welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية المرام في علم الكلام /ج 2*
نویسنده :العلامة الحلّي*

نهاية المرام في علم الكلام /ج 2

صفحه 1
تحت إشراف
آية الله جعفر السبحاني
نهاية المرام
في
علم الكلام
تأليف
نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي
(648 726 هـ)
مَوسوعَةٌ كَلاميّةٌ تَتَعرضُ لِمُخْتَلَفِ المَذَاهِبِ والآراءِ الكَلاميّةِ بتَجَرُّد وَمَوْضُوعِيَّة
الجزء الثاني
تحقيق
فاضل العرفان

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب:    …نهاية المرام في علم الكلام
تأليف:    …العلامة الحلّي
إشراف:    …آية الله جعفر السبحاني
تحقيق:   …فاضل العرفان
الطبعة:    …الأُولى
الجزء:   …الثاني
المطبعة:    …اعتماد قم
التاريخ:   …1419 هـ
الكمية:   …1050نسخة
الناشر:   …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون:    …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
توزيع
مكتبة توحيد
قم ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الخامس:

في القسم الرابع من الكيفيات وهو:

الكيفيات النفسانية1

وهي المختصة بذوات الأنفس.
إعلم أنّ هذه الكيفيات قد تكون باقية راسخة فتسمّى ملكات2، وقد لا تبقى، بل تكون سريعة الزوال غير مستحكمة وتسمى حالات.
وهذان صنفان لا نوعان3، لأنّ الافتراق بينهما إنّما هو بالعوارض لا

1 . قارن شرح الإشارات2: 307; المباحث المشرقية1: 435.
2 . الملكة من الملك بمعنى القوة، والحال من التحول بمعنى التغير، شرح المواقف 5: 286.
3 . وفيه بحث في النقض والإبرام فانظر المصدر نفسه. وقال صدر المتألهين: «من أراد أن يعرف فساد هذا القول فينبغي أن ينظر في أمر الحال والملكة في باب العلم الخ» الأسفار 4: 110.

صفحه 4
الفصول; لأنّ الشخص الواحد في ابتداء تكوّنه يكون صبياً، لكن لا تغاير حقيقته عند بقائه واستحكامه في الرجولية، بل هو هو بالشخص، فضلاً عن الوحدة النوعية، كذا الكيفية النفسانية في حالتي ابتداء تكوّنها وبقائها.
فكلّ ملكة كانت حالاً; لأنّها تكون حالاً حال تكوّنها، وهو سابق على بقائها الذي باعتباره صارت ملكة، وليس كلّ حال يصير ملكة. فهنا أبواب:

صفحه 5

الباب الأوّل

في العلم وما يتعلّق به

وفيه مباحث:

البحث الأوّل

في العلم

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: في تعريفه 1

إعلم أنّ شعور كلّ أحد بغيره سواء كان ذلك حسّياً أو عقلياً، أمر معلوم لكلّ عاقل يجده الإنسان من نفسه على سبيل الضرورة، و يميز بينه و بين سائر أحواله النفسانية من جوعه وعطشه و ألمه و لذّته. وقد اضطرب العقلاء هنا في حقيقته اضطراباً عظيماً، وطوّلوا الكلام فيها لا لخفائها، بل لشدّة وضوحها.

1 . قارن شرح الإشارات2: 313ـ 314; أواخر نهاية العقول (الأصل السادس، المسألة الأولى: في حقيقة الإدراك والشعور). وليس المراد منه التعريف بالحدّ، لعدم الجنس والفصل، للعلم بمعناه العام. فليس هو من قبيل الماهيات لوجوده في الواجب تعالى أيضاً، ولا يمكن تعريفه بالرسم التام أيضاً، بل المراد ذكر أخصّ خواصّه. راجع الأسفار3: 278.

صفحه 6
فمنهم من جعل العلم إضافة بين العالم والمعلوم.1 و منهم من جعله صورة مساوية للمعلوم في العالم. و منهم من قال: إنّه غنيّ عن التعريف، فلا ينبغي أن يعرّف، وهو حقّ لكنّه قصد المَخْلص من مضايقات وقع غيرهم فيها. وضبط المذاهب المشهورة فيه أن نقول:
العلم إمّا أن يكون أمراً عدمياً أو ثبوتياً، والأوّل لا تعدد فيه. والثاني إمّا أن يكون صفة حقيقية أو إضافية، والثاني إمّا أن يكون إضافة محضة، أو صفة حقيقية تلزمها الإضافة.
وقبل الخوض في تحقيق ماهية العلم نقول:
زعم جلّ الأوائل أنّ تصور العلم بديهي لوجهين:
الأوّل: أنّ ما عدا العلم لا يعلم إلاّ بالعلم، فلو كان هو معلوماً بذلك الغير لزم الدور، وكيف لا يكون حقيقة ما به ينكشف جميع الأشياء منكشفة بذاتها غنيّة عن الكشف بغيرها؟
الثاني: أعلم بالضرورة علوماً خاصة لعلمي بأنّي عالم بوجودي وأنّي عالم بحرارة النار وضوء الشمس، وتصوّر العلم المطلق جزء من العلم الخاص فيكون سابقاً عليه، والسابق على البديهي أولى أن يكون بديهياً.
اعترض أفضل المحققين على الأوّل بأنّ المطلوب من حدّ العلم هو العلم بالعلم، وما عدا العلم يعلم بالعلم، لا بالعلم بالعلم2. وليس من المحال أن يكون هو كاشفاً عن غيره، و غيره كاشفاً عن العلم به.3

1 . وهو قول الايجي أيضاً. راجع المواقف: 140.
2 . لأنّ وجود العلم كاشف عمّا عداه، ومفهومه منكشف بما عداه.
3 . نقد المحصل: 155.

صفحه 7
وفيه نظر، فإنّ المحدود إنّما يعلم بحدّه وحدّ العلم ليس هو العلم نفسه فهو ممّا عداه، فإذن هو ممّا يعلم بالعلم، والعلم إنّما يعلم به لأنّه حدّه. وأيضاً العلم إذا علم بحدّه كان ذلك الحدّ معرفاً لكلّ علم، الّذي من جملته العلم بالعلم وبحدّ العلم، فيكون كلّ من العلم و العلم بحدّه معلوماً بصاحبه، وهو دور.
والتحقيق أن نقول: ما يعلم به الشيء يؤخذ باعتبارين:
الاعتبار الأوّل: أن يكون كاسباً له و معرفاً إيّاه، كالحدّ والرسم والحجّة.
الاعتبار الثاني: أن يكون آلة في العلم، بأن يكون صورة مساوية له، أو إضافة بين العلم والمعلوم على اختلاف الرأيين.
فحدّ العلم إذا علم به إنّما يؤخذ بالاعتبار الأوّل، وإذا علم بالعلم إنّما يؤخذ بالاعتبار الثاني.
وفي الثاني نظر، وهو المنع من وجود علم مطلق يكون جزءاً من كلّ علم، وحصول العلم بالعلم الخاص من كلّ وجه. وقد تقدّم مثله في الوجود.
وقيل: العلم هو الحاكم بامتياز كلّ شيء عمّا عداه، فكيف لا يميّز نفسه عن غيره؟ ولأنّ كلّ ما يعرّف به العلم فالعلم أعرف منه، لأنّه حالة نفسانية يجدها الحي من نفسه ابتداءً من غير لبس ولا اشتباه، وما هذا شأنه يتعذّر تعريفه. ولأنّ كلّ من عرف شيئاً أمكنه أن يعلم كونه عالماً بذلك الشيء من غير برهان و نظر، والعلم بكونه عالماً بشيء عبارة عن العلم باتصاف ذاته بالعلم، و العلم باتصاف أمر بأمر يستدعي العلم بكلّ واحد من الأمرين أعني الموصوف والصفة فلو كان العلم بحقيقة العلم مكتسباً لاستحال أن نعلم كوننا عالمين بشيء لا بنظر واستدلال، ولمّا لم يكن كذلك ثبت أنّ العلم بحقيقة العلم غني عن السبب.
وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من كونه هو الحاكم بامتياز كلّ شيء عمّا عداه أن

صفحه 8
يكون معلوماً بحقيقته، فجاز أن يعلم ببعض اعتباراته.
وكذا الجواب عن الثاني، فإنّ العلم بالاتصاف يستدعي العلم بالموصوف والصفة، لا من كلّ وجه بل من بعض الوجوه، فجاز أن يكون مجهول الماهية ويطلب بالحدّ تعريفه.

المسألة الثانية: في أنّ العلم ليس عدمياً1

اضطرب كلام الشيخ في حقيقة العلم، فتارة جعله أمراً عدمياًحيث بيّـن أنّ الباري تعالى عقل وعاقل و معقول، وأنّ ذلك لا يقتضي كثرة في ذاته; لأنّ العلم هو التجرّد عن المادة.2
وتارة يجعله صورة مساوية للمعلوم مرتسمة في الجوهر العاقل. وذلك حينما بيـّن أنّ تعقل الشيء لذاته ولآلة ذاته ليس إلاّ حضور ذاته عند ذاته. وأيضاً قال في الإشارات: «إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك».3
وتارة يجعله مجرّد إضافة. وذلك عند ما يبيـّن أنّ العقل البسيط ـالذي لواجب الوجود ليست عقليته لأجل حصول صور كثيرة فيه، بل لأجلفيضانها4 عنه، حتّى يكون العقل البسيط كالمبدأ الخلاّق للصور

1 . قارن المباحث المشرقية1: 444ـ 446.
2 . راجع النجاة: 243ـ 245.
3 . شرح الإشارات2: 308.
4 . لقد فهموا الاضافة المقولية من هذه الكلمة «الفيضان»، ولكن المرادمنها الإضافة الاشراقية التي بها تحصل الصور من إشراق ذاته تعالى. ولهذا وصف صدر المتألهين استناد الاضطراب إلى كلمات الشيخ بقوله: «الزعم من الناس» فراجع الأسفار3: 284.

صفحه 9
المتصلة1 في النفس.
وتارة يجعله عبارة عن كيفية ذات إضافة إلى الشيء الخارجي. وذلك عند ما يبيّـن أنّ العلم داخل في مقولة الكيف بالذات، وفي مقولة المضاف بالعرض.
وإذا عرفت اضطرابه فلنشرع في إبطال مذهبه فنقول:
لا يجوز أن يكون العلم عدمياً لوجوه:
الأوّل: لو كان العلم سلبياً لم يكن أيّ سلب اتّفق، فلا يكون سلب الإنسان علماً ولا سلب الفرس و غيرهما، بل لو كان سلباً لم يكن إلاّ سلب ما يقابله، والمقابل للعلم إنّما هو الجهل.إمّا مقابلة العدم و الملكة وهو الجهل البسيط، أو مقابلة التضاد وهو الجهل المركّب. فإن كان العلم عبارة عن سلب الأوّل الذي هو عدم العلم، كان العلم عدم العدم، فيكون ثبوتاً. وإن كان عبارة عن سلب الثاني فهو محال; لأنّه لا يلزم من سلب الجهل المركّب بالشيء حصول العلم بذلك الشيء لاحتمال خلوّ المحلّ عنهما.
وبعبارة أُخرى2: لو كان سلبياً لكان سلب ما ينافيه، والمنافي إن كان عدماً كان هو عدم العدم، فيكون ثبوتاً 3; وإن كان وجوداً فعدمه يصدق على العدم، فيكون العدم موصوفاً بالعالِمية، هذا خلف.
اعترضه أفضل المحققين: «بأنّ الحكم بكون العلم سلبياً باطل» صحيح، لكن في الدليل نظر; لأنّ المنافي إن كان مطلق العدم كان العلم مطلق الوجود، وإن كان عدمياً لا يكون العلم عدم العدم حتّى يكون ثبوتياً، إنّما هو عدم العدميّ، ولا يجب أن يكون عدم العدمي ثبوتياً، فإنّ عدم العمى كما في الجرو بل

1 . كذا في النسخ، وفي المباحث المشرقية: «المفصّلة».
2 . العبارة من الرازي والمعترض عليه هو الطوسي.
3 . في عبارة الرازي: «ثبوتياً» تلخيص المحصل: 155.

صفحه 10
في من نزل في عينه ماء بل في الجدار لا يكون إبصاراً.
وأيضاً يلزم من قوله: «وإن كان وجوداً فعدمه يصدق على العدم، فيكون العدم موصوفاً بالعلم» ثبوت ما ادّعى بطلانه; لأنّ وصف العدم لا يكون وجودياً، فإذن العلم سلبي.1
وفيه نظر، فإنّه لم يقصد المستدل كون العلم عدماً لمطلق العدم حتّى يكون العلم مطلق الوجود، بل عدم مقابله، وذلك المقابل إن كان عدم العلم كان العلم عدماً للعدم، فيكون ثبوتياً.
والتحقيق أن نقول: العدم قد يؤخذ مطلقاً فيقابله وجود مطلق، وقد يؤخذ مضافاً إلى شيء كعدم البصر مثلاً، فيقابله وجود البصر; لاتّحاد المضاف إليه في التقابل. فلما كان العدم المضاف منسوباً إلى البصر وجب أن يكون الوجود مضافاً إليه أيضاً. وهنا يكون عدم هذا الوجود إمّا لعدمه في نفسه أو لعدم إضافته، فإن كان لعدمه في نفسه لزم وجود مقابله أعني البصر، وإن كان لعدم إضافته لم يلزم ثبوت المقابل.
وقوله: «يلزم من قوله: إن كان وجوداً فعدمه يصدق على العدم فيكون العدم موصوفاً بالعلم، ثبوت ما ادّعى بطلانه; لأنّ وصف العدم لا يكون وجودياً» ليس بوارد عليه; لأنّه إنّما ذكر ذلك على سبيل الإلزام ليستثني نقيض اللازم، وهو أنّ العلم لا يصحّ أن يتصف به المعدوم.
الثاني: العلم يصحّ وصفه بالانتساب إلى شيء دون شيء فيقال: إنّه عالم بكذا و ليس عالماً بكذا، فيختص تعلّقه بشيء دون غيره بخلاف التجرّد فإنّه لا يعقل اختصاصه بشيء دون آخر لامتناع أن يقال: هذا الشيء مجرّد عن المادة

1 . نقد المحصل: 155ـ 156.

صفحه 11
بالنسبة إلى هذا دون ذاك، فالتجرّد مغاير للتعقّل.
الثالث: لو كان العلم هو التجرّد لاستحال اجتماع علمنا بكون الشيء مجرّداً عن المادّة وعلائقها من الوضع و قبول الإشارات وغير ذلك و جهلنا بكون الشيء عالماً; لامتناع صدق إيجاب الشيء على غيره و سلبه عنه، لكن التالي باطل، فإنّا قد نعلم كون الشيء مجرّداً عن المادة وعلائقها و نجهل كونه عالماً بشيء البتة ونفتقر بعد ذلك إلى الاستدلال، فلا يجوز أن يكون كون الشيء مجرّداًعبارة عن كونه عالماً، ولا داخلاً فيه مقوماً له، بل بعد العلم بتجرّده نشكّ في كون ذلك المجرّد عالماً، ومن المستحيل أن تكون الحقيقة الواحدة معلومة مجهولة دفعة واحدة، فثبت أنّ التعقّل والتجرّد متغايران.
الرابع: أنّنا نفرق بالضرورة بين حال تجدّد العلم لنا بشيء و بين حالنا قبله ونميز بينهما; فإنّا قبل ذلك العلـم لنا لا تكون لنا صفة العالمية ولا يحصل لنا باعتبار عدم هذا الوصف أمر وجودي، بل لم تحصل زيادة على العدم إليه فوجب أن يكون الفرق إنّما هو حصول أمر لنا بعد العلم1 لم يكن ثابتاً قبله. ولا فرق في أنّا نجد أنفسنا عالمين بالشيء و في أنّنا مريدين له، فإنّ كلّ واحد منهما حاصل بعد أن لم يكن، و إنّما نميّز بينهما وبين سائر الأحوال النفسانية2 المدركة لنا، وأنّ لهذا العلم خصوصية وانفراداً عن غيرها، وذلك لا يكون إلاّ إذا كانت تلك الحالة أمراً ثبوتياً.
فقد ظهر أنّ التعقّل لا يجوز أن يكون أمراًعدمياً، ولا سلب المادة ولا غيرها. نعم قد يلزمه ذلك، لكن أخذ لازم الشيء مكانه اغلوطة.

1 . ج: «العدم».
2 . كالغضب والشهوة والإرادة والقدرة.

صفحه 12

المسألة الثالثة: في أنّ العلم ليس هو الانطباع1

إعلم أنّه لا يجوز أن يكون العلم عبارة عن صورة مساوية للمعلوم منطبعة في العالم، خلافاً للرئيس، لوجوه:
الأوّل: لو كان التعقّل عبارة عن حصول صورة في العاقل مساوية للمعقول، لكان تعقّلنا لذاتنا: إمّا أن يكون عبارة عن حصول صورة مساوية لذاتنا في ذاتنا، أو يكون نفس حصول ذاتنا لذاتنا من غير صورة أُخرى منتزعة منها.
ويلزم من الأوّل اجتماع المثلين، فلا يكون إحداهما بالحالّية والأُخرى بالمحلّية أولى من العكس; ولا كون إحداهما آلة في التعقّل والأُخرى أصلاً بهيحصل التعقل و يكون هي المعقول أولى من العكس. ولأنّا ما لم نعقل أنّ تلك الصورة صورة ذاتنا لم نعقل ذاتنا، فيكون عقلنا لذاتنا قبل عقلنا لتلك الصورة.
والثاني باطل; لأنّه ليس مَن عقل الشيء المجرّد عقَل منه أنّه عاقل، ولهذا إذا عقلنا واجب الوجود لم يجب أن نعتقد أنّه عالم، بل نفتقر بعد علمنا بثبوته إلى دليل على علمه مع أنّه عالم بذاته في نفس الأمر. وأيضاً يبطل قولهم: التعقّل حصول صورة مساوية للمعقول في العاقل.
الثاني: لو كان التعقل عبارة عن حصول صورة المعقول للعاقل، لكان علمنا بذاتنا إمّا أن يكون نفس ذاتنا أو مغايراً له، والقسمان باطلان.
أمّا الأوّل، فلأنّ علمنا بذاتنا إذا كان هو نفس ذاتنا، فإمّا أن يكون علمنا بعلمنا بذاتنا هو نفس علمنا بذاتنا الذي هو نفس ذاتنا، وإمّا أن لا يكون. فإن

1 . قارن المباحث المشرقية1: 442ـ 443; نقد المحصل: 156 157; نهاية العقول (المسألة الثالثة: في أنّ الادراك هل هو نفس الانطباع أو لا ؟).

صفحه 13
كان لزم من حصول ذاتنا حصول علوم غير متناهية بالفعل; لأنّ ذاتنا موجودة بالفعل وعلمنا بذاتنا هو نفس ذاتنا، و كذا علمنا بعلمنا بذاتنا إلى ما لا يتناهى، ولمّا كانت ذاتنا موجودة بالفعل وجب أن تكون هذه الأشياء موجودة بالفعل; لاستحالة أن يكون الشيء الواحد موجوداً بالقوّة والفعل معاً، وإن لم يكن، لم يكن1 علمنا بذاتنا نفس ذاتنا، وهو غير القسم الذي نحن فيه.
لا يقال: العلم بالعلم هو بعينه العلم بالمعلوم.
لأنّا نقول: هذا باطل; لأنّا قد نعلم الشيء ونغفل عن علمنا بعلمنا به. فإنّا نستحضر في ذهننا العلم بالعلم ونجد تفرقة بينه و بين ما إذا لم نستحضر ذلك العلم مع أنّ العلم بالمعلوم حاصل في الوقتين.
ولأنّ العلم بالعلم إضافة إلى العلم، والعلم بالمعلوم إضافة إلى المعلوم، وتغاير المضافين يستدعي تغاير الإضافتين.
وأمّا الثاني، فلاستلزامه اجتماع المثلين.
اعترضه أفضل المحققين بأنّ علمنا بذاتنا هو نفس ذاتنا بالذات وغير ذاتنا بنوع من الاعتبار. والشيء الواحد قد يكون له اعتبارات ذهنية لا تنقطع مادام المعتبر يعتبره.2
وفيه نظر، لأنّ هذا الاعتبار الذي حصل به المغايرة إن كان جزءاً من علمنا بذاتنا دون ذاتنا أو من ذاتنا دون علمنا بذاتنا لم يتّحدا بالذات، لأنّ المغايرة في المقوم تستلزم المغايرة في الحقيقة، وإن لم يكن جزءاً من أحدهما كان عارضاً لذاتنا

1 . أي: إن لم يكن علمنا بعلمنا بذاتنا نفس علمنا بذاتنا، لم يكن حينئذ علمنا بذاتنا نفس ذاتنا وهذا خلاف الفرض.وهذا من اعتراضات المسعودي كما صرّح به الطوسي في شرح الإشارات2: 320ـ 321.
2 . هذا جواب على اعتراض المسعودي، راجع المصدر نفسه.

صفحه 14
الذي هو علمنا بذاتنا أو لعلمنا بذاتنا الذي هو نفس ذاتنا. ومتى عرض لذاتنا، عرض لعلمنا بذاتنا و بالعكس، لاتحادهما في الذات، فلا يحصل التغاير البتة.
الثالث: تعقل ذاتنا لذاتنا لا يكون نفس ذاتنا، وإلاّ لزم تعقلنا لذاتنا بدوام ذاتنا، وكذا يدوم علمنا بعلمنا بذاتنا، فتكون جميع المراتب التي لا تتناهى دائمة موجودة بالفعل لنا، وهو ضروري البطلان1 . ولا مغايراً لذاتنا زائداً عليها; لأنّ ذلك الزائد إن كان مساوياً للماهية كما يقولون: إنّه صورة للمعلوم في العالم لزم اجتماع المثلين، وإن لم يكن مساوياً بطل قولهم: علم الشيء بذاته نفس ذاته، وإنّ العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم; لأنّ هذا الزائد الذي جعلوه علماً ليس أحدهما.
الرابع:2 لو كان العلم هو حصول صورة الشيء لغيره، لكان الجسم الأسود مدرِكاً للسواد لأنّه حصل له السواد، والتالي باطل بالضرورة، فإنّا نعلم ضرورة أنّ الجمادات لا شعور لها البتة.
لا يقال: الإدراك حصول الشيء لا لأيّ شيء اتّفق بل للذات المدركة، والجماد ليس بمدرك.
وأيضاً، فإنّ ماهية النفس مخالفة لماهية الجسم، والإدراك هو حصول الشيء للنفس المجردة لا للجسم، ولا يلزم من كون حصول السواد في النفس إدراكاً للسواد أن يكون حصوله للجسم إدراكاً له.
ولأنّ حصول السواد للشيء إنّما يكون إدراكاً له لو وقع ذلك الحصول على وجه مخصوص و هو التجرّد عن المادة و لمّا لم يكن حصول السواد للجسم على وجه التجرّد لم يكن الجسم عالماً به.

1 . قارن شرح الرازي في شرحي الإشارات، النمط الثالث، ص 135.
2 . انظر هذا الوجه في المصدر نفسه: 134ـ 135.

صفحه 15
ولأنّ الحصول إنّما يستلزم التعقل لو اتّحدت الصورة بالعاقل، وهذا الشرط غير متحقق في الجسم والسواد.
لأنّا نقول: إذا كان الإدراك هو الحصول، فالمدرك شيء له الحصول أي الإدراك فأينمـا تحقـق الحصول وجب تحقق الإدراك; لأنّه نفسه فيكون الجماد مدركاً للسواد لأنّ السواد حصل له، لكن لما كذب على الجماد الإدراك و صدق عليه الحصول وجب التغاير، وإلاّ صار قولنا في الجماد إنّه حصلت له الصورة وهو غير مدرك أنّه حصلت له الصورة ولم تحصل له.
وأيضاً قولهم: «الإدراك حصول الشيء للذات المدركة» إن عنوا به للذات التي لها الحصول، فالحال كذلك. وإن عنوا به عين الحلول فهو المطلوب، ولمّا كانت النفس محلاً للإدراك كانت مغايرة له; لأنّ المحل مباين للحال و مغاير له. ولأنّ علمنا بالشيء لو كان عين ذاتنا لما كان يعتبر في علمنا بالشيء حصول حقيقة ذلك الشيء لنا. ولأنّه كان يجب أن نكون عالمين بذلك المعلوم أبداً.
فثبت، أنّ علمنا بالشيء زائد على ذاتنا، فذلك الزائد إن كان نفس الحقيقة المعقولة، فأينما تحققت تلك الحقيقة المعقولة حصل العلم فالجماد عالم، وإن كان غيره فهو المطلوب. فإذا كانت حقيقة الإدراك عندكم هو الحصول، فأينما تحقّق الحصول كان إدراكاً، إلاّ أن يجعل قول الوجود على الأمرين بالاشتراك اللفظي، فيكون وجوده عند كونه حاصلاً في التعقل مخالفاً لوجوده عند كونه حاصلاً للجسم وهو باطل، لأنّا إن جعلنا وجود الشيء نفس ماهيته استحال أن يختلف وجود الماهية الواحدة بحسب اختلاف القوابل وإن وقع الإشكال، لأنّ حقيقته إذا كانت مغايرة لمعقوليته وجب أن يكون وجوده مغايراً لمعقوليته. وإن جعلناه زائداً استحال أن يكون بالاشتراك اللفظي اتّفاقاً وبما سبق من الأدلّة.
لا يقال: لا شكّ في أنّ التعقّل زائداً على عين تلك الماهية.

صفحه 16
لأنّا نقول: ذلك الزائد إمّا وجود تلك الماهية، أو حصولها للمدرك.
والأوّل باطل بما تقدّم.
والثاني محال; لأنّ حصول ذلك الوجود للمدرك لا يمكن أن يكون ثبوتياً، وإلاّ تسلسل.
والتجرّد الّذي جعلوه شرطاً إن كان هو الحقيقة الموجودة عاد المحال، وإن كان زائداً سلباً كان أو إيجاباً ـ حصل المطلوب، والاتّحاد محال.
الخامس: العلم إذا كان صورة مساوية للماهية فنقول: هذه الصورة يمتنع أن تكون نفس المعلوم.
أمّا أوّلاً: فلمغايرة الشيء صورته.
وأمّا ثانياً: فللعلم الضروري بأنّا إذا علمنا الجبل والنار لم تحصل ماهية هذه الأشياء فينا بل تكون مغايرة لماهية المعلوم، ولا يخلو إمّا أن تكون مساوية له من كلّ وجه، أو من بعض الوجوه. والأوّل محال بالضرورة; لأنّه لا فرق بين الماهية وبين ما ساواها من كلّ وجه. وكما حكمت الضرورة بعدم حلول نفس الماهية في العاقل، كذا يحكم بامتناع حلول ما ساواها من كلّ وجه فيه. فإنّا نعلم بالضرورة أنّ مقدار الجبل وشكله وخواصه لا تحصل في العالم بالجبل.
وإن كانت مساوية من بعض الوجوه فنقول:
إمّا أن تحصل المخالفة بالوجود في بعض الصفات وعدمها، أو بالمخالفة بين بعض صفات أحدها وبعض صفات الآخر.
فالأوّل بأن1 تحصل المساواة بين الصورة المعقولة والماهية في بعض الوجوه، وتحصل للصورة صفة أو صفات لا تحصل للماهية، و تكون جميع صفات الماهية

1 . ج و س: باضافة«يكون» قبل «بأن».

صفحه 17
واعتباراتها حاصلة في الصورة، أو بأن ينعكس الحال، فتحصل للماهية مساواة للصورة في بعض الوجوه، وتحصل للماهية صفة أو صفات لا تحصل للصورة، وتكون جميع صفات الصورة حاصلة للماهية.
والثاني إمّا أن يكون يحصل في كلّ من الماهية والصورة جميع صفات الآخر، وتحصل لكلّ منهما صفة أو صفات لم تحصل للآخر، أو تحصل لكلّ منهما صفات يشارك بها بعض صفات الآخر وتحصل لكلّ منهما صفات لا تحصل للآخر.
والقسم الأوّل محال بالضرورة; لأنّا نعلم أنّه لم تحصل في الصورة العقلية جميـع صفات الماهية ولوازمهـا وحقيقتهـا الجوهريــة التـي في الجســـم مثلاً وعوارضها كما تقدّم.
والثاني محال أيضاً; لأنّه يلزم أن لا تكون الصفة التي زادت الماهية بها على الصورة معلومة، أو لا تكون معلومة بصورة مساوية لها. والأوّل باطل; لأنّا نفرض علمنا بشيء واحد من كلّ جهة، أو علمنا بالشيء بجميع جهاته وعوارضه ولواحقه. والثاني باطل أيضاً، وإلاّ لكان العلم على إضافته1بالاشتراك اللفظي حيث كان في بعضها بصورة مساوية وفي الآخر بغير صورة مساوية. ويلزم أيضاً الترجيح من غير مرجح. ولأنّ في الصورة العقلية صفات ليست في الماهية كالعرضية مع جوهرية الماهية.
وأمّا القسم الأوّل من قسمي القسم الثاني، فإنّه باطل بالضرورة أيضاً، لما تقدّم من امتناع حلول الماهية وما سواها في العاقل.
والثاني أيضاً باطل، وإلاّ لكان المعقول هو تلك الصفات المشتركة بين الماهية والصورة العقلية، ولا تكون باقي صفات الماهية معلومة أو تكون معلومة لا

1 . العبارة كذا، وفي بعض النسخ: « لكان قول للعلم على أوصافه».

صفحه 18
بصورة مساوية، فيخرج العلم عن كونه صورة مساوية للمعلوم في العالم.
قال أفضل المحققين: «لا يجب كون العالم بالحرارة حاراً; لأنّهم قالوا بانطباع صورة مساوية للحرارة. وفرق بين صورة الشيء و بينه، فإنّ الإنسان ناطق و صورته ليست ناطقة.
وليست الصورة مساوية للمعقول في تمام الماهية; لأنّ المساوي في تمام الماهية هو نفس الماهية أو شخص من أشخاصها لا صورتها.وإذا كان بين الماهية وصورتها اثنينية في النوع لكانت الصورة غير الماهية. ولجاز أن يكون المقتضي لكون المحل حاراً هو مجموع ما به الاشتراك وما به الامتياز.
ولا يلزم أن يكون الجدار عاقلاً، لأنّ الإدراك نفس الحصول لقابل مشروط بشرط مخصوص، فإنّا لو قلنا: الغنى: حصول مال عند ما من شأنه أن يحصل له مال، لا يلزم منه أن يكون الجماد1 الذي يحصل عنده مال غنياً.» 2
واعلم أنّ ما ذكرناه من التقسيم لا يتأتى معه شيء من هذا الكلام البتة، وإذا كان بين الماهية المعقولة والصورة العقلية اثنينية بالنوع لم تكن مساوية لها.
ثمّ قوله: «الجدار غير قابل» ضعيف; لأنّه قابل للحصول فيه، وإلاّ لم يتصف به، وليس قابلاً للتعقل فتغايرا. وحدّ الغنى لم يحصل في الجماد لأنّه لم يحصل له و إن حصل عنده، فلهذا لم يتحقق الغنى فيه.أمّا الجدار فإنّ حدّ التعقل و هو الحصول ثابت فيه. وإن قيدت الحصول بأنّه حصول عند ما من شأنه أن يعقل، سألناكم عن معنى قولكم: «أن يعقل»، فإن كان هو الحصول لزم التكرار، وأن يكون الجماد عاقلاً، وإن كان معنى غيره ثبت التغاير بين التعقل والحصول وهو المطلوب.

1 . وفي المصدر: «الحمار».
2 . نقد المحصل: 156ـ 157.

صفحه 19
قال أيضاً: «حصول الشيء للشيء يقع بالاشتراك أو1 التشابه على معان مختلفة، كحصول الجوهر للجوهر والعرض، وحصول العرض للعرض و الجوهر، والصورة للمادة أو الجسم وعكسهما، والحاضر لما حضر عنده و عكسه، إلى غير ذلك. ولمّا كان الحصول الإدراكيّ معلوماً ولم يكن أي حصول اتّفق بل حصول صورة ما للمدرك، لا للشيء على الإطلاق، ولم يكن هذا الحصول بمعنى حصول العرض لموضوعه، لم يجب أن يكون الأسود مدركاً للسواد».2
ولا مخلص فيه، فإنّ البحث في تفسير المدرك في قوله «الإدراك حصول شيء للمدرك لا أيّ حصول اتّفق» واقع.
السادس: لو كان التعقل هو الحصول، لوجب إذا تصورنا موجوداً ليس بجسم ولا قائماً في جسم، واعتقدنا حلول السواد فيه أن نقطع بكونه عالماً به.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ اعتقاد حلول السواد فيه، إن كان على سبيل حلوله في الأجسام فهو جهل و سخف. وإن كان على سبيل حلوله في المجرّدات فهو معنى كونه عالماً به، ولا تغاير بينهما إلاّ تغاير الألفاظ المرادفة.3
وفيه نظر، فإنّ مفهوم الحلول واحد، والبرهان آت في المجرّد.
فإنّا نقول: لو كان التعقل هو الحلول للصورة في المجرّد لكنّا إذا اعتقدنا حلول أمر في المجرّد نعتقد أنّ ذلك المجرّد عالم به، وليس كذلك، بل إنّما يحصل ذلك من مقدمتين:
إحداهما: الحلول في المجرّد.
الثانية: أنّ معنى الحلول في المجرّد هو التعقل، لكن النزاع إنّما وقع في هذا.
السابع: انّا بعد العلم بأنّ اللّه تعالى ليس بجسم ولا حالّ فيه، نشكك في أنّه

1 . في المصدر: «و».
2 . شرح الإشارات للطوسي2: 319.
3 . نفس المصدر: 320.

صفحه 20
هل يعلم ذاته؟ وهل يعلم كونه فاعلاً لغيره أم لا؟ وهذا يدل على أنّ كون الشيء عالماً بشيء، مغاير لحصول ذلك الشيء له.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ ذلك إنّما يقع إذا لم يتحقق أنّ ذاته بأي وجه حصل لذاته، وأنّ غيره بأيّ وجه حصل له، فإنّ معاني الحصول مختلفة. فإذا حقّقنا تجرّده، وحقّقنا أنّ كون الشيء مجرّداً قائماً بالذات يقتضي علمه بذاته وبصفاته كما يجيء بيانه، لم نشكك في ذلك.1
وفيه نظر، فإنّ «تحقّق كون الشيء مجرّداً قائماً بالذات يقتضي علمه بذاته وبصفاته»، يدل على مغايرة التعقّل للحصول، وهو المطلوب.
الثامن: الصور الجزئية تحصل في الخيال أو في الجليدية، والإدراك يكون في الحس المشترك أو في ملتقى العصبتين، فلو كان الحصول إدراكاً لكانا معاً.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ الإدراك ليس هو حصول الصورة في الآلة فقط، بل حصوله في المدرك لحصوله في الآلة، وهنا الإدراك لا يحصل في الحس المشترك ولا في ملتقى العصبتين، بل في النفس بواسطة هاتين الآلتين عند حصول الصورة في الموضعين المذكورين أو غيرهما.2
وفيه نظر، فإنّ آلة المدرك غير المدرك، وقد كنتم جعلتم الإدراك هو الحصول عند المدرك فكيف يدرك المدرك لحصول صورة المدرَك عند غيره؟ ثمّ إن حصلت صورة المدرَك للمدرك كما حصلت لآلته، كان هناك حصولان، ولا حاجة إلى حصول الصورة عند الآلة. وإن لم يكن إلاّ حصول عند الآلة وجب أن لا يكون المدرك إلاّ من حصلت له تلك الصورة.
التاسع: انّا نعلم أنّ المبصر هو زيد الموجود في الخارج، والقول بأنّه مثاله أو شبحه يقتضي الشكّ في الأوّليات.

1 . نفس المصدر.
2 . نفس المصدر.

صفحه 21
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ المبصر هو زيد بغير شك. أمّا الإبصار فهو حصول مثاله في آلة المدرك، وعدم التمييز بين المدرك والإدراك هو منشأ هذا الاعتراض.1
العاشر: كيف يكون الإدراك صورة ذهنية مطابقة لما في الخارج، والشعور بالمطابقة إنّما يكون بعد الشعور بما في الخارج؟
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ المطابقة غير الشعور2 بها، وإنّما اشترط فيه الأوّل دون الثاني.
الحادي عشر: المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في الخارج في تمام الماهية، وإلاّ لجاز أن يكون السواد مثل البياض في تمام الماهية; لأنّ المناسبة بين السواد والبياض لاشتراكهما في العرضية والحلول في المحل وكونهما محسوسين أتم من المناسبة بين المعقول من السماء الذي هو عرض غير محسوس حال في محل كذلك، وبين السماء الموجودة التي هي جوهر محسوس موجود في الخارج محيط بالأرض.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ ماهية الشيء هي ما يحصل في العقل من ذلك الشيء نفسه دون عوارضه الخارجة عنه، ولذلك اشتقت لفظة الماهية من لفظة ما هو، فإنّ الجواب عنها يكون بها. ولمّا كان كذلك كان معنى قول القائل: «المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في الخارج» هو أنّ السماء المعقولة المجرّدة عن اللواحق ليست بمساوية للسماء المحسوسة المقارنة إيّاها، وحينئذ إن أراد بعدم المساواة التجرّد واللاّتجرد كان صادقاً، وإن أراد به أنّ مفهوم السماء نفسه ليس بمشترك بين المجرّدة والمقارنة كان كاذباً. فإن زاد وقال: المعقول

1 . نفس المصدر: 322.
2 . في المصدر: «المشعور».

صفحه 22
من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في تمام الماهية، كان معناه أنّ المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في تمام المعقولية إذ ليس بمساو للسماء لها حال كونها معقولة. وهذا هذيان لما نسمعه، فإنّ المعقول من السماء هو نفس ماهية السماء، فضلاً عن المساواة.
وأمّا كون السواد غير مساو للبياض في تمام المعقولية، فظاهر. وظاهر أنّ المناسبة بين الموضعين غير صحيحة، فإنّ الفرق بين السماء المعقولة والمحسوسة بكون أحدهما عرضاً في محلّ مجرّد غير محسوس والآخر جوهراً محسوساً لا في محلّ، فرق بين الطبيعة النوعية المحصّلة المأخوذة تارة مع عواض وتارة مع مقابلاتها. والفرق بين السواد و البياض فرق بين الطبيعة الجنسية غير المحصلة المأخوذة تارة مع فصل يقومها نوعاً وتارة مع فصل آخر يقومها نوعاً مضاداً للأوّل. على أنّ السماء المعقولة إذا أخذت من حيث هي عرض قائم بنفس مّا، لم تكن ماهيته السماء، إنّما تكون ماهيته لها من حيث تكون صورة حصلت في العقل مطابقة لها.
وفيه نظر، لأنّا لم نقصد بالماهية المعنى المعقول باعتبار كونه ثابتاً في الذهن، بل نريد به نفس الحقيقة والذات التي للشيء في نفس الأمر.
وليس المقصود من قولنا: المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في الخارج، عدم المساواة في التجرّد و عدمه، ولا أنّها ليست مساوية لها في المفهوم الذهني، بل إنّه ليس بمساو لها في حقيقتها، وكيف يجوز جعل السماء الثابتة في التعقل التي حكم عليها بالعرضية والحلول في محلّ مجرّد غير محسوس والسماء الثابتة في الخارج التي حكم عليها بالجوهرية والإحساس والاستغناء عن المحلّ، مندرجتين تحت طبيعة نوعية محصلة مأخوذة تارة مع عوارض وتارة مع مقابلاتها، فإنّ إحدى الصورتين جوهر والأُخرى عرض، وإحداهما حالّة في محلّ مجرّد غير محسوس والأُخرى غير حالة في محلّ وهي محسوسة.

صفحه 23

المسألة الرابعة: في أنّ التعقل هل يتوقّف على الانطباع أم لا؟1

اختلف الناس في ذلك، فأكثر الأوائل عليه; لأنّا2 نتصور أُموراً لا وجود لها بالفعل سواء كانت ممكنة مثل كثير من الأشكال الهندسية، أو ممتنعة كشريك الباري، و نحكم على ما لا تحقّق له في الأعيان كالممتنعات بأحكام إيجابية، كالامتناع. فذلك المحكوم عليه يجب أن يكون ممتازاً عن غيره، وإلاّ لم يكن هو بذلك الحكم أولى من غيره، وكلّ ممتاز فهو ثابت، فإنّ العدم المحض والنفي الصرف لا يتحقق فيه امتياز ولا تعدد ولا تخصص، و لو جاز في العدم الصرف أن يكون بعضه متميزاً عن البعض بالمقدار و اللون والشكل لجاز في هذه الأُمور التي يتميز بعضها عن البعض بالبصر أن تكون معدومة، وهو سفسطة، بل هذه الامتيازات والمخصصات كلّها في لواحق الموجود الثابت.
وإذ ليس ذلك الثبوت والوجود في الخارج; لأنّا فرضناه ممتنعاً فيه معدوماً، و لأنّ ذلك الامتناع واجب الثبوت للممتنع لاستحالة أن ينقلب الممتنع غير ممتنع، فلو كان ذلك الامتناع ثابتاً في الخارج لكان وجود الممتنع واجباً في الخارج، لوجوب وجود الشرط عند وجود المشروط، فيكون ممتنع الثبوت في الخارج واجب الثبوت في الخارج، هذا خلف، فهو موجود في الذهن حتّى يتأتى للذهن أن يحكم عليه بامتناع أن يعرض له الوجود الخارجي.
لا يقال: لو كان كون الشيء ممتنع الوجود في الخارج لأجل حكم الذهن على الصورة الذهنية بامتناع حصولها في الخارج، لكانت الممكنات بأسرها ممتنعة;

1 . قارن المباحث المشرقية1: 439ـ 441; المسألة الثالثة عشرة من مباحث الكيف من شرح العلاّمة على تجريد الاعتقاد. والانطباع والارتسام والقبول من اصطلاحات المشاء.
2 . بهذا الدليل استدل القوم على اثبات الوجود الذهني أيضاً.

صفحه 24
لأنّ الصورة الحاصلة منها في الأذهان ممتنعة الحصول في الخارج.
لأنّا نقول: الصورة الذهنية لها ماهية ولها وجود، ولا شكّ أنّ للماهية اعتباراً، ولوجودها اعتباراً آخر مغايراً لاعتبارها. واعتبار الماهية من حيث هي هي وإن كان جزءاً من اعتبارها من حيث إنّها موجودة، لكنّهما متغايران تغاير الجزء والكلّ. وتلك الماهية إذا أُخذت من حيث هي ذهنية فهي ممتنعة الحصول في الخارج، سواء كانت تلك الصورة الذهنية مأخوذة عن الممتنع أو عن الممكن، لكن إذا نظر إلى تلك الماهية من حيث هي هي مع قطع النظر عن اعتبار كونها ذهنية، فإن حكم العقل بامتناع عروض الوجود الخارجي لها كانت ممتنعة، وإلاّ كانت ممكنة.
فالحاصل أنّ تلك الماهية لابدّ في حقيقتها من الوجود الذهني، لكن المحكوم عليه بالامكان والامتناع هو تلك الماهية فقط، لا من حيث اعتبار وجودها وعدمه، ولهذا1 كان كون الإنسان إنساناً غيرٌ وكونه بحيث لا يمتنع نفس مفهومه من الشركة غيرٌ; فإنّ أحد المفهومين ليس هو الآخر، ولا داخلاً فيه على ما عرفت، فكونه بحال لا يمنع الشركة عارض عرض لتلك الماهية، لكن يمتنع أن يعرض له ذلك العارض عند وجوده في الخارج; لأنّ كلّ موجود في الخارج مشخص و يمتنع أن يكون بنفسه وهو بعينه محمولاً على غيره على ما عرفت.
فإذن هذا العارض إنّما يعرض له عند كونه في العقل، فإذن للماهيات المعقولة وجود في العقل.
وأمّا إنّ الإرادات الجزئية لابدّ فيها من هذا الارتسام فسيأتي.

1 . هذا ممّا استدل به الرازي واختاره من البراهين الدالة على أنّ العلم بالشيء لا يحصل إلاّ بانطباع صورة المعلوم في العالِم، وسيرد اعتراض المصنف عليه.

صفحه 25
وفيه نظر، لأنّا نمنع استدعاء الامتياز الثبوت. وفرق بين المعدوم والعدم، فإنّ المعدوم شيء اتّصف بالعدم.لا أقول إنّه شيء ثابت في الخارج بل إنّه مفهوم اتّصف في الذهن بالعدم لا على أنّه ثابت في الذهن أيضاً.
وأيضاً المحكوم عليه بالامتناع ليس هو الصورة الذهنية، بل ما هذه الصورة صورته. وتلك الماهية لا ثبوت لها ذهناً ولا عيناً، لأنّا لا نقول: إنّ تلك الصورة الذهنية يمتنع وجودها في الخارج، وإلاّ لم يبق فرق بين الممكن والممتنع كما تقدّم، بل الماهية التي هذه الصورة صورة لها هي التي يحكم عليها بالامتناع.
لا يقال: المتصورات لا تتميّز بعضها عن البعض قبل وجودها، بل نحن قبل وجودها نعلم أنّها بعد وجودها يكون بعضها متميّزاً عن البعض، فالحاصل أنّ التميّز بصفات مترقبة الحصول.
لأنّا نقول: هذا باطل لأنّه إذا لم يكن هناك ما يشير العقل إليه و يحكم عليه بالامتياز استحال الحكم بأنّ بعضها متميز عن البعض بعد الوجود، والمعتمد نفي هذه الصورة لوجوه:
الأوّل: الأدلّة الدالّة على امتناع كون العلم صورة تدل على نفي الصورة أيضاً. ولأنّ1 حصول الاستدارة والحرارة في القوّة المدركة يقتضي صيرورتها مستديرة حارة.
اعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ الاستدارة إن كانت جزئية كانت ذات وضع، فلا محالة يكون محلّها ذا وضع فيصير الجزء الذي هو محلّها مستديراً بها من حيث هو محلّها، ولا يلزم من ذلك أن يصير المدرك الذي يكون ذلك المحلّ آلة له مستديراً. وإن كانت كلية لم تكن ذات وضع، ولا تقتضي أن يصير محلّها

1 . برهان آخر على عدم كون العلم حصول ماهية المعلوم عند العالم.

صفحه 26
مستديراً.1
وأمّا الحرارة، فإنّها لا تقتضي كون محلّها حاراً، إلاّ إذا كان الحالّ هي بعينها، والمحل جسماً خالياً عن ضدّها من شأنه أن ينفعل عنها. ولا يلزم من ذلك أنّ صورتها المغايرة لها إذا حلّت جسماً أو قوة جسمانية أن تجعلها حارة، فضلاً عن أن تجعل المدرك الذي يكون ذلك المحلّ آلة له حاراً.2
وقيل: الإستدارة ليست بنفسها حاصلة.3
وفيه نظر، فإن تدرك اشكالاً كثيرة لا تحضر كثرة متضادة دفعة أو قريباً من دفعة، ويمتنع حصولها في آلة واحدة لتضادها، وفي آلات متكثرة بتكثر تلك الصور; للعلم القطعي بقصور الآلة عن الإحاطة بهذه الأشكال المتكثرة. ثمّ إن فرضنا إمكان ذلك، فكيف تطبع الآلة إلى التشكلات المتكثّرة بسهولة جداً مع تضاد المتشكلات واحتياجها إلى زمان يتهيأ المحل للانفعال على هيئتها؟
و الاستدارة الكلية إذا عقلت فإنّما تعقل بحصولها نفسها في ذات العاقل عندهم، أو لحصول صورة مساوية لها، وعلى كلا التقديرين فإنّه يجب أن يكون المحلّ مستديراً; لأنّا لا نعني به إلاّ ما حلّ فيه الاستدارة أو صورتها. ولا فرق بين الكلي والجزئي في ذلك، وإلاّ لم يكن العلم حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم، ولا مدخل للجزئية والكلية في اتّصاف المحلّ بالاستدارة وعدمه، بل إن حصلت الاستدارة أو صورتها في محلّ وجب أن يكون مستديراً، سواء كانت الاستدارة كلية أو جزئية، وإن لم تحصل لم يجب أن يكون مستديراً.

1 . حاصله: أنّ الاستدارة إن كانت جزئية فمحلّها الآلة ولا يلزم من استدارتها استدارة المدرِك. وإن كانت كلية فلا يلزم أن يكون محلّها مستديراً.
2 . شرح الإشارات2: 318.
3 . هذا ما أجاب به قطب الدين الرازي بعد اعتراضه على جواب الخواجه، فراجع المصدر نفسه.

صفحه 27
فقوله: «إذا كانت كلية لم تكن ذات وضع» مسلّم، لكن قوله: «ولا يقتضي أن يصير محلّها مستديراً» لا يجامع قولهم: التعقل حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم.
وقوله: «الحرارة لا تقتضي كون محلّها حاراً، إلاّ إذا كان الحال هي بعينها، والمحلّ جسماً خالياً عن ضدّها من شأنه أن ينفعل عنها»، ضعيف.
لأنّا لا نعني بالحار إلاّ ما حلّ فيه الحرارة، فإن كانت الحرارة نفسها حالّة ثبت أنّه حار. وإن كانت صورتها، فإن ساوتها من كلّ وجه فكذلك، وإن ساوتها من بعض الوجوه لم تكن حقيقة الحرارة معلومة إلاّ من ذلك الوجه، لا من كلّ وجه. وإن كان حصول المساواة من بعض الوجوه مقتضياً للعلم بالماهية من كلّ وجه لم يكن لذلك الوجه الذي حذفناه عن درجة الاعتبار تخصص عن باقي الوجوه حتى تعتبر هي خاصة.
وقيل: إنّما يلزم كون الذهن مستديراً لو حصلت الاستدارة نفسها فيه، أمّا إذا حصلت صورتها و مثالها1 فلا.
وهو باطل; لأنّ مَثل الاستداراة وصورتها إن كان عين الاستدارة لزم كون الذهن مستديراً; لأنّ معناه ما حصلت فيه الاستدارة، وإن لم يكن، لم يكن تعقل الاستدارة حصول الاستدارة في العاقل، وهو المطلوب.
الثاني: الصورة الذهنية إن لم تكن مطابقة للخارج كانت جهلاً، وإن كانت مطابقة فلابدّ من أمر في الخارج وحينئذ لِمَ لا يجوز أن يكون الإدراك حالة نسبية بين

1 . قال الشيخ: إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثّلة عند المدرِك يشاهدها ما به يدرك.وقال الخواجه في شرحه: يقال تمثّل كذا عند كذا، إذا حضر منتصباًعنده بنفسه أو بمثاله. شرح الإشارات 2: 308و310; راجع أيضاً شرح الإشارات 3: 150ـ 151 و345، حيث يقول: وكمال الجوهر العاقل أن يتمثّل فيه جليّة الحقّ الأوّل قدر ما يمكنه أن ينال منه ببهائه الذي يخصّه، ثمّ يتمثّل فيه الوجود كلّه على ما هو عليه مجرّداً عن الشوب.

صفحه 28
المدرك و بينه؟
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ من الصور ما هي مطابقة للخارج وهي العلم، ومنها ما هي غير مطابقة للخارج و هي الجهل.أمّا الإضافة فلا توجد فيها المطابقة وعدمها; لامتناع وجودها في الخارج، فلا يكون الإدراك بمعنى الإضافة علماً ولا جهلاً.1
وفيه نظر أمّا أوّلاً: فللمنع من انحصار سبب الجهل في عدم المطابقة لها في الخارج، فإنّا إذا جعلنا العلم إضافة أمكن وجود الجهل مع عدم تلك الإضافة، ومع وقوعها على غير الشرائط المباينة لها.
وأمّا ثانياً: «كون كلّ ما لا يكون مطابقاً للخارج جهلاً»، فيكون علمنا باستحالة المستحيلات وبالممتنعات في الخارج جهلاً إذ لا مطابق لها في الخارج، وهو باطل; لأنّ قولنا: «شريك الباري ممتنع» حقّ و صدق.
الثالث: الصور المتخيلة جاز أن تكون موجودة قائمة بأنفسها، كما قاله أفلاطون، أو بغيرها من الأجرام الغائبة عنّا، وهذا و إن كان مستبعداً لكنّه بالتزام أنّ صورة السماء في الذهن مساوية للسماء غير مستبعد.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ أفلاطون لم يذهب ولا غيره إلى أنّ المحالات المناقضة لأنفسها موجودة في الخارج، ولا أمكن أن يذهب إلى ذلك ذاهب.
وأمّا القول بكون الصورة المدركة في جسم غائب عن المدرك، ليس بمستبعد فقط، إنّما هو مع ذلك من المحالات الظاهرة، و ليس كذلك القول: بأنّ صورة السماء المنطبعة في آلة الإدراك مساوية للسماء، لاحتمال أن يكون الانطباع في مادة الجسم الذي هو آلة الإدراك، أو في القوّة المدركة الحالّة فيه اللذين لا حظ

1 . شرح الإشارات2: 316.

صفحه 29
لهما في الصغر و الكبر من حيث ذاتيهما، أو لاحتمال أن يكون المنطبع أصغر مقداراً من السماء. وذلك غير قادح في المساواة بحسب الصورة، فإنّ الكبير والصغير من الإنسان متساويان في الصورة الإنسانية، ولمّا لم يكن ذلك محالاً، فمجرّد الاستبعاد الذي ادعاه لا يقتضي بطلانه.
على أنّ هذا الاستبعاد ليس بوارد على القول بأنّ الإدراك إنّما يكون بصورة مطلقاً، بل غاية ما في الباب، أنّه يرد على القائلين: بأنّ الإبصار إنّما يكون بانطباع صورة في الرطوبة الجليدية، والتخيل يكون بانطباع صورة في الآلة الجسمانية الموضوعة للتخيل. ولا يرد على سائر الإدراكات الجسمانية1والعقلية، ولا في الموضعين المذكورين أيضاً على القائلين بالشعاع، أو على من يذهب مذهب الشيخ أبي البركات في القول، بأنّ الصورة المتخيلة تنطبع في النفس.2
وفيه نظر، فإنّ التعقل إذا كان إضافة بين العالم والمعلوم أو صفة حقيقية يلزمها الإضافة أو صورة مساوية للمعلوم في العالم، لابدّ من فرض ما يتعلّق به العلم وتحقّقه في نفسه لا في العلم المفتقر إلى تحقّق هذا الفرض، ولولا ذلك لم يبق فرق بين الأحكام الصحيحة والباطلة فيما لا وجود له في الخارج، كما نقول شريك الباري ممتنع، والجسم ممتنع. فإذن المعلوم أي شيء كان يجب أن يكون له تحقّق في نفس الأمر، حتّى يتعلّق به العلم على ما يقف عليه. وهنا بحث معرفة الفرق بين الثابت في نفس الأمر والثابت في الخارج و سنذكره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
واستبعاد كون الصورة المدركة ثابتة في جسم غائب، ليس في موضعه، فإنّ محققي الأوائل ذهبوا إلى ثبوتها في العقل الفعّال، فأيّ فارق بين الأمرين؟ إلاّ بكون

1 . كالسمع و الشم والذوق واللمس; لانّها لا تحـس إلاّ بأشياء صغيرة، فلا يلزم انطباع الكبير في الصغير.
2 . نفس المصدر.

صفحه 30
الجسم ذا وضع بخلاف العقل.
أمّا انطباع الصورة المساوية للسماء في مادة آلة الإدراك فإنّه أشدّ امتناعاً.
أمّا أوّلاً: فلأنّ تلك المادة في غاية الصغر، فكيف ينطبع فيه هذا المقدار الأعظم؟ فإن لم يشترطوا المساواة في المقدار أو أنّ الحالّ في المادة الصغيرة لا يكون له مقدار، لزم أن لا يدرك المقدار العظيم على عظمه، والصغير على صغره، حيث لا صورة مساوية لهما في المادة.
وأمّا ثانياً: فلأنّ تلك المادة لا يمكن أن تقوم بغير مقدار لها فكيف يحصل فيها مقدار آخر ؟ والمساواة بحسب الصورة غير كافية في العلم بالمقدار.
الرابع: إن لزم من قول الشيخ، اثبات الصورة الذهنية فإنّما لزم فيما لا يكون موجوداً. أمّا المحسوسات التي لا تُدرك إلاّ إذا كانت موجودة، فيحتمل أن يكون إدراكها إضافةً مّا للمدرك إليها.
اعترضه أفضل المحققين: بأنّ الإدراك معنى واحد1، إنّما يختلف بإضافته إلى الحس أو العقل، فإذا دلّت ماهيته في موضع على كونه أمراً غير مضاف عرضت له الإضافة، علم قطعاً إنّه ليس نفس الإضافة أينما كان.
وفيه نظر، لأنّا نمنع كون الإدراك معنىً واحد، فإنّ التعقل لا يفتقر حصوله إلى حضور مادة بخصوصيتها بخلاف الإدراكات الجزئية.
الخامس: لو كان التعقل لأجل انطباع المعقول و صورته في العاقل، لكنّا إذا عقلنا أنّ السواد يضاد البياض، يلزم أن تنطبع صورة السواد والبياض فينا، ويلزم أن يكون محلّ السواد والبياض واحداً، لأنّا حكمنا بالتضاد بينهما، و القاضي على الشيئين لابدّ و أن يحضره المقضي عليهما، لكنّهما منافيان لذاتيهما.

1 . أي أنّ إدراك الموجودات والمعدومات بمعنى واحد فكما نحتاج في إدراك المعدومات والممتنعات إلى ارتسام الصورة فكذلك في ادراك الموجودات.

صفحه 31
اعترض1 بأنّ من عَقَل مضادة السواد والبياض فقد ارتسمت في عقله ماهيتاهما، وماهية الضدين تقتضيان التضاد لا مطلقاً، بل بشرط الوجود الخارجي، فلا يلزم تحقق التنافي عند فوات هذا الشرط.
وفيه نظر، لأنّ الصورة إن ساوت الماهية الخارجية لزم التضاد فيها، كما في الماهية.وإن لم تكن مساوية لها لم تكن صورتها.
السادس: الماهية إذا انطبعت في العقل فهي من حيث إنّها صورة جزئية حاصلة في نفس جزئية موجودة في الخارج، فوجوده الذهني إمّا أن يكون هو ذلك أو وجود آخر.
والأوّل يستلزم أن لا يبقى الفرق بين الوجود الذهني والخارجي أصلاً، وكان يجب أن يتوفر على تلك الماهية حينما تكون في الذهن جميع ما يتوفر عليها عند ما تكون خارجية، فالحرارة المعقولة محرقة، والسواد المعقول محسوس قابض للبصر، وهو محال.
والثاني أيضاً محال; لأنّه يقتضي أن يكون للشيء الواحد وجودان فيكون موجوداً مرتين، وهو محال. فهب أن له وجوداً آخر لكن الوجود الخارجي حاصل له، فكان يجب أن يتوفر عليه جميع ما يفرض له في الخارج.
اعترض2بأنّ للحرارة ماهية و لوازم، ولا يجب أن يكون ما يلزمها بحسب قابل يلزمها بحسب كلّ قابل، فإنّه من الجائز أن تختلف لوازم الشيء بحسب اختلاف القوابل حتى يكون للحرارة متى حلّت المادة الجسمانية تعرض لها عوارض مخصوصة، ومتى حلَّت 3 النفسَ المجردة عن الوضع والمقدار لا يعرض لها شيء من تلك العوارض. وتكون الماهية في الحالتين واحدة لأنّها ليست هي هي

1 . والمعترض هو الرازي في المباحث المشرقية1: 441.
2 . والمعترض هو الرازي في المصدر نفسه.
3 . ج: «خلت».

صفحه 32
بأنّها مسخنة، وإلاّ لكانت النار حينما لا تكون مسخنة لغيرها لا تكون ناراً، بل لأنّها شيء يلزمها السخونة عند حلول المادة الجسمانية. وهذا الحكم صادق عليها عند كونها ذهنية.
والحاصل أنّ النار عبارة عن الشيء الذي إذا وجد في الخارج كان محرقاً، وإذا كان كذلك فحقيقته النار و إن حصلت في الذهن، إلاّ أنّها لا تكون محرقة; لأنّ شرط كونها محرقة كونها موجودة في الخارج، وإذا كانت في الذهن صدق عليها أنّها لو كانت في الخارج لكانت محرقة.
ولو وجّه السائل الإشكال في نفس السخونة لم يندفع بهذا الجواب.
وفيه نظر سبق تقريره، وهو أنّ الماهية الذهنية إن ساوت الخارجية في جميع ما به صارت ماهية، لزم المحال من التساوي في جميع لوازم الماهية، وإلاّ لم تكن لوازم للماهية، بل بتوسط الوجود. وإن لم تكن مساوية بطل قولهم بالصورة و بالوجود الذهني، لأنّ الموجود حينئذ لا يكون هو نفس الماهية، ولا ما يساويها، فلا يكون تعقل الاستدارة هو حصول الاستدارة ولا صورتها المساوية في العاقل، وهو المطلوب.
وإذا عقلنا أنّ النار هي التي إذا وجدت في الخارج لزمها الإحراق، فقد عقلنا الإحراق; لأنّ علمنا بأنّ شيئاً يلزمه آخر بشرط مخصوص يتوقّف على العلم بحقيقة اللازم والملزوم، وإذا كنّا قد عقلنا الإحراق والتعقل حصول المعقول فقد حصل في ذهننا الاحراق، فيكون الذهن محترقاً إذ معنى المحترق: ما فيه الإحراق.
إلاّ أن يقال: نحن لا نعقل حقيقة الإحراق، بل نعقل منه أنّه الأمر الذي يلزمه اللازم الفلاني عند وجوده في الخارج، لكن كلامنا في اللازم الفلاني كالكلام في الأوّل. ولأنّ الموجود الذهني إن خالف الخارجي في مفهوم كونه موجوداً، كان

صفحه 33
لفظ الوجود واقعاً بالاشتراك اللفظي، وهو باطل عندهم، وإن ساواه بطل عذرهم; لأنّ الذهن ممكن الاتصاف بالوجود، فلا منافاة بين ذات العقل وبين ماهية المعقول و بين وجوده.
فإذن يجب أن يوجد فيه هذه المعقولات، وهو محال، وإلاّ لوجد فيه اللون والشكل و المقدار، فتتصف بالألوان المختلفة والأقدار والأشكال المختلفة دفعة، وهو محال. ولأنّه لا يبقى فرق بين الإنسان الموجود في الذهن و بين الإنسان في الخارج لتساويهما في الماهية والوجود، وهو مكابرة. وإن لم يكن الذهن ممكن الاتصاف بماهيات هذه العلوم، لم يكن التعقل حصول ماهية المعقول في العاقل، وهو المطلوب.
السابع: العلم بمضادة السواد والبياض يجب أن يكون متعلّقاً بهما، وإلاّ لكان متعلّقاً بالمضادة المطلقة، لا بمضادة السواد للبياض، وإذا كان العلم المتعلق بمضادة السواد للبياض متعلّقاً بهما فيكون العلم الواحد متعلقاً بمعلومين، وهو محال; لأنّ شرط العلم المطابقة، والشيء الواحد لا يطابق المختلفين.1
اعترض: بأنّ ذلك يلزم لو جعلنا العلم نفس الانطباع، أمّا إذا جعلناه اضافة مخصوصة مشروطة بالانطباع فالمحال غير لازم، وهو تسليم لكون العلم اضافة.2

المسألة الخامسة: في أنّ العلم هل هو إضافة محضة أو صفة تلزمها الإضافة؟

اعلم أنّ الصفات تنقسم إلى حقيقية كالسواد والبياض، وإلى إضافيّة محضة

1 . المباحث المشرقية1: 441.
2 . نفس المصدر.

صفحه 34
كالتيامن والتياسر، وإلى ما تكون حقيقة تلزمها الإضافة. وتنقسم إلى ما لا يتغير بتغير المضاف إليه كالقدرة، وإلى ما يتغير كالعلم.
إذا عرفت هذا فنقول: العلم لا يعقل إلاّمضافاً تارة إلى العالم، بأن يقال: العلم علم للعالم، والعالم عالم بالعلم، وتختلف هنا حرف الصلة بين المضاف والمضاف إليه. و تارة إلى المعلوم، فيقال: العلم علم بالمعلوم، والمعلوم معلوم بالعلم، فتتحد هنا حرف الصلة. فهل العلم نفس هذه الإضافة المحضة، أو هي صفة حقيقية تتبعها الإضافة؟
واختلف الناس في ذلك، فذهب بعضهم إلى الأوّل1، وآخرون إلى الثاني. وبالجملة فالعلم لا ينفك عن الإضافة، إمّا بأن يكون نوعاً منها، أو مشروطاً بها، والقولان متقاربان.
واستدل بعضهم على كونه إضافة، بأنّه لا يمكننا أن نعقل كون الشيء عالماً إلاّ إذا وضعنا في مقابلته معلوماً.2
وهذا لا يدلّ على مطلوبه، لجواز أن يكون أمراًتلزمه الإضافة.
ثمّ القائلون بكون العلم إضافة: منهم من سمّى هذه الإضافة بالتعلّق، وهو أبو الحسين البصري و من تبعه3، و أثبتوا معنى آخر يقتضي هذا التعلّق. ومنهم من قال: العلم عرض يوجب العالمية، والعالمية حالة لها تعلّق بالمعلوم، فأثبتوا أُموراً ثلاثة: العلم والعالمية والتعلّق، وهم القائلون بالأحوال4، وسيأتي

1 . هذا ما ذهب إليه الرازي في المباحث المشرقية1: 450 و تلخيص المحصل: 157، حيث قال فيه: «وقيل إنّه أمر إضافي وهو الحقّ».
2 . المستدل هو الرازي في المحصل (تلخيص المحصل: 157) .
3 . قال الايجي: «العلم لابدّ فيه من اضافة بين العالم والمعلوم وهو الذي نسميه التعلّق». شرح المواقف6: 2.
4 . منهم القاضي الباقلاني، كما في المصدر نفسه.

صفحه 35
البحث معهم إن شاء اللّه تعالى.
قال أفضل المحققين: «من جعل العلم إضافة، غَفَل عن استدعاء الإضافة ثبوت المتضايفين، فلزمه أن لا يكون ما ليس بموجود في الخارج مدركاً، وأن لا يكون إدراك مّا جهلاً البتة; لأنّ الجهل هو كون الصورة الذهنية للحقيقة الخارجية غير مطابقة إيّاها.1 والمعلوم إذا كان معدوماً، فليت شعري أين يكون إن لم يكن في الذهن؟» 2
وفيه نظر، فإنّه كما أنّ الإضافة تستدعي ثبوت المتضايفين، كذا الصورة; لأنّ فيها تضايفاً، وهي أنّها صورة لذي الصورة وحكاية له ومساوية إياه، والمساواة تستدعي الاثنينية والتغاير، فإن كانت ماهية في الذهن لزم إضافة الشيء إلى نفسه. ولأنّ ما في الذهن تابع لما في الخارج أو نفس الأمر، فلا يجوز أن يجعل التعقل مضافاً إلى التابع. ولزمه ما ألزم في المضافين.
ونمنع تفسير الجهل بما ذكر، بل معنى الجهل عدم المطابقة بين العلم والمعلوم، فإذا أخذت الإضافة إلى شيء على وجه لا يكون مطابقاً، كانت جهلاً. ولا يجب في المعلوم المعدوم أن يثبت له اثنينية حتى يسأل عن خصوصياتها.
وإذا تقرر هذا، فالعلم والإدراك والشعور صور حقيقية تلزمها حالة إضافية3لا توجد إلاّ عند وجود المضافين.
وقيل: إنّها حالة إضافية لا توجد إلاّ عند وجود المضافين4. فإن كان المعقول هو ذات العاقل استحال من ذلك العاقل أن يعقل ذلك المعقول إلاّ عند وجوده، فلا جرم لا حاجة إلى ارتسام صورة أُخرى منه فيه، بل تحصل لذاته من

1 . شرح الإشارات 2: 314.
2 . تلخيص المحصل: 157.
3 . نسب هذا القول إلى الأشاعرة أيضاً فراجع: شرح المواقف6: 2.
4 . عبارة: «وقيل... المضافين» موجودة في نسخة ج فقط. والقائل بهذا الرأي هو الرازي في المباحث المشرقية1: 450.

صفحه 36
حيث هو عاقل إضافة إلى ذاته من حيث هو معقول، وتلك الإضافة هي التعقل.
وإن كان المعقول غير العاقل، أمكن لذلك العاقل من حيث هو هو أن يعقل ذلك المعقول من حيث هو، حال كون ذلك المعقول معدوماً في الخارج، فلا جرم لابدّ من ارتسام صورة أُخرى من ذلك المعقول في العاقل لتحقّق النسبة المسمّى بالعاقلية بينهما. وعلى هذه القاعدة استمرت الأُصول المثبتة بالدلالة، فإنّ الحجّة لما قامت على أنّه لابدّ من الصور المنطبعة، لاجرم أثبتناها. وقامت الدلالة أيضاً على أنّ العلم ليس هو نفس ذلك الإنطباع،لا جرم أثبتنا إضافة زائدة على تلك الصورة الحاضرة. ولما حَصَرنا الأقسام و بطل ما سوى هذا القسم تعيّن الحقّ فيه.
واعلم أنّ لنا في تعقّل الواحد نفسه كلاماً سيأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
وقوله: «لابدّ من ارتسام صورة أُخرى من ذلك المعقول في العاقل» ممنوع، لما تقدّم من بطلان القول بالصورة. نعم الحقّ ما قدّمناه من كون العلم صفة حقيقية تلزمها الإضافة.

المسألة السادسة: في أنّ التعقّل لا يشرط فيه الاتحاد1

ههنا مذهبان غريبان عجيبان لقدماء الحكماء في التعقل حدثا بعد المعلم الأوّل.
أحدهما قد كان مشهوراً عند المشائين، وهو: أنّ الجوهر العاقل إذا عقل صورة عقلية صار هو هو، فاتحد العاقل بالصورة المعقولة عند تعقله إيّاها.

1 . راجع: المباحث المشرقية1: 446ـ 449.

صفحه 37
وشنع الشيخ عليهم في كتاب الإشارات وغيره1، لكن أفتى به في كتاب المبدأ والمعاد.2
والثاني: أنّ النفس الناطقة إذا عقلت شيئاً، فإنّما تعقل ذلك الشيء باتصالها بالعقل الفعال، و تتحد به و تصير مع نفس العقل الفعال.
والذي يدل على بطلان المذهبين معاً بالشركة: انّ الاتحاد محال في نفسه مطلقاً; لأنّ المتحدين قبل الاتحاد قد كانا اثنين متعددين متمايزين، فبعد الاتحاد إن بقيا كما كانا، فلا اتحاد لأنّهما لم يكونا متحدين بل متعددين متمايزين، والتقدير أنّهما بعد الاتحاد كذلك وأنّهما كما كانا قبل الاتحاد. وإن عدما و حدث ثالث، فلا اتحاد أيضاً، بل كان إعداماً لشيئين وإيجاد الثالث، وهذا غير منكر; ولأنّ الضرورة قاضية ببطلان اتحاد المعدومين. وإن عدم أحدهما وبقي الآخر، فلا اتحاد لقضاء الضرورة بامتناع اتحاد الموجود مع المعدوم.3
ويدل على إبطال الأوّل بخصوصيته: أنّ النفس إذا عقلت شيئاً ما و ليكن (الف) واتحدت به وصارت حقيقة النفس حقيقة (الف)، فإذا عقلت شيئاً آخر و ليكن (ب)، فإمّا أن تتحد به أو لا.
والثاني هو المطلوب، وهو: أنّ التعقل لا يستلزم الاتحاد. ولأنّه لا أولوية في اتحادها مع المعقول الأوّل دون اتحادها مع الثاني.

1 . قال الشيخ الرئيس: «وما يقال من أنّ ذات النفس تصير هي المعقولات فهو من جملة ما يستحيل عندي، فانّي لست أفهم قولهم...» الفصل السادس من المقالة الخامسة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء.
2 . وقال في نفس المصدر أيضاً: «نعم هذا في شيء آخر يمكن أن يكون على ما سنلمحه في موضعه». وهذا الموضع في كتابه «المبدأ والمعاد» كما صرّح به العلاّمة المصنّف و ستأتي عباراته إن شاء اللّه تعالى.
3 . راجع: نفس المصدر.

صفحه 38
والأوّل يستلزم اتحاد النفس مع جميع المعقولات لكنّها غير متناهية فيكون مالا يتناهى من الماهيات شيئاً واحداً، وهو محال; لاستحالة أن يكون الشيء الواحد حقيقتان مختلفتان، فكيف تكون له حقائق مختلفة غير متناهية؟ ولأنّه مع القول باتحاد العاقل بالمعقول يستلزم القول باتحاد جميع المعقولات، وهو معلوم البطلان بالضرورة.
وأيضاً إذا عقل العاقل (الف) فإمّا أن تبطل النفس عند تعقل (الف) أو لا تبطل. فإن بطلت النفس فلابدّ من حدوث غيرها، وإلاّلم يكن هناك شيء متعقل، و إذا بطلت حال التعقل لم يكن في تلك الحالة متحدة بالمعقول بل ولا عاقلة له، ولا تكون المتجددة عاقلة أيضاً لعود البحث إليها، مع أنّ الضرورة تقضي ببطلان هذا، فإنّ العالم شيء ثابت قبل العلم و معه و بعده.
وإن لم تبطل النفس مع أنّها قد تغيرت إذ هو التقدير كان التغير في حال من أحوال النفس لا في ذاتها، بل ذاتها باقية في الحالين، وذلك غير منكر إذ هو كسائر الاستحالات، ليس على ما يقولون.
ولأنّ النفس لو اتحدت بالمعقول فإمّا أن تتحد كلّها به، فلا تعقل غيره، وإلاّ لاتحدت المعقولات كما تقدّم، فكلما عقله واحد عقله كلّ واحد أو بعضها فيلزم انقسامها، وتعود المحالات المذكورة. ولأنّه إن كان للقدر الأوّل الذي وقع به الاتحاد تعيّن بحيث لا يزيد ولا ينقص، لزم وجوده قبل التعقل، لكن النفس يمكنها تعقلات غير متناهية فيشتمل على أجزاء بالفعل غير متناهية، ويكون ذات مقدار، وهو محال. وإن لم يكن لزم قبولها للقسمة والاتحاد فيكون كمّـاً. ولأنّه إذا عقلت صورة لم يكن تقدير البعض أولى مما هو أزيد منه أو أنقص، وكلّ ذلك محال.
ويدل على إبطال الثاني بخصوصيته أنّ العقل الفعال إمّا أن يكون شيئاً

صفحه 39
واحداً بعيداً عن التكثر، أو يكون ذا أجزاء و أبعاض. والأوّل يوجب أن تكون المتحدية لأجل تعقل واحد أن تعقل جميع المعقولات; لأنّ العقل الفعال عاقل لجميع المعقولات، والمتحد بالعاقل لجميع المعقولات عاقل لها، وإلاّ لم يصيرا واحداً، أو إن كان ذا أبعاض تتحد النفس عند تعقلها معقولاً واحداً ببعض تلك الأبعاض، وجب أن يكون للعقل الفعال بحسب كلّ تعقل ممكن الحصول لإنسان واحد جزء، لكن التعقلات التي يقوى عليها البشر غير متناهية.
ثمّ إنّ كلّ واحد من تلك التعقلات يمكن فيه حصول أعداد غير متناهية، فيكون كلّ واحد من تلك الأجزاء مركباً من أجزاء نوعية غير متناهية. فإذن العقل الفعال مركّب من أجزاء مختلفة الحقائق غير متناهية; لأنّ المعقولات المختلفة الماهية غير متناهية.
ثمّ كلّ واحد من تلك المعقولات يمكن حصولها للأنفس الغير المتناهية، فيكون تعقل زيد للسواد مثل تعقل عمرو. فإذن للعقل الفعال بحسبها أجزاء غير متناهية متحدة في النوع، فللعقل الفعال أجزاء غير متناهية، لا مرّة واحدة بل مراراً غير متناهية، ولا مختلفة بالنوع بل متحدة به، فتلك المتحدات بالنوع لا تتمايز بالماهية و لوازمها، بل بالعوارض، وذلك بسبب المادة. والعقل الفعال مجرّد فأجزاؤه مجرّدة، فهي غير متميزة بالعوارض، فلا تكون متكثرة، فهو بسيط وقد كان مركباً، هذا خلف.
وأيضاً النفسان إذ عقلتا معقولاً واحداً حتى اتحدتا بالعقل الفعال، فإمّا أن يكون الذي اتحدت به إحدى النفسين هو الذي اتحدت الأُخرى به فيلزم اتحاد النفسين، فكل ما عقله زيد عقله عمرو، فيلزم أن يكون كلّ عاقل عقل شيئاً وعقل آخـر إمّا ذلك الشيء أو غيره أن يتساويـا في تعقـل جميع الأشيـاء، وهو معلوم البطلان، أو يكون متغايراً، فيكون للعقل الفعال بحسب التعقلات غير المتناهية

صفحه 40
أجزاء غير متناهية مختلفة، فيكون له بحسب كلّ واحد من الأفراد غير المتناهية التي للنوع أجزاء غير متناهية، لا مرة واحدة بل مراراً غير متناهية، وهو محال لذاته. ولأنّ الامتياز بين الأُمور المتخالفة إمّا بالماهية أو اللوازم أو العوارض، والكلّ منتف هنا.
وهؤلاء قالوا: إنّ النفس إذا عقلت شيئاً فإنّما تعقل ذلك الشيء باتصالها بالعقل الفعال، واتصالها بالعقل الفعال هو أن تصير هي نفس العقل الفعال; لأنّها تصير العقل المستفاد، والعقل الفعال هو نفسه يتصل بالنفس، فيكون العقل المستفاد. وصدّقهم الرئيس في الاتصال بالعقل الفعال.
ونحن نقول: إنّه يمتنع تحقّق الاتصال بالمعنى الذي ذهبوا إليه من الاتحاد به و بالمعنى الذي يكون بين الأجسام، بل المراد به الاستعداد التام للنفس لقبول فيض المعارف منه.
قال الرئيس: كان لهم رجل يعرف بفرفوريوس1 عمل في العقل والمعقولات كتاباً يثني عليه المشاؤون، و هو سخف2 كلّه، وهم يعلمون من أنفسهم أنّهم لا يعلمونه ولا فرفوريوس نفسه، وقد ناقضه من أهل زمانه رجل وناقض هو ذلك المتناقض، بما هو أسقط من الأوّل.3
ومع هذا التشنيع العظيم من الرئيس على فِرفوريوس ذهب إلى قوله باتحاد النفس بالصورة المعقولة عند تعقلها إياها، فإنّه قال: بهذه العبارة (كلّ صورة

1 . « Porphurios» من مشاهير فلاسفة الاغارقة، تولد في «تيروس» في سوريا عام (232م) وتوفّي في الروم عام (304م) وكان مفسّراً لكلمات بلوتاينوس (افلوطين) ومؤلفاً لإيساغوجي) Eisagoge)وهو المدخل لمقولات أرسطوطاليس وقد كان على رأيه في جميع ما ذهب إليه. راجع الملل و النحل للشهرستاني2: 155ـ 158; نخستين فيلسوفان يونان للدكتور شرف الدين الخراساني: 174.
2 . وفي المصدر: «حشف» بمعنى أردأ التمر، و يقال أيضاً للضرع البالي.
3 . شرح الإشارات3: 295.
Website Security Test