثر على هذا الكتاب ولكن ذكره ابن المرتضى في طبقات المعتزلة، الطبقة الحادية عشرة، ص 113.

صفحه 65
وأجابوا: بأنّ العلم بالصفة يحتاج إلى العلم بالذات حتّى لا يمكن ثبوته مع زواله وما يحتاج إلى غيره لا يكون مانعاً من انتفائه، فإنّ الإرادة لمّا احتاجت إلى بنية القلب لم يصحّ كونها مانعة من زوال البنية بالتفريق. والوجه في التقرير: أنّ المحتاج معلول فعدمه مستند إلى عدم علته، و يمكن أن يقال: لا يجب أن تكون العلة هنا تامة فجاز أن يستند عدمه إلى عدم غيره.
قالت المعتزلة1: من العلم ما هو واجب كالعلم باللّه تعالى و صفاته، وصدق رسوله، وشرائعه. و منه ما هو حسن لا كحسن المناجاة، بل يختص بوجه زائد على حسنه فيكون مندوباً.
أمّا الواجب فوجه وجوبه كونه لطفاً.
واختلف الشيخان2 في أنّه هل يقع في العلم ما هو قبيح أم لا؟ فمنع أبو هاشم منه و قال: إنّه كلّه حسن، و كذا النظر، وإنّما يعرض لهما القبح لا لنفسهما بل باعتبار القصد، ولا يؤثر في حسنهما، فإذا قصد بهما الشخص وجه قبح كان القبيح هو القصد لا العلم ولا النظر. وتبعه أبو الهذيل العلاف.
وقال أبو علي: إنّ العلم والنظر قبيحان إذا قصد بهما وجه قبح.
وأبو علي بَنَى ذلك على قوله: في أنّ قبح المسبب و حسنه تابعان للسبب ومعتبران به، فلما قال بقبح هذا النظر حكم بقبح العلم المتولد عنه. وجوز أيضاً أن يقع في العلوم ما يقبح لكونه مفسدة. فكأنّه قد رأى قبح العلم لهذين الوجهين. هذا مذهبه أخيراً، وقد كان قديماً ذكر في مقدمة التعديل والتجوير: أنّ العلم يحسن بعينه، كما أنّ الجهل يقبح بعينه.

1 . وقد خصص القاضي عبد الجبار باباً في ما يجب أن يعلم، عنوانه: باب في ذكر أقسام ما كلفنا من العلوم. راجع المحيط بالتكليف: 19.
2 . هما محمد بن عبد الوهاب أبوعلي الجبائي وابنه عبد السلام بن محمّد أبو هاشم الجبائي.

صفحه 66
وقال بعضهم: لا يصحّ أن يحكم بقبح شيء علماً كان أو غيره لأمر يرجع إلى القصد، لما يأتي في الإرادة: أنّـها لا تأثير لها في القبح.
فبطل إسناد قبح العلم إلى هذا الوجه. ولا يمكن أن يدعى إسناده إلى الغيب فيقال: إنّ أحدنا لو شرع في عدّ الحصى حتّى عرف مقداره كان هذا العلم عبثاً; لأنّ هذا العلم ضروري، وقد بيّنا أنّ الضروريات مستندة إلى اللّه تعالى، وما يفعله اللّه تعالى لا يكون قبيحاً. ولا يمكن أن يقال: إنّ فيما تعذر عليه من العلوم والحال هذه ما يقبح للمفسدة; لأنّه لو كان كذلك لوجب أن نعرف حاله لنتجنبه. فليس في قبح العلوم إلاّ وجه واحد، وهو إذا كان من مقدور اللّه تعالى ويحصل فيه ضرب من المفسدة; لأنّه لو خلق فينا العلم الذي نتمكن معه من الإتيان بمثل القرآن أو بخبر عن الغيب لصار ذلك مفسداً لعلم النبوة، لجواز أن يدعونا الداعي إليه فنفعله، فصار كما نقوله في قدرتنا على حمل الجبال وطفرالبحار: إنّها لو ثبتت لكانت مفسدة.
ولأبي هاشم أن يجيب عن ذلك، بأنّ ذلك العلم غير قبيح، بل القبيح تمكين اللّه تعالى من إيراد الكلام الذي يبلغ في الفصاحة رتبة القرآن أو يتضمن خبراً عن الغيب، فيجب أن يصرفه عنه بضرب من الصرف أو يخلقه في أخرس أشل بحيث لا يتمكن من الكلام و الكتابة إذاكان فيه غرض مّا.
و يمكن أن يعترض على أبي هاشم، فيقال: في الجملة غير ممتنع أن يقال: إذا علم اللّه تعالى من حال العبد أنّه إذا فعل فيه العلم ببعض الأشياء فسده عبده، أنّ ذلك قبيح1 لا محالة وإن لم نجد له مثالاً ، أو يمثل بتعريفه إيانا أعيان الصغائر; لأنّه من أعظم المفاسد فيجب قبحه.

1 . ج: «يقبح».

صفحه 67
احتج أبو هاشم بوجهين:
أ: العلم جار مجرى المنافع الخالصة لاسترواح1 العقلاء إليه، ولولا حسن الجميع لم يصحّ ذلك.
ب: لو قبح شيء من العلوم لكان الموصوف به موصوفاً ببعض صفات النقص، ولو كان كذلك في حقّ الواحد منّا لكان كذلك في حقّ اللّه تعالى.
اعترض على أ بأنّ الاسترواح إلى الشيء يقتضي حصول نفع فيه فقط، دون الحسن أو القبح.
وعلى ب بأنّ المعنى قد يقبح ولا يوجب صفة نقص، فإنّا لو قدرنا على حمل الجبال و طفر البحار لم يكن فيه ما يقتضي صفة نقص مع قبح تلك القدرة.

المسألة الحادية عشرة: في أحكام التصوّر

وهي تسعة:
الأوّل: التصوّر إمّا شرط في التصديق2، أو جزء منه. وعلى التقديرين يكون سابقاً عليه لاحتياج المشروط والمركّب إلى شرطه وجزئه، والمحتاج متأخّر عن المحتاج إليه تأخّر المعلول عن علّته. ولأنّ الضرورة قاضية بأنّ المحكوم عليه و به

1 . استروح: وجد الراحة، واستروح العقلاء إليه: سكنوا إليه. راجع لسان العرب (مادة: روح).
2 . كما عليه المشهور من الحكماء. والجزئية مذهب الرازي كما في نقد المحصل: 6. وقال صدر المتألهين: «إنّ كلاً من التصوّر و التصديق نوع بسيط من ماهية العلم الذي هو جنسهما، فما أسخف رأي من جعل التصديق مركّباً من أُمور ثلاثة أو أربعة كما اشتهر من رأي الإمام الرازي...وكذا رأي من أخذ في تحصيل مفهوم التصديق التصور على وجه الشرطية لا على وجه الدخول. والحقّ انّ مفهوم التصوّر عين التصديق جعلاً ووجوداً، داخل فيه ماهيّة وتحليلاً كدخول الجنس في ماهية النوع البسيط». رسالة التصوّر والتصديق: 310، المطبوعة في آخر كتاب الجوهر النضيد للعلاّمة الحلّي.

صفحه 68
يجب أن يكون معلوماً.
لا يقال: لو صدق ذلك لصدق المجهول مطلقاً يمتنع الحكم عليه1، فالمحكوم عليه هنا إن كان معلوماً بطلت القضية، وإن كان مجهولاً مطلقاً فقد حكمتم على المجهول مطلقاً بامتناع الحكم عليه وهو حكم خاصّ، فلزم التناقض.
لأنّا نقول: للمجهول مطلقاً اعتباران، أحدهما بوصف المجهولية، و الثاني ما صدق عليه هذا الوصف. وبالاعتبار الثاني لا يكون مجهولاً مطلقاً; لأنّ الاتصاف بالمجهولية أمر معلوم، والموصوف بأمر معلوم يكون معلوماً من حيث ذلك الوصف. فالمحكوم عليه في قولنا: المجهول مطلقاً يمتنع الحكم عليه من حيث امتناع الحكم عليه هو المأخوذ بالوجه الأوّل ومن حيث الحكم عليه بامتناع الحكم عليه هو المأخوذ بالوجه الثاني، فقد اختلفا في الموضوع فلا تناقض.
وفيه نظر; لأنّ الاعتبار الذي به جاز أن يكون محكوماً عليه يمتنع الحكم عليه بهذا الحكم، بل يجب أن يحكم عليه بإمكان الحكم لا بامتناعه.2
الثاني: قال أفضل المتأخرين: لا شيء من التصورات بمكتسب، لا على معنى أنّها كلّها ضرورية، بل على معنى أنّ المعلوم منها لنا ضروري، وما لا يكون ضرورياً لا يمكن استعلامه البتة.
واحتجّ عليه بوجهين:
أ: المطلوب به إن كان معلوماً استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل،

1 . هكذا العبارة في النسخ وفيها اضطراب ولعلّه لا يستقيم المعنى إلاّ إذا قرئت على الوجه التالي: «لو صدق ذلك لما صدق المجهول المطلق، لا يحكم عليه».
2 . و الحقّ أنّه لا يمكننا أن نحكم على المجهول المطلق بالحمل الشائع (أي بحسب المصاديق والمعنونات) وأمّا المجهول المطلق بالحمل الأَوّلي (أي عنوانه و مفهومه) ، فليس مجهولاً مطلقاً فيصحّ الحكم عليه.

صفحه 69
وإن كان مجهولاً استحال طلبه لأنّ ما لا شعور به البتة لا يمكن طلبه، ولا تعرف النفس أنّه هو إذا وجدته.
لا يقال: إنّه معلوم من وجه دون وجه.
لأنّا نقول: الوجه المعلوم به يمتنع طلبه، وكذا الوجه المجهول به، فالمطلوب يمتنع طلبه.
ب: تعريف الماهية إمّا أن يكون بنفسها، أو بجميع أجزائها، أو ببعضها، أو بالخارج، أو بما يتركّب من الداخل والخارج، والكلّ محال، فالتعريف محال.
أمّا الأوّل، فلأنّ معرفة المعرِّف علّة لمعرفة المعرَّف، و يمتنع أن يكون الشيء علّة لنفسه; لامتناع تقدّمه عليها.
وأمّا الثاني، فلأنّ جملة أجزاء الماهية هو نفس الماهية، وإلاّ لكان داخلاً فيها أو خارجاً منها، وهما محالان، لاستحالة أن يكون مجموع أجزاء الشيء بعض أجزائه، و كون مجموع أجزائه الحقيقية أمراً منفصلاً عن الحقيقة، وبتقدير تسليمه يكون ذلك التعريف تعريفاً رسمياً.
لا يقال: تعرف هيئة الاجتماع العارضة لتلك الأجزاء بتلك الأجزاء أو بالعكس.
لأنّا نقول: الهيئة أحد أجزاء تلك الحقيقة، وهي خارجة عن ماهيات معروضاتها و بالعكس، فتعريف ذلك العارض بمعروضاته أو بالعكس، يكون تعريفاً بالأُمور الخارجة، وهو غير القسم الذي نحن فيه.
ويشكل لو قيل1: نفس الماهية إن غاير جملة الأجزاء بالماهية وجب إمّا خروج جميع الأجزاء عنها أو دخول غير الأجزاء في الماهية، وهما محالان.

1 . و الإشكال من العلاّمة المصنّف.

صفحه 70
وأمّا الثالث، فلأنّ ذلك الجزء لابدّ و أن يعرِّف جميع الأجزاء لتوقف تعريف الماهية على تعريف الأجزاء، فيكون تعريفاً لنفسه و للخارج، وهما محالان.
وأمّا الرابع، فلأنّ الخارج لا يصحّ أن يكون معرفاً إلاّ إذا عرف اختصاصه بالمعرَّف، فإنّ غير المختص لا يفيد أقلّ مراتب التعريف، وهو التميز، لأنّا إذا قلنا في حقيقة مخصوصة: إنّها التي يلزمها اللازم الفلاني، فالأمر الذي نطلب معرفته إمّا أن يكون هو خصوصية تلك الحقيقة في نفسها أو كونها ملزومة لذلك اللازم.
والأوّل باطل; لأنّ العلم بكونها مؤثرة في اللازم الفلاني لا يقتضي العلم بخصوصيتها، فإنّ الأشياء المختلفة في الحقيقة يجوز اشتراكها في لازم واحد، و مع ذلك التجويز لا يمكن القطع بحصول تلك الماهية المخصوصة عند حصول العلم بكونها مؤثّرة في ذلك اللازم، بل قد يكون ذلك اللازم بحيث لا يوجد إلاّ لملزوم واحد، لكن العلم بالاختصاص إنّما يمكن لو عرف الماهية أولاً و يعرف ما عداها; لأنّ العلم بالاختصاص علم بنسبة أمر إلى الماهية، والعلم بالنسبة يتوقّف على العلم بالمنتسبين، فيلزم الدور، أو1 العلم بجميع الماهيات.
والثاني محال; لأنّ كونها مؤثّرة في ذلك اللازم هو الذي فرضناه معرّفاً، فلو جعلناه نفس المطلوب كان ذلك تعريفاً للشيء بنفسه.
والمركب من الداخل والخارج خارج. فلم يبق المخلص، إلاّ بأن تجعل التعريفات الحدّية والرسمية عبارة عن تفصيل ما دلّ عليه الاسم إجمالاً. لكن لا يبقى فرق بين الحدّ والرسم; لأنّ الاسم ربما وضع بأزاء ما يعقل فإذا وضع اسم العلم بازاء أمر ما يؤثر في العالمية، فمن ذكر في تعريف العلم هذا فقد حدّه.2

1 . في المخطوطة: «و» و الصحيح ما أثبتناه وفقاً للسياق و المعنى.
2 . راجع نقد المحصل، المقدمة الأُولى من المحصل: 6ـ 9.

صفحه 71
والجواب عن أ أنّ المطلوب هو الشيء المعلوم من وجه دون وجه، وهو الماهية ذات الوجهين لا الوجهان.
وقيل: لا تجتمع هاتان المقدمتان على الصدق; لاستلزام كلّ واحدة منهما، مع عكس نقيض الأُخرى، ما يناقض الأُخرى; واستلزام عكس عكس نقيض كلّ منهما كذب الأُخرى. والاستقصاء فيه مذكور في كتبنا المنطقية.
وعن ب إنّ المعرف مجموع الأجزاء وليس هو نفس الماهية.
قال أفضل المحقّقين: لأنّ الجزء متقدّم على الكلّ بالطبع والأشياء التي كلّ واحد منها يتقدّم على شيء متأخر عنها يمتنع أن تكون نفس المتأخر و يجوز أن تصير عند الاجتماع ماهيّة هي المتأخرة فتحصل معرفتها بها، كما أنّ العلم بالجنس والفصل وبالتركيب التقييدي متقدّم على العلم بالجنس المقيَّد بالفصل، وهي أجزاؤه، وبها يحصل العلم به.1
وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من تقدّم كلّ واحد تقدّم المجموع، وإلاّ لزم تقدّم الشيء على نفسه، فإنّ كلّ واحد من الأشياء إذا كان متقدماً على المجموع لو استلزم تقدّم المجموع لزم ما قلناه.
والقسمة لمجموع الأجزاء ليست حاصرة. واستدلال أفضل المتأخرين باطل بمنع الحصر إن أراد بالداخل بعض الأجزاء، وذلك لوجود قسم ثالث، وهو أن يكون جميع أجزاء الماهية غير الماهية وغير الداخل فيها وغير الخارج عنها، بل يكون جميع الداخل. وإن أراد بالداخل ما هو أعمّ من البعض و الجميع اخترنا أن يكون داخلاً.
قوله: يلزم أن يكون جميع أجزاء الماهية داخلاً فيها فيكون لها جزء آخر، فلا يكون ما فرضناهُ مجموع الأجزاء مجموع الأجزاء.

1 . نفس المصدر.

صفحه 72
قلنا: لا يلزم من كون الجميع داخلاً، أن يكون هناك جزء آخر. وعلى ما قلناه في الإشكال بأن يقال: الماهية و مجموع الأجزاء إن اتحدا بالماهية فالمطلوب، وإلاّ وجب كون مجموع الأجزاء بعضَها أو خروجها عن الماهية لا جواب عنه.
سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز التعريف ببعض الأجزاء؟
قوله1: تعريف المركّب إنّما يكون بواسطة تعريف أجزائها.
قلنا: ممنوع، نعم لا يمكن إلاّ بواسطة معرفة أجزائها، لكنّ معرفة الأجزاء لا يجب أن يستند إلى معرفة الماهية الذي هو ذلك الجزء; لجواز أن تكون جميع الأجزاء أوبعضها معلوماً بالضرورة. وهذا الغلط إنّما نشأ من جعل الماهية هي نفس أجزائها خاصة.
سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز التعريف بالخارجي؟
قوله: إنّما يصحّ أن يكون معرّفاً لو عرف اختصاصه بالموصوف.
قلنا: ممنوع، بل الشرط نفس الاختصاص لا العلم به.
سلّمنا توقفه على العلم بالاختصاص، لكن لا نسلّم أنّه يجب من معرفة الاختصاص معرفة الماهية على سبيل التفصيل، ولا معرفة عداها كذلك، فجاز أن نعرّف الماهية ببعض عوارضها، والأشياء المغايرة لها تعرف بلازم شامل لها، ثمّ يعرف كون ذلك الوصف مختصاً بتلك الماهية المعروفة ببعض العوارض، وأنّه غير حاصل لما عداها من الماهيات المعروفة ببعض العوارض، وأنّه غير حاصل لما عداها من الماهيات المعلومة باللازم الشامل، ثمّ إنّ ذلك الوصف يعرّف ما جهلناه من تلك الماهية.
ثمّ اعترض أفضل المتأخرين على نفسه: بأنّا نجد النفس طالبةً لتصوّر

1 . أي الرازي.

صفحه 73
ماهية الملك والروح.
وأجاب بأنّ الطلب إمّا لتفسير اللفظ أو للبرهان على وجود المتصوّر، وكلاهما تصديق.1
واعترضه أفضل المحقّقين: بأنّا نعرف تفسير لفظ الروح ونعلم يقيناً وجوده في كلّ ذي روح، ونجد العلماء يتخالفون في ماهيته، و ليس المطلوب أحد التصديقين اللّذين ذكرهما. وكذا نعلم تفسير ألفاظِ كثير من الأشياء و نعلم وجوده قطعاً ويتعذّر تصوّر حقيقته على كثير من الناس، كالحركة والزمان والمكان.2
وقد تلخص من كلام أفضل المتأخرين: أنّ الإنسان لا يمكنه أن يتصوّر إلاّ ما يجده من فطرة النفس كالألم واللّذة، أو من بديهة العقل كتصور الوجود والوحدة والكثرة، أو ما يركّبه العقل كالحيوان الناطق، أو الخيال كما يتصور جبلاً من ياقوت و إنساناً يطير، و ما يركّبه العقل والخيال كما يركب الوحدة مع زيد.
الثالث: لمّا ظهر كون بعض التصوّرات كسبياً وكذا التصديقات، قلنا: ليست العلوم كلها ضرورية، وإلاّ لما جهلنا; ولا كسبية، وإلاّ لدار أو تسلسل، بل البعض بديهي والبعض كسبي.3
قيل: إذا كانت العلوم كلّها كسبية كانت الملازمة الأخيرة كسبية تفتقر إلى برهان.
والحقّ الالتجاء في ذلك إلى الضرورة; فإنّا نعلم بالضرورة أنّ لنا علوماً ضرورية.

1 . نقد المحصل: 9.
2 . نفس المصدر.
3 . راجع الجوهر النضيد للمصنّف: 192ـ 193.

صفحه 74
قيل: الضابط أنّ كلّ تصور يتوقف عليه تصديقٌ غير مكتسب فهو غير مكتسب. أمّا الذي يتوقف عليه تصديق مكتسب فقد يكون مكتسباً، وقد لا يكون.1
وليس بجيد; لأنّ التصديق البديهي قد يتوقف على تصورات كسبية.
الرابع: الكاسب لا يكون هو نفس المكتسب; لأنه علّة في معرفته، والعلّة متقدمة. بل إن كان مجموع الأجزاء فهو الحدّ التام، ولا خلاف في إطلاق اسم الحدّ عليه، و تصير به الحقيقة معلومة على الوجه الذي لا يمكن أن يزداد العلم بها. وإن كان بعض الأجزاء المساوية فهو الحدّ الناقص. وقد اختلفوا في إطلاق اسم الحدّ عليه، وهو نزاع لفظي، و إفادته دون إفادة الأوّل. وإن كان أمراً خارجياً فهو الرسم الناقص. وإن كان مركباً من الداخل الأعم والخارجي المساوي فهو الرسم التام.
وقيل2: الرسم الناقص هو الذي يفيد تمييز الشيء عن بعض ما عداه. والتام هو الذي يميّزه عن جميع ما عداه.
والمثال: رسم; لأنّ المثال مخالف للممثل من وجه، ومشارك من وجه. فمن الوجه الذي اختلفا لا يكون المثال مفيداً معرفة الممثل، ومن الوجه الذي اشتبها فيه كان مفيداًمعرفته، لكن تلك المشابهة من لوازم تلك الحقيقة، فكان داخلاً في الرسم.
ثمّ الماهية إمّا أن تكون بسيطة أو مركّبة، وعلى التقديرين، فإمّا أن تكون جزءاً من غيرها أو لا، فالأقسام أربعة.
أ: البسيط الذي يكون جزءاً من غيره، كالجوهر لا يمكن أن

1 . القائل بهذا المقال هو الرازي. راجع نقد المحصل: 10.
2 . عبر عنه الطوسي بالمشهور عند الحكماء. راجع نفس المصدر.

صفحه 75
يحد1 لبساطته، بل يحد بما يتركب عنه.
ب: البسيط الذي لا يكون جزءاً من غيره كواجب الوجود تعالى، لا يحدّ ولا يحد به.
ج: المركّب الذي يتركب عنه غيره، كالحيوان يُحدّ لتركّبه ويحدّ به ما يتركب عنه كالإنسان.
د: المركّب الذي لا يتركب عنه غيره كالإنسان يُحدّ ولا يُحدّ به.2
الخامس: جملة التعريفات تشترك في إفادة التمييز، وتحصيله أسهل من تحصيل الحدّ الحقيقي من وجه; لأنّ التمييز يحصل بالحدّ التام والناقص والرسم، والمعرفة التامة إنّما تحصل بطريق واحد، وهو الحدّ الحقيقي، وما يحصل بطرق أكثر أسهل وأصعب من وجه; لأنّ العلم بالامتياز يتوقف على العلم بحقيقة الأمرين المحكوم عليه و به وجميع الماهيات المغايرة غير المتناهية.
وقد اتّفق المتكلّمون على أنّ العالِم بالحدّ يجب أن يكون عالماً بالمحدود، والجاهل بالحدّ جاهل بالمحدود. وهو حقّ إن كان الحدّ تاماً، وإلاّ فلا.
السادس: يجب الاحتراز عن تعريف الشيء بما يساويه في المعرفة والجهالة، كمن يعرّف الأب بأنّه الذي له ابن، بل يجب أن يكون المعرِّف أجلى من المعرَّف ليصحّ التعريف به.3
وعن تعريف الشيء بالأخفى كمن يعرِّف النار بأنّها اسطقس شبيهة بالنفس، والنفس أخفى من النار.

1 . أي لا يمكن أن يعرّف بتعريف حدّي، لعدم الجنس و الفصل له.
2 . راجع المصدر نفسه، تذنيبات.
3 . راجع المصدر نفسه.

صفحه 76
وعن تعريف الشيء بنفسه، كما يقال: الإنسان حيوان بشري.
وعن تعريفه بما يتوقف معرفته عليه، إمّا بمرتبة واحدة كقولنا: الكيفية، ما بها تقع المشابهة واللامشابهة، ثمّ يعرفون المشابهة بأنّها اتّفاق في الكيف. أو بمراتب، كمن يعرّف الاثنين بأنّه الزوج الأوّل، ثمّ يعرّف الزوج بأنّه عدد منقسم بمتساويين، ثمّ يعرّف المتساويين بأنّهما الشيئان اللّذان لا يزيد أحدهما على الآخر، ثمّ يعرّف الشيئين بأنّهما الاثنان. وكلّ و احد من هذه المحاذير أشدّ محذوراً ممّا قبله.
السابع: التعريف إن كان بالحدّ التام وجب فيه حفظ الجزء الصوري، وذلك بأن يقدم الجزء الأعمّ; لأنّه ينزل منزلة المادة على الجزء الصوري 1 الجاري مجرى الصورة.
ولا تقبل الوجازة المعنوية ولا التطويل المعنوي. نعم لو ذكر بدل بعض الأجزاء حدّه جاز، لكن الأحسن تركه. أمّا الحدّ الناقص فإنّه يقبل الوجازة والتطويل، وكذا الرسوم.2
الثامن: الحدّ قد يكون حدّاً بحسب الماهية فيكون في غاية الصعوبة لخفاء أكثر الأجزاء خصوصاً الفصول، وقد يكون بحسب الاسم و المفهوم فيكون سهلاً; لأنّ الحدّ بحسب الاسم إنّما هو للأسماء، والأسماء أسماءٌ للأُمور المعقولة، وكلّ أمر معقول فإنّه لابدّ وأن يعقل كمال الجزء المشترك، أيّما هو، وكمال المميز أيّما هو.
التاسع: الحدّ لا يمنع; لأنّ المنع إنّما يقع في الخبر، والمصحح بالدليل إنّما هو الخبر، ولا خبر في الحدّ; لأنّه تفصيل مدلول الاسم الإجمالي، فحاصله تعيين حقيقة متصورة عقلاً من غير حكم عليها بنفي أو إثبات، والمنازعة في تلك

1 . ج: «الأخص».
2 . راجع المصدر نفسه.

صفحه 77
الحقيقة المتصورة من حيث إنّـها متصورة غير ممكنة، بل في إطلاق تلك اللفظة على تلك الحقيقة، وهو لفظي. و لأنّ النزاع لم يقع في المعرفة الساذجة بل في الحكم، لجواز إطلاق تلك اللفظة على تلك الحقيقة المتصورة، فالإبطال والإثبات في الحقيقة واقعان في التصديق.و قول الحادّ: الإنسان حيوان ناطق، ليس دعوى إذا ذكر على وجه الحدية بأن يشير إلى هذه الماهية المتصورة من غير حكم، فلا يمنع. وقد يريد أنّ ذات الإنسان محكوم عليها بالحيوانية والنطق، فيمنع. ولا يتوجه النقض على الحدّ إذا لم ينضم إليه دعوى، كمن حدّ العلم بأنّه الذي يصحّ من المتصف به إحكام الفعل، فينتقض بالعلم بالواجبات والمحالات. وإنّما توجه النقض لأنّه سلم وجود العلم المتعلّق بالمحالات، ولو لم تسلم هذه الدعوى لم يتوجه النقض.
والمعارضة لا تقدح في الحدّ إلاّ عند تسليم دعوى، وإلاّ فالحقائق غير متعاندة في ماهياتها، فإنّ من عارض هذا الحدّ بأنّه الاعتقاد المقتضي سكون النفس، فليس بين هاتين الحقيقتين تعاند، فإنّ حقيقة أمر تقتضي للمتصف به صحّة الإِحكام من حيث إنّها هذه الحقيقة لا تنافي حقيقة اعتقاد تقتضي سكون النفس من حيث إنّها هذه الحقيقة، و إذا لم يكن بين الحقائق منافاة لم تتحقق المعارضة في الحدود.

المسألة الثانية عشرة: في أحكام التصديق

وهي عشرة:
الأوّل: التصديق و القضية والخبر والقول الجازم كلّها بمعنى واحد، وهو قول يقال لقائله: إنّه صادق أو كاذب. والصدق والكذب وإن كانا عرضيين

صفحه 78
ذاتيين لا يمكن تعريفهما إلاّ بذكر معروضهما، لكن لم يقصد التعريف الحقيقي هنا، بل اللفظي. وهذه القضية: إمّا حملية، أو شرطية. والشرطية: إمّا متصلة، أو منفصلة. و المنفصلة إمّا حقيقية تمنع الجمع و الخلو، أو غيرها تمنع أحدهما خاصة. والمتصلة: إمّا لزومية، أو اتّفاقية. والمنفصلة إمّا عنادية أو اتّفاقية.
الثاني: كلّ حملية لابدّ فيها من موضوع هو المحكوم عليه، ومحمول هو المحكوم به، ونسبة بينهما بها يربط المحمول بالموضوع. وتلك النسبة لابدّ لها من لفظ يدل عليها، وقد تحذف في بعض اللغات للعلم بها. ولابدّ لها من كيفية تدلّ على وثاقتها وضعفها، هي إمّا الضرورة، أو الإمكان، أو الدوام، أو الإطلاق، أو مقابلات هذه. فإن أُخذت في نفس الأمر فهي مادة، وإن أُخذت معقولة أو ملفوظة فهي جهة1، ولا يجب توافقهما.2
الثالث3: النسبة قد تكون بالإيجاب، على معنى أنّ المحمول صادق على الموضوع. وقد تكون بالسلب، بأن سلب المحمول عن الموضوع، ولا عبرة بإيجاب الطرفين، ولا سلبهما. لكن إذا كان أحدهما عدمياً سميت معدولة، وهو في غالب الاصطلاح يتعلّق بالمحمول، وقد يثبت في الموضوع و فيهما معاً.
ويحصل الاشتباه كثيراً بين السالبة البسيطة والمعدولة المحمول، فيفرق بينهما لفظاً بالنية4والاصطلاح كتخصيص المعدولة بـ «غير» و «لا». والسلب بـ«ليس»

1 . قال الطوسي: «والفرق بينهما (المادة والجهة) أنّ المادّة هي تلك النسبة في نفس الأمر، والجهة هي ما يفهم و يتصوّر عند النظر في تلك القضيّة من نسبة محمولها إلى موضوعها سواء تلفّظ بها أو لم يتلفّظ، وسواء طابقت المادّة أو لم يطابق». شرح الإشارات1: 143.
2 . لجواز أن يكون ما نعقله أو نتلفّظ به غير مطابق لنفس الأمر.
3 . راجع الجوهر النضيد: 52.
4 . كذا، وفي الجوهر النضيد: «اللغة».

صفحه 79
و بتقديمه على الرابطة إن ذكرت أو تأخره، أو معنى فقيل: الموجبة المعدولة يشترط فيها ثبوت الموضوع دون السالبة.1
والتحقيق أن يقال: إذا وجب شيء في الخارج، وجب ثبوت الموضوع فيه، وإذا وجب في الذهن، وجب اعتقاد الثبوت فيه. أمّا السلب، فإن سلب في الخارج لم يجب ثبوت الموضوع فيه، فإنّ السلب قد يصدق على الموضوع المعدوم كما يصدق على الموجود، وإن سلب في الذهن وجب أن يكون الموضوع فيه، لكن لا يشترط اعتباره وإن كان لا ينفك عنه.
الرابع2 : موضوع القضية إن كان شخصاً معيناً: فالقضية شخصية ومخصوصة إيجاباً و سلباً. وإن كان كلياً: فإن حكم في القضية على نفس الطبيعة فالقضية نُسميها طبيعية، كقولنا الإنسان حيوان ناطق. فإن حكم عليها باعتبار عروض العموم لها: سمّيناها القضية العامة، كقولنا الإنسان نوع والحيوان جنس. وإن حكم على أفرادها، فإن استوعبنا الأفراد إيجاباً أو سلباً فالقضية كلية. وإنخصصنا الحكم بالبعض إيجاباً أو سلباً فالقضية جزئية، وهاتان تسميان محصورتين. وإن لم نتعرض للاستيعاب والجزئية، فالقضية مهملة إيجاباً وسلباً.
و اللفظ الدال على كمية الحكم يسمى سوراً ففي الموجبة الكلية «كلّ »، وفي الجزئية«بعض» و «واحد»، وفي السالبة الكلية «لا شيء» و«لا واحد»، وفي الجزئية «ليس بعض» و «ليس كلّ » و «بعض ليس». وحقّه أن يرد على الموضوع لوقوع الشكّ في المحمول، هل هو صادق على جميع أفراد الموضوع أو بعضها؟ فإن

1 . هذا بمقتضى القاعدة الفرعية وهي: «ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبَت له » فإن كان المحمول ثابتاً في الخارج يجب ثبوت الموضوع فيه، وإن كان ثابتاً في الذهن ففي الذهن.
2 . راجع الجوهر النضيد: 54ـ 59.

صفحه 80
قرن بالمحمول فهي منحرفة.1
والمهملة في قوة الجزئية; لأنّـها إمّا أن تصدق كلية أو جزئية، وعلى التقديرين تصدق جزئية.
الخامس: إذا قلنا كلّ ج ب لم نعنِ به أنّ كلية ج هي ب أي الكلي المنطقي2، ولا الجيم الكلي أعني العقلي، ولا الكل المجموعي، بل كلّ واحد واحد ممّا صدق عليه ج، لا حقيقة ج، ولا صفة ج، بل الأعمّ وهو الصادق عليه ج صدقاً بالفعل لا بالقوة المحضة، ولا بشرط الصدق الدائم، ولا المنقطع، بل ما يعمهما. ولا نعني به الصدق الفعلي حالة الحكم، بل الأعمّ من الصدق حالة الحكم و قبله وبعده.
ولا نعني به الجيم الموجود في الخارج، بل كلّ ما فرضه العقل ج، سواء كان موجوداً في الخارج أو لا. وقس على هذا باقي المحصورات.
السادس3: القضية: 1ـ إن لم تكن لها جهة سميت مطلقة4 عامة، وهي

1 . فإن قرن السور بالمحمول أو بالموضوع الشخصي فقد انحرفت القضية عن الوضع الطبيعي، فتسمى منحرفة. وقال الشيخ ابن سينا: «إنّ قولنا: السور قرن بالمحمول في المنحرفات، ليس قولاً حقيقياً، فانّ قول الحقّ فيها هو أن يجعل السور مع شيء آخر محمولاً...» الفصل التاسع من المقالة الأُولى من الفنّ الثالث من منطق الشفاء.
2 . وهو مفهوم الكلي أي المفهوم الذي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين ويسمى كلياً منطقياً; لأنّ المناطقة لا يقصدون من الكلّي إلاّ هذا المعنى. وما يصدق عليه هذا المفهوم في الخارج كالإنسان والحيوان يسمى كلياً طبيعياً، لوجوده في الطبيعة والخارج. والمجموع المركّب من هذا العارض «الكلي» والمعروض« الإنسان » يسمّى كلياً عقلياً كالإنسان الكلّي والحيوان الكلّي، إذ لا وجود لهما إلاّ في الذهن. راجع شرح المنظومة: 20ـ 21; حاشية المولى عبد اللّه اليزدي على تهذيب المنطق للتفتازاني: 59.
3 . انظر تعاريف أقسام القضايا وأمثلتها في شرح الإشارات 1: 143 وما يليها; الجوهر النضيد: 63ـ 68.
4 . وإن ذكرت جهتها سمّيت موجهة.

صفحه 81
التي حكم فيها بثبوت المحمول للموضوع بالفعل أو سلبه عنه، وهي أعمّ الفعليات.
2ـ فإن قيدت بالدوام الذاتي فهي الدائمة.
3ـ وإن قيد الدوام بالوصف العنواني فهي العرفية العامة إن أُطلقت1 .
4ـ وإن قيدت بنفي الدوام الذاتي فهي العرفية الخاصة.
5ـ وإن لم تقيد بالدوام، بل باللادوام فهي الوجودية اللادائمة.
6ـ وإن قيدت بنفي الضرورة الذاتية فهي الوجودية اللاضرورية.
7ـ وإن قيدت بالضرورة الذاتية وهي الحاكمة بوجوب ثبوت المحمول للموضوع أو بوجوب سلبه عنه مادامت ذات الموضوع موجودة فهي الضرورية المطلقة.
8 و إن قيدت الضـرورة بـوصــف الموضـوع فهي المشروطة العامـة، إن اطلقت.
9ـ وإن قيدت بنفي الدوام فهي المشروطة الخاصة.
10ـ وإن قيدت بوقت معيـّن مع قيد اللادوام فهي الوقتية.
11ـ وإن يكن الوقت معيناً فهي المنتشرة.
12ـ وإن لم يحكم فيها بالثبوت الفعلي بل بالإمكان الذي هو رفع الضرورة عن الجانب المخالف للحكم فهي الممكنة العامة.
13ـ وإن رفعت الضرورة عن الطرفين فهي الممكنة الخاصة.
والجهات يكاد لا تتناهى، لكن المهم منها هذه الثلاث عشرة قضية ست منها بسائط، وهي ما لم تقيد بنفي الدوام ولا بنفي الضرورة، و سبع مركبات وهي

1 . أي لم تقيد باللادوام الذاتي.

صفحه 82
المقيده بأحدهما. و الممكنة العامة أعمّ الموجهات.
السابع:1 التناقض اختلاف قضيتين إيجاباً وسلباً بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأُخرى، ولا يتحقق إلاّبشروط ثمانية:
1ـ وحدة الموضوع.
2ـ وحدة المحمول.
3ـ وحدة الإضافة.
4ـ وحدة القوّة أو الفعل.
5ـ وحدة الزمان.
6ـ وحدة المكان.
7ـ وحدة الشرط.
8ـ وحدة الكلّ أو الجزء.
وقيل2 : الأخيران راجعان إلى وحدة الموضوع، والبواقي إلى وحدة المحمول.و يشترط في المحصورات تاسع هو الاختلاف فيه أي في الحصر.3
وإذا عرفت هذا فنقول: إنّ شيئاً من الموجهات المذكورة لا يناقضه شيء من جنسه، فنقيض المطلقة العامة هي الدائمة; لانقسام الشيء إلى دائم الإيجاب ودائم السلب ولا دوامهما، فالمطلقة الإيجابية تشمل الأوّل والثالث و تخلى عن
الثاني. والسلبية تشمل الثاني والثالث وتخلى عن الأوّل. فنقيض كلّ منهما ما يخلى عنه. و نقيض الوقتية العامة الحينية. ونقيض الضرورية الممكنة العامة المخالفة; لأنّ الأشياء تنقسم إلى ضرورية الإيجاب وضرورية السلب ولا ضرورتهما. فالممكنة العامة الإيجابية تشمل الأوّل والثالث وتخلى عن الثاني، و السلبية تشمل الثاني والثالث و تخلى عن الأوّل، فنقيض كلّ منهما ما يخلى عنه. و نقيض المشروطة العامة الحينية الممكنة.
وأمّا نقائض المركبات فهو المفهوم4 المتردد بين نقيضي جزئيها، لتركبها منهما خاصة. وإن كانت جزئية وجب رجوع الترديد إلى كلّ واحد واحد من الأفراد، أو يراد الترديد بين الجزئيتين الدائمتين. والأصل فيه أنّه يجوز أن يكون الاقتسام صادقاً، لكن كذبت الجزئية لكذب عود اللادوام إلى الجزء المخالف له.
الثامن5 : كلّ قضية ذات عكس تستلزم عكسها، وهو جعل المحكوم عليه محكوماً به، والمحكوم به محكوماً عليه، مع الموافقة في الكيف والصدق6 . فالسوالب7 الجزئية لا تنعكس

1 . راجع شرح الإشارات1: 177 وما يليها; الجوهر النضيد: 77ـ80.
2 . والقائل هوالرازي، راجع المصدر نفسه: 180.
3 . زاد المناطقة شرطاً تاسعاً في المحصورات وهوالاختلاف في الكم. قال الطوسي في شرحه على عبارة ابن سينا في القضايا المحصورة: «يريد أن يبيّن أنّ المحصورات المتقابلة مع اختلافها في الكيفية]الإيجاب والسلب[ ومع حصول الشرائط الثمانية فيها لا تتناقض إلاّ مع شرط آخر وهو الاختلاف في الكميّة...» نفس المصدر: 181.
4 . ق: «المفهوم» ساقطة.
5 . راجع شرح الإشارات1: 196 وما يليها.
6 . هذا رسم للعكس المستوي مطلقاً، الشامل للخاص بالحمليّات وغيره. وعرفه أبو البقاء بانّه تبديل طرفي القضية مع بقاء الصدق والكيف والكم. الكليات: 461. وقد يطلق العكس على عكس النقيض أيضاً و هو تبديل كلّ واحد من طرفي القضيّة بنقيض الآخر مع الموافقة في الكيف والصدق. وعند الإطلاق يراد العكس المستوي، لانسباقه و تبادره إلى الذهن.
7 . العادة البدأة بعكوس السوالب ثمّ الموجبات.

صفحه 83
مطلقاً إلاّ الخاصتين العرفيتين، لصدق سلب الأخص عن بعض الأعمّ مع كذب العكس.
وأمّا الكلية، فإن كانت إحدى السبع، وهي الوقتيتان والوجوديتان والممكنتان والمطلقة العامة، لا تنعكس لعدم انعكاس الوقتية التي هي أخصها،

صفحه 84
لصدق لا شيء من القمر بمنخسف بالضرورة وقت التربيع بين النيّـرين لا دائماً مع كذب بعض المنخسف ليس بقمر بالإمكان، وإذا لم ينعكس الأخص لم ينعكس الأعمّ; لأنّ لازم الأعمّ لازم الأخص.
وكلّ من الضرورية والدائمة والمشروطة والعرفية العامتين تنعكس كنفسها بالخلف. والخاصتان يلزمهما ما يلزم عامتهما، لكنّ اللادوام عائد إلى بعض الأفراد، لأنّه عكس كلية موجبة. وإذا كانتا جزئيتين انعكستا كنفسيهما، لأنّا نفرض الموضوع شيئاً معيناً فيصدق عليه الوصفان و سلبهما، ودوام سلب الموضوع مادام وصف المحمول.
والموجبات الكلية لا تنعكس كلية لجواز كون المحمول أعمّ، بل جزئية، وكذا الجزئية. فالضرورية والدائمية، والوصفيتان العامتان تنعكس حينية مطلقة، لكذب نقيضهما، وإلاّ لانتظم مع الأصل ما ينتج المحال. والخاصتان كذلك مع قيد اللادوام، وإلاّ لا تعكس إلى ما يناقض الأصل.
وباقي الفعليات تنعكس مطلقة عامة، وإلاّ لانعكس نقيضها إلى ما ينافيها، والممكنتان ممكنة عامة لذلك أيضاً.
التاسع1: كلّ قضية تستلزم عكس نقيضها، إن كان لها عكس نقيض، وهو جعل نقيض المحكوم به محكوماً عليه، ونقيض المحكوم عليه محكوماً به، مع الموافقة في الكيف و الصدق2، ويتناول أحكامه وأحكام العكس المستوي، فالموجبات الجزئية لا تنعكس هنا، عدا الخاصتين فتنعكسان كنفسهما، لصدق

1 . راجع الجوهر النضيد: 94ـ 97.
2 . للعكس النقيض طريقتان: طريقة للقدماء وهي ما جاء بها المؤلف، وهي تبديل نقيض الطرفين مع الموافقة في الصدق والكيف، و طريقة للمتأخرين، وهي جعل نقيض المحمول موضوعاً وعين الموضوع محمولاً مع الاختلاف في الكيف.

صفحه 85
بعض الحيوان غير إنسان، وكذب عكسه. ويصدق بالضرورة الوقتية بعض القمر غير منخسف لا دائماً، ويكذب عكسه، وهاتان أخصّ القضايا.
وإن كانت الكلية إحدى السبع، وهي: الوقتيتان و الوجوديتان و الممكنتان والمطلقة العامة، لا تنعكس لصدق مثال الوقتية كلياً مع كذب عكسه.
وإن كانت إحدى الست انعكست كنفسها، لكن قيد اللادوام راجع إلى البعض:
أمّا الأوّل، فلأنّه لولاه لا ينعكس نقيضه إلى ما ينافي الأصل.
وأمّا الثاني، فلأنّه لو لم تصدق السالبة الجزئية المعدولة الطرفين لَصَدق نقيضها، وانعكس عكس النقيض إلى ما ينافي قيد اللادوام في الأصل.
والسوالب وإن كانت كلية فإنّما تنعكس جزئية لصدق سلب إحدى النوعين عن الآخر كلياً، و كذب سلب نقيض أحدهما على نقيض الآخر كلياً. فالوقتيتان والوجوديتان والمطلقة العامة تنعكس مطلقة عامة، وإلاّ لصدق نقيضها وانعكس إلى ما يضاد الأصل أو يناقضه.
و تنعكس الضرورية والدائمة و المشروطتان و العرفيتان والوقتيتان حينية مطلقة، و مع قيد اللا دوام في الخاصتين، و إلاّلانعكست العرفية بعكس النقيض إلى ما يضاد الأصل أو يناقضه.
وتنعكس الممكنتان ممكنة عامة بالخلف.
العاشر1: قد يتركب كلّ من المتصلين و المنفصيلن من حمليّتين أو متصلتين أو منفصلتين، أو حملية و متصلة، أو حملية و منفصلة، أو متصلة

1 . راجع شرح الإشارات 1: 130 ومايليها; الجوهر النضيد: 41ـ43.

صفحه 86
ومنفصلة. و لمّا تميّز مقدم المتصلة1 عن تاليها طبعاً صارت أقسامها تسعة، والمنفصلة ستة2 . وتتركب اللزومية الموجبة الصادقة من صادقين و كاذبين ومقدم كاذب و تال صادق3 دون العكس. والاتّفاقية من صادقين خاصة.
والكاذبة اللزومية قد تتركب من الأربع، والاتّفاقية من الثلاث، و تصدق السالبة من كلّ منهما في مادة الموجبة الكاذبة، وتصدق الحقيقية الموجبة عن صادق و كاذب لا غير، ومانعة الجمع عن صادقين وصادق و كاذب، ومانعة الخلو عنه وعن صادقين، وتكون الثلاثة فيما عدا هذه، و فيها مع عدم التعاند.والسالبة تصدق فيما كذبت فيه الموجبة، وتكذب فيما صدقت فيه.
ويجري التناقض في الجميع على قياس الحمليات4، والعكس وعكس

1 . المقدّم في المتصلة هو الذي يقترن به حرف الشرط، مثل: «إن كانت الشمس طالعةً». والتالي هو الذي يقترن به حرف الجزاء، مثل: «فالنهار موجود».
والمقدم في المنفصلة غير متميز عن التالي في الطبع; لأنّ معاندة أحد الشيئين للآخر تستلزم معاندة الآخر له فأيّـهما جعل المقدّم صحّ و كانت القضيّة واحدة، بخلاف المتصلة التي في طبيعة أحد جزئيها أن يكون ملزوماً والآخر لازماً. راجع الجوهر النضيد: 41.
2 . تتألف المتصلة من: 1ـ الحمليتين2ـ المتصلتين3ـ المنفصلتين 4ـ الحملية والمتصلة 5ـ المتصلة والحملية 6ـ الحملية والمنفصلة 7ـ المنفصلة والحملية 8 المتصلة والمنفصلة 9ـ المنفصلة والمتصلة.
وتتألف المنفصلة من: 1ـ الحمليتين 2ـ المتصلتين 3ـ المنفصلتين 4ـ الحملية والمتصلة 5ـ الحملية والمنفصلة 6ـ المتصلة والمنفصلة.
راجع شرح الإشارات 1: 130. وذكر العلاّمة لكلّ منها مثالاً في الجوهر النضيد: 42ـ43.
3 . لأنّ الصدق في القضية المتصلة لا يُشترط بصدق الطرفين، بل الملاك صدق الملازمة بين الطرفين وإن كانا كاذبين واستثنى المؤلفة من مقدّم صادق و تال كاذب; لأنّ صدق المقدّم يستلزم صدق التالي وكذب التالي مع صدق المقدّم يوجب كذب الشرطية لانتفاء الملازمة بين الطرفين.
4 . راجع شرح الإشارات1: 137.

صفحه 87
النقيض في المتصلات1 .
وتتلازم المتصلتين إذا اتّفقتا في الكمّوالكيف من أحد الطرفين وتلازمتا متعاكساً في الآخر. والحقيقيتان إذا اتّفقتا في الكم والكيف وتناقضتا في الطرفين. ومانعتا الجمع و الخلو إذا اتّفقتا كمّاً وكيفاًوتلازمتا في الطرفين تتعاكسا. والحقيقية مانعة الجمع إذا اتّفقتا كماً و كيفاً و أحد الطرفين، واستلزم طرف مانعة الجمع طرف مانعة الخلو تستلزم الحقيقية مانعة الجمع.
ولو وافقت الحقيقة مانعة الخلو كماً و كيفاً و أحد الطرفين و استلزم طرف الحقيقية طرف مانعة الخلو استلزمت الحقيقية مانعة الخلو.
ولو وافقت مانعة الجمع مانعة الخلو في الكم و الكيف و تناقضتا في الطرفين تلازمتا و تعاكستا. و المتصلة تستلزم مانعة الجمع من عين المقدم ونقيض التالي. ومانعة الخلو من نقيض المقدّم و عين التالي.
والحقيقية تستلزم2 أربع متصلات من عين أيّ طرف كان و نقيض الآخر، ومن نقيض أيّ طرف كان و عين الآخر.
ومانعة الجمع تستلزم3 متصلة من عين أيّ طرف كان و نقيض الآخر.
ومانعة الخلو تستلزم متصلة من نقيض أيّ طرف كان وعين الآخر.

1 . أي ليسا في المنفصلات.وقال الطوسي: «فإنّ العكس لا يتعلّق به ]المنفصلة[، لعدم امتياز أجزائه بالطبع». نفس المصدر: 138. وقول العلاّمة: «والحقيقيتان إذا...» استدراك على عدم العكس في المنفصلات و يثبته فيها بما يذكر من الصور التالية.
2 . راجع شرح الإشارات1: 281ـ 282.
3 . راجع شرح الإشارات1: 281ـ 282.

صفحه 88

البحث الثاني

في إبطال كلمات السوفسطائية1

قد عرفت أنّ حكم الذهن بشيء على شيء، إمّا أن يكون جازماً أو لا، فالجازم إمّا أن يكون مطابقاً أو لا، و المطابق إمّا أن يكون لموجب أو لا، وإن كان لموجب فإمّا أن يكون حسياً أو عقلياً أو مركباً منهما، فإن كان حسياً فهي المحسوسات في الحواس الخمس، وإن كان عقلياً فإنّ الموجب تصور طرفي القضية لا غير وهي البديهيات، أو لابدّ من شيء آخر و هو النظريات. وإن كان الموجب مركباً من الحس والعقل، فإن كان من السمع والعقل فهو العلم الحاصل

1 . السوفسطائية: طائفة من المعلّمين متفرقين في بلاد اليونان اتّخذوا التدريس حرفة فكانوا يرحلون من بلد إلى بلد يلقون المحاضرات، منهم «بروتاجوراس» كان يعلم قواعد النجاح في السياسة، و«هدياس» و كان يعلم التاريخ والطبيعة والرياضة. والمقياس الذي قامت عليه فلسفتهم هو: الإنسان مقياس كلّ شيء. وتكاد تكون فلسفة «البرجماتزم» التي لا تريد أن تعترف بحقيقة في ذاتها قريبة الشبه جدّاً بتعاليم السوفسطائيين، ولسنا على خطأ إذا قلنا: إنّها سوفسطائية العصر الحديث، ولا ريب انّ موضوع الخطأ عند «بروتاجوراس» قديماً، ومذهب «البرجماتزم» حديثاً، هو الاعتماد على الحواس وتجاهل العقل. راجع قصة الفلسفة اليونانية، أحمد أمين و زكي نجيب: 108.
ونقل الطوسي عن أهل التحقيق: هذه لفظة من لغة اليونانيين، فانّ «سوفا» بلُغتهم اسم للعلم والحكمة و «اسطا» اسم للمغلطة، فسوفسطا معناه علم الغلط، كما كان «فيلا» اسم للمحبّ، و «فيلسوف» معناه محبُّ العلم، ثمّ عرّب هذان اللفظان، و اشتقّ منهما السّفسطة والفلسفة. نقد المحصل: 46.
وانظر البحث أيضاً في نهاية العقول (المسألة الأُولى من الأصل الثاني).

صفحه 89
بالتواتر. أو من البصر والعقل وهو المجربات والحدسيات، وقد مضى بعض هذه وأقسام غير الجازم.
وإذا عرفت هذا فنقول: إنّ جماعة أنكروا الحسيات، وآخرون أنكروا البديهيات، وطائفة أُخرى أنكروهما معاً، وهؤلاء هم السوفسطائية. وفرقهم ثلاثة:
أمثلهم طريقة اللاأدرية، وهم الذي يقولون: إنّا لا نعرف ثبوت شيء ولا انتفاءه، بل نحن متوقفون في كلّ الأقسام.
ومنهم فرقة تسمى العنادية، وهم الذين يعاندون ويقولون: نحن نجزم بأنّه لا موجود أصلاً.
ومنهم فرقة أُخرى تسمى العِندية،1 وهم الذين يقولون: إنّ حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات لا أنّ الاعتقادات تابعة للحقائق، فمن اعتقد في العالم أنّه قديم كان العالم قديماً في حقّه، ومن اعتقد أنّ العالم حادث كان حادثاً في حقّه.
وأيضاً من السوفسطائية من أنكر الحسيات، و اعترف بالبديهيات، و منهم من عكس، و منهم من أنكرهما معاً 2.
أمّا اللا أدرية فقد احتجوا بوجوه:

الوجه الأوّل

قالوا: وجدنا أُموراً يدّعي القائلون بها أنّها ضرورية، و خصومهم يكذبونهم في تلك القضايا فضلاً عن المساعدة على أنّ العلم بها ضروري، وذلك يقتضي

1 . الكلمة مأخوذة من «عند» حيث إنّهم يقولون الحقائق حقّ عند من هي حقّ عنده و باطل عند من هي باطل عنده. وهم الذي يسمّون في العصور الأخيرة بـ «النسبيين» ) RELATIVISM)وهم يحاولون إثبات أنّه ليس للحقّ والباطل معيار خاص، بل تتصف بها الأشياء باعتبار القائلين بها.
2 . في هامش ج: «الظاهر أنّه مكرر».

صفحه 90
القدح في الضروريات.
بيان ذلك في أربع عشرة مسألة:
الأُولى: المعتزلة ادعوا ضرورية العلم بحسن الصدق النافع و قبح الكذب الضارّ، والظلم، و إيلام البريء عن الجرم من غير عوض. مع أنّ الأشعرية والفلاسفة نازعوهما1 في ذلك، واتّفقا على أنّ مثل هذه القضايا ليست أوّلية، بل مشهورة و صحيحة في بعض الصور دون بعض.
الثانية: ادعى جماعة من المعتزلة العلم الضروري بأنّ العبد موجد لأفعاله2 و مخير بين الفعل و الترك. والأشاعرة منعوا ذلك و ادعوا ضرورية ما يقابل هذه الضرورة، وهي أنّ فاعلية العبد للحركة يمنة دون الحركة يسرة أمر جائز، فلا بدّ من استنادها إلى أمر واجب وهو إرادة اللّه تعالى. و زعموا أنّ استناد الجائز إلى الواجب أمر ضروري، و متى ثبت استناد هذه الفاعلية إلى إرادة واجبة لم يبق التمكن والاختيار.
الثالثة: ادّعت المعتزلة و الفلاسفة العلم الضروري باستحالة رؤية الأعمى في ظلمة الليل بقة في الأندلس وهو بالصين، مع أنّ البصير لا يرى في ضياء النهار الجبال العظيمة الحاضرة عنده. وادعوا أيضاً العلم الضروري باستحالة رؤية ما لا يكون مقابلاً، ولا في حكم المقابل.وأنّ الأشعرية جوزوا ذلك وكذبوهم في دعوى الضرورة فضلاً عن أن يعلم ذلك الامتناع بالضرورة.3
الرابعة: جمهور العوام يضطرون إلى العلم ببقاء الألوان وسائر الأعراض4

1 . كذا. راجع القول ونزاعه من الرازي في نقد المحصل: 340.
2 . راجع القاضي عبد الجبار في ابتداء فصل خلق الأفعال: «الكلام في أنّ أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنّهم المحدثون لها». شرح الأُصول الخمسة: 323.
3 . راجع نقد المحصل: 322.
4 . هذا الرأي منسوب إلى أبي الحسين البصري كما في نقد المحصل: 181.

صفحه 91
المستمرة الوجود على نهج واحد. مع أنّ الأشاعرة وطائفة من المعتزلة ذهبوا إلى امتناع بقائها.1
الخامسة: ادّعى الجمهور الضرورة في بقاء الأجسام، وأنكر النظّام ذلك.2
السادسة: ادّعت المجسّمة العلم الضروري بأنّ ما لا يختص بجهة ولا يكون ملاقياً 3 للعالم ولا مبايناً له، فليس بموجود. وكلّ الموحدين كذبوا هذه القضية فضلاً عن ادّعاء العلم الضروري بصحّتها.
السابعة: ادّعى مثبتوا الخلاء العلم الضروري بأنّ كلّ جسم ينتهي إمّا إلى ملاء أو إلى خلاء. ونفاة الخلاء يكذبون هذه القضية.
الثامنة: القائلون بقدم الزمان يدّعون العلم الضروري بأنّ كلّ حادث فلابدّ و أن ينتهي وجوده في الوهم إلى وجود زمان سابق. والقائلون بالحدوث يكذبونهم في ذلك.
التاسعة: ادّعى جماعة من الفلاسفة العلم الضروري باستحالة حدوث شيء لا من شيء، والمتكلّمون كذبوهم في ذلك.
العاشرة: ادّعت الفلاسفة العلم الضروري بأنّ الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلاّ لمرجح، والمسلمون كذبوهم في هذه القضية في حقّ القادر، حيث جوزوا للقادر أن يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح.
الحادية عشرة: اتّفق جمهور المتكلمين على أنّ أوّل العلوم الضرورية علم الإنسان بنفسه وألمه و لذته وجوعه وعطشه، ثمّ اتّفقت الفلاسفة على أنّ المدرِك

1 . قال الرازي: «اتّفقت الأشاعرة على امتناع بقاء العرض». نفس المصدر: 180.
2 . قال الرازي: «الأجسام باقية، خلافاً للنظّام» وقال الطوسي في نقده: «هذا النقل من النظّام غير معتمد عليه». نفس المصدر: 211.
3 . في نهاية العقول: «مقابلاً».

صفحه 92
للألم و اللذة والجوع والعطش ليس هو نفس الإنسان، بل المدرِك لها قوى جسمانية من توابع النفس الناطقة الإنسانية التي هي الإنسان بالحقيقة.
الثانية عشرة: اتّفق المتكلّمون على ادعاء العلم الضروري بأنّ الإنسان هو المبنى هذه البنية1المخصوصة، والفلاسفة2 كذبوهم في هذه القضية، وجعلوا حقيقة الإنسان شيئاً غير متحيز ولا قائم به.
الثالثة عشرة: ادّعت الفلاسفة3 العلم الضروري باستحالة إعادة المعدوم، و جمهور المتكلّمين جوزوا ذلك.
الرابعة عشرة: ادّعت الأشعرية العلم الضروري باستحالة كون الميّت، بل المعدوم فاعلاً. والمعتزلة جوزوا ذلك في المتولدات.
فثبت بهذه المسائل أنّ أرباب المذاهب يدّعون العلم الضروري بصحّة بعض القضايا، مع أنّ خصومهم يكذبونهم فيها. وإنّما قلنا: إنّ ذلك يقدح في الضروريات و البديهيات، لأنّ هذه القضايا التي ادّعي فيها أنّ صحّتها معلومة بالضرورة إمّا أن تكون في أنفسها ضرورية الصحّة أو لا. فإن كانت ضرورية فالمنكر لها منكر للضرورة مع أنّ ذلك المنكر يعتقد أنّه في ذلك الإنكار على الحقّ، فقد اشتبه الضروري عليه بغيره، وإن لم تكن ضرورية فالمعتقد لكونها ضرورية قد اشتبه عليه غير الضروري بالضروري، وعلى كلا التقديرين الضروري مشتبه بغيره. وإذا كان كذلك لم يكن جزم الذهن مفيداً لكون المجزوم به ضرورياً

1 . أي الأجزاء الأصلية من البدن التي لا يمكن أن تقوم الحياة بأقلّ منها، لا الأجزاء التي تزيد وتنقص في الأحوال. نقد المحصل: 379.
2 . ومن المعتزلة معمّر، و منّا الإمام الغزالي. نفس المصدر.
3 . والرازي، حيث استحسن كلام ابن سينا وقال: «نعم ما قال الشيخ من أنّ كلّ من رجع إلى فطرته السليمة و رفض عن نفسه الميل و العصبية شهد عقله الصريح بأنّ إعادة المعدوم ممتنع قطعاً». المباحث المشرقية1: 138.

صفحه 93
وبالعكس. فإذن لابدّ من التمييز فيها بين الحقّ والباطل بالدليل المركب من المقدمات الضرورية، فيتوقف كلّ منهما على الآخر و يدور.
لا يقال: ليس الطريق إلى تمييز الضروريات من غيرها الاستدلال، ولا مطلق جزم العقل بذلك، بل بأن يفرض الإنسان نفسه خالية عن جميع الهيئات 1 النظرية و العلمية من العقائد والأديان، والرقة والأُلفة والعادة، فكل ما يجزم به العقل حينئذ يكون ضرورياً لاستناده إلى فطرة العقل لا غير، وما لا يجزم به يكون غير ضروري، بل يكون مستنداً إلى أحد هذه الأُمور.
لأنّا نقول: هذا باطل من وجوه:
الأوّل: الهيئات المستندة إلى العادة تصير ملكات مستقرة في النفس، وهي لا تزول عند ما نحاول زوالها، وإذا تعذر زوالها وهي مانعة من الجزم بمقتضى العقل، فإذن لا يصحّ الوثوق بشيء من أحكام العقل.
والحاصل أنّ فرض الخلو لا يوجب الخلو، فيتعذر حينئذ الفرق بين ما يستند إلى الفطرة العقلية وما يستند إلى هذه الأُمور.
الثاني: هب أنّ هذه الهيئات 2 والملكات ممكنة الزوال بمحاولتنا إزالتها، لكن من الجائز أن تبقى في النفس هيئة لا نشعر بها على التفصيل في تلك الحالة، فحينئذ لا نشتغل بإزالتها وإن كنّا قد أزلنا سائر الهيئات، و مع هذا الاحتمال لا يمكن الوثوق به.
الثالث: هب أنّا نقطع بزوال جميع الهيئات، ولكن في هذه الحالة قد نجد العقل جازماً بأُمور مختلفة الصحّة، فإنّه لا يمكننا أن نتصور الأجسام وانتهاءها لا إلى خلاء ولا إلى ملاء، ولا أيضاًنتصور انتهاء الزمان و جملة الحوادث إلى ما لا

1 . ق: «الماهيات» ، وهو خطأ.
2 . ق: «الماهيات» ، وهو خطأ.

صفحه 94
تفرض فيه قبلية وبعدية زمانية، ولا أيضاً وجود شيء غير مختص بالجهة ولا مختص1 بما يختص بالجهة.
لا يقال: الحاكم بهذه القضايا بديهة الوهم لا بديهة العقل وبديهة الوهم كاذبة بدليل تصديقها لما يلزم منها بالضرورة نقائض هذه القضايا، و لو كانت صادقة لما صدّقت بما ينتج نقائض ما حكمت بصحّتها.
لأنّا نقول: هذا يقتضي توقّف معرفة صحّة البديهيات على هذا الدليل الذي ذكرتموه، وحينئذ يعود الدور. وأيضاً إذا توقف الوثوق بجزم البديهة على أن لا تكون البديهة جازمة بما تنتج نقائضها، وجب علينا في كلّ قضية بديهية أن نبحث و نجتهد هل في مجزومات البديهة ما ينتج نقائضها؟ وذلك ممّا لا سبيل إلى علمه، لأنّ غاية ما يفيدنا البحث و الاجتهاد والتفحص التام أنّا لا نجد شيئاً يناقض حكم البديهة، لكن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
ثمّ لو فرضنا عدم الوجود، لكن لا يلزم العدم، فإنّه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
ثمّ لو سلّمنا اللزوم، لكن جاز أن تختلف الأشخاص في هذا، فلا يلزم من عدم الدليل عند شخص عدمه عند كلّ شخص، وإذا جوز العقل ثبوت معارض في نفس الأمر أو عند آخر امتنع منه الجزم بالبديهيات، وهو المطلوب.
والجواب: لا يلزم من ادّعاء قوم الضرورة في شيء و إنكار آخرين الطعن في الضروريات; لجواز الاشتباه على إحدى الطائفتين أو غيرهما بين أحكام العقل وأحكام الوهم. أمّا العلم بالحسن والقبح فسيأتي بيان كونهما ضروري إن شاء اللّه تعالى. وكذا العلم بإيجاد العبد لفعله و استناده إليه. وكذا الرؤية و بقاء اللون

1 . ق: «مختصاً».

صفحه 95
والجسم. وبطلان كونه تعالى جسماً مستند إلى صريح العقل الدال بواسطة المقدمات البديهية على صحته، إلى غير ذلك من القضايا التي عارض الوهم فيها العقل. وقصور فهم بعض الناس عن التمييز بين الحقّ والباطل. واعتمادهم على ما يتقلدونه و تعارض دليلين لا يوجب القدح في الضروريات.

الوجه الثاني1

لزوم النتائج النظرية عن المقدمات الضرورية، إمّا أن يكون ضرورياً أو لا، والقسمان باطلان، فاللزوم باطل.
أمّا الأوّل، فلأنّه لو كان حصول النتائج واجباً ضرورياً لزم حصوله لكلّ العقلاء; لأنّهم بأسرهم مشتركون في العلوم الضرورية، فيجب اشتراكهم في اللازم عنها، وهو جميع العلوم النظرية، لكن التالي باطل، لوقوع الاختلاف بين العالم2 في أكثر النظريات.
وأمّا الثاني، فلأنّ لزوم اللازم عن المقدمات الضرورية لو كان نظرياً لافتقر إثبات ذلك اللزوم إلى نظر آخر و تسلسل، وهو محال.
وبتقدير تسليمه فالمطلوب حاصل; لأنّ تلك الوسائط المسلسلة إمّا أن يكون بين اثنين منها تلازم و اتصال بحيث لا يفتقر إلى وسط، أو لا يكون. فإن كان هناك اثنان لا وسط بينهما، فلابدّ و أن يكون لزومه عن ملاصقة ضرورية، وإلاّ افتقر اللزوم إلى متوسط بينهما فلا يكون الملاصق في اللزوم ملاصقاً، هذا خلف. وإن لم يكن هناك اثنان بينهما اتصال والتصاق في التلازم، بل كلّ اثنين فرضا متلازمين فإنّ بينهما وسط، و لم يكن شيء من العلوم مفيداً لشيءمن العلوم، أو لزم من ذلك العلم بما لا يتناهى لا مرّة واحدة، بل مراراً غير متناهية.

1 . ممّا احتج به اللا أدرية على مدّعاهم.
2 . كذا في المخطوطة.

صفحه 96
وهذا المحال إنّما لزم على تقدير اشتراك العقلاء بأسرهم في الضروريات فيكون منتفياً، فلا تكون الضروريات بأسرها حاصلة للكل. فإذا كانت العلوم التي يدعون كونها ضرورية، قد تكون حاصلة وقد لا تكون، ومتى لم تكن حاصلة فإنّها لا تحصل إلاّ بالكسب والطلب، ولا معنى للعلم النظري إلاّ ذلك، فحينئذ تصير العلوم الضرورية نظرية، فيلزم افتقارها إلى علوم أُخر سابقة عليها لا إلى نهاية، وذلك محال.
والجواب: أنّ حصول النتائج من الضروريات واجب لا ضروري، بل نظري، ولا يجب الاشتراك لتعلقه بالترتيب الذي لا يجب دوام صحّته، ولعدم الغفلة فإنّ مع حصولها قد يثبت النظر فلا يجب الإنتاج، وإذا كانت العلوم ضرورية، لم يجب اشتراكها بين كلّ العقلاء; لأنّها قد تستند إلى الإحساس الظاهر أو الباطن، والإحساس غير مشترك بين الناس.
وبالجملة الطعن في النظريات لا يستلزم الطعن في الضروريات.

الوجه الثالث

قالوا: العلوم الضرورية إمّا أن يكفي في حصولها مجرّد الفطرة الإنسانية أو لا، فإن كفت لزم حصول هذه العلوم للإنسان من ابتداء وجوده، فيلزم أن يكون الجنين عالماً بالضروريات كلّها، وهو باطل بالضرورة. وإن لم يكف فلابدّ من طريق آخر يكون كاسباً لهذه العلوم، فلا تكون هذه العلوم بديهية، بل كسبية.
لا يقال: إنّما يلزم أن تكون هذه العلوم كسبية لو استفيدت من الدليل أمّا إذا لم تستفد من الدليل فلا.
ولا يلزم من انتفاء هذه العلوم عن الأطفال كونها غير بديهية، فإنّ العلوم البديهية تتوقف على شروط واستعدادات للنفس كاستقراء المحسوسات، فإنّ الإنسان إذا أحسّ بأُمور جزئية تنبّه حينئذ لمشاركات بينها وبين غيرها، فإنّ الطفل

صفحه 97
أوّل ما يدرك صورة جزئية ثمّ يترعرع قليلاً، فيدرك صورة يحكم بأنّها أُمه و يميز بينها وبين غيرها، ثمّ يأخذ في زيادة الترعرع فيدرك صورة يحكم عليها بأنّها أبوه ويميز بينه و بين غيره، وهكذا يزداد كمالاً على التدريج بواسطة زيادة إحساسه للأُمور الجزئية حتى يفرق بين الإنسان وغيره من أنواع الحيوانات، و يدرك المشاركات بين الأُمور المتشابهة، والمباينات بين المختلفات، و ينتزع العلوم البديهية كلّها بواسطة كماله في الإحساس.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ الإحساس يفيد النفي على ما يأتي.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ الإحساس يمكن أن يكون مبدأً لهذه العلوم البديهية.
بيانه: أنّا نفرض الكلام في قولنا: الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، فإنّ هذه من أجلى البديهيات عندهم، ولا يمكن استفادتها من الحس لوجوه:
أ: أنّه ليس شيء من الجزئيات المحسوسة يعلم أنّها مساوية على التحقيق لشيء واحد، فإنّ الحس لا يضبط ذلك. ولأنّ الحس لا يمكنه الحكم بشيء على شيء البتة; لأنّه مودّ وآلة في التأدية إلى النفس والحاكم هو النفس لا غير.
ب: لو أفاد الاستقراء هذا العلم لكان ذلك من حيث إنّا لمّا أحسسنا ثبوت وصف المساواة في الخشب مثلاً بعضه لبعض، وفي الحجر والحديد، علمنا أنّ هذا الوصف لم يثبت للخشب لخصوصية الخشبية، وإلاّ لم يثبت لغيره من الحديد وشبهه ولا بالعكس، فحينئذ نعلم أنّها إنّما كانت كذلك لأنّها مساوية لشيء واحد، ولكن هذه الطريقة لا تتم إلاّ بعد مقدمات كلية.
منها: أنّ كلّ صفة انتفت مع وجود الحكم فليست علّة له، ولكن هذه المقدمة كاذبة; لجواز حصول الحكم الواحد بعلل مختلفة، فإنّه لا يجب من تساوي المعلولات تساوي العلل. واستناد عدم المعلول إلى عدم العلة لا غير ينافي إسناد

صفحه 98
المعلولات المتساوية إلى العلل المختلفة; لأنّ المعلول هناك يعدم و يوجد مثله مع الأُخرى.
ومنها: أنّه لابدّ من حصر العلل و بيان انتفائها حتى يقتضي انتفاء المعلول.
ومنهـا: أنّ العلة إذا حصلت حصل معها معلولها حتى يعلم أنّه يلزم من كون تلك الأُمور مساوية للشيء الواحد حصول المعلول، وهو مساواتها.
ومنها: أنّ القدر المشترك بين هذه الصور ليس إلاّ كونها مشاركة لشيء واحد، وظاهر أنّ العلم بأنّ الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، أظهر من كلّ واحد من هذه المقدّمات.
ج: هذا العلم لو استفيد من الإحساس فإمّا أن يستفاد من الإحساس بكلّ الجزئيات أو ببعضها، والأوّل باطل لتعذره، ولأجل ما يعلم أنّ العلم بأنّ الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية قد يحصل دون استقراء كلّ الجزئيات، ولأجل أنّ الإحساس إنّما يفيد الحكم في الجزئيات المحسوسة، لا في الجزئيات المتوهمة التي لا نهاية لها التي يتوقف صدق الموجبة الكلية على ثبوت الحكم فيها بأسرها. وبهذا بطل أن يكون المفيد هو استقراء بعض الجزئيات.
فثبت بما ذكرناه أنّه لا يمكن استفادة هذه العلوم البديهية من استقراء المحسوسات، وهي أيضاً ما كانت حاصلة في ابتداء الخلقة، فلم يبق إلاّ أن يكون طريق تحصيلها الكسب، وذلك يوجب إمّا التسلسل أو الدور، وهما محالان، وذلك يقدح في حصول العلم.
والجواب: قد بيّنا أنّ الفطرة بمجرّدها لا تكفي في تحصيل العلوم الضرورية،

صفحه 99
لنقصانها وعدم استكمالها، وأنّها بواسطة الإحساس تستكمل على التدريج لتحصل لها العلوم البديهية.
والحكم بالمساواة لا يستند إلى الحس ولا بغيرها; لأنّ الحاكم بين الطرفين إنّما هو النفس، لكن قد يكون مبدأ هذا الحكم الإحساس بالطرفين أو أحدهما.
والقضايا الضرورية المستندة إلى الحس أو التجربة لا يؤثر فيها التجويز العقلي المجرّد عن التجربة، فإنّا نجزم بالضرورة أنّ كلّ نار حارة لانعقاد التجربة فيها وإن كان يجوز عقلاً وجود نار لا تلزمه الحرارة، ولا نفتقر في هذا الحكم إلى حصر العلة،ولا إلى تعميم الإحساس بالكل.

الوجه الرابع1

قالوا: الجزم بالبديهيات ليس أقوى من الجزم بالمحسوسات; لأنّ البديهيات فرع المحسوسات والفرع لا يكون أقوى من الأصل، ثمّ إنّه لا يمكن الجزم بالمحسوسات; لأنّ الحس إمّا أن يعتبر في الجزئيات أو في الكليات.
والثاني باطل، فإنّ الحس لا يعطيها البتّة، فإنّ الحس لا يشاهد إلاّ هذا الكل وهذا الجزء. فأمّا وصف الأعظمية وهو أنّ الكلّ أعظم من الجزء فهو غير مدرك بالحس، وبتقدير كون وصف الأعظمية مدركاً بالحس، لكن المدرك هو أنّ هذا الكل أعظم من هذا الجزء، فأمّا أنّ كلّ كلّ أعظم من جزئه فغير مدرك بالحس; لأنّ الحس إنّما يدرك بمشاركة الوضع، والأمور الكلية مجرّدة عن الأوضاع.
ولو فرضنا أنّه أدرك كلّ ما في الوجود من الكلاّت والأجزاء، إلاّ أنّ قولنا كلّ كذا كذا، لا نريد منه أنّ كلّ ما دخل في الوجود الخارجي من أفراد الموضوع

1 . راجع نقد المحصل: 14و26.

صفحه 100
فهو كذا، بل ولا ما وجد أو سيوجد، بل كل ما لو وجد و فرضه العقل من جملة أفراد ماهية الموضوع، فإنّ المحمول صادق عليه سواء وجد في الماضي، أو يوجد في المستقبل، أو لا يتحقق له وجود البتة. ومعلوم قطعاً أنّ هذا ممّا لا يناله الحس البتة، ولا يمكن وقوع الإحساس به. فإذن الحس لا معونة له على إعطاء الكليات أصلاً. ولأنّ الحس في معرض الغلط على ما يأتي، فلا يبقى لنا وثوق بما يعطيه من الكليات.
والأوّل باطل، وهو أنّ الحس معتبر في الجزئيات; لأنّه في معرض الغلط، وإذا كان في معرض الغلط لم يكن مجرّد حكمه مقبولاً.
بيان الأوّل من وجوه:1
أ: أنّ البصر قد يدرك الصغير كبيراً، كما يرى النار البعيدة في الظلمة عظيمة، وكما يرى العنبة في الماء كالاجاصة، و كما إذا قرّبنا حلقة الخاتم إلى العين فإنّا نراها كالسّوار.وقد يدرك الكبير صغيراً كالأشياء البعيدة غير النار، كالكواكب، فإنّ قدر الشمس أضعاف قدر الأرض.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ الحس إدراك بآلة فقط، والحكم تأليف بين مدركات الحس أو بغير الحس، على وجه يعرض للمؤلّف لذاته إمّا الصدق أو الكذب، واليقين حكم2 على الحكم الأوّل بالصدق على وجه لا يمكن أن يزول. وليس من شأن الحس التأليف الحكمي; لأنّه إدراك3فقط، فلا شيء من الأحكام بمحسوسة أصلاً، فإذن كلّ ما هو محسوس لا يمكن أن يوصف من حيث كونه محسوساً بكونه يقينياً أو غير يقيني، أو حقاً أو باطلاً، أو صواباً أو

1 . انظر الوجوه في كلمات الرازي في نقد المحصل: 14و مايليها.
2 . في المصدر: «حكم ثان».
3 . في المصدر: «ادراك بآلة».

صفحه 101
غلطاً، فإنّ جميع هذه الأوصاف من لواحق الأحكام. اللّهمّ إلاّ إذا قارن المحسوس حكمٌ غير مأخوذ من الحس و حينئذ يوصف بهذه الأوصاف من حيث كونه حكماً، ويقال له حكم يقيني أو غير يقيني.
وإذا تقرر هذا، ثبت أنّ قولهم: المحسوسات ليست يقينية، ليست بمحسوسات فقط1، فإنّها لا يمكن أن تكون يقينية أو غير يقينية بمعنى عدم الملكة، إنّما هي ليست يقينية بمعنى السلب، كما أنّ الإدراك وحده ليس حكماً.
وإذا كانت المحسوسات مقارنة باعتبار كونها مطابقة أو غير مطابقة، أو صواباً أو غلطاً، فادّعاء أنّ المحسوسات لا تكون يقينية عند جماعة من الحكماء كأفلاطون وأرسطو و بطليموس وجالينوس، حيث زعموا أنّ اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات، كما نقله فخر الدين عنهم غير صحيح; لأنّ الحكماء ذكروا أنّ مبادئ اليقينيات هي الأوّليات والمحسوسات وا لمجرّبات والمتواترات والحدسيات، وسمّوها بالقضايا الواجب قبولها.2وذكروا أنّ مبادئ المجرّبات والمتواترات والحدسيات هي الإحساس بالجزئيات، وأنّ الأوّليات يكتسبها الصبيان باستعداد يحصل لهم من الإحساس بالجزئيات. ولذلك حكم كبير الجماعة بأنّ«من فقد حسّاً فقد علماً» وأنّ أُصول أكثر العلم الطبيعي كالعلم بالسماء والعالم، والعلم بالكون والفساد، وبالآثار العلوية، و بأحكام النبات، والحيوان، مأخوذ من الحس; وعلم الارصاد والهيئة المبنية عليها عند بطليموس، وعلم التجارب الطبية عند جالينوس مأخوذ من المحسوسات، وعلم المناظر والمرايا، وعلم جرّالأثقال والحيل الرياضية كلّها مبنية على الإحساس وأحكام

1 . العبارة في المصدر: (ثبت أنّ المحسوسات في قوله: «إنّ اليقينيّات هي المعقولات لا المحسوسات» ليست بمحسوسات فقط) .
2 . انظر تعريف هذه القضايا في شرح الإشارات1: 214 ومايليها.

صفحه 102
المحسوسات. فإذن جلّ أقاويلهم يقتضي الوقوف بالمحسوسات التي هي مبادئ جميع العلوم، فكيف ساغ له1 أن ينقل عنهم أنّهم قالوا: المحسوسات لا تكون يقينية؟ بل أنّهم بيّنوا أحكام العقل في المحسوسات أيّها تكون يقينية، وأيّها تكون غير يقينية.
فإذن الصواب والخطأ إنّما يعرضان للأحكام العقلية، لا على المحسوسات من حيث هي محسوسات.ولو كانت الأحكام التي تقع في معرض الغلط غير موثوق بها، لكانت المعقولات الصِّرفة أيضاً غير موثوق بها; لكثرة وقوع الغلط للعقلاء فيها، ولما جُعِل لبيان مواضع الغلط في المعقولات ولا في المحسوسات صناعةٌ كصناعتي سوفسطيقا والمناظر.
وإذا تمهّد هذا فالنظر والبحث لا يمكن تمهيدهما إلاّ بعد حصول العلم والاتفاق في مقدمات هي المبادئ، ولو لم تكن المبادئ الأُولى معلومة أو موضوعة لم يمكن نظر في شيء ولا بحث عن شيء، فإنّ النظر و البحث يقتضيان التأدي من أصل حاصل إلى فرع مستحصل،وإذا لم يكن الأصل حاصلاً، امتنع التأدي من لا شيء إلى شيء، ولهذا لم يمكن البحث مع منكري المحسوسات و الأوّليات أصلاً، ومن يتكلّم معهم يقصد إرشادهم و تنبيههم أو تحصيل اعتراف منهم بنوع من الحيل إلى أن يحصل لهم استعداد أن ينظروا في شيء أو استحقاق أن يباحثوا في شيء.
فإذن الشكوك التي أوردها على لسان قوم مفروض يعبّر عنهم بالسوفسطائية، فإنّه لا تستحق الجواب أصلاً. إنّما يجاب من يثق أو يعترف بالوقوف على الأوّليات والمحسوسات، ببيان التفصّي عن مضائق مواضع الغلط بذكر أسباب الغلط و إحالة تصويب الصواب، وتخطئة الخطأ بعد ذلك إلى

1 . أي للرازي صاحب المحصل.

صفحه 103
صريح العقل المرتاض برفض العقائد الباطلة والتقليدات الواهية والعادات المضلّة. على أنّ الحس لا حكم له لا في الجزئيات ولا في الكليات كما تقدّم.
أمّا أنّ البصر قد يدرك الصغير كبيراً فعليه كلام، وهو أنّ البصر إذا أدرك الشيء صغيراً لم يدركه معه كبيراً ولا بالعكس، والحاكم بأنّ المدرك في الحالتين شيء واحد لا يمكن أن يكون هو البصر; لأنّ الحاكم لا يحكم إلاّ عند إدراكه في الحالتين معاً، فإذن هو العقل بتوسط الخيال.
وهذا الغلط إنّما توهمه العقل لا البصر. وذلك العقل حكم على الشيء المرتسم في الخيال بالصغر، إذ البصر أحسّ به كذلك، ثمّ وجد البصر أحسّ به كبيراً، فتوهم أنّ البصر غلط في إبصاره، ولم يغلط هو; لأنّ الإبصار يكون إمّا بانطباع شبح المبصَر في البصر وإمّا بوقوع شعاع من البصر على المبصَر، والأقرب إلى الحقّ هو الأخير.
وينبغي أن لا يلتفت إلى من يبطل القول بالشعاع، بأنّ الشعاع إن كان جسماً لزم تداخل الأجسام، وإن كان عرضاً لزم القول بانتقال العرض من محلّ إلى محلّ آخر; لأنّ شعاع النيرات كالشمس و القمر والنار موجود يقيناً، فما به يندفع المحالان هناك; يندفع به بعينه هنا.
ثمّ إنّ الشعاع يمتد من ذي الشعاع إلى قابل الشعاع من غير تخلّل خلل خال عن الشعاع، أو تراكم اجتماع شعاعين من مأخذ واحد من ذلك الممتدّ في بعض أجزاء امتداده، بل على هيئة مخروط مستدير مملوء جوفه، رأسه عند ذي الشعاع، وقاعدته على سطح قابل الشعاع الكثيف، وينعكس منه إذا كان صقيلاً إلى ما يحاذيه على زاوية مساوية للزاوية الحادثة بين الشعاع الممتد والسطح الصقيل، ونسميه زاوية الشعاع، و ينفذ في القابل الشفاف ذي السطح الصّقيل، و ينعكس عن سطحه و ينعطف في ثخنه إلى جانب ذي الشعاع كلّها،

صفحه 104
والانعكاس والانعطاف يكونان بزاويتين مساويتين لزاوية الشعاع. قد بُيّـن جميع هذا في مواضعه.
والشعاع البَصَري في أكثر الحيوانات يحتاج إلى مدد من جنسه، أعني إلى شعاع شيء من الأجسام ذوات الأشعة، ويستعان في تخيّل كيفية اتصاله بالمبصرات بتوهّم خطوط تخرج من سطح المخروط الشعاعي، ويكون الإبصار بزاوية تحدث من تلك الخطوط عند رأس المخروط.
فكلّما كان البصر أقرب إلى المبصر، تكون تلك الزاوية أوسع، فيراه البصر أعظم.وكلّما كان أبعد منه تكون تلك الزاوية أضيق، فيراه البصر أصغر، إلى أن تتقارب الخطوط وتصير عند الحس لتوهم انطباق بعضها على بعض كخط واحد، فيراه البصر كنقطة، وبعد ذلك ينمحى أثره فلا نراه أصلاً. هذا على رأي القائلين بالشعاع.
وأمّا القائلون بالانطباع فيقولون: إنّ الزاوية التي تحدث على سطح الرطوبة الجليديّة تصغر وتكبر بحسب بُعد المرئي وقربه، والبصر يدرك المرئي بتلك الزاوية.
وإذا تقررت قاعدة الشعاع، فالنار في الظلمة إذا كانت قريبة من الرائي نفذ الشعاع في الظلمة الرقيقة إلى الهواء المضيء بمجاورة النار، فيرى البصر ما حولها بمعونة من نورها و قربها1منها، فيراها على ما تقتضيها زاوية الإبصار.وإذا كانت بعيدة جداً لم ينفذ الشعاع في الظلمة الكثيفة، فلم ير ما حولها من الهواء2 المضيء بنورها و يراها وحدها بزاوية أصغر فيراها أصغر، كما في سائر المرئيات.وإذا لم تكن قريبة ولا بعيدة جدّاً فإنّ الشعاع البصري المحاذي لما حولها

1 . في المصدر: «ميّزها».
2 . في المصدر: «النور».

صفحه 105
لم ينفذ في الظلمة نفوذاًتامّاً، فلم يميّز النار عن الهواء المضيء بها، بل أدركهما معاً جملةً واحدةً فيراها البصر بزاوية أوسع من الزاوية التي تحدث من المحاذاة وحدها، وذلك هو العلة لكونها في الرؤية أعظم ممّا لو رؤيت في غير الظلمة المذكورة بالمحاذاة وحدها.
وأمّا السبب في رؤية العنبة في الماء كالاجاصة، فهو أنّ العنبة ترى في الماء بامتداد شعاعي النافذ في الماء والمنعطف معاً، ولا يتمايز الشعاعان لقربهما من سطح الماء. وأمّا في الهواء فيراها بالنافذ وحده. وهذا إذا كانت العنبة قريبة من سطح الماء; أمّا إذا صارت بعيدة و صار الشعاعان متمايزين فيراها بالنافذة والمنعطفة في موضعين متمايزين في حالة واحدة.
وأمّا رؤية الخاتم كالسّوار عند قربه من العين، فلتوسع الزاوية الشعاعية التي تحيط أضلاعها بالخاتم عند العين. و إدراك الأشياء البعيدة صغيرة لضيق تلك الزاوية.1
والجواب: المنع من كون الجزم بالبديهيات ليس أقوى من الجزم بالمحسوسات. وكون البديهيات فرعاً، ممنوع. نعم بعض البديهيات قد يؤدي الحس إليها، لكن لا يجب في التأدية أن يكون المؤدي أقوى من المؤدى إليه، فإنّ الحركة الثبوتية قد تؤدي إلى السكون العدمي والموجود أقوى من المعدوم. والاستعداد شرط في حصول الكمال، وليس أقوى من الكمال.2
ولأنّ الظن قد يكون أصلاً للضروري، كالمتواتر فإنّه علم ضروري يحصل من إخبارات متعاقبة، كلّ واحد منها يفيد الظن، فإذا تضافرت تلك الأخبار وتعاضدت بعضها ببعض حصل العلم الضروري.

1 . انتهى كلام الطوسي في نقد المحصل: 12ـ17.
2 . راجع نفس المصدر: 26.

صفحه 106
ولأنّ التصديق فرع على التصوّر، وقد بيّنا جواز كون التصور كسبياً والتصديق بديهياً.
والحكم لا شكّ في استناده إلى العقل، لكن الحس قد يكون مبدأً له، فتنسب مثل هذه إلى الحس ويخص بالقضايا المحسوسة أي التي حكم بها العقل بواسطة الاستعانة بالحس. ومثل هذه الأحكام قد تحصل في الكليات كما تحصل في الجزئيات; فإنّ قولنا هذه النار حارة حكم عقلي مستند إلى الحس، وكذا قولنا كلّ نار حارة1، لكن الفرق بينهما كلية موضوع الثانية و تجرّده عن الغواشي المادية، بخلاف القضية الأُخرى، لكنّهما اشتركتا في أنّ مبدأ الحكم الحس وتعدادهما معاً في المحسوسات.
وفي كلام أفضل المحققين نظر; فإنّ اليقين وصف للحكم بعدم احتماله للنقيض. و إنّما عنوا بكون المحسوسات يقينية أو غير يقينية أحكام العقل في المحسوسات. وإنّما حكم الجماعة بكون الحس غير يقيني; لأنّه في معرض الغلط على ما يأتي، و إنّما يوثق به إذا قارنه حكم العقل بالصحّة كما قال، بل إنّهم بيّنوا أحكام العقل في المحسوسات أيّها تكون يقينية وأيّها تكون غير يقينية، والعقل إنّما يعرض له الغلط، إلاّ 2 باعتبار معارضة الوهم إياه، أمّا المجرّد فلا.
ونهيه عن الالتفات إلى من يبطل القول بالشعاع، غير مقبول لم يزد فيه عدا المشورة، والحجة المبطلة له لا تندفع بأشعة النيرات.
لأنّا نقول: ذلك الشعاع عرض يحدث في المقابل للنير المستعد لقبول الشعاع، لا أنّه ينزل من النير إليه كما توهمه بعضهم. و سيأتي البحث فيه إن شاء

1 . قال الطوسي: «وأمّا الحكم بأنّ كلّ نار حارّة فحكم عقليّ استفاده العقل من الإحساس بجزئيات ذلك الحكم» شرح الإشارات1: 216.
2 . كذا.

صفحه 107
اللّه تعالى.
والسبب الذي ذكره في كبر المرئي و صغره مشكل.
لأنّا نقول: إن كان صغر الزاوية مؤثراً في صغر المرئي، ومن المعلوم بالضرورة أنّ الزاوية الحادثة عند العين لا تبلغ في الكبر إلى حيث يتسع للجبل.
وأمّا القائلون بالانطباع، فالزاوية التي ذكرها متوهمة لا حاصلة بالفعل، والإشكال فيها عائد سيأتي.
وأمّا رؤية الصغير كبيراً، ففيه إشكال، لأنّ للعنبة مثلاً مقداراً خارج الماء وفيه، و الحس يؤدي مقدارها خارج الماء وفيه، والعقل يحكم تارة بالتساوي وأُخرى بالتفاوت.
إذا تقرر هذا فنقول: إنّ مقدارها الحقيقي هو مقدارها المشاهد خارج الماء. ومقدارها الحسي هو مقدارها المشاهد في الماء. و العقل يحكم بأنّ مقدارها في نفس الأمر في الحالتين واحد، وأنّه لا زيادة لأحدهما في نفس الأمر على الآخر، وهذا الحكم لا شكّ في أنّه صواب، ولا شكّ أنّ الحس يؤدي العنبة على شكل حال كونها في الماء ويحكم العقل بأنّ ذلك الشكل الذي أداه الحس أكبر من الشكل الذي أداه حال كونها خارجة الماء في الحس. وهذا الحكم لا شكّ في أنّه صواب أيضاً. بقي أن حكمنا: بأنّ هذا الشكل هو شكلها في نفس الأمر كان خطأ، لكنّه لا نحكم بذلك، فالغلط حينئذ لم يقع إلاّ في تأدية الحس.
ب1: قد نرى الواحد اثنين كما إذا غمزنا إحدى العينين و نظرنا إلى القمر فإنّا

1 . هذا هو الوجه الثاني لقوله: بيان الأوّل (وهو أنّ الحس في معرض الغلط) من وجوه. راجع نقد المحصل: 17و18.

صفحه 108
نرى قمرين، وكما في حقّ الأحول، وكما إذا نظرنا إلى الماء عند طلوع القمر فإنّا نرى في الماء قمراً وعلى السماء قمراً آخر، ونرى الأشياء الكثيرة واحدة، كالرحا إذا أخرجنا من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة متقاربة بألوان مختلفة، فإذا استدارت سريعاً رأينا لها لوناً واحداً كأنّه ممتزج من تلك الألوان.
قال أفضل المحققين: سبب رؤية الواحد اثنين1: أنّ النور البصري ممتد من الدماغ في عصبتين مجوفتين تتلاقيان قبل وصولهما إلى العينين ثمّ تتباعدان، وتتصلُ كلّ واحدة منهما بواحدة من العينين. وإذا كانتا مستقيمتين تبصران الشيء معاً شيئاً واحداً. وإن انحرفتا أو انحرفت إحداهما عن الاستقامة، صارت محاذاة إحديهما منحرفة عن محاذاة الأُخرى، وصار المبصر من إحديهما غير المبصَر من الأُخرى، فإذا أبصرتا شيئاً واحداً حسبه المبصر شيئين لوقوع نور بصره عليه من محاذاتين متخالفتين وحكم العقل بالغلط، و هكذا الحكم إذا تخالفت الوسطى والسبّابة من الأصابع في وضعهما و أحسّتا معاً شيئاً واحداً، كحمّصة توهم أنّهما أحسّتا بحمصتين.
والأحول الفطري قلّما يرى الشيء شيئين لاعتياده بالوقوف على الصواب، بل إنّما يقع ذلك للأحول الذي يقصد الحَول تكلفاً.
وأمّا رؤية القمر قمرين، فلأنّ هذا يكون بنفوذ الشعاع البصري إلى قمر السماء و انعكاسه من سطح الماء إليه، فإنّه يراه مرّتين، مرة بالشعاع النافذ، ومرة بالشعاع المنعكس.
وأمّا رؤية الألوان على الرحا لوناً واحداً، فلأنّ كلّ ما يدركه الحس الظاهر فإنّه يتأدّى إلى الحس المشترك ثمّ يتأدّى إلى الخيال، فإذا أدرك البصر لوناً وانتقل بسرعة إلى لون آخر، كان أثر اللون الأوّل في الحس المشترك عند إدراك اللون الثاني،

1 . راجع الفصل الثامن من المقالة الثالثة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء قوله: «في سبب رؤية الشيء الواحد كشيئين».

صفحه 109
فكأنّ الرائي رآهما معاً، ولا يكون بينهما زمان يمكن للنفس تميّز أحدهما فيه من الثاني، فتدركهما ممتزجين، وإن كان الإدراك بالشيئين.1
وأيضاً إن زالت الألوان عن محاذاة البصر وارتسمت في الحس المشترك على توال لا يدرك الحس تراخي بعضها عن بعض، أدركت النفس من الحس المشترك لوناًممتزجاً من جميعها.2
وفيه نظر، فإنّ البحث الذي ذكرناه أوّلاً في كبر الصغير آت هاهنا. وبقاء اللون الأوّل في الحس المشترك حال زواله عن البصر، يقتضي بطلان دليل الخيال; لأنّه إذا جاز بقاؤه و لو زمناً يسيراً جاز طويلاً. وأيضاً اللون الثاني إن حلّ في المحل الذي حلّ فيه الأول فإن بقي الأول في مكانه لزم اجتماع الضدين، وإن فارق كان الأوّل مدرَكاً على حدّصرافته، والثاني كذلك، فلا يكون هنا لون ممتزج.
ج: قد نرى المعدوم موجوداً كالسّراب، والأشياء التي يُريها صاحب خفّة اليد والشعبذة، وكما نرى القطرة النازلة كالخط المستقيم، والشعلة الدائرة بسرعة كالدائرة.3
قال أفضل المحققين: السراب المرئي ليس معدوماً مطلقاً، إنّما هو شيء يُتراءى للبصر بسبب ترجرج شعاع ينعكس من أرض سبخة، كما ينعكس عن المياه فيُحسب ماء، وليس للبصر فيه غلط. والأشياء التي يُريها خفيف اليد والمشعبذ إنّما تكون في التوهم، بخلاف ما يكون في الوجود، بسبب عدم تمييز النفس بين الشيء و بين ما يشبهه، إمّا بسبب سرعة الحركة من الشيء إلى شبهه.

1 . في المصدر: «بآلتين».
2 . انتهى كلام الطوسي في نقد المحصل: 17ـ 18.
3 . راجع نفس المصدر; الفصل السابع من المقالة الثالثة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء.

صفحه 110
وإمّا بسبب إقامة البدل مقام الشيء المبدل عنه بسرعة، على ما يقف عليه من يعمل تلك الأعمال.
ورؤية القطرة النازلة كخط مستقيم، والشعلة الجوّالة كدائرة، إنّما تكون لاتصال ما يدركه البصر في موضع يتحرك إليه المتحرك بما قد أدركه الحس المشترك من كونه في موضع آخر قبله، و يثبت فيه هُنيئةً، فتدرك النفس جميع ما في الآلتين وتحسبه شيئاً واحداً متصلاً.1
وفيه نظر، فإنّ البصر أدّى إلى الحس المشترك صورة الماء وليست في الخارج، فإنّه لا سراب في الخارج، وليس من شأنه إلاّتأدية ما في الخارج، فقد حصل له الغلط هنا.والعقل إذا حكم بأنّ هذا المشاهَد ماء فقد غلط من حيث وَجَدَه مشابهاً للماء، فحكم على الشيء بحكم مشابهه، أمّا إذا عرف أنّه سراب فإنّه يحكم بأنّ الحس الظاهر أدّى ما ليس بموجود في الخارج وهو صواب.و بقاء القطرة النازلة في الحس المشترك مشكل على ما تقدّم.
د: قد نرى المتحرك ساكناً، كالظل، والساكن متحركاً، كراكب السفينة فإنّه يشاهد الشطّ الساكن متحركاً والسفينة المتحركة ساكنةً.
ويرى المتحرك إلى جهة متحركاً إلى ضدّ تلك الجهة، فإنّ المتحرك إلى جهة يرى الكوكب متحركاً إليها إذا شاهد غيماً تحته، و إن كان الكوكب متحركاً إلى خلاف تلك الجهة.
وقد يرى القمر كالسّائر إلى الغيم، وإن كان سائراً إلى خلاف تلك الجهة، إذا كان الغيم سائراً إليه.
قال أفضل المحققين: الحركة ليست بمرئية، والبصر إذا أدرك الشيء في

1 . نقد المحصل: 18ـ 19.

صفحه 111
موضع محاذياً لشيء مّا بعد أن أدركه في موضع آخر محاذياً لغير ذلك الشيء حكمت النفس عند مجموع الإدراكين بحركةِ ذلك الشيء. وإذا كانت المسافة قليلة القدر لا يميّز البصر بين الإدراكين فتحسبه النفس ساكناً.
أمّا راكب السفينة فلما لم يدرك لبدنه انتقالاً من موضع إلى موضع، حسبه ساكناً، وإذا تبدلت محاذاته لأجزاء الشط مع تخيل سكونه في نفسه حسب الشطّ متحركاً، لكون ذلك التبدّل شبيهاً بالتبدّل الأوّل.
وأمّا سبب رؤية المتحرك إلى جهة متحركاً خلافها، فليكن السائر إلى جهة ينتقل من «أ» إلى «ب»، والقمر بالقياس إليه مثل «ج»، و الغيم المتوسط بينهما الّذي لا يحجب القمر لرقّته مثل «د هـ»; فإذا كان السائر عند «أ» كان شعاعه الممتد الذي به يرى القمر كخط «أ ز ج»، فإذا انتقل إلى «ب» صار شعاعه كخط «ب ح د»1، فيتخيل أنّ القمر يتحرك من «ز» إلى «ح» في جهة حركته إذ رآه أوّلاً محاذياً لنقطة «ز» ثمّ منتقلاً منها إلى «ح».
وأمّا القمر المتحرك إلى خلاف تلك الجهة، فلا يحس بحركته لما مرّ.
وأيضاً ليكن الناظر ساكناً عند نقطة «أ» و رأى القمر و هو «ج» محاذياً لنقطة «ز» من الغيم، ثمّ تحرك الغيم في جهته ووصلت نقطة «ح» إلى حيث كان في الأوّل نقطة «ز»، رأى القمر منتقلاً عن محاذاة نقطة «ز» إلى محاذاة نقطة «ح»، فيتخيّل أنّ القمر يتحرك من «ز» إلى «ح» وهو خلاف جهة حركة الغيم; ولا يحس بحركة الغيم; لأنّ انتقاله في المحاذاة بالقياس إلى السماء لا يتغير في حسّه لتشابه أجزاء السماء وأجزاء الغيم في الحس. وإذاكان الغيم مثل «ح هـ» فقط، والناظر عند «أ» رأى القمر بعيداً من طرف الغيم بقدر « ز ح»، ثمّ يتحرك الغيم إلى أن

1 . في المصدر: «ب ح ج».

صفحه 112
وصل مبدأه، وهو نقطة «ح» إلى الموضع الذي كان فيه 1 رأى القمر و هو «ج» محاذياً لنقطة «ح»، فيتخيل أنّ القمر يتحرّك من «ز» إلى «ح»، فسار إلى جهة الغيم، وهو خلاف جهة حركة الغيم.2
وفي كون الحركة غير مرئية نظر، فإنّا لا نعني بالحركة إلاّ تبدل الأوضاع والانتقال من محاذاة إلى أُخرى، ولا شكّ في أنّ الحس مدرك لذلك. نعم الحركة بالمعنى الذي أثبته الحكماء فإنّها غير مرئية.
هـ: قد يرى المستقيم متنكساً، كالأشجار التي على أطراف الأنهار.
قال أفضل المحققين: إذا انعكس شعاع البصر من سطح الماء إلى الأشجار، ولا محالة تكون زاويتا الشعاع و الانعكاس متساويتين، ينعكس الشعاع إلى رأس الشّجر من موضع أقرب إلى الرائي، وإلى أسفل في موضع أبعد منه، إلى أن تتصل قاعدة الشجر بقاعدة عكسه، فليكن الرائي «أ» و سطح الماء «ب ج» والشجر القائم على ذلك السطح « د ح» و لينعكس الشعاع النافذ من «أ» إلى نقطة «هـ» منها إلى رأس الشجر، وهو نقطة «د»، فتكون زاويتا «أ هـ ب» ]و[ «د هـ ح» متساويين.
أقول: لا يمكن أن ينعكس من نقطة تلي جهة «ب» من «هـ» شعاع إلى جزء أسفل من رأس الشجرة كنقطة «ح»، وإلاّ فينعكس من نقطة «ز» و يكون الشعاع النافذ من «أ» إلى «ز» منعكساً عنه إلى «ح» وحينئذ يجب أن تكون زاوية

1 . في المصدر: «ز» بعد «فيه».
2 . نقد المحصل: 19ـ 21 و انظر بيان ذلك فيما رسمه الطوسي:
ج
                                 ز       ح      د
                              هـ
                              أ            ب

صفحه 113
«أز ب» الخارجة عن مثلث «أ ز هـ» أعظم من زاوية «أ هـ ب»، لكن زاوية «أ زب» مساوية لزاوية «ج ز ح» و زاوية «أ هـ ز» مساوية لزاوية «د هـ ج»، فزاوية « ج ز ح»أعظم من زاوية «د هـ ج» و تكون أعظم كثيراً من زاوية «ح هـ ج»، فالداخلة في مثلث «ح ز هـ» أعظم من خارجتها، هذا خلف محال. ولا يمكن أن ينعكس منه شعاع إلى جزء أسفل من رأس الشجر كنقطة «ح»، وإلاّ لكانت زاويـة «أ هـ ب» مسـاويـةً لكـلّ واحـدة من زاويتـي «د هـ ج» ]و[ «ح هـ ج» العظمى والصغرى، هذا خلف.
فإذن لابدّ من أن ينعكس إلى كلّ نقطة تميل من الرأس إلى أسفل من نقطة تكون من «هـ» إلى «ج» أميل حتى تتصل القاعدة بالقاعدة، و لمّا كانت النفس لا تدرك الانعكاس، فإنّها متعودة لرؤية المرئيّات بنفوذ الشعاع على الاستقامة، تحسب الشعاع المنعكس نافذاً في الماء; ولا يكون في نفس الأمر نافذاً، فإنّ الماء ربّما لا يكون عميقاً قدر طول الشجر، أو يكون كوزاً1 لا ينفذ فيه الشعاع أصلاً، وحينئذ يحسب أنّ رأس الشجر أكثر نزولاً في الماء، لكونه أبعد من أصله و باقي أجزائه على الترتيب، فنرى كأنّه متنكّس تحت سطح ال2ماء.
و: إذا نظرنا إلى المرآة رأينا الوجه طويلاً و عريضاً و معوجاً، بحسب اختلاف شكل المرآة، وكلّ ذلك يدل على غلط الحس.
اعترض أفضل المحققين: بأنّ المرآة الطويلة المستقيمة في العرض3، كقالب اسطوانة مستديرة، إذا نظرنا إليها، بحيث يكون طولها محاذياً لطول الوجه، نرى الوجه فيها طويلاً طوله بقدر طول الوجه قليل العرض; لانعكاس الشعاع

1 . في المصدر: «كدراً».
2 . نقد المحصل: 20ـ 21.
3 . والعبارة في المصدر: «المرآة الطويلة المستقيمة في الطول، و المنحنية في العرض».

صفحه 114
العرضي فيما هو ا1قلّ عرضاً ممّا لو كان مستقيماً. وذلك أنّ الطول ينعكس من عاكس مستقيم، و العرض ينعكس من عاكس منحن.
وإذا نظرنا إليها بحيث يكون طويلاً محاذياً لعرض الوجه، كان الأمربالعكس، فنرى الوجه عريضاً عرضه بقدر عرض الوجه، وطوله أقلّ من طوله.
وإذا نظرنا إليها بحيث يكون طويلاً مورَّباً في محاذاة الوجه، نرى الوجه معوجاً.
وإذا كانت المرآة بحيث ينعكس منها الشعاع من موضعين أو أكثر إلى موضع واحد، رأى الناظر فيها لنفسه وجهين أو أكثر، ورأسين أو أكثر، و من بعضها يرى وجهه متنكّساً.
وكذلك في الاختلافات المتنوعة التي تشتمل على أكثرها كتب المرايا، ويحتال لها متّخذوا المرايا على وجه يقصدونه. فقد ظهر ممّا مرّ أنّ ذلك غلط بديهة الإدراك النفساني من المحسوسات المتأدية إليها، لا غلط الحس.2
ز: الحس قد يجزم بالاستمرار مع أنّه لا يكون كذلك; لأنّ الحس لا يفرق بين الشيء و مثله، ولذلك يحصل الالتباس بين الشيء و مثله، فبتقدير توالي الأمثال يظن الحس وجوداً واحداً مستمراً،وليس كذلك، فإنّ الألوان غير باقية عند أهل السنة، بل يحدثها اللّه تعالى حالاً فحالاً، مع أنّ البصر يحكم بوجود لون واحد مستمر. فإذا احتمل ذلك، احتمل أيضاً أن يقال: الأجسام لا تبقى، بل اللّه تعالى يحدثها حالاً فحالاً، لكنّها لمّا كانت متماثلة متوالية يظنها الحس شيئاً واحداً. فثبت

1 . في المصدر: «ممّا».
2 . نقد المحصل: 21ـ 22.

صفحه 115
أنّ حكم الحس بالبقاء غير مقبول.
قال أفضل المحقّقين: الحكم بالبقاء هو: الحكم بأنّ الموجود في الزمان الثاني هو بعينه الموجود في الزمان الأوّل وهذا الحكم لا يصحّ من الحسّ، فإنّه لا يقدر على استحضار الزمانين، فكيف يستحضر الموجود فيهما؟
فإذن الحكم بالبقاء لا يكون إلاّ من العقل، والعقل إنّما يغلط إذا عقل المشترك بين الشيئين المتشابهين، ولم يعقل ما به يمتاز كلّ واحد منهما عن الآخر.فإحالة هذا الغلط على الحس ليس بصواب.
وأمّا حكم الأشاعرة: بأنّ الألوان غير باقية، فشيء لزمهم بحسب أُصولهم المسلّمة عندهم، وهي أنّ الأعدام لا يمكن أن تكون فعلاً للفاعل، وأنّ الموجود الباقي حال بقائه مستغن عن المؤثر، وأن لا مؤثر إلاّ اللّه تعالى. وإذا شاهدوا أعراضاً لا يدوم وجودها التزموا القول بتجددها حالاً بعد حال.
والمعتزلة لمّا جوزوا طريان الضدّ على محلّ الضد الآخر المقتضي لإفنائه لم يقولوا بذلك.
والفلاسفة لما جعلوا الباقي حال بقائه محتاجاً إلى المؤثر، لم يحتاجوا إلى ارتكاب ذلك.
والنظام من المعتزلة جعل الأجسام أيضاً غير باقية لمثل ذلك. وهذه أحكام غير متعلّقة بالحس.1
وفيه نظر، فإنّه قد تقدّم غير مرّة أنّ المراد من قولنا: هذا حكم الحس، الإشارة إلى أنّ الحس هو مبدأ الحكم العقلي. ولا ريب أنّ الحس لمّا أدّى أوّلاً صورة ثمّ أداها، وحكم العقل بالاتحاد حكم بالبقاء أيضاً.

1 . نقد المحصل: 22ـ23.

صفحه 116
وقوله هذه الأحكام غير متعلّقة بالحس، ممنوع بل إنّما عقلية مستندة إلى الحس.
ح: النائم يرى في النوم شيئاً و يجزم بثبوته، ثمّ يتبيّن له في اليقظة أنّ ذلك الجزم كان باطلاً ، إذا جاز ذلك فلِمَ لا يجوز أن تكون هناك حالة ثالثة يظهر فيها كذب ما رأيناه في اليقظة؟
وصاحب البرسام قد يتصور صوراً لا وجود لها في الخارج ويشاهدها ويجزم بوجودها و يصيح خوفاً منها، وهذا يدل على أنّه يجوز أن تعرض للإنسان حالة لأجلها يرى ما ليس بموجود في الخارج موجوداً، وإذا جاز ذلك فلِمَ لا يجوز أن تكون الحال فيما يشاهد الأصحاء هذه الحال؟
لا يقال: الموجب لتلك الحالة هو المرض، وعند الصحّة لا يوجد.
لأنّا نقول: انتفاء السبب الواحد لا يوجب انتفاء الحكم، بل هذا الاحتمال لا يندفع إلاّ بحصر أسباب ذلك التخيّل الكاذب، ثمّ بيان انتفائها، ثمّ بيان أنّ المسبّب لا يجوز حصوله ولا بقاؤه عند انتفاء الأسباب، لكن كلّ واحدة من هذه المقدمات ممّا لا يمكن إثباته إلاّ بالنظر الدقيق لو أمكن، فلزم أن لا يجوز الجزم بوجود شيء من المحسوسات، إلاّ بعد العلم بتلك الأدلة، وذلك ممّا يدل على أنّ مجرّد حكم الحس غير مقبول.
قال أفضل المحققين: النائم يرى في منامه مثل مايرى المستيقظ، إلاّ أنّ المستيقظ لمّا كان واقفاً على أحكام اليقظة حَكَم بأنّ أحد مرئييه واقعاً حقاً، والآخر غير واقع وغير حقّ، والنائم لما كان غافلاً عن الإحساس حسب أنّ الواقع هو الذي يراه في خياله. وهذا ليس بغلط حسي، بل غلط للنفس من عدم التمييز بين الشيء و بين مثاله حالة الذّهول عن الشيء.

صفحه 117
وحكم صاحب البرسام حكم النائم، فإنّه لاستغراقه في الخيال وغفلته عن الإحساس تحكم نفسه بمثل ما يحكم به النائم.
وفي جميع الأحوال لم يعرض للإنسان حالة لأجلها يرى ما ليس بموجود موجوداً، فإنّه لم يرَ ذلك، بل أدرك بخياله شيئاً غفل معه عن الإحساس. فظهر أنّ الحس لم يدرك ما ليس بموجود في حال من الأحوال أصلاً، ولم يثبت الإحساس بشيء غير واقع في موضع البتة.
وأمّا تجويز الغلط فيما يشاهد الأصحاء، لتجويزه فيما يدركه النائم والمريض فممّا يأباه العقل الصريح.ونحن لم نثبت الوقوف بالمحسوسات بدليل، بل نقول العقل الصريح يقتضيه.
وهذه الأجوبة إنّما نوردها لبيان أسباب الغلط الذهني بعد أن حكم العقل بكون ذلك غلطاً للذهن، لا لإثبات صحّة ما ندركه بالحواس، كما قدّمنا بيانه.
و «انتفاء السبب الواحد لا يوجب انتفاء الحكم» مسلّم، لو أثبتنا صحّة الحكم بالمحسوسات في الخارج بدليل لكان الأمر على ما ذكره، لكنّا لم نثبت ذلك إلاّ بشهادة العقل من غير رجوعه إلى دليل، فليس علينا أن نجيب عن هذه الإشكالات، فإنّ احتمال عدم الصحّة فيما يشاهده الأصحّاء مندفع عند بديهة العقل من غير تأمّل في الأسباب وحصرها و انتفائها وبيان امتناع حصول المسبب عند انتفاء الأسباب، وغير ذلك ممّا يثبت بالنظر الدقيق و الجليل.1
ط: نرى الثلج في غاية البياض، ثمّ إذا بالغنا في النظر إليه رأيناه مركباً من أجزاء جمديّة صغار، و كلّ واحد من تلك الأجزاء شفاف خال عن اللون. فالثلج في نفسه غير ملوّن مع أنّا نراه ملوّناً بلون البياض.

1 . نقد المحصل: 23ـ24.

صفحه 118
وليس لأحد أن يقول: إنّ ذلك إنّما كان لانعكاس الشعاع عن بعض سطوح تلك الأجزاء الجمدية إلى بعض.
لأنّا نقول: هذا لا يقدح في غرضنا; لأنّ الذي ذكرته ليس إلاّ بيان العلّة التي لأجلها نرى الثلج أبيض مع أنّه في نفسه ليس بأبيض، ونحن ما سعينا إلاّ لهذا القدر.
وأيضاً الزجاج المدقوق نراه أبيض، مع أنّ كلّ واحد من أجزائه شفاف خال عن اللون، ولم يحدث فيما بينها كيفية مزاجيّة; لأنّ تلك الأجزاء صلبة يابسة لم يحصل فيما بينها فعل و انفعال.
وأيضاً نرى موضع الشقّ من الزجاج الثخين الشفاف أبيض، مع أنّه ليس هناك إلاّ الهواء المحتقن في ذلك الشقّ، والهواء غير ملوّن والزجاج غير ملون; فعلمنا أنّا نرى الشيء ملوناً مع أنّه في نفسه غير ملون.
فثبت بهذه الوجوه أنّ حكم الحس قد يكون باطلاً و قد يكون حقاً. وإذا كان كذلك لم يجز الاعتماد على حكمه، إذ لا شهادة لمتّهم، بل لابدّ من حاكم آخر فوقه ليميّز خطأه عن صوابه. وعلى هذا التقدير لا يكون الحس هو الحاكم الأوّل، وهو المطلوب.
قال أفضل المحققين: البياض إنّما يتكون بتعاكس الضوء من1سطوح أجسام مشفّة، والجمد والزجاج مشفّان ولإشفافهما، كان لهما ضوء، و متى كانا ذوي سطح واحد لم يمكن تعاكس ضوء منهما، فإذا تكثرت السطوح بكسر وشبهه تعاكس الضوء من بعضها إلى بعض فحدث البياض.2

1 . في المصدر: «بين».
2 . نقد المحصل: 25.

صفحه 119

الوجه الخامس1

إنّ أجلى البديهيات: العلم بأنّ الشيء إمّا أن يكون و إمّا أن لا يكون ، ثمّ إنّ هذه القضية غير يقينية، وإذا لم تكن أقوى البديهيات يقينياً فالأضعف أولى.
أمّا الصغرى، فلأنّا رأينا المعوّلين على البديهيات يذكرون لها أمثلة أربعة:
الأوّل: النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان.
الثاني: الكلّ أعظم من الجزء.
الثالث: الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية.
الرابع: الجسم الواحد لا يكون في الآن الواحد حاصلاً في مكانين معاً.
ولا شكّ أنّ هذه الثلاثة الأخيرة متفرعة على الأُولى.
أمّا قولنا: «الكلّ أعظم من الجزء»، فلأنّه لو لم يكن كذلك لكان وجود الجزء الآخر و عدمه بمثابة واحدة، فحينئذ يجتمع في ذلك الجزء الآخر كونه موجوداً معدوماً معاً.
وأمّا قولنا: « الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية»، فلأنّه لولاه لكان الألف المحكوم عليه بأنّه يساوى السواد سواداً لا محالة لأنّ الشيئين المتساويين مطلقاً تكون ماهيتهما واحدة ومن حيث إنّه محكوم عليه بأنّه يساوى ما ليس بسواد يجب أن لا يكون سواداً، فلو كان الألف مساوياً للأمرين لكان الألف في نفسه سواداً وأن لا يكون سواداً، فيجتمع فيه النفي والإثبات.
وأمّا قولنا: «الجسم الواحد في الآن الواحد لا يكون في مكانين»، فإنّه لو جاز ذلك لكان ذلك الجسم الحاصل في مكانين غير متميّز عن الجسمين

1 . من الوجوه التي تمسك بها اللا أدرية على مدعاهم. راجع نفس المصدر: 27.

صفحه 120
الحاصلين في مكانين فحينئذ لا يتميز وجود الجسم الآخر عن عدمه، فيصدق عليه أنّه موجود معدوم معاً، وهو محال.
لا يقال: لا نسلّم أنّ هذه القضايا الثلاثة متفرعة على الأُولى، وإلاّ لم يحصل الجزم بها إلاّ عند اعتبار القضية الأُولى، وليس كذلك; فإنّ كلّ عاقل يعلم بالبديهة حقيّة هذه القضايا وإن لم تحضر1بباله تلك الحجة الدقيقة التي ذكرتها في بيان ردّ هذه القضايا إليها.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ حكم العقلاء بهذه القضايا غير موقوف على الحجة التي ذكرناها، ولهذا لو سُئلوا عن سبب جزمهم بها، لقالوا: لو لم يكن الكلّ أعظم من الجزء وأكبر2 منه لم يكن للجزء الآخر أثر البتة. ولو كان الشيء الواحد مساوياً للأُمور المختلفة، لكان مخالفاً لنفسه. ولو كان الجسم الواحد في مكانين لم يكن واحداً بل كان اثنين. وهذا الذي يعتذرون به في سبب جزمهم، هو بعينه ما ذكرناه من الحجّة. نعم قد لا يمكنهم التعبير عن تلك الحجّة على الوجه الذي لخّصناها، ولكن معناها مقرر في عقولهم، والعبارة لا عبرة بها.
فقد ظهر أنّ أجلى البديهيات قولنا: «النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان».
وأمّا الكبرى، وهي أنّ هذه القضية غير يقينية فلوجوه:
أ: هذا التصديق موقوف على تصوّر أصل العدم; لأنّ الحكم عليه بأنّه لا يجامع الوجود في الصدق و الكذب مسبوق بتصوّره، لما عرفت من مسبوقية التصديق بالتصوّر، لكن الناس قد تحيروا فيه. وزعم أكثرهم أنّه غير متصور، لأنّ المتصوّر لابدّ وأن يكون متميزاً عن غيره بالضرورة، وكلّ متميز عن غيره فله تعيّن

1 . كذا ولعلّه يخطر.
2 . ج: «أزيد».

صفحه 121
في نفسه وتخصيص1، وكلّ متعيّن في نفسه فهو ثابت، فكلّ متصور ثابت في نفسه، و ينعكس عكس النقيض إلى قولنا: كلّ ما ليس بثابت ليس بمتصور فالمعدوم غير متصور، وإذا كان ذلك التصديق متفرعاً على هذا التصور، وكان هذا التصور ممتنعاً، كان ذلك التصديق ممتنعاً.
لا يقال: المعدوم المتصور، له ثبوت في الذهن و تميّز و تعيّن فيه، وهو كاف في الحكم عليه، فإنّ المحكوم عليه لا يجب أن يكون ثابتاً في الخارج، بل يكفي فيه الثبوت الذهني. وأيضاً قولنا: «المعدوم غير متصور»، حكم على المعدوم بأنّه غير متصور، والحكم على الشيء يستدعي كون المحكوم عليه متصوراً، فلو لم يكن المعدوم متصوراً، لامتنع الحكم عليه بأنّه غير متصوّر.
لأنّا نجيب عن الأوّل: بأنّ الثابت في الذهن أحد أقسام مطلق الثابت; لانقسام مطلق الثابت إلى الثابت في الذهن، والثابت في الخارج.والكلام وقع في تصوّر مقابل مطلق الثابت، وذلك المقابل يستحيل أن يكون ثابتاً بوجه مّا، وإلاّ لكان داخلاً تحت مطلق الثابت، وحينئذ لا يكون قسيماًله، بل قسماً منه.
وعن الثاني: بأنّ ما ذكرته ليس جواباً عن دليلنا على «أنّ المعدوم غير متصور»، بل هو إقامة دليل ابتداءً على أنّ المعدوم متصوّر، وذلك يقتضي معارضة دليلين قاطعين في مسألة واحدة، وهو أحد الدلائل القادحة في البديهيات.
قال أفضل المحققين: لو كانت الثلاث الأخيرة من القضايا الأربع متفرعة على الأُولى، لكانت نظرية غير بديهية، لكنّهم عدّوها في البديهيات، فعلمنا أنّ اعتمادهم في الحكم بصحتها على بديهة العقل، لا على مقدمة أُخرى.
وبيان الردّ في قولنا: الكلّ أعظم إليها، مبني على كون الكلّ هو الجزء مع زيادة، ولا نعني بكون الكلّ أعظم من الجزء إلاّ هذا، فهو لو كان حجةً على ثبوت

1 . ج: «تخصص».

صفحه 122
هذا الحكم لكان مصادرةً على المطلوب.
ورد الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية إليها، بيان أنّ الشيء المساوي لمختلفين مخالف لنفسه، وهو غير ما ادّعى بيانه، فإن أراد به البيان بالخلف، فليس قولنا: «المساوي لمختلفين مخالف لنفسه»، بأوضح من قولنا: «المساويان لشيء بعينه متساويان» حتى يتبيّـن هذا بذاك.
وعدم الامتياز ليس هو الاتحاد، فإنّ المثلين من كلّ وجه لا يتمايزان، ومع ذلك لا يكونان واحداً.فكان من الصواب أن يقول1: لو كان جسم في مكانين لكان الواحد اثنين، وحينئذ يكون وجود أحد المثلين وعدمه واحداً، مع أنّ الحكم المذكور غير محتاج إلى هذا البيان.
والكلّ جزءان والجزء هو أحدهما، ولا يحتاج في بيان أنّ الشيء مع غيره أكثر منه وحده، إلى أن يعرف أنّ لأحد الجزئين أثراً.
والحكم بأنّ كون الشيء مساوياً لمختلفين يقتضي مخالفته لنفسه بيان لكون شيئين مساويين لشيء متساويان، ليس بأولى من أن يكون هذا الثاني بياناً للأوّل، فإنّ الحجّة ينبغي أن تكون أبينَ من الدعوى، وليس هاهنا لأحد الحكمين فضيلة في كونه أبينَ من الآخر.
ودعوى أنّ كلّ من تصوّر هذه القضايا تصوّر هذه الحجّة وإن لم يقدر على تلخيصه في العبارة، غير مسلّم.
ولا شكّ أنّ أجلى البديهيات قولنا: «النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان»، و لذلك سمّاه الحكماء بأوّل الأوائل يعني في الوضوح. وكونه أوضح يدل على وضوح غيره، ولا يدل على احتياج غيره في الوضوح إليه.

1 . أي الرازي.

صفحه 123
والنفي هو رفع الإثبات، و رفع الإثبات لا يكون عين الإثبات. ورفع الإثبات الخارجي اثبات ذهني منسوب إلى لا إثبات خارجي. وكونه في الذهن متصوراً و متميزاً عن غيره و متعيناً في نفسه و ثابتاً في الذهن، لا ينافي كون ما هو منسوب إليه لا ثابتاً في الخارج. والحكم بأنّ ما ليس بثابت في الخارج غير متصوّر مطلقاً، باطل; لأنّه متصور من حيث إنّه ليس بثابت في الخارج غير متصور لا من حيث هذا الوصف، وذلك التصديق موقوف على هذا التصور من هذه الحيثيّة، لا على ما نسب هذا الوصف، و لذلك لم يكن ممتنعاً.
ورفع الثبوت الشامل للخارجي و الذهني تصور ما1ليس بثابت ولا متصور أصلاً، فيصحّ الحكم عليه من حيث هو ذلك المتصور2، ولا يصحّ من حيث هو ليس بثابت، ولا يكون تناقضاً; لاختلاف الموضوعين، ولا مانع من أن يكون شيء قسيماً لشيء باعتبار، وقسماً منه باعتبار، مثلاً إذا قلنا: الموجود إمّا ثابت في الذهن وإمّا غير ثابت في الذهن، فاللاموجود قسيم للموجود، و من حيث إنّه مفهوم قسم من الثابت في الذهن، فقد انحلّ الشكّ من غير تعارض دليلين.3
وفي بعض كلامه نظر، فإنّه لا يلزم من كون الشيء فرعاً على غيره أن يكون كسبياً; فإنّ العلم بالصفة فرع على العلم بالذات، مع جواز كونهما ضروريتين. والتصديق كلّه فرع على التصور، بل هذه القضية التي هي أوّل الأوائل منفصلة فرع على جزئيها الحمليتين وكون الكلّ هوالجزء مع زيادة ضروري، وكونه أعظم وإن كان هو هذا بالذات، لكن قد تغايره بنوع من الاعتبار، ولا ندعي أنّ أحدهما حجّة، وإلاّ لكان المطلوب كسبياً.

1 . في المصدر: «لما».
2 . في المصدر: «التصور».
3 . نقد المحصل: 27و28و29و30.

صفحه 124
والتنبيه على تساوي الأشياء المتساوية لشيء واحد بأنّ ما يساوي غيره يكون مشاركاً له في الحقيقة فلو ساوى الشيء الواحد شيئين مختلفين لكان مخالفاً لنفسه، ليس استدلالاً حتى يكون استدلالاً بالمساوي، بل ذكر على سبيل الإيضاح والكشف لما هو معلوم عندنا ولا بدّ في الإثنينية من تغايرمّا و تخالف، وإلاّارتفعت الإثنينية بالضرورة.
وقوله: «النفي رفع الإثبات، ورفع الإثبات لا يكون عين الإثبات» مسلّم، وهو مساعد لما ادّعاه الخصم، فإنّه أحد مقدماته حيث قال: إنّ قولنا: «الشيء إمّا أن يكون ثابتاً أو لا»، لا يتم إلاّ بعد العلم بالنفي الذي هو رفع الإثبات المطلق، ورفع الإثبات المطلق لا يكون له ثبوت البتة، وكلّ متصوّر له ثبوت.
وقوله: «رفع الإثبات الخارجي إثبات ذهني منسوب إلى لا إثبات خارجي» غير المتنازع; لأنّ البحث ليس في تقسيم الشيء الثابت في الخارج والمنفي في الخارج، بل إلى الثابت الأعمّ من الذهني والخارجي، فمقابله لا يكون إحدى حصتيه. والنسبة إلى لا إثبات خارجي يستدعي ثبوت المنتسب إليه خارج الذهن، إذ لو كان منسوباً إلى أمر ذهني لنقلنا الكلام إليه. ولا شكّ في أنّ التصوّر والتميّز والتعيّن في الذهن و الثبوت فيه لا ينافي كون ما هو منسوب إليه لا ثابتاً في الخارج، وليس الكلام فيه; لأنّ البحث في مطلق الثبوت الخارجي، ولم يحكم بأنّ ما ليس بثابت في الخارج غير متصور في هذا السؤال، بل حكم بأنّ مالا ثبوت له مطلقاً، أي لا في الذهن ولا في الخارج، فإنّه غير متصور.
ب: لو سلّمنا إمكان تصوّر العدم، لكن قولنا: «النفي والإثبات لا يجتمعان» يستدعي امتياز العدم عن الوجود ليصحّ الحكم بينهما بالتنافي، وإنّما يتميز أحدهما عن صاحبه لو كان لكلّ منهما هوية معيّنة متميزة عن هوية الآخر، فيلزم أن تكون لمسمّى العدم هوية متميزة عن الوجود، لكنّه محال، فإنّ كلّ هوية

صفحه 125
يشير العقل إليها فالعقل يمكنه رفعها، وإلاّ لم يكن له مقابل، فلا يكون للعدم مقابل، فيلزم نفي الوجود; لأنّه المقابل للعدم، وهو محال. فثبت إمكان رفع هويّة العدم، لكن ارتفاع تلك الهوية ارتفاع خاص داخل تحت مطلق الارتفاع الشامل لارتفاع الهوية و لارتفاع كلّ ماعداها. وإذا كان ارتفاع هوية العدم داخلاً تحت مطلق الارتفاع كان قسيم العدم قسماً منه، هذا خلف.
اعترض أفضل المحققين: بأنّ الحكم باستدعاء الامتياز أن تكون للممتازين هويتان ممنوع; فإنّ الهويّة واللاهويّة ممتازتان وليس للاهويّة هويّة، ولو فرضنا للاهوية هوية كانت بذلك الاعتبار داخلةً في قسم الهويّة، وباعتبار ما فرض له هذا الاعتبار قسيماً للهوية. و كذلك القول في رفع العدم، ولا يلزم الخلف.1
ج: لو سلّمنا الامتياز، لكن النفي والإثبات قد يكون المراد منهما ثبوت الشيء في نفسه وعدمه في نفسه، كقولنا: السواد إمّا أن يكون موجوداً وإمّا أن لا يكون. وقد يكون المراد منهما ثبوت شيء لشيء آخر وعدمه عنه، كقولنا: الجسم إمّا أن يكون أسود و إمّا أن لا يكون.
أمّا الأوّل: فمن المعلوم بالضرورة أنّ قولنا: السواد إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، لا يمكن التصديق به إلاّ بعد تصوّر قولنا: السواد موجود، السواد معدوم، لكن كلّ واحد منهما باطل. أمّا الأوّل: فلأنّا إذا قلنا: السواد موجود، فإمّا أن يكون كونه سواداً هو نفس كونه موجوداً، أو مغايراً له. فإن كان الأوّل كان قولنا: السواد موجود، جارياً مجرى قولنا: السواد سواد والموجود موجود، و معلوم أنّه ليس كذلك; لأنّ هذا الأخير هذر والأوّل مفيد 2.

1 . نقد المحصل: 30.
2 . كذا.

صفحه 126
وإن كان الثاني فهو باطل بوجهين:
الأوّل: إذا كان الموجود قائماً بالسواد، فالسواد في نفسه ليس بموجود، وإلاّ لعاد البحث فيه ولكان الشيء الواحد بالاعتبار الواحد موجوداً مرّتين، وإذا كان كذلك كان الوجود قائماً بما ليس بموجود، لكن الوجود صفة موجودة، وإلاّ لثبت التوسط1بين الموجود والمعدوم وأنتم أنكرتموه، فحينئذ تكون الصفة الموجودة حالّة في محلّ2 معدوم. وذلك غير معقول، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكون محلّ هذه الألوان والحركات غير موجود، و ذلك يوجب الشكّ في وجود الأجسام، وهو عين السفسطة.
الثاني: إذا كان الوجود مغايراً للماهية كان مسمّى قولنا: السواد، غير مسمّى قولنا: موجود. فإذا قلنا: السواد موجود بمعنى أنّ السواد هو الموجود، كان ذلك حكماً بوحدة الاثنين، وهو محال.
فإن قلت: ليس المراد من قولنا: السواد موجود هو أنّ مسمّى السواد مسمّى الموجود، بل المراد منه أنّ السواد موصوف بالموجودية.
قلت: فحينئذ ينقل الكلام إلى مسمّى الموصوفيّة، فإنّه إمّا أن يكون مسمّى السواد و هو مسمّى الموصوفية بالوجود، فحينئذ يكون قولنا: السواد موصوف بالوجود جارياً مجرى قولنا: السواد سواد. وإمّا أن يكون مغايراً له، فالحكم على السواد بأنّه موصوف بالوجود حكم بوحدة الاثنين.
إلاّ أن يقال: المراد من كون السواد موصوفاً بالوجود أنّه موصوف بتلك الموصوفية وحينئذ يعود التقسيم في تلك الموصوفية الثانية، فإمّا أن يتسلسل، وهو

1 . في عبارة الرازي: «المتوسط».
2 . قال أبو جفعر النيسابوري: « الحال: ما وجد بحيث المتحيّز. والمحلّ: هو المتحيّز. وقيل: المحلّ، ما حلّه غيره». الحدود: 36.

صفحه 127
محال، أو يقتضي رفع الموصوفية، وحينئذ بطل قولنا: السواد موجود، على تقدير كون الماهية غير الموجوديّة.
وأمّا قولنا: السواد معدوم، فإن قلنا: وجود السواد عين كونه سواداً، كان قولنا: السواد ليس بموجود، جارياً مجرى قولنا: السواد ليس بسواد والموجود ليس بموجود، و معلوم أنّه متناقض.
فإن قلنا: وجوده زائد عليه توجه الإشكال من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّه يلزم قيام الوجود الذي هو صفة موجودة بالماهية المعدومة، وهو محال.
ثانيها: أنّ سلب الوجود عن ماهية السواد مثلاً لا يمكـن ما لم يتميز السواد عن غيره، وكلّ ما يتميز عن غيره فله تعيّـن في نفسه، وكلّ ما له تعيّـن في نفسه فله ثبوت في نفسه، فالسواد لا يمكن سلب الثبوت عنه إلاّ إذا كان ثابتاً في نفسه، فيكون حصول الوجود له شرطاً في سلب الوجود عنه، هذا خلف.
فإن قلت: الذي يسلب عنه الوجود موجود في الذهن.
قلت: فإذا كان موجوداً في الذهن استحال سلب مطلق الوجود عنه; لأنّ الموجود في الذهن أخص من مطلق الموجود1فالموجود في الذهن يصدق عليه أنّه موجود ولا يصدق عليه حينئذ أنّه ليس بموجود، وكلامنا الآن فيما يقابل مطلق الوجود لا فيما يقابل موجوداً2خاصاً.
وثالثها: أنّا سنقيم الدلالة في مسألة «أنّ المعدوم ليس بشيء» على امتناع خلوّ الماهية عن الوجود، وعلى هذا يستحيل الحكم على الماهية بالعدم. فظهر أنّه

1 . في عبارة المحصل: «الوجود».
2 . في عبارة المحصل: «وجوداً».

صفحه 128
ليس لقولنا: السواد موجود أو معدوم، مفهوم محصَّل. و إذا كان كذلك لم يكن لقولنا: السواد إمّا أن يكون موجوداً وإمّا أن يكون معدوماً، مفهوم محصَّل. وإذا كان كذلك امتنع التصديق به، فضلاً عن كون ذلك التصديق بديهياً.
وأمّا الثاني: وهو قولنا: الجسم إمّا أن يكون أسود وإمّا أن لا يكون، فنقول: من الظاهر أنّه لا يمكن التصديق به إلاّ بعد تصوّر معنى قولنا: الجسم أسود، والجسم ليس بأسود.
فنقول: إذا قلنا الجسم أسود فهو محال من وجهين:
أحدهما: أنّه حكم بوحدة الاثنين على ما تقدّم تقريره، وهو باطل.
الثاني: أنّ موصوفيّة الجسم بالسواد، إمّا أن يكون وصفاًعدمياً، أو ثبوتياً، والأوّل محال; لأنّه نقيض اللاموصوفية، وهي وصف سلبي ونقيض السلب ثبوت، فالموصوفية لا يمكن أن تكون أمراً عدمياً.
ومحال أن يكون أمراً ثبوتياً; لأنّه على هذا التقدير إمّا أن يكون نفس وجود الجسم أو السواد، وإمّا أن يكون مغايراً لهما. والأوّل محال; لأنّه ليس كلّ من عقل وجود الجسم ووجود السواد عقل كون الجسم موصوفاً بالسواد. والثاني محال أيضاً; لأنّ موصوفية الجسم بالسواد لو كانت صفة زائدة لكانت موصوفية الجسم بتلك الصفة زائدة عليها، وهو محال. فثبت أنّ موصوفية الشيء بغيره غير معقولة.
فإن قلت: الموصوفية ثابتة في الذهن دون الخارج.
قلت: الذهن إن طابق الخارج عاد الإشكال، وإلاّ فلا عبرة به. ولأنّ موصوفية الشيء بالشيء نسبة بينهما، و النسبة بين الشيئين1 يستحيل أن تكون حاصلة في غيرهما، وإذا كان كذلك كان الجزء2 من هذه المنفصلة هو الجزء

1 . ق: «المنتسبين».
2 . في عبارة المحصل: «الحق».

صفحه 129
السلبي أبداً، لا الثبوتي، وهو باطل عندكم.
قال أفضل المحققين: الكائن سواداً عين الكائن موجوداً، (أعني الذي يقال له إنّه سواد، هو الذي يقال له إنّه موجود)1، و السواد مغاير للموجود، وذلك هو أنّ هاهنا شيئاً واحداً يقال له تارة إنّه سواد، و تارة إنّه موجود، فالمقول عليه فيهما واحد والمقولان متغايران; فإذن القسمة إلى كون أحدهما عين كون الآخر أو مغايراً له ليست بحاصرة. و يُعوزه قسم آخر، وهو أن يكونا متحدين من جهة و متغايرين من جهة أُخرى.
ولا يلزم من المغايرة قيام أحدهما بالآخر، فإنّا إذا قلنا: الحيوان جسم، لا يلزم منه قيام الجسم بالحيوان. و أيضاً لا يلزم من كون الموجود2 قائماً بالسواد كون السواد في نفسه معدوماً. وإذا كان السواد في نفسه لا موجوداً ولا معدوماً، لم يعد البحث، ولم يكن الشيء الواحد موجوداً مرّتين; و ليس الوجود صفة موجودة، فإنّ ذلك يقتضي ثبوت وجود للوجود و يتسلسل.
ولا يلزم من سلب صفة الوجود عن الموجود3 ثبوت العدم له، أو ثبوت الواسطة، فإنّ ذلك إنّما يلزم بملاحظة معنى الوجود أو العدم أو سلبهما مع مفهوم الوجود، و حين نلاحظ نفس الوجود لا مع ملاحظة الغير لم يلزم ذلك، ولا يلزم كون الألوان و الحركات قائمة بمحلّ غير موجود، فإنّ كون الوجود حالاً في محلّ غير موجود يقتضي كون اللون و الحركة حالّين في محلّ غير ملوّن ولا متحرك، ولا يلزم من كون السواد والوجود متغايرين مطلقاً الحكمُ بوحدة الاثنين.
وليس المراد أيضاً: أنّ مسمّى السواد مسمّى الموجود4 ولا أنّ السواد موصوف بالموجودية أو موصوف بتلك الموصوفية حتى يعود إمّا التكرار أو وحدة

1 . ما بين الهلالين ليس في المصدر و لعلّه توضيح من العلاّمة.
2 . في المصدر: «الوجود».
3 . في المصدر: «الوجود».
4 . في المصدر: «الوجود».

صفحه 130
الاثنين، بل المراد أنّ الشيء الذي يقال له إنّه أسود هو بعينه الذي يقال له إنّه موجود، و ذلك هو القسم الخارج من قسميه اللّذين أوردهما.
ومن يقول: ماهية السواد عين وجوده، لا يريد من قولنا: السواد معدوم، أنّ السواد ليس بسواد والموجود ليس بموجود، بل المراد عنده من هذا القول نفي السواد لا إثبات نفيه، ولا يلزمه تناقض. وقد تقدّم أنّ الماهية من غير اعتبار شيء معها لا تكون موجودة ولا معدومة. فلا يلزم من اتّصافها بالموجود1 قيام الوجود بالماهية المعدومة، فهذا على الوجه الأوّل.2
وسلب الوجود عن ماهية السواد لا يقتضي كون الماهية متميزة عن غيرها ومتعيّنة في نفسها وثابتة في نفسها; فإنّ التميز صفة غير الماهية، وكذلك التعيّن والثبوت، والمسلوب عنه هو نفس الماهية، لا الماهية مع غيرها. فإذن لا يكون حصول الوجود له شرطاً في سلب الوجود عنه.
والذي يقال: إنّ المسلوب عنه الوجود موجود في الذهن، فلا يراد به أنّه مسلوب عنه الوجود عند كونه موجوداً في الذهن فإنّ كونه موجوداً في الذهن صفة مغايرة له، والمسلوب عنه هو الموصوف فقط باعتبار3 كونه موصوفاً بهذه الصفة أو غيرها وإن كانت بحيث تلزمها هذه الصفة أو غيرها. و على هذا قس الوجه الثاني. 4

1 . في المصدر«الوجود».
2 . هذا جواب عن الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة التي ذكرها الرازي حيث قال: «توجه الاشكال من ثلاثة أوجه».
3 . في المصدر: «لا باعتبار».
4 . في المصدر: «وهذا على الوجه الثاني»، ومراده الوجه الثاني من اشكالات الرازي الّتي مرّت آنفاً.

صفحه 131
وأمّا امتناع1 خلو الماهية عن الوجود فلا ينافي اعتبار الماهية الموصوفة بهذا الامتناع وحدها. وتلك الماهية إذا أخذت لا مع هذا الامتناع يمكن أن يلحقها العدم عقلاً; إنّما يستحيل الحكم عليها بالعدم إذا أخذت مع لاحقها المقتضي2 لوجودها. فظهر أنّ لقولنا: السواد موجود السواد معدوم مفهوماً محصلاً، والقسمة إليها صادقة صحيحة.
وأمّا قولنا: الجسم أسود، فقد تقدّم الكلام فيه، وأنّه ليس حكماً بوحدة الاثنين.
وأمّا قوله: «موصوفيّة الجسم بالسواد يجب أن تكون وجودية; لأنّ نقيضها وهو اللاموصوفية سلبي ونقيض السلب إيجاب»، فليس بمستقيم; لأنّا إذا قلنا: اللاموصوفية سلبية يلزم منه أن تكون الايجابية موصوفية بطريق عكس النقيض، وذلك لأنّ سلب الأعمّ يكون أخصّ من سلب الأخصّ، فالحكم3بأنّ الموصوفية إيجابية عكس ما لزم من تلك القضية، و هذا الغلط من باب إيهام العكس4. ثمّ إنّ الحكم بأن الموصوفية إيجابية لا يقتضي كونها وجودية، فإنّ العدمي قد يكون إيجابياً كما في المعدولة، وهذا غلط في غلط.
وإذا كانت موصوفية الجسم و السواد زائدة على الجسم و السواد، فمن أين وجب أن تكون تلك الزيادة صفة للجسم؟ وإن كانت صفة وتكون الموصوفية بتلك الصفة زائدة عليها لم يلزم التسلسل; لأنّ هذه الأوصاف أُمور اعتبارية، فتحدث بتصور الاعتبار و تقف عند ترك الاعتبار.

1 . هذا جواب عن الاشكال الثالث.
2 . في المصدر: «لواحقها المقتضية».
3 . م: «والحكم».
4 . وهو من أقسام المغالطة المعنوية، قال الشيخ: «وقد يقع الغلط بسبب المعنى الصرف مثل ما يقع بسبب إيهام العكس». انظر شرحه في شرح الإشارات 1: 318ـ 319.

صفحه 132
ومطابقة الذهن للخارج إنّما يكون شرطاً في الحكم على الأُمور الخارجية بأشياء خارجية. أمّا في المعقولات ]و[ في الأحكام الذهنية على الأُمور الوهمية1 فليس بشرط.
و النسب والإضافات أُمور لا يكون لها وجود إلاّ في العقل، واعتبارها في الأُمور الخارجية هو كون تلك الأُمور صالحةً لأن يعقل منها تلك النسب والإضافات، أي تكون بحيث إذا عقلها عاقل حصل في عقله تلك النسبة أو الإضافة.2
وفيه نظر، فإنّه إذا فسّـر قولنا: السواد موجود، أي يقال عليه الموجود بأنّه الذي يقال له إنّه سواد هو الذي يقال له إنّه موجود، عاد الطلب في معنى قولنا الذي يقال له إنّه سواد هل هما واحد أو اثنان؟ ويعود الإشكال، والقسمة حاصرة، لأنّ المتحدين من وجه إذا تغايرا من وجه كانا متغايرين، فالحكم بأنّ أحدهما هو الآخر حكم بوحدة المتغايرين.
وإذا قلنا السواد موجود على معنى أنّه موصوف بالوجود والصفة قائمة بالموصوف لزم القيام. وقولنا: الحيوان جسم، المحمول هنا وصف; لأنّه الجسم لا بشرط شيء، والجسم بشرط لا شيء هو المادة التي لا تحمل، والسواد إذا قام به الوجود كان وجوده باعتبار هذا الوجود القائم به، فلا يكون في نفسه موجوداً، وإذا لم يكن في نفسه موجوداً مع نسبة الوجود أو العدم إليه، كان لا محالة معدوماً لامتناع خلو السواد في نفسه عنهما، وعود البحث، وتعدد الوجود جعله لازماً لنقيض قولنا: السواد في نفسه ليس موجوداً بلا شكّ في هذه الملازمة، فإنّ السواد لو كان في نفسه موجوداً نقلنا الكلام إلى ذلك الموجود، هل هو نفس السواد أو

1 . في المصدر: «الذهنية».
2 . نقد المحصل: 31و32و33و34 و35و36.

صفحه 133
غيره؟ ولزم أن يكون للسواد وجودان باعتبار واحد، وهو محال.
وإذا نسبنا الوجود إلى وصفي الوجود وا لعدم، فإن لم يصدق أحدهما عليه ثبتت الواسطة، وإلاّ لزم المحذور. وقوله: ثبوت الواسطة يلزم بملاحظة معنى الوجود أو العدم أو سلبهما مع مفهوم الوجود، وحين نلاحظ نفس الوجود لا مع ملاحظة الغير لم يلزم ذلك، صحيح لكنّا لاحظنا نفس الوجود منسوباً إلى الوجود والعدم.
واللون والحركة إنّما يقومان بمحلّ غير موجود; لأنّا فرضنا الوجود صفة ثبوتية لاستحالة كونها عدمية، فلو قامت بمحلّ ليس بموجود لصحّ قيام الحركة واللون الثبوتيين بمحلّ غير موجود.
ونحن لم ندّعِ أنّ الموصوف يوصف بكونه1غير موجود باعتبار ذلك الاتصاف، حتى يلزم أن يقال: إنّ الموصوف يوصف بكونه2 غير ذلك الوصف، بل قلنا: الوجود صفة ثبوتية، فمحلّها لو لم يكن ثبوتياً لكان كلّ صفة ثبوتية كالحركة واللون وغيرهما يجوز أن يكون محلّها غير ثابت بل معدوم، وهو باطل بالضرورة. و سلب الموجود عن ماهية السواد يقتضي تميّز الماهية عن غيرها وتعيّنها في نفسها و ثبوتها في الذهن، كما يستدعي ثبوت الوجود لها; لأنّ موضوع القضية يجب أن يكون متصوراً سواء كانت إيجابية أو سلبية; لامتناع الحكم على المجهول مطلقاً. وكون التعيـّن والتميّز و الثبوت غير الماهية، لا يقتضي كون المسلوب عنه ليس نفس الماهية، فإنّ الماهية المتعيّنة المتميّزة الثابتة قد يعتبرها العقل من حيث هي هي لا من حيث اقترانها بهذه الأُمور وإن كانت مقترنة في نفس الأمر.
ولابدّ في السلب من أخذ الماهية ثابتة حتى يصحّ الحكم عليها بالسلب، لكن

1 . ج: «بكون».
2 . ج: «بكون».

صفحه 134
لا ثبوتاً خارجياً بل ذهنياً، ولا على أن يكون الثبوت مأخوذاً في الاعتبار، مع أنّه قد صرّح بذلك في قوله: امتناع خلوّ الماهية عن الوجود لا ينافي اعتبار الماهية الموصوفة بهذا الامتناع وحدها، و تلك الماهية إذاأُخذت لا مع هذا الامتناع يمكن أن يلحقها العدم عقلاً.
ونحن لم ندّع أنّ الموصوفيّة ثبوتية بعكس النقيض، حتى يرد الغلط من باب إيهام العكس، بل نقول: الموصوفية أمر ثبوتي; لأنّ نقيضها وهو اللاموصوفة أمر عدمي، وإذا صدق العدم على أحد النقيضين صدق الوجود على النقيض الآخر; لامتناع اجتماع النقيضين والخلو عنهما.ولا نعني بالإيجابية هنا سوى الموجودية، والموصوفية إذاكانت زائدة على الجسم امتنع أن يكون جوهراً قائماً بنفسه، لأنّها من الأُمور الإضافيّة فتكون قائمة بالجسم، وهو المطلوب.
وكون هذه الأوصاف اعتبارية يفيد المطلوب; لأنّ القصد أنّها لا تكون ثابتة خارجية، وما ادّعى ثبوته من النسب، وهي كونها بحيث إذا عقلها عاقل حصل في عقله تلك النسبة أو الإضافة، ليس بثابت، بل هو وصف اعتباري عقلي أيضاً.
د1: سلّمنا تصور أجزاء هذه المنفصلة، وهي الشيء إمّا أن يكون و إمّا أن لا يكون، لكن لا نسلّم عدم الواسطة. وبيانه من وجهين:
الأوّل: مسمّى الامتناع إمّا أن يكون موجوداً، أو معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً; لا جائز أن يكون موجوداً، وإلاّ لكان الموصوف به موجوداً، لاستحالة قيام الموجود بالمعدوم، ولو كان الموصوف به موجوداً لم يكن الممتنع ممتنعاً، بل يكون إمّا واجباً أو ممكناً.ولا جائز أن يكون معدوماً; لأنّه نقيض اللا امتناع الذي يمكن حمله على المعدوم فيكون اللا امتناع عدمياً، فلا يكون الامتناع

1 . هذا هو الوجه الرابع من الوجوه الدالة على أنّ قولنا: «الشيء إمّا أن يكون و إمّا أن لا يكون» غير يقينية.

صفحه 135
عدمياً.
و لأنّ الامتناع ماهية متعيّنة في نفسها متميّزة عن سائر الماهيات، ولولا ذلك لاستحال إشارة العقل إليها، وإذاكان كذلك استحال أن يكون نفياً محضاً.
فإن قلت: له ثبوت في الذهن.
قلت: هذا باطل; لأنّ الممتنع ممتنع في نفسه، سواء كان هناك عقل أو لم يكن، ولأنّ الفرض العقلي إن كان مطابقاً فهو المطلوب، وإلاّ كان كاذباً، و ليس كلامنا فيه، بل فيما يطابق الوجود. و لأنّ الذي في الذهن إن كان موجوداً استحال اتّصافه بالامتناع; لأنّ الموجود لا يكون ممتنع الوجود، وإن لم يكن موجوداً لم يكن الامتناع القائم به موجوداً، لاستحالة قيام الموجود بما ليس بموجود، فثبت أنّ مسمّى الامتناع ليس بموجود ولا معدوم، وذلك هو الواسطة.
قال أفضل المحققين: الامتناع اعتبار عقلي، والكلام فيه كما في غيره من الاعتبارات. واللا امتناع إذا حمل على المعدوم لا يكون ذلك الحمل كلّياً، فإنّ بعض المعدومات غير ممتنع و بعضها ممتنع. ولا يلزم من كون اللا امتناع عدميا كون الامتناع وجودياً، فإنّ الإنسان وجودي وبعض اللاإنسان أيضاً وجودي، واللاممكن بالإمكان العام عدمي وبعض الممكنات عدمي.
والامتناع نسبة معقولة1بين متصور و وجوده الخارجي في التصور، فليس نفياً محضاً ولا شيئاً ثابتاً في الخارج. وليس في الخارج شيء موصوف بالامتناع لولا عقل. وليس الامتناع فرض شيء في الخارج حتى يكون جهلاً لو لم يطابق الخارج. والمطابق للوجود، هوعدم ذلك المتصور في الخارج عدماً ضرورياً لذات ذلك المتصوّر، فليس الامتناع من حيث هو موجود في العقل بممتنع، إنّما هو صفة

1 . في المصدر: «مقبولة».

صفحه 136
ثابتة في العقل لمتصور ذهني مقيس إلى وجوده الخارجي، ولا يلزم من ذلك: القول بالواسطة.1
وفيه نظر، فإنّا إذا حملنا العدم على مفهوم اللا امتناع أو بالعكس، لا نشير بذلك إلى ما صدق عليه الموضوع في هاتين القضيتين من الأفراد، بل نعني بذلك نفس مفهوم الموضوع.
والإنسان لما كان وجودياً لم يكن اللا إنسان وجودياً، وإن كان ما صدق عليه اللا إنسان منقسماً إلى وجودي و عدمي. وكذا اللا ممكن عدمي، أي نفس هذا المفهوم لا ما صدق عليه فيكون الإمكان أي المفهوم منه ثبوتياً وبعض ما صدق عليه عدمياً.
بقي هنا بحث: وهو أنّ هذا الذي ذكرناه من وجوب صدق أحد النقيضين على مفهوم والآخر على نقيضه، إنّما يكون في الأُمور التي لها تحقّق في الأعيان، أمّا الأُمور الذهنية التي لا تحقق لها في الخارج فلا بحث فيها، كالوجوب والإمكان والامتناع، فإنّ الوجوب و قسميه لا تحقق له في الأعيان ولا لنقائضها، فإنّ اللاوجوب واللا إمكان واللا امتناع مفهومات ذهنية عدمية في الخارج كنقائضها.
الثاني: مسمّى الحدوث وهو الخروج من العدم إلى الوجود غير مسمّى العدم و مسمّى الوجود، وإلاّ لكان حيث صدق مسمّى العدم أو مسمّى الوجود صدق مسمّى الخروج من العدم إلى الوجود، وهو محال.
وإذا ثبت ذلك فنقول: الآن الذي يصدق فيه على الماهية مسمّى الخروج من العدم إلى الوجود إمّا أن تكون الماهية في ذلك الآن موجودة، أو معدومة، أو لا

1 . نقد المحصل: 36ـ 37.

صفحه 137
موجودة ولا معدومة; فإن كانت موجودة فقد صدق على الموجود انّه يخرج من العدم إلى الوجود فيكون بمنزلة قولنا: الموجود يخرج إلى الوجود، فيكون الشيء موجوداً مرّتين، وهو محال. وإن كانت معدومة فهو محال.1
أمّا أوّلاً، فلأنّ الحدوث صفة موجودة، وإلاّ ثبتت الواسطة، والصفة الموجودة يستحيل قيامها بالمعدوم.
وأمّا ثانياً، فلأنّها متى كانت معدومة كان العدم الأصلي باقياً، ومتى كان العدم الأصلي باقياً لم يكن التغيّـر من العدم حاصلاً. فثبت أنّ الماهية حالة الحدوث لا موجودة ولا معدومة.
وله تقرير آخر، وهو أنّ الماهية إذا انتقلت من العدم إلى الوجود، فحالة الانتقال لابدّ و أن لا تكون معدومة2ولا موجودة; لأنّها لو كانت معدومة فهي بعدُ لم تأخذ في الانتقال، بل هي باقية كما كانت قبل ذلك. ولو كانت موجودة فقد حصل المنتقل إليه بتمامه وحين حصول المنتقل إليه بتمامه لا يبقى الانتقال، بل ينقطع. وظاهر أنّ حال حصول الانتقال لابدّ و أن يكون متوسطاً بين المنتقل عنه والمنتقل إليه، فوجب أن يكون خارجاً عن حدّ العدم الصِّرف وغير واصل إلى حدّ الوجود الصِّرف.
وهذه الاستدلالات قطرة من بحار الإشكالات الواردة على قولنا: الشيء إمّا أن يكون و إمّا أن لا يكون، وإذا كان أقوى البديهيات كذلك فما ظنّك بالأضعف.
قال أفضل المحققين: الماهية لا تكون موجودة إلاّ في زمان الوجود، أمّا في

1 . في عبارة المحصل: «فهو محال من وجهين».
2 . المحصل: «لا معدومة».

صفحه 138
زمان العدم فلا ماهية إلاّ في التصور العقلي. وكذلك في آن الحدوث، فإنّ مفهوم الحدوث على ما فسّره، معنى يدخل فيه ثلاثة أشياء: الوجود والعدم ونسبة بينهما، ولا شيء ممّا يدخل في مفهومه العدم والنسبة إليه بموجود في الخارج. فالحدوث معنى معقول هو صفة تحصل في العقل عند تعقّل العدم والوجود المرتب عليه في العقل. والماهية الموصوفة بتلك الصفة لا تكون موصوفة بالوجود وحده فلا تكون موجودة في الخارج، بل إنّما تكون موجودة في العقل، فلا يلزم من ذلك واسطة بين الوجود والعدم; لأنّ معنى الواسطة أن تكون الماهية في الخارج غير موصوفة بالوجود ولا بالعدم، وذلك محال; لأنّ كون الماهية في الخارج هو وجودها الخارجي، فكونها في الخارج غير موصوفة (بالوجود)1 تناقض.
لا يقال: الجسم في آن انتقاله من السكون إلى الحركة موجود، وليس بموصوف بالسكون ولا بالحركة ولا يمكن أن يقال: الجسم في ذلك الآن موجود في العقل فقط. فإذن هو في ذلك الزمان لا ساكن ولا متحرّك، و يلزم منه واسطة بين السكون والحركة المتقابلين.
لأنّا نقول: وجود الحركة لا يمكن إلاّ في زمان وكذلك وجود السكون، فانتفاؤهما عن شيء من شأنه أن يوجد أحدهما فيه يقتضي واسطة بينهما، لكن الجسم في الآن الذي هو الفصل المشترك بين زمان السكون وزمان الحركة لا يكون من شأنه أن يوجد فيه حركة أو سكون. فلا يلزم من وجوده في ذلك الآن ثبوت واسطة بين الحركة والسكون يكون الجسم موصوفاً بها في ذلك الآن. وهذا بخلاف ما نحن فيه; لأنّ الماهية في الآن الذي لا تكون موصوفة بالوجود المحض لا تكون ثابتة، فإنّ ثبوتها في حال اتصافها بالوجود فقط.
وعلى التقريرين، الأخذ في الانتقال وانقطاع الانتقال لا يصحّان إلاّ إذا كان

1 . ما بين الهلالين ليس في المصدر ولعلّه زيادة توضيح من العلاّمة.

صفحه 139
الانتقال واقعاً في شيء موجود بالتدريج كالحركة. أمّا إذا كان الانتقال من لاشيء، فلا يكون هناك أخذ ولا انقطاع، و المتوسط بين المنتقل عنه والمنتقل إليه لا يعقل إلاّ إذا كانا موجودين، وهاهنا لمّا لم يكن المنتقل عنه ثابتاً فلا ثبوت للانتقال أصلاً، و الموصوف لا ثبوت صفة1 له، إلاّ إذا كان أصل الثبوت له. فإذن لا متوسط بين العدم و الوجود.
وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من كون الحدوث عدميّاً كون الماهية الموصوفة به عدمية، وإلاّ لزم أن يكون الجسم حال سكونه عدمياً. وإذا كان مفهوم الحدوث إنّما يتحقق عند تعقل العدم والوجود المرتب عليه، وجب أن تكون الماهية حينئذ موجودة. ولأنّ الحدوث هي حالة الخروج من العدم إلى الوجود، فلو لم تكن الماهية موجودة حينئذ لم يتحقق الإخراج حالة تحقّقه على ما قال. ولا يلزم من كون الماهية الموصوفة بتلك الصفة غير موصوفة بالوجود وحده أن لا تكون موجودة في الخارج، بل تكون موجودة لاتصافها بالوجود، ولا يضرها اتصافها بغيره أيضاً، فإنّها إذا اتصفت بالوجود وغيره فقد اتصفت بالوجود.

الوجه السادس2

إنّا نجد العقل جازماً بأُمور كثيرة، كجزمه بالأوّليات، مع أنّ الجزم غير جائز فيها، وذلك يوجب تطرّق التهمة إلى حكم العقل.
بيان الأوّل من وجوه:
الأوّل: إنّا إذا رأينا زيداً ثمّ غمضنا العين لحظة ثمّ فتحناها في الحال وشاهدنا زيداً مرّة أُخرى، جزمنا بأنّ زيداً الذي شاهدناه

1 . في المصدر: «لصفة».
2 . ممّا تمسّك به اللا أدريون لإثبات مقالتهم.

صفحه 140
ثانياً هو الذي شاهدناه أوّلاً، وهذا الجزم غير جائز، لاحتمال أنّ اللّه تعالى أعدم زيداً الأوّل في تلك اللحظة الّتي غمضنا العين فيها و خلق في الحال مثله. هذا على مذهب المسلمين،1 أمّا على مذهب الفلاسفة، فلعلّه حدث شكل غريب فلكيّ اقتضى هذا النوع من التصرف في هيولى عالم الكون والفساد، وهو و إن كان بعيداً لكنّه جائز عندهم. وعلى هذا التقدير يكون زيداً الذي شاهدناه ثانياً غير زيد الأوّل.
قال أفضل المحققين: العقل جازم بلا تردد أنّ هذا الزيد هو الأوّل، فلو كان حكمه موقوفاً على نفي الاحتمال المذكور لكان ذلك الجزم نظرياً لا بديهياً.
والمسلمون لم يتفقوا على أنّ إعدام الموجود الباقي ممكن.
قالوا: المؤثر كلّ موجود يحصل منه موجود هو أثره، ولهذا ذهبت المعتزلة إلى أنّ الإعدام يكون بايجاد ضدّ الموجود، حتى مشايخهم2 قالوا: إنّ اللّه تعالى قبل القيامة يخلق عرضاً هو الفناء لا في محلّ، وهو ضد جميع ما سوى اللّه تعالى، فيفنى بوجوده ما سوى اللّه تعالى، وهو لا يبقى زمانين فينتفي، ولا يبقى غير وجه اللّه ذي الجلال والإكرام.

1 . يقصد العلامةُ والرازي والطوسي بهذه الكلمة «مذهب المسلمين» أكثرَ المتكلمين من الأشاعرة والعدلية (الإمامية و المعتزلة) .
2 . يقصد من المشايخ الجبائيين، لانّـهما قالا: « ليس الفناء في محل دون سائر المعتزلة كما في شرح العلاّمة على تجريد الاعتقاد حيث قال: «وقد اختلفوا فيه ]الفَناء[ على ثلاثة أقوال: إحداها: قال ابن الاخشيد: إنّ الفناء ليس بمتحيز ] أي الجوهر [ولا قائم بالمتحيز. الثاني: قال ابن شبيب: إنّ اللّه يحدث في كلّ جوهر فناءً ثمّ ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني فيجعله قائماً بالمحلّ. الثالث: قال أبو علي وأبو هاشم و من تابعهما: إنّ الفناء يحدث لا في محل فيفني الجواهر كلّها حال حدوثه».
ثمّ العلامة الحلّـي يبطل القول بالفناء تبعاً للماتن (الطوسي) راجع كشف المراد: 403.
وأمّا أُستاذنا العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني «دام ظلّه» حين درَّسنا هذا الكتاب القيّم فقد ذهب إلى أنّ الفناء على فرض ثبوته: انقضاء مقتضى الوجود، وأنّ فناء العالم لا يحتاج إلى ضد.

صفحه 141
وذهب النظّام إلى أنّ جميع الأجسام والأعراض غير باق زمانين، بل يحدثها اللّه تعالى حالاً فحالاً.1
وذهبت الأشاعرة إلى مثل هذا القول في الأعراض.2
وقال جميع من لا يجوّز إعادة المعدوم: بأنّ الأجسام لا تفنى، ولكن تفنى التأليفات التي بين أجزائها فتكون لأجل ذلك هالكة، فإعدام زيد الأوّل ليس بممكن عند أكثر المتكلّمين3، وما لا يمكن لا يكون مقدوراً للفاعل المختار.
وأمّا على مذهب الفلاسفة، فالشكل الغريب لا يكون إلاّ سبباً فاعلياً، ولابدّ معه من سبب قابلي حتى يحصل الأثر. ومادة زيد الأوّل و نفسه لا يمكن أن تفنى، ومادة زيد الثاني لا يمكن أن تتصل بها صورة إلاّ بعد حصول اعتدال إنساني وتغذية و نشو، حتى يصير بعد مرور مدّة من الزمان إنساناً كاملاً.
فهذه الدّعوى على المسلمين وعلى الفلاسفة غير مطابقة لمذاهبهم. وهَب4 أنّهم يقولون بذلك، إلاّ أنّ العقل لمّا كان جازماً بنفي ذلك المحتمل، لا يقع للعقلاء شكّ في المقدمات5 بسبب أمثال هذه الجزئيات.6

1 . هذا الكلام عين ما حرّره صدر المتألهين من الحركة الجوهرية في الأجسام (وهو أوّل من أشبع الكلام في اثباته) ومخالف لما ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من الحركة في الأعراض دون الجواهر. والقول الحقّ ما ذكره النظام ونقحه صدر المتألهين; لانّ الأعراض هي المرتبة النازلة للجواهر، فإذا كانت متجددة و متغيرة آناً فآناً كانت موضوعاتها متجددة و متحركة أيضاً; لأنّ الحركات العرضيّة بوجودها سيّالة متغيّرة، وهي معلولة للطبائع، وعلّة المتغيّر يجب أن تكون متغيّرة و إلاّ لزم تخلّف المعلول بتغيّره عن علّته وهو محال. راجع الأسفار3: 61 وما يليها; نهاية الحكمة: 207ـ 210.
2 . انظر المذاهب المشهورة في كيفية الإعدام في أنوار الملكوت للعلاّمة الحلّي: 42.
3 . في المصدر: «المسلمين».
4 . المشهور انّها اسم فعل بمعنى احسب وقيل: إنّها كلمة يونانية بمعنى أُفرض واحسب.
5 . في المصدر: «البديهيات».
6 . في المصدر: «الخرافات».

صفحه 142
فإن قيل: فكيف حال معجزات الأنبياء (عليهم السلام)؟
قلنا: ليس معجزاتهم إعدام شيء باق . وأن جعل العصا حيّة ثمّ إعادتها إلى شببها1 الأُولى، ليس إلاّ تبديل صورة بصورة. وإخراج الناقة من الجبل، وانفجار الماء من الحجر، وإحياء الموتى، وغير ذلك أُمور ممكنة في العقل ليس فيها إعدام باق وإيجاد مثل المنعدم دفعةً، مع أنّ لبعضها تأويلات عقليةً لا يمكن إيرادها هاهنا.2
وفيه نظر، فإنّ المشكّك يسلم الجزم ويطعن في حكم الجازم، فإنّه غير مقبول3 لأنّه يجزم و يجوّز النقيض في شيء واحد، فتوجه الطعن إليه. وإعدام الموجود متفق عليه، لكنّ كيفية الإعدام مختلف فيها، فبعضهم يسنده إلى الفاعل، وبعضهم إلى الضدّ، إلى غير ذلك.
والقائل بامتناع إعادة المعدوم من المسلمين يجوّز إعدام الشخص، بمعنى تفرق أجزائه وتركّبها، وهو كاف في غرض المشكك; لأنّ اللّه تعالى قادر على إعدام زيد الموجود دفعة، بأن يفرق أجزاءه ثمّ يركّب أجزاء أُخر على صورته دفعة أيضاً.
وعلى رأي الفلاسفة، لا يجب حصر الاستعداد في مادة المني واستكماله في الرحم، بل أيّ استعداد للصورة الإنسانية حصل لأيّ مادة قابلة وارتفعت الموانع، فإنّه يجب الفيض من مفيضه.
الثاني: إنّا نشاهد إنساناً كبيراً فنحكم بالضرورة أنّه لم يخلق دفعة من غير أب و أُمّ، بل كان قبل ذلك طفلاً و مترعرعاًوشابّاً حتى صار الآن شيخاً، وهذا الجزم غير ثابت. أمّا على مذهب المسلمين فللفاعل المختار، وأمّا على قول

1 . في المصدر: «سيرتها».
2 . نقد المحصل: 40ـ 41.
3 . ج: «معقول».

صفحه 143
الفلاسفة فللشكل الغريب.
قال أفضل المحققين: العقل لا يشك فيما جزم بسبب هذا القول الذي قاله، وإن لم يكن هذا الجزم مثل الجزم بأنّ « الكلّ أعظم من جزئه»، لكن التفاوت بينهما لا يبلغ حداً يجعل أحد الجزمين ظنياً. واعتبر القضايا التجربيّة، فإنّها لا تبلغ في الجزم حدّالأوّليات، مع أنّها يقينية بعيدة عن الارتياب.
وأمّا عند الفلاسفة فمحال أن يتولد شيخ من غير أسباب مادية واستعداداتو تربية كما مرّ.1
وفيه نظر، لما بيّنا من اعتراف المشكك بالجزم، بأنّه لم يورد إلاّعليه، ولولاه لم يكن مشككاً حيث حصل الشكّ من العقل فيما جزم فيه2 . ومع التجويز لا يحصل ترجيح، فضلاً عن مساواته للقضايا التجربية.
الثالث: إذا خرج الشخص من داره جزم بأنّ جميع ما فيها من الأواني لم تنقلب اناساً فضلاء مدقّقين في علم المنطق والهندسة، وأنّ الأحجار التي فيها لم تنقلب ذهباً ولا ياقوتاً، وأنّه ليس تحت رجلي ياقوتٌ بمقدار مائة ألف منّ، وأنّ مياه البحار والأودية لم تنقلب دماًو دهناً، والاحتمال في الكلّ واحد.
ولا يندفع ذلك بأنّي لمّا نظرت إليها ثانياً وجدتها كما كانت، لاحتمال أن يقال: إنّها انقلبت إلى هذه الصفات في زمان غيبتي ]عنها[، ثمّ عند عودي إليها صارت كما كانت إمّا للفاعل المختار، أو للشكل الغريب.
قال أفضل المحققين: أكثر ما ذكر في هذه الاحتمالات محال; فإنّ قلب الحقائق عند المتكلمين محال غير مقدور عليه. وتبديل هذه الصور بالصور التي

1 . نقد المحصل: 41.
2 . ق: «به».

صفحه 144
ذكرها عند1 الفلاسفة ممتنع.
وفيه نظر، فإنّ جميع ما ادّعي انقلابه ليس فيه قلب الحقائق، بل راجع إلى خلع الصور النوعية أو الجسمية ولبس غيرها، وهو ممكن عند الكلّ.
الرابع: إنّي إذا خاطبتُ إنساناً فتكلّم بكلام منظوم مرتّب يوافق خطابي، علمتُ بالضرورة أنّه حيٌّ عاقل فاهمٌ، و هذا الجزم غير ثابت، لأنّ المقتضي لذلك الجزم إمّا أقواله أو أفعاله.
أمّا الأقوال، فلا توجب; لأنها أصواتٌ مقطّعة، وحصولها في الذات لا يقتضي كون الذات حيّة عاقلة.
وأمّا الأفعال، فلا تدل أيضاً; لاحتمال أنّ الفاعل المختار، أو الشكل2 يقتضي حصول تلك الألفاظ المخصوصة الدالة على ما يوافق غرض المخاطب.فثبت أنّ القول والفعل لا يدلّ على كونه حيّاً فاهماً، مع أنّا نضطرّ إلى العلم بذلك.
قال أفضل المحققين: صدور الكلام المنظوم من شخص هو إنسان، يدل بالضرورة على كونه حيّاً عاقلاً، ولا يندفع ذلك بما قاله. أمّا في غير الإنسان فلا يدل على كون ذلك الشخص حيّاً عالماً3إنّما يدل على أنّ الذات الّتي يصدر عنها ذلك الكلام حيّ عالم قادر.
والأفعال، فلا خلافَ في أنّها إذا كانت محكمةً متقنةً، كان فاعلها عالماً قادراً. فهذا الشكّ ليس بقادح فيما أراد قدحه، لا على مذهب المتكلّمين، ولا على

1 . في المصدر: «ذكرناها عن».
2 . المحصل: «الشكل الغريب».
3 . في المصدر: «عاقلاً».

صفحه 145
مذهب الفلاسفة.1
وفيه نظر، فإنّ البحث في الجزم الضروري، كيف حصل مع إمكان صدوره من غيره؟ بأن يخلقه اللّه تعالى في جسم جمادي على صورة الإنسان، و يتوهم السامع كون المتكلّم حياً أو إنساناً و ليس هو كذلك، فإنّ وجود الكلام لا يدلّ على حياة المتكلّم، كالشجرة الّتي خلق اللّه تعالى فيها الكلام لموسى(عليه السلام).
الخامس: رويتم في الأخبار أنّ جبرئيل (عليه السلام)كان يظهر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في صورة دحية الكلبي، وإذا جاز ذلك في العقل جاز أن يظهر في صورة سائر الأشخاص. فإذا رأيتُولدي فلعلّه بعض الملائكة، بل الذبابة التي طارت لعلّها ليست بذبابة، بل هي ملك من الملائكة. فثبت أنّ هذا التجويز قائم، مع أنّ العلم الضروري بعدمه حاصل.
فثبت بهذه الوجوه أنّ البديهة جازمة بهذه الأحكام، مع أنّ جزمها باطل. ولمّا تطرّقت التهمة إليها لم يكن حكمها مقبولاً، إذ لا شهادة لمتّهم.
لا يقال: جزم العقل بهذه القضايا استدلالي، لا بديهي.
لأنّا نقول: لو كان كذلك لما حصل هذا الجزم إلاّلمن عرف ذلك الدليل. ولمّا لم يكن كذلك، بل هو حاصل للصّبيان و المجانين ولمن لم يمارس شيئاً من الدلائل، علمنا أنّه بديهي، لا نظري.على أنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا وتأمّلنا أحوالنا، علمنا أنّ علمي «بأنّ زيداً الذي أُشاهده الآن هو الذي شاهدته قبلَ ذلك بلحظة، وأنّه لا يجوز أن يقال: عُدِمَ الأوّل وحَدَثَ مثله» ليس أضعفَ من علمي بأنّ الواحد نصف الاثنين، وأنّ الشيء إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً.
قال أفضل المحققين: المحقّقون من المسلمين وغيرهم من أهل الملل

1 . نقد المحصل: 42.

صفحه 146
يقولون: كلُّ ما أخبر به مخبر صادق، فإن كان ممكن الوقوع حكمنا بصحّته وأحلناه إلى القادر المختار، وإن كان ممتنعَ الوقوع فإمّا أن نرجع فيه إلى تأويل مطابق لأُصول ديننا، أو نتوقف فيه. وإذا تقرر هذا الأصل لم تبق حيرة في موضع ممّا ذكره أو لم يذكره. و من المقرر أنّ العلم القطعيّ لا ينقدح بالظنون الفاسدة والأوهام البعيدة الكاذبة.
وما ذكره في جواب الاعتراض هو الدليل على أنّ القدح في الضروريات بما أورده من الاحتمالات لا يؤثر في الجزم العقلي أصلاً.1

الوجه السابع

مزاولة الصنايع العقلية و ممارستها تدل على أنّ الإنسان قد يتعارض عنده دليلان في مسألة عقلية بحيث يعجز عن القدح في كلّ واحد منهما، إمّا عجزاً دائماً أو في بعض الأحوال. والعجز لا يتحقق إلاّ عند كونه مضطراً إلى اعتقاد صحّة جميع المقدمات التي في الدليلين، ولا شكّ أنّ واحداً منهما خطأ، وإلاّ لصدق النقيضان. وهذا يدل على أنّ البديهة قد تجزم بما لا يجوز الجزم به.

الوجه الثامن

قد يكون الإنسان جازماً بصحّة جميع مقدمات دليل معيّن، ثمّ يتبيّن له الخطأ في بعض تلك المقدمات، ولأجل ذلك ينتقل الرجل من مذهب إلى مذهب، فجزمه بصحّة تلك المقدمة الباطلة باطل. فظهر أنّ البديهة متّهمة.
قال أفضل المحققين: قصور أفهام بعض الناس عن التمييز بين الحقّ والباطل و اعتمادهم على ما يتقلّدونه من آبائهم وأساتذتهم بموجب حسن ظنّهم

1 . نقد المحصل: 42.

صفحه 147
فيهم، ليس بقادح في الأوّليات. وأيضاً التشكك في النظريات بسبب تعارض دليلين، أو النقل من مذهب إلى مذهب بسبب ترجّح أحد دليلين متعارضين، لا يقدح في النظريات. وصناعة المنطق، لا سيّما صناعة سوفسطيقا منه، إنّما هي لإرشاد العقلاء إلى 1 طريق الحقّ و مجانبة ما يقتضي الضّلال في العقائد والمباحث النظرية. 2

الوجه التاسع

إنّا نرى لاختلافِ الأمزجة والعادات تأثيراً في الاعتقادات، وذلك يقدح في البديهيات.
أمّا الأمزجة فلأنّ ضعيف المزاج يستقبح الإيلام، وغليظ المزاج قاسي القلب قد يستحسنه فربَّ إنسان يستحسن شيئاً وغيره يستقبحه.
وأمّا العادات فهو أنّ الإنسان إذا مارس كلماتِ الفلاسفة وألّفها من أوّل عمره إلى آخره، ربما صار بحيث يقطع بصحّة ما يقولونه وبفساد كلّ ما يقوله مخالفوهم. ومن مارس كلام المتكلّمين كان الأمر بالعكس، وكذا القول في أرباب الملل. فإنّ المسلم المقلِّد يستقبح كلام اليهود في أوّل الوهلة، واليهودي بالعكس من ذلك، وما ذاك إلاّ بسبب العادات. وإذا ثبت أنّ لاختلاف الأمزجة والعادات أثراً في الجزم بما لا يجب الجزم به، فلعلّ الجزمَ بهذه البديهيات، إمّا لمزاج عام، أو لألف عام، وعلى هذا التقدير لا يجب الوثوق.
لا يقال: الإنسان يفرض نفسه خالية عن مقتضيات الأمزجة والعادات، فما يجزم العقل به في تلك الحالة كان حقاً، لأنّ الجازم به في تلك الحالة هو صريح العقل، لا المزاج والعادة.

1 . في المخطوطة: «لأنّ» و الصحيح ما أثبتناه من المصدر.
2 . نقد المحصل: 43.

صفحه 148
لأنّا نقول: هب أنا فرضنا خلوّ النفس عن المزاج والعادة، لكن فرض الخلوّ لا يوجب حصول الخلوّ، فلعلّنا وإن فرضنا خلوّ النفس عنهما لكنّها ماخلت عنهما، وحينئذ يكون الجزم بسببهما، لا بسبب العقل.
سلّمنا أنّ فرض الخلوّ يوجب الخلوّ، لكن لعلّ في نفوسنا من الهيئات المزاجية والعاديّة ما لا نعرفه على سبيل التفصيل، وحينئذ لا يمكننا فرض خلوّ النفس عنهما1، وذلك سبب التهمة.
قال أفضل المحققين: أمّا استحسان الأشياء واستقباحها فسيأتي. وأمّا مقتضيات الطبائع والعادات والديانات، فلا شكّ في كونها مؤثرةً في اعتقادات العوام، لكنّها لا تعارض متانة الحقّ الذي يعترف2 به جميع العقلاء حتّى البُلّه والصبيان والمجانين. وقد حذّر العلماء طالبي الحق عن متابعة الأهواء والطبائع والعادات، بمثل قول القائل: «رؤساء الشياطين ثلاثة: شوائب الطبيعة، ووساوس العادة، ونواميس الأمثلة». ولا شكّ أنّ البديهيات لا تنقدح بها.3
قالت السوفسطائية: إمّا أن تشتغلوا بالجواب عمّا ذكرناه أو لا. فإن اشتغلتم بالجواب حصل غرضنا; لأنّكم حينئذ تكونون معترفين بأنّ الإقرار بالبديهيات لا يصفو عن الشّوائب إلاّ بالجواب عن هذه الإشكالات، ولا شكّ أنّ الجواب عنها لا يحصل إلاّ بتدقيق النظر، والموقوف على النظريّ 4أولى أن يكون نظرياً، و كانت البديهيات مفتقرةً إلى النظريات المفتقرة إلى البديهيات، هذا خلف.
وإن لم تشتغلوا بالجواب بقيت الشبهة5 المذكورة خاليةً عن الجواب. ومن

1 . المحصل: «عنها».
2 . في المخطوطة: «يعرف» والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
3 . نقد المحصل: 44.
4 . ق: «النظر».
5 . المحصل: «الشّبه».

صفحه 149
المعلوم بالبديهة، أنّ مع بقائها لا يحصل الجزم بالبديهيات فقد توّجه القدح في البديهيات على كلا التقديرين.
قال أفضل المحقّقين: عدم الاشتغال بالجواب لا يقتضي بقاء الشبهة1 القادحة في البديهيات2، فإنّها مع جزم العقل، غير مؤثرة في العقول السليمة، بل إنّما لا نشتغل بالجواب لفقدان ما يتّفقون عليه من مبادئ الأبحاث، وكون البديهيات3 مستغنية عن الذّبّ عنها بالحجج و البيانات.
ولا يقال في جوابهم: إنّ شبهتكم4 التي أوردتموها ليست قضايا حسيةً، فهي إمّا بديهيات، وإمّا نظريات مستندة إلى بديهيات، فلو كانت قادحةً في البديهيات لكانت قادحة في أنفسها. لأنّهم يقولون: نحن لم نقصد بإيراد هذه الشبهة إبطال البديه5يات باليقين، بل قصدنا إيقاع الشكّ فيها، وكيف كان فمقصودنا حاصل.6
ثمّ قال منكروا المحسوسات والبديهيات معاً: قد ظهر ممّا تقدّم، تطرق التهمة إلى المحسوسات والبديهيات، ولابدّ فوقهما من حاكم آخر، ولا يجوز أن يكون الحاكم هو الاستدلال، لأنّه فرعهما، فلو صححناهما به دار، ولا نجد حاكماً آخر، فإذن لا طريق إلاّ التوقف.
لا يقال: هذا الكلام الذي ذكرته، إن أفادك علماً بفساد الحسيات

1 . في المصدر: «الشّبه».
2 . في المصدر: «الأوّليات».
3 . في المصدر: «الأوّليات».
4 . في المصدر: «شبهكم» وهو الصحيح بقرينة كلمة «قضايا» الآتية بصيغة الجمع، و لانّ الشبهات كانت أكثر من واحدة.
5 . في المصدر: «الشّبه».
6 . نقد المحصل: 45.

صفحه 150
والبديهيات فقد ناقضت، وإلاّ فقد اعترفت بسقوطه.
لأنّا نقول: هذا الكلام الذي ذكرته أنت يفيد القطع بالثبوت، والذي ذكرته أنا إنّما يفيد التّهمة، والشكّ إنّما يتولّد من هذا المأخذ. فأنا شاك، وشاك في أنّي شاك، وهلمّ جرّاً، فحينئذ الاشتغال بالجواب عن شبههم يحصل غرضهم على ما قالوا.
فالصواب أن لا نتشاغل بالجواب عنها; لأنّا نعلم أنّ علمنا بأنّ«الواحد نصف الاثنين»، وأنّ «النار حارة»، « والشمس مضيئة»، لا يزول بما ذكروه، بل الطريق أن يُعذَّبوا حتى يعترفوا بالحسيات، وإذا اعترفوا بها اعترفوا بالبديهيات، أعني الفرق بين وجود الألم وعدمه.
قال أفضل المحققين: إنّ قوماً من الناس يظنون أنّ السوفسطائية قوم لهم نحلة ومذهب، ويتشعبون إلى ثلاث طوائف:
اللا أدرية، الذين شكوا و شكوا في أنّهم شكوا إلى ما لا يتناهى.
والعنادية، الذين يقولون: ما من قضيّة بديهية أو نظرية إلاّ ولها معارضة ومقاومة مثلها في القوة و القبول عند الأذهان.
والعندية، وهم الّذي يقولون: مذهب كلّ قوم حقّ بالقياس إليهم، وباطل بالقياس إلى خصومهم، وقد يكون طرفا النقيض حقّاً بالقياس إلى شخصين، وليس في نفس الأمر شيء بحقّ.
وأمّا أهل التحقيق فقد قالوا: هذه لفظة في لغة اليونانيّين، فانّ «سوفا» بلغتهم اسم للعلم والحكمة و «اسطا» اسم للغلط فسوفسطا معناه علم الغلط. كما كان «فيلا» اسم للمحب، و «فيلسوف» معناه محبُّ العلم، ثمّ عرّبت هاتان اللفظتان و اشتقَّ منهما السفسطة والفلسفة.

صفحه 151
قالوا: وليس ولا يمكن أن يكون في العالم قوم ينتحلون هذا المذهب، بل كلّ غالط سوفسطائيٌّ في موضع غلطه. وكثير من الناس متحيّرون، لا مذهب لهم أصلاً.وقد رتب مثل هذه الأسئلة والايرادات أولئك المتحيّرون من طلبة العلم، وأسندوها إلى السوفسطائية، واللّه أعلم بحقيقة الحال.
وطريق التعذيب لأخذ الاعتراف منهم ببعض القضايا الواجب قبولها، حتى يتمكّنوا من إرشادهم والبحث معهم بناءً على مااعترفوا به.1
لا يقال: السوفسطائي المورِد للشبهة هل يعترف بوجود نفسه، وبصدور هذه الأسئلة عنه، و توجهها علينا أو لا؟ فإن لم يعترف بوجود نفسه فقد سقطت مكالمته، وإن اعترف بطلت سفسطته.
لأنّا نقول: هذا الإشكال إنّما يتوجّه على العنادية الّذين يقولون: إنّا نجزم بنفي حقائق الأشياء. أمّا اللاأدرية فإنّهم يقولون: الكلام الذي ذكرته أنت لو خلا عن المعارض الذي أوردته أنا لكان يفيد الجزم، و لكن لأجل تلك المعارضات زال الوثوق، فلا جَرَم لا أقطع بشيء أصلاً. وأمّا العنادية الذي يعاندون فيقولون: نحن نجزم بأنّه لا موجود أصلاً.
وشبههم إنّما تنشأ من الإشكالات المتعارضة. ولنذكر أمثلة ثلاثة ليقاس عليها غيرها.
الأوّل: لو كان في الوجود موجود لكان ذلك الموجود، إمّا مشاركاً في الوجود لغيره أو لا، و القسمان باطلان، فالقول بالوجود باطل.
إنّما قلنا: إنّ القول بكون الوجود مشتركاً باطل، لأنّه إن كان السواد مثلاً مشاركاً للبياض في وجوده وهو مخالف له في سواديته و ما به الاشتراك مغاير لما به

1 . نقد المحصل: 46ـ 47.

صفحه 152
الامتياز، فكونه سواداً مغاير لكونه موجوداً، لكن ذلك محال; لأنّوجود الشيء لو كان وصفاً زائداً لكان إمّا معدوماً فالشيء موجود بوجود معدوم، أو موجوداً فوجوده زائد و يتسلسل.ولأنّ اتصاف الشيء بالصفة الثبوتية مسبوق بثبوت الموصوف فلو كان الوجود صفة زائدة على الماهية كانت الماهية موجودة قبل كونها موجودة، وهو محال.
وإنّما قلنا: إنّ القول بكون الوجود غير مشترك محال، أمّا أوّلاً: فلأنّه يلزم أن لا يكون المقابل للسلب واحداً فيبطل الحصر. وأمّا ثانياً: فلأنّ تعقل كون الشيء موجوداً لا يختلف باختلاف اعتبار كونه سواداً أو جوهراً، فلولا أنّ هنا أمراً مشتركاً بينها، وإلاّ لما كان كذلك.
الثاني: لو كان في الوجود موجود لكان ذلك الموجود، إمّا واجباً أو ممكناً، والقسمان باطلان لما يأتي من الإشكالات القادحة في الإمكان وا لوجوب.
الثالث: لو كان الجسم موجوداً لكان انقسامه إمّا متناهياً وهو باطل لأدلّة نفاة الجزء، أو لا، وهو باطل لأدلّة مثبتيه.
فظهر أنّ مآخذ شبه هذه الفرقة القدح في الأُصول بالإشكالات المتوجة على كلّ واحد من الأقسام.
واللا أدرية قد يتمسّكون بذلك، في بيان أنّه لا وثوق بحكم العقل، فإنّ مقدمات هذه الأقيسة كلّها جلية، ولا يتأتى الطعن في شيء منها إلاّ بالتعسف. ثمّ نعلم من ذلك أنّها ليست بأسرها حقّة. ومنكروا النظر قد يتمسكون بهذه الشبهات في أنّ النظر لا يفيد العلم.
وأمّا العندية، وهم القائلون بأنّ حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات، لا أنّ الاعتقادات تابعة للحقائق، فمن اعتقد في العالَم أنّه قديم كان العالم قديماً في حقّه وبالعكس. فاحتجوا بأنّ الصفراوي يجد السكر في فمه مراً فدلّ على أنّ الحقائق

صفحه 153
تابعة للإدراكات.
والجواب: قد اختلف العلماء في أنّه هل يجوز المناظرة معهم؟ والمحقّقون اتّفقوا على أنّها غير جائزة; لأنّ المعنى من المناظرة استفادة العلم بالمجهول بواسطة أُمور معلومة، ثمّ لا يجوز أن يتوقف حصول العلم بكلّ شيء على العلم بشيء آخر، وإلاّ لزم افتقار كلّ علم إلى علم آخر سابق عليه فيدور أو يتسلسل. والفطرة شاهدة بأنّ مناظرة الإنسان ونظره ليس كذلك. ولو سلم الدور والتسلسل، لكن لابدّ وأن تفرض هناك علوم غير متناهية يلزم البعض من البعض، فلزوم الشيء عن ملزومه ليس بتوسط ثالث، وإلاّ لم يكن الملزوم ملزوماً، وإذا لم يكن لزوم كلّ واحد منها عن ملزومه بواسطة شيء آخر كان العلم بلزوم كلّ منها عن ملزومه غير موقوف على الدليل، بل يكون حاصلاً بالضرورة. فثبت أنّ المناظرة لابدّ فيها من علوم ضرورية لا يتوقف حصولها على الاستدلال وإذا كان كذلك استحال إثباتها بالنظر والاستدلال، فثبت أنّه لا يجوز المناظرة مع السوفسطائية.
نعم نعدّ عليهم أُموراً لابدّ من الاعتراف بثبوتها حتى يظهر كذبهم، مثل أن يقال لهم: هل تميزون بين الدخول في النار وبين الدخول في الماء؟ وهل تميزون بين الضرب وعدمه؟ وهل يميزون بين مذهبهم وبين ما يناقضه؟ فإن قالوا: لا نميز، فقد ظهر مكابرتهم وحينئذ لا يقابلون إلاّبالضرب والتعذيب، وإن اعترفوا بطلت سفسطتهم و الشبه التي ذكروها.
فالصحيح أنّها لا تستحق الجواب; لأنّ الجواب عبارة عن بيان الخطأ الذي لأجله وقع الغلط في المطلوب و لمّا استحال وقوع الغلط في المطلوب، لم تكن الشبهة مستحقة للجواب، ومع ذلك فليتكلّم فيها.
وأمّا قوله كلّ واحدة من الفرق ادّعت الضرورة فيما كذبها فيه خصمها،

صفحه 154
وذلك يقدح في البديهيات.
قلنا: إنّما نعني بالبديهي ما يكون مجرّد تصوّر طرفيه كافياً في جزم الذهن بنسبة أحدهما إلى الآخر، و مثل هذه القضايا لا يقع فيها الاختلاف.نعم الخلاف يقع لعدم تحصيل المفهوم من الطرفين.
قوله: النظريات لازمة للضروريات فيستدل لعدم النظرية على عدم الضرورية.
قلنا: لا نزاع في أنّ عدم حصول العلم النظري لعدم حصول شيء من الضرورية1المنتجة2له، ولكن لِمَ قلتم: إنّ الضروري إذا أمكن عدم حصوله فانّه يصير نظرياً، فانّ العلم بنسبة أمر إلى أمر إيجاباً أو سلباً مشروط بحضور حقيقة المنسوب و المنسوب إليه في الذهن لسبق التصور على التصديق، لأنّه شرطه، وحضور التصورات في الذهن غير واجب، فقد يغفل الإنسان عن العلوم الضرورية كما يغفل عن النظرية، إلاّ أنّ الفرق أنّ مع تصوّر المفردات في الضروري يجب الجزم دون النظري; فإنّ من تصور حقيقة الواحد والإثنين والنصف استحال منه أن لا يحكم بأنّ الواحد نصف الاثنين، ومن تصوّر الحادث والعالَم لم يكفه في الجزم بكون العالم حادثاً، فقد اشترك الضروري والنظري في إمكان الذهول عنهما، وافترقا في استلزام التصوّر للتصديق في الضروري وعدمه في مقابله. فإذن لا يلزم من الذهول عن الضروريات كونها نظرية، ولا حاجتها إلى النظريات; لأنّ المحتاج إلى النظر هو الذي لا يكون تصديقه لازماً لتصوره.
فإن قيل: لمّا جوزتم الذهول عن العلوم الضرورية، هل تجوّزون حصول اعتقادات مناقضة لها؟

1 . أي عدم حصول مباديه البديهية.
2 . ق: «النتيجة».

صفحه 155
قلنا: لا; لأنّ المناقض لها مساو لها في الطرفين، لكن حصولهما في الذهن علّة للتصديق، وإذا استحال تخلف التصديق عن تصوّر الطرفين، فامتناع حصول ما يناقضها أولى.
لا يقال: كما أنّ أصحاب الحقّ يجب انتهاء تحليل أدلّتهم إلى مقدمات عُلِم صدقها ابتداءً، فكذا أصحاب الشبهات لابدّ وأن ينتهي تحليل أدلّتهم إلى مقدمات أخطأوا فيها ابتداءً لا بسبب خطأ سابق، وإلاّ دار أو تسلسل، فذلك الخطأ المبتدأ لابدّو أن يقع في العلوم الضرورية، إذ لو لم يقع فيها لاستحال وقوع الخطأ في النظريات لما ثبت أنّ النظريات لازمة للضروريات.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ خطأهم لابدّ و أن يكون واقعاً في القضايا الضرورية، بل في النظرية التي اعتقدوا فيها اعتقاداً خطأً ابتداءً، ثمّ ترتب على ذلك الخطأ سائر أنواع الخطأ.
قوله: التصورات إمّا أن تكفي في حصول هذه الضروريات أو لا.
قلنا: لا تكفي، بل لابدّ من استحضار تصوّر مفردات هذه القضايا الأوّلية، ثمّ متى حصلت تلك التصورات وجب حصول التصديق. وتلك التصورات تستفاد من الحواس، فلا ندعي أنّ حصول هذه القضايا إنّما يكون بواسطة استقراء تلك الأحكام في الجزئيات حتى يرد ما قلتم، بل الحس يفيد حصول صور هذه الماهيات في الذهن، فإذا حصلت ترتب عليها حصول ذلك التصديق.
قوله: لا اعتماد على المحسوسات فلا يعتمد على الأوّليات.
قلنا: نمنع أنّه لا اعتماد على المحسوسات. و زيد المشاهد1 الآن يُقطع بأنّه المشاهد بالأمس لا بالحس; لأنّ المحسوس وجود هذا المشاهَد ولا شكّ فيه،

1 . ق: «الشاهد».

صفحه 156
وأمّا انّه هو الّذي شوهد بالأمس فليس محسوساً، بل معقولاً. فالخطأ1 فيه لا يكون خطأ في المحسوس. وهو بعينه جواب عن انقلاب الأواني والبحار، فإنّ التجويز ليس تشكيكاً في أمر محسوس، بل في غيره، فلا يكون طعناً في المحسوسات.وتجويز الخطأ في أحكام اليقظة لثبوته في أحكام النوم لا يشككنا في علمنا بوجود أنفسنا وأحوالها من الألم واللذة، ولا فرق أقوى ممّا يجده الإنسان من نفسه.
وشبهة العنادية حاصلها القدح في الأُصول بإبطال جميع أقسامها.
فالجواب عنها ببيان ضعف ما ذكروه في إبطال كلّ تلك الأقسام على ما سيأتي.
و شبهة العندية ساقطة; لأنّ الذي يختلف باختلاف الأشخاص هو الأُمور الإضافية.
وأمّا قدم الصانع وحدوث العالم فإنّها أُمور حقيقية، يستحيل أن تختلف باختلاف الأشخاص.
والصفراوي يجد السكر مرّاً لأنّ في فمه مرارة الطعم فإذا خالطها السكر تغير طعمه بسبب ذلك.

1 . ق: «لأنّ الخطأ».

صفحه 157

البحث الثالث

في بقايا أحكام العلم

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: في أنّ العلم عرض

هذا الحكم كالضروري; لأنّه على جميع تفاسيره موجود في شيء لا كجزء منه. ولا يصحّ قوامه دون ما هو فيه. ولا يعقل قيامه مجرّداً عن ذات تكون عالمة به. غير حالّّ في شيء بحيث يكون جوهراً مجرداً، ولا جوهراً مادياً يقارن الأجسام ويلابسها.
أمّا عند القائلين بأنّه عدمي هو التجرد عن المادة1، فظاهر أنّ الأُمور العدمية لا تأصّل لها في الوجود فلا تتحقق معقولة فضلاً عن التحقق خارج الذهن إلاّ قائمة بغيرها.
وأمّا من يجعله إضافة2 فكذلك; لأنّ الأُمور الإضافية عدميّة عند جماعة، وقائمة بغيرها قيام العرض بمحلّه عند أُخرى، بل العرضية فيها أتم حيث افتقرت

1 . انظر الإشكالات الواردة على القول بسلبية العلم وسائر الأقوال وتشييد الحقّ في حقيقة العلم في الأسفار3: 286ـ 288.
2 . كما ذهب إليه الرازي في المباحث المشرقية1: 450. وله أقوال شتى في حقيقة العلم.

صفحه 158
إلى أمرين.
وكذا من يجعله صفة حقيقية تلزمها الإضافة.
ومن يجعله صورة قائمة بالعاقل مساوية للمعقول فكذلك، لكن في هذا شكّ عند القدماء1وهو أنّ العلم إذا كان صورةً مطابقةً للمعلوم مرتسمةً في العالِم فإذا كان المعلوم ذاتاً قائمة بنفسها فالعلم به يكون مطابقاً و داخلاً في نوعه، و إنّما يشاكل الشيء غيره في طبيعة نوعه لو كان مندرجاً تحت جنسه، فإذا كانت الصورة الخارجية جوهراً و الصورة الذهنية مساوية لها و مندرجة تحت جنسها الذي هو الجوهر كانت جوهراً. فإذن الصورة العقلية جوهر، ولا شيء من الجوهر بعرض، فتلك الصورة ليست عرضاً.
لكن2 هذا خطأ، لأنّ جوهرية الجوهر قد عرفت أنّها ليست لأجل كون الشيء موجوداً لا في موضوع، وإلاّ لكان الشكّ في وجوده شكاً في جوهريته، وهو محال، بل الجوهرية إنّما كانت لأجل أنّها ماهية متى وُجِدت في الأعيان كانت لا في موضوع، ولا شكّ أنّ الصورة العقلية كذلك، فإنّها ماهية إذا وُجدت كانت لا في موضوع، وكونها في الحال في موضوع لا ينافي كونها بحال إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع، كما إذا قلنا: المغناطيس هو الذي يجذب الحَديد عند قربه منه، فهذا يصدق عليه وإن لم يكن جاذباً له في حال «عدمه وجذبه»3 له، فكذا هنا.
بقي أنّ يقال: فتكون تلك الصورة حينئذ جوهراً وعرضاً معاً في الأعيان فيلتزم ذلك، والمنكر أن يكون الشيء الواحد جوهراً وعرضاً، فأمّا أن يكون باعتبار

1 . انظر هذا الشكّ ومابعده في المباحث المشرقية 1: 458ـ 459.
2 . من هنا يبدأ الجواب عن ما قاله القدماء.
3 . في المباحث: «عدم وجدانه».

صفحه 159
وجوده الذهني عرضاً و باعتبار ماهيته جوهراً فذلك ليس بمنكَر.
بقي شك، وهو أنّ تلك الصورة صورة موجودة في نفس جزئية فلها وجود في الأعيان، فإذن الشيء من حيث هو في الذهن له وجود في العين فهو عرض وجوهر باعتبار الوجود العيني.
فنقول: لاشكّ في أنّ تلك الماهية من حيث إنّها موجودة في نفس جزئية فهي من الموجودات العينيّة، ولكنّا نعني بالوجود العيني أن تكون الماهية قائمة بذاتها بحيث تترتب عليها لوازمها فإنّ السواد إذا كان موجوداً في الأعيان كان من شأنه قبض البصر، و الحرارة العينيّة من شأنها التسخين، وإذا حصلت في النفس لم تترتب عليها هذه اللوازم، فالأوّل هو ا لمسمى بالوجود العيني و الثاني هو المسمى بالوجود الذهني.
واعلم أنّ الحقّ عندنا في هذا الباب أنّ الصورة الذهنية إن قلنا إنّها حكاية و مثال للصورة الجوهرية، لا على أنّها مساوية لها في الطبيعة والجوهرية، وهذه الصورة العقلية يمتنع حصولها في الخارج، فلا يصدق عليها الجوهرية; لأنّ الجوهر هو الذي إذا وجد في الخارج ممّا يمكن وجوده فيه يكون غنياً عن الموضوع.

المسألة الثانية: في كيفية تعقل الشيء لذاته1

سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والحقّ والدّين (قدس سره)عن هذه المسألة فقلت: محققوا الحكماء جعلوا العلم صورة مساوية للمعلوم في العالِم، ومحققوا المتكلمين جعلوه إضافة بين العالم والمعلوم، أو صفة حقيقية تلزمها الإضافة; وعلى جميع الأقوال يلزم أن لا يكون الشيء عالماً بذاته لاستحالة حصول صورة للشيء مساوية لذاته في ذاته; لامتناع اجتماع المثلين وتضاعف الصور إلى

1 . راجع شرح الإشارات2: 382 وما يليها.

صفحه 160
ما لا يتناهى، واستحالة إضافة الشيء الواحد إلى نفسه لتوقّف الإضافة على تعدّد ما يضاف إليه، فإنّها لا تعقل إلاّ بين شيئين.
فأجاب: بأنّ العلم إنّما يكون صورة لو غاير العالم المعلوم، أمّا إذا اتحدا فلا، بل يكفي في التعقّل حصول ذلك الشيء في نفسه من غير أن ينتزع العاقل من نفسه صورة أُخرى لذاته في ذاته، والمغايرة الذاتية ليست شرطاً في تحقّق الإضافة، بل يكفي فيها نوعٌ مّا من التغاير، ولا شكّ في أنّ الذات المجرّدة عن اللواحق المادية والغواشي الغريبة نسبتها تصلح العاقليّة والمعقوليّة معاً.فأمكن أن يعقل كلّ مجرّد و تدخل ذاته في هذه الكلية المحصورة وأن يكون معقولاً; لأنّ كلّ مجرّد يصحّ أن يكون معقولاً، وما صحّ في هذا1 فإنّ التعقل يجب; لأنّا فرضنا الذات خالية عن الغواشي الغريبة واللواحق المادية. و هذا الكلام على طوله لا يعجبني.
وقد أجاب بعضهم2 بأنّ العلم أمر إضافي إمّاحقيقياً أو مشهورياً، والذات الواحدة إذا أُخذت باعتبار حقيقتين3 أمكن عروض الإضافة لها كما تعرض للذاتي.ولا شكّ أنّ العالمية و المعلوميّة وصفان متغايران، فالذات إذا أُخذت موصوفة بأحدهما كانت مغايرة لها إذا أخذت بالثاني، فإذا تغايرت الذات من حيث إنّها عالمة والذات من حيث إنّها معلومة أمكن تحقّق الإضافة بينهما، فصحّ أن يعلم الشيء نفسه عند تباين هاتين الجهتين.
وهذا الكلام في غاية السقوط; لأنّ الجهتين اللتين باعتبارهما يصحّ تعلّق4

1 . أي في المجرّد. والعبارة كذا في المخطوطة.وهي إشارة إلى قاعدة معروفة في الحكمة: بانّ المجرّد كلّ ما يمكن له بالامكان العام فهو واجب له، إذ لو كان للمجرّد حالة منتظرة يمكن حصولها فيه لاستلزم ذلك تحقّق الإمكان الاستعدادي فيه ولا استعداد إلاّ في المادة.
2 . راجع المباحث المشرقية1: 462.
3 . في حاشية نسخة ج: «صفتين».
4 . في حاشية نسخة ج: «تحقق».

صفحه 161
الإضافة، لابدّ من تقدمهما بالذات على تحقّق تلك الإضافة لوجوب تقدّم العلة على المعلول، لكن هاتان الجهتان لا يمكن تحقّقهما إلاّ بعد تحقّق الإضافة التي هي العلم، لأنّ كون الشيء عالماً و معلوماً صفتان متفرعتان على تحقّق العلم، فإنّه مالم يحصل العلم أوّلاً لم يحصل للذات وصف العالمية ولا وصف المعلومية، فيكون هذان الوصفان و هما جهتا العالمية والمعلومية متأخرين بالذات عن ثبوت العلم، لكن العلم قد ثبت أنّه وصف إضافي متأخر عن الجهتين اللتين باعتبارهما صحّ عروض تلك الإضافة.
والحاصل أنّ الذات من حيث إنّها عالمة و إن غايرت نفسها من حيث إنّها معلومة، لكن هذا التغاير غير كاف في هذه الإضافة وغير صالح لعلّيتها; لأنّ كونها عالمةً و معلومةً يتوقف على قيام العلم به، وهو موقوف على المغايرة الموقوفة على كون الذات عالمة ومعلومة، فيلزم الدور.
وقد أجاب أفضل المحققين: بأنّ المقتضي للمغايرة هو العلم و ليست المغايرة المقتضية للعلم، بل هذه المغايرة لا تنفك عن العلم كما لا ينفك المعلول عن علّته، ولا يلزم الدور.
وفيه نظر، فإنّ العلم قد عرفت أنّه إضافة أو صفة تلزمها الإضافة، فلا يتحقق إلاّ مع المغايرة بين المضافين، ولو كان المقتضي للمغايرة هو العلم لكان متقدماً عليها تقدّم العلة على المعلول، لكنّه متأخر عنها فيلزم الدور.
ونحن لا ندعي أنّ المغايرة مقتضية للعلم لكنّها شرط في العلم، كما أنّ الأُبوة لا تقتضي التغاير بين الأب والابن لكنّها مشروطة به إذ لا تعقل الأُبوة إلاّ بين اثنين.
ومن جعل العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم يلزمه الإشكال أيضاً، فإنّ الذي حصل للعاقل هنا إن كان غير ذاته فهو باطل لوجهين:

صفحه 162
الأوّل: أنّ ذلك الغير لابدّ وأن يكون مساوياً للمعلوم في تمام ماهيته فيلزم اجتماع المثلين، ولأنّه لا يكون أحدهما بأن يكون معقولاً والآخر بأن يكون عاقلاً أولى من العكس.
الثاني: إمّا أن يعلم العالم كون الصورة مساوية لذاته فيكون علمه بذاته حاصلاً قبل حصول هذه الصورة أو لا يعلم ذلك فلا يكون عالماً بذاته، وإن كان عين ذاته لزم إضافة الشيء إلى نفسه.
وقد أجاب الشيخ الرئيس بوجهين:
الأوّل: معنى التعقّل هو حصول ماهية مجرّدة لشيء وحضورها عنده،1وهذا أعم من كونها حاضرة عند شيء مغاير لها أو نفسها، فإن الكونَ عند الشيء أعمّ من القسمين، وعلى هذا التقدير لا يفتقر العلم إلى المغايرة.
الثاني: لو سلّمنا المغايرة، لكن تشخّص كلّ شخص زائد على ماهيّته، فإنّ لكلّ شخص حقيقة و شخصية وتلك الشخصية زائدة أبداً على تلك الماهيّة، وإلاّ لاتحدتا في التعقل. ثمّ إن كانت تلك الحقيقة مقتضية لتلك الشخصية كان ذلك النوع منحصراً في ذلك الشخص، وإلاّ وقعت الكَثْرة فيه، ولاشكّ أنّ تلك الحقيقة متغايرة للمجموع الحاصل من تلك الحقيقة وتلك الشخصية.وإذا تحقّق هذا القدر من التغاير كفى في حصول الإضافة والصورة المساوية، فتكون لتلك الحقيقة من حيث هي هي إضافة العالمية إلى ذلك المجموع، ولذلك المجموع إضافة المعلومية إلى تلك الحقيقة.وبهذا الاعتبار صحّ منّا أن نقول: ذاتي وذاتك.
لا يقال: وجود الشيء متقدّم بالذات على إضافته إلى غيره، فإذن إضافة

1 . راجع المباحثات: 266ـ 267; السادس من ثامنة إلهيات الشفاء.

صفحه 163
حقيقة الشخص وماهيته إلى ذلك الشخص بعد وجود حقيقة الشخص، لكن وجوده بعد شخصيته، فإذن تلك الحقيقة لا تضاف إلى ذلك الشخص، إلاّ بعد تشخُّصها، فإذن المتشخص هو المضاف إلى الشخص، فتكون الإضافة حاصلة للذات الواحدة من جهة واحدة.
لأنّا نقول: مسلّم أنّ الحقيقة لا تضاف إلى غيرها إلاّ بعد الوجود، لكن لا نسلّم أنّ الوجود بعد التشخص بل التشخص بعد الوجود، فإذن التشخص نعتٌ لذلك الشيء، ووجود النعت متأخر عن وجود المنعوت.
وللسائل أن يقول: الشيء إنّما يكون موجوداً إذا كان متميزاً عن غيره منفرداً بذاته، ويكون بحيث يمكن أن يشار إليه إشارة عقلية أو حسّية، وما لم يكن كذلك لم يكن موجوداً، فالتشخص مقدّم على الوجود.
وقولكم: «التشخص وصف فيتأخر وجوده عن وجود الموصوف» باطل بالوجود، فإنّه وصف ثبوتي وهو زائد على الماهية، فإن كان ثبوته متأخراً عن ثبوت الموصوف فالماهية موجودة قبل وجودها، ثمّ الكلام في ذلك الوجود كالكلام في الأوّل، وذلك يستلزم التسلسل. وإن لم يشترط في عروضه للماهية ثبوتها بطل قولكم: ثبوت الموصوف متقدّم على ثبوت الصفة.
وأُجيب: بأنّ الشيء يجب أن يكون متميزاً عن غيره حتى يكون موجوداً، لكن لا على أنّه يصير متميزاً ثمّ يصير موجوداً; لأنّ التميّز لا يكون إلاّبعد الوجود، وإلاّ فيكون قبل الوجود تميّز فتكون الأشياء المعدومة بعضها متميزاً عن البعض فتكون موجودة، هذا خلف.1 ولكن على أنّه يصير موجوداً أوّلاً أوليّة بالذات لا بالزمان ثمّ يصير متميزاً. أو نقول: الوجود و التميّز كلاهما معاً بالذات

1 . أي أن يكون المعدوم موجوداً.

صفحه 164
لا مزيّة لأحدهما على الآخر في التقدّم الذاتي، وحينئذ يتم الكلام; لأنّه و إن كان التشخص مقارناً للوجود، لكن تعرض للحقيقة الموجودة إضافة إلى ذلك الشخص، فلا يكون للشخصية تقدّم و اعتبار في صحة انضياف الحقيقة الموجودة إلى ذلك الشخص، فلا يلزم عروض الإضافة باعتبار واحد لذات واحدة.1
والاعتراض2 : انّ الكون عند الشيء والحصول حالة إضافية، وهي لا تعقل إلاّ بين شيئين متغايرين، ولا يلزم من كون أحد القيدين أعمّ من الآخر في اللفظ والعقد صحّة وجود ذلك العام بدون ذلك الخاص في نفس الأمر، فإنّ قائلاً لو قال: المحركية المطلقة أعمّ من المحركية للغير و لنفسه، فيلزم صحّة كون الشيء محركاً لذاته. وكذا قولنا في شيء إنّه علّة لشيء أو موجِد لشيء أعمّ من قولنا إنّه موجِد أو علة لشيء آخر غيره، و مع ذلك لا يصحّ أن يكون الشيء علّة لنفسه، ولا موجِداً لها.
وعن الثاني: أنّ هذا القدر جيّد في كون ذلك المجموع عالماً بكلّ واحد من جزئَيْه، ولكنّه حينئذ لا يكون عالماً بنفسه بل بكلّ واحد من جزئَيْه، فأمّا في كونه عالماً بنفسه فالإشكال باق.
والوجه في الجواب أن نقول: لا شكّ في أن كون الشيء عالماً و معلوماً بالفعل متوقف على حصول العلم بالفعل، لكن نقول الذات من حيث إنّها صالحة لأن تكون عالمة مغايرة للذات من حيث إنّها صالحة لأن تكون معلومة، وهذا لا يتوقف على ثبوت العلم، بل على تصوّره.

1 . راجع المباحث المشرقية1: 462ـ 463.
2 . الاعتراض على الوجه الأوّل من جواب الشيخ.

صفحه 165

المسألة الثالثة: في معنى كون الشيء عقلاً وعاقلاً ومعقولاً 1

لمّا سمع الظاهريون من الحكماء هذا الكلام استحسنوه، و ظنوا أنّ العاقل لابدّ وأن يتحد بالمعقول سواء عَقِل ذاته أو عقل غيره. ولمّا بحث المدقّقون عن هذا وعرفوا فساد الاتحاد حملوه على صورة خاصة، وهي أنّ العاقل لذاته تَجتمع هذه الأوصاف الثلاثة فيه ويكون كونه عاقلاً و عقلاً ومعقولاً شيئاً واحداً.وهؤلاء إن عنوا بذلك أنّ الذات الموصوفة بالعاقلية هي بعينها الذات الموصوفة بالمعقولية، فهو حقّ.وإن عنوا أنّ وصف العاقلية ووصف المعقولية واحد فباطل; لأنّ الوصفين متغايران، لأنّهما لو اتحدا لاتحدا في التصوّر. ولو كان أحدهما جزءاً من الآخر لاستحال تصوّر ما فرض كلاً بدون ما فرض جزءاً، لكن التالي باطل، لأنّه يمكننا أن نحكم على الشيء بكونه معقولاً ونغفل عن كونه عاقلاً فلا نحكم به، وكذا يمكننا أن نحكم على الشيء بكونه عاقلاً و إن لم نحكم بكونه معقولاً، فليس أحدهما هو الآخر ولا جزءاً منه.
وأمّا أنّهما هل هما ثبوتيان2 أم لا؟ ففيه بحث تقدّم.
لا يقال: لا يمكننا أن نتصور كون الشيء عاقلاً لذاته و نحكم به إلاّ إذا عقلنا كونه معقولاً لذاته و نحكم به، وكذا بالعكس; فعلمنا اتّحاد العاقلية والمعقولية هاهنا.
لأنّا نقول: العاقليّة حقيقة و المعقولية حقيقة، فلو كان المرجع باحديهما إلى الأُخرى لكان متى ثبتت إحداهما ثبتت الأُخرى، فكان لا يثبت في الشيء كونه عاقلاً إلاّ إذا ثبت كونه معقولاً وبالعكس، كما أنّه لما كان المرجع بالإنسان والبشر

1 . راجع التحصيل: 573; النمط الثالث من الاشارات; الأسفار 3: 447 461.
2 . كما ذهب إليه الرازي و صرّح به في المباحث المشرقية1: 459.

صفحه 166
إلى ماهية واحدة حتى كانا إسمين لمسمّى و احد، لا جرم متى ثبت المفهوم من أحدهما ثبت المفهوم من الآخر، ولما كان الإنسان متقوِّماً بالحيوان استحال أن نعقل ماهية الإنسان إلاّ إذا عقلنا ماهية الحيوان أوّلاً. ولما ثبت تغاير الصفتين أمكننا أن نفهم ماهية العاقلية عند الذهول عن ماهية المعقولية، و كذلك بالعكس، وإذا ثبت تغايرهما عندما يكون العاقل والمعقول واحداً، وجب تغايرهما عندما يكون العاقل والمعقول متعدداً; لأنّ الصفتين إذا ثبت تغايرهما في موضع ثبت تغايرهما في كلّ المواضع، كالسواد لما خالف الحركة في الماهية، كانت تلك المخالفة1حاصلة في كلّ المواضع.
وقوله: «إنّه يستحيل أن يعقل من الشيء كونه عاقلاً لذاته إلاّ إذا عقل منه كونه معقولاً لذاته»، فنقول: هذه الملازمة لا تمنع من اختلاف المعلومين، فإنّ العلم بالأُبوة ملازم للعلم بالبنوَّة وإن كان المعلومان مختلفين في ذاتيهما، فإنّا لو فرضنا كون الشيء محركاً لذاته فالعلم بالمحركية والمتحركية هناك متلازمان مع أنّه لا يلزم أن يكون مفهوم المحركية هو بعينه مفهوم المتحركية. فظهر أنّ كون الشيء عاقلاً مغاير لكونه معقولاً.
نعم الذات التي عرضت لها العاقليّة هي بعينها الذات التي عرضت لها المعقولية، و أمّا كونه عقلاً يغاير كونه معقولاً وكونه عاقلاً فهو أظهر، لأنّا قد نعرف من الشيء أنّه عاقل لذاته و معقول لذاته وإن كنّا نشكّ أنّ ذاته هل هو ذلك التعقل أو مغاير له؟ وهو يدل على المغايرة. ولأنّ التعقل حالة إضافية وهو يوجب مغايرتها للذات، بل لما اعتقد القوم أنّ التعقل هو الحضور ثمّ عرفوا أنّه لا يمكن أن يحضر عند الذات منها صورة أُخرى زعموا أنّ وجود تلك الذات هو التعقّل، و ليس كذلك، لما بيّنا أنّ التعقل حالة إضافية فوجب الحكم بأنّ العاقلية

1 . ق: بزيادة «الحركة» قبل «المخالفة».

صفحه 167
صفة مغايرة للذات العاقلة. بل نجعل هذا مبدأ برهان أقوى.
فنقول: إدراك الشيء لذاته زائد على ذاته، وإلاّ لكانت حقيقة الإدراك هي حقيقة ذاته و بالعكس، فكان لا يثبت أحدهما إلاّ إذا ثبت الآخر، لكن التالي باطل، فالمقدّم مثله. فإدراك الشيء لذاته زائد على ذاته، وذلك الزائد يستحيل أن تكون صورة مطابقة لذاتها للبرهان المشهور، فهو أمر غير مطابق لذاته زائد على ذاته، و ذلك الغير المطابق إن كان له نسبة و إضافة إلى ذاته فذاته إنّما صارت معلومة لأجل تلك النسبة، فالعلم هو تلك النسبة، وإن لم تكن له نسبة و تلك الصورة غير مطابقة له ولا مساوية في الماهية، لم يصر ذلك الشيء معلوماً أصلاً; لأنّ حقيقته غير حاضرة، ولا نسبة للذهن إليه، فالذهن منقطع الاختصاص بالنسبة إليه، فاستحال أن يصير معلوماً.1
وفيه نظر، فإنّ وصف العاقلية ووصف المعقولية لذات العاقل واحد بالذات وإن غايره بالاعتبار فانّ كون الذات عاقلة لنفسها هو بعينه في الحقيقة كونها معقولة لنفسها، وهنا لا يمكن أن نحكم على الشيء بكونه عاقلاً لذاته ونغفل عن كونه معقولاً لذاته ولا بالعكس وكلما ثبتت إحداهما ثبتت الأُخرى، ولا يثبت للشيء كونه عاقلاً لذاته إلاّ إذا ثبت كونه معقولاً لذاته و بالعكس. فبطل استدلاله على التغاير، وعدم التقويم بإمكان الانفكاك. واستدلاله على تغايرهما عند تعدد الذات بتغايرهما عند وحدتها لو عكسه لكان أجود هنا2 و إن كان ما ذكره أولى3، لكنّه لا نسلم له، إذ لم يظهر التغاير مع وحدة الذات حتى يستدل به على التغاير مع الكثرة. نعم لما ثبت التغاير مع الكثرة ثبت مع الوحدة، لأنّ

1 . انتهى كلام الرازي من المصدر السابق، و قد ردّه المصنّف.
2 . أي اثبات التغاير بين العاقلية والمعقولية عند تعدد الذات أسهل من اثباته عند وحدة الموصوف.
3 . وجه الأولوية: انّه متى ثبت التغاير مع وحدة الذات، ثبت مع تعدد الذات بالأولوية; لتغاير الموضوع في صورة التعدد، مضافاً إلى التغاير الموجود في الصورتين.

صفحه 168
مفهوم الصفتين إذا تغاير في موضع تغاير في كلّ موضع.
وسألت شيخنا أفضل المحقّقين قدّ س اللّه روحه الزكية عن مفهوم كون الشيء عقلاً وعاقلاًو معقولاً.
فأجاب: بأنّ معنى كونه عقلاً ليس هو المراد من التعقل، بل المراد هنا التجرد، فمعنى كون الباري تعالى عقلاً أنّه مجرّد الذات عن المادة وعلائقها والغواشي اللاحقة بسببها; وكونه عاقلاًكون الأشياء المعقولة حاضرة عنده، لا بمعنى حلولها فيه بل ولا صورتها، بل حصولها منه هو حضورها عنده; و كونه عاقلاً لذاته حصول ذاته لذاته لا لغيره، فإنّه غير قائم لغيره البتة; وكونه معقولاً لذاته حضوره عند ذاته.

المسألة الرابعة: في سبب حصول الأوّليات1

لا شكّ في أنّ النفس الإنسانية في مبدأ فطرتها كانت خالية عن جميع العلوم الضرورية والكسبية، و نسبتها إليها في مبدأ الفطرة كنسبة الهيولى إلى الصور المقبولة لها قبولاً بعيداً، كما لو كانت في صورة و قبلت صورة غيرها. ولا شكّ في

1 . راجع شرح الإشارات1: 214; المعتبر 1: 45; المباحث المشرقية1: 465ـ 467.
والأوليات من القضايا على قسمين: 1ـ حملية 2ـ شرطية; ففي الحملية يكفي تصور الموضوع والمحمول و النسبة الحكمية في تصديقها، مثل: الكلّ أعظم من جزئه; وفي الشرطية يكفي تصور المقدّم والتالي والنسبة الحكمية في الاذعان بها، مثل: العدد إمّا زوج وإمّا فرد. وعرفها ابن سينا في شرح الإشارات بقوله: «هي القضايا الّتي يوجبها العقل الصريح لذاته ولغريزته لا لسبب من الأسباب الخارجة عنه» وفي النجاة: « هي قضايا و مقدّمات تحدث في الإنسان من جهة قوته العقلية من غير سبب يوجب التصديق بها إلاّ ذواتها» منطق النجاة: 64.وعرفه الجرجاني بقوله: «الأوَّليُّ هو الذي بعد توجه العقل إليه لم يفتقر إلى شيء أصلاً من حدس أو تجربة أو نحو ذلك...» التعريفات: 58.

صفحه 169
أنّها قابلة للعلوم، لأنّها جوهر مجرّد فلا مانع له عن التعقل، إذ المانع هو المادة وعلائقها، وإذا كانت مستعدة للانتقاش بصور الموجودات وجب فيضانها عن المبدأ العام الفيض الذي لا يمنع مستعداً عن إفاضة ما استعد له، بل يفيضه عليه من غير مخصص لإفاضته بوقت دون وقت لأمر يعود إليه.
نعم قد يقصر الاستعداد لفقد شرط أو حضور مانع فلا يجب الإفاضة حينئذ، لكن لمّا وجدنا نفوس الأطفال غير منقّشة بالعلوم عرفنا أنّ هناك شرطاً مفقوداً أو مانعاً موجوداً، وأنّ ذلك الاستعداد المستلزم لوجود ما يحصل له لم يكن تاماً في أوّل الأمر، ولا كافياً في حصول المستعد له، فلم يكن الاستعداد المصاحب لها في مبدأ الفطرة كافياً في فيضان المتعقلات عليها من مبادئها.
فإذن لابدّ من زيادة استعداد لها حتى تحصل لها تلك الصور . وأنّ تلك الزيادة حادثة فلابدّ لها من سبب حادث، وليس ذلك إلاّ الإحساس بالجزئيات فتتنبّه النفس بواسطته للمشاركات والمباينات الواقعة بين تلك المحسوسات، فتنتقش النفس بالصور الكلية المجرّدة عن عوارض المادة ولواحقها، والشعور بما لها من الذاتيات والعرضيات اللازمة أو المفارقة، فالنفس تنتفع بالحس في اكتسابها للتصورات من هذا الوجه، ثمّ إذا حصلت التصورات التامة في النفس وقع للبعض نسبة إلى البعض الآخر بالمحمولية والموضوعية، فما كان من المحمولات محمولاً على موضوع معيَّن لذاته لا بتوسط ثالث حكم العقل جزماً بثبوته له من غير توقّف على شعوره بمتوسط بينهما، إذ لو توقف حكم العقل بذلك الثبوت على ثالث متوسط بينهما لم يكن حكم العقل مطابقاً لما في نفس الأمر لأنّه في نفس الأمر لا متوسط بينهما، فلا يكون حكم العقل في ذلك 1 صادقاً.

1 . ق: «فيه إلاّ» بدل «في ذلك».

صفحه 170
ولأنّا ننقل الكلام إلى ذلك المتوسط فإن كان لمتوسط آخر تسلسل، ومعه يحصل المقصود، لأنّ تلك الأشياء المتلاصقة لابدّ وأن يكون فيها ما يكون ثبوته لما يلاصقه لذاته، وإلاّ لم يكن ملاصقاً.
والحاصل أنّ اعتبار الواسطة في كلّ لزوم يرفع اللزوم و الواسطة. فإذن يكون ثبوت المحمول لذلك الموضوع في الوجودين الخارجي والذهني أوليّاً فتسمى مثل هذه القضية أوّليّة، كما يحكم على كلّ ماهيتين مختلفتين بالمغايرة بينهما وأنّ إحديهما ليست هي الأُخرى، وكما إذا عقلنا الكلّ والجزء والأعظمية، فإنّ مجرّد تصوراتها يقتضي جزم الذهن بالنسبة الثبوتية بينها فهذه القضايا تسمى أوّليةً; لأنّ ثبوت محمولاتها لموضوعاتها أوّل.
وأمّا ما يكون ثبوته لأجل متوسط، فإنّ ثبوته لذلك الموضوع لا يكون أوّلاً، بل ثانياً، لثبوت ذلك المتوسط وتالياً له. وكذا ما حكم العقل بثبوته للموضوع لأجل متوسط لم يكن حكم العقل لذلك الثبوت أوّلاً بل ثانياً; لحكمه بثبوت ذلك المتوسط لذلك الموضوع. وذلك المتوسط قد يكون هو البصر كالحكم بأنّ الشمس مضيئة، أو اللمس كالحكم بأنّ النار حارّة، أو السمع كالمتواترات1، أو الوجدان كالوجدانيات2، أو النظر كالنظريات.
وأمّا ما يقال غير ذلك من أنّ الأوّلي ما يستحيل المنازعة فيه، وأنّ الإنسان

1 . المتواترات: قضايا تسكن إليها النفس سكوناً يزول معه الشك ويحصل به الجزم القاطع، وذلك بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب كعلمنا بوجود البلدان النائية.
2 . الوجدانيات: قسم من المشاهَدات وهي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة الحس الظاهري أو الباطني فالحكم بانّ الشمس مضيئة، أو النار حارّة، حكم من العقل بواسطة الحسّ الظاهري. والحكم بانّ لنا ألماً، ولذّةً، وجوعاً، وعطشاً حكم من العقل بواسطة الحس الباطني، وهذا هو المسمّى بالوجدانيات في علم النفس. راجع الحاشية على تهذيب المنطق: 111; الجوهر النضيد: 200.

صفحه 171
يجب أن يفرض نفسه خاليةً من جميع العادات والديانات، ثمّ تعرض على نفسه تلك القضية، فإن وجدها مبادرة إلى التصديق بها فهي القضية الأوّلية، وإلاّ فلا. وكلّ ذلك يجري مجرى الرسوم في تعريف الأوّلي. وأمّا التعريف بالحدّ فما تقدّم.
هذا على رأي الحكماء، وأمّا على رأي المتكلّمين، فإنّ العلوم الضرورية مستندة إلى اللّه تعالى، يفعل فينا ما تقتضيه الحكمة، و تتضمن المصلحة الراجعة إلينا، ولا استبعاد عندي في استناد سبب التخصيص إلى الإحساس.

المسألة الخامسة: في عمل القوة العقلية في الوحدة و الكثرة1

إعلم أنّ الماهيات العينية أو الذهنية قد تكون بسائط، وقد تكون مركّبات، وأيضاً لا تنفك عن لواحق تلحقها و عوارض تعرض لها في الوجودين معاً أو في أحدهما، و قد وهب اللّه تعالى للإنسان قوّة مميّزة بين الأشياء يفرز بها بعض الذاتيات عن البعض، والذاتيات عن العرضيات، والعرضيات بعضها عن البعض، فيمكنها توحيد الكثير وتكثير الواحد.
أمّا الأوّل فباعتبارين:
الأوّل: التحليل بأن تحذف عن الأشخاص الداخلة تحت النوع مشخصاتها وعوارضها الموجبة لتكثرها بالعدد، فتبقى الحقيقة النوعية ماهية واحدة وحقيقة متحدة، كما يحذف عن زيد وعمرو وبكر جميع المشخصات والأسباب الموجبة لكثرتها، فتبقى الحقيقة الإنسانية المجرّدة واحدة بالعدد.

1 . راجع الفصل الخامس من المقالة الخامسة من الفن السادس (النفس) من طبيعيات الشفاء; المباحث المشرقية1: 468; وانظر البحث عن هذا العمل للعقل وعمليات أُخرى له في كتاب نظرية المعرفة للعلاّمة السبحاني: 141ـ 154.

صفحه 172
الثاني: بالتركيب وذلك أنّها إذا اعتبرت المعنى الجنسي والفصلي أمكنها أن يفرق1 الفصل بالجنس بحيث تحصل منهما حقيقة النوع المتحدة اتحاداً طبيعياً لا صناعياً. وكذا بضم العوارض و المشخصات المتغايرة إلى الطبيعة النوعية حتى تتحصل الأشخاص.
وأمّا الثاني: وهو قوتها على تكثير الواحد أن تميز ذاتيّ الماهية المركّبة عن عرضيتها وجنسها عن فصلها. وتميّز ذاتيات الذاتيات بعضها عن البعض كأجناس الأجناس وفصول الفصول وأجناس الفصول و فصول الأجناس بالغة ما بلغت. و تميّز اللازم عن المفارق و القريب عن البعيد والبسيط عن المركب وسريع المفارقة عن بطئه و سهلها عن عسرها والغريب عن الملائم. والشخص الواحد يكون في الحسّ واحداً، وفي العقل أُموراً كثيرة، بسبب ما فصلها العقل وميّزها و قسّمها بالذاتيات والعرضيات، إلى آخر التقسيمات الممكنة بحسب المركبات الخارجية والذهنية، فلهذا يكون إدراك العقل أتمّ الإدراكات كأنّه يدخل في الماهية و يتغلغل في الحقيقة و يستنتج منها نتيجةً مطابقة لها من جميع الوجوه.
فأمّا الإدراكات الحسية فإنّها لا تنفك عن جهل مّا; لأنّ الحس لا يدرك إلاّ ظاهر الشيء وبعض عوارضه المحسوسة دون ماهيته، وحقيقة باطنه فإنّه لا ينالها البتة، ولا خبر له بها.

المسألة السادسة: في حصر الأوّليات2

قد عرفت أنّ أوّل الأوائل قولنا: النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان. وهذه القضية لا يمكن قيام البرهان عليها، لأنّ الدليل على الشيء هو الذي

1 . كذا في المخطوطة، وفي عبارات الرازي: «يقترن» ولعلّه الصحيح.
2 . راجع المباحث المشرقية1: 468.

صفحه 173
يستدل بثبوته على ثبوت شيء آخر وبنفيه على انتفائه، فلو جوزنا الخلو عن الثبوت والانتفاء لم يأمن في ذلك الدليل أن يخلو عن الثبوت والانتفاء، وبتقدير خُلُوه عنهما تنتفي دلالته على ذلك المدلول، فلابدّ و أن يعتقد في ذلك الدليل أنّه لا يجوز خلوّه عن الدلالة وعدمها ولا اتصافه بهما، لكن ذلك لا يتمّ إلاّ بعد ثبوت هذه القضية، وما كان كذلك لا يمكن إثباته وإلاّ لزم الدور.
وأيضاً الدليل الذي يدلّ على أنّـهما لا يجتمعان فيه لابدّ وأن يعرف منه أوّلاً أنّه لا يجتمع فيه كونه دليلاً على ذلك المطلوب وكونه لا دليل عليه، إذ لو جاز ذلك و احتمل، لم تكن إقامة الدلالة على استحالة الاجتماع مانعةً من استحالة1 الاجتماع; لاحتمال أن يكون الدليل دالاً على استحالة اجتماعهما، ومع هذا الاحتمال لا يحصل المقصود، وإذا كانت دلالة الدليل على إثبات هذه القضية موقوفة على ثبوتها، فلو بيّنا ثبوتها بقضية2، لزم الدور. فثبت أنّ هذه القضية لا يمكن إقامة البرهان عليها.
والأجود عندي أن يقال: إنّما بطلت بالبرهان ما تجهل نسبة ثبوت محموله إلى موضوعه، لكن هذه القضية من أجلى البديهيات فلا يمكن إقامة البرهان عليها; لأنّ البرهان وسط يفيد النسبة الّتي بين الطرفين عند الذهن، أو عند الذهن و في نفس الأمر، وهذه النسبة حاصلة في مبدأ الفطرة فلا يمكن إسنادها إلى غير نفسها، وإلاّ لزم جعل ما ليس بعلّة علة.
وأمّا سائر التصديقات البديهية فقد عرفت فيما مرّ فرعيتها على هذه القضية، فإنّ العلم بأنّ «الموجود لا يخلو عن الوجوب والإمكان» علم بأنّ الموجود لا يخلو عن ثبوت الوجوب ولا ثبوته له، أو عن ثبوت الإمكان ولا ثبوته له، وهذا

1 . كذا في المخطوطة، وفي عبارات الرازي: «من لا استحالة ».
2 . في عبارات الرازي: «بهذه القضية».

صفحه 174
هو العلم الأوّل، لكنّ قُيّد بقيد خاص. وكذا العلم بأنّ «الكلّ أعظم من الجزء» متفرع على العلم بأنّ زيادة الكلّ على الجزء إذا لم تكن معدومة فهي موجودة; لامتناع ارتفاع الطرفين، و إذ هي موجودة مع المزيد عليه فمجموعهما أعظم، إذ لا يفهم من الأعظم إلاّ ذلك. وكذا قولنا: «الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية» مبنيّة على تلك المقدمة; لأنّ المساوية لشيء واحد طبيعتها كلّها تلك الطبيعة، وإذا كانت طبيعتها واحدة استحال أن تكون طبائعها مختلفة; لامتناع اجتماع النقيضين. وكذا قولنا: «الجسم الواحد لا يكون في مكانين» وإلاّ لم يميَّز حاله عن حال الشخصين الحاصلين في مكانين، فيكون وجود الثاني كعدمِه فيجتمع فيه النقيضان.1
فالقضيتان الأوّليان رجعتا إلى قولنا: النفي والإثبات لا يجتمعان، والأُخريان رجعتا إلى أنّهما لا يرتفعان، فهذه القضية هي أوّل الأوائل.
فالمُنازِع فيها لا يمكن أن يبرهن له عليها، بل إن نازعَ لخفاء تصوّر أجزائها كُشف له عنها. وإن نازع عناداً عرّفت بالضرب والإحراق; ليفرق بين وجود الألم وعدمه. وإن نازع لتعادل الأدلّة المنتجة للنتائج المتناقضة أوضح له حلّ شكوكه.
فإن قالوا: لا نجزم بنفي هذه الحقائق بل نشكّ فيها، لأنّ2جزمنا بثبوت هذه الحقائق، لأنّا نجد من أنفسنا الجزم بالألم واللذة والإحساس بالمحسوسات. ثمّ إنّا قد نجد من أنفسنا الجزم بأمثال هذه الأشياء، مع أنّا نعلم في وقت آخر أنّ ذلك الجزم كان باطلاً، فلا جرم ارتفع أماننا عن شهادة الحس والبديهة.
وبيانه: أنّ الطريق إلى معرفة الأشياء: إمّا التخيل أو الحسّ أو العقل، ولا شيء من الثلاثة بموثوق به.

1 . أي الوجود والعدم.
2 . في عبارات الرازي: «لأنّا».

صفحه 175
أمّا التخيّل، فكما في حقّ النائم يجزم بما يراه في النوم و يظهر له بطلانه في اليقظة، فجاز أن يكون لنا حالة ثالثة يظهر لنا بطلان ما نراه في اليقظة.
وأمّا الحس، فكذبه ظاهر كما تقدّم.والمبرسم والمجنون يشاهدون صوراً، وكذا أصحاب النفوس الزكية يتخيلون صوراً، والقطرة خطّاً 1 ، وغير ذلك ممّا تقدّم ذكره، فجاز في جميع ما نحس به أن يكون كذلك.
وأمّا العقل، فالبديهيات لا وثوق بها لاشتباهها كثيراً بالوهميات2. وقد يظهر لبعض الناس الفرق بعد النظر الدقيق، وبعضهم يعجز عن الفرق بينهما. وإذا كانت البديهيات غير موثوق بها فالنظريات أولى بها.
فإن أجاب أحد عن هذه الشكوك فهو إمّا غالط أو مغالط; لأنّ تلك الأجوبة علوم كسبية مبنيّة على الضرورية فيلزم الدور.
والجواب: قد جزمتم بثبوت هذه الأشياء، لكن قلتم هنا ما يعارضها فنحن نشتغل بالجواب عنها ولا دور; لأنّا لا نطلب حجّة على إثبات هذه الضروريات، فإنّ الجزم بها حاصل لذاته، وإنّما نحاول بالنظر حلّ الشكوك الرافعة لذلك الجزم، فلا يلزمنا إثبات الأوّلي بالنظري حتى يدور.

المسألة السابعة: في قوة النفس الواحدة على التعقلات3

إعلم أنّ النفس الواحدة بسيطة وتقوى على تعقلات غير متناهية، وقد اختلف الناس في إمكان صدور المعلولات الكثيرة عن العلّة الواحدة بالشخص،

1 . إنّ القطرة النازلة من السماء تتراءى كأنّها خطٌّ ممتد، مع أنّها ليست إلاّ نقطة. وقد ذكر القاضي الإيجي كثيراً من الأمثلة التي يغلط فيها الحس، راجع المواقف: 15.
2 . ق: «في الوهميات».
3 . راجع المباحث المشرقية: 1: 472ـ 473.

صفحه 176
فأثبته قوم ولا نزاع معهم; ونفاه آخرون، وهؤلاء يجب عليهم دفع هذا الإشكال. وله وجهان:
أحدهما: أجاب به أفضل المحققين حين سألته عن هذا الموضع وهو أنّ النفس في تعقّلها لا تفعل شيئاً في الحقيقة، وإنّما هي جوهر قابل لما يفيض اللّه تعالى عليها من العلوم، وسبب التخصيص ما تقدّم من اختصاص الاستعدادات المختلفة.
الثاني: انّ كثرة الأفعال قد تكون لاختلاف القوابل أو لاختلاف الآلات أو للترتب بين الآثار، فيصدر البعض بسبب البعض. والق1ابل هنا النفس الناطقة، وهي جوهر بسيط، ولو كانت مركّبة عن مقومات كثيرة لم تبلغ في الكثرة إلى أن تساوي كثرة أفاعيلها التي لا تتناهى، فلا يمكن أن يكون ذلك التكثر بسبب كثرة القابل التي هي ذات النفس، ولا يمكن أن يكون ذلك بواسطة الترتيب، فإنّ تصور السواد ليس بواسطة تصوّر البياض و بالعكس. وكذلك باقي التصورات وكثير من التصديقات.
فلم يبق إلاّ سبب اختلاف الآلات; فإنّ المحسوسات المختلفة اللاتي2 تعدّ النفس للانتقاش بتلك الصور الكلية المجرّدة، والإحساسات الجزئية تتكثر بحسب اختلاف حركات البدن، ثمّ بعد حصول تلك التصورات والتصديقات البديهية يمزج بعضها مع بعض و تتولد من هناك تصوّرات وتصديقات مكتسبة لا نهاية لها. فحصول التصوّرات والتصديقات البديهية المتكثرة بحسب اختلاف الآلات، وحصول التصوّرات والتصديقات المكتسبة بحسب امتزاج بعض البديهيات بالبعض، ولا محالة تكون مترتبة ترتيباً طبيعياً يكون كلّ متقدّم منها

1 . ج: «بواسطة».
2 . كذا في المخطوطة، وفي عبارات الرازي: «آلات».

صفحه 177
سبباً للمتأخر.
ثمّ 1 الاستعدادات قد تختلف بالشدّة والضعف والكثرة والقلّة، وحصول الآلات وعدمها، وسهولة الانتقال وعسره، وإرشاد المعلم و عدمه، وقد يفقد شخص بعض الحواس فيفقد بواسطته العلم المتعلّق بتلك الآلة، ولهذا قال المعلم الأوّل: من فقد حساً فقد فَقَد علماً يؤدي إليه ذلك الحس.ولا يجب في تحصيل النظريات وجود المعلّم، وإلاّ تسلسل.ولأنّ من مارس علماً مدّة مديدة فإنّه لابدّ وأن ينال منه شيئاً، وقد خلق اللّه تعالى الأذهان متفاوتة في الذكاء والبلادة والتوسط بينهما.
ولمّا كان الإحساس بالجزئيات سبباً لاستعداد قبول تصوّر الكليات، وحصول التصورات سبب لحكم الذهن بينها بالثبوت أو السلب، فإذا وقع للذهن التفات إلى تصوّر محمول بسبب إحساسه بجزئياته عند استحضار تصوّر موضوعه ترتّب عليه الجزم بثبوت ذلك المحمول لذلك الموضوع إذا كان تصوّر الطرفين كافياً في الحكمـ2 سواء حصل مرشد ومعلّم أو لا، وهذا هو الحدس.3

1 . من هنا يبدأ العلاّمة في بيان حقيقة الحدس واثبات القوّة القُدسيّة.
راجع الفصل السادس من المقالة الخامسة من نفس الشفاء; طبيعيات النجاة: 166ـ 168; المباحث المشرقية1: 473ـ 474.
2 . ما بين الشارحتين غير موجود في كتاب الرازي.
3 . للحدس تعاريف أُخرى نذكر بعضها. قال ابن سينا: «الحدس فعل للذهن يستنبط به بذاته الحدّ الأوسط» طبيعيات النجاة: 167.
وقال: «وأعلم انّ التعلّم سواء حصل من غير المتعلّم، فانّه يتفاوت فيه، فانّ من المتعلّمين من يكون أقرب إلى التصوّر، لانّ استعداده الذي قبل الاستعداد الذي ذكرناه أقوى فإن كان ذلك الإنسان فيما بينه و بين نفسه سمّى هذا الاستعداد القوي حدساً»الفصل السادس من المقالة الخامسة من نفس الشفاء.
قال الجرجاني: «الحدس سرعة انتقال الذهن من المبادئ إلى المطالب ويقابله الفكر و هو أدنى مراتب الكشف» التعريفات: 112.
وعرفه النيسابوري (من أعلام القرن السادس) بانّه: «ظنّ تضعف أمارته» الحدود: 95.

صفحه 178
وهو يختلف كثرة و قلة باختلاف الأذهان ذكاء وبلادة، ويتفاوت بحسب تفاوتهم، حتى أنّ الإنسان ربّما أكبّ طول عمره على تعلم مسألة و يمنع منها، وبعضهم ربّما التفت بذهنه الصائب أدنى التفات فأصاب مطلوبه.و لما تفاوتت الدرجات لم يبعد وجود نفس بالغة أقصى مراتب الكمال في القوّة وسرعة الاستعداد لإدراك الحقائق حتى كأنّه يحيط علماً بحقائق الأشياء من غير طلب وشوق، بل ينساق ذهنه إلى النتائج حتى يحيط بغايات الكمالات الإنسية1. وتخالف هذه النفس باقي النفوس كمّاً وكيفاً.
أمّا الكم فلكثرة استحضارها للحدود الوسطى.
وأمّا الكيف فلسرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب.
وتخالف باقي النفوس بوجه آخر، وهو تقع على الحدّ الأوسط من غير تقدّم تعيين المطلوب، بخلاف باقي النفوس فإنّها تعين المطلوب أوّلاً ثمّ تطلب المبادئ الملائمة له، ثمّ ترتّب هذه المبادئ ترتّباً صحيحاً ملائماً، ولا يعرض الغلط في الأوّل; لأنّ الانسباق إلى النتيجة طبيعي.أمّا في الثاني فلما كان فكرياً أمكن أن يعرض فيه الغلط لأنّه كالتكلّفي.
واعلم2 أنّه لا يشترط في العلم بالشيء وجود الفكر، خلافاً لمن توهم حاجة النفس في علومها إلى الفكر، ومنع من علمها بعد مفارقة البدن لفساد آلة الفكر الذي هو شرط. وهو غلط لأنّ المعارف العقلية لو توقفت على الفكر إمّا توقّف المسبب على السبب، أو المشروط على الشرط لكانت المعارف مقارنة للأفكار، لكن التالي باطل، فإنّ الإنسان حالة فكره يكون طالباً للنتيجة، فلابدّ وأن يكون

1 . وتسمّى هذه القوة بـ«القوة القدسية» وقال ابن سينا: «وهذا ضرب من النبوة، بل أعلى قوى النبوة والأُولى أن تسمّى هذه القوّة قوّة قدسية وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية» راجع نفس المصادر.
2 . راجع المباحث المشرقية1: 475ـ 476.

صفحه 179
حينئذ فاقداً لها، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل، فلا تكون المعرفة حاصلة حالة الفكر ولا مقارنة له، فالمقدّم مثله.
وأمّا بيان الشرطية: فلأنّ المعرفة إذا كانت محتاجة إلى الفكر فإمّا أن تكون محتاجة إلى وجوده أو عدمه، فإن كان الأوّل وجب اقترانهما في الوجود، وإن كان الثاني لم يكن عدمه منافياً لوجوده; لأنّ الشرط لا ينافي المشروط.
وأيضاً النفس الناطقة محلّ التعقلات والإدراكات الكلّية، و السبب الفياض عام الفيض، فإذا كانت النفس بعد الموت باقية وجب حصول تلك المعرفة; لأنّ الفاعل والقابل موجودان فيجب الأثر.
لا يقال: لمَ لا يجوز أن يقال: إنّ الاستعداد التام في النفس لا يحصل إلاّ عند استعمال الفكر؟
لأنّا نقول: إذا تفكرنا في شيء وعرفناه أمكننا استدامة تلك المعرفة بعد مدّة مديدة، فإذن استعداد النفس لقبول تلك الصور عن مبادئها لا يتوقّف على استعمال الفكر. وأيضاً العلم يحصل حال تذكر النظر من غير تحقّق النظر، فعلمنا أنّه لا حاجة به إليه.
لا يقال: القوّة الفكرية والخيالية متمانعتان، فإنّ الخيال إذا انصبّ إلى التخيل وتعطّلت الفكرة، تعطلت القوة العقلية، ولذلك تبطل القوة العقلية في النوم ببطلان القوّة المفكّرة، وكلّ ذلك دلائل قوية على أنّ العقل لابدّ له في التوصل إلى تحصيل النسبة بينه و بين العقل الفعال من القوّة المفكرة.
لأنّا نقول: لا نسلّم تعطُّل العقل في النوم، فإنّه قد يستنبط حالة النوم مالم يستنبطه في اليقظة، لكن الأغلب أنّ التخيل مستولي على النفس فتشتغل النفس عن الفكر، ولهذا تحتاج أكثر الأحلام إلى التفسير.

صفحه 180
واعلم أنّ التحقيق هنا ما ذكره شيخنا أفضل المحققين، حيث سألته عن ذلك، وهو أنّه من المستبعد كون العلوم كلّها ضرورية لشخص من الأشخاص، إلاّ من أُيّد بوحي من اللّه في كلّ معارفه الكسبية لغيره، بل بعضها ضروري وبعضها كسبي، وذلك الكسبي لابدّ له من مقدمات تكون كاسبة له لامتناع حصوله عن لا شيء، والقبول الذاتي للنفس غير كاف، وإلاّ لحصلت المعارف للأطفال بل للجنين، وليس كذلك بالضرورة، فلابدّمن المقدمات.
نعم قد لا يحتاج في تلك المقدّمات إلى معلّم ومرشد، ولانعني بالفكر إلاّ نفس تلك المقدّمات المترتبة المنتظمة نظماً يحصل معه الإنتاج.

المسألة الثامنة: في إمكان اجتماع التعقلات1

زعم بعض من لا مزيد تحقيق له، أنّ النفس لا تقوى على استحضار علمين دفعة، بل متى توجه الذهن نحو علم من العلوم لطلب تحصيله أو استحضاره والالتفات إليه تعذر في تلك الحالة إقباله على شيء آخر.
وسبب غلطهم عدم الفرق بين القوّة العقلية والخيالية، وأنّ تلك مجرّدة نسبة المعارف إليها كلّها على السواء لا تتعاند عندها الصور المعقولة لها، ولا تتمانع أفعال آلتها لها إذ لا آلة لها، بخلاف القوّة الخيالية الجسمانية فإنّها قد لا تقوى على استحضار علوم كثيرة و تخيلات مختلفة دفعة واحدة; لأنّها لا يتم فعلها إلاّ بآلة جسمانية. فإذا قلنا: الإنسان ناطق علمنا مفهوم هذه الألفاظ، وظهر في ذهننا وخيالنا أمرٌ مطابق في الترتب لهذا الترتّب الحاصل في الألفاظ، فإذا قلبنا وقلناالناطق إنسان لم ينقلب ما حصّلناه من المعنى العقلي، لكن الصورة

1 . راجع المباحث المشرقية1: 476ـ 477.

صفحه 181
الخيالية انقلبت. فالعجز فيما قالوه مستند إلى القوّة الخيالية لا إلى القوّة العقلية.
ثمّ يدلّ على إبطال قولهم وجوه:
الأوّل: لا شكّ في أنّا نحكم بإيجاب وسلب بين مفردات كما في الحمليات، ومركّبات كما في الشرطيات، والحكم نسبة و إضافة بين أمرين، وإنّما يتحقّق لو بيّنا معاً إذ مع عدم أحدهما ووجود الآخر لا تتحقق الإضافة سواء سبق العدم أو تأخّر، فإنّ القاضي على الشيئين لابدّ وأن يحضره المقضي عليهما ففي وقت الحكم يجب حضور الطرفين دفعة، وإلاّ لكان الحاضر أبداً تصوراًواحداً والتصوّر الواحد ينافي الحكم والتصديق، فكان يجب أن يتعذّر الحكم أبداً.
الثاني: التصوّر قد يكون كسبياً كالتصديق، وإنّما يكتسب بالحدّ التامّ أو الناقص، أو الرسم التام أو الناقص، فإذا عرفناه بالحدّ التام لم يكن العلم بجزء الحدّ كالجنس وحده أو الفصل وحده مفيداً لمعرفة الماهية بتمامها، فلو استحال حصول العلم بجميع أجزاء المحدود دفعة واحدة استحال حصول العلم في وقت مّا من الأوقات بالماهية المركّبة البتة. وكذا في العلوم التصديقية فإنّها إنّما تحصل من اجتماع مقدّمتين، ولا يكفي إحداهما في الانتاج، فلو استحال حصول العلم بأكثر من معلوم واحد امتنع القياس واستحصال العلوم الكسبية البتة.
الثالث: الأُمور الإضافية معلومة لنا، وإنما يصحّ العلم بها لو علمنا المضافين معاً لاستحالة تحقّق الإضافة في الذهن وفي الخارج بدون تحقّقهما معاً، فلو لم يصحّ اجتماع العلوم الكثيرة لم يحكم بثبوت الإضافة في شيء من الأشياء، لكنّا نعلم بالضرورة التلازم بين الشيئين والتعاند والفاعلية والمفعولية وغيرها من الإضافات.

صفحه 182
الرابع: واجب الوجود تعالى و تقدس يعلم الأشياء دفعة واحدة، وكذا العقول المفارقة عند الأوائل1، ولا يمكن أنّ لشيء منها يعقل بالقوّة البتة، بل كلّها حاضرة بالفعل عندها، وكذا النفوس الناطقة بعد مفارقة البدن، فعلم إمكان اجتماع العلوم الكثيرة دفعة واحدة للعالم.

المسألة التاسعة: في أنّ العلم بالعلّة هل يوجب العلم بالمعلول أم لا؟2

سألت شيخنا أفضل المحققين (قدس سره)عن هذه المسألة، فقال: العلم بالعلّة يؤخذ باعتبارين:
أحدهما: العلم بأنّ العلّة موجودة متحقّقة، وهذا لا شكّ في أنّه يستلزم العلم بوجود المعلول ولا حاجة فيه إلى البرهان.
والثاني: العلم بماهية العلّة من حيث هي هي لا باعتبار كونها موجودة، ولا باعتبار كونها معدومة. وحينئذ نقول: العلّة إن كانت علّة لذاتها لا باعتبار أمر مّا من الأُمور، ولا وصف مّا من الأوصاف، أو تكون علّة باعتبار انضمام أمر مّا إليها، وعلى التقدير الثاني تكون العلّة هي المجموع من الماهية وذلك الاعتبار، و يصير البحث فيه إذا أخذناه من حيث هو مجموع فإنّه تكون علّة لذاته و يساوي القسم الأوّل، فنقول: إذا كانت تلك العلّة علّة لذاتها لم ينفك معلولها عن ذاتها، فإذا

1 . والمؤلف لا يعترف بوجود العقول المفارقة و هو مذهب الفلاسفة ولا ينكرها وهو مذهب المتكلّمين و لا يقتنع بأدلّة الطرفين، كما تشعر به العبارة و يظهر من كلامه في البحث عن الجواهر المجرّدة في كشف المراد: 176ـ 178. ولكن الأدلّة الرصينة العقلية و النقلية قائمة على وجودها و البحث عن ذلك موكول إلى محلّه.
2 . راجع المباحث المشرقية1: 477ـ 480.

صفحه 183
كانت ذاتها حاصلة للعالم وجب حصول معلولها له، وإلاّ لم تكن علّة أينما كانت فلا تكون علّة لذاتها.
فقلت له (قدس سره): العالِم لم تحصل له ماهية العلّة وحقيقتها، بل إنّما حصل له مثالها وحكايتها.
فقال: كما انّ الماهية حصلت في العقل مثالها، كذا المعلول يحصل في العقل مثاله.
وهذا غير متين كما نراه، لأنّه نفس الدعوى. وقد استدل القدماء بوجوه ثلاثة:
]الوجه[ الأوّل: العلّة لذاتها مؤثرة في المعلول، فمن عرف تلك العلّة فلابدّ وأن يعرف منها أنّها لذاتها علّة لذلك المعلول، فإنّ ذاته إذا كانت مقتضية لذلك المعلول لذاتها لا لغيرها، فمتى علمت وجب أن يعلم على هذا الوجه، ومتى علم منها أنّها علّة لذلك المعلول وجب أن يحصل العلم بذلك المعلول; لأنّ العلم بكون العلّة علّة للمعلول، علم بإضافة العلّة إلى المعلول، والعلم بإضافة أمر إلى أمر يستلزم العلم بالمضافين، فوجب أن يحصل من العلم بالعلّة العلم بالمعلول.
اعترض بوجوه:
أ: للعلّة ذات في نفسها و حقيقة متأصلة في الوجود أو في الذهن، إن كانت علة في الذهن لا غير، وهي بهذا الاعتبار غير مضافة إلى الغير ولا مقولة بالقياس إليه ولها وصف العلية وهو مغاير لحقيقتها، لأنّ هذا الوصف اعتبار لها بالقياس إلى معلولية المعلول، وحكم حصل لها بعد تحقّقها في نفسها، ولو كان هذا الوصف هو نفس العلّة المتحقّقة بدون الإضافة لكانت من باب المضاف، فلا تكون قائمة بنفسها، هذا خلف.

صفحه 184
ولأنّا قد نعقل ذات العلّة ونشكّ في وصف العلية لها فتغايرا. ولأنّه لولا التغاير لكانت ذات العلّة مع المعلول كالإضافة بل متأخرة عنه، و العلّة لا شكّ أنّها متقدّمة على المعلول، هذا خلف.
وإذا ثبت التغاير بين ذات العلّة و وصف العلية، و ثبت أنّ ذات العلّة حقيقة قائمة بنفسها غير مقولة بالقياس إلى غيرها من معلول و غيره لم يجب من العلم بحقيقة الذات التي عرضت العلية لها العلم بذات المعلول.
ب: العلّة ذات و لها وصف العلية، وهما متغايران كما تقدّم، فإن أردتم بالعلّة نفس الذات لا باعتبار الوصف، بل من حيث هي هي، لم يلزم من العلم بها العلم بالمعلول، فإنّ ماهية العلّة مغايرة لماهية المعلول، وليس أحدهما داخلاً في الآخر، بل هما متباينان بالذات، ونحن نعلم صحّة تعقّل كلّ واحدة من الماهيتين مع الذهول عن الأُخرى.وإن أردتم الثاني فهو باطل، لأنّ العلّية إضافة، والإضافات لا تعقل إلاّ بعد تعقّل المضافات، فالعلّية لا تعقل إلاّ بعد تعقّل المعلول، فلو استفيد تعقّل المعلول من تعقّلها دار.
ج: لو لزم من تعقل الشيء تعقّل معلوله، لكنّا إذا عرفنا حقيقة وجب أن نعرف لازمها القريب، ثمّ ذلك اللازم له لازم آخر، وللآخر ثالث، وهكذا إلى ما لا يتناهى، فيلزم معرفة تلك اللوازم غير المتناهية على التفصيل دفعة واحدة، وهو محال، وإلاّ لم يَخْفِ علينا شيء البتة، والضرورة قاضية ببطلانه.
د: علمنا بنفسنا إمّا أن يكون نفس نفسنا أو لازماً بيّناً قريباً لها، وعلى التقديرين كان يجب دوام علمنا بنفسنا بدوام نفسنا، وعلمنا بعلمنا بنفسنا كذلك إلى مراتب غير متناهية.
هـ: لأنفسنا لوازم لا واسطة بيننا وبينها، كالتجرّد والاستغناء عن الموضوع وامتناع قدمها وغير ذلك من اللوازم، فلو لزم من العلم بالعلّة العلم بالمعلول

صفحه 185
وجب دوام علمنا بلوازم أنفسنا، لكنّا دائماًنغفل عن أكثرها، إلاّ إذا التفتنا إليه، بل وأكثرها يفتقر إلى برهان.
أُجيب عن أ: بأنّ علية العلّة لا يمكن أن تكون وصفاً ثبوتياً زائداً على ذات العلّة، وإلاّ لكانت علية العلّة لتلك العلّية زائدة على ذات العلّة وتسلسل. فإذن علّية العلّة نفس ذاتها المخصوصة، فيلزم من العلم بها العلم بالمعلول.1
وفيه نظر، لأنّ قولكم: «العلية نفس العلّة» إن أردتم به في الذهن والخارج معاً فهو محال; لأنّ العلّية وصف إضافي لا يعقله الذهن إلاّ مضافاً إلى الغير، والعلّة ذات حقيقتها متأصلة في الأعيان فتغايرا بالضرورة.وإن أردتم به أنّها نفس العلّة في الخارج، فإن أردتم بذلك أنّه ليس في الخارج إلاّ الماهية، لا وصف العلية فهو مسلّم، لكن لا يثبت في الخارج وصف العلية، ويثبت فيه نفس العلّة فتغايرا قطعاً. وإن أردتم به أنّ الماهية والعلّية في الخارج متحدتان وإنّما تغايرتا في الذهن لزم ما تقدّم من المحال.
وعن ب: أنّ الذاتين وإن تباينتا في الحقيقة إلاّ أنّ المعلول لما كان لازماً للعلّة وجب أن يكون العلم بالمعلول ملازماً للعلم بالعلّة; لأنّ التعقّل التامّ أن يكون ما في الذهن مطابقاً للوجود الخارجي، فإذا لم تكن بين العلّة والمعلول واسطة وجب انتفاء الواسطة في العلم.2
وفيه نظر، فإنّ الماهية الذهنية ليست نفس الحقيقة الخارجية بل مثالها، فلا يجب مساواته لها في كلّ الأحكام. ولأنّ الذهنَ قد تصده الغفلة وغيرها عن اللزوم بخلاف الخارجي.
وعن ج بوجهين:3

1 . الجواب من الرازي في المباحث المشرقية1: 479ـ 480.
2 . هذان الجوابان أيضاً للرازي في نفس المصدر: 478ـ 479.
3 . هذان الجوابان أيضاً للرازي في نفس المصدر: 478ـ 479.

صفحه 186
الأوّل: التزام ذلك، وهو أنّا متى عرفنا ماهية شيء وحقيقته لابدّ وأن نعرف جميع لوازِمه، لكنّا لا نعرف حقيقة شيء من الأشياء، بل إنّما نعرف من كلّ شيء لازمه و وصفه لا ذاته.
لا يقال: هذا باطل.
أمّا أوّلاً: فلأنّ تلك الصفات كما أنّها لازمة لتلك الماهيات فتلك الماهيات أيضاً لازمة لتلك الصفات، فإذا ساعدتم على معرفة الصفات لزمكم أن يكون العلم بها علّة للعلم بتلك الماهيات ثمّ يكون العلم بتلك الماهيات علّة للعلم بسائر الصفات.
وأمّا ثانياً: فلأنّكم بنيتُم1 أنّ علمنا بنفسنا هو نفس نفسنا ولوازمها.
فإذن علمنا بحقيقة نفسنا حاضر أبداً فيجب أن نعرف صفاتها دائماً من غير كسب.
لأنّا نجيب عن الأوّل: بأنّه من الجائز أن تكون الصفات لازمة للموصوفات ولا تكون الموصوفات لازمة للصفات، فإنّ تعاكس اللزوم غير واجب، وإلاّ لوجبت المساواة بين كلّ ملزوم و لازمه، لكنّا نعلم جواز كون اللازم أعمّ، فزوايا المثلث الثلاث تلزمها المساواة لقائمتين دون العكس، فليس تساوي القائمتين مستلزماً للزوايا الثلاث، فإنّ الخطّ الواقع على مثله على انحراف تحدث عنه زاويتان مساويتان لقائمتين ولا مثلث هناك، فبطلت دعواهم.
فإن فرضوا الكلام في لازم مساو، أجبنا بجواب شامل، وهو أنّ اللوازم معلولات الماهية، والعلم بالمعلول لا يوجب العلم بالعلّة على ما يأتي.
والوجه في الجواب أن نقول: من اللوازم ما هو مستند إلى الماهية لا غير، لا

1 . في نسخة من المباحث المشرقية: «أَفتيتم».

صفحه 187
بالإضافة إلى شيء البتة. ومنها ما يلزمها باعتبار قياسها إلى الغير.
والقسم الأوّل قليل، ويلزم من العلم بالماهية العلم بتلك اللوازم مالم يطرأ على الذهن ما يشغله عن الاندفاع إليها.
وأمّا الثاني: فكثير، لكن لا يلزم من العلم بالماهية العلم بتلك اللوازم ما لم ينضمّ إلى العلم بالماهية العلم بتلك الأشياء المأخوذة في القياس، والعلم بتلك غير واجب.
وعن الثاني: بأنّه يمكن على طريقين:
أ: أن نقول: المعلوم بالبديهة لنا من أنفسنا وجودها، فأمّا حقيقتها فغير معلومة لنا بالبديهة، بل بنوع من النظر والفكر، وهذا غير مرضي على ما ستعرفه.
ب: اللوازم قسمان: اعتبارية وهي ما لا ثبوت لها إلاّ عند اعتبار العقل إيّاها، مثل: كون النفس شيئاً قائماً بذاته غنيّاً عن الموضوع وكونها حادثة وباقية، فإنّ الغِنى عن الموضوع قيد سلبي، و لو كان ثبوتياً كان للشيء الواحد صفات غير متناهية لأجل سلب أُمور غير متناهية لا مرّة واحدة، بل مراراً غير متناهية.
ولو كان الحدوث والبقاء وصفين ثبوتيين، لزم التسلسل على ما تقدّم. فأمثال هذه الصفات لا وجود لها في الخارج، فإذن تلك الماهية لا تكون علّة لتحقّق هذه الصفات مطلقاً حتى يكون العلم بها علّة للعلم بهذه الصفات مطلقاً، بل إنّما تكون علّة لتحقّق هذه الصفات عند اعتبار العقل لها لا مطلقاً أيضاً، بل إنّما تكون علّة لتحقّق هذه الصفات عند اعتبار جملة مغايرة لعلّية العلّة; فإنّ علية العّلة من الوسطيات ولا شكّ أنّ العلم بماهية النفس وتلك الوسطيات الملتفت إليها علّة للعلم بوجود أمثال هذه اللوازم.
فأمّا اللوازم الحقيقية غير الاعتبارية فهي للنفس، مثل: قدرتها على الإدراك

صفحه 188
والتحريك، فإنّ القدرة صفة حاصلة للنفس لا تتوقف على الفرض والاعتبار، فلا جرم من عرف ذاته عرف هذه الصفات.
وعن د: ما مرّ من أنّ علمنا بنفسنا نفس نفسنا بالذات و مغاير لها بالاعتبار فجاز التخلف للغفلة، أو حضور ما يشغل النفس عن الالتفات إليه، فإذا خلت النفس عن هذه الموانع حصل العلم بها.
وفيه ما مرّ.
وعن هـ: ما مرّ أيضاً.
]الوجه[ الثاني:1 أنّا دائماً نستدل بالأسباب على مسبباتها، فإذا رأينا ملاقاة النار للقطن علمنا ثبوت الإحراق، وإذا رأينا الثقل مع عدم المانع تيقّنّا الهوى، وليس الموجب لذلك إلاّ أنّ العلم بالسبب يوجب العلم بمسببه.
اعترض2 : بأنّا إنّما نعرف ذلك بالحس لا بالعلم بماهية العلّة، أو بالاستقراء، بل الدلالة بالعكس أولى، فإنّا ما لم نشاهد الريّ من شرب الماء والشبع من تناول الطعام لم نعرف ثبوت هذين الأثرين عليهما، ولو كانت معرفة ذات العلّة كافية في معرفة وجود المعلول لما احتجنا في هذه المواضع إلى التجربة.
ونقول أيضاً: إن أردتم أنّ علمنا بثبوت العلّة من حيث إنّها علّة توجب علمنا بثبوت المعلول فهو حقّ، وإن أردتم أنّا إذا علمنا ذات العلّة لا باعتبار هذا الوصف يلزم العلم بثبوت المعلول فهو في غاية المنع.3
]الوجه[ الثالث: إذا عقلنا العلّة حصل في ذهننا ماهية موجبة لماهية

1 . من الوجوه التي استدل بها القدماء من الفلاسفة على مدعاهم.
2 . الرازي في المصدر نفسه: 480. وقد فصّله و وضّحه المؤلّف وأضاف إليه اعتراضاً آخر بقوله: «ونقول أيضاً».
3 . للعلم بالعلّة اعتبارات مختلفة، راجع كشف المراد: 232ـ 233.

صفحه 189
المعلول، ومتى كان كذلك كان العلم بالمعلول حاصلاً. والمقدّمتان ظاهرتان، وهو بناء على أنّ التعقل يستدعي حصول ماهية مساوية للمعقول في العاقل، وهو ممنوع. ولو سلّمنا المساواة، لكنّها لا تحصل من كلّ وجه بالضرورة، فجاز وقوع التخلّف باعتبار وجه المخالفة.
تنبيه:1 هذا العكس غير لازم فإنّه لا يلزم من العلم بالمعلول العلم بالعلّة، لأنّ المعلول إنّما يستند إلى العلّة لا لذاته وحقيقته، بل لأجل أنّه في ذاته غير مستقل بالوجود والعدم، إذ لو استقل بأحدهما كان واجباً أو ممتنعاً لذاته فلا يكون ممكناً واستحال اسناده إلى العلّة.
ثمّ إنّ عدم الاستقلال في الوجود والعدم هو الإمكان، فإذن حاجة المعلول إلى العلّة و اسناده إليها لأجل الإمكان.ثمّ الإمكان لا يقتضي احتياج المعلول إلى علّة معيّنة، وإلاّ لكان كلّ ممكن مستند إلى تلك العلّة; لأنّ الإمكان أمر واحد في كلّ الإمكانات، بل الإمكان يحوج إلى علّة مطلقة، فلهذا لم يكن العلم بالمعلول مفيداً للعلم بحقيقة العلّة المخصوصة، ولما كان الإمكان علّة للحاجة إلى العلّة المطلقة كان العلم بالإمكان سبباً للعلم بالحاجة إلى علّة مطلقة.
وأمّا العلّة فإنّ اقتضاءها للمعلول لذاتها وحقيقتها المخصوصة، فإنّ2علّيتها لابدّ وأن تكون من لوازمها. ثمّ إنّ العلّة المعيّنة لا تقتضي معلولاً مطلقاً، وإلاّ لكان لا يتخصص إلاّ بقيد آخر، ولا يوجد المعلول المعيّن بهذه العلّة لا غير بل مع شيء آخر فلا يكون ما فرضناه علّة علّة، هذا خلف.
فإذن العلّة بحقيقتها المخصوصة تقتضي ذلك المعلول المعيّـن، فلهذا استند إليها دون غيرها، فكان العلم بحقيقة العلّة المعيّنة علّة للعلم بالمعلول المعيّن. أمّا

1 . إلى انّ العلم بالمعلول لا يستدعي العلم بالعلّة. راجع المباحث المشرقية1: 480ـ 481.
2 . المباحث المشرقية: «فاذاً».

صفحه 190
المعلول المعيّـن فإنّه لا يقتضي العلّة المعيّنة من حيث هي معيّنة بل يقتضي علّة مطلقة، فلا جرم لم يلزم من العلم بالمعلول العلم بالعلّة المعيّنة.
لا يقال: إذا كان المعلول المعيّـن لا يقتضي علّة معيّنة، فلِمَ استند إلى علّة معيّنة دون غيرها فإنّها لا أولوية؟
لأنّا نقول: المعلول المعيّـن يقتضي علّة مطلقة، لكن العلّة المعيّنة تقتضي معلولاًمعيّناً، فتعيّـن تلك العلّة لذلك المعلول ليس لأجل اقتضاء المعلول لها بل لأجل اقتضائها لذلك المعلول، فلما كانت تلك العلّة تقتضي لذاتها أن تكون مؤثرة في ذلك المعلول استحال أن تؤثّر فيه علّة أُخرى، لامتناع استناد المعلول الواحد بالشخص إلى علّتين. فتعيّن العلّة جاء من قبل العلّة لا من قبل المعلول.
قال أفضل المتأخرين: ذكرت في بعض كتبي أنّ العلم بالعلّة لا يوجب العلم بالمعلول مطلقاً كيف كان، بل العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول بشرط تصوّر ماهية المعلول. واستدللت عليه بأنّ العلية وصف إضافي، والأُمور الإضافية لا تستقل باقتضائها أحد المتضائفين، وإلاّ لوجدت تلك الإضافة لذلك الشيء وحده عند عدم غيره، و هو محال.
فإذن لا يلزم من العلم بأحد المضافين العلم بتلك الإضافة، فلا يلزم من العلم بذات العلّة العلم بالعلّية، بل العلم بذات العلّة علّة للعلم بالمعلول بشرط حصول تصوّر المعلول; لأنّ الوصف الإضافي إذا كان معلولاً لمجموع المضافين كان العلم بهما معاً علّة للعلم بالوصف الإضافي.وأمّا الآن فلما ثبت أنّ العلية لا يمكن أن تكون وصفاً ثبوتياً، بل ليس هاهنا إلاّ ذات العلّة وذات المعلول، ولا شكّ أنّ ذات العلّة من حيث كونها تلك الذات المخصوصة علّة لذلك المعلول لا جرم لزم من العلم بالعلّة العلم بالمعلول مطلقاً.1

1 . نفس المصدر.

صفحه 191

المسألة العاشرة: في أنّ العلم بالمُسَبَّب إنّما يحصل من العلم بسببه1

لمّا كان الشيء الممكن لا يوجد في الخارج بذاته ولا اتّفاقاً من غير وجود سببه، بل إنّما يوجد بسببه; وكان العلم من شرطه المطابقة، فإنّ السبب التامّ إنّما يحصل إذا كانت الصورة الذهنية مطابقة لذلك الخارجي، وكان الممكن في الخارج لابدّ له من سبب لامتناع اقتضاء ذاته ترجيح أحد الطرفين، وإلاّ لخرج عن كونه ممكناً، كان العلم به إنّما يحصل بواسطة العلم بسببه، لأنّ ذا السبب ممكن، وإلاّ امتنع اسناده إلى السبب، وليس للممكن ترجّح لوجوده على عدمه وبالعكس، فبالنظر إليه يمتنع الجزم بأحد الطرفين، بل إنّما يحصل الجزم بأحدهما إذا انضمّ إليه السبب لا غيره لعدم وجوبه بغير سببه، فإنّ الشيء كما أنّه لا يوجد إلاّ عند وجود سببه كذا العلم لا يحصل إلاّ من العلم بسببه، وكما أنّه بالنظر إلى سببه يصير واجب الوجود في الخارج ممتنع التغير، كذا العلم به فبالنظر إلى العلم بسببه يصير واجب الوجود ممتنع التغيّر، وهذا هو اليقين التام. فثبت أنّ العلم بوجود ذوات المبادئ إنّما يحصل من مبادئها.
لا يقال: إذا علمنا وجود الكتابة علمنا أنّ لها كاتباً، مع أنّ الكتابة ليست علّة للكاتب، بل الكاتب هو العلّة.
ولأنّ الممكن يصدق عليه أنّه لا يقتضي الرجحان لا أنّه يقتضي اللارجحان، ومقتضى ذلك أنّه لا يلزم من النظر إليه من حيث هو هو حصول الرجحان لا أن يلزم من النظر إليه من حيث هو هو حصول اللارجحان. وإذا كان كذلك، فنحن نقول: النظر إلى الممكن من حيث هو هو لا يقتضي

1 . راجع نفس المصدر: 482ـ 483.

صفحه 192
العلمبرجحان وجوده على عدمه، ولكنّه لا يمنع من حصول العلم بذلك الرجحان.
فإن قلت: إذا كان العلم بتلك الماهية لا يقتضي العلم بذلك الرجحان فمن أين حصل العلم بالرجحان؟
قلنا: أنت المستدل فعليك دليل النفي.
لأنّا نقول: العلم بالكتابة لا يوجب العلم بالكاتب، بل يوجب العلم باحتياج الكتابة إلى الكاتب، واحتياج الكتابة إلى الكاتب حكم لاحق للكتابة لازم لها معلول لماهيتها، فيكون ذلك في الحقيقة استدلالاً بالعلّة على المعلول.ثمّ إنّ العلم بحاجة أمر إلى أمر لمّا كان مشروطاً بالعلم بكلّو احد من الأمرين صار الثاني معلوماً; لضرورة حصول العلم بالإضافة إليه.
فأمّا الاعتقاد الحاصل لا من جهة السبب، ولو كان في غاية القوّة إلاّ أنّه ليس يمتنع التغيّر، بل هو في معرض التغيّر والزوال، لأنّه ليس ملتفتاً إليه من جهة سببه فيكون ممكن التغير.
وأمّا الشيء الذي يكون غنياً عن السبب فإمّا أن يكون العلم به أوّليّاً أو لا، ثمّ يحصل العلم به البتة، أو لا يكون إليه طريق إلاّ بالاستدلال عليه بأمارة، وحينئذ لا يمكن معرفة حقيقته كواجب الوجود الذي هو البرهان على الكلّ، وليس شيء غيره يكون برهاناً عليه، كما ورد في قوله تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)1، وقال أيضاً: (قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللّهُ)2، وقال تعالى:

1 . آل عمران/18.
2 . الأنعام/19.

صفحه 193
(سَنُريهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِوَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْء شَهيد)1، فالمرتبة الأُولى وهي الاستدلال بآيات الآفاق والأنفس عليه تعالى مرتبة القاصرين، والثانية وهي الاستدلال به على الكلّ مرتبة الصديقين.
واعلم أنّ المراد من ذلك إن كان العلم بالوجود، فلا فرق بين البابين، فإنّه يلزم من العلم بوجود كلّ من العلّة والمعلول وجود الآخر. وإن كان المراد العلم بالحقيقة ففيه ما تقدّم.
تذنيب:ما يعلم بسببه إنّما يعلم كلّياً فإنّا إذا علمنا أنّ الألف يوجب الباء فالباء من حيث هو أمرٌ كلي; لأنّه لا يمنع نفس تصوّره من وقوع الشركة فيه، و كونه معلولاً للألف لا ينافي كلّيته لإمكان أن تكون الباء الصادرة عن الألف لا تمنع نفس تصوّره مستنداً إلى الألف من وقوع الشركة فالمعلوم بسببه إنّما يعلم كلّياً.
اعترض 2 بأنّ السواد إذا تشخص فلابدّ وأن يكون تشخُّصه لسبب فإذا علم سبب تشخصه وجب أن يعرف ذلك التشخص، لأنّ العلم بالعلّة علّة للعلم بالمعلول، فهنا قد علم الشيء بسببه لا على الوجه الكلّي، بل على الجزئي.

1 . فصلت/53. وتوجد كلمات في الأدعية المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام)تدلّ على هذه المرتبة (الصديقين) من معرفة الواجب تعالى، مثل «يا مَنْ دلَّ على ذاتِهِ بِذاتِه» (دعاء الصباح لأمير المؤمنين (عليه السلام)) و «أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك ... » (دعاء يوم عرفة للإمام الحسين (عليه السلام)) و «بِكَ عَرَفْتُكَ، و أَنْتَ دَلَلْتَني عَلَيْكَ وَ دَعَوْتَني إِلَيْكَ وَ لَوْلا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ ما أَنْتَ» (دعاء أبي حمزة الثمالي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام)) .
2 . أي الرازي في المباحث المشرقية1: 483.

صفحه 194
وأيضاً ما ذكرتم إنّما يصحّ لو استدللنا بالألف على الباء، أمّا إذا استدللنا بهذه الألف على هذه الباء فلا يتمّ ما ذكرتم فإنّ ذلك هو المطلوب، وكلامكم غير متعرض له، بل الصحيح جوازه; لأنّ الأشخاص من حيث إنّها أشخاص معلولة ولابدّ وأن تنتهي في سلسلة الحاجة إلى واجب الوجود، و العلم بالعلّة توجب العلم بالمعلول عندكم، فيلزم من علم واجب الوجود بذاته علمه بالأشخاص الزمانية من حيث هي أشخاص زمانية، لا من حيث هي كلية.وبهذا يظهر بطلان قول الفلاسفة في نفي علمه تعالى بالجزئيات. وسيأتي الاستقصاء فيه إن شاء اللّه تعالى.

المسألة الحادية عشرة: في كيفية العلم بالجزئيات1

العلم عند قوم أنّه صورة مساوية للمعلوم كما قد عرفت. وعند آخرين أنّه صفة حقيقية تلزمها الإضافة. وعند آخرين أنّه نفس الإضافة من العالم و المعلوم. وكما أنّ للكلي صورة في نفس الأمر يعلم ذلك الكلي باعتبار انطباع مساويها في الذهن، كذلك للجزئي صورة جزئية في نفس الأمر تنطبع في الذهن مثالها حتى يعلم ذلك الجزئي، هذا إن جعلنا العلم صورة. وإن جعلناه صفة تلزمها الإضافة إلى المعلوم، أو إضافة إلى المعلوم، فكذلك لكلّ معلوم من الكلي و الجزئي صفة ذات إضافة بحسبه، وتلزمها الإضافة إليه الخاصة أو إضافة مخصوصة به. فإذا تغير المعلوم كما في الجزئيات الحادثة المتغيرة وجب تغير الإضافة إليه أو الصورة المنتزعة منه، لكن لما كان واجب الوجود تعالى و تقدّس لا يعلم الأشياء بصورة

1 . راجع نفس المصدر: 484.

صفحه 195
موجودة في ذاته لاستحالة انطباع غيره فيه، بل إنّما يعلمها إمّا بالإضافة بينه وبين المعلومات كالخالقية والرازقية، أو بصفات تلزمها الإضافات وجب إذا تغير المعلوم أن تتغير الإضافة خاصة، وذلك لا يثلم بقاء علمه، كما في القدرة التي إذا تغير المقدورتغيرت إضافة القادر إليه دون نفس القدرة.
كذا هنا، إذا علم اللّه تعالى أنّ زيداً في الدار حال كونه فيها فإذا خرج زيد عنها لم يزل علمه; لأنّ علمه بذلك تعلّق به في الأزل لكن زالت إضافته وصارت الإضافة متعلّقة بخروجه; لأنّه تعلّق علمه بذلك في الأزل أيضاً.
وجماعة من مشايخ المعتزلة جعلوا العلم بأنّ الشيء سيُوجَد هو نفس العلم بوجوده إذا وجد، إذ لو غايره فإن بقي الأوّل لزم الجهل، وإن زال لزم عدم القديم.
ولم يدر أنّ الزائل ليس صفة حقيقية، بل الإضافة المحضة. ولا يمكن العذر بما قاله; لأنّه لو كان كذلك لكان من علم أنّ زيداً سيوجد غداً ثمّ لم يشعر بوجود الغد يلزم أن يعلم أنّ زيداً هو الآن موجود، والتالي باطل بالضرورة، فكذا المقدّم.
وأيضاً العلم يُشترط فيه المطابقة، وكون الشيء سيوجد مغاير لكونه موجوداً بل مناف له، لأنّ معنى أنّه سيوجد أنّ الذي هو معدوم الآن له وجود و تحقق في الزمان المستقبل، فكون الشيء سيوجد يشترط فيه العدم الحالي، وكونه موجوداً ينافيه، وإذا تغايرت الصورتان و تنافيا وجب تغاير الصورة الحاصلة عنهما والإضافة بينهما.

صفحه 196

المسألة الثانية عشرة: في أنّ الجزئيات قد تعلم على وجه كلي1

إعلم أنّ الجزئيات قد تعلم على وجه كلي من حيث تجب بأسبابها منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه2، تتخصص به3 كالكسوف الجزئي، فإنّه قد يعقل وقوعه بسبب توافي أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها وتعقلها كما تعقل الكليات، فإنّك إذا علمت الحركات السماوية كلّها فلابدّ وأن تعلم كلّ كسوف وكل اتصال وانفصال جزئي معيّـن و لكن على نحو كلي، فإنّك تقول في كسوف معيّـن إنّه كسوف بعد زمان حركة تكون للقمر بشرط كذا، وتعرف أنّه تكون بينه و بين كسوف سابق عليه أو متأخر عنه مُدّة كذا، حتى لا يبقى عارض من عوارض ذلك الكسوف إلاّ وقد علمته، لكنّك علمته كلياً، لما عرفت من أنّ الكلي وإن اعتبر فيه ألف شرط لا يخرج عن معنى الكلية، فإنّ المفهوم من ذلك الذي يقيد بألف قيد لا يمنع تصوّره عن أن يحمل على كثيرين، إلاّ إذا عرف بحجّة خارجية أنّه لا يكون ذلك إلاّ واحداً.
واعلم4 أنّ كلية الإدراك وجزئيته تابعان لكلية التصوّرات الواقعة فيه وجزئيتها دون التصديقات، فإذا قلت: هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت كان جزئياً، وإذا قلت: الإنسان يقول قولاً في وقت مّا كان كلياً، ولم يتغير في الحكمين سوى حال الإنسان والقول والوقت المفردات بالجزئية والكلية. وكلّ

1 . راجع شرح الإشارات3: 307 310; النجاة، قسم الالهيات: 247ـ 249; المباحث المشرقية 1:483ـ 484.
2 . أي منسوبة إلى مبدأ طبيعته النوعية موجودة في شخصه، فكما تؤخذ الجزئيات من حيث إنّها طبائع كذلك تؤخذ الأسباب من حيث هي طبائع، فالعلم بالجزئيات من حيث إنّها طبائع بحسب أسباب موجودة كذلك، يكون كلياً و لا يتغير.
3 . أي تتخصّص تلك الجزئيات بطبيعة ذلك المبدأ. راجع شرح الطوسي على الإشارات.
4 . راجع شرح الإشارات3: 309ـ 310.

صفحه 197
جزئي يتعلّق به حكم فله طبيعة توجد في شخصه، إنّما تصير تلك الطبيعة جزئية لا يدركها العقل ولا يتناولها البرهان والحدّ بسبب انضياف معنى الإشارة الحسية إليها، أو ما يجري مجراها من المخصّصات التي لا سبيل إلى إدراكها إلاّ الحس ومايجري مجراه. فإن أُخذت تلك الطبيعة مجرّدة عن تلك المخصّصات صارت كلّية يدركها العقل و يتناولها البرهان والحدّ، و كان الحكم المتعلّق بها حين كونها جزئية باقياً بحاله. اللّهمّ إلاّ أن يكون الحكم متعلّقاً بالأُمور المخصّصة من حيث هي مخصّصة. فكلّ من أدرك علل الكائنات من حيث إنّها طبائع، وأدرك أحوالها الجزئية وأحكامها كتلاقيها و تباينها و تماسها و تباعدها وتركّبها وتحلّلها من حيث هي متعلّقة بتلك الطبائع، وأدرك الأُمور التي تحدث معها و بعدها وقبلها من حيث يكون الجميع واقعة في أوقات متحدّد بعضها ببعض على وجه لا يفوته شيء أصلاً، فقد حصل عنده صورة العالم منطبقة على جميع جزئياته الثابتة والمتجدّدة المتصرّمة الخاصة بوقت دون وقت كما عليه الوجود، وتكون تلك الصورة بعينها منطبقة على عوالم أُخر لو حصلت في الوجود مثل هذا العالم بعينه فتكون صورة كلّية منطبقة على الجزئيات الحادثة في أزمنتها غير متغيرة بتغيرها.1
وفيه نظر، فانّ الجزئية لا تستتبع الإشارة الحسية خاصة، فإنّ واجب الوجود والعقول المجرّدة والنفوس الناطقة، كلّها جزئيات شخصية تمتنع فيها الشركة مع انتفاء الإشارة الحسية فيها. وتعقّل الإشارة بأسبابها لا يفيد إلاّ الارتباط والتلازم بينها و بين أسبابها، ولا شعور هناك بوقوع الجزئيات وعدمه، وهذا غاية التجهيل، فأي علم بعد ذلك يحصل؟!
والسبب في هذا الغلط كلّه القول بالصور المساوية مع انّها ممتنعة في حقّه تعالى، و لهذا الباب كلام بسيط سيأتي بعضه إن شاء اللّه تعالى.

1 . انتهى كلام الطوسي.

صفحه 198

المسألة الثالثة عشرة: في العلم الفعلي والانفعالي1

من مشهورات الحكماء انّ العلم منه فعلي و منه انفعالي; لأنّ الصورة الثابتة في الخارج إن استفيدت من التعقّل سمي ذلك العلم فعلياً2 ; لأنّه محصِّل للماهية الخارجية كالنجار إذا تصور هيئة نقش ممّا لم يسبقه أحد إليه، بل اخترعه من نفسه ثمّ أَوجد مثاله في الخارج، وكذا البناء إذا ارتسم في خياله شكل بيت معيّن على هيئة خاصة لم يسبق وجودها، فانّ ذلك التصوّر يصير مبدأ لحصول ذلك في الخارج. وأيضاً جميع الأفعال الحيوانية والإنسانية إنّما توجد بسبب العلم بما يشتمل عليه من المنافع أو الظنّ أو الاعتقاد، فإنّ العطشان إذا وجد الماء البارد وعلم أو ظنّ أو اعتقد أن لا ضرر عليه من شربه لا في الحال ولا فيما بعده، فانّه يصدر عنه الشرب باعتبار ذلك العلم والظن والاعتقاد.والعالم بما في السم من المضار وعدم اشتماله على منفعة البتة فانّه بالضرورة يمتنع عن تناوله. وكذا الإنسان إذا تذكر اللّه تعالى وعظّم شأنه و خشي من أليم عقابه قفّ3جلده وقام شعره استشعاراً من خشية اللّه تعالى. و كذلك إذا رأى صورة جميلة أو تذكرها ربّما انتشر عضوه.
وفيه نظر، فإنّ هذا العلم في الحقيقة انفعالي; لأنّه مستفاد من الصورة الخارجية، وإن كان يصدر عنه شيء فباعتبار آخر.فهذه الإدراكات الكلّية تارة والجزئية أُخرى هي الأسباب لحصول الأفعال في الخارج، إلاّ أنّ تصوّرات النفس الإنسانية لا تؤثر في وجود تلك المتصورات إلاّ بواسطة الآلات، فأمّا إذا كان

1 . راجع شرح الإشارات3: 298ـ 299; كشف المراد: 229; شرح المواقف6: 43.
2 . للعلم الفعلي استعمال آخر و هو ما يقابل الذاتي كالصفات الفعلية والذاتية، والمراد به العلم في مقام الفعل دون مقام الذات.
3 . في هامش نسخة ج: «قفّ شعره: قام فزعاً».

صفحه 199
الفاعل غنيّاً عن الآلات كان نفس إدراكه سبباً لحصول المدرَك في الخارج1، فهذا هو العلم الفعلي.
وأمّا العلم الانفعالي فهو الذي يكون وجود المعلوم متقدماً على العلم ويكون العلم تابعاً له وحكاية عنه، كمن نظر إلى صورة السماء والأرض وغيرهما من الموجودات، فتصور منها في ذهنه صوراً و ارتسم منها في خياله هيئة مستفادة من الأُمور الخارجية، فإنّ هذه الصور الذهنية معلولة للصورة الخارجية وحاصلة منها. وقد كانت الصورة الأُولى في العلم الفعلي علّة محصّلة لما في الخارج. والعلم الفعلي أشرف وأفضل من الانفعالي; فانّ الضرورة قاضية بأنّ المنشئ لمسألة والمخترع لها، أو للقصيدة التي لم يسبقه إليها غيره أشرف وأكمل من عِلم مَن تعلّمها منه.
وقد سألت شيخنا أفضل المحققين عن علّة الحصر، فمنع منه2 وأبدأ قسماً ثالثاً لا فعلياً ولا انفعالياً، وهو علم واجب الوجود تعالى بذاته فانّه خارج عن القسمين.
وفيه نظر، فانّ علم واجب الوجود بذاته نفس ذاته بالذات و مغاير له بالاعتبار، ومن حيث المغايرة يكون صادراً عنه و متأخراً بالذات وكأنّه حكاية عنه ومثال له و مستفاد منه، فانّ الذات الحقيقية هي الأصل و هذا العلم تابع، فكان انفعالياً بهذا الاعتبار عن ذاته لا عن غيره.

1 . هذا القسم الأخير (ما لا يحتاج إلى الآلات) وحده هو العلم الفعلي عند الحكماء; قال الحكيم السبزواري:
وبتوهُّــم لِسَقْطَـــة، على *** جِذْع، عنايةً، سقوطٌ فُعِلا
وقال في شرحه: فانّ هذا العلم التوهمي بمجرّده، و محضِ تخيُّل السقوط بلا رويّة وتصديق بغاية، منشأ للفعل الذي هو السقوط. شرح المنظومة لناظمها: 117.
2 . العلم لا ينحصر بالفعلي والانفعالي، بل منه ما ليس بفعلي ولا انفعالي. راجع شرح المواقف6: 44; نهاية الحكمة: 264.

صفحه 200

المسألة الرابعة عشرة: في التلازم بين التجرد عن المادة والتعقّل

هذا الحكم يتوقف على أمرين:
أ : إنّ العاقل يجب أن يكون مجرداً عن المادة ولواحق المادة، وهذا سيأتي إن شاء اللّه تعالى في علم النفس.
ب: عكسه وهو أنّ كل مجرد يجب أن يكون عاقلاً، ولنبحث الآن فيه.
وقد صدر عن الأوائل فيه حجج ثلاث1 :
الحجة الأُولى: إنّ كل مجرّد يصح أن يعقل غيره، وكل ما يصح أن يعقل غيره فإنّه يصح أن يعقل ذاته.
أمّا الصغرى، فلأنّ كل مجرّد فإنّه يصح أن يكون معقولاً وحده بالضرورة، إذ لا مانع فيه عن التعقل لأنّا فرضناه مجرداً وهو المصحح للمعقولية، فإذا وجد القابل وجد الفيض قطعاً، وكل ما يصح أن يكون معقولاً وحده صح أن يكون معقولاً مع كل ما عداه من المعقولات، فكل ما كان كذلك صح على ماهيته أن تقارن جميع ما عداه من الماهيات; لأنّّ التعقل حصول صورة المعقول في العاقل، فإنّ كل مجرد فانّه يصح أن تقارن ماهيته سائر الماهيات.
فنقول: تلك الصحّة إن اعتبر فيها كون تلك الماهية في العقل، مع أنّ كونها في العقل عبارة عن كونها مقارنة للعقل، لزم أن تكون صحة وجود الشيء متأخرة عن وجوده، وقد كان الوجود متأخراً عن الصحة، هذا خلف. أو لا يعتبر فيها ذلك، وحينئذ تلك الماهية المعقولة إذا وجدت قائمة بنفسها في الخارج أمكن أن تقارن ماهيتها ماهيات الأشياء المعقولة، ولا معنى للتعقل إلاّ هذه المقارنة.

1 . ذكرها الرازي وسماها بالطرق الثلاثة. راجع المباحث المشرقية 1: 491.

صفحه 201
فإذن كل ماهية مجردة فإنّه يصحُّ عليها أن تعقل سائر الماهيات المجردة، وكل ما صح في حق المفارقات وجب. فإذن كلُّ ماهيّة فإنّها تعقل جميع الماهيات.
وأمّا الكبرى، فلأنّ كل من عقل شيئاً أمكن أن يعقل كونه عاقلاً لذلك المعقول، وذلك يتضمن كونه عاقلاً لذاته، فإذن كلّ مجرد يجب أن يكون عاقلاً لذاته ولجميع ما عداه من المجردات.
اعترضه أفضل المتأخرين بوجوه:1
الأوّل: لا نسلم «أن كلّ مجرد يصحُّ أن يكون معقولاً»; فإنّه ليس ببديهي، فلابدّ فيه من البرهان، خصوصاً وعندكم واجب الوجود تعالى مجرد وكذا العقول وكلها غير معقولة، بل القوى البسيطة غير معقولة للبشر، فبطل الحصر الموجب الكلي.
وأجاب2 أَفضل المحققين: بأنَّ ذاتَ اللّه تعالى وذوات العقول غيرُ معقولة لنا، لكنها في أنفسها يمكن أن تكون معقولة3.
وهذا الجواب غير كاف لبقاء السؤال بحاله، فإنَّ الجواب عن نقض واحد لا يستلزم الاستيعاب.
وأجاب بعضهم: بأنّ واجب الوجود معلومٌ لأنّ حقيقته تعالى نفس وجوده المجرد عن المادة، والوجود واحد على ما تقدم، وهو معلوم، والقيد السلبي معلوم أيضاً، فكانت حقيقته معلومة.

1 . نقل المصنّف العلامة هذه الوجوه مع توضيحات وتصرّفات يسيرة، ولذلك ترى بعض العبارات ليست في شرح الاشارات.
2 . شرح الاشارات 2: 387.
3 . نفس المصدر: 388.

صفحه 202
واعترض بمنع كون وجوده نفس حقيقته1. سلمنا ذلك في حقه تعالى، لكن العقول المفارقة ماهياتها غير وجوداتها بالاتفاق مع أنّها غير معقولة.
الثاني : لو سلمنا «أنَّ كلَّ مجرد يصحُّ أن يكون معقولاً» فلِمَ قلتم: إنّه يصحُّ أن يكون معقولاً مع غيره؟ والاستقراء لا يفيد العلم، فلعلّ من المجردات ما لا يصحُّ أن يُعقلَ شيء آخر مع تعقلها، وكيف يحكم بامتناع ذلك مَن يكون ظاهر مذهبه أنّ العلم بالشيء والعلم بغيره لا يجتمعان؟!2
أجاب أَفضلُ المحققين: بأنَّ تعقّل كل موجود يمتنع أن ينفك عن صحة الحكم عليه بالوجود والوحدة، وما يجري مجراهما من الأُمور العامة، ولذلك حكم بعضهم بأنَّ التصور لا يتعرّى عن تصديق ما، والحكم بشيء على شيء يقتضي مقارنتهما في الذهن، فإذن لا شيء يصح أن يعقل وحده إلاّ ويصح أن يعقل مع غيره3.
الثالث: سلمنا «أنَّ المجرد يصحُّ أن يُعقلَ مع غيره»، لكن لا نسلم أنَّ كلَّ مجرد فانه يصحُّ أن يعقل مع كل ما عداه، حتى يفرّع عليه: أنّ كل مجرد فإنّه يصح أن يعقل كل الأشياء4.
أجاب أفضل المحققين: بأنّ المطلوب هنا هو إثبات العاقلية لكل ما يُفرض مجرداً، ويكفي فيه صحة مقارنته لمعقول واحد، وأمّا إثبات صحة تعقل كل الأشياء لكل مجرد فشيء لم يدعه الآن5، ولو قال بدل ذلك: إنَّ كلَّ مجرد فإنَّه يصحُّ أن يكونَ معقولاً لكل مجرد، لكان أولى.

1 . انظر مذهب الرازي في هذا الموضوع في المباحث المشرقية 1:120 130. وقد عَنونه ابن سينا هكذا: «انّ الأوّل لا ماهية له غير الانيّة»، الفصل الرابع من المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء.
2 . شرح الاشارات 2: 388.
3 . شرح الاشارات 2: 388.
4 . نفس المصدر.
5 . أي لم يدّعه ابن سينا هاهنا. نفس المصدر.

صفحه 203
الرابع: لِمَ قلتم: إنَّ صحة المقارنة تكون في الخارج؟ ولِمَ لا يجوز أن تكون مشروطة بأن تكون في النفس؟
قوله: «لو توقف صحة المقارنة على حصول المجرد في النفس لزم تأخّر صحة الشيء عن وجوده»، مغالطة، فإنّ المقارنة جنس تحته أنواع ثلاثة:
أ: مقارنة الحال للمحل، كمقارنة السواد لمحلّه.
ب: عكسه، وهو مقارنة المحل للحال، كمقارنة محل السواد له.
ج: مقارنة احدى الحالّين للآخر، كمقارنة السواد والحركة في الجسم الأسود المتحرك.
وهذه الأنواع مختلفة بالماهية، لأنَّ كلَّ واحد منها يصح عليه ما لا يصحّ على الآخر، وإذا ثبت هذا فنقول: مقارنة الصورتين المعقولتين في العقل مقارنة الحالّين في المحل الواحد. ومقارنة الصورة العقلية مع النفس مقارنة الحالّ للمحل، ولا يلزم من الحكم بصحة نوع واحد على شيء صحّة الحكم بسائر الأنواع عليه، فلا يلزم من عدم توقف صحّة النوع الأوّل من المقارنة على الحصول في النفس عدم توقف النوع الثالث عليه.
ثم بتقدير ذلك لا يلزم أيضاً منه أنَّ الماهية المعقولة إذا وجدت في الخارج صحّ أن تقارنها سائر الماهيات المعقولة، لأنَّ ذلك مقارنة المحل للحالّ، وهو نوع مخالف للنوعين الآخرين، ويؤكد القول بأنّه ليس حكم كل واحد من هذه الأنواع حكم الآخر، أن الإنسان الخارجي قائم بذاته وحساس ومحسوس ودرّاك وفعّال، وكل ذلك على الإنسان الذهني محال، وبالعكس.
والعَرض يصح أن يقارنَ غيره مقارنة الحالّ للمحل، من غير عكس، وكذا الصورة، وباقي الجواهر بالعكس. وإذا ثبت ذلك كان توقف صحّة مقارنة المجرد

صفحه 204
لغيره التي هي مقارنة الحالّين على حصول المجرّد في العاقل الذي هو مقارنة الحالّ للمحل، توقف صحة وجود نوع على وجود نوع آخر، ولا يلزم منه محال. وبتقدير أن لا يكون أحدهما متوقفاً على الآخر، لكن لا يلزم من صحّة وجود نوعين من المقارنة صحّة النوع الثالث الذي لا يتصوّر تعقّل المجرّد إلاّ به1.
أجاب أفضل المحققين: بأنَّ حصولَ نوع من المقارنة كاف في الدلالة على صحة طبيعة المقارنة مطلقاً من حيث الماهية المشتركة، وهي كافية في تقرير الحجّة2.
وهذا الكلام في غاية المنع، فإنَّ مطلق المقارنة غير كاف في المطلوب; لأنَّ المطلوب هو وجود مقارنة المحل للحالّ، والمستدَل به هو: إمّا مقارنة الحالّ للمحل، أو أحد الحالّين للآخر، ولا شك في إمكان الانفكاك بينهما، بل في وجوبه; فإنَّ الصورة العقلية الحالَّة في الذهن تقارن الذهن مقارنة الحالّ للمحل، ويمتنع أن تكون ثابتة في الخارج، فضلاً عن أن تكون ثابتة في الخارج محلاً لما فرض محلاّلها.
واعلم أن هذا الإيراد الذي أورده أفضل المتأخرين لازم لهم، لا جواب عنه البتة.
الخامس: سلمنا أنّ هذه الأنواع متساوية في الماهية، أَو أنَّ صحّة أن يقارنها شيء لا يتوقف على كونها عقليّةً، فلِمَ قلتم: إنَّ مثلها إذا وجد في الخارج وجب أن يصحَّ عليه ذلك؟! فإنّه لا يلزم من صحّة حكم على ماهية عند كونها في الذهن صحته عليها في الخارج، فإنّ الإنسان الذهني محتاج إلى موضوع بخلاف الخارجي، والخارجي حساس متحرك بخلاف الذهني.

1 . نفس المصدر: 389.
2 . نفس المصدر.

صفحه 205
وبالجملة: لا يلزم من صحّة حكم على الماهية عند كونها ذهنية صحته على مثلها إذا وجد في الخارج; فإنَّ الماهية حالَ كونها ذهنية لابدّ وأن تكون متميزة عن نفسها إذا كانت خارجيّة، فجاز اختلافهما في الحكم باعتبار الاختلاف بواسطة التمايز بينهما1.
أجاب أفضل المحققين: بأنَّ اعتبار حصولِ الإنسان في الذهن من حيث هو ماهيّة الإنسان غير اعتبار حصوله في الذهن من حيث هو صورة ذهنية، كما مرّ بيانه، فإنَّ الأوّل هو تعقّل الإنسان، والثاني هو الصورة المتعقّلة للإنسان، وهي محتاجة إلى تعقّل آخر مثل الأوّل.
والعقل إذا حكم على الإنسان بالاعتبار الأوّل وجب أن يطابق الخارج، وإلاّ لارتفع الوثوق عن أحكام العقل. وإذا حكم بالاعتبار الثاني لم يجب أن يطابق الخارج; لأنّه لم يحكم على الإنسان الخارجي، بل حكم على الذهني وحده. وهاهنا لم يُحكم بصحّة مقارنة المجرد لغيره من حيث هو صورة ذهنية، بل من حيث ماهيّته2.
وفيه نظر; فإنَّ المقارنة إنّما أخذها المستدل في الذهن لا من حيث الماهية، إذ لا دليل عليه لو أخذها من حيث الماهية.
السادس: سلمنا الصحّة في الخارج، فلِمَ لا يجوز أن يكون في الخارج مانع من وجود الحكم؟ كما أنّ الحيوانية التي في الإنسان يصح عليها من حيث الحيوانية قبول فصل الفرس، إلاّ أنّ فصل الإنسان يمنعها عن ذلك3، وهاهنا الصورتان أعني الذهنية والخارجية متغايرتان متمايزتان كما قلنا، فجاز أن يكونَ ما لأجله صارت ذهنية شرطاً لتلك الصحّة، أو ما لأجله صارت خارجية مانع منه.

1 . نفس المصدر: 390.
2 . نفس المصدر: 390.
3 . نفس المصدر: 391.

صفحه 206
السابع: لا نسلّم أنَّ حكم المسألتين واحد، فانّ حصة كل نوع من جنس مساوية في الماهية لحصة النوع الآخر منه في تمام الماهية، ثم مع ذلك الفصل المقارن لكل واحد منهما يمتنع على الأُخرى، فلم يكن حكم الشيء حكم مثله.
لا يقال: هذا الامتناع ما جاء من جانب الجنس، بل جاء من الفصل.
لأنّا نقول: هب أنّ الأمر كما قلتم، لكنّا بيّنا بذلك أنَّه قد يصح على أحد المثلين ما يمتنع على الآخر وذلك مما يحقق مقصودنا.
الثامن: سلّمنا أنّ المجرّد في الخارج يصح أن يقارن جميع الماهيات، لكن لا نسلّم أنّه يلزم من صحة تلك المقارنة كونه عاقلاً، فإنّه لا دليل على أنَّ التعقُّل هو الحصول، وأنّه ليس إضافة زائدة عليه.
التاسع: نعارض بأنَّ الصورة الذهنية حينما كانت في العقل امتنع أن تكون عاقلة، فإذا وجدت في الخارج وجب بقاء تلك الاستحالة، ضرورة أنَّ حكم الشيء حكم مثله.
العاشر: سلّمنا أنَّ كلَّ مجرد فإنّه يصح أن يعقل كل ما عداه، فلم يجب أن يعقل ذاته؟
قوله: كلُّ من عقل شيئاً أمكنه أن يعقل أنّه يعقل ذلك الشيء.
قلنا: ممنوع، ودعوى البديهة غير مقبولة، فأين البرهان؟
سلّمنا، فلِمَ، قلتم: إنّه يلزم منه كونه عالماً بذاته؟
لا يقال: من علم كونه عالماً بشيء فقد حكم على ذاته بالعالمية، والحاكم بأمر على أمر لابدّ وأن يحضر عنده الأمران وتعقلهما معاً.
لأنّا نقول: هذه القاعدة لا تتم عندكم، فإنّا نحكم بالكلي على الجزئي، ومدرك الكلي مجرد، ومدرك الجزئي مقارن.

صفحه 207
قال الرئيس في بيان الكبرى1: كل من عقل شيئاً أمكنه أن يعقل بالقوة القريبة من الفعل أنّه يعقله، لأنّ للقوة ثلاث مراتب: بعيدة هي العقل الهيولاني، ومتوسطة هي العقل بالملكة، وقريبة وهي العقل بالفعل، وهي التي تقتضي أن يكون للعاقل أن يلاحظ معقوله متى شاء، فكل شيء يعقل شيئاً فله أن يعقل بالفعل متى شاء أن ذاته عاقلة لذلك الشيء; لأنّ تعقّله لذلك الشيء هو حصول ذلك الشيء له، وتعقّله لكون ذاته عاقلة لذلك الشيء هو حصول ذلك الحصول له، ولا شك أنّ حصول شيء لشيء لا ينفك عن حصول ذلك الحصول له إذا اعتبره معتبر. وكون واجب الوجود والمفارقات يجب لها ما يمكن ، لا ينافي كون تعقّل الشيء يشتمل على تعقل صدور ذلك التعقل من المتعقل بالقوة القريبة، لأنّ المشتمل على القوة هو التعقّل لا المُتَعَقِّلْ، وكون المتعقل بحيث يجب أن يكون له بالفعل ما يكون لغيره بالقوة لسبب يرجع إلى ذاته، لا ينافي ذلك.
ثم اعترض الرئيس على نفسه: بأنَّ الصور المادية في القوام إذا جرّدها العقل وصارت معقولة وزالت2 عنها علاقة المادة المانعة3 لها عن التعقل، إذا قارنت صوراً أُخرى معقولة، فلِمَ لا تصير عاقلة لها مع زوال المانع وحصول المقارنة ؟4
وأجاب: بأنّ هذه الصورة ليست مستقلة بقوامها فلا تقبل شيئاً يحلها من المعاني المعقولة، بل أمثال هذه الصورة لا يحل فيها شيء من المعاني المعقولة، لعدم استقلالها، بل كانت حاصلة معها في شيء آخر، وليس واحد من الصورتين الحاصلتين في شيء واحد بقبول الآخر أولى من الآخر بقبوله، فلو كان كل واحد

1 . راجع شرح الاشارات 2:382.
2 . في المخطوطة: «زال».
3 . في المخطوطة: «المانع».
4 . راجع شرح الاشارات 2: 391.

صفحه 208
منهما قابلاً للآخر لكان كل واحد قابلاً لنفسه، وهو محال. ولما لم يكن واحدٌ منهما قابلاً للآخر، فلا واحد منهما بحاصل في الآخر، والتعقل هو حصول المعقول في العاقل. فإذن لا واحد منهما بعاقل للآخر، بل العاقل لهما هو الشيء المتصوَّر لهما، لأنّهما حاصلان فيه.
وأمّا وجود تلك الصور خارج العقل فمادّيٌّ غير مجرد، والمادة مانعة من كونها معقولة، فضلاً عن كونها عاقلة. فإذا لا يمكن أن تكون تلك الصورة عاقلة في حال من الأحوال، ونحن كلامنا في جوهر مستقل بنفسه إذا قارنه معنى معقول صار قابلاً له، فكان له بالإمكان أن يعقله1.
اعترض أفضل المتأخرين بوجوه:
الأوّل: أنَّ الصورة المعقولة الحالّة في شيء واحد لا يمكن أن تكون متماثلة; لاستحالة اجتماع الأمثال. ولأنّها صور المختلفات فتختلف باختلافها، وحينئذ يمكن أن تكون بعضها أولى بالمحلّية وبعضها بالحاليّة، فإنّ الحركة لمّا خالفت البطء بالماهية صارت بالمحلّية أولى2.
وأجاب أفضل المحققين: بأنّ كون أحد الشيئين أولى من الآخر يقتضي اختلافهما بالماهية، أمّا عكس هذا الحكم فغير واجب. والحركة ليست محلاً للبطء لاختلاف ماهيتهما، وإلاّ لكانت محلاً للسواد أيضاً، بل كان البطء محلاً لها، إنّما هي محلّ للبطء لكونه هيئة لها وكونها متصفة به.
وهاهنا لا يمكن أن يقال: أحد المعقولين مع تساويهما في النسبة إلى المحلّ هيئة و صفة للآخر. وكيف وكل واحد منهما يوجد لا مع الآخر بحسب ماهيته وبحسب كونه معقولاً ؟ فإذن ليس أحدهما بالمحلية أولى من الآخر3.

1 . نفس المصدر: 391 393.
2 . نفس المصدر: 391 393.
3 . نفس المصدر.

صفحه 209
وفيه نظر، فإنّه لم يستدل على المحلية بالاختلاف، بل استدل على إمكان الأولوية بالاختلاف، وظاهر أنّه كذلك، فإنّ غير المختلفين يمتنع ثبوت الأولوية فيهما، أمّا المختلفان فيمكن فيهما الأولوية، فتبطل حجة الشيخ.
الثاني: ما ذكره الشيخ يتضمن الاعتراف بأنّ مقارنة الصور لمحلّها وللحالّ معها غير مقارنتها للحالّ فيها; لأنّ الأوّلين حاصلان، والثالث ممتنع. وفيه اعتراف بأنَّ الأولين لا يقتضيان كون المقارن عاقلاً، فلا يلزم من صحتها صحة القسم الثالث في الخارج الذي هو المقتضي لكونه عاقلاً1.
أجاب أفضل المحققين: بأنّه لم يستدل من صحة القسمين الأولين على صحّة الثالث، بل استدل من صحتهما على صحة المقارنة المطلقة التي هي معنى يشترك الجميع فيه فقط. ثم بيّـن أنَّ أحد الشيئين اللذين يصح تقارنهما في محل يقومان به، إن كان قائماً بنفسه كان عاقلاً للآخر، وذلك لحصول الآخر فيه. فاستدل على الجزء المشترك2 من القسم الثالث بالقسمين الأولين، وعلى الجزء الخاصّ3 به بالفرض.
وفيه نظر: للمنع من حصول الآخر فيه، بل إنّما حصل معه في القوة العاقلة لهما، وإنّما يكون حاصلاً فيه لو ثبت القسم الثالث على تقدير ثبوت الأولين أو المشترك، لكن لا يلزم من ثبوت شيء من الأولين ولا المشترك ثبوت الثالث، لأنّ الأولين مباينان للثالث، والمشترك أعم. ولا يلزم من ثبوت أحد المتباينين ثبوت الآخر، ولا من المشترك ثبوت الخاص.
الثالث: قوله «كان له بالإمكان جعله متصوراً» اعتراف بأنّ تصور ذلك

1 . نفس المصدر.
2 . وهو مطلق المقارنة.
3 . وهي اضافة المحلّ إلى الحالّ.

صفحه 210
العاقل للمعقول أمر وراء المقارنة، وعند ذلك يسقط أصل الدليل1.
أجاب أفضل المحققين: بأنَّ المعنى المعقول قد يقارن الجوهر المستقل بقوامه كالعقل الهيولاني غير مجرد بل مع الغواشي الغريبة، ثم إنّه يصير مجرداً بحسب إعدادات ما لذلك الجوهر بتجرده عقلاً بالملكة، وإنّما يكون هذا الخروج من القوة إلى الفعل بالإمكان الخاص، فحكم الرئيس بالإمكان العام، لتكون هذه الصورة أيضاً داخلة فيه. ولا يلزم من ذلك مغايرة التعقل للمقارنة، بل يلزم مغايرة المقارنة مع الغواشي للمقارنة المجردة2.
وفيه نظر، فإنّ تلك الغواشي إن منعت من التعقل أمكن دوامها إمّا بالشخص أو بالنوع، فأمكن عدم التعقل، ثم تلزم المغايرة بين المقارنة مع العاقل والتعقل.
واعترض الرئيس على نفسه في «استدلاله بصحة مقارنة ماهية الجوهر العاقل لسائر المعقولات عند كونها قائمة معها بقوة عاقلة تعقلها على صحة مقارنتها إياها عند كونها قائمة بذاتها» بوجهين:
الوجه الأوّل: لِـمَ لا يكون للمقارنة شرط لا يوجد إلاّ عند القيام بالغير؟
الوجه الثاني: أن يقال: لها مانع يوجد عند القيام بالذات.
فإنّ مع هذين الاحتمالين يمكن اختصاص وجود المقارنة بإحدى الحالتين دون الاُخرى.
وأجاب: بأنّ الماهية لما كانت عند ارتسامها في العقل مجردة عن اللواحق الشخصية، وعند قيامها بالذات ممكنة الاقتران بها، لم يحتمل لحوق شيء بها إلاّ عند القيام بالذات.

1 . نفس المصدر: 394.
2 . نفس المصدر: 394.

صفحه 211
فاستعداد المقارنة إمّا أن يكون لازماً للماهية النوعية غير منفك عنها، حالتي القيام بالذات وبالقوة العاقلة، وإمّا أن لا يكون لازماً بل إنّما يحصل عند القيام بالقوة العاقلة فقط.
والثاني ينقسم إلى أقسام ثلاثة، لأنّه إما أن يحصل مع المقارنة أو بعدها أو قبلها.
أمّا الأوّل: وهو أن يكون استعداد المقارنة لازماً للماهية، فيقتضي كونها مستعدة للمقارنة، سواء قامت بالقوة العاقلة أو بذاتها، وحينئذ يسقط الشك.
وأمّا أوّل الثلاثة:1 وهو «أن يكون حصول الاستعداد عند القيام بالقوة العاقلة مع وجود المقارنة» فباطل; لأنّ الشيء يجب أن يستعد أوّلاً لصفة ثم تحصل له تلك الصفة، ولا يمكن أن تحصل الصفة ويستعد معها لحصولها، اللهم إلاّ إذا كان الاستعداد لصفة أُخرى غير الصفة الحاصلة، كالاستعداد للمعقولات الثواني التي تحصل بعد حصول المعقولات الأُول.
وأمّا ثانيها: وهو «أن يكون حصول الاستعداد بعد وجود المقارنة» فباطل; لامتناع حصول صفة لموصوف غير مستعد لحصولها.
وأمّا ثالثها: وهو «أن يكون حصول الاستعداد قبل وجود المقارنة» فيقتضي في هذا الموضع أن يكون ذلك الاستعداد بحسب الماهية أيضاً كما كان في القسم الأوّل، وذلك لأنّ الماهية قبل المقارنة إنّما تكون مجردة عن اللواحق الغريبة لكونها معقولة، فلا يكون هناك شيء يفيدها الاستعداد غير ذاتها، وحينئذ يسقط الشك.
ثم اعترض الرئيس أيضاً2: بأنّ المعنى الجنسي كالحيوان مثلاً إذا كان قارن فصلاً لم يبق مستعداً لمقارنة أُخرى، وإذا جاز ذلك هنا فلِمَ لا يجوز أن تكون

1 . من أقسام القسم الثاني. وانظر الأقسام في شرح الاشارات 2: 398 399.
2 . انظر الاعتراض والجواب عنه في نفس المصدر: 402 403.

صفحه 212
الماهية المعقولة عند كونها قائمة بذاتها غير مستعدة للمقارنة، وإن كانت عند كونها قائمة بذاتها1 مستعدة لها؟
وأجاب: بأنّ المعنى الجنسي من حيث طبيعته الجنسية مستعد لكل واحد واحد من الفصول التي تقارنه مقارنة مقوّم لوجوده محصل لإنّيته، فإن لم يكن لبعضها خروج إلى الفعل فلوجود مانع هو الفصل الآخر سبقه فقوّم المعنى الجنسي وحصّله نوعاً وأخرجه بذلك عن كونه طبيعة غير محصلّة مستعدة لمقارنة الفصول، فزال ذلك الاستعداد بوجود هذا المانع، لا مع كونه على طبيعته الجنسية، بل بعد زواله عن تلك الطبيعة، فهو مستعد لمقارنة الفصول ما دامت طبيعته الجنسية باقية. وإذا كان حال الجنس الذي لا يتحصّل حال وجوده (إلاّ)2 بالمقارنة كذلك، فكيف يكون حال الأنواع المحصّلة الغنية عن المقارنة في كونها مستعدة لمقارنة أعراض تلحقها لحوق شيء غير محتاج إليه؟ أي إنّما تكون الأنواع باقتضاء الاستعداد ما دامت على طبائعها النوعية أولى من الأجناس. ولما كانت الماهية المعقولة التي نحن في قصتها نوعيةً محصّلةً غنيةً عن مقارنة سائر المعقولات، فهي باستلزام استعداد مقارنتها بحسب الذات في جميع الأحوال أولى من غيرها.
الحجة الثانية: 3 إنّهم قالوا: كل ما كان مجرداً عن المادة ولواحقها فذاته المجردة حاضرة لذاته وحاصلة لها، وكل مجرد يحضر عنده مجرد فهو يعقل ذلك المجرد. فإذن كل مجرد فانّه يعقل ذاته.
أمّا الصغرى: فلأنّ الشيء إمّا أن يكون قائماً بذاته وموجوداً4 لذاته، وإمّا

1 . كذا في المخطوطة، وفي شرح الاشارات: «بالقوة العاقلة».
2 . ليست في المصدر.
3 . من الحجج التي تمسّك بها الفلاسفة لإثبات عاقلية كل مجرد.
4 . في المخطوطة: «مجردا»، اصلحناه طبقاً للسياق ونقل الرازي في المباحث المشرقية 1:492.

صفحه 213
أن يكون موجوداً لغيره. فإن كان قائماً بذاته كانت ذاته حاصلة لذاته لا لغيره.
وقول من يقول: ربّما يكون الشيء موجوداً ولا يصدق عليه أنّه لذاته أو لغيره، كلام باطل لا حاصل له; فإنّ هذا الخيال إنّما جاء من توهم أنّ حضور الشيء عند الشيء إنّما يصح بين المتغايرين، لإنّه إضافة ، لكنّك قد عرفت أنّه يكفي في ذلك تغاير الاعتبار.
ولأنّا نعقل ذواتنا وإنّما نكون عاقلين لذواتنا إذا كان العاقل هنا هو المعقول، وهو يدفع القول بالحاجة إلى التغاير.
ولأنّا نقول: ذاتي وذاتك، فعلمنا1 أنّ هذه الإضافة غير مستدعية للتغاير.
وأمّا الكبرى: فلأنّ معنى التعقل هو الحضور عند المجرد، ومن جعله حالة إضافية مشروطة بالحضور، فلأنّ حصول الحالة الإضافية غير متوقفة إلاّ على حصول هذا الشرط فمتى حصل الشرط المفيد للاستعداد التام وجب حصول المشروط.
بقي هنا إشكال: وهو أنّ حصول الشرط إنّما يكفي في حصول المشروط أن لو كان المقتضي حاصلاً، فلعل بعض المجردات حقائقها مقتضية لتلك الإضافة، فلا جرم تحصل تلك الإضافة عند حصول الشرط، وبعضها لا يقتضي تلك الإضافة فلا يجب فيها إفاضة تلك الصورة وإن حصلت الشرائط بأسرها.
والجواب: إنّ المقتضي لحصول هذه الإضافة، هو حضور الصورة بشرط كون الصورة مجرّدة وكون الموصوف بها مجرداً، وحيث قد حصل المقتضي مقروناً بشرطه وجب ترتب الأثر عليه.
وفيه نظر: فإنّ هذه الحجة لا تنفك عن مكابرة للضرورة; لأنّ التعقل

1 . في المخطوطة: «فقلنا».

صفحه 214
والحضور لا يعقلان إلاّ بالقياس إلى الغير، فهما إضافيان، والإضافة لا تعقل ثابتة إلاّ بين شيئين، ولا اثنينية بين الذات ونفسها. وإنّما أُضيف الشيء إلى نفسه في قولنا ذاته لضيق العبارة أو لاعتبار مغايرة ما باعتبار وصف ما.
قالوا: ثم ذلك المجرد إن كان علة لغيره باعتبار ذاته لزم أن يعقل ذلك الغير أيضاً، لأنّه شيء عقل نفسه علم من نفسه أنّه مبدأ لغيره وعلّة له، وهو يتضمن علمه بغيره، وفيه ما تقدم.
الحجة الثالثة: ما قرره الشيخ في كتاب المبدأ والمعاد، حيث برهن فيه على أنّ الصورة المجردة إذا اتّحدت بالجوهر العاقل صيّـرته عقلاً بالفعل على ما سبق. فانّه قال بعد ذلك: الصورة المجردة لما اتّحدت بغيرها صيّرته عقلاً بالفعل، فإذا كانت الصورة المجردة قائمة بذاتها كانت أولى بالتعقلية; فإنّ كل ما يفيد غيره شيئاً هو قابل له، فإنّ قبوله له أولى، ولهذا لمّا صيرت الحرارة الجسم الذي قامت به مسخناً كانت بحيث لو قامت بذاتها أولى بالتسخن، وكذا الجسم إذا كان قابضاً للبصر باعتبار حصول السواد له، فلو كان السواد قائماً بذاته كان أولى باقتضاء القابضية1.
وهذه الطريقة غير مرضية عند العقلاء حتى عند الشيخ نفسه فإنّه سفّه القائل بالاتّحاد ونسبه إلى السخافة والاختلال، وقد تقدم بطلانه. على أنّ الأولوية كلام إقناعي لا برهاني، فإنّ المختلفين لا يجب تساويهما في الأحكام فضلاً عن اتحادهما فيها.
تذنيب: 2 قالوا لما ثبت أنّ كل مجرد يصح أن يُدرك غيره وجب أن يدرك غيره، لأنّ المجرد عن المادة وعلائقها لا يمكن توارد التغيرات عليه، بل يجب له

1 . المبدأ والمعاد: 10 مع تصرفات من المصنّف.
2 . راجع المباحث المشرقية 1 : 494.

صفحه 215
كل ما يمكن، وإلاّ لامتنع أن يحصل له إلاّ عند تغير يعرض له فتكون ذاته متغيراً، وقد فرض خلافه.
وسأل بعضهم الرئيس1 فقال: الذي يدرك منّا المعقولات مجرد، ولا يجب لنا ما يمكن من التعقلات، ولا يمكن إسناد العدم إلى الاشتغال بالبدن، فإنّه يعوق النفس الناطقة عن فعلها; لأنّه لو كان كذلك لما كان تنتفع بالبدن في التعقلات، وليس الأمر كذلك.
فأجاب الشيخ: بأنّه ليس كل مجرد عن المادة كيف ما كان عقلاً بالفعل، بل كل مجرد عن المادة تجريداً تامّاً فهو كذلك، والنفس ليست مجردة تجريداً تاماً، لأنّ المادة سبب لقوامها بوجه حيث كانت سبباً لحدوثها وسبباً لهيئة تشخصها ويتهيأ لأجلها إلى الخروج إلى الفعل، وليس من العجب أن يكون الذي يمنع من شيء يمكّن من شيء، والذي يشغل عن شيء يشغل بشيء.

المسألة الخامسة عشرة: في أنّ تعقّل الشيء لذاته هو نفس ذاته، وأنّ ذلك حاضر أبداً2

من جعل التعقّل حضور صورة المعقول عند العاقل، فالعاقل لذاته إنّما يعقل ذاته بحضور ذاته عند ذاته، فلا يخلو إمّا أن يعقل ذاته لأجل حضور نفس ذاته، أو لأجل حضور صورة أُخرى عند ذاته.
والثاني باطل; لأنّ تلك الصورة إن كانت مساوية لذاته في الماهية والحقيقة فهو محال، لأنّـها إذا حلّت في ذاته لم تتميز إحداهما عن الأُخرى، لا بالماهية ولا

1 . راجع المباحث المشرقية: 1: 494 495.
2 . راجع نفس المصدر: 495 496.

صفحه 216
بلوازمها ولا بالعوارض، فلا يكون التميّز حاصلاً ولا الاثنينية، وقد فرضناها حاصلة هذا خلف. وإن كانت مخالفة لم يكن حصولها موجباً لتعقل تلك الحقيقة، بل لتعقل ما تلك الصورة مأخوذة عنه، فتعين الأوّل.
ثم ذلك الحضور دائم قطعاً، فالتعقّل يجب أن يكون دائماً، نعم قد تَعْرض له الغفلة عن اعتبار حصول ذاته لذاته.
وأيضاً الإنسان إذا تتبع أحواله واستقراها وجد من نفسه إدراكه لنفسه دائماً، والتجربة دلّت عليه، فإنّ النائم يهرب من البرد الذي أصابه لا من البرد المطلق، بل من الذي أصابه وألّمه ووصل إليه، وإلاّ لهرب من برد غيره، لكن العلم بوصول البرد إليه يتضمن العلم به. وكذا القاصد إلى فعل من الأفعال لا يكون قصده إلى حصول ذلك الفعل مطلقاً، بل إلى حصول ذلك من جهته، وذلك يتضمن العلم بذاته. فالإنسان بل الحيوان لا يحاول إدراكاً ولا تحريكاً مطلقين، وإلاّ لم يتخصص وقوعه بجزئي دون جزئي، بل إلى إدراك وتحريك يصدر منه ويحصل له، فظاهر أنّ علم الإنسان بنفسه دائم حاضر أبداً.
وفيه نظر، فإنّه إن كان المقصود الحصول بالفعل، فهو ممنوع، لوقوع الغفلة لأكثر الناس في بعض الأوقات. وإن عنى به الحصول بالقوة القريبة من العقل الذي يمكن حصوله متى اعتبره المعتبر فهو كذلك، لكنّه لا فرق حينئذ بين الذات ولوازمها.
تذنيبات: الأوّل: علم الإنسان بنفسه غير مكتسب، وهو ضروري، فإنّه لا شيء أقرب إليه من نفسه، حتى يبرهن به عليها. ولأنّ الاستدلال على الشيء إما بعلته أو بمعلوله، والقسمان باطلان.
أمّا إجمالاً، فلأنّ العاقل قد يغفل عن كل شيء إلاّ عن وجود نفسه، حتى إنّ النائم في نومه والسكران في سكره لا تعزب ذاته عن ذاته، وإن لم يثبت تمثل ذاته

صفحه 217
في ذكره.
ولو فرضنا ذاته قد خلقت أوّل خلقها صحيحة الهيئة والعقل، وفرضناها على جملة من الوضع والهيئة لا تبصر أجزاءها ولا تتلامس أعضاؤها، بل كانت مندرجة ومعلقة في هواء معتدل، كانت غافلة عن كل شيء إلاّ عن ذاتها وثبوت إنّيتها.
وأمّا تفصيلاً، فلأنّ وهم أحد لم يذهب إلى اثبات ذاته بعلله، فإنّ وجوده له أظهر من وجود علله. وأمّا المعلولات له فباطل الاستدلال بها، لأنّه لا يخلو إمّا أن يستدل بالفعل المطلق أو بفعل صدر منه. والأوّل باطل، لأنّ الفعل المطلق يحتاجإلى فاعل مطلق لا فاعل معين. والثاني محال، لأنّه لا يمكنني أن أعلم فعلي1، إلاّ بعد أن أعلم نفسي، فلو لم أعلم نفسي إلاّ بعد أن أعلم فعلي لزم الدور.
وأعلم أنّ المطلوب ان كان هو امتناع الاستدلال على ثبوت ذات الإنسان عند ذاته فهو حق، لكن لا حاجة فيه إلى برهان، فإنّ ذلك ضروري، وإن كان امتناع العلم التصوري فهو ممنوع.
وبالجملة فالبرهان الإنّي ناقص، لأنّه لا يؤدي إلى معرفة ذات الفاعل، ولا أن حقيقته ما هي ؟
الثاني: 2 قال بعض أوائل الحكماء3 القائلين بقدم النفس: إنّها تعقل المعقولات لذاتها، فلا يمكن انفكاكها عنها; لأنّها لو خلت عن التعقّلات لكان

1 . ق: «فعل».
2 . راجع نفس المصدر: 496 497.
3 . لعلّه سقراط ( Socrates) (469 399 ق م ) وهو من تلامذة فيثاغورس ومن كبار فلاسفة اليونان.

صفحه 218
ذلك الخلو إمّا أن يكون ذاتياً لها أو لازماً أو عرضياً مفارقاً. والأوّلان باطلان، وإلاّ لم تصر عاقلة أبداً لامتناع الخلو عن الصفة الذاتية واللازمة. والثالث باطل، لأنّ العرضيات تطرأ على الذاتيات1، فلو لم يكن علمها بالأشياء ذاتياً لها لم يكن خلوها من العلم عرضياً. ثم إنّها لاشتغالها بالبدن وتدبيره تغفل عن الالتفات إلى لوازمها وذاتياتها.
وهذه الحجة فاسدة،لأنّـا لا نقول: النفوس تقتضي عدم العلم، بل لا تقتضي وجود العلم، فالعلم ممكن الحصول إذا وجد سببه الخارجي وجد، وإن لم يوجد لم يوجد لكن ليس كل ما لم يوجد ممتنعاً ان يوجد، وإلاّ لم يكن ممكنٌ ما معدوماً، ويبطل قولهم: إنّ الصورة العقلية إمّا أن تكون حاضرة في النفس موجودة فيها بالفعل أو لا . فإن كانت حاضرة بالفعل وجب أن يكون لها شعور بذلك الحضور، إذ ليس معنى الشعور إلاّ الحضور، وإن لم تكن حاضرة بالفعل لم يكن ذاتياً، لأنّ الذاتي لا يفارق. ومن جعله حالة إضافية افتقر إلى الاستدلال على فساد هذا الاحتمال، أن تكون هذه الصور حاضرة أبداً، لكن لعدم تلك الحالة المسماة بالعلم لا يحصل الشعور بها كما في الصور الخيالية، فإنّها حاضرة عنده غير مشعور بها، لكنه لم يدل دليل على إثباتها فلم يجز إثباتها.
الثالث: 2 ذهب بعض القدماء3 القائلين بقدم النفس، حيث عرفوا بطلان قول من زعم: «أنّ علم النفس بالمعلومات أمر ذاتي»، وتركوا ذلك إلى أنّـها كانت قبل التعلق بالأبدان عالمة بالمعلومات، وتلك العلوم ليست ذاتية فزالت

1 . ج: «الذاتية».
2 . راجع نفس المصدر: 497 498.
3 . يعنى به افلاطون (428 348 ق م) في نظريته المعروفة بنظرية استذكار المعلومات السابقة. وهذهالنظرية قائمة على اعتقاده بمسألتين: الايمان بالأنواع أو المثل، والايمان بخلق الأرواح قبلالأبدان. كما أكد أيضاً على أنّ الظواهر أمورٌ فانية، وليست أُصولاً باقية، والعلم الحقيقي يتعلق بالثابتات لا بالفانيات، والمُثُل بما أنّها واقعيات ثابتة يتعلق بها العلم.
وفي أقوال الحكماء الأقدمين إشارات لطيفة ورموز شريفة إلى هبوط النفس من ذلك العالم وصعودها، وحكايات مرشدة إلى ذلك. منها قصة سلامان وأبسال وهي بتفصيلها مذكورة في النمط التاسع من شرح الاشارات للمحقق الطوسي، ومنها قصّة الحمامة المطّوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة، ومنها حكاية حيِّ بن يقظان. والقدماء من الحكماء كأنباذقلس، أفلاطون، أرسطاطاليس ذكروا وجوهاً عديدة في علّة هبوط النفس. وللشيخ الرئيس قصيدة في السؤال عن علّة هبوط النفس معروفة بالقصيدة العينية. فمن أراد التفصيل في أحوال النفس، فليراجع الأسفار 8: 325ـ 379.

صفحه 219
بسبب استغراقها في تدبير البدن. ثم إنّ الأفكار تذكّرات لتلك العلوم الزائلة; لأنّ التفكر طلب، فإن كان معلوماً لزم تحصيل الحاصل، وهو محال. وإن كان مجهولاً كان طلباً لغير المعلوم، وهو محال; لأنّه إذا وجده كيف يعرف أنّه هو الذي كان مطلوبا؟ فإن مَن لا يعرف عبده الآبق لا يعرف أنّ الذي وجده هو أو غيره. أمّا إذا جعلنا العلوم كانت حاصلة بالفعل، والتفكر تذكر، عرف أنّها مطلوبة إذا وجدها.
والجواب: سيأتي حدوث النفس. والمطلوب معلوم من وجه دون وجه، ففي التصورات تكون الماهية المطلوب تصورها معلومة ببعض عوارضها ولو بكونها مسماة بلفظ ما ومجهولة باعتبار حقيقتها، فيطلب تعريف ذلك المجهول بواسطة ما علم، ويعرف انّه هو إذا وجده حيث حصل له علامة سابقة، كمن كان له في عبده الآبق علامة، فإذا وجده عرف انّه هو باعتبار وجود تلك العلامة فيه.
وأمّا في التصديقات، فانّ تصور طرفي القضية يكون معلوماً، والمجهول نسبة أحدهما إلى الآخر بالإيجاب أو السلب، فتطلب النفس إيقاع تلك النسبة بالدليل، فإذا حصّلت الدليلَ أوقعت الفكرة تلك النسبة وعرفت النفس أنّ الحاصل هو المطلوب باعتبار علمها لمفردات القضية.

صفحه 220

المسألة السادسة عشرة: في إمكان تعقّل البسيط1

اعلم أنّ الحقائق إمّا بسيطة أو مركبة. فالمركبات يمكن أن تعرف بواسطة معرفة أجزائها. وأمّا البسائط فقد زعم قوم من القدماء أنّ حقائقها غير معلومة للبشر، وإنّما تعرف لوازمها وعوارضها دون نفس ماهياتها كما تعرف النفس بأنّها شيء محرك للبدن، وهذا عارض للنفس، وأمّا حقيقة النفس فغير معلومة للبشر.
واستدلوا عليه بأنّ اختلاف الناس في حقائق الأشياء واقع، خصوصاً النفس، ولا سبب في ذلك إلاّ أنّهم لم يدركوا تلك الحقائق بماهياتها، بل بلوازمها، فكل واحد من أشخاص البشر أدرك لازماً لتلك الماهية مغايراً لما أدركه الآخر فحكم بمقتضى ذلك اللازم، فأمّا لو عرفنا حقائق الأشياء لعرفنا كل لوازمها القريبة والبعيدة، لما تقرر من أنّ العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول، ولو كان كذلك لم يكن شيء من صفات الماهيات مطلوباً بالبرهان ولا خفياً عند العقلاء.
قيل عليه2: الحقائق البسيطة إن لم تكن معلومة لم تكن المركبات معلومة، لأنّ تركب المركبات إنّما هو من البسائط، فإنّ كل كثرة فالواحد منها موجود، وتلك البسائط إذ هي غير معقولة كانت المركبات أيضاً غير معقولة بالحدّ. ولا يمكن أن تكون معقولة بالرسم أيضاً; لأنّ الرسم عبارة عن تعريف الشيء باللوازم، وتلك اللوازم إن كانت بسيطة فهي غير معقولة، وإن كانت مركبة فبسائطها غير معقولة، فهي أيضاً غير معقولة. وبالجملة فالكلام فيها كالكلام في الملزومات.

1 . راجع المباحث المشرقية 1: 499 500.
2 . والقائل هو الرازي، نفس المصدر.

صفحه 221
فإذن القول: بأنّ البسائط لا يصح تعقلها، يوجِب أن لا يعقل الإنسان شيئاً أصلاً بالحد ولا بالرسم، لكن التالي ظاهر البطلان، فالمقدم مثله.
وقوله: «لو عرفنا ماهية الشيء لعَرَفنا جميع لوازمها».
فنقول: هَبْ أنا لا نعرف حقيقة شيء من الملزومات، لكن الكلام في البساطة هل تمنع من المعقولية؟ فلقلنا1 لا نعرف حقيقة الملزومات، لكنا نعرف لوازمها البسيطة، وقد بيّنا أنّ العلم بالمعلول لا يوجب العلم بالعلة.
وفيه نظر، لأنّ البسائط إذا كانت معلومة باعتبار لوازمها كانت معلومة على الإطلاق، والمركبات إذا حُدّت إنّما تُـحدّ ببسائطها المعلومة بذاتها من غير اكتساب أو بلوازمها، وتكون المركبات محدودة، لأنّها عرفت بذكر بسائطها وإن لم تكن البسائط محدودة ولا معلومة الحقائق، بل ببعض الاعتبارات. ولا يثلم عدم الإحاطة بكنه تلك البسائط في صحة التحديد بها، وأن يكون المركب منها حداً للمركب منها في نفس الأمر، فانّه لا يشترط في الحدّ إلاّ العلم بالأجزاء مطلقاً، لا العلم بها على سبيل الحقيقة والإحاطة بماهياتها، فإذا حددنا السكنجبين بأنّه شراب متخذ من الخل والسكر عرفنا حقيقته وإن لم نعرف تركب كل من الخل والسكر من المادة والصورة أو من الجواهر الأفراد.
تذنيب 2: من المعلومات ما يكون وجودها في غاية القوة، وهو الطرف والغاية لما يفرض امتداداً في مسافة الإمكان، وهو واجب الوجود تعالى وتقدس. وتتلوه الجواهر العقلية المفارقة عند الأوائل والجواهر الروحانية. ومنها ما يكون وجودُه في غاية الضعف، وهو كالطرف الآخر المقابل للأوّل حتى يكون كأنّه مخالط للعدم كالهيولى والزمان والحركة. ومنها ما يكون متوسطاً بين الأمرين

1 . كذا في المصدر، وفي المخطوطة: «فلعلّنا».
2 . راجع المباحث المشرقية 1: 500 501.

صفحه 222
كالأجسام والألوان وسائر الكيفيات والكميات.
والعقول البشرية تعجز عن إدراك الأوّل لقوته، كما تعجز أبصار الخَفافيش عن الرؤية في ضياء نور الشمس. وتعجز عن المقابل أيضاً لضعفها ونقصانها، كما يعجز البصر عن إدراك المدرَكات الضعيفة. وأمّا المتوسط بينهما فهو الذي تقوى النفوس البشرية على إدراكه والإحاطة به، ولهذا كانت معرفة الأجرام فلأبعاد1 أسهل من معرفة سائر الأشياء.

المسألة السابعة عشرة: في تفسير العقل2

للإنسان قوتان:

1 . كذا، وفي عبارة الرازي: «والأبعاد».
2 . العقل في اللغة على معنيين: الأوّل: الادراك والفهم. الثاني: القيد والمانع. وفي الاصطلاح يطلق على أشياء كثيرة، يذكر الفارابي ستة منها:
الأوّل: العقل الذي يقوله الجمهور في الانسان: أنّه عاقل وفاضل وجيد الروية في استنباط ما ينبغي أن يؤثر من خير، أو يجتنب من شر.
الثاني: العقل الذي يردده المتكلمون على ألسنتهم فيقولون: هذا مما يوجبه العقل وينفيه العقل.
الثالث: العقل الذي يذكره أرسطوطاليس في كتاب البرهان بأنّه: القدرة على استيعاب مبادئ القياس الأوّلي وذلك بمجرد الطبع والفطرة.
الرابع: العقل الذي يذكره في المقالة السادسة في كتاب الأخلاق، وأنّه ضرب من الاعتياد الذي يتم بالتجربة والاختبار. وهو يمكّننا أن نتوصل بشيء من الفطنة إلى أحكام صائبة في باب الخير والشر.
الخامس: العقل الذي يذكره في المقالة الثالثة من كتاب النفس والذي جعله أرسطوطاليس على أربعة أنحاء: عقل بالقوة، عقل بالفعل، عقل مستفاد، عقل فعال.
السادس: العقل الذي يذكره في كتاب ما بعد الطبيعة. راجع مصطفى غالب، الفارابي: 82 90 (معاني العقل عند الفارابي).
قال ابن سينا: «العقل: اسم مشترك لمعان عدة فيقال عقل لصحة الفطرة الأُولى في الناس، فيكون حده أنّه قوة بها يجود التمييز بين الأُمور القبيحة والحسنة.
ويقال عقل لمايكسبه الانسان بالتجارب من الأحكام الكلية، فيكون حدّه أنّه معان مجتمعة في الذهن تكون مقدمات تستنبط بها المصالح والأغراض.
ويقال عقل لمعنى آخر وحدّه أنّه هيئة محمودة للإنسان في حركاته وسكوناته وكلامه واختياره. فهذه المعاني الثلاثة هي التي يطلق عليها الجمهور اسم العقل.
وأمّا الذي يدل عليه اسم العقل عند الحكماء فهي ثمانية معان: أحدها: العقل الذي ذكره الفيلسوف في كتاب البرهان وفَرّق بينه وبين العلم، فقال ما معناه: هذا العقل هو التصورات والتصديقات الحاصلة للنفس بالفطرة، والعلم ما حصل بالاكتساب. ومنها العقول المذكورة في كتاب النفس. فمن ذلك العقل النظري والعقل العملي». الحدود (التعريفات): 11 12.
وقال الجرجاني: «العقل جوهر مجرد عن المادة، مقارن لها في فعله، وهي النفس الناطقة التي يشير إليها كل أحد بقوله: أنا.
وقيل: العقل: جوهر روحاني خلقه اللّه تعالى متعلقاً ببدن الإنسان.
وقيل: العقل: نور في القلب يعرف الحق والباطل.
وقيل: العقل: جوهر مجرد عن المادة يتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف.
وقيل: العقل: قوة للنفس الناطقة، وهو صريح بأنّ القوة العاقلة أمر مغاير للنفس الناطقة، وأنّ الفاعل في التحقيق هو النفس والعقل آلة لها، بمنزلة السكين بالنسبة إلى القاطع.
وقيل: العقل والنفس و الذهن، واحد، إلاّ أنّها سميت عقلاً لكونها مدركة، وسمّيت نفساً لكونها متصرفة، وسمّيت ذهناً لكونها مستعدة للإدراك ... والصحيح أنّه جوهر مجرد يدرك الفانيات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة». التعريفات: 197196.
انظر أيضاً تفصيل هذا البحث في الكليات لأبي البقاء 3: 216 219.

صفحه 223
عالمة وعاملة1، فالعاملة: هي العقل العملي2، وهو مقول بالاشتراك على

1 . وقد قسّم القوم قوى النفس الناطقة إلى نظرية وعملية، فإنظر كلماتهم في المصادر التالية.
فصوص الحكم: 81; شرح الإشارات 2:352 358; الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء; رسائل الشيخ، رسالة في النفس: 205; طبيعيات النجاة: 163 165; ابن سينا، الحدود (التعريفات): 12; التحصيل: 789; المباحث المشرقية 1:485; كشف المراد: 234 235; شرح المواقف 6: 43 49; الأسفار 3: 418.
2 . يسمى باليونانية: «نوس براكتيكوس». راجع رسائل الشيخ، رسالة في النفس: 207.

صفحه 224
معان ثلاثة; فإنّ الأفعال الإنسانية قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة، والعلم بالحَسَن والقبيح قد يكون ضرورياً وقد يكون كسبياً، واكتسابه إنّما يكون بمقدمات تلائمها، فإذن هنا أُمور ثلاثة:
الأوّل: القوة التي بها يميز الإنسان بين الحسنةوالقبيحة.
الثاني: المقدمات التي تستنبط منها الأُمور الحسنة والقبيحة.
الثالث: نفس الأفعال التي توصف بأنّها حسنة أو قبيحة. واسم العقل العملي يقع على هذه المعاني الثلاثة بالاشتراك.
وأمّا القوة النظرية: فإنّ الحكماء يطلقون اسم العقل تارة على هذه القوة، وتارة على الإدراكات التي لها.
أمّا الأوّل، فإنّ النفس الإنسانية قابلة لإدراك حقائق الأشياء، لكنها في مبدأ الفطرة خالية عن الجميع فتكون كالهيولى بالنسبة إلى الصور ليس لها إلاّ طبيعة الاستعداد والقبول لا غير، فلهذا سميت بالعقل الهيولاني للمشابهة بينها وبين الهيولى.
وإن لم تكن خالية، بل اتصفت بالعلوم الضرورية، فهي العقل بالملكة1، لقدرتها على اكتساب النظريات وحصول ملكة الاستنتاج.
وإن حصل لها مع الضروريات النظريات لا بالفعل، بل تكون بحالة متى شاءت استحضرتها بمجرد التعقل ]و[ التذكر والتفات النفس إليها فتسمى حينئذ عقلاً بالفعل.

1 . الملكة:صفة وكيفية راسخة في النفس، تقابلها الحال وهي سريعة الزوال، فإذا تكررت تلك الصفة ومارستها النفس حتى رسخت فيها وصارت بطيئة الزوال تسمّى ملكة. راجع الجرجاني، التعريفات: 296.

صفحه 225
وإن كانت حاضرة بالفعل حاصلة بالحقيقة سميت عقلاً مستفاداً.
فاسم العقل واقع على هذه القوى النفسانية الخمس بالاشتراك.
وقد يقال: العقل لكل جوهر مجرد عن المادة ولواحقها البتة، هذا على رأي الأوائل.
وأمّا المتكلمون1 فالمشهور عندهم أنّ العقل الذي هو مناط التكليف2: هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات، لأنّ العقل لو لم يكن من قبيل العلوم لأمكن انفكاكه عنها، فيصح وجود العقل من دون علم ووجود علوم كثيرة بغير عقل، وهو محال لاستحالة وجود عاقل لا يعلم شيئاً أصلاً، ووجود عالم بجميع الأشياء ولا يكون عاقلاً. وليس هو العلم بالمحسوسات لحصوله في البهائم والمجانين، فهو إذن علم بالأُمور الكلية. وليس من العلوم النظرية; لأنّها مشروطة بالعقل، فلو كان العقل عبارة عنها كان الشيء شرطاً في نفسه، وهو محال. فإذن هو علم بأُمور كلّية ضرورية.
واعترض: بأنّ التغاير لا يقتضي الانفكاك، ولا جوازه; فإنّ الأشياء قد تتلازم وتتغاير كالجوهر والعرض، فإنّه لا يمكن خلو أحدهما عن صاحبه وهما متغايران، وكذا العلة والمعلول، والمضاف والمضاف إليه أُمور متلازمة متغايرة. فجاز أن يكون العقل أمراً مغايراً للمعلوم وإن كان ملازماً لها. على أنّا نمنع التلازم، فإنّ النائم عاقل مع أنّه لا يعلم شيئاً حينئذ، واليقظان الغافل عن جميع الأشياء عاقل مع أنّه لا يستحضر شيئاً من وجوب الواجبات واستحالة المستحيلات.
وأبو الحسن الأشعري، قال: العقل علوم خاصة.

1 . راجع نقد المحصل: 162 163.
2 . أي لا يصح التكليف من اللّه سبحانه بدونه.

صفحه 226
وزادت المعتزلة في العلوم التي يشتمل عليها العقل، العلم بحُسن الحَسَن وقبح القبيح، لأنّهم يعدونه في1 البديهيات.
وقال القاضي أبو بكر: العقل هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات ومجاري العادات2.
وقال المحاسبي3 من أهل السنّة ـ: هو غريزة يتوصل بها إلى المعرفة.
قال مشايخ المعتزلة: العقل: عبارة عن جملة من العلوم متى حصلت سمّي عقلاً، وإذا انفرد البعض عن البعض لم يسمَّ عقلاً. وهذه الجملة لا تخرج عن أن تكون علماً بالأعيان وأحوالها، أو علماً بالأفعال وأحكامها. فأوّل هذه العلوم في الرتبة وأقواها علم الإنسان بنفسه وأحوال نفسه أو كثير منها. ويتبعه في الجلاء والقوة العلم بالمدرَكات عند السلامة. ويتبعه العلم بما لا يدركه انّه ليس. ويتبعه انّه لو كان لأدركه.
ثم يجب أن تحصل له علوم القسمة كالعلم بأنّ المعلوم: إمّا موجود، أو معدوم. وأنّ الموجود: إمّا قديم، أو محدَث. وأن يعلم امتناع حصول الجسم الواحد

1 . كذا ولعلها: «من».
2 . أي المعلومات التي تستفاد من جريان العادة. راجع شرح المواقف 6: 47.
3 . في المخطوطة: «المحاسعى» وهو من تصحيف الناسخ والصحيح ما أثبتناه طبقاً لنقل الطوسي في نقد المحصل. وهو أبو عبد اللّه حارث بن أسد المُحاسبي ( ... 243هـ) من أكابر الصوفية. كان عالماً بالأُصول والمعاملات، واعظاً مبكياً، وله تصانيف في الزهد والرد على المعتزلة وغيرهم. ولد ونشأ بالبصرة ومات ببغداد. وهو أُستاذ أكثر البغداديين في عصره. وقيل: إنّ الحارث تكلم في شيء من «الكلام» فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى في داره ببغداد ومات فيها ولم يصلِّ عليه إلاّ أربعة نفر.
من كتبه: آداب النفوس، شرح المعرفة، مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه و ... .
راجع: تهذيب التهذيب 2: 134; صفة الصفوة 2: 207; ميزان الاعتدال 1: 199; حلية الأولياء 1: 73; تاريخ بغداد 8: 211.

صفحه 227
في وقت واحد في مكانين. وأن يعلم أنّه يتعذر عليه حضور جسمين دفعة في مكان واحد.
ويجب أن يعلم أنّ تعلق الفعل بفاعله على طريق الجملة. وأن يعلم مقاصد المخاطبين ما ظهر منها دون الخفي. وأن يعلم بعد التجربة أنّ الزجاج يتكسر بالحديد، والقطن يحترق بالنار. وأن يعلم قبح كثير من المقبّحات، وحسن كثير من المحسّنات، ووجوب كثير من الواجبات.
ويجب أن يعلم ويحفظ عند الدرس والممارسة الطويلة فلا يجوز وهو كامل العقل أن يقرأ آيةً ألف مرة ولا يعرفها. وأن يتذكر الأُمور العظام التي وقعت منه.
ثم اختلف الشيخان، فذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم في مسائل عبد اللّه بن العباس، أنّه يجب أن يحصل له العلم بمخبر الاخبار، ومنعه أبو هاشم أخيراً، وقال: إنّما يجب لورود السمع وثبوت تكاليف علّمها متعلقة بالأخبار. فأمّا لو تجرد العقل لم يكن لازماً لشيء يرجع إلى كمال العقل أن يعرفه، فهذه الجملة هي التي تعدّ في كمال العقل.
واعلم أنّ أبا علي قال: إنّ العلم بقبح أُصول المقبحات ووجوب أُصول الواجبات وحسن أُصول المحسنات، ليس من أجزاء علوم العقل حتى لا يصح حصوله إلاّ فيمن هو كامل العقل; فإنّها قد تثبت للصبيان والمراهقين وغيرهم من دون كمال العقل. وعلى هذا أجرى أبو عبد اللّه البصري1كلامه في كتاب الوعيد،

1 . أبو عبد اللّه البصري (... 367 هـ) الحسين بن علي بن إبراهيم الكاغذي المعروف بالجعل. أخذ عن أبي علي بن خلاد أوّلاً ثم أخذ عن أبي هاشم، لكنه بلغ بجدّه واجتهاده ما لم يبلغه غيره من أصحاب أبي هاشم، وكان يسكن بغداد، و يميل إلى علي (عليه السلام)ميلاً عظيماً وصنّف كتاب التفضيل وأحسن فيه غاية الإحسان. راجع طبقات المعتزلة: 105 106.

صفحه 228
ومنع أبو هاشم من ذلك، وإليه ذهب أبو علي ابن خلاّد1، وبه قال أبو اسحاق ابن عياش2، لأنّ من الواجب ثبوت التفرقة بين كامل العقل وغيره، ومعلوم أنّ الصبي قد تجتمع له العلوم السابقة، فلو حصل هذا الواحد أيضاً لبطلت التفرقة فيجب أن لا يعلم قبح القبيح إلاّ عند كمال عقله وعند علمه بذلك يستحق الذم إذا أقدم عليه; لأنّ المقتضي لاستحقاق الكامل العقل الذمَ عند فعله للقبيح هو علمه بقبحه، فلو ساواه الطفل في هذا العلم وجب مساواته له في استحقاق الذم.
لا يقال: يفرّقان بأن غير العاقل يعلم قبح البعض دون البعض، والعاقل يعلم قبح أصولها أجمع.
لأنّا نقول: لا فرق بين بعض منها وبين ما عداه، فلهذا لم يصح في العاقل أن يعلم قبح الظلم ويخفى عنه قبح الكذب الخالي عن المنفعة ودفع المضرة، لأنّها كلها ضرورية، فإذا لم يجز الفرق بينها في العاقل لم يجز في غيره، والملازمة ممنوعة، وعدم الفرق ممنوع.

1 . أبو علي بن خلاّد من (الطبقة العاشرة في طبقات المعتزلة): صاحب كتاب الأُصول والشرح. درس على أبي هاشم بالعسكر ثم ببغداد. وكان في الابتداء بعيد الفهم، فربما بكى لِما يجد نفسه عليه، فلم يزل مجاهداً لنفسه حتى تقدم على غيره. قال القاضي: وكان على إتمام كتاب الشرح فاتّفق له المقام في البصرة ... ولم يبلغ الشيخوخة. راجع طبقات المعتزلة: 105 .
2 . أبو اسحاق إبراهيم بن عيّاش البصري (من الطبقة العاشرة في طبقات المعتزلة): قال القاضي: وهو الذي درسنا عليه أوّلاً، وهو من الورع والزهد والعلم على حدّ عظيم، وكان رحل إليه من بغداد قوم فيجمعون مجلسه إلى مجلس أبي عبد اللّه البصري. وكان مع مواصلته لأبي هاشم كثُر أخذه عن أبي علي بن خلاّد ثم عن الشيخ أبي عبد اللّه ثم انفرد. وله كتاب في امامة الحسن والحسين (عليهما السلام) وفضلهما وكتب أُخر حسان. راجع طبقات المعتزلة: 107.

صفحه 229
واعلم أنّ الحق في هذا الباب عندي ما اختاره الأفضلان1 من أنّ العقل غريزة تلزمها العلوم الضرورية عند سلامة الآلات.

المسألة الثامنة عشرة: في تفسير ألفاظ في هذا الباب2

الأوّل: الإدراك لغة: اللقاء والوصول. وفي اصطلاح الحكماء كذلك، لأنّ المدرِك يصل إلى ماهية المدرَك لأجل انطباع صورته فيه3.
الثاني: الشعور: وهو إدراك بغير استِثْبات ولا تَصوُّر تام، وهو أوّل مراتب وصول المعنى إلى النفس; فإذا حصل وقوف النفس على تمام ذلك المعنى قيل له «تصوّر»; فإذا بقي بحيث إنّه لو أراد استرجاعه بعد ذهابه رجع، قيل له «حفظ»; ولذلك الطلب «تذكر»; ولذلك الوجدان «ذِكْر».
الثالث: المَعْرفة: قيل: إنّها إدراك الجزئيات.
الرابع: العلم: قيل: ]إنّه[ إدراك الكليات.
وقيل: إذا أدركنا شيئاً فانحفظ أثره في أنفسنا ثم أدركناه ثانياً، وأُدرك مع

1 . وهما الرازي والطوسي، قال الرازي بعد نقل المشهور من المتكلمين في تعريف العقل: «وعند هذا ظهر أنّ العقل: غريزة تلزمها هذه العلوم البديهية عند سلامة الآلات». واستحسنه الطوسي وقال: «وما ذهب إليه المصنّف هو الصواب». راجع نقد المحصل: 163. وقال المؤلف في شرح كلام الطوسي: «هذا هو الحق في تفسير العقل» راجع كشف المراد: 234.
ولعلّهم استفادوه من باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)علي بن أبي طالب (عليه السلام)حيث قال: «العقل غريزة تزيد بالعلم والتجارب» غُرر الحكم ودُرر الكلم 1: 67. وقال أيضاً: «العقل مَركب العلم» نفس المصدر 1: 29. وهذا تعريف جامع لأكثر ما قاله المتكلمون والحكماء ونرى تعاريفهم قريبة من كلامه (عليه السلام)، فتأمل جيداً.
2 . راجع المباحث المشرقية 1: 489 490.
3 . راجع شرح الاشارات 2: 308.

صفحه 230
إدراكه له أنّه هو ذلك المدرَك الأوّل، قيل للإدراك الثاني بهذا الشرط «معرفة»، كما يقال: عرفت الرجل، وهو الذي رأيته في وقت كذا. فالمعرفة: تكرار التصور، والتصور: استقرار الإدراك.
وقيل: المعرفة والعلم كما ينسبان إلى الجزئي والكلي، فقد ينسبان إلى الإدراك المسبوق بالعدم، أو إلى الأخير من إدراكين لشيء واحد يتخلل بينهما عدم، وإلى التجرد عن هذا الاعتبار، ولهذا لا يوصف اللّه تعالى بالعارف ويوصف بالعالم. وقد ينسبان إلى البسيط والمركب، ولهذا يقال عرفت اللّه، ولا يقال علمته، لأنّ المعرفة مختصة بالتصور والعلم بالتصديق فكان العلم تصور بغير تصديق فكان ركناً.
الخامس: الفهم: تصور المعنى من لفظ المخاطب، والإفهام: إيصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع.
السادس: التصديق: هو الحكم بالنسبة بين متصورين إيجاباً أو سلباً.
فكل إدراك لا يخلو إما أن يكون المدرَك حاصلاً بحيث لا يكون منسوباً1 إلى شيء آخر أنّه هو أو ذو هو، أو بأنّه ليس هو ولا ذو هو، وإما أن تتحقق فيه هذه النسبة، والأوّل تصوّر، والثاني تصديق.
ومن عاند بينهما بقوله: الإدراك إمّا تصور أو تصديق، أخطأ لعدم التعاند بين الشرط والمشروط.
فالصحيح أن يقال: التصور إما أن لا يكون معه تصديق أو يكون. والصدق: هو أن يكون حُكمك بتلك النسبة مطابقاً لما في الوجود. والتصديق: هو الاعتراف بهذه المطابقة، وقبول ذهن السامع لذلك. والكذب: مخالفة الحكم للوجود. والتكذيب: الاعتراف بهذه المخالفة.

1 . ق: «مسبوقاً».

صفحه 231

المسألة التاسعة عشرة: في أنّ المعدوم كيف يعلم؟ 1

اعلم أنّ الناس اختلفوا في أنّ المعدوم هل هو ثابت في الخارج أو لا ؟ وقد سبق. فالقائلون بثبوته يمكنهم القول بكون المعدوم معلوماً; لأنّ له متعلقاً ثابت الذات خارجاً عن الذهن فأمكنت الإضافة إليه.
ومن قال: إنّ المعدوم ليس بثابت في الخارج ورد عليه الإشكال; لأنّ المعلوم متميّز وكل متميّز ثابت، والعدم المطلق ليس بثابت، فلا يكون معلوماً. مع أنّا نعلم كثيراً من المعدومات كالشريك، واجتماع النقيضين. فالحكيم افلاطون خلص بمثل ما خلص به الأوائل من المتكلمين; لأنّه أثبت المُثُل وجعل لكل معقول أمراً كلياً في نفس الأمر ثابتاً في الخارج موجوداً عينيا. وهو مع فساده غير مفيد للغرض; لأنّا قد نعلم ما هو ممتنع كشريك الباري واجتماع النقيضين، ولا يمكن أن تكون ثابتة في الخارج.
وأُجيب2: بأنّ البسيط كعدم ضِد اللّه تعالى يعقل لأجل تشبهه بأمر موجود، فيقال: ليس للّه تعالى شيء نسبته إليه نسبة السواد إلى البياض، فلولا معرفة المضادَّة الحاصلة بين أُمور وجودية، وإلاّ3 لاستحال معرفة عدم ضد اللّه تعالى. وإن كان مركباً كعدم اجتماع الضدين، فالعلم به يتم بسبب العلم بأجزائه الوجودية مثل: أن يعقل السواد والبياض والاجتماع حيث يعقل ثبوته، ثم يقال: الاجتماع أمر وجودي معقول ليس حاصلاً للسواد والبياض. فالحاصل أنّ عدم البسائط إنّما يعرف بالمقايسة إلى الأُمور الوجودية، وعدم المركبات إنّما يعرف بمعرفة بسائطها.

1 . راجع المباحث المشرقية 1: 500; نقد المحصل: 161 162.
2 . الجواب من الرازي في المباحث المشرقية 1: 500، وانظر بقية الأجوبة والاعتراضات في نقد المحصل: 161 162.
3 . ليست في المباحث المشرقية.

صفحه 232
وأُجيب أيضاً: بأنّ المعدوم لو لم يكن معلوماً لكان تخصصه باللامعلومية يستدعي تصوّره، لأنّ ما لا يتصوّر لا يصح الحكم عليه.
وأُجيب أيضاً: بأنّ المعدوم المتصور ثابت في الذهن، ولا استبعاد في أن يكون المعدوم في الخارج ثابتاً في الذهن.
اعترض بأنّ الثابت في الذهن أخص من مطلق الثابت، فيكون المعدوم هنا ثابتاً، وكلامنا في مقابل مطلق الثابت، وهو العلم بغير الثابت مطلقاً، وليس كلامنا في ثابت خاص. ولأنّ الثبوت الذهني مشكل; لأنا إذا علمنا أنّ شريك اللّه تعالى معدوم، فحضور الشريك في الذهن محال، لأنّ الشريك هو الذي يجب وجوده لذاته، والحاضر في الذهن ليس كذلك.
لا يقال : الحاضر في الذهن تصور الشريك لا نفس الشريك.
لأنّا نقول: فيعود الاشكال لأنّ البحث إنّما وقع عن متعلق هذا التصور، فإنّه إن كان نفياً محضاً فكيف حصل التميّز؟ وإن كان ثابتاً فثبوته إما في الذهن أو في الخارج، وفيه ما مرّ.
قال أفضل المحققين: المعدوم في الخارج ثابت في الذهن من حيث هو موصوف بالمعلومية، وهو محكوم عليه من الحيثيّة المعلومة بالثبوت الذهني وليس بين الحكمين تناقض; لأنّ موضعهما ليس شيئاً واحداً، وهكذا غير الثابت المطلق الشامل للخارجي والذهني محكوم عليه بالثبوت من هذه الحيثيّة، ومسلوب عنه الثبوت مع عدم اعتبار هذه الحيثيّة.
وقوله: «شريك الباري تعالى هو الذي يجب وجوده لذاته، والحاضر في الذهن ليس كذلك»، فالجواب أنّ مفهوم الشريك هاهنا يشتمل على مماثلة بين متغايرين، وذلك يوجب الاشتراك من حيث المماثلة وامتناع الوجود من حيث مغايرته لذات اللّه تعالى. والموصوف بالامتناع محكوم عليه بسلب الوجود الخارجي من حيث ثبوت هذا الوصف العنواني له في الذهن، وغير محكوم عليه من غير

صفحه 233
اعتبار هذا الوصف، بل هو محكوم عليه بالوجوب من حيث المماثلة، ومتعلق كل وصف منهما معلوم من جهة كونه متعلقاً وغير معلوم من غير تلك الجهة.

المسألة العشرون: في تحقيق قولهم: نفس الأمر1

سألـت شيخنـا أفضـل المحققـين نصـير الملة والحق والدين (قدس سره)

1 . اختلفت كلمات الفلاسفة في المعنى الاصطلاحي لكلمة «نفس الأمر»; فقال بعضهم: إنّ المراد منها نفس الشيء في حدّ ذاته على أن يكون المراد بالأمر هو الشيء نفسه، واستعمل اسم الظاهر (الأمر) مكان الضمير، فبدلاً من القول: «هذا كذا في نفسه» يقال: «هذا كذا في نفس الأمر»، فيقصد مثلاً من قولهم: «العدم باطل في نفس الأمر» انّه باطل في نفسه، قال به اللاهيجي في المسألة الثلاثين من الفصل الأوّل من شوارق الالهام، وميرداماد في القبسات: 386.
وقال بعضهم: إنّ المراد منها عالم الأمر وهو عبارة عن عقل كلي فيه جميع المعقولات ويقصد من مطابقة قضية مع نفس الأمر: مطابقتها مع الصور المعقولة عنده. ويعبر عنه أيضاً بـ «العقل الفعال» ذهب إليه المحقق الطوسي، كما يأتي، ولكن عبّـر عنه بـ «العقل الأوّل»، وهما بحسب التعبير مختلفان بل هما مذهبان، إلاّ أنّه يمكن التوفيق بينهما بلحاظ المراتب والطولية للعقول بأن يكون «نفس الأمر» في أعلى مراتبه هو العقل الأوّل وفي أدناها هو العقل الفعال.
وهي عند العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان: ما يعتبره العقلُ ظرفاً لمطلق الثبوت الشامل لمراتبه الثلاث وهي: ثبوت الوجود وثبوت الماهية وثبوت المفاهيم الاعتبارية.
والظاهر أنّ العلاّمة الحلّـي أوّل من بحث عن حقيقة هذه الكلمة وطرحها في كتبه الكلامية حيث قال في شأن البحث عنها: «وهو بحث شريف لا يوجد في الكتب». كشف المراد: 70.
وقال في المصدر نفسه: «وقد كان في بعض أوقات استفادتي منه ]المحقق الطوسي[ (رحمه الله)جرت هذه النكتة وسألته عن معنى قولهم: إنّ الصادق في الأحكام الذهنية هو باعتبار مطابقته لما في نفس الأمر ... فقال (رحمه الله)المراد بنفس الأمر هو العقل الفعال ...».
وجدير بالذكر أنّه قد يستعمل «نفس الأمر» مرادفاً للواقع ومقابلاً لوعاء الاعتبار، كما أنّه قد يعمّم إلى الواقع الخارجي والذهني والاعتباري.
راجع: الأسفار 1: 60 ، 65، 150، 344، 350، 365 372 و 7: 276 281; كشف المراد: 70 ويقول العلاّمة حسن زاده الآملي في تعليقته على هذا الكتاب: «قد صنفنا رسالة في نفس الأمر، وقد فرض علينا تأليفها سؤالُ العلاّمة وجواب المحقق الطوسي إياه»; شوارق الالهام: المسألة الثلاثون من الفصل الأوّل; القبسات:39، 47، 385 387; نهاية الحكمة: 15.

صفحه 234
عن معنى قولهم: هذا الحكم صادق لأنّه مطابق لما في نفس الأمر. ويذكرون ذلك في الأحكام التي لها في الخارج ما يطابقها كقولنا: الكل أعظم من الجزء، وما لا يكون كقولهم: اجتماع النقيضين محال، وشريك الباري ممتنع، والخلاء محال، مع انّه لا وجود لهذه الأشياء في الخارج، مع جزمهم تارة بأنّ الأحكام الصادقة ما يطابق الخارجي وتارة ما يطابق ما في نفس الأمر. ولما انتفى وجود هذه الأشياء في الخارج لم يبق للأوّل اعتبار فيها، بل للثاني. فما المراد بنفس الأمر 1 حينئذ حيث انتفى عنها الوجود الخارجي حتى يكون الصدق باعتبار التطابق بينه وبين الذهني؟ ويجزمون أيضاً بأنّ ما يعتقده الجهال بخلاف ذلك، أنّه ليس بصادق; لأنّه ليس مطابقاً لما في الخارج ولا لما في نفس الأمر، كما لو اعتقد معتقدٌ إمكان الشريك واجتماع النقيضين ووجود الخلاء.
فأجـاب قدس اللّه روحه ـ: بأنّ المراد بنفس الأمر هو: العقل الأوّل، لأنّ المطابقة لا تتصور إلاّ بين متغايرين ولو بالشخص، ولابد من اتحادهما فيما به التطابق. ولا شك في أنّ الأحكام الصادقة والأحكام الكاذبة معاً تتشاركان في الثبوت الذهني، لكن يجب أن يكون للصنف الأوّل وجود خارج عن أذهاننا بحيث تعتبر المطابقة بين ما في أذهاننا وبينه وهو المراد بنفس الأمر. وذلك الثابت ليس قائماً بنفسه، وإلاّ لزم القول بالمُثل الافلاطونية فيكون قائماً بغيره مجرد عن المادة وعلائقها، وإلاّ لكانت الصور المنطبعة فيه محسوسات لا كليات. وتثبت فيه تلك الأشياء بالفعل لامتناع المطابقة بالفعل بين ما هو بالفعل وبين ما هو بالقوة. وأيضاً لا يمكن أن يزول، أو يتغير، أو يخرج إلى الفعل بعد ما كان بالقوة، ولا في وقت من الأوقات، لأنّ الأحكام المذكورة ثابتة دائماً غير متغيرة في وقت من الأوقات، فإنّه لا وقت من الأوقات يرتفع فيه الحكم بامتناع اجتماع النقيضين،

1 . ق:«لا يجب».

صفحه 235
فوجب أن يكون محلها كذلك لامتناع ثبوت الحالّ بدون محله.
ولا يجوز أن تكون هذه الصور مرتسمة في واجب الوجود تعالى لامتناع تكثره، بل هو جوهر مجرد تتمثل فيه جميع المعقولات.
والاعتراض1: لا يلزم من اشتراك العلم والجهل المركب في الوجود الذهني واختلافهما في المطابقة واللامطابقة أن يكون للصورة العلمية متعلق ثابت في الخارج عن أذهاننا، بل تكفي مطابقتها لمتعلَقها سواء كان متعلَقها ثابتاً في الذهن أيضاً، كحكمنا2 بأنّ العلم والجهل المركب لهما وجود في الذهن، أو ثابتاً في الخارج، كحكمنا بأنّ النار حارة، أو ليس ثابتاً في واحد منهما، كحكمنا بأنّ شريك الباري ممتنع الوجود في نفس الأمر.
لا يقال: امتناع شريك الإله معلوم فهو موجود في الذهن، فكيف حَكَمتم بأنّه ليس في الذهن، ولا في الخارج؟
لأنا نقول: حُكمنا شريك الإله ممتنع الوجود في نفس الأمر، متعلَّقهُ ليس شيئاً في الذهن فإنّا لم نحكم في الحكم على شيء ذهني أنّه في الذهن حالة كذا مثل ما حكمنا في حكمنا بأنّ العلم والجهل المركب لهما وجود في الذهن على شيء ذهني هو العلم والجهل بأنّ الوجود الذهني ثابت له، وإنّما حكمنا بقولنا شريك الإله ممتنع الوجود على الشيء في نفس الأمر. ولما لم يكن متعلقه شيئاً ذهنياً صح أنّ متعلقه ليس موجوداً في الذهن، بل الموجود في الذهن نفس هذا الحكم لا متعلقه، ولا شك في وجود جميع الأحكام في الذهن3، إنّما الكلام في متعلقاتها.
فالعلم يجب أن يكون مطابقاً لمتعلقه، أي حال الشيء في نفسه، فإن4 كان

1 . من المصنّف على جواب الطوسي.
2 . ق: «هنا».
3 . ق: «في الذهن» ساقطة.
4 . ق: «وإن».

صفحه 236
الحكم الذهني، بثبوت شيء خارج الذهن على شيء كان شرط كونه علماً أن يكون للشيء ثبوت خارج الذهن في نفسه وله مع ذلك ثبوت خارج الذهن للموصوف به. وإن كان الحكم الذهني بسلب شيء عن شيء خارج الذهن، لم يشترط في كونه علماً أن يكون للمسلوب عنه وجود خارج الذهن ولا للحكم ثبوت خارج الذهن، كما نقول: طلوع الشمس غداً ليس من المغرب، فهذا الحكم علم وليس لمتعلقه ثبوت خارج الذهن، وهو مطابق لمتعلقه، فإنّ طلوع الشمس المعدوم ليس من المغرب ثابت له في نفس الأمر. فلا يتم قوله: إنّه يجب أن يكون للصورة الذهنية التي هي علم ثبوت خارج عن أذهاننا.
ثم الأحكام الصادقة كما تقع في الكليات تقع في الجزئيات، كقولنا: زيد حيوان، فيجب ارتسامه في شيء حتى تتحقق المطابقة، ولا يجوز أن يكون هنا ما أشرتم إليه لامتناع ارتسام الجزئيات فيه عندكم.
ولأنّ تلك الصور المرتسمة في ذلك المجرد صادقة لأنّها طابقت الأحكام الذهنية الصادقة، ولا معنى للصادق إلاّ ما يطابق ما في نفس الأمر، فتلك الصور أيضاً مطابقة لما في نفس الأمر، فلا يكون هو نفس الأمر لامتناع مطابقة الشيء لنفسه 1.
ولأنّ المراد بنفس الأمر إذا كان هو الصورة الحالّة في الذات المجردة، كانت ذات ذلك المجرد متقدمة على تلك الصورة التي هي نفس الأمر، وذات ذلك المجرد عالمة بذاتها2، وإنّما يتحقق العلم بكونه مطابقاً بالفعل

1 . واكتفى العلاّمة الطباطبائي بهذا الاشكال على رأي الطوسي، فراجع.
2 . ج: «بذاته».

صفحه 237
لما في نفس الأمر لامتياز ماهية الحكم العملي 1 عن الجهل بهذا القيد، وكون العلم مطابقاً بالفعل لما في نفس الأمر لا يتحقق إلاّ بتحقق ما في نفس الأمر الذي طابقه علم ذلك المجرد بذاته متقدماً على كل ما يسمى نفس الأمر; لأنّ علم العقل بذاته عين ذاته، فيلزم تقدم الشيء على نفسه.
والوجه عندي 2 أن يقال: المعلوم إمّا تصور، وإمّا تصديق، ولما كان للذهن أن يتصور جميع الأشياء حتى ما يرتسم فيه من الصور إن أثبتناها، أو من الإضافات كان متعلق التصور قد يكون خارجياً، وقد يكون ذهنياً. فالأوّل يمكن فيه المطابقة لتعدد الملحوظ في الذهن والموجود في الخارج. والثاني قد تثبت فيه المطابقة أيضاً لكن ما لحظه الذهن بالنسبة إلى الملحوظ الذهني يكون قد أخذ مقيساً إلى أمر ذهني اعتبره العقل ولم يجعله آلة، بل منظوراً فيه.
وأمّا التصديق فإنّه حكم عقلي لا غير فالصادق منه 3 ما وافق الحكم العقلي الذي لا تشوبه معارضة الوهم والخيال، إما ابتداءً، أو بواسطة; فانّه ليس في الخارج، الحكم بأنّ الإنسان جسم أو حجر حتى يكون الحكم الذهني مطابقاً لأحدهما فيكون علماً، وغير مطابق للآخر فيكون جهلاً، بل كلاهما حكم عقلي أحدهما استند إلى صريح العقل إما ابتداءً، أو بوسائط فكان حقاً، والثاني استند إلى العقل مشوباً بما أوجب له الغلط، ولم يحكم بما يوافق العقل الصريح، فكان جهلاً.
وبالجملة لا يجب أن يكون المعلوم ثابتاً إمّا في الذهن أو في الخارج، بل أن يكون على ما عليه الأمر نفسه.
وقد بقي في العلم مسائل أُخر نذكرها فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

1 . كذا.
2 . أي عند المصنّف. ويقول في كشف المراد بعد ذكر جواب الطوسي: «فلم يأت فيه بمقنع».
3 . ج: «فيه».

صفحه 238

الباب الثاني

في القوى والأخلاق

وفيه مباحث:

البحث الأوّل

في مفهوم القوة 1

قال صاحب الشفاء فيه2: القوة في أصل الاصطلاح وضعت للمعنى الموجود في الحيوان الذي يتمكن بواسطته من مزاولة الأفعال الشاقة3 بحيث تصدر عنه أفعال ليست أكثرية الوجود، ويقابله الضعف. وكأنّها زيادة وشدة من المعنى الذي هو القدرة.

1 . راجع الفصل الثاني من المقالة الرابعة، والفصل الرابع من المقالة السادسة، والفصل الأوّل من المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء; الهيات النجاة: 214; تعليقة صدر المتألهين: 161; المباحث المشرقية 1: 502 وما يليها; الكليات 4: 12 و 30.
2 . في الفصل الثاني من المقالة الرابعة من الالهيات. مع تصرف وحذف في كثير من العبارات.
3 . كذا عرّفها الجرجاني. التعريفات: 231.

صفحه 239
ثم إنّ للقوة بهذا المعنى مبدأً ولازماً، فالمبدأ: القدرة، وهو كون الحيوانبحيث إذا شاء أن يفعل فعل، وإذا شاء أن يترك ترك، وضد ذلك العجز.
واللازم: هو أن لا ينفعل الشيء بسهولة، ولا يضعف، لأنّ الذي يزاول التحريكات الشاقة ربّما ينفعل عنها وذلك الانفعال يصده عن تمامية الفعل، فلا جرم صار اللاانفعال دليلاً على الشدة.
فينقل اسم القوة1 إليهما أعني القدرة واللاانفعال2.
ثم للقدرة وصف هو كالجنس لها ولازم.
أمّا الذي هو كالجنس فكونها صفة مؤثرة في الغير.
وأمّا اللازم فهو الإمكان; لأنّ القادر إنّما يصح فعله فيما هو ممكن، لأنّه لمّا صح منه أن يفعل وصح أن لا يفعل كان صدور الفعل منه ممكناً، فكان الإمكان لازماً له.
فَنُقِل3 اسم القوة اليهما فصارت اسماً للجنس وهو كل صفة مؤثرة في الغير، ولذلك اللازم وهو الإمكان4، فيقولون للثوب الأبيض: إنّه أسود بالقوة، بمعنى أنّه يمكن أن يصير أسود. ثم سمّوا الحصول والوجود فعلاً وإن لم يكن في الحقيقة فعلاً، بل انفعالاً فإنّه لما كان المعنى الذي وضع اسم القوة له أوّلاً كـان

1 . ق: «القدرة».
2 . وهما المبدأ واللازم.
3 . ق: «فيغلب».
4 . في هامش نسخة ج: «كما يقال للصبي: إنّه شاب بالقوة وعند حصول الشباب له يقال له شاب بالفعل م». ولعل حرف م رمز لـ «منه» أي المصنّف.

صفحه 240
متعلـقـاً بالفعــل 1. فهنـا لما سمـّوا الإمكـان بالقـوة سمّـوا الاسم2 الذي يتعلّق به الإمكان، وهو الحصول والوجود بالفعل.
ثم لمّا وجد المهندسون بعض الخطوط من شأنه أن يكون ضلعاً لمربع، وبعضها لا يمكن له ذلك جعلوا ذلك المربع قوة ذلك الخط فإنّه ممكن فيه. و3 خصوصاً وقد اعتقد بعضهم أنّ المربع يحدث بحركة الضلع على نفسه.
وحيث عرفت القوة عرفت أنّ غير القَويّ إما الضعيف، أو العاجز، أو سهل الانفعال، أو الضروري، أو غير المؤثر، أو أن لا يكون المقدار الخَطِّي ضِلعاً لمقدار سطح مفروض.
وقد حُدَّت القوة 4 بأنّها مبدأ التغيُّـر من شيء في آخر من حيث إنّه آخر. وإنّما أوجبنا الآخرية لامتناع أن يكون الشيء الواحد فاعلاً في نفسه صفةً، وإلاّ

1 . في هامش نسخة ج: «ونقرّر هذا بوجه آخر ونقول: إنّ المفهوم من لفظ القوة في العرف العام وهو المعنى المذكور لما كان كمال القدرة فسميت القدرة قوة ويقابلها العجز. ثم ذلك المعنى يلزمه لوازم منها: انّ ذلك القَوي يكون قليل الانفعال، إذ المنفعل في الأكثر يسمّى ضعيفاً فسمّى كون الشيء لا ينفعل قوة ويقابلها الوهن. ومنها: انّ ذلك القَوي لا يشترط في اطلاق لفظ القوة عليه أن يكون مباشراً لتلك الأفعال دائماً، أو في حال اطلاق ذلك اللفظ عليه، بل أن تكون تلك الأفعال ممكنة له يفعلها متى شاء فسمّى نفس الإمكان بالقوة، إمّا قوة فاعلية إن كان ذلك الإمكان إمكان أن يفعل، وامّا قوّة انفعالية إن كان ذلك الإمكان امكان أن ينفعل. ويقابل القوة بهذا المعنى الفعل وهو حصول وجود ذلك الممكن سواء كان فعلاً أو انفعالاً، وذلك لأنّ حصول هذا الوجود هو كمال هذه القوة، كما أنّ تلك الأفعال الشاقة هي كمال تلك القوة فلذلك يقال غذاء بالقوة هي بالإمكان ويقال غذاء بالفعل أي غذاء وجد له كونه غذاء م ».
2 . كذا في المخطوطة، ولعل الصحيح: الأمر.
3 . ج: «و» ساقطة.
4 . ق: «حدّت القوم» وانظر التعريف في النجاة: 214، وقال بهمينار: «يقال: قوة، لمبدأ التغيّـر من آخر في آخر من حيث إنّه آخر، كالطبيب إذا داوى بدنه» التحصيل: 471.

صفحه 241
لكان قابلاً وفاعلاً معاً، وهو ممتنع عند مشاهير القوم، وهو ممنوع عندنا وسيأتي1.
لكنّا نقول: يمتنع أن يكون الشيء مبدأً لتغير نفسه، وإلاّ لدامت الصفة بدوام ذاته، فلا يكون متغيراً في تلك الصفة، فعلمنا أنّ مبدأ تغيّـره لابدّ وأن يكون غيره2.
وفيه نظر، فإنّهم يسمون المبادئ الحالّة في الأجسام وإن دامت بدوامها قوى كالقوة المعدنية وغيرها. وإنّما نعني بالتغير ما هو بحسب الذات فإنّ الذات من حيث هي هي لا يجب لها ذلك الوصف، وإنّما يجب باعتبار قوة فيه أو في غيره فكأنّه تغير بحسب الذات.

1 . ج: «وسيأتي» مشطوبة.
2 . المباحث المشرقية 1: 504.

صفحه 242

البحث الثاني

في أقسامها 1

إعلم أنّ المؤثر كما يكون واحد الأثر كذا يكون كثير الأثر. وكما يفعل مع الشعور قد يفعل مع عدمه. فلهذا قسّم الأوائل القوة بهذه الاعتبارات إلى أربع قوى; لأنّها إمّا أن يصدر عنها فعل واحد أو أفعال مختلفة، وعلى كلا التقديرين: إمّا أن يكون لها بذلك الفعل شعور أو لا، فالأقسام أربعة:
الأوّل: القوة التي يصدر عنها فعل واحد أي على وتيرة واحدة وعلى نهج واحد غير مختلف، لأنّه2 واحد بالشخص من غير أن يكون لها شعور به، وتسمى طبيعة، وهي على قسمين: فإنّها إمّا أن تكون صورة مقوِّمة، وإمّا أن لا تكون بل تكون عرضاً. فإن كانت صورة مقوِّمة، فإمّا أن تكون في الأجسام البسيطة فتسمى طبيعة كالنارية والمائية، وإما أن تكون في الأجسام المركبة فتسمى صورة نوعية لذلك المركب كالطبيعة المبردة في الأفيون، والطبيعة المسخنة في الفَرْبَيون3 .وأمّا إن كانت عرضاً فهو كالحرارة والبرودة.

1 . راجع نفس المصدر من الشفاء; المباحث المشرقية 1: 504 505; كشف المراد: 247.
2 . ق: «لا أنّه».
3 . ق: «الأفربيون» وفي هامش ج: «هو داء يلطّف م».

صفحه 243
الثاني: القوة التي تصدر عنها أفعال مختلفة من غير أن يكون لها شعور بها، ولا يكون فعلها على نهج واحد، وهي القوة النباتية.
الثالث: القوة التي يصدر عنها فعل واحد على نهج واحد مع الشعور، وهي النفس الفلكية.
الرابع: القوة التي تصدر عنها أفعال مختلفة مع الشعور بتلك الأفعال، وهي القوة الحيوانية المسماة بالقدرة.
ويقال للقوى الثلاث المغايرة للأولى نفوساً. وليست القوة مقولة على هذه الأربعة قولَ الجنس، لأنّ بعض أقسامها صورةٌ جوهرية، وبعضها أعراض، ولا اشتراك في الجنس بين الجوهر والعرض. والقسم الأوّل يذكر في باب المادة والصورة، والثاني والثالث في علم النفس.
فلنتكلم الآن في الرابع، لأنّه أحد أنواع الحال والملكة.
واعلم أنّه لا استبعاد عندي في أن يودع اللّه تعالى بحسب ما تقتضيه عنايته في بعض الأجسام قوى تصدر عنها آثار متفقة أو مختلفة، كالقوة الحيوانية التي أوجدها اللّه تعالى في الحيوان واستندت أفعاله إليه.

صفحه 244

البحث الثالث

في أحكام القدرة

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: في أنّ القدرة غير المزاج1

المزاج كيفية متوسطة بين كيفيات متضادة متفاعلة بعضها في بعض كالحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، تستسخن2 إذا قيست إلى البارد وتستبرد بالقياس إلى الحار، وكذا بين الرطوبة واليبوسة. فيكون في الحقيقة من جنس هذه الكيفيات الأربع، إلاّ أنّه منكسر ضعيف3 بالنسبة إليها. وإذا كان كذلك كان

1 . راجع الفصل السابع من المقالة الواحدة من الفن الثالث، والفصل الأوّل من المقالة الثانية من الفن الرابع من طبيعيات الشفاء; شرح الاشارات 2: 275 وما يليها; المباحث المشرقية 1: 505. أثبت فيه الرازي المغايرة بين القدرة والمزاج ولكنه قال في أُصول الدين: «اعلم أنّا نعلم بالضرورة تفرقة بين الانسان السليم عن الأمراض الموصوف بالصحة وبين المريض العاجز، والمختار عندنا أنّ تلك التفرقة عائدة إلى سلامة البنية واعتدال المزاج. وأمّا أبو الحسن الأشعري فإنّه أثبت صفة سماها بالقدرة مغايرة لاعتدال المزاج ...» أُصول الدين: 88.
راجع أيضاً مناهج اليقين: 75 76.
2 . ج: «تستخنّ».
3 . في المخطوطة: «أنّها منكسرة ضعيفة».

صفحه 245
حكم المزاج من جنس هذه الكيفيات، إلاّ أنّه يكون أضعف من أحكامها إذا كانت صِرْفة قوية.
ولما لم يكن تأثير القدرة من جنس تأثير هذه الكيفيات عرفنا أنّها مغايرة للمزاج، بل هي كيفية تابعة للمزاج.
وقيل1: إن كان المرجع بالقدرة في حقّنا إلى سلامة الأعضاء، فهو معقول2، وهذا قول معتزلة بغداد3 . وإن كان إلى أمر وراء السلامة المذكورة، ففيه النزاع.
لكن الأشاعرة والمعتزلة المثبتون4 أثبتوا صفة زائدة على سلامة الأعضاء.
واحتجوا عليه بأنّ حركة المختار متميزة عن حركة المرتعش، ولا مائز إلاّ هذه الصفة5.
ولأنّ القدرة محتاجة إلى الحياة والحياة محتاجة إلى الصحة، فلا يمكن جعلها نفس الصحّة.
اعترض عليهم6: بأنّه متى يثبت هذا الامتياز7، قبل الاتّصاف بالفعل،

1 . القائل هو الرازي. راجع تلخيص المحصل: 163.
2 . ق: «فهي معقولة».
3 . أمثال: «بشر بن المعتمر» و «ثمامة بن أشرس» و «غيلان» كما في مقالات الإسلاميين: 229.
وبه قال الشيخ المفيد حيث قال: «و الاستطاعة في الحقيقة هي الصحّة والسلامة، فكل صحيح فهو مستطيع...». تصحيح الاعتقاد: 63.
وقال الخياط أيضاً: «إنّ القدرة هي صحّة الجوارح وسلامتها من الآفات». الانتصار: 80. راجع أيضاً شرح الأُصول الخمسة: 392.
4 . منهم: «أبو الهذيل» و «معمّر» و «المردار» كما في مقالات الإسلاميين: 229.
5 . عبّـر التفتازاني عن هذه الحجة بالوجدان. شرح المقاصد 2: 350.
6 . راجع المصدر السابق من الرازي.
7 . كذا في تلخيص المحصل، وفي المخطوطة: «الاختيار».

صفحه 246
أو حال الاتّصاف؟ والأوّل باطل عند الأشاعرة; لأنّ القدرة لا تتقدم الفعل عندهم. والثاني محال; لأنّ المرتعش كما لا يتمكن من الحركة حال حصولها لأنّها تكون واجبة حينئذ، كذلك المختار لا يتمكن منها حال وجودها لاستحالة أن يكون الشيء الواحد موجوداً معدوماً معاً في وقت واحد.
ويقال لهم أيضاً: متى يثبت هذا الاختيار1، حال ما خلق اللّه تعالى الحركة أو قبلها؟ والأوّل باطل; لأنّ حصول الفعل حال ما خلق اللّه تعالى واجب لا يتمكن القادر من عدمه. والثاني باطل، لأنّ حصولها قبل أن خلقها2 اللّه تعالى محال، فلا يكون مقدوراً.
فعلى كلا التقديرين ينتفي الاختيار.
ويقال للمعتزلة: متى يثبت هذا الاختيار؟ عند استواء الداعيين، أو عند رجحان أحدهما على الآخر؟ والأوّل محال; لأنّ الاستواء يمنع الفعل، فعنده لا يكون الفعل ممكناً، وعند الامتناع لا اختيار.
والثاني محال; لأنّ مع حصول الترجيح يجب الراجح ويمتنع المرجوح، فلا يثبت الاختيار.
أجاب أفضل المحققين: بأنّ المختار لا يتمكن من الحركة مع فرض وجود الحركة، أمّا مع قطع النظر عنه فَلِمَ لا يجوز؟ والاختيار حال ما خلق اللّه تعالى الحركة محال لغرض وجود الحركة، أمّا مع قطع النظر عن ذلك فانّه ممكن لوجود القدرة المقتضية له.
والاختيار عند المعتزلة هو صحة صدور الفعل أو تركه من القادر تبعاً لداعيه، أو عدم داعيه، وهو متساوي النسبة إلى الطرفين عند عدم اعتبار الداعي،

1 . ق: «الامتياز» والصحيح ما أثبتناه من ج.
2 . ق: «خلق».

صفحه 247
وغير متساو عند اعتبار أحدهما.
ومتقدّموهم جوزوا صدور أحد الطرفين من المختار من غير ترجح أحدهما على الآخر، وأوردوا أمثلة الجائع والعطشان والهارب، إذا حضرهم رغيفان متساويان، أو قدحان متساويان، أو طريقان متساويان، فإنّهم يختارون أحدهما من غير مرجح1.
والذين لا يجوزون ذلك يقولون: الرجحان شيء، والعلم بالرجحان شيء، ولعله يختار أحدهما لوجود الرجحان وإن لم يفطن بالرجحان.
ومتأخروهم قالوا: بوجوب الرجحان، وقال بعضهم: بأنّ الطرف الراجح يكون أولى ولا ينتهي إلى حدّ الوجوب، وهو اختيار محمود المَلاحِمي2. وأنكر بعضهم كون الأولوية كافيةً لما مرّ في خواص الممكن.
أبو الحسين وأصحابه3 قالوا: عند الداعي يجب الفعل وعند عدمه يمتنع، وذلك لا ينافي الاختيار، فإنّ معنى الاختيار هو: أن يكون الفعل والترك بالقياس إلى القدرة متساويين، وبالقياس إلى الداعي وعدمه، إما واجباً، أو ممتنعاً. ومن عدم التمييز بين الأمرين في هذه المسألة يحدث الاختلاف الجاري بين القائلين بالإيجاب والاختيار4.

1 . راجع كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 161 164.
2 . وهو محمـود بن الملاحمي أحد تلاميذ أبي الحسين البصري، له كتاب المعتمـد الأكـبر، (طبقات المعتزلة: 119).
وانظر إبطال القول بالأولوية في أُصول الدين للرازي: 86; كشف الفوائد: 237 و 239; الأسفار 1: 199 215 و 221 230.
3 . ج: «الحسين وأصحابه»، ق: «أصحاب الحسين»، والصحيح ما أثبتناه وفقاً لتلخيص المحصل: 164.
4 . نفس المصدر: 164 165.

صفحه 248
وفيه نظر، فانّه مسلم أنّ الحركة وغيرها حال فرض وجوده يكون واجباً مع فرض وجوده، ومع فرض عدمه يكون ممتنعاً، لكن مع قطع النظر لا يجوز هنا صدوره عن العبد، لأنّه لا مؤثر عندهم غير اللّه تعالى. والوجوب والامتناع اللاحقين بالفعل حالة وجوده وعدمه إنّما ينسبان بالنسبة إلى اللّه تعالى لا إلى العبد عندهم. واختيار العبد عندهم غير مؤثر ولا مرجح، فلا يقع بواسطته امتياز البتة.
وقيل: القدرة هي الحركة، حيث وجدوا الحركات هي التي يظهر بها في الغالب كون أحدنا فاعلاً.
وهو خطأ، أخذوا فيه لازم الشيء مكانه. مع أنّ الجمادات تتحرك وليست قادرة، فليست الحركة هي القدرة.

المسألة الثانية: في أنّ القدرة1 متقدمة على الفعل

اختلف المعتزلة والأشاعرة في ذلك، فالذي عليه المعتزلة والإمامية والفلاسفة أنّ القدرة يجب أن تكون متقدمة على الفعل2، وهو الحق.

1 . قد تستعمل القدرة والقوة والاستطاعة والطاقة في هذه المباحث بمعنى واحد. قال القاضي عبد الجبار: «وأعلم أنّ الأسماء تختلف عليها، فتسمى قوة واستطاعة وطاقة ... وعلامة اتفاق هذه الألفاظ في المعنى، أنّك لو أثبتّ ببعضها ونفيت بالبعض لتناقض الكلام». شرح الأُصول الخمسة: 393.
2 . واختلفوا أيضاً في أنّه هل يجب بقاؤها إلى حالة وجود المقدور؟ كما في شرح المقاصد 2: 354.
وانظر رأي المعتزلة في: الانتصار: 79 81; شرح الأُصول الخمسة: 395. ورأي الإمامية في: تصحيح الاعتقاد: 63 64; كشف الفوائد: 237; كشف المراد: 248; مناهج اليقين: 79. ورأي الفلاسفة في: الفصل الثاني من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء: 383. ورأي الأشاعرة في: مقالات الإسلاميين: 230 233; المباحث المشرقية 1: 505 506; أُصول الدين للرازي: 89; تلخيص المحصل: 165.
وانظر أيضاً الآراء والأدلّة في الفصل في الملل والأهواء والنحل 3: 38 62.

صفحه 249
وأوجبت الأشاعرة اقتران القدرة بالفعل، ومنعوا من تقدمها عليه. واستبعده الشيخ في إلهيات الشفاء كل الاستبعاد، وقال:
«لعل القائل بهذا القول كأنّه يقول: القاعد لا يقوى على القيام، أي لا يمكن في جِبِلّته أن يقوم ما لم يقم، وكيف يقوم، بل هذا القائل لا محالة غير قوي على أن يرى وعلى أن يبصر في اليوم الواحد مراراً كثيرة، فيكون بالحقيقة أعمى»1.
قال أفضل المتأخرين: «ليس هذا الاستبعاد عندي في موضعه; لأنّا فسرنا القوة بأنّها مبدأ التغير، فهذا المبدأ إن كانت جهات مبدئيته كاملة وجب أن يوجد معه الأثر واستحال تقدمه على الأثر، وحينئذ يصح قولنا: إنّ القوة مقارنة للفعل. وإن لم توجد كاملة، بل فُقد أمر من الأُمور المعتبرة في المبدئية والإيجاد لم يكن ذلك الموجِد تمام المؤثر، بل بعضه، فلم يكن الموجود هو القوة على الفعل، بل بعض تلك القوة.
نعم لا شك أنّ الكيفية المسماة بالقدرة حاصلة قبل الفعل وبعده، ولكنها بالحقيقة ليست هي تمام القوة على الفعل، بل أحد أجزاء القوة.
(وبالجملة فالقدرة إن أُريد بها القوة الجامعة لجميع جهات المؤثرية فهي غير متقدمة، وإن أُريد بها القوة العقلية2 التي تؤثر عند انضمام الإرادة الجازمة إليها فهي متقدمة.) وإذا أمكن تأويل كلام القوم على الوجه الذي فصلناه، فأي

1 . الفصل الثاني من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء: 383.
وقد أورد المصنّف المثال الأوّل في ابطال قول الأشاعرة وقال: «الضرورة قاضية ببطلان هذا، فانّ القاعد يمكنه القيام قطعاً» كشف المراد: 248.
2 . ق: «الفعلية». ولعل الصحيح: «العضليّة».

صفحه 250
حاجة بنا إلى التشنيع وتقبيح صورة كلامهم؟»1
وفيه نظر; لأنّ أصحابه صرحوا بامتناع تقدم القدرة على الفعل، واحتجوا عليه بأنّ القدرة عرض فلا يمكن بقاؤها، وهذا التصريح لا يقبل التأويل الذي ذكره.
ويدل على ما ذهبنا إليه وجوه:
الأوّل: الكافر مكلف بالإيمان إجماعاً، والإيمان غير موجود فيه حال كفره، فإمّا أن تكون القدرة ثابتة حينئذ أو لا ، فإن كان الأوّل بطل قولهم بامتناع التقدم، وإن كان الثاني لزم تكليف ما لا يطاق2، لأنّ التكليف ثابت حال الكفر والقدرة غير ثابتة.
اعترضه أفضل المتأخرين: «بأنّه وارد عليكم أيضاً; لأنّه حال حصول القدرة لا يمكنه الفعل، وحال حصول الفعل لا قدرة له عليه.
لا يقال: إنّه في الحال مأمور بأن يأتي بالفعل في ثاني الحال لا في الحال.
لأنّا نقول: هذه مغالطة; لأنّ كونه فاعلاً للفعل إمّا أن يكون هو نفس صدور الفعل عنه، وإما أن يكون أمراً زائداً عليه، فإن كان الأوّل استحال أن يصير فاعلاً قبل دخول الفعل في الوجود، وإذا كان كذلك استحال أن يقال: إنّه مأمور بأن يفعل في الحال فعلاً لا يوجد إلاّ في ثاني الحال. وإن كان الثاني كانت

1 . المباحث المشرقية 1: 506. وما بين الهلالين ليس فيه.
قال صدر المتألهين بعد نقل تأويل الرازي: «لعمري أنّ تصحيح كلامهم بهذا التأويل والتفصيل أشنع وأقبح كثيراً من كلامهم الواقع على الإجمال ...» تعليقات على إلهيات الشفاء: 168.
2 . اختلفت الفرق الإسلامية في جواز التكليف بما لا يطاق، فنفاه وأنكره الإمامية والمعتزلة والماتريدية، وقالت الأشاعرة بجوازه، راجع شرح الأُصول الخمسة: ذيل ص 396.

صفحه 251
تلك الفاعلية أمراً حادثاً فيفتقر إلى الفاعل، والكلام في فعلها كالكلام في الأوّل فيلزم التسلسل»1.
وأجاب عنه أفضل المحققين بأنّه: «إذا أُخذ حال حصول القدرة حال وجود الفعل بعينه فالفعل لا يمكنه، لا من حيث القدرة، بل من حيث تفرض مقارنتها بالفعل، وكون الفعل واجب الوقوع حينئذ».
ثم اعترض كلام المعتزلة بأنّ: «الكافر مكلف بالإيمان من حيث هو قادر حتى يؤمن في حال قدرته، وهذا ليس تكليفاً بما لا يطاق. ومن حيث فرض وقوع الكفر منه في حال قدرته على الإيمان لو كان مكلفاً بالإيمان كان تكليفاً بما لا يطاق»2.
وفيه نظر، فإنّ قوله: «حال حصول القدرة لا يمكنه الفعل»، يشتمل على التناقض. وقوله: «استحال أن يقال: إنّه مأمور بأن يفعل في الحال فعلاً لا يوجد إلاّ في ثاني الحال» مغالطة; فإنّه مأمور في الحال بأن يفعل في ثاني الحال لا في الحال. أو نقول: إنّه قد أُعلم في الحال بأن يؤمن في ثاني الحال.
واعتراض أفضل المحققين غير وارد; لأنّ الكافر عند الأشاعرة إنّما يكلف حالة الفعل لا حالة الكفر، لكن حالة الفعل هي حالة وجوبه، أعني حال عدم القدرة عليه. وأيضاً لو اقترن التكليف والقدرة والفعل كما هو مذهب الأشاعرة لم يكن أحد عاصياً البتة حتى الكافر، والتالي باطل اتفاقاً، فالمقدم مثله.
الثاني: القدرة إنّما يحتاج إليها لأجل أن يُخرج القادرُ الفعلَ من العدم إلى الوجود، فلو لم توجد إلاّ حال حدوث الفعل التي هي حالة وجوده لم تكن هناك حاجة إليها.

1 . تلخيص المحصل: 165 166.
2 . نفس المصدر: 166.

صفحه 252
اعترضه أفضل المتأخرين: «بأنّه منقوض بالعلة والمعلول، والشرط والمشروط»1. فإنّ العلة إنّما يحتاج المعلول إليها لتخرجه من العدم إلى الوجود، مع أنّها موجودة معه غير متقدمة عليه، وكذا الشرط مع المشروط المساوي.
وأجاب أفضل المحققين بأن: «ايراد النقض بالعلة والمعلول، والشرط والمشروط ليس بنافع; لأنّ العلة أيضاً قبل وقوع المعلول ممتنعة العلية، وكذلك حال وقوعه، وذلك لانضياف القبل والحال إليها».
ثم عارض المعتزلة بأنّ: «الحاجة إلى القدرة وحدها لأجل أن يدخل الفعل من العدم إلى الوجود، لا إليها مأخوذة مع حدوث الفعل أو عدمه»2.
وفيه نظر، فإنّ الفرق واقع بين القدرة والعّلة; لأنّ القدرة إنّما يحتاج إليها لإخراج الفعل من العدم إلى الوجود، من المختار الذي يجب تقدم قدرته واختياره بالزمان على الفعل، بخلاف العلّة والمعلول المقترنين بالزمان.
وما ذكره أفضل المحققين ليس بوارد; لأنّ الشك هكذا: لو احتاج الإخراج من العدم إلى الوجود إلى تقدم المحتاج إليه بالزمان لثبت ذلك في العلة والمعلول. ومعلوم أنّه لا يندفع بما ذكره، بل بما قلناه أوّلاً من الفرق بين العلة الموجبة والقدرة المصححة. على أنّ المعلول إذا انحصرت أحواله في ثلاث وامتنع تأثير العلة فيه في الثلاث امتنع تأثيره فيه مطلقاً.
نعم العلة تؤثر في المعلول من حيث هو هو لا مأخوذاً بعد العلّة، أو معها، أو قبلها، وإن امتنع تأثيرها إلاّ في أحد الأحوال، لكن لا بشرط أحدها. وإذا كانت الحاجة إلى القدرة وحدها لادخال الفعل من العدم إلى الوجود وجب أن يوجد اعتبار حدوث الفعل وعدمه في الحاجة.

1 . نفس المصدر.
2 . نفس المصدر.

صفحه 253
الثالث: لو وجب اقتران القدرة والمقدور لزم أحد المحالين، وهو إمّا قدم العالم، أو حدوث قدرة اللّه تعالى، والتالي بقسميه باطل، فالمقدم مثله. والشرطية ظاهرة.
واعترضه أفضل المتأخرين بأن: «المؤثر في وجود أفعال اللّه تعالى هو تعلّق قدرته بها زمان حدوثها، وأمّا التعلقات1 السابقة فلا أثر لها البتة، وهذا لا يمكن تحققه في قدرة العبد، لأنّها غير باقية»2.
أجاب أفضل المحققين بأنّ: «القول: بأنّ تعلّق قدرة اللّه تعالى زمان حدوث الفعل مؤثر في وجود الفعل، ليس بشيء، لأنّ الفعل يجب في زمان حدوثه وإن لم تكن قدرة».
واعترض كلام المعتزلة بأنّه «لا نسبة لقدرة اللّه تعالى إلى قدرة العبد، مع أنّ قدرته تعالى إذا أُخذت مع وجود الإرادة أو عدمها لا يبقى للاختيار وجه، كما قيل في العبد»3.
وفيه نظر، فإنّ المتعلقات لو كانت ثابتة لزم التسلسل، والثبوت الذهني عنده محال.ولاستحالة أن يكون مؤثر الموجودات العينية من الأجسام والأعراض3ـ أمراً ذهنياً، وإنّما تنتفي النسبة لو ثبت الاختلاف، لكن مفهوم القدرة واحد.
الرابع: أنّه سيأتي إن شاء اللّه تعالى وجوب تعلّق القدرة بالضدين، فلو وجب فيها مقارنة الأثر لوجب اجتماع الضدين، وهو محال4.
الخامس: قد تتعلق القدرة بما لا يتناهى من الأفعال على ما سيأتي تفصيله، فلو وجب مقارنتها للأثر لزم وجود ما لا يتناهى دفعة، وهو محال.

1 . في المخطوطة: «المتعلقات» وما أثبتناه من المصدر.
2 . نفس المصدر.
3 . نفس المصدر.
4 . انظر تفصيل هذا الدليل ونقضه وابرامه في شرح الأُصول الخمسة: 396 وما يليها.

صفحه 254
السادس: الفرق بين القدرة والعلّة هو وجوب الأثر وعدمه، فلو وجب الاقتران لم يبق بين القدرة المؤثرة على سبيل الصحة والإمكان والعلة المؤثرة على سبيل الوجوب، تغاير، وهو محال بالضرورة.
السابع: هنا حالتان للقدرة قطعاً: حالة حاجة إليها، وحالة الاستغناء هي حالة الوجود لاستحالة تحصيل الحاصل، فلم تبق حالة الحاجة إلاّ حالة العدم فيُخرج القادرُ بقدرته الفعلَ من العدم إلى الوجود، وهذا يقتضي تقدمها لا محالة بخلاف وجوب مقارنة السبب لمسببه، لأنّ السبب لا يؤثر في الأحداث، وإنّما التأثير في ذلك للقدرة.
الثامن: لو وجبت مقارنتها للفعل لقدح في طريق إثباتها، وكل حكم يرجع على أصله بالإبطال فإنّه يكون باطلاً.
بيان الشرطية: أنّ القدرة إنّما يعلم ثبوتها بعد العلم بكون أحدنا قادراً، وإنّما نعرف الواحد منا قادراً بوقوع تصرفه بحسب دواعيه ومقاصده، لأنّه ما لم نعرف محدثاً لتصرفه لا نعرف أنه قادر، وهذا طريق إثباته، وإذا ثبت هذا فلو كانت القدرة متى وجدت وجب وقوع الفعل معها لبطل اعتبار الدواعي والإرادة، ولم يكن لهما تأثير، وإذا لم يكن بذلك معتبر فلا طريق إلى أن أحدنا فاعل، وفساد هذا الطريق يقود إلى الجهل بكونه قادراً. وإذا لم نعرف قادراً لم نعرف القدرة.
التاسع:1 إن كانت قدرة القديم تعالى سابقة على مقدوراته2 من الأجسام وغيرها كانت قدرتنا على أفعالنا كذلك، لكن المقدم حق قطعا، فالتالي مثله.
بيان الشرطية: أنّ هذا الحكم راجع إلى القدرة; لأنّ الفعل في الأزل ممكن

1 . انظر الوجه في شرح الأُصول الخمسة: 414.
2 . في المخطوطة: «معدوداته»، أصلحناها وفقاً للسياق.

صفحه 255
لاستحالة انتقاله من الامتناع إلى الإمكان، فلو صح تعلّق القدرة به على سبيل الاقتران وقدرته تعالى أزلية وجب قدم الفعل، وهو محال، وإذا كان هذا الحكم راجعاً إلى مجرد القدرة ثبت في قُدرتنا ذلك أيضاً.
العاشر: 1 ألزم قدماء المعتزلة كأبي الهذيل وجعفر بن حرب2 وغيرهما الأشاعرةَ في سؤالهم لهم: متى يقدر أحدنا على فعل نفسه، أو على الانتقال من الظل إلى الشمس، أو على تطليق زوجته، أو على القاء العصا من يده؟ فإن كان قادراً عليها قبل حدوثها فهو المطلوب، وإن كان عند حصولها فهذه حالة قد استغنى فيها عن القدرة وعن القادر. وكيف يقولون في القتل، وهو يخرج حال وجوده من كونه حياً، فكيف يثبت كونه قادراً ؟
احتجت الأشاعرة بوجوه3:
أ : 4 القدرة عرض فلا تكون باقية، فلو تقدمت على الفعل لاستحال أن يكون قادراً على الفعل.
ب : حال وجود القدرة ليس إلاّ عدم الفعل، والعدم المستمر يستحيل أن يكون مقدوراً، وحال حصول الفعل لا قدرة5.
ج : لو جاز تقدمها وقتاً واحداً ولا فعل، جاز تقدمها أوقاتاً كثيرة، فيخلو أحدنا من الأخذ والترك.

1 . انظر هذا الوجه بتمامه في شرح الأُصول الخمسة: 414 415.
2 . أبو الفضل جعفر بن حرب الهمداني (177 236 هـ): من أئمة المعتزلة، من أهل بغداد. أخذ الكلام عن أبي الهذيل العلاف بالبصرة. وصنّف كتباً كثيرة مثل: الايضاح، نصيحة العامة، أُصول الخمس و ... راجع طبقات المعتزلة: 73; تاريخ بغداد 7: 162; مروج الذهب 2: 298.
3 . انظر تفصيل الوجوه ووجوهاً أُخرى والجواب عنها في شرح الأُصول الخمسة: 422 431.
4 . انظر هذا الوجه في تلخيص المحصل: 167.
5 . راجع تلخيص المحصل: 165.

صفحه 256
د: قالوا إذا كان عدم القدرة يُحيل الفعل فوجودها يجب أن يوجبه.
هـ : لو استحال الفعل بالقدرة في الحال لكان المحيل إمّا أن يرجع إليها، أو إلى المقدور، إذ لا يعقل ثالث غيرهما يستند إليه الإحالة، لكن لو استحال لأحد الأمرين لاستحال الفعل بها في الثاني. وهذه شبهة أخذوها من ابن الراوندي حيث أوردها في العالم، فقال: «لا يخلو المحيل لوجود العالم في الأزل من أمرين، إمّا أن يرجع إلى نفسه، أو إلى القادر، وعلى كلا التقديرين يلزم امتناع وجوده من بعد».
و : القادر إمّا أن يكون ممنوعاً من الفعل، أو ممتنِعاً، أو فاعلاً، والامتناع أيضاً فعل، والمنع عجز، فكيف يصح خروج القادر عن الفعل بقدرته؟
ز: إذا كان عندما يصح الفعل من القادر يحتاج إلى أمر فعند وجوده تجب الحاجة إلى أمر سواه.
ح: إذا وجب في الآلة أنّ تقارن الفعل فكذا القدرة.
ط: القدرة يتوصل بها إلى الفعل فأشبهت الحاسة التي يتوصل بها إلى الإدراك، فإذا كانت الحاسة يصح الإدراك بها حال وجودها فكذلك القدرة.
ي: المنع منع عن الفعل في الحال، فكذا القدرة.
يا: لو لم تكن القدرة مع الفعل ولم توجبه يصح وجود العجز معها كما يصح وجوده مع الآلات.
يب: الفاعل حالة الفعل لا يمكن عجزه عنه فتجب قدرته عليه.
يـج: العجز عجز عما لم نفعله، والقدرة يجب أن تكون قدرة على ما نفعله.
يـد: لو تقدمت القدرةُ الفعلَ ولم يحتج إليها حال الفعل، لأوجب

صفحه 257
الاستغناء عن اللّه تعالى في كل وقت، خصوصاً إذا قلتم ببقائها.
يه: الدليل والمدلول يوجَدان معاً على سبيل الوجوب وكونه فاعلاً ككونه قادراً، فيجب أن يدل على قدرته في الحال.
يو: لابدّ من الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية والفرق بينهما يجب أن يكون بأمر حاصل في الحال، وهو وجوب مقارنة القدرة لأحديهما دون الأُخرى.
والجواب عن أ : لِـمَ لا يجوز أن تكون القدرة عبارة عن سلامة الأعضاء؟
سلمنا، لكن لا نسلم أنّ العرض لا يبقى، وقد تقدم بطلانه1.
سلمنا، لكن لا نسلم استحالة قدرته على الفعل لتعاقب القُدَر2 حينئذ.
وعن ب: أنّه استدلال من فرض القدرة مع عدم الفعل، أو وجوده، وهو قاصر عن إفادة المطلوب; لأنّ ذلك الامتناع إنّما يلزم من فرض اجتماع القدرة والفعل، والمدعى امتناع وجود القدرة قبل الفعل.
وفيه نظر، فإنّ النزاع ليس إلاّ في وجود القدرة مع عدم الفعل، لأنّ الذي يجعلها متقدمة يفرض وجودها مع عدم الفعل. وأيضاً إذا لم يكن للفعل إلاّ حالتا وجود وعدم، وثبت امتناع وجود القدرة فيهما لزم انتفاء القدرة.
بل الوجه في الجواب: نسلم أنّ القدرة المتقدمة تقارن عدم الفعل، لكن ليس ذلك العدم المستمر مقدوراً، بل الفعل في ثاني الحال ثم يبقى إلى أن يقارن الفعل، فلا يلزم نفي القدرة. وتجري هذه الشبهة مجرى قول من ينفي الإيجاد، بأنّهإمّا أن يكون حال الوجود فيلزم تحصيل الحاصل أو عدمه فيجتمع النقيضان.

1 . في المجلد الأوّل: 301.
2 . القُدَر جمع القدرة كثقبة وثقب، و غرفة وغرف.

صفحه 258
وعن ج: بجواز الخلو عن الفعل والترك إذا جَعلناه فعل الضد، وسيأتي.
وعن د: أنّه قياس خال عن الجامع، والقياس في نفسه ضعيف، فكيف إذا خلا عن العلة؟! وأيضاً القدرة مصححة للفعل جارية مجرى الشرط له، فإذا عدمت امتنع الفعل ولا يجب بوجودها كسائر الشروط، كالحياة مع ما يشترط بها كالقدرة والعلم، وكأجزاء العلل. ثم ينقض كلامكم بقدرة اللّه تعالى، فإنا لو فرضنا زوال كونه قادراً لاستحال الفعل منه، وعند حصول هذه الصفة لا يجب وجود الفعل.
وعن هـ: أنّ الفعل يمتنع بالقدرة حال وجودها، فلا تعلّل هذه الاستحالة بشيء. والحاصل أنّ امتناع الاقتران ذاتي فلا يعلّل.
وأيضاً ينتقض بقدرة اللّه تعالى، فإنّه لم يزل قادراً والفعل يستحيل منه أزلاً والقسمة آتية فيه مع أنّه لا يلزم امتناع وجود العالم فيما بعد.
وأيضاً لا يلزم من سبق الاستحالة دوامها، فإنّ العلم يستحيل اجتماعه مع الظن أوّلاً، ثم يصح من بعد وجود العلم، والحركة مستحيلة على الجسم حال حدوثه ممكنة له فيما بعد.
وعن و: ليس المنع عجزاً، ولو كان عجزاً بطلت القسمة; لامتناع تقسيم الشيء إلى ما يضادّه، وكأنّهم قالوا: القادر إمّا أن يكون فاعلاً، أو عاجزاً.
وأيضاً يتضمن قسمة الشيء إلى نفسه وغيره; لأنّ الامتناع فعل. ثم ترد هذه القسمة في حقِّه تعالى.
وعن ز : أنّ الذي يحتاج إليه عند الصحة هو القدرة خاصة، ولا خلاف في أنّه لا يحتاج إلى قدرة ثانية. فإن قالوا: الذي يحتاج إليه عند الصحّة غير القدرة،

صفحه 259
فغير مُسلَّم; لأنّ من دونها لا يوصف الحيّ بصحّة الفعل منه ولهذا الصحة على مذهبهم لا تثبت; لأنّ الحال يتردد بين أمرين لا غير: وجوب الفعل وهو عند وجود القدرة، وامتناعه وهو حال عدمها.
وأيضاً ينتقض بالقديم تعالى; لأنّه يصح منه الفعل قبل أن يوجده، وعند الوجود لا يحتاج إلى أمر زائد.
فإن أثبتوا أمراً موجباً هو كونه مريداً، فهو أمر دائم مستمر غير متجدد، وإلاّ لزم وجود العالم أبداً، لثبوت ما يوجب وجوده.
وأيضاً لو سلمنا وجوب وجود أمر سوى القدرة قلنا نعم، وهو الإرادة.
وعن ح: أنّ من الآلة ما يجب تقديمه ومنها ما لا يجب، والقدرة من قبيل الأوّل1.
وعن ط: أنّه قياس خال عن الجامع. على أنّهم يفرقون بينهما بأنّ الحس تدرَك به الأضداد وليست قدرة عندهم متعلقة بالضدين، فتغايرا في الأحكام.

1 . إنّ القاضي عبد الجبار قد عقد فصلاً في تقسيم الآلات، فقسّمها إلى ثلاث:
1ـ ما يجب تقدمها ولا يجب مقارنتها، وذلك كما يكون وصلة إلى الفعل، نحو القوس، فإنّها لابد أن تكون متقدمة على الإصابة.
2ـ ما يجب تقدمها ومقارنتها جميعاً، وذلك كل ما يكون محلاً للفعل، نحو اللسان، فانّه يجب تقدمه حتى يكون معيناً على الكلام، ويجب مقارنته حتى يكون محلاً.
3ـ ما يجب مقارنتها ولا يجوز فيها التقدم، وذلك كصلابة الأرض في التصرف، فانّها ينبغي أن تكون ثابتة في الحال ولا يجب تقدمها.
ثم قال: إذا ثبت هذا، فلنا أن ننظر أنّ القدرة من أي هذه الأقسام هي، فنظرنا فإذا هي من قسمة ما يجب تقدمها، لأنّـها كالوصلة إلى الفعل» . شرح الأُصول الخمسة: 409 410.
ثم استفاد من هذا التقسيم في الجواب عن شبهة الأشاعرة. راجع نفس المصدر: 426.

صفحه 260
وعن ي : بأنّه غير وارد على أبي علي حيث قال بالتسوية بين القدرة والمنع في وجوب التقديم. وأمّا غيره إذا أوجب فلأنّ المنع ضدّ الفعل، ولا يقع بين الشيء وغيره تضاد إلاّ في حال الوجود.
وعن يا: إن أردتم بذلك أنّ العجز عن غير ما هو قادر عليه فصحيح. وإن كان الفرض أن يعجز عن عين ما هو قادر، فالمانع هو التضاد. ولا يجب إذا صحت مضافة العجز للآلة أن يصح مثله في القدرة، لأنّ التضاد جار بينه وبين القدرة. والحاصل أنّ العجز يُضاد القدرة، فالملازمة ممنوعة.
وعن يب: بالمنع من الملازمة فإنّا نجوِّز خلوه في تلك الحال من القدرة والعجز.
سلمنا وجوب القدرة حالة الفعل، لكن النزاع ليس فيه، بل في جواز تقدمها وعدمه، وإلزام العجز إنّما يستقيم عندهم على مذهب من يرى بقاء القدرة، وهم لا يقولون به.
وعن يج: بمنع وجوب ما قلتم، ووجوب الجمع بين الأمرين على ما صوّرتم، فلا بد له من دليل على أنّ العجز لا يجوز أن يكون عجزاً عما لم نفعله; لأنّ من جملته ما لا يصح أن يعجز عنه كمقدور الغير.
سلّمنا لكن وجوب كون القدرة على ما نفعله يستدعي تقدمها.
وعن يد: بالمنع من عدم الحاجة إلى القدرة مع تقدمها. ثم لو كان هذا المعنى قادحاً في وجوب تقدمها لقدح في وجوب تقدم الآلة وبقائها.
وعن يه: بالمنع من وجوب المقارنة بين الدليل والمدلول، فإنّ المعجزة تدل على صدق مدّعي النبوة وإن تأخرت المعجزة عن صدقه، وكذا الفعل في كونه قادراً يتراخى عنه وإن دلّ عليه. وعلى أنّ دلالة الفعل عندنا هي على أنّ الفاعل كان قادراً، وذلك ثابت في الحالين، بخلاف العلّة والمعلول; لأنّ هناك ضرباً من

صفحه 261
الإيجاب، وليس كذا الحال في القادر وصدور الفعل من جهته. وأيضاً لو وجب الاقتران لم يمنع من وجوب تقدم القدرة.
وعن يو: بالمنع من استناد الفرق إلى أمر موجود في الحال، فجاز أن يكون بأمر متقدم.

المسألة الثالثة: في أنّ القدرة متعلّقة بالضدين1

اختلف الناس في ذلك، فذهب المعتزلة والإمامية والفلاسفة إلى ذلك، ومنعت الأشاعرة منه2، وقالوا: إنّ القدرة الواحدة إذا تعلقت بالفعل امتنع تعلّقها بالترك، وبالعكس.
قيل: إن عَنوا بالقدرة مجموع الأُمور التي يترتب الأمر عليها، فليست القدرة قدرة على الضدين، لأنّ الأثر لا يصدر عنه ما لم يجب ذلك الصدور، فلو كانت النسبة إلى الضدين كذلك لزم حصولهما.
وإن أُريد به القوة العضليّة وحدها، وأنّها بحيث لو انضمّ إليها القصد إلى

1 . راجــع مقالات الإسلاميين: 230 231; شرح الأُصول الخمسة: 397; المباحث المشرقية 1:506 507، أُصول الدين للرازي; 90، تلخيص المحصل: 167.
2 . اعلم أنّ القاضي عبد الجبّار قسّـم الأشاعرة في هذه المسألة إلى فرقتين: فرقة تقول: إنّ القدرة غير صالحة للضدين، وفرقة تقول: إنّها صالحة للضدين. وقال: «هذا ]الرأي الثاني[ إنّما أخذوه عن ابن الراوندي، ظناً منهم أنّه ينجّيهم عن ارتكاب القول بتكليف ما لا يطاق» شرح الأُصول الخمسة: 397 398.
وقال الأشعري: «وقال بعض المتأخرين ممن كان ينتحل المعتزلة: القدرة مع الفعل وهي تصلح للشيء وتركه ... وهذا قول ابن الراوندي» مقالات الإسلاميين: 230 231.
وقال المصنّف أيضاً في مناهجه: «ذهب قوم من الأوائل وجماعة من الأشاعرة إلى أنَّ القدرة لا تتعلق بالضدين، وجماعة المعتزلة اتفقوا على أنَّ صلاحيتها للتعلق بهما» مناهج اليقين: 78.

صفحه 262
أحد الضدين حصل ذلك الضد، وإن انضم إليها القصد إلى الضد الثاني حصل الضد الثاني، فلا شك أنّ القدرة قدرة على الضدين.
وأيضاً إن عَنوا به أنّ القدرة ليست قوة تامة على الشيء وضده، فحق أنّها ليست متعلّقة بالضدين; لأنّ هذه القوة متى كانت مترددة بين الضدين استحال أن يصدر عنها أحدهما، لأنّه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر، ومتى خرجت عن حد التردُّد لم تكن قوة على الضدين.
وإن أرادوا به أنّ القوة التي انضمَّ إليها مرجِّح حتى صارت مؤثرة في أحد الضدين، لا يمكن أن ينضمَّ إليها مرجِّح آخر تصير مؤثرة في الضد الآخر، فذلك باطل1.
لنا وجوه:
الأوّل: الضرورة، فإنّها قاضية بأنّ من قدر على الحركة يمنة قدر عليها يسرة، وإن لم توجد فيه إلاّ قدرة واحدة. وأنّ القادر على الشيء قادر على تركه، فمن نازع في ذلك فهو مكابر.
الثاني: القدرة هي الصفة المصحّحة لوجود الفعل من الفاعل، فلا يجب لها الفعل بل يمكن الفعل والترك بها، فهي متعلقة بالضدين.
الثالث: الدليل الدال على أنّ الواحد منّا قادر، يدلّ بعينه على أنّه قادر على الضدين; لأنّ دليل القدرة هو وقوع أفعالنا بحسب دواعينا وانتفائها بحسب صوارفنا بحيث يجب اختصاصه بصفة القادرين، وإنّما يتم هذا لصحة تحركه يمنة ويسرة وسائر الجهات، حتى لو كان الواقع منه فعلاً واحداً لم يدل على أنّه محدث لذلك الفعل، ولا أنّه قادر عليه.

1 . المباحث المشرقية 1: 506 507.

صفحه 263
الرابع: 1 لو تعلقت القدرة بأحد الضدين لا غير لجوّزنا أن يقدر أحدنا على التحريك يمنة ولا يقدر على التحريك يسرة; لأنّ هاتين الحركتين متضادتان، والضرورة قاضية بخلافه. ولجاز أن يقدر أحدنا على رفع الجبل العظيم ولا يقدر على رفع ذرة، لتضاد هاتين الحركتين.
لا يقال: العادة جارية بأن يجمع اللّه تعالى بين هاتين القدرتين في القادر فلهذا لا يمكن ما ذكرتم.
لأنّا نقول: العادة يمكن خرقها، ومن المعلوم أنّ في الزمان الذي يصح انتقاض العادة فيه يستحيل ما قلناه فإنّه لا يجوز أن يقدر القادر على رفع جبل ولا يقدر على رفع خردلة، ولا أن يقدر على الحركة يمنة ويعجز عن الحركة يسرة.
الخامس:2 لو لم تتعلّق القدرة بالضدين، لزم تكليف ما لا يطاق، والتالي باطل، فالمقدم مثله.
بيان الشرطية: أنّ الكافر مأمور بالإيمان وهو غير واقع منه، ولا يخلو إمّا أن يكون قادراً عليه أو لا، فإن كان الثاني تحقق التالي. وإن كان الأوّل فلا يخلو إمّا أن يكون بالقدرة التي تعلّقت بالكفر أو بغيرها، والتالي باطل، وإلاّ لزم تقدم القدرة على الفعل، وهو عندكم محال، والأوّل هو المطلوب.
السادس: لو لم تتعلق القدرة بالضدين لم يبق فرق بين القادر المخلّى وبين الممنوع المضطر، والتالي باطل بالضرورة، فالمقدم مثله.
بيان الشرطية: أنّ القادر حينئذ لا يقدر إلاّ على شيء واحد فأشبه المحبوس في تنّور من حديد فإنّه لا يقدر إلاّ على تسكين نفسه.
واعترض: بإمكان التفرقة بينهما بوجه آخر، وهو صحّة أن يفعل القادر

1 . انظر هذا الوجه في شرح الأُصول الخمسة: 416.
2 . انظر هذا الوجه بتمامه ونقضه وابرامه في شرح الأُصول الخمسة: 399 409.

صفحه 264
المخلّـى الفعل وأن لا يفعله، بخلاف المضطر الذي لا يتأتى منه الانفكاك، فافترقا من هذه الجهة وإن لم يقدر القادر على الضدين. نعم هذا يدل على إمكان تقدم القدرة، لأنّها لو امتنع عليها التقدم لأشبه القادر المضطر.
السابع: استدل أبو هاشم في «البغداديات» بأنّ القدرة التي توجد في أحدنا وهو ببغداد، يصح وجودها منه لو كان بالبصرة، فإذا وجدت منه وهو بالبصرة فلا بد لها من متعلَّق، وإلاّ لزم انقلاب جنسها، وهو محال. فإمّا أن تتعلَّق بالكون في المكانين، وهو المطلوب. وإمّا أن تتعلَّق بأحدهما خاصة ولا يمكن تعلُّقها بالآخر، وهو باطل; إذ لا شيء يقتضي الإحالة، لأنّ القدرة من فعل اللّه تعالى ولا يلحقه في صفة ذاته لغير وليس في القدرة محيل ومانع، إذ لا ضد لها، فيقال: يمتنع وجودها لوجود ضدها، على ما يأتي. وإن فرضنا لها ضداً أو منافياً لم يجب اتصاف المحل به، إذ ليس من ضرورة الحي أن يوجد ذلك الضد، أو المنافي.
ولا يمكن أن يقال: إن موجبها يستحيل عليه إلاّ في هذا المكان، لأنّ هذه الصفة تصح عليه لكونه حياً، وهو ثابت في المكانين معاً. وعلى أنّ المعنى لا يستحيل وجوده لاستحالة الصفة الصادرة عنه، بل الصفة تستحيل لاستحالة موجبها لترتبها على العلة، وليست العلة مترتبة عليها.
ولا يمكن أن يقال بافتقار القدرة إلى بُنية زائدة، لأنّ صحة حصول البنية في المكانين على السواء.
ولا أن يقال: القدرة تفتقر إلى الكون في هذا المكان; لأنّ الكون محتاج إلى القدرة دون العكس. ولأنّه يلزم صحة وجود الكون ولا قدرة.
وليس لهم أن يقولوا: إنّ القدرة موجبة للكون في ذلك المكان; لأنّ الاعتراض بنفس المذهب على دليل قد نُصب لإفساده غير صحيح. ولا أن تقاس القدرتان بالكونين، لأنّ وجود الكون الذي يختص مكاناً آخر فيه، وهو في هذا

صفحه 265
المكان يقتضي انتقاله إليه، فإنّ بهذا الحكم يتميّـز ذلك الكون عن غيره. ووجود الجوهر في جهتين محال، والقدرة لا تقتضي أن يتنقل بها محلها من مكان إلى آخر.
ولأنّ الكونين في جهتين يتضادان بخلاف القدرتين. فإذن القدرة تتعلق بالكونين لأنّـها لو تعلقت بالكون الذي يختص المكان الذي وجد فيه القادر دون الكون في المكان الثاني لكان قد اختلف حالها لأجل انتقال محلها، فإنّها لو وجدت في مكان الثاني لكانت قدرة على الكون فيه، وذلك قادح في أنّ تعلقها لأمر يرجع إلى ذاتها. وهذا على طوله غير تام.
احتجت الأشاعرة بوجوه:
الأوّل: القدرة عبارة عن التمكن، ومفهوم التمكن من هذا غير مفهوم التمكن من ذلك فتغايرت القدرة باعتبار تغاير المقدور.
الثاني: نسبة القدرة إلى الطرفين إن كانت على السويّة استحال أن تصير مصدراً لأحدهما إلاّ عند مرجح، فلا يكون مصدر الأثر إلاّ المجموع، فقبل هذه الضميمة لم يكن ذلك قدرة على الفعل. وإن لم تكن على السويّة لم تكن القدرة قدرة إلاّ على الراجح1.
الثالث: المعاني المختلفة على اختلافها لا تتعلق بالضدين، فكذا القدرة2.
الرابع: العون على الشيء هو القدرة عليه، ولا يتعلق بالضدين فكذلك القدرة3.

1 . انظر الوجه الأوّل والثاني في تلخيص المحصل: 167.
2 . راجع شرح الأُصول الخمسة: 430.
3 . استفاد الأشاعرة من هذا الدليل لإثبات مقارنة القدرة مع الفعل أيضاً، فقالوا: إنّ القدرة عون على الفعل، فكان يجب أن تكون مقارنة له.
ثم أجاب عنه القاضي في شرح الأُصول الخمسة: 430 431.

صفحه 266
والجواب عن الأوّل: المعنى لا يختلف بتبديل لفظ القدرة بلفظ التمكن. ومفهوم التمكن من أحد الشيئين يشارك مفهوم التمكن من الآخر في مفهوم التمكن مطلقاً، وإنّما يختلفان من حيث تعلقهما تارة بهذا وتارة بذاك، فإن كان المراد من القدرة ذلك الأمر المشترك كانت صالحة للضدين.
وإن كان المراد منها مجموع المشترك مع ما به الاختلاف لم يقع اسم القدرة على أنواعها إلاّ بالاشتراك اللفظي، ويقع على أنواع متعددة بعدد المقدورات1، وهذا قولٌ لم يصر إليه أحد من العلماء.
وعن الثاني: إنّ قولهم: «إن كانت نسبة القدرة إلى الطرفين على السويّة احتاجت إلى مرجح، وقبل المرجح لا تكون قدرة على الفعل»، يقتضي أن تصير القدرة مبدأً للفعل مع الزائد، وهو عين مذهب القائلين بأنّ القدرة صالحة للضدين2.
والأصل فيه أنّ للفعل امكان الوجود في نفسه، وذلك أمر ذاتي له لا يعلل، وله وجود، وهو المستفاد من الغير.
ثم إنّ الفعل قد لا يتأتى من كل فاعل بل من فاعل دون فاعل، فكان من يصدر عنه الفعل له امكان الإيجاد والتأثير فيه. وكما أنّ امكان الفعل لا يكفي في وجوده من ذاته لِتساوي نسبة الطرفين إليه، كذا امكان الإيجاد من الفاعل غير كاف في الإيجاد، وإلاّ لكان الإيجاد منه واجباً، بل يفتقر إلى ضميمة حتى يتحقق الإيجاد منه. وتلك الضميمة هي الإرادة، فبدونها يكون الفعل ممكناً من الفاعل، والصدور يتوقف على المشترك، وهو امكان الفعل من الفاعل المشترك بين طرفي الوجود والعدم، وعلى الزائد عليه وهو الإرادة.

1 . في تلخيص المحصل: 167 «يقع على أنواع تعدد المقدورات».
2 . نفس المصدر.

صفحه 267
وكون الصدور مستحيلاً من دونهما ككون الوجود مستحيلاً باعتبار الإمكان المجرد عن العلة، وكما لا يخرج الممكن عن امكانه باعتبار هذه الاستحالة، كذا لا يخرج امكان ايجاد الفعل عن الفاعل عن امكانه باعتبار هذه الاستحالة، لأنّ الاستحالتين مستندتان إلى عدم العلة فيهما، وامكان الإيجاد هو القدرة أو معلولها، فقبل هذه الضميمة التي فرضت مع الزيادة تكون القدرة موجودة; لأنّا لا نعني بالقدرة الصفة الموجِدة قطعاً، بل التي يصح بها الإيجاد. فهذا هو تحقيق هذا الموضع1.
وعن الثالث: بأنّه قياس خال عن الجامع. ثم الفرق أنّ كل واحد من المختلفات ثبت بدليله، وتعلق القدرة مختلف، ثم ينقض عليهم بالعجز فإنّه عندهم متعلق بالضدين، ويبطل على الكلامية بالقدرة القديمة التي أثبتوها متعلقة بالأضداد.
وعن الرابع: ليس العون على الشيء هو القدرة فقط، وإلاّ لكان اللّه تعالى معيناً للكافر على كفره، بل لابدّ من اقتران الإرادة مع القدرة2، فلهذا كان العون على الشيء مخصوصاً به دون ما يضاده.

المسألة الرابعة: في مبادئ الحركات الاختيارية3

الحركة الاختيارية هي التي تصدر عن فاعل قادر على الفعل والترك،

1 . راجع شرح الأُصول الخمسة: 428.
2 . قال القاضي: «لا نسلم أنّ القدرة بمجردها عون، وإنّما العون هو التمكين من الفعل وإرادة الفعل، حتى لو يمكن غيره من قتل آدمي بأن يدفع إليه سكيناً ولا يريد منه قتله، وإنّما دفع إليه ذلك لأن يذبح به بقرة، فإنّه متى قتل آدمياً لم نقل: إنّه أعانه على قتله». نفس المصدر:430 431.
3 . راجع شرح الاشارات 2: 411 413; الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء: 344; الفصل الخامس من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء; تعليقة صدر المتألهين على الشفاء: 164 165.

صفحه 268
وتتساوى نسبتهما إليه بحسب إرادة ترجح أحدهما على الآخر. ولها أربعة مبادئ.
الأوّل: المبدأ البعيد لها: وهي القوى المدرِكة، وتلك القوى المدركة، إمّا الخيال أو الوهم في الحيوان، وإمّا العقل العملي بتوسّطهما في الإنسان.
الثاني: قوة الشوق: فإنّها تنبعث عن القوى المدرِكة وتتلوها. وتنشعب1 إلى شوق نحو طلب، إنّما ينبعث عن ادراك الملائمة في الشيء اللذيذ أو النافع، ادراكاً مطابقاً أو غير مطابق وتسمّى شهوة. وإلى شوق نحو دفع وغلبة إنّما ينبعث عن ادراك منافاة2 في الشيء المكروه أو الضارّ ويسمّى غضباً.
ومغايرة هذه القوة3 للقوى المدركة ظاهرة، لأنّه ليس في تلك القوى ترجّح لأحد الطرفين بخلاف هذه. وكما أنّ الرئيس في القوى المدركة الحيوانيّة هو الوهم، كذا الرئيس في القوى المحرِّكة هو هذه ا4لقوة.
الثالث: الإجماع: وهو تال لقوة الشوق، ومعنى الإجماع هو العزم الذي ينجزم بعد التردد في الفعل والترك، وهو المسمّى بالإرادة والكراهة. وهو مغاير للقوة الشوقية; لأنّ كل واحد منهما يوجَد بدون صاحبه، فإنّ الإنسان حال مرضه يريد تناول الدواء وهو لا يشتهيه، ويكره تناول الغذاء وهو يشتهيه. وعند وجود هذا الإجماع يرجّح أحد طرفي الفعل أو الترك على صاحبه اللّذين تتساوى نسبتهما إلى القادر عليهما ترجحاً مانعاً من النقيض.
الرابع: القوة العضلية المنبثّة في مبادئ العضل المحرِّكة للأعضاء، وهي مغايرة لسائر المبادئ السابقة، لأنّ الإنسان العاجز قد يشتاق إلى الشيء ويعزم عليه وهو غير قادر على تحريك أعضائه، والقادر على التحريك قد لا يشتاق ولا

1 . في المخطوطة: «تنبعث» والصحيح ما أثبتناه طبقاً للسياق ولشرح الاشارات.
2 . في المخطوطة: «ملاقاة»، والصحيح ما أثبتناه طبقاً للسياق ولشرح الاشارات.
3 . في المخطوطة: «القوى»، وما أثبتناه من شرح الاشارات.
4 . في المخطوطة: «القوى»، وما أثبتناه من شرح الاشارات.

صفحه 269
يعزم، وهذه القوة هي المبدأ القريب للحركات. وفعلها تشنّج الأعصاب1 وإرسالها ويتساوى الفعل والترك بالنسبة إليها.

المسألة الخامسة: في إبطال قول الفلاسفة2

في أنّ كل جسم يصدر عنه أثر لا بالقَسر ولا بالعرض فعن قوة موجودة فيه.
قالت الفلاسفة: الأجسام مشتركة في مفهوم الجسمية ومتفاوتة في الأحياز وغيرها من الآثار; فإنّ بعضها تلزمه البرودة وبعضها الحرارة وغيرهما، وتلك الآثار حادثة ممكنة فلابدّ لها من مؤثر، وهو إمّا الجسم، أو محله، أو الحال فيه، أو المباين الذي لا نسبة له إليه بالحلول، فلا يكون حالاّ فيه ولا محلاً له. والأوّل باطل لوجهين:
الأوّل: الأجسام مشتركة في مفهوم الجسمية على ما مرّ واشتراك العلّة يقتضي اشتراك المعلول، لكن المعلول غير مشترك على ما قدّمنا من اختلاف الأجسام فيها، فالعلة غير مشتركة، والجسمية مشتركة فلا تكون علة.
الثاني: لو استندت هذه الآثار إلى الجسمية لدامت بدوامها، والتالي باطل، فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة.
وكذا الثاني; لأنّ هيولى العناصر مشتركة ولا تبقى الآثار ببقائها.
وأمّا الثالث، فهو المطلوب.

1 . في شرح الاشارات وطبيعيات الشفاء: «العضل». واعلم أنّ مبادئ العضل هي الأعصاب، والقوى المنبثة فيها هي المبادئ القريبة للحركات.
2 . راجع شرح الاشارات 2: 275 278; المباحث المشرقية 1: 507 509.

صفحه 270
وأمّا الرابع فباطل أيضاً; لأنّ ذلك المباين إن كان جسماً أو جسمانياً عاد البحث فيه. وإن كان مفارقاً مجرداً عن المادة وعلائقها كانت نسبته إلى جميع الأجسام بالسويّة، فحصول أثره في بعضها دون البعض إن كان بسبب أمر حصل لذلك الجسم واختص به لأجله استحق قبول ذلك الأثر من المفارق، فهو المطلوب. وإن كان لا بسبب لزم ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وهو محال.
والاعتراض: لِم لا يستند إلى الفاعل المختار؟ بل هو الحق في ذلك; فإنّ اختلاف الأجسام في الأعراض لو كان لاختلاف الصور لكان اختلاف الصور مستنداً إلى سبب آخر، لأنّ الأجسام كما اختلفت في الأعراض فهي أيضاً مختلفة في هذه الصور التي هي مبادئ تلك الأعراض فاختصاصها بتلك الصورة لو كان لأجل صورة أُخرى، فإن وجبت المساوقة1 لزم حصول علل ومعلولات غير متناهية دفعة، وهو محال. وإن تساوقت اندفعت الحجة التي ذكرتموها، فإنّه لو جاز اسناد كل صورة حاصلة في الحال إلى صورة سابقة عليها جاز اسناد العرض الحاصل في الحال إلى عرض سابق عليه، وحينئذ لا يحتاج إلى اثبات الصور.
لا يقال: كل صورة حادثة فإنّها مسبوقة باستعداد سابق عليها، وذلك الاستعداد تخصيص كل صورة استعدت بالحصول دون غيرها.
لأنّا نقول: كما أنّ الاستعداد ثابت للصور عندكم، كذا هو ثابت للأعراض، بل لكل حادث عندكم على الإطلاق، فإذا كان كافياً في الصور، فلِمَ لا يكفي في الأعراض؟
قيل: السبب في اختصاص المادة بصورة معينة هي الصورة السابقة. ولا يمكن أن يكون السبب لوجود العرض الحاصل العرض المتقدم، لوجهين:

1 . في المباحث المشرقية: «مسابقة».

صفحه 271
الأوّل: الماء إذا يسخن بالقسر بسبب ملاقاة النار له مثلاً فانّه إذا زال القاسر عنه عادت البرودة إليه، فعلمنا أنّ في جسم الماء شيئاً محفوظَ الذات عند حصول المسخِّن القسري، وهو الذي أعاد البرودة إلى الماء عند زوالها بالقسر، فعلمنا أنّ استناد هذه الآثار إلى مباد في الأجسام. وأمّا الصور فإنّها إذا زالت لا تعود عند زوال المزيل، فإنّ الماء إذا عرض له عارض صيَّـره هواء فعند زوال ذلك القاسر لا يعود بطبعه ماء، فعلمنا استناد الأعراض إلى الصور. وأمّا الصور فلا يجب استنادها إلى صور أُخرى.
الثاني: العناصر الممتزجة المتفاعلة بعضها في بعض لابد فيها من كسر وانكسار في الكيفيات، والحس يدل عليه. وعلة الكسر يجب أن تكون حاصلة عند الكسر، فلا يخلو إمّا أن يكون انكسار كيفية كل واحد منها1 بكيفية الآخر أو بغيرها. و الأوّل محال; لأنّه لا يخلو إمّا أن يتقدم انكسار إحداهما بالأُخرى أو يقترنا معاً. والأوّل محال; وإلاّ لاستحال انكسار الكاسر به لأنّ المنكسر بعد انكساره صار مغلوباً فلا يعود غالباً، مع أنّه قبل الانكسار لم يقو على الغلبة والقهر لغالبه، فكيف يصير بعد الانقهار قاهراً؟! والثاني محال أيضاً; لأنّ الانكسارين لو وُجدا معاً لوجب وجود علتهما معاً وهما الكاسِـران، فحال انكسار كل منهما بصاحبه ومغلوبيته به يصير كاسراً وقاهراً، وهذا محال للتنافي بين العلية والمعلولية. فوجب أن يكون انكسار كيفية كل من العنصرين ليس بكيفية الآخر، بل بالصورة الموجودة في العنصر الذي هو مبدأ تلك الكيفية، فثبت وجود هذه القوى.
والجواب عن الأوّل: قد بيّنا سبب الاختصاص، وهو قدرة اللّه تعالى. وما ذكرتموه مبني على الاستقراء دون البرهان، فإنّ الاحساس انّما يفيد حكماً جزئياً. فإن

1 . في المخطوطة: «منهما» وما أثبتناه من المباحث المشرقية: 1/509.

صفحه 272
ادعيتم العمومية، فهو المتنازع.
وعن الثاني: إنّ الكسر والانكسار يكونان معاً ويكون المزاج بعد ذلك حاصل من اللّه تعالى، أو يكون الكسر أيضاً من اللّه تعالى. على أنّه ينتقض ما ذكرتم بامتزاج الماء الحار والبارد فانّه لا يمكن هنا المغايرة بالصورة; لأنّ صورتهما واحدة ولا تقتضي السخونة. وأيضاً فالصورة لا تفعل بذاتها بل بواسطة الكيفية، ولهذا سموها بالكيفيات الفعلية وجعلوا لها مقابلاً هو الكيفيات الانفعالية. ثم يلزم أن تكون الكيفيات الفعلية منفعلة فينتفي التقابل بينهما.

صفحه 273

البحث الرابع

في الخُلُق 1

وهو «ملكة نفسانية تقتدر النفس معها على صدور الأفعال عنها بسهولة من غير تقدم رَويَّة»2.
وهي مغايرة للقدرة لتساوي نسبة القدرة إلى الضدين، والخلق ليس كذلك. ولأنّه كيفية نفسانية بخلاف القدرة فإنّها وإن تعلقت بذوات الأنفس، لكنّها ليست من الكيفيات النفسانية.
وليس عبارة عن نفس الفعل; لأنّه قد يكون تكلفياً ويكون صادراً لا بسهولة بخلاف الخلق فانّه بمنزلة الكاتب الماهر في الكتابة فإنّ له أن يكتب متى شاء من غير أن يتروّى في حرف حرف، وكذا العالم إذا حصل له ملكة العلم لا نعني أنّه تحضر المعلومات عنده بالفعل، بل يكون مقتدراً على احضار معلوماته من غير رويّة.

1 . انظر البحث في الكتب التالية: الفصل السابع من المقالة التاسعة من إلهيات الشفاء: 549; إلهيات النجاة: 296; التحصيل: 473; المباحث المشرقية 1: 509; شرح المواقف 6: 129; شرح المقاصد 2: 363; الأسفار 4: 114.
2 . قال الجرجاني: «الخُلُق: هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويُسر من غير حاجة إلى فكر وروية» التعريفات: 136.

صفحه 274
واعلم أنّ الأخلاق: منها فاضلة شريفة، ومنها رذلة ناقصة. وأُصول الفضائل الخلقية ثلاثة: الشّجاعة والعِفَّة والحِكمة1 وتجمعها العدالة، وتجمع مقابلها الجور. ولكل واحد من هذه الثلاثة طرفان هما رذيلتان.
فالشَّجاعة: الخُلق الذي تصدر عنه الأفعال المتوسطة بين أفعال التَهَوُّر والجُبْن2، والشجاعة محبوسة بهما، وهذان الطرفان رذيلتان.
وأمّا العِفَّة: فهي الخُلق الذي تصدر عنه الأفعال المتوسطة بين أفعال الفجور والخُمود3، وهذان الطرفان رذيلتان، والفضيلة محبوسة ب4هما.
وأمّا الحكمة: فهي الخلق الذي تصدر عنه الأفعال المتوسطة بين أفعال الجربزة والغَباوة5، وهذان الطرفان رذيلتان.
وليست هذه الحكمة العملية هنا هي التي تُجعل قسيمة للحكمة النظرية، حيث يقال: الحكمة إمّا نظرية أو عملية كما توهمه بعض الناس; لأنّ المراد من

1 . الشجاعة: ملكة ترتبط بالقوة الغضبية الباعثة إلى دفع الشر والضَّار.
العفة: ملكة ترتبط بالقوة الشهوية الباعثة إلى جذب الخير والنافع الذي يلائمه.
الحكمة: ملكة ترتبط بالقوة العقلية التي تهدي الانسان إلى الخير والسعادة وتزجره عن الشر والشقاء.
والهيئة الحاصلة من اجتماع الملكات الثلاث التي أثرها اعطاء كل ذي حقّ من القوى حقّه إذا اعتدلت سُميت عدالة، وإن خرجت إلى حدّ الإفراط سميّت ظلماً، وإن خرجت إلى حدّ التفريط سميت انظلاماً.
راجع نهاية الحكمة: 123 124.
2 . التهوّر: افراط في الشجاعة، والجُبن: تفريط فيها.
3 . الفجور: افراط في العفّة، والخُمود: تفريط فيها. وعبّـر العلامة الطباطبائي عن حدّ الإفراط في العفّة بـ «الشَـرَه». نهاية الحكمة: 123.
4 . في هامش ج: «أي العفّة».
5 . الجربزة: افراط في الحكمة، والغباوة والبلاهة: تفريط فيها.

صفحه 275
الحكمة العملية هنا ملكة تصدر عنها الأفعال المتوسطة بين أفعال الجربزة والغباوة. وإذا قلنا: من الحكمة ما هو نظري، ومنها ما هو عملي، لم نرد به الخلق، فإنّ ذلك ليس جزءاً من الفلسفة، بل نريد معرفة الإنسان بالملكات الخُلقية بطريق القياس، أنّها كم هي؟ وما هي؟ وما الفاضل منها وما الرَّدِئ؟ وأنّها كيف تحدث من غير قصد اكتساب؟ وأنّها كيف تكتسب بقَصد ومعرفة السِّياسات المنزليّة والمدنيّة؟ وبالجملة المعرفة بالأُمور التي إلينا1 أن نفعلها.
وهذه المعرفة ليست غريزية، بل متى حَصَّلناها كانت حاصلة لنا من حيث هي معرفة وإن لم نفعل فعلاً، وإن لم نَتخلّق بخُلق فلا تكون أفعال الحكمة العملية الأُخرى موجودة، ولا أيضاً الخلق، وتكون لا محالة عندنا معرفة مكتسبة يقينية.
والحاصل أنّ الحكمة العملية قد يراد بها العلم بالخُلق، وقد يراد بها نفس الخُلق، وقد يراد بها الأفعال الصادرة عن الخلق، فالحكمة العملية التي جعلت احدى الفضائل الخلقية الثلاثة هي نفس الخلق. وأيضاً فالحكمة العملية بالمعنى الثاني أو الحكمة العملية بالمعنى الأوّل ليس علماً بهذا الخلق فقط، بل وبسائر الأخلاق من الشجاعة والعفة وبالسياسات أيضاً، فظهر الفرق بين البابَين.

1 . في المباحث المشرقية: «لنا».

صفحه 276

الباب الثالث

في الألم واللذة

وفيه مباحث:

البحث الأوّل

في حقيقتهما 1

زعم محمد بن زكريا الرازي أنّ اللذة: عبارة عن الخروج عن الحال

1 . انظر البحث في فصوص الحكم: 64; الفصل الأخير من المقالة الثامنة والفصل السابع من المقالة العاشرة من إلهيات الشفاء، الفصل الثالث من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء; شرح الإشارات 3: 337; المباحث المشرقية 1: 512; تلخيص المحصل: 171; شرح المواقف 6: 134; شرح المقاصد 2: 363.
وفي هذا الباب تأتي كلمات ومصطلحات، لا بأس بتعريف بعضها من كتاب الحدود لقطب الدين النيسابوري: 59، حيث اختص فصلاً لها وعنونه بـ «فصل في حدود ما يدخل تحت الألم واللذة» وهي:
الخير: ما ينتفع به الغير، قولاً أو فعلاً. ونقيضه الشر.
الصلاح: ما فيه الفلاح.
النفـــع: اللذة الخالصة أو السرور الخالص أو ما يؤدّي إليهما.
التلــذّذ: إدراك المشتهى.
التـــألم: إدراك ما ينفر عنه.
الضــرر: ما يستضرّ به. وقيل: هو الألم المحض أو الغمّ الخالص أو ما يؤدّي إليهما.
الشهـوة: معنًى إذا وُجد، أوجب كون الغير مشتهياً.
النفـــار: معنًى إذا وُجد، أوجب كون الغير نافراً.

صفحه 277
الطبيعية1.
وقيل: عود إلى الحالة الطبيعية بعد الخروج منها.
وقيل: الخروج عن المؤلِم.
وسبب هذا الظن أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات2; لأنّ اللذة إنّما تحصل بالإدراك، والإدراك الحسي خصوصاً اللمسي إنّما يحصل بانفعال المدرِك عن الضد، والكيفية إذا استقرت لم يحصل الانفعال، فلم

1 . النقـل كذا في جميع النسخ وكتاب كشف المراد: 251 و مناهج اليقين: 121; وكذلك في نقل الطوسي في تلخيص المحصل: 171، ولكنه في نقل الرازي: «اللذة: عبارة عن الخروج عن الحالة الغير الطبيعية. والألم: عبارة عن الخروج عن الحالة الطبيعية»، المباحث المشرقية 1: 512 513.
قال العلاّمة حسن زاده الآملي في تعليقته على كشف المراد في ذيل هذا النقل ما هذا لفظه:
«... كلمة غير ]في غير الطبيعية[ كما في المطبوعة زائدة. و هذا التصحيف قد تطرق في كتب أُخرى كالأسفار ...، وكالمباحث المشرقية للفخر الرازي ...، وعبارة الأسفار مأخوذة من المباحث، ولكن العبارة محرّفة وقد تصرف فيها من لا دراية له في فهم أساليب العبارات العلمية. والعبارة في نسخة مخطوطة من المباحث عندنا هكذا: زعم محمد بن زكريا أنّ اللذة عبارة عن الخروج عن الحالة الطبيعية وسبب هذا الظن أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات ... الخ. وعبارة الخواجة موافقة لها. نسخة التجريد المنسوبة إلى خطّ الخواجة أيضاً موافقة لما اخترناه» كشف المراد: 572 573.
2 . قال ابن سينا بعد ذكر هذا السبب: «وقد عرف في كتاب سوفسطيقا أنّ هذا احدى المغالطات». رسالة في الأدوية القلبية، تحقيق د . محمد زهير البابا: 228.

صفحه 278
يحصل الشعور، فلم تحصل اللذة، فلما لم تحصل اللذة اللمسية إلاّ عند تبدل الحال الغير الطبيعي ظنّ أنّ اللذة نفسها هي ذلك الانفعال، وهذا ظن باطل; لأنّ الإنسان قد يستلِذ بالنظر إلى صورة جميلة لم يكن رآها، ولا علم بها قبل ذلك حتى لا يقال: إنّ النظر يدفع ضرر الشوق، وكذلك إذا أدرك مسألةً علمية من غير طلب منه لها ولا شوق إلى تحصيلها، أو اتفق له حصول مال عظيم أو حصول منصب جليل فانّه يلتذ بذلك وإن لم يكن متوقّعاً له ولا طالباً لحصوله بحيث لا يقال: إنّ حصول هذه الأشياء أزالت ألم الطلب والشوق.
والشيخ قد عرّف اللذة بأُمور متعددة تشترك في معنى الإدراك فإنّه قال في الإشارات: «اللذة: هي إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك. والألم: هو إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشرّ»1.
الإدراك: قد مضى تفسيره2.
والنيل: الاصابة والوجدان.
وإنّما لم يقتصر على الإدراك; لأنّ الإدراك يحصل بحصول صورة مساوية للمدرك في المدرك، والنيل لا يكون إلاّ بحصول ذاته. واللذة لا تتم بحصول ما يساوي اللذيذ3، بل بحصول اللذيذ نفسه، فلهذا عقب بالنيل، ولم يكن هناك لفظ يقوم مقامهما بحيث يأتي به عوضهما. وقدّم الأعم الدال بالحقيقة، وأردفه

1 . شرح الاشارات 2: 337. حاصل ما يستفاد من كلمات الشيخ في هذا الموضع وما يأتي من سائر المواضع أنّه يعتبر في حصول اللذة والألم أُموراً ثلاثة: الأوّل: وجود قوة مدركة، فلا تحصل لغير ذوي الادراك. الثاني: حصول الملائم من الخير والكمال في اللذة، وحصول المنافر من الشر والنقص في الألم. الثالث: ادراك ذاك الملائم من الخير والكمال بما أنّه ملائم، وذاك المنافر من الشر والنقص بما أنّه منافر.
2 . في ص: 229 من المجلد الثاني من هذا الكتاب، راجع أيضاً شرح الاشارات2: 308.
3 . أي بحصول الصورة.

صفحه 279
بالمخصّص الدال بالمجاز.
وقال: «لوصول ما هو عند المدرك» ولم يقل: لما هو عند المدرك; لأنّ اللذة ليست ادراك اللذيذ فقط، بل هي إدراك حصول اللذيذ للملتذ ووصوله إليه.
وقال: «لما هو عند المدرك كمال وخير»; لأنّ الشيء قد يكون كمالاً وخيراً بالقياس إلى شيء، وهو لا يعتقد كماليّته وخيريّته فلا يلتذّ به، وقد لا يكون كذلك وهو يلتذّ به لأنّه يعتقده كمالاً وخيراً1.
فإذن المعتبر كماليّته وخيريّته عند المدرك لا في نفس الأمر. والكمال والخير هنا المقيسان إلى الغير هما حصول شيء لما من شأنه أن يكون ذلك الشيء له، أي حصول شيء يناسب شيئاً ويصلح له، أو يليق به بالقياس إلى ذلك الشيء. والفرق بينهما أنّ ذلك الحصول يقتضي لا محالة براءةً ما من القوة لذلك الشيء فهو بذلك الاعتبار فقط كمال وباعتبار كونه مؤثراً خير.
وقال: «من حيث هو كذلك»; لأنّ الشيء قد يكون كمالاً وخيراً من جهة دون جهة، والالتذاذ به يختص بالجهة التي هو معها2 كمال وخير.
فهذه ماهية اللذة، وتقابلها ماهية الألم. وهذا أقرب إلى التحصيل من قولهم: «اللذة ادراك الملائم، والألم ادراك المنافي».
واعترضه ا3فضل المتأخرين بأنّ: «تعريف اللذة بالخير الذي هو أمر وجودي

1 . فصورة الأُولى مثل قوله تعالى: (وَعَسَـى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْـرٌ لَكُمْ) فلا يلتذّ بما يعتقد كراهيته، وصورة الثانية مثل قوله تعالى: (وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) فيلتذّ بما يعتقد خيريّته، وان كان معتقده في الصورتين خلاف الواقع.
2 . في جميع النسخ: «منها»، وما أثبتناه من شرح الاشارات 3: 338.
3 . كذا قال الفارابي في فصوص الحكم: 64، و الشيخ ابن سينا في الفصل الخامس من المقالة الثامنة وفصل المعاد من المقالة التاسعة من إلهيات الشفاء: 508 و 545، والجرجاني في التعريفات: 245.

صفحه 280
عند الشيخ يرجع إلى قولنا: اللذة ادراك الموجود، وكذلك يكون الألم ادراك المعدوم. وذلك باطل، أمّا في اللذة، فلأنّ ادراك احتراق الأعضاء والأصوات المنكرة وما يشبهها ليست بلذّات مع أنّها موجودات. وأمّا في الألم، فلأنّ العدم لا يحسّ به. فإن فسروا الخير باللذة أو ما يكون وسيلة إليها على ما هو المشهور رجع التعريف إلى قولنا: اللذة هي ادراك اللذة أو ما يكون وسيلة إليها. والكمال أيضاً إن فسر: بحصول شيء لشيء من شأنه أن يكون له، وكان معنى قولهم «من شأنه أن يكون له» امكان اتصافه به لزم أن يكون الجهل وسائر الرذائل كمالات»1.
قال الشيخ: «إنّ الخير والشر قد يختلفان بحسب القياس، فالشيء الذي هو عند الشهوة خير هو مثل المطعم الملائم والملبس2 الملائم. والذي هو عند الغضب خير فهو الغلبة. والذي عند العقل خير فتارة هو الحق وذلك باعتبار كون العاقل قابلاً عما فوقه بالقياس إلى قوته النظرية وتارة الجميلوذلك باعتبار انصرافه عما فوقه وتصرفه فيما دونه بالقياس إلى قوّته العملية ـ. ومن العقليات مثل3 الشكر ووفور المدح والحمد والكرامة.
وبالجملة الخيرات التي تكون للعقل بمشاركة سائر القوى، وهي التي تختلف الهمم فيها لاختلاف أحوال تلك القوى. أمّا العقلي الصرف فلا يختلف البتة. وكل خير بالقياس إلى شيء ما فهو الكمال الذي يختص به وينحوه باستعداده الأوّل; فإنّ الشيء إنّما يقصد ويميل إلى شيء يكون مؤثراً بالقياس إليه»4.

1 . شرح الاشارات3: 339.
2 . في جميع النسخ: «الملمس» وما أثبتناه من المصدر.
3 . في المصدر: «نيل».
4 . نفس المصدر: 340 341، مع توضيحات المحقق الطوسي.

صفحه 281
وقوله: «باستعداده الأوّل» فائدته أنّ الشيء قد يكون له استعدادان سابق ولاحق، ولا يكون الشيء الذي ينحوه ذلك الشيء باستعداده الثاني خيراً بالقياس إلى ذاته، بل يكون خيراً بالقياس إلى ذلك الاستعداد الطارئ، كالانسان فإنّه مستعدّ في فطرته لاقتناء الفضائل، ثم إذا طرأ عليه ما أعدّه لاقتناء الرذائل قصدها بحسب الاستعداد الثاني، ولا تكون هي خيراً بالقياس إلى ذاته مع الاستعداد الأوّل. وكل لذة فإنّها تتعلق بكمال خيري وبادراك له من حيث هو كذلك.
ثم إنّ الشيخ اعترض على نفسه بأنّ «من الكمالات ما لا يلتذّ به كالصحة، فلا يتلذّ بها ما يلتذ بالحلو وغيره».
وأجاب بأنّ «الشرط كان حصولاً وشعوراً جميعاً. ولعل المحسوسات إذا اشتدت1 لم يشعر بها. على أنّ المريض والوَصِب يجد عند 2الثُؤوب3 إلى الحالة الطبيعية مغافصة4 غير خفي التدريج لذةً عظيمة.
واللذيذ أيضاً قد يصل فيكره، كما أنّ بعض المرضى يكره الحلو فضلاً عن أن لا يشتهي اشتهاءً شائقاً. وليس ذلك طاعناً فيما سلف; لأنّه ليس خيراً في تلك الحال فإنّ الحس لا يشعر به من حيث هو خير.
فإن أردنا الاستظهار في التحديد قلنا: اللذة هي ادراك ونيل لما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك ولا شاغل ولا مضاد للمدرك. فإنّه إذا لم يكن سالماً فارغاً أمكن أن لا يشعر بالشرط. أما غير السالم، فكما في عليل المعدة

1 . في المصدر: «استقرت».
2 . الوَصَب: المرض الطويل. يقال: وصب الشيء أي دام. قوله تعالى: (وله الدين واصباً) نفس المصدر: 342.
3 . الرجوع إلى الشيء بعد الذهاب عنه. المصدر نفسه.
4 . المغافصة: الأخذ على غِرّة. المصدر نفسه.

صفحه 282
إذا عاف1 الحلو. وأمّا غير الفارغ، فكما في الممتلئ جداً فإنّه يعاف الطعام اللذيذ. وكل واحد منهما إذا زال مانعه عادت لذّته وشهوته وتأذّى بتأخّر ما هو الآن يكرهه.
وكذا في الألم، قد يحضر السبب المؤلم وتكون القوة الدرّاكة ساقطة، كما في قرب الموت من المريض أو معوَّقة، كما في الخدر فلا يتألم به. فإذا انتعشت القوة أو زال العائق عظم الألم»2.
وقال في القانون: «الوَجَع هو الإحساس بالمنافي».
وقال في المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء3: «اللذة ليست إلاّ ادراك الملائم من جهة ما هو ملائم».
وذكر فيه أيضاً في4 المقالة التاسعة: «إنّ القوى تشترك في أنّ شعورها بموافقها وملائمها هو الخير واللذة الخاصة».
وذكر في الأدوية القلبية: إنّ اللذات ادراك لحصول الكمال الخاص بالقوة المدركة». وذكر في هذا الفصل من هذا الكتاب: «سبب اللذة عند ابتداء الخروج إلى الحال الطبيعية هو حصول الإدراك، ولما عرض إن كان حصول الإدراك مع الخروج عن الحالة الطبيعية عرض إن كانت اللذة مع الخروج عنها، فظنَّ أنّ ذلك سببها، وليس كذلك، بل السبب هو ادراك حصول الكمال لا غير فهذا هو سببب اللذة لا غير. وفي هذا اعتراف بكون الإدراك واللذة متغايران ضرورة تغاير السبب والمسبب.

1 . عاف الطعام أي كرهه. المصدر نفسه: 343.
2 . المصدر نفسه.
3 . الفصل الخامس من المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء: 508.
4 . فصل المعاد من المقالة التاسعة من إلهيات الشفاء: 545.

صفحه 283
والحق أن يقال: كما أنّ التصديقات الكسبية يجب انتهاؤها إلى تصديقات غنية عن البرهان، كذا التصورات الكسبية يجب انتهاؤها إلى تصورات غنية عن التعريف، وكما أنّ القضايا الحسية بالحس الظاهر أو الباطن كعلم الإنسان بألَمِه ولَذَّتِه لا تحتاج إلى برهان، فكذا تصورات هذه الأُمور; فإنّ كل عاقل حساس يدرك الألم واللذة، ويفرق بينهما ويميّز كلاً منهما عن صاحبه ويميزهما معاً عما غايرهما ادراكاً ضرورياً لا يحتاج فيه إلى كشف وبمهما1 عرفا به كانا أعرف منه2.
بقي هنا بحث مهم: وهو أنّ الحال التي يجدها الملتذ عند لذته التي سمّيناها باللذة هل هي نفس ادراك الملائم أو مغايرة له؟ وبتقدير مغايرتها للإدراك هل هي معلول ذلك الإدراك، أو معلول شيء آخر؟ وإن كانت لا توجد إلاّ مع ذلك الإدراك. فهذه الأُمور يجب تحصيلها.
وأمّا قولهم: «إنا نجد اللذة بهذا الإدراك فيكون هوهو»، فإنّه راجع إلى الاحتجاج باللفظ فإنّ للسائل أن يقول: إن كنت جعلت اسم اللذة اسماً لهذا الإدراك فلا منازعة، لكن لِمَ قلت: إنّ الحالة المخصوصة التي نجدها من النفس هي نفس هذا الإدراك؟ ومعلوم أنّ هذا المقصود لا يحصل بهذا الطريق. فنقول: أمّا الاستقراء فقد دل على أنّ هذه الحالة لا تحصل لنا إلاّ إذا أدركنا ما يلائم مزاجنا، وإن كان للنزاع فيه مجال. لأنّا نلتذ بالرئاسة وإن لم تكن من حيث هي ملائمة لمزاجنا.
وأمّا أنّه هل يمكن حصول تلك الحالة دون هذا الإدراك وإن كان أقليّاً؟ فهو مشكوك فيه. ثم بتقدير المساعدة على أنّ الحالة المسماة باللذة لا تحصل إلاّ

1 . كذا.
2 . راجع المباحث المشرقية 1: 513 514.

صفحه 284
عند إدراك الملائم فهل يمكن حصول ادراك الملائم من غير حصول هذه الحالة؟ هذا أيضاً مما لم يظهر أحد طرفيه بالبرهان، بل فيه شك وهو أنّ الرطوبة محسوسة، فسوء المزاج الرطب محسوس، وهو غير مؤلم. ولو سلم فالتلازم بين الشيئين لا يقتضي الاتحاد، بل ينافيه. وإذا كان سوء المزاج الرطب غير مؤلم، وهو محسوس، لم يكن ادراك الأمر الغير الطبيعي هو نفس الألم.
ومن احتج على إبطال كون اللذة ادراك الملائم، والألم ادراك المنافي، بأنّ «المريض يلتذّ بالحلاوة مع أنّها لا تُلائمه، بل تُمرضه، وينفر عن الأدوية وهي تلائمه»، فغير وارد; لأنّ المريض إنّما يستضر بما يستلذه لا من حيث إنّه أدرك ما يلائمه، بل إما لأنّ في بدنه أخلاطاً رديّة يستحيل إليها ما يتناوله، فيستضر بكون ذلك في بدنه، حتى أنّه لو حصل زيادة هذا الخَلط في بدنه من غير ادراك ما استلذه لاستضرَّ به. وإمّا لأنّ الأعضاء تضعف عن هَضم ما تناوله فيستحيل إلى خلط رديء، حتى لو حصل ذلك من دون ادراك ما يشتهيه لاستضرَّ به.
ولأنّ المريض لو أدرك ما ينفر طبعه عن الأدوية ولم يعرض أمر آخر لم ينتفع، والأُمور العارضة هي إمّا أن تخرج الدواء خلطاً مؤذياً أو تحيله إلى خلط جيد فتغذوه أو تقوى بعض الأعضاء. فلهذه الأُمور يحصل الانتفاع، لا لأنّه أدرك ما ينفر عنه1.
وأمّا المعتزلة: فقولهم قريب من قول الفلاسفة لأنّهم قالوا: المدرك إن كان متعلق الشهوة كالحكة في حق الأجرب كان ادراكه لذة2. وإن كان متعلق النفرة كالحكة في حق السليم كان ادراكه ألماً. فجعلوا الألم واللذة من نوع واحد، وإنّما

1 . راجع المباحث المشرقية 1: 514ـ 515.
2 . قال القاضي عبد الجبار: «أما اللذة: فكأن يحك أحد جرب الغير، أو يضع لقمة شهية في فمه، أو يخلع عليه خلعة نفيسة» شرح الأُصول الخمسة: 80. راجع أيضاً تلخيص المحصل: 171.

صفحه 285
يفترقان بما يقترن بهما، وجعلوا الألم معنى يحدث في الحي عند التقطيع ويتعلق به النفار، وهو من المدركات.
ونفى الشيخ أبو اسحاق ابن عياش أن يكون الألم معنى. وقال: ليس هو إلاّ خروج الجسم عن حدِّ الاعتدال. وجعل اللذة حصول الاعتدال في الجسم وزوال أجزاء عنه كانت بمنزلة حمل الثقيل.
فأداه هذا إلى القول بنفي النفار. ويلزمه نفي الشهوة إذا جعلناه لذة على بعض الوجوه، وهو قريب من مذهب ابن زكريا حيث جعل اللذة راحة من مؤلم أو خروج من مؤلم; لأنّ من اشتد عطشه تزداد شهوته للماء البارد فيجب أن تكون لذته خروجاً عما كان يجده. وهو ممنوع; لجواز الالتذاذ بادراك الماء البارد، وإن استلزم الخروج عن ألم العطش.
ثم يبطل قوله زيادة على ما تقدم بوجوه1:
الأوّل: قد يلتذّ الإنسان بمشاهدة شخص ولا يلحقه بفقده ألم حتى يقال: اللذة خروج من مؤلم.
الثاني: يلزم أن لا يؤثِر الواحد منا طعاماً على طعام، ولا منكوحةً على أُخرى، لأنّ الغرض ازالة الجوع أو الشبق، وهو حاصل بهما، ويبقى حاله كحال من أصابه البرد فإنّه لا يؤثر صلا2 على صلا3، حيث تعلق غرضه بازالة البرد.
الثالث: كان لا يحسن من العقلاء عند ضعف شهواتهم الالتجاء إلى طلب

1 . انظر بعض الوجوه في كتاب الحدود لقطب الدين النيسابوري: 56 57.
راجع أيضاً شرح الأُصول الخمسة: 214.
2 . الصَّلا والصِّلاء مثـل الأيَا والإياء إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قَصَـرت. وهو اسم للوقود، فتقول: صَلَـى النارِ، وقيل: هما النار. وصَلَّـى يَدَهُ بالنار: سَخَّنَها. واصْطَلَـى بها: استدْفَأَ. (لسان العرب: 7/399، مادة: صلا).
3 . ق: «صل».

صفحه 286
الدواء بالأدوية الكريهة حتى يلتذوا بالأطعمة; لأنّه يجري مجرى من يجرح نفسه ثم يطلب المداواة، فلولا ثبوت لذة إذا حصلت الشهوة، وإلاّ كان ذلك قبيحاً.
الرابع: انّه يُدرك اللذة على حد ادراكه الألم فلو كانت اللذة خروجاً من مؤلم لكان الألم خروجاً من ملذّ.
الخامس: انّه يُدرك اللذة والإدراك إنّما يتعلق بأمر وجودي لا عدمي.
السادس: كان يجب أن لا يظهر التزايد في الالتذاذ لأنّ العدم لا تزايد فيه، والتالي باطل بالوجدان فالمقدم مثله.
السابع: كان يجب أن تكون الشهوة ألماً، إذا جعل نيل المشتهى زوال الألم والخروج منه، ونحن لا نتألم بالشهوة.
الثامن: انا نفرق قطعاً بين ادراك طعام شهي، وبين القاء حمل ثقيل عن ظهورنا، فلو كان الأمر على ما قاله لم يثبت الفرق.
احتج أبو إسحاق بأنّ الألم لو كان معنى متولداً عن الكون لكان باقياً مع الاندمال1 لوجود سببه.
وأُجيب: بأنّ الكون وإن ولده فإنّما يولده بشرط زوال الصحّة، و مع الاندمال الصحة ثابتة وإذا زال الشرط زال المشروط.

1 . الانْدمال: التماثل من المرض و الجرح.لسان العرب، مادة دمل. واندمل الجرح: تماثل وتراجع إلى البرء .

صفحه 287

البحث الثاني

في أن تفرق الاتصال هل يوجب الألم أم لا1 ؟

ذهب جميع الأطباء إلى أنّ تفرّق الاتصال سبب ذاتي للوجع. قال جالينوس:«السبب الذاتي للوجع هو تفرّق الاتصال، فالحار إنّما يوجع لأنّه يفرّق الاتصال، وكذا البارد يؤلم لذلك أيضاً; لأنّه لشدة تكثيفه وجمعه يلزمه أن تنجذب الأجزاء إلى حيث تتكاثف عنده فتتفرّق من جانب ما تنجذب عنه. والأسود لمّا كان قابضاً للبصر يؤلم لشدة جمعه، والأبيض لمّا كان مفرقاً للبصر حصل منه الألم. والمرّ والحامض يفرقان مفرطاً فيحصل الألم. والعَفِص2 يقبض مفرطاً، فيتبعه التفريق فيحصل الألم، وكذا الشم تحصل منه الفرقة. والأصوات القوية تفرق بعنف3 من الحركة الهوائية عند ملاقاة الصماخ فيؤلم»4.

1 . راجع المباحث المشرقية1:515; نقد المحصل:171;مناهج اليقين:121; شرح المواقف6:138; الأسفار4:124.
2 . العَفِص: نبات، و منه اشتق طعام عفص أي فيه عفوصة و مرارة و تقبّض يعسر ابتلاعه.لسان العرب، مادة عفص.
3 . في المصدر: «لعنف».
4 . راجع القانون في الطب1:145الفصل التاسع عشر من الجملة الثانية من التعليم الثاني من الفن الثاني، تحقيق ادوار القش.

صفحه 288
ومشايخ المعتزلة قالوا: إنّما يثبت الألم واللذة فيما يحصل جاذباً عند التقطيع فقط، فإذا قارنه شهوة فهو لذة، وإن قارنه نفار فهو ألم.
واعترض أفضل المتأخرين بوجوه1:
الأوّل: التفرق مرادف للإنفصال، والإنفصال عدمي لأنّه عدم الإتصال عمّا من شأنه أن يكون متصلاً، والوجع والألم لا شكّ في أنّه ثبوتي فلا يجوز أن يعلل بالعدمي، فتفرق الاتصال ليس علّة للألم.
الثاني: قد لا يحس بالقطع مع حِدّة الآلة جداً، وسرعة القطع في أوّل الأمر بل بعد ذلك بلحظة، ولو كان الألم مستنداً إلى تفرق الاتصال خاصة لما تخلف الألم عنه; لاستحالة تخلف المعلول عن علته، فلمّا تخلف علم أنّه في أوّل القطع لم يحصل سوء المزاج فلم يحصل الألم، ثمّ لمّا حصل سوء المزاج بعد ذلك حصل الألم.
الثالث: التغذي والنمو إنّما يحصلان بتفرق أجزاء2 العضو وتنفذ في الفرج المستحدثة الأجزاء الغذائية، مع أنّه ليس هناك ألم، ومعلوم أنّه إنّما لم يؤلم لأنّ ذلك التفرق أمر طبيعي، ولم يحدث عنه سوء مزاج، وذلك يدل على أنّ التفرق ليس سبباً للألم لأنّه تفرق، بل لِما يكون معه من سوء المزاج.
وإنّما قلنا بحصول التفرق لاتفاقهم عليه، فإنّ الشيخ حكى في احتجاج أصحاب الخلاء في الشفاء3 بأنّ: «النامي إنّما ينمو لنفوذ شيء فيه، ولا يمكن النفوذ في الملاء».وأجابهم4 بأنّ:«الغذاء ينفذ بين المتماسَّين من أجزاء الأعضاء

1 . لاحظ المباحث المشرقية1:515ـ517.
2 . في المصدر:«اتصال».
3 . الفصل السادس من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء:52.
4 . في نفس المصدر، الفصل التاسع:67.

صفحه 289
فتحركهما بالتبعيد عنوة1 ويسكن2 بينهما».
وقال في الشفاء3 أيضاً في كيفية النمو: «يجب أن يكون ذلك الازدياد مستمراً على تناسب يؤدي إلى كمال النشء، ويكون الوارد قد فسد واستحال إلى مشاركة4 المورود عليه ممتداً5 في الأقطار متّجهاً إلى كمال النشء فيجب أن يداخل هذا الوارد المورود عليه نافذاً في خلل يحدثه في جسمه يندفع له المورود عليه إلى أقطاره على نسبة واجبة في نوعه».
وقال فيه6 أيضاً: «المربية7 تزيد في الطول أكثر كثيراً ممّا تزيد في العرض، والزيادة في الطول أصعب منها في العرض لاحتياجها في الطول إلى تنفيذ الغذاء في الأعضاء الصلبة من العظام والعصب تنفيذاً في أجزائها طولاً بنهاية تنفذ عن أطرافها»8.
ولأنّ الأعضاء دائماً في التحلل، ولا معنى له إلاّ الانفصال عن العضو بحركات متصلاً به9، والحاجة إلى الغذاء لإلصاق مثل ذلك الجزء بالعضو فالتفرق لابدّ للأعضاء منه، ثمّ لا يختص به ظاهر العضو، لأنّ المحلل هو الحرارة وهي سارية في ظاهر العضو وباطنه فوجب أن تتحلل الأجزاء من باطن العضو

1 . في المصدر: «بقوته».
2 . في المصدر: «ليسكن».
3 . نفس المصدر، الفصل الثامن من الفن الثالث.
4 . في المصدر: «مشاكله».
5 . في المصدر: «قد نُمى ممتداً».
6 . في الفصل الأوّل من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء.
7 . كذا في ق و المصدر، و في ج: «المرشة».
8 . العبارة كذا في النسخ، و في المصدر: «طولاً لتمنيها و تبعد عن أطرافها» ونقلها الرازي:«طولاً ليتممها وينفذ بين أطرافها».
9 . العبارة كذا في النسخ، و في المباحث: «أن ينفصل عن العضو جزء كان متصلاً به».

صفحه 290
كما تتحلل من ظاهره، وإنّما يتم التحليل بتفرق الاتصال.
لا يقال: ذلك التفرق في أجزاء صغيرة جداً، فلصِغر ذلك التفرق لا يحصل الألم. أو أنّ تلك الآلام لما دامت بطل الشعور بها.
ولأنّ الحس دلّ على أنّ التفرّق مؤلم، فيكون ما ذكرتم من الوجوه في إبطاله استدلالاً على إبطال ما علمت صحّته بالضرورة، فيكون باطلاً.
لأنّا نجيب عن الأوّل: بأنّ كلّ واحد من تلك التفرقات وإن كان صغيراً جداً لكن تلك التفرقات كثيرة جداً; لأنّ التغذي والنمو لا يختص بجزء من البدن دون جزء بل هما حاصلان في جملة الأجزاء، وهما لا يتمّان إلاّ بهذا النوع من التفرق، فإذن كان هذا التفرق حاصلاً في جملة الأعضاء، فلو كان التفرق مؤلماً من حيث هو تفرق لكانت الآلام حاصلة في جملة الأجزاء وفي جميع البدن، ولمّا بطل التالي بطل المقدم.
وعن الثاني: لا نعني بالألم إلاّ ما يجده الحي من نفسه وليس حاصلاً بسبب التغذي والنمو، وليس كلامنا إلاّ في ذلك، فإن أثبتّم أمراً آخر، كان وقوع اسم الألم عليه وعلى ما نحن فيه بالاشتراك.
وعن الثالث: أن تفرق الإتصال يستعقب سوء المزاج مع أنّ التفرق عدمي.
الرابع1: الكيفيات الحادثة في العناصر إنّما تحدث عن مبدأ عام الفيض، وإنّما تختلف الأعراض والصور في أجسام هذا العالم لاختلافها في الاستعداد، على ذلك اتّفقت الفلاسفة وإن كنّا لا نقول بها، فنقول: المركب من العناصر إنّما اختص بكيفية مخصوصة; لأنّ المزاج أفاده استعداداً لقبول الكيفية عن واهب الصور دون سائر الكيفيات، فمادام ذلك المزاج باقياً استحال زوال تلك الكيفية،

1 . احتج الرازي بهذا الوجه في كتابه الملخص، كما في شرح المواقف 6:142.

صفحه 291
فيكون السبب القريب للألم واللذة ثبوتاً وانتفاءً هو المزاج لا التفرق.
واعترضه أفضل المحقّقين: «بأنّ العدم لا يكون علّة لموجود; و]لكن[1 العدمي ربما يكون علةً لعدم الحركة عمّا من شأنه أن يتحرك فانّه علّةٌ لأحد الأكوان الذي هو السكون، وعدم السمع علّة للخَرَس، وعدم الغذاء في الحيوان الصحيح للجوع. وتفريق الاتصال في العضو الذي لا يكون فيه حس أو يعرض له خَدَر، أو يكون معه استمراراً، أو يكون التفرق طبيعياً، كما يحصل في التغذي عند نفوذ الغذاء في أجزائه لا يكون مؤلماً، بل الألم عندهم إحساس عضو بتفرق اتصال يحدث فيه غير طبيعي، وكلامهم يدل على ذلك، ولا شكّ في أنّ الحُمّى وهو سوء المزاج مؤلم وإن لم يكن هناك تفريق اتصال. والمعنى الجامع هو الاحساس بالمنافي، فهو إذن حدّالألم، وإذا كان التحديد صحيحاً فلا يكون انعكاسه لفظياً.
وإنّما خالف في أنّ تفرُّق الاتصال ليس بموجب للألم في الحي، إنّما كان لأنّه يقول: التفريق يوجب سوء المزاج الذي تقتضيه طبائع المفردات عند تفريقها، فالسبب الذاتي هو طبائع المفردات، والتفريق يقتضي زوال الاعتدال الذي حصل من الكسر والانكسار. فالتفريق ليس سبباً بالذات، إلاّ لأمر عدمي هو زوال الاعتدال، والألم إنّما يحصل من سوء المزاج، هكذا قاله قطب الدين المصري تلميذه . لكن قوله: «وزاد ابن سينا سبباً ثانياً وهو سوء المزاج» يدل على خلاف ذلك»2.
وقد ذكر في المباحث ما نقله قطب الدين، فإنّه قال: «بدن الإنسان مركّب من العناصر التي تقتضي طبيعة كلّ منها الخروج عن الاعتدال، فمادامت متصلة

1 . ما بين المعقوفتين مأخوذ من المصدر.
2 . نقد المحصل:171و172.

صفحه 292
ينكسر البعض بالبعض ويحصل الاعتدال، فإذا تفرقت بقيت طبيعة كلّ واحد منها خالية عمّا يعوقها عن إفاضة الكيفية الخارجة عن الاعتدال، فحينئذ تفيض عليها1 تلك الكيفيات.
فالحاصل: أنّ السبب الفاعلي2 لسوء المزاج هو طبيعة كلّ واحد من البسائط، إلاّ أنّ اختلاطها صار مانعاً من ذلك، فلما تفرق الاتصال فقد عدم المانع، فتعود الطبيعة مقتضية لفعلها»3.
وفيه نظر،4 فانّ العدمي جزؤه عدم، وإذا كان جزء العلّة عدماً كانت عدماً ، فلا يمكن أن يكون علّة للموجود. ولو جوّزنا كون العدمي علّة للوجودي انسد باب اثبات الصانع تعالى، وجميع الأسباب التي ندّعي ثبوتها باعتبار ثبوت آثارها!! ثمّ الضرورة تبطل اسناد الوجودي إلى العدمي. وليس السكون معلولاً لعدم الحركة، بل إلى سبب موجود فيه إن جعلناه وجودياً كما هو رأي المتكلمين، وإن جعلناه عدمياً كما هو رأي الحكماء لم يتم الدليل. والخرس عدمي فاستند إلى عدم السمع، على أنّه لا يلزم من التقارن العلية. والجوع نمنع انّه ثبوتي وأنّه معلول عدم الغذاء، بل عدم الغذاء شرط له.وتفريق الإتصال في العضو الذي لا يكون فيه حس أو يعرض له خَدَر أو يكون معه استمرار من غير ألم لعدم الاحساس فيه، يدل على التغاير بين الألم والتفريق. ولا يمكن أن يكون التفريق طبيعياً، وإلاّ لدام.
والوجه أنّ التفريق ثبوتي، والانفصال التعدد وهو أمر ثبوتي أيضاً فجاز أن يكون سبباً للألم.

1 . في المصدر: «عنها».
2 . ج:«الفاعل».
3 . المباحث المشرقية1:517ـ518.
4 . راجع مناهج اليقين:122.

صفحه 293

البحث الثالث

في سبب الألم

هنا أمران يحصل الألم عقيبهما وهما تفرق الاتصال وسوء المزاج. فذهب جالينوس إلى أنّ السبب القريب للألم هو تفرق الاتصال، وأمّا سوء المزاج فإنّما يكون مؤلماً لأنّه يستعقب تفرق الاتصال.
ذهب الشيخ: إلى أنّ السبب الذاتي للألم هو الأمران: إمّا تفريق الاتصال، أو سوء المزاج المختلف بالذات وهو الحار والبارد أو بالعرض وهو اليابس; لأنّه لشدة تقبيضه ربما كان سبباً لتفرق الاتصال. وأمّا الرطب فغير مؤلم البتة1.
وقيل2: السبب الذاتي هو سوء المزاج المختلف3 خاصة، إذ لا ثالث هنا. وبطل بما تقدم أنّ تفرق الاتصال سبب، فلم يبق إلاّ سوء المزاج.

1 . أُنظر المباحثات:69. و قال في القانون:«جملة أسباب الوجع منحصرة في جنسين: جنس يغيّر المزاج دفعة، و هو سوء المزاج المختلف، وجنس يفرّق الاتصال». القانون في الطب1:145.
2 . القائل هو الرازي، حيث يقول: «وأمّا نحن فنظنُّ أنّ السبب الذاتي هو سوء المزاج فقط...». المباحث المشرقية1:518.
3 . سوء المزاج ينقسـم إلى: سوء المزاج المختـلف و سوء المزاج المتفق . و سيأتي تعريفهمـا في ص296.

صفحه 294
واحتجّ الشيخ على أنّ سوء المزاج المختلف مؤلم بالذات بوجوه1:
الأوّل: «الوجع2 قد يكون متشابه الأجزاء في العضو الوجع، وتفرق الاتصال لا يمكن أن يكون متشابه الأجزاء، لأنّه لابدّ من انتهاء القسمة إلى آحاد لا يكون فيها تفرق. فإذن وجود الوجع في الأجزاء الخالية عن تفرق الاتصال لا يكون 3في تفرق الاتصال».
اعتُرض بمنع كون الوجع متشابه الأجزاء في الحقيقة، ولا يلزم من التشابه في الحس التشابه في الحقيقة; لأنّ التفرقات إذا تكثرت في السطح كان البعض قريباً من البعض وتصغّرت السطوح جداً، فإذا حصل الألم في موضع التفرّقات ظن الحس كون الوجع متشابهاً وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، لكثرة مواضع التفرقات وقرب بعضها من بعض وصغر ما بينهما من السطوح، كالأجرام المختلفة لوناً إذا سحقت ناعماً ومزجت، أدرك الحس لوناً مفرداً وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك.ومع قيام الاحتمال يبطل البرهان.
الثاني:«البرد مؤلم حيث يقبض ويجمع وحيث يبرد، وتفرق الاتصال عن البرد لا يكون حيث يبرد، بل في أطراف الموضع المتبرد».
اعتُرض بأنّ الموضع إذا برد انقبض ويعرض من ذلك الانقباض تمدد أطرافه عن أطراف الموضع الحار، وان تنضغط أجزاؤه المتبردة بعضها في بعض، وكِلا الأمرين سبب لتفرق الاتصال.

1 . أُنظر القانون1:145ـ146. مع تصرفات العلاّمة في النقل. و انظر الوجوه أيضاً في المباحث المشرقية1:518ـ 520; شرح المواقف6:142.
2 . عرفه الشيخ بأنّه: «أحد الأحوال الغير الطبيعية العارضة لبدن الحيوان.» القانون1:145. و قال التفتازاني في تعريفه :«و الحسي من الألم سيما اللمس يسمى وجعاً». شرح المقاصد2:368.
3 . كذا، و في المصدر:«عن».

صفحه 295
أمّا الأوّل: فلأنّه إذا تمدد طرفه عن طرف الموضع الحار انفصل عنه فحصل التفرّق.
وأمّا الثاني: فلأنّ الضغط سبب لتفرق الاتصال، ولهذا جعلوا الألم الضاغط من أقسام الألم. ولأنّ الموضع المتبرد يمكن أن يكون بعضه أبرد من البعض، وحينئذ ينفصل الأبرد عن البارد.
الثالث:«الألم1 احساس بمؤثر مُناف بَغْتةً من حيث هو مناف، والحد ينعكس، فكلّ2محسوس مناف من حيث هو مناف مؤلم3».
اعترض بأنّ الألم إن كان اسماً لادراك المنافي فذلك ممّا لا منازعة فيه، لكنّا بيّنا أنّ المعنى المخصوص الذي نجده ونسميه الألم لم يثبت أنّه نفس إدراك المنافي أو ما يقارنه، ومتى كان كذلك لم تكن في هذا الكلام فائدة.
وأيضاً ينتقض بسوء المزاج الرطب، فانّه مدرك مناف فهناك حصل إدراك المنافي مع أنّه لم يوجد الألم.
الرابع4: «لَسْعة العقرب أشد إيلاماً من الجراحة العظيمة، ولو كان المؤلم هو تفرق الاتصال خاصة لكان ألم الجراح أعظم. فإذن زيادة الألم في لسعة العقرب إنّما حصل من سوء المزاج لا من تفرق الاتصال».

1 . في المصدر: «الوجع».
2 . في المصدر:«و كل».
3 . في المصدر: «موجع».
4 . هذا الوجه ليس في القانون.

صفحه 296

البحث الرابع

في أنّ المؤلم هو سوء المزاج المختلف1

اعلم أنّ المزاج إذا كان على ما ينبغي في الكم والكيف بالنسبة إلى نوع ذلك الشخص فهو المعتدل بالنسبة إليه وإن كان خارجاً عن الاعتدال الحقيقي بالنسبة إلى غيره، فإذا انحرف وخرج عن حدّ الاعتدال بالنسبة إلى ذلك الشخص في بعض الكيفيات فصار بحيث لا ينبغي لذلك الشخص أن يكون على تلك الكيفية فقد بطل عنه ما ينبغي له، وكان ذلك هو سوء المزاج.
ثمّ إنّ سوء المزاج إن استقر في العضو وأبطل الطبيعة الخاصة بذلك العضو، سمي سوء المزاج المتفق2، وإن لم يكن كذلك سمي سوء المزاج المختلف3. والمؤلم إنّما هو الثاني دون الأوّل.
واحتج عليه الرئيس بحجّة ومثالين4:
أمّا الحجّة: «فلأنّ المنافاة إنّما تتحقق بين شيئين، فإذا كان للعضو كيفية

1 . راجع القانون1:144ـ145; المباحث المشرقية1:520ـ 521; شرح المواقف6:142ـ144.
2 . و يسمى بالمستوي أيضاً لمشابهته بالمزاج الأصلي في عدم الإيلام، و استقراره فيه بحيث يصير كأنّه المزاج الطبيعي . راجع شرح المقاصد2: 370ـ371.
3 . راجع الفصل الثالث من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء.
4 . راجع نفس المصدر; القانون1:145.مع تصرفات العلاّمة في النقل.

صفحه 297
فورد عليه ما يضادها، فإمّا أن يبطل الوارد كيفية العضو، فحينئذ لا تبقى هناك كيفيتان متنافيتان فلم تكن المنافاة حاصلة فلم يكن الاحساس بالمنافاة حاصلاً; لأنّ الحاس يجب أن ينفعل من المحسوس والشيء لا ينفعل عن الحالة المتمكنة التي لا تغيّره بل عن الضد الوارد المغير إياه إلى غير ما هو عليه. وإن لم يبطل المضاد الوارد كيفية العضو تحقّقت المنافاة بين الوارد وبين كيفية العضو فيتحقق الألم. فلأجل ذلك يكون سوء المزاج المختلف مؤلماً، لا سوء المزاج المتفق»1.
وأمّا المثالان: فالأوّل: «حرارة صاحب الدق أشدّ كثيراً من حرارة صاحب الغبّ 2، مع أنّ صاحب الدِّقّ لا يجد من الالتهاب ما يحس به صاحب الغِبّ أو صاحب حُمّى يوم; لأنّ حرارة الدق ثابتة مستقرة في جوهر الأعضاء الأصلية، وحرارة الغبّ واردة من مجاورة خلط على أعضاء محفوظة3 فيها مزاجها الطبيعي بعد بحيث إذا تنحّى الخلط بقي العضو منها على مزاجه الطبيعي».
الثاني: «إنّ المغافص4 بالاستحمام شتاءً إذا استحم بالماء الحار، بل بالفاتر، عرض منه أذى; لأنّ كيفية بدنه بعيدة عن مضادة إيّاه، فإذا مكث لحظة استلذ به كما يتدرج إلى الاستحالة عن حالة البرد العاجل ثمّ بعد زيادة المكث يتسخن بدنه أكثر من الأوّل، فإذا صب عليه الماء الأوّل بعينه بغتة استبرده واقشعر منه».
ويمكن أن يقال: المنافاة إنّما تتحقق بين أمرين لأنّها اضافة تستدعي تعدد

1 . لصدر المتألهين في هذه الحجّة شك و تحقيق. راجع الأسفار4:131ـ132.
2 . حُمّى الدِّقِّ: داء تعرفه العامّة بالسخونة الرفيعة. و الغِبّ: حمى تنوب يوماً بعد يوم، قال ابن عباد: هي وِردُ يوم و ظِمءُ يَوم و منه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (زُر غِبّاً تَزدد حُباً). راجع المحيط في اللغة4:519; تاج العروس، مادة غبب.
3 . في المصدر: «محفوظ».
4 . أي الأخذ على حين غِرّة. المنجد، مادة غفص.

صفحه 298
المضافين ليكون أحدهما منافياً للآخر. فإذا كان لعضو كيفية فورد عليه مضادها، فإن أبطلها فهناك كيفية واحدة حينئذ، فلا تتحقق المنافاة فلا يتحقّق ادراك المنافي، فلا ألم. وإن لم يبطلها تحققت المنافاة فحصل الشعور بها، فيتحقق الألم، فلهذا كان المؤلم سوء المزاج المختلف لا المتفق.

صفحه 299

البحث الخامس

في تفصيل اللّذات الحسية1

قال جالينوس: الألم واللّذة إنّما يحدثان في الحواس كلّها، وكلّما كان الحس أكثف كانت مقاومته مع الوارد عليه أكثر فكان الألم واللذة أقوى.ولمّا كان النور الذي يشبه النار التي هي ألطف العناصر في غاية اللطف وهو آلة الابصار فكان الألم واللذة في الابصار أضعف من غيره. ثمّ يتلوه السمع، لأنّه أقلّ لطافةً من البصر لأنّ آلته الهواء المقروع فصارت اللذة والألم من حاسة السمع أكثر من البصر. ثمّ يتلوه الشم، فانّه أقلّ لطافةً من السمع لأنّ محسوسه البخار وهو أغلظ من الهواء. ثمّ يتلوه الذوق، فانّه أغلظ من الشم لأنّ آلته الرطوبة العذبة2 وهي في درجة الماء، فكانت اللذة في الذوق أكثر من الشم. ثمّ اللمس، لأنّه أغلظ من جميع الحواس لأنّه في قياس الأرض، وكانت مقاومته مع الوارد أقوى وأبطأ فكانت اللذة فيه أقوى.
وقد خ3الفه الشيخ في ذلك فانّه قال في الشفاء4: «من الحواس ما لا لذّة

1 . راجع المباحث المشرقية1:521ـ 523.
2 . في جميع النسخ:«الغريبة»، و ما أثبتناه من المباحث.
3 . راجع القانون1:147.
4 . الفصل الثالث من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء.

صفحه 300
لها ولا ألم في محسوساتها، ومنها ما تلتذ وتتألم بتوسط المحسوسات. فالأوّل البصر والسمع، فإنّ البصر لا يلتذ بالألوان ولا يألم بها، وكذا السمع، بل الملتذ والمتألم فيهما النفس من داخل. وأمّا الشم والذوق، فيألمان ويلتذان إذا تكيفا بكيفية ملائمة أو منافرة.
نعم قد يعرض لآلة السمع والبصر تألم من صوت شديد أو لون مفرّق للبصر كالضوء، فليس يألم حيث يسمع أو يبصر، بل من حيث يلمس لأنّه يحدث فيه ألم لمسي، وكذلك يحدث منه بزوال1 ذلك لذة لمسيّة.
وأمّا اللمس فإنّه قد يألم بالكيفية الملموسة ويلتذ بها، وقد2 يتألم ويلتذ بغير توسط كيفية من3 المحسوس الأوّل بل بتفرق الاتصال والتئامه»4.
لا يقال: لا شكّ أنّ الملائم للعين هو الابصار، وقد حدّ اللذة: بأنّها إدراك الملائم، فكيف زعم أنّ العين لا تلتذ بذلك؟
لأنّا نقول: لا نسلم أنّ في العين قوة مدركة بل المتصور5 والسامع هو النفس، وهذه آلات لها في هذه الإدراكات، فاندفع الاشكال.
لكنّه لازم على الشيخ، لكن له أن يعتذر بأنّ الألوان ليست ملائمة للقوة الباصرة، فانّه يستحيل اتصاف القوة الباصرة بالألوان. نعم إدراك الألوان ملائم للقوة الباصرة، والشيخ لم يجعل حصول الملائم لذة، بل ]جعل[ اللذة إدراك الملائم، والقوة الباصرة إذا أبصرت حصل لها الملائم وهو إدراك الألوان ولم يحصل

1 . كذا في المصدر، و في النسخ:«زوال».
2 . كذا في المصدر، و في النسخ: «فقد».
3 . في المصدر: «هي».
4 . انتهى كلام الشيخ، و وصفه الرازي بانّه الحقّ الصريح.
5 . كذا في النسخ، و في المباحث: «المبصِر».

صفحه 301
لها إدراك هذا الملائم، فانّ البصر لم يدرك كونه مدركاً للألوان; لأنّ ذلك شيء لا يتعلق بالبصر بل بالنفس الدراكة للأشياء، فلا جرم حصلت اللذة للنفس دون البصر.
قيل: قوة اللمس لا تتصف بالكيفيات الملموسة فلا تكون تلك الكيفيات ملائمة لها، لأنّ الملائم هو الذي يكون كمالاً للشيء، وأقلّ درجات الكمال إمكان حصوله للشيء، بل الملائم للقوة اللامسة إدراك الملموسات وليس لها أن تدرك أنّها أدركت الملموسات، بل المدرِك لذلك النفس. فهي إذن لم تدرك الملائم، فلا تكون لها لذة. لكن الشيخ اعترف بحصول اللذة للقوة اللامسة.
والحاصل أنّه لا فرق بين الحواس وأنّ هذه المحسوسات، إمّا أن تكون ملائمة للحواس فيكون إدراكها إدراكاً للملائم فيكون إدراك البصر للألوان إدراكاً للملائم فيكون قول الشيخ بعد ذلك:«إنّ البصر لا يلتذ بالألوان» يناقض قوله:«اللذة إدراك الملائم»، أو لا تكون ملائمة بل الملائم لهذه الحواس هو الاحساس لا المحسوس فحينئذ إمّا أن يقول: حصول الملائم هو اللذة، فيلزمه تسليم اللذة للبصر أو: إدراك الملائم الذي يحصل هو اللذة، فلا تثبت اللذة في حاسة اللمس; لأنّه ليس الملائم لها الملموسات بل الاحساس بها، ثمّ ليس لها إدراك لذلك الاحساس، فليس لها إدراك الملائم، فوجب أن لا تكون لها لذّة.

صفحه 302

الباب الرابع

في بقايا الكيفيات النفسانية

وفيه مباحث:

البحث الأوّل

في الصحة والمرض1

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: في حدّ الصحّة والمرض

قد عرفت فيما تقدم أنّ من التصورات ما يستغني عن التعريف، وهي إمّا البديهيات أو المحسوسات أو الوجدانيات، والصحّة والمرض من هذا القبيل، فإنّ كلّ عاقل يجد من نفسه صحةً ومرضاً لا يحتاج في إدراكهما إلى ذكر حدّ أو رسم وهما كالجوع والشبع عنده، لكن الشيخ قد حدهما بحدود متعددة.
ففي القانون:«إنّها ملكة أو حالة تصدر عنها الأفعال من الموضوع لها

1 . راجع المباحث المشرقية1:524; شرح المواقف6:144.

صفحه 303
سليمة»1. وفي موضع آخر منه «إنّها هيئة يكون بها بَدَن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث تصدر عنه الأفعال كلّها صحيحة وسليمة»2.
وحدّ المرض بأنّه:«هيئة في بدن الإنسان مضادة لهذه الهيئة»3.
وقال في قاطيغورياس الشفاء4: «إنّها ملكة في الجسم الحيواني تصدر عنها لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها غير مؤوفة5. والمرض حالة أو ملكة مقابلة لها6، فلا تكون أفعاله من كل الوجوه كذلك، بل تكون هناك آفة في الفعل».
وأعمّ ما وصفه مكان الجنس في هذه الرسوم قوله«هيئة»، لأنّه لما رسم الكيفية بما ذكر بعدها ما ميّزها في سائر أجناس الأعراض، فلولا صدقها على الجميع لما احتاج إلى ما يميز الكيفية عن غيرها بعد ذكر الهيئة.
وفي الملازمة نظر، لجواز صدقها على طائفة منها.
ثمّ يتلوها في العموم ما جعل فيه الحال أو الملكة مكان الجنس. ثمّ الذي جعل فيه الملكة على التعيين.
وأمّا ما ذكره في موضع الفصل فقوله في الأوّل: «تصدر عنها الأفعال من

1 . القانون1:14. و هكذا عرفها الجرجاني في التعريفات: 173.
2 . القانون1:102. و نسب هذا التعريف إلى جالينوس.
3 . وقال الجرجاني:«المرض:هو ما يعرض للبدن فيُخرجه عن الاعتدال الخاص.» التعريفات:268.
4 . الفصل الثاني من المقالة السابعة من قاطيغورياس منطق الشفاء. و قاطيغورياس: باليونانية بيان الألفاظ المفردة و المراد هاهنا مباحث المقولات العشر من حيث إنّها مدلول الألفاظ المفردة. راجع شرح المواقف6:145.
5 . من الآفة «و هي العاهة كما في الصحاح، أو هي عرض مفسد لما أصابه و في الحديث آفة الحديث الكذب، و آفة العلم النسيان. و يقال إيف الزَّرع، كقيل، اصابته آفة، فهو مَؤوف كمَعُوف. آفَ القوم و أُوفوا و إيفُوا: دخلت عليهم آفة.» تاج العروس23ـ49ـ50; القاموس المحيط 3:124.
6 . أي مقابلة للصحة.

صفحه 304
الموضوع لها سليمة» يندرج فيها النبات حيث تكون أفعاله من الجَذب والهَضم سليمة. وقوله في الشفاء:«ملكة في الجسم الحيواني» أخص، لخروج صحّة النبات عنه. وقوله في القانون:«هيئة بها يكون بدن الإنسان بحيث تصدر عنه كذا»، أخص من الجميع.

المسألة الثانية: في جنس الصحّة 1

الشيخ جعلها مندرجة تحت الحال والملكة2، وفيه إشكال من وجهين:
الأوّل: الصحّة والمرض بينهما تقابل الضديّة، وجنس المتضادين واحد، فإذا كانت الصحّة مندرجة في جنس وجب اندراج المرض فيه، فلو كانت الصحّة من باب الحال والملكة وجب أن يكون المرض مندرجاً تحتهما، لكن الأطباء قد اتّفقوا على أنّ أجناس الأمراض المفردة3 ثلاثة: سوء المزاج، وسوء التركيب، وتفرق الاتصال; فسوء المزاج غير داخل تحت الحال والملكة، لأنّه إنّما يحصل عند زيادة إحدى الكيفيات على ما ينبغي، أو النقص عمّا ينبغي بحيث لا تبقى الأفعال مع الزيادة والنقصان سليمةً.
فهنا أُمور ثلاثة: الكيفية الغريبة، وكونها غير ملائمة للبدن، واتصاف البدن بها.
فإن جعلنا المرض الأوّل كما قاله الشيخ:«الحُمَّى نفس الحرارة الغريبة»، لم يكن ذلك المرض المزاجي من باب الكيفيات النفسانية، بل من الكيفيات المحسوسة; لأنّ الحرارة من باب الانفعاليات والانفعالات.

1 . راجع المباحث المشرقية1:525; كشف المراد: 254; شرح المواقف6:145; الأسفار4:144.
2 . مرّ مصدره آنفاً.
3 . عقد ابن سينا فصلاً «في أقسام أحوال البدن و أجناس المرض» في القانون 1:102.

صفحه 305
وإن جعلناه الثاني، لم يكن أيضاً من الكيفيات النفسانية; لأنّ كونها غريبة أو منافرة من باب المضاف.
وإن جعلناه الثالث، كان ذلك مقولة أن ينفعل.
فثبت أنّ المرض المزاجي ليس داخلاً تحت الحال والملكة.
وأمّا المرض التركيبي وهو سوء التركيب فهو عبارة: عن مقدار، أو عدد، أو وضع، أو شكل، أو انسداد مجرى يُخلُّ بالأفعال1، ولا شيء من هذه بداخل تحت الحال والملكة.
أمّا المقدار والعدد، فلأنّهما تحت الكم لا الكيف.
وأمّا الوضع، فلأنّه مقولة مستقلة بنفسها.
والشكل، وإن كان تحت الكيف لكنّه غير داخل تحت الحال والملكة، بل من الكيفيات المختصة بالكميات.
وأمّا تفرق الاتصال، فهو عدم الاتصال عمّا من شأنه أن يكون متصلاً والأُمور العدمية لا تكون مندرجة تحت مقولة أصلاً، فضلاً عن أن تكون تحت الحال والملكة، فلا واحد من أجناس المرض مندرجاً تحت الحال والملكة، فلا تكون الصحة مندرجة تحتهما.
الثاني: العناصر إذا امتزجت تفاعلت بعضها في بعض وانكسرت سورة كلّ كيفية من كيفياتها المتضادة، واستعدت حينئذ لأمرين:
الأوّل: الكيفية المتوسطة بين الكيفيات الأربع الحاصلة منها على حدّ الاعتدال على التناسب فتحصل حرارة منكسرة وبرودة كذلك ويقال لها الفتورة

1 . قال الشيخ:«و أمراض التركيب أيضاً تنحصر في أربعة أجناس: أمراض الخلقة، وأمراض المقدار، وأمراض العدد، وأمراض الوضع» و جعل «أمراض الشكل» من أنواع «أمراض الخلقة». راجع القانون1:103.

صفحه 306
ورطوبة ويبوسة منكسرتان.
الثاني: قوى وكيفيات أُخرى، كنفس أو طبيعة أو لون أو طعم.
فالمسمى بالصحّة إن كان هو اجتماع تلك الأجزاء وتأثير بعضها في بعض وتأثّر بعضها عن البعض فكلّ ذلك من المقولات النسبية، فلا تكون تحت الحال والملكة.
وإن كان هو الكيفيات المنكسرة، فهي تحت النوع المسمى بالانفعاليات والانفعالات.
وإن كان المسمى بالصحّة هو القوى، أمكن ادخال الصحّة تحت الحال والملكة، لكن يلزم أن لا يكون المرض مقابلاً للصحة.
وبالجملة لما كان المرض جنساً لما تقدّم من الأُمور كانت الصحّة عبارة إمّا عن أُمور وجودية مقابلة لتلك، كالمزاج الملائم والهيئة الملائمة والاتصال الملائم، أو عدمية وهي عدم تلك الأشياء المسماة بالمرض.وعلى التقديرين لا يمكن أن تكون الصحّة نفسانية إلاّ إذا أثبتنا كيفيات أُخر وراء المزاج والهيئة والاتصال الملائم ووراء عدم هذه الأشياء المنافية وتجعل الصحّة عبارة عنها، ولكن ذلك ممّا لا دليل عليه.

المسألة الثالثة: في ذكر شكوك على حدّ الشيخ، وحل لها 1

أوّلاً: ذكر في حدّ الصحّة في القانون لفظة «أو»2، وهي تقتضي الترديد والإبهام، وهو ينافي الغَرض من الحدّ; لأنّ الغرض منه الايضاح لا الابهام.

1 . راجع المباحث المشرقية1:527; شرح حكمة العين: 324; شرح المواقف6:147; شرح المقاصد2:375.
2 . قال: «إنّها ملكة أو حالة الخ».

صفحه 307
ثانياً: قوله: «تصدر عنها الأفعال من الموضوع لها سليمة»، كلام غير منتظم، فإنّ قوله: تصدر عنها الأفعال، مشعر بأنّ المبدأ هو الحال والملكة، ثمّ قوله: من الموضوع، مشعر بأنّ مبدأ الأفعال هو الموضوع، وبينهما تناف.
ثالثاً: انّه قَدَّم الملكة على الحال، مع أنّ الوصف يكون حالاً أوّلاً، ثم يصير ملكة.
رابعاً: السليم هو الصحيح فتحديد الصحّة به يكون تحديد الشيء بنفسه.
والجواب عن الأوّل: أنّه لا مخالفة ذاتية بين الحال والملكة، بل المخالفة في أمر عرضي زائد على الحقيقة، وهو رسوخ الكيفية وعدم رسوخها، وذلك راجع إلى طول اللبث وقصره، والخلاف في زمان البقاء طولاً وقصراً لا يؤثر في المخالفة الذاتية، فلا يلزم من الشكّ في اندراج الصحّة تحت الحال أو الملكة شكّ في شيء من مقومات الصحّة، بل في بعض عوارضها، ويصير تقدير الكلام: الصحّة كيفية نفسانية، سواء كانت راسخة أو زائلة، ويكون موضوعها كذا. أو نقول ليس المراد بـ (أو) الشك، بل ما يصدق عليه أحدهما.
وعن الثاني: ليس الفاعل للأفعال الصحّة، بل الموصوف بها وهو الصحيح، فإنّه إنّما يمكنه فعل تلك الأفعال لقيام الصحّة به، فالصحّة وصف لأجله تصدر الأفعال عن موضوعها سليمة. وهذه الدقيقة اعتبرها الشيخ في الحدود الثلاثة التي ذكرها للصحّة.
وعن الثالث: أنّ سبب تقديم الملكة في اللفظ لأنّها غاية الحال، والغاية متقدمة. أو لإجماعهم على أنّ الملكة صحّة واختلفوا في الحال، فقدم المتَّفَق.
وعن الرابع: أن الصحّة في الأفعال أمر محسوس وفي البدن غير محسوس، وتعريف غير المحسوس بالمحسوس جائز.
وأمّا قوله في التعريف الثاني:«الصحّة هيئة بها يكون بدن الإنسان في مزاجه

صفحه 308
وتركيبه بحيث تصدر عنه الأفعال كلّها صحيحة سليمة»، فعليه شكوك:
الأوّل: جعل الصحّة علّة لكون البدن بحيث تصدر عنه الأفعال، وهذا إنّما يتناول القوى لا الصحّة بمعنى الاعتدال التي يقابلها المرض، وهو متوجه على الرسم الأوّل.
الثاني: الصحّة قد توجد في سائر الحيوانات بل وفي النبات، فتقييده ببدن الإنسان1 باطل.
الثالث: ذكر فيه المزاج والتركيب ولم يذكر الاتصال، فإن اعتذر باندراجه تحت التركيب، قلنا: الامتزاج أيضاً مندَرج تحت التركيب. بل الفرق أنّ أجزاء العناصر حصل فيها التركيب مع الاستحالة حتى تكونت عنها الأعضاء البسيطة، والأعضاء البسيطة حصل فيها التركيب ولم تحصل فيها الاستحالة، وإذا كان الامتزاج قسماً من أقسام التركيب لم يجز جعله قسيماً.
فالحاصل أنّ ذكر المزاج زائد، أو حذف الاتصال ناقص.فالأولى في تحديد الصحة قول القدماء: انّه الذي يكون معه البدن الحيواني في تركيبه بحيث تصدر عنها الأفعال كلّها سليمة. وقلنا«معه» لا «به» ، لتناول الصحّة بمعنى الاعتدال. وأمّا الاتصال والمزاج فداخلان في التركيب.

المسألة الرابعة: في تقابل الصحة والمرض2

ذكر في القانون:«أنّ المرض هيئة مضادة للصحّة»3، وذكر مثله في

1 . ق: «لبدن الإنسان»، ج:«البدن بالإنسان»، و أصلحناها طبقاً للسياق.
2 . راجع المباحث المشرقية1: 528; شرح حكمة العين:327; شرح المواقف6:149; شرح المقاصد2: 377.
3 . القانون1:102.

صفحه 309
قاطيغورياس الشفاء1، وفيه أيضاً2«أنّ المرض من حيث هو مرض بالحقيقة عرض، لست أعني من حيث هو مزاج أو ألم» وهذا مشعر بأنّه جعل ذلك التقابل تقابل العدم والملكة،ولا مناقضة بين الكلامين ; لأنّ الصحّة عند الشيخ الأمر الذي لأجله يصدر الفعل السليم عن موضوعه، فذلك الأمر ثبوتي قطعاً. فأمّا وقت المرض فهناك أمران:
الأوّل: عدم ذلك الأمر الذي كان مبدأً للأفعال السليمة.
الثاني: حصول المبدء للأفعال الغير الملائمة.
فإن جعل الأوّل مرضاً كان التقابل بينه وبين الصحّة تقابل العدم والملكة. وإن جعل الثاني مرضاً كان التقابل بينهما تقابل التضاد.

المسألة الخامسة: في أنّ بين الصحّة والمرض واسطة أم لا3 ؟

قال الشيخ:«سبب ظن من4 أثبت بين الصحّة والمرض وسطاً هو لا صحّة ولا مرض نسيانه لشرائط ما ينبغي أن تُراعى في حال ما له وسط وما لا وسط له. وتلك الشرائط أن يفرض الموضوع واحداً بعينه وأن يكون الجزء واحداً بعينه والجهة والاعتبار واحداً بعينهما; فإذا كان كذلك وجاز خلو الموضوع عن الأمرين كان هناك واسطة، فإن فرض إنسان واحد واعتبر منه عضو واحد أو أعضاء معينة في زمان واحد وجاز أن لا يكون معتدل المزاج سوى التركيب بحيث

1 . في الفصل الثاني من المقالة السابعة.
2 . في آخر الفصل الثالث من المقالة السابعة.
3 . راجع المباحث المشرقية1:529; شرح حكمة العين: 328; شرح المواقف6:150; شرح المقاصد2: 379; الأسفار4: 148.
4 . و هو جالينوس، كما في القانون1:102.

صفحه 310
تصدر عنه جميع الأفعال التي تتم بذلك العضو والأعضاء سليمة وأن لا يكون ليس كذلك، فهناك واسطة. وإن كان لابدّ من أن يكون إمّا معتدل المزاج سوى التركيب أو لا، إمّا لأنّه أحدهما دون الآخر أو أنّه لا واحد منهما، فليس بينهما واسطة».
والنزاع في ذلك لفظي; لأنّ من عنى بالصحّة كون العضو الواحد أو الأعضاء الكثيرة في الوقت الواحد أو في الأوقات الكثيرة بحيث تصدر عنها الأفعال سليمة وعنى بالمرض أن لا يكون كذلك، فلا واسطة عنده. ومن عنى بالصحّة كون الأعضاء بأجمعها بحيث تصدر عنها الأفعال سليمة والمرض كون كلّ الأعضاء تكون أفعالها مؤوفة، أثبت الواسطة، وهو كون بعض الأعضاء بحيث تصدر عنها أفعالها سليمة وبعضها بحيث تصدر عنها مؤوفة.
وبالجملة إذا جعل المرض كون الحي بحيث تختل جميع أفعاله، والصحّة كونه بحيث تسلم جميع أفعاله، فبينهما وسط وهو الذي تسلم بعض أفعاله دون البعض، أو في بعض الأوقات دون البعض.
وإن عنينا كون الموضوع الواحد بالنسبة إلى الفعل الواحد في الوقت الواحد بحيث يكون سليماً أو لا يكون ولا واسطة بينهما، وصار البحث لفظياً.

صفحه 311

البحث الثاني

في أسباب الفرح 1

وفيه مسألتان:

المسألة الأُولى: في سبب أصل الفرح

اعلم أنّ الفرح من الكيفيات النفسانية الوجدانية لا يحتاج إلى التعريف بحد أو رسم، والمطلوب هنا ذكر أسبابه وهي إمّا معدّة أو فاعلية; لأنّ المبدأ الفياض عام الفيض ولا يتخصص فيضانه إلاّ بسبب قبول المادة، فالسبب المعدّ هو السبب الجسماني; فإنّ الحكماء والأطباء اتّفقت كلمتهم على أنّ الفرح والغم والخوف والغضب كيفيات تابعة للإنفعالات الخاصة بالروح الذي في القلب.
ثمّ كلّ انفعال يشتد ويضعف لا بسبب الفاعل، فانّ اشتداده وضعفه تابعان لاشتداد استعداد الجوهر المنفعل وضعفه.والفرق بين القوة والاستعداد أنّ

1 . قال ابن سينا: «الفرح لذة مّا... و اللذة كالجنس للفرح الذي هو كالنوع.» رسالة في الأدوية القلبية:227 و 229. و عرفه الجرجاني بأنّ « الفرح: لذة في القلب لنيل المشتهى.» التعريفات:213. و انظر البحث في المباحث المشرقية1:530; شرح حكمة العين:330; كشف المراد: 255; الأسفار4:149.

صفحه 312
القوة تكون على الضدين على السواء، والاستعداد لا يكون على الضدين بالسوية; فإنّ كلّ إنسان يقوى أن يفرح ويحزن، إلاّ أنّ من اشخاص الناس من يستعد للفرح فقط، ومنهم من يستعد للغم فقط. والاستعداد استكمال القوة بالقياس إلى أحد المتقابلين.
إذا تقرر هذا فنقول: السبب المعدّ للفرح أُمور ثلاثة1:
الأوّل: كون حامله الذي هو الروح على أفضل أحواله كمّاً وكيفاً.
أمّا كمّاً فأن يكون كثيرَ المقدار; لأنّ زيادة الجوهر في كمّه توجب زيادة قوته وشدتها2 على ما يأتي.
وأيضاً كثرة المقدار يحصل معها إمكان تفريق الروح، بحيث يكون بعضها عند المبدأ لا ينتقل عن موضعه وبعضها ينبسط عند الفرح، فيحصل منه قسط واف في المبدأ وقسط واف للانبساط الذي يكون عند الفرح. أمّا مع قلّته فلا يمكن فيه الانقسام; لأنّ القليل تنحلُّ به الطبيعة وتضبطه عند المبدأ، ولا يمكنه من الانبساط.
وأمّا كيفاً بأن يكون معتدلاً في اللطافة والغلظ، وأن يكون شديد النورانية والصفاء.
وإذا ظهر السبب المعد للفرح ظهر السبب المعد لضدّه وهو الغم، وهو إمّا قلّة الروح كما للناقهين، والمنهوكين بالأمراض، والمشايخ. وإمّا غلظه كما للسوْداويين والمشايخ، فلا ينبسط لكثافته. وإمّا رقته كما للنساء والمنهوكين، فلا يفي بالانبساط.وإمّا ظلمته كما للسوداويين.
الثاني: أُمور خارجة وهي كثيرة، وهي الأسباب الفاعلية، والأصل فيها

1 . انظرها في: رسالة في الأدوية القلبية لابن سينا، تحقيق د. محمد زهير البابا: 229ـ230 و 232.
2 . في رسالة الشيخ: «زيادة القوة في الشدة».

صفحه 313
تخيّل الكمال. والكمال مع أنّ فيه كثرة فانّه راجع إلى العلم والقدرة و يندرج فيه الاحساس بالمحسوسات الملائمة والتمكن من تحصيل المراد والاستيلاء على الغير ولو في شيء مّا وإظهار ذلك والخروج من المؤلم وتذكر اللذات.ومقابلاتها أسباب الغم.
قال الشيخ:«هذه الأُمور الخارجة الموجبة للفرح منها قوية ومنها ضعيفة، ومنها معروفة ومنها غير معروفة، وممّا لا يعرف ما قد اعتيد كثيراً فسقط الشعور به. ولا حاجة إلى تعديد ما كان من أسبابها قوياً وظاهراً.وأمّا الأُخرى فمثل تصرف الحس في العالم، ويدل على إلذاذه إيحاش ضدّه، وهو الإقامة في الظلمة، ومثل مشاهدة الشكل وهو يوجب الفرح; للغم بالوحدة»1.
اعترض بأنّه لا يلزم من كون الشيء على صفة أن يكون لضدّه ضدّ تلك الصفة; وقد ذكر الشيخ في كتاب «الجدل» من الشفاء:« أنّ هذه قضية مشهورة، باطلة في نفسها» فلا يلزم من كون الظلمة موحشة كون الحس في العالم لذيذاً.
وفيه نظر، فإنّ الشيخ لم يقصد في هذا المطلوب البرهان، بل الخطابة والظن.
قال:«ومثل التمكن من المراد في الوقت، والاستمرار على مقتضى القصد من غير شاغل، وكذا العزائم والآمال، وذِكْر ما سَلَف، ورجاء ما يستقبل، وتحدُّث النفس بالأماني، والمحادثة، والاستغراب والاغراب والتعجب والاعجاب، ومصادفة حسن الاصغاء من المحاور2، والمساعدة، والخديعة والتلبيس، والغلبة في أدنى شيء3.

1 . رسالة في الأدوية القلبية:232. مع تصرف العلاّمة في العبارات.
2 . في بعض نسخ المصدر: «المحاورة».
3 . في المصدر بعد قوله:«في أدنى شيء»: « وغير ذلك من الأُمور المحصاة في كتاب ريطوريقا، أي كتاب الخطابة، و هو من كتب أرسطو المشهورة».

صفحه 314
وأسباب الغم ما يقابل هذه الأُمور، وهي تذكر الأخطار التي عرضت ، والآلام التي قوسيت، و الأحقاد وما غاظ من المعاملات والمعاشرات، ومثل توهم المخاوف في المستقبل، وخصوصاً الواجب من مفارقة هذه الدار والقصور عن المراد»1.
الثالث: الفرح يعد النفس للفرح، والغم يعدّ النفس للغم، فإنّ الصفة ذات الضد إذا حدثت، فإنّ القوة على تلك الصفة تشتد فتصير أشد استعداداً2.

المسألة الثانية: في سبب شدّة الفرح3

المعلول مناسب للعلّة، فإذا قبِل الشدة والضعف قبلتهما العلّة، فشدة العلة سبب لشدة المعلول، ولهذا فإنّ الحار كلّما كان أشد حرارة كان اسخانه أشدّ. وأسباب الفرح والغم السابقة إذا اشتدت اشتد معلولهما. ثمّ إنّهما يشتدان أيضاً بسبب التكرار لوجوه:
الأوّل: الاستقراء، فإنّه يدل عليه ، ولهذا إذا سخن الجسم مراراً متوالية استعد بسرعة للتسخن4، وكذلك إذا برد، أو تخلخل، أو كثف. والقوى الباطنة تصير لها عند تكرر أفعالها وانفعالاتها ملكة قوية وإنّما تكتسب الأخلاق بمثل ذلك; فإنّ تكرار التخلق يصيّره خُلقاً. وبالجملة فإنّ كثرة الأفعال سبب لحدوث الملكات.
الثاني: كلّ انفعال مؤدّ إلى فعل فهو مناسب له، والمناسب للشيء معانِد

1 . نفس المصدر: 233.
2 . راجع نفس المصدر:234.
3 . راجع رسالة في الأدوية القلبية:235ـ236; المباحث المشرقية1:531ـ 533; الأسفار4:154.
4 . في بعض نسخ رسالة ابن سينا: «لسرعة التسخن» و في بعضها «بسرعة للتسخين».

صفحه 315
لضده، والمعاند للضد إذا تمكّن مراراً نقص من استعداد القابل1 له، فزاد في استعداد الضد الذي هو مناسبه.
الثالث: للفرح لازِمان تابعان له:]الأوّل [تقوى الطبيعة.]الثاني[ تخلخل الروح لما يكلفها الفرح من الإنبساط.
واللازم الأوّل تتبعه أُمور ثلاثة:] الأوّل [اعتدال مزاج الروح. و]الثاني[ كثرة تولد2 بدل ما يتحلل.و]الثالث[ حفظه من استيلاء التحلُّل عليه.
وأمّا اللازم الثاني فيتبعه أمران:
أ. الاستعداد للحركة وللإنبساط للطف القِوام.
ب. انجذاب المادة الغاذية إليه بحركته بالانبساط إلى غير جهة حركة الغذاء.
ومن شأن كلّ حركة بهذه الصفة أن تستتبع ما وراءها; لتلازم صفائح الأجسام وامتناع الخلاء، أو لقوة جاذبة على اختلاف المذاهب فيه.وكلّ ذلك ممّا يعدّ القلب لشدة الفرح.
وأمّا الغم فيتبعه وصفان متقابلان للوصفين التابعين للفرح : أحدهما ضعف القوة الطبيعية، والآخر تكاثف الروح للبرد الحادث عند انطفاء الحرارة الغريزية لشدة الانقباض والاحتقان من الروح، وتتبع ذلك أضداد لما ذكرناه.
وأمّا شدّة فرح شارب الخمر3 فلأنّه إذا شربها باعتدال ولّدت روحاً كثيرة معتدلة في الرقة والغلظة شديدة النورانية، وذلك هو السبب الأوّل.
ثمّ إنّ تلك الأرواح الدماغية4 تكون شديدة الترطب وشديدة التموّج لما

1 . في رسالة ابن سينا:«المقابل».
2 . في رسالة ابن سينا:«توليد».
3 . راجع رسالة في الأدوية القلبية:230 و 231; المباحث المشرقية1: 532ـ 533.
4 . راجع رسالة في الأدوية القلبية:230 و 231; المباحث المشرقية1: 532ـ 533.

صفحه 316
يتصعد إليها من البخارات الرطبة المضطربة، وحينئذ يقل استعمال العقل لها في الحركات الفكرية لعدم اذعانها للتشكل الروحاني لرطوبتها فيصعب على العقل استعمالها فتعرض للقوة العقلية اعراض بقدر ما يعتدل مزاجها ويسكن تموجها فتصير باعتبار ترك استعمال العقل لتلك الأرواح مشغولة بما يرد عليها من الحواس الخارجة، خصوصاً والحس الظاهر أقدر على تحريك الروح الباطني1 من العقل، ولهذا إذا يعسر على العقل شيء واستعصى عليه استعان بالحس كما في العلوم الهندسية فيعينه ويقويه. فحصل لشارب الخمر أُمور ثلاثة تفيد اشتداد الفرح.
الأوّل: استكمال جوهر روحه كمّاً وكيفاً.
الثاني: اندفاع الأفكار العقلية عنه التي قد تكون أسباباً في الغم.
الثالث: اشتغال تخيله وتفكره بالمحسوسات الخارجية التي هي أسباب اللذة وتفرغه لها.
وأمّا السوداوي2 فيشتد غمه; لأنّ الأمر في حقّه بضدّ ما ذكرناه. وهو أيضاً قوي التخيل; لأنّ الروح الذي في البطن الأوسط من الدماغ تخف حركته لجفافه، ولما تفيده السَّوداء من اليبس. ثمّ إنّه لقوة تخيله ينفذ تخيُّلُه في فكرة موحشة بايراده الاشباح3 والمحاكيات للسبب الموحِش العام وتكون كأنّها واقعة، فلا يزال في غم وخوف.

1 . ق: «الباطن».
2 . في النسخ:«السواوي».
3 . في النسخ:«الاشباه».

صفحه 317

البحث الثالث

في الفرق بين ضعف القلب والتوحش1

الفرق بينهما من وجوه:
الأوّل: في ضعف القلب انفعالان: أحدهما انفعال بالتأذي، والثاني انفعال بالشوق إلى الفرار وحركة المباعدة.وفي ضيق الصدر انفعال واحد هو بالتأذي خاصة، ولا يلزم من ذلك الشوق إلى الهرب، بل ربما اختار مقتضاه لغرض آخر فيكون ذلك شوقاً اختيارياً لا شوقاً حيوانياً، وربما اختار المقاومة2 للبطش والدفع.
الثاني: اللوازم البدنية متخالفة فيهما فيتغايران3، فإن ضعف القلب يلزمه عند حصول المؤذي الذي يخصه خمود من الحرارة الغريزية واستيلاء من البرودة، وضيق الصدر يلزمه غالباً عند حصول المؤْذي الذي يخصه اشتعال من الحرارة الغريزية.
الثالث: الأسباب الاستعدادية متخالفة، فإن ضعف القلب قد يتبع لا

1 . راجع المباحث المشرقية1:533; الأسفار4:156.
2 . ق: «المقارنة».
3 . ق: «متغايران».

صفحه 318
محالة رقة الروح بإفراط وبَرْد مزاجه، وضيق الصدر يتبع كثافة الروح وسخونة مزاجه.
الرابع: ليس كلّ ضعيف القلب مِحزاناً وبالعكس، وليس كلّ قوي القلب مِفراحاً وبالعكس; لتخالف الحدود، فإن ضعف القلب حال بالقياس إلى الأمر المخوف من جهة قلة احتماله، وضيق الصدر حال بالقياس إلى الأمر الموحش من جهة قلة احتماله، والمخوف هو المؤذي البدني، والموحش هو المؤذي النفساني.
الخامس: اللوازم فيهما مختلفة، فضعف القلب يحرك إلى الهرب والتوحش، وضيق الصدر يحرك إلى الدفع والمقاومة، ولذلك فانّ القوّة كثيراً تفتر1 عند ضعف القلب، مع أنّها تهيج كثيراً عند التوحش.

1 . في المباحث:«تغيب».

صفحه 319

البحث الرابع

في أسباب سائر العوارض1

جميع العوارض النفسانية تصحبها حركات الروح إمّا إلى خارج، أو إلى داخل، إمّا دفعة، وإمّا قليلاً قليلاً. فالحركة إلى خارج إن كانت دفعة فهي كما في الغضب. وإن كانت يسيراً يسيراً فهي كما في اللذة والفرح المعتدل. والحركة إلى داخل إمّا دفعة كما عند الفَزَع، وإمّا قليلاً قليلاً كما عند الحُزن.
وقد يتّفق أن تتحرك إلى جهتين في وقت واحد إذا كان العارض يلزمه عارضان، مثل: الهمّ، فإنّه يعرض معه غضب وحزن، فتختلف الحركات2 فيه. ومثل: الخجل، فانّ الروح فيه تنقبض أولاً إلى الباطن ثمّ يعود العقل فينبسط ويحصل بباله أنّه ليس فيه كثير مضرة، فينبسط المنقبض ثانياً فيثور إلى خارج ويحمر اللون.
ومن الناس من يجعل هذه العوارض النفسانية نفس هذه الانفعالات، فيقول: الغضب هو غليان دَم القلب، والغم انحصار القلب وانقباض الروح الذي فيه، والسرور انبساط القلب والدم، وهذا باطل. فإنّ الغضب كيفية نفسانية

1 . راجع المباحث المشرقية1: 534; كشف المراد:255.
2 . في المباحث و كشف المراد: «الحركتان».

صفحه 320
تحصل عند غليان دم القلب، وكذا باقي الأقسام.
قال أبو هاشم: الخجل1 هو ما يلحق الإنسان من عيّ وحصر عندما يحاول أمراً فلا يقع على ما يرومه، وظهور الحمرة من وجهه بالعادة، فلهذا يختلف الحال فيه.ومن لم يخش عيب الناس إياه وذمهم له فهو الوقح.
والوجل:حزن وخوف، لكن يقترن به صفرة في الوجه لزوال أجزاء الدم عنه.
والحياء: فكرة إذا شاهد غيره في أن لا يقع منه ما يعاب عليه، أو امتناعه من فعل ما يعلم أنّه يستحقّ الذم. ولأجل هذا يعدّ الحياء من الإيمان2. وعلى ما ذكره أوّلاً لا يثبت الحياء عند الخلوة.

1 . قال قطب النيسابوري في تعريفه:«الخجل: أن يحاول الإنسان فعلاً أو قولاً عند غيره و لم يتأتّ له على مراده. و قيل: هو ما يلحق العاقل من عيّ أو حصير عند غيره و تظهر الحمرة في وجهه».
وقال في تعريف الحياء: «أن يمتنع الإنسان من فعل أو قول يعلم أنّ في فعله سقوط منزلته. وقيل: هو أن يمتنع العاقل عمّا يعاب عليه إذا شاهد غيره، و لهذا يقال: «الحياء من الإيمان.» الحدود:97.
2 . و هي رواية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)حيث قال: «الحياءُ من الإيمان و الإيمان في الجنة.» وسائل الشيعة12:166.

صفحه 321

البحث الخامس

في كيفية الأرواح الحاملة لهذه الكيفيات1

اعلم أنّ الدم يختلف في الكم والكيف، وباعتباره يحصل الاستعداد لهذه الأعراض. فالدم الكثير الصافي إذا كان معتدل القوام والمزاج أعدّ للفرح، وإن كان مع هذه الصفات زائد السخونة أعدّ للغضب لكثرة اشتغاله وسرعة حركته. وإن كان كثيراً صافياً إلاّ أنّه رقيق القوام ناقص السخونة أعد للجبن ولضعف القلب; لأنّ الروح الذي يتولد منه يكون ثقيل الحركة إلى خارج لبرده ورطوبته، قليل الاشتعال، فيقلّ الاستعداد منه للفرح والغضب، ويكون لرقته سهل التحلل ولبرودته قليل التولد.
والدم الكدِر الغليظ الزائد في الحرارة يعد للغم والغضب الثابت الذي لا يتحلل. أمّا إعداده للغم فلما يتولد فيه من الروح الكدر. وأمّا إعداده للغضب فلسرعة اشتعاله لحرارته. وأمّا إثبات الغضب فلكثافته، والكثيف إذا تسخّن لم يبرد بسرعة فلهذا يثبت الغضب ولا يزول سريعاً.
وأمّا غضب الدم الصفراوي الرقيق فيكون أسرع هيجاناً وأسرع انحلالاً; لأنّ الروح المتولدة عن ذلك الدم أشدّحرارة، وهو مع ذلك غير كثيف، وإذا كان

1 . راجع المباحث المشرقية1:534ـ535; الأسفار4:159.

صفحه 322
دمه صافياً مشرقاً مع ذلك كان مفراحاً.
وأمّا الدم الغليظ غير الكدر إذا كان زائداً في الحرارة وهو في النوادر كان صاحبه غير محزان، ويكون شجاعاً قوي القلب، غيظه أقل; لأنّ المفراحية تكسر من الغضب، والمحزانية تعدّ للغضب; لأنّ الغضب حركة إلى الدفع، والمفراحية مناسبة للّذة، واللذة تكون الحركة فيها نحو الجَذب. وهذا الإنسان يكون غضبه في الأُمور عظيماً ويكون شديداً لسخن روحه، فلذلك يكون قليل الخوف.
والدم الغليظ غير الكدِر الزائد في البرودة يكون صاحبه لا محزاناً ولا مفراحاً ولا يشتد غضبه ويكون جُبنه إلى حدّ ويكون بليداً في كلامه سالماً; لأنّ روحه تكون شبيهة بدمه.
والدم الغليظ الكدر الزائد في البرودة يكون صاحبه متوحشاً محزاناً ساكن الغضب إلاّفي أمر عظيم، ويثبت غضبه دون ثبات حارّ المزاج المشاكِل له في سائر الأوصاف وفوق ثبات الرقيق القوام، ويكون حقوداً.

صفحه 323

البحث السادس

في الحِقْد1

يعتبر في تحقّق الحقد أُمور ثلاثة:
الأوّل: غضب ثابت، لأنّه لو كان سريع الزوال لم تتقرر صورة المؤذي في الخيال فلا تشتاق النفس إلى الانتقام ولا تنجذب إلى طلبه.
الثاني: أن لا يكون الانتقام في غاية السهولة، لأنّه إذا كان سهلاً اشتغلت النفس بحركة الإنتقام، واشتغال النفس بالقوة المحركة يمنعها من الاشتغال باستحفاظ صورة المؤذي في الخيال والذكر; لأنّ اشتغال النفس بجهة يمنعها من الاشتغال بجهة أُخرى.
وأيضاً الشوق إلى الانتقام إذا اشتد ولم يكسر منه خوف بلغ في تأكده وسهولة حصوله]إلى [أن صار عند الخيال كالحاصل، والحاصل لا يطلب ولا يبقى الشوق، ولهذا سقط الشوق إلى الانتقام من الضعفاء لما كان سهلاً.
ويدل على أنّ حال الخيال في الرغبة والرهبة مبني على المحاكيات لا على

1 . راجع المباحث المشرقية1:535ـ 536; كشف المراد:255. قال الجرجاني:«الحقد: هو طلب الانتقام، و تحقيقه: أنّ الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رَجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حِقداً.» التعريفات:121.

صفحه 324
الحقائق، نفور النفس عن العسل إذا شبه بالمرّة المقيئة وعن سائر المطاعم والمشارب إذا كانت صورها شبيهة بصور أجسام مستقذرة. فكذلك الشيء الذي يسهل حصوله ينزل عند الخيال منزلة الحاصل، فلا يبقى الشوق إلى تحصيله.
الثالث: أن لا يكون الانتقام في غاية العسر، بل يكون في محلّ الطمع; لأنّ مع عظم المؤذي يحصل اليأس من الانتقام منه. والخوف يمنع ثبات صورة الشوق إلى الانتقام في النفس.
وبالجملة فالانتقام يكون متعذراً، والمتعذر لا تشتاق النفس إليه، ولهذا لا يبقى الحقد بالنسبة إلى الملوك لتعذر الانتقام منهم.
فثبت أنّ الحقد إنّما يوجد عند وجود غضب ثابت متوسط بين الشدة والفتور. ومعلوم أنّ الغضب إنّما يكون إذا كان الدم غليظاً كدراً. وأنّ توسط الغضب بين الشدة والضعف إنّما يكون إذا كان الدم بارداً. فثبت أنّ الدم الغليظ الكدر المائل إلى البرد هو المستعد للحقد.

صفحه 325

المقالة الثالثة

في باقي المقولات

وفيه فصول:

الفصل الأوّل:

في المضاف 1

وفيه مباحث:

البحث الأوّل

في معانيه

اعلم أنّ المعنى الذي يقال له مضاف غير مستقل بذاته ولا قائم بالاستقلال، بل لابدّ وأن يكون عارضاً لغيره، فحينئذ تحصل لنا أُمور ثلاثة:

1 . أُنظر البحث في الكتب التالية: منطق أرسطو1:48; التعليقات لابن سينا:75ـ76; الفصل العاشر من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء:368; تعليقة صدر المتألهين على الشفاء:146; المقالة الرابعة من قاطيغورياس الشفاء; التحصيل:31و 404ـ 412; معيار العلم في المنطق: 233; المباحث المشرقية1: 555; حكمة العين:336; كشف المراد:257;مناهج اليقين:146ـ147; الجوهر النضيد:28; شرح المواقف6:161; مجموعة مصنفات شيخ الاشراق1:263; الأسفار4:188ـ210.

صفحه 326
الأوّل: معروض هذا المعنى، كالرجل الذي يُفرض معروضاً للأُبوة منفرداً عن هذا العارض.
الثاني: هذا العارض نفسه من حيث هو منفرد عن اعتبار غيره معه، كالأُبوة العارضة للرجل.
الثالث: المجموع المأخوذ مركباً منهما، وهو الرجل الذي عرضت له الأُبوة من حيث هذا العارض، ويقال له الأب.
ولفظ المضاف يقال على المعاني الثلاثة بالتشكيك ويقال للأوسط مضاف حقيقي وللآخرين مضاف مشهوري.
والإعتبار الأوّل خارج عن غرضنا.
وأمّا الاعتبار الثاني: فهو المقولة.
والثالث: هو مجموع الاعتبارين، خارج عن الاعتبار أيضاً.
لكن1 لمّا كان الوقوف على المركبات في أوّل الأمر أسهل من تحليل بسائطها وتميز بعضها عن البعض، بحث الحكماء في أوّل الأمر عن المضافات وهي المعاني المركبة، وفي ثاني الأمر عن الاضافات.
فقالوا:« المضاف هو الذي ماهيته معقولة2 بالقياس إلى غيره» وهذا الرسم تندرج فيه الاضافات والمضافات معاً. ومعنى كون الماهية معقولة3 بالقياس إلى غيرها هو كون الماهية يحوج تعقّلها إلى تعقل شيء خارج عنها لا كيف اتّفق، وإلاّ انتقض الحدّ بجميع الملزومات إذا تُصورت، فإنّه تُتصور معها لوازمها مع أنّ ماهيات الملزومات غير معقولة4 بالقياس إلى ماهيات اللوازم; لوجوب كون

1 . راجع الفصل الثالث من المقالة الرابعة من قاطيغورياس الشفاء1:144.
2 . ج: «مقولة»، كما في منطق أرسطو: 48، و ما في المتن من نسخة ق يطابق التعليقات لابن سينا:75.
3 . ج: «مقولة»، كما في منطق أرسطو: 48، و ما في المتن من نسخة ق يطابق التعليقات لابن سينا:75.
4 . ج: «مقولة»، كما في منطق أرسطو: 48، و ما في المتن من نسخة ق يطابق التعليقات لابن سينا:75.

صفحه 327
الماهية التي هي أوّل الموضوعات والملزومات مستقلة بنفسها أو متقدمة بذاتها على اللوازم وامتناع كون المضافين كذلك، بل أن يكون المعقول المحتاج إلى تعقل غيره لا يتقرر ذهناً ولا خارجاً إلاّ لأجل وجود ذلك الغير بأزائه، كالأخ فإنّ ثبوت الأُخوة لأحد الأخوين إنّما يتقرّر ذهناً لكون الأخ الآخر كذلك. فإذن الاخوة لأحد الأخوين هو اعتبار الشخص من حيث له أخ بهذه الصفة. وقد سبق الفرق بين الإضافة والنسبة من وجوب الانعكاس في الإضافة دون النسبة.
إذا ثبت هذا فنقول: كلّ واحد من المضافين المشهورين إمّا أن يدل اسم كلّ واحد منهما على1 ما لَه من الإضافة بالتضمن، كالأب والابن، فانّ لفظ الأب يدل على شيء مّا له الأُبوة، فتكون دلالتها على الأُبوة بالتضمن، وكذا لفظة الابن. أو يكون اسم أحدهما يدل على ما له من الإضافة دون الآخر، وهو قسمان; لأنّ الدال بالتضمن على ما له من الإضافة إمّا أن يكون هو اسم المضاف، كالجِناح فانّه مضاف إلى ذي الجناح، ولفظة الجناح دالّة بالتضمن على الإضافة إلى ذي الجناح، وأمّا ذو الجناح فانّه يدل على ما له من الإضافة لفظة «ذو»، أو بالعكس، كالعالم فانّه هو المضاف إليه العلم، ولفظة العالم دالّة بالتضمن على ذلك، وأمّا العلم وهو المضاف، فإنّما2 يدل على ما له من الإضافة حرف يقترن به، وهو اللام في قولك: العلم علم للعالم.

1 . ق: «دالاً على».
2 . ج: «فلا» و هو خطأ.

صفحه 328

البحث الثاني

في خواص المضافين1

للمضاف خاصيتان مطلقتان لا توجدان لغيره:

الخاصية الأُولى:

التكافؤ في لزوم الوجود بالقوة أو بالفعل في الذهن و2 الخارج، وكذا في العدم، فكلّ من الأُبوة والبنوة متلازمان ذهناً وخارجاً، وجوداً وعدماً، وكذا الأُخوة مع الاخوة فأي إضافة منهما وجدت وجدت الأُخرى، وأي إضافة منهما عدمت عدمت الأُخرى.
اعترض3 أوّلاً: بأنّ المتقدم بالزمان مقول بالقياس إلى المتأخر، وبينهما إضافة التقدّم والتأخر بالفعل المختلفتان، كما بين الأب والابن إضافتان مختلفتان مع أنّ وجود المتقدّم متقدّم على وجود المتأخر، ولا يمكن وجود المضافين معاً وإلاّ انتفيا وتثبت إضافة أُخرى بينهما، وهي إضافة المعية والمصاحبة دون إضافتي التقدم والتأخر.

1 . راجع المصادر المذكورة آنفاً.
2 . في المباحث: «أو».
3 . أُنظر الاعتراضات في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من قاطيغورياس الشفاء1:153.

صفحه 329
ثانياً: أنّا نعلم أنّ القيامة ستكون، فبين العلم والقيامة الكائنة في المستقبل إضافة موجودة بالفعل والعلم بها موجود الآن والقيامة معدومة، إذ لو كانت موجودة لكان العلم مضافاً إلى أنّها كائنة لا أنّها ستكون، والعلم بها موجود.
ثالثاً: قيل: العلّة متقدمة على المعلول، وهو محال، فإنّ العلّة لا يعقل مفهومها إلاّ مع المعلول، وحيث لا معلول فلا علّية.
أجاب الشيخ1 عن الأوّل: بأنّ التقدم والتأخّر يعتبران من وجهين:
الأوّل: بحسب الذهن مطلقاً، وهو أن يحضر الذهن زمانين معاً2 فيجد أحدهما سابقاً على الآخر ومتقدّماً عليه والآخر متأخّراً عنه، لامتناع التقارن بينهما، وإلاّ لانتفت إضافة التقدم والتأخّر وثبتت إضافة مغايرة لهما، وإذا حضرا في الذهن معاً فقد حصلا جميعاً في الذهن وحصل الغرض.
الثاني: بحسب الوجود مستنداً إلى الذهن، وهو أنّ الزمان المتقدّم إذا كان موجوداً فموجود من الآخر أنّه ليس هو بموجود، وممكن أن يوجد إمكاناً يؤدي إلى وجوب وهذا3 كونه متأخّراً وهذا الوصف للزمان الثاني موجود في الذهن عند وجود الزمان المتقدم، فإذا وجد المتأخّر فانّه موجود في الذهن حينئذ أنّ الزمان الث4اني ليس موجوداً. ونسبته إلى الذهن نسبة شيء كان موجوداً ففُقِد .وهذا أيضاً أمر موجود مع الزمان المتأخر. فأمّا نسبة المتأخر إلى المتقدم على وجه آخر غير ما ذكرناه، فلا وجود له في الأُمور، بل في الذهن.
اعترض5 بأنّ الأوّل: هو الصحيح، لكنّه يتضمن التصريح بأنّ إضافة

1 . في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من قاطيغورياس الشفاء:1:153ـ 154، بتصرف العلامة.
2 . في المصدر:«في الوهم» بعد «معاً».
3 . ق: «هكذا».
4 . ج: «المتقدم»، و ما أثبتناه من ق يطابق المصدر.
5 . المعترض هو الرازي في المباحث1: 557ـ 558.

صفحه 330
المتقدم والمتأخر لا وجود لها في الأعيان، بل في الأذهان خاصة.
وأمّا الثاني: فضعيف; لأنّ قوله:«الزمان المتقدم إذا كان موجوداً فموجود من الآخر أنّه ليس بموجود، ويمكن أن يوجد» توهم أنّ للاوجوده وجود، وهو ظاهر البطلان فإن سلب الوجود لو كان وجوداً لكان الشيء عين نقيضه، وهو محال.
فإذن لا إضافة بين الجزء الموجود والمعدوم; لأنّه لا وجود للمعدوم، فكيف تتحقّق الإضافة الوجودية بالنسبة إليه مع أنّ وجود الإضافة يتأخّر عن وجود المضافين؟
ثمّ لو سلّمنا أنّ لا وجود للجزء المستقبل أمراً موجوداً1، لكن الجزء الحاضر ليس متقدماً على سلب وجود المستقبل، ولا هو مضاف إليه إضافة التقدم; لأنّهما معاً متحققان، بل إضافة التقدّم إنّما هي بالنسبة إلى وجود المستقبل، ووجود المستقبل غير حاضر وإلاّ لم يكن مستقبلاً، فالإضافة إلى معدوم فلا وجود لها في الأعيان أصلاً، بل في الأذهان.
وعن الثاني: أنّ العلم بأنّ القيامة ستكون علم بحكم من أحكام القيامة، وهو صفة أنّـها ستكـون، وهذه الصفة حاضرة الآن في الذهن عند إضافة العلم إليها، وحضورها في الذهن لا يكون إلاّ حال كونها معدومة في الأعيان، فالمعلوم حاضر مع العلم.
فالحاصل من الجواب الأوّل: أنّ إضافتي التقدّم والتأخّر لا وجود لهما إلاّ في الأذهان وهما حاصلتان حتى يعتبر العقل تكافؤهما.
ومن الثاني: أنّ كون القيامة ستكون معنى حاصلاً في الذهن فتحققت الإضافة.

1 . في المباحث : «فبتقدير أن يكون لا وجود الجزء المستقبل أمراً وجودياً».

صفحه 331
وفيه نظر، لأنّ إضافة التقدّم إمّا للذهني بالنسبة إلى الذهني، وهو محال لوجودهما معاً. أو للذهني بالنسبة إلى الخارجي وهو محال، لوجوب الاتّفاق في الوجودين في الإضافتين. أو للخارجي بالنسبة إلى الخارجي ويجب وجودهما في الخارج معاً.
وعن الثالث: بأنّ هوية ما حمل عليه العلّية متقدم على هوية ما حمل عليه المعلولية لا من حيث العلية والمعلولية ، وهذان معاً.
وفيه نظر، فإنّ التقدم إنّما لحق باعتبار وصف العلية لا باعتبار الذات من حيث هي هي وإلاّ لوجد من تعقّلها تعقّله، فهذا بيان تلازم الإضافتين.
وأمّا معروضاهما: فقد يصح وجود كلّ منهما مع عدم الآخر، كالمالك والمملوك، فإنّ ذات كلّ منهما يصحّ وجوده مع عدم الآخر. وقد يصحّ وجود ذات أحدهما مع عدم ذات الآخر دون العكس، كالمعلوم والمحسوس. ومنه ما يمنع1 وجود ذات أحدهما عند عدم ذات الآخر، كالمعلول المساوي.
قال الشيخ2: «من المشهور أنّ المضافات كلّها يلزمها أنّها معاً في الوجود، أي أيّهما وُجِد كان الآخر موجوداً وأيّهما عُدِم كان الآخر معدوماً، مثل الضِّعف والنِّصف، ولكن قد لا يقع في بعض الأشياء تكافؤ في الوجود معاً من جهة أُخرى، كالعلم والحس، أي الإدراكان لا القوتان المشاركتان لهما في الاسم. فإن كان هذا العلم في جوهره يلزمه دائماً أن يكون مضافاً إلى المعلوم موجوداً معه، وذات المعلوم في جوهره لا يلزمه ذلك، فإنّه قد يوجد غير مضاف إلى العلم، وإن كانا من حيث هما متضايفان لا يتقدم أحدهما على الآخر، وليس الغرض ذلك،

1 . في المباحث: «يمتنع».
2 . في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من قاطيغورياس (المقولات) الشفاء1: 150ـ154، و انظر أيضاً منطق أرسطو:51 و ما يليها.

صفحه 332
بل الغرض أنّ إحدى الذاتين لا ينفك من إضافة تلزمه، توجب أن تكون معه مضايفة أبداً، وذات الآخر قد يوجد وليس بمتضايف.
وكذلك حال الحس فانّ ذاته لا ينفك عن لزوم الإضافة إياه، وذات المحسوس ينفك، ولا يجب أن لا يكون موجوداً حين لا يكون الحس موجوداً، لجواز أن لا يكون حيوان حساس1موجوداً، وتكون العناصر المحسوسة التي هي أوائل لتكوُّنِ الحيوانات2 من الأجسام الأرضية موجودةً.
وأمّا أُمور أُخرى فتكون إمّا متكافئة في اللزوم إن أخذت متضايفات، وإمّا غير متكافئة في اللزوم إن أخذت ذواتاً. فهكذا يجب أن تفهم هذا الموضع. وأمّا الوجه الذي تفهمه عليه الطائفة فهو وجه مختل.
وأمّا المثال الذي أوردوه في حقية3 العلم فالمشهور ما أوردوه من أمر المربع المساوي للدائرة، فإنّ العلم به لم يوجد إلى هذه الغاية، لكنّه هو موجود، فنقول: لقائل أن يقول: إنّ هذا القول مجازف فيه، وذلك لأنّه ليس يجب أن يكون كلّ علم بأزاء معلوم موجود، فمن العلم التصور وقد تتصور أُمور لا يجب لها وجود، كالكرة المحيطة بذات عشرين قاعدة مثلثات، فإنّا نتصور مثل هذه حقّ التصور ولا يحوجنا ذلك إلى أن نجعل لها وجوداً في الأعيان. وبالجملة لا يحوجنا ذلك إلى أن نجعل لها وجوداً غير الذي في الذهن، وهذا الذي في الذهن هو العلم نفسه. وإنّما بحثنا عن علم المضاف إلى مضايف له، والمضايف شيء ثان.
وأيضاً: فإنّ في المعلومات بحسب التصديق أشياء كثيرة و من4 جملة

1 . كذا.
2 . في المصدر: «الحيوانات وغيرها».
3 . كذا، وفي المصدر:«جنبة».
4 . ساقطة في المصدر.

صفحه 333
المضافات لا وجود لها في الأعيان إلاّ بالإمكان، والإمكان غير الوجود، وذلك مثل قولنا: إذا أخرج عن شكل كذا خط منحن كذا في جنب خط كذا، لم يزل يتقارب الخطان ولا يلتقيان، فإنّ هذا أيضاً لا وجود له إلاّ في الذهن.
وهذا المثال الذي أوردوه، وهو حال المربع المساوي للدائرة الذي يجعلونه موجوداً وإن لم يعلمـ فهو مثال أشد إشكالاً من الدعوى، فليت شعرنا أين وجوده؟! فإنّه إن كان له وجود في الذهن فيجب أن يكون معلوماً، وإن كان له في الأعيان وجود حاصل، فبأي دليل عرفوا ذلك؟! ومن حدثهم به ؟! فإن1 عَنَوا به ممكناً أن يوجد، فذلك أمر بالقوة، كما أنّ العلم به أيضاًممكن أن يوجد.
فنقول لمن قال هذا ونسأله2: ليس يمكنك وأنت منطقي أن تتحقق هذه الأحوال كنه التحقيق، وإنّما كان غرضنا فيما أوردناه أن تعلم أنّه يمكن أن يكون لذات أحد المتضايفين وجود لا ينفك من الإضافة إلى الآخر، وليس الآخر بمكاف له في ذلك. فإن كان علم تصوري أو تصديق ليس مضافاً إلى شيء آخر، فليس هو من جملة المتضايفات التي نذكرها. وإذا3 لم يكن من جملة ما ذكرناه، لم ينتقض به ما قلناه، بل جعلنا مثالنا الذي نعتمده من الشيء الذي لا يكون علماً إلاّ وهو مضاف، وذلك مثل علمنا بأنّ الفلك موجود متحرك4 على الاستدارة. وهذا العلم هو في الجملة التي ذكرناها، والشرط الذي أشرنا إليه، وإن كان لما أوردناه قبل مثال5 يضايف6 في الذهن أو خارج الذهن، فكان7 مكافئه في

1 . في المصدر: «وإن».
2 . في المصدر:«سأله».
3 . في المصدر: «فإذا».
4 . في نسخة من المصدر: «متحركاً».
5 . في المصدر: «مثالاً».
6 . في نسخة من المصدر:«مضايفاً».
7 . في المصدر:« و كان».

صفحه 334
الوجود معاً، فليس ذلك أيضاً ممّا ينتقض به ما قلناه. فإنّا لم نقل: ولا شيء بين المتضايفات تتكافأ في الوجود1، بل قلنا: إنّ أكثرها كذلك.
وأمّا أمر المربّع والدائرة فليس يتغير فيه غرضنا، لأنّه إن كان لهذا المربع إمكان وجود فلا يستحيل فرضه موجوداً، وليس فرضه موجوداً يوجب أن يكون العلم به حاصلاً، بل يجوز أن يكون هذا المربع موجوداً ونحن على جملتنا2 من الجهل به، فبُيّن أنّ جميع ما أورد من هذه الطعون لا يفسد الغرض الذي نقصده».
قال3: «لكن قدماء من المتكلفين أجابوا في شبهة تكافؤ العلم والمعلوم فقالوا: إنّ الذي يقال من أنّ المعلوم قد توجد ذاته والعلم به لا يكون، قول غير حق; فإنّ هنا علماً موجوداً لكلّ4 شيء وجوداً لا يتأخر عن الأشياء، هو علم الباري تعالى والملائكة، ولم يعلم5 أنّ هذا وإن كان حقّاً، فليس جواباً عن الشكّ، لأنّ المتشكك ليس يقول: إنّه ولا شيء من المتضايفات لا يكونان6 معاً. ولا أيضاً يقول: إنّه ولا شيء من العلم والمعلوم يكون معاً; ولا يحتاج إلى ذلك، فإنّ دعواه أنّه ليس كلّ متضايفين يكونان معاً. وهذه الدعوى تصحّ بمثال واحد يورده المتشكك في علم واحد، فيقول: علمي بوجود العالم لا يصح أن يكون علماً وذاتاً، والعالم غير موجود الذات. ثمّ العالم قد يكون موجوداً في ذاته، وليس علمي به بموجود، وكذا إن لم يعتبر شرط الذات; فإذا كان علمه بالعالم بهذه الصفة،ولم يكن علم البتة غير هذا العلم الواحد إلاّ وهو موجود والعالم دائماً معاً، لا العلم

1 . في المصدر: «في الوجود معاً».
2 . س: «حملنا».
3 . في نفس المصدر: 154ـ155.
4 . في المصدر: «بكل».
5 . في المصدر:«يعلموا».
6 . في المصدر: «يكون».

صفحه 335
الذي يشار1 إليه فقط، بل جميع العلوم، فكان العالم قد يكون موجوداً وعلم مّا من العلوم بوجوده ليس بموجود، والشبهة2 تكون قائمة; فإنّ الشبهة لم ترد بسبب أنّ المعلوم قد يكون موجوداً ولا علم البتة، بل هي شبهة أُخرى وينبغي أن يرتاد لها حلّ آخر، وأقلّه أن يقال: إنّ العالم حينئذ لا يكون مضافاً إلى هذا العلم إذ3 لا يكون معلوماً له».
الخاصية الثانية4:
وجوب الإنعكاس ورجوع بعضها على بعض بالتكافؤ، ووجه ذلك الرجوع مخالف لوجه رجوع الحمل على الوضع، ولانحاء أُخرى من الرجوع والعكس المنطقي، وذلك لأنّ الوضع هنا يكون أحد الطرفين مكرراً، والحمل يكون من الثاني. وإذا5 عكست صار الحمل وضعاً، وقد الحق به مثل ذلك التكرير في جانبه فصار6 الوضع حملاً، وقد حذف عنه التكرير، فمعنى الانعكاس هنا أن يحكم بإضافة كلّ منهما إلى صاحبه من حيث كان مضافاً إليه، فكما نقول: الأب أب للابن، نقول: الابن ابن للأب، والعبد عبد المولى7، والمولى مولى العبد8 فتكرر العبد في الأوّل والمولى في الثاني.وفي بعض الأشياء تحتاج إلى أن تُلحِق

1 . في المصدر: «أشار».
2 . في المصدر: «فالشبهة».
3 . ق: «ان».
4 . راجع المصدر نفسه، الفصل الثالث من الرابعة: 148، و انظر أيضاً المصادر المذكورة في بداية المقالة.
5 . في المصدر: «فإذا».
6 . في المصدر: «و صار».
7 . في المصدر: «للمولى».
8 . في المصدر:« للعبد».

صفحه 336
بالطرف المجعول محمولاً شيئاً زائداً لا تُلحِقه وهو موضوع، كإلحاقك اللام بالمولى والعبد هاهنا، بل إلحاقك ما تُلحِقه حتى تقول: الحس حس بالمحسوس، والمحسوس محسوس بالحس. وفي بعض المواضع لا تحتاج إلى ذلك، كما تقول: الأب أب الابن، والابن ابن الأب. وسواء قلت ذلك لفظاً أو لم تقل فانّك تعقله معنى، فانّك تأخذ المحمول على أنّه منسوب إليه سواء الحقت به اللفظ الدال على ذلك، أو لم تُلحِق، ولم تأخذه على هذا الوجه بعينه حتى يضعه.
وأمّا سائر العكوس التي ستأتيك في مواضعها فتخالف الذي للمضاف في ذلك كلّه، لكن في هذا التعاكس1 شرط يجب أن يراعى، وهو أنّ الإضافة إذا لم تقع على التعادل لم يجب هذا التكافؤ والتعاكس2، ووقوعها على التعادل هو أن تقع إلى الشيء الذي إليه الإضافة أوّلاً وبالذات، فانّها إن وقعت إلى موضوعه، أو إلى أمر يعرض له، أو إلى جنسه، أو إلى نوعه لم تقع الإضافة متكافئة; لأنّه اضيف إليه لا من حيث هو مضاف إليه، مثلاً: إذا وقعت إضافة الأب إلى الابن لا من حيث هو ابن، بل من حيث هو إنسان فقيل الأب أب الإنسان لم تنعكس الإضافة، ولم يصر الإنسان مضافاً إلى الأب. فلا يقال الإنسان إنسان الأب. وكذا إذا قلت الرأس رأسٌ للإنسان أو للحيوان، أو الرأس رأس لذي مشي، أو الرأس رأس للمشّاء، وكذا الجناح جناح للطائر، والسكان سكان للسفينة، ولا يمكنك أن تعكس3فتقول: والإنسان أو الحيوان أو ذو مشي أو مشّاء بالقياس إلى الرأس، ولا الطائر طائر بالقياس إلى الجناح، ولا السفينة سفينة بالقياس إلى السكان; لأنّ الرأس لا يعادل ما ذكرت، بل معادله هو ذو الرأس، فالرأس رأس

1 . في المصدر: « التكافؤ ».
2 . ليس في المصدر.
3 . في المصدر: «ترجع».

صفحه 337
لذي الرأس، وكذلك الجناح جناح لذي الجناح، والسكان سكان لذي السكان.
وأمّا ما ذكرنا1 فهو إمّا موضوع المضاف المعادل أو جنس موضوعه، أوجنس المضاف، أو عارض لموضوع المضاف. وإنّما يعرض هذا في الأكثر في الموضوع2 الذي لا تكون فيه الإضافة واقعةً حيث الماهية مقولة بالقياس، بل من حيث تجعل كذلك بنوع من النسبة، فيكون لا اسم للمضاف إليه من حيث هو مضاف إليه، بل إن كان، كان من حيث هو موضوع للنسبة إليه، أو من جهة أُخرى، فلذلك يجب أن يخترع لمثل هذا الشيء اسم بحسب النسبة.
وإذا أشكل الأمر في تحصيل ما تقع إليه الإضافة بالتعادل والتعاكس3، مميزاً ممّا يقع إليه لا بالتعادل، فسبيلك في تحصيل ذلك أن تجمع أوصاف الشيء بأسرها جمعاً، فأيّ تلك الأوصاف إذا وضعته ثابتاً ورفعت غيره، جاز أن ترفعه أو لم يجز، أمكنك أن تحفظ الإضافة وتكون متحقّقة باقية. وإذا رفعته ووضعت غيره لم يمكنك حفظ الإضافة، بل ارتفعت برفع ذلك الوصف، فذلك الوصف هو الذي إليه التعادل والإضافة الحقيقية الواجبة الإنعكاس. وإذا لم يكن كذلك فليس إليه التعادل والإضافة، فانّك إذا رفعت من الشيء أنّه حيوان، أو ناطق، أو إنسان، أو ما شئت من الأوصاف، واستثنيت كونه ابناً أو ذو رأس أمكنك أن تنسب إليه الأب أو الرأس . وإذا رفعت أنّه ابن، أو ذو رأس، وحفظت أنّه حيوان، أو أنّه إنسان ، وأنّه مشاء وأنّه ذو مشي لم يمكنك أن تضيف إليه الابن والرأس. فيعلم من هذا أنّ التعادل الحقيقي في الإضافة والتعاكس إنّما هو بين الأب والابن وبين الرأس وذي الرأس، وهما اللذان ينعكس أحدهما على الآخر.

1 . في المصدر:«ذكرت».
2 . في المصدر:«الموضع».
3 . ليس في المصدر.

صفحه 338
وقد عرفت أنّ الإنعكاس منه ما لا يحتاج إلى حرف النسبة بأن يكون للمضاف بما هو مضاف لفظ موضوع، كالعظيم والصغير والطويل والقصير. ومنه ما يحتاج، فإمّا أن يتساوى حرف النسبة فيهما، كقولنا: العبد عبد للمولى، والمولى مولى للعبد، أو لا، كقولنا: العالم عالم بالعلم، والعلم علم للعالم.
واعلم أنّ للعلم إضافتان: إحداهما إلى العالم. والثانية إلى المعلوم. وهو في نفسه كيفية حقيقية، كالقدرة في نفسها صفة حقيقية وتلزمها الإضافتان إلى القادر وإلى المقدور. لكن يختلف حرف النسبة في إحدى الإضافتين دون الأُخرى، فنقول: العلم علم للعالم، والعالم عالم بالعلم، والعلم علم بالمعلوم، والمعلوم معلوم بالعلم.وأمّا في القدرة فيختلف الحرفان فيهما، فنقول: القدرة قدرة للقادر، والقادر قادر بالقدرة، والقدرة قدرة على المقدور، والمقدور مقدور بالقدرة. ونقول: العالم عالم بالمعلوم والمعلوم معلوم للعالم، فنضيف أحد المضافين المشهورين إلى الآخر. ويختلف هنا حرف النسبة، كما نقول: القادر قادر على المقدور والمقدور مقدور للقادر.
بقي هنا بحث وهو أنّ العلم والقدرة إن جعلناهما صفتين حقيقيتين تلزمهما الإضافة، ولم تبق تلك الإضافة الحقيقية معلومة إلاّ من جهة لازمها الذي هو المحل.

صفحه 339

البحث الثالث

في المضاف الحقيقي

المضاف قد عرفت أنّه إمّا حقيقي وإمّا مشهوري. والسبب فيه أنّ الإضافة لا تعقل إلاّقائمة بغيرها.والأعرف عند الناس هو المركب. والحقيقي منهما هو الإضافة العارضة كالأُبوة، وهي المضاف بمعنى المقولة.
وقد رسمها الأوائل بأنّها التي لا ماهية لها سوى كونها مضافة. وبيان ذلك: أنّا إذا رسمنا المضاف بأنّه تكون ماهيته معقولة بالقيا1س إلى غيره.
ثمّ إنّ ذلك على قسمين:
الأوّل: أن تكون هناك ماهية وراء هذه المعقولية2، كالأب فإنّه وإن كان معقولاً3 بالقياس إلى الابن، إلاّأنّ له في نفسه ماهية غير معقولة4 بالقياس إلى الابن، وهي كونه إنساناً أو شيئاًآخر.
الثاني: أن لا تكون هناك ماهية وراء هذه المعقولية5 كالأُبوة6 والبنوة والأُخوة وأشباههما.

1 . ج: «مقولة».
2 . ج: «المقولية».
3 . ج: «مقولاً ».
4 . ج: «مقولة».
5 . ج: «المقولية».
6 . ج: «كالابن».

صفحه 340
وإذا عرفت ذلك ثبت أنّ الرسم الذي ذكرناه هو تعريف المضاف الحقيقي بالمضاف الشامل للحقيقي والمشهوري، فلا يكون ذلك تعريفاً للشيء بنفسه1.
وفيه نظر، فإنّ المعرف يجب أن يكون مساوياً للمعرف. ولأنّ العمومية إنّما عرضت باعتبار أخذ المعروض مخصصاً لأحد النوعين وذلك لا يجوز ادخاله في التعريف، فيبقى المحذور لازماً.
وإذا عرفت هذا فنقول: لا يمكن جعل المقولة هي المضاف العام; لأنّ مفهومه أنّه شيء مّا ذو إضافة، كما أنّ الأبيض شيء مّا له بياض. ولو جعلنا المشتق اسمه من الأعراض مقولة لصارت المقولات غير متناهية، فلهذا لم نجعل المضاف المطلق مقولة، و جعلنا المضاف الذي لا ماهية له سوى كونه مضافاً مقولة.
لا يقال: الإضافة أيضاً شيء معقول2 ماهيته بالقياس إلى الغير فوجب أن لا تجعلوها أيضاً مقولة.
لأنّا نقول: الفرق بينهما أنّ الشيئية المحمولة على المضاف الحقيقي ليس لها تخصص إلاّ بكونه مضافاً. وأمّا الشيئية المحمولة على المعنى الآخر فانّه ليس تخصصها بكونه مضافاً، بل بأمر آخر، وهو كونه جوهراً أو غيره، ثمّ يلحقه بعد ذلك التخصص بالإضافة3.
وفيه نظر، فإنّ العام إنّما يكون عاماً لو كان له أخصّان، لكن هنا جعل العام هو المضاف المشهوري لامتناع أن يكون الحقيقي شيئاً مّا ذا إضافة، فيكون بالحقيقة قد عرّف الحقيقي بالمشهوري الذي لا يُعرّف إلاّ بالحقيقي; لأنّه جزء منه

1 . راجع المباحث المشرقية1:559ـ560.
2 . ج: «مقول».
3 . راجع المباحث المشرقية1:560.

صفحه 341
والجزء سابق في التعريف على المركب.
وإنّما يلزم عدم تناهي المقولات بجعل المشتق اسمه من الأعراض مقولة لو كانت الأعراض غير متناهية ومعروضاتها غير متناهية وتصورها على التفصيل والاشتقاق من كلّ واحد منها، وكلّ ذلك غير لازم.ونتيجته وهي قوله: فلهذا لم نجعل المطلق مقولة غير لازمة ; لأنّ الذي ذكره ليس المطلق. وقد صرح به في جواب الاعتراض حيث قال: الشيئية المحمولة على المعنى الآخر ليس تخصصها بكونه مضافاً، بل بأمر آخر.

صفحه 342

البحث الرابع

في الفرق بين النسبة والاضافة1

قال الشيخ :«ليس كلّ نسبة إضافةً، فإنّ لكلّ شيء نسبة في الذهن إلى الأُمور التي تلزمه في الذهن، لكن لا تكون تلك إضافة. ولا تحمل الإضافة على شيء من المقولات النسبية حمل الجنس، لكن المضاف يوجد في كلّ واحد منها بأن يعرض له، فإنّ الشيء متى كانت له نسبة التي هو بها أين وهذه النسبة إلى شيء فإنّه يصير بها مضافاً إليه من غير أن يصير المضاف جنساً له فإنّ كون زيد في الدار هي نسبة التي هو بها أين، وهذه النسبة ليست إضافةً بل أيناً.
ثمّ إذا اعتبرت التكرير وجدت الموصوف بالابن يعرض له، من حيث هو ذو ابن، أن يصير مقول الماهية بالقياس إلى ما هو فيه، من حيث هو محوى وذلك حاو، لا من حيث إنّه أين فقط، بل من حيث هو محوى حاويه. فإذا اعتبرته من هذه الجهة وجدته قد عرضت له الإضافة، كالبياض، من حيث إنّه بياض، هو لذي البياض، فإنّ ماهيته مقولة بالقياس إلى ذي البياض لا ماهية أنّه البياض، بل ماهية أنّه الأبيض. كذلك كون الشيء في مكان ليس هو نفس كون ماهيته مقولة بالقياس إلى غيره، بل هو موضوع لذلك من حيث تصير النسبة شاملة

1 . راجع التحصيل: 409; مجموعة مصنفات شيخ الاشراق1:270.

صفحه 343
للطرفين للحاوي والمحوي، فإن أخذت النسب متكررة في كلّ شيء صارت له إضافة. ومعنى المتكرر أن يكون النظر لا في النسبة فقط، بل بزيادة اعتبار النظر إلى أن للشيء1 نسبةً من حيث له نسبة، وإلى المنسوب إليه كذلك; فانّ السقف له نسبة إلى الحائط، فإذا نظرت إلى السقف من حيث النسبة التي له فكان مستقراً على الحائط، ونظرت من حيث هو مستقر على الحائط صار مضافاً لا إلى الحائط من حيث هو حائط، بل من حيث هو مستقر عليه; فعلاقة السقف بالحائط، من حيث الحائط حائط، نسبةٌ، ومن حيث يأخذ الحائط منسوباً إليه بالاستقرار عليه والسقف بنفسه منسوب، فهو إضافة.
وهذا معنى ما يقولون: إنّ النسبة تكون لطرف واحد، والإضافة تكون للطرفين; فإنّك إذا أخذت السقف مستقراً على الحائط وجدت النسبة من جهة السقف المستقر، وأمّا من جهة الحائط فلا نسبة فيه إلى شيء من حيث هو حائط. فأمّا2 إن أخذت النسبة من حيث إنّ السقف مستقرّ على مستقر عليه، والحائط مستقر عليه المستقر، انعكست النسبة وصلحت لأن تكون إضافة. وكلّ 3 نسبة لا تؤخذ4 في الطرفين جميعاً من حيث هي نسبة، فهي نسبة غير إضافية; فكلّ نسبة يؤخذ الطرفان فيها من حيث النسبة فهي إضافة. والأُمور التي تؤخذ منسوبةً بلا زيادة فهي منسوبةٌ فقط، وإن أخذت منسوبةً على هذا الشرط فهي مضافة»5.

1 . كذا في المصدر، و في النسخ:«الشيء».
2 . في المصدر:«و أمّا».
3 . في المصدر:«فكل».
4 . في المصدر: «توجد».
5 . الفصل الثالث من المقالة الرابعة من قاطيغورياس الشفاء1:145ـ146. بتصرف العلاّمة.

صفحه 344

البحث الخامس

في أنّ الإضافة وجودية في الأعيان أم لا1 ؟

سألت شيخنا أفضل المحقّقين نصير الملّة والدين «قدّس اللّه روحه» عن هذه المسألة فأجاب: بأنّ من الإضافات ما هو وجودي، كالفوقية والتحتية ، ومنها ما هو اعتباري. ثمّ ذلك الوجودي ليس موجوداً على معنى أنّ له ثبوتاً في الأعيان كثبوت السواد للجسم، بل على معنى أنّ الماهية الموصوفة بالفوقية مثلاً لها كونها أنّها فوق، وذلك أمر ثابت في الأعيان.
وهذا الجواب فيه نظر، فإنّ المعقول لنا أنّ السماء فوق الأرض، فهنا أمران: السماء والفوقية، وثالث هو كون السماء موصوفة بالفوقية، ثمّ الوصف قد يكون بالفعل وقد يكون بالقوة على معنى أنّ للسماء استعدادَ الموصوفية بالفوقية، فإذا سلم أنّ الفوقية ليست ثابتة في الأعيان ومعلوم أنّ الإتصاف بها أو استعداد الاتصاف بها لو كانا ثابتين، لزم التسلسل.
واعلم أنّ الناس قد اختلفوا في أنّ الإضافة هل لها وجود في الأعيان؟

1 . راجع الفصل العاشر من ثالثة إلهيات الشفاء: 371; تعليقة صدر المتألهين: 150; المباحث المشرقية1:560; نقد المحصل:131; كشف المراد:258.

صفحه 345
فالمتكلّمون وجماعة من الأوائل منعوا من ذلك1، وزعموا أنّها من الاعتبارات الذهنية كالكلية والجزئية. وذهبت طائفة من الحكماء إلى أنّها وجودية في الأعيان.
واحتج الأوّلون بوجوه2:
الأوّل: لو كانت الإضافة أمراً موجوداً في الأعيان لزم التسلسل المحال، والتالي باطل، فالمقدم مثله.
بيان الشرطية: أنّ الإضافة لو كانت ثابتة في الأعيان، فإمّا أن تكون جوهراً أو عرضاً. وا لأوّل باطل بالضرورة، فإنّه لا يُعقل للإضافة وجودٌ مستقل بنفسها، ولا تأصل لها في التحقق، فليس في الأعيان وصف الأُبوة والبنوة وأشباههما قائماً بذاته غنياً عن محل يقوم فيه.والثاني باطل أيضاً; لأنّ كلّ عرض لابدّ له من محل يحل فيه فحلول ذلك العرض في محله إضافة لذلك العرض إلى ذلك المحل، فيكون عرضاً موجوداً مفتقراً إلى محل، فحلوله في ذلك المحل إضافة أُخرى ويتسلسل; لأنّ الحلول غير الإضافة، فإنّ الأُبوة إذا كانت حالّة في ذات الأب كان كونها في محل مغايراً للمفهوم من الأُبوة، فيكون ذلك إضافة عارضة للأُبوة، والكلام فيه كالكلام في الأوّل ويلزم التسلسل.
أجاب الشيخ هنا بما لا يسمن ولا يغني من جوع، فقال3:
«يجب أن نرجع في حلّ هذه الشبهة إلى حدّ المضاف المطلق، فنقول:

1 . و هو مذهب المحقّق الطوسي حيث قال في تجريد الاعتقاد:«إنّ الإضافة ليست ثابتة في الأعيان». وأمّا المستفاد بالتأمّل في كلماته أنّه قدَّس سرَّه يرى الاضافة من المعقولات الثانية الفلسفية التي عروضها في الذهن و اتصافها في الخارج ، كمفاهيم العلّة والمعلول والإمكان والوجوب و الماهية والعرض وغيرها، و هذا مختار صدر المتألهين أيضاً، كما في الأسفار 4:204.فلا مبرّر لما أسند إليه المصنّف من عدّها من المعقولات الثانية المنطقية; حيث مثّل لها بالكلية و الجزئية.
2 . أُنظر الوجوه في المباحث المشرقية1:560ـ 562; نقد المحصل:131.
3 . في الفصل العاشر من ثالثة إلهيات الشفاء. بتصرف العلاّمة.

صفحه 346
المضاف هو ]الذي [1 ماهيته مقولة2 بالقياس إلى غيره، فكلّ شيء في الأعيان يكون بحيث ماهيته إنّما يقال3 بالقياس إلى غيره، فذلك الشيء من المضاف، لكن في الأعيان أشياء كثيرة بهذه الصفة، فالمضاف في الأعيان موجود، ثمّ إن كان في المضاف ماهية أُخرى ينبغي أن يجرد ما له من المعنى المعقول بالقياس إلى غيره، ]فذلك المعنى هو بالحقيقة المعقول بالقياس إلى غيره، وغيره إنّما هو معقول بالقياس إلى غيره[4بسبب هذا المعنى، وهذا المعنى ليس مقولاً5 بالقياس إلى غيره بسبب شيء غير نفسه، بل هو مضاف لنفسه، فليس هناك ذات وشيء هو الإضافة، بل هناك مضاف بذاته لا بإضافة أُخرى، فتنتهي من هذا الطريق الإضافات. وأمّا كون هذا المعنى ]المضاف[6 بذاته في هذا الموضوع]فهو من حيث إنّه في هذا الموضوع ماهية معقولة بالقياس إلى هذا الموضوع [فله وجود7 آخر، مثلاً: وجود الأُبوة في الأب أمر زائد على ذات الأب، وذلك الموجود8 أيضاً مضاف فليكن هذا عارضاً من المضاف لزم9 المضاف. وكلّ واحد منهما مضاف لذاته إلى ما هو مضاف إليه فلا10 إضافة أُخرى، فالكون محمولاً مضافٌ لذاته والكون أُبوة مضاف لذاته».

1 . ما بين المعقوفين من المصدر.
2 . كذا في النسخ و المباحث و كشف المراد، و لكن في المصدر: «معقولة».
3 . في المصدر: «يعقل».
4 . ما بين المعقوفين ساقط في النسخ وأضفناه من المصدر.
5 . كذا في النسخ و المباحث و كشف المراد، و لكن في المصدر: «معقولاً».
6 . ما بين المعقوفين من المصدر.
7 . ما بين المعقوفين ساقط في النسخ والمباحث و كشف المراد و أثبتناه من المصدر.
8 . في المصدر: «الوجود».
9 . كذا في المصدر، و لعلّ الصواب وفقاً للسياق:«لذي».
10 . كذا، وفي المصدر: «بلا».

صفحه 347
وهذا الكلام على طوله لا يفيد شيئاً; لأنّ هذا إنّما يرد على من يجعل المضاف الذي هو المقولة مضافاً بإضافة أُخرى. وإلزام التسلسل ليس من هذه الحيثية، بل من حيثية أُخرى، وهي أنّ الأُبوة مثلاً من حيث هي أُبوة، ماهية تُعقل بالقياس إلى الابن، ثمّ إنّها عارضة لموضوع هو ذات الأب، فعروضها للأب وحلولها فيه ليس هو نفس كونها أُبوة; لأنّ الأُبوة إضافة بالقياس إلى البنوة لا إلى ذات الأب، وعروض الأُبوة للأب وحلولها فيه إضافة بالقياس إلى المحل الذي هو الأب.
فإذن عروض الأُبوة للأب حالة زائدة عليها عارضة لها وهلمّ جراً إلى غير النهاية.
قال أفضل المتأخرين:«هذا الاعتراض غير متوجِّه; لأنّ غايته بيان أنّ الأُبوة موصوفة بإضافة أُخرى، وهي العروض للموضوع، ولكن لِمَ قلتم: إنّ العروض للموضوع لابدّ له من إضافة أُخرى؟وذلك لأنّ الأمر المقول بالقياس إلى الغير إن كان له مفهوم آخر وراء تلك المقولية، فحينئذ لزم الحكم بالتغاير، وإن لم يكن له مفهوم وراء تلك المقولية امتنع الحكم بالتغاير. فهاهنا لمّا رأينا الأُبوة عارضة للموضوع وكان مفهوم الأُبوة غير مفهوم العروض للموضوع لاجرم حكمنا بتغايرهما واعترفنا بأنّ الأُبوة عرضت لها إضافة، وهي كونها عارضة لموضوعها. فأمّا1 العروض للموضوع فليس له مفهوم وراء ذلك، فلا يلزم أن يكون للعروض للموضوع عروض آخر للموضوع حتى يلزم التسلسل، بل يكون ذلك العروض للموضوع عارضاً للموضوع لذاته ونفسه لا لغيره، فاندفع التسلسل»2.
وفيه نظر، فإنّ عدم التغاير في المفهوم النوعي لا يمنع التسلسل بالنظر إلى

1 . في المصدر: «و امّا».
2 . المباحث المشرقية1:561ـ562.

صفحه 348
التغاير الشخصي. ولا شكّ في تغاير الإضافات بالشخص باعتبار تغاير المضاف إليه بالشخص. ولا ريب أنّ الأُبوة عارضة، فقد عرضت لها إضافة العروض، وهذه إضافة العروض ليست إضافة عروض السواد لمحله بل هي مغايرة له، فهنا إضافتان حينئذ: أُبوة وعروض الأُبوة. ثمّ إنّ عروض الأُبوة عرض بالضرورة إن كان وجودياً، فله موضوع وهو عارض لذلك الموضوع، فعروضه مغاير لعروض الأُبوة وهكذا حتى يلزم التسلسل. والغلط نشأ من عدم الفرق بين الاتحاد النوعي والشخصي، وتوهم أنّ التسلسل إنّما يلزم باعتبار التغاير النوعي وليس كذلك.
الثاني: لو كانت الإضافة موجودة في الأعيان لكان تقدّم الزمان المتقدم على الزمان الحاضر وصفاً ثابتاً، ولوكان ثابتاً لكان الموصوف به ثابتاً; لامتناع قيام الصفة بذاتها أو بغير الموصوف، لكن الموصوف بالتقدّم هو الزمان السابق، فيكون الزمان المتقدم ثابتاً مع الزمان الحاضر، والتالي باطلٌ وإلاّلانتفى التقدم ووجد جزءان من الزمان دفعة، ولزم بقاء الزمان مع انّه سيال، أو إعادة المعدوم، فالمقدّم مثله.
واعترض بأنّ هذه الإضافة قد ثبت أنّها غير موجودة في الأعيان، لكن لا يلزم من انتفاء كون هذه الإضافة الخاصة ثابتة في الأعيان أن لا يكون شيء من الإضافات ثابتاً في الأعيان، فجاز أن تكون بعض الإضافات ثابتة دون البعض.
وفيه نظر، فإنّ جنس الإضافة إذا كان وجودياً والتخصص بأمر ثبوتي لم تبق الإضافة الخاصة عدمية، ولا شكّ أنّ التقدّم داخل تحت مطلق الإضافة ويخصص بخصوصية التقدم الذي هو الثبوت في الزمان السابق، وذلك أيضاً أمر ثبوتي، فكيف تكون هذه الإضافة عدمية؟
نعم هي صفة قد عرض لها العدم باعتبار عدم موضوعها، كما يعرض للسواد العدم عند عدم محله.

صفحه 349
الثالث: لو كانت الإضافة موجودة لكانت مشاركة لسائر الموجودات في مطلق الوجود ومتمايزة عنها بخصوصيتها وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، ولا شكّ أنّه ما لم يتقيد الوجود بتلك الخصوصية لم توجد الإضافة في الأعيان فيكون ذلك القيد1 سابقاً على وجود الإضافة، فلا توجد الإضافة إلاّ بعد وجود الإضافة قبلها، فحدوث الإضافة مشروط بإضافات سابقة عليها لا نهاية لها.
الرابع: الوجود من حيث هو وجود إن كان مضافاً فكلّ موجود مضاف، هذا خلف. وإن لم يكن مضافاً فالإضافة لو كانت موجودة في الأعيان فهي لا تكون إضافة من حيث إنّها موجودة، فالمضاف من حيث إنّه مضاف غير موجود وهو المطلوب.
وفيه نظر، فإنّ النتيجة اللازمة: أنّ المضاف من حيث إنّه مضاف غير الوجود لا أنّه غير الموصوف بالوجود بمعنى أنّه يمتنع اتصافه بالوجود. وهذا الذي ذكروه يتأتى في جميع الماهيات.
الخامس: لو كانت الإضافة موجودة لزم أن يكون الباري تعالى محلاً للحوادث، والتالي باطل على ما يأتي، فالمقدم مثله.
بيان الشرطية: انّ كلّ حادث يوجد فإنّ بينه وبين اللّه تعالى إضافة المعية، وقبل وجوده كان اللّه تعالى معه إضافة التقدّم وبعده تصير له إضافة البعدية، ثمّ تلك المعية لم تكن موجودة قبل وجوده ولا تبقى بعده، فهي حادثة. ثمّ يلزم وجود حوادث لا نهاية لها حالّة فيه تعالى; لأنّ تلك المعية إذا اتصف اللّه تعالى بها حدثت له إضافة الاتصاف ولم تكن قبل ذلك ثابتة له، ثمّ ذلك الاتصاف ثابت في الأعيان موجود حادث حالّ فيه، وهكذا إلى ما لا يتناهى.
والتقدم والتأخر إضافتان لا توجدان إلاّ معاً، لكن المعية تنافي التقدم فلا

1 . في المباحث: «التقيد».

صفحه 350
يوجدان البتة; لأنّ امتناع اللازم يقتضي امتناع الملزوم.
السادس: لو كانت الأُبوة موجودة لقامت بالأب; لأنّه هو الموصوف بها، فإمّا أن تقوم بجميع أجزاء الأب أُبوة واحدة فيلزم انقسامها بانقسام الأب; لأنّ كلّ واحد من الأجزاء إمّا أن يحلّ فيه شيء من الأبوة، أو جميع الأُبوة، أو لا يحل فيه شيء منها البتة. ويلزم من الأوّل الانقسام، فللأُبوة نصف وثلث كما للأب ذلك، وهو ضروري البطلان.والثاني يلزم منه حلول العرض الواحد في أزيد من محل واحد، وهو باطل بالضرورة. والثالث يقتضي أن لا يكون المحلّ محلاً، أو تقوم1 بكلّ جزء أُبوة فيلزم حلول العرض الواحد في محالّ متعددة إن كانت الأُبوة واحدة بالعدد; وأن تكون هناك أُبوّات كثيرة فلا يكون الأب أباً بل آباءً متعددة، وهو محال; وأن يكون كلّ جزء من الأب أباً، وهو محال أيضاً إن كانت الأُبوة كثيرة بالعدد. ثمّ إضافة كلّ واحدة من هذه الأُبوات إن كان لها بنوة واحدة لزم تعدد إحدى الإضافتين دون الأُخرى، وهو محال. أو إلى بنوات متعددة، فلا أولوية في اختصاص بعض الأُبوات بالإضافة إلى بعض البنوات إن تساوت. وإن اختلفت لم يكن مفهوم الأُبوة ولا مفهوم البنوة واحداً، وتكثرها بالنوع غير معقول.
وقد احتج المثبتون بأنّا نعلم بالضرورة أنّ السماء فوق الأرض، فهذه الفوقية إمّا أن تكون مجرّد عمل العقل من غير أن يكون لها في الخارج مطابقاً، وإمّا أن تكون ثابتة في الخارج. والأوّل باطل; لأنّ ما لم يكن له في الخارج اعتبار لم يدخل فيه الصدق والكذب، فإنّه لو قال القائل: أنا أفرض الخمسة زوجاً، لم يجب تكذيبه; لأنّه أخبر عن عمل عقله لا عن الشيء في نفسه، فكذا هنا كون السماء فوق الأرض إن كان شيئاً بحسب عمل العقل لم تكن هذه القضية واجبة الصدق ولا ضدها واجب الكذب، وبطلان التالي يدل على بطلان المقدم، وهو أنّ كون

1 . عطف على قوله«فإمّا أن تقوم بجميع أجزاء الأب...».

صفحه 351
السماء فوق الأرض ليس مجرّد عمل العقل بل له في الخارج ثبوت. وكذا أُبوة زيد لعمرو وجميع الإضافات.
وأيضاً فوقية السماء ليست مجرّد فرض غير مطابق للخارج كفرض الخمسة زوجاً، ولا أمراً سلبياً; لأنّه نقيض اللافوقية التي هي أمر عدمي، ولا أيضاً نفس كون السماء سماءً، فإنّ كونه سماءً غير مقول بالقياس إلى الغير وكونه فوقاً مقول بالقياس إلى الغير، فتغايرا.
وأيضاً الأُبوة حادثة بعد أن لم تكن، فإن لم تكن وجودية لم يتجدد شيء لكن التجدد حاصل، فهي ثبوتية.
والجواب: المعارضة بالأمسية والغدية، فإنّ جميع ما ذكرتموه آت فيهما مع أنّ اليوم لا يصير أمساً إلاّبعد عدمه والمعدوم المحض لا يتصف بالثبوتية. ولأنّه يقتضي أن يكون الأمس متقدماً على اليوم وصف ثبوتي1 في الخارج، وقد سبق بطلانه.
قيل عليه2: التقدم والتأخر إضافتان بين المعقول المأخوذ من الموجود الحاضر والمعقول الذي ليس مأخوذاً في الموجود الحاضر، وأمّا قبل ذلك فلا يكون الشيء في نفسه متقدماً، فكيف يتقدم الموجود على لا شيء؟! فما كان من المضافات على هذا السبيل فإنّما تضايفها في العقل وحده ولا تكون موجودة في الأعيان، بخلاف كون السماء فوق الأرض، فإنّ السماء والأرض لما كانتا موجودتين كانت فوقية إحداهما للأُخرى وصفاً ثابتاً لا3 يتوقف على اعتبار المعتبر.
والوجه في الجواب أن نقول: فوقية السماء وتحتية الأرض، كوجوب الواجب

1 . كذا، و في المباحث: «وصفاً ثبوتياً».
2 . القائل هو الرازي في المباحث1:563.
3 . ساقطة في المصدر.

صفحه 352
وامتناع الممتنع وإمكان الممكن، وكما أنّ هذه النسب ليست موجودات في الخارج ولا احكاماً كاذبة، فكذا فوقية السماء وتحتية الأرض. والأصل فيه ما قررناه نحن أوّلاً من أنّ المطابقة لا تستدعي الثبوت الخارجي، بل صدق الشيء في نفسه وكونه في نفسه على ما فرضه الذهن.
قال أفضل المحقّقين : «كون الإضافة عرضاً حالاًّ في محل، ليس حلولها في ذلك المحل إضافة بل الإضافة تعرض للحال إلى المحل وللمحل إلى الحال بعد الحلول، كما تعرض للرأس ولذي الرأس.
والتحقيق هنا:أنّ وجود الإضافة لا يكون إلاّ في العقل، ولا يكون في الخارج إلاّ كون الموجود بحيث يحدث في العقل من تصوره الإضافة، فإنّولادة شخص من شخص أمر موجود في الخارج، وإذا تصوره العاقل تعقّل أُبوةً في أحدهما وبنوةً في الآخر ولا يلزم التسلسل; لأنّ الأُبوة إذا عرضت لشخص وإن كان ذلك العروض إضافة أُخرى لكنّها لا تكون بأُبوة أُخرى، فإذن لا تتسلسل الأُبوة، وتلك الإضافة أيضاً أمر عقلي ولا تتسلسل; لأنّها تنقطع عند وقوف العقل وهم يقولون: إنّ للّه تعالى صفات إضافية، كالأوّل والآخر والخالق والرازق والمبدع والصانع وغير ذلك، ويلتزمون القول بهذه الصفات ]من [غ1ير المعية الزمانية.
وكون «حصول الوجود للماهية إضافة بينهما» ليس بشيء; لأنّ الإضافة هاهنا ليست إلاّ بمعنى الانضمام وليس ذلك ممّا نحن فيه بشيء.
وكون الشيء عقلياً كفوقية السماء يباين كونه فرضياً، فإنّ تحتية السماء ربما تفرض، بل العقلي هو الذي يجب أن يحدث في العقل إذا عقل العقلُ ذلك الشيء كفوقية السماء، أمّا الفرضي فهو الذي يفرضه الفارض وإن كان محالاً. والذهني

1 . ما بين المعقوفين مأخوذ من المصدر.

صفحه 353
يشملهما»1.
وفيه نظر، فإنّه يقتضي كون الحلول أمراً غير الإضافة وهو غير معقول، فإنّ الحلول نفسه إضافة، فلو كان هناك إضافة أُخرى تضاعفت الإضافات.والقياس على الرأس وذي الرأس باطل; لأنّ الثابت العُضْوان لا من حيث الرأسية وذي الرأسية، بل إذا عُرضت الرأسية حصلت الإضافة إلى الرأسية خاصة لا غيرها، وكذا يجب في الحلول.
وما ذكره في التحقيق فانّه مشكل، إذ ليس في الخارج شيء ممّا قاله. والولادة إن عنى بها2ثبوت إضافة في الأعيان فهو ممنوع، فإنّ المرجع بها إلى حركة أو علّية ما.
ونحن نسلّم أنّ إضافة الأُبوة إلى الأب بالحلول ليس أُبوة، لكن التسلسل لا يندفع بذلك بل هو مثبِت له; فإن تغاير النسب أولى في إثبات التسلسل من تماثلها. وكون «حصول الوجود للماهية ليس بإضافة، لأنّه بمعنى الانضمام» ليس بنافع في هذا المقام، فإنّ الانضمام إضافة لوجود حقيقة الإضافة فيه فكيف يمنع كونه إضافة؟ وكون «الفرضي غير العقلي» إشارة إلى ما اخترناه هنا في هذا المقام من أنّ العقلي لا يكون كاذباً ولا يجب أن يكون مطابقاً للخارج، إذ لا خارج هنا على ما اعترف به، فلم يبق إلاّ مطابقيته3 للأمر نفسه.
واعلم4: أنّ معمراً من المتكلمين لمّا وقف على حجّة الفلاسفة في ثبوت الإضافة وعجز عن حلّها، اعترف بأنّ الأعراض النسبية كلّها وجودية، ولمّا لم يجد

1 . نقد المحصل: 131ـ133.
2 . ق: «إضافة» بعد «بها».
3 . ج: «مطابقية».
4 . لاحظ نقد المحصل: 133.

صفحه 354
دافعاً للتسلسل الذي ألزموهم المتكلّمون به، اعترف بثبوت ما لايتناهى من الأعراض والنسب والإضافات يقوم كلّ منهما بالآخر.
وأبطله المتكلّمون بامتناع وجود مالانهاية له، فإنّ كل عدد موجود فله نصف، وذلك النصف أقلّ من الكل، وكلّ ما كان أقلّ من غيره فهو متناه، فيكون النصف متناهياً، فيكون الكل متناهياً، لأنّ ضعف المتناهي متناه.
ومنع معمر كلّ عدد له نصف، وإنّما ذلك في العدد المتناهي لأنّه من خواصه، لا في غير المتناهي. ومع تسليم النصف، لكنّه لا يلزم من أقلية النصف تناهيه، فإنّ مقدورات اللّه تعالى أقل من معلوماته. وتضعيف الألف مراراً لا نهاية لها أقلّ من تضعيف الألفين مراراً لا نهاية لها مع عدم تناهيها.
قال أفضل المحقّقين:«غير المتناهي لا يصير متناهياً بنقصان شيء منه. والشيء ربما يكون متناهياً من وجه وغير متناه من وجه، فتلحقه1 خواصُّ المتناهي من الوجه الأوّل وغير المتناهي من الوجه الآخر، وهذا كتضعيف الألف والألفين مراراً لا نهاية لها، فيكون أحد غير المتناهيين نصفاً للآخر، ولا يلزم منه تناهي أحدهما»2.
وفيه نظر، فإنّ الحكماء استدلوا على التناهي ببرهان التطبيق، وليس هو إلاّ عبارة عن نقصان شيء عن شيء. وكون الشيء متناهياً من وجه دون وجه، إنّما يكون في امتداد غير متناه من أحد الطرفين غير متناه من الآخر لا في اعداد لا ترتيب لها وضعاً ولا عقلاً.

1 . في المصدر: «تلحقه».
2 . نفس المصدر.

صفحه 355

البحث السادس

في كيفية تحصيل الإضافة وتنوّعها1

اعلم أنّ الإضافة ليس لها وجود منفرد مستقل، بل وجودها أن يكون أمراً لاحقاً بالأشياء، وتخصُّصها بتخصص هذا اللحوق، وذلك لأنّ التخصص يفهم على وجهين:
الأوّل: أن يوجد اللحوق والإضافة معاً، وليس ذلك هو المقولة بل هو مركب من المقولة ومعروضها.
الثاني: أن توجد الإضافة مقروناً بها النحو من ذلك اللحوق الخاص العقلي ويوجدان معاً للملحوق بعارض واحد، وهذا هو تنوع الإضافة وتحصلها. والأصل فيه أنّ إضافة الإضافة إلى معروضها لماهيتها، فاختلفت جنساً أو نوعاً أو شخصاً باعتبار اختلاف المعروضات في هذه المراتب،ولمّا تعذرت الإشارة إلى أجناس الإضافة وأنواعها إلاّ بذكر أجناس معروضاتها وأنواعها وأشخاصها لاجرم وجب في ذكر الإضافة وتعريفها وتخصيصها الإشارة إلى المعروضات، لا على أنّها داخلة في ماهيات تلك الإضافات بل لأنّه لمّا لم يوجد لتلك الإضافات اسماً تعذّرت الإشارة إلى الإضافة الخاصة إلاّ بذكر معروضها.

1 . راجع المباحث المشرقية1:563; شرح المواقف6:265.

صفحه 356
فالمعروضات تُذكر لتكون معرِّفة لخصوصيات تلك الإضافات، فإذا قلنا: زيد في الدار، لم تكن الدار محمولة ولا جزءاً من المحمول، بل المحمول ليس إلاّ الهيئة الخاصة، لكن لمّا كانت الهيئة جنساً ولم ي