welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 27*
نویسنده :*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 27

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين
منية الطالبين
في
تفسير القرآن المبين
(الجزء 27)

صفحه 2

صفحه 3
27
منية الطالبين
في
تفسير القرآن المبين
 
يشتمل على تفسير الجزء السابع والعشرين
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
   اين صفحه چاپ نگردد تا اعلام شود
سبحانى تبريزى ، جعفر، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
30 ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 530 - 4 (VOL.27)
ISBN 978 - 964 - 357 - 525 - 0(30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 492
1392
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 27
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 493 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:799   تسلسل الطبعة الأُولى:410
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
سورة الذاريات   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 27

سورة الذاريات

(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ * يَسَأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ

صفحه 8
مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سَمِين * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَان مُبِين * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ * وَفِي عَاد إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِين * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَام وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ * وَقَوْمَ نُوح مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ

صفحه 9
إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْق وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ * فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الذِي يُوعَدُونَ).

صفحه 10
سورة الذاريات: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في التفاسير بسورة «الذاريات» بحذف الواو، وربّما تُسمّى بسورة «والذاريات» بإثبات الواو، والمشهور هو الأوّل. ووجه التسمية وقوع هذا اللفظ في أوّل السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ستون آية بالإجماع، وهي مكّيّة، كما تشهد لها صياغتها ومضامينها.

أغراض السورة

تركّز السورة على أمرين:
سورة الذاريات: الآيات: 1 ـ 6   
1. التوحيد في الربوبية، وأنّ الله سبحانه هو المدبِّر لا الآلهة المزعومة.
2. المعاد، وإثبات ما وعد الله به من وقوع الحشر، بتوجيه نظرهم إلى دلائل قدرته الباهرة في الأرض والسماء وفي أنفسهم، الدالّة على وحدانيته تعالى، ومن ثم قدرته على تحقيق البعث الموعود. وفي هذا الإطار تأتي الإشارة إلى بعض الأقوام السابقين الذين استأصلهم الله سبحانه، لتكذيبهم بدعوة التوحيد التي حملتها أنبياؤه ورسله، مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط، وفرعون. والغاية هي إنذار قريش وغيرهم من المشركين الذين أشركوا، كهؤلاء الأقوام، في الربوبية وأنكروا المعاد.

صفحه 11
وهذه السورة تشارك سورة القمر في كيفية الإنذار، وذكر قصص المنكرين، كما ستقرأ ذلك في تفسير تلك السورة.

الآيات: الست الأُولى

(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَ إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ).

المفردات

الذاريات: اسم فاعل (ذَرا)، يقال: ذَرت الريحُ الترابَ تذْروه ذَرْواً: إذا طَيّرتْه.
وقراً: الوِقْر: الحِمل الثقيل، ووَقِرت أُذنه بمعنى وقَرَت، أي ثَقُلت، قال تعالى: (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ )(1) .

التفسير

أقسم الله سبحانه هنا بأُمور أربعة تأكيداً لقوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ)، وهي تشبه سورة المرسلات حيث أقسم سبحانه فيها بأُمور خمسة تأكيداً لقوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ)،(2) فالمقسم عليه في كلتا السورتين واحد مضموناً، غير أنّهما تختلفان في عدد الأقسام، والسورة تشبه أيضاً سورة

1 . فصلت: 5 .   2 . المرسلات: 7 .

صفحه 12
النازعات التي أقسم الله فيها بأُمور خمسة تأكيداً لقوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ)(1)، فالجواب في جميع هذه السور الثلاث هو: التأكيد على المعاد.
1. (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا):
أي الرياح التي تذرو التراب وغيره.
2. (فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا) :
أي السحب التي تحمل المطر.
3. (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا):
أي الفُلك التي تجري في البحر سيراً سُجُحاً .
4. (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) :
أي الملائكة التي تقسّم الأُمور من الأمطار والأرزاق .
وعلى هذا التفسير، فالصفات الأربع لموصوفات أربعة، بخلاف الوجه الآتي إذ عليه صفات أربع لموصوف واحد .
ويؤيّد الوجه الأوّل الرواية المتضافرة عن باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ أعني: أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ حيث سأله ابن الكوّاء وهو (عليه السلام)يخطب على المنبر، فقال: ما الذاريات ذرواً؟ قال (عليه السلام): الرياح .
قال: (فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا)؟ قال (عليه السلام): السحاب.

1 . النازعات: 6 .

صفحه 13
قال: (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا)؟ قال (عليه السلام): السفن.
قال: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)؟ قال (عليه السلام): الملائكة .(1)
وروى الصدوق (رحمه الله) في الفقيه: قال الصادق (عليه السلام)في قول الله عزوجل: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)قال: «الملائكة تقسّم أرزاق بني آدم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فمن ينام فيما بينهما نام عن رزقه»(2).
وهنا سؤال وهو: أنّه لماذا عطف القسم الثاني والثالث والرابع بالفاء، وهل هناك ترتّب؟ وقد أجاب عن ذلك الزمخشري بقوله: إنّه تعالى أقسم بالرياح، فبالسحاب الذي تسوقه، فبالفُلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة تقسّم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارة البحر ومنافعه.(3)
ثم إنّ القرآن الكريم وإن نزل بلسان عربي مبين، لكنّه مع ذلك يحتاج في قسم من الآيات إلى بيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال: (بِالْبَيِّنَاتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(4); وعلى هذا فعلى المسلمين أن يسألوا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو باب علمه، أو كلّ من أخذ شيئاً عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من الصحابة، عن تفسير الآيات، ومن حقّ السائلين أن يُستقبلوا برحابة صدر، ويعامَلوا برفق ولطف، لأنّهم بصدد فهم القرآن

1 . مجمع البيان: 9 / 281. ورواه السيوطي عن الحاكم وقال: صحّحه البيهقي في شعب الإيمان. لاحظ الدر المنثور: 7 / 614. وذكر هذه الرواية جمع من المفسّرين، منهم الشيخ الطوسي، والزمخشري، والفخر الرازي، وأبو عبدالله القرطبي، والآلوسي البغدادي، ومحمد جمال الدين القاسمي، وغيرهم.
2 . الفقيه للصدوق:1/504 برقم 1450; باب كراهة نوم الغداة.
3 . تفسير الكشّاف: 3 / 166 .
4 . النحل: 44.

صفحه 14
ووعيه والعمل بما فيه. ومن العجيب ما رواه غير واحد من المحدّثين من تلك القصّة المشهورة التي وقعت لصبيغ التميميّ مع عمر بن الخطاب، وإليك القصة:
روى الحافظ الدارميّ في سننه عن أبي النعمان ] محمد بن الفضل السدوسي[، عن حمّاد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار: أنّ رجلاً يقال له صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعدّ له عراجين النخل!!، فقال: مَن أنت؟ قال: أنا عبدالله صبيغ، فأخذ عمر عرجوناً، من تلك العراجين فضربه، وقال: أنا عبدالله عمر، فجعل له ضرباً حتى دمي رأسه، فقال (يا أمير المؤمنين) حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي.(1)
وعن السائب بن يزيد، قال: أُتي عمر بن الخطاب فقيل: (يا أمير المؤمنين): «إنا لقينا رجلاً يسأل عن تفسير مشكل القرآن؟ فقال عمر: اللهم مكّني منه، فبينما عمر ذات يوم جالساً يغدّي الناس، إذ جاء الرجل وعليه ثياب وعمامة صفراء، حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا)فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك، ألبسوه ثياباً واحملوه على قتب وأخرجوه حتى تقدموا به بلاده ثم ليقمْ خطيباً ثم يقول: «إنّ صبيغاً ابتغى العلم فأخطأ»، فلم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك وكان سيد قومه(2).

1 . سنن الدارمي: 1 / 54، 55. ورجال الرواية كلهم ثقات عند نقّاد السنّة.
2 . انظر: الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي): 17 / 29 ; وتاريخ ابن عساكر: 23 / 411، رقم 2846; وكنز العمال: 2/333 رقم 4169 ; وفتح الباري: 8 / 211.

صفحه 15
أهكذا يتعامل مع مَن يريد أن يتعلّم القرآن؟! وما ذنب رجل يريد أن يفهم ما أنزل الله تعالى في كتابه ليتدبّر فيه، حتى يُصبُّ عليه كلّ ذلك العذاب؟
ولو صحّ افتراض أُولئك الذين يسوّغون كلّ مواقف عمر، وأنّه ظهر له من أمر صبيغ فيما يسأل تعنّتاً وعناداً، وأنّ سؤاله لم يكن طلباً للعلم، أفيصحّ لعمر في منطق الشرع، أن يجلده بكلّ تلك القسوة؟ وأنْ يهينه كلّ تلك الإهانة؟!
ألا يجدر به، وهو خليفة المسلمين، أن يتعاهده بالتوجيه والإرشاد، أو أن يعنّفه ويوبّخه إذا صحّ أنّه سأل تعنّتاً وعناداً؟
هذا، وقد ورد في رواية عن سعيد بن المسيب أنّ عمر أجاب صبيغاً عمّا سأل عنه (بمثل ما روي عن علي (عليه السلام)في جوابه لابن الكوّاء)، ثم أمر به فضُرب مئة، وجُعل في بيت، فلمّا برأ دعاه، فضرب مئة أُخرى، وحمله على قتب... الرواية.(1)
وهذه الرواية، التي فيها أجوبة عمر، لا يمكن الركون إليها، وذلك:
أوّلاً: لمخالفتها لسائر الروايات، والتي خلتْ من أيّ إشارة إلى أجوبة عمر.
ثانياً: أنّ هذه الرواية ضعيفة، ففي إسنادها أبو بكر بن أبي سبرة، وسعيد بن سلاّم ] العطار [، وهما ضعيفان عند نقّاد السنّة.(2)

1 . انظر: تفسير ابن كثير: 6 / 414 ; وروح المعاني: 27 / 2 .
2 . راجع ترجمة ابن أبي سبرة في تهذيب الكمال: 33 / 102 رقم 7240 ; وميزان الاعتدال: 4 / 503 رقم 1024، وترجمة سعيد بن سلاّم في ميزان الاعتدال: 2 / 141 رقم 3195 .

صفحه 16
ثالثاً: أنّ ما ورد فيها من أجوبة لا ينسجم مع سيرة عمر في ضيقه بالسائلين عن معاني القرآن ومشكله، بل كان هو نفسه لا يفقه جملة من أحكامه ومعانيه، بل (كان يحسب أيسر شيء من معانيه تعمّقاً وتكلّفاً، ويدّعي أنّه نُهي عنه).(1)

عود على بدء

قد عرفت ما هو المراد من الأقسام الأربعة في ظل الحديث المروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وباب علمه (عليه السلام)، وربما يقال أنّها وصف لشيء واحد وهو الريح.
قال الزمخشري: ويجوز أن يراد الرياح لا غير لأنّها تنشئ السحاب وتقلّه وتصرّفه وتجري في الجو جرياً سهلاً وتقسّم الأمطار بتصريف السحاب.
ثم ذكر وجه كون العطف في الثلاثة الأخيرة بالفاء، فقال: فلأنّ الرياح تبتدئ بالهبوب فتذرو التراب والحصباء وتقلّ السحاب فتجري في الجو باسطةً له فتقسّم المطر. (2)
ولا يخفى أن الوجه الأوّل هو الأنسب، وسيوافيك هذا الاختلاف في سورتي المرسلات والنازعات.
5. (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ):
أي إنّ ما توعدون من يوم الجزاء لقول صادق. وهو جواب للقسم

1 . الغدير: 6 / 277 .   2 . تفسير الكشّاف: 3 / 166.

صفحه 17
وعلى هذا فـ «ما» في قوله: (إِنَّمَا)موصولة، فالأصح أن تكتب مفصولة، أي إنّ ما توعدون لصادق حتى يفارق لفظة «إنّما» للحصر، غير أنّ الرسم في المصحف العثماني لمّا كان على وجه الاتصال استمرت الكتابة على الوصل.
6. (وَ إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ):
أي إنّ الجزاء أمر واقع محقّق، فالآية الخامسة جواب للقسم، والآية السادسة تؤكّد مضمون الآية الخامسة .
ثم إنّ وجه القسم بهذه الأُمور الأربعة لكونها أُنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في البرّ وهو (الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا)، وأُنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في البحر وهـو (الْجَارِيَاتِ يُسْـرًا)، وأُنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في الجوّ وهو (فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا)، وتمّم القسم بالجميع بالقسم بالملائكة الذين هم وسائط التدبير وهو (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)، فكأنّه سبحانه أقسم بعامّة الأسباب التي يتمّ بها أمر التدبير في العالم، وهذا بخلاف ما فسّرناه بالرياح فيكون المقسم به أمراً واحداً وهو الرياح.
بقي الكلام في وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، والذي يمكن أن يقال: إنّه سبحانه بعدما أقسم بالأُمور التي يتمّ بها أمر التدبير، يذكر أنّ الخلق والتدبير ليسا سُدى ولا بلا غاية، وإنّما غايتهما هو يوم الدين، وعودة الإنسان إلى يوم الجزاء، إذ لولا هذه الغاية لأصبح أمر الخلق والتدبير عبثاً بلا غاية، فكأنّه سبحانه يريد إلفات نظر الإنسان من التدبُّر في أسباب التدبير إلى الغاية المتمثّلة في يوم الجزاء.
ثم إنّ بعض من لا معرفة له من المادّيين يزعم أنّ القسم بالرياح أمر لا

صفحه 18
طائل تحته، وهذا جَهْل منه بعظمة دور الرياح والسحاب في الطبيعة، وقد كشف العلم الحديث جانباً منها، فإنّ الرياح هي حركة الهواء الموجود في الطبقات السفلى من الجوّ إذا سارت متوازية مع سطح الأرض، وتختلف سرعة الرياح حتى تصل إلى مائة كيلومتر في الساعة فتسمى زوبعة، وإذا زادت على مائة سمّيت إعصاراً، وقد تصل سرعة الإعصار إلى 240 كيلومتراً في الساعة، والرياح هي العامل المهم في نقل بخار الماء وتوزيعه، ومن تكاثُف هذا البخار في الهواء بالتبريد، بعد أن تصل حالته إلى ما فوق التشبّع، تتكوّن السحب. ويختلف ارتفاع السحب على حسب نوعها، فمنها ما يكون على سطح الأرض كالضباب، ومنها ما يكون ارتفاعه بعيداً إلى أكثر من 12 كيلومتراً، كسحاب السيرس الرقيق .
سورة الذاريات: الآيات: 7 ـ 14   
وعندما تكون سرعة الرياح الصاعدة أكثر من ثلاثين كيلومتراً في الساعة، لا يمكن نزول قطرات المطر المتكون، وذلك بالنسبة لمقاومة هذا الريح لها، ورفعها معه إلى أعلى، حيث ينموحجمها، ويزداد قطرها. ومتى بلغت أقطار النقط نصف سنتيمتر، تتناثر إلى نقط صغيرة لا تلبث أن تكبر بدورها، ثمّ تتجزأ بالطريقة السابقة وهكذا... وكلّما تناثرت هذه النقط، تشحن بالكهرباء الموجبة وتنفصل الكهرباء السالبة التي تحمل الرياح...وبعد مدّة تصير السحب مشحونة شحناً وافراً بالكهرباء. فعندما تقترب الشحنتان بعضهما من بعض بواسطة الرياح كذلك، يتمّ التفريغ الكهربائي وذلك بمرور شرارة بينهما، ويستغرق وميض البرق لحظة قصيرة وبعده يسمع الرعد، و هو عبارة عن الموجات الصوتية التي يحدثها الهواء، وما هي إلاّ برهة حتى تخيّم على السماء سحابة المطر القاتمة اللون، ثمّ تظهر نقط كبيرة من الماء تسقط على الأرض، وفجأة يشتدّ المطر

صفحه 19
ويستمرّ حتى تأخذ الأرض ما قدّر اللّه لها من الماء.(1)

الآيات: السابعة إلى الرابعة عشرة

(وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ* يَسَأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) .

المفردات

الحُبُك: الطرائق، كطرائق الماء الساكن أو الرمل إذا هبّت عليهما الرياح. والحُبُك: الحسن والزينة.
يؤفك: أفك: أي انصرف، والإفك كلّ مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهابّ: مؤتفكة.
الخرّاصون: الخَرْص: كلّ قول مقول عن ظنّ وتخمين.
غَمْرة: معظم الماء الساترة لمقرّها، وجُعل مثلاً للجهالة التي تغمر صاحبها.
ساهون: السهو: خطأ عن غفلة.
يفتنون: يقول الراغب: أصل الفَتْن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار .

1 . اللّه والعلم الحديث:135ـ 136.

صفحه 20

التفسير

أقسم سبحانه في هذه السورة بأقسام خمسة، مرّت أربعة منها، وإليك خامسها، قال:
7. (وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ):
أي السماء ذات الطرائق المختلفة، وربّما يفسّر بالسماء ذات الحسن والزينة، نظير قوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ)(1) والأوّل أظهر لأنّه يناسب المقسم عليه، أعني قوله سبحانه:
8 . (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف):
لأنّ القول المختلف له، أيضاً، طرائق.
ومعنى الآية: (إِنَّكُمْ) ـ أيّها المكذّبون بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وما يدعو إليه ـ على آراء مختلفة وأفكار متناقضة، فتارة ترمون صاحب الدعوة بكونه ساحراً، أو شاعراً، أو مجنوناً، أو ممن علّمه بشر; وأُخرى تقولون عن كلام الله تعالى بأنّه شعر، أو سحر، أو من أساطير الأوّلين، وهذا الاختلاف دليل على بطلان ادّعائكم، إذ لا تعتمدون على دليل واضح، ولا تستندون إلى برهان لائح، فإنّ تناقض المدّعي في كلامه أقوى دليل على بطلانه.
وأمّا الإعراض عن الحق فليس مختصّاً بهؤلاء، بل هو شيمة كلّ مخالف للحق، كما في قوله سبحانه:

1 . الصافات: 6 .

صفحه 21
9 . (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) :
أي كلّ من صُرف وخالف الحق، يُعرض عن الإيمان بالمعاد والجزاء، أو دعوة الأنبياء.
وحصيلة الكلام: أنّ إعراضهم عن الدعوة نابع عن وجود العناد واللجاج في قبول الحق مطلقاً، سواء أكان من مقولة الدعوة النبوية أم غيرها.
10 و 11. (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ) :
إنّ الذكر الحكيم يصف المشركين في بعض الآيات بالتخرّص ويقول: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(1)، ويقول أيضاً: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(2)، فقضاؤهم في المعارف كلّها وفي الدعوة النبوية كان مبنياً على الظنّ والتخرّص، ومَثَلهم في هذا كَمثَل الذي يرمي ليلاً، فإصابته الهدف احتمال ضعيف لا يُعتدّ به، ولذلك صاروا من رماة القول على عواهنه، فيقولون نحن نظنّ أنّه شاعر، أو ساحر، أو مجنون، كلّ ذلك بلا دليل، فاستحقّوا بذلك اللعن والتحقير، كما قال: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ)فهو تحقير لهم باللعن والطرد، ثم إنّه يصفهم بقوله: (اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ)فقد غمرهم الجهل والضلال فحجب عنهم نور الحق، وصاروا يظنّون ويتخرّصون ويطلقون الأقوال جُزافاً من غير أساس، حتى أنّهم جعلوا الملائكة بنات لله تعالى (3) .

1 . يونس: 66 .
2 . الزخرف: 20 .
3 . لاحظ : الزخرف: 19.

صفحه 22
ثم إنّهم وراء كونهم خرّاصين، يسألون، ساخرين مستهزئين، عن وقت يوم القيامة، قال تعالى:
سورة الذاريات: الآيات: 15 ـ 19   
12. (يَسَأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ):
أي متى يكون يوم البعث والحساب؟ يقولون ذلك على وجه الإنكار والاستهزاء، فأُجيبوا بما يسوءهم من الحقّ الذي لا محالة أنّه نازل بهم (1):
13. (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ):
أي يقع يوم البعث، في ذلك اليوم الذي يُعرضون فيه على جهنم ويُحرقون بها، ثم يقال لهم:
14. (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) :
فهذا اليوم الذي كنتم تسألون عنه، وتستعجلون به، فإذا رأيتموه بعيونكم فذوقوا عذابه.

الآيات: الخامسة عشرة إلى التاسعة عشرة

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَ عُيُون * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَ بِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ).

1 . التبيان: 9 / 382 .

صفحه 23

المفردات

يهجعون: الهجوع: النوم ليلاً.
الأسحار: جمع السَّحَر، وهو آخر الليل قُبيل الفجر.

التفسير

لمّا ذكر سبحانه مآل المكذّبين وأحوالهم في يوم القيامة، ناسب أن يذكر مآل المتّقين وأحوالهم وما يُجزَون به في ذلك اليوم، فذكر في المقام أُموراً خمسة:
15 ـ أ. (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَ عُيُون):
إذا كان مصير الخرّاصين هو النار، فمصير المتّقين هو حدائق تجنّها الأشجار بظلالها، وعيون ماء تجري لهم في جنّات الخُلد. وهل المراد أنّ لكلّ واحد منهم جنّة أو أنّ لكلّ واحد جنّات؟ الظاهر هو الأوّل وأنّ الجمع باعتبار كثرة الأفراد .
16. ب. (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ):
أي إنّهم في حال كونهم في الجنات، آخذين ما أعطاهم ربّهم من النعيم والكرامة، راضين به وشاكرين .
وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ)كأنّه تعليل لقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي

صفحه 24
جَنَّات وَعُيُون)والمعنى: أنّهم كانوا في الدنيا ذوي أعمال حسنة، فلذلك صارت الجنّات والعيون مأوى لهم، وجزاء لهم في الآخرة. ثمّ بيّن أبرز وجوه إحسانهم، فقال:
17. ج. (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ):
أي كانوا يهجعون كلّ ليلة وقتاً قليلاً ويصلّون في أكثر الليل، ولعلّ الآية تشير إلى قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)(1)، وقال أيضاً: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)(2) وعلى هذا فالآية الأخيرة إنّما تصدق إذا قاموا أكثر من النصف دونما إذا قاموا نصفه أو ثلثه، فلاحظ .
هذا إذا قيس القليل من الليل إلى مجموع زمان كلّ ليلة، فيكون المعنى ما ذكرنا من أنّهم يقومون في كلّ ليلة أكثرها.
وأمّا إذا قيس إلى مجموع الليالي فيكون المراد أنّهم يقومون في أكثر الليالي، إلاّ القليل منها الذي تفوتهم فيه صلاة الليل .
ولعلّ المعنى الأوّل هو الأفضل بشهادة قوله:
18. د. (وَ بِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) :
أي إنّهم في كلّ سحر يستغفرون لا في أكثر الأسحار، فالاستغفار في عامّة الأسحار، يلازم القيام في عامّة الليالي.
وأمّا وجه الثناء عليهم بالاستغفار في الأسحار، فلأنّ تلك الأوقات

1 . المزمل: 2 ـ 4.   2 . المزمل: 20 .

صفحه 25
أليق للاستغفار لبُعدها عن شائبة الرياء، وحيث إنّ عيون الناس نائمة وعيون العابدين الخاشعين ساهرة، تلهج ألسنتهم ـ في تلك الأوقات التي يحلو فيها النوم ـ بالدعاء والاستغفار، فالمؤمنون المتقّون يستقلّون أعمالهم، ويتّهمون أنفسهم دائماً بالتقصير حتى وهُمْ في أسمى مراتب الطاعة لله عزّ وجلّ.
19. هـ . (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ):
فصِلَتُهم بالله سبحانه محفوظة بالقيام في الليل كما أنّ صلتهم بعباد الله كذلك، حيث يتصدّقون على السائل والمحروم وإن لم يكن سائلاً، والظاهر أنّ المراد هو العطاء من أطيب الأموال دون أن يكون واجباً .
وهاهنا يتبيّن حال الفريقين، فالكافر يغفل عن الله سبحانه ليله ونهاره ويبخل بماله عن السائل والمحروم، وأمّا المتّقي فعينُه ساهرة في الليالي المظلمة، وقلبه ولسانه يلهج بالذكر والاستغفار، كما أنّه يصل المحرومين والضعفاء يدفع إليهم جزءاً من أمواله لدفع خَلَّتهم وقضاء حوائجهم، طالباً بذلك رضا الله سبحانه.
إنّ المحروم هو الفقير الذي يستنكف عن السؤال وفيه يقول تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيَماهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)(1).
وقوله: (حقٌ) يعني أنّ لهاتين الطائفتين حقّاً في أموال الأغنياء، فلو قاموا بالإنفاق عليهم فإنّما قاموا بإرجاع حقوق الآخرين إليهم.

1 . البقرة: 273 .

صفحه 26
سورة الذاريات: الآيات: 20 ـ 23   
إنّ القيام في الليل من خصال المتّقين ودأبهم كما ورد ذلك على لسان إمام المتّقين علي بن أبي طالب (عليه السلام)حين سُئل عن أوصافهم: «أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لاَِجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلا. يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ. فَإِذَا مَرُّوابِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ تَعَالى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ»(1).

الآيات: العشرون إلى الثالثة والعشرين

(وَ فِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ* وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).

التفسير

20 و 21. (وَ فِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ):

1 . نهج البلاغة: الخطبة 193.

صفحه 27
الظاهر أنّ الدعوة إلى دراسة الكتاب الكوني والأنفسي لغاية تحصيل اليقين بأنّ المدبِّر واحد وليس للآلهة المزعومة أي دور في تدبير العالم.
وقبل أن ندرس كيفية دلالة الأرض والأنفس على التوحيد في التدبير نذكر شيئاً من دلائل ذلك التوحيد.

وحدة النظام دليل على وحدة المدبّر

إنّ مطالعة كلّ صفحة من صفحات الكتاب الكوني العظيم تقودنا إلى وجود نظام موحّد، وكأنّ أوراق الكتاب التكويني على غرار الكتاب التدويني شُدّ بعضها إلى بعض بيد واحدة، وأُخرجت في صورة موحّدة.
إنّ القوانين والسنن الحاكمة على الموجودات الطبيعية كلّية وشاملة، بحيث لو أُتيح لأحد أن يكشف ناموساً طبيعياً في نقطة من نقاط الكون فهو يكشف قانوناً كليّاً سائداً على النظام من غير فرق بين أرضيِّه وفلكيِّه.
إنّ وحدة النظام وشمول السنن تقودنا إلى موضوعين:
1. ليس للعالم إلاّ خالق واحد.
2. ليس للعالم إلاّ مدبِّر واحد.
وعند ذلك يتجلّى مفاد قوله سبحانه: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1) .
إنّ جملة (لَهُ الْخَلْقُ)إشارة إلى التوحيد في الخالقية.
وجملة (وَالأَمْرُ)إشارة التوحيد في التدبير الذي هو نوع من الحاكمية .
وباختصار: إنّ وحدة النظام وانسجامه وتلاحمه لا تتحقّق إلاّ إذا كان

1 . الأعراف: 54 .

صفحه 28
الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبِّر واحد، ولو خضع الكون لإرادة مدبّرين لما كان من النظام السائد أي أثر، لأنّ تعدّد المدبّر والمنظِّم يستلزم الاختلاف في التدبير والإدارة، وتعدّد التدبير يستلزم فناء النظام الموحّد وغيابه.
وبعبارة أُخرى: لو فرضنا وجود مدبِّرين، فإنْ كانا متساويين من كلّ الجهات ترتفع الاثنينية بينهما وكانا مدبِّراً واحداً، وإن لم يكونا متساويين بل كان هناك اختلاف بينهما في الذات أو في عوارضها، فالاختلاف فيها يُنتج اختلافاً في التدبير، وهو خلاف الحسّ.
وحصيلة الكلام: أنّ وحدة النظام وانسجامه وتلاصقه وتماسكه كاشف عن وحدة التدبير والمدبّر في مجموع العالم، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(1).
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «فلمّا رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبِّر واحد»(2).
وسأل هشام بن الحكم الإمام الصادق (عليه السلام)عن الدليل على وحدة المدبِّر؟ فقال: «اتّصال التدبير وتمام الصنع كما قال الله عزوجل: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)(3).(4)

1 . الأنبياء: 22.
2 . توحيد الصدوق: 244.
3 . الأنبياء: 22 .      4 . توحيد الصدوق: 250 .

صفحه 29
ما ذكرنا من التقرير راجع إلى دراسة مطلق الكون سمائه وأرضه وما فيهما من إنسان وحيوان، إلاّ أنّ الآية تركِّز تارة على الأرض وأُخرى على الإنسان، فلنذكر شيئاً منها.
أمّا الأرض فإنّ لها حركتين:
الأُولى: حركة وضعية حول نفسها وينتج عن ذلك الليل والنهار.
الثانية: حركة انتقالية ويتمّ ذلك بصورة منتظمة وبشكل بيضوي حول الشمس، وبها تتحقق الفصول الأربعة، ثم إنّ الانسجام بين الحركتين أدلّ دليل على مدبّر واحد وإلاّ لاختلّ الانسجام، مضافاً إلى ما في الأرض من آيات ترشدنا إلى التوحيد في التدبير .
وأمّا الكتاب الأنفسي، فما أجمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من عرف نفسه فقد عرف ربّه».
نعم، لو تأمّلنا، فقط، الأجهزة الموجودة في بدن الإنسان، لكان ذلك كافياً للإيمان بالتوحيد في الربوبية، فالنظر إلى مثل الرئتين، والأعصاب، وجهاز الهضم، وكريات الدم، ومقلتي العين، والسمع، والبصر، وحاسة اللمس، وحاسة الشمّ، والذوق، وغيرها، يجعلنا نعترف صدقاً بأنّ هناك خالقاً ومدبّراً واحداً، لأنّه خلَق هذه الأعضاء والأجهزة وأودعَ بينها انسجاماً باهراً لا خلل فيه .
22. (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ):
لمّا حثّ سبحانه في الآيتين السابقتين على التدبّر في الأرض والنفس،

صفحه 30
عاد البيان القرآني للحثّ على التدبّر في السماء، ومن المعلوم أنّ المراد من السماء ـ كما ذكر ابن عباس ـ كلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء، فعلى هذا فالمراد من الرزق في السماء هو الشمس بإشراقاتها والسحب بأمطارها إلى غير ذلك من العوامل الجوّيّة التي تُعدّ من وسائل الرزق والعيش.
وأمّا قوله: (وَ مَا تُوعَدُونَ)فالظاهر أنّ المراد به الجنة، لقوله تعالى: (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى )(1).
قال السيد الطباطبائي: وقول بعضهم: إنّ المراد به الجنة والنار، أو الثواب والعقاب لا يلائمه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)(2).(2)
وعلى هذا، فالآيات الثلاث تحثّ على التدبّر في مجموع الكون من السماء والأرض والإنسان .
23. (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) :
لقد أقسم سبحانه في الآيات المتقدّمة بأُمور خمسة، أربعة منها في صدر السورة، والخامس في الآية السابعة، أعني قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ)، ثم حلف سبحانه هنا بربّ السماء والأرض وقال: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ )(3)، فالمقسم به في الآيات السابقة نفس الأشياء ولكن في المقام

1 . النجم: 15 .   2 . الأعراف: 40 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 18 / 375 .
3 . الذاريات: 23 .

صفحه 31
المقسم به هو ربّ هذه الأشياء، وربّما يقال بأنّ المقسم به في الجميع هو ربّ هذه الأُمور، وهو خلاف الظاهر ونوع تفسير بالرأي، فليس ثَمّة ما يمنع من أن يقسم سبحانه تارة بما في الكون من عجائب الخلق حتى يبعث الإنسان على التدبّر فيها، وأُخرى بنفسه بما أنّه ربّ.
وأمّا جواب القسم فهو قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)، والظاهر أنّ الضمير يرجع إلى ما ورد من كون الرزق وما يوعدون به من الجنة، حقّ لا ريب فيه، كمنطقكم الذي تحسّونه ولا تشكّون فيه.
وقيل: إنّ الضمير في (إنّه) يعود إلى كلّ ما تقدّمه من الآيات، وعلى هذا يكون المعنى أنّه سبحانه يقسم بجلاله على صدق هذا الحديث كلّه.
ولا بأس أن ننقل بهذه المناسبة، النادرة التالية التي رواها الأصمعي، قال : أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابيّ على قعود(1) له فقال: ممّن الرجل؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتلُ عليّ، فتلوت (وَالذَّارِيَاتِ) فلمّا بلغت قوله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)قال: حسبك. فقام إلى ناقته فنحرها ووزّعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولّى، فلمّا حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفتُّ فإذا أنا بالأعرابي، فسلّم عليّ واستقرأ السورة فلما بلغت الآية، صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ)فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ لم

1 . القَعُود: البَكر من الإبل.

صفحه 32
يصدّقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين! قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه .(1)
وظاهر القصة أنّ هذا الأعرابي فهم أنّ الضمير في قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ)يرجع إلى قوله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) ولذلك نحر ناقته وكسر قوسه، قائلاً: بأنّه سبحانه ضمن رزقه، ولذلك لمّا سمع: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ)قال: يا سبحان الله مَن ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟
سورة الذاريات: الآيات: 24 ـ 37   

الآيات: الرابعة والعشرون إلى السابعة والثلاثين

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سَمِين * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَ قَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَ تَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ).

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 169 .

صفحه 33

المفردات

راغ: الرَّوْغ: الذهاب إلى الشيء في خفية.
صَرَّة: الصَّرّة: شدّة الصياح.
صكّت: الصكّ: الضرب باعتماد شديد.
العقيم: العاقر.
حجارة من طين: طين متحجِّر مطبوخ بالنّار، وهو السِّجّيل .
مُسوّمة: مُعلَّمة.
مُسرفين: السّرَف: تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان، وسمّي قوم لوط (مسرفين) لفجورهم، حيث إنّهم تعدَّوا في وضع البذر في الحرث المخصوص له .

التفسير

لمّا كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يواجه أذى المشركين و تكذيبهم عاد البيان القرآني لتسليته وتطييب خاطره، من خلال الإشارة إلى بعض آياته سبحانه الّتي تجلّت في تاريخ بعض الأنبياء، وبدأ بحديث ضيف إبراهيم (عليه السلام)فقال:
24. (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ):
وصف سبحانه ضيف إبراهيم بالمكرمين للإشارة إلى أنّهم كانوا من الملائكة، كما في قوله سبحانه في حقّهم: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ

صفحه 34
بِالْقَوْل ِوَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(1)، فدخلوا عليه مع التحية كما قال:
25. (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) :
فقوله: (سَلاَمًا)بالنصب حاك عن أنّه سدّ مسدّ الفعل، وكأنّهم قالوا: نسلّم عليك سلاماً، ففي الحقيقة سلّموا بالجملة الفعلية، ولكن إبراهيم (عليه السلام)ردّ تحيتهم بوجه أحسن حيث أجاب بجملة إسمية تدلّ على ثبات السلام، يقول الزمخشري : أمّا (سلام) فمعدول به إلى الرفع على الابتداء، وخبره محذوف معناه: عليكم سلام، للدلالة على ثبات السلام، فكأنّه قصد أن يحيّيهم بأحسن ممّا حيَّوه به، أخذاً بأدب الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى: (وَ إِذَا حُيِّيِتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)(2).(3)
وبما أنّهم ليسوا ممّن عَهِدهم من الناس، قال في نفسه: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ). ولكنّ الزمخشري قال في أحد تأويلاته للآية : كأنّه قال: أنتم قوم منكرون فعرِّفوني من أنتم.(4) وهذا خلاف الظاهر إذ لو قاله لأجابوا بشيء، مع أنّهم سكتوا. ولو قاموا بالتعريف لعلم أنّهم من الملائكة، وعندئذ لمّا ذهب إلى تكريمهم بعجل سمين كما قال:
26. (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سَمِين) :
وهنا سؤال وهو أنّه لماذا قال (فَرَاغَ) مكان «فذهب»؟ والوجه في ذلك

1 . الأنبياء: 26 ـ 27 .
2 . النساء: 86 .
3 . تفسير الكشّاف: 3 / 169 .
4 . تفسير الكشّاف: 3 / 169 .

صفحه 35
ـ كما ذكروا ـ هو أنّ من أدب المضيِّف أن يُخفي أمره عن ضيفه وأن يبادر بالقِرى، من غير أن يشعر به الضيف حذراً من أن يكفّه ويعذره.
ولم يلبث حتّى جاءهم، على عادته في إكرام الأضياف، بعجل (وهو ولد البقرة) سمين مشويّ .
27 و 28. (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم) :
أي قرّب العجل إليهم وقدّمه بين أيديهم ليأكلوا، فلم يمدّوا إليه أيديهم، فقال في استنكار، متسائلاً عن السبب : (أَلاَ تَأْكُلُونَ)؟ وقيل: إنّ قوله (أَلاَ تَأْكُلُونَ) على سبيل العرض والتلطّف والحثّ على الأكل (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)أي أضمر الخيفة في نفسه، وأمّا ما هو سبب الخوف، فيمكن أن يكون أحد الوجهين التاليين:
1. ظنّ أنّهم يريدون به سوءاً لمّا رأى إعراضهم عن الطعام.
2. وقع في نفسه أنّهم ملائكة أُرسلوا للعذاب.(1)
ولأجل رفع ما أحسّ به إبراهيم (عليه السلام)من خوف في نفسه، قال الضيوف: (لاَ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم)، وكأنّ الملائكة علموا ما في نفسه، ممّا ظهر على ملامحه من الخوف، لذلك بادروا إلى طمأنته و (قَالُوا لاَ تَخَفْ)أي قالوا له ـ كما يظهر ـ لا تخف إنّا رسل ربّك.(2) ولأجل إزالة أثر الخوف عن قلبه

1 . وقيل في سبب خوفه منهم غير هذين الوجهين. انظر: مجمع البيان: 5 / 341 .
2 . يُفهم ذلك من قوله تعالى في (الآية 33 من سورة العنكبوت) حكاية عن ضيوف لوط (عليه السلام)(وهُم أيضاً من الملائكة) لمّا رأوا عجزه (عليه السلام)عن حمايتهم: (... وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ...)، وقوله تعالى في (الآية 81 من سورة هود) حكاية عنهم: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ...) .

صفحه 36
(بَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم) حتى يسرّ بذلك هو وزوجته ويُبدلوا الخوف بالبشارة بأنّه سيولد له من زوجته غلام سيكون عالماً في المستقبل، والمراد به هو إسحاق، بشهادة أنّ زوجته «سارة» كانت عجوزاً، ويُشار إلى أنّ الله سبحانه وصف هنا «إسحاق» بأنّه غلام عليم، ولكنّه وصف إسماعيل بأنّه غلام حليم، قال سبحانه: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ...)(1).
29. (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَ قَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ):
كانت (سارة) امرأة إبراهيم (عليه السلام)تسمع ما يجري من حديث بين زوجها والملائكة، فلمّا سمعت البشارة أتتْ نحوهم، كما قال: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة)أي في صَيحة (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) أي جمعت أصابعها فضربت وجهها تعجُّباً، (وَقَالَتْ): أنا (عَجُوزٌ عَقِيمٌ)أي كيف تبشرونني بأنّي سوف أكون ذات ولد مع أنّي عجوز أوّلاً، عاقر ثانياً، ومع هاتين العلّتين كيف أكون ذات ولد؟! وهذا يدل على أنّ (سارة) كانت عاقراً أيام شبابها، وصارت عجوزاً حين البشارة.
ويظهر من آية أُخرى أنّ ثَمّةَ وجهاً ثالثاً لتعجّبها وهو هَرَمُ بعلها (أي زوجها)، كما حكى سبحانه: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هَذَا بَعْلِي شَيْخًا

1 . الصافات: 101 ـ 102 .

صفحه 37
إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ)(1) .
ولكن أُجيبت بقوله سبحانه:
30. (قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ):
أي قالت الملائكة: نحن لا نبشرك من تلقاء أنفسنا بل (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ)أي مثل ما بشّرناكِ به، حكم وقضى ربُّك بذلك، وإنّكِ ستلدين غلاماً، وعلى هذا فمقول قوله: (قَالُوا)قوله (كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ).
وأضافت الملائكة (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)أي الحكيم في صنعه. فيضع الأشياء مواضعها، فرزقك الولد أثر حكمته، وهو العليم بخفايا الأُمور، فالأسباب والمسبِّبات كلّها بيده.
ثم إنّ هذه البشارة أصبحت سبباً لذهاب الرَّوع عن إبراهيم، ولكنّه ابتُلي برَوْع آخر كما يحكي عنه قوله سبحانه: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوط)(2).
وهذا هو الذي يحكيه سبحانه في الآية التالية:
31. (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ):
أي لمّا وقف إبراهيم (عليه السلام)على أنّهم ملائكة الله سبحانه وأنّهم لا ينزلون إلاّ باذن الله رسلاً في بعض الأُمور، سألهم عن شأنهم ونزولهم، فقال: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ)، أي لأي شيء أُرسلتم، فأجابوا:

1 . هود: 72 .
2 . هود: 74 .

صفحه 38
32. (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ) :
أي أُرسلنا إلى قوم عاصين لله كافرين بنعمه استحقّوا العذاب والهلاك، يعني قوم لوط، ثم بيّنوا كيفية تعذيبهم وإهلاكهم بقولهم:
33 و 34. (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ):
وقد فسّرت الآية في سورة هود حيث قال: (وَ أَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ مَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد)(1)، فعلى هذا فهلكوا بحجارة من طين متحجّر. وكانت مسوّمة أي معلّمة; إما معلّمة باسم كلّ مَن يهلك بها، أو معلّمة بأنّها ليست من الحجارة المتعارفة، فالله سبحانه عذّبهم بحجارة صغيرة تحقيراً لهم وإظهاراً لقدرته.
ثم إنّه سبحانه وصف قوم لوط بالمسرفين، وقد مرّ أنّ الإسراف هو تجاوز الحدّ، وقد تجاوزوا الحدود في إعمال القوة الجنسية.
إلى هنا تمّ الحوار بين إبراهيم (عليه السلام)والملائكة، إلاّ أنّ البيان القرآني عاد إلى بيان بقية القصة، وبيّن أنّ العذاب الإلهي كان مختصّاً بالمجرمين من قوم لوط، وقال:
35. (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):
نسب الإخراج إلى الله سبحانه تسبيباً، لأنّه أمر نبيّه لوطاً، بإخراجهم،

1 . هود: 82 ـ 83 .

صفحه 39
والضمير في قوله (فِيهَا)يرجع إلى القرية المعلومة من السياق، وقال (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)والعجب أنّه لم يوجد في تلك القرية إلاّ بيت واحد شملهم الإسلام والإيمان وهو بيت لوط (عليه السلام)كما قال:
36. (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ) :
أي فما وجد فيها غير بيت واحد ممّن آمن بلوط، وهو بيته (عليه السلام)لا غير، بشهادة قوله سبحانه: (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ)(1).
فالمستفاد من قوله: (ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ) هو استئصال الجميع غير أهله.
ثم إنّ القرآن المجيد تارة يستعمل الإيمان والإسلام بمعنى واحد كما في المقام حيث قال: (مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقال: (غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .
ثم إنّ هذا النوع من الاستعمال محفوف بالقرينة وهي أنّ إنجاءهم دليل على دخول الإيمان في قلوبهم، وأنّ وصفهم بالإسلام هو بمعنى التسليم القلبي وهو مرادف للإيمان.
وأُخرى يستعمله في التسليم اللساني دون القلبي، فيكون الإسلام والإيمان أمرين متقابلين في مورد الأعراب وهم الذين أسلموا باللسان
دون القلب، فصاروا مسلمين دون أن يكونوا مؤمنين فخاطبهم الله
سبحانه بقوله: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ

1 . الصافات: 133 ـ 136 .

صفحه 40
الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(1).
ولمّا كان في إهلاك المجرمين عبرة للآخرين فإنّه سبحانه أهلكهم وجعل عاليَ قريتهم سافلها ومع ذلك أبقى فيها آية لتكون عبرة للآخرين، كما يقول :
37 . (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ):
وأمّا ما هي الآية؟ فلربّما تفسر بصخر منضود فيها، وأُخرى بماء أسود منتن. وقد شاهدت في رحلتي إلى الأردن فوق الجبل صخرة كبيرة تشبه جسم المرأة وقد اشتهر بين الناس أنّها زوجة لوط، وكما ترك سبحانه في هذه القرية آية وعبرة لمن يخاف عذابه، فقد ترك، من قبلُ، سفينة نوح آية، كما في قوله: (وَ لَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)(2).
كما ترك أيضاً بدن فرعون، من بعدُ، وأبقاه آية وعبرة للناس، قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجّيِكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)(3).
ثم إنّ العبرة بهلاك الآخرين هي المحور الذي يدور عليه أغلب آيات هذه السورة.
سورة الذاريات: الآيات: 38 ـ 40   

1 . الحجرات: 14.
2 . القمر: 15.
3 . يونس: 92 .
Website Security Test