welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 27*
نویسنده :*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 27

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين
منية الطالبين
في
تفسير القرآن المبين
(الجزء 27)

صفحه 2

صفحه 3
27
منية الطالبين
في
تفسير القرآن المبين
 
يشتمل على تفسير الجزء السابع والعشرين
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
   اين صفحه چاپ نگردد تا اعلام شود
سبحانى تبريزى ، جعفر، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
30 ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 530 - 4 (VOL.27)
ISBN 978 - 964 - 357 - 525 - 0(30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 492
1392
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 27
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 493 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:799   تسلسل الطبعة الأُولى:410
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
سورة الذاريات   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 27

سورة الذاريات

(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ * يَسَأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ

صفحه 8
مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سَمِين * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَان مُبِين * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ * وَفِي عَاد إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِين * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَام وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ * وَقَوْمَ نُوح مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ

صفحه 9
إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْق وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ * فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الذِي يُوعَدُونَ).

صفحه 10
سورة الذاريات: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في التفاسير بسورة «الذاريات» بحذف الواو، وربّما تُسمّى بسورة «والذاريات» بإثبات الواو، والمشهور هو الأوّل. ووجه التسمية وقوع هذا اللفظ في أوّل السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ستون آية بالإجماع، وهي مكّيّة، كما تشهد لها صياغتها ومضامينها.

أغراض السورة

تركّز السورة على أمرين:
سورة الذاريات: الآيات: 1 ـ 6   
1. التوحيد في الربوبية، وأنّ الله سبحانه هو المدبِّر لا الآلهة المزعومة.
2. المعاد، وإثبات ما وعد الله به من وقوع الحشر، بتوجيه نظرهم إلى دلائل قدرته الباهرة في الأرض والسماء وفي أنفسهم، الدالّة على وحدانيته تعالى، ومن ثم قدرته على تحقيق البعث الموعود. وفي هذا الإطار تأتي الإشارة إلى بعض الأقوام السابقين الذين استأصلهم الله سبحانه، لتكذيبهم بدعوة التوحيد التي حملتها أنبياؤه ورسله، مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط، وفرعون. والغاية هي إنذار قريش وغيرهم من المشركين الذين أشركوا، كهؤلاء الأقوام، في الربوبية وأنكروا المعاد.

صفحه 11
وهذه السورة تشارك سورة القمر في كيفية الإنذار، وذكر قصص المنكرين، كما ستقرأ ذلك في تفسير تلك السورة.

الآيات: الست الأُولى

(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَ إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ).

المفردات

الذاريات: اسم فاعل (ذَرا)، يقال: ذَرت الريحُ الترابَ تذْروه ذَرْواً: إذا طَيّرتْه.
وقراً: الوِقْر: الحِمل الثقيل، ووَقِرت أُذنه بمعنى وقَرَت، أي ثَقُلت، قال تعالى: (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ )(1) .

التفسير

أقسم الله سبحانه هنا بأُمور أربعة تأكيداً لقوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ)، وهي تشبه سورة المرسلات حيث أقسم سبحانه فيها بأُمور خمسة تأكيداً لقوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ)،(2) فالمقسم عليه في كلتا السورتين واحد مضموناً، غير أنّهما تختلفان في عدد الأقسام، والسورة تشبه أيضاً سورة

1 . فصلت: 5 .   2 . المرسلات: 7 .

صفحه 12
النازعات التي أقسم الله فيها بأُمور خمسة تأكيداً لقوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ)(1)، فالجواب في جميع هذه السور الثلاث هو: التأكيد على المعاد.
1. (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا):
أي الرياح التي تذرو التراب وغيره.
2. (فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا) :
أي السحب التي تحمل المطر.
3. (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا):
أي الفُلك التي تجري في البحر سيراً سُجُحاً .
4. (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) :
أي الملائكة التي تقسّم الأُمور من الأمطار والأرزاق .
وعلى هذا التفسير، فالصفات الأربع لموصوفات أربعة، بخلاف الوجه الآتي إذ عليه صفات أربع لموصوف واحد .
ويؤيّد الوجه الأوّل الرواية المتضافرة عن باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ أعني: أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ حيث سأله ابن الكوّاء وهو (عليه السلام)يخطب على المنبر، فقال: ما الذاريات ذرواً؟ قال (عليه السلام): الرياح .
قال: (فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا)؟ قال (عليه السلام): السحاب.

1 . النازعات: 6 .

صفحه 13
قال: (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا)؟ قال (عليه السلام): السفن.
قال: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)؟ قال (عليه السلام): الملائكة .(1)
وروى الصدوق (رحمه الله) في الفقيه: قال الصادق (عليه السلام)في قول الله عزوجل: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)قال: «الملائكة تقسّم أرزاق بني آدم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فمن ينام فيما بينهما نام عن رزقه»(2).
وهنا سؤال وهو: أنّه لماذا عطف القسم الثاني والثالث والرابع بالفاء، وهل هناك ترتّب؟ وقد أجاب عن ذلك الزمخشري بقوله: إنّه تعالى أقسم بالرياح، فبالسحاب الذي تسوقه، فبالفُلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة تقسّم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارة البحر ومنافعه.(3)
ثم إنّ القرآن الكريم وإن نزل بلسان عربي مبين، لكنّه مع ذلك يحتاج في قسم من الآيات إلى بيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال: (بِالْبَيِّنَاتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(4); وعلى هذا فعلى المسلمين أن يسألوا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو باب علمه، أو كلّ من أخذ شيئاً عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من الصحابة، عن تفسير الآيات، ومن حقّ السائلين أن يُستقبلوا برحابة صدر، ويعامَلوا برفق ولطف، لأنّهم بصدد فهم القرآن

1 . مجمع البيان: 9 / 281. ورواه السيوطي عن الحاكم وقال: صحّحه البيهقي في شعب الإيمان. لاحظ الدر المنثور: 7 / 614. وذكر هذه الرواية جمع من المفسّرين، منهم الشيخ الطوسي، والزمخشري، والفخر الرازي، وأبو عبدالله القرطبي، والآلوسي البغدادي، ومحمد جمال الدين القاسمي، وغيرهم.
2 . الفقيه للصدوق:1/504 برقم 1450; باب كراهة نوم الغداة.
3 . تفسير الكشّاف: 3 / 166 .
4 . النحل: 44.

صفحه 14
ووعيه والعمل بما فيه. ومن العجيب ما رواه غير واحد من المحدّثين من تلك القصّة المشهورة التي وقعت لصبيغ التميميّ مع عمر بن الخطاب، وإليك القصة:
روى الحافظ الدارميّ في سننه عن أبي النعمان ] محمد بن الفضل السدوسي[، عن حمّاد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار: أنّ رجلاً يقال له صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعدّ له عراجين النخل!!، فقال: مَن أنت؟ قال: أنا عبدالله صبيغ، فأخذ عمر عرجوناً، من تلك العراجين فضربه، وقال: أنا عبدالله عمر، فجعل له ضرباً حتى دمي رأسه، فقال (يا أمير المؤمنين) حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي.(1)
وعن السائب بن يزيد، قال: أُتي عمر بن الخطاب فقيل: (يا أمير المؤمنين): «إنا لقينا رجلاً يسأل عن تفسير مشكل القرآن؟ فقال عمر: اللهم مكّني منه، فبينما عمر ذات يوم جالساً يغدّي الناس، إذ جاء الرجل وعليه ثياب وعمامة صفراء، حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا)فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك، ألبسوه ثياباً واحملوه على قتب وأخرجوه حتى تقدموا به بلاده ثم ليقمْ خطيباً ثم يقول: «إنّ صبيغاً ابتغى العلم فأخطأ»، فلم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك وكان سيد قومه(2).

1 . سنن الدارمي: 1 / 54، 55. ورجال الرواية كلهم ثقات عند نقّاد السنّة.
2 . انظر: الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي): 17 / 29 ; وتاريخ ابن عساكر: 23 / 411، رقم 2846; وكنز العمال: 2/333 رقم 4169 ; وفتح الباري: 8 / 211.

صفحه 15
أهكذا يتعامل مع مَن يريد أن يتعلّم القرآن؟! وما ذنب رجل يريد أن يفهم ما أنزل الله تعالى في كتابه ليتدبّر فيه، حتى يُصبُّ عليه كلّ ذلك العذاب؟
ولو صحّ افتراض أُولئك الذين يسوّغون كلّ مواقف عمر، وأنّه ظهر له من أمر صبيغ فيما يسأل تعنّتاً وعناداً، وأنّ سؤاله لم يكن طلباً للعلم، أفيصحّ لعمر في منطق الشرع، أن يجلده بكلّ تلك القسوة؟ وأنْ يهينه كلّ تلك الإهانة؟!
ألا يجدر به، وهو خليفة المسلمين، أن يتعاهده بالتوجيه والإرشاد، أو أن يعنّفه ويوبّخه إذا صحّ أنّه سأل تعنّتاً وعناداً؟
هذا، وقد ورد في رواية عن سعيد بن المسيب أنّ عمر أجاب صبيغاً عمّا سأل عنه (بمثل ما روي عن علي (عليه السلام)في جوابه لابن الكوّاء)، ثم أمر به فضُرب مئة، وجُعل في بيت، فلمّا برأ دعاه، فضرب مئة أُخرى، وحمله على قتب... الرواية.(1)
وهذه الرواية، التي فيها أجوبة عمر، لا يمكن الركون إليها، وذلك:
أوّلاً: لمخالفتها لسائر الروايات، والتي خلتْ من أيّ إشارة إلى أجوبة عمر.
ثانياً: أنّ هذه الرواية ضعيفة، ففي إسنادها أبو بكر بن أبي سبرة، وسعيد بن سلاّم ] العطار [، وهما ضعيفان عند نقّاد السنّة.(2)

1 . انظر: تفسير ابن كثير: 6 / 414 ; وروح المعاني: 27 / 2 .
2 . راجع ترجمة ابن أبي سبرة في تهذيب الكمال: 33 / 102 رقم 7240 ; وميزان الاعتدال: 4 / 503 رقم 1024، وترجمة سعيد بن سلاّم في ميزان الاعتدال: 2 / 141 رقم 3195 .

صفحه 16
ثالثاً: أنّ ما ورد فيها من أجوبة لا ينسجم مع سيرة عمر في ضيقه بالسائلين عن معاني القرآن ومشكله، بل كان هو نفسه لا يفقه جملة من أحكامه ومعانيه، بل (كان يحسب أيسر شيء من معانيه تعمّقاً وتكلّفاً، ويدّعي أنّه نُهي عنه).(1)

عود على بدء

قد عرفت ما هو المراد من الأقسام الأربعة في ظل الحديث المروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وباب علمه (عليه السلام)، وربما يقال أنّها وصف لشيء واحد وهو الريح.
قال الزمخشري: ويجوز أن يراد الرياح لا غير لأنّها تنشئ السحاب وتقلّه وتصرّفه وتجري في الجو جرياً سهلاً وتقسّم الأمطار بتصريف السحاب.
ثم ذكر وجه كون العطف في الثلاثة الأخيرة بالفاء، فقال: فلأنّ الرياح تبتدئ بالهبوب فتذرو التراب والحصباء وتقلّ السحاب فتجري في الجو باسطةً له فتقسّم المطر. (2)
ولا يخفى أن الوجه الأوّل هو الأنسب، وسيوافيك هذا الاختلاف في سورتي المرسلات والنازعات.
5. (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ):
أي إنّ ما توعدون من يوم الجزاء لقول صادق. وهو جواب للقسم

1 . الغدير: 6 / 277 .   2 . تفسير الكشّاف: 3 / 166.

صفحه 17
وعلى هذا فـ «ما» في قوله: (إِنَّمَا)موصولة، فالأصح أن تكتب مفصولة، أي إنّ ما توعدون لصادق حتى يفارق لفظة «إنّما» للحصر، غير أنّ الرسم في المصحف العثماني لمّا كان على وجه الاتصال استمرت الكتابة على الوصل.
6. (وَ إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ):
أي إنّ الجزاء أمر واقع محقّق، فالآية الخامسة جواب للقسم، والآية السادسة تؤكّد مضمون الآية الخامسة .
ثم إنّ وجه القسم بهذه الأُمور الأربعة لكونها أُنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في البرّ وهو (الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا)، وأُنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في البحر وهـو (الْجَارِيَاتِ يُسْـرًا)، وأُنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في الجوّ وهو (فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا)، وتمّم القسم بالجميع بالقسم بالملائكة الذين هم وسائط التدبير وهو (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)، فكأنّه سبحانه أقسم بعامّة الأسباب التي يتمّ بها أمر التدبير في العالم، وهذا بخلاف ما فسّرناه بالرياح فيكون المقسم به أمراً واحداً وهو الرياح.
بقي الكلام في وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، والذي يمكن أن يقال: إنّه سبحانه بعدما أقسم بالأُمور التي يتمّ بها أمر التدبير، يذكر أنّ الخلق والتدبير ليسا سُدى ولا بلا غاية، وإنّما غايتهما هو يوم الدين، وعودة الإنسان إلى يوم الجزاء، إذ لولا هذه الغاية لأصبح أمر الخلق والتدبير عبثاً بلا غاية، فكأنّه سبحانه يريد إلفات نظر الإنسان من التدبُّر في أسباب التدبير إلى الغاية المتمثّلة في يوم الجزاء.
ثم إنّ بعض من لا معرفة له من المادّيين يزعم أنّ القسم بالرياح أمر لا

صفحه 18
طائل تحته، وهذا جَهْل منه بعظمة دور الرياح والسحاب في الطبيعة، وقد كشف العلم الحديث جانباً منها، فإنّ الرياح هي حركة الهواء الموجود في الطبقات السفلى من الجوّ إذا سارت متوازية مع سطح الأرض، وتختلف سرعة الرياح حتى تصل إلى مائة كيلومتر في الساعة فتسمى زوبعة، وإذا زادت على مائة سمّيت إعصاراً، وقد تصل سرعة الإعصار إلى 240 كيلومتراً في الساعة، والرياح هي العامل المهم في نقل بخار الماء وتوزيعه، ومن تكاثُف هذا البخار في الهواء بالتبريد، بعد أن تصل حالته إلى ما فوق التشبّع، تتكوّن السحب. ويختلف ارتفاع السحب على حسب نوعها، فمنها ما يكون على سطح الأرض كالضباب، ومنها ما يكون ارتفاعه بعيداً إلى أكثر من 12 كيلومتراً، كسحاب السيرس الرقيق .
سورة الذاريات: الآيات: 7 ـ 14   
وعندما تكون سرعة الرياح الصاعدة أكثر من ثلاثين كيلومتراً في الساعة، لا يمكن نزول قطرات المطر المتكون، وذلك بالنسبة لمقاومة هذا الريح لها، ورفعها معه إلى أعلى، حيث ينموحجمها، ويزداد قطرها. ومتى بلغت أقطار النقط نصف سنتيمتر، تتناثر إلى نقط صغيرة لا تلبث أن تكبر بدورها، ثمّ تتجزأ بالطريقة السابقة وهكذا... وكلّما تناثرت هذه النقط، تشحن بالكهرباء الموجبة وتنفصل الكهرباء السالبة التي تحمل الرياح...وبعد مدّة تصير السحب مشحونة شحناً وافراً بالكهرباء. فعندما تقترب الشحنتان بعضهما من بعض بواسطة الرياح كذلك، يتمّ التفريغ الكهربائي وذلك بمرور شرارة بينهما، ويستغرق وميض البرق لحظة قصيرة وبعده يسمع الرعد، و هو عبارة عن الموجات الصوتية التي يحدثها الهواء، وما هي إلاّ برهة حتى تخيّم على السماء سحابة المطر القاتمة اللون، ثمّ تظهر نقط كبيرة من الماء تسقط على الأرض، وفجأة يشتدّ المطر

صفحه 19
ويستمرّ حتى تأخذ الأرض ما قدّر اللّه لها من الماء.(1)

الآيات: السابعة إلى الرابعة عشرة

(وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ* يَسَأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) .

المفردات

الحُبُك: الطرائق، كطرائق الماء الساكن أو الرمل إذا هبّت عليهما الرياح. والحُبُك: الحسن والزينة.
يؤفك: أفك: أي انصرف، والإفك كلّ مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهابّ: مؤتفكة.
الخرّاصون: الخَرْص: كلّ قول مقول عن ظنّ وتخمين.
غَمْرة: معظم الماء الساترة لمقرّها، وجُعل مثلاً للجهالة التي تغمر صاحبها.
ساهون: السهو: خطأ عن غفلة.
يفتنون: يقول الراغب: أصل الفَتْن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار .

1 . اللّه والعلم الحديث:135ـ 136.

صفحه 20

التفسير

أقسم سبحانه في هذه السورة بأقسام خمسة، مرّت أربعة منها، وإليك خامسها، قال:
7. (وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ):
أي السماء ذات الطرائق المختلفة، وربّما يفسّر بالسماء ذات الحسن والزينة، نظير قوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ)(1) والأوّل أظهر لأنّه يناسب المقسم عليه، أعني قوله سبحانه:
8 . (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف):
لأنّ القول المختلف له، أيضاً، طرائق.
ومعنى الآية: (إِنَّكُمْ) ـ أيّها المكذّبون بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وما يدعو إليه ـ على آراء مختلفة وأفكار متناقضة، فتارة ترمون صاحب الدعوة بكونه ساحراً، أو شاعراً، أو مجنوناً، أو ممن علّمه بشر; وأُخرى تقولون عن كلام الله تعالى بأنّه شعر، أو سحر، أو من أساطير الأوّلين، وهذا الاختلاف دليل على بطلان ادّعائكم، إذ لا تعتمدون على دليل واضح، ولا تستندون إلى برهان لائح، فإنّ تناقض المدّعي في كلامه أقوى دليل على بطلانه.
وأمّا الإعراض عن الحق فليس مختصّاً بهؤلاء، بل هو شيمة كلّ مخالف للحق، كما في قوله سبحانه:

1 . الصافات: 6 .

صفحه 21
9 . (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) :
أي كلّ من صُرف وخالف الحق، يُعرض عن الإيمان بالمعاد والجزاء، أو دعوة الأنبياء.
وحصيلة الكلام: أنّ إعراضهم عن الدعوة نابع عن وجود العناد واللجاج في قبول الحق مطلقاً، سواء أكان من مقولة الدعوة النبوية أم غيرها.
10 و 11. (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ) :
إنّ الذكر الحكيم يصف المشركين في بعض الآيات بالتخرّص ويقول: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(1)، ويقول أيضاً: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(2)، فقضاؤهم في المعارف كلّها وفي الدعوة النبوية كان مبنياً على الظنّ والتخرّص، ومَثَلهم في هذا كَمثَل الذي يرمي ليلاً، فإصابته الهدف احتمال ضعيف لا يُعتدّ به، ولذلك صاروا من رماة القول على عواهنه، فيقولون نحن نظنّ أنّه شاعر، أو ساحر، أو مجنون، كلّ ذلك بلا دليل، فاستحقّوا بذلك اللعن والتحقير، كما قال: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ)فهو تحقير لهم باللعن والطرد، ثم إنّه يصفهم بقوله: (اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ)فقد غمرهم الجهل والضلال فحجب عنهم نور الحق، وصاروا يظنّون ويتخرّصون ويطلقون الأقوال جُزافاً من غير أساس، حتى أنّهم جعلوا الملائكة بنات لله تعالى (3) .

1 . يونس: 66 .
2 . الزخرف: 20 .
3 . لاحظ : الزخرف: 19.

صفحه 22
ثم إنّهم وراء كونهم خرّاصين، يسألون، ساخرين مستهزئين، عن وقت يوم القيامة، قال تعالى:
سورة الذاريات: الآيات: 15 ـ 19   
12. (يَسَأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ):
أي متى يكون يوم البعث والحساب؟ يقولون ذلك على وجه الإنكار والاستهزاء، فأُجيبوا بما يسوءهم من الحقّ الذي لا محالة أنّه نازل بهم (1):
13. (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ):
أي يقع يوم البعث، في ذلك اليوم الذي يُعرضون فيه على جهنم ويُحرقون بها، ثم يقال لهم:
14. (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) :
فهذا اليوم الذي كنتم تسألون عنه، وتستعجلون به، فإذا رأيتموه بعيونكم فذوقوا عذابه.

الآيات: الخامسة عشرة إلى التاسعة عشرة

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَ عُيُون * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَ بِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ).

1 . التبيان: 9 / 382 .

صفحه 23

المفردات

يهجعون: الهجوع: النوم ليلاً.
الأسحار: جمع السَّحَر، وهو آخر الليل قُبيل الفجر.

التفسير

لمّا ذكر سبحانه مآل المكذّبين وأحوالهم في يوم القيامة، ناسب أن يذكر مآل المتّقين وأحوالهم وما يُجزَون به في ذلك اليوم، فذكر في المقام أُموراً خمسة:
15 ـ أ. (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَ عُيُون):
إذا كان مصير الخرّاصين هو النار، فمصير المتّقين هو حدائق تجنّها الأشجار بظلالها، وعيون ماء تجري لهم في جنّات الخُلد. وهل المراد أنّ لكلّ واحد منهم جنّة أو أنّ لكلّ واحد جنّات؟ الظاهر هو الأوّل وأنّ الجمع باعتبار كثرة الأفراد .
16. ب. (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ):
أي إنّهم في حال كونهم في الجنات، آخذين ما أعطاهم ربّهم من النعيم والكرامة، راضين به وشاكرين .
وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ)كأنّه تعليل لقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي

صفحه 24
جَنَّات وَعُيُون)والمعنى: أنّهم كانوا في الدنيا ذوي أعمال حسنة، فلذلك صارت الجنّات والعيون مأوى لهم، وجزاء لهم في الآخرة. ثمّ بيّن أبرز وجوه إحسانهم، فقال:
17. ج. (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ):
أي كانوا يهجعون كلّ ليلة وقتاً قليلاً ويصلّون في أكثر الليل، ولعلّ الآية تشير إلى قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)(1)، وقال أيضاً: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)(2) وعلى هذا فالآية الأخيرة إنّما تصدق إذا قاموا أكثر من النصف دونما إذا قاموا نصفه أو ثلثه، فلاحظ .
هذا إذا قيس القليل من الليل إلى مجموع زمان كلّ ليلة، فيكون المعنى ما ذكرنا من أنّهم يقومون في كلّ ليلة أكثرها.
وأمّا إذا قيس إلى مجموع الليالي فيكون المراد أنّهم يقومون في أكثر الليالي، إلاّ القليل منها الذي تفوتهم فيه صلاة الليل .
ولعلّ المعنى الأوّل هو الأفضل بشهادة قوله:
18. د. (وَ بِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) :
أي إنّهم في كلّ سحر يستغفرون لا في أكثر الأسحار، فالاستغفار في عامّة الأسحار، يلازم القيام في عامّة الليالي.
وأمّا وجه الثناء عليهم بالاستغفار في الأسحار، فلأنّ تلك الأوقات

1 . المزمل: 2 ـ 4.   2 . المزمل: 20 .

صفحه 25
أليق للاستغفار لبُعدها عن شائبة الرياء، وحيث إنّ عيون الناس نائمة وعيون العابدين الخاشعين ساهرة، تلهج ألسنتهم ـ في تلك الأوقات التي يحلو فيها النوم ـ بالدعاء والاستغفار، فالمؤمنون المتقّون يستقلّون أعمالهم، ويتّهمون أنفسهم دائماً بالتقصير حتى وهُمْ في أسمى مراتب الطاعة لله عزّ وجلّ.
19. هـ . (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ):
فصِلَتُهم بالله سبحانه محفوظة بالقيام في الليل كما أنّ صلتهم بعباد الله كذلك، حيث يتصدّقون على السائل والمحروم وإن لم يكن سائلاً، والظاهر أنّ المراد هو العطاء من أطيب الأموال دون أن يكون واجباً .
وهاهنا يتبيّن حال الفريقين، فالكافر يغفل عن الله سبحانه ليله ونهاره ويبخل بماله عن السائل والمحروم، وأمّا المتّقي فعينُه ساهرة في الليالي المظلمة، وقلبه ولسانه يلهج بالذكر والاستغفار، كما أنّه يصل المحرومين والضعفاء يدفع إليهم جزءاً من أمواله لدفع خَلَّتهم وقضاء حوائجهم، طالباً بذلك رضا الله سبحانه.
إنّ المحروم هو الفقير الذي يستنكف عن السؤال وفيه يقول تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيَماهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)(1).
وقوله: (حقٌ) يعني أنّ لهاتين الطائفتين حقّاً في أموال الأغنياء، فلو قاموا بالإنفاق عليهم فإنّما قاموا بإرجاع حقوق الآخرين إليهم.

1 . البقرة: 273 .

صفحه 26
سورة الذاريات: الآيات: 20 ـ 23   
إنّ القيام في الليل من خصال المتّقين ودأبهم كما ورد ذلك على لسان إمام المتّقين علي بن أبي طالب (عليه السلام)حين سُئل عن أوصافهم: «أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لاَِجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلا. يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ. فَإِذَا مَرُّوابِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ تَعَالى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ»(1).

الآيات: العشرون إلى الثالثة والعشرين

(وَ فِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ* وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).

التفسير

20 و 21. (وَ فِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ):

1 . نهج البلاغة: الخطبة 193.

صفحه 27
الظاهر أنّ الدعوة إلى دراسة الكتاب الكوني والأنفسي لغاية تحصيل اليقين بأنّ المدبِّر واحد وليس للآلهة المزعومة أي دور في تدبير العالم.
وقبل أن ندرس كيفية دلالة الأرض والأنفس على التوحيد في التدبير نذكر شيئاً من دلائل ذلك التوحيد.

وحدة النظام دليل على وحدة المدبّر

إنّ مطالعة كلّ صفحة من صفحات الكتاب الكوني العظيم تقودنا إلى وجود نظام موحّد، وكأنّ أوراق الكتاب التكويني على غرار الكتاب التدويني شُدّ بعضها إلى بعض بيد واحدة، وأُخرجت في صورة موحّدة.
إنّ القوانين والسنن الحاكمة على الموجودات الطبيعية كلّية وشاملة، بحيث لو أُتيح لأحد أن يكشف ناموساً طبيعياً في نقطة من نقاط الكون فهو يكشف قانوناً كليّاً سائداً على النظام من غير فرق بين أرضيِّه وفلكيِّه.
إنّ وحدة النظام وشمول السنن تقودنا إلى موضوعين:
1. ليس للعالم إلاّ خالق واحد.
2. ليس للعالم إلاّ مدبِّر واحد.
وعند ذلك يتجلّى مفاد قوله سبحانه: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1) .
إنّ جملة (لَهُ الْخَلْقُ)إشارة إلى التوحيد في الخالقية.
وجملة (وَالأَمْرُ)إشارة التوحيد في التدبير الذي هو نوع من الحاكمية .
وباختصار: إنّ وحدة النظام وانسجامه وتلاحمه لا تتحقّق إلاّ إذا كان

1 . الأعراف: 54 .

صفحه 28
الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبِّر واحد، ولو خضع الكون لإرادة مدبّرين لما كان من النظام السائد أي أثر، لأنّ تعدّد المدبّر والمنظِّم يستلزم الاختلاف في التدبير والإدارة، وتعدّد التدبير يستلزم فناء النظام الموحّد وغيابه.
وبعبارة أُخرى: لو فرضنا وجود مدبِّرين، فإنْ كانا متساويين من كلّ الجهات ترتفع الاثنينية بينهما وكانا مدبِّراً واحداً، وإن لم يكونا متساويين بل كان هناك اختلاف بينهما في الذات أو في عوارضها، فالاختلاف فيها يُنتج اختلافاً في التدبير، وهو خلاف الحسّ.
وحصيلة الكلام: أنّ وحدة النظام وانسجامه وتلاصقه وتماسكه كاشف عن وحدة التدبير والمدبّر في مجموع العالم، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(1).
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «فلمّا رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبِّر واحد»(2).
وسأل هشام بن الحكم الإمام الصادق (عليه السلام)عن الدليل على وحدة المدبِّر؟ فقال: «اتّصال التدبير وتمام الصنع كما قال الله عزوجل: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)(3).(4)

1 . الأنبياء: 22.
2 . توحيد الصدوق: 244.
3 . الأنبياء: 22 .      4 . توحيد الصدوق: 250 .

صفحه 29
ما ذكرنا من التقرير راجع إلى دراسة مطلق الكون سمائه وأرضه وما فيهما من إنسان وحيوان، إلاّ أنّ الآية تركِّز تارة على الأرض وأُخرى على الإنسان، فلنذكر شيئاً منها.
أمّا الأرض فإنّ لها حركتين:
الأُولى: حركة وضعية حول نفسها وينتج عن ذلك الليل والنهار.
الثانية: حركة انتقالية ويتمّ ذلك بصورة منتظمة وبشكل بيضوي حول الشمس، وبها تتحقق الفصول الأربعة، ثم إنّ الانسجام بين الحركتين أدلّ دليل على مدبّر واحد وإلاّ لاختلّ الانسجام، مضافاً إلى ما في الأرض من آيات ترشدنا إلى التوحيد في التدبير .
وأمّا الكتاب الأنفسي، فما أجمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من عرف نفسه فقد عرف ربّه».
نعم، لو تأمّلنا، فقط، الأجهزة الموجودة في بدن الإنسان، لكان ذلك كافياً للإيمان بالتوحيد في الربوبية، فالنظر إلى مثل الرئتين، والأعصاب، وجهاز الهضم، وكريات الدم، ومقلتي العين، والسمع، والبصر، وحاسة اللمس، وحاسة الشمّ، والذوق، وغيرها، يجعلنا نعترف صدقاً بأنّ هناك خالقاً ومدبّراً واحداً، لأنّه خلَق هذه الأعضاء والأجهزة وأودعَ بينها انسجاماً باهراً لا خلل فيه .
22. (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ):
لمّا حثّ سبحانه في الآيتين السابقتين على التدبّر في الأرض والنفس،

صفحه 30
عاد البيان القرآني للحثّ على التدبّر في السماء، ومن المعلوم أنّ المراد من السماء ـ كما ذكر ابن عباس ـ كلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء، فعلى هذا فالمراد من الرزق في السماء هو الشمس بإشراقاتها والسحب بأمطارها إلى غير ذلك من العوامل الجوّيّة التي تُعدّ من وسائل الرزق والعيش.
وأمّا قوله: (وَ مَا تُوعَدُونَ)فالظاهر أنّ المراد به الجنة، لقوله تعالى: (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى )(1).
قال السيد الطباطبائي: وقول بعضهم: إنّ المراد به الجنة والنار، أو الثواب والعقاب لا يلائمه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)(2).(2)
وعلى هذا، فالآيات الثلاث تحثّ على التدبّر في مجموع الكون من السماء والأرض والإنسان .
23. (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) :
لقد أقسم سبحانه في الآيات المتقدّمة بأُمور خمسة، أربعة منها في صدر السورة، والخامس في الآية السابعة، أعني قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ)، ثم حلف سبحانه هنا بربّ السماء والأرض وقال: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ )(3)، فالمقسم به في الآيات السابقة نفس الأشياء ولكن في المقام

1 . النجم: 15 .   2 . الأعراف: 40 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 18 / 375 .
3 . الذاريات: 23 .

صفحه 31
المقسم به هو ربّ هذه الأشياء، وربّما يقال بأنّ المقسم به في الجميع هو ربّ هذه الأُمور، وهو خلاف الظاهر ونوع تفسير بالرأي، فليس ثَمّة ما يمنع من أن يقسم سبحانه تارة بما في الكون من عجائب الخلق حتى يبعث الإنسان على التدبّر فيها، وأُخرى بنفسه بما أنّه ربّ.
وأمّا جواب القسم فهو قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)، والظاهر أنّ الضمير يرجع إلى ما ورد من كون الرزق وما يوعدون به من الجنة، حقّ لا ريب فيه، كمنطقكم الذي تحسّونه ولا تشكّون فيه.
وقيل: إنّ الضمير في (إنّه) يعود إلى كلّ ما تقدّمه من الآيات، وعلى هذا يكون المعنى أنّه سبحانه يقسم بجلاله على صدق هذا الحديث كلّه.
ولا بأس أن ننقل بهذه المناسبة، النادرة التالية التي رواها الأصمعي، قال : أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابيّ على قعود(1) له فقال: ممّن الرجل؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتلُ عليّ، فتلوت (وَالذَّارِيَاتِ) فلمّا بلغت قوله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)قال: حسبك. فقام إلى ناقته فنحرها ووزّعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولّى، فلمّا حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفتُّ فإذا أنا بالأعرابي، فسلّم عليّ واستقرأ السورة فلما بلغت الآية، صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ)فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ لم

1 . القَعُود: البَكر من الإبل.

صفحه 32
يصدّقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين! قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه .(1)
وظاهر القصة أنّ هذا الأعرابي فهم أنّ الضمير في قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ)يرجع إلى قوله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) ولذلك نحر ناقته وكسر قوسه، قائلاً: بأنّه سبحانه ضمن رزقه، ولذلك لمّا سمع: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ)قال: يا سبحان الله مَن ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟
سورة الذاريات: الآيات: 24 ـ 37   

الآيات: الرابعة والعشرون إلى السابعة والثلاثين

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سَمِين * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَ قَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَ تَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ).

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 169 .

صفحه 33

المفردات

راغ: الرَّوْغ: الذهاب إلى الشيء في خفية.
صَرَّة: الصَّرّة: شدّة الصياح.
صكّت: الصكّ: الضرب باعتماد شديد.
العقيم: العاقر.
حجارة من طين: طين متحجِّر مطبوخ بالنّار، وهو السِّجّيل .
مُسوّمة: مُعلَّمة.
مُسرفين: السّرَف: تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان، وسمّي قوم لوط (مسرفين) لفجورهم، حيث إنّهم تعدَّوا في وضع البذر في الحرث المخصوص له .

التفسير

لمّا كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يواجه أذى المشركين و تكذيبهم عاد البيان القرآني لتسليته وتطييب خاطره، من خلال الإشارة إلى بعض آياته سبحانه الّتي تجلّت في تاريخ بعض الأنبياء، وبدأ بحديث ضيف إبراهيم (عليه السلام)فقال:
24. (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ):
وصف سبحانه ضيف إبراهيم بالمكرمين للإشارة إلى أنّهم كانوا من الملائكة، كما في قوله سبحانه في حقّهم: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ

صفحه 34
بِالْقَوْل ِوَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(1)، فدخلوا عليه مع التحية كما قال:
25. (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) :
فقوله: (سَلاَمًا)بالنصب حاك عن أنّه سدّ مسدّ الفعل، وكأنّهم قالوا: نسلّم عليك سلاماً، ففي الحقيقة سلّموا بالجملة الفعلية، ولكن إبراهيم (عليه السلام)ردّ تحيتهم بوجه أحسن حيث أجاب بجملة إسمية تدلّ على ثبات السلام، يقول الزمخشري : أمّا (سلام) فمعدول به إلى الرفع على الابتداء، وخبره محذوف معناه: عليكم سلام، للدلالة على ثبات السلام، فكأنّه قصد أن يحيّيهم بأحسن ممّا حيَّوه به، أخذاً بأدب الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى: (وَ إِذَا حُيِّيِتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)(2).(3)
وبما أنّهم ليسوا ممّن عَهِدهم من الناس، قال في نفسه: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ). ولكنّ الزمخشري قال في أحد تأويلاته للآية : كأنّه قال: أنتم قوم منكرون فعرِّفوني من أنتم.(4) وهذا خلاف الظاهر إذ لو قاله لأجابوا بشيء، مع أنّهم سكتوا. ولو قاموا بالتعريف لعلم أنّهم من الملائكة، وعندئذ لمّا ذهب إلى تكريمهم بعجل سمين كما قال:
26. (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سَمِين) :
وهنا سؤال وهو أنّه لماذا قال (فَرَاغَ) مكان «فذهب»؟ والوجه في ذلك

1 . الأنبياء: 26 ـ 27 .
2 . النساء: 86 .
3 . تفسير الكشّاف: 3 / 169 .
4 . تفسير الكشّاف: 3 / 169 .

صفحه 35
ـ كما ذكروا ـ هو أنّ من أدب المضيِّف أن يُخفي أمره عن ضيفه وأن يبادر بالقِرى، من غير أن يشعر به الضيف حذراً من أن يكفّه ويعذره.
ولم يلبث حتّى جاءهم، على عادته في إكرام الأضياف، بعجل (وهو ولد البقرة) سمين مشويّ .
27 و 28. (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم) :
أي قرّب العجل إليهم وقدّمه بين أيديهم ليأكلوا، فلم يمدّوا إليه أيديهم، فقال في استنكار، متسائلاً عن السبب : (أَلاَ تَأْكُلُونَ)؟ وقيل: إنّ قوله (أَلاَ تَأْكُلُونَ) على سبيل العرض والتلطّف والحثّ على الأكل (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)أي أضمر الخيفة في نفسه، وأمّا ما هو سبب الخوف، فيمكن أن يكون أحد الوجهين التاليين:
1. ظنّ أنّهم يريدون به سوءاً لمّا رأى إعراضهم عن الطعام.
2. وقع في نفسه أنّهم ملائكة أُرسلوا للعذاب.(1)
ولأجل رفع ما أحسّ به إبراهيم (عليه السلام)من خوف في نفسه، قال الضيوف: (لاَ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم)، وكأنّ الملائكة علموا ما في نفسه، ممّا ظهر على ملامحه من الخوف، لذلك بادروا إلى طمأنته و (قَالُوا لاَ تَخَفْ)أي قالوا له ـ كما يظهر ـ لا تخف إنّا رسل ربّك.(2) ولأجل إزالة أثر الخوف عن قلبه

1 . وقيل في سبب خوفه منهم غير هذين الوجهين. انظر: مجمع البيان: 5 / 341 .
2 . يُفهم ذلك من قوله تعالى في (الآية 33 من سورة العنكبوت) حكاية عن ضيوف لوط (عليه السلام)(وهُم أيضاً من الملائكة) لمّا رأوا عجزه (عليه السلام)عن حمايتهم: (... وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ...)، وقوله تعالى في (الآية 81 من سورة هود) حكاية عنهم: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ...) .

صفحه 36
(بَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم) حتى يسرّ بذلك هو وزوجته ويُبدلوا الخوف بالبشارة بأنّه سيولد له من زوجته غلام سيكون عالماً في المستقبل، والمراد به هو إسحاق، بشهادة أنّ زوجته «سارة» كانت عجوزاً، ويُشار إلى أنّ الله سبحانه وصف هنا «إسحاق» بأنّه غلام عليم، ولكنّه وصف إسماعيل بأنّه غلام حليم، قال سبحانه: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ...)(1).
29. (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَ قَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ):
كانت (سارة) امرأة إبراهيم (عليه السلام)تسمع ما يجري من حديث بين زوجها والملائكة، فلمّا سمعت البشارة أتتْ نحوهم، كما قال: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة)أي في صَيحة (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) أي جمعت أصابعها فضربت وجهها تعجُّباً، (وَقَالَتْ): أنا (عَجُوزٌ عَقِيمٌ)أي كيف تبشرونني بأنّي سوف أكون ذات ولد مع أنّي عجوز أوّلاً، عاقر ثانياً، ومع هاتين العلّتين كيف أكون ذات ولد؟! وهذا يدل على أنّ (سارة) كانت عاقراً أيام شبابها، وصارت عجوزاً حين البشارة.
ويظهر من آية أُخرى أنّ ثَمّةَ وجهاً ثالثاً لتعجّبها وهو هَرَمُ بعلها (أي زوجها)، كما حكى سبحانه: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هَذَا بَعْلِي شَيْخًا

1 . الصافات: 101 ـ 102 .

صفحه 37
إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ)(1) .
ولكن أُجيبت بقوله سبحانه:
30. (قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ):
أي قالت الملائكة: نحن لا نبشرك من تلقاء أنفسنا بل (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ)أي مثل ما بشّرناكِ به، حكم وقضى ربُّك بذلك، وإنّكِ ستلدين غلاماً، وعلى هذا فمقول قوله: (قَالُوا)قوله (كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ).
وأضافت الملائكة (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)أي الحكيم في صنعه. فيضع الأشياء مواضعها، فرزقك الولد أثر حكمته، وهو العليم بخفايا الأُمور، فالأسباب والمسبِّبات كلّها بيده.
ثم إنّ هذه البشارة أصبحت سبباً لذهاب الرَّوع عن إبراهيم، ولكنّه ابتُلي برَوْع آخر كما يحكي عنه قوله سبحانه: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوط)(2).
وهذا هو الذي يحكيه سبحانه في الآية التالية:
31. (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ):
أي لمّا وقف إبراهيم (عليه السلام)على أنّهم ملائكة الله سبحانه وأنّهم لا ينزلون إلاّ باذن الله رسلاً في بعض الأُمور، سألهم عن شأنهم ونزولهم، فقال: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ)، أي لأي شيء أُرسلتم، فأجابوا:

1 . هود: 72 .
2 . هود: 74 .

صفحه 38
32. (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ) :
أي أُرسلنا إلى قوم عاصين لله كافرين بنعمه استحقّوا العذاب والهلاك، يعني قوم لوط، ثم بيّنوا كيفية تعذيبهم وإهلاكهم بقولهم:
33 و 34. (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ):
وقد فسّرت الآية في سورة هود حيث قال: (وَ أَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ مَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد)(1)، فعلى هذا فهلكوا بحجارة من طين متحجّر. وكانت مسوّمة أي معلّمة; إما معلّمة باسم كلّ مَن يهلك بها، أو معلّمة بأنّها ليست من الحجارة المتعارفة، فالله سبحانه عذّبهم بحجارة صغيرة تحقيراً لهم وإظهاراً لقدرته.
ثم إنّه سبحانه وصف قوم لوط بالمسرفين، وقد مرّ أنّ الإسراف هو تجاوز الحدّ، وقد تجاوزوا الحدود في إعمال القوة الجنسية.
إلى هنا تمّ الحوار بين إبراهيم (عليه السلام)والملائكة، إلاّ أنّ البيان القرآني عاد إلى بيان بقية القصة، وبيّن أنّ العذاب الإلهي كان مختصّاً بالمجرمين من قوم لوط، وقال:
35. (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):
نسب الإخراج إلى الله سبحانه تسبيباً، لأنّه أمر نبيّه لوطاً، بإخراجهم،

1 . هود: 82 ـ 83 .

صفحه 39
والضمير في قوله (فِيهَا)يرجع إلى القرية المعلومة من السياق، وقال (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)والعجب أنّه لم يوجد في تلك القرية إلاّ بيت واحد شملهم الإسلام والإيمان وهو بيت لوط (عليه السلام)كما قال:
36. (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ) :
أي فما وجد فيها غير بيت واحد ممّن آمن بلوط، وهو بيته (عليه السلام)لا غير، بشهادة قوله سبحانه: (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ)(1).
فالمستفاد من قوله: (ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ) هو استئصال الجميع غير أهله.
ثم إنّ القرآن المجيد تارة يستعمل الإيمان والإسلام بمعنى واحد كما في المقام حيث قال: (مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقال: (غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .
ثم إنّ هذا النوع من الاستعمال محفوف بالقرينة وهي أنّ إنجاءهم دليل على دخول الإيمان في قلوبهم، وأنّ وصفهم بالإسلام هو بمعنى التسليم القلبي وهو مرادف للإيمان.
وأُخرى يستعمله في التسليم اللساني دون القلبي، فيكون الإسلام والإيمان أمرين متقابلين في مورد الأعراب وهم الذين أسلموا باللسان
دون القلب، فصاروا مسلمين دون أن يكونوا مؤمنين فخاطبهم الله
سبحانه بقوله: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ

1 . الصافات: 133 ـ 136 .

صفحه 40
الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(1).
ولمّا كان في إهلاك المجرمين عبرة للآخرين فإنّه سبحانه أهلكهم وجعل عاليَ قريتهم سافلها ومع ذلك أبقى فيها آية لتكون عبرة للآخرين، كما يقول :
37 . (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ):
وأمّا ما هي الآية؟ فلربّما تفسر بصخر منضود فيها، وأُخرى بماء أسود منتن. وقد شاهدت في رحلتي إلى الأردن فوق الجبل صخرة كبيرة تشبه جسم المرأة وقد اشتهر بين الناس أنّها زوجة لوط، وكما ترك سبحانه في هذه القرية آية وعبرة لمن يخاف عذابه، فقد ترك، من قبلُ، سفينة نوح آية، كما في قوله: (وَ لَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)(2).
كما ترك أيضاً بدن فرعون، من بعدُ، وأبقاه آية وعبرة للناس، قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجّيِكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)(3).
ثم إنّ العبرة بهلاك الآخرين هي المحور الذي يدور عليه أغلب آيات هذه السورة.
سورة الذاريات: الآيات: 38 ـ 40   

1 . الحجرات: 14.
2 . القمر: 15.
3 . يونس: 92 .

صفحه 41

الآيات: الثامنة والثلاثون إلى الأربعين

(وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَان مُبِين * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ) .

المفردات

ركنه: رُكَن الشيء: جانبه الذي يسكن إليه، وربما يستعار للقوّة، قال تعالى: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْن شَدِيد)(1) .
مُليم: اللَّوم: عَذْل الإنسان بنسبته إلى ما فيه لَوم، يقال: لُمته فهو ملوم. والمُليم: هو الذي أتى بما يلام عليه. وإن شئت قلت: الذي يجعل غيره يلومُه.

التفسير

بدأ سبحانه في هذه الآيات بذكر المشهد الثاني الذي فيه أيضاً آية وعبرة للذين يخافون العذاب الأليم يوم المعاد، وهذا المشهد يدور حول قصة موسى مع طاغية مصر، فقال:
38 . (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَان مُبِين):
قوله: (وَفِي مُوسَى)عطف على قوله: (فيها) في الآية السابقة ـ أعني:

1 . هود: 80 .

صفحه 42
(وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) ـ وعلى هذا فالمعنى: وتركنا في قصة موسى آية للذين يخافون العذاب الأليم.
(إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَان مُبِين) أي بحجج واضحة ودلائل مشرقة تدلّ على صدق رسالته، ولكنّه مكان أن يؤمن به أظهر الكبْر كما قال:
39. (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ):
أي أعرض عن الإيمان بدلائل موسى ومعاجزه، وتولّى بركنه أي بجانب بدنه كناية عن الإعراض ، أو تولّى بجنوده، (وَقَالَ)ـ ظلماً وزوراً ـ : (سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) وهذا منطق الطغاة والمستبدّين في مواجهة الأنبياء والمصلحين، حيث لا يتمكّنون من اتّهامهم بسوء الأعمال ورذائل الأخلاق، فيلجأون إلى إلصاق مثل هذه التُّهم الجاهزة بهم، في محاولة منهم لإسقاطهم من أعين الناس، وصدّهم عن الاستماع لدعواتهم ونصائحهم.
والله سبحانه يمهل ولا يهمل، ولذلك أخذه أخذ عزيز مقتدر كما يقول:
40. (فَأَخَذْنَاهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَ هُوَ مُلِيمٌ):
أي وهو ملوم إمّا من جانب موسى ومَن آمن به؟ أو من جانب نفسه، كما يظهر من قوله عندما أحاطت به مياه اليمّ : (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(1) .
سورة الذاريات: الآيات: 41 ـ 42   
وقد ترك سبحانه في قصة موسى آية لمن يخافون العذاب الأليم،

1 . يونس: 90 .

صفحه 43
حيث غشيت أمواج البحر فرعون وجنوده وأُغرقوا جميعاً في لحظات معدودات، ولم تغنِ عنه أمواله ولا مكره ولا وسائل بطشه وجبروته، فعلى مشركي قريش وعلى رأسهم فرعون مكّة أبو جهل، الاعتبار بهذه الآية.

الآيتان: الحادية والأربعون والثانية والأربعون

(وَفِي عَاد إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) .

المفردات

العقيم: العقيم من النساء من لا تحمل ولا تلد، والريح العقيم هي الريح الّتي لا تلقّح شجراً ولا تثير سحاباً، أي لا فائدة فيها.
الرميم: العظم البالي. قال تعالى: (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ)(1).
وربما يراد بها هنا الشيء المتفتت.

التفسير

هذا هو المشهد الثالث الذي يعرضه القرآن الكريم للاعتبار.
41. (وَفِي عَاد إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ):
قوله: (وَفِي عَاد)عطف على: (فيها) في قوله: (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً) أي

1 . يس: 78 .

صفحه 44
وفي قصة عاد آية للذين يخافون العذاب الأليم، ووجه العبرة أنّه سبحانه عذّبهم واستأصلهم لعنادهم أمام دعوة نبيّهم «هود»، بإرسال الريح العقيم عليهم، وكانت ريحاً عاتية باردة مهلكة، تحطّم كلّ شيء تهبّ عليه وتدمّره تدميراً، كما قال:
42. (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ):
أي ما تَدَعُ شيئاً تمرّ عليه إلاّ جعلته كالعظام البالية أو المتفتّتة.
ومن المعلوم أنّ المراد ما يقبل البِلى والتفتّت وهي أجسادهم وأجسام دوابهم، لا الجبال والأحجار، وغير ذلك .
سورة الذاريات: الآيات: 43 ـ 45   

الآيات: الثالثة والأربعون إلى الخامسة والأربعين

(وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِين * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَام وَ مَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ).

المفردات

عَتَوْا: العتوّ عن الأمر: مخالفته على وجه التهاون به والاستكبار عن قبوله.

صفحه 45

التفسير

هذا هو المشهد الرابع الذي يعرضه القرآن الكريم للاعتبار وهو خاص بثمود قوم صالح (عليه السلام)، وقد ذكر هذا المشهد بعد المشهد الثالث لتقارب عصريهما، كما في قوله سبحانه مخاطباً لهم: (وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَاد)(1).
43. (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِين):
والكلام في قوله: (وَفِي ثَمُودَ) هو نفس الكلام في قوله: (وَفِي مُوسَى)وقوله: (وَفِي عَاد) أي وتركنا في قصة ثمود آية للذين يخافون العذاب الأليم، فهؤلاء يقفون عند تلك القصص، ويقرأون بعمق، دروسها، فتزيدهم هدىً وإيماناً، وأمّا المشركون فيعرضون عنها ويزدادون كفراً وعناداً.
والظاهر من الآية أنّ نبيهم «صالحاً» بشّرهم بالتمتّع بنعم الله إلى حين معيّن: (إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِين)، والغاية هي بيان نعم الله سبحانه عليهم إلى آجالهم، ولم يكن في هذا الإخبار أي وعيد.
وقد ورد نظير ذلك في خطابه سبحانه لقريش، قال سبحانه: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى )(2)، وفي كلّ ذلك امتنان عليهم.
نعم جاء الوعيد في آية أُخرى حينما ثبت عنادهم ولجاجهم بعد أن

1 . الأعراف: 74.
2 . هود: 3.

صفحه 46
عقروا الناقة فقال: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب)(1) .
والذي يدلّ على ما ذكرنا هو قوله:
44. (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ) :
ووجه الدلالة أنّ حرف الفاء يدلّ على الترتيب وأنّ الخطاب بالتمتّع كان قبل عتوّهم، فلمّا عتوا واستكبروا عن امتثال أمر الله أخذتهم الصاعقة (وَهُمْ يَنْظُرُونَ)إليها أو إلى السحاب، فهلكوا جميعاً واستؤصلوا، ولم يجدوا، لا من أنفسهم ولا من غيرهم، القدرة على دفع العذاب كما يقول:
45. (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَام وَ مَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ):
أي ما استطاعوا الدفاع عن أنفسهم، وهو من قولهم: ما يقوم فلان بكذا، إذا عجز عن دفعه، كما لم يجدوا ناصراً ينصرهم.
سورة الذاريات: الآية: 46   

الآية: السادسة والأربعون

(وَقَوْمَ نُوح مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).

المفردات

فاسقين: من الفِسق وهو الخروج، يقال: فَسق (بفتح السين وضمّها) الرُّطَب إذا خرج عن قشره، والمراد بالآية هو الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله.

1 . هود: 65.

صفحه 47

التفسير

46. (وَقَوْمَ نُوح مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ):
هذا هو المشهد الخامس الذي يعرضه القرآن للاعتبار.
غير أنّ في قوله: (وَقَوْمَ نُوح)وجهان، فالقراءة المشهورة هي نصب قوم، وعلى هذا يكون منصوباً بفعل محذوف تقديره «اذكر» ولا يكون معطوفاً; وفي قراءة أبي عمرو، وأهل الكوفة غير عاصم بالجرّ أي (قومِ نوح) وعلى هذا يكون معطوفاً مثل الآيات السابقة على قوله: (وَتَرَكْنَا فِيهَا)أي تركنا في قصة قوم نوح آية للذين يخافون العذاب الأليم.
ثم إنّ وصف قومه بالفسق دليلاً على سبب إهلاكهم .
ولم تذكر الآية شيئاً عن كيفية إهلاكهم اعتماداً على ما جاء في كثير من السور.
بقي هنا أمران:
الأوّل: أنّه سبحانه أهلك قوم لوط بالحجارة، وفرعون بالغرق في اليمّ، وقومَ عاد بالريح، وقوم ثمود بالصاعقة، وقوم نوح بالطوفان، والعجب أنّ هذه الأُمور الأربعة، وهي الهواء والماء والنار والتراب من أدوات معيشة الإنسان وضروريات حياته .
قال الرازي: وفيه إشارة إلى أنّه تعالى إذا عذّب قدر على أن يعذّب بما به البقاء والوجود وهو التراب والماء والهواء والنار، فحكايات لوط تدلّ على أنّ التراب الذي منه الوجود والبقاء إذا أراد الله جعله سبب الفناء، والماء

صفحه 48
كذلك في قوم فرعون، والهواء في عاد، والنار في ثمود، ولعلّ ترتيب الحكايات الأربع للترتيب الذي في العناصر الأربعة.(1)
الثاني: أنّ صاحب الكشّاف فسّر ترتيب القصص الأربع بما عرفت.
يلاحظ عليه: بأن تفسيره غيُر تامٍّ من وجهين:
أوّلاً: أنّه مبني على العلوم الموروثة طبقاً للهيئة البطليموسية، حيث قالوا بالكرات الأربع وأنّ كرة الأرض محاطة بكرة الماء وهي محاطة بكرة الهواء وهي محاطة بكرة النار، وقد علم فساده.
سورة الذاريات: الآيات: 47 ـ 49   
ثانياً: أنّه سبحانه في سورة القمر ذكر تلك القصص تبعاً للتسلسل الزمني، فبدأ بقصة نوح، حيث قال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَ قَالُوا مَجْنُونٌ وَ ازْدُجِرَ )(2)، ثم ا نتقل إلى قصة عاد حيث قال: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ)(3)، ثم انتقل إلى قصة ثمود فقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ)(4)، ثم انتقل إلى قصة قوم لوط فقال: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط بِالنُّذُرِ )(5)، وانتهى إلى قصة آل فرعون فقال: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ )(6)، وعندئذ يقع الكلام ما هو وجه الاختلاف في سرد تلك القصص، في سورتين توسطت بينهما سورتان هما الطور والنجم؟

1 . تفسير الرازي: 28 / 228 .
2 . القمر: 9 .
3 . القمر: 18 .
4 . القمر: 23.
5 . القمر: 33 .
6 . القمر: 41 .

صفحه 49
والذي عندي في تقديم قصة لوط هو أنّه لمّا بدأ في سورتنا هذه بقصة إبراهيم ونزول الملائكة عليه لإهلاك قوم لوط، ناسب أن يذكر قصة لوط بعدها، وأمّا وجه الاختلاف في باقي القصص فلم أقف إلى الآن على وجه له، ولعلّ المستقبل الكشّاف يصل إلى وجه الاختلاف.

الآيات: السابعة والأربعون إلى التاسعة والأربعين

(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

المفردات

أيد: اليَد: الجارحة، أصله يدي، لقولهم في جمعه أيد ويديّ، ثم إنّ اليد بمعنى الجارحة تستعمل بمعنى القوّة والمنعة، وعندئذ تجمع على (أيدي)، وربّما تستعمل اليد في النعمة فيجمع على أيادي، يقول ابن مالك:
الله برّ والأيادي شاهدة *** ...............
وربّما لا يفرق بين الأيدي والأيادي في الاستعمال وهو خطأ، فيقال: توارُد الأيادي على مبيع، والصحيح أن يقال: توارد الأيدي عليه، ثم إنّ استعمال الأيدي في القوّة شائع في القرآن الكريم مثل قوله: (أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ)(1) إشارة إلى القوّة الموجودة عندهم، وقوله: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا

1 . ص: 45 .

صفحه 50
الأَيْدِ )(1) أي القوّة. ويقال: فلان يد فلان، أي وليّه وناصره.(2)

التفسير

لمّا فرغ سبحانه عن بيان ما حلّ بالأقوام السابقة من العذاب والتنكيل الذي لا يفارق القدرة العظيمة، أشار إلى بعض مظاهر قدرته سبحانه، ليرجع المشرك عن شركه، ويقوى إيمان المؤمن فأشار إلى بناء السماء، فقال:
47. (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ):
ولعلّ الوجه في الإشارة إلى مظاهر القدرة هو ردّ زعم المشركين الذين يعدّون إحياء الأموات أمراً مستحيلاً فالله سبحانه يشير إلى موضع خاص من قدرته العظيمة ليرجع المشرك عن عناده، ويعتقد بأنّ القادر على بناء السماء بالعظمة الواضحة أقدر على إحياء الإنسان .
ثم إنّه سبحانه يخبر في تلك الآية عن حقيقة علمية أذعن بها العلم في العصر الحاضر وهي أنّ السماء لم تزل في سبيل التوسعة، كما قال: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)والسعة هي امتداد مساحة المكان ضد الضيق.
والجملة الإسمية: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)تدلّ على الاستمرار، وفي ذلك تعريض باليهود الذين قالوا إنّ الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع مستلقياً على عرشه.(3)

1 . ص: 17 .
2 . المفردات للراغب: 551، مادة«يد» .
3 . التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثاني: 5 .

صفحه 51
وأمّا كيفية توسعة السماء، فيكفي في ذلك ما يقوله أهل الاختصاص: إن الفضاء يتمدّد بين المجرّات باستمرار، وأنّ حجم الفضاء العالمي يبلغ نحو عشرة أضعاف حجمه منذ بداية تمدّده.
يقول جورج جاموف في كتاب «خلق العالم» في هذا الصدد: إنّ فضاء العالم المتشكّل من ملياردات المجرّات في حالة انبساط سريعة، والحقيقة هي أنّ عالمنا ليس في حالة من السكون، بل انبساطه مقطوع به، والإذعان إلى أنّ عالمنا منبسط يهيّئ المفتاح لخزينة أسرار معرفة العالم; لأنّه إذا كان العالم الآن في حالة الانبساط فيلزم أن يكون في زمان ما في حالة انقباض شديد.(1)
يقول المغفور له الشيخ محمد جواد مغنية: إنّ هذه الآية الكريمة أصدق شاهد على أنّ معجزة محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله وسلم)هي المعجزة الأبدية الوحيدة، من بين معاجز الأنبياء أجمعين، وأنّها تزداد رسوخاً ووضوحاً كلّما تقدّم العلم خطوةً إلى الأمام.(2)
ثم أشار سبحانه إلى مظهر آخر من مظاهر قدرته التي يتمتع بها البشر، وقال:
48 . (وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) :
أي جعل الأرض مبسوطة ممتدّة لتستقرّوا عليها، وتنتفعوا بطرقها وأنواع مزروعاتها. ثم إنّه سبحانه يثني على نفسه في هذا العمل فيقول: (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)وفي الحقيقة هو تلقين للإنسان على كيفية ثنائه لله سبحانه.

1 . بداية العالم ونهايته: 74 ـ 77 .   2 . التفسير الكاشف: 7 / 157 .

صفحه 52
ومن لطائف التعبير في الآية أنّه جمع بين فرش الأرض وجعلها مهداً، فإن مقتضى كونها مسطحة أن تكون ساكنة صالحة للاستقرار والزراعة، ومقتضى كونها مهداً (كمهد الطفل) أن تكون متحرّكة، وقد جمع هناك بين الحقيقتين، فالأرض مع حركاتها المختلفة، مستعدّة للحياة بأنواعها.
49. (وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ):
والآية تدلّ على أنّ كلّ ما يصدق عليه شيء في هذا العالَم، فهو زوج لا فرد، فلا فرق بين الإنسان والحيوان والنبات والجماد لأنّ الجميع واقع تحت عنوان شيء، وهذه الحقيقة القرآنية التي تدلّ على عموم الزوجية في الخَلق، قد توصّل إليها العلم في الحضارة الحاضرة، وهي أوضح دليل على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أخذها من عالم الوحي، وليست صنيعة نفسه أو صنيعة بيئته، إذ لا يمكن لإنسان عاش في ذلك الوقت وفي تلك البيئة أن يتكلّم بضرس قاطع بأنّ الله سبحانه خلق من كلّ شيء زوجين بعد ما كانت الزوجية عندهم لا تتجاوز الحيوان وبعض النبات كالنخل، وعلى هذا فما من ذرة في الكون يصدق عليها شيء إلاّ وهي مؤلّفة من زوجين، فهل العلم كشف عن ذلك أو شيئاً منه؟ هذا ما يجيب عنه العلماء المتخّصصون في الفيزياء. نعم كان القدماء يفسّرون الآية بشكل آخر ويقولون: أي خلقنا من كل شيء صنفين مثل: الليل والنهار، والأرض والسماء، والشمس والقمر، والجنّ والإنس، والبرّ والبحر، والنور والظلمة.(1)
سورة الذاريات: الآيات: 50 ـ 55   
يلاحظ عليه: أنّ الآية تشير إلى معنى أدقّ من ذلك.. إلى زوجية

1 . مجمع البيان: 9 / 297 .

صفحه 53
مشهودة في كلّ ما خلق الله سبحانه من كائنات ، وعلى هذا فيمكن أن يقال: إنّ الوحدات الأساسية لبناء المادة في هذا العالَم هي الذرّة، فكلّ شيء من حولنا مكوّن من ذرّات، والذرّة الواحدة بالغة الصغر، فهي لا تتعدّى واحداً على مليون من سُمك شعرة! وكلّ ذرّة تحمل زوجاً من الشحنات الكهربائية: شحنة سالبة يحملها الإلكترون، وشحنة موجبة يحملها البروتون، وثمة جُسيم أساسي ثالث في الذرة، يسمّى النيوترون، وهو غير مشحون، وبذلك تكون الذرّة متعادلة كهربائياً (1) (صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء)(2).
وهذا لا يغني أنّني أقول بأنّ المراد من الآية هو هذا، بل يشبه أن يكون هذا أيضاً مقصوداً من القرآن.
هذا، وإنّ التدبّر في العالم وكون كلّ شيء زوجاً يورث العلم بعظمة القدرة، وأنّ ما يستحيله البشر من إحياء الأموات أمر سهل عليه.

الآيات: الخمسون إلى الخامسة والخمسين

(فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم * وَذَكِّرْ فَإِنَّ

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية: 10 / 640 .
2 . النمل: 88 .

صفحه 54
الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).

المفردات

تواصَوا: من التواصي، وهو إيصاء بعض القوم إلى بعض بوصيّة.

التفسير

50. (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ):
أخذ البيان القرآني ـ بعد إيراد قصص بعض الأُمم التي أخذها سبحانه بعذاب الاستئصال بسبب عتوّهم عن أمر الله وتكذيبهم بأنبيائه وبعد بيان بعض دلائل قدرته سبحانه ومظاهر قدرته ـ أخذ في الاستنتاج منتقلاً من الخبر إلى الخطاب الموجّه إلى الناس بالإنذار والتنبيه على أنّ وراءكم عقاباً وحساباً، فعليكم أن تفرّوا من عقاب الله إلى رحمته ومن غضبه إلى رضاه، فما لم يستظلّ الإنسان بظلّ التوحيد وما لم يتّبع أمره سبحانه ويعمل بطاعته، فليس له أمن وأمان.
ثم نهاهم سبحانه، فقال:
51. (وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ):
فالمشرك بكفرانه لنعمة الله سبحانه لم يزل غير آمن من عقابه وغضبه، ولذا أُمر بالفرار إلى توحيده، وأن لا يجعل مع الله إلهاً آخر، ويشركه معه في التدبير والعبادة.

صفحه 55
ومع هذه الإنذارات المتكرّرة من قبل الأنبياء لم يزل العتاة من المشركين في موقف العناد ورفض الدعوة الإلهية واتّهام الرسل والأنبياء بتهم واهية، كما يقول:
52. (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ):
وهذه شنشنة نعرفها مِن كلّ مَنْ رأى اتّباع المصلحين مخالفاً لهواه ولم يستطع أن يتّهمهم بسوء الأعمال والأفعال فالتجأ إلى هذه التمويهات وإلى اتّهامهم بأُمور يصعب على أغلب الناس الإذعان بإثباتها أو نفيها.
وقد شاع اتّهام الأنبياء بذينك الوصفين عبر القرون وبين الطوائف المختلفة، فكأنّ كلّ فئة سابقة أوصت لاحقتها أن يتّهموا أنبياءهم بتينك التهمتين، كما يقول:
53. (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ):
والاستفهام هنا للتعجيب من اتّفاقهم على اتّهام الرُّسل بالسحر والجنون، حتّى كأنّ هناك تواص بين السابقين واللاحقين بذلك! ثمّ أضرب عن هذا وقال: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)، فالاتّهام الباطل لم يصدر عنهم بموجب اتّفاق وتواص بينهم بذلك، بل بسبب عداوتهم جميعاً للحقّ، وإمعانهم في مجاوزة حدوده.
وعند ذلك فليس أمام المصلح إلاّ طريقان:
الأوّل: التولّي عن المعاند الذي لا يؤثر فيه نصح الناصح، كما قال:

صفحه 56
54. (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم):
والتولّي عنهم إمّا لعدم الجدوى في الدعوة.
وإمّا لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ليس بملوم أي ليس مسؤولاً عن أقوالهم وأفعالهم بعد إتمام الحجة عليهم.
الثاني: حفظ الصلة مع المؤمنين وتبليغ القرآن لهم، وما هذا إلاّ تنفيذاً لقوله تعالى:
55. (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ):
فإنّ الأرض الصالحة للإنبات تنتفع بالماء والبذر الصالح وتعطي ثماراً طيّبة، وهكذا نفس المؤمن فإنّها تنتفع بتذكير الرسول. قال سبحانه: (وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا)(1).
سورة الذاريات: الآيات: 56 ـ 60   

الآيات: السادسة والخمسون إلى الستين

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْق وَ مَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ * فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الذِي يُوعَدُونَ).

1 . الأعراف: 58 .

صفحه 57

المفردات

الرزّاق: كثير الإرزاق.
القوّة: القدرة.
المتين: الشديد.
ذَنوباً: الذَّنوب: الفرس الطويل الذَّنَب، والدَّلو العظيمة، وإنّما قيل لها ذَنوب لأنّها في طرف الحبل، كأنّها في الذَّنَب، واستعير للنصيب والسهم.

التفسير

56. (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ):
لمّا أُمر المشركون بالفرار من الشرك إلى التوحيد أو بالإقلاع عن الجحود بالبعث إلى الإيمان به، جاءت هذه الآية تفسيراً للوجه الأوّل، وأنّ الفرار يتمثّل برفض الشرك وتخصيص العبادة لله سبحانه، وقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، وقد قدّم الجنَّ في الذكر للاهتمام به; لأنّ قسماً من المشركين من العرب كانوا يعبدون الجنَّ، فذكر سبحانه أنّ الجنَّ مأمورون بعبادة الله أيضاً، ثم إنّ كثيراً من المفسّرين يفسّرون العبادة بالخضوع، أو نهاية الخضوع، وغير ذلك من المعاني، وهي تفاسير ناقصة إذ ليس الخضوع ـ حتى نهايته ـ عبادة، بشهادة أنّ الملائكة خضعوا لآدم نهاية الخضوع، بالسجود له (1) ومع ذلك لم يُعدّوا عابدين له، كما أنّ يعقوب (عليه السلام)

1 . البقرة: 34 .

صفحه 58
وزوجته وأولاده خرّوا ليوسف سُجّداً،(1) ولم يخرجوا عن التوحيد قيد شعرة، وعلى هذا لابد من تفسير العبادة بشيء يميِّزها عن الخضوع والطاعة والخشوع وما يرادف ذلك، وقد أوضحنا معنى العبادة في كتابنا «مفاهيم القرآن»(2) ونأتي هنا بموجز منه.
مفهوم العبادة: هي الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ عن الاعتقاد بأُلوهية المعبود، والشاهد على ذلك أنّ كثيراً من الآيات تأمر بعبادة الله وتنهى عن عبادة غيره محتجّة لذلك بأنّه لا إله إلاّ الله، كما في قوله تعالى: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ )(3)، فالآية تفيد أنّ الذي يستحق العبادة هو من كان إلهاً، وليس هو إلاّ الله تعالى وعندئذ فكيف تعبدون ماليس بإله؟ وكيف تتركون عبادة الله وهو الإله الذي يجب أن يعبد دون سواه؟!
والإله في التعريف يساوق ويرادف لفظ الجلالة، غير أنّ الثاني علَم، والإله اسم جنس.
ويمكن أن تعرَّف العبادة بالتعريف التالي: العبادة هي الخضوع لشيء على أنّه ربٌّ .(4)
فالمقصود من لفظة الربّ هو المالك لشؤون الشيء المتكفِّل بتدبيره وتربيته، والشاهد على ذلك (أي على أنّ العبادة هي الخضوع النابع عن الاعتقاد بربوبيّة المخضوع له) أنّ قسماً من الآيات تعلِّل الأمر بحصر العبادة

1 . يوسف: 100 .
2 . مفاهيم القرآن: 1 / 487 .
3 . الأعراف: 59 .
4 . البيان للسيد الخوئي: 503 .

صفحه 59
بالله وحده، بأنّه الربّ، كما في قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(1).
ومن المعلوم أنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلِّيّة.
ويمكن أن تعرّف العبادة بتعريف ثالث، وهو: الخضوع أمام مَن يُعتقد بأنّه يملك شأناً من شؤون وجوده وحياته وآجله وعاجله.
ولعلّ مرجع التعاريف الثلاثة إلى شيء واحد، فتكون النتيجة أن العبادة متقوّمة بأمرين:
الأوّل: ما يرجع إلى الجوارح وهو الخضوع بالرأس واليد والبيان وغيرها .
الثاني: ما يرجع إلى اعتقاد الخاضع بأنّ المخضوع له إمّا خالقه أو ربّه، أو بيده شأن من شؤون حياته في الدنيا والآخرة.
فلو تجرّد الخضوع عن هذا الاعتقاد لأصبح تكريماً واحتراماً لا عبادة.
وبذلك تقدر على الإجابة عمّا يثيره الوهابيون حول تقبيل الضرائح والأبواب والجدران وكلّ ما يمتّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بصلة، وليس الداعي إلى هذا النوع من الخضوع إلاّ التكريم دون الاعتقاد بأنّه إله أو ربّ أو بيده مصيره في الحياتين. هذا هو إجمال البحث ومن أراد التفصيل فليرجع إلى «مفاهيم القرآن».
ومن أفضل ما عرّفت به العبادة ما ذكره ابن عاشور، قال:
ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوث المصطلحات الشرعية

1 . الأنبياء: 92 .

صفحه 60
دقيق الدلالة، وكلمات أئمة اللغة فيه خفيّة والذي يستخلص منها أنّها: إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنّه يملك نفع العابد وضُرّه ملكاً ذاتياً مستمراً، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون: (وَ قَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)(1). (2)

أسئلة وأجوبة

السؤال الأوّل: إنّه سبحانه يعلِّل في هذه الآية سبب الخلق، وأنّه خلق الخلق لأن يُعبد، ولكنّه سبحانه يذكر في آية أُخرى سبب الخلق بأنّه الاختبار والامتحان، قال تعالى: (الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(2) فقد صار سبب الخلق هو الاختبار الذي تظهر به مدى حسن أعمال العباد، فيجازى كلّ عامل على قدر عمله، فكأنّ الاختبار ـ بمعنى تحقّق حسن العمل ـ هدفاً ثانياً للخلق، وفي آية ثالثة يذكر أنّ رحمته بالناس هي غاية الخلق، قال سبحانه: (وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)(3). فكيف يمكن الجمع بين هذه الآيات التي كلٌّ يُعرِّف سبباً خاصّاً للخلق؟
والجواب: أنّ الغرض الأصلي للخلق هو العبادة التي لا تنفكّ عن معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته، ومع ذلك فكلّ من الاختبار الذي تظهر به الأعمال، والرحمة، هما من آثار العبادة.
أمّا العبادة فلا يراد منها مجرد الخضوع الظاهري، بل المطلوب هو الخضوع النابع عن معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته، وأنّه الخالق دون

1 . المؤمنون: 47 .   2 . التحرير والتنوير: 27 / 45.
2 . الملك: 2 .
3 . هود: 118 ـ 119.

صفحه 61
غيره، وأنّه هو الربّ وبيده مصير العابد في الدنيا والآخرة.
فمَن عرف الله سبحانه بهذا النحو من المعرفة يكون عمله خالصاً لله سبحانه في مجال الحياة، وعلى هذا فكلّما ارتقى الإنسان في درجات المعرفة، كلّما ارتقى عمله وحَسُن أكثر في مجال العبادة وغيرها، فلا يبتغي في عمله إلاّ الله سبحانه .
وأمّا الثاني أي كون الرحمة والاختبار من آثار العبادة، فلأنّ العبد إذا عبد الله سبحانه يستحق الرحمة ـ على القول بأنّ الجزاء بالاستحقاق ـ أو يتفضّل عليه سبحانه برحمته ـ على القول بأنّ الجزاء على التفضّل ـ فلا تنفك العبادة عن شمول الرحمة لعباده، فلا فرق بين أن يقول سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) وبين أن يقول: وما خلقتهم إلاّ لشمول رحمتي لهم .
فتصبح التعابير الثلاثة أمراً واحداً.
السؤال الثاني: ربما يقال أنّه سبحانه إذا كانت غايته من خلق الجنّ والإنس هي العبادة، فلماذا لم تتحقّق تلك الغاية في كثير من الجنّ والإنس؟
والجواب: أنّ الإرادة هنا إرادة تشريعية لا تكوينية، بمعنى أن إرادته التكوينية تعلّقت بالخلق، وأمّا إرادته المتعلّقة بعبادة الناس فتشريعية، والتفكيك يمتنع في الأُولى دون الثانية، ومن المعلوم أنّ العبادة إنّما تُعدّ كمالاً للعابد إذا قام بها عن اختيار لا عن جبر واضطرار .
السؤال الثالث: يظهر من بعض الآيات أنّه سبحانه خلق بعض الخلائق لنار جهنم، حيث قال: (وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَ لَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ

صفحه 62
هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)(1).
والجواب: من المعلوم أنّ اللام ليست لام الغاية بل هي لام العاقبة، كما في قوله سبحانه: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلاََهُ زِينَةً وَ أَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ )(2).
ومن المعلوم أنّه سبحانه لم يؤتهم الأموال لغاية الضلال والإضلال ، وإنّما صارت عاقبة أمرهم أنّهم يضلّون عن سبيل الله.
ونظيره قوله تعالى في قصة موسى (عليه السلام): (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَنًا )(3).
ومن المعلوم أنّ فرعون وزوجته لم يتّخذا موسى (عليه السلام)ليكون ـ في المستقبل ـ عدواً لهما ولكنْ صارت عاقبة الأمر كذلك، ومثلهما ما في المقام حيث إنّ الله خلق الخلق للعبادة وأن يستحقوا بذلك مثوبة الجزاء، لكنّهم لأجل العناد واللجاج آلَ أمرهم إلى أن استحقوا سوء الجزاء، وكأنّهم خُلقوا لذلك .
السؤال الرابع: ذكر الرازي أنّ فعل الله تعالى ليس لغرض وإلاّ كان بالغرض مستكملاً وهو في نفسه كامل، فكيف يفهم لأمر الله الغرض والعلّة؟(4)
وقد أطال الكلام ـ في تفسيره ـ في معنى قوله تعالى: (لِيَعْبُدُونِ) وذكر

1 . الأعراف: 179 .
2 . يونس: 88 .
3 . القصص: 8 .
4 . تفسير الرازي: 28 / 232 .

صفحه 63
أنّ للاّم معاني، ولكنّه غفل عن أنّ تجريد فعل الله عن الغرض يوجب كون فعله عبثاً، والحكيم المطلق لا يُنسب إلى العبث، قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)(1).
وقال سبحانه: (وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)(2).
فالفعل المجرَّد عن الغرض فعل اللاعب واللاهي، والله الحكيم منزَّه عنهما، وما ذكره بصورة البرهان من أنّه لو كان فعله تابعاً للغرض يلزم استكماله وهو في نفسه مستكمل، خلْط بين كون الغرض راجعاً إلى الخالق أو راجعاً إلى المخلوق.
وبعبارة أُخرى: فرْق بين أن يقال: الفاعل ذو غرض، وبين كون الفعل ذا غاية، والاستكمال إنّما يلزم على الأوّل دون الثاني. وهذا نظير إنسان غنيّ يساعد الفقراء، فهو في حدّ نفسه غنيّ عن عمله (أي إعانة الفقير)، لكن عمله تابع للغرض وهو إنعاش الفقير وسدّ خلّته.
والرازي أحد العلماء المفكّرين ولكنّ تقيّده بمذهب الأشعري ساقه إلى اتّخاذ الموقف السلبي في كون أفعال الله سبحانه تابعة للغرض أو مجرّدة عنه.
57 و 58. (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْق وَ مَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) :

1 . المؤمنون: 115.
2 . الأنبياء: 16 و 17، ولاحظ: الدخان: 38.

صفحه 64
لمّا كان ثمّة مَن يتوهّم أنّه سبحانه محتاج إلى عبادة الجنّ والإنس، غافلاً عن أنّ العبادة سبب لتكامل العابد ولا يرجع نفعها إلاّ إليه لا إلى المعبود، دفع سبحانه ذلك التوهّم، وقال: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْق وَ مَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)فنفى بذلك أن تكون العبادة لفائدة تعود عليه تعالى، وكيف يطلب من الناس رزقاً وإطعاماً وهو الموصوف بالوصفين التاليين:
1. (الرزاق).
2. (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).
ومفاد الحصر المفهوم من قوله: (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ) هو أنّه لا رازق سواه كما أنّ مفاد قوله: (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) أنّه لا صاحب قدرة تامّة، ولا قويّاً يستحيل عليه العجز والضعف، إلاّ الله سبحانه. فالأمر بالعبادة لا لغاية طلب المال ولا الإطعام ولا النصرة والتأييد وإنّما هي تخطيط لتكامل الإنسان حتى يتجرّد من كلّ هوى ويتصل بموجود كامل ليس فيه نقص، فالعبادة إذاً توجب القرب، فالإنسان إذا تقرّب إلى موجود كامل يتكامل شيئاً فشيئاً. ثم إنّ العبادة لها صورة ولها معنى، فالصورة قائمة بالعمل بالأركان، وأمّا المعنى الذي نعبّر عنه بالروح فهو قائم بالنفس، فالعبادة طريق إلى معرفة الله وصفاته وأفعاله، ولعلّ إلى هذا يشير ما ورد في الحديث القدسي: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف»(1).
فإن قلت: لماذا كرّر ذكر الإرادة، وقال: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْق) ثم قال: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) ؟

1 . بحار الأنوار: 84 / 199 .

صفحه 65
قلت: إن الإنسان تارة يطلب مالاً من شخص ليشتري به الطعام، وأُخرى يطلب نفس الطعام، فبما أنّ الرزق في الآية بمعنى المال، يصحّ تكرار الإرادتين، أي لا يريد منكم مالاً ليشتري به الطعام، ولا يريد نفس الطعام.
59. (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ):
قد ذكرنا في صدر السورة بأنّ الغاية القصوى من آيات هذه السورة هي إنذار المشركين من أن يكون مصيرهم كمصير السابقين من أقوام الأنبياء الذين هلكوا واستؤصلوا بأنواع العذاب، وقد تكرّر هذا الإنذار في آخر هذه السورة ولكن بعبارة أُخرى وهي: (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا)أي أنّ لهؤلاء الظالمين (الذين كذّبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)) نصيباً وافراً من العذاب مثل نصيب السابقين، فكما شمل العذاب أُولئك (أَصْحَابِهِمْ)فسيشملهم سهم منه، فلا وجه للاستعجال (فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ).
وأمّا التعبير بـ (أَصْحَابِهِمْ) عن الأُمم الماضية فبحكم كونهم ملّةً واحدة في التكذيب والظلم والطغيان.
وحاصل الآية: أنّ لمكذّبي الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)نصيباً من العذاب مثل نصيب الأُمم الماضية الهالكة، فلا وجه لأن يستعجلوا العذاب، ولا أن يقولوا متى هذا الوعد، وأيان يوم الدين؟ فسوف يصل ذلك اليوم كما قال:
60. (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الذِي يُوعَدُونَ):

صفحه 66
والتعبير بالكفر في هذه الآية وبالظلم في الآية المتقدّمة دليل على أنّ المراد من الظلم هو الكفر، وفي هذه الآية دليل على أنّ نصيب هؤلاء من العذاب في اليوم الذي يوعدون أعني: يوم البعث والمعاد، لا الحياة الدنيوية.
***
تمّ تفسير سورة الذاريات

صفحه 67
   

سورة الطور

(وَالطُّورِ * وَكِتَاب مَسْطُور * فِي رَقّ مَنْشُور * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِع * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْض يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً * هَذِهِ النَّارُ التي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَعِيم * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُر مَصْفُوفَة وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَة وَلَحْم مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا

صفحه 68
مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِن وَلاَ مَجْنُون * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا
سورة الطور: خصائص السورة   
فَإنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَان مُبِين * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ * فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لاَ يُغْني عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) .

صفحه 69
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة بسورة «الطور»، بحذف واو القسم.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها تسع وأربعون آية في عدّ الكوفي والشامي، وثمان وأربعون آية في عدّ البصري، وسبع وأربعون آية في عدّ المدني .(1)
وهي مكّية بالإجماع، وتشهد لها صياغتها ومضامينها.

أغراض السورة

إنّ هذه السورة تشارك السورة السابقة لها في التركيز على إنذار المكذّبين، وبيان مصيرهم ثم بيان مصير المتّقين، والتنديد بمَن يصف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالسحر والكهانة، ثم تنتقل إلى دحض الأعذار التي يمكن أن يعتمد عليها المشركون لتسويغ إعراضهم عن المُرسِل والرسول والرسالة، بنحو لا مثيل له في سائر السور.
وقد تكرّرت لفظة «أم» الإضرابية عشر مرّات، كما سيتضح .

1 . مجمع البيان: 9 / 301 .

صفحه 70

الآيات: الثمان الأُولى

(وَالطُّورِ * وَكِتَاب مَسْطُور * فِي رَقّ مَنْشُور * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِع ).
سورة الطور: الآيات 1 ـ 8    

المفردات

الطور: اسم لكلّ جبل. والطور: اسم جبل بعينه، يُعرف بـ : طور سينين، ويقال له: «طور سيناء».
مسطور: من السَّطْر وهو الصفّ من الكتابة، يقال: سطّر فلان كذا أي كتب سطراً سطراً.
رَقّ: ما يكتب فيه، من جلد رقيق أو ورق.
منشور: من النشْر وهو البسْط والتفريق، يقال: نشَر الثوب والصحيفة أي بسَطهما.
المعمور: من العمران.
المسجور: من السَّجْر وهو تهييج النار، يقال: سجرَ التنور. وربّما يفسّر المسجور بالمملوء.

التفسير

أقسم سبحانه في صدر السورة بأُمور خمسة وجاء جوابها في قوله:

صفحه 71
(إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)، فاللازم تبيين المقسم به أوّلاً، ثم بيان الصلة بين الأقسام وجوابها.
نعم مفاد المقسم عليه أمر واضح.
1. (وَالطُّورِ):
أقسم سبحانه بطور سيناء الذي ناجى فيه موسى (عليه السلام)وأنزل عليه الألواح وقال: (وَالطُّورِ). وأمّا تفسيره بمطلق الجبل فلا يناسب القَسَم الثاني، كيف وقد ورد الأوّل في القرآن ـ في غير هذه السورة ـ تسع مرّات ، تارة بالطور، وأُخرى بالطور الأيمن، وثالثة بطور سيناء، ورابعة بطور سينين .(1)
2. (وَكِتَاب مَسْطُور):
الظاهر أنّه إشارة إلى كتاب موسى (عليه السلام)ـ أعني: التوراة، التي تكتب في الرَّقّ وتُنشر للقراءة ـ وكان مسطوراً بقلم القدرة الإلهية. ويشهد لذلك قوله سبحانه: (وَ كَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء)(2)، وربّما يقال أنّ الملاك مطلق ما يُكتب، أو اللوح المحفوظ، الذي كتب الله فيه ما كان وما يكون وما هو كائن الذي تقرأه ملائكة السماء، والأوّل أنسب بالنسبة إلى الطور، كما هو أنسب بالآية التالية:
3. (فِي رَقّ مَنْشُور) :

1 . لاحظ : البقرة: 63 و 93 ; والنساء: 154 ; ومريم: 52 ; وطه: 80 ; والمؤمنون: 20; والقصص: 29 و 46 ; والتين: 2 .
2 . الأعراف: 145.

صفحه 72
أي فيما يُكتب من الجلد والورق وينشر عند القراءة، ثم يُطوى.
والقسم بهذه الأُمور الثلاثة لأجل وجود التناسب بينها، فالطور: محلّ نزول الوحي، وكتاب مسطور: هو الألواح النازلة على موسى (عليه السلام)في ذلك الجبل، في رق منشور: هو التوراة التي تُنشر وتُطوى عند القراءة.
ذكر ابن طاووس دعاء مروياً عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)وقد جاء فيه: «الحمد لله الذي خلق النور وأنزل النور على الطور، في كتاب مسطور، في رق منشور، بقدر مقدور، على نبيّ محبور».(1) وقولها: «وأنزل النور على الطور» يشير إلى قوله سبحانه في وصف التوراة: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَ نُورٌ)(2) .
ثم إنّ المراد من التوراة المقسم بها هو التوراة الصحيحة التي لم تمسّها يد التحريف، وهي التي وصفها سبحانه بقوله: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَ هُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَ تُخْفُونَ كَثِيرًا وَ عُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)(3)، دون التوراة التي تلاعب بها الأحبار عبر قرون، وأدخلوا فيها موضوع التجسيم والتشبيه، ولم يكتفوا بذلك بل نسبوا إلى الأنبياء ما ننزّه القلم عن ذكره، وإن كنت في شكٍّ من ذلك فلاحظ قصة النبي لوط مع بناته في سفر التكوين.(4)
4. (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) :

1 . تفسير نور الثقلين: 5 / 136 .
2 . المائدة: 44.
3 . الأنعام: 91 .
4 . التوراة، سفر التكوين: 29، الإصحاح 19.

صفحه 73
لعلّ المراد به الكعبة المشرّفة، فإنّها أوّل بيت وضع للناس ولم يزل عامراً منذ أن وضعه للناس سبحانه إلى يومنا هذا. قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَ هُدًى لِلْعَالَمِينَ)(1) .
كما أنّ وصفه بالعمارة لكونه معموراً بالحجّاج الطائفين فيه. وقد فُسّر في الروايات ببيت في السماء إزاء الكعبة (يُسمّى الضُّراح) تزوره الملائكة، وكونه معموراً لكثرة الطائفين به .
5. (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) :
أُريد به السماء، قال سبحانه: (وَ السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضَعَ الْمِيزَانَ)(2)، وقال تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا)(3)، وقال أيضاً: (وَ جَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَ هُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ)(4).
6. (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ):
أي المملوء (وهو أنسب شيء يذكر مع السماء في مشهد.. في انفساحه وامتلائه وامتداده. وهو آية فيها رهبة ولها روعة، تؤهلاّنه للذكر مع هذه المشاهد المقسم بها على الأمر العظيم)(5). والمسجور أيضاً: المُوقَد، الذي سيلتهب ناراً قبل يوم القيامة وسيأتي مزيد بيان عند تفسير قوله

1 . آل عمران: 96 .
2 . الرحمن: 7 .
3 . الرعد: 2.
4 . الأنبياء: 32.
5 . في ظلال القرآن: 27 / 35 .

صفحه 74
سبحانه: (وَ إِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)(1)، وقوله تعالى: (وَ إِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ)(2).
ثم إنّ الأقسام الثلاثة الأُولى يجمعها شيء واحد وهو صلتها بالوحي وخصوصياته، حيث إنّ الطور هو محلّ نزول الوحي، والكتاب المسطور هو التوراة أو القرآن العزيز، والبيت المعمور هو الكعبة أو البيت الذي يطوف به الملائكة الذي هم رسل الله .
وأمّا القَسَمان الآخران ـ أعني: السقف المرفوع والبحر المسجور ـ فهما من الآيات التكوينية ومن دلائل توحيده ووجوده وصفاته.
ثم إنّ التأمل في الأربعة الأُولى ـ أعني: (الطور، وكتاب مسطور، في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع) ـ تبعث في الإنسان معنوية خاصّة حيث توجه النفس إلى عالم الوحي الذي ينزل من الله سبحانه على قلوب أوليائه، لكن النظر في قوله: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) يثير الرهبة والروعة إذا فُسّر بالمملوء الذي يفيض بالماء، ويبعث على الخشية إذا فُسّر بالملتهب بالنار.
7 و 8 . (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِع):
سورة الطور: الآيات 9 ـ 16    
الآيتان هما المُقسَم عليه، فتدلاّن على أنّ عذاب المشركين والمكذِّبين من الأمر المحتوم الذي لا محيص عن وقوعه، ولذلك قال سبحانه: (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَ أَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)(3).

1 . التكوير: 6 .
2 . الانفطار: 3.
3 . الحج: 7 .

صفحه 75
بقي الكلام في الصلة بين المقسم به ـ على تعدّده ـ والمقسم عليه، وهو أنّ المقسم عليه عبارة عن وقوع العذاب لا محالة وعدم القدرة على دفعه، فإذاً ناسب أن يقسم بالكتاب أي بالتوراة أو القرآن اللّذين جاءت فيهما أخبار القيامة وحتميتها. كما ناسب أن يحلف بمظاهر القدرة وآيات العظمة كالسقف المرفوع والبحر المسجور حتى يُعلم أنّ صاحب هذه القدرة لقادر على تحقيق هذا الخبر.. إنّ عذابه لواقع، وليس له دافع يدفعه عن المجرمين فينجيهم منه إذا حلّ بهم .

الآيات: التاسعة إلى السادسة عشرة

(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْض يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ التي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

المفردات

تمور: المَوْر: الجريان السريع.(1) وفي التبيان: تردُّد الشيء بالذهاب والمجيء كما يتردّد الدخان ثم يضمحلّ.(2) وهو يلازم الاضطراب والتموّج.

1 . المفردات للراغب: 478، مادة«مور».   2 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 404 .

صفحه 76
الخَوض: الدخول في الماء بالقدم، وشُبِّه به الدخول في الأمر بالقول، ولكن غلب استعماله في الخوض في الكلام الباطل والكذب، قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ)(1) .
دعّاً: الدعّ: الدَّفع العنيف .

التفسير

9 و 10. (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا):
إنّ الآيتين تصفان مشهداً مروّعاً من مشاهد القيامة، وهو اضطراب السماء بكواكبها، واختلال نظامها عند القيامة كما يقول: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا)، منضمّاً إلى زوال الجبال عن مواضعها كما قال: (وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا)، وذلك عندما تُنسَف بسبب الزلازل، وتتفتّت صخورها، وتصير هباء منثوراً. فاضطراب السماء، إذاً، وانتقال الجبال كناية عن تطرّق الاختلال في النظام السائد الآن، فلا تبقى السماء سماءً ولا الأرض أرضاً، وفي هذه الحالة يسوء الأمر على الكافر المكذِّب بيوم البعث، ويكون محكوماً بالويل.
11. (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ) :
وقد أُريد بـ «ويل» منتهى سوء الحال، حيث يرى الجاحدون أمامهم ما أخبر به الرُّسل بوحي من الله، وكانوا هم ينكرون ذلك وينسبونه إلى الكذب.

1 . الأنعام: 68 .

صفحه 77
ثم ذكر من صفة هؤلاء:
12. (اَلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْض يَلْعَبُونَ):
أي كانوا يستهزئون بوعود الأنبياء وإنذاراتهم ويستخفّون بها لا مرّة واحدة، بل كان ذلك ديدنهم وشغلهم الشاغل.
13. (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً):
لمّا مضى في الآيات المتقدّمة الإخبار عن سوء حال المكذِّبين في يوم خاص، بدأ البيان القرآني بتعيين ذلك اليوم وما يجري فيه، فسوء الحال للمكذّبين في نفس اليوم الذي يُدفعون فيه إلى نار جهنم دفعاً شديداً عنيفاً.
قال مقاتل: تُغلّ أيديهم إلى أعناقهم وتُجمع نواصيهم إلى أقدامهم ثم يُدفعون إلى جهنم دفعاً على وجوههم .
14. (هَذِهِ النَّارُ التي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ):
ثمّ إذا دنوا من نار جهنم خوطبوا بالقول: (هَذِهِ النَّارُ التي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)في الدنيا، حين أنكرتم الحشر والحساب والجزاء.
15. (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ) :
فعندما رأوا نار جهنم وذاقوا لهيبها ولم يبق لهم أي ترديد
في مصيرهم، يخاطَبون تحقيراً واستهزاء: (أَفَسِحْرٌ هَذَا)الذي
ترونه بأعينكم أو الذي وردتموه الآن، كما كنتم تزعمون في الدنيا وتنسبون الأنبياء إلى ذلك (أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ) هذه الحقيقة، وتعدّونها أمراً

صفحه 78
موهوماً خرافياً كما كنتم تتفوّهون به .(1)
ولمّا لم يجدوا جواباً إلاّ التسليم، والاعتراف بالواقع المرّ، يُخاطَبون بالخطاب التالي:
16. (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
أي إنّ الصبر والجزع عندئذ سواء، فقد كُتب عليكم الصَّلي بالنار، والاحتراق فيها. ولأجل رفع الشكّ والترديد في أنّهم هل يستحقون هذا النوع من العقاب؟ خوطبوا بقوله: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بلا زيادة ولا نقيصة، فكأنّ ما يجزون به هو نفس أعمالهم في الدنيا لكن ظهر بالوجود الأُخروي، وليس شيئاً جديداً.
إلى هنا تمّ بيان مصير المكذّبين، وناسب المقام أن يذكر ما يقابلهم وهم المتقون وذكر مصيرهم كما هو شأن القرآن، لأنّه كلّما ذكر شيئاً عن إحدى الطائفتين يذكر شيئاً من مواصفات الطائفة الأُخرى.
سورة الطور: الآيات 17 ـ 24    

الآيات: السابعة عشرة إلى الرابعة والعشرين

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَعِيم * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُر مَصْفُوفَة وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 19 / 10 .

صفحه 79
عِين* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَة وَلَحْم مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ).

المفردات

فاكهين: من الفكاهة: أي مستأنسين.
سُرر: جمع سرير.
مصفوفة: متقابلة، بشهادة قوله تعالى: (عَلَى سُرُر مُتَقَابِلِينَ)(1).
حُور: الحَوَر: قليل من البياض في العين من بين السواد، وذلك نهاية الحسن في العين.
عِين: جمع عَيناء، وهي الواسعة العين في حُسن.
ما أَلَتناهم: أي ما نقصناهم، والأَلْت: النقصان، أي ما نقصنا من ثواب عملهم من شيء.
يتنازعون: يتعاطَون.
مكنون: مصون ومستور.

1 . الصافات: 44.

صفحه 80

التفسير

تضمّنت هذه المجموعة من الآيات المواهب التي يتفضّل بها الله سبحانه على المتّقين، وهي تتجاوز العشرة، وهي مشاهد جميلة يتمنّى كلّ عاقل أن تكون من نصيبه، وهي كما يلي:
17 ـ أ. (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَعِيم):
وهل هنا جنات متنوعة ومختلفة كلٌّ تتميّز عن الأُخرى بأشجارها وثمارها ومياهها وصفائها؟ أو هنا جنّة واحدة والجمع باعتبار كثرة الأفراد، فلكلٍّ شيء من الجنة؟ وجهان.
18 ـ ب ، ج . (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) :
أي مستأنسين بما شملتهم رحمة ربهم، وفي الوقت نفسه وقاهم ربهم عذاب الجحيم. وحاصل الكلام: أنّهم يفرحون ويُسَرّون بألوان النعم التي أفاضها عليهم ربهم، الذي تفضّل عليهم أيضاً بأنْ صانهم من العذاب الذي شمل العصاة. وتكرار (رَبُّهُمْ)في الآية لبيان مزيد العناية بهم والرعاية لهم.
19 ـ د . (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
وهم في الوقت الذي يستأنسون فيه بالأحاديث يتمتعون بكلّ ما يؤكل ويشرب، ولكن أين ما يتمتع به الإنسان في الدنيا ممّا يتمتع به في

صفحه 81
الجنة؟ فإنّ نعيم الجنة طيّب رغيد، سائغ غير منغَّص، بخلاف طعام الدنيا وشرابها حيث يجرّان إلى الإنسان الوبال عند الإفراط أو التفريط، فلذلك يخاطبون بالقول : (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
20 ـ هـ ، و. (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُر مَصْفُوفَة وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين):
والآية تصف كيفية استئناسهم ولذّة تحدّثهم مع بعضهم بأنّهم يتّكئون على سرر متقابلين، والتعبير بالاتّكاء إشارة إلى منتهى الهدوء والاطمئنان، لأنّ الإنسان عند الهدوء يتّكئ، بخلاف متوتر الأعصاب والذي يعيش في قلق واضطراب، فإنّه لا يعتمد على شيء.
وبما أنّ ما يتمتع به الإنسان جسدياً هو التمتع بالزواج، فالله سبحانه أتمّ نعمته على المتقين في الجنة وقال: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين) أي معهم زوجات غير أنّهن في الجمال والروعة أشبه بحور وعين، وقد حذفت الواو لأنّه كثيراً ما يترك العاطف، وهو أمر ذائع.
قوله تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين)، ظاهر في أنّ تزويج المؤمنين بحور عين كرامة أُخرى من الله تعالى لهم، فإنّ الرجال يأنسون، عادةً، بالنساء في الدنيا، فكأنّهم يأنسون بهنّ، أيضاً في الآخرة.
وربما يقال: معنى (زَوَّجْنَاهُمْ)أي: جعلنا كلّ فرد منهم زوجاً أي غير مفرد، أي قرنّاهم بنساء حور عين، والباء للمصاحبة، أي جعلنا حوراً عيناً معهم، لا التزويج المصطلح; وذلك لأنّ التزويج بمعناه العرفي يتعدّى بنفسه

صفحه 82
كما في قوله تعالى: (زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ)(1).(2)
يلاحظ عليه: لو سلّمنا أنّ التزويج هو بمعنى القِران، لكن الفكرة المختمرة عند السامع أنّ الرجال يطلبون النساء لأجل الزواج ويأنسون بهن عن ذلك الطريق، وعندئذ ينتقل الذهن عند سماع «القِران» إلى الغاية منه، وهي الزواج. والله العالم.
21 ـ ز. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ):
لقد أُشربت الطبائع الإنسانية في الآباء حبّ الأولاد والذرية، ومن هنا يأمل المؤمنون إذا دخلوا الجنة أن تجتمع إليهم ذريّتهم لتقرّ بذلك أعينهم، بَيْد أنّ الذرية على قسمين: منهم مَن لم يقتفوا آثار آبائهم في الإيمان، فهؤلاء تحرم عليهم الجنة، ومنهم مَن اتّبعوا آثار آبائهم في الإيمان، ولكنّهم لم يبلغوا درجاتهم فيه، فالله سبحانه يتمّ نعمته على المؤمنين ويُلحق ذريتهم بهم تفضّلاً منه، دون أن يُنقص من ثواب عمل الآباء شيء، وإلاّ لم يكن تفضلاً، وإلى ذلك يشير سبحانه بقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان)أي اتّبعوهم بدرجة من الإيمان قاصرة عن درجة إيمان آبائهم فالله

1 . الأحزاب: 37 .
2 . التحرير والتنوير: 27 / 61 .

صفحه 83
سبحانه يقول: (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)والضميران في (بِهِمْ) و (ذُرِّيَّتَهُمْ)يرجعان إلى (الَّذِينَ آمَنُوا)وهم الآباء.
وبما أنّه ربّما يتوهّم طروء النقص في ثواب الآباء عند إلحاق الذرية بآبائهم جاء قوله تعالى ـ دفعاً لهذا التوهّم ـ بأنّ إلحاقهم بهم لا يسبّب نقصاً في مثوبة الآباء كما يقول: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء)والضميران أيضاً يرجعان إلى (الَّذِينَ آمَنُوا).
وحاصل الآية: أنّه سبحانه يمنّ على المؤمنين بأنّه يُلحق بهم أولادهم إذا كانوا مؤمنين ـ ولو بدرجة سافلة ـ ولكن ذلك لا يوجب النقص في جانب الآباء لكونه على خلاف الامتنان.
وفي نهاية الآية يقول تعالى: (كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)وظاهر الفقرة أنّه علّة لما تقدّم وهو قوله: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء)، فيقع الكلام: كيف تكون تلك الفقرة علّة لعدم إنقاص عمل الآباء عند إلحاق الذرية بهم؟
يتّضح ذلك من خلال التدقيق في معنى الرهن، فهو وإن كان بمعنى الوثيقة في مقابل الدَّين، إلاّ أنّ الظاهر أنّ المراد هنا هو المقارنة والملازمة، يقال: نعمة راهنة، أي ثابتة ومستقرّة، ويقول الإمام علي (عليه السلام)في شأن الأُمم السالفة: «فَهَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ، وَمَضَامِينُ اللُّحُودِ».(1)
وعلى هذا فيكون معنى الفقرة أن كل إنسان مقرون بما كسب وملازم له، وبحكم هذا التلازم والمقارنة لا ينقص من أعمال الآباء لأجل إلحاق الذريات بهم وإلاّ لزم خلاف التلازم.

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل والكتب، برقم 45 .

صفحه 84
وبهذا تبيّن وجه صلة هذه الفقرة بما قبلها.
ومنه يظهر أنّ ما ذكره صاحب الكشّاف في تفسير الآية يوجب اختزال الفقرة عمّا قبلها.
قال: ]قوله تعالى [: (كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)أي مرهون، كأنّ نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الّذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدَين عليه، فإن عمل صالحاً فكّها وخلّصها، وإلاّ أوبقها.(1)
ولا يخفى أنّ ما ذكره يلازم فقد الصلة بين الفقرة وما قبلها.
ومنه يظهر أنّ المعنيين اللّذين ذكرهما الطبرسي ـ مثل الكشّاف ـ يوجبان اختزال الفقرة عمّا قبلها، يقول:
1. كلّ امرئ كافر مرتهن في النار بما كسب من الشرك.
2. كلّ إنسان معامل بما يستحقّه ويُجازى بحسب ما عمله، إن عمل طاعة أُثيب، وإن عمل معصية عوقب ولا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره.(2)
ثم ما هو المراد من الذرية؟ هل المراد الكبار منها أو الصغار؟
الظاهر أنّ المراد هو الأوّل بشهادة قوله: (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان)فقد أثبت للذرية إيماناً ولا عبرة بإيمان الصغار.
نعم، الأطفال يحكم بإسلامهم تبعاً لأحد الأبوين، فإن كانا مسلمين فذاك، وإن كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً، فالطفل يلحق بأشرف أبويه وهو الإسلام، لكن الحكم بإسلام الطفل باعتبار آثاره ـ أعني: الطهارة

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 174 .
2 . مجمع البيان: 9 / 308 .

صفحه 85
والنجاسة ـ بخلاف الآية المباركة فإنّ الظاهر أنّ للذرية إيماناً حقيقياً وواقعياً لكن بدرجة نازلة.
وقد ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ما يؤيد مضمون الآية، فقد روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «يُحفظ الأولاد بصلاح آبائهم» .(1)
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «إنّ الله لَيُصلح بصلاح الرجل المؤمن، وُلده ووُلد ولده...».(2)
وأمّا ما ورد في بعض الروايات من أن الله يؤجّج للأطفال ناراً ويأمرهم أن يطرحوا أنفسهم فيها، فمن رمى بنفسه فيها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أبى دخل النار، وأنّه تعالى يقول لهم:ها أنتم قد أمرتكم فعصيتموني،(3) فلا يمكن التعويل عليه، لأنّه مناف للأُصول الثابتة، فإنّ يوم القيامة ليس دار تكليف، خصوصاً بالنسبة للأطفال، وبالأخص أنّ هؤلاء الأطفال ـ حسب فرض الرواية ـ لو كانوا في الحياة الدنيا لعملوا عملاً صالحاً أو سيئاً ولكنّهم ماتوا وانقطعت حياتهم، فكيف يثابون أو يعاقبون بما لم يفعلوا؟ فمثل هذه الروايات لا يُحتجّ بها، ولو ثبت صدورها يرجع علمها إلى أهلها(عليهم السلام).
وليست هذه الرواية هي الوحيدة المخالفة للأُصول، فقد ورد نحوها في «الدر المنثور»، قال: أخرج عبدالله بن أحمد في زوائد المسند عن علي (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإنّ المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَالَّذِينَ آمَنُوا

1 . بحار الأنوار: 15 / 178 .
2 . تفسير العيّاشي: 3 / 106، رقم 63 ; وبحار الأنوار: 15 / 178 .
3 . الكافي: 3 / 248 ـ 249، كتاب الجنائز، باب الأطفال.

صفحه 86
وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان)(1)، ولا تصحّ الرواية إلاّ إذا حمل الأولاد في كلا الموردين على الأولاد الكبار.
ونظير ذلك ما رواه البرسوي نقلاً عن عين المعاني: سألت خديجة (عليها السلام)رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ولدين لها ماتا في الجاهلية، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «هما في النار»، فكرهتْ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو رأيت مكانهما لأبغضتهما»، قالت: فالذي منك؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «في الجنة. إنّ المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإنّ المشركين وأولادهم في النار»(2).
22 ـ ح ، ط . (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَة وَلَحْم مِمَّا يَشْتَهُونَ):
إنّ أطعمة الجنة وإن كانت كثيرة ومتنوعة غير أنّ الآية أشارت إلى أمرين مهمين منها هما: الفاكهة واللحم لأنّهما سيدا الطعام، ولعلّ في تقديم الفاكهة على اللحم إشارة إلى أفضليتها، ولعلّ التعبير بالإمداد هو الإشارة إلى إدامة النعمة فإنّ الإمداد عبارة عن الإتيان بالشيء بعد الشيء.
ثم إنّ قوله: (مِمَّا يَشْتَهُونَ) إشارة إلى أنّهم مخيّرون بين نعمة وأُخرى، يقول سبحانه: (وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ)(3) .
23 ـ ي ، ك . (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ) :
تشير الآية إلى أنّ أهل الجنة يتجاذبون كأس الخمر بينهم أُنساً وسروراً، كما هو المتعارف بين الندامى المتحابّين في الدنيا. وعلى هذا

1 . الدر المنثور: 7 / 633 .
2 . روح البيان: 9 / 193 .
3 . الواقعة: 20 و 21 .

صفحه 87
فكلمة التنازع لا تعطي معنى التخاصم والتدافع فالجنة ليس مكان نزاع وخصام .
وقيل: التنازع مجاز عن التناول والتعاطي. والكأس: الإناء المملوء بالشراب، فإنْ كان فارغاً سُمِّي قَدَحاً.
وأمّا قوله تعالى: (لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ) فالضمير فيه يحتمل أمرين:
الأوّل: أن يرجع إلى الكأس بما فيه من الشراب، فالآية تشير إلى أنّ شراب الآخرة يختلف عن شراب الدنيا، فإنّ شراب الدنيا يكون مقروناً بالهَذر وسَقَط الكلام، وبما يستوجب الإثم والمعصية، وأمّا خمرة الآخرة فليس فيها لغو ولا تأثيم.
وقد أشار الذكر الحكيم إلى هذا في غير واحدة من الآيات، قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْس مِنْ مَعِين * بَيْضَاءَ لَذَّة لِلشَّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَ لاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ)(1).
الثاني: يحتمل أن يرجع الضمير إلى الجنة أي ليس في الجنة لغو ولا تأثيم. والظاهر هو الأوّل.
24 ـ ل . (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) :
ومن نعم الله سبحانه على المؤمنين في الجنة وراء الإيناس والاستمتاع بألوان الملاذ، طواف غلمان عليهم يدأبون في خدمتهم، ثم وصفهم باللؤلؤ في حُسن المرأى، وبالمكنون أي المحفوظ في الصدَف، ولا يَتحلّى به الرجل أو المرأة إلاّ في الأعراس والمحافل.

1 . الصافات: 45 ـ 47 .

صفحه 88
ولعلّ الغلمان يطوفون عليهم بالكؤوس، ويشهد لذلك قوله سبحانه: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب وَ أَبَارِيقَ وَ كَأْس مِنْ مَعِين)(1).
سورة الطور: الآيات 25 ـ 28    

الآيات: الخامسة والعشرون إلى الثامنة والعشرين

(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).

المفردات

مشفقين: الإشفاق: رقّة القلب عما يكون من الخوف على الشيء. والشَّفَقَة نقيض الغِلظة.
السَّموم: الحرّ الذي ينفذ في مسامّ الجسم فيتألّم به، ومنه ريح السَّموم. قال الراغب: السموم: الريح الحارّة التي تؤثر تأثير السُّم.(2)

التفسير

مرّ فيما سبق من الآيات أنّ أهل الجنة يتّكئون على سرر مصفوفة وأنّهم في ظلّ تلقّي تلك النِّعم الّتي تُرغدهم، يتجاذبون بينهم الكأس مجتمعين، وهنا تعرض الآيات لطَرف من الحديث المُدار بينهم، وذلك

1 . الواقعة: 17 و 18 .
2 . المفردات للراغب:241، مادة «سم».

صفحه 89
بمساءلة بعضهم بعضاً عمّا جرى عليهم في الدنيا وعن السبب الذي ساقهم إلى الجنّة، كما يقول:
25 . (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ):
وأمّا ما هو مورد تساؤلهم فالآية التالية تكشف عنه :
26. (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) :
إنّهم كانوا قبل هذا المقام ـ يعني في الدنيا ـ يعيشون الخوف من لقاء هذا اليوم العظيم، الذي يصدّقون به، وأنّهم كانوا يعملون الأعمال الصالحة بيد أنّهم كانوا حذرين خائفين على أنفسهم من العاقبة لشعورهم بالتقصير. وهذا هو شأن المتّقين الذين وصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام)بقوله: «لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ. فَهُمْ لاَِنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ»، ثمّ ذكر (عليه السلام)من علامات المتّقي، أنّه: «يَعْمَلُ الاَْعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَل» (1).
ولمّا علِم منهم سبحانه ذلك الإشفاق تفضّل عليهم بأن نجّاهم من العذاب، كما قال :
27. (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ):
أي شملتنا رحمة الله فوقانا العذاب المُحرق. وأُريد بالسموم هنا لَفْح جهنم .

1 . نهج البلاغة: الخطبة 193 .

صفحه 90
28. (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ):
أي كنّا مؤمنين برحمة الله تعالى ولطفه في الدنيا ونعلم أنّه المُحسن الكريم الواسع الرحمة. فظاهر قوله: (نَدْعُوهُ)أنّهم كانوا يبتهلون إلى الله سبحانه بالدعاء ويسألونه النجاة من النار والفوز بالجنة، وقد استجاب الله تعالى دعاءهم.
سورة الطور: الآيات 29 ـ 43    
وحصيلة الآيات: أنّ أهل الجنة بعدما استووا على سررهم يسأل بعضهم بعضاً عن الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن الأمر الذي سبّب فوزهم، فأجابوا بأنّ الفوز بالجنة رهن أمرين:
1. الخوف والإشفاق من لقاء هذا اليوم الذي لا يأمنون فيه من العذاب، إلاّ بفضل الله تعالى.
2. الابتهال إلى الله تعالى، متمسّكين باسميه تعالى: (الْبَرُّ الرَّحِيمُ) .
فكان ثمرة هذين الأمرين، الفوز بنعم الجنّة.

الآيات: التاسعة والعشرون إلى الثالثة والأربعين

(فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِن وَلاَ مَجْنُون * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ

صفحه 91
خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَان مُبِين * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

المفردات

الكاهن: الذي يحترف الكِهانة، وهي على المشهور ادّعاء الاستمداد من الجنّ في الإخبار عن الغيب.
نتربّص: التربّص: الانتظار بالشيء.
رَيب: يستعمل تارة بمعنى الشكّ كما في قوله: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ)(1) وأُخرى بمعنى الحوادث، يقول الراغب: ريب الدهر: صروفه.(2)
المنون: الموت والمنيّة، كما في «المفردات»(3)، وإليه يشير قول أبي ذؤيب:
أمِنَ المنون ورَيبها تتوجّعُ *** والدهر ليس بمُعْتب من يجزعُ
أحلامهم: الحِلم: العقل.

1 . البقرة: 2.
2 . المفردات للراغب:205، مادة «ريب».
3 . المفردات للراغب:475، مادة «منن».

صفحه 92
مَغرم (بفتح الميم): الالتزام بالغرامة.
مثقلون: أي مُحمَّلون أثقالاً .

التفسير

تشير هذه المجموعة من الآيات إلى مواقف المشركين الدالّة على التخبّط والعناد، من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ودعوته إيّاهم إلى التوحيد والإيمان بيوم الجزاء، كما تشير إلى معاذيرهم الّتي التجأوا إليها في ردّ الدعوة، وهي تبلغ ستة عشر عذراً، قسم منها يرجع إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث اتّهموه بتهم لو كانت صادقة ـ ولن تصدق ـ صارت أعذاراً لردّ الدعوة. والقسم الآخر يرجع إلى أفكارهم السقيمة وآرائهم الفاسدة التي حالت بينهم وبين قبول الدعوة .
وفي الحقيقة تستهدف الآيات بمجموعها توبيخهم وتقريعهم والتنديد بهم، فابتدأ البيان القرآني بذكر ما اتّهموا به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الكهانة والجنون ثم نفاها عنه بضرس قاطع فقال:
29. (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِن وَلاَ مَجْنُون):
أي استمِر في دعوتك، ولا تكترث لأقاويلهم فلست أنت بكاهن ولا مجنون بلطف ربك وفضله، وكيف تكون كاهناً أو مجنوناً وأنت أمين الله في الأرض على رسالته؟
ثم بدأ البيان القرآني بعرض المعاذير المتصوَّرة لهم، والتي تسوّغ لهم عدم الإيمان، وهي كما قلنا تناهز الستة عشر عذراً واهياً، ذكرها القرآن

صفحه 93
الكريم مع نقدها وردّها، وهذا النوع من الصياغة أمر فريد في القرآن .
30. (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ):
لمّا تقدّم قوله إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)منزّه عن الكهانة والجنون بفضل ربه ولطفه، ذكر العذر الأوّل من أعذار المكذّبين وهو أنّهم كانوا يصفون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه شاعر يتكلّم من نسج الخيال ونحن ننتظر موته، فإذا مات تخبو دعوته ونستريح منه.
والله سبحانه يردّ قولهم هذا بأنْ يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ يقول لهم:
31 . (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) :
أي انتظروا فأنا أيضاً من المنتظرين وسوف تعلمون; هل أنا شاعر أتكلم من نسج الخيال أو أنا نبي أنذركم من الله سبحانه، ويتحقّق ذلك عندما يواجهون عذاب الآخرة.
وهذا يدلّ على عجز القوم عن مقابلة دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّهم هُزموا هزيمة نكراء، فلم يجدوا محيصاً إلاّ باللجوء إلى فكرة خيالية سقيمة وهي أنّه شاعر كسائر الشعراء يموت ذكره بموته.
32 . (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ):
تشتمل هذه الآية على العذرين الثاني والثالث من أعذار المشركين، والمعنى: أتأمرهم عقولهم باختلاق هذا الافتراء وهو أنّه شاعر، أو أنّ كلامهم هذا من نسج الخيال؟ وكيف يكون شاعراً مع أنّ معجزته الكبرى، بعيدة كلّ البعد عن الشعر؟ وهذا يدلّ على أنّ عذرهم هذا وليد النفسية

صفحه 94
الخاصّة التي يحملونها والتي يقول عنها تعالى: (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)، أي إنّ الذي حملهم على ذلك الافتراء هو مجاوزتهم للحق وإسرافهم في الظلم والمعاصي. وإلاّ فهم يعلمون أنّ كلامه ليس شعراً ولا النبي كاهناً، لكن الطغيان المسيطر عليهم هو الذي حملهم على الإنكار .
قال الشريف الرضيّ (رحمه الله): وهذه استعارة أي إن كانوا حلماء عقلاء ـ كما يدّعون ـ فكيف تحملهم أحلامهم وعقولهم على أن يرموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالسحر والجنون، وقد علموا بُعده عنهما ومباينته لهما؟ وهذا القول منهم سفه وكذب، وهاتان الصفتان منافيتان لأوصاف الحلماء ومذاهب الحكماء.(1)
وخرج قوله سبحانه: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا)مخرج التبكيت لهم والإزراء عليهم. ونظير هذا الكلام قوله سبحانه حاكياً عن قوم شعيب (عليه السلام): (يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا )(2).
33 و 34. (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ):
هذا هو العذر الرابع أي إنّ هؤلاء يتّهمون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالتقوّل والافتراء على الله أي لا صلة لدعوته بالله، ثم يُعرض سبحانه عن تلك الفكرة ويقول: إنّ الأساس لهذه التهمة أنّهم لا يؤمنون بدعوته لأغراض خاصّة، فلهذا صاروا يرمونه بتلك الفرية، فالقول بأنّه اختلق هذا القرآن من تلقاء نفسه

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 269 .
2 . هود: 87 .

صفحه 95
عذر ظاهري والحقيقة أنّهم غير مؤمنين بالله سبحانه، فصار ذلك وسيلة لنحت الأعذار لردّ دعوته.
ثم ردّ الله تعالى تهمة (التقوّل) الموجَّهة إلى رسوله، وقال: إنّهم لو كانوا صادقين في اتّهامهم، فليأتوا بمثل كتابه في خصائصه من حيث الهداية والأُسلوب والبيان، كما يقول: (فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)وقد تحدّى القرآن الكريم أكثر من مرّة مشركي قريش ـ بل عامّة البشر ـ وعلى رأسهم بلغاء العرب وفصحاؤهم حتى أنّه تحدّاهم بأن يأتوا بسورة واحدة من سور القرآن الكريم، فلم يستطع أحد منهم ذلك .
ويمكن أن تكون الآية ردّاً لجميع المعاذير من أنّه كاهن، ومجنون، وشاعر، فإنّ كلام هؤلاء قابل للمعارضة مع أنّه كلام ممتنع عنها.
إلى هنا تمّت المعاذير التي يرجع لبُّها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي تُهم ألصقوها به، وبعد ذلك وصل الدَّور إلى بيان المعاذير الّتي تتعلق بحالتهم النفسية ومستواهم الفكري.
35 . (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ):
والآية اشتملت على العذرين الخامس والسادس، وفي تفسير الأُولى منهما وجهان كلاهما محتملٌ:
الأوّل: أنّ المشركين يتصوّرون أنّهم خلقوا من طينة والآخرون من طينة أُخرى، فترفّعوا بذلك عن الأمر والنهي وقبول الدعوة، وعلى هذا يكون معنى الآية: أخُلقوا من غير شيء خُلق منه غيرهم من البشر، فلذلك اختلفت تكاليفهم؟

صفحه 96
الثاني: أن يقال: أنّهم يتصوّرون أنّهم خُلقوا بلا علّة ولا خالق، ولذلك لا مبرِّر لأمرهم بشيء ولانهيهم عن آخر.
لكنّ الفقرة التالية تؤيد الاحتمال الثاني، أعني قوله: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)أي أنّهم صاروا سبباً لوجودهم، فعلى هذا فالفقرتان تدوران على المعنيين التاليين:
1. وجُدوا من دون علّة.
2. وُجدوا بعلّة وهي أنفسهم.
فإن قلت: الاحتمال الثاني لا ينطبق على عقيدة المشركين، فإنّهم كانوا ينسبون خلق السماوات والأرض إلى الله سبحانه، كما قال: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ )(1).
وقد أجاب عن ذلك صديقنا الراحل الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله)في تفسيره وقال: إنّهم من الوجهة النظرية يعترفون بأنّ الله هو خالق كلّ شيء، ولكنّهم من الوجهة العملية يتصرّفون تصرّف مَن لا يؤمن بالله ولا يعترف بوجوده.. بل يدلّ تصرّفهم على أنّهم يدّعون الخلق والربوبية.. وإلى هذا يومئ قوله تعالى: (بَلْ لاَ يُوقِنُونَ)، وينطبق هذا الوصف على الكثير من الذين يدّعون الإيمان بالله واليوم الآخر في زماننا .(2)
وكما أنّ الاحتمال الثاني في الفقرة الأُولى لا ينطبق على معتقدهم فهكذا الفقرة الثانية، لأنّه لا يوجد بين المشركين مَن يعتقد بأنّه الخالق لنفسه. والجواب عن الجميع ما مرّ من البَون الشائع بين العقيدة والعمل .

1 . العنكبوت: 61 .
2 . التفسير الكاشف: 7 / 168 .

صفحه 97
36 . (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ):
اشتملت الآية على العذرين السابع والثامن، وهما: هل أنّهم خَلقوا العالم كلَّه فصاروا أرباباً وآلهة فيكونوا أعلى وأنبل من أن يُكلَّفوا بتكاليف العبودية؟
وممّا تقدّم يتّضح أنّ الآيتين ضمّتا حججاً ثلاث لرفضهم الدعوة النبوية والتكاليف الإلهية، وهي جميعاً تكمن في أنفسهم، ويمكن عرضها في وجوه ثلاثة:
1. أنّهم وُجدوا من غير علّة ولا سبب، فلا خالق ولا ربّ لهم ليكلّفهم بالتكاليف.
2. أنّهم وُجدوا من جانب أنفسهم، فلا موجود فوقهم حتى يكلّفهم بها.
3. أنّهم هم الذين خلقوا السماوات والأرض، فلا يتعلّق بهم تكليف، لكونهم أرباباً وآلهة.
وعلى جميع الاحتمالات هم بمنأى عن التكليف، إذ على الاحتمال الأوّل لا خالق ولا مدبّر، وعلى الاحتمال الثاني فالخالق هم أنفسهم، وعلى الثالث هم الآلهة والمدبّرون.
ثم يعود البيان القرآني إلى القول بأنّ كلّ ذلك أعذار واهية تقمّصوها، وفي الحقيقة أنّ ثمّة سبباً آخر أفضى بهم إلى التكذيب والافتراء على الرسالة وصاحبها، وهو (بَلْ لاَ يُوقِنُونَ)، فلأجل عدم معرفتهم بالله حقّ المعرفة وعدم تدبّرهم في دلائل النبوة لم يمتثلوا أمره تعالى، ولم يقرّوا بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 98
نبيّ مرسَل إليهم من ربّه.
37 . (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ):
تشير الآية إلى العذرين التاسع والعاشر، وهما :
الأوّل: تصوير أنّ خزائن رزقه تعالى عندهم فينحلُون النبوة مَن شاءوا، ويمسكونها عمّن شاءوا، ولذلك منعوك من ذلك الرزق المعنوي.
الثاني: أنّهم المسيطرون على خزائن نعم الله تعالى، فلذلك يتمكّنون من سلب ما رزقك الله من نعمة النبوة.
والفرق بين العذرين واضح، ففي الأوّل يعدّون أنفسهم مالكين لخزائن الله، ومنها النبوة، وفي الثاني يعترفون بأنّ خزائن الرزق عند الربّ ولكن لهم السيطرة عليها، ومن ثمّ يستطيعون أن يسلبوا النعمة التي أنعم الله بها على من شاء من عباده.
38. (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَان مُبِين):
أشار سبحانه في هذه الآية إلى العذر الحادي عشر المتصوَّر لهم، وهو أنّهم يدّعون أنّ النبي شاعر أو كاهن، فهل لهم سلّم صعدوا فيه إلى السماء واطّلعوا على الوحي فوجدوا فيه ذينك الوصفين للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فلو صحّ ذلك، فليأت من صعد هذا السلم واستمع، وليشهد، ثم ليأت على صدق كلامه بسلطان مبين وحجّة باهرة وبرهان قاطع.

صفحه 99
39 . (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ):
ثم أشار سبحانه إلى إحدى مقولاتهم الّتي تكشف عن سفَه عقولهم وانحطاط أفكارهم حيث يزعمون أنّ الملائكة إناث وأنّها بنات الله، واختاروا لأنفسهم البنين، وهو أمر عجيب لأنّهم كانوا يئدون بناتهم ومع ذلك يزعمون أنّ الملائكة بنات الله تعالى!! وهذا هو العذر الثاني عشر لهم، ولا يوجد دليل أوضح من ضعف وتهافت هذا العذر، لأنّ الله سبحانه ليس بجسم ولا جسمانيّ ولم يتخذ ولداً لا ذكراً ولا أُنثى، وإنّما العجب أنّهم ينسبون إليه ما يستاؤون منه.
40 . (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ):
أي لعلّ من وجوه إعراضهم هو أنّك تسألهم أجراً على إبلاغك إيّاهم رسالة الله تعالى، فيشتدّ عليهم دفعه، فيتصوّرون الأجر مغرماً حُمّل عليهم، وهذا هو العذر الثالث عشر.
وهذا أيضاً من البطلان بوضوح، فإنّ من شعار الأنبياء ـ من أوّلهم إلى خاتمهم ـ عدم سؤال الأجر، إخلاصاً منهم لدعوتهم، وتفانياً من أجلها، وتعبيراً عن تنزّههم عن المطامع والمآرب الشخصية، فكلّ واحد منهم يهتف: (وَ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)(1).
41 . (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ):
إنّ ما يصفون به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الكهانة والشعر والافتراء على الله كلّها

1 . الشعراء: 109، 127، 145، 164، 180.

صفحه 100
أُمور غيبية، فمن أين وقفوا على ذلك؟ فهل عندهم علم الغيب بأنّ ريب المنون سيمحي كلّ ذلك؟ وهذا كلّه غيب فمن أين أتيتم به؟ فهل عندكم كتاب كتبت فيه الحوادث وأنتم كتبتموه؟ وهذا هو العذر الرابع عشر من الأعذار المتصوَّرة لهم .
42 . (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ):
هذا هو العذر الخامس عشر، وهو أنّ هؤلاء يعلمون أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)نبي مرسل من الله سبحانه، ولكنّهم يمكرون به بما يرمونه به من الكهانة والجنون والشعر والتقوّل على الله حتى يصرفوا الناس عن الإيمان به، وهذا كيد منهم وحيلة، ولكنّهم غافلون عن نتيجة كيدهم، وهو ما أشار إليه بقوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ)ويفسّره قوله سبحانه: (وَ لاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ)(1).
فهؤلاء الكفرة سيقعون في حبالة كيدهم في المستقبل.
43 . (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ):
سورة الطور: الآيات 44 ـ 49    
هذا هو العذر السادس عشر لهم، وهو هل أنّ لهم إلهاً غير الله سبحانه، على حقيقة معنى الإلهية (الذي لا ينفكّ عن الخلق والتقدير والتدبير)، حتّى يسوِّغوا لأنفسهم التحرّر من مسؤولية الالتزام أمام الله سبحانه بالطاعة والانقياد لأمره ونهيه والاستجابة لدعوة رسوله؟! كلاّ.. فإنّ مجرّد تصوّر الإلهين أمر محال (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فقد دلّت البراهين على امتناعه.

1 . فاطر: 43 .

صفحه 101

الآيات: الرابعة والأربعون إلى التاسعة والأربعين

(وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ * فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لاَ يُغْني عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ* وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ).

المفردات

كسفاً: جمع الكِسْفة، وهي القطعة من الشيء.
مركوم: متراكم.
يُصعَقون: يهلكون، وهو كقوله تعالى: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ)(1)، أي خرُّوا ميّتين.

التفسير

44. (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) :
بلغ عناد القوم ومكابرتهم حدّاً لو أنّهم رأوا بعض ما سألوه من

1 . الزمر: 68 .

صفحه 102
العذاب، كما لو شاهدوا سقوط قطعة من السماء لكذبوا كون ذلك عذاباً وتلقوه سحاباً متراكماً، كما قال: (يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ)!! وهذا يدلّ على أنّ العناد أضحى سجيّة لهم، بحيث يسوقهم إلى نكران الحقائق المرئية!! وهو كقوله سبحانه: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)(1)، فمن بلغ عناده إلى حدِّ أن يصف العروج إلى السماء سحراً، فلا يُرجى صلاحه وإيمانه، ولذلك أُمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بما في الآية التالية:
45. (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ):
أي اتركهم بحالهم فإنّهم لا ينتبهون من نومة العناد والجهل إلاّ في اليوم الذي فيه يهلكون، وأمّا ما هو المراد من اليوم الذي يصعقون فيه أي يهلكون؟ ففيه وجوه:
1. يومهم الذي يموتون فيه، أي دعهم إلى يوم موتهم، والمراد عدم الجدوى في الإصرار على إيمانهم، إذ لا يهتدون; ثم إنّ هؤلاء إمّا يموتون بموتهم الطبيعي، أو بالهلاك في يوم بدر وغيره .
2. المراد هو اليوم الذي يُنفخ فيه في الصور لإماتة كلّ الأحياء، قال سبحانه: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ)(2).
فإن قلت: إنّ هذه الآية ناظرة إلى الأحياء قبل النفخ فيموتون بعده، وأمّا مشركو مكّة فهم أموات حين النفخ؟

1 . الحجر: 14 ـ 15 .
2 . الزمر: 68 .

صفحه 103
قلت: الظاهر أنّ المراد إماتة جميع مَن في الدنيا من الأحياء ومَن في البرزخ، وهؤلاء ـ مشركو مكة ـ أحياء في البرزخ.
3. المراد يوم القيامة، ويشهد له أمران:
الأوّل: قوله سبحانه: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ) (1)، فاليوم الموعود هو يوم القيامة.
الثاني: الآية التالية:
46. (يَوْمَ لاَ يُغْني عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ) :
ولو أُريد ذلك فلابد أن يُفسّر الإصعاق بغير الموت، نظير قوله سبحانه: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا)(2) أي مغشيّاً عليه من هول ما رأى(3).
فيكون المراد: اليوم الذي يفزعون فيه، فهؤلاء لا يجدون يومذاك نصيراً ولا معيناً ولا ينفعهم كيدهم الذي اتّخذوه ذريعة للإنكار، إذ عندئذ تنكشف الحقائق وتظهر البواطن على نحو لا يستطيع معه إنسان أن يكابر أو يكيد أو ينكر، فاليوم الذي لا يغني عنهم فيه كيدهم، ليس إلاّ يوم القيامة، فيكون قرينة على أنّ المراد باليوم الذي فيه يصعقون، هو ذلك اليوم.
47. (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) :

1 . المعارج: 42 .
2 . الأعراف:143.
3 . مجمع البحرين: 5/202، مادة «صعق».

صفحه 104
أي أنّ لهؤلاء الظالمين عذاباً آخر وراء يوم القيامة، غير أنّ أكثرهم غافلون عنه. وهذا العذاب الموعود به أدنى من عذاب الآخرة، يقول سبحانه في آية أُخرى: (وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(1)، وعلى هذا يكون المراد هو الأخذ بالقحط والجوع قبل يوم بدر، فقد كانت لهم سنين كسنيّ يوسف(عليه السلام)، والشاهد على أنّ هذا العذاب يتحقّق في الحياة الدنيوية هو قوله سبحانه: (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، فإنّ ترجّي الرجوع إلى الإيمان إنّما يصحّ في الحياة الدنيا.
هذا إذا قلنا بأنّ كلتا الآيتين ناظرتان إلى معنى واحد، وإلاّ فيمكن أن تكون تلك الآية ناظرة إلى عذاب القبر، ويشهد لذلك قوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) فلو كان المراد هو سنيّ الجوع والقحط، فكلّهم كانوا غير عالمين بها.
48. (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ):
وفي ختام السورة يأمر الباري تعالى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمرين:
الأوّل: الصبر في طريق تبليغ النبوة، فإنّ ممارسة الجهاد لا تنفك عن الأذى، والصبر مفتاح الفرج، كما قال: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ)أي إمهاله سبحانه للكفّار والمكذّبين (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) أي بمرأى ومنظر منّا لا يخفى علينا شيء من حالك ولا نغفل عنك، ففي تعليل الصبر بهذه الجملة تأكيد للأمر بالصبر وتشديد للخطاب .(2)

1 . السجدة: 21 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 24 .

صفحه 105
وقيل: المراد بهذه الفقرة من الآية أنّك في حفظنا وحراستنا، وعلى هذا فالعين هنا وردت مجازاً عن الحفظ.
الثاني: الأمر بالتسبيح وتنزيه الحق. وفيه موردان:
أمّا الأوّل، فكما قال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) أي من منامك، أو من كلّ مجلس. وقيل: حين تقوم إلى الصلاة.
49. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ):
هذا هو المورد الثاني الذي وجهه الله لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث أمره بالتسبيح في وقتين:
1. الليل. 2. إدبار النجوم.
أمّا الأوّل: فلقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)، ولعلّ المراد به صلاة الليل التي لا تنفكّ عن التسبيح ، ويشهد لذلك قوله: (وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)(1)، ويحتمل أن يراد من التسبيح في الليل صلاة العشاء الآخرة.
وأمّا الثاني أي عند إدبار النجوم، أي اختفاؤها بضوء الصبح، فيحتمل أن يكون المراد فريضة الصبح أو نافلته، وهي ركعتان قبل الفريضة.
فإن قلت: ما هو الدليل على حمل التسبيح في الآية المتقدّمة على التنزيه والتسبيح، وحمله في الآية الأخيرة على الصلاة والعبادة؟
قلت: جاء التسبيح في الآية الأُولى مقيّداً بالقيام، والظاهر أنّه هو القيام

1 . الإسراء: 79 .

صفحه 106
من المجلس أو من المنام، وهذا أنسب بمعنى التنزيه، وقد روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إذا قام من مجلسه سبّح الله وحمده.
أمّا التسبيح في الآية الثانية، فإنّ الأمر به في الليل أو إدبار النجوم بنحو التوقيت، يناسب الصلاة مع اشتمالها على التنزيه أيضاً .
هذا، وقرئ «وَأدْبَارَ» بفتح الهمزة.
قال الشريف الرضيّ (رحمه الله): قرئ (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) بكسر الهمزة وهذه استعارة على القراءتين جميعاً، فمن قرأ بفتح الهمزة كان معناه: وأعقاب النجوم أي أواخرها إذا انصرفت، كما يقال: جاء فلان في أعقاب القوم أي في أواخرهم، وتلك صفة تخصّ الحيوان المتصرّف الذي يوصف بالمجيء والذهاب والإقبال والإدبار، ولكنّها استعملت في النجوم على طريق الاتّساع.
] و [ أمّا من قرأ وإدبار النجوم بالكسر فمعناه قريب من المعنى الأوّل، فكأنّه تعالى وصفها بالإدبار بعد الإقبال، والمراد بذلك الأُفول بعد الطلوع، والهبوط بعد الصعود.(1)
***
تمّ تفسير سورة الطور

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 269 ـ 270 .

صفحه 107
سورة النجم   

سورة النجم

(وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوَى * وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَ هُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرى * وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى * أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَ الْعُزَّى * وَ مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنّى * فَللهِ الآخِرَةُ وَ الأُولَى * وَ كَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ

صفحه 108
يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى * وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى * أَفَرَأَيْتَ الذِي تَوَلَّى * وَ أَعْطَى قَلِيلاً وَ أَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَ إِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الأُنْثَى * مِنْ نُطْفَة إِذَا تُمْنى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوح مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكَ تَتَمَارى * هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى *

صفحه 109
أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَ تَضْحَكُونَ وَ لاَ تَبْكُونَ * وَ أَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا للهِ وَ اعْبُدُوا).

صفحه 110
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «النجم» بحذف الواو.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها اثنتان وستون آية في عدّ الكوفي، وفي عدّ الجمهور إحدى وستون.
والسورة مكّية في رأي الأكثر، ويدلّ عليها صياغتها ومضامينها. وما نُسب إلى الحسن البصري أنّها مدنية شاذّ جدّاً.
وقد قيل: إنّها أوّل سورة قرأها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على المشركين والمؤمنين جميعاً في أوّل الدعوة العامّة.
ومن غُرر آياتها قوله تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) .
سورة النجم: الآيات 1 ـ 18   

أغراض السورة

تدور آيات السورة على محاور ثلاثة:
1. الإعلام بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ونزول الوحي عليه وأنّه صادق فيما يبلِّغه، وأنّ القرآن وحي من الله سبحانه إليه عن طريق جبرئيل.
2. أنّ الخلق والتدبير والإحياء والإماتة والإغناء والإقناء والإهلاك

صفحه 111
والتعذيب، كلّها بيد الله سبحانه.
3. الدعوة إلى الاعتقاد بالمعاد.

الآيات: الأُولى إلى الثامنة عشرة

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَ هُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى * لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى).

المفردات

النجم: النجم ـ كما يعرّفه علماء الفلك ـ : كرة ضخمة من غاز
متوهّج (كالشمس مثلاً)، والاختلاف الرئيسي بينه وبين الكوكب (كالأرض مثلاً أو المرّيخ) هو أنّ النجم يُنتج حرارته وضوءه، أمّا الكوكب فلا يقوم بذلك.
هوى: سقط ، أو مالَ.

صفحه 112
غوى: جَهِلَ، والغي: جَهلٌ من اعتقاد فاسد، وهو نقيض الرُّشد، فيكون المراد ما اعتقد باطلاً.
مِرّة: الشدّة في الفتل، ويطلق على الحصافة في العقل والرأي، والمراد هو الثاني، لتقدّم المعنى الأوّل في قوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)، قال الراغب: أمررت الحبل إذا فتلته، والمرير والممرّ المفتول، ومنه فلان ذو مرّة كأنّه محكم. وقال قطرب: العرب تقول لكلّ من هو جزل الرأي حصيف العقل: هو ذو مرّة.
فاستوى: أي استقام على صورته التي خلقه الله عليها.
الأُفق: الناحية، والجمع آفاق، ومنه يقال: آفاق السماء لنواحيها.
الأعلى: أي الناحية العليا من السماء، المقابلة للناظر.
دنا: قرب.
تدلّى: التدلّي: التعلّق بالشيء ويكنّى به عن شدّة القرب، وربما يفسَّر بالامتداد إلى الجهة السفلى، مأخوذاً من الدلو.
قابَ: قَدْر، ومقدار.
قوسين: قال الراغب: القوس ما يرمى عنه، ويقال: قوس، على الذراع في لغة أهل الحجاز.
تمارونه: تجادلونه.
نزلة: النزلة: المرّة من النزول.
سدرة: السدرة شجرة معروفة، والتاء للوحدة.
ولا نعرف من (سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) إلاّ أن عندها جنة المأوى، وعلى هذا

صفحه 113
يكون المراد: منتهى السماوات أو الحدّ الأقصى الّذي يبلغ إليه المخلوق ولو كان من الملائكة.
جنة المأوى: أي الجنة التي يأوي إليها المتّقون يوم القيامة.
يغشى: يغطي.
زاغ: مال عن الاستقامة.
طغى: جاوز الحدّ في العمل.

التفسير

1. (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى):
أقسم سبحانه بالنجم، والمراد به أحد أمرين:
الأوّل: أن تكون اللام فيه للجنس، فيراد به مطلق النجم فيشمل كافة النجوم التي هي من آيات عظمة الله سبحانه ولها أسرار ورموز يعجز الفكر البشري عن إدراكها والإحاطة بها.
الثاني: أن تكون اللام فيه للعهد، فالمراد به:
إمّا الشِّعْرى، التي جاء ذكرها في نفس السورة، قال تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى)(1)، وهي معروفة عند العرب وكانت خزاعة تعبدها.
أو الثُّريّا وهي مجموعة من سبعة نجوم، ستة منها لامعة يستطيع الناظر إلى السماء (بدون مِرقَب) رؤيتها بسهولة، والسابع خافت النور، وبه تُختبر

1 . النجم: 49 .

صفحه 114
قوّة البصر. وكان العرب يعرفون بزمان طلوعها مواقيت الفصول ونضج الثمار.
ونسبة الهويّ إلى النجم يرجّح القول بأنّ المراد به نجم معيَّن، وهو مردّد بين النجمين المذكورَين أو هو غيرهما .
2. (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوَى):
أقسم سبحانه بالنجم الذي يهتدي به الناس في الفيافي والقفار، والحلِّ والترحال، والسفر والحضر، والبرّ والبحر، أقسم بذلك مخاطباً المشركين من العرب بأنّ نبيهم محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ما ضلّ عن سبيل الحق، وما سلك سبيل الباطل، فقوله: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)وما عطف عليه، هو جواب القسم.
وقد عبّر سبحانه عن النبيّ بلفظ (صَاحِبُكُمْ) لإفهام أنّكم أيّها المشركون قد عشتم معه وعاش معكم عبر سنين، ووقفتم على سيرته، وعرفتم رجاحة عقله وسداد رأيه، ولم يكن لكم عليه من مأخذ وقد سمّيتموه بالصادق الأمين، فلا مجال لاتّهامه بالغواية والضلالة.
وقد جمع سبحانه بين الضلال والغيِّ ونفاهما عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والقرآن يطلق الضلالة في مقابل الهدى، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)(1) ويطلق الغيّ في مقابل الرُّشد، قال: (وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَة لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً )(2)

1 . المائدة: 105 .
2 . الأعراف: 146 .

صفحه 115
والمهم تبيين الفرق بين الضلالة والغواية؟
والظاهر: أنّ الضلالة عبارة عمّا إذا لم يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، ولكن الغواية عبارة عمّن يجد إلى مقصده سبيلاً، لكن لا على طريق مستقيم.
وعلى هذا فالضال كالكافر، والغاوي كالفاسق.(1) فالآية بصدد نفي الضلالة والغيّ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وردّ كل نوع من أنواع الانحراف ليردّ به التهم الموجهة إليه من جانب أعدائه .
وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، فالظاهر أنّ المراد من الهويّ هو الميل إلى الغروب لا الغروب، ولذلك ذكرنا في تفسير المفردات الميل، ومن المعلوم أنّ النجم إذا كان وسط السماء يكون بعيداً عن الأرض فلا يهتدي به الساري لأنّه لا يتميّز به المشرق عن المغرب ولا الجنوب عن الشمال، وأمّا إذا مال إلى أُفق المغرب (2) فتتبيّن به هذه الجهات، وبذلك تظهر الصلة، فكما أنّ النجم عند الهويّ والميل يهتدي به الساري، فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)هو مقباس هداية البشرية بكلامه وفعله وتقريره، وكما أنّه لا خطأ في هداية النجم لأنّها هداية تكوينية، فهكذا لا خطأ في هداية الوحي الموحى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وربما يقال في وجه الصلة: إنّ القرآن وحي من الله منزل من السماء

1 . تفسير الرازي: 28 / 180 .
2 . تبدو النجوم بالليل كأنّها تتحرّك عبر السماء، كما تفعل الشمس خلال النهار، وتأتي هذه الحركة من دوران الأرض لا من حركة النجوم. والنجوم ذاتها تتحرك، لكن حركتها لا يمكن رؤيتها لأنها بعيدة جدّاً عن الأرض. الموسوعة العربية العالمية: 25 / 228 .

صفحه 116
فشابه حالُ نزوله الاعتباري حال النجم في حالة هويّه مشابهة تمثيلية.
كما ربّما يقال: إنّ الصلة هي مشابهة حال نزول جبرئيل من السماوات بحالة نزول النجم من أعلى مكانه إلى أسفله .(1)
3 و 4. (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى):
المراد بالهوى هوى النفس ورأيها، والآية كأنّها مسوقة لدحض تهمة الافتراء والتقوّل على الله الّتي ألصقها المشركون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يقولون عن القرآن: (إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ )(2) ويقولون عنه: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا)(3) فالآية تنفي كون ما ينطق به نابعاً عن ميل النفس إلى ما تحبّه لا عمّا يقتضيه العقل السليم، ولذلك بعدما نفى كون كلامه صادراً عن الهوى أثبت ضدّه وقال: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى). وجملة (يُوحَى)صفة مؤكّدة لـ (وَحْيٌ)رافعة لاحتمال المجاز، مفيدة للاستمرار التجدّدي.(4)
وتسأل: هل الآية ناظرة إلى القرآن الكريم أو هي تشير إلى ما ينطق به(صلى الله عليه وآله وسلم)مطلقاً، فتعمّ حديثه أيضاً ؟
يظهر من بعض الأحاديث أنّها ناظرة إلى مطلق كلامه، ولذا ينبغي أن تُحمل على العموم.
روى أبو داود بإسناده عن عبدالله بن عمرو قال: كنت أكتب كلّ شيء

1 . التحرير والتنوير: 27 / 99 .
2 . الفرقان: 4 .
3 . الفرقان: 5 .
4 . روح المعاني: 27 / 46 .

صفحه 117
أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّ شيء تسمعه ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بشر يتكلّم في الغضب والرضى، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأومأ بإصبعه إلى فِيهِ فقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حقّ»(1).
وروى أحمد بإسناده عن أبي هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا أقول إلاّ حقّاً» قال بعض أصحابه: فإنّك تداعبنا يا رسول الله، قال: «إنّي لا أقول إلاّ حقّاً».(2)
ويؤكّد مضمون الروايات أنّ الآية تركّز على نطق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتقول: (وَمَا يَنْطِقُ)فهو يعمّ القرآن والحديث. وبعبارة أُخرى: إنّ الآية تحصر نطقه في وحي يوحى، فيلزم أن يكون كلّ ما ينطق به من الأُصول والفروع وحياً يوحى إليه من الله، لا من عقله وإدراكه.
نعم الفرق بين الحديث والقرآن أنّ القرآن وحيٌ بلفظه ومعناه، والحديث وحيٌ بمعناه دون لفظه.
5. (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) :
لمّا أشاع المشركون قولهم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ )(3)، أو أنّه من الأساطير التي اكتتبها كما في قوله تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ

1 . سنن أبي داود: 3 / 318 برقم 3646. ورواه أحمد في مسنده: 2 / 162; والدارمي في سننه:1 / 125، باب من رخّص في كتابة العلم.
2 . مسند أحمد: 2 / 34 .
3 . النحل: 103 .

صفحه 118
بُكْرَةً وَ أَصِيلاً)(1) ،عاد البيان القرآني إلى ردّ هذه التهم ببيان مصدر الوحي ومن هو معلّم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)أي علَّمه ملَك شديد القوى، أي القويّ في تنفيذ ما يأمره الله سبحانه به، وأكثر المفسّرين على أنّ المراد به هو جبرئيل، والذي وصفه بذلك أيضاً في آية أُخرى وقال: (ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين)(2)، ويكفي في قوته أنّه اقتلع قرى قوم لوط من الأرض ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، كما أنّه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين.
ولو نسبت هذه الحوادث في بعض الآيات إلى الله سبحانه كقوله: (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)(3) فإنّما هو بالتسبيب، فبما أنّ جبرئيل مأمور أمين، ففعلُه فعل الله سبحانه.
6 و 7. (ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَ هُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى):
ثم إنّ الوحي على أقسام ذكرها سبحانه في قوله: (وَ مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَـهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(4) فالإيحاء تارة يكون من الله إلى النبي بلا واسطة ملَك، وهذا من أفضل أقسامه كما في بعض الروايات، وأُخرى من وراء حجاب، وثالثة بإرسال ملَك فيوحي بإذن الله إلى نبيه .

1 . الفرقان: 5 .
2 . التكوير: 20 .
3 . هود: 82 .
4 . الشورى: 51.

صفحه 119
أمّا الوحي بلا واسطة فهو قليل، والوحي من وراء حجاب فهو من خصائص موسى، والغالب هو الوحي عن طريق أمين الوحي أعني جبرئيل(عليه السلام).
ثم إنّ الإيحاء بواسطة الملَك تارة يكون بتمثّل الملَك بصورة البشر، وهذا هو الأكثر، وأُخرى بظهوره في صورته الواقعية ولم يتحقّق ذلك إلاّ مرّتين: الأُولى في أوائل البعثة والثانية في المعراج، أمّا الأُولى فيشير إليها قوله سبحانه: (ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى)أي ذو حصافة في العقل أو قوّة في الفعل، والمراد باستوى: استقام، والمعنى أنّه استقام للنبيّ على صورته الحقيقية (وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى) من السماء، حيث ملأ الأفق بخَلقه العظيم، فالضمير المتصل في (فَاسْتَوَى)والمنفصل أعني (وَهُوَ) يرجع إلى جبرئيل الذي دلّ عليه (شَدِيدُ الْقُوَى)، حسب سياق الآيات.
8 و 9 و 10. (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى):
فلمّا ظهر له بالأفق الأعلى أخذ يدنو من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)أي يزيد في القرب والنزول، لأنّ معنى التدلّي التعلّق بالشيء ويكنّى به عن شدّة القرب، إلى أن صارت الفاصلة بين جبرئيل والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مقدار قوسين أو أقرب، وفي هذه الحالة: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى).
وهل الضمير في قوله (أَوْحَى) يرجع إلى جبرئيل أو إلى الله سبحانه؟ فعلى الأوّل يكون معناه: فأوحى جبرئيل إلى عبدالله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ما أمر

صفحه 120
بوحيه إليه، وعلى هذا فالضمائر في الأفعال الأربعة أعني: «دنا، تدلى، فأوحى، ما أوحى» ترجع إلى جبرئيل.
وعلى الثاني يكون المعنى: أوحى الله على لسان جبرئيل إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ما أوحى.
والأوّل أقرب لأجل أنّ الضمير في «دنا» و «تدلى» يرجع إلى جبرئيل، فيكون قرينة على أنّ الضمير يرجع إليه .
وأمّا الثاني فوجهه أنّ نسبة الوحي إلى الله هي الأمر الرائج وأمّا نسبته إلى جبرئيل فليس كذلك.
وحصيلة الآيات: أنّه دنا من رسول الله شيئاً فشيئاً حتى تدلّى نازلاً مقترباً إليه، فلم يكن بينه وبين الرسول فاصل إلاّ مقدار قوسين أو أقل، وعندئذ أوحى إلى رسول الله ما أمر بوحيه إليه أو أوحى الله على لسان جبرئيل إلى عبده(صلى الله عليه وآله وسلم).
11 و 12. (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرى):
ولمّا كان هناك توهُّم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تخيّل رؤية جبرئيل بصورته الواقعية عاد البيان القرآني إلى ردّ هذا التوهّم، والتأكيد على أنّ رسول الله رأى جبرئيل ببصره وقلبه تماماً كما خلقه الله، فلا العين أخطأت فيما رأت ولا القلب شكّ فيما رأت العين، بل أيقن وجزم بصدق ما رأى.
قال الشريف الرضيّ: قوله سبحانه: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى): وهذه استعارة، والمراد ـ والله أعلم ـ أنّ ما اعتقده القلب من صحّة ذلك المنظر الذي نظره والأمر الذي باشره لم يكن عن تخيّل وتوهُّم بل عن يقين وتأمُّل، فلم

صفحه 121
يكن بمنزلة الكاذب من طريق تعمّد الكذب ولا من طريق الشكوك والشبه.(1)
وبما أنّ المشركين كانوا يُخطّئون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في رؤية جبرئيل ويكذّبونه ويجادلونه، نزل الوحي مندِّداً بهم وقال: (أَفَتَُمارُونَهُ عَلَى مَا يَرى)أي أتجادلونه فيما رآه بعينه من صورة جبرئيل؟
هذه هي المرّة الأُولى الّتي رأى النبيُّ فيها أمينَ الوحي في صورته الواقعية، وكانت ـ كما قلنا ـ في صدر البعثة، وأمّا المرّة الثانية فكانت في حادثة الإسراء والمعراج، الّتي اشتُهر أنّ الآيات التالية تشير إليها:
13 و 14و 15. (وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) :
لمّا كان المشركون يردّون رؤية جبرئيل، والنبي في أرض مكّة، ذكر سبحانه رؤية ثانية له هي أعظم من تلك الرؤية الأُولى، حيث قال: (وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرى) أي مرّة أُخرى في مكان آخر إذ رآه (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) .
فالرائي هو النبي الخاتم والمرئيّ هو أمين الوحي وموضع الرؤية هو سدرة المنتهى، والله يعلم ما هي حقيقة تلك السدرة التي ينتهي إليها نظام الخلق، وهي فوق السماوات.
ولعلّ إضافة السدرة إلى المنتهى لبيان أنّ هذا هو الحدّ الذي لا تتجاوزه المخلوقات، أي ليس لهم طاقة التجاوز.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 271 .

صفحه 122
ثم إنّه سبحانه وصف سدرة المنتهى بوصف إجمالي فقال: (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) أي عند السدرة (جَنَّةُ الْمَأْوَى) أي الجنة التي هي مأوى المتّقين، فالجنة آخر درجة يرتقي إليها المتّقون من الأنبياء والأولياء والصدِّيقين والشهداء.
16 و 17 و 18. (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى):
لاشكّ في أنّه سبحانه أجمل الكلام في تعريف السدرة ولم يذكر عنها شيئاً سوى القول أنّ السدرة يغشاها ما يغشى، فما هو المراد بذلك؟
ولعلّ المراد أنّه يوجد عندها عجائب من آثار قدرة الله وعظمته ما لا يبلغه وصف ولا يحدّه عقل، ويشهد لذلك قوله في الآية الثامنة عشرة: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى).
ويحتمل أن يُراد حجاب الذات الإلهية المقدّسة، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)خرق كلّ الحجب إلاّ الحجاب بينه وبين الله تعالى.
قوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى)أي ما حاد بصر النبي عن الواقع ولا تجاوزه، فكلّ ما رآه من بدء المعراج إلى آخره، كان حقّاً وصدقاً .
فقد وصف بصره بوصفين:
الأوّل: (مَا زَاغَ)أي ما مال بصره إلى مرئيّ آخر .
الثاني: (مَا طَغَى)أي ما تجاوز الحدّ.
قال الشريف الرضي(رحمه الله) حول الآية: إنّ البصر لم يمِل عن جهة المبصر إلى غيره، ميلاً لم يدخل عليه به الاشتباه حتى يشك فيراه.

صفحه 123
«ولا طغى» أي لم يتجاوز البصر ويرتفع عنه فيكون مخطئاً لإدراكه، ومتجاوزاً لمحاذاته.
وتلخيص المعنى: أنّ البصر لم يقصر عن المرئيّ فيقع دونه، ولم يزد عليه فيقع وراءه، بل وافق مضمونه ولم يتجاوز موقعه. وأصل الطغيان طلب العلو والارتفاع من طريق الظلم والعدوان، وهو في صفة البصر خارج على المجاز والاتّساع.(1)
قوله تعالى: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى): أي عاين في رحلة المعراج الّتي بلغ فيها سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى.. عاين أُموراً تُعدّ من آيات الله الكبرى وعجائب ملكوته.
قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى : (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى): وروي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «رأيت على كلّ ورقة من أوراقها ملكاً قائماً يسبِّح الله عزّ وجلّ»(2).
وقد جرينا في تفسير الآيات على ظاهر سياقها، ولكن يوجد في الروايات ما يوجب تفسير الآيات بغير ما ذكرنا، وذلك بإرجاع الضمائر إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنه ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن علي بن الحسين (عليهما السلام)في حديث طويل: «أنا ابن من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى، فكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى»(3).
والظاهر من الخطبة رجوع الضمائر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دون جبرئيل .

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 271 .
2 . مجمع البيان: 9 /292; تفسير نور الثقلين: 5 / 156 .
3 . الاحتجاج: 2 / 390 .

صفحه 124
وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لما عُرج بي إلى السماء دنوت من ربي عزّ وجلّ حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى».(1)
وقد جاء هذا المضمون في روايات أهل السنّة، حيث قال السيوطي في «الدر المنثور»: أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد قال: لمّا أُسري بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)اقترب من ربّه فكان قاب قوسين أو أدنى، قال: ألم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر؟(2) وبهذا المضمون روايات أُخرى في ذلك المصدر.
وبما أنّ هذه الروايات متضافرة عند الفريقين، فاللازم تفسير الآيات بكلا الوجهين من دون اتّخاذ موقف حاسم، إلاّ بدليل قاطع.
سورة النجم: الآيات 19 ـ 23   

الآيات: التاسعة عشرة إلى الثالثة والعشرين

(أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَ مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) .

1 . الأمالي: 352، المجلس 12، برقم 727 / 67 .
2 . الدر المنثور: 7 / 645 .

صفحه 125

المفردات

اللاّت والعُزّى ومَناة: أصنام كان العرب يعبدونها، أمّا الأُولى فكانت لثقيف بالطائف، وأمّا الثانية فكانت لغطفان، وأمّا الثالثة فكانت لهذيل وخزاعة.
ضِيزى: على وزن فُعلى (وإنّما كُسر أوّله لتسلم الياء)، مشتق من قولهم: ضازه حقَه، إذا نقصه.
سلطان: حجّة وبرهان.

التفسير

لمّا تقدّم أنّ ما ينطق به صاحبهم (محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)) صادر عن الوحي الذي أبصره بعينه وتيقّنه بقلبه، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قد وقف على حقيقة بيّنةً مشرقة بما عاين في عروجه إلى السماوات من آيات ربه الكبرى... لمّا تقدّم كلّ ذلك الذي يدلّ على أنّ ما يدعوهم إليه من التوحيد ونفي الشركاء قائم على اليقين الذي لا يمكن أن تتطرّق إليه الشكوك والظنون، فرّع عليه الكلام في الأصنام الثلاثة الّتي كانوا يعبدونها، مندِّداً بتلك العقيدة الزائفة التي لا تستند إلى أيّ دليل أو برهان، وإنّما إلى الظنون والأوهام، فقال:
19 و 20. (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَ الْعُزَّى * وَ مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى):
الظاهر أنّ الرؤية هنا رؤية علمية، والمعنى: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، وتزعمون أنّ اللاّت والعزّى ومناة الموصوفة

صفحه 126
بالثالثة الأُخرى أي الوضيعة المقدار، ويدلّ على أنّ المراد من الأُخرى هي النازلة درجة قوله سبحانه: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ)(1)، أي قال الأدنون لرؤسائهم وأشرافهم، فكأنَّ التقدّم كان للأوّلَين، وكانت مناة في الدرجة المتأخّرة.
21. (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الأُنْثَى):
يقول سبحانه على وجه الإنكار عليهم: إنّكم نسبتم إلى الله تعالى الأُنثى التي لا ترضونها، واخترتم لأنفسكم ما ترضونه، فصارت الأُنثى له، والذكر لكم، وقد حكاه عنهم بقوله: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا)(2).
22. (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى):
أي قسمة ناقصة غير تامّة، جائرة غير عادلة، حيث جعلتم له ما لا تحبّونه، كما قال سبحانه في آية أُخرى: (وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ)(3).
ومن المعلوم أنّ الآية ليست بصدد تجليل الذَّكر أو إذلال المرأة والحطّ منها، بل هي بصدد التنديد بقضائهم المخالف لمقاييسهم الّتي تواضعوا عليها، حيث إنّهم يحبّون الذكر ويكرهون الأُنثى، فعند التقسيم يختارون لأنفسهم ما يحبّون، ويجعلون لله ما يكرهون، فهذه هي القسمة الضيزى، وإلاّ فالذكر والأُنثى عند الله سواء، وإنّما المزيّة بالتقوى.

1 . الأعراف: 38 .
2 . الإسراء: 40 .
3 . النحل: 62 .

صفحه 127
23. (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) :
فليس لهذه الأصنام حظّ ولا نصيب من الأُلوهية إلاّ الأسماء الّتي أنتم سمّيتموها بها، وهي مجرّدة عن المعاني ولا تعبّر عن حقيقة، وهي لا تستحقها لأنّها حتى لو اجتمعت على أن تخلق ذباباً لما استطاعت.
قوله: (مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)أي لم ينزل الله كتاباً لكم فيه حجّة على ما تدّعونه، فأنتم في تسمية هذه الأصنام بالآلهة تصدرون عن الظنون وعمّا تميل إليه نفوسكم، لا عن علم ويقين، كما قال: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ)، ومن المعلوم أنّ بين هوى النفس وإصابة الواقع بُعد المشرقين. ولعلّ المراد من هوى النفس هو الاقتداء بمسلك الآباء.
ثمّ بيّن أنّه ليس ثمة ما يسوِّغ لهم اتّباع الظنّ والهوى، والحال أنّه قد جاءهم ما يدلّهم على الحق ويكشف لهم عن سُقم تصوّراتهم، أو كما قال: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)فكان عليهم أن يتّبعوا ما جاء من ربّهم من أعلام الهدى، وأن يستضيئوا بآياته الكبرى.

بحث في الوحي النبويّ

الوحي ـ لغةً ـ هو الإشارة أو الإعلام بخفاء بطريق من الطرق. والمهمّ في هذا المقام هو تفسير الوحي النبويّ.
فنقول: الوحي النبوي، عبارة عن إدراك خاص متميّز عن سائر الإدراكات، وليس هو نتاج الحسّ ولا الغريزة ولا العقل، وإنّما هو شعور

صفحه 128
خاص لا نعرف حقيقته، وهو شعور يغاير الشعور الفكري المشترك بين أفراد البشر كافّة، وأثره أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يغلط في إدراكه ولا يشتبه ولا يختلجه شكّ ولا يعترضه ريب في أنّ الذي يوحي إليه هو الله سبحانه بلا واسطة أو بواسطة ملَك، فهو في إدراكه لا يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل أو إقامة حجّة، وإلاّ لخرج عن كونه وحياً وصار من أقسام العلم الاكتسابي عن طريق القوّة النظرية.
وأفضل تعريف للوحي ما ورد في قوله سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)(1) فالآيتان تشيران إلى أنّ الذي يتلقّى الوحي من الروح الأمين هو نفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) التي عبّر عنها «بقلبك» من غير مشاركة الحواس الظاهرة التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأُمور الجزئية، فالنبي يرى ويسمع حينما يوحى إليه من غير أن يستعمل حاسّتي البصر والسمع ولا يستعمل القوى الإدراكية العقلية.
ولهذا يسند الأنبياء تعاليمهم إلى هذا النوع من الإدراك الذي لا مصدر له، إلاّ عالِم الغيب وخالق الكون سبحانه.
وبما أنّا نفقد هذا النوع من الإدراك فإنّه لا يمكننا أن ندرك كنهه بل يجب الإيمان به كما هو شأن كلّ أمر غيبي لا يحيط الإنسان المادّي بحقيقته، وإنّما يذعن به عن طريق المخبر الصادق، قال سبحانه: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ)(2) .
وحصيلة الكلام: الوحي حصيلة الاتّصال بعالم الغيب ولا يصح

1 . الشعراء: 193 ـ 194 .
2 . البقرة: 3.

صفحه 129
تفسيره بأدوات المعرفة ولا بالأُصول التي تجهّز بها العلم الحديث في الحضارة المادّية الحديثة.
نعم كلّ من لم يذعن بعالم الغيب ويتصوّر أنّ الوجود مساوق للمادة والطاقة، يشكل عليه قبول الوحي وتفسيره.
نعم هؤلاء الذين اتّخذوا لأنفسهم موقفاً مسبقاً في سعة الوجود وضيقه، وسعة أدوات المعرفة وضيقها، عجزوا عن إدراك الوحي بصورة متميّزة عن الإدراكات البشرية، ولذلك حاولوا تحليله بأُصول مادّية حتى يسهل لهم تصديق الأنبياء وعدم اتّهامهم بتعمّد الكذب.
ولأجل الجمع بين تخصيص الوجود بالمادة ونفي ما وراءها وبين تصديق الأنبياء بإخبارهم عن الغيب، جاءوا بفروض مختلفة: فتارة يدقّون باب النبوغ ويرون الوحي نوع من النبوغ الخاص بالأنبياء، وأُخرى يرونه نتيجة ظهور الشخصية الباطنية للرسول، فتلهمه بما ينفعه وينفع قومه، إلى غير ذلك من الفروض التي لا تنطبق على حقيقة الوحي.
وكنّا قد فصلنا الكلام في ذينك الفرضين في محاضراتنا في الإلهيات، فمن أراد التوسع والوقوف على آراء المنكرين ونقدها فليرجع إليها.(1)

أُسطورة الغرانيق

قد عرفت أنّ الوحي الإلهي لا يخطئ الواقع قيد شعرة ولا أقلّ من ذلك، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا ينسى ولا يشتبه، وبذلك تقف على أنّ ما حوته كتب التفسير والتاريخ من أُسطورة الغرانيق، فكرة سقيمة وخرافة أدخلها

1 . الإلهيات: 3 / 131 ـ 151 .

صفحه 130
المستسلمون من أهل الكتاب في كتب الحديث والتاريخ، وفي مقدّمة هذه الكتب تفسير الطبري، وإليك ما جاء فيه:
روى بإسناده عن محمد بن كعب القرظي، قال: لمّا رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تولّي قومه عنه، وشقّ عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من
الله، تمنّى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسرّه مع حبّه قومه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما غلظ عليهم من أمرهم، حتى حدّث بذلك نفسه وتمنّاه وأحبّه، فأنزل الله عزّوجلّ: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) فلما انتهى إلى قوله: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالعُزّى * وَمَناةَ الثّالثَةَ الأُخرى) ألقى الشيطان على لسانه، لِما كان يحدّث به نفسه ويتمنّى أن يأتي به قومه : «تلك الغرانيق العُلى، وإنّ شفاعتهنّ تُرتَضى». فلمّا سمعت ذلك قريش فرحوا وسرّهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدّقون نبيّهم فيما جاءهم به عن ربّهم ولا يتّهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل، فلمّا انتهى إلى السجدة منها وختم السورة، سَجَد فيها، فسجد المسملون بسجود نبيّهم... وسجد من في المسجد من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلاّ سجد إلاّ الوليد بن المغيرة، فإنّه كان شيخاً كبيراً فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرّق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم... فأتى جبريل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا محمد، ماذا صنعت؟! لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عزّ وجلّ وقلت ما لم يقل، فحزن رسول الله عند ذلك حزناً شديداً.. فأنزل الله عزّ وجلّ: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا

صفحه 131
نَبِيّ إِلاّ إِذا تَمنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكيمٌ)(1)، فأذهب الله عزّوجلّ عن نبيّه الحزن...(2)
هذه الأُسطورة رواها الطبري في تفسيره، وفي تاريخه، وردّدها المستشرقون، وهي باطلة تماماً، فالعقل يحكم بأنّ المرشدين الذين يبعثهم اللّه تعالى إلى البشرية، مصونون من أي خطأ وزلل، حتى لا تزول ثقة الناس بهم وبأفكارهم. والقرآن يشهد ببطلانها أيضاً، فكيف تمكّن الشيطانُ من الانتصار على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وسرّب إلى القرآن شيئاً باطلاً، فيصبح القرآن الذي يعادي الوثنية ويحاربها، داعياً إلى عبادتها، والقرآن يؤكّد: (إنّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطان)(3)، (إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)؟!(4)
وعلى هذا فالرواية موضوعة، وما ورد فيها باطل لم ينطق به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يجرِ على لسانه.
لنفترض أنّ «محمّداً» لم يكن نبياً مرسلا، ولكن هل يمكن لأحد أن ينكر ذكاءه وحنكته، وفطنته، ورجاحة عقله؟
فهل لعاقل فَطِن محنَّك لبيب مثله، أن يفعل مثل هذا؟!

1 . الحج: 52 .
2 . جامع البيان (تفسير الطبري): 10 / 237 ـ 238، رقم 25330; وتاريخ الطبري: 2 / 75 ـ 76. وروى نحوها في تفسيره المذكور، الأرقام: 25329 ـ 25337.
3. الحجر:42.
4. النحل:99.

صفحه 132
سورة النجم: الآيات 24 ـ 30   
إنّ الذكىّ اللبيب الّذي يجد أنصاره يتكاثرون ويتزايدون يوماً بعد يوم وتقوى صفوفهم أكثر فأكثر بينما تتفرقُ صفوفُ أعدائه ومناوئيه ويتناقص معارضوه وخصومُه، هل يقدم، في مثل هذه الحالة، على عمل يوجب أن يسيء الجميعُ ظنَّهم به، ويشك الصديق والعدوُّ في أمره؟!
هل تصدّق أنت أيها القارئ الكريم أنّ رجلا ترك جميع الأموال والمناصب الّتي عرضتها قريش عليه، في سبيل دينه الحنيف وعقيدة التوحيد، أن يصبح مرّة أُخرى من دعاة الشرك، ومروّجي الوثنية؟؟!
إنّنا لن نصدّق بمثل هذا الاحتمال في حقّ مصلح أو سياسي عادي من الساسة والمصلحين، فكيف برسول الله ونبيّه العظيم؟
وبما أننّا استوفينا الكلام في تلك الأسطورة، وذكرنا بطلانها من جهات مختلفة، نحيل القارئ إلى محاضراتنا المطبوعة باسم «سيد المرسلين»(1).
وبذلك تقف على أنّ مؤلّف كتاب «الآيات الشيطانية» ـ أعني: المرتدّ «سلمان رشدي» ـ قد بنى جنايته على التاريخ في مورد النبي وأزواجه، على مثل هذه الخرافات والأساطير، فلا شكّ أنّ الرجل مرتدّ يجب أن تطبق عليه أحكام الارتداد، إلاّ أنّ الذنب يعود إلى الكتب المؤلّفة في العصور الغابرة والتي تطبع لحد الآن بلا تحقيق وتمحيص والتي يتّخذها الجاهلون أو المعاندون مصدراً لأكاذيبهم وافتراءاتهم .

1 . سيد المرسلين: 1 / 489 ـ 498 .

صفحه 133

الآيات: الرابعة والعشرون إلى الثلاثين

(أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنّى * فَللهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى * وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَـنْ يَشَـاءُ وَيَـرْضَى * إِنَّ الَّـذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى).

التفسير

تقدّم في الآيات السابقة شيء من عقائد المشركين في أُلوهية الأصنام الثلاثة، وإيثار أنفسهم بالبنين ونسبة الإناث إلى الله تعالى، إلى غير ذلك من الآراء الباطلة التي هي أشبه ما تكون بالأُمنيات، فأشار سبحانه إلى ذلك في الآيات التالية، وقال:
24. (أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنّى):
أي ليس للإنسان أن ينال ما يتمنّاه لمجرّد التمنّي، و (أم) هنا منقطعة

صفحه 134
والاستفهام إنكاري، فليس كلّ ما يتمنّاه الإنسان وتشتهيه نفسه سيحصل في الواقع، فلربّما يكون أمراً محالاً ـ كما في المقام ـ حيث جعلوا الأصنام الصامتة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها أنداداً لله وشركاء له سبحانه وتعالى، فليس للإنسان ما يتمنّاه، بل:
25. (فَللهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى):
والمراد بالآخرة العالم الأُخروي وبالأُولى العالم الدنيوي، أي أنّ دائرة الوجود من الأوّل والآخر لله سبحانه فلا يشاركه شيء في ملكه ولا ينازعه أحد، في شؤونه وليس له شريك في شأن من الشؤون حتى العبادة، فلا معبود سواه. وبما أنّ المشركين كانوا يبرّرون عبادتهم للأصنام بكونها وسيلةً لهم إلى الله، (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) (1) ردّ عليهم البيان القرآني بأنّ الشفاعة بيد الله سبحانه، ولا شفيع إلاّ بإذنه، فلا مسوِّغ لعبادتهم لها، إذ لو كانت الشفاعة بأيديهم لكان لعملكم مسوِّغ، والحال أنّها بيده سبحانه، كما قال:
26. (وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى):
قوله: (كَمْ) مبتدأ، خبره: (لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُمْ).
إنّما الكلام في قوله: (لِمَنْ يَشَاءُ)ففيه وجهان:
1. أنّ الجار والمجرور متعلّق بقوله: ( شَفَاعَتُهُمْ)وعندئذ يصير

1 . يونس: 18 .

صفحه 135
المعنى: لن تغني شفاعتهم شيئاً إلاّ في حق من شاء الله ورضي الشفاعة في حقّه. فيكون المقصود من الموصول في قوله: (لِمَنْ)هو المشفوع له لا الشفيع.
2. إن الجار والمجرور متعلّق بقوله: ( يَأْذَنَ اللهُ)وعندئذ يكون المراد من الموصول هو الشفيع، أي لا شفيع إلاّ من أذن له أن يشفع .
والوجه الثاني خيرة السيد الطباطبائي حيث قال: المراد بقوله: (لِمَنْ يَشَاءُ)الملائكة، ومعنى الآية: وكثير من الملائكة في السماوات لا تؤثر شفاعتهم أثراً إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء منهم أي من الملائكة ويرضى بشفاعته(1)، ويؤيده أنّ الآية بصدد نقد عقيدتهم في الأصنام حيث كانوا يثبتون لها حق الشفاعة، فعاد البيان القرآني لردّ مزعمتهم، إذ لا شفيع إلاّ بإذن الله .
ومع ذلك فالظاهر هو الأوّل، لأنّ قوله: (مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ)نظير قوله سبحانه: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى)(2) ولاشكّ أنّ الموصول فيه أُريد به المشفوع له لا الشفيع.
وأمّا قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(3). فالموصول فيه ظاهر في الشفيع.
27. (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى) :

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 39 ـ 40 .
2 . الأنبياء: 28 .   3 . البقرة: 255 .

صفحه 136
تشير الآية إلى بعض عقائدهم الفاسدة التي وصفها القرآن بأنّها من أُمنيّاتهم الباطلة، ومنها تسميتهم الملائكة بنات الله عزّ وجلّ، ونبّهت إلى أنّ الذي حملهم على اختلاق هذا الإفك على الله سبحانه، هو إنكار البعث وعدم التصديق بالحساب والجزاء، ولذلك قال: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)، وكأنّ تلك التسمية وإنكار البعث في الشناعة بمنزلة سواء.
28. (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا):
بنى المشركون عقيدتهم في الله سبحانه وصفاته وأفعاله على الظنّ، وأُريد به مجرّد التخرّص والتخمين لا الظنّ بمعنى ترجيح أحد الطرفين على الآخر، ويدلّ على ذلك أنّه سبحانه أردف الظن تارة بهوى النفس، وقال: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى الأَنْفُسُ) فهوى النفس هو سبب اتّباع الظنّ، وأُخرى بالتخرّص، وقال: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(1). وقال أيضاً : (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(2) فمجموع الآيات يشهد على أنّهم لم يعتمدوا في عقيدتهم على أساس يفيد الاطمئنان بل يتّبعون تخرّصاتهم وتخميناتهم، وربما رأوا صوراً جميلة للملائكة على جدران الكنائس والبِيَع، فصار ذلك سبباً للاعتقاد بأنّهم إناث. ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الظنّ لا يغني من الحق شيئاً.
فإن قلت: أقام الأُصوليون دلائل متقنة على حجّية الظنّ في الفروع

1 . الأنعام: 116 .
2 . الزخرف: 20 .

صفحه 137
واستنباط الاحكام، فإذا كان الظنّ غير مغن عن الحق، فكيف أغنى الفقهاء عن الحق في مقام الاستنباط؟
قلت: المراد من الظنّ في الكتب الأُصولية هو الاطمئنان النوعي الذي يُعدّ علماً في العُرف، وعليه تدور رحى الحياة بين العقلاء، فإنّهم لا يصدرون في حياتهم الاجتماعية أو الانفرادية إلاّ عن الاطمئنان، فإنّ العلم المنطقي ـ أعني: الاعتقاد الجازم ـ قليل في الحياة، فكم من فرق بين الظنّ المفيد للاطمئنان وبين التخرّص والظنّ الذي لا يعتمد إلاّ على وجوه خيالية.
وربّما يجاب بأنّ الأدلّة القاطعة على حجّية الظنّ خصَّصت عموم قوله تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) لكنّه بعيد لأنّه آب عن التخصيص، بحيث يُعدّ تخصيصه أمراً مستهجناً.
29 . (فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا):
لما بيّن سبحانه عقائدهم الفاسدة وأبطلها ببيان واضح أمر النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالأعراض عنهم وهجرهم هجراً جميلاً وقال: (فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)أي عن ذكر الله سبحانه (وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا). ومن المعلوم أنّ من يؤثر الحياة الدنيا ويُخلد إليها ويجعل مُقتنياتها وملذّاتها مدار اهتمامه.. أنّ مثل هذا لا يقتنع بالأدلّة الباهرة، ولا يقبل الهداية والإرشاد، فبذلُ الجهد والوقت معه ومع أمثاله لا يجدي نفعاً. وما أعجب كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأبعدَ غرضه، حينما يذكر الدنيا فيقول في صفتها: «وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ،

صفحه 138
وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ»(1).
سورة النجم: الآيتان 31 ـ 32   
30. (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) :
يعني أنّ أمر الدنيا ـ الّتي أكبّوا عليها ولم يعتنوا بما وراءها ـ كان هو منتهى عقليتهم وشعورهم، وهو مبلغ خسيس لا يرضى به عاقل لنفسه، لأنّه من صفات الكائنات غير العاقلة التي تأكل ولا تفكّر في العواقب، فالحيوان غالباً لا يفكّر إلاّ في حياته اليوميّة، ولذا ورد في الدعاء المأثور: «اللّهم لا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا»، ثم يعود البيان القرآني فيؤكّد على أنّ الأمر بالتولّي عنهم ليس بمعنى تركهم سدى بل: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ): أي بمن جارَ وعدلَ عن سبيل الحق الذي هو سبيل الله (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى)إلى سبيل الله وصراطه المستقيم، وسوف يجازي كلا الفريقين على حسب أعمالهم.

الآيتان: الحادية والثلاثون والثانية والثلاثون

(وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 82 .

صفحه 139
أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى).

المفردات

اللَّمم: قال الراغب: اللمم: مقاربة المعصية، ويعبَّر به عن الصغيرة. ثم ذكر له معنى ثالثاً وقال: فلان يفعل كذا لمّاً، أي حيناً بعد حين.(1)

التفسير

لما تقدّم في الآية السابقة أنّه سبحانه أعلم بمن سلك طريق الإيمان وبمن حاد عنه، وكان التساوي بينهما يوم البعث على خلاف العدل، كيف وقد قال سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(2)، جاءت الآية التالية لبيان ذلك:
31. (وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنى):
واللام في قوله:(وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ)للمُلكية، أي يملك ما في السماوات ويملك ما في الأرض، وحاشا أن تكون ملكيته ملكية تشريعية كملكية الإنسان لما في يده، بل إنّه سبحانه يملك الكون جميعاً ملكية تكوينية معتمدة على الخلق والإيجاد، فبما أنّه خالق فهو مالك، ومن المعلوم أنّ تدبير المملوك بيد المالك، فالله سبحانه بما أنّه موجد

1 . المفردات: 454، مادة«لم» .
2 . القلم: 35 ـ 36 .

صفحه 140
فهو مالك وبما أنّه مالك فهو مدبِّر، ومن حُسن التدبير عدم التساوي بين المطيع والعاصي، والمحسن والمسيء، ولذلك يقول: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا)فالجزاء بالعقاب على مقدار الجرم، وأمّا جزاء المحسن فيكون بالمثوبة الحسنى.
وحاصل الكلام: أنّ جزاء المسيء يكون جزاءً عادلاً بمقدار إساءته وأمّا جزاء المحسن فهو جزاء مضاعف بأفضل ما عمل، قال سبحانه: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَ هُمْ مِنْ فَزَع يَوْمَئِذ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(1).
وهذا تفضّل من الله سبحانه حيث يجزي المسيء بما يقتضيه عمله، بينما يضاعف جزاء المحسن بأكثر من عمله.
وبذلك ظهر أنّ اللام في: (لِيَجْزِيَ) ـ التي هي لام الغاية ـ تتعلّق بصدر الآية، حسب ما قرّرنا من أنّ الصدر كناية عن كونه سبحانه خالقاً ومدبّراً، وأنّ المجازاة وفق العمل من لوازم التدبير.
32. (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى).
لمّا سبق قوله سبحانه: (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنى) عاد البيان

1 . النمل: 89 ـ 90 .

صفحه 141
القرآني إلى تعريف المحسنين الذين يُجزَون بالمثوبة الحسنى، فعرّفهم بأنّهم عبارة عن: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ) .
فيقع الكلام في أُمور ثلاثة:
1. ما هو المراد من الكبائر؟
2. ما هو المراد من الفواحش؟ ولماذا خصّها بالذكر؟
3. ما هو المراد من اللمم؟ (وإن مرّت عليك المعاني الثلاثة له في تفسير المفردات).
أمّا الكبائر: فربما يقال: إن تقسيم المعصية إلى الصغيرة والكبيرة، تقسيم حقيقي، بمعنى أنّ بعضها كبيرة حقيقة، وبعضها الآخر صغيرة كذلك. وهذا هو الظاهر من الشيخ الطوسي في المبسوط .(1)
ولكنّه عدل عن ذلك في تفسيره التبيان، حيث قال: والمعاصي ـ عندنا ـ كلّها كبائر، غير أنّ بعضها أكبر من بعض، فقد تكون المعصية كبيرة بالإضافة إلى ما دونها، وقد تكون صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها.(2)ووافقه الطبرسي في تفسيره (3)، وهو خيرة ابن إدريس الحلّي في السرائر.(4)
هذا وقد اختلفوا أيضاً في عدد الكبائر، فبعضهم على أنّها سبع، وآخرون على أنّها عشر، وجماعة على أنّها عشرون، وجماعة رابعة على أنّها

1 . المبسوط: 8 / 217 .
2 . التبيان: 9 / 432 .
3 . مجمع البيان: 3 / 70 .
4 . السرائر: 2 / 118 .

صفحه 142
أربع وثلاثون، ذكر تفصيلها السيد جواد العاملي في «مفتاح الكرامة» (1) .
كما أنّهم اختلفوا في وصف الكبيرة، على الأقوال التالية:
1. ما توعّد الله عليه بالنار بخصوصه.
2. ما أوجب الله عليه النار.
3. كلّ ذنب توعّد الله عليه العقاب في الكتاب العزيز.
4. كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّاً، أو صرح فيه بالوعيد.
5. كلّ معصية تؤذن بقلّة اكتراث فاعلها بالدين .
6. كلّ ذنب عُلمت حرمته بدليل قاطع.
7. كلّ ما توعّد عليه توعّداً شديداً في الكتاب والسنّة .(2)
وقد عقد الشيخ الحر العاملي في كتاب الجهاد من «الوسائل» باباً لتعيين الكبائر التي يجب اجتنابها، ونقل فيه ما يناهز الـ 37 حديثاً(3)، وفيها الاختلاف الشديد في عدد الكبائر، ولا محيص في مقام الجمع بين الأخبار الدالّة على عدد الكبائر من القول بأنّ الكبائر تختلف شدّة وضعفاً، فالرواية التي اقتصرت على (سبع) تضمنت الأفحش منها، وهكذا سائر الروايات، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «أحكام صلاة الجماعة».(4)
وأمّا الفواحش، فالمراد بها الذنوب الشنيعة الفظيعة، وقد عدّ تعالى

1 . مفتاح الكرامة: 5 / 1055 .
2 . مفتاح الكرامة: 5 / 1054 .
3 . لاحظ: الوسائل:ج11، الباب46 من أبواب جهاد النفس.
4 . أحكام صلاة الجماعة: 502 ـ 503 .

صفحه 143
منها الزنا واللواط، قال تعالى: (وَ لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَ سَاءَ سَبِيلاً)(1).
وقال تعالى: (وَ لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)(2)، والظاهر أنّ الفواحش قسم من الكبائر أي أكبرها.
وأمّا اللّمم، فقد عرفت معانيه الثلاثة في كلام الراغب، وممّا ورد في تفسيره عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ما رواه الكليني بإسناده إلى أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)قال: «اللمّام العبد الذي يلمّ بالذنب بعد الذنب ليس من سليقته، أي من طبيعته»(3).
ويؤيّده ما روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: «قد يلمّ المؤمن بالشيء الذي ليس فيه مراد»(4)، أي ليس من طبعه .
وهذا يناسب ما ورد في اللغة من معنى اللّمم، يقال: زيارتُه إلمام، أي قليلة.
وممّا يؤيّد كون اللّمم هو الصغيرة من المعاصي، أنّه سبحانه أهمله ولم يذكره في سورة الشورى، حيث قال: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)(5).
وكأنّ الإلمام بالصغيرة من لوازم نوع الإنسان المؤمن، وإنّما يجتنب

1 . الإسراء: 32.
2 . النمل: 54 .
3 . أُصول الكافي: 2 / 442، باب اللَّمم، الحديث 5 ; وتفسير نور الثقلين: 5 / 162.
4 . علل الشرائع:2/490 ح1، الباب240; تفسير نور الثقلين: 5 / 162 .
5 . الشورى: 37 .

صفحه 144
عنها الأنبياء والأولياء. ثم إنّه استثنى اللمم وعلّله بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ)، وهي تَسَعُ الذنوب، قال سيد الساجدين علي بن الحسين (عليه السلام)، وهو يتضرّع إلى ربّه تعالى: «أتوب إليك في مقامي هذا، توبة نادم على ما فَرَط منه،.. عالم بأنّ العفو عن الذنب العظيم لا يتعاظَمُكَ، وأنّ التجاوز عن الإثم الجليل لا يستصعُبكَ، وأنّ احتمال الجنايات الفاحشة لا يَتَكأّدُك».(1)
يُذكر أنّ استصغار المعصية، حتّى ولو كانت صغيرة، يُعدّ جرأة على الله واستخفافاً بأمره تعالى، ومن هنا قال الإمام علي (عليه السلام): «أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ».(2)
ثم أشار سبحانه إلى سعة علمه بأحوال الناس منذ بدأ خلقهم من الأرض إلى أن صاروا أجنّة في بطون الأُمهات وقال : (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ)وإنشاؤهم من الأرض باعتبار أنّ النطفة والبيضة، اللتين هما مبدأ خلق كلّ إنسان، من الأغذية الّتي منشؤها الأرض (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)أي عند كونكم أجنّة في الأرحام، فالله سبحانه هو خالق الإنسان، وهو يعلم ما يُكنّه، وعلى هذا: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)أي لا تمدحوها بما ليس لها فالله أعلم بها.
قيل: إنّ الآية نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يعملون أعمالاً حسنة، ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجّنا (3). والظاهر أنّ هذا غير صحيح، لأنّ السورة مكّية حتى قيل إنّها أوّل سورة جهر بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقرأها على

1 . الصحيفة السجادية: دعاؤه في الاعتراف. ومعنى (لا يتكأدُك): لا يشقُّ عليك.
2 . نهج البلاغة: قصار الكلم، 476 .
3 . روح المعاني: 27 / 64.

صفحه 145
المشركين، وآنذاك لم يوجد مصلٍّ أو صائم حتى يزكّوا أنفسهم بالعمل، اللّهم إلاّ أن تكون الآية مدنية وضعت أثناء السورة بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وعلى كلّ تقدير فالآية تتضمن أمرين:
أ. سعة علمه تعالى بحقيقة كلّ إنسان منذ نشوئه من الأرض إلى
ولوجه في الأرحام، فذَكر من مواقف وجوده موقفين لاختلافهما ذاتاً وجوهراً، فمن نشوئه من أطعمة الأرض إلى ولوجه الأرحام وتغذّيه عن طريق دم الأُم.
ب. النهي عن تزكية النفس، فإنّ تزكية المرء نفسه صفة ذميمة جدّاً، وهي إنّما تنشأ من عدم معرفة النفس، إذ لو عرف الإنسان نفسه لعلم أنّ وجوده وكذلك عمله الحسن، صغير جدّاً أمام عظمة الخالق، وأنّ عمله ليس شيئاً يمتّ إليه بصلة، وإنّما هو من نعم الله سبحانه.
روى الصدوق عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)في حديث طويل قال: «لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته وصيامه وزكاته ونسكه، لأنّ الله أعلم بمن اتّقى منكم» (1).
نعم يستثنى من تزكية النفس ما إذا خلت من الرياء والرغبة في الاستعلاء، وترتَّب عليها الصلاح خصوصاً للمجتمع، فهذا هو يوسف الصدِّيق (عليه السلام)يقول للملِك: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(2)، وهذا هو الإمام علي (عليه السلام)يكتب إلى معاوية ويقول: «وَلَوْلاَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ

1 . تفسير نور الثقلين: 5 / 165 .
2 . يوسف: 55 .

صفحه 146
تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ»(1).
وهذا هو الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) قد صعد المنبر في المسجد الأُموي وعرّف بنفسه وآبائه وأجداده والبيت الذي نشأ فيه، فأحدثت خطبته ضجّة بين الحاضرين حتى صارت سبباً لانقلاب الأمر على يزيد، فأطلق سراح الأسرى وأعادهم إلى مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
سورة النجم: الآيات 33 ـ 41   

الآيات: الثالثة والثلاثون إلى الحادية والأربعين

(أَفَرَأَيْتَ الذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى).

المفردات

أكدى: قطَع العطاء، من قولهم حَفَر فأكدى، إذ بلغ إلى كُدْية أي صلابة في الأرض، فلم يمكنه الحفر.
وِزْر: الوِزر: الثِّقْل، تشبيها بوزر الخيل، ويعبر بذلك عن الإثم، لأنّه عبء ثقيل على ظهر الإنسان .

1 . نهج البلاغة: قسم الكتب والرسائل، برقم 28 .

صفحه 147
الوازرة: مَن يتحمَّل الوِزر، جاءت بصيغة التأنيث لكونها وصفاً للنفس.

التفسير

اشتملت الآيات السابقة على أُصول إسلامية هي من مُحكَمات العقل العملي (الأخلاق) وهي:
1. كلّ إنسان مسؤول عن عمله.
2. ليس للإنسان إلاّ سعيه وكدحه.
3. كلّ إنسان مجزيّ بعمله.
وسنشرح هذه الأُصول المستفادة من الآيات، بعد أن ننقل شيئاً من أقوال المفسّرين في شأن نزولها: قال جماعة من المفسّرين : نزلت في عثمان، كان يعطي ماله عطاء كثيراً، فقال له أخوه من أُمّه (عبدالله بن سعد بن أبي سرح): يوشك أن يفنى مالك، فأمسكْ، فقال له عثمان: إن لي ذنوباً أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء، فقال له أخوه: أنا أتحمّل عنك ذنوبك إن تعطني ناقتك مع كذا، فأعطاه ما طلب وأمسك يده عن العطاء.
وقال بعضهم : نزلت في الوليد بن المغيرة، جلس عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسمع وعظه، وأثّرت الحكمة فيه تأثيراً قويّاً، فقال له رجل: لمَ تترك دين آبائك؟ ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمّل عنك أوزارك، فأعطاه بعض ما التزمه، وتولّى عن الوعظ وسماع الكلام من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)

1 . تفسير الرازي: 29 / 11.

صفحه 148
وقال آخر: نزلت في النضر بن الحارث، وقال غيره: نزلت في العاص بن وائل السهمي.
وظاهر السياق يشعر بنزولها ردّاً على ما كانوا يتخرّصونه، ويتحكّمون فيه على الغيب لجاجاً وجهلاً، (1) ولكنّ الأقوال المتقدّمة الّتي تتحدّث عن نزولها في الأشخاص المذكورين لا تستند إلى دليل قويّ، ولذا فالأحرى أن تؤخذ الآيات بمفهومها الشموليّ.
وعلى كلّ تقدير فما يهمّنا في هذا المقام، هو ما يستفاد من هذه الآيات:
33 ـ 35. (أَفَرَأَيْتَ الذِي تَوَلَّى * وَ أَعْطَى قَلِيلاً وَ أَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى):
أي أعلمتَ شأن هذا الذي أعرض عن اتّباع الهدى، وقيل: عن الإنفاق(2)(وَأَعْطَى قَلِيلاً) من ماله (لمن ادّعى أنّه يتحمّل عنه خطاياه) لكنّه قطع عطيّته بعد ذلك وأمسك أشدّ الإمساك، كما قال (وَأَكْدَى)، وكأنّه كان يعلم بأنّ صاحبه يتحمّل عنه ذنوبه ويعذَّب مكانه يوم القيامة، ولذا وبّخه سبحانه بقوله: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ)أي هل أُوتيه ليدفع عنه العقاب، (فَهُوَ يَرى)أي يشاهد أُمور الغيب.
36 ـ 38 . (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الذِي

1 . انظر: تفسير القاسمي: 15 / 252.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 45 .

صفحه 149
وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) :
قوله تعالى:(أَمْ) انتقال من تعجّب إلى تعجّب آخر، وفي الحقيقة انتقال من إنكار إلى إنكار، أي هبْ أنّهم لم يؤمنوا بما أُنزل على نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)فهلاّ يرجعون إلى الشرائع السماوية الرائجة في الجزيرة العربية، فلو رجعوا إلى صحف موسى وإبراهيم لعلموا أنّه لا تحمل نفس إثم نفس أُخرى، وإليه أشار بقوله: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ)أي لم يُخبَر (بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى)التي كانت موجودة بأيدي اليهود، وهم يخالطون اليهود في ربوع الجزيرة، حتى كانوا يعترضون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بقولهم: (لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى)(1)، وهذا يدلّ على مخالطتهم ومعاشرتهم اليهود، (وَإِبْرَاهِيمَ)أي صحف إبراهيم(عليه السلام)المنتشرة بين العرب، ثم وصف إبراهيم(عليه السلام) بقوله: (الذِي وَفَّى)ولعلّ المراد به إتمام الكلمات التي ذكرت في قوله سبحانه: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ)(2).
ثم إنّه قدّم في المقام صحف موسى(عليه السلام) على صحف إبراهيم(عليه السلام)، وعكس في سورة الأعلى وقال: ( صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)(3) والظاهر أنّ تأخير موسى(عليه السلام) في سورة الأعلى هو رعايةً لفواصل الآيات لأنّها كلّها على الألف المقصورة، قال سبحانه: ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)(4) إنّما الكلام في تأخير صحف إبراهيم(عليه السلام) في المقام.

1 . القصص: 48 .
2 . البقرة: 124.
3 . الأعلى: 19 .
4 . الأعلى:1.

صفحه 150
وعلى كل تقدير فالآيات تندّد بهذا المتولّي الممسك وتخاطبه بالقول: ألم يُخبَر بما أنزل الله في التوراة وفي صحف إبراهيم(عليه السلام): (أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)أي لا يحمل أحد ثقل الآخر ووزره؟
وليست هذه الآية هي الوحيدة في القرآن، بل تكرّرت في صور شتى، قال سبحانه: (وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاَّ عَلَيْهَا وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(1).
إنّما الكلام في وجود مفاد الآية في التوراة الرائجة، ففي سفر التثنية: لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كلّ إنسان بخطيئته يقتل(2).
هذا كلّه حول الأمر الأوّل، وأمّا الأمر الثاني ـ أعني: أنّه ليس لكلٍّ إلاّ سعيه ـ فقال:
39 و 40. (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى):
أي يرى كلّ إنسان عمله يوم القيامة، كما قال: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَرًا وَ مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء)(3)، وللذكر الحكيم تعبير جامع عن هذه الرؤية وهو قوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ)(4).

1 . الأنعام: 164، ولاحظ سورة الإسراء: 15، فاطر: 88 ، والزمر: 7.
2 . سفر التثنية: 24 / 16 .
3 . آل عمران: 30 .
4 . الزلزلة: 7 ـ 8 .

صفحه 151
ثم إنّ الرؤية لا تنفكّ عن المثوبة والعقوبة، كما يقول:
41. (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى):
والمراد من الجزاء الأوفى الجزاء الذي لا ينقص ولا يزيد على العمل، هذا في العمل الطالح، وأمّا العمل الصالح فالمراد من الجزاء الأوفى هو كون المثوبة مضاعفة، كما قال سبحانه: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(1)، وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب)(2).

انتفاع الميّت بعمل الحيّ

يظهر من غير واحد من المسائل التي طرحها مؤلّفو الفقه على المذاهب الأربعة حصول الانتفاع للميّت بعمل الغير، ويدلّ على ذلك أنّه أجمع الفقهاء الأربعة على لزوم تنفيذ الوصية وقالوا: الميّت ينتفع بعمل الحيّ، وذهب الأكثر إلى أنّه إذا لم يوص الميّت ولكن تصدّى أبناؤه للقيام بعمل صالح نيابة عنه، صحّ ذلك عند الجميع ـ إلاّ مالكاً ـ وتظهر حقيقة ما ذكرنا في مسألة النيابة عن الحج، والذي دعانا إلى ما ذكرنا هو أنّ الوهابيين تمسّكوا بقوله سبحانه: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى)، بعدم انتفاع الميّت بعمل صالح يقوم به الغير، قائلين بأنّ القرآن قد حصر انتفاع الإنسان بالعمل الذي يقوم به بنفسه دون غيره فكيف ينتفع بما لم يسعَ فيه ؟

1 . الأنعام: 160 .
2 . غافر: 40 .

صفحه 152
أقول: إنّ الشبهة باطلة وتدل على ذلك الأُمور التالية:
1. صرّح سبحانه في الذكر الحكيم بأنّه يلحق الأبناء بالآباء في الجنة والدرجة بسبب إيمان الآباء لتقرّ أعين الآباء باجتماعهم معهم في الجنة، من دون أن ينقص ثواب الآباء بذلك، فعندئذ نسأل: لو كان معنى الآية هو ما فهمته الوهابية، فكيف انتفع الأولاد بإيمان الآباء من دون أن يقوم الأولاد بعمل في مقابل ذلك؟ وهذا هو قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)(1).
نعم لاشكّ أنّ لإيمان الأطفال دخلاً في المثوبة لكنّهم يجزون في مقابل إيمانهم جزاء مساوياً، إنّما الكلام في ارتقائهم من درجة نازلة إلى درجة عليا ثابتة للآباء، رغم أنّهم لم يعملوا ما يستحقون به هذه المرتبة سوى إيمان الآباء وعلّو مقامهم.
2. إنّ لحن الآيات المشار إليها، لحن ذم وتوبيخ، وهو دليل على أنّ قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) في مقام الحديث عن العقاب والجزاء ويشهد لذلك الآية المتقدّمة، وهي قوله تعالى: (أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)ويأتي بعدها قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) وكأنّ الآية الثانية تفسير للسابقة، و «اللام» في (لِلإِنْسَانِ) لام الاستحقاق لا الانتفاع، وقد أكّد علماء اللغة على أنّ أحد معاني اللام: الاستحقاق، كما في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ).(2)

1 . الطور: 21 .
2 . المطففين:1.

صفحه 153
ويشهد لما ذكرنا أيضاً الآيات الواردة بعدها حيث يقول: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى)فإنّ لحن الآيتين لحن الإخافة والإنذار، والمراد من الجزاء الأوفى هو الجزاء التام، الذي لا ينقص ولا يزيد، وهذا دليل على أنّ المراد من الجزاء هو العقاب وإلاّ فالعمل الصالح يُجزى بالحسنى، كما قال سبحانه: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَ مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(1).
ويؤيدّ ما ذكرنا سبب نزول الآيات حسب ما قدّمناه من محادثة سعد بن أبي سرح أنّه يتحمّل ذنوب عثمان أو تحمّل شخص آخر أوزار «الوليد بن المغيرة».
3. إنّ سياق الآيات يدلّ على أنّ قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى)هو الوارد في صحف موسى وإبراهيم(عليهما السلام)، فإذا رجعنا إلى التوراة نجد ما يؤيد ذلك، وأنّ المراد هو عدم تحمّل أحد وزر الآخر، فقد حكي في التوراة عن إبراهيم (عليه السلام)أنّه قال في شأن قوم لوط: «أفتهلك البار مع الآثم»؟
وأمّا نظيره في صحف موسى (عليه السلام)(ففي التوراة): لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل.(2)
وقد حكى سبحانه عن موسى (عليه السلام)قوله: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا)(2).
4. إن المؤمنين ينتفعون باستغفار الملائكة، قال سبحانه: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ

1 . الأنعام: 160 .   2 . سفر التثنية، الإصحاح 24.
2 . الأعراف: 155 .

صفحه 154
فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(1).
والمراد من الموصول في قوله: ( لِمَنْ فِي الأَرْضِ)هم المؤمنون بشهادة قوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَ عِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)(2).
فلو لم يكن لاستغفار الملائكة أىُّ نفع للمؤمنين لكان عملهم لغواً غير قابل للمدح والثناء.
وليس استغفار الملائكة هو المورد الفريد لانتفاع المؤمنين به، بل ينتفع المؤمن بدعاء المؤمن، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(3).
فلو كانت الآية ناظرة إلى ما يرومه الوهابيّون فيلزم وجود التعارض والاختلاف بين الآيات.
بقي هنا بحث وهو أنّنا نفترض أنّ الآية لها مفهوم واسع يشمل العمل الصالح والطالح، وبعبارة أُخرى: يشمل الثواب والعقاب معاً، ومع ذلك نقول: لا يوجد أي تناف بين مفهوم الآية التي تصرّح بأن ليس للإنسان من الثواب والعقاب إلاّ ما سعى، وبين انتفاع الميت بعمل غيره إذا أهدى إليه ثواب عمله.

1 . الشورى: 5 .
2 . غافر: 7 .
3 . الحشر: 10 .

صفحه 155
ووجه عدم التنافي أنّ الآية الأُولى بصدد بيان إصلاح المجتمع أو إصلاح الفرد المسلم أي أنّه يجب على المسلم أن يعتمد في حياته الدنيوية والأُخروية على سعيه وجهوده، فإنّ عمل الإنسان هو الشيء الوحيد الذي يحقّق له سعادة الدارين، والاعتماد في الحياة على عمل الغير إنّما هو من عمل النَّوكى الذين لا يعملون، ويترقّبون أن ينتفعوا بعمل الغير.
هذا هو مفاد الآية ولكنّه لا ينافي أن ينتفع الميّت على وجه الصدفة بعمل الغير إذا أهدى إليه ثوابه، فإنّ الانتفاع هناك انتفاع جانبي فرعي لا يزاحم الأصل الذي بنيت عليه سعادة الإنسان .
ولنمثل بمثال تتّضح به حقيقة عدم التنافي: لو فرضنا أنّ إنساناً ما ينصح ولده ويقول له: إنّ سعادتك أو شقاءك في الحياة رهن عملك وسعيك، وإنّ الأمل بالنجاح والسعادة بلا عمل أو كدح، خيال واه وحلم باطل، فهل تعني تلك النصيحة أنّه لا يحقّ لهذا الابن أن يتلقّى الهدية من الآخرين، أو إذا تلقّاها لا تزيده نفعاً؟ أو أنّ استلامه للهدية يُعدّ مخالفة لنصيحة الأب وإرشاداته؟
لا ريب أنّ الإجابة عن هذا التساؤل بالنفي قطعاً، وذلك لأنّ الأب في واقع الأمر بصدد بيان قاعدة كلّية وأصل عام تسير عليه الحياة وتدور عليه رحاها والنجاح والإخفاق فيها، وأمّا الانتفاع بهدايا الآخرين فهو حالة استثنائية، فإنّ الأب يقول لولده: اعتمد على نفسك وسعيك وجهدك ودع التكاسل والبطالة والاعتماد على الآخرين بالكلّية، ولكن ذلك لا يمنع أن تحصل في حالات خاصّة واستثنائية بين الحين والآخر على هدية أو هبة تنتفع بها في حياتك.

صفحه 156
إلى هنا تمّت دراسة الآيات فلندرس ما في الروايات، والذي يستفاد منها أنّ انتفاع الميّت بعمل الغير أمر لا غبار عليه، فلنذكر القليل من الكثير:

1. انتفاع الميّت بالصوم والحجّ النيابيّين

قد وردت في هذا المجال روايات متعدّدة، منها:
أ. عن عائشة، أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«مَن مات وعليه صيام، صام عنه وليّه».(1)
ب. عن ابن عباس: أنّ امرأة أتت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت: إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أرأيتِ لو كان عليها دين، أكنتِ تقضينه؟».
قالت: نعم.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فدَينُ اللّه أحقّ بالقضاء».(2)
ج: عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: بينا أنا جالس عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أتته امرأة فقالت: إنّي تصدّقت على أُمّي بجارية، وإنّها ماتت. قال: فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «وجب أجرك، وردّها عليك الميراث». قالت: يا رسول اللّه إنّه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها». قالت: إنّها لم تحجّ قطّ، أفأحجّ عنها؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «حُجّي عنها».(3)

1 . صحيح مسلم: 523، باب قضاء الصيام عن الميّت برقم 2581; وصحيح البخاري: 1 / 481، باب من مات وعليه صوم، برقم 1952 .
2 . صحيح مسلم: 523، برقم 2582 .
3 . صحيح مسلم: 543، برقم 2586 ; وسنن الترمذي: 215، كتاب الزكاة، باب ما جاء في المتصدق يرث صدقته، برقم 667 .

صفحه 157

2. انتفاع الميّت بالصدقة عنه

إنّ الروايات الواردة في هذا المجال كثيرة لا يمكن حصرها هنا، ولذا نكتفي بذكر روايتين منها يكفي نقلهما للإجابة عن بعض الإشكالات المطروحة:
أ. عن عائشة: أنّ رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه، إنّ أُمّي افتُلِتَتْ (1) نفسُها ولم توصِ، وأظنّها لو تكلّمت تصدّقتْ، أفلها أجر إن تصدّقتُ عنها؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نعم».(2)
ب. عن ابن عباس: أنّ سعد بن عبادة توفّيت أُمّه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول اللّه إنّ أُمّي توفِّيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدّقتُ به عنها؟ قال: «نعم». قال: فإنّي أشهدك أنّ حائطيَ المِخْراف صدقة عليها.(3)
وإذا أردنا أن نحلّل تلك الروايات نقول:
إنّ الإنسان قد يقوم بسلسلة من الأعمال الصالحة من دون تعهد مسبق ثمّ يهدي ثوابها إلى الموتى، والأعمال التي تصدر من الإنسان ويراد بها وجه اللّه تعالى والتقرّب إليه، فاللّه سبحانه يثيب عليها ويجزي المحسنين، ولكن هذا الثواب والجزاء تفضّل منه سبحانه وتعالى وليس للعبد أو لعمله استحقاق على اللّه، وانطلاقاً من هذا التفضّل والعطف الإلهي والرحمة

1 . افتُلتت نفسها: ماتت فجأة، وكلّ شيء فُعل بلا تمكّن، فقد افتلت. شرح صحيح مسلم للنووي: 7 / 94 .
2 . صحيح مسلم: 457، كتاب الزكاة، ، باب وصول ثواب الصدقات عن الميّت إليه، برقم 2215.
3 . صحيح البخاري: 210، كتاب الوصايا، باب (15)، برقم 2756. وانظر: سنن أبي داود: 548، كتاب الوصايا، باب (15)، برقم 2882 .

صفحه 158
الربّانية جاءت الروايات لتجيز العمل النيابي عن الميّت، ليتسنّى للميّت الحصول على ذلك الفضل الربّاني والرحمة الإلهية.

النذر لأولياء اللّه

إنّ النذر سنّة معروفة بين كافّة المسلمين في العالم كلّه، وخاصّة في البلاد التي تحتضن قبور أولياء اللّه وعباده الصالحين.
وثمّة أمر متعارف عليه بين المسلمين، وهو النذر للّه وإهداء ثوابه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو لعترته الطاهرة أو لأحد الصالحين، فيقول الناذر: «للّه عليّ كذا» ثمّ يهدي ثوابه للنبي مثلاً، ولا مانع من ذلك أبداً.
إذا عرفنا ذلك الأصل يتّضح لنا وبجلاء معنى قول الناذر في بعض الأحيان: «للّه عليّ أن أذبح شاة للنبي أو للوصي»، فإنّ مفاد كلمة «للّه» غير مفاد كلمة «للنبي» قطعاً، وإن كانت الكلمتان مقرونتين بحرف اللاّم، ولكن مفاد الحرف في لفظ الجلالة غير مفاده في لفظ النبي، وذلك لأنّ معنى اللام في الأوّل يراد به التقرّب والقيام بالفعل للّه تعالى وحده، والحال أنّ المراد من اللام في الثاني «للنبي» ينصرف إلى معنى آخر ويراد به معنى الانتفاع والاستفادة،ومن حسن الحظ أنّ كلا التعبيرين قد وردا في الذكر الحكيم حيث قال سبحانه:
سورة النجم: الآيات 42 ـ 62   
(قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَة أَنْ تَقُومُوا للّه).(1)
وفي آية أُخرى قال تعالى: (إِنّما الصَّدقاتُ لِلْفُقَراءِ).(2)

1 . سبأ:46.
2 . التوبة:60.

صفحه 159
وعلى هذا الأساس لا يمكن عدّ هذا النوع من التعبير علامة للشرك باللّه وعبادة لغيره، بل أنّ هذا التعبير نفسه قد ورد في رواية سعد بن عبادة وذلك أنّ أُمّه حين ماتت، فسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أيّ الصدقة أفضل؟ قال: «الماء»، قال: فحفر بئراً وقال: هذه لأُمّ سعد(1). وأنت ترى أنّ الناذر سعديٌّ لا وثنيّ.

الآيات: الثانية والأربعون إلى الثانية والستين

(وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَ أَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الأُنْثَى * مِنْ نُطْفَة إِذَا تُمْنى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَ ثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَ قَوْمَ نُوح مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَ أَطْغَى * وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكَ تَتَمَارى * هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَ لاَ تَبْكُونَ * وَ أَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا).

1 . انظر: سنن أبي داود: 315، كتاب الزكاة، باب في فضل سقي الماء، برقم 1681 .

صفحه 160

المفردات

تُمنى: قال الطوسي: معنى تُمنى أي تُلقى على تقدير في رحم الأُنثى، وأصله: التقدير، يقولون: مَنى يَمني فهو مان، إذا قدّر، ومنه: التمنّي: تقدير المعنى للاستمتاع به (1).
النشأة: الصنعة المخترعة، والمراد هو الإيجاد والخلق، ووُصفت بالأُخرى لأنّها نشأة ليس بعدها نشأة.
أقنى: بما أنّه يقابل قوله: (أَغْنى) كما في قوله: (أَضْحَكَ وَأَبْكَى)وقوله: (أَمَاتَ وَ أَحْيَا)فلابد أن يفسّر بنحو يقابل قوله: (أَغْنى)، ولذلك نُقل عن الأخفش وغيره أنّه بمعنى أرضى، أي أرضى بالقليل، لا أرضاه بالزيادة، إذ عندئذ لا يكون مقابلاً للإغناء .
الشِّعرى: كوكب لم يعبدها من العرب إلاّ قبيلة خزاعة، وذكرها في عداد سائر الأصنام لكونها معبودة مثلها.
المؤتفكة: قرى قوم لوط، ائتُفكت بأهلها، أي انقلبت، والائتفاك: الانقلاب.
أهوى: أسقط.
تتمارى: من المراء، وهو التشكيك، وقد مرّ نحوه في قوله: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرى).
النُّذُر: جمع نذير، وأُريد به الإنذار.

1 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 437 .

صفحه 161
أَزِفت: قَرُبت. والآزفة من أسماء القيامة، أي القريبة.
سامدون: السمد: الإعجاب بالنفس، وربّما يفسر باللهو.

التفسير

42. (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى):
قد سبق منّا أنّ هذه الآية من غرر الآيات في هذه السورة، وقد فُسِّرت بهذا المعنى: وأنّ إلى ثواب ربك وعقابه آخر الأُمور، والمنتهى والآخر واحد(1)، ويقرِّب هذا المعنى مجيئها بعد قوله: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى)فيكون جزءاً ممّا في صحف موسى (عليه السلام)، وعند ذلك فالتعبير بلفظ (ربك)تكريم للنبي وتعريض وتهديد للغير.
ولكنّ الظاهر من السيد الطباطبائي أنّ للآية معنى واسعاً أبلغ ممّا ذكره المفسّرون، قال: (المنتهى): مصدر ميميّ بمعنى الانتهاء وقد أُطلق إطلاقاً فيفيد مطلق الانتهاء، فما في الوجود من شيء موجود إلاّ وينتهي في وجوده وآثار وجوده إلى الله سبحانه بلا واسطة أو مع الواسطة، ولا فيه أمر من التدبير والنظام الجاري جزئياً أو كليّاً إلاّ وينتهي إليه سبحانه، إذ ليس التدبير الجاري بين الأشياء إلاّ الروابط الجارية بينها القائمة بها، وموجد الأشياء هو الموجد لروابطها المُجري لما بينها، فالمنتهى المطلق لكلّ شيء هو الله سبحانه .(2)

1 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 436 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 47 .

صفحه 162
ويؤيّد ما ذكره (رحمه الله) أنّه سبحانه رتّب على هذه الآية عدّة أُمور وأنّ بيده سبحانه الإضحاك والإبكاء، والإماتة والإحياء، وخلق الزوجين الذكر والأُنثى، والنشأة الأُخرى، والإغناء والإقناء، وإهلاك عاد الأُولى، إلى غير ذلك، فيدلّ على أنّ للآية معنى واسعاً، وهو أنّ تدبير العالم من مبدئه إلى انتهائه بيده سبحانه.
43. (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى):
أشار سبحانه في هذه الآية وما يتبعها من الآيات إلى بعض آثار قدرته الدالّة على انتهاء الخلق والتدبير إليه سبحانه، وقدّم الضحك هنا على البكاء امتناناً، ويحتمل أن يكون التقديم مراعاة لفواصل الآيات.
والضحك والبكاء سرّان عجيبان من الأسرار الّتي اختصّ الله تعالى بها الإنسان. وما يُحدث الضحك هو انفعال الفرح والسرور، وما يُحدث البكاء هو انفعال الحزن والألم، والانفعال إنّما يحسّ به الإنسان في المواقف الّتي تتطلّب إحساساً وشعوراً. ولعلماء النفس دراسات موسّعة حول الانفعال، وقد بحثوا عن أصله ونشأته وتأثيره في حياة الإنسان وتصرّفاته، وعن نتائج عملياته، ومنها الضحك والبكاء، اللّذان يدلّ اختصاص الإنسان بهما على أنّ له موجِداً قادراً مدبّراً.
44. (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) :
الآية ـ كما يظهر ـ بمنزلة قوله سبحانه: (الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(1) فالله تعالى هو الذي أنشأ الموت، وجعله نهاية

1 . الملك: 2.

صفحه 163
كلّ شيء حيّ، وهو الذي أنشأ الحياة، ولا يقدر عليهما غيره جلّت قدرته. يُشار إلى أنّ موت الإنسان ـ وفق رؤية الدين ـ : هو خروج الروح إلى بارئها، وليس أمراً عدمياً، حيث يُبعث الإنسان يوم القيامة ليُجازى على ما أتى به من أعمال في الدنيا، الّتي (لم تُخلق له دار مُقام، بل خلقت له مجازاً ليتزوّد منها الأعمال إلى دار القرار)(1)، قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(2).
بقي هنا سؤال وهو لماذا نسب إلى نفسه الإضحاك والإبكاء، مع أنّهما من أعمال الإنسان؟ ثم إنّه سبحانه نسب الإماتة إلى نفسه مع أنّها عمل الملائكة الموكّلين كما في قوله سبحانه: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)(3).
والجواب واضح فإنّ الصادر عن الإنسان هو الضحك والبكاء، والمنسوب إلى الله هو الإضحاك والإبكاء، ومن المعلوم أنّه سبحانه هو الذي يوجد ما يسبب السرور والفرح والحزن في الإنسان، فيتبعه الضحك والإبكاء، وأمّا مسألة الإماتة فإنّما هو من باب التسبيب فإنّ عمل الوكيل هو عمل الموكل، وكم في القرآن الكريم من فعل ينسب إلى الله سبحانه وفي الوقت نفسه إلى عباده، ولكن النسبة بوجهين مختلفين.

1 . هذا القول لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكنّه في الأصل بصيغة الخطاب (لكم، ولتتزوّدوا). انظر: نهج البلاغة: الخطبة 203.
2 . العنكبوت: 64 .
3 . النحل: 28 .

صفحه 164
45 و 46. (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الأُنْثَى * مِنْ نُطْفَة إِذَا تُمْنى):
لمّا تقدّم ذِكر حياة الإنسان، ذكَر استمرار الحياة عن طريق خلق الصنفين: الذكر والأُنثى، ويراد بهما إمّا خصوص الإنسان أو من كلّ حيوان، فخلَقهما (مِنْ نُطْفَة إِذَا تُمْنى)أي تُلقى على تقدير في الرَّحِم، فسبحانك يا ربّ «سُبْحانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ! وَمَا أَصْغَرَ كُلَّ عَظِيمَة فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ!»(1).
47. (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى):
في الآية إشارة إلى أنّه تعالى خلق الإنسان أو خلق الزوجين لغاية خاصّة وهي الحياة الأُخروية، الّتي يُجازى فيها الإنسان، على الإساءة والإحسان . ولعلّها قرينة على أنّ المراد من الزوجين صنف الإنسان، لأنّه خُلق للنشأة الأُخرى دون غيره.
48. (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى) :
أي هو الذي خلق الإنسان ورفع حاجته في الحياة، إمّا بصورة الغنى أو بصورة الرضى دون الغنى.
49. (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى):
إشارة إلى فساد عقيدة قوم من المشركين حيث كانوا يعبدون الشعرى،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 109 .

صفحه 165
ويقال لها الشعرى اليمانية، وتسمّى أيضاً نجمة الكلب، وهي أكثر النجوم لمعاناً وبريقاً، ويمكن رؤيتها من الأرض ليلاً، وتبدو في حجمها مثل الشمس، ولكنّها تعطي ضوءاً يبلغ أكثر من ثلاثين ضعفاً ممّا تعطيه الشمس، وتُعدّ من النجوم ذات الأحجام الكبيرة، القريبة من الأرض، حيث تقع على بُعد حوالي تسع سنوات ضوئية.(1)
50. (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى):
لمّا تقدّم ذكر نعم الله سبحانه وأنّه أغنى الإنسان وأقناه، وكان لازم ذلك عبادة المنعم سبحانه، إشارة إلى قبيلة عاد الأُولى الذين كفروا بنعم الله عليهم وعبدوا الأصنام، فأهلكهم سبحانه بريح صرصر عاتية، ووُصفت بـ (الأُولى) لأنّ هناك عاداً ثانية، فعادُ الأُولى هم عاد إرم (قوم هود (عليه السلام))، وعاد الثانية هم سكان اليمن من قحطان، وسبأ، وتلك الفروع. وقيل: وصفت بـ (الأُولى) لتقدّمها في الزمان .
51. (وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى):
أي أهلك العتاة الظالمين من ثمود (وهم قوم صالح (عليه السلام)) فلم يُبقِ منهم أحداً، إذ أرسل عليهم جلّت قدرته صاعقة سماوية (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الُْمحْتَظِرِ)(2).

1 . الموسوعة العربية العالمية: 14 / 197 . يُذكر أنّ السنة الضوئية، هي المسافة الّتي يقطعها الضوء في سنة، وتساوي (46 ,9) ترليون كيلومتر (000,000,000,000,1 كم)، فلو طارت طائرة بسرعة (800) كيلومتر في الساعة، لاحتاجت إلى (34,1) مليون سنة لتقطع مسافة سنة ضوئية واحدة!
2 . القمر: 31 .

صفحه 166
52 . (وَقَوْمَ نُوح مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى) :
عَطَفَ على إهلاك ثمود قوم نوح(عليه السلام)، وعلّل وجه إهلاكهم أنّهم كانوا أظلم وأطغى، ولعلّ وصفهم بصيغة التفضيل أي أكثر ظلماً وأدوم في الطغيان بسبب طول دعوة نوح، ومن ثم طول عتوّهم عن أمر الله، وتماديهم في الكفر والتكذيب. وأنهى كلامه سبحانه ببيان القوم الهالكين في قرى لوط وقال:
53 و 54. (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ):
المدينة المؤتفكة أي المقلوبة، وهي قرى لوط التي جعل سبحانه عاليَها سافَلها، و (أَهْوَى ) أي أسقطها على أهلها بقلبها وخسفها (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى)أي فجلّلها من العذاب السماوي ما يعمّها حتّى دمّرها. وكأنّ الإبهام في قوله: (مَا غَشَّى) تفخيم لشأن العذاب، أي لا يُصرَّح بكيفيته إلاّ بالإبهام.
55. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكَ تَتَمَارى):
إنّ الآية ليست خطاباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لترفّع شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن التشكيك، بل هو خطاب للناس بصورة الإبهام، نظير قوله سبحانه: (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). والمراد بالنِّعم ما عدّده من قبلُ.
قيل: إنّما جُعلت كلّها نعماً، وبعضها نقم، لِما لنا في ذلك من اللطف في الانزجار عن القبيح، فإنّه إنّما نالهم ما نالهم بكفرهم النعم، فبأيّ نعم ربك أيّها المخاطب تشكّك وترتاب حتّى تكون مقارناً لهم في سلوك بعض مسالكهم.(1)

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن: 9 / 440 .

صفحه 167
56. (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى):
لعلّه إشارة إلى القرآن الكريم وإنذار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والنُّذُر جمع النذير وأُريد به الإنذار، نظير قوله سبحانه: (هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ )(1)، وأمّا وصف النذر بـ (الأُولَى) لأنّها إشارة إلى الإنذارات التي سبق الكلام عنها في الآيات السابقة من هلاك الأُمم وإبادتها.
57 و 58. (أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ):
أي قرُبت القيامة، فإنّ الآزفة من أسماء القيامة، قال سبحانه: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ)(2) والقرآن الكريم ركّز على قرب وقوع يوم القيامة وقال: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا)(3)، وقال أيضاً : (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ)(4).
وقد تسأل: قد مضى على إخباره سبحانه عن اقتراب الساعة قرون كثيرة، ولم تقع، فما معنى ذلك؟ نقول: سيوافيك الجواب عند تفسير سورة القمر الّتي تأتي بعد هذه السورة. ومن الجميل أن نذكر أنّ هذه الآية لها صلة بما سيأتي في أوّل سورة القمر والتي ابتدأت بالإخبار عن قرب الساعة أي يوم القيامة.
ثم أشار سبحانه إلى قطعية يوم القيامة بقوله: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ) أي ليس لنفس أن تزيلها وتزيل شدائدها وأهوالها.
59 و 60 و 61. (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ):

1 . إبراهيم: 52 .      2 . غافر: 18 .      3 . المعارج: 6 ـ 7 .   4 . القمر: 1 .

صفحه 168
والآيات خطاب للمشركين الذين واجهوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكذّبوا برسالته وكتابه، وعجبوا أن أوحى الله سبحانه: (إِلَى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا)(1)، كيف يتعجّبون وقد سبقه الرسل مع صحفهم وإنذاراتهم؟! فهؤلاء مكان أن يعتبروا ويتّعظوا، لجأوا إلى السخرية والاستهزاء كما يقول: (وَتَضْحَكُونَ)مع أنّ المقام ليس مقام الضحك بل مقام البكاء، للعذاب الذي ينتظرهم كما قال: (وَلاَ تَبْكُونَ)وياللأسف (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) أي غافلون عن مستقبلكم المظلم.
وفي ختام السورة أمر الله الناس بالسجود والعبادة وقال:
62. (فَاسْجُدُوا للهِ وَ اعْبُدُوا):
وهو خطاب للناس جميعاً بالسجود لله وعبادته .
أمّا السجود فلغاية الخضوع أمام عظمة الله التي ليس فوقها شيء، وأنّ إليه المنتهى; وأمّا العبادة فلأجل الطهارة من الشرك، حتى تكون العبادة خالصة له في مقابل مَن كانوا يشركون في العبادة، فيعبدون اللات والعزى ومناة الثالثة الأُخرى.
وقد ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وجوب السجود عند قراءة هذه الآية، أي أنّها أحد موارد سجود التلاوة الواجب.
***
تمّ تفسير سورة النجم

1 . يونس: 2.

صفحه 169
سورة القمر    

سورة القمر

(اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْر مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْء نُكُر * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَ قَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُنْهَمِر * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ* وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاح وَ دُسُر * تَجْري بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ* وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر * كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْس

صفحه 170
مُسْتَمِرّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل مُنْقَعِر * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ * وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَل وَ سُعُر * أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ * إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْب مُحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر * كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوط نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابي وَ نُذُرِ * وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر * وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيز مُقْتَدِر * أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَل

صفحه 171
وَسُعُر * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر * وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر * وَكُلُّ شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِير وَ كَبِير مُسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَ نَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر).

صفحه 172
سورة القمر: خصائص السورة    
 
خصائص السورة

تسمية السورة

تُسمّى السورة في التفاسير بسورة «القمر»، وفي صحيح البخاري سمّيت بسورة (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)(1)، ولا مشاحّة في التسمية إذا كانت تشير إلى السورة .

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة خمس وخمسون آية بالاتّفاق، وهي مكيّة بشهادة صياغتها ومضامينها .

أغراض السورة

تركّز السورة على غرض واحد وهو أنّ مَن يكفر بنعمة الله تبارك وتعالى ـ من غير فرق بين النعم المادّية والنعم المعنوية ـ سوف تُسلب عنه النعمة، وتُصبّ عليه النقمة والعذاب، ولذلك عمّ العذاب أقواماً كفروا بنعمة الله تعالى وكذّبوا أنبياءه، وهم عبارة عن :
1. قوم نوح، قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) .

1 . صحيح البخاري: 3 / 291، كتاب التفسير (65)، دار الكتب العلمية، 1420 هـ .

صفحه 173
2. قوم هود، قال تعالى: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَنُذُرِ).
3. قوم صالح، قال تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ).
4. قوم لوط، قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط بِالنُّذُرِ).
5. آل فرعون، قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ).
فهؤلاء قد واجهوا الدعوات السماوية بالرفض والتعنّت، وكذّبوا أصحابها الذين بُعثوا لإسعادهم، فسُلِبت عنهم النعم وعمّهم العذاب وشملتهم النقم.
والآيات تهدّد قريشاً بأنّ سنّة الله في الجميع واحدة كما يقول: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ)، ثم تنهي الكلام بوصف المجرمين ومصيرهم السيّئ، والمتقين ومصيرهم السعيد.

شأن النزول

يكاد يُجمع المفسّرون القُدامى من كلا الفريقين، على أنّ الآيات الأُولى أو جميع آيات السورة نزلت بعدما اقترح مشركو قريش على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يشقّ لهم القمر حتى يؤمنوا به ، فسأل (صلى الله عليه وآله وسلم)ربّه فشقّه، ومضى.(1)
وقد روي انشقاق القمر في المصادر الروائية للسنّة، عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود، وأنس، وابن عباس، وجُبير بن مُطعِم. والروايات فيه كثيرة، حاز عدد منها درجة الصحّة عندهم، ولكنّهم اختلفوا

1 . تفسير الرازي: 19/ 28; والتبيان للشيخ الطوسي:9/443.

صفحه 174
في تواتره.(1) وممّا ورد في هذا الشأن ما رواه البخاري بإسناده عن ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اشهدوا».(2)
وروى بإسناده عن أنس بن مالك: أنّ أهل مكّة سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يريهم آية فأراهم القمر شِقّتين، حتى رأوا حراء بينهما .(3)
وذهب بعض المتقدّمين من مفسّريهم كالحسن البصري، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني (كما في رواية ابنه عثمان عنه) إلى أنّ المراد بالآية أنّ القمر سينشق حين تقوم الساعة.(4)
سورة القمر: الآيات 1 ـ 3    
وأمّا مصادر الشيعة الإمامية، فلم تبلغ رواياتها حول انشقاق القمر ما بلغته في مصادر السنّة، لا من جهة الكثرة، ولا من جهة الصحّة. وممّا ورد عندهم في هذا الشأن، ما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جدّه، عن آبائه، عن علي (عليه السلام)، قال: «انشقّ القمر بمكة فلقتين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اشهدوا اشهدوا بهذا».(5)

1 . انظر: روح المعاني: 27 / 74، وتفسير القاسمي: 15 / 260 ـ 261 .
2 . صحيح البخاري: 3 / 291، كتاب التفسير، برقم 4864 .
3 . صحيح البخاري: 2 / 505، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر (36)، برقم 3868. وانظر: صحيح مسلم:8/132ـ133، باب انشقاق القمر; جامع البيان (تفسير الطبري): 13 / 105 ـ 109، بالأرقام 32691 ـ 32722.
4 . انظر : تفسير الرازي: 29 / 28 ; والتبيان للطوسي: 9 / 443 .
5 . الأمالي: 341، المجلس 12، برقم 697. ومن المصادر التي ورد فيها انشقاق القمر: تفسير القمّي: 2 / 318; والإرشاد للمفيد: 365. ونقل الطبرسي في «مجمع البيان»: (9/281 ـ 282) رواية عن ابن عباس حول انشقاق القمر، وهذه الرواية ـ كما يقول الآلوسي ـ أخرجها أبو نعيم في الدلائل من وجه ضعيف. روح المعاني: 27 / 74 .

صفحه 175

الآيات: الثلاث الأُولى

(اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْر مُسْتَقِرٌّ).

المفردات

اقتربت: الاقتراب أصله صيغة المتابعة أي قبول فعل الفاعل، وهو هنا للمبالغة في القرب.
الساعة: هي الظرف الذي تقوم فيه القيامة، وكأنّها عَلم لهذا الزمان.
انشق: الانشقاق: انفصال شيء عن شيء.
مستمرّ: من الاستمرار، أي دائم ومطرد .
مستقرّ: اسم فاعل من استقر بمعنى قرّ وثبت، والسين والتاء للمبالغة.

التفسير

1. (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ):
أي دَنت الساعة التي تموت فيها الخلائق وتقوم فيها القيامة، فعلى العاقل أن يستعدّ لهذا اليوم قبل حلول أهواله، ويكفي في قربها قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «بُعثت أنا والساعة كهاتين» وقرَن بين السبابة والوسطى. وعلى هذا فبعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)من أشراط الساعة.

صفحه 176
وربما يقال: كيف يقول سبحانه: (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) مع أنّه قد مضى منذ زمن نزول القرآن إلى الآن أزيد من ألف وأربعمائة سنة وهي لم تأت بعد، والله أعلم في أي زمن ستقوم؟
والجواب من وجوه:
أ. يحتمل أن يراد القرب النسبي أي بالنسبة إلى ما مضى من ابتداء خلق السماء والأرض، فالساعة بالنسبة إلى تحقّقها في المستقبل أقرب بكثير.
ب. أي وصفها بالقرب حسب علمه سبحانه كما قال: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا* وَنَرَاهُ قَرِيبًا)(1).
ج. اقتربت القيامة بمعنى أنّه لا يكون بعد رسول الله إلاّ القيامة وقد انقضت النبوّة والرسالة .(2)
ومن لطائف هذه السورة أنّها بدأت بما خُتمت به السورة السابقة أعني سورة النجم حيث خُتمت بقوله تعالى: (أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ)(3)، وهو نفس ما جاء في أوّل هذه السورة مضموناً، أعني: (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ).
ثم إنّ قوله تعالى: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، جملة فعلية ماضوية معطوفة على جملة مثلها، تدلّ على وقوع الانشقاق وتحقّقه .
2. (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ):

1 . المعارج: 6 ـ 7 .
2 . تفسير القمي: 2 / 318 .
3 . النجم: 57 ـ 58 .

صفحه 177
أي إذا رأى المشركون علامة تدلّهم على الحقّ، فهُم مكان أن يؤمنوا بها، يُعرضون عنها ويقولون على طريقة اللِّجاج والمكابرة: إنَّ هذه الآية مثل الآيات السابقة كلّها سحر يأتي به محمّدٌ مرّة بعد أُخرى. ويوضح معنى الآية ما قاله الوليد بن المغيرة: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ )(1)، فقوله: (آية) بصيغة النكرة يشمل انشقاق القمر الذي تقدّم عليه. فالآية وردت تقريعاً للمشركين حيث بلغوا من العناد والإنكار مبلغاً بحيث إنّهم كلّما رأوا آية معجزة دالّة على صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كرّروا قولهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ) أو (يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)دون أن يفكّروا في البون الشاسع بين السحر والمعجزة، فالساحر مهما بلغ مرتبة عظيمة من السحر لا يستطيع أن يقوم بشق القمر فلقتين.
ثم إنّ مَن خالف القائلين بأنّ القمر قد انشقّ في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عاد إلى تأويل الآية وصرفها عن ظاهرها بوجوه:
1. قوله: (انْشَقَّ الْقَمَرُ)أي سينشقّ القمر عند قيام الساعة، وإنّما عبّر بلفظ الماضي لكونه محقّق الوقوع.
يلاحظ عليه: أنّه تأويل بلا دليل، مضافاً إلى أنّه لا ينسجم مع قوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا...)وذلك لأنّه مترتّب على انشقاق القمر، فلو كان ظرف الانشقاق هو يوم القيامة فكيف يصحّ للمشركين إنكار الآية ووصفها بأنّها سحر مستمر مع أنّه يوم تظهر فيه الحقائق وتكشف فيه البواطن؟ فكيف يصح عندئذ وصف انشقاق القمر بالسحر وإعراضهم عنه؟
2. ما يقال من أنّ الآية إشارة إلى ما وصل إليه العلم من أنّ القمر قطعة من الأرض كما أنّ الأرض جزء منفصل من الشمس، فالآية ناظرة إلى هذا

1 . المدثر: 24.

صفحه 178
الذي لم يكن منكشفاً عصر النزول.
يلاحظ عليه: إن قوله: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً) يدلّ على رؤية الآية، وانشقاق القمر من الأرض في العهود الغابرة ليست آية مرئيّة.
أضف إلى ذلك: أنّ انفصال القمر عن الأرض اشتقاق، والمذكور في الآية الكريمة انشقاق، ولا يطلق الانشقاق إلاّ على تقطّع الشيء في نفسه قطعتين، دون انفصاله من شيء بعدما كان جزءاً منه .(1)
وبعبارة واضحة: أنّ الانشقاق عبارة عن انفصال شيء عن شيء، مع بقاء اسم الشيء عليهما، وأمّا انفصال القمر عن الأرض فهو عبارة عن الانفصال الذي خُص كلٌّ باسم خاص، فأُطلق على المشتق منه اسم الأرض، وعلى المشتق اسم القمر.
3. إنّ معنى انشقاق القمر انكشاف الظلمة عند طلوعه.
يلاحظ عليه: أنّ الآية لا تدلّ عليه، بأي واحدة من الدلالات الثلاث.
ثم إن ابن عاشور التونسي لمّا رأى استفاضة الروايات عندهم، لم يجد محيصاً من الاعتراف بها، ولكنّه عاد إلى بيان احتمالات لا تنسجم مع ظهور الآية، إلاّ أنّه أراد من ذكرها ـ كما قال ـ إبطال جحد الملحدين وتقريباً لفهم المصدِّقين، ومن الاحتمالات التي ذكرها:
4. يجوز أن يكون قد حدث خسف عظيم في كرة القمر أحدث في وجهه هوّة لاحت للناظرين في صورة شقه إلى نصفين بينهما سواد، حتى يخيّل أنّه منشقّ إلى قمرين، فالتعبير عنه بالانشقاق مطابق للواقع لأنّ الهوّة

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 56.

صفحه 179
انشقاق، وموافق لمرأى الناس لأنّهم رأوه كأنّه مشقوق.(1)
يلاحظ عليه: أنّ قوله: (حتى يخيّل أنّه منشقّ إلى قمرين)، تعبير آخر عن وصف الانشقاق بالسحر!! على أنّ الظاهر من قوله: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ )حكاية عن الواقع وليس حكاية عن تخيّلهم.
ومنه يظهر ضعف الوجه الآخر حيث يقول:
5. ويجوز أن يكون قد حصل في الأُفق بين سمت القمر وسمت الشمس مرور جسم سماوي نحو بعض المذنّبات، حجب ضوء الشمس عن وجه القمر بمقدار ظل ذلك الجسم على نحو ما يسمّى بالخسوف الجزئي.(2)
ويلاحظ عليه أيضاً: بأن معناه أنّ الناس تخيّلوا أنّ القمر قد انشقّ، بينما تحدّثت الآية عن شقّ القمر واقعاً لا تخيّلاً.
ثم إنّه ذكر احتمالاً ثالثاً أبعد من الاحتمالين السابقين. ومن أراد الاطّلاع عليه فليرجع إلى كتابه .

دراسة أدلّة المنكرين

وقد أنكر جماعة من المفسّرين دلالة الآية على وقوع تلك المعجزة انطلاقاً من قرائن منفصلة غير موجودة في نفس الآية، وممّن اعتمد عليها صديقنا الفقيد الشيخ محمد جواد مغنية (رحمه الله)، قال:
أوّلاً: أنّ هذا لا يتّفق مع العديد من الآيات التي نصَّت بصراحة على أنّ

1 . التحرير والتنوير: 27 / 164 .
2 . التحرير والتنوير: 27 / 165 .

صفحه 180
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يستجب لاقتراح المشركين في طلب الخوارق والمعجزات وأنّه أجابهم بما أمره الله: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً)(1)، كما أنّه سبحانه أخبره أنّ المقترحين يظلّون على الكفر حتى ولو أُجيبوا إلى ما يقترحون ... هذا، إلى أنّ الله سبحانه لم يبق عذراً لمتعلِّل بعد أن تحدّى العالم كلّه بالقرآن.
ثانياً: أنّ انشقاق القمر حدث كونيّ هام، فلو وقع لرآه أهل الشرق والغرب، ودوّنه العلماء والمؤرّخون الأجانب وغيرهم، كما دوّنوا ما هو دونه من الأحداث.
ثالثاً: أنّ الانشقاق من الموضوعات التي لا تثبت إلاّ بالخبر المتواتر، وخبر الانشقاق من أخبار الآحاد، فلا يصحّ الاعتماد عليه في هذا الباب.
رابعاً: أنّ قوله تعالى: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) بعد قوله: (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)يدلّ على أن القمر ينشقّ حين تقوم الساعة، وأنّ المراد من الانشقاق هنا هو نفس المراد منه في قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)(2) أي يتصدّع ما فيها من الكواكب يوم القيامة.(3)
أمّا الوجه الأوّل: فإنّ ما ذكره يرجع إلى أمرين:
أ. أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يستجب لاقتراح المشركين في طلبهم الخوارق والمعجزات وأنّه أجابهم بما أمره الله تعالى وهو: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً) .

1 . الإسراء: 93 .
2 . الانشقاق:1.
3 . انظر: التفسير الكاشف: 7 / 189 ـ 190 .

صفحه 181
ب. أن الله سبحانه لم يُبق عذراً لمتعلّل بعد أن تحدّى العالم كله بالقرآن.
يلاحظ على الأمر الأوّل: صحيح أنّ النبي لم يستجب لاقتراح المشركين بل أجابهم بما أمره الله، لكن ذلك لأجل أنّ مقترحاتهم لم تكن لها صلة بصدق دعوى الرسالة، بل كانت بين أمر مستحيل أو أمر لا ربط له بالنبوّة، أو ناقض لهدف الرسالة، ويظهر ذلك بملاحظة الآيات الواردة في سورة الإسراء، فقد اقترحوا عليه أُموراً :
منها: ما هو مستحيل كالإتيان بالله والملائكة قبيلاً.
ومنها: ما لا صلة له بإثبات النبوة والرسالة كأن تكون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جنة من نخيل وعنب، أو يكون له بيت من زخرف .
ومنها: ما هو ناقض لبعث الرسول كإسقاط السماء على رأسهم وإماتتهم، ففي هذا المقام قال: (سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً) وليس المقام الذي نحن في صدده من هذا القبيل.
نعم بقي هنا شيء: وهو قولهم (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا)(1) فلماذا لم يقم به النبي مع أنّ تفجير الينبوع ليس بأقل من شقّ القمر؟
والجواب: أنّه لو قام به لحظة أو لحظات كشقّ القمر لرموه بالسحر، ولو قام به على وجه الاستمرار فهو على خلاف سنن الله في حياة الإنسان فقد بنى حياته على التمسّك بالأسباب الطبيعية لا على الإعجاز.

1 . الإسراء: 90 .

صفحه 182
ويلاحظ على الأمر الثاني: أنّ ما ذكره صحيح، فالله سبحانه لم يبق عذراً لمتعلّل بعد أن أنزل القرآن الكريم وتحدّى به العالم.
ولكنّه لا ينافي دعم تلك المعجزة الباهرة ببعض المعجزات الأُخرى، فإنّ الناس على أصناف :
صنف منهم ربما يكتفي بسماع القرآن الكريم وتحدّي النبي به.
وصنف آخر ربما يطلب معجزة ملموسة حتى يقتنع بأنّه وحي منزل.
ولو صحّ ما ذكره فمعنى ذلك أنّه لم تصدر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)آية معجزة غير القرآن الكريم، مع أنّه غير صحيح لتضافر الروايات على صدور معجزات كثيرة في مواقع مختلفة، ويكفي في ذلك الرجوع إلى الكتب التي أُلفت حول معاجز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وكراماته، فإنّ كلّ واحدة منها وإن لم يكن أمراً قطعيّاً، لكن المجموع من حيث المجموع متواتر معنى أو متواتر إجمالاً.(1)
وقد ألّف الشيخ الحرّ العاملي في هذا الموضوع كتاباً أسماه: «إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات» وذكر فيه معاجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأسانيد استخرجها من كتب الشيعة والسنّة.
أمّا الوجه الثاني: فإنّ ما ذكره يرجع إلى أمرين:
أ. أنّه إذا كان هناك انشقاق لرآه الناس في عامّة المناطق ونقلوه إلى الأجيال المتأخّرة.

1 . لاحظ: مفاهيم القرآن: 4 / 89 ـ 107 .

صفحه 183
ب. لو كان هناك انشقاق لرصده أصحاب المراصد في البلاد المتحضّرة .
يلاحظ على الأمر الأوّل: بأنّ القمر يُرى في نصف الكرة الأرضية لا في جميعها، فلابد من إسقاط نصف مجموع سكان الكرة من إمكانية رؤية حادثة شق القمر وقت حصولها، ثم إنّه من الممكن أن يغفل عن هذه الآية أكثر الناس في النصف الباقي ، لأجل الليل، مضافاً إلى احتمال وجود الغيوم في قسم كبير من السماء وبذلك تتعذّر رؤية القمر لسكان تلك المناطق.
على أنّ الحوادث السماوية إنّما يُلتفت إليها إذا كانت مصحوبة بصوت كما في الصاعقة أو بظلمة كما في الخسوف والكسوف، أمّا إذا خلت عن الصوت والظلمة فقلّما يلتفت إليها الناسُ.
ويلاحظ على الأمر الثاني: بما ذكره السيد الطباطبائي حيث قال: إنّ الحجاز وما حولها من البلاد العربية وغيرها لم يكن بها مرصد للأوضاع السماوية، وإنّما كان ما كان من المراصد بالهند والمغرب من الروم واليونان وغيرهم، ولم يثبت وجود مرصد في هذا الوقت، وهو على ما في بعض الروايات كان أوّل الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة سنة خمس قبل الهجرة.
على أن بين بلاد الغرب التي كانوا معتنين بهذا الشأن وبين مكة من اختلاف الأُفق ما يوجب فصلاً زمانياً معتدّاً به، وقد كان القمر ـ على ما في بعض الروايات ـ بدراً وانشقّ في حوالي غروب الشمس حين طلوعه ولم يبق على الانشقاق إلاّ زماناً يسيراً ثم التأم وطلع على بلاد الغرب وهو ملتئم ثانياً .

صفحه 184
على أنّا نتّهم غير المسلمين من أتباع الكنيسة والوثنية في الأُمور الدينية التي لها مساس نفع بالإسلام .(1)
ويلاحظ على الوجه الثالث: بأنّ الروايات الواردة حول انشقاق القمر عند السنّة مستفيضة، بل صرّح بعضهم بتواترها، وأمّا عند الشيعة فذكرنا أنّها أقلّ عدداً ممّا هي عليه عند السنّة، وأدنى مرتبة من حيث الاعتبار (حسب موازين علم الرجال عندنا).
ويلاحظ على الوجه الرابع: أنّه بعيد من مثله جدّاً، اذ لا ملازمة بين اقتراب الساعة في الزمان الماضي وانشقاقه فيه، بل يجب التفكيك بين الأوّل والثاني بشهادة الآية الثانية: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ).
وبالجملة فهذه الوجوه لا تصدّ المفسّر عن الأخذ بظهور الآية .

دليل المنكرين الجدد

هذه الوجوه هي التي استند إليها المتقدّمون وهناك مَن ينكر الواقعة اعتماداً على العلوم الحديثة، وقال: إنّ الانشقاق لا يقع إلاّ ببطلان التجاذب بين الشقّين وحينئذ يستحيل الالتئام، فلو كان منشقّاً لم يلتئم أبداً.(2)
يلاحظ عليه: أنّ المستشكل لم يقف على واقع الإعجاز، فإنّ المعجزة تستند إلى قدرة قادرة غير متناهية وهي قدرة الله تبارك وتعالى، فالذي أوجد التجاذب بين أجزاء القمر، فله أن يبطله آناً، ثم يعيده إليه مرّة أُخرى.
والحق أنّ مَن يتبنّى أمثال هذه الدعاوي من مصاديق : (وَمَا قَدَرُوا اللهَ

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 64 ـ 65 .
2 . لاحظ : الميزان في تفسير القرآن:19/65.

صفحه 185
حَقَّ قَدْرِهِ)(1) ولم يعرفوه.
ثم إنّ القول بعدم الانشقاق لبعض هذه الوجوه ربما ينجرّ إلى القول ببطلان المعراج خصوصاً على القول بأنّه من المسجد الأقصى إلى السماوات إلى سدرة المنتهى، فإنّ المعراج بهذا المعنى محفوف بأُمور لا تنسجم مع العلم الحديث وقوانينه، فإنّ عروجه إلى السماوات يتوقّف على إبطال جاذبية الأرض أوّلاً، وإبطال نظرية «آينشتاين» من تحول المادة إلى طاقة إذا تحركت بسرعة الضوء ثانياً، مع أنّ سيره (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أسرع من ذلك، إلى غير ذلك من الضوابط التي أثبتها العلم للأُمور الطبيعية وهي في نفسها خاضعة للقدرة الإلهية، فله أن يثبتها في مورد، ويبطلها في مورد آخر.
نعم يجب على المحقّق أن لا يعتمد على الروايات الضعيفة في بيان كيفية انشقاق القمر، فقد أُضيفت إليها أُمورٌ أشبه بالخرافة، فقالوا: بأنّ القمر شقّ شقّين على جبلين أو في كمّين ثم رفعا إلى السماء فانضم كلّ إلى الآخر، إذ في سقوط القمر على الجبلين أو الكمّين قضاء على أهلهما، ونظير الانشقاق معراج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّ الأحاديث الواردة فيه بين صحيح ومحتمل ومكذوب حسب ما ذكره الطبرسي عند تفسير قوله سبحانه: (سُبْحَانَ الذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ)(2).
فعلى العلماء الواعين أن يجرّدوا كتب الأحاديث والتفاسير من الموضوعات والخرافات حتى لا يعتقد بصحّتها قليلو المعرفة والسُّذَّج من

1 . الأنعام:91; الزمر:67.
2 . الإسراء: 1 .

صفحه 186
الناس. هذا أوّلاً، وثانياً: حتى لا تكون سبباً لإعراض العقلاء عن آيات القرآن الباهرة.
3. (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْر مُسْتَقِرٌّ):
لمّا حكى سبحانه في الآية المتقدّمة وصفَهم انشقاق القمر بالسحر المستمرّ، وأنّ محمداً يسحر الناس بأفعاله مرّة بعد أُخرى، صرّح هنا بأنّهم قد واجهوا كلّ ما أتى به النبيّ من آيات بالتكذيب، مستجيبين في ذلك لدواعي الأهواء التي زيّنت لهم مقالاتهم الفاسدة كما قال: (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ).
ثم إنّ البيان القرآني عاد إلى تسلية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بتهديد المشركين بقوله: (وَكُلُّ أَمْر مُسْتَقِرٌّ)أي مُنته إلى غاية يتبيّن عندها حال كلّ شيء من كونه سحراً أو حقيقة أو كونه صدقاً أو كذباً.
سورة القمر: الآيات 4 ـ 8    

الآيات: الرابعة إلى الثامنة

(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْء نُكُر * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ).

المفردات

مُزدجَر: مصدر ميمي بصورة اسم المفعول مأخوذ من زجر، فإذا صيغ

صفحه 187
من باب الافتعال يكون (ازتجر) والضابطة في التاء بعد الزاي قلبها إلى الدال، فصار (ازدجر) والمصدر الميمي هو المزدجر، وأُريد به هنا الزاجر والناهر والمانع.
حكمةٌ بالغة: أي واصلة غايةَ الإحكام. ورفع (حكمة) على أنّها خبر لمبتدأ محذوف، أو بدل من (ما) في قوله:(مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ).
«فما»: ما: للنفي لا للاستفهام.
النُّذُر: جمع نذير، أو منذر. ولكن أُريد في الآية المعنى المصدري أي الإنذارت.
الداعِ: حذفت الياء لأنّ الكسرة تدلّ عليها، وإثبات الياء فيه أجود كما في قوله تعالى: (يَوْمَئِذ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ )(1) .
نُكُر: الأمر الصعب الذي لا يُعرف.
الأجداث: جمع جدث، بمعنى القبر.
مُهطعين: من هطَع: والإهطاع الإسراع في المشي، أو مدّ العنق للاستماع والرؤية.

التفسير

4. (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ):
لمّا ورد في الآيات السابقة أنّ المشركين كذبوا النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . طه: 108 .

صفحه 188
ووصفوا معجزته الكبرى بالسحر، واتّبعوا الأهواء مكان متابعة الحق، عاد البيان القرآني لتحذيرهم، بالاعتبار بما مرّ على الأُمم السابقة التي كذبت برسالات السماء وأنّ في أنباء هؤلاء دروساً وعبراً، كما يقول: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ) أي الأخبار العظيمة عن الأُمم الهالكة (مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) أي فيه عبرة وعظة، فيجب عليهم أن يتّعظوا ويعتبروا بما حلّ بهؤلاء من العذاب العظيم.
5. (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) :
أي ما جاءهم من الأخبار (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ)أي واصلةٌ غايةَ الإحكام، مفيدة لهم. والحكمة: كلمة الحق التي يُنتفع بها، والبلوغ الذي هو بمعنى الوصول كناية عن كمالها وتمامها، فالحكمة البالغة هي الحكمة التامّة الكاملة التي لا نقص فيها من حيث نفسها ومن حيث أثرها(1)، لكن (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)أي جاءهم الزاجر والواعظ ولكن لم تنفع الإنذارات ولم تُجدِ في قلع الشرك عن قلوبهم والضلالة عن أرواحهم، وما هذا إلاّ لتسلّط العناد واللجاج عليهم، وعند ذلك أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالتولّي عنهم كما قال:
6. (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْء نُكُر):
لمّا أعرض القوم عن تلك العظات الزاجرة، ولم يُعيروا أدنى اهتمام لتلك الإنذارات، عناداً ومكابرة، وانطفأ أي بصيص رجاء في استجابتهم لصوت الحق، أمر سبحانه نبيّه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يُعرض عنهم ويدعهم وشأنهم، كما قال: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)،وهذا الأمر بالإعراض عنهم قد تكرّر في

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 57 .

صفحه 189
آيات أُخرى، مثل قوله: (فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)(1)، وقوله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم)(2)، فإنّك ما قصّرت في إقامة الحجّة وبيان الحق، فاللوم متوجّه إليهم دونك، لكن هؤلاء لا يُتركون على ما هم عليه سُدىً، بل سيُجزون جزاء العناد في يوم خاص وهو (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْء نُكُر)أي في يوم يدعوهم الداعي إلى شيء غير معهود ولا معروف بل إلى أمر فظيع مهول لم يَروا مثله، وأمّا من هو الداعي، فلم يُذكَر في الآية.
وأمّا ما هو المراد من هذا اليوم، فقد فسّرته الآية التالية.
7. (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ):
أي يوم يخرجون من قبورهم (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ)، أي ذليلةً خاضعةً أبصارهم من شدّة الهول، فالذلّة من أوصافهم لكن نُسبت إلى الأبصار لأنّها مثل العزّة تظهر آثارها في الأبصار قبل كلّ شيء. أجل، إنّهم يخرجون من قبورهم إلى موقف الحساب فزعين مدهوشين، و (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ)في الكثرة والاختلاط بعضهم ببعض، حيث إنّ الجراد ينتشر في الهواء على غير نظام ودون غاية، ويركب بعضه فوق بعض، وقد يبلغ سرب الجراد ـ عندمايهاجر ـ عدّة ملايين، كما تبلغ أسرابها من الضخامة في بعض الأحيان ما يؤدّي إلى حجب أشعة الشمس.(3)

1 . النجم: 29 .
2 . الذاريات: 54.
3 . الموسوعة العربية العالمية:8/252.

صفحه 190
8 . (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ):
ثم يصف سبحانه هؤلاء السائرين إلى جهة الداعي بقوله: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ)أي مسرعين إليه أو مادّين أعناقهم لاستماع كلام الداعي، فإذا قوبلوا بالعذاب الذي كانوا ينكرونه (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) أي يومٌ شديدٌ، حساباً وعذاباً.
سورة القمر: الآيات 9 ـ 17   

الآيات: التاسعة إلى السابعة عشرة

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَ قَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ* فَدَعَا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُنْهَمِر * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاح وَدُسُر * تَجْري بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر* فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر) .

المفردات

فانتصر: أي انتقم.
منهمر: الانهمار: الانصباب.
دُسُر: المسامير التي تشدّ بها السفينة، واحدها: دِسار أو دَسْر.

صفحه 191
كُفِرَ: أي كُفر به وجُحد، وهو نوح (عليه السلام).
مدّكر: أصله من (ذكر)، فإذا صيغ من باب الافتعال يصير (مذتكر) فتقلب التاء دالاً حسب الضابطة، ولأجل وجود الثقل بين الدال والذال، تقلب الذال دالاً، وتدغم الدالان فيكون مدّكر، ويراد به المعتبِر.

التفسير

كانت الآيات الماضية تتضمّن عرضاً إجمالياً للأُمم المكذبة ومصيرها في يوم القيامة دون الإشارة إلى أسمائهم وأوصافهم، وبما أنّ في بيان المصاديق حكمة ملموسة عاد البيان القرآني إلى بيان بعض المصاديق، ولكن على وجه الإشارة السريعة لأنّه فصّل حياة الأنبياء مع أقوامهم في سور مختلفة، وبدأ هنا ببيان قوم نوح وتكذيبهم، وقال:
9. (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَ قَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ):
افتتح سبحانه إنذاره ببيان تكذيب قوم نوح، وهذا يشعر بأنّه(عليه السلام) شيخ الأنبياء ذوي الدعوات الإصلاحية في المجتمع، ولم يكن قبله أي نبيّ يمثل ذلك، ولو وُجدوا لكانت دعوتهم منحصرة بما تحكم به عقولهم وفطرتهم من عبادة الله وشكره والعمل بالعدل والاجتناب عن الظلم. ومهما يكن فقد قال سبحانه مشيراً إلى هؤلاء القوم: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ)أي قبل مشركي قومك ومترفيهم (قَوْمُ نُوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)فعبّر عن نوح بقوله: (عَبْدَنَا)للإشارة إلى أنّه كان مبعوثاً بالدعوة إلى توحيد الله سبحانه ومكافحة الوثنية، ولم

صفحه 192
يقتصروا على مجرّد التكذيب، وإنّما ألصقوا به تهمة الجنون كما قال: (وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ)وقوله: (وَازْدُجِرَ)إخبار من الله سبحانه أي أنّه أوذي وزجر، كأنّه قال: كذبوا وآذوا عبدنا .
ثم إنّ اتّهامهم إيّاه بالجنون شنشنة أعرفها من كلّ فئة تناهض المصلح الذي يدعو الناس إلى التخلّي عن أعرافهم وتقاليدهم الفاسدة; لأنّ الميزان لكون الإنسان عاقلاً أو مجنوناً عند هؤلاء هو أن من يصافق المجتمع في أعرافه ـ وإن كانت باطلة ومضرّة ـ فهو بنظرهم عاقل لأنّه يكتسب بذلك منافعه الدنيوية، وأمّا مَن يخالف أساس المجتمع وأعرافه فهو بنظرهم مجنون لأنّه يبقى فرداً أمام الجماعة، ولذلك نرى أنّ الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)اتُّهم بالجنون أيضاً، كما يقول: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لََمجْنُونٌ)(1) بل يظهر من بعض الآيات أنّ أكثر الأنبياء أو كلّهم اتُّهموا بالجنون، قال سبحانه: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)(2).
سورة القمر: الآيات 9 ـ 17    
فلما أتمّ الحجة عليهم ويئس من إيمانهم، وقد لبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، لم يجدْ بُدّاً إلاّ الدعاء عليهم بالإهلاك، كما قال:
10. (فَدَعَا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) :
فلم تكن غلبتهم بالحجّة والبرهان وإنّما كانت بالقهر والأذى، ولذلك استحقوا الدعاء عليهم حتى ينتقم الله سبحانه منهم، وتشير بعض الآيات إلى أنّ شيخ الأنبياء لم يطلب الانتقام فور إعراضهم عنه وصدّهم عن رسالته،

1 . القلم: 51 .
2 . الذاريات: 52 .

صفحه 193
وإنّما طلبه بعد لأْي من الدهر ومرور من الزمان وبعدما أيقن أنّ بقاءهم لا نفع فيه ولا فائدة، بل يكمن فيه ضرر وخطر عظيمان، كما حكى الله سبحانه قوله(عليه السلام): (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَ لاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا)(1) .
11 و 12. (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُنْهَمِر * وَ فَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ) :
لمّا دعا نوح (عليه السلام)على قومه وطلب من الله الانتصار والانتقام، استجاب الله دعاءه، وقضى جلّت قدرته، بأن يهلكهم غرقاً، وتحقّق ذلك بفتح أبواب السماء (بِمَاء مُنْهَمِر) منصبّ انصباباً شديداً، وبتفجير الأرض على شكل عيون كما قال: (وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)وأصله فجّرنا عيون الأرض لكن أُوقع التفجير على الأرض ونُصِبَ «عيون» على التمييز مبالغة وتأكيداً، والمعنى جعلنا الأرض كلّها كأنّها عيون تنفجر، فعند ذلك تحقّق قوله: (فَالْتَقَى الْمَاءُ)أي الماءان ـ ماء السماء وماء الأرض ـ على (أَمْر قَدْ قُدِرَ) أي قدّره الله بما فيه هلاك القوم .
قال الشريف الرضي: قوله سبحانه: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ)أي اختلط ماء الأمطار المنهمرة بماء العيون المنفجرة، فالتقى ماءاهما على ما قدّره سبحانه من غير زيادة ولا نقصان، وهذا من أفصح الكلام وأوقع العبارات عن هذه الحال.(2)

1 . نوح: 26 و 27 .
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:272.

صفحه 194
ويظهر من بعض الآيات أنّ الماء عمّ الجبال، حيث إنّ ابن نوح لمّا أبى أن يلبّي نداء أبيه بركوب السفينة، و (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَ حَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)(1) .
ولمّا كان في استيلاء الماء على جميع الأرض إيهام بشمول الهلاك لنوح والمؤمنين به، بيّن سبحانه في الآيات التالية كيفية نجاتهم من الهلاك وقال:
13. (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاح وَ دُسُر) :
والمراد من حمله على ذات الألواح والدسر، هو الحمل على السفينة، فإنّه(عليه السلام) قد صنعها يوم ذاك بتعليم من الله وتسديده، من ألواح الخشب والمسامير ولكنّها استطاعت أن تحمل نوحاً(عليه السلام) ومن آمن معه، وتحملَ من كلّ جنس من أجناس الحيوانات زوجين اثنين(2)، وأنْ تقاوم تلك الأمواج العاتية(3) في خضم ذلك الطوفان الهادر وتستقرّ سالمةً بأهلها، على الجوديّ، وما ذلك إلاّ لأنّ عين الله تعالى كانت ترعى تلك السفينة وتكلؤها، كما قال:
14. (تَجْري بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ):

1 . هود: 43.
2 . قال تعالى:(قلنا احمل فيها من كلّ زوجين اثنين وأهلك إلاّ من سبق عليه القول و من آمن)(هود:40).
3 . قال تعالى:(وهي تجري بهم في موج كالجبال)(هود:42).

صفحه 195
أي بحفظنا لأنّ العين آية ذلك، فالجملة كناية عن العناية الإلهية التي شملت السفينة ومن فيها، وما جريان السفينة ونجاة من فيها من الهلاك إلاّ لكونه (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ)أي جزاء لنوح(عليه السلام) ومثوبة له لما صُنع به، حيث كفر به وبدعوته قومه.(1)
15. (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر) :
وفي غرق قوم نوح عبرة للمشركين والمعاندين أوّلاً وعبرة أُخرى للبشرية كلّها ثانياً .
والضمير في قوله: (تَرَكْنَاهَا)يعود على (ذَاتِ أَلْوَاح وَ دُسُر) والمراد به ـ كما مرّ ـ السفينة وأُريد من الترك الإبقاء وعدم الإزالة وصيانتها من البِلى، لتكون آية للآخرين تشهدها الأُمم الآتية، وقد ذكر القرآن الكريم أنّ السفينة استقرّت على جبل الجوديّ، كما قال: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ)(2) ولازم ذلك بقاء السفينة عليه.
وأمّا أين هذا الجبل فربما يقال بأنّ الجوديّ جبل قرب قرية تُسمّى «باقردي» من جزيرة ابن عمر قرب الموصل شرقي دجلة ولكنّه لا يوجد فيها أثر من السفينة. وفي عام (1951م) عثر جماعة من علماء الآثار الروس على قطع متناثرة من أخشاب متحجّرة في وادي قاف السوفيت، آرارات، ومن بينها لوحة مستطيلة الشكل طولها(14سم) و عرضها(10سم)، تبيّن لهم بعد التحقيق أنّها من أنقاض سفينة نوح(عليه السلام) وقد شوهد على تلك اللوحة

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:19/68.
2 . هود: 44.

صفحه 196
كتابة تعود حروفها إلى أقدم اللغات، ترجمها بعض العلماء إلى اللغة الروسية، ثم ترجمها (اين ايف ماكس) أُستاذ الألسن القديمة في جامعة (مانشستر) في بريطانيا إلى اللغة الانكليزية، وهي بالعربية:«يا إلهي و يا معيني برحمتك وكرمك ساعدني، ولأجل هذه النفوس المقدسة: محمد، ايليا، شبّر، شبير، فاطمة، الذين جميعهم عظماء... ساعدني...). ويراد بايليا: عليّ، وبشبّر: الحسن، وبشبير: الحسين(عليهم السلام).
لقد ترك الله هذه السفينة الآية، وما على لوحتها من آية، تركها آية للعالمين، وتذكرة للمدّكرين .(1)
ثم إنّه سبحانه كما ترك سفينة نوح لتكون آية وعبرة للعالمين، فقد ترك أيضاً بدن فرعون ليكون كذلك وقال: (فَالْيَوْمَ نُنَجّيِكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)(2).
16. (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَنُذُرِ) :
هل الآية خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو لعامّة الناس؟
الثاني أنسب، والاستفهام ليس استفهاماً حقيقياً وإنّما الغاية من إيراده هو إلفات نظر السامعين إلى عذاب المكذِّبين وإنذار المنكرين، أي انظروا كيف كان عذابي ونذري.

1 . تفسير الفرقان: 27 / 487، 29/90ـ 93. وفيه أنّ هذا الخبر نشرته المجلات والجرائد الروسية والبريطانية والمصرية، ومنها مجلة (ريكلي ميرر) الأسبوعية اللندنية، العدد الصادر في 28 كانون الأول من عام (1953م)، وجريدة الهدى القاهرية في 30 مارس 1952م.
2 . يونس: 92.

صفحه 197
إنّما الكلام في (نُذُرِ) جمع نذير، فهل هو بمعنى المنذر، أو أُريد به المعنى المصدري أي الإنذار؟
الظاهر هو الثاني، وذلك لأنّ التكذيب إذا تعلّق بالأنبياء والرسل يتعدّى بنفسه، كما في قوله سبحانه: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ)(1)، وقوله: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ)(2)، وأمّا إذا تعلّق بالآيات فيتعدّى بحرف الجرّ كما يقول: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ)(3).
هذا والله سبحانه يذكر في قصة ثمود قوله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) فذكر التكذيب بحرف الجرّ، وهذا دليل على أنّ المراد بالنذر في هذه الآية والآيات التالية هو الإنذار، لا النذير بمعنى المنذر، وإلاّ لجرّد من حرف الجرّ، فيكون المعنى: فكيف كان عذابي وإنذاري؟ لكن حُذفت الياء رعاية لفواصل الآيات.
17. (وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر):
أي سهّلنا القرآن للاتّعاظ بقصصه حيث تجمع كلّ حكمة كافية لهداية الناس، فهل من متذكّر ومعتبر يعتبر بها ؟
ثم إنّ هذه الآية قد تكرّرت بعد كلّ قصّة ومشهد، و الغاية من التكرار هي إلفات نظر المستمع إلى يُسر القرآن لمن أراد التذكّر.

1 . الحجر: 8 .
2 . الشعراء: 176 .
3 . الأعراف: 37 ويونس: 17 .

صفحه 198
إنّما الكلام في كيفية تيسير القرآن الكريم.
لا شكّ أنّ القرآن نزل بلسان عربي مبين، والذي صار سبباً ليسر القرآن للقراءة والتلاوة أو للتنبّه والتذكّر أو للحفظ عن ظهر قلب، هو الأُمور التالية:
أ. فصاحة ألفاظه وجمال عباراته.
ب. بلاغة معانيه وسموّها.
ج. روعة نظمه وتأليفه، وترابط كلماته وتناسق آياته.
د. بداعة أُسلوبه الذي ليس له مثيل في كلام العرب.
هـ . اللحن المتجانس للآيات كلّ مع الآخر، ويتجلّى ذلك في السور المكّية أكثر من غيرها، كما في آيات سورة التكوير وأمثالها.
وهذه الأُمور هي التي صارت سبباً ليسر القرآن وانجذاب النفوس إليه بحيث إذا قرع السمع ووصل إلى القلب، يحسّ الإنسان فيه لذة وحلاوة من جانب، وروعة وهيبة من جانب آخر، تقشعرّ منه الجلود، وتلين له القلوب، وتنشرح به الصدور، وتغشى النفوس خشية ورهبة ووجداً وانبساطاً خصوصاً إذا قرئ القرآن بألحان العرب، كما أمر بالقراءة بها .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لكلّ شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن».(1)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «زيِّنوا القرآن بأصواتكم»(2).
سورة القمر: الآيات 18 ـ 22    
كلّ ذلك صار سبباً ليسر القرآن في صور مختلفة، وإنّ القرآن ـ مع كونه

1 . الكافي: 2 / 615، كتاب فضل القرآن، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، برقم 9.
2 . مستدرك الوسائل: 1 / 295 .

صفحه 199
نثراً منثوراً ـ لكن يختلف عن مشابهه بيسر الحفظ، إذ قلّما يمكن حفظ نثر غير القرآن الكريم، وما هذا إلاّ لفقدانه للمزايا التي يمتاز بها القرآن.
بقيت هنا كلمة وهي: أنّه سبحانه هو الرحمن الرحيم فكيف يعذب قوماً تركوا قبول دعوة رسله وأنبيائه؟ فهل يستحق التارك لهذا النوع من العذاب، إذ ليس رسالة السماء بالنسبة إلى الناس إلاّ هدية من الله إلى عباده، وردّ الهدية يوجب الحرمان لا النقمة والعذاب؟ فما هو وجه التعذيب؟
والجواب: إنّ الهدية على قسمين:
1. هدية تتعلّق بالحياة المادية من الطعام واللباس فإنّ رفضها لا يسبب إلاّ حرمان الإنسان من هذه النعمة .
2. هدية إلهية تكمن فيها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة وهي نعمة كبيرة منه سبحانه فرفض هذه الهدية إهانة للمُهدي سبحانه، فيستحق رافضها العذاب الذي عمّ هؤلاء المكذّبين، على أنّ العذاب يمكن أن يكون تجسيداً لنفس عملية الرفض وظهوراً بوجوده الأُخرويّ.

الآيات: الثامنة عشرة إلى الثانية والعشرين

(كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْس مُسْتَمِرّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل مُنْقَعِر * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ * وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر).

صفحه 200

المفردات

صَرصراً: من الصرّ، وذلك يرجع إلى الشدّ لما في البرودة من التعقّد.(1)والمراد شدّة الصوت حيث إنّ «صرصر» يحاكي صوت الريح الشديد.
النحس: سوء الحال.
الأعجاز: أُصول النخل.
منقعر: القعر: نهاية أسفل الشيء، فمعنى (أَعْجَازُ نَخْل مُنْقَعِر) أي ذاهب في أصل الأرض، ولذلك يقال: انقعرت الشجرة أي انقلعت من جذورها.

التفسير

تقدّم أنّ الله سبحانه ذكر للعبرة حياة أقوام قاموا بوجه الأنبياء المرسلين إليهم، وذكر منهم خمسة أقوام أوّلهم ـ كما مرّ ـ قوم نوح، وثانيهم قوم هود الذين كانوا يسكنون الأحقاف كما في قوله سبحانه: (وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ)(2) .
وكان مصير قومه كمصير قوم نوح بداية ونهاية كما يقول سبحانه:
18. (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ) :
فأنذر قومه فقال لهم: (إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم)(3) ولكن لم

1 . المفردات للراغب: 279 .
2 . الأحقاف: 21.
3 . الأحقاف: 21 .

صفحه 201
ينفعهم إنذاره، وتمادّوا في عنادهم، فاستحقوا العقاب كما في الآية.
ويظهر من بعض الآيات أنّ هوداً أوعدهم ولكن لم يبالوا وعيده وقالوا له في تحدٍّ أرعن: (فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(1).
19. (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْس مُسْتَمِرّ):
والآية تحكي كيفية إهلاكهم وتعذيبهم، وأنّه كان بإرسال الريح الصرصر في يوم نحس أي سيّئ الحال كما قال: (فِي يَوْمِ نَحْس مُسْتَمِرّ)وهل اليوم بما هو هو كان نحساً وسوءاً، أو كانت نحوستُه لأجل الحادث المُرّ، الذي وقع فيه؟ ستوافيك حقيقة الحال في ذلك.
ولمّا كانت الريح عاتية باردة مهلكة واستغرقت سبع ليال وثمانية أيام متتالية، فقد تناثرت أشلاء القوم على وجه الأرض، كما يقول :
20. (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل مُنْقَعِر):
فصاروا كأنّهم أُصول نخل اجتُثّت من جذورها وطُرحت على الأرض.
21. (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ) :
أي كيف ترَون عذابي وإنذاراتي لمن نصب العناد في وجه أنبيائه؟
22. (وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر):
تقدّم تفسير الآية. وبما أنّه سبحانه سلّط عليهم الريح سبع ليال وثمانية

1 . الأحقاف: 22.

صفحه 202
أيام كما جاء في سورة الحاقّة (1)، فيكون هذا قرينة على أنّ المراد من اليوم في قوله: (يَوْمِ نَحْس)هو الزمان لا اليوم في مقابل الليل، وإطلاق اليوم وإرادة مطلق الزمان شائع في لغة العرب، كما يقال: الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك.

كلام في نحوسة الأيام

من الأفكار الشائعة بين الناس نحوسة بعض الأيام مقابل السعودة في البعض الآخر، وكأنّ الأيام بالذات تنقسم عندهم إلى قسمين: نحس وسَعْد، وقد سرت هذه الفكرة إلى الأعداد فصار الرقم (13) عدداً نحساً حتى أنّ بعض الناس يعزف عن وضع اللوحة التي تحمل الرقم (13) على باب داره، ومنهم من يضع مكانها لوحة يُكتب فيها (12 + 1)!!
ولنا أن نسأل هل لهذه الأفكار رصيد من العقل والشرع، أو لا؟
والجواب رهن دراسة الآيات والروايات المتعلّقة بالموضوع، فنقول:
يظهر من بعض الآيات كون الأيام بتمامها أياماً مباركة، قال سبحانه: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلكِ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ)(2).
فالله قد خلق الأرض وجعلها مباركة في تلك الأيام (وإن كانت أزمانها غير أزمان أيامنا هذه)، فكيف توصف الأيام بالنحس؟

1 . الحاقة: 6 و 7 .
2 . فصلت: 9 و 10 .

صفحه 203
وقال تعالى في آية أُخرى: (الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور) (1) نرى أنّه سبحانه ينفي وجود أي ثغرة في خلق الرحمن ولا يوجد عيب أو نقص فيه، فعالم الخلق كأنّه موجود واحد منسجم المكونات يشدُّ بعضه بعضاً.

وصف الأيام بالسعد والنحس حسب الحوادث

قد عرفت أنّ الزمان بما هو هو لا يوصف بالنحس ، ولكن ربما يوصف به أو بالسَّعْد بحسب الحوادث الواقعة فيه، ومثال ذلك أنّه سبحانه يصف ليلة القدر بأنّها ليلة مباركة ويقول: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ)(2)، كما أنّه يصف أيام هلاك قوم هود بالنحسات ويقول: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّام نَحِسَات لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ لَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَ هُمْ لاَ يُنْصَرُونَ)(3) فكون هذه الأيام أيام نحسات باعتبار هلاك القوم فيها. والحقّ أنّ النحوسة في وجودهم، ولكن وصفت الأيام بها باعتبار كونها ظرفاً لها.
ويظهر من بعض الآيات أنّه يحق للإنسان أن يتّخذ اليوم الذي نزلت فيه الخيرات عيداً يحتفل فيه ويُسرّ، كما هو الحال في اليوم الذي نزلت فيه المائدة من السماء على المسيح (عليه السلام)وحواريّيه حيث اتّخذه سيدنا المسيح عيداً كما حكى عنه سبحانه: (رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا

1 . الملك: 3 .
2 . الدخان: 3.
3 . فصّلت: 16 .

صفحه 204
لأَوَّلِنَا وَ آخِرِنَا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنَا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(1).
فاليوم الذي نزلت فيه المائدة لا يختلف عن اليوم الذي قبله أو بعده، فإنّ اليوم يحدث نتيجة دوران الأرض حول نفسها، وهي بالنسبة إلى الجميع على السواء، وإنّما تختلف بعض الأيام باحتضانها حوادث سعيدة أو حوادث مريرة.
هذا ما يستفاد من الآيات وتؤيده الأحاديث والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)نذكر منها ما يلي:
1. عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إذا تطيّرتَ فامض، وإذا ظننت فلا تقض، وإذا حسدتَ فلا تبغ».(2) والتطيّر هو التشاؤم.
2. وعن بريدة بن الحصيب: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان لا يتطيّر من شيء.(3)
3. روى الشيخ الجليل ابن شعبة الحرّاني عن الحسن بن مسعود الذي هو من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام)قال: دخلت على أبي الحسن عليّ بن محمد (عليهما السلام)وقد نُكبت أصبعي وتلقاني راكب وصدم كتفي ودخلت في زحمة فخرّقوا عليَّ بعض ثيابي، فقلت: كفاني الله شرَّك من يوم فما أشأمك؟
فقال (عليه السلام)لي: «يا حسن هذا وأنت تغشانا ترمي بذنبك من لا ذنب له».
قال الحسن: فأثاب إليّ عقلي وتبيّنت خطائي، فقلت: يا مولاي أستغفر الله، فقال: «يا حسن ما ذنب الأيّام حتى صرتم تتشأّمون بها إذا جوزيتم بأعمالكم فيها»، قال الحسن: أنا استغفر الله أبداً، وهي توبتي يا ابن

1 . المائدة: 114 .
2 . تحف العقول:50.
3 . سنن أبي داود:731، كتاب الطب، باب في الطّيرة، برقم 3920.

صفحه 205
رسول الله؟ قال (عليه السلام): «والله ما ينفعكم ولكن الله يعاقبكم بذمّها على ما لا ذمّ عليها فيه، أما علمت يا حسن أنّ الله هو المثيب والمعاقب والمجازي بالأعمال عاجلاً وآجلاً؟». قلت: بلى يا مولاي. قال (عليه السلام): «لا تَعدْ ولا تجعل للأيّام صنعاً في حكم الله» قال الحسن: بلى يا مولاي .(1)
4. روى الصدوق (رحمه الله) بإسناده عن محمد بن أحمد الدقّاق البغدادي قال: كتبت إلى أبي الحسن الثاني (عليه السلام)]يعني الإمام الرضا[ أسأله عن الخروج «يوم الأربعاء لا يدور». فكتب (عليه السلام): «مَن خرج «يوم الأربعاء لا يدور» خلافاً على أهل الطيرة، وُقي من كل آفة، وعُوفي من كلّ داء وعاهة، وقضى الله له حاجته». وكتبت إليه مرّة أُخرى أسأله عن الحجامة يوم الأربعاء لا يدور؟ فكتب (عليه السلام): «مَن احتجم في «يوم الأربعاء لا يدور» خلافاً على أهل الطيرة عوفي من كل آفة، ووقي من كلّ عاهة، ولم تخضر محاجمه» .(2)
ترى أنّ الإمام (عليه السلام)يكافح فكرة نحوسة الأربعاء بل يؤكّد على السفر والحجامة فيه، بل كانوا(عليهم السلام)يكافحون فكرة النحوسة بعملهم أيضاً كما في الرواية التالية:
5. روى الصدوق (رحمه الله) عن محمد بن رباح القلاّء، قال: رأيت أبا إبراهيم(عليه السلام)]يعني الإمام الكاظم[ يحتجم يوم الجمعة، فقلت: جعلت فداك تحتجم يوم الجمعة؟! قال: «اقرأ آية الكرسيِّ، فإذا هاج بك الدم ليلاً كان أو نهاراً، فاقرأ آية الكرسي واحتجم»(3).

1 . تحف العقول: 483.
2 . الخصال: 2 / 386 ـ 387 .
3 . الخصال: 2 / 390 .

صفحه 206
والظاهر من الرواية أنّ الأيام بالنسبة إلى الاحتجام سواء، وإنّما أمر بقراءة آية الكرسي لأجل إزالة بعض الوسوسة عند السائل الذي ارتكزت في ذهنه نحوسة الجمعة للاحتجام .
نعم ورد في روايات عديدة ما يخالف ما ذكرنا، بَيد أنّ أكثر هذه الروايات غير معتبر، إمّا لكونها مرسلة، أو لاشتمال أسانيدها على رواة مجروحين، أو ليسوا من المعتبرين، فمن المعروف أنّ فكرة النحوسة والسعودة بالأزمان والأمكنة وغيرها قد أكّدته روايات كثيرة عند أتباع مدرسة الصحابة.
ومهما يكن، فإنّ المفهوم العام الذي حرص أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)على غرسه في الأذهان، هو أنّ للمرء، بعد أن يثق بالله سبحانه ويخلص الولاء للعترة الطاهرة... أنّ له أن يتوجّه حيث شاء، ويقصد ما شاء، متى شاء(1)، وكلّ رواية تضادّ هذا المفهوم فهي في محلّ نظر.
هذا كلّه يرجع إلى سعودة الأيام ونحوستها، ولكن يبقى الكلام في تأثير الأوضاع الفلكية للشمس والقمر والنجوم والكواكب، فلا يمكن القول بعدم تأثيرها في الحوادث الأرضية، فإنّ العالم كمدينة واحدة يؤثر بعضه في بعض، ولأجل ذلك يلزم مراعاة ما ورد من الآداب ليلة الزفاف وغيرها، والله العالم.
سورة القمر: الآيات 23 ـ 32    

1 . انظر ما رواه الشيخ الطوسي باسناده عن أبي السريّ سهل بن يعقوب بن إسحاق، عن الإمام العسكري(عليه السلام). الأمالي:276، المجلس العاشر، برقم 529.

صفحه 207

الآيات: الثالثة والعشرون إلى الثانية والثلاثين

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَل وَ سُعُر * أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ* سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ * إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْب مُحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر).

المفردات

سُعُر: السُّعر: الجنون، يقال: سُعر فلان فهو مسعور أي جُنّ فهو مجنون. هذا المعنى هو المناسب في المقام. ولكن المراد منه في قوله: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَل وَ سُعُر) النار، كما سيوافيك بيانه.
الأشِر: البطِر والمتعاظم.
شِرب: النصيب.
محتضَر: (بفتح الضاد): يحضره صاحبه في نَوبته.
هشيم: نبات يابس متكسّر.
المحتظِر: ما يجمعه صاحب الحظيرة من الحشيش اليابس لأكل الماشية.

صفحه 208

التفسير

ما تتحدّث عنه هذه الآيات هو الأُنموذج الثالث من الأقوام الذين في حياتهم وهلاكهم عِبر ودروس للمشركين، فقد عاش قوم ثمود بعد قوم عاد بشهادة قوله سبحانه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَاد)(1) وكان موطنهم بين الحجاز والشام شمالي وادي القُرى.
وقد دعاهم نبيّهم صالح(عليه السلام) بمثل ما دعا هوداً(عليه السلام) إليه وقال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)(2).
23. (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) :
فكان موقفهم من نبيّهم نظير موقف قوم عاد مع نبيّهم هود، غير أنّ هؤلاء برّروا عدم اتّباع نبيهم «صالح» في دعوته إلى التوحيد وطاعة الله وتقواه، بوجهين:
24 ـ أ. (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَل وَسُعُر):
إنّهم ينكرون أن يكون نبيهم بشراً مثلهم، ومنشأ هذا الإنكار، هو تصوّرهم أنّ النبي يجب أن يكون من جنس أرفع، منطلقين في هذا التصوّر ـ الذي لا يستند إلى أيّ أساس ـ من واقع نفسياتهم الخالية من كلّ الحسنات وأسباب الفضيلة، ولم يتصوّروا أنّ الأنبياء يحملون من الخصائص الكريمة

1 . الأعراف: 74 .
2 . الأعراف: 73.

صفحه 209
والمواهب الرفيعة، ما يجعلهم قادرين على حمل أمانة الرسالة الإلهية والدعوة إليها بكلّ جدارة.
ثمّ رتّبوا على ذلك التصوّر الساذج النتيجة التالية، وهي أنّهم لو تبعوا نبيّهم لجانبوا الصواب وفسدت عقولهم، وصاروا ضُلاّلاً ومجانين!! هكذا تنقلب المقاييس في نظر هؤلاء المستكبرين المعاندين، فيتصوّرون اقتفاء رسل الله ضلالاً وجنوناً!!
25 ـ ب . (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ):
لمّا رأوا أنّه (عليه السلام) مثلهم ومن نوعهم، وأنّه لا ميزة له عليهم، أنكروا إنزال الوحي عليه من الله، واختصاصه به من دونهم، وعلّلوا دعواه بذلك، بحبّ الترفّع والتكبّر والتعالي عليهم لكن:
26. (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ) :
أي (سَيَعْلَمُونَ غَدًا)أي يوم القيامة (مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ) فهل هو النبيّ صالح(عليه السلام) أو مَن أعرض عنه واتّهمه بالاختلاق والرغبة في أن يتعاظم ويترأّس عليهم؟ والمراد: أنّهم هم الكذّابون الأشِرون، لكن أورد ذلك مورد الإبهام إيماءً إلى أنّه ممّا لا يكاد يخفى.(1)
27. (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اصْطَبِرْ):
لمّا أتمّ النبي صالح (عليه السلام)الحجّة على قومه طلبوا منه أن يأتيهم بآية تدلّ

1 . روح المعاني:27/88.

صفحه 210
على صدق نبوته، وهي أن يخرج لهم ناقة من إحدى الصخور، وأشاروا إلى صخرة منفردة وقالوا: إن فعلت صدّقناك وآمنّا بك، فسأل النبي صالح (عليه السلام)ربَّه سبحانه فاستجيبت دعوته فاضطربت الصخرة كالمرأة يأخذها الطَّلْق ثم انصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء.(1)
ولم يكن إرسال الناقة إلاّ اختباراً لهم، ولذلك خاطب الله نبيّه صالح بقوله: (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ)اختباراً وامتحاناً (فَارْتَقِبْهُمْ وَ اصْطَبِرْ)أي فانتظرْهم وتبصّرْ ما هم فاعلون بها، واصبر على أذاهم.
ثم لمّا كان للناقة قداسة خاصّة، كيف وهي معجزة إلهية كبيرة أمرهم نبيّهم أن يتركوها وشأنها ترعى حيث شاءت في أرض الله، وأن يكون الماء مناصفة بينهم وبينها، وحذّرهم من التعرّض لها، وإلى التناصف في الماء كما يشير إليه قوله :
سورة القمر: الآيات 33 ـ 40    
28. (وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْب مُحْتَضَرٌ):
أي كلّ نصيب من الماء يحضره أهله لا يحضر آخر معه، ففي يوم الناقة تحضره الناقة، وفي يومهم يحضرونه، والمعنى يوم لهم ويوم لها، ولمّا كان ذلك ثقيلاً عليهم لحرمانهم من الماء في يوم الناقة تآمروا على نحر الناقة جرأة على الله واستهانة بآياته وبيّناته، كما قال:
29. (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ) :
أي نادَوا واحداً من أشرارهم فلبّى نداءهم (فَتَعَاطَى فَعَقَرَ) أي تناول

1 . مجمع البيان: 2/441 .

صفحه 211
الناقة بالعقر بأن قطع قوائمها بالسيف، فاستحقّوا بذلك عذاب الله سبحانه، كما قال:
30. (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابي وَ نُذُرِ) :
ولمّا ورد تعذيبهم في الآية على نحو الإجمال، جاء تفصيله في الآية التالية وقال :
31. (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الُْمحْتَظِرِ):
لقد جاء أمر الله بأن يُهلك هؤلاء الظالمين بصوت شديد مدوٍّ، وليس ببعيد أن يكون ذلك الصوت الذي يصاحب عادة الصاعقة السماوية، لقوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ)(1) وكانت نتيجة تلك الصيحة أنّهم صاروا كالنبات اليابس المتكسِّر الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته. وأتمّ سبحانه قصة قوم صالح بما ختم به قصة من سبقهم، كما قال :
32. (وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر) :
وقد مرّ تفسير الآية.

الآيات: الثالثة والثلاثون إلى الأربعين

(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوط

1 . الذاريات:44.

صفحه 212
نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتََمارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابي وَ نُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابي وَ نُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر).
سورة القمر: الآيات 33 ـ 40    

المفردات

حاصباً: أي ريح ترميهم بالحجارة والحصباء.
بطشتنا: البطش: تناول الشيء بصولة، يقال: يدٌ باطشة .
فتمارَوا: التماري تفاعُل من المراء وهو الشكّ، والصيغة هنا للمبالغة، فعلى هذا فتكون كناية عن التكذيب، قال تعالى: (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكَ تَتََمارى)(1).
فراودوه: المراودة: المطالبة بأمر بالرفق واللين ليعمل به مع ضرب من المخادعة، قال سبحانه: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ)(2).
طَمسْنا أعينهم: محَوناها، فعميت أبصارهم.

1 . النجم: 55 .
2 . يوسف: 23.

صفحه 213

التفسير

هذا هو المشهد الرابع الذي يعرضه القرآن الكريم لبيان حال المكذِّبين بنبوة الأنبياء والرسل، وهو مشهد قوم لوط(1)، الذي آمن بدعوة إبراهيم الخليل(عليه السلام)، الذي بعث في أرض بابل (بالعراق)، ثم رافقه في هجرته إلى الأرض المباركة، كما قال سبحانه: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(2) واستقر بعد الهجرة في أرض الأردن (حاليّاً) .
وكان قومه يزاولون أقبح الأعمال وأشنعها، وقد نهاهم لوط(عليه السلام) عنها نهياً مؤكَّداً، ولكن كانت النتيجة التولّي عنه وتهديده.
33. (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط بِالنُّذُرِ) :
أي كذّبت بإنذاراته وقد حكى سبحانه تكذيبهم في آيات آخرى وقال: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط الْمُرْسَلِينَ)(3).
وبما أنّهم كانوا يقطعون الطريق على المارّة ويمارسون معهم عمليات السلب والشذوذ الجنسي ويتعاطون في مجالسهم كلّ منكر ورذيلة وفساد، ولم يُصغوا لنصائح نبيّهم وإنذاراته بالإقلاع عن تلك الآثام، فقد استحقّوا النقمة وحلول العذاب بهم، كما قال:
34. (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوط نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر) :

1 . ورد في كتب الأنساب وغيرها أنّ لوطاً(عليه السلام) كان ابن أخي إبراهيم(عليه السلام).
2 . العنكبوت: 26.
3 . الشعراء: 160 .

صفحه 214
فقد أهلكهم سبحانه بإمطار حجارة من سجيل عليهم كما قال: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل)(1)، وهذا هو المراد من قوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا).
ثمّ أشار سبحانه إلى الناجين من ذلك العذاب الإلهي، وإلى سبب إنجائهم فقال:(إِلاَّ آلَ لُوط نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر)أي خلصناهم في وقت السحر من ذلك العذاب الذي أصاب قومه، وهذا يدلّ على أنّه لم يؤمن بلوط من قومه أحد.
أمّا سبب الإنجاء، فكشف عنه قوله:
35. (نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) :
أي إنّ إنجاء آل لوط كان نعمة أنعمنا بها عليهم لأنّهم كانوا شاكرين غير كافرين بنعمة الله التي هي دعوة الأنبياء، وهذه سنّة من سنن الله سبحانه كما يقول: (كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ)، فسنّة الله تعالى في الشاكر هي الإنعام، وفي الكافر بتلك النعمة السماوية هي التعذيب. وقد مرّ أن ردّ الهدية الإلهية ـ أعني: دعوة الأنبياء ـ إهانة لله سبحانه وسبب للشقاء في الدنيا والآخرة.
نعم جرت سنّة الله تعالى على عدم تعذيب قوم إلاّ بعد إتمام الحجّة عليهم، وقد ركّز سبحانه على هذا في غير واحدة من الآيات وقال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(2)، ولمّا كان هناك موضع توهّم بأنّ التعذيب كان قبل تمامية الحجّة، عاد البيان القرآني إلى دفعه وقال:

1 . الحجر: 74.
2 . الإسراء: 15.

صفحه 215
36. (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتََمارَوْا بِالنُّذُرِ) :
قام النبي لوط (عليه السلام)بمهمته الرسالية حيث خوّفهم من بأس الله تعالى وعذابه ولكنّهم لم يأبهوا له ولم يرتدعوا بل راحوا يستخفّون بإنذاره قائلين: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(1)، ولذلك يقول سبحانه في المقام: (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ)لوط (بَطْشَتَنَا)أي أُخْذنا إيّاهم بالعذاب (فَتََمارَوْا بِالنُّذُرِ) أي قابلوه على وجه الجدال بالباطل.
37. (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابي وَ نُذُرِ):
قضت مشيئته سبحانه بتطهير الأرض من هؤلاء الفسقة، فأرسل ملائكة على هيئة رجال فنزلوا أوّلاً ضيوفاً على إبراهيم الخليل (عليه السلام)وأخبروه بمهمتهم، ثم انطلقوا إلى لوط فلمّا سمع ملأ قومه بنزولهم عنده، هرعوا إلى بيته بغية قضاء أوطارهم المنكرة منهم، وهذا ما يشير إليه قوله: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ)أي راودوه في أن يمكّنهم من ضيوفه، فاجتهد (عليه السلام)في إقناعهم بالعدول عن هذه الفكرة بمختلف الأساليب فلم يفلح، وعند ذاك حلّ بهم العذاب الأوّل وهو أنّه سبحانه أعمى أبصارهم فلم يروا شيئاً كما قال: (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ)، وهذا هو العذاب الأوّل الخاصّ بالمهرعين إلى بيته، ومن هنا عقّب عليه بقوله: (فَذُوقُوا عَذَابي وَ نُذُرِ)وهو غير العذاب العام الذي شمل القوم جميعاً، والذي نزل بهم في صباح اليوم التالي، كما قال:

1 . العنكبوت: 29.

صفحه 216
38. (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ):
أي أتاهم العذاب صباحاً حتى هلكوا جميعاً، ولقد كان هلاكهم بأنواع من العذاب:
أ. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ)(1).
ب. (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين)(2).
ج. (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا )(3).
فقوله تعالى في الآية: (بُكْرَةً)بمعنى أوّل النهار وهو الصبح، وقوله: (عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ) كناية عن استئصالهم عن آخرهم، فإنّ العذاب الدائم لا يترك شيئاً.
39. (فَذُوقُوا عَذَابي وَ نُذُرِ) :
وقد كرّر هذه الآية في هذا المشهد مرتين، الأُولى خاطب بها الذين طُمست أعينهم من قوم لوط(عليه السلام) الذين راودوه في بيته عن ضيفه، والأُخرى خاطب بها قوم لوط بأجمعهم بعد نزول العذاب عليهم جميعاً.
40. (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر):
مرّ عليك تفسير الآية .
سورة القمر: الآيتان 41 ـ 42    

1 . الحجر: 73.
2 . الذاريات: 33.
3 . الحجر: 74 .

صفحه 217

الآيتان: الحادية والأربعون والثانية والأربعون

(وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيز مُقْتَدِر) .

التفسير

هذا هو المشهد الخامس من مشاهد حياة الطغاة ومصائرهم التي عرضها القرآن في هذه السورة، وهو يتحدّث عن لقاء نبي الله موسى (عليه السلام)بفرعون مصر وطاغوته، وإنذاره وتحذيره له، وقد ورد حديث اللقاء وردّ فرعون في سور عديدة وإنّما وردت هنا إشارة سريعة إليه; لأنّ الغاية هي العبرة والاعتبار لا عرض القصّة بخصوصياتها.
41. (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) :
أي جاء الإنذار بعد الإنذار إلى آل فرعون، وقد حكاه سبحانه في غير واحدة من الآيات منها:
1. (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)(1).
2. (أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لاَ تَعْلُوا عَلَى اللهِ إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَان مُبِين)(2).

1 . الأعراف: 104 و 105 .   2 . الدخان: 18 و 19 .

صفحه 218
ولكن هذه الخطابات الناصعة لم تنفع في إفاقتهم من نومة الغفلة ولا من أَنَفة التكبّر، بل:
42. (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيز مُقْتَدِر):
لمّا ألقى موسى (عليه السلام) الحجج الواضحات على طاغية مصر وملئه، وأراهم الآيات الباهرات الدالّة على نبوّته وصحّة رسالته، قابلوها بالتكذيب والاستهزاء، وأصرّوا على جحودهم وعنادهم، وعلى بغيهم وطغيانهم، وعند ذاك اقتضى العدل الإلهي أن يعاقبهم عقوبة (عَزِيز مُقْتَدِر)... شديد لا يُغالَب، ولا يُعجزه شيء.
سورة القمر: الآيات 43 ـ 46    

الآيات: الثالثة والأربعون إلى السادسة والأربعين

(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهَى وَ أَمَرُّ) .

المفردات

الزُّبُر: جمع زَبور بمعنى الكتاب، مشتق من الزَّبْر وهو الكتابة.
أدهى: أي أعظم داهية، وهي البليّة التي ليست في الخلاص منها حيلة.
أمرّ: أي أشد مرارة.

صفحه 219

التفسير

كانت الخطابات السابقة موجهة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حقيقة، ولكنّه سبحانه غيَّر أُسلوب الكلام، في هذه الآيات، فوجّه خطابه إلى المشركين، وعدل من التلميح إلى التصريح، مستهدفاً إبطال ذرائعهم التي يمكن أن يستندوا إليها في موقفهم، وهي أُمور ثلاثة ذكرت في الآية التالية ومابعدها:
43 . (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ):
هذه الآية أتت على ذكر أمرين من معاذيرهم وهما:
الأوّل: أن يزعموا أنّهم خير من الماضين الذين سبق التحدّث عن مصيرهم السيّئ، فلذلك لا يعمّهم ما عمّ أُولئك من العذاب; فأبطله سبحانه بقوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ)، فإنّ سنّة الله في الجميع واحدة، من غير فرق بين الماضين والحاضرين.
الثاني: أن يتصوّروا أنّهم قد كُتبت لهم البراءة من العذاب في الصحف السالفة، فأبطل سبحانه هذا التصوّر بقوله: (أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ)، فلو كنتم صادقين فأْتوا بهذه الصحف.
44 . (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ):
الثالث: هذه هي المعذرة الثالثة لإعراضهم عن دعوة النبي ومناهضتهم له (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي أنّهم كانوا يتصوّرون أنّهم لتماسكهم وتناصرهم فإنّهم لا يُغلَبون، وهذا هو الذي أبطله سبحانه بقوله:
45. (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ):

صفحه 220
والآية تتحدّث عن أمر سيقع قريباً وهو أنّ كفّار مكّة سيُهزمون، ويولُّون أدبارهم المؤمنين عند فرارهم، وقد تحقّق ذلك فعلاً في معركة بدر، فكانت هذه الآية نبوءة غيبية، دالّة على صدق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وارتباطه بالقوة المطلقة التي بيدها النصر والخذلان، ولا يخفى عليها من الأُمور شيء، (فإنّ الآية نزلت بمكة ولم يكن له(صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ جيش، بل كان أتباعه مشرّدين في الآفاق، يلاقون العذاب من المشركين في كلّ صوب).(1)
46. (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهَى وَ أَمَرُّ):
انتقل سبحانه بعد إبطال تلك المعاذير إلى أمر آخر، وهو أن عذاب الآخرة أشدّ فظاعة وأمرّ مذاقاً من عذاب الدنيا، فإنّ ما سيذوقه هؤلاء القوم من العذاب ومن مرارة الذلّ في الحياة الدنيا، يُعدّ أمراً هيّناً بالنسبة إلى ما سيلاقونه من العذاب والخزي في الآخرة، فـ«كلّ بلاء دون النار عافية»(2).
سورة القمر: الآيات 47 ـ 53    
قال الشريف الرضي (رحمه الله): وهذه استعارة لأنّ المرارة لا يوصف بها إلاّ المذوقات والمطعومات، ولكن الساعة لمّا كانت مكروهة عند مستحقّي العقاب حسُنَ وصفها بما يوصف به الشيء المكروه المذاق، ومن عادة من يلاقي ما يكرهه ويرى ما لا يحبُّه أن يحدث ذلك تكليحاً في وجهه فيدلُّ على نفور جأشه وشدّة استيحاشه، فكذلك هؤلاء إذا شاهدوا أمارات العذاب ونوازل العقاب ظهر في وجوههم ما يستدلّ به على فظاعة الحال عندهم وبلوغ مكروهها من قلوبهم فكانوا كلائك المضغة المَقِرة وذائق

1 . تفسير المراغي:27/98.
2 . نهج البلاغة: الحكمة رقم387.

صفحه 221
الكأس المصبَّرة في فرط التقطيب وشدّة التكليح، وشاهد ذلك قوله سبحانه: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)(1) .(2)

الآيات: السابعة والأربعون إلى الثالثة والخمسين

(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَل وَ سُعُر * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنّا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر * وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر * وَ كُلُّ شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَ كُلُّ صَغِير وَكَبِير مُسْتَطَرٌ) .

المفردات

سقر: اسم علَم لجهنّم قال تعالى: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَ مَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ)(3)، وقال: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)(4).
أشياعكم: الأشياع هي الأمثال، والمراد الأمثال في الكفر.
مستطَر: مكتوب مسطور، قال سبحانه: (وَكِتَاب مَسْطُور)(5) .

1 . المؤمنون: 104 .
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 273 .
3 . المدثر: 26 و 27 .
4 . ا لمدثر: 42.
5 . الطور: 2.

صفحه 222

التفسير

لمّا تقدّم قوله: (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَ أَمَرُّ)احتاج ذلك إلى وصف بعض ما يلقى فيها هؤلاء المشركون المكذّبون من أنواع العذاب، لبيان أنّها أدهى وأمرّ، فجاء البيان بقوله:
47 و 48. (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَل وَ سُعُر * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ):
فقوله: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ)ظرف لكون المجرمين في ضلال وسُعر، أمّا كونهم في ضلال فقد أُريد به نتيجته وهو الخسران في الآخرة، وأمّا كونهم في سُعر فهو جمع سعير بمعنى النار، أي هؤلاء يومذاك في خسران وفي نيران تسعرهم، والشاهد على خسرانهم وكونهم في النار أنّه يومذاك يُجَرُّون في النار على وجوههم إهانة وتحقيراً، فإذا دخلوها خوطبوا خطاباً تحقيرياً ويقال لهم: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) أي ذوقوا حرّ جهنّم وكأنّه يقال لهم إذا أصابهم حرّها اللافح: هل هي كذب وخرافة أو هي صدق وحقيقة؟ ومن هنا استخدم كلمة (المسّ) فإنّ مسّ الإنسان يخبر عن واقع الممسوس .
49. (إِنّا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر):
من أجل معرفة تفسير الآية يجب بيان أمرين:
1. مفهوم الآية ومضمونها.
2. صلة الآية بما قبلها.
أمّا الأوّل: أعني مفهوم الآية، فإنّ القدَر هو جعل الشيء على مقدار

صفحه 223
مخصوص ووجه معيّن حسب ما اقتضته الحكمة، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْء قَدْرًا)(1) أي كميّة خاصّة تناسب الشيء، يقول السيد الطباطبائي (رحمه الله): قدر الشيء هو المقدار الذي لا يتعدّاه، والحدّ والهندسة التي لا يتجاوزه في شيء من جانبي الزيادة والنقيصة، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم)(2)، فلكلّ شيء حدّ محدود في خلقه لا يتعدّاه.(3)
فالله سبحانه خلق كلّ شيء على حدّ وهندسة خاصّة حسب ما اقتضته الحكمة، ويؤيّده سائر الآيات .
وأمّا الثاني: أعني صلتها بما سبقها من الآيات، فهي تقرّر ضابطة سائدة في الدنيا والآخرة، وهي أنّ الله خلق كلّ شيء بتقدير خاص وحساب معيّن، وعلى هذا فتعذيب المجرمين في الدنيا وإدخالهم سقر في الآخرة، يدخل في إطار تلك الضابطة، فهؤلاء لمّا أنكروا نعم الله سبحانه صارت نتيجة إنكارهم هي سلب النعمة عنهم في الدنيا، وملاقاة العذاب فيها وفي الآخرة.
50. (وَ مَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ):
الظاهر أنّ تأنيث (وَاحِدَةٌ) لكونها وصفاً لمقدّر وهو (كلمة واحدة)، ويكون مصداقها كلمة (كن) التكوينية، التي أُشير إليها بقوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(4) .

1 . الطلاق: 3 .
2 . الحجر: 21.
3 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 85 .
4 . يس: 82 .

صفحه 224
والآية عطف على قوله: (إِنَا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) والغاية من هذه الآية هي بيان أن تكوين الأشياء وخلْقَها لا يستغرق أيّ زمن، بل يكفي فيها تعلّق إرادته سبحانه، بإيجاد الشيء فيوجد فعلاً من دون حاجة إلى زمان، لأنّ إيجاده عين مشيئته في مقام الفعل، «فهو يقول لمن أراد كونه:(كُنْ فَيَكُون)لا بصوت يُقْرَع، ولا بنداء يُسمَع، وإنّما كلامُهُ سبحانه فعلٌ منه أنشأهُ ومَثّلهُ»(1)، وعلى هذا يكون قوله: (كَلَمْحِ بِالْبَصَر) تمثيلاً لسرعة نفاذ مشيئته، لأنّه الوسيلة الوحيدة لتفهيم السرعة للإنسان المادي، فالنظر السريع واختلاس النظر أسرع شيء عند الإنسان حتى من لمح البرق. فالآية إذاً في صدد إنذار الإنسان حتى لا يغفل عن عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة، فليس بينه وبين عقاب الله إلاّ شيء يقدّر زمانه بلمح البصر، بل هو أقرب كما قال سبحانه: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ).(2)
ثم إنّ هنا سؤالاً وهو: إنّ ظاهر قوله سبحانه: (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ) أنّ الأشياء تتحقّق بسرعة من فورها كلمح البصر، مع أنّه سبحانه يخبر عن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، قال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام)(3)، ويخبر عن خلقة الإنسان في بطن أمّه خلقاً من بعد خلق ويقول: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتُكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق)(4)، بل الذكر الحكيم يفصّل خلقة الإنسان ويقول: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 186.
2 . النحل: 77 .
3 . ق: 38 .
4 . الزمر: 6 .

صفحه 225
نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَ غَيْرِ مُخَلَّقَة)(1)، وهكذا، فكيف يقول: (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ)؟
الجواب: أنّ الآية ليست بصدد بيان أنّ جميع الموجودات توجد دفعة واحدة، من دون تريّث وترتيب، بل المراد أنّ إيجاد كلّ شيء في ظرفه ومكانه رهن توجّه كلمة «كن» إليه فهو لا يتخلّف عن أمره سبحانه. وأمّا وجوده من فوره أو بترتيب خاص فهو تابع لكيفية الإرادة، فإن أراد الإيجاد دفعة، تحقّق كذلك، وإن أراد على وجه الترتيب فكذلك.
51. (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر):
كان الكلام في الآيات السابقة بطريقة الغَيبة حيث قال: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَل وَ سُعُر)ولكن التفت هنا من الغيبة إلى خطاب المكذّبين لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لتشديد التوبيخ والتقريع لهم، فقال: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ)أي أمثالكم في الشرك والضلال، فكونوا على حذر، إذ يمكن أن يفاجئكم العذاب (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر) أي هل من متذكّر يأخذ العبرة؟
52. (وَ كُلُّ شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ):
الظاهر أنّ الضمير المتّصل في (فَعَلُوهُ) يرجع إلى المجرمين، فالآية تهدّد المجرمين بأنّ أعمالهم، صغيرها وكبيرها، محفوظة في كتاب خاص، لا يضلّ ولا ينسى، فكأنّ هذا الكتاب إضبارة تقدَّم يوم القيامة ويحاكم الإنسان وفق ما سُجِّل فيها.

1 . الحج: 5 .

صفحه 226
53. (وَ كُلُّ صَغِير وَ كَبِير مُسْتَطَرٌ):
كما كانت الآية السابقة ناظرة إلى تدوين ما صدر عن المجرمين من الأعمال، عاد البيان القرآني إلى تعميم هذا الكتاب وأنّه كتاب سُطِّر فيه كلّ صغير وكبير من الأعمال، سواء أكان لمؤمن أم لمجرم، وهذا الكتاب هو الذي يُعطاه كلّ إنسان، كما قال:(وَكُلَّ إِنْسَان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا).(1)
سورة القمر: الآيتان 54 ـ 55    

الآيتان: الرابعة والخمسون والخامسة والخمسون

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَ نَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر).

المفردات

نهَر: لغة في نهْر، ولعلّ الأوّل يستعمل في الماء الكثير والفيض العظيم. وأمّا إفراده فلأجل المحافظة على الفواصل .
مقعد: مكان القعود، قال سبحانه: (اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)(2) .
الصدق: يقابل الكذب.
مليك: مَلِك عظيم المُلك، وهو صيغة مبالغة، وتنكيره للتعظيم .

1 . الإسراء:13ـ 14.
2 . التوبة: 46 .

صفحه 227

التفسير

54 و 55. (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَ نَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر):
قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَر) يقابل وصف المجرمين: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَل وَ سُعُر).
فقد وصف مصير المتّقين بما يلي:
1. (فِي جَنَّات ونَهَر) أي في جنات وأنهار تجري من تحت هذه الجنّات.
2. (فِي مَقْعَدِ صِدْق).
3. (عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر).
أمّا الأوّل أعني: (مَقْعَدِ) فواضح، إنّما الكلام في الثاني، فماذا يراد من لفظة (صِدْق)؟ هنا وجهان:
1. يحتمل أن يكون وصف المقعد بالصدق مجازاً، وإنّما هو وصف للقاعدين، أعني: المتقين الصادقين في أعمالهم وإيمانهم.
2. كون المقعد مقعد صدق لا يشوبه شيءٌ، أي مقعد تام ليس فيه نقص، فلا نقمة فيه ولا غمّ ولا فناء بل كلّه نعمة وسرور وبقاء، فإذا كان الشيء تامّاً وصف بالصدق، كما يقال: رجُل صِدق أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها، أو صَديق صدق، أو قائد صدق.
قال الآلوسي: قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: مدح المكان

صفحه 228
بالصدق، فلا يقعد فيه إلاّ أهل الصدق.(1)
وأمّا الثالث ـ أعني: كونهم عند مليك مقتدر ـ فمعناه أنّهم في جوار رحمة الله وقربه، فالعندية عندية معنوية، فالقريب من الربّ الكريم الوهّاب تغمره رحمة الله ونعمته بخلاف المجرم فهو (فِي ضَلاَل وَ سُعُر) وبعيد عن رحمته.
ثم إنّ بعض المجسّمة ربما يتوهّم أن قوله: (عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر) كونه سبحانه موجوداً في عرشه جالساً على سريره، والمتّقون في مقعد صدق عند سريره، ولكنّه توهُّم باطل، فإنّ لفظة (عِنْدَ) ليست بمعنى المكان، بل يكفي في صدقه انتسابه إلى الشيء، قال سبحانه: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مَا عِنْدَ اللهِ بَاق)(2)، وقوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ)(3)، (ومن الواضح أنّ المراد من المثوبة الجنة ودرجاتها)، وقوله سبحانه: (وَمَا تُقَدِّمُوا لاَِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ )(4).
وعلى هذا فيكفي صدق كونه من عند الله كون الشيء منسوباً له سبحانه، بنحو من الانتساب، وإن كنت في شكٍّ من هذا فلاحظ الآية التالية: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)(5) .
فقد طلبت من الله سبحانه أن يبني لها بيتاً موصوفاً بأمرين:

1 . روح المعاني:27/96.
2 . النحل: 96 .
3 . البقرة: 103 .
4 . البقرة: 110 .
5 . التحريم: 11 .

صفحه 229
1. عندك.
2. في الجنّة.
فلو كان العند بمعنى المكان أي في جنبك، يكون قوله: (فِي الْجَنَّةِ)زائداً، لأنّه سبحانه ـ على فرض وجود المكان له ـ ليس في الجنة.
***
تمّ تفسير سورة القمر

صفحه 230

صفحه 231
سورة الرحمن   

سورة الرحمن

(الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِج مِنْ نَار * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ

صفحه 232
وَالإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَار وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَذِهِ جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم آن * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَان * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَة زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق وَجَنى الْجَنَّتَيْنِ دَان * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *

صفحه 233
كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَف خُضْر وَعَبْقَريّ حِسَان * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ).

صفحه 234
سورة الرحمن: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمّية السورة

تُسمّى السورة في المصاحف بـ «سورة الرحمن»، كما أنّها تُسمّى «عروس القرآن» فقد روي عن الإمام موسى بن جعفر، عن آبائه(عليهم السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لكلّ شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن جلّ ذكره»(1). وأخرجه البيهقي عن عليّ(عليه السلام) مرفوعاً.(2)
ولعلّ سبب تسميتها بعروس القرآن هو أنّ العروس ينثر على رأسها النقود وتكلَّل بالورد والياسمين، وكلّ ما هو جميل وغال من الهدايا.
وقد تضمّنت السورة الكثير من آلاء الله سبحانه، وهو ما لم يذكر في سورة أُخرى.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها ثمان وسبعون آية في عدّ الكوفي والشامي، وسبع وسبعون آية في عدّ الحجازي(3). وهي مكّية، قيل: غير آية واحدة نزلت في المدينة، وهي قوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)، والظاهر أنّ هذه الآية أيضاً مكّية.

1 . مجمع البيان: 9 / 363 .
2 . الإتقان في علوم القرآن:1/174.
3 . مجمع البيان: 9 / 363.

صفحه 235

أغراض السورة

ليس للسورة إلاّ غرض واحد وهو تذكير الإنس والجنّ بضروب النِّعم الإلهية المادّية منها والمعنوية التي تفضّل بها الله عليهم، حتّى يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاً، ولذلك أعاد سبحانه قوله: (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)بعد كلّ ضرب منها، فبلغ إحدى وثلاثين مرّة.
إنّ التذكير بالنعم يؤدّي إلى معرفة الله سبحانه، التي تستدعي، بدَورها، الشكر والإقبال على الطاعة، ومجانبة العصيان والمخالفة. ولعلّ انحراف الكثير من الناس نابع من الغفلة عمّا أنعم الله عليه من النعم منذ ولادته إلى آخر يوم له في الحياة، ولو أنّه تذكّر شيئاً من ذلك لأقبل على طاعة الله تعالى.

شأن النزول

يحتمل أن يكون شأن النزول مرتبطاً بإنكار المشركين لاسم الرحمان ونفورهم منه كما يقول سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَ مَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَ زَادَهُمْ نُفُورًا)(1). وقد بقي هذا الإنكار والنفور من اسم الرحمان مرتكزاً في أذهان المشركين حتى يوم صلح الحديبية، وذلك عندما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)أن يكتب وثيقة الصلح، وقال له: اكتبْ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سُهيل بن عمرو (ممثّل قريش آنذاك): لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم.(2)
وربّما قيل: إنّ سبب نزولها قول المشركين الذي حكاه سبحانه عنهم

1 . الفرقان: 60 .
2 . تاريخ الطبري:2/281 (سنة 6هـ); ومكاتيب الرسول: 1 / 59 .

صفحه 236
في سورة النحل حيث قالوا: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ )(1) فردّ الله عليهم بأنّ الله هو الذي علّمه القرآن.
ولكن الأخير ضعيف، والظاهر أنّ متعلّق التعليم عام لا يختصّ بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فإن تعلّمه كان بنفس الإنزال، وسيأتي تفصيل ذلك.
سورة الرحمن: الآيات 1 ـ 9   

الآيات: الأُولى إلى التاسعة

(الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ).

المفردات

بحسبان: الحسبان: مصدر لفعلين:
أ. حَسَبَ حُسباناً.
ب. حَسِبَ حِسباناً.
الأوّل بمعنى الحساب، والثاني بمعنى الظن.
قال الطبرسي: الحسبان مصدر حسبته وأحسبه حساباً وحسباناً نحو الشكران والكفران. وقيل هو جمع حساب كشهاب وشهبان.(2)

1 . النحل: 103 .
2 . مجمع البيان: 9 / 366 .

صفحه 237
النَّجم: يطلق النجم ويراد به نجم السماء، وربّما يطلق ويراد به ما ليس له ساق نحو العشب والبقل، في مقابل الشجر الذي له ساق. والمراد به هنا الثاني بقرينة عطف الشجر عليه، وربّما يكون إطلاقه على الموردين من قبيل الاشتراك المعنوي لا الاشتراك اللفظي فإنّ معنى نجَم أي طلع، يقال: نجم القَرْن، إذا طلع قرن الحيوان.
قال الإمام علي (عليه السلام) في حقّ الخوارج لمّا قيل له: يا أمير المؤمنين، هلك القوم بأجمعهم، فقال: «كَلاَّ وَاللهِ; إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ».(1)
ترى أنّه (عليه السلام)استعمل كلمة نَجَمَ بمعنى طَلَعَ وخرج.
وسُميّ نجم السماء والنبات نجماً لطلوعهما من السماء أو الأرض .

التفسير

1. (الرَّحْمَنُ):
إنّ هذه السورة فريدة في بابها حيث ابتدأت بأحد أسماء الله الحسنى وهو الرحمان، وهو اسم خاص بالله تبارك وتعالى لا يسمّى به غيره، فلو أُطلق على شخص اسم رحمان ففي الحقيقة اسمه عبدالرحمان، وأمّا الرحيم فإنّه اسم عام يطلق على الله وعلى غيره، يقول سبحانه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(2)، ووجه

1 . نهج البلاغة: الخطبة 61 .
2 . التوبة: 128 .

صفحه 238
اختصاص الرحمان بالله سبحانه لأنّه يفيد رحمة عامّة، تعمّ جميع الأحياء من الحيوان والإنسان والمؤمن والكافر، وهذا النوع من الرحمة من خصائصه سبحانه، ولا يوجد في غيره، بخلاف الرحيم فإنّه يطلق على وجود الرحمة لا عمومها، ولذلك يختص بطبقة خاصّة كالمؤمنين، قال تعالى:(وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيًما).(1)
2. (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) :
هذه هي النِّعمة الأُولى من مجموع النِّعم والآلاء التي سيذكرها سبحانه في هذه السورة، وقد أطلق سبحانه تعليم القرآن ولم يذكر المتعلِّم، فهل هو النبي الأكرم أو الإنسان أو الإنس والجانّ؟
من المعلوم أنّ إطلاق المتعلّق يوجب سعة التعليم من دون أن يختصّ بطائفة دون طائفة. أمّا الاحتمال الأوّل فضعيف جدّاً، لأنّه سبحانه يتكلّم عن تعليم القرآن بعد نزوله على النبي، وليس من شكّ في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تعلّم عند النزول. فعلمه ونزوله في مورده أمر واحد، فالأَولى أن يقال: علّم القرآن عن طريق النبي لكلّ من يصلح أن يخاطب به من الإنس والجنّ. وسيأتي في سورة الجنّ أنّهم اهتدوا بهدى القرآن لمّا سمعوه، قال سبحانه: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)(2).
وقدّم تعليم القرآن على خلق الإنسان، مع أنّ الظاهر هو تقديم خلقته على تعليمه، لأجل أنّ القرآن أعظم النعم قدراً وشأناً، وأرفعها مكاناً ـ لأنّه

1 . الأحزاب:43.
2 . الجنّ: 1 .

صفحه 239
كلام الله الذي يخطّ صراطه المستقيم ويتضمّن بيان نهج السعادة التي هي غاية ما يأمله آمل ونهاية ما يسأله سائل ـ قدّم ذكر تعليمه على سائر النعم حتى على خلق الإنس والجنّ اللّذان نزل القرآن لأجل تعليمهما.(1)
وهناك وجه آخر لتقديم ذكر القرآن على خلق الإنسان وهو أنّ للقرآن وراء وجوده اللفظي أو الذهني وجوداً واقعياً ممتازاً مجرّداً عن المادّة والمادّيات موجوداً في اللوح المحفوظ أو في مقام خاص، فخلقه سابقٌ على خلق الإنسان، وليس الوحي إلاّ نزول ما هو الموجود في اللوح المحفوظ بصورة المفاهيم والمعاني بالعبارات والألفاظ.
3. (خَلَقَ الإِنْسَانَ):
هذه هي النعمة الثانية من نعم الله عزّ وجلّ، والمراد بالإنسان هو جنسه، وفي الآية دلالة على أمرين:
أ. أنّه سبحانه تفرّد في خلقه ولم يشاركه شيء في خلقه.
ب. أنّ خلق الإنسان موهبة من الله سبحانه إليه، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود. وكأنّ خلق الإنسان أفضل من خلق السماوات، ولذلك قدّم ذكره على ذكرها.
4. (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ):
هذه هي النعمة الثالثة التي ذكرها الله في هذه السورة، والمراد من تعليم البيان هو إعطاء القابلية للإنسان أن يعبّر عمّا في ضميره من الأفكار والآراء

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 94 .

صفحه 240
وعن مشاهداته ومسموعاته، وهي موهبة فريدة في خصوص الإنسان لم يشاركه مخلوق آخر فيها عدا الجنّ.
إنّ البيان بهذا المعنى هو من الأُسس المهمة للحضارة، إذ كل إنسان يتعلّم شيئاً حسب تجاربه عبر حياته، فلو لم يتمكّن من نقل تجربته إلى غيره ومات كل إنسان بإفكاره وآرائه، لم يحصل أيُّ تقدّم فكري وحضاري، فلو فرض أنّ كلّ إنسان بمفرده يكتسب شيئاً ويذهب به من دون أن يتمكّن من نقله إلى غيره، فعندئذ تبقى الإنسانية في أُمّية جهلاء لا تستطيع أن تخرق حجاب الجهل ولا ترى وجه الواقع، وقد صرّح سبحانه في هذه السورة بتلك النعمة العظيمة، لكنّه صرّح بنعمة أُخرى هي قرينة للبيان وهي التعليم بالقلم، فقال: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)(1) أي علّم الكتابة بالقلم، فالقلم والبيان وسيلتان حاذقتان لخرق حجاب الجهل، ووسيلتان هامتان في تطوّر العلم والحضارة، فلولا البيان والقلم لما استقامت أُمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلاّ تعليم البيان، وإلاّ وجود القلم والخط، لكفى بهما.
وبذلك يُعلم أنّ المراد من تعليم البيان هو ما ذكرنا لا اللغات المتداولة بين الشعوب والأُمم، ولا المعاني والحقائق، لأنّ الآية بعيدة عن هذين الاحتمالين.
نعم قوله سبحانه: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)(2) يناسب الاحتمال

1 . القلم: 1 ـ 4 .
2 . البقرة: 31.

صفحه 241
الأخير. فهذه الآيات مع ما ورد في سورة القلم تصبّ في مصبّ واحد، ألا وهو التذكير بالنعم العظيمة التي أولاها سبحانه الإنسان من خلْقه وتعليمه البيان والقلم.
5 . (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان) :
في هذه الآية يذكِّر سبحانه بالنعمتين: الرابعة والخامسة. والآية بمجموعها خبر عن (الرحمن) الوارد في صدر السورة، والجملة إذا وقعت خبراً تحتاج إلى رابط يربطها بالمبتدأ، وليس هو موجوداً في الآية فلابدّ من تقديره بأن يقال: بحسبانه.
وهاتان النعمتان العظيمتان هما الشمس والقمر، فأمّا الشمس فهي مبدأ الحياة ومنبع الطاقة، ولولاها لعمّ الموت كلّ ذي حياة، قال سبحانه: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ)(1) والمراد بالضياء هو ضياء الشمس، بشهادة قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَ الْقَمَرَ نُورًا)(2).
وأمّا القمر، فمع أنّه يأخذ نوره من الشمس فهو مصباح الأرض في الليل، وفي الوقت نفسه يهتدي به السائرون والمسافرون، قال سبحانه: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا )(3) .
ولكنّ المهمّ في الآية هو التركيز على أنّ حركة الشمس والقمر على حساب خاص من غير فرق بين الحركة الموضعية أو الانتقالية، فكلٌّ من

1 . القصص: 71 .
2 . يونس: 5 .
3 . نوح: 16 .

صفحه 242
الشمس والقمر يجريان بنظام دقيق لا يوجد فيه تخلّف بأدنى وجه، قال سبحانه: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْبَانًا)(1) وكلٌّ يجري لأجل مسمّى كما قال: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لاَِجَل مُسَمًّى)(2) فهذا النظام البديع وهذا الجري الخاص إلى أجل مسمّى، يدلّ على وجود نظام دقيق في خلقهما وسيرهما دون أن يوجد هناك أي اضطراب وارتباك، وهذا النظام الدقيق يدلّ، بدوره، على وجود خالق قادر مدبّر حكيم.
6. (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ):
جاءت الآيات السابقة بلا عاطف وقال: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ *... الخ)ولكن جاءت هذه الآية مع العاطف، فما هو وجهه؟
لعلّ وجهه أنّ الآيات السابقة جاءت على طريقة التعديد، والضابطة فيه حذف العاطف، بخلاف هذه الآية فإنّها جاءت لبيان مظاهر قدرة الله وعظمته، فاختلفت الآيات من حيث الغاية والغرض، ومن ثمّ اختلفتا في التعبير. يقول الزمخشري: إخلاء الآيات الأُولى من العاطف لمجيئها على نمط التعديد كما يقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزّك بعد ذل، كثّرك بعد قلّة، فعل بك ما لم يفعل أحدٌ بأحد، فما تنكر من إحسانه؟(3)، وكان عليه أن يذكر وجه ذكر العاطف في هذه الآية وهو ما ذكرنا من أنّ الغرض في الآيات الأُولى هو التركيز على عدّ النِّعم، وفي طريقة التعديد تحذف الواو، وفي

1 . الأنعام: 96 .
2 . الزمر: 5 .
3 . تفسير الكشّاف: 3 / 187 .

صفحه 243
إملاء العربية اليوم توضع الفارزة «،» بين الجملتين.
وأمّا هذه الآية فإنّما جيء بها للدلالة على عظمة القدرة وإذعان الوجود لأمره التكويني ولذلك قال: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) أي يخضعان له، والمراد من السجود هو الخضوع التكويني لأوامر الله سبحانه المتعلّقة بكينونتهما ووظيفتيهما اللتين يؤدّيانها، مدة بقائهما، وفق النظام الذي يحكمهما، ويشير سبحانه إلى ذلك الخضوع التكويني في موضع آخر حيث يقول: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)(1).
نعم يفارق سجودُ النجم والشجر تسبيحَ ما في الكون، فإنّ الظاهر من التسبيح هو التسبيح القريب من التسبيح التشريعي، لأنّه سبحانه يصف تسبيح ما في الكون بقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيًما غَفُورًا)(2)، فلو كان المراد من التسبيح الخضوع التكويني لما قال: (وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، وبذلك يفترق السجود عن التسبيح في التفسير.
ثم إنّ الجملة الخبرية تحتاج إلى رابط يربطها بالمبتدأ وهو مقدّر أو معلوم من ظاهر الحال، أي يسجدان له سبحانه لا لغيره.
7. (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ):
أشار في هذه الآية إلى أمرين من مظاهر قدرته وهما:

1 . فصّلت: 11 .
2 . الإسراء: 44.

صفحه 244
أ. رفع السماء.
ب. وضع الميزان.
أمّا الأوّل، فالمراد به خلْقها مرفوعة بلا أعمدة تقوم عليها، وإنّما تمسكها يد القدرة بواسطة السنن والنواميس التي وضعها في الخليقة، وقد شاء سبحانه أن يجعل السماء مسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه. والمراد من السماء هنا كلّ السماوات بما فيها من نجوم وكواكب كما هو ظاهر الإطلاق، قال سبحانه: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا)(1).
وأمّا الثاني ـ أعني: وضع الميزان ـ فالمراد خلقه وإيجاده، ثم إنّ (الْمِيزَانَ)بمعنى ما يوزن به وله مفهوم و احد ولكن له مصاديق عديدة حسب تقدّم الحضارة، وإليك ما أُريد به في القرآن الكريم:
1. الميزان: الآلة التي يوزن بها المتاع، سواء أكان ميزاناً صغيراً يستخدم لوزن الفواكه واللحوم والأمتعة، أم كان كبيراً كالقبّان، أو مكيالاً أو ذرعاً، فالميزان بهذا المعنى نعمة من الله سبحانه ولولاه لاختلّ النظام وعمّت الفوضى.
والميزان بهذا المعنى هو المراد في قوله سبحانه: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)(2) .
2. الميزان : هو الانسجام والنُّظم السائدة في عالم الخلق، قال سبحانه: (وَالسَّماءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَان).

1 . الرعد: 2 .
2 . هود: 85 .

صفحه 245
فقوله: (وَالسَّماءَ رَفَعَهَا) قرينة على أنّ المراد من الميزان هو وضع النُّظم التي بها قامت السماوات والأرض، فمنظومتنا الشمسية قائمة على أساس التعادل والموازنة بين الجاذبية المركزية للشمس، والقوى الطاردة لسائر السيارات، ولولا هذا التعادل الذي عبّر عنه القرآن الكريم بالميزان، لما قامت لمنظومتنا الشمسية دعامة.
3. الميزان : هو القوانين العادلة التي تقنَّن في سبيل خدمة الإنسان والمجتمع، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالْمِيزان لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْط)(1) فالمراد من الميزان بقرينة قوله: (أَنْزَلْنا) هو التشريع السماوي الذي أنزله سبحانه بإنزال كتابه، كما يحتمل أن يكون المراد من الميزان هو قضاء العقل الحصيف، ولا غرو في أنّ الميزان بهذا المعنى منزلٌ كإنزال الحديد، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ).(2)
هذه هي تطبيقات لمفهوم الميزان في القرآن.

لكلّ شيء ميزان يوزن به

إنّ الألفاظ الواردة في القرآن الكريم التي تصف مشاهد القيامة، لها حقائق غيبية غير معلومة لنا، ومن هذه الألفاظ لفظ «الميزان» الذي نحتمل أن يكون له واقعية غير ما نشاهد من الموازين العرفية، ويتّضح ذلك من خلال البيان التالي:
كان الميزان يطلق سابقاً على ما يوزن به المتاع بشيء له كفّتان ولسان

1 . الحديد:25.
2 . الحديد: 25 .

صفحه 246
وساقان، وظلّ البشر يستعمل الميزان في ذلك المصداق، ولكن الثورة الصناعية التي اجتاحت الغرب كشفت عن موازين لم تكن موجودة من ذي قبل، فأخذ يوزن استهلاك الماء والكهرباء والغاز والهاتف وغيرها، بل أحدث ميزاناً يوزن به حرارة الهواء والضغط الجوي وضغط الدم الذي يجري في عروق الإنسان وقلبه، كما أنّه نجح نجاحاً باهراً في صناعة جهاز الحاسوب (الكامبيوتر) فأحدث تحولاً جذرياً في حياته، حتى عرف هذا العصر بعصر (الكامبيوتر)، فأصبح كمعيار لتصحيح الأغلاط التي يقع الإنسان فيها.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ لكلّ شيء ميزاناً خاصّاً يناسب وجود الشيء وليس الميزان منحصراً بما له كفّتان ولسان وساقان، وعندئذ يصحّ أن نقول: إنّ الميزان المنصوب يوم القيامة شيء أعظم ممّا وصل إليه الفكر البشري.
8 . (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) :
لمّا ذكر سبحانه أنّه وضع الميزان وخلَقه، وعدّه نعمة من نعمه، رتّب عليه قوله: (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) فيجب على الإنسان أن لا يطغى في مقام الوزن، والميزان هنا بمعنى المصدر أي لا تطغوا في الوزن، وهو أعمّ من أن يكون وزناً أو كيلاً أو ذرعاً، فلا يحصل تخلّف في الوزن بأنواعه الثلاثة.
9 . (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ):
عطفٌ على قوله: (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) وكأنّه عطف تفسيري له .
والإقامة جعل الشيء قائماً ويكنّى به عن الإتيان بالشيء على أكمل

صفحه 247
وجهه، كما هو المراد في قوله سبحانه: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ )(1) .
والقسط بمعنى العدل، يقول سبحانه: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ )(2)، فيكون معنى الآية: فلتكن إقامة الوزن مشفوعة بالقسط : (وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) أي لا تنقصوا الموزون كما هو حال المطففين حيث إنّهم إذا كالوا للغير أو وزنوا له ينقصون، قال سبحانه: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)(3) .
لقد تكرّر الميزان ثلاث مرات في آيات ثلاث، وأُريد من الأوّل: الآلة التي يوزن بها، ومن الثاني: المعنى المصدري أي الوزن، ومن الثالث: الموزون، فيكون محصّل الآيات الثلاث هو أنّه سبحانه: خلق الميزان لغاية عدم الطغيان عند الوزن وعدم ارتكاب الخلاف، وعليكم إقامة الوزن المقترنة بالقسط وأداء حق الغير إليه وعدم إخسار الموزون ونقصه، حتى يبتعدوا عن التطفيف...
ما ذكرناه جار حسب ظاهر الآيات، ولكن يمكن تفسيرها بنحو آخر يُستشفّ من معرفة وجود الصلة بين رفع السماء ووضع الميزان وخلقه، إذ أي صلّة بين الأمرين، لو أُريد بالميزان ما يوزن به على سعة مصاديقه؟
يمكن أن يقال: إنّ المراد من الميزان ووضع الميزان ـ كما مرّ منّا ـ هو: النظام السائد في عالم السماء والانسجام الموجود فيه، وبعبارة أُخرى: وجود التعادل بين الموجودات السماوية على نحو لو رُفع كوكب عن

1 . البقرة: 3.
2 . الأنبياء: 47.
3 . المطففين: 3.

صفحه 248
موضعه الطبيعي لاختلّ نظام الكون، فعلى هذا فيكون معنى قوله: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)أي خلَقه وأوجده، فواقع الميزان في السماء عبارة عن التعادل والنظام الدقيق بين الكواكب، لكن واقعه في الأرض عبارة عمّا توزن به الأشياء، وبالمعنى الثاني رتّب عليه سبحانه: (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ)فكأنّ قوله سبحانه: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ); إذا نُسب إلى السماء يكون مشيراً للحسابات الدقيقة التي يكلّ عقل الإنسان عند النظر إليها، وإذا نسب إلى الأرض وإلى الإنسان قُصد به الآلة التي يوزن بها على مصاديقها المتنوعة.
بقي هنا أمر وهو أنّ هذه الآيات نزلت لتربية المجتمع الإسلامي، ذلك أنّه إذا كان عالَم السماء مبنياً على النظم والنظام، فيجب على الإنسان رعاية النظم والتزام الترتيب في حياته الفردية والاجتماعية. أمّا الفردية فبأن ينظم أُموره في شتّى المجالات حسب طاقته ووقته; لأنّ النظام هو مفتاح الرقيّ وبلوغ الأهداف والغايات العليا، وأمّا الاجتماعية فبأن يعرف ما له وما عليه، فلا يُهمل الحق والعدل فيقع في حمأة الطغيان والخسران، وكأنّ بقاء الوجود الإمكاني رهن النظام التكويني والنظام التشريعي ; أمّا التكويني فهو القوانين السائدة في العالم الإمكاني، وأمّا التشريعي في مورد الإنسان فهو رعاية الحق والإنصاف.
سورة الرحمن: الآيات 10 ـ 13   
وفي ختام البحث نذكر إحدى الكلمات الدرية المأثورة عن أمير البيان علي (عليه السلام)قال في الليلة التي عرجت فيها روحه إلى السماء وفارقت العالم العنصري، حيث أوصى أولاده وقال: «أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلْدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ» (1).

1 . نهج البلاغة: الكتب والرسائل: 47 .

صفحه 249

الآيات: العاشرة إلى الثالثة عشرة

(وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).

المفردات

الأنام: الخَلْق، وهو كلّ ما ظهر على وجه الأرض من دابّة فيها روح، والظاهر أنّ المراد بهم هنا الناس، لأنّ الآيات بصدد الامتنان عليهم.
الأكمام: الكِم: ما يغطي الثمرة، وجمعه أكمام، والمراد من الثمرة هو التمر، والكمّة ما يغطى به الرأس كالقلنسوة.
الحَبّ: والحبّة: ما يقتات به كالقمح والشعير والذُّرة والأرز، ويراد بالحبّة أيضاً بذرة النبتة، يقول سبحانه: (كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَة مِائَةُ حَبَّة)(1).
العصف: أوعية هذا الحبّ التي تنفصل عنه عند نضجه، فتكون حطاماً، كما في قوله تعالى: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأْكُول)(2).
الريحان: ما له رائحة طيّبة من النباتات.

1 . البقرة: 261 .
2 . الفيل: 5 .

صفحه 250

التفسير

أشار سبحانه إلى نعمه:
1. الأرض. 2. الفاكهة. 3. النخل .
4. الحبّ، لقوت الحيوان والإنسان .
5. الريحان، للشمّ والزينة.
ويجمع الجميع أُمور ثلاثة: طعام، وفاكهة، وأزهار.
كلّ ذلك من خيرات الأرض وبركاتها، التي أنعم الله بها على عباده، وإليك التفسير.
10. (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) :
الظاهر أنّ المراد بالأنام: الناس، واللام للانتفاع أو للغاية، والله سبحانه خلق الأرض لغاية خاصّة، وفعلُه لا يخلو من غرض وغاية، غير أنّ الغرض يرجع إلى غيره لا إلى نفسه.
ووجود الغاية في خلق الأرض يدلّ على وجود خالق حكيم أوجدها لهدف خاص وهو يخالف رأي بعض الفلاسفة والعلماء الماديّين القائل بأنّ الحياة وُجدت على الأرض عن طريق المصادفة العمياء، وأين هذا من القول بأنّ الخالق الحكيم خلق الأرض وذلّلها وأقامها على هذا الوضع من أجل أن ينتفع بها الإنسان أو كلّ ذي روح؟
إنّ وجود الغاية التي يكشف عنها ذلك النظام والإتقان في الصُّنع، سواء في خلق الأرض أو غيرها، هو الذي دعا العلماء والفلاسفة على

صفحه 251
اختلاف مشاربهم إلى الإيمان بالله القادر الحكيم، وهذا هو الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير(1694ـ 1778م) يشير إلى هولباخ (1723ـ 1789م)، وهو أحد كبار الملحدين بأنّ عنوان كتابه ـ أي كتاب هولباخ ـ ذاته «نظام الطبيعة» يدلّ على عقل منظّم مقدّس هو الله.(1)
ثمّ إنّ الأرض إذا كانت وُضعت لهذه الغاية، فمعنى هذا وجود مسؤولية ملقاة على عاتق الإنسان حتى ينتفع بها ويعمرها ويستخرج كنوزها ومعادنها ومياهها إلى غير ذلك من أنواع الإعمار والتمتّع.
ولعلّ الآية تشير إلى قوله سبحانه: (آمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)(2)، فقوله: (مُسْتَخْلَفِينَ)حاك عن خلافة الإنسان عن الله سبحانه في عمارة الأرض وإخراج كنوزها، فالإنسان العاطل الذي لا يقوم بعمل في الأرض ينتفع به نفسه أو غيره مطرود عن جانب الله سبحانه. ولأجل خلافة الإنسان عن الله سبحانه في الأُمور التكوينية جعل الله تعالى عمارة الأرض على عاتق هذا الإنسان حتى يمثّل بعمله وعمرانه للأرض تدبير الله سبحانه، فقال سبحانه: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)(3) .
وكما أنّ الله سبحانه ربّ البقاع والبهائم، فإنّ الخليفة مسؤول عنها ومسؤول عن العناية بها أيضاً كما قال الإمام علي (عليه السلام): «فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ

1 . وِل ديورانت، قصة الفلسفة:299، مكتبة المعارف، الطبعة السادسة.
2 . الحديد: 7.
3 . هود: 61 .

صفحه 252
حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ»(1).
ثم إنّ الآية في مقام الامتنان على الإنسان فيجب أن يكون انتفاع كلّ إنسان من الأرض في إطار العدل والإنصاف حتى لا تسود الفوضى في المجتمع، ولذلك قام الإسلام بتشريع قوانين حول حقوق الأفراد في الأرض وطريقة استثمارها على نحو يورث الرفاه والسعادة لجميع أفراد المجتمع، والمصدر الأساسي للحقوق الخاصّة في الأراضي الموات هو الإحياء والتعمير، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له».(2)
11 . (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ) :
أشار سبحانه إلى الفواكه بشكل عام وخصّ منها بالذكر النخل لأنّه ممّا يأكله العرب بشكل غالب، ولا يستأنسون بغيره من الفواكه، وهو في الوقت نفسه يثمر أصنافاً من التمور، ووصف النخلة بذات الأكمام، وهو وعاء تمر النخلة مثلها بالنسبة إلى التمر مثل الأُمّ إلى الجنين فهو يحفظ التمر من البرد والحرّ حتى ينضج .
سورة الرحمن: الآيات 14 ـ 25   
12. (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ):
من نعم الله سبحانه هو الحبّ الذي به قوت الإنسان، ولهذا الحب ورق ييبس فيصير تبناً ينتفع به الإنسان في البناء، والحيوان في المأكل. وسمّي الورق عصفاً لأنّ الرياح تعصف به وتحرّكه.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 165 .
2 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 5 و 6 .

صفحه 253
«والريحان» هو كلّ نبت له طِيب خاص. وربما يطلق الريحان على الزرع الأخضر مطلقاً.
13. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
وهو توبيخ وتبكيت للإنس والجنّ على عدم الاعتراف بنعم الله سبحانه. والمراد من الاعتراف هو الاعتراف العملي لا اللفظي، إذ ربّما يقوم الإنسان بالاعتراف بلسانه فقط ولكنّه ينقضه عملاً، فالمُقرّ بنعم الله لساناً وعملاً يعبد الله وحده، ويطيعه وحده، ويقيم حياته وفق ما يرضاه عزّ وجلّ.

الآيات: الرابعة عشرة إلى الخامسة والعشرين

(خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِج مِنْ نَار * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) .

المفردات

الصلصال: الطين اليابس الذي تُسمع منه الصلصلة.

صفحه 254
الفخّار: الطين الذي طبخ بالنار حتى صار خزفاً.
مارج: أصل المرْج هو الخلْط، يقال: أمر مريج أي مختلط، كما في قوله تعالى: (فَهُمْ فِي أَمْر مَرِيج)(1)، فيكون المراد هنا اللهب المختلط بعضه ببعض.
مَرَجَ: أرسل، بإذهاب الشيئين فصاعداً في الأرض.(2)
البرزخ: الحاجز بين الشيئين.
الجوارِ: السفن لأنّها تجري في الماء، واحدتها جارية.
الأعلام: الجبال، واحدها علَم.

التفسير

14. (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ):
خلْق الإنسان نعمة من أكبر النعم عليه، حيث أوجده من العدم وألبسه لباس الوجود، والآية تذكر أصل خلق الإنسان وأُريد به إمّا آدم (عليه السلام)أو جميع البشر، لأنّ أصلهم يرجع إلى آدم (عليه السلام)، وقد ذكر سبحانه هنا أنّه خلقه من صلصال، أي من طين يابس يشبه الفخّار وهو الخزف.
وهناك نكتة وهي أنّ القرآن الكريم يشير في عدد من آياته إلى أنّ آدم (أبا البشر) قد مرّت خلقته ـ قبل مرحلتي التصوير ونفخ الروح ـ بمراحل ست، وهي:

1 . ق: 5 .   2 . التبيان في تفسير القرآن:9/469.

صفحه 255
1. التراب: قال سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(1) .
2. الطين، قال سبحانه: (اَلذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِين)(2).
3. الطين اللازب (المتلاصق)، قال سبحانه: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب)(3).
4. الحمأ المسنون، قال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون)(4)، أي من طين أسود متغيِّر.
5. عصارة الطين، قال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين)(5)، والظاهر أنّ (الحمأ المسنون) وهو الطين الأسود المتغيّر يتبدّل إلى عصارة من طين.
6. الطين اليابس، قال سبحانه: (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ)(6)، فكأنّ الآية تذكر المرحلة الأخيرة.
إلى هنا تمّ ذكر المراحل الست التي مرّت بها خلقة آدم، وأمّا سبب خلقه عبر هذه المراحل فهو أنّ من خصائص عالم المادّة ـ وإن شئت قلت:

1 . آل عمران: 59 .
2 . السجدة: 7 .
3 . الصافات: 11 .
4 . الحجر: 26 .
5 . المؤمنون: 12.
6 . الرحمن: 14.

صفحه 256
سنّة الله فيها ـ هو خلق الأشياء وإيجادها على نحو التدرّج، ولذلك نرى أنّ الجنين يمرّ بمراحل من التطوّر إلى أن يصبح جنيناً كاملاً.
ثم إنّ المرحلة السادسة ليست هي المرحلة الأخيرة بل قد تلتها مرحلة التصوير (أي التسوية الظاهرية لجسمه) ثمّ مرحلة نفخ الروح، قال سبحانه:(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُم)(1)، وقال جلّ من قائل:(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(2).
إلى هنا تمّ بيان مراحل خلق آدم، وأمّا الجنّ فخلقه من لهب النار وشعلته المختلطة كما قال:
15 . (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِج مِنْ نَار):
ولذلك لمّا أُمر إبليس بالسجود لآدم استكبر وقال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين)(3) .
قال الشيخ المراغي: إنّ الجنّ خُلق من أنواع من اللّهب مختلطات. وأضاف: ولقد أظهر الكشف الحديث أنّ الضوء مركّب من ألوان سبعة، ولفظ (المارج) يشير إلى ذلك، وإلى أنّ اللهب مضطرب دائماً.(4)
ومهما يكن، فقد عاد البيان القرآني لتذكير الإنس والجنّ وقال:
16. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :

1 . الأعراف:11.
2 . الحجر: 29.
3 . الأعراف: 12.
4 . تفسير المراغي:27/112.

صفحه 257
وهو توبيخ وتقريع لعالمَي الإنس والجنّ، بسبب عدم الاعتراف بنعم الله تعالى، إمّا بإنكار كونها نِعَم في نفسها، أو بإنكار كونها من الله تعالى.(1)
ثم إنّ مجيء الآية مرّات متعدّدة وبصورة متناوبة لا يعدّ تكراراً، وذلك لأنّها تجيء في كلّ مرّة عقب ذكر ضرب جديد من النعم، وصنف مختلف من الآلاء التي تستوجب الشكر العملي. وهذا الأُسلوب مألوف في كلام العرب، ولنا على ذلك شواهد من فصحائهم:
قال الشريف المرتضى في أماليه: هذا كثير في كلام العرب، قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً:
على أنْ ليس عدلاً منْ كُليب *** إذا طُرد اليتيمُ عن الجَزُورِ
على أن ليس عدلاً من كليب *** إذا ما ضِيم جيرانُ المجيرِ
على أن ليس عدلاً من كليب *** إذا رجف العضاةُ من الدَّبورِ
على أن ليس عدلاً من كليب *** إذا خرجت مُخبّأةُ الخُدور
على أن ليس عدلاً من كليب *** إذا ما أعلِنتْ نجوى الصدورِ
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحُميِّر:
لنعم الفتى يا توبُ كنتَ; ولم تكن *** لتُسبَقَ يوماً كنت فيه تجاولُ
ونعم الفتى يا توب كنت إذا التقت *** صدور العوالي واستشال الأسافل

1 . انظر: تفسير القاسمي:15/284.

صفحه 258
ونعم الفتى يا توب كنت لخائف *** أتاك لكي يحمي ونعمَ المحامل
ونعم الفتى يا توب جاراً وصاحباً *** ونعم الفتى يا توب حين تناضل
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده *** ولو لام فيه ناقصُ الرأي جاهلُ
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده *** إذا كثرت بالملحَمين التلاتلُ(1)
أبى لك ذمّ الناس يا تَوبَ كلما *** ذُكِرت أُمورٌ محكماتٌ كوامل
أبى لك ذمّ الناس يا توب كلما *** ذكرت سماح حين تأوي الأرامل
فلا يبعدنك الله يا توب إنّما *** لقيت حِمامَ الموتِ والموتُ عاجلُ
ولا يُبعدنْكَ اللهُ ياتوب إنّها *** كذاك المنايا عاجلاتٌ وآجل
فجرت في هذه الأبيات من تكرار إلى تكرار، لاختلاف المعاني التي عَدَّدتها.
وقال الحارث بن عبّاد بن قيس البكري(المتوفّى نحو سنة 50 قبل

1 . التلاتل: الشدائد. صحاح الجوهري:4/1645، مادة «تلل».

صفحه 259
الهجرة)وكان قاضي العرب:
قرِّبا مَربط النعامةِ(1) مني *** لَقِحت حربُ وائل عن حيالِ
وكرّر قوله هذا: «قرّبا مربط النعامة مني» في أبيات كثيرة من القصيدة ـ أكثر من (50) مرّة ـ وأمثال ذلك كثير.
وهذا هو الجواب بعينه عن التكرار في سورة المرسلات بقوله عزّ وجلّ: (وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ)(2) عشر مرّات .(3)
ثم إنّ أخذ الاعتراف بين ذكر نعمة ونعمة أو بين ذكر نعَم وأُخرى، يطرد الغفلة، ويؤكد الحجّة، فلو ذكرت النعم جميعاً مرّة واحدة ثم أُخذ الاعتراف، لم يكن له ذلك الأثر البالغ.
17. (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ):
بيان استئنافي يصف فيه تعالى نفسه بأنّه ربّ المشرقين وربّ المغربين، ولكنّه يصف نفسه في موضع آخر بربّ المشارق والمغارب، كما قال: (فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ)(4)، وفي موضع ثالث يصف نفسه بكونه : (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ )(5) ولا منافاة بين الجميع. وبيان ذلك: أنّه عندما يصف نفسه بكونه ربّ المشارق والمغارب فلأجل كرويّة الأرض، فإنّ طلوع الشمس على أي جزء من أجزاء الأرض يلازم

1 . النّعامة: اسم فرسه.
2 . المرسلات: 15 .
3 . أمالي المرتضى:1/86ـ88; مجمع البيان:9/370ـ371.
4 . المعارج: 40 .
5 . الشعراء: 28 .

صفحه 260
غروبها عن جزء آخر، وعندئذ تتعدّد المشارق والمغارب. وقد يراد بها مشارق الشمس ومغاربها في فصول السنة، فإنّ لها في كلّ فصل مشرقاً ومغرباً.
وعندما يصف نفسه بأنّه ربّ المشرقين ـ كما في المقام ـ فربما يفسّر بمشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. ولكن يمكن أن يكون المراد به مشرق ومغرب كلّ نصف من نصفي الأرض، فإنّ مغرب كلّ نصف مشرق للنصف الآخر، كما هو المعلوم بالحسّ، فإنّ ذلك مقتضى كروية الأرض، وقد يؤيّد هذا التفسير قوله سبحانه: (يَا لَيْتَ بَيْني وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ)(1). ووجه الاستدلال: أنّ الظاهر من هذه الآية أنّ البعد بين المشرقين هو أطول مسافة محسوسة فلا يمكن حملها على مشرقي الشمس والقمر ولا على مشرقي الصيف والشتاء، لأنّ المسافة بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة فلابد من أن يراد بها المسافة التي ما بين المشرق والمغرب. ومعنى ذلك: أن يكون المغرب مَشرقاً لجزء آخر من الكرة الأرضية ليصحّ هذا التعبير، فالآية تدلّ على وجود هذا الجزء الذي لم يُكتشف إلاّ بعد مئات من السنين من نزول القرآن الكريم .(2)
18 . (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
فإنّ شروق الشمس ومجيء النهار، ثم غروبها ومجيء الليل من نعم الله سبحانه، فلو دام النهار والنور لامتنعت الحياة، وهكذا إذا دام الليل

1 . الزخرف: 38 .
2 . البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي: 74 .

صفحه 261
والظلام. والآية وإن كانت جملة استئنافية لكنّها تتضمّن وجود النعمة الّتي يتمتع بها الإنسان، فإنّ الحياة قائمة في ظل شروق الشمس وغروبها، فصار اللازم أن يخاطب سبحانه الثقلين بقوله: (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) .
19و 20.(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ) :
يذكر سبحانه في هذه الآية مظهراً من مظاهر قدرته، يذكرها بإجمال وهو أنّه خلق بحرين يلتقيان لكن بينهما حاجز، فلا يبغي أحدهما على الآخر. وأمّا ما هو المراد من البحرين، فتفسّره آية أُخرى حيث تذكر أنّ أحدهما ماء عذب فرات، والآخر ملح أُجاج، قال سبحانه: (وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَ حِجْرًا مَحْجُورًا)(1).
فالله سبحانه أرسل كلاًّ من البحرين كما يحكي عنه قوله: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)لكن جرت قدرته سبحانه أن يلتقي هذا البحران من دون أن يختلط ماء أحدهما بالآخر وذلك لوجود حاجز بينهما.
وأمّا أين موطن هذين البحرين؟ وكيف يلتقيان ولا يختلطان؟ وما هو الحاجز بينهما; فقد اختلفت كلمات المفسّرين حول الآية قديماً وحديثاً، ولنذكر هنا بعض الآراء:
1. إنّ المراد بالبحرين جنس البحر المالح الذي يغمر قريباً من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية من البحار المحيطة وغير المحيطة، والبحر العذب المدَّخر في مخازن الأرض التي تنفجر الأرض عنها فتجري العيون والأنهار

1 . الفرقان: 53.

صفحه 262
الكبيرة فتصبّ في البحر المالح، ولا يزالان يلتقيان، وبينهما حاجز وهو نفس المخازن الأرضية والمجاري يحجز البحر المالح أن يبغي على البحر العذب فيغشيه ويبدله بحراً مالحاً وتبطل بذلك الحياة، ويحجز البحر العذب أن يزيد في الانصباب على البحر المالح فيبدله ماء عذباً فتبطل بذلك مصلحة ملوحته من تطهير الهواء وغيره. هذا نصّ كلام السيد الطباطبائي، الذي قال: فمعنى الآيتين ـ والله أعلم ـ خلَط البحرين العذب الفرات والملح الأُجاج حال كونهما مستمرّين في تلاقيهما بينهما حاجز لا يطغيان بأن يغمر أحدهما الآخر فيذهب بصفته من العذوبة والملوحة فيختلّ نظام الحياة والبقاء .(1)
يلاحظ عليه: أنّ البحر يطلق على الماء الكثير الموجود على سطح الأرض لا على الماء الموجود في أعماق الأرض. أضف إلى ذلك: أنّه سبحانه يقول: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)، وهما لا يخرجان إلاّ من الماء الكثير الموجود على سطح الأرض، لا من الموجود في أعماقها.
2. المراد به بحر فارس وبحر الروم، نقله في المجمع عن الحسن وقتادة، وقال: إنّ آخر طرف هذا يتصل بآخر طرف ذلك والبرزخ بينهما الجزائر.(2)
يلاحظ عليه: أنّ ماء كلا البحرين مالح.
3. المراد نهر الفرات وبحر العجم المسمّى اليوم بالخليج الفارسي، والتقاؤها عبارة عن انصباب ماء الفرات في الخليج الفارسي في شاطئ

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 100 .
2 . مجمع البيان: 9 / 374 .

صفحه 263
البصرة، والبلاد التي على الشاطئ العربي من الخليج الفارسي، تعرف عند العرب ببلاد البحرين .
والمراد بالبرزخ الذي بينهما الفاصل بين الماءين الحلو والمالح، بحيث لا يغيِّر أحد البحرين طعم الآخر بجواره، وذلك بما في كلّ ماء منهما من خصائص تدفع عنه اختلاط الآخر به، وهذا من مسائل الثقل النوعي، وذكر البرزخ تشبيه بليغ أي بينهما مثل البرزخ.(1)
يلاحظ عليه: بأمرين:
الأوّل: أنّ هناك بحراً وهناك نهراً، ونهر الفرات لايقال له بحر، والقرآن يصفهما بالبحرين.
الثاني: أنّ الفرات لا يصبّ في الخليج الفارسي مباشرة وإنّما يلتقي مع نهر دجلة عند مدينة «گرمة علي» (في البصرة)ليشكّلا النهر المعروف بـ(شطّ العرب) ثم يصبّ فيه نهر الكارون عند مدينة خرّمشهر(الإيرانية). ويصبّ شطّ العرب الذي يبلغ طوله أكثر من (100 كم) في الخليج عند مدينة الفاو(وهي أبعد نقطة في جنوب العراق).
اللّهم إلاّ أن يكون المراد من البحر ملتقى الأنهر الثلاثة، التي تشكّل بحراً ماؤه عذب سائغ يصب في الخليج، ويحجز بينه وبين الماء الملح حاجز، فلا يبغي أحدهما على الآخر.
وها هنا نظرية أُخرى قريبة من النظرية السابقة ولعلّها أمثل النظريات، وهي عدم تخصيص البحرين بموضع خاص بل الآية ناظرة إلى سنّة عامّة

1 . التحرير والتنوير: 27 / 233 .

صفحه 264
في أقطار الأرض، وهي أنّ الأنهار العظيمة التي تجري فيها مياه عذبة، عندما تصب في البحار والمحيطات فإنّها تشكّل بحراً من الماء الحلو إلى جنب الساحل وتطرد الماء المالح إلى الخلف، والعجيب أنّ هذين الماءين لا يمتزجان لمدة طويلة بسبب اختلاف درجة الكثافة. وتلاحظ هذه المناظر بوضوح عند السفر بالطائرة في المناطق التي تكون فيها هذه الحالات، حيث المياه العذبة تمثل بحراً منفصلاً في داخل البحر المالح ومنفصلة عن مياهه، وعندما تمتزج أطراف هذه المياه فإنّ المياه العذبة الجديدة تأخذ مكانها بحيث تشكل بحراً منفصلاً ملفتاً للنظر.
والظريف هنا ما يحصل في حالة (مدّ البحر) حيث بارتفاع سطح المحيط إلى الأعلى، فإنّ المياه العذبة ترجع إلى الداخل بدون أن تختلط مع المياه المالحةـ باستثناء سنوات الجدب التي تنعدم فيها الأمطار ويشحّ الماء ـ وتغطّي قسماً من اليابسة، لذلك فكثيراً ما تستثمر هذه الحالة بإيجاد أنهار وقنوات في المناطق الساحلية، حيث تسقى بهذه الطريقة الكثير من الأراضي الزراعية.(1)
وهذه النظرية كما قلنا قريبة ممّا ذكره السيد الطباطبائي، ولكن لا يتوجّه إليها ما ذكرناه من الإشكال، فلاحظ.
21. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
إنّ في خلق البحرين نعم عظيمة على الناس حيث ينتفعون من الماء العذب كما ينتفعون من غيره، فصح أن يكرر قوله: فبأي نعمة من نعمه

1 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 17 / 360 ـ 361 .

صفحه 265
تكذبان، ويشير في الآية التالية إلى بعض ما ينتفع به الإنسان من البحرين ويقول:
22. (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) :
ربما يقال إنّ اللؤلؤ والمرجان ينشآن فقط في المياه المالحة ولذلك أوّلوا قوله سبحانه: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) .
قال الطبرسي: اللؤلؤ كبار الدرّ، والمرجان صغاره(1). وقيل: المرجان: خرز أحمر كالقضبان يخرج من البحر... وإنّما قال: (مِنْهُمَا)وإنّما يخرج من الملح دون العذب، لأنّ الله سبحانه ذكرهما وجمعهما وهما بحر واحد، فإذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما، قال الكلبي: وهو مثل قوله تعالى: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا )(2) وإنّما هو في واحدة منهن، وقوله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ )(3) وإنّما جاء الرسل من الإنس ثم قال: وقيل: إنّ العذب والملح يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، ولا يخرج اللؤلؤ إلاّ من الموضع الذي يلتقي فيه الملح والعذب، وذلك معروف عند الغواصّين.(4)
قال الرازي: كيف يمكن الجزم بأنّ اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلاّ من الماء المالح، والذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد قد خفيت عليهم الأُمور

1 . سوف يتكرّر ذكر المرجان معطوفاً على الياقوت في الآية 58 من هذه السورة، وهو يناسب هذا المعنى، فانتظر.
2 . نوح: 16 .
3 . الأنعام: 130 .
4 . مجمع البيان: 9 / 374. وانظر: التبيان في تفسير القرآن:9/470ـ471.

صفحه 266
الأرضية، فكيف بما في قعر البحار؟ وهب أنّ الغواصين ما أخرجوا اللؤلؤ إلاّ من المالح، وما وجدوه إلاّ فيه، لكن لا يلزم من هذا أن لا يوجد في غيره، فظاهر كلام الله أولى بالاعتبار من كلام الناس.(1)
ولكن الظاهر أنّهما يواجدان في كلا الماءين: العذب والمالح.
قال المرحوم الشيخ مغنية تعليقاً على كلام الرازي المتقدّم: ونحن على هذا المنطق القويم، ويؤيّده قول الشيخ المراغي في تفسيره: قد ثبت في الكشف الحديث أنّ اللؤلؤ كما يستخرج من البحر الملح يستخرج من البحر العذب، وكذلك المرجان وإن كان الغالب أنّه لا يستخرج إلاّ من الماء الملح.(2)
وقال الطنطاوي ناقلاً عن مجلة «السياسة» الأُسبوعية المصرية: يتكوّن اللؤلؤ في أنواع كثيرة من الحيوانات الصدفية أو المحارية التي تعيش في الماء العذب أو في الماء المالح، وكانت الأُولى (التي تعيش في الماء العذب) شهيرة عند الرومانيين وهي تستخرج حتى الآن من بعض جهات في أميركا والصين وغيرها.(3)
بقي الكلام في توضيح اللؤلؤ والمرجان اللّذين تجمعهما الحِلْية البحرية.
أمّا اللؤلؤ: فهو من أثمن الجواهر، ويعدّ اللؤلؤ الكبار المتقن الشكل

1 . لاحظ تفسير الرازي:29/101.
2 . التفسير الكاشف: 7 / 208; تفسير المراغي: مج 9 / ج 27 / 113 .
3 . تفسير الجواهر: 24 / 26 نقلاً عن مجلة السياسة الأُسبوعية المصرية 27 رمضان 1344 هـ ، الموافق ابريل 1926 م كما في تفسير الفرقان: 27 / 29 .

صفحه 267
من أثمن الجواهر الكريمة من حيث القيمة، ويختلف اللؤلؤ عن بقية الجواهر الأُخرى، حيث تُعدّ معظم الجواهر معادن تستخرج من المناجم تحت سطح الأرض إلاّ أنّ اللؤلؤ يتكوّن داخل أصداف المحارة، وتكون الجواهر المعدنية صلبة وتعكس عادةً الضوء بينما اللؤلؤ ليّن نوعاً ويمتص بعض الضوء كما أنّه يعكسه أيضاً .
وتتكوّن اللؤلؤة داخل صدفة المحارة عندما تدخل حُبيبة غريبة إلى داخل الصدفة، وعلى مدى سنوات تغطي المحارة الحبيبة بطبقات رقيقة من مادّة تُسمّى عرق اللؤلؤ مكوّنة بذلك اللؤلؤة.
ويُنتج بعض أنواع بلح البحر، التي تعيش في الأنهار لؤلؤاً ثميناً.(1)
أمّا المرجان: فواحدته مرجانة، وهو (كما يقول أهل اللغة) صغار اللؤلؤ، إلاّ أنّه في الحقيقة شيء آخر حيث إنّ المرجان كائن حي يشبه الغصن الصغير للشجرة وينشأ في أعماق البحار، وكان العلماء يتصوّرون لفترة زمنية أنّ المرجان نوع من أنواع النباتات، إلاّ أنّه اتّضح فيما بعد أنّه نوع من الحيوانات بالرغم من أنّه يلتصق بالصخور الموجودة في أعماق البحر ويغطي مساحات واسعة أحياناً. وتوجد الشعاب المرجانية غالباً في البحار الاستوائية الدافئة غير العميقة، لأنّ المرجان الذي يكوّن الشعاب لا يمكن أن يعيش في مياه درجة حرارتها أقلّ من (18ْ م).
وقد تعلو الكتل المرجانية حتى ترتفع فوق الماء لتكوّن الجزر المرجانية، ويساعد البحر بأمواجه المتلاطمة على بناء الجزر المرجانية، فهو يكسّر النتوءات المرجانية ويكوّمها، وتُلصق الكائنات الأُخرى مثل

1 . الموسوعة العربية العالمية: 21 / 37 .

صفحه 268
الطحالب الكلسية الأجزاء بعضها مع بعض حتى يتكوّن بناء صلب، وغالباً تتكون التربة على المرجان، ويبدأ الكساء الخضري في النمو، وبهذه الطريقة يتكون ما يُعرف بـ «الجزر المرجانية» الموجودة بكثرة في المحيط الهادي.
و ثمّة، نوع من المرجان يعرف بالمرجان النفيس لا يعيش على الشعاب المرجانية، بل في المياه الأكثر برودة وعمقاً. وهذا النوع له قيمته في صناعة الجواهر، وله لبّ صلب يمكن أن يُصقل، ويكسبه الصقل ألواناً جميلة، حمراء، أو وردية، أو قرمزية.(1)
***
لمّا كان اللؤلؤ والمرجان من نعم الله سبحانه التي تستخدم للزينة والتجميل، بل ربما ينتفع بهما في معالجة بعض الأمراض، وكان وسيلة للتجارة والربح، عاد البيان القرآني يذكر قوله:
23. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
أي بعد هذه النعم الكثيرة، هل يمكن للإنس والجنّ التكذيب بها، وإنكار ولي تلك النِّعم ولا يعبداه ولا يشكراه؟
24. (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ) :
سورة الرحمن: الآيات 26 ـ 36   
الجواري المنشآت هي السفائن الجارية في البحار، ومع أنّها من صنع البشر، لكنّه سبحانه أسندها إلى نفسه وقال: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ) ووجهه:

1 . الموسوعة العربية العالمية: 23 / 88 .

صفحه 269
أنّ ما يرجع إلى البشر لا يتجاوز تركيب المواد بعضها مع بعض على نحو تجري في البحر، وأمّا ما سوى ذلك فالجميع يرجع إلى الله سبحانه، إذ هو خالق المواد المختلفة التي بها قوام صنع السفائن، وهو خالق البحار والمياه والرياح التي تحركها. وبالتالي خالق البشر وقواه العقلية التي يقوم بها بهذا العمل ولذلك أسندها إلى نفسه وقال: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ) وهي (كَالأَعْلاَمِ) أي كالجبال، فالسفن في البحر كالجبال في البرّ وتشبيهها بها لإفادة تعظيم شأنها.
25. (فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
ولولا هذه النعم لما تيسّر الاتّصال بين الشعوب بهذا الشكل، ولَما تمّ استيراد وتصدير البضائع بهذه الكميّات، حيث تجوب آلاف السفن يومياً، في عصرنا الحاضر، البحار والمحيطات، حاملة الركّاب وموادّ التجارة، مختزلة المسافة بين أقطار الأرض، ولذلك يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور)(1).

الآيات: السادسة والعشرون إلى السادسة والثلاثين

(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * سَنَفْرُغُ

1 . لقمان: 31 .

صفحه 270
لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَار وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).

المفردات

فان: صائر إلى الفناء، كأنّه كناية عن الموت.
الوجه: (لغة): الجزء الذي في الرأس، ويكنّى به عن الذات كما في الآية.
الجلال: العظمة.
الإكرام: النعمة.
يوم: مقدار ما بين طلوع الشمس وغروبها، وربما يراد به مطلق الزمان.
سنفرغ: الفراغ للشيء، الخلوّ عمّا يشغل عنه.
الثقلان: الجنّ والإنس، لوجود الثقل في وجودهما، أو لجلالة قدرهما.
المعشر: الجمع الكثير.
تنفذوا: من النفوذ أي الخروج.
الأقطار: جمع القُطْر وهو الناحية الواسعة في المكان الأوسع.

صفحه 271
السلطان: القدرة.
الشُّواظ: اللهب الذي لا دخان فيه، أو اللهب الأخضر المنقطع من النار.
النُّحاس: الدخان الذي لا لهب فيه.
تنتصران: من الانتصار وهو نصرة بعضهم بعضا.

التفسير

26. (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان):
الضمير في «عليها» يرجع إلى الأرض التي يدلّ عليها سياق الكلام، والفناء كناية عن الموت، واستخدام لفظة «مَنْ» للدلالة على أنّ المراد هو الجنّ والإنس المقصودان بالخطاب في السورة، وهذا لا ينافي شمول الفناء لكلّ الأحياء، فإنّ ذلك يدلّ عليه قوله تعالى في آية أُخرى: (كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)(1).
إنّما الكلام في أنّه سبحانه في مقام بيان النعم التي أولاها على الجنّ والإنس، فكيف عدّ الموت نعمة مع أنّه يعني زوال الحياة؟ والإجابة عنه واضحة; لأنّ الموت ليس بمعنى زوال الإنسان عن صفحة الوجود على الإطلاق وإنّما هو جسر إلى الحياة الأُخروية، الحياة الباقية الخالدة، والآية غير نافية للحياة الثانية، وإنّما هي بصدد بيان أنّه لم يُكتب للإنسان البقاء في الدار الدنيا. وأمّا أنّه لا حياة بعد الرحيل عنها فالآية ساكتة عنه.

1 . القصص: 88 .

صفحه 272
27. (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ) :
لمّا أخبر عن فناء مَنْ على الأرض، أخبر عن بقاء وجوده سبحانه وذاته، وأنّ الفناء والعدم لا يتسربان إليها. وأُريد بالوجه في الآية هو الذات لا الوجه الذي هو جزء من الرأس، والشاهد لذلك قوله: (ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ)حيث أُتيَ (ذُو) بالرفع لا بالجرّ، وجُعل وصفاً للوجه، ومن المعلوم أنّ الوجه الموصوف بالجلال والإكرام هو ذاته لا الوجه بالمعنى المعروف، فلو أُريد بالوجه هو المعنى الرائج فعندئذ لا محيص عن وقوع (ذُو الْجَلاَلِ)وصفاً للرب بصورة: ذي الجلال والإكرام، وهذا أوضح دليل على أنّه سبحانه لم يرد من الوجه إلاّ ذاته. ويشهد لما ذكرنا قوله سبحانه في آخر آية من هذه السورة: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ) ترى أنّ اسم الإشارة جاء مجروراً وقال: (ذِي الْجَلاَلِ)على خلاف المقام; وذلك لأنّه ورد هناك وصفاً للرب لا للاسم، ولذلك جاء مجروراً لا مرفوعاً.
وممّا يدلّ على أنّ الوجه يراد به الذات، الآيتان التاليتان:
1. (فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ )(1).
2. (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ)(2).
والعجب من ابن عاشور أنّه تصوّر أنّ الآية متشابهة فقال: إنّ للسلف في هذه الموارد مذهبين:
1. الإحجام عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى.

1 . البقرة: 115 .   2 . الإنسان: 9 .

صفحه 273
2. تأويل الآية بالجري على قواعد علم المعاني إلى حدّ اندفاع الخفاء. ثم قال: إنّ كلا الفريقين خيرة الحنفاء.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الآية خارجة عن إطار التشابه، يتّضح ذلك عند إمعان النظر في ألفاظ الآية ومفاد مفرداتها كما عرفت.
وثانياً: أنّ الطريق الأوّل ينافي ما عليه القرآن الكريم; لأنّ القرآن لم ينزل لكي يُقرأ وحسب وإنّما لتُفهم معانيه، وتُعرف مفاهيمه ومقاصده; كما أنّ الطريق الثاني مخدوش، إذ معنى التأويل عندهم صرف الظاهر عن ظاهره، وهذا أيضاً مثل السابق لبطلان صرف ظواهر الآيات إلى خلافها، وإنّما اللازم إمعان النظر حتى يتبدّل الظهور المتزلزل إلى الظهور المستقرّ.
ثم إنّه سبحانه وصف نفسه بوصفين:
1. ذو الجلال أي صاحب العظمة والكبرياء. وهو يتضمّن معنى الرّهب والخوف.
2. وذو الإكرام، أي ذو الجود والإحسان والتفضّل بالنِّعم. وأنت ترى أنّه لم يقتصر على الوصف الأوّل بل أردفه بالوصف الثاني ليكون مورثاً للرجاء. ولابن عربي كلام حول هذين الوصفين أوضحه الشيخ محمد جواد مغنيّة(رحمه الله)بما يلي: إنّما عطف سبحانه الإكرام على الجلال، لأنّ الإنسان إذا سمع وصف الله بالجلال دون الإكرام تملّكه اليأس والقنوط من الوصول إلى الله تعالى، لأنّه لا يرى نفسه شيئاً في جنب العظمة الإلهية... فأزال سبحانه هذا الوهم عن الإنسان بعطف الإكرام على الجلال لأنّ الجمع بين هذين

1 . التحرير والتنوير: 27 / 236 .

صفحه 274
الوصفين معناه أنّ الله وإن كان عظيماً فإنّه يكرم الإنسان وينظر إليه بعين العناية تفضّلاً منه وكرماً.(1)
ويمكن تفسير الوصفين بشكل آخر، وهو أنّ الوصف الأوّل إشارة إلى الصفات الجلالية التي تهدف إلى تنزيهه سبحانه عن النقص، كما أنّ الوصف الثاني إشارة إلى الصفات الجمالية التي تهدف إلى اتصاف الذات بكلّ جمال وكمال يعلم.
28. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :
والاستفهام استفهام إنكاري والغاية الإقرار بالنِّعم، كما مرّ تقريره .
29. (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن):
الآية تتركّب من فقرتين:
1. سؤال مَن في السماوات والأرض.
2. استمرار الفيض من الله سبحانه. وإليك شرحهما:
أمّا الفقرة الأُولى ـ أي سؤال مَن في السماوات والأرض ـ ففيها احتمالان:
1. المراد من السؤال هو السؤال التكويني وهو أنّ الكائنات بما أنّها فقيرة بالذات ولا تملك شيئاً من الوجود حدوثاً وبقاءً، فإنّها تسأل بلسان الحال فضل ربّها .

1 . التفسير الكاشف: 7 / 209. نقلاً عن الجزء الرابع من الفتوحات المكيّة.

صفحه 275
2. المراد تسبيح أهل السماوات والأرض. أمّا أهل السماوات فهم يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون لمن في الأرض، وهذا هو سؤالهم كما قال سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً)(1)، وأمّا غيرهم فيسألون النعم الدنيوية والنجاة الأُخروية.
أمّا الفقرة الثانية ـ أعني: كونه سبحانه كلّ يوم في شأن ـ فلعلّها إشارة إلى استمرار الخلق والتدبير، ويؤيد ذلك الفقرة الأُولى، فإذا كان سؤال أهل السماوات والأرض عن حوائجهم المستمرّة فيكون سبحانه بإجابته أسئلتهم يكون كلّ يوم هو في شأن. والآية تصلح أن تكون ردّاً على اليهود الذين قالوا: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ )(2) . فالله سبحانه خالق ومدبّر، وفيضه خلقاً وتدبيراً مستمر، فما أوهن قول من قال: خلق الله سبحانه العالم وفوض التدبير إلى غيره وتنحّى جانباً. وعلى هذا فالمراد من اليوم هو الزمان لا الفترة بين طلوع الشمس وغروبها.
ويشهد لاستعمال اليوم في مطلق الزمان ما يقال: إنّ الدهر كلّه عند الله يومان: أحدهما مدّة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فهو سبحانه في المدّة الأُولى يختبر عباده بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، ولكنّ شأنه يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
نعم، ربّما يُستدلّ بالآية على وجود الحركة الجوهرية حيث إنّ مفادها سريان التغيّر والتبدّل في جوهر الأشياء وذواتها لا في أعراضها، فالتفاح

1 . غافر: 7 .
2 . المائدة: 64.

صفحه 276
على الشجر إنّما يتغير لونه الذي يسمّى بالحركة الكيفية، وحجمه الذي يسمّى بالحركة الكمّية فهما(الحركتان) في ظل الحركة الجوهرية في ذات التفاح التي تؤثر في كيفها وكمّها.
أقول: الحركة الجوهرية حق لا مرية فيه، ولكن الآية غير ناظرة إليها مباشرة. نعم، بما أنّها شأن من شؤون الموجودات فالله سبحانه خالق ومدبّر للجواهر كلّ يوم .
30. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :
كيف يتمكّن الإنس والجنّ من كتمان هذه الآلاء؟ والاستفهام إنكاري كما مرّ.
31. (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ) :
الفراغ للشيء عبارة عن الخلوّ عمّا يشغل عنه، مثلاً: إذا اشتغل الإنسان بأمر مهمّ فلا يمكن له أن يشتغل بأمر آخر مثله، وعند ذلك يقول: إذا فرغت من شغلي في الأمر الأوّل، سأتفرّغ للأمر الثاني.
ويتبادر من ظاهر الآية هو هذا المعنى... كأنّه سبحانه مشتغل بأمر مهم فما لم يفرغ عنه لا يشتغل بأمر آخر، والفراغ بهذا المعنى في حقّه سبحانه محال، إذ لا يشغله شأن عن شأن لسعة وجوده وعلمه وقدرته، قال الإمام علي (عليه السلام): «لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلاَ نُجُومِ السَّمَاءِ»(1)، وعندئذ تسأل: فما هو،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 178 .

صفحه 277
إذاً، مفاد الآية؟ وأُجيب بوجوه:
1. يقول الشريف الرضي: كان والدي الطاهر الأوحد ذو المناقب أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي رضي الله عنه وأرضاه سألني عن هذه الآية في عرض كلام جرّ ذكرها، فأجبته بالحال بأعرف الأجوبة المقولة فيها، وهو أن يكون المراد بذلك: سنعمد لعقابكم، ونأخذ في جزائكم على مساوئ أعمالكم. وأنشدتُه بيت جرير كاشفاً عن حقيقة هذا المعنى:
الآن وقد فرغت إلى نُمَير *** فهذا حين صرت لها عذابا
فقال: فرغت إلى نمير كما يقال: عمدت إليها، فعلمنا أن معنى «فرغت» هنا عمدت وقصدت، ولو كان يريد الفراغ من الشغل لقال: فرغت لها ولم يقل: فرغت إليها.(1)
والجواب لا بأس به، غير أنّ الاستشهاد بالشعر لا يتمّ، لأنّه عدّى الفراغ في الشعر بـ «إلى» وفي الآية بـ «اللام».
2. قال الطبرسي: الشغل والفراغ من صفات الأجسام التي تحلّها الأعراض وتشغلها عن الأضداد في تلك الحال، ولذلك وجب أن يكون في صفة القديم تعالى مجازاً، ثم اختار أنّ الفراغ بمعنى القصد، يقال: سأفرغ لفلان، أي سأجعله قصدي .(2) وهو عين المعنى الذي ذكره الشريف الرضي.
3. ذكر الزمخشري أنّ الآية استعارة، فقوله: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ)مستعار من قول الرجل لمن يتهدّده: «سأفرغ لك» يريد سأتجرّد للإيقاع بك من كلّ ما

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 276 .
2 . مجمع البيان: 9 / 380 .

صفحه 278
يشغلني عنك حتى لا يكون لي شغل سواه.
ولا يخفى أنّ ما ذكره تقرير للإشكال لا إجابة عنه. نعم ذكر في ذيله ما يصلح أن يكون جواباً وقال: التوفّر على النكاية فيه والانتقام منه.(1)
4. وقال السيد الطباطبائي: إنّ معنى قوله (سَنَفْرُغُ لَكُمْ): سنطوي بساط النشأة الأُولى ونشتغل بكم، فالفراغ لهم استعارة بالكناية عن تبدّل النشأة، ولا ينافي الفراغ لهم كونه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فإنّ الفراغ المذكور ناظر إلى تبدّل النشأة، وكونه لا يشغله شأن عن شأن ناظر إلى إطلاق القدرة وسعتها، كما لا ينافي كونه تعالى كلّ يوم هو في شأن الناظر إلى اختلاف الشؤون كونه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.(2)
والأفضل أن يقال: إنّ الفراغ كناية عن الاعتناء بالشيء، شبّه سبحانه حاله بحال المُقبل على عمل دون عمل آخر، فكما هو يهتمّ به فهكذا سبحانه، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها ولا يغفل عن مثقال ذرة من أعمال الإنسان خيراً كانت أو شراً، فالله سبحانه يتكلّم من منظار الإنسان فهو يُعنى بشيء آخر إذا فرغ من شيء.
ثم إنّ الثقلين أُخذ من مادة ثَقُل على وزن كبُر، وهو يطلق على ما له وزن، ولكن هل إطلاقه على الجنّ والإنس لأجل وجود الثقل في جسدهما؟
يحتمل أن يكون الثقل بمعنى عظم الخطر وجلالة الشأن، لأجل تميّزهما عن سائر المخلوقات بالعقل والتمييز والتكليف بالواجبات.
أقول: إنّ الثقل بسكون القاف بمعنى ما له وزن، ولكنّه بفتح القاف

1 . تفسير الكشاف: 3 / 189 .
2 . الميزان في تفسير القرآن:19/106 وفي ذيل كلامه تعقيد.

صفحه 279
بمعنى النفيس الخطير من كلّ شيء، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الصحيح المتّفق عليه بين الفريقين: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يَرِدا عليّ الحوض».(1)
فوصفهما بالثقلين لأجل خطرهما وجلالة قدرهما، وعلى هذا فالظاهر أنّ وصف الجنّ والإنس بهما لأجل المواهب الخطيرة التي منحها الله لهما.
32. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
تقدّم تفسيرها والاستفهام إنكاري، وعدّ الفراغ لهما من النعم لأجل أنّ التذكير بالعقاب من نعم الله سبحانه حيث يهتدي به المطيع وتتمّ به الحجّة على العاصي، وما ذكرناه يُغني عن بيان كلّ مورد جاءت فيه الآية بعد ذكر العقاب.
33. (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان) :
الظاهر أنّ موضع الخطاب في الآية هو يوم القيامة، وكأنّ قائلاً يوم ذاك يخاطب الثقلين ويقول: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا ( أي تخرقوا) مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)من نواحيهما حتى تهربوا وتخرجوا من سلطان الله وقوته (فَانْفُذُوا) أي فاهربوا وانفلتوا، ولكن لا يتمكّنون منه;

1 . أُنظر: مسند أحمد:4/371; وخصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) للنّسائي:84 ، برقم 76; والمعجم الكبير للطبراني:5/166، برقم 4969; كمال الدين للصدوق:234، الباب22، برقم 45، وتفسير ابن كثير:4/113.

صفحه 280
لأنّ صحيفة الوجود كلّها سلطانه سبحانه ومظاهر قدرته، فلو فرض لأحد الهروب من أطراف السماوات والأرض فإنّما يهرب من مُلك إلى مُلك آخر، ومن سلطان إلى سلطان آخر، فأينما توجّهوا فثمّ وجه الله .
قلنا إنّ موضع الخطاب هو يوم القيامة; وذلك لأنّ الآية وردت بعد قوله: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ) وقبل قوله: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَار وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَانِ).
وكأنّ القائل في هذا الظرف الرهيب يتحدّى الثقلين بامتناع الهروب عن سلطان الله سبحانه وتعالى ثم يقول: (فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان): أي فاهربوا ولكن الهرب فرع القوة والقدرة، وليست لكم هذه السلطة.
34. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :
تقدّم تفسيرها.
35. (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَار وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَانِ) :
لمّا تقدّم في الآية قبل السابقة بأنّه لا محيص للإنسان المجرم عن الخروج من سلطان الله، فعندئذ يؤخذ بما يستحق كما يقول سبحانه: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا)أي الجنّ والإنس، (شُوَاظٌ مِنْ نَار) أي اللهب الخالص أو الشعلة الخالية من الدخان والتي تكون خضراء اللون (وَنُحَاسٌ): أي دخان لا لهب فيه، قال النابغة الجعديّ:
سورة الرحمن: الآيات 37 ـ 45   
يضيء كضوء سراج السَّليـ *** ـط لم يجعل الله فيها نحاسا(1)

1 . التبيان في تفسير القرآن:9/474ـ475. (والسَّليط): الزيت الجيّد، أو كلّ دهن عُصر من حَبّ.

صفحه 281
أي دخاناً. وقيل: النحاس:الصُّفر المذاب للعذاب.
وعلى ذلك، يحاط المجرم من الإنس والجنّ إحاطة تامّة فلا يتمكّن من الخلاص من تلك الأهوال، فمن جانب تحدق به الملائكة الذين يمنعون المجرمين من أية حركة، ومن جانب آخر تحيط به النار الملتهبة والدخان الخانق.
قوله تعالى:(فَلاَ تَنْتَصِرَانِ): أي لا تقدران على دفع ذلك عنكما.
36. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
فإذا كانت نتيجة تكذيب النعيم هذا المصير الأسود، فهل يصحّ لعاقل التكذيب؟!

الآيات: السابعة والثلاثون إلى الخامسة والأربعين

(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيَماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَذِهِ جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم آن * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) .

صفحه 282

المفردات

الوردة: واحدة الورد، وهو زهر أحمر من شجرة دقيقة ذات أغصان شائكة تظهر في وقت الربيع.
الدِّهان: دُرديّ الزيت، ولعلّ وجه التشبيه هو التموُّج والاضطراب. وقال الفرّاء: الدهان: الأديم الأحمر، وهذا هو الأظهر.(1)
السِّيما: العلامة، ولعلّه سواد الوجوه يوم القيامة.
النواصي: جمع ناصية، وهي شعر مقدّم الرأس.
الحميم: الماء الحار.
آن: اسم فاعل من آنى إذا اشتدت حرارته.

التفسير

لمّا تقدّم تهديد المجرمين من الإنس والجنّ، وأنّه لا مهرب لهم في ذلك اليوم، الذي تُرسل فيه شُعَل النار والدخان عليهم، بدأ في هذه الآيات ببيان علامات قيام الساعة، ثم ببيان ما يصيب المجرمين فيها من العذاب، وقد بدأ بذكر أوضح تلك العلامات الدالّة على اختلال النظام الكوني عند وقوع يوم القيامة، وهي انشقاق السماء، حيث قال:
37 . (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) :
أي إذا انخرمت السماء وانفطرت، كما قال في آية أُخرى:(إِذَا السَّمَاءُ

1 . مجمع البيان: 9 / 380 .

صفحه 283
انْفَطَرَتْ)(1)، وأُريد بالسماء هنا، جنس السماء حيث يعمّ كلّ النظام الإمكاني من السماء الدنيا إلى نهاية السماوات السبع.(فَكَانَتْ وَرْدَةً): بمعنى: حمراء كالوردة تذوب مع الانشقاق وتصير (كَالدِّهَانِ): أي كدُرديّ الزيت(2) في الاضطراب والتموّج، أو بمعنى: حمراء بلون الأديم(3) الأحمر. ولعلّ الثاني هو الأفضل.
38. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
فإذا كان مصير المجرمين من الإنس والجنّ هو هذا، فهل يصح لعاقل أن يكذّب نعمه سبحانه ولا يشكرها ولا يعبده؟ وقد مرّ أنّ التذكير بالعقاب نعمة للجميع .
39. (فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ):
فقوله: (فَيَوْمَئِذ)جواب للجملة الشرطية التي تقدّمت، وهو قوله: (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ)وكأنّ المعنى: إذا زال النظام الكونيّ السائد، وبُدّل بنظام آخر، فحينئذ يحضر الجنّ والإنس للجزاء ولكن تفترق محكمة العدل الإلهي عما هو الرائج في هذه الدنيا، فإنّ القضاء في الثانية يقوم على الاستجواب حتى يعترف المتَّهم بجرمه أو تتبيّن براءة ساحته، وأمّا القضاء في يوم القيامة، فلا يحتاج فيه إلى الاستجواب، لأنّ المجرم يُعرف بالعلامات الواضحة في صفحات وجهه، كما يقول سبحانه: (فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ

1 . الانفطار: 1 .
2 . دُرديّ الزيت: الكَدَر الراسب في أسفله.
3 . الأديم: الجلد المدبوغ.

صفحه 284
عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ)وفي آية أُخرى: (وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)(1)إذ لا فائدة تترتّب من وراء هذه المساءلة بعد شهادة السّيما على الحقيقة كما عليه قوله: (يُعْرَفُ الُْمجْرِمُونَ بِسِيَماهُمْ)فبعد شهادة السيما شهادة قاطعة يكون القاضي في غنى عن السؤال وسماع الجواب نظير المأخوذ في حالة ارتكاب الجرم في هذه الدنيا .
فإن قلت: كيف لا يُسأل عن ذنب المجرمين مع أنّ بعض الآيات تدلّ على السؤال، قال سبحانه: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2)،
وقوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)(2).
قلت: إنّ السؤال مبني على وجود موقف واحد يوم القيامة مع أنّ للإنسان في ذلك اليوم ـ الذي هو من حيث الزمان أشبه بخمسين ألف سنة ـ مواقف متعدّدة ولها أحكام مختلفة، فلا يُسأل في موقف ويُسأل في موقف آخر.
40. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
إعادة لما سبق، والاستفهام إنكاري، وقد تقدم بيانه.
41. (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيَماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة بأنّه لا يسأل عن ذنبه، في ذلك اليوم، إنس ولا

1 . القصص: 78 .      2 . الحجر: 92 ـ 93 .
2 . الصافات: 24.

صفحه 285
جان، جاءت هذه الآية لبيان سبب ذلك، وهو أنّ المجرمين يحشرون يوم القيامة بعلامات تُثبت جرائمهم كما أنّ المؤمنين الموحِّدين يحشرون بعلامات تثبت طاعتهم فلذلك لا وجه للسؤال، غير أنّ المجرم يؤخذ تارة بشعر مقدّم الرأس كما قال: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي)وأُخرى بأقدامه كما قال: (وَالأَقْدَامِ)ولعلّ الوجه في هذا الأخذ هو تحقيره وإذلاله،(1) إذ كلّ إنسان في الدنيا أخذ بناصيته وأقدامه يعدّ ذليلاً وحقيراً. وهناك احتمال آخر، وهو أنّ كلّ من أذنب برأسه يؤخذ بما عصى الله تعالى به، فالكافر بما أنّه عصى الله سبحانه بتفكيره يؤخذ بناصيته، والفاسق إذا فسق بأقدامه يؤخذ بها .
42. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
تقدّم تفسيرها.
43. (هَذِهِ جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ):
يحتمل أن تكون الآية مقولاً لقائل يخاطب المجرمين يومذاك بقوله: (هَذِهِ جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ): أي الكافرون في الدنيا، والتعبير عن المخاطبين بالمجرمين لأجل التنبيه على وجه سوقهم إلى جهنم، وإلاّ فاللازم أن يقول: هذه جهنم التي كنتم أنتم بها تكذبون.
هذا على القول بأنّ موضع الآية يوم القيامة، وهناك احتمال آخر وهو أن يقال: لمّا أخبر الله سبحانه أنّهم يؤخذون بالنواصي والأقدام قال للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): (هَذِهِ جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ)من قومك فسيرِدُونها فليهُن عليك أمرهم.

1 . سيأتي مزيد بيان عند تفسير قوله تعالى في سورة العلق: (كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بالنّاصِيَةِ).

صفحه 286
44. (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم آن):
إنّ المجرمين حينما يرِدُون الجحيم لا يَقرّون في مكان واحد، بل يجولون بين النار والحميم، فهم يُعذَّبون تارة بالنار وأُخرى بالماء الحارّ الذي بلغ منتهى حرِّه، إمّا بشربه أو بصبّه عليهم، قال سبحانه: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ).(1)
45. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
وقد مرّ منا مراراً بأنّ التذكير بالعقاب والإنذار به من أكبر النعم، فالإنسان العاقل يهتمّ به ولا يكذّب بنعم الله، والإنسان العاصي تتمّ به الحجّة عليه، فلو أُعيدَ ذكر هذه الآية بعد ذكر جهنم وعذابها، فلأجل هذا.
سورة الرحمن: الآيات 46 ـ 61   

الآيات: السادسة والأربعون إلى الحادية والستين

(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَان * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ* فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَة زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق وَجَنى الْجَنَّتَيْنِ دَان * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ

1 . الحج: 19 .

صفحه 287
جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).

المفردات

الأفنان: جمع فَنَن وهو الغصن الغضّ الورق. ويحتمل أن يكون جمع «فنّ» بمعنى النوع، و يكون المعنى: ذواتا أنواع من الثمار وغيرها.
متّكئين: من الاتّكاء، وهو الاستناد للتكرمة والإجلال يقول سبحانه: (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً)(1).
فرش: جمع فراش ما يبسط على الأرض.
الجنى: ما يُقطف من الثمر .
دان: أي قريب.
بطائن: جمع بطانة. ويقابله: ظهائر. وإنّ أكثر ما يلبسه الإنسان له بطانة وظهارة، فالظهارة تغطي البطانة، وتكون أجود منها.
الاستبرق: صنف من الديباج الغليظ.
الطرف: جَفْن العين.
قاصرات الطَّرف: جمع قاصرة بمعنى الحاصرة، والمراد: اكتفاؤهنّ بأزواجهنّ فلا يُردن غيرهم. قال الراغب: قاصرة الطرف لا تمدّ طرفها إلى ما لا يجوز.(2)

1 . يوسف: 31 .   2 . المفردات للراغب: 405، مادة «قصر».

صفحه 288
الطمث: يقال: طمثت المرأة إذا حاضت، وطمثت: إذا دميت بالافتضاض، المراد: لم يَمسّهنّ أحد من الإنس والجانّ.

التفسير

تقدّم في الآيات السابقة أنّه سبحانه أوعد العصاة والطغاة بما عرفت، فاقتضى المقام أن يصف مآل المطيعين المؤمنين الذين يخافون مقام ربّهم، فوعدهم بجنّتين فيهما ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين من الأشجار والأنهار والثمار والأزواج إلى غير ذلك من النعم وقال:
46. (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ):
جعل الجنتين لمن خاف مقام ربّه، والظاهر أنّ المقام اسم مكان أُضيف إلى الربّ والإضافة لامية، أي لمن خاف المنزلة التي للربّ والمقام الثابت له، وعندئذ يقع الكلام فيمَ هو المراد من هذا المقام؟ الظاهر أنّ المراد بقرينة إضافته إلى الربّ هو أنّه سبحانه بما أنّه ربّ يدبّر أمر الخلق ويدير أُموره ويسدّ خَلّته.. كلّ ذلك من صفات الربّ في العالم الإمكاني; فإنّ من عرف منزلة الربّ ومكانته وأنّه الغني المطلق، والعبد هو الفقير بالذات، يوحِّده ويمجّده ويحمده ويطيعه ولا يعصيه.
وبهذا ظهر أنّ الخوف في هذا المقام لا يمتّ إلى الخوف من عقابه وجحيمه سبحانه بصلة، حتى تكون عبادته عبادة العبيد، بل المراد هو الخضوع الذي لا مناص منه بعد التعرّف على مقامه، فإذا عَرف أنّه جمال كلّه وجلال كلّه وغنىً كلّه، يستشعر في صميم ذاته العظمة والجلال فيخضع لا

صفحه 289
محالة، قال سبحانه: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)(1). وعلى هذا، فهؤلاء هم السعداء من عباد الله سبحانه الّذين عرّفهم في سورة الواقعة بقوله: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)(2) فهم أفضل من أصحاب اليمين، كما سيأتي في محلّه .
ويؤيّد ما فهمناه من الآية، قول الإمام الصادق (عليه السلام): «من علم أنّ الله يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير وشر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال، فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى».(3)
وأمّا ما هو المراد من الجنّتين فهو أمر غيبي لا طريق لنا للوقوف عليه، ومعرفة واقع الجنّتين، وما ذكر في التفاسير لا مصدر له حيث قالوا: إحداهما: منزله ومحل زيارة أحبابه له، والأُخرى: منزل أزواجه وخدمه. وقيل: بستانان بستان داخل قصره وبستان خارجه، وقيل: منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر ليكمل به التذاذه، وقيل: جنة لعقيدته وجنّة لعمله، وقيل: جنة لفعل الطاعات وجنة لترك المعاصي، وقيل: جنة جسمانية وجنة روحانية. وهذه الأقوال ـ كما ترى ـ لا دليل على شيء منها.
47. (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
تقدّم تفسيرها.
48 و 49. (ذَوَاتَا أَفْنَان * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):

1 . النازعات: 40 ـ 41 .
2 . الواقعة: 10 ـ 11 .
3 . تفسير نور الثقلين: 5 / 196 ح 48 .

صفحه 290
لمّا سبق أنّ للسعداء من الأُمّة جنتين عاد البيان القرآني لوصفهما ووصف ما فيهما من النِّعم، وأشار إلى أُمور ثمانية:
الأوّل: (ذَوَاتَا أَفْنَان)أي كلّ من الجنتين ذات أغصان غضّة طرية، أو ذات أنواع من الثمار.
50 و 51. (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :
الثاني: أنّ في الجنتين عينين جاريتين وأمّا ما هاتان العينان؟ فهما مبهمتان. وقد جاءتا في الآية بصورة النكرة للدلالة على فخامة أمرهما، ثم هل في كلّ جنّة عينين أو أنّ في كلّ واحدة عيناً؟ احتمالان .
52 و 53. (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَة زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
الثالث: أي من كلّ فاكهة صنفان: صنف معروف وصنف من شكله غريب; أو نوعان متشاكلان كتشاكل الذكر والأُنثى، فلذلك سمّاهما زوجين، وذلك كالرطب واليابس من العنب والزبيب، والرطب والتمر، والجوز واللوز، وسائر الأنواع لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب واللون والطعم، كلّ ذلك للإطراف والإمتاع.(1)
54 و 55. (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق وَجَنى الْجَنَّتَيْنِ دَان * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :

1 . لاحظ: التبيان في تفسير القرآن:9/479.

صفحه 291
الرابع: أنّ السعداء من أصحاب الجنّة على حالة (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش)والفرش ما يبسط على الأرض للنوم والاضطجاع والجلوس والقعود، ولعلّ المراد به هنا السرير المرتفع عن الأرض من باب ذكر الحال باسم المحلّ، والشاهد على ذلك قوله سبحانه: (عَلَى سُرُر مَوْضُونَة * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ)(1)، وذكر الاتّكاء لأنّه يدلّ على صحّة الجسم وفراغ القلب; لأنّه عبارة عن هيئة بين الاضطجاع والجلوس، وهو اضطجاع على جنب دون وضع الرأس والكتف على الفراش.
ثم لهذه الفرش بطانة وظهارة فبطانتها من الاستبرق وهو الديباج الغليظ، وبما أنّ الظهائر تكون أفضل من البطائن، فإذا كان بطائنها من استبرق فكيف حال ظهائرها؟ الله يعلم ما هي.
الخامس: (وَجَنى الْجَنَّتَيْنِ دَان): أي ثمارهما قريبة من السعداء، فهم في حال الاتّكاء على فرشهم يتمكّنون من تناول الثمار متى شاءوا.
56 و 57. (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :
السادس: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ)لمّا تقدم أنّ السعداء من الأُمّة يتّكئون على فرش بطائنها من ديباج غليظ، عاد البيان القرآني للإشارة إلى أنّ معهم نساء قاصرات الطرف لا ينظرن إلى غير أزواجهن، فهنّ في أسمى درجات العفّة والصون والحياء.
ثم إنّ الضمير (فِيهِنَّ)يحتمل أن يرجع إلى الفرش التي هي كناية عن

1 . الواقعة: 15 ـ 16 .

صفحه 292
السرر، ويحتمل أن يرجع إلى الجنتين باعتبار كثرتهما لأنّ لكلٍّ جنتين .
السابع: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ): أي هنّ أبكار لم يمسّهنّ أحد قبل أزواجهنّ، لا من الجنّ ولا من الإنس، والعجب من بعض المفسّرين أنّه يفسّر قاصرات الطرف بوجود جمال في العيون مثل ما في عيون المها والظباء .(1) وأنت ترى أنّ هذا النوع من التفسير لا يليق بكتاب الله العزيز.
58 و 59. (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
الثامن: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ): في الصفاء والنقاء والبهاء. وهو وصف لهؤلاء القاصرات الطرف. والياقوت حجر كريم صلب شفّاف.(2)والمرجان صغار الدر، وقد مرّ ذكره في تفسير الآية 22 من هذه السورة، فراجع.
60 و 61. (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):

1 . التحرير والتنوير: 27 / 250 .
2 . يوجد الياقوت على شكل شذرات شفّافة في الحصى، وعلى شكل عروق غير شفّافة في الصخور. والاسم الكيمياوي للياقوت هو «أوكسيدالألمنيوم». وهناك عدّة أصناف من الياقوت الشفّاف تصقل وتستعمل كمجوهرات، منها: الياقوت الأحمر والسفير (ذو اللون الأزرق). وألوان الجواهر تعود إلى عدم صفاء الياقوت، فالأحمر منه ـ مثلاً ـ يأخذ لونه من وجود آثار الكروم فيه. الموسوعة العربية العالمية:27/296.

صفحه 293
المراد بالإحسان الأوّل هو فعل العبد، ومن الثاني الجزاء، والآية كالمتمّمة لما سبق من النعم التي يوليها سبحانه لعباده يوم الجزاء قائلاً بأنّ الجنتين مع ما فيهما من النعم لأجل أنّ الإحسان يبادل بمثله، يقول سبحانه في حقّ الطاغين: (جَزَاءً وِفَاقًا)(1)، وفي حقّ المتّقين: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا) (2) .
وتستفاد من الآية مسألتان هما من المسائل الرئيسية في علم الكلام:

الأُولى: أنّ التحسين والتقبيح عقليّان وليسا بشرعيّين

بمعنى أنّ العقل يدرك قبل الشرع ما هو الحَسِن الذي يجب أن يفعل وما هو القبيح الذي يجب أن يترك. والشاهد على ذلك أنّه سبحانه يحتجّ علينا بمنطق الفطرة الذي عليه خُلق جميع البشر ويقول: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)فالاستفهام لأجل التقرير، وأنّ الإنسان بما هو هو، مع قطع النظر عن كلّ شيء، يحكم بأنّ جزاء الإحسان بالإحسان حسن، وبخلافه قبيح، وليست هذه الآية هي الآية الوحيدة التي تدلّ على أن التحسين والتقبيح من الأُمور التي يدركها الإنسان بفطرته وذاته، بل هناك آيات أُخرى لو تدبّر فيها الإنسان لوقف على حقيقة الحال، فهاك عدداً منها:
1. قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ وَ إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(3) .

1 . النبأ: 26 .
2 . النبأ: 35 .
3 . النحل: 90 .

صفحه 294
2. (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ )(1) .
3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ)(2).
4. (وَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَ اللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)(2).
فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالإحسان والفحشاء والمنكر والبغي والمعروف، قبل تعلّق الأمر أو النهي بها، وأنّ الإنسان يجد وصف الأفعال بأحدها ناشئاً من صميم ذاته، كما يعرف سائر الموضوعات من الماء والتراب، وليس عرفان الإنسان لها موقوفاً على تعلّق حكم الشرع، وإنّما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح.
فالتدبّر في هذه الآيات لا يدع مجالاً لتشكيك المشكّكين في كون التحسين والتقبيح من الأُمور التي يدركها الإنسان بعقله الذي هو حجّة ونبيّ من داخل، كما أن الشرع حجّة ونبيّ من خارج.
وبذلك تقف على قيمة رأي الإمام الأشعري، حيث يقول:
فإن قال قائل: هل لله تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟
قيل له: لله تعالى ذلك، وهو عادل إن فعله ـ إلى أن قال: ـ ولا يقبح منه أن يعذب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان. وإنّما نقول: إنّه لا يفعل ذلك، لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين، وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره.(3)

1 . الأعراف: 33 .   2 . الأعراف: 157 .
2 . الأعراف: 28 .
3 . اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع: 116 ـ 117 .

صفحه 295
نحن لا نناقش كلامه، لأنّ القارئ جدّ عليم ببطلانه، وإنّما نسأله: من أين علم بأنّ الله سبحانه لا يكذب في خبره؟ وما هو مصدر علمه بهذا؟!
فإن قال: المصدر هو حكم العقل بأنّه لا يكذب، فقد رجع عن قوله وأثبت أنّ العقل يدرك قبح شيء يجب أن يترك.
وإن قال: المصدر هو إخباره سبحانه في كتابه بأنّه لا يكذب فهو مستلزم للدور، إذ من أين علم بأنّه سبحانه ـ والعياذ بالله ـ لا يكذب في كلامه؟!
فلأجل ذلك يجب التسليم بقاعدة قطعية يدركها العقل وهي: قبح الكذب على الله، ليثبت به سائر المعارف التي أخبر عنها سبحانه.
وقد بسطنا الكلام في ذلك في رسالتنا المستقلّة «التحسين والتقبيح العقليان» وقلنا: إنّ من أنكر هذه الضابطة لا يتمكّن من إثبات أي معرفة من المعارف، فعامّة المسائل العَقَدية مبنيّة على هذا الأصل.(1)
***
قلنا: إنّه يستفاد من هذه الآية مسألتان كلاميّتان أوضحنا حال المسألة الأُولى، وإليك حال المسألة الثانية، وهي:

المسألة الثانية: هل أنّ الثواب استحقاقيّ أو تفضّل من الله سبحانه؟

هنا قولان:
1. إنّه عقلي، أي العقل مستقلّ بالاستحقاق .

1 . انظر: بحوث في الملل والنحل: 2 / 360 ـ 384، مضافاً إلى ما أفردنا من رسالة مستقلّة في الموضوع.

صفحه 296
2. إنّه سمعي، أي من باب التفضّل وأنّه سبحانه يتفضّل بالثواب، وبما أنّ المسألة طويلة الذيل نرجع القارئ إلى مكانها.(1) ولكنّ الذي يستفاد من الآية هو الاستحقاق، لأنّه سبحانه يتّخذ ضمير الإنسان سنداً لقضائه فيما تستقلّ به عقليته ويقول: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)، وهذا يقتضي أن يكون الثواب عقليّاً وجزاءً لازماً، نعم يمكن القول إنّ ما يقوم به العبد ليس شيئاً إلاّ ما تفضّل به سبحانه وأنعَم به عليه، فهو لا يعطي من كيسه شيئاً بل يعطي ما تفضّل به سبحانه، فيكون من مصاديق المثل المعروف المقتبس من القرآن الكريم: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا)(2) وهو يقتضي كونه تفضّليّاً، والتفصيل في محلّه.
سورة الرحمن: الآيات 62 ـ 78   

الآيات: الثانية والستون إلى الثامنة والسبعين

(وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ* فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ* فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ* فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَف خُضْر

1 . كشف المراد: 261 ـ 272 .
2 . يوسف:65.

صفحه 297
وَعَبْقَريٍّ حِسَان * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ).

المفردات

ومن دونهما: أي من ورائهما أو أقلّ منهما.
مُدهامَّتان: تثنية مدهامّة أي خضراء تضرب إلى السواد نعمة وريّاً.
نضّاختان: فوّارتان بالماء.
حور: جمع حوراء أي بيضاء حسنة البياض. والعين الحوراء إذا كانت شديدة بياض البياض، شديدة سواد السواد، وبذلك يتم حسن العين.
خيرات: كرائم الأخلاق.
حِسان: أي حسان الخَلق والخُلق.
رفرف: الرَّفرف ـ في الأصل ـ ما كان من الدِّيباج وغيره رقيقاً حسن الصنعة، ثم اتُّسع به، وأُريد به الفُرش، أو الوسائد والنمارق، أو البُسُط، وغير ذلك.(1) وهو مفرد جمعه «رفارف».
خُضْر: جمع أخضر.
عبقريّ: قال أبوعبيد: العبقري صفة لكلّ ما بولغ في وصفه، وأصله أنّ «عبقر» بلد يوشى فيه البُسُط وغيرها، فنسب كلّ شيء إلى عبقر. وقال الفرّاء: العبقريّ: الطنافس الثّخان، واحدتها عبقرية.(2)

1 . لسان العرب، مادة(رفف).
2 . لسان العرب: مادة (عبقر).

صفحه 298
 
التفسير
ذكر سبحانه للسعداء في الآيات السابقة جنّتين، وذكر هنا جنّتين أُخريين، إمّا هما أدنى من تينك الجنّتين في الكمال والجمال، أو هما قريبتان منهما.
وأمّا ما هو الوجه من التعدّد فقيل: ليتضاعف له السرور بالتنقّل من جنّة إلى جنّة على ما هو معروف في طبع البشرية من شهوة مثل ذلك، لأنّ التنقّل من جنّة إلى أُخرى أبعد من الملل الذي طُبع عليه الإنسان. ويظهر من بعض الروايات أنّ اختلاف الجنان لأجل تفاضل الناس في الأعمال .(1) والله أعلم.
ثم إنّه وصف هاتين الجنّتين اللّتين دون الجنّتين الأُوليين بأوصاف تشبه ما وصف بها الأُوليان وهي لا تتجاوز سبعة أُمور:
62 و 63. (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
وقد مرّ أن قوله دونهما يحتمل وجهين: إمّا بمعنى القرب أو أقلّ منهما. ويظهر من بعض الروايات أنّ المراد هو الثاني. وأمّا أوصاف هاتين الجنتين، فكالتالي:
64 و 65. (مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
الأوّل: (مُدْهَامَّتَانِ) أي خضراوان تضرب خضرتهما إلى السواد، فكأنّ

1 . تفسير نور الثقلين: 5 / 200 .

صفحه 299
أوراق الأشجار، لكثرة الريّ، تضرب إلى السواد من شدّة خضرتها.
66 و 67. (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
الثاني: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ): أي فيهما عينان فوّارتان بالماء ينبع من أصلهما ثم يجريان. ولاشكّ في أنّ فوران المياه يعطي جمالاً للجنّة ترغب إليها القلوب.
68 و 69. (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
الثالث: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَرُمَّانٌ) قيل: إنّما أفرد النخل والرمان بالذكر، مع أنّهما من جملة الفاكهة تنبيهاً على فضلهما وجلالة النعمة بهما.(1)
70 و 71. (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
الرابع: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ): أي في الجنّتين الأخيرتين حور (خَيْرَاتٌ)فاضلات النفس، كرائم الأخلاق، (حِسَانٌ)الخُلق والخَلق.
72 و 73. (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:9/484.

صفحه 300
الخامس: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ): أي هؤلاء الخيرات الحسان البياض محبوسات في الحجال، مستورات في القباب، أي إنّهنّ مصونات مخدّرات لا يبتذلن; وقيل: مقصورات أي قصرن على أزواجهنّ فلا يردن بدلاً منهم. والخيام جمع خيمة وأُريد بها البناء.
74 و 75. (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ * فَبأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :
السادس: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ): أي أبكار لم يقربهنّ أحد قبل أزواجهنّ.
76 و 77. (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَف خُضْر وَعَبْقَريٍّ حِسَان * فَبأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) :
السابع: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَف خُضْر): أي على فُرش خضر ناعمة، أو وسائد (وَعَبْقَريٍّ)أي فائق في صنفه، عزيز الوجود. (حِسَان) جمع حسناء، وهي صفة لـ(رَفْرَف).
78. (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ):
(تَبَارَكَ) من البركة وهي زيادة الخير ووفرته، فيكون المعنى: مَن كثرت خيراته ووفرت نعماؤه.والجملة إمّا خبرية أُريد بها الإخبار عن شأن الربّ فيكون المعنى: تبارك اسم الربّ الذي له الجلال والجمال. أو أُريد به الإنشاء لتكثر وتتوسّع خيراته. وعلى كل تقدير، فقد أُسند الفعل في المقام إلى اسم الربّ، وفي سورة الملك إلى وصف من أوصافه وقال: (تَبَارَكَ الذِي

صفحه 301
بِيَدِهِ الْمُلْكُ)(1) وكأنّ الآية إشارة إلى أنّ كثرة خيراته ووفرة نعمائه من آثار كونه ذا الجلال والإكرام، لأنّ لصفاته ظهوراً في أفعاله، فكونه ذا جلال أجلّ من أن يعاقب المؤمن، وكونه ذا جمال يكرمه بنعمه.
***

1 . الملك: 1 .

صفحه 302

مقارنة بين أوصاف الجنتين

الجنّتان الأوليان
الجنتان الأُخريان
1. ذواتا أفنان
2. عينان تجريان
3. فيهما من كلّ فاكهة زوجان
4. متّكئين على فرش بطائنها من استبرق
5. فيهنّ قاصرات الطرف
6. لم يطمثهنّ قبلهم إنس ولا جانّ
7. كأنهنّ الياقوت والمرجان
يقابلها
   =
   =
   =
   =
   =
لعله يقابله
مدهامّتان
عينان نضّاختان
فيهما فاكهة ونخل ورمان
متّكئين على رفرف خضر وعبقريٍّ حسان
مقصورات في الخيام
لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جانّ
فيهنّ خيرات حسان
والله سبحانه يعلم ما هو التفاوت بين هاتين وهاتين، وما هي حقيقة تلك النعم العظيمة، فالجميع من الأُمور الغيبية، ونرجو الله أن يرزقنا إيّاها يوم القيامة بمنِّه وفضله.
***
تمّ تفسير سورة الرحمن

صفحه 303
سورة الواقعة   

سورة الواقعة

(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَ قَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُر مَوْضُونَة * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعِين * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْر مَخْضُود * وَطَلْح مَنْضُود * وَظِلّ مَمْدُود * وَمَاء مَسْكُوب * وَفَاكِهَة كَثِيرَة * لاَ مَقْطُوعَة وَ لاَ مَمْنُوعَة * وَفُرُش مَرْفُوعَة * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً *

صفحه 304
فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ * وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُوم وَ حَمِيم * وَ ظِلّ مِنْ يَحْمُوم * لاَ بَارِد وَ لاَ كَرِيم * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ* فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ * نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ* بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ التي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا

صفحه 305
أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَ مَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ * فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ * فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَ أَنْتُمْ حِينَئِذ تَنْظُرُونَ * وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ * فَلَوْلاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَ رَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ* وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم * وَ تَصْلِيَةُ جَحِيم * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) .

صفحه 306
سورة الواقعة: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت في المصاحف بسورة «الواقعة»، وليس لها اسم آخر.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها تسع وتسعون في عدّ الحجازي، وسبع وتسعون في عدّ البصري، وست وتسعون في عدّ الكوفي، وقد ذكر في «مجمع البيان» مواضع الاختلاف ولا يهمّنا ذكرها.
والسورة مكّية وتشهد لها صياغتها ومضمونها، وربما قيل إنّ بعض آياتها مدنيّ، مثل قوله: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)، ولكن الظاهر أنّ جميع الآيات مكّية.
روى الترمذي عن ابن عباس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوّرت».(1)
والجامع بين السور أنّ فيها نبأ أهل الجنّة وأهل النار.
روي أنّ عثمان بن عفان دخل على عبدالله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: ما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: أفلا ندعو الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا نأمر بعطائك؟

1 . سنن الترمذي: 5 / 76، برقم 3351 .

صفحه 307
قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه، قال: يكون لبناتك، قال: لا حاجة لهنّ فيه، فقد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «من قرأ سورة الواقعة كلّ ليلة لم تصبه فاقة أبداً».(1)
وأخرجه السيوطي في «الدر المنثور» بحذف صدر الرواية، واكتفى بقوله: «مَن قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً» .(2)

أغراض السورة

تدور آيات السورة حول محور واحد وهو يوم القيامة هذا هو حسب الإجمال، وأمّا من حيث التفصيل فهي تذكر وقوع القيامة، وتصف بعض مشاهدها المروّعة، ثم تذكر اختلاف أحوال الناس يومذاك، وانقسامهم إلى أصناف ثلاثة، وهم: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، ثمّ تستعرض بعض ما أعدّه سبحانه من النعيم المقيم للسابقين ولأصحاب اليمين، وما أعدّه من فنون العذاب والنكال لأصحاب الشمال، ثمّ تُقيم البراهين الدالّة على وجود الله ووحدانيّته، وعلى إمكان إعادة الخلق بعد الموت، ثمّ تنوّه بذكر القرآن الكريم، وأنّه وحي سماويّ منزَّل من ربّ العالمين.

الآيات: الأُولى إلى العاشرة

(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ *

1 . أخرجه أبو بكر البيهقي في «شعب الإيمان»:2/491، برقم 2497. وذكره الطبرسي في «مجمع البيان»: 9 / 395، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن»:17/194، وآخرون.
2 . الدر المنثور: 8 / 4 .

صفحه 308
إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) .
سورة الواقعة: الآيات 1 ـ 10   

المفردات

الواقعة: قال الراغب: من الوقوع، ولا تقال إلاّ في الشدّة والمكروه.
وربما تفسّر بالحادثة، وهو بعيد; لأنّ الحدوث يتضمّن الوجود بعد العدم، بخلاف الواقعة فهي لا تحكي عن هذا المفهوم وإنّما تركّز على الوقوع.
رُجّت: زُلزلت وحُرّكت تحريكاً شديداً بحيث ينهدم ما فوقها.
بُسّت: أي فُتِّتت .
هباءً منبثاً: أي غباراً متفرّقاً كالذي يُرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوّة.
الميمنة: في اللغة تقابل المشأمة ; والأُولى بمعنى اليُمن، والثانية بمعنى الشؤم. ويحتمل أن يكون المراد بالميمنة جهة اليمين وبالمشأمة جهة الشمال باعتبار أنّه وصف هاتين الطائفتين في الآيات التالية، بأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.(1)

1 . الواقعة:27، 41.

صفحه 309

التفسير

1. (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ):
عبّر عمّا يقع في المستقبل بصيغة الماضي(وَقَعَتِ) لأجل كونه محقّق الوقوع، لكن (إِذَا) الزمانية تقلب الماضي إلى المستقبل، فيكون المعنى: إذا تقع الواقعة. ويمكن أن تبقى الفقرة على معنى الماضي وأن تُجرّد (إِذَا ) عن معنى الاستقبال، والشاهد لذلك :
أنّ بعض الآيات يدلّ على أنّ كلام الله سبحانه في هذه السورة كأنّه موجّه إلى المرتحلين عن هذه الدنيا كما يقول: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)(1) فقوله: (قَبْلَ ذَلِكَ)أي قبل يوم القيامة.
2. (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ):
ثمّة وجهان في استخدام اسم الفاعل (كَاذِبَةٌ):
1. أن يكون اسم الفاعل بمعنى المصدر أي الكذب، فيكون المراد: ليس في مجيئها أيّ كذب، وعندئذ تصبح اللام في (لِوَقْعَتِهَا)بمعنى «في».
2. أن يبقى اسم الفاعل على معناه وعندئذ يقع صفة لموصوف محذوف يقدّر بـ (نفس)، فيكون المراد: ليس حين وقعتها نفس كاذبة، أي تكذب في نفيها. وهذا هو المتبيّن، خصوصاً إذا كانت الآيات ناظرة إلى الإنسان المحشور يوم القيامة، فإذا رأى الواقعة بأُمّ عينه فلا سبيل له إلى

1 . الواقعة: 45 ـ 47 .

صفحه 310
التكذيب حتى ولو كان سوفسطائياً.
3. (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) :
لمّا أخبر عن الواقعة التي لاشكّ ولا مرية فيها، بدأ ببيان أحوالها المرعبة، وذكر منها أُموراً أربعة:
أ. (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ المراد: أنّها تخفض أقدار قوم كانت رفيعة في الدنيا، وترفع أقدار آخرين كانت خفيضة فيها. وبعبارة أُخرى: تخفض المتكبّرين وترفع المتواضعين.(1) وقد وردت في هذا المعنى بعض الروايات. ولكنّ الظاهر أنّ مفاد الآية أعمّ ممّا ذكر وهو وجود الانقلاب في العالم الإمكاني بشهادة ما يذكره بعد هذه الآية من رجّ الأرض وبسّ الجبال، فهذه الجمل تدلّ على أنّ الخفض والرفع يتمّ في العالم المادي كلّه، ويؤيده قوله سبحانه: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَ بَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)(2). نعم لا مانع من خفض المتكبّرين ورفع المؤمنين، فالمتكبّرون يُهانون ويُلبَسون لباس الذلّ والصَّغار، والمؤمنون يكرمون ويحترمون وينعّمون.
4 ـ 6. (إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا) :
فإذا كان الوضع والرفع من أحوال يوم القيامة، فهناك أُمور ثلاثة تتم بها

1 . الدر المنثور:8/4.
2 . إبراهيم: 48 .

صفحه 311
الأُمور الأربعة تمثّل لنا أوضاعه المرعبة، وهي .
ب. رجّ الأرض أي تحريكها أو هزّها بشدّة.
ج. بسّ الجبال أي تفتيتها وتفريقها.
د. صيرورة الجبال هباء منبثاً وغباراً منتشراً ، فهذا الرجّ والزلزال يبلغ من العنف، بحيث تندكّ على إثره الجبال الراسخات وتتفتّت صخورها، وتتحوّل إلى تلال من رمل، تُفرّقها الريح، فتصير غباراً منتشراً في الفضاء.
وقد جاء ما ذُكر هنا من أعلام يوم القيامة وأهوالها، في آيات عديدة وبألفاظ متقاربة، حيث يقول سبحانه في هذا الصدد:
(وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) .(1)
(وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ)(2).
(فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً)(3).
(وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً)(4).
(وَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)(5).

1 . الطور: 10 .
2 . المرسلات: 10 .
3 . الحاقة: 14.
4 . المزمل: 14.
5 . القارعة: 5 .

صفحه 312

تصنيف الناس إلى أصناف ثلاثة

7ـ10. (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ):
تصنّف الآيات المحشورين يوم القيامة إلى أصناف ثلاثة كما يقول سبحانه: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً) وقد تكرر بيان التصنيف في هذه السورة بصور مختلفة، ففي الآيات المتقدّمة جاء بالشكل التالي:
1. أصحاب الميمنة.
2. أصحاب المشأمة.
3. السابقون .
وفي الآيات التالية جاء بهذا الشكل:
(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الَْيمِينِ).
(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ).
وفي الآيات التالية جاء بالشكل التالي:
(فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ).
(وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ).
(وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ).
فقد جاء مكان السابقين لفظ: المقرّبين، ومكان أصحاب الشمال: المكذّبين الضالّين.
ثم إنّه سبحانه يصنّف الناس أصنافاً ثلاثة، لكن بتعبير آخر ويقول:

صفحه 313
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(1) ثم يذكر الأصناف بالنحو التالي:
1. (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
2. وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
3. وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)(2).
وفي الوقت نفسه ربما يصنّف الناس إلى صنفين بين سعيد وشقي، يقول سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ)(3).
إذا عرفت ذلك فلندرس الأصناف الثلاثة.
الأوّل: السابقون: قال سبحانه: (السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) الظاهر أنّ الفقرة مركّبة من مبتدأ وخبر، والمراد بـ (السَّابِقُونَ)الثاني هو الأوّل، ونظيره قول أبي النجم(4):
أنا أبو النجم وشعري شعري
وكأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته.
والمراد بالسابقين مَن سبقوا في عامّة حلبات الخير من غير فرق بين العقيدة والعمل، فصاروا أُسوة وقدوة للآخرين.

1 . فاطر: 32 .
2 . فاطر: 32.
3 . هود: 105 .
4 . هو: الفضل بن قدامة العِجْليّ: من أكابر الرجّاز، كان ينزل سواد الكوفة. توفّي سنة (130هـ). الأعلام:5/151.

صفحه 314
ويشهد لما ذكرنا من التفسير قوله سبحانه: (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)أي من سبق الآخرين في عامّة حلبات الخير، فإذا سبقوا بالخيرات سبقوا إلى المغفرة والرحمة كما قال سبحانه: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّة )(1).
وثمّة روايات تذكر بعض السابقين كمصاديق لهذا الصِّنف من الناس، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار الذي ذُكر في «يس»، وعليّ بن أبي طالب، كلّ رجل منهم سابق أُمّته، وعليّ أفضلهم سبقاً.(2)
وروى محمد بن العباس بن علي (ابن الحجّام) عن ابن عقدة بإسناده عن الحسن السبط(عليه السلام) قال: «أبي أسبق السابقين إلى الله عزّ وجلّ وإلى رسوله، وأقرب الأقربين إلى الله وإلى رسوله».(3)
وروى الطبرسي عن الإمام الباقر (عليه السلام)أنّه قال: «السابقون أربعة: ابن آدم المقتول، وسابق في أُمّة موسى (عليه السلام)وهو مؤمن آل فرعون، وسابق في أُمّة عيسى (عليه السلام)وهو حبيب النجّار، والسابق في أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)علي بن أبي طالب (عليه السلام)».(4)
الصنف الثاني: أصحاب الميمنة: قال سبحانه: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) والميمنة من اليُمن مقابل الشؤم أو ناحية اليمين، وهم في

1 . الحديد: 21.
2 . الدرّ المنثور:6/154; وروح المعاني:27/132.
3 . البرهان في تفسير القرآن:9/344، برقم 10382.
4 . مجمع البيان: 9 / 400 .

صفحه 315
الدرجة الثانية من أصحاب السعادة، ودون الصنف الأوّل بشهادة أنّ الصنف الأوّل وُصف بالمقرّبين دون هؤلاء.
ويحتمل أن يراد بأصحاب الميمنة، الذين يُعطون صحائف أعمالهم بأَيْمانهم.
الصنف الثالث: أصحاب المشأمة: قال سبحانه: (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)وهؤلاء هم الجاحدون الأشرار الغارقون في مستنقع الآثام، وربما لا تُرى في صحائف أعمالهم نكتة بيضاء، و(الْمَشْأَمَةِ): إمّا من الشؤم ضد اليُمن، أو ناحية الشمال، أو من اليد الشؤمى وهي الشمال. ويحتمل أن يُراد بأصحاب المشأمة، أُولئك الذين يُعطون صحائف أعمالهم بشمائلهم.
ثم إنّ السيد الطباطبائي (قدس سره)ردّ هذا الاحتمال وقال: لو كان كما قيل، لقيل: أصحاب الشمال مع أنّه سبحانه قال أصحاب المشأمة.(1)
يلاحظ عليه: كما تقدّم أنّ البيان القرآني تفنّن في بيان الأصناف الثلاثة، ولذلك نرى أنّه تارة يعبّر عن الصنف الثاني والثالث بأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة وأُخرى بقوله:(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ... ـ إلى قوله: ـ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ).
ثم إنّ الفرق بين الأصناف الثلاثة واضح جدّاً.
فالصنف الأوّل هم المُثل العليا في عامّة حلبات الخير وفي السبق إلى

1 . الميزان في تفسير القرآن: 9 / 116 .

صفحه 316
كلّ ما دعا الله تعالى إليه، فهم بين معصوم وبين تال له.
والصنف الثاني هم الذين نالوا درجة كبيرة من السعادة ولكن لا تخلو حياتهم من هَنات، وصحائف أعمالهم من سيّئات، فهؤلاء يظفرون بالمنزلة الثانية من الجنّة بعد أن يُحاسبوا حساباً يسيراً، قال تعالى:(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا).(1)
وأمّا الصنّف الثالث فلا توجد في صحائف أعمالهم نقطة بيضاء أو عمل صالح ينجيهم. فكأنّ حال الناس في السعادة والشقاء كحالهم في الصحّة والمرض ; فإنّ الناس من هذه الجهة أيضاً على أصناف ثلاثة فهم بين صحيح مطلق، إلى آخر مَن غلبت صحّته على خلافها، إلى ثالث دارت عليه دوائر المرض والبلاء .

الأصناف الثلاثة بتعبير آخر

سورة الواقعة: الآيات 11 ـ 26   
قد مرّ أنّه سبحانه أشار إلى هذا التصنيف الثلاثي وقال: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)(2) .
يقول سبحانه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ)أي القرآن (الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)أي اخترناهم، ولمّا علّق توريث الكتاب بمن اصطفاه من عباده، بيّن عقيبه أنّه إنّما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد لا كلّهم وذلك لأنّهم على أصناف ثلاثة:

1 . الانشقاق:7ـ9.
2 . فاطر: 32.

صفحه 317
1. (ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
2. مُقْتَصِدٌ
3. سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ).
فالصنف الأوّل هم أصحاب المشأمة، والصنف الثاني هم أصحاب الميمنة، والصنف الثالث هم السابقون.

الآيات: الحادية عشرة إلى السادسة والعشرين

(أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُر مَوْضُونَة * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعِين * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا) .

المفردات

الثلّة: الجماعة الكثيرة.
سُرر: جمع سرير.
موضونة: الوضن: النسج يستعمل غالباً في نسج الدرع، وأُطلق على

صفحه 318
السرير لإفادة إحكام نسجها.
متكئين: من الاتّكاء، أي معتمدين.
الأكواب: جمع كوب، وهو الإناء الذي لا عروة له ولا خرطوم، ولعلّه القدح الكبير المستدير.
أباريق: جمع إبريق، وهو الإناء الذي له خرطوم.
كأس: إناء يُشرب فيه، ولا يسمّى كأساً إذا لم يكن فيه شراب.
مَعين: مأخوذ من المَعْن بمعنى الجاري، والمراد: خمر جارية.
لا يصدَّعون: لا يلحقهم صُداع، وهو وجع الرأس.
ينزفون: من النَّزف يعني السقم وفقدان العقل.
حور: جمع حوراء، وهي البيضاء النقيّة، أو الشديدة بياض العَين والشديدة سوادها.
عِين: جمع عَيناء، وهي الحسنة العين، الواسعتها.
المكنون: المستور كالدرّ في الصدف.
اللغو (من القول): ما لا فائدة فيه.
التأثيم: ما استوجب الإثم.

التفسير

لمّا فرغ سبحانه من تصنيف الناس إلى أصناف ثلاثة، أخذ في بيان مصيرهم وأوصافهم وما أعدّه لصنفين منهم من النعم، وما يلقاه الصنف

صفحه 319
الثالث من النقم، وبدأ بذكر السابقين فقال:
11 ـ 12. (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ):
يطلق القرب والبعد ويراد بهما ما هو من صفات الأجسام بحسب النسبة المكانية، ويطلق بحسب النسبة الزمانية، قال سبحانه: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا)(1)، ثم إنّ القرب ربما يوصف به الله سبحانه قال: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(2)، فالمراد من قربه، إحاطته القيّومية بكلّ شيء، فإنّ العالم الإمكاني بمنزلة المعنى الحرفي الذي لا يقوم إلاّ بالمعنى الاسمي.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه وصف السابقين بأُمور:
الأوّل: أنّهم مقرّبون عند الله فهم في أعلى المراتب وأقربها إلى مجالس كرامته، وما المقرّب إلاّ من وصل في العبودية إلى القمة فاستسلم لربّه استسلاماً مطلقاً، وهجر كلّ سبب لا يتّصل به، وخلا قلبه من كلّ شيء سوى حبّه، ووفى بما فرض عليه من أوامر وتكاليف، فلا يعمل ولا يتحرك إلاّ في حدود ما يرضيه، بل لا يريد إلاّ ما أراده سبحانه، وبذلك يخرج عن ولاية أي عامل ويدخل تحت ولاية الله سبحانه، ويُصبح من أُولئك الأبرار الذين وصفهم الإمام علي (عليه السلام) بقوله: «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ»(3).
الثاني: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)فلكلّ جنّة نعيم، ويدلّ عليه سبحانه قوله

1 . المعارج: 6 ـ 7 .
2 . ق: 16.
3 . نهج البلاغة: الخطبة193 (في وصف المتقين).

صفحه 320
في آخر هذه السورة: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم)فعلى هذا فصيغة الجمع ـ أعني: جنات النعيم ـ لأجل وجود الجماعة.
13 ـ 14 . (ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَ قَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ):
الثالث: أنّ السابقين هم جماعة كثيرة من الأوّلين، وجماعة قليلة من الآخرين، والسؤال هنا: ما المراد بالأوّلين والآخرين في الآيتين؟ فيه قولان:
1. أنّ المراد بالأوّلين الأُمم التي سبقت ظهور الإسلام، ولا ينافيه قوله سبحانه: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً); وذلك لأنّ الخطاب فيه لجميع الناس من المنقرضين والباقين. وعلى هذا فالسابقون إلى الخير من عصر آدم إلى عصر نبيناً محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر من السابقين في أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ولعلّهم هم الذين يقول سبحانه في حقّهم: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)(1). والمراد بالآخرين أهل الإسلام .
ومن المهزلة ما نقله الرازي عن بعضهم من أنّ الصحابة لمّا نزلت عليهم هذه الآية صعب عليهم قلّتهم فنزل بعده:(ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ)، ثم إنّه ردّ عليه بأنّه كالنسخ في الأخبار وأنّه في غاية البعد.(2)
2. أنّ المراد بالأوّلين والآخرين هم أوّلو هذه الأُمّة وآخروها، إذ من البعيد أن يكون السابقون في الأُمم الماضية أكثر من السابقين في الأُمّة الإسلامية، مع أنّ أتباع الرسول الخاتم أكثر من أتباع الأنبياء السالفين، ولازم ذلك أن يكون البالغ درجة السابقين فيهم أكثر من الأُمم السابقة.

1 . النساء: 69 .
2 . تفسير الرازي: 29 / 148 .

صفحه 321
والقول الأوّل هو الأرجح، ذلك أنّ هذه الآيات وما بعدها جاءت كتقرير تصنيفي عام يشمل الماضي والحاضر والمستقبل لمختلف الأصناف.(1)
وممّا يرجّحه أيضاً هو وجود الأنبياء في الأُمم السالفة، والذين يبلغ عددهم ـ كما في بعض الروايات ـ مئة وأربعة وعشرين ألف نبيّ.(2)
15 ـ 16. (عَلَى سُرُر مَوْضُونَة * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ):
الرابع:(عَلَى سُرُر مَوْضُونَة): أي منسوجة بإحكام كما تنسج حلق الدروع (مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ) فهم مستقرّون على سررهم متكئون عليها حال كونهم متقابلين للأُنس، فإنّ مشاهدة الأصحاب من تمام النعم .
17 ـ 18. (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعِين) :
الخامس: تشير الآية إلى خدمة المقرَّبين، فإنّهم في هذا المجلس الذي يشيع فيه الأُنس والتفكّه، يحتاجون إلى مَن يخدمهم ليزدادوا أُنساً وراحة وسروراً، ولذا: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) أي غلمان دائمو النضارة والغضاضة، لا يكبرون ولا يتغيّرون.
وهؤلاء الولدان يخدمون المقرّبين بأوان ثلاثة وهي: الأكواب، والأباريق، والكأس.

1 . التفسير الحديث لمحمد عزّة دَرْوزة:3/229.
2 . انظر: الخصال للصدوق:641، باب ما بعد الألف، برقم 18 و 19.

صفحه 322
ثم إنّه يقع الكلام في ترتيب هذه الأواني فقد بيّن الرازي وجهه بالقول: إنّ الأكواب هي الأواني التي يصبّ منها الشراب في الأباريق ومن الأبريق في الكأس.
ثمّ أثار الرازي هذا السؤال: إنّ الطواف بالكأس على عادة أهل الدنيا، وأمّا الطواف بالأكواب والأباريق فغير معتاد، فما الفائدة فيه؟ وأجاب:إنّ عدم الطواف بها في الدنيا لدفع المشقة عن الطائف لثقلها، وأمّا في الآخرة فهي تدور بنفسها والوليد معها إكراماً لا للحمل.(1)
19. (لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ) :
السادس: (لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا): أي لا يأخذهم من شربها صُداع (وَلاَ يُنْزِفُونَ): مأخوذ من قولهم: نزف الرجل: ذهب عقله(2) أي لا تنزف عقولهم ولا تسكر خلافاً لخمر الدنيا فإنّه يحصل منها صداع، ولا ذهاب للعقل بالسُّكر منها، وهذا هو الفارق بين خمر الدنيا وخمر الآخرة.
20. (وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ):
السابع: (و)يطوف ولدان مخلدون بـ (فَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ): أي يختارونه ويشتهونه، وجرّ فاكهة لأنّها معطوفة على قوله: (بِأَكْوَاب)وهكذا الآية التالية:
21. (وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ) :

1 . تفسير الرازي: 29 / 150 .
2 . المنجد، مادة«نزف».

صفحه 323
الثامن: أنّ الولدان يطوفون عليهم بلحم ممّا تميل نفوسهم إليه ويتمنّونه دونما حاجة إلى ذبح الطير.
22 ـ 24. (وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) :
التاسع: ولهم حور(1) واسعات العيون حِسانها، تحيّر الناظر إليها.
(كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)المصون من كلّ لمسة ونظرة بشهادة أنّه لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جانّ.
(جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فهذه النعم مكافأة لهم على أعمالهم الصالحة التي كانوا يريدون بها وجه الله.
25 ـ 26. (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا):
العاشر: إنّ الجنّة منزّهة عن اللغو وما لا فائدة فيه من الكلام، فـ (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) فكلّ ما ينطقون به، فيه فائدة، كما أنّها منزّهة عن الإثم كما قال: (وَلاَ تَأْثِيماً) ثم استثنى استثناءً منقطعاً وقال: (إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا): أي تحية بعضهم لبعض. ومن الواضح أنّ من يدخل الجنّة يكون ممّن كمل عقله وحلمه، ومثل هذا لا يدور حول اللغو كما لا يدور حول الإثم، كما قال ابن

1 . ورد لفظ (حور) هنا بالرفع، لكونه مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير ـ كما ذكرنا ـ ولهم حور عين. وقيل: يجوز أن يعطف على «ولدان»، فيكون المعنى: ويطوف عليهم ولدانٌ مخلّدون وحورٌ عينٌ، وقيل غير ذلك.

صفحه 324
الفارض (المتوفّى 632هـ):
تهذّبُ أخلاقَ النّدامى، فيهتدي *** بها لطريق العزم، مَن لا له عزمُ
ويكرُمُ مَن لا يعرف الجودَ كفُّهُ *** ويحلُمُ، عند الغيظ، مَن لا له حِلْمُ
فالجنّة كلّها سلام سلام لأنّها دار السلام. ولعلّ الغاية من تكرار السلام هو إفادة التعاقب أي سلاماً بعد سلام كما في قوله تعالى: (إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)(1)، وأمّا وجه التعاقب فلأجل تعدّد المسلّمين حيث يدخل الملائكة عليهم ويسلّمون كما قال: (وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ)(2). ويمكن أن يكون التعدّد من نفس أهل الجنة إذا تعدّد الوارد.
ثم إنّ قوله سبحانه: (إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا) من باب المدح بصورة الذمّ، كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا أفصح مَن نطق بالضاد بيد أنّي من قريش» فكونه من قريش من فضائله لأنّهم منبع الفصاحة والبلاغة، فكأنّه يريد أن يفهم أنّه لو كان هذا عيبه فكيف بفضائله؟ ونظيره قول القائل :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهنّ فلول من قراع الكتائبِ
سورة الواقعة: الآيات 27 ـ 40   
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى المقرَّبين ممّا كتب الله لهم من الجزاء والآن نمضي مع البيان القرآني الذي عاد فذكر مآل أصحاب اليمين وما كتب لهم من الجزاء، فقال عزّ من قائل:

1 . الفجر: 21.
2 . الرعد: 23 ـ 24 .

صفحه 325

الآيات: السابعة والعشرون إلى الأربعين

(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْر مَخْضُود * وَطَلْح مَنْضُود * وَظِلّ مَمْدُود * وَمَاء مَسْكُوب * وَفَاكِهَة كَثِيرَة * لاَ مَقْطُوعَة وَلاَ مَمْنُوعَة * وَفُرُش مَرْفُوعَة * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ).

المفردات

سدر:السِّدر: شجر معروف، يمتاز بكثرة أوراقه وأغصانه، وله شوك. ويسمّى أيضاً النّبْق.
مخضود: مقطوع الشوك.
طَلح: قال الراغب: شجر، الواحدة طلحة. وفسّر بشجر الموز، وعلى هذا فالامتنان لثمره، وللشجر لحسن منظره، وفسّر بغير ذلك أيضاً .
منضود: أي نضد حمله من أسفله إلى أعلاه فليست له سوق بارزة.
مسكوب: أي مصبوب يسكب لهم كما يشاءُون.
فُرُش: واحدها فراش كسُرُج وسراج.
مرفوعة: أي مرفوعة عن الأرض ويحتمل أنّ وجه رفعها كونها مبسوطة على السرر. وقال الراغب: وربّما كنّي بالفراش عن كلّ واحد من الزوجين أو النساء. فعلى هذا يكون المراد:النساء المرتفعات قدراً بكمالهنّ

صفحه 326
وجمالهن. ويؤيّد هذا المعنى الآية التي بعدها، كما سيأتي.
عُرُباً: جمع عَروب أي المتحبّبة إلى زوجها.
أتراباً: جمع تِرْب بمعنى المثل، أي متماثلات في السنّ.

التفسير

27. (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ):
أي بلغوا الغاية في فخامة شأنهم ورفعة قدرهم وعلوّ منزلتهم.
يبيّن الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات ما لأصحاب اليمين في يوم القيامة من نعيم، وقد عرفت أنّ المراد بهم ما دون المقرّبين، فهم أصحاب السعادة ولكن لا تخلو حياتهم من بعض الهنات، ولهذا كان نصيبهم من النِّعم أقلّ من نصيب المقرّبين، فذكر الله لهم من النعم أُموراً ستة وقال:
28. (فِي سِدْر مَخْضُود) :
الأوّل: أنّهم (فِي سِدْر مَخْضُود) أي مقطوع شوكه ومنزوع، وليس كسدر البريّة في الدنيا.
أخرج الحاكم عن أبي أُمامة أنّ أعرابياً أقبل يوماً فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أنّ في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وما هي؟ قال: السدر فإنّ لها شوكاً، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أليس يقول الله (فِي سِدْر مَخْضُود)يخضده الله من شوكه فيجعل مكان كلّ شوكة ثمرة، إنّها تنبت ثمراً يفتق الثمر منها عن اثنين

صفحه 327
وسبعين لوناً من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر».(1)
29. (وَطَلْح مَنْضُود) :
الثاني: (وَطَلْح مَنْضُود) فلو أُريد شجر الموز تكون الغاية الانتفاع بثمره وحسن منظره.
30. (وَظِلّ مَمْدُود):
الثالث: (وَظِلّ مَمْدُود): أي دائم لا تنسخه شمس فهو باق لا يزول . قال سبحانه: (وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلاً ظَلِيلاً)(2). وسيأتي تفسير قوله سبحانه: (لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَ لاَ زَمْهَرِيرًا)(3).
31. (وَمَاء مَسْكُوب):
الرابع: (وَمَاء مَسْكُوب): أي يُصبّ من فوق دون انقطاع.
32 ـ 33. (وَفَاكِهَة كَثِيرَة * لاَ مَقْطُوعَة وَ لاَ مَمْنُوعَة):
الخامس: (وفَاكِهَة كَثِيرَة): أي كثيرة الطعوم والألوان وكثيرة الأنواع والأعداد دون أن تنقطع ودون أن تمنع، أمّا عدم الانقطاع فلأنّ رحمة الله الواسعة تستلزم دوام الفيض، وكونه سبحانه جواداً يستلزم عدم المنع.
34 ـ 37. (وَفُرُش مَرْفُوعَة * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ

1 . الدر المنثور: 8 / 12.
2 . النساء: 57 .
3 . الإنسان: 13.

صفحه 328
أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا):
السادس: (وَفُرُش مَرْفُوعَة): أي هم يعيشون مع (فُرُش): أي نساء، والعرب تُسمّي المرأة فراشاً ولباساً على الاستعارة (مَرْفُوعَة) أي مرتفعات قدراً وكمالاً وجمالاً، وكيف لا يكنَّ كذلك وقد نَسب تعالى إيجادهنّ إلى نفسه بقوله: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً)؟ وهو كناية عن غاية العناية بهنّ (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا): أي لم يطمثهنّ إنس ولا جانّ. ومن أوصافهنّ كونهنّ (عُرُبًا) أي متحبّبات إلى أزواجهن عاشقات لهم (أَتْرَابًا): أي متماثلات في السنّ، بعضهنّ ترب بعض، لا أنّهن أتراب لأزواجهنّ.
38. (لأَصْحَابِ الْيَمِينِ):
متعلّق بقوله: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ) و(فَجَعَلْنَاهُنَّ): أي خلقناهنّ لأصحاب اليمين. إلى هنا تمّ البيان القرآني لما لأصحاب اليمين من نعيم.
وثمّة أمر يفترق فيه السابقون عن أصحاب اليمين; وهو أنّ السابقين هم ثلّة من الأوائل وقلّة من الأواخر كما مرّ، وأمّا أصحاب اليمين ففي كلا الفرقتين جمع كثير، ولذلك قال:
39 ـ 40. (ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ):
والثلّة هم الجماعة الكثيرة، والكلام فيه هو نفس الكلام في السابقين، فهل المراد من الأوّلين الأُمم السابقة ومن الآخرين أُمّة نبينا(صلى الله عليه وآله)، أو أنّ كليهما يرجع إلى أُمّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله)، وبما أنّ السابقين نالوا درجة عليا، صاروا أقل وجوداً من أصحاب اليمين الذين كثر وجودهم في كلا الفرقتين.

صفحه 329

المقارنة بين النعيمين

نذكر في هذا الجدول ما صرح به القرآن المجيد، ولذلك لن نذكر لأصحاب اليمين جنات النعيم وإن دلّت عليه الآيات بالملازمة.
نعيم السابقين
1. أُولئكَ المقرَّبون
2. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
3. عَلَى سُرُر مَوْضُونَة
4. مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ
5. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ
6. لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ
7. وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ
8 . وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ
9 . وَحُورٌ عِينٌ
10. لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيماً
نعيم أصحاب اليمين
1. فِي سِدْر مَخْضُود
2. وَطَلْح مَنْضُود
3. وَظِلّ مَمْدُود
4. وَمَاء مَسْكُوب
5. وَفَاكِهَة كَثِيرَة
6. وَفُرُش مَرْفُوعَة ... عُرُبًا أَتْرَابًا

صفحه 330
ويثار هنا سؤال، وهو: إذا كان السابقون أعلى شرفاً وأفخم مقاماً، فلماذا لم تذكر لهم تلك الألوان من النِّعم التي ذُكرت لأصحاب اليمين كالظلّ الممدود، والماء المسكوب والعُرب الأتراب؟
والجواب واضح، فهذه النعم هي دون تلك النعم الكبرى التي يُجازى بها السابقون، فإذا ثبتت لهم تلك النعم العظيمة فلازمه وجود هذه التي هي في درجة أدنى.
نعم، قوله: (عُرُباً أتْراباً) قد أُدغم في قوله: (وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) .
سورة الواقعة: الآيات 41 ـ 56   

الآيات: الحادية والأربعون إلى السادسة والخمسين

(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُوم وَ حَمِيم* وَ ظِلّ مِنْ يَحْمُوم * لاَ بَارِد وَلاَ كَرِيم * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لََمجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ).

صفحه 331

المفردات

السَّموم: الريح الحارة التي تدخل في مسامّ البدن. ومنه أُخذ السُّمّ، لأنّه يسري في المسام.
اليحموم: الدخان الأسود.
كريم: ما ليس فيه منفعة. قال الفرّاء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكلّ شيء يُنوى به المدح في الإثبات، أو الذمّ في النفي، تقول: هو سمين كريم، وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.
مترفين: أي منغمرين في اللّذات لا يتوجّهون إلى منطق الأنبياء .
يصرّون: أي يقيمون ولا يقلعون.
الحنث: الذنب العظيم، وأُريد به الشرك بالله، ويحتمل أن يراد به نقض العهد المؤكّد بالحلف.
زقوم: شجر ينبت في أصل الجحيم، قال سبحانه: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْىِ الْحَمِيمِ)(1)، وفي آية أُخرى (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ)(2).
وفي «المفردات» عبارة عن أطعمة كريهة في النار.
الحميم: الماء الشديد الحرارة.

1 . الدخان: 43 ـ 46 .
2 . الصافات: 62 ـ 65 .

صفحه 332
الهِيم: الإبل التي لا تُروى من الماء لداء يصيبها، واحدها (أَهْيم)، والأُنثى (هَيْماء).
النُّزُل: ما يقدّم للضيف تكريماً.

التفسير

لمّا فرغ سبحانه من ذكر مآل الصنفين الأوّلين، وما يلقَونه من النعم الكريمة الوافرة، بدأ ببيان مآل الصنف الثالث، وهم أصحاب الشمال، فقال:
41. (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ):
وهذا النوع من الصياغة في الصنفين الأوّلين يدلّ على فخامة مقامهما، ولكن في هذا المقام يدلّ على سوء منزلتهم ومنقلبهم بحيث لا يقدّر قدرها.
ويكفي في التعرّف عليهم الفقرات الثلاث التالية:
42 ـ 44. (فِي سَمُوم وَحَمِيم * وَ ظِلّ مِنْ يَحْمُوم * لاَ بَارِد وَلاَ كَرِيم) :
(فِي سَمُوم): فهم في حرّ لافح يدخل البواطن من جانب (وَحَمِيم): أي ماء شديد الحرارة من جانب آخر (وَظِلّ مِنْ يَحْمُوم): أي من دخان أسود خانق من جانب ثالث، وهذا الذي سُمّي ظلاًّ ليس فيه برد الظلّ ولا نفعه، فهو لا يدفع حرّاً ولا يمنع من أذىً، كما قال: (لاَ بَارِد وَلاَ كَرِيم)وما مثل من يأوي إلى مثل هذا الظلّ، إلاّ كمثل المستجير من الرمضاء بالنار، فالريح الحارة من

صفحه 333
جانب تلفح وجوههم وأبدانهم، والماء الحار يصلي أمعاءهم وأحشاءهم، والدخان الأسود الذي يستظلّون به يكاد يخنق أنفاسهم، فالموت في مثل هذه الأحوال، أفضل بألف مرة من هذه الحياة، ولكن لسوء حظّهم لا يموتون بل يعذّبون.
وربما يدور في خلد القارئ: ما هو السبب في تعذيب هذا الصنف من الناس؟ فأجاب سبحانه بهذا الجواب الذي تكشف عنه الآيات التالية:
45 ـ 48. (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ):
وحاصل الآيات: أنّ السبب في تعذيب هؤلاء أنّهم كانوا يتظاهرون بثالوث الكفر، فينكرون رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أوّلاً، ويشركون بالله سبحانه ثانياً، ويشكّكون في المعاد ثالثاً.
أمّا الأوّل: فقد أشار إليه سبحانه بقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ)ومن شيمة المترفين المنهمكين في اللّذات، رفض رسالة السماء ودعوة الأنبياء، والتعصّب لعقائد وتقاليد الآباء، كما قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(1)، وقال سبحانه: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(2)، فالترف والانغماس في اللّذات

1 . سبأ: 34 .   2 . الزخرف: 23.

صفحه 334
والشهوات يبعث على الجحود والإنكار والعتوّ عن أمر الله، ومن هنا نجد الصراع والنزاع بين المترفين والأنبياء العظام عبر القرون; قائماً على قدم وساق، والسبب واضح، وهو أنّ دعوة الأنبياء تقف على طرف النقيض من عيشهم وترفهم.
وإلى الثاني: أشار بقوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) فسواء أفسّر الحنث بالذنب العظيم أو حنث العهد فالنتيجة واحدة; لأنّ المقصود حنث العهد الذي أخذه سبحانه من الناس بقضاء الفطرة إذ خلَقهم وفطرهم على التوحيد، فالانحراف عنه إلى الشرك انحراف عن العهد، ونقض له، وهو ذنب عظيم، وتفصيل ذلك في سورة الروم عند دراسة قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(1).
وإلى الثالث: أشار بقوله: (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) فقد كان الإصرار على نفي المعاد بلا حجّة ولا برهان سجيّة المشركين، ولم يكن لهم مسوّغ للإنكار سوى استبعاد إعادة الحياة إليهم بعد أن تصير أجسامهم تراباً وعظاماً نخرة، ثم استبعدوا أكثر بعث آبائهم الأوّلين الذين بليت أجسامهم وتفتّت عظامهم، كما قال سبحانه: (أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ)وكأنّهم فرضوا أنّه سبحانه خلقهم بلا غاية وأنّهم والبهائم في الحياة سواء، ولذلك أمر سبحانه رسوله أن يخبرهم بقول قاطع:
49 ـ 50. (قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى

1 . الروم: 30 .

صفحه 335
مِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم):
أمر الله سبحانه نبيّه أن يقول إنّ البعث يعمّ الأوّلين والآخرين، إذ لا فرق بينهم وبين غيرهم، فمعنى قوله: (مِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم): أي وقت يوم معلوم، وكأنّ الإضافة بيانية ـ أي الميقات ـ وهو يوم معلوم.
وبما أنّ الإنسان في الجحيم حيّ وهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فالله سبحانه يشير في الآيات التالية إلى مأكلهم ومشربهم وما يترتّب على الأخير من السوء، قال:
51 ـ 56. (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ):
وصفهم سبحانه بوصفين وقال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ) قدّم الأوّل ـ أي الضّلال ـ على التكذيب ; لأنّ الثاني نتيجة الأوّل، ثم بيّن مأكلهم وقال: (لآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم)وهي أخبث شجرة منبتاً وشكلاً وطعماً، كما مرّ، فيأكلون منها، لسُعارهم(1)، حتى تمتلئ بطونهم، كما قال: (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ). وأمّا مشربهم فقد بيّنه سبحانه بقوله: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ): أي الماء الحار الذي يحرق الأمعاء والأحشاء (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ)فهؤلاء الذين يُقبلون على الماء الساخن، بعد أن ملأوا بالزقوم بطونهم، أشبه بالإبل الظماء (المريضة بداء الهُيام) التي إذا وردت الماء، تظلّ

1 . السُّعار: شدة الجوع. لسان العرب:4/366، مادة «سعر».

صفحه 336
تكرع فيه ولا ترتوي.
سورة الواقعة: الآيات 57 ـ 74   
ثم ذكر سبحانه أنّ هذا الطعام والشراب، هو ما أُعدّ لضيافتهم يوم الجزاء!!كما قال: (هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ) وفي التعبير عمّا أُعدّ لهم بالنُّزُل، نوع استهزاء بهم، فأيّ ضيافة فيها تكريم، إذا كان قِراهم، هو الزقوم والحميم؟

الآيات: السابعة والخمسون إلى الرابعة والسبعين

(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ التي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَ مَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ).

صفحه 337

المفردات

تُمنون: تريقون المني، الذي هو سبب النسل. وأصله التقدير. وقد أُطلق على ماء الإنسان المني لأنّ فيه تقدير الجنين وما بعده.
مسبوقين: مغلوبين.
حُطاماً: الحطام: الهشيم الذي لا يُنتفع به في مطعم ولا غذاء، وأصل الحطم: الكسر.
التفكّه: أصله تناول ضروب الفواكه للأكل. والفكاهة: المزاح. ويراد هنا التعجّب من سوء حاله.
المُغرَم: الذي ذهب ماله بغير عوض، والغرام: العذاب اللازم.
المُزْن: السحاب أو ذو الماء منه، والقطعة منه مُزنة.
أُجاج: شديد الملوحة والمرارة.
تورون: يقال: أورى يوري ووريتُ بك زنادي، والإيراء: إظهار النار بالقدح، ويقال: قدح فأورى إذا أظهر النار.
المقوين: جمع المُقوي، وهو النازل بالقواء من الأرض الّتي ليس بها أحد، وأقْوت الدار: خلَتْ من أهلها. قال عنترة:
حُيّيتَ من طَلل تقادمَ عهدُه *** أقوى وأقفر بعد أُمّ الهيثمِ(1)

1 . الطَّلل: الشاخص من آثار الدار. وأُم الهيثم كنية عَبلة. لاحظ: مجمع البيان:9/370; جمهرة أشعار العرب:161; القاموس المحيط:4/8 ، مادة «طل».

صفحه 338
 
التفسير
بعدما فرغ البيان القرآني من ذكر الأزواج الثلاثة ومصائر الجميع وذكر في نهاية الآيات السابقة أنّهم كانوا ينكرون البعث والجزاء بغير دليل كما ينكرون النبوة، قدّم هنا براهين فطرية لإثبات إمكان المعاد وإعادة الحياة إليهم بعد الموت وهي كالتالي :
57. (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ):
هذا هو البرهان الأوّل على إمكان المعاد، فالقادر على الخلق الأوّل قادر على الخلق الثاني وهو أهون عليه، يقول سبحانه: (وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(1). وقد جاء هذا البرهان الواضح المقنع للداني والعالي في أكثر من آية، قال سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)(2)، وقال سبحانه: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْدًاَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)(3).
58 ـ 59 . (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ):

1 . الروم: 27 .
2 . يس: 79 .
3 . الأنبياء: 104 .

صفحه 339
هذا هو البرهان الثاني على إمكان المعاد، وحاصل البرهان: أنّ الذي يرجع إلى العبد هو الإمناء وصبّ مائه في رحم الزوجة، وأمّا من هو خالق المني؟ ومن هو خالق الصور التي تعتور المني، فيصير علقة فمضغة فعظاماً مكسوّة باللحم ثم يصير نشأً آخر؟ ومن هو خالق المنظِّمات (وهي مجموعة من الخلايا) التي تتحكّم في تكوين الجنين وتمايزه في أثناء تكوّن الأعضاء، وتحدّد لخلايا كلّ عضو وظيفته المخصّصة؟ فالجواب أنّ الخالق هو الله، وأنّ جميع ما ذُكر وما لم يُذكر هو من فعله سبحانه، إذ لا شكّ أنّ عمل العبد ينقطع بعد الإمناء وينتهي، ولكن تبقى هناك قوة قادرة تتولّى الأمر
وتدبّره وتخلق خلقاً بعد خلق وفق النواميس التي أوجدتها كما قال: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ): أي ما تصبّونه في أرحام النساء (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)هل أنتم تخلقون ما تمنون أو الخالق هو الله سبحانه؟وإذا كان لا يمكنهم ادّعاء إضافة ذلك إلى أنفسهم، فكيف بما يأتي بعد صبّه في الأرحام من أطوار الخلق حتّى يُنشئ منه إنساناً سويّاً، كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(1)؟
لا شكّ أنّ القادر على هذا، قادر على إعادة الحياة.
60 ـ 61. (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ) :

1 . المؤمنون: 12 ـ 14 .

صفحه 340
هذا هو البرهان الثالث على إمكان المعاد ورفض شُبه المشركين، والبرهان يتكوّن من أمرين:
1. قوله: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ): أي نحن قدّرنا بينكم الموت ووقّتنا لكلٍّ منكم أجلاً لا يعدوه، فالله تعالى كتب الموت على العباد، واقتضت حكمته ألاّ يعيش إنسان في هذه الدنيا عيشة دائمة، ولذلك قال سبحانه مخاطباً نبيّه الكريم: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)(1)، وقال سبحانه: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان)(2) .
ثم إنّ فناء كلّ إنسان على وجه البسيطة إنّما هو لأجل تعلّق المشيئة الإلهية بذهاب جمع وإتيان جمع آخر، لا أنّه سبحانه عاجز عن إفاضة الحياة الدائمة على الأفراد، وعلى هذا ففي خَلق الموت مصلحة خاصّة فإنّه جسر لحياة عليا، وانتقال من دار إلى دار، وتبدّل خلق إلى خلق .
2. (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ) الظاهر أنّ الظرف في قوله: (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ) متعلّق بـ(قدّرنا)، والأمثال جمع مثْل ـ بالسكون ـ ويطلق على كلّ فرد من نوع واحد. أي: قدّرنا على (أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) أي أن «نستبدل بكم أمثالكم» ونجعل أمثالكم بدلاً منكم، وذلك لأنّ الضابطة في لفظ البدل أو الاستبدال إدخال حرف الجر بالمبدل، دون البدل كما في قوله سبحانه: (وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)(3) والطيب هو المبدل والخبيث هو البدل ولذلك نهى عن التبديل. وبما أنّ المفروض، إذهاب من خوطب،

1 . المزمل: 30 .
2 . الرحمن: 26 .
3 . النساء: 2.

صفحه 341
ومجيء قوم آخرين مكانهم، فيصير المخاطب هو المبدل ومَن يأتي بعده هو البدل، فيصبح تفسير الآية كما ذكرنا: نستبدل بكم أمثالكم.
ثمّ بعد التبديل تُنشَأ للإنسان حياة جديدة لا تُعلم خفاياها، كما قال: (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ): أي في نشأة لا تعلمون كيفيتها ولا هيئتها، فإنّ الحياة الأُخروية حياة مغمورة غير معلومة وتفاصيلها مجهولة، وبذلك ظهر تفسير الآيتين .
وحاصله: أنّه سبحانه تعلّقت مشيئته بالحياة المؤقّتة لكلّ إنسان، وليس هذا دليلاً على كونه مغلوباً عاجزاً عن إعطاء الحياة الدائمة، بل أوجبت الحكمة أن تكون الحياة مؤقّتة،ومن ثمّ الانتقال من الدار الدنيا إلى الدار العليا; ومن ثمّ تعلّقت إرادته بإذهابكم من هذه الدنيا إلى عالم لا تعلمون خفاياه ولا خصوصياته. هذا ما وصلنا إليه في تفسير الآية.
وهذا هو البرهان الثالث على إمكان المعاد ; وحاصله: أنّ تقدير الموت لا يعني عجزنا عن إعطاء الحياة الأبدية، بل الغاية إذهاب قسم من الناس والإتيان بآخرين، ويستمر فيض الخلقة إلى أن تقوم القيامة، فالقادر على هذا النوع من التقدير قادر على إعادة الحياة لما خلقه أوّلاً.
62. (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ) :
الظاهر أنّ الآية ليست برهاناً مستقلاً بل إيضاح للبرهان الأوّل في قوله: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ): أي إنّ الذي قدِر على خلقكم أوّل مرة فهو قادر أيضاً على إعادة خلقكم مرة ثانية، فلماذا لا تصدّقون بالحياة الجديدة؟ وقد جاء هذا البرهان في المقام ببيان آخر وقال: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ

صفحه 342
النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ)فالقادر على الأُولى قادر على الأُخرى.
ثم إنّ مضمون الآية برهان منطقي لا صلة له بقياس التمثيل الذي يستدلّ به الفقهاء على الحكم الشرعي. وحاصل البرهان: أنّ البدن المحشور مثل البدن الدنيوي، وإذا جاز صنع البدن الدنيوي وإحياؤه فليجز صنع البدن الأُخروي وإحياؤه لأنّه مثله، وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.(1)
وحصيلة الكلام: أنّ هنا فرقاً بين التمثيل الفقهي والقياس المنطقي، فإنّ التمثيل الفقهي عبارة عن إسراء حكم موضوع داخل تحت نوع إلى موضوع آخر واقع تحت نوع آخر لأجل وجود جامع بينهما، كاستخراج حكم الفقّاع عن الخمر، حيث إنّ الثاني حرام مثل الأوّل لاشتراكهما في السُّكر، والخمر يؤخذ من العنب والفقّاع من ماء الشعير. فهما موضوعان متغايران .
وأمّا البرهان المنطقي وهو إسراء حكم فرد إلى فرد آخر واقعين تحت نوع واحد بحجة أنّ حكم الأمثال في الجميع واحد، وبذلك يظهر سقوط كثير من كلمات المفسّرين حيث تصوّروا أنّهم وجدوا برهاناً على صحّة القياس الفقهي الذي اتّفقت الإمامية على بطلانه.
قال الزمخشري: وفي هذا دليل على صحّة القياس حيث جهّلهم في ترك قياس النشأة الأُخرى على الأُولى.(2)
وتبعه الآلوسي في تفسيره وقال: فهلاّ تتذكرون أنّ مَن قدر عليها ـ يعني على النشأة الأُولى ـ فهو على النشأة الأُخرى أقدر وأقدر، فإنّها أقل

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 134 .
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 196 .

صفحه 343
صنعاً لحصول المواد وتخصيص الأجزاء وسبق المثال، وهذا ـ على ما قالوا ـ دليل على صحّة القياس لكن قيل: لا يدلّ إلاّ على قياس الأولى لأنّه الذي في الآية.(1)
وقد تنبّه في آخر كلامه على أنّ الاستدلال بالآية على القياس باطل، إذ مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّ مورد القياس الفقهي خارج عن المثلين بل داخل تحت الشبيهين، أنّه لو تمّت دلالة الآية فإنّما تتمّ على صحّة القياس الأولويّ، لأنّ مورد الآية من هذا القبيل كما يشير إليه قوله: (وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)(2).
63 ـ 64. (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) :
أشار سبحانه في قوله: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ـ إلى قوله: ـ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ التي تُورُونَ) إلى أهم ما يعيش به الإنسان على البسيطة، أعني: الزرع للطعام، والماء للشرب، والنار للاصطلاء، فليتذكر منكر المعاد من هو مبدع هذه النعم التي لو ارتفعت لزالت الحياة. وإليك تبيين هذه الأُمور الثلاثة التي تشكّل البرهان الرابع، وإن شئت قلت: البراهين: الرابع إلى السادس على التفصيل.
قوله:(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ) هو مثل قوله: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ) إذ الذي يرجع إلى الفلاّح هو إلقاء البذور في الأرض بعد تهيئة الأرض للإنبات، وأمّا

1 . روح المعاني: 27 / 148 .
2 . الروم: 27 .

صفحه 344
الإنبات فهو فعل الله سبحانه ولا صلة له بالفلاّح، فلذلك قال: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ): أي تشقّون الأرض وتبذرون البذور (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ): أي تنبتونه (أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ): أي المنبتون، والضمير في (تَزْرَعُونَهُ) يرجع إلى البذر والحرث المعلوم في المقام، فالزارع بالمعنى الحقيقي هو الله سبحانه ولو وصف به الحارث فبضرب من المجاز، قال سبحانه: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ )(1) .
ثم إنّه لو شاء لجعله بعد ما ينبت حطاماً قبل الانتفاع به، كما قال:
65 ـ 67. (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ):
أي لو شاء الله سبحانه وأراد لجعل الزرع، قبل حيازة غَلّته أو ثمره، حطاماً متكسّراً لا يُنتفع به، وعند ذاك تتعجّبون ممّا أصاب زرعكم كما قال: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ)وتتحدّثون وتقولون: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ): أي خاسرون، تقولون ذلك حسرة وتأوّهاً.(بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)من كلّ خير ورحمة، فالفقرة الثانية أشدّ تحسّراً من الأُولى، فالتحسّر تعلّق في الفقرة الأُولى بالانتفاع من الزرع، وفي الفقرة الثانية بكلّ رحمة وخير. وعلى كلّ تقدير فهذه الآيات تقدّم دليلاً آخر على إمكان المعاد، فمَن الذي يحيي الأرض بعد موتها؟ ومن الذي أودع البذور تلك القدرة على النمو والإنبات، والتحوّل إلى نباتات ذات جذور وسيقان وأوراق وأزهار، وذات صور مختلفة من أعشاب وأشجار وشجيرات وغير ذلك؟ ومن الذي يخرج من الحبة الواحدة من القمح ـ مثلاً ـ سنابل كثيرة، في كلّ سنبلة حبّ كثير، فالقادر على

1 . الفتح: 29.

صفحه 345
هذه الأُمور التي فيها إحياء بعد إحياء قادر على إعادة الحياة.
68 ـ 70.(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ):
انتقل بعد بيان الزرع الذي هو طعام الإنسان، إلى الماء الذي هو أصل الحياة، وخصّ بالذكر الماء العذب الصالح للشرب، كما قال: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الذِي تَشْرَبُونَ)فالماء العذب يدعو الإنسان إلى التأمّل فيه والتفكّر في مصدره وكيفية إيجاده، ولذا قال: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ)ومن الواضح أنّ نزول الماء من المزن يحدث غبّ عوامل خاصة هي من صنع الخالق، ولا صلة للإنسان بها، ونحن نعلم أنّ مياه المحيطات مالحة جداً، ولكنّ هذا الملح ينعزل أثناء عملية التبخّر، ولهذا تكون مياه الأمطار التي تسقط على الأرض مياهاً عذبة. وهنا تتوارد هذه الأسئلة:مَن الذي خلق المياه في المحيطات؟! ومَن الذي خلق الشمس لتبخير المياه منها؟ ومَن الذي خلق الرياح التي تحمل بخار الماء؟ ومن الذي يرسل هذه الرياح التي تدفع السحب المحمّلة بالمطر، فيتساقط على الأراضي القاحلة والميتة وعلى الجبال فيسيل في الأودية إلى أن يصل الماء العذب إلى الإنسان؟ ولا جواب على هذه الأسئلة إلاّ التسليم بأنّ الله هو الذي خلق هذه الأشياء، وأنّه هو الذي دبّر كلّ هذا التدبير. والتسليم بهذه الحقيقة يفضي إلى التسليم بأنّ القادر على هذا الخلق والتدبير، لقادر على إحياء الموتى. ومع ذلك لو شاء سبحانه لصيّر الماء العذب ماء أُجاجاً ولكنه لم يفعل لطفاً بعباده، فعليهم أن

صفحه 346
يشكروه، كما قال: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ) .
وقد روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أُجاجاً بذنوبنا»(1).
71 ـ 72. (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ التي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ):
إنّ حياة الإنسان على البسيطة تعتمد على الزرع والماء والنار فيجب على الإنسان أن يتأمّل ما هو شأنه في مورد النار، فليس له شأن إلاّ الإيراء والإيقاد بصورتين مختلفتين. أمّا الإنسان البدائي فكان يأتي بنوعين من الشجر يُسمّى الأوّل بالمَرْخ والثاني بالعَفار، فيأتي بعود من العفار وبقطعة عريضة من المرخ يحفر في وسطها حفرة ثم يضع عود العفار في هذه الفجوة، ويأتي فتى من فتيان القبيلة ويحرك عود العفار فيها بالتوالي، ويأتي بعده آخر ويصنع كما صنع سابقه، ولا يزالون يفعلون هكذا حتى تشتعل النار من كثرة الاحتكاك .
وأمّا الإنسان المتحضّر فيستفيد من الكبريت والقدّاحات ; والثاني عبارة عن ضرب الحجر المخصّص للقدح حيث تتولّد منه شرارة بضرب الواحد بالآخر، وهذا هو دور الإنسان ; وأمّا مَن هو خالق الشجر وجاعل النار فيه فالله سبحانه هو الجاعل الخالق، والعجب أنّه سبحانه جعل النار في الشجر الأخضر، حيث يقول: (الذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)(2) وهذا من عجائب الخلق، حيث تُدّخر النار الحامية في

1 . كنز العمّال: 7 / 111 برقم 18226 .
2 . يس: 80 .

صفحه 347
الشجر الأخضر المشبع بالماء!! وعلى كلّ تقدير فلننظر إلى مفاد الآية، يقول سبحانه: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ التي تُورُونَ): أي تشعلونها (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) .
73. (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) :
إنّ في إخراج النار من الشجر الأخضر فائدتين مهمتين:
الأُولى: موعظة تذكّر بالبعث ; لأنّ مَن يُخرج النار من الشجر الأخضر قادر على إعادة الحياة إلى الأجساد البالية.
الثانية: أنّ في إخراج النار من الشجر (مَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ): أي منفعة للمسافرين، وربّما يفسّر بالمتمتعين ليعمّ غيرهم، وهذا أفضل لأنّ النار ينتفع بها المسافر والمقيم.
وبعد التذكير بهذه النعم الكبرى التي بها قوام الحياة، صار تنزيه الله سبحانه عن العجز عن إعادة الحياة أمراً لازماً، وبذلك خرج البيان القرآني بهذه النتيجة وقال:
74. (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ):
أي نزّه اسمه عن كلّ نقص وعجز. والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن قصد به العموم. وقد أمر بتنزيه اسم الربّ مكان تنزيه نفس الربّ; وذلك لأنّ في تنزيه اسمه تنزيهاً للرب لذاته، فإنّ تسمية الله سبحانه بأسماء توحي بالنقص على طرف النقيض من تنزيه الاسم، فلو تعلّق التنزيه بالاسم، فإنّه ـ بالنتيجة ـ يتعلّق بالربّ نفسه.
روى الطبرسي قال: صحّ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال:

صفحه 348
«اجعلوها في ركوعكم».(1)
سورة الواقعة: الآيات 75 ـ 82   

الآيات: الخامسة والسبعون إلى الثانية والثمانين

(فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) .

المفردات

مواقع: جمع موقع بمعنى المحلّ. وربّما يفسّر الوقوع بمعنى السقوط فيكون المراد مواضع سقوط النجوم.
كريم: الكريم هو النفيس في نوعه كما في قوله سبحانه: (إنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ)(2) .
مكنون: من الاكتنان بمعنى الاستتار. وفي المفردات: الكِنّ: ما يُحفظ فيه الشيء. يقول سبحانه: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ)(3).
مُدهنون: متهاونون، وأصل الإدهان التليين بالدهن، استعير للتهاون.

1 . مجمع البيان: 9 / 417، طبعة مصر.
2 . النمل: 29 .
3 . الصافات: 49 .

صفحه 349

التفسير

75. (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ):
تقدّم منّا كراراً أنّ «لا» ليس لنفي القسم حقيقة بل هي بظاهرها نفي له لكنّه في الواقع إقسام، وأنّ معنى لا أُقسم: أي أُقسم مؤكّداً ، وهذا النوع من الكلام شائع بين الناس. وعلى هذا فالله سبحانه يقسم بمواقع النجوم ومحالّها وعلى احتمال يقسم بمساقط النجوم ومغاربها، وكان إبراهيم(عليه السلام) قد استدلّ بأُفول النجوم على وجود ربّ مدبّر لهذا الكون، وهو الله جلّت قدرته. وبما أنّ في المقسَم به أسراراً ودلائل بارزة على تدبيره سبحانه، فقد أقسم به سبحانه.
76. (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) :
يصف سبحانه قسمه بأنّه عظيم، وذلك لفخامة المقسم به وعظمته، فبالرغم من ضخامة النجوم وعظمتها وكثرة عددها، إذ يوجد هناك ما يزيد على (200) بليون بليون (000،000،000،000،000،000،200) من النجوم، وبعضها (وهو قلب العقرب) له قطر يعادل (330) مرّة مثل قطر الشمس، وبعضها يبلغ قطره (1000) مرّة مثل قطر الشمس، بالرغم من كلّ ما تقدّم، فإنّها تتجمّع في مجموعات ضخمة من بلايين النجوم تُدعى (المجرّات)، كما أنّها تسير سيراً منتظماً لها وتتحرّك في اتجاهات كثيرة، بحيث ينشأ عن هذه الحركة تغيّر بسيط في موضعها بالنسبة للنجوم الأُخرى.(1)

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:25/227ـ 241.

صفحه 350
(وكلّ نجم في موقعه المتباعد عن موقع إخوته، قد وضع هناك بحكمة وتقدير وهو متسق في آثاره وتأثّراته مع سائر النجوم والكواكب، لتتوازن هذه الخلائق كلّها في هذا الفضاء الهائل).(1)
هذا جانب من مظاهر قدرته تعالى الدالّة على جلالة المقسم به، وأمّا المقسم عليه فهو قوله:
77. (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) :
أي كتاب نفيس في نوعه، وفي كثرة دلائله، مع قلّة ألفاظه وبلاغة معانيه وعلوّ مضامينه.
78. (فِي كِتَاب مَكْنُون) :
فالقرآن المقروء أو المكتوب صورة متنزّلة من القرآن المستور والذي عبّر عنه سبحانه بقوله: (فِي كِتَاب مَكْنُون)، وفي آية أُخرى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ)(2)، وأمّا ما هو واقع القرآن في اللوح المحفوظ وما هو نسبة المقروء أو المكتوب إلى الموجود في ذلك اللوح المطهّر، فلا يعلم حقيقته إلاّ المطهّرون.
79. (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) :
الظاهر أنّ الجملة خبرية لا إنشائية و «لا» نافية والضمير يرجع إلى الأقرب ـ أعني: قوله (في كِتَاب مَكْنُون) ـ والمراد من المسّ هو العلم

1 . في ظلال القرآن:27/144.   2 . البروج: 22 .

صفحه 351
والمعرفة فيكون المراد: لا يمسّ ذلك الكتاب ولا يعلم ما حقيقته إلاّ من طهّر الله قلبه من الرذائل والأدناس والمعاصي والآثام، بل طهّر قلبه من التعلّق بغير الله، وقد دلّنا سبحانه، في محكم كتابه، على المطهّرين، حينما قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (1)، فهؤلاء هم الذين يمسّون الكتاب المكنون ويعرفونه ويعلمونه، ولذلك جعلهم الرسول(صلى الله عليه وآله)في الحديث المتواتر، قرناء الكتاب المجيد، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي».(2)
وتأكيداً لهذا المعنى، قال الإمام علي(عليه السلام) من خطبة له: «فأين تذهبون! وأنّى تؤفكون!... وكيف تعمهون وبينكم عترةُ نبيّكم!... فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، ورِدوهم ورودَ الهِيم العِطاش».(3)(أي كونوا ذوي حرص وانكماش على أخذ العلم والدين منهم، كحرص الهيم الظماء على ورود الماء).(4)
ثم قال: «ألم أعملْ فيكم بالثَّقَلِ الأكبر، واترك فيكم الثَّقل الأصغَر!»(5).
وهناك احتمال آخر بأن تكون «لا» ناهية والجملة إنشائية والضمير

1 . الأحزاب: 33.
2 . اُنظر على سبيل المثال: مسند أحمد:4/371; والخصائص للنسائي:84 برقم 76; والكافي للكليني:3/423 برقم 6; وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني:4/356برقم 1761.
3 . نهج البلاغة: الخطبة87.
4 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:6/377.
5 . يعني بالثقل الأكبر: الكتاب العزيز، وبالثقل الأصغر: ولديْه(الحسن والحسين(عليهما السلام))، لأنّهما بقية الثقل الأصغر، فجاز أن يطلق عليهما بعد ذهاب مَن ذهب منه، أنّهما الثقل الأصغر. انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:6/380.

صفحه 352
يرجع إلى قوله: (لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)والمراد النهي عن مسّ القرآن من دون طهارة من الخبث والحدث.
وفي بعض الروايات ما يؤيّد هذا الوجه. روى الشيخ الطوسي بسنده عن إبراهيم بن عبدالحميد، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: «المصحف لا تمسّه على غير طهر ولا جنباً ولا تمسّ خطّه ولا تعلّقه إن الله تعالى يقول: (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)».(1)
80 . (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) :
تعليل لما تقدّم من أنّه لا يمسّه إلاّ المطهّرون; وذلك لأنّ القرآن المكنون أجلّ وأرفع من أن يدركه غير المطهّرين وإنّما تدركه القلوب الصافية والأرواح الطاهرة التي تنعكس فيها أنوار الحق وتمسّها بطهارتها.
81 . (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) :
الظاهر أنّ المراد بالحديث هنا القرآن، حيث إنّهم كانوا يتهاونون بشأنه فتارة يزعمون أنّه قول ساحر، وأُخرى قول شاعر، وثالثة قول مجنون إلى غير ذلك من المزاعم الفاسدة، مع أنّ براهين صدقه ودلائل هدايته إلى الحق واضحة.
ويحتمل أنّ الإشارة بهذا الحديث إلى يوم البعث بشهادة قوله سبحانه: (أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ)(2).

1 . تفسير نور الثقلين: 5 / 226 .
2 . النجم: 57 ـ 59 .

صفحه 353
فالمراد كيف أنتم تتهاونون بحديث البعث والقيامة. وتشكّون فيه تارة وتعدّون القول به ضلالاً.
82. (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ):
المراد من الرزق هو النعمة، ومن التكذيب كفرانها، والمعنى أنّ القرآن نعمة كبيرة من نعم الله التي رزقكم إيّاها، فأنتم مكان أن تجعلوا همّكم الشكر صرتم متهاونين غير معنيّين بشأنه، بل مكذّبين.
وهذا المعنى هو الأنسب لكون السورة مكية. غير أنّ بعض المفسّرين رووا عن ابن عباس أنّه قال في تفسير الآية: بلغنا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سافر في حرّ شديد، فنزل الناس على غير ماء فعطشوا، فاستسقوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لهم: «فلعلّي لو فعلت فسقيتم قلتم هذا بنوء كذا وكذا»، قالوا: يا نبي الله ما هذا بحين أنواء، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بماء فتوضأ ثم قام فصلّى، فدعا الله تعالى، فهاجت ريح وثاب سحاب، فمُطروا، حتى سال كل واد، فزعموا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مرّ برجل يغرف بقدحه ويقول: هذا نوء فلان، فنزل: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ).(1)
ولا يخفى أنّ السورة بعامّتها مكّية، ومقتضى الحديث كون الآية مدنية، على أنّ جعل الأنواء علامة لنزول المطر حسب التجارب التي اكتسبها الإنسان عبر حياته لا ينافي التوحيد، فإنّ لله سبحانه سنناً وكلّ سنّة حاكية عن مسنون، والتفصيل في محلّه.

1 . تفسير الدر المنثور: 8 / 28.

صفحه 354
سورة الواقعة: الآيات 83 ـ 87   

الآيات: الثالثة والثمانون إلى السابعة والثمانين

(فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ * فَلَوْلاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .

المفردات

الحلقوم: جمع حلاقيم أي الحَلْق، وهو مجرى الطعام والشراب.
غير مدينين: غير مجزيّين من الدّين بمعنى الجزاء، أو غير محاسَبين، أو مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم. وهو يلازم كونهم أحراراً، خارجين عن سلطان الله. والأخير أقرب لمضمون الآية.

التفسير

83 ـ 84 . (فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذ تَنْظُرُونَ):
من المواقف الحزينة المهيبة في حياة كلّ عائلة، هي أن تشهد حالة احتضار واحد منهم ممّن يعزّ عليهم فراقه، وقد أخذ الموت ينشب فيه أظفاره، وهم ينظرون، واجمين، إلى ما هو فيه من الغمرات والشدائد، نظر اليائس الحيران، حيث لا يملكون أيّة حيلة في دفع أدنى شيء عنه حيث ينظر الأهل والعيال إلى من انتهى عمره وهو بين أيديهم كشمعة تذوب وستنطفئ عن قريب. نعم، في هذه الحالة.. عندما تصل النفس أو الروح إلى

صفحه 355
الحلقوم يعمّ اليأس أُولئك الحاضرين ويقطعون الرجاء من بقاء حياته، وهم ينظرون إليه نظر الآيس.
هذا الموقف الحزين المهيب، أشار إليه سبحانه بقوله: (فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذ تَنْظُرُونَ)ولولا بمعنى «هلاّ» هنا وفيما يأتي، وجوابهما قوله: (تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وهو سبحانه يؤكّد على أمرين:
الأوّل: أنّه سبحانه أقرب إلى المحتضر من الحاضرين وإن كانوا لا يبصرون، كما قال:
85 . (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ):
وكيف لا يكون أقرب إليه حتى من حبل الوريد، والعالم الإمكاني قائم بوجوده قيام المعنى الحرفيّ بالاسميّ؟ فالإحاطة القيومية دليل واضح على كونه سبحانه أقرب إلى الإنسان من كلّ شيء.
نعم ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد من القرب هو علمه سبحانه وإحاطته العلمية بكلّ شيء(1)، حذراً من أنّ القول بالقرب بغير العلم يستلزم الحلول، غير أنّهم غفلوا عن أنّ المراد من القرب هو القرب القيّومي لا المكاني، فالله سبحانه أجل من أن يحيطه مكان لكنّه سبحانه ليس بداخل في العالم الإمكاني كما أنّه ليس بخارج منه بتاتاً.
الثاني: يؤكّد على عجز الإنسان ، وأنّ الموت والحياة بيد الله سبحانه

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 199 قال: ونحن أقرب إليه منكم يا أهل الميّت بقدرتنا وعلمنا.

صفحه 356
بشهادة أنّ الحاضرين الذين يتصوّرون أنفسهم أحراراً خارجين عن ربوبية الله سبحانه، لا يقدرون على إرجاع الحياة إلى هذا المحتضر عند وصول روحه إلى حلقومه، بل ينظرون إلى خروج الروح من بدنه نظر الآيس، كما قال:
86 . (فَلَوْلاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ):
أي غير مربوبين وخارجين عن ربوبية الله سبحانه فقوموا وأرجعوا الحياة إليه كما قال:
87 . (تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
فضعفكم دليل على أنّ مالك الموت والحياة واحد، وأنّ الكون بيده وهو الذي يحيي ويميت.
نعم إن كثيراً من الطغاة المترفين الذين يتصوّرون أنّهم أحرار خارجون عن سلطان الله لكن إذا عمّهم البلاء، وأيسوا من كلّ وسيلة، تذكّروا حقيقة الأمر الذي فُطروا عليه، كما هو الحال في طاغية مصر الذي لما حاق به الغرق قال: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(1)فوافاه الجواب: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ)(2).
سورة الواقعة: الآيات 88 ـ 96   
ومن المناسب أن نورد، هنا، طرفاً من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي ينعى فيه على أُولئك الذين نزل بهم الموت من المؤثرين للدنيا، المتنافسين

1 . يونس: 90 .
2 . يونس: 91 .

صفحه 357
على حطامها، قال(عليه السلام):
«اجتمعتْ عليهم سَكْرةُ الموت وَحسرةُ الفَوت، فَفَترتْ لها أطرافُهم، وتغيّرتْ لها ألوانُهم، ثمّ ازداد الموتُ فيهم وُلوجاً، فَحيلَ بين أحدهم وبين منطقه، وإنّه لَبَين أهله ينظر ببصره، ويسمع بأُذنه، على صحّة من عقله، وبقاء من لُبّه، يفكّر فيمَ أفنى عُمرَه، وفيمَ أذهب دهرَه... فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالطَ لسانُهُ سمعَهُ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه، ولا يسمع بسمعه، يُردِّدُ طَرْفَهُ بالنظر في وجوههم، يرى حركات ألسنتهم، ولا يسمع رَجْع كلامهم، ثم ازداد الموت التياطاً به، فقُبضَ بصرُهُ كما قُبضَ سمعُهُ، وخرجت الروحُ من جسده، فصار جيفةً بين أهله، قد أوحشوا من جانبه، وتباعدوا من قُربهِ».(1)

الآيات: الثامنة والثمانون إلى السادسة والتسعين

(فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَ رَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم * وَتَصْلِيَةُ جَحِيم * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ).

1 . نهج البلاغة: الخطبة 109. ومعنى (خالط لسانُه سمعَه): شارك السمع اللسان في العجز عن أداء وظيفته، ومعنى (التياطاً): التصاقاً به.

صفحه 358

المفردات

رَوح: الرَّوح: الراحة، والنسيم الذي تستريح إليه النفس، والرحمة سمّيت بذلك لأنّ الرّوح والراحة بها.
ريحان:رزق واسع. والريحان: كلّ نبت طيّب الرائحة.

التفسير

لمّا ذكر سبحانه حال المحتضر عند سكرات الموت وبيّن أنّ الموت، كما الحياة، بيد الله تعالى وإلاّ فليردّوا الروح إلى بدن من حضره الموت حتى بلغت روحه الحلقوم، ناسب أن يردف ذلك بذكر مصير المتوفّى في تلك اللحظة ومن أيّ الأزواج الثلاثة هو ـ أعني: الأزواج المذكورين في أوّل السورة، وهم: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال ـ وبدأ بذكر مصير مَن كان من الصنف الأوّل، وقال: هو، أعني: الأزواج المذكورين:
88 ـ 89. (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَ رَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم):
إن كان المتوفّى من السابقين المقرّبين، فسيكون جزاؤه أُموراً ثلاثة، وهي:
1. رَوح: أي راحة من آلام الدنيا وهمومها وأتعابها، وطمأنينة نفس.
2. وريحان يسطع شذاه فيملأ الجوّ عطراً.
3. وجنّة نعيم.

صفحه 359
ثمّ ذكر مصير المتوفّى من الصنف الثاني، وقال:
90 ـ 91. (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) :
قيل في السلام وجوه، منها: أنّ الملائكة تسلّم عليه وتبشّره أنّه من أصحاب اليمين، ويكون ذلك كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(1).
ومنها: أنّ المتوفّى إن كان من أصحاب اليمين، فإنّه يختص بالسلام من أصحاب اليمين الذين هم قرناؤه ورفقاؤه، وأنّه لايرى منهم إلاّ خيراً وسلاماً.(2)
ثمّ ذكر مصير المتوفّى من الصنف الثالث ـ أي أصحاب الشمال ـ ولكنّه عبّر عنهم هنا بالمكذّبين الضّالّين وقال:
92 ـ 94. (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم * وَتَصْلِيَةُ جَحِيم):
قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ) بالبعث والرُّسل وآيات الله (الضَّالِّينَ)عن الهدى، فيتعامل معهم بأمرين:
1. (فَنُزُلٌ): أي الذي أعدّ له من الطعام والشراب، وقد مرّ أنّ النُّزل ما

1 . فصلت:30.
2 . الميزان في تفسير القرآن:19/139.

صفحه 360
يستضاف به الضيف. (مِنْ حَمِيم)أي من ماء حارّ، يحرق الأمعاء والأحشاء.
2. (وَتَصْلِيَةُ جَحِيم): أي دخول النار أو الاصطلاء بها.
ثم إنّه سبحانه بيّن أنّ هذه المصائر لهؤلاء الأصناف الثلاثة، من الأُمور التي لا تقبل الشكّ، كما يقول:
95 ـ 96. (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ):
(إِنَّ هَذَا)الذي ذكرنا لك وأخبرناك من مصائر هؤلاء الأصناف الثلاثة هو الحق الذي لا شكّ ولا شبهة فيه، فإذا كان الحال كذلك (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)فنزّهه عن الشرك والنقص، وقد مرّ أنّ تنزيه الاسم تنزيه للربّ، وإنّما أُضيف الاسم إلى الربّ لأنّ شرك هؤلاء كان في الربوبية.

إكمال

إنّ الله سبحانه ذكر أنّ الناس على أصناف ثلاثة على ما مرّ، ولكنّه سبحانه ذكر في سورة البقرة تقسيماً ثلاثياً آخر وهم: المتّقون، والكافرون، والمنافقون .
أمّا الصنف الأوّل فقال فيهم: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)(1)ثم ذكر أوصافهم.
وأمّا الصنف الثاني فقال في حقّهم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)(2) ثم ذكر أوصافهم.

1 . البقرة: 2 .   2 . البقرة: 6 .

صفحه 361
وأمّا الصنف الثالث فقال فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (1) ثم ذكر أوصافهم وعلائمهم.
وممّا نلفت إليه نظر القرّاء أنّه سبحانه اكتفى في حق الكافرين بآيتين (السادسة والسابعة من سورة البقرة) ولكنّه أسهب الكلام في حقّ المنافقين ضمن آيات كثيرة، فقد بدأ بالبحث فيهم من الآية الثامنة إلى الآية العشرين، وهذا يدلّ على أنّ خطر المنافقين أكبر وأضرّ.
***
تمّ تفسير سورة الواقعة

1 . البقرة: 8 .

صفحه 362

صفحه 363
سورة الحديد   

سورة الحديد

(سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَات بَيِّنَات لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ

صفحه 364
بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * مَنْ ذَا الذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ * يَوْمَ تَرى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ

صفحه 365
وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ * لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ

صفحه 366
وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَد وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
سورة الحديد: خصائص السورة   

صفحه 367
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة بسورة الحديد لورود هذا اللفظ فيها.
نعم ورد لفظ الحديد في سورة الكهف أيضاً، قال سبحانه حاكياً عن ذي القرنين:(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)(1)، ومع ذلك لم تسمّ به، وإنّما سُمّيت بالكهف لورود قصة أصحاب الكهف فيها بالتفصيل، فصار ذلك سبباً لتسمية السورة به، وأمّا الحديد فقد جاء فيها بصورة عابرة حيث طلب ذو القرنين من القوم أن يأتوه بزبر الحديد حتى يقيم لهم سدّاً بخلاف سورة الحديد فقد ذكر سبحانه الحديد بما أنّه نعمة من نعم الله التي أنزلها الله على عباده، وأنّ فيه بأساً شديداً ومنافع للناس، فصار ذلك سبباً لتسمية السورة به.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها تسع وعشرون في عدّ العراقي وثمان وعشرون في عدّ الباقين، والسورة مدنية بشهادة أكثر آياتها، منها قوله سبحانه:(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا).
نعم لا يبعد أن تكون الآيات الست التي صدّرت بها السورة، مكّية، لأنّ مضامينها أكثر انطباقاً على مضامين السور المكّية.

1 . الكهف: 96.

صفحه 368

أغراض السورة

تهدف هذه السورة إلى عرض أُمور:
الأوّل: تذكر تسبيح ما في الكون لله سبحانه وسعة وجوده، وإحاطة علمه وسعة ملكه وتدبيره، وهذا هو الذي تضمّنته الآيات الست في صدر السورة.
الثاني: حثّ المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله، وأنّهم وكلاؤه في الأرض، والمال مال الله، وأنّ الإنفاق يستتبع مغفرة الذنوب، ونزول الرحمة من الله سبحانه.
الثالث: بيان حال المؤمنين والمنافقين يوم القيامة، وأنّ الطائفة الأُولى يشعّ نورهم بين أيديهم ويبُشّرون بالجنة، والطائفة الثانية يقبعون في ظلمات الأهواء والحيرة والضلال.
الرابع: تصوّر السورة الحياةَ الدنيا بـ : «نبات» تُعجب الزرّاع بهجتُه وطراوته، لكن سرعان ما يهيج ويصير مصفرّاً ثم حطاماً.
الخامس: تُخبر عن إرسال الرسل بالبيّنات وإنزال الكتاب والميزان معهم لغاية إقامة القسط.
السادس: تتحدّث عن الرهبانية، وأنّها لم تُكتب على النصارى على تفصيل يأتي.

فضل السورة

روى الكليني بسند صحيح عن عاصم بن حُميد قال: سُئل عليّ بن الحسين (عليهما السلام) عن التوحيد، فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر

صفحه 369
الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(1) والآيات من سورة الحديد إلى قوله: (عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)، فمن رام وراء ذلك فقد هلك».(2)
وأخرج ابن النجّار في «تاريخ بغداد» عن البَراء بن عازب قال: قلت لعليّ(عليه السلام): يا أمير المؤمنين أسألك بالله ورسوله إلاّ خصصتني بأعظم ما خصّك به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) واختصّه به جبرئيل، وأرسل به الرحمن; فقال: «إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ في أوّل سورة الحديد إلى آخر ست آيات منها (عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)، وآخر سورة الحشر يعني أربع آيات، ثم ارفع يديك فقل: يا من هو هكذا أسألك بحق هذه الأسماء أن تصلّي على محمد وأن تفعل بي كذا وكذا ممّا تريد، فوالله الذي لا إله غيره لتنقلبنّ بحاجتك إن شاء الله».(3)
ثمّ إنّ هذه السورة هي إحدى السور الخمس التي افتتحت بالتسبيح، فعُرفت بالمسبّحات، وهي: الحديد، والحشر، وال