welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المحصول في علم الأُصول / ج1*
نویسنده :السيد محمود الجلالي المازندراني*

المحصول في علم الأُصول / ج1

المحصول
في
علم الأُصول

يبحث عن الادلة الاجتهادية والأُصول العملية

الجزء الأول

تقريراً لبحوث آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم
السيد محمود الجلالي المازندراني

نشر
مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل كتابه تبياناً لكلّ شيء، وجعل السنّة الشريفة مفتاحاً لفهمه ومبيّنة لمعضلاته، والصلاة والسلام على أفضل من أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، وآله الطاهرين الأطياب الذين هم عيبة علمه، ومؤل حِكَمِه، صلاة دائمة مادامت السماوات ذات أبراج والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد: فإنّ حياة كلّ علم رهن مدارسته ومذاكرته، وفي ذلك تكامل للعلم وبلوغه الذروة من الكمال.

وإنّ من منن الله سبحانه على هذه الأُمّة عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض، فلم يزل النقاش العلمي على قدم وساق، منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا مغدقاً على العلوم غنىً وثراءً.

ويعد علم الشريعة الكفيل ببيان الوظائف العملية للمكلّفين، من أشرف العلوم بعد معرفة الله سبحانه وصفاته وأفعاله، وقد استأثر هذا العلم باهتمام المسلمين، فدأبوا بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على إرساء قواعده، وتدوين أبوابه، وتخريج فروعه، وأمّا أئمّة أهل البيت، فقد اهتمّوا ببسط هذا العلم وبقر مكامنه بعملين جبّارين، هما:

1. طرح قواعد كلّية يعتمد عليها المجتهد في استنباط الأحكام الشرعية،


(4)

وقد شكلَت البُنى التحتية لعلم الأُصول، جمعها الحرّ العاملي في كتابه «الفصول المهمة في أُصول الأئمّة»، وغيره من الاعلام.(1)

2. تربية جيل كبيرمن جهابذة الفقهاء بلغوا الذروة والسنام في حقل الفقه، وقد احتفل التاريخ، وكتب التراجم بأسمائهم، كلّ ذلك يُعرب عن مدى الأهمية التي حازها ذلك العلم.

وممّا لا شكّ فيه أنّ استنباط الأحكام مبني على علوم كثيرة، منها علم الأُصول الذي يتكفّل بيان القواعد الكلية التي لا يمكن للفقيه الاستغناء عنها في استنباط الأحكام الشرعية، وقد جاءت أكثر هذه القواعد في الروايات التي أملاها الصادقان عليمها السَّلام على أصحابهما.

وبذلك يعلم أنّ علم الأُصول لم يكن أمراً مغفولاً عنه عند الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ وأصحابهم، فهذا يونس بن عبد الرحمان (ت/208هـ) من أصحاب الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، ألّف كتاب «اختلاف الحديث ومسائله»، كما ألّف إسماعيل بن علي النوبختي (237ـ 311هـ) كتاب «الخصوص والعموم»، و«الأسماء والأحكام»، وألّف كتاب «إبطال القياس».

كما ألّف الحسن بن موسى النوبختي (الذي كان حيّاً على رأس المأة الثالثة) كتاب «خبر الواحد والعمل به» إلى غير ذلك من أصحابهم وأتباعهم، وحيث إنّ الشيعة ترى انفتاح باب الاجتهاد وعدم انغلاقه يوماً، فلم تزل دؤوبة على إرساء قواعد الفقه، وإكمال أُصوله، فتجد في كلّ عصر وقرن كتباً قيمة أُلّفت في هذا المضمار. فلم يزل ركب علم الأُصول في تقدّم مستمر عبْر القرون خلّفت فيها الشيعة تراثاً أُصولياً ضخماً يعد من الكنوز والنفائس وقد بلغ الذروة خلال القرنين


(1) كما ألّف العلاّمة السيد شبر كتابه «الأُصول الأصيلة» والسيد هاشم الخزنساري كتابه «أُصول آل الرسول» وكلاهما في ذلك المضمار.


(5)

الثالث عشر والرابع عشر على أيدي فطاحل العلم وجهابذته أمثال المحقّق البهبهاني والشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني والمحقّق النائيني والمحقّق العراقي (قدّس الله أسرارهم).

ونحن بدورنا ـ بفضله تبارك وتعالى ـ قمنا بإلقاء محاضرات عديدة في علم أُصول الفقه ضمن دورات.

ومن توفّق لكتابة ما أمليناه وتسجيل ما ألقيناه من المباحث هو السيد الجليل المحقّق السيد محمود الجلالي المازندراني (دامت إفاضاته) فقد دوّن في هذين الجزءين ما ألقيناه من المحاضرات حول مباحث الألفاظ كما دوّن في الجزءين المتقدّمين ما يرجع إلى الأُصول العقلية وبذلك قدّم إلى المكتبة الإسلامية خدمة جليلة مشكورة، وقد آلى على نفسه تحرّي الدقة في ضبط المطالب، فشكر الله مساعيه الجميلة، وأرجو منه سبحانه أن يوّفقه لنشر ما انتجه في مجال الفقه ، فيكون أُسوة حسنة للعلم و روّاده، وأن ينتفع بكتابه المعنيّون بهذا الشأن انّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

للبحوث والدراسات الإسلامية

جعفر السبحاني

في 22 رجب المرجب عام 1418هـ

قم المقدسة


(6)

بسم الله الرحمن الرحيم


(7)

مقدمات الأُصول

المقدمة الأُولى: موضوع علم الأُصول ومسائله وغاياته

المقدمة الثانية: الوضع

المقدمة الثالثة: هل الاستعملات المجازية بالوضع أو بالطبع؟

المقدمة الرابعة: استعمال اللفظ في اللفظ

المقدمة الخامسة: هل الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث هّي هّي، أو من حيث كونها مرادة للافظ؟

المقدمة السادسة: وضع الامركّبات

المقدمة السابعة: علائم الوضع

المقدمة الثامنة: أحوال الألفاظ

المقدمة التاسعة: الحقيقة الشرعية

المقدمة العاشرة: الصحيح والأعلم

المقدمة الحادية عشرة: الاشتراك

المقدمة الثانية عشرة: جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى المقدمة الثالثة عشرد المشتق


(8)


(9)

المقدمة الأُولى:

في موضوع العلم و مسائله و غاياته

عرّف المنطقيّون موضوع كلّ علم بـ«ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي بلا واسطة في العروض».(1)

نقول: استيفاءالكلام في هذا الأمر، يستدعي البحث في جهات عشر:

الجهة الأُولى : في تفسير العرض

للعرض اصطلاحان: فلسفي و منطقي و نكتفي في المقام بالتنبيه على تغاير الاصطلاحين، فنقول:

العرض في الفلسفة هو ما يقابل الجوهر فإنّ الفلاسفة المشائيين قسّموا المقولات (الماهيّات) إلى عشرة ، جوهر وأعراض تسعة.

فالجوهر هو الماهية التي إذا وجدت، وجدت لا في موضوع، كالإنسان.

والعرض هوالماهية التي إذا وجدت، وجدت في موضوع، كالسواد


(1) ظاهر التعريف يدلّ على أنّ لكلّ علم موضوعاً أوّلاً، و أنّه يبحث في كلّ علم عن عوارض الموضوع الذاتية ثانياًفحاول تعريف العرض الذاتي، فكان الأحرى، البحث عن الأوّلين قبل الثالث، ولكن لمّا كان الأوّلان من نتائج البحث عن الثالث كما ستعرف، قدّم على الأوّلين كما لا يخفى.( منه دام ظلّه).


(10)

والبياض. و هو على قسمين:

نسبي: وهو ما كانت النسبة مأخوذة في مفهومه، كالأعراض السبعة، أعني: الإضافة، والوضع، و الأين، و الملك، ومتى، و الفعل، و الانفعال.

وغير نسبيّ: وهو الكم و الكيف.

والعرض في المنطق هو الخارج عن ذات الشيء، المحمول والمقول عليه لاتّحاده معه في الخارج وعلى هذا، العرض المنطقي أوسع من الفلسفيّ. فالناطق مثلاً، عرض عند المناطقة، لأنّه خارج عن ماهية الحيوان محمول عليها، بينما هو جوهر عند الحكماء.

كما يتّضح أنّ العرض في المنطق نسبي و في الفلسفة مطلق. و المراد من« المطلق» أن يكون عرضاً دائماً و في كلّ الاعتبارات والمراد من «النسبي» أن يكون عرضاً بالنسبة إلى شيء وغيره عرض بالنسبة إلى آخر.

فالناطق (في باب المنطق) عرض بالنسبة إلى الحيوان، و ذاتي بالنسبة إلى الإنسان، لأنّه ليس خارجاًعن ذاته، بل الإنسان متقوّم به.

وعلى أيّ تقدير، فالمراد من العرض هنا هو العرض في مصطلح المنطقيين لا في مصطلح الفلاسفة.

***

الجهة الثانية: في تفسير الذاتي في باب الإيساغوجي

للذاتي معنيان:

1ـ ذاتي باب الإيساغوجى(الكلّيات الخمس).

2ـ ذاتي باب البرهان، المذكور في الصناعات الخمس.

والذاتي في باب الكلّيات الخمس، هو ما كان جنساً للشيء أو نوعاً. أو


(11)

فصلاً، فيكون من مقوّمات ذات الموضوع و ماهيّته. و يقابله العرضي من هذا الباب، و هو على قسمين: عام و خاصّ، فتصير الكلّيات خمسة.وأمّا الذاتي في باب البرهان فيوافيك بيانه في الجهة الثالثة.

***

الجهة الثالثة: في تفسير العرض الذاتي في باب البرهان

عرّف العرض الذاتي في هذا الباب، بالخارج المحمول الذي يلحق الشيء لذاته أو لأمر يساويه، فأخرجوا به ما يلحق الشيء بواسطة أخصّ أو أعمّ أو مباينه.

وقد أوجد هذا التعريف إشكالاً عند البعض منشؤه ما لاحظوه من أنّه ما من علم إلاّ و يبحث فيه عن الأحوال المختصّة ببعض أنواع موضوعه، وذلك كالعلم الإلهي بالمعنى الأعمّ، فانّ الموضوع فيه هو الموجود بما هو موجود و يبحث فيه من أحوال الواجب و الممكن و الممتنع، فالأحوال العارضة لهذه الأُمور الثلاثة، عارضة لموضوع العلم، ولكن بواسطة أخصّ و هي الواجب والممكن والممتنع، و معه كيف عرّف العرض الذاتي بأنّه ما يعرض الشيء بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو؟

ونظير ذلك العلوم الاعتبارية، فانّ الرفع يعرض الكلمة، بواسطة أمر أخصّ منها كالفاعل والمبتدأ، والنصب يعرضها بواسطة أمر أخصّ أيضاً، كالمفعول والحال، و مثله الجرّ.

هذا، وقد نقل صدر المتألهين في أسفاره (1) عدّة أجوبة من القوم في التخلّص عن الإشكال، من أرادها فليرجع إليه. غير أنّ المحقّق الخراساني ـ تبعاً للمحقّق السبزواري في تعاليقه على الأسفار ـ أجاب عن الإشكال بما حاصله:


(1) صدرالمتألّهين: الأسفار الأربعة: 1/32ـ33.


(12)

جواب المحقّق الخراساني عن الإشكال

إنّ الحقّ في معنى العرض الذاتي هو ما يكون العرض من قبيل الوصف بحال الشيء، لا الوصف بحال متعلّق الشيء. و بعبارة أُخرى: العرض الذاتي ما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض.

وعلى ذلك فعوارض الفصل ـ كالناطق ـ تعدّعوارض ذاتية للجنس إذا أُخذ لا بشرط. فالتعجّب في قولنا: «الحيوان متعجّب» عرض ذاتي له و إن كان عروض التعجّب له بواسطة الناطق، لاتّحاد الحيوان المأخوذ جنساً مع الناطق المأخوذ فصلاً فتصحّ نسبة التعجّب إلى الحيوان المتّحد مع معروض التعجّب أعني الناطق.

وهذا بخلاف عوارض الجسم الواقع في التغيّر، فلا تصحّ نسبتها حقيقة إلى الموجود من حيث هو موجود، فلا تعدّ عوارض الجسم ـ الذي هو موضوع للعلم الطبيعي ـ من عوارض الموجود من حيث هو موجود الذي هو موضوع العلم الإلهي بالمعنى الأعمّ، للتغاير الموجود بين الموضوعين، فانّ موضوع العلم الإلهي مطلق عن قيود التغيّر والحركة و المادّية، وموضوع العلم الطبيعي، مقيّد بهذه القيود، فلا يتّصف الموجود بما هو موجود بعوارض الجسم الطبيعي كالتحيّز والانقسام و غيرهما إلاّ عرضاً و مجازاً(1) و لأجل ذلك فسّر المحقّق الخراساني العرض الذاتي بقوله:«أي بلا واسطة في العروض» فقط، فاكتفى في صدق العرض بكون الصدق، صدقاً حقيقياً، لا مجازاً ولا كذباً.

توضيح هذا الجواب

إنّ الواسطة تطلق و تراد منها تارة: الواسطة في الثبوت، وهي ما يكون علّة


(1) لاحظ تعاليق المحقّق السبزواري على الأسفار: 1/32 وقد نقلناه كلامه بمضمونه لا بنصّه طلباً للتوضيح.


(13)

لعروض المحمول على الموضوع كالنّار الموجودة تحت القدر، الموجبة لعروض الحرارة على الماء حيث نقول: «الماء حار».

و أُخرى: الواسطة في الإثبات، أي ما هو السبب لحصول اليقين بثبوت المحمول للموضوع كالتغيّر الموجب لحصول العلم بالنتيجة أعني: «فالعالم حادث» بعد قولنا: «العالم متغيّر» و «كلّ متغيّر حادث». ولذا يسمّى الحدّ الأوسط، واسطة في الإثبات.

وثالثة: ما هو الواسطة في العروض أي المصحّح للنسبة بحيث لولاها لعدّت النسبة كاذبة، كما في قولنا: «جرى الميزاب» فانّ الجاري في الحقيقة هو الماء، لكن علاقة المجاورة أو الحاليّة و المحلّية، تصحح نسبة الجريان إلى الميزاب، ادّعاءً و مجازاً. و على هذا فقولنا: الماء جار، من قبيل كون الوصف بحال الموصوف، وقولنا:الميزاب جار، من قبيل الوصف بحال المتعلّق.

وعلى مسلك المحقّق الخراسانى، لا يشترط في مسائل العلم أزيد من كون اتّصاف موضوع العلم بمحموله اتّصافاً حقيقياً لا ادّعائياً، من غير فرق بين أن يعرض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو أو أعمّ أو أخصّ أو مباين، وأمثلة الكلّ واضحة، فخرج مثل عروض الحركة للجالس بواسطة السفينة كما هوالمعروف.

نعم الحقّ كون السفينة بالنسبة إلى عروض الحركة على جالسها، من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض(1) وعليه فالمهمّ كون الاتّصاف حقيقياً لا اتّحاد الواسطة مع ذي الواسطة، فيدخل في العرض الذاتي المثالان: الماء حارّ و الجالس متحرّك، فانّ الماء و إن كان غير النّار، والجالس غير السفينة، وجوداً، لكن الماء حار حقيقة والجالس متحرّك واقعاً.


(1) لأنّ حركة السفينة سبب لانتقال الحركة إلى الجالس فيها، فهو متحرّك حقيقة. ألا ترى أنّه كان في مكان ثمّ صار بعد زمن في مكان آخر. والمثال الواضح للواسطة في العروض ما مرّمن كون الميزاب جارياً.


(14)

و يقابل العرض الذاتي، العرض الغريب الذي تتّصف به الواسطة حقيقة، ولا يتّصف به ذو الواسطة إلاّ مجازاً وادّعاءً كما في قولنا: الميزاب جار.

والداعي إلى هذا التفسير، هو أنّ الملاك في كون القضية من مسائل العلوم، تأثيرها في الغرض الذي لأجله دُوّن العلم. فإذا كان الملاك هو هذا، فلا وجه لتخصيصه بما نُقل عن القدماء، بل يعمّ كلّ الأقسام إذا كان حائزاً على الشرط الماضي.

الظاهر انّ الداعي الواقعي إلى هذا التفسير إدخال بعض المسائل في مسائل العلم، مع انّها على التفسير المعروف (مساواة المحمول لموضوع العلم) خارجة عنها فلأجل هذا الغرض عُدِلَ عن التعريف المذكور إلى ما عرفته من صاحب الكفاية.

والظاهر انّ كلا التعريفين صحيحان لكن كلّ في موضعه، ففي العلوم الاعتبارية التي ليست لها واقعية وراء عالم الاعتبار يكفي في عدّ شيء من مسائل العلوم كون المحمول، منسوباً إلى موضوع العلم نسبة حقيقية، لا مجازيّة ـ كما يشير إليه قوله: أي بلا واسطة في العروض ـ سواء كان مساوياً أو أعمّ أو أخص و أمّا العلوم الحقيقية التي لها وراء الذهن واقعية فلا يحصل اليقين إلاّ باجتماع شروط أربعة، رابعها كون المحمول عرضاً ذاتياً ولا يكون ذاتياً إلاّ إذا كان مساوياً له. و إليك البيان .

ما هو الحقّ في تفسير العرض الذاتي؟

إنّ ما ذهب إليه المحقّق الخراساني ـ تبعاً للمحقّق السبزواري ـ مبنيٌ على أنّ الاقتصار في العلوم على الأعراض الذاتية بالمعنى المعروف عند المنطقيين، مجرد اصطلاح و مواضعة، مع أنّ الأمر ليس كذلك و إنّما هو مقتضى البرهان في العلوم البرهانية.


(15)

بيان ذلك: إنّ المنطقيين اشترطوا في كلّ علم أن تكون قضاياه يقينيّة، و المراد من اليقين هو العلم بثبوت النسبة و امتناع خلافها، وهو لا يحصل إلاّ باجتماع شروط أربعة ذكرها الشيخ الرئيس في كتاب البرهان من الشفاء ، وهي:

الأوّل: يجب أن تكون النسبة ضرورية الصدق بما لها من الجهة و إن كانت ممكنة. بمعنى انّه إذا صدق أحد النقيضين كالإيجاب، يكون النقيض الآخر أي السلب ممتنعاً فقولنا: «الإنسان كاتبٌ بالإمكان، ضروريّ الصدق، أي ممتنع خلافها، بمعنى أنّ قولنا:«ليس الإنسان كاتباً بالإمكان»، محكوم بالامتناع.

الثاني: أن تكون دائمة الصدق بحسب الأزمان فقولنا:«الإنسان كاتبٌ بالإمكان» قضية صادقة في عامّة الأزمان.

الثالث: أن تكون كليّة الصدق بحسب الأحوال، فالإنسان في كلّ أحواله كاتب بالإمكان سواء أكان قائماً أم قاعداً.

الرابع: أن تكون ذاتية(1) أي يكون المحمول من العوارض الذاتية للموضوع، و هو كما قال الشيخ هو المحمول الذي يؤخذ الموضوع في حده، بمعنى إذا أردنا أن نعرِّف المحمول نأخذ الموضوع في التعريف و نجعله في حدّه كما إذا قلنا الإنسان متعجب، والعدد زوج أو فرد. فنقول في تعريف المتعجب هو الإنسان الذي تعرضه الدهشة و الاستغراب و في تعريف الزوج هو العدد المنقسم إلى متساويين.

والسرّ في اشتراط الجميع واضح، فانّ اليقين لا يحصل إلاّ باجتماع هذه الشرائط، إذ المراد من اليقين هو العلم بكذا و كذا، و أنّه لا يمكن أن لا يكون كذا و كذا. ولا يحصل اليقين بواحد من طرفي القضية إلاّإذا امتنع الطرف


(1) وبعبارة أُخرى: إذا وضع الموضوع، و قطع النظر عن كلّ ما عداه من الموضوعات، كان ثبوت المحمول له في محله.


(16)

المخالف، ولا يمتنع الطرف المخالف إلاّ بهذه الشرائط.

مثلاً: إذا كانت القضية ضرورية في الصدق، تعلق بها اليقين، و إن كانت الجهة ممكنة، و صار الطرف المخالف ممتنعاً، ولو كان صدق القضية بما لها من الجهة، غير ضروريّ، للزم احتمالُ صدقِ الطرفِ المخالفِ وهو يناقض اليقين بالمقدمة.

كما أنّه لو كانت دائمة فيصدق بحسب الأزمان، تعلق بها اليقين و امتنع الطرف المقابل. ولو كانت غير دائمة في الصدق، لم يمتنع الطرف المقابل، فلا يحصل يقين.

ولو كانت كلية في الصدق بحسب الأحوال، تعلّق بها اليقين. ولو كانت صادقة في بعض الأحوال دون بعض، لم يمتنع الطرف المقابل، فلا يحصل يقين.

ولو كان محمول القضيّة ذاتياً للموضوع يوضع بوضع الموضوع و يرفع برفعه، تعلق بها اليقين و تكون المقدمة يقينية و أمّا لو رُفع مع وضع الموضوع، أو وضع مع رفعه لم يحصل يقين.

وهذا يقتضي أن يكون المحمول مساوياً للموضوع ، فلو كان أخصّ كالتعجب بالنسبة إلى الحيوان ولا يوضع بوضعه، لا يحصل يقين، ولا يمتنع خلافه. و لو كان أعمّ من الموضوع ، كالماشي بالنسبة إلى الإنسان، كان القيد (أي الناطق) لغواً لا أثر له في العروض.

و لأجل ذلك اشترطوا في المحمول أن يكون ذاتياً و مساوياً للموضوع، عارضاً عليه بلا و اسطة، أو بواسطة أمر مساو.(1)


(1) لاحظ ما علّقه العلاّمة الطباطبائي رحمه الله على الجزء الأوّل من الأسفار، بحث العرض الذاتي والغريب، ص 30ـ31.